فصل
وأما المسألة الحادية والعشرون (^١)
وهي: هل النفس واحدة أم ثلاثة؟
فقد وقع في كلام كثير من الناس أن لابن آدم ثلاثة أنفس (^٢)؛ نفس مطمئنة، ونفس لوَّامة، ونفس أمارة، وأن منهم من تغلب عليه هذه، ومنهم من تغلب عليه الأخرى. ويحتجُّون على ذلك بقوله تعالى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: ٢٧]، وبقوله: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: ١، ٢]، وبقوله: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣].
والتحقيق: أنها نفس واحدة، ولكن لها صفات (^٣)، فتسمَّى باعتبار كل صفة باسم. فتسمى «مطمئنة» باعتبار طمأنينتها إلى ربها بعبوديته، ومحبته، والإنابة إليه، والتوكُّل عليه، والرضا به، والسكون إليه.
وإن سمةَ محبته وخوفه ورجائه فناؤها [عن] محبةِ غيره وخوفه
_________________
(١) (ن): «الثانية والعشرون». وفي (ب): «التاسعة عشر»، ثم ضرب عليها وكتب: «العشرون». ولم يَرد «فصل وأما» في (ن).
(٢) «النفس» بمعنى الروح مؤنثة، وقد وصفها المصنف بالواحدة والمطمئنة وغيرها، ولكن أنث العدد فقال: «ثلاثة» هنا وفي السطر السابق. وفي النسخ المطبوعة: «ثلاث».
(٣) من أول المسألة إلى هنا نقله شارح الطحاوية (٣٨٩ ــ ٣٩٠). وقارن بكلام المصنف في إغاثة اللهفان (١/ ٧٥ وما بعدها).
[ ٢ / ٦٢٢ ]
الطمأنينة إلى الله سبحانه
ورجائه (^١). فتفنى (^٢) بمحبته عن حبِّ ما سواه، وبذكره عن ذكر ما سواه، وبالشوق إليه وإلى لقائه عن الشوق إلى ما سواه.
فالطمأنينةُ إلى الله سبحانه كيفيَّة (^٣) تَرِدُ منه سبحانه [١٤٤ ب] على قلب عبده، تجمعُه عليه، وترُدُّ قلبَه الشاردَ إليه، حتى كأنه جالسٌ بين يديه، يسمع به، ويبصر به، ويتحرك به، ويبطش به. فتسري تلك الطمأنينةُ في نفسه وقلبه ومفاصله وقواه الظاهرة والباطنة، فتنجذب روحُه إلى الله، ويلين جلدُه وقلبُه ومفاصلُه إلى خدمته والتقرُّب إليه.
ولا يمكن حصول الطمأنينة الحقيقية إلا بالله وبذكره، وهو كلامُه الذي أنزله على رسوله، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]. فإنَّ طمأنينةَ القلب سكونُه (^٤)
_________________
(١) في (أ، ب، ط، غ): «وإن سميت محبته وخوفه ورجاه منها محبة غيره ». وفي (ن) بياض في موضعها مع حرف الظاء فوق السطر. وفي (ز): «سمت» مكان «سميت». و«منها» ساقطة من (ب). وفي (ج) تخليط شديد. والظاهر أن في العبارة سقطًا وتحريفًا، وقد أصلحته كما ترى. وفي الطبعة الهندية: «فإنَّ سِمَةَ محبته منها قطعُ النظر عن محبة غيره ». وكذا في نشرة الأستاذ العموش أيضًا دون الإشارة إلى ما في نُسَخه الخطية. ونبَّه الأستاذ بديوي على أن «قطع النظر عن» ساقط من (ب). كأنَّ الزيادة المذكورة واردة في الأصل و(ر). والنسخة الأخيرة بين يديّ، وهي الأصل، وقد خلت كغيرها من هذه الزيادة! والظاهر أن مصحح الطبعة الهندية هو الذي أصلح العبارة على هذا الوجه.
(٢) في النسخ المطبوعة: «فيستغني»، تحريف.
(٣) في (ق، غ، ط، ز): «خفية». وكذا في الأصل غير منقوط. وفي (ن): «منحة»، ولعله إصلاح. وفي (ب، ج): «جميعه». وفي النسخ المطبوعة: «حقيقة». ولعلَّ ما أثبتُّه أقرب.
(٤) (ب): «بسكونه». (ز): «وسكونه».
[ ٢ / ٦٢٣ ]
حقيقة الطمأنينة
واستقرارُه بزوال (^١) القلق والانزعاج والاضطراب عنه، وهذا لا يتأتَّى بشيء سوى الله وذكرِه البتَّة. وأما ما عداه، فالطمأنينةُ إليه وبه غرورٌ، والثقةُ به عَجْزٌ.
قضى الله ﷾ قضاءً لا مردَّ له: أنَّ من اطمأن إلى شيءٍ (^٢) سواه أتاه القلق والانزعاج والاضطراب من جهته، كائنًا ما كان؛ بل لو اطمأنَّ العبد إلى علمه وحاله وعمله (^٣) سُلِبَه وزايَلَه.
وقد جعل الله سبحانه نفوسَ المطمئنين إلى سواه أغراضًا لسهام البلاء، ليعلّم عباده وأولياءه أنَّ المتعلِّق بغيره مقطوعٌ، والمطمئنَّ إلى سواه عن مصالحه ومقاصده مصدودٌ وممنوع.
وحقيقة الطمأنينة التي تصير بها النفس مطمئنةً: أن تطمئن (^٤) في باب معرفة أسمائه وصفاته ونعوت كماله إلى خبره الذي أخبر به عن نفسه، وأخبرَتْ به عنه رسلُه؛ فتتلقاه بالقبول والتسليم والإذعان، وانشراح الصدر له، وفرحِ القلب به؛ فإنه تعرُّفٌ (^٥) من تعرُّفات الربِّ سبحانه إلى عبده على لسان رسوله. فلا يزال القلب في أعظم القلق والاضطراب في هذا الباب حتى يخالطَ الإيمانُ بأسماء الربِّ تعالى وصفاتِه وتوحيدِه وعلُوِّه على عرشه وتكلُّمِه بالوحي بشاشةَ قلبه. فينزلُ ذلك عليه نزولَ الماء الزُّلالِ على القلب
_________________
(١) (ب): «ويزول به».
(٢) ساقط من (ق).
(٣) ساقط من (ط).
(٤) (ب، ق): «تظهر»، تصحيف.
(٥) ما عدا (ب، ج): «معرفة». وكذلك «تعرّفات» تصحف في غيرهما إلى «تقربات»، والأصل غير منقوط.
[ ٢ / ٦٢٤ ]
الملتهِب بالعطش، فيطمئنُّ إليه، ويسكن إليه، ويفرح [١٤٥ ب] به، ويلين إليه (^١) قلبه ومفاصله، حتى كأنه شاهدَ الأمر كما أخبرت به الرسلُ. بل يصير ذلك لقلبه بمنزلةِ رؤية الشمس في الظهيرة لعينه (^٢)، فلو خالفه في ذلك مَن بين شرقِ الأرض وغربِها لم يلتفت إلى خلافهم، وقال إذا استوحش من الغربة: قد كان الصدِّيق الأكبر مطمئنًّا بالإيمان وحده، وجميعُ أهل الأرض يخالفُه، وما نقَصَ ذلك من طمأنينته شيئًا. فهذا أول (^٣) درجات الطمأنينة، ثم لا يزال يقوَى كلما سمع بآية متضمنة (^٤) لصفة من صفات ربه. وهذا أمر لا نهاية له.
فهذه الطمأنينةُ أصلُ أصولِ الإيمان التي عليها قام بناؤه. ثم يطمئنُّ إلى خبره عما بعدَ الموتِ من أمور البرزخ وما بعدها من أحوال القيامة، حتى كأنه يشاهدُ ذلك كلَّه عِيانًا. وهذا حقيقةُ اليقين الذي وصف به سبحانه أهلَ الإيمان حيث قال: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤].
فلا يحصل الإيمان بالآخرة حتى يطمئنَّ القلبُ إلى ما أخبرَ الله سبحانه به (^٥) عنها طمأنينتَه إلى الأمور التي لا يشكُّ فيها ولا يرتاب. فهذا هو
_________________
(١) ما عدا (أ، غ): «له».
(٢) (ن، ز): «بعينه»، تصحيف.
