وهي: هل تنتفع أرواح الموتى بشيء من سعي الأحياء أم لا؟
فالجواب: أنها تنتفعُ من سعي (^٢) الأحياء بأمرين مجمعٍ عليهما بين أهل السُّنَّة من الفقهاء وأهل الحديث والتفسير.
أحدهما: ما تسبَّب إليه الميت في حياته.
والثاني: دعاء المسلمين له واستغفارهم له والصدقة والحجُّ على نزاع (^٣): ما الذي يصل إليه من ثوابه: هل هو ثواب الإنفاق أو ثواب العمل؟ فعند الجمهور يصل ثواب العمل نفسِه، وعند بعض الحنفية إنما يصل ثوابُ الإنفاق (^٤).
واختُلِفَ في العبادات البدنية، كالصوم والصلاة وقراءة القرآن والذكر. فمذهب الإمام أحمد وجمهور السلف وصولُها، وهو قول بعض أصحاب أبي حنيفة (^٥).
_________________
(١) في (ق، ن): «عشر» بالتذكير. وفي (ق، ب، ج): «وأما» قبل «المسألة».
(٢) (أ، غ): «بسعي».
(٣) في (ن) زيادة: «فيه».
(٤) روي ذلك عن محمد بن الحسن. انظر: المبسوط للسرخسي (٤/ ٢٦٥، ٢٨٣)، وبدائع الصنائع (٢/ ٢١٢)، وشرح الطحاوية (٤٥٨).
(٥) في مجموع الفتاوى (٢٤/ ٣٦٦): «وهذا مذهب أحمد وأبي حنيفة وطائفة من أصحاب مالك والشافعي». وهذا هو الصحيح. شرح الطحاوية (٤٥٨).
[ ٢ / ٣٥٢ ]
الدليل على انتفاع الميت بما تسبب إليه في حياته
نصَّ على هذا الإمام (^١) أحمد في رواية محمد بن يحيى الكحَّال (^٢). قال: قيل لأبي عبد الله: الرجل يعمل الشيء من الخير، من صلاة أو صدقة أو غيرِ ذلك، فيجعل نصفه لأبيه أو لأمه؟ قال: أرجو. وقال: الميِّت يصل إليه كلّ شيء من صدقة أو غيرها (^٣). وقال أيضًا: اقرأ آية الكرسي ثلاث مرات، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وقل: اللهم إنَّ فضلَه لأهل المقابر (^٤).
والمشهور من مذهب الشافعي ومالكٍ أنَّ ذلك (^٥) لا يصل (^٦).
وذهب بعضُ أهل البدع من أهل الكلام: أنه لا يصل إلى الميت شيء البتَّة، لا دعاء (^٧) ولا غيره (^٨).
فالدليل على انتفاعه بما تسبَّب إليه في حياته ما رواه مسلمٌ في صحيحه (^٩) من حديث أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاث: إلا من صدقةٍ جارية، أو علمٍ يُنتفَع به، أو
_________________
(١) لم ترد كلمة «الإمام «في (ب، ط، ج).
(٢) (ب، ط، ج): «محمد بن الكحال».
(٣) انظر القولين في بدائع الفوائد (١٤٧٧).
(٤) رواه محمد بن أحمد المَرْوَرُّوذي عن الإمام أحمد. انظر: طبقات الحنابلة (٢/ ٢٢٤). وفيه: « آية الكرسي وثلاث مرات ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ».
(٥) (ط): «ذاك كله».
(٦) انظر: مواهب الجليل (٢/ ٦٢٥)، والفروق للقرافي (٣/ ٩٩٠) وشرح صحيح مسلم للنووي (١/ ٢٠٥).
(٧) «لا دعاء» ساقط من (ب، ج). وفي موضعه في (ن): «لا قرآن».
(٨) شرح صحيح مسلم للنووي (١/ ٢٠٥).
(٩) برقم (١٦٣١).
[ ٢ / ٣٥٣ ]
[٧٥ ب] ولدٍ صالحٍ يدعو له». فاستثناء هذه الثلاثِ من عمله يدلُّ على أنها منه، فإنه هو الذي تسبَّب إليها.
وفي سنن ابن ماجه (^١)
من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إنَّ ممَّا (^٢) يلحقُ المؤمنَ من عمله وحسناته بعد موته علمًا علَّمه ونَشَره، أو ولدًا صالحًا ترَكه، أو مصحفًا ورَّثه، أو مسجدًا بناه، أو بيتًا لابن السبيل بناه، أو نهرًا أكْراه (^٣)، أو صدقةً أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقُه من بعد موته».
_________________
(١) برقم (٢٤٢)، وأخرجه ابن خزيمة (٢٢٩٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٤٤٨). وفي سنده مرزوق بن أبي الهذيل الدمشقي تفرد به عن الزهري، وقد ضُعِّف فيه، قال ابن حبان في المجروحين (٣/ ٣٨): «ينفرد عن الزهري بالمناكير التي لا أصول لها من حديث الزهري، كان الغالب عليه سوء الحفظ فكثر وهمه، فهو فيما انفرد من الأخبار ساقط الاحتجاج به، وفيما وافق الثقات حجة إن شاء الله». وروي من حديث أنس أخرجه البزار في مسنده (٧٢٨٩)، وابن أبي داود في كتاب المصاحف (٨١٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٤٤٩) وفي سنده محمد بن عبيد الله بن أبي سليمان العَرْزَمِيّ وهو متروك كما في التقريب. ويغني عنهما حديث أبي هريرة في صحيح مسلم السابق؛ وفيه: «صدقة جارية» وهذا يعم كل وقف وصدقة تبقى منفعتها كبناء المساجد وحفر الآبار وبناء الدور للأيتام والمساكين وغير ذلك من أعمال البر ووجوه الصدقات الجارية؛ ولذا قال البيهقي عقب الحديثين المذكورين: «وهما لا يخالفان الحديث الصحيح فقد قال فيه إلا من صدقة جارية وهي تجمع ما قد جاء به من الزيادة». (قالمي).
(٢) في جميع النسخ: «إنما»، وصححه بعضهم في طرّة الأصل.
(٣) كذا «أكراه» في جميع النسخ. وفي سنن ابن ماجه: «أجراه». وفي صحيح ابن خزيمة: «كراه» أي حفره. ولم أصب في كتب اللغة «أكرى» بمعنى حفر. ولا يبعد أن يكون «أكراه» تصحيف «أجراه» وانظر ما يأتي في (ص ٣٦٨).
[ ٢ / ٣٥٤ ]
وفي صحيح مسلم (^١) أيضًا من حديث جرير (^٢) بن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مَن سنَّ في الإسلام سُنَّة حسنةً فله أجرُها وأجرُ من عمل بها بعده، من غير أن ينقُصَ من أجورهم شيءٌ. ومن سنَّ في الإسلام سنَّةً سيئةً كان عليه وزرُها ووزرُ من عَمِل بها من بعده (^٣)، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء».
وهذا المعنى رُوي عن النبي - ﷺ - من عدّة وجوهٍ صِحاح وحِسان.
وفي المسند (^٤)
عن حذيفة قال: سأل رجل على عهد رسول الله - ﷺ -، فأمسك القوم. ثم إنَّ رجلًا أعطاه، فأعطى القوم. فقال النبي - ﷺ -: «من سنَّ خيرًا فاستُنَّ به كان له أجرُه ومِن أجورِ من يتبَعه (^٥) غيرَ منتقصٍ من أجورهم شيئًا، ومن سنَّ شرًّا فاستُنَّ به كان عليه وزرُه ومن أوزار من يتبَعه غيرَ منتقصٍ من أوزارهم شيئًا».
وقد دلَّ على هذا قولُه - ﷺ -: «لا تُقْتَلُ نفسٌ ظلمًا إلا كان على ابن آدم
_________________
(١) برقم (١٠١٧).
(٢) (أ، غ): «جابر»، ولعله سهو من الناسخ.
(٣) ما عدا (أ، غ): «عمل بها بعده».
(٤) برقم (٢٣٢٨٩)، والبزار (٢٩٦٣)، والطحاوي في مشكل الآثار (١٥٤٢)، والحاكم (٢/ ٥١٦) وصحّح إسناده. وقال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٦٧): «رواه أحمد والبزار والطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح إلا أبا عبيدة بن حذيفة وقد وثقه ابن حبان». قلت: ووثقه أيضًا العجلي في كتابه الثقات (٢١٩٩) فقال: «كوفي تابعي ثقة». (قالمي).
(٥) كذا في (أ، ق، غ)، والمسند هنا وفيما يأتي. وفي النسخ الأخرى: «تبعه».
[ ٢ / ٣٥٥ ]
فصل: الدليل على انتفاعه بغير ما تسبب فيه
الأول كِفْلٌ من دمها؛ لأنه أولُ من سنَّ القتلَ» (^١). فإذا كان هذا في العدل (^٢) والعقاب، ففي الفضل والثواب أولى وأحرى.
فصل
والدليل على انتفاعه بغير ما تسبَّب فيه: القرآنُ، والسُّنَّة، والإجماعُ، وقواعد الشرع.
أما القرآن، فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ [٧٦ أ] رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠]، فأثنى الله سبحانه عليهم باستغفارهم للمؤمنين قبلَهم، فدلَّ (^٣) على انتفاعهم باستغفار الأحياء.
وقد يمكن أن يقال: إنَّما انتفعوا باستغفارهم لأنهم سَنُّوا لهم الإيمان بسبقهم إليه، فلما اتَّبعوهم فيه كانوا كالمتسبِّبين (^٤) في حصوله لهم. لكن قد دلَّ على انتفاع الميِّت بالدعاء إجماعُ الأمة على الدعاء له في صلاة الجنازة.
وفي «السنن» (^٥) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا صلَّيتم على الميت فأخلِصُوا له الدعاء».
_________________
(١) من حديث عبد الله بن مسعود. أخرجه البخاري (٣٣٣٥)، ومسلم (١٦٧٧).
(٢) في (غ) والنسخ المطبوعة: «العذاب» وهو تحريف.
(٣) (ب، ط): «فيدلّ».
(٤) (ق، غ): «كالمستنين». تصحيف. وفي الأصل: «كالمسببين» ولعله مغيّر.
(٥) أخرجه أبو داود (٣١٩٩) وابن ماجه (١٤٩٧) وابن حبان (٣٠٧٧) وإسناده حسن لأجل ابن إسحاق، وقد صرّح بالتحديث عند ابن حبان. (قالمي)
[ ٢ / ٣٥٦ ]
وفي «صحيح مسلم» (^١) من حديث عوف بن مالك قال: صلَّى رسولُ الله - ﷺ - على جنازة، فحفظتُ من دعائه وهو يقول: «اللهم اغفِرْ له وارحَمْه، وعافِه واعفُ عنه، وأكرِمْ نُزُلَه، ووَسِّع (^٢) مُدْخَله، واغسِلْه بالماء والثلج والبرد، ونقِّه من الخطايا كما نَقَّيْتَ الثوب الأبيض من الدنس. وأبدِلْه دارًا خيرًا من داره، وأهلًا خيرًا من أهله، وزوجًا خيرًا من زوجه. وأدْخِلْه الجنّة، وأَعِذْه من عذاب القبر ومن عذاب النار».
وفي «السنن» (^٣) عن واثلة بن الأسقع قال: صلَّى رسول الله - ﷺ - على رجل من المسلمين، فسمعته يقول: «اللهم إنَّ فلان بن فلان في ذمِّتك وحَبْلِ جوارك (^٤)، فقِهِ من فتنة القبر وعذاب النار، وأنت أهلُ الوفاء والحقِّ، فاغفِرْ له وارحَمْه، إنَّك أنت الغفور الرحيم».
وهذا كثير في الأحاديث، بل هو المقصود بالصلاة على الميت، وكذلك الدعاء له (^٥) بعد الدفن.
_________________
(١) برقم (٩٦٣).
(٢) (ق، ن، غ): «أوسع».
(٣) أخرجه أبو داود (٣٢٠٢)، وابن ماجه (١٤٩٩)، والإمام أحمد (١٦٠١٨) وابن حبان (٣٠٧٤) من طريق الوليد بن مسلم، حدثنا مروان بن جناح، حدثني يونس بن ميسرة بن حَلْبَسٍ، عن واثلة ابن الأسْقع فذكره. وإسناده حسن من أجل مروان بن جناح الدمشقي، فإنه لا بأس به، كما في التقريب، والوليد بن مسلم مدلس غير أنه صرَّح بالتحديث. (قالمي)
(٤) تحرَّف فيما عدا (ط، ج) إلى «وحيك وجوارك». (أ، غ): و«حبك وجوارك» (ق) ونحوه.
(٥) «له» ساقط من (ب، ن، ج).
[ ٢ / ٣٥٧ ]
وفي «السنن» (^١) من حديث عثمان بن عفان قال: كان النبي - ﷺ - إذا فَرَغ من دفن الميت وقف عليه فقال: «استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيتَ، فإنه الآن يُسأل».
وكذلك الدعاء لهم عند زيارة قبورهم، كما في صحيح مسلم (^٢) من حديث بُرَيْدة بن الحُصَيْب قال: كان [٧٦ ب] رسول الله - ﷺ - يعلِّمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا: «السلام عليكم أهلَ الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنَّا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية».
وفي «صحيح مسلم» (^٣) أنَّ عائشة ﵂ سألت النبي - ﷺ - كيف تقولُ إذا استغفرَتْ لأهل القبور؟ قال: «قولي: السلامُ على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم (^٤) الله المستقدِمين منَّا والمستأخِرين، وإنَّا إن شاء الله بكم (^٥) للاحقون».
وفي «صحيحه» (^٦) عنها أيضًا أنَّ رسول الله - ﷺ - خرج في ليلتها من آخر الليل إلى البقيع، فقال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون غدًا مؤجَّلون (^٧)، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع
_________________
(١) سبق تخريجه في (ص ٣٣).
(٢) برقم (٩٧٥)، وقد تقدَّم هذا وما بعده في المسألة الأولى (ص ٨، ١٧).
(٣) برقم (٩٧٤).
(٤) (أ، غ): «ورحم». وقد سقطت هذه الجملة من (ب).
(٥) «بكم» ساقطة من الأصل.
(٦) برقم (٩٧٤).
(٧) (ب): «ترحلون»، تحريف. والجملة «وأتاكم» إلى هنا ساقطة من (ن).
[ ٢ / ٣٥٨ ]
فصل: وصول ثواب الصدقة
الغرقد».
ودعاءُ النبي - ﷺ - للأموات فعلًا وتعليمًا، ودعاءُ الصحابة والتابعين والمسلمين عصرًا بعد عصرٍ أكثرُ من أن يُذكَر، وأشهرُ من أن يُنْكر.
وقد جاء أنَّ الله يرفع درجةَ العبد في الجنة، فيقول: أنَّى لي هذا؟ فيقال: بدعاء ولدك لك (^١).
فصل
وأما وصولُ ثواب الصدقة، ففي «الصحيحين» (^٢) عن عائشة أنَّ رجلًا أتى النبيَّ - ﷺ - فقال: يا رسول الله، إنَّ أمِّي افْتُلِتَتْ نفسُها ولم تُوصِ، وأظنُّها لو تكلَّمتْ تصدَّقَتْ، أفَلَها أجرٌ إنْ تصدَّقْتُ عنها؟ قال: «نعم».
وفي «صحيح البخاري» (^٣) عن عبد الله بن عبَّاس ﵄ أنَّ سعد بن عُبادة تُوفِّيت أمُّه وهو غائب عنها، فأتى النبيَّ - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، إنَّ أمِّي تُوُفِّيتْ وأنا غائب عنها، فهل ينفعُها إن تصدَّقتُ عنها؟ قال: «نعم». قال: فإنِّي أُشْهِدُك أنَّ حائطي «المِخْراف» صدقة عنها.
_________________
(١) أخرجه البزار (٩٠٢٤)، والطبراني في الدعاء (١٢٤٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٧٨) من طريق عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ -. وأخرجه ابن ماجه (٣٦٦٠)، والإمام أحمد (١٠٦١٠) من هذا الوجه بلفظ: «باستغفار ولدك لك». وإسناده حسن لأجل عاصم بن بهدلة، وأبو صالح هو ذكوان السمان. (قالمي).
(٢) البخاري (١٣٨٨)، ومسلم (١٠٠٤).
(٣) برقم (٢٧٥٦).
[ ٢ / ٣٥٩ ]
وفي «صحيح مسلم» (^١) عن أبي هريرة أنَّ رجلًا قال للنبي - ﷺ -: إنَّ أبي مات، وترك مالًا، ولم يوص؛ فهل يكفي (^٢) عنه أن أتصدَّق (^٣) عنه؟ قال: «نعم».
وفي «السنن» [٧٧ أ] و«مسند أحمد» (^٤)،
عن سعد بن عبادة أنَّه قال: يا رسول الله، إنَّ أمَّ سعدٍ ماتت، فأيُّ الصدقة أفضل؟ قال: «الماء». فحفَر بئرًا، وقال: هذه لأمِّ سعد.
_________________
(١) برقم (١٦٣٠).
(٢) في المتن المطبوع مع شرح النووي (٦/ ٩٢): «يكفِّر».
(٣) (ب، ط): «إن تصدقت».
