أقول الناس في حقيقة النفس
فصل
وأما المسألة التاسعة عشرة (^١)
وهي: ما حقيقة النفس؟ هل هي جزء من أجزاء البدن، أو عرض من أعراضه، أو جسمٌ مساكِن له مودَع فيه، أو جوهر مجرد؟ وهل هي الروح أو غيرها؟ وهل الأمَّارةُ واللوَّامة والمطمئِنَّة نفسٌ واحدة لها هذه الصفات، أم هي ثلاثة أنفس (^٢)؟
فالجواب: أنَّ هذه مسائل قد تكلَّم الناس فيها (^٣) من سائر الطوائف، واضطربت فيها أقوالهم، وكثر فيها خطؤهم. وهدى الله أتباعَ الرسول [١١٥ أ] وأهلَ سنته لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. فنذكر أقوال الناس وما لهم وعليهم (^٤) في تلك الأقوال، ونذكر الصوابَ بحمد الله وعونه.
_________________
(١) ما عدا (أ، ط): «عشر» بالتذكير. وفي (ن): «المسألة العشرون» ولم يرد فيها: «فصل وأما».
(٢) كذا في جميع النسخ بتأنيث العدد. وكذا جمع المؤلف ثلاث مسائل في عنوان هذه المسألة. وكأنه أراد أن يتكلم عليها جميعًا في هذا الفصل، ولكنه لما استطال الكلام على حقيقة النفس أفرد كلًّا من المسألتين الأخريين بفصل مستقل، ورقَّمهما بالعشرين والحادية والعشرين كما سيأتي. ثم فاته أن يحذف المسألتين من عنوان هذا الفصل.
(٣) «فيها» لم يرد في الأصل. وفي (غ): «فيها الناس».
(٤) (ب، ط، غ): «وما لهم عليه» ولعله إصلاح للنص لسقوط الواو قبل «عليهم» من الأصل.
[ ٢ / ٥١١ ]
قال أبو الحسن الأشعريُّ في مقالاته (^١): اختلف الناس في الروح والنفس والحياة، وهل الروح هي الحياة أو غيرها، وهل الروح جسم أم لا؟
فقال النظَّام: الروح جسم، وهي النفس (^٢). وزعم أن الروح حيٌّ بنفسه، وأنكر أن تكون الحياة والقوة معنًى غير الحيِّ والقوي (^٣).
وقال آخرون: الروح عَرَض.
وقال قائلون منهم جعفر بن حرب (^٤): لا ندري: الروح جوهر أو عرض (^٥)؟ واعتلُّوا في ذلك بقول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥]. ولم يخبر عنها ما هي، لا أنها (^٦) جوهر، ولا أنها عرض. قال: وأظن جعفرًا (^٧) أثبت الحياةَ غير الروح، وأثبت الحياةَ عرضًا.
_________________
(١) مقالات الإسلاميين (٣٣٣ ــ ٣٣٧).
(٢) أقحم في (ط) هنا: «وزعم أن الروح لا يجوز عليها الأعراض»، وهي ستأتي.
(٣) ما عدا الأصل: «الحي القوي»، وكذا في مطبوعة المقالات.
(٤) معتزلي بغدادي صاحب تصانيف (ت ٢٣٠) انظر: تاريخ بغداد (٧/ ١٦٢) وطبقات المعتزلة (٧٣) والفهرست (٢١٣).
(٥) في الأصل: «جوهرًا أو عرض»، وكتب فوق «عرض»: «كذا» يعني كذا ورد «عرض» في أصله غير منصوب مع عطفه على «جوهرا». وناسخ (ق) أثبت النص على الصواب، ولكن أقحم «كذا» في المتن! وفي النسخ المطبوعة: «كذا قال». ولعل هذه الزيادة الأخرى زادها بعض الناشرين. ثم جاء المحققون، فنصُّوا على أن ذلك من كلام ابن القيم!
(٦) لم ترد «أنها» في الأصل.
(٧) في الأصل: «ابن جعفر»، خطأ. وفي (ط، ن): «أن جعفرًا».
[ ٢ / ٥١٢ ]
وكان الجُبَّائي يذهب إلى أنَّ الروح جسم، وأنها غير الحياة، والحياة عرض. ويعتلُّ بقول أهل اللغة: خرجت روحُ الإنسان. وزعم أنَّ الروح لا تجوز عليها الأعراض.
وقال قائلون: ليس الروحُ شيئًا أكثرَ من اعتدال الطبائع الأربعة (^١)، ولم يرجعوا من قولهم [اعتدال] (^٢) إلا إلى المعتدل، ولم يثبتوا في الدنيا (^٣) شيئًا إلا الطبائع الأربعة التي هي: الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة.
وقال قائلون (^٤): إن الروح معنًى خامسٌ غيرُ الطبائع الأربعة، وأنه ليس في الدنيا إلا الطبائع الأربعة والروح.
واختلفوا في أعمال الروح، فثبَّتها (^٥) بعضهم طباعًا، وثبَّتها بعضهم اختيارًا.
وقال قائلون: الروح: الدم الصافي والخالصُ من الكدر والعفونات. وكذلك قالوا في القوة.
وقال [١١٥ ب] قائلون: الحياة هي الحرارة الغريزية.
وكلُّ هؤلاء الذي حكَينا قولهم في الروح من أصحاب الطبائع يثبتون أن الحياة هي الروح.
_________________
(١) كذا بتأنيث العدد في جميع النسخ هنا وفيما بعد، وهو جائز في الوصف، غير أنّ في مقالات الأشعري: «الأربع» في كل هذه المواضع.
(٢) زيادة من المقالات.
(٣) «في الدنيا» ساقط من (ط).
(٤) «قائلون» ساقط من الأصل.
(٥) (ب، ط): «فيثبتها».
[ ٢ / ٥١٣ ]
وكان الأصَمُّ (^١) لا يثبتُ الحياة والروح شيئًا غيرَ الجسد، ويقول: ليس أعقِلُ إلا الجسدَ الطويل العريض العميق الذي أراه وأشاهده. وكان يقول: النفسُ هي هذا البدن بعينه لا غير، وإنما جرى عليها هذا الذكر (^٢) على جهة البيان والتأكيد لحقيقة الشيء، لا على أنها معنًى غيرُ البدن.
وذكر عن أرِسْطاليس (^٣): أن النفس معنًى مرتفعٌ (^٤) عن الوقوع تحت النشوء والكون (^٥)، وأنها جوهر منبسط (^٦) مُنبَثٌّ في العالم كلِّه من الحيوان على جهة الإعمال له والتدبير، وأنه لا تجوز عليه صفة قلَّةٍ ولا كثرة. قال: وهي على ما وصفت من انبساطها في هذا العالم غيرُ منقسمةِ الذاتِ والبِنْية، فإنها (^٧) في كل حيوان العالم بمعنًى واحدٍ لا غير.
وقال آخرون: بل النفس معنًى موجودٌ ذاتُ حدود (^٨) وأركان، وطول
_________________
(١) أبو بكر عبد الرحمن بن كيسان. في طبقات المعتزلة (٥٦) أنه كان من أفصح الناس وأفقههم وأورعهم، وله تفسير عجيب. وفي الفهرست (٢١٤) أنه توفي سنة ٢٠٠، وقيل: ٢٠١.
(٢) «الذكر» ساقط من (أ، غ).
(٣) هذا في الأصل، وفي (ق، ن، غ): «أرسطاطاليس». وهما وجهان معروفان، ولكن في (ب، ط): «أرطاطاليس»!
(٤) «مرتفع» ساقط من الأصل.
(٥) «الكون» من (ن)، و«النشوء» من الأصل. وتصحفتا في غيرهما والنسخ المطبوعة إلى «النسق واللون». وفي المقالات: «تحت التدبير والنشوء والبلى، غير داثرة».
(٦) هذه قراءة الأصل و(غ)، ويؤيدها قوله: «انبساطها». وفي النسخ الأخرى والمقالات: «بسيط».
(٧) ما عدا الأصل: «وإنها».
(٨) «حدود» ساقط من الأصل.
[ ٢ / ٥١٤ ]
وعرض وعمق، وأنها غير مفارقة في هذا العالم لغيرها مما يجري عليه حكم الطول والعرض والعمق. وكلُّ واحد (^١) منهما يجمعهما صفة الحدِّ والنهاية (^٢).
وقالت طائفة (^٣): إن النفس موصوفةٌ بما وصفها هؤلاء الذين قدَّمنا ذكرَهم من معنى الحدود والنهايات، إلا أنها غيرُ مفارقة لغيرها مما لا يجوز (^٤) أن يكون موصوفًا بصفة الحيوان.
وحكى الحريري (^٥) عن جعفر بن مُبَشِّر (^٦): أن النفس جوهر، ليس هو هذا الجسمَ وليس بجسم، ولكنه معنى بايَنَ الجوهر والجسم.
وقال آخرون: النفسُ معنًى غيرُ الروح (^٧)، والروحُ غير الحياة، والحياة عنده عرضٌ. وهو أبو الهذيل، يزعم (^٨) أنه قد يجوز أن يكون الإنسان في حال نومه مسلوبَ النفس والروحِ دون الحياة [١١٦ أ]. واستَشْهد على ذلك بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾
_________________
(١) (ب، ط): «فكل واحد». وكذا في المقالات.
(٢) في المقالات: «وهذا قول طائفة من الثنوية يقال لهم المنانية».
(٣) قال الأشعري: وهؤلاء الدِّيصانية.
(٤) (ب، ط، ج): «مقارنة لغيرها لا يجوز».
(٥) (ن): «الجُريري» بالجيم المضمومة. ولم أقف على ترجمته.
(٦) الثقفي (ت ٢٣٤) هو مثل جعفر بن حرب من معتزلة بغداد، وكلاهما مشهور عندهم بالعلم والورع. طبقات المعتزلة (٧٦) وتاريخ بغداد (٧/ ١٦٢).
(٧) (ط): «غير معنى الروح».
(٨) كذا في الأصل. وفي غيره والمقالات: «وزعم».
[ ٢ / ٥١٥ ]
[الزمر: ٤٢].
وقال جعفر بن حرب: النفس عَرَضٌ من الأعراض يوجَد في هذا الجسم، وهو أحد الآلات التي يستعين بها الإنسان على الفعل كالصحة والسلامة وما أشبهها، وأنها غير موصوفة بشيء من صفات الجواهر والأجسام (^١).
هذا ما حكاه الأشعري.
وقال طائفة: النفس هي النسيم الداخل والخارج بالتنفُّس. قالوا: والروح عرَضٌ، وهي (^٢) الحياة فقط، وهو غيرُ النَّفْس، وهذا قول القاضي أبي بكر بن الباقلاني ومن اتَّبعه من الأشعرية (^٣).
وقالت طائفة: ليست النفس جسمًا ولا عرضًا وليست في مكان، ولا لها طول ولا عرض ولا عمق ولا لون ولا بعض (^٤). ولا هي في العالم ولا خارجَه، ولا محايثة (^٥) له ولا مباينة. وهذا قول المشَّائين، وهو الذي حكاه الأشعري عن أرسطاطاليس (^٦). وزعموا أن تعلُّقها بالبدن لا بالحلول فيه
_________________
(١) كذا نقل الأشعري قول جعفر بن حرب هذا دون تعقيب، مع أنه قبل قليل ذكر قوله بأنه لا يدري عن الروح أجوهر هو أم عرض!
(٢) ما عدا الأصل: «وهو».
(٣) هذه الفقرة وجزء من الفقرة الآتية منقولة من كتاب الفصل لابن حزم (٣/ ٢١٤).
(٤) بعده في الفصل: «وأنها هي الفعالة المدبرة، وهي الإنسان. وهو قول بعض الأوائل، وبه يقول معمَّر بن عمرو العطار أحد شيوخ المعتزلة.
(٥) هذه قراءة (غ)، والأصل غير منقوط. وفي غيرهما: «مجانبة».
(٦) (ب، ط): «أرطاطاليس».
[ ٢ / ٥١٦ ]
ولا بالمجاورة ولا بالمساكنة ولا بالاتصال بالمقابلة؛ وإنما هي بالتدبير له فقط.
واختار هذا المذهب البُوشَنْجي (^١)، ومحمد بن النعمان الملقب بالمفيد (^٢)، ومُعمَّر بن عبَّاد (^٣)، والغزالي. وهو قول ابن سينا وأتباعه. وهو أردأ المذاهب وأبطلُها، وأبعدُها من الصواب (^٤).
قال أبو محمد بن حزم (^٥): وذهب سائر أهل الإسلام والملل المقِرَّة بالمعاد (^٦) إلى أن النفس جسمٌ طويل عريض عميق، ذات مكان، حيَّة (^٧) مميِّزة مصرِّفة للجسد. قال: وبهذا نقول. قال: والنفس والروح اسمان
_________________
(١) (ب، ط، ج): «أبو يحيى»، والظاهر أنه تحريف. ولعل المقصود بالمذكور هنا أبو الحسن علي بن أحمد البوشنجي الصوفي (ت ٣٤٨) من مشايخ خراسان. ترجمته في طبقات السلمي (٤٥٨).
(٢) البغدادي (ت ٤١٣). ويُعرف أيضًا بابن المعلم. من كبار علماء الشيعة. سير أعلام النبلاء (٣٣/ ٣٣٣).
(٣) السُّلَمي البصري (ت ٢١٥) من رؤوس المعتزلة. الفهرست (٢٠٧)، طبقات المعتزلة (٥٤).
(٤) قال الآلوسي: «وهو قول أكثر الإلهيين من الفلاسفة، وذهب إليه جماعة عظيمة من المسلمين». وذكر منهم الراغب والغزالي ومحمد بن عباد والمفيد، ثم قال: «ومن الكرامية جماعة، ومن أهل المكاشفة والرياضة أكثرهم». روح المعاني (٨/ ١٤٨). وهو صادر في ذلك عن تفسير الرازي (٢١/ ٤٦). وانظر نحوه في المواقف (٢/ ٦٧٠) وكشاف التهانوي (٣/ ١٤٠١).
(٥) في الفصَل (٣/ ٢١٤).
(٦) (ن): «بالبعث».
(٧) في الأصل: «جثة». وفي كتاب الفصل مكانه: «عاقلة».
[ ٢ / ٥١٧ ]
ضبط ابن الخطيب لمذاهب الناس في النفس
مترادفان بمعنى واحد، ومعناهما واحد.
وقد ضبط أبو عبد الله بن الخطيب (^١) مذاهب الناس في النفس، فقال (^٢): «ما يشير إليه كلُّ إنسان بقوله: (أنا) إما أن يكون جسمًا، أو عرَضًا ساريًا في الجسم، أو لا جسمًا ولا عرَضًا ساريًا فيه.
أما [١١٦ ب] القسم الأول، وهو أنه جسم، فذلك الجسم إما أن يكون هو هذا البدنَ، وإما أن يكون جسمًا مشاركًا لهذا (^٣) البدن، وإما أن يكون خارجًا عنه.
وأما القسم الثالث (^٤)، وهو أن نفس الإنسان عبارة عن جسم خارجَ هذا (^٥) البدن، فهذا لم يقُلْه أحد.
وأما القسم الأول، وهو أن الإنسان عبارةٌ عن هذا البدنِ والهيكلِ المخصوص، فهو قول جمهور الخلق، وهو المختار عند أكثر المتكلمين» (^٦).
_________________
(١) زاد في (ن): «الفخر الرازي».
(٢) لم يصرّح المصنف بمصدره، ولم يرجع إلى تفسير الرازي ولا إلى كتابه في الروح والنفس. وانظر تقسيمًا شبيهًا بهذا في التفسير (٢١/ ٤٠) تحت قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾.
(٣) الأصل: «هذا».
(٤) (ق): «الثاني». (ن): «الأول».
(٥) (ط): «عن هذا».
(٦) وقال في التفسير (٢١/ ٤١): «أما القائلون بأن الإنسان عبارة عن هذه البنية المحسوسة وعن هذا الجسم المحسوس فهم جمهور المتكلمين واعلم أن هذا القول عندنا باطل» وقد أبطله بسبع عشرة حجة نقلية وعقلية. وفي التفسير (١٧/ ٢٠٢) أيضًا قال: «إن هذا القول أبعد الأقاويل». وكذلك قال في كتابه «النفس والروح» (٢٧): «اعلم أن الذي يشير إليه كل أحد بقوله: أنا جئت شيء غير هذه البنية الظاهرة المحسوسة، ويدل عليه المعقول والمنقول». ثم ساق ست عشرة حجة عقلية ونقلية.
[ ٢ / ٥١٨ ]
قلت: هو قول جمهور الخلق الذين عرفَ الرازي أقوالَهم من أهل البدع وغيرهم من المضلِّين (^١)، وأما أقوال الصحابة والتابعين وأهلِ الحديث فلم يكن له بها شعورٌ البتَّةَ، ولا اعتقد أن لهم في ذلك قولًا، على عادته في حكاية المذاهب الباطلة في المسألة. والمذهبُ الحقُّ الذي دلَّ عليه القرآن والسنة وأقوال الصحابة لم يعرفه ولم يذكره (^٢). وهذا الذي نسبه إلى جمهور الخلق، من أن الإنسان هو هذا البدنُ المخصوص فقط وليس وراءه شيء، هو من أبطل الأقوال في المسألة، بل هو أبطَلُ من قول ابن سينا وأتباعه. بل الذي عليه جمهور العقلاء أن الإنسان هو البدن والروح معًا. وقد يُطلق اسمه على أحدهما دون الآخر بقرينة (^٣).
_________________
(١) (ب، ط، ج): «المتكلمين».
(٢) سيورد المصنف بعد تعقيبه هذا بقية كلام الرازي. وقد ذكر فيه أقوال القائلين بأن الإنسان عبارة عن جسم مخصوص موجود في داخل هذا البدن. والقول السادس منها أنه جسم نوراني علوي إلخ. وقال المصنف عنه: إنه هو الصواب في المسألة، وعليه دلَّ الكتاب والسُّنَّة وإجماعة الصحابة إلخ. فكيف يصحّ قوله هنا: إنّ الرازي لم يعرف المذهب الحق ولم يذكره؟
(٣) يقول الرازي في كتاب النفس والروح (٥٠): «النفس قد يراد بها المعنى المشار إليه بقوله (أنا)، وقد يراد بها الجثة المحسوسة والهيكل المشاهد».
[ ٢ / ٥١٩ ]
فالناس (^١) لهم أربعة أقوال في مسمى الإنسان: هل هو الروح فقط، أو البدن فقط، أو مجموعهما، أو كل واحد منهما؟ وهذه الأقوال الأربعة لهم في كلامه: هل هو اللفظ فقط، أو المعنى فقط، أو مجموعهما، أو كل واحد منهما (^٢)؟ فالخلاف بينهم في الناطق ونطقه.
قال الرازي: «وأما القسم الثاني وهو أن الإنسان عبارةٌ عن جسم مخصوص موجود في داخل هذا البدن، فالقائلون بهذا القول اختلفوا في تعيين ذلك الجسم على وجوه:
الأول: أنه عبارة عن الأخلاط [١١٧ أ] الأربعة التي منها يتولد (^٣) هذا البدن.
والثاني: أنه الدم.
والثالث: أنه الروح اللطيفُ الذي يتولَّد في الجانب الأيسر من القلب، وينفذ في الشَّرْيانات إلى سائر الأعضاء.
والقول الرابع: أنه الروح الذي يصعد في القلب (^٤) إلى الدماغ ويتكيف بالكيفية الصالحة لقبول قوة الحفظ والفكر والذكر.
والخامس: أنه جزء لا يتجزأ في القلب.
والسادس: أنه جسم مخالف (^٥) بالماهية لهذا الجسم المحسوس،
_________________
(١) (ب، ط): «والناس».
(٢) ما عدا (أ، ق، غ): «كل منهما».
(٣) ما عدا (أ، ق): «يتولد منها». وقد سقط «منها» من (غ).
(٤) (ن): «من القلب».
(٥) (ب، ط، ج): «يخالف».
[ ٢ / ٥٢٠ ]
[الصواب في المسألة والأدلة عليه]
[الأدلة النقلية]
وهو جسم نُوراني عُلْوِيٌّ خفيف حيٌّ متحرك (^١) ينفذ في جوهر الأعضاء، ويسري فيها سَرَيان الماء في الورد، وسريان الدُّهْن في الزيتون، والنارِ في الفحم. فما دامت هذه الأعضاء صالحةً لقبول الآثار الفائضة عليها من هذا الجسم اللطيف، بقي ذلك الجسم اللطيف مشابكًا (^٢) لهذه الأعضاء، وأفادَها هذه الآثارَ من الحسِّ والحركة الإرادية (^٣). وإذا فسدتْ هذه الأعضاء (^٤) بسبب استيلاء الأخلاط الغليظة عليها، وخرجت عن قبول تلك الآثار، فارق الروحُ البدنَ، وانفصل إلى عالم الأرواح».
وهذا القول هو الصواب في المسألة، وهو الذي لا يصحُّ غيره، وكلُّ الأقوال سواه باطلةٌ، وعليه دلَّ الكتاب والسُّنَّة وإجماع الصحابة وأدلة العقل والفطرة. ونحن نسوق الأدلة عليه على نسَق واحد:
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: ٤٢].
ففي الآية ثلاثة أدلة: الإخبارُ بتوفِّيها، وإمساكها، وإرسالها.
الرابع: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ
_________________
(١) الأصل: «متحول».
(٢) (غ): «متشابكًا، ورسمها في الأصل محتمل لهذه القراءة. وفي (ب، ط، ج): «تشابها»، تصحيف.
(٣) (غ): «الحركة والإرادة».
(٤) «وأفادها الأعضاء» ساقط من الأصل.
[ ٢ / ٥٢١ ]
بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ إلى قوله:
﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ٩٣ ــ ٩٤].
وفيها أربعة (^١) أدلَّة:
أحدها (^٢): بسطُ الملائكة أيديَهم لتناولها.
الثاني: وصفُها بالإخراج والخروج.
الثالث: الإخبار عن عذابها ذلك اليوم.
الرابع: الإخبار عن مجيئها إلى ربها.
فهذه سبعة أدلة.
الثامن: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦٠ ــ ٦١].
وفيها ثلاثة أدلة:
أحدها: الإخبار بتوفِّي الأنفس بالليل.
الثاني: بعثها إلى أجسادها بالنهار.
الثالث: تَوفِّي الملائكة له عند الموت.
_________________
(١) «أربعة» ساقط من الأصل.
(٢) (ن): «الأول» هنا وفي معظم الأدلة الآتية مكان «أحدها». وفيما بعده كتب رقم (٢) مكان «الثاني» إلى آخره. وكذا فعل في الدليل الثامن. واختصر الآيات كعادته.
[ ٢ / ٥٢٢ ]
فهذه عشرة أدلَّة.
الحادي عشر: قوله تعالى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠]. وفيها ثلاثة أدلة:
أحدها: وصفها بالرجوع.
والثاني: وصفها بالدخول.
والثالث: وصفها بالرِّضا.
واختلف السلف: هل يقال لها ذلك عند الموت، أو عند البعث، أو في الموضعين؟ على ثلاثة أقوال (^١). وقد روي في حديث مرفوع أن النبي - ﷺ - قال لأبي بكر الصديق: «أمَا، إنَّ الملَكَ سيقولها لك (^٢) عند الموت» (^٣).
وقال زيد بن أسلم: بُشِّرت بالجنة عند الموت، ويوم الجمع، وعند
_________________
(١) انظر ما سبق من الكلام على الآية في المسائل الثانية والخامسة والثامنة والرابعة عشرة.
(٢) (ق): «ذلك»، خطأ.
(٣) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٢٤/ ٣٩٦)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٨٣ ــ ٢٨٤) من طريق يحيى بن يمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد بن جبير قال: قُرئت: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٧ ــ ٢٨] عند النبي - ﷺ - فقال أبو بكر: إن هذا لحسن، فقال رسول الله - ﷺ - (فذكره). وفيه انقطاع، فإن سعيد بن جبير لم يدرك أبا بكر، وأشعث هو ابن إسحاق القمِّي، وشيخه جعفر هو ابن أبي المغيرة الخزاعي القمِّي. وجاء موصولًا من وجه آخر، أخرجه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول (٧٤). وفي إسناده سويد بن عبد العزيد الدمشقي وهو ضعيف. (قالمي).
[ ٢ / ٥٢٣ ]
البعث (^١).
وقال أبو صالح: ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨)﴾ هذا عند الموت. ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ قال: هذا يومَ القيامة (^٢).
فهذه أربعة عشر دليلًا (^٣).
الخامس عشر: قوله - ﷺ -: «إنَّ الروح إذا قُبِضَ تبعه البصَرُ» (^٤). ففيه دليلان: أحدهما: وصفه بأنه يُقبض. الثاني: أن البصر يراه.
والسابع عشر (^٥): ما رواه النسائي (^٦): حدثنا أبو داود، عن عفان، عن حماد عن أبي جعفر، عن عُمارة بن خزيمة، أن أباه قال: رأيت في المنام كأني [١١٨ أ] أسجد على جبهة النبي - ﷺ -، فأخبره (^٧) بذلك، فقال: «إن الروح
_________________
(١) أخرجه الطبري في التفسير (٢٤/ ٣٩٦).
(٢) المصدر السابق.
(٣) كذا في جميع النسخ. وهو غير صحيح، فإنها ثلاثة عشر دليلًا. وقد عدّ من قبل عشرة، وهذه ثلاثة، وستأتي أخطاء أخرى في العدّ ننبِّه عليها دون تغيير الترقيم.
(٤) أخرجه مسلم (٩٢٠) من حديث أم سلمة.
(٥) لم ترد الواو فيما عدا (أ، ق، غ).
(٦) في الكبرى (٧٦٣١). وإسناده صحيح؛ رجاله كلهم ثقات، أبو داود هو سليمان بن سيف الحرّاني، وعفّان هو ابن مسلم الصفّار، وحماد هو ابن سلمة، وأبو جعفر هو عُمير بن يزيد الخطميّ، وأبو عُمارة هو الصحابي الجليل خزيمة بن ثابت الأنصاري ذو الشهادتين. ومن طريق حماد أخرجه الإمام أحمد (٢١٨٦٤، ٢١٨٧٨)، وابن سعد في الطبقات الكبرى (٤/ ٣٨٠)، وابن أبي شيبة (٣٠٥١٥)، والطبراني (٣٧١٧). وانظر: السلسلة الصحيحة (٣٢٦٢). (قالمي).
(٧) (ق، غ): «فأخبر». (ب، ط، ج، ن): «فأخبرته». والمثبت من الأصل موافق لما في السنن.
[ ٢ / ٥٢٤ ]
ليلقَى الروح»، فأقنَعَ (^١) رسول الله - ﷺ - هكذا ــ قال عفان برأسه إلى خلفه ــ فوضع جبهته على جبهة النبي - ﷺ -.