(٣) في (أ، ق): «أولى».
(٤) في الأصل: «متضمن». وكذا في (ب، ج، ق). ومن ثم قراءة (ب، ج): «بأثر» مكان «بآية»؛ لأن الآية مؤنثة. وفي (ق، ز): «بأنه»، خطأ. وفي (ط، غ): «تتضمن»، وفي (ن): «تتضمن صفة».
(٥) ساقط من (ب، ط).
[ ٢ / ٦٢٥ ]
المؤمن حقًّا باليوم الآخر، كما في حديث حارثة: أصبحتُ مؤمنًا حقًّا، فقال رسول الله - ﷺ -: «إن لكل حقٍّ حقيقةً فما حقيقةُ إيمانك؟» قال: عَزَفتْ نفسي عن الدنيا وأهلها، وكأني أنظر إلى عرش ربِّي بارزًا، وإلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وإلى أهل النار يعذَّبون فيها. فقال: «عبدٌ نوَّر الله قلبَه» (^١).
_________________
(١) أخرجه البزار في مسنده (٦٩٤٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٠٥٨٩) من طريق يوسف بن عطية، عن ثابت، عن أنس: أن النبي - ﷺ - لقي رجلًا يقال له حارثة في بعض سكك المدينة، فقال: «كيف أصبحت يا حارثة؟» قال: أصبحتُ مؤمنًا حقًّا، قال (فذكره بنحوه). وهو عند البيهقي في سياق أطول وسماه: حارثة بن النعمان. قال الحافظ في «الإصابة» ترجمة (الحارث بن مالك الأنصاري) (٢/ ٣٩٤): «وهو ضعيف جدًّا» ونقل عن البيهقي قوله: «هذا منكر، وقد خبط فيه يوسف، فقال مرة: الحارث، وقال مرة: حارثة». ومن هذا الوجه أخرجه العقيلي في «الضعفاء» (٤/ ٤٥٥) في ترجمة (يوسف بن عطية) ونقل عن البخاري قوله فيه: «منكر الحديث» وعن ابن معين قوله: «ليس بشيء». وقال عقب الحديث: «ليس لهذا الحديث إسناد يثبت» اهـ. وروي بأسانيد مرسلة ومعضلة أورد بعضها الحافظ في الإصابة، وجاء موصولًا من طريق آخر أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٣٣٦٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٠٥٩٢) من طريق ابن لهيعة، عن خالد بن يزيد السكسكي، عن سعيد بن أبي هلال، عن محمد ابن أبي الجهم، عن الحارث بن مالك الأنصاري، أنه مرَّ برسول الله - ﷺ - فقال له: «كيف أصبحت يا حارث؟» الحديث. قال الهيثمي في المجمع (١/ ٥٧): «وفيه ابن لهيعة، وفيه من يحتاج إلى الكشف عنه». لعله يعني محمد ابن أبي الجهم وقد ذُكر في الصحابة على سبيل الخطأ؛ كما نبّه على ذلك الحافظ ابن حجر حيث ترجمه في القسم الرابع من الإصابة (٨٥٤٦) فقال: «محمد بن أبي الجهم، ذكره محمد بن عثمان بن أبي شيبة في المقلين من الصحابة، وأورده أبو نعيم وقال: لا أُراه صحيحًا. قلت: بل هو من أتباع التابعين روى حديثًا فأرسله فغلِط بعضُ رواته في لفظ منه». ثم فرَّق بينه وبين محمد ابن أبي الجهم بن حذيفة العدوي المترجم في الجرح والتعديل (٧/ ٢٢٤) وغيره. وعليه فيكون مجهولًا. وقد ضعَّف الحديثين الحافظ العراقي في المغني عن حمل الأسفار (٣٩٩١). (قالمي).
[ ٢ / ٦٢٦ ]
فصل: الطمأنينة إلى أسماء الرب تعالى وصفاته نوعان
فصل
والطمأنينةُ إلى أسماء الربِّ تعالى وصفاته نوعان: طمأنينةٌ إلى الإيمانِ بها وإثباتِها واعتقادِها، وطمأنينةٌ إلى ما تقتضيه وتُوجِبه من آثار العبودية.
مثاله: الطمأنينةُ إلى القَدَر. فإثباتُه (^١) والإيمانُ به يقتضي الطمأنينةَ إلى مواضع الأقدار التي لم يؤمر العبد بدفعها، ولا قدرَة له على دفعها. فيسلِّم لها، ويرضَى بها، ولا يتسخَّط ولا يشكو، ولا يضطرب إيمانه. فلا يأسَى (^٢) على ما فاته، ولا يفرح بما أتاه؛ لأنَّ المصيبة [١٤٥ ب] فيه مقدَّرة قبل أن تصل إليه، وقبل أن يُخلَق، كما قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٢، ٢٣].
وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١]. قال غير واحد من السلف: هو العبد تصيبه المصيبة، فيعلمُ أنها من عند الله، فيرضى، ويسلِّم (^٣).
_________________
(١) رسمها في الأصل يحتمل الفاء والواو. وفي غيره: «والإثبات». وضبط في بعض النسخ بكسر التاء. والتصحيف بين الواو والفاء في هذه النسخ كثير جدًّا.
(٢) (ط): «ولا يأسى».
(٣) أخرجه الطبري في تفسيره (٢٣/ ١٢) عن علقمة بن قيس. وانظر: الدر المنثور (١٤/ ٥١٤).
[ ٢ / ٦٢٧ ]
طمأنينة الإحسان
فهذه طمأنينة إلى أحكام الصفات وموجباتها وآثارها في العالَم، وهي قَدرٌ زائد على الطمأنينة بمجرَّد العلم بها واعتقادها. وكذلك سائر الصفات وآثارها ومتعلقاتها، كالسمع والبصر والعلم والرضا والغضب والمحبة. فهذه طمأنينة الإيمان.
وأما طمأنينة الإحسان فهي: الطمأنينة إلى أمره امتثالًا وإخلاصًا ونصحًا. فلا يُقَدِّم على أمره إرادةً ولا هوًى ولا تقليدًا، فلا يساكن شبهةً تعارض خبرَه، ولا شهوةً تعارض أمرَه، بل إذا مرَّت به أنزلها منزلةَ الوساوس التي لَأنْ يَخِرَّ من السماء إلى الأرض أحبُّ إليه من أن يجدها، فهذا ــ كما قال النبي - ﷺ - ــ «صريحُ الإيمان» (^١). وعلامةُ هذه الطمأنينة أن يطمئن من قلق المعصية وانزعاجها إلى سكون التوبة وحلاوتها وفرحتها. ويسهِّل عليه ذلك أن يعلم (^٢) أنَّ اللذة والحلاوة والفرحة التي في الظفر بالتوبة أضعافُ أضعافِ اللذة والحلاوة والفرحة التي في الظفر (^٣) بالمعصية. وهذا أمر لا يعرفه إلا من ذاق الأمرَيْن وباشر قلبُه آثارهما.
فللتوبة (^٤) طمأنينةٌ تقابل ما في المعصية من الانزعاج والقلق، ولو فتَّش العاصي عن قلبه لوجَد حشوَه المخاوفَ والانزعاج والقلق والاضطراب.
_________________
(١) يشير إلى ما أخرجه مسلم (١٣٢) من حديث أبي هريرة.
(٢) في النسخ المطبوعة: «بأن يعلم» لما قرؤوا: «يسهُل».
(٣) «بالتوبة الظفر» ساقط من الأصل، وكذا من (ب، ج، ق) وجميع النسخ المطبوعة، إلا أن ناشر الطبعة الهندية ــ وتابعه الآخرون ــ أثبت «بالتوبة» مكان «بالمعصية» وحذف «التي»، ليصح المعنى.
(٤) (ب، ج): «وللتوبة».
[ ٢ / ٦٢٨ ]
فصل: سر لطيف يجب التنبيه عليه والتنبه له
وإنما يواري عنه شهودَ ذلك سُكْرُ الغفلة والشهوة، فإن للشهوة (^١) سُكرًا يزيد على سكر الخمر، وكذلك الغضبُ له سكر أعظم من سكر الشراب. ولهذا ترى العاشقَ (^٢) والغضبان يفعل ما لا يفعله شارب الخمر.
