الرسالة الثالثة والعشرون: رسالته إلى ثنيان بن سعود
القسم الثالث: بيان معنى لا إله إلا الله وما يناقضها من الشرك في العبادة
-١- الرسالة الثالثة والعشرون
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن عبد الوهاب، إلى ثنيان بن سعود، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد، سألتم عن معنى قوله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ ١، وكونها نزلت بعد الهجرة، فهذا مصداق كلامي لكم مرارًا عديدة أن الفهم الذي يقع في القلب غير فهم اللسان. وذلك أن هذه المسألة من أكثر ما يكون تكرارًا عليكم، وهي التي بوب لها الباب الثاني في كتاب التوحيد. وذلك أن العلم لا يسمى علما ًإلا إذا أثمر، ٢ وإن لم يثمر فهو جهل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ٣، وكما قال عن يعقوب: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ ٤. والكلام في تقرير هذا ظاهر.
والعلم هو الذي يستلزم العمل، ومعلوم تفاضل الناس في الأعمال تفاضلًا لا ينضبط، وكل ذلك بسبب تفاضلهم في العلم؛ فيكفيك في هذا استدلال الصِّدِّيق على عمر في قصة أبي جندل، مع كونها من أشكل المسائل التي وقعت في الأولين والآخرين، شهادة ٥ أن محمدًا رسول الله. وسر المسألة: العلم بلا إله إلا الله، ومن هذا قوله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ٦.
_________________
(١) ١ سورة محمد آية: ١٩. ٢ في المصورة: (إلا إذا أثمر العمل) . ٣ سورة فاطر آية: ٢٨. ٤ سورة يوسف آية: ٦٨. ٥ في المصورة: (بشهادة) . ٦ سورة البقرة آية: ١٠٦-١٠٧.
[ ١٦٢ ]
فإن العلم بهذه الأصول الكبار يتفاضل فيه الأنبياء فضلًا عن غيرهم، ولما نهى نوح بنيه عن الشرك أمرهم بلا إله إلا الله؛ فليس هذا تكرارًا، بل هذان أصلان مستقلان كبيران، وإن كانا متلازمين. فالنهي عن الشرك يستلزم الكفر بالطاغوت، ولا إله إلا الله الإيمان بالله، وهذا وإن كان متلازمًا فيوضحه لكم الواقع، وهو أن كثيرًا من الناس يقول: لا أعبد إلا الله، وأنا أشهد بكذا، وأقر بكذا، ويكثر الكلام، فإذا قيل له: ما تقول في فلان وفلان إذا عَبَدا أو عُبِدا من دون الله، قال: ما عليَّ من الناس، الله أعلم بحالهم، ويظن بباطنه أن ذلك لا يجب عليه.
فمن أحسن الاقتران: أن الله قرن بين الإيمان به والكفر بالطاغوت؛ فبدأ بالكفر به على الإيمان بالله، وقرن الأنبياء بين الأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك، مع أن في الوصية بلا إله إلا الله ملازمة الذكر بهذه اللفظة والإكثار منها. ويتبين عظم قدرها، كما بيَّن ﷺ فضل سورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ١ على غيرها من السور، ذكر أنها تعدل ثلث القرآن مع قصرها. وكذلك حديث موسى ﵇، فإن في ذكره ما يقتضي كثرة الذكر بهذه الكلمة، كما في الحديث: " أفضل الذكر: لا إله إلا الله " ٢. والسلام ٣.
_________________
(١) ١ سورة الإخلاص آية: ١. ٢ الترمذي: الدعوات (٣٣٨٣)، وابن ماجة: الأدب (٣٨٠٠) . ٣ في المصورة: (ثم أنتم في أمان الله وحفظه وصلى الله على محمد وآله وسلم) .
[ ١٦٣ ]
الرسالة الرابعة والعشرون: رسالتة إلى عبد الرحمن بن ربيعة
-٢- الرسالة الرابعة والعشرون: ومنها رسالة أرسلها إلى عبد الرحمن بن ربيعة، مطوع أهل ثادق، وهي هذه:
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام على رسول الله ﷺ.
من محمد بن عبد الوهاب، إلى عبد الرحمن بن ربيعة، سلَّمه الله تعالى.
وبعد، فقد وصل كتابك، تسأل عن مسائل كثيرة، وتذكر أن مرادك اتباع الحق؛ منها مسألة التوحيد. ولا يخفاك أن النبي ﷺ لما بعث معاذًا إلى اليمن قال له: " إن أول ما تدعوهم إليه: أن يوحدوا الله. فإن هم أجابوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات " ١ إلخ. فإذا كان الرجل لا يدعى إلى الصلوات الخمس إلا بعد ما يعرف التوحيد وينقاد له، فكيف بمسائل جزئية اختلف فيها العلماء.
فاعلم: أن التوحيد الذي دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم: إفراد الله بالعبادة كلها، ليس فيها حق لملك مقرب ولا نبي مرسل فضلًا عن غيرهم. فمن ذلك لا يُدعى إلا إياه، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ ٢؛ فمن عبد الله ليلًا ونهارًا، ثم دعا نبيًا أو وليًا عند قبره، فقد اتخذ إلهين اثنين، ولم يشهد أن لا إله إلا الله، لأن الإله هو المدعو، كما يفعل المشركون اليوم عند قبر الزبير أو عبد القادر أو غيرهم، وكما يفعل قبل هذا عند قبر زيد وغيره. ومن ذبح لله ألف ضحية، ثم ذبح لنبي ٣ أو غيره فقد جعل إلهين
_________________
(١) ١ البخاري: التوحيد (٧٣٧٢)، ومسلم: الإيمان (١٩)، والترمذي: الزكاة (٦٢٥)، والنسائي: الزكاة (٢٤٣٥)، وأبو داود: الزكاة (١٥٨٤)، وابن ماجة: الزكاة (١٧٨٣)، وأحمد (١/٢٣٣)، والدارمي: الزكاة (١٦١٤) . ٢ سورة الجن آية: ١٨. ٣ في المخطوطة والمصورة: (لجني) .
[ ١٦٦ ]
اثنين، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١ الآية، والنسك هو: الذبح، وعلى هذا فقس.