فأخبرَ أن الأرواح تتلاقى في المنام.
وقد تقدَّم قول ابن عباس (^٢): تلتقي أرواح الأحياء والأموات (^٣) في المنام، فيتساءلون بينهم، فيمسك الله أرواح الموتى.
الثامن عشر: قوله - ﷺ - في حديث بلال: «إنَّ الله قبض أرواحكم وردَّها إليكم حين شاء» (^٤). ففيه دليلان: وصفُها بالقبض، والرَّدِّ.
العشرون: قوله - ﷺ -: «نَسَمة المؤمن طائرٌ يعلقُ في شجر الجنة» (^٥). وفيه دليلان:
أحدهما: كونُه (^٦) طائرًا.
الثاني: تعلُّقها في شجر الجنة (^٧)، وأكلُها، على اختلاف التفسيرين (^٨).
_________________
(١) أقنع رأسه: رفعه.
(٢) في (ن): «حديث النبي - ﷺ -»، وهو خطأ. وقد تقدم في أول المسألة الثالثة.
(٣) (ن): «وأرواح الموتى».
(٤) تقدم في المسألة السابعة عشرة (ص ٤٣٣).
(٥) تقدَّم تخريجه (ص ١١١).
(٦) (ب، ط، ج): «كونها».
(٧) «كونه الجنة» ساقط من الأصل.
(٨) لم يذكر المصنف فيما سبق إلا معنى الأكل. وقد فرَّق ابن عبد البر في الاستذكار (٣/ ٩٠) بين الروايتين في المعنى. ففسّر «يعلَق» بفتح اللام بمعنى يسرَح، و«يعلُق» بضم اللام بمعنى تأكل وترعى. أما معنى التعلق بالشجر فذكره صاحب مرقاة المفاتيح (٤/ ٩٩) عن الطيبي.
[ ٢ / ٥٢٥ ]
الثاني والعشرون: قوله: «أرواحُ الشهداء في حواصل طير خُضْرٍ تسرَح في الجنة حيث شاءت، وتأوي إلى قناديلَ معلَّقةٍ بالعرش، فاطَّلع إليهم ربُّك اطِّلاعةً فقال: أيَّ شيء تريدون؟ ..» الحديث، وقد تقدم (^١). وفيه ستة أدلة:
أحدها: كونُها مودَعةً في جوف طير.
الثاني: أنها تسرح في الجنة.
الثالث: أنها تأكل من ثمارها، وتشرب من أنهارها.
الرابع: أنها تأوي إلى تلك القناديل أي: تسكن إليها.
الخامس: أنَّ الربَّ تعالى خاطبها واستنطقها، فأجابته وخاطبته.
السادس: أنها طلبت الرجوعَ إلى الدنيا. فعُلِم أنها مما يقبلُ الرجوع.
فإن قيل: هذا كلُّه صفة الطير لا صفةُ الروح. قيل: بل الروحُ (^٢) المودَعةُ في جوف الطير قصدًا (^٣). وعلى الرواية التي رجَّحها أبو عمر (^٤)، وهي قوله: «أرواح الشهداء كطير» ينتفي السؤال بالكلية.
التاسع والعشرون (^٥): قوله في حديث طلحة بن عبيد الله (^٦): أردتُ
_________________
(١) في المسألة الخامسة (ص ١١٢) ثم الرابعة عشرة (ص ٢٩٢).
(٢) (ب، ط، ج): «بل هو الروح». (ن): «بل هو للروح». ولعل الصواب: «بل للروح».
(٣) كذا في جميع النسخ.
(٤) في الاستذكار (٣/ ٧٦) وقد تقدم نقل كلامه في المسألة الخامسة عشرة.
(٥) كذا في جميع النسخ. وصوابه: «الثامن والعشرون» ولكن قد سبق أن زاد في العدّ، فالعدد الحقيقي: السابع والعشرون.
(٦) سبق تخريجه في المسألة الخامسة عشرة (ص ٣٠٧).
[ ٢ / ٥٢٦ ]
مالي بالغابة، فأدركني الليل، فأويت إلى قبر عبد الله بن عمرو بن حرام [١١٨ ب]، فسمعت قراءةً من القبر ما سمعتُ أحسنَ منها. فقال رسول الله - ﷺ -: «ذاك عبد الله، ألم تعلم أنَّ الله قبض أرواحهم، فجعلها في قناديلَ من زَبَرْجَد وياقوت، ثم علَّقها وسط الجنة، فإذا كان الليل رُدَّت إليهم أرواحهم، فلا تزال كذلك حتى إذا طلع الفجر رُدَّت أرواحهم إلى مكانها الذي (^١) كانت فيه». ففيه (^٢) أربعة أدلة سوى ما تقدم:
أحدها: جعلُها في القناديل.
الثاني: انتقالها من حيِّز إلى حيِّز (^٣).
الثالث: تكلُّمها وقراءتها في القبر (^٤).
الرابع: وصفها بأنها في مكان.
الثالث والثلاثون: حديث البراء بن عازب، وقد تقدَّم سياقُه (^٥). وفيه عشرون دليلًا:
أحدها: قول ملَك الموت لنفسه: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: ٢٧]. وهذا خطاب لمن يعقل ويفهم (^٦).
_________________
(١) في جميع النسخ: «التي».
(٢) كذا في (ط، ن). وفي الأصل: «كانت فيه». وفي (ق): «كانت وفيه». وفي غيرها: «كانت ففيه».
(٣) كلمة «حيِّز» تصحف في (ق) إلى «حين» وفي (ب) إلى «خير».
(٤) (ن): «القبور».
(٥) في أول المسألة السادسة.
(٦) هكذا في جميع النسخ الخطية، ولكن في النسخ المطبوعة: «الخطاب لمن يفهم ويعقل».
[ ٢ / ٥٢٧ ]
الثاني: قوله: «اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان».
الثالث: قوله: «فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من فِي السِّقاء».
الرابع: قوله: «فلا يدَعونها في يده طَرْفَة عين حتى يأخذوها منه».
الخامس: قوله: «حتى يكفنوها في ذلك الكفن ويحنطوها (^١) بذلك الحنوط». فأخبر أنَّها تُكفَّن وتحنَّط.
السادس: قوله: «ثم يُصعَد بروحه إلى السماء».
السابع: قوله: «ويوجد منها كأطيب نفحةِ مسكٍ وجدت».
الثامن: قوله: «فتُفتَح له أبوابُ السماء».
التاسع: قوله: «ويشيِّعه من كلِّ سماء مقرَّبوها حتى ينتهي إلى الرب تعالى».
العاشر: قوله: «فيقول تعالى: رُدُّوا عبدي إلى الأرض».
الحادي عشر: قوله: «فتُرَدُّ روحُه في جسده».
الثاني عشر: قوله في روح الكافر: «فتَفرَّقُ (^٢) في جسده، فيجذِبها، فتنقطع منها العروق والعصب».
الثالث عشر: قوله (^٣): «ويوجد لروحه كأنتنِ ريحٍ وُجدت على وجه الأرض».
_________________
(١) ما عدا (أ، ق): «يكفنونها ويحنطونها».
(٢) السياق في (ط، ب، ج): «قوله: روح الكافر تتفرق».
(٣) «في روح قوله» ساقط من الأصل.
[ ٢ / ٥٢٨ ]
الرابع عشر: قوله: «فيُقذَف بروحه من السماء، وتُطْرَح طرحًا فتهوي إلى الأرض» (^١).
الخامس عشر: قوله: «فلا يمرُّون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا [١١٩ أ]: ما هذا الروح الطيب؟ وما هذا الروح الخبيث؟».
السادس عشر: قوله: «فيُجلِسانه ويقولان له (^٢): ما كنتَ تقول في هذا الرجل؟» فإن كان هذا للروح فظاهرٌ (^٣)، وإن كان للبدن فهو بعد رجوع الروح إليه من السماء.
السابع عشر: قوله: «فإذا صعد بروحه، قيل: أَيْ ربِّ، عبدُك فلان».
الثامن عشر: قوله: «أرجِعوه، فأرُوه ماذا أعددتُ له من الكرامة، فيرى مقعده من الجنة أو النار».
التاسع عشر: قوله في الحديث: «إذا خرجت روح المؤمن صلَّى عليها كلُّ ملَكٍ لله بين السماء والأرض». فالملائكةُ تصلِّي على روحه، وبنو آدم يصلُّون على جسده.
العشرون: قوله: «فينظرُ إلى مقعده من النار حتى تقومَ الساعة». والبدنُ قد تمزَّق وتلاشى، وإنما الذي يرى المقعدَين الروحُ.
_________________
(١) (ب، ط، ج): «في الأرض».
(٢) «له» ساقط من (ب، ط).
(٣) «فظاهر» ساقط من الأصل.
[ ٢ / ٥٢٩ ]
فصل: الدليل الرابع والخمسون
فصل
الرابع والخمسون (^١): حديث أبي موسى (^٢): «تخرج نفسُ المؤمن أطيبَ من ريح المسك، فتنطلق بها الملائكة الذين يتوفَّونه، فتلقاهم (^٣) ملائكةٌ من دون السماء، فيقولون: هذا فلان بن فلان، كان يعمل كيتَ وكيتَ ــ لمحاسن (^٤) عمله ــ فيقولون: مرحبًا بكم وبه، فيقبضونها منهم، فيُصعَد به من الباب الذي كان يَصعدُ منه عملُه، فيشرق (^٥) في السموات وهو (^٦) برهان كبرهان الشمس، حتى ينتهى بها إلى العرش. وأما الكافر فإذا قُبِض انطُلِق بروحه، فيقولون: من هذا؟ فيقولون: فلان بن فلان، كان يعمل كيتَ وكيت ــ لمساوي عمله ــ فيقولون: لا مرحبًا لا مرحبًا، رُدُّوه. فيُرَدُّ إلى أسفلِ الأرض إلى الثرى». ففيه عشرة أدلة:
أحدها: خروجُ نفسه.
الثاني: طيب ريحها.
الثالث: انطلاقُ الملائكة بها.
الرابع: تحيةُ الملائكة لها.
_________________
(١) كذا في جميع النسخ، وصوابه: الثالث والخمسون، والعدد الحقيقي: الحادي والخمسون، فإنه سها، فزاد من قبل مرتين.
(٢) سبق تخريجه في المسألة الخامسة عشرة (ص ٣١٧).
(٣) (غ): «فتتلقاهم».
(٤) في جميع النسخ: «بمحاسن» بالباء. وفيما بعد «لمساوي» باللام في معظم النسخ!
(٥) (ق): «فتشرق». وفي (ط): «فيسير»، تحريف.
(٦) (غ): «ولها». وفي (ط) حاشية: «لعله: وله». وقد سقط «برهان» بعده من (ق).
[ ٢ / ٥٣٠ ]
فصل: الدليل الرابع والستون
الخامس: قبضُهم لها.
السادس: صعودُهم بها.
السابع: إشراقُ السماوات لضوئها.
الثامن (^١): انتهاؤها إلى العرش.
التاسع: قول الملائكة: من [١١٩ ب] هذا؟ وهذا سؤال عن عينٍ وذاتٍ (^٢) قائمةٍ بنفسها.
العاشر: قوله: رُدُّوه، فيُرَدُّ إلى أسفل الأرضين.
فصل
الرابع والستون: حديث أبي هريرة (^٣): «إذا خرجت روحُ المؤمن تلقَّاه ملكان، فيُصعِدانه إلى السماء، فيقول أهل السماء: روحٌ طيبة جاءت من قِبَل الأرض. صلى الله عليكِ وعلى جسدٍ كنت تعمُرينه ــ وذكر المسكَ ــ ثم يصعَدُ به إلى ربِّه ﷿، فيقول: رُدُّوه إلى آخر الأجلين». ففيه ستة أدلة:
أحدها: قوله: تلقَّاه ملكان.
الثاني: قوله: «فيُصعدانه إلى السماء».
الثالث: قول الملائكة: «روح طيبة جاءت من قِبَل الأرض».
_________________
(١) في الأصل: «السابع»، وهو سهو.
(٢) (ج): «عن ذات». (ب، ط): «عن ذوات».
(٣) أخرجه مسلم (٢٨٧٢).
[ ٢ / ٥٣١ ]
فصل: الدليل الحادي والسبعون
الرابع: صلاتهم عليها.
الخامس: طيبُ ريحها.
السادس: الصعودُ بها إلى الله ﷿.
فصل
الحادي والسبعون: حديث أبي هريرة (^١): «إن المؤمن تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل الصالح قالوا: اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدةً، وأبشري برَوح وريحان وربٍّ غيرِ غضبان. فما يزال يقال لها ذلك حتى تخرج، فيُعرَج بها حتى يُنتهَى بها (^٢) إلى السماء، فيُستفتح لها. فيقال: مَن هذا؟ فيقال: فلان بن فلان. فيقال: مرحبًا بالنفس الطيبة كانت في الجسد الطيب! ادخلي حميدةً، وأبشري برَوح وريحان وربٍّ غيرِ غضبان. فلا يزال يقال لها ذلك حتى يُنتهَى بها إلى السماء التي فيها الله ﷿.
وإذا كان الرجل السوء قالوا (^٣): اخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة، وأبشري بحميم وغسَّاق وآخرَ من شكله أزواج! فلا يزال يقالُ لها ذلك حتى تخرج، فيُنتهَى بها إلى السماء، فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان بن فلان. فيقال: لا مرحبًا بالنفس الخبيثة كانت في
_________________
(١) سبق تخريجه في المسألة السادسة (ص ١٣٩)، ولفظه هنا منقول من كتاب عذاب القبر للبيهقي (٢٣).
(٢) «حتى ينتهى بها» ساقط من (ب).
(٣) (ب، ط، ج): «قال».
[ ٢ / ٥٣٢ ]
الجسد [١٢٠ أ] الخبيث! ارجعي (^١) ذميمةً، فإنه لا تُفتَح لك أبواب السماء. فتُرسَل إلى الأرض، ثم تصير إلى القبر».
وهو حديث صحيح، وفيه عشرة أدلة:
الأول: قوله: «كانت في الجسد الطيب» و«كانت في الجسد الخبيث». فهاهنا حالٌّ، ومحلٌّ.
الثاني: قوله (^٢): «اخرجي حميدة».
الثالث: قوله: «وأبشري بروح وريحان» (^٣) فهذا بشارة (^٤) بما تصير إليه بعد خروجها.
الرابع: قوله: «فلا يزال يقال لها ذلك حتى ينتَهى بها إلى السماء» (^٥).
الخامس: قوله: «فيستفتَح لها».
السادس: قوله: «ادخلي حميدة».
السابع: قوله: «حتى ينتهَى بها إلى السماء التي فيها الله».
الثامن: قوله لنفس الفاجر (^٦): «ارجعي ذميمة».
_________________
(١) في الأصل: «اخرجي»، وهو سهو. وسيأتي في تفصيل الأدلَّة على الصواب.
(٢) حذف ناسخ (ن) «قوله» هنا وفيما يأتي من الأدلة.
(٣) في (ط، ب) نقل قوله إلى «فيعرج بها إلى السماء» وهو من تصرّف النسَّاخ، فإن هذه العبارة جاءت في «الرابع».
(٤) في الأصل: «إشارة»، سهو. وفي (ن): «فهذه بشارة».
(٥) (ط): «السماء الدنيا». وفي (ب، ج): «حتى تنتهي إلى سماء الدنيا».
(٦) (ب، ط): «للنفس الفاجرة».
[ ٢ / ٥٣٣ ]
فصل: الدليل الحادي والثمانون
التاسع: قوله: «فإنه لا تُفتَح لكِ أبواب السماء».
العاشر: قوله: «فتُرسَل إلى الأرض ثم تصير إلى القبر».
فصل
الحادي والثمانون: قوله - ﷺ -: «الأرواح جنود مجنَّدة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف» (^١). فوصَفَها بأنها جنود مجنَّدة (^٢)، والجنود ذواتٌ قائمة بنفسها (^٣). ووصَفَها بالتعارف والتناكر، ومُحالٌ أن تكون هذه الجنود أعراضًا، أو تكون لا داخل العالم ولا خارجه، ولا بعضَ لها ولا كلَّ.
الثاني والثمانون: قوله في حديث ابن مسعود وعلي (^٤): «الأرواح تتلاقى وتتشامُّ كما تَشَامُّ الخيلُ». وقد تقدَّم (^٥).
الثالث والثمانون: قوله في حديث عبد الله بن عمرو: «إنَّ أرواح المؤمنين لتتلاقى على مسيرة يومين، وما رأى أحدهما صاحبه» (^٦).
_________________
(١) سبق تخريجه (ص ٢٧٧).
(٢) «مجندة» ساقط من (ب، ط، ج).
(٣) (ب، ط، ج): «بأنفسها».
(٤) في النسخ المطبوعة التي بين يدي: «ابن مسعود ﵁: على الأرواح ». مع أن في جميع النسخ الخطية: «وعلي» بالواو. ولكن ظنُّوها حرف جرٍّ ــ وخاصة لأن بعض النسَّاخ زاد كلمة الترضي بعد ابن مسعود وحده، مثل ناسخ (ط) ــ فحذفوا الواو لإصلاح النص، دون تنبيه على ما في النسخ الخطية.
(٥) انظر حديث علي وحديث ابن مسعود ــ وهو موقوف ــ كليهما في المسألة الثالثة.
(٦) سبق في (ص ٣١٢) موقوفًا، وقد أشار هناك إلى أنه يروى مرفوعًا أيضًا.
[ ٢ / ٥٣٤ ]
الرابع والثمانون: الآثار التي ذكرناها في خلق آدم (^١)، وأنَّ الروح لما دخل في رأسه عَطَس (^٢) فقال: الحمد لله، فلما وصل (^٣) إلى عينيه نظر إلى ثمار الجنة، فلما وصل إلى جَوفه اشتهى الطعام، فوثب [١٢٠ ب] قبل أن يبلغ الروح رجليه، وأنها دخلت كارهةً وتخرج كارهة.
الخامس والثمانون: الآثار التي فيها إخراج الرب تعالى النَّسَم، وتمييزُ شقيِّهم من سعيدهم، وتفاوتُهم حينئذ في الإشراق والظلمة، وأرواحُ الأنبياء فيهم مثل السُّرُج. وقد تقدمت (^٤).
السادس والثمانون: حديث تميم الدَّاريِّ أن روح المؤمن إذا صُعد بها إلى الله تعالى خرَّ ساجدًا بين يديه، وأن الملائكة تتلقَّى الروح بالبشرى، وأن الله تعالى يقول لملك الموت: انطلِقْ بروح عبدي، فضعه في مكان كذا وكذا (^٥). وقد تقدَّم (^٦).
السابع والثمانون: الآثار التي ذكرناها في مستقَرِّ الأرواح بعد الموت، واختلاف الناس في ذلك. وفي ضمن ذلك الاختلاف إجماعُ السلف على أنَّ للروح مستقرًّا (^٧) بعد الموت، وإن اختُلِف في تعيينه (^٨).
_________________
(١) انظر: المسألة السابقة.
(٢) في (ن) بعده: «إلى آخره»، فحذف بقية النص.
(٣) (ب، ط، ج): «دخل». وأشار في حاشية (ط) إلى ما في غيرها.
(٤) انظر: المسألة السابقة.
(٥) «وأن الملائكة كذا» حذفه ناسخ (ن).
(٦) انظر: المسألة الخامسة عشرة (ص ٣٠٢).
(٧) (ن): «الروح تستقرّ».
(٨) انظر: المسألة الخامسة عشرة.
[ ٢ / ٥٣٥ ]
الثامن والثمانون: ما قد عُلِم بالضرورة أنَّ الرسول - ﷺ - جاء به وأخبر به الأمة: أنه تنبت أجسادُهم في القبور، فإذا نُفِخ في الصور رجعت كلُّ روح إلى جسدها، فدخلت فيه، فانشقَّت الأرض عنه، فقام من قبره.
وفي حديث الصور (^١): أن إسرافيل يدعو الأرواح، فتأتيه جميعًا
_________________
(١) أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده (١٠ ــ مسند أبي هريرة)، وابن جرير الطبري في تفسيره (١٦/ ٤٤٧)، والبيهقي في البعث والنشور (٦٠٩) من طريق إسماعيل بن رافع المدني، عن محمد بن يزيد بن أبي زياد، عن رجل من الأنصار، عن محمد بن كعب القرظي، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة قال: حدّثنا رسول الله - ﷺ - وهو في طائفة من أصحابه، قال: «إن الله لما خلق السماوات والأرض خلق الصور فأعطاه إسرافيل » الحديث بطوله. إلا أن ابن جرير اختصره ووقع عنده «عن يزيد بن أبي زياد». وفي إسناده اضطراب شديد واختلاف كثير على إسماعيل بن رافع، فروي عنه كما سبق. وروي عنه، عن محمد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي هريرة. أخرجه الطبراني في الأحاديث الطوال (٣٦). وروي عنه، عن محمد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة. أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٣٨٧). وروي عنه، عن محمد بن يزيد، عن محمد بن كعب، عن أبي هريرة. أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٣٨٦). وروي عنه، عن محمد بن يزيد بن أبي زياد، عن محمد بن كعب القرظي، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة. أخرجه الطبري في تفسيره (١٨/ ١٣٢)، والبيهقي في البعث والنشور (٦٠٩). غير أن ابن جرير قال: «عن يزيد بن زياد» قال: «والصواب: يزيد بن أبي زياد». وروي عنه، عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي هريرة. أخرجه الطبري (١٨/ ١٣٤) مختصرًا. ومداره على إسماعيل بن رافع المدني القاصّ. وساق الحافظ ابن كثير في تفسيره (٣/ ٢٨٢ ــ ٢٨٧) حديث الصور بطوله عن الطبراني في كتابه «الطوالات» ثم قال عقبه: «هذا حديث مشهور، وهو غريب جدًا، ولبعضه شواهد في الأحاديث المتفرقة وفي بعض ألفاظه نكارة. تفرد به إسماعيل بن رافع قاص أهل المدينة، وقد اختلف فيه، فمنهم من وثقَّه، ومنهم من ضعَّفه، ونص على نكارة حديثه غير واحد من الأئمة، كأحمد بن حنبل، وأبي حاتم الرازي، وعمرو بن علي الفَلاس، ومنهم من قال فيه: هو متروك. وقال ابن عدي: أحاديثه كلها فيها نظر إلا أنه يكتب حديثه في جملة الضعفاء. قلت: وقد اختلف عليه في إسناد هذا الحديث على وجوه كثيرة، قد أفردتها في جزء على حدة. وأما سياقه، فغريب جدًا، ويقال: إنه جمعه من أحاديث كثيرة، وجعله سياقًا واحدًا، فأنكر عليه بسبب ذلك. وسمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول: إنه رأى للوليد بن مسلم مصنفًا قد جمع فيه كل الشواهد لبعض مفردات هذا الحديث» اهـ. (قالمي).
[ ٢ / ٥٣٦ ]
ــ أرواحُ المسلمين نورٌ، والأخرى مظلمةٌ ــ فيجمعها جميعًا، فيعلِّقها في الصور، ثم ينفخ فيه، فيقول الربُّ ﷻ: وعزَّتي، لَيرجِعَنَّ كلُّ روح إلى جسده. فتخرج الأرواح من الصُّور مثلَ النحل قد ملأت ما بين السماء والأرض. فيأتي كلُّ روح إلى جسده، فيدخلُ. ويأمر الله الأرضَ، فتنشقُّ عنهم، فيخرجون سراعًا إلى ربهم يَنْسِلون، مُهطِعين (^١) إلى الداعي، يسمعون المنادي من مكان (^٢) قريب، فإذا هم قيام ينظرون.
وهذا معلوم بالضرورة أنَّ الرسول - ﷺ - أخبر به، وأنَّ الله سبحانه لا ينشئُ لهم أرواحًا غيرَ أرواحهم التي كانت في الدنيا، بل هي الأرواح التي اكتسبت
_________________
(١) (ب، ط، ج): «فيهطعون».
(٢) (ب، ط): «من كل مكان».
[ ٢ / ٥٣٧ ]
الخيرَ والشرَّ، أنشأ أبدانَها نشأةً أخرى، ثم ردَّها إليها.
التاسع والثمانون: أن الروح والجسد يختصمان بين يدي الربِّ تعالى يوم القيامة. قال علي بن عبد العزيز: حدثنا أحمد بن يونس، ثنا أبو بكر بن عيَّاش، عن أبي سعد (^١) البقَّال، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ما تزال الخصومة بين الناس يوم القيامة حتى يخاصم الروح الجسد، فيقول الروح: يا ربِّ إنما كنتُ روحًا منك، جعلْتَني في هذا الجسد، فلا ذنب لي. ويقول الجسد: يا ربِّ كنت جسدًا خلقتَني، ودخل فيَّ هذا الروحُ مثلَ النار، فبه كنتُ أقوم، وبه كنت أقعد، وبه أذهب، وبه أحيا (^٢)؛ لا ذنب لي.
قال: فيقال: أنا أقضي بينكما. أخبراني عن أعمى ومُقْعَدٍ دخلا حائطًا، فقال المقعد للأعمى: إني أرى ثمرًا، فلو كانت لي رجلان لتناولْتُ. فقال الأعمى: أنا أحملك على رقبتي. فحمله، فتناول من الثمر، فأكلا جميعًا، فعلى مَن الذنب؟ قالا: عليهما جميعًا، فقال: قضيتُما على أنفُسِكما (^٣).
التسعون: الأحاديث والآثار الدالَّة على عذاب القبر ونعيمِه إلى يوم
_________________
(١) (ب، ط، ق، ن): «أبي سعيد»، تحريف. وهو سعيد بن المرزبان العبسي أبو سعد البقال الكوفي. انظر: تهذيب التهذيب (٤/ ٧٩).
(٢) كذا في جميع النسخ ما عدا (ن)، ولكن في النسخ المطبوعة «أجيء» مكان «أحيا». أما ناسخ (ن) فحذف «وبه أحيا» وكتب «أذنب» مكان «أذهب».
(٣) عزاه السيوطي في شرح الصدور (٤٢٣) إلى ابن منده، ولفظه مختلف. ثم قال: «وأخرج الدارقطني في الأفراد من حديث أنس مرفوعًا نحوه وله شاهد عن سلمان موقوفًا أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد». ذكر ابن الجوزي حديث أنس في الموضوعات (٣/ ٢٤٩) وقال: هذا حديث موضوع على رسول الله.
[ ٢ / ٥٣٨ ]
البعث. فمعلوم (^١) أنَّ الجسد تلاشى واضمحلَّ، وأنَّ العذاب والنعيم المستمرَّيْن إلى يوم القيامة إنما هو على الروح.
