أدلة القائلين بتقدم خلقها على خلق البدن
فصل
وأمَّا المسألة الثامنة عشرة (^١)
وهي: هل (^٢) تقدَّم خلقُ الأرواح على الأجساد أو تأخَّر خلقُها عنها؟
فهذه المسألة، للناس فيها قولان معروفان، حكاهما شيخُ الإسلام (^٣) وغيره. وممن ذهب إلى تقدُّم خَلْقها محمد بن نصر المروزي وأبو محمد بن حزم، وحكاه ابن حزم إجماعًا (^٤).
ونحن نذكر حججَ الفريقين، وما هو الأولى منها بالصواب.
قال مَن ذهبَ إلى تقدمُّ خلقها على خَلْق البدن: قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ [الأعراف: ١١]. قالوا: «ثُمَّ» للترتيب والمُهلة (^٥)، فقد تضمَّنت الآية أنَّ خَلْقَنا (^٦) مقدَّمٌ على أمر الله للملائكة بالسجود لآدم. ومن المعلوم قطعًا أنَّ أبدانَنا حادثةٌ بعد ذلك، فعُلِم أنها الأرواح.
_________________
(١) (ن): «التاسعة عشر» ولم يرد فيها «فصل وأما». والمثبت من (ط). وفي غيرها: «الثامنة عشر».
(٢) «هل» ساقطة من (ق، ط، ج). وفي (ب): أضافها بعض القراء.
(٣) في (ن) زيادة: «ابن تيمية». وانظر: درء التعارض (٨/ ٤١٤).
(٤) الفصل لابن حزم (٢/ ٣٢٢). وانظر: التمهيد (١٨/ ٨٤)، وشفاء العليل للمصنف (٤٤٤). وشرح الطحاوية (٢١٦).
(٥) الفصل لابن حزم (٢/ ٣٢١).
(٦) كذا في (ب، ط، ق، ج). وكذا كان في الأصل فغيَّره بعضهم إلى «خلقها» كما في (ن، غ) والنسخ المطبوعة. ويؤيد المثبت ما يأتي في (ص ٤٩٩).
[ ٢ / ٤٥٣ ]
قالوا: ويدلُّ عليه قوله سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهْم وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ (^١) [الأعراف: ١٧٢]. قالوا: وهذا الاستنطاق والإشهاد إنما كان لأرواحنا، إذ لم تكن الأبدان حينئذ موجودة.
ففي «الموطأ» (^٢):
حدثنا مالك، عن زيد بن أبي أُنيسة، أنَّ عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أخبره، عن مسلم بن يسار الجُهني، أنَّ عمر بن الخطاب سُئل [١٠١ أ] عن هذه الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ
_________________
(١) كذا وردت الآية في جميع النسخ. ﴿ذرياتهم﴾ وهي قراءة نافع وأبي عمرو وابن عامر من السبعة. وقرأ الباقون بالإفراد: ﴿ذريتهم﴾. الإقناع (٦٥١). وقد سبق التنبيه على أن قراءة أبي عمرو كانت هي السائدة في بلاد الشام في زمن المؤلف.
(٢) برقم (١٥٩٣). ومن طريقه أبو داود (٤٧٠٣)، والترمذي (٣٠٧٥)، والنسائي في الكبرى (١١١٩٠)، والإمام أحمد (٣١١)، وابن أبي عاصم في السنة (١٩٦)، وأبو بكر الفريابي في كتاب القدر (٢٧)، والطحاوي في مشكل الآثار (٣٨٨٦)، وابن حبان (٦١٦٦)، والحاكم (١/ ٢٧) وغيرهم. وقال الترمذي: «هذا حديث حسن، ومسلم بن يسار لم يسمع من عمر، وقد ذكر بعضهم في هذا الإسناد بين مسلم بن يسار وبين عمر رجلًا» وكذا قال الطحاوي. ونقل ابن كثير في تفسيره (٣/ ٥٠٣) كلام الترمذي ثم قال: «وكذا قاله أبو حاتم وأبو زرعة. زاد أبو حاتم: وبينهما نُعَيم بن ربيعة». وانظر: المراسيل لابن أبي حاتم (٧٨٦، ٧٨٧). وهو قول أبي عمر بن عبد البر كما سيأتي بيانه عند المصنِّف؛ ولذلك لما صحّحه الحاكم على شرط الشيخين تعقبه الذهبي بقوله: «فيه إرسال». قلت: وجهالة أيضًا؛ فإن مسلم بن يسار هذا ليس من رجال الصحيحين وهو غير معروف كما قاله ابن عبد البر ونقله عن ابن معين. (قالمي).
[ ٢ / ٤٥٤ ]
ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهْم﴾ (^١)، فقال: سمعتُ رسولَ الله - ﷺ - يُسأل عنها فقال: «خلقَ الله آدمَ، ثم مسحَ ظهرَه بيمينه، فاستخرجَ منه ذريةً، فقال: خلقتُ هؤلاء للنار وبعمل أهلِ النار يعملون، وخلقتُ هؤلاء للجنةِ وبعمل أهل الجنة يعملون». فقال رجلٌ يا رسولَ الله، ففيم العمل؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «إن الله إذا خلق الرجلَ للجنة استعمَلَه بعمل أهل الجنةِ، حتى يموتَ على عملٍ من أعمال أهل الجنة، فيُدخِلُه به الجنة. وإذا خلق العبدَ للنار استعمَلَه بعمل أهل النار، حتى يموتَ على عملٍ من أعمال أهل النار، فيُدخِله به النار». قال الحاكم (^٢): هذا حديث على شرط مسلم.
وروى الحاكم (^٣) أيضًا من طريق هشام بن سعد (^٤) عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعًا: «لما خلق الله آدم مَسَح ظهره، فسقط من ظهره كلُّ نَسَمة هو خالقها إلى يوم القيامة أمثالَ الذرِّ (^٥)، ثم جعل بين عينَي كلِّ إنسان منهم وَبيصًا من نور، ثم عرضهم على آدم، فقال: من هؤلاء يا رب؟ قال: هؤلاء ذريتُك. فرأى رجلًا منهم أعجبه وَبيصُ ما بين عينيه، فقال: يا ربِّ مَن هذا؟ فقال: هذا ابنُك داود، يكون في آخر الأمم. قال: كم
_________________
(١) كذا وردت الآية في جميع النسخ على قراءة أبي عمرو وغيره. انظر ما علَّقنا آنفا.
(٢) في المستدرك (٣٢٥٦).
(٣) في المستدرك (٣٢٥٧). وأخرجه الترمذي (٣٠٧٦)، وابن سعد في الطبقات (١/ ٢٧، ٢٨)، وأبو يعلى (٦٦٥٤)، وابن خزيمة في التوحيد (٤٥٥) كلهم من طريق هشام بن سعد، به. (قالمي).
(٤) تحرّف «سعد» في (ق) إلى «يزيد»، وفي غيرها إلى «زيد». وفي (ط): «هشام بن زيد بن أسلم»!
(٥) (ط): «مثل الذرّ».
[ ٢ / ٤٥٥ ]
جعلتَ له من العُمْر؟ قال: ستِّين سنة، قال: يا رب زِدْه من عُمْرِي أربعين سنةً. فقال الله تعالى: إذًا يُكتَبُ ويُختَم فلا يبدَّل.
فلما انقضى عمرُ آدم جاءه ملك الموت. قال: أو لم يبقَ من عمري أربعون (^١) سنةً؟ فقال: أوَلم تجعلها لابنك داود؟ قال: فجحَدَ، فجحدت ذريتُه. ونسيَ، فنسيت ذريته. وخَطِئ، فخطئت ذريته». قال: هذا على شرط مسلم.
ورواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
[١٠١ ب] ورواه الإمام أحمد (^٢) من حديث ابن عباس، قال: لما نزلت آية الدَّين قال رسول الله - ﷺ -: «إن أول من جحد آدم».
وزاد محمد بن سعد: «ثم أكملَ الله لآدم ألفَ سنة، ولداود مائة سنة» (^٣).
وفي صحيح الحاكم (^٤) أيضًا من حديث أبي جعفر الرَّازيِّ (^٥)، حدثنا
_________________
(١) في جميع النسخ: «أربعين» ما عدا الأصل، ولكن يبدو أن فيه إصلاحًا.
(٢) في المسند (٢٢٧٠)، (٢٧١٣)، (٣٥١٩)، وأبو داود الطيالسي (٢٨١٥)، وابن سعد في الطبقات الكبرى (١/ ٢٨، ٢٩)، وابن أبي عاصم في السنة (٢٠٤)، وأبو يعلى (١٢٩٢٨) من طرق عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس. وإسناده ضعيف؛ علي بن زيد هو ابن جدعان مشهور بالضَّعف. (قالمي).
(٣) طبقات ابن سعد (١/ ٢٩). وهي أيضًا عند الإمام أحمد في الموضع الثاني، وأبي يعلى. (قالمي).
(٤) برقم (٣٢٥٥).
(٥) (ق): «الداري» تصحيف.
[ ٢ / ٤٥٦ ]
الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبيِّ بن كعب في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ الآية [الأعراف: ١٧٢]، قال: جمعهم له يومئذ جميعًا ما هو كائن إلى يوم القيامة، فجعلهم أرواحًا، ثم صوَّرهم، واستنطقهم، فتكلَّموا، وأخذ عليهم العهد والميثاق، ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢]. قال: فإنِّي أُشهِدُ عليكم السمواتِ السبع والأرَضين السبع، وأُشهِد عليكم أباكم آدمَ ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾. فلا تُشركوا بي شيئًا، فإنِّي أُرسِل إليكم رُسُلي يذكِّرونكم عهدي وميثاقي، وأُنزِلُ عليكم كتبي. فقالوا: نشهد أنك ربُّنا وإلهنا، لا ربَّ لنا غيرُك.
ورُفِع لهم أبوهم آدمُ، فرأى فيهم الغنيَّ والفقيرَ، وحَسنَ الصورة، وغيرَ ذلك؛ فقال: ربِّ لو سوَّيتَ بين عبادك! فقال: إني أحبُّ أن أُشكَر.
ورأى فيهم الأنبياء مثلَ السُّرُج، وخُصُّوا بميثاق آخر بالرسالة والنبوة. فذلك قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧]. وهو قوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]. وهو قوله: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾ [النجم: ٥٦]. وقوله: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٢]. وكان روح عيسى من تلك الأرواح التي أخَذَ عليها الميثاق، فأرسل ذلك الرُّوحَ [١٠٢ أ] إلى مريم، حين انتبذَتْ من أهلها مكانًا شرقيًّا، فدخل مِن فيها.
وهذا إسناد صحيح.
[ ٢ / ٤٥٧ ]
وقال إسحاق بن راهويه: أخبرنا بقية بن الوليد قال: أخبرني الزُّبَيْديُّ محمد بن الوليد، عن راشد بن سعد، عن عبد الرحمن بن أبي قتادة النَّصْري (^١)، عن أبيه، عن هشام بن حكيم بن حزام أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله، أتُبتَدأ الأعمال، أم قد مضى القضاء (^٢)؟ فقال: «إن الله لما أخرج ذريةَ آدم من ظهره أشهدهم على أنفسهم، ثم أفاض بهم (^٣) في كفَّيه، فقال: هؤلاء للجنة، وهؤلاء للنار. فأهلُ الجنة ميسَّرون لعمل أهل الجنة، وأهلُ النار ميسَّرون لعمل أهل النار» (^٤).
_________________
(١) الأصل غير منقوط. وفيما عداه: «البصري» وهو تصحيف. وقد اتفقت النسخ على «أبي قتادة» وكذا في شفاء العليل (٣١). والصواب: عبد الرحمن بن قتادة. والنصّ على ضبط «النصري» بالنون في الإكمال (١/ ٣٩٠). وانظر: تفسير الطبري ــ شاكر (١٣/ ٢٤٧) حاشية المحقق.
(٢) في (ب) بعده زيادة: «يوم القيامة».
(٣) من أفاض الرجل بقداح الميسر: ضرب بها وأجالها.
(٤) أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده كما في المطالب العالية (٢٩٦٢)، ومن طريقه البيهقي في الأسماء والصفات (٦٩٦)، وفيهما: «عن عبد الرحمن بن أبي قتادة النّصري». وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٨/ ١٩١، ١٩٢) تعليقًا، والبزار (٢١٤٠ ــ كشف الأستار)، وابن جرير الطبري في تفسيره (١٠/ ٥٦٢)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ١٦٩) من طرق عن بقية، به. وفي إسناده اختلاف على راشد بن سعد: فروي عنه من هذا الوجه. وروي عنه عن عبد الرحمن بن قتادة، عن هشام بن حكيم. وليس فيه «عن أبيه». أخرجه أبو بكر الفريابي في القدر (٢٢)، ومن طريقه الآجري في الشريعة (٣٣٠)، والطبراني في مسند الشاميين (١٨٥٥، ٢٠٤٦). وروي عنه، عن عبد الرحمن بن قتادة السلمي، قال: سمعت رسول الله - ﷺ -. أخرجه الإمام أحمد (١٧٦٦٠)، والفريابي في القدر (٢٥، ٢٦)، وابن حبان (٣٣٨)، والحاكم (١/ ٣٠) وصحّحه. وبناء على هذه الرواية تُرجم لعبد الرحمن هذا في الصحابة، كما في الإصابة ترجمة (٥٢٠٧) وغيره. لكن جزم البخاري في التاريخ الكبير (٥/ ٣٤١) بخطأ هذه الرواية. ونقله عنه الحافظ في تعجيل المنفعة في ترجمة عبد الرحمن بن قتادة السلمي (٦٤٣) وزاد: «وأن الصواب: عن راشد، عن عبد الرحمن، عن هشام». وهذا يعني عدم ثبوت صحبة عبد الرحمن بن قتادة. هذا وقد أعلّ ابن السكن، وابن عبد البر، والحسيني الحديث بالإضطراب. انظر: الاستيعاب ترجمة (١٤٥٠)، والإكمال ترجمة (٥٣٢)، والإصابة. وعلى القول بترجيح الوجه الثاني كما قاله البخاري، يكون في إسناده جهالة؛ لأن عبد الرحمن بن قتادة لم تصح صحبته وإنما ذُكر فيهم بناءً على رواية الإمام أحمد وغيره، وهي خطأ، وأما قول الحافظ في آخر ترجمته: «ويكفي في صحته إثبات الرواية التي شهد له فيها التابعي بأنه من الصحابة، فلا يضرّ بعد ذلك إن كان سمع الحديث من النبي - ﷺ - أو بينهما فيه واسطة». فالجواب أن هذا يستقيم لو لم يختلف عليه في إسناده، أما وأن الرواية التي شهد له التابعي بالصحبة هي خطأ. كما نقله هو عن البخاري. فحقُّه حينئذ أن يترجمه في القسم الرابع، كما هي عادته في مثل هذا. والله أعلم. (قالمي).
[ ٢ / ٤٥٨ ]
قال إسحاق (^١): وأخبرنا النَّضْر، أنا أبو مَعشَر (^٢)، عن سعيد المقبُريِّ ونافع مولى الزبير، عن أبي هريرة، قال: لما أراد الله أن يخلق آدم ــ فذكر خلق آدم ــ فقال له (^٣): يا آدمُ، أيُّ يديَّ أحبُّ أن أُرِيَك ذريتَك فيها؟ فقال:
_________________
(١) (ب، ج): «ابن إسحاق»، خطأ.