فمن أخلص العبادات لله، ولم يشرك فيها غيره، فهو الذي شهد أن لا إله إلا الله. ومن جعل فيها مع الله غيره، فهو المشرك الجاحد لقول لا إله إلا الله. وهذا الشرك الذي أذكره اليوم، قد طبق مشارق الأرض ومغاربها، إلا الغرباء المذكورين في الحديث، وقليل ما هم. وهذه المسألة لا خلاف فيها بين أهل العلم من كل المذاهب.
فإذا أردت مصداق هذا، فتأمل باب حكم المرتد في كل كتاب، وفي كل مذهب، وتأمل ما ذكروه في الأمور التي تجعل المسلم مرتدًا يحل دمه وماله؛ منها: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم، كيف حكى الإجماع في الإقناع على ردته. ثم تأمل ما ذكروه في سائر الكتب، فإن عرفت أن في المسألة خلافًا ولو في بعض المذاهب، فنبهني. وإن صح عندك الإجماع على تكفير من فعل هذا، أو رضيه، أو جادل فيه، فهذه خطوط المويس، وابن إسماعيل، وأحمد بن يحيى، عندنا في إنكار هذا الدين والبراءة منه، وهم الآن مجتهدون في صد الناس عنه.
فإن استقمت على التوحيد، وتبينت فيه، ودعوت الناس إليه، وجاهرت بعداوة هؤلاء، خصوصًا ابن يحيى، لأنه من أنجسهم وأعظمهم كفرًا، وصبرت على الأذى في ذلك، فأنت أخونا وحبيبنا. وذلك محل المذاكرة في المسائل التي ذكرت، فإن بان الصواب معك وجب علينا الرجوع إليك، وإن لم تستقم على التوحيد علمًا وعملًا ومجاهدة، فليس هذا محل المراجعة في المسائل. والله أعلم.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام آية: ١٦٢.
[ ١٦٧ ]
الرسالة الخامسة والعشرون: جواب الشيخ عن كتاب وصله
- ٣ - الرسالة الخامسة والعشرون. (رسالة جوابية للشيخ، عن كتاب لم نقف عليه، ويستغنى عنه بجوابه)
بسم الله الرحمن الرحيم
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
وبعد، قال الله ﷾: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الأِسْلامُ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ ٢ الآية، وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ ٣. قيل إنها آخر آية نزلت.
وفسر نبي الله ﷺ الإسلام لجبريل، ﵇، وبناه أيضًا على خمسة أركان، وتضمن كل ركن علمًا وعملًا، فرضًا على كل ذكر وأنثى لقوله: " لا ينبغي لأحد يقدم على شيء حتى يعلم حكم الله فيه ".
فاعلم أن أهمها وأولاها: الشهادتان وما تضمنتا من النفي والإثبات من حق الله على عبيده، ومن حق الرسالة على الأمة. فإن بان لك شيء من ذلك ما ارتعت، وعرفت ما الناس فيه من الجهل والغفلة والإعراض عما خُلقوا له، وعرفت ما هم عليه من دين الجاهلية، وما معهم من الدين النبوي، وعرفت أنهم بنوا دينهم على ألفاظ وأفعال أدركوا عليها أسلافهم، نشأ
_________________
(١) ١ سورة آل عمران آية: ١٩. ٢ سورة آل عمران آية: ٨٥. ٣ سورة المائدة آية: ٣.
[ ١٧٠ ]
عليها الصغير، وهرم عليها الكبير. ويؤيد ذلك أن الولد إذا بلغ عشر سنين، غسلوا له أهله وعلموه ألفاظ الصلاة، وحيي على ذلك ومات عليه.
أتظن من كانت هذه حاله، هل شم لدين الإسلام الموروث عن الرسول رائحة؟ فما ظنك به إذا وضع في قبره وأتاه الملكان وسألاه عما عاش عليه من الدين، بماذا يجيب؟ " هاه! هاه! لا أدري. سمعت الناس يقولون شيئا فقلتُه " ١. وما ظنك إذا وقف بين يدي الله سبحانه، وسأله: ماذا كنتم تعبدون؟ وبماذا أجبتم المرسلين؟ بماذا يجيب؟ رزقنا الله وإياك علمًا نبويًا وعملًا خالصًا في الدنيا ويوم نلقاه. آمين.
فانظر يا رجل، حالك وحال أهل هذا الزمان، أخذوا دينهم عن آبائهم ودانوا بالعرف والعادة، وما جاز عند أهل الزمان والمكان دانوا به، وما لا فلا. فأنت وذاك! وإن كانت نفسك عليك عزيزة، ولا ترضى لها بالهلاك، فالتفتْ لما تضمنت أركان الإسلام من العلم والعمل، خصوصًا الشهادتين من النفي والإثبات؛ وذلك ثابت من كلام الله وكلام رسوله.
قيل: إن أول آية نزلت: قوله سبحانه بعد "اقرأ ": ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ ٢. قف عندها! ثم قف! ثم قف! ترى العجب العجيب، ويتبين لك ما أضاع الناس من أصل الأصول، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ ٣ الآية، وكذلك قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ ٤
_________________
(١) ١ قوله: هاه إلخ: حكاية لما يجيب به المنافق عن سؤال الملكين، كما ورد في الأحاديث الصحيحة. ٢ سورة المدثر آية: ١-٢. ٣ سورة النحل آية: ٣٦. ٤ سورة الجاثية آية: ٢٣.
[ ١٧١ ]
الآية، وكذلك قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ١ الآية، وغير ذلك من النصوص الدالة على حقيقة التوحيد، الذي هو مضمون ما ذكرت في رسالتك، أن الشيخ محمدًا قرر لكم ثلاثة أصول: توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية، والولاء والبراء؛ وهذا هو حقيقة دين الإسلام. ولكن قف عند هذه الألفاظ، واطلب ما تضمنت من العلم والعمل، ولا يمكن في العلم إلا أنك تقف على كل مسمى منهما مثل الطاغوت، أكاد ٢ سليمان والمويس وعريعر وأبا ذراع والشيطان رؤوسهم ٣. كذلك قف عند الأرباب منهم، أكادهم ٤ العلماء والعباد كائنًا من كان، إن أفتوك بمخالفة الدين ولو جهلًا منهم فأطعتهم. كذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ ٥، يفسرها قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ﴾ ٦ الآية. كذلك قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ ٧، وهذه أعم مما قبلها، وأضرها، وأكثرها وقوعًا، ولكن أظنك وكثير من أهل الزمان ما يعرف من الآلهة المعبودة إلا هبل ويغوث ويعوق ونسرًا واللات والعزى ومناة. فإن جاد فهمه عرف أن المقامات المعبودة اليوم من البشر والشجر والحجر ونحوها مثل شمسان وإدريس وأبو حديدة ونحوهم، منها.
