الكلام على قوله تعالى: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها﴾ الآية
فصل
وأما (^١) المسألة الثالثة
وهي أنه هل (^٢) تتلاقى أرواح الأحياء وأرواح الأموات؟
فشواهد هذه المسألة وأدلَّتُها أكثرُ من أن يحصيَها إلا الله تعالى. والحسُّ والواقع من أعدل الشهود بها، فتلتقي أرواح الأحياء والأموات، كما تلتقي أرواح الأحياء. وقد قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٤٢].
قال (^٣) أبو عبد الله بن منده (^٤): حدثنا أحمد بن محمد بن إبراهيم، ثنا عبد الله بن الحسن (^٥) الحَرَّاني، ثنا جدِّي أحمد بن أبي شعيب، ثنا موسى بن أعيَن، عن مطرِّف، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في هذه الآية قال: بلغني أن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام، فيتساءلون بينهم، فيمسك الله أرواحَ الموتى، ويرسل أرواحَ
_________________
(١) "فصل وأما" لم يرد في (ن).
(٢) في (ط، ج): "وهي أنه". (ق): "وهي هل".
(٣) من هنا إلى ما قبل: "وقد دلّ على التقاء " منقول بتصرف وتعليق عليه من مجموع الفتاوى (٥/ ٤٥١ - ٤٥٣).
(٤) في كتاب الروح والنفس كما في الفتاوى.
(٥) في جميع النسخ الخطية والمطبوعة: "حسين". والصواب ما أثبتنا من الفتاوى وكتب الرجال. انظر: تهذيب التهذيب (٢/ ٢٥٤).
[ ١ / ٥٦ ]
الأحياء إلى أجسادها (^١).
وقال ابن أبي حاتم في تفسيره (^٢): ثنا عبد الله بن سليمان، ثنا الحسين، ثنا عامر، ثنا أسباط، عن السدِّي في قوله: ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾. قال: يتوفاها في منامها، فتلتقي روحُ الحيّ وروح الميت فيتذاكران ويتعارفان، قال: فترجع روحُ الحي إلى جسده في الدنيا إلى بقية أجلها، وتريدُ روح الميت أن ترجع إلى جسده فتُحْبَسُ.
وهذا أحد القولين في الآية، وهو أنَّ الممسَكة مَن تُوفّيت وفاة الموت أولًا، والمرسَلة من توفيت وفاة النوم. والمعنى على هذا القول: أنه يتوفَّى نفسَ الميت، فيمسكها، ولا يرسلها إلى جسدها قبل يوم القيامة. ويَتوفَّى نفس النائم، ثم يرسلها إلى جسدها إلى بقية أجلها، فيتوفاها الوفاةَ الأخرى.
والقول الثاني في الآية (^٣): أنّ الممسَكة والمرسَلة في الآية كلاهما تُوُفِّيَ (^٤) وفاة النوم، فمن استكمَلت أجلَها أمسكها عنده، فلا يرُدُّها إلى جسدها، ومن لم تستكمل أجلَها ردَّها إلى جسدها لتستكمله.
واختار شيخ الإسلام (^٥) هذا القول، وقال: عليه (^٦) يدلُّ [١٢ ب]
القرآنُ
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط (١٢٢). وعزاه السيوطي في شرح الصدور (٣٥١) إليه وإلى ابن منده وبقي بن مخلد.
(٢) لم أجده في المطبوع منه. وأخرجه الطبري في التفسير (٢٠/ ٢١٦).
(٣) بعدها في مجموع الفتاوى (٥/ ٤٥٢): "وعليه الأكثرون". وانظر أيضًا: (٩/ ٢٨٩).
(٤) كذا في جميع النسخ. والوجه: كلتاهما توفيت.
(٥) زاد في (ب، ط، ج): ﵀. وكلام الشيخ ليس فيه تصريح بأن هذا القول مختاره.
(٦) ما عدا (أ، غ، ق): "يدل عليه".
[ ١ / ٥٧ ]
والسنة. قال: فإنه سبحانه ذكر إمساكَ التي قَضَى عليها الموت من هذه الأنفس التي توفاها وفاةَ النوم. وأما التي توفاها حين موتها، فتلك لم يصفها بإمساكٍ ولا بإرسال، بل هي قِسْم ثالث (^١).
والذي يترجَّح هو القول الأول: لأنّه سبحانه أخبر بوفاتين: وفاة كبرى وهي وفاة الموت، ووفاة صغرى وهي وفاة النوم. وقسَم الأرواح قسمين: قسمًا قضى عليها الموت، فأمسكها عنده وهي التي تَوفَّاها وفاة الموت. وقسمًا لها بقيةُ أجلٍ، فردَّها إلى جسدها إلى استكمال أجلها. وجعل سبحانه الإمساك والإرسال حُكمَين للوفاتين المذكورتين أولًا: فهذه ممسَكة، وهذه مرسَلة. وأخبر أنَّ التي لم تمُت هي التي توفَّاها في منامها، فلو كان قد قَسَم وفاة النوم إلى قسمين: وفاة موت، ووفاة نوم = لم يقل: ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ﴾ فإنها من حين قُبِضت ماتت. وهو سبحانه قد أخبر أنها لم تمُت، فكيف يقول بعد ذلك: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾؟
ولمن نصَرَ هذا القولَ أن يقول: قوله: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ بعد أن توفّاها وفاة النوم. فهو سبحانه توفَّاها أولًا وفاة نومٍ، ثم قضى عليها الموت بعد ذلك.
والتحقيق (^٢) أنَّ الآية تتناول النوعين، فإنه سبحانه ذكر وفاتين: وفاة
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٥/ ٤٥٣). ويريد بالسنة قول النبي - ﷺ -: "باسمك ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه. فإن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين" (متفق عليه). انظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٢٧٥). وانظر: الردّ على المنطقيين (٤٨٥).
(٢) من "والذي يترجح .. " كان من تعليق المصنف على كلام شيخه. ويوهم السياق أن هذا "التحقيق" أيضًا جزء من تعليقه. والواقع أنه من كلام شيخ الإسلام. انظر: مجموع الفتاوى (٥/ ٤٥٣).
[ ١ / ٥٨ ]
نوم، ووفاة موت، وذكر إمساك المتوفاة وإرسال الأخرى، ومعلوم أنه سبحانه يمسك كل نفسِ ميتٍ سواءٌ مات في النوم أو في اليقظة، ويرسل نفس من لم يمت. فقوله: ﴿يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ يتناول من مات في اليقظة ومن (^١) مات في المنام (^٢).
وقد دلَّ على التقاء أرواح الأحياء والأموات أنّ الحيَّ يرى الميتَ في منامه، فيستخبره، ويخبره الميّت بما لا يعلمه الحيّ، فيصادِف خبرَه كما أخبر في الماضي والمستقبل. وربما أخبره بمال دفنه الميّتُ في مكان لم يعلم به سواه. وربما أخبره بدَين عليه، وذكر له شواهده وأدلته.
وأبلغُ من هذا أنه يخبره بما عمله من عمل لم يطَّلع عليه أحد من العالمين. وأبلغ من هذا (^٣) أنّه يخبره [١٣ أ] أنّك تأتينا إلى وقت كذا وكذا، فيكون كما أخبر. وربما أخبره عن أمور يقطع الحيُّ أنه لم يكن يعرفها غيره (^٤).
_________________
(١) "مَن" من: (ن، غ).
(٢) وتكملة كلام شيخ الإسلام: "وما ذكر من التقاء أرواح النيام والموتى لا ينافي ما في الآية، وليس في لفظها دلالة عليه. لكن قوله: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ يقتضي أنه يمسكها، لا يرسلها كما يرسل النائمة، سواء توفاها في اليقظة أو في النوم".
(٣) ما عدا (أ، غ، ق): "ذلك".
(٤) "غيره": ساقط من (ن).
[ ١ / ٥٩ ]
وقد ذكرنا قصة الصَّعب بن جَثَّامة وقوله لعوف بن مالك ما قال له (^١). وذكرنا قصة ثابت بن قيس بن شمّاس وإخباره لمن رآه بدرعه وما عليه من الدين (^٢)، وقصةَ صدقة بن سليمان الجعفريِّ وإخبار أبيه (^٣) له بما عمل من بعده، وقصةَ شَبيب بن شيبة وقول أمّه له بعد الموت: جزاك الله خيرًا، حيث لقَّنها لا إله إلا الله (^٤)، وقصة الفضل بن الموفق مع أبيه وإخباره إياه بعلمه بزيارته (^٥).
وقال سعيد بن المسيّب: التقى عبد الله بن سلام وسلمانُ الفارسي، فقال أحدهما للآخر: إن متَّ قبلي، فالقَني فأخبِرني ما (^٦) لقيت من ربك. وإن أنا متُّ قبلك لقيتك فأخبرتك. فقال الآخر: وهل تلتقي الأموات والأحياء؟ قال: نعم، أرواحهم في الجنة تذهب حيث شاءت. قال: فمات فلان، فلقيَه (^٧) في المنام، فقال له (^٨): توكَّلْ وأَبشِرْ، فلم أر مثلَ التوكل قطّ (^٩).
_________________
(١) انظر: المسألة الأولى (ص ٣٤)، وكلمة "قصة" ساقطة من (ط). وفيها أيضًا: "ما قاله".
(٢) انظر: المسألة الأولى (ص ٣٧).
(٣) من (ن) وهو الصواب، وفي غيرها: "ابنه"، تصحيف. وقد سبقت القصة في المسألة الأولى (ص ١٥).
(٤) انظر: المسألة الأولى (ص ٣٣).
(٥) من (أ، ن). وفي غيرهما: "ابنه"، وهو تصحيف. انظر ما سبق في (ص ١١، ٢٨).
(٦) (ن، ط، ز): "بما".
(٧) كذا في (ط) والمنامات، وهو مقتضى السياق. وفي غيرهما: "فلقيته".
(٨) "له" من (أ، غ).
(٩) زاد هنا في (ب، ط، ج): "رواه الإسماعيلي في مسند عمر ﵁". وأخشى أن يكون حاشية في بعض النسخ متعلّقة بالخبر الآتي، ثم أُقحمت في المتن هنا. وأخرج هذا الخبر ابن أبي الدنيا في المنامات (٢١) والتوكل على الله (١٢). وعقب ابن عساكر عليه في تاريخ دمشق (٢١/ ٤٦٠) بأن سلمان مات قبل ابن سلام.
[ ١ / ٦٠ ]
وقال العباس بن عبد المطلب: كنت أشتهي أن أرى عمر في المنام، فما رأيته إلا عند قرب الحول (^١)، فرأيته يمسح العرق عن جبينه، وهو يقول (^٢): هذا أوان فراغي. إن كاد عرشي ليُهَدُّ (^٣)، لولا أنّي لقيتُ رؤوفًا رحيمًا (^٤).
ولما حضرت شُرَيحَ بن عابد (^٥) الثُّمالي (^٦) الوفاةُ دخل عليه
_________________
(١) (ب، ط، ن، ج): "قريب الحول".
(٢) (ب، ط): "ويقول".
(٣) (ن): "لَيُتَلُّ". وفسّر تحته بين السطرين: "يُزعزَع". وتَلَّه: صرعه.
(٤) المنامات (٢٢). وأخرجه ابن سعد في الطبقات من عدة طرق (٣/ ٣٧٥ - ٣٧٦). وأحمد في فضائل الصحابة (٩٢١). وانظر: الحلية (١/ ٥٤) وتاريخ دمشق (٤٤/ ٤٨٣).
