سرد الأقوال المختلفة في المسألة
فصل
وأمّا المسألة الخامسة عشرة (^١)
وهي: أين (^٢) مستقرُّ الأرواح ما بين الموت إلى القيامة؟ هل هي في السماء أم (^٣) في الأرض؟ وهل هي في الجنة والنار (^٤) أم لا؟ وهل تُودَع في أجساد غير أجسادها التي كانت فيها، فتنعَّم وتعذَّب فيها، أم تكون مجرَّدة؟
فهذه مسألة عظيمة تكلَّم فيها الناس، واختلفوا فيها. وهي إنما تُتلقَّى من السمع فقط، واختُلِف في ذلك (^٥).
فقال قائلون: أرواح المؤمنين عند الله في الجنة ــ شهداء كانوا أم غير شهداء ــ إذا لم يحبسهم عن الجنة كبيرةٌ ولا دَيْن، وتلقَّاهم (^٦) ربّهم بالعفو عنهم والرحمة لهم. وهذا مذهب أبي هريرة، وعبد الله بن عمرو (^٧).
_________________
(١) (ق، غ): «عشر» بالتذكير. وفي (ن): «السادسة عشر». ولم يرد فيها «فصل وأمَّا».
(٢) ما عدا الأصل: «أن».
(٣) (ن): «هل هو في السماء أو».
(٤) (ق، ن): «أو النار».
(٥) لخَّص هذه المسألة من كتاب الروح شارح الطحاوية (٣٩٨ ــ ٤٠١) دون الإشارة إليه.
(٦) في (أ، ب، ط، ج): «يلقاهم». والمثبت من (ق) والتمهيد لابن عبد البر (١١/ ٥٩).
(٧) في (أ، ق، غ): «عبد الله بن عمر»، وكذا في التمهيد، ولعل الصواب: «عبد الله بن عمرو» كما أثبتنا من النسخ الأخرى. وسيأتي هكذا في الأصل أيضًا. وكذا نقله ابن رجب في الأهوال (١٠٥) عن ابن عبد البر. والعبارة «فقال قائلون عمرو» منقولة من التمهيد، وسيأتي النص على ذلك.
[ ١ / ٢٧٤ ]
وقالت طائفة: هم بفناء الجنة على بابها يأتيهم من رَوْحها [٥٨ ب] ونعيمها ورزقها.
وقال طائفة: الأرواح على أفنية قبورها.
وقال مالك: بلغني أنَّ الروح مرسَلة تذهب حيث شاءت (^١).
وقال الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله: أرواح الكفار (^٢) في النار، وأرواح المؤمنين في الجنة (^٣).
وقال أبو عبد الله بن منده: وقال طائفة من الصحابة والتابعين: أرواح المؤمنين عند الله ﷿، ولم يزيدوا على ذلك.
قال: وروي عن جماعة من الصحابة والتابعين أنّ (^٤) أرواح المؤمنين بالجابية، وأرواح الكفار ببَرَهُوتَ: بئرٌ بحضرموت (^٥).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا عنه في كتاب ذكر الموت. كذا في مجموع الفتاوى (٤/ ٢٩٥) ولم أجده في المطبوع منه. وذكره ابن عبد البر في الاستذكار (٣/ ٨٨).
(٢) (ب، ط، ج، ن): «إن أرواح».
(٣) كذا حكاه القاضي أبو يعلى ومن اتبعه عن عبد الله بن أحمد عن أبيه. ولم ينقله عبد الله، وإنما نقله حنبل. قاله ابن رجب في الأهوال (١٠٣). وفي مسائل عبد الله (٥٤٦): سألت أبي عن أرواح الموتى: أتكون في أفنية قبورها، أم في حواصل طير، أم تموت كما تموت الأجساد؟ فقال: قد روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: «نسمة المؤمن طائر يعلق » الحديث. ثم ذكر قول عبد الله بن عمرو: إن أرواح المؤمنين في أجواف طير خضر إلخ.
(٤) لم ترد «أن» في (ب، ط، ج، ن).
(٥) أخرجه ابن أبي الدنيا في ذكر الموت (٥٤٤) عن عبد الله بن عمرو.
[ ١ / ٢٧٥ ]
وقال صفوان بن عمرو: سألت عامر بن عبد الله أبا اليمان: هل لأنفس المؤمنين مجتمَع؟ فقال: إنَّ الأرض التي يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] قال: هي الأرض التي يجتمع إليها أرواح المؤمنين (^١) حتى يكون البعث (^٢)، وقالوا: هي الأرض التي يُورِثها الله المؤمنين في الدنيا.
وقال كعب: أرواح المؤمنين في علِّيين في السماء السابعة، وأرواح الكفار في سجِّينٍ في الأرض السابعة تحت خَدّ إبليس (^٣).
وقالت طائفة: أرواح المؤمنين ببئر زمزم، وأرواح الكفار ببئر بَرَهُوتَ (^٤).
وقال سلمان الفارسي: أرواح المؤمنين (^٥) في برزخ من الأرض تذهب حيث شاءت، وأرواح الكفار في سجِّين (^٦). وفي لفظ عنه: نَسَمةُ المؤمن
_________________
(١) زاد في (ط): «في الدنيا».
(٢) قال السيوطي في شرح الصدور (٣٣٠): «أخرجه ابن منده. وهذا غريب جدًّا. وتفسير الآية بذلك أغرب». وأخرجه ابن جرير في تفسيره (١٦/ ٤٣٧). وانظر: الأهوال (١١٤). وسيأتي الكلام على الآية.
(٣) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١٢٢٣) والطبري في التفسير (٢٤/ ١٩٤، ١٩٥) وسيأتي الأثر كاملًا عند مناقشة القائلين بأن أرواح المؤمنين عند الله تعالى ولم يزيدوا على ذلك.
(٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في ذكر الموت (٥٤١، ٥٤٢) عن علي بن أبي طالب.
(٥) (ط): «إن أرواح المؤمنين». وقد سقط من (ب، ج): «أرواح من الأرض».
(٦) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٤٢٩) وابن أبي الدنيا في ذكر الموت (٥٤٣).
[ ١ / ٢٧٦ ]
تذهب في الأرض حيث شاءت (^١).
وقالت طائفة: أرواح المؤمنين عن يمين آدم، وأرواح الكفار عن شماله.
وقالت طائفة أخرى منهم ابن حزم (^٢): مستقرُّها حيث كانت قبل خلق أجسادها.
قال (^٣): والذي نقول به (^٤) في مستقَرِّ الأرواح هو ما قاله الله ﷿ ونبيُّه - ﷺ -، لا نتعداه. فهو البرهان الواضحُ، وهو أنَّ الله ﷿ قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ (^٥) وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ [الأعراف: ١١]، فصحَّ أنَّ الله تعالى خلق الأرواح جملةً. وكذلك أخبر - ﷺ -: «أنّ الأرواح جنودٌ مجنَّدةٌ، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف» (^٦). وأخذ الله عهدها وشهادتها له (^٧) بالربوبية، وهي
_________________
(١) صفة الصفوة (١/ ٥٥٥).
(٢) (ن): «أبو محمد ابن حزم».
(٣) في الفِصَل (٢/ ٣٢١ ــ ٣٢٢).
(٤) (ن): «نعوِّل عليه، ونقول به».
(٥) كذا في جميع النسخ على قراءة أبي عمرو من السبعة. ولم يثبت ناسخ (ن) الآية كاملة.
(٦) أخرجه البخاري من حديث عائشة (٣٣٣٦)، ومسلم من حديث أبي هريرة (٢٦٣٨).
(٧) «له» ساقط من (ن). وفي (ط): «وأخذ شهادتها له». وفي (ب، ج): «وأخذ الله شهادتها له».
[ ١ / ٢٧٧ ]
مخلوقة مصوَّرة عاقلة، قبل أن يأمر الملائكة بالسجود لآدم، وقبل أن يُدخلَها في الأجساد، والأجسادُ يومئذ تراب وماء. ثم أقرَّها (^١) حيث شاء، وهو البرزخ الذي ترجع إليه عند الموت. ثم لا يزال يبعث منها الجملةَ بعد الجملة، فينفخها في الأجساد المتولِّدة من المنيِّ.
إلى أن قال: فصحَّ أنَّ الأرواح أجسام حاملة (^٢) لأعراضها من التعارف والتناكر، وأنَّها عارفة مميزة. فيبلوهم الله في الدنيا كما يشاء، ثم يتوفّاها، فترجعُ إلى البرزخ الذي رآها فيه رسول الله - ﷺ - ليلة أُسري به عند سماء الدنيا. أرواحُ أهل السعادة عن يمين آدم، وأرواح أهل الشقاء عن يساره، وذلك عند منقطع العناصر. وتُعجَّل أرواحُ الأنبياء والشهداء إلى الجنة.
قال: وقد ذكر محمد بن نصر المروزي عن إسحاق بن راهويه أنه ذكر هذا الذي قلنا بعينه. قال: وعلى هذا أجمع أهل العلم.
قال ابن حزم: وهو قول جميع أهل الإسلام. قال: وهذا هو قول الله تعالى: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٨ ــ ١٤] (^٣)، وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٨ ــ ٨٩] إلى
آخرها.
_________________
(١) (ب، ط): «أخرها». (ج): «أخرجها». وكلاهما تصحيف.
(٢) (ب، ط، ق، ج): «كاملة»، تصحيف.
(٣) لم يثبت ناسخ (ن) إلا الآيتين (٨، ٩).
[ ١ / ٢٧٨ ]
فلا تزال (^١) الأرواح هنالك حتى يتمَّ عدد الأرواح (^٢) كلِّها بنفخها في الأجساد، ثم برجوعها (^٣) إلى البرزخ، فتقوم الساعة، ويعيد الله ﷿ الأرواح إلى الأجساد ثانيةً (^٤)، وهي الحياة الثانية، ويحاسب الخلق: فريق في الجنة، وفريق في السعير، مخلَّدين أبدًا. انتهى.
وقال أبو عمر بن عبد البرّ: أرواح الشهداء في الجنة، وأرواح عامَّة المؤمنين على أفنية قبورهم. [٥٩ ب] ونحن نذكر كلامه وما احتجَّ به، ونبيِّن ما فيه.
وقال ابن المبارك، عن ابن جريج، فيما قرئ (^٥) عليه عن مجاهد: ليس هي في الجنة، ولكن يأكلون من ثمارها، ويجدون ريحها (^٦).
وذكر معاويةُ بن صالح عن سعيد بن سويد أنه سأل ابن شهاب عن أرواح المؤمنين، فقال: بلغني أنَّ أرواح الشهداء كطير خضر معلَّقة بالعرش، تغدو وتروح إلى رياض الجنة، تأتي ربَّها في (^٧) كلِّ يوم، تسلِّمُ عليه (^٨).
_________________
(١) (ن): «ولا تزال».
(٢) (ن): «عددها».
(٣) (ن): «يرجعها» ولعله إصلاح من الناسخ؛ لأنه أثبت قبله: «ينفخها».
(٤) (ن): «ثانيًا».
(٥) كذا في الأصل والتمهيد. وفي (ب، ط، ق، ج): «قرأ»، ومثله في تفسير ابن المنذر. وفي (ن): «قرأه».
(٦) أخرجه من هذا الطريق ابن عبد البر في التمهيد (١١/ ٦٣) وابن المنذر في تفسيره (١١٧٩). وانظر تفسير مجاهد (٢١). وقوله: «هي» أي أرواح الشهداء. وانظر: الاستذكار (٣/ ٩٠).
(٧) ساقطة من (ن).
(٨) عزاه ابن رجب في الأهوال (٩٣) إلى ابن منده. وفيه: «يحيى بن صالح عن سعيد». وانظر: شرح الصدور (٣٠٥).
[ ١ / ٢٧٩ ]
وقال أبو عمر بن عبد البرّ (^١) في شرح حديث ابن عمر: «إنّ أحدكم إذا مات عُرِض عليه مقعدُه بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار. يقال له: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إلى يوم القيامة» (^٢). قال (^٣): وقد استدَلَّ به مَن ذهب إلى أنَّ الأرواح على أفنية القبور. وهو أصحُّ ما ذُهِب إليه في ذلك ــ والله أعلم ــ لأنَّ الأحاديث بذلك أحسنُ مجيئًا وأثبتُ نقلًا من غيرها (^٤).
قال: والمعنى عندي أنَّها قد تكون على أفنية قبورها، لا على أنها تلزم (^٥) ولا تفارقُ أفنية القبور. بل هي (^٦) كما قال مالك (^٧) ﵀: إنه (^٨) بلغنا أنَّ الأرواح تسرح حيث شاءت.
قال: وعن مجاهد أنه قال: الأرواح على أفنية القبور سبعة أيام من يوم دفنِ الميت، لا تفارق ذلك. والله أعلم (^٩).
وقالت فرقة: مستقرُّها العدمُ المحض. وهذا قول من يقول: إنّ النفس
_________________
(١) (ب، ط، ج): «وقال أبو عمرو» وهو خطأ.
(٢) أخرجه البخاري (١٣٧٩) ومسلم (٢٨٦٦).
(٣) ساقط من (ن). وفي (ب، ط): «وقال».
(٤) «لأن غيرها» ساقط من (ق).
(٥) (ن): «لا تلزم»، وهو خطأ. وفي الاستذكار: «لا تريم» ولعله تحرّف في (ن).
(٦) «بل هي» ساقط من (أ، ق، غ). ولا يستقيم المعنى بدونها.
(٧) (ق): «الإمام مالك».
(٨) «إنه» ساقط من (أ، غ).
(٩) الاستذكار (٣/ ٨٨).
[ ١ / ٢٨٠ ]
عرَض من أعراض البدن كحياته وإدراكه، فتُعدَم بموت البدن، كما تُعدَم سائرُ الأعراض المشروطة بحياته. وهذا قولٌ مخالفٌ لنصوص القرآن والسنة وإجماع الصحابة والتابعين، كما سنذكر ذلك إن شاء الله. والمقصود: أنَّ عند هذه الفرقة المبطِلة مستقَرّ الأرواح بعد الموت العدمُ المحض.
وقالت فرقة: مستقرُّها بعد الموت أبدان أُخَر تُناسب أخلاقها وصفاتها التي اكتسبتها في حال حياتها، فتصيرُ كلُّ روح إلى بدن حيوانٍ يشاكِلُ تلك الأرواحَ. فتصيرُ النفس السَّبُعيّةُ إلى أبدان السباع، والكَلبيةُ إلى أبدان الكلاب، والبهيميةُ إلى أبدان البهائم، والدنيَّة السُّفليَّة (^١) إلى أبدان الحشرات. وهذا قول التناسُخيَّة منكري المعاد [٦٠ أ] وهو قول خارج عن أقوال أهل الإسلام كلّهم.
فهذا ما تلخَّص لي من جميع (^٢) أقوال الناس في مصير أرواحهم بعد الموت، ولا تظفر (^٣) به مجموعًا في كتاب واحد غير هذا (^٤) البتَّة. ونحن نذكر مآخذ هذه الأقوال، وما لكل قول وما عليه، وما هو الصواب من ذلك الذي دلَّ عليه الكتاب والسنَّة، على طريقتنا التي مَنَّ الله بها، وهو مَرجوُّ الإعانة (^٥) والتوفيق.
_________________
(١) (ق): «والسفلية».
(٢) كذا في (أ، ن). وهي ساقطة من (غ). وفي غيرها: «جمع».
(٣) (ب، ط، ن): «يظفر» وضبطت الياء في (ط) بالضم.
(٤) (ق): «واحد هكذا».
(٥) (ب، ط، ج): «المرجو للاعانة». وقد تحرّف «المرجو» في (ن) إلى «الموجد».
[ ١ / ٢٨١ ]
فصل: في قول من قال: إن الأرواح في الجنة
فصل
فأمَّا (^١) من قال: هي في الجنة، فاحتجَّ بقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٨، ٨٩].
قال: وهذا ذكره سبحانه عقيبَ ذكر (^٢) خروجها من البدن بالموت، وقسَّم الأرواح إلى (^٣) ثلاثة أقسام: مقرَّبين، وأخبر أنّهم (^٤) في جنّة نعيم (^٥)؛ وأصحاب يمين (^٦)، وحكم لها بالسلام (^٧)، وهو يتضمَّن سلامتها من العذاب. ومكذِّبةٍ ضالَّةٍ، وأخبر أنَّ لها نُزُلًا من حميم وتصليةَ جحيم.
قالوا: وهذا بعد مفارقتها للبدن قطعًا. وقد ذكر سبحانه حالها يوم القيامة في أول السورة. فذكر (^٨) حالها بعد الموت، وبعد البعث.
واحتجُّوا بقوله تعالى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧ ــ ٣٠]. وقد قال غيرُ واحد من الصحابة والتابعين: إنَّ هذا يقال لها عند خروجها من الدنيا، يبشِّرها
_________________
(١) (ط): «وأما».
(٢) ساقط من (ق).
(٣) (ق): «على».
(٤) كذا في الأصل و(غ). وفي غيرهما: «أنّها».
(٥) ما عدا (أ، ن، غ): «النعيم».
(٦) (ط): «اليمين».
(٧) (ن): «السلامة».
(٨) ما عدا (أ، ق، غ): «وذكر»، تصحيف.
[ ١ / ٢٨٢ ]
الملَك بذلك. ولا ينافي ذلك قولَ من قال: إن هذا يقال لها (^١) في الآخرة، فإنه يقال لها عند الموت وعند البعث (^٢).
وهذه من البشرى التي قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠] (^٣). وهذا التنزُّل (^٤) يكون عند الموت، ويكون في القبر، ويكون عند البعث، وأول بشارة الآخرة عند الموت.
وقد تقدَّم في حديث البراء بن عازب (^٥) أنَّ الملَك يقول لها عند قبضها: أبشري برَوْح ورَيحان. وهذا من ريحان الجنّة.
واحتجُّوا بما رواه مالك في الموطأ (^٦)، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، أنّه (^٧) أخبره أنَّ أباه كعب بن مالك كان يحدِّث أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «إنما نَسَمةُ المؤمن طائرٌ يعلُق في شجر الجنة حتى يَرجِعه الله إلى جسده (^٨) يوم يبعثه».
_________________
(١) «عند خروجها لها» ساقط من (ن).
(٢) انظر: مدارج السالكين (٢/ ١٧٨ ــ ١٧٩).
(٣) اختصر ناسخ (ن) الآية.
(٤) (ط): «النزل». (ن): «التنزيل». وكلاهما تصحيف.
(٥) بل في حديث أبي هريرة. وقد سبق في المسألة السادسة (ص ١٣٩).
(٦) برقم (٥٦٩). وانظر التمهيد (١١/ ٥٦).
(٧) «أنه» ساقط من (ن). و«بن مالك» ساقط من (ب، غ).
(٨) (أ، ق، غ): «إلى حياة»، تحريف.
[ ١ / ٢٨٣ ]
قال أبو عمر (^١): وفي رواية مالكٍ هذه بيانُ سماع الزهري لهذا الحديث من عبد الرحمن بن كعب بن مالك. وكذلك [٦٠ ب] رواه يونس عن الزهري قال: سمعت عبد الرحمن بن كعب بن مالك (^٢) يحدِّث عن أبيه. وكذلك رواه الأوزاعيُّ عن الزهري: حدثني عبد الرحمن بن كعب.
وقد أَعَلَّ محمد بن يحيى الذُّهلي هذا الحديث بأنَّ شعيب بن أبي حمزة، ومحمد ابن أخي الزهري، وصالح بن كيسان= روَوْه عن الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن جدِّه كعب، فيكون منقطعًا (^٣). وقال صالح بن كيسان: عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن أنَّه بلغه أنَّ كعب بن مالك كان يحدِّث. قال الذهلي: وهذا المحفوظ عندنا، وهو الذي يُشبه حديث صالح وشعيب وابن أخي الزهري.
وخالفه في هذا غيرُه من الحفَّاظ، فحكموا لمالك والأوزاعي (^٤).
قال أبو عمر (^٥): فاتفق مالك، ويونس بن يزيد، والأوزاعي، والحارث بن فُضَيل على رواية هذا الحديث عن الزهري، عن
_________________
(١) في كتاب التمهيد (١١/ ٥٦ ــ ٥٧).
(٢) «وكذلك مالك» ساقط من (ب، ج، ن).