هذا ما أثمر به الجهل والغفلة والإعراض عن
_________________
(١) ١ سورة التوبة آية: ٣١. ٢ في الدرر: (تجد) . ٣ في الدرر: (رئيسهم) . ٤ في الدرر: (تجدهم) . ٥ سورة البقرة آية: ١٦٥. ٦ سورة التوبة آية: ٢٤. ٧ سورة الجاثية آية: ٢٣.
[ ١٧٢ ]
تعلم دين الله ورسوله؛ ومع هذا يقول لكم شيطانكم المويس أن بنيات حرمة وعيالهم ١ يعرفون التوحيد فضلًا عن رجالهم، وأيضًا تعلم معنى "لا إله إلا الله" بدعة. فإن استغربت ذلك مني، فأحضر عندك جماعة، واسألهم عما يُسألون عنه في القبر، هل تراهم يعبرون عنه لفظًا وتعبيرًا؟ فكيف إذا طولبوا بالعلم والعمل؟
هذا ما أقول لك، فإن بان لك شيء من ذلك ارتعت روعة صدق على ما فاتك من العلم والعمل في دين الإسلام، أكبر من روعتك التي ذكرت في رسالتك من تجهيلنا جماعتك. ولكن هذا حق ٢، من أعرض عما جاء به رسول الله ﷺ من دين الإسلام، فكيف بمن له قريب من أربعين سنة يسب دين الله ورسوله، ويبغضه ويصد عنه مهما أمكن؟ فلما عجز عن التمرد في دينه الباطل، وقيل له: أجب عن دينك، وجادل دونه وانقطعت حجته، أقر أن هذا الذي عليه ابن عبد الوهاب أنه هو دين الله ورسوله، قيل له: فالذي عليه أهل حرمة؟ قال: هو دين الله ورسوله. كيف يجتمع هذا وهذا في قلب رجل واحد؟ فكيف بجماعات عديدة، بين الطائفتين من الاختلاف سنين عديدة ما هو معروف، حتى أن كلًا منهم شهر السيف دون دينه، واستمر الحرب مدة طويلة، وكل منهم يدعي صحة دينه ويطعن في دين الآخر؟ نعوذ بالله من سوء الفهم، وموت القلوب. أهل دينين مختلفين، وطائفتان يقتتلون كل منهم على صحة دينه، ومع هذا يتصور أن الكل دين صحيح يدخل من دان به الجنة؟! سبحانك هذا بهتان عظيم! فكيف والناقد
_________________
(١) ١ حرمة بلد: يعني أنّ البنات والصّبيان في بلدة "حرمة" يعرفون التّوحيد فلا يحتاج أحد إلى تعلّمه من العلماء. (المنار) . ٢ أي: (جزاء) (الدرر) .
[ ١٧٣ ]
بصير؟
فيا رجل! ألق سمعك لما فرض الله عليك، خصوصًا الشهادتين، وما تضمنتاه من النفي والإثبات، ولا تغتر باللفظ والفطرة، وما كان عليه أهل الزمان والمكان، فتهلك.
فاعلم: أن أهم ما فرض على العباد: معرفة أن الله رب كل شيء ومليكه، ومدبره بإرادته. فإذا عرفت هذا، فانظر ما حق مَن هذه صفاته عليك بالعبودية، بالمحبة والإجلال والتعظيم والخوف والرجاء والتأله المتضمن للذل والخضوع لأمره ونهيه، وذلك قبل فرض الصلاة والزكاة؛ ولذلك يعرّف عباده بتقرير ربوبيته ليرتقوا بها إلى معرفة إلهيته التي هي مجموع عبادته على مراده نفيًا وإثباتًا، علمًا وعملًا، جملة وتفصيلا.
(هذا آخر الرسالة، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم) .
[ ١٧٤ ]
الرسالة السادسة والعشرون: رسالتة إلى علماء الإسلام
-٤- الرسالة السادسة والعشرون
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن عبد الوهاب، إلى من يصل إليه من علماء الإسلام، أنس الله بهم غربة الدين، وأحيا بهم سنة إمام المتقين، ورسول رب العالمين؛ سلام عليكم معشر الإخوان، ورحمة الله وبركاته.
أما بعد، فإنه قد جرى عندنا فتنة عظيمة، بسبب أشياء نهيت عنها بعض العوام من العادات التي نشؤوا عليها، وأخذها الصغير عن الكبير، مثل عبادة غير الله وتوابع ذلك من تعظيم المشاهد، وبناء القباب على القبور وعبادتها واتخاذها مساجد، وغير ذلك مما بينه الله ورسوله غاية البيان، وأقام الحجة وقطع العذرة؛ ولكن الأمر كما قال ﷺ: " بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ " ١. فلما عظم العوام قطع عاداتهم، وساعدهم على إنكار دين الله بعض من يدعي العلم، وهو من أبعد الناس عنه - إذ العالم من يخشى الله -، فأرضى الناس بسخط الله، وفتح للعوام باب الشرك بالله، وزين لهم وصدهم عن إخلاص الدين لله، وأوهمهم أنه من تنقيص الأنبياء والصالحين، وهذا بعينه هو الذي جرى على رسول الله ﷺ لما ذكر أن عيسى، ﵇، عبد مربوب، ليس له من الأمر شيء، قالت النصارى: إنه سبَّ المسيح وأمه، وهكذا قالت الرافضة لمن عرف حقوق أصحاب رسول الله ﷺ وأحبهم، ولم يغلُ فيهم، رموه ببغض أهل بيت رسول الله ﷺ. وهكذا هؤلاء، لما ذكرت لهم ما ذكره الله ورسوله، وما ذكره أهل العلم من جميع الطوائف، من الأمر بإخلاص الدين لله، والنهي عن مشابهة
_________________
(١) ١ مسلم: الإيمان (١٤٥)، وابن ماجة: الفتن (٣٩٨٦)، وأحمد (٢/٣٨٩) .