(٤) أخرجه الإمام أحمد برقم (٢٢٤٥٩)، والنسائي (٣٦٦٨) من طريق حجاج، عن شعبة، عن قتادة، قال: سمعت الحسن يحدث عن سعد بن عبادة. والحسن لم يدرك سعد بن عبادة ﵁؛ لأن سعدًا مات في خلافة عمر سنة خمس وعشرين بالشام. وأخرجه أبو داود (١٦٨٠)، وابن خزيمة (٢٤٩٦)، والحاكم (١/ ٤١٤) من طريق محمد بن عرعرة عن شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب والحسن. كلاهما عن سعد بن عبادة دون القصة. وأخرجه ابن خزيمة (٢٤٩٨) وعنه ابن حبان (٣٣٤٨) من طريق هشام (هو ابن عبد الله الدستوائي) عن قتادة به. وقال الحاكم: «صحيح على شرط الشيخين»، فتعقبه الذهبي بقوله: «لا فإنه غير متصل» وهو كذلك؛ لأن سعيد بن المسيب لم يسمع من سعد أيضًا؛ لأنه ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر بن الخطاب ﵁، وقيل: لأربع سنين. كما في ترجمته في تهذيب الكمال (١١/ ٦٧). ولذلك لم يجزم ابن خزيمة بصحته، فترجم له بقوله: «باب فضل سقي الماء إن صحَّ الخبر». لكن له شاهد يتقوَّى به وهو ما أخرجه الطبراني في الأوسط (٨٠٦١) عن أنس ﵁ أنّ سعدًا أتى النبيَّ - ﷺ - فقال: يا رسول الله، إنّ أمِّي توفيت ولم تُوص، أفينفعها أن أتصدّق عنها؟ قال: «نعم، وعليك بالماء». قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٣٨): «رجاله رجال الصحيح». (قالمي).
[ ٢ / ٣٦٠ ]
فصل: وصول ثواب الصوم
وعن عبد الله بن عمرو، أنَّ العاصَ بن وائل نذر في الجاهلية أن ينحر مائة بدَنة، وأنَّ هشام بن العاص نحر حِصَّته خمسين، وأنَّ عمرًا سأل النبي - ﷺ - عن ذلك، فقال: «أما أبوك، فلو أقرَّ بالتوحيد فصُمْتَ وتصدَّقتَ عنه نَفَعه ذلك». رواه الإمام أحمد (^١).
فصل
وأمَّا وصولُ ثواب الصوم، ففي «الصحيحين» (^٢) عن عائشة ﵂ أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليُّه».
وفي «الصحيحين» (^٣) أيضًا عن ابن عبَّاس قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، إنَّ أمِّي ماتت، وعليها صومُ شهر، أفأقضيه عنها؟ قال: «نعم، فدَيْن الله أحقُّ أن يُقْضَى».
وفي رواية: جاءت امرأة إلى النبي (^٤) - ﷺ - فقالت: يا رسول الله، إنَّ أمي ماتت، وعليها صوم نذر، أفأصوم (^٥) عنها؟ قال: «أفرأيتِ لو كان على أمِّكِ دينٌ، فقضَيته، أكان يؤدي ذلك (^٦) عنها؟» قالت: نعم، قال: «فصومي عن
_________________
(١) في المسند برقم (٦٧٠٤)، وابن أبي شيبة (١٢٠٧٨) من رواية عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وأخرجه أبو داود من وجه آخر عن عمرو بن شعيب، بنحوه، وإسناده حسن. (قالمي).
(٢) البخاري (١٩٥٢)، ومسلم (١١٤٧).
(٣) البخاري (١٩٥٣)، ومسلم (١١٤٨ ــ ١٥٥).
(٤) ما عدا (أ، غ): «رسول الله».
(٥) (ط): «أفأقضيه».
(٦) (ب، ط، ن، ج): «ذلك يؤدي».
[ ٢ / ٣٦١ ]
أمِّكِ». وهذا اللفظُ للبخاريِّ وحده تعليقًا (^١).
وعن بُرَيدة قال: بينَا أنا جالس عند رسول الله - ﷺ -، إذ أتته امرأةٌ فقالت: إنِّي تصدَّقتُ على أمِّي بجارية، وإنِّها ماتت. فقال: «وجَبَ أجرُكِ، ورَدَّها عليك الميراثُ». قالت: يا رسول الله، إنه كان عليها صومُ شهرٍ، أفأصوم عنها؟ قال: «صومي عنها». قالت: إنِّها لم تحُجَّ قطُّ، أفأحُجُّ عنها؟ قال: «حُجِّي عنها». رواه مسلم (^٢). وفي لفظ: صوم شهرين (^٣).
وعن ابن عباس أنَّ امرأة ركبت البحر، فنذرتْ إن نجَّاها الله (^٤) أن تصوم شهرًا (^٥). فنجَّاها الله، فلم تصم حتى ماتت. فجاءت بنتُها أو أختها إلى رسول الله - ﷺ -، فأمرها أن تصوم عنها. رواه أهل السنن والإمام أحمد (^٦).
وكذلك رُوي عنه - ﷺ - وصولُ ثوابِ بدلِ الصوم، وهو الإطعام. ففي السنن عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من مات وعليه صيامُ شهر، فلْيُطعَمْ عنه لكلِّ يومٍ مسكينٌ». رواه الترمذي، وابن ماجه. قال الترمذي: ولا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، والصحيح عن ابن عمر قولُه موقوفًا (^٧).
_________________
(١) بل هذا اللفظ في صحيح مسلم (١١٤٨ ــ ١٥٦).
(٢) برقم (١١٤٩ ــ ١٥٧).
(٣) صحيح مسلم (١١٤٩ ــ ١٥٨).
(٤) كذا في (أ، غ). وهو لفظ أبي داود. وفي غيرهما: «إن الله نجّاها».
(٥) (ب، ط): «شهرها».
(٦) في المسند برقم (١٨٦١)، وأخرجه أبو داود (٣٣٠٨)، والبيهقي في الكبرى (٤/ ٢٥٦) وإسناده صحيح.
(٧) أخرجه الترمذي (٧١٨)، وابن ماجه (١٧٥٧)، وابن خزيمة (٢٠٥٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (٤/ ٢٥٤) من طريق أشعث، عن محمد، عن نافع، عن ابن عمر. وفي إسناده أشعث هو ابن سوّار الكندي وهو ضعيف كما في التقريب. ومحمد جاء مهملًا ونُسب في ابن ماجه «ابن سيرين». قال المزيّ في التحفة (٦/ ٢٢٧): «وهو وهمٌ». والصواب ما قاله الترمذي: «هو عندي ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى» ويؤيده أن شريكًا القاضي رواه عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن نافع، به، بنحوه. أخرجه البيهقيّ، وكذا ابن خزيمة (٢٠٥٧) إلا أنه قال: «ابن أبي ليلى» وهذه علة أخرى؛ لأن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وإن كان صدوقًا فهو سيئ الحفظ جدًا، كما في التقريب. ولذلك قال ابن خزيمة: «إن ثبت الخبر، فإن في القلب من هذا الإسناد». وثمّة علة ثالثة وهي مخالفته لأصحاب نافع الثقات، فقد رووه عنه من قول ابن عمر موقوفًا، كما أشار إلى ذلك الترمذي ونقله عنه المصنف ﵀. والموقوف خرّجه البيهقي (٤/ ٢٥٤) ثم قال: «هذا هو الصحيح موقوف على ابن عمر، وقد رواه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن نافع فأخطأ فيه». ثم ساق روايته السابقة. وسيأتي قول المصنف ﵀ بأن المرفوع باطل على رسول الله - ﷺ -. (قالمي)
[ ٢ / ٣٦٢ ]
فصل: وصول ثواب الحج
وفي «سنن أبي داود» (^١) عن ابن عبَّاس قال: إذا مرض الرجل في رمضان ولم يصُمْ أُطعِمَ عنه، ولم يكن عليه قضاء. وإن نذر قضَى عنه وليُّه.
فصل
وأما وصول (^٢) ثواب الحج، ففي «صحيح البخاري» (^٣) عن ابن عباس أنَّ امرأةً من جُهَينة جاءت إلى النبي - ﷺ -، فقالت: إنَّ أمي نذرت أن تحُجَّ، فلم تحُجَّ حتى ماتت. أفأحُجُّ عنها؟ قال: «حُجِّي عنها. أرأيتِ لو كان على أمِّك
_________________
(١) برقم (٢٤٠١).
(٢) «وصول» ساقط من (ب، ن، ج).
(٣) برقم (١٨٥٢).
[ ٢ / ٣٦٣ ]
دَين، أكنتِ قاضِيَتَه؟ اقضوا الله (^١) فالله أحقُّ بالقضاء».
وقد تقدَّم (^٢) حديث بريدة، وفيه: إنَّ أمِّي لم تحجَّ قطُّ، أفأحجُّ عنها؟ قال: «حُجِّي عنها».
وعن ابن عباس قال: إنَّ امرأةَ سِنان بن سلَمة الجُهَني سألتْ (^٣) رسولَ الله - ﷺ - أنَّ أمَّها (^٤) ماتت ولم تحجَّ، أفيجزئ أن أحجَّ عنها؟ (^٥) قال: «نعم لو كان على أمِّها دَين، فقضَتْه عنها، ألم يكن يُجزئ عنها؟». رواه النسائي (^٦).
وروى (^٧) أيضًا عن ابن عباس أنَّ امرأةً سألت النبي - ﷺ - عن أبيها (^٨) مات ولم يحجَّ. قال: «حُجِّي عن أبيك».
وروى (^٩) أيضًا عنه قال: قال رجل: يا نبيَّ الله، إنَّ أبي مات ولم يحجَّ، أفأحجُّ عنه؟ قال: «أرأيتَ لو كان على أبيك دَين، أكنتَ قاضيَه (^١٠)». قال: نعم. قال:
_________________
(١) (ن): «حق الله».
(٢) في الفصل السابق.
(٣) (ب، ط، ن): «أرسلت نسأل».
(٤) (ب، ط، ج): «أمي».
(٥) (ق): «تحج عنها». (ب، ط، ن، ج): «ابنتها أن تحجَّ عنها»
(٦) برقم (٢٦٣٢) بهذا السياق، وزاد: «ألم يكن يجزئ عنها؟ فلتحجَّ عن أمِّها». وأخرجه الإمام أحمد (٢٥١٨) مطوَّلًا وفي أوله قصة. وإسناده صحيح. (قالمي)
(٧) برقم (٢٦٣٣) بإسناد صحيح. (قالمي)
(٨) في (ق، ن) هنا وفيما يأتي: «ابنها ابنك»، تصحيف.
(٩) برقم (٢٦٣٨) بإسناد صحيح. وصححه ابن حبان (٣٩٩٢) من وجه آخر عن ابن عباس. (قالمي)
(١٠) بعده في (ق): «وصيته».
[ ٢ / ٣٦٤ ]
«فديَن الله أحقُّ».
وأجمع المسلمون على أنَّ قضاء الدَّين يُسقِطه من ذمته، ولو كان من أجنبي، أو من غير تَرِكته. وقد دلَّ عليه حديث أبي قتادة، حيث ضمن الدينارين عن الميت، فلمَّا قضاهما قال له النبي - ﷺ -: «الآن بردتْ عليه (^١) جِلدتُه» (^٢).
وأجمعوا على أنَّ الحيَّ إذا كان له قِبَل الميِّت (^٣) حقٌّ من الحقوق، فأحلَّه منه= أنَّه ينفعه، ويبرأُ منه (^٤)، كما يسقط من ذمة الحي. فإذا سقط من ذمّة الحي بالنصِّ والإجماع، مع إمكان أدائه له بنفسه، ولو لم يرضَ به (^٥)، بل ردَّه= فسقوطه من ذمة الميِّت بالإبراء حيث لا يتمكن من أدائه أولى وأحرى. وإذا انتفع بالإبراء والإسقاط فكذلك ينتفعُ بالهبة والإهداء. ولا فرق (^٦)
_________________
(١) «عليه» ساقط من (ط).
(٢) أخرجه الإمام أحمد (١٤٥٣٦)، وأبو داود الطيالسي (١٧٧٨)، والحاكم (٢/ ٥٨) من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر. وهذا إسناد حسن لحال ابن عقيل. وصحَّح الحاكم إسناده. وأخرجه الإمام أحمد أيضًا (١٤١٥٩)، وأبو داود (٣٣٤٣)، والنسائي (١٩٦١)، وابن حبان (٣٠٦٤) من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر، نحوه مختصرًا، وليس فيه قوله: «الآن بردت عليه جلدته». وإسناده صحيح. (قالمي)
(٣) (ق): «على الميت».
(٤) (ن): «وتبرأ ذمّته». وفي الأصل: «وتبرأ من ذمة الحيّ»، فكأن العبارة «منه كما يسقط» ساقطة منها.
(٥) «به» ساقطة من الأصل.
(٦) (ب، ط): «فلا فرق».
[ ٢ / ٣٦٥ ]
بينهما، فإنَّ ثواب [٧٨ أ] العمل حقٌّ للمُهْدي (^١) الواهب، فإذا جعله للميِّت انتقل إليه. كما أنَّ ما على الميِّت من الحقوق ــ من الدَّين وغيره ــ هو محضُ حقِّ الحيِّ، فإذا أبرأه وصل الإبراء إليه، وسقط من ذمته، فكلاهما (^٢) حقٌّ للحيّ (^٣)، فأيُّ نصٍّ أو قياس أو قاعدةٍ من قواعد الشرع يوجب وصول أحدهما، ويمنع (^٤) وصول الآخر؟
وهذه النصوص متظاهرةٌ (^٥) على وصول ثواب الأعمال إلى الميِّت إذا فعلها الحيُّ عنه. وهذا محض القياس، فإنَّ الثواب حقٌّ للعامل، فإذا وهبه لأخيه المسلم لم يُمنَع من ذلك، كما لم يُمنْعَ من هبة ماله في حياته له وإبرائه له منه بعد موته.
وقد نبَّه النبي - ﷺ - بوصول ثواب الصوم الذي هو مجرَّد تركٍ ونية تقوم (^٦) بالقلب، لا يطَّلع عليه إلا الله، وليس بعمل الجوارح (^٧) = على (^٨)
_________________
(١) (ق): «المهدي».
(٢) (ق): «وكلاهما».
(٣) «فإذا أبرأه للحي» ساقط من (أ، ط).
(٤) (أ، ن، غ): «ومنعَ».
(٥) (ط): «متظافرة».
(٦) (أ، غ): «تقرّب».
(٧) (ب، ط، ن، ج): «للجوارح».
(٨) كذا النص على الصواب في (ج). وفي (أ، ق، ن): «وعلى». والواو زائدة. وفي (غ): «وعلى ذلك». وفي (ب، ط): «دلّ ذلك على». ولعله إصلاح من الناسخين. والسياق: «وقد نبّه النبي - ﷺ - بوصول ثواب الصوم على وصول ثواب القراءة بطريق الأولى». انظر تلخيص ابن أبي العزّ لكلام ابن القيم في شرح الطحاوية (٤٦١).
[ ٢ / ٣٦٦ ]
قول المانعين من وصول الثواب
وصولِ ثواب القراءة التي هي عملٌ باللسان تسمعه الأذن وتراه العين بطريق الأَوْلى.
يُوضِّحه أنَّ الصومَ نيةٌ محضة وكفٌّ للنفس عن المفطِرات، وقد أوصل الله ثوابه إلى الميت، فكيف بالقراءة التي هي عملٌ ونية، بل لا تفتقرُ إلى النية! فوصول ثواب الصوم (^١) إلى الميِّت، فيه تنبيهٌ على وصول سائر الأعمال.
والعبادات قسمان: مالية، وبدنية. وقد نبَّهَ الشارعُ بوصول ثواب (^٢) الصدقة على وصول ثواب سائر العبادات المالية. ونبَّه بوصول ثواب الصوم على وصول ثواب سائر العبادات البدنية (^٣). وأخبر (^٤) بوصول ثواب الحجِّ المركَّبِ من المالية والبدنية. فالأنواع (^٥) الثلاثة ثابتة بالنصِّ والاعتبار، وبالله التوفيق.
قال المانعون من الوصول: قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]. وقال: ﴿وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يس: ٥٤]. وقال: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦].
وقد ثبَتَ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إذا مات العبد انقطع عمله إلا من
_________________
(١) في الأصل: «الصدقة»، وهو سهو.
(٢) (ب، ج): «الشارع بثواب».
(٣) «ونبه البدنية» ساقط من (ن).
(٤) (أ، غ): «فأخبر».
(٥) ما عدا (أ، ق، غ): «والأنواع».
[ ٢ / ٣٦٧ ]
ثلاث: صدقة (^١) جارية عليه، أو ولد صالح يدعو له، أو علم ينتفع به من بعده» (^٢). فأخبر أنه إنما ينتفع بما كان تسبب إليه في الحياة، وما لم يكن قد [٧٨ ب] تسبَّب إليه فهو منقطع عنه.
وأيضًا فحديث أبي هريرة المتقدِّمُ، وهو قوله: «إنَّ مما (^٣) يلحقُ الميتَ من عمله وحسناته بعد موته علمًا نشرَه» الحديث (^٤)، يدلُّ على أنه إنما ينتفع بما كان قد تسبَّب فيه.
وكذلك (^٥) حديث أنسٍ يرفعُه: «سبعٌ يجرى على العبد أجرُهن (^٦)، وهو في قبره بعد موته: من علَّم علمًا، أو أَكْرى (^٧) نهرًا، أو حفَرَ بئرًا، أو غرس نخلًا، أو بنى مسجدًا، أو ورَّث مصحفًا، أو ترك ولدًا صالحًا يستغفر (^٨) له بعد موته» (^٩).
وهذا يدلُّ على أن ما عدا ذلك لا يحصل له منه ثواب وإلَّا لم يكن
_________________
(١) ضبط في (ط) بالرفع، وفي (ق) بالجرّ. وكلاهما صحيح.
(٢) سبق تخريجه في أول المسألة.
(٣) ما عدا (أ، غ): «إنّ ما».
(٤) سبق تخريجه في هذه المسألة.
(٥) «كذلك» لم يرد في (ب، ط، ج).
(٦) (ب، ط، ج): «أجرها».
(٧) (ب): «كرى». وكذا في مسند البزَّار (٧٢٨٩). وفي الحلية (٢/ ٣٤٤): «أجرى». وفي النسخ الأخرى: «أكرى». وكذا في البدر المنير (٧/ ١٠٢). ولم تثبت كتب اللغة «أكرى» بمعنى كرى أي حفر. وانظر ما سبق في (ص ٣٥٤).
(٨) (ق): «فيستغفر».
