والخشوع والحسد والغِبطة والجَراءة والتجسسُّ (^١) والحرص والتنافس وإظهار النعمة والحَلِف (^٢) والمسكنة والصَّمت والزهد والورع والتخلِّي والعُزلة والأنفة والحميَّة والغيبة.
وفي الحديث: «إن من الغَيرة ما يحبُّها الله، ومنها ما يكرهه. فالغيرةُ التي يحبها: الغيرةُ في ريبة. والتي يكرهها: الغيرةُ في غير ريبة. وإن من الخُيَلاء ما يحبُّه الله، ومنها ما يكرهه. فالتي يحبُّ: الخيلاء في الحرب» (^٣).
وفي الصحيح أيضًا: «لا حسَدَ إلا في اثنتين: رجلٌ آتاه الله مالًا فسلَّطه على هَلَكته في الحقِّ، ورجلٌ آتاه الحكمةَ، فهو يقضي بها ويعلِّمها» (^٤).
وفي الصحيح أيضًا: «إن الله رفيقٌ [١٥٢ أ] يحبُّ الرِّفقَ، ويُعطي على الرفق ما لا يُعطي على العنف» (^٥).
وفيه أيضًا: «من أُعطي حظَّه من الرفق فقد أُعطِيَ حظَّه من الخير» (^٦).
_________________
(١) (ن): «الجبن»، تصحيف. وفي النسخ المطبوعة: «التحسر».
(٢) (ب، ج): «الصلف».
(٣) أخرجه أبو داود (٢٦٥٩)، والنسائي (٢٥٥٨)، والإمام أحمد (٢٣٧٤٧)، والدارمي (٢٢٢٦)، وابن حبان (٢٩٥)، والبيهقي (٧/ ٣٠٨) كلهم من طرق عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن ابن جابر بن عتيك الأنصاري، عن أبيه، قال: قال رسول الله - ﷺ - (فذكره). وفيه ابن جابر بن عتيك، وهو مجهول. والحديث حسَّنه الألباني في الشواهد. انظر: إرواء الغليل (١١٩٩). (قالمي).
(٤) أخرجه البخاري (٧٣) ومسلم (٨١٦) من حديث عبد الله بن مسعود وغيره.
(٥) أخرجه مسلم (٢٥٩٣) من حديث عائشة.
(٦) قول المصنف ﵀: «وفيه أيضًا» يعني في الصحيح، ولكن ليس في الصحيحين ولا أحدهما حديث بهذا اللفظ، وقريب منه حديث جرير بن عبد الله ﵁ في صحيح مسلم (٢٥٩٢) بلفظ: «من يُحرم الرِّفق يُحرم الخير». وأما اللفظ الذي ساقه المصنف فهو ما أخرجه الترمذي (٢٠١٣)، والإمام أحمد (٢٧٥٥٣)، والحميدي (٣٩٣)، والبخاري في الأدب المفرد (٤٦٤) وغيرهم من حديث أبي الدرداء. وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح». كذا قال! وفي سنده يعلى بن مملك تفرد عنه عبد الله بن أبي مُليكة وقال فيه النسائي: «ليس بذاك المشهور». السنن الكبرى (١/ ٤٣٢). لكن له شاهد صحيح من حديث عائشة ﵂، بلفظ: «إنه من أُعطي حظّه من الرّفق، فقد أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة » أخرجه الإمام أحمد (٢٥٢٥٩) وأبو يعلى (٤٥٣٠). (قالمي).
[ ٢ / ٦٥١ ]
الفرق بين الرفق والتواني
الفرق بين المداراة والمداهنة
فالرفقُ شيء، والتواني والكسلُ شيء. فإن المتوانيَ يتثاقل عن مصلحته بعد إمكانها، فيتقاعد عنها؛ والرفيقُ يتلطَّف في تحصيلها بحسب الإمكان مع المطاولة.
وكذلك المداراة صفة مدح، والمداهنة صفة ذمٍّ. والفرقُ بينهما: أنَّ المداريِ يتلطَّف بصاحبه حتى يستخرج منه الحقَّ أو يردَّه عن الباطل، والمداهن يتلطَّف به لِيُقِرَّه على باطله ويتركَه على هواه. فالمداراة لأهل الإيمان، والمداهنة لأهل النِّفاق.
وقد ضُرِب لذلك مثل مطابق، وهو حالُ رجل به قرحةٌ قد آلمته، فجاءه الطبيبُ المداري الرفيق، فتعرَّف حالَها، ثم أخذ في تليينها حتى إذا نضجتْ أخذ في بَطِّها (^١) برفق وسهولة حتى أخرج ما فيها. ثم وضع على مكانها من الدواء والمرهم ما يمنع فسادَها (^٢) ويقطع مادَّتها، ثم تابع عليها بالمراهم
_________________
(١) بطَّ الدمَّلَ ونحوه: شقَّه.
(٢) ما عدا (ط): «فساده».
[ ٢ / ٦٥٢ ]
التي تُنبِتُ اللحم، ثم يذُرُّ عليها بعد نبات اللحم ما ينشف رطوبتها، ثم يشدُّ عليها الرِّباط، ولم يزل يتابع ذلك حتى صلحتْ. والمداهن قال لصاحبها: لا بأس عليك منها، وهذه لا شيء، فاسُتْرها عن العيون بخِرقة، ثم الهُ عنها. فلم تزل مادَّتُها تقوَى وتستحكم حتى عَظُم فسادها.
وهذا المثل أيضًا مطابق كلَّ المطابقة لحال النفس الأمَّارة مع المطمئنة فتأمله. فإذا كانت هذه حالَ قرحةٍ بقدر الحِمَّصة، فكيف بسُقْمٍ هاج من نفس أمَّارة بالسوء، هي معدنُ الشهوات ومأوى كلِّ فسق (^١) وقد قارنها شيطانٌ في غاية المكر والخِداع، يَعِدها ويُمنِّيها، ويسحرها بجميع أنواع السِّحر حتى يُخيِّل إليها النافعَ ضارًّا، والضارَّ نافعًا، والحسنَ قبيحًا، والقبيحَ جميلًا؟ وهذا لعمرو الله من أعظمِ أنواعِ السحر! ولهذا يقول سبحانه: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٩].
والذي (^٢) نسبوا إليه الرسلَ من كونهم مسحورين هو الذي أصابهم بعينه، وهم أهلُه، لا رسل [١٥٢ ب] الله صلوات الله وسلامه عليهم، كما أنهم نسبوهم إلى الضَّلال والفساد في الأرض والجنون والسَّفَه. وما استعاذت الأنبياءُ والرسل وأمروا الأممَ بالاستعاذة من شرِّ النفس الأمَّارة وصاحبها وقرينها الشيطان إلا لأنها أصلُ كل شرٍّ وقاعدتُه ومنبعه، وهما متساعدان عليه متعاونان.
رضيعَي لِبانٍ ثديَ أمٍّ تقاسما بأسحمَ داجٍ عوضُ لا نتفرَّقُ (^٣)
_________________
(١) ما عدا (أ، ق، غ): «سوء».
(٢) ما عدا (ط): «والذين»، تحريف.
(٣) للأعشى في ديوانه (٢/ ٧٥).
[ ٢ / ٦٥٣ ]
قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]. وقال: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠]. وقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٧ - ٩٨].
وقال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ فهذه استعاذة من شرِّ النَّفس.
وقال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾. فهذا استعاذة من شرِّ قرينها وصاحبها، وبئسَ القرين والصاحب.
فأمرَ سبحانه نبيَّه وأتباعَه بالاستعاذة بربوبيته التامَّة الكاملة من هذين (^١) الخَلقين العظيم شأنُهما في الشرِّ والفساد.
والقلبُ بين هذين العدوين، لا يزال شرُّهما يطرقه وينتابه. وأول ما يدِبُّ فيه السُّقم من النفس الأمارة من الشهوة وما يتبعها من الحُبِّ والحِرص والطلب والغضب، وما يتبعُه من الكِبر والحسد والظلم والتسلط. فيعلم الطبيبُ الغاشُّ الخائنُ بمرضه، فيعوده، ويصِفُ له أنواعَ السموم والمُؤذيات، ويُخَيِّل إليه بسحره (^٢) أنَّ شفاءَه فيها. ويتفق ضعفُ القلب
_________________
(١) ما عدا (أ، ق، غ): «من شرِّ هذين».
(٢) (أ، ق، غ، ن): «سحره».
[ ٢ / ٦٥٤ ]
الفرق بين خشوع الإيمان وخشوع النفاق
بالمرض، وقوةُ النفس الأمارة والشيطان وتتابعُ أمدادهما، وأنه نقدٌ حاضر ولذَّة عاجلة، والداعي إليه يدعو من كلِّ ناحيةٍ، والهوى ينفذ (^١)، والشبهة تُهوِّن، والتأسِّي (^٢) بالأكثر، والتشبُّه بهم، والرضا بأن يصيبه ما أصابهم. فكيف يستجيب مع هذه القواطع وأضعافها لداعي الإيمان ومُنادي الجنة إلا من أمدَّه الله بأمداد التوفيق، وأيَّده برحمته، وتولَّى حفظه وحمايته، [١٥٣ أ] وفتح بصيرةَ قلبه، فرأى سرعةَ انقطاع الدنيا وزوالها وتقلُّبها بأهلها، وفعلها بهم، وأنها في الحياة الدائمة الأبدية كغَمْسِ إصبعٍ في البحر بالنسبة إليه.
فصل
والفرق بين خشوع الإيمان وخشوع النِّفاق أنَّ خشوع الإيمان هو خشوعُ القلب لله بالتعظيم والإجلال والوقار والمهابة والحياء، فينكسر القلبُ لله كَسْرةً ملتئمةً من الوجل والخجل والحبِّ والحياء، وشهود نِعَم الله، وجناياته هو، فيخشع القلب لا محالة، فيتبعه خشوعُ الجوارح.
وأما خشوعُ النِّفاق، فيبدو على الجوارح تصنُّعًا وتكلُّفًا، والقلب غير خاشع. وكان بعض الصحابة يقول: أعوذ بالله من خشوع النِّفاق. قيل له: وما خشوع النِّفاق؟ قال: أن يُرى الجسد خاشعًا، والقلب غير خاشع (^٣).
_________________
(١) (ط): «يتقد».
(٢) ما عدا (ب، ج): «والناس».
(٣) أخرجه الإمام أحمد في الزهد (٧٥٧) وابن أبي شيبة في المصنف (٣٦٨٦١) عن أبي الدرداء. وفي الزهد لابن المبارك (١٤٣) عن أبي يحيى أنه بلغه أن أبا الدرداء أو أبا هريرة قال.
[ ٢ / ٦٥٥ ]
فصل: الفرق بين شرف النفس والتيه
فالخاشعُ لله عبد قد خمدَتْ نيرانُ شهوته، وسكَنَ دخانُها عن صدره، فانجلى الصدر، وأشرق فيه نورُ العظمة. فماتتْ شهواتُ النفس، للخوف والوقار الذي حُشي به، وخمدت الجوارحُ، وتوقَّر القلب، واطمأنَّ إلى الله وذكره، بالسكينة التي تنزَّلتْ (^١) عليه من ربِّه، فصار مخبتًا له. والمخبِتُ: المطمئنُّ، فإنَّ الخَبْت من الأرض: ما تطامَن فاستنقع فيه الماء. فكذلك القلبُ المخبِتُ قد خشع وتطامَنَ، كالبقعة المطمئنة من الأرض التي يجري إليها الماءُ، فيستقرُّ فيها. وعلامته أن يسجدَ بين يدي ربه إجلالًا له وذلًّا وانكسارًا بين يديه سجدةً لا يرفع رأسَه منها حتى يلقاه. وأمَّا القلبُ المتكبِّرُ، فإنه قد اهتزَّ بتكبُّره ورَبا، فهو كبقعةٍ رابية من الأرض لا يستقرُّ عليها الماء.
فهذا خشوع الإيمان.
وأما التماوت وخشوع النِّفاق، فهو حال عبد تكلَّف إسكانَ الجوارح تصنُّعًا ومراياةً (^٢)، ونفسُه في الباطن شابّةٌ طريَّةٌ ذاتُ شهوات وإرادات. فهو يتخشّع في الظاهر، وحَيَّةُ الوادي وأسدُ الغابة رابضٌ بين جنبيه ينتظر الفريسة.
فصل
وأما شرفُ النفس، فهو [١٥٣ ب] صيانتها عن الدَّنايا والرذائل والمطامع التي تقطِّعُ أعناق الرجال، فربأ (^٣) بنفسه عن أن يُلقيها في ذلك، بخلاف التِّيه،
_________________
(١) (ب، ج): «نزلت».
(٢) كذا في جميع النسخ بالياء على القلب.
(٣) (ج): «فيربأ». وكذا في النسخ المطبوعة.
[ ٢ / ٦٥٦ ]
فصل: الفرق بين الحمية والجفاء
فصل: الفرق بين التواضع والمهانة
فإنه خلُق متولِّد بين أمرين: إعجابهِ بنفسه وإزرائه بغيره، فيتولَّد من بين هذين التِّيهُ.
والأول يتولَّد من بين خلقين كريمين: إعزازِ النفس وإكرامِها وتعظيم مالكها وسيِّدها أن يكون عبدُه دنيًّا وضيعًا خسيسًا، فيتولَّدُ من بين هذين الخلقين شرفُ النفس وصِيانتُها.
وأصلُ هذا كله استعدادُ النفس وتهيؤُها، وإمدادُ وليِّها ومولاها لها. فإذا فُقِد الاستعدادُ والإمدادُ فُقِد الخير كلُّه.
فصل
وكذلك الفرقُ بين الحميَّة والجفاء، فإنَّ الحميَّةَ فِطامُ النفس عن رضاع اللؤم من ثديٍ هو مَصَبُّ الخبائث والرذائل والدَّنايا، ولو غزُرَ لبنه وتهالك الناسُ عليه، فإنَّ لهم فِطامًا تتقطَّع (^١) معه الأكبادُ حسراتٍ! ولا بدَّ (^٢) من الفِطام، فإن شئت عجَّلتَ (^٣) وأنت محمودٌ مشكور، وإن شئتَ أخَّرْتَ وأنت غير مأجور. بخلاف الجفاء فإنه غِلظةٌ في النفس، وقَساوة في القلب، وكثافة في الطبع، يتولَّد عنها خلُقٌ يُسمَّى الجفاء.
فصل
والفرقُ بين التواضعِ والمَهانة أن التواضعَ يتولَّد من بين العلمِ بالله سبحانه، ومعرفة أسمائه وصفاته ونعوت جلاله، وتعظيمه ومحبَّته وإجلاله؛
_________________
(١) الأصل غير منقوط. وفي غيره: «تنقطع».
(٢) ما عدا (ط): «فلا بدَّ».
(٣) في الأصل: «عجل أخرت». وكذا في (غ، ق). وفي غيرهما: «عجل .. أخر».
[ ٢ / ٦٥٧ ]
ومن معرفته بنفسهِ ونقائصها وعيوبِ عمله وآفاتها (^١). فيتولَّد من بين ذلك كلِّه خُلقٌ هو التواضع، وهو انكسارُ القلب لله، وخفضُ جناح الذلِّ والرحمة لعباده. فلا يرى له على أحد فضلًا، ولا يرى له عند أحد حقًّا، بل يرى الفضلَ للناس عليه والحقوقَ لهم قِبله. وهذا خُلقٌ إنما يُعطيه الله ﷿ مَن يُحبه ويُكرمه ويُقرِّبه.
وأما المهانة، فهي الدَّناءة والخِسَّة، وبذل النفس وابتذالها في نيل حظوظها وشهواتها، كتواضعِ السُفَّل في نيل شهواتهم، وتواضعِ المفعول به للفاعل، وتواضعِ طالب كلِّ حظٍّ لمن يرجو نيلَ حظِّه منه. فهذا كلُّه ضَعةٌ، لا تواضع، [١٥٤ أ] والله سبحانه يحبُّ التواضع، ويبغضُ الضَّعة والمهانة.
وفي الصحيح عنه - ﷺ -: «وأوحي إليَّ أن تَواضَعوا حتى لا يفخرَ أحدٌ على أحد، ولا يَبغيَ أحدٌ على أحد» (^٢).
والتواضع المحمود على نوعين:
أحدهما: تواضعُ العبد عند أمر الله امتثالًا، وعند نَهْيه اجتنابًا، فإن النفسَ لطلب (^٣) الراحة تتلكأ في أمره، فيبدو منها نوعُ إباء وشِراد هربًا من العبودية، وتثِبُ (^٤) عند نَهْيه طلبًا للظَّفر بما منع منه، فإذا وضَع العبدُ نفسَه لأمر الله
_________________
(١) كذا في جميع النسخ، ولعل الصواب: «وآفاته» يعني آفات العمل.
(٢) أخرجه مسلم (٢٨٦٥) من حديث عياض بن حمار المجاشعي.
(٣) (ب): «في طلب». (ج): «تطلب».
(٤) الأصل غير منقوط. والمثبت قراءة (غ). وكتب ناسخها فوقها «ظ». وفي (ز) والنسخ المطبوعة: «تثبت». وفي غيرها: «ثبت» أو «يثبت».
[ ٢ / ٦٥٨ ]
فصل: الفرق بين القوة في أمر الله والعلو في الأرض
الفرق بين الحمية لله والحمية للنفس
ونهيه، فقد تواضع للعبودية.
والنوع الثاني: تواضعُه لعظمة الربِّ وجلاله، وخضوعُه لعزته وكبريائه. فكلما شمختْ نفسه ذكَر عظمةَ الربِّ تعالى وتفردَه بذلك، وغضبه الشديد على من نازعه ذلك، فتواضعتْ إليه نفسه، وانكسر لعظمة الله قلبُه، وتطامَن لهيبته، وأخبتَ لسلطانه. فهذا غايةُ التواضع، وهو يستلزم الأول من غير عكس. والمتواضعُ حقيقةً مَن رُزِق الأمرين، والله المستعان.
فصل
وكذلك القوة (^١) في أمر الله هي من تعظيمه وتعظيم أوامره وحقوقه حتى يقيمها لله. والعلوُّ في الأرض هو من تعظيمِ نفسه وطلبِ تفرُّدها بالرِّياسة ونَفاذِ الكلمة سواءً عزَّ أمر الله أو هان. بل إذا عارضه أمرُ الله وحقوقُه ومرضاتُه في طلب عُلوه لم يلتفت إلى ذلك، وأهدره، وأماتَه في تحصيل علوِّه.
وكذلك الحميَّة لله، والحميَّة للنفس. فالأولى يثيرها تعظيمُ الأمر والآمرِ، والثانية يُثيرها تعظيمُ النفس، والغضبُ لفوات حظوظها. فالحميَّة لله أن يحمَى قلبه له من تعظيم حقوقه، وهي حالُ عبد قد أشرق على قلبه نورُ سلطان الله، فامتلأ قلبه (^٢) بذلك النور. فإذا غضب فإنما يغضب من أجل نورِ ذلك السلطان الذي أُلقي على قلبه.
وكان رسولُ الله - ﷺ - إذا غضبَ احمرَّتْ وجنتاه، وبدا بين عينيه عِرْقٌ
_________________
(١) (ق): «الفرق»، سهو.
(٢) «حال عبد قلبه» ساقط من (ق).
[ ٢ / ٦٥٩ ]
يُدِرُّه الغضبُ (^١)، ولم يقم لغضبه شيء حتى ينتقمَ لله (^٢).
وروى [١٥٤ ب] زيد بن أسلم عن أبيه أن موسى بن عمران - ﷺ - كان إذا غضِب اشتعلَتْ قَلَنْسوتُه نارًا (^٣).
وهذا بخلاف الحميَّة للنفس، فإنها حرارة تهيج من نفسه لفَواتِ حظها أو طلبه، فإن الفتنةَ في النفس، والفتنة هي: الحريق، والنفس متلظِّية بنار
_________________
(١) أخرجه الترمذي في الشمائل (٧)، وابن سعد في الطبقات الكبرى (١/ ٤٢٢)، وابن حبان في الثقات (٢/ ١٤٦)، والطبراني في الكبير (٤١٤) ج ٢٢، والحاكم (٣/ ٦٤٠) ــ ولم يسق لفظه ــ والبيهقي في شعب الإيمان (١٣٦٢)، وفي دلائل النبوة (١/ ٢١٤، ٢٨٦) كلهم من طريق جميع بن عمير، عن رجل من بني تميم من ولد أبي هالة يكنى أبا عبد الله، عن ابن لأبي هالة، عن الحسن بن علي ﵄ قال: سألت خالي هند بن أبي هالة ــ وكان وصَّافًا ــ عن حلية النبي - ﷺ - وأنا أشتهي أن يصف لي شيئًا منها أتعلق به، فقال (فذكر حديثًا طويلًا) وفيه: «أزجّ الحواجب، سوابغَ في غير قَرن، بينهما عِرْق يدرُّه الغضب». وإسناده ضعيف مسلسل بالعلل: جُميع بن عمير ــ ويقال: ابن عمر ــ ابن عبد الرحمن العجلي، ضعيف رافضي كما في التقريب، وشيخه مجهول، كما في التقريب أيضًا، وابن لأبي هالة مبهم لا يعرف. (قالمي). وقد فسَّر أبو عبيد الحديث، فقال: «إذا غضب درَّ العِرق الذي بين الحاجبين. دُرورُه: غِلَظه ونتوؤه وامتلاؤه». المعجم الكبير للطبراني (١٧٨٦٨). وانظر: النهاية (٢/ ١١٢). (الإصلاحي).
(٢) ذكره بالمعنى وهو في الصحيحين، البخاري (٣٥٦٠)، ومسلم (٢٣٢٧) من حديث عائشة ﵂، ولفظه: «وما انتقم رسول الله - ﷺ - لنفسه إلا أن تُنتهك حُرمة الله، فينتقم لله بها». (قالمي).
(٣) في الدر المنثور (٦/ ٥٩٤) أن أبا الشيخ أخرجه عن زيد بن أسلم. وذكره البيهقي في الأسماء والصفات (٩٧٤) والبغوي في شرح السنة (١٤٩١).
[ ٢ / ٦٦٠ ]
الفرق بين الجود والسرف
الشهوة والغضب. فإنما هما حرارتان تظهران على الأركان: حرارةٌ من قِبل النفس المطمئنة أثارَها تعظيمُ حقِّ الله، وحرارةٌ من قِبل النفس الأمَّارة أثارَها استشعارُها فوتَ الحظ (^١).
والفرقُ بين الجُود والسَّرَف: أنَّ الجوادَ حكيمٌ يضع العطاءَ مواضعَه، والمسرفُ مبذِّر، قد يُصادف عطاؤه موضعَه، وكثيرًا لا يصادفه.
وإيضاحُ ذلك أن الله سبحانه بحكمته جعل في المال حقوقًا، وهي نوعان: حقوق موظفة وحقوق ثابتة (^٢). فالحقوق الموظفة كالزكاة والنفقات الواجبة على من تلزمه نفقتُه. والثابتة: كحقِّ الضَّيف، ومكافأة المُهدي، وما وقى به عِرْضَه ونحو ذلك. فالجوادُ يتوخَّى بماله أداء هذه الحقوق على وجه الكمال، طَيِّبةً بذلك نفسُه، راضيةً مؤمِّلةً للخُلف في الدنيا والثواب في العُقبى. فهو يُخرِج ذلك بسماحة قلب، وسخاوة نفس، وانشراح صدرٍ، بخلاف المبذِّر، فإنه يبسط يده في ماله بحكم هواه وشهوته جزافًا، لا على تقدير ولا مراعاة مصلحة، وإن اتَّفقتْ له.
فالأول بمنزلة من بذَرَ حبَّةً في أرضٍ تُنبِتُ، وتوخَّى ببذره مواضع المُغَلِّ (^٣) والإنبات. فهذا لا يُعَدُّ مبذِّرًا ولا سفيهًا. والثاني بمنزلة من بذَرَ حبةً في سِباخ وعَزاز (^٤) من الأرض، وإن اتفق بذرُه في محلِّ النبات بذَره
_________________
(١) ما عدا الأصل: «استشعار فوت الحظ».
(٢) في النسخ المطبوعة: «ثانية»، تصحيف.
(٣) من أغلَّت الضيعةُ: أعطت الغَلَّة.
(٤) السِّباخ جمع السبْخة، وهي أرض ذات ملح ونَزٍّ لا تنبت شيئًا. والعَزاز: المكان الصلب السريع السيل.
[ ٢ / ٦٦١ ]
فصل: الفرق بين المهابة والكبر
بذرًا متراكمًا بعضُه على بعض. فذلك المكانُ البذرُ فيه ضائعٌ معطَّل، وهذا المكان بذرُه متراكم بعضُه على بعض، يحتاج أن يُقلعَ بعضُ زرعه ليصلُح الباقي، ولئلا تضعفَ الأرضُ عن تربيته.