[ ١٧٦ ]
أهل الكتاب من قبلنا في اتخاذ الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله، قالوا لنا: تنقصتم الأنبياء والصالحين والأولياء. والله تعالى ناصر لدينه ولو كره المشركون.
وها أنا أذكر مستندي في ذلك، من كلام أهل العلم من جميع الطوائف؛ فرحم الله من تدبرها بعين البصيرة، ثم نصر الله ورسوله وكتابه ودينه، ولم تأخذه في ذلك لومة لائم.
فأما كلام الحنابلة: فقال الشيخ تقي الدين، ﵀، لما ذكر حديث الخوارج: فإذا كان في زمن النبي ﷺ وخلفائه ممن قد انتسب إلى الإسلام من مرق منه مع عبادته العظيمة، فيعلم أن المنتسب إلى الإسلام والسنة قد يمرق أيضًا، وذلك بأمور، منها: الغلو الذي ذمه الله تعالى، كالغلوّ في بعض المشايخ كالشيخ عدي، بل الغلوّ في عليّ بن أبي طالب، بل الغلوّ في المسيح ونحوه. فكل من غلا في نبي أو رجل صالح، وجعل فيه نوعًا من الإلهية، مثل أن يدعوه من دون الله بأن يقول: يا سيدي فلان أغثني! أو أجرني! أو أنت حسبي، أو أنا في حسبك، فكل هذا شرك وضلال، يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل. فإن الله أرسل الرسل ليعبد وحده، لا يجعل معه إله آخر.
والذين يجعلون مع الله آلهة، أخرى مثل الملائكة أو المسيح أو العزير أو الصالحين أو غيرهم، لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق وترزق، وإنما كانوا يدعونهم، يقولون: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ١، فبعث الله الرسل تنهى أن يدعى أحد من دون الله، لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة. انتهى. وقال في الإقناع، في أول باب حكم المرتد، أن من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم، فهو كافر إجماعًا.
وأما كلام الحنفية: فقال الشيخ قاسم في شرح درر البحار: النذر الذي
_________________
(١) ١ سورة يونس آية: ١٨.
[ ١٧٧ ]
يقع من أكثر العوام، بأن يأتي إلى قبر بعض الصلحاء قائلا: يا سيدي! إن ردَّ غائبي، أو عوفي مريضي، أو قضيت حاجتي، فلك من الذهب أو الطعام أو الشمع كذا وكذا، باطل إجماعًا، بوجوه، منها: أن النذر للمخلوق لا يجوز. ومنها: أنه ظن الميت يتصرف في الأمر، واعتقاد هذا كفر - إلى أن قال - وقد ابتلي الناس بذلك، ولا سيما في مولد الشيخ أحمد البدوي. وقال الإمام البزازي في فتاويه: إذا رأى رفض صوفية زماننا هذا في المساجد مختلطًا بهم جهال العوام، الذين لا يعرفون القرآن والحلال والحرام، بل لا يعرفون الإسلام والإيمان، لهم نهيق يشبه نهيق الحمير، يقول: هؤلاء لا محالة اتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا. فويل للقضاة والحكام حيث لا يغيرون هذا مع قدرتهم.
وأما كلام الشافعية: فقال الإمام محدث الشام: أبو شامة، وهو في زمن الشارح وابن حمدان في كتاب الباعث على إنكار البدع والحوادث: لكن نبين من هذا ما وقع فيه جماعة من جهال العوام، النابذين لشريعة الإسلام، وهو ما يفعله الطوائف من المنتسبين إلى الفقر، الذي حقيقته الافتقار من الإيمان، من مؤاخاة النساء الأجانب، واعتقادهم في مشايخ لهم، وأطال ﵀ الكلام - إلى أن قال - وبهذه الطرق وأمثالها، كان مبادئ ظهور الكفر من عبادة الأصنام وغيرها. ومن هذا: ما قد عم الابتلاء به من تزيين الشيطان للعامة تخليق الحيطان والعمد، وسرج مواضع مخصوصة في كل بلد يحكي لهم حاك أنه رأى في منامه بها أحدًا ممن شهر بالصلاح، ثم يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم، ويرجون الشفاء لمرضاهم وقضاء حوائجهم بالنذر لها، وهي ما بين عيون وشجر وحائط. وفي
[ ١٧٨ ]
مدينة دمشق، صانها الله، من ذلك مواضع متعددة. ثم ذكر، ﵀، الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ، لما قال له بعض من معه: اجعل لنا ذات أنواط، قال: " الله أكبر! قلتم، والذي نفس محمد بيده، كما قال قوم موسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ " ١. انتهى كلامه، ﵀. وقال: في اقتضاء الصراط المستقيم: إذا كان هذا كلامه ﷺ في مجرد قصد شجرة لتعليق الأسلحة والعكوف عندها، فكيف بما هو أعظم منها، الشرك بعينه بالقبور ونحوها؟
وأما كلام المالكية: فقال أبو بكر الطرطوشي في كتاب الحوادث والبدع، لما ذكر حديث الشجرة ذات أنواط: فانظروا، رحمكم الله، أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس ويعظمون من شأنها، ويرجون البرء والشفاء لمرضاهم من قبلها، فهي ذات أنواط، فاقطعوها.
وذكر حديث العرباض بن سارية الصحيح، وفيه قوله ﷺ: " فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين! عضوا عليها بالنواجذ! وإياكم ومحدثات الأمور! فإن كل بدعة ضلالة " ٢. قال في البخاري عن أبي الدرداء أنه قال: " والله ما أعرف من أمر محمد شيئًا إلا أنهم يصلون جميعًا ". وروى مالك في الموطإ عن بعض الصحابة أنه قال: " ما أعرف شيئًا مما أدركت عليه الناس، إلا النداء بالصلاة ". قال الزهري: دخلت على أنس بدمشق وهو يبكي فقال:؟ " ما أعرف شيئا مما أدركت إلا هذه الصلاة؛ وهذه الصلاة قد ضيعت ". قال الطرطوشي، ﵀: فانظروا، رحمكم الله، إذا كان في ذلك الزمن طمس
_________________
(١) ١ سنن الترمذي: كتاب الفتن (٢١٨٠)، ومسند أحمد (٥/٢١٨) . ٢ الترمذي: العلم (٢٦٧٦)، وأبو داود: السنة (٤٦٠٧)، وابن ماجة: المقدمة (٤٢)، وأحمد (٤/١٢٦)، والدارمي: المقدمة (٩٥) .
