"١/أ" بسم الله الرحمن الرحيم (١)
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
مسألة في الرد على من قال: بفناء الجنة والنار، وعلى من قال بفناء (٢) كالفارابية (٣) وذكر اختلاف الناس في دار الجزاء بالعقاب، ودار الثواب بالإنعام، وللناس في ذلك ثلاثة أقوال:
قوم قالوا بفنائهما جميعا، وقوم قالوا ببقائهما جميعا، وقوم قالوا: بفناء دار الجزاء، وبقاء دار الإفضال، والإنعام، والإكرام.
_________________
(١) "جاء بالهامش الأعلى الأيمن للصفحة الأولى من النسخة الأصل ما نصه: "فصل في فناء الجنة والنار، وقد تنازع الناس في ذلك على ثلاثة أقوال: قيل ببقائهما، وقيل بفنائها، وقيل بقاء الجنة دون النار" وبعدها بخط صغير كلمة "مكرر". وجاء بالهامش الأعلى الأيسر ما نصه: "أي حاشية" مسألة في * الرد على من قال بفناء الجنة والنار، وبقائهما، وبيان الصواب من ذلك، هذا في نسخة". * بعدها كلمة "فناء" ومضروب عليها.
(٢) بياض في الأصل.
(٣) لم أقف على فرقة بهذا الاسم، لكن لعلها نسبة إلى الفيلسوف المشهور أبي نصر الفارابي المتوفى سنة ٣٣٩هـ، فإن له فلسفة في مسائل العقيدة تتلمذ عليها خلق كثير، انظر "كتاب الفارابي" تأليف: سعيد زايد، و"دروس في تاريخ الفلسفة" تأليف الأستاذين: إبراهيم بيومي مدكور ويوسف كرم "ص٧٣"، و"تاريخ الفلسفة" للأستاذين: محمد علي مصطفى وأحمد عبده خير الدين "ص٢٠٨".
[ ٤١ ]
رد شيخ الإسلام على مذهب الجهمية
وقد تكلم الشيخ (١) ﵀ - على الجهمية (٢)، والهذيلية (٣)، الفارابية، ورجح أدلة أهل السنة، وهدم شبه أهل البدعة، وأشار إلى بعض أدلة غلبة الرضا على الغضب، فقال - ﵀:
وقد تنازع الناس في ذلك على ثلاثة أقوال (٤):
قيل: ببقائهما، وقيل: بفنائهما، وقيل: ببقاء الجنة، دون النار.
أما القول بفنائها (٥): فما رأينا أحدا حكاه عن أحد من السلف، من الصحابة، والتابعين لهم بإحسان، وإنما حكوه عن الجهم بن صفوان، وأتباعه الجهمية.
وهذا مما أنكر عليه أئمة الإسلام، بل ذلك مما أكفروهم به، كما ذكره
_________________
(١) مراده: شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد جاء مصرحا به في نسخة "س" كما سيأتي "ص٥٢" هامش ٦.
(٢) هم أتباع جهم بن صفوان الضال المبتدع المقتول سنة ١٢٨هـ أنكر أسماء الله وصفاته وزعم أن الإيمان هو المعرفة بالله فقط وأن الكفر هو الجهل به، وزعم أن الجنة والنار تبيدان وتفنيان، وزعم أن الإنسان مجبور إلى غير ذلك من انحرافاته وانظر "الملل والنحل" للشهرستاني ١/٨٦، و"الفرق بين الفرق" للبغدادي "ص٢١١"، و"التبصير في الدين" لأبي المظفر الأسفرايني "ص٦٣".
(٣) هم أتباع الهذيل العلاف أحد شيوخ المعتزلة، اختلف في سنة ٢٣٥هـ وله في الدين فضائح قام العلماء بنشرها تحذيرا للأمة منها - انظر الفرق بين الفرق "ص١٢١" والملل والنحل ١/٤٩، والتبصير في الدين "ص٤٢".
(٤) ذكر هذه الأقوال العلامة ابن القيم في كتابه "حادي الأرواح" الباب ٦٧ "ص٣٤٠" بتصرف يسير نقلا عن شيخه ابن تيمية.
(٥) مقابلة بالأصل عنوان جانبي نصه: "القول بفناء الجنة والنار" ولم يشر لدخوله في الصلب.
[ ٤٢ ]
شبهات جهم في القول بفناء الجنة والنار
عبد الله بن أحمد في كتاب "السنة" (١) والأثرم في: كتاب "السنة" (٢)، وأبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري في كتاب "خلق أفعال العباد" (٣)، وغيرهم عن خارجة بن مصعب، أنه قال:
كفرت الجهمية بآيات من كتاب الله - ﷿ -، في غير موضع بأربع آيات من كتاب الله:
بقوله تعالى: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ﴾ (٤)، وهم يقولون: لا يدوم.
ويقول الله تعالى (٥): ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ (٦)، وهم يقولون ينفد.
وبقوله تعالى: ﴿لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ (٧)، فمن قال: إنها تنقطع، فقد كفر.
_________________
(١) "السنة" للإمام عبد الله بن أحمد بن حنبل تحقيق محمد بسيوني زغلول "ص٢٠".
(٢) السنة للأثرم لم أعثر على هذا الكتاب مطبوعا، والأثرم هو أبو بكر أحمد بن محمد بن هانئ. إمام حافظ، وعالم فاضل توفي في حدود الستين ومائتين، "طبقات الحنابلة" للقاضي أبي يعلى ١/٦٦ "وسير أعلام النبلاء" للذهبي ١٢/٦٢٣.
(٣) "خلق أفعال العباد" للإمام أمير المؤمنين في الحديث محمد بن إسماعيل البخاري تحقيق د/عبد الرحمن عميرة "ص٣٢"، أخرجه البخاري عن علي بن الحسن سمعت ابن مصعب يقول: فساقه بنحوه.
(٤) سورة الرعد، الآية: ٣٥.
(٥) بالأصل "وبقوله" وصوبت في الهامش كما أثبتها وأيضا كتب فوقها بالأصل "ويقول" مع الإشارة عليه بحرف "خ" إلى أنه جاء هكذا في نسخة أخرى.
(٦) سورة ص، الآية:٥٤.
(٧) سورة الواقعة، الآية:٣٣.
[ ٤٣ ]
مناقشة شيخ الإسلام لجهم ومن وافقه
وبقوله (١) تعالى: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ (٢) . أي: غير مقطوع. فمن قال: إنه (٣) ينقطع، فقد كفر (٤) .
"وهذا قاله جهم، لأصله الذي اعتقده، وهو: امتناع وجود ما يتناهى من الحوادث كما بسط الكلام عليها في غير هذا الموضع (٥) - وهو عمدة أهل الكلام الذين (٦) استدلوا على حدوث الأجسام وحدوث ما لم يخل من الحوادث بها (٧)، وجعلوا ذلك عمدتهم في حدوث العالم، فرأى الجهم: أن ما يمنع من وجود ما لا يتناهى بمنعه (٨) في (٩) المستقبل، كما يمنعه في الماضي، فيلزم (١٠) أن يكون الفعل الدائم ممتنعا على الرب في المستقبل كما كان ممتنعا عليه في الماضي وأبو الهذيل العلاف "٢/أ" شيخ المعتزلة وافقه على هذا الأصل، لكن قال: هذا إنما يقتضي
_________________
(١) فوقه بالأصل بخط صغير "قال" ولعل ذلك من النسخة الأخرى السابق الإشارة إليها.
(٢) سورة هود، الآية: ١٠٨.
(٣) مقابل هذا بهامش الأصل ما نصه: "إنها تغني فقد كفر" مع الإشارة لكونه هكذا في نسخة أخرى، بوضع حرف "خ" فوقه.
(٤) في رواية البخاري زيادة بعد هذا قال - يعني خارجة بن مصعب - أبلغوا أنهم كفار، وأن نساءهم طوالق.
(٥) انظر "منهاج السنة النبوية" لشيخ الإسلام ابن تيمية ١/١٤٦-١٤٨، ٣١٠ تحقيق د. محمد رشاد سالم.
(٦) "حادي الأرواح "التي.
(٧) بالأصل "لها" وكتب فوقها "بها" مع وضع علامة التصحيح عليها.
(٨) في الأصل "فمنعه" ومصححه - فوقها "يمنعه" مع وضع علامة التصحيح عليها، وكذا حرف "خ" للإشارة إلى أنها هكذا في نسخة أخرى.
(٩) بعده في الأصل "الماضي" ومضروب عليها.
(١٠) مقابلة بالهامش"فلزم" وعليها علامة "صح" وحرف "خ" إشارة إلى كونها هكذا في نسخة أخرى.
[ ٤٤ ]
فناء الحركات، فقال: إنه تفنى حركات أهل الجنة، والنار حتى يبقوا في سكون دائم لا يقدر أحد منهم على حركة" (١) .
وزعم طائفة ممن وافقهم على امتناع حوادث لا نهاية لها، كأبي الحسن بن الزاغواني (٢)، أن هذا القول هو المقتضى القياس العقلي، لكن السمع لما جاء ببقاء الجنة، والنار، قلنا به (٣)، ولم يعلم أن ما كان ممتنعا في العقل لا يجيء السمع بوقوعه، فإن السمع لا يخبر بوجود ما كان ممتنعا في العقل (٤) .
والأكثرون الذين وافقوا جهما، وأبا الهذيل على أصلها، فرقوا بين الماضي، والمستقبل من جهة العقل، بأن الماضي قد دخل في الوجود بخلاف المستقبل، والممتنع إنما هو أن يدخل في الوجود ما لا يتناهى.
وقد بسط الكلام على هذه الأقوال في غير هذا الموضع (٥)، وبُيِّنَ غلط أصحابها، وأن الماضي إذا قيل: لا يتناهى، فإنما المراد أنه لا ابتداء له، فلم ينته من طرف الابتداء، وإلا فإذا قدر ماضيا منتقضا، فقد تناهى.
_________________
(١) ما بين القوسين ذكره الإمام ابن القيم في حادي الأرواح ص ٣٤٠ وعزاه لشيخ الإسلام.
(٢) هو الإمام العلامة شيخ الحنابلة، كان من بحور العلم كثير التصانيف مع دين وتقوى وزهد وعبادة توفي سنة ٥٢٧هـ سير أعلام النبلاء ١٩/٦٠٥.
(٣) يريد بالسمع الدليل الشرعي من الكتاب والسنة.
(٤) وعليه فإنه لا يمكن أن يتعارض النقل الصحيح مع العقل الصريح وقد ألف شيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك كتابا كبيرا يقع في عشرة مجلدات بعنوان "درء تعارض العقل والنقل" أو "موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول" تحقيق د. محمد رشاد سالم، وهكذا الإمام ابن القيم أبطل شبهة من يزعم بأن هناك تعارضا بين الشرع والعقل الصريح الخالي من الشبهات وذلك من مائتين وخمسين وجها" الصواعق المرسلة ج٣، ج٤ تحقيق د. علي الدخيل الله.
(٥) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٨/١٥٣-١٥٤، ١٢/٤٥.، "درء تعارض العقل والنقل" ٨/٣٤٥.
[ ٤٥ ]
ففرض مالا يتناهى مطلقا، وجعله قاضيا منقضيا جمع بين النقيضين (١) .
ولهذا كانت أدلتهم عليه جامعة بين النقيضين، مثل قولهم: يلزم أن يكون اليوم، وما سواه من الحوادث متوقفا على انقضاء ما نهاية له، وانقضاء ما لا نهاية له محال.
فإنه يقال لهم نعم، ما لا يتناهى لا في الابتداء، ولا في الانتهاء، فانقضاؤه محال، أما إذا قدرتموه حتى مضى، وانتهى إلى حد.