والله سبحانه هو الجواد على الإطلاق، بل كلُّ جودٍ في العالم العلويِّ والسُّفلي بالنسبة إلى [١٥٥ أ] جوده أقلُّ من قطرة في بحار الدنيا، وهي من جُوده، ومع هذا فإنما ينزِلُ بقدر ما يشاء. وجُوده لا يُناقِض حكمَته، ويضع عطاءه مواضعَه، وإن خَفِي على أكثر الناس أن تلك مواضعه. فالله أعلم حيث يضع فضلَه وأيُّ المحالِّ أولى به، والله أعلم.
فصل
والفرقُ بين المهابةِ والكِبْر: أن المهابة أثرٌ من آثار امتلاء القلب بعظمة الله ومحبته وإجلالهِ، فإذا امتلأ القلبُ بذلك حلَّ فيه النورُ، ونزلت عليه السكينة، وأُلبِسَ رداءَ الهيبة، فاكتسى وجهُه الحلاوة والمهابة، فأخذ بمجامع القلوب محبةً ومهابةً، فحنَّت إليه الأفئدة، وقرَّت به العيون، وأنِست به القلوب. فكلامه نورٌ، ومدخله نورٌ، ومخرجَه نورٌ، وعمله نورٌ. إن سكَت علاه الوقار، وإن تكلَّم أخذ بالقلوب والأسماع.
وأما الكبر، فأثرٌ من آثار العُجب والبغي من قلبٍ قد امتلأ بالجهل والظلم، ترحَّلت منه العبودية، ونزل عليه المقتُ؛ فنظرُه إلى الناس شَزْر، ومشيُه بينهم تبختُر، ومعاملتُه لهم معاملةُ الاستئثار، لا الإيثار ولا الإنصاف. ذاهبٌ بنفسه تِيهًا، لا يبدأ من لَقِيه بالسلام، وإن ردَّ عليه (^١) رأى أنه قد بالغَ
_________________
(١) (ن): «على أحد».
[ ٢ / ٦٦٢ ]
فصل: الفرق بين الصيانة والتكبر
في الإنعام عليه. لا ينطلق لهم وجهُه، ولا يسعهم خلقُه. لا يرى لأحدٍ عليه حقًّا، ويرى حقوقَه على الناس، ولا يرى فضلَهم عليه، ويرى فضلَه عليهم. لا يزداد من الله إلَّا بُعدًا، ولا من الناس إلا صَغارًا وبغضًا.
فصل
والفرقُ بين الصِّيانة والتكبر: أن الصائنَ لنفسه بمنزلة رجل قد لبس ثوبًا جديدًا نقيَّ البياض ذا ثمن، فهو يدخل به على الملوك فمن دونَهم، فهو يصونه عن الوسَخ والغبار والطبوع (^١) وأنواع الآثار إبقاءً على بياضه ونقائه. فتراه صاحب تقزُّز (^٢) وهروب من المواضع التي يخشى منها عليه التلوث، فلا يسمح بأثر ولا طبع ولا لُواث (^٣) يعلو ثوبَه (^٤)، وإن أصابه شيء من ذلك على غِرَّة بادر إلى قلعه [١٥٥ ب] وإزالته ومحو أثره.
وهكذا الصائن لقلبه ودينه تراه يجتنب طبوعَ الذنوب وآثارها، فإنَّ لها في القلب طبوعًا وآثارًا أعظمَ من الطبوع (^٥) الفاحشة في الثوب النقي
_________________
(١) جمع طبع، وهو اللطخة من المداد والوسخ ونحوه. انظر: تكملة المعاجم العربية (٧/ ١٧).
(٢) في جميع النسخ الخطية: «تعزز». وكذا في النسخ المطبوعة. وأراه تصحيفًا لما أثبت. ويحتمل «تحرز» ولكن رسمها في الأصل وغيره أقرب إلى الأول.
(٣) كذا في الأصل وغيره. وفي (ن، ز): «لَوث»، وكذا في النسخ المطبوعة. والذي في كتب اللغة بهذا المعنى: اللُّواثة. أما اللُّواث فهو دقيقٌ يذَرُّ على الخوان تحت العجين لئلا يلزَق به العجين. انظر: اللسان (لوث ٢/ ١٨٧).
(٤) (ب، ج): «يعلق به».
(٥) «الذنوب الطبوع» ساقط من الأصل.
[ ٢ / ٦٦٣ ]
فصل: الفرق بين الشجاعة والجراءة
البياض، ولكن على العيون غِشاوة أن تدركَ تلك الطبوع. فتراه يهرب من مظانِّ التلوث، ويحترسُ من الخلق، ويتباعد من مخالطتهم، مخافةَ أن يحصلَ لقلبه ما يحصل لثوب (^١) الذي يخالط الدبَّاغين والذبَّاحين والطبَّاخين ونحوهم، بخلاف صاحب العُلوِّ، فإنه وإن شابَهَ هذا في تحرُّزه وتجنُّبه، فهو يقصِد أن يعلو رقابَهم، ويجعلهم تحت قدمه. فهذا لون، وذاك لون.
فصل
والفرق بين الشجاعة والجَراءة: أنَّ الشجاعةَ من القلب، وهي ثباتُه واستقرارُه عند المخاوف. وهو خُلقٌ يتولَّد من الصبر وحُسن الظن، فإنه متى ظنَّ الظَّفَر، وساعده الصبر، ثبَتَ؛ كما أنَّ الجبن يتولَّد من سوء الظن وعدمِ الصبر، فلا يظن الظَّفَر، ولا يساعده الصبر.
وأصلُ الجبن من سوء الظن ووسوسة النفس بالسوء، وهو ينشأ من الرئة، فإذا ساء الظن، ووسوست النفس بالسوء، انتفخت الرئة، فزاحمت القلبَ في مكانه، وضيَّقت عليه حتى أزعجته عن مستقره، فأصابه الزلازل (^٢) والاضطراب لإزعاج الرئة له وتضييقها عليه.
ولهذا (^٣) في حديث عمرو بن العاص الذي رواه أحمد وغيره عن النبي
_________________
(١) (ب، غ): «للثوب»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(٢) (ب، ج، ز، ن): «الزلزال».
(٣) بعدها في النسخ المطبوعة زيادة: «جاء».
[ ٢ / ٦٦٤ ]
- ﷺ -: «شَرُّ ما في المرء جبنٌ خالعٌ وشحٌّ هالعٌ» (^١).
فسمَّى الجبنَ خالعًا لأنه يخلع القلبَ عن مكانه لانتفاخ السَّحْر، وهو: الرئة، كما قال أبو جهل لعُتبة بن ربيعة يومَ بدر: انتفخ سَحْرُك (^٢).
فإذا زال القلبُ عن مكانه ضاع تدبيرُ العقل، فظهر الفساد على الجوارح، فوضعت الأمورَ على غير مواضعها. فالشجاعة حرارةُ القلب، وغضبه، وقيامه، وانتصابه، وثباته (^٣). فإذا رأته الأعضاء كذلك أعانته، فإنها خدمٌ له وجنود، كما أنه إذا ولَّى ولَّتْ سائرُ جنوده.
وأما الجراءة، فهي إقدامٌ سببه قلةُ المبالاة وعدم النظر في العاقبة، بل تقدُّم النفس في غير موضع الإقدام (^٤) مُعرِضةً عن ملاحظة المعارض (^٥) فإما عليها وإما لها. والله أعلم.
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد (٨٠١٠)، وأبو داود (٢٥١١)، وابن المبارك في الجهاد (١١١)، وابن أبي شيبة (٢٦٦٠٩)، وابن حبان (٣٢٥٠) من حديث أبي هريرة ﵁. وعزاه الحافظ العراقي في المغني (٣٣٢٤) لأبي داود وقال: «سنده جيد». وانظر: السلسلة الصحيحة (٥٦٠). وأما قول المصنف ﵀: «في حديث عمرو بن العاص» فلعله سبق قلم. والله أعلم. (قالمي).
(٢) دلائل النبوة للبيهقي (٣/ ١١٢).
(٣) «وثباته» ساقط من (ن، ز).
(٤) «سببه الإقدام» ساقط من الأصل.
(٥) ما عدا (ب، ج، ز): «العارض».
[ ٢ / ٦٦٥ ]
فصل: الفرق بين الحزم والجبن
الفرق بين الاقتصاد والشح
[١٥٦ أ] فصل
وأما الفرقُ بين الحزم والجبن: فالحازم هو الذي قد جمع عليه همَّه وإرادته وعقله، ووزن الأمورَ بعضها ببعض، فأعدَّ لكلٍّ منها قِرْنه (^١). ولفظةُ الحزم تدل على القوة والإجماع (^٢)، ومنه: حُزمة الحطب، فحازمُ الرأي هو الذي اجتمعت له شؤون رأيه، وعرَف منها خيرَ الخيرين وشرَّ الشرين، فأحجمَ في موضع الإحجام رأيًا وعقلًا، لا جُبنًا ولا ضَعفًا (^٣).
كعاجزِ الرأيِ مِضياعٌ لِفرصتِه حتى إذا فات أمرٌ عاتَبَ القدَرا (^٤)
والفرق بين الاقتصاد والشُّحِّ: أنَّ الاقتصاد خُلقٌ محمود يتولَّد من خلقين: عدل وحكمة. فبالعدل يعتدل في المنع والبذل، وبالحكمة يضعُ كل واحد منهما موضعَه الذي يليق به، فيتولَّد من بينهما الاقتصاد، وهو وسطٌ بين طرفين مذمومين كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧]، وقال: ﴿وَكُلُوا
_________________
(١) (ز، ن): «قرينه».
(٢) (ز، ن، غ): «الاجتماع». وأصل المعنى عند ابن فارس: شدّ الشيء وجمعه. مقاييس اللغة (٢/ ٥٣).
(٣) بعده في (ب، ج) زيادة: «كما قال».
(٤) رواية البيت: «وعاجزُ الرأي»، ولكن المؤلف ضمَّنه كلامه، فغيَّر. وقد تمثَّل به في طريق الهجرتين (١٣٥) والفوائد (٢٦٤). والبيت ليحيى بن زياد في معجم الشعراء للمرزباني (٤٨٦)، وللخليل بن أحمد في المنتخل (١/ ٤٦٣)، ولم ينسبه الجاحظ في البيان (٢/ ٣٥٠).
[ ٢ / ٦٦٦ ]
فصل: الفرق بين الاحتراز وسوء الظن
وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١].
وأما الشحُّ، فهو خُلقٌ ذميم يتولَّد من سوء الظن وضعف النفس، ويُمِدُّه وعدُ الشيطان حتى يصير هالعًا. والهلَعُ: شدَّة الحرص على الشيء والشَّره به (^١)، فيتولَّد عنه المنعُ لبذله، والجزَعُ لفقده، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ١٩ ــ ٢١].
فصل
والفرق بين الاحتراز وسوء الظنِّ: أنَّ المحترز بمنزلة رجل قد خرج بماله ومركوبه مسافرًا، فهو يحترز بجهده من كل قاطعٍ للطريق، وكلِّ مكانٍ يتوقع منه الشر. وكذلك يكون مع التأهُّب والاستعداد وأخذِ الأسباب التي بها ينجو من المكروه. فالمحترِزُ كالمتسلِّح المتدرِّع الذي قد تأهَّب للقاء عدوه، وأعدَّ له عُدَّته، فهمَّتُه (^٢) في تهيئة أسباب النجاة ومحاربة عدوِّه قد أشغلته عن [١٥٦ ب] سوء الظن به، وكلما أساء به الظنَّ أخذَ في أنواع (^٣) العدَّة والتأهب.
وأما سوء الظن فهو امتلاء قلبه بالظُّنون السيئة بالناس حتى يطفحَ على لسانه وجوارحه، فهم معه أبدًا في الهمز واللَّمز والطعن والعيب (^٤)
_________________
(١) كذا في جميع النسخ ما عدا (ب، ج)، فقد حذفت فيها «به». وقد نصَّت كتب اللغة على تعدية الشَّره بإلى (اللسان) وعلى (أساس البلاغة) لا غير.
(٢) في النسخ المطبوعة: «فهمُّه». وكذا في (غ).
(٣) (ب، ج): «بأنواع».
(٤) (ط، ن، ز): «العتب».
[ ٢ / ٦٦٧ ]
فصل: الفرق بين الفراسة والظن
والبُغض. يبغضهم ويبغضونه، ويَلعنهم ويلعنونه، ويَحْذَرهم ويَحذَرون منه.
فالأول يُخالطهم ويحترز منهم، والثاني يتجنَّبهم ويَلحقه أذاهم. الأول داخلٌ فيهم بالنصيحة والإحسان مع الاحتراز، والثاني خارجٌ منهم مع الغِشِّ والدَّغَل والبغض.
فصل
والفرق بين الفراسة والظنِّ: أن الظن يخطئ ويصيب، وهو يكون مع ظلمة القلب ونوره وطهارته ونجاسته. ولهذا أمرَ تعالى باجتناب كثيرٍ منه (^١)، وأخبر أن بعضه إثمٌ.
وأما الفراسة فأثنى على أهلها ومدَحهم في قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] قال ابن عباس وغيره: أي: المتفرِّسين (^٢). وقال تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠].
فالفراسةُ الصادقةُ لقلبٍ قد تطهَّر وتصفَّى، وتنزَّه من الأدناس، وقرُب
_________________
(١) (ط): «من الظن».
(٢) ما عدا (أ، ق، غ): «للمتفرسين». وهذا تفسير مجاهد. انظر: تفسير الطبري (١٤/ ٩٤)، (١٧/ ١٢٠). أما ابن عباس فقال: «للناظرين» كما أخرجه ابن أبي حاتم (١٣٢٨٠)، والطبري (١٤/ ٩٥)، (١٧/ ١٢١).
[ ٢ / ٦٦٨ ]
من الله، فهو ينظر بنور الله الذي جعله في قلبه. وفي الترمذي وغيره من حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله - ﷺ -: «اتقُوا فِراسةَ المؤمن، فإنه ينظرُ بنور الله» (^١).
وهذه الفِراسةُ نشأتْ له من قُربه من الله، فإن القلب إذا قَرُبَ من الله انقطعت عنه معارضاتُ السوء المانعةُ من معرفة الحقِّ وإدراكِه، وكان تَلقِّيه من مشكاةٍ قريبةٍ من الله بحسب قُربه منه، وأضاء له النور بقدر قُربه منه، فرأى في [١٥٧ أ] ذلك النور ما لم يَره البعيد المحجوب، كما ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - فيما يروي عن ربِّه ﷿ أنه قال: «ما تقرَّب إليَّ عبدي بمثل (^٢) ما افترضتُ عليه، ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أُحبَّه، فإذا أحببتُه كنت سمعَه الذي يسمعه به، وبصرَه الذي يبصر به، ويدَه التي يبطِش بها، ورجلَه التي يمشي بها. فبي يسمع، وبي يُبصر، وبي يبطِش، وبي يمشي» (^٣).
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٣١٢٧) من طريق عمرو بن قيس، عن عطية، عن أبي سعيد، وزاد في آخره: «ثم قرأ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ وضعَّفه بقوله: «هذا حديث غريب، إنما نعرفه من هذا الوجه». وسبب ضعفه هو عطية بن سعد العوفي. ومن هذا الوجه أخرجه العقيلي في الضعفاء (٤/ ١٢٩)، ثم أخرجه من وجه آخر عن عمرو بن قيس الملائي قال: كان يقال: «اتقوا فراسة المؤمن »، ثم قال: «وهذا أولى» أي أنه حكمة وليس بحديث. ويروى عن صحابة آخرين ولم يصح منها شيء. راجع السلسلة الضعيفة (١٨٢١). (قالمي).
(٢) ما عدا (أ، ق، غ): «بمثل أداء».
(٣) أخرجه البخاري (٦٥٠٢) إلا قوله: «فبي يسمع» إلى آخره. وقد عزاه المؤلف إلى البخاري مع هذه الزيادة في الداء والدواء (٤٣٠) وروضة المحبين (٥٥٤)، والمدارج (٢/ ٤١٣) وقبله شيخ الإسلام في مواضع كثيرة من كتبه. انظر مثلًا: الجواب الصحيح (٥/ ١٠٩) وجامع الرسائل (٢/ ٩٥، ٢٣٧) وجامع المسائل (١/ ٦٨، ٨٦، ٩٨)، (٢/ ٦١) ومجموع الفتاوى (٢/ ٣٤٠، ٣٧١، ٤٦٣) وغيرها؛ غير أنه صرّح في بعض المواضع بأن هذه الرواية وردت في غير الصحيح. انظر: مجموع الفتاوى (٢/ ٣٩٠) والجواب الصحيح (٣/ ٣٣٤). وقد ذكر هذه الرواية الحكيم الترمذي في نوادر الأصول (١/ ٢١٢) دون إسناد. وانظر: فتح الباري (١١/ ٣٤٤).
[ ٢ / ٦٦٩ ]
فأخبر سبحانه أنَّ تقرُّبَ عبِده منه يفيدهُ محبته له، فإذا أحبَّه قرُب من سمعه وبصره ويده ورجله، فسمع به، وأبصر به، وبطَش به، ومشى به. فصار قلبُه كالمرآة الصافية تتبدَّى (^١) فيها صوَرُ الحقائق على ما هي عليه، فلا تكاد تُخطئ له فراسة. فإن العبد إذا أبصر بالله أبصرَ الأمرَ على ما هو عليه، وإذا (^٢) سمع بالله سمعه على ما هو عليه.
وليس هذا من علمِ الغيب، بل علَّامُ الغيوب قذَفَ الحقَّ في قلبٍ قريبٍ منه، مُستنيرٍ (^٣) بنوره، غيرِ مشغولٍ بنفوس (^٤) الأباطيل والخيالات والوساوس التي تمنعه من حصولِ صور (^٥) الحقائق فيه. وإذا (^٦) غلب على القلب النورُ فاضَ على الأركان، وبادرَ من القلب إلى العين، فيكشف بعين بصره بحسب ذلك النور.
_________________
(١) هذا في الأصل. وفي غيره: «تبدو».
(٢) (ق، غ): «فإذا». ورسمها في الأصل محتمل.
(٣) في النسخ المطبوعة: «مستبشر»، تصحيف.
(٤) (ب، ج): «بنقوش».
(٥) (أ، غ): «صورة».
(٦) (ب، ط، ج): «فإذا».
[ ٢ / ٦٧٠ ]
وقد كان رسول الله - ﷺ - يرى أصحابَه في الصلاة وهم خلفه كما يراهم أمامه (^١).
ورأى بيتَ المقدس عِيانًا وهو بمكة (^٢).
ورأى قصورَ الشام، وأبوابَ صنعاء، ومدائنَ كسرى؛ وهو بالمدينة يحفِرُ الخندق (^٣).
ورأى أمراءه بمؤتة وقد أُصيبوا وهو بالمدينة (^٤).
ورأى النجاشيَّ بالحبشة لما مات، وهو بالمدينة، فخرج إلى المصلَّى، فصلَّى عليه (^٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤١٨، ٤١٩)، ومسلم (٤٢٣ ــ ٤٢٥) من حديث أبي هريرة وأنس بن مالك.
(٢) أخرجه البخاري (٣٨٨٦) ومسلم (١٧٠) من حديث جابر بن عبد الله.
(٣) أخرجه الإمام أحمد (١٨٦٩٤)، والنسائي في الكبرى (٨٨٠٧)، وابن أبي شيبة (٣٦٨٢٠)، وأبو يعلى (١٦٨٥)، وأبو نعيم في دلائل النبوة (٤٣٠)، والبيهقي في دلائل النبوة (٣/ ٤٢١) من طرق عن عوف (هو ابن أبي جميلة الأعرابي)، عن ميمون أبي عبد الله، عن البراء بن عازب. وميمون ضعيف كما في التقريب فقول الحافظ في الفتح (٧/ ٣٩٧): «إسناده حسن» فيه نظر، ولكن له شواهد لعله يتحسَّن بها انظرها في دلائل البيهقي، ومجمع الزوائد (٦/ ١٣٠) وما بعدها. (قالمي).
(٤) أخرج البخاري (٣٧٥٧) عن أنس أن النبي - ﷺ - نعَى زيدًا وجعفرًا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرُهم، فقال: «أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذ جعفر فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب، وعيناه تذرفان، حتى أخذها سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم».
(٥) أخرج البخاري (١٢٤٥) ومسلم (٩٥١) عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - نعَى النجاشيَّ في اليوم الذي مات فيه، الحديث.
[ ٢ / ٦٧١ ]
ورأى عمرُ ساريةَ بنهاوند [١٥٧ ب] من أرض فارس هو وعساكر المسلمين، وهم يقاتلون عدوَّهم، فناداه: يا ساريةُ، الجبل (^١).
ودخل عليه نفرٌ من مَذحِج فيهم الأشتَر النخعي، فصعَّد فيه البصرَ وصوَّبه، وقال: «أيهم هذا؟» قالوا: مالك بن الحارث. فقال: «ما له، قاتلَه الله! إني لأرى للمسلمين منه يومًا عصيبًا» (^٢).
ودخل عمرو بن عبيد على الحسن فقال: هذا سيدُ الفتيان إن لم يُحدِث (^٣).
وقيل: إن الشافعيَّ ومحمد بن الحسن جلسا في المسجد الحرام، فدخل رجلٌ، فقال محمد: أتفرَّس أنه نجار، وقال (^٤) الشافعي: أتفرَّس أنه حداد. فسألاه، فقال: كنتُ حدَّادًا، وأنا اليوم أنجُر (^٥).
ودخل أبو الحسن البُوشَنْجي والحسن الحدَّاد على أبي القاسم المنادي يعودانه، فاشتريا في طريقهما بنصفِ درهم تفاحًا نسيئةً، فلما دخلا عليه قال: ما هذه الظُّلمة؟ فخرجا، وقالا: ما عملنا (^٦)؟ لعل هذا من قِبَل ثمن
_________________
(١) الرياض النضرة (٢/ ١١ ــ ١٢). وانظر: مناقب عمر لابن الجوزي (١٦٣ ــ ١٦٤) والإصابة (٣/ ٨ ــ ٩).
(٢) الرياض النضرة (٢/ ١٠) عن عبد الله بن مسلمة.
(٣) تاريخ بغداد (١٢/ ١٦٨) ولفظه: هذا سيد شباب أهل البصرة إن لم يحدث.
(٤) (ق، ط، ز): «فقال».
(٥) (ط، ج): «نجار». والخبر في الرسالة القشيرية (٣/ ٣٨٧). وهي مصدر المصنف في الأخبار التالية أيضًا.
(٦) هذا في (ق). وكذا كان في الأصل فغيَّره بعضهم إلى «علمنا» كما في النسخ الأخرى الخطية والمطبوعة. وفي الرسالة القشيرية: «ماذا فعلنا؟».
[ ٢ / ٦٧٢ ]
التفاح، فأعطيا الثمنَ، ثم عادا (^١) إليه. ووقع بصرُه عليهما فقال: يمكن الإنسان أن يخرجَ من الظُّلمة (^٢) بهذه السرعة؟ أخبراني عن شأنكما، فأخبراه بالقصة، فقال: نعم، كان كل واحدٍ منكما يعتمد على صاحبه في إعطاء الثمن (^٣)، والرجل مُستحٍ منكما في التقاضي (^٤).
وكان بين أبي زكريا النَّخْشَبي وبين امرأةٍ سببٌ قبل توبته، فكان يومًا واقفًا على رأس أبي عثمان الحِيري، فتفكَّر في شأنها. فرفع أبو عثمان إليه رأسه، وقال: ألا تستحي (^٥).
وكان شاه الكِرماني جيِّدَ الفِراسة لا تُخطئ فراسته. وكان يقول: من غضَّ بصره عن المحارم، وأمسكَ نفسَه عن الشهوات، وعمَرَ باطنَه بدوام المراقبة، وظاهِرَه باتباع السنة، وتعوَّد أكل الحلال= لم تُخطئ فراسته (^٦).
وكان شابٌّ يصحب الجنيدَ، يتكلَّم على الخواطر. [١٥٨ أ] فذُكر للجنيد، فقال له: أيشٍ هذا الذي ذُكِر لي عنك؟ فقال له: اعتقِدْ شيئًا، فقال له الجنيد: اعتقدتُ. فقال الشابُّ: اعتقدتَ كذا وكذا. فقال الجنيدُ: لا. فقال: اعتقِد
_________________
(١) كأن في الأصل و(ق): «عمدا». والمثبت موافق لمصدر الخبر.
(٢) في الأصل: «هذه الظلمة». ولعله سهو. وكذا في (غ).
(٣) (ط): «إعطاء الرجل ثمنه».
(٤) الرسالة القشيرية (٢/ ٣٨٧ ــ ٣٨٨).
(٥) المصدر السابق (٢/ ٣٨٨).
(٦) المصدر السابق (٢/ ٣٨٨ ــ ٣٨٩). وانظر: إغاثة اللهفان (١/ ٤٨) ومدارج السالكين (٢/ ٤٨٤).