(٣) على رأي من يرى عدم سماعه من جده، وهو قول الذهلي حيث قال في علل حديث الزهري: «ما أظنه سمع من جدِّه شيئًا». وقال الدارقطني: «روايته عن جده مرسل». انظر: تهذيب التهذيب (٩/ ٢١٥). (قالمي)
(٤) (ب، ط، ن، ج): «للأوزاعي». ولم ترد هذه الفقرة في التمهيد، فلعله من كلام المؤلف.
(٥) التمهيد (١١/ ٥٧).
[ ١ / ٢٨٤ ]
عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه. وصححه الترمذي وغيره (^١).
قال أبو عمر (^٢): ولا وجهَ عندي لما قاله (^٣) محمد بن يحيى من ذلك، ولا دليل عليه. واتفاقُ (^٤) مالك ويونس بن زيد والأوزاعيِّ ومحمد بن إسحاق أولى بالصواب، والنفسُ إلى قولهم وروايتهم أسكنُ، وهم من الحفظ والإتقان بحيث لا يقاس بهم مَن خالفهم في هذا الحديث (^٥). انتهى (^٦).
وقد قال محمد الذهلي: سمعت علي بن المديني يقول: وُلِدَ لكعبٍ (^٧) خمسة: عبد الله، وعبيد الله، ومعبد، وعبد الرحمن، ومحمد. قال الذهلي: فسمع الزهري من عبد الله (^٨) بن كعب، وكان قائد أبيه حين عمِيَ، وسمع
_________________
(١) إنما صحَّحه الترمذي (١٦٤١) من رواية سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن الزهري، عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه. بلفظ: «إن أرواح الشهداء في طير خضر تعلق من ثمرة الجنة أو شجر الجنة». ولكن صحَّحه ابن حبان (٤٦٥٧) من رواية الليث عن الزهريّ، به، بمثل رواية مالك سندًا ومتنًا. (قالمي) والجملة «وصححه الترمذي وغيره» لم ترد في التمهيد (الإصلاحي).
(٢) التمهيد (١١/ ٥٨).
(٣) (ب، ج): «والأوجه عندي ما قاله»، تحريف عكس المعنى.
(٤) (ط): «ولا دليل على اتفاق» تحريف أفسد السياق.
(٥) انظر: الاستذكار (٨/ ٣٥٧)، وللمزيد يراجع كتاب الإيماء إلى أطراف أحاديث كتاب الموطأ لأبي العباس الداني (٢/ ١٨٢ ــ ١٨٧) (قالمي).
(٦) يعني كلام أبي عمر، لا النقل من كتابه، فإن الفقرة الآتية منقولة منه (١١/ ٥٦).
(٧) (ب، ط، ج): «ولدُ كعبٍ».
(٨) (ب، ط، ن): «عبيد الله». والصواب ما أثبتنا من غيرها والتمهيد. وانظر: تهذيب التهذيب (٥/ ٣٦٩).
[ ١ / ٢٨٥ ]
من عبد الرحمن بن كعب، وسمع من عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب (^١). وروى عن بَشير (^٢) بن عبد الرحمن بن كعب، ولا أراه سمع منه. انتهى.
فالحديث إن كان لعبد الرحمن (^٣) عن أبيه كعبٍ ــ كما قال مالك ومَن معه ــ فظاهرٌ. وإن كان لعبد الرحمن بن عبد الله بن كعب عن جدِّه ــ كما قال شعيب ومَن معه ــ فنهايته أن يكون مرسَلًا من هذه الطريق، وموصولًا من الأخرى. والذين وصلوه ليسوا بدون الذين أرسلوه قَدْرًا ولا عددًا (^٤). فالحديث من صحاح الأحاديث، وإنما لم يخرِّجه صاحبا الصحيح لهذه العلّة، والله أعلم.
قال أبو عمر (^٥): وأما قوله: «نسمة المؤمن»، فالنسمة هاهنا: الروح.
_________________
(١) هذه الجملة ساقطة من (ن).
(٢) ضبط في الأصل بضم الباء. وفي (ن): «بشر». والصواب ما أثبتنا. انظر: الإكمال لابن ماكولا (١/ ٢٨٤).
(٣) (ن): «لعبد الله»، خطأ.
(٤) ويجوز أن يكون ذلك كله محفوظًا عن الزهري لاختلاف أصحابه الثقات الكبار عليه، فكان تارة يحدث به عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، وتارة عن ابن أخيه عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب. ونظير ذلك روايته عنهما في قصة توبة كعب بن مالك ﵁ في غزوة تبوك، وقد أخرج البخاري بعضه عنه عن عبد الرحمن بن كعب، وبعضه عن عبد الله بن عبد الرحمن بن كعب. قال الحافظ في الفتح (٦/ ١١٤): «وقد سمع الزهري منهما جميعًا». (قالمي).
(٥) التمهيد (١١/ ٥٨).
[ ١ / ٢٨٦ ]
يدلُّ على ذلك قوله - ﷺ - في الحديث نفسه: «حتى يَرْجِعَه الله إلى جسده يوم يبعثه». وقيل: النسمة: الروح والنفس والبدن. وأصل هذه اللفظة، أعني النسمة: الإنسان بعينه، وإنما قيل للروح: نسمةٌ ــ والله أعلم ــ لأن (^١) حياة الإنسان بروحه (^٢)، فإذا فارقته (^٣) عُدم أو صار كالمعدوم. والدليل على أنّ النسمة الإنسان قوله - ﷺ -: «من أعتق نسمةً مؤمنةً» (^٤)، وقولُ عليٍّ ﵁: «والذي فلَقَ الحبَّةَ وبرأ النسمة» (^٥). وقال الشاعر (^٦):
_________________
(١) ما عدا (أ، غ): «أن».
(٢) (ب، ط، ن، ج): «روحه».
(٣) (ب، ن، ج): «وإذا فارقه». (ط): «فإذا فارقه».
(٤) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٨/ ٤٦٦)، وابن أبي شيبة في المصنف (١٢٦٣٤)، والنسائي في الكبرى (٤٨٧٧)، والطبراني في المعجم الكبير (١٨٦)، والأوسط (٣٧٣٨) من حديث فاطمة بنت علي بن أبي طالب، عن أبيها ﵁. وإسناده حسن لولا أن فيه انقطاعًا؛ فإن فاطمة وهي الصغرى قال أبو حاتم في المراسيل (٩٦٩): «لم تسمع من أبيها شيئًا، وقد رأت أباها». وكذا قال العجلي في ثقاته (٢٣٤٦). وله شاهد من حديث أبي قلابة عن عمرو بن عبسة ﵁، أخرجه عبد الرزاق (١٥٤) في حديث طويل، وفيه انقطاع أيضًا؛ فإن أبا قلابة هو عبد الله بن زيد الجرمي عن عمرو بن عبسة مرسل، قاله المزي في تهذيب الكمال (٢٢/ ١٢٠. ترجمة عمرو بن عبسة). وروي من وجوه كثيرة عن عمرو بن عبسة، لكن بلفظ: «من أعتق رقبة» أو نحوه، انظر: السلسلة الصحيحة (٢٦٨١). وهو بهذا اللفظ في الصحيحين وغيرهما. (قالمي)
(٥) البخاري (٣٠٤٧)، ومسلم (٧٨).
(٦) كذا في التمهيد (١١/ ٥٨). ولكن في الاستذكار (٣/ ٩١) نسب البيت إلي ذي الرمة. والصواب أنه للأعشى من قصيدة يمدح بها قيس بن معديكرب. وصلة البيت قبله في ديوانه (١/ ٢٠٠): وما أيْبُليٌّ على هَيكلٍ بناه وصلَّبَ فيه وصارا يُراوِح من صلَوات المليـ ـكِ طورًا سجودًا وطورًا جُؤارًا بأعظم منك وفي الديوان: «منه». وقد تصحفت «نقضن» و«تقى» و«منك» في النسخ الخطية.
[ ١ / ٢٨٧ ]
بأعظمَ منك تُقًى في الحسابِ إذا النَّسَماتُ نَفَضْنَ الغُبارا
يعني: إذا بُعِث الناس من قبورهم يوم القيامة.
وقال الخليل بن أحمد: النسمة: الإنسان. قال: والنسمة الروح. والنسيم: هبوب الريح (^١).
وقوله: «تعلق في شجر الجنَّة»، يُروىَ بفتح اللام، وهو الأكثر، ويروى بضمِّ اللام، والمعنى واحد، وهو: الأكل والرعي. يقول: تأكل من ثمار الجنة، وترعى (^٢) وتسرحُ بين أشجارها (^٣). والعَلوقة والعَلاق والعَلوق: الأكل والرَعي (^٤). تقول العرب: ما ذاق اليوم عَلوقًا أي: طعامًا. قال الربيع بن زياد يصف الخيل (^٥):
_________________
(١) كتاب العين (٧/ ٢٧٥).
(٢) «ترعى» لم ترد في (أ، ق، غ).
(٣) كذا قال في التمهيد (١١/ ٥٩) إن معنى «تعلق» بضم اللام وفتحها واحد. وفي الاستذكار (٣/ ٩٠): «وفي قول ابن مسعود: «تسرح بالجنة» ما يعضد رواية من روى «تعلَق» بفتح اللام؛ لأن معنى ذلك: تسرح. ومن روى «تعلُق» فالمعنى فيه عند أهل اللغة: تأكل وترعى». وما قاله في التمهيد أصح.
(٤) يقصد ما يؤكل وما يُرعى، أي الاسم لا المصدر.
(٥) من أبيات له في الحماسة (١/ ٤٩٥) والأغاني (١٧/ ١٣٠) وغيرهما. وكذا «علوقة» في التمهيد والاستذكار. والرواية: عدوفًا وعدوفةً، بالدال والذال. انظر قصة أبي عمرو مع يزيد بن مزيد الشيباني في اللسان (عدف). وانظر: إصلاح المنطق (٣٩٠) والتعازي والمراثي (٢٨١) والمستقصى (٢/ ٣٢٢).
[ ١ / ٢٨٨ ]
ومجنَّباتٍ ما يَذُقْنَ عَلوقةً يمصَعْن بالمُهُرات والأمهار
وقال الأعشى (^١):
وفَلاةٍ كأنّها ظهرُ تُرْسٍ ليس فيها غيرَ الرَّجيعِ علاقُ
قلت (^٢): ومنه قول عائشة: والنساءُ إذ ذاك خِفافٌ، لم يغشَهنَّ اللحمُ، إنَّما يأكلن العُلْقَة من الطعام (^٣). وأصل اللفظة من التعلُّق، وهو ما يَعلَقُ القلبَ والنفسَ من الغذاء.
قال (^٤): واختلف العلماء في معنى هذا الحديث، فقال قائلون منهم: أرواح المؤمنين عند الله في الجنة، شهداءَ كانوا أم غيرَ شهداء، إذ لم يحبِسْهم عن الجنَّة كبيرةٌ ولا دَين، وتلقَّاهم ربُّهم بالعفو عنهم والرحمة لهم.
قال: واحتجّوا بأنَّ هذا الحديث لم يخُصَّ فيه شهيدًا من غير شهيد.
_________________
(١) من قصيدة في ديوانه (٢/ ٥٥). والرواية المشهورة: ليس إلا الرجيعَ فيها علاق. وفي التمهيد: «ليس فيها إلا ». وكذا في المحكم (١/ ١٢٤). وفي (أ، ق): «فيها الرجيع». وفي طرّة الأصل: «من» مع علامة صح. يعني: «فيها من الرجيع» كما في (غ). وفي النسخ الأخرى: «غير الرجيع» كما أثبتنا. ولا أدري أكان في أصل المؤلف هكذا، أم سقطت «إلا» من الأصل ــ والمصدر: التمهيد ــ فأكمل النساخ بزيادة «غير»، فاستقام الوزن، وصحّ المعنى!
(٢) والقائل: ابن القيم.
(٣) أخرجه البخاري (٢٦٦١)، ومسلم (٢٧٧٠).
(٤) التمهيد (١١/ ٥٩ ــ ٦١).
[ ١ / ٢٨٩ ]
واحتجُّوا أيضًا بما رُويَ عن أبي هريرة (^١): إنَّ أرواح الأبرار في علِّيين، وأرواحَ الفُجَّار في سجين (^٢). وعن عبد الله بن عمرو (^٣) مثلُ ذلك (^٤).
قال أبو عمر: وهذا قول يعارضه من السنّة ما لا مَدْفعَ في صحة نقله، وهو قوله: «إذا مات أحدُكم عُرِض عليه [٦١ ب] مقعدُه بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار. يقال له: هذا مقعدك، حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة» (^٥).
وقال آخرون (^٦): إنما معنى هذا الحديث في الشهداء دون غيرِهم، لأن القرآن والسنةَ إنما يدُلان على ذلك. أما القرآن فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية [آل عمران: ١٦٩، ١٧٠].
وأما الآثار، فذكَرَ حديث أبي سعيد الخُدريِّ (^٧) من طريق بقيِّ بن مخلد مرفوعًا: «الشهداء يغدون ويروحون (^٨)، ثم يكون مأواهم إلى قناديلَ معلَّقةٍ بالعرش، فيقول لهم الربُّ ﵎: هل تعلمون كرامةً أفضلَ من
_________________
(١) فيما عدا (أ، ق، غ) زيادة: «قال».
(٢) لم أجده في غير التمهيد.
(٣) كذا في جميع النسخ. وفي التمهيد: «ابن عمر».
(٤) (أ، غ): «مثل هذا الحديث».
(٥) تقدم قبل قليل (ص ٢٨٠).
(٦) (ب، ط، ن، ج): «الآخرون».
(٧) (ب، ط، ج): «فذكر عن أبي سعيد الخدري».
(٨) بعده في التمهيد: «إلى رياض الجنة».
[ ١ / ٢٩٠ ]
كرامةٍ أكرَمْتُكموها؟ فيقولون: لا، غير أنا وددنا أنَّك أعدْتَ أرواحنا في أجسادنا حتَّى نقاتلَ مرةً أخرى، فنُقتَل في سبيلك». رواه عن هنَّاد، عن إسماعيل بن المختار، عن عطيَّة، عنه (^١).
ثم ساق حديث ابنِ عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لمَّا أصيب إخوانكم ــ يعني يومَ أحد ــ جعل الله أرواحَهم في أجواف طير خُضْرٍ تَرِدُ أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديلَ من ذهبٍ مذلَّلةٍ (^٢) في ظلّ العرش. فلما وجدوا طيبَ مأكلهم ومشربهم ومقيلهم قالوا: من يبلِّغ إخواننا أنَّا أحياءٌ (^٣) في الجنة نُرزَق لئلا ينكُلوا عن الحرب، ولا يزهَدوا في الجهاد؟ قال: فقال الله تعالى: أنا أبلِّغهم عنكم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]» (^٤).
والحديث في مسند أحمد، وسُنن أبي داود (^٥).
_________________
(١) أخرجه هنّاد بن السري في الزهد (١٥٦). ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٤١١). وإسناده ضعيف، فيه علتان: عطية وهو ابن سعد العوفي سيئ الحفظ وهو مدلس وقد عنعن، وشيخ هنّاد إسماعيل بن المختار لا يُعرف، وقال البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٣٧٤): «عن عطية، سمع منه هنَّاد بن السري فيه نظر لم يصح حديثه». وانظر: لسان الميزان (١/ ٤٣٨). (قالمي)
(٢) في (أ، غ): «مدلية»، ولعل صوابها: «مدلّاة». وفي غيرهما: «مدللة» وصوابها ما أثبتنا ــ وكذا في التمهيد ــ من ذُلِّل الكرْمُ: دُلِّيت عناقيده. قال تعالى: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ [الإنسان: ١٤].
(٣) «أحياء» ساقط من (أ، غ).
(٤) «وأما الآثار يرزقون» ساقط من (ن).
(٥) المسند (٤/ ٢١٨)، أبو داود (٢٥٢٠). وقد سبق في المسألة الخامسة (ص ١١٢).
[ ١ / ٢٩١ ]
ثم ذكر حديث الأعمش عن عبد الله بن مُرَّة عن مسروق قال: سألنا عبد الله بن مسعود عن هذه الآية ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (^١) [آل عمران: ١٦٩] فقال: أمَا إنَّا قد سألنا عن ذلك، فقال: «أرواحُهم في جَوْف طير خُضْر تسرَح في الجنة في أيِّها شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل. فاطَّلع إليهم ربُّك اطِّلاعةً، فقال: هل تشتهون شيئًا؟ قالوا: وأيَّ شيء (^٢) نشتهي، ونحن [٦٢ أ] نسرَحُ من الجنة حيث نشاء! ففعَل بهم ذلك (^٣) ثلاثَ مرات، فلما رأَوْا أنهم لم يُترَكوا من أن يُسألوا قالوا: يا ربِّ نريدُ أن تَرُدَّ أرواحَنا في أجسادنا حتى نُقتَل في سبيلك مرّةً أخرى. فلما رأى أن ليس لهم حاجةٌ تُرِكوا».والحديث في صحيح مسلم (^٤).
قلتُ: وفي صحيح البخاري (^٥) عن أنس أنَّ أمَّ الرُّبَيِّع بنت البراء ــ وهي (^٦) أمُّ حارثة بن سُراقة ــ أتت النبي - ﷺ -، فقالت: يا نبيَّ الله، ألا تحدِّثني عن حارثة؟ ــ وكان قُتِل يومَ بدر، أصابه سهمٌ غَرْبٌ (^٧) ــ فإن كان في الجنة صبرتُ، وإن كان غير ذلك اجتهدتُ عليه في البكاء. قال: «يا أمَّ حارثة، إنّها جِنان (^٨)، وإنَّ ابنكِ أصاب الفردوس الأعلى».
_________________
(١) الآية فيما عدا (أ، ق، غ) إلى ﴿أمواتًا﴾.
(٢) ما عدا (أ، ق، غ): «أي شيء» دون الواو.
(٣) (ق): «ذلك بهم».
(٤) برقم (١٨٨٧) وقد تقدم في المسألة الخامسة (ص ١١٢).
(٥) برقم (٢٨٠٩).
(٦) «وهي» ساقط من (ط).
(٧) وهو الذي لا يُدرى راميه.
(٨) بعدها في (ق): «في الجنة». وكذا في الصحيح في كتاب الجهاد.
[ ١ / ٢٩٢ ]
ثم ساق (^١) من طريق بَقي بن مخلد، ثنا يحيى بن عبد الحميد، ثنا ابن عيينة، عن عبيد الله (^٢) بن أبي يزيد، سمع ابن عباس يقول: أرواحُ الشهداء تَجُول في أجواف طير خضر تَعْلُق في ثمر الجنة.
ثم ذكر عن معمر، عن قتادة قال: بلغنا أنَّ أرواح الشهداء في صُوَر طيرٍ بيضٍ تأكل من ثمار الجنة.
ومن طريق أبي عاصم النبيل، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن مَعْدان، عن عبد الله (^٣) بن عمرو (^٤): «أرواح الشهداء في طير كالزرازير يتعارفون ويُرزَقون من ثمر الجنة».
قال أبو عمر (^٥): وهذه الآثار كلّها تدلُّ على أنهم الشهداءُ دون غيرهم. وفي بعضها: في صُوَر طير، وفي بعضها: في أجواف طير، وفي بعضها: كطير خضر.
قال: والذي يُشبِه عندي ــ والله أعلم ــ أن يكون القول (^٦) قولَ من قال: كطير (^٧)، أو صور طير؛ لمطابقته لحديثنا (^٨) المذكور. يريد حديث كعب بن
_________________
(١) التمهيد (١١/ ٦٣ ــ ٦٤).
(٢) (أ، ن، غ): «عبد الله»، تصحيف.
(٣) (ط): «عبيد الله»، تصحيف.
(٤) زاد في (ط): «أنّ».
(٥) التمهيد (١١/ ٦٤ ــ ٦٥).
(٦) (ب، ج): «العدل»، تصحيف.
(٧) (ب، ط): «كطير خضر». وبعده في (ط): «أو صور طير خضر».
(٨) (ب، ط، ج): «حديثنا».
[ ١ / ٢٩٣ ]
مالك، وقوله فيه: نسمة المؤمن طائر، ولم يقل: في جوف طائر (^١).
قال: وروى عيسى بن يونس حديث ابن مسعود (^٢) عن الأعمش، عن عبد الله بن مُرَّة، عن مسروق، عن عبد الله: «كطير خضر».
قلت: والذي في صحيح مسلم: «في أجواف طير خُضر».