(٩) مضى تخريجه مع حديث أبي هريرة.
[ ٢ / ٣٦٨ ]
للحصر (^١) معنى.
قالوا: والإهداء حَوالة، والحوالة إنما تكون بحقٍّ لازم. والأعمالُ لا توجب الثوابَ، وإنما هو مجرَّد تفضُّل الله وإحسانه. فكيف يحيلُ العبد على مجرَّد الفضل الذي لا يجب على الله، بل إن شاء آتاه، وإن شاء لم يؤتِه. وهو نظير حَوالة الفقير على مَن يرجو أن يتصدَّق عليه، ومثل هذا لا يصح إهداؤه وهِبته، كصلةٍ تُرجى من ملِك لا يتحقَّق حصولها.
قالوا: وأيضًا فالإيثار (^٢) بأسباب الثواب مكروهٌ، وهو الإيثار بالقُرَب، فكيف الإيثار بنفس الثواب الذي هو غاية! فإذا كُرِه الإيثار بالوسيلة، فالغايةُ أولى وأحرى.
ولذلك كره الإمام أحمد التأخُّرَ عن الصفِّ الأوَّل، وإيثارَ الغير به، لِمَا فيه من الرغبة عن سبب الثواب. قال (^٣) أحمد في رواية حنبل، وقد سُئل عن الرجل يتأخَّرُ عن الصفِّ الأوَّل، ويقدِّمُ أباه في موضعه (^٤). قال: ما يعجبني، هو يقدرُ أن يبَرَّ أباه بغير هذا (^٥).
قالوا: وأيضًا: لو ساغ الإهداء إلى الميِّت لساغ نقلُ الثواب والإهداءُ إلى الحي. وأيضًا لو ساغ ذلك لساغ إهداءُ نصفِ الثواب ورُبعِه وقيراطٍ منه.
_________________
(١) (ب): «للخير»، تحريف.
(٢) (ب، ط): «فالإيراث»، تحريف.
(٣) (ق): «قال الإمام».
(٤) «في موضعه» ساقط من (ن).
(٥) ذكره الشيخ مجد الدين في المحرر (١/ ٢١١) من مسائل أبي الفرج بن الصباح البُرزاطي.
[ ٢ / ٣٦٩ ]
وأيضًا: لو ساغ ذلك لساغ إهداؤه بعد أن يعمله لنفسه. وقد قلتم: إنه لابدَّ أن ينويَ حالَ الفعل إهداءه (^١) إلى الميت وإلّا لم يصل إليه، فإذا ساغ له نقلُ الثواب، فأيُّ فرق بين أن ينويَ قبل الفعل أو بعده؟
وأيضًا: لو ساغ الإهداءُ لساغ إهداءُ [٧٩ أ] ثواب (^٢) الواجبات على الحيِّ، كما يسوغ إهداءُ ثواب التطوُّعات التي يتطوَّع بها.
قالوا: وإنَّ التكاليف امتحانٌ وابتلاء، لا تقبل البدل، فإنَّ المقصود منها عينُ المكلَّف العامل المأمور المنهيِّ، فلا يبدَّل المكلَّفُ الممتحَنُ بغيره. ولا ينوب غيره عنه (^٣) في ذلك، إذ المقصود طاعتُه هو نفسه وعبوديته. ولو كان ينتفع بإهداء غيره له من غير عمل منه (^٤) لكان أكرمُ الأكرمين أولى بذلك، وقد حكم سبحانه أنه لا ينتفعُ إلا بسعيه. وهذه سنَّتُه تعالى في خلقه وقضائه، كما هي سنته في أمره وشرعه. فإن المريض لا ينوب عنه غيرُه في شرب الدواء، والجائع والظمآن والعاري لا ينوب عنه غيرُه في الأكل والشرب واللباس. قالوا: ولو نفعه عملُ غيره لنفعه توبتُه عنه (^٥).
قالوا: ولهذا لا يقبل الله إسلام أحد عن أحد، ولا صلاتَه عن صلاته (^٦). فإذا كان رأسُ العبادات لا يصحُّ إهداء ثوابه، فكيف فروعها؟
_________________
(١) في (أ، ق): «إهداؤه» بالواو، فيكون «يُنوى» مبنيًا للمجهول.
(٢) زاد بعده في (ط): «هذه».
(٣) (ط): «عنه غيره».
(٤) (أ، ق، غ): «سنّة». وفي (ن): «عمله».
(٥) «وأيضًا لو ساغ الإهداء لساغ توبته عنه» ساقط من (ب، ج).
(٦) ما عدا (أ، ق، غ): «ولا صلاته عنه».
[ ٢ / ٣٧٠ ]
قول المقتصرين على وصول العبادات التي يدخلها النيابة كالصدقة والحج
قالوا: وأما الدعاءُ، فهو سؤالٌ ورغبة إلى الله أن يتفضَّل على الميت (^١)، ويسامَحه، ويعفوَ عنه. وهذا غيرُ إهداء ثواب عمل الحي إليه.
قال المقتَصِرون على وصول العبادات التي يدخلها (^٢) النيابة كالصدقة والحج: العبادات نوعان: نوع لا يدخله النيابة بحال كالإسلام، والصلاة، وقراءة القرآن، والصيام. فهذا النوع يختص ثوابه بفاعله، لا يتعدَّاه، ولا يُنقل عنه؛ كما أنه في الحياة لا يفعله أحدٌ عن أحد، ولا ينوب فيه عن فاعله غيرُه.
ونوعٌ يدخله النيابة كردِّ الودائع، وأداء الديون، وإخراج الصدقة، والحجِّ. فهذا يصل ثوابه إلى الميت؛ لأنه يقبل النيابة، ويفعلُه العبد عن غيره في حياته، فبعد موته بطريق الأولى والأحرى.
قالوا: وأما حديث «من مات وعليه صيام صامَ عنه وليُّه». فجوابه من وجوه:
أحدها: ما قاله مالكٌ (^٣) في موطئه. قال: لا يصومُ أحد عن أحد. قال: وهو أمر مجتمَع (^٤) عليه عندنا، لا خلافَ فيه (^٥).
الثاني: أنَّ ابن عبَّاس هو الذي روى حديثَ الصوم عن الميت. وقد روى عنه النَّسائي: أبنا محمد بن عبد الأعلى، ثنا يزيد بن زُريع، ثنا حجَّاج
_________________
(١) في الأصل: «عن الميت» تحريف.
(٢) (ب، ط، ق): «تدخلها». وكذا فيما بعد: «تدخله».
(٣) (ق): «الإمام مالك».
(٤) ما عدا (أ، ق، غ): «مجمَع». والمثبت موافق لما في الاستذكار.
(٥) كذا في الاستذكار (٣/ ٣٣٩) ولم أجده بهذا اللفظ في الموطأ، ولكن انظر نحوه في رواية أبي مصعب (١/ ٣٢٢) والقعنبي (٣٤٢).
[ ٢ / ٣٧١ ]
الأحول، ثنا أيوب بن موسى، عن عطاء بن أبي ربَاح، عن ابن عبَّاس قال [٧٩ ب]: لا يصلِّي أحد عن أحدٍ، ولا يصوم أحدٌ عن أحدٍ (^١).
الثالث: أنه حديث اختُلف في إسناده. هكذا قال صاحب المفهِم في شرح مسلم (^٢).
الرابع: أنه معارَض بنصّ القرآن كما تقدَّم من قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩].
الخامس: أنه معارَض بما رواه النسائي عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - أنه قال: «لا يصلي أحدٌ عن أحدٍ ولا يصوم أحدٌ عن أحدٍ، ولكن يطعَمُ عنه مكان كلِّ يوم مدًّا من حنطة» (^٣).
السادس: أنه معارَض بحديث محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن نافع، عن ابن عمر عن النبي - ﷺ -: «مَن مات وعليه صومُ رمضان يُطعَم عنه» (^٤).
السابع: (^٥) أنه معارَض بالقياس الجليِّ على الصلاة والإسلام والتوبة، فإن أحدًا لا يفعلها عن أحد (^٦).
_________________
(١) أخرجه النسائي في الكبرى (٢٩٣٠). وانظر: التمهيد (٩/ ٢٧).
(٢) وهو أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي (ت ٦٥٦) وانظر: المفهم (٣/ ٢٠٩).
(٣) هذا الوجه أيضًا من قول صاحب المفهم. وسيأتي في الردّ عليه أن النسائي إنما رواه في الكبرى موقوفًا على ابن عباس، كما سبق في الوجه الثاني. وقد عزا المرفوع إلى النسائي قبل صاحب المفهم: القاضي عياض في إكمال المعلم (٤/ ١٠٤).
(٤) تقدم قريبًا.
(٥) أسقط ناسخ (ن) الوجه السادس بتمامه، فجعل السابع سادسًا.
(٦) في (ب، ج): «السابع: قال الشافعي » فسقط الوجه السابع منهما.
[ ٢ / ٣٧٢ ]
قال الشافعيُّ (^١) فيما تكلَّم به على خَبَر ابن عباس (^٢): لم يسمِّ ابنُ عبَّاس ما كان نذرُ (^٣) أمِّ سعد، فاحتمل أن يكون نذرَ حجِّ أو عمرة أو صدقة، فأمره بقضائه عنها. فأما من نَذَر صلاةً، أو صيامًا، ثمَّ مات، فإنَّه يكفَّر عنه في الصوم، ولا يصامُ عنه؛ ولا يصلَّى عنه، ولا يكفَّر عنه في الصلاة.
ثم قال: فإن قيل: فرُوِي أنَّ رسولَ الله - ﷺ - أمَر أحدًا أن يصوم (^٤) عن أحد؟ قيل: نعم، روَى ابن عباس عن النبي - ﷺ - (^٥).
فإن قيل: فلِمَ لا تأخذ به؟ قيل: حديث الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ -: «نذرًا»، ولم يسمّه، مع حفظ الزهري وطولِ مجالسة عبيد الله لابن عباس. فلما جاء غيره عن رجل، عن ابن عباس بغيرِ (^٦) ما (^٧) في حديث عبيد الله أشبَهَ أن لا يكون محفوظًا.
_________________
(١) زاد في (ق): «الإمام رحمه الله تعالى».
(٢) يعني ما أخرجه مالك في الموطأ (١٠٠٧) والبخاري (٢٧٦١) ومسلم (١٦٣٨) أن سعد بن عبادة استفتى رسول الله - ﷺ - فقال: إن أمي ماتت وعليها نذر. فقال النبي - ﷺ -: «اقضه عنها» وسيأتي.
(٣) الضبط من (أ، ط).
(٤) (ب، ط، ج): «يصلي».
(٥) يشير إلى حديث مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قالت: إن أمي ماتت وعليها صوم شهر الحديث، أخرجه الشيخان، وقد سبق في فصل وصول ثواب الصوم.
(٦) في جميع النسخ: «يعني»، وهو تصحيف محيل للمعنى. وصوابه ما أثبتنا من المصادر.
(٧) بعدها في (ب، ط) زيادة: «جاء».
[ ٢ / ٣٧٣ ]
قول أصحاب الوصول
الكلام على قوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾
إن قيل: فتعرفُ الرجل الذي جاء بهذا الحديث يغلَطُ (^١) عن ابن عباس؟ قيل: نعم روى أصحاب ابن عباس عن ابن عباس أنَّه قال لابن الزبير: إنَّ الزبير حلَّ من متعة الحج، فروى هذا عن ابن عباس أنَّها متعةُ النساء، وهذا غلطٌ فاحش (^٢).
فهذا الجواب عن فعل الصوم، وأما فعلُ الحج فإنَّما يصل (^٣) منه ثواب الإنفاق. [٨٠ أ] وأما أفعالُ المناسك فهي كأفعال الصلاة، إنما تقع عن فاعلها.
قال أصحاب الوصول: ليس في شيء مما (^٤) ذكرتم ما يعارِض أدلَّة الكتابِ والسُّنَّة، واتفاقَ سلفِ الأمة، ومُقتضَى (^٥) قواعد الشرع. ونحن نجيب عن كلِّ ما ذكرتموه بالعدل والإنصاف.
أما قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، فقد اختلفت طرق الناس في المراد بالآية. فقالت طائفة: الإنسان هاهنا: الكافر. وأما المؤمن، فله ما سَعَى وما سُعِي له، بالأدلَّة التي ذكرناها (^٦). قالوا: وغاية ما في هذا: التخصيص، وهو جائز إذا دلَّ عليه الدليل.
_________________
(١) في جمع النسخ: «فغلط» وصوابه المناسب للسياق ما أثبتنا من مصدر النص.
(٢) كتاب اختلاف الحديث للشافعي في ذيل كتاب الأم (٢/ ١١٥ ــ ١١٦). وانظر: معرفة السنن والآثار للبيهقي (٦/ ٣٠٧)، والمجموع شرح المهذب (٦/ ٤١٦).
(٣) (أ، ق، غ): «يتصل».
(٤) (ب، ط، ج): «ليس فيما».
(٥) «مقتضى» ساقط من (ن).
(٦) انظر: تفسير القرطبي (٢٠/ ٥٥) والتذكرة له (١/ ٢٨٩). وقد نقل هذا التأويل عن الربيع بن أنس.
[ ٢ / ٣٧٤ ]
وهذا الجواب ضعيف جدًّا، ومثل هذا العامِّ لا يراد به الكافر وحده، بل هو للمسلم والكافر. وهو كالعامِّ الذي قبله وهو قوله: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم: ٣٨].
والسياق كلُّه (^١) من أوله إلى آخره كالصريح في إرادة العموم لقوله: ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾ [النجم: ٤٠، ٤١]. وهذا يعمُّ الخيرَ والشرَّ قطعًا، ويتناول البرَّ والفاجر، والمؤمن والكافر؛ كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]. وكقوله في الحديث الإلهي: «يا عبادي إنَّما هي أعمالُكم، أحُصِيها لكم، ثمَّ أوفِّيكم إياها. فمن وَجَد خيرًا فليَحْمَد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومَنَّ إلا نفسَه» (^٢). وهو كقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق: ٦].
ولا تغترَّ (^٣) بقول كثير من المفسرين في لفظ «الإنسان» في القرآن: الإنسان هاهنا (^٤) أبو جهل، والإنسان هاهنا عُقبة بن أبي مُعَيط، والإنسان هاهنا الوليد بن المغيرة (^٥). فالقرآن أجلُّ من ذلك، بل الإنسان هو الإنسان
_________________
(١) «كله» ساقط من (ب، ج).
(٢) أخرجه مسلم (٢٥٧٧).
(٣) ما عدا (ق، ن، غ): «يُغترَّ».
(٤) «هاهنا» ساقط من (ب، ط، ن، ج).
(٥) انظر في مثل هذا التخصيص للعموم: الصواعق المرسلة للمصنف (ص ٦٩٣ ــ ٧٠٨).
[ ٢ / ٣٧٥ ]
من حيث هو، من غير اختصاصٍ بواحد بعينه، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢]. و﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: ٦] و﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج: ١٩]. و﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦ ــ ٧]. و﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤]. و﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢].
فهذا شأنُ الإنسان من حيث ذاتُه ونفسُه. وخروجُه عن هذه الصفات بفضلِ ربِّه، وتوفيقِه له، ومنَّتِه عليه، لا من ذاتِه (^١)؛ فليس له من ذاته إلا هذه الصفات. وما به من نعمةٍ فمن الله وحده [٨٠ ب]، فهو الذي حبَّب إلى عبده الإيمان، وزيَّنَه في قلبه، وكرَّه إليه الكفرَ والفسوقَ والعصيانَ، وهو الذي كتب في قلبه الإيمان. وهو الذي ثبَّت أنبياءه ورسله وأولياءه على دينه، وهو الذي يصرِف عنهم السوءَ والفحشاء. وكان يُحدى (^٢) بين يدي النبي (^٣) - ﷺ -:
والله لولا اللّهُ ما اهتدَينا ولا تصَدَّقْنا ولا صَلَّيْنا (^٤)
وقد قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٠٠]. وقال تعالى: ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [المدثر: ٥٦]. ﴿وَمَا تَشَاءُونَ
_________________
(١) (ن): «من حيث ذاته».
(٢) (ن): «يحتدي». (ق): «يجري»، تصحيف.
(٣) ما عدا (أ، ق، غ): «رسول الله».
(٤) حدا بهذا الرجز عامر بن الأكوع في غزوة خيبر. أخرجه البخاري (٤١٩٦) ومسلم (١٨٠٢) من حديث سلمة بن الأكوع.
[ ٢ / ٣٧٦ ]
إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (^١) [التكوير: ٢٩]. فهو ربُّ جميع العالم ربوبيَّةً (^٢) شاملةً لجميع ما في العالم (^٣) من ذواتٍ وأفعالٍ وأحوال.
وقالت طائفة (^٤): الآيةُ إخبارٌ عن شرعِ مَنْ قَبلنا، وقد دلَّ شرعُنا على أنَّ (^٥) له ما سَعى، وما سُعِي له (^٦). وهذا أيضًا أضعفُ من الأول، أو من جنسه. فإنَّ الله سبحانه أخبر بذلك إخبارَ مقرِّرٍ له محتجٍّ به، لا إخبارَ مُبطِلٍ له. ولهذا قال: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى﴾ [النجم: ٣٦]. فلو كان هذا باطلًا في هذه الشريعة لم يُخبِر به إخبارَ مقرِّر له محتجٍّ به.
وقالت طائفة: اللام بمعنى على، أي: وليس على الإنسان إلا ما سعى (^٧). وهذا أبطَلُ من القولين الأوَّلَين، فإنَّه قَلْبُ موضوعِ الكلام (^٨) إلى ضدِّ معناه المفهوم منه. ولا يسوغ مثلُ هذا، ولا تحتمله اللغة. وأما نحو: ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [غافر: ٥٢] فهي على بابها (^٩)، أي: هي نصيبُهم وحظهم.
_________________
(١) لم ترد هذه الآية في (ب، ط، ن، ج).
(٢) كذا مضبوطة في (ق). وفي (ب، ن): «ربوبيته».
