فصل
وأما المسألة السابعة (^١)
وهي قول السائل: ما جوابُنا للملاحدة والزنادقة المنكرين لعذاب القبر وسَعته وضِيقه، وكونِه حفرةً من حُفَر النار أو روضةً من رياض الجنة، وكونِ الميت لا يجلس ولا يقعد فيه؟
قالوا (^٢): فإنّا نكشف القبر، فلا نجد فيه ملائكة عُمْيًا صُمًّا يضربون الموتى بمطارق الحديد، ولا نجد هناك حيَّاتٍ ولا ثعابينَ ولا نيرانًا تأجَّجُ. ولو كشفنا حالَه في حالة من الأحوال لوجدناه لم يتغير. ولو وضعنا على عينيه الزئبقَ، وعلى صدره الخَرْدل، لوجدناه على حاله. وكيف (^٣) يُفسَح له مدَّ بصره، أو يُضيَّق عليه، ونحن نجده بحاله، ونجد مساحته على حدِّ (^٤) ما حفرناها، لم تزد ولم تنقص؟ وكيف يسَعُ ذلك اللحد الضيِّق له وللملائكة وللصورة التي تؤنسه أو توحشه؟
قال إخوانهم من أهل البدع والضلال (^٥): وكلُّ حديث يخالف مقتضَى [٤٠ أ] العقول والحسِّ يُقطَعُ بتخطئة ناقليه (^٦).
_________________
(١) «فصل وأما» لم يرد في (ن). ثم فيها وفي (ق): «المسألة الثامنة» لترقيم المسألة السابقة بالسابعة.
(٢) قارن بتذكرة القرطبي (٣٧١).
(٣) (ق): «فكيف».
(٤) (ب، ط، ن، ج): «قدر». والمثبت من غيرها موافق للتذكرة.
(٥) في التذكرة (٣٧٣): «فإن قالوا». وفي (ب، ط، ح): «الضلال والبدع».
(٦) (أ، ق، غ): «قائله». والمثبت من غيرها موافق للتذكرة.
[ ١ / ١٨١ ]
الأمر الأول من الأمور التي يعلم بها الجواب: أخبار الرسل قسمان
قالوا (^١): ونحن نرى المصلوب على خشبته (^٢) مدةً طويلة، لا يسأل ولا يجيب، ولا يتحرّك، ولا يتوقَّد جسمُه نارًا؛ ومن افترسته السباع، ونهشَتْه (^٣) الطيور، وتفرّقت أجزاؤه في أجواف السباع، وحواصل الطيور (^٤)، وبطون الحيتان (^٥)، ومدارج الرياح= كيف تُسأَلُ أجزاؤه مع تفرُّقها؟ وكيف يُتصوَّر مسألةُ (^٦) الملكين لِمَن هذا وصفُه؟ وكيف يصير القبر على هذا روضةً من رياض الجنة أو حفرةً من حفر النار؟ وكيف يضيق عليه حتى تلتئم أضلاعه؟
ونحن نذكر أمورًا يُعلم بها الجواب:
الأمر الأول (^٧): أن يُعلَم أنّ الرسل صلوات الله وسلامه عليهم لم يخبروا بما تُحيله العقول، وتقطع باستحالته. بل أخبارهم قسمان:
أحدهما: ما تشهد به العقول والفِطَر (^٨).
الثاني: ما لا تدركه العقول بمجرَّدها، كالغيوب التي أخبروا بها عن تفاصيل البرزخ واليوم الآخر، وتفاصيل الثواب والعقاب.
_________________
(١) قارن بالتذكرة (٣٧٣ ــ ٣٧٤).
(٢) (ق، ن، ز): «خشبةٍ». (ط): «الخشبة».
(٣) في (ق) كتب فوق الشين «معًا» يعني بالمهملة والمعجمة كلتيهما.
(٤) ما عدا (ق، ز): «حواصل السباع وأجواف الطيور».
(٥) ما عدا (ب، ط، ط): «الحيّات». وفي التذكرة: «أجواف الطير، وبطون الحيتان، وحواصل الطير».
(٦) (ب): «تتصور مساءلة».
(٧) «الأمر» ساقط من (ب).
(٨) (ق، ن، ز، غ): «الفطن»، تصحيف.
[ ١ / ١٨٢ ]
فصل: الأمر الثاني: أن يفهم عن الرسول - ﷺ - مراده من غير غلو ولا تقصير
ولا يكون خبرهم مُحالًا في العقول أصلًا. وكلُّ خبر يُظَنُّ (^١) أنَّ العقل يُحيله، فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون الخبر كذبًا عليهم، أو يكون ذلك العقلُ فاسدًا. وهو شبهة خيالية يظنُّ صاحبُها أنَّها معقول صريح. قال تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [سبأ: ٦]. وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ [الرعد: ١٩].
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ [الرعد: ٣٦]. والنفوس لا تفرح بالمحال.
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٧، ٥٨]. والمحال لا يَشفي، ولا يحصل به هدًى ولا رحمةٌ، ولا يُفرَح (^٢) به.
فهذا أمرُ مَن لم يستقرَّ في قلبه خيرٌ، ولم يثبُتْ له على الإسلام قدمٌ، وكان أحسن أحواله الحيرة والشكّ.
فصل
الأمر الثاني (^٣): أن يُفهَم عن الرسول - ﷺ - مرادُه من غير [٤٠ ب] غلُوٍّ ولا
_________________
(١) (ق): «نظن». وهو مضبوط في (ط).
(٢) (ط): «فلا يفرح».
(٣) أورد أوله شارح الطحاوية (٣٩٦) بشيء من التصرف دون إشارة إلى ابن القيم.
[ ١ / ١٨٣ ]
تقصير، فلا يُحمَّلَ (^١) كلامُه ما لا يحتمله، ولا يُقَصَّرَ به عن مراده وما قصَدَه من الهدى والبيان.
وقد حصل بإهمال ذلك والعدول عنه من الضلال والعدول عن الصواب ما لا يعلمه إلا الله. بل سوءُ الفهم عن الله ورسوله أصلُ كلِّ بدعة وضلالة نشأت في الإسلام، بل هو أصلُ كل خطأ في الأصول والفروع؛ لا سيَّما إن أضيف إليه سوءُ القصد، فيتفق سوءُ الفهم في بعض الأشياء من المتبوع مع حُسْن قَصْده، وسوءُ القصد من التابع (^٢). فيا محنةَ الدين وأهلهِ! والله المستعان.
وهل أوقع القدريَّة والمرجئةَ والخوارجَ والمعتزلةَ والجهميةَ والرافضةَ وسائرَ طوائف أهل البدع إلا سوءُ الفهم عن الله ورسوله، حتى صار الدين بأيدي أكثرِ الناس (^٣) هو مُوجَبَ هذه الأفهام! والذي فهمه الصحابةُ ومن تَبِعهم عن الله ورسوله، فمهجورٌ لا يُلتفَت إليه، ولا يَرفع هؤلاء به رأسًا!
ولكثرة أمثلة هذه القاعدة تركناها، فإنَّا لو ذكرناها لزادت على عشرة ألوفٍ (^٤)؛ حتّى إنّك لتمرُّ على الكتاب من أوله إلى آخره، فلا تجدُ صاحبَه فَهِمَ عن الله ورسوله مرادَه كما ينبغي في موضع واحد!
وهذا إنما يعرفه من عَرَف ما عند الناس، وعَرَضه على ما جاء به الرسول. وأما مَن عَكَس الأمرَ بعرض ما جاء به الرسول على ما اعتقده،
_________________
(١) (ط): «ولا يحمل».
(٢) وانظر: الصواعق المرسلة (٥٠٧)، ومجموع الفتاوى (١٦/ ٣١٠).
(٣) في (أ، غ): «أكثر أهل الناس»!
(٤) ما عدا (أ، ق، غ): «عشرات ألوف».
[ ١ / ١٨٤ ]
فصل: الأمر الثالث: الدور ثلاثة: الدنيا والبرزخ ودار القرار، ولكل دار أحكام مختصة بها
وانتحله، وقلَّد فيه مَن أحسَنَ به الظنَّ (^١)؛ فليس يُجدي الكلامُ معه شيئًا. فدعه وما اختاره لنفسه، وولِّه ما تولَّى، واحمَدِ الذي عافاك مما ابتلاه به.
فصل
الأمر الثالث (^٢): أنّ الله سبحانه جعل الدُّورَ ثلاثةً: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار؛ وجعل لكلِّ دار أحكامًا تختصُّ بها. وركَّب هذا الإنسان من بدن ونفس، وجعل أحكام دار الدنيا على الأبدان، والأرواحُ تبعٌ (^٣) لها. ولهذا جعل أحكامه الشرعيةَ مرتَّبةً على ما يظهر من حركات اللسان والجوارح، وإن أضمَرت النفوسُ خلافَه. وجعل أحكام البرزخ على الأرواح، والأبدانُ تبعٌ لها. فكما تبعت الأرواحُ الأبدانَ في أحكام الدنيا، فتألمت بألمها، والتذَّت [٤١ أ] براحتها، وكانت هي التي باشرت أسباب النعيم والعذاب= تبعت الأبدانُ الأرواحَ في نعيمها وعذابها، والأرواح حيئنذ هي التي تباشر (^٤) العذاب والنعيم.
فالأبدان هنا ظاهرة، والأرواح خفية، والأبدان كالقبور لها. والأرواحُ هناك ظاهرة، والأبدان خفية في قبورها. تجري أحكام البرزخ على الأرواح،
_________________
(١) (ن): «الظن به».
(٢) لخَّصه شارح الطحاوية مضيفًا إليه جملة من الأمر الرابع (٣٩٦) دون إشارة إلى ابن القيم.
(٣) هنا وفيما يأتي غيّره بعض القراء في (أ، ن) إلى «تبعًا»، وكذا في (غ) والنسخ المطبوعة وهو خطأ.
(٤) كان في الأصل: «باشرت»، فضرب بعضهم على التاء، وزاد تاءً قبل الباء ليقرأ: «تباشر». وفي (ق): «تباشرت»، كأن ناسخها جمع بين الصيغتين.