وكذلك يطمئن (^٣) من قلق الغفلة والإعراض إلى سكون الإقبال على الله وحلاوة ذكره وتعلُّق الروح [١٤٦ أ] بحبه ومعرفته، فلا طمأنينة للروح بدون هذا أبدًا. ولو أنصفَت نفسَها لرأتها (^٤) إذا فقدت ذلك في غاية الانزعاج والقلق والاضطراب، ولكن تُواريها السَّكرة، فإذا كُشِفَ الغطاء تبيَّن له حقيقة ما كان فيه.
فصل
وهاهنا سرٌّ لطيف يجب التنبيه عليه والتنبُّه له (^٥)، والتوفيقُ له بيد مَن أزِمَّةُ التوفيق بيديه (^٦)، وهو أنَّ الله سبحانه جعل لكل عضوٍ من أعضاء الإنسان كمالًا إن لم يحصل له وإلا (^٧) فهو في قلق واضطراب وانزعاج،
_________________
(١) (أ، ق، غ): «لكل شهوة».
(٢) ما عدا (ب، ج، غ): «الفاسق».
(٣) ما عدا (ط، ج، ز): «يظهر»، تصحيف.
(٤) ما عدا (ب، ج، غ): «لذاتها»، تصحيف.
(٥) (ط): «يجب تبيينه والتنبيه عليه».
(٦) ما عدا (أ، ق، غ): «بيده». وفي (ط): «بين يديه وبيديه».
(٧) كذا في جميع النسخ، ولا يستقيم المعنى إلا بحذف «وإلا». وهو من الأخطاء الشائعة في عهد المؤلف. انظر ما علقت في طريق الهجرتين (٤٥) وقد تعوَّد الناشرون حذفها دون الإشارة إلى ما في أصولهم.
[ ٢ / ٦٢٩ ]
أقوال السلف في النفس المطمئنة
بسبب فقدِ كماله الذي جُعِل له. مثاله: كمال العين بالإبصار، وكمال الأذن بالسمع، وكمال اللسان بالنطق. فإذا عَدِمتْ هذه الأعضاء القوى التي بها كمالُها حصَل الألم والنقص بحسب فوات ذلك.
وجَعَل كمال القلب ونعيمَه وسروره ولذته وابتهاجه في معرفته سبحانه، وإرادته، ومحبته، والإنابة إليه، والإقبال عليه، والشوق إليه، والأنس به. فإذا عَدِمَ القلبُ ذلك كان أشدَّ عذابًا واضطرابًا من العين التي فقدت النور الباصر، ومن اللسان الذي فقدَ قوة الكلام والذوق. ولا سبيلَ له إلى الطمأنينة بوجه من الوجوه، ولو نال من الدنيا وأسبابها ومن العلوم ما نال، إلا بأن يكون الله وحده هو محبوبَه وإلاهه ومعبودَه وغايةَ مطلوبه، ويكون هو وحده مستعانَه على تحصيل ذلك. فحقيقة الأمر أنه لا طمأنينة له بدون التحقُّق (^١) بـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥].
وأقوالُ المفسرين في «المطمئنة» ترجع إلى ذلك (^٢).
قال ابن عباس: المطمئنة: المصدِّقة.
وقال قتادة: هو المؤمن اطمأنت نفسه إلى ما وعد الله.
وقال الحسن: المصدِّقة (^٣) بما قال الله تعالى.
_________________
(١) ما عدا (ج، ز): «التحقيق».
(٢) انظر الأقوال الآتية بترتيبها في تفسير الطبري (٢٤/ ٣٩٣ ــ ٣٩٤). وقد ذكرها المصنف على هذا الترتيب أيضًا في إغاثة اللهفان (١/ ٧٦) إلا قول مجاهد فإنه لم يُفصِّل رواياته فيه كتفصيلها هنا.
(٣) «وقال قتادة المصدقة» ساقط من الأصل.
[ ٢ / ٦٣٠ ]
فصل: اليقظة أول مفاتيح الخير
وقال مجاهد: هي النفس التي أيقنَتْ بأن الله ربُّها، المسلِّمةُ لأمره فيما هو فاعل بها (^١).
وروى منصور عنه (^٢) قال: النفس التي أيقنت أن الله ربُّها، وضربت جأشًا لأمره وطاعته.
وقال ابن أبي نَجيح عنه: النفس المطمئنة المخبِتة إلى الله.
وقال أيضًا: هي التي أيقنت بلقاء الله (^٣).
فكلام السلف (^٤) في «المطمئنة» يدور [١٤٦ ب] على هذين الأصلين: طمأنينة العلم والإيمان، وطمأنينة الإرادة والعمل.
فصل
فإذا اطمأنت من الشكِّ إلى اليقين، ومن الجهل إلى العلم، ومن الغفلة إلى الذكر، ومن الخيانة إلى التوبة، ومن الرياء إلى الإخلاص، ومن الكذب إلى الصدق، ومن العجز إلى الكَيْس، ومن صَولة العُجب إلى ذلَّة الإخبات، ومن التِّيه إلى التواضع، ومن الفتور إلى العمل= فقد باشرتْ روحَ الطمأنينة.
وأصل ذلك كلِّه ومنشؤه من اليقظة، فهي أولُ مفاتيح الخير، فإن الغافل عن الاستعداد للقاء ربه والتزود لمعاده بمنزلة النائم، بل أسوأُ حالًا منه؟ فإن
_________________
(١) قال الطبري: «وقال آخرون: بل معنى ذلك: الموقنة بأن الله ربُّها بها». فهذه ترجمة الطبري لقول الآخرين لا نص قول مجاهد الذي أورده بالألفاظ الآتية.
(٢) بعده في (ب، ج): «يعني مجاهدًا».
(٣) هذا القول أيضًا رواه منصور عن مجاهد.
(٤) (ب، ج، ق): «وكلام السلف».
[ ٢ / ٦٣١ ]
فصل: آثار اليقظة وموجباتها
الغافل (^١) يعلمُ وعد الله ووعيدَه وما تتقاضاه أوامر الرب تعالى ونواهيه وأحكامُه من الحقوق، لكن يحجبُه عن حقيقة الإدراك ويُقعده عن الاستدراك سِنةُ القلب، وهي غفلته التي رقد فيها فطال رقوده، وركد وأخلد (^٢) إلى نوازع الشهوات، فاشتدَّ إخلاده وركوده. وانغمس في غمار الشهوات، واستولت عليه العادات ومخالطةُ أهل البطالات، ورضي بالتشبُّه بأهل إضاعة الأوقات. فهو في رقاده مع النائمين، وفي سَكْرته مع المخمورين. فمتى انكشفت عن قلبه سِنَةُ هذه الغفلة بزجرةٍ من زواجر الحق في قلبه، استجاب فيها لواعظِ الله في قلب عبده المؤمن، أو هِمَّة عليَّةٍ (^٣) أثارها مِعولُ الفكر في المحلِّ القابل، فضرب بمعول فكره، وكبَّر تكبيرةً أضاءت له منها قصورُ الجنة، فقال (^٤):
ألا يا نفسُ ويحكِ ساعديني بسعيٍ منكِ في ظُلَم الليالي
لعلَّكِ في القيامة أن تفوزي بطِيبِ العيشِ في تلك العلالي
فأنارت (^٥) له تلك الفكرةُ نورًا رأى في ضوئه ما خُلِق له وما سيلقاه بين
_________________
(١) في الأصل: «العاقل». وكذا في (ق، غ، ج). وفي (ب): «العالم».
(٢) رسمها في الأصل: «ركد خلده». ونحوه في (ق، غ، ط). وفي (ز): «ركد مخلدًا». وفي (ب، ج) حذف «وركد». والمثبت من (ن). وكذا في النسخ المطبوعة.
(٣) قرأها الناسخون والناشرون «عليه». فحذف ناسخ (ط): «همة»، وناسخ (ن) الكلمتين.
(٤) البيتان لرجل من بني سعد كما في التهجد وقيام الليل لابن أبي الدنيا (١٤١). وانظر: صفة الصفوة (٤/ ٥٩) وتذكرة القرطبي (٩٦٧).
(٥) ما عدا (ز): «فأثارت». وكذا في النسخ المطبوعة. والأصل غير منقوط.