الحادي والتسعون: إخبار الصادق المصدوق في الحديث الصحيح عن الشهداء أنهم لما سئلوا: ما تريدون؟ قالوا: نريد أن تُردَّ أرواحنا في أجسادنا حتى نُقتل فيك مرَّةً أخرى (^٢). فهذا سؤال وجواب من ذاتٍ حيَّةٍ عالمةٍ ناطقةٍ تقبل الردَّ إلى الدنيا والدخول في أجساد خرجت منها. وهذه الأرواحُ سئلت وهي تسرح في الجنة، والأجسادُ قد مزَّقها البلى.
الثاني والتسعون: [١٢١ ب] ما ثبت عن سلمان الفارسي وغيره من الصحابة: أن أرواح المؤمنين في برزخ تذهب حيث شاءت، وأرواحُ الكفار في سجِّين. وقد تقدَّم (^٣).
الثالث والتسعون: رؤية النبي - ﷺ - لأرواح الناس عن يمين آدم ويسارِه ليلةَ الإسراء (^٤). فرآها متحيِّزةً بمكان معين.
الرابع والتسعون: رؤيته (^٥) أرواحَ الأنبياء في السماوات، وسلامهم عليه، وترحيبهم به؛ كما أخبر به (^٦). وأما أبدانهم، ففي الأرض.
_________________
(١) (ب، ط، ج): «ومعلوم».
(٢) تقدَّم في المسألة الخامسة (ص ١١٢).
(٣) انظر: المسألة الخامسة عشرة (ص ٢٧٦).
(٤) سبق في المسألة السادسة (ص ١٢١).
(٥) (أ، ق، غ): «رؤية».
(٦) في حديث الإسراء السابق.
[ ٢ / ٥٣٩ ]
الخامس والتسعون: رؤيته (^١) أرواحَ الأطفال حول إبراهيم الخليل (^٢).
السادس والتسعون: رؤيتُه أرواحَ المعذَّبين في البرزخ بأنواع العذاب في حديث سمرة الذي رواه البخاري في صحيحه. وقد تلاشَتْ أجسادهم واضمحلَّت، وإنما كان الذي رآه أرواحَهم ونَسمَهم يُفعَل بها ذلك.
السابع والتسعون: إخباره سبحانه عن الذين قُتلوا في سبيله أنهم أحياءٌ عنده يرزقون، وأنهم فرحون مستبشرون بإخوانهم. وهذا للأرواح قطعًا، إذ الأبدانُ في التراب تنظر عَوْدَ أرواحها إليها يوم البعث.
الثامن والتسعون: ما تقدَّم من حديث ابن عباس. ونحن نسوقه ليتبيَّن كم فيه من دليل على بطلان قول الملاحدة وأهل البدع في الروح. وقد ذكرنا إسناده فيما تقدَّم (^٣).
قال: بينما رسول الله - ﷺ - ذاتَ يوم قاعدٌ تلا هذه الآية: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ الآية [الأنعام: ٩٣]، ثم قال: «والذي نفسُ محمد بيده، ما مِن نفسٍ تُفارق الدنيا حتى ترى مقعدَها من الجنة والنار. فإذا كان عند ذلك صُفَّ له سِماطان من الملائكة ينتظمان ما بين الخافقَين، كأنَّ وجوهَهم الشمسُ، فينظر (^٤) إليهم ما يرى غيرَهم (^٥)، مع كلِّ ملَكٍ منهم
_________________
(١) ما عدا (ب، ط): «رؤية».
(٢) انظر: حديث سمرة في المسألة الملحقة بالسادسة (ص ١٦٩ ــ ١٧١). وهذا الدليل الخامس والتسعون ساقط من (ب، ج).
(٣) في المسألة السادسة (ص ١٤٢ ــ ١٤٤).
(٤) في جميع النسخ: «فيرى». وأشير في حاشية (ط) إلى أن في نسخة ما أثبتنا. وهو الذي ورد من قبل في المسألة السادسة.
(٥) في النسخ المطبوعة زيادة: «وإن كنتم ترون أنه ينظر إليكم». وهي جزء من الحديث، وقد وردت في المسألة السادسة، ولكن لم ترد هنا في شيء من النسخ الخطية التي بين أيدينا.
[ ٢ / ٥٤٠ ]
أكفان وحَنوط. فإن كان مؤمنًا بشَّروه بالجنة، وقالوا: اخرجي أيتها النفس المطمئنَّة إلى رضوان الله وجنته، فقد أعدَّ الله لكِ من الكرامة ما هو خيرٌ لك (^١) من الدنيا [١٢٢ أ] وما فيها. فلا يزالون يبشرونه، فلَهُمْ ألطفُ به وأرأَفُ من الوالدة بولدها.
ثم يَسُلُّون روحه من تحت كل ظُفر ومَفصِل، ويموتُ الأول فالأول، ويبُور (^٢) كلُّ عضو الأولَ فالأول. ويهون عليه ما كنتم ترونه شديدًا، حتى تبلغَ ذقَنَه، فلهي أشدُّ كراهيةً للخروج من الجسد من الولد حين يخرج من الرحم. فيبتدرونها كلُّ ملك منهم أيُّهم يقبضها، فيتولَّى قبضَها ملَكُ الموت. ثم تلا رسول الله - ﷺ -: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة: ١١]. فيتلقَّاها بأكفان بِيضٍ، ثم يحتضنُها إليه، فلهو أشدُّ لزومًا لها من المرأة لولدها.
ثم يفوحُ منها ريحٌ أطيب من المسك، فينشَقون ريحًا طيِّبًا، ويتباشرون بها، ويقولون: مرحبًا بالريح الطيِّبة والروح الطيِّب! اللهم صلِّ عليه روحًا، وصلِّ على جسد خرجت منه. قال: فيصعدون بها فتفوح لهم منها ريح أطيب من المسك، فيصلُّون عليها، ويتباشرون بها. وتُفتح لهم أبواب
_________________
(١) «لك» ساقط من (ب، ط، ج).
(٢) أي يهلك، وفي (ب): «ينور»، تصحيف. وفي (ط): «يبرُد»، وكذا في النسخ المطبوعة.
[ ٢ / ٥٤١ ]
السماء، ويصلِّي عليها كلُّ ملك في كلِّ سماء تمرُّ بهم، حتى يُنتهَى بها (^١) بين يدي الجبَّار ﷻ، فيقول الجبَّار: مرحبًا بالنفس الطيبة! أدخِلوها الجنة، وأرُوها مقعدَها من الجنة، واعرضوا عليها ما أعددتُ لها من الكرامة والنعيم. ثم اذهبوا بها إلى الأرض، فإني قضيتُ أني منها خلقتُهم، وفيها أعيدهم، ومنها أُخرجهم تارةً أخرى. فوالذي نفسُ محمد بيده، لهي أشدُّ كراهيةً للخروج، منها حين كانت تخرج من الجسد (^٢)، وتقول: أين تذهبون (^٣) بي؟ إلى ذلك الجسد الذي كنتُ فيه؟ فيقولون: إنَّا مأمورون بهذا، فلا بدَّ لك منه. فيهبطون به على قدر فراغِهم من غَسْله وأكفانه، فيُدخِلون ذلك الروح بين الجسد وأكفانه».
فتأمَّلْ [١٢٢ ب] كم في الحديث من موضع يَشهد ببطلان قول المبطلين في الروح!
التاسع والتسعون: ما ذكره عبد الرزاق (^٤)، عن معمر، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن ابن البَيْلَماني (^٥)، عن عبد الله بن عمرو قال: إذا تُوفِّي المؤمن بُعِث إليه ملَكان برَيْحان من الجنة وخرقة تُقبَضُ فيها روحُه،
_________________
(١) «بها» ساقط من (ق).
(٢) في الأصل: «الجنة». وكذا في (غ). وهو تصحيف.
(٣) في الأصل: «أين تذهبوا».
(٤) في المصنف (٦٧٠٢). وعزاه السيوطي في الدرّ المنثور (٤/ ١٣٢) إلى هناد وعبد بن حميد والطبراني.
(٥) هذا في (غ)، وهو الصواب. وفي غيرها: «عبد الرحمن البيلماني». وقد تصحف في (ب، ط، ن) إلى «السلماني».
[ ٢ / ٥٤٢ ]
فتخرج كأطيب رائحةٍ وجَدَها أحدٌ قطُّ بأنفه، حتى يؤتى به (^١) إلى الرحمنُ ﷻ، فتسجد الملائكة قبله، ويسجد بعدهم. ثم يُدعى ميكائيلُ، فيقال: اذهب بهذه النفس، فاجعلها مع أنفُسِ المؤمنين حتى أسألك عنهم (^٢) يوم القيامة.
وقد تظاهرت الآثار عن الصحابة أن روحَ المؤمن تسجدُ بين يدي العرش في وفاة النوم ووفاة الموت (^٣). وأما حين قدومِها على الله، فأحسنُ تحيتها أن تقول: اللهم أنت السلامُ، ومنك السلامُ، تباركت يا ذا الجلال والإكرام (^٤).
وحدَّثني القاضي نور الدين بن الصائغ (^٥) قال: كانت لي خالة، وكانت من الصالحات العابدات (^٦). قال: عُدْتُها في مرض موتها، فقالت لي:
_________________
(١) (ب، ط، ن): «بها».
(٢) كذا في جميع النسخ والمصنَّف والدرّ المنثور. والضمير عائد إلى المؤمنين. وفي النسخ المطبوعة: «عنها» ولعله من تصرّف الناشرين.
(٣) في الأصل: «دون وفاة الموت»! وقد تقدَّم أثر أبي الدرداء في المسألة الثالثة.
(٤) لعل المصنف يشير إلى حديث شجرة طوبى الذي أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٥٣) عن محمد بن علي بن الحسين مرفوعًا. وقد أورده المصنف في حادي الأرواح (٢/ ٥٨١) وقال: لا يصح رفعه، وحسبه أن يكون من كلام محمد بن علي، فغلط فيه بعض هؤلاء الضعفاء، فجعله من كلام النبي - ﷺ -.
(٥) زاد في (ب، ط): «﵀». وهو محمد بن محمد بن محمد بن عبد القادر (٦٧٦ ــ ٧٤٩) تولى قضاء القضاة بحلب سنة ٧٤٤، وتوفي في طاعونها. أعيان العصر للصفدي (٥/ ١٩٩)، والدرر الكامنة (٤/ ٢٢٦).
(٦) هي أسماء بنت الفخر إبراهيم (٦٤٦ ــ ٧٠٨) ترجم لها ابن حجر في الدرر (١/ ٣٦٠).
[ ٢ / ٥٤٣ ]
فصل: الدليل المائة
الروحُ إذا قدِمت على الله ووقفتْ بين يديه، ما تكون تحيتُها وقولُها له؟ قال: فعظُمَتْ عليَّ مسألتُها، وفكرتُ فيها، ثم قلت: تقول: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام. قال: فلما تُوفِّيتْ رأيتُها في المنام، فقالت لي: جزاك الله خيرًا، لقد دَهِشتُ، فما أدري ما أقوله (^١)، ثم ذكرتُ تلك الكلمة التي قلتَ (^٢) لي، فقلتُها.
فصل
المائة: ما قد اشترك في العلم به عامَّةُ أهل الأرض من لقاء أرواح الموتى، وسؤالهم لهم، وإخبارهم إياهم بأمور خفِيتْ عليهم، فرأوها عيانًا. وهذا أكثرُ من أن يُتَكلَّف إيراده.
وأعجب من هذا:
الوجه الحادي والمائة: أنَّ روح النائم يحصل لها في المنام آثار، فيصبحُ يراها (^٣) على البدن عيانًا [١٢٣ أ] وهي من تأثير الروح في الروح (^٤)، كما ذكر القَيروانيُّ (^٥) في كتاب «البستان» عن بعض السلف. قال: كان لي جار يشتُم أبا بكر وعمر ﵄، فلما كان ذات يوم أكثَرَ من شتمهما،
_________________
(١) (ب، ط، ج): «أقول».
(٢) (ن): «قلتها».
(٣) الأصل غير منقوط، والنسخ الأخرى مضطربة، ففي (ب، ط، ق): «فتصبح تراها». وفي (ج): «فيصبح تراها». وفي (ن): «فيصبح أثرها». وبعدها في (ب، ط): «في البدن».
(٤) (ن): «في البدن».
(٥) انظر ما كتبنا عنه في المسألة الثالثة (ص ٩٤).
[ ٢ / ٥٤٤ ]
فتناولتُه وتناولني. وانصرفت إلى منزلي، وأنا مغموم حزين، فنمتُ وتركتُ العَشاء. فرأيت رسول الله - ﷺ - في المنام، فقلت: يا رسولَ الله، فلان يسُبُّ أصحابك. قال: مَن أصحابي (^١)؟ قلت: أبو بكر وعمر، فقال: خذ هذه المُدية فاذبحه بها. فأخذتُها، فأضجعتُه، وذبحتُه (^٢). ورأيتُ (^٣) كأنَّ يدي أصابها من دمه، فألقيتُ (^٤) المدية، وأهوَيْتُ بيدي إلى الأرض لأمسحها. فانتبهت، وأنا أسمع الصراخَ من نحو داره. فقلت: ما (^٥) هذا الصراخ (^٦)؟ قالوا: فلان مات فجأة. فلما أصبحنا (^٧) جئتُ، فنظرت إليه، فإذا خطٌّ موضعَ الذبح! (^٨).
_________________
(١) (ب، ط): «مَن مِن أصحابنا». وكذا في المنامات، والمثبت موافق لما في فضائل الصحابة.
(٢) «وذبحته» ساقط من (ب، ط).
(٣) ما عدا (أ، ق، غ): «فرأيت».
(٤) (ب، ط، ج): «وألقيت».
(٥) (أ، غ): «وما».
(٦) «من نحو الصراخ» ساقط من (ب، ج)، و«فقلت الصراخ» ساقط من (ن).
(٧) (ب، ط، ج): «أصبحت».
(٨) أخرجه ابن أبي الدنيا في المنامات (٢١٩) مسندًا، وسمّى صاحب الحكاية، وهو رضوان السمَّان. وقد ورد هذا الخبر فيه ــ بلا فصل ــ قبل الخبر الآتي الذي نقله المصنف من المنامات .. فلا أدري لماذا أعرض عن هذا المصدر المسند المتقدم، ورجع إلى كتاب القيرواني العابر! وقد أخرجه أيضًا الإمام أحمد بسنده في فضائل الصحابة (٣٩٤). ولم أجد ترجمة لرضوان السمَّان، ولا الراوي عنه محمد بن علي السمَّان.
[ ٢ / ٥٤٥ ]
وفي كتاب المنامات لابن أبي الدنيا (^١) عن شيخ من قريش قال: رأيت رجلًا بالشام قد اسودَّ نصف وجهه، وهو يغطيه. فسألته عن ذلك؟ فقال: قد جعلتُ لله عليَّ أن لا يسألني أحد عن ذلك إلا أخبرتُه به. كنت شديد الوقيعة في علي بن أبي طالب ﵁، فبينا أنا ذات ليلة نائمٌ إذ أتاني آتٍ في منامي، فقال لي: أنت صاحب الوقيعة فيَّ؟ وضَرب شِقَّ وجهي، فأصبحتُ، وشِقُّ وجهي (^٢) أسود، كما ترى.
وذكر مَسْعَدة (^٣)، عن هشام بن حسَّان، عن واصل مولى أبي عيينة (^٤)، عن موسى بن عبيدة، عن صفية بنت شَيْبة قالت: كنت عند عائشة ﵂، فأتتها امرأة متشمِّلة (^٥) على يدها، فجعلن (^٦) النساءُ يُولَعن بها، فقالت: ما أتيتُكِ (^٧) إلا من أجل يدي. إنَّ أبي كان رجلًا سمحًا، وإني رأيت في المنام حياضًا، عليها رجال معهم آنيةٌ، يسقُون مَن أتاهم؛ فرأيت أبي فقلت: أين أمي؟ فقال: انظري، [١٢٣ ب] فنظرتُ، فإذا أمي ليس عليها إلا قطعةُ خِرقة. فقال: إنها لم تتصدق قطُّ إلا بتلك الخرقة، وشحمةٍ من بقرة ذبحوها. فتلك الشحمة تُذابُ، وتضرب (^٨) بها، وهي تقول: واعطشاه! قالت:
_________________
(١) برقم (٢٢٠).
(٢) (ن): «موضع الضربة».
(٣) في كتاب الرؤيا له، كما يظهر من إحالة المصنف عليه في خبر آخر سيأتي.
(٤) ما عدا (غ): «ابن عيينة»، تحريف.
(٥) كذا في الأصل. وفي غيره: «مشتملة» وكلاهما بمعنى. وبعده في (ن، غ): «يديها».
(٦) (ب، ج، ن): «فجعل».
(٧) (ن): «ما يُولعن بي».
(٨) هذا في الأصل، وفي (ق): «تطرف»، وكتب فوقها: «كذا». وفي (ب، ط، ج، ن): «تطوف». وفي الجامع لمعمر: «وتلك الشحمة في يدها، وهي تضرب بها في يدها الأخرى».
[ ٢ / ٥٤٦ ]
فأخذتُ إناءً من تلك الآنية، فسقيتها. فجاء جاءٍ، فقال (^١): مَن سقاها أيْبَسَ الله يده! فأصبحتْ يدي كما ترَين (^٢).
وذكر الحارث بن أسد المحاسبي، وأصبَغ، وخلف بن القاسم، وجماعة؛ عن سعيد بن مَسْلَمة قال: بينما امرأة عند عائشة، إذ قالت: بايعتُ رسول الله - ﷺ - على أن لا أشرك بالله شيئًا، ولا أسرِقَ، ولا أزني، ولا أقتل ولدي، ولا آتي ببهتان أفتريه بين يديَّ ورجليَّ، ولا أعصي في معروف. فوفَيْتُ لربِّي، ووفَى لي ربِّي. فوالله، لا يعذِّبُني الله. فأتاها في المنام ملَك، فقال لها: كلَّا، إنك تتبرَّجين (^٣)، وزينتَك تُبدِين، وخيرَك تَكنُدين (^٤)، وجارَك تؤذين، وزوجَك تعصين. ثم وضع أصابعه الخمس على وجهها، وقال: خمس بخمس، ولو زدتِ زدناك! فأصبحَتْ، وأثرُ الأصابع في وجهها (^٥).
_________________
(١) كذا في (ب، ط، ج). وفي الأصل بعد «فجاء» بياض بقدر كلمتين. وفي (غ): «فجاء ملك فقال». وفي (ن): «وإذا بقائل يقول». ولم يترك ناسخ (ق) بياضًا ولكن كتب فوق «سقاها»: «كذا». وفي النسخ المطبوعة: «فنوديتُ من فوقي»!
(٢) رواه معمر في الجامع قال: حدثني شيخ لنا أن امرأة جاءت إلى بعض أزواج النبي - ﷺ -، الحديث. مصنف عبد الرزاق (٢٠٧٦٨). وأخرجه من طريقه الحاكم في المستدرك (٨٤٥٥) والبيهقي في شعب الإيمان (٣٢٢٦)، وسياق معمر مختلف.
(٣) (ب، ط): «تَبَرَّجين».
(٤) من كنَد النعمة: كفرها. وفي (ب، ج): «تكدِّرين».
(٥) لم أقف على هذا الخبر. وقد أخرج الحاكم في المستدرك (٨١٩١) عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب وابن أبي شيبة في المصنف (٣٦٦٦٢) عن أبي ثامر قصة لمتألِّية على الله، تشبه هذه القصة.
[ ٢ / ٥٤٧ ]
وقال عبد الرحمن (^١) بن القاسم صاحب مالك: سمعت مالكًا يقول: إنَّ يعقوب بن عبد الله بن الأشجِّ كان من خيار هذه الأمة. نام في اليوم الذي استُشهد فيه، فقال لأصحابه: إني قد رأيت أمرًا، ولأُخبرنَّه. إنِّي رأيت كأني أُدخِلتُ الجنةَ، فسُقيتُ لبنًا. فاستقاءَ (^٢) فقاءَ اللبن. واستُشهِد بعد ذلك.
قال ابن القاسم: كان (^٣) في غزوة في البحر بموضع لا لبن فيه. وقد سمعتُ غيرَ مالك يذكره، ويذكر أنه معروف، فقال: إني رأيتُ كأني أُدخِلتُ الجنةَ، فسُقيتُ فيها لبنًا. فقال له (^٤) بعض القوم: أقسمتُ عليك لَمَا تقيَّأْتَ! فقاء لبنًا يَصْلِد، وما في السفينة لبنٌ ولا شاة (^٥).
قال ابن قتيبة: قوله: يَصلِد أي يبرق. يقال: صلَد اللبنُ يَصلِد. ومنه حديث عمر: أنَّ [١٢٤ أ] الطبيب سقاه لبنًا، فخرج من الطعنة أبيضَ يَصلِد (^٦).
وكان نافعٌ القارئ إذا تكلَّم يُشَمُّ من فيه رائحةُ المسك، فقيل له: كلما قعدتَ تتطيب؟ فقال: ما أمسُّ طيبًا، ولا أقرَبه، ولكن رأيت النبي - ﷺ - في
_________________
(١) (ب، ط): «عبد الرحيم»، وهو خطأ.
(٢) في الأصل زاد بعضهم مكان الهمزة قافًا، يعني: «فاستفاق»، وكذا في (غ).
(٣) ما عدا (أ، غ): «وكان».
(٤) في الأصل: «لي». وكذا في (ب، ط، غ). وهو سهو.
(٥) الخبر أخرجه الفسوي في المعرفة والتاريخ (١/ ٦٦٢)، ومن طريقه أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٨٩٧٣) وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٧/ ٣٢٩). واللفظ الأخير الذي نقله ابن القاسم عن غير مالك ذكره ابن قتيبة في غريب الحديث (١/ ٦٢٣) من رواية عطاء بن يسار.
(٦) غريب الحديث (١/ ٦٢٣).
[ ٢ / ٥٤٨ ]
المنام، وهو يقرأ (^١) في فمي، فمن ذلك الوقت يُشمُّ من فِيَّ هذه الرائحة (^٢).
وذكر مَسْعَدة في كتابه في «الرؤيا» (^٣) عن ربيع بن يزيد الرَّقَاشي (^٤) قال: أتاني رجلان، فقعدا إليَّ، فاغتابا رجلًا، فنهيتُهما. فأتاني أحدهما بعدُ (^٥)، فقال: إني رأيت في المنام كأن زنجيًّا أتاني بطبق عليه جَنبُ خنزير لم أرَ لحمًا قطُّ أسمنَ (^٦) منه، فقال لي: كل، فقلت: آكل لحم خنزير؟ فتهدَّدَني (^٧)، فأكلتُ، فأصبحت، وقد تغيَّر فمي، فلم يزل يجدُ الريح في فمه شهرين (^٨).
وكان العلاء بن زياد (^٩) له وقتٌ يقوم فيه، فقال لأهله تلك الليلة: إني
_________________
(١) (غ): «يتفل». ونحوه في سير أعلام النبلاء.
(٢) انظر: طبقات القراء للذهبي (١/ ١٣٠) وسير أعلام النبلاء (٧/ ٣٣٧). وقال في الطبقات: «لا تثبت هذه الحكاية من جهة جهالة رواتها».
(٣) لم أقف على خبر لهذا الكتاب ومؤلفه. وقد يكون مسعدة بن اليسع بن قيس الباهلي البصري.
(٤) يزيد بن أبان الرّقاشي البصري معروف. كان واعظًا بكّاءً صاحب عبادة. ولكن لم أجد ذكرًا لابنه ربيع. وأخشى أن يكون الصواب: «ربيع عن يزيد»، فإن ربيع بن صَبيح ممن يروي عن الرقاشي. انظر: تهذيب التهذيب (٣/ ٢٤٦).
(٥) (ب، ط، ج): «بعد ذلك».
(٦) (ط، ن): «قط لحمًا». وبعده في (ط): «أحسن».
(٧) في الأصل: «فتهداني». وفي (ب، ط، ج): «فهدَّدني».
(٨) أخرجه ابن ابي الدنيا في الصمت (١٨٢) والغيبة والنميمة (٤٣) عن خالد الربعي، بسياق مختلف.
(٩) من زهاد التابعين. ذكره ابن كثير في وفيات سنة (٧٨). وانظر: سير أعلام النبلاء (٤/ ٢٠٢).
[ ٢ / ٥٤٩ ]
أجد فَتْرةً، فإذا كان وقت كذا فأيقِظوني. فلم يفعلوا قال: فأتاني آتٍ في منامي فقال: قم يا علاءَ بن زياد، اللهُ يذكرُك (^١)! وأخذ بشَعَرات في مقدَّم رأسي (^٢). فقامت تلك الشعراتُ في مقدَّم رأسه، فلم تزل قائمةً حتى مات. قال يحيى بن بسطام: فلقد غسلناه يوم مات، وإنَّهنَّ لَقِيامٌ في رأسه (^٣).
وذكر ابن أبي الدنيا (^٤)، عن أبي حاتم الرازي، عن محمد بن علي (^٥) قال: كنا بمكة في المسجد الحرام قعودًا، فقام رجلٌ نصفُ وجهه أسودُ ونصفُه أبيضُ، فقال: يا أيها الناس اعتبِروا بي، فإني كنت أتناول الشيخين وأشتمُهما، فبينا أنا ذاتَ ليلة نائم، إذ أتاني آتٍ، فرفع يده، فلطم وجهي، وقال لي: يا عدوَّ الله، يا فاسقُ، ألستَ تسُبُّ أبا بكر وعمر؟ فأصبحت، وأنا على هذه الحالة.
وقال محمد بن عبَّاد المُهَلَّبي (^٦): رأيت في المنام كأني في رَحْبةِ بني
_________________
(١) كذا في جميع النسخ. وفي الحلية: «اذكر الله يذكرك» وكذا في النسخ المطبوعة.
(٢) (ب، ط): «من مقدم رأسي».
(٣) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٢/ ٢٤٤) عن هشام بن زياد أخي العلاء. وليس فيه قول يحيى بن بسطام.
(٤) في كتاب المنامات (٢٩٢) والعقوبات (٣١٢).
(٥) كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة. وفي المنامات: «أحمد بن علي»، وفي العقوبات: «أحمد بن عبد الأعلى». ثم سقط من نُسخ الروح اسم الراوي الأخير الذي شهد القصة، وهو: أبو رَوح رجل من الشيعة. وعنه حكى القصة ابن الجوزي في مناقب عمر (٢٤٤).
(٦) أحد الأمراء الأجواد، حدَّث عن أبيه وغيره. قال الحربي: ولم يكن بصيرًا بالحديث، مات بالبصرة سنة ٢١٤. تاريخ بغداد (٢/ ٣٧).