[ ١ / ١٨٥ ]
فتسري إلى أبدانها نعيمًا أو عذابًا، كما تجري أحكام الدنيا على الأبدان، فتسري إلى أرواحها نعيمًا أو عذابًا.
فأحِطْ بهذا الموضع علمًا، واعرِفْه كما ينبغي، يزيل (^١) عنك كلَّ إشكالٍ يُورَد عليك من داخل وخارج.
وقد أرانا الله سبحانه بلطفه ورحمته وهدايته من ذلك أنموذجًا في الدنيا من حال النائم، فإنَّ ما يُنَعَّم به أو يُعذَّب في نومه يجري على روحه أصلًا، والبدنُ تبع له؛ وقد يقوى حتى (^٢) يؤثرَ في البدن تأثيرًا مشاهَدًا، فيَرى النائم في نومه (^٣) أنه ضُرِب، فيُصبح، وأثرُ الضرب في جسمه. ويرى أنه قد أكل أو شرب، فيستيقظ، وهو يجد أثر الطعام والشراب في فيه، ويذهب عنه الجوع والظمأ.
وأعجبُ من ذلك أنك ترى النائم يقوم في نومه (^٤)، ويضربُ، ويبطِش، ويدافع، كأنه يقظانُ، وهو نائم لا شعور له بشيء من ذلك. وذلك (^٥) أنَّ الحكمَ لمَّا جرى على الروح استعانت بالبدن من خارجه، ولو دخلت فيه لاستيقظ وأحسَّ.
فإذا كانت الروح تتألَّم وتنعَم (^٦) ويصل ذلك إلى بدنها بطريق الاستتباع،
_________________
(١) كذا غير مجزوم في جميع النسخ. وقد سبق نحوه في (ص ١٢٥).
(٢) (ق): «حين»، تحريف.
(٣) «في نومه» ساقط من (ن).
(٤) ما عدا (أ، ز، غ): «من نومه».
(٥) «وذلك» استدرك في حاشية الأصل عند المقابلة. ولم يرد في (ز). وفي غيرهما: «لأن» في موضع «وذلك أن».
(٦) ضبط في (ط) بضم التاء وتشديد العين. وفي النسخ المطبوعة: «تتنعم».
[ ١ / ١٨٦ ]
فصل: الأمر الرابع: أن الله سبحانه حجب الآخرة عن إدراك المكلفين في هذه الدار، وذلك من كمال حكمته
فهكذا في البرزخ، بل أعظم، فإنَّ تجرُّدَ الروح هناك أكملُ (^١) وأقوى وهي متعلقة ببدنها لم تنقطع عنه كلَّ الانقطاع. فإذا كان يومُ حشر الأجساد وقيامِ الناس من قبورهم، صار الحكم والنعيم والعذاب على الأرواح والأجساد ظاهرًا باديًا أصلًا.
ومتى أعطيتَ هذا الموضع حقَّه تبيَّن لك أنّ ما أخبر به الرسول - ﷺ - من عذاب القبر ونعيمه، وضيقه وسعته، وضمِّه، وكونه حفرةً من حفر النار، أو روضةً من رياض الجنة مطابقٌ للعقل، وأنَّه حقٌّ لا مِريَة فيه، وأنَّ مَن أشكَلَ عليه ذلك فمن سوء فهمه وقلة علمه أُتيَ، كما قيل [٤١ ب]:
وكم مِن عائبٍ قولًا صحيحًا وآفَتُه من الفهمِ السَّقيمِ (^٢)
وأعجبُ من ذلك أنك تجد النائمَين (^٣) في فراش واحد، وهذا روحُه في النعيم، ويستيقظ وأثرُ النعيم على بدنه. وهذا روحُه في العذاب، ويستيقظ وأثرُ العذاب على بدنه. وليس عند أحدهما خبرٌ بما عند الآخر. فأمرُ البرزخ أعجبُ من ذلك.
فصل (^٤)
الأمر الرابع: أنَّ الله سبحانه جعل أمر الآخرة وما كان متصلًا بها غيبًا، وحَجَبها عن إدراك المكلَّفين في هذه الدار. وذلك من كمال حكمته،
_________________
(١) (ق): «أجمل»، تصحيف.
(٢) للمتنبي في ديوانه بشرح الواحدي (٣٣٩).
(٣) ما عدا (أ، ق، غ): «نائمين».
(٤) «فصل» لم يرد في (ن).
[ ١ / ١٨٧ ]
نزول الملائكة على المحتضر
ولِيتميَّزَ المؤمنون بالغيب من غيرهم.
فأولُ ذلك أنَّ الملائكة تنزل على المحتضَر، وتجلس قريبًا منه، ويشاهدهم عِيانًا. ويتحدثون عنده، ومعهم الأكفانُ والحَنُوط، إما من الجنة أو من النار؛ ويؤمِّنون على دعاء الحاضرين بالخير أو الشر. وقد يسلِّمون على المحتضَر، ويردُّ عليهم تارةً بلفظه، وتارةً بإشارته، وتارةً بقلبه حيث لا يتمكن من نطق ولا إشارة (^١).
وقد سُمِع بعضُ المحتضَرين يقول: أهلًا وسهلًا ومرحبًا بهذه الوجوه!
وأخبرني شيخنا عن بعض المحتضَرين، فلا أدري أشاهدَه أو أُخبر عنه، أنَّه سُمِع، وهو يقول: عليك السلام (^٢)، هاهنا فاجلس، وعليك السلام، هاهنا فاجلس.
وقصة خيرٍ النَّسَّاجِ مشهورة، حيث قال عند الموت: اصبِرْ ــ عافاك الله ــ فإنَّ ما أُمِرتَ به لا يفوت، وما أُمِرتُ به يفوت. ثم استدعى بماء، فتوضأ، وصلَّى، ثم قال: امض لما أُمِرتَ به، ومات (^٣).
وذكر ابن أبي الدنيا (^٤) أنَّ عمر بن عبد العزيز لمَّا كان في يومه الذي
_________________
(١) ما عدا (أ، ق، غ): «وإشارة».
(٢) (ط، ن): «وعليك السلام». وفي (ب، ج) جاءت «وعليك فاجلس» مرة واحدة.
(٣) انظر: طبقات الصوفية (٣٢٣)، وحلية الأولياء (١٠/ ٣٠٧)، والرسالة القشيرية (٤٣٧) والعاقبة (٢٢٧). وخير النسّاج من الزهاد الكبار، صَحِب الجنيد وأبا حمزة البغدادي. توفي سنة ٣٢٢. سير أعلام النبلاء (١٥/ ٢٦٩).
(٤) في المحتضرين (٨٨).
[ ١ / ١٨٨ ]
مات فيه قال: أجلِسوني. فأجلَسوه، فقال: أنا الذي أمرتَني فقصَّرتُ، ونهيتَني فعصيتُ ــ ثلاثَ مرات ــ ولكن لا إله إلا الله. ثم رفع رأسه، فأحدَّ النظر. فقالوا: إنّك لتنظر نظرًا شديدًا يا أمير المؤمنين! فقال: إني لأرى حَضرةً ما هم بإنس ولا جنّ. ثم قُبض.
وقال مَسْلَمة بن عبد الملك: لما احتُضِر عمرُ بن عبد العزيز كنَّا عنده في قبةٍ، فأومأ إلينا أن اخرجوا. فخرجنا، [٤٢ أ] فقعدنا حول القبة، وبقي عنده وصيف، فسمعناه يقرأ هذه الآية: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣] ما أنتم بإنس ولا جانٍّ. ثم خرج الوصيف، فأومأ إلينا أن ادخلوا. فدخلنا (^١) فإذا هو قد قُبض (^٢).
وقال فَضَالة بن دينار: حضرتُ محمد بن واسع، وقد سُجِّي للموت، فجعل يقول: مرحبًا بملائكة ربِّي، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وشمِمْتُ رائحةً طيبةً لم أشَمَّ رائحةً (^٣) قطُّ أطيبَ منها. ثم شَخَص ببصره (^٤)، فمات (^٥).
والآثار في ذلك أكثرُ من أن تُحصَر، وأبلغ. ويكفي من ذلك كلِّه قولُ الله ﷿: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ
_________________
(١) «فدخلنا» ساقط من (ن).
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في المحتضرين (٨٩).
(٣) من (أ، غ).
(٤) زاد في الأصل: «إلى السماء» وكتب فوقها: «لا» أولها و«إلى» آخرها.
(٥) أخرجه ابن أبي الدنيا في المحتضرين (١٩٣).
[ ١ / ١٨٩ ]
فصل: الأمر الخامس: نار القبر وخضرته ليست من نار الدنيا وزراعتها
إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٣ ــ ٨٥]. أي: أقرب إليه بملائكتنا ورُسُلنا، ولكنكم لا ترونهم. فهذا أول الأمر، وهو غير مرئيّ لنا (^١) ولا مشاهَد، وهو في هذه الدار.
ثم يمُدُّ الملَكُ يدَه إلى الروح، فيقبضُها، ويخاطبها. والحاضرون لا يرونه، ولا يسمعونه. ثم تخرج، فيخرج لها نور مثلُ شعاع الشمس، ورائحةٌ أطيب من رائحة المسك. والحاضرون لا يرون ذلك، ولا يشَمُّونه. ثم تصعد بين سِماطَين من الملائكة، والحاضرون لا يرونهم. ثم تأتي الروح فتشاهِد (^٢) غسلَ البدن وتكفينَه وحملَه، وتقول: قدِّموني، قدِّموني، أو إلى أين تذهبون بي؟ ولا يسمع (^٣) الناس ذلك.