قال أبو عمر: فعلى هذا التأويل، كأنه - ﷺ - قال: «إنما نسَمَةُ المؤمن من الشهداء طائر (^٣) يعلق في شجر الجنة».
قلتُ: لا تنافي بين قوله - ﷺ -: «نسمة المؤمن طائر [٦٢ ب] يعلق في شجر الجنة» وبين قوله: «إن أحدكم إذا مات عُرِض عليه مقعدُه بالغداة والعَشِيِّ، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار».وهذا الخطاب يتناول الميِّتَ على فراشه والشهيدَ، كما أنَّ قوله: «نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة» يتناول الشهيدَ وغيرَه. ومع كونه يُعرَض عليه مقعده بالغداة والعشيِّ تَرد روحُه أنهارَ الجنة، وتأكل من ثمارها. وأما المقعدُ الخاص به والبيتُ الذي أُعِدَّ له، فإنَّه إنما يدخله يوم القيامة.
ويدلُّ عليه أنَّ منازلَ الشهداء ودُورَهم وقصورَهم التي أَعدَّ الله لهم ليست هي (^٤) تلك القناديل التي تأوي إليها أرواحُهم في البرزخ قطعًا. فهم
_________________
(١) «ولم طائر» ساقط من (ن).
(٢) في الأصل ضرب بعضهم على «مسعود» وكتب في الطرّة: «منصور» مع علامة صح. وهو غلط منه إذ ظنَّ أن «ابن مسعود» هنا يروي عن الأعمش! وكذا «ابن منصور» في (غ).
(٣) (ب، ج): «كطائر». وأشار إلى هذه النسخة في طرّة (ط). وهو خطأ.
(٤) (ب، ط، ج): «من»، تحريف.
[ ١ / ٢٩٤ ]
يَرَوْن منازلهم ومقاعدهم من الجنّة، ويكون مستقرُّهم في تلك القناديل المعلَّقة بالعرش، فإنَّ الدخول التامّ الكامل إنما يكون يوم القيامة، ودخولُ الأرواح الجنة في البرزخ أمرٌ دون ذلك.
ونظير هذا: أهلُ الشقاء تُعرَض أرواحُهم على النار غدوًّا وعشيًّا، فإذا كان يومُ القيامة دخلوا منازلهم ومقاعدهم التي كانوا يُعرضون عليها في البرزخ. فتنعُّمُ الأرواحِ بالجنة في البرزخ شيء، وتنعُّمُها مع الأبدان بها يوم القيامة شيء آخر. فغذاء الروح من الجنة في البرزخ دون غذائها (^١) مع بدنها يوم البعث. ولهذا قال: «تعلُق في شجر الجنة»، أي: تأكل العلقة، وأما تمامُ الأكل والشرب واللبس والتمتُّع فإنما (^٢) يكون إذا رُدَّت (^٣) إلى أجسادها يوم القيامة. فظهر (^٤) أنه لا يعارِض هذا القولَ من السنّة شيءٌ، وإنما تُعاضدِهُ السنَّةُ وتوافقه.
وأما قول من قال: إنَّ حديث كعب في الشهداء دون غيرهم، فتخصيصٌ ليس في اللفظ ما يدلُّ عليه. وهو حَمْلُ اللفظ العامِّ على أقلِّ مسمَّياته، فإنّ الشهداء بالنسبة إلى عموم المؤمنين قليلٌ جدًّا، والنبي - ﷺ - علَّق هذا الجزاء بوصفِ الإيمان، فهو المقتضي له، لم يعلِّقه بوصف الشهادة.
ألا ترى أنَّ الحكم الذي اختَصَّ [٦٣ أ] بالشهداء عُلِّق بوصف الشهادة، كقوله في حديث المقدام بن معديكرب: «للشهيد عند الله ستُّ خصال:
_________________
(١) (ق): «عذابها».
(٢) (ب، ط، ج): «إنما».
(٣) زاد في (ق): «الأرواح».
(٤) (ق): «وظهر».
[ ١ / ٢٩٥ ]
يُغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى مقعدَه من الجنة، ويُحلَّى حُلَّة الإيمان، ويزوَّجُ من الحور العين، ويجارُ من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضعُ على رأسه تاجُ الوَقار، الياقوتةُ منه خيرٌ من الدنيا وما فيها، ويزوَّج اثنتين وسبعين من الحور العين (^١)، ويشفَّع في سبعين إنسانًا (^٢) من أقاربه» (^٣). فلما كان هذا يختصُّ (^٤) بالشهيد قال: «إنَّ للشهيد»، ولم يقل: إنّ (^٥) للمؤمن.
وكذلك قولُه في حديث قيسٍ الجُذاميِّ: «يعطَى الشهيدُ ستَّ خصال» (^٦). وكذلك سائر الأحاديث والنصوص التي عُلِّق فيها الجزاءُ بالشهادة. وأما ما عُلِّق فيه الجزاءُ بالإيمان، فإنَّه يتناول كلَّ مؤمن، شهيدًا كان أو غير شهيد.
وأما النصوصُ والآثار (^٧) التي ذُكرت (^٨) في رزق الشهداء وكَوْنِ
_________________
(١) هذه الخصلة ساقطة من (ن).
(٢) لم يرد «إنسانًا» في (أ، غ).
(٣) تقدم تخريجه في المسألة العاشرة (ص ٢٣٣).
(٤) (ط): «هذه تختص».
(٥) ساقطة من (ط).
(٦) أخرجه الإمام أحمد (١٧٧٨٣)، والطبراني في مسند الشاميين (٢٠٤)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٢٥٢، ٤٢٥٣)، وفي إثبات عذاب القبر (١٦١) من طريق عبد الرحمن ابن ثابت بن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن كثير بن مرة، عن قيس الجذاميّ. وهذا إسناد لا بأس به في الشواهد؛ عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان الدمشقي فيه ضعف من قِبل حفظه، وبقية رجاله ثقات. (قالمي)
(٧) (ق): «فالآثار».
(٨) ما عدا (ن): «ذكر».
[ ١ / ٢٩٦ ]
أرواحهم في الجنّة، فكلُّها حقٌّ، وهي لا تدلُّ على انتفاءِ دخول أرواح المؤمنين الجنَّة، ولاسيَّما الصدِّيقين الذين هم أفضلُ من الشهداء بلا نزاع (^١) بين الناس. فيقال لهؤلاء: ما تقولون في أرواح الصدِّيقين، هل هي في الجنة أم لا؟ فإن قالوا: إنَّها في الجنة ــ ولا يسوغ لهم غير هذا القول ــ قيل: فثبت أنَّ هذه النصوص لا تدلُّ على اختصاص أرواح الشهداء بذلك.
وإن قالوا: ليست في الجنة، لزمهم من ذلك أن تكون أرواحُ سادات الصحابة كأبي بكر الصدِّيق (^٢) وأُبَيِّ بن كعب، وعبد الله بن مسعود، وأبي الدرداء، وحذيفة بن اليمان وأشباههم ليست في الجنة؛ وأرواحُ شهداء زماننا في الجنة. وهذا معلومُ البُطلانِ ضرورةً.
فإن قيل: فإذا كان هذا حكم (^٣) لا يختصُّ بالشهداء، فما الموجِبُ لتخصيصهم بالذكر في هذه النصوص؟
قيل: تخصيصهم بالذكر في هذه النصوص دلَّ على (^٤) التنبيه على فضل الشهادة وعلوِّ درجتها، وأنَّ هذا مضمون لأهلها ولا بدَّ، وأنَّ لهم منها أوفرَ نصيب. فنصيبُهم (^٥) من هذا النعيم في البرزخ أكملُ من نصيب غيرهم
_________________
(١) (ب، ط): «فلا نزاع»، تصحيف.
(٢) (ق): «كأبي بكر وعمر». وانظر ما يأتي في (ص ٣٣٢).
(٣) كذا في جميع النسخ. وفي (ج): «حكمًا»، ولكن الظاهر أنه إصلاح.
(٤) «قيل دلَّ» مستدرك في طرّة الأصل بخط ناسخه، وفي صلب المتن في (غ). والعبارة ساقطة من غيرهما، إلا أن بعض قراء (ط) غيّر «على» إلى «قلت». وفي متن (ن) في موضعها: «قلنا»، فاستقام الكلام.
(٥) ما عدا (ب، ط): «فيصيبهم»، تصحيف.
[ ١ / ٢٩٧ ]
فصل: في قول مجاهد: إنها ليست في الجنة، ولكن تأكل من ثمارها وتجد ريحها
من الأموات على فُرُشِهم، وإن كان الميِّت على فراشه أعلى درجةً من كثير (^١) منهم، فله نعيمٌ يختصُّ به، لا يشاركه فيه مَن هو دونه.
ويدلُّ [٦٣ ب] على هذا أنَّ الله سبحانه جعل أرواح الشهداء في أجواف طير خُضر، فإنَّهم لما بذلوا أبدانَهم (^٢) لله حتى أتلفها أعداؤه فيه أعاضَهم منها في البرزخ أبدانًا خيرًا منها، تكونُ فيها إلى يوم القيامة. ويكون تنعُّمها بواسطة تلك الأبدان أكملَ من نعيم (^٣) الأرواح المجرَّدة عنها. ولهذا كانت نسمة المؤمن في صورة طير أو كطير، ونسمةُ الشهيد في جوف طير.
وتأمَّلْ لفظ الحديثين، فإنه قال: «نسمةُ المؤمن طير»، فهذا يعمُّ الشهيد وغيرَه. ثم خصَّ الشهيد بأن قال: «هي في جوف طير»، ومعلوم أنها إذا كانت في جوف طير صَدَق عليها أنها طير. فصلوات الله وسلامه على مَن يصدِّقُ كلامُه بعضُه بعضًا، ويدلُّ على أنه حقٌّ من عند الله. وهذا الجمع أحسن من جمعِ أبي عمر وترجيحِه روايةَ مَن روى: «أرواحهم كطير خضر». بل الروايتان حقٌّ وصواب، فهي كطير خضر، وفي أجواف طير خضر.
فصل
وأما قول مجاهد: ليس هي في الجنة، ولكن يأكلون من ثمارها ويجدون ريحها. فقد يُحتَجُّ لهذا القول بما رواه الإمام أحمد في مسنده (^٤)
_________________
(١) «من كثير» ساقط من (ط).
(٢) (ق): «أنفسهم».
(٣) ما عدا (أ، غ): «تنعم».
(٤) برقم (٢٣٩٠). وأخرجه ابن حبان (٤٦٥٨)، والحاكم (٢/ ٧٤)، والطبراني في المعجم الكبير (١٠٨٢٥)، والبيهقي في إثبات عذاب القبر، كلهم من طريق ابن إسحاق، به. وهو في سيرة ابن إسحاق (٢/ ١١٩ ــ سيرة ابن هشام) وإسناده حسن لأجل ابن إسحاق وقد صرّح بالتحديث في السيرة وعند أحمد وابن حبان وغيرهما. وصححه الحاكم، وقال ابن كثير في تفسيره (٢/ ١٦٤): «وهو إسناد جيد». (قالمي).
[ ١ / ٢٩٨ ]
من حديث ابن إسحاق، عن عاصم بن عمر (^١)، عن محمود بن لبيد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الشهداء على بارِقِ نهرٍ (^٢) بباب الجنة، في قبةٍ خضراءَ، يخرج عليهم رزقُهم من الجنة بكرةً وعشيةً».
وهذا لا ينافي كونَهم في الجنة، فإنَّ ذلك النهرَ من الجنّة، ورزقُهم يخرج عليهم من الجنة، فهم في الجنة، وإن لم يصيروا على مقاعدهم منها. فمجاهدٌ نفى الدخول الكامل من كلِّ وجه، والتعبيرُ يقصُر عن الإحاطة بتمييز هذا من هذا. وأكملُ العبارة وأدلُّها على المراد عبارةُ رسول الله - ﷺ -، ثم عبارة الصحابة. وكلَّما علوتَ رأيتَ الشفاء والهدى والنور، وكلَّما نزلتَ رأيتَ الحَيْرة والدعاوى والقولَ بلا علم.
_________________
(١) كذا في جميع النسخ. وهو عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري كما في الأهوال لابن رجب (٩٦). ولكن الرواية في المسند من طريق ابن إسحاق عن الحارث بن فضيل الأنصاري. ولم أجده من طريق عاصم.
(٢) ضبط في المسند وغيره «بارِقِ نهرٍ» بالإضافة وقال السندي: «لعل المراد به الموضع الذي يبرُق منه النهر الذي بباب الجنة ويظهر». ولكن لفظه في الروض الأنف (٣/ ٣٠٧): «والشهداء بنهر ــ أو على نهر ــ يقال له: بارق، عند باب الجنة ». وفي تفسير القرطبي (٥/ ٤١٤): «أرواح الشهداء على نهر بباب الجنة يقال له: بارق ». وهذا يقتضي أن يضبط هكذا: «على بارقٍ ــ نهرٍ بباب الجنة ــ في قبة » وانظر: تاج العروس (برق).
[ ١ / ٢٩٩ ]
قال أبو عبد الله بن منده (^١): وروى موسى بن عبيدة (^٢)، عن عبد الله بن يزيد (^٣)، عن أم كبشة بنت المعرور (^٤) قالت: دخل علينا النبيُّ - ﷺ - فسألناه عن هذه الأرواح. فوصفها صِفةً أبكَى (^٥) أهلَ البيت، فقال: «إن أرواح المؤمنين [٦٤ أ] في حواصل طيرٍ خُضْرٍ ترعى في الجنة، وتأكلُ من ثمارها، وتشرب من مائها، وتأوي إلى قناديل من ذهب تحت العرش، تقول: ربَّنا أَلحِق بنا إخواننا وآتِنا ما وعدَتنا. وإنَّ أرواح الكفار في حواصل طيرٍ سُودٍ تأكل من النار، وتشرب من النار، وتأوي إلى حُجَر (^٦) في النار، يقولون: ربَّنا لا تُلحِقْ بنا إخواننا، ولا تُؤتِنا ما وعدتنا».
وقال الطبراني (^٧): حدثنا أبو زُرعة الدمشقيُّ، ثنا عبد الله بن صالح،
_________________
(١) وعزاه إليه ابن رجب في الأهوال (١٠٤) والسيوطي في شرح الصدور (٣١٠) أيضًا.
(٢) (أ، ق، غ): «عبدة». (ط): «عبيد». وقد نصّ ابن رجب على أنه موسى بن عبيدة الرَّبَذي. قال: وهو شيخ صالح، شغلته العبادة عن حفظ الحديث، فكثرت المناكير في حديثه. وانظر ترجمته في تهذيب التهذيب (١٠/ ٣٥٦).
(٣) (ن): «بريدة»، تصحيف.
(٤) كذا في جميع النسخ، وشرح الصدور، وإتحاف السادة المتقين (١٠/ ٣٨٦). ولم أجد لها ترجمة. والظاهر أنها أم مبشر بنت البراء بن معرور. انظر: الإصابة (٨/ ٣٠٠).
(٥) (ب، ط): «وصفًا أسكن»، ولعل «وصفًا» من إصلاح النسّاخ إذ رأوا أن «صفة» مؤنث، والفعل بعدها مذكر. وخفي عليهم أنها مصدر. و«أسكن» تحريف. وفي شرح الصدور: «صفةً لكنه أبكى».
(٦) لم ينقط في الأصل. وفي غيرها جميعًا بالحاء قبل الجيم.
(٧) لم أجده في معاجمه الثلاثة.
[ ١ / ٣٠٠ ]
حدثني معاوية بن صالح (^١)، عن ضَمْرة بن حبيب، قال: سُئل النبي - ﷺ - عن أرواح المؤمنين، فقال: «في طيرٍ خضرٍ تسرَح في الجنة حيث شاءت». قالوا: يا رسول الله، أرواحُ الكفار (^٢)؟ قال: «محبوسة في سجِّينٍ».
ورواه أبو الشيخ عن هشام بن يونس، عن عبد الله بن صالح. ورواه أبو المغيرة (^٣)، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن ضمرة بن حبيب (^٤).
وذكر أبو عبد الله بن منده (^٥) من حديث غُنجار، عن الثوري، عن
_________________
(١) «حدثني معاوية بن صالح» ساقط من (أ، غ).
(٢) (ن): «وأرواح الكفار».
(٣) «أبو» ساقط من (ب، ط، ج).
(٤) عزاه ابن رجب في الأهوال (١٠٥) إلى ابن منده، والسيوطي في شرح الصدور (٣٠٧) إليه وإلى الطبراني وأبي الشيخ. وإسناده حسن لولا أنه مرسل. ضمرة بن حبيب من ثقات تابعي أهل الشام. (قالمي).
(٥) في إسناده غنجار وهو لقب عيسى بن موسى البخاري، وهو ثقة في نفسه لكن أخذ عليه التدليس وكثرة الرواية عن الضعفاء والمجهولين، كما في ترجمته من التهذيب (٨/ ٢٣٣)، وقد خولف أيضًا في هذا الإسناد. فرواه البيهقي في شعب الإيمان (١٩٦) من طريق محمد بن يوسف عن الثوري به، عن عبد الله بن عمرو من قوله. وقد تابع الثوريَّ على هذا الوجه الموقوف غير واحد، منهم عبد الله بن المبارك في كتاب الزهد له (٤٤٦)، وعيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي عند ابن أبي شيبة (٣٣٩٧٨) ومن طريقه أبو نعيم في صفة الجنة (١٣٣)، وأبو عاصم الضحاك بن مخلد عند أبي نعيم في الحلية (١/ ٢٨٩). وعزاه ابن رجب في أهوال القبور (ص ٢٠٤) لابن منده أيضًا ونقل عنه أنه قال: «رواه جماعة عن الثوري موقوفًا. يعني على عبد الله بن عمرو» قال ابن رجب: «والصواب وقفه». (قالمي).
[ ١ / ٣٠١ ]
ثور بن يزيد (^١)، عن خالد بن معدان، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أرواح المؤمنين في طيرٍ كالزرازير، تأكل من ثمر الجنة» ورواه غيرُه موقوفًا.
وذكر يزيدُ الرَّقاشيُّ عن أنس، وأبو عبد الله (^٢) الشاميُّ عن تميمٍ الداريِّ، عن النبي - ﷺ -: «إذا عَرَج ملك الموت بروح المؤمن إلى السماء استقبله جبريلُ في سبعين ألفًا من الملائكة، كلٌّ منهم (^٣) يأتيه ببشارة من السماء سوى بشارةِ صاحبه. فإذا انتهى به إلى العرش خرَّ ساجدًا، فيقول الله ﷿ لملك الموت: انطلِقْ بروح عبدي، فضَعْه في سِدْرٍ مخضودٍ (^٤)، وظلٍّ ممدود، وماء مسكوب». رواه بكر بن خُنَيس (^٥)، عن ضرار بن عمرو، عن يزيد وأبي عبد الله (^٦).
_________________
(١) (ن): «الثوري عن يزيد»، خطأ.
(٢) (ق): «أبي عبد الله» خطأ.
(٣) (ب، ط، ج): «كلهن» وهي ساقطة من (ن).
(٤) زاد بعده في طرّة الأصل: «وطلح منضود» مع علامة صح. وليست بخط الناسخ. وقد أدخلها ناسخ (غ) في المتن. وهي في متن (ط) بين «لا» و«إلى» فوق السطر يعني حذفها أو أنها ليست في نسخة أخرى.
(٥) (أ، ق، غ): «حُبيش». (ط): «حُنبش». والصواب ما أثبتنا من (ب، ج).