[ ٢ / ٥٥٠ ]
فلان، وإذا النبي - ﷺ - جالس على أكَمة، ومعه أبو بكر، وعمرُ واقف قدَّامَه [١٢٤ ب]. فقال له عمر: يا رسول الله، إنَّ هذا يشتمني ويشتم أبا بكر. فقال: جِئْ به يا أبا حفص. فأتَى برجل، فإذا هو العُمانيُّ، وكان مشهورًا بسبِّهما، فقال له النبي - ﷺ -: أضْجِعْه، فأضجَعَه. ثم قال: اذبحه، فذبحه. قال: فما نبَّهني إلا صياحُه (^١). فقلت: ما لي لا أخبره، عسى أن يتوب! فلما تقرَّبتُ من منزله سمعتُ بكاءً شديدًا، فقلتُ: ما هذا البكاء؟ فقالوا: العمانيُّ ذُبِح البارحةَ على سريره. قال: فدنوتُ من عنقه، فإذا من أذنه إلى أذنه طريقةٌ حمراءُ كالدم (^٢) المحصور.
وقال القيرواني (^٣): أخبرني شيخ لنا من أهل الفضل قال: أخبرني أبو الحسن المطلبي إمام مسجد النبي - ﷺ - قال: رأيت بالمدينة عجبًا. كان رجل يسُبُّ أبا بكر وعمر ﵄، فبينا نحن يومًا من الأيام بعد صلاة الصبح، إذ أقبل رجل (^٤)، وقد خرجت عيناه، وسالتا على خديه. فسألناه: ما قصَّتك؟ فقال: رأيت البارحة رسول الله - ﷺ -، وعليٌّ بين يديه، ومعه أبو بكر وعمر؛ فقالا: يا رسول الله، هذا الذي يؤذينا ويسُبُّنا. فقال لي رسول الله - ﷺ -: مَن أمرك بهذا يا أبا قيس؟ فقلت له: عليٌّ، وأشرتُ إليه. فأقبل عليٌّ عليَّ بوجهه ويده، وقد ضمَّ أصابعَه، وبسَطَ السبَّابةَ والوسطى، وقصد بهما إلى عينيَّ، فقال لي: إن كنتَ كذبتَ،
_________________
(١) (ب، ج): «صاحبه»، تحريف.
(٢) في الأصل: «كالدوا»، ولعله تحريف.
(٣) العابر صاحب كتاب البستان. ولم أجد الخبر في موضع آخر.
(٤) ما عدا (أ، ق، غ): «الرجل».
[ ٢ / ٥٥١ ]
ففقأ الله عينيك! وأدخل إصبعيه في عينيَّ (^١). فانتبهتُ (^٢) من نومي وأنا على هذه الحال. فكان يبكي. وأخبرَ (^٣) الناسَ، وأعلن بالتوبة.
قال القيرواني: وأخبرني شيخ من أهل الفضل قال: أخبرني فقيه قال: كان عندنا رجل يُكثِر الصومَ، ويسرُده، ولكنه كان يؤخِّر الفطر. فرأى في المنام كأنَّ أسودَينِ أخذا بضَبْعَيه وأتَيا به (^٤) إلى تنور مُحْمًى لِيُلقياه فيه. قال: فقلت لهما [١٢٥ أ]: على ماذا؟ فقالا: على خلافك لسنة رسول الله - ﷺ -، فإنه أمر بتعجيل الفِطر، وأنت تؤخِّره! قال: فأصبح وجهه قد اسودَّ من وَهَج النار، فكان (^٥) يمشي متبرقعًا في الناس (^٦).
وأعجبُ من هذا: الرجلُ يَرى في المنام ــ وهو شديدُ العطش والجوع والألم ــ أنَّ غيرَه قد سقاه، أو أطعمه، أو داواه بدواء؛ فيستيقظُ وقد زال عنه ذلك كلُّه. وقد رأى الناس من هذا عجائب.
وقد ذكر مالك (^٧)، عن أبي الرِّجال، عن عَمْرة، عن عائشة أنَّ جارية لها
_________________
(١) «فقال لي عينيَّ» ساقط من (ب، ج).
(٢) ما عدا (أ، ق، غ): «فهببت».
(٣) (ق، ن، غ): «ويخبر».
(٤) في النسخ المطبوعة: «آخذين بضبعيه وثيابه»، وفيه تحريفان.
(٥) (ب، ط، ج): «وكان».
(٦) لم أجد الخبر في كتاب آخر.
(٧) في الموطأ ــ رواية أبي مصعب (٢٧٨٢). وانظر: مسند أحمد (٤٠/ ١٥٤) والمستدرك (٧٥١٦) والسنن الكبرى للبيهقي (١٦٩٤٨).
[ ٢ / ٥٥٢ ]
سَحَرتها، وأنَّ سِنديًّا (^١) دخل عليها، وهي مريضة، فقال: إنكِ (^٢) سُحِرت. قالت: ومَنْ سحرني؟ قال: جاريةٌ في حِجْرها صبيٌّ، قد بال عليها. فدعتْ (^٣) جاريتَها، فقالت: حتى أغسل بولًا في ثوبي. فقالت لها: أسَحَرتِني؟ قالت: نعم. قالت: وما دعاكِ إلى ذلك؟ قالت: أردتُ تعجيلَ العِتْق. فأمرَتْ أخاها أن يبيعها من الأعراب ممن يُسيء مَلَكتَها فباعها. ثم إنَّ عائشة رأت في منامها أن اغتسلي من ثلاثة آبار يَمُدُّ بعضُها بعضًا. فاستُقِي (^٤) لها، فاغتسلت، فبرأت.
وكان سِمَاك بن حرب قد ذهب بصرُه، فرأى إبراهيمَ الخليلَ في المنام، فمسح على عينيه، وقال: اذهب إلى الفرات، فانغمِسْ فيها ثلاثًا. ففعل، فأبصر (^٥).
وكان إسماعيلُ بن بلال الحضرميُّ (^٦) قد عَمِي، فأُتي في المنام، فقيل
_________________
(١) في جميع النسخ الخطية: «سيِّدها»، وهو تحريف ما أثبتنا من الموطأ. وفي المستدرك والسنن: «ذكروا شكواها لرجل من الزُّطِّ يتطبب».
(٢) (ب، ط، ج): «فقال لها إنك قد».
(٣) (ن): «دُعيت».
(٤) (أ، غ): «فاستسقي».
(٥) أخرجه ابن أبي الدنيا في مجابي الدعوة (١١١) عن سماك نفسه. وهو من كبار تابعي أهل الكوفة، مات سنة ١٢٣. تهذيب التهذيب (٤/ ٢٣٣).
(٦) لم أجد ترجمته. ولعله أخو عبد الله بن بلال الحضرمي الذي ذكره لهيعة بن عيسى (ت ٢٠٤ هـ) ممن ولي القضاء بمصر من حضرموت. (رفع الإصر: ١٨٧). والظاهر أن المصنف نقل القصة من كتاب البستان للقيرواني العابر، وهو قد حكاها عن الليث (ت ١٧٥). وقد أخرجها الخرائطي في مكارم الأخلاق (١٠٧٦) عن الليث أيضًا، ولكن صاحب القصة فيها: إسماعيل بن أمية (ت ١٤٤). وفي الرسالة القشيرية (٢/ ٤٢٥) عن الليث أيضًا أنه قال: رأيت عقبة بن نافع ضريرًا، ثم رأيته بصيرًا .. إلخ. ولعل المقصود: عقبة بن نافع المعافري (ت ١٩٦)، فإن الليث لم يدرك الفهري.
[ ٢ / ٥٥٣ ]
له: قل: يا قريبُ، يا مجيبُ، يا سميعَ الدعاء، يا لطيفُ (^١) لما يشاء، رُدَّ عليَّ بصري. فقاله، فأبصر. قال الليث بن سعد: أنا رأيته قد عَمِيَ، ثم أبصر.
وقال عبيد الله بن أبي جعفر (^٢): اشتكيتُ شكوى، فجُهِدتُ منها (^٣)، فكنت أقرأ آية الكرسي. فنمت، فإذا رجلان قائمان بين يدي، فقال أحدهما لصاحبه: إنه لَيقرأ آيةً فيها ثلاثمائة وستون رحمةً (^٤)، أفلا يصيب هذا المسكينَ منها (^٥) رحمةٌ واحدة؟ فاستيقظتُ فوجدت خِفَّةً (^٦).
قال ابن أبي الدنيا: اعتلَّت امرأة من أهل الخير والصلاح بوجع المِعدة، فرأت في المنام قائلًا يقول لها: لا إله إلا الله، المُغلَى (^٧) وشراب الورد. فشرِبتْه، فأذهب الله عنها ما كانت تَجِد (^٨).
_________________
(١) (ب، ط، ج): «لطيفًا».
(٢) «أبي» ساقط من (ط). وفي (ن): «عبد الله». وهو خطأ. وعبيد الله بن أبي جعفر (٦٠ ــ ١٣٦) أبو بكر الحافظ فقيه مصر، من العلماء الزهاد. انظر: سير أعلام النبلاء (٦/ ٨).
(٣) (ب، ط، ج): «فيها».
(٤) كذا هنا. وفي عمدة القاري (١٨/ ١٠٧) أن في سورة البقرة كلها ثلاثمائة وستين رحمة!
(٥) في الأصل: «فيها».
(٦) لعل المصنف نقل الخبر من كتاب البستان للقيرواني ولم أجده في مصدر آخر.
(٧) (ق): «العلى». وحذف ناسخ (ن): «لا إلاه إلا الله».
(٨) لم أجده ولا الذي بعده في كتب ابن أبي الدنيا المطبوعة.
[ ٢ / ٥٥٤ ]
قال: وقالت أيضًا: رأيت في المنام (^١) كأني أقول: السَّنَا والعسلُ وماءُ الحِمَّص الأسود شفاءٌ لوجع الأوراك. فلما استيقظتُ أتتني امرأةٌ تشكو وجعًا بوَرِكها، فوصفتُ لها ذلك، فانتفعَتْ به.
وقال جالينوس: السبب الذي دعاني إلى فَصْدِ (^٢) العروق الضَّوارب أني أُمِرتُ به في منامي مرتين. قال: وكنتُ إذ ذاك غلامًا. قال: وأعرف إنسانًا شفاه الله من وجعٍ، كان به في جنبه، بفصد العرق الضارب، لرؤيا رآها في منامه.
وقال ابن الجزَّار (^٣): كنت أعالج رجلًا ممعودًا (^٤)، فغاب عني ثم لقيته، فسألته عن حاله، فقال: رأيت في المنام إنسانًا في زِيِّ ناسكٍ متوكئًا على عصا، وقف عليَّ، وقال: أنت رجل ممعود؟ فقلت: نعم. فقال: عليك بالكَيَا والجُلَنْجَبين، فأصبحت، فسألت عنهما، فقيل لي: الكَيَا (^٥): المُصْطَكَى،
_________________
(١) ما عدا (أ، ق، غ): «منامي».
(٢) (ب، ط، ج): «لفصد».
(٣) في الأصل لم ينقط الجيم والزاي، ولكن وضع علامة الإهمال على الراء. وقد تصحف في غيره إلى الخزاز والخراز والجرار. وهو أبو جعفر أحمد بن إبراهيم القيرواني الطبيب الشهير (ت ٣٦٩). عيون الأنباء (٣/ ٥٩)، الزركلي (١/ ٨٥).
(٤) وهو من فسدت معدته. وفي (ط): «مفؤودًا» هنا وفيما يأتي، وهو المصاب في فؤاده. والمقصود هنا الأول.
(٥) في (ن) بالباء، وفي (ط) بالنون. وكلاهما تصحيف. والكيا والكِيَّة بالمعنى المذكور دخيلان في العربية من السريانية. وفي كتاب الصيدنة المطبوع (٣٤٨): «بالسندية». ولعله تحريف السريانية. انظر: تكملة دوزي (٩/ ١٧٦) ومفردات ابن البيطار (٢/ ٩٠). وقد أثبت ناشر طبعة دار ابن كثير: «الكباث»، وفسّره، فتصرّف في النص دون تنبيه على ما في نُسَخه الخطية.
[ ٢ / ٥٥٥ ]
فصل: الوجه الثاني بعد المائة
والجُلَنْجَبِين (^١): الورد المربَّى بالعسل. فاستعملتُهما أيامًا، فبرِئتُ. فقلت له: ذلك جالينوس (^٢).
والوقائع في هذا الباب أكثرُ من أن تُذكر حتى قال بعض الناس: إن أصل الطب من المنامات، ولا ريب أن كثيرًا من أصوله مستنِدٌ إلى الرؤيا، كما أن بعضها عن التجارب، وبعضَها عن القياس، وبعضها عن إلهام. ومَن أراد الوقوف على ذلك، فلينظر في تاريخ الأطباء، وفي كتاب «البستان» للقيرواني، وغير ذلك.
فصل
الوجه الثاني بعد المائة: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ [الأعراف: ٤٠].
وهذا دليل على أن المؤمنين تُفتَّح لهم أبواب السماء. وهذا التفتيح هو تفتيحها لأرواحهم عند الموت، كما تقدَّم في الأحاديث المستفيضة أنَّ السماء تُفتَح لروح المؤمن حتى يُنتهَى بها إلى بين يدي الرب تعالى. وأما الكافر، فلا تفتح (^٣) لروحه أبوابُ السماء، ولا تفتح لجسده أبواب الجنة.
_________________
(١) «فأصبحت » إلى هنا ساقط من (ن). والجلنجبين كلمة دخيلة من الفارسية. وهي مركبة من «كُلْ» بالكاف الفارسية بمعنى الورد، و«أنكَبِين» بالكاف الفارسية أيضًا بمعنى العسل. انظر: تذكرة داود (١/ ١١٠). ومفردات ابن البيطار (١/ ١٦٦).
(٢) كلام ابن الجزار هذا، وما سبقه من قول جالينوس منقولان في الظاهر من كتاب البستان للقيرواني.
(٣) «لروح المؤمن تفتح» ساقط من (ب).
[ ٢ / ٥٥٦ ]
فصل: الوجه الثالث بعد المائة
[الأدلة العقلية]
الوجه السادس إلى الوجه السادس عشر بعد المائة
فصل
الوجه الثالث بعد المائة: قول النبي - ﷺ -: «يا بلال، ما دخلتُ الجنة [١٢٦ أ] إلا سمعتُ خَشخَشتَك (^١) بين يديَّ، فبم ذاك؟» قال: ما أحدثتُ في ليل أو نهار إلا توضأتُ وصلَّيتُ ركعتين. قال: «بهما» (^٢).
ومعلوم أنَّ الذي سَمِع خشخشتَه بين يديه هو روحُ بلال، وإلا فجسده لم يُنقَل إلى الجنة.
الوجه الرابع بعد المائة (^٣): الأحاديث والآثار التي في زيارة القبور والسلامِ على أهلها ومخاطبتِهم، والإخبارِ عن معرفتهم بزُوَّارهم وردِّهم ﵈. وقد تقدمت الإشارة إليها (^٤).
الوجه الخامس بعد المائة: شكايةُ كثير من أرواح الموتى (^٥) إلى أقاربهم وغيرهم أمورًا مؤذيةً، فيجدونها كما شكوه فيزيلونها (^٦).
الوجه السادس بعد المائة (^٧): لو كانت الروح عبارةً عن عَرَض من
_________________
(١) الخشخشة: حركة فيها صوت. غريب الحديث للخطابي (١/ ٥٨٢).
(٢) أخرجه الترمذي (٣٦٨٩)، والإمام أحمد (٢٢٩٩٦)، وابن خزيمة (١٢٠٩)، وابن حبان (٧٠٨٦)، والحاكم (١/ ٣١٣) من طريق الحسين بن واقد، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه بريدة بن الحصيب ﵁. وصحَّحه الترمذي والحاكم. (قالمي).
(٣) كلمة «الوجه» لم ترد في الأصل.
(٤) في المسألة الأولى.
(٥) (ب، ط، ج): «المؤمنين». (ن): «الأرواح».
(٦) انظر بعض الأخبار في المسألة الأولى.
(٧) هنا في (ب، ط، ج): «أنواع الرؤيا الصادقة على اختلافها». والعبارة مقحمة.
[ ٢ / ٥٥٧ ]
أعراض البدن، أو جوهرٍ مجرد ليس بجسم ولا حالٍّ فيه، لكان قول القائل: خرجتُ، وذهبتُ، وقمت، وجئت (^١)، وقعدت، وتحرَّكت، ودخلت، ورجعت (^٢)، ونحو ذلك كلُّه= أقوالًا باطلة؛ لأن هذه الصفات ممتنعة الثبوت في حق الأعراض والمجرَّدات. وكلُّ عاقل يعلم صدقَ قوله وقول غيره ذلك. فالقدْحُ في ذلك قدحٌ في أظهر المعلومات، فهو من باب السَّفسَطة.
ولا يقال: حاصلُ هذا الدليل التمسكُ بألفاظ الناس وإطلاقاتهم، وهي تحتمل الحقيقة والمجاز، فلعل مرادَهم: دخَلَ جسمي وخرَجَ؛ لأنا إنما استدللنا بشهادة العقل والفِطَر بمعاني هذه الألفاظ، فكلُّ أحد يشهد عقلُه وحسُّه بأنه هو الذي دخَلَ وخرَجَ وانتقَلَ، لا مجرد بدنه، فشهادةُ الحسِّ والعقل بمعاني هذه الألفاظ وإضافتُها إلى الروح أصلًا وإلى البدن تَبَعًا من أصدق الشهادات. [١٢٦ ب] والاعتمادُ على ذلك، لا على مجرَّدِ الإطلاق اللفظي.
الوجه السابع بعد المائة: أن البدن مَرْكَبٌ ومحلٌّ (^٣) لتصرف النفس، فكان دخولُ البدن وخروجُه وانتقالُه جاريًا مجرَى دخولِ مركَبِه من فرسه ودابته. فلو كانت النفس (^٤) غيرَ قابلةٍ للدخول والخروج والانتقال والحركة
_________________
(١) (ب، ط، ج): «قمت وجئت».
(٢) (ب، ط، ج): «رفعت».
(٣) في جمع النسخ ما عدا (ن): «مركبًا ومحلَّا». ولعل ناسخ (ن) أصلح ما وقع في أصله من السهو. وقد أصلح ناسخ (ج) أيضًا ولكن بتغيير «البدن» إلى «للبدن»، فأحال المعنى.
(٤) «فكان النفس» ساقط من (ب). وكلمة «غير» بعده ساقطة من (ق).
[ ٢ / ٥٥٨ ]
والسكون، لكان ذلك بمنزلة دخولِ مركب الإنسان إلى الدار وخروجه منها دون دخوله هو. وهذا معلومُ البُطلانِ بالضرورة. وكلُّ أحدٍ (^١) يعلم أن نفسه وروحَه هي التي دخلت، وخرجت، وانتقلت؛ وصَرَّفت البدن، وجعلته تَبَعًا لها في الدخول والخروج. فهو لها بالأصل، وللبدن (^٢) بالتَّبع؛ لكنه للبدن بالمشاهدة، وللروح (^٣) بالعلم والعقل.
الوجه الثامن بعد المائة: أن النفس لو كانت كما يقوله من يقول: إنها عَرَض، لكان الإنسان كلَّ وقت قد تبدَّل (^٤) مائة ألف نفسٍ أو أكثر ــ والإنسان إنما هو إنسان بروحه ونفسه، لا ببدنه ــ وكان الإنسان الذي هو الآن غيرَ الذي هو قبله بلحظة، وبعده بلحظة، وهذا من نوع الهوَس. ولو كانت الروح مجرَّدةً، تعلُّقُها (^٥) بالبدن بالتدبير فقط، لا بالمساكنة والمداخلة، لم يمتنع أن ينقطع تعلُّقُها بهذا البدن، وتتعلقَ بغيره، كما يجوز انقطاع تدبير المدبِّر لبيت أو مدينة عنها ويتعلقُ بتدبير غيرها. وعلى هذا التقدير (^٦) فنصير شاكِّين في أن هذه النفس التي لزيد هي النفس الأولى أو غيرها؟ وهل زيدٌ هو ذلك الرجل أم غيره؟ وعاقلٌ لا يجوِّز ذلك! فلو كانت
_________________
(١) (ب، ط): «فكل أحد».
(٢) (ب، ط، ج): «والبدن».
(٣) (ب، ط، ج): «والروح».
(٤) الأصل غير منقوط، وفي غيره ما أثبتنا. وفي النسخ المطبوعة: يبدل.
(٥) (ن): «مجرَّدُ تعلُقِها»، والصواب ما أثبتنا من غيرها. وسيأتي مثله في الوجه العاشر بعد المائة. وفي النسخ المطبوعة في الموضعين: «وتعلُّقُها» بزيادة الواو، ولعله من تصرف الناشرين.
(٦) (ن): «القول».
[ ٢ / ٥٥٩ ]
الروح عَرَضًا أو أمرًا مجرَّدًا لحصل الشكّ المذكور.
الوجه التاسع بعد المائة: أنَّ كل أحد يقطع أن نفسه موصوفة بالعلم والفكر والحب والبغض والرضا والسخط وغيرها من الأحوال النفسانية، ويعلم أن الموصوف بذلك ليس عَرَضًا [١٢٧ أ] من أعراض بدنه، ولا جوهرًا مجرَّدًا منفصلًا عن بدنه غيرَ محايثٍ (^١) له، ويقطع ضرورةً بأن هذه الإدراكات لأمرٍ داخلٍ في بدنه، كما يَقْطع بأنه إذا سمع، وأبصر، وشمَّ، وذاق، ولمس، وتحرَّك، وسكن= فتلك أمورٌ قائمة به، مضافةٌ إلى نفسه؛ وأن جوهر النفس هو الذي قام به ذلك كلُّه، لم يقم بمجرَّده (^٢)، ولا بعرَضٍ، بل قام بمتحيِّزٍ داخلَ العالم، منتقلٍ من مكان إلى مكان، يتحرَّك ويسكن، ويخرج ويدخل. وليس إلا هذا البدنَ، والجسمَ الساريَ فيه المشابكَ له الذي لولاه لكان بمنزلة الجماد.
الوجه العاشر بعد المائة: أنَّ النفس لو كانت مجرَّدةً، وتعلُّقُها بالبدن تعلُّقُ التدبير فقط، كتعلق الملَّاحِ بالسفينة، والجمَّالِ بجمله= لأَمكَنها تركُ تدبير هذا البدن، واشتغالُها بتدبيرِ بدنٍ آخرَ، كما يمكن الملَّاحَ والجمَّالَ ذلك. وفي ذلك (^٣) تجويزُ تنقُّلِ النفوس من أبدان إلى أبدان.
ولا يقال: إنَّ النفسَ اتَّحدت ببدنها، فامتنع عليها الانتقالُ؛ أو أنها لها عِشقٌ طبيعي وشوقٌ ذاتي إلى تدبير هذا البدن، فلهذا السبب امتنع انتقالُها.
_________________
(١) في (ن): «مجاذب»، وفي غيرها: «محارب». وفي حاشية (غ): «لعله محايث». وهو الذي رجَّحته. وفي النسخ المطبوعة: «مجاور».
(٢) (ب، ط، ج): «بمجرَّد».
(٣) «وفي ذلك» ساقط من (أ، ط). و«في» ساقطة من (ب، ج).
[ ٢ / ٥٦٠ ]
لأنا نقول: اتحاد ما لا يتحيَّز بالمتحيِّز مُحالٌ، ولأنها لو (^١) اتحدت به لبطلتْ ببطلانه، ولأنها بعد الاتحاد (^٢) إن بقيا فهما اثنان لا واحد، وإن عَدِما معًا وحدث ثالث فليس من الاتحاد في شيء، وإن بقي أحدهما وعُدم الآخر (^٣) فليس باتحاد أيضًا.
وأما عشقُ النفس الطبيعي للبدن، فالنفسُ إنما تعشقه لأنها تنال اللذاتِ بواسطته. وإذا كانت الأبدان متساويةً في حصول مطلوبها كانت نسبتها إليها على السواء. فقولكم: إنَّ النفس المعيَّنة عاشقةٌ للبدن المعيَّن، باطل. ومثال ذلك: العطشان إذا صادف آنيَةً متساويةً كلٌّ منها يُحصِّل غرضَه، امتنع عليه أن يعشق واحدًا منها بعينه دون سائرها.
الوجه الحادي عشر بعد المائة: أنَّ نفسَ الإنسان [١٢٧ ب] لو كانت جوهرًا مجرَّدًا، لا داخلَ العالم ولا خارجَه، ولا متصلةً بالعالم ولا منفصلةً عنه، ولا مُبايِنةً له ولا مُحايثةً (^٤)، لكان يَعلمُ بالضرورة أنه موجود بهذه الصفة، لأن (^٥)
_________________
(١) (ب، ج): «ولو أنها».
(٢) في الأصل بعده زيادة: «في شيء»، والسياق غير محتاج إليه. ولعل بصر الناسخ انتقل إلى ما جاء بعد سطر.
(٣) «فليس الآخر» ساقط من (ب).
(٤) (ق): «مجانبة»، وكذا في النسخ المطبوعة، وغيَّر بعضهم في (ط) إلى «محاذية»، وكلاهما تصحيف.
(٥) ما عدا (غ): «أن»، فإن رسم «لأن» في خط المصنف يشبه «أن». انظر مثلًا مسودة طريق الهجرتين ق (٤/أ).
[ ٢ / ٥٦١ ]
علم الإنسان بنفسه وصفاتها أظهرُ من كل معلوم؛ لأن (^١) علمَه بما عداه تابعٌ لعلمه بنفسه. ومعلوم قطعًا أن ذلك باطل، فإن جماهير أهل الأرض يعلمون أن إثبات هذا الموجود مُحالٌ في العقول شاهدًا وغائبًا، فمن قال ذلك في نفسه وربِّه فلا نفسَه عَرَف، ولا ربَّه عَرَف.
الوجه الثاني عشر بعد المائة: أن هذا البدن المشاهَد محلٌّ لجميع صفات النفس وإدراكاتها الكلِّية والجزئية، ومحلٌّ للقدرة (^٢) على الحركات الإرادية، فوجب أن يكون الحاملُ لتلك الإدراكات والصفات هو البدن وما سكن فيه. فأما أن يكون محَلُّها جوهرًا مجرَّدًا لا داخل العالم ولا خارجه فباطل بالضرورة.
الوجه الثالث عشر بعد المائة: أن النفس لو كانت مجردةً عن الحجميَّة والتحيُّز لامَتنعَ أن يتوقف فعلُها على مماسَّة محلِّ الفعل، لأنَّ ما لا يكون متحيِّزًا يمتنع أن يصير مماسًّا للمتحيز. ولو كان الأمر كذلك لكان فعلها على سبيل الاختراع، من غير حاجة إلى حصول مماسَّةٍ وملاقاة بين الفاعل وبين محلِّ الفعل؛ فكان الواحد منَّا يقدر على تحريك الأجسام من غير أن يُماسَّها أو يماسَّ شيئًا يماسُّها. فإن النفس عندكم كما كانت قادرةً على تحريك البدن من غير أن يكون بينها وبينه مماسَّة، كذلك لا تمتنع (^٣) قدرتها على تحريك جسم غيره من غير (^٤) مماسَّةٍ له ولا لما يماسُّه، وذلك باطل بالضرورة. فعُلِم
_________________
(١) كذا في (ج). وفي (غ): «فإن». ولما كان في الأصل وغيره: «أن» رجحنا قراءة (ج). انظر الحاشية السابقة. وفي النسخ المطبوعة: «وأن».