[ ٢ / ٦٧٣ ]
ثانيًا. قال: اعتقدتُ (^١). فقال الشابُّ: اعتقدتَ كذا وكذا، فقال الجنيد: لا، قال: فاعتقِد ثالثًا. قال: اعتقدتُ. قال الشابُّ: هو كذا وكذا. قال: لا. فقال الشابُّ: هذا عجَب، أنت صدوقٌ وأنا أعرف قلبي! فقال الجنيد: صدقت في الأولى والثانية والثالثة، لكن أردتُ أن أمتحنك، هل يتغير قلبُك؟ (^٢).
وقال أبو سعيد الخرَّاز: دخلتُ المسجدَ الحرام، فدخل فقيرٌ عليه خِرقتان يسأل شيئًا. فقلت في نفسي: مثلُ هذا كَلٌّ على الناس. فنظر إليَّ، وقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]. قال: فاستغفرتُ في سِرِّي، فناداني وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥] (^٣).
وقال إبراهيمُ الخوَّاص: كنت في الجامع (^٤) فأقبل شابٌّ طيب الرائحة، حسن الوجه، حسن الحرمة. فقلت لأصحابنا: يقع لي أنه يهوديٌّ! فكلُّهم كَرِه ذلك. فخرجت، وخرج الشابُّ، ثم رجَع إليهم، فقال: أيشٍ قال الشيخ فيَّ؟ فاحتشموه، فألحَّ عليهم، فقالوا: قال: إنك يهودي. فجاء، فأكبَّ على يدي، فأسلم. فقلت: ما السبب؟ فقال: نجد في كتبنا (^٥) أنَّ الصدِّيق لا تُخطئ فراسته، فقلتُ: أمتحِنُ المسلمين! فتأملتُهم، فقلت: إن كان فيهم صدِّيقٌ ففي هذه الطائفة. فلبَّستُ عليكم. فلما اطلع هذا الشيخ عليَّ
_________________
(١) «قال: اعتقدت» ساقط من الأصل، وكذا من (ق، غ).
(٢) الرسالة القشيرية (٢/ ٣٩٢).
(٣) المصدر السابق (٢/ ٣٩٣).
(٤) يعني في بغداد.
(٥) (ج، ن، ز): «كتابنا». والمثبت من غيرها موافق لمصدر الخبر.
[ ٢ / ٦٧٤ ]
فصل: الفرق بين النصيحة والغيبة
وتفرَّسَني علمتُ أنه صِدِّيق (^١).
وهذا عثمانُ بن عفان، دخل عليه رجل من الصحابة، وقد رأى امرأةً في الطريق، فتأمَّل محاسنها، فقال له عثمان: يدخل عليَّ أحدُكم، وأثر الزنا ظاهر على عينيه! فقلت [١٥٨ ب]: أوحيٌ بعد رسول الله - ﷺ -؟ فقال: لا، ولكن تبصرة وبرهان وفراسة صادقة (^٢).
فهذا شأن الفراسة. وهي نور يقذفه الله في القلب، فيخطر له الشيء، فيكون كما خطَر له؛ وينفُذ إلى العين، فترى ما لا يراه غيرها.
فصل
والفرق بين النصيحة والغيبة: أنَّ النصيحة يكون القصدُ فيها تحذيرَ المسلم من مبتدع أو فتَّان أو غاشٍّ أو مفسد، فتذكُر ما فيه إذا استشارك في صحبته ومعاملته والتعلُّق به. كما قال النبيُّ - ﷺ - لفاطمة بنت قيس، وقد استشارته في نِكاح معاوية وأبي جَهْم، فقال: «أما معاوية فصُعلوك، وأما أبو جَهم فلا يضع عصاه عن عاتقه» (^٣). وقال عن بعض أصحابه لمن سافر معه: «إذا هبطتَ بلادَ قومه فاحذَرْه (^٤)» (^٥).
_________________
(١) الرسالة القشيرية (٢/ ٣٩٣ ــ ٣٩٤).
(٢) المصدر السابق (٢/ ٣٩٣). وانظر: مدارج السالكين (٢/ ٤٨٦).
(٣) أخرجه مسلم (١٤٨٠).
(٤) في الأصل: «فاحذروه». وكذا في (غ). والمثبت من غيرهما، وهو موافق لمصادر التخريج.
(٥) أخرجه أحمد (٢٢٤٩٢)، وأبو داود (٤٨٦١)، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ١٢٩) وغيرهم من طريق إبراهيم بن سعد، حدثنيه ابن إسحاق، عن عيسى بن معمر، عن عبد الله بن عمرو بن الفغواء الخزاعي عن أبيه في قصة. وفي سنده عبد الله بن عمرو بن الفغواء، قال الذهبي: «لا يعرف»، وقال الحافظ: «مستور». وذكره ابن حبان في «الثقات». وفيه عيسى بن معمر، ذكره ابن حبان في الثقات وليّنه الحافظ. (العمران).
[ ٢ / ٦٧٥ ]
فصل: الفرق بين الهدية والرشوة
فصل: الفرق بين الصبر والقسوة
فإذا وقعت الغيبة على وجه النصيحة لله ورسوله وعباده المسلمين، فهي قُربة إلى الله، من جملة الحسنات. وإذا وقعت على وجه ذمِّ أخيك، وتمزيق عِرضه، والتفكُّهِ بلحمه، والغضِّ منه (^١)؛ لتضع منزلته من قلوب الناس= فهي الداءُ العُضال، ونارُ الحسنات التي تأكلها كما تأكل النارُ الحطب.
فصل
والفرق بين الهدية والرِّشوة وإن اشتبها في الصورة: القصد، فإنَّ الراشي قصدُه بالرشوة التوصُّلُ إلى إبطال حقٍّ أو تحقيق باطل، فهذا الراشي الملعونُ على لسان رسول الله - ﷺ - (^٢). فإن رشا لدفعِ الظلم عن نفسه اختصَّ المرتشي وحدَه باللعنة.
وأما المُهدي، فقصدُه استجلابُ المودَّة والمعرفة والإحسان. فإن قصَد المكافأة فهو مُعاوِض، وإن قصد الربحَ فهو مُستكثِر.
فصل
والفرق بين الصبر والقسوة: أنَّ الصبرَ خلقٌ كَسبي يتخلَّق به العبد، وهو
_________________
(١) ساقط من (أ، غ).
(٢) انظر حديث عبد الله بن عمرو في السنن. أخرجه أبو داود (٣٥٨٠)، والترمذي (١٣٣٧) وابن ماجه (٢٣١٣). وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
[ ٢ / ٦٧٦ ]
حبسُ النفس عن الجزَع والهلَع [١٥٩ أ] والتشكِّي، فيحبس النفسَ عن التسخُّط، واللسانَ عن الشكوى، والجوارحَ عما لا ينبغي له (^١) فعله. وهو ثبات القلب على الأحكام القدرية والشرعية.
وأما القسوةُ، فيُبْسٌ في القلب يمنعه من الانفعال، وغِلظةٌ تمنعه من التأثر بالنوازل. فلا يتأثَّر بها (^٢) لغلظته وقساوته لا لصبره واحتماله.
وتحقيقُ هذا أن القلوب ثلاثة (^٣): قلب قاسٍ غليظ بمنزلة اليد اليابسة، وقلب مائع رقيق جدًّا. فالأول لا ينفعل لخيرٍ بمنزلة الحجر، والثاني بمنزلة الماء، وكلاهما ناقصٌ.
وأصحُّ القلوب: القلبُ الرقيق الصافي الصلب. فهو يرى الحقَّ من الباطل بصفائه، ويقبله ويؤثره برِقَّته، ويحفظه ويحارب عدوَّه بصلابته. وفي أثرٍ: القلوبُ آنيةُ الله في أرضه، فأحبُّها إليه أرقُّها وأصلَبها وأصفاها (^٤). وهذا القلبُ الزجاجي، فإن الزجاجة جمعت الأوصافَ الثلاثة.
وأبغضُ القلوب إلى الله: القلب القاسي. قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]. وقال: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤].
_________________
(١) «له» من الأصل وحده.
(٢) في الأصل: «به». وكذا في (غ). والمثبت من (ب، ط، ج). وهو ساقط من غيرها.
(٣) قارن بشفاء العليل (١٠٥، ١٩٢)، والوابل الصيب (١٢١ ــ ١٢٢).
(٤) أخرجه الإمام أحمد في الزهد (٢١٠١) عن خالد بن معدان، والخرائطي في اعتلال القلوب (٩) عن ثور بن يزيد. وأخرجه الطبراني في مسند الشاميين (٨٤٠) من حديث أبي عنبة الخولاني مرفوعًا.
[ ٢ / ٦٧٧ ]
فصل: الفرق بين العفو والذل
وقال: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: ٥٣] فذكر القلبين المنحرفين عن الاعتدال. هذا بمرضه، وهذا بقسوته. وجعل إلقاءَ الشيطان فتنةً لأصحاب هذين القلبين، ورحمةً لأصحاب القلب الثالث. وهو القلبُ الصافي الذي ميَّز بين إلقاء الشيطان (^١) وإلقاء الملك بصفائه، وقبِلَ الحقَّ بإخباته ورقَّته، وحارب النفوسَ المبطلةَ بصلابته وقوته. فقال تعالى عقبَ ذلك: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٤].
فصل
والفرق بين العفو والذلِّ: أنَّ العفوَ إسقاطُ حقِّك جُودًا وكرمًا وإحسانًا، مع قُدرتك على الانتقام، فتؤثر التركَ رغبةً في الإحسان ومكارم الأخلاق. بخلاف الذُّلِّ، فإن صاحبَه يترك الانتقامَ عجزًا وخوفًا ومهانةَ نفس، فهذا مذموم غير محمود. ولعل المنتقمَ بالحق أحسنُ حالًا منه.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٩]، فمدَحهم بقوتهم على الانتصار لنفوسهم وتقاضيهم منها ذلك، حتى إذا قدروا على من بَغَى عليهم، وتمكَّنوا من استيفاء ما لهم عليه، ندَبهم إلى الخلُق الشريف من العفو والصَّفح، فقال: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى: ٤٠]. فذكر المقامات الثلاثة: العدل
_________________
(١) في الأصل زيادة «فيه». وكذا في (غ).
[ ٢ / ٦٧٨ ]
وأباحه (^١)، والفضل وندبَ إليه، والظلمَ وحرَّمه.
فإن قيل: فكيف مدَحهم على الانتصار والعفو، وهما متنافيان؟
قيل: لم يمدَحْهم على الاستيفاء والانتقام، وإنما مدحهم على الانتصار، وهو القدرة والقوة على استيفاء حقهم، فهذا هو الانتصار، فلما قدروا ندَبهم إلى العفو.
قال بعض السلف في هذه الآية: كانوا يكرهون أن يُستذَلُّوا، فإذا قدروا عفوا (^٢). فمدَحهم على عفو بعد قدرة، لا على عفو ذلٍّ وعجز ومهانة. وهذا هو الكمالُ الذي مدَح سبحانه به نفسَه في قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٤٩]، وقوله: ﴿وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^٣) [الممتحنة: ٧].
وفي أثر معروف: «حملة العرش أربعة: اثنان يقولان: سبحانك اللهمَّ ربَّنا وبحمدك، لك الحمدُ على حِلْمك بعد علمك. واثنان يقولان: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، لك الحمد (^٤) على عفوك بعد قدرتك» (^٥).
ولهذا قال المسيح صلوات الله وسلامه عليه: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ
_________________
(١) في الأصل: «إباحته». وكذا في (ق)، وهو تحريف.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٨٤٨٦) عن إبراهيم النخعي.
(٣) قوله: «والله قدير» ساقط من الأصل وكذا من (ق، غ).
(٤) «على حلمك الحمد» ساقط من الأصل، وكذا من (ط).
(٥) ذكره المؤلف في مدارج السالكين (١/ ٣٦)، (٢/ ٣٧٩)، وبدائع الفوائد (١٤٠) وعدة الصابرين (٥٣٣) أيضًا، وكذا قال: «حملة العرش أربعة » والرواية: «حملة العرش ثمانية. أربعة يقولون وأربعة يقولون ». وروي الأثر عن شهر بن حوشب وغيره. انظر تخريجه في كتاب العرش لابن أبي شيبة (٣٦٨).
[ ٢ / ٦٧٩ ]
فصل: الفرق بين الانتقام والانتصار
وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]. أي: إن غفرتَ لهم غفرتَ عن عزَّةٍ [١٦٠ أ] وهي كمالُ القدرة، وحكمةٍ وهي كمالُ العلم. فغفرتَ بعد أن علمتَ ما عملوا وأحاطت بهم قدرتك، إذ المخلوق قد يغفر (^١) لعجزِه عن الانتقام، وجهلهِ بحقيقة ما صدَر من المسيء، والعفوُ من المخلوق ظاهرُه ضيمٌ وذلٌّ، وباطنه عزٌّ ومهابة. والانتقامُ ظاهرُه عزٌّ، وباطنُه ذلٌّ، فما زاد الله عبدًا (^٢) بعفوٍ إلا عزًّا، ولا انتقم أحد لنفسه إلا ذلَّ، ولو لم يكن إلا بفوات عزِّ العفو. ولهذا ما انتقم رسول الله - ﷺ - لنفسه قط (^٣).
وتأمل قوله سبحانه: ﴿هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٩] كيف يُفهم منه أنَّ فيهم من القوة ما يكونون هم بها المنتصرين لأنفسهم، لا أن غيرهم هو الذي ينصرهم؟ ولما كان الانتصار لا تقف النفوس فيه على حدِّ العدل غالبًا بل لابد من المجاوزة، شرَع فيه سبحانه المماثلة والمساواة، وحرَّم الزيادة، وندَب إلى العفو. والمقصودُ أن العفو من أخلاق النفس المطمئنة، والذلَّ من أخلاق الأمَّارة.
ونكتة المسألة (^٤) أن الانتقامَ شيء، والانتصارَ شيء. فالانتصار أن ينتصر لحقِّ الله ومن أجله. ولا يقوَى على ذلك إلا مَن تخلَّص من ذلِّ حظّه ورِقِّ هواه، فإنه حينئذٍ ينال حظًّا من العزِّ الذي قَسَم الله للمؤمنين، فإذا بُغيَ عليه
_________________
(١) (ب، ط، ج): «يعفو».
(٢) لم يرد «عبدًا» في (أ، ق، غ).
(٣) أخرجه البخاري (٦٧٨٦) ومسلم (٢٣٢٧) من حديث عائشة. وانظر كلام المؤلف على الآية الكريمة في مدارج السالكين (١/ ٣٦)، (٢/ ٣٧٩).
(٤) (ج): «وسرّ المسألة».
[ ٢ / ٦٨٠ ]
انتصر من الباغي، من أجل عزِّ الله الذي أعزَّه به، غيرةً على ذلك العزِّ أن يُستضامَ ويُقهَر، وحميَّةً للعبد المنسوب إلى العزيز الحميد أن يُستذَلَّ، فهو يقول للباغي عليه: أنا مملوكُ مَن لا يُذِلُّ مملوكَه، ولا يحبُّ أن يُذِلَّه أحد.
وإن كانت نفسُه الأمَّارةُ قائمةً على أصولها، لم تُجْتَثَّ بعدُ، طلبتْ الانتقامَ (^١) والانتصارَ لحظّها وظَفَرها بالباغي، تشفِّيًا فيه وإذلالًا له. وأمَّا النفس المطمئنة التي خرجت من ذُلِّ حظِّها ورِقِّ هواها إلى عزِّ توحيدها وإنابتها إلى ربها، فإذا نالَها البغيُ قامت بالانتصار حميّةً ونصرةً للعزِّ الذي [١٦٠ ب] أعزَّها الله به ونالته منه، وهو في الحقيقة حميَّةٌ لربِّها ومولاها.
وقد ضُربَ لذلك مثلٌ بعبدَين من عبيد الغَلَّة حرَّاثَين، ضرب أحدُهما صاحبَه، فعفا المضروب عن الضَّارب، نُصحًا منه لسيِّده، وشفقةً على الضَّارب أن يعاقبه السيِّد، فلم يجشِّم سيّدَه كُلفةَ (^٢) عقوبتِه وإفسادِه بالضرب، فشكرَ العافي على عفوه، ووقع منه بموقع.
وعبدٌ آخرُ قد أقامه بين يديه، وجمَّلَه، وألبسه ثيابًا يقف بها بين يديه. فعمَد بعضُ سُوَّاس الدوابِّ وأضرابهم، ولطَّخ تلك الثيابَ بالعَذِرة، أو مزَّقها، فلو عفا عمَّن فعل به ذلك لم يوافق عفوُه رأيَ سيده ولا محبتَه، وكان
_________________
(١) انفردت (ج) بهذا الصواب. وقد وردت «طلبت» في غيرها جميعًا بالتاء المربوطة. و«تجتث» غير منقوطة في الأصل، فرسمها النسَّاخ كما وجدوها. وحذفها بعضهم كما في (ن)، ولم تقرأ صحيحةً إلا في (ج، غ). وفي النسخ المطبوعة: «لم تحب بعد طلبه إلا الانتقام» فزيدت كلمة «إلا» مع التصحيف.
(٢) في النسخ المطبوعة: «خلقه». وكذا في (غ، ق). والأصل غير منقوط. وفي غيرها بالفاء أو بالحاء والفاء. والصواب ما أثبت من (ب، ج).
[ ٢ / ٦٨١ ]
الانتصارُ أحبَّ إليه وأوفق لمرضاته؛ كأنه يقول: إنما فُعِل هذا بك جراءةً عليَّ واستخفافًا بسلطاني. فإذا مكَّنه من عقوبته، فأذلَّه وقهَره، ولم يبق إلا أن يبطش به، فذلَّ وانكسر قلبه؛ فإنَّ سيِّده يحبُّ منه أن لا يعاقبه لحظِّه، وأن يأخذ منه حقَّ السيِّد، فيكون انتصارُه حينئذٍ لمحضِ حق سيِّدِه لا لنفسه.
كما رويَ عن علي ﵁ أنه مرَّ برجل، فاستغاث به، وقال: هذا منعني حقِّي، ولم يعطني إياه. فقال: أعطِه حقَّه. فلما جاوزهما لجَّ الظالم، ولطم صاحب الحقِّ، فاستغاث بعليٍّ، فرجع، وقال: أتاك الغوث. فقال له: استعِدْ لطمتَك (^١)، فقال: قد عفوتُ يا أمير المؤمنين. فضربَه عليٌّ تسع دُرَر، وقال: قد عفا عنك مَن لطمتَه، وهذا حقُّ السلطان. فعاقبه عليٌّ لما اجترأ على سلطان الله، ولم يدعه (^٢).
ويشبه هذا قصة الرجل الذي جاء إلى أبي بكر ﵁، فقال: احمِلْني، فوالله لأنا أفرَسُ منك ومن أبيك! وعنده المغيرة بن شعبة، فحسَر عن ذراعه، وصكَّ بها أنفَ الرجل، فسال الدم. فجاء قومه إلى أبي بكر فقالوا: أقِدْنا من المغيرة. فقال: أنا أقيدكم من وَزَعة الله (^٣)؟ لا أقيدكم منه (^٤). فرأى أبو بكر أن ذلك انتصارٌ [١٦١ أ] من المغيرة وحميةٌ لله وللعزِّ الذي أعَزَّ به خليفةَ رسول الله - ﷺ -، ليتمكن بذلك العزِّ من حسن خلافته
_________________
(١) (ب): «استقد » وفي بعض النسخ المطبوعة: «استقد منه»، غيّر في المتن.
(٢) القصة أخرجها الطبري في تاريخه (٥/ ١٥٦).
(٣) وزَعة جمع وازِع. أراد الذين يكفُّون الناس عن الإقدام على الشر. النهاية لابن الأثير (٥/ ١٨٠).
(٤) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٧٣٤٠) عن المغيرة بن شعبة.
[ ٢ / ٦٨٢ ]
فصل: الفرق بين سلامة القلب والبله والتغفل
وإقامة دينه، فترك قودَه لاجترائه على عزِّ الله وسلطانه الذي أعزَّ به رسولَه ودينَه وخليفتَه.
فهذا لون، والضربُ حميَّةً للنفس الأمَّارة لون.
فصل
والفرق بين سلامة القلب والبلَه والتغفُّل: أن سلامةَ القلب تكون من إرادة الشرِّ (^١) بعد معرفتِه، فيسلَم قلبُه من إرادته وقصدِه، لا من معرفته والعلمِ به. وهذا بخلاف البلَه والغفلة، فإنها جهلٌ وقلّة معرفة. وهذا لا يُحمَد إذ هو نقص، وإنما يحمد الناسُ من هو كذلك لسلامتهم منه.
والكمالُ أن يكون القلب عارفًا بتفاصيل الشرِّ، سليمًا من إرادته. قال عمر بن الخطاب ﵁: «لستُ بخَبٍّ ولا يخدعني الخَبُّ» (^٢)، وكان عمر أعقلَ من أن يُخدَع، وأورعَ من أن يَخدع (^٣).
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾
_________________
(١) يعني كون القلب سليمًا من إرادة الشر. وكذا في جميع النسخ. وفي النسخ المطبوعة: «من عدم إرادة الشر». زادوا كلمة «عدم» دون تنبيه.
(٢) انظر: العقد (٢/ ٢٤١) وأدب الدنيا والدين (١٤). وقد نسب في البيان للجاحظ (١/ ١٠١) والحيوان (٢/ ٢٧٩)، والعقد (٣/ ١١) إلى إياس بن معاوية. وتكملة قوله: «ولا يخدع ابن سيرين، وهو يخدع أبي ويخدع الحسن». وفي تهذيب اللغة (٨/ ١٧) نسب إلى ابن سيرين.
(٣) هذا قول المغيرة عن عمر. انظر: العقد (٢/ ٢٤١)، (٣/ ١١) وأدب الدنيا والدين (١٤). وفيهما «أفضل» مكان «أورع».
[ ٢ / ٦٨٣ ]
فصل: الفرق بين الثقة والغرة
[الشعراء: ٨٨ ــ ٨٩]. فهذا هو السليم (^١) من الآفات التي تعتري القلوب المريضة، من مرضِ الشبهة التي تُوجب اتباعَ الظن، ومرضِ الشهوة التي توجب اتباعَ ما تهوى الأنفس. فالقلب السليم: الذي سَلِم من هذا وهذا.
فصل
والفرق بين الثقة والغِرَّة: أنَّ الثقة سكونٌ يستند إلى أدلَّة وأمارات يسكنُ القلب إليها، فكلما قويَت تلك الأمارات قويت الثقة واستحكمت، ولا سيَّما على كثرة التجارب وصدقِ الفراسة.
واللفظة كأنها ــ والله أعلم ــ من الوَثاق، وهو الرِّباط. فالقلب قد ارتبط بمَن وثق به توكُّلًا عليه وحسنَ ظنٍّ به، فصار في وثاق محبته ومعاملته والاستناد إليه والاعتماد عليه، فهو في وثاقه بقلبه وروحه وبدنه. فإذا سار القلبُ إلى الله وانقطع إليه تقيَّد بحبه وصار في وثاق العبودية، فلم يبقَ له مَفزعٌ في النوائب ولا ملجأ غيره. ويصير عدَّته في شدَّته، وذخيرتَه في نوائبه، وملجأه في نوازله، ومستعانَه في حوائجه وضروراته.
وأما الغِرَّة، فهي حال المغترِّ الذي غرَّتْه نفسُه وشيطانُه وهواه وأملُه الخائب الكاذب بربِّه، حتى أتبعَ نفسه هواها، وتمنَّى على الله الأماني. والغرورُ ثقتُك بمَن لا يوثق به، وسكونُك إلى مَن لا يُسكَن إليه، ورجاؤك النفعَ من المحلِّ الذي لا يأتي بخير كحالِ المغترِّ بالسراب. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور: ٣٩].
_________________
(١) (ب، ج): «القلب السليم».
[ ٢ / ٦٨٤ ]
وقال تعالى في وصف المغترِّين: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٣، ١٠٤]. فهؤلاء إذا انكشف الغطاء وثبتتْ حقائقُ الأمور علموا أنهم لم يكونوا على شيء، ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧].
وفي أثر معروف: «إذا رأيتَ الله سبحانه يزيدُك من نِعَمه، وأنت مقيمٌ على معصيته، فاحذره؛ فإنما هو استدراج يستدرجك به» (^١). وشاهد هذا في القرآن في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤]. فهذا من أعظم الغِرَّة أن تراه يتابع عليك نعمَه، وأنت مقيم على ما يكره.
فالشيطان موكَّل بالغرور، وطبعُ الأنفس الأمَّارة: الاغترارُ. فإذا اجتمع الزاني والبغيُّ، والمرابي والمحتاجُ (^٢)، والشيطانُ الغَرورُ والنفسُ المغتَّرة= لم يقع هناك خلاف! فالشياطين غرُّوا المغترِّين بالله، وأطمعوهم ــ مع إقامتهم على ما يُسخِطُ الله ويُغضِبه ــ في عفوه وتجاوزه، وحدَّثوهم بالتوبة لتسكن قلوبهم، ثم دافعوهم بالتسويف حتى هجم الأجلُ، فأُخِذوا على أسوأ أحوالهم.