[ ١٧٩ ]
الحق، وظهر الباطل، حتى ما يعرف من الأمر القديم إلا القبلة، فما ظنك بزمانك هذا؟ والله المستعان.
وليعلم الواقف على هذا الكلام من أهل العلم، أعزهم الله، أن الكلام في مسألتين:
الأولى: أن الله سبحانه بعث محمدًا ﷺ لإخلاص الدين لله، لا يجعل معه أحد في العبادة والتأله، لا ملك ولا نبي، ولا قبر ولا حجر ولا شجر، ولا غير ذلك، وأن من عظم الصالحين بالشرك بالله فهو يشبه النصارى؛ وعيسى ﵇ بريء منهم.
والثانية: وجوب اتباع سنة رسول الله ﷺ، وترك البدع، وإن اشتهرت بين أكثر العوام؛ وليعلم أن العوام محتاجون إلى كلام أهل العلم من تحقيق هذه المسائل، ونقل كلام العلماء. فرحم الله من نصر الله ورسوله ودينه، ولم تأخذه في الله لومة لائم. والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
[ ١٨٠ ]
الرسالة السابعة والعشرون: رسالته إلى عامة المسلمين
-٥- الرسالة السابعة والعشرون
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى من يصل إليه من المسلمين، هدانا الله وإياهم لدينه القويم، وسلوك صراطه المستقيم، ورزقنا وإياهم ملة الخليلين محمد وإبراهيم.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد، قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ ٣ إلى قوله: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ ٤ الآية؛ فيجب على كل إنسان يخاف الله والنار، أن يتأمل كلام ربه الذي خلقه. هل يحصل لأحد من الناس أن يدين الله بغير دين النبي ﷺ؟ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ ٥ الآية، ودين النبي ﷺ: التوحيد، وهو معرفة لا إله إلا الله، محمد رسول الله، والعمل بمقتضاهما.
فإن قيل: كل الناس يقولونها، قيل: منهم من يقولها، ويحسب معناها: أنه لا يخلق إلا الله، ولا يرزق إلا الله، وأشباه ذلك. ومنهم من لا يفهم
_________________
(١) ١ سورة الأنفال آية: ٣٩. ٢ سورة آل عمران آية: ١٠٣. ٣ سورة الشورى آية: ١٣. ٤ سورة الشورى آية: ١٣. ٥ سورة النساء آية: ١١٥.
[ ١٨٢ ]
معناها. ومنهم من لا يعمل بمقتضاها. ومنهم من لا يعقل حقيقتها. وأعجب من ذلك: من عرفها من وجه، وعاداها وأهلها من وجه. وأعجب منه: من أحبها، وانتسب إلى أهلها، ولم يفرق بين أوليائها وأعدائها. يا سبحان الله العظيم! أتكون طائفتان مختلفتين في دين واحد، وكلهم على الحق؟! كلا والله! فماذا بعد الحق إلا الضلال.
فإذا قيل: التوحيد زين، والدين حق، إلا التكفير والقتال، قيل: اعملوا بالتوحيد ودين الرسول، ويرتفع حكم التكفير والقتال. فإن كان حق التوحيد الإقرار به، والإعراض عن أحكامه، فضلًا عن بغضه ومعاداته، فهذا والله عين الكفر وصريحه. فمن أشكل عليه من ذلك شيء، فليطالع سيرة محمد ﷺ وأصحابه.
والسلام عائد عليكم كما بدأ، ورحمة الله وبركاته.
[ ١٨٣ ]
الرسالة الثامنة والعشرون: رسالته إلى أهل الرياض ومنفوحة
- ٦- الرسالة الثامنة والعشرون: ومنها رسالة أرسلها إلى أهل الرياض ومنفوحة، وهو إذ ذاك مقيم في بلد العيينة، وكتب إلى عبد الله بن عيسى قاضي الدرعية يسجل تحتها بما رآه من الكلام، ليكون ذلك سببًا لقولها، وهذا نص الرسالة:
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن عبد الوهاب، إلى من يصل إليه هذا الكتاب من المسلمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد، فقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ ١، وذلك أن الله أرسل محمدًا ﷺ ليبين للناس الحق من الباطل؛ فبين ﷺ للناس جميع ما يحتاجون إليه في أمر دينهم بيانًا تامًا، وما مات ﷺ حتى ترك الناس على المحجة البيضاء ليلها كنهارها. فإذا عرفت ذلك، فهؤلاء الشياطين من مردة الإنس، يحاجون في الله من بعد ما استجيب له، إذا رأوا من يعلم الناس ما أمرهم به محمد ﷺ من شهادة أن لا إله إلا الله، وما نهاهم عنه، مثل الاعتقاد في المخلوقين الصالحين وغيرهم، قاموا يجادلون ويلبسون على الناس، ويقولون: كيف تكفّرون المسلمين؟ كيف تسبون الأموات؟ آل فلان أهل ضيف، آل فلان أهل كذا وكذا؛ ومرادهم بهذا: لئلا يتبين معنى "لا إله إلا الله"، ويتبين أن الاعتقاد في الصالحين النفع والضر ودعاءهم كفر ينقل عن الملة؛ فيقولون الناس لهم: إنكم قبل ذلك جهال لأي شيء لم تأمرونا بهذا.
وأنا أخبركم عن نفسي، والله الذي لا إله إلا هو،
_________________
(١) ١ سورة الشورى آية: ١٦.