فإذا وُضِع في لحده، وسُوِّي عليه التراب؛ لم يحجب الترابُ الملائكة (^٤) عن الوصول إليه. بل لو نُقِر له حجرٌ، فأودع فيه، وخُتِم عليه بالرصاص؛ لم يمنع وصولَ الملك (^٥)، إليه. فإن هذه الأجسام الكثيفة لا تَمنَعُ خرق الأرواح لها. بل الجنُّ لا يمنعها ذلك. بل قد جعل الله سبحانه الحجارة والتراب للملائكة بمنزلة الهواء للطير. واتساعُ القبر وانفساحُه للروح بالذات، والبدنِ تَبَعًا، فيكون البدن في لحدٍ أضيقَ من ذراع، وقد فُسِح له مَدَّ بصره تبعًا لروحه.
_________________
(١) «لنا» ساقط من (ن).
(٢) (ب، ط، ن): «وتشاهد».
(٣) (ق): «فلا يسمع».
(٤) (ن): «الملائكة الترابُ».
(٥) (ط): «الملائكة».
[ ١ / ١٩٠ ]
وأما عَصْرةُ القبر حتى تختلف بعضُ أضلاع الموتى، فلا يردُّه حِسٌّ ولا عقل ولا فطرة. ولو قُدِّر أنَّ أحدًا نبش عن ميِّت، فوجد أضلاعه كما هي لم تختلف [٤٢ ب]، لم يمنع (^١) أن تكون قد عادت إلى حالها بعد العصرة (^٢). فليس مع الزنادقة والملاحدة إلا مجرَّدُ تكذيب الرسول.
ولقد أخبَرَ بعضُ الصادقين (^٣) أنَّه حفر ثلاثة أقْبُر، فلما فرغ منها اضطجع ليستريح، فرأى فيما يرى النائم ملَكَين نزلا، فوقفا على أحد الأقبر، فقال أحدهما لصاحبه: اكتب فرسخًا في فرسخ. ثم وقفا على الثاني، فقال: اكتب ميلًا في ميل. ثم وقفا على الثالث، فقال: اكتب فِتْرًا في فتر. ثم انتبه، فجيء برجل غريب لا يُؤْبَه له، فدُفن في القبر الأول. ثم جيء برجل آخر، فدفن في القبر الثاني. ثم جيء بامرأة مُترَفة من وجوه البلد حولها ناس كثير، فدُفِنتْ في القبر الضيِّق الذي سمعتُه (^٤) يقول: فِتْرًا في فِتْر. والفِتْر: ما بين الإبهام والسبَّابة.
_________________
(١) (ب، ط، ن، ج): «لم يمتنع».
(٢) (ب، ط، ن، ج): «العصر».
(٣) (ط): «الصالحين». وقد نقل المصنف هذه القصة بنصها من تذكرة القرطبي (٣٨٧) ولكن سياقه مختلف عن سياق المصنف. قال القرطبي: «سمعتُ بعض علمائنا يقول: إن حفّارًا كان بقرافة مصر يحفر القبور، فحفر ثلاثة أقبر ». فالعالم الذي أخبر بالقصة لم يكن حفَّارًا، ولا صرَّح بأنه سمع القصة من الحفّار نفسه.
(٤) (ب): «سمعه». وهو مقتضى السياق، ولكن يظهر أن ناسخها أصلح ما في سائر النسخ. هذا، وفي التذكرة: «سَعتُه فِترًا في فِتر» (كذا).
[ ١ / ١٩١ ]
إذا شاء الله أطلع بعض عباده على شيء من عذاب القبر
فصل
الأمر الخامس (^١): أنَّ النار التي في القبر والخُضْرة (^٢) ليست (^٣) من نار الدنيا ولا من (^٤) زرع الدنيا، فيشاهدَه مَن شاهد نار الدنيا وخُضرَتها. وإنما هي (^٥) من نار الآخرة وخضرتها، وهي (^٦) أشدُّ من نار الدنيا. ولا يحسُّ به أهل الدنيا، فإن الله سبحانه يُحْمي عليه ذلك الترابَ والحجارة التي عليه وتحته حتى يكون أعظمَ حرًّا من جمر الدنيا. ولو مسَّها أهل الدنيا لم يحسُّوا بذلك.
بل أعجبُ من هذا أنَّ الرجلين يُدفنان، أحدُهما إلى جنب الآخر، وهذا في حفرة من حُفَر النار، لا يصل حرُّها إلى جاره. وذلك في روضة من رياض الجنة، لا يصل رَوْحُها ونعيمُها إلى جاره.
وقدرة الربِّ تعالى أوسع وأعجب من ذلك. وقد أرانا من آيات قدرته في هذه الدار ما هو أعجبُ من ذلك بكثير، ولكنَّ النفوس مولعة بالتكذيب بما لم تُحِط به علمًا، إلا من وفَّقه الله وعصمه. فيفرَش للكافر لوحان من نار، يشتعل عليه قبرُه بهما كما يشتعل التنور. فإذا شاء الله سبحانه أن يُطلِع على ذلك بعضَ عَبيده (^٧) أطلعه، وغيَّبه عن غيره؛ إذ لو اطَّلع عليه العباد
_________________
(١) لخَّصه شارح الطحاوية (٣٩٦) دون إشارة إلى المصنف.
(٢) في (ب، ج) هنا وفيما يلي: «خَضِر» مكان «الخضرة».
(٣) (ب، ط): «ليس».
(٤) هنا وقع خرم كبير في (ز) امتدَّ إلى المسألة التاسعة عشرة.
(٥) (ب، ط، ج): «هو».
(٦) (أ، ب، ط، ج): «هو».
(٧) (ب، ط، ن، ج): «عباده».
[ ١ / ١٩٢ ]
كلُّهم لزالت حكمةُ (^١) التكليف والإيمان بالغيب، ولما تدافَنَ الناس، كما في الصحيح (^٢) عنه - ﷺ -: «لولا أن تدافنوا لدعوتُ الله أن يُسمِعَكم من عذاب القبر [٤٣ أ] ما أسمع».
ولما كانت هذه الحكمة منفيَّةً في حقّ البهائم سمعت ذلك وأدركته (^٣)، كما حادت برسول الله - ﷺ - بغلتُه، وكادت تُلقِيه لمّا مرَّ بمن يُعذب في قبره (^٤).
وحدَّثني صاحبنا أبو عبد الله محمد بن الرُّزَيز (^٥) الحَرَّانيُّ أنه خرج من
_________________
(١) في جميع النسخ: «كلمة» غير الأصل التي يحتمل رسمها قراءة «حكمة»، وهي الصواب.
(٢) (أ، ق، غ): «الصحيحين» والحديث في صحيح مسلم، وقد سبق.
(٣) (ق): «فأدركته».
(٤) جزء من الحديث السابق.
(٥) كذا في (أ، غ) بالراء والزاي مكررةً. وضبط بعض قراء (غ) بضم الراء وفتح الزاي مصغَّرًا. وهذا هو الصواب. وقد نصّ عليه في تبصير المنتبه (٦٤٢) وتوضيح المشتبه (٤/ ٢٩٤). وفي (ق): «رزين». وفي النسخ الأخرى والبداية والنهاية (١٨/ ١٧٩، ٤٥٨) والدارس (٢/ ٤١٧، ٤١٨): «الوزير»، وكلاهما تصحيف. وهو محمد بن عبد الواحد بن يوسف الحرّاني الآمدي (في البداية والنهاية: «الأسدي»، تحريف) الحنبلي. نعته ابن كثير بـ «الإمام العالم العابد الناسك الصالح خطيب الجامع الكريمي بالقُبيبات»، وأرخ وفاته في ١٧ شعبان من سنة ٧٤٣. وقد ضبط في السحب الوابلة (٩٩٤): «الرَّزيز» مكبّرًا، وقال محققه: «ولم أجده في مصدر آخر ــ يعني غير الدرر الكامنة (٤/ ٣٥) - لذا لا نحسن ضبط الرزيز» ومن ثم لم يقف على الصواب في تاريخ وفاته أيضًا، فاكتفى بالنقل من حاشية الدرر: «مات في رجب سنة ٧٩٦ هـ» مع التنبيه على أن الحافظ لم يذكره في وفياتها في إنباء الغمر.
[ ١ / ١٩٣ ]
داره بعد العصر بآمِدَ إلى بستانٍ. قال: فلمّا كان قبل غروب الشمس توسطتُ (^١) القبورَ، فإذا بقبر منها، وهو جمرةُ نار مثلُ كُور الزجَّاج (^٢)، والميتُ في وسطه. فجعلتُ (^٣) أمسح عينيَّ، وأقول: أنائم أنا أم يقظانُ؟ قال: ثم التفتُّ إلى سور المدينة، وقلت: والله ما أنا بنائم. ثم ذهبت إلى أهلي، وأنا مدهوشٌ، فأتَوْني بطعام، فلم أستطع أن آكلُ. ثم دخلت البلد، فسألت عن صاحب القبر، فإذا به مَكَّاسٌ قد توفِّي ذلك اليوم (^٤).
فرؤيةُ هذه النار في القبر كرؤية الملائكة والجنِّ تقع أحيانًا لمن شاء الله أن يُريه ذلك.
وقد ذكر ابن أبي الدنيا في «كتاب القبور» (^٥) عن الشعبي أنّه ذكر
_________________
(١) (أ، غ): «توسط».
(٢) ضبطه من (غ). وكور الزجّاج: مَوقده لصهر الزجاج.
(٣) (ب، ط، ج): «وجعلت».
(٤) (ن): في ذلك اليوم. وقد نقل الحكاية من كتابنا هذا ابن رجب في أهوال القبور (٦٩).