(٢) (ق): «أبو مسعر»، تحريف.
(٣) «له» ساقط من (ب، ط، ن).
[ ٢ / ٤٥٩ ]
يمينُ ربي، وكلتا يدَي ربِّي يمين. فبسَط يمينه، وإذا فيه (^١) ذرِّيته كلُّهم ما هو خالقٌ إلى يوم القيامة: الصحيحُ على هيئته، والمبتلى على هيئته، والأنبياء على هيئتهم. فقال: ألَّا أعفيتَهم (^٢) كلَّهم! فقال: إنِّي أحببتُ أن أُشكَر». وذكر (^٣) الحديث.
وقال محمد بن نصر: حدثنا محمد بن يحيى، ثنا سعيد بن أبي مريم، أنا الليث بن سعد، حدثني ابن (^٤) عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد المقبُري، عن أبيه، عن عبد الله بن سلام، قال: خلق الله آدم، ثم قال بيديه، فقبضهما. فقال (^٥): اختَرْ يا آدم. فقال: اخترت يمينَ ربي، وكلتا يديك يمين. فبسطها، فإذا فيها ذرِّيته. فقال: من هؤلاء يا ربِّ؟ قال: مَن قضيتُ أن أخلق من ذريتك من أهل الجنة (^٦) إلى أن تقوم الساعة (^٧).
قال: وأخبرنا إسحاق [١٠٢ ب] حدثنا جعفر بن عون (^٨)، أنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: «لما خلق الله آدمَ مسَح ظهرَه فسقط من ظهره كلُّ نَسَمة هو خالقُها من ذريته إلى يوم
_________________
(١) كذا في جميع النسخ. والوجه: «فيها» كما في الخبر الآتي، فإن «اليمين» مؤنثة.
(٢) (أ، ط، غ): «أغنيتَهم»، والمثبت من غيرها موافق لما في شفاء العليل (٣٢).
(٣) «وذكر» ساقط من (ق). وقد أورد المصنف الأثر في شفاء العليل (٣٢). وانظر: أمالي ابن بشران (٦٦٣).
(٤) «ابن» ساقط من (ط).
(٥) (ط): «ثم قال».
(٦) (ط): «من الجنة».
(٧) أورده المصنف أيضًا في شفاء العليل (٣٢).
(٨) (ق): «عوف»، تصحيف.
[ ٢ / ٤٦٠ ]
القيامة» (^١).
وحدثنا إسحاق وعمرو بن زُرارة، أنا إسماعيل، عن كلثوم بن جَبْر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ الآية [الأعراف: ١٧٢]. قال: «مسح ربك ظهرَ آدم، فخرجت منه كلُّ نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة بنَعمانَ هذا الذي وراء عرفة (^٢)، فأخذ ميثاقهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾» (^٣).
ورواه أبو جَمْرة الضُّبَعي، ومجاهد، وحبيب بن أبي ثابت وأبو صالح، وغيرُهم عن ابن عباس (^٤).
وقال إسحاق: أخبرنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو في هذه الآية (^٥) قال: أخَذَهم، كما يؤخذ بالمشط من الرأس (^٦).
وحدثنا حَجَّاج، عن ابن جُرَيج، عن الزبير بن موسى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: إنَّ الله ضرب مَنكِبه الأيمَن، فخرجت كلُّ نفس مخلوقة للجنة بيضاءَ نقية، فقال: هؤلاء أهل الجنة. ثم ضرب (^٧) مَنْكِبه
_________________
(١) تقدم تخريجه قريبًا.
(٢) وهو الوادي الذي يسمى: نعمان الأراك.
(٣) أخرجه الطبري في تفسيره ــ شاكر (١٣/ ٢٢٤) من طريق يعقوب عن إسماعيل.
(٤) حديث أبي جمرة أخرجه ابن منده في الرد على الجهمية (٣١) والطبري في تفسيره (١٣/ ٢٢٩). وحديث حبيب أخرجه الطبري (١٣/ ٢٢٧). وحديث أبي صالح أخرجه ابن منده في الرد على الجهمية (٣٧).
(٥) «الآية» ساقط من (ط).
(٦) أخرجه الطبري في تفسيره (١٣/ ٢٣٣).
(٧) «منكبه ضرب» ساقط من (ن).
[ ٢ / ٤٦١ ]
الأيسر، فخرجت كلُّ نفس مخلوقة للنار سوداء، فقال: هؤلاء أهل النار. ثم أخذ عهده على الإيمان به، والمعرفةِ له ولأمره، والتصديق له وبأمره من بني آدم كلِّهم، وأشهدهم على أنفسهم. فآمنوا، وصدَّقوا، وعَرَفوا، وأقرُّوا (^١).
وذكر محمد بن نصر (^٢) من تفسير السُّدِّي، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مُرَّة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب النبي - ﷺ - في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ الآية [الأعراف: ١٧٢]. لما أخرَجَ الله آدم من الجنة قبل أن يهبط من السماء مسَحَ صَفْحة ظهر [١٠٣ أ] آدم اليمنى، فأخرج منه ذرِّيةً بيضاءَ مثلَ اللؤلؤ وكهيئة الذرِّ، فقال لهم: ادخلوا الجنة برحمتي. ومسح صفحة ظهره اليسرى، فأخرج منه ذرِّيةً سوداءَ كهيئة الذرِّ (^٣)، فقال لهم (^٤): ادخلوا النار، ولا أبالي. فذلك حيث (^٥) يقول: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٢٧]، ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ [الواقعة: ٤١].
ثم أخذ منهم الميثاق فقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ فأعطاه طائفةٌ طائعين، وطائفة كارهين على وجه التقِيَّة. فقال هو والملائكة: ﴿شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره (١٣/ ٢٣٧).
(٢) زاد في (ط): «المروزي».
(٣) «كهيئة الذر» ساقط من (ب، ط، ج، ن).
(٤) «لهم» من (أ، غ).
(٥) (ب، ج، ن): «حين».
[ ٢ / ٤٦٢ ]
مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ (^١) [الأعراف: ١٧٢ ــ ١٧٣].
فليس أحدٌ من ولد آدم إلا وهو يعرف أنَّ ربَّه الله (^٢)، ولا مشرك (^٣) إلا وهو يقول: إنا وجدنا آباءنا على أمَّة. فذلك قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾، وقوله: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣]، وقوله: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩]. قال: يعني يوم أخذ عليهم الميثاق (^٤).
قال إسحاق: وأخبرنا رَوْح بن عُبادة، ثنا موسى بن عبيدة الرَّبَذي (^٥) قال: سمعت محمد بن كعب القُرَظي يقول في هذه الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ الآية: أقرُّوا له بالإيمان والمعرفة، الأرواح قبل أن يخلق أجسادها (^٦).
قال: وثنا الفضل بن موسى، عن عبد الملك، عن عطاء في هذه الآية،
_________________
(١) في (ب، ط، ج، غ): «أن يقولوا»، و«أو يقولوا» بالياء، وهي قراءة أبي عمرو. وفي (ن) بالتاء على قراءة الباقين من السبعة. ولم ينقط حرف المضارعة في (أ، ق).
(٢) (ق، ط): «الله ربُّه».
(٣) ما عدا (أ، ق، غ): «يشرك».
(٤) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد (١٨/ ٧٠). وانظر: تفسير الطبري (١٣/ ٢٤٢ ــ ٢٤٣).
(٥) تصحف في (ق، ب، ن، غ): «الزيدي».
(٦) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد (١٨/ ٨٠). وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٦٥٣) إلى ابن جرير وأبي الشيخ.
[ ٢ / ٤٦٣ ]
قال: أُخرِجوا من صُلْب آدم حتى (^١) أخذ منهم الميثاق، ثم رُدُّوا في صلبه (^٢).
قال إسحاق: وأخبرنا علي بن الأَجْلَح (^٣)، عن الضحاك قال: إنَّ الله أخرج من ظهر آدم يوم خلقه ما يكون إلى أن تقوم الساعة (^٤) فأخرجهم مثلَ الذرِّ فقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾. قالت الملائكة: ﴿شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ (^٥) [الأعراف: ١٧٢]. ثم قبض قبضة بيمينه (^٦)، فقال: هؤلاء في الجنة. وقبض أخرى، فقال: هؤلاء في النار (^٧).
قال إسحاق: وأخبرنا أبو عامر العَقَدي وأبو نُعَيم المُلَائي قالا: ثنا هشام بن سعد، عن يحيى ــ وليس بابن سعيد ــ (^٨) قال: قلت لابن المسيِّب [١٠٣ ب]: ما تقول في العَزْل؟ قال: إن شئت حدَّثتُك حديثًا هو حقٌّ (^٩): إنَّ الله سبحانه لما خلق آدم أراه كرامةً لم يَرها أحدٌ (^١٠) من خلقه: أراه كلَّ نسمة هو
_________________
(١) ما عدا (ط): «حين». والمثبت مطابق لما في تفسير الطبري.
(٢) أخرجه الطبري في التفسير (١٣/ ٢٤١).
(٣) كذا في النسخ وأحكام أهل الذمة (٢/ ٥٥٥)، والصواب: «يعلى عن الأجلح» كما سبق (ص ٣٢٠). قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: هذا التعليق ليس في المطبوع، وهو ثابت في الأصل الوارد من «عطاءات العلم»، جزاهم الله خيرا
(٤) (ن): «إلى يوم القيامة».
(٥) في (ب، ط، ج، غ): «يقولوا» بالياء على قراءة أبي عمرو. وقد سلف نحوه آنفًا.
(٦) (ط): «في يمينه».
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير (٨٥٣٨). وقد عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد أيضًا. الدر المنثور (٦/ ٦٧٢).
(٨) بل هو يحيى بن حسان البكري، كما صرَّح به في كتاب القدر لابن وهب.
(٩) في مطبوعة كتاب القدر: حديثًا موجزًا.
(١٠) (ب، ج): «لم يُرها أحدًا».
[ ٢ / ٤٦٤ ]
خالقها من ذريته (^١) إلى يوم القيامة. فمن حدَّثك أنه يزيد فيهم شيئًا أو ينقص منهم، فقد كَذَب. ولو كان لي سبعون ما بالَيْت (^٢).
وفي «تفسير ابن عيينة» عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا﴾ [آل عمران: ٨٣]. قال: يوم أخْذِه (^٣) الميثاق (^٤).
قال إسحاق: فقد كانوا في ذلك الوقت مقِرِّين. وذلك أنَّ الله ﷿ أخبر أنه قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] والله تعالى لا يخاطِب إلا من يفهم عنه المخاطبة، ولا يجيب إلا مَن فهِم السؤال. فإجابتُهم إياه بقولهم دليلٌ على أنَّهم قد فهموا عن الله ﷿ وعقلوا عنه استشهاده إياهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾، فأجابوه من بعد عَقْلٍ منهم للمخاطبة وفهمٍ لها بأن: ﴿قَالُوا بَلَى﴾ فأقرُّوا له بالرُّبوبية.
_________________
(١) في كتاب القدر: «بين يديه».
(٢) أخرجه ابن وهب في كتاب القدر (١٤) عن هشام بن سعد.
(٣) (ق): «أخذ».
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٧٨١) عن الربيع عن أبي العالية نحوه في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ [الأعراف: ١٠٢]. أما في تفسير الآية المذكورة من آل عمران، فأخرج ابن أبي حاتم (٣٧٧٦)، والطبري (٦/ ٥٦٥) عن الربيع عن أبي العالية قوله: «كلُّ آدمي قد أقرَّ على نفسه بأن الله ربِّي وأنا عبده، فمن أشرك في عبادته فهذا الذي أسلم كرهًا، ومن أخلص له العبودة فهذا الذي أسلم طوعًا». هذا لفظ الطبري. وقد أخرج بعد هذا الأثر عن ابن عباس نحو ما روي هنا عن أبي العالية.
[ ٢ / ٤٦٥ ]
فصل: الدليل على خلق الأرواح بعد خلق الأبدان، والجواب عن استدلال الأولين
فصل
واحتجُّوا أيضًا بما رواه أبو عبد الله بن منده، أخبرنا محمد بن محمد بن صابر البخاريُّ، ثنا محمد بن المنذر بن سعيد الهَرَوي، ثنا جعفر بن محمد بن هارون المِصِّيصي، ثنا عتبة بن السَّكَن، ثنا أرطاة بن المنذر، ثنا عطاء بن عجلان، عن يونس بن حَلْبَس (^١)، عن عمرو بن عَبَسَة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن الله خلق أرواح العباد قبل العباد بألفي عام، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف» (^٢).
فهذا بعض ما احتج به هؤلاء.
قال الآخرون: الكلام معكم في مقامين:
أحدهما: ذكر الدليل على الأرواح إنما خلقت بعد خلق الأبدان.
الثاني: الجواب عما استدلَلْتم به.
فأما المقام الأول، فقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ [الحجرات: ١٣]. وهذا خطاب للإنسان الذي هو روح وبدن، فدلَّ على أنَّ جملته مخلوقة بعد خلق الأبوين.
_________________
(١) تصحف في (ق، ب) إلى «جليس»، وفي (ن) إلى «حبيب».
(٢) إسناده ضعيف جدًّا؛ وقد بيَّن المصنف ﵀ ــ كما سيأتي ــ أن إسناده لا يصح؛ لأن فيه عتبة بن السكن قال عنه الدارقطني: متروك، وشيخه أرطاة بن المنذر قال ابن عدي: بعض أحاديثه غلط. وفي إسناده أيضًا عطاء بن عجلان الحنفي، قال الحافظ في التقريب: «متروك، بل أطلق عليه ابن معين والفلاس وغيرهما الكذب». ثم أعلَّ الجزء الأول من متنه بمخالفته للأحاديث الصحيحة التي دلّت على خلق الجسد قبل الروح. (قالمي).
[ ٢ / ٤٦٦ ]
وأصرحُ منه قوله (^١): ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١]. وهذا صريح في أنَّ خلْقَ جُملةِ النوعِ الإنساني بعد خلقِ [١٠٤ أ] أصله.
فإن قيل: هذا (^٢) لا ينفي تقدُّمَ خلق الأرواح على أجسادها، وإن خُلِقت بعد خلق أبي البشر، كما دلَّت عليه الآثار المتقدمة.
قيل: سنبيِّن ــ إن شاء الله ــ أنَّ الآثار المذكورة لا تدلُّ على سَبْق الأرواحِ الأجسادَ (^٣) سَبْقًا مستقرًّا ثابتًا. وغايتُها أن تدلَّ بعد صحتها وثبوتها على أنَّ بارئها وفاطرها سبحانه صوَّر النَّسَمَ، وقدَّر خلْقَها وآجالها وأعمالها، واستخرج تلك الصورَ من مادتها، ثم أعادها إليها، وقدَّر خروج (^٤) كلِّ فرد من أفرادها في وقته المقدَّر له. ولا تدل على أنها خُلقت خلقًا مستقرًّا، ثم استمرَّت موجودةً (^٥) حيَّةً عالمةً (^٦) ناطقةً، كلُّها في موضع واحد. ثم تُرسَل منها إلى الأبدان جملةً بعد جملة، كما قاله أبو محمد بن حزم، فهل تحتمل (^٧) الآثارُ ما لا طاقة لها به؟ نعم الربُّ سبحانه يخلق منها جملةً بعدَ جملةٍ على الوجه الذي سبق به التقدير أولًا، فيجيءُ الخلق الخارجيُّ مطابقًا
_________________
(١) لم يرد «قوله» في (أ، غ).