(٥) كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة. فالظاهر أنه كذا وقع في نسخة المؤلف. وفيه سقط أدّى إلى خلط بين راوي القصة وصاحبها. أما الراوي فهو شُريح بن عُبيد الحضرمي الحمصي المتوفى بعد المائة كما في التقريب (٢٦٥). وأما صاحب القصة التي حضره الموت، فهو كما في المنامات، وطبقات ابن سعد والزهد لأبي داود: عبد الله بن عائذ الثُّمالي. وقد اختلفت النسخ في ضبط "عائذ"، فهو كذا بالذال المعجمة في (ن). وبالمهملة "عائد" في (أ، ق، غ). وقد وردت كنيته في القصة "أبو الحجاج" وهذه كنية عبد الله بن عبد ــ ويقال: عابد ــ ويقال: عبد بن عبد الثمالي. انظر المقتنى للذهبي (١٣٣٨) والإصابة (٤/ ٦٦٣). فهذا يدلّ على أن الشخصين واحد. ولكن الحافظ ابن حجر فرّق بينهما، ونعى في ترجمة عبد الله بن عائذ (٤/ ١٤١) على أبي أحمد العسكري أنه وهم في خلطه بينهما.
(٦) (ب): "اليماني"، تصحيف.
[ ١ / ٦١ ]
غُضَيف (^١) بن الحارث، وهو يجود بنفسه، فقال: يا أبا الحجاج، إن قدرتَ على أن تأتيَنا بعد الموت فتخبرَنا بما ترى، فافعل. قال: وكانت كلمة مقبولة (^٢) في أهل الفقه. قال: فمكث زمانًا لا يراه، ثم رآه في منامه، فقال له (^٣): أليس قد متَّ؟ قال: بلى. قال: فكيف حالك؟ قال: تجاوزَ ربُّنا عنّا الذنوبَ، فلم يهلِك منّا إلا الأحراض. قلت: وما الأحراض؟ قال: الذين يشار إليهم بالأصابع في الشرّ (^٤).
وقال عبد الله (^٥) بن عمر بن عبد العزيز: رأيت أبي في النوم بعد موته، كأنه في حديقة، فدفع إليَّ تفاحات، فأوَّلْتُهنّ الولدَ. فقلت: أيَّ الأعمال
_________________
(١) كذا في (ط) مضبوطًا، وهو الصواب. وفي غيرها بالعين المهملة أو بالعين والصاد المهملتين، تصحيف. وفي التقريب (٤٤٣): ويقال بالطاء. وهو ابن الحارث السَّكوني، ويقال: الثمالي. حمصي، مختلف في صحبته. مات سنة بضع وستين.
(٢) (ب، ط، ز، ج): "مقولة".
(٣) "له" ساقطة من (ن).
(٤) في (ق، ز): "الشيء"، تحريف. وكذا في (أ، غ). ولكن أشير في حاشيتهما إلى ما في غيرهما. وقد ورد مثل هذا التفسير لكلمة الأحراض في خبر عوف بن مالك. والأحراض جمع حَرَض. انظر: اللسان (٧/ ١٣٤، ١٣٥). والخبر أخرجه ابن سعد في الطبقات (٧/ ٤١٥) وابن أبي الدنيا في المنامات (٢٣). وأبو داود في الزهد (٥٢١) وانظر: شرح الصدور (٣٥٩).
(٥) كذا في جميع النسخ. ولكن في المنامات ــ وهو مصدر المؤلف فيما يظهر ــ وتاريخ دمشق: "عبد العزيز"، وقد غيَّر ناشر طبعة دار ابن كثير المتن، فأثبت "عبد العزيز" مكان عبد الله، وزعم أن تصويبه هذا من نسخة الظاهرية المنسوخة سنة ٧٧٤ هـ. وهذا غير صحيح.
[ ١ / ٦٢ ]
وجدتَ أفضل؟ فقال: الاستغفار أي بنيّ (^١).
ورأى مسلمةُ بن عبد [١٣ ب] الملك عمرَ بن عبد العزيز بعد موته فقال: يا أمير المؤمنين، ليت شِعري إلى أيّ الحالات صرتَ بعد الموت؟ قال: يا مسلمة، هذا أوان فراغي، والله ما استرحتُ إلا (^٢) الآن. قال: قلت: فأين أنت يا أمير المؤمنين؟ قال: مع أئمة الهدى في جنَّات عدن (^٣).
وقال صالح البرَّاد: رأيت زُرَارة بن أوفى بعد موته، فقلت: رحمك الله، ماذا قيل لك؟ وماذا قلت؟ فأعرضَ عني. قلت: فما صنع الله بك؟ قال: تفضَّلَ عليَّ بجوده وكرمه. قلت: فأبو العلاء يزيد (^٤) أخو مطَرِّف؟ قال: ذاك (^٥) في الدرجات العلى، قلت: فأيُّ الأعمال أبلغُ فيما عندكم؟ قال: التوكل وقِصَرُ الأمل (^٦).
وقال مالك بن دينار: رأيت مسلم بن يسار بعد موته، فسلَّمتُ عليه، فلم
_________________
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في المنامات (٢٦)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٦/ ٣٣١)، وعنه في شرح الصدور (٣٧٢).
(٢) (أ، غ، ق): "إلى".
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في المنامات (٢٧)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمَشق (٤٥/ ٢٦٢) وانظر: شرح الصدور (٣٦١).
(٤) في جميع النسخ: "أبو العلاء بن يزيد"، وهو خطأ، وكلمة "بن" مُقحمة، فأبو العلاء هو يزيد بن عبد الله بن الشّخير، أخو مطرِّف بن عبد الله بن الشخّير. من كبار التابعين. كان يقول: أنا أكبر من الحسن البصري بعشر سنين. توفي سنة ١٠٨. انظر: سير أعلام النبلاء (٤/ ٤٩٣).
(٥) "ذاك" ساقطة من (ب، ن).
(٦) أخرجه ابن أبي الدنيا في المنامات (٢٨)، وقصر الأمل (٣٠).
[ ١ / ٦٣ ]
يردَّ عليَّ السلام، فقلت: ما يمنعك أن تردَّ عليَّ السلام؟ قال: أنا ميّت، فكيف أردّ عليك السلام؟ فقلت له: فماذا لقيتَ بعد الموت؟ قال: لقيتُ والله أهوالًا وزلازلَ عظامًا شِدادًا. قال: قلت له: فما كان بعد ذلك؟ قال: وما تراه يكون من الكريم؟ قبل منَّا الحسنات. وعفا لنا عن السيئات، وضمِنَ عنّا التبعات. قال: ثم شهق مالك (^١) شهقةً، خرَّ مغشيًّا عليه. قال: فلبث بعد ذلك أيامًا مريضًا، ثم انصدعَ قلبه، فمات (^٢).
وقال سهيل (^٣) أخو حزمٍ: رأيت مالك بن دينار (^٤) بعد موته فقلت: يا أبا يحيى (^٥)، ليت شِعري ماذا قَدِمتَ به على الله؟ قال: قدمتُ بذنوب كثيرة محاها عنّي حسنُ الظن بالله ﷿ (^٦).
_________________
(١) كلمة "مالك": ساقطة من (ن).
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في المنامات (٣٠) وحسن الظن بالله (١٣٠) وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٢٩٥)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٨/ ١٤٩) ومنه في شرح الصدور (٣٧١).
(٣) ما عدا (أ، غ): "سهل". وسهيل بن أبي حزم القُطَعي أبوبكر البصري. وأخوه حزم يكنى أبا عبد الله. انظر: التقريب (٢٥٩، ١٥٧).
(٤) في جميع النسخ: "خالد بن دينار"، وهو تحريف. والصواب ما أثبتنا من المنامات وحسن الظن بالله لابن أبي الدنيا. ويؤيده أن الكنية المذكورة فيما يأتي: أبو يحيى، وهي كنية مالك بن دينار. أما خالد بن دينار البصري فكنيته: أبو خَلْدة. انظر: التقريب (١٨٧).
(٥) (ب): "أبا الحسن"، تحريف.
(٦) أخرجه ابن أبي الدنيا في المنامات (٣٢) وحسن الظن بالله (٧)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٦/ ٤٤١) ومنه في شرح الصدور (٣٦٩).
[ ١ / ٦٤ ]
ولما مات رجاءُ بن حَيْوَة رأته امرأة عابدة، فقالت: يا أبا المقدام، إلامَ صِرتُم (^١)؟ قال: إلى خير، ولكن فزعنا بعدكم فزعةً ظننّا أنّ القيامة قد قامت. قالت: قلت: وممّ ذاك؟ قال: دخل الجرَّاحُ (^٢) وأصحابه الجنَّة بأثقالهم حتى ازدحموا على بابها (^٣).
وقال جميل بن مُرَّة: كان مورِّق العِجْليُّ لي أخًا وصديقًا، فقلت له (^٤) ذات يوم: أيُّنا مات قبل صاحبه فليأتِ صاحبَه، فلْيخبِرْه بالذي صار إليه. قال: فمات مورِّق، فرأت أهلي في منامها كأنّه أتانا كما كان يأتي، فقرع الباب كما كان يقرع (^٥). قالت [١٤ أ]: فقمتُ ففتحتُ له كما كنت أفتح، وقلت: ادخل يا أبا المعتَمِر إلى أن يأتي أخوك (^٦). فقال: كيف أدخل وقد ذقت الموت؟ إنما (^٧) جئت لأُعلِمَ جميلًا بما صنع الله بي، أعلِميه أنّه قد جعلني في المقرَّبين (^٨).
ولما مات محمد بن سِيرين حزِنَ عليه بعض أصحابه (^٩) حزنًا شديدًا،
_________________
(١) (ط): "صرت".
(٢) يعني: أبا عقبة الجرّاح بن عبد الله الحَكَمي. قتله وأصحابه الخزَرُ سنة ١١٢. وفيها مات رجاء بن حيوة. انظر ترجمة الجرّاح في سير أعلام النبلاء (٥/ ١٨٩).
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في المنامات (٣٨) وشرح الصدور (٣٦٩).
(٤) "له": ساقط من (أ، غ).
(٥) (ب، ن، ط، ج): "يقرعه".
(٦) رسم "يأتي" في (أ، ز): "يأت". وفي (ن): "إلى باب أخيك".
(٧) (ب، ط، ج): "أنا".
(٨) أخرجه ابن أبي الدنيا في المنامات (٣٨).
(٩) هو الحكم بن عتيبة الكندي، كما في المنامات.
[ ١ / ٦٥ ]
فرآه في المنام في حالٍ حسنة، فقال: يا أخي، قد أراك في حال تَسُرُّني (^١)، فما صنع الحسن؟ قال: رُفِع فوقي بسبعين درجةً. قلت: ولمَ ذاك، وقد كنَّا نرى أنك (^٢) أفضلُ منه؟ قال: ذاك بطول حزنه (^٣).
وقال ابن عيينة: رأيت سفيان الثوريَّ في النوم، فقلتُ: أوصني. فقال: أقِلَّ من معرفة الناس (^٤).
وقال عمّار بن سيف: رأيت الحسن بن صالح (^٥) في منامي، فقلت: قد كنتُ متمنّيًا للقائك، فماذا عندك فتخبرَنا به؟ فقال: أبشر، فإنّي لم أرَ مثلَ حسنِ الظن بالله شيئًا (^٦).
ولما مات ضَيْغَم العابدُ رآه بعض أصحابه (^٧) في المنام (^٨) فقال: أما صلَّيتَ عليَّ؟ قال: فذكرت علّةً كانت، فقال: أما لو كنتَ صلّيت عليّ ربحتَ رأسَك (^٩).