فقولهم بعد ذلك:
أن انقضاءه محال، كلام متناقض، فإنكم فرضتموه قد انقضى وانتهى من هذا الجانب، جانب النهاية، دون جانب البداية، ومثل قولهم في دليل ذلك التطبيق، إذا فرضنا الحوادث إلى حين الطوفان، والحوادث إلى حين الهجرة، ثم طبقنا بينهما: فإما أن يتماثلا، وإما أن يتفاضلا، والتماثل ممتنع، والتفاضل يقتضي وقوع التفاضل فيما لا يتناهى، وهو محال، فإنه يقال لهم:
هذه الحوادث، هي بعينها لكنها زادت بما بين الوقتين: وقت الطوفان، ووقت الهجرة، وسواء قدر أنها هي، أو أنها غيرها، فهذه أكثر من هذه، وهذا تفاضل فيما انتهى، وهو الماضي، فهو تفاضل فيما تناهى من أحد "٢/أ" طرفيه من الطرف المتناهي، فإن كان تناهى ما لا ابتداء له في المستقبل ممكنا، فالتفاضل وقع من جهة كونه متناهيا، لا من جهة كونه غير متناه - أي - لا بداية له. وإن كان تناهى ما لا ابتداء له غير ممكن، فقولكم: تناهى الحوادث إلى زمان (٢) الطوفان، أو الهجرة (٣)، باطل، وذلك أنه إذا قيل: إنه لم يزل الرب متكلما
_________________
(١) النقيضان هما اللذان لا يجتمعان ولا يرتفعان في آن واحد بل يلزم من وجود أحدهما عدم الآخر مثل: العدم والوجود، الموت والحياة "التعريفات" للجرجاني -باب الضاد- "العنوان" ص ١٧٩.
(٢) في الأصل "زمن" ومصححه فوقهما بما أثبته.
(٣) بالأصل هنا فوقه كلمة "قول" ومشار إلى أنها موجودة بنسخة أخرى.
[ ٤٦ ]
بمشيئته، وقدرته، أو لم يزل فعالا لما يشاء، نحو ذلك مما يقتضي كونه فاعلها، كان هذا النوع قديما، وما وجب قدمه، امتنع عدمه، وذلك يقتضي امتناع انقضاء فعل الرب، نقيض قول الجهم، فإن عنده يجب انقضاء فعله وانقطاعه، ويمتنع عنده دوامه أبدا كما امتنع دوامه أزلا، ويجب عنده أن يكون لم يزل غير فاعل في الماضي، ولا في الأبد إذا فنيت الجنة والنار.
وحقيقة قوله: أنه لم يزل غير قادر، ثم صار قادرا، ثم يصير غير قادر وهو يقول: ما كان له بداية، وجب أن يكون له نهاية.
فأما إذا قدر أن الرب لم يزل قادرا على الفعل، والكلام بمشيئته، وأنه لم يزل متكلما إذا شاء فعالا لما يشاء، فهنا وجب وجود ما لا ابتداء له، ولا نهاية لابتدائه، فإذا قدر انتهاء هذا النوع كان باطلا، فإذا قيل: إن الحوادث انتهت إلى الطوفان أو الهجرة.
فإن قيل: يقدر (١) الرب ما بقي بفعل شيئا، فهذا تقدير خلاف الواقع، بل هو ممتنع. وإن قيل: يقدر (٢) فضلا في الذهن بين ما مضى وبين ما يستقبل، فهذا التقدير الذهني لا يغير الحقائق، بل الفعل الدائم في نفسه، ثم إذا قدر هذا في الذهن، فقد قدرت الحوادث الماضية انتهت إلى هذا الحد.
وإذا انتهت قبلت الزيادة والنقصان، فإن ما ينتهي من الحوادث يقبل الزيادة والنقصان، وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع (٣)، ولكن نبهنا هنا على أصل قول الجهم الذي أوجب له أن يقول بفناء الجنة والنار، حتى أنكر ذلك
_________________
(١) رسمت الكلمة بالهامش هكذا "نقدر" صح ومعنى ذلك أنها تصبح بالياء أو بالنون في أولها.
(٢) رسمت بالأصل هكذا "نقدر" إشارة إلى صحة الوجهين فيها.
(٣) انظر أدلة القائلين بامتناع ما نهاية له من الحوادث، وجواب الشيخ على هذه الأدلة في منهاج السنة النبوية ١/٤٣٢-٤٣٦.
[ ٤٧ ]
عليه أئمة الإسلام، وجمهورهم كفروه. والذين وافقوه على الأصل خالفوه في لوازمه فتناقضوا (١) .
وفرق من فرق بين الماضي والمستقبل، بأن الماضي دخل في الوجود بخلاف المستقبل، فرق ضعيف "٣أ" لوجوه:
أحدها: إن الماضي قد جعله متناهيا، فلم يقع التفاضل إلا فيما تناهى دون ما لا تناهى كما تقدم، وحينئذ فما دخل في الوجوه إلا ما يتناهى من هذا الجانب، فهو تقدير يتناهى فما قدر متناهيا، ثم هذا إذا قدر أن تنهايه ممكن، فكيف إذا كان ممتنعا؟.
الثاني: أن الدليل شامل للنوعين، فإنه يمكن أن يقال: الحوادث من الهجرة، ومن الطوفان إلى ما لا يتناهى، هل هما متفاضلان؟ أم متماثلان. فإن تماثلا فهو محال، لأن أحدهما أزيد من الآخر، وإن تفاضلا فهو محال، لأن التفاضل في ما لا يتناهى محال.
فإن (٢) قيل: هذا تقدير التفاضل، والتماثل في ما لم يكن بعد.
قيل: نعم، لكنه تقدير التفاضل والتماثل، بتقدير وجوده لا في حال كونه معدوما، كما أن الماضي قدرتهم فيه التماثل، والتفاضل بعد عدمه بعد عدمه لا في حال وجوده، لكن قدرتهم تلك الحوادث الماضية التي عدمت كأنها موجودة.
ففي كلا الموضعين إنما هو تقدير التفاضل، والتماثل فيما هو معدوم.
فإن صح في أحد الموضعين صح في الآخر، وإن امتنع في أحدهما امتنع في الآخر.
_________________
(١) تحته بالأصل "تناقضوا" مع الإشارة إلى مجيئه هكذا بنسخة أخرى وأنه صحيح أيضا.
(٢) فوقه بالأصل "وإذا".
[ ٤٨ ]
الوجه الثالث: أن يقال: كون الشيء ماضيا، ومستقبلا أمرا إضافي بالنسبة إلى المتكلم المخبر، فيما مضى قبل كلامه، كان ماضيا، وما يكون بعده يكون مستقبلا، وبنسبة أحدهما إلى الآخر، فالماضي ماض على ما يستقبل، والمستقبل مستقبل لما قد مضى، وما من ماض إلا وقد كان مستقبلا، وما من مستقبل إلا وسيصير ماضيا، فليس ذلك فرقا يعود إلى صفات النوعين، حتى يقال: إن أحدهما ممكن، والآخر ممتنع، بل هذا الماضي كان مستقبلا، وهذا المستقبل يصير ماضيا، فتتصف كل الحوادث بالمضي والاستقبال، فلم يكن في ذلك ما هو لازم للنوعين يوجب الفرق بينهما.
وبسط الكلام على ذلك له موضع آخر (١) .
"والمقصود هنا: أن هذا القول "هو القول بفناء الجنة، والنار قول لم يعرف عن أحد من السلف: من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا عن أحد من أئمة المسلمين، والذين قالوه لم يقولوه تلقيا له من خطاب الرسول ﷺ. وإعلامه وبيانه، ولا من قياس معقول دل عليه الرسول، وإنما قالوه عن قياس قاسوه بعقولهم، وهو خطأ في نفس الأمر" (٢)، وإن كان قد اشتبه على كثير من أهل الكلام فاعتقدوه حقا، حتى بنوا عليه وجوب حدوث ما لم يخل من الحوادث، بل وجوب حدوث ما تقوم به الحوادث "١٣/ب".
ومن هذا قالوا: إن القرآن مخلوق هو، وغيره من كلام الله، وإن الله يمتنع أن يكون لم يزل متكلما إذا شاء، وعليه - أيضا - بنوا نفي الصفات، لأنها أعراض
_________________
(١) انظر: الصفدية لشيخ الإسلام ابن تيمية ٢/٣٠-٣٢.
(٢) ما بين القوسين ذكره ابن القيم في "حادي الأرواح" الباب: ٦٧ ص٣٤٣ بتصرف.
[ ٤٩ ]
لا تقوم بإلا بجسم (١)، ثم منهم من قال: إنه صار يتكلم بمشيئته، بعد أن لم يكن يتكلم بمشيئته، وهؤلاء منهم من قال: الكلام لا يقوم به، فيكون مخلوقا بائنا عنه، ومنهم من قال: بل يقوم بذاته، فيكون جنس كلامه حادثا، والذين وافقوا السلف على أنه لم يزل متكلما وافقوا الجهم على أصله، قالوا: إن كلامه قديم العين، وهو لا يتكلم بمشيئته وقدرته، بل هو لازم لذاته كالحياة، ثم من هؤلاء من قال: إنه معنى واحد، هو الأمر بكل مأمور، والنهي عن كل منهي، وهو معنى التوراة. والإنجيل، والزبور وكل كلام يكلم به عبادة المؤمنين، ملائكته وغيرهم.
ومنهم من قال: بل هو حروف، أو حروف وأصوات أزلية، لم تزل ولا تزال لازمة لذاته، لا تتعلق بمشيئته وقدرته فهذه الطوائف الأربعة قد دخل في كل طائفة كثير من أهل النظر المعدودين من أكابر النظار، وأهل العلم، الناصرين للإسلام، أو للإسلام، والسنة وأصل أمرهم موافقتهم لجهم على قوله بامتناع دوام الحوادث، وأن الله يمتنع أن يكون لم يزل متكلما إذا شاء، فعالا لما يشاء، فوافقوه على أن كلام الرب (٢) وفعله يمتنع أن يكون دائما بقدرته، ومشيئته، وعلى أن يمتنع أن يكون كلمات الله لا نهاية لها، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ إلى قوله: ﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ (٣) .
_________________
(١) هذه هي الطريقة التي سلكها المبتدعة في تنزيه الرب، وهي لا تصح شرعا ولا عقلا، وقد ناقش شيخ الإسلام هذا المسلك، وبين بطلانه - انظر: كتاب "الصفدية" ٢/٣٣-٥٣، وكلامه هنا واضح في الحكم بتخطيئته ورده.
(٢) فوقه بالأصل "الله" مشارا إلى كونه هكذا في نسخة أخرى.
(٣) سورة الكهف، الآية: ١٠٩.
[ ٥٠ ]
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١) .
روى ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢) عن سليمان بن عامر، قال: سمعت البيع بن أنس يقول: "إن مثل علم العباد كلهم في علم الله ربهم، كقطرة من هذه البحور كلها، وقد أنزل في ذلك: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٣) .
وقوله: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ (٤) .
ذلك الذي عني في هذا الحديث، يقول: لو كان البحر مدادًا لكلمات ربي، والشجر كلها أقلام، لانكسرت الأقلام، وفني ماء البحر، وبقيت كلمات الله قائمة دائمة (٥) لا يفنيها شيء، لأن أحدا لا يستطيع أن يقدر قدره، ولا يثني عليه كما ينبغي، حتى يكون هو (٦) الذي يثني على نفسه، إن ربنا كما نقول، وفوق ما نقول، ثم إن مثل نعيم الدنيا أوله وآخره في نعيم الآخرة، كحبة من خردل في خلال الأرض كلها" "٤/أ".
_________________
(١) سورة لقمان الآية:٢٧.