(٣) «فهو رب العالم» ساقط من (ط).
(٤) (ن): «طائفة أخرى».
(٥) (ق، ط): «أنه».
(٦) وهو قول عكرمة. انظر: الكشف والبيان (٩/ ١٥٣) وزاد المسير (٨/ ٨١).
(٧) زاد المسير (٨/ ٨١) وذكر أنّه حكاه شيخه علي بن عبيد الله الزاغوني (ت ٥٢٧).
(٨) هذا الضبط من الأصل. وفي (ط): «قلَبَ موضوعَ الكلام».
(٩) خلافًا لمن فسَّر اللام فيها بمعنى (على). انظر: زاد المسير (٧/ ٢٣١)، البحر المحيط (٧/ ٤٩٦).
[ ٢ / ٣٧٧ ]
وأمَّا أنَّ العرب تعرف في لغاتها (^١): لي درهم، بمعنى: عليَّ درهم، فكلَّا!
وقالت طائفة: في الكلام حذف، تقديره: وأن ليس للإنسان إلا ما سَعَى أو سُعِي له (^٢). وهذا أيضًا من النمط الأول، فإنَّه حذفُ ما لا يدلّ السياقُ عليه بوجه، وقولٌ على الله وكتابه بلا علم.
وقالت طائفة أخرى (^٣): الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَأتْبَعْناهُمْ ذُرِّيَّاتِهم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّاتِهم﴾ (^٤) [الطور: ٢١]. وهذا منقول عن ابن عباس (^٥). وهذا ضعيف أيضًا. ولا يُرفع (^٦) حكمُ الآية بمجرَّد قول ابن عباس ولا غيرِه: إنهَّا منسوخة.
والجمعُ بين الآيتين غيرُ متعذِّر ولا ممتنِع، فإنَّ الأبناء تبِعوا الآباء في الآخرة، كما [٨١ أ] كانوا (^٧) تَبَعًا لهم في الدنيا. وهذه التبعية هي من كرامة الآباء وثوابهم الذي نالوه بسعيهم. وأمَّا كون الأبناء لحقوا بهم في الدرجة بلا سعيٍ منهم، فهذا ليس هو لهم، وإنما هو للآباء، أقرَّ الله أعينَهم بإلحاق ذرِّيتهم بهم في الجنة، وتفضَّل على الأبناء بشيء لم يكن لهم، كما تفضَّل
_________________
(١) (ب، ط): «يُعرف في لغتها».
(٢) لم أقف على قائله.
(٣) (ط): «وقالت أخرى».
(٤) كذا وردت الآية في جميع النسخ على قراءة أبي عمرو، وكانت هي السائدة في بلاد الشام في عهد المؤلف.
(٥) رواه عنه علي بن أبي طلحة. وأخرجه الطبري في تفسيره (٢٢/ ٨٠) وأبو جعفر النحاس في الناسخ والمنسوخ (٢٣٠).
(٦) الأصل: «ولا نرفع».
(٧) (ب): «الأبناء في الآخرة كما قالوا» سقط وتحريف.
[ ٢ / ٣٧٨ ]
بذلك على الوِلدان والحورِ العِين والخلقِ الذين يُنشئهم للجنَّة بغير أعمال، والقومِ الذين يُدخلهم الجنة بلا خيرٍ قدَّموه ولا عملٍ عملوه.
فقوله تعالى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم: ٣٨]، وقوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] آيتان محكَمتان، يقتضيهما عدلُ الربِّ تعالى، وحكمتُه (^١)، وكمالُه المقدَّس؛ والعقل والفطرة شاهدان بهما. فالأولى تقتضي (^٢) أنَّه لا يعاقَب بجرم غيره، والثانية تقتضي أنَّه لا يفلح إلا بعمله وسعيه. فالأولى تؤمِّن العبد من أخْذِه بجريرة غيره، كما يفعله ملوك الدنيا. والثانية تقطَع طمعَه من نجاته (^٣) بعمل آبائه وسلفه ومشايخه، كما عليه أصحاب الطمع الكاذب. فتأمَّلْ حسنَ اجتماع هاتين الآيتين!
ونظيره قوله تعالى: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. فحكَم سبحانه لعباده بأربعة أحكامٍ هي غايةُ العدلِ والحكمة:
أحدها: أنَّ هُدى العبد بالإيمان والعمل الصالح لنفسه، لا لغيره.
الثاني: أنَّ ضلالَه بفوات ذلك وتخلُّفَه عنه على نفسه، لا على غيره.
الثالث: أنَّ أحدًا لا يؤاخَذُ بجريرة غيره.
الرابع: أنَّه لا يعذِّب أحدًا إلا بعد إقامة الحُجَّة عليه برسله.
_________________
(١) «وحكمته» ساقط من (ب، ط).
(٢) (ق، ب، ط): «فالأول يقتضي»، خطأ، فإن المقصود: الآية، لا العقل.
(٣) (ق): «نَجائه». (أ، غ): «لَحاقه».
[ ٢ / ٣٧٩ ]
جواب أبي الوفاء بن عقيل
فتأمَّلْ ما في ضمنِ هذه الأحكام الأربعة من حكمته تعالى وعدله وفضله، والردِّ على أهل الغرور والأطماع الكاذبة، وعلى أهل الجهل بالله وأسمائه وصفاته.
وقالت طائفة أخرى: المراد بالإنسان هاهنا: الحيُّ دون الميِّت (^١). وهذا أيضًا من النَّمط الأول في الفساد. وهذا كلُّه من سوء التصرُّف في اللفظ العامّ. وصاحبُ هذا التصرُّف لا ينفد (^٢) تصرّفُه في دلالاتِ الألفاظ وحَمْلِها على خلاف موضوعها [٨١ ب] وما يتبادر إلى الذهن منها. وهو تصرُّف فاسد قطعًا يُبطِله السياقُ، والاعتبارُ، وقواعدُ الشرع وأدلَّتُه وعرفُه. وسببُ هذا التصرف السيئ أن صاحبه يعتقد قولًا، ثم يردُّ كلَّ ما دلَّ على خلافه، بأي طريق اتَّفقت له. فالأدلّةُ المخالفة لما اعتقده عنده من باب الصائِل (^٣)، لا يبالي بأيِّ شيء دفَعَه! وأدلَّةُ الحقِّ لا تتعارض ولا تتناقض، بل يصدِّق بعضُها بعضًا (^٤).
وقالت طائفة أخرى، وهو جوابُ أبي الوفاء بن عَقيل (^٥)، قال: الجوابُ الجيِّد عندي أن يقال: الإنسانُ (^٦) بسعيه وحسن عِشرته اكتسب الأصدقاء، وأولَدَ الأولاد، ونكح الأزواج، وأسدى الخير، وتودَّد إلى الناس، فترحَّموا
_________________
(١) لم أقف على هذا القول.
(٢) ما عدا (ق): «ينفذ» بالذال المعجمة، تصحيف.
(٣) (ب، ط، ج): «دفع الصائل». وبعده: «بل لا يبالي». ولعلّ زيادة «دفع» جرّت إلى زيادة «بل».
(٤) في (ب، ط، ن، ج) زيادة: «ويؤيد بعضها بعضًا».
(٥) ذكر نحوه ابن الجوزي في زاد المسير (٧/ ٢٣١) بما حكاه شيخه ابن الزاغوني.
(٦) (أ، ق، غ): «للإنسان».
[ ٢ / ٣٨٠ ]
عليه، وأهدَوا له العبادتِ؛ فكان (^١) ذلك أثرَ سعيه، كما قال النبي - ﷺ -: «إنَّ أطيبَ ما أكل الرجلُ مِن كَسْبه، وإنَّ ولَدَه مِنْ كَسْبِه» (^٢). ويدلُّ عليه قولُه في
_________________
(١) (ن): «وكان».
(٢) أخرجه أبو داود (٣٥٢٨)، والنسائي (٤٤٤٩)، والإمام أحمد (٢٤٠٣٢)، وابن حبان (٤٢٥٩)، والحاكم (٢/ ٤٦) من طريق منصور بن المعتمر، عن إبراهيم النخعي، عن عُمارة بن عمير، عن عمّته، أنها سألت عائشة ﵂: في حجري يتيم أفآكل من ماله؟ فقالت: قال رسول الله - ﷺ - (فذكره). وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. كذا قال! مع أن في إسناده جهالة؛ لأن عمّة عمارة بن عمير لا تعرف كما قاله ابن القطان الفاسي في بيان الوهم والإيهام (٤/ ٥٤٦). ثم في سنده اختلاف كثير أيضًا، فرواه الأعمش، واختلف عليه: فروي عنه، عن إبراهيم النخعي، به، بمثل رواية منصور. أخرجه النسائي (٤٤٥٠)، والإمام أحمد (٢٤١٣٥)، والحميدي (٢٤٦) عن سفيان بن عيينة، عن الأعمش، به. وروي عنه، عن عمارة بن عمير، به. ولم يذكر إبراهيم النخعي. أخرجه الترمذي (١٣٥٨) وقال: حديث حسن. وروي عنه، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود، عن عائشة، بنحوه. أخرجه النسائي (٤٤٥٢)، وابن ماجه (٢١٣٧)، والإمام أحمد (٢٤١٤٨)، وابن حبان (٤٢٦١)، والبيهقي (٧/ ٤٨٠) من طريق الأعمش، به. وقال البيهقي: وهو بهذا الإسناد غير محفوظ. وهناك أوجه أخرى من الاختلاف أوردها الإمام الدارقطني في العلل (١٤/ ٢٥٠ ــ ٢٥٢) ثم قال: «والصحيح حديث منصور عن إبراهيم عن عمارة عن عمّته عن عائشة». وفي إسناده جهالة، كما سبق. لكن له شواهد يتقوّى بها منها حديث عبد الله بن عمرو ﵁، أخرجه الإمام أحمد (٦٦٧٨) وغيره بإسناد حسن، وفي الباب أحاديث أخرى يراجع تخريجها في إرواء الغليل (٣/ ٣٢٩ ــ ٣٣٠). (قالمي)
[ ٢ / ٣٨١ ]
الحديث الآخر: «إذا مات العبدُ انقطع عملُه إلا من ثلاث: علمٍ ينتفع به من بعده (^١)، وصدقةٍ جارية عليه (^٢)، أو ولدٍ صالح يدعو له» (^٣). ومن هنا قال الشافعي (^٤): إذا بذل له ولدُه طاعةَ الحج كان ذلك سببًا لوجوب الحجِّ (^٥) عليه، حتى كأنه في ماله زادٌ وراحلة (^٦)، بخلاف بذل الأجنبيِّ.
وهذا جوابٌ متوسِّط يحتاج إلى تمام. فإنَّ العبدَ بإيمانه وطاعته لله ورسوله قد سعى في انتفاعه (^٧) بعمل إخوانه المؤمنين مع عمله، كما ينتفع بعملهم في الحياة الدنيا (^٨) مع عمله. فإن المؤمنين ينتفعُ بعضهم بعمل بعض في الأعمال التي يشتركون فيها، كالصلاة في جماعة (^٩)، فإن كلَّ واحد منهم تُضاعَف صلاتُه إلى سبع وعشرين (^١٠) ضِعفًا، لمشاركة (^١١)
_________________
(١) «من بعده» لم يرد في (ق).
(٢) لم ترد «عليه» في (ن، غ). وهي مضروب عليها في الأصل.
(٣) تقدَّم تخريجه في أول المسألة.
(٤) (ق): «الإمام الشافعي رحمة الله عليه».
(٥) (ق): «سبب وجوب الحج».
(٦) (ق، ن): «زادًا وراحلةً!»
(٧) (غ): «في عمله بانتفاعه». وكان في الأصل على الصواب، فغيّره بعضهم كما أثبته ناسخ (غ). وفي (ن) تحرّف «سعى» إلى «ينتفع».
(٨) لم يرد لفظ «الدنيا» فيما عدا (أ، غ).
(٩) (أ، غ): «الجماعة».
(١٠) يعني: درجة أو صلاة. وفي (ق): «سبعة وعشرين». وجاء ذلك في حديث ابن عمر الذي أخرجه مسلم (٦٥٠).
(١١) (ب، ط، ج، ن): «بمشاركة».
[ ٢ / ٣٨٢ ]
غيره له في الصلاة. فعملُ غيره كان سببًا لزيادة أجره، كما أنَّ عملَه سببٌ لزيادة أجر الآخر. بل قد قيل: إنَّ الصلاةَ يُضاعَف ثوابُها بعدد المصلِّين. وكذلك اشتراكهم في الجهاد والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتعاون على البرِّ والتقوى. وقد قال النبي - ﷺ -: «المؤمنُ للمؤمن كالبُنيان يشُدُّ بعضُه بعضًا»، وشبَّكَ بين أصابعه (^١). ومعلوم [٨٢ أ] أنَّ هذا بأمورِ الدين أولى منه بأمور الدنيا.
فدخولُ المسلم مع جملة المسلمين في عقد الإسلام من أعظم الأسباب في وصول نفع كلٍّ من المسلمين إلى صاحبه في حياته وبعد مماته، ودعوة المسلمين تُحيط من ورائهم. وقد أخبر الله سبحانه عن حَمَلة العرش ومَن حولَه أنهم يستغفرون للمؤمنين ويَدْعون لهم، وأخبر عن دعاء رُسُله واستغفارهم للمؤمنين، كنوحٍ وإبراهيمَ ومحمدٍ - ﷺ -. فالعبدُ بإيمانه قد تسبَّب إلى وصول هذا الدعاء إليه، فكأنه من سَعْيه (^٢).
يُوضِّحه أنَّ الله سبحانه جعل الإيمان (^٣) سببًا لانتفاع صاحبه بدعاء إخوانه من المؤمنين وسَعْيهم، فإذا أتى به فقد سعى في السَّببِ الذي يُوصل إليه ذلك. وقد دلَّ على ذلك قول النبي - ﷺ - لعمرو بن العاص: «إن أباك لو كان أقرَّ بالتوحيد نفعَه ذلك» (^٤). يعني العِتقَ الذي فعل عنه بعد موته. فلو
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٨١) ومسلم (٢٥٨٥) من حديث أبي موسى الأشعري.
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (٢٤/ ٣٠٧).
(٣) (أ، ق، غ): «الإعادة»، وهو تحريف. وفي طرَّة الأصل تصحيح بخط بعضهم.
(٤) سبق في فصل وصول ثواب الصدقة.
[ ٢ / ٣٨٣ ]
فصل: الكلام على قوله تعالى: ﴿ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون﴾
أتى بالسبب لكان قد سعى في عملٍ يُوصِل إليه ثوابَ العتق. وهذه (^١) طريقة لطيفة حسنة جدًّا.
وقالت طائفةٌ أخرى: القرآن لم يَنْفِ انتفاعَ الرجل بسعي غيره، وإنما نفى مُلكَه لغير سعيه (^٢)، وبين الأمرين من الفرق ما لا يَخفى. فأخبر تعالى أنَّه لا يملِك إلا سعيَه، وأما سعيُ غيره فهو مِلْكٌ لساعيه، فإن شاء أن يبذله لغيره، وإن شاء أن يُبقِيَه لنفسه. وهو سبحانه لم يقُل: لا يَنتِفع إلا بما سعى. وكان شيخنا يختار هذه الطريقة ويرجِّحها (^٣).
فصل
وكذا قوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقوله: ﴿وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يس: ٥٤]، على أنَّ هذه الآيةَ أصرحُ في الدلالة على أنَّ سِياقَها إنما ينفي عقوبةَ العبد بعمل غيره وأخذَه بجَرِيرته. فإنَّه (^٤) سبحانه قال: ﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يس: ٥٤] فنفى أن يُظلَم بأن يُزادَ عليه في سيئاته، أو يُنقَص من حسناته (^٥)، أو يُعاقَب بعمل غيره. ولم يَنْفِ أن ينتفعَ بعمل غيره، لا على وجه الجزاء، فإنَّ انتفاعَه بما يُهدَى إليه ليس جزاءً على عمله، وإنما هو صدقةٌ تصدَّق الله بها
_________________
(١) ما عدا (ق): «فهذه».
(٢) (ن): «لسعي غيره».
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (٢٤/ ٣١٢).
(٤) (ب، ط، ج): «فإن الله».
(٥) (ب، ط): «سيئاته».
[ ٢ / ٣٨٤ ]
فصل: الجواب عن الاستدلال بقوله - ﷺ -: «إذا مات العبد انقطع عمله» الحديث
فصل: قوله: الإهداء حوالة
عليه، وتفضَّل بها عليه [٨٢ ب] من غير سَعْي منه؛ بل وهَبه ذلك على يدِ بعض عباده، لا على وجه الجزاء.
فصل
وأمَّا استدلالكم بقوله - ﷺ -: «إذا مات العبدُ انقطعَ عملُه » (^١)، فاستدلالٌ ساقط، فإنَّه - ﷺ - لم يقل: انقطع انتفاعُه، وإنَّما أخبر عن انقطاع عمله. وأمَّا عملُ غيره فهو لِعامله، فإن وهَبه له (^٢) فقد وصل إليه ثوابُ عمل العامل، لا ثوابُ عمله هو. فالمنقطعُ شيءٌ، والواصلُ إليه شيء آخرُ.
وكذلك الحديثُ الآخر، وهو قوله: «إنَّ ممَّا يلحَقُ الميِّتَ من حسناته وعمله » (^٣). فلا ينفي أن يلحقَه غيرُ ذلك من عمل غيرِه وحسناتِه.
فصل
وأما قولُكم: الإهداءُ حوالةٌ، والحوالةُ إنما تكون بحقٍّ (^٤) لازم؛ فهذه حوالة المخلوق على المخلوق (^٥). وأمَّا حوالةُ المخلوق على الخالق، فأمرٌ آخر لا يصحُّ قياسُها على حوالة العبيد بعضِهم على بعض. وهل هذا (^٦) إلا مِن أبطَلِ القياسِ وأفسَدِه!
_________________
(١) سبق تخريجه في أول المسألة.