_________________
(١) (ب، ط، ق): "يسرّني".
(٢) (ز): "نراك".
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في المنامات (٤٠).
(٤) أخرجه ابن أبي الدنيا المنامات (٤٤). هذه وصيته في المنام، وبها أوصى في اليقظة أيضًا! انظر: كتاب العزلة لابن أبي الدنيا (٤١).
(٥) الحسن بن صالح بن صالح بن حيّ بن شُفَي الهمداني الثوري. فقيه عابد (١٠٠ - ١٦٩) انظر: التقريب (١٦١).
(٦) أخرجه ابن أبي الدنيا في المنامات (٤٨). وحسن الظن بالله (٩).
(٧) هو ابن ثعلبة كما في المنامات. وهو عبد الله بن ثعلبة الحنفي المترجم في الحلية (٦/ ٢٤٥).
(٨) (ط، ج): "منامه".
(٩) أخرجه ابن أبي الدنيا في المنامات (٥٠).
[ ١ / ٦٦ ]
ولما ماتت رابعةُ رأتها امرأة (^١) من أصحابها وعليها حُلَّةُ إسْتَبْرَقٍ، وخِمارٌ من سُندُس، وخمارٌ من صوف (^٢)، فقالت لها: ما فعلت الجُبَّة التي كفَّنتُكِ (^٣) فيها، والخمار الصوف؟ قالت: والله إنّه نُزِعَ عني (^٤)، وأُبدِلْتُ به هذا الذي ترَيْن عليَّ، وطُوِيت أكفاني، وخُتِم عليها، ورُفِعتْ في علّييّن؛ ليكملَ لي ثوابها يوم القيامة. قالت: فقلت لها: لهذا كنتِ تعملين أيام الدنيا؟ فقالت: وما هذا عندما رأيت من كرامة الله (^٥) لأوليائه!
فقلت لها: فما فعلت عَبْدة (^٦) بنت أبي كلاب؟ فقالت: هيهات هيهات! سبقتنا ــ والله ــ إلى الدرجات العلى! قالت: قلت: وبمَ، وقد كنتِ عند الناس أعبدَ منها؟ فقالت: إنها لم تكن تبالي على أيّ حال أصبحتْ من الدنيا أو أمست.
فقلت: فما فعل أبو مالك؟ تعني ضيغمًا. فقالت: يزور الله ﵎ متى شاء.
قالت: قلت: فما فعل بِشْر بن منصور؟ (^٧) قالت: بخٍ بخٍ! أُعطِيَ والله
_________________
(١) هي عبدة بنت أبي شوّال، كما في المنامات.
(٢) كذا في جميع النسخ: "وخمار من صوف". والصواب حذفها، أو إضافة "وكانت قد دفنت في جبة من شعر" قبلها.
(٣) رسمها في (أ، ق): "كفّنتكي".
(٤) (ب، ط، ج): "لقد نزعه عنّي". وفي (ن): " مني".
(٥) هذا في (أ، غ، ق) والمنامات. وفيما عداها: "كرم الله".
(٦) كذا "عبدة" في جميع النسخ والمنامات وصفة الصفوة في ترجمة رابعة (٢/ ٢١١). ولكن سماها ابن الجوزي في ترجمتها (٢/ ٢١٣): "عُبيدة" مصغّرًا، ولما نقل الجزء المتعلق بها من هذا الخبر في ترجمتها سمَّاها عبيدة أيضًا.
(٧) بشر بن منصور السَّليمي أبو محمد الأزدي البصري مات سنة ١٨٠. ترجمته في الحلية (٦/ ٢٣٩). ونقل ابن الجوزي في ترجمته في صفة الصفوة (٢/ ١٩١) الجزء المتعلق به من هذا الخبر. وانظر: التقريب (١٢٤).
[ ١ / ٦٧ ]
فوق ما كان يأمل!
قالت: قلت: مُرِيني بأمر أتقرَّب به إلى الله تعالى. قالت: عليكِ بكثرة ذكر الله، فيوشك أن تغتبطي بذلك في قبرك (^١).
ولما مات عبد العزيز بن [١٤ ب] سليمان (^٢) العابد رآه بعض أصحابه، وعليه ثياب خضرٌ، وعلى رأسه إكليل من لؤلؤ. فقال: كيف كنتَ بعدنا؟ وكيف وجدتَ طعم الموت؟ وكيف رأيتَ الأمر هنا؟ قال: أما الموت فلا تسأل عن شدة كربه وغمّه (^٣)، إلا أنّ رحمةَ الله وارَتْ عنا كلَّ عيب، وما تلقَّانا إلا بفضله (^٤).
وقال صالح بن بَشير (^٥): لما مات عطاء السَّليمي (^٦) رأيته في
_________________
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في المنامات (٥١). وانظر: العاقبة (٢٢٥)، وصفة الصفوة (٢/ ٢١١).
(٢) كذا "سُلَيمان" في جميع النسخ والمنامات والعاقبة. ولكن في ترجمته في الحلية (٦/ ٢٦٢) وصفة الصفوة (٢/ ١٩٢) وفي مواضع كثيرة من كتب التراجم: "سلمان". وهو الصحيح فيما يظهر. وابنه محمد يروي عنه.
(٣) (أ، غ): "وعظمه".
(٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في المنامات (٥٣). وانظر: العاقبة (١١٨).
(٥) هذا الصواب من (ط) ومصادر التخريج. وفي (ب): "يسر"، وفيما عدا (ط، ب): "بشر"، وكلاهما تصحيف. وهو صالح بن بشير المُرِّي، أبو بِشر البصري، القاصّ الزاهد. التقريب (٢٧١).
(٦) ما عدا (ب، ط، ج): "السلمي". وهو خطأ. انظر: توضيح المشتبه (٥/ ١٥٧).
[ ١ / ٦٨ ]
منامي، فقلتُ: يا أبا محمد، ألستَ في زمرة الموتى؟ قال: بلى. قلت: فماذا صرتَ إليه بعد الموت؟ قال: صرتُ والله إلى خير كثير، وربِّ غفور شكور. قال: قلت: أمَا والله لقد كنتَ طويل الحزن في دار الدنيا! فتبسَّم، وقال: والله لقد أعقبني ذلك راحةً طويلة، وفرحًا دائمًا. قلت: ففي أيِّ الدرجات أنت؟ قال: مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا (^١).
ولما مات عاصم الجحدري (^٢) رآه بعضُ أهله في المنام فقال: أليس قد متَّ؟ قال: بلى. قال: فأين أنت؟ قال: أنا والله في روضة من رياض الجنة أنا ونفر من أصحابي، نجتمعُ كلَّ ليلةِ جمعة وصبيحتها إلى بَكر بن عبد الله المُزَني، فنتلقَّى أخباركم. قال: قلت: أجسادكم أم أرواحكم؟ قال: هيهات! بليتِ الأجساد، وإنّما تتلاقى الأرواحُ (^٣).
ورُئِي الفضيل بن عِيَاض بعد موته، فقال: لم أرَ للعبد خيرًا من ربّه (^٤).
وكان مُرّةُ الهَمْدانيُّ (^٥) قد سجد حتى أكل التراب جبهته، فلما مات رآه
_________________
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في المنامات (٥٦) ــ وفي مطبوعته نقص ــ وفي الهم والحزن (١٢٨). ومن طريقه في الحلية (٦/ ١٧٢).
(٢) (ق): "الحجازي"، تحريف.
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في المنامات (٥٨). وقد سبق في المسألتين الأولى والثانية.
(٤) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٨/ ١٠٤) بسنده عن محمد بن فضيل.
(٥) (ن): "قرّة"، تصحيف، فهو مُرَّة بن شَرَاحيل الهمْداني الكوفي. يقال له: مرة الطيّب ومرة الخير، لعلمه وعبادته. مخضرم، توفي سنة ٧٦. وقيل: بعد ذلك. انظر: التقريب (٥٢٥)، وسير أعلام البنلاء (٤/ ٧٤).
[ ١ / ٦٩ ]
رجل من أهله في منامه، وكأنَّ موضع سجوده كهيئة الكوكب الدُرِّي، فقال: ما هذا الأثر (^١) الذي أرى بوجهك؟ قال: كُسِي موضعُ السجود بأكل التراب له نورًا. قال: قلت: فما منزلتك في الآخرة؟ قال: خيرُ منزلٍ، دارٌ لا ينتقل عنها أهلها ولا يموتون (^٢).
وقال أبو يعقوب القارئ: رأيتُ في منامي رجلًا آدمَ طُوالًا، والناس يتبعونه. قلت: من هذا؟ قالوا: أويسٌ القَرَنيُّ. فاتَّبعتُه، فقلت (^٣): أوصِني، يرحمك الله. فكلَحَ في وجهي. فقلت: مسترشِدٌ، فأرشِدْني، رحمك الله. فأقبل عليَّ، فقال: ابتغِ رحمةَ الله عند محبّته، واحذر نقمتَه عند معصيته، ولا تقطع رجاءك منه في خلال [١٥ أ] ذلك. ثم ولَّى، وتركني (^٤).
وقال ابن السَّمَّاك: رأيت مِسْعَرًا في النوم، فقلت: أيَّ الأعمال وجدْتَ أفضلَ؟ قال: مجالس الذكر (^٥).
وقال الأجلح: رأيتُ سَلَمةَ بن كُهيَل في النوم، فقلت: أيَّ الأعمال وجدتَ أفضل؟ قال: قيام الليل (^٦).
_________________
(١) "الأثر": ساقط من (ز).
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في المنامات (٦٥). وانظر: اعتلال القلوب (٣٥٧) وصفة الصفوة (٣/ ٣٤).
(٣) ساقط من الأصل.
(٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في المنامات (٦٦)، وحسن الظن بالله (١٣٥). ومن طريقه في شعب الإيمان (١٠٦٥) وتاريخ دمشق (٩/ ٤٥٥).
(٥) أخرجه ابن ابي الدنيا في المنامات (٦٩).
(٦) أخرجه ابن أبي الدنيا في المنامات (٧٠) والتهجد وقيام الليل (٣٣).
[ ١ / ٧٠ ]
وقال أبو بكر بن أبي مريم: رأيت وفاء (^١) بن بِشْر بعد موته، فقلت: ما فعلْتَ يا وفاء؟ قال: نجوتُ بعد كلّ جهد. قلت: فأيُّ الأعمال وجدتموها أفضل؟ قال: البكاء من خشية الله عزوجل (^٢).
وقال الليث بن سعد: عن موسى بن وَرْدان (^٣) أنه رأى عبد الله بن أبي حبيبة بعد موته فقال: عُرِضتْ عليَّ حسناتي وسيئاتي، فرأيت في حسناتي حباتِ رمَّان التقطْتُهنَّ فأكلتُهنّ. ورأيت في سيئاتي خيطَيْ حريرٍ (^٤) كانا في قَلَنْسُوَتي (^٥).
وقال سُنَيد بن داود: حدثني ابن أخي جُوَيريَة (^٦) بن أسماء قال: كنا بعَبَّادانَ، فقدم علينا شابٌّ من أهل الكوفة متعبِّدٌ، فمات بها في يوم شديد الحرّ، فقلت: نُبْرِدُ، ثم نأخذ في جَهازه (^٧). فنمتُ فرأيت (^٨) كأنّي في المقابر، فإذا بقُبَّةِ جوهرٍ تتلألأُ حسنًا، وأنا أنظر إليها، إذ انفلقَتْ، فأشرفَتْ (^٩) منها جاريةٌ ما رأيت مثلَ حسنها، فأقبلت عليَّ، فقالت: بالله لا تحبِسهْ عنّا إلى
_________________
(١) قيّده الخطيب بالقاف، والصواب بالفاء كما هنا. انظر: توضيح المشتبه (٩/ ١٩١). وفي الإحياء (٤/ ٥١٠): "ورقاء"، تحريف.