(٥) برقم (٩٢)، ومن طريقه البيهقي في دلائل النبوة (٣/ ٨٩، ٩٠)، وفي سنده مجالد وهو ابن سعيد الهمداني فيه ضعف، وهو مرسل. وأخرجه ابن أبي شيبة (٣٠٤٧٨) بسنده عن مسلم (وهو ابن صُبَيْح أبو الضُّحى) نحوه ورجاله ثقات وهو مرسل أيضًا. وجاء موصولًا عن ابن عمر ﵄، رواه الطبراني في الأوسط (٦٥٦٠)، واللالكائي في أصول الاعتقاد (١٧٣٩) من طريق عبد الله بن محمد بن المغيرة، عن مالك بن مغول، عن نافع عن ابن عمر قال: «بينا أنا أسير، بجنبات بدر إذ خرج رجل من الأرض » فذكره بنحوه، وفي سنده عبد الله بن محمد بن المغيرة الكوفي نزيل مصر، له ترجمة في لسان الميزان (٣/ ٣٣٢) قال أبو حاتم: «ليس بقوي»، وقال ابن عدي: «عامة ما يرويه لا يتابع عليه». لكنه توبع على هذا الحديث، فرواه أبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ٢٥٣) من طريق جويرية بن أسماء، عن نافع، عن ابن عمر. وإسناده لا بأس به في المتابعات. وبالجملة فالحديث بمجموع طرقه حسن لغيره. والله أعلم. (قالمي).
[ ١ / ١٩٤ ]
رجلًا (^١) قال للنبي - ﷺ -: مررتُ ببدر، فرأيت رجلًا يخرج من الأرض، فيضربُه رجلٌ بمِقْمعة حتى يغيبَ في الأرض؛ ثم يخرج، فيفعل به ذلك. فقال رسول الله - ﷺ -: «ذلك أبو جهل بن هشام يُعذَّب إلى يوم القيامة».
وذكر (^٢) من حديث حماد بن سلمة، عن عمرو بن دينار، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه قال: بينا أنا أسير بين مكة والمدينة على راحلة، وأنا مُحقِبٌ (^٣) إداوةً، إذ مررت بمقبرة، فإذا رجل خارجٌ من قبره يلتهب نارًا، وفي عنقه سلسلةٌ يجرُّها. فقال: يا عبد الله انضَحْ، يا عبد الله انضح (^٤). فوالله ما أدري أعرفني باسمي، أم كما يدعو الناس. قال: فخرج آخَرُ فقال: لا عبد الله لا تنضح، يا عبد الله لا تنضح. ثم اجتذب السلسلة، فأعاده في قبره.
وقال ابن أبي الدنيا (^٥): وحدَّثني أبي، ثنا موسى بن داود، ثنا حمّاد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: بينما راكبٌ يسير بين مكة والمدينة،
_________________
(١) (ب، ط، ن، ج): «الشعبي أن رجلًا».
(٢) في كتاب القبور (٩٣).
(٣) (ن): «محتقب»، وهو بمعناه.
(٤) هذه الجملة هنا وفيما يأتي وردت في (ن) مرة واحدة. ظنّها ناسخها مكررةً. ثم فيها في الموضعين: «يا أبا عبد الله» وهو غلط. نبَّه عليه بعض القراء في حاشية النسخة.
(٥) في كتاب القبور (٩٥).
[ ١ / ١٩٥ ]
إذ مرَّ بمقبرة، فإذا برجل قد خرج من قبره، يلتهبُ نارًا، مصفَّدًا في الحديد، فقال: يا عبد الله انضح، يا عبد الله انضح، قال: وخرج [٤٣ ب] آخرُ يتلوه فقال: يا عبد الله لا تنضح، يا عبد الله لا تنضح. قال: وغُشِي على الراكب، وعَدَلتْ به راحلته إلى العَرْج (^١). قال: وأصبح قد (^٢) ابيضَّ شعره. فأُخبِر عثمانُ بذلك، فنهى أن يسافر الرجل وحدَه.
وذكر (^٣) من حديث سفيان، حدثنا داود بن شابور (^٤)، عن أبي قَزَعة (^٥) قال: مررنا في بعض المياه التي بيننا وبين البصرة، فسمعنا نهيق حمار، فقلنا لهم: ما هذا النهيقُ؟ قالوا: هذا رجل كان عندنا، كانت أمه (^٦) تكلِّمه بالشيء، فيقول لها: انهقي نهيقَك. فلما مات سُمِع هذا النهيقُ من قبره كلَّ ليلة.
وذكر (^٧) أيضًا عن عمرو بن دينار قال: كان رجلٌ من أهل المدينة، وكانت له أخت في ناحية المدينة، فاشتكت، وكان يأتيها يعودها. ثم ماتت، فدفنها. فلما رجع ذكَر أنه نسي شيئًا في القبر (^٨) كان معه، فاستعان برجل من
_________________
(١) واد في طريق الحاج القديم بين مكة والمدينة، ويقع على بعد ١١٣ كِيلا من المدينة. معجم المعالم الجغرافية في السيرة (٢٠٣).
(٢) (ب، ط، ن، ج): «وقد».
(٣) في كتاب القبور (٩٦) ومن عاش بعد الموت (٢٦).
(٤) ما عدا الأصل: بالسين المهملة.
(٥) في كتاب القبور زيادة: «رجل من أهل البصرة، عنه أو عن رجل». وفي كتاب من عاش: « عنه أو عن غيره».
(٦) في (أ، غ): «له أمّ»، وهو مستدرك في حاشية الأصل. وفي (ط): «امرأته»، تحريف.
(٧) في كتاب القبور (٩٧). وأخرجه أيضًا في كتاب الوَرع (٨٤).
(٨) (ب، ط): «قبرها».
[ ١ / ١٩٦ ]
أصحابه. قال: فنبشنا (^١) القبر، ووجدتُ (^٢) ذلك المتاع. فقال للرجل: تنحَّ، حتَّى أنظر على أي حال أختي؟ فرفع بعضَ ما على اللحد؟ فإذا القبر مشتعلٌ نارًا، فردَّه، وسوَّى القبر. فرجع إلى أمه، فقال: ما كان حال أختي؟ فقالت: ما تسألُ عنها، وقد هلكتْ؟ فقال: لَتُخْبِرِنِّي (^٣). قالت: كانت تؤخِّر الصلاة، ولا تصلِّي فيما أظنّ بوضوء؛ وتأتي أبواب الجيران، فتُلْقِمُ أذنهَا أبوابَهم، وتُخرِج حديثهم.
وذَكر (^٤) عن حصين الأسدي قال: سمعت مَرثَد بن حَوشَب قال: كنتُ جالسًا عند يوسف بن عمر، وإلى جنبه رجل كأنَّ شُقَّة وجهه صفحةٌ من حديد. فقال له يوسف: حدِّث مرثدًا بما رأيت. فقال: كنت شابًّا قد أتيتُ هذه الفواحش، فلما وقع الطاعون قلت: أخرجُ إلى ثغر من هذه الثغور. ثم رأيت أن أحفر القبور، فإنّي لِلَيلةٍ (^٥) بين المغرب والعشاء قد حفرتُ قبرًا، وأنا متكئٌ على تراب قبر آخر، إذ جيء (^٦) بجنازة رجلٍ حتى دُفن في ذلك القبر، وسوَّوا عليه. فأقبل طيران أبيضان من المغرب مثلُ البعيرين حتَّى سقط أحدهما عند رأسه، والآخر عند رجليه. ثم أثاراه، ثم تدلَّى أحدهما في القبر، والآخر على شفيره. فجئت حتى [٤٤ أ] جلست على شفير القبر، وكنتُ رجلًا لا يملأ جوفي شيءٌ. قال: فسمعته يقول: ألستَ الزائرَ أصهارَك في
_________________
(١) (ط): «نبشنا». (ب): «فنبشا».
(٢) (ط): «ووجدنا». (ن): «فوجدنا». (ب): «ووجدا».
(٣) (ق، ن، غ): «لتخبريني».
(٤) في كتاب القبور (٩٨).
(٥) (ق، ن، ج): «الليلة». وفي كتاب القبور: «فإذا بي بليلة».
(٦) (ق): «جاءوا».
[ ١ / ١٩٧ ]
ثوبين مُمَصَّرين تسحبُهما (^١) كِبْرًا، تمشي الخيلاء؟ فقال: أنا أضعف من ذلك (^٢). قال: فضربه ضربةً امتلأ القبر حتى فاض ماءً ودُهنًا. ثم عاد، فأعاد عليه القول، حتى ضربه ثلاث ضربات، كلَّ ذلك يقول ذلك. ويذكر أنّ القبر يفيض ماءً ودهنًا. قال: ثم رفع رأسه، فنظر إليَّ، فقال: انظر (^٣)، أين هو جالس نكَّسه (^٤) الله! قال: ثم ضرب جانب وجهي فسقطتُ. فمكثتُ ليلتي حتّى أصبحت. قال: ثم أخذت أنظر إلى القبر، فإذا هو على حاله.
فهذا الماء والدهن في رأي العين لهذا الرائي هو نار تأجَّجُ للميِّت، كما أخبر النبي - ﷺ - عن الدجّال: أنه يأتي معه بماء ونار، فالنار ماء بارد، والماء نار تأجَّجُ (^٥).
وذكر ابن أبي الدنيا (^٦) أنَّ رجلًا سأل أبا إسحاق الفزاريَّ عن النَّباش: هل له توبة؟ فقال: نعَم إن صحَّت نيته، وعلم الله منه الصدقَ. فقال له الرجل: كنت أنبُش القبور، وكنت أجد قومًا وجوهُهم لغير القِبلة. فلم يكن عند الفزاريِّ في ذلك شيء، فكتب إلى الأوزاعي يخبره بذلك، فكتب إليه
_________________
(١) (ق): «بمصرين». وفي (ب، ط): «نسجتهما». وكلاهما تصحيف. وثوب ممصَّر: مصبوغ بالطين الأحمر أو بحمرة خفيفة.
(٢) «فقال ذلك» ساقط من (ن).
(٣) ما عدا (أ، ق، غ): «انظروا».
(٤) (ن): «ثبَّتَه». وفي غيرها: «بلسه» وتصحيحه من كتاب القبور، وشرح الصدور (١٣٨).
(٥) أخرجه البخاري (٣٤٥٠) من حديث حذيفة بن اليمان.
(٦) في كتاب القبور (٩٩).
[ ١ / ١٩٨ ]
الأوزاعي: تُقبَل توبتُه (^١) إذا صحَّت نيته، وعلم الله الصدق من قلبه. وأما قوله: إنَّه كان يجد قومًا وجوههم لغير القبلة، فأولئك قوم ماتوا على غير السنّة.