[ ٢ / ٦٣٢ ]
يديه من حين الموتِ إلى دخول دار القرار. ورأى سرعةَ انقضاء الدنيا، وعَدَم وفائها لبنيها، وقتلَها لعُشَّاقها وفعلَها بهم أنواع المَثُلات. فنهض في ذلك الضوء على ساقِ [١٤٧ أ] عزمه قائلًا: ﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦]. فاستقبل بقيةَ عُمره التي لا قيمة لها مستدركًا بها ما فات، محييًا بها ما أمات، مستقيلًا (^١) بها ما تقدَّم له من العثَرات، منتهزًا فرصةَ الإمكان التي إن فاتت فاته جميعُ الخيرات.
ثم يلحظ في نور تلك اليقظة وفود (^٢) نعمة ربِّه عليه من حين استقرَّ في الرحِم إلى وقته، وهو يتقلب فيها ظاهرًا وباطنًا ليلًا ونهارًا، يقظةً ومنامًا، سرًّا وعلانيةً. فلو اجتهد على إحصاء أنواعها لما قَدَر، ويكفي أنَّ أدناها نعمةُ النفَس، ولله عليه في كلِّ يوم أربعة وعشرون ألفَ نعمة، فما ظنُّك بغيرها؟ (^٣).
ثم يرى في ضوء ذلك النورِ أنه آيسٌ من حصرها وإحصائها، عاجزٌ عن أداء حقِّها، وأنَّ المنعِم بها إن طالبه بحقوقها استوعب جميعَ أعماله حقُّ نعمةٍ واحدة منها، فيتيقَّن (^٤) حينئذ أنه لا مطمعَ له في النجاة إلا بعفو الله ورحمته وفضله (^٥).
_________________
(١) في النسخ المطبوعة ما عدا الطبعة الهندية: «مستقبلًا»، تصحيف.
(٢) في (ن): «وقوَّة»، تحريف. وفي غيرهما جميعًا ما أثبتنا، يعني الورود والقدوم. وفي نشرتي العموش وبديوي: «وفور»، تحريف.
(٣) انظر: التبيان في أيمان القرآن (٤٦٤، ٦٢١)، وطريق الهجرتين (١١٤)، ومفتاح دار السعادة (٢/ ٥٤).
(٤) (ب، ط، ق، غ): «فتيقَّن».
(٥) «منها فضله» ساقط من (ن، ز).
[ ٢ / ٦٣٣ ]
ثم يرى في ضوء تلك اليقظةِ أنه لو عمل أعمال الثَّقَلَين من البرِّ لاحتقرَها إلى جنب (^١) عظمةِ الربِّ تعالى وما يستحقُّه بجلال وجهه وعظيم سلطانه. هذا لو كانت أعمالُه منه، فكيف وهي مجرَّدُ فضلِ الله ومنَّتِه (^٢) وإحسانِه؛ حيث يسَّرها له، وأعانه عليها، وهيَّأه لها، وشاءها منه، وكوَّنها. ولو لم يفعل ذلك لم يكن له سبيل إليها، فحينئذٍ لا يرى أعمالَه منه.
وإن الله سبحانه لن يقبل عملًا يراه صاحبُه من نفسه حتى يراه عينَ توفيقِ الله له، وفضلِه عليه، ومنَّتِه عليه، وأنه من الله لا من نفسه، وأنه ليس له من نفسه إلا الشرُّ وأسبابُه. وما به من نعمة، فمن الله وحده، صدقةٌ تصدَّق بها عليه، وفضلٌ (^٣) منه ساقه إليه، من غير أن يستحقَّه بسبب، أو يستأهِلَه بوسيلة. فيرى ربَّه ووليَّه ومعبودَه أهلًا لكلِّ خير، ويرى نفسه أهلًا لكل شر. وهذا أساس جميع الأعمال الصالحة، الظاهرة والباطنة. وهو الذي يرفعها، ويجعلها في ديوان أصحاب [١٤٧ ب] اليمين.
ثم تبرقُ له في نور تلك اليقظة بارقةٌ أخرى، يرى في ضوئها عيوبَ نفسه وآفاتِ عمله، وما تقدَّم له من الجنايات والإساءات وهتكِ الحرمات، والتقاعدِ عن كثير من الحقوق والواجبات. فإذا انضم ذلك إلى شهودِ نِعَم الله عليه وأياديه لديه رأى أنَّ حقَّ المنعِم عليه في نعمِه وأوامره لم يُبقِ له حسنةً واحدةً يرفع بها رأسه. فتطامَنَ (^٤) قلبه، وانكسرت نفسه، وخشعت
_________________
(١) في الأصل: «بالنسبة إلى جنب». وكذا في (ق، غ، ط). والظاهر أنه سهو. فحذف «جنب» في (ب، ج، ز، ن) وكذا في النسخ المطبوعة. وفضَّلتُ حذف «بالنسبة».
(٢) زاد في (ن): «وهدايته».
(٣) في النسخ المطبوعة: «فضلًا» خلافًا لما في النسخ الخطية.
(٤) في (ط، غ): «فيطمئن». وكذا في النسخ المطبوعة، وهو تصحيف.
[ ٢ / ٦٣٤ ]
جوارحه، وسار إلى الله ناكسَ الرأس بين مشاهدةِ نعمه، ومطالعة جناياته وعيوب نفسه وآفات عمله، قائلًا: «أبوء لك بنعمتك عليَّ، وأبوء لك بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» (^١).
فلا يرى لنفسه حسنةً، ولا يراها أهلًا لخير، فيُوجب له أمرين عظيمين: أحدهما: استكثارُ ما منَّ الله عليه (^٢). والثاني: استقلالُ ما مِنه من الطاعة، كائنةً ما كانت.
ثم تبرُق له بارقة أخرى، يرى في ضوئها عزَّةَ وقته (^٣) وخطرَه وشرفَه، وأنه رأسُ مال سعادته، فيبخل به أن يضيِّعه فيما لا يقرِّبُه إلى ربِّه، فإنَّ في إضاعته الخسرانَ والحسرةَ والندامة، وفي حفظه وعِمارته الربح والسعادة، فيشحُّ بأنفاسه أن يضيِّعها فيما لا ينفعه يوم معاده.
فصل (^٤)
ثم يلحظ في ضوء تلك البارقةِ ما تقتضيه يقظته من سِنةِ غفلته: من التوبة والمحاسبة والمراقبة، والغَيرة لربه أن يؤثر عليه غيرَه، وعلى حظِّه من رضاه وقربه وكرامته أن يبيعه بثمن بخس في دارٍ سريعةِ الزوال، وعلى نفسه أن يُملِّك رِقَّها لمعشوق لو فكَّر في منتهى حسنه ورأى آخره بعين بصيرته لأنِفَ لها من محبته.
_________________
(١) جزء من سيد الاستغفار. أخرجه البخاري (٦٣٠٦) من حديث شداد بن أوس. وانظر شرحه في طريق الهجرتين (٢٠٣ ــ ٢٠٥)، (٣٥٧ ــ ٣٥٩).
(٢) (ن، ز): «مِن الله إليه».
(٣) (ب، ج): «عزّه ورفعه»، تحريف.
(٤) لم ترد كلمة «فصل» في (ن، ز).
[ ٢ / ٦٣٥ ]
فصل: النفس اللوامة
فهذا كله من آثار اليقظة وموجَباتها. وهي أول منازل النفس المطمئنة التي نشأ منها سفرُها إلى الله والدار الآخرة.
فصل
وأما اللوَّامة، وهي التي أقسم بها سبحانه في قوله: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: ٢]، فاختُلف فيها. فقالت طائفة: هي التي لا تثبتُ على حال واحدة (^١).