(٢) لم يتيسر لي تفسير ابن أبي حاتم. وهذا النص أورده الحافظ ابن كثير في تفسيره: ٣/١٠٨و٤٥١وبدون سوق سنده إلى ربيع فقال وقال الربيع إلخ.
(٣) سورة لقمان، الآية:٢٧.
(٤) سورة الكهف، الآية:١٠٩.
(٥) مقابلة بالأصل "قائمة" ومشار لكونها هكذا في نسخة أخرى.
(٦) مقابل هذا بهامش الأصل كلمة "بلغ" إشارة مقابلة النسخة بأصلها إلى هنا.
[ ٥١ ]
قلت (١): ومثل هذا الكلام يقصد به التعبير عن عدم النهاية والنفاد والانقضاء.
والمراد: أن كلمات الله لا انتهاء لها، فلا تنفد، ولا تنقضي، وقد ذكر الربيع مع ذلك نعيم الجنة، فإن الله تعالى - قال: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ (٢) .
فاخبر أنه: لا ينفد، فلا يكون له انقضاء، ولا فراغ وآخر ينتهي عنده (٣) .
وهذه الأقوال، والكلام عليها مبسوطة في غير هذا الموضع (٤)، والمقصود هنا في (٥) فناء الجنة والنار، فقد تبين أن القول بفناء الجنة لم يعرف عن أحد من السلف، ولا الأئمة، وإنما هو قول جهم، ونحوه، وقد عرف فساده عقلا، ونقلا.
وأما القول (٦) بفناء النار: ففيها قولان معروفان عن السلف والخلف والنزاع في ذلك معروف عن التابعين، ومن بعدهم.
_________________
(١) بالأصل "قال" وأشير فوقها إلى أنها هكذا في نسخة أخرى، ثم كتب بالهامش "قلت" مع التخريج لدخولها في الصلب، فأثبتها.
(٢) سورة ص، الآية: ٥٤.
(٣) بالأصل "ينتهي عنه" ومضروب عليها ومصححة بالهامش كما أثبتها.
(٤) بسط الشيخ - ﵀ - هذه الأقوال في "منهاج السنة" ٢/٣٥٨-٣٦٠، والعقل والنقل" ٢/٢٥٥-٣٠٤-٣٠٨، "الصفدية" ٢/٥٤.
(٥) كتب بالأصل بعد لفظة "في" كلمة "بقاء" وأشير فوقها إلى أنها هكذا في نسخة أخرى، ولكن بقية الكلام في الأصل متسق مع لفظ "فناء" فأثبته.
(٦) مقابلة بهامش الأصل عنوان هكذا "القول بفناء النار" ولم يشر لدخوله في الصلب، وجاء في نسخة "س" وهو بدايتها ما نصه "قال الشيخ الإسلام أبو العباس أحمد ابن تيمية - رحمه الله تعالى - في رسالة في الرد على من قال بفناء الجنة والنار ما نصه: وأما القول بفناء النار الخ". وأورد هذا النص ابن القيم في "حادي الأرواح" ص ٣٤٤. وعزاه لشيخ الإسلام، انظر مقدمة كتاب: "رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار" للشيخ الألباني ص٥٣-٥٥.
[ ٥٢ ]
وهذا (١) أحد المأخذين في دوام عذاب من يدخلها، فإن الذين يقولون: إن عذابهم له حد ينتهي إليه ليس بدائم، كدوام نعيم الجنة قد يقولون: إنها قد تفنى، وقد يقولون: إنهم يخرجون منها، فلا يبقى فيها أحد، لكن قد يقال: إنهم لم يريدوا بذلك أنهم يخرجون مع (٢) بقاء العذاب فيها على غير أحد، بل يفنى عذابها، وهذا هو معنى فنائها.
"وقد نقل هذا القول عن عمر، ابن مسعود، وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري وغيرهم".
وقد روى عبد بن حميد - وهو من أجل علماء الحديث - في تفسيره المشهور، قال: أنا سليمان بن حرب، أنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن الحسن البصري، قال: قال عمر: "لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج (٣)، لكان لهم على ذلك يوم يخرجون فيه".
وقال: أنبأ حجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن، أن عمر بن الخطاب قال: "لو لبث أهل النار في النار عدد رمل عالج، لكان لهم يوم يخرجون فيه" (٤) .
_________________
(١) أي القول.
(٢) لفظ "مع" مكرر مرتين في الأصل.
(٣) مكان يقع "بين فيد والقريات" ينزلها بنو بحتر من طيء، وهي على طريق مكة، "معجم البلدان" لياقوت الحموي ٤/٧٠.
(٤) جاء بهامش الأصل مقابل هذا ما نصه "رواة هذا الأثر ثقات، والحسن سمعه من بعض التابعين، والله أعلم "وستأتي إشارة المؤلف بعد قليل إلى كون الحسن سمعه من التابعين، ولهذا ضعف الشيخ الصنعاني هذا الأثر من طريقيه، بانقطاع السند بين الحسن البصري وبين عمر - ﵁ - لكون الحسن لم يدركه، ثم أيد الشيخ الألباني ما قرره انظر "سلسلة الأحاديث الضعيفة الموضوعة" للشيخ الألباني ٢/٧٣ و"رفع الأستار" للصنعاني ص ٦٥ مع تعليق الألباني عليه.
[ ٥٣ ]
ذكر ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ (١) .
وهذا يبين (٢) أن مثل الشيخ الكبير (٣) من علماء الحديث والسنة (٤) يروي عن مثل هؤلاء الأئمة في الحديث، والسنة مثل سليمان بن حرب والذي هو من أجل علماء السنة والحديث، ومثل حجاج بن منهال في كلامهما (٥) عن حماد بن سلمة مع جلالته في العلم، والسنة، والذي يروي من وجهين: من طريق سلمة مع جلالته في العلم، والسنة، والذي يروى من وجهين: من طريق ثابت (٦)، ومن طريق حميد (٧) هذا عن الحسن من بعض التابعين فسواء كان هذا قد حفظ (٨) هذا عن عمر، أو لم يحفظ (٩)، كان مثل
_________________
(١) سورة النبأ الآية ٢٣.
(٢) في الأصل "بين" ومضروب عليها، بالهامش كما أثبتها.
(٣) يعني: عبد بن حميد.
(٤) والسنة هنا ضد البدعة، فإن العالم قد يكون من أهل الحديث وهو مبتدع، ولهذا يمدح العالم إذا جمع هاتين الخصلتين: الاشتغال بحديث رسول الله، وكون مذهبه مذهب أهل الحق من غير بدعة، انظر: "فتاوى ابن الصلاح"١/٢١٣.
(٥) تحت هذه الكلمة بهامش الأصل كلمة "بلغ" إشارة إلى مقابلة النسخة بأصلها المنقولة منه.
(٦) هو ثابت البناني ثقة عابد من الرابعة مات سنة بضع وعشرين، وله ست وثمانون، تقريب التهذيب" ١/١١٥.
(٧) هو حميد بن أبي حميد الطويل ثقة مدلس من الخامسة مات سنة اثنتين أو ثلاث وأربعين وهو قائم يصلي وله خمس وسبعون "تقريب التهذيب" ١/٢٠٢.
(٨) ضبطت الكلمة بالأصل هكذا "حفظ" ولعل ذلك قبل إضافة كلمة "هذا" في مقابلة النسخة بأصلها، لأنها مضافة بعد نهاية كلمة "حفظ" ومشار لدخولها في الصلب بعلامة "صح".
(٩) ضبطت بالصلب هكذا "يحفظ" ولعل هذا قبل إضافة كلمة "هذا" في المقابلة بالأصل كما أشرت، لأن مع وجودها لا يستقيم المعنى على الضبط المذكور. وأيضا جاء بهامش الأصل مقابل "يحفظ" ما نصه: "يحفظه" مع الإشارة لوجوده هكذا بنسخة أخرى.
[ ٥٤ ]
هذا الحديث متداولًا بين هؤلاء العلماء الأئمة لا ينكرونه، وهؤلاء كانوا ينكرون على من خرج عن السنة (١) من الخوارج، والمعتزلة، والمرجئة، والجهمية.
وكان أحمد بن حنبل يقول: "أحاديث حماد بن سلمة هي الشجا (٢) في حلوق المبتدعة" (٣) .
فهؤلاء من أعظم أعلام السنة الذين ينكرون من البدع ما هو دون هذا لو كان هذا القول عندهم من البدع المخالفة للكتاب والسنة، والإجماع، كما يظنه طائفة من الناس.
وعبد بن حميد ذكر هذا في تفسير قوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ (٤) .
ليبين قول من قال: الأحقاب لها أمد ينفذ، ليست كالرزق الذي ماله من نفاذ، ولا ريب أنه من قال هذا القول، قول عمر، ومن نقله عنه، إنما أرادوا بذاك جنس أهل النار الذين هم أهلها.
فأما قوم أصيبوا بذنوب، فأولئك قد علم هؤلاء، وغيرهم، بخروجهم منه، وأنهم لا يلبثون فيها قدر رمل عالج، ولا قريبا من ذلك.
والحسن كان يروي حديث الشفاعة في أهل التوحيد، وقد ذكره
_________________
(١) ما بين القوسين أورده ابن القيم في كتابه "حادي الأرواح" ص ٣٤٦-٣٤٧، وعزاه لشيخ الإسلام.
(٢) الشجا هو "ما ينشب في الحلق من عظم وغيره" كالشوك "مختار الصحاح "ص٣٣٠"، وجاء مقابلة بهامش الأصل ما نصه معنى "الشجا" الشوك.
(٣) انظر ثناء الإمام أحمد على حماد بن سلمة في ترجمته في "سير أعلام النبلاء" للذهبي ٧/٤٥٠-٤٥٢.
(٤) سورة النبأ الآية ٢٣.
[ ٥٥ ]
البخاري (١)، ومسلم عنه (٢)، وكذلك حماد بن سلمة كان يجمعها، ويحدث بها، وكذلك سليمان بن حرب، وأمثاله، فهذا عندهم لا يقال فيه مثل هذا، ولفظ أهل النار لا يختص بالموحدين، بل يختص بمن عداهم، كما قاتل النبي صلى الله عيه وسلم: "أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها، ولا يحيون" (٣) . وقوله: يخرجون منها، أي يخرجون من جهنم بعد أن يفنى عذابها، وينفذ وينقطع.
فهم لا يخرجون منها يعني جهنم، بل هم خالدون في جهنم كما أخبر الله ﷾.
لكن إذا انقضى أجلها، وفنيت كما تفنى الدنيا، لم يبق فيها عذاب، وذلك أن العالم لا يعدم، وجهنم في الأرض، والأرض لا تعدم بالكلية ولكن فناؤها بتغير (٤) حالها، واستحالتها من حال إلى حال (٥) كما قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ (٦)، وهم لا يعدمون (٧) بل يموتون، ويهلكون، كما قال تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ (٨) .
_________________
(١) "صحيح البخاري "مع شرحه "فتح الباري" كتاب التوحيد - باب كلام الرب - ﷿ - يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم، حديث رقم "٧٥١٠"-١٣/٤٨١.
(٢) "صحيح مسلم": كتاب الإيمان ١/١٨٢ رقم الحديث "٣٢٦"، ترتيب محمد فؤاد عبد الباقي.
(٣) "صحيح مسلم" كتاب الإيمان" باب إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار" ١/١٧٢ رقم الحديث "٣٠٦" من رواية أبي سعيد الخدري.
(٤) في هامش الأصل مقابل هذا ما نصه "بتغيير" مع الإشارة إلى أنها هكذا في نسخة أخرى.
