الجواب المجمل
فصل
وأمَّا المسألة العاشرة (^١)
وهي قوله: ما هي الأسباب المنجية من عذاب القبر؟
فجوابها أيضًا من وجهين: مجمل، ومفصّل.
أمَّا المجمل، فهو تجنُّب (^٢) تلك الأسباب التي تقتضي عذاب القبر. ومن أنفعها (^٣): أن يجلس الإنسان (^٤) عندما يريدُ النومَ لله (^٥) ساعةً، يحاسبُ نفسه فيها (^٦) على ما خسِره وربِحه في يومه، ثم يجدِّد له (^٧) توبةً نصوحًا بينه وبين الله، فينام على تلك التوبة، ويعزِم على أن لا يعاوِدَ الذنب إذا استيقظ. ويفعل هذا (^٨) كلَّ ليلة، فإن مات من ليلته مات على توبة، وإن استيقظ استيقظ مستقبِلًا للعمل، مسرورًا بتأخير أجله حتى يستقيل ربَّه، ويستدرِكَ ما فاته.
وليس للعبد أنفعُ من هذه التوبة (^٩) ولاسيَّما إذا عقَّب (^١٠) ذلك بذكر الله
_________________
(١) في (ن): «الحادية عشرة». ولم يرد فيها «فصل وأما».
(٢) (أ، ق، غ): «بحسب»، تصحيف.
(٣) يعني الأسباب المنجية.
(٤) ما عدا (أ، غ): «الرجل».
(٥) ساقط من (ن).
(٦) ما عدا (أ، ق، غ): «فيها نفسه».
(٧) ساقط من (ط).
(٨) (ط): «هكذا».
(٩) ساقط من (ط). وفي (ب، ق، ن): «النومة»، تصحيف.
(١٠) (ط، ن): «أعقب».
[ ١ / ٢٣١ ]
الجواب المفصل: الأحاديث الواردة فيما ينجي من عذاب القبر
واستعمال السُّنن التي وردت عن رسول الله - ﷺ -[٥١ ب] عند النوم، حتى يغلبَه النوم. فَمَن أراد الله به خيرًا وفَّقه لذلك، ولا قوة إلا بالله.
وأما الجواب المفصَّل، فنذكر أحاديث عن رسول الله - ﷺ - فيما يُنجِي من عذاب القبر.
فمنها: ما رواه مسلم في صحيحه (^١) عن سلمان قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «رِباطُ يومٍ وليلةٍ (^٢) خيرٌ من صيام شهر وقيامه. وإن مات أُجري عليه عملُه الذي كان يعمله (^٣)، وأجري عليه رزقُه، وأمِنَ الفَتَّانَ».
وفي جامع الترمذي (^٤) من حديث فَضالة بن عبيد عن رسول الله - ﷺ - قال: «كلُّ ميِّت يُخْتَم على عمله إلا الذي مات مرابطًا في سبيل الله، فإنه يُنمَى له عملُه إلى يوم القيامة، ويأمنُ من فتنة القبر». قال الترمذي (^٥): هذا حديث حسن صحيح.
وفي سنن النسائي (^٦) عن راشد بن سعد، عن رجل من أصحاب
_________________
(١) برقم (١٩١٣).
(٢) زاد في (ط): «في سبيل الله».
(٣) (ط): «يعمل».
(٤) برقم (١٦٢١)، وأخرجه أبو داود (٢٥٠٠)، والإمام أحمد (٢٣٩٥١)، وابن حبان (٤٦٢٤)، والحاكم (٢/ ٧٩) من طريق أبي هانئ الخولاني، عن عمرو بن مالك الجَنْبِي، عن فضالة بن عبيد. وقال الحاكم: «صحيح على شرط مسلم». قلت: عمرو بن مالك الجنبي المصري ثقة لكنه ليس من رجال الشيخين. (قالمي).
(٥) في (ن) مكان «الترمذي»: «ت»، وحذف بعده «هذا». وفي أول هذه الفقرة، وفيما يأتي أيضًا استعمل هذا الرمز أحيانًا.
(٦) برقم (٢٠٥٣)، وصحح إسناده الألباني في أحكام الجنائز (ص ٥٠). (قالمي). وسيأتي شرح الحديث.
[ ١ / ٢٣٢ ]
النبي (^١) - ﷺ - أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله ما بالُ المؤمنين (^٢) يُفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال: «كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنةً».
وعن المقدام (^٣) بن معدِ يكَرِب قال: قال رسول الله - ﷺ -: «للشهيد عند الله ستُّ خصال: يُغفَر له في أول دَفعةٍ من دمه (^٤)، ويُرَى مقعدَه من الجنة، ويُجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويُوضَع على رأسه تاج الوقار، الياقوتةُ منه خيرٌ من الدنيا وما فيها، ويزوَّج ثنتين (^٥) وسبعين زوجةً من الحور العين، ويشفَّع في سبعين من أقاربه» (^٦) رواه ابن ماجه، والترمذيُّ (^٧)، وهذا لفظه، وقال: هذا حديث حسن صحيح (^٨).
_________________
(١) (ط): «رسول الله».
(٢) بعدها سقطت ورقة من (ج).
(٣) (ط): «المقداد»، تحريف.
(٤) «من دمه» لم يرد في (ب، ط). وكذلك في بعض نسخ الجامع.
(٥) (ط): «بثنتين».
(٦) «من أقاربه» ساقط من (ن).
(٧) أخرجه الترمذي (١٦٦٣) من طريق بقية بن الوليد. وأخرجه ابن ماجه (٢٧٩٩)، وسعيد بن منصور في سننه (٢٥٦٢)، وعبد الرزاق في مصنفه (٩٥٥٩)، والإمام أحمد (١٧١٨٢)، وابن أبي عاصم في الجهاد (٢٠٤) من طريق إسماعيل بن عياش كلاهما عن بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن المقدام بن معديكرب. وصحّح إسناده الألباني في أحكام الجنائز (ص ٥٠). (قالمي).