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٢٨/ ٥٤٧) والزهد (١٢) عن عقبة بن عامر الجهني مرفوعًا، وحسَّنه العراقي في تخريج أحاديث الإحياء. وقد أورده المصنف من المسند في عدة الصابرين (٣٨٦) والداء والدواء (٧٧)، وهنا سمَّاه أثرًا. والآية التي استشهد بها جزء من متن الحديث.
(٢) الأصل غير منقوط. وهذه القراءة الصحيحة من (ب، ط، ن). وفي غيرها: «الرأي» موضع «الزاني» و«المرابي» كليهما، وهو تصحيف. وفي النسخ المطبوعة: «الرأي والبغي والرأي المحتاج».
[ ٢ / ٦٨٥ ]
فصل: الفرق بين الرجاء والتمني
قال (^١) تعالى: ﴿وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [الحديد: ١٤]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ (^٢) [فاطر: ٥].
وأعظمُ الناسِ [١٦٢ أ] غرورًا بربِّه مَن إذا مسَّه الله برحمة منه وفضل قال: «هذا لي». أي: أنا أهله، وجدير به، ومستحق له. ثم قال: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ [الكهف: ٣٦] فظنَّ أنه أهلٌ لما أُولِيَه (^٣) من النعم مع كفره بالله. ثم زاد في غروره، فقال: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت: ٥٠] يعني: الجنة والكرامة. فهكذا تكون الغِرَّة بالله، فالمغترُّ بالشيطان مغترٌّ بوعوده وأمانيه، وقد ساعده اغترارُه بدنياه ونفسِه، فلا يزال كذلك حتى يتردَّى في آبار الهلاك.
فصل
والفرق بين الرجاء والتمني: أنَّ الرجاء يكون مع بذلِ الجهد واستفراغِ الطاقة في الإتيان بأسباب الظَّفر والفوز. والتمني: حديثُ النفس بحصول ذلك مع تعطيل الأسباب الموصلة إليه. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٨] فطوى سبحانه بساطَ الرجاء إلا عن هؤلاء.
_________________
(١) (أ، ق، غ): «وقال».
(٢) «وقال الغرور» ساقط من الأصل.
(٣) (ب): «أوتيه». وفي النسخ المطبوعة: أولاه.
[ ٢ / ٦٨٦ ]
وقال المغترُّون: إنَّ الذين ضيَّعوا أوامره، وارتكبوا نواهيَه، فاتبعوا (^١) ما أسخطه، وتجنَّبوا ما يرضيه= أولئك يرجون رحمته؛ وليس هذا ببِدع من غرور النفس والشيطان لهم. فالرجاءُ لعبدٍ قد امتلأ قلبه من الإيمان بالله واليوم الآخر، فمَثَّل (^٢) بين عينيه ما وعَده الله من كرامته وجنته، فامتدَّ القلبُ مائلًا إلى ذلك شوقًا إليه وحِرصًا عليه. فهو شبيهٌ بالمادِّ عنقَه إلى مطلوبٍ قد صار نُصْبَ عينيه.
وعلامة الرجاء الصحيح أنَّ الراجي ــ لخوفِ (^٣) فَوتِ الجنة وذهابِ حظِّه منها ــ يترك (^٤) ما يخاف أن يحول بينه وبين دخولها. فمَثَلُه مَثلُ رجلٍ خطَب امرأةً كريمةً في منصبٍ وشرفٍ إلى أهلها، فلما آن وقتُ العقد واجتماعِ الأشراف والأكابر وإتيانِ (^٥) الرجل إلى الحضور= أُعلِمَ عَشيَّةَ ذلك اليوم ليتأهبَ للحضور، فيراه أهل (^٦) المرأة وأكابرُ الناس، فأخذ في
_________________
(١) ما عدا الأصل: «واتبعوا».
(٢) الضبط من (غ، ن).
(٣) صحَّفه بعض النسَّاخ إلى «نخوف» (ن، غ) و«بخوف» (ق). وكتب بعض من قرأ «ن» على طرتها: «بيان: يخاف»، وكذا «يخاف» في النسخ المطبوعة.
(٤) (ن، غ): «بترك». وكذا في النسخ المطبوعة نتيجة لإثبات «يخاف» في السطر السابق.
(٥) في الأصل: «وأتى» دون نقط. وفي (ن، ز) كذا بالتاء. وقراءة (غ، ق): «وافى». وفي (ب): «وأذعن»، و(ج): «ودُعِي»، و(ط): «وأبى الرجال إلا الحضور». وهذه القراءات الثلاث حاولت إصلاح النص. وفي (ن، ز): «فلما أن وقع العقد، واجتمع وأتى» أخطأ في قراءة «آن» فغيَّر في المتن. وكلمة «أتى» قلقة، ولعل المصنف كتب الفعل سهوًا وأراد المصدر كما أثبتنا من النسخ المطبوعة.
(٦) لم ترد كلمة «أهل» في الأصل، ولا في (ق، غ).
[ ٢ / ٦٨٧ ]
التأهُّب والتزيين والتجمُّل، فأخذ من فضولِ شعره، وتنظَّف وتطيَّب، ولبس أجمل ثيابه، وأتى إلى تلك الدار متَّقِيًا في طريقه كلَّ وسخ ودنس وأثر يصيبه أشدَّ تقوى، حتى الغبار والدخان وما هو دون ذلك. فلما وصل إلى الباب رحَّب به ربُّها، ومَكَّن له في صدر الدار على الفرُش والوسائد، ورمقته العيون، وقُصِد بالكرامة من كل ناحية.
فلو أنه ذهب بعد أخذ هذه الزينة، فجلس في المزابل، وتمرَّغ عليها، وتمعَّك بها، وتلطَّخ في بدنه وثيابه بما عليها من عَذِرة وقذَر، ودخل ذلك في شَعْره وبَشَره وثيابه، فجاء على تلك الحال إلى تلك الدار، وقصدَ دخولَها للوعد الذي سبق له= لقامَ (^١) إليه البوَّابُ بالضرب والطرد، والصياح عليه، والإبعاد له من بابها وطريقها، فرجع متحيِّرًا خاسئًا (^٢).
فالأول حالُ الرَّاجي، وهذا حال المتمنِّي.
وإن شئت مثَّلتَ حالَ الرجلين بملِكٍ هو من أغنى (^٣) الناس وأعظمهم أمانةً، وأحسنهم معاملة، لا يضيع لديه حقُّ أحد، وهو يعامل الناس من وراء سِترٍ لا يراه أحد، وبضائعُه وأمواله وتجاراته وعبيده وإماؤه ظاهرٌ بارز في داره للمعاملين. فدخل عليه رجلان، فكان أحدهما يعامله بالصدق والأمانة والنصيحة، لم يجرِّب عليه غِشًّا ولا خيانة ولا مَكرًا، فباعه بضائعه كلَّها، واعتمد مع مماليكه وجواريه ما يحب أن يعتمد معهم. فكان إذا دخل إليه ببضاعة تخيَّر له أحسنَ البضائع وأحبَّها إليه، وإن صنعها بيده بذل جهدَه في
_________________
(١) في الأصل: «فقام»، وهو سهو. وكذا في (ق، غ).
(٢) (ن، ز): «خاسرا».
(٣) في (ق، غ، ط): «أغير». ورسمها في الأصل يشبه هذا. وهو تصحيف.
[ ٢ / ٦٨٨ ]
تحسينها وتنميقها، وجعل ما خفِي منها أحسنَ مما ظهر، وتسلَّم المؤنةَ ممن أمره أن يتسلَّمها (^١) منه، وامتثل ما أمره به السفير بينه وبينه في مقدار ما يعمله وصفته وهيئته وشكله ووقته (^٢) وسائر شؤونه.
وكان الآخرُ إذا دخل دخل (^٣) بأخسِّ بضاعة يجدُها، لم يخلِّصْها من الغش ولا نصحَ فيها، ولا اعتمد في أمرها ما قاله المترجِمُ عن الملك والسفيرُ بينه وبين الصناع والتجار، بل كان يعملها على ما يهواه هو. ومع ذلك فكان [١٦٣ أ] يخون الملك في داره إذ (^٤) هو غائب عن عينه، فلا يلوح له طمعٌ إلا خانه، ولا حرمةٌ للملك إلا مدَّ بصره إليها وحرَص على إفسادها، ولا شيء (^٥) يُسخِط الملك إلا ارتكبه إذا قدَر عليه.
فمضَيا على ذلك مدَّةً، ثم قيل: إنَّ الملك يبرُز اليوم لمعامليه، حتى يحاسبهم، ويعطيهم حقوقَهم. فوقف الرجلان بين يديه، فعاملَ كلَّ واحد منهما بما يستحقُّه.
فتأمل هذين المثلين، فإنَّ الواقع مطابق لهما. فالرَّاجي على الحقيقة لمَّا صارت الجنةُ نُصْبَ عينيه ورجاءَه وأملَه امتدَّ إليها قلبه، وسعى لها سعيَها ــ فإنَّ الرجاءَ هو: امتدادُ القلب وميلُه ــ وحقَّق رجاءَه كمالُ التأهُّب، وخوفُ
_________________
(١) في النسخ المطبوعة: «ويستلم المؤنة يستلمها» صحفوها على لغتهم الدارجة.
(٢) في النسخ المطبوعة: «ورقّته»، تصحيف.
(٣) ساقط من الأصل.
(٤) في (أ، ق): «أو»، صوابه ما أثبتنا من (ب). وفي (ج): «إذا هو غاب».
(٥) من (غ، ج) وحاشية (ن)، وفي غيرهما: «شيئًا».
[ ٢ / ٦٨٩ ]
الفوت، والأخذُ بالحذر. وأصلُه من التنحِّي (^١). ورَجَا البئرِ: ناحيتُه. وأرجاءُ السماء: نواحيها. وامتدادُ القلب إلى المحبوب منقطعًا عما يقطعه عنه هو: تنحٍّ عن النفس الأمَّارة وأسبابها وما تدعو إليه.
وهذا الامتداد والميل والخوف من شأن النفس المطمئنة، فإنَّ القلب إذا انفسحت بصيرتُه (^٢)، فرأى الآخرة وما أعدَّ اللهُ فيها لأهل طاعته وأهل معصيته؛ خافَ وخفَّ مرتحلًا إلى الله والدارِ الآخرة. وكان قبل ذلك مطمئنًّا إلى النفس، والنفسُ إلى الشهوات والدنيا. فلما انكشفَ عنه غطاءُ النفس خفَّ وارتحل عن جوارها طالبًا جوارَ العزيز الرحيم في جنَّات النعيم.
ومن هاهنا صار كلُّ خائف راجيًا، وكلُّ راجٍ خائفًا، فأُطلق اسم أحدهما على الآخر؛ فإنَّ الراجي قلبُه قريبُ الصفةِ من قلب الخائف: هذا الراجي قد نحَّى قلبَه عن مجاورة النفس والشيطان مرتحلًا إلى الله، قد رُفِع له من الجنة علَمٌ فشمَّر إليه وأمَّه (^٣) مادًّا إليه قلبَه كلَّه. وهذا الخائف فارٌّ من جوارهما، ملتجئٌ إلى الله من حبسهما له (^٤) في سجنهما في الدنيا، فيُحبسَ معهما بعد الموت ويوم القيامة؛ فإنَّ المرءَ مع قرينه في الدنيا والآخرة. فلما سمع الوعيد ارتحل من مجاورة السوء في الدارين، فأُعطِيَ اسم الخائف، ولما
_________________
(١) الراء والجيم والحرف المعتل عند ابن فارس أصلان متباينان، يدل أحدهما على الأمل والآخر على ناحية الشيء. مقاييس اللغة (٢/ ٤٩٤).
(٢) كذا في الأصل و(ق، ز). أي: امتَدت وتوسَّعت. من انفسح الطرف: امتدَّ دون عائق (المعجم الوسيط) وانظر اللسان (فسح). وفي غيرها: «انفتحت».
(٣) أي قصده. وفي النسخ المطبوعة: «وله»!
(٤) «له» ساقط من (أ، ق، غ).
[ ٢ / ٦٩٠ ]
سمع الوعدَ امتدَّ واستطال (^١) شوقًا إليه وفرحًا بالظفر به، فأُعطيَ اسم الراجي. وحالاه متلازمان لا ينفكُّ عنهما، فكلُّ راجٍ خائفٌ من فوات ما يرجوه، كما أنَّ كلَّ خائفٍ راجٍ أمنه مما يخاف. فلذلك تداول الاسمان عليه. قال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣]. قالوا في تفسيرها: لا تخافون لله عظَمة (^٢).
وقد تقدَّم أنه سبحانه طوى الرجاءَ إلا عن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا. وقد فسَّر النبي - ﷺ - الإيمان بأنه ذو شُعَب وأعمال ظاهرة وباطنة (^٣)، وفسَّر الهجرة بأنها هجرةُ ما نهى الله عنه، والجهادَ بأنه جهادُ النفس في ذات الله، فقال: «المهاجرُ من هَجَر ما نهى الله عنه، والمجاهدُ من جاهد نفسه في ذات الله» (^٤). والمقصودُ أن الله سبحانه جعل أهل الرجاء مَنْ
_________________
(١) في النسخ المطبوعة: «استطار» خلافًا لما في جميع النسخ دون تنبيه.
(٢) رواه أبو صالح عن ابن عباس. زاد المسير (٢/ ٩٦). وانظر: الدر المنثور (١٤/ ٧٠٥). ولكن لم يوجد الرجاء بمعنى الخوف إلا مع النفي. انظر: تفسير الطبري (٧/ ٤٥٦).
(٣) يشير إلى نحو قول النبي - ﷺ -: «الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان». أخرجه البخاري (٩) وهذا لفظه، ومسلم (٣٥) عن أبي هريرة.
(٤) أخرجه الإمام أحمد (٢٣٩٥٨)، وابن حبان (٤٨٦٢)، والحاكم (١/ ١٠) من حديث فضالة بن عبيد ﵁ في حجة الوداع، وفيه: «والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب». وأخرج الترمذي (١٦٢١) الشطر الثاني منه، وابن ماجه (٣٩٣٤) الشطر الأول. وإسناده جيد وصحّحه الترمذي والحاكم. وقوله: «المهاجر من هجر ما الله عنه» ورد في حديث عبد الله بن عمرو ﵄ عند البخاري (١٠، ٦٤٨٤) وغيره. (قالمي).
[ ٢ / ٦٩١ ]
آمنَ وهاجر وجاهد، وأخرجَ مَنْ سواهم من هذه الأمم.
وأما الأماني، فإنها «رؤوس أموال المفاليس» (^١)،
أخرجوها في قالب الرجاء، و﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ [البقرة: ١١١]. وهي تصدر من قلبٍ تزاحمت (^٢) عليه وساوِسُ النفس، فأظلم من دخانها، فهو يستعمل قلبَه في شهواتها. وكلَّما فعَل ذلك منَّتْه حسنَ العاقبة والنجاةَ، وأحالته على العفو والمغفرة والفضل، وأنَّ الكريمَ لا يستوفي حقَّه، ولا تضرُّه الذنوب، ولا تنقصُه المغفرة. ويسمِّي ذلك رجاءً، وإنما هو وسواسٌ (^٣) وأمانيُّ باطلةٌ تَقذِف بها النفس إلى القلب الجاهل، فيستَرْوِح (^٤) إليها. قال تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٢٣].
فإذا ترك العبدُ ولايةَ الحق ونصرتَه ترك اللهُ ولايتَه ونصرتَه، ولم يجد له من دون الله وليًّا ولا نصيرًا. وإذا ترك ولايته ونصرته (^٥) تولَّتْه نفسُه والشيطان
_________________
(١) اقتبسه من قول أبي بكر الخالدي: لا تكن عبد المنى، فالمنى رؤوسُ أموالِ المفاليس التمثيل والمحاضرة (١١٣). وأنشد ابن قتيبة في عيون الأخبار (١/ ٢٦١) لشاعر: إذا تمنَّيتُ بتُّ الليلَ مغتبطًا إن المنى رأس أموال المفاليس وانظر: الحيوان (٥/ ١٩١).
(٢) (ب، ج): «تراكمت»، تصحيف.
(٣) (ب، ط، ج): «وساوس».
(٤) غيره الناشرون إلى «فيستريح».
(٥) «ولم يجد له نصرته» ساقط من (ب، ط، ج).
[ ٢ / ٦٩٢ ]
فصل: الفرق بين التحدث بنعم الله والفخر بها
فصارا وليَّين له، ووُكِل إلى نفسه فصار انتصاره لها بدلًا من نصرة الله ورسوله، فاستَبدلَ بولاية الله ولايةَ نفسه وشيطانه، وبنصرته نصرةَ نفسه وهواه، فلم يدَعْ للرجاء موضعًا.
فإذا قالت لك النفس: أنا في [١٦٤ أ] مقام الرجاء، فطالِبْها بالبرهان، وقل: هذه أمنيةٌ، فهاتوا برهانكم إن كنتم صادقين.
فالكيِّسُ يعمل أعمال البرِّ على الطمع والرجاء، والأحمقُ العاجزُ (^١) يعطِّل أعمال البرِّ، ويتَّكل على الأماني التي يسمِّيها رجاءً. والله الموفِّق للصواب.
فصل
والفرقُ بين التحدُّث بنعم الله، والفخر بها: أن المتحدث بالنعمة مخبِرٌ عن صفات وليِّها (^٢) ومحضِ جودهِ وإحسانه، فهو مُثْنٍ عليه بإظهارها والتحدُّث بها، شاكر له، ناشر لجميع (^٣) ما أوْلاه. مقصودُه بذلك إظهارُ صفاتِ الله ومدحُه والثناءُ عليه، وبعثُ النفوسِ على الطلب منه دون غيره، وعلى محبته ورجائه، فيكون داعيًا (^٤) إلى الله بإظهار نعمِه ونشرِها والتحدُّثِ بها.
_________________
(١) (ب، ج): «الفاجر»، تصحيف. وهو ساقط من (ز). وزاد فيها بعد «أعمال البر»: بل ويعمل أعمال الفجرة.
(٢) (ن، ز): «مُوليها».
(٣) (ب، ج، ز، ن): «لجميل».
(٤) (ق): «راغبًا»، تصحيف.
[ ٢ / ٦٩٣ ]
فصل: الفرق بين فرح القلب وفرح النفس
وأما الفخر بالنعم، فهو أن يستطيل بها على الناس، ويُريهم أنه أعزُّ منهم وأكبر، فيركبُ أعناقهم، ويستعبدُ قلوبهم ويستميلُها إليه بالتعظيم والخدمة. قال النعمان بن بشير: إنَّ للشيطان مصاليَ (^١) وفخوخًا. وإنَّ من مصاليه وفخوخهِ البطشَ بنعم الله، والكبرَ على عباد الله، والفخرَ بعطيَّةِ الله، والهونَ (^٢) في غير ذات الله (^٣).
فصل
والفرق بين فرح القلب وفرح النفس ظاهر، فإنَّ الفرح بالله ومعرفته ومحبته وكلامه من القلب. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [الرعد: ٣٦]. فإذا كان أهل الكتاب يفرحون بالوحي، فأولياء الله وأتباعُ رسوله أحقُّ بالفرح به.
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤].
وقال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨].
_________________
(١) جمع مِصْلاة. قال أبو عبيد في غريب الحديث (٣/ ٣٩٦): هي شبيه بالشرَك ينصب للطير وغيرها.
(٢) كذا في جميع النسخ. وفي مصادر التخريج: «واتباع الهوى».
(٣) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٥٥٣)، والخرائطي في اعتلال القلوب (٦٩). وانظر: السلسلة الضعيفة (٢٤٦٣).
[ ٢ / ٦٩٤ ]
قال أبو سعيد الخُدريُّ: فضلُ الله: القرآن. ورحمتُه: أن جعلكم من أهله (^١).
وقال هلال بن يَسَاف: فضلُ الله ورحمته: الإسلامُ الذي هداكم إليه، والقرآنُ الذي علَّمكم، وهو خيرٌ من الذهب والفضة الذي تجمعون (^٢).
وقال ابن عباس والحسن وقتادة [١٦٤ ب] وجمهور المفسرين: فضل الله الإسلام. ورحمته القرآن (^٣).
فهذا فرحُ القلب، وهو من الإيمان ويثابُ عليه العبد، فإن فرحَه به يدل على رضاه به، بل هو فوق الرِّضا. فالفرحُ بذلك على قدر محبته، فإنَّ الفرح إنما يكون بالظفر بالمحبوب، وعلى قدر محبته يفرح بحصوله له. فالفرحُ بالله وأسمائه وصفاته ورسوله وسنَّته وكلامه: محضُ الإيمان وصَفوُه ولبُّه، وله عبودية عجيبة وأثر في القلب لا يعبَّر عنه.
فابتهاجُ القلب وسرورُه وفرحُه بالله وأسمائه وصفاته وكلامه ورسوله ولقائه أفضلُ ما يُعطاه، بل هو أجلُّ عطاياه. والفرحُ في الآخرة بالله ولقائه بحسَب الفرح به ومحبته في الدنيا. فالفرحُ بالوصول إلى المحبوب يكون على حَسَب قوة المحبة وضعفها. فهذا شأن فرح القلب.
وله فرحٌ آخر، وهو فرحُه بما منَّ الله به عليه من معاملته والإخلاص له والتوكُّل عليه والثقة به وخوفه ورجائه. وكلما تمكَّن في ذلك قوِيَ فرحُه وابتهاجُه.
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره (١٥/ ١٠٦).
(٢) أخرجه الطبري (١٥/ ١٠٦).
(٣) المصدر السابق (١٥/ ١٠٧).
[ ٢ / ٦٩٥ ]
وله فرحةٌ أخرى عظيمةُ الوقع عجيبةُ الشأن. وهي الفرحة التي تحصل له بالتوبة، فإنَّ لها فرحةً عجيبة لا نسبةَ لفرحةِ المعصية إليها البتة. فلو علم العاصي أنَّ لذةَ التوبة وفرحتَها تزيد على لذةِ المعصية وفرحتِها أضعافًا مضاعفةً لَبادرَ إليها أعظم من مبادرته إلى لذة المعصية.
وسرُّ هذا الفرح إنما يعلَمُه مَن عَلِمَ سرَّ فرح الربِّ تعالى بتوبة عبده أشدَّ فرح يقدَّر. ولقد ضرَب له رسول الله - ﷺ - مثلًا ليس في أنواع الفرح في الدنيا أعظم منه، وهو فرحُ رجلٍ قد خرج براحلته التي عليها طعامه وشرابه في سفر، ففقدها في أرض دَوِّيَّة (^١) مَهْلَكة، فاجتهد في طلبها فلم يجدها، فيئس منها، فجلس ينتظر الموت، حتى إذا طَلَع البدرُ رأى في ضوئه راحلَته وقد تعلَّق زمامُها بشجرة، فقال من شدة فرحه: اللهم أنت عبدي وأنا ربُّك. أخطأ من شدَّة الفرح، فالله أفرَحُ بتوبة عبده [١٦٥ أ] من هذا براحلته (^٢).
فلا ينكَر أن يحصل للتائب نصيب وافرٌ من الفرح بالتوبة، ولكن هاهنا أمرٌ يجب التنبيه عليه، وهو أنه لا يصل إلى ذلك إلا بعد تَرحاتٍ ومضَضٍ ومِحَن لا تثبتُ لها الجبال، فإن صبَر لها ظفِر بلذة الفرح، وإن ضعُف عن حملها ولم يصبر لها لم يظفر بشيء. وآخرُ أمره فواتُ ما آثره من فرحة المعصية ولذتها، فيفوته الأمران، ويحصلُ على ضدِّ اللذة من الألم المركَّب من وجود المؤذي وفوت المحبوب، فالحكم لله العلي الكبير.
_________________
(١) (ن): «داوية»، وكلاهما بمعنى الفلاة.
(٢) أخرجه البخاري عن ابن مسعود (٦٣٠٨) وعن أنس (٦٣٠٩)، ومسلم عن ابن مسعود (٢٧٤٤) والبراء (٢٧٤٦) وأنس (٢٧٤٧) وغيرهم.