(٦) ويُفهم من هذا السياق أنهما حديثان: الأول من رواية بكر بن خنيس، عن ضرار بن عمرو، عن يزيد الرقاشي، عن أنس. والثاني: من رواية بكر بن خنيس، عن ضرار بن عمرو، عن أبي عبد الله الشامي، عن تميم الداري. ولم أجده بهذا السياق فينظر، وهو جزء من حديث طويل جدًّا أخرجه أبو يعلى. كما في المطالب العالية (٤٥٥٨) ــ قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، ثنا محمد بن بكر البرساني، قال: قال أبو عاصم الحبطي، وكان من خيار أهل البصرة، وكان من أصحاب حزم وسلام بن أبي مطيع قال: حدثنا بكر بن خنيس، عن ضرار بن عمرو، عن يزيد الرقاشي، عن أنس، عن تميم الداري، عن النبي - ﷺ - قال: «يقول الله ﵎ لملك الموت: انطلق إلى وليي فأتني به، فإني قد جربته بالسراء والضراء، فوجدته حيث أحبُّ، ائتني به فلأريحنه» فساقه بطوله. قال الحافظ ابن حجر عقبه: «هذا حديث عجيب السياق، وهو شاهد لكثير مما ثبت في حديث البراء ﵁ الطويل المشهور، ولكن هذا الإسناد غريب، لا نعرف أحدًا روى عن أنس، عن تميم الداري ﵄ إلا من هذا الوجه، ويزيد الرقاشي سيئ الحفظ جدًّا، كثير المناكير، كان لا يضبط الإسناد فيلزق بأنس كل شيء يسمعه من غيره، ودونه أيضًا من هو مثله أو أشد ضعفًا». (قالمي)
[ ١ / ٣٠٢ ]
فصل
وأما قول من قال: الأرواحُ على أفنية قبورها، فإن أراد أنَّ هذا أمر لازمٌ لها (^١) لا تفارق (^٢) أفنية القبور أبدًا فهذا خطأ تردُّه (^٣) نصوص الكتاب والسنة من وجوه كثيرة، قد (^٤) ذكرنا بعضها، وسنذكر منها ما لم نذكره إن شاء الله.
وإن أراد أنها تكون على أفنية القبور وقتًا، أو لها إشرافٌ على قبورها وهي في مقرِّها (^٥)، فهذا حقٌّ، ولكن لا يقال: مستقرُّها أفنية القبور.
وقد ذهب إلى هذا [٦٤ ب] المذهب جماعةٌ، منهم أبو عمر بن عبد البرِّ.
_________________
(١) «لها» ساقط من (ب، ن، ج، غ).
(٢) في (ب، ن، ج): «يفارق»، تصحيف.
(٣) (ب، ط): «ردّه».
(٤) (ب، ط): «وقد».
(٥) (ب، ط، ج): «منزلها».
[ ١ / ٣٠٣ ]
قال في كتابه (^١) في شرح حديث ابن عمر: «إن أحدكم إذا مات عُرِض عليه مقعدُه بالغداة والعشي»: وقد استدل به من ذهب إلى أنَّ الأرواح على أفنية القبور. وهو (^٢) أصح ما ذهب إليه في ذلك من طريق الأثر، ألا ترى أنَّ الأحاديث الدَّالَّة على ذلك ثابتة متواترة، وكذلك أحاديث السلام على القبور.
قلت: يريد بالأحاديث المتواترة مثلَ حديث ابن عمر هذا، ومثل حديث البراء بن عازب الذي تقدَّم (^٣)، وفيه: «هذا مقعدُك حتى يبعثك الله يوم القيامة»، ومثلَ حديث أنس: «إن العبد إذا وُضِع في قبره وتولّى عنه أصحابُه إنه لَيسمع قرْعَ نعالهم»، وفيه: أنه يرى مقعدَه من الجنة والنار، وأنه يُفسَح للمؤمن في قبره سبعين ذراعًا، ويضيَّق على الكافر (^٤)؛ ومثلَ حديث جابر: «إن هذه الأمة تُبتلَى في قبورها، فإذا دخل المؤمن قبرَه وتولَّى عنه أصحابه أتاه ملك » الحديث، وأنه يرى مقعده من الجنة فيقول: «دعوني أبشِّرْ أهلي، فيقال له: اسكن، فهذا مقعدك أبدًا» (^٥). ومثلَ سائر أحاديث عذاب القبر ونعيمه التي تقدَّمتْ (^٦)، ومثلَ أحاديث السلام على أهل القبور، وخطابهم، ومعرفتِهم بزيارة الأحياء لهم (^٧). وقد تقدَّم ذكرُ ذلك كلِّه (^٨).
_________________
(١) التمهيد (١٤/ ١٠٩).
(٢) (ن): «وهذا».
(٣) هذا اللفظ من حديث ابن عمر، ولم أجده عن البراء.
(٤) سبق في المسألة الملحقة بالسادسة (ص ١٥٧).
(٥) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٦٧٤٤) بهذا اللفظ.
(٦) في المسألة الملحقة بالسادسة.
(٧) «لهم» ساقطة من (ن).
(٨) في المسألة الأولى.
[ ١ / ٣٠٤ ]
غلط أكثر الناس في اعتقادهم أن الروح من جنس الأجسام التي إذا شغلت مكانا لا يمكن أن تكون في غيره
وهذا القول تردُّه السنة الصحيحة والآثار التي لا مَدْفَعَ لها، وقد تقدَّم ذكرها. وكلُّ ما ذكره من الأدلّة، فهو يتناول الأرواح التي هي في الجنة بالنصِّ وفي الرفيق الأعلى. وقد بيَّنَّا أنَّ عرضَ مقعد الميِّت عليه من الجنة أو النار لا يدلُّ على أنّ الرُّوح في القبر ولا على فنائه دائمًا من جميع الوجوه، بل لها إشرافٌ واتصال بالقبر وفِنائه، وذلك القدرُ منها يُعرَض عليه مقعده. فإنَّ (^١) للروح شأنًا آخرَ: تكون في الرفيق الأعلى في أعلى علِّيين، ولها اتصال بالبدن، بحيث إذا سلَّم المسلِّم على الميِّت ردَّ الله عليه روحَه، فيردُّ (^٢) ﵇، وهي في الملأ الأعلى.
وإنما يغلط أكثرُ الناس في هذا الموضع حيث يعتقد أنَّ الروح من جنس ما يعهد من الأجسام التي إذا شغلتْ مكانًا لم يمكن أن تكون في غيره. وهذا غلط محضٌ، بل الروحُ تكون فوق السموات في أعلى عليين، وتُرَدُّ (^٣) إلى القبر، فَتَرُدُّ السّلام، وتعلم بالمسلِّم، وهي في مكانها هناك.
وروح رسول الله - ﷺ - في الرفيق الأعلى دائمًا، ويردُّها (^٤) الله ﷾ إلى القبر، فترُدُّ السّلام على من سلّم عليه، وتسمعُ كلامه (^٥). وقد رأى رسول الله - ﷺ - موسى قائمًا يصلِّي في قبره، ورآه في السماء السادسة أو السابعة (^٦). فإما أن تكون سريعةَ الحركة والانتقال كلمح البصر، وإما أن
_________________
(١) (ن): «قال»، تصحيف. فلمّا صحّف كتب بعده: للروح شأن.
(٢) (ب، ط، ج): «فردّ».
(٣) ضبطه في (ط): «تَرِد» من الورود.
(٤) (ن): «الأعلى وإنّما يردّها».
(٥) (ب، ط، ن، ج): «سلامه».
(٦) تقدم في المسألة السادسة (ص ١٢٥).
[ ١ / ٣٠٥ ]
يكون المتّصِلُ منها (^١) بالقبر وفِنائه بمنزلة شعاعِ الشمس، وجِرمُها في السماء (^٢).
وقد ثبت أنّ روح النائم تصعدُ حتى تخترقَ السبع الطّباق، وتسجدَ لله بين يدي العرش، ثم تُرَدُّ إلى جسده في أيسر زمان. وكذلك روح الميِّت تصعد بها الملائكة حتى تُجاوزَ السموات السبع، وتقِفها بين يدي الله، فتسجدُ له، ويقضي فيها قضاءه (^٣). ويُريها الملَكُ ما أعدَّ الله لها في الجنة، ثم تهبط، فتشهد (^٤) غسلَه وحمله ودفنه.
وقد تقدَّم (^٥) في حديث البراء بن عازب أنَّ النفسَ يُصعَد بها حتى تُوقَف بين يدي الله، فيقول تعالى: «اكتبوا كتاب عبدي في علِّيين، ثم أعيدوه إلى الأرض». فيعاد إلى القبر، وذلك في مقدارِ تجهيزه وتكفينه. فقد صرَّح به في حديث ابن عباس حيث قال: «فيهبطون به (^٦) على قدر فراغه من غُسْله وأكفانه، فيُدخلون ذلك الروحَ بين جسده وأكفانه» (^٧).
وقد ذكر أبو عبد الله بن منده من حديث عيسى بن عبد الرحمن، ثنا ابن شهاب، ثنا عامر بن سعد، عن إسماعيل بن طلحة بن عبيد الله، عن أبيه قال:
_________________
(١) (ب، ط، ن، ج): «بها»، وهو خطأ.
(٢) انظر ما سبق في المسألة السادسة (ص ١٢٨) من ردّ شيخ الإسلام على هذا المثل.
(٣) (ق): «قضاؤه».
(٤) في الأصل نقطه بالتاء والياء معًا. وفي (ب، ط، ج): «وتشهد».
(٥) في أول المسألة السادسة.
(٦) «به» ساقط من (ق).
(٧) تقدم في المسألة السادسة (ص ١٤٢).
[ ١ / ٣٠٦ ]
أردتُ مالي بالغابة (^١)، فأدركني الليل، فأوَيْتُ إلى قبر عبد الله بن عمرو بن حرام (^٢)، فسمعت قراءةً من القبر ما سمعت أحسنَ منها، فجئت إلى رسول الله - ﷺ -، فذكرت ذلك له، فقال: «ذلك عبد الله، ألم تعلم أن الله قبضَ أرواحهم، فجعلها في قناديل من زَبَرْجَد وياقوت، ثم علَّقها وسط الجنة. فإذا كان الليلُ رُدَّت إليهم أرواحُهم، فلا تزال كذلك حتى إذا طلع الفجر رُدَّت أرواحُهم إلى مكانهم الذي (^٣) كانت به» (^٤).
_________________
(١) موضع أسفل المدينة من ناحية الشام، لا يزال معروفًا. انظر: المغانم المطابة (٢٩٩).
(٢) في الأصل ضرب بعضهم على «بن عمرو»، فأثبت ناسخ (غ): «عبد الله بن حرام». وتحرّف «حرام» في (ن) إلى «حزم».
(٣) في (أ، غ، ن): «التي»، خطأ.
(٤) في إسناده عيسى بن عبد الرحمن هو ابن فروة أبو عُبادة الأنصاري، قال البخاري: منكر الحديث وكذا قال أبو حاتم: ضعيف الحديث شبيه بالمتروك، لا أعلم روى عن الزهري حديثًا صحيحًا. وقال ابن عدي: يروي عن الزهري أحاديث مناكير. انظر: تهذيب التهذيب (٨/ ٢١٨). وابن شهاب هو الإمام الزهري، وعامر بن سعد هو ابن أبي وقاص الزهري. وأما إسماعيل بن طلحة فلم أجد له ذكرًا في كتب الرجال المتوفرة، ولا ذكره علي بن المديني في ولد الصحابي الجليل طلحة بن عبيد الله القرشي التيمي ﵁ في جزئه «تسمية من روي عنه من أولاد العشرة» (ص ٣٧)، لكن له ابن اسمه يعقوب هو من رواة الحديث، له ترجمة في الجرح والتعديل (٩/ ٢٠٤)، وثقات ابن حبان (٥/ ٥٥٤). والحديث عزاه ابن رجب في أهوال القبور (ص ٨٤، ٨٥) لابن منده أيضًا وضعَّف إسناده. وقال في موضع آخر (ص ١٨٥): «وهو منكر، وأبو عبادة هذا ــ يعني عيسى بن عبد الرحمن ــ ضعيف جدًّا». (قالمي).
[ ١ / ٣٠٧ ]
للروح شأن آخر غير شأن البدن
ففي هذا الحديثِ بيانُ سرعة انتقال [٦٥ ب] أرواحهم من العرش إلى الثَّرى، ثم انتقالها من الثرى إلى مكانها (^١). ولهذا قال مالك وغيرُه من الأئمة: إنَّ الروحَ مرسَلةٌ تذهب حيث شاءت (^٢). وما يراه الناس من أرواح الموتى ومجيئهم إليهم من المكان البعيد أمرٌ يعلمه عامّة الناس، ولا يشكُّون فيه. والله أعلم.
وأما السلامُ على أهل القبور وخطابُهم فلا يدلُّ على أن أرواحهم ليست في الجنة وأنها على أفنية القبور، فهذا سيِّدُ ولد آدم الذي روحه في أعلى علِّيين مع الرفيق الأعلى يُسلَّم عليه عند قبره، ويرُدُّ سلام المسلِّم عليه.
وقد وافق أبو عُمر ﵀ على أنَّ أرواح الشهداء في الجنَّة، ويسلَّم عليهم عند قبورهم، كما يسلَّم على غيرهم، كما علَّمَنا النبيُّ - ﷺ - أن نسلِّم عليهم؛ وكما كان الصحابة يسلِّمون على شهداء أحد، وقد ثبت أنَّ أرواحهم في الجنة تسرح حيث شاءت كما تقدَّم (^٣).
ولا يضيق (^٤) عَطَنُك عن كون الروح في الملأ الأعلى تسرح في الجنة حيث شاءت، وتسمع سلام المسلِّم عليها عند قبرها، وتدنو حتى ترُدَّ ﵇، فللروح (^٥) شأن آخر غيرُ شأن البدن. وهذا جبريل صلوات الله
_________________
(١) (ب، ط، ج): «أماكنها».
(٢) تقدّم في أول هذه المسألة.
(٣) من حديث ابن مسعود، ضمن ما احتجّ به القائلون بأن أرواح المؤمنين في الجنة.
(٤) كذا في جميع النسخ: «يضيق» بإثبات الياء. والخبر بمعنى الطلب، كما في الحديث الآتي في (ص ٣٧٢): «لا يصلي أحد على أحد ولا يصوم أحد عن أحد».
(٥) ما عدا (ن): «وللروح».
[ ١ / ٣٠٨ ]
وسلامه عليه رآه النبيُ - ﷺ -، وله ستمائة جناحٍ، منها جناحان قد سدَّ بهما (^١) ما بين المشرق والمغرب. وكان يدنو (^٢) من النبي - ﷺ - حتى يضع ركبتيه بين (^٣) ركبتيه، ويديه على فخذيه. وما أظنك يتسع بِطانُك أنه كان حينئذ في الملأ الأعلى فوق السموات ــ حيث هو مستقرُّه ــ وقد دنا من النبي - ﷺ - هذا الدنوَّ، فإنَّ التصديق بهذا له قلوبٌ خُلِقت له وأهِّلت لمعرفته. ومن لم يتَّسع بطانه لهذا فهو أضيَقُ (^٤) أن يتسع للإيمان بالتنزّل (^٥) الإلهي إلى سماء الدنيا كلَّ ليلة، وهو فوق سماواته على عرشه، لا يكونُ فوقه شيء البتَّة (^٦)، بل هو العالي على كلِّ شيء، وعلوُّه من لوازم ذاته.
وكذلك دنوُّه عشيَّةَ عرفة من أهل الموقف (^٧). وكذلك مجيئُه يوم (^٨) القيامة لمحاسبة خلقه، وإشراقُ الأرض بنوره. وكذلك مجيئه إلى الأرض حين دحاها، وسوَّاها، ومدَّها، وبسطها، [٦٦ أ] وهيَّأها لما يرادُ منها. وكذلك مجيئه إليها قبل يوم القيامة حين (^٩) يقبض مَن عليها، ولا يبقى بها أحد؛ كما
_________________
(١) (ق): «قد مدّهما».
(٢) «يدنو» ساقط من (ق).
(٣) (ق، ن): «على».
(٤) (أ، غ): «ضيق»، خطأ.
(٥) (ق): «بالنزل». (ج، غ): «بالتنزيل». وكلاهما تصحيف.
(٦) «البتة» ساقط من (ن).
(٧) أخرجه مسلم (١٣٤٨) من حديث عائشة.
(٨) «ذاته يوم» ساقط من (ب).
(٩) (ب، ط، ج): «حتى».
[ ١ / ٣٠٩ ]
قال النبي - ﷺ -: «فأصبح ربُّك يطوف في الأرض، وقد خلت عليه البلاد» (^١).
هذا وهو فوق سماواته على عرشه.
_________________
(١) قطعة من حديث أخرجه بطوله ابن أبي عاصم في السُّنة (٦٣٦) عن إبراهيم بن المنذر الحزامي، ثنا عبد الرحمن بن عياش الأنصاري، عن دلهم بن الأسود بن عبد الله بن حاجب بن المنتفق العقيلي، عن جدّه عبد الله، عن عمِّه لقيط بن عامر بن المنتفق. قال دلهم: وحدثني أيضًا أبي الأسود بن عبد الله، عن عاصم بن لقيط بن عامر: أن لقيط بن عامر خرج وافدًا إلى رسول الله - ﷺ - ومعه صاحب له يقال له نهيك بن عاصم بن مالك بن المنتفق الحديث. ومن هذا الوجه أخرجه عبد الله بن أحمد في زياداته على المسند (١٦٢٠٦) وفي كتابه السُّنة (١١٢٠) إلا أنه قال: «عن أبيه» بدل «عن جده». وبالإسناد الثاني أخرجه الطبراني في الكبير (٤٧٧) ج ١٩ إلا أنه قال: «عن دلهم بن الأسود عن عاصم بن لقيط» وسقط منه «عن أبيه». وإسناده مسلسل بالمجاهيل؛ عبد الرحمن بن عياش، ودلهم بن الأسود، وأبوه لا يعرفون إلا بهذا الحديث، وذكرهم ابن حبان في ثقاته (٧/ ٧١، ٦/ ٢٩١، ٤/ ٣٢) على قاعدته في توثيق من لم يعرف فيه جرح، وهي قاعدة مردودة عند عامة أهل الحديث؛ ولذلك أوردهم جميعًا الحافظ الذهبي في الميزان (٢/ ٥٨٠، ٢/ ٢٨، ١/ ٢٥٦) وقال في دلهم بن الأسود: «لا يعرف». وأما جدُّه عبد الله بن حاجب العقيلي فلم يذكره ابن حبان في الثقات ولذا قال الحافظ في التقريب: «مجهول». والإسناد الثاني علاوة على ما فيه من مجاهيل فهو مرسل. والحديث ساقه بتمامه وطوله ابن كثير في البداية والنهاية (٥/ ٨٠ ــ ٨٢) ثم قال عَقِبه: «هذا حديث غريب جدًّا، وألفاظه في بعضها نكارة». (قالمي). وانظر ما قاله المصنف في زاد المعاد (٣/ ٦٧٧) وحادي الأرواح (٥٣٦) في تصحيحه. (الإصلاحي).
[ ١ / ٣١٠ ]
فصل: اختلاف شأن الروح بحسب قوتها وضعفها وكبرها وصغرها
فصل
ومما ينبغي أن يُعلَم أنَّ ما ذكرناه من شأن الروح يختلفُ بحسَب حال الأرواح، مِن (^١) القوة والضعف، والكِبَر والصغر. فللروح العظيمة الكبيرة (^٢) من ذلك ما ليس لمن هو دونها (^٣). وأنت ترى أحكام الأرواح في الدنيا كيف تتفاوتُ أعظمَ تفاوت بحسَب تفاوت (^٤) الأرواح في كيفيَّاتها، وقواها، وبِطائها (^٥) وإسراعها، والمعاونة (^٦) لها.
فللروح المطلَقة من أَسْر البدن وعلائقه وعوائقه مِن التصرُّف والقوة والنَّفاذ والهمَّة وسرعة الصعود إلى الله والتعلُّق بالله ما ليس للروح المَهينة المحبوسة في علائق البدن وعوائقه. فإذا كان هذا وهي محبوسة في بدنها، فكيف إذا تجرَّدت، وفارقته، واجتمعت فيها قواها، وكانت في أصل شأنها روحًا عليِّة زكيَّة كبيرة ذات همّة عالية، فهذه لها بعد مفارقة البدن (^٧) شأنٌ آخر، وفعلٌ آخر.
وقد تواترت الرُّؤيا من أصناف (^٨) بني آدم على فعل الأرواح بعد موتها
_________________
(١) (ب، ط، ن، ج): «في».
(٢) «الكبيرة» ساقط من (ن).
(٣) (ن): «لمن دونها» بإسقاط «هو».
(٤) ساقط من (أ، غ).
(٥) كذا في الأصل (أ، غ). والبطاء مصدر كالبطء. وفي غيرهما: «إبطائها».
(٦) (ب، ج): «المعاوق» وهو: المانع. (ن): «العارف»، وهذا تصحيف.
(٧) (ن): «مفارقتها للبدن».
(٨) «أصناف» ساقط من (ن).