(٥) اختلف العلماء في تبديل الأرض يوم القيامة هل هو تبديل ذات أو تبديل صفة، انظر: تفسير الطبري ١٣/٢٤٩-٢٥٤، اختاره ﵀ أن هذه الأرض التي نحن عليها اليوم تبدل يوم القيامة غيرها، ولم يتعرض للتبديل هل هو تبديل صفة أو تبديل ذات لكونه لم يرد شيء من ذلك.
(٦) سورة الرحمن، الآية: ٢٦.
(٧) مقابلة بهامش الأصل ما نصه "يعذبون" مع الإشارة إلى كونه في نسخة أخرى.
(٨) سورة النحل، الآية: ٩٦.
[ ٥٦ ]
فإذا أنفذه (١) الرجل فقد نفذ ما عنده، إن كان لم يعدم، بل يعدم، بل انتقل من حال إلى حال (٢) .
وفي "تفسير علي بن أبي طلحة (٣) الوالبي" "٥/أ"، عن ابن عباس - وهو معروف مشهور، ينقل منه عامة المفسرين الذين يسندون كابن جرير الطبري، وابن أبي حاتم، وعثمان بن سعيد الدارمي، والبيهقي والذين يذكرون الإسناد مجملا، كالثعلبي، والبغوي، والذين لا يسندون كالماوردي، وابن الجوزي، قال: قوله: ﴿النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (٤) .
قال: "وفي هذه الآية إنه لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه، ولا ينزلهم جنة ولا نارا" (٥) .
قال الطبري (٦): "وروي عن ابن عباس أنه كان يتأول في هذا الاستثناء:
_________________
(١) تحته بهامش الأصل ما نصه "أنفذه" مع الإشارة لكونها هكذا في نسخة أخرى.
(٢) " قوله من حال إلى حال" هذا نهاية المقطع الأول من مخطوطته "س" وأشار إليه بقوله "انتهى" انظر صورة المخطوطة في مقدمة الشيخ الألباني لكتاب "رفع الأستار للصنعاني" "ص١١، ٥٤".
(٣) مقابلة بهامش الأصل ما نصه "طرة" "الوالبي ثقة، لكنه لم يدرك ابن عباس، إنما أخذ عن أصحابه، والله أعلم، وأرسل عنهم" اهـ. وكلمة "طرة" معناها الوريقة التي تلحق بالمخطوط، فالمعنى: أن لكلام المذكور وجد بوريقة صغيرة ملحقة بالأصل المنقول عنه تلك النسخة هـ. أقول: وتوثيق علي بن أبي طلحة صرح به العجلي، ولكن تكلم فيه محمد بن عبد الله بن نمير ولخص ابن حجر حاله بقوله: صدوق يخطئ، تهذيب التهذيب ٧/٣٣٩ والتقريب ٢/٣٩.
(٤) سورة الأنعام، الآية: ١٢٨.
(٥) سيأتي الحكم على هذا الأثر قريبا "ص ٥٨".
(٦) " تفسير الطبري - جامع البيان" ٨/٣٤.
[ ٥٧ ]
أن الله تعالى جعل أمر هؤلاء القوم في مبلغ عذابه إياهم إلى مشيئته ثنا عبد الله (١) ثنا معاوية (٢)، عن علي (٣)، عن ابن عباس، قال: ﴿النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ (٤) .
قال في هذه الآية: "إنه لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه، ولا ينزلهم جنة ولا نارا" (٥) .
وهذا الوعيد في هذه الآية ليس مختصا بأهل القبلة (٦) فإنه قال: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْأِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْأِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ، وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٧) . "فأولياؤهم (٨) من الإنس" لفظ يدخل فيه الكفار قطعا، فإنهم أحق بموالاتهم من عصاة المسلمين.
_________________
(١) عند الطبري: حدثني المثنى قال حدثنا عبد الله بن صالح.
(٢) عند الطبري: حدثنا معاوية بن صالح.
(٣) عند الطبري: عن علي بن أبي طلحة.
(٤) سورة الأنعام، الآية: ١٢٨.
(٥) قال الشيخ الألباني معلقا على هذا الأثر: "قلت هذا أثر منقطع لأن علي ابن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس، وإن كان معناه صحيحا ثم إن في الطريق إليه عبد الله بن صالح وهو ضعيف.." انظر "رفع الأستار" "ص ٧١" هامش ٢٤.
(٦) أهل القبلة عرفهم شارح الطحاوية بقوله: المارد بأهل قبلتنا: من يدعي الإسلام، ويستقبل الكعبة وإن كان من أهل المعاصي ما لم يكذب بشيء مما جاء به الرسول ﷺ "شرح الطحاوية" "ص٣٥١".
(٧) سورة الأنعام، الآيتان:١٢٨-١٢٩.
(٨) مقابلة بهامش الأصل "وأولياؤهم" مع الإشارة إلى كونه هكذا بنسخة أخرى.
[ ٥٨ ]
وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ (١) .
وقال تعالى: ﴿جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٢) .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ (٣) مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ، وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ (٤) .
وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ (٥) .
وقال تعالى: ﴿فَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ (٦) .
وقال تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ (٧) .
"١٥/ب".
فأمر بقتال أولياء الشيطان، وهم الكفار، وقال: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٨) .
_________________
(١) سورة النحل، الآيتان: ٩٩، ١٠٠.
(٢) سورة الأعراف، الآية: ٢٧.
(٣) بالأصل "طيف" وما أثبته هو الموافق لرسم المصحف.
(٤) سورة الأعراف، الآيتان: ٢٠١-٢٠٢.
(٥) سورة سبأ، الآيتان: ٤٠-٤١.
(٦) سورة الكهف، الآية: ٥٠.
(٧) سورة النساء، الآية: ٧٦.
(٨) سورة المجادلة، الآية: ١٩.
[ ٥٩ ]
وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ (١) .
فأخبر أنهم يوحون إلى أوليائهم من الإنس ليجادلوكم (٢)، فهذه وأمثالها تبين أن الكفار أولياء الشياطين، فهم أحق الناس بدخول في قوله: ﴿وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْأِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (٣) .
وقد قال ابن أبي طلحة، عن ابن عباس: "إن هذه الآية تقتضي أنه لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه، ولا ينزلهم جنة ولا نارا" (٤) .
فدل على أن هذا الاستثناء عنده دفع العذاب عنهم، وهذا مدلول الآية، وأنه لأجل هذه الآية يجب أن يتوقف، فلا يحكم على الله في خلقه ولا ينزلهم جنة ونارا، وهذا يناقض قول من يقول (٥) سوى ما شاء الله من أنواع العذاب، وإلا مدة مقامهم قبل الدخول من حين بعثوا إلى أن دخلوا، فإن ذلك معلوم أنه قبل الدخول لم يكونوا فيها، وقول من يقول في أهل الجنة فإنها صريحة في تناول الكفار.
لكن ذكر البغوي، أن ابن عباس قال: "الاستثناء يرجع إلى قوم سبق فيهم علم الله وأنهم يسلمون فيخرجون من النار" (٦) . ولم يذكر من نقل (٧) هذا عن ابن
_________________
(١) سورة الأنعام، الآية: ١٢١.
(٢) مقابلة بهامش الأصل "ليجادلوا المؤمنين "مع الإشارة إلى كونه هكذا بنسخة أخرى.
(٣) سورة الأنعام، الآية: ١٢٨.
(٤) الأثر سبق تخريجه "ص٥٨".
(٥) فوقها بالأصل "قال" مع الإشارة لكونها بنسخة أخرى.
(٦) تفسير البغوي المسمى: "معالم التنزيل" ٢/١٣١.
(٧) في الأصل "قال" ومكتوب فوقها "نقل" وعليها علامة التصحيح وعلامة كونها هكذا أيضا في نسخة أخرى.
[ ٦٠ ]
عباس، فإن أريد بذلك من أسلم في الدنيا فليس كذلك، فإن الخطاب إنما هو لمن كان من أولياء الشيطان (١) والجن الذين استمتع بعضهم ببعض وهؤلاء من جملة المسلمين، وجميع من أسلم سبق فيه علم الله، وأنه يسلم، وكأن قائل هذا القول ظن أن هذا خطاب للأحياء، وليس كذلك، بل هذا خطاب لهم يوم القيامة، وإن أراد أنهم يسلمون في جهنم فيخرجون منها، وهذا خلاف ما دل عليه القرآن في غير موضع، فعن عبد الله بن مسعود قال: "ليأتين على جهنم زمان، ليس فيها أحد، وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقابا، وهؤلاء هم الكفار، وعن أبي هريرة ومثله" (٢) قال البغوي: "ومعناه عند أهل السنة - إن ثبت - ألا يبقى فيها أحد من؟ أهل الإيمان" (٣) .
فيقال: إنهما لم يريدا ذلك، فإنهما بعد ما يلبثون فيها أحقابا وهؤلاء هم الكفار المذكورون في قوله تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا لِلطَّاغِينَ مَآبًا لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًا إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا جَزَاءً وِفَاقًا إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَابًا وَكَذَّبُوا بِآياتِنَا كِذَّابًا﴾ (٤) .
وهذا الوصف الذين كذبوا بآيات الله ﴿كِذَّابًا﴾ أي تكذيبا، فهو تكذيب مؤكد بالمصدر، ولم أجد نقلا مشهورا عن أحد من الصحابة يخالف ذلك، بل أبو سعيد وأبو هريرة هما رويا حديث ذبح الموت (٥)، وأحاديث الشفاعة، وخروج
_________________
(١) مقابلة بالهامش "الشياطين" مع الإشارة إلى كونه بنسخة أخرى.
(٢) أورده البغوي في تفسيره "معالم التنزيل" ٢/٤٠٣.
(٣) المرجع السابق نفسه.
(٤) سورة النبأ، الآيات: ٢١-٢٨.
(٥) حديث ذبح الموت رواه أبو سعيد الخدري، كما في "صحيح البخاري" مع شرجه "فتح الباري" كتاب التفسير باب ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ ٨/٢٨٢ رقم الحديث "٤٧٣٠"، رواه أبو هريرة كما في "مسند أحمد" ٢/٤٢٣.
[ ٦١ ]
أهل التوحيد (١) وغيرهما، قالا في فناء النار ما قالا، وقد نقل البغوي: روى السدي، عن مرة، عن عبد الله، قال: "لو علم أهل النار أنهم يلبثون في النار عدد حصى الدنيا لفرحوا" (٢) .
وقد استفاض عن غير واحد من السلف تقدير الحقب بحد محدود، والأحقاب، جمع حقب، فروى ابن أبي حاتم عن عطية، عن ابن عباس قال في قوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ (٣) . قال: "سنين" (٤) .
وعن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة قال: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ (٥) .
قال: الحقب: ثمانون سنة، والسنة ثلاثمائة وستون يوما، واليوم كألف سنة (٦)، اليوم منها كالدنيا كلها.
قال ابن أبي حاتم، وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وهلال الهجري والضحاك، وذكوان، والحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة، وعمرو بن ميمون أنهم قالوا: الحقب: ثمانون سنة (٧) .
وعن هشام، عن الحسن البصري أنه سئل عن قوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ فقال: الله أعلم بالأحقاب (٨) فليس فيها عدد إلا الخلود، ولكنه بلغنا أن
_________________
(١) انظر المصدر السابق ص ١٤.
(٢) موضع هذا النص الذي بين المعقوفتين بياض في الأصل، فاستدركه من المصدر الذي عزاه المؤلف إليه وهو معالم التنزيل للبغوي ٤/٤٣٨.
(٣) سورة النبأ، الآية: ٢٣.
(٤) أورده السيوطي في" الدر المنثور" ٨/٣٩٤ وعزاه لابن أبي حاتم عن ابن عباس.
(٥) سورة النبأ، الآية: ٢٣.
(٦) أخرجه الإمام الطبري في "تفسير" ٣٠/١١.