وقال ابن أبي الدنيا (^٢): حدَّثني عبد المؤمن بن عبد الله بن عيسى القيسي أنه قيل لنبّاشٍ قد تاب: ما أعجبُ ما رأيتَ؟ قال: نبشتُ رجلًا. قال (^٣): فإذا هو مسمَّر بالمسامير في سائر جسده، ومسمارٌ كبير في رأسه، وآخرُ في رجليه.
قال (^٤): وقيل لنبَّاشٍ آخر: ما أعجبُ ما رأيتَ؟ قال: رأيتُ جمجمةَ إنسانٍ مصبوبٌ (^٥) فيها رصاص (^٦).
قال (^٧): وقيل لنبَّاشٍ آخرَ: ما كان سبب توبتك؟ قال: عامَّةُ مَن كنت أنبُش، كنتُ أراه محوَّلَ الوجه عن القبلة.
قلتُ: وحدَّثني صاحبنا أبو عبد الله محمد ابن مُنتاب السَّلامي (^٨)،
_________________
(١) «توبته» ساقط من (ق).
(٢) في كتاب القبور (١٠٠).
(٣) من (أ، ق، غ).
(٤) هذا الخبر ساقط من كتاب القبور المطبوع.
(٥) كذا ضبط في (غ). وفي شرح الصدور (٢٣٨): «مصبوبًا».
(٦) (ق، ب، ج): «رصاصًا».
(٧) وقد عزاه إليه ابن رجب في أهوال القبور (٦٨) وهو ساقط من كتاب القبور المطبوع.
(٨) هو محمد بن داود بن محمد بن منتاب، شمس الدين أبو عبد الله الموصلي السلامي الشافعي التاجر. قال الذهبي: قلّ أن رأيت مثله في الدين والمحاسن والوقار والإيثار. وقف كتبًا كبارًا بدمشق وبغداد. توفي بدمشق سنة ٧٢٨. أعيان العصر (٤/ ٤٣٧)، الدرر الكامنة (٣/ ٤٣٧).
[ ١ / ١٩٩ ]
وكان من خيار عباد الله، وكان يتحرَّى [٤٤ ب] الصدق. قال: جاء رجل إلى سوق الحدَّادين ببغداد، فباع مساميرَ صغارًا، المسمارُ برأسين. فأخذها الحدَّاد، وجعل يُحْمي عليها، فلا تلينُ معه حتى عجَز عن ضربها. فطلب البائعَ، فوجده، فقال: من أين لك هذه المسامير؟ فقال: لقيتُها. فلم يزل به حتَّى أخبره أنه (^١) وجد قبرًا مفتوحًا، وفيه عظامُ ميِّتٍ منظومةٌ بهذه المسامير. قال: فعالجتُها على أن أُخرِجها، فلم أقدر، فأخذتُ حجرًا، فكسرتُ عظامه، وجمعتُها. قال: وأنا رأيت تلك المسامير. قلت له: فكيف صفتها؟ قال: المسمار صغير برأسين (^٢).
قال ابن أبي الدنيا (^٣): وحدَّثني أبي، عن أبي الحَريش (^٤)، عن أمِّه قالت (^٥): لما حفر أبو جعفر (^٦) خندقَ الكوفة حوَّل الناسُ موتاهم، فرأينا
_________________
(١) ما عدا (أ، ق، غ): «بأنه»
(٢) نقله من كتاب الروح: ابن رجب في أهوال القبور (٦٨) وعلَّق عليه بقوله: «هذه الحكاية مشهورة ببغداد، وقد سمعتها وأنا صبي ببغداد، وهي مستفيضة بين أهلها». ونقله أيضًا السيوطي في شرح الصدور (٢٤٥). وتحرّف «منتاب» في الكتابين إلى «سنان».
(٣) في كتاب القبور (١٠٢).
(٤) كذا في (ن). وفي (ط): «الحرس». وفي (غ) بالجيم. وفي النسخ الأخرى: «الحريس». وفي مطبوعة القبور وشرح الصدور: «الجريش».
(٥) ما عدا (ق): «عن أبيه قال». والمثبت موافق لما في كتاب القبور وشرح الصدور (٢٣٨)، والأهوال (٦٨). ويظهر أنه كان كذا في الأصل، فغيَّره بعضهم.
(٦) تعني: المنصور الخليفة، وقد أمر بحفر خندق الكوفة سنة ١٥٥. البداية والنهاية (١٣/ ٤٣٥).
[ ١ / ٢٠٠ ]
شابًّا ممن حُوِّل عاضًّا على يديه.
وذكر (^١) عن سِمَاك بن حرب قال: مرَّ أبو الدرداء بين القبور، فقال: ما أسكَنَ ظواهرَك، وفي دواخلك (^٢) الدواهي!
وقال ثابت البُنَاني: بينا أنا أمشي في المقابر، وإذا صوتٌ خلفي (^٣)، وهو يقول: يا ثابتُ، لا يغرَّنَّك سكوتُها (^٤)، فكم من مغمومٍ فيها! فالتفتُّ فلم أر أحدًا (^٥).
ومرَّ الحسن على مقبرة، فقال: يا لهم من عسكر، ما أسكتهم (^٦)! وكم فيهم من مكروب (^٧)!
وذكر ابن أبي الدنيا (^٨) أنّ عمر بن عبد العزيز قال لمسلمة بن عبد الملك: يا مسلمةُ، مَن دفن أباك؟ قال: مولاي فلان. قال: فمن دفن الوليد؟ قال: مولاي فلان. قال: فأنا أحدِّثك ما حدَّثني به: إنه لما دفَن أباك والوليدَ، فوضعهما في قبورهما، وذهب ليحُلَّ العقد عنهما= وجد وجوههما قد حُوِّلت في أقفيتهما. فانظر يا مسلمة، إذا أنا مِتُّ فالتمس وجهي، فانظر:
_________________
(١) في كتاب القبور (١٠١).
(٢) (ب، ق، ن): «داخلك». وكان في الأصل: «دواخلك»، فضرب بعضهم على الواو.
(٣) (ب، ج): «خفي»، تحريف.
(٤) (ق، ط): «سكونها».
(٥) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب القبور (١٠٧، ١٤) والهواتف (٤٥).
(٦) (ق، ب، ط): «أسكنهم». وفي الأهوال (١٣٠): «يسكتهم».
(٧) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب القبور (١٠٨).
(٨) في كتاب القبور (١٢٣).
[ ١ / ٢٠١ ]
هل نزل بي ما نزل بالقوم، أوْ هل عوفيتُ من ذلك؟ قال مسلمة: فلما مات عمر وضعته في قبره، فلمست وجهه، فإذا هو مكانه.
وذكر ابن أبي الدنيا (^١) عن بعض السلف قال: ماتت ابنة لي، فأنزلتُها القبر. فذهبتُ أُصلِح اللَّبِنَة، فإذا هي قد حُوِّلت عن القبلة. فاغتممتُ لذلك غمًّا شديدًا، فأُريتُها في النوم، فقالت: يا أبتِ أغتممتَ لِما رأيت؟ فإنَّ عامَّة مَن حولي محوَّلون (^٢) عن القبلة. قال: كأنها تريد الذين ماتوا مُصرِّين على الكبائر.
وقال عمرو بن ميمون: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول: كنتُ فيمن دلَّى الوليدَ بن عبد الملك في قبره، فنظرتُ إلى ركبتيه قد جُمِعتا في عنقه. فقال ابنه: عاش أبي، وربِّ الكعبة! فقلتُ: عُوجِلَ أبوك، وربِّ الكعبة! فاتَّعظ بها عمر بعده (^٣).
وقال عمر بن عبد العزيز ليزيد بن المهلَّب لما استعمله (^٤)
على العراق: يا يزيدُ، اتَّقِ الله، فإنّي حين وضعتُ الوليد في لحدِه، فإذا هو
_________________
(١) في كتاب القبور (١٢٥)، قال: حدثني عبد المؤمن، حدثني رجل قال: ماتت ابنة لي إلخ.
(٢) ما عدا (ن): «محوّلين». وكذا في كتاب القبور، فلعل ناسخ (ن) أصلح المتن.
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب القبور (١٢٧).
(٤) الذي في كتاب القبور أن سليمان بن عبد الملك لما استعمل يزيد على العراق وخراسان ودَّعه عمر بن عبد العزيز قائلًا: يا يزيد إلخ. وانظر: تاريخ دمشق (٦٣/ ١٨١). ولعلّ المصنف كتب: «اُستُعمل» مبنيًّا للمجهول، فقرأه الناسخون: استعمله.
[ ١ / ٢٠٢ ]
يركض (^١) في أكفانه (^٢).
وقال يزيد بن هارون: أبنا هشام بن حسَّان، عن واصلٍ مولى أبي عُيينة (^٣)، عن عَمرو بن هَرِم (^٤) عن عبد الحميد بن محمود قال: كنت جالسًا عند ابن عباس، فأتاه قوم، فقالوا: إنّا خرجنا حُجَّاجًا، ومعنا صاحبٌ لنا، حتى إذا أتينا ذا الصِّفاح (^٥) مات. فهيأناه، ثم انطلقنا، فحفرنا له، ولحَدْناه (^٦). فلما فرغنا من لحده إذا نحن بأسْودَ قد ملأ اللحد، فحفرنا له آخر، فإذا به قد ملأ لحدَه. فحفرنا آخر، فإذا به. فقال ابن عباس: ذاك الغُلُّ الذي يُغَلُّ به (^٧). انطلقوا، فادفنوه في بعضها. فوالذي نفسي بيده، لو حفرتم
_________________
(١) (ب): «إذا هو يركض». (ق): «فإذا يركض». وفي كتاب القبور: «يرتكض». وفي رواية أخرى في تاريخ دمشق: «اضطرب في أكفانه»، وفيه: «ركض في لحده، أي: ضرب برجله الأرض».
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب القبور (١٢٦).
(٣) في جميع النسخ: «ابن عيينة»، والصواب ما أثبتنا من كتاب القبور. وانظر: تهذيب التهذيب (١١/ ١٠٥) وغيره.