(٢) ما عدا (أ، غ): «فهذا».
(٣) (ب، ج، ن): «للأجساد».
(٤) (أ، ق، غ): «كل خروج»، ولعله سهو.
(٥) (ق، ط، ن): «بوجوده».
(٦) «حية» ساقط من (ب، ج). وسقط من (ن) معه «عالمة».
(٧) (ب، ج، ن): «تحمل».
[ ٢ / ٤٦٧ ]
للتقدير السابق؛ كشأنه تعالى في جميع مخلوقاته، فإنه قدَّر لها أقدارًا وآجالًا وصفاتٍ وهيئات، ثم أبرزها إلى الوجود (^١) مطابقةً لذلك التقدير الذي قدَّره لها، لا تزيد عليه ولا تنقص منه.
فالآثار المذكورة إنما تدل على إثبات القدَر السابق، وبعضُها يدل على أنه سبحانه استخرج أمثالهم وصُورَهم، وميَّزَ أهل السعادة من أهل الشقاوة. وأمَّا مخاطبتهم واستنطاقهم، وإقرارهم له بالربوبية، وشهادتهم على أنفسهم بالعبودية؛ فمَن قاله من السلف فإنما هو بناءٌ منه على فهم الآية، والآيةُ لم تدلَّ على هذا، بل دلَّت على خلافه.
وأما حديث مالك، فقال أبو عمر (^٢): هو (^٣) حديث منقطع، مسلم بن يسار لم يلقَ عمر بن الخطاب، وبينهما في هذا الحديث نُعيم بن ربيعة، وهو أيضًا مع هذا الإسناد لا تقوم به حجة. ومسلم بن يسار (^٤) هذا مجهول، قيل: إنه مدني، وليس بمسلم بن يسار البصري. قال ابن أبي خَيثمة (^٥) [١٠٤ ب]: قرأت على يحيى بن معين حديثَ مالكٍ هذا عن زيد بن أبي أُنَيسة، فكتب بيده على مسلم بن يسار: لا يُعرف.
ثم ساقه أبو عمر من طريق النسائي: أخبرنا محمد بن وهب (^٦)، ثنا
_________________
(١) (ط): «للوجود».
(٢) في التمهيد (٦/ ٣ ــ ٥).
(٣) (ن): «هذا».
(٤) زاد في (ن): «الجهني».
(٥) في تاريخه (٢٦٦٧، ٤٥٧٥).
(٦) (ب، ج): «وهب بن منبه»، خطأ.
[ ٢ / ٤٦٨ ]
محمد بن سَلَمة قال: حدثني أبو عبد الرحيم قال: حدثني زيد بن أبي أُنيسة، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن مسلم بن يسار، عن نُعيم بن ربيعة (^١).
ثم ساقه من طريق ابن سنجَر (^٢): حدثنا أحمد بن عبد الملك بن واقد، ثنا محمد بن سَلَمة (^٣)، عن أبي عبد الرحيم، عن زيد بن أبي أُنيسة، عن عبد الحميد، عن مسلم، عن نُعيم.
قال أبو عمر (^٤): وزيادة مَن زادَ في هذا الحديث: «نُعيم بن ربيعة»
_________________
(١) رواية النسائي هذه هي في خارج السنن فإن المزيّ في تحفة الأشراف (١٠٦٥٤) لم يورد له من سننه الكبرى إلا طريق مالك السابق. ومن هذا الوجه أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار (٣٨٨٨)، وابن منده في التوحيد (٤٥٤). وأخرجه أبو داود (٤٧٠٤) من طريق عمر بن جعثم القرشي، وابن أبي عاصم في السنة (٢٠١)، والطحاوي في مشكل الآثار (٣٨٨٧) من طريق يزيد بن سنان. كلاهما عن زيد بن أبي أنيسة، به. ونعيم بن ربيعة لا يعرف أيضًا كما في الميزان (٤/ ٢٧٠). (قالمي).
(٢) في النسخ المطبوعة تصحف إلى «سخبرة»، وحذفوا كلمة «ابن». وهو محمد بن عبد الله بن سنجر الجرجاني الحافظ صاحب المسند، نزيل مصر. توفي سنة ٢٥٨. انظر: التمهيد، وتذكرة الحفاظ (٥٧٨) وتوضيح المشتبه (٥/ ١٨٣).
(٣) هنا في جميع النسخ: «مسلمة»، وهو تحريف.
(٤) التمهيد (٦/ ٥ ــ ٦) وقد سبق أن الذي زاد نعيم بن ربيعة هم: أبو عبد الرحيم وهو ثقة، وعمر بن جعثم وهو مقبول كما في التقريب، ويزيد بن سنان الرُّهاوي وهو ضعيف. ورجَّح الإمام الدارقطني في العلل (٢/ ٢٢٢) أن الرواية المتصلة أولى بالصواب. ورجّحها أيضًا أبو جعفر الطحاوي. وزعم الحافظ ابن كثير في تفسيره (٣/ ٥٠٣، ٥٠٤) أنّ مالكًا وقعت عنده الرواية متصلة وإنما أسقط نعيم بن ربيعة عمدًا لما جهل حاله ولم يعرفه. قال: «وكذلك يُسقط ذكر جماعة ممن لا يرتضيهم؛ ولهذا يرسل كثيرًا من المرفوعات، ويقطع كثيرًا من الموصولات» اهـ. قلت: وأيًّا كان فالإسناد لا يخلو من علتين؛ فالمنقطع فيه إرسال وجهالة، والمتصل فيه مجهولان. والله تعالى أعلم. (قالمي).
[ ٢ / ٤٦٩ ]
ليست حجَّةً. إنَّ (^١) الذي لم يذكره أحفَظُ، وإنما تُقبَل الزيادة من الحافظ المتقِن.
وجملة القول في هذا الحديث: أنه حديث ليس إسناده بالقائم؛ لأن مسلم بن يسار ونُعيم بن ربيعة جميعًا غيرُ معروفَين بحمل العلم. ولكنَّ معنى هذا الحديث قد صحَّ عن النبي - ﷺ - من وجوه كثيرة ثابتة (^٢) يطول ذكرها، من حديث عمر بن الخطاب وغيره وجماعةٍ (^٣) يطول ذكرهم (^٤).
ومرادُ أبي عمر الأحاديثُ الدالَّةُ على القدر السابق، فإنها هي التي ساقها بعد ذلك، فذكر حديثَ عبد الله بن عمر في القدر، وقال في آخره: وسأله رجل من مُزَينة ــ أو جُهَينة ــ فقال: يا رسول الله، ففيمَ العمل؟ فقال: «إن أهل الجنة يُيَسَّرون (^٥) لعمل أهل الجنة، وأهلَ النار يُيَسَّرون (^٦) لعمل أهل النار» (^٧).
_________________
(١) (ب): «لأن». وكذا في مطبوعة التمهيد.
(٢) (ب، ن، ج): «ثابتة كثيرة».
(٣) كذا «وجماعة» في جميع النسخ. ولعل الصواب حذف الواو كما في التمهيد.
(٤) وانظر نحوه في الاستذكار (٨/ ٢٦٠).
(٥) (ق، ب، ج، ن): «ميسرون». (ط): «لييسَّرون».
(٦) (ق، ن): «ميسرون».
(٧) أخرجه ابن عبد البر (٦/ ٦، ٧) من طريق أبي داود (٤٦٩٦) في سياق مختصر، وهو بطوله وتمامه في مسند أحمد (١٨٤) وجاء مطولًا أيضًا في كتاب الإيمان من صحيح مسلم (٨) لكن بدون هذه الزيادة. (قالمي).
[ ٢ / ٤٧٠ ]
قال: ورُوي هذا المعنى [عن عمر] (^١) عن النبي - ﷺ - من طرق. وممن رَوى هذا المعنى في القدر عن النبي - ﷺ -: عليُّ بن أبي طالب (^٢)، وأُبيّ بن كعب (^٣)، وعبد الله بن عباس (^٤)، وابن عمر (^٥)، وأبو هريرة (^٦)، وأبو سعيد (^٧)، وأبو سَرِيحة الغِفاري (^٨)، وعبد الله بن مسعود (^٩)، وعبد الله بن
_________________
(١) زيادة من التمهيد.
(٢) أخرجه البخاري (٤٩٤٥، ٤٩٤٩) ومسلم (٢٦٤٧).
(٣) أخرجه عبد الله بن أحمد في زياداته على المسند (٢١٢٣٢)، ومن طريقه الضياء في المختارة (١١٥٨)، والفريابي في القدر (٥٢، ٥٣)، وابن جرير الطبري (١٠/ ٥٥٧، ٥٥٨)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٨٥٣٥) والحاكم (٢/ ٣٢٣، ٣٢٤). وسيأتي كلام المصنف ﵀ على إسناده، وبيان ما جاء فيه من النكارة في متنه. (قالمي).
(٤) وهو الآتي تخريجه بعد حديث أبي هريرة. (قالمي).
(٥) أخرجه مسلم (٢٦٥٥). وله حديث آخر في القدر أخرجه البزار (٢١٤٩) وأبو يعلى (٥٧٧٥) وابن حبان (٦١٧٨) بإسناد صحيح. (قالمي).
(٦) أخرجه البخاري (٣٤٠٩) ومسلم (٢٦٥٢). وله حديث آخر عند مسلم (٢٦٥١). (قالمي).
(٧) له حديث في محاجّة آدم موسى ﵉، أخرجه البزار (٢١٤٧ ــ كشف الأستار). وأخرجه أبو يعلى (١٢٠٤) موقوفًا. قال الهيثميّ في مجمع الزوائد (٧/ ١٩١): «رواه أبو يعلى والبزّار مرفوعًا ورجالهما رجال الصحيح». وله حديث آخر في خلق بني آدم على طبقات شتى. أخرجه البيهقي في القضاء والقدر (٩١) وصحّح إسناده. (قالمي).
(٨) أخرجه مسلم (٢٦٤٤).
(٩) أخرجه البخاري (٣٢٠٨) ومسلم (٢٦٤٣).
[ ٢ / ٤٧١ ]
عمرو (^١)، وعمران بن حُصَين (^٢)، وعائشة (^٣)، وأنس بن مالك (^٤)، وسُراقة بن جُعْشُم (^٥)، وأبو موسى الأشعري (^٦)، وعبادة بن الصامت (^٧).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٦٥٣). وله حديث آخر أخرجه الإمام أحمد (٦٥٦٣)، والترمذي (٢١٤١) وقال: «حسن صحيح غريب». وانظر: السلسلة الصحيحة (٨٤٨). وذكر بعده في التمهيد (٦/ ٧) ذا اللحية الكلابي. وحديثه أخرجه عبد الله بن أحمد في زياداته على المسند (١٦٦٣٠، ١٦٦٣١) ج ٢٧، والبغوي في معجم الصحابة (٦٦٤)، والطبراني في الكبير (٢٤٣٥، ٢٤٣٦)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٢٦١٩، ٢٦٢٠). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٩٤): «رواه ابن أحمد والطبراني، ورجاله ثقات». (قالمي).
(٢) أخرجه البخاري (٦٥٩٦) ومسلم (٢٦٤٩).
(٣) أخرجه مسلم (٢٦٦٢).
(٤) أخرجه البخاري (٣٣٣٣) ومسلم (٢٦٤٦). وله حديث آخر في القدر أخرجه الإمام أحمد (١٢٢١٤) وأبو يعلى (٣٨٤٠) والضياء في المختارة (١٩٨٠) بإسناد صحيح. (قالمي).
(٥) أخرجه ابن ماجه (٩١)، والطبراني في الكبير (٦٥٨٨) بإسناد ضعيف. انظر: مصباح الزجاجة (١/ ٦١). ولكن أخرجه مسلم (٢٦٤٨) من حديث جابر ﵁ قال: جاء سراقة بن مالك بن جعشم قال: يا رسول الله بيِّن لنا ديننا كأنّا خُلقنا الآن فيما العمل اليوم؟ » (قالمي).
(٦) له حديث في القبضتين أخرجه أبو داود (٤٦٩٣)، والترمذي (٢٩٥٥)، والإمام أحمد (١٩٥٨٢)، وابن خزيمة في التوحيد (١٠١، ١٠٢)، والحاكم (٢/ ٢٦١) وصححه هو والترمذي. (قالمي).
(٧) له حديث في خلق القلم، أخرجه الإمام أحمد (٢٢٧٠٥)، وابن أبي شيبة (٣٥٩٢٢)، وابن أبي عاصم في السنة (١٠٧) بإسناد حسن، وعند أحمد قصة. وأخرجه الترمذي (٢١٥٥) من وجه آخر مطولًا وفيه ضعف. (قالمي).
[ ٢ / ٤٧٢ ]
وأكثر أحاديث [١٠٥ أ] هؤلاء لها طرُق (^١) شتى.
ثم ساق كثيرًا منها بإسناده.
وأما حديث أبي صالح عن أبي هريرة، فإنما يدل على استخراج الذرية وتمثيلهم (^٢) في صُوَر الذرّ، وكان منهم حينئذ المشرق والمظلم. وليس فيه أنه سبحانه خلق أرواحهم (^٣) قبل الأجساد وأقرَّها بموضع واحد ثم إنه يرسل كلَّ روح من تلك الأرواح عند حدوث بدنها إليه. نعم هو سبحانه يخُصُّ كلَّ بدن بالروح التي قَدَّر أن تكون له في ذلك (^٤) الوقت. وأمَّا أنه خلق نفسَ ذلك البدن في ذلك الوقت (^٥)، وفرغ من خلقها، وأودعها في مكانٍ معطَّلةً عن بدنها، حتى إذا أحْدَث بدنَها أرسلها إليه من ذلك المكان؛ فلا يدلُّ شيء من الأحاديث على ذلك البتةَ لمن تأمَّلَها.
وأمَّا حديث أُبيّ بن كعب، فليس هو عن النبي - ﷺ -. وغايته لو صحَّ ــ ولم يصحَّ ــ أن يكون من كلام أُبيّ. وهذا الإسناد يروَى به أشياءُ منكرةٌ جدًّا مرفوعة وموقوفة. وأبو جعفر الرازيُّ وُثِّق وضُعِّف. قال علي بن المديني: كان ثقة. وقال أيضًا: كان يخلط. وقال ابن معين: هو ثقة. وقال أيضًا: يُكتب (^٦) حديثه إلا أنه يخطئ. وقال الإمام أحمد: ليس بقوي في الحديث.
_________________
(١) في (ط) بعده: «كثيرة شتى».
(٢) (ق، ط، ن): «تمثّلهم».
(٣) (ب، ج، ن): «الأرواح».
(٤) (ط): «هذا».
(٥) «وأما .. الوقت» ساقط من (ط، ن).
(٦) في الأصل بعده فوق السطر: «عنه» ولعله زيادة من بعض القراء. وهي في (غ) في داخل المتن.