[ ١٨٦ ]
لقد طلبت العلم، واعتقدَ من عرفني أن لي معرفة، وأنا ذلك الوقت لا أعرف معنى "لا إله إلا الله"، ولا أعرف دين الإسلام قبل هذا الخير الذي مَنَّ الله به، وكذلك مشايخي، ما منهم رجل عرف ذلك. فمن زعم من علماء العارض أنه عرف معنى "لا اله إلا الله"، أو عرف معنى الإسلام قبل هذا الوقت، أو زعم عن مشايخه أن أحدًا عرف ذلك ١، فقد كذب وافترى، ولبس على الناس، ومدح نفسه بما ليس فيه. وشاهد هذا أن عبد الله بن عيسى ما نعرف في علماء نجد ولا علماء العارض ولا غيره أجلّ منه، وهذا كلامه واصل إليكم إن شاء الله.
فاتقوا الله عباد الله، ولا تكبروا على ربكم، ولا نبيكم. واحمدوه سبحانه الذي منّ عليكم ويسر لكم من يعرّفكم بدين نبيكم ﷺ. ولا تكونوا من الذين بدلوا نعمة الله كفرًا وأحلوا قومهم دار البوار؛ جهنم يصلونها وبئس القرار. إذا عرفتم ذلك، فاعلموا أن قول الرجل: لا إله إلا الله: نفي وإثبات، إثبات الألوهية كلها لله وحده، ونفيها عن الأنبياء والصالحين وغيرهم. وليس معنى الألوهية أنه لا يخلق ولا يرزق ولا يدبر ولا يحيي ولا يميت إلا الله؛ فإن الكفار الذين قاتلهم رسول الله ﷺ يقرون بهذا، كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ٢. فتفكروا عباد الله فيما ذكر الله عن الكفار، أنهم مقرون بهذا كله لله وحده لا شريك له، وإنما كان شركهم أنهم يدعون الأنبياء والصالحين، ويندبونهم وينذرون لهم، ويتوكلون
_________________
(١) ١ في المخطوطة والمصورة: (أو زعم أن أحدًا من مشايخه عرف ذلك) . ٢ سورة يونس آية: ٣١.
[ ١٨٧ ]
عليهم، يريدون منهم أنهم يقربونهم ١ إلى الله، كما ذكر الله عنهم ذلك في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٢.
إذا عرفتم ذلك، فهؤلاء الطواغيت الذين يعتقد الناس فيهم، من أهل الخرج وغيرهم، مشهورون عند الخاص والعام بذلك، وأنهم يترشحون له ويأمرون به الناس، كلهم كفار مرتدون عن الإسلام؛ ومن جادل عنهم، أو أنكر على من كفّرهم، أو زعم أن فعلهم هذا لو كان باطلًا فلا يخرجهم إلى الكفر، فأقلّ أحوال هذا المجادل أنه فاسق لا يقبل خطه ولا شهادته، ولا يصلى خلفه، بل لا يصح دين الإسلام إلا بالبراءة من هؤلاء وتكفيرهم، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ ٣. ومصداق هذا: أنكم إذا رأيتم من يخالف هذا الكلام وينكره، فلا يخلو: إما أن يدعي أنه عارف، فقولوا له: هذا الأمر العظيم لا يغفل عنه، فبينْ لنا ما يصدقك من كلام العلماء إذا لم تعرف كلام الله ورسوله؛ فإن زعم أن عنده دليلًا، فقولوا له يكتبه حتى نعرضه على أهل المعرفة، ويتبين لنا أنك على الصواب ونتبعك؛ فإن نبينا ﷺ قد بين لنا الحق من الباطل. وإن كان المجادل يقر بالجهل، ولا يدعي المعرفة، فيا عباد الله! كيف ترضون بالأفعال والأقوال التي تغضب الله ورسوله، وتخرجكم عن الإسلام؟ اتباعًا لرجل يقول: إني عارف، فإذا طالبتموه بالدليل عرفتم أنه لا علم عنده، أو اتباعًا لرجل جاهل، وتعرضون عن طاعة ربكم
_________________
(١) ١ في المخطوطة والمصورة: (أن يقربوهم) . ٢ سورة الزمر آية: ٣. ٣ سورة البقرة آية: ٢٥٦.
[ ١٨٨ ]
وما بينه نبيكم ﷺ وأهل العلم بعده.
واذكروا ما قص الله عليكم في كتابه لعلكم تعتبرون؛ فقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ ١، وهؤلاء أهلكهم الله بالصيحة. وأنتم الآن إذا جاءكم من يخبركم بأمر رسول الله ﷺ، إذا أنكم فريقان تختصمون، أفلا تخافون أن يصيبكم من العذاب ما أصابهم؟
والحاصل: أن مسائل التوحيد ليست من المسائل التي هي من فن المطاوعة خاصة، بل البحث عنها أو تعلمها: فرض لازم على العالم والجاهل، والمحرم والمحل، والذكر والأنثى. وأنا لا أقول لكم: أطيعوني؛ ولكن الذي أقول لكم: إذا عرفتم أن الله أنعم عليكم، وتفضل عليكم بمحمد ﷺ، وبين لكم دينكم كله، فلا تطيعوني ولا غيري، واحرصوا على ما كان يأمركم به نبيكم والعلماء بعده؛ فلا ينبغي لكم معاندة محمد ﷺ. وقولكم: إننا نكفّر المسلمين، كيف تفعلون كذا؟ كيف تفعلون كذا؟ فإنا لم نكفّر المسلمين، بل ما كفّرنا إلا المشركين.
وكذلك أيضًا، من أعظم الناس ضلالًا: متصوفة في معكال وغيره، مثل ولد موسى بن جوعان، وسلامة بن مانع، وغيرهما، يتبعون مذهب ابن عربي وابن الفارض. وقد ذكر أهل العلم أن ابن عربي من أئمة أهل مذهب الاتحادية، وهم أغلظ كفرًا من اليهود والنصارى. فكل من لم يدخل في دين محمد ﷺ ويتبرأ من دين الاتحادية، فهو كافر بريء من الإسلام، ولا تصح الصلاة خلفه، ولا تُقبل شهادته. والعجب كل العجب أن الذي يدعي المعرفة يزعم أنه لا يعرف
_________________
(١) ١ سورة النمل آية: ٤٥.