(٨) في (ب، ن): «حسن صحيح غريب». وكذا في النسخ المطبوعة للجامع، وتذكرة القرطبي (٤١٩).
[ ١ / ٢٣٣ ]
وعن ابن عباس قال: ضرَبَ رجلٌ من أصحاب رسول الله - ﷺ - خِباءَه على قبر، وهو لا يحسَبُ أنه قبرٌ؛ فإذا (^١) إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها، فأتى النبيَّ - ﷺ - فقال: يا رسول الله، ضربتُ خبائي على قبر، وأنا لا أحسب أنه قبر، فإذا (^٢) قبر إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها. فقال النبي - ﷺ - [٥٢ أ]: «هي المانعة، هي المنجيةُ، تُنجِيه من عذاب القبر» (^٣).
قال
_________________
(١) (ب، ط): «فإذا هو».
(٢) (ب، ط): «فإذا هو».
(٣) أخرجه الترمذي (٢٨٩٠) قال: ثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، ثنا يحيى بن عمرو بن مالك، عن أبيه، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس. ومن هذا الوجه أخرجه البزار في مسنده (٥٣٠٠)، والطبراني في المعجم الكبير (١٢٨٠١)، وابن عدي في الكامل (٧/ ٢٠٥)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٨١)، والبيهقي في إثبات عذاب القبر (١٦٥). وفيه يحيى بن عمرو بن مالك النُّكريّ له ترجمة في التهذيب، وهو متفق على ضعفه، وقال العقيلي: «لا يتابع على حديثه»، وترجمه ابن عدي في الكامل وعدّ له هذا الحديث من جملة ما أنكر عليه، وقال في آخر ترجمته: «وهذه الأحاديث التي ذكرتها عن يحيى بن عمرو بن مالك عن أبيه عن أبي الجوزاء عن ابن عباس كلها غير محفوظة تفرد بها يحيى بهذا الإسناد». وفي الباب عن ابن مسعود ﵁ قال: «يؤتى الرجل في قبره من قبل رجليه فتقول رجلاه: ليس لكم على ما قبلي سبيل، قد كان يقوم عليّ بسورة الملك. قال: فيؤتى جوفه فيقول جوفه: ليس لكم على ما قبلي سبيل، قد وعى فيَّ سورة الملك. قال: فتؤتى رأسه فيقول لسانه ليس لكم على ما قبلي سبيل، قد كان يقوم فيّ بسورة الملك. فقال عبد الله: هي المانعة بإذن الله ﷿ من عذاب القبر، وهي في التوارة سورة الملك، ومن قرأها في ليلة فقد أكثر وأطيب». رواه عبد الرزاق (٦٠٢٥)، والفريابي في فضائل القرآن (٣٢، ٣٤، ٣٥)، وابن الضريس في فضائل القرآن (٢٣٢، ٢٣٣)، والحاكم (٢/ ٤٩٨) وإسناده جيد، وصحَّحه الحاكم. وهو في حكم المرفوع. (قالمي).
[ ١ / ٢٣٤ ]
الترمذي: هذا حديث حسن غريب (^١).
ورُوِّينا في «مسند عبد بن حُميد» (^٢)، عن إبراهيم بن الحكم، عن أبيه،
_________________
(١) في بعض نسخ «الجامع»: «حديث غريب» فقط كما في تحفة الأشراف (٥٣٦٧)، وتفسير ابن كثير (٨/ ١٧٤) وهو الأنسب لحال إسناده. (قالمي).
(٢) المنتخب من المسند (٦٠١)، وأخرجه البزار (٢٣٠٥. كشف الأستار)، والطبراني في المعجم الكبير (١١٦١٦) من طريق سلمة بن شبيب، عن إبراهيم بن الحكم، به، مقتصرًا على المرفوع، وزاد في آخره: «يعني ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾» وعند البزار: «يعني يس». وقال البزار: «لا نعلمه يروى عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد». قلت: وإسناده ضعيف جدًّا؛ علّته إبراهيم بن الحكم هو ابن أبان له ترجمة في التهذيب (١/ ١١٥ ــ ١١٦) وهو مجمع على ضعفه، ضعّفه جدًّا ابن معين، والبخاري وأبو داود والنسائي والعقيلي وغيرهم، ونقل ابن عدي في الكامل (١/ ٢٤٢) عن عباس بن عبد العظيم يقول: وذكرنا له أو ذكر له إبراهيم بن الحكم بن أبان فقال: كانت هذه الأحاديث في كتبه مراسيل ليس فيها ابن عباس ولا أبو هريرة يعني أحاديث أبيه عن عكرمة. وأورد له ابن عدي أحاديث يرويها عن أبيه عن عكرمة موصولة، ثم قال: «ولإبراهيم بن الحكم غير هذه الأحاديث عن أبيه، وبلاؤه مما ذكروه أنه كان يوصل المراسيل عن أبيه، وعامة ما يرويه لا يتابع عليه». وبه أعلّ الحديث الحافظ ابن كثير في تفسيره (٨/ ١٧٤ ــ ١٧٥)، والهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٢٧)، والبوصيري في إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة (٦/ ٢٩١). ولكن لم يتفرد به بل توبع عليه، فأخرجه الحاكم (١/ ٥٦٥) من طريق حفص بن عمر العدني، حدثني الحكم بن أبان، به. وقال: «هذا إسناد عند اليمانيين صحيح». فتعقبه الذهبي بقوله: «حفص واهٍ» يعني حفص بن عمر بن ميمون العدني، له ترجمة في التهذيب (٢/ ٤١٠ ــ ٤١١) قال ابن معين والنسائي: ليس بثقة، وقال أبو داود: ليس بشيء، وفي رواية عنه: منكر الحديث، وقال العقيلي: يحدث بالأباطيل، وقال ابن عدي: عامة حديثه غير محفوظ، وبالجملة فهو لا يختلف عن إبراهيم بن الحكم في الضعف إن لم يكن أسوأ حالًا منه. (قالمي).