(٧) انظر "تفسير ابن كثير" ٤/٤٦٣.
(٨) مقابلة بهامش الأصل "ما الأحقاب؟ " مع الإشارة إلى كونه هكذا جاء بنسخة أخرى.
[ ٦٢ ]
الحقب الواحد: سبعون ألف سنة، كل يوم من تلك الأيام كألف سنة مما تعدون (١) .
وعن هشام، عن الحسن قال: "الأحقاب" لا يدري أحد ما هي؟ ولكن الحقب الواحد: سبعون ألف سنة، اليوم منها كألف سنة مما تعدون (٢) وقوله: الله أعلم ما الأحقاب، ولا يدري ما هي؟ يقتضي أن لها عددا الله أعلم، ولو كانت لا عدد لها لعلم كل أحد أنه لا عدد "١٦/ب" لها، ويؤيد ما نقله الحسن، عن عمر بن الخطاب كما تقدم (٣)، قول الحسن: "ليس فيها عدد إلا الخلود" حق أيضا، فإنهم خالدون فيها، لا يخرجون منها ما دامت باقية، فأقوال الحسن يصدق بعضها بعضا.
وأما خلودهم في النار فهو حق كما أخبر الله.
وعن السُّدي: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ قال: "سبعمائة حقب، كل حقب سبعون سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوما، كل يوم كألف سنة مما تعدون" (٤) .
وعن عبد الله بن عمرو قال: "الحقب: أربعون سنة" (٥) .
وقد تنازع الناس في الأحقاب، هل هي مقدرة محدودة؟ على قولين: فعلى قول السدي وغيره: هي محدودة، مقدرة، وهو قول الزجاج، وغيره، لكن قال الزجاج: "المعنى أنهم يلبثون فيها أحقابا، لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا" (٦) .
_________________
(١) "تفسير الطبري" ٣٠/ ١١-١٢، و"تفسير ابن كثير" ٤/٤٦٣
(٢) "تفسير الطبري" ٣٠/١٢
(٣) "ص٥٣".
(٤) "تفسير ابن كثير" ٤/٤٦٤.
(٥) المصدر السابق ٤/٤٦٣.
(٦) "لسان العرب" لابن منظور مادة "حقب ١/٣٢٦- عزاه للزجاج.
[ ٦٣ ]
قال الزجاج: "وبيانه: أن الأحقاب حدّ لعذابهم بالحميم والغساق، فإذا انقضت الأحقاب عذبوا بغير ذلك من العذاب" (١) .
وهذا الذي قاله الزجاج شاذ، خلاف ما عليه الأولون والآخرون، وهو خلاف ما دل عليه القرآن، فإن هذا يقتضي أنهم يبقون بعد الأحقاب فيها، ولكن لا يذوقون البرد والشارب حينئذ، وهذا باطل قطعا، ثم إذا ذاقوا البرد والشارب فهذا نعيم، فكيف يكونون معذبين فيها ذلك؟
وقال بعضهم: هذه الآية منسوخة (٢)، وقيل: "هي في أهل التوحيد" (٣) .
قال عبد الحق بن عطية في "تفسيره" (٤) .
"ومن الناس من ظن لذكر الأحقاب أن مدة العذاب تنحصر وتتم، فطلبوا التأويل لذلك، فقال مقاتل بن حيان: الحقب سبع عشرة ألف سنة وهي منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ (٥) . قال: وقد ذكرنا فساد هذا القول (٦) .
_________________
(١) " زاد المسير في علم التفسير" لابن الجوزي ٩/٨ وعزاه للزجاج.
(٢) وممن ذهب إلى ذلك مقاتل بن حيان حيث قال: وهذه الآية ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ منسوخة نسختها ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ ٢ يعني أن العدد قد ارتفع والخلود قد حصل تفسير البغوي "معالم التنزيل" ٤/٤٣٨، تفسير القرطبي "الجامع لأحكام القرآن" ١٩/١٧٩.
(٣) وبه قال خالد بن معدان، والإمام الطبري. "تفسير الطبري" ٣٠/١٢.
(٤) تفسير ابن عطية هو المحرر الوجيز تفسير الكتاب العزيز" وقد طبع نصف الكتاب في دولة قطر، ولا يزال النصف الأخير تحت الطباعة ثم طبع كاملا في المغرب.
(٥) سورة النبأ لآية: ٣٠.
(٦) وعلل الإمام الطبري فساد هذا القول بقوله: "إنه لا معنى للنسخ لأن قوله ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ خبر، والأخبار لا يكون فيها نسخ وإنما النسخ في الأمر والنهي" ٣٠/١٢.
[ ٦٤ ]
وقال آخرون: الموصوف (١) باللبث أحقابا عصاة المؤمنين (٢) قال: وهذا أيضا ضعيف فما (٣) بعده من السورة يرد عليه.
وقال آخرون: إنما المعنى: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ (٤) غير ذائقين بردا ولا شرابا، فهذه الحال: يلبثون أحقابا، ثم يبقى العذاب سرمدا وهم يشربون أشربة جهنم (٥) .
والقول الثاني: إنها غير مقدرة "٧/١"، وقال هؤلاء: هذا لا يدل على غاية، لأنه كلما مضى حقب تبعه حقب، ولو أنه قال: لابثين فيها عشرة أحقاب، أو خمسة أحقاب دل على غاية، هذا قول ابن قتيبة (٦) وغيره.
قال أبو الفرج بن الجوزي: وهذا قول ابن قتيبة والجمهور (٧) وبيانه: إن زمان أهل الجنة والنار يتصور دخوله تحت العدد كقوله تعالى: ﴿بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ (٨)، ومثل هذا، أن كلمات الله داخلة تحت العدد وإن لم يكن لها نهاية، فيقال: هذا ممنوع، فما لا نهاية يمتنع أن يدخل تحت العدد، وإنما يدخل تحت العدد ما له مقدار محدود وهو المعدود، لكن إذا أخذ بعض من أبعاضه دخل تحت العدد كالبكرة والعشي، وهو مقدار يوم من أيام الجنة، ويعرف ذلك بنور يظهر لهم يزيد (٩) على
_________________
(١) مقابلة بهامش الأصل "الموصوف" مع الإشارة إلى كونه هكذا في نسخة أخرى.
(٢) انظر تفسير القرطبي "الجامع لأحكام القرآن" ١٩/١٧٨.
(٣) فوقه بالأصل "ما" ومشار لكونه هكذا بنسخة أخرى.
(٤) سورة النبأ، الآية: ٢٣.
(٥) أخرج نحوه ابن جرير في تفسيره "جامع البيان" ٣٠/١٢ وقال: "وهذا القول عندي أشبه بمعنى الآية".
(٦) "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة، تحقق السيد أحمد صقر ص ٥٠٩.
(٧) انظر: "زاد الميسر في علم التفسير" لابن الجوزي ٩/٨.
(٨) سورة مريم الآية:٦٢.
(٩) مقابلة بهامش الأصل "زائد" لكونه هكذا بنسخة أخرى.
[ ٦٥ ]
النور المعتاد، يعرفون به البكرة والعشي، كما تظهر الشمس لأهل الدنيا، لكن الجنة ليس فيها ظلمة.
وقوله: كلمات الله داخلة تحت العدد (١) ممنوع إنما يدخل منها تحت العدد بعض من أبعاضها مثل الآيات المنزلة، وإلا فيما لا نهاية له كيف يكون معدودا وكلما عد بقدر معدود فهو ما حد، وما يقدره الإنسان بلسانه وذهنه من العدد فله حد، والذي لا يتناهى ليس له مقدار لا في ذهنه ولا في لسانه.
وقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ (٢)، ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ (٣) .
قال ابن أبي حاتم: ذكر عن جعفر بن سليمان، عن الجريري قال: سمعت أبا نضرة يقول: ينتهي القرآن إلى هذه الآية: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ (٤) .
وقد روى حرب الكرماني، وأبو بكر البيهقي عن أبي سعيد الخدري، وعن قتادة في قوله: ﴿فَأَمَّا (٥) الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ (٦) . والله أعلم بتثنيته على ما وقعت (٧) .
_________________
(١) جواب الشيخ على من زعم أن كلمات الله داخلة تحت العدد.
(٢) ليس في الأصل وأثبته تبعا لسياق الآية في موضعها.
(٣) سورة هود، الآية: ١٠٧.
(٤) هذا الأثر أورده الشوكاني في "تفسيره" وقال: أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي "فتح القدير" ٢/٥٢٧.
(٥) في الأصل "وأما" والصواب ما أثبته.
(٦) سورة هود، الآيتان: ١٠٦-١٠٧.
(٧) أخرج نحو الطبري في "تفسيره" عن قتادة ١٣/١١٤ وأورده السيوطي وعزاه لبعد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة "الدر المنثور" ٤/٤٧٨.
[ ٦٦ ]
وروى الطبري، عن يونس، نا ابن وهب، نا ابن زيد. في قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ فقرأ حتى بلغ: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ (١) فأخبرنا الذي شاء لأهل الجنة، فقال: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار (٢) .
وعن السُّدي: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ . عن هذه الآية يوم نزلت كانوا يطعمون في الخروج.
قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ (٣)، ذكر البغوي عن عبد الرحمن بن زيد أنه قال: قد أخبرنا الله ﷾ بالذي لأهل الجنة، فقال: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار (٤) .
وقد روى علماء السنة والحديث في ذلك آثارا عن الصحابة والتابعين مثل ما روى حرب الكرماني، وأبو بكر البيهقي، وأبو جعفر الطبري وغيرهم عن الصحابة في ذلك.
وفي المسند (٥) للطبراني: ذكر فيه "أنه ينبت فيها الجرجير" (٦)، وحينئذ فيحتج على فنائها بالكتاب والسنة، وأقوال الصحابة - مع أن القائلين ببقائها ليس معهم كتاب، ولا سنة ولا أقوال الصحابة -.
منها ما رواه حرب، والبيهقي قال حرب الكرماني: "سألت إسحاق عن
_________________
(١) سورة هود الآيتان: ١٠٧-١٠٨.
(٢) تفسير الطبري ط جامع البيان" ١٣/١١٩.
(٣) ذكر الله تأييد الخلود في النار في مواضع منها: سورة النساء الآية: ١٦٩، سورة الأحزاب، الآية: " ٦٥، وسورة الجن، الآية: ٢٣.
(٤) "معالم التنزيل" للبغوي ٢/٤٠٣.
(٥) مقابلة بهامش الأصل" وفي المسند"، الحديث" ومشار انه جاء هكذا في نسخة أخرى.
(٦) لم أقف على هذا الأثر في مظانه من كتب الطبراني، وقد أورده القرطبي في "التذكرة" "ص٥٢٨". وعزاه للخطيب البغدادي.
[ ٦٧ ]
قول الله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ (١) . قال: أتت هذه الآية على كل وعيد في القرآن (٢) .
قال إسحاق: ثنا عبيد الله بن معاذ، ثنا معتمر بن سليمان، قال: قال لي أبي: ثنا أبو نضرة، عن جابر، أو أبي سعيد، أو بعض أصحاب النبي ﷺ قال: هذه الآية تأتي على القرآن كله ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ (٣) .
قال المعتمر: قال أبي: عنى كل وعيد في القرآن (٤) .
رواه أبو جعفر بن جرير الطبري في تفسيره (٥) قال: ثنا الحسن بن يحيى، أنا عبد الرزاق، أنا ابن التيمي، عن أبيه أبي نضرة، عن جابر، أو أبي سعيد، أو عن رجل من؟ أصحاب النبي صلى لله عليه وسلم في قوله سبحانه: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ (٦) . قال: هذه الآية تأتي على القرآن كله، فيقول: حيث كان في القرآن: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ تأتي عليه (٧) .