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في المنامات (٧١).
(٣) (ز): "داود"، وهو خطأ. انظر ترجمته في تهذيب التهذيب (١٠/ ٣٧٦).
(٤) (ز): "خيطين حريرًا".
(٥) أخرجه ابن أبي الدنيا في المنامات (٧٥).
(٦) (ن): "حيوة"، تحريف. وابن أخيه: عبد الله بن محمد بن أسماء.
(٧) (ن): "جنازته". (ز): "تجهيزه".
(٨) (ن، ط، ج): "فرأيت في النوم". (ب): " في المنام".
(٩) (أ): "فأشرف". (غ، ق): "وأشرف". وفي (ن، ج، ز) بالقاف، تصحيف.
[ ١ / ٧١ ]
الظهر. قال: فانتبهتُ فزعًا، وأخذت في جهازه، وحفرت له قبرًا في الموضع الذي رأيت فيه القُبَّة، فدفنته فيه (^١).
وقال عبد الملك بن عتَّاب (^٢) الليثيُّ: رأيت عامر بن عبد قيس في النوم، فقلت: أيَّ الأعمال وجدتَ أفضل؟ قال: ما أريدَ به وجهُ الله ﷿ (^٣).
وقال يزيد بن هارون: رأيتُ أبا العلاء أيوب بن مسكين في المنام، فقلت: ما فعل بكَ ربُّك؟ قال: غفر لي. قلتُ: بماذا؟ قال: بالصوم والصلاة. قلتُ: أرأيتَ منصورَ بن زاذان؟ قال: هيهاتَ! ذاك نرى قصره (^٤) من بعيد (^٥).
وقال يزيد بن نَعامة: هلكتْ جاريةٌ في طاعون الجارف، فلقيها أبوها بعد موتها، فقال لها: يا بُنيَّة، أخبريني عن الآخرة. قالت: يا أبتِ، قدِمنا [١٥ ب] على أمرٍ عظيمٍ، نعلم ولا نعمل، وتعملون ولا تعلمون. واللّهِ،
_________________
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في المنامات (٧٧).
(٢) كذا في جميع النسخ وكتاب الإخلاص والنية لابن أبي الدنيا، وعنه في تاريخ دمشق. ولم أجد له ترجمة. وفي كتاب المنامات: عبد الملك بن يعلى الليثي. وكان قاضيًا بالبصرة قبل الحسن البصري ومات بعد المائة. انظر: طبقات ابن سعد (٧/ ٢١٧)، والتقريب (٣٦٦).
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في المنامات (٨٠) والإخلاص والنية (١٣)، وعنه في تاريخ دمشق (٢٦/ ٤٢).
(٤) المنامات: "قصوره".
(٥) أخرجه ابن أبي الدنيا في المنامات (٨٢).
[ ١ / ٧٢ ]
لتسبيحةٌ أو تسبيحتانِ أو ركعة أو ركعتان (^١) في صحيفة عملي (^٢) أحبُّ إليَّ من الدنيا وما فيها (^٣).
وقال كَثِير بن مُرَّةَ: رأيتُ في منامي كأنّي دخلتُ درجةً عليا في الجنة، فجعلتُ أطوف بها، وأتعجبُ منها، فإذا أنا بنساءٍ من نساء المسجد في ناحيةٍ منها، فذهبتُ حتى سلَّمت عليهن، ثم قلت: بمَ بلغتُنَّ هذه الدرجة؟ قُلن: بسجداتٍ، وكُسَيرات (^٤).
وقال مزاحمٌ مولى عمر بن عبد العزيز، عن فاطمة بنت عبد الملك امرأةِ عمر بن عبد العزيز قالت: انتبهَ عمر بن عبد العزيز ليلةً، فقال: لقد رأيتُ رؤيا معجبة. قالت: فقلت: جُعلتُ فِداك، فأخبِرْني بها. فقال: ما كنتُ لأُخبركِ بها حتى أُصْبِحَ. فلما طلع الفجرُ خرجَ، فصلّى، ثم عاد (^٥) إلى مجلسه. قالت: فاغتنمتُ خَلْوته فقلت: أخبرني بالرؤيا التي رأيتَ.
قال: رأيتُ كأنّي دُفِعتُ (^٦) إلى أرضٍ خضراءَ واسعةٍ، كأنّها بساطٌ أخضرُ. وإذا فيها قصرٌ أبيضُ كأنّه الفضةُ، وإذا خارجٌ قد خرج من ذلك
_________________
(١) كذا في (ب، ط، ج، ز) والمنامات. وفي (ن، غ): "أو تسبيحات أو ركعة أو ركعات". وفي (أ، ق): "أو تسبيحات أو ركعة أو ركعتان".
(٢) (أ، غ، ز): "عمل".
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في المنامات (٨٦) وعنه في الأهوال (٤١).
(٤) يعني: تصدَّقن بها. وقد غيَّرها الناشرون فأثبتوا: "وتكبيرات"!
(٥) (أ، ز): "دعا".
(٦) كذا في المنامات وجميع النسخ إلا (غ) ــ وهي متأخرة ــ ففيها بالراء، وكذا في النسخ المطبوعة.
[ ١ / ٧٣ ]
القصر، فهتفَ بأعلى صوته يقول: أين محمدُ بن عبد الله بن عبد المطلب؟ أين رسولُ الله؟ إذْ أقبل رسولُ الله - ﷺ - حتى دخل ذلك القصر.
قال: ثم إنَّ آخَرَ خرج من ذلك القصر، فنادى: أين أبو بكر الصديقُ؟ أين ابنُ أبي قُحافة؟ إذ أقبل أبو بكر حتى دخل ذلك القصرَ. ثم خرج آخرُ، فنادى: أين عمرُ بن الخطّاب؟ فأقبل عمرُ حتى دخل ذلك القصر. ثم خرج آخرُ، فنادى: أين عثمانُ بن عفان؟ فأقبل حتى دخل ذلك القصر. ثم خرج آخر، فنادى: أين عليُّ بن أبي طالب؟ فأقبل حتى دخل ذلك القصرَ. ثم إنّ آخرَ خرج، فنادى: أين عمرُ بن عبد العزيز؟ قال عمرُ: فقمتُ حتى دخلتُ ذلك (^١) القصرَ.
قال فدُفِعتُ (^٢) إلى رسول الله - ﷺ -، والقوم حولَه. فقلت بيني وبين نفسي: أين أجلِسُ؟ فجلستُ إلى جَنْب أبي عمرَ بن الخطاب. فنظرتُ فإذا أبو بكر عن يمين النبي - ﷺ -، وإذا عمرُ [١٦ أ] عن يساره، فتأملتُ رسولَ الله - ﷺ -، فإذا بين رسول الله - ﷺ - وبين أبي بكر رجل. فقلت (^٣): من هذا الرجل الذي بين رسول الله - ﷺ - وبين أبي بكر؟ فقال: هذا عيسى ابن مريم. فسمعتُ هاتفًا يهتِف، وبيني وبينه سترُ نور: يا عمر بن عبد العزيز، تمسَّكْ بما أنت عليه، واثبُتْ على ما أنت عليه.
ثم كأنّه أُذِنَ لي في الخروج، فقمتُ، فخرجت من ذلك القصر. فالتفتُّ
_________________
(١) لم ترد في (ن).
(٢) (ب، ز، غ): "رفعت" بالراء.
(٣) يعني: لعمر بن الخطاب ﵁، كما في المنامات.
[ ١ / ٧٤ ]
خلفي، فإذا أنا بعثمان بن عفان، وهو خارجٌ من ذلك القصر، يقول (^١): الحمدُ لله الذي نصَرني رَبِّي (^٢)؛ وإذا عليُّ بن أبي طالب في أثره خارجٌ من ذلك القصر (^٣)، وهو يقول: الحمد لله الذي غَفَرَ لي رَبِّي (^٤)!
وقال سعيد بن أبي عَروبةَ عن عمر بن العزيز: رأيتُ رسول الله - ﷺ -، وأبو بكر وعمر جالسان عنده، فسلَّمت، وجلستُ، فبينا أنا جالسٌ إذ أُتِي بعليٍّ ومعاوية، فأُدخِلا بيتًا، وأُجيف (^٥) عليهما البابُ، وأنا أنظر. فما كان بأسرعَ من أن خرج عليٌّ، وهو يقول: قُضي لي، وربِّ الكعبة. وما كان بأسرعَ من أن خرج معاويةُ (^٦) على أثره، وهو يقول: غُفِر لي، وربِّ الكعبة (^٧).
وقال حمَّاد: عن أبي هاشم (^٨): جاء رجلٌ إلى عمر بن عبد العزيز فقال:
_________________
(١) ما عدا (أ، ق، غ): "وهويقول".
(٢) كذا في جميع النسخ والمنامات وتاريخ دمشق.
(٣) من "يقول" إلى هنا سقط من (ب).
(٤) كذا في جميع النسخ غير (ج). وفي تاريخ دمشق وفي (ج) والمنامات: "غفر لي ذنبي". والخبر أخرجه ابن أبي الدنيا في المنامات (١٢٣) وعنه في تاريخ دمشق (٤٥/ ٢٤٦).
(٥) أي: رُدَّ.
(٦) (ن): "معاوية بن أبي سفيان".
(٧) أخرجه ابن أبي الدنيا في المنامات (١٢٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٩/ ١٤٠).
(٨) ما عدا (ب، ط، ج): "حماد بن أبي هاشم"، وهو خطأ. فالراوي هنا حماد بن زيد عن أبي هاشم الرمّاني الواسطي، كما في مصادر التخريج.
[ ١ / ٧٥ ]
رأيتُ رسول الله - ﷺ - في المنام، وأبو بكر عن يمينه، وعمرُ عن شماله (^١)، وأقبل رجلان يختصمان، وأنتَ بين يديه جالسٌ. فقال لك: يا عمرُ إذا عَمِلتَ فاعمَلْ بعمل هذين: لأبي بكر وعمر. فاستحلفه عمرُ: بالله، أرأيتَ هذه الرؤيا؟ فحلفَ، فبكى عمرُ (^٢).
وقال عبد الرحمن (^٣) بن غَنْم: رأيتُ معاذَ بن جبل بعد وفاته بثلاث على فرسٍ أبلق، وخلفَه رجالٌ بيضٌ، عليهم ثيابٌ خضرٌ، على خيل بُلْق. وهو قُدَّامهم، وهو يقول: ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس: ٢٦ - ٢٧]. ثم التفتَ عن يمينه وشماله يقول: يا ابنَ رواحة، يا ابنَ مظعون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٤] ثمّ صافحني، وسلَّم عليَّ (^٤).
وقال قَبيصة بن عُقبة: رأيتُ سفيانَ الثوري في المنام (^٥) بعد موته [١٦ ب]، فقلت: ما فعل اللهُ بك؟ فقال (^٦):
_________________
(١) (ز): "يساره".
(٢) (ق): "عمر بن عبد العزيز". والخبر أخرجه ابن أبي الدنيا في المنامات (١٢٠) وعنه في تاريخ دمشق (٤٥/ ١٧٥). وانظر: سير أعلام النبلاء (٥/ ١٢٧).
(٣) (ن): "عبد الرحيم"، خطأ.
(٤) الخبر في كتاب العاقبة (٢٢٢).