[ ١ / ٢٣٥ ]
عن عكرمة، عن ابن عباس أنَّه قال لرجل: ألا أُتحِفُك بحديثٍ تفرح به؟ قال الرجل: بلى. قال: اقرأ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١] احفَظْها، وعَلِّمها أهلَك وولدَك وصبيانَ بيتك وجيرانك، فإنّها المنجيةُ، والمجادِلةُ، تجادلُ ــ أو تخاصمُ (^١) ــ يوم القيامة عند ربِّها لقارئها، وتطلبُ له إلى ربِّها أن يُنجِيَه من عذاب النار، إذا كانت في جوفه. وينجي الله بها صاحبَها (^٢) من عذاب القبر. قال رسول الله - ﷺ -: «لودِدْتُ أنها في قلب كل إنسان من أمتي».
قال أبو عمر بن عبد البر (^٣): وصحَّ عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «إن سورة ثلاثين آيةً شفعت في صاحبها حتى غُفِر له ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾» (^٤).
_________________
(١) (ط، ن): «وتخاصم».
(٢) (ق): «صاحبتها»، خطأ.
(٣) في التمهيد (٧/ ٢٦٢).
(٤) أخرجه أبو داود (١٤٠٠)، والترمذي (٢٨٩١)، والنسائي في الكبرى (١١٦١٢)، وابن ماجه (٣٧٨٦)، والإمام أحمد (٧٩٧٥)، وابن حبان (٧٨٧، ٧٨٨)، والحاكم (١/ ٥٦٥) من طرق عن شعبة، عن قتادة، عن عباس الجشمي، عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ - قال (فذكره). وحسنه الترمذي، وصحح إسناده الحاكم. ورجاله ثقات سوى عباس الجشمي فلم يوثقه غير ابن حبان، ولم يرو عنه إلا قتادة وسعيد الجريريّ. وله شاهد من حديث أنس ﵁ أخرجه الطبراني في الأوسط (٣٦٥٤)، والصغير (٤٩٠) ومن طريقه ضياء الدين المقدسي في المختارة (١٧٣٩). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٢٧): «رواه الطبراني في الصغير والأوسط ورجاله رجال الصحيح». قلت: سوى شيخ الطبراني سليمان بن داود بن يحيى الطبيب فلا يعرف بجرح أو تعديل. (قالمي).
[ ١ / ٢٣٦ ]
وفي «سنن ابن ماجه» (^١)
من حديث أبي هريرة يرفعه: «من مات مريضًا مات شهيدًا، ووُقِيَ فتنة القبر، وغُدِيَ ورِيحَ عليه برزق من الجنّة».
وفي «سنن النسائي» (^٢) عن جامع بن شداد قال: سمعت عبد الله بن
_________________
(١) برقم (١٦١٥) من طريق ابن جريج، أخبرني إبراهيم بن محمد بن أبي عطاء، عن موسى بن وردان، عن أبي هريرة. ومن هذا الوجه أخرجه عبد الرزاق (٩٦٢٢)، وأبو يعلى الموصلي (٦١٤٥)، والطبراني في الأوسط (٥٢٦٢)، وابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ٢١٦). وقال ابن الجوزي عقبه: «هذا حديث لا يصح، ومدار الطرق على إبراهيم وهو ابن أبي يحيى، وقد كانوا يدلسونه لأنه ليس بثقة وهو إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي واسم أبي يحيى سرحان، قال مالك ويحيى بن سعيد وابن معين: هو كذاب، وقال أحمد بن حنبل: قد ترك الناس حديثه، وقال الدارقطني: هو متروك». ونقل عن الإمام أحمد أنه قال: «إنما هو من مات مرابطًا وليس هذا الحديث بشيء» اهـ. وكذا قال أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان، كما في العلل لابن أبي حاتم (١٠٦٥). وسيأتي تنبيه المصنف ﵀ على ضعف الحديث وأن ابن ماجه انفرد بتخريجه من بقية أصحاب الكتب الستة وفي إفراداته غرائب ومنكرات. (قالمي).
(٢) برقم (٢٠٥٢) من طريق شعبة، عن جامع بن شداد، بهذا الإسناد. ومن هذا الوجه أخرجه أبو داود الطيالسي (١٣٨٤)، والإمام أحمد (١٨٣١٠، ١٨٣١١)، وابن حبان (٢٩٣٣). وزادوا جميعًا: «قال الآخر: بلى». قال الحافظ ابن حجر في فتاوى له مطبوعة مع الإمتاع بالأربعين المتباينة السماع (ص ٨١): «إسناده صحيح». وأخرجه الترمذي (١٠٦٤)، والإمام أحمد (١٨٣١٢) من طريق أبي سنان سعيد الشيباني، عن أبي إسحاق، قال: مات رجل صالح فأُخرج بجِنازته، فلما رجعنا تلقانا خالد بن عرفطة وسليمان بن صُرَد. وكلاهما قد كانت له صحبة. فذكره. وقال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب في هذا الباب، وقد روي من غير هذا الوجه». (قالمي).
[ ١ / ٢٣٧ ]
يسار (^١) يقول: كنت جالسًا مع سليمان بن صُرَد وخالد بن عُرْفُطة، فذكروا أنَّ رجلًا مات ببطنه، فإذا هما يشتهيان أن يكونا شَهِدا جنازته، فقال أحدهما للآخر: ألم يقل رسول الله - ﷺ -: «من يقتله بطنه لم يعذَّب في قبره»؟
وقال أبو داود الطيالسي في «مسنده» (^٢): ثنا شعبة، حدَّثني أحمد بن جامع بن شدَّاد قال: حدَّثني (^٣) أبي، فذكره، وزاد: فقال الآخر: بلى (^٤).
وفي «الترمذي» (^٥) من حديث ربيعة بن سيف، عن عبد الله بن عمرو
_________________
(١) (أ، ق، غ): «يشكر»، تحريف.
(٢) برقم (١٣٨٤).