(٢) «له» ساقط من (أ، غ).
(٣) سبق تخريجه في أول المسألة.
(٤) (ب، ط): «لحقّ».
(٥) «على المخلوق» ساقط من (ب، ط، ج).
(٦) (ق): «هذا الأمر».
[ ٢ / ٣٨٥ ]
فصل: قولهم: الإيثار بسبب الثواب مكروه
والذي يُبطِله: إجماعُ الأمة على انتفاعه بأداء دَينه وما عليه من الحقوق، وإبراء المستحقِّ لذمّته، والصدقة والحجِّ عنه، بالنصِّ الذي لا سبيل إلى ردِّه ودَفعِه؛ وكذلك الصوم.
فهذه (^١) الأقيسةُ الفاسدةُ (^٢) لا تُعارِض نصوصَ الشرع وقواعدَه.
فصل
وأمَّا قولكم: الإيثارُ بسبب الثواب مكروهٌ ــ وهو مسألة الإيثار بالقُرَب ــ فكيف الإيثار بنفس الثواب الذي هو الغاية! فقد أجيب (^٣) عنه بأجوبة.
أحدُها: أنَّ حالَ الحياة حالٌ لا يُوثق فيها بسلامة العاقبة، لجواز أن يرتدَّ الحيُّ، فيكون قد آثرَ بالقُربة غيرَ أهلها؛ وهذا قد أمِنَ بالموت.
فإن قيل: والمُهدَى إليه أيضًا قد لا يكون ماتَ على الإسلام باطنًا، فلا يَنتفع بما يُهدَى إليه. فهذا سؤالٌ في غاية البطلان، فإنَّ الإهداءَ له من جنس الصلاة عليه، والاستغفار له، والدعاء له. فإن (^٤) كان أهلًا، وإلا انتفع به الداعي وحدَه.
الجواب الثاني: أنَّ الإيثارَ بالقُرَب يدلُّ على قِلَّة الرغبة فيها، والتأخير عن فعلها (^٥). فلو ساغ الإيثار بها لأفضى إلى التقاعد عنها [٨٣ أ] والتكاسل
_________________
(١) (ق): «وهذه».
(٢) «الفاسدة» ساقطة من (ن).
(٣) (ب، ط، ن): «أجبتُ»، تصحيف.
(٤) (ب، ط): «فإذا».
(٥) ما عدا (أ، ق، غ): «عنها».
[ ٢ / ٣٨٦ ]
والتأخُّر، بخلافِ إهداء ثوابها، فإنَّ العاملَ يحرِص عليها (^١) لأجل ثوابها، لينتفعَ به، أو ينفعَ به أخاه المسلم. فبينهما (^٢) فرقٌ ظاهرٌ.
الجواب الثالث: أنَّ الله سبحانه يحبُّ المبادرة والمسارعة إلى خدمته، والتنافس فيها، فإنَّ ذلك أبلغُ في العبودية، فإنَّ الملوك تحبُّ المسارعة والمنافسة في طاعتها وخدمتها؛ فالإيثار بذلك مُنافٍ لمقصود العبودية. فإنَّ الله سبحانه أمر عبدَه بهذه القربة إما إيجابًا وإما استحبابًا، فإذا آثرَ بها تركَ ما أُمِرَ به (^٣)، وولَّاه غيرَه، بخلاف ما إذا فعل ما أُمِرَ به طاعةً وقُربةً، ثم أرسل ثوابَه إلى أخيه المسلم. وقد قال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ (^٤) [الحديد: ٢١]. وقال: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]. ومعلومٌ أن الإيثارَ بها يُنافي الاستباقَ إليها والمسارعةَ.
وقد كان الصحابة يُسابق بعضهم بعضًا بالقُرَب، ولا يُؤثِر الرجلَ منهم غيره بها. قال عمرُ: والله ما سابقني أبو بكر إلى خير إلا سبقني إليه (^٥)، حتى قال: واللَّهِ لا أُسابقك إلى خيرٍ أبدًا (^٦).
_________________
(١) «والتأخر عليها» ساقط من (ن).
(٢) ما عدا (أ، ق، غ): «وبينهما».
(٣) (غ): «أمره». وكذا في الأصل، لكن يظهر أن الهاء مزيدة فيما بعد.
(٤) في (أ، ق، ج، غ): « عرضها السموات والأرض» وهو سهو، فإنها آية أخرى أولها: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ.﴾ في سورة آل عمران (١٣٣).
(٥) «إليه» ساقط من (ب، ط).
(٦) انظر ما أخرجه الإمام أحمد في المسند عن ابن مسعود (٣٦٦٢)، وأبو داود (١٦٧٨) والترمذي (٣٦٧٥) عن عمر ﵁.
[ ٢ / ٣٨٧ ]
فصل: قولهم: لو ساغ الإهداء إلى الميت لساغ إلى الحي
وقد قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦]. يقال: نافستُ في الشيء منافسةً، ونِفاسًا، إذا رغبتَ فيه على وجه المباراة. ومن هذا قولهم: شيء نفيسٌ، أي: هو أهلٌ أن يُتنافَس فيه ويُرغَب فيه. وهذا أنفسُ مالي أي: أحَبُّه إليَّ. وأنفَسَني فلانٌ في كذا أي: أَرغَبني فيه (^١). وهذا كلُّه ضدُّ الإيثار به والرغبة عنه.
فصل
وأما قولكم: لو ساغ الإهداء إلى الميِّت لساغ إلى الحيِّ؛ فجوابه من وجهين:
أحدهما: أنّه قد ذهب إلى ذلك بعض الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم. قال القاضي: وكلامُ أحمد (^٢) لا يقتضي التخصيصَ بالميِّت، فإنه قال (^٣): «يفعل الخير ويجعل نِصفَه لأبيه وأمِّه»، ولم يفرِّق (^٤).
واعترض عليه أبو الوفاء بن عَقيل وقال: هذا فيه بُعْد. وهو تلاعبٌ بالشرع، وتصرُّفٌ في أمانة (^٥) الله، وإسجالٌ على الله سبحانه بثوابٍ على عمل ينقله (^٦) إلى غيره. وبعد الموت قد جعل لنا طريقًا (^٧) إلى إيصال
_________________
(١) انظر: الصحاح للجوهري (نفس ٩٨٥) وكأن المصنف صادر عنه.
(٢) (ق): «الإمام أحمد».
(٣) «قال» ساقط من (ن). وفي (ط) مكانها: «قد».
(٤) انظر: الفروع (٣/ ٤٣٠).
(٥) كذا في (ق، ن). وفي (أ، غ): «آيات». وفي (ب، ط): «إثابة». وأشير في حاشية (ط) إلى أن في نسخة: «أمانة».
(٦) (أ، ق، غ): «يفعله».
(٧) (ب، ط، ن، ج): «طريق».
[ ٢ / ٣٨٨ ]
[٨٣ ب] النفع كالاستغفار والصلاة على الميِّت.
ثم أورد على نفسه سؤالًا وهو: فإنْ قيل: أليس قضاءُ الديون وتحمُّلُ الكَلِّ حالَ الحياة كقضائه بعد الموت؟ فقد (^١) استوى ضمان الحياة وضمان الموت (^٢) في أنَّهما يُزيلان المطالبة عنه. فإذا وصل قضاء الديون بعد الموت وحال الحياة، فاجعلوا ثوابَ الإهداء واصلًا حالَ الحياة وبعد الموت.
وأجاب عنه (^٣) بأنه لو صحَّ هذا وجب أن تكون الذنوبُ تُكفَّر عن الحيِّ بتوبة غيره عنه، ويندفع عنه مآثمُ (^٤) الآخرة بعمل غيره واستغفاره.
قلتُ: وهذا لا يلزم، بل طردُ ذلك انتفاعُ الحيِّ بدعاءِ غيره له، واستغفارِه له، وتصدُّقِه عنه، وقضاءِ ديونه. وهذا حقٌّ. وقد أَذِنَ النبيُّ - ﷺ - في (^٥) أداء فريضة الحجِّ عن الحيِّ المعضوبِ (^٦) والعاجز، وهما حيَّان.
وقد أجابَ غيره من الأصحاب بأنَّ حالَ الحياة لا نَثِقُ بسلامة العاقبة، خوفًا أن يرتدَّ المُهدى له، فلا ينتفع بما يُهدَى إليه.
قال ابن عَقيل: وهذا عذر (^٧) باطل بإهداء هذا (^٨) الحيِّ فإنه لا يُؤمَن أن
_________________
(١) (ب، ط): «فإن».
(٢) ما عدا (أ، ق، غ): «ضمان الموت وضمان الحياة».
(٣) «عنه» ساقط من (ب، ط).
(٤) كذا بالمدّ في (أ، ن). وفي (ط): «مأثَم».
(٥) «في» ساقطة من (أ، غ).
(٦) المعضوب: الذي لازمه المرض المزمن، فمنعه الحركة.
(٧) ما عدا (أ، ق، غ): «عندي».
(٨) «هذا» ساقط من (ب، ط، ن). وفيما عدا (أ، ق، غ) بعد «الحي»: «للميت».
[ ٢ / ٣٨٩ ]
يرتدَّ ويموت، فيحبَطَ عملُه كلُّه، ومن جُملته ثوابُ ما أهدى إلى الميِّت.
قلت: هذا لا يلزمهم، ومواردُ النص والإجماع تُبطِله وترُدُّه، فإنَّ النبي - ﷺ - أَذِن في الحجِّ والصوم عن الميِّت. وأجمع الناس على براءة ذمَّته من الدَّين، إذا قضاه عنه الحيُّ، مع وجود (^١) ما ذكر من الاحتمال.
والجوابُ أن يقال: ما أهداه من أعمال البرِّ إلى الميت فقد صار ملكًا له، فلا يبطلُ برِدَّة فاعله بعد خروجه عن ملكه، كتصرُّفاته التي تصرَّفها قبل الرِّدَّة، من عِتْق وكفَّارة (^٢)، بل لو حجَّ عن معضوبٍ، ثم ارتدَّ بعد ذلك لم يلزم المعضوبَ أن يُقيم غيره يحج عنه، فإنه لا يُؤمن في الثاني والثالث ذلك.
على أنَّ الفرقَ بين الحي والميّت [٨٤ أ] أنّ الحيَّ ليس بمحتاج (^٣) كحاجة الميت، إذ يمكنه أن يباشر ذلك العمل أو نظيره، فعليه (^٤) اكتسابُ الثواب بنفسه وسَعْيه، بخلاف الميت.
وأيضًا فإنه يفضي إلى اتِّكال بعض الأحياء على بعض، وهذه مفسدة كبيرة، فإنَّ أربابَ الأموال إذا فهموا ذلك واستشعروه استأجروا من يفعل ذلك عنهم، فتصير الطاعاتُ معاوضاتٍ، وذلك يفضي إلى إسقاط العباداتِ والنوافل، ويصير ما يُتقرَّب به إلى الله يُتقرَّب (^٥) به إلى الآدميين، فيخرج عن
_________________
(١) «وجود» ساقط من (ن).
(٢) (ق): «إجارة».
(٣) (ب، ط، ج): «يحتاج».
(٤) (ب، ط، ج): «فيمكنه».
(٥) (ب، ط، ج): «متقرَّبًا».
[ ٢ / ٣٩٠ ]
فصل: قولهم: لو ساغ ذلك لساغ إهداء نصف الثواب وربعه إلى الميت
الإخلاص، فلا يحصل الثوابُ لواحد منهما. ونحن نمنع من أخذ الأجرة عن كل قربة، ونحبطها بأخذ الأجرة عليها، كالقضاء والفُتيا وتعليم العلم والصلاة وقراءة القرآن وغيرها، فلا يُثيب الله عليها إلا لمخلصٍ (^١) أخلصَ العملَ لوجهه (^٢) فإذا فعله للأجرة لم يُثَب عليه الفاعلُ ولا المستأجِرُ. فلا يليق بمحاسن الشرع أن يجعلَ العباداتِ الخالصةَ له معاملاتٍ يُقصَد بها المعاوضات والأكساب الدنيوية. وفارَقَ قضاءَ الدُّيون وضمانَها، فإنَّها حقوقُ الآدميين ينوب بعضهم فيها عن بعض، فلذلك جازت في الحياة وبعد الموت (^٣).
فصل
وأما قولكم: لو ساغ ذلك لساغ إهداءُ نصف الثواب ورُبعه إلى الميت، فالجواب من وجهين:
أحدهما: منع الملازمة، فإنكم لم تذكروا عليها دليلًا إلا مجرَّد الدعوى.
الثاني: التزام ذلك والقول به، نصَّ عليه الإمام أحمد في رواية محمد بن يحيى الكحَّال (^٤). ووجهُ هذا أنَّ الثوابَ ملكٌ له، فله أن يهديَه
_________________
(١) كذا باللام في جميع النسخ، وضبط بتنوين الصاد بالكسر في (ق، ط، غ). وفي (ب): «المخلص»، والظاهر أنه إصلاح من الناسخ.
(٢) (ب، ط، ج): «لوجه الله تعالى».
(٣) قارن بما نقل ابن مفلح من كلام ابن عقيل في كتاب الفروع (٣/ ٤٣٣ ــ ٤٣٤).
(٤) سبق في (ص ٣٥٣).
[ ٢ / ٣٩١ ]
فصل: قولهم: لو ساغ ذلك لساغ إهداؤه بعد أن يعمله لنفسه
جميعَه، وله أن يهديَ بعضَه. يوضِّحه: أنه لو أهداه إلى أربعةٍ مثلًا يحصل لكلٍّ منهم ربعُه، فإذا أهدى الربعَ وأبقى لنفسه الباقي جاز، كما لو أهداه إلى غيره.
فصل
وأما قولكم: لو ساغ ذلك لساغ إهداؤه بعد أن يعملَه لنفسه. وقد قلتم: إنَّه لابد أن يُنوى حالَ الفعل إهداؤه (^١) إلى الميِّت، وإلا لم يصل.
فالجواب: أنّ هذه المسألة غير منصوصة عن أحمد (^٢)، ولا هذا [٨٤ ب] الشرط في كلام المتقدِّمين من أصحابه، وإنَّما ذكره المتأخِّرون، كالقاضي وأتباعه.
قال ابنُ عَقيل: إذا فعل طاعةً من صلاة وصيام وقراءة قرآن وأَهداها بأنْ جعل ثوابَها للميت المسلم، فإنه يصلُ إليه ذلك (^٣) وينفعه، بشرط أن تتقدَّم نيةُ الهدية على الطاعة أو تقارنها (^٤).
وقال أبو عبد الله بن حمدان في «رعايته»: ومن تطوَّع بقُربة من صدقةٍ وصلاة وصيام وحجٍّ وعُمرة وقراءة وعِتق وغير ذلك من عبادةٍ بدنية تدخُلها النِّيابة أو عبادة مالية، وجعل ثوابها أو بعضَه لميِّت مسلم حتى النبي - ﷺ -، ودعا له، أو استغفرَ له، أو قضى ما عليه من حقٍّ شرعي أو واجب تَدخلُه
_________________
(١) (ب، ط): «إهداؤه».
(٢) (ق): «الإمام أحمد ﵁».
(٣) «ذلك» ساقط من (ن).
(٤) نقله في الفروع (٣/ ٤٢٥) من مفردات ابن عقيل.
[ ٢ / ٣٩٢ ]
النيابة= نفَعَه ذلك، ووصل إليه أجرُه. وقيل: إنْ نواه حالَ فِعله أو قبلَه وصل إليه، وإلا فلا.
وسِرُّ المسألة أنَّ شرط (^١) حصول الثواب أن يقع لمن أُهدي له أولًا، أو يجوز (^٢) أن يقعَ للعامل، ثم ينتقلُ عنه إلى غيره؟ فمن شرَطَ أن ينويَ قبل الفعل أو الفراغ منه وصولَه قال: لو لم ينوِه وقع الثوابُ للعامل، ولا يقبل (^٣) انتقاله عنه إلى غيره، فإن الثوابَ يترتَّب على العمل ترتُّبَ الأثر على مُؤثِّره.
ولهذا لو أعتقَ عبدًا عن نفسه كان ولاؤه له، فلو نقل ولاءَه إلى غيره بعد العتق لم ينتقل؛ بخلاف ما لو أعتقه عن الغير، فإن ولاءه يكون لِلمُعتَق عنه. وكذلك لو أدَّى دَيْنًا عن نفسه، ثم أراد بعد الأداء أن يجعلَه عن غيره لم يكن له ذلك. وكذلك لو حجَّ أو صام أو صلَّى لنفسه (^٤)، ثم بعد ذلك أراد (^٥) أن يجعلَ ذلك عن غيره لم يملِكْ ذلك.
ويُؤيِّد هذا أنَّ الذين سألوا النبيَّ - ﷺ - عن ذلك لم يسألوه عن إهداء ثواب العمل بعده، وإنما سألوه عما يفعلونه عن الميِّت، كما (^٦) قال سعد: أينفعها إن تصدَّقتُ عنها؟ ولم يقل: أن أُهديَ لها ثواب ما تصدَّقتُ به عن نفسي. وكذلك قول المرأة الأخرى (^٧): أفأحجُّ عنها؟ وقول الرجل الآخر: أفأحجُّ
_________________
(١) كذا في (ب، ج). وفي غيرهما والنسخ المطبوعة: «أنّ أوان شرط».
(٢) (ب): «ويجوز». (ط): «يجوز». وكلاهما خطأ.
(٣) (ق، ن، غ): «فلا يقبل».
(٤) (ب، ط، ج): «عن نفسه».
(٥) (ن): «أراد بعد ذلك».
(٦) سبقت الأحاديث الآتية في (ص ٣٥٩، ٣٦٤).
(٧) «الأخرى» ساقط من (ن)، ولعل ناسخها حذفه.