أخذوا اللفظةَ [١٤٨ أ] من التلوُّم، وهو التردُّد، فهي كثيرة التقلُّب
_________________
(١) لم أجد في كتب التفسير ولا في كتب اللغة أن النفس اللوَّامة هي التي لا تثبت على حال واحدة، وأن اللفظ مأخوذ من التلوُّم، وأن التلوُّم بمعنى التقلب والتلون. وقد تكلَّم المؤلف ﵀ على معنى اللوامة في مدارج السالكين، والتبيان في أيمان القرآن، وإغاثة اللهفان أيضًا. أما المدارج (٢/ ٦ ــ ٧) فاقتصر فيه على إيراد أقوال سعيد بن جبير وعكرمة وقتادة ومجاهد والفراء والحسن ومقاتل، ولم يشر البتة إلى معنى التلون والتردد. وأما في التبيان (٢٢ - ٢٥) فذكر ثلاثة أقوال للسلف في المراد بالنفس اللوَّامة، ليس منها معنى التلون، غير أنه قال في آخر كلامه: «ولأنها متلومة مترددة لا تثبت على حال واحدة، فهي محتاجة إلى من يعرِّفها الخير والشرّ ..». وأما إغاثة اللهفان فنصَّ فيه على الخلاف في اشتقاق اللوَّامة «هل هي من التلوُّم، وهو: التلون والتردد، أو من اللَّوم». وذكر أن «عبارات السلف تدور على هذين المعنيين» ثم ساق أقوال سعيد بن جبير ومجاهد وقتادة وعكرمة وابن عباس والحسن وقال: «فهذه عبارات من ذهب إلى أنها من اللَّوم. وأما من جعلها من التلوُّم فلكثرة ترددها وتلوُّمها وأنها لا تستقر على حال واحدة». وسكت، فلم يسمِّ أحدًا ممن جعلها من التلوُّم، ولا أورد قولًا يدل على معنى التلون أو يدور عليه. وهكذا هنا أيضًا نسب هذا القول إلى طائفة دون أن يشير إلى أحد منهم. وقد رجَّح في الإغاثة القولَ بأنها مأخوذة من اللوم لا من التلوُّم «فإن هذا المعنى لو أريد لقيل: المتلوِّمة، كما يقال: المتلونة والمترددة؛ ولكن هو من لوازم القول الأول». وقد ذهب عليه ــ ﵀ ــ أن التلوُّم في اللغة لم يرد بمعنى التلون والتقلب من حال إلى حال، وإنما هو: التلبُّث والتمكُّث والتثبت والانتظار. في حديث علي ﵁: «إذا أجنَبَ في السفر تلوَّمَ ما بينه وبين آخر الوقت، فإن لم يجد الماء تيمَّم وصلَّى». تلوَّم، أي انتظَر. وكذلك في حديث عمرو بن سلمة الجرَمي: «وكانت العرب تلوَّمُ بإسلامهم الفتحَ» أي تنتظر. الحديثان أخرجهما البيهقي في السنن الكبرى (٤٣٦٤، ٥٣٤١) وغيره. وانظر شرحهما في النهاية لابن الأثير (٤/ ٢٧٨). ومنه قول عمر بن عبد العزيز: «إنما التلوُّم قبل الغشيان» يعني التثبت والنظر. قاله الحربي في غريبه (١/ ٣٢٨). والقصة في كتاب القضاء لسريج بن يونس (٨٦). ومنه قول عنترة في معلقته: فوقفتُ فيها ناقتي وكأنها فدَنٌ لأقضيَ حاجةَ المتلوِّم قال ابن الأنباري: «يقول: لأقضي حاجتي التي تلوَّمت لها، أي تمكثتُ. يقول الرجل لصاحبه: تلوَّم عليَّ، أي تحبَّسْ وتمكَّث». شرح القصائد السبع (٢٩٧). ثم قرأت كلام شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (٩/ ٢٩٤): «النفس اللوَّامة، وهي التي تذنب وتتوب، فعنها خير وشر، لكن إذا فعلت الشر تابت وأنابت، فتسمَّى لوامة، لأنها تلوم صاحبها على الذنوب، ولأنها تتلوَّم، أي تتردد بين الخير والشر». وقال أيضًا: «٢٨/ ١٤٨): «التي تفعل الذنب ثم تلوم عليه، وتتلون تارة كذا، وتارة كذا، وتخلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا». وانظر أيضًا (١٠/ ٦٣٢). ولعل المصنف ﵀ بنى كلامه في ذكر الخلاف في التفسير والاشتقاق على نحو هذا الكلام من كلام شيخه، وسمَّاه «طائفة»، ولا غرو، فإنه ﵀ كان أمَّةً وحده. والله أعلم.
[ ٢ / ٦٣٦ ]
والتلوُّن. وهي من أعظم آيات الله، فإنها مخلوق من مخلوقاته تتقلَّب وتتلوَّن في الساعة الواحدة
_________________
(١) فضلًا عن اليوم والشهر والعامِ والعمر ألوانًا متلوِّنةً. فتذكُر وتغفُل، وتُقبِل وتُعرِض، وتلطُف وتكثُف، وتنيب وتجفو، وتحبُّ
[ ٢ / ٦٣٧ ]
وتبغض، وتفرح وتحزن، وترضى وتغضب، وتطيع وتعصي، وتتَّقي (^١) وتفجر، إلى أضعاف أضعاف ذلك من حالاتها وتلوُّنها، فهي تتلون كلَّ وقت ألوانًا كثيرة. فهذا قول.
وقالت طائفة: اللفظة مأخوذة من اللوم. ثم اختلفوا، فقالت فرقة: هي نفس المؤمن، وهذا من صفاتها المحمودة (^٢). قال الحسن البصري: إن (^٣) المؤمن لا تراه إلا يلوم نفسَه دائمًا. يقول: ما أردتُ بهذا؟ لمَ فعلتُ هذا؟ كان غيرُ هذا أولى، ونحوَ هذا من الكلام (^٤).
وقال غيره: هي نفس المؤمن توقِعُه في الذنب، ثم تلومه عليه، فهذا اللوم من الإيمان، بخلاف الشقيِّ فإنه لا يلوم نفسَه على ذنب، بل يلومها، وتلومه على فواته.
وقالت طائفة: بل هذا اللوم للنوعين، فإن كلَّ أحد يلوم نفسه، برًّا كان أو فاجرًا. فالسعيد يلومها على ارتكاب معصية الله وتركِ طاعته، والشقيُّ لا يلومها إلا على فوات حظِّها وهواها.
وقالت فرقة أخرى: هذا اللومُ يومَ القيامة، فإنَّ كلَّ أحد يلوم نفسه: إن كان مسيئًا، على إساءته، وإن كان محسنًا على تقصيره (^٥).
_________________
(١) (ب، ج، ن): «تبغي»، تصحيف.
(٢) في الأصل: «المجردة». وكذا في (ق، غ)، وهو تحريف.
(٣) (ز): «إنه».
(٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور (١٥/ ٩٧) إلى عبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في محاسبة النفس (٤) وقد حكاه المصنف هنا بالمعنى.
(٥) ما عدا (أ، ق، غ): «فعلى تقصيره».
[ ٢ / ٦٣٨ ]
فصل: النفس الأمارة
وهذه الأقوال كلها حقٌّ، ولا تنافي بينها، فإن النفس موصوفة بهذا كلِّه، وباعتباره سميت لوَّامةً، ولكن اللوَّامة نوعان:
لوَّامةٌ مَلُومة: وهي النفس الجاهلة الظالمة التي يلومها الله وملائكته.
ولوَّامة غيرُ ملومة: وهي التي لا تزال تلومُ صاحبَها على تقصيره في طاعة الله مع بذله جهده، فهذه غيرُ ملومة.
وأشرف النفوس مَن لامت نفسَها في طاعة الله، واحتملت ملامَ اللائمين في مرضاته، فلا تأخذها فيه لومة لائم، فهذه قد تخلَّصت من لَومِ الله لها. وأما من رضيت بأعمالها، ولم [١٤٨ ب] تلم نفسها عليها (^١)، ولم تحتمِل في الله ملام اللُّوَّام، فهي التي يلومها الله ﷿.
فصل
وأما النفس الأمارة، فهي (^٢) المذمومة، فإنها التي تأمر بكلِّ سوء. وهذا من طبيعتها إلا ما وفَّقها الله، وثبَّتها، وأعانها. فما تخلَّص أحد من شرِّ نفسه إلا بتوفيق الله له (^٣)، كما قال تعالى حاكيًا عن امرأة العزيز (^٤): ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٣]. وقال تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النور:٢١].
_________________
(١) «عليها» لم ترد في (أ، ق، غ).
(٢) (ب، ج): «وهي».
(٣) «له» لم ترد في (أ، غ).
(٤) حكاه الماوردي في النكت والعيون (٣/ ٤٨) ونصره شيخ الإسلام. انظر: مجموع الفتاوى (١٥/ ١٣٨)، (١٠/ ٢٩٨).
[ ٢ / ٦٣٩ ]
وقال تعالى لأكرم خلقه عليه وأحبِّهم إليه: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٤].