(٤) في جميع النسخ: «زهدم»، وهو تحريف ما أثبتنا من كتاب العقوبات، وشعب الإيمان (٥٣١١)، وشرح أصول الاعتقاد للالكائي (١٧٤٢). وهو عمرو بن هرم الأزدي البصري، مات سنة ٢٤٥. انظر: تهذيب التهذيب (٨/ ١١٣).
(٥) كذا في جميع النسخ وكتاب القبور، وغيّره بعضهم في الأصل إلى «ذات» كما في الأهوال (٦٦) وشرح الصدور (٢٣٩). وفي شعب الإيمان وكتاب اللالكائي: «الصفاح»، وهو المعروف. انظر: معجم البلدان (٣/ ٤١٢).
(٦) (ق): «لحدنا له». وهو ساقط من (ن).
(٧) في شعب الإيمان وكتاب اللالكائي: «ذاك عمله الذي كان يعمل». ولا يبعد أن يكون ما في كتاب القبور تحريفًا لهذا.
[ ١ / ٢٠٣ ]
الأرضَ كلَّها لوجدتموه فيه (^١)، فانطلقنا فوضعناه في بعضها. فلما رجعنا أتينا أهله بمُتَيِّعٍ (^٢) له معنا، فقلنا لامرأته: ما كان يعمل زوجك؟ قالت: كان يبيع الطعام، فيأخذ منه كلَّ يومٍ قوتَ أهله، ثم يقرِضُ القَصَل (^٣) مثلَه (^٤)، فيلقيه فيه (^٥).
وقال ابن أبي الدنيا (^٦): حدثني محمد بن الحسين، قال: حدَّثني أبو إسحاق صاحب الشاء (^٧) قال: دُعيت إلى ميت لأغسِّله، فلما كشفت الثوب
_________________
(١) كذا في جميع النسخ. ولعل المقصود: في لحده. وفي كتاب القبور: «فيها».
(٢) تصغير «متاع».
(٣) وهو ما يخرج من الطعام فيرمى به، ومثله: القُصالة .. قال اللحياني: هي ما يخرج من الطعام، فيرمى به، ثم يُداس الثانيةَ، وذلك إذا كان أجَلَّ من التراب والدقاق قليلًا. انظر: اللسان (١١/ ٥٥٨). وفي كتاب العقوبات: «ثم ينظر مثله من الشعير والقصب، فيقطعه، ويخلطه في طعامه». وفي شعب الإيمان: «ثم ينظر مثله من قصب الشعير». ولعل القصب تحريف القصل.
(٤) (ب، ط): «منه».
(٥) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب القبور (١٢٨) والعقوبات (٣٣٨).
(٦) في كتاب القبور (١٢٩).
(٧) رسمها في الأصل: «السا» وفوقها تضبيب. وفي الحاشية: «ط» فأثبت صاحبا نشرتي دار ابن تيمية ودار ابن كثير «الشاط». والظاهر أنها «ظ» المعجمة وهو رمز معروف لما فيه نظر. وفي كتاب القبور: «الشاة»، فأقرب ما يكون منه ومن رسم الأصل: «الشاء» جمع الشاة كما أثبتنا. وفي (ن): «صاحب أبي». وفي (غ): «صاحب النعا» وفوق الألف: ن. أما في (ب، ط، ج) فحذفوا الكلمتين، واستراحوا. وكذا فعل السيوطي أو ناسخ كتابه شرح الصدور (٢٣٨). وممن لقب بصاحب الشاء: أبو سعيد سكن بن أبي خالد، يروي عن الحسن. ويقال له أيضًا: صاحب الغنم. انظر: الزهد لأحمد (٢٧٠) والجوع لابن أبي الدنيا (٢٠٠). ومنهم خلف بن عنبس صاحب الشاء. انظر: الإكمال (٦/ ٨٢).
[ ١ / ٢٠٤ ]
عن وجهه إذا بحيَّة قد تطوَّقتْ على حلقه. فذكر من غِلَظها، قال: فخرجت ولم أغسله. فذكروا أنه كان يسبُّ الصحابة ﵃.
وذكر ابن أبي الدنيا (^١)، عن سعيد بن خالد بن يزيد (^٢) الأنصاري، عن رجل من أهل البصرة كان يحفر القبور. قال: حفرت قبرًا ذات يوم، ووضعت رأسي قريبًا منه، فأتتني امرأتان في منامي، فقالت إحداهما: يا عبد الله، نَشَدتُك [٤٥ ب] بالله إلا صرَفتَ عنَّا هذه المرأة، ولم تجاورنا بها. فاستيقظتُ فَزِعًا، فإذا (^٣) بجنازة امرأة قد جيء بها. فقلت: القبر وراءكم، فصرفتُهم عن ذلك القبر. فلما كان بالليل إذا أنا بالمرأتين في منامي تقول إحداهما: جزاك الله عنَّا خيرًا، فلقد صرفتَ عنا شرًّا طويلًا. قلت (^٤): ما لِصاحبتِك لا تكلّمني، كما تكلِّميني (^٥) أنت؟ قالت: إن هذه ماتت عن غير وصية وحُقَّ لمن مات عن غير وصية (^٦) ألا يتكلَّم إلى يوم القيامة.
وهذه (^٧) الأخبار وأضعافُها وأضعاف أضعافِها ــ مما لا يتَّسع لها
_________________
(١) في كتاب القبور (١٣٧).
(٢) (ب، ج): «زيد».
(٣) (ط): «وإذا».
(٤) (ط): «فقلت».
(٥) كذا بحذف نون الرفع في جميع النسخ وكتاب القبور.
(٦) «وحقّ وصية» ساقط من (ن).
(٧) ما عدا (أ، ق، غ): «فهذه».
[ ١ / ٢٠٥ ]
فصل: الأمر السادس: حجب الله بني آدم عن كثير مما يحدثه في الأرض وهو بينهم
الكتاب ــ مما أراه الله سبحانه لبعض عباده من عذاب القبر ونعيمه عِيَانًا.
وأما رؤية المنامِ، فلو ذكرناها لجاءت عدّة أسفار. ومن أراد الوقوفَ عليها، فعليه بكتاب «المنامات» لابن أبي الدنيا، وكتاب «البستان» (^١) للقيرواني، وغيرِهما من الكتب المتضمِّنة لذلك. وليس عند الملاحدة والزنادقة إلا التكذيبُ بما لم يحيطوا بعلمه.
فصل
الأمر السادس (^٢): أنّ الله سبحانه يُحْدِث في هذه الدار ما هو أعجبُ من ذلك. فهذا جبريلُ كان ينزل على النبي - ﷺ -، ويتمثَّلُ له رجلًا، فيكلِّمه بكلام يسمعه. ومَن (^٣) إلى جانب النبي - ﷺ - لا يراه، ولا يسمعُه. وكذلك غيره من الأنبياء. وأحيانًا يأتيه الوحي في مثل صَلصلَة الجرس، ولا يسمعه غيره من الحاضرين.
وهؤلاء الجنُّ يتحدَّثون ويتكلَّمون بالأصوات المرتفعة بيننا، ونحن لا نسمعهم. وقد كانت الملائكة تضرب الكفَّارَ بالسياط، وتضربُ رقابهم، وتصيح بهم؛ والمسلمون معهم لا يرونهم، ولا يسمعون كلامهم. والله سبحانه قد حجب بني آدم عن كثير مما يُحْدِثه في الأرض، وهو بينهم. وقد
_________________
(١) لم ينقط ناسخ الأصل التاء، وأسنان السين أيضًا لم تبرز، فقرأه ناسخ (غ): «البيان» وكذا في نشرة دار ابن كثير. وقد سبق ذكر القيرواني في (ص ٩٤)، وسيأتي النقل من كتاب البستان هذا (ص ٥٤٤، ٥٥١، ٥٥٢).
(٢) ما عدا (أ، ن، غ): «السابع» وهو خطأ. وهذا الأمر تفصيل الوجه الثاني من جواب القرطبي عن هذه المسألة. التذكرة (٣٧٥).
(٣) (ب، ط): «ومن هو».
[ ١ / ٢٠٦ ]
كان جبريل يقرئ النبي - ﷺ -، ويدارسُه القرآن، والحاضرون لا يسمعونه.
وكيف يستنكر من يعرف (^١) الله سبحانه ويُقِرُّ بقدرته، أن يُحدِثَ حوادثَ يَصرِفُ (^٢) عنها أبصارَ بعض خلقه (^٣)، حكمةً منه ورحمةً بهم؛ لأنّهم لا يطيقون رؤيتها وسماعَها؟ والعبد أضعفُ بصرًا وسمعًا من أن يثبُتَ لمشاهدة عذاب القبر. وكثيرٌ (^٤) ممن أشهده الله ذلك صَعِق [٤٦ أ] وغُشي عليه، ولم ينتفع بالعيش زمنًا. وبعضهم (^٥) كُشِف قناعُ قلبه، فمات. فكيف ينكَر في الحكمة الإلهية إسبالُ غطاء يحول بين المكلَّفين وبين مشاهدة ذلك، حتى إذا كُشِفَ الغطاءُ رأوه وشاهدوه عيانًا.
ثم إنّ العبد قادر على أن يزيل الزئبق والخردل عن عين الميِّت وصدره، ثم يردَّه بسرعة. فكيف يعجزُ عنه الملَك؟ وكيف لا يقدر عليه مَن هو على كل شيء قدير؟ وكيف (^٦) تعجز قدرته عن إبقائه في عينيه وعلى صدره، لا
_________________
(١) (ن): «يعبد».
(٢) (ن): «تُصرَف».
(٣) (ن): «أبصار خلقه».
(٤) ما عدا (ن): «وكثيرًا» ولم يتبين لي وجه نصبه.