(٣) «حدثني أحمد بن جامع أبي» كذا في جميع النسخ. ولا أدري ما هذا! فإن إسناد الطيالسي كإسناد النسائي: «حدثنا شعبة قال: أخبرني جامع بن شداد، عن عبد الله بن يسار». ولا يعرف ابن لجامع يسمى أحمد ويروي عنه. والمصنف ينقل عن تذكرة القرطبي (٤٢٢) والسند فيها على الصواب.
(٤) تابع المصنف في ذلك القرطبي. وهو غريب، فإن الزيادة المذكورة واردة في سنن النسائي: المجتبى والكبرى كلتيهما.
(٥) برقم (١٠٧٤). وأخرجه الإمام أحمد (٦٥٨٢) من طريق هشام بن سعد، عن سعيد بن أبي هلال، عن ربيعة بن سيف، به. وإسناده منقطع كما قاله الترمذي. ولكن جاء موصولًا من وجه آخر، كما ذكره المصنف فيما أخرجه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول (١٥١٤، ١٥٦٩) من طريق بشر بن عمر، والطبراني في المعجم الكبير (١٤٢٥١) من طريق خالد بن نزار. كلاهما عن هشام بن سعد، عن سعيد بن أبي هلال، عن ربيعة بن سيف الإسكندراني، عن عياض بن عقبة الفهري، عن عبد الله بن عمرو، به. وعياض بن عقبة مجهول لا يعرف. لكن له طريق أخرى أخرجها الإمام أحمد (٦٦٤٦، ٧٠٥٠)، والطبراني في الكبير (١٤٧٤٧)، والبيهقي في إثبات عذاب القبر (١٧٣) من طرق عن بقية بن الوليد، عن معاوية بن سعيد التجيي، عن أبي قبيل، عن عبد الله بن عمرو، به. ومعاوية بن سعيد روى عنه جمع وذكره ابن حبان في الثقات (٩/ ١٦٦)، وبقية رجاله ثقات؛ أبو قبيل اسمه حُيي بن هانئ المصري وثقه الإمام أحمد وابن معين وأبو زرعة والفسوي وأحمد بن صالح المصري، وقال أبو حاتم: صالح الحديث (تهذيب التهذيب ٣/ ٧٣)، وبقية بن الوليد صرَّح بالتحديث في جميع السند عند أحمد والبيهقي. وله طريق أخرى عند البيهقي في إثبات عذاب القبر (١٧٤) من طريق ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة، عن سيار بن عبد الرحمن الصدفي، أن عبد الله بن عمرو كان يقول: «من توفي يوم الجمعة أو ليلة الجمعة وقي الفتّان». وفيه ابن لهيعة وهو سيئ الحفظ غير أنّ رواية العبادلة عنه أعدل من غيرها وهذه منها، ولكن فيه انقطاع فإن سيار بن عبد الرحمن الصدفي المصري لم يدرك عبد الله بن عمرو وهو معدود عند الحافظ في الطبقة السادسة الذين لم يثبت لهم لقاء أحد من الصحابة؛ ولذا قال ابن حبان بعد أن ترجمه في ثقات التابعين (٤/ ٣٣٥): «يروي المراسيل» ثم أعاد ترجمته في ثقات أتباع التابعين (٦/ ٤٢١). وله شاهد من حديث أنس ﵁، أخرجه أبو يعلى (٤١١٣). قال الهيثمي في المجمع (٢/ ٣١٩): «وفيه يزيد الرقاشي وفيه كلام». وبالجملة فالحديث بمجموع طرقه وشاهده قابل للتحسين. والله أعلم. (قالمي).
[ ١ / ٢٣٨ ]
قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة
[ ١ / ٢٣٩ ]
إلا وقاه الله فتنةَ القبر». قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب (^١). وليس إسناده بمتصل، ربيعةُ بن سيف إنما يروي عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي (^٢) عن عبد الله بن عمرو، ولا يُعرف لربيعة بن سيف سماع من عبد الله بن عمرو. انتهى.
[٥٢ ب] وقد روى الترمذي الحكيم (^٣) من حديث ربيعة بن سيف (^٤) هذا عن عِياض بن عُقبة الفِهْري عن عبد الله بن عمرو.
وقد رواه أبو نعيم الحافظ (^٥) عن محمد بن المنكدر (^٦)، عن جابر مرفوعًا، ولفظه: «من مات ليلةَ الجمعة أو يوم الجمعة أُجيرَ من عذاب القبر، وجاء يوم القيامة وعليه طابَعُ الشهداء». تفرَّد به عمر بن موسى الوَجِيهي (^٧)،
_________________
(١) في النسخ المطبوعة وتحفة الأشراف: «حديث غريب» من غير تحسين، فلعله هو الصواب لحكمه عليه بالانقطاع. (قالمي).
(٢) (ق): «الحيلي»، تصحيف.
(٣) في نوادر الأصول برقم (١٥١٤، ١٥٦٩). وفي (ب، ط): «روى الحاكم»، سقط وتحريف. وانظر: تذكرة القرطبي (٤٢٢).
(٤) «بن سيف» ساقط من (ب).
(٥) في حلية الأولياء (٣/ ١٥٥)، وقال: «غريب من حديث جابر ومحمد (يعني ابن المنكدر) تفرد به عمر بن موسى وهو مدني فيه لين». هو عمر بن موسى بن وجيه الوجيهي والمشهور أنه حمصي، ويقال: كوفي، وهو هالك، قال ابن معين: ليس بثقة، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي والدارقطني: متروك، وقال: أبو حاتم: ذاهب الحديث كان يضع الحديث، وقال ابن عدي: هو في عداد من يضع الحديث متنًا وإسنادًا. انظر: لسان الميزان (٤/ ٣٣٢ ــ ٣٣٤). (قالمي).
(٦) في (ب، ط): «من حديث محمد بن المنذر»، تصرف وتحريف.
(٧) (ب): «الوجهين»، تحريف.
[ ١ / ٢٤٠ ]
وهو مدني ضعيف (^١).