(٥) (ن): فيما يرى النائم.
(٦) "رأيت فقال" ساقط من (ب).
[ ١ / ٧٦ ]
نظرتُ إلى ربّي عِيانًا فقال لي هنيئًا رضائي عنك يا ابن سعيد
فقد كنتَ قوَّامًا إذا الليلُ قد دجا بِعَبْرةِ محزونٍ وقلبِ عميد
فدونكَ فاختَرْ أيَّ قصرٍ تريده وزُرْني فإنّي منك غيرُ بعيد (^١)
وقال سفيانُ بن عُيينة (^٢): رأيتُ سفيانَ الثوري بعد موته، يطيرُ في الجنة في نخلةٍ إلى شجرة، ومن شجرةٍ إلى نخلة، وهو يقول: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١]. فقيل له: بما أُدْخِلت (^٣) الجنة؟ قال: بالوَرع، بالورع (^٤). قيل له: فما فعل عليُّ بن عاصم؟ قال: ما نراه إلا مثلَ الكوكب (^٥).
وكان شعبة بن الحجَّاج ومِسْعَر بن كِدام حافظَين، وكانا جليلَيْن (^٦). قال أبو أحمد اليزيدي (^٧):
رأيتُهما بعد موتهما فقلت: أبا بسطام، ما فعل الله
_________________
(١) كتاب العاقبة (٢٢٣). وأخرجه أبو نعيم في الحلية (٧/ ٧٤).
(٢) (ب، ط، ج): وقال ابن عيينة.
(٣) (ن): «دخلت».
(٤) «بالورع» الثانية أسقطها ناسخ (ن) ظنًّا منه أنها مكررة. وخوفًا من ذلك وضعت عليها علامة «صح» في (ب، ط، ق).
(٥) كتاب العاقبة (٢٢٣). وانظر: المنامات لابن أبي الدنيا (٢٧٥).
(٦) كذا في (ق، غ)، وفي غيرهما: «خليلين»، وفي (ز): «خليطين». وسياق الكلام في العاقبة (٢٢٣): «رجلين فاضلين جليلين وكان شعبة أكبر وأجلّ».
(٧) كذا في (ب، ق، ز، ج) وكتاب العاقبة. وفي (أ، غ): «الترمذي». وفي (ن): «البريدي». وفي (ط): «أحمد بن اليزيدي». وقد وجدت أبا أحمد الترمذي ممن يروي عن سليمان بن أبي الشيخ (ت ٢٤٦). والسياق ينبئ بأنه من أقران شعبة ومسعر، بل من تلامذتهما، فإنه قال: وكنت إلى شعبة أميل منّي إلى مسعر. وقد أخرج الخبر ابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٢/ ١٦٦) بسنده عن هارون بن هزاري قال: سمعت محمد بن تسنيم الدمشقي يقول: «رأيت شعبة ومسعرًا في النوم ». وسياقه شبيه بسياق خبرنا. فهذا أيضًا «آنس بشعبة منه بمسعر». لم أعرف محمد بن تسنيم الدمشقي، ولكن هارون بن هزاري معروف، وهو أبو موسى القزويني المتوفى سنة ٢٥١. وقال الذهبي في السير (١/ ٢١٩): وروي عن عبد القدوس بن محمد الحبحابي: سمعت أبي يقول: «لما مات شبعة أُريته بعد سبعة أيام، وهو آخذ بيد مسعر » وهذا مثل ما في خبر الدمشقي: «وكفّ مسعر في كفّ شعبة». وعبد القدوس وأبوه كلاهما معروف. فهو عبد القدوس بن محمد بن عبد الكبير بن شعيب بن الحبحاب الأزدي، أبو بكر العطار البصري، من رواة البخاري. وقد حكى البخاري في التاريخ الصغير (٢/ ٢٨١) عنه أن أباه أبا عبد الله محمد بن عبد الكبير مات سنة ٢٠٦. فهذا معاصر لمحمد بن تسنيم الدمشقي، ولكن الغريب أن كليهما أميل إلى شعبة، وأنهما جميعًا رأيا أن كف شعبة بكف مسعر. ثم الأبيات الآتية نفسها أنشدها شعبة محمد بن تسنيم الدمشقي وأبا عبد الله البصري وأبا أحمد اليزيدي أو الترمذي جميعًا!
[ ١ / ٧٧ ]
بك؟ فقال: وفَّقك الله لحفظ ما أقول:
حَبَاني إلهي في الجنانِ بقُبَّةٍ لها ألفُ بابٍ من لُجَين وجوهرًا (^١)
_________________
(١) في العاقبة: «مجوهرا». وكذا وردت الأبيات في جميع النسخ ومصدر المؤلف ــ وهو كتاب العاقبة ــ مفتوحة القوافي. وعلى هذا نصبُ «جوهر» في البيت الأول و«مسعر» في البيت الثالث يُحوج إلى التكلف. وبيتان آخران في المصادر لا يستقيم نصب القافية فيهما. وقد ضبطها ناشر سير أعلام النبلاء برفع بعضها وكسر الأخرى، ولم يضبط «فأكثر» وهو فعل ماضٍ، ونبّه على أن في الأبيات إقواء ظاهرًا. وأرى أن الأبيات مقيّدة القوافي، وهي من الضرب الثالث من الطويل.
[ ١ / ٧٨ ]
وقال ليَ الرحمنُ يا شعبةُ الذي تبحَّرَ في جمعِ العلوم فأكثرا
تنعَّمْ بقُربي إنني عنك ذو رضًا وعن عبديَ القوَّام في الليل مِسْعَرا
كفى مِسْعرًا عِزًّا بأنْ سيزورني وأَكشِفُ عن وجهي الكريم لينظرا
وهذا فَعالي بالذين تنسَّكوا (^١) ولم يألَفُوا في سالفِ الدهر منكرا
قال أحمدُ بن محمد الكنديُّ: رأيتُ أحمد بن حنبل في النوم، فقلت: يا أبا عبد الله، ما فعل الله بك؟ قال: غفَر لي، ثم قال: يا أحمد، ضُرِبتَ فيَّ ستّين سوطًا؟ قلت: نعم يا ربّ. قال: هذا وجهي قد أبحتُكَ، فانظُرْ إليه (^٢).
وقال أبو بكر (^٣) أحمدُ بن محمد بن الحجَّاج: حدثني رجلٌ من أهل طَرَسوس قال: دعوتُ الله ﷿ أن يُريني أهلَ القبور حتى أسألَهم عن أحمد بن حنبل ما فَعَل الله به؟ فرأيتُ بعد عشر سنين في المنام، كأنَّ أهلَ القبور قد قاموا على قبورهم، فبادروني (^٤) بالكلام، فقالوا: [١٧ أ] يا هذا، كم تدعو الله ﷿ أن يُرِيَك إيَّانا! تسألنا عن رجل لم يَزَلْ منذ فارقكم تحليه (^٥) الملائكةُ تحت شجرة طوبى.
_________________
(١) (ط، ز): «تمسّكوا».
(٢) كتاب العاقبة (٢٢٤). وأخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (٤/ ٤٢١). وانظر: سير أعلام النبلاء (١١/ ٣٤٩).
(٣) «أبو بكر» ساقط من (ن، ط).
(٤) (ن):» فبارزوني»، تصحيف.
(٥) كذا في الأصل مع علامة الإهمال تحت الحاء، وكذا في (غ، ق، ن، ز). وفي (ب، ط): «عليه»، ثم زاد بعضهم في (ب) بعد «الملائكة»: «ترفّه». والذي في كتاب العاقبة ــ مصدر المؤلف ــ: «تحفّه» وهو أظهر.
[ ١ / ٧٩ ]
قال أبو محمد (^١) عبد الحقّ: وهذا الكلامُ من أهل القبور إنما هو إخبارٌ عن عُلوِّ درجة أحمد بن حنبل وارتفاع مكانه وعِظَمِ منزلته، فلم يقدِروا أن يُعبِّروا عن صفة حاله وعمّا هو فيه إلّا بهذا (^٢)، وما هو في معناه (^٣).
وقال أبو جعفر السقَّا صاحبُ بِشْر بن الحارث: رأيتُ بشرًا الحافي ومعروفًا (^٤) الكرخي، وهما جائيان. فقلت: من أين؟ فقالا: من جنة الفردوس، زُرنا كليم الله موسى (^٥).
وقال عاصم الجزَري (^٦):
رأيتُ في النوم كأنّي لقيتُ بِشْر بن الحارث،
_________________
(١) ساقط من (ن).
(٢) (ن، ز): «أو». وكذا في كتاب العاقبة.
(٣) كتاب العاقبة (٢٢٤).
(٤) (أ، ن، ع، ز): «معروف».
(٥) كتاب العاقبة (٢٢٥). وأخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٠/ ٢٢٤) وعنه في شرح الصدور (٣٧٣).
(٦) (ن): «الجحدري» وهو خطأ صرف فإنه توفي سنة ١٢٩ قبل مولد الإمام أحمد سنة ١٦٤. وأثبتُّ ما اتفقت عليه النسخ الأخرى لموافقتها كتاب العاقبة وهو مصدر المؤلف. ولكن في تاريخ بغداد وغيره من المصادر: «الحربي»، وهو الصواب في ظنِّي، نسبة إلى محلّة الحربيّة ببغداد، ولكن لم أجد له ترجمة. وأثبت ناشر الذيل على طبقات الحنابلة (١/ ٣٠٩): «الجرمي»، وجزم بصحته، وأحال على تهذيب التهذيب، وهو خطأ بلا ريب؛ فإن عاصم بن كليب الجرمي الكوفي توفي سنة ١٣٧ قبل مولد الإمام أحمد. وسأله الأثرم عن الجرمي فقال: لا بأس بحديثه. انظر: تهذيب التهذيب (٥/ ٥٥).
[ ١ / ٨٠ ]
فقلتُ: من أين يا أبا نصر؟ قال: من عِلِّيِّين. قلتُ (^١): ما فعل أحمدُ بن حنبل؟ قال: تركتُه الساعةَ مع عبد الوهّاب الورّاق بين يدي الله ﷿ يأكلان ويشربان. قلتُ له: فأنتَ؟ قال: عَلِمَ الله قلَّةَ رغبتي في الطعام، فأباحني النظرَ إليه (^٢).
وقال أبو جعفر السقّاء: رأيتُ بِشْر بن الحارث في النوم (^٣) بعد موته، فقلتُ: أبا نصر، ما فعل الله بك؟ قال: أطلقني (^٤)، ورحمني، وقال لي: يا بِشْرُ، لو سجدتَ لي في الدنيا على الجمر ما أدّيتَ شكرَ ما حشوتُ قلوب عبادي منك، وأباح لي نصفَ الجنة، فأسرحُ فيها حيث شئتُ، ووعدني أن يغفرَ لمن تَبِع جنازتي. فقلت: ما فعل أبو نصر التمَّار؟ فقال: ذاك فوق الناس بصَبْره على بلائه (^٥) وفقره (^٦).
قال عبد الحق: لعله أراد بقوله: «نصف الجنة» نصف نعيمها؛ لأن
_________________
(١) (ب، ن، ط، ج): «فقلت».
(٢) كتاب العاقبة (٢٢٦). وأخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (١١/ ٢٧) ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٠/ ٢٢٣). وانظر: صفة الصفوة (٢/ ٣٧٠) وشرح الصدور (٣٧٣).
(٣) «فقلت: من أين يا أبا نصر » إلى هنا ساقط من (ز).