(٥) (ب، ط): «بالعيش وسأل بعضهم»، وهو تحريف طريف. والمصنف يشير إلى ما رواه ابن إسحاق في حديث شهود الملائكة غزوة بدر من قول الغفاري: « إذ دنت منّا سحابة، فسمعنا فيها حمحمة الخيل، فسمعتُ قائلًا يقول: أقدِمْ حَيزومُ. فأما ابن عمي فانكشف قناع قلبه، فمات مكانه، وأما أنا فكدت أهلِكُ، ثم تماسكتُ». سيرة ابن هشام (١/ ٦٣٣).
(٦) (ب، ط، ج): «فكيف».
[ ١ / ٢٠٧ ]
يسقط (^١) عنه؟ وهل قياسُ أمر البرزخ على ما يشاهدُه (^٢) الناس في الدنيا إلا محض الجهل والضلال، وتكذيب أصدق الصادقين، وتعجيز رب العالمين، وذلك غايةُ الجهل والظلم.
وإذا كان أحدنا يمكنه توسعةُ (^٣) القبر عشرةَ أذرع ومائة ذراع فأكثر (^٤)، طولًا وعرضًا وعمقًا، ويستر توسُّعه (^٥) عن الناس، ويُطلِع عليه من يشاء (^٦) = فكيف يعجز ربُّ العالمين أن يوسِّعه ما يشاء على من يشاء، ويسترَ ذلك عن أعين بني آدم (^٧)، فيراه بنو آدم ضيِّقًا، وهو أوسعُ شيء، وأطيبُه ريحًا، وأعظمُه إضاءةً ونورًا، وهم لا يرون ذلك؟
وسرُّ المسألة: أنَّ هذه التوسعةَ والضيق والإضاءة والخضرة والنار ليس من جنس المعهود في هذا العالم، والله سبحانه إنما أشهدَ بني آدم في هذه الدار ما كان فيها ومنها. فأما ما كان من أمر الآخرة، فقد أَسْبَلَ عليه الغطاءَ ليكون (^٨) الإقرارُ به والإيمانُ سببًا لسعادتهم، فإذا كُشِفَ عنهم الغطاءُ صار عيانًا مشاهدًا.
_________________
(١) (ب، ط، ج): «ولا يسقط».
(٢) (ب، ط، ج): «يشاهد».
(٣) ما عدا (أ، ق، غ): «توسيع».
(٤) ما عدا (أ، غ): «وأكثر».
(٥) (ب، ق، ن): «توسيعه». (ط): «توسعته».
(٦) في (ب، ط) هنا وفيما يأتي: شاء.
(٧) (ب، ط، ج): «عيون بني آدم».
(٨) (ب، ط، ج): «فيكون». وقد سقط «ليكون الغطاء» من (ن).
[ ١ / ٢٠٨ ]
فصل: الأمر السابع: غير ممتنع أن ترد الروح إلى المصلوب والغريق والمحترق، ونحن لا نشعر بها، إذ ذلك الرد نوع آخر غير المعهود
فلو كان الميت بين الناس موضوعًا لم يمتنع أن يأتيه الملكان ويسألانه، من غير أن يشعر الحاضرون بذلك، ويجيبهما من غير أن يسمعوا كلامه، ويضربانه من غير أن يشاهد الحاضرون ضرْبَه. وهذا الواحد منّا ينام إلى جنب صاحبه، فيُعذَّب في النوم، ويُضرَب، ويألَم، وليس عند المستيقظ خبر من ذلك البتَّة، وقد يسري (^١) أثر الضرب والألم إلى جسده.
ومِن أعظم الجهل استبعادُ شقِّ الملَكِ الأرضَ والحجرَ، وقد جعلها (^٢) الله سبحانه له (^٣) كالهواء للطير، ولا يلزم من حَجْبِها للأجسام الكثيفة [٤٦ ب] أن تتولَّج فيها حَجْبُها للأرواح اللطيفة. وهل هذا إلا من أفسد القياس؟ وبهذا وأمثالِه كُذِّبت الرسل صلوات الله وسلامه عليهم.
فصل
الأمر السابع (^٤): أنه غير ممتنِعٍ أن تُردَّ الروح (^٥) إلى المصلوب والغريق والمحترق (^٦) ونحن لا نشعر بها، إذ ذلك الردُّ نوع آخرُ غير المعهود. فهذا المغمَى عليه والمسكوتُ (^٧) والمبهوتُ أحياء، وأرواحُهم معهم، ولا
_________________
(١) ما عدا (أ، غ): «سرى».
(٢) (ق): «جعلهما».
(٣) «له» لم يرد في (أ، غ).
(٤) (ق، ب، ط، ج): «الثامن»، والصواب ما أثبتنا من الأصل و(ن، غ) وقارن هذا الأمر بالوجه الثالث من جواب القرطبي في التذكرة (٣٧٦).
(٥) في (أ، غ): «الروح ترد».
(٦) كذا في الأصل. وفي (ق، ب، ط، غ): «المحرَق». وفي (ن، ج): «الحريق».
(٧) يعني من أصابته السكتة. والكلمة لم ترد في المعجمات. وفي التذكرة: صاحب السكتة.
[ ١ / ٢٠٩ ]
نشعر (^١) بحياتهم. ومن تفرقت أجزاؤه لا يمتنع على من هو على كل شيء قدير أن يجعل للروح اتصالًا بتلك الأجزاء، على تباعُدِ ما بينهما (^٢) وقربه، ويكون في تلك الأجزاء شعورٌ بنوع من الألم واللذَّة.
وإذا كان الله ﷾ قد جعل في الجمادات شعورًا (^٣) وإدراكًا تُسبِّح ربَّها به، وتسقط (^٤) الحجارةُ من خَشيته، وتسجد له الجبال والشجر، وتسبِّحه الحصَى والمياهُ والنبات.
قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]. ولو كان التسبيح هو مجرَّد دلالتها على صانعها لم يقل: ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ (^٥) فإنَّ كلَّ عاقل يفهم (^٦) دلالتها على صانعها (^٧).
_________________
(١) ما عدا (أ، ق، غ): «يُشعر».
(٢) كذا في (أ، غ) يعني بين الروح وأجزاء الجسم. وفي غيرهما: «بينها». وكأنّ في (ق، ط) تغييرًا في المتن.
(٣) زاد في (ب): «بنوع من الألم». وأشير إليها في حاشية (ط). وهو غلط سببه انتقال النظر. وجواب «إذا» سيأتي بعد الشواهد على تسبيح الجمادات.
(٤) (ن): «تهبط».
(٥) «ولو كان تسبحهم» ساقط من (ن).
(٦) ما عدا (أ، غ): «يفقه».
(٧) وقد ذكر المصنف في مفتاح دار السعادة (٢/ ١٠٦) أن هذا القول ــ وهو أنّ المراد من تسبيح الجمادات دلالتها على صانعها فقط ــ باطل من أكثر من ثلاثين وجهًا قد ذكر أكثرها في موضع آخر. وانظر: جامع الرسائل لشيخ الإسلام (١/ ٤٠). والقول المذكور نسبه ابن الجوزي في زاد المسير (٤/ ٤٥٣) إلى جماعة من العلماء.
[ ١ / ٢١٠ ]
وقال تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ [ص: ١٨] والدلالة على الصانع لا تَختصُّ بهذين الوقتين.
وكذلك قوله: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ [سبأ: ١٠] والدلالة لا تختصُّ معِيَّته (^١) وحده. وكذَب على الله من قال: التأويبُ رجعُ الصدى (^٢)، فإنّ هذا يكون لكل مصوِّت.
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ١٨]. والدلالة على الصانع لا تختصُّ بكثير من الناس.
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: ٤١] فهذه صلاةٌ وتسبيح حقيقة يعلمها الله وإن جحدها الجاهلون (^٣) المكذبون.
وقد أخبر تعالى عن الحجارة أنَّ بعضها يزولُ من مكانه، ويسقط (^٤) من
_________________
(١) (ن): «بمعيته». وفي (ب، ج): «بعينه». وفي (ط): «بعينيه» وكلاهما تصحيف.
(٢) ما عدا (أ، غ): «الصدر»، وهو تحريف. وفي (ط) حاشية لبعض القراء: «لعله الصوت أو الصدا». ثم نقل قول البغوي في تفسيره (٣/ ٥٩٥): «وكان داود إذا نادى بالناحية أجابته الجبال بصداها، وعكف الطير عليه من فوقه، فصدى الجبال الذي يسمعه الناس اليوم من ذلك». ثم قال: فلعل هذا هو الذي ردّه المصنّف.
(٣) في (ج) زاد بعده واو العطف. وفي (ب، ط، ن): «الجاحدون». وفي (ط، ن) زاد واو العطف.
(٤) (ن): «يهبط».
[ ١ / ٢١١ ]
خشيته. وقد أخبر عن الأرض والسماء أنهما يأذنان له، ــ وحُقَّ لهما (^١) ذلك ــ أي (^٢): يستمعان كلامه؛ وقد خاطبهما، فسمعا خطابه، وأحسنا جوابه، فقال لهما: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]. وقد كان الصحابة يسمعون تسبيح الطعام، وهو يؤكل (^٣). وسمعوا حنين الجذع اليابس في المسجد (^٤) [٤٧ أ].
فإذا (^٥) كانت هذه الأجسام فيها (^٦) الإحساس والشعور، فالأجسام التي كانت فيها الروح والحياة أولى بذلك.
وقد أشهد الله سبحانه عباده في هذه الدار إعادةَ حياةٍ كاملة إلى بدن قد فارقته الروح، فتكلَّم، ومشى، وأكل وشرب، وتزوّج ووُلد له؛ كالذين ﴿خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣]، وكالذي ﴿مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، وكقتيلِ بني
_________________
(١) (أ، ق، غ): «قولهما»، تحريف.
(٢) (ب، ط، ج): «أن».
(٣) يشير إلى حديث ابن مسعود الذي أخرجه البخاري في المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام (٣٥٧٩).
(٤) انظر ما أخرجه البخاري في كتاب المناقب من حديث ابن عمر (٣٥٨٣) وجابر بن عبد الله (٣٥٨٤، ٣٥٨٥).