[ ٢ / ٣٩٣ ]
فصل: قولهم: لو ساغ ذلك لساغ إهداء ثواب الواجبات التي تجب على الحي
عن أبي؟ فأجابهم بالإذن في الفعل عن الميت، [٨٥ أ] لا بإهداء ثواب ما عملوه لأنفسهم إلى موتاهم. فهذا لا يُعرف أنه - ﷺ - سُئل عنه قطُّ، ولا يُعرف عن أحد من الصحابة أنه فعله، وقال (^١): اللهم اجعل لفلان ثوابَ عملي المتقدِّم، أو ثوابَ ما عملتُه لنفسي.
فهذا سِرُّ الاشتراط، وهو أفقهُ. ومن لم يشترط ذلك يقول: الثواب للعامل، فإذا تبرَّع به وأهداه إلى غيره كان بمنزلة ما يُهديه إليه (^٢) من ماله.
فصل
وأما قولكم: لو ساغ الإهداءُ لساغ إهداءُ ثواب الواجبات التي تجب على الحيِّ.
فالجواب: أنَّ هذا الإلزامَ محالٌ على أصل من شَرَط في الوصول نيةَ الفعل عن الميت، فإن الواجبَ لا يصح أن يفعله عن الغير، فإن هذا واجبٌ على الفاعل يجب عليه أن ينويَ به القُربة إلى الله.
وأما من لم يشترط نية الفعل عن الغير، فهل يسوغ عنده أن يجعل للميت ثواب فرضٍ من فروضه؟
فيه وجهان. قال أبو عبد الله بن حمدان: وقيل: إن جعل له ثوابَ فرض من صلاة أو صوم أو غيرهما جاز وأجزأ فاعلَه.
قلت: وقد نُقِل عن جماعة أنهم جعلوا ثوابَ أعمالهم من فرض ونفل
_________________
(١) ما عدا (أ، ق، غ): «أو قال».
(٢) ساقط من (ن).
[ ٢ / ٣٩٤ ]
فصل: قولهم: إن التكاليف امتحان وابتلاء لا تقبل البدل
للمسلمين، وقالوا: نلقى الله بالفقر والإفلاس المجرَّد (^١)! والشريعة لا تمنع من ذلك، فالأجرُ ملكُ العامل (^٢) فإن شاء أن يجعلَه لغيره، فلا حجرَ عليه في ذلك. والله أعلم.
فصل
وأما قولكم: إنَّ التكاليفَ امتحان وابتلاء، لا تقبل (^٣) البدلَ؛ إذ المقصود منها عينُ المكلَّف العامل إلى آخره.
فالجوابُ عنه: أنَّ ذلك لا يمنع إذنَ الشارع للمسلم أن ينفع أخاه بشيء من عمله. بل هذا من تمام إحسان الربِّ ورحمته لعباده، ومن كمال هذه الشريعة التي شرعها لهم، التي مبناها على العدل، والإحسان، والتعاون (^٤). والربُّ تعالى أقام ملائكتَه وحَمَلة عرشه يدعون لعباده المؤمنين، ويستغفرون لهم، ويسألونه لهم (^٥) أن يَقيهم السيئاتِ. وأمر خاتمَ رسله (^٦)
_________________
(١) ذكر المصنف ﵀ في مدارج السالكين أن من له بصيرة بنفسه وبصيرة بحقوق الله لم يُبقِ له نظرُه في سيئاته حسنةً البتة، فلا يلقى الله إلا بالإفلاس المحض والفقر الصرف؛ لأنه إذا فتش عن عيوب نفسه وعيوب عمله علم أنها لا تصلح لله (١/ ٢٢١). وهذا لا غبار عليه. أما ما نقله هنا عن جماعة ــ والظاهر أنهم من المتصوفة ــ من التخلِّي عن أعمالهم بإهدائها إلى المسلمين ليلقوا الله بالإفلاس، فأمر غريب، وتأييد المؤلف لهم أغرب.
(٢) (ن): «للعامل». (ب، ط، ج): «الفاعل».
(٣) (ب، ط، ج): «لا يقبل». والمثبت من (ق، غ).
(٤) (ق): «التعارف»، تصحيف.
(٥) ساقط من (ن).
(٦) (أ، غ): «خاتم الرسل».
[ ٢ / ٣٩٥ ]
أن يستغفرَ للمؤمنين والمؤمنات، ويقيمُه يوم القيامة مقامًا محمودًا يشفعُ (^١) في العُصاة من أتباعه وأهل سُنَّته (^٢). وقد أمره تعالى أن يصلِّي على أصحابه [٨٥ ب] في حياتهم وبعد مماتهم. وكان يقوم على قبورهم، فيدعو لهم.
وقد استقرَّت الشريعة على أنَّ المأثم (^٣) الذي على الجميع بترك فروض الكفايات يسقط إذا فعله مَن يحصل المقصودُ بفعله، ولو واحد. وأسقط سبحانه الارتهانَ وحرارةَ الجلود (^٤) في القبر بضمان الحيِّ دَيْنَ الميت وأدائه عنه، وإن كان ذلك الوجوبُ امتحانًا في حق المكلَّف (^٥). وأَذِن النبيُّ - ﷺ - في الحجِّ والصيام عن الميِّت، وإن كان الوجوبُ امتحانًا في حقِّه. وأسقط عن المأموم سجودَ السهو بصحة صلاة الإمام وخلوِّها من السهو، وقراءةَ الفاتحة بتحمُّل الإمام لها. فهو يتحمَّل عن المأموم سهوَه وقراءته وسترته، فقراءةُ الإمام وسترتُه قراءةٌ لمن خلفَه وسترةٌ له.
وهل (^٦) الإحسان إلى المكلَّف بإهداء الثواب إليه إلا تأسٍّ (^٧) بإحسان الربِّ تعالى؟ والله يحبُّ المحسنين. «والخلقُ عيالُ الله، فأحبُّهم إليه أنفعُهم لعياله» (^٨). وإذا كان سبحانه يحبُّ من ينفع عيالَه بشَربْة ماء، ومَذْقة لبن،
_________________
(١) في النسخ المطبوعة: «ليشفع» خلافًا لجميع النسخ التي بين يدي.
(٢) يشير إلى حديث الشفاعة. أخرجه البخاري (٧٤٤٠) ومسلم (٣٢٦) عن أنس.
(٣) (ب، ط، ج): «الإثم».
(٤) (ق، ب، ط): «الخلود»، تصحيف. وبعده في (ن): «في القبور».
(٥) انظر الحديث المذكور في فصل وصول ثواب الحج إلى الميت.
(٦) (ب، ط، ج): «فهل».
(٧) ج: «يأتي»، تصحيف. وقد سقطت «إلا» من (ب، ط).
(٨) أخرجه البزار (٦٩٤٧)، وأبو يعلى (٣٣١٥، ٣٤٧٨) من طريق يوسف بن عطية، عن ثابت، عن أنس، مرفوعًا. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ١٩١): «وفيه يوسف بن عطية الصفار، وهو متروك». وقال الحافظ في المطالب العالية (٩٧٧): «تفرد به يوسف وهو ضعيف جدًّا». وانظر: السلسلة الضعيفة (١٩٠٠). (قالمي).
[ ٢ / ٣٩٦ ]
فصل: قولهم: لو نفعه عمل غيره لنفعه توبته عنه وإسلامه عنه
وكِسْرة خبز؛ فكيف من ينفعهم في حال ضعفهم، وفقرهم، وانقطاع أعمالهم، وحاجتهم إلى شيء يُهدى إليهم أحوجَ ما كانوا إليه! فأحبُّ الخلق إلى الله من ينفع عيالَه في هذه الحال.
ولهذا جاء أثرٌ عن بعض السلف: أنه من قال كلَّ يوم سبعين مرةً: ربِّ اغفر لي ولوالديَّ وللمسلمين والمسلمين والمؤمنين والمؤمنات، حصل له من الأجر بعدَد كلِّ مسلم ومسلمة ومؤمن ومؤمنة (^١). ولا تستبعد (^٢) هذا، فإنه إذا استغفر لإخوانه، فقد أحسن إليهم، والله لا يُضيع أجرَ المحسنين.
فصل
وأما قولكم: إنه لو نفعه عملُ غيره لنفعه توبتُه عنه وإسلامُه عنه، فهذه الشبهة تُورَد على صورتين (^٣):
صورة تلازُم يُدَّعَى فيها اللُّزوم بين الأمرين، ثم يُبيَّن انتفاءُ اللازم،
_________________
(١) لم أجد هذا الأثر، لكن المصنف ذكر في مفتاح دار السعادة أن بعض السلف كان يستحب لكل أحد أن يداوم على هذا الدعاء كل يوم سبعين مرة، فيجعل له منه وردًا لا يُخِلُّ به (١/ ٢٩٨). وقد أخرج الطبراني بإسناد جيد عن عبادة بن الصامت مرفوعًا: «من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كتب الله له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة» قاله الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٥٢).
(٢) (ط، ج): «يُستبعد».
(٣) (ط): «ضربين»، تصحيف. وفي (ن): «عليك صورتين».
[ ٢ / ٣٩٧ ]
فينتفي ملزومُه. وصورتها هكذا: لو نفعه عملُ الغير عنه لنفعه إسلامُه وتوبتُه عنه، لكن لا ينفعه ذلك، فلا ينفعه عملُ الغير.
والصورة الثانية: أن يقال: لا يَنتفع بإسلامِ الغير وتوبته عنه، فلا [٨٦ أ] ينتفعُ بصلاته وصيامه وقراءته عنه.
ومعلومٌ أن هذا التلازمَ والاقتران باطلٌ قطعًا.
أمَّا أولًا، فلأنه قياسٌ مصادمٌ لما تظاهرت به النصوص وأجمعت (^١) عليه الأمة.
وأمَّا ثانيًا، فلأنه جمع بين ما فرَّق الله بينه، فإنَّ الله سبحانه فرَّق بين إسلام المرء عن غيره، وبين صدقته وحجِّه وعِتقه عنه، فالقياسُ المسوِّي (^٢) بينهما من جنس قياس الذين قاسوا الميتة على المذكَّى والربا على البيع.
وأما ثالثًا، فإن الله سبحانه جعل الإسلام سببًا لنفع المسلمين بعضهم بعضًا في الحياة وبعد الموت، فإذا لم يأت بسبب انتفاعه بعمل المسلمين لم يحصل له ذلك النفع؛ كما قال النبي - ﷺ - لعمرو: «إن أباك لو كان أقرَّ بالتوحيد، فصُمْتَ، أو تصدَّقتَ عنه= نفعه ذلك» (^٣).
وهذا كما جعل سبحانه الإسلام سببًا لانتفاع العبد بما عمل من خير، فإذا فاته هذا السبب لم ينفعه خيرٌ عمله ولم يُقبَل منه، كما جعل الإخلاص والمتابعة سببًا لقبول الأعمال، فإذا فُقِدا لم تُقبَل الأعمال. وكما جعل
_________________
(١) (ط): «اجتمعت».
(٢) (ب، ط): «المستوي».
(٣) سبق تخريجه في (ص ٣٦١).
[ ٢ / ٣٩٨ ]
فصل: قولهم: العبادات نوعان
الوضوء وسائر شروط الصلاة سببًا لصحتها، فإذا فُقِدت (^١) فُقِدت الصحة. وهذا شأن سائر الأسباب مع مُسبَّباتها الشرعية والعقلية والحسيّة، فمن سوَّى بين حالين (^٢): وجودِ السبب وعدمِه، فهو مُبطلٌ.
ونظيرُ هذا الهوَس (^٣) أن يقال: لو قُبلت الشفاعة في العُصاة لقُبلت في المشركين. ولو خرج (^٤) أهلُ الكبائر من الموحِّدين من النار لخرج الكفار (^٥) منها، وأمثالُ ذلك من الأقيسة التي هي (^٦) من نجاسات مِعَدِ أصحابها ورَجيع أفواههم!
وبالجملة فالأولى بأهل العلم الإعراضُ عن الاشتغال بدَفْع هذه الهَذَيانات، لولا أنهم قد سوَّدوا بها صُحفَ الأعمال والصُّحف التي بين الناس!
فصل
وأما قولكم: العباداتُ نوعان: نوعٌ تدخله النيابة، فيصل ثوابُ إهدائه إلى الميت، ونوعٌ لا تدخله فلا يصل ثوابه.
_________________
(١) ساقطة من (ب). وفي بعض النسخ استدركت في الحاشية.
(٢) ما عدا (أ، ق، غ): «حالتي».
(٣) «الهوس» ساقط من (ب). وفي (ج): «هذه الشبهة».
(٤) (ب، ط): «أُخرج».
(٥) «لخرج الكفار» ساقط من الأصل، فاستدرك بعضهم في طرّتها ظنًّا: «لعله: لخرج المشركون». وكذا أثبته في المتن ناسخ (غ).
(٦) ساقط من (ب، ط، ج).
[ ٢ / ٣٩٩ ]
فهذا هو نفس المذهب والدعوى، فكيف تحتجُّون به؟ ومن أين لكم هذا الفرق؟ فأيُّ كتابٍ، أم أيُّ سُنَّة، أم أيُّ اعتبار دلَّ عليه حتى يجب المصير [٨٦ ب] إليه.
وقد شرع النبيُّ - ﷺ - الصومَ عن الميت مع أنَّ الصومَ لا تدخله النيابة. وشرع للأمَّة أن ينوب بعضهم عن بعض في أداء فرض الكفاية، فإذا فعله واحدٌ ناب عن الباقين في فعله، وسقطَ عنهم المأثم. وشرع لقيِّم الطفل الذي لا يعقل أن ينوب عنه في الإحرام وأفعال المناسك، وحكم له بالأجر بفعل نائبه (^١). وقد قال أبو حنيفة: يُحرِم (^٢) الرُّفْقَة عن المغمَى عليه، فجعلوا إحرامَ رفقته بمنزلة إحرامه (^٣). وجعل الشارعُ إسلامَ الأبوين بمنزلة إسلام أطفالهما، وكذلك إسلامُ السابي والمالك على القول المنصور (^٤).
فقد (^٥) رأيت كيف عَدَّت هذه الشريعة الكاملة أفعالَ البِرِّ من فاعلها إلى غيرهم، فكيف يليقُ (^٦) بها أن تحجُرَ على العبد أن ينفعَ والديه ورَحِمَه وإخوانه من المسلمين، في أعظم أوقات حاجاتهم، بشيء من الخير والبرِّ
_________________
(١) يشير إلى حديث ابن عباس الذي أخرجه مسلم (١٣٣٦).
(٢) (ط، ن): «تحرم».
(٣) انظر: الهداية (١/ ١٥١).
(٤) انظر: إعلام الموقعين (٢/ ٦٧ - ٦٩). وفي بعض النسخ المطبوعة: «المنصوص» موضع «المنصور»، ولعله من تغيير الناشرين.
(٥) (ق): «وقد».
(٦) «فكيف» ساقط من (ب). وفي (ج): «أيليق».
[ ٢ / ٤٠٠ ]
يفعله ويجعل ثوابَه لهم؟ وكيف (^١) يَتحجَّر العبدُ واسعًا، أو يحجُر على من لم يحجُرْ عليه الشارع في ثواب عمله أن يصرف منه ما شاء إلى من شاء من المسلمين؟ والذي أوصل ثوابَ الحج والصدقة والعِتق هو بعينه الذي يُوصِل ثوابَ الصيام والصلاة والقراءة والاعتكاف. وهو: إسلامُ (^٢) المُهدَى إليه، وتبرُّع المُهدي وإحسانُه، وعدمُ حَجْر الشارع عليه في الإحسان، بل نَدْبُه (^٣) إلى الإحسان بكل طريق.
وقد تواطأتْ رؤيا المؤمنين وتواترت أعظمَ تواتر على إخبار الأموات لهم بوصول ما يُهدُونه إليهم من قراءةٍ وصلاة وصدقة وحجٍّ وغيره. ولو ذكرنا ما حُكي لنا من أهل عصرنا وما بلَغَنا عمَّن قبلَنا من ذلك لطالَ (^٤) جدًّا. وقد قال النبي - ﷺ -: «أرى رؤياكم قد تواطأتْ على أنَّها في العَشْرِ الأواخر» (^٥)، فاعتبرَ (^٦) - ﷺ - تواطؤَ رؤيا المؤمنين. وهذا كما يعتبر تواطؤ روايتهم عمَّا شاهدوه، فهم لا يَكذبون في روايتهم ولا في رؤياهم (^٧) إذا تواطأت.
_________________
(١) (ق): «فكيف». وهو ساقط من (ب، ج).
(٢) (ق): «الإسلام»، وهو خطأ.
(٣) ضبط في (ب): «ندَبَه». والضبط المثبت من (ن).
(٤) (ن): «لكثر».
(٥) سبق تخريجه في المسألة الأولى (ص ٢٠).
(٦) بعده في (ط) زيادة: «النبي». وقد تحرّف «فاعتبر» في (أ، ق) إلى «كما عنه» فزاد ناسخ (غ) بعد «كما»: «روي»!
(٧) (ب، ط، ج): «رواياتهم ولا في رؤيتهم».
[ ٢ / ٤٠١ ]
فصل: ردهم حديث: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه»
فصل
وأما ردُّ حديثِ رسول الله - ﷺ -، وهو قوله: «من ماتَ وعليه صيامٌ [٨٧ أ] صام عنه وليُّه» بتلك الوجوه التي ذكرتموها، فنحن ننتصر لحديث رسول الله - ﷺ - (^١)، ونبيِّن موافقته للصحيح من تلك الوجوه. وأما الباطل منها فيكفينا (^٢) بطلانه من معارضته للحديث الصحيح الصريح الذي لا تُغمَز قناتُه، ولا سبيلَ إلى مقابلته إلا بالسمع والطاعة والإذعان (^٣) والقبول. وليس لنا بعده الخِيَرة (^٤)، بل الخِيَرةُ كلُّ الخِيَرة في التسليم له والقول به، ولو خالفه مَن بين المشرق والمغرب.