وقال ابن جرير، حدثت عن ابن المسيب، عمن ذكره عن ابن عباس: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ (٨) . قال: استثنى الله ﷿ قال: يأمر النار أن تأكلهم (٩) .
_________________
(١) سورة هود، الآية:١٠٧.
(٢) لم أقف على هذا الأثر في مظانه.
(٣) سورة هود، الآية ١٠٧.
(٤) أخرجه البيهقي في كتاب "الأسماء والصفات" ص ٢٠٥.
(٥) مقابلة بهامش الأصل ما نصه "هذا" إسناد صحيح على شرط مسلم.
(٦) سورة هود، الآية: ١٠٧.
(٧) تفسير الطبري ط جامع البيان" ١٣/١١٨ قال السيوطي وأخرجه عبد الرزاق وابن الضريس، وابن جرير وابن منذر والطبراني والبيهقي "الدر المنثور" ٤/٤٧٦.
(٨) سورة هود، الآية:١٠٧.
(٩) تفسير الطبري ١٣/١٨ "بتصرف" وفي هامش الصب "أمر الله النار" وعليها علامة التصحيح وعلامة أنها هكذا جاءت في نسخة أخرى.
[ ٦٨ ]
قال (١): وقال ابن مسعود: "ليأتين على جهنم زمان تخفق أبوابها ليس فيها أحد، وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقابا" (٢) .
وقال ثنا محمد بن حميد الرازي (٣)، ثنا جرير، عن بيان (٤)، عن الشعبي قال: "جهنم أسرع الدارين عمرانا، وأسرعهما خرابا" (٥) .
وقال حرب الكرماني، عن إسحاق بن راهوية، ثنا عبيد الله بن معاذ ثنا أبي، ثنا شعبة، عن أبي بلج، سمع عمرو بن ميمون يحدث عن عبد الله بن عمرو قال: "ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها، ليس أحد" (٦)، وذلك بعدما يلبثون فيها أحقابا.
_________________
(١) القائل هو ابن جرير الطبري.
(٢) المصدر السابق نفسه.
(٣) جاء بهامش الأصل مقابله ما نصه "متكلم فيه، محمد بن حميد الرزاي، تكلم فيه، وابن جرير الطبري يكثر عنه، ومن لفظه"، وقد لخص ابن حجر العسقلاني حالة بقوله: حافظ ضعيف "التقريب" ٢/١٥٦.
(٤) جاء مقابله بهامش الأصل ما نصه: "بيان ثقة، خرج له في الصحيحين" وهو بيان ابن بشر الأحمسي، ثقة ثبت روى له الجماعة "التقريب" ترجمة "٧٨٩".
(٥) أخرجه ابن جرير في تفسيره "جامع البيان" ١٣/١١٨ وأورده السيوطي في "الدر المنثور" ٤/٤٧٨.
(٦) هذا الأثر أورده الذهبي في ميزان الاعتدال، في ترجمة "أبو بلج العزازي" وعدَّ الذهبي هذا الأثر من بلاياه وحكم عليه بقوله "وهذا منكر" "ميزان الاعتدال" ٤/٣٨٤. انظر: "سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة" للشيخ الألباني ٢/٧٢.
[ ٦٩ ]
وقال إسحاق، ثنا عبيد الله بن معاذ، ثنا أبي، ثنا شعبة، عن يحيى بن أيوب عن أبي زرعة وعن أبي هريرة، قال: أما الذي أقول: "إنه سيأتي على جهنم يوم لا يبقى فيها أحد، وقرأ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ﴾ الآية (١) .
_________________
(١) الآية رقم ١٠٦ من سورة هود، والأثر أورده السيوطي في "الدر المنثور" ٤/٤٧٨، عزاه لإسحاق بن راهويه عن أبي هريرة، وجاء بهامش الأصل مقابله ما نصه: "هذا الإسناد جيد، ويحيى بن أيوب، هو البجلي الجريري، من ولد جرير بن عبد الله، صدوق. وقال يحيى بن معين: ليس به بأس" اهـ. أقول: وقد قال ابن حجر عنه في "التقريب" "ترجمة ٧٥١٠" لا بأس به. وباقي رجاله ثقات، فالحكم بأن هذا إسناد جيد، في محله.
[ ٧٠ ]
طرق القائلين بدوام النار أربع
الذين قطعوا بدوام النار (١)
قلت: والذين قطعوا بدوام النار، لهم أربع طرق (٢) .
أحدها: ظن الإجماع فإن كثيرا من الناس يعتقد أن هذا مجمع عليه، ولا خلاف فيه بين السلف، وإن كان فيه خلاف حادث، فهو من أقوال أهل البدع.
والثاني: أن القرآن قد دل على ذلك دلالة قطعية، فإنه أخبر بخلودهم في النار أبدا في غير موضع من القرآن (٣) .
والثالث: أن السنة المستفيضة أخبرت بخروج من في قلبه مثال ذرة من إيمان من النار دون الكفار، فإنهم لم يخرجوا (٤) .
والرابع: قول من يقول: الرسول وقفنا على ذلك، وعلمناه من بعده ضرورة ولا يحتجون بنص معين، وعامة الناس يقولون: هذا لا نعلمه إلا من الخبر وشذ بعضهم فزعم أن العقل دل على خلود الكفار.
فأما الإجماع فهو أولا: غير معلوم، فإن هذه المسائل لا يقطع فيها بإجماع، نعم قد يظن فيها الإجماع وذلك قبل أن يعرف النزاع، وقد عرف النزاع قديمًا
_________________
(١) هذا العنوان جاء بهامش الأصل، دون إشارة إلى دخوله في الصلب، فأثبته بين مربعين للتوضيح.
(٢) ذكر العلامة ابن القيم هذه الطرق التي ذكرها شيخه شيخ الإسلام مع شيء من البسط والترتيب، انظر: "حادي الأرواح" "٣٥٣-٣٥٧".
(٣) تقدم ذكر ذلك "ص٦٧" هامش رقم ٣.
(٤) انظر حديث الشفاعة "٥٦".
[ ٧١ ]
وحديثا، بل إلى الساعة لم أعلم أحدا من الصحابة قال: إنها لا تفنى، وإنما المنقول عنهم ضد ذلك ولكن التابعون نقل عنهم هذا وهذا.
أدلة خلود النار من الكتاب
وأما القرآن، فالذي دل عليه وليس في القرآن ما يدل على أنها لا تفنى، بل الذي يدل عليه ظاهر القرآن أنهم خالدون فيها أبدا، كما أخبر الله - ﷿ - (١) في غير موضع، وأخبر أنهم يطلبون الموت (٢)، والخروج منها (٣) ويطلبون تخفيف العذاب (٤)، فلا يجابون: لا إلى هذا ولا على هذا، وأخبر أنهم ماكثون فيها (٥)، وأخبر أنهم ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ (٦) .
وقال تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا﴾ (٧)، ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ قَالَ اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ (٨) .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ (٩) .
_________________
(١) بالأصل "ذلك" وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٢) كما في قوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ سورة الزخرف، الآية: ٧٧ وسيأتي ذكر المؤلف لها، قريبا.
(٣) سيأتي ذكر المؤلف للآية قريبا.
(٤) الآيتان ٤٩-٥٠ من سورة غافر، وسيأتي ذكر المؤلف لهما قريبا.
(٥) كما في آية الزخرف ٧٧.
(٦) سورة فاطر، الآية ٣٦.
(٧) سورة فاطر، الآية ٣٧.
(٨) سورة المؤمنون الآيتان: ١٠٧-١٠٨.
(٩) سورة الزخرف، الآيات: ٧٤-٧٨.
[ ٧٢ ]
وقوله: ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ أي: يميتنا، وهكذا قال المفسرون مثل: السدي وابن زيد وغيرهما.
قال السدي: يقضي علينا بالموت، وقال ابن زيد: القضاء هاهنا: الموت (١) . وكذلك قال سائر المفسرون (٢)، وهذا كقوله تعالى: ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ (٣) .
وعن الفراء في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ إلى قوله تعالى (٤) . ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ (٥) . وذلك أن القضاء هو الإكمال والإتمام، والأمر المقتضى (٦) هو الذي قد مضى وفرغ.
وبالموت تنقضي حياة الإنسان، فقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ (٧) .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ (٨) .
_________________
(١) تفسير الطبري- جامع البيان- ٢٥/٩٩.
(٢) انظر: "معالم التنزيل للبغوي" ٤/١٤٦، "وزاد لابن الجوزي" ٧/٣٣٠، و" تفسير القرآن العظيم" لابن بن كثير ٤/١٣٥.
(٣) سورة فاطر، الآية: ٣٦.
(٤) ليست بالأصل وأثبتها من عندي للتوضيح.
(٥) سورة الحاقة، الآيات: ٢٥-٢٧.
(٦) في صلب النص هكذا "المقضى" ومصوبة بالأصل كما أثبتها.
(٧) سورة غافر، الآيتان: ٤٩-٥٠.
(٨) سورة البقرة، الآيتان: ١٦١-١٦٢.
[ ٧٣ ]
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي (١) كُلَّ كَفُورٍ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ (٢) .
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (٣) .
فهذه النصوص وأمثالها في القرآن تبين أنهم خالدون في جهنم لا يموتون ولا يحيون (٤)، وأنهم (٥) يسألون هذا وهذا فلا يجابون.
وهذا يقتضي خلودهم في جهنم - دار العذاب - مادام ذلك العذاب باقيا ولا يخرجون منها مع بقائها وبقاء عذابها، كما يخرج أهل التوحيد، فإن هؤلاء يخرجون منها بالشفاعة، وغير الشفاعة مع بقائها، كما يخرج ناس من الحبس الذي فيه العذاب مع بقاء الحبس والعذاب لذي فيه على من لم يخرج.
أحاديث الشفاعة
وهكذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح "صحيح مسلم" (٦):
عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: "أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم، فأماتهم الله
_________________
(١) في الأصل هكذا" يجزي" وما أثبته هو قراءة حفص، كما في رسم المصحف.
(٢) سورة فاطر، الآيتان: ٣٦-٣٧.
(٣) سورة الأنعام، الآيتان: ٢٧-٢٨.
(٤) كتب فوقها في الصلب ط يخرجون" مع الإشارة إلى كونها جاءت هكذا في نسخة أخرى.
(٥) في الصلب "فإنهم" ومصوبة بالهامش كما أثبتها.
(٦) الحديث سبق تخريجه ص ٥٦.
[ ٧٤ ]
إماتة حتى إذا كانوا فحما أذن بالشفاعة، فجيء بهم ضبائر (١)، ضمائر فبثوا (٢) على أنهار الجنة، ثم قيل: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل" (٣) .
وفي "الصحيحين" (٤) عن أبي هريرة في الحديث الطويل الذي فيه المرور على الصراط، والشفاعة، وقال فيه: "حتى إذا فرغ الله من القصاص بين العباد، فأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله ممن أراد الله أن يرحمه، ممن يقول: لا إله إلا الله فيعرفونهم بأثر السجود، وتأكل النار من ابن آدم إلا أثر السجود، فيخرجون من النار قد امتحشوا، فيصب عليهم ماء الحياة، فينبتون فيه كما تنبت الحبة في حميل السيل، ثم يفرغ الله من القصاص بين العباد ويبقى رجل مقبل بوجهه على النار"، وذكر صرفه عن النار، ثم تقدمه إلى الجنة، ثم إلى بابها، ثم إدخاله (٥) الجنة، وانه يعطيه ما تناه، مثله معه (٦) .
ورواه أبو سعيد، وقال: "وعشرة أمثاله" (٧) .
_________________
(١) هم الجماعات في تفرقة" النهاية لابن الأثير" ٣/٧١.