(٤) كذا في (أ، غ). وفي (ز، ق)، العاقبة: «ألطفني». وفي غيرها: «لطف بي». وفي تاريخ بغداد: «وقفني فرحم شيبتي». وفي المنامات: «غفر لي».
(٥) في تاريخ بغداد وتاريخ دمشق: «على بُنَيَّاته».
(٦) أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (١٠/ ٤٢٠) ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٠/ ٢٢٧). ونحوه مختصرًا في المنامات عن رجل (٢٧٨). والمنام نفسه رواه أبو نعيم بسنده عن سفيان بن محمد المصيصي! ومصدر المؤلف كتاب العاقبة (٢٢٦).
[ ١ / ٨١ ]
نعيمَها نصفان: نصفٌ رُوحاني، ونصفٌ جسماني (^١). فيتنعَّمون أولًا بالروحاني، فإذا رُدَّت الأرواحُ إلى الأجساد أَضِيفَ لهم النعيم الجسماني إلى الروحاني (^٢).
وقال غيره: نعيم الجنة مرتَّب على العلم والعمل، وحظُّ بشرٍ من العمل كان أوفى من حظِّه من العلم (^٣)، والله أعلم.
وقال بعض الصالحين: رأيتُ أبا بكر الشِّبلي في المنام، وكأنه قاعدٌ في مجلس الرُّصافة بالموضع الذي كان يقعد فيه. وإذا به قد أقبل، وعليه ثياب [١٧ ب] حِسان، فقمتُ إليه وسلَّمتُ عليه، وجلستُ بين يديه، فقلت له: مَنْ أقربُ أصحابِك إليك؟ قال: ألهَجُهم بذكر الله، وأقوَمُهم بحقِّ الله، وأسرَعُهم مبادرةً في (^٤) مرضاة الله (^٥).
وقال أبو عبد الرحمن الساحليُّ: رأيتُ مَيْسرةَ بن سُليم في المنام بعد موته، فقلت له: طالتْ غَيبتُك. فقال: السفر طويل. فقلت له: فما الذي قَدِمتَ عليه؟ فقال: رُخِّصَ لي، لأنّا كنّا نُفتي بالرُّخَص. فقلت: فما تأمرني به؟ قال: اتِّباع الآثار وصحبة الأخيار يُنجِّيان من النار، ويُقرِّبان من
_________________
(١) (ن): «جثماني» هنا وفي الموضع الآتي.
(٢) كتاب العاقبة (٢٢٦).
(٣) (أ، ق، غ): «في العلم».
(٤) (ن): «إلى».
(٥) كتاب العاقبة (٢٢٧). وكذا فيه أن هذا السؤال والجواب وقعا في المنام. وفي تاريخ بغداد (١٤/ ٤٢٨) أن أبا الحسن بن أنس العطار سمع الشبلي سئل فأجاب. يعني في اليقظة. وانظر: تاريخ دمشق (٦٦/ ٦٦).
[ ١ / ٨٢ ]
الجبار (^١).
وقال أبو جعفر الضرير (^٢): رأيتُ عيسى بن زاذان بعد موته فقلت: ما فعل الله بك؟ فأنشأ يقول:
لو رأيتَ الحِسانَ في الخُلد حولي وأكاويبَ مَعْهُمُ (^٣) لِلشَّرابِ
يَترنَّمنَ بالكتاب جميعًا يَتمشَّين مُسْبِلاتِ الثِّيابِ (^٤)
وقال بعض أصحاب ابن جُريج: رأيتُ كأنّي جئتُ إلى هذه المقبرةِ التي بمكة، فرأيتُ على عامَّتها سُرادقًا، ورأيتُ منها قبرًا عليه سُرادق، وفُسطاط، وسِدرة. فجئتُ حتى دخلتُ، فسلَّمتُ عليه، فإذا مسلمُ بن خالد الزَّنْجي. فسلَّمت عليه، وقلت: يا أبا خالد، ما بالُ هذه القبور عليها سُرادق، وقبرُك عليه سُرادق وفُسطاط، وفيه سِدرة؟ فقال: إني كنتُ كثيرَ الصيام. فقلت: فأين قبرُ ابن جُريج؟ دُلَّني عليه، فقد كنتُ أجالسه، وأنا أحبُّ أن أسلِّم عليه. فقال هكذا بيده: هيهات، وأدار إصبعَه السبّابةَ: وأين قبرُ ابن جريج؟ رُفِعت صحيفته في عِلِّيِّين (^٥)!
_________________
(١) كتاب العاقبة (٢٢٨).
(٢) كذا في العاقبة. وفي المنامات أن صاحب المنام إسحاق بن إبراهيم الثقفي، وهو أبو يعقوب الكوفي!
(٣) كذا ضمير الجمع المذكر للحسان في (أ، ب، ج، ق، غ). وفي (ط، ز)، المنامات: «معهنّ»، ولكنه يكسر الوزن. وفي (ن): «وأكاويب أشرعت بالشراب». وفي العاقبة: «وأكاويبها بصافي الشراب» ولعلهما من إصلاح النسّاخ.
(٤) كتاب العاقبة (٢٢٨). وأخرجه ابن أبي الدنيا في المنامات (١٤٦).
(٥) كتاب العاقبة (٢٣٠).
[ ١ / ٨٣ ]
حقيقة الرؤيا وأنواعها واضطراب الناس في أمرها
ورأى حمَّادَ بن سلَمة في النوم بعضُ أصحابه، فقال له: ما فعل اللهُ بك؟ فقال: قال لي: طالما كدَدْتَ نفسَك في الدنيا، فاليوم أطيلُ راحتَك وراحةَ المتعبين.
وهذا بابٌ طويل جدًا. فإن لم تسمح نفسك بتصديقه، وقلت: هذه منامات، وهي غير معصومة، فتأمَّلْ من رأى صاحبًا له أو قريبًا أو غيره، فأخبَرَه بأمر لا يعلمه إلا صاحبُ الرؤيا، أو أخبَره بمال دفَنَه هو أو غيره، أو حذَّره من أمر يقع، أو بشَّرَه بأمر يوجد، فوقع كما قال؛ أو أخبَره بأنه يموت هو أو بعضُ [١٨ أ] أهله إلى كذا وكذا، فيقع كما أخبر؛ أو أخبَره بِخِصْب أو جَدْب أو عدوٍّ أو نازلة أو مرض يعرِضُ له (^١)، فوقع كما أخبَر. والواقعُ من ذلك لا يُحصيه إلا الله، والناسُ مشتركون فيه، وقد رأينا نحن وغيرُنا من ذلك عجائب.
وأبطَلَ (^٢) مَن قال: إن هذه كلَّها علوم وعقائد في النفس تظهر لصاحبها عند انقطاع نفسِه عن الشواغل البدنية بالنوم. وهذا عينُ الباطل والمحال، فإنَّ النفسَ لم يكن فيها قطُّ معرفةُ هذه الأمور التي يخبر بها الميِّت، ولا خَطرتْ ببالها، ولا عندها علامةٌ عليها ولا أمارةٌ بوجهٍ ما.
ونحن لا ننكر أنَّ الأمرَ قد يقع كذلك، وأنَّ من الرؤيا ما يكون من حديثِ النَّفس وصورة الاعتقاد. بل كثيرٌ من مرائي الناس إنَّما هي من مجرد صور اعتقادهم المطابقِ وغير المطابق، فإنَّ الرؤيا على ثلاثة أنواع: رؤيا من الله،
_________________
(١) (ق): «مرض أو بغرض له»، زاد «أو» ثم صحَّف.
(٢) (ن): «وأبطل من ذلك».
[ ١ / ٨٤ ]
ورؤيا من الشيطان، ورؤيا من حديث النفس (^١).
والرؤيا الصحيحةُ أقسام منها: إلهامٌ يُلقيه الله سبحانه في قلب العبد. وهو كلامٌ يُكلِّم به الربُّ عبدَه في المنام، كما قال عبادة بن الصامت (^٢) وغيره (^٣). ومنها: مَثَلٌ يضربِه له ملكُ الرؤيا الموكلُ بها. ومنها: التقاءُ روحِ النائم بأرواح الموتى من أهله وأقاربه وأصحابه وغيرهم، كما ذكرناه (^٤). ومنها: عروجُ (^٥) روحه إلى الله ﷾ وخطابُها له. ومنها: دخولُ روحه إلى الجنة ومشاهدتُها وغير ذلك. فالتقاءُ أرواح الأحياء والموتى نوعٌ من أنواع الرؤيا الصحيحة التي هي عند الناس من جنس المحسوسات.
وهذا موضعٌ اضطرب فيه الناس. فمن قائلٍ: إنَّ العلومَ كلَّها كامنة في النفس، وإنما اشتغالُها بعالم الحسِّ يحجبُ عنها مطالعتَها (^٦)، فإذا تجرَّدت
_________________
(١) هذا التقسيم مما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة: البخاري (٧٠١٧)، ومسلم (٢٢٦٣).
(٢) أورده المصنف وشيخه في عدة مواضع من كتبهما. انظر: الرد على المنطقيين (٤٨٥)، النبوات (١٧٩)، بدائع الفوائد (٥١٣)، مدارج السالكين (١/ ٥١). وأشار في مواضع أخرى إلى أنه روي مرفوعًا. مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٩٨)، حادي الأرواح (٨٣٨). وقد أخرج هذا المرفوع الحكيم الترمذي في النوادر (١/ ٣٩٠). قال ابن حجر: وهو من روايته عن شيخه عمر بن أبي عمر، وهو واهٍ. وفي سنده جنيد. (فتح الباري ١٢/ ٣٥٤). وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٣٦٢): رواه الطبراني، وفيه من لم أعرفه.
(٣) لعله يعني: أبا الدرداء. انظر: مجموع الفتاوى (٦/ ١٨٠).
(٤) (ب): «ذكرنا».
(٥) في (أ، غ): «مثل عروج»، وكلمة «مثل» مقحمة.
(٦) (ب، غ، ق، ز): «مَطالِعها».
[ ١ / ٨٥ ]
بالنوم رأت منها بحسب استعدادها. ولما كان تجرُّدها بالموت أكملَ كانت علومُها ومعارفُها هناك أكملَ.
وهذا فيه حقٌّ وباطلٌ، فلا يُرَدُّ كلُّه، ولا يُقبَل كلُّه. فإنَّ تجرُّدَ النفس يُطْلِعُها على علوم ومعارف لا تحصل بدون التجرُّد، لكن لو تجرَّدتْ كلَّ التجرد لم تطَّلِعْ على علم الله الذي [١٨ ب] بعث به رسولَه، وعلى تفاصيل ما أخبر به عن الرسل الماضية والأمم الخالية، وتفاصيل المعاد وأشراط الساعة، وتفاصيل الأمر والنهي والأسماء والصفات والأفعال وغير ذلك مما لا يُعلَم إلا بالوحي. ولكن تجرُّد النفسِ عونٌ لها على معرفة ذلك، وتلقِّيه من معدِنه أسهل وأقرب وأكثر مما يحصل للنفس المنغمسة (^١) في الشواغل البدنية.
ومِن قائلٍ: إنَّ هذه المرائي علوم يخلقها (^٢) الله في النفس ابتداءً بلا سبب. وهذا قول منكري الأسباب والحِكَم والقوى، وهو قولٌ مخالفٌ للشرع والعقل والفطرة.