وكان النبي - ﷺ - يعلِّمهم خطبة الحاجة: «إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضِلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له» (^١). فالشرُّ كامنٌ في النفس،
_________________
(١) أخرجه النسائي (١٤٠٤)، وأبو داود الطيالسي (٣٣٦)، والإمام أحمد (٣٧٢٠)، وأبو يعلى (٥٢٥٧)، والطبراني في الكبير (١٠٠٨٠)، وفي الدعاء (٩٣١)، والحاكم (٢/ ١٨٢ ــ ١٨٣) من طرق عن شعبة، قال: «سمعت أبا إسحاق، يحدِّث عن أبيه عبيدة يحدِّث عن أبيه عبد الله بن مسعود، قال: علّمنا رسول الله خطبة الحاجة » قال النسائي عقبه: «أبو عبيدة لم يسمع من أبيه شيئًا». لكنه تُوبع، تابعه أبو الأحوص عوف بن مالك بن نضلة الجشمي. فأخرجه أبو داود (٢١١٨)، والإمام أحمد (٤١١٦)، وأبو يعلى (٥٢٣٤) من طريق وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة وأبي الأحوص، عن ابن مسعود، به. وأخرجه الترمذي (١١٠٥)، والنسائي (٣٢٧٧)، وابن الجارود في المنتقى (٦٧٩)، والطبراني في الكبير (١٠٠٧٩)، وفي الدعاء (٩٣٢) من طريق عبثر بن القاسم، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود، مرفوعًا. وأخرجه ابن ماجه (١٨٩٢) من طريق يونس بن أبي إسحاق عن أبيه، به. قال الترمذي عقبه: «حديث عبد الله حديث حسن، رواه الأعمش عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص، عن عبد الله، عن النبي - ﷺ -. ورواه شعبة عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، عن النبي - ﷺ -. وكلا الحديثين صحيح؛ لأن إسرائيل جمعهما فقال: عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص وأبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي - ﷺ -» اهـ. وكذا ذكر الإمام الدارقطني هذا الاختلاف على أبي إسحاق، ثم قال: «وكل الأقاويل صحاح عن أبي إسحاق» العلل (٥/ ٣١١ ــ ٣١٣). وهذه الخطبة المباركة أفردها العلامة الألباني ﵀ في رسالة وخلص إلى تصحيح الحديث. (قالمي).
[ ٢ / ٦٤٠ ]
جنود النفس المطمئنة
وهو موجِب سيئات الأعمال (^١). فإن خلَّى الله بين العبد وبين نفسه هلك بين شرِّها وما تقتضيه من سيئات الأعمال، وإن وفَّقه وأعانه نجَّاه من ذلك كلِّه. فنسأل الله العظيم أن يعيذنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا.
وقد امتحن الله سبحانه الإنسان بهاتين النفسين: الأمارة، واللوَّامة؛ كما أكرمه بالمطمئنة. فهي نفسٌ واحدة تكون أمَّارة، ثم لوامة، ثم مطمئنة. وهي غاية كمالها وصلاحها.
وأيَّد المطمئنة بجنود عديدة. فجعل الملَكَ قرينَها وصاحبَها الذي يليها ويسدِّدها، ويقذف فيها الحقَّ، ويُرغِّبها فيه، ويُريها حسن صورته، ويزجرها عن الباطل، ويُزهِّدها فيه، ويُريها قُبحَ صورته. وأمدَّها بما علَّمها من القرآن والأذكار وأعمال البر، وجعل وُفودَ الخيرات وأمدادَ التوفيق تنتابها (^٢) وتصلُ إليها من كل ناحية. وكلَّما تلقَّتها بالقبول، والشكرِ، والحمدِ لله، ورؤيةِ أوَّلِيَّته في ذلك كله، ازدادَ مَدَدُها، فتقوى على محاربة الأمَّارة. فمِن جندها ــ وهو سلطانُ عساكرها ومَلِكُها ــ الإيمان واليقين. فالجيوش الإسلامية كلُّها [١٤٩ أ] تحت لوائه ناظرةٌ إليه. إن ثبت ثبتَتْ، وإن انهزم ولَّت على أدبارها.
_________________
(١) انظر شرح الحديث في: طريق الهجرتين (٢٠٠ ــ ٢٠١).
(٢) الأصل غير منقوط، وقد تصحفت في النسخ إلى «بثباتها»، و«يثبتانها»، و«بنياتها». وقد أسقطها ناسخ (ن).
[ ٢ / ٦٤١ ]
الشيطان قرين النفس الأمارة
ثم أمراءُ هذا الجيش ومقدَّمو عساكره: شُعَبُ الإيمانِ المتعلِّقةُ بالجوارح على اختلاف أنواعها، كالصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونصيحةِ الخلق، والإحسان إليهم بأنواع الإحسان؛ وشُعَبُه الباطنةُ المتعلِّقةُ بالقلب، كالإخلاص والتوكلُّ والإنابة والتوبة والمراقبة والصبر والحِلم والتواضع والمسكنة، وامتلاءِ القلب من محبة الله ورسوله، وتعظيمِ أوامر الله وحقوقه، والغيرةِ لله وفي الله، والشجاعة والعفَّة والصدق والشفقة والرحمة.
ومِلاكُ ذلك كلِّه الإخلاص والصدق. فلا يتعنَّى (^١) الصادق المخلص، فقد أقيم على الصراط المستقيم، فيُسَارُ به وهو راقد. ولا يتهَنَّى (^٢) من حُرِم الصدق والإخلاص، فقد قُطِعت عليه الطريقُ، واستهوته الشياطين في الأرض حيرانَ، فإن شاء فليعمل، وإن شاء فليترك، فلا يزيده عمله من الله إلا بعدًا.
وبالجملة فما كان لله وبالله، فهو من جند النفس المطمئنة.
وأما النفسُ الأمَّارة فجعل الشيطان قرينَها وصاحبَها الذي يليها، فهو يعِدُها ويمنِّيها، ويقذف فيها الباطل، ويأمرها بالسوء ويزيِّنه لها، ويطيل لها (^٣) في الأمل، ويُريها الباطلَ في صورة تقبلها وتستحسنها، ويُمِدُّها بأنواع
_________________
(١) من (ب، ج، غ). وفي غيرها: «يتعين»، تصحيف. وفي النسخ المطبوعة: «يتعب»، ولعله تصرف من بعض الناشرين.
(٢) (ط): «يتعين». وفي غيرها جميعًا: «يتعنَّى»، وكلاهما تصحيف. وفي النسخ المطبوعة هنا أيضًا: «يتعب»، والسياق يقتضي ضده. ويتهنَّى أصله بالهمز.
(٣) «ويطيل لها» ساقط من (ق).
[ ٢ / ٦٤٢ ]
الإمداد الباطل من الأماني الكاذبة والشهوات المهلكة. ويستعينُ عليها بهواها وإرادتها (^١)، فمنه يَدخُل عليها، ويُدخِل عليها كلَّ مكروه. فما استعان على النفوس بشيء هو أبلغُ من هواها وإرادتها البتة (^٢). وقد علَّم ذلك إخوانَه (^٣) من شياطين الإنس، فلا يستعينون على الصُّوَر (^٤) الممنوعة منهم بشيء أبلغَ من هواهم وإرادتهم، فإذا أعيتهم صورة طلبوا بجهدهم ما تحبُّه وتهواه، ثم طلبوا بجدهم تحصيله، فاصطادوا به تلك الصور. فإذا فَتَحت لهم النفسُ باب الهوى دخلوا منه، فجاسُوا خلال الديار، فعاثوا وأفسدوا، وفَتَكوا وسَبَوا، وفعلوا ما يفعله العدو ببلاد عدوه إذا تحكَّم فيها. فهدَموا معالمَ الإيمان والقرآن والذكر والصلاة، وخرَّبوا المساجد، وعمروا البِيَع والكنائس والحانات والمواخير. وقصدوا إلى المَلِك، فأسروه، وسلبوه ملكه، ونقلوه من عبادة الرحمن إلى عبادة البغايا والأوثان، ومن عزِّ الطاعة إلى ذلِّ المعصية، ومن السماع الرَّحماني إلى السماع الشيطاني، ومن الاستعداد للقاء ربِّ العالمين إلى الاستعداد للقاء إخوان الشياطين. فبينا هو يراعى حقوقَ الله وما أمَرَه به، إذ صار يرعى الخنازير! وبينا هو منتصب لخدمة العزيز الرحيم، إذ صار منتصبًا لخدمة كلِّ شيطان رجيم!