وقوله - ﷺ -: «كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة» معناه (^٢) ــ والله أعلم ــ أنَّه: قد (^٣) امتُحِن نفاقُه من إيمانه ببارقة السيف على رأسه، فلم يفِرَّ. فلو كان منافقًا لما صبر لبارقة السيف على رأسه (^٤)، فدلَّ على أنَّ إيمانه هو الذي حمله على بذل نفسه لله وتسليمها له، وهاجَ من قلبه حميةَ (^٥) الغضبِ لله ورسوله وإظهارِ دينه وإعزاز كلمته. فهذا قد أظهر صدق ما في ضميره، حيث (^٦) برز للقتل، فاستغنى بذلك عن الامتحان في قبره.
قال أبو عبد الله القُرطبيُّ (^٧): إذا كان الشهيد لا يُفتَن، فالصِّدِّيق أجلُّ خطرًا وأعظم أجرًا (^٨) أن لا يُفتَن؛ لأنه مقدَّمٌ ذكرُه في التنزيل على الشهداء.
_________________
(١) وانظر: تذكرة القرطبي (٤٢٣). وقال المصنف في تهذيب السنن (١/ ٣٦٨): «متروك، منسوب إلى الوضع».
(٢) أصل هذا التفسير للحكيم الترمذي في نوادر الأصول (٢/ ١٢١٨). نقله المصنف من تذكرة القرطبي (٤٢٤) مع التصرف في صياغته.
(٣) (ق): «أعلم وقد».
(٤) «فلم يفر رأسه» ساقط من (ب).
(٥) هنا انتهى السقط في (ج).
(٦) (ن): «حين».
(٧) في التذكرة (٤٢٤). ولكنه ليس من كلام القرطبي، وإنما هو تتمة كلام الحكيم الترمذي السابق في شرح الحديث. وقد ختمه القرطبي بعزوه إليه: «قاله الترمذي الحكيم»، ثم قال: «قلت: وإذا كان الشهيد » فاقتطع هذه التتمة من كلام الحكيم، وفصل بينها وبينه بالعزو!
(٨) كذا في جميع النسخ. وفي التذكرة بعده: «فهو أحرى أن لا يفتن». وفي نوادر الأصول: «أجلّ خطرًا، فهو أحرى ». وأخشى أن يكون في نسخة منه: «أحرا» بالألف فقرأه ناسخ بالجيم فزاد قبله: «أعظم».
[ ١ / ٢٤١ ]
هل يسأل الصديق في قبره كما يسأل غيره
وقد صحَّ في المُرابط الذي هو دون الشهيد أنه لا يُفتن (^١)، فكيف بمن هو أعلى رتبةً منه ومن الشهيد؟
والأحاديث الصحيحة تردُّ هذا القول، وتُبيِّن أنَّ الصدِّيق يُسأل في قبره كما يُسأل غيرُه. وهذا عمر بن الخطاب ﵁ رأس الصدِّيقِين، وقد قال للنبي (^٢) - ﷺ - لما أخبره عن سؤال الملك (^٣) في القبر، فقال: وأنا على مثل حالتي هذه؟ فقال: «نعم» وذكر الحديث (^٤).
_________________
(١) (ق): «لا يفتتن».
(٢) ما عدا (أ، ق، غ): «النبي»، تصحيف.
(٣) (ب، ن): «الملكين».
(٤) أخرجه أبو بكر بن أبي داود في البعث والنشور (٧) عن محمد بن إسماعيل الأحمسي، ثنا مفضل بن صالح أبو جميلة، ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي شهر، عن عمر بن الخطاب، ﵁ قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: «كيف أنت إذا كنت في أربعة أذرع في ذراعين، ورأيت منكرًا ونكيرًا؟ » الحديث. ومن هذا الوجه أخرجه الذهبي في الميزان (٤/ ١٦٧ ــ ١٦٨) وقال: «أبو شهم ــ ويقال: أبو شمر ــ فيه جهالة»، وقال في ترجمة أبي شهر (٤/ ٥٣٧): عن عمر، وعنه ابن أبي خالد بخبر منكر في منكر ونكير. لا يعرف، وقيل: مصحّف أبو شهم، وقيل: أبو شمر، وقيل: أبو سهيل» اهـ. وأخرجه البيهقي في إثبات عذاب القبر (١١٨) والاعتقاد (ص ١٢٧) من طريق علي بن المديني، ثنا مفضل بن صالح، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي سهيل، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يا عمر، كيف أنت إذا كنت في أربع من الأرض في ذراعين فرأيت منكرًا ونكيرًا » الحديث. قال البيهقي في الاعتقاد: «غريب بهذا الإسناد، تفرّد به مفضّل هذا، وقد رويناه من وجه آخر عن ابن عباس، ومن وجه آخر صحيح عن عطاء بن يسار عن النبي - ﷺ - مرسلًا ». ومفضل بن صالح هذا، قال فيه البخاري وأبو حاتم: منكر الحديث. تهذيب التهذيب (١٠/ ٢٧٢). وأما رواية عطاء المرسلة فأخرجها الحارث بن أبي أسامة (٢٨١ ــ بغية الباحث) والبيهقي في إثبات عذاب القبر (١١٦) من طريق إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن عطاء بن يسار، قال: قال رسول الله - ﷺ - لعمر بن الخطاب (الحديث). قال البوصيري في إتحاف الخيرة (٢/ ٤٩٢): «مرسل ورجاله ثقات». (قالمي).
[ ١ / ٢٤٢ ]
هل يسأل الأنبياء في قبورهم؟
وقد اختلف الناس (^١) في الأنبياء: هل يسألون في قبورهم؟ على قولين، وهما وجهان في مذهب أحمد وغيره (^٢). ولا يلزم من هذه الخاصِّية (^٣) التي اختصَّ بها الشهيد أن يشاركه الصدِّيق في حُكمها، وإن كان أعلى منه، فخواصُّ الشهداء قد تنتفي عمَّن هو أفضلُ منهم، وإن كان أعلى منهم درجة.