ومِن قائلٍ: إنَّ الرؤيا أمثالٌ مضروبةٌ يضربها الله للعبد بحسب استعداده وإلْفهِ، على يدِ ملَك الرؤيا. فمرةً يكون مثلًا مضروبًا، ومرةً يكون نفسَ ما رآه الرائي، فيطابق الواقعَ مطابقةَ العلم لمعلومه. وهذا أقربُ من القولين قبلَه، ولكن الرؤيا ليست مقصورةً عليه، بل لها أسبابٌ (^٣) أُخَر كما تقدَّم: من
_________________
(١) في جميع النسخ: «المنعمة»، وهو تصحيف لما أثبتنا من الطبعة الهندية وغيرها.
(٢) (ق): «عَلقَها»، تحريف. انظر: فتح الباري (١٢/ ٣٥٣).
(٣) ساقط من (ق).
[ ١ / ٨٦ ]
ملاقاة الأرواح وإخبارِ بعضها بعضًا (^١)، ومن إلقاءِ المَلَكِ (^٢) في القلب والرُّوع، ومن رؤيةِ الروح للأشياء مكافحةً بلا واسطة.
وقد ذكر أبو عبد الله ابن منده الحافظ في كتاب «النفس والروح» من حديث محمد بن حُميد، ثنا عبد الرحمن بن مَغْراء الدَّوْسي (^٣)،
ثنا الأزهرُ بن عبد الله الأزدي، عن محمد بن عجلان، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه قال: لقي عمرُ بن الخطاب عليَّ بن أبي طالب، فقال له: يا أبا حسن، ربما شهدتَ وغِبنا، وشهدنا وغِبتَ. ثلاثٌ أسألُك عنهن، فهل عندك منهن علم؟ فقال عليُّ بن أبي طالب: وما هنَّ؟ فقال: الرجل يحبُّ الرجلَ ولم يرَ منه خيرًا، والرجلُ يبغضُ الرجلَ ولم يرَ منه شرًّا. فقال عليٌّ: نعم، سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «إنَّ الأرواحَ جنودٌ مُجنَّدةٌ تلتقي في الهواء، فتَشَامُّ (^٤)، فما تعارفَ منها ائتلفَ، وما تناكرَ منها اختلفَ». فقال عمر: واحدة.
قال عمر: والرجل: يحدَّث الحديثَ إذا نَسِيَه، فبينا هو قد نَسِيَه (^٥) إذ ذكَره. فقال: نعم، سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «ما في القلوب قلبٌ [١٩ أ] إلا
_________________
(١) (ن): «وإخبار لبعض».
(٢) كذا في (ب، ن، ج). وفي غيرها: «الملك الذي». وفي (ق): «التقاء».
(٣) كذا في (ب)، وهذا هو الصواب. وفي (ن، ج): «عبد الرحمن بن معن»، وهو وهمٌ مشهور. انظر: تقريب التهذيب (٣٥٠). ولكن في الأصل: «أبو عبد الرحمن بن معن»، وفي (ق، ط، ز): «أبو عبد الرحمن ابن مغراء» فهل سقط «زهير» بعد «أبو»؟ فإن عبد الرحمن يكنى بأبي زهير.
(٤) وفي حديث ابن مسعود كما سيأتي: «فتشامُّ كما تشامُّ الخيلُ». أي يشَمُّ بعضُها بعضًا. ومنه قولك: شاممتُ فلانًا، إذا دنوتَ منه، وتعرَّفتَ ما عنده. انظر: لسان العرب (شمم ١٢/ ٣٢٦).
(٥) (أ، ق، غ، ز): «هو ومن نسيه».
[ ١ / ٨٧ ]
وله سحابةٌ كسحابةِ القمر، بينا القمرُ مضيء إذ تجلَّلتْه (^١) سحابةٌ فأظلمَ، إذ تجلَّتْ فأضاء. وبينا القلبُ يتحدث إذ تجلَّلته سحابةٌ فنسي، إذ تجلَّتْ (^٢) عنه فيذكر (^٣)». قال عمرُ: اثنتان.
قال: والرجلُ يرى الرؤيا، فمنها ما يصدُق ومنها ما يكذِب. فقال: نعم، سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «ما مِن عبدٍ ينام يتملَّى نومًا (^٤) إلا عُرِجَ بروحه إلى العرش. فالذي لا يستيقظ دون العرش، فتلك الرؤيا التي تصدق. والذي يستيقظ دون العرش، فهي التي تكذب». فقال عمرُ: ثلاثٌ كنتُ في طلبهنَّ، فالحمد لله الذي أصبتُهنَّ قبل الموت (^٥).
_________________
(١) أي غشيته. وفي الأصل: «تخللته»، تصحيف.
(٢) الأصل: «انجلت».
(٣) كذا في جميع النسخ، والسياق يقتضي: «فتذكر» أو «فذكر» كما في الأوسط (٥٢٢٠) وغيره.
(٤) أي ينام طويلًا. وفي (أ، ن، غ): «يمتلئ».
(٥) أخرجه العقيلي في الضعفاء (١/ ١٣٥)، والطبراني في الأوسط (٥٢٢٠)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٣٩٦، ٣٩٧)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ١٩٦) من طرق عن ابن مغراء بإسناده، وهو بتمامه عند الطبراني. واقتصر العقيلي على الحديث الأول، وأبو نعيم على الثاني، والحاكم على الثالث. وضعَّفه العراقي في تخريجه أحاديث الإحياء (١٢٢٠). ولما سكت عنه الحاكم تعقبه الذهبي بقوله: «حديث منكر، لم يصححه المؤلف، وكأنّ الآفة من أزهر». وقال الهيثمي في المجمع (١/ ١٦٢): «فيه أزهر بن عبد الله، قال العقيلي: «حديثه غير محفوظ عن ابن عجلان، وهذا الحديث يعرف من حديث إسرائيل عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي موقوفًا». وبقية رجاله ثقات». وكذا أعلَّه بالوقف أيضًا ابن عبد الهادي في الصارم المنكي (٣٠١). والحديث الأول يغني عنه حديث أبي هريرة ﵁ في صحيح مسلم (٢٦٣٨)، والبخاري (٣٣٣٦) تعليقًا من حديث عائشة ﵂، وسيأتي عند المؤلف. (قالمي).
[ ١ / ٨٨ ]
وقال بقية بن الوليد: ثنا صفوان بن عمرو، عن سُليم بن عامر الحضرمي قال: قال عمر بن الخطاب: عَجِبتُ لرؤيا الرجل يرى الشيء، لم يخطُرْ له على بال، فيكون (^١) كأخذٍ بيد. ويرى الشيء، فلا يكون شيئًا. فقال عليُّ بن أبي طالب: يا أميرَ المؤمنين، يقول الله ﷿: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: ٤٢].
قال: والأرواحُ يُعرَجُ بها في منامها، فما رأتْ وهي في السماء فهو الحقُّ، فإذا رُدَّتْ إلى أجسادها تلقَّتْها الشياطين في الهواء، فكذَبتْها، فما رأتْ من ذلك فهو الباطل.
قال: فجعل عمرُ يتعجَّب من قول عليٍّ (^٢).
قال ابن منده: هذا خبر مشهور عن صفوان بن عمرو وغيره، ورُوي عن أبي الدرداء.
وذكر الطبراني (^٣) من حديث عليِّ بن أبي طلحة، أنَّ عبد الله بن عباس
_________________
(١) (ب، ط): «ويكون».
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٨٣٩٨) وابن مردويه. انظر: الدر المنثور (٧/ ٢٣١).
(٣) لم أجده في معاجمه المطبوعة. وفي بعضها نقص. وقد يكون أخرجه في كتاب الرؤيا له.
[ ١ / ٨٩ ]
قال لعمر بن الخطاب: يا أميرَ المؤمنين، أشياء أسألك عنها. قال: سَلْ عما شئتَ. قال: يا أميرَ المؤمنين، مِمَّ يذكرُ الرجلُ؟ ومِمَّ ينسى؟ وممَّ تصدقُ الرؤيا؟ ومِمَّ تكذبُ؟
فقال له عمر: إنَّ على القلب طَخَاءةً كطخاءة القمر (^١)، فإذا تغشَّت القلب نسي ابنُ آدم، فإذا انجلتْ ذكَر ما كان نسِي. وأمَّا مِمَّ تصدقُ الرؤيا، ومِمَّ تكذب؛ فإنَّ اللهَ ﷿ يقول: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾. فمن دخل منها في ملكوت السماء فهي التي [١٩ ب] تصدقُ، وما كان منها دون ملكوتِ السماء فهي التي تكذب (^٢).
وروى ابنُ لهيعة عن عثمان بن نُعيم الرُّعيني، عن أبي عثمان الأصبحي، عن أبي الدرداء قال: إذا نام الإنسان (^٣) عُرِجَ بروحه حتى يُؤتى بها العرش، فإن كان طاهرًا أُذِنَ لها بالسجود، وإن كان جنبًا لم يُؤذنْ لها بالسجود (^٤).
وروى جعفر بن عون عن إبراهيم الهجَري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود أنه قال: إنَّ الأرواحَ جنودٌ مجندةٌ تتلاقى، فتَشامُّ كما تشامّ الخيلُ، فما تعارفَ منا ائتلفَ، وما تناكرَ منها اختلفَ (^٥).
ولم يزل الناسُ قديمًا وحديثًا تعرفُ هذا وتشاهِدهُ. قال جميل بن مَعمَر
_________________
(١) الطخاءة: الغشاء والظلمة والغيم.
(٢) أورده الحكيم في نوادر الأصول (١/ ١٦٩) عن ابن عباس.
(٣) (ن): «الرجل».
(٤) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١٢٤٥). وانظر: نوادر الأصول للحكيم (٣/ ٢٢٠).
(٥) أخرجه البيهقي في الشعب (٩٠٣٨).
[ ١ / ٩٠ ]
العُذْري (^١):
أظَلُّ نهاري مُستهامًا وتلتقي مع الليل روحي في المنام وروحُها (^٢)
فإن قيل: فالنائمُ يرى غيره من الأحياء يُحدِّثه ويخاطبه، وربما كان بينهما مسافة بعيدة، ويكون المرئيُّ يقظانَ، روحُه لم تفارق جسدَه، فكيف التقت روحاهما؟
قيل: هذا إما أن يكون مثلًا مضروبًا، ضربه ملكُ الرؤيا للنائم (^٣)، أو يكون حديثَ نفس من الرائي تجرَّد له في منامه، كما قال حبيبُ بن أوس (^٤):
سَقيًا لِطَيفِكَ مِن زَورٍ أتاكَ به حديثُ نفسِك عنه وهو مشغولُ (^٥)
_________________
(١) (ط): «العدوي». (ز): «العبدري». وكلاهما تحريف. و«العذري» ساقط من (ن). وفي (ب) تحرف «جميل» إلى «علي».
(٢) ديوان جميل (٥١).
(٣) «للنائم» ساقط من (ن).
(٤) هذا وهمٌ، فإن البيت الآتي لجِران العود النُّميري في ديوانه (١٠٠) عن منتهى الطلب. وسبب الوهم أن بيت النميري يُذكر مع قول أبي تمام: عادك الزَّورُ ليلةَ الرَّعْلِ مِن رَمْـ ـلَةَ بين الحِمَى وبين المَطالي نَمْ فما زارك الخيالُ ولكنْـ نَكَ بالفكر زُرتَ طيفَ الخيالِ للدلالة على أنّه أخذ معناه من قول النُّمَيري. وقال أبو تمام أيضًا: استزارته فكرتي في المنامِ فأتاني في خُفيةٍ واكتتامِ انظر: الموازنة للآمدي (٢/ ١٦٨).
(٥) «لطيفك»: كذا في (ن) والموازنة. وفي النسخ الأخرى: «لضيفك». وفي الديوان: «لِزَورك».