والمقصود أن الملَك قرينُ النفس المطمئنة، والشيطان قرين الأمَّارة. وقد روى أبو الأحوص، عن عطاء بن السائب، عن مُرَّة، عن عبد الله قال:
_________________
(١) في الأصل: «إراداتها»، ولعله سهو.
(٢) ما عدا (ب، ج، غ): «إليه». وكذا في النسخ المطبوعة. وهو ساقط من (ز).
(٣) الضبط من (ط، ن).
(٤) ما عدا (أ، ق، غ): «الصورة».
[ ٢ / ٦٤٣ ]
قال رسول الله - ﷺ -: «إنَّ للشيطان لَمَّةً من ابن آدم (^١)، وللِملَك لَمَّة. فأمَّا لَمَّةُ الشيطان، فإيعادٌ بالشر، وتكذيبٌ بالحق. وأما لَمَّةُ الملَك، فإيعاد بالخير، وتصديقٌ بالحق (^٢). فمن وجد ذلك فلْيَعلم أنه من الله، ولْيحمد الله. ومن وجد الآخر فليتعوَّذ بالله من الشيطان الرجيم». ثم قرأ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨] (^٣).
_________________
(١) كذا في جميع النسخ. وفي المصادر: «بابن آدم» ونحوه بالباء.
(٢) في جميع النسخ الخطية: «بالحق وتصديق بالخير» ولعله سهو. وقد ورد في الداء والدواء (٢٥١) وزاد المعاد (٢/ ٤٢١) وغيره على الصواب.
(٣) أخرجه الترمذي (٢٩٨٨)، والنسائي في الكبرى (١١٠٥١)، وابن جرير الطبري في تفسيره (٥/ ٦)، وأبو يعلى (٤٩٩٩)، وابن حبان (٩٩٧)، كلهم من طريق هناد بن السري، ثنا أبو الأحوص بإسناده. وقال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب، وهو حديث أبي الأحوص لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث أبي الأحوص». قلت: وفي تحسينه نظر؛ لأنه من رواية عطاء بن السائب وكان قد اختلط ولا يدرى سماع أبي الأحوص ــ واسمه سلام بن سُليم ــ منه أكان قبل الاختلاط أو بعده؟ ثم قد خولف أبو الأحوص في إسناده، فرواه حماد بن سلمة، وإسماعيل بن علية، وعمرو بن قيس الملائي، وجرير بن عبد الحميد الضبي، عن عطاء به، موقوفًا. ورواية هؤلاء جميعًا عند ابن جرير الطبري في تفسيره (٥/ ٦ ــ ٨). وسُئل أبو زرعة وأبو حاتم الرّازيان عن رواية أبي الأحوص عن عطاء المرفوعة. فقال أبو زرعة: «الناس يوقفونه عن عبد الله وهو الصحيح» وكذا مال أبو حاتم إلى ترجيح الوقف. فقال: «هذا من عطاء بن السائب كان يرفع الحديث مرة ويوقفه أخرى، والناس يحدِّثون من وجوه عن عبد الله موقوف. ورواه الزهري عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن مسعود موقوف» (علل ابن أبي حاتم (٢٢٢٤). ورواية الزهري المذكورة أخرجها عبد الرزاق الصنعاني في تفسيره (٣٤٨)، وأبو داود في الزهد (١٦٤). كلاهما من طريق معمر، عنه، به. وأخرجه ابن المبارك في الزهد (١٤٣٥) من وجه آخر عن ابن مسعود موقوفًا وإسناده صحيح. (قالمي).
[ ٢ / ٦٤٤ ]
فصل: ما يطلبه جنود المطمئنة وجنود الأمارة
وقد رواه عمرو عن عطاء بن السائب، وزاد فيه عمرو، قال: سمعنا في هذا الحديث أنه كان يقال: «إذا أحسَّ أحدكم من لَمَّةِ الملَك شيئًا فليحمد الله، وليسأله من فضله. وإذا أحسَّ من لَمَّة الشيطان شيئًا فليستغفر الله، وليتعوذ من الشيطان» (^١).
فصل
فالملَكُ وجندُه (^٢) من الإيمان يقتضيان من النفس المطمئنة التوحيدَ، والإحسانَ والبرَّ، والتقوى والصبر والتوكل، والتوبة والإنابة والإقبال على الله، وقصر الأمل والاستعداد للموت وما بعده. والشيطانُ وجندُه من الكفر يقتضيان من النفس الأمَّارة ضدَّ ذلك.
وقد سلَّط الله سبحانه الشيطانَ على كلِّ ما ليس له (^٣)، ولم يُرَدْ به وجهُه، ولا هو طاعةٌ له. [١٥٠ أ] وجَعَل ذلك إقطاعَه، فهو يستنيب النفسَ الأمَّارةَ على هذا العمل والإقطاع، ويتقاضاها أن تأخذَ الأعمال من النفس المطمئنة، فتجعلَها قوةً لها. فهي أحرَصُ شيءٍ على تخليص الأعمال كلِّها لها، وأن تصير من حظوظها، فأصعَبُ شيءٍ على النفس المطمئنة تخليصُ الأعمال من
_________________
(١) رواية عمرو وهو ابن قيس الملائي مع الزيادة هذه أخرجها ابن جرير ــ كما سبق ــ موقوفة على ابن مسعود. (قالمي).
(٢) في الأصل وغيره: «فالنفس والملك وجنده»، والصواب ما أثبتناه من (ب، ج). ويقابله «الشيطان وجنده».
(٣) (ز): «ليس لله تعالى».
[ ٢ / ٦٤٥ ]
فصل: انتصاب الأمارة في مقابلة المطمئنة، وكيدها لها، وتلبيسها للحقائق وإظهارها في صور منفرة
الشيطان ومن الأمَّارة لله. فلو وصل منها عملٌ واحدٌ كما ينبغي لنجا به العبد، ولكن أبت الأمَّارةُ والشيطانُ أن يدَعا لها عملًا واحدًا (^١) يصل إلى الله. كما قال بعض العارفين بالله وبنفسه: والله لو أعلم أنَّ لي عملًا واحدًا (^٢) وصلَ إلى الله لكنتُ أفرحَ بالموت من الغائبِ يقدَمُ على أهله (^٣).
وقال عبد الله بن عمر: لو أعلم أن الله تقبَّلَ مني سجدة واحدة لم يكن غائبٌ أحبَّ إليَّ من الموت، ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] (^٤).
فصل
وقد انتصبت الأمَّارة في مقابلة المطمئنة، فكلُّ ما جاءت به تلك من خيرٍ ضاهتها هذه وجاءت من الشرِّ بما يقابله حتى تفسدَه عليها. فإذا جاءت بالإيمان والتوحيد جاءت هذه بما يقدحُ في الإيمان من الشك والنفاق، وما يقدح في التوحيد من الشرك ومحبةِ غير الله وخوفهِ ورجائه. ولا ترضى حتى تقدِّم محبةَ غيره وخوفَه ورجاءَه على محبته سبحانه وخوفه ورجائه، فيكون ما له (^٥) عندها هو المؤخَّر، وما للخلق هو المقدَّم، وهذا حال أكثرِ هذا الخلق.
وإذا جاءت تلك بتجريد المتابعة للرسول، جاءت هذه بتحكيم آراء الرجال وأقوالهم على الوحي، وأتت من الشُّبهِ المضِلَّة بما يمنعها من كمال
_________________
(١) (ن، ز): «صالحًا».
(٢) «واحدًا» لم يرد في الأصل. وفي (ن): «صالحًا واحدًا».
(٣) لم أجده.
(٤) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٣١/ ١٤٦).
(٥) (ب، ج): «ما لله».
[ ٢ / ٦٤٦ ]
المتابعة وتحكيم السُّنَّة وعدم الالتفات إلى آراء الرجال، فتقوم الحربُ بين هاتين النفسين، والمنصورُ مَن نصره الله.