[ ١ / ٣١١ ]
ما لا تقدِرُ (^١) على مثله حالَ اتصالها بالبدن، من هزيمةِ الجيوش الكثيرة بالواحد والاثنين والعدد القليل ونحو ذلك. وكم قد رُئِيَ النبيُّ - ﷺ - ومعه أبو بكر وعمر في النوم قد هزَمتْ أرواحُهم عساكرَ الكفر والظلم، فإذا بجيوشهم مغلوبةً (^٢) مكسورة، مع كثرة عَدَدهم وعُدَدهم (^٣)، وضعف المؤمنين وقلَّتهم.
ومن العجب أنَّ أرواحَ المؤمنين المتحابِّين المتعارفين تتلاقَى وبينها أعظم مسافة وأبعدها، فتتشامُّ (^٤)، وتتعارف، فيعرف بعضُها بعضًا كأنه جليسُه وعشيرُه. فإذا رآه طابقَ ذلك ما كان عرفَتْه به روحه قبل رؤيته.
قال عبد الله بن عمرو: إنَّ أرواح المؤمنين تتلاقَى على مسيرة يوم، وما رأى أحدهما صاحبه قطُّ. ورفعه بعضهم إلى النبي - ﷺ - (^٥).
_________________
(١) ضبط في (ن): «يُقدَر».
(٢) كذا في (أ، غ). وفي غيرها: «مفلولة».
(٣) «وعُددهم» ساقط من (ب، ج).
(٤) في (أ، ق، ن، غ): «فتتسالم». والصواب ما أثبتنا من (ط). وكذا في (ب) ولكن بعضهم زاد همزة مفتوحة قبل الميم. وفي (ج): «هشام». والتشامّ: التقارب والتعارف. وقد ورد في حديث تقدَّم.
(٥) المرفوع أخرجه الإمام أحمد في المسند (٦٦٣٦، ٧٠٤٨)، والبخاري في الأدب المفرد (٢٦١)، وأبو يعلى كما في إتحاف الخيرة المهرة (٧٣٦٢، ٧٣٦٣) من طريق درّاج أبي السّمح، عن عيسى بن هلال الصدفي، عن عبد الله بن عمرو ﵄. ودرّاج وثقه ابن معين، وضعّفه الجمهور، فقال الإمام أحمد: حديثه منكر، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال في موضع: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: في حديثه ضعف، وقال الدارقطني: ضعيف، وقال في موضع آخر: متروك. انظر: تهذيب التهذيب (٣/ ٢٠٨ ــ ٢٠٩). وانظر: السلسلة الضعيفة (١٩٤٧). (قالمي).
[ ١ / ٣١٢ ]
وقال عكرمة ومجاهد: إذا نام [٦٦ ب] الإنسانُ فإنَّ له سببًا تجري فيه الروح، وأصلُه (^١) في الجسد، فتبلغ حيث شاء الله. فما دام (^٢) ذاهبًا فالإنسانُ نائمٌ، فإذا رجعَ (^٣) إلى البدن انتبه الإنسان. وكان بمنزلة شعاع الشمس، هو ساقطٌ بالأرض، وأصلُه مُتَّصِلٌ بالشمس (^٤).
وقد ذكر أبو عبد الله بن منده عن بعض أهل العلم (^٥) أنه (^٦) قال: إنَّ الروحَ (^٧) تمتدُّ من منخر الإنسان، ومركبُه وأصلُه (^٨) في بدنه، فلو خرج الروحُ بالكلّية لمات؛ كما أنّ السِّراجَ لو فُرِّق بينه وبين الفتيلة لطفئتْ. ألا ترى أنَّ (^٩) مركبَ النار في الفتيلة، وضَوْؤها وشعاعها يملأ البيت؟ فكذلك الروحُ تمتدُّ من منخر الإنسان في منامه حتى تأتي السماء، وتجول في البلدان، وتلتقي مع أرواح الموتى، فإذا أراه (^١٠) الملَك الموكَّلُ بأرواح
_________________
(١) (ب، ط، ن، ج): «داخله»، تصحيف.
(٢) (أ، ق، غ): «ما دام». والمثبت من غيرها ومجموع الفتاوى، وشرح الصدور (٣٥٧).
(٣) (ب، ط): «راجع».
(٤) قول عكرمة ومجاهد هذا نقله شيخ الإسلام في شرح حديث النزول، ولعل مصدره كتاب النفس والروح لابن منده. انظر: مجموع الفتاوى (٥/ ٤٥٧).
(٥) هو علي بن يزيد السمرقندي. قال ابن منده: وكان من أهل العلم والأدب، وله بصر بالطب والتعبير. مجموع الفتاوى (٥/ ٤٥٧).
(٦) «أنه» ساقطة من (ب، ط، ج).
(٧) (ب): «قال الأرواح».
(٨) (ب، ن، ج): «داخله»، تحريف.
(٩) «أن» ساقطة من (ط).
(١٠) (ن، ق): «رآه».
[ ١ / ٣١٣ ]
العباد ما أحبَّ أن يُريَه، وكان المرأ (^١) في اليقظة عاقلًا ذكيًّا صَدوقًا لا يلتفت في يقظته إلى شيء من الباطل= رجع إليه روحُه، فأدَّى إلى قلبه الصِّدقَ مما أراه الله ﷿ على حسب خلقه. وإن كان خفيفًا نَزقًا يُحبُّ الباطل والنظرَ إليه، فإذا نام وأراه الله أمرًا من خيرٍ أو شرٍّ= رجعت روحُه إليه، فحيثما رأى شيئًا من مخاريق الشيطان أو الباطل وقفتْ روحُه عليه، كما تقف في يقظته، فكذلك يؤدي (^٢) إلى قلبه، فلا يعقل ما رأى؛ لأنه خَلَطَ الحقَّ بالباطل، فلا يمكن معبِّرًا (^٣) أن يعبِّر له، وقد خلط الحق بالباطل (^٤).
وهذا من أحسن الكلام، وهو دليل على معرفة قائله (^٥) وبصيرته بالأرواح وأحكامها. وأنت ترى الرجل يسمع العلم والحكمة وما هو أنفع شيء له، ثم يمرُّ بباطل ولهو من غناءٍ أو شبهة (^٦) أو زور أو غيره، فيصغي إليه، ويفتحُ له قلبه حتى يتأدَّى (^٧) إليه، فيتخبَّط عليه ذلك الذي سمعه (^٨) مع العلم والحكمة، ويلتبس (^٩) عليه الحقُّ بالباطل.
_________________
(١) (ق): «الرائي».
(٢) (أ، ق، ن): «لا يؤدي». والمثبت من غيرها ومجموع الفتاوى.
(٣) ما عدا (ج): «معبِّرٌ»، وهو خطأ.
(٤) «فلا يمكن بالباطل» ساقط من (ب). وانظر النصَّ في مجموع الفتاوى (٥/ ٣٥٧).
(٥) في (ط، ن) غيّر بعضهم إلى «قابليته»!
(٦) في (ب، ج): «شبه»، وفي (ط) بالمهملة وتشديد الباء.
(٧) (ب، ط، ج): «يبادر». (ن): «يُنادى» وكلاهما تصحيف.
(٨) (ب، ن، ج): «يسمعه».
(٩) (ن): «يُلبس».
[ ١ / ٣١٤ ]
فهكذا شأن الأرواح عند النوم (^١). وأما بعد المفارقة فإنها تُعَذَّب بتلك الاعتقادات والشُّبه الباطلة التي كانت حظَّها (^٢) حال اتصالها بالبدن. وينضافُ إلى ذلك عذابها بتلك الإرادات والشهوات التي حيل بينها (^٣) وبينها. وينضاف إلى ذلك (^٤) عذابٌ آخر يُنشئه الله لها ولبدنها من الأعمال التي اشتركت معه فيها. وهذه هي المعيشةُ الضَّنْك [٦٧ أ] في البرزخ، والزاد الذي تزودته (^٥) إليه.
والروحُ الزكية العُلْوية المحِقَّة التي لا تُحبُّ الباطلَ ولا تألفه بضدِّ ذلك كلِّه. تَنعَّمُ بتلك الاعتقادات الصحيحة والعلوم والمعارف التي تلقّتها (^٦) من مشكاة النبوة، وتلك الإرادات والهمم الزَّكية. وينشئُ الله لها من أعمالها نعيمًا يُنعِّمها (^٧) به في البرزخ، فتصيرُ (^٨) لها روضةً من رياض الجنة؛ وكذلك (^٩) حفرة من حفر النار.
_________________
(١) ما عدا (أ، ق، غ): «في النوم». وفي طرّة (ط) ذكر ما أثبتنا من غيرها.
(٢) (ن): «جَنَتْها».
(٣) (ط): «بينه» وسقط من (ق) «بينها» الثانية.
(٤) (ط): «ويضاف إلى ذلك». وقد سقط من (ب): «عذابها ذلك».
(٥) (أ، ج، غ): «يزود به». (ب): «تزود به». (ق): «تردد به». والصواب المثبت من (ط، ن) و«إليه» بعده ساقط من (ن).
(٦) (أ، غ): «تلقيها»، تصحيف. وفي (ن): «بُلِّغَتْها»، هكذا مضبوطًا.
(٧) (ب، ط): «تتنعّم». (ج): «يتنعّم». (ن): «تَنَعَّمُ».
(٨) (ق): «تصير» يعني الأعمال. وفي (ب، ط، ن، غ): «يصير» يعني البرزخ. وفي الأصل بالتاء والياء جميعًا.
(٩) كذا في جميع النسخ. يعني: وكذلك ينشئ الله من أعمال الروح السفلية المبطلة عذابًا يعذِبها به في البرزخ، فتصير لها حفرة من حفر النار. وفي النسخ المطبوعة التي بين يديّ: «ولتلك».
[ ١ / ٣١٥ ]
فصل: في قول من قال: أرواح المؤمنين عند الله تعالى، ولم يزد على ذلك
فصل
وأما قول (^١) من قال: أرواحُ المؤمنين عند الله تعالى، ولم يزد على ذلك؛ فإنه تأدَّبَ مع لفظ القرآن، حيث يقول الله ﷿: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩].
وقد احتجَّ أربابُ هذا القول بحُجج، منها: ما رواه محمد بن إسحاق الصَّغَاني (^٢)، ثنا يحيى بن أبي بُكير (^٣)، ثنا محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن محمد بن عمرو بن عطاء (^٤)، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: «إنَّ الميتَ إذا خرجت نفسُه يُعرَج بها إلى السماء حتى يُنتهى بها (^٥) إلى السماء التي فيها الله ﷿. وإذا كان الرجلُ السوءُ يُعرجَ بها إلى السماء، فإنه لا يُفتَح لها أبواب السماء، فترسَل من السماء، فتصير (^٦) إلى القبر».
_________________
(١) «قول» ساقط من (ب، ط، ج، ن).
(٢) في (أ، غ): «الصنعاني»، تحريف. وقد تحرّف من قبل في جميع النسخ إلى الصفار.
(٣) (ب، ج، ط، ن): «أبي بكر»، تحريف.
(٤) زاد في (ب، ط) بعده: «عن عطاء»، وهو خطأ.
(٥) «بها» ساقطة من (ب، ج).
(٦) «فترسل فتصير» كذا في (ط، ج، ن). وفي الأصل: «فيرسل فيصير». وفي (ب): «فترسل فيصير».
[ ١ / ٣١٦ ]
وهذا إسنادٌ لا تَسألْ (^١) عن صحته، وهو في مسند أحمد وغيره (^٢).
وقال أبو داود الطيالسيُّ (^٣): ثنا حماد بن سلَمة: عن عاصم بن بَهْدلة، عن أبي وائل، عن أبي موسى الأشعري قال: تخرج روح المؤمن (^٤) أطيبَ من ريح المسك، فتنطلق (^٥) بها الملائكة الذين يتوفَّونه، فتتلقاه الملائكة (^٦) من دون السماء، فيقولون: هذا فلان بن فلان، كان يعمل كَيْتَ وكيت ــ لمحاسن (^٧) عمله ــ فيقولون: مرحبًا بكم وبه! فيقبضونها منهم، فيُصعَد به من الباب الذي كان يَصعَد منه عمله (^٨)، فتشرق في السماوات (^٩) ولها برهانٌ كبرهان الشمس، حتى ينتهي (^١٠) إلى العرش.
_________________
(١) (ب، ط، ن): «يُسأل». وانظر ما سبق من قول أبي نعيم في الإسناد.
(٢) تقدَّم الحديث في المسألة السادسة (ص ١٤١) من طريق ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب، وثَمَّ تخريجه.
(٣) ليس في المطبوع من مسنده. وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٢١٨٧) والبيهقي في إثبات عذاب القبر (١٩٩) من غير هذا الطريق وبلفظ مختلف. وعزاه ابن رجب في الأهوال (١٠٦) والسيوطي في شرح الصدور (١٠٤) إلى اللالكائي أيضًا. وليس في كتابه المطبوع.
(٤) ما عدا (أ، غ): «نفس المؤمن». وأشير إلى هذه النسخة في حاشية (ط) أيضًا.
(٥) (ن): «ينطلق».
(٦) (أ، غ): «فيتلقاه ». (ب، ط): «فتلقاهم ملائكة». (ن، ج): «فيتلقاهم».
(٧) (ب، ط، ن): «بمحاسن».
(٨) «فيقولون عمله» ساقط من (ن).
(٩) (ن): «السماء». و«في» ساقطة من (ب).
(١٠) (غ): «تنتهي». ولم ينقط أوله في (ب، ق).
[ ١ / ٣١٧ ]
وأما الكافرُ، فإذا قُبض اُنطُلِق بروحه، فيقولون: ما هذا؟ فيقولون: هذا (^١) فلان بن فلان، كان يعمل كيت وكيت ــ لمساوي (^٢) عمله ــ فيقولون: لا مرحبًا! لا مرحبًا! رُدُّوه إلى أسفل الأرض (^٣) إلى الثرى.
وقال المكّي (^٤) بن إبراهيم، عن داود بن [٦٧ ب] يزيد الأودي (^٥)، قال: أراه عن عامر الشعبي، عن حذيفة بن اليمان، أنه قال: الأرواح موقوفة عند الرحمن ﷿ تنتظر موعدها (^٦) حتى يُنفَخ فيها (^٧).
وذكر سفيان بن عيينة، عن منصور بن صفية، عن أمه أنه (^٨) دخل ابن عمر المسجد بعد قتل (^٩) ابن الزبير، وهو مصلوب، فأتى أسماء يعزِّيها، فقال لها: عليكِ بتقوى الله والصبر، فإنَّ هذه الجثث ليست بشيء، وإنما الأرواح عند الله. فقالت: وما يمنعني من الصبر، وقد أُهدي رأس يحيى بن زكريا إلى بغيٍّ من بغايا بني إسرائيل (^١٠).
_________________
(١) «هذا» ساقط من (ب، ط، ن). ومكانها في (ج): «روح».
(٢) (ب، ط، ن): «بمساوي».
(٣) ما عدا (أ، ق، غ): «الأرضين».
(٤) ما عدا (أ، ق، غ): «مكي»، دون لام التعريف.
(٥) (ق): «الأزدي»، تصحيف.
(٦) ما عدا (أ، ق، غ): «فتنظر موعودها».
(٧) (ب، ط): «في الصور». والأثر أخرجه ابن منده. عزاه إليه ابن رجب في الأهوال (١١٥) وقال: هذا إسناد ضعيف. وانظر: شرح الصدور (٣٣١).
(٨) «أنه» ساقط من (ب، ط، ج).
(٩) (ب، ط، ن): «أن قُتِل».
(١٠) سبق تخريجه في المسألة السادسة (ص ١٢٣).
[ ١ / ٣١٨ ]
وذكر جريرٌ، عن الأعمش، عن شِمْر بن عطية، عن هلال بن يساف (^١)، قال: كنَّا جلوسًا إلى كعب، والربيع بن خُثَيم (^٢)، وخالد بن عَرْعَرة في أناس، فجاء ابن عبَّاس فقال: هذا ابنُ عمِّ نبيِّكم. قال: فأوسعَ له، فجلس (^٣) فقال: يا كعب، كلُّ ما في القرآن قد عرفتُ غيرَ أربعة أشياء، فأخبرني عنهن: ما سجِّين؟ وما علِّيون؟ (^٤) وما سِدرة المنتهى؟ وما قول الله لإدريس: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧]؟
قال: أما عِلِّيُّون، فالسماء السابعة، فيها أرواح المؤمنين. وأما سِجِّين، فالأرض السابعة السفلى، وأرواح الكفار تحت خدِّ إبليس (^٥).
وأما قول الله سبحانه لإدريس ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧]، فإنَّ الله أوحى إليه أنّي رافعٌ لك كلَّ يوم مثل أعمال بني آدم. وكلَّم صَديقًا له من الملائكة أن يُكلِّم له ملَكَ الموت، فيؤخِّرَه حتى يزدادَ عملًا، فحمله بين جناحيه، فعرج به. حتى إذا كان في السماء الرابعة لقيه ملَكُ الموت، فكلَّمه في حاجته، فقال: وأين هو؟ قال: هو ذا بين جناحيَّ. قال: فالعجبُ أنِّي أُمِرتُ أن أقبض روحَه في السماء الرابعة. فقبض روحه (^٦).
_________________
(١) (ن): «يسار»، تحريف.
(٢) (ق، ب، ن): «خَيثم»، تصحيف.
(٣) (ق): «في المجلس».
(٤) (أ، غ): «عليين».
(٥) هذا الجزء من الجواب قد سبق في أول هذه المسألة.
(٦) «فقبض روحه» ساقط من (ن). وأخرج الطبري هذا الجزء في تفسيره (١٥/ ٥٦٢ ــ ٥٦٣). وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾: «وقد روى ابن جرير هنا أثرًا غريبًا عجيبًا» وبعد ما أورده قال: «هذا من أخبار كعب الأحبار الإسرائيليات، وفي بعضه نكارة». تفسير ابن كثير (٣/ ١٢٣).
[ ١ / ٣١٩ ]
وأما سِدرة المنتهى فإنها سِدرة على رؤوس حَمَلة العرش، ينتهي إليها علمُ الخلائق، ثم ليس لأحد وراءها علمٌ، فلذلك سُمِّيتْ سدرة المنتهى (^١).
قال ابن منده: ورواه وهب بن جرير، عن أبيه، ورواه يعقوب القُمِّي عن شِمْر (^٢). ورواه خالد بن عبد الله، عن العوَّام بن حَوشَب، عن القاسم بن عوف، عن الربيع بن خُثَيم، قال: كنَّا جلوسًا عند كعب، فذكره [٦٨ أ].
وذكر يعلى بن عبيد، عن الأجلَح، عن الضحَّاك قال: إذا قُبِض روحُ العبد المؤمن عُرِج به إلى السماء الدنيا، فينطلق معه المقرَّبون إلى السماء الثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، ثم السادسة، ثم السابعة، حتى يُنتهى به إلى سدرة المنتهى. قلت للضحّاك: لِمَ سُمِّيت سدرة المنتهى؟ قال: لأنه ينتهي إليها كلُّ شيء من أمر الله ﷿ لا يعدُوها. فيقول: ربِّي (^٣) عبدك فلان، وهو أعلم به منهم (^٤)، فيبعث الله إليه بصكٍّ مختوم بأمنه من العذاب، وذلك قوله: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ١٨ ــ ٢١] (^٥).
وهذا القولُ لا ينافي قولَ من قال: هم في الجنة، فإنَّ الجنّة عند سدرة
_________________
(١) هذا الجزء أخرجه الطبري في تفسيره (٢٢/ ٣٣).
(٢) (ق): «شمس»، تحريف.
(٣) (ب، ج): «ربِّ». (ط): «فيقولون: ربِّ».
(٤) «من أمر الله منهم» ساقط من (ن).
(٥) في (ن) اكتفي بإثبات الآية الأولى. والأثر أخرجه الطبري في تفسيره (٢٤/ ٢٠٩).
[ ١ / ٣٢٠ ]
فصل: في قول من قال: أرواح المؤمنين بالجابية، وأرواح الكفار بحضرموت ببرهوت
المنتهى، والجنةُ عند الله. وكأنَّ قائلَه رأى أنَّ هذه العبارة أسلمُ وأوفق، وقد أخبر الله سبحانه أنَّ أرواح الشهداء عنده، وأخبر النبي - ﷺ - أنها تسرح في الجنة حيث شاءت.