فأما (^٥) قولكم: نردُّه بقول مالك (^٦) في «موطَّئه»: لا يصومُ أحدٌ عن أحد، فمنازعوكم (^٧) يقولون: بل نردُّ قولَ مالك هذا بقول النبيِّ - ﷺ - (^٨). فأيُّ الفريقين أحقُّ بالصواب، وأحسنُ ردًّا؟
وأما قوله (^٩): وهو أمرٌ مجمَعٌ عليه عندنا لا خلاف فيه، فمالكٌ رحمه
_________________
(١) (ن): «للحديث».
(٢) (ب، ج): «فتلقينا»، تصحيف.
(٣) (ب، ط، ج): «والانقياد».
(٤) ضبطت هذه في (ط) بفتح الحاء المهملة مع علامة الإهمال تحتها.
(٥) (ط): «وأما».
(٦) بعده في (ق) زيادة: «الإمام».
(٧) (ب، ط، ن): «فمنازعيكم».
(٨) (ب، ط، ج): «بقول رسول الله - ﷺ -».
(٩) (ب، ط، ج): «قولكم»، وهو خطأ.
[ ٢ / ٤٠٢ ]
الله لم يحكِ إجماعَ الأمة من (^١) شرق الأرض وغربها، وإنما حكى قولَ أهل المدينة فيما بلغه، ولم يبلُغْه خلافٌ بينهم، وعدمُ اطِّلاعه ﵀ على الخلاف في ذلك لا يكون مُسقِطًا لحديث رسول الله - ﷺ -. بل لو أجمع (^٢) عليه أهلُ المدينة كلُّهم لكان الأخذ بالحديث المعصوم أولى من الأخذ بقول أهل المدينة الذين لم تُضمَن (^٣) لنا العِصمةُ في قولهم دون الأمة، ولم يجعل الله ورسولُه أقوالَهم حجَّةً يجب الردُّ عند التنازع إليها. بل قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].
وإن (^٤) كان مالكٌ وأهل المدينة قد قالوا: لا يصوم أحدٌ عن أحدٍ، فقد روى الحكمُ بن عُتيبة (^٥) وسلَمةُ بن كُهَيل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه أفتى في قضاء رمضانَ: يُطعَم عنه، وفي النذر: يُصام عنه (^٦). وهذا مذهبُ الإمام أحمدَ وكثيرٍ من أهل الحديث، وهو قول أبي عبيد. وقال أبو
_________________
(١) (ب، ط، ج): «في».
(٢) (ب، ط، ج): «اجتمع».
(٣) (ب، ط، ج): «يضمن». وفي (ن) بالياء والتاء جميعًا.
(٤) (ب، ط، ج): «ولو».
(٥) تصحف في (ب، ط، ج) إلى «عيينة».
(٦) فتوى ابن عباس هذه أخرجها أبو داود (٢٤٠١) من رواية أبي حصين عن سعيد بن جبير عنه. وقد عزاها المصنف من قبل إلى أبي داود في فصل وصول ثواب الصوم إلى الميت. وذكر صاحب المغني (٣/ ٨٤) أن الأثرم رواها في السنن، ولا أدري أبالإسناد الذي ذكره المؤلف هنا أم بغيره.
[ ٢ / ٤٠٣ ]
فصل: قولهم: ابن عباس راوي حديث الصوم عن الميت وهو الذي قال: لا يصوم أحد عن أحد
ثور: يُصام عنه (^١) النذر وغيره (^٢). وقال الحسنُ بن صالح في النذر: يصومُ عنه وَليُّه (^٣).
فصل
وأمَّا قولكم: ابن عباس هو روَى حديث الصوم عن الميت، وقد قال: لا يصوم [٨٧ ب] أحدٌ عن أحد؛ فغاية هذا أن يكون الصحابيُّ قد أفتى بخلاف ما رواه. وهذا لا يقدح في روايته، فإنَّ روايته معصومةٌ، وفتواه غير معصومة. ويجوز أن يكون نسي الحديثَ، أو تأوَّله، أو اعتقد له معارضًا راجحًا في ظنِّه أو لغير ذلك من الأسباب؛ على أنَّ فتوى ابن عباس غيرُ معارضةٍ للحديث، فإنه أفتى في رمضان أنه لا يصوم أحدٌ عن أحد، وأفتى في النذر أنه يُصام عنه. وليس هذا بمخالف لروايته، بل حَمَل الحديث على النذر.
ثم إنَّ (^٤) حديثَ: «من مات، وعليه صيامٌ، صام عنه وليُّه» هو ثابت من رواية عائشةَ، فهَبْ أنَّ ابن عباس خالفه، فكان ماذا؟ فخلافُ ابن عباس لا يقدحُ في رواية أمِّ المؤمنين، بل ردُّ قول ابن عباس بروايةِ عائشة أولى من ردِّ روايتها بقوله.
_________________
(١) «وهذا مذهب عنه» ساقط من (ب).
(٢) انظر: تهذيب السنن للمؤلف (٧/ ٢٧)، والتمهيد (٩/ ٢٧ ــ ٢٨).
(٣) كلام ابن عبد البر في التمهيد يدل على أن الحسن بن صالح يرى الإطعام في قضاء رمضان والنذر جميعًا كأبي حنيفة والثوري والشافعي إلا أنه إذا لم يوجد ما يطعم عنه صام عنه وليُّه.
(٤) في (ب، ط) أقحم بعدها: «من».
[ ٢ / ٤٠٤ ]
فصل: قولهم: إنه حديث اختلف في إسناده
وأيضًا فإنَّ ابنَ عباس (^١) قد اختُلِف عنه في ذلك، وعنه روايتان، فليس إسقاطُ الحديث للرواية المخالفة له عنه أولى من إسقاطها بالرواية الأخرى وبالحديث.
فصل
وأما قولكم: إنه حديثٌ اختلف (^٢) في إسناده (^٣)، فكلامُ مُجازفٍ لا يُقبَل قوله، فالحديث صحيحٌ ثابت متَّفَق على صحته (^٤)، رواه صاحبا الصحيح (^٥) ولم يُختلَف في إسناده.
قال ابن عبد البر: ثبت (^٦) عن النبيِّ - ﷺ - أنه قال: «من مات، وعليه صيامٌ، صام عنه وليُّه» (^٧). وصحَّحه الإمام أحمد، وذهب إليه. وعلَّق الشافعي القولَ به على صحته، فقال: وقد رُوي عن النبي - ﷺ - في الصوم عن الميت شيء، فإن كان ثابتًا صِيم عنه كما يُحَج عنه (^٨). وقد ثبت بلا شك، فهو مذهب الشافعي. كذلك قال غير واحدٍ من أئمة أصحابه. قال البيهقي بعد
_________________
(١) ما عدا الأصل و(غ): «وأيضًا فابن عباس».
(٢) (ن): «مختلف».
(٣) يعني حديث عائشة الآتي، وقد سبق في فصل وصول ثواب الصوم إلى الميت.
(٤) في (ب، ط، ج): «فالحديث متفق عليه ثابت».
(٥) (ب، ط، ن): «صاحب الصحيح».
(٦) «ثبت» ساقط من (ط).
(٧) الاستذكار (٣/ ٣٤٠).
(٨) قاله الشافعي في كتاب المناسك في القديم، كما في معرفة السنن والآثار (٦/ ٣٠٩) والسنن الكبرى للبيهقي (٤/ ٢٥٦).
[ ٢ / ٤٠٥ ]
قولهم: إنه معارض بنص القرآن
حكايته هذا اللفظ عن الشافعي: قد ثبت جوازُ القضاء عن الميِّت برواية سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وعكرمة عن ابن عباس. وفي رواية أكثرهم: أنَّ امرأةً سألت، فأشبه أن يكون غيرَ قصة أم سعد (^١). وفي رواية بعضهم [٨٨ أ]: «صومي عن أمِّك» (^٢).
وسيأتي تقرير ذلك عند الجواب عن كلامه ﵀.
قولُكم: إنَّه معارَض (^٣) بنصِّ القرآن، وهو قوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] إساءةُ أدب في اللفظِ، وخطأ عظيم في المعنى. وقد أعاذ الله رسولَه - ﷺ - أن تُعارِض سنَّتُه لنصوص القرآن (^٤). بل تُعاضِدها وتُؤيِّدها، ولله (^٥) ما يصنع التعصبُ ونُصرة التقليد! وقد تقدَّم من الكلام على الآية ما (^٦) فيه كفايةٌ، وبينَّا أنها (^٧) لا تعارض بينها وبين سنة رسول الله - ﷺ - بوجهٍ، وإنما يُظنُّ التعارضُ من سوء الفهم. وهذه طريقةٌ وخيمة ذميمة، وهي ردُّ السنن الثابتة بما يُفهم من ظاهر القرآن. والعلمُ كلُّ العلمِ تنزيلُ السنن على القرآن، فإنها مُشتقَّة منه، ومأخوذة عمن جاء به. وهي بيانٌ له، لا أنها
_________________
(١) (أ، غ): «أم سعيد»، خطأ.
(٢) معرفة السنن والآثار (٦/ ٣٠٩).
(٣) (ب، ج): «يعارَض». (ن): «يُعارِض نصَّ ».
(٤) كذا في جميع النسخ: «لنصوص » باللام.
(٥) (ط): «فلله».
(٦) في الأصل: «بما». وكان السياق فيه: «تقدَّم الكلام بما » ثم استدركت «من»، ولم تحذف الباء.
(٧) ما عدا (أ، ق، غ): «أنه».
[ ٢ / ٤٠٦ ]
قولهم: إنه معارض بما رواه النسائي: «لا يصلي أحد عن أحد»
مناقضةٌ له.
قولكم: إنه معارَض بما رواه النسائي عن النبيِّ - ﷺ - أنه قال: «لا يُصلِّي أحدٌ عن أحد، ولا يصومُ أحدٌ عن أحد، ولكن يُطعم عنه كلَّ يوم مدٌّ من حنطة» فخطأ قبيحٌ (^١)، فإن النسائي رواه هكذا: أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، ثنا يزيدُ بن زُريع، ثنا حجَّاج الأحول، ثنا أيوبُ بن موسى، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس قال: لا يُصلِّي أحدٌ عن أحد، ولا يصوم أحدٌ عن أحد، ولكن يُطعم عنه (^٢) مكان كل يوم مُدٌّ من حنطة.
هكذا رواه: قول ابن عباس، لا قول رسول الله - ﷺ -. فكيف يُعارَض قولُ رسول الله - ﷺ - بقول ابن عباس، ثم يُقدَّم عليه، مع ثبوت الخِلاف عن ابن عباس؟
ورسولُ الله - ﷺ - لم يقل هذا الكلام قطُّ (^٣). وكيف يقوله، وقد ثبت عنه في «الصحيحين» أنه قال: «من مات، وعليه صيام، صام عنه وليُّه» (^٤)؟
وكيف يقوله، وقد قال في حديث بُريدةَ الذي رواه مسلم في «صحيحه» أنَّ امرأة قالت له: إنَّ أمِّي ماتتْ، وعليها صوم شهر؟ قال: «صُومي عن أمِّك» (^٥).
_________________
(١) في (ب، ط، ج): «مخطيا فيه»، وهو تحريف. وقد صححه بعضهم في حاشية (ط).
(٢) «عنه» ساقط من (أ، غ).
(٣) «قط» ساقطة من (ق).
(٤) سبق قريبًا.
(٥) سبق في فصل وصول ثواب الصوم.
[ ٢ / ٤٠٧ ]
قولهم: إنه معارض بحديث ابن عمر
قولهم: إنه معارض بالقياس الجلي على الصلاة والإسلام والتوبة
وأما قولكم: إنه معارَض بحديث ابن عمر: «من مات، وعليه صوم رمضان، يُطعَم عنه» (^١)، فمن هذا النمط، فإنه حديثٌ باطل على رسول الله - ﷺ -.
قال البيهقي: حديثُ محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيِّ - ﷺ -: «من مات وعليه صومُ رمضانَ يُطعم عنه» = لا يصحُّ (^٢). ومحمد بن عبد الرحمن كثيرُ الوَهَم، وإنما رواه أصحابُ نافع عن نافع عن ابن عمر من قوله (^٣).
وأما قولكم: إنه معارَضٌ بالقياس الجلي على الصلاة والإسلام والتوبة، فإنَّ أحدًا لا يفعلها عن أحد؛ فلَعَمرُ الله، إنّه لَقياسٌ (^٤) جَليُّ البطلان والفساد؛ لِردِّ سنة رسول الله - ﷺ - الصحيحةِ الصريحة له، وشهادتها ببطلانه.
وقد أوضحنا الفرق بين قبول الإسلام عن الكافر بعد موته، وبين انتفاعِ المسلم بما يُهديه إليه أخوه المسلمُ من ثواب صيامٍ أو صدقة أو صلاة. ولَعمرُ الله إنَّ الفرقَ بينهما أوضحُ من أن يخفى. وهل في القياس أفسَدُ من قياس انتفاع المرء المسلم بعد موته بما يُهديه إليه أخوه المسلمُ من ثواب عمله (^٥)، على قبول الإسلام عن الكافر بعد موته، أو قبولِ التوبة عن المجرم بعد موته؟
_________________
(١) «وأما قولكم» ثم نصّ الحديث ساقط من (ب). وقد سبق تخريج الحديث في فصل وصول ثواب الصوم.
(٢) في (ب، ط، ج) زيادة «عنه».
(٣) معرفة السنن والآثار (٦/ ٣١١).
(٤) (ب): «إن القياس».
(٥) (ب، ط): «عمل».
[ ٢ / ٤٠٨ ]
فصل: قول الشافعي في تغليط راوي حديث ابن عباس
فصل
وأما (^١) كلامُ الشافعي ﵀ في تغليط راوي حديث ابن عباس أنَّ نذرَ أمِّ سعد كان صومًا؛ فقد أجاب عنه أنصَرُ الناس له، وهو البيهقيُّ، ونحن نذكر كلامه بلفظه.
قال في كتاب «المعرفة» (^٢) بعد أن حكى كلامه: قد ثبت جوازُ القضاء عن الميِّت برواية سعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، عن ابن عباس. وفي رواية أكثرهم: أنَّ امرأةً سألت، فأشبهَ أن يكون غير قصّة أم سعد. وفي رواية بعضهم: «صُومي عن أمِّك».
قال: ويشهد له بالصحة روايةُ عبد الله (^٣) بن عطاء المدني قال: حدَّثني عبد الله بن بُريدة (^٤) الأسلميُّ عن أبيه قال: كنتُ عند النبيِّ - ﷺ -، فأتَتْه امرأةٌ، فقالت: يا رسولَ الله، إنّي كنتُ تصدَّقتُ بوليدةٍ على أمِّي، فماتتْ، وبقيت الوليدة. قال: «قد وجب (^٥) أجرُكِ، ورجعَت إليك في الميراث». قالت: فإنها ماتتْ، وعليها صومُ شهر؟ قال: «صُومي عن أمِّك». قالت: وإنها ماتَتْ، ولم تحُجَّ؟ قال: «فحُجِّي عن أمِّك». رواه مسلم في «صحيحه» من أوجُهٍ عن عبد الله [٨٩ أ] بن عطاء (^٦). انتهى.
_________________
(١) (ب، ج): «فأما». وزاد بعد «كلام» في (ق): «الإمام».
(٢) معرفة السنن والآثار (٦/ ٣٠٩ ــ ٣١٠).
(٣) (ب، ط): «عبد الملك». وصحح في حاشية (ط).
(٤) (أ، غ): «عبد بن بريدة».
(٥) (ب، ط، ج): «وقع».
(٦) وانظر: السنن الكبرى للبيهقي (٤/ ١٥١). وقد سبق تخريج حديث بريدة في فصل وصول ثواب الصوم.
[ ٢ / ٤٠٩ ]
قلت: وقد روى أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مسلم البَطين عن سعيد بن جُبير عن ابن عباس قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ - ﷺ - فقال: يا رسول الله، إنَّ أمّي ماتتْ، وعليها صيامُ شهر، أفأقضيه عنها؟ قال: «فدَيْنُ الله أحقُّ أن يُقضى» (^١).
ورواه ابن أبي خَيْثمة: حدثنا معاويةُ بن عمرو، ثنا زائدةُ، عن الأعمش. فذكره (^٢). ورواه النسائي (^٣) عن قتيبة بن سعيد، ثنا عَبْثَر، عن الأعمش. فذكره (^٤).
فهذا (^٥) غير حديث أمِّ سعد إسنادًا ومتنًا. فإنَّ قصةَ أمِّ سعدٍ رواها مالك، عن الزُّهري، عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة، عن ابن عباس: أنَّ سعد بن عُبادة استفتى رسولَ الله - ﷺ -، فقال: إنَّ أمِّي ماتَتْ وعليها نذر، فقال النبيُّ - ﷺ -: «اقضِهِ عنها». وهكذا أخرجاه في «الصحيحين» (^٦).
فهَبْ أنَّ هذا هو المحفوظ (^٧) في هذا الحديث أنه نذرٌ مطلق لم يسمَّ،
_________________
(١) أخرجه الشيخان، وقد سبق في فصل وصول ثواب الصوم. ومن طريق أبي معاوية أخرجه البزار (٥٠٠٤).
(٢) من طريق معاوية بن عمرو أخرجه أحمد في المسند (٢٣٣٦) والبخاري (١٩٥٣).
(٣) في الكبرى (٢٩٢٤).
(٤) «ورواه النسائي فذكره» ساقط من (ن).
(٥) تكررت كلمة «فهذا» في الأصل سهوًا.
(٦) البخاري (٢٧٦١)، ومسلم (١٦٣٨).
(٧) في (ب، ط، ج) زيادة: «عن رسول الله - ﷺ -».
[ ٢ / ٤١٠ ]
فصل: أقوال أهل العلم في الصوم عن الميت
فهل يكون هذا علَّةً (^١) في حديث الأعمش عن مسلم البَطين عن سعيد بن جُبير عنه؟ على أنَّ (^٢) تركَ استفصالِ النبيِّ - ﷺ - لسعدٍ في النذر: هل كان صلاة أو صدقة أو صيامًا (^٣)؟ مع أنَّ الناذر قد ينذِرُ هذا وهذا وهذا (^٤) = يدلُّ على أنه لا فرقَ بين قضاء نذرِ الصيام والصلاة، وإلا لقال له: ما هو النذرُ؟ فإنَّ النذر إذا انقسمَ إلى قسمين: نذر يقبل القضاءَ عن الميت، ونذر لا يقبله، لم يكن بدٌّ من الاستفصال (^٥).