(٢) (ب، ط، ج، ن): «القدرة».
(٣) (ق): «لا تمنع».
(٤) «أن يكون بينها غير» ساقط من الأصل لانتقال النظر. وجزء من هذه العبارة ساقط من (غ).
[ ٢ / ٥٦٢ ]
أنَّ النفس لا تقوى على التحريك إلا بشرطِ أن تماسَّ محلَّ الحركة أو تماسَّ ما يماسُّه، وكلُّ ما كان مماسًّا للجسم أو لما يماسُّه فهو جسم.
فإن قيل يجوز أن يكون تأثيرُ النفس في تحريك بدنها الخاصِّ غيرَ مشروط بالمماسَّة، وتأثيرُها في تحريك غيره موقوفٌ على حصول المماسَّة بين بدنها وبين ذلك الجسم.
فالجواب: أنه لمَّا كان [١٢٨ أ] قبولُ البدن لتصرفات النفس لا يتوقفُ على حصول المماسَّة بين النفس وبين البدن، وجبَ أن تكون الحالُ كذلك في غيره من الأجسام، لأن (^١) الأجسام متساوية في قَبول الحركة. ونسبةُ النفس إلى جميعها سواءٌ، لأنها إذا كانت مجرَّدةً عن الحجمية وعلائقِ الحجمية كانت نسبةُ ذاتها إلى الكل بالسَّويَّة. ومتى كانت ذاتُ الفاعل نسبتُها إلى الكل بالسوية (^٢)، والقوابلُ نسبتُها إلى ذلك الفاعل بالسوية= كان التأثير بالنسبة إلى الكلِّ على السواء. فإذا استغنى الفاعلُ عن مماسَّة محلِّ الفعل في حقِّ البعض وجبَ أن يستغني في حق الجميع، وإن افتقر إلى المماسَّة في البعض وجب افتقارُه في الجميع.
فإن قيل (^٣): النفس عاشقةٌ لهذا البدن دون غيره، فكان تأثيرها فيه أقوى
_________________
(١) هنا أيضًا في الأصل: «أن». وكذا في (ق، غ). وفي (ط): «إذ». والمثبت من (ج). وهي ساقطة من (ب، ن).
(٢) «ومتى بالسوية» ساقط من الأصل. وجزء من هذه العبارة ساقط من (ن). وما بعدها «والقوابل الفاعل» ساقط من (غ). وقد وقع فيها تحريف في (ق، ط). وإنما ورد النص كاملًا وسليمًا في (ج).
(٣) (ق): «وإن».
[ ٢ / ٥٦٣ ]
من تأثيرها في غيره.
قيل: هذا العشقُ الشديد يقتضي أن يكون تعلُّقُها بالبدن أكثر، وتصرفُها فيه أقوى (^١)، فأما أن يتغير مقتضَى ذاتِها بالنسبة إلى هذه الأجسام فذلك مُحالٌ. وهذا دليل في غاية القوة.
الوجه الرابع عشر بعد المائة: أن العقلاءَ كلَّهم متفقون على أن الإنسان هو هذا الحيُّ الناطق المتغذِّي (^٢) النامي الحساس المتحرك بالإرادة. وهذه الصفاتُ نوعان: صفاتٌ لِبدنه، وصفاتٌ لِروحه ونفسه الناطقة، فلو كانت الروح جوهرًا مجردًا، لا داخلَ العالم ولا خارجَه، ولا متصلةً به ولا منفصلة عنه= لكان الإنسان لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متَّصلًا به ولا منفصلًا عنه (^٣)، أو كان بعضُه في العالم، وبعضُه لا خارج العالم ولا داخله. وكلُّ عاقلٍ يعلم بالضرورة بُطلان ذلك، وأن الإنسان بجملته داخل العالم، بدنَه وروحَه. وهذا في البطلان يضاهي قول من قال: إن نفسه قديمةٌ غيرُ مخلوقة، فجعلوا نصفَ الإنسان مخلوقًا، ونصفَه غيرَ مخلوق.
فإن قيل: نحن نسلِّم أن الإنسان كما ذكرتم إلا أنَّا نثبتُ جوهرًا يدبِّر (^٤) الإنسانَ الموصوف بهذه الصفات.
_________________
(١) «من تأثيرها أقوى» ساقط من الأصل.
(٢) (ب، ط، ج): «المغتذي».
(٣) «لكان الإنسان عنه» ساقط من الأصل.
(٤) هذا في (ق) والنسخ المطبوعة. وفي (أ، غ): «ببدن». وفي (ب، ط): «بدن». ولعله تصحيف. وفي (ج): «في بدن». وفي (ن): «مجرّدًا للإنسان» فحذف الكلمة!
[ ٢ / ٥٦٤ ]
قلنا: فذلك الجوهرُ الذي أثبتُّموه مغايرٌ للإنسان (^١)، أم هو حقيقةُ الإنسان؟ ولابد لكم من أحد الأمرين.
فإن قلتم: هو حقيقة الإنسان، تناقضتم تناقضًا بيِّنًا. وإن (^٢) قلتم: هو غيرُ الإنسان، رجعَ كلامكم إلى أنكم أثبتُّم للإنسان [١٢٨ ب] مدبِّرًا غيرَه سميتموه نفسًا. وكلامنا الآن إنما هو في (^٣) حقيقة الإنسان، لا في مدبِّره؛ فإنَّ مدبِّرَ الإنسان وجميع العالم العلويِّ والسفلي هو الله الواحد القهار.
الوجه الخامس عشر بعد المائة: أن كلَّ عاقل إذا قيل له: ما الإنسان؟ فإنه يشير إلى هذه البِنيَة وما قام بها، لا يخطرُ بباله أمرًا مغايرًا لها مجرَّدًا (^٤) ليس في العالم ولا خارجه، والعلم بذلك ضروريٌّ لا يقبل شكًّا ولا تشكيكًا.
الوجه السادس عشر بعد المائة: أنَّ عقول العالمين قاضيةٌ بأن الخطاب متوجِّه إلى هذه البنية وما قام بها وساكَنَها، وكذلك المدح والذم، والثواب والعقاب، والترغيب والترهيب. ولو أن رجلًا قال: المأمورُ المنهيُّ (^٥)، والممدوح والمذموم، والمخاطَب العاقل= جوهرٌ مجرَّدٌ، ليس في العالم
_________________
(١) (أ، ق): «يغاير للإنسان». (ب، ط): «مغاير الإنسان». والمثبت من (ج).
(٢) «قلتم وإن» ساقط من (أ، غ). وهنا انتهى الخرم الذي وقع في (ز).
(٣) «في» ساقط من (أ، ب، ق، ز).
(٤) كذا في جميع النسخ. وفي النسخ المطبوعة: «أمر مغاير لها مجرد»، ولعله من تصرف الناشرين. ونصب «أمرًا» على أنه حال من الضمير في «يخطر» العائد على الإنسان.
(٥) (ط): «والمنهي».
[ ٢ / ٥٦٥ ]
ولا خارجه، ولا متصل به ولا منفصل (^١) عنه= لأضحكَ العقلاء على عقله، ولأطبقوا على تكذيبه. وكلُّ ما شهدت بدائهُ العقولِ وصرائحُها ببطلانه، كان الاستدلالُ على ثبوته استدلالًا على صحة وجود المحال. وبالله التوفيق.
فصل
[أدلَّة المنازعين]
فإن قيل: قد ذكرتم الأدلَّة الدالَّة على جسميَّتها وتحيُّزها، فما جوابكم على أدلَّة المنازعين لكم في ذلك؟ فإنهم استدلُّوا بوجوه (^٢):
أحدها: اتفاقُ العقلاء على قولهم: الروح والجسم، والنفس والجسم، فيجعلونها شيئًا غير الجسم. فلو كانت جسمًا لم يكن لهذا القول معنى.
الثاني ــ وهو أقوى ما يحتجُّون به ــ: أنه من المعلوم أن في الموجودات ما هو غيرُ قابلٍ للقسمة، كالنقطة، والجوهر الفرد، بل ذاتُ واجبِ الوجود؛ فوجب أن يكون العلم بذلك غيرَ قابل للقسمة (^٣)، فوجب أن يكون الموصوفُ بذلك العلم ــ وهو محله ــ غيرَ قابلٍ للقسمة، وهو النفس. فلو كانت جسمًا لكانت قابلةً للقسمة.
ويُقرَّرُ (^٤) هذا الدليل على وجه آخر: وهو أنَّ محل العلوم الكلِّية لو كان جسمًا أو جسمانيًّا لانقسمت تلك (^٥) العلوم؛ لأن الحالَّ في المنقسم
_________________
(١) (ق): «متصلًا منفصلًا».
(٢) انظر جملة منها في رسالة ابن سينا في السعادة والحجج العشرة على أن النفس الإنسانية جوهر (٥ ــ ١٢) وكتاب المعتبر لأبي البركات البغدادي (٢/ ٣٥٧ ــ ٣٥٩).
(٣) «فوجب القسمة» ساقط من الأصل. و«كالنقطة القسمة» ساقط من (ط).
(٤) هذا في الأصل. وفي (غ): «ونقرر». وفي غيرها: «وتقرَّر».
(٥) (ب، ط، ج): «بذلك».
[ ٢ / ٥٦٦ ]
منقسمٌ، وانقسامُ تلك العلوم مستحيل.
الثالث: أنَّ الصور [١٢٩ أ] العقلية الكلِّية مجرَّدة بلا شكّ، وتجرُّدُها إما أن يكون بسبب المأخوذ عنه، أو بسبب الآخذ. والأول باطل، لأن هذه الصورَ إنما أُخذت عن الأشخاص الموصوفة بالمقادير المختلفة والأوضاع المعيَّنة، فثبتَ أنَّ تجرُّدَها إنما هو بسبب الآخذ لها، وهو القوة العقلية المسمَّاة بالنفس.
الرابع: أنَّ القوة العاقلة تقوَى على أفعال غير متناهية، فإنها تقوى على إدراكات لا تتناهى. والقوةُ الجسمانيةُ لا تقوى على أفعال غير متناهية؛ لأن القوة الجسمانية تنقسم بانقسام محلِّها. فالذي يقوَى عليه بعضُها يجب أن يكون أقلَّ من الذي يقوى عليه كلُّها، فالذي يقوى عليه الكلُّ يزيد على الذي يقوى عليه البعضُ أضعافًا (^١) متناهية، والزائدُ على المتناهي بمتناهٍ متناهٍ.
الخامس: أنَّ القوة العاقلة لو كانت حالَّةً في آلة جسمانية لوجب أن تكون القوةُ العاقلةُ دائمةَ الإدراك لتلك الآلة، أو ممتنعةَ الإدراك لها بالكلِّية. وكلاهما باطل، لأن إدراك (^٢) القوة العاقلة لتلك الآلةِ إن كان عينَ وجودها فهو محال. وإن كان صورةً مساويةً (^٣) لوجودها، وهي حالَّةٌ في القوة العقليةِ الحالّةِ في تلك الآلة، لزم اجتماعُ صورتين متماثلتين، وهو محال.
_________________
(١) في الأصل: «اصعا». وكذا في (ق، ب، ط) بالفاء، مع علامة «ظ» أو «كذا» فوقها. وكأن المصنف كتب في مسوَّدته نصف الكلمة سهوًا. وكتب ناسخ (ن) في موضعها: «فتكون». ووردت في (ز، ج) على الصواب.
(٢) في (ن، ز): «باطل وإدراك».
(٣) (ب، ط، ج): «متساوية».
[ ٢ / ٥٦٧ ]
وإذا بطل هذا ثبتَ (^١) أن القوة العاقلة لو أدركت آلتَها لكان إدراكُها عبارةً عن نفس حصول تلك الآلة عند القوة العاقلة. فيجب حصولُ الإدراك دائمًا، إن كفى هذا القدْرُ ضمن (^٢) حصول الإدراك. وإن لم يكفِ امتنع حصولُ الإدراك في وقت من الأوقات، إذ لو حصل في وقتٍ دون وقت لكان بسببِ أمرٍ زائدٍ على مجرد حضور صورة الآلة (^٣).
السادس: أن كل أحد يدرك (^٤) نفسه، وإدراكُ الشيء عبارةٌ عن حضور ماهية المعلوم عند العالِم. فإذا علمنا [١٢٩ ب] أنفسَنا، فهو إما أن يكون لأجْلِ حضور ذواتنا لذواتنا، أو لأجل حضور صورةٍ مساويةٍ (^٥) لذواتنا في ذواتها. والقسم الثاني باطلٌ، وإلا لزم اجتماع المثلَين. فثبت أنه لا معنى لعلمنا بذاتنا إلا حضورُ ذاتنا عند ذاتنا، وهذا إنما يكون إذا كانت ذاتًا (^٦) قائمةً بالنفس غنيَّة عن المحلِّ؛ لأنها لو كانت حالّةً في محلٍّ كانت حاضرةً عند ذلك المحلِّ. فثبت أنَّ هذا المعنى إنما يحصل إذا كانت النفس قائمةً بنفسها، غنيَّةً عن محلٍّ تحُلُّ فيه.
السابع: ما احتجَّ به أبو البركات البغداديُّ (^٧)، وأبطل ما سواه، فقال: لا
_________________
(١) في الأصل: «ثبت هذا بطل». ولعله سهو.
(٢) في (ج) والنسخ المطبوعة: «في». وفي النسخ الخطية الأخرى كلها: «فمن»، فقرأتها كما أثبت.
(٣) في (أ، ق): «الأدلة»، تحريف. وكلمة «صورة» قبلها ساقطة من (ق، ن).
(٤) (ب، ج): «مدرك».
(٥) (ب، ط، ج): «متساوية».
(٦) ما عدا (أ، ق): «ذاتنا».
(٧) لم أجده في كتابه «المعتبر». ولعل النقل من رسالته في النفس وقطعته التي وصلت إلينا ليس فيها هذا البحث.
[ ٢ / ٥٦٨ ]
نشكُّ (^١) أن الواحد منَّا يمكنه أن يتخيَّل بحرًا من زئبق، وجبلًا من ياقوت، وشموسًا وأقمارًا. فهذه الصور الخيالية لا تكون معدومةً؛ لأن قوة المتخيِّل تشير إلى تلك الصور، وتميِّز بين كلِّ صورة وغيرِها. وقد يقوى ذلك المتخيَّل إلى أن يصير كالمشاهَد المحسوس. ومعلومٌ أن العدم المحض، والنفي الصِّرف لا يَثْبُت فيه ذلك. ونحن نعلم بالضرورة أنَّ هذه الصور ليست موجودة في الأعيان، فثبت أنها موجودة في الأذهان. فنقول: مَحلُّ هذه الصورة إما أن يكون جسمًا أو حالًّا في الجسم، أو لا جسمًا ولا حالًّا في الجسم. والقسمان الأولان باطلان. لأن صورة البحر والجبل صورة عظيمة، والدماغ والقلب جسم صغير، وانطباعُ العظيم في الصغير محال. فثبت أن محلَّ هذه الصورة الخيالية ليس بجسم ولا جسماني.
الثامن: لو كانت القوة العقلية جسمانيَّة (^٢) لضعفتْ في زمان الشيخوخة دائمًا، وليس كذلك.
التاسع: أنَّ القوة العقلية غنيَّة في أفعالها عن الجسم، وما كان غنيًّا في فعله عن الجسم وجَبَ أن يكون غنيًّا في ذاته عن الجسم.
بيان الأول: أن القوة العقلية تدرك نفسَها، ومن المحال أن يحصل بينها وبين نفسها آلة متوسطة. وأيضًا تدرك (^٣) إدراكها لنفسها، وليس هذا الإدراك بآلة. وأيضًا فإنها تدرك الجسم الذي هو آلتُها، وليس بينها وبين آلتها آلةٌ أخرى.
_________________
(١) (ب، ط، ج، غ): «لا شك».
(٢) ما عدا الأصل و(غ): «جسدانية».
(٣) ما عدا (ب، ط، ج): «متوسطة أيضًا. وتدرك».
[ ٢ / ٥٦٩ ]
وبيان الثاني من وجهين:
أحدهما [١٣٠ أ]: أنَّ القوى الجسمانية كالناظرة (^١) والسامعة والخيال والوهم (^٢)، لما كانت جسمانيةً تعذَّر عليها إدراكُ ذواتها، وإدراكُها لكونها مدركةً لذواتها، وإدراكُها لتلك الأجسام الحاملة لها. فلو كانت القوة العقلية جسمانيةً لتعذَّر عليها هذه الأمور الثلاثة.
الثاني: أنَّ مصدر الفعل هو النفس. فلو كانت النفس متعلِّقةً في قوامها ووجودها بالجسم لم تحصل تلك الأفعالُ إلا بشركة من الجسم. ولمَّا ثبت أنَّه ليس كذلك ثبت أنَّ القوة العقلية غنيَّة عن الجسم (^٣).
العاشر: أنَّ القوة الجسمانية تكِلُّ بكثرة الأفعال، ولا تقوى على القوي بعد الضَّعيف. وسببه ظاهر، فإن القُوَى الجسمانية بسبب مزاولة الأفعال تتعرَّض موادُّها للتحلُّل والذبول، وهو يوجب الضعف. وأما القوة العقلية فإنها لا تضعف بسبب كثرة الأفعال، وتقوى على القوي بعد الضعيف، فوجب أن لا تكون جسمانية.
الحادي عشر: أنَّا إذا حكمنا بأنَّ السواد مضادٌّ للبياض وجبَ أن يحصل في الذهن ماهيةُ السواد والبياض، والبديهةٌ حاكمةٌ بأنَّ اجتماعَ السواد والبياض والحرارة والبرودة في الأجسام محالٌ، فلما حصل هذا الاجتماع في القوة العقلية وجب أن لا تكون قوة جسمانية.
_________________
(١) (ب، ط، ج): «الباصرة».
(٢) تحرف في (ب، ط، ج) إلى «وجوه».
(٣) «ولما ثبت الجسم» ساقط من (ب، ط).
[ ٢ / ٥٧٠ ]
الثاني عشر: أنه لو كان محلُّ الإدراكات جسمًا، وكلُّ جسم ينقسمُ (^١) لا محالةَ، لم يمنع (^٢) أن يقوم ببعض أجزاء الجسم عِلْمٌ بالشيء، وبالبعض الآخر منه جهلٌ، وحينئذٍ فيكون الإنسان في الحال الواحد عالمًا بالشيء، وجاهلًا به.
الثالث عشر: أن المادة الجسمانية إذا حصلت فيها نفوس مخصوصة، فإنَّ وجود تلك النفوس فيها يمنع من حصول نفوسٍ غيرها. وأما النفوسُ العقلية فبالضدِّ من ذلك [١٣٠/ب]؛ لأنَّ النفس (^٣) إذا كانت خاليةً من جميع العلوم والإدراكات فإنه يصعب عليها التعلُّمُ. فإذا تعلمت شيئًا صار حصولُ تلك العلوم مُعينًا على سهولة غيرها. فالنفوسُ (^٤) الجسمانيةُ متغايرة متنافية، والنفوسُ العقليةُ متعاونة متعاضدة.
الرابع عشر: أن النفس لو كانت جسمًا لكان بين إرادةِ العبد تحريكَ رجله وبين تحريكِها زمانٌ على قدْرِ حركة الجسم وثِقَله (^٥). فإن النفس هي المحركةُ للجسم والمريدةُ لحركته، فلو كان المحرِّك للرجل جسمًا، فإما أن يكون حاصلًا في هذه الأعضاء، أو جائيًا إليها. فإن كان جائيًا إليها احتاج إلى مدَّة، ولابدَّ. وإن كان حاصلًا فيها، فنحن إذا قطعنا تلك العضَلَة (^٦) التي
_________________
(١) كذا في الأصل و(غ). وفي غيرهما: «منقسم».
(٢) ما عدا الأصل و(غ، ق): «لم يمتنع».
(٣) (أ، ق، غ): «الأنفس». وقد سقط بعده «إذا كانت» من (ب، ط، ج).
(٤) في الأصل: «فالنفس»، وهو سهو. وكذا في (ق، غ).
(٥) الأصل غير منقوط. وفي (ج) والنسخ المطبوعة كما أثبتنا. وفي غيرها: «نقله».
(٦) (ب، ط، ج): «الأعضاء».
[ ٢ / ٥٧١ ]
تكون بها الحركةُ لم يبق منها في العضو المتحرك شيء. فلو كان ذلك المتحركُ حاصلًا فيه لَبقي منه شيء في ذلك العضو.
الخامس عشر: لو كانت النفس جسمًا لكانت منقسمةً ولصحَّ (^١) عليها أن يُعلَم بعضُها كما يُعلَم كلُّها، فيكون الإنسان عالمًا ببعض نفسه، جاهلًا بالبعض الآخر، وذلك محال.
السادس عشر: لو كانت النفس جسمًا لوجب أن يَثْقُل البدن بدخولها فيه؛ لأن شأن الجسم الفارغ إذا ملأَه غيرُه أن يثقل به، كالزِّقِّ الفارغ، والأمرُ بالعكس فأخفُّ ما يكون البدن إذا كانت فيه النفس، وأثقل ما يكون إذا فارقته.
السابع عشر: لو كانت النفس جسمًا لكانت على صفات سائر الأجسام التي لا يخلو منها (^٢) من الخفة والثقل، أو الحرارة والبرودة، أو النعومة والخشونة، أو السواد والبياض (^٣)، وغيرِ ذلك من صفات الأجسام وكيفياتها. ومعلوم أن الكيفيات النفسانية إنما هي الفضائلُ والرذائل لا تلك الكيفيات الجسمانية، فالنفسُ ليست جسمًا.
الثامن عشر: أنها لو كانت [١٣١ أ] جسمًا لوجب أن تقع تحت جميع الحواسِّ، أو تحت حاسَّةٍ منها أو حاسَّتين أو أكثر، فإنا نرى الأجسام كذلك
_________________
(١) (ب، ط، ج، ن): «يصح»، تصحيف.
(٢) كذا في جميع النسخ. وفي النسخ المطبوعة زيادة دون تنبيه: «شيء منها» وهو المقصود.
(٣) هذا في الأصل و(ز). والنسخ الأخرى اضطربت، فأثبتت (ق، ن، غ) «أو» مكان الواو قبل «النعومة» و«السواد». و(ب، ط، ج) قبل «السواد» فقط.
[ ٢ / ٥٧٢ ]
منها ما يُدرَك بجميع الحواس، ومنها ما يُدرَك بأكثرها، ومنها ما يُدرَك بحاستين منها أو بواحدة. والنفسُ بريئة من ذلك كله.
وهذه الحجَّةُ التي احتجَّ بها جَهْم على طائفة من الملاحدة حين (^١) أنكروا الخالق سبحانه، وقالوا: لو كان موجودًا لوجب أن يُدرَك بحاسَّة من الحواس؛ فعارضهم بالنفس. وإنَّما تتمُّ المعارضة إذا لم تكن جسمًا (^٢)، وإلا فلو كانت جسمًا لجاز إدراكُها ببعض الحواس.
التاسع عشر: لو كانت جسمًا لكانت ذاتَ طول وعرض وعمق وسطح وشكل، وهذه المقادير والأبعاد لا تقوم إلا بمادَّةٍ ومحلٍّ. فإن كانت مادَّتُها ومحَلُّها نفسًا لزم اجتماع نفسَين. وإن كانت (^٣) غيرَ نفس كانت النفس مركَّبةً من بدن وصورة، وهي في جسدٍ مركَّبٍ من بدن وصورة، فيكون الإنسان إنسانين.
العشرون: أنَّ من خاصة الجسم أن يقبل التجزِّي (^٤)، والجزء الصغير منه ليس كالكبير، ولو قبلت التجزِّي فكلُّ جزء منها إن كان نفسًا لزِم أن يكون للإنسان نفوس كثيرة، لا نفس واحدة. وإن لم يكن نفسًا لم يكن
_________________
(١) ما عدا (غ، ز): «حتى»، تصحيف. وقد حذفها ناسخ (ن).
(٢) في النسخ المطبوعة: «وأنَّى تتمُّ المعارضة إذا كانت جسمًا» خلافًا لجميع النسخ الخطية التي بين أيدينا. وقد تحرّف «وإنما تتم» في الأصل إلى «واناهم» دون نقط النون، وفي (ب) إلى «واراهم». فلعل بعضهم قرأها: «وأنى تتم»، ولكن ليس في شيء من النسخ: «إذا كانت جسمًا».
(٣) (أ، ز، ن، غ): «كان».
(٤) كذا في جميع النسخ موضع التجزُّؤ.
[ ٢ / ٥٧٣ ]
المجموع نفسًا، كما أنَّ جزءَ الماء إن لم يكن ماءً لم يكن مجموعُه ماء.
الحادي والعشرون: أنَّ الجسم محتاجٌ (^١) في قوامه وحفظه وبقائه إلى النفس، ولهذا يضمحلُّ ويتلاشى لمَّا تفارقُه (^٢). فلو كانت جسمًا لكانت محتاجةً إلى نفس أخرى، وهلمَّ جَرًّا، ويتسلسل الأمر. وهذا المحالُ إنما لزم من كون النفس جسمًا.
الثاني والعشرون: لو كانت جسمًا لكان اتصالُها بالجسم إن كان على سبيل المداخلة لزمَ تداخلُ الأجسام. وإن كان على سبيل الملاصقة والمجاورة كان الإنسان الواحد جسمين متلاصِقَين: أحدهما يُرى، والآخر لا يُرى.
فهذا كلُّ ما مَوَّهْت به هذه [١٣١ ب] الطائفة المبطِلة من منخنقة وموقوذة ومتردِّية! ونحن نجيبهم عن ذلك (^٣) كلِّه فصلًا بفصل (^٤)، بحول الله وقوته ومعونته (^٥).
_________________
(١) (ب، ط، ج): «يحتاج».
(٢) كذا في جميع النسخ. وقد أدخل المصنف لمَّا الحينيَّة الخاصَّة بالماضي على المضارع في مواضع أخرى أيضًا من كتبه. انظر مثلًا: النونية (٤٤٢، ١٢٠١، ٣٠٨١).
(٣) (أ، ق، غ): «على ذلك».
(٤) (ن): «فصلًا فصلًا».
(٥) «ومعونته» ساقط من (ن، ز).