(٢) في الصلب" فيبثون" ومصوبة بالهامش كما أثبتها، وهي الموافقة للفظ الحديث في مسلم.
(٣) قوله "حميل السيل" هو ما يجيء به السيل من طين أو غثاء أو غيره" "النهاية" لابن الأثير ١/٤٤٢.
(٤) في الصلب" الصحيح" كتب فوقها "الصحيحين" مع الإشارة لكونها جاءت هكذا في نسخة أخرى، وأثبتها لمطابقتها لورود الحديث في الصحيحين، كما سيأتي تخريجه هامش ٥-٦ في نفس الصفحة.
(٥) في صلب الأصل "يدخله" ومصوبة بالهامش كما أثبتها.
(٦) "صحيح البخاري" مع شرحه "فتح الباري" "كتاب الرقاق" - باب: الصراط جسر جهنم "١٣/٤٥٣ حديث رقم ٦٥٧٣ "وصحيح مسلم" "كتاب الإيمان" باب معرفة طريق الرؤية ١٠/١٦٣، حديث رقم ٢٩٩ ترتيب محمد فؤاد عبد الباقي.
(٧) "صحيح مسلم" - المصدر السابق ١/١٦٧.
[ ٧٥ ]
وكذلك في "الصحيحين" من حديث أبي سعيد قال: "حتى إذا خلص المؤمن من النار، فو الذي نفي بيده، من أحد بأشد منا شدة لله في استيفاء (١) الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار يقولون: ربنا كانوا يصمون معنا، ويصلون ويحجّون، فيقول (٢): أخرجوا من عرفتوهم فتحرم صورهم على النار فيخرجون خلقا كثيرا، وقد أخذت النار إلى نصف ساقيه، وإلى ركبتيه، فيقولون: ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به، فيقول: ارجعوا، فمن وجدتهم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقا كثيرا، إلى أن قال: ثم يقول: ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقا كثيرا".
وكان أبو سعيد الخدري يقول: إن لم تصدقوني بهذا الحديث، فاقرءوا إن شئتم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٣) .
فيقول الله: شفعت الملائكة، وشفعت النبيون وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة، يقال له: نهر الحياة، فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السبيل، قال: فيخرجون كالؤلؤ في قاربهم الخواتيم، يعرفهم أهل الجنة، هؤلاء عتقاء الله، الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه، ثم يقدموه، ثم يقول: ادخلوا الجنة، فما رأيتموه فهو لكم، فيقولون: ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين، فيقول: لكم عندي أفضل من هذا،
_________________
(١) لفظ مسلم "استقصاء" أي تحصليه من خصمه.
(٢) في الهامش بالأصل مقابله "فيقال" مع الإشارة لكونها جاءت في نسخة أخرى.
(٣) سورة النساء الآية:٤٠.
[ ٧٦ ]
فيقولون: يا ربنا، وأي شيء أفضل من هذا؟ فيقول: رضاي، فلا أسخط عليكم بعده أبدا" (١) .
وفي رواية: "من إيمان" بدل قوله: "من خير"، قال فيه: "فيقول الجبار: قد بقيت شفاعتي، فيقبض قبضة من النار، فيخرج أقواما قد امتشحوا فليقيهم في نهر بأفواه الجنة " الحديث (٢) .
ولم يقل: "لم يعملوا خيرا قط".
وفي "الصحيحين" عن ابن (٣) مسعود، عن النبي ﷺ أنه قال: "إني لأعلم آخر أهل النار خروجا منها، وآخر الجنة دخولا الجنة: رجل يخرج من النار حبوا، فيقول الله له: اذهب: فادخل الجنة، فيأتيها، فتخيل إليه أنها ملآى - إلى أن قال -: فيقول الله له: اذهب، فإن لك عشرة أمثال الدنيا - أو - إن لك الدنيا، وعشرة أمثالها" (٤) .
وفي رواية لمسلم: فيقول له: "تمن، فتمنى، فيقال له: لك الذي تمنيت، وعشرة أضعافه" (٥) .
_________________
(١) "صحيح البخاري" مع شرحه "فتح الباري" - كتاب التوحيد - باب: قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ ١٣/٤٣٩ وصحيح مسلم - كتاب الإيمان - باب طريق معرفة الرؤية ١/١٦٧ واللفظ له.
(٢) كما في رواية الإمام البخاري - المصدر السابق نفسه.
(٣) كذا في صلب الأصل ومقابلته بالهامش "أبي" مع الإشارة" لكونها جاءت هكذا في نسخة أخرى، وما أثبته هو الموافق لما في "الصحيحين" كما سيأتي تخريجه.
(٤) " صحيح البخاري" مع شرحه "فتح الباري" - كتاب الرقاق - باب صفة الجنة والنار ١١/٤٢٦، "صحيح مسلم" كتاب الإيمان - باب آخر أهل النار خروجا ١/١٧٣ رقم الحديث: ٣٠٨.
(٥) المصدر السابق نفسه ١/١٧٤.
[ ٧٧ ]
وهذا يوافق حديث أبي سعيد من وجهين:
وكذلك لمسلم من حديث جابر: "مثل الدنيا وعشرة أمثالها" (١)، كما في اللفظ الأول في حديث ابن مسعود.
وفي حديث جابر في "الصحيحين" أن رسول الله صلى لله عليه وسلم قال: "إن الله تعالى يخرج ناسا من النار، فيدخلهم الجنة" (٢) .
وفي رواية: "إن الله يخرج قوما من النار بالشفاعة" (٣)، ولمسلم من حديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ: "إن قوما يخرجون من النار يحترقون فيها إلا دارات وجوههم، حتى يدخلون الجنة" (٤) .
وللبخاري عن عمران بن حصين عن النبي ﷺ قال: "يخرج قوم النار بشفاعة محمد ﷺ فيدخلون الجنة، فيسمون الجهنميين".
وللبخاري، عن أنس عن النبي ﷺ قال: "يخرج قوم من النار بعد ما "مسهم" (٥) منها سفع (٦)، فيدخلون الجنة، فيسمون الجهنميين" (٧) .
_________________
(١) المصدر السابق نفسه ١/١٧٨.
(٢) " صحيح البخاري" مع شرحه "فتح الباري" كتاب الرقاق - باب صفة الجنة والنار ١١/٤٢٤-٤٢٥، صحيح مسلم "واللفظ له - كتاب الإيمان - باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها ١/١٧٨، حديث رقم ٣١٧.
(٣) نفس المصدرين السابقين، واللفظ لمسلم والحديث برقم ٣١٨.
(٤) "صحيح مسلم"- الإيمان حديث رقم ٣٠٨- باب آخر أهل النار خروجا ١/١٧٣.
(٥) كذا في البخاري، والذي في صلب الأصل هكذا" بعد مفاهم منها" عليها علامة صح ومقابلتها بالهامش كتب هكذا، "ما يسمهم منها" عليها أيضا علامة صح، وقد أثبت لفظ البخاري، لأنه مصدر الرواية الذي عزاها المؤلف إليه، وفي الرواية الثانية له "ليصبن أقواما سفع من النار ثم يدخلهم الله الجنة" البخاري مع الفتح ١٣/٤٣٤ حديث رقم ٧٤٥٠.
(٦) أي أثر من النار "النهاية" ٢/٣٧٤.
(٧) المصدر السابق نفسه حديث رقم ٦٥٥٩.
[ ٧٨ ]
وأحاديث الشفاعة فيمن يخرج من النار كثيرة فيخرج من النار كثير منها عدة أحاديث "٩/ب" في "الصحيحين".
وفي حديث أنس: ذكر فيه الشفاعة مرة بعد مرة، وأنه صلى لله عليه وسلم قال في الآخرة، "فأقول: أي رب، ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله فيقول الله - ﷿ - وعزني وجلالي، وعظمتي وكبريائي، لأخرجن منها من قال: لا إله إلا الله" (١) .
وفي رواية لمسلم: "ليس ذلك لك، أو إليك" (٢) .
_________________
(١) الحديث أخرجه البخاري ومسلم، وقد تقدم العزو إليهما "ص٦١".
(٢) "صحيح مسلم" كتاب الإيمان - باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها ١/١٨٢ حديث رقم ٣٣٦.
[ ٧٩ ]
الفرق بين بقاء الجنة والنار (١):
"الفرق (٢) بين بقاء الجنة، والنار، شرعا، وعقلا" (٣) فأما شرعا، فمن وجوه:
أحدها: أن الله أخبر ببقاء نعيم الجنة ودوامه، وأنه لا نفاد له ولا انقطاع في غير موضع من كتابه، كما أخبر أن أهل الجنة لا يخرجون منها، وأما النار وعذابها فلم يخبر ببقاء ذلك، بل أخبر أن أهلها لا يخرجون منها، وأما النار وعذابها فلم يخبر ببقاء ذلك، بل أخبر أن أهلها لا يخرجون منها.
الثاني: أنه أخبر بما يدل على أنه ليس بمؤيد في عدة آيات.
الثالث: أن النار لم يذكره فيها شيء يدل على الدوام.
الرابع: إن النار قيدها بقوله: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ (٤)، وقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ (٥) وقوله: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ (٦)، فهذه ثلاث آيات تقتضي قضية مؤقتة، أو معلقة على شرط، وذاك دائم مطلق، ليس بمؤقت ولا معلق.
_________________
(١) كذا جاء هذا العنوان بهامش الأصل.
(٢) من هنا بداية المقطع الثاني لمخطوطة "س" انظر: صورة منها في مقدمة كتاب "رفع الأستار لأبطال أدلة القائلين بفناء النار" "ص٥٤".
(٣) بسط العلامة ابن القيم الكلام في الفرق بين بقاء الجنة والنار، وذكر لذلك خمسة وعشرين وجها "حادي الأرواح" "ص ٣٥٧-٣٧٩٨".
(٤) سورة النبأ الآية:٢٣.
(٥) سورة الأنعام الآية:١٢٨.
(٦) سورة هود، الآية:١٠٧.
[ ٨٠ ]
الخامس: أنه قد ثبت أنه يدخل الجنة من ينشأه في الآخرة لها (١) ويدخلها من دخل النار أولا (٢)، ويدخلها الأولاد بعمل الآباء (٣)، فثبت أن الجنة يدخلها من لم يعمل خيرا، وأما النار فلا يعذب أحد بذنوبه، فلا تقاس هذه بهذه.
السادس: أن الجنة من مقتضى رحمته ومغفرته، والنار من عذابه، وقد قال: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ (٤) .
وقال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٥) .
وقال: ﴿رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٦) .
فالنعيم من موجب أسمائه التي هي من لوازم ذاته فيجب داومه بدوام معاني أسمائه وصفاته.
وأما العذاب فإنما هو من مخلوقاته، والمخلوق قد يكون له انتهاء مثل الدنيا وغيرها، لاسيما مخلوق خلق تتعلق بغيره.
_________________
(١) يشير - إلى قوله - ﷺ - وأما الجنة فإن الله - ﷿ - ينشئ لها خلقا.. أخرجه البخاري من رواية أبي هريرة، صحيح البخاري" مع شرحه "فتح الباري" - كتاب التفسير - باب ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ ٨/٤٦٠ الحديث برقم ٤٨٥٠.
(٢) كما تقدم في حديث الشفاعة "ص٥٦" هامش ٣.
(٣) يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الطور: من الآية٢١
(٤) سورة الحجر، الآيات: ٤٩-٥٠.
(٥) سورة المائدة، الآية: ٩٨.
(٦) سورة الأنعام، الآية: ١٦٥.
[ ٨١ ]
السابع: أنه قد أخبر أن رحمته وسعت كل شيء، وأنه ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ (١)، وقال: "سبقت رحمتي غضبي" (٢) "وغلبت رحمتي غضبي" (٣) .