فصل
وأما من قال (^١): إنَّ أرواح المؤمنين بالجابية، وأرواح الكفار بحضرموت ببَرَهُوت (^٢)؛ فقال أبو محمد بن حزم: هذا من قول الرافضة (^٣). وليس كما قال، بل قد قاله جماعةٌ من أهل السنّة.
قال أبو عبد الله بن منده: ورُوي عن جماعة من الصحابة والتابعين أنَّ أرواح المؤمنين بالجابية، ثم قال: أنا محمد (^٤) بن محمد بن يونس، حدثنا أحمد بن عصام، ثنا أبو داود سليمان بن داود، ثنا همّام، حدثني قتادة، حدثني رجلٌ، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو، أنه قال: إنَّ أرواحَ المؤمنين تجتمع بالجابية، وإن أرواحَ الكُفَّار تجتمع في سَبَخة (^٥) بحضرموت يقال لها: بَرَهُوت (^٦).
_________________
(١) ما عدا (أ، ق، غ): «قول من قال».
(٢) (ن): «بحضرموت بئر ببرهوت».
(٣) الفصل في الملل والنحل (٢/ ٣٢٠).
(٤) (ق): «قال أبو محمد»، خطأ.
(٥) (ط): «بسبخة». وهي الأرض التي تعلوها الملوحة ولا تكاد تنبت إلا بعض الشجر.
(٦) أخرجه ابن أبي الدنيا في ذكر الموت (٥٤٤) وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢/ ٣٣٤) من طريق همام. ورواه معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن ابن المسيب من قوله. أخرجه ابن عساكر من طريق ابن أبي الدنيا. وانظر: صحيح ابن حبان (٣٠١٣).
[ ١ / ٣٢١ ]
ثم ساق من طريق (^١) حماد بن سلمة، عن عبد الجليل بن عطية، عن شهر بن حوشَب، أنَّ كعبًا رأى عبد الله بن عمرو، وقد تكابَّ (^٢) الناسُ عليه يسألونه، فقال له رجل (^٣): سَلْه أين أرواح المؤمنين وأرواح الكفار؟ فسأله (^٤) فقال: أرواح المؤمنين بالجابية، وأرواح الكفار ببَرَهُوت (^٥).
قال ابن منده: ورواه أبو داود وغيره عن عبد الجليل.
ثم ساق من حديث سفيان، عن فرات القزَّاز، عن أبي الطُّفيل، عن علي قال: خيرُ بئر في الأرض زمزمُ، وشرُّ بئر في الأرض بَرَهوت، بئر في حضرموت (^٦). وخير وادٍ في الأرض وادي مكة، والوادي [٦٨ ب] الذي أُهبِط فيه آدمُ بالهند، منه (^٧) طِيبكم. وشرُّ وادٍ في الأرض الأحقاف، وهو في حضرموت، تَرِدُه أرواحُ الكفار (^٨).
قال ابن منده: وروى حماد بن سلَمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عبَّاس، عن علي، قال: أبغضُ بقعة في الأرض وادٍ
_________________
(١) (ن): «حديث».
(٢) أي ازدحموا عليه. وفي (ب، ج): «تكابت».
(٣) (ن): «فقال لرجل».
(٤) «فقال فسأله» ساقط من (ب).
(٥) عزاه ابن رجب في الأهوال (١١٤) إلى ابن منده.
(٦) (ن): «بحضرموت». وقد سقط من (ب، ج): «بئر في حضرموت».
(٧) (ن): «فمنه».
(٨) من «ترده» إلى هنا ساقط من (ن). والخبر بهذا الإسناد أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٩١٨)، والفاكهي في أخبار مكة (١١١٠) وانظر: ذكر الموت لابن أبي الدنيا (٥٤١، ٥٤٢). وعزاه ابن رجب في الأهوال (١١٢) إلى ابن منده كما هنا.
[ ١ / ٣٢٢ ]
بحضرموت يقال له: بَرَهوت، فيه أرواح الكفار. وفيه بئر ماؤها بالنهار أسودُ كأنه قَيحٌ، يأوي (^١) إليه الهوامُّ (^٢).
ثم ساق من طريق إسماعيل بن إسحاق القاضي، ثنا علي بن عبد الله، ثنا سفيان، ثنا أبَان بن تَغلب قال: قال رجل: بِتُّ (^٣) فيه ــ يعني وادي برهوت ــ فكأنما حُشِرتْ فيه أصواتُ الناس، وهم يقولون: يا دُومة! يا دُومة (^٤)، قال أبان: فحدّثنا رجلٌ من أهل الكتاب أنَّ دومة هو الملَك الذي على أرواح الكفار. قال سفيان: وسألْنَا الحضرميين، فقالوا: لا يستطيع أحدٌ أن يبيتَ (^٥) فيه بالليل (^٦).
فهذا جملةُ ما علمتُه في هذا القول. فإن أراد عبد الله بن عمرو بالجابية التمثيل والتشبيه، وأنها تجتمع في مكان فسيح يُشبه الجابية لسعته وطيب هوائه، فهذا قريب. وإن أراد نفسَ الجابية دون سائر الأرض، فهذا لا يُعلم إلا بالتوقيف (^٧). ولعلَّه ممّا تلقّاه عن بعض أهل الكتاب.
_________________
(١) (ن، غ): «تأوي».
(٢) أورده ابن رجب في الأهوال (١١٢) عن ابن منده. وأخرجه بهذا الإسناد الفاكهي في أخبار مكة (١١١).
(٣) (ق): «رأيت»، تحريف.
(٤) في (ن) مرة واحدة. ولم أجد نصًّا على ضبط الدال.
(٥) (ق): «رجل يثبت»، سقط وتصحيف.
(٦) أورده ابن رجب في الأهوال (١١٢) عن ابن منده. وأخرجه الفاكهي في أخبار مكة (١١١٢) من طريق ابن أبي عمر عن سفيان.
(٧) تحرف في بعض النسخ المطبوعة إلى «التوفيق» و«التوقيت».
[ ١ / ٣٢٣ ]
فصل: في قول من قال: إنها تجتمع في الأرض التي قال الله فيها: ﴿ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون﴾
فصل
وأما قول من قال: إنها (^١) تجتمع في الأرض التي قال الله فيها: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] فهذا إن كان قاله (^٢) تفسيرًا للآية، فليس هو تفسيرًا لها.
وقد اختلفَ الناسُ في الأرض المذكورة هنا. فقال سعيد بن جبير عن ابن عبَّاس: هي أرض الجنة (^٣). وهذا قول أكثر المفسرين.
وعن ابن عبَّاس (^٤) قولٌ آخر: إنها الدنيا التي فتحها الله على أمة محمد - ﷺ - (^٥).
وهذا القول هو الصحيح، ونظيره قوله تعالى في سورة النور: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٥].
وفي الصحيح عن النبي - ﷺ - قال: «زُوِيتْ لي الأرضُ مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملكُ أمتي ما زُوي لي منها» (^٦).
_________________
(١) «إنها» ساقطة من (ب، ج).
(٢) (ن): «قد قاله».
(٣) أخرجه الطبري في تفسيره (١٦/ ٤٣٥) وابن أبي حاتم (١٤٦١٣، ١٤٦١٤).
(٤) «هي عباس» ساقط من (ط).
(٥) أخرجه الطبري (١٦/ ٤٣٥) وابن أبي حاتم (١٤١٦١٥).
(٦) أخرجه مسلم (٢٨٨٩) من حديث ثوبان.
[ ١ / ٣٢٤ ]
فصل: في قول من قال: أرواح المؤمنين في عليين في السماء السابعة، وأرواح الكفار في سجين في الأرض السابعة
وقالت طائفةٌ من المفسرين: المراد بذلك أرض (^١) بيت المقدس (^٢). وهي من الأرض التي أورثها الله عباده الصالحين، وليست الآية مختصةً بها.
فصل
وأمَّا قولُ من قال: إنَّ (^٣) أرواحَ المؤمنين في علِّيِّين في السماء السابعة، وأرواح الكفار في سجِّينٍ في الأرض السابعة؛ فهذا قولٌ قد قاله جماعةٌ من السَّلف والخلف. ويدلُّ عليه قول النبي - ﷺ - عند موته: «اللهم الرفيقَ الأعلى» (^٤).
وقد تقدَّم (^٥) حديث أبي هريرة: «إن الميت إذا خرجت روحُه عُرِجَ بها إلى السماء حتى يُنتهىَ بها إلى السماء السابعة التي فيها الله ﷿».
وتقدَّم (^٦) قول أبي موسى: إنها تصعد حتى تنتهي إلى العرش. وقول حذيفة: إنها موقوفةٌ عند الرحمن. وقول عبد الله بن عمر: إنَّ هذه الأرواح عند الله.
وتقدَّم (^٧) قول النبي - ﷺ -: «إن أرواح الشهداء تأوي إلى قناديل تحت
_________________
(١) «بذلك أرض» ساقط من (ن).
(٢) في تفسير القرطبي (١٤/ ٣٠١) نسب هذا القول أيضًا إلى ابن عباس. وفي زاد المسير (٥/ ٣٩٧): قاله ابن السائب. يعني الكلبي.
(٣) «إن» ساقطة من (ب، ط، ن، ج).
(٤) سبق تخريجه في آخر المسألة الثامنة (ص ٢٢٢).
(٥) في هذه المسألة (ص ٣١٦).
(٦) الأقوال الثلاثة كلها في هذه المسألة (ص ٣١٧، ٣١٨).
(٧) في المسألة الخامسة (ص ١١٢) وهذه المسألة (ص ٢٩١).
[ ١ / ٣٢٥ ]
فصل: في قول من قال: أرواح المؤمنين تجتمع في بئر زمزم
العرش».
وتقدَّم (^١) حديث البراء بن عازب: «أنها تصعد من سماء إلى سماء، ويشيِّعها مِن كلِّ سماء مقرّبوها حتى يُنتهى بها إلى السماء السابعة». وفي لفظ: «إلى السماء التي فيها الله ﷿».
ولكن هذا لا يدلُّ على استقرارها هناك دائمًا، بل يُصعدُ بها إلى هناك للعرض على ربِّها ﷿، فيقضي فيها أمره، ويَكتب كتابه: من أهل علِّيين، أو من أهل سجِّين. ثم تعود إلى القبر للمسألة، ثم ترجع إلى مقرِّها الذي أودِعَتْ فيه. فأرواحُ المؤمنين في علِّيين بحسب منازلهم، وأرواحُ الكفار في سجِّين بحسب منازلهم.
فصل
وأما قول من قال: إنَّ أرواحَ المؤمنين تجتمع ببئر زمزم، فلا دليل على هذا القول من كتابٍ، ولا سنَّةٍ يجب (^٢) التسليم لها، ولا قولِ صاحبٍ يُوثق به. وليس بصحيح، فإنَّ (^٣) تلك البئر لا تسَعُ أرواحَ المؤمنين جميعهم. وهو مخالفٌ لما ثبتت به السُّنَّة الصريحة من أنَّ نسَمةَ المؤمن طائرٌ يعلُق في شجر الجنة.
وبالجملة فهذا من أبطل الأقوال وأفسَدِها. وهو أفسدُ من قول من قال:
_________________
(١) في أول المسألة السادسة.
(٢) (أ، ق، غ): «ولا سنة ولا يجب»، وهذا خطأ.
(٣) (ب، ط): «بأن»، تصحيف.
[ ١ / ٣٢٦ ]
فصل: في قول من قال: أرواح المؤمنين في برزخ من الأرض تذهب حيث شاءت
إنها بالجابية، فإنَّ (^١) ذلك مكانٌ (^٢) متَّسِعٌ فضيٌّ (^٣) بخلاف البئر الضيقة (^٤).
فصل
وأما قول من قال: إنَّ أرواحَ المؤمنين في برزخ من الأرض تذهب حيث شاءت، فهذا مرويٌّ عن سلمان الفارسي (^٥). والبرزخ هو: الحاجزُ بين شيئين، وكأنَّ سلمان أرادَ بها: في أرضٍ (^٦) بين الدُّنيا [٦٩ ب] والآخرة، مُرسَلة هناك تذهب حيث شاءت.
وهذا قولٌ قويٌّ، فإنها قد فارقت الدنيا، ولم تلِج الآخرة، بل هي في برزخ بينهما. فأرواح المؤمنين في برزخٍ واسعٍ فيه الرَّوح والريحان والنعيم، وأرواحُ الكفار في برزخ ضيِّق فيه الغم والعذاب. قال تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَاءِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠]، فالبرزخ هنا (^٧): ما بين الدنيا والآخرة، وأصله: الحاجز بين
الشيئين.
_________________
(١) (ب، ط، ج): «وإن»، تصحيف.
(٢) ساقط من (ق).
(٣) كذا في جميع النسخ إلا (ط). من فضا المكانُ يفضو فَضاءً وفُضُوًّا: اتسع. ولم تثبت في المعجمات. وفي (ط): «قصي» بالقاف، تصحيف. وفي النسخ المطبوعة: «فضاء» ولعله من إصلاح الناشرين.
(٤) هذا الفصل برمَّته ساقط من (ن).
(٥) سبق تخريجه في أول المسألة.
(٦) (ب، ن): «أراد أنها في الأرض». (ط): « بالأرض» واقترح بعض قرائها أن يكون: «أراد بالأرض أنها». وفي (ج): «أنها بين الدنيا». والمثبت من الأصل وغيره صحيح.
(٧) (ب، ط): «بها»، تصحيف.
[ ١ / ٣٢٧ ]
فصل: في قول من قال: أرواح المؤمنين عن يمين آدم وأرواح الكفار عن يساره
فصل
وأما قول من قال: إنَّ أرواحَ المؤمنين عن يمين آدم، وأرواحَ الكفار عن يساره (^١)؛ فلَعمرُ الله، لقد قال قولًا يؤيِّده الحديث الصحيح. وهو حديث الإسراء، فإن النبي - ﷺ - رآهم كذلك (^٢)؛ ولكن لا يدلُّ (^٣) ذلك على تعادلهم في اليمين والشمال، بل يكون هؤلاء عن يمينه في العلوِّ والسعة، وهؤلاء عن يساره في السُّفْل والسِّجن.
وقد قال أبو محمد بن حزم: إن ذلك البرزخ الذي رآها فيه رسول الله - ﷺ - ليلة أُسْري به (^٤) عند سماء الدنيا. قال: وذلك عند منقطَع العناصر (^٥). قال: وهذا يدلُّ على أنها عنده تحت السماء حيث تنقطع العناصر، وهي الماء (^٦) والتراب والنار والهواء (^٧). وهو دائمًا يشنِّع على من قال قولًا لا دليل عليه، فأيُّ دليل له على هذا القول من كتاب أو سنَّة؟ وسيأتي إشباع الكلام على قوله إذا انتهينا إليه إن شاء الله تعالى.
فإن قيل: فإذا كانت أرواحُ أهل السعادة عن يمين آدم، وآدم في سماء الدنيا، وقد ثبت أن أرواح الشهداء في ظل العرش، والعرش فوق السماء
_________________
(١) (ن): «شماله».
(٢) انظر حديث أنس في البخاري (٣٤٩)، ومسلم (٢٦٣).
(٣) (ق): «يدرك»، تصحيف. وسقط بعده «ذلك» من (ط).
(٤) زاد بعده في (ب، ط، ن، ج): «إنه».
(٥) الفصل في الملل والأهواء والنحل (٢/ ٣٢٢).
(٦) الهواء بعد الماء في (ب، ط، ن، ج).
(٧) هذا النص لم أجده في الفصَل المطبوع.
[ ١ / ٣٢٨ ]
السابعة، فكيف تكون عن يمينه؟ وكيف يراها النبي - ﷺ - هناك في السماء الدنيا؟
فالجواب من وجوه:
أحدها (^١): أنه لا يمتنع كونُها عن يمينه في جهة العلوِّ، كما كانت أرواح الأشقياء عن يساره في جهة السفل.
الثاني: أنه غيرُ ممتنع أن تُعرَض على النبي - ﷺ - في سماء الدنيا، وإن كان مستقَرُّها فوق ذلك.
الثالث: أنه لم يخبِر أنه رأى أرواح السعداء جميعًا (^٢) هناك، بل قال: «فإذا عن يمينه أَسْوِدة، وعن يساره أسْوِدة». ومعلوم قطعًا أنَّ روح إبراهيم وموسى فوق ذلك في السماء [٧٠ أ] السادسة والسابعة. وكذلك الرفيق الأعلى أرواحُهم فوق ذلك. وأرواحُ السعداء (^٣) بعضُها أعلى من بعض بحسب منازلهم، كما أنَّ أرواحَ الأشقياء بعضُها أسفلُ (^٤) من بعض بحسب منازلهم (^٥). والله أعلم.
_________________
(١) (ب، ط، ن، ج): «وجهين أحدهما» مع ذكر الوجوه الثلاثة! وأصلح بعضهم في (ن): «وجوه»، وترك «أحدهما».
(٢) (ن): «جميعها». (ب، ط، ج): «رأى السعداء جميعها».
(٣) (ن): «الشهداء».
(٤) (ط): «أعلى».
(٥) «كما أن منازلهم» ساقط من (ب، ن، ج).
[ ١ / ٣٢٩ ]
فصل: في قول ابن حزم: إن مستقرها حيث كانت قبل خلق أجسادها
فصل
وأما قول أبي محمد بن حزم: إنَّ مستقرَّها حيث كانت قبل خلق أجسادها، فهذا بناء منه على مذهبه الذي اختاره، وهو أنَّ الأرواح مخلوقة قبل الأجساد.
وهذا فيه قولان للناس. وجمهورُهم على أنَّ الأرواح خُلِقت بعد الأجساد.
والذين قالوا: إنها خُلقت قبل الأجساد (^١)، ليس معهم على ذلك دليل من كتاب ولا سنّة (^٢) ولا إجماع، إلا ما فهموه من نصوص لا تدلُّ على ذلك، أو أحاديث لا تصحُّ؛ كما احتج به أبو محمد بن حزم من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ الآية (^٣) [الأعراف: ١٧٢]، وبقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ [الأعراف: ١١].
قال (^٤): فصحَّ أنَّ الله خلق الأرواح جملةً، وهي (^٥) الأنفس. وكذلك
_________________
(١) «وهذا فيه الأجساد» ساقط من (ب، ج) ومستدرك في حاشية (ن).
(٢) (ط): «وسنة».
(٣) كذا وردت الآية في (ق). وفي غيرها: «ذرّياتهم». وزاد في (ب، ط، ج): «أن يقولوا». وهذه قراءة أبي عمرو بالجمع في «الذريات»، والياء في «يقولوا». انظر: الإقناع لابن الباذش (٦٥١).
(٤) ساقط من (ب، ط، ن، ج).
(٥) (ن): «هنّ».
[ ١ / ٣٣٠ ]
أخبر ﵇ أنَّ «الأرواح جنود مجنَّدة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف» (^١).
قال: وأخذ ﷿ عهدها وشهادتَها، وهي مخلوقة مصوَّرة عاقلة، قبل أن يأمر الملائكة بالسجود لآدم، وقبل أن يُدخِلها في الأجساد، والأجسادُ يومئذ تراب.
وقال: لأنَّ الله تعالى [ذكر] (^٢) ذلك بلفظة «ثمَّ» التي توجب التعقيب والمهلة. ثم أقرَّها سبحانه حيث شاء، وهو البرزخ الذي ترجع إليه (^٣) عند الموت (^٤).
وسنذكر ما في هذا الاستدلال عند (^٥) جواب سؤال السائل عن الأرواح: أهي (^٦) مخلوقةٌ مع الأبدان أم قبلها؟ إذ الغرضُ هنا الكلام على مستقَرِّ الأرواح بعد الموت.
وقوله: «إنها تستقرُّ في البرزخ الذي كانت فيه قبل خلق الأجساد» مبنيٌّ
_________________
(١) سبق تخريجه في (ص ٢٧٧).
(٢) في (ب، ج): «حلف». وفي النسخ الأخرى جميعًا ــ خطيةً كانت أو مطبوعة ــ: «خلق». ولا معنى للخلق بلفظة «ثم». والظاهر أنه تحريف ما أثبتناه من كتاب ابن حزم. ولما أشكل على ناسخ (ط) غيَّر «بلفظة» إلى «بلطفه». وأسقط ناسخا (ب، ج): «ذلك بلفظة».
(٣) «إليه» ساقط من الأصل.
(٤) الفصل لابن حزم (٢/ ٣٢١).