وأما حديث «ابن ماجه»: «من مات مريضًا مات شهيدًا، ووُقِيَ فتنةَ القبر» فمن أفراد ابن ماجه، وفي أفراده غرائبُ ومنكراتٌ. ومثل هذا الحديث مما يُتوقف فيه (^٤) ولا يشهد به على رسول الله - ﷺ -. فإن صحَّ فهو مقيَّد بالحديث (^٥) الآخر، وهو الذي يقتله بطنه. فإنَّه (^٦) صحَّ عنه أنه قال:
_________________
(١) «الناس» ساقط من (ق).
(٢) انظر: جامع المسائل (٣/ ٢٣٨).
(٣) (ن): «الخاصة».
(٤) «فيه» ساقط من (ب، ط، ج).
(٥) (ق): «للحديث».
(٦) (ب، ق): «فإن»، خطأ.
[ ١ / ٢٤٣ ]
حديث عبد الرحمن بن سمرة الذي بنى عليه أبو موسى المديني كتابه في الترغيب والترهيب
«المبطون شهيد» (^١)، فيحمل هذا المطلق على ذلك المقيَّد. والله أعلم.
وقد جاء فيما يُنجي من عذاب القبر حديث فيه الشفاء، رواه أبو موسى (^٢) المديني، وبنى عليه كتابه (^٣) في «الترغيب والترهيب»، وجعله شرحًا له (^٤). رواه (^٥) من حديث الفَرَج (^٦) بن فَضَالة، حدَّثنا هلالٌ أبو جَبَلة، عن سعيد بن المسيِّب، عن عبد الرحمن بن سَمُرة قال: خرج علينا رسول الله - ﷺ -، ونحن في صُفَّة بالمدينة، فقام علينا، فقال:
«إني رأيتُ البارحةَ عجبًا، رأيتُ رجلًا من أمتي أتاه ملكُ الموت ليقبضَ روحَه، فجاءه (^٧) برُّه بوالديه، فردَّ ملكَ الموت عنه.
ورأيتُ رجلًا من أمتي قد بُسط عليه عذابُ القبر، فجاءه (^٨) وضوؤه، فاستنقذه من ذلك (^٩).
ورأيت رجلًا من أمتي قد احتوشَتْه الشياطين، فجاءه (^١٠) ذكرُ الله،
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٧٣٣) ومسلم (١٩١٤) من حديث أبي هريرة.
(٢) (ب، ج): «أبو علي»، خطأ.
(٣) (ق): «وبيّن علَّته في كتابه»، تصحيف طريف.
(٤) أورده المصنف أيضًا في الوابل الصيب (١٩٩ ــ ٢٠٥) وقال نحو هذا، وسيأتي كلام المصنف على رواته.
(٥) «رواه» ساقط من (ط).
(٦) (أ، ق، غ): «أبي الفرج»، وهو خطأ، وسيأتي فيها مرة أخرى على الصواب.
(٧) ما عدا (أ، ن، غ): «فجاء».
(٨) (ب، ط): «فجاء».
(٩) «ورأيت ذلك» ساقط من (ق).
(١٠) (ب، ط): «فجاء».
[ ١ / ٢٤٤ ]
فطرد (^١) الشياطين عنه.
ورأيتُ رجلًا من أمتي قد احتوشَتْه ملائكةُ العذاب، فجاءته صلاتُه (^٢)، فاستنقذَتُه من أيديهم (^٣).
ورأيت رجلًا من أمتي يلهثُ عطَشًا، كلَّما دنا من حوضٍ مُنِعَ وطُرِد، فجاءه صيامُ شهر رمضان (^٤)، فأسقاه وأَرواه (^٥).
ورأيتُ رجلًا من أمتي ورأَيتُ النبيين جلوسًا حَلَقًا حَلَقًا (^٦)، كلَّما دنا إلى حَلْقةٍ طُرِد، فجاءه غُسلُه من الجنابة، فأخذ بيده، فأقعدَه (^٧) إلى جنبي.
ورأيتُ رجلًا (^٨) من أمتي من بين يديه ظُلمةٌ، ومن خَلْفه ظُلمة (^٩)، وعن يمينه ظُلْمةٌ، وعن يساره ظُلمةٌ، ومن فوقه ظُلمةٌ، وهو مُتحيِّر فيه. فجاءه حَجُّه وعُمرته، فاستخرجاه من الظُّلمة، وأدْخلاه في النور.
ورأيت رجلًا من أمتي يتَّقي بوجهه وَهَجَ النار وشَررَها. فجاءته صدقتُه، فصارتْ سُتْرةً بينه وبين النار، وظلًّا (^١٠) على رأسه.
_________________
(١) (ق): «فطيّر».
(٢) (أ، ب): «صلواته».
(٣) هذه الفقرة ساقطة من (ن).
(٤) (ط): «صيام رمضان».
(٥) «وأرواه» ساقط من (ب).
(٦) ساقط من (ن).
(٧) (ط): «وأقعده».
(٨) ساقط من (ب).
(٩) «ومن خلفه ظلمة» ساقط من (ط).
(١٠) (ق، ج، غ): «ظلل». وفي الأصل غيَّر بعضهم «ظلا» إلى «ظلل». وفي (ب): «ظلل». وفي الوابل الصيب: «وظللت».
[ ١ / ٢٤٥ ]
ورأيت رجلًا من أمتي يُكلِّم المؤمنين، ولا يُكلّمونه، فجاءته صلتُه لرحمه، فقالت: يا معشر المسلمين إنَّه كان وَصُولًا لرحِمه، فَكلِّموه. فكلَّمه المؤمنون، وصافحوه، وصافَحهم.
ورأيت رجلًا من أمتي قد احتوشَتْه الزَّبانية. فجاء أمره بالمعروف ونَهيْه عن المنكر، فاستنقَذَه من أيديهم، وأَدخله في ملائكة الرحمة.
ورأيتُ رجلًا من أمتي جاثيًا على رُكبتَيْه، وبينه وبين الله حِجابٌ فجاءه حسنُ خُلُقه، فأخذ بيده، فأدخله (^١) على الله ﷿.
ورأيتُ رجلًا من أمتي قد ذهبت صحيفته من قِبَل شماله، فجاءه (^٢) خوفُه من الله ﷿، فأخذ صحيفتَه، فوضعها في يمينه.