وهذا عموم، وإطلاق، فإذا قدر عذاب لا آخر له، لم يكن هناك رحمة البتة.
الثامن: أنه قد ثبت مع رحمته الواسعة أنه حكيم، والحكيم إنما يخلق لحكمته العامة، كما ذكر حكمته في غير موضع "١٠ - أ" فإذا قدر أنه يعذب من يعذب لحكمة كان هذا ممكنا، توجد في الدنيا العقوبات الشرعية فيها حكمة، وكذلك ما يقدره من المصائب فيها حكم عظيمة، فيها تطهير من الذنوب، وتزكية للنفوس، وزجر عنها في المستقبل للفاعل ولغيره، ففيها عبرة، والجنة طيبة لا يدخلها إلا طيب، ولهذا قال في الحديث الصحيح: "إنهم يحسبون بعد خلاصهم من الصراط على قنطرة بين الجنة والنار، فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة" (٤) .
والنفوس (٥) الشريرة الظالمة التي ردت إلى الدنيا قبل العذاب لعادات لما نهيت عنه لا يصلح أن تسكن دار السلام التي تنافي الكذب والظلم والشر، فإذا عذبوا بالنار عذابا يخلص نفوسهم من ذلك الشر كان هذا معقولا في الحكمة كما
_________________
(١) سورة الأنعام، الآية: ١٢.
(٢) هذا الحديث القدسي أخرجه الإمام البخاري في صحيحه في عدة ومواضع: انظر "صحيح البخاري" مع شرحه "فتح الباري" كتاب التوحيد باب: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ ١٣/٤١٥ وباب قوله الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا﴾ ١٣/٤٤٧، وأخرجه الإمام مسلم في المصدر الآتي.
(٣) هذا الجزء من حديث قدسي أخرجه الإمام مسلم في "صحيحه - كتاب التوبة باب - في سعة رحمة الله ٤/٢١٠٤ حديث رقم ٢٧٥١.
(٤) الحديث أخرجه الإمام البخاري في "صحيحه" كما في "فتح الباري" الحديث رقم ٢٤٤٠، ٦٥٣٥.
(٥) في صلب الأصل "النفس" ومصوبة بالهامش "النفوس".
[ ٨٢ ]
يوجد في تعذيب الدنيا، وخلق من فيه شر يزول بالتعذيب من تمام الحكمة، وأما خلق نفوس تعمل الشر في الدنيا وفي الآخرة لا تكون إلا في العذاب، فهذا تناقض يظهر فيه من مناقضة الحكمة والرحمة ما لا يظهر في غيره.
ولهذا كان الجهم لما رأى ذلك ينكر أن يكون الله أرحم الراحمين، وقال: بل يفعل ما يشاء، والذين سلكوا طريقته كالأشعري وغيره، ليس عندهم في الحقيقة حكمة ورحمة، ولكن له علم وقدرة وإرادة لا ترجح أحد الجانبين، ولهذا لما طلب منهم أن يقروا بكونه حكيما، فسروه بأنه عليم أو قدير أو مؤيد، وليس من الثلاثة ما يقتضي الحكمة، وإذا ثبت أنه رحيم حكيم، وعلم بطلان قول الجهم تعين إثبات ما تقتضيه الرحمة والحكمة (١) .
وما قاله المعتزلة - أيضا - باطل، فقول القدرية المجبرة والنفاة في حكمته ورحمته باطل، ومن أعظم ما غلظهم اعتقادهم تأييد جهم، فإن ذلك يستلزم ما قالوه، وفساد اللازم يستلزم فساد الملزوم (٢)، والله سبحانه أعلم.
وأما آيات بقاء الجنة.
فالأول: مثل قوله تعالى: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ (٣) . فأخبر أنه دائم والمنقطع ليس بدائم.
والثاني: مثل قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ (٤)، والمنقطع ينفد
_________________
(١) "منهاج السنة النبوية" ١/١٤١، تحقيق د. محمد رشاد سالم.
(٢) هنا انتهت نسخت المكتب الإسلامي "س"، وقد ناقش العلامة ابن القيم الطوائف المنحرفة التي تنكر الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى، وبين زيفها وبطلانها في عدة أماكن من مؤلفاته ومنها: "مدارج السالكين"١/٩٠، "ومفتاح دار السعادة" ٢/٢٢ "وشفاء العليل" في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل" ص٣٤٧
(٣) سورة الرعد، الآية:٣٥.
(٤) سورة ص، الآية: ٥٤.
[ ٨٣ ]
والثالث: قوله تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ (١) فأخبر أن ما في الدنيا من الخير ينفد وما عند الله باق لا ينفد، فلو كان لما عند الله من النعيم آخر لكان ينفد نعيم الدنيا، ولم يكن باقيا لا ينفد.
والرابع: مثل قوله تعالى في آيتين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ (٢) .
﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ (٣) .
كما قال: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ (٤) .
قال عامة المفسرين: غير مقطوع، ولا منقوص (٥) .
وذكروا عن ابن عباس أنه قال: غير مقطوع (٦) .
وعن مقاتل: غير منقوص - أيضا - (٧) .
قال عامة المفسرين: غير مقطوع ولا منقوص "١٠/ب"، كما قال: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ (٨) .
قالوا - ومنه المنون، لأنه يقطع (٩) عمر الإنسان.
_________________
(١) سورة النحل، الآية:٩٦.
(٢) سورة فصلت، الآية:٨.
(٣) سورة الانشقاق، الآية:٢٥.
(٤) سورة القلم، الآية: ٣.
(٥) "زاد المسير في علم التفسير" لابن الجوزي ٧/٢٤٢، "ومعالم التنزيل" للبغوي ٤/٤٦٦.
(٦) أخرجه الطبري في "تفسر" جماع البيان- ٢٤/٩٣.
(٧) ذكره الماوردي في تفسيره "النكت والعيون" "وعزاه لابن عباس ٤/٤٨٠.
(٨) سورة القلم، الآية:٣.
(٩) مقابلة بهامش الأصل "قطع" "صع" مع الإشارة إلى كونه جاء هكذا في نسخة أخرى.
[ ٨٤ ]
وعن مجاهد "غير مسحوب" (١) وهذا يوافق ذلك، لأن ما ينتهي مقدر محسوب، بخلاف ما لا نهاية له فإنه غير مسحوب.
وقد شذ بعض الناس فقال: غير ممنون عليهم من جنس قوله: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ (٢) .
وهذا القول مع مخالفته لأقوال السلف والجمهور هو خطأ لوجوه:
أحدها: أن الله يمن علينا بكل نعمة أنعم بها علينا، حتى بالإيمان والعمل الصالح قال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٣) .
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (٤) .
وقال أهل الجنة ما أخبر الله تعالى به في قوله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ (٥) .
وهذا قولهم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ (٦) .
وقوله: ﴿وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ (٧)، وقد ثبت في الصحيح
_________________
(١) تفسير مجاهد "ص٥٦٩".
(٢) سورة الحجرات، الآية: ١٧.
(٣) سورة الحجرات، الآية: ١٧.
(٤) سورة آل عمران، الآية:١٦٤.
(٥) سورة الطور، الآية: ٢٧.
(٦) سورة الأعراف، الآية: ٤٣.
(٧) سورة الصافات، الآية: ٥٧.
[ ٨٥ ]
عن النبي ﷺ أنه قال: "لن يدخل أحد منكم بعمله الجنة" قالوا ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل" (١) .
والله تعالى في غير موضع يذكر آلاءه وإحسانه ونعمه على عباده، ويأمرهم أن يذكروها، ويأمرهم أن يشكروها.
والعبد قد نهي أن يمن بصدقته بقوله تعالى: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ (٢) لأن المتصدق في الحقيقة إنما أحسن إلى نفسه لا إلى المتصدق عليه، فإنه لولا أن له في ذلك منفعة وأجرا وعوضا لم يتصدق عليه، فصار كالذي يخدم المماليك بأجرة يأخذها من سيدهم ليس بمحسن إليهم.
وأيضا فإن المصدق الله هو المنعم عليه بما يسره الله للإحسان إلى نفسه وعليه أن يشكر الله تعالى ويرى أن الله هو المحسن إليه، فإن نظر إلى الفعل فالله خالقه، وإن نظر إلى غايته فهو يطلب جزاءه وعوضه من الله، وإن نظر إلى المحسن إليه فهو المحسن إلى نفسه، والله أحسن إليه أن جعله محسنا إلى نفسه لا ظالما لها.
فلهذا كان منه على المخلوق ظلما أبطل به صدقته، والله هو المنعم على عباده حقيقة بالنعمة، والشكر عليها إذا أعانهم على شكره وجعلهم شاكرين بنعمته، بثواب الشكر "١١ - أ"، فكل ذلك تفضل منه وإحسان من غير أن يكون له على ذلك عوض يأخذه من غيره، لا (٣) من المحسن إليه ولا من غيره فهو المنعم حقيقة، وإن كان له في الإنعام حكمة يحبها ويرضاها، فتلك الحكمة منه، فما لأحد عليه منة وهو الجواد المحض وهو سبحانه ليس كمثله شيء.
وللناس كلام في الجود والإحسان ومن يفعل لحكمة ومقصود هل هو جواد
_________________
(١) "صحيح البخاري" مع شرحه "فتح الباري" - كتاب الرقاق - باب القصد والمداومة على العمل ١١/٣٠٠ "وصحيح مسلم" واللفظ له، حديث رقم ٢٨١٦-٤/٢١٦٩ من رواية أبي هريرة.
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٦٤.
(٣) في الأصل "ولا من المحسن" والمعنى مستقيم بدون حرف الواو.
[ ٨٦ ]
آخر الرسالة
أم ليس بجواد؟ يفرق بين من يطلب عوضا من غيره فيحتاج إلى غيره فيكون جوده من باب المعاوضة، وبين من لا يحتاج إلى غيره بل هو الجواد بالنعم وبالحكم كما قد بسط في غير هذا الموضع.
ولأنه لما قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (١)، وبين أن غير المؤمنين تزول عنه النعمة، فلو كان المؤمن كذلك لم يكن بينهما فرق.
الخامس (٢): مثل قوله تعالى في نعيم الجنة: ﴿عطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ (٣) وفي عذاب أهل النار: ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ (٤) قال غير واحد: غير مقطوع (٥) - أيضا -.
السادس: أنه قدر أخبر أن أهل الجنة والنار لا يموتون كما في الحديث الصحيح "يؤتى بالموت في صورة كبش، فيذبح بين الجنة والنار، ويقال: يا أهل الجنة، خلود ولا موت فيها ويا أهل النار خلود ولا موت فيها" (٦) كل خالد فيما هو فيه، فإذا كانوا لا يموتون فلا بد لهم من دار يكونون فيها، ومحال أن يعذبوا بعد دخول الجنة فلم يبق إلا دار النعيم، والحي لا يخلو من لذة أو ألم، فإذا انتفى الألم تعينت اللذة الدائمة (٧) هـ.
آخرها والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه، حسبنا الله ونعم الوكيل.
_________________
(١) سورة التين، الآيات: ٤-٦.
(٢) يشير إلى الدليل الخامس من آيات بقاء الجنة وقد تقدم ذكر أربعة منها ص ٨٣.
(٣) سورة هود، الآية: ١٠٨.
(٤) سورة هود الآية:١٠٧.
(٥) كما تقدم "ص٤٣".
(٦) سبق تخريج حديث ذبح الموت "ص٦١" هامش ٥.
(٧) مقابل هذا بالهامش ما نصه: "بلغ مقابلة وتصحيحا حسب الإمكان كتبه أحمد بن سعد الله الحراني، عفا الله عنه برحمته".
[ ٨٧ ]