[ ١٨٩ ]
كلام الله، ولا كلام رسوله؛ بل يدعي أني أعرف كلام المتأخرين مثل الإقناع وغيره، وصاحب الإقناع قد ذكر أن من شك في كفر هؤلاء السادة والمشايخ فهو كافر. سبحان الله! كيف يفعلون أشياء في كتابهم أن من فعلها كفر، ومع هذا يقولون: نحن أهل المعرفة وأهل الصواب، وغيرنا صبيان جهال. والصبيان يقولون: أظهروا لنا كتابكم، ويأبون عن إظهاره. أما في هذا ما يدل على جهالتهم وضلالتهم؟
وكذلك أيضًا، من جهالة هؤلاء وضلالتهم: إذا رأوا من يعلّم الشيوخ وصبيانهم أو البدو، شهادة أن لا إله إلا الله، قالوا: قولوا لهم يتركون الحرام؛ وهذا من عظيم جهلهم. فإنهم لا يعرفون، إلا ظلم الأموال، وأما ظلم الشرك فلا يعرفون؛ وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ١. وأين الظلم الذي إذا تكلم الإنسان بكلمة منه، أو مدح الطواغيت أو جادل عنهم، خرج من الإسلام، ولو كان صائمًا قائمًا، من الظلم الذي لا يخرج من الإسلام، بل إما أن يؤدي إلى صاحبه بالقصاص، وإما أن يغفره الله؟! فبين الموضعين فرق عظيم.
وبالجملة، رحمكم الله، إذا عرفتم ما تقدم أن نبيكم ﷺ قد بيّن الدين كله، فاعلموا أن هؤلاء الشياطين قد أحلوا كثيرًا من الحرام في الربا والبيع وغير ذلك، وحرموا عليكم كثيرًا من الحلال، وضيقوا ما وسعه الله؛ فإذا رأيتم الاختلاف، فاسألوا عما أمر الله به ورسوله، ولا تطيعوني ولا غيري. وسلام عليكم ورحمة الله.
_________________
(١) ١ سورة لقمان آية: ١٣.
[ ١٩٠ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي هدانا للإسلام، ومنَّ علينا باتباع محمد عليه أفضل الصلاة والسلام.
وبعد، فيقول العبد الفقير إلى الله تعالى: عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن: إن أول واجب على كل ذكر وأنثى: معرفة شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك ل، هـ الذي أرسل الله بها جميع رسله، وأنزل لأجلها جميع كتبه، وجعلها أعظم حقه على عباده، كما ذكر الله لنا في كتابه، وعلى لسان رسوله في مواضع لا تحصى، منها قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ ٢، وقال: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ ٣ الآية.
وقد أمر الله عباده بالاستجابة لهذه الكلمة فقال: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ ٤، وتوعد سبحانه أفضل الخلق وأكرمهم، سيد ولد آدم والنبيين قبله، على مخالفتها فقال: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٥. فكيف بغيرهم من سائر الخلق؟ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ
_________________
(١) ١ سورة الأنبياء آية: ٢٥. ٢ سورة النحل آية: ٢. ٣ سورة النحل آية: ٣٦. ٤ سورة الشورى آية: ٤٧. ٥ سورة الزمر آية: ٦٥.
[ ١٩١ ]
نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ١. فمن نصح نفسه وأهله وعياله، وأراد النجاة من النار، فليعرف شهادة أن لا إله إلا الله؛ فإنها العروة، الوثقى وكلمة التقوى، لا يقبل الله من أحد عملًا إلا بها، لا صلاة ولا صومًا ولا حجًا ولا صدقة، ولا جميع الأعمال الصالحة، إلا بمعرفتها والعمل بها. وهي كلمة التوحيد، وحق الله على العبيد. فمن أشرك مخلوقًا فيها من ملك مقرب، أو نبي مرسل، أو وليّ، أو صحابي وغيره، أو صاحب قبر أو جني، أو غيره، أو استغاث به، أو استعان به فيما لا يُطلب إلا من الله، أو نذر له أو ذبح له، أو توكل عليه أو رجاه، أو دعاه دعاء استغاثة أو استعانة، أو جعله واسطة بينه وبين الله لقضاء حاجته، أو لجلب نفع أو كشف ضر، فقد كَفَرَ كُفْر عبّاد الأصنام، القائلين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٢، القائلين: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٣، كما ذكر الله عنهم في كتابه، وهم مخلدون في النار، وإن صاموا وصلوا وعملوا بطاعة الله الليل والنهار، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ ٤ الآية، وغيرها من الآيات. وكذلك من ترشح بشيء من ذلك، أو أحب من ترشح له، أو ذب عنه، أو جادل عنه، فقد أشرك شركًا لا يُغفر، ولا يُقبل، ولا تصح منه الأعمال الصالحة، الصوم والحج وغيرها. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ) (البينة:٦) ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ ٥ ٦، ولا يقبل عمل المشركين.
وقد نهى الله نبيه وعباده عن المجادلة عمن فعل ما دون الشرك من الذنوب
_________________
(١) ١ سورة التحريم آية: ٦. ٢ سورة الزمر آية: ٣. ٣ سورة يونس آية: ١٨. ٤ سورة البينة آية: ٦. ٥ سورة النساء آية: ٤٨. ٦ في المخطوطة: (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) .
[ ١٩٢ ]
بقوله: ﴿وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ ١ الآية. فكيف بمن جادل عن المشركين، وصد عن دين رب العالمين؟ فالله الله! عباد الله! لا تغتروا بمن لا يعرف شهادة أن لا إله إلا الله، وتلطخ بالشرك وهو لا يشعر. فقد مضى أكثر حياتي ولم أعرف من أنواعه ما أعرفه اليوم؛ فلله الحمد على ما علمنا من دينه. ولا يهولنكم اليوم أن هذا الأمر غريب، فإن نبيكم ﷺ قال: " بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ " ٢، واعتبروا بدعاء أبينا إبراهيم، ﵇، بقوله في دعائه: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ ٣.