(٥) (ب، ط، ج): «عن»، خطأ.
(٦) (ق): «هل» موضع «أهي».
[ ١ / ٣٣١ ]
على هذا الاعتقاد الذي اعتقده (^١).
وقوله: «إن أرواح السعداء عن يمين آدم، وأرواحَ الأشقياء عن يساره» حقٌّ، كما أخبر به النبي - ﷺ -.
وقوله: «إن ذلك عند منقطَعِ العناصر» [٧٠ ب] لا دليل عليه من كتاب ولا سنَّة، ولا يشبه أقوال أهل الإسلام. والأحاديث الصحيحة تدلُّ على أنَّ الأرواح فوق العناصر في الجنة عند الله تعالى. وأدلَّةُ القرآن تدلُّ (^٢) على ذلك.
وقد وافق أبو محمد على أنَّ أرواح الشهداء في الجنَّة، ومعلومٌ أنَّ الصدِّيقين أفضلُ منهم، فكيف تكون روح أبي بكر الصديق وعبد الله بن مسعود وأبي الدرداء وحذيفة بن اليمان وأشباههم عند منقطَع العناصر ــ وذلك تحت هذا الفلك الأدنى (^٣)، وتحت السماء الدنيا ــ وتكون أرواح شهداء زماننا وغيرهم فوق العناصر وفوق السموات؟
وأما قوله: قد ذكر محمد بن نصر المروزيُّ عن إسحاق بن راهويه أنه ذكر هذا الذي قلناه (^٤) بعينه. قال: وعلى هذا جميع أهل العلم، وهو قول (^٥) جميع أهل الإسلام (^٦).
_________________
(١) (أ، ق، غ): «اعتقدوه».
(٢) (أ، غ): «تدلّك».
(٣) (ب، ط): «العالم الأدنى». (ج): «العالم العلوي».
(٤) (ب، ن، ج): «قلنا».
(٥) «جميع قول» ساقط من (ب، ط، ج).
(٦) الفِصَل (٢/ ٣٢٢).
[ ١ / ٣٣٢ ]
قلت: محمد بن نصر المروزي (^١) ذكر في كتاب «الردِّ على ابن قتيبة» في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ (^٢) [الأعراف: ١٧٢] الآثار التي ذكرها السلف من استخراج ذرية آدم من صلبه، ثم أخذِ الميثاق عليهم وردِّهم في صلبه، وأنّه أخرجهم مثلَ الذرِّ، وأنَّه سبحانه قَسَمهم إذ ذاك إلى شقيٍّ وسعيد، وكتب آجالهم وأرزاقهم وأعمالهم، وما يصيبُهم من خير وشر. ثم قال (^٣): «قال إسحاق: أجمع أهل العلم أنها الأرواح قبل الأجساد، استنطقهم، وأشهدهم على أنفسهم: ألست ربكم؟ أن لا يقولوا (^٤): إنا كنَّا عن هذا غافلين أو يقولوا: إنَّما أشرك آباؤنا من قبل».
هذا نصُّ كلامه. وهو ــ كما ترى ــ لا يدلُّ على أنَّ مستقَرَّ الأرواح ما ذكر أبو محمد حيث منقطعُ العناصر (^٥) بوجهٍ من الوجوه، بل (^٦) ولا يدلُّ على أن الأرواح كائنةٌ قبل خلق الأجساد. بل إنما يدل على أنه سبحانه
_________________
(١) «المروزي» ساقط من (ب، ط، ن، ج).
(٢) هنا أيضًا في (ق): «ذريتهم» على قراءة الكوفيين وابن كثير. وفي غيرها: «ذرياتهم» وهي قراءة الباقين من السبعة.
(٣) زاد بعده في (ن): «محمد بن نصر». وقد سقط «قال» من (ب، ج).
(٤) كذا في الأصل، (ب، ق، ج). ولكن ضرب بعضهم في الأصل على «لا»، وحذفها ناسخ (غ)، وكتب: «أن يقولوا». وكذا في (ط). وزاد في (ن): «يوم القيامة»، وقد توهم هؤلاء أن المقصود نصّ الآية.
(٥) (ن): «ينقطع العناصر».
(٦) ساقطة من (ن).
[ ١ / ٣٣٣ ]
فصل: في قول من قال: إن مستقرها العدم المحض
استخرجها (^١) حينئذ، فخاطبها، ثم ردَّها إلى صلب آدم.
وهذا القول وإن كان قد قاله جماعة من السلف والخلف، فالقول الصحيح غيرُه، كما ستقف عليه إن شاء الله (^٢)؛ إذ ليس الغرض في جواب هذه المسألة الكلامُ في الأرواح: هل هي مخلوقة قبل الأجساد أم لا؟ حتى لو سلّم لأبي محمد هذا كلُّه لم يكن فيه دليل على أنَّ مستقرَّها حيث منقطعُ العناصر (^٣)، ولا أنَّ ذلك الموضع كان مستقرَّها أوّلًا.
فصل
وأما قول من قال: إنَّ (^٤) مستقرَّها العدمُ المحضُ، فهذا قول من قال: إنها عرَض من أعراض البدن، هو الحياة. وهذا قول ابن الباقِلَّاني ومَن تبعه (^٥). وكذلك قال أبو الهذيل (^٦) العلَّاف: النفسُ عرَضٌ من الأعراض، ولم يعيِّنه بأنه الحياةُ، كما عيَّنه ابن الباقلاني. ثم قال (^٧): هي عرَض كسائر أعراض الجسم. وهؤلاء عندهم أن الجسم إذا مات عَدِمت روحُه كما تعدم سائر أعراضه المشروطة بالحياة.
_________________
(١) ما عدا (أ، غ): «أخرجها».
(٢) في المسألة الثامنة عشرة.
(٣) (ب، ق): «تنقطع العناصر».
(٤) لم ترد «إن» فيما عدا الأصل و(غ).
(٥) نقل المؤلف هذا القول وغيرَه من الفصل لابن حزم (٣/ ٢١٤، ٢١٧)، وستأتي في المسألة التاسعة عشرة في حقيقة النفس.
(٦) (ب، ج): «قول أبي الهذيل».
(٧) (ب، ط، ج): «بل قال». (ن): «ومن ثم قال».
[ ١ / ٣٣٤ ]
ومَن يقول منهم: إن العَرَض لا يبقى زمانين ــ كما يقوله (^١) أكثر الأشعرية ــ فمِن قولهم: إنَّ روحَ الإنسان الآن هي غيرُ روحه قبلُ، وهو لا ينفكُّ تحدث له روحٌ ثم تُغَيَّر، ثم روحٌ ثم تغيَّر (^٢)، هكذا أبدًا، فتُبدَّل له ألفُ روح فأكثر في مقدار ساعة (^٣) من الزمان فما دونها. فإذا مات فلا روحَ (^٤) تصعد إلى السماء، وتعودُ إلى القبر وتقبضُها الملائكة، ويستفتحون لها أبواب السماوات، ولا تُنعَّم، ولا تُعذَّب. وإنما ينعَّم ويعذَّب الجسد. إذا شاء الله تنعيمه وعذابه (^٥) ردَّ إليه الحياة في وقت يريد نعيمه وعذابه، وإلا فلا روح هناك قائمة بنفسها البتَّة.
وقال بعض أرباب هذا القول: تُرَدُّ الحياة إلى عَجْب الذَّنَب، فهو الذي يعذَّب وينعَّم حَسْبُ. وهذا قولٌ يردُّه الكتاب والسنَّة، وإجماع الصحابة، وأدلَّة العقول والفِطَر (^٦). وهو قول مَن لم يَعرِف روحَه، فضلًا عن روح غيره. وقد خاطب الله سبحانه النفس بالرجوع والدخول والخروج، ودلَّت النصوص الصحيحة الصريحة (^٧) على أنها تصعد وتنزل، وتُقبَض وتُمْسَك،
_________________
(١) (ط): «يقول».
(٢) في الفصل ابن حزم (٢/ ٣٢٠): «ثم تفنى» في الموضعين.
(٣) (ط): «ساعاته»، خطأ.
(٤) «روح» لم يرد في (أ، غ).
(٥) (ق، غ): «تنعيمه وتعذيبه». (ب، ط، ج): «تعذيبه وتنعيمه». (ن): «نعيمه وتعذيبه».
(٦) ما عدا (ب، ط، ج): و«الفِطَن والفِطَر». والظاهر أن «الفطر» تحرَّف إلى «الفطن» ثم جُمع بينهما.
(٧) النصوص التي أشار المصنف إليها فيما يأتي قد سبقت، ثم تأتي مرة أخرى في المسألة التاسعة عشرة.
[ ١ / ٣٣٥ ]
وتُرسَل ويُستفتَح لها أبوابُ السماء، وتسجُد وتتكلَّم. وأنَّها تخرج تسيلُ كما تسيل القطرة، وتُكفَّن وتُحنَّط في أكفان الجنة أو النار. وأنَّ ملك الموت يأخذها بيده، ثم تتناولها الملائكة من يده، ويُشتَمُّ (^١) لها كأطيبِ نفحة مسكٍ، أو أنتنِ جيفةٍ [٧١ ب]، وتُشيَّع من سماء إلى سماء، ثم تُعاد إلى الأرض مع الملائكة. وأنَّها إذا خرجت تبعها البصر بحيث يراها وهي خارجةٌ. ودلَّ القرآن على أنها تنتقل من مكان إلى مكان حتى تبلغ الحلقوم في حركتها.
وجميعُ ما ذكرنا من الأدلَّة الدالَّة (^٢) على تَلاقي الأرواح وتعارفها، وأنها أجناد مجنَّدة، إلى غير ذلك= يُبطِل (^٣) هذا القول. وقد شاهد النبيُّ - ﷺ - الأرواحَ ليلة الإسراء عن يمين آدمَ وشماله. وأخبر النبي - ﷺ - إنَّ نسمة المؤمن طائر يعلُق في شجر الجنة، وأنَّ أرواح الشهداء في حواصل طير خُضر. وأخبر تعالى عن أرواح آل فرعون أنَّها تُعرَض على النار غدوًا وعشيًّا.
ولمَّا أُورِد ذلك على ابن الباقِلَّاني لَجَّ في الجواب، وقال: يخرج هذا على (^٤) أحد وجهين: إما بأن يوضع عَرَض من الحياة في أقلِّ جزء (^٥) من أجزاء الجسم، وإما أن يُخْلَق لتلك الحياة والنعيم والعذاب جسدٌ (^٦) آخر.
_________________
(١) ما عدا (أ، ق، غ): «يُشَمّ».
(٢) «الدالّة» ساقطة من (ب، ط، ج).
(٣) (ن، غ): «تبطل».
(٤) (أ، ق، غ): «على هذا» ولعله سهو. وكلمة «أحد» بعده ساقطة من (ن).
(٥) (أ، ق، غ): «أول جزء». ولعله تحريف. والمثبت من غيرها موافق لما في كتاب الفصل (٢/ ٢١٧) وهو المصدر لهذا النقل. وانظر أيضًا كتاب الفصل (٣/ ٣٢٠).
(٦) (ق): «جسدًا».
[ ١ / ٣٣٦ ]
فصل: في قول من قال: مستقرها أبدان أخر غير هذه الأبدان
وهذا قولٌ في غاية الفساد من وجوه كثيرة. وأيُّ قول أفسدُ مِن قول مَن يجعل روح الإنسان عَرَضًا (^١) من الأعراض تتبدَّل كلَّ ساعةٍ ألوفًا من المرَّات، فإذا فارقه هذا العرضُ لم يكن بعد المفارقة روحٌ تنعَّمُ ولا تعذَّب، ولا تصعد ولا تنزل، ولا تُمسَك ولا تُرسَل؟
فهذا قولٌ (^٢) مخالف للعقل ونصوص الكتاب والسنَّة والفطرة. وهو قول مَنْ لم يعرف نفسَه.
وسيأتي ذكرُ الوجوه الدالَّة على بُطلان هذا القول في موضعه من هذا الجواب إن شاء الله (^٣). وهو قول لم يقل به أحد من سلف الأمة من الصحابة والتابعين (^٤) ولا أئمة الإسلام.
فصل
وأمَّا قولُ من قال: إن مستقرَّها بعد الموت أبدانٌ أُخَرُ غيرُ هذه الأبدان (^٥)، فهذا القول فيه حقٌّ وباطل.
فأما الحقُّ، فما أخبر به (^٦) الصادق المصدوقُ عن أرواح الشهداء، أنَّها
_________________
(١) (ب، ط): «عرضٌ»، خطأ.
(٢) (ق): «فهذه أقوال»، خطأ.
(٣) انظر المسألة التاسعة عشرة.
(٤) (ب، ط، ن): «ولا التابعين». (ق): «ولا من الصحابة والتابعين».
(٥) ساقط من (ن).
(٦) لم يرد «به» في (أ، ق). وفي (غ) بعد «المصدوق».
[ ١ / ٣٣٧ ]
في حواصلِ طيرٍ خُضْرٍ تأوي إلى قناديل معلَّقةٍ بالعرش، هي لها كالأوكار للطائر. وقد صرَّح بذلك في قوله: «جعل الله أرواحَهم في أجواف طير خُضر».
وأما قوله - ﷺ -: «نسَمةُ المؤمن طائر يعلُق في شجر الجنة»، يحتمل (^١) أن يكون هذا الطائرُ مَرْكبًا للروح كالبدن لها، ويكون ذلك لبعض المؤمنين والشهداء. ويَحتمل أن يكون الروحُ في صورة طائر. [٧٢ أ] وهذا اختيار أبي محمد بن حزم وأبي عمر بن عبد البر (^٢).
وقد تقدَّم كلام أبي عمر، والكلام عليه (^٣).
وأما ابن حزم، فإنه قال: معنى قوله - ﷺ -: «نسمة المؤمن طائر يعلُق» هو على ظاهره، لا على ظنِّ أهل الجهل. وإنما أخبر - ﷺ - أنَّ نسمة المؤمن طائر (^٤) يعلُق، بمعنى (^٥) أنَّها تطير في الجنَّة، لا أنَّها تُمْسَخ (^٦) في صورة الطير.
قال: فإن قيل: إنَّ النسمة مؤنثة (^٧)، قلنا: قد صحَّ عن عربي فصيح أنَّه
_________________
(١) زاد في (ن) قبله: «فهذا».
(٢) كذا ورد في جميع النسخ. والظاهر أن هذا اختيار أبي عمر. أما ابن حزم فذهب إلى أن النسمة هي التي ستطير في الجنة، كما نقل عنه المصنف.
(٣) انظر (ص ٢٩٣) فما بعدها.
(٤) «هو على طائر» ساقط من (ن). وكذا «يعلق» بعد «طائر» في جميع النسخ، ولم يرد في كتاب الفصل، وهو الأفضل في هذا السياق؛ لأن ابن حزم أراد تفسير كلمة «طائر» لا إعادة الحديث.
(٥) (ب، ط، ن، ج): «يعني». والمثبت من غيرها موافق لما في مصدر النقل.
(٦) الفصَل: «تنسخ».
(٧) يعني: مقتضى تأنيثها أن يقال: طائرة، لا طائر كما في الحديث.
[ ١ / ٣٣٨ ]
قال: أتتك كتابي، فاستخفَفْت بها. فقيل له: أتؤنِّثُ الكتاب؟ قال: أوَليس صحيفةً؟ (^١) وكذلك النسمة [روحٌ]، فتُذكَّر (^٢) لذلك.
قال: وأما الزيادة التي فيها أنها في حواصِل طيرٍ خُضْرٍ، فإنَّها صفة تلك القناديل التي تأوي إليها. والحديثان معًا حديث واحد (^٣).
وهذا الذي قاله في غاية الفساد لفظًا ومعنًى، فإنَّ حديث: «نسَمةُ المؤمن طائرٌ يعلُق في شجر الجنة» غير حديث: «أرواحُ الشهداء في حواصلِ طيرٍ خُضْرٍ». والذي ذكره محتمل في الحديث الأول.
وأما الحديث الثاني، فلا يَحتملُه (^٤) بوجه. فإنه - ﷺ - أخبر أنَّ أرواحَهم في حواصل طير (^٥)، وفي لفظ (^٦): «في أجواف طير خُضر». وفي لفظ: «بِيض» (^٧)،
_________________
(١) حكاه الأصمعي عن أبي عمرو قال: سمعت رجلًا من اليمن يقول: فلان لغوب، جاءته كتابي، فاحتقرها، فقلت له: أتقول: جاءته كتابي! قال: نعم، أليس بصحيفة؟ انظر: الخصائص لابن جني (١/ ٢٤٩)، ولسان العرب (لغب) (١/ ٧٤٢).
(٢) كذا بالفاء في كتاب الفصَل. وما بين المعقوفين زدناه منه، لأن السياق يقتضيه. وفي (أ، ق، ن، غ): «تذكر لذلك». وفي (ب): «ولذلك». وفي (ط): «تؤنث وتذكر وكذلك».
(٣) كتاب الفصَل (٢/ ٢١٧).
(٤) (ب، ط، ج): «ما لا يحتمله»، تحريف.
(٥) (ق، ن): «طير خضر».
(٦) (ب، ط، ج): «لفظ آخر».
(٧) عزاه ابن رجب في أهوال القبور (ص ١٨٥) لأبي الشيخ الأصبهاني من طريق عبد الله بن ميمون، عن عمّه مصعب بن سُليم، عن أنس بن مالك، مرفوعًا بلفظ: «يبعث الله الشهداء من حواصل طير بيض كانوا في قناديل معلقة بالعرش». وعبد الله بن ميمون ذكره المزي في تهذيب الكمال (٢٨/ ٢٧) في الرواة عن مصعب بن سُليم ووصفه بصاحب الطيالسة، ولم أظفر له بترجمة. (قالمي)
[ ١ / ٣٣٩ ]
وأنَّ تلك الطيرَ (^١) تسرح في الجنة، فتأكلُ من ثمارها، وتشرب من أنهارها، ثم تأوي إلى قناديل تحت العرش، هي لها كالأوكار للطائر. وقوله: «إنَّ حواصل تلك الطير هي صفة القناديل (^٢) التي تأوي إليها» خطأٌ قطعًا، بل تلك القناديل مأوىً لتلك الطير. فهاهنا ثلاثة أمور صرَّح بها الحديث: أرواحٌ، وطير هي في أجوافها، وقناديل هي مأوىً لتلك الطير. والقناديلُ مستقرَّة (^٣) تحت العرش لا تسرح، والطير تسرح وتذهب وتجيء، والأرواح في أجوافها.
فإن قيل: يحتمل أن تُجعَل نفسُها في صورة طير، لا أنها تُرَكَّب [٧٢ ب] في بدن طير، كما قال تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: ٨]، ويدلُّ عليه (^٤) قولُه في اللفظ الآخر: «أرواحهم كطير خضر». كذلك رواه ابن أبي شيبة (^٥)، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عبد الله بن مُرَّة، عن مسروق، عن عبد الله. قال أبو عمر: والذي يشبه عندي ــ والله أعلم ــ أن يكون القول
_________________
(١) لم ترد كلمة «الطير» في (أ، غ). وفي (ن): «الطيور».
(٢) (ط): «للقناديل».
(٣) (ن): «معلّقة».
(٤) «عليه» ساقطة من الأصل، أو استدركت في طرّتها ولم تظهر في الصورة.
(٥) في المصنّف (١٩٧٣١).
[ ١ / ٣٤٠ ]
قول من قال: كطير، أو صُوَر طير (^١)، لمطابقته لحديثنا المذكور (^٢). يعني حديث كعب بن مالك في نسمة المؤمن.
فالجواب: أنَّ هذا الحديث قد رُوي بهذين اللفظين. والذي رواه مسلم في الصحيح من حديث الأعمش، عن مسروق: «أرواحهم في جوف طير خُضْر» (^٣) قد (^٤) رواه ابن عبَّاس وكعب بن مالك، فلم يختلف حديثهما أنّها في أجواف طير خُضر.
فأما (^٥) حديث ابن عباس، فقال عثمان بن أبي شيبة: حدثنا عبد الله بن إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير (^٦)، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لما أصيب إخوانكم ــ يعني يومَ أحد ــ جعل الله أرواحَهم في أجواف طيرٍ خُضْرٍ تَرِد أنهارَ الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب مذلَّلة (^٧) في ظلِّ العرش. فلما وجدوا طِيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم، قالوا: من يبلِّغُ إخواننا عنَّا أنَّا أحياءٌ في الجنة نُرزَق، لئلا يَنْكُلوا عن الحرب، ولا يزهدوا في الجهاد، فقال الله تعالى: أنا أبلِّغهم عنكم. فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ
_________________
(١) (ط، ق، ن): «صورة طير».