[ ٢ / ٤٧٣ ]
وقال أيضًا: صالح الحديث (^١). وقال الفلَّاس: سيئِّ الحفظ. وقال أبو زُرعة: يَهِم كثيرًا. وقال ابن حِبَّان: ينفرد (^٢) بالمناكير عن المشاهير (^٣).
قلت: ومما يُنكَر من هذا الحديث قوله: «فكان رُوح عيسى من تلك الأرواح التي أخذ عليها الميثاق، فأرسل ذلك الروح إلى مريم حين انتبذت من أهلها مكانًا شرقيًا، فدخل مِن فيها» (^٤). ومعلومٌ أن الروح الذي أُرسل إلى مريم ليس هو روح المسيح بل ذلك الروح الذي نفخ فيها فحملت بالمسيح. قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ (^٥) [مريم: ١٧ - ١٩]. فروح المسيح لا يخاطبها عن نفسه بهذه المخاطبة قطعًا.
وفي بعض طرق حديث أبي جعفر هذا أنَّ روح المسيح هو الذي خاطبها، وهو الذي أُرسِل إليها.
وهاهنا أربع مقامات:
أحدها: أنَّ الله سبحانه استخرج صورهم وأمثالهم، فميَّز (^٦) شقيَّهم
_________________
(١) هذا القول الثاني لأحمد ساقط من (ن).
(٢) في الأصل: «يتفرد». وفي (غ): «متفرِّد».
(٣) انظر هذه الأقوال في تهذيب الكمال (٣/ ١٩٤ ــ ١٩٦) إلا قول ابن حبان فهو في كتاب المجروحين (٢/ ١٢٠).
(٤) في (أ، غ): «في فيها»، خلافًا لما سبق، وهو المطابق لما ورد في المستدرك. وقد سقطت «من» من (ق).
(٥) في (أ، ق، غ): «ليهَبَ» بالياء. وهي قراءة أبي عمرو. انظر: الإقناع لابن الباذش (٦٩٦).
(٦) (ب، ج): «وميَّز».
[ ٢ / ٤٧٤ ]
الكلام على قوله تعالى: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم﴾
قول جمهور المفسرين من أهل الأثر
وسعيدَهم (^١)، ومعافاهم من مبتلاهم.
والثاني: أنَّه سبحانه أقام عليهم الحجةَ حينئذ، وأشهدهم بربوبيته، واستشهد عليهم ملائكتَه (^٢).
الثالث: أن هذا (^٣) تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهْم﴾ (^٤) [الأعراف: ١٧٢].
الرابع: أنه أقرَّ تلك الأرواح كلَّها بعد إخراجها بمكان، وفرغ من خلقها. وإنما يتجدَّد كلَّ وقت إرسالُ جملة منها بعد جملة إلى أبدانها.
فأما المقام الأول: فالآثارُ متظاهرةٌ به مرفوعةً وموقوفةً.
وأما المقام الثاني: فإنما أخذه مَن أخَذه من المفسرين من الآية، وظنوا (^٥) أنه تفسيرها. وهذا قول جمهور المفسرين (^٦) من أهل الأثر.
قال أبو إسحاق (^٧): جائز أن يكون الله سبحانه جعل لأمثال الذرّ التي أخرجها فهمًا تعقِل به كما قال (^٨): ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا
_________________
(١) ما عدا (أ، ق، غ): «من سعيدهم».
(٢) (ق): «يعني ملائكته».
(٣) ما عدا (أ، ن، غ): «هذا هو».
(٤) كذا في جميع النسخ على قراءة أبي عمرو ونافع وابن عامر من السبعة. الإقناع (٦٥١).
(٥) (ق): «فظنوا».
(٦) «مِن المفسرين» ساقط من (ب).
(٧) وهو الزجّاج. انظر: معاني القرآن له (٢/ ٣٩٠). ويبدو أنّ النقل من البسيط للواحدي (٩/ ٤٤٧).
(٨) «قال» ساقط من (ط، ن).
[ ٢ / ٤٧٥ ]
النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: ١٨]. وقد سخَّر مع داود الجبال تسبِّح (^١) معه والطيرَ.
وقال ابن الأنباري (^٢): مذهب أصحاب الحديث وكُبَراء (^٣) العلم في هذه الآية: أنَّ الله أخرج ذرية آدم من صُلبه وأصلابِ أولاده، وهم في صوَر الذر، فأخذ عليهم الميثاق أنه خالقهم وأنهم مصنوعون. فاعترفوا بذلك، وقبلوا. وذلك بعد أن ركَّب فيهم عقولًا عرفوا بها ما عُرِض عليهم، كما جعل للجبل عقلًا حتى (^٤) خُوطب (^٥)، وكما فعل ذلك بالبعير لما سجد (^٦)،
_________________
(١) (ق، ط): «يسبِّحن». وفي معاني الزجاج والبسيط ورد نصّ الآية (١٠) من سورة سبأ.
(٢) انظر: البسيط للواحدي (٩/ ٤٤٨). والمصنف صادر عنه.
(٣) (ب، ج، ن): «أكثر».
(٤) (ب، ج، ن): «حين».
(٥) يشير إلى قوله تعالى: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ: ١٠] وما رواه البخاري [٣٦٧٥] عن أنس أن النبي - ﷺ - صعد أحدًا وأبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم، فقال: «اثبُتْ أحدُ، فإنما عليك نبي وصدِّيق وشهيدان».
(٦) يشير إلى حديث أنس بن مالك قال: كان أهلُ بيت من الأنصار لهم جملٌ يَسنُون عليه، وإن الجمل استصعب عليهم، فمنعهم ظهرَه الحديث. وفيه: «فلما نظر الجمل إلى رسول الله - ﷺ - أقبل نحوَه، حتى خرَّ ساجدًا بين يديه» أخرجه الإمام أحمد (١٢٦١٤) ــ ومن طريقه الضياء المقدسي في المختارة (١٨٩٥) ــ، والبزار (٦٤٥٢)، وأبو نعيم في دلائل النبوة (٢٨٧). أورده الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٦/ ١٣٥) من المسند، ثم قال: «وهذا إسناد جيد». وعزاه الهيثمي في المجمع (٩/ ٤) للإمام أحمد والبزار وقال: «ورجاله رجال الصحيح غير حفص ابن أخي أنس وهو ثقة». (قالمي).
[ ٢ / ٤٧٦ ]
والنخلة (^١) حتى سمعتْ، وانقادت حين دُعِيتْ.
وقال الجرجانيُّ (^٢): ليس [١٠٦ أ] بين قول النبي - ﷺ -: «إن الله مسح ظهر آدم فأخرج منه ذرية» وبين الآية اختلافٌ بحمد الله، لأنه (^٣) ﷿ إذا أخذهم من ظهر آدم فقد أخذهم من ظهور ذريته؛ لأنَّ ذرية آدم ذريةٌ لذريته، بعضُهم من بعض (^٤). وقوله: ﴿أَنْ يَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ (^٥) [الأعراف: ١٧٢]. أي: عن الميثاق المأخوذ عليهم، فإذا قالوا ذلك كانت الملائكة شهودًا عليهم بأخذ الميثاق.
قال: وفي هذا دليل على التفسير الذي جاءت به الرواية (^٦) من أن الله
_________________
(١) (أ، ق، ط، غ): «النملة»، تحريف. والمصنف يشير إلى ما أخرجه الترمذي (٣٦٢٨) من حديث ابن عباس قال: جاء أعرابي إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: بما أعرف أنك نبيٌّ؟ قال: إن دعوت هذا العِذق من هذه النخلة، أتشهد أني رسول الله؟ فدعاه رسول الله - ﷺ -، فجعل ينزل من النخلة حتى سقط إلى النبي - ﷺ -. ثم قال: ارجع، فعاد. فأسلم الأعرابي. قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب صحيح». وانظر تخريجه في حاشية المسند ــ طبعة الرسالة (٣/ ٤٢٤).
(٢) صاحب «نظم القرآن»، وهو أبو علي الحسن بن يحيى بن نصر الجرجاني. انظر ترجمته في تاريخ جرجان للسهمي (١٤٦). وقد وهم الداودي في طبقات المفسرين (١/ ١٣٨) فترجم للحافظ أبي علي الحسن بن علي بن نصر الطوسي، ونسب «نظم القرآن» إليه.
(٣) (ب، ج، ن): «لأن الله».
(٤) قول الجرجاني إلى هنا نقله الواحدي في البسيط (٩/ ٤٤٩).
(٥) كذا وردت الآية (أن يقولوا) بالياء على قراءة أبي عمرو. ولم ينقط حرف المضارعة في (أ، ق).
(٦) (ن): «الرواة».
[ ٢ / ٤٧٧ ]
قال للملائكة: اشهدوا، فقالوا: شهدنا.
قال: وزعم بعض أهل العلم أن الميثاقَ إنما أُخِذ على الأرواح دون الأجساد، لأنَّ (^١) الأرواح هي التي تعقل وتفهم، ولها الثواب وعليها العقاب، والأجساد مَواتٌ (^٢) لا تعقل ولا تفهم.
قال: وكان إسحاق بن راهويه يذهب إلى هذا المعنى، وذكر أنه قول أبي هريرة. قال إسحاق: وأجمعَ أهل العلم أنها الأرواح قبل الأجساد، استنطقهم، وأشهدهم.
قال الجرجاني: واحتجوا بقوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]. والأجسادُ قد بَلِيت وضلَّت (^٣) في الأرض، والأرواح تُرزَق وتَفرح، وهي التي تلَذُّ وتألم، وتفرح وتحزن (^٤)، وتَعرفُ وتُنكر. وبيانُ ذلك في الأحلام موجودٌ: أنَّ الإنسان يصبح، وأثرُ لذة الفرح وألم الحزن باقٍ في نفسه مما (^٥) تلقى الروح دون الجسد.
قال: وحصل (^٦) الفائدة في هذا الفصل أنه سبحانه قد أثبت الحجَّةَ على
_________________
(١) (ط، ن): «وأن».
(٢) (ن): «مقامات»، تحريف.
(٣) (ق): «صليت». (ب): «صارت». وكلاهما تحريف.
(٤) «وتفرح وتحزن» ساقط من (ب، ج).
(٥) (ن، غ): «بما».
(٦) كذا في (أ، ق، ب، ج، غ). وكذا في البسيط للواحدي (٩/ ٤٤٩). وفي (ط): «جعل» تصحيف. وفي (ن) والنسخ المطبوعة: «حاصل» ولعله إصلاح. وفي تفسير الخازن (٢/ ٢٦٨): تحصل. وقد يكون الصواب: «مُحصَّل».
[ ٢ / ٤٧٨ ]
فصل: منازعة الآخرين في معنى الآية
كل منفوس ممن بلغ وممن (^١) لم يبلغ بالميثاق الذي أخذه عليهم، وزاد (^٢) على من بلغَ منهم الحجَّةَ بالآيات والدلائل التي نصبَها في نفسه وفي العالَم، وبالرسل المُنفَذة (^٣) إليهم مبشِّرين ومنذرين، وبالمواعظ بالمَثُلات (^٤) المنقولة إليهم أخبارُها (^٥)؛ غيرَ أنه ﷿ لا يطالب أحدًا منهم من الطاعة إلا بقدر (^٦) ما لزمه من الحجة، وركَّب فيهم من القدرة، وآتاهم من الآلة (^٧). وبيَّن سبحانه ما هو عاملٌ في البالغين الذين أدركوا الأمر والنهي، وحجب عنَّا علمَ ما قدَّره في غير البالغين، إلا أنا نعلم أنه عدلٌ لا يجور في حكمه، وحكيمٌ لا تفاوتَ في صنعه، وقادرٌ لا يُسأل عمَّا يفعل، له الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين.
فصل
ونازع هؤلاء غيرُهم في كون هذا معنى الآية (^٨)، وقالوا: معنى قوله:
_________________
(١) (ب، ط، ن، ج): «ومن».
(٢) (ن): «ردًّا»، خطأ.
(٣) في الأصل: «المتقدمة». ويظهر أنه مغيَّر وكذا في (غ). والمثبت موافق لما في البسيط والخازن.
(٤) (ق): «والمثلات». وكذا في البسيط.
(٥) «وحصل أخبارها» نقله الواحدي في البسيط (٩/ ٤٤٩).
(٦) (ط): «الطاعة ما لا يقدر»، تحريف.
(٧) كذا في جميع النسخ. وقد زاد بعضهم دالًا في الأصل قبل اللام فوق السطر ليقرأ «أدلة». وكذا في (غ) والنسخ المطبوعة. والظاهر أنه إصلاح من بعض النسَّاخ.
(٨) (ب، ج، ن): «تفسير الآية». وفي الأصل: «هذا المعنى الآية». فكتب بعضهم في حاشيته: «معنى» يعني: «هذا المعنى معنى الآية». وكذا في (غ). وفي (ط): «كون هذا الآية»، فعلق بعضهم في طرّتها: «لعله: هذا معنى». يريد ما أثبتنا.
[ ٢ / ٤٧٩ ]
﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهم﴾ (^١) [الأعراف: ١٧٢]، أي: أخرجهم وأنشأهم بعد أن كانوا نُطَفًا في أصلاب الآباء إلى الدنيا على ترتيبهم في الوجود، وأشهدَهم على أنفسهم أنه ربُّهم، بما أظهرَ لهم من آياته وبراهينه التي تضطرُّهم إلى أن يعلَموا أنه خالقُهم؛ فليس من أحد إلا وفيه من صنعة ربِّه ما يَشهدُ (^٢) على أنه بارئُه ونافذُ الحكم فيه. فلمَّا عرفوا ذلك ودعاهم كلُّ ما يرون ويشاهدون إلى التصديق به كانوا بمنزلة الشاهدين والمشهَدين (^٣) على أنفسهم بصحته، كما قال في غير هذا الموضع: ﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٧] يريد: هم بمنزلة الشاهدين، وإن لم يقولوا: نحن كفَرة. وكما تقول: شهدَتْ جوارحي بقولك، تريد (^٤): قد عرفتُه، فكأنَّ جوارحي لو استُشْهدتْ وفي وُسعها أن تنطِق لشهدتْ. ومن هذا الباب أيضًا ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] يريد: أعلَمَ وبيَّن، فأشبه إعلامُه وتبيينُه ذلك شهادةَ من شَهِد عند الحكام وغيرهم (^٥). هذا كلام ابن الأنباري (^٦).
_________________
(١) كذا وردت الآية في النسخ: ﴿ذرياتهم﴾ على قراءة أبي عمرو ونافع وابن عامر ما عدا (ق)، ففيها بالإفراد على قراءة الباقين من السبعة.
(٢) (ب): «ينبهه». ولعله تصحيف.
(٣) في طرّة الأصل أن في نسخة: «والمستشهدين».
(٤) زاد بعده في (ط): «به».
(٥) قوله: «ومن هذا الباب» إلى هنا مضطرب في (ق).
(٦) نقله الواحدي في البسيط (٩/ ٤٥٦) وهو مصدر المصنف .. ولفظ المصنف قد يُفهم منه أن هذا قول ابن الأنباري. ولكن الواحدي لم يصرِّح بهذا. وقال ابن الجوزي في زاد المسير (٣/ ٢٨٦) أن ابن الأنباري حكى نحو هذا القول.