[ ٢ / ٦٩٦ ]
فصل: فرح أعظم مما ذكر كله
فصل
وهاهنا فرحةٌ أعظمُ من هذا كلِّه. وهي فرحته عند مفارقته الدنيا إلى الله، إذا أرسَلَ إليه الملائكةَ، فبشَّروه بلقائه، وقال له ملك الموت: اخرجي أيتها الروح الطيبة كانت في الجسد الطيب، أبشِري برَوح وريحان وربٍّ غير غضبان، اخرجي راضية مرضيًّا عنك ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧
_________________
(١) ٣٠]. فلو لم يكن بين يدي التائب إلا هذه الفرحة وحدها لكان العقل يأمره بإيثارها، فكيف ومِن بعدها أنواعٌ من الفرح! منها صلاةُ الملائكة الذين بين السماء والأرض على روحِه. ومنها فتحُ أبواب السماء لها، وصلاةُ ملائكة السماء عليها، وتشييعُ مقرَّبيها لها إلى السماء الثانية فتُفتَح لها، ويصلِّي عليها أهلُها، ويشيِّعُها مقرَّبوها هكذا إلى السماء السابعة. فكيف يقدَّر فرحُها وقد استؤذن لها على ربِّها ووليِّها وحبيبها، فوقفتْ بين يديه، وأذِنَ لها بالسجود فسجدَتْ، ثم سمعَتْه سبحانه يقول: اكتبوا كتابه في علِّيين. ثم يُذهب به، فيرى الجنةَ ومقعدَه فيها وما أعدَّ الله له، ويلقَى أصحابه وأهله فيستبشرون به ويفرحون به، ويفرح بهم فرحَ الغائب يقدَم على أهله، فيجدهم على أحسن حال، ويقدَم عليهم بخيرِ ما قدم به مسافر. هذا كلُّه قبل الفرح الأكبر يومَ حشرِ الأجساد، بجلوسه في ظل العرش، وشُربِه من الحوض، وأخذِه كتابَه بيمينه، وثقَلِ ميزانه، وبياضِ وجهه، وإعطائه النورَ التامَّ، والناسُ في الظلمة؛ وقطعِه جسرَ جهنم بلا تعويق، وانتهائه إلى باب الجنَّة وقد أُزلفت له في الموقف، وتلقِّي خَزَنتها له بالترحيب والسلام والبشارة، وقدومه على منازله وقصوره وأزواجه وسراريِّه.
[ ٢ / ٦٩٧ ]
فصل: الفرق بين رقة القلب والجزع
وبعد ذلك فرحٌ آخر لا يُقدَّر ولا يُعبَّر عنه، تتلاشى هذه الأفراح كلُّها عنده، وإنما يكون لأهل السنَّة المصَدِّقين برؤية وجه ربهم ﵎ من فوقهم، وسلامه عليهم، وتكليمه إياهم ومحاضرته لهم (^١):
وليست هذه الفرَحاتُ إلَّا لذي التَّرَحاتِ في دار الرزايا
فشمِّر ما استطعت الساقَ واجهَدْ لعلَّكَ أن تفوزَ بذي العطايا
وصُمْ عن لذَّة حُشِيَتْ بلاءً لِلذَّاتٍ خلَصْن من البلايا
ودَعْ أمنيَّةً إن لم تَنَلْها تعذَّبْ أو تُنَلْ كانت منايا (^٢)
ولا تَستَبْطِ وعدًا من رسولٍ أتى بالحقِّ من ربِّ البرايا
فهذا الوعدُ أدنى من نعيمٍ مضى بالأمس لو وُفِّقْتَ رَايا
فصل
والفرق بين رِقَّة القلب والجزَع: أنَّ الجزَع ضعفٌ في النفس وخوفٌ (^٣)
_________________
(١) في (ز، ن): «محاضرتهم له»، وهو غلط. والمصنف يشير إلى الحديث الذي أخرجه الترمذي (٢٥٤٩) وابن ماجه (٤٣٣٦) عن أبي هريرة. وفيه: «ولا يبقى في ذلك المجلس أحد إلا حاضره الله محاضرةً حتى يقول: يا فلان بن فلان، أتذكر يوم فعلت كذا وكذا؟». انظر الحديث وكلام المصنف عليه في حادي الأرواح (٥٧١ ــ ٥٧٣) وتخريج محققه له (١٧٧). وانظر: الكافية الشافية (١٠٢١). وفي (غ) زيادة بعده: «وبهذا قال الشاعر». وفي (ب) مكانه: «كما قال». ولم أقف على الأبيات، ولعلها للمصنف ﵀.
(٢) في الأصل: «تعدت» مكان «تعذَّب». وكذا في (غ). وفي (ق) لم ينقط. والمثبت من غيرها.
(٣) (ب، ج): «خور».
[ ٢ / ٦٩٨ ]
في القلب، يمدُّه شدة الطمع والحرص، ويتولَّد من ضعف الإيمان بالقدر؛ وإلا فمتى عُلِم أن المقدَّر (^١) كائنٌ ولابدَّ كان الجزع عناءً محضًا ومصيبة ثانية. قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٢، ٢٣]. فمتى آمن العبدُ بالقدر، وعلم أنَّ المصيبة مقدَّرةٌ في الحاصل والغائب؛ لم يجزع، ولم يفرح.
ولا ينافي هذا رقَّةَ القلب، فإنها ناشئةٌ من صفة الرحمة التي هي كمال. والله إنما يرحم من عباده الرحماءَ (^٢). وقد كان رسول الله - ﷺ - أرقَّ الناس قلبًا، وأبعدَهم من [١٦٦ أ] الجزع. فرقَّةُ القلب رحمة ورأفة، وجزَعُه مرض وضعف.
فالجزع حال قلبٍ مريضٍ بالدنيا، قد غشِيَه دخانُ النفس الأمَّارة، فأخذ بأنفاسه، وضيَّق عليه مسالكَ الآخرة، وصار في سجن الهوى والنفس، وهو سجنٌ ضيِّق الأرجاء مظلمُ المسالك؛ فلانحصار القلب وضيقه يجزع من أدنى ما يصيبه ولا يحتمله. فإذا أشرق فيه نور الإيمان واليقين بالوعد، وامتلأ من محبة الله وإجلالِه= رَقَّ، وصارت فيه الرأفةُ والرحمة. فتراه رحيمًا رقيق القلب بكلِّ ذي قُربى ومسلمٍ، يرحم النملةَ في جُحرها، والطيرَ في وكرها، فضلًا عن بني جنسه. فهذا أقربُ القلوب من الله تعالى.
_________________
(١) (ز، ن): «المقدور». (ب، ج، ط): «القدر».
(٢) أخرجه البخاري (١٢٨٤) من حديث أسامة بن زيد.
[ ٢ / ٦٩٩ ]
قال أنس: كان رسول الله - ﷺ - أرحمَ الناسِ بالعيال (^١).
والله سبحانه إذا أراد أن يرحم عبدًا أسكن في قلبه الرأفة والرحمة، وإذا أراد أن يعذِّبه نزع من قلبه الرحمة والرأفة، وأبدله بهما الغلظة والقسوة.
وفي الحديث الثابت: «لا تُنزَع الرحمة إلا من شقي» (^٢).
وفيه: «من لا يرحم لا يُرحم» (^٣).
وفيه: «ارحموا مَن في الأرض يرحمْكم مَن في السماء» (^٤).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٣١٦).
(٢) أخرجه أبو داود (٤٩٤٢)، والترمذي (١٩٢٤)، والإمام أحمد (٨٠٠١، ٩٧٠٢، ١٠٩٥١)، والبخاري في الأدب المفرد (٣٧٤)، وأبو يعلى (٦١٤١)، وابن حبان (٤٦٢، ٤٦٦)، والحاكم (٤/ ٢٤٨) من طريق منصور بن المعتمر، عن أبي عثمان مولى المغيرة بن شعبة، عن أبي هريرة. وحسَّنه الترمذي، وصحَّحه الحاكم. (قالمي)
(٣) أخرجه البخاري (٥٩٩٧، ٦٠١٣) ومسلم (٢٣١٨، ٢٣١٩) عن أبي هريرة، وعن جابر بن عبد الله.
(٤) أخرجه أبو داود (٤٩٤١)، والترمذي (١٩٢٤)، والإمام أحمد (٦٤٩٤)، وابن المبارك في المسند (٢٧٠)، وابن أبي شيبة (٢٥٣٥٥)، والحميدي (٥٩١)، والحاكم (٤/ ١٥٩) من طرق عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي قابوس، عن عبد الله بن عمرو. وصحَّحه الترمذي والحاكم، وحسَّنه الحافظ ابن حجر في الإمتاع بالأربعين المتباينة السماع (ص ١٦). وفيه أبو قابوس مولى عبد الله بن عمرو، قال الذهبي في الميزان (٤/ ٥٦٣): «لا يعرف، تفرد عنه عمرو بن دينار». وقال الحافظ السخاوي في المقاصد الحسنة (٨٨) بعد نقل تصحيح الترمذي والحاكم له: «وكان ذلك باعتبار ما له من المتابعات والشواهد وإلا فأبو قابوس لم يرو عنه سوى ابن دينار، ولم يوثقه سوى ابن حبان ــ يعني في ثقاته (٥/ ٥٨٨) ــ على قاعدته في توثيق من لم يجرح» اهـ. (قالمي)
[ ٢ / ٧٠٠ ]
وفيه: «أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مُقِسط متصدِّق، ورجل رحيم رقيق القلب بكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفِّف ذو عيال» (^١).
والصدِّيقُ إنما فَضَلَ الأمَّةَ (^٢) بما كان في قلبه من الرحمة العامة زيادةً على الصدِّيقيَّة، ولهذا ظهر (^٣) أثرُها في جميع مقاماته، حتى في الأسارى يوم بدر، واستقرَّ الأمر على ما أشار به (^٤). وضرَب له النبي - ﷺ - مثلًا بعيسى وإبراهيم (^٥).
_________________
(١) جزء من حديث طويل أخرجه مسلم (٢٨٦٥) عن عياض بن حمار المجاشعي.
(٢) (ط): «هذه الأمة».
(٣) في الأصل: «اظهر»، ولعله سهو. وكذا في (ق).
(٤) انظر حديث عمر في صحيح مسلم (١٧٦٣).
(٥) أخرجه الإمام أحمد (٣٦٣٢)، وابن أبي شيبة (٣٧٨٤٥)، وابن جرير الطبري في تفسيره (١١/ ٢٧٣ ــ ٢٧٤) من طريق أبي معاوية محمد بن خازم، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، قال: لما كان يوم بدر قال رسول الله - ﷺ -: «ما تقولون في هؤلاء الأسرى» الحديث. وفيه: «إنَّ مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم ﵇، قال: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦]، ومثلك يا أبا بكر كمثل عيسى، قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]». وأخرجه أبو يعلى (٥١٨٧)، والطبراني في الكبير (١٠٢٥٨، ١٠٢٥٩)، والحاكم (٣/ ٢١ - ٢٢) من طرق أخرى عن الأعمش به، بنحوه. وقال الحاكم: «صحيح الإسناد». كذا قال! وفيه نظر؛ لأن رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه مرسلة على الصحيح. ولما أخرج الترمذي (١٧١٤) الحديث من طريق أبي معاوية به، مقتصرًا على طرفه الأول، قال: «وهذا حديث حسن وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه». وإنما حسَّنه لما له من الشواهد التي أشار إليها بقوله: «وفي الباب عن عمر، وأبي أيوب، وأنس، وأبي هريرة». ثم وجدت لبعضه شاهدًا من حديث ابن عباس ﵄. أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١٤٢٤)، وابن عدي في الكامل (٣/ ١٧١)، وأبو الشيخ في الأمثال (٣١٠)، واللالكائي في أصول الاعتقاد (٢٥١٣)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٠٤). وفيه سعيد بن عجلان ذكره ابن حبان في الثقات (٦/ ٣٦٠) وقال: «يخطئ ويخالف». ورباح بن أبي معروف مختلف فيه وهو إلى الضعف أقرب. (انظر: تهذيب التهذيب ٣/ ٢٠٤) على أن ابن عدي أورد له جملة أحاديث منها حديثه هذا ثم ختم ترجمته بقوله: «ولرباح أحاديث غير ما ذكرت وما أرى برواياته بأسًا ولم أجد له حديثًا منكرًا». وله شاهد آخر عن أمّ سلمة ﵂، أخرجه الطبراني في معجمه الكبير (٧١٥) ج (٢٣) وفي سنده ضعف. وبالجملة فالحديث بهذه الشواهد يرتقي إلى الحسن والله أعلم. (قالمي).
[ ٢ / ٧٠١ ]
فصل: الفرق بين الموجدة والحقد
والربُّ سبحانه هو الرؤوف الرحيم، وأقربُ الخلق إليه أعظمُهم رأفة ورحمة، كما أن أبعدهم منه من اتَّصف بضدِّ صفاته. وهذا باب لا يلِجُه إلا أفرادٌ في العالم.
فصل
والفرق بين الموجِدة والحقد: أنَّ الوَجْد الإحساسُ بالمؤلم، والعلمُ به، وتحرُّك النفس في دفعه؛ فهو كمال. وأما الحقد فهو إضمارُ الشرِّ، وتوقُّعه كلَّ وقت فيمن وجَدْتَ عليه، فلا يزايلُ القلبَ أثرُه.
وفرق آخر، وهو أنَّ الموجدةَ لما ينالك منه، [١٦٦ ب] والحقدَ لما يناله
[ ٢ / ٧٠٢ ]
فصل: الفرق بين المنافسة والحسد
منك. فالموجدةُ وجودُ ما نالك من أذاه، والحقدُ توقُّعُ وجودِ ما يناله من المقابلة. فالموجدة سريعة الزوال، والحقد بطيء الزوال. والحقد يجيء مع ضيقِ القلب واستيلاءِ ظلمةِ النفس ودخانِها عليه، بخلاف الموجدة فإنها تكون مع قوته وصلابته وقوة نوره وإحساسه.
فصل
والفرق بين المنافسة والحسد: أنَّ المنافسةَ المبادرةُ إلى الكمال الذي تشاهدُه من غيرك، فتنافسُه فيه، حتى تلحقَه أو تجاوزَه. فهي من شرف النفس وعلوِّ الهمة وكبر القَدْر. قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦].
وأصلها من الشيء النفيس الذي تتعلَّقُ به النفوس طلبًا ورغبةً، فتنافسُ فيه كلٌّ من النَفْسين الأخرى، وربما فرحت إذا شاركتها فيه، كما كان أصحاب رسول الله - ﷺ - يتنافسون في الخير، ويفرحُ بعضُهم ببعض باشتراكهم فيه، بل يحضُّ بعضُهم بعضًا عليه مع تنافسهم فيه. وهي نوع من المسابقة، وقد قال تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]، وقال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد: ٢١].
وكان عمر بن الخطاب يُسابق أبا بكر فلم يظفَرْ بسَبْقهِ أبدًا. فلما علم أنه قد استولى على الأمَد (^١) قال: والله لا أسابقُك إلى شيء أبدًا (^٢)! وقال: والله
_________________
(١) في الأصل: «الأمة»، وكذا في (ق، ط). والصواب ما أثبتنا من غيرها. وفي النسخ المطبوعة: «الإمامة»، أرادوا الإصلاح فأفسدوا.
(٢) أخرجه أبو داود (١٦٨٠) من حديث عمر.
[ ٢ / ٧٠٣ ]
ما سابقتُه إلى خيرٍ إلا وجدتُه قد سبقني إليه (^١).
والمتنافسان كعبدين بين يدي سيِّدهما يتباريان ويتنافسان في مَرْضاته، ويتسابقان إلى محابِّه، فسيِّدُهما يُعجبه ذلك منهما ويُحثُّهما عليه، وكلٌّ منهما يحبُّ الآخر ويحرِّضُه على مرضاة سيده.
والحسدُ خلُقُ نفسٍ ذميمةٍ وضيعةٍ ساقطةٍ، ليس فيها حرصٌ على الخير. فلعجزها ومهانتها تحسد من يكسب الخيرَ والمحامدَ ويفوز بها دونها، وتتمنى أن لو فاته كسبُها حتى يساويها في العُدْم، كما قال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء: ٨٩]. وقال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩].
فالحَسودُ عدوُّ النعمة، متمَنٍّ (^٢) زوالَها عن المحسود كما زالت عنه هو. والمنافسُ سابقُ (^٣) النعمة، متمنٍّ تمامَها عليه وعلى من ينافسه. فهو ينافس غيرَه أن يعلو (^٤) عليه، ويحبُّ لحاقَه به أو مجاوزته له في الفضل. والحسود يحبُّ انحطاطَ غيره حتى يساويَه في النقصان. وأكثرُ النفوس الفاضلة الخيِّرة تنتفع بالمنافسة، فمَن جعل نُصْبَ عينيه شخصًا من أهل الفضل والسبق فنافسه انتفع به كثيرًا، فإنه يتشبَّه به، ويطلب اللحاق به والتقدُّمَ عليه. وهذا لا
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند (١٧٥) عن عمر.
(٢) في (ب، ج، غ): «يتمنى» هنا وفيما يأتي.
(٣) كذا في الأصل وغيره. وفي (ن): «سائق». وفي النسخ المطبوعة: «مسابق».
(٤) (ط): «ليعلو». وفي (ب، ج): «ويعلو».
[ ٢ / ٧٠٤ ]
فصل: الفرق بين حب الرياسة وحب الإمامة للدعوة إلى الله
نذمُّه (^١).
وقد يطلق اسم الحسد على المنافسة المحمودة، كما في الصحيح عن النبي - ﷺ -: «لا حسدَ إلا في اثنتين: رجلٌ آتاه الله القرآن، فهو يقوم به آناءَ الليل وأطرافَ النهار. ورجل آتاه الله مالًا، فسلَّطه على هَلَكتِه في الحقِّ» (^٢). فهذا حسدُ منافسة وغبطة يدل على علوِّ همة صاحبه، وكبرِ نفسِه، وطلِبها للتشبُّه بأهل الفضل.
فصل
والفرق بين حبِّ الرياسة، وحبِّ الإمامة (^٣) للدعوة إلى الله، هو الفرق بين تعظيم أمرِ الله والنصحِ له، وتعظيم النفس والسعي في حظها.
فإنَّ الناصحَ لله المعظِّمَ له المحبَّ له يحِبُّ أن يطاع ربُّه فلا يُعصَى، وأن تكون كلمتُه (^٤) العليا، وأن يكونَ الدين كلُّه لله، وأن يكون العبادُ ممتثلين أوامرَه مجتنبين نواهيَه. فقد (^٥) ناصحَ اللهَ في عبوديته، وناصحَ خلقَه في الدعوة إلى الله، فهو يحبُّ الإمامة في الدِّين (^٦)، بل يسأل ربه أن يجعله للمتقين إمامًا يقتدي به المتقون، كما اقتدى هو بالمتقين. فإذا أحبَّ هذا
_________________
(١) ما عدا (أ، ق، غ): «لا يذم».
(٢) سبق تخريجه.
(٣) في (ق، ن): «الأمانة». وفي النسخ المطبوعة: «الإمارة». وكلاهما تحريف.
(٤) زاد الناشرون بعدها: «هي».
(٥) كذا في جميع النسخ. ولا يبعد أن يكون صوابه: «فهو»، ويكون «ناصح» اسمًا مرفوعًا مضافًا إلى لفظ الجلالة.
(٦) في (ق، ن): «الأمانة» كالسابق. وفي (ب، ج): «الإمامة في الهدى».
[ ٢ / ٧٠٥ ]
العبدُ الداعي إلى الله أن يكون في أعين الناس جليلًا، وفي قلوبهم مَهيبًا، وإليهم حبيبًا؛ وأن يكون فيهم مطاعًا، لكي يأتمُّوا به، ويقتفوا أثر الرسول على يده= لم يضرَّه ذلك، بل يُحمَد عليه؛ لأنه داعٍ إلى الله يُحِبُّ أن يطاع (^١) ويعبَد ويوحَّد؛ فهو يحب ما يكون عونًا على ذلك موصلًا [١٦٧ ب] إليه.
ولهذا ذكر سبحانه عبادَه الذين اختصَّهم لنفسه، وأثنى عليهم في تنزيله، وأحسن جزاءهم يوم لقائه= فذكرهم بأحسنِ أعمالهم وأوصافهم، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤]. فسألوه أن يُقِرَّ أعينَهم بطاعة أزواجهم وذرِّياتهم له سبحانه، وأن يَسُرَّ قلوبَهم باتباع المتقين له على طاعته وعبوديته. فإنَّ الإمامَ والمؤتمَّ متعاونان على الطاعة، فإنما سألوه ما يعاونون به المتقين على مرضاته وطاعته، وهو دعوتهم إلى الله بالإمامة في الدين التي أساسُها الصبر واليقين، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤].
فسؤالهم أن يجعلهم أئمةً للمتقين هو سؤالُ أن يهديَهم ويوفِّقهم، ويمنَّ عليهم بالعلوم النافعة، والأعمالِ الصالحة ظاهرًا وباطنًا التي لا تتم الإمامة إلا بها.
وتأمَّلْ كيف نسبهم في هذه الآيات إلى اسمه الرحمن ﷻ (^٢)، ليعلم خلقه أن هذا إنما نالوه بفضلِ رحمته ومحضِ جُوده ومنَّته! وتأمَّلْ
_________________
(١) زاد في (ط) بعده: «ويحمد».
(٢) يعني قوله تعالى في سورة الفرقان: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾.
[ ٢ / ٧٠٦ ]
فصل: الفرق بين الحب في الله والحب مع الله، وهذا من أهم الفروق
كيف جعل جزاءهم في هذه السورة الغُرَف، وهي المنازلُ العالية في الجنة! لمَّا كانت الإمامة في الدين من الرُّتَب العالية، بل من أعلى مرتبة يعطاها العبدُ في الدنيا، كان جزاؤه عليها الغرفة العالية في الجنة.
وهذا بخلاف طلب الرياسة، فإنَّ طلَّابها يسعَون في تحصيلها لينالوا بها أغراضهم من العلوِّ في الأرض، وتعبُّدِ القلوب لهم، وميلِها إليهم، ومساعدتِهم لهم على جميع أغراضهم؛ مع كونهم عالين عليهم قاهرين لهم. فترتَّب على هذا الطلب من المفاسد ما لا يعلمه إلا الله، من البغي والحسد والطغيان والحقد والظلم والفتنة، والحميَّةِ للنفس [١٦٨ أ] دون حقِّ الله، وتعظيمِ مَن حقّره الله، واحتقارِ مَن أكرمه الله. ولا تتمُّ الرياسة الدنيوية إلا بذلك، ولا تُنال إلا به وبأضعافه من المفاسد.
والرؤساءُ في عمًى عن هذا، فإذا كُشِف الغطاء تبيَّن لهم فسادُ ما كانوا عليه، ولاسيَّما إذا حُشروا في صور الذرِّ يطؤهم أهلُ الموقف (^١) بأرجلهم إهانةً لهم وتحقيرًا وتصغيرًا، كما صغَّروا أمر الله وحقَّروا عباده.
فصل
والفرقُ بين الحبِّ في الله والحبِّ مع الله. وهذا من أهمِّ الفروق، وكلُّ أحد محتاج بل مضطرٌّ إلى الفرق بين هذا وهذا. فالحبُّ في الله هو من كمالِ
_________________
(١) يشير إلى ما رواه البزَّار (كشف الأستار ــ ٤/ ١٥٥) عن جابر عن النبي - ﷺ - أنه قال: «يبعث الله يوم القيامة ناسًا في صور الذر، يطؤهم الناس بأقدامهم، فيقال: ما هؤلاء في صور الذر؟ فيقال: هؤلاء المتكبرون في الدنيا». قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٦٠٤): وفيه القاسم بن عبد الله العمري، وهو متروك.
[ ٢ / ٧٠٧ ]
الإيمان، والحبُّ مع الله هو عين الشرك (^١).
والفرقُ بينهما: أن الحبَّ في الله تابع لمحبة الله، فإذا تمكنت محبتُه من قلب العبد أوجبَت تلك المحبةُ أن يحبَّ ما يحبُّه الله، فإذا أحبَّ ما أحبَّه ربُّه ووليُّه كان ذلك الحبُّ له وفيه، كما يحبُّ رسلَه وأنبياءه وملائكته وأولياءه لكونه تعالى يحبهم، ويُبغض من يُبغضه لكونه تعالى يبغضه.
وعلامة هذا الحبِّ والبغض في الله: أنه لا ينقلب بغضُه لبغيضِ الله حبًّا لإحسانه إليه، وخدمته له، وقضاءِ حوائجه. ولا ينقلب حبُّه لحبيب الله بغضًا إذا وصل إليه من جهته ما يكرههُ ويُؤلمه، إما خطَأً وإما عمدًا، مطيعًا لله فيه، أو متأوِّلًا ومجتهدًا (^٢)، أو باغيًا نازعًا تائبًا.
والدين كلُّه يدور على أربع قواعد: حبٌّ وبغضٌ، ويترتب عليهما فعلٌ وتركٌ. فمن كان حبُّه وبغضُه، وفعلُه وتركُه لله فقد استكمل الإيمان، بحيث إذا أحبَّ أحبَّ لله، وإذا أبغضَ أبغضَ لله، وإذا فعَل فعَل لله، وإذا ترَك ترَك لله. وما نقَص من إضافة هذه الأربعة إلى الله نقَص من إيمانه ودينه بحسَبه (^٣).
وهذا بخلاف الحبِّ مع الله، فهو نوعان: نوع يقدح في أصل التوحيد، وهو شرك. ونوع يقدح في كمال الإخلاص [١٦٨ ب] ومحبة الله، ولا يُخرِج
_________________
(١) وانظر: الداء والدواء (٤٤٣).
(٢) ما عدا (أ، ق، غ): «متأولًا مجتهدًا»، بحذف الواو. وفي النسخ المطبوعة: «أو» موضع الواو.