وإذا جاءت تلك بالإخلاص والصدق والتوكل والإنابة والمراقبة، جاءت هذه بأضدادها، وأخرجتها في عدة قوالب، وتُقسِم بالله ما مرادُها إلا الإحسان والتوفيق. والله يعلم أنها كاذبة، وما مرادُها إلا مجردُ حظِّها واتباع هواها، والتفلُّت (^١) من سجن المتابعةِ [١٥٠ ب] والتحكيمِ المحضِ للسنَّة إلى فضاء إرادتها وشهوتها وحظوظها. ولَعمرُ الله ما تخلَّصتْ إلا من فضاءِ المتابعة والتسليم إلى سجن الهوى والإرادة وضيقه (^٢) وظلمته ووحشته. فهي (^٣) مسجونة فيه في هذا العالم، وفي البرزخ في أضيقَ منه، ويومَ المعاد الثاني في أضيقَ منهما.
ومن أعجبِ أمرها أن تسحر العقلَ والقلبَ، فتأتي إلى أشرف الأشياء وأفضلها وأجلِّها، فتخرجُه في صورة مذمومة ــ وأكثرُ الخلق صبيانُ العقول، أطفال الأحلام، لم يصلوا إلى حدِّ الفطام الأولِ عن (^٤) العوائد والمألوفات، فضلًا عن البلوغ الذي يُميِّز به العاقلُ البالغُ بين خير الخيرَين فيؤثِرُه، وشرِّ الشرين فيجتنبُه ــ فتُريه صورةَ تجريد التوحيد، التي هي أبهى من صورة الشمس والقمر، في صورة التنقُّص المذموم، وهَضْم العظماء منازلَهم، وحطِّهم منها إلى مرتبة العبودية المحضة والمسكنة والذلِّ والفقر المحض
_________________
(١) (ب، ن، ز): «التقلب». (ط): «النقلة» وكلاهما تصحيف.
(٢) الأصل وحده: «ضيقته».
(٣) في الأصل: «وهي».
(٤) في الأصل: «عند»، تحريف.
[ ٢ / ٦٤٧ ]
فصل: مثال آخر من تلبيس الأمارة
فصل: مثال آخر
الذي لا ملكة لهم معه ولا إرادة ولا شفاعة إلا من بعد إذن الله. فتُريهم (^١) النفسُ السحَّارةُ هذا القَدْرَ غايةَ تنقُّصهم وهضمهم ونزولِ أقدارهم (^٢)، وعدمِ تميُّزهم عن المساكين الفقراء. فتنفِرُ نفوسُهم من تجريد التوحيد أشدَّ النِّفار ويقولون: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥].
وتُريهم تجريدَ المتابعة للرسول وما جاء به وتقديمَه على آراء الرجال في صورة تنقُّصِ العلماء والرغبةِ عن أقوالهم وما فهموه عن الله ورسوله، وأنَّ هذا إساءةُ أدب عليهم وتقدُّمٌ بين أيديهم، وهو مفضٍ إلى إساءة الظن بهم وأنَّهم قد فاتهم الصواب، وكيف لنا قوة أن نردَّ عليهم ونفوز ونحظى بالصواب دونهم؟ فتنفِرُ من ذلك أشد النِّفار، وتجعلُ كلامَهم هو المحكَّم الواجبَ الاتباع، وكلامَ الرسول هو المتشابه الذي يُعرَض على أقوالهم، فما وافقها قبلناه، وما خالفها ردَدْناه أو أوَّلناه أو فوَّضناه. وتُقاسِم (^٣) النفسُ السحَّارةُ بالله إن أردنا إلا إحسانًا وتوفيقًا! أولئك الذين يعلم [١٥١ أ] الله ما في قلوبهم.
فصل
وتُريه صورةَ الإخلاص في صورةٍ ينفرُ منها، وهي الخروجُ عن حكمِ العقلِ المعيشي والمداراةِ والمداهنةِ التي بها اندراجُ حال صاحبها ومشيُه بين
_________________
(١) زاد في (ط): «هذه».
(٢) (ط): «درجتهم وأقدارهم».
(٣) كذا في جميع النسخ. ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠] وغُيِّر في النسخ المطبوعة إلى «تقسم».
[ ٢ / ٦٤٨ ]
الناس. فمَنْ (^١) أخلصَ أعماله ولم يعمل لأحد شيئًا تجنبهم وتجنَّبوه، وأبغضَهم وأبغضوه، وعاداهم وعادوه، وسار على جادَّةٍ وهم على جادَّة؛ فينفِر من ذلك أشدَّ النِّفار. وغايته أن يُخلِصَ في القدر اليسير من أعماله التي لا تتعلَّق بهم، وسائرُ أعماله لغير الله.
فصل
وتُريه صورةَ الصدقِ مع الله وجهادِ مَن خرج عن دينِه وأمرِه في قالَب الانتصاب لعداوة الخلق وأذاهم وحربهم، وأنه يُعرِّض نفسَه من البلاء لما لا يطيق، وأنه يصير غرضًا لسهام الطاعنين، وأمثال ذلك من الشُّبَه التي تُقيمها (^٢) النفس السحَّارة والخيالات التي تُخيِّلها. وتُريه حقيقةَ الجهاد في صورةٍ تُقتَل فيها النفسُ وتُنكَح المرأة، ويصير الأولادُ يتامى، ويُقسَم المال.
وتُريه حقيقةَ الزكاة والصدقة في صورةِ مُفارقة المال ونقصه وخُلوِّ اليد منه، واحتياجه إلى الناس، ومساواته للفقير وعَودِه بمنزلته.
وتُريه حقيقةَ إثباتِ صفاتِ الكمال لله في صورة التشبيه والتمثيل، فينفِرُ من التصديق بها ويُنفِّرُ غيرَه. وتُريه حقيقةَ التعطيل والإلحاد فيها في صورة التنزيه والتعظيم.
وأعجبُ من ذلك أنها تُضاهي ما يحبِّه الله ورسوله من الصفات والأخلاق والأفعال بما يبغضه منها، وتَلبِسُ على العبد أحدَ الأمرين بالآخر. ولا يُخَلِّص هذا (^٣) من هذا إلا أربابُ البصائر، فإنَّ الأفعال تصدر عن
_________________
(١) ما عدا (أ، ن، ز): «فمتى».
(٢) في الأصل: «لا تقيمها»، سهو.
(٣) حذفوا «هذا» في النسخ المطبوعة.
[ ٢ / ٦٤٩ ]
فصل: أمثلة أخرى
خصال تنقسم إلى محمودة ومذمومة
الإرادات وتظهر على الأركان من النَّفسين: الأمَّارة والمطمئنة، فيتباين الفعلان في الباطن، ويشتبهان في الظاهر.
ولذلك أمثلة كثيرة. منها: المداراة والمداهنة. فالأول من المطمئنة، والثاني من الأمَّارة. وخشوعُ الإيمان وخشوع النِّفاق، وشرف النفس والتِّيه، والحميَّة والجفاء، والتواضع [١٥١ ب] والمهانة، والقوة في أمر الله والعلو في الأرض، والحميَّة لله والغضب له والحميَّة للنفس والغضب لها، والجودُ والسَّرَف، والمهابة والكبر، والصيانةُ والتكبر، والشجاعة والجراءة، والحزمُ والجبن، والاقتصادُ والشُّح، والاحتراز وسوءُ الظنِّ، والفِراسة والظن، والنصيحة والغيبة، والهدية والرِّشوة، والصبرُ والقسوة، والعفو والذُّل، وسلامة القلب والبَلَه والغفلة، والثقة والغِرَّة، والرجاءُ والتمني، والتحدُّث بنعم الله والفخر بها، وفرحُ القلب وفرحُ النفس، ورِقَّة القلب والجزع، والمَوْجِدةُ والحقد، والمنافسةُ والحسد، وحبُّ الرِّياسة وحب الإمامة والدعوة إلى الله، والحبُّ لله والحب مع الله، والتوكلُ والعجز، والاحتياط والوَسْوسة، وإلهامُ الملك وإلهام الشيطان، والأَناةُ والتسويف، والاقتصاد والتقصيرُ، والاجتهاد والغُلوُّ، والنصيحة والتأنيب، والمبادرة والعَجَلة، والإخبار بالحال عند الحاجةِ والشكوى (^١).
فالشيء الواحد تكون صورته واحدةً، وهو منقسم إلى محمود ومذموم، كالفرح والحزن والأسف والغضب والغيرة والخُيَلاء والطمع والتجمُّل
_________________
(١) سيأتي الكلام على هذه الأمثلة مفصَّلًا إلا «الأناة والتسويف». وهذا باب الفروق قد لخَّصه الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي ﵀، وعلَّق على بعضها. انظر مقدمة التحقيق.
[ ٢ / ٦٥٠ ]