[ ٢ / ٥٧٤ ]
الشبهة الأولى: تغاير النفس والجسم
فصل
[الجواب عن أدلَّة المنازعين]
فأما قولهم: إنَّ العقلاءَ متفقون على قولهم: الروح والجسم، والنفس والجسم؛ وهذا يدلُّ على تغايرهما.
فالجواب: أن يقال: إن مسمَّى الجسم في اصطلاح المتفلسفةِ والمتكلِّمين أعمُّ من مسمَّاه في لغة العرب وعُرْف أهل العرف. فإن الفلاسفة يطلقون الجسمَ على قابلِ الأبعاد الثلاثة، خفيفًا كان أو ثقيلًا، مرئيًا كان أو غير مرئي؛ فيسمُّون الهواءَ جسمًا، والنار جسمًا، والماء جسمًا (^١). وكذلك الدخان، والبخار، والكواكب. ولا يُعرف في لغة العرب تسميةُ شيء من ذلك جسمًا البتَّة. فهذه لغتهم وأشعارهم، وهذه النقول عنهم في كتب اللغة.
قال الجوهري (^٢): «قال أبو زيد: الجسم: الجسد. وكذلك الجُسْمان، والجُثْمان. قال الأصمعي: الجسم والجُسمان: الجسد. والجُثْمان: الشخص. وقد جَسُم الشيءُ أي: عظُمَ، فهو عظيم جَسيم (^٣)، وجُسام بالضم».
ونحن إذا سمَّينا النفس جسمًا، فإنما هو باصطلاحهم وعُرْفِ خطابهم،
_________________
(١) «والماء جسمًا» ساقط من (ب، ج).
(٢) في الصحاح (٥/ ١٨٨٧).
(٣) كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة ما عدا (غ، ز)، وكلمة «عظيم» لا وجود لها في الصحاح، والظاهر أنها مقحمة. وفي (ز): «فهو جسيم أي عظيم». ولعل ذلك إصلاح لما ورد في غيرها. أما (غ) فقد سقطت منها «جسيم».
[ ٢ / ٥٧٥ ]
فصل: الشبهة الثانية: لو كانت النفس جسما لكانت قابلة للقسمة
وإلا فليست جسمًا (^١) باعتبار وَضْع اللغة. ومقصودُنا بكونها جسمًا: إثباتُ الصفات والأفعال والأحكام التي دلَّ عليها الشرع والعقل والحسُّ، من الحركة والانتقال، والصعود والنزول؛ ومباشرةِ النعيم والعذاب، واللذة والألم؛ وكونِها تُحبَس وتُرسَل (^٢) وتُقبَض، وتَدخُل وتَخرُج. فلذلك أطلقنا عليها اسم الجسم تحقيقًا لهذه المعاني، وإن لم يطلق عليها أهلُ اللغة اسمَ الجسم؛ فالكلام مع هذه الفرقة المبطِلة في المعنى لا في اللفظ. فقولُ أهل التخاطب: الروح والجسم، هو بهذا المعنى.
فصل
وأما الشبهة الثانية، فهي أقوى شُبَهِهم التي بها يصولون، وعليها يُعوِّلون. وهي مبنيَّة على أربع مقدمات [١٣٢ أ]:
إحداها (^٣): أنَّ في الوجود ما لا يقبل القسمةَ بوجه من الوجوه.
الثانية: أنَّه يمكن العلم به.
الثالثة: أنَّ العلمَ به غيرُ منقسم.
الرابعة: أنَّه يجب أن يكون محلُّ العلمِ به كذلك، إذ لو كان جسمًا لكان منقسمًا.
وقد نازعهم في ذلك جمهورُ العقلاء، وقالوا: لم تُقيموا دليلًا على أنَّ
_________________
(١) «جسمًا» ساقط من (ب، ج).
(٢) ما عدا الأصل و(ط): «أو ترسل». وقد سقط بعده: «وتقبض» من (ن).
(٣) هذا في (ب، ج). وفي غيرهما: «أحدها». ولا يبعد أن يكون كذا وقع في أصل المؤلف. انظر: طريق الهجرتين (١/ ٧٩)، التعليق (٦).
[ ٢ / ٥٧٦ ]
في الوجود ما لا يقبلُ القسمة الحسية ولا الوهمية وإنما بأيديكم دعاوٍ لا حقيقةَ لها. وإنما أثبتُّموه من واجب الوجود، وهو (^١) بناء على أصلكم الباطل عند جميع العقلاء من أهل الملل وغيرهم من إنكار ماهيةِ الربِّ تعالى وصفاتِه (^٢)، وأنه وجودٌ مجرَّد لا صفةَ له ولا ماهية. وهذا قولٌ باينتم به العقولَ، وجميعَ الكتب المنزلة من السماء، وإجماعَ الرسل؛ ونفيتم به علمَ الله، وقدرته، ومشيئته، وسمعه وبصره، وعلوَّه على خلقه، ونفيتم به خلقَ السماوات والأرض في ستة أيام. وسمَّيتموه توحيدًا، وهو أصل كلِّ تعطيل.
قالوا: والنقطة التي استدللتم بها هي من أظهرِ ما يُبطِل دليلَكم، فإنها غيرُ منقسمةٍ، وهي حالَّةٌ في الجسم المنقسم، فقد حلَّ في المنقسم ما ليس بمنقسم.
ثم إن مثبتي الجوهر الفَرْد ــ وهم جمهور المتكلمين ــ ينازعونكم في هذا الأصل ويقولون: الجوهر (^٣) حالٌّ في الجسم، بل هو مركَّب منه، فقد حلَّ في المنقسم ما ليس بمنقسم.
ولا يمكن تتميمُ (^٤) دليلِكم إلا بنفي الجوهر الفرد. فإن قلتم: النقطةُ عبارة عن نهاية الخط وفنائه وعدمه، فهي أمر عدمي؛ بطَلَ استدلالُكم بها. وإن كانت أمرًا وجوديًّا، فقد حلَّت في المنقسم. فبطل الدليل على التقديرين.
_________________
(١) (ب، ط، ج): «وما أثبتموه فهو». (ن): «وإن ما».
(٢) (ط): «صفات ذاته».
(٣) «الفرد الجوهر» ساقط من (ط).
(٤) (ب، ط): «تعليل»، ولعله تحريف «تكميل».
[ ٢ / ٥٧٧ ]
قالوا: وأيضًا فلم لا يكون العلم حالًّا في محلِّه، لا على وجه الشيوع (^١) والسرَيان؛ فإن حلولَ كلِّ شيء في محلِّه بحسبه. فحلولُ الحيوان في الدار نوع، وحلولُ الخطِّ في الكتاب نوع، وحلولُ الدُّهن في السِّمسِم نوع، وحلولُ العَرَض في الجسم نوع، وحلولُ الروح في البدن نوع، وحلولُ العلوم والمعارف [١٣٢ ب] في النفس نوع.
قالوا: وأيضًا فالوحدةُ حاصلة. فإن كانت جوهرًا، فقد ثبتَ الجوهر الفرد، وبطلَ دليلكم، فإنه لا يتم إلا بنفيه. وإن كانت (^٢) عرضًا وجب أن يكون لها محلٌّ، فمحلُّها إن كان منقسمًا فقد جاز قيامُ غير المنقسم بالمنقسم. وإن كان غيرَ منقسم (^٣) فهو الجوهر، وبطل الدليل.
فإن قلتم: الوحدة أمر عَدَميُّ لا وجود له في الخارج، فكذلك ما أثبتُّم به وجود ما لا ينقسم، كلُّها أمور عدمية لا وجودَ لها في الخارج (^٤)، فإنَّ واجبَ الوجود الذي أثبتُّموه أمرٌ عدميٌّ، بل مستحيل الوجود.
قالوا: وأيضًا فالإضافات عارضة للأجسام (^٥)، مثل الفوقية والتحتية،
_________________
(١) هذا في (ج). وهو مطموس في (ز) وساقط من (ن). وفي غيرها: «النوع»، وكذا في النسخ المطبوعة، وهو تحريف.
(٢) (أ، ق، غ): «كان».
(٣) زاد بعده في (ن): «وجد».
(٤) «فكذلك الخارج» ساقط من (ز). وبعد ذلك: «كان واجب أمرًا عدميًّا». أراد إصلاح الخلل الناتج من السقط.
(٥) في (أ، غ، ق): «الأقسام». وفي (ز، ن): «للأقسام»، ولعل الصواب ما أثبت من (ب، ط، ج).
[ ٢ / ٥٧٨ ]
والمالكية والمملوكية، فلو انقسم الحالُّ بانقسام محلِّه لزم انقسام هذه الإضافات وكان (^١) يكون لحقيقة الفوقية والتحتية ربعٌ وثُمْنٌ، وهذا لا يقبله العقل.
قالوا: وإنَّ القوة الوهمية والمفكرة (^٢) جسمانية عند زعيمكم ابن سينا (^٣)، فيلزم أن يحصل لها أجزاءٌ وأبعاضٌ. وذلك محالٌ؛ لأنها لو انقسمت لكان كل واحد من أبعاضها إن كان مثلَها كان الجزء مساويًا للكل، وإن لم يكن مثلَها لم تكن تلك الأجزاء كذلك.
وأيضًا فإن الوهم لا معنَى له إلا كونُ هذا صديقًا وهذا عدوًّا، وذلك لا يقبل القسمة.
قالوا: وإن (^٤) الوجود أمر زائد على الماهيات عندكم، فلو لزم انقسام الحالِّ لانقسام محلِّه لزم انقسامُ ذلك الوجود بانقسام محله. وهذا الوجه لا يلزم من جعل وجود الشيء عين ماهيته (^٥).
قالوا: وأيضًا فطبائع الأعداد ماهياتٌ مختلفة، فالمفهوم من كون العشرة عشرةً مفهوم واحد وماهية واحدة. فتلك الماهية إما أن تكون عارضةً لكل واحد من تلك الآحاد، وهو محال. وإما أن تنقسم بانقسام تلك الآحاد، وهو مُحال أيضًا؛ لأن المفهوم من كون العشرة عشرةً لا يقبل القسمة. نعم
_________________
(١) (ز، غ): «فكان». ورسم الكلمة في الأصل يحتمل القراءتين.
(٢) في (أ، غ، ن): «والفكرة». وفي (ب، ط، ج): «الوهمية المفكرة».
(٣) في (ج) زيادة: «عليه لعائن الله تترى»!
(٤) (ب، ط، ج): «ولأن».
(٥) (ق، غ): «غير ماهيته». وكذا في النسخ المطبوعة.
[ ٢ / ٥٧٩ ]
العشرةُ تقبل القسمةَ، لا عَشَرِيَّتُها. قالوا: فقد قام ما لا ينقسم بالمنقسم.
قالوا: وأيضًا فالكيفياتُ المختصَّاتُ بالكمِّيات (^١) كالاستدارة [١٣٣ أ] والتقوُّس (^٢) ونحوهما عند الفلاسفة أعراضٌ موجودة في شبه الاستدارة (^٣). إن كانت عرضًا، فإما أن يكون بتمامه قائمًا بكل واحد من الأجزاء، وهو محال. وإما أن ينقسم ذلك العرضُ بانقسام الأجزاء، ويقومَ بكل جزء من أجزاء الخطِّ جزءٌ من أجزاء ذلك العَرض، وهو محال؛ لأن جُزأه إن كان استدارة لزم أن يكون جزء الدائرة دائرة. وإن لم يكن استدارة، فعند اجتماع الأجزاء إن لم يحدث أمر زائد وجب أن لا تحصل الاستدارة (^٤). وإن حدث أمر زائد (^٥)، فإن كان منقسمًا عاد التقسيم، وإن لم ينقسم كان الحالُّ غيرَ منقسم ومحلُّه منقسمًا.
قلت: وهذا لا يلزمهم، فإنَّ لهم أن يقولوا: ينقسم بانقسام محله تبعًا له كسائر الأعراض القائمة بمحالِّها من البياض والسواد. وأما ما لا ينقسمُ كالطول، فشرطُ حصوله (^٦) اجتماعُ الأجزاء، والمعلَّق على الشرط منتفٍ بانتفائه.
_________________
(١) (ز): «بالممكنات».
(٢) (ن): «النقوش». وكذا في معظم النسخ المطبوعة. وفي بعضها: «النفوس»، كما في (ب، ط، ج، غ)، والصواب ما أثبتنا من (ق، ز).
(٣) (ن): «في نسبة الاستدارة»، وهو تصحيف. وفي (ب، ج): «فهيئة الاستدارة». ولعل في النص سقطًا.
(٤) في (ز): «استدارة». وفي (ب، ط، غ): «للاستدارة»، تحريف.
(٥) «وجب زائد» ساقط من الأصل.
(٦) (ب، ط، ج): «بشرط حصوله»، تصحيف.
[ ٢ / ٥٨٠ ]
قالوا: وإنَّ هذه الأجسامَ (^١) ممكنةٌ بذواتها، وذلك صفة عَرَضية لها خارجة عن ماهيتها، فإن لم تنقسم بانقسام محلِّها بطل الدليل. وإن انقسمت عاد المحذور المذكور من مساواة الجزء للكل أو التسلسل (^٢).
قلت: وهذا أيضًا لا يلزم (^٣)، لأن الإمكان ليس أمرًا يدلُّ (^٤) على قبول الممكن للوجود والعدم. وذلك القبولُ من لوازم ذاته، ليس صفةً عارضة له؛ ولكن الذهنَ يجرِّد هذا القبولَ عن القابل، فيكون عُروضُه للماهية بتجريد الذهن. وأما قضية مساواة (^٥) الجزء للكل، فلا امتناعَ في ذلك، كسائر الماهيات البسيطة، فإنَّ جزأها مساوٍ لكلِّها في الحدِّ والحقيقة، كالماء والتراب والهواء. وإنما الممتنعُ أن يتساوى الجزءُ والكلُّ في الكمِّ، لا في نفس الحقيقة.
والمعوَّل في إبطال هذه الشبهة على أن العلم ليس بصورة حالَّة في النفس، وإنما هو نسبة [١٣٣ ب] وإضافة بين العالم والمعلوم، كما نقول في الإبصار: إنه ليس بانطباعِ صورةٍ مساويةٍ (^٦) للمبصَر في القوة الباصرة، وإنما هو نسبةٌ وإضافة بين القوة الباصرة والمبصَر.
وعامَّة شبههم التي أوردوها في هذا الفصل مبنية على انطباع صورة
_________________
(١) (ب، ط، ج): ولأن هذه الأقسام.
(٢) (ق، ب، ط، غ): «والتسلسل».
(٣) ما عدا الأصل و(غ): «لا يلزمهم».
(٤) (ب، ج): «زائدًا».
(٥) في الأصل: «مشاركة». وكذا في (ق، غ). وهو تحريف.
(٦) ما عدا (ب، ن، ج): متساوية.
[ ٢ / ٥٨١ ]
المعلوم في القوة العالمة، ثم بنوا على ذلك أن انقسام ما لا ينقسم في المنقسم محال.
وقولهم: محل العلوم الكلِّية لو كان جسمًا أو جسمانيًا لانقسمت (^١) تلك العلوم؛ لأن الحالَّ في المنقسم منقسم. ولم يذكروا على صحة هذه المقدمة دليلًا ولا شبهة وإنما بأيديهم مجرَّدُ الدَّعوى، وليست بديهيةً حتى تستغني (^٢) عن الدليل. وهي مبنية على أنَّ العلم بالشيء عبارة عن حصول صورةٍ مساوية لماهية المعلوم في نفس العالِم، وهذا من أبطل الباطل للوجوه التي تُذكر هناك.
وأيضًا فلو سلَّمنا لكم ذلك كان من أظهر الأدلَّة على بطلان قولكم، فإنَّ هذه الصورة إذا كانت حالَّةً في جوهر النفس الناطقة (^٣) فهي صورة جزئية حالّة في نفس جزئيةٍ يقارنُها (^٤) سائرُ الأعراض الحالَّة في تلك النفس الجزئية، فإذا اعتبرنا تلك الصورة مع جملة هذه اللواحق لم تكن صورة مجرَّدة، بل مقرونة بلواحق وعوارض، وذلك يمنع كلِّيتها.
فإن قلتم: المراد بكونها كليةً أنَّا إذا حذفنا عنها تلك اللواحقَ واعتبرناها من حيث هي هي كانت كليةً. قلنا لكم: فإذا جاز هذا، فلِمَ لا يجوز أن يقال: هذه الصورة حالّةٌ في مادة جسمانية (^٥) مخصوصة، بمقدار معيَّن، وبكُلٍّ
_________________
(١) في الأصل: «لانقسم»، سهوًا.
(٢) (ن): «يُستغنى».
(٣) (ق، ز، غ): «الباطنة». ورسمها في الأصل محتمل.
(٤) (ب، ق، ن): «يقاربها»، تصحيف.
(٥) (ب، ط، ج): «جثمانية».
[ ٢ / ٥٨٢ ]
فصل: الشبهة الثالثة: تجرد الصور العقلية الكلية إنما هو بسبب الآخذ لها، وهو القوة العقلية المسماة بالنفس
معيَّن؛ إلا أنَّا إذا حذفنا عنها ذلك، واعتبرناها من حيث هي هي، كانت بمنزلة تلك الصورة التي فعلنا بها ذلك؟ فالمعيَّن في مقابلة المعيَّن، والمطلَقُ المأخوذ من حيث هو هو [١٣٤ أ] في مقابلة محلِّه المطلَق. وهذا هو المعقول الذي شهدت به العقول الصحيحة والميزان الصحيح.
فظهر أنَّ هذه الشبهةَ مِن أفسَدِ الشُّبَه وأبطَلِها، وإنما أُتِيَ القوم من الكلِّيات، فإنها هي التي خَرَّبتْ دُورَهم، وأفسدت نظرهم (^١) ومناظرتهم (^٢)، فإنهم جرَّدوا أمورًا كليةً لا وجود لها في الخارج، ثم حكموا عليها بأحكامِ الموجودات، وجعلوها ميزانًا وأصلًا للموجودات. فإذا جرَّدوا صورَ المعلومات وجعلوها كليةً، جرَّدنا نحن محلَّها، وجعلناه كليًّا، وإن أخذت جزئيَّة معينة، فمحلُّها كذلك. فالكلِّيُّ في مقابلة الكلِّي، والجزئي في مقابلة الجزئي.
على أنَّا نقول: ليس في الذهن (^٣) كليٌّ، وإنما في الذهن صورة معينة مشخَّصَة منطبقة على سائر أفرادها، فإن سُمِّيت كليةً بهذا الاعتبار، فلا مُشاحَّة في الألفاظ، وهي كلية وجزئية باعتبارين.
فصل
قولكم في الوجه الثالث: إنَّ الصور العقلية مجرَّدة، وتجرُّدُها إنما هو بسبب الآخذِ لها، وهو القوة العقلية.
_________________
(١) (غ): «فطرهم». وكذا في بعض النسخ المطبوعة.
(٢) ما عدا (ب، ط، ج): «مناظرهم». وكذا في معظم النسخ المطبوعة.
(٣) (ن، ز): «خارج الذهن». وفي (ب، ط، ج): «في الخارج ولا في الذهن».
[ ٢ / ٥٨٣ ]
جوابه: أن يقال: ما الذي تريدون بهذه الصورة العقلية الكلية؟ أتريدون به أن المعلومَ حصل في ذات العالِم، أو أنَّ العلمَ به حصل (^١) في ذات العالم؟ فالأول ظاهر الإحالة، والثاني حقٌّ إلا أنه لا يفيدكم شيئًا؛ لأن الأمر الكلي المشترَك بين الأشخاص الإنسانية هو الإنسانية، لا العلمُ بها. والإنسانية لا وجودَ لها في الخارج كليةً. والموجود (^٢) في الخارج المعيَّنات فقط، والعلمُ تابع للمعلوم، فكما أنَّ المعلوم معيَّن، فالعلم به معيَّن، لكنه صورة منطبقة على أفراد كثيرة، فليس في الذهن ولا في الخارج (^٣) صورة غير منقسمة البتة. وكم قد غلط في هذا الموضع طوائفُ من العقلاء لا يحصيهم إلا الله تعالى.
فالصورة الكلِّية التي يثبتونها ويزعمون أنها حالَّة في النفس، فهي صورة شخصية موصوفة بعوارض شخصية. فهَبْ أنَّ هذه الصورة العقلية حالَّة في جوهر ليس بجسم ولا جسماني، فإنها غير مجرَّدة عن العوارض.
فإن قلتم: مرادنا بكونها مجردة: النظر إليها من حيث هي هي، مع قطع النظر [١٣٤ أ] عن تلك العوارض.
قيل لكم: فلمَ لا يجوز أن تكون الصورة الحالَّة في المحلِّ الجسماني منقسمةً؟ وإنما تكون مجرَّدةً إذا نظرنا إليها من حيث هي هي، بقطع النظر عن عوارضها.
_________________
(١) في الأصل: «العلم حصل به»، وكذا في (غ). وهو سهو.
(٢) ما عدا (ب، ط، ج): «الوجود»، ولكن اتفقت النسخ فيما بعد على «المعينات». وفي النسخ المطبوعة: «والوجود للمعينات».
(٣) «كلية الخارج» ساقط من الأصل لانتقال النظر.
[ ٢ / ٥٨٤ ]
فصل: الشبهة الرابعة: القوة العقلية تقوى على أفعال غير متناهية خلافا للقوى الجسمانية
فصل
قولكم في الرابع: إنَّ القوة العقلية تقوى على أفعال غير متناهية، ولا شيء من القوى الجسمانية كذلك.
فجوابه: أنَّا لا نسلِّم أنها تقوى على أفعال غير متناهية.
قولكم (^١): إنها تقوى على إدراكات لا تتناهى، والإدراكاتُ أفعال= مقدمتان كاذبتان. فإن إدراكاتها ولو بلغت ما بلغت فهي متناهية، فلو (^٢) كان لها بكل نفس ألفُ ألفِ إدراك لتناهت إدراكاتها. فهي قطعًا تنتهي في الإدراكات والمعارف إلى حدًّ لا يمكنها أن تزيد عليه شيئًا، كما قال تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦]. إلى أن ينتهي العلم إلى من هو بكل شيء عليم، فهو الله الذي لا إلاه إلا هو وحده. وذلك من خصائصه التي لا يشرَكه فيها سواه (^٣).
فإن قلتم: لو انتهى إدراكها إلى حدٍّ (^٤) لا يمكنها المزيدُ عليه لزمَ انقلابُ الشيء من الإمكان الذاتي إلى الامتناع الذاتي (^٥).
قلنا: فهذا بعينه لو صحَّ دلَّ على أنَّ القوة الجسمانية تقوى على أفعالٍ غيرِ متناهية، وذلك يوجب سقوط الشبهة وبطلانها.
_________________
(١) كذا في جميع النسخ الخطية. وفي النسخ المطبوعة «وقولكم».
(٢) (ب، ط، ج): «ولو».
(٣) (ط، ج، ن، ز): «أحد سواه».
(٤) «من خصائصه حدّ» ساقط من (ب).
(٥) «إلى الامتناع الذاتي» من (ب، ط، ج).
[ ٢ / ٥٨٥ ]
وأيضًا: فإنَّ قوةَ التخيُّل والتفكُّر والتذكُّر تقوى على استحضار المتخيَّلات والمتذكَّرات إلى غير نهايةٍ مع أنها عندكم قوة جسمانية. فإن قلتم: لا نسلِّم أنها تقوى على ما لا يتناهى. قيل لكم: وهذا (^١) يقول خصومُكم في القوة العاقلة سواء.
وأما كذبُ المقدمة الثانية: فإن الإدراك ليس بفعلٍ، فلا يلزم من تناهي فعلِها تناهي إدراكها. وقد صرَّحتم بأن الجوهر العقلي قابلٌ لصورة المعلوم، لا أنه فاعل لها، والشيء الواحدُ لا يكون فاعلًا وقابلًا عندكم. وقد صرَّحتم بأن الأجسام يمتنع عليها أفعالٌ لا نهاية لها، ولا يمتنع عليها قبولات (^٢) وانفعالاتٌ لا تتناهى.
وقد أورد ابن سينا على هذه الشبهة سؤالًا، فقال: أليس النفسُ الفلكيةُ المباشِرةُ لتحريك الفلك قوة جسمانية، مع أن الحركات الفلكية غيرُ متناهية؟ وأجاب عنه بأنها وإن كانت قوةً جسمانيةً إلا أنها تستمدُّ الكمال من العقل المفارق (^٣). فلهذا السبب قدرَتْ على أفعال غير متناهية.
فنقول (^٤): فإذا كان الأمر عندك كذلك، فلمَ لا يجوز أن يقال: النفس (^٥) الناطقة تستمدُّ الكمال والقوة من فاطرها ومنشئها الذي له القوة جميعًا؟ فلا جَرَمَ تقوى مع كونها جسمانيةً على ما لا يتناهى. فإذا قلت بذلك وافقت
_________________
(١) في النسخ المطبوعة: «هكذا».
(٢) هذا في (ب، ج). وفي غيرهما: «جهولات». وفي النسخ المطبوعة: «مجهولات».
(٣) «المفارق» ساقط من (ز، ن).
(٤) ما عدا الأصل، (ق، غ): «فنقول له».
(٥) (ط، ج): «إن النفس».
[ ٢ / ٥٨٦ ]
فصل: الشبهة الخامسة: حلول القوة العقلية في آلة جسمانية يوجب أن تكون دائمة الإدراك لتلك الآلة أو ممتنعة الإدراك لها، وكلاهما باطل
الرسلَ والعقلَ، ودخلتَ في زمرة المسلمين (^١)، وفارقتَ العُصْبة المبطِلين.
فصل
قولكم في الخامس: لو كانت القوة العاقلة حالّةً في آلة جسمانية لوجب أن تكون دائمةَ الإدراك لتلك الآلة، أو ممتنعةَ الإدراك لها (^٢) فهو مبنيٌّ على أصلكم الفاسد أنَّ الإدراكَ عبارة عن حصول صورةٍ مساويةٍ للمدرَك في القوة المدرِكة.
ثم لو سلَّمنا لكم ذلك الأصل لم يُفِدكم شيئًا فإنَّ حصول تلك الصورة (^٣) يكون شرطًا لحصول الإدراك. فأما أن يقال: إن الإدراك عين (^٤) حصول تلك الصورة، فهذا لا يقوله عاقل. فلِمَ لا يجوز أن يقال: القوةُ العقليةُ حالَّةٌ في جسم مخصوص؟
ثم إن القوة الناطقة قد تحصل لها حالة إضافية تسمَّى بالشعور والإدراك، فحينئذ تصير القوة العاقلة مدرِكةً لتلك الآلة، وقد لا توجد تلك الحالة الإضافية فتصير غافلةً عنها. وإذا كان هذا ممكنًا سقطت تلك الشبهة رأسًا.