فصل
ونحن نذكر أقوال أهل العلم في الصوم عن الميت، لئلا يُتوهمَّ أنَّ في المسألة إجماعًا بخلافه.
قال عبد الله بن عباس: يُصام عنه في النذر، ويُطعَم عنه في قضاء رمضان. وهذا مذهب الإمام أحمد.
وقال أبو ثور: يُصام عنه النذر والفرض. وكذلك قال داود بن علي وأصحابه: يُصام عنه نذرًا كان أو فرضًا.
وقال الأوزاعي: يجعل وليُّه مكان الصوم صدقةً، فإن لم يجد صام عنه. وهذا [٨٩ ب] قول سفيان الثوري في إحدى الروايتين عنه.
_________________
(١) «علَّة» ساقط من (أ، ق، غ). وسقط من (ن) «هذا» أيضًا.
(٢) «حديث الأعمش أنّ» ساقط من (ق).
(٣) (ب، ط، ج): «صيامًا أو صدقة».
(٤) وردت «هذا» في (ب، ج) مرتين فقط.
(٥) في (ن) هنا وفيما سبق: «الاستفسار».
[ ٢ / ٤١١ ]
فصل: الجواب عن قولهم: يصل إليه في الحج ثواب النفقة دون أفعال المناسك
وقال أبو عبيد القاسم بن سلَّام (^١): يُصام عنه النذر، ويُطعَم عنه في الفرض (^٢).
وقال الحسن: إذا كان عليه صيامُ شهر، فصام عنه ثلاثون رجلًا يومًا واحدًا، جاز (^٣).
فصل
وأما قولكم: إنه (^٤) يَصِل إليه في الحج ثوابُ النفقة دون أفعال المناسك، فدعوى مجرَّدة بلا برهان. والسُّنَّة تردُّها، فإنه (^٥) - ﷺ - قال: «حُجَّ عن أبيك» (^٦). وقال للمرأة: «حُجِّي عن أمك» (^٧). فأخبر أنَّ الحجَّ نفسه عن الميت (^٨)، ولم يقُلْ: إنَّ الإنفاقَ هو الذي يقع عنه.
وكذلك قال للذي سَمِعه يُلبِّي عن شُبْرُمة: «حُجَّ عن نفسك، ثم حُجَّ عن شُبْرمة» (^٩).
ولما سألته المرأة عن الطفل الذي معها، فقالت: ألهذا حجٌّ؟
_________________
(١) زاد بعده في (ن): «أيضًا».
(٢) انظر الأقوال المذكورة في التمهيد (٩/ ٢٧ ــ ٢٨) والمحلى (٧/ ٢) والمغني (٣/ ٨٤) وجامع المسائل (٤/ ٢٤٦). وقد تقدَّم بعضها في الفصول السابقة.
(٣) قول الحسن ذكره البخاري في كتاب الصوم، باب من مات وعليه صوم. وقال ابن حجر في الفتح (٤/ ١٩٣) إن الأثر وصله الدارقطني في كتاب الذبح.
(٤) «إنه» ساقط من (ب، ج).
(٥) السياق في (ب، ج): «برهان فإن النبي».
(٦) كما في حديث ابن عباس، وقد تقدَّم (ص ٣٦٤).
(٧) كما تقدم عن بريدة وابن عباس (ص ٣٦٢، ٣٦٣).
(٨) «عن الميت» ساقط من (ب، ج).
(٩) أخرجه أبو داود (١٨١١)، وابن ماجه (٢٩٠٣)، وابن الجارود (٤٩٩)، وابن خزيمة (٣٠٣٩)، وابن حبان (٣٩٨٨)، والبيهقي (٤/ ٣٣٦) من حديث ابن عباس ﵄. قال البيهقي: «هذا إسناد صحيح، ليس في الباب أصح منه». وكذا صحّح إسناده ابن الملقن في البدر المنير (٦/ ٤٦)، وابن حجر في الفتح (١٢/ ٣٢٧). وللمزيد انظر: التلخيص الحبير (٢/ ٢٢٤)، وإرواء الغليل (٩٩٤). (قالمي).
[ ٢ / ٤١٢ ]
فصل: هل يشترط في وصول الثواب أن يهديه بلفظه أم يكفي مجرد نية العامل؟
قال: «نعم، ولكِ أجر» (^١). ولم يقل: إنما له ثوابُ الإنفاق، بل أخبر (^٢) أنَّ له حجًّا، مع أنه لم يفعل شيئًا، بل وليُّه ينوب عنه في أفعال المناسك.
ثم إنَّ النائبَ عن الميت قد لا يُنفق شيئًا في حجَّته غيرَ نفقةِ مقامه، فما الذي يجعل ثوابَ نفقةِ مقامه للمحجوج عنه، وهو لم ينفقها على الحجِّ؟ بل تلك نفقته، أقام أم سافر. فهذا القولُ تردُّه السُّنَّة والقياس. والله أعلم.
فصل
فإن قيل: فهل (^٣) تشترطون في وصولِ الثواب أن يُهدِيَه بلفظه، أم يكفي في وصوله مجرّدُ نية العامل أن يُهديه إلى الغير؟
قيل: السُّنَّة لم تشترط التلفُّظَ بالإهداء في حديث واحد، بل أطلق - ﷺ - الفعلَ (^٤) عن الغير، كالصوم والحجِّ والصدقة، ولم يَقُلْ لفاعِل ذلك: قل: اللهم هذا عن فلان بن فلان. والله سبحانه يعلمُ نيةَ العبد وقصدَه بعمله، فإن ذكره جاز، وإن ترك ذِكْرَه واكتفى بالنية والقصد وصل إليه، ولا يحتاج أن
_________________
(١) أخرجه مسلم من حديث ابن عباس (١٣٣٦). ولم يرد «ولك أجر» في (ب، ط، ج).
(٢) في (ب، ط، ج): «فأخبر» في موضع «بل أخبر».
(٣) (ق): «وهل».
(٤) (ب، ط، ج): «بالفعل».
[ ٢ / ٤١٣ ]
هل يتعين على المهدي تعليق الإهداء؟
يقول: اللهم إني صائمٌ غدًا عن فلان بن فلان. ولهذا ــ والله أعلم ــ اشترطَ مَن اشترط نيةَ الفعل عن الغير قبله، ليكونَ واقعًا بالقصدِ عن الميت. فأمَّا إذا فعله لنفسه، ثم نوى أن [٩٠ أ] يجعلَ ثوابَه للغير، لم يَصِرْ للغير (^١) بمجرد النية، كما لو نوى أن يَهَب أو يُعتِقَ أو يتصدَّقَ لم يحصل ذلك بمجرد النية (^٢).
ومما يوضِّح ذلك أنه لو بنى مكانًا بنية (^٣) أن يجعلَه مسجدًا أو مدرسةً أو سِقايةً (^٤) ونحو ذلك صار وَقْفًا بفعله مع النية، ولم يحتَجْ إلى تلفظ (^٥)، وكذلك لو أعطى الفقير مالًا بنية الزكاة سقطَتْ عنه الزكاة، وإن لم يتلفَّظ (^٦) بها.
وكذلك لو أدَّى عن غيره دَيْنًا، حيًّا كان أو ميتًا، سقط من ذمَّته، وإن لم يقُلْ: هذا (^٧) عن فلان.
فإن قيل: فهل يتعينَّ عليه تعليقُ الإهداء بأن يقول: اللهم إن كنتَ قبلتَ هذا العملَ، وأثبتَني عليه، فاجعَلْ ثوابَه لفلان؛ أم لا (^٨)؟
_________________
(١) «للغير» ساقط من (ب).
(٢) «يجعل ثوابه النية» ساقط من (ب، ن).
(٣) (ط): «نيتُه».
(٤) (ب، ط، ج): «سقاية أو مدرسة».
(٥) (ب، ط، ج): «يحتج أن يلفظ».
(٦) (ب، ط، ج): «يلفظ».
(٧) في (ب، ج) قبل «هذا»: «اللهم»، وفي (ط): «اللهم إنّ».
(٨) «أم لا» ساقط من (ب، ج).
[ ٢ / ٤١٤ ]
قيل: لا يتعيَّن ذلك لفظًا ولا قصدًا. بل لا فائدةَ في هذا الشرط، فإنَّ اللهَ سبحانه إنما يفعل هذا، سواء شرَطه أو لم يشرطه. فلو كان سبحانه يفعل غيرَ هذا بدون الشرط كان في الشرط فائدة.
وأما قوله: اللهم إن كنت أثبتَني على هذا، فاجعَلْ ثوابه لفلان؛ فهو بناء على أنَّ الثوابَ يقع للعامل، ثم ينتقل منه إلى من أهدى له. وليس كذلك، بل إذا نوى حالَ الفعل أنه عن فلان وقَع الثوابُ أولًا عن المعمول له. كما لو أعتق عبدَه (^١) عن غيره لا نقول: إن الولاءَ يقع للمُعتِق، ثم ينتقل عنه إلى المعتَق عنه، فهكذا هذا. والله الموفق (^٢).
فإن قيل: فما الأفضل أن يُهدَى إلى الميت؟
قيل: الأفضل ما كان أنفعَ في (^٣) نفسه. فالعِتْقُ عنه والصدقةُ أفضلُ من الصيام عنه (^٤). وأفضلُ الصدقة ما صادفتْ حاجةً من المتصدَّق عليه، وكانت دائمة مستمرَّة.
ومنه قول النبيِّ - ﷺ -: «أفضلُ الصدقةِ سَقْيُ الماء» (^٥). وهذا في موضع يقِلُّ فيه الماء، ويكثُر فيه العطش؛ وإلا فسَقْيُ الماء على الأنهار والقُنِيِّ (^٦) لا يكون أفضلَ من إطعام الطعام عند الحاجة.
_________________
(١) (ب، ط، ج): «عبيده».
(٢) ما عدا (أ، غ): «وبالله التوفيق». ولم يرد شيء في (ن).
(٣) (ب، ط): «من»، تحريف.
(٤) ساقط من (ب، ط، ج).
(٥) سبق تخريجه من حديث سعد بن عبادة ﵁.
(٦) كذا مضبوطًا في (أ، غ، ط). وهو جمع الجمع للقناة.
[ ٢ / ٤١٥ ]
إهداء قراءة القرآن تطوعا بغير أجرة
وكذلك الدعاء [٩٠ ب] والاستغفار (^١) له إذا كان بصدقٍ من الداعي وإخلاص وتضرُّع، فهو في موضعه أفضل من الصدقة عنه، كالصلاة على جنازته، والوقوف للدعاء على قبره.
وبالجملة، فأفضلُ ما يُهدَى إلى الميت: العِتْق، والصدقة، والاستغفار له، والدعاء له، والحجُّ عنه.
وأمَّا قراءةُ القرآن وإهداؤها له تطوعًا بغير أجرة، فهذا يصل إليه، كما يصل (^٢) ثوابُ الصوم والحجِّ (^٣).
فإن قيل: فهذا لم يكن معروفًا في السلف، ولا يمكن نقلُه عن واحد منهم مع شدة حرصهم على الخير، ولا أرشَدهم النبيُّ - ﷺ - إليه (^٤). وقد أرشدهم إلى الدعاء والاستغفار والصدقة والحجِّ والصيام، فلو كان ثوابُ القراءة يصل لأرشدَهم إليه، ولكانوا (^٥) يفعلونه.
فالجواب: أنَّ مُوردَ هذا السؤال إن كان معترِفًا بوصول ثواب الحجِّ والصيام والدعاء والاستغفار، قيل له: ما هذه الخاصيَّة التي مَنعتْ وصولَ ثواب القرآن، واقتضَتْ وصول ثواب هذه الأعمال، وهل هذا إلا تفريق بين المتماثلات! وإن لم يعترِفْ بوصول تلك الأشياء إلى الميت فهو محجوج
_________________
(١) (ب، ط، ج): «الاستغفار والدعاء».
(٢) بعده في (ب، ط) زيادة: «إليه».
(٣) أورد شارح الطحاوية (٤٦٤ - ٤٦٥) كلام ابن القيم في هذه المسألة بنصه ملخصًا، دون إشارة إليه.
(٤) «إليه» ساقط من (ن).
(٥) (ط): «وكانوا».
[ ٢ / ٤١٦ ]
الجواب عن القول بأن رسول الله - ﷺ - لم يرشد إلى إهداء القراءة
بالكتاب والسنة والإجماع وقواعد الشرع.
وأما السبب الذي لأجله لم يظهر ذلك في السلف، فهو أنهم لم يكن لهم أوقاف على من يقرأ ويُهدي إلى الموتى، ولا كانوا يعرفون ذلك البتة، ولا كانوا يقصدون القبر للقراءة عنده كما يفعله الناس اليوم، ولا كان أحدهم يُشهِد من حضرَه من الناس على أنَّ ثواب هذه القراءة لفلان الميت، بل ولا ثواب هذه الصدقة والصوم.
ثم يقال لهذا القائل: لو كُلِّفت أن تنقل عن واحد من السلف أنه قال: اللهم ثوابُ (^١) هذا الصوم لفلان لعجزتَ، فإنَّ القومَ كانوا أحرصَ شيء على كتمان (^٢) أعمال البرِّ، فلم يكونوا [٩١ أ] لِيُشهِدوا على الله بإيصال ثوابها إلى أمواتهم.
فإن قيل: فرسول الله - ﷺ - أرشدَهم إلى الصوم والصدقة والحجِّ (^٣) دون القراءة.
قيل: هو - ﷺ - لم يبتدئهم بذلك، بل خرج ذلك منه مخرجَ الجواب لهم، فهذا سأله عن الحجِّ عن ميته، فأذِنَ له، وهذا سأله عن الصيام، فأَذِنَ له، وهذا سأله عن الصدقة فأَذِنَ له، ولم يمنعهم مما سوى ذلك. وأيُّ فَرْقٍ بين وصول ثواب الصوم الذي هو مجرَّدُ نية وإمساك، وبين وصول ثواب القراءة والذكر؟
والقائل: إنَّ أحدًا من السلف لم يفعل ذلك قائلٌ ما لا علْمَ له به، فإن
_________________
(١) (ب، ط، ج): «إن ثواب». وكتب بعضهم في الأصل فوق السطر: «اجعل» أي: «اجعل ثواب». وكذا في (غ).
(٢) «كتمان» ساقط من (ب، ط، ج).
(٣) (ب، ط، ج): «الحج والصدقة».
[ ٢ / ٤١٧ ]
هذه شهادة على نفي ما لم يعلمه. فما يُدريه أنَّ السلف كانوا يفعلون ذلك، ولا يُشهِدون من حضَرَهم عليه، بل يكفي (^١) اطِّلاع علَّام الغيوب على نيَّاتهم ومقاصدهم، لا سيَّما والتلفظُ بنيَّة الإهداء لا يُشترَط، كما تقدم.
وسِرُّ المسألة: أنَّ الثوابَ مِلكٌ للعامل، فإذا تبرَّع به وأهداه إلى أخيه المسلم أوصله الله إليه. فما الذي خَصَّ من هذا ثوابَ قراءة القرآن، وحجَرَ على العبد أن يُوصله إلى أخيه (^٢)؟ وهذا عملُ الناس حتى المنكرين في سائر الأعصار (^٣) والأمصار من غير نكيرٍ من العلماء (^٤).
فإن قيل: فما (^٥) تقولون في الإهداء إلى رسول الله - ﷺ -؟
قيل: من الفقهاء المتأخرين (^٦) من استحبَّه. ومنهم من لم يستحِبَّه، ورآه بدعةً (^٧)؛ لأنَّ الصحابة لم يكونوا يفعلونه، وأنَّ النبيَّ - ﷺ - له أجرُ كل من عمِل خيرًا من أمته، من غير أن يَنقُص من أجر العامل شيء؛ لأنه هو الذي دلَّ أمَّتَه
_________________
(١) (ط): «كفى».
(٢) في (ب، ط) زيادة: «المسلم».
(٣) في (ب، ط، ج): «الأقطار والأعصار».
(٤) (أ، غ): «بين العلماء». وانظر في تعقب كلام المؤلف في هذا الفصل: تفسير المنار (٨/ ٢٢٦ - ٢٣٢).
(٥) (ب، ط، ج): «ما».
(٦) (ب، ط، ج): «من المتأخرين». وفي جامع المسائل (٤/ ٢٥٤): «ذهب إليه طائفة من الفقهاء والعبّاد من أصحاب أحمد وغيرهم. وأقدم من بلغنا ذلك عنه علي بن الموفق أحد الشيوخ المشهورين. كان أقدم من الجنيد وطبقته. وقد أدرك أحمد وعصره، وعاش بعده».
(٧) قال شيخ الإسلام: «وهو الصواب المقطوع به». المصدر السابق.
[ ٢ / ٤١٨ ]
على كلِّ خير، وأرشدهم، ودعاهم إليه. و«من دعا إلى هُدًى، فله من الأجرِ مثلُ [٩١ ب] أجور من اتبعه، من غير أن يَنقُص من أجورهم شيء» (^١). وكلُّ هدًى وعلم فإنما ناله أمته على يده، فله مثلُ أجر من اتَّبعه، أهداه إليه أو لم يُهْدِه. والله أعلم (^٢).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٦٧٤) من حديث أبي هريرة.
(٢) انظر في هذه المسألة جامع المسائل (٤/ ٢٤٣ ــ ٢٩٩) ومجموع الفتاوى (١/ ١٩١، ٣٢٧)، (٢٦/ ١٥٦)، وقد لخص كلام المصنف شارح الطحاوية (٤٦٥) حسب منهجه.
[ ٢ / ٤١٩ ]