(٥) سياق الكلام: «وإذا كان الله ﷾ قد جعل في الجمادات شعورًا وإدراكًا فإذا كانت هذه الأجسام». طال الفصل بين إذا وجوابها فأعاد «فإذا كانت ».
(٦) (أ، غ): «منها».
[ ١ / ٢١٢ ]
فصل: الأمر الثامن: عذاب القبر ونعيمه اسم لعذاب البرزخ ونعيمه، وسمي عذاب القبر ونعيمه باعتبار غالب الخلق
إسرائيل، وكالذين قالوا لموسى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة:٥٥] فأماتهم الله، ثم بعثهم من بعد موتهم، وكأصحاب الكهف، وكقصة إبراهيم في الطيور الأربعة.
= فإذا أعاد الحياة التامَّة (^١) إلى هذه الأجساد بعد ما بَرَدت بالموت، فكيف يمتنع على قدرته الباهرة (^٢) أن يعيد إليها بعدَ موتها حياةً ما غيرَ مستقرَّة يقضي بها ما أمره فيها، ويستنطقُها بها، ويعذِّبها أو ينعِّمها بأعمالها؟ وهل إنكار ذلك إلا مجردُ تكذيب وعناد وجحود؟ وبالله التوفيق.
فصل
الأمر الثامن (^٣): أنه ينبغي أن يُعلَم أنَّ عذاب القبر ونعيمَه اسمٌ لعذاب البرزخ ونعيمه، وهو ما بين الدنيا والآخرة (^٤). قال تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠]. وهذا البرزخ يُشرف أهله فيه على الدنيا والآخرة.
وسمِّي عذابَ القبر ونعيمَه وأنه روضة (^٥) أو حفرةُ نار باعتبار غالب الخلق، فالمصلوبُ والحريق والغريق (^٦) وأكيل السِّباع والطيور، له من
_________________
(١) (ب): «العامة»، تحريف.
(٢) (ب، ط، ن، ج): «القاهرة».
(٣) (ب، ط، ق، ج): «التاسع»، خطأ.
(٤) (أ، ق، غ): «وقال».
(٥) زاد في (ط): «من رياض الجنة».
(٦) (ب، ط، ج): «المحرق والمغرق». (ق، ن): «الحرق والغرق».
[ ١ / ٢١٣ ]
عذاب البرزخ ونعيمه قِسْطُه الذي تقتضيه (^١) أعماله، وإن تنوعت أسباب النعيم والعذاب وكيفياتهما.
وقد (^٢) ظنَّ بعضُ الأوائل (^٣) أنّه إذا حُرِق جسده بالنار، وصار رمادًا، وذُرِي بعضه في البحر وبعضه في البرِّ (^٤) في يوم شديد الريح= أنه ينجو من ذلك، فأوصى (^٥) بنيه أن يفعلوا به ذلك. فأمر الله البحرَ فجمع ما فيه، وأمر البرَّ فجمع ما فيه، ثم قال: قم، فإذا هو قائم بين يدي الله فسأله (^٦): ما حملك على ما فعلت؟ فقال (^٧): خَشْيتُك يا ربِّ، وأنت أعلم. فما تلافاه أن رحمه (^٨).
فلم يفُتْ عذابُ البرزخ [٤٧ ب] ونعيمه لهذه (^٩) الأجزاء التي صارت في هذه الحال، حتى لو عُلِّق الميت على رؤوس الأشجار في مهابِّ الرياح لأصابَ جسده من عذاب البرزخ حظُّه ونصيبُه. ولو دُفن الرجل الصالح في
_________________
(١) (ق، غ): «يقتضيه». ولم ينقط أوله في الأصل.
(٢) (أ، ق، غ): «فقد».
(٣) (ن): «أولئك»، تحريف.
(٤) في (ب، ج) قدّم البرّ على البحر.
(٥) (ب، ج)، «ما حرض» تحريف.
(٦) (ب، ط، ج): «قال».
(٧) (ب، ط، ج): «قال».
(٨) يشير إلى ما أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٤٧٨، ٣٤٨١) ومسلم في التوبة باب سعة رحمة الله (٢٧٥٦، ٢٧٥٧) من حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري.
(٩) في الأصل: «هذه» ولكن أخشى أن اللام لم تظهر في الصورة كما لم تظهر همزة الوصل من «الأجزاء».
[ ١ / ٢١٤ ]
أتُّون من النار لأصاب جسدَه من نعيم البرزخ ورَوحه نصيبُه وحظُّه، فيجعل الله النارَ على هذا بردًا وسلامًا، والهواءَ على ذلك (^١) نارًا وسَمُومًا. فعناصرُ العالم وموادُّه منقادة لربِّها وفاطرِها وخالقها، يُصَرِّفُها كيف يشاء (^٢). ولا يستعصي عليه منها شيء أراده، بل هي طوع مشيئته، مذلَّلةٌ منقادةٌ لقدرته. ومَن أنكر هذا فقد جحدَ ربَّ العالمين، وكفر به، وأنكر ربوبيته.
فصل
الأمر التاسع (^٣): أن الموت معادٌ وبعث أوَّل، فإنَّ الله سبحانه جعل لابن آدم معادَين وبعثَين، يجزي فيهما الذين أساؤوا بما عملوا، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى.
فالبعث الأول: مفارقةُ الروح للبدن، ومصيرها إلى دار الجزاء (^٤) الأول.
والبعث الثاني: يومَ يردُّ الله الأرواح إلى أجسادها، ويبعثُها من قبورها إلى الجنة أو إلى النار، وهو الحشر الثاني. ولهذا في الحديث الصحيح: «وتؤمن بالبعث الآخر» (^٥)، فإنَّ البعث الأول لا ينكره أحد، وإن أنكر كثير من الناس الجزاء فيه والنعيم والعذاب.
_________________
(١) (ط): «هذا».
(٢) (ط): «شاء».
(٣) كذا في (ن، غ). وهو الصواب. ومما يستغرب أن الأصل الذي استمرّ على الصواب من الأمر الأول إلى الثامن أخطأ هنا وساير النسخ الأخرى.
(٤) (ن): «الحشر»، تصحيف. وانظر في تفسير «البعث الأول»: فتح الباري (١/ ١١٨).
(٥) أخرجه البخاري في التفسير (٤٧٧٧) ومسلم في الإيمان (٩) من حديث أبي هريرة.
[ ١ / ٢١٥ ]
فصل: الأمر التاسع: جعل الله لابن آدم بعثين ومعادين
وقد ذكر الله سبحانه هاتين القيامتين ــ وهما الصغرى والكبرى ــ في سورة المؤمنين، وسورة الواقعة، وسورة القيامة، وسورة المطففين، وسورة الفجر، وغيرها من السور. وقد اقتضى عدلُه وحكمتُه أن جعلهما داري جزاءٍ للمحسن والمسيء (^١)، ولكنَّ توفية الجزاء إنما يكون يومَ المعاد الثاني في دار القرار، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٥].
وقد اقتضى عدلُه وأوجبت أسماؤه الحسنى وكمالُه المقدَّس تنعيمَ أبدان أوليائه وأرواحهم، وتعذيبَ أبدان أعدائه وأرواحهم؛ فلابدَّ أن يذيق بدنَ المطيع له وروحَه من النعيم واللذة ما يليق به [٤٨ أ]، ويذيق بدنَ الفاجر العاصي له وروحَه من الألم والعقوبة ما يستحقّه. هذا موجَب عدلِه وحكمتِه وكمالِه المقدَّس.
ولما كانت هذه الدارُ دارَ تكليف وامتحان، لا دار جزاء، لم يظهر فيها ذلك. وأما البرزخ فأولُ دار الجزاء، فظهر فيها من ذلك ما يليق بتلك الدار، وتقتضى الحكمةُ إظهارَه. فإذا كان يومُ القيامة الكبرى وَفَّى (^٢) أهلَ الطاعة وأهلَ المعصية ما يستحقُّونه من نعيم الأبدان والأرواح وعذابهما.
وعذابُ (^٣) البرزخِ ونعيمُه أولُ عذاب الآخرة ونعيمها. وهو مشتقٌّ منه، وواصِلٌ إلى أهل البرزخ من هناك، كما دلَّ عليه القرآن والسنة الصريحةُ في
_________________
(١) (ن): «للمحسنين والمسيئين». ونحوه في (ق) دون لام الجرّ.
(٢) الضبط من (أ، ط، ن). ويجوز بالبناء للمجهول.
(٣) ما عدا الأصل: «فعذاب». وقد عدّل بعض القراء في الأصل أيضًا، فزاد فاءً، ونسي حذف الواو.
[ ١ / ٢١٦ ]
غير موضع دلالةً صريحةً، كقوله: «فيفتح له باب إلى الجنة، فيأتيه من رَوْحها ونعيمها»، وفي الفاجر: «فيفتح له باب إلى النار، فيأتيه من حرِّها وسمومها» (^١). ومعلوم قطعًا أنَّ البدن يأخذ حظَّه من هذا الباب كما تأخذ الروح حظَّها، فإذا كان يومُ القيامة دخَلَ من ذلك الباب إلى مقعده الذي هو داخلُه.
وهذان البابان يصل منهما إلى العبد في هذه الدار أثرٌ خفيٌّ محجوب بالشواغل والغواشي الحسيَّة (^٢) والعوارض، ولكن يُحِسُّ به كثير من الناس، وإن لم يعرف سببه، ولا يُحسِن التعبيرَ؛ فوجود الشيء غيرُ الإحساس به والتعبيرِ عنه. فإذا مات كان وصول ذلك الأثر إليه من ذَيْنك البابين أكملَ، فإذا بُعِث كَمُل وصولُ ذلك (^٣) الأثر إليه. فحكمةُ الربِّ تعالى منتظمة لذلك أكملَ انتظام في الدور الثلاثة.
_________________
(١) سبق تخريجه في أول المسألة السادسة.
(٢) (ن): «الجسمية». (ب، ط، ج): «الجسيمة».
(٣) (أ، غ): «بُعِث وصل ذلك».
[ ١ / ٢١٧ ]