(٣) وانظر: إغاثة اللهفان (٢/ ١٢٤)، وشفاء العليل (١٦٩). ومبنى كلامه على ما رواه أبو داود (٤٦٨٣) وغيره عن أبي أمامة أن النبي - ﷺ - قال: «من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله، فقد استكمل الإيمان». وتخريجه في الداء والدواء (٤٤٢).
[ ٢ / ٧٠٨ ]
من الإسلام.
فالأول كمحبة المشركين لأوثانهم وأندادهم. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. فهؤلاء المشركون يحبون أوثانَهم وأصنامَهم وآلهتهم مع الله كما يحبون الله تعالى، فهذه محبةُ تألُّهٍ وموالاةٍ، يتبعها الخوف والرجاء والعبادة والدعاء. وهذه المحبة هي محضُ الشرك الذي لا يغفره الله، ولا يتمُّ الإيمانُ إلا بمعاداة هذه الأنداد وشِدَّة بغضِها وبغضِ أهلها ومعاداتِهم ومحاربتهم.
وبذلك أرسَلَ الله جميعَ رسله، وأنزل جميع كتبه، وخلق النارَ لأهل هذه المحبة الشِّركية، وخلق الجنةَ لمن حارب أهلَها وعاداهم فيه وفي مرضاته. فكلُّ مَن عبد شيئًا من لدن عرشه إلى قرار أرضه، فقد اتخذ من دونه (^١) إلاهًا ووليًّا، وأشرك به ــ كائنًا ذلك المعبود ما كان ــ ولا بدَّ أن يتبرَّأ منه أحوجَ ما كان إليه.
والنوع الثاني: محبةُ ما زيَّنه الله سبحانه للنفوس من النساء والبنين والذهب والفضة والخيل المسوَّمة والأنعام والحرث، فيحبها محبةَ شهوة كمحبة الجائع للطعام والظمآن للماء. فهذه (^٢) المحبة ثلاثة أنواع:
فإن أحبَّها لله توصُّلًا بها إليه، واستعانةً على مرضاته وطاعته؛ أُثيب عليها وكانت من قِسْم الحبِّ لله، فيثاب عليها، ويلتذُّ بالتمتع بها. وهذا حال
_________________
(١) في النسخ المطبوعة: «من دون الله».
(٢) كذا بالفاء في جميع النسخ. ومقتضى السياق: «وهذه».
[ ٢ / ٧٠٩ ]
أكمل الخلق الذي حُبِّب إليه من الدنيا: النساءُ والطيب (^١)، وكانت محبتُه لهما عونًا له على محبة الله وتبليغِ رسالاته والقيام بأمره.
وإن أحبَّها لموافقة طبعه وهواه وإرادته، ولم يؤثِرها على ما يحبه الله ويرضاه، بل نالها بحكم الميل الطبيعي، كانت من قسم المباحات، ولم يعاقَبْ على ذلك، ولكن ينقصُ من كمال محبته لله والمحبة فيه.
وإن كانت هي مقصودَه ومرادَه، وسعيُه في تحصيلها والظفر بها، وقدَّمها على ما يحبُّه الله ويرضاه منه= كان ظالمًا لنفسه، [١٦٩ أ] متَّبعًا لهواه.
فالأولى: محبة السابقين.
والثانية: محبة المقتصدين.
والثالثة: محبة الظالمين.
فتأمَّلْ هذا الموضع وما فيه من الجمع والفرق، فإنه معترَك النفس الأمَّارة والمطمئنة، والمهديُّ من هداه الله.
فصل
والفرق بين التوكُّل والعجز: أن التوكل عملُ القلب وعبوديتُه اعتمادًا على الله، وثقةً به، والتجاءً إليه، وتفويضًا إليه، ورضًا بما يقضيه له؛ لعلمه
_________________
(١) أخرجه النسائي (٣٩٤٩، ٣٩٥٠)، والإمام أحمد (١٢٢٩٣، ١٢٢٩٤)، وأبو عوانة (٤٠٢٠، ٤٠٢١)، وأبو يعلى (٣٥٣٠)، وابن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة (٣٢٢)، والحاكم (٢/ ١٦٠) من حديث أنس ﵁، وزاد: «وجُعل قرة عيني في الصلاة». وصححه الحاكم على شرط مسلم، وقال العراقي في المغني: «إسناده جيد». وقال الحافظ في التلخيص (٣/ ١١٦): «إسناده حسن». (قالمي).
[ ٢ / ٧١٠ ]
فصل: الفرق بين التوكل والعجز
بكفايته سبحانه وحسنِ اختياره لعبده إذا فوَّض إليه مع قيامه بالأسباب المأمورِ بها واجتهادِه في تحصيلها. فقد كان رسول الله - ﷺ - أعظمَ المتوكلين على الله، وكان يلبس لأمتَه ودرعَه، بل ظاهَرَ يوم أحُد بين درعين (^١). واختفى في الغار ثلاثًا (^٢). فكان متوكلًا في السبب، لا على السبب.
وأما العجز، فهو تعطيل الأمرين أو أحدِهما. فإما أن يعطِّل السبب عجزًا عنه، ويزعمَ أن ذلك توكلٌّ. ولعمرُ الله، إنه لَعجز وتفريط. وإما أن يقوم بالسبب ناظرًا إليه معتمِدًا عليه، غافلًا عن المسبِّب معرِضًا عنه. وإن خطر بباله لم يثبُت معه ذلك الخاطر، ولم يعلَقْ (^٣) قلبُه به تعلُّقًا تامًّا بحيث يكون قلبه مع الله، وبدنُه مع السبب. فهذا توكُّلُه عجز، وعجزُه توكُّل.
وهذا موضع انقسم الناس فيه طرفَين ووسَطًا: فأحدُ الطرفين عطَّل الأسباب محافظةً على التوكل، والثاني عطل التوكُّل محافظةً على السبب، والوسطُ عَلِم أن حقيقة التوكُّل لا تتم إلا بالقيام بالسبب، فتوكَّلَ على الله في نفس السبب.
وأما من عطَّل السبب وزعم أنه متوكلٌ، فهو مغرور مخدوع مُتمَنٍّ، كمن عطَّل النكاحَ والتسرِّي وتوكَّل في حصول الولد، وعطَّل الحرثَ والبَذْر وتوكَّل في حصول الزرع، وعطَّل الأكلَ والشربَ وتوكَّل في حصول الشِّبَع
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد (١٥٧٢٢)، وابن ماجه (٢٨٠٦)، والترمذي في الشمائل (١٠٤)، والنسائي في الكبرى (٨٥٨٣) من حديث السائب بن يزيد. وإسناده صحيح. (قالمي).
(٢) انظر حديث الهجرة الذي أخرجه البخاري (٣٩٠٥) عن عائشة ﵂.
(٣) كذا في جميع النسخ، وهو جائز، ولكني أخشى أن يكون الأصل: «ولم يتعلَّقْ».
[ ٢ / ٧١١ ]
والري. فالتوكلُ نظير الرجاء، والعجزُ نظير التمنِّي.
فحقيقة [١٦٩ ب] التوكل أن يتخذ العبد ربَّه وكيلًا له، قد فوَّض إليه كما يفوِّضُ الموكِّلُ (^١) إلى وكيله العالمِ بكفايته ونهضته، ونصحه وأمانته، وخِبرته وحسن اختياره. والربُّ سبحانه قد أمَر عبدَه بالاحتيال، وتوكَّلَ له بأن يستخرجَ له من حيلته ما يُصلِحه، فأمَره أن يحرث ويبذُر ويسعى، ويطلب رزقَه في ضمن ذلك، كما قدَّره سبحانه ودبَّره واقتضته حكمته. وأمَره أن لا يُعلِّق قلبه بغيره، بل يجعلَ رجاءه له، وخوفه منه، وثقته به، وتوكُّله عليه. وأخبره سبحانه أنه الملِيُّ (^٢) بالوكالة، الوفيِّ بالكفالة.
فالعاجزُ من رمى هذا كلَّه وراء ظهره، وقعد كسلانَ طالبًا للراحة مُؤثرًا للدَّعة. يقول: الرزقُ يطلب صاحبَه كما يطلبه أجلُه، وسيأتيني ما قُدِّر لي على ضعفي، ولن أنال ما لم يقدَّر لي مع قوتي. ولو أني هربت من رزقي كما أهربُ من الموت للحقني. فيقال له: نعم، هذا كلُّه حقٌّ. وقد علمتَ أن الرزقَ مقدَّر، فما يدريك كيف قدِّر لك: بسعيك أم بسعي غيرك؟ وإذا كان بسعيك؟ فبأيِّ سبب، ومن أي جهة؟ وإذا خفيَ عليك هذا كلُّه، فمِن أين علمتَ أنه يقدَّر لك إتيانه عفوًا بلا سعي ولا كدٍّ؟ فكم من شيء سعيتَ فيه، فقُدِّر لغيرك رزقًا! وكم من شيء سعَى فيه غيرُك، فقُدِّر لك رزقًا، فإذا رأيت هذا عيانًا، فكيف علمت أنَّ رزقك كلَّه بسعي غيرك؟
وأيضًا فهذا الذي أوردَتْه عليك النفسُ يُوجِب عليك طردَه في جميع الأسباب مع مسبباتها، حتى في أسباب دخول الجنة والنجاة من النار. فهل
_________________
(١) (أ، ق، غ): «الوكيل».
(٢) (ب، ج): «المانّ»، تحريف.
[ ٢ / ٧١٢ ]
تُعطِّلها اعتمادًا على التوكُّل، أم تقوم بها مع التوكل؟
بلى (^١)! لن تخلوَ الأرضُ من متوكِّل صَبَر نفسَه لله، وملأ قلبَه من الثقة به ورجائه وحسن الظن به، فضاق قلبُه مع ذلك عن مباشرة بعض الأسباب، فسكَنَ قلبه إلى الله، واطمأنَّ إليه، ووثِق به؛ فكان هذا من أقوى أسباب حصول رزقه. فلم يعطِّل السبب، وإنما رغِبَ عن سبب إلى سبب أقوى منه، فكان توكُّله [١٧٠ أ] أوثقَ الأسباب عنده، فكان اشتغالُ قلبه بالله وسكونُه إليه وتضرُّعُه إليه أحبَّ إليه من اشتغاله (^٢) بسبب يمنعه من ذلك أو من كماله. فلم يتَّسع قلبه للأمرين، فأعرضَ عن أحدهما إلى الآخر. ولا ريب أنَّ هذا أكملُ حالًا ممن امتلأ قلبه بالسبب واشتغل به عن ربه (^٣).
وأكملُ منهما من جمع الأمرين، وهي حالُ الرسل والصحابة. فقد كان زكريَّا نجارًا، وقد أمر الله نوحًا أن يصنع السفينة، ولم يكن في الصحابة من يعطِّل السبب اعتمادًا على التوكل، بل كانوا أقومَ الناس بالأمرين. ألا ترى أنهم بذلوا جهدَهَم في محاربة أعداء الدين بأيديهم وألسنتهم، وقاموا في ذلك بحقيقةِ التوكل، وعمروا أموالهم وأصلحوها، وأعدُّوا لأهلهم كفايتَهم من القوت اقتداءً بسيد المتوكلين صلوات الله وسلامه عليه.
_________________
(١) (أ، غ): «بل».
(٢) ما عدا (ب، ج): «اشتغال».
(٣) ولكن هل هذا هو التوكل المشروع؟ وانظر كلام المصنف على التوكل في: مدارج السالكين (٢/ ١١٢)، ونقده لكلام ابن العريف في طريق الهجرتين (٥٧٢).
[ ٢ / ٧١٣ ]
فصل: الفرق بين الاحتياط والوسوسة
فصل: الفرق بين إلهام الملك وإلقاء الشيطان
فصل
والفرق بين الاحتياط والوسوسة: أن الاحتياطَ الاستقصاءُ والمبالغةُ في اتباع السنة وما كان عليه رسول الله - ﷺ - وأصحابه، من غير غلوٍّ ومجاوزة، ولا تقصير ولا تفريط. فهذا هو الاحتياط الذي يرضاه الله ورسوله.
وأما الوسوسة، فهي ابتداعُ ما لم تأتِ به السنة ولم يفعله رسول الله - ﷺ - ولا أحدٌ من أصحابه، زاعمًا أنه يصلُ بذلك إلى تحصيل المشروعِ وضبطه، كمن يحتاطُ ــ بزعمه ــ ويغسل أعضاءه في الوضوء فوق ثلاث، فيُسْرِف في صبِّ الماء في وضوئه وغَسْله؛ ويصرِّح بالتلفظ بنية الصلاة مرارًا أو مرة واحدة، ويغسل ثيابه مما لا يتيقَّن نجاسته احتياطًا، ويرغبُ عن الصلاة في نعله احتياطًا، إلى أضعاف أضعاف هذا [١٧٠ ب] مما اتخذه الموسوِسون دينًا، وزعموا أنه احتياط. وقد كان اتباع (^١) هديِ رسول الله - ﷺ - وما كان عليه أولى بهم، فإنه الاحتياطُ الذي مَن خرج عنه فقد فارق الاحتياط، وعدل عن سواء الصراط. فالاحتياطُ كلُّ الاحتياط: الخروجُ عن خلاف السنة، ولو خالفت أكثرَ أهل الأرض بل كلَّهم.
فصل
والفرق بين إلهام الملَك وإلقاء الشيطان من وجوه:
منها: أن ما كان لله موافقًا لمرضاته وما جاء به رسولُه، فهو من الملَك. وما كان لغيره غيرَ موافق لمرضاته، فهو من إلقاء الشيطان.
_________________
(١) في الأصل: «الاحتياط اتباع». وكذا في (غ). وفي غيرهما: «الاحتياط في اتباع». وفي النسخ المطبوعة: «الاحتياط باتباع». ويظهر لي أن كلمة الاحتياط وقعت سهوًا.
[ ٢ / ٧١٤ ]
فصل: الفرق بين الاقتصاد والتقصير
ومنها: أنَّ ما أثمرَ إقبالًا على الله، وإنابةً إليه، وذكرًا له، وهمَّة صاعدةً إليه= فهو من إلقاء الملك. وما أثمر ضدَّ ذلك فهو من الشيطان.
ومنها: أنَّ ما أورث أنسًا ونورًا في القلب وانشراحًا في الصدر فهو من الملك. وما أورَث ضدَّ ذلك فهو من الشيطان.
ومنها: أنَّ ما أورث سكينةً وطمأنينةً فهو من الملك. وما أورث قلقًا وانزعاجًا واضطرابًا فهو من الشيطان.
فالإلهام الملَكيُّ يكثُر في القلوب الطاهرة النقيَّة التي قد استنارت بنور الله، فللملَك بها اتصال، وبينه وبينها مناسبة، فإنه طيِّب طاهر لا يجاور إلا قلبًا يناسبُه، فتكون لمَّة الملك بهذا القلب أكثر من لمة الشيطان. وأما القلب المظلم الذي قد اسودَّ بدخان الشهوات والشبهات فإلقاءُ الشيطان ولمتُه به أكثرُ من لمة الملَك.
فصل
والفرق بين الاقتصاد والتقصير: أن الاقتصاد هو التوسُّط بين طرفي الإفراط والتفريط، وله طرفان هما ضِدَّان له: تقصير، ومجاوزة.
فالمقتصد قد أخذ بالوسط، وعدَلَ عن الطرفين. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١]. والدين كله بين هذين الطرفين، بل الإسلام قَصْدٌ بين المِلَل، والسُّنَّة قصدٌ بين البدع، ودينُ الله بين الغالي فيه والجافي عنه.
[ ٢ / ٧١٥ ]
الفرق بين الاجتهاد والغلو
فصل: الفرق بين النصيحة والتأنيب
وكذلك الاجتهادُ هو بذلُ الجهد في موافقة الأمر، والغلوُّ مجاوزته وتعدِّيه (^١). وما أمَرَ الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: فإما إلى غلوٍّ ومجاوزةٍ، وإما إلى تفريطِ وتقصير. وهما آفتان لا يخلص منهما في الاعتقاد والقصد والعمل إلا من مشى خلفَ رسول الله - ﷺ -، وترك أقوال الناس وآراءَهم لِما جاء به، لا مَن ترَك ما جاء به لأقوالهم وآرائهم.
وهذان المرضان المُخْطِران (^٢) قد استوليا على أكثر بني آدم. ولهذا حذَّر السلفُ منهما أشدَّ التحذير، وخوَّفوا من بُلي بأحدهما بالهلاك. وقد يجتمعان في الشخص الواحد، كما هو حالُ أكثرِ الخلق: يكون مقصِّرًا مفرِّطًا في بعض دينه، غاليًا متجاوزًا في بعضه. والمهديُّ من هداه الله.
فصل
والفرق بين النَّصيحة والتأنيب: أنَّ النصيحة إحسانٌ إلى من تنصحه بصورة الرحمةِ له، والشفقةِ عليه، والغَيْرةِ له. وعليه فهو إحسانٌ محضٌ يصدر عن رحمةٍ ورقِّةٍ ومُرادُ الناصحِ بها وجهُ الله ورضاه، والإحسانُ إلى خلقه، فيتلطَّفُ في بذلها غايةَ التلطُّف، ويحتمل أذى المنصوح ولائمته، ويعامله معاملةَ الطبيبِ العالمِ المشفقِ للمريض (^٣) المُشبَعِ مرضًا، فهو
_________________
(١) في الأصل: «بمجاوزه وتعديه». وكذا في (ق، غ، ط). وفي (ب، ج، ز): «مجاوزة وتعدية». والمثبت من (ن). وكذا في النسخ المطبوعة.
(٢) في (ط، ز) والنسخ المطبوعة: «الخطِران». وما ورد في الأصل وغيره صواب محض، وكذا في الطبعة الهندية. وهو من أخطَر المرضُ فلانًا: جعله بين السلامة والتلف (المعجم الوسيط).
(٣) (أ، غ): «المريض». (ق): «بالمريض».
[ ٢ / ٧١٦ ]
فصل: الفرق بين المبادرة والعجلة
يحتمل سوء خلُقه وشراسته ونفرته، ويتلطَّف في وصول الدواء إليه بكلِّ ممكنٍ. فهذا شأن الناصح.
وأما المؤنِّبُ، فهو رجلٌ قصدُه التعييرُ والإهانةُ، وذمُّ مَن يؤنِّبه، وشتمُه في صورة النُّصح. فهو يقول له: يا فاعل كذا وكذا، يا مستحقًّا للذمِّ والإهانة، في صورة ناصحٍ مُشفقٍ. وعلامة هذا أنه لو رأى مَن يحبُّه ويحسن إليه على مثل عمل هذا أو شرٍّ منه لم يعرض له، ولم يقل له شيئًا. ويطلبُ له وجوهَ المعاذير، فإن غُلِبَ قال: وأيُّنا (^١) ضُمِنتْ له العصمة؟ والإنسان عُرضة [١٧١ ب] للخطأ، ومحاسنه أكثر من مساويه، والله غفورٌ رحيم، ونحو ذلك. فيا عجبًا كيف كان هذا لمن يحبُّه دون من يبغضه؟ وكيف كان حظُّ ذلك منك التأنيبَ في صورة النُّصح، وحظُّ هذا منك رجاءَ العفو والمغفرة، وطلبَ وجوه المعاذير؟
ومن الفروق بين الناصح والمؤنِّب: أنَّ الناصح لا يُعاديك إذا لم تقبل نصيحتَه، وقال: قد وقع أجري على الله، قبلتَ أو لم تقبل. ويدعو لكَ بظهر الغيب، ولا يذكر عيوبَكَ ويبثُّها في الناس. والمؤنِّبُ بضدِّ ذلك.
فصل
والفرق بين المبادرة والعجلة: أنَّ المبادرةَ انتهازُ الفرصة في وقتها، ولا يتركها حتى إذا فاتت طلَبَها. فهو لا يطلب الأمورَ في أدبارها ولا قبل وقتها، بل إذا حضر وقتُها بادر إليها، ووثب عليها وثوبَ الأسد على فريسته. فهو بمنزلة مَن يبادر إلى أخذ الثمرة وقتَ كمال نُضجها وإدراكها. والعجلة:
_________________
(١) في النسخ المطبوعة: «وأنَّى» خلافًا لما في النسخ الخطية.
[ ٢ / ٧١٧ ]
فصل: الفرق بين الإخبار بالحال والشكوى
طلب أخذ الشيء قبل وقته، فهو لشدَّة حرصه عليه بمنزلة مَن أخَذَ (^١) الثمرة قبل أوان إدراكها. فالمبادرةُ وسطٌ بين خلُقين مذمومين: أحدهما التفريط والإضاعة، والثاني الاستعجال قبل الوقت.
ولهذا كانت العجلة من الشيطان، فإنها خِفَّة وطيش وحدَّة في العبد تمنعه من التثبُّت والوقار والحلم، وتوجب له وضعَ الأشياء في غير مواضعها، وتجلب عليه أنواعًا من الشرور، وتمنعه أنواعًا من الخير. وهي قرينُ الندامة، فقلَّ مَن استعجل إلا ندم، كما أنَّ الكسل قرينُ الفوت والإضاعة.
فصل
والفرق بين الإخبار بالحال وبين الشكوى وإن اشتبهت صورتُهما: أنَّ الإخبار بالحال يقصد المخبِر به قصدًا صحيحًا من علمِ سببِ إزالته، أو الاعتذار لأخيه من أمرٍ طلبه منه، أو يحذِّره من الوقوع في مثل ما وقع فيه، فيكون ناصحًا بإخباره له، أو حمله على الصبر بالتأسِّي به. كما يُذكَر عن الأحنف أنه شكا إليه رجلٌ شكوى، فقال: يا ابن أخي، لقد ذهب ضوء عيني من كذا وكذا سنة، فما أعلمتُ به أحدًا (^٢). ففي ضمن هذا الإخبار مِن حمل الشاكي على التأسِّي والصبر ما يُثاب عليه المخبِرُ. وصورتُه صورةُ الشكوى. ولكنَّ القصد ميَّز بينهما.
_________________
(١) ما عدا (أ، غ): «يأخذ».
(٢) أخرجه عبد الله بن أحمد في كتاب الزهد لأبيه (١٢٩١). وانظر: صفة الصفوة (٣/ ١٩٩). وفي عدة الصابرين (٥٢٩): «شكا الأحنف إلى عمه ». وكذا في إحياء العلوم (٤/ ١٣٣). والظاهر أنه مقلوب.
[ ٢ / ٧١٨ ]
ولعلَّ من هذا قولَ النبي - ﷺ - لمَّا قالت عائشةُ: وارأساه! فقال: «بل أنا وارأساه!» (^١). أي: الوجعُ القويُّ بي أنا دونكِ، فتأسَّي بي، ولا تشتكي.
ويلوح لي فيه معنًى آخر، وهو أنها كانت حبيبة رسول الله - ﷺ -، بل كانت أحبَّ النساء إليه على الإطلاق، فلما شكت إليه رأسَها أخبرها أنَّ بمُحِبِّها من الألم مثلَ الذي بها. وهذا غاية الموافقة بين (^٢) المُحِبِّ ومحبوبِه. يتألَّم بتألُّمه، ويُسَرُّ بسروره، حتى إذا آلمه عضوٌ من أعضائه آلم المُحِبَّ ذلك العضوُ بعينه. وهذا من صدق المحبة وصفاء المودة.
فالمعنى الأول يُفهِم أنكِ لا تشتكي واصبري، فبي من الوجع مثلُ ما بكِ، فتأسَّي بي في الصبر وعدم الشكوى.
والمعنى الثاني يُفهِم إعلامَها بصدق محبته لها، أي: انظري قوة محبتي لكِ، كيف واسيتُكِ في ألمكِ ووجعِ رأسكِ، فلم تكوني متوجعةً وأنا سليمٌ من الوجع، بل يؤلمني ما يؤلمكِ، كما يسرُّني ما يسرُّكِ؟ كما قيل:
وإنَّ أولَى البرايا أن تواسيَه عند السرور الذي واساك في الحزَنِ (^٣)
وأما الشكوى، فالإخبار العاري عن القصد الصحيح، بل يكون مصدره
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٦٦٦) عن عائشة.
(٢) هذا في (ج، ن، ز). وفي غيرها: «من»، وهي تقتضي أن يكون السياق: من المحب لمحبوبه.
(٣) البيت لإبراهيم بن العباس الصولي في ديوانه ضمن الطرائف الأدبية (١٧٧). وينسب إلى دعبل وأبي تمام. انظر تخريجه في ديوان دعبل (٤٦١ ــ ٤٦١)، والحماسة البصرية (٧٨٩).
[ ٢ / ٧١٩ ]
السخط، وشِكايةُ المُبتلي إلى غيره. فإن شكا إليه (^١) لم يكن ذلك شكوى، بل استعطاف وتملُّق واسترحام له، كقول أيوب: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٢]، وقول يعقوب: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦].
وقول موسى: «اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعانُ، وبكَ المستغاث، وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بك» (^٢).