[ ١ / ٩١ ]
انتفاع الناس بالمنامات
وقد تتناسب الرُّوحانِ وتشتدُّ علاقةُ إحداهما بالأخرى، فيشعر كلٌّ منهما ببعض ما يحدث لصاحبه، وإنْ (^١) لم يشعرْ بما يحدثُ (^٢) لغيره لشدة العلاقة بينهما، وقد شاهد الناس من ذلك عجائب.
والمقصود أن أرواحَ الأحياء تتلاقى في النوم، كما تتلاقى أرواحُ الأحياء والأموات.
قال بعضُ السلف: إنَّ الأرواحَ تتلاقى في الهواء، فتتعارف، وتتناكر، فيأتيها ملكُ الرؤيا بما هو لاقيها من خير أو شر. قال: وقد وكَّلَ اللهُ بالرؤيا الصادقةِ ملَكًا علَّمه وأَلهمه معرفةَ كلِّ نفس بعينها، واسمِها، ومنقلَبِها في دينها ودنياها، وطبعِها، ومعارفِها؛ لا يشتبه عليه منها شيء، ولا يغلطُ فيها، فيأتيه نسخة (^٣) من علمِ غيب الله من أُمِّ الكتاب بما هو مُصيبٌ لهذا الإنسان [٢٠ أ] من خيرٍ وشرٍّ في دينه ودنياه. ويضربُ له فيها الأمثال والأشكال على قدر عادته، فتارةً يبشِّره بخير قدَّمه أو يقدِّمه، ويُنذره من معصية ارتكبها أو هَمَّ بها، ويحذّره من مكروه انعقدتْ أسبابه؛ لِيعارض تلك الأسبابَ بأسبابٍ تدفعها، ولغير ذلك من الحِكم والمصالح التي جعلها الله في الرؤيا نعمةً منه ورحمةً وإحسانًا وتذكيرًا وتعريفًا. وجعل أحدَ طُرق ذلك تلاقيَ الأرواح وتذاكُرَها وتعارفَها.
وكم ممن كانت توبتُه وصلاحُه وزهدُه وإقبالُه على الآخرة عن منامٍ رآه أو رُئِيَ له! (^٤) وكم ممن استغنى وأصابَ كنزًا أو دفينًا عن منام!
_________________
(١) (ن): «وإنما»، وهو خطأ.
(٢) (ب، ط): «حدث».
(٣) (ن): «بنتيجة»، وكأنّه مغيَّر.
(٤) «وكم ممن رئي له» ساقط من (ن).
[ ١ / ٩٢ ]
وفي كتاب «المجالسة» (^١) لأبي بكر أحمد بن مروان المالكي عن ابن قتيبة (^٢)، عن أبي حاتم، عن الأصمعيِّ، عن المعتمر بن سليمان، عمن حدَّثه قال: خرجنا مرَّةً في سفر، وكنَّا ثلاثة نفر، فنام أحدُنا، فرأينا مثل المصباح خرج من أنفه، فدخل غارًا قريبًا منه، ثم رجع، فدخل أنفَه. فاستيقظ يمسح وجهَه، وقال: رأيتُ عجبًا، رأيتُ في هذا الغار كذا (^٣). فدخلناه، فوجدنا فيه بقيةً من كنزٍ كان (^٤).
وهذا عبد المطلب دُلَّ في النوم على زمزم، وأصاب الكنزَ الذي كان هناك (^٥).
وهذا عُمير بن وهب أُتيَ في نومه، فقيل له: قُمْ إلى موضع كذا وكذا من البيت، فاحفِرْه تَجِدْ مال أبيك. وكان أبوه قد دفَن مالًا، ومات، ولم يُوصِ به (^٦). فقام عُميرٌ من نومه، فاحتفر حيث أمره، فأصاب عشرة آلاف درهم وتِبرًا كثيرًا. فقضى دينَه، وحَسُن حالُه وحال أهل بيته. وكان ذلك عقيب إسلامه، فقالت له الصغرى من بناته: يا أبتِ، ربُّنا هذا الذي حبَانا بدِينه خيرٌ من هُبل والعزَّى! ولولا أنه كذلك ما ورَّثك هذا المالَ، وإنّما عبدتَه أيامًا قلائلَ (^٧).
_________________
(١) لم يرد هذا الخبر في المخطوطات التي اعتمد عليها ناشر «المجالسة»، فاستدركه من كتاب الروح.
(٢) الأصل: «أبي قتيبة»، تحريف.
(٣) في النسخ المطبوعة: «كذا وكذا» وأشير في حاشية (أ، ط) إلى أن في نسخة: «كنزًا».
(٤) «كان» ساقط من (ط).
(٥) سيرة ابن هشام (١/ ١٤٦).
(٦) (ب، ط، ج): «بها». وهو ساقط من (ن).
(٧) لم أجد هذا الخبر. وقد نقله المؤلف من كتاب للقيرواني العابر كما يظهر من كلامه الآتي. ولعله كتاب «البستان» الذي أحال عليه في المسألة السابعة.
[ ١ / ٩٣ ]
قال عليُّ بن أبي طالب القيرواني العابر (^١): وما حديث عُميرٍ هذا واستخراجُه المال بالمنام بأعجبَ (^٢) مما كان عندنا وشاهدناه في عصرنا بمدينتنا (^٣) من أبي محمد عبد الله (^٤) البغانشي. وكان رجلًا صالحًا مشهورًا برؤية [٢٠ ب] الأمواتِ وسؤالهم عن الغائبات ونَقْله ذلك إلى أهلهم وقراباتهم، حتى اشتهر بذلك، وكَثُر منه. فكان المرء يأتيه، فيشكو إليه أنَّ حميمَه (^٥) قد مات من غير وصيةٍ، وله مالٌ لا يهتدى إلى مكانه، فيَعِدُه خيرًا. ويدعو الله في ليلته، فيتراءى له الميت الموصوف، فيسأله عن الأمر، فيخبره به.
فمن نوادره: أنّ امرأةً عجوزًا من الصالحات تُوفيت ولامرأةٍ عندها سبعة دنانير وديعة. فجاءت إليه صاحبةُ الوديعة، وشكَتْ إليه ما نزل بها، وأخبرته باسمها واسمِ الميتة صاحبتها. ثم عادتْ إليه من الغد، فقال لها: تقول لك فلانةُ: عُدِّي من سقف بيتي سبعَ خَشَبات تجدي الدنانيرَ في
_________________
(١) كُتب القيرواني هذا كانت متداولة بين أهل المغرب في عهد ابن خلدون، كما ذكر في المقدمة (١٠٠٦)، وسمّى منها «كتاب الممتع». وكانت مؤلفاته ــ وقد بلغت مائة تأليف، ومنها موطأ الموطأ ــ من مرويات ابن خير (ت ٥٧٥). انظر فهرسته (٤٤٢).
(٢) في (أ، ب، ق): «وأما حديث بأعجب» وفيه خلل. فإما أن يكون الصواب كما أثبتنا من (ط، غ)؛ أو سقطت كلمة كما في (ج): «وأما حديث [ليس] بأعجب». وفي (ز): « [ليس هو] بأعجب». وفي (ن): «وأما فأعجب»، وهو خطأ.
(٣) ساقط من (ن).
(٤) في (ن): «أبي عبد الله»، ففيها سقط.
(٥) (ق): «حميه»، وكذا كان في الأصل، فأصلح.
[ ١ / ٩٤ ]
السابعة (^١) في خِرقة صوفٍ. ففعلتْ ذلك، فوجدَتْها كما وصفَ لها.
قال: وأخبرني رجلٌ لا أظنُّ به كذبًا قال: استأجرتني امرأةٌ من أهل الدنيا على هدم دارٍ لها وبنائها بمال معلوم، فلما أخذتُ في الهدم لزمت الفَعَلة هي ومن معها (^٢). فقلت: مالك؟ قالت: والله ما لي إلى هدمِ هذه الدار من حاجةٍ، لكن أبي مات، وكان ذا يَسار كثير (^٣)، فلم نجدْ له كبيرَ (^٤) شيء، فَخِلتُ أنَّ مالَه مدفونٌ، فعمَدتُ إلى هدم الدار لعلِّي أجد شيئًا.
فقال لها بعض من حَضَرنا: لقد فاتَكِ ما هو أهونُ عليك من هذا! قالت (^٥): وما هو؟ قال: فلانٌ تمضِين إليه، وتسألينه أن يُبيِّت قصتكِ (^٦) الليلةَ، فلعله يرى أباك، فيدلّكِ على مكانِ ماله بلا تعب ولا كُلفة. فذهبتْ إليه ثم عادتْ إلينا، فزعمَتْ أنه كتب اسمَها واسمَ أبيها عنده.
فلما كان من الغد بكَّرتُ إلى العمل، وجاءت المرأة من عند الرجل، فقالت: إن الرجل قال لي: رأيتُ أباكِ وهو يقول: المال في الحَنِيَّة (^٧). قال: فجعلنا نحفِر تحت الحَنِيَّة وفي جوانبها، حتّى لاح لي شَقٌّ، وإذا المالُ فيه.
_________________
(١) «في السابعة» ساقط من (ن).
(٢) (ن): «الهدم جاء امرأة فلزمت الفعلة».
(٣) كذا بالمثلثة في (ط، ق، غ، ج). وفي غيرها مهملة.
(٤) كذا بالموحدة في (أ، ب، ط). وفي (ج، غ) بالمثلثة.
(٥) من «والله مالي » إلى هنا سقط من (ن).
(٦) (ق): «قضيتك».
(٧) الحنيّة من البناء: ما كان منحنيًا كالقوس. والحنية: الطاق، والقبو. انظر: تكملة المعاجم العربية (٣/ ٣٥٨).
[ ١ / ٩٥ ]
قال: فأخذنا في التعجب، والمرأةُ تستخِفُّ بما وجدتْ، وتقول: مال أبي كان (^١) أكثرَ من هذا! ولكنّي أعود إليه. فمضتْ، فأعلمَتْه، ثم سألته المعاودةَ.
فلما كان من الغد أَتَتْ، وقالت: إنه قال لها: إنّ إباك يقول لك: احفِري [٢١ أ] تحت الخابية (^٢) المربَّعة التي في مخزن الزيت. قال: ففتحت المخزنَ، فإذا بخابيةٍ مربَّعة في الركن، فأزلناها، وحفَرنا تحتها، فوجدنا كوزًا كبيرًا فأخذَتْه.
ثم دام بها الطمعُ في المعاودة، ففعلَتْ، فرجَعتْ من عنده، وعليها الكآبةُ. فقالت: زعم أنه رآه، وهو يقول له: قد أخذتْ ما قُدِّر لها، وأما ما بقي فقد جلسَ عليه عفريتٌ من الجنِّ يحرُسه إلى من قُدِّر له.
والحكاياتُ في هذا الباب كثيرةٌ جدًا.
وأما من حصل له الشفاءُ باستعمال دواءٍ رأى مَن وصفَه له في منامه، فكثير جدًا.
وقد حدَّثني غيرُ واحدٍ ممّن كان غيرَ مائل إلى شيخِ الإسلام ابن تيمية، أنه رآه بعد موته، وسأله عن شيء كان يُشكِل عليه من مسائل الفرائض وغيرها، فأجابه بالصواب.
وبالجملة، فهذا أمرٌ لا ينكره إلا مَن هو مِن أجهلِ الناس بالأرواح وأحكامها وشأنها. وبالله التوفيق.
_________________
(١) الأصل: «كان مال أبي». ولم ترد «كان» في (ز).
(٢) الخابية: الجرَّة الكبيرة.
[ ١ / ٩٦ ]