[ ٢ / ٤٨٠ ]
وزاد الجرجانيُّ (^١) بيانًا لهذا القول فقال حاكيًا عن أصحابه (^٢): إنَّ الله لما خلق الخلقَ، ونفَذَ علمُه فيهم بما هو كائن= صار (^٣) ما لم يكن بعدُ ــ مما هو كائن ــ كالكائن؛ إذ علمُه بكونه مانعٌ (^٤) من غير كونه، فسائغٌ (^٥) في مجاز العربية أن يضع (^٦) ما هو منتظَرٌ ــ مما لم يقع بعدُ ــ موضع الواقع (^٧) لسَبْق علمه بوقوعه، كما قال ﷿ في مواضعَ من القرآن، كقوله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٥٠]، ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٤٤]، [١٠٧ أ] ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ﴾ [الأعراف: ٤٨].
_________________
(١) يعني: صاحب النظم، وقد سبق ذكره قريبًا. وانظر كلامه في البسيط (٩/ ٤٥٧).
(٢) يعني: أصحاب هذا القول. ولفظ الواحدي: «وزاد صاحب النظم لهذا المذهب بيانًا حكايةً عن بعضهم».
(٣) «صار» انفردت به (ج)، ولكن مطابقتها للبسيط (٩/ ٤٥٧) تدل على صحة هذه الزيادة. وقد أدّى سقوطها من النسخ الأخرى إلى اختلال السياق، فاجتهد بعض النسَّاخ في إصلاحه. فجاء في (ن): « كائن [و] ما لم يكن بعد، [فما] هو كائن كالكائن [ساغ] في مجاز العربية». فزاد واوًا مكان «صار»، وكتب «ساغ» مكان «فسائغ» ليكون جواب لمّا.
(٤) بعض قرَّاء الأصل غيَّره إلى «مانعًا» ظنًّا منه أنه خبر الكون. وتصحف «مانع» في (ط) إلى «تابع» وفي (ب) إلى «نافع».
(٥) تصحف في (ق) إلى «تابع» وفي (ب) إلى «نافع». وقد رسمها ناسخ (ط) دون النقط في الموضعين وكتب فوقها حرف «ظ». وقد وجد في أصلها حاشية: «لعله واقع هنا وفي الذي قبله» فظنَّها لحقًا وأقحمه في المتن.
(٦) (ن): «نضع».
(٧) ما عدا (ب، ج): «موقع الواقع». والمثبت موافق لما في البسيط.
[ ٢ / ٤٨١ ]
قال: فيكون تأويل قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾ [الأعراف: ١٧٢]: وإذ يأخذ ربك. وكذلك قولُه: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، أي: ويُشهِدهم بما ركَّبه (^١) فيهم من العقل الذي يكون به (^٢) الفهم، ويجب به الثواب والعقاب. وكلُّ من وُلد وبلغ الحِنْثَ، وعَقَل الضَّر والنفع، وفهم الوعد والوعيد، والثواب والعقاب= صار (^٣) كأن الله تعالى أخذ عليه الميثاق في التوحيد بما ركَّب فيه من العقل، وأراه من الآيات والدليل على حدوثه، وأنه لا يجوز أن يكون قد خَلَق نفسه. وإذا لم يجز ذلك، فلابدَّ له من خالقٍ هو غيرُه، ليس كمثله.
وليس من مخلوق يبلُغ (^٤) هذا المبلغ، ولم يقدَح فيه مانع من فهم، إلا إذا حَزَبه أمرٌ يفزع إلى الله ﷿، حتى (^٥) يرفع رأسه إلى السماء، ويشير إليها بإصبَعه، علمًا منه بأنَّ خالقه تعالى فوقه. وإذا كان العقل الذي منه الفهم والإفهام مؤدِّيًا (^٦) إلى معرفة ما ذكرنا ودالًّا عليه، فكلُّ من بلغ هذا المبلغ فقد أخَذ عليه العهد والميثاق، إذ جعل فيه السببَ والآلة اللذَين بهما يؤخذ العهد والميثاق (^٧). وجائز أن يقال له: قد أقرَّ، وأذعَنَ، وأسلَمَ؛ كما قال الله
_________________
(١) (ب، ط، ن، ج): «ركب».
(٢) (ط): «منه».
(٣) (ط، ن): «صائر».
(٤) (ب، ن، ج): «بلغ».
(٥) (أ، ق، غ، ط): «حين».
(٦) (ن): «مؤدِّيه».
(٧) إلى هنا نقله الواحدي في البسيط (٩/ ٤٥٧).
[ ٢ / ٤٨٢ ]
﷿: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [الرعد: ١٥].
قال: واحتجُّوا بقوله - ﷺ -: «رُفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يحتَلِم، وعن المجنون حتى يُفيقَ، وعن النائم حتى ينتبه» (^١) وقوله ﷿: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ ثم قال: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ [الأحزاب: ٧٢]. الأمانةُ (^٢) هاهنا: عهد وميثاق. فامتناعُ السموات والأرض والجبال من حملِ الأمانة خلوُّها (^٣) من العقل الذي يكون به الفهم والإفهام، وحَمْلُ الإنسان إياها لمكان العقل (^٤) فيه (^٥).
قال: وللعرب في مثل هذا المعنى ضروبُ نظمٍ (^٦). [١٠٧ ب] فمنها قوله:
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٤٣٩٨)،والنسائي (٣٤٣٢)، وابن ماجه (٢٠٤١)، والإمام أحمد (٢٤٦٩٤)، وابن حبان (١٤٢)، وابن الجارود (١٤٨)، والحاكم (٢/ ٥٩) من حديث عائشة ﵂. وفي ألفاظهم بعض الاختلاف والمعنى واحد. قال الحاكم: «صحيح على شرط مسلم». وقال ابن تيمية: «وهو حديث حسن مشهور» شرح العمدة في بيان مناسك الحج والعمرة (١/ ١١٨). وفي الباب عن علي ﵁. انظر: إرواء الغليل (٢٩٧). (قالمي).
(٢) (ط): «والأمانة».
(٣) كذا في جميع النسخ، وهو الصواب. وفي النسخ المطبوعة: «لأجل خلوِّها» تصرُّف من الناشرين أو بعض النسّاخ.
(٤) في الأصل: «مكان العقل». وكذا في نسخة من البسيط.
(٥) هذه الفقرة أيضًا منقولة في البسيط (٩/ ٤٥٨) دون الاستدلال بالحديث.
(٦) (ن): «من النظم».
[ ٢ / ٤٨٣ ]
ضَمِنَ القَنانُ لِفَقْعَسٍ سَوءاتِها إنَّ القَنانَ لِفَقْعَسٍ لا يأتلي (^١)
والقَنان: جبل، فذكر أنه قد ضمن لفقعس، وضمانُه لهم أنهم كانوا إذا حَزَبهم أمرٌ من هزيمة أو خوف لجؤوا إليه، فجعل ذلك كالضمان منه لهم.
ومنه قول النابغة:
كأجارف الجولان مِن هُلْكِ ربِّه وحَورانُ منها خاشعٌ متضائلُ (^٢)
_________________
(١) «لا يأتلي» كذا في جميع النسخ. والرواية: «لَمُعَمَّرُ». ويروى: «بفقعس». والبيت لنَهشَل بن حَرِّي الدارمي التميمي ــ شاعر مخضرم ــ من قصيدة رائية ناقض بها قصيدة لأبي المهوَّش الفقعسي الأسدي. انظر ثلاثة أبيات من قصيدة نهشل ــ وهذا ثانيها ــ في أنساب الأشراف (١١/ ١٥٩). وهذا البيت وحده في سمط اللآلي (٨٥٨) ومعجم ما استعجم (١١٥٠) وشرح نهج البلاغة (٥/ ٢٥) وغيره. وقصيدة أبي المهوش في الخزانة (٦/ ٣٧٣ ــ ٣٧٤). والقَنان: جبل مشهور في بلاد بني أسد، باق بهذا الاسم إلى اليوم. وهو واقع بين الجواء وسميراء. قاله ابن بليهد في صحيح الأخبار (١/ ٣٠). وقد تصحفت «سوءاتها» في (أ، ق) إلى «ثبواتها»، وفي (ن، غ): «لشواتها». وفي (ط): «نشؤوابها»، وهذا إصلاح. وفي بعض النسخ المطبوعة: «بثباتها» وهو إصلاح أيضًا. ورسمها في (ب، ج) أقرب إلى الصواب. قال ياقوت: «لمعمرُ، أي ملجأ». كذا قال، ولم أجد هذا المعنى لكلمة «معمر» في كتب اللغة. وأخشى أن يكون معنى الملجأ مأخوذًا من تفسير البيت بنحو ما نقله ابن القيم من كتاب الجرجاني، لا تفسيرًا لكلمة «معمر».
(٢) «كأجارف» كذا ورد البيت في النسخ الخطية والمطبوعة، وهو تحريف بلا ريب. والصواب كما في الديوان وغيره: «بكى حارثُ الجولان». ولعل ناسخًا كتب «بكاحارث» بإهمال الثاء وخفيت سنّ الباء، فتحرفت الكلمة إلى ما ترى وقد هممتُ بإثبات الصواب في المتن لولا ما تبعه من التفسير: «وأجارف الجولان: جبالها». فهذا ينبئ بأن التحريف وقع في الأصل. والبيت من قصيدة يرثي بها النابغة النعمانَ بن الحارث الغسَّاني، ويصوِّر عظم المصاب، وهو المراد بـ «ربِّه». ورواية الأصمعي: «فقد ربِّه». وما هنا رواية ابن السكيت. انظر ديوان النابغة (١٢١، ٢٥٤) والأغاني (٨/ ٢١٤) والصاحبي (٢٦٨). و«منها» كذا في (أ، ق، غ، ط). وفي (ب، ج، ن): «فيها». والرواية: منه.
[ ٢ / ٤٨٤ ]
وأجارفُ الجَولان: جبالها (^١)، وحَوران: الأرض التي إلى جانبها.
وقال هذا القائل: إنَّ في قوله تعالى: ﴿أَنْ يَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ يَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ (^٢) [الأعراف: ١٧٢، ١٧٣] دليلًا على هذا التأويل؛ لأنه ﷿ أعلَمَ أنَّ هذا الأخذ للعهد عليهم لئلا يقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين.
والغفلة هاهنا لا تخلو من أحد وجهين: إمَّا أن تكون عن يوم القيامة، أو عن أخذِ الميثاق. فأمَّا يومُ القيامة: فلم يذكر سبحانه في الكتاب أنه أخذ عليهم عهدًا وميثاقًا بمعرفة البعث والحساب، وإنما ذكَر معرفتَه فقط. وأما أخذُ الميثاق، فالأطفال والأسقاط إن كان هذا العهدُ مأخوذًا عليهم ــ كما قال المخالف ــ فهم (^٣) لم يبلغوا بعدَ أخذِ هذا الميثاق عليهم مبلَغًا يكون منهم
_________________
(١) كذا وردت الكلمة وتفسيرها. ولم أجد «أجارف» في كتب اللغة بمعنى الجبال أو غيره. وهي مخلّة بوزن البيت أيضًا. والصواب: «حارث الجولان» كما سبق. قال الجوهري: الحارث: قُلَّة من قُلل الجولان، وهو جبل بالشام. الصحاح (حرث ١/ ٢٧٩).
(٢) كذا ورد قوله تعالى في (ط، ب، ج) على قراءة أبي عمرو: «يقولوا» بالياء في الآيتين. وقد سبق مثل ذلك. وفي (ن): «تقولوا» على القراءة المشهورة.
(٣) (ط): «فيهم». وفي (ب، ج، ن): «لهم».
[ ٢ / ٤٨٥ ]
غَفْلةٌ عنه، فيجحدونه، ويُنكرونه؛ فمتى تكون هذه الغفلة منهم؟ وهو ﷿ لا يؤاخذهم بما لم يكن منهم، وذكرُ ما لا يجوز ولا يكون مُحال (^١).
وقوله: ﴿أَوْ يَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٣]، فلا يخلو هذا الشرك الذي يؤاخَذون به أن يكون منهم أنفسِهم، أو من آبائهم. فإن كان منهم، فلا يجوز (^٢) أن يكون ذلك إلا بعد البلوغ وثُبوتِ الحجة عليهم؛ إذ الطفل لا يكون منه شرك ولا غيره. وإن كان من غيرهم، فالأمَّةُ (^٣) مُجمِعة على أنْ ﴿لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] كما قال ﷿ في الكتاب.
وليس هذا (^٤) بمخالف لما رُوي عن النبي [١٠٨ أ] - ﷺ -: «أن الله مسح ظهرَ آدم، وأخرج منه ذرِّيتَه، فأخذ عليهم العهد» (^٥)؛ لأنه - ﷺ - اقتَصَّ قول الله ﷿، فجاء مثلَ نظمِه (^٦)، فوضع الماضي من اللفظ موضعَ المستقبل.
قال: وهذا شبيهُ القصَّة بقصَّة قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١]. فجعل سبحانه ما أَنزلَ على الأنبياء من الكتاب
_________________
(١) (ن): «محالًا» ظنَّه خبر كان.
(٢) في الأصل: «يخلو»، سهو من الناسخ.
(٣) (ق، ب، ط): «فالآية»، تحريف.
(٤) «هذا» ساقط من الأصل.
(٥) تقدم تخريجه من حديث عمر ﵁ (ص ٤٥٥).
(٦) هذه الجملة محرَّفة في (ب، ج، ن).
[ ٢ / ٤٨٦ ]
والحكم ميثاقًا أَخذَه من أممهم بعدَهم. يدلُّ على ذلك قوله: ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾، ثم قال للأمم (^١): ﴿أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١]. فجعل سبحانه بلوغ الأممِ كتابَه المنزّلَ على أنبيائهم حجةً عليهم كأخذ الميثاق عليهم، وجَعَل معرفتَهم به إقرارًا منهم.
قلت: وشبيهٌ به أيضًا قوله: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [المائدة: ٧]. فهذا ميثاقُه الذي أخذه عليهم بعد إرسال رسله (^٢) إليهم بالإيمان به وتصديقِه.
ونظيرُه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾ [الرعد: ٢٠]. وقوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس: ٦٠، ٦١]. فهذا (^٣) عهدُه إليهم على ألسنة رسله.
ومثله: قوله لبني إسرائيل: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠].
ومثله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا يَكْتُمُونَه﴾ (^٤) [آل عمران: ١٨٧]، وقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ
_________________
(١) (ط): «للأمة».
(٢) (ب، ط، ن، ج): «رسوله».
(٣) في الأصل: «فهذه».
(٤) كذا وردت الآية في جميع النسخ على قراءة أبي عمرو، وهي قراءة ابن كثير وشعبة عن عاصم أيضًا. وقرأ الباقون: ﴿لتبيننه للناس ولا تكتمونه﴾ بالتاء في الفعلين. الإقناع (٦٢٥).
[ ٢ / ٤٨٧ ]
وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب: ٧].
فهذا ميثاقٌ أخَذه (^١) منهم بعدَ بعثهم كما أخذ من أممهم بعدَ إنذارهم. [١٠٨ ب] وهذا الميثاق الذي لعَن سبحانه مَن نقَضه، وعاقبه بقوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ [المائدة: ١٣]، فإنما عاقبهم بنقضهم الميثاقَ الذي أخذه عليهم على ألسنة رسله. وقد صرَّح به في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٦٣].