وقول سيد ولد آدم - ﷺ -: «اللهم إليك أشكو ضعفَ قوتي وقلةَ حيلتي وهَواني على الناس. أنت ربُّ المستضعفين، وأنت ربِّي. إلى من تكِلُني؟ إلى بعيدٍ يتجهَّمني، أو إلى عدوٍّ ملَّكتَه أمري؟ إن لم يكن بكَ غضبٌ عليَّ فلا أبالي، غيرَ أن عافيتك [١٧٢ أ] أوسَعُ لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له
_________________
(١) زاد الناشرون بعده: «﷾».
(٢) أخرجه البيهقي في الدعوات الكبير (٢٦٤) من طريق عبد الله بن نافع بن يزيد بن أبي نافع، عن عيسى بن يونس السبيعي، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ألا أعلمك الكلمات التي قالهن موسى ﵇ حين انفلق البحر؟». قلت: بلى، قال: «قل ..» (فذكره). ثم قال: «تفرد به عبد الله بن نافع هذا وليس بالقوي». قلت: ولكن توبع عليه، فأخرجه الطبراني في الأوسط (٣٤١٨)، والصغير (٣٣٩) من طريق زكريا بن فروخ، عن وكيع، عن الأعمش، به. وزكريا بن فروخ التمار الواسطي لم أجد له ذكرًا في كتب الرجال المتوفرة وبقية رجاله ثقات. ولعلَّ الحافظ المنذري عرفه حينما عزاه للطبراني في الصغير وقال: «إسناده جيِّد». الترغيب والترهيب (٢٧٤٨). (قالمي).
[ ٢ / ٧٢٠ ]
الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن يحِلَّ عليَّ غضبُك، أو ينزل بي سخطُك. لك العُتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك» (^١).
فالشكوى إلى الله سبحانه لا تنافي الصبر بوجه (^٢)، فإن الله تعالى قال عن أيوب: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٤٤] مع إخباره عنه بالشكوى إليه في قوله: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾. وأخبر عن نبيه يعقوب أنه وعد من نفسه بالصبر الجميل ــ والنبيُّ إذا قال وفَى ــ مع قوله: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] ولم يجعل ذلك نقصًا لصبره.
_________________
(١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٤٧٦٤)، وفي الدعاء (١٠٣٦) ومن طريقه الضياء المقدسي في الأحاديث المختارة (٩/ ١٨٠ ــ ١٨١) من حديث عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ﵄. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٣٥): «رواه الطبراني وفيه محمد بن إسحاق وهو مدلس، وبقية رجاله ثقات». وابن إسحاق لم يصرح بالتحديث. ورواه عنه زياد البكائي. كما في سيرة ابن هشام (١/ ٤٢٠) ــ قال: «فلمَّا اطمأن رسول الله قال فيما ذُكر لي: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي » الحديث. وروي عنه من وجه آخر، ذكره ابن كثير في تفسيره (٧/ ٢٩٠) قال: «وذكر محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان، عن محمد بن كعب القرظي قصه خروج رسول الله إلى الطائف ودعائه إياهم إلى الله ﷿ وإبائهم عليه، فذكر القصة بطولها، وأورد ذلك الدعاء الحسن » فذكر طرفًا منه. ورجاله ثقات لكنه مرسل، محمد بن كعب القرظي من ثقات تابعي أهل المدينة وفقهائهم. فتعدد مخارجه يدل على أن له أصلًا، والله أعلم. (قالمي).
(٢) انظر: عدة الصابرين (٢٤، ٦٣)، ومدارج السالكين (٢/ ١٦١)، وجامع المسائل (٤/ ٧٣).
[ ٢ / ٧٢١ ]
ولا يُلتفَت إلى غير هذا من تُرَّهات القوم (^١)، كما قال بعضهم: لمَّا قال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ قال تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾، ولم يقل: صبورًا؛ حيث قال: مسَّني الضر (^٢).
وقال بعضهم: لم يقل: ارحمني، وإنما قال: ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ فلم يزِدْ على الإخبار بحاله ووصْفِ ربِّه (^٣).
وقال بعضهم: إنما شكا مسَّ الضُّرِّ حين ضعُفَ لسانُه عن الذكر، فشكا مسَّ ضُرِّ (^٤) ضعفِ الذِّكر، لا ضُرِّ المرض والألم.
وقال بعضهم: استخرج منه هذا القول، ليكون قدوةً للضعفاء من هذه
_________________
(١) يعني الصوفية.
(٢) الرسالة القشيرية (١/ ٣٢٨). ونص قوله: « ولم يقل: صبورًا؛ لأنه لم يكن جميع أحواله الصبر، بل كان في بعض أحواله يستلذُّ البلاء ويستعذبه، فلم يكن في حال الاستلذاذ صابرًا، فلذلك لم يقل: صبورًا».
(٣) رواه القشيري في موضعين من رسالته (١/ ٣٢٨)، (٢/ ٤٤٩) عن الأستاذ أبي علي الدقاق. ولفظه في الموضع الأول: «حقيقة الصبر: الخروج من البلاء على حسب الدخول فيه، مثل أيوب ﵇ فإنه قال في آخر بلائه: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾، فحفظ أدب الخطاب؛ حيث عرَّض بقوله: ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ ولم يصرح بقوله: «ارحمني». وأما الموضع الثاني فلم يذكر فيه أول المقولة «حقيقة الصبر »، وإنما استدلّ به على حفظ آداب الخطاب. والمصنف نفسه أورد قول أيوب ﵇ هذا ضمن الشواهد على الأدب مع الله في مدارج السالكين (٢/ ٣٨٠). واستحسنه شيخ الإسلام فقال في مجموع الفتاوى (٢٢/ ٣٨٢): «فقوله هذا أحسن من قوله: ارحمني». وانظر أيضًا: مجموع الفتاوى (١٠/ ٢٤٥).
(٤) (ط): «من).
[ ٢ / ٧٢٢ ]
فصل: الدين كله فرق
الأمة (^١).
وكأنَّ هذا القائل رأى أن الشكوى إلى الله تنافي الصبر، وغلِط أقبحَ الغلط، فالمنافي للصبر شكواه، لا الشكوى إليه. فالله يبتلي عبدَه ليسمع تضرُّعه ودعاءه والشكوى إليه، ولا يحبُّ التجلُّدَ عليه. وأحَبُّ ما إليه انكسارُ قلبِ عبده بين يديه، وتذلُّلُه له، وإظهارُ ضعفِه وفاقتِه وعجزهِ وقلةِ صبره. فاحذر كلَّ الحذر من إظهار التجلُّدِ عليه، وعليك بالتضرُّعِ والتمسكن، وإبداء العجز والفاقة والذُّلِّ والضعف؛ فرحمتُه أقرب إلى هذا القلب من اليد للفم.
فصل
وهذا بابٌ من الفروق يطول (^٢)، ولعلَّ إن ساعد القدَرُ أن نُفرِد (^٣) فيه كتابًا كبيرًا، وإنما نبَّهنا بما ذكرنا على أصوله، واللبيبُ يكتفي ببعض ذلك.
والدِّينُ كله فَرقٌ، وكتابُ الله فُرقانٌ، «ومحمدٌ - ﷺ - فَرقٌ بين الناس» (^٤). ومن اتقى اللهَ جعل له فرقانًا ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩]. وسمَّى يومَ بدرٍ يومَ الفرقان (^٥) لأنه فرَق بين أولياء
_________________
(١) حكاه القشيري في الرسالة (١/ ٣٢٨) عن الأستاذ أبي علي الدقاق.
(٢) هذا في (غ، ن، ز). وفي غيرها: «مطوَّل».
(٣) (ط): «أجمع».
(٤) من حديث جابر بن عبد الله، أخرجه البخاري (٧٢٨١). في نسخة أبي ذر: «فرَّق». وفي غيرها كما أثبتنا من (ن). ولم تضبط في النسخ الأخرى. والفرق هنا بمعنى الفارق، وصف بالمصدر. يعني: يفرق بين المؤمنين والكافرين بتصديقه وتكذيبه. انظر: النهاية لابن الأثير (٣/ ٤٣٩)، وفتح الباري (١٣/ ٢٥٦).
(٥) في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال: ٤١].
[ ٢ / ٧٢٣ ]
الله وأعدائه. فالهدى كله فرقان (^١).
والضلال أصله الجمع، كما جمع المشركون بين عبادة الله وعبادة الأوثان، ومحبته ومحبة الأوثان، وبين ما يحبه ويرضاه وبين ما قدَّره وقضاه، فجعلوا الأمر واحدًا، واستدلوا بقضائه وقدره على محبته ورضاه.
وجمعوا بين الربا والبيع، فقالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. وجمعوا بين المُذكَّى والميتة فقالوا: كيف نأكل ما قَتَلْنا (^٢) ولا نأكل ما قتَلَ اللهُ.
وجمع المنسلخون عن الشرائع بين الحلال والحرام فقالوا: هذه المرأةُ خلقَها الله، وهذه خلَقَها؛ وهذا الحيوان خلقه وهذا خلقه، فكيف يُحَلُّ هذا ويُحرَّم هذا؟ وجمعوا بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (^٣)!
وجاءت طائفة الاتحادية، فطَمُّوا الواديَ على القَري (^٤)، وجمعوا الكلَّ
_________________
(١) وانظر: مدارج السالكين (١/ ١٦٢) وطريق الهجرتين (٢/ ٧١٠).
(٢) (ق): «قتلناه».
(٣) «وجمعوا الشيطان» ساقط من (ب، ج).
(٤) المثل: «جرى الوادي فطمَّ على القَريِّ». قال الميداني: «أي جرى سيل الوادي، فطمَّ، أي دفَن. يقال: طمَّ السيلُ الركيَّة، أي دفنها. والقريُّ: مجرى الماء في الروضة. و«على» من صلة المعنى. أي أتى على القريِّ، يعني أهلكه بأن دفنه. يضرب عند تجاوز الشرِّ حدَّه». مجمع الأمثال (١/ ٢٨٢). وقال أبو هلال العسكري في جمهرة الأمثال (١/ ٣٢٢): «يضرب مثلًا للأمر العظيم يجيء فيعم الصغير والكبير». فيقال: طمَّ السيل كلَّ شيء، أي علاه، وطمَّ عليه، أي أتى عليه. ولا يقال: طممتُه على الشيء. ولكن كذا ورد المثل هنا: «فطَمُّوا الوادي على القري». ونحوه في إعلام الموقعين (٤/ ٢٥٠): «طردَتْ الباب، وطمَّتْ الواديَ على القريِّ». ويبدو لي ــ والله أعلم ــ أن المصنف ﵀ قرأ المثل في كلام شيخه في درء التعارض (٦/ ٢٢٢): «ثم جاء أبو حامد، فطمَّ الوادي على القريِّ» ــ وقد نقله في الصواعق المرسلة (٢/ ٤١٧) ــ فتوهم أن «الوادي» مفعول به، وفاعل «طمَّ» هو الضمير العائد على أبي حامد!
[ ٢ / ٧٢٤ ]
في ذاتٍ واحدةٍ، وقالوا: هي الله الذي لا إله إلا هو. وقال صاحب فصوصهم وواضع نصوصهم: «واعلم أنَّ الأمر قرآن، لا فرقان» (^١).
ما الأمرُ إلا نسقٌ واحد ما فيه من مدحٍ ولا ذمِّ
وإنَّما العادةُ قد خصَّصتْ والطبعُ والشارعُ بالحكمِ (^٢)
والمقصود أن أرباب البصائر هم أصحاب الفرقان، فأعظم الناس فرقانًا بين المشتبهات أعظم الناس بصيرةً. والتشابه يقع في الأقوال والأعمال والأحوال والأموال والرجال، وإنما أُتي أكثرُ أهل العلم من المتشابهات في ذلك كلِّه. ولا يحصل الفرقان إلا بنورٍ يقذفه الله في قلب من يشاء من عباده، يرى في ضوئه حقائق الأمور، ويمِّيز بين حقها وباطلها، وصحيحها وسقيمها ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠].
ولا تستطِلْ هذا الفصل، فلعلَّه من أنفع فصول الكتاب، والحاجةُ إليه شديدةٌ، فإن رزقك الله فيه بصيرةً خرجتَ منه إلى فرقانٍ أعظم منه. وهو: الفرق بين توحيد المرسلين وتوحيد [١٧٣ ب] المعطِّلين، والفرق بين تنزيه الرسل وتنزيه أهل التعطيل، والفرق بين إثبات الصفات والعلوِّ والتكلم
_________________
(١) فصوص الحكم (١/ ٧٠). [يكنون بالقرآن عن رؤية التفرقة بعين الجمع، وهي أكمل مقامات العارفين عندهم. انظر: «لطائف الإعلام» للقاشاني (٢/ ٥٦١، ٥٨١)]. قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: ما بين المعكوفين من التعليق ليس في المطبوع، وهو ثابت في الأصل الوارد من «عطاءات العلم»، جزاهم الله خيرا.
(٢) أنشدهما المصنف في طريق الهجرتين (٥٦٦) أيضًا. وقد نسبهما شيخ الإسلام في الفتاوى (٢/ ٩٩) إلى القاضي تلميذ صاحب الفصوص.
[ ٢ / ٧٢٥ ]
فصل: الفرق بين توحيد المرسلين وتوحيد المعطلين
والتكليم حقيقةً وبين التشبيه والتمثيل، والفرق بين تجريد التوحيد العملي الإرادي وبين هضم أربابِ المراتب مراتبَهم التي أنزلهم الله إياها، والفرق بين تجريد متابعة المعصوم وبين إهدار أقوال العلماء وإلغائها وعدم الالتفات إليها، والفرق بين تقليد العالم وبين الاستضاءة بنور علمه والاستعانة بفهمه، والفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، والفرق بين الحال الإيماني الرحماني والحال الشيطاني الكفري والحال النفساني، والفرق بين الحكم المنزَّل الواجب الاتباع على كلِّ أحدٍ (^١) والحكم المؤوَّل الذي نهايته أن يكون جائز الاتباع عند الضرورة ولا دَرْكَ على مخالفه.
فصل
ونحن نختم الكتاب بإشارةٍ لطيفةٍ إلى الفروق بين هذه الأمور، إذ كلُّ فرقٍ منها يستدعي بسطُه كتابًا كبيرًا.
فالفرق بين توحيد المرسلين وتوحيد المعطلين: أنَّ توحيدَ الرسل إثباتُ صفات الكمال لله على وجه التفصيل، وعبادتُه وحده لا شريك له، فلا يُجعل له ندٌّ (^٢) في قصدٍ ولا حبٍّ، ولا خوفٍ ولا رجاءٍ، ولا لفظٍ ولا حَلِفٍ ولا نذرٍ، بل يرفع العبدُ الأندادَ له من قلبه وقصده ولسانه وعبادته، كما أنها معدومةٌ في نفس الأمر، لا وجود لها البتة؛ فلا يجعل لها وجودًا في قلبه ولا لسانه.
_________________
(١) في (ز، غ): «على كل حال». وقد سقط «على كل جائز الاتباع» من الأصل.
(٢) (ط، ز، ن): «ندًّا».
[ ٢ / ٧٢٦ ]
فصل: الفرق بين تنزيه الرسل، وتنزيه المعطلة
وأما توحيد المعطلين، فنفيُ حقائق أسمائه وصفاته وتعطيلُها. ومن أمكنه منهم تعطيلُها من لسانه عطَّلها فلا يذكرها، ولا يذكر آيةً تتضمنها، ولا حديثًا يصرِّح بشيءٍ منها. ومن لم يُمكنه تعطيلُ ذكرِها سطا عليها بالتحريف، ونفى حقيقتها، وجعلها اسمًا فارغًا لا معنى له، أو معناه من جنس الألغاز والأحاجي. على أنَّ مَن طرَدَ تعطيلَه منهم علِمَ أنه يلزمه (^١) في ما حرَّفَ إليه النصَّ من المعنى نظيرُ ما فرَّ منه سواء، فإن لزم تمثيلٌ أو تشبيهٌ أو حدوثٌ في الحقيقة لزم في المعنى الذي حمل عليه النص، وإن لم يلزم في هذا فهو أولى أن لا يلزم في الحقيقة. [١٧٤ أ] فلمَّا علِمَ هذا لم يمكنه إلا تعطيلُ الجميع، فهذا طردٌ لأصل التعطيل. والفرقُ أقربُ منه، ولكنه متناقضٌ يتحكَّم (^٢) بالباطل حيث أثبت لله بعضَ ما أثبتَه لنفسه، ونفى عنه البعض الآخر. واللازم الباطل فيهما واحدٌ، واللازم الحقُّ لا يفرِّق بينهما.
والمقصود أنهم سمَّوا هذا التعطيل توحيدًا، وإنما هو إلحادٌ في أسماء الربِّ وصفاته، وتعطيلٌ لحقائقها.
فصل
والفرق بين تنزيه الرسل وتنزيه المُعطِّلة: أنَّ الرسلَ نزَّهوه سبحانه عن النقائص والعيوب التي نزَّه نفسَه عنها، وهي المنافيةُ لكماله وكمال ربوبيته وعظمته، كالسِّنة والنوم والغفلة والموت واللُّغوب، والظلم وإرادته والتسمِّي به، والشريك والصاحبة والظهير والولد والشفيع بدون إذنه، وأن
_________________
(١) (أ، ط، ق): «يلتزمه».
(٢) (ز): «متحكم». وفي (ب، ج، ط): «فيحكم».
[ ٢ / ٧٢٧ ]
يترك عباده سدًى هملًا، وأن يكون خلقهم عبثًا، وأن يكون خلقُ السماوات والأرض وما بينهما باطلًا، لا لثوابٍ ولا عقاب، ولا أمرٍ ولا نهي؛ وأن يُسوِّي بين أوليائه وأعدائه، وبين الأبرار والفجار، وبين الكفار والمؤمنين، وأن يكون في ملكه ما لا يشاء، وأن يحتاج إلى غيره بوجه من الوجوه، وأن يكون لغيره معه من الأمر شيء، وأن يعرض له غفلة أو سهو أو نسيان، وأن يُخلِفَ وعدَه، أو تُبدَّلَ كلماتُه، أو يُضافَ الشر إليه اسمًا أو وصفًا أو فعلًا، بل أسماؤه كلُّها حسنى، وصفاتُه كلُّها كمال، وأفعالُه كلُّها خير وحكمة ومصلحة. فهذا تنزيه الرسل لربِّهم.
وأما المعطِّلون (^١)، فنزَّهوه عما وصف به نفسَه من الكمال. فنزَّهوه عن أن يتكلَّم أو يُكلِّم أحدًا. ونزَّهوه عن استوائه على عرشه، وأن تُرفع إليه الأيدي، وأن يصعد إليه الكلمُ الطيِّبُ، وأن ينزل من عنده شيءٌ، أو تعرج إليه الملائكة والرُّوح، وأن يكون فوق عباده وفوق جميع مخلوقاته عاليًا عليها.
ونزَّهوه أن يقبض السماوات بيده، والأرض باليد الأخرى، وأن يُمسك السماوات على إصبَعٍ، والأرض على إصبع، والجبال على إصبَع، والشجر على [١٧٤ ب] إصبَع.
ونزَّهوه أن يكون له وجهٌ، وأن يراه المؤمنون بأبصارهم في الجنة، وأن يكلِّمَهم ويسلِّمَ عليهم، ويتجلى لهم ضاحكًا، وأن ينزل كلَّ ليلةٍ إلى السماء الدنيا فيقول: من يستغفرني فأغفِرَ له؟ من يسألني فأعطيَه (^٢)؟ فلا نزول
_________________
(١) (ب، ج): «المعطلة».
(٢) كما جاء في حديث أبي هريرة في صحيح البخاري (١١٤٥)، وصحيح مسلم (٧٥٨).
[ ٢ / ٧٢٨ ]
فصل: الفرق بين إثبات حقائق الأسماء والصفات وبين التشبيه والتمثيل
عندهم ولا قول.
ونزَّهوه أن يفعل شيئًا لشيءٍ، بل أفعالهُ لا لحكمةٍ ولا لغرضٍ مقصود.
ونزَّهوه أن يكون تامَّ المشيئة، نافذَ الإرادة، بل يشاء الشيءَ ويشاء عبادُه خلافَه، فيكون ما شاء العبدُ دون ما شاء (^١) الربُّ، ولا يشاء الشيءَ فيكون ما لا يشاء، ويشاء ما لا يكون، وسمَّوا هذا عدلًا كما سمَّوا ذلك التنزيه توحيدًا.
ونزَّهوه عن أن يُحِبَّ أو يُحَبَّ. ونزَّهوه عن الرأفة والرحمة والغضب والرضا. ونزَّهه آخرون عن السمع والبصر، وآخرون عن العلم.
ونزَّهه آخرون عن الوجود فقالوا: الذي فرَّ إليه هؤلاء المنزِّهون من التشبيه والتمثيل يلزمنا في الوجود، فيجب علينا أن ننزِّهه عنه.
فهذا تنزيه الملحدين. والأول تنزيه المرسلين.
فصل
والفرق بين إثبات حقائق الأسماء والصفات وبين التشبيه والتمثيل ما قاله الإمام أحمد ومن وافقه من أئمة الهدى: أنَّ التشبيه والتمثيل أن تقول: يدٌ كيدي، أو سمعٌ كسمعي، أو بصرٌ كبصري، ونحو ذلك (^٢). وأما إذا قلتَ: سمعٌ وبصرٌ ويدٌ ووجهٌ واستواءٌ لا يماثل شيئًا من صفات المخلوقين، بل بين
_________________
(١) (ب، ج، غ، ط): «شاء العبد دون ما يشاء». وفي (ن): «يشاء» في الموضعين.
(٢) ذكره المصنف في اجتماع الجيوش الإسلامية (٢٤٣) عن إسحاق بن راهويه. وحكى نحوه عن الإمام أحمد في مدارج السالكين (٣/ ٣٥٩). وانظر قوله في إبطال التأويلات للقاضي أبي يعلى (١/ ٤٣، ٤٥).
[ ٢ / ٧٢٩ ]
فصل: الفرق بين تجريد التوحيد وبين هضم أرباب المراتب
الصفة والصفة من الفرق كما بين الموصوف والموصوف (^١) = فأيُّ تمثيلٍ هاهنا وأيُّ تشبيهٍ، لولا تلبيسُ الملحدين؟
فمدارُ الحقِّ الذي اتفقت عليه الرسل على أن يوصفَ اللهُ بما وصَف به نفسَه، وبما وصفه به رسلُه، من غير تحريفٍ ولا تعطيل، ومن غير تشبيه ولا تمثيل: إثباتُ الصفات ونفيُ مشابهة المخلوقات. فمن شبَّهَ اللهَ بخلقه فقد كفر، ومن جحد حقائق ما وصف الله به نفسَه فقد كفر. ومن أثبتَ له حقائق الأسماء والصفات ونفَى عنه مشابهةَ المخلوقات، فقد هُدِيَ [١٧٥ أ] إلى صراطٍ مستقيم.
فصل
والفرق بين تجريد التوحيد وبين هضم أرباب المراتب: أنَّ تجريد التوحيد أن لا يُعطى المخلوقُ شيئًا من حقِّ الخالق وخصائصه، فلا يُعبد، ولا يُصلَّى له ويُسجَد، ولا يُحلَف باسمه، ولا يُنذَر له، ولا يُتوكل عليه، ولا يُؤلَّه، ولا يُقسَم به على الله، ولا يُعبَد ليقرِّب إلى الله زلفى. ولا يُساوَى بربِّ العالمين في قول القائل: ما شاء الله وشئت، وهذا منك ومن الله، وأنا بالله وبك، وأنا متوكِّل على الله وعليك، واللهُ لي في السماء وأنت في الأرض، وهذا من صدقاتك وصدقات الله، وأنا تائب إلى الله وإليك، وأنا في حسبِ الله وحسبِك؛ فيسجدَ للمخلوق كما يسجد المشركون لشيوخهم، يحلقَ رأسه له، ويحلفَ باسمه، وينذَر له، ويسجدَ لقبره بعد موته، ويستغيثَ به في حوائجه ومهمَّاته، ويُرضيَه بسخط الله، ولا يُسخطَه في رضا الله، ويتقرَّبَ إليه أعظم مما يتقرَّب إلى الله، ويحبَّه ويخافَه ويرجوه أكثرَ مما يُحبُّ اللهَ
_________________
(١) (ق): «والواصف»، وهو خطأ.
[ ٢ / ٧٣٠ ]
ويخافه ويرجوه، أو يساويه به (^١).
فإذا هُضِم المخلوقُ خصائصَ الربوبية وأُنزِلَ (^٢) منزلةَ العبد المحض الذي لا يملك لنفسه ــ فضلًا عن غيره ــ ضرًّا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا لم يكن هذا تنقُّصًا له، ولا حطًّا من مرتبته، ولو زعم المشركون.
وقد صحَّ عن سيِّد ولد آدم صلوات الله وسلامه عليه أنه قال: «لا تُطروني كما أطرتِ النصارى ابنَ مريم، فإنما أنا عبد الله (^٣)، فقولوا: عبد الله ورسوله» (^٤).