ورأيت رجلًا من أمتي خَفَّ ميزانُه، فجاءه أفراطُه (^٣) فثقَّلوا ميزانَه.
ورأيتُ رجلًا من أمتي قائمًا على شفير جهنم، فجاءه رجاؤه من الله ﷿، فاستنقذه من ذلك، ومضى.
ورأيتُ رجلًا من أمتي قد هوى في النار. فجاءته (^٤) دمعتُه التي بكى من خشية الله ﷿، فاستنقذتْه من ذلك.
ورأيتُ رجلًا من أمتي قائمًا على الصراط، يُرعَدُ كما ترعدُ السَّعَفةُ في
_________________
(١) (ط): «وأدخله».
(٢) (ط): «فجاء».
(٣) يعني: أولاده الصغار.
(٤) (ب): «فجاءه».
[ ١ / ٢٤٦ ]
ريح عاصف. فجاءه حسنُ ظنِّه بالله ﷿، فسكَّن رُوعَه (^١)، ومضى.
ورأيتُ رجلًا من أمتي يزحَفُ (^٢) على الصراط، ويَجثو (^٣) أحيانًا، ويتعلّق أحيانًا. فجاءته صلاتُه عليَّ، فأقامته على قدميه، وأنقذتُه.
ورأيتُ رجلًا من أمتي انتهى إلى باب الجنة (^٤)، فَغُلِّقت الأبوابُ دونه. فجاءته «أشهد (^٥) أن لا إله إلا الله» ففَتحَتْ له الأبوابَ، وأدخلَتْه الجنة» (^٦).
_________________
(١) في حاشية الأصل إشارة إلى أن في نسخة: «رعدة».
(٢) (ق، ج): «يرجف»، تصحيف.
(٣) ما عدا (أ، ق، غ): «يحبو».
(٤) ما عدا (أ، غ): «أبواب».
(٥) ما عدا (أ، غ): «شهادة».
(٦) ومن هذا الوجه أخرجه ابن الجوزي في العلل المتناهية (١١٦٥)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٤/ ٤٠٦ ــ ٤٠٧). وسيأتي تعليق المصنف ﵀ على هذه الرواية. وأخرجه بحشل في تاريخ واسط (ص ١٦٩ ــ ١٧٠)، والخرائطي في مكارم الأخلاق (٤٩)، والطبراني في الأحاديث الطوال (٣٩ ــ آخر المعجم الكبير)، وعبد الملك بن بشران في الأمالي (٢٥٠)، وابن شاهين في الترغيب في فضائل الأعمال (٥٢٦)، وابن حبان في المجروحين (٣/ ٤٣ ــ ٤٤)، وأبو القاسم الأصبهاني في الترغيب والترهيب (١٦٨٢، ٢٥١٨)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (١١٦٦) من طريق علي بن زيد بن جدعان، عن سعيد بن المسيب، به. بطوله إلا الخرائطي وابن حبان وابن الجوزي فببعضه. وأخرجه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول (١٣٢٩) من طريق ابن أبي فديك، عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله، عن سعيد بن المسيب، به، بطوله. وله طرق أخرى غير هذه لكن لا تخلو من صاحب مناكير أو مجهول لا يعرف، وقد تتبعها ودرسها وتكلم على رواتها محقق كتاب «الوابل الصيب» الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن قائد فجزاه الله خيرًا وخلص إلى ضعف الحديث، وسبقه إلى ذلك العلامة الألباني ﵀ في «السلسلة الضعيفة» (١٠٨٤)، وقبلهما الحافظ ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (٢/ ٢١١) فقال: «هذا حديث لا يصح». ومع ذلك فقد كان بعض أهل العلم يعظِّم شأنه، كما ذكر المصنّف ذلك عن شيخ الإسلام ابن تيمية، وأورده في الوابل الصيب (ص ١٩٩)، فقال: «هذا الحديث العظيم الشريف القدر الذي ينبغي لكل مسلم أن يحفظه فنذكره بطوله لعموم فائدته وحاجة الخلق إليه»، ثم نقل عن شيخ الإسلام بنحو ما نقله عنه ههنا، وقال أبو عبد الله القرطبي في التذكرة (٢/ ٥٩٥): «هذا حديث عظيم؛ ذكر فيه أعمالًا خاصة تنجي من أهوال خاصة». وقال المناوي في فيض القدير (٣/ ٣٤) معلقًا على كلام المصنف فيما نقله عن شيخ الإسلام أن أصول السنة تشهد له: «ورونق كلام النبوة يلوح عليه، وهو من أحسن الأحاديث الطوال، ليس من دأب المصنف إيرادها في هذا الكتاب (يعني السيوطي في الجامع الصغير) لكنه لكثرة فوائده وجموم فرائده وأخذه بالقلوب اقتحم مخالفة طريقته فأورده إعجابًا بحسنه وحرصًا على النفع به». قلت: وعلى هذا المعنى يُنزَّل قول أبي موسى المديني ﵀: «هذا حديث حسن جدًا» لا أنه أراد به الحسن الاصطلاحي، فتنبه. ولا ريب أنَّ كلَّ كلام ثبت عن رسول الله - ﷺ - فهو حسن عظيم، ولكن ليس كلُّ كلام حسن جميل يضاف إلى رسول الله - ﷺ -، كما ذكر ابن الجوزي في مقدمة كتابه الموضوعات (١/ ٤١ ــ ٤٢) عن قوم استجازوا وضع الأسانيد لكل كلام حسن، ونقله عنه الشيخ اللكنوي في الآثار المرفوعة في الأخبار الموضوعة (ص ١٦) وعلَّق عليه بقوله: «زعمًا منهم أن الحسن كله أمر شرعي لا بأس بنسبته إلى رسول الله - ﷺ - ولم يفهموا أن قول الرسول - ﷺ - حسن صادق، وعكس الكلية لا يصدق؛ فلا يصح كون كلّ حسن قول الرسول - ﷺ -، فنسبته إليه كذب» اهـ. (قالمي).