ولما كانت هذه الآية ونظيرتها (^٢) في سورة مدنية خاطب بالتذكير بهذا الميثاقِ فيها أهلَ الكتاب، فإنه ميثاقٌ أخَذه عليهم بالإيمان به وبرسله. ولما كانت هذه (^٣) آيةُ الأعراف في سورة مكية ذكَر فيها الميثاق والإشهاد العامَّ لجميع المكلَّفين (^٤) بالإقرار بربوبيته ووحدانيته وبطلان الشرك، وهو ميثاقٌ وإشهاد يقومُ به عليهم الحجة (^٥)، وينقطع به العذر (^٦)، وتحلُّ به العقوبة،
_________________
(١) (ب، ج، ن): «أُخِذ».
(٢) (ط، ن): «نظيرها».
(٣) «هذه» ساقط من (ب، ج).
(٤) في (أ، ق) بعده: «ممَّن» كذا مضبوطًا في الأصل. ولعله سهو، ولكن في (غ): «ممَّن أقرَّت»!
(٥) (ط): «عليهم به الحجة». (ن): «به الحجة عليهم».
(٦) ما عدا (أ، ق، غ): «المعذرة».
[ ٢ / ٤٨٨ ]
ويُستَحقُّ بمخالفته الإهلاك. فلابدَّ أن يكونوا ذاكرين له، عارفين به؛ وذلك ما فطرَهم عليه من الإقرار بربوبيته، وأنَّه ربُّهم وفاطرُهم، وأنَّهم مخلوقون مربوبون. ثم أرسل إليهم رسُلَه يذكِّرونهم بما في فِطَرهم وعقولهم، ويعرِّفونهم حقَّه عليهم وأمرَه ونهيَه ووعدَه ووعيدَه (^١).
ونظمُ الآية إنما يدلُّ على هذا من وجوه متعددة (^٢):
أحدها: أنه قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ ولم يقل: آدم (^٣)، وبنو آدم غيرُ آدم.
الثاني: أنه قال: ﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾، ولم يقل: من ظهره، وهذا بَدَلُ بعضٍ من كلٍّ، أو بدلُ اشتمالٍ (^٤)، وهو أحسن (^٥).
الثالث: أنه قال: ﴿ذُرِّيَّاتِهم﴾، ولم يقل: ذرِّيته.
الرابع: أنه قال: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: جعلهم شاهدِين على
_________________
(١) «ووعده ووعيده» ساقط من (ب).
(٢) هذه الوجوه العشرة كلها نقلها شارح الطحاوية (٢١٩ ــ ٢٢٠) دون الإشارة إلى مصدرها حسب طريقته. وانظر جملة منها بالنص أو غيره في مفاتيح الغيب (١٥/ ٥٠ - ٥٣).
(٣) ما عدا (أ، ق، غ): «من آدم».
(٤) اقتصر على الثاني العكبري في التبيان (١/ ٦٠٢). وعلى الأول مكي في مشكل إعراب القرآن (١/ ٣٠٦) والزمخشري في الكشاف (٢/ ١٧٦). قال السمين في الدر المصون (٥/ ٥١١): «وهو الظاهر، كقولك: ضربت زيدًا ظهره، وقطعته يده. لا يعرب أحد هذه بدل اشتمال».
(٥) (ب): «وهذا أحسن».
[ ٢ / ٤٨٩ ]
أنفسهم؛ فلابدَّ أن يكون الشاهدُ ذاكرًا لما شهِد به، وهو إنما يذكر شهادته بعد خروجه إلى هذه الدار، لا يذكر شهادةً (^١) قبلها.
الخامس: أنه سبحانه أخبر أنَّ حكمةَ هذا الإشهاد إقامةُ الحجَّةِ عليهم، لئلا يقولوا يوم القيامة [١٠٩ أ]: إنا كنا عن هذا غافلين. والحجة إنما (^٢) قامت عليهم بالرسل والفطرة التي فُطِروا عليها، كما قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥].
السادس: تذكيرُهم بذلك لئلا يقولوا يوم القيامة: ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢]. ومعلوم أنهم غافلون (^٣) بالإخراج (^٤) لهم من صلب آدم كلِّهم، وإشهادِهم جميعًا ذلك الوقت، فهذا لا يذكره أحد منهم (^٥).
السابع: قوله: ﴿أَوْ يَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ (^٦) [الأعراف: ١٧٣]. فذكر حكمتين في هذا التعريف والإشهاد:
_________________
(١) (ب، ج): «شهادته».
(٢) (ن): «وإنما الحجة». و«الحجة» ساقطة عن (ب، ج).
(٣) في الأصل: «غافلين»، ولعله سهو. ولكن في (غ): «كانوا غافلين»، فزاد: كانوا.
(٤) كذا في جميع النسخ ما عدا (ن) التي فيها: «فالإخراجُ» مضبوطًا. و«غفل» لا يتعدى بالباء، فقوله: «بالإخراج» قد يكون سهوًا، والصواب: «عن الإخراج»، كما في شرح الطحاوية (٢١٩)، وقد نقل فيه الوجه السادس برمَّته نقلًا حرفيًّا. ولعل الذي في (ن) سعي لإصلاح النص.
(٥) (ن): «منهم أحد».
(٦) سبق التنبيه على أن «يقولوا» بالياء قراءة أبي عمرو، وبها وردت الآية في النسخ.
[ ٢ / ٤٩٠ ]
إحداهما: أن لا يدَّعوا الغفلة، والثانية: أن لا يدَّعوا التقليد؛ فالغافلُ لا شعورَ له، والمقلِّدُ متَّبِعٌ في تقليده لغيره.
الثامن: قوله: ﴿أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ أي: لو عذَّبهم (^١) بجحودهم وشركهم لقالوا ذلك. وهو سبحانه إنما يُهلِكهم لمخالفة رسله وتكذيبهم، فلو أهلكهم بتقليد آبائهم في شركهم من غير إقامة الحجَّة عليهم بالرسل لأهلكهم بما فعل المبطلون، أو أهلكهم مع غفلتهم عن معرفة بُطلان (^٢) ما كانوا عليه. وقد أخبر سبحانه أنه لم يكن ليُهلِك القرى بظلم، وأهلُها غافلون، وإنما يهلكهم بعد الإعذار والإنذار (^٣).
التاسع: أنه سبحانه أشهدَ كلَّ واحدٍ واحدٍ (^٤) على نفسه أنه ربُّه وخالقُه، واحتَجَّ عليهم (^٥) بهذا الإشهاد في غير موضع من كتابه، كقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [الزخرف: ٨٧]. أي: فكيف يُصرَفون عن التوحيد بعد هذا الإقرار منهم أنَّ الله ربُّهم وخالقُهم. وهذا كثير في القرآن. فهذه هي الحجَّةُ التي أشهدَهم على أنفسهم بمضمونها، وذكَّرتْهم بها رسلُه بقوله (^٦): ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠].
_________________
(١) (ط): «عذبتهم». (ن): «لِوَعْدِهم»، وهو تصحيف. والنص في شرح الطحاوية أيضًا مصحف.
(٢) في (أ، غ): «معرفته لبطلان»، وفي (ق): «معرفته بطلان». ولعله من سهو الأصل.
(٣) (ط): «الإنذار والإعذار».
(٤) كذا في الأصل وفي (ق). وحذفت الثانية في النسخ الأخرى. لعلهم ظنوها مكررة سهوًا.
(٥) «عليهم» ساقط من (ط).
(٦) (ب، ج): «بقولهم».
[ ٢ / ٤٩١ ]
فالله تعالى إنما ذكَّرهم على ألسنة رسله بهذا الإقرار والمعرفة، ولم يذكِّرهم قطُّ (^١) [١٠٩ ب] بإقرارٍ سابقٍ على إيجادهم، ولا أقام به عليهم حجَّة.
العاشر: أنه جعل هذا آيةً، وهي الدِّلالة الواضحة البيِّنة المستلزِمة لمدلولها بحيث لا يتخلَّف عنها المدلول. وهذا شأن آيات الرب تعالى (^٢) فإنها أدلةٌ معيَّنةٌ (^٣) على مطلوب معيَّن مستلزِمةٌ للعلم به، فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ [الأنعام: ٥٥]. أي: مثلَ هذا التفصيلِ والتَّبيين نفصل الآيات لعلهم يرجعون من الشرك إلى التوحيد، ومن الكفر إلى الإيمان.
وهذه الآيات التي فصَّلها هي التي بيَّنها في كتابه من أنواع مخلوقاته. وهي آيات أفقية (^٤) ونفسية، آياتٌ في نفوسهم وذواتهم (^٥) وخَلْقهم، وآياتٌ في الأقطار والنواحي مما يُحدِثه الربُّ ﵎، مما يدل على وجوده ووحدانيته وصدقِ رسلِه، وعلى المعاد والقيامة. ومن أبْيَنِها (^٦) ما أشهدَ به كلَّ واحد على نفسه من أنه ربُّه وخالقُه (^٧) ومبدعُه، وأنه مربوب مصنوع
_________________
(١) «قط» ساقط من (ط).
(٢) «لمدلولها تعالى» ساقط من الأصل.
(٣) (ب، ج): «يقينية»، ولعله تصحيف.
(٤) ضبط في (ط) بفتح أوله وثانيه، ثم كتب في طرّتها كل حرف على حدة مع ضبطه. قال ابن السكيت في إصلاح المنطق (١٣٢): «رجل أَفَقي، إذا أضفته إلى الآفاق. وبعضهم يقول: أُفُقي». وقد تحرَّف الكلمة في (ق) إلى «فقهية»، واختارها بعض الناشرين!
(٥) في (ط): «دوابهم»، تصحيف.
(٦) (ق): «أثبتها»، تصحيف. وفي (ب، ج): «آياتها»، تحريف.
(٧) (ط): «خالقه وربه».
[ ٢ / ٤٩٢ ]
مخلوق حادث بعد أن لم يكن، ومُحالٌ أن يكون حدَثَ بلا مُحدِث، أو يكون هو المحدِثَ لنفسه. فلابد له من مُوجِد أوجده (^١) ليس هو كمثله. وهذا الإقرار والشهادة (^٢) فطرةٌ فُطِروا عليها ليست بمكتسَبة.
وهذه الآية وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهم﴾ (^٣) [الأعراف: ١٧٢]. مطابقةٌ لقول النبي - ﷺ -: «كلُّ مولود يولد على الفطرة» (^٤). ولقوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ [الروم: ٣٠ - ٣١].
ومن المفسرين من لم يذكر إلا هذا القول فقط كالزمخشري (^٥). ومنهم من لم يذكر إلا القول الأول فقط، ومنهم من حَكَى القولين كابن الجوزيِّ (^٦)، والواحديِّ (^٧)، والماوردي (^٨)، وغيرهم.
_________________
(١) (ط): «يوجده».
(٢) ما عدا (ب، ج، ن): «المشاهدة».
(٣) سبق التنبيه غير مرة على أن الآية وردت كذا في النسخ على قراءة أبي عمرو. وبها قرأ نافع وابن عامر أيضًا.
(٤) أخرجه البخاري (١٣٨٥) من حديث أبي هريرة. وبلفظ آخر عنه في البخاري (١٣٥٨) ومسلم (٢٦٥٨).
(٥) الكشاف (٢/ ١٧٦).
(٦) زاد المسير (٣/ ٢٨٣ ــ ٢٨٦).
(٧) البسيط (٩/ ٤٤٣ ــ ٤٥٨).
(٨) النكت والعيون (٢/ ٢٧٧ ــ ٢٧٩).
[ ٢ / ٤٩٣ ]
قال الحسن بن يحيى الجرجاني (^١): فإن اعترض معترِضٌ في هذا الفصل بحديث يُروى عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إن الله مسَح [١١٠ أ] ظهرَ آدم، فأخرج منه ذريته، وأخذ عليهم العهد، ثم ردَّهم في ظهره» (^٢)، وقال: إنَّ هذا مانع من جواز التأويل الذي ذهبتَ إليه، لامتناع ردِّهم في الظَّهر إن كان أخذ الميثاق عليهم بعد البلوغ وتمام العقل.
قيل له: إنَّ معنى «ثم ردَّهم في ظهره»: ثم يردُّهم في ظهره (^٣)، كما قلنا: إن معنى ﴿أَخَذَ رَبُّكَ﴾: يأخذ ربك. فيكون معناه: ثم يردُّهم في ظهره بوفاتهم، لأنهم إذا ماتوا رُدُّوا إلى الأرض للدفن، وآدمُ خلق منها ورُدَّ فيها، فإذا رُدُّوا فيها فقد رُدُّوا في آدم وفي ظهره (^٤)؛ إذ كان آدمُ خُلِق منها وفيها رُدَّ، وبعضُ الشيء من الشيء. وفيما ذهبتم إليه من (^٥) تأويل هذا الحديث على ظاهره تفاوتٌ بينه وبين ما جاء به القرآن في هذا المعنى، إلا أن يُرَدَّ تأويلُه إلى ما ذكرناه؛ لأنه ﷿ قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهمْ﴾ (^٦) [الأعراف: ١٧٢]. ولم يذكر آدمَ في القصة، إنما هو هاهنا مضاف إليه لتعريف ذريته أنهم منه وأولادُه. وفي الحديث: أنه مسح ظهرَ آدم، فلا يمكن ردُّ ما جاء في القرآن وما جاء في الحديث إلى الاتِّفاق إلا بالتأويل
_________________
(١) صاحب «نظم القرآن»، وقد سبقت ترجمته.
(٢) سبق في (ص ٤٨٦).
(٣) «ثم يردهم في ظهره» ساقط من (أ، ط، غ).
(٤) (ب، ج): «ظهر آدم».
(٥) ساقط من (ب، ج).
(٦) انظر التعليق في الصفحة السابقة.
[ ٢ / ٤٩٤ ]
الذي ذكرناه.
قال الجرجاني: وأنا أقول: ونحن إلى ما رُوي في الآية عن رسول الله - ﷺ -، وما ذهب إليه أهلُ العلم من السلف الصالح أمْيَل، وله أقْبَل، وبه آنَس، والله وليُّ التوفيق لما هو أَولى وأهدى (^١).
على أنَّ بعضَ أصحابنا من أهل السُّنَّة قد ذكَر في الردِّ على هذا القائل معنًى يُحتمَل ويسوغ في النَّظم الجاري ومجازِ العربية بسهولة (^٢) وإمكان، من غير تعسُّف ولا استكراه. وهو أن يكون قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] مبتدأ خبره (^٣) من الله ﷿ عما كان منه في أخذ العهد عليهم، وإذ يقتضي جوابًا يُجعَل جوابه قوله تعالى: ﴿قَالُوا بَلَى﴾، وانقطع هذا الخبر بتمام قصته.
ثم ابتدأ ﷿ خبرًا آخرَ بذكر ما يقوله المشركون يوم القيامة [١١٠ ب]، فقال (^٤): ﴿شَهِدْنَا﴾ يعني: نشهد، كما قال الحُطيئة (^٥):
شهدَ الحطيئةُ حينَ يلقَى ربَّه أنَّ الوليدَ أحقُّ بالعُذْرِ (^٦)
_________________
(١) هذه الفقرة نقلها الواحدي في البسيط (٩/ ٤٥٨).
(٢) (ن): «يشهد له»، تحريف.
(٣) كذا في جميع النسخ ما عدا (ج) التي فيها: «مبتدأَ خبرٍ». والضبط منِّي، ولعل هذا أصح.
(٤) ما عدا (ب، ج، ن): «قالوا».
(٥) زاد بعده في (ط): «في هذا المعنى».
(٦) ديوانه (٢٥٨). والوليد هو ابن عُقبة. وفي (ن): «يوم يلقى». وهي رواية في البيت.
[ ٢ / ٤٩٥ ]
بمعنى: يشهَدُ الحطيئة. يقول تعالى: نشهد أنكم ستقولون يوم القيامة: ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ أي: عمَّا هم فيه من الحساب والمناقشة والمؤاخذة بالكفر.
ثم أضاف إليه خبرًا آخرَ، فقال: ﴿أَوْ تَقُولُوا﴾ (^١) بمعنى: وأن تقولوا؛ لأن ﴿أَوْ﴾ بمعنى واو النسق، مثل قوله: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ (^٢) [الإنسان: ٢٤]. فتأويله: ونشهد أن تقولوا يوم القيامة: ﴿إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٣] أي: إنهم أشركوا، وحملونا على مذهبهم في الشرك في صِبانا (^٣)، فجرينا على مذاهبهم، واقتدينا بهم؛ فلا ذنب لنا إذ كنا مقتدين بهم، والذنبُ في ذلك لهم. كما قالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ (^٤) [الزخرف: ٢٣]. يدل على ذلك قولهم: ﴿أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ أي: حَملِهم (^٥) إيانا على الشرك.
فتكون القصة الأولى خبرًا عن جميع المخلوقين بأخذ الميثاق
_________________
(١) اضطربت النسخ في ضبط حرف المضارعة هنا وفيما يأتي، فأكثرها ضبطت بالتاء أو مرة بالياء وأخرى بالتاء. والصواب بالتاء؛ لأن الكلام للجرجاني، وقد فسَّر من قبل بقوله: «نشهد أنكم ستقولون » فهذا نصٌّ على أن قراءته ليست بقراءة أبي عمرو.
(٢) قال مكي في المشكل (٧٨٨): «وقيل: أو بمعنى الواو، وفيه بعد». وانظر التبيان للعكبري (١٢٦١).
(٣) (ب، ج، ن): «حياتنا».
(٤) «بهم والذين مقتدون» ساقط من (ن).
(٥) (غ): «بحملهم».
[ ٢ / ٤٩٦ ]
عليهم (^١)، والقصة الثانية خبرًا عما يقول المشركون يوم القيامة من الاعتذار (^٢).
وقال فيما ادعاه المخالفُ أنه تفاوتٌ فيما بين الكتاب والخبر لاختلاف ألفاظهما فيهما قولًا يجب قَبولُه بالنظائر والعِبَر التي تأيَّد بها (^٣) لمخالفته، فقال: إن الخبر عن الرسول - ﷺ - أنَّ الله مسح ظهر آدم أفاد زيادةَ خبرٍ كان في القصة التي ذكَرَ الله في الكتاب بعضَها، ولم يذكر كلَّها. ولو أخبر - ﷺ - بسوى هذه الزيادة التي أخبر بها ــ مما عسى أن (^٤) يكون قد كان في ذلك الوقت الذي أُخِذَ فيه العهدُ، مما لم يضمِّنه الله كتابَه ــ لمَا كان في ذلك (^٥) خلاف ولا تفاوت، بل كان (^٦) زيادة في الفائدة.
وكذلك الألفاظ إذا اختلفتْ [١١١ أ] في ذاتها وكان مَرجعُها إلى أمر واحد لم يوجِب ذلك تناقضًا، كما قال ﷿ في كتابه في خَلْق آدم، فذكَر مرةً أنه خُلِق من تراب، ومرةً أنه خُلِق من حمأ مسنون، ومرةً من طين لازب، ومرةً من صَلصال كالفخَّار (^٧)؛ فهذه الألفاظ مختلفة، ومعانيها أيضًا في
_________________
(١) «عليهم» ساقط من (ب، ج).
(٢) «من الاعتذار» ساقط من (ن).
(٣) رسمها في الأصل يشبه «الذي يؤيدها» كما في (غ).
(٤) لم ترد «أن» في الأصل.
(٥) (ب، ج): «في اللفظ».
(٦) (ط): «كانت».
(٧) انظر الآيات الكريمة في آل عمران (٥٩) والحجر (٢٨، ٣٣) والصافات (١١) والرحمن (١٤).
[ ٢ / ٤٩٧ ]
الأحوال مختلفة؛ لأن (^١) الصَّلصال غيرُ الحمأة، والحمأة غيرُ التراب، إلا أنَّ مرجعَها كلِّها في الأصل (^٢) إلى جوهر واحد، وهو التراب، ومن التراب تدرَّجت هذه الأحوال.
فقوله سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] وقوله - ﷺ -: «إن الله مسح ظهرَ آدم، فاستخرج منه ذريته» معنًى واحدٌ (^٣) في الأصل، إلا أنَّ قوله - ﷺ -: «مسح ظهرَ آدم» زيادةٌ في الخبر عن الله ﷿. ومَسْحُه (^٤) ﷿ ظهرَ آدم واستخراجُ ذريته منه (^٥) مسحٌ لظهور ذريته واستخراجُ ذرياتهم من ظهورهم، كما ذكر تعالى؛ لأنَّا قد علمنا أنَّ جميع ذرية آدم لم يكونوا من صلبه، لكن لما كان الطبَق الأول من صُلْبه، ثم الثاني من صلب الأول، ثم الثالث من صلب الثاني، جاز أن يُنسَب ذلك كلُّه إلى ظهر آدم، لأنهم فرعُه، وهو أصلُهم. وكما جاز أن يكون ما ذكر الله ﷿ أنه استخرجه من ظهور ذرية آدم من ظهر آدم، جاز أن يكون ما ذكر - ﷺ - أنه استخرجه من ظهر آدم من ظهور ذريته؛ إذ الأصلُ والفرع شيءٌ واحد.
وفيه أيضًا أنه ﷿ لما أضاف الذريةَ إلى آدم في الخبر احتمل أن يكون الخبر عن الذرية، وعن آدم؛ كما قال ﷿: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤]. فالخبر في الظاهر عن الأعناق، والنعتُ للأسماء
_________________
(١) (أ، ق، غ): «أن».
(٢) «في الأصل» ساقط من (ن).
(٣) في الأصل: «واحدًا»، وكذا في (ق، ن)!
(٤) (ط): «ومسح الله».
(٥) لم يرد «منه» في الأصل.
[ ٢ / ٤٩٨ ]
فصل: استدلال ابن حزم بقوله تعالى: ﴿ولقد خلقناكم ثم صورناكم﴾
المَكنِيَّة فيها، وهو (^١) مضاف إليها، كما كان آدم مضافًا إليه هناك، وليسا جميعًا بالمقصودين ــ في الظاهر ــ بالخبر. ولا يُحتَمَل أن يكون قوله: ﴿خَاضِعِينَ﴾ للأعناق، لأنَّ وجه جمعها: خاضعات. ومنه قول الشاعر (^٢):
وتَشْرَقَ بالقول الذي قد أذعتَه كما شرِقتْ صدرُ القَناةِ من الدم
فالصدر مذكر، وقوله: «شرقت» أُنِّث لإضافة الصدر إلى القناة.
فصل
فهذا بعضُ كلام السلف والخلف في هذه الآية. وعلى كلِّ تقدير، فلا تدلُّ على خلق الأرواح قبل الأجساد خلقًا مستقرًّا، وإنما غايتُها أن تدلَّ على إخراج صورهم وأمثالهم في صور الذرِّ، واستنطاقهم، ثم ردِّهم إلى أصلهم، إن صحَّ الخبر بذلك. والذي صحَّ إنما هو إثباتُ القدر السابق، وتقسيمُهم إلى شقي وسعيد.
وأما استدلالُ أبي محمد بن حزم بقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الأعراف: ١١]، فما أليَقَ هذا الاستدلالَ بظاهريَّته، لترتيب الأمر بالسجود لآدم على خَلْقنا وتصويرنا؛ والخطابُ للجملة المركّبة من البدن والروح، وذلك متأخِّر عن خلق آدم.
_________________
(١) كذا في جميع النسخ. ولعل الصواب: «هي»، لأن المقصود: الأسماء المكنية.
(٢) هو الأعشى. انظر ديوانه (١/ ٣١٨) وصلة البيت قبله: لئن كنتَ في جُبٍّ ثمانين قامةً ورُقِّيتَ أسبابَ السماء بسُلَّمِ ليَستدرِجَنْكَ القولُ حتى تهِرَّه وتعلمَ أنِّي عنك لستُ بمُلْجَم والمخاطَب: عمير بن عبد الله بن المنذر بن عبدان، هجاه الأعشى في هذه القصيدة.
[ ٢ / ٤٩٩ ]
ولهذا قال ابن عباس (^١): ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ﴾ آدم ﴿ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ لذريته (^٢). وبيان (^٣) هذا ما قاله مجاهد ﴿خَلَقْنَاكُمْ﴾ يعني آدم، و﴿صَوَّرْنَاكُمْ﴾ في ظهر آدم (^٤). وإنما قال: ﴿خلقناكم﴾ بلفظ الجمع، وهو يريد آدم؛ كما تقول: ضربناكم، وإنما ضربتَ سيدَهم (^٥).
واختار أبو عُبيد في هذه الآية قول مجاهد؛ لقوله بعدُ: ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا﴾ وكان قوله تعالى للملائكة: ﴿اسْجُدُوا﴾ قبل خلق ذرية آدم وتصويرِهم في الأرحام، و(ثم) توجب التراخي والترتيب. فمَن جَعَل الخلق والتصوير في هذه الآية (^٦) لأولاد آدم في الأرحام يكون قد راعى حكمَ (ثم) في الترتيب (^٧)، إلا أن يأخذ بقول الأخفش، فإنه يقول: (ثم) هاهنا في معنى
_________________
(١) من هنا إلى آخر قول أبي عبيد منقول من البسيط للواحدي (٩/ ٣٨ ــ ٣٩).
(٢) أخرجه الطبري في التفسير (١٢/ ٣١٨).
(٣) (ق): «مثال». ويشجعه رسمه في الأصل أيضًا. وكذا في النسخ المطبوعة. والصواب ما أثبتنا من غيرهما، وهو مطابق لما في البسيط.
(٤) أخرجه الطبري في التفسير (١٢/ ٣٢٠).
(٥) هذا التمثيل جزء من كلام يونس الذي جوَّز أن يكون الخلق والتصوير كلاهما لآدم. ولعل نسخة البسيط التي اعتمد عليها ابن القيم كانت شبيهة بنسخة (ب) التي فيها سقط. انظر: البسيط (٩/ ٣٨) وتفسير الثعلبي (٤/ ٢١٨).
(٦) كلمة «الآية» ساقطة من (ط).
(٧) كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة. والصواب عكسه، كما في البسيط: «لم يكن قد راعى ». وقال الواحدي في الوسيط (٢/ ٣٥٢): «ولا يجوز أن يكون المراد بقوله: ﴿ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ تصوير ذريته في الأرحام؛ لقوله: ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾، لأن هذا كان قبل تصوير ذرية آدم في الأرحام.
[ ٢ / ٥٠٠ ]
الواو (^١). قال الزجَّاج: وهذا خطأ لا يجيزه [١١٢ أ] الخليل وسيبويه (^٢) وجميع من يوثق بعلمه (^٣).
قال أبو عبيد: وقد بيَّنه مجاهدٌ حين قال: إن الله خلق آدم (^٤)، وصوَّرهم في ظهره، ثم أمر بعد ذلك بالسجود. قال: وهذا بيِّنٌ في الحديث وهو: «أنه أخرجهم من ظهر آدم في صُوَر الذرِّ» (^٥).
قلت: والقرآن يفسِّر بعضُه بعضًا. ونظيرُ هذه الآية قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ [الحج: ٥]. فأوقع الخلقَ من ترابٍ عليهم، وهو لأبيهم آدم، إذ هو أصلهم.
والله سبحانه يخاطب الموجودين، والمرادُ آباؤهم، كقوله: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٥]. وقوله: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ الآية [البقرة: ٦١]. وقوله: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ [البقرة: ٧٢]. وقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ [البقرة: ٦٣]. وهو (^٦) كثير في القرآن:
_________________
(١) معاني القرآن للأخفش (٢٩٤)، ولكنه مثل يونس جوَّز أيضًا أن يكون الخلق والتصوير لآدم، وذكر مثاله أيضًا.
(٢) الأصل: «ولا سيبويه».
(٣) معاني القرآن للزجاج (٢/ ٣٢١). وانظر: كتاب سيبويه (٣/ ٨٩).
(٤) ما عدا (ن): «ولد آدم»، والمثبت موافق للبسيط، وهو الذي ذهب إليه مجاهد.
(٥) سبق تخريج الحديث (ص ٤٥٥).
(٦) (ب، ج): «هذا».
[ ٢ / ٥٠١ ]
فصل: الدليل على أن خلق الأرواح متأخر عن خلق أبدانها
يخاطبهم، والمراد (^١) آباؤهم. فهكذا قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: ١١].
وقد يستطرد (^٢) سبحانه من ذكر الشَّخص إلى ذكر النوعِ كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢ ــ ١٣]. فالمخلوقُ من سلالة من طين: آدمُ. والمجعول (^٣) نطفةً في قرار مكين: ذريتُه.
وأما حديثُ خلقِ الأرواح قبل الأجساد بألفي عام، فلا يصحُّ إسناده. ففيه عتبة بن السَّكَن، قال الدارقطني: متروك (^٤). وأرطاة بن المنذر. قال ابن عدي: بعضُ أحاديثه غلطٌ (^٥).
فصل
وأمَّا الدليل على أنَّ خلقَ الأرواح متأخرٌ عن خلق أبدانها، فمن وجوه:
أحدها: أنَّ خلقَ أبي البشر وأصلِهم كان هكذا. فإنَّ الله سبحانه أرسل جبريل، فقبضَ قبضةً من الأرض، ثم خمَّرها حتى صارت طينًا، ثم صوَّره، ثم نفخ فيه الروح بعد أن صوَّره. فلما دخلت الروح فيه [١١٢ ب] صار لحمًا
_________________
(١) في (ق، ط) زيادة: «به».
(٢) (ط): «استطرد».
(٣) (ب، ق، غ): «المحصول»، تصحيف.
(٤) انظر: الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي (٢٢٥٥) والمغني في الضعفاء للذهبي (٣٩٩٥).
(٥) انظر: الكامل لابن عدي (١/ ٤٣٢) والمغني للذهبي (٥٠٨).
[ ٢ / ٥٠٢ ]
ودمًا، حيًّا ناطقًا.
ففي تفسير (^١) أبي مالك وأبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مُرَّة، عن ابن مسعود؛ وعن ناسٍ من أصحاب النبي - ﷺ -: «لما فرَغ الله من خلق ما أحبَّ استوى على العرش، فجعل إبليسَ (^٢) على مُلك سماء الدنيا، وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم: «الجن»، وإنما سُمُّوا «الجنَّ»؛ لأنهم خُزَّانُ الجنَّة. وكان إبليسُ مع ملكه خازنًا، فوقع في صدره، وقال: ما أعطاني الله هذا إلا لمزيد لي (^٣) ــ وفي لفظ: لمزيةٍ لي ــ على الملائكة. فلما وقع ذلك الكبرُ في نفسه اطَّلع الله على ذلك منه، فقال الله للملائكة (^٤): ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠].
قالوا: ربَّنا، وما يكون حال الخليفة؟ قال: تكون له ذريةٌ يُفسدون في الأرض، ويتحاسدون، ويقتل (^٥) بعضُهم بعضًا. قالوا: ربنا
_________________
(١) زاد بعده بعض القراء في (ط) فوق السطر: «السدِّي عن». وكأنه قد سقط من النسخ. فقد سبق (٤٤٠) أن نقل المصنف أثرًا من تفسير السدِّي بهذا السند، من كتاب محمد بن نصر المروزي. وقد أورد ابن كثير في تفسيره (١/ ٧٣ ــ ٧٤) الأثر الآتي، وعقب عليه بقوله: «فهذا الإسناد إلى هؤلاء الصحابة مشهور في تفسير السدِّي. ويقع فيه إسرائيليات كثيرة، فلعل بعضها مدرج ليس من كلام الصحابة، أو أنهم أخذوه من بعض الكتب المتقدمة، والله أعلم. والحاكم يروي في مستدركه بهذا الإسناد بعينه أشياء، ويقول: على شرط البخاري!».
(٢) زاد في (ب، ن): «لعنه الله».
(٣) كذا في (أ، ق، ط، غ). وكذا في تفسير الطبري (شاكر ١/ ٤٥٨) والدر المنثور (١/ ٢٤٥). وفي (ن): «لمزيَّتي»، ولعله إصلاح من ناسخها.
(٤) «فلما وقع للملائكة» ساقط من الأصل.
(٥) في الأصل: «يقتلون» دون واو العطف.
[ ٢ / ٥٠٣ ]
﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] يعني: من شأن إبليس.
فبعث جبريلَ إلى الأرض ليأتيه بطينٍ منها، فقالت الأرض: إني أعوذ بالله منك أن تقبض (^١) مني، فرجَعَ، ولم يأخذ، وقال: ربِّ إنها عاذت بك، فأعذتُها. فبعث ميكائيل، فعاذت منه، فأعاذها. فبعث ملَكَ الموت، فعاذت منه، فقال: وأنا أعوذ بالله أن أرجع، ولم أنفِّذ أمره. فأخذ من وجه الأرض، وخَلَط. فلم يأخذ من مكان واحد، وأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء، فلذلك خرج بنو آدم مختلفين. فصعِد به، فبلَّ الترابَ (^٢) حتى عاد طينًا لازبًا. واللازب: هو الذي يلزَقُ (^٣) بعضُه ببعض.
ثم قال للملائكة: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [ص: ٧١ - ٧٢]. فخلقه الله بيده لكيلا يتكبَّر إبليسُ عنه، ليقول له: تتكبَّرُ عما عملتُ بيدي، ولم أتكبَّر أنا عنه. فخلَقه بشرًا، فكان جسدًا من طين أربعين سنة، فمرَّت به الملائكة، ففزعوا منه لما رأوه. وكان أشدَّهم منه فزَعًا إبليسُ، فكان يمرُّ به، فيضربه، فيصوِّتُ [١١٣ أ] الجسدُ كما يصوِّت الفَخَّارُ، تكون له صلصلة، فذلك حين يقول: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ
_________________
(١) (ب، ج): «تنقص». وكذا في تفسير الطبري (١/ ٤٥٩) وتاريخه (١/ ٩٠).
(٢) ما عدا (ب، ج): «قِبَلَ الربّ» كذا مضبوطًا في (ط، ق، ن، غ). وفي النسخ المطبوعة زيد: «﷿»! والمثبت موافق لما في تفسير الطبري وتاريخه، وهو مقتضى السياق.
(٣) (ب، ج): «يلتزق»، وكذا عند الطبري.
[ ٢ / ٥٠٤ ]
كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن: ١٤]، ويقول: لأمرٍ ما خُلِقتَ! ودخل مِن فيه، فخرج من دُبره، فقال للملائكة: لا تَرهَبوا من هذا فإن ربَّكم صَمَدٌ، وهذا أجوف. لئن سُلِّطتُ عليه لأهلكنَّه.
فلما بلغ الحينَ الذين يريد الله جل ثناؤه أن ينفخ فيه الروحَ قال للملائكة: إذا نفخت فيه من روحي فاسجدوا له. فلما نفخ فيه الروحَ فدخل الروحُ في رأسه عَطَس، فقالت الملائكة: قل: الحمد لله، فقال: الحمد لله، فقال له الله: يرحمك ربُّك. فلما دخل الروحُ في عينيه نظر إلى ثمار الجنة، فلما دخل في جوفه اشتهى الطعام (^١) قبل أن يبلغ الروح رجليه، فنهض عَجلانَ (^٢) إلى ثمار الجنة، فذلك حين يقول: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧]. وذكر باقي الحديث (^٣).
وقال يونس بن عبد الأعلى: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنا ابن زيد، قال: لمَّا خلق الله النار ذُعِرتْ منها الملائكة ذُعرًا شديدًا، وقالوا: ربَّنا لمَ خلقتَ هذه النار؟ ولأي شيء خلقتَها؟ قال: لمن عصاني من خَلْقي. ولم يكن لله خَلْقٌ يومئذ (^٤) إلا الملائكة، والأرضُ ليس فيها خَلْقٌ، إنما خُلِق آدمُ بعد ذلك. وقرأ (^٥) قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا
_________________
(١) بعده في تفسير الطبري: «فوثب». وكذا نقله المصنف في المسألة القادمة، فلعل هنا سقطًا.
(٢) (ط): «عجلًا».
(٣) أخرجه الطبري في تفسيره (١/ ٤٥٨ ــ ٤٦٠) وتاريخه (١/ ٩٠، ٩٣، ٩٤).
(٤) (ن): «يومئذ خلق».
(٥) رسمها في (أ، ق): «قراه». والمثبت من غيرهما.
[ ٢ / ٥٠٥ ]
مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١]. قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، ليت (^١) ذلك الحين (^٢)! ثم قال: وقالت الملائكة: ويأتي علينا دهرٌ نعصيك فيه؟ ــ لا يرون له خلقًا غيرهم ــ قال: لا، إني أريد أن أخلق في الأرض خلقًا، وأجعلَ فيها خليفةً. وذكر الحديث (^٣).
قال ابن إسحاق: فيقال ــ والله أعلم ــ: خلَقَ اللهُ آدمَ، ثم وضعه ينظرُ إليه أربعين عامًا قبل أن ينفُخَ فيه الروحَ، حتى عاد صلصالًا كالفخَّار، ولم تمسَسْه نار. فيقال ــ والله أعلم ــ: لما انتهى الروح إلى رأسه عطَسَ، فقال: الحمد لله. وذكر الحديث (^٤).
فالقرآن والحديث [١١٣ ب] والآثار تدلُّ على أنَّ الله سبحانه نفخ فيه من روحه بعد خَلْقِ جسده، فمِن تلك النفخةِ حدثت فيه الروح. ولو كانت روحه مخلوقةً قبل بدنه مع جملة أرواح ذريته لَمَا عَجِبت الملائكة من خلقه، ولَمَا تعجَّبت من خلق النار، وقالت: لأي شيء خلَقْتَها؟ وهي ترى أرواحَ بني آدم فيهم المؤمن والكافر، والطيب والخبيث، ولَمَا كانت (^٥) أرواح الكفار كلُّها تبعًا لإبليس، بل كانت الأرواح الكافرةُ مخلوقةً قبل كفره؛ فإن
_________________
(١) (ط): «كيف»، تحريف أو إصلاح!
(٢) يعني: ليت ذلك الحين دام إلى الأبد، وبقي الإنسان شيئًا غير مذكور! قالها خوفًا من القيامة. انظر تفسير الطبري (١/ ٤٦٦) حاشية الأستاذ محمود شاكر.
(٣) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١/ ٤٦٦).
(٤) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١/ ٤٦٨).
(٥) «كانت» ساقط من الأصل. وفي (ط، ن): «وأما أرواح»، كأنّ «لما» غيِّرت إلى «أما» بسبب سقوط «كانت» من الأصول.
[ ٢ / ٥٠٦ ]
الله (^١) سبحانه إنما حكَمَ عليه بالكفر بعد خَلقِ بدنِ آدم وروحِه، ولم يكن قبل ذلك كافرًا (^٢). فكيف تكون الأرواح قبله كافرة ومؤمنة، وهو لم يكن كافرًا إذ ذاك؟ وهل حصل الكفر للأرواح إلا بتزيينه وإغوائه؟ فالأرواح الكافرة إنما حدثت بعد كفره، إلا أن يقال: كانت كلُّها مؤمنةً ثم ارتدَّت بسببه. والذي احتجُّوا به على تقدُّم (^٣) خلق الأرواح يخالف ذلك.
وفي حديث أبي هريرة في تخليق العالم: الإخبار عن خَلْقِ أجناس العالم، وتأخُّر خلق آدم إلى يوم الجمعة، ولو كانت الأرواح مخلوقةً قبل الأجساد لكانت من جملة العالم المخلوق في ستة أيام. فلمَّا لم يخبر عن خلقها في هذه الأيام عُلِم أنَّ خلقها تابعٌ لخلق الذرية، وأنَّ خلق آدم وحده هو الذي وقع في تلك الأيام الستة. وأما خلق ذريته، فعلى الوجه المشاهَد المعايَن.
ولو كان للروح وجودٌ قبل البدن، وهي حية عالمة ناطقة، لكانت ذاكرةً لذلك في هذا العالم شاعرةً به، ولو بوجه ما. ومن الممتنِع أن تكونَ حيةً عالمةً ناطقةً عارفةً بربِّها، وهي بين ملأ من الأرواح، ثم تنتقلَ إلى هذا البدن ولا تشعرَ بحالها قبل ذلك بوجه ما. وإذا كانت بعد المفارقة تشعر بحالها وهي في البدن على التفصيل، وتعلم ما كانت (^٤) عليه هاهنا ــ مع أنها اكتسبت بالبدن أمورًا عاقتها عن كثير من كمالها (^٥) ــ فلَأن تشعرَ بحالها
_________________
(١) (ن): «فالله».
(٢) (أ، ق): «كافر».
(٣) (أ، ق): «تقديم».
(٤) «بعد كانت» ساقط من الأصل لانتقال النظر.
(٥) (ب، ج): «حالها».
[ ٢ / ٥٠٧ ]
[١١٤ أ] الأول، وهي غير مَعُوقة هناك (^١)، بطريق الأولى. إلا أن يقال: تعلُّقُها بالبدن واشتغالُها بتدبيره مَنَعها من شعورها بحالها الأول، فنقول: هَبْ أنه منعها من شعورها به على التفصيل والكمال، فهل يمنعُها عن أدنى شعورٍ بوجهٍ ما مما (^٢) كانت عليه قبل تعلُّقها بالبدن؟ ومعلوم أنَّ تعلقَها بالبدن لم يمنعها عن الشعور بأول أحوالها وهي في البدن، فكيف يمنعها من الشعور بما كان قبل ذلك!
وأيضًا فإنها لو كانت موجودةً قبل البدن لكانت عالمة حية (^٣) ناطقة عاقلة، فلمَّا تعلَّقتْ بالبدن سُلِبتْ ذلك كلَّه، ثم حدث لها الشعور والعلم والعقل شيئًا فشيئًا. وهذا لو كان لكان من أعجَب الأمور أن تكون الروحُ كاملةً عاقلةً ثم تعود ناقصةً ضعيفةً جاهلةً، ثم تعود بعد ذلك إلى عقلها وقوتها. فأين في العقل والنقل والفطرة ما يدلُّ على هذا؟ وقد قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨].
فهذه الحال التي أُخْرِجنا عليها هي حالنا الأصلية، والعلم والعقل والمعرفة والقوة طارئ (^٤) علينا حادث فينا بعد أن لم يكنْ. ولم نكن نعلمُ قبل ذلك شيئًا البتَّة، إذ لم يكن لنا وجودٌ نعلم ونعقل به.
_________________
(١) في الأصل بعده: «ولا»، وكذا في (ق). وفي (ن، غ): «أولا» وضبط في (ن) بتنوين اللام.
(٢) (ب، ج): «بما».
(٣) (ب، ج): «حية عالمة».
(٤) رسمها في الأصل وغيره: «طارٍ».
[ ٢ / ٥٠٨ ]
وأيضًا فلو كانت مخلوقةً قبل الأجساد، وهي على ما هي (^١) عليه الآن من طيبٍ وخبث، وكفر وإيمان، وخير وشر لكان ذلك ثابتًا لها قبل الأعمال. وهي إنما اكتسبت هذه الصفات والهيئات من أعمالها التي سَعَتْ في طلبها واستعانت عليها بالبدن، فلم تكن تَتَّصِف (^٢) بتلك الهيئات والصفات قبل قيامها بالأبدان التي بها عَمِلت تلك الأعمالَ.
وإن كان قُدِّر لها قبل إيجادها ذلك، ثم [١١٤ ب] خرجت إلى هذه الدار على ما قدر لها، فنحن لا ننكر الكتاب والقَدَر السابقَ لها من الله. ولو دلَّ دليلٌ على أنها خُلِقت جملةً، ثم أودعت في مكان حيةً عالمةً ناطقةً، ثم كلَّ وقت (^٣) تبرزُ إلى أبدانها شيئًا فشيئًا، لكُنَّا أولَ قائل به؛ فالله سبحانه على كل شيء قدير، ولكن لا نخبرُ عنه خلقًا وأمرًا إلا بما أخبر به عن نفسه على لسان رسوله - ﷺ -. ومعلوم أنَّ الرسول - ﷺ - لم يخبر عنه بذلك، وإنما أخبر بما في الحديث الصحيح: «إنَّ خلقَ ابن آدم يُجمَع في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقةً مثلَ ذلك، ثم يكون مضغةً مثل ذلك، ثم يُرسَل إليه الملكُ، فينفخُ فيه الروح» (^٤).
فالملَكُ وحده يُرسَل إليه، فينفُخ فيه، فإذا نفَخَ فيه كان ذلك سببَ حدوث الروح فيه. ولم يقل: يرسَل الملكُ إليه (^٥) بالروح، فيُدْخِلُها في
_________________
(١) لم ترد في الأصل.
(٢) (ق، ن): «لتتصف».
(٣) (ق): «في كل وقت».
(٤) أخرجه البخاري (٣٢٠٨) ومسلم (٢٦٤٣) من حديث ابن مسعود.
(٥) (ب، ج، ن): «إليه الملك».
[ ٢ / ٥٠٩ ]
بدنه. وإنما أُرسل إليه الملكُ وحده، فأحدثَ فيه الروح بنفخته فيه، لا أنَّ الله سبحانه أرسل إليه الروح التي كانت موجودة قبل ذلك بالزمن الطويل مع الملَك. ففرقٌ بين أن يُرسَل إليه ملكٌ ينفخ فيه الروحَ، وبين أن يُرسَل إليه روحٌ مخلوقةٌ قائمة بنفسها مع الملَك. وتأمَّلْ ما دلَّ عليه النصُّ من هذين المعنيين. وبالله التوفيق.
[ ٢ / ٥١٠ ]