(٢) التمهيد (١١/ ٦٤) وقد سبق في (ص ٢٩٣) أيضًا.
(٣) تقدّم في هذه المسألة (ص ٢٩٢).
(٤) (ب، ط، ج): «وقد».
(٥) (أ، ق، غ): «وأما».
(٦) «عن أبي الزبير» ساقط من (أ، ق، غ).
(٧) ما عدا (ن): «مدللة» بالدال، تصحيف. وفي النسخ المطبوعة: مدلاة.
[ ١ / ٣٤١ ]
الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]» (^١).
وأما حديث كعب بن مالك، فهو في السنن الأربعة ومسند أحمد. ولفظه للترمذي أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «إنَّ أرواح الشهداء في طيرٍ خُضْرٍ تعلُق في ثمر الجنة أو شجر الجنة» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (^٢).
ولا محذور في هذا، ولا يبطِل قاعدة من قواعد الشرع، ولا يخالف نصًّا من كتاب الله ولا سنَّةً عن رسول الله - ﷺ -. بل هذا من تمام إكرام الله تعالى للشهداء أن أعاضَهم من أبدانهم التي مَزَّقوها لله أبدانًا (^٣) خيرًا منها، تكون مَرْكبًا لأرواحهم، ليحصل بها كمال تنعُّمهم (^٤). فإذا كان يومُ القيامة ردَّ أرواحَهم (^٥) إلى تلك الأبدان التي كانت [٧٣ أ] فيها في الدنيا.
فإن قيل: فهذا هو القولُ بالتناسخُ وحلولِ الأرواح في أبدانٍ غيرِ أبدانها التي كانت فيها.
قيل: هذا المعنى الذي دلَّت عليه السنَّة الصريحة حقٌّ يجب اعتقاده. ولا يُبطلِه تسميةُ المسمِّي له: تناسخًا، كما أنَّ إثبات ما دلَّ عليه العقل والنقل
_________________
(١) سبق تخريجه في المسألة الخامسة (ص ١١٢).
(٢) الترمذي (١٦٤١). وقد سبق في (ص ١١٢) تخريجه والتنبيه على أن لفظ الترمذي من رواية عمرو بن دينار عن الزهري، وأما سائر أصحاب الزهري كمالك ومعمر ويونس والأوزاعي فلم يذكروا الشهداء، وإنما ذكروا «نسمة المؤمن أو المسلم». (قالمي).
(٣) (ب، ط، ن، ج): «أبدانًا أُخَر».
(٤) (ق): «تنعيمهم». (ن، غ): «نعيمهم».
(٥) «يحصل أرواحهم» ساقط من (ب).
[ ١ / ٣٤٢ ]
من صفات الله ﷿ وحقائق أسمائه الحسنى حقٌّ لا يُبطلِه تسميةُ المعطلين لها: تركيبًا وتجسيمًا. وكذلك ما دلَّ عليه العقل والنقل من إثبات أفعاله وكلامه بمشيئته، ونزوله كلَّ ليلة إلى سماء الدنيا، ومجيئه يوم القيامة للفصل بين عباده= حقٌّ لا يُبطلِه تسميةُ المعطِّلين (^١) له: حلولَ حوادثَ. وكما أنَّ ما دلَّ عليه العقل والنقل من علوِّ الله على خلقه ومباينته لهم (^٢)، واستوائه على عرشه، وعروجِ الملائكة والروح إليه ونزولِها من عنده، وصعودِ الكلِم الطيِّب إليه، وعروجِ رسوله إليه ودنوِّه منه حتى صار قاب قوسين أو أدنى، وغير ذلك من الأدلّة= حقٌّ لا يبطله تسمية الجهمية له: حيِّزًا وجهةً وتجسيمًا.
قال الإمام أحمد: لا نُزيل عن الله صفةً (^٣) من صفاته لأجل شناعة المشنِّعين (^٤). فإنَّ هذا شأن أهل البدع، يلقِّبون أهلَ السُّنَّة وأقوالَهم بالألقاب التي ينفِّرون منها الجُهَّال، ويسمونها: حشوًا وتركيبًا وتجسيمًا. ويسمُّون عرش الربِّ ﵎: حيِّزًا وجهةً، ليتوصَّلوا بذلك إلى نفي علوِّه على (^٥) خلقه
_________________
(١) (غ): «المعطل». وكذا كان في الأصل ثم أصلح.
(٢) (ط): «له». وهو ساقط من (ب، ج).
(٣) (ب، ط، ن): «لا تزيل ». وفي (أ، غ): «لا تُزِلِ الله عن صفة». والمثبت من (ق)، وهو الموافق للمصادر الأخرى.
(٤) أوردها المؤلف بهذا اللفظ في الصواعق المرسلة (٤٤٠) ومدارج السالكين (٣/ ٢٥٩) ومفتاح دار السعادة (٢/ ٤٥٨) وغيره. ولفظه في رواية حنبل: «ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعات شُنِّعت». إبطال التأويلات لأبي يعلى (١/ ٤٤). وانظر أيضًا (٢/ ٢٩٧). ونحوه عن حنبل في اجتماع الجيوش الإسلامية (٣٢٢).
(٥) (أ، غ): «عن».
[ ١ / ٣٤٣ ]
واستوائه على عرشه؛ كما تسمِّي الرافضةُ موالاةَ أصحاب رسول الله - ﷺ - كلِّهم، ومحبتَهم والدعاءَ لهم نَصْبًا، وكما تسمِّي القدريةُ المجوسيةُ إثباتَ القدر جبرًا (^١). فليس الشأن في الألقاب، وإنما الشأن في الحقائق.
والمقصود: أنَّ تسمية ما دلَّت عليه السُّنَّة الصريحة من جَعْل أرواح الشهداء في أجواف طيرٍ خُضْرٍ تناسخًا لا يبطل هذا المعنى. وإنما التناسخ الباطل ما يقوله (^٢) أعداء الرسل من الملاحدة وغيرِهم الذين ينكرون المعاد: إنَّ الأرواح تصير بعد مفارقة الأبدان إلى أجناس الحيوان والحشرات والطيور التي (^٣) تناسبها وتشاكلها، فإذا فارقت هذه الأبدانَ انتقلت إلى أبدان تلك الحيوانات فتنعَّم فيها وتعذَّب، ثم تفارقها وتحلُّ في أبدان أُخَر [٧٣ ب] تناسب أعمالها وأخلاقها؛ وهكذا أبدًا. فهذا معادُها عندهم ونعيمُها وعذابها، لا معادَ لها عندهم غيرُ ذلك. فهذا هو التناسخ الباطل المخالف لما اتفقت (^٤) عليه الرسل والأنبياء من أولهم إلى آخرهم، وهو كفر بالله وباليوم (^٥) الآخر.
وهذه الطائفة تقول: إنَّ مستقرَّ الأرواح بعد المفارقة أبدانُ الحيوانات التي تناسبها. وهو أبطلُ قولٍ وأخبثُه.
ويليه قول من قال: إنَّ الأرواح تُعدَم جملةً بالموت، ولا تبقى هناك
_________________
(١) انظر في هذا المعنى أيضًا: الصواعق المرسلة (ص ٤٣٨ ــ ٤٤١).
(٢) (ن): «تقوله». وأهمل نقطه في (أ، ق).
(٣) في (ب، ط، ن، ج) زيادة بعد «التي»: «كانت».
(٤) (ط): «أنفق».
(٥) (ب، ن): «واليوم».
[ ١ / ٣٤٤ ]
القول الراجح في المسألة
روح تنعَّم ولا تعذَّب، بل النعيم والعذاب يقع على أجزاء الجسد أو على جزء منه: إمَّا عَجْبِ الذنَب (^١) أو غيرِه؛ فيخلق الله فيه الألم واللذة، إما بواسطة ردِّ الحياة إليه كما قال (^٢) بعض أرباب هذا القول، أو بدون ردِّ الحياة كما قاله آخرون منهم. فهؤلاء (^٣) عندهم: لا عذابَ في البرزخ إلا على الجسد (^٤).
ومقابلُهم (^٥) من يقول: إنَّ الروح لا تعاد إلى الجسد بوجهٍ ولا تتصل به، والعذابُ والنعيم على الروح فقط.
والسُّنَّة الصريحة المتواترة (^٦) تردُّ قول هؤلاء وهؤلاء، وتبيِّن أن العذاب على الروح والجسد مجتمعين ومنفردين (^٧).
فإن قيل: فقد (^٨) ذكرتم أقوال الناس في مستقرِّ الأرواح ومآخذهم، فما هو الراجح من هذه الأقوال حتى نعتقده (^٩)؟
قيل: الأرواح متفاوتة في مستقرها في البرزخ أعظم تفاوت:
_________________
(١) (ب، ط، ن، ج): «عجم الذنب».
(٢) ما عدا (أ، غ): «قاله».
(٣) (ق): «وهؤلاء».
(٤) ما عدا (أ، غ): «الأجساد».
(٥) (ب، ط): «ومقابله».
(٦) «المتواترة» ساقط من (ن).
(٧) (ط): «متفرقين».
(٨) (ب، ط، ج): «قد».
(٩) (ط، ج): «يُعتقَد». (ن): «نعتقد».
[ ١ / ٣٤٥ ]
فمنها أرواح في أعلى علِّيين في الملأ الأعلى. وهي أرواح الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وهم متفاوتون في منازلهم كما رآهم النبي - ﷺ - ليلة الإسراء.
ومنها أرواح في حواصل طيرٍ خُضْرٍ تسرح في الجنَّة حيث شاءت. وهي (^١) أرواح بعض الشهداء لا جميعهم، بل من الشهداء من تُحبَس روحه عن دخول الجنة لدَين عليه أو غيره، كما في المسند (^٢) عن محمد بن عبد الله بن جحش أنَّ رجلًا جاء إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، ما لي إن قُتلت في سبيل الله؟ قال: «الجنة». فلما ولَّى قال: «إلا الدَّين، سارَّني به جبريلُ آنفًا» (^٣).
ومنهم من يكون محبوسًا على باب الجنَّة، كما في الحديث الآخر [٧٤ أ]: «رأيت صاحبكم محبوسًا على باب الجنَّة» (^٤).
_________________
(١) (ب، ط): «هم».
(٢) برقم (١٧٢٥٣) (٢٨/ ٤٩١) ورقم (١٩٠٧٧) (٣١/ ٤٣٠).
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (١٧٢٥٣) قال: ثنا محمد بن بشر، ثنا محمد بن عمرو، ثني أبو كثير مولى الليثيين، عن محمد بن عبد الله بن جحش. ومن هذا الوجه أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (١٢٠١٩) ومن طريقه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٩٣٠)، والطبراني في معجمه الكبير (١٩/ ٢٤٧). وإسناده حسن لأجل محمد بن عمرو وهو ابن علقمة بن وقاص الليثي فإنه حسن الحديث. وله شواهد منها حديث أبي قتادة الأنصاريّ ﵁ في صحيح مسلم (١٨٨٥). (قالمي).
(٤) أخرجه الإمام أحمد (٢٠١٢٤، ٢٠١٥٧)، والحاكم (٢/ ٥٢) وغيرهما من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر الشعبي، عن سمرة بن جندب، بنحوه. وإسناده صحيح. (قالمي).
[ ١ / ٣٤٦ ]
ومنهم من يكون محبوسًا في قبره، كحديث صاحب الشَّملة التي غلَّها ثم استُشهِد، فقال الناس: هنيئًا له الجنة، فقال النبي - ﷺ -: «كلّا، والذي نفسي بيده، إنَّ الشملة التي غلَّها لَتشتعل عليه نارًا في قبره» (^١).
ومنهم من يكون مقرُّه بباب الجنة، كما في حديث ابن عباس: «الشهداء على بارقِ نهرٍ بباب الجنة، في قبة خضراء، يخرج عليهم رزقُهم من الجنة بكرةً وعشية» رواه أحمد (^٢). وهذا بخلاف جعفر بن أبي طالب حيث أبدله الله مِن يديه جناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء (^٣).
_________________
(١) تقدّم تخريجه في المسألة الملحقة بالسادسة (ص ١٧٩).
(٢) تقدم تخريجه (ص ٢٩٩).
(٣) أخرج الترمذي (٣٧٦٣)، وأبو يعلى الموصلي (٦٤٦٤)، والحاكم (٣/ ٢٠٩) من طريق عبد الله بن جعفر المديني، ثنا العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «رأيت جعفر بن أبي طالب ملكًا يطير مع الملائكة بجناحين». وإسناده ضعيف لأجل عبد الله بن جعفر وهو والد علي بن المديني، وبه أعلّه الترمذي فقال: «هذا حديث غريب من حديث أبي هريرة لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن جعفر وقد ضعفه يحيى بن معين وغيره». ولذلك لما صحح إسناده الحاكم تعقبه الذهبي بقوله: «المديني واه». ولكن الحديث صحيح بمجموع طرقه وشواهده، وتراها مخرّجة في السلسلة الصحيحة رقم (١٢٢٦). كما يشهد له ما أخرجه البخاري في صحيحه (٣٧٠٩) عن الشعبي أن ابن عمر ﵄ كان إذا سلّم على ابن جعفر قال: «السلام عليك يا ابن ذي الجناحين». (قالمي).
[ ١ / ٣٤٧ ]
ومنهم من يكون محبوسًا في الأرض، لم تَعْلُ (^١) روحُه إلى الملأ الأعلى، فإنها كانت روحًا سُفْلِيَّة أرضية؛ فإنَّ الأنفس الأرضية لا تُجامع الأنفسَ السماوية، كما لا تجامعها في الدنيا. والنفسُ التي لم تكتسب في الدنيا معرفة ربِّها ومحبتَه وذكرَه والأنسَ به والتقرُّب إليه، بل هي أرضية سفلية= لا تكون بعد المفارقة لبدنها إلّا هناك. كما أنَّ النفس العلوية التي كانت في الدنيا عاكفةً على محبةِ الله وذكرِه والتقربِ إليه والأنس (^٢) به تكون بعد المفارقة مع الأرواح العلوية المناسبة لها. فالمرء مع من أحبَّ في البرزخ ويوم القيامة (^٣). والله تعالى (^٤) يزوِّج النفوسَ بعضَها ببعض في البرزخ ويوم المعاد، كما تقدَّم (^٥) في الحديث: «ويجعل روحه ــ يعني المؤمن ــ مع النَّسَم الطيِّب». أي: الأرواحِ الطيِّبةِ المشاكلةِ لروحه. فالروح بعد المفارقة تلحق بأشكالها وإخوانها (^٦) وأصحاب عملها، فتكون معهم هناك.
ومنها أرواحٌ تكون في تنوُّر الزُّناة والزواني، وأرواحٌ في نهر الدم تَسْبح فيه، وتُلقَم الحجارة (^٧).
_________________
(١) ضبط هكذا في (ط، ن). وفي (ب): «يُعَدْ»، تصحيف.
(٢) «بل هي .. والأنس» ساقط من (ن).
(٣) انظر ما سبق في المسألة الثانية.
(٤) (ق): «فالله تعالى».
(٥) بعده في (ب، ط، ن، ج): «من قوله». وقد تقدم الحديث في المسألة الملحقة بالسادسة (ص ١٥٦).
(٦) (ب، ط، ن، ج): «أخدانها».
(٧) كما في الحديث المتقدم في المسألة الملحقة بالسادسة (ص ١٧٠).
[ ١ / ٣٤٨ ]
لا تعارض بين الآثار الصحيحة في ذلك
أربع دور للأنفس
فليس للأرواح ــ سعيدِها وشقيِّها (^١) ــ مستقرٌّ واحد. بل روح في أعلى عليين، وروح أرضية سفلية لا تصعد عن الأرض، وأنت إذا تأملتَ السنن والآثار في هذا الباب، وكان لك بها فضلُ اعتناءٍ، عرفتَ صحة (^٢) ذلك.
ولا تظنَّ أنَّ بين الآثار الصحيحة في هذا الباب تعارضًا، فإنَّها كلَّها حقٌّ يصدِّق بعضُها بعضًا (^٣)، لكن الشأن في فهمهما ومعرفةِ النفس وأحكامها، وأنَّ لها شأنًا (^٤) غيرَ شأن البدن، وأنَّها مع كونها في الجنَّة فهي في السماء، وتتصل بفناء القبر وبالبدن فيه، وهي أسرع شيء حركةً وانتقالًا وصعودًا وهبوطًا، وأنَّها تنقسم إلى مرسَلة ومحبوسة، وعلويّة وسفليّة. ولها بعد المفارقة صحّة ومرض، ولذّة ونعيم، وألم أعظم مما كان لها حال اتصالها بالبدن بكثير. فهنالك الحبس والألم والعذاب والمرض والحسرة، وهناك اللذة والراحة والنعيم والإطلاق. وما أشبهَ حالَها في هذا البدن بحال البدن (^٥) في بطن أمه، وحالَها بعد المفارقة بحاله بعد خروجه من البطن إلى هذه الدار!
فلهذه الأنفس أربع دُورٍ (^٦) كلُّ دار أعظم من التي قبلها:
_________________
(١) (ب، ط): «شقيها وسعيدها».
(٢) (أ، ق، غ): «حجة»، ولعلها تصحيف.
(٣) انظر: مختصر الفتاوى المصرية (٢٣٤).
(٤) (ق): «شأن»، وكذا كان في الأصل، فأصلحه بعضهم.
(٥) كذا في جميع النسخ. وفي بعض النسخ المطبوعة: «الولد». ولعله من تصرّف الناشرين.
(٦) (ب، ط، ن، ج): «أربعة دور».
[ ١ / ٣٤٩ ]
الدار الأولى: في بطن الأمِّ، وذلك الحصَر والضِّيق والغمِّ، والظلمات الثلاث.
الدار الثانية: هذه الدار التي نشأتْ فيها وأَلِفَتْها، واكتسبتْ فيها الخيرَ والشرَّ وأسبابَ السعادة والشقاوة.
والدار الثالثة: دار البرزخ. وهي أوسعُ من هذه الدار وأعظم، بل نسبتها إليها كنسبة هذه الدار إلى الدار الأولى (^١).
الدار الرابعة (^٢): دار القرار. وهي الجنة أو النار، فلا دار بعدها.
والله تعالى ينقلها في هذه الدور طَبَقًا بعد طَبَق، حتى يبلِّغها الدار التي لا يصلح لها غيرُها، ولا يليق بها سواها. وهي التي خُلِقتْ لها وهُيِّئت للعمل الموصل لها إليها. ولها في كلِّ دار من هذه الدور حكمٌ وشأن غير شأن الدار الأخرى. فتبارك الله فاطرُها ومنشيها، ومميتُها ومحييها، ومُسعدُها ومُشقيها، الذي (^٣) فاوَت بينها في درجات سعادتها وشقاوتها، كما فاوت بينها في مراتب علوِّها (^٤) وأعمالها وقواها وأخلاقها (^٥).
فمن عَرَفها كما ينبغي شهِدَ أن لا إلاه إلا الله وحده لا شريك له، الذي له
_________________
(١) ما عدا (أ، غ): «إلى الأولى».
(٢) بعده في الأصل: «هي»، وكأنها زيدت فيما بعد في آخر السطر. وهي في (غ) في المتن.
(٣) (ب، ط، ق، ج): «التي» وكذا كان في الأصل ثم أصلح.
(٤) كذا في (أ، ق، غ). وفي غيرها: «علومها».
(٥) «وقواها وأخلاقها» ساقط من (ب، ج).
[ ١ / ٣٥٠ ]
الملكُ كلُّه، وله الحمدُ كلُّه، وبيده الخيرُ كلُّه، وإليه يرجع الأمرُ كلُّه، وله القوة كلُّها، والقدرةُ كلُّها، والعزُّ كلُّه، والحكمةُ كلُّها، والكمالُ المطلقُ من جميع الوجوه؛ وعَرَف بمعرفة نفسه صدقَ أنبيائه ورسله، وأنَّ الذي جاؤوا به هو الحقُّ الذي تشهد به العقول، وتُقِرُّ به الفِطر؛ وما خالفه فهو الباطل. وبالله التوفيق.
[ ١ / ٣٥١ ]
فصل