[ ١ / ٢٤٧ ]
قال الحافظ أبو موسى: هذا حديثٌ حسنٌ جدًّا، رواه عن سعيد بن
[ ١ / ٢٤٨ ]
المسيِّب عمر (^١) بن ذرٍّ، وعليُّ بن زيد بن جُدعان.
ونحو هذا الحديث ممَّا قيل فيه: إن رؤيا الأنبياء وحي (^٢)، فهي على ظاهرها؛ لا (^٣) كنحو ما رُوي عنه - ﷺ - أنه قال: «رأيتُ كأنَّ سَيفي انقطع، فأوَّلتُه كذا وكذا، ورأيتُ بقرًا تُنحَر» (^٤)، و«رأيتُ كأنَّا في دار عُقبةَ بن رافع» (^٥).
وقد روى في رؤياه الطويلة من حديث سَمُرة في «الصحيح» (^٦) ومن حديث عليٍّ (^٧)، وأبي أُمامةَ (^٨). ورواياتُ هؤلاء الثلاثة قريبٌ بعضها من بعض، مشتملة على ذكر عقوبات جماعةٍ من المعذَّبين في البرزخ. فأما في
_________________
(١) (ق): «وعمر». وفي (ن): «عمرو»، وكلاهما خطأ.
(٢) روي عن عبيد بن عمير في صحيح البخاري (١٣٨) وعن ابن عباس في جامع الترمذي (٣٦٨٩).
(٣) «لا» ساقطة من (ب، ط).
(٤) من حديث أبي موسى. أخرجه البخاري (٣٦٢٢) ومسلم (٢٢٧٢).
(٥) أخرجه مسلم (٢٢٧٠) من حديث أنس.
(٦) تقدم في المسألة الملحقة بالسادسة.
(٧) أخرجه ابن عدي في الكامل (٥/ ١٢٣ ــ ١٢٤) مختصرًا، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٩/ ٤٥١) مطولًا، وفي سنده عمرو بن خالد الكوفي ثم الواسطيّ كذبه الإمام أحمد وابن معين وغيرهما. (قالمي).
(٨) أخرجه ابن خزيمة (١٩٨٦)، وابن حبان (٧٤٩١)، والحاكم (٢/ ٢٠٩ ــ ٢١٠)، والطبراني في الكبير (٧٦٦٧)، والبيهقي في إثبات عذاب القبر (١١١). وقال الحاكم: «صحيح على شرط مسلم». وعزاه الهيثمي في المجمع (١/ ٧٧) للطبراني في الكبير وقال: «ورجاله رجال الصحيح». وأخرجه النسائي في السنن الكبرى (٣٢٨٦) مختصرًا. (قالمي).
[ ١ / ٢٤٩ ]
هذه الرواية، فذَكَر العقوبةَ، وأتبعها بما يُنجي صاحبها من العمل (^١).
وراوي (^٢) هذا الحديث عن ابن المسيِّب هلالٌ أبو جبَلة، مدنيٌّ، لا يُعرف بغير هذا الحديثِ (^٣). ذكره ابنُ أبي حاتم (^٤) عن أبيه هكذا، وذكره الحاكمُ أبو أحمد والحاكمُ أبو عبد الله: «أبو جبل» بلا هاء، وحَكَياه عن مسلم (^٥).
وراويه (^٦) عنه الفَرَج بن فَضالةَ. وهو وسطٌ في الرواية، ليس بالقويِّ [٥٤ أ] ولا المتروك (^٧). وراويه عنه بشرُ بن الوليد الفقيهُ المعروف بأبي الخطيب (^٨). كان حسنَ المذهب جميلَ الطريقة.
_________________
(١) (ب، ط): «الغل»، تحريف. و«صاحبها» ساقط من (ب، ط، ن، ج).
(٢) (ن): «وروى».
(٣) قال ابن الجوزي في العلل المتناهية (١١٦٦): مجهول.
(٤) في الجرح والتعديل (٩/ ٧٧).
(٥) انظر: الأسامي والكنى لأبي أحمد الحاكم (١٢٣٦)، والكنى والأسماء لمسلم (٦١١)، والمقتنى (١٢١٥) وفيها جميعًا «أبو جيل» بالياء المثناة، وهو تصحيف.
(٦) (ق): «ورواه» هنا وفيما يأتي.
(٧) قال عبد الرحمن بن مهدي: «حديث فرج بن فضالة عن أهل الحجاز أحاديث مقلوبة منكرة». وهو هنا يروي عن مدني مجهول. وقال أبو عبد الله الحاكم: «ممن لا يحتج بحديثه». انظر: تهذيب التهذيب (٨/ ٢٦٠).
(٨) في (ق، ب) بالسين مع علامة الإهمال. وهو القاضي بشر بن الوليد الكندي، من أخصّ أصحاب القاضي أبي يوسف. توفي سنة ٢٣٨. وكنيته المذكورة في ترجمته: أبو الوليد. فلا أدري أتحرّف «الوليد» إلى «الخطيب» هنا أم هي كنية أخرى له. انظر: تاريخ بغداد (٧/ ٨٠ ــ ٨٤).
[ ١ / ٢٥٠ ]
وسمعتُ (^١) شيخَ الإسلام يُعظِّم أمرَ هذا الحديث، وقال: أصول السنة تشهدُ له، وهو من أحسن الأحاديث (^٢). والله التوفيق.
_________________
(١) وقال في الوابل الصيب (٢٠٥): «وكان شيخ الإسلام ابن تيمية ــ قدس الله روحه ــ يعظم شأن هذا الحديث. وبلغني عنه أنه كان يقول: «شواهد الصحة عليه».
(٢) قوله: «من أحسن الأحاديث» كقول أبي موسى: «حديث حسن جدًّا»، ليس المقصود منه الحسن الاصطلاحي كما سبق في تخريج الحديث. وانظر تعقيب الألباني على قوله: «أصول السنة تشهد له» في الضعيفة (١٤/ ١٢٣٩).
[ ١ / ٢٥١ ]