_________________
(١) (ج): «المحقِّين»، كأن ناسخها أو ناسخ أصلها أراد مقابلة «المبطلين»، وقد يكون أنكر أيضًا إخراج المصنف ابن سينا من زمرة المسلمين. وفي (ب): «المنكرين»، وهو تحريف غريب.
(٢) في الأصل: «كلها»، وكذا في (ق، ط، غ، ز). ولعل سبب التحريف أن كاف «الإدراك» اشتبكت في خط المؤلف بما بعدها. وسيأتي تحريف آخر مثله.
(٣) (أ، ق، غ): «الصور».
(٤) (ب، ط، ن، ز): «غير»، تصحيف.
[ ٢ / ٥٨٧ ]
ثم نقول: أتدَّعون (^١) أنَّا إذا عقلنا شيئًا فإنَّ الصورة الحاضرة في العقل مساويةٌ لذلك المعقول من جميع الوجوه والاعتبارات، أو لا يجب حصولُ هذه المساواة من جميع الوجوه؟ فالأول لا يقوله عاقل، وهو أظهرُ من أن يحتجَّ لفساده. وإذا عُلِم (^٢) أنه لا تجب المساواة من جميع الوجوه لم يلزم من حدوث صورة أخرى في القلب والدماغ اجتماعُ [١٣٥ ب] المثلين.
وأيضًا فالقوةُ العاقلُة حالّةٌ في جوهر القلب أو الدماغ، والصورةُ الحادثةُ حالّةٌ في القوة العاقلة. فإحدى الصورتين محلٌّ للقوة العاقلة، والثانية حالّةٌ فيها؛ فلمَ لا يكفي هذا القدر (^٣) من المغايرة؟
وأيضًا: فنحن إذا رأينا المسافة الطويلة والبُعدَ الممتدَّ، فهل يتوقف هذا الإبصار على ارتسام صورة المرئيِّ في عين الرائي، أو لا يتوقف؟
فإن توقَّف لزم اجتماعُ المثلين؛ لأن القوة الباصرة عندكم جسمانية، فهي في محلٍّ له حجم ومقدار، فإذا حصل فيه حجمُ المرئي ومقدارُه لزم اجتماعُ المثلين، وإذا جاز هناك فلمَ لا يجوز مثلُه في مسألتنا؟
_________________
(١) اضطربت النسخ في هذا الموضع اضطرابًا شديدًا، ولعل السبب أن لام «نقول» كانت مشبوكة في أصل المؤلف بهمزة الاستفهام، فقرؤوها: «لا تدعون»، كما في الأصل و(ق، ز، ن). وبعض النساخ اجتهد في إصلاح العبارة فلم يفلح. ففي (ب، ط): «لا يدعون إلا إذا». وفي (ج): «ألا تدعون»، وكذا في الطبعة الهندية. وفي (غ): «لا تدعون إذًا إذا». والصواب ما أثبتنا. وكذا في نشرتي العموش وبديوي، ولكن لم يُشر أحد منهما إلى ما وقع في النسخ التي اعتمدا عليها.
(٢) (ب، ط): «واعلم»، وهو تحريف.
(٣) (ب، ط): «فلا تكفي هذه الصور»، تحريف.
[ ٢ / ٥٨٨ ]
فصل: الشبهة السادسة: كل أحد يدرك نفسه وإنما يحصل ذلك إذا كانت النفس غنية عن المحل
وإن كان إدراك الشيء لا يتوقف على حصول صورةِ المرئيِّ في الرائي بَطَل قولُكم: إنَّ إدراك القلب والدماغ يتوقَّف على حصول صورة القلب والدماغ في القوة العاقلة.
وأيضًا: فقولكم: لو كانت القوة العقلية حالَّةً في جسم لوجب أن تكون دائمةَ الإدراك لذلك الجسم. لكنَّ إدراكَنا لقلبنا ودماغنا غيرُ دائم، فهذا إنما يلزم من يقول: إنها حالَّة في القلب أو الدماغ (^١).
وأما من يقول: إنها حالَّة في جسم مخصوص، وهو النَّفس، وهي مشابكة للبدن؛ فهذا الإلزام غيرُ وارد عليه، فإنه يقول: النفس جسم مخصوص، والإنسان أبدًا (^٢) عالمٌ بأنه جسم مخصوص، ولا يزول ذلك من عقله إلا إذا عرضتْ له الغفلة. فسقطت الشبهة التي عوَّلتم عليها على كل تقدير.
فصل
قولكم في السادس: إن كلَّ أحد يدرك نفسه، والإدراك عبارةٌ عن حصول ماهيةِ المعلوم عند العالِم، وهذا إنما يصح إذا كانت النفس غنيَّةً عن المحلِّ، إلى آخره.
جوابه: أن ذلك مبني على الأصل المتقدِّم، وهو أنَّ العلم عبارة عن حصول صورة مساوية للمعلوم في نفس العالِم. وهذا باطل من وجوه كثيرة مذكورة في مسألة العلم. حتى لو سَلِم ذلك، فالصورةُ المذكورةُ شرطٌ في
_________________
(١) ما عدا الأصل، (ق): «والدماغ».
(٢) «أبدا» ساقط من (ن، ز).
[ ٢ / ٥٨٩ ]
فصل: الشبهة السابعة: انطباع الصور الخيالية العظيمة في الجسم الصغير محال
حصول العلم، لا أنها نفسُ العلم (^١).
وأيضًا فهذه الشبهة مع ركاكة ألفاظها وفسادِ مقدِّماتها منقوضة. فإنا إذا أخذنا حجرًا أو خشبة (^٢) قلنا: هذا جوهر قائم بنفسه. فذاتُه حاضرةٌ عند ذاته، فيجب في هذه الجمادات أن تكون عالمة بذواتها.
وأيضًا فجميع الحيوانات مدركةٌ لذواتها، فلو كان كونُ الشيء مدرِكًا لذاته يقتضي كونَ ذاتِه (^٣) جوهرًا مجردًا، لزمَ كونُ نفوس الحيوانات بأسرها جواهرَ مجرَّدةً. وأنتم لا تقولون بذلك.
فصل
قولكم في السابع: إنَّ الواحدَ منَّا يتخيَّل بحرًا من زئبق، وجبلًا من ياقوت، إلى آخره؛ وهو شبهة أبي البركات البغداديِّ، فشبهةٌ داحضةٌ جدًّا، فإنها مبنية على أن تلك المتخيَّلات أمور موجودة، وأنها منطبعة في النفس الناطقة انطباعَ النقش (^٤) في محلِّه. ومعلوم قطعًا أن هذه المتخيَّلات لا حقيقةَ لها في ذاتها، وإنما الذهنُ يفرضُها تقديرًا، وليست منطبعةً في النفس، فإنَّ العلوم الخارجية لا تنطبع صورُها في النفس، فكيف بالخيالات المعدومة؟ فهذه عدميَّة محضة (^٥).
_________________
(١) «وهذا باطل العلم» ساقط من (ب).
(٢) (ب، ط): «خشبة أو حجرا».
(٣) (ن): «كونه».
(٤) كذا في الأصل، وهو الصواب. وفي غيره من النسخ الخطية والمطبوعة: «النفس».
(٥) رسمها في الأصل: «منه محصه» وكذا في (ق). فقرأها ناسخ (غ): «شبهة محضة»، وكتب فوق الكلمة الأولى حرف الظاء. وفي (ن، ز): «منه» وحذفت الكلمة الثانية. والمثبت من (ب، ط، ج)، وهو أقرب.
[ ٢ / ٥٩٠ ]
ولا نمنعُ (^١) من وقوع التمييز بين الأعدام المضافة، فإن العقل يميِّز بين عدم السمعِ وعدم البصر وعدم الشم وغيرِ ذلك. ولا يلزم من هذا التمييز كونُ هذه الأعدام موجودةً، بل يميز بين أنواع المستحيلات (^٢) التي لا يمكن وجودها البتة.
ثم نقول: إذا عُقِلَ حلولُ الأشكال والمقادير فيما كان مجرَّدًا عن الحجمية والمقدارِ (^٣) من كلِّ الوجوه، فلَأنْ يُعقلَ حلولُ (^٤) العلمِ بالشكل العظيم والمقدار العظيم في الجسد (^٥) الصغير أولى (^٦).
وأيضًا: فإذا كان عدمُ الانطباق من جميع الوجوه لا يمنع من حلول الصورة والشكل في الجوهر المجرد، فعدمُ انطباق العظيم على الصغير أولى أن لا يَمنعَ من حلول الصورة العظيمة في المحل الصغير.
_________________
(١) الأصل غير منقوط. وقراءة (ق، غ، ن): «يمنع». وفي (ب، ط، ج): «يمتنع وقوعُ»، بحذف «من».
(٢) (ج): «المتخيلات»، تصحيف.
(٣) في الأصل: «العذاب». وكذا في (ق)، وهو تحريف.
(٤) في الأصل: «حلولها». وكذا في (ق، غ، ز). ولعله سهو. وفي (ب، ج): «حلول الشكل».
(٥) (ب، ط، ج): «الجنس». (ق، غ): «الحس». ورسم الكلمة في الأصل يحتمل القراءتين. ولعل الصواب ما أثبتنا. وفي (ن): «الجسم».
(٦) كلمة «أولى» انفردت بها (ج)، وتمت الجملة التي كانت بحاجة إلى خبر المبتدأ. وقد أصلحها بعض الناشرين بتغيير «فلأن» إلى «أفلا». وفي الطبعة الهندية: «فلا»، وهو خطأ.
[ ٢ / ٥٩١ ]
فصل: الشبهة الثامنة: لو كانت النفس جسمانية لضعفت في زمن الشيخوخة
وأيضًا فإنَّ سلفكم من الأوائل أقاموا الدليل على أن انطباع الصورة الخيالية (^١) في الجوهر المجرَّد مُحالٌ، وذكروا له وجوهًا.
[١٣٦ ب] فصل
قولكم في الثامن: لو كانت القوة العقلية جَسَدانيةً لضعفت في زمن الشيخوخة (^٢)، وليس كذلك. جوابه من وجوه:
أحدها: لمَ لا يجوز أن يقال: القَدرُ المحتاجُ إليه من صحة البدن في كمال القوة العقلية مقدارٌ معين؟ وأما كمالُ حال البدن في الصحة، فإنه غير معتبر في كمال حال القوة العقلية. وإذا احتمل ذلك لم يبعد أن يقال: ذلك القدرُ المحتاجُ إليه باقٍ إلى آخر الشيخوخة، فبقي العقل إلى آخرها.
الوجه الثاني: أن الشيخ لعله إنما يمكنه أن يستمرَّ في الإدراكات العقلية على الصحة، أنَّ (^٣) عقله يبقى ببعض الأعضاء التي يتأخر الفاسد والاستحالة إليها، فإذا انتهى إليها الفساد والاستحالة فَسَد عقلُه وإدراكه.
الوجه الثالث: أنه لا يمتنع أن يكون بعضُ الأمزجة أوفقَ لبعض القوى، فلعل مزاجَ الشيخ أوفقُ للقوة العقلية، فلهذا السبب تقوى فيه القوة العاقلة.
الوجه الرابع: أن المزاج (^٤) إذا كان في غاية القوة والشدة كانت سائر القوى قوية، فتكون القوة الشَّهوانية والغضبية قويةً جدًّا. وقوة هذه القوى
_________________
(١) (أ، ق، غ): «الحالية». وفي النسخ المطبوعة: «الحالَّة».
(٢) زاد في (ب، ط، ج): «دائمًا» كما سبق في ذكر أدلتهم.
(٣) (ب، ط، ج): «لأن».
(٤) «أوفق المزاج» ساقط من (ن، ز).
[ ٢ / ٥٩٢ ]
تمنع العقل من الاستكمال، فإذا حصلت الشيخوخة وحصل الضعف، حصل بسبب الضعف ضعفٌ في هذه القوى المانعة للعقل من الاستكمال، وحصل في العقل أيضًا ضعفٌ، ولكن بقدر (^١) ما حصَلَ في العقل من الضَّعف حصل ذلك في أضداده، فينجبر (^٢) النقصانُ من أحد الجانبين بالنقصان من الجانب الآخر، فيقع الاعتدال.
الوجه الخامس: أنَّ الشيخ حفِظ العلومَ والتجاربَ الكثيرة، ومارَس الأمور ودَرِبَها وكثرت تجاربه، وهذه الأحوال تعينه (^٣) على وجوه الفكرِ وقوةِ النظر، فيقاوم النقصان الحاصل بسبب ضعف البدن والقُوى.
الوجه السادس: أن كثرةَ الأفعال سبب (^٤) لحصول المَلَكات الراسخة [١٣٧ أ]، فصارت الزيادة الحاصلة بهذا الطريق جابرةً للنقصان الحاصل بسبب اختلال البدن.
الوجه السابع: أنه قد ثبت في الصحيح عنه - ﷺ - أنه قال: «يهرمُ ابن آدم وتشِبُّ فيه (^٥) خصلتان: الحرص، وطول الأمل» (^٦). والواقع شاهد لهذا
_________________
(١) ما عدا (ب، ط، ج): «بعد».
(٢) (ب، ط، ج): «فيتميز»، تصحيف.
(٣) ما عدا الأصل و(ق، غ): «معينة».
(٤) «سبب» ساقط من الأصل و(غ).
(٥) (ب، ط): «معه». ولعل ما ورد في النسخ مصحف عن «منه».
(٦) أخرجه البخاري (٦٤٢١) ومسلم (١٠٤٧) من حديث أنس. ولفظ مسلم: «وتشبُّ منه اثنتان: الحرص على المال، والحرص على العمر». ولفظ البخاري: «يكبر ابن آدم، ويكبر معه اثنتان: حبّ المال، وطول العمر». والقريب من لفظ المؤلف ورد في السنن الكبرى للبيهقي (٦٢٩٨): « ويبقى منه اثنتان».
[ ٢ / ٥٩٣ ]
الحديث. مع أنَّ الحرص والأمل من القوى الجسمانية والصفات الخيالية، ثم إن ضعف البدن لم يُوجِب ضعفَ هاتين الصفتين، فعُلِم أنه لا يلزم من اختلالِ البدن وضعفِه ضعفُ الصفات البدنية.
الوجه الثامن: أنا نرى كثيرًا من الشيوخ يصيرون إلى الخَرَف وضعف العقل، بل هذا هو الأغلب. ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٠]. فالشيخ في أرذل عمره يصير كالطفل، أو أسوأ حالًا منه. وأما من لم يحصل له ذلك، فإنه لا يُرَدُّ إلى أرذل العمر.
الوجه التاسع: أنه لا تلازمَ (^١) بين قوة البدن وقوةِ النفس، ولا بين ضعفه وضعفها. فقد يكون الرجل قويَّ البدنِ ضعيفَ النفسِ جبانًا خوَّارًا، وقد يكون ضعيفَ البدن قويَّ النفس، فيكون شجاعًا مِقدامًا على ضعف بدنه.
الوجه العاشر: أنه لو سَلِم لكم ما ذكرتم لم يدلَّ على كون النفس جوهرًا مجرَّدًا لا داخلَ العالم ولا خارجه، ولا هي في البدن (^٢) ولا خارجةٌ عنه؛ لأنها إذا كانت جسمًا مشرقًا صافيًا (^٣) سماويًّا مخالفًا للأجسام الأرضية لم تَقبل الانحلالَ والذبولَ والتبدُّلَ، كما تقبله الأجسام المتحلِّلة الأرضية (^٤). فلا يلزم
_________________
(١) في (ق، ب): «يلزم». وفي الأصل دون نقط الياء، فلعله سهو، والمقصود ما أثبتنا من غيرها. وفي (غ): «لا يلزم من قوة البدن قوة النفس ولا من ضعفه ضعفها». ولعله تصرف من ناسخها.
(٢) «ضعيف النفس في البدن» ساقط من الأصل.
(٣) (ق): «صافيًا مشرقًا».
(٤) «لم تقبل الأرضية» ساقط من (ن، ز).
[ ٢ / ٥٩٤ ]
فصل: الشبهة التاسعة: القوة العقلية غنية في أفعالها عن الجسم
الشبهة العاشرة: القوة الجسمانية تكل بكثرة الأفعال
من حصول الانحلال والذبول في هذا البدن حصولُهما في جوهر النفس.
فصل
قولكم في التاسع: إنَّ القوة العقلية غنيَّة في أفعالها عن الجسم، وما كان غنيًّا عن الجسم في أفعاله كان غنيًّا عنه في ذاته، إلى آخره.
جوابه أن يقال: لا يلزم من ثبوت حكمٍ في قوةٍ جسمانيَّةٍ ثبوتُ مثلِ ذلك الحكم في جميع القوى الجسمانية. وليس معكم غيرُ الدعوى المجرَّدة، والقياس الفاسد.
وأيضًا: فالصور والأعراض محتاجةٌ إلى محلِّها، وليس احتياجُها إلى تلك المحالِّ إلا لمجرَّد ذواتها. ثم لا يلزم من استقلالها بهذا الحكم استغناؤها في ذواتها عن تلك المحالِّ. فلا يلزم [١٣٧ ب] من كونِ الشيء مستقلًّا باقتضاء حكمٍ من الأحكام أن يكون مستغنيًا في ذاته عن المحلِّ، والله أعلم.
قولكم في العاشر: إن القوة الجسمانية تكِلُّ بكثرة الأفعال، ولا تقوى على القوي بعد الضعيف، إلى آخره.
جوابه: أنَّ القوة الخيالية جسمانيةٌ، ثم إنها تقوى على تخيُّل الأشياءِ العظيمة مع تخيُّلها الأشياءَ (^١) الحقيرة، فإنها يمكنها (^٢) أن تتخيل الشعلةَ الصغيرةَ حال ما تَخَيَّلُ الشمسَ والقمر.
_________________
(١) (ب، ط، ج): «للأشياء».
(٢) (ب، ط): «عليها»، تصحيف.
[ ٢ / ٥٩٥ ]
فصل: الشبهة الحادية عشرة: اجتماع السواد والبياض معا في الجسم محال
فصل: الشبهة الثانية عشرة: لو كان محل الإدراكات جسما لكان الإنسان عالما بالشيء وجاهلا به في وقت واحد
وأيضًا: فإنَّ إبصارَ الأشياء القوية القاهرة يمنعُ إبصارَ الأشياء الضعيفة، فكذلك نقول: المعقولاتُ العظيمة العالية تمنع تعقُّل المعقولات الضعيفة، فإنَّ المستغرِقَ في معرفة جلال ربِّ الأرض والسماوات وأسمائه وصفاته يمتنع عليه في تلك الحال الفكرُ في ثبوت الجوهر الفرد وحقيقته.
فصل
قولكم في الحادي عشر: إنَّا إذا حكمنا بأنَّ السواد يضادُّ (^١) البياض، وجب أن يحصل في الذهن ماهيةُ السواد والبياض معًا، والبديهة حاكمةٌ بأن اجتماعَهما في الجسم محال.
جوابه: أنَّ هذا مبني على أن من أدرك شيئًا فقد حصل في ذات المدرَك صورةٌ مساويةٌ للمدرِك، وهذا باطل. واستدلالكم على صحته بانطباع الصورة في المرآة باطل، فإنَّ المرآة لم ينطبع فيها شيءٌ البتة، كما يقوله جمهور العقلاء من الفلاسفة والمتكلمين وغيرهم. والقول بالانطباع باطلٌ من وجوه كثيرة.
ثم نقول: إذا كنتم قد قلتم: إنَّ المنطبع في النفس عند إدراك السواد والبياض رسومُهما ومثالُهما، لا حقيقتُهما؛ فلِمَ لا يجوز حصول رسوم هذه الأشياء في المادة الجسمانية؟
فصل
قولكم في الثاني عشر: إنه لو كان محلُّ الإدراكات جسمًا ــ وكلُّ
_________________
(١) يشبه رسمها في الأصل: «مساو». وكذا في (ق). وفي (غ): «مساوي للبياض». وهو تحريف.
[ ٢ / ٥٩٦ ]
فصل: الشبهة الثالثة عشرة: النفوس الجسمانية متغايرة متنافية، والنفوس العقلية متعاونة متعاضدة
جسمٍ (^١) منقسمٌ ــ لم يمنع أن يقوم ببعض أجزاء الجسم علمٌ بالشيء، وبالجزء الآخر منه جهلٌ به، فيكون الإنسان عالمًا بالشيء جاهلًا به في وقت واحد.
جوابه: أن هذه الشبهة منتقضة على أصولكم، فإن الشهوة والغضب والتخيُّل من الأحوال [١٣٨ أ] الجسمانية عندكم، ومحلُّها منقسم، فلزمكم (^٢) أن تجوِّزوا قيام الشهوة والغضب بأحد الجزأين وضدَّهما بالجزء الآخر، فيكون مشتهيًا للشيء نافرًا عنه، غضبان عليه (^٣) غير غضبان، في وقت واحد.
فصل
قولكم في الثالث عشر: إن المادة الجسمانية إذا حصلت فيها نفوس مخصوصة امتنع فيها حصول مثلها، والنفوس العقلية (^٤) بضد ذلك (^٥) إلى آخره.
جوابه: أن غاية هذا أن يكون قياسًا تمثيليًّا (^٦) بغير جامع، وذلك لا يفيد
_________________
(١) في جميع النسخ: «فكل جسم»، والصواب بالواو كما سبق.
(٢) (ب، ط): «فيلزمكم».
(٣) «عليه» ساقط من (ب، ط).
(٤) في جميع النسخ الخطية والمطبوعة: «البشرية». والصواب ما أثبتنا وفاقًا لما سبق عند سرد هذه الأدلَّة.
(٥) الأصل: «فضدّ ذلك». والذي سبق: «فبضد ذلك».
(٦) (ب، ط، ج): «تمثيلًا». وفي غيرها من النسخ الخطية والمطبوعة: «ممتازًا». وهو تحريف طريف.
[ ٢ / ٥٩٧ ]
فصل: الشبهة الرابعة عشرة: لو كانت النفس جسما لكان بين تحريك المحرك رجله وبين إرادته للحركة زمان
الظنَّ فضلًا عن اليقين، فإن النفوس العقلية هي العلوم والإدراكات، والنفوسَ الجسمانية هي الأشكال والصور، ولا ريب أن العلوم مخالفةٌ بحقائقها للصور والأشكال. ولا يلزم من ثبوت حكمٍ في نوع من أنواع الماهيات ثبوته فيما (^١) يخالف ذلك النوع.
فصل
وقولكم في الرابع عشر: لو كانت النفس جسمًا لكان بين تحريك المحرِّك رجلَه وبين إرادته للحركة زمان، إلى آخره.
جوابه: أن النفس مع الجسد لا تخلو من ثلاثة أحوال: إما أن تكون لابسةً لجميعه من خارج كالثوب، أو تكون في موضع واحد كالقلب والدماغ، أو تكون ساريةً في جميع أجزاء الجسد.
وعلى كل تقدير من هذه التقادير، فتحريكُها لِما تريد تحريكَه يكون مع إرادتها لذلك بلا زمان، كإدراك البصر لما يلاقيه، وإدراك السمع والشمّ والذوق (^٢). وإذا قطعتَ العضو لم ينقطع ما كان من جسم الإنسان متخلِّلًا لذلك العضو، سواءٌ كانت لابسة له من داخل أو خارج، بل تفارقُ العضوَ الذي بطل حسُّه في الوقت، وتتقلص عنه بلا زمان. وتكون مفارقتها لذلك العضو كمفارقة الهواء للإناء إذا مُلِئ ماء.
وأما إن (^٣) كانت النفس ساكنةً في موضع واحد من البدن، لم يلزم أن
_________________
(١) هذا في الأصل و(غ، ج). وفي (ن، ز): «لما». وفي (ب، ط، ق): «كما»، تصحيف.
(٢) في الأصل: «العروق». وكذا في (ز، ق، غ). والصواب ما أثبتنا من (ب، ج). وفي (ط): «الذوق والعروق»، جمع بين الصحيح والمحرّف. وفي (ن) حذف الكلمة.
(٣) (ب، ط، ج): «إذا».
[ ٢ / ٥٩٨ ]
فصل: الشبهة الخامسة عشرة: لو كانت جسما لكانت منقسمة وكان الإنسان عالما ببعض نفسه جاهلا بالبعض الآخر
تبِينَ (^١) مع العضو المقطوع (^٢).
وأما إن كانت لابسةً للبدن من خارج، لم يلزم أن يكون بين إرادتها لتحريكه ونفسِ التحريك [١٣٨ ب] زمانٌ، بل يكون فعلها حينئذ في تحريك الأعضاء كفعل المغناطيس في الحديد وإن لم يلاصقه.
ثم نقول: هذا الهذَيان الذي شغلتم به الزمانَ وارد عليكم بعينه، فإنها عندكم غير متصلة بالبدن ولا منفصلة عنه، ولا داخلة فيه ولا خارجة عنه؛ فيلزمكم مثل ذلك سواء (^٣).
فصل
قولكم في الخامس عشر: لو كانت جسمًا لكانت منقسمةً، ولصحَّ عليها أن تعلمَ بعضها وتجهلَ بعضها، فيكون الإنسان عالمًا ببعض نفسه جاهلًا بالبعض الآخر.
جوابه: أن هذه الشبهة مركبة من مقدِّمتين: تلازمية واستثنائية، والمنعُ واقعٌ في كلا المقدمتين (^٤) أو إحداهما. فلا نسلِّم أنها لو كانت جسمًا لصحَّ أن تعلم بعضها وتجهل بعضها، فإن النفس بسيطة، غير مركبة من هذه العناصر ولا من الأجزاء المختلفة، فمتى (^٥) شعرت بذاتها شعرت
_________________
(١) رسمها في (ب، ط، ج) يشبه «تنبتر». وفي (ن): «ينقطع منها موضع العضو».
(٢) في (ب، ط، ج) زيادة: «به».
(٣) «سواء» ساقط من (ق).
(٤) كذا في جميع النسخ بتذكير «كلا»، وله نظائر في كتب المؤلف. انظر ما علّقت على «كلا الطائفتين» في طريق الهجرتين (٥٠٥).
(٥) (أ، ق، غ): «فمن»، تحريف.
[ ٢ / ٥٩٩ ]
بجملتها (^١). فهذا منعُ (^٢) المقدمة التلازمية. وأما الاستثنائية، فلا نسلِّم أنها لا يصحُّ أن تعلمَ بعضَها حال غفلتها (^٣) عن البعض الآخر، ولم تذكروا (^٤) على بطلانِ ذلك شبهةً فضلًا عن دليل.
ومن المعلوم أن الإنسان قد يشعر بنفسه من بعض الوجوه دون كلِّها. ويتفاوتُ الناس في ذلك، فمنهم من يكون شعوره بنفسه أتمَّ من غيره بدرجات كثيرة.
وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]. فهؤلاء نسُوا نفوسهم لا من جميع الوجوه، بل من الوجه الذي به مصالحُها وكمالُها وسعادتُها، وإن لم ينسَوها من الوجه الذي منه شهوتُها وحظُّها (^٥) وإرادتُها. فأنساهم مصالحَ نفوسهم أن يفعلوها ويطلبوها، وعيوبَها ونقائصَها (^٦) أن يُزيلوها (^٧) ويجتنبوها، وكمالَها الذي خُلقت له أن يعرفوه ويطلبوه. فهم جاهلون بحقائق أنفسهم من هذه الوجوه، وإن كانوا عالمين بها من وجوه أُخَر.
_________________
(١) هذا في (ب، ط، ج). وفي غيرها: «بجهلها»، تحريف. والجملة «فمتى شعرت ..» إلى هنا ساقطة من (ن).
(٢) (ب، ط، ج): «يمنع».
(٣) ما عدا (ج، ن، ز): «عقلها»، تصحيف.
(٤) كذا في (غ). والأصل غير منقوط. وفي غيرهما: يذكروا.
(٥) رسمها في (أ، ق، ط) بالضاد، فتحرف في (ب، ج، ن، ز) إلى «غضبها».
(٦) بعدها في الأصل زيادة: «أوشي» وكذا في (ق، ب، غ). ولم أدر ما هو.
(٧) (ط، ز): «يتركوها».
[ ٢ / ٦٠٠ ]
فصل: الشبهة السادسة عشرة: لو كانت جسما لوجب ثقل البدن بدخولها فيه
فصل
[١٣٩ أ] قولكم في السادس عشر: لو كانت النفس جسمًا لوجب ثقلُ البدن بدخولها فيه؛ لأن من شأن الجسم إذا زدتَ عليه جسمًا آخر أن يثقل به.
فهذه شبهة في غاية الثقالة، والمحتجُّ بها أثقَل وأثقَل! وليس كلُّ جسمٍ زِيدَ عليه جسمٌ آخر ثقَّله، فهذه الخشبة تكون ثقيلة، فإذا زِيد عليها جسمُ النار خفَّت جدًّا. وهذا الظرف يكون ثقيلًا، فإذا دخله جسم الهواء خفَّ. وهذا إنما يكون في الأجسام الثِّقال التي تطلب المركزَ والوسطَ بطبعها، وهي تتحرك بالطبع إليه. وأما الأجسام التي تتحرك بطبعها إلى العلوِّ، فلا يعرضُ لها ذلك، بل الأمر فيها بالضدِّ من تلك الأجسام الثقال. بل إذا أضيفت إلى جسم ثقيل أكسبته الخفَّة.
وقد أخذ هذا المعنى بعضُهم، فقال (^١):
ثقُلتْ زجاجاتٌ أتَتْنا فُرَّغًا حتى إذا مُلِئَتْ بصِرْف الرَّاح
خَفَّتْ فكادت أن تطير بما حوَتْ وكذا الجُسومُ تخِفُّ بالأروَاح
_________________
(١) البيتان لإدريس بن اليمان العبدري الأندلسي (ت ٤٥٠) من قصيدة طويلة في علي بن مجاهد العامري كما في جذوة المقتبس (١٧٠) والمطرب لابن دحية (١٣٠) ونفح الطيب (٤/ ٧٥) وغيرها من المصادر الأندلسية. ونسبا في معجم الأدباء (١٠٨٤) وعيون الأنباء (٢/ ٢٥٥) إلى ابن شبل البغدادي الطبيب الفيلسوف (ت ٤٧٤)، وفي البديع لأسامة (٢٢٧) إلى ابن هانئ.
[ ٢ / ٦٠١ ]
فصل: الشبهة السابعة عشرة: لو كانت جسما لكانت على صفات سائر الأجسام
فصل
قولكم في السابع عشر: لو كانت النفس جسمًا لكانت على صفات سائر الأجسام التي لا تخلو منها، من الخفة والثقل، والحرارة والبرودة، والرطوبة واليبوسة، والنعومةِ والخشونة، إلى آخره (^١) = شبهةٌ فاسدة، وحجة داحضة، فإنه لا يجب اشتراك الأجسام في جميع الكيفيات والصفات. وقد فاوت اللّهُ سبحانه بين صفاتها وكيفياتها وطبائعها (^٢)، فمنها ما يُرى بالبصر ويُلمَس باليد، ومنها ما لا يُرى ولا يُلمَس. ومنها ما له لون، ومنها ما لا لون له. ومنها ما يقبل الحرارة والبرودة، ومنها ما لا يقبله.
على أن للنفس (^٣) من الكيفيات المختصَّة بها ما لا يشاركُها فيها البدن، ولها خفة وثقل، وحرارة وبرودة، ويبس (^٤) ولِين بحسبها. وأنت تجد الإنسان في غاية الثقالة، وبدنُه نحيل (^٥) جدًّا. وتجده في غاية الخفَّة، وبدنُه ثقيل. وتجد نفسًا لينة وادعة، ونفسًا يابسة [١٣٩ ب] قاسية. ومن له حسٌّ (^٦) سليمٌ يشمُّ رائحةَ بعض النفوس كالجيفة المنتنة، ورائحةَ بعضِها أطيبَ من ريح المسك.
وقد كان رسول الله - ﷺ - إذا مرَّ في طريق بقيَ أثر رائحته في الطريق،
_________________
(١) «آخره» ساقط من (ب، ط، ز).
(٢) (ز، ن): «طباعها».
(٣) في الأصل: «النفس». وكذا في (ب، ط، ق، ن). والمثبت من غيرها.
(٤) (ن): «يبوسة».
(٥) تحرّف في (ب، ط) إلى «ثقيل»، فلما فسد المعنى أثبت ناسخا (ج، ن): «خفيف».
(٦) (ن): «شمّ».
[ ٢ / ٦٠٢ ]
فصل: الشبهة الثامنة عشرة: لو كانت جسما لوجب أن تقع تحت جميع الحواس أو تحت حاسة منها
ويُعرف (^١) أنه مرَّ بها (^٢). وتلك رائحة نفسه وقلبه (^٣). وكانت رائحة عَرَقه من أطيب شيء (^٤)، وذلك تابعٌ لطيبِ نفسه وبدنه.
وأخبر ــ وهو أصدق البشر ــ أنَّ الروحَ عند المفارقة يوجد لها كأطيب نفحةِ مسكٍ وُجِدت على وجه الأرض، أو كأنتن ريحِ جيفةٍ وُجِدت على وجه الأرض (^٥). ولولا الزكامُ الغالب لشمَّ الحاضرون ذلك. على أنَّ كثيرًا من الناس (^٦) يجد ذلك، وقد أخبر به غيرُ واحد، ويكفي فيه خبر الصادق المصدوق. وكذلك أخبر بأن أرواح المؤمنين مشرقةٌ، وأرواحَ الكفار سُودٌ (^٧).
وبالجملة فكيفياتُ النفوس أظهرُ من أن ينكرها إلا مَن هو مِن أجهلِ الناس بها (^٨).
فصل
قولكم في الثامن عشر: لو كانت (^٩) جسمًا لوجب أن تقع تحت جميع
_________________
(١) (ب، ط، ج): «فيعرف».
(٢) أخرجه البخاري في تاريخه الكبير (١٢٧٣) عن جابر.
(٣) (ب، ط، ج): «قلبه ونفسه».
(٤) انظر حديث أنس في صحيح مسلم (٢٣٣١).
(٥) سبق تخريجه.
(٦) (ن): «أكثر الناس».
(٧) سبق تخريجه.
(٨) ساقط من (ط، ج، ز). وفي (ط): «من هو أجهل الناس»، فأسقط «مِن» أيضًا.
(٩) في النسخ المطبوعة زادوا بعدها: «النفس».
[ ٢ / ٦٠٣ ]
الحواسِّ أو تحت حاسة منها، إلى آخره.
فجوابه بمنع (^١) اللزوم، فإنكم لم تذكروا عليه شبهةً فضلًا عن دليل. ومَع (^٢) انتفاءِ اللازم، فإن الروح تُدرَك بالحواسِّ، فتُلمَس، وتُرى، وتُشَمُّ لها الرائحة الطيبة والخبيثة، كما تقدم في النصوص المستفيضة، ولكن لا نشاهد نحن ذلك.
وهذا الدليل لا يمكن مَن يصدِّقُ الرسلَ أن يحتجَّ به، فإن الملَك جسم ولا يقع تحت حاسَّة من حواسنا، وكذلك الجنُّ والشياطين أجسام لِطاف لا تقع تحت حواسنا (^٣).
والأجسام متفاوتة في ذلك تفاوتًا كثيرًا، فمنها ما يدرَك بأكثر الحواس، ومنها ما لا يدرَك (^٤) بأكثرها، ومنها ما يدرَك بحاسَّة واحدة. ومنها ما لا ندرِكه نحن (^٥) في الغالب، وإن أُدرِك في بعض الأحوال؛ لكونه لم يُخلَق (^٦)
_________________
(١) الأصل غير منقوط. وفي (ق، ز، غ): «يمنع». وكذا في بعض النسخ المطبوعة وفي بعضها: «منع». وفي (ط): «يمتنع». والمثبت من (ج، ن). ويحتمل: «نمنع» وقبلها في (ب، ط، ج، ز): «جوابه» دون الفاء.
(٢) هذا في (ن، ز). وفي غيرهما: «منع».
(٣) (ن): «حاسة من حواسنا».
(٤) كذا في (ج) وحدها والنسخ المطبوعة. وفي الأصل وغيره: «ما يدرك». فإن صح فالجملة مكررة، ومن ثم حذفت في (ن). وفي (ق): «بأكبر الحواس» في الجملة السابقة، و«بأكثرها» في هذه الجملة. وفي (غ) على العكس.
(٥) «نحن» ساقط من (ب، ط، ج، ز). وفي (ط): «يُدرك».
(٦) في الأصل: «يخلو». وكذا في (غ). وفي (ق): «يخلونا». وفي (ن): «يثبت»، ولعله تصرف من ناسخها.
[ ٢ / ٦٠٤ ]
لنا إدراكه، أو لمانعٍ يمنع من إدراكه، أو للطفِه عن إدراك حواسِّنا. فما عَدِمَ اللون من الأجسام لم يُدرَك بالبصر كالهواء والنار في عنصرها، وما عَدِم الرائحةَ لم يُدرَك بالشمِّ كالنار والحصا والزجاج، وما عَدِمَ المجَسَّةَ لم يُدرَك باللمس كالهواء الساكن (^١).
وأيضًا فالروح هي المدرِكةُ لمدارك (^٢) هذه الحواسِّ بواسطة آلاتها (^٣)، فالنفسُ هي الحاسة المدركة (^٤)، وإن لم تكن محسوسة. فالأجسام والأعراض محسوسة، والنفس مُحِسَّة بها. وهي القابلة لأعراضها المتعاقبةِ عليها من الفضائل والرذائل، كقبول الأجرام لأعراضها المتعاقبة عليها. وهي المتحركة باختيارها، المحرِّكة للبدن قسرًا (^٥) وقهرًا. وهي مؤثرة في البدن، متأثرةٌ به، تألمُ وتلَذُّ، وتفرح وتحزن، وترضى وتغضب، وتنعَم وتبأس، وتحب وتكره، وتَذكرُ وتنسى، وتصعد وتنزل، وتعرِفُ وتُنكر. فآثارها (^٦) من أدلِّ الدلائل على وجودها، كما أن آثار الخالق سبحانه دالةٌ على وجوده وعلى كماله؛ فإن دلالة الأثر على مؤثره ضرورية.
وتأثيراتُ النفوس بعضِها في بعض أمرٌ لا ينكره ذو حسٍّ سليم ولا عقل
_________________
(١) في الأصل: «الساكنة». وكذا في (غ) مع (ظ) فوقها».
(٢) (ز): «لنحو ما تدرك».
(٣) (أ، غ): «آلتها».
(٤) (أ، غ): «المذكورة»، تحريف.
(٥) (ط): «صبرًا»، تحريف.
(٦) (أ، غ): «فأثرها».
[ ٢ / ٦٠٥ ]
مستقيم، ولا سيَّما عند تجرُّدها نوعَ تجرُّدٍ عن العلائق والعوائق البدنية (^١)؛ فإنَّ قواها تتضاعفُ وتتزايد بحسب ذلك، ولاسيما عند مخالفةِ هواها وحملِها على الأخلاق العالية من العفة والشجاعة والعدل والسخاء، وتجنُّبِها سفسافَ (^٢) الأخلاق ورذائلَها وسافلَها؛ فإنَّ تأثيرها في العالم يقوى جدًّا، تأثيرًا يعجز عنه البدنُ وأعراضُه (^٣): أن تنظرَ إلى حجرٍ عظيم فتشُقَّه، أو إلى حيوان كبير فتُتلِفَه، أو إلى نعمةٍ فتزيلَها. وهذا أمر قد شاهده الأمم على اختلاف أجناسها وأديانها وهو الذي يُسمَّى (^٤) إصابة العين، فيضيفون الأثر إلى العين، وليس لها في الحقيقة، وإنما هو للنفس (^٥) المتكيِّفة بكيفية ردِيَّة سُمِّيَّة. وقد يكون بواسطة نظر العين، وقد لا يكون، بل يوصفُ له الشيء من بعيد، فتتكيف عليه نفسُه بتلك الكيفية (^٦)، فتُفسِده. وأنت ترى تأثير النفس في الأجسام صفرةً وحمرةً وارتعاشًا بمجرد مقابلتها لها وقوتها (^٧). وهذه وأضعافُها آثارٌ خارجةٌ عن تأثير البدن وأعراضِه، فإن البدن [١٤٠ ب] لا يؤثِّر إلا فيما لاقاه وماسَّه تأثيرًا مخصوصًا. ولم تزل الأمم تشهد تأثيرَ الهِمَم الفعَّالة (^٨) في العالم، وتستعين بها، وتحذَر أثرها.
_________________
(١) «البدنية» ساقط من (ب، ط، ج).
(٢) «سفساف» ساقط من (ب، ط). وفي (ج): «ذمائم»، ولعله اجتهاد من ناسخها.
(٣) في (ب، ط، ج) هنا زيادة: «فليس في قوة البدن وأعراضه». والنص لا يستلزمها.
(٤) (أ، غ، ق): «سمي».
(٥) في (ب، ط، ج) زيادة: الغضبية».
(٦) «بكيفية رديّة الكيفية» ساقط من (ب، ط).
(٧) وانظر: زاد المعاد (٤/ ١٦٥ ــ ١٦٦)، ومدارج السالكين (١/ ٥٦).
(٨) (غ، ز): «الفاعلة». وفي (ن، ز) قبلها زيادة «العالية».
[ ٢ / ٦٠٦ ]
وقد أمر رسول الله - ﷺ - أن يغسل العائِنُ مغابنَهُ ومواضعَ القذر منه، ثم يُصَبَّ ذلك الماءُ على المَعِين، فإنه يزيلُ عنه تأثير نفسه فيه (^١). وذلك بسبب (^٢) أمرٍ طبيعي اقتضته حكمة الله سبحانه، فإن النفس الأمارة لها بهذه المواضع تعلُّقٌ وإلْفٌ، والأرواحُ الخبيثة الخارجية تساعدها، وتألف هذه المواضع غالبًا للمناسبة بينها وبينها. فإذا غُسِلتْ بالماء طَفِئَتْ تلك الناريَّةُ منها كانطفاءِ (^٣) الحديدِ المُحْمَى بالماء، فإذا صُبَّ ذلك الماءُ على المصاب طفئ (^٤) عنه تلك النارية التي وصلت إليه من العائن. وقد وصفَ الأطباء الماءَ الذي يُطفأ فيه الحديدُ لآلامٍ وأوجاع معروفة.
وقد جرَّب (^٥) الناس من تأثير الأرواح بعضها في بعض عند تجرُّدها في المنام عجائبَ تفوت الحصر، وقد نبَّهنا على بعضها فيما مضى. فعالَمُ الأرواحِ عالَمٌ آخَر أعظَم من عالَم الأبدان، وأحكامُه وآثارُه أعجبُ من آثار الأبدان. بل كلُّ ما في العالم من الآثار الإنسانية فإنما هي من تأثير النفوس بواسطة البدن. فالنفوسُ والأبدانُ يتعاونان (^٦) على التأثير تعاونَ المشتركين في الفعل. وتنفردُ النفس بآثار لا يشاركها فيها البدن، ولا يكون للبدن تأثيرٌ
_________________
(١) يشير إلى قصة سهل بن حنيف الذي عانه عامر بن ربيعة. أخرجها مالك في الموطأ (١٦٧٩) عن أبي أمامة بن سهل.
(٢) كذا في (أ، ن). وفي غيرهما: «سببُ».
(٣) هكذا في الأصل. وفي غيره: «كما يطفى».
(٤) رسمها في جميع النسخ: «طفا»، فتحتمل قراءة «طفَّى» بمعنى أطفأ، وهي عامية.
(٥) في الأصل: «درب»، ولعله تحريف. وكذا في (ق، ز، ن).
(٦) كذا بالياء في النسخ ما عدا الأصل الذي لم يعجم فيه أوله. وفي (ن، ز): «متعاونَين»، تحريف.
[ ٢ / ٦٠٧ ]
فصل: الشبهة التاسعة عشرة: لو كانت جسما لكانت ذات طول وعرض وعمق وشكل وسطح
فصل: الشبهة العشرون: خاصة الجسم أنه يقبل التجزي
لا تشارِكه فيها النفس.
فصل
قولكم في التاسع عشر: لو كانت (^١) جسمًا لكانت ذاتَ طول وعَرْض وعمق وشكل وسطح، وهذه المقادير لا تقوم إلا بمادة (^٢)، إلى آخره.
جوابه: أنَّا نقول: قولُكم: هذه المقاديرُ لا تقوم إلا بمادة. قلنا: وكان ماذا؟ والنفس لها مادة (^٣) خُلِقتْ منها، وجُعِلت على شكل معيَّن وصورة معيَّنة.
قولكم: مادتها إن كانت نفسًا لزم اجتماع نفسَين، وإن كانت غيرَ نفس كانت مركَّبةً من بدن وصورة.
قلنا: مادتها ليست [١٤١ أ] نفسًا، كما أنَّ مادة الإنسان ليست إنسانًا، ومادةَ الجنِّ ليست جِنًّا، ومادةَ الحيوان ليست حيوانًا.
قولكم: «يلزم كونُ النفسِ مركبةً من بدن وصورة» مقدِّمة كاذبة، وإنما يلزم كونُ النفسِ مخلوقةً من مادة، ولها صورة معينة. وهكذا نقول سواءً، ولم تذكروا على بطلان هذا شبهةً، فضلًا عن حجَّة (^٤) ظنية أو قطعية.
فصل
قولكم في الوجه العشرين: إنَّ خاصَّة الجسم أن يقبلَ التجزِّي (^٥)، وأن
_________________
(١) (ط): «كانت النفس».
(٢) في الأصل هنا وفيما يأتي: «بأمارة»، وكذا في (غ)، وهو تحريف.
(٣) (ب، ط): «وكان بإرادة النفس الأمارة»، تحريف طريف.
(٤) في الأصل: «شبهة»، وهو سهو. وكذا في (غ).
(٥) مصدر تجزَّى بتسهيل الهمزة. والأصل: التجزُّؤ.
[ ٢ / ٦٠٨ ]
الجزء الصغير منه (^١) ليس كالكبير. فلو قبلت التجزِّي، فكل جزء منها إن كان نفسًا لزم أن يكون للإنسان نفوس كثيرة، وإن لم يكن نفسًا لم يكن المجموع نفسًا.
جوابه: إن أردتم أنَّ كلَّ جسم يقبل التجزِّي في الخارج، فكذبٌ ظاهر؛ فإن الشمس والقمر والكواكب لا تقبل ذلك. ولا يلزم أنَّ كلَّ جسم يصحُّ عليه التجزِّي والتبعيض في الخارج، أما على قولِ نُفاةِ الجوهر الفرد فظاهر، وأما على قول مثبتيه فإنه عندهم جوهر متحيِّز لا يصح عليه قبول الانقسام. سَلَّمنا (^٢) أنها تقبل الانقسام (^٣)، فأيُّ شيء يلزم من ذلك؟
قولكم: إن كان كلُّ جزء من تلك الأجزاء أنفسًا لزم اجتماعُ نفوس كثيرة في الإنسان.
قلنا: إنما يلزم ذلك لو (^٤) انقسمت النفسُ بالفعل إلى نفوسٍ كثيرة، وهذا محال (^٥).
قولكم: «وإن لم يكن كلُّ جزء نفسًا لم يكن المجموع نفسًا» مقدمة كاذبة منتقِضة. فكلُّ ماهية ثبتَ لها حكمٌ عند اجتماع أجزائها، فإنَّ ذلك الحكم لا يثبت لكل جزء من تلك الأجزاء، كماهية البيت والإنسان والعشَرة وغيرها.
_________________
(١) ساقط من الأصل.
(٢) (ب، ط): «فسلَّمنا».
(٣) «سلمنا الانقسام» ساقط من (ن، ز).
(٤) في جميع النسخ: «ان لو»، ولعله سهو كان في الأصل. وقد حذفت «أن» في النسخ المطبوعة.
(٥) هذه الفقرة ساقطة من (ج).
[ ٢ / ٦٠٩ ]
فصل: الشبهة الحادية والعشرون: الجسم يحتاج في قوامه وبقائه إلى النفس
فصل
قولكم في الوجه الحادي والعشرين: إن الجسم يحتاج في قوامه وبقائه وحفظه إلى النفس، فلو كانت النفس جسمًا لكانت محتاجة في قوامها وبقائها إلى نفس أخرى، ويلزمُ التسلسل.
جوابه: أنه لا يلزم من افتقار البدن إلى نفس تحفظُه افتقارُ النفس إلى نفسٍ تحفظها، وهل ذلك إلا مجرَّدُ دعوى كاذبةٍ تستند (^١) إلى قياسٍ [١٤١ ب] قد تبيَّن بطلانُه، فإن كلَّ جسم لا يفتقر إلى نفس تحفظه كأجسام المعادن وجسم الهواء والماء والنار والتراب وأجسام سائر الجمادات.
فإن قلتم: إن هذه ليست أحياءً ناطقةً بخلاف النفس فإنها حية ناطقة. قلنا: فحيئذٍ يبقى الدليل هكذا: إنَّ كلَّ جسمٍ حيٍّ ناطقٍ يحتاج في حفظه وقيامه إلى نفسٍ تقوم به. وهذه دعوى مجرَّدة، وهي كاذبة، فإنَّ الجن والملائكة أحياء ناطقون، وليسوا مفتقرين في قيامهم إلى أرواح أُخَر تقوم بهم.
فإن قلتم: وكلامنا معكم في الجن والملائكة فإنهم ليسوا بأجسامٍ متحيزة (^٢).
_________________
(١) في (ن): «مستندة». وفي غيرها جميعًا: «مستند»، فأقرب قراءة لهذا الرسم ما أثبتنا، إلا أن يكون سهو قد وقع في أصل المصنف فيكون الصواب ما ورد في (ن). وكذا في النسخ المطبوعة.
(٢) كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة ما عدا (غ)، ولعل في النص سقطًا أو تصحيفًا. وفي (غ): «فكلامنا معكم أنهم ليسوا». وهو أشبه.
[ ٢ / ٦١٠ ]
فصل: الشبهة الثانية والعشرون: لو كانت جسما لزم تداخل الأجسام أو كون الإنسان الواحد جسمين متلاصقين
قلنا: الكلام مع من يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله. وأما مَن كَفَر بذلك فالكلام (^١) معه في النفس ضائع، وقد كفر بفاطر النفوس ومُبدِعها وملائكتِه وما جاءت به رسلُه وبسائر ما دلَّ (^٢) عليه العيانُ مع دليل الإيمان (^٣)، فإن الآثار المشهودة في العالم من تأثيرات الملائكة والجن بإذن ربهم لا يمكن إنكارُها، ولا هي موجودة بنفسها، ولا تقدرُ عليها القوى البشرية.
فصل
قولكم في الثاني والعشرين: لو كانت جسمًا لكان اتصالُها بالبدن إن كان على سبيل المداخلة لزمَ تداخلُ الأجسام، وإن كان على سبيل الملاصقة والمجاورة كان الإنسان الواحد جسمين متلاصقين: أحدُهما يُرى، والآخر لا يُرى.
جوابه من وجوه:
أحدها: أنَّ تداخل الأجسام المحالَ أن يتداخل جسمان كثيفان أحدُهما في الآخر، بحيث يكون حيِّزُهما واحدًا. وأما أن يدخل جسمٌ لطيف في كثيف يسري فيه، فهذا ليس بمحال.
_________________
(١) في الأصل: «فلا كلام». وكذا في (ق). وهو سهو.
(٢) «وكاين بارك» كذا في الأصل دون نقط. وفي (ن): «رسله ويكفي العيان». وفي (ز): «رسله وما شهد عليه العيان». وفي النسخ المطبوعة: «رسله وكان تاركًا ما دلَّ ». وكل أولئك إصلاحات بالحذف والزيادة. وفي (ب، ط، ج): «وكسائر ما دلَّ». ولعل الصواب ما أثبتنا.
(٣) (ب، ط، ج): «الآثار»، تحريف.
[ ٢ / ٦١١ ]
الثاني: أن هذا باطل (^١) بصور كثيرة، منها: دخول الماء في العودِ والسحاب (^٢)، ودخول النار في الحديد، ودخول الغذاء في [١٤٢ أ] جميع أجزاء البدن، ودخول الجن في المصروع. فالروح لِلَطافتها لا يمتنع عليها مشابكةُ البدن (^٣)، والدخولُ في جميع أجزائه.
الثالث: أن حيِّزَ النفس البدنُ، وحيزُه مكانُه المنفصل عنه، وهذا (^٤) ليس بتداخلٍ ممتنع، فإذا فارقَتْه صار لها حيِّز (^٥) آخر غير حيزِه، وحينئذٍ فلا يتداخلان بل يصيرُ (^٦) لكلٍّ منهما حيزٌ يخصه.
وبالجملة: فدخول الروح في البدن ألطفُ من دخول الماء في الثرى، والدهن في البدن. فهذه الشُّبَه (^٧) الفاسدة لا يعارَض بها ما دلَّ عليه نصوصُ الوحي والأدلةُ العقلية. وبالله التوفيق.
_________________
(١) (ب، ط، ج): «يبطل».
(٢) ساقط من (ن، ز).
(٣) (أ، غ، ق): «مشاركة البدن».
(٤) في الأصل: «فهذا».
(٥) ما عدا (ز): «حيِّزًا، وهو خطأ.
(٦) (ز): «يصفو».
(٧) في (غ) والنسخ المطبوعة: «الشبهة». والصواب ما أثبتنا من الأصل وغيره، فإن المقصود: الشبه المردود عليها كلها لا الشبهة الأخيرة فحسب.
[ ٢ / ٦١٢ ]