وقال - ﷺ -: «أيها الناس، ما أُحِبُّ أن ترفعوني فوق منزلتي» (^٥).
وقال: «لا تتَّخِذوا قبري عيدًا» (^٦).
وقال: «اللهمَّ لا تجعل قبري وثنًا يُعبد» (^٧).
_________________
(١) ساقط من (ط)، وكذا من أكثر النسخ المطبوعة.
(٢) في (ن) غيَّره بعضهم إلى «وأنزله». وكذا في النسخ المطبوعة.
(٣) (ب، ج، غ): «عبد».
(٤) أخرجه البخاري (٣٤٤٥) من حديث عمر.
(٥) أخرجه الإمام أحمد (١٢٥٥١). ومن طريقه الضياء في المختارة (١٦٢٧)، والنسائي في الكبرى (١٠٠٧٧، ١٠٠٧٨) من حديث أنس ﵁. وإسناده صحيح. (قالمي).
(٦) أخرجه أبو داود (٢٠٤٢)، والإمام أحمد (٨٨٠٤) من حديث أبي هريرة ﵁ وحسَّنه الحافظ ابن حجر في نتائج الأفكار. كما في الفتوحات الربانية (٣/ ٣١٣). (قالمي).
(٧) أخرجه الإمام مالك في الموطأ (١/ ١٧٢) ــ ومن طريقه ابن سعد في الطبقات (٢/ ٢٤٠ ــ ٢٤١) ــ عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار مرسلًا، وزاد: «اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ورجاله ثقات .. وله شاهد من حديث أبي هريرة ﵁. أخرجه الإمام أحمد (٧٣٥٨)، والحميدي (١٠٢٥)، والبزار (٩٠٨٧)، وأبو يعلى (٦٦٨١) بمثله دون قوله: «يعبد» وإسناده حسن. وأمَّا الشطر الثاني من الحديث فهو ثابت في الصحيحين وغيرهما. (قالمي).
[ ٢ / ٧٣١ ]
وقال: «لا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد» (^١).
وقال له رجلٌ: ما شاء الله وشئتَ، فقال: «أجعلتني لله نِدًّا؟» (^٢).
وقال له رجلٌ قد أذنب: اللهمَّ إني أتوب إليك، ولا أتوب إلى محمد. فقال: «عرف الحقَّ لأهله» (^٣).
_________________
(١) طرف من حديث أخرجه الإمام أحمد (٢٠٦٩٤)، وابن ماجه (٢١١٨)، والدارمي (٢٦٩٩)، والطبراني في الكبير (٨٢١٤، ٨٢١٥)، وأبو يعلى (٤٦٥٥)، والحاكم (٣/ ٤٦٢، ٤٦٣) من طرق عن عبد الملك بن عمير، عن ربعي بن حراش، عن طُفيل بن سخبرة أخي عائشة لأمها. وفيه قصة. قال البوصيري في مصباح الزجاجة (٢/ ١٥٢): «هذا إسناد صحيح رجاله ثقات على شرط مسلم». (قالمي).
(٢) أخرجه الإمام أحمد (١٨٣٩)، والنسائي في الكبرى (١٠٨٢٥) من حديث ابن عباس ﵄. ولفظه عند أحمد: «أجعلتني والله عِدْلًا»، وعند النسائي: «لله عدلًا». وإسناده حسن؛ لأجل الأجلح بن عبد الله الكنديّ وهو صدوق كما في التقريب. (قالمي).
(٣) أخرجه أحمد (١٥٥٨٧)، والطبراني في المعجم الكبير (٨٣٩)، والحاكم (٤/ ٢٥٥) من طريق محمد بن مصعب القرقساني، حدثنا سلام بن مسكين والمبارك بن فضالة، عن الحسن، عن الأسود بن سريع، أنَّ النبي - ﷺ - أتى بأسير، فقال (فذكره). قال الحاكم: «صحيح الإسناد» فتعقبه الذهبي بقوله: «ابن مصعب ضعيف». وعزاه الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٩٩) لأحمد والطبراني وقال: «وفيه محمد بن مصعب؛ وثقه أحمد وضعّفه غيره، وبقية رجاله رجال الصحيح». قلت: وثّمة علّة أخرى وهي الانقطاع؛ فإن الحسن وهو البصري لم يسمع من الأسود بن سريع، صرَّح بذلك يحيى بن معين، وعلي بن المديني، وأبو داود، والبزار وغيرهم. انظر: التابعون الثقات المتكلم في سماعهم من الصحابة للدكتور مبارك الهاجري (١/ ١٩٤) وما بعدها. والله تعالى أعلم. (قالمي).
[ ٢ / ٧٣٢ ]
وقد قال الله له: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨].
وقال: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤].
وقال: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ [١٧٥ ب] لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [يونس: ٤٩].
وقال: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الجن: ٢١ - ٢٢] أي: لن أجد من دونه من ألتجئ إليه وأعتمد عليه.
وقال لابنته فاطمة وعمِّه العباس وعمَّته صفية: «لا أملك لكم من الله شيئًا» (^١). وفي لفظ في الصحيح: «لا أغني عنكم من الله شيئًا» (^٢).
فعظُم ذلك على المشركين بشيوخهم وآلهتهم، وأبوا ذلك كلَّه وادَّعوا لشيوخهم ومعبوديهم (^٣) خلافَ هذا كلِّه، وزعموا أنَّ من سلبهم ذلك فقد هضَمهم مراتبَهم وتنقَّصَهم. وقد هضموا جانبَ الإلهية غايةَ الهضم،
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٠٥) عن عائشة.
(٢) أخرجه البخاري (٢٧٥٣) ومسلم (٢٠٦) من حديث أبي هريرة.
(٣) (أ، غ، ق، ن): «معبودهم».
[ ٢ / ٧٣٣ ]
فصل: الفرق بين تجريد متابعة المعصوم وإهدار أقوال العلماء
وتنقَّصوه، فلهم نصيبٌ وافر من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥].
فصل
والفرق بين تجريد متابعة المعصوم وإهدار أقوال العلماء وإلغائها: أنَّ تجريد المتابعة أن لا تُقدِّم على ما جاء به قولَ أحدٍ ولا رأيَه كائنًا من كان، بل تنظر في صحة الحديث أولًا، فإذا صحَّ لك نظرتَ في معناه ثانيًا، فإذا تبيَّن لكَ لم تعدِلْ عنه، ولو خالفك مَن بين المشرق والمغرب.
ومعاذَ الله أن تتفق الأمة على مخالفة ما جاء به نبيُّها، بل لابدَّ أن يكون في الأمة من قال به، ولو لم تعلمه. فلا تجعل جهلَك بالقائل به حجةً على الله ورسوله، بل اذهب إلى النصِّ ولا تضعُفْ، واعلم أنه قد قال به قائلٌ قطعًا ولكن لم يصِلْ إليك. هذا مع حفظ مراتب العلماء، وموالاتهم، واعتقاد حرمتهم وأمانتهم (^١) واجتهادهم في حفظ الدين وضبطه، فهم دائرون بين الأجر والأجرَين والمغفرة. ولكن لا يُوجب هذا إهدارَ النصوص وتقديمَ قول الواحد منهم عليها لشبهة أنه أعلم بها منكَ. فإن كان كذلك فمَن ذهب إلى النصِّ أعلمُ به منك أيضًا، فهلَّا وافقتَه إن كنت صادقًا!
فمن عرض أقوال العلماء على النصوص، ووزنها بها، وخالف منها ما خالف النصَّ= لم يُهدِر أقوالهم، ولم يهضم جانبهم، بل اقتدى بهم، فإنهم كلهم أمَروا بذلك. فمتَّبعُهم حقًّا مَن امتثل ما [١٧٦ أ] أوصَوا به، لا مَن
_________________
(١) (ب، ج، غ): «إمامتهم».
[ ٢ / ٧٣٤ ]
فصل: الفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان
خالفهم. فخلافُهم في القول الذي جاء النص بخلافه أسهلُ من مخالفتهم في القاعدة الكلية التي أمَروا ودعَوا إليها من تقديم النصِّ على أقوالهم.
ومن هنا يتبيَّن الفرق بين تقليد العالم في كلِّ ما قال، وبين الاستعانة بفهمه والاستضاءة بنور علمه. فالأول يأخذ قولَه من غير نظرٍ فيه ولا طلبٍ لدليله من الكتاب والسنة، بل يجعل ذلك كالحبل الذي يلقيه في عنقه يقلِّده به، ولذلك سُمِّي تقليدًا (^١)؛ بخلاف مَن استعان بفهمه واستضاء بنور علمه في الوصول إلى الرسول صلوات الله وسلامه عليه، فإنه يجعلهم بمنزلة الدليل إلى الدليل الأول، فإذا وصل إليه استغنى بدلالته عن الاستدلال بغيره. فمن استدلَّ بالنجم على القبلة، فإنه إذا شاهدها لم يبقَ لاستدلاله بالنجم معنى!
قال الشافعي: أجمع الناسُ على أنَّ من استبانت له سنةُ رسول الله - ﷺ - لم يكن له أن يدَعَها لقول أحد (^٢).
فصل
والفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان: أنَّ أولياء الرحمن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، هم الذين آمنوا وكانوا يتقون. وهم المذكورون في
_________________
(١) «ومن هنا يتبين تقليدًا» ساقط من (ط). وفي (ن) بعد «تقليدًا» زيادة: كما قال: وما الفرق في التقليد بين بهيمة متى ما تُقَدْ تنقَدْ وبين المقلِّد
(٢) بهذا اللفظ ذكره المصنف في إعلام الموقعين (٢/ ٢٨٢) ومدارج السالكين (٢/ ٣٣٥) والرسالة التبوكية (٤٠). وكذا نقله الفلاني في إيقاظ الهمم (٥٨) ولعل مصدره كتب ابن القيم. وقال الشافعي في الأم (٧/ ٢٥٩): «ولا يجوز لعالمٍ أن يدع قول النبي - ﷺ - لقول أحدٍ سواه». ونحوه في (١/ ١٥١). وانظر رسالته (٣٣٠).
[ ٢ / ٧٣٥ ]
أول سورة البقرة إلى قوله: ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [٢ ــ ٥]، وفي وسطها في قوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [١٧٧]، وفي أول الأنفال إلى قوله: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [١ - ٤]، وفي أول سورة المؤمنين إلى قوله: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [١ ــ ١١]، وفي آخر سورة الفرقان، وفي قوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ إلى آخر الآية [الأحزاب: ٣٥]، وفي قوله: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٣]، وفي قوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: ٥٢]، وفي قوله: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ إلى قوله: ﴿فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [المعارج: ٢٢ ــ ٣٥]، وفي قوله: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ﴾ إلى آخر الآية [التوبة: ١١٢].
فأولياء الرحمن هم: المخلصون لربِّهم، المحكِّمون لرسوله في الدِّقِّ والجِلِّ (^١)، الذين يخالفون غيرَه لسنَّته، ولا يخالفون سنَّتَه لغيرها. فلا يبتدعون، ولا يدعون إلى بدعة، ولا يتحيَّزون إلى فئةٍ غير الله ورسوله وأصحابه، ولا يتخذون دينهم لهوًا ولعبًا، ولا يستحبُّون سماع الشيطان على
_________________
(١) يعني: الدقيق والجليل. وفي الأصل: «الفرق والحل». وكذا في (ق، غ، ط). وفيه تحريف وتصحيف. وحاول النسَّاخ والناشرون تصحيحه، فأثبت ناسخ (ن): «الفرق والدين»، ولا معنى له. وفي (ز): «الحل والعقد». وفي النسخ المطبوعة: «الحرَم والحِلّ». والصواب ما أثبتنا من (ب، ج).
[ ٢ / ٧٣٦ ]
سماع القرآن، ولا يؤثرون صحبة الأنْتَان (^١) على مرضاة الرحمن، ولا المعازف والمثاني على السبع المثاني (^٢).
برئنا إلى الله مِن معشَرٍ بهم مرَضٌ مُورِدٌ لِلضَّنَى
وكم قلتُ يا قومُ أنتم على شَفا جُرُفٍ من سماع الغِنا
فلما استهانوا بتنبيهنا تركنا غويًّا وما قد جَنى
وهل يستجيبُ لداعي الهدَى غويٌّ أصارَ الغنا دَيدَنا (^٣)
فعِشنا على مِلَّة المصطفَى وماتوا على تاننا تنتنا (^٤)
_________________
(١) الكلمة مهملة في الأصل وكذا في (ق). وفي (غ، ط، ز): «الإنسان»، وفي (ج): «الاتيان». وفي النسخ المطبوعة: «الأفتان». وفي بعض النسخ الخطية: «الأشرار» كما ذكر الأستاذ العموش وأثبته الأستاذ بديوي. وهو تصحيح بعيد. وفي (ن): «الصبيان»، وهو صحيح في المعنى، ولكن الصواب ما أثبتناه من (ب) وحدها. والمراد: صحبة الأحداث والمردان. قال الذهبي في الكبائر (٥٥): «وأقاويل السلف في التنفير منهم ــ يعني المردان ــ والتحذير من رؤيتهم أكثر من أن تُحصر، وسمَّوهم «الأنتان» لأنهم مستقذَرون شرعًا». ومنه قول أبي بكر الواسطي: «إذا أراد الله هوانَ عبد ألقاه إلى الأنتان والجيَف». قال القشيري: يريد به صحبة الأحداث. الرسالة القشيرية (١/ ١٠٨).
(٢) في (ن): «القرآن والسبع المثاني». وفي (ز) زاد بعد كلمة «المعازف»: «والمثالث».
(٣) (ط، ج): «أصاب الغنا»، تصحيف.
(٤) (ط، ج، ز، ن): «سنة المصطفى». وفي الشطر الثاني في (ن): «على تاتنا». وفي (ط): «على تنتنا». وهي ستة أبيات في إغاثة اللهفان (٤١٠) نسبها إلى آخر، وأظنه قصد نفسه. وهي أربعة في مسألة السماع له (٦٦)، وهنا خمسة كما ترى، فهي مختلفة في عددها وألفاظها أيضًا. وقد أنشد أبو نصر القشيري أربعة أبيات في ذمِّ الفلسفة هي: برئنا إلى الله من معشر بهم مرض من كتاب الشِّفا وكم قلت يا قوم أنتم على شَفا جُرُفٍ من كتاب الشِّفا فلما استهانوا بتنبيهنا رجعنا إلى الله حتى كفَى فماتوا على دين رسطالسٍ وعشنا على ملّة المصطفى انظر: النبوات (٣٩٢) ومجموع الفتاوى (٩/ ٢٥٣)، والرد على المنطقيين (٥١١) وقائلها فيه: «ابن العربي» وهو تحريف. وقد تصرَّف ابن القيم في هذه الأبيات وصرفها إلى الرد على أصحاب السماع.
[ ٢ / ٧٣٧ ]
ولا يشتبه أولياء الرحمن بأولياء الشيطان إلا على فاقد البصيرة والإيمان. وأنَّى (^١) يكون المُعرِضون عن كتابه وهدي رسوله وسُنَّته المخالفون له إلى غيره أولياءَه، وقد ضربوا لمخالفته (^٢) جأشًا، وعدلوا عن هدي نبيه وطريقته؟ ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤]. فأولياء الرحمن: المتلبِّسون بما يُحبُّه وليُّهم، الداعون إليه، المحاربون لمن خرج عنه. وأولياء الشيطان: المتلبِّسون بما يُحبُّه وليُّهم قولًا وعملًا، يدعون إليه، ويحاربون من نهاهم عنه.
فإذا رأيت الرجل يحب السماعَ الشيطاني ومؤذنَ الشيطان وإخوانَ الشياطين، ويدعو إلى ما يحبه الشيطان من الشرك والبدع والفجور= علمتَ أنه من أوليائه. فإن اشتبه عليك، فاكشِفْه في ثلاثة مواطن: في صلاته،
_________________
(١) في الأصل وغيره: «وأن»، فزاد ناسخ (ز): «وحاشى الله أن». والصواب ما أثبتنا من النسخ المطبوعة.
(٢) في الأصل: «لمخالفيه».
[ ٢ / ٧٣٨ ]
فصل: الفرق بين الحال الإيماني والحال الشيطاني
ومحبته للسنة وأهلها وتقرُّبه منهم (^١)، ودعوته إلى الله ورسوله وتجريدِ التوحيد والمتابعة وتحكيمِ السنَّة. فزِنْه بذلك، لا تزِنْه بحالٍ ولا كشفٍ ولا خارقٍ [١٧٧ أ]، ولو مشى على الماء وطار في الهواء!
فصل
وبهذا يُعلَم الفرق بين الحال الإيماني والحال الشيطاني. فإنَّ الحال الإيماني ثمرة المتابعة للرسول، والإخلاص في العمل، وتجريدِ (^٢) التوحيد. ونتيجتُه (^٣) منفعةُ المسلمين في دينهم ودنياهم. وهو إنما يصح بالاستقامة على السُّنَّة والوقوف مع الأمر والنهي.
والحال الشيطاني يسبِّبه (^٤) إما شرك أو فجور. وهو ينشأ من قرب الشياطين والاتصال بهم ومشابهتهم. وهذا الحال يكون لِعُبَّاد الأصنام والصُّلبان والنِّيران والشيطان. فإنَّ صاحبه لمَّا عبد الشيطان خلع عليه حالًا يصطاد به ضعفاءَ العقول والإيمان. ولا إله إلا الله، كم هلك بهؤلاء من الخلق ﴿لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١٣٧]! فكلُّ حالٍ خرج صاحبُه عن حكم الكتاب وما جاء به الرسول، فهو
_________________
(١) في الأصل: «عنهم»، ومن ثم قرأ النسَّاخ والناشرون: «ونفرته عنهم». والصواب ما أثبتنا من (ط) وحدها.
(٢) (ق): «وتجريده».
(٣) (أ، ق): «ونتيجة». وفي (ط): «ونتيجة شفقته للمسلمين».
(٤) الكلمة في الأصل مهملة وأولها حرف اللام. وفي (ق) والنسخ المطبوعة: «نسبته». وفي (غ): «بسببه». وفي (ب): «سنته». وفي حاشية (ج) بخط متأخر: «سببه»، وهي ساقطة منها.
[ ٢ / ٧٣٩ ]
فصل: الفرق بين الحكم المنزل الواجب الاتباع والحكم المؤول الذي غايته أن يكون جائز الاتباع
شيطاني، كائنًا ما كان.
وقد سمعتُ بأحوال السحرة وعُبَّاد النار وعُبَّاد الصليب وكثيرٍ ممن ينتسب إلى الإسلام ظاهرًا، وهو بريء منه في الباطن، له نصيبٌ من هذا الحال بحسب موالاته للشيطان ومعاداته للرحمن.
وقد يكون الرجل صادقًا، ولكن يكون ملبوسًا عليه بجهله (^١)، فيكون حاله شيطانيًّا، مع زهدٍ وعبادةٍ وإخلاص، لكن لُبسَ عليه الأمرُ لقلة علمه بأمور الشياطين والملائكة وجهله بحقائق الإيمان.
وقد حكى هؤلاء وهؤلاء (^٢) مَن ليس منهم، بل هو متشبِّهٌ صاحب مِحال (^٣) ومخاريق. ووقع الناس في البلاء بسبب عدم التمييز بين هؤلاء وهؤلاء، فحسبوا كلَّ سوداء تمرةً، وكل بيضاءَ شحمةً. والفرقان أعزُّ ما في هذا العالَم، وهو نورٌ يقذفه الله في القلب يفرِّق به بين الحق والباطل، ويزِنُ به حقائق الأمور، خيرَها وشرَّها، وصالحَها وفاسدَها، فمَن عدِمَ الفرقانَ وقع ولابدَّ في أشراك الشيطان، فالله المستعان وعليه التكلان.
فصل
والفرق بين الحكم المنزَّل الواجب الاتباع، والحكم المؤوَّل الذي غايته أن يكون جائز الاتباع: أنَّ الحكم المنزَّل: الذي (^٤) أنزله الله على رسوله
_________________
(١) (ب، ط، ز): «لجهله».
(٢) «وهؤلاء» ساقط من (ب).
(٣) في النسخ المطبوعة: «مخاييل»، تحريف. والمحال: المكر والحيلة.
(٤) ما عدا الأصل: «هو الذي».
[ ٢ / ٧٤٠ ]
وحكم به بين عباده، وهو حكمه الذي لا حكم له سواه.
وأما الحكم المؤوَّل، فهو أقوال المجتهدين المختلفة التي لا يجب اتباعها ولا يكفر ولا يفسق مَن خالفها، فإنَّ أصحابها لم يقولوا: هذا حكم الله ورسوله، بل قالوا: اجتهدنا برأينا، فمن شاء قَبِله، ومن شاء لم يقبله؛ ولم يُلزِموا به الأمة. بل قال أبو حنيفة: هذا رأيي، فمن جاءنا بخيرٍ منه قَبِلناه (^١). ولو كان هو عين حكم الله لما ساغ لأبي يوسف ومحمد وغيرهما مخالفته فيه.
وكذلك مالكٌ استشاره الرشيد أن يحمل الناس على ما في الموطأ، فمنعه من ذلك، وقال: قد تفرَّق أصحاب رسول الله - ﷺ - في البلاد، وصار عند كلِّ قومٍ علمٌ غيرُ ما عند الآخرين (^٢).
وهذا الشافعيُّ ينهى أصحابه عن تقليده، ويوصيهم بترك قوله إذا جاء الحديث بخلافه (^٣).
وهذا الإمام أحمد يُنكر على مَنْ كتب فتاويه ودوَّنها، ويقول: لا تُقلِّدني ولا تُقلِّد فلانًا ولا فلانًا، وخُذْ من حيث أخذوا (^٤).
_________________
(١) ذكر المصنف في إعلام الموقعين (١/ ٧٥) أن أبا يوسف والحسن بن زياد كليهما رواه عن أبي حنيفة. وانظر: مجموع الفتاوى (٢٠/ ٢١١).
(٢) وكذا في إعلام الموقعين (٢/ ٣٨٢) ومجموع الفتاوى (٣٠/ ٧٩). والمشهور أن الذي أراد أن يحمل الناس على الموطأ وقال ذلك لمالك هو أبو جعفر المنصور. انظر: ترتيب المدارك (٢/ ٧١ ــ ٧٣).
(٣) انظر أول مختصر المزني، وقد نقل منه المصنف في إعلام الموقعين (٢/ ٢٠٠). وانظر: معرفة السنن للبيهقي (٢/ ٤٥٤).
(٤) إعلام الموقعين (٢/ ٢٠١). وانظر: مجموع الفتاوى (٦/ ٢١٥).
[ ٢ / ٧٤١ ]
ولو علموا ﵃ أنَّ أقوالهم وحيٌ يجب اتباعه لحرَّموا على أصحابهم مخالفتَهم، ولمَا ساغ لأصحابهم أن يُفتوا بخلافهم في شيء، ولمَا كان أحدُهم يقول القول ثم يفتي بخلافه، فيُروى عنه في المسألة القولان والثلاثة وأكثر من ذلك. فالرأيُ والاجتهادُ أحسنُ أحواله أن يسوغ اتباعُه. والحكم المنزَّل لا يحِلُّ لمسلمٍ أن يُخالفه ولا يخرج عنه.
وأما الحكم المبدَّلُ، وهو الحكم بغير ما أنزل الله، فلا يحِلُّ تنفيذُه، ولا العملُ به، ولا يسوغ اتِّباعُه، وصاحبُه بين الكفر والفسوق والظلم.
* * * *
والمقصود: التنبيه على بعض أحوال النفس المطمئنة واللوَّامة والأمَّارة، وما تشترك فيه النفوس الثلاثة، وما يتميَّز به بعضُها من بعضٍ؛ وأفعالِ كلِّ واحدةٍ منها واختلافها ومقاصدها ونياتها. وفي ذلك تنبيهٌ [١٧٨ أ] على ما وراءَه.
وهي نفسٌ واحدةٌ تكون أمَّارةً تارةً، ولوَّامةً أخرى، ومطمئنةً أخرى. وأكثر الناس الغالب عليهم الأمَّارة. وأما المطمئنة فهي أقلُّ النفوس البشرية عددًا، وأعظمُها عند الله قدْرًا. وهي التي يقال لها: ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٨ ــ ٣٠].
والله سبحانه المسؤول المرجوُّ الإجابة، أن يجعل نفوسَنا مطمئنةً إليه، عاكفةً بهِمَّتها عليه، راهبةً (^١) منه، راغبةً فيما لديه، وأن يُعيذنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، وأن لا يجعلنا ممن أغفل قلبه عن ذكره، واتَّبع هواه،
_________________
(١) (ب، ج): «راضية».
[ ٢ / ٧٤٢ ]
وكان أمره فُرطًا؛ ولا يجعلنا من الأخسرين ﴿أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٣، ١٠٤]. إنه سميعُ الدعاء، وأهلُ الرجاء، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[ ٢ / ٧٤٣ ]