لولا ضيق هذه الكراسة، وأن الشيخ محمدًا أجاد وأفاد بما أسلفه من الكلام فيها، لأطلنا الكلام. وأما الاتحادي ابن عربي صاحب الفصوص المخالف للنصوص، وابن الفارض الذي لدين الله محارب وبالباطل للحق معارض، فمن تمذهب بمذهبهما فقد اتخذ مع غير الرسول سبيلًا، وانتحل طريق المغضوب عليهم والضالين المخالفين لشريعة سيد المرسلين؛ فإن ابن عربي وابن الفارض ينتحلان نحلًا تكفرهما، وقد كفّرهم كثير من العلماء العاملين. فهؤلاء يقولون كلامًا أخشى المقت من الله في ذكره، فضلًا عمن انتحله؛ فإن لم يتب إلى الله من انتحل مذهبهما، وجب هجره وعزله عن الولاية إن كان ذا ولاية، من إمامة أو غيرها؛ فإن صلاته غير صحيحة لا لنفسه ولا لغيره. فإن قال جاهل: أرى عبد الله توّه يتكلم في هذا الأمر، فيعلم أنه إنما تبين لي الآن وجوب الجهاد في ذلك عليّ وعلى غيري، لقوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ ٤ إلى أن قال: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ ٥. وصلى الله على محمد وآله وسلم.
_________________
(١) ١ سورة النساء آية: ١٠٧. ٢ مسلم: الإيمان (١٤٥)، وابن ماجة: الفتن (٣٩٨٦)، وأحمد (٢/٣٨٩) . ٣ سورة إبراهيم آية: ٣٥-٣٦. ٤ سورة الحج آية: ٧٨. ٥ سورة الحج آية: ٧٨.
[ ١٩٣ ]
الرسالة التاسعة والعشرون: رسالته إلى عامة المسلمين
-٧- الرسالة التاسعة والعشرون: ومنها الرسالة التي أرسلها إلى بعض البلدان، قال فيها:
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن عبد الوهاب، إلى من يصل إليه هذا الكتاب من المسلمين،
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد، فاعلموا، رحمكم الله، أن الله بعث محمدًا ﷺ إلى الناس بشيرًا ونذيرًا، مبشرًا لمن اتبعه بالجنة ومنذرًا لمن لا يتبعه بالنار. وقد علمتم إقرار كل من له معرفة أن التوحيد الذي بينا للناس هو الذي أرسل الله به رسله، حتى كل مطوع معاند يشهد بذلك، وأن الذي عليه غالب الناس من الاعتقادات في الصالحين وفي غيرهم هو الشرك الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ ١. فإذا تحققتم هذا، وعرفتم أنهم يقولون: لو يترك ٢ أهل العارض التكفير والقتال، كانوا على دين الله ورسوله، ونحن ما جئناكم في التكفير والقتال، لكن ننصحكم بهذا الذي قطعتم أنه دين الله ورسوله إن كنتم تعلمونه وتعملون به ٣، إن كنتم من أمة محمد باطنًا وظاهرًا.
وأنا أبين لكم هذه بمسألة القبلة، أن النبي ﷺ وأمته يصلّون، والنصارى يصلّون، ولكن قبلته ﷺ وأمته بيت الله، وقبلة النصارى مطلع الشمس؛ فالكل منا ومنهم يصلي، ولكن اختلفنا في القبلة. ولو أن رجلًا من أمة محمد ﷺ يقر بهذا، ولكن يكره من يستقبل القبلة، ويحب من يستقبل
_________________
(١) ١ سورة المائدة آية: ٧٢. ٢ في المصورة: (لو يسلم) . ٣ في المخطوطة والمصورة: (أنكم تعلمونه) .
[ ١٩٦ ]
الشمس، أتظنون أن هذا مسلم؟ وهذا ما نحن فيه. فالنبي ﷺ بعثه الله بالتوحيد، وأن لا يدعى مع الله أحد، لا نبي ولا غيره، والنصارى يدعون عيسى رسول الله، ويدعون الصالحين يقولون: ليشفعوا لنا عند الله، فإذا كان كل مطوع مقرًا بالتوحيد، فاجعلوا التوحيد مثل القبلة، واجعلوا الشرك مثل استقبال المشرق، مع أن هذا أعظم من القبلة. وأنا أنصحكم لله، وأنخاكم لا تضيعوا حظكم من الله، وتحبون دين النصارى على دين نبيكم. فما ظنكم بمن واجه الله وهو يعلم من قلبه أنه عرف أن التوحيد دينه ودين رسوله، وهو يبغضه ويبغض من اتبعه، ويعرف أن دعوة غيره هو الشرك، ويحبه ويحب من اتبعه، أتظنون أن الله يغفر لهذا؟ والنصيحة لمن خاف عذاب الآخرة، وأما القلب الخالي من ذلك فلا. والسلام.
[ ١٩٧ ]
الرسالة الثلاثون: رسالتة إلى الأخ فايز
-٨- الرسالة الثلاثون
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى الأخ فايز، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد، مسألة الشرك بالله بيّنها الله سبحانه، وأكثر الكلام فيها، وضرب لها الأمثال; ومن أعظم ما ذكر فيها قوله: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ١، مع أن الذين طلبوا منه ليس شرك القلب. وأما كونك تعرفه مثل معرفة الفواحش، وتكرهه كما تكرهها، فهذا له سببان: أحدهما: اللجوء إلى الله، وكثرة الدعاء بالهداية إلى الصراط المستقيم بحضور قلب. الثاني: الفكرة في المثل الذي ضربه الله في سورة الروم بقوله: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ ٢ الآية. فإذا أمعنت النظر وتأملت، لو أن رجلًا يشرك بين رسول الله ﷺ وبين مسيلمة في الرسالة، أنها أكبر قبحًا من الفواحش، فكيف لو يشرك بين رسول الله ﷺ وبين امرأة زانية؟ وأنت تعرف أن أهل بلد لو يصلون على شيخهم أو إمامهم كما يصلون على النبي ﷺ، عد هذا من أعظم الفواحش بكثير. فإذا وازنت بين هذا وبين ما يفعله أكثر الناس اليوم من دعوة الله ودعوة أبي طالب أو الكواز، أو أخس الناس، أو شجرة أو حجر أو غير ذلك، تبين لك أن الأمر أعظم مما ذكرنا بكثير. لكن الذي غير القلوب، أن هذا تعودته وألفته، وتلك الأنواع لم تعودها القلوب، فلذلك تكرهها، لأن القلوب على الفطرة إلا أن تتغير إذا كبرت بالعادات. والسلام.
_________________
(١) ١ سورة الزمر آية: ٦٥. ٢ سورة الروم آية: ٢٨.
[ ٢٠٠ ]