جواب شيخ الإسلام ابن تيمية عن المسألة
فصل (^١)
وهذا يتضح بجواب المسألة (^٢) [الملحقة بالسادسة]، وهي قول السائل: هل عذاب القبر على النفس والبدن، أو على النفس دون البدن، أو على البدن دون النفس؟ وهل يُشارك البدنُ النفسَ في النعيمِ والعذاب أم لا؟
وقد سُئل شيخُ الإسلام عن هذه المسألة ــ ونحن نذكر لفظَ جوابه ــ فقال (^٣):
«بل العذابُ والنعيم على النفس والبدن جميعًا باتِّفاق أهل السنة والجماعة. تُنعَّم النفسُ وتُعذَّب منفردةً عن البدن، وتُنعَّم وتُعذَّب متَّصلة بالبدن، والبدن متَّصلٌ بها، فيكون النعيمُ والعذاب عليهما في هذه الحال
_________________
(١) كلمة «فصل» لم ترد في (ن).
(٢) كذا في جميع النسخ ما عدا (ق، ن)، ففيهما «المسألة السابعة». واستّمرت (ن) على هذا الترقيم، فالمسألة الأخيرة التي هي الحادية والعشرون في النسخ الأخرى صارت الثانية والعشرين في (ن). أما (ق) فسارت مع (ن) إلى المسألة الثامنة، فهي عندها التاسعة، ولكن لما جاءت التاسعة في غيرها فارقت (ن)، وكتبت «التاسعة» مكررة وتابعت النسخ الأخرى. والظاهر من السياق أن الصواب مع (ن)، وحقّ هذه المسألة أن تكون مستقلّة برقمها، ولكن يظهر لي ــ والله أعلم ــ أن المؤلف ﵀ أضافها بعد إكمال الكتاب، ولم يرقِّمها في أصله، فبقيت غير مرقَّمة في النسخ المنقولة عنه أيضًا. وزيادة «السابعة» هنا من بعض النسَّاخ، ومن هنا انفردت بها (ن)، ولم تستمر عليها (ق). وقد سميتها «الملحقة بالسادسة» لتمييزها من السادسة مع الحفاظ على ترقيم المسائل في النسخ.
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٢٨٢ ــ ٢٩٥).
[ ١ / ١٤٦ ]
مجتمعَين، كما يكون للروح (^١) منفردةً عن البدن.
وهل يكون العذاب والنعيم للبدن بدون الروح؟ هذا فيه قولان مشهوران لأهل الحديث والسنة وأهل الكلام. وفي المسألة أقوال شاذّة ليست من أقوال أهل السنة والحديث: قولُ من يقول (^٢): إنّ النعيمَ والعذابَ لا يكون إلا على الروح، وإنَّ البدنَ لا يُنعَّم ولا يُعذَّب. وهذا تقوله (^٣) الفلاسفة المنكرون لمعاد الأبدان، وهؤلاء كفار بإجماع المسلمين. ويقوله كثير من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم الذين يُقِرُّون بمعاد الأبدان، لكن يقولون: لا يكون ذلك في البرزخ، وإنما يكون عند القيام من القبور».
[٣٣ أ] لكن (^٤) هؤلاء يُنكرون عذاب البدن في البرزخ فقط، ويقولون: إنَّ الأرواحَ هي المنعَّمة أو المعذَّبة في البرزخ، فإذا كان يومُ القيامة عُذِّبت الروح والبدن معًا. وهذا القول قاله طوائفُ من المسلمين من أهل الكلام والحديث وغيرهم، وهو اختيارُ ابن حزم وابن مسَرَّة (^٥). فهذا القول ليس من الأقوال الثلاثة الشاذّة، بل هو مضاف إلى قول من يقول بعذاب القبر، ويُقِرُّ بالقيامة، ويُثبِت معاد الأبدان والأرواح، ولكن هؤلاء لهم في عذاب القبر ثلاثة أقوال:
_________________
(١) في جميع النسخ: «تكون الروح»، وفي (ب، ز): «يكون». والصواب ما أثبتنا من الفتاوى.
(٢) ذكر شيخ الإسلام ثلاثة أقوال شاذّة، وهذا هو الأول.
(٣) ما عدا (أ، ق)، الفتاوى: «يقوله».
(٤) هذا تعليق ابن القيم عقّب به على كلام شيخه للتوضيح.
(٥) (أ، ط، غ): «ابن مرة». (ن، ج): «ابن ميسرة». وفي (ز): «مرّة» دون كلمة «ابن». والمثبت من (ب، ق). وقد مرّ ذكره قريبًا.
[ ١ / ١٤٧ ]
أحدها: أنَّه على الروح فقط.
الثاني: أنَّه عليها وعلى البدن بواسطتها.
الثالث: أنَّه على البدن فقط.
وقد يُضمُّ إلى ذلك القولُ الثاني (^١)، وهو قول من يُثبِت عذاب القبر، ويَجعل الروحَ هي الحياةَ. ويُجعَل الشاذُّ (^٢) قولَ منكر عذاب الأبدان مطلقًا، وقولَ من يُنكر عذابَ الروح مطلقًا.
فإذا جعلت الأقوال الشاذَّة ثلاثةً، فالقولُ الثاني الشاذُّ (^٣): «قولُ من يقول: إنَّ الروحَ بمفردها لا تُنعَّم ولا تُعذَّب. وإنما الروحُ هي الحياة. وهذا يقوله طوائفُ من أهل الكلام من المعتزلة والأشعرية، كالقاضي أبي بكر وغيره، وينكرون أنَّ الروحَ تبقى بعد فراق البدن. وهذا قولٌ باطل، وقد خالفه أصحابه أبو المعالي الجويني وغيره. بل قد ثبت بالكتابِ والسنّة واتِّفاق [سلف] (^٤) الأمة أنّ الروحَ تبقى بعد فراق البدن (^٥)، وأنّها منعَّمة أو مُعذَّبة.
والفلاسفة الإلهيون يُقِرُّون بذلك، لكن ينكرون معاد الأبدان. فهؤلاء يُقِرُّون بمعاد الأبدان، لكن ينكرون معاد الأرواح ونعيمها وعذابها بدون الأبدان. وكلا القولين خطأ وضلال، لكن قولُ الفلاسفة أبعدُ عن أقوال أهل
_________________
(١) يعني: من الأقوال الشاذّة عند شيخه.
(٢) في جميع النسخ ما عدا (ن): «الفساد»، وهو تحريف.
(٣) انتهى تعليق ابن القيم، ورجع السياق إلى كلام شيخ الإسلام.
(٤) من مجموع الفتاوى.
(٥) «فإذا جعلت البدن» ساقط من (ب، ط، ج).
[ ١ / ١٤٨ ]
فصل: مذهب سلف الأمة وأئمتها
الإسلام، وإن كان قد يوافقهم عليه من يعتقد أنّه متمسِّك بدين الإسلام، بل من يظنُّ أنّه من أهل المعرفة والتصوف والتحقيق والكلام (^١).
والقول الثالث الشاذُّ: قول من يقول: إن البرزخ ليس فيه نعيم ولا عذاب، بل لا يكون ذلك حتى تقومَ الساعة الكبرى. كما يقول [٣٣ ب] ذلك من يقوله من المعتزلة ونحوهم، ممن ينكر عذابَ القبر ونعيمَه، بناءً على أنَّ الروح لا تبقى بعد فراق البدن، وأنَّ البدنَ لا يُنعَّم ولا يُعذَّب.
فجميع هؤلاء الطوائف ضُلَّال في أمر البرزخ، لكنهم خيرٌ من الفلاسفة، فإنهم مُقِرُّون بالقيامة الكبرى».
فصل (^٢)
«فإذا عرَفتَ هذه الأقوالَ الباطلة (^٣)، فلتعلَمْ أنّ مذهب سلف الأمة وأئمتها: أنّ الميتَ إذا مات يكون في نعيم أو عذاب، وأنّ ذلك يحصل لروحه وبدنه، وأنّ الروحَ تبقى بعد مفارقة البدن مُنعَّمة أو مُعذَّبة، وأنها تتَّصل بالبدن أحيانًا فيحصل (^٤) له معها النعيم أو العذاب. ثم إذا كان يوم القيامة الكبرى أُعيدت الأرواح إلى الأجساد، وقاموا من قبورهم لربِّ العالمين. ومعادُ الأبدان متفقٌ عليه بين المسلمين واليهود والنصارى».
_________________
(١) (ب، ط، ن، ج): «والتحقيق في الكلام».
(٢) كلمة «فصل» لم ترد في (ب، ن، ج)، ولا في مجموع الفتاوى.
(٣) الفتاوى: الثلاثة الباطلة.
(٤) (ق، ط): «يحصل».
[ ١ / ١٤٩ ]
فصل: الأدلة على مذهب السلف: أحاديث عذاب القبر
فصل (^١)
«ونحن ننصر (^٢) ما ذكرناه. فأما أحاديثُ عذاب القبر ومساءلة منكر ونكير، فكثيرةٌ متواترة عن النبي - ﷺ -، كما في «الصحيحين» (^٣) عن ابن عباس أنَّ النبيَّ - ﷺ - مرَّ بقبرين، فقال: «إنهما لَيُعذَّبان، وما يُعذَّبان في كبير. أما أحدُهما فكان لا يستتر (^٤) من البول، وأما الآخرُ فكان يمشي بالنميمة». ثم دعا بجريدة رَطْبة، فشقَّها نصفين، فقال: «لعله يخفَّفُ عنهما ما لم يَيْبسا».
وفي «صحيح مسلم» (^٥): عن زيد بن ثابت قال: بينا رسولُ الله - ﷺ - في حائط لبني النجار على بغلته، ونحن معه، إذ حادت به، فكادت تلقيه، فإذا أقبُرٌ ستة أو خمسة أو أربعة. فقال: «من يعرف أصحابَ هذه القبور؟» فقال رجل: أنا. قال: «فمتى مات هؤلاء؟» قال: ماتوا في الإشراك. فقال: «إنَّ هذه الأمةَ تُبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوتُ الله أن يُسمِعكم من عذاب القبر الذي أسمعُ منه». ثم أقبل علينا بوجهه، فقال: «تعوَّذوا بالله من عذاب النار». قالوا: نعوذ بالله من عذاب النار. قال (^٦): «تعوَّذوا بالله من عذاب القبر». قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر. [٣٤ أ] قال: «تعوَّذوا بالله من الفتن ما
_________________
(١) لا وجود لكلمة «فصل» في (ب، ن، ج) والفتاوى.
(٢) من (أ، غ). وفي (ب، ط، ن): «نبيّن». وفي الفتاوى: «ونحن نذكر ما يبيِّن ما ذكرناه». وفي (ق): «نضمن». وفي (ز): «نضم». ولعلها تصحيف «ننصر».
(٣) البخاري (٢١٦) ومسلم (٢٩٢).
(٤) (ن): «يستبرئ».
(٥) برقم (٢٨٦٧).
(٦) «تعوّذوا قال» ساقط من (ط).
[ ١ / ١٥٠ ]
ظهر منها وما بطن». قالوا: نعوذُ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن. قال: «تعوَّذوا بالله من فتنة الدجَّال». قالوا: نعوذُ بالله من فتنة الدجَّال.
وفي «صحيح مسلم» (^١) وجميع السنن (^٢): عن أبي هريرة أن النبيَّ - ﷺ - قال: «إذا فَرَغ أحدُكم من التشهد الأخير، فليتعوَّذ بالله من أربعٍ: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجَّال».
وفي «صحيح مسلم» (^٣) أيضًا وغيره (^٤): عن ابن عبّاس أنّ النبيَّ - ﷺ - كان يُعلِّمهم هذا الدعاءَ، كما يُعلِّمهم السورةَ من القرآن: «اللهم إنِّي أعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذُ بك من فتنة المحيا والممات، وأعوذُ بك من فتنة المسيح الدجَّال».
وفي «الصحيحين» (^٥): عن أبي أيوب قال: خرج النبيُّ - ﷺ -، وقد وجَبت الشمسُ، فسمع صوتًا، فقال: «يهود تُعذَّب في قبورها».
وفي «الصحيحين» (^٦): عن عائشة قالت: دخلتْ عليَّ عجوزٌ من عجائز
_________________
(١) برقم (٥٨٨).
(٢) أخرجه أبو داود (٩٨٣) والنسائي (١٣٠٩) وابن ماجه (٩٠٩). وانظر: الترمذي (٣٦٠٤).
(٣) برقم (٥٩٠).
(٤) «وغيره» ساقط من (ط). وأخرجه أبو داود (١٥٤٢) والترمذي (٣٤٩٤) والنسائي (٢٠٦٢).
(٥) البخاري (١٣٧٥) ومسلم (٢٨٦٩).
(٦) البخاري (٦٣٦٦) ومسلم (٥٨٦). وكذا سياق الحديث في مجموع الفتاوى (٤/ ٢٨٦). وفي الصحيحين أن الداخلة على عائشة عجوزان.
[ ١ / ١٥١ ]
يهود المدينة، فقالت: إنّ أهلَ القبور يُعذَّبون في قبورهم. قالت: فكذَّبتُها، ولم أُنعِمْ أن أُصدِّقَها. قالت: فخرجَتْ، ودخل عليَّ رسولُ الله - ﷺ -، فقلتُ: يا رسول الله، إنَّ عجوزًا من عجائز يهود أهل المدينة دخلتْ، فزعمتْ أنَّ أهلَ القبور يُعذَّبون في قبورهم. قال: «صدقَتْ، إنَّهم يُعذَّبون عذابًا تسمعُه البهائمُ كلُّها». قالت: فما رأيتُه بعدُ في صلاة إلا يتعوَّذ من عذاب القبر.
وفي صحيح ابن حِبَّان (^١): عن أمِّ مبشِّر قالت: دخل عليَّ رسول الله - ﷺ -، وهو يقول: «تعوَّذوا بالله من عذاب القبر» فقلت: يا رسول الله، وللقبر (^٢) عذاب؟ قال: «إنهم لَيعذَّبون في قبورهم عذابًا تسمعه البهائم».
قال بعض أهل العلم (^٣): ولهذا السبب يذهب الناس بدوابِّهم إذا مَغِلَتْ (^٤)
_________________
(١) برقم (٣١٢٥) من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن أمِّ مبشر. وأخرجه ابن أبي شيبة (١٢٠٢٥)، والإمام أحمد (٢٧٠٤٤) كلاهما عن أبي معاوية به. وإسناده جيد. أبو سفيان هو طلحة بن نافع الواسطي، وأبو معاوية هو محمد بن خازم الضرير. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٥٦): «رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح». (قالمي).
(٢) (ب، ط، ج): «أللقبر».
(٣) مجموع الفتاوى: «بعضهم». وفي تلخيص كتاب الاستغاثة (٢/ ٥٩٠): «وهذا المعنى كنت أذكره للناس، ولم أعلم أحدًا قاله. ثم وجدته قد ذكره بعض العلماء». وانظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٢٨٧)، (٣٥/ ١٣٩) ومختصر الفتاوى المصرية (٣١٤) والبداية والنهاية (١٢/ ٥٩٨).
(٤) المغَل: مَغْص يأخذ الدوابَّ عن أكل التراب (المصباح المنير). ويظهر مما ذكر هنا وفي المصادر السابقة أنه يسبّب الإمساك الشديد.
[ ١ / ١٥٢ ]
إلى قبور اليهود والنصارى والمنافقين كالإسماعيلية والنُّصَيرية والقرامطة من بني عُبيد وغيرهم الذين بأرض مصر والشام، فإنَّ أصحاب الخيل يقصدون قبورهم لذلك، كما يقصِدون قبور اليهود والنصارى. قالوا: فإذا سمعت الخيلُ عذاب القبر أحدَثَ لها ذلك فزَعًا وحرارةً تذهب بالمَغَل (^١).
وقد قال عبد الحقّ الإشبيليُّ (^٢): حدثني الفقيه أبو الحكم بن بَرَّجان (^٣) ــ وكان من أهل العلم والعمل ــ أنهم دفنوا ميتًا بقريتهم في شرق (^٤) إشبيلية. فلما فرغوا من دفنه قعدوا ناحيةً يتحدثون، ودابةٌ ترعى قريبًا منهم، فإذا بالدابَّة قد أقبلت مسرعةً إلى القبر، فجعلت أذنَها عليه، كأنها تستمع (^٥)، ثم ولَّت فارَّة. ثم عادت إلى القبر، فجعلت أذنها عليه، كأنها تستمع (^٦)، ثم ولَّت فارة. فعلت ذلك مرة بعد مرة.
_________________
(١) في تلخيص كتاب الاستغاثة (٢/ ٥٩٠): «فبسبب الرعب الذي يحصل لها تنحلُّ بطونها، فتروث، فإن الفزع يقتضي الإسهال».
(٢) في كتاب العاقبة (٢٤٧).
(٣) عبد السلام بن عبد الرحمن اللخمي الإشبيلي، من أهل المعرفة بالقراءات والحديث. نعته الذهبي بشيخ الصوفية. توفي سنة ٥٣٦. سير أعلام النبلاء (٢٠/ ٧٢). و«بَرَّجان» ضبط في (ق) بضم الموحدة، وهو خطأ. انظر: وفيات الأعيان (٤/ ٢٣٧).
(٤) (أ، ق، ج): «شرف». وفي (ن): «سوق». والمثبت من غيرها. وكذا في العاقبة، وتذكرة القرطبي (٤٠٨).
(٥) (ق، ن، ز، غ): «تسمع».
(٦) ما عدا (أ، ج): «تسمع». و«كأنها تستمع» ساقطة من (ب).
[ ١ / ١٥٣ ]
قال أبو الحكم: فذكرت عذاب القبر، وقولَ النبي - ﷺ -: «إنهم ليعذَّبون عذابًا تسمعه البهائم».
ذكَر لنا هذه الحكاية ــ ونحن نسمع عليه «كتاب مسلم» ــ لما انتهى القارئ إلى قول النبي - ﷺ -: «إنهم ليعذَّبون عذابًا تسمعه البهائم» (^١).
وهذا (^٢) السماع واقع على أصوات المعذَّبين. قال هنَّاد بن السَّرِيّ في كتاب «الزهد» (^٣): ثنا وكيعٌ، عن الأعمش، عن شَقِيق، [عن مسروق] (^٤) عن عائشة قالت: دخلتْ عليَّ يهودية، فذكرتْ عذاب القبر، فكذَّبتُها. فدخل النبي - ﷺ - عليَّ، فذكرتُ ذلك له، فقال: «والذي نفسي بيده، إنّهم ليعذَّبون في قبورهم حتى تسمعَ البهائم أصواتهم» (^٥).
قلتُ (^٦): وأحاديث المسألة في القبر كثيرة، كما في الصحيحين والسُّنن عن البراء بن عازب أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «المسلم إذا سُئِل في قبره، فيشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فذلك قول الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]».
_________________
(١) في (ن): «القارئ إلى هذا الحديث».
(٢) (ق): «فهذا».
(٣) برقم (٣٤٧). وأخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده (١٤١٦) عن وكيع، به. وإسناده صحيح. (قالمي).
(٤) ساقط من جميع النسخ، وقد أضفناه من مصادر التخريج.
(٥) من «وقد قال عبد الحق الإشبيلي » إلى هنا لم يرد في مجموع الفتاوى. ولعله إضافة من ابن القيم إلى كلام شيخه.
(٦) السياق موهمٌ أن القائل هنا ابن القيم، ولكن الكلام الآتي لشيخ الإسلام. وليس في الفتاوى (٤/ ٢٨٧): «قلت».
[ ١ / ١٥٤ ]
وفي لفظ: «نزلت في عذاب القبر. يقال له: مَن ربُّك؟ فيقول: ربِّي الله، ونبيِّي محمد (^١). فذلك قول الله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾» (^٢).
وهذا الحديث قد رواه أهل السنن والمسانيد مطوَّلًا كما تقدّم.
وقد صرح في هذا (^٣) الحديث بإعادة الروح إلى البدن، وباختلاف أضلاعه. وهذا بيِّنٌ في أنّ العذاب على الروح والبدن [٣٥ أ] مجتمعين.
وقد روى مثلَ حديث البراء في قبض الروح والمساءلة (^٤) والنعيم والعذاب أبو هريرة ــ وحديثُه في المسند وصحيح أبي حاتم (^٥) ــ أنَّ النبي - ﷺ - قال: «إن الميّت إذا وُضِع في قبره إنّه يسمع خفق نعالهم حين يولُّون
_________________
(١) (أ، ق، غ): «الله ربي، ومحمد نبيّي».
(٢) أخرجه البخاري (٤٦٩٩)، ومسلم (٢٨٧١)، وأبو داود (٤٧٥٠)، والترمذي (٣١٢٠)، والنسائي (٢٠٥٧)، وابن ماجه (٤٢٦٩) من حديث سعد بن عبيدة، عن البراء بن عازب ﵁. وهو عند البخاري وأبي داود بنحو اللفظ الأول. وعند الآخرين بنحو اللفظ الثاني. (قالمي).
(٣) لم يرد «هذا» في (ب، ط، ز، ج).
(٤) رسمها في النسخ: «المسايلة».
(٥) أخرجه أحمد (٨٥٦٣) مختصرًا، وابن حبان (٣١١٣)، والحاكم (١/ ٣٧٩ ــ ٣٨٠) من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. وأخرجه من هذا الوجه ابن أبي شيبة (١٢٠٦٢)، وعبد الرزاق (٦٧٠٣)، والطبراني في الأوسط (٢٦٣٠) وغيرهم. وصححه الحاكم على شرط مسلم. وقال الهيثمي في المجمع (٣/ ٥٢): «رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن». وهو كما قال. (قالمي).
[ ١ / ١٥٥ ]
عنه، فإن كان مؤمنًا كانت الصلاة عند رأسه، والصيام عن يمينه، والزكاة عن شماله، وكان فعلُ الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان عند رجليه.
فيؤتَى من قِبَل رأسه، فتقول الصلاة: ما قِبَلي مدخل. ثم يؤتى من يمينه، فيقول الصيام: ما قِبَلي مدخل. ثم يؤتى عن يساره، فتقول الزكاة: ما قبلي مدخل. ثم يؤتى من قِبَل رجليه، فيقول فِعْلُ الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان: ما قِبَلي مدخل.
فيقول له (^١): اجلِسْ. فيجلس، قد مُثِّلتْ له الشمسُ، وقد آضَتْ (^٢) للغروب. فيقال له: هذا الرجلُ الذي كان فيكم، ما تقول فيه؟ وما تشهد به عليه؟ فيقول: دعوني حتى أصلِّي (^٣). فيقولون: إنك ستصلِّي، أخبِرْنا عَمّا نسألك عنه. أرأيت هذا الرجلَ الذي كان فيكم، ما تقول فيه؟ وماذا تشهد عليه؟ فيقول: محمدٌ، أشهد أنَّه رسول الله، جاء بالحقّ من عند الله. فيقال له: على ذلك حَيِيتَ، وعلى ذلك مِتَّ، وعلى ذلك تُبعَث إن شاء الله.
ثم يفتح له باب إلى الجنة، فيقال له: هذا مقعدك وما أعدَّ الله لك فيها. فيزداد غبطةً وسرورًا. ثم يُفسَح له في قبره سبعون ذراعًا، وينَّور له فيه، ويعاد الجسد لما بُدِئ منه، وتُجعل نَسَمتُه في النَّسَم الطيِّب، وهي طير يعلُق (^٤) في
_________________
(١) «له» ساقط من (ط).
(٢) كذا في جميع النسخ. وفي مجموع الفتاوى: «أصغت». وفي كتاب ابن حبان: «أُدنيت». وفي بعض المصادر: «تدانت أو دنت». وآضت: عادت.
(٣) (ب، ط، ج): «دعوني أصلي».
(٤) (ب، ط، ج): «تعلق». وقد سبق تفسيره.
[ ١ / ١٥٦ ]
شجر الجنة». قال: «فذلك قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾».
وذكر في الكافر ضدَّ ذلك إلى أن قال: «ثم يُضَيَّق عليه في قبره إلى أن تختلِفَ فيه أضلاعه، فتلك المعيشةُ الضَّنْكُ التي قال الله: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤]» (^١).
وفي الصحيحين (^٢) من حديث قتادة، عن أنس أنَّ النبي - ﷺ - قال: «إنَّ الميت إذا وُضِع في قبره، وتولَّى عنه أصحابُه [٣٥ ب] ــ إنّه ليَسمع خفقَ نعالهم ــ أتاه ملكان فيقرِّرانِه (^٣)، فيقولان له: ما كنتَ تقول في هذا الرجل محمد؟ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله». قال: «فيقول (^٤): انظر إلى مقعدك من النار، قد أَبْدَلَك الله به مقعدًا من الجنة». قال رسول الله - ﷺ -: «فيراهما جميعًا».
قال قتادة: وذُكِر لنا أنَّه يُفسَح له في قبره سبعون ذراعًا، ويُملأ عليه خَضِرًا إلى يوم يبعثون. ثم رجع إلى حديث أنس. قال: «فأمّا (^٥) الكافرُ
_________________
(١) ثم ساق شيخ الإسلام حديث البراء بطوله، ثم ذكر حديث أنس الآتي وما بعده. مجموع الفتاوى (٤/ ٢٩٢ ــ ٢٩٥).
(٢) البخاري (١٣٧٤) ومسلم (٢٨٧٠).
(٣) (ق): «فيقعدانه». وهو لفظ الصحيحين. وفي النسخ الأخرى كلها ومجموع الفتاوى ما أثبتنا.
(٤) كذا في جميع النسخ والفتاوى. وغيَّره بعض القراء في (ن) إلى «فيقولان». وفي الصحيحين: «فيقال له».
(٥) (ب، ط، ج): «وأما».
[ ١ / ١٥٧ ]
والمنافق فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس. فيقولان: لا دريْتَ ولا تَلَيْتَ! ثم يُضرَب بمطراقٍ من حديد بين أذنيه، فيصيح صيحةً، فيسمعُها مَن عليها غيرَ الثقَلَين».
وفي صحيح أبي حاتم (^١)، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا قُبِر أحدُكم أو الإنسان أتاه ملَكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما: المنكَرُ، والآخر: النَّكير، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل محمد - ﷺ -؟ فهو قائلٌ ما كان يقول. فإن كان مؤمنًا قال: هو عبد الله ورسوله، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله. فيقولان له: إنْ كنّا لَنَعلمُ أنّك تقول ذلك. ثم يُفسَح له في قبره سبعون ذراعًا في سبعين ذراعًا، وينَّور له فيه، ويقال له: نَمْ. فيقول: أرجعُ إلى أهلي ومالي، فأُخبِرهم! فيقولان: نَمْ كنَومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحبُّ أهله إليه، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك.
وإن كان منافقًا قال: لا أدري، كنتُ اسمع الناس يقولون شيئًا، فكنتُ أقوله. فيقولان له: كنَّا نعلم أنَّك تقول ذلك. ثم يقال للأرض: التَئِمي عليه. فتلتئم (^٢) عليه، حتى تختلفَ فيها أضلاعه. فلا يزال معذّبًا حتى يبعثَه الله من مضجعه ذلك».
_________________
(١) برقم (٣١١٧) من طريق عبد الرحمن بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة. وأخرجه من هذا الوجه الترمذي (١٠٧١)، وابن أبي عاصم في السنة (٨٦٤)، والآجري في الشريعة (٨٥٨)، والبيهقي في إثبات عذاب القبر (٥٦). وقال الترمذي: «حسن غريب». وينظر: السلسلة الصحيحة (١٣٩١). (قالمي).
(٢) رسم الفعلين في النسخ: التامي، تلتيم.
[ ١ / ١٥٨ ]
وهذا صريح في أنَّ البدن يُعذَّب (^١).
وعن أبي هريرة أنَّ النبي - ﷺ - قال: «إذا حُضِرَ المؤمنُ (^٢) أتته الملائكة بحريرة بيضاء، فيقولون: اخرجي أيتها الروح الطيّبة راضيةً مرضيًّا عنكِ [٣٦ أ] إلى رَوحٍ ورَيحانٍ وربٍّ غيرِ غضبان. فتخرج كأطيب ريح المسك، حتّى إنّه ليناولُه بعضهُم بعضًا، حتّى يأتوا به بابَ السماء، فيقولون: ما أطيبَ هذه الريحَ التي جاءتكم من الأرض! فيأتون به أرواحَ المؤمنين، فلَهم أشدُّ فرحًا به من أحدكم بغائبه يقدَمُ عليه. فيسألونه: ماذا فعل فلان؟» قال: «فيقولون: دَعُوه يستريح، فإنه كان في غمِّ الدنيا. فإذا قال: أتاكم (^٣)، فيقولون: إنه ذُهِب به إلى أمه الهاوية (^٤).
وإنّ الكافر إذا احتُضِر أتته ملائكة العذاب بمِسْحٍ، فيقولون: اخرجي مسخوطًا عليك إلى عذاب الله! فتخرج كأنتَنِ ريحِ جيفةٍ، حتى (^٥) يأتوا به بابَ الأرض، فيقولون: ما أنتنَ هذه الروحَ! حتى يأتوا به أرواحَ الكفار».
رواه النسائي، والبزار، ومسلم مختصرًا (^٦).
_________________
(١) لفظ شيخ الإسلام: «وهذا الحديث فيه اختلاف أضلاعه وغير ذلك، مما يبيِّن أن البدن نفسه يعذَّب». فاختصره المصنف كما ترى.
(٢) أي حضره الموت. وفي (ق): «احتضر».
(٣) (ب، ط، ج): «إنه أتاكم».
(٤) «فإذا قال الهاوية» ساقط من (ن).
(٥) «حتى» ساقطة من (ن).
(٦) أخرجه النسائي (١٨٣٣)، والبزار (٨٢١٩)، وابن حبان (٣٠١٤)، والحاكم (١/ ٣٥٣) من طريق هشام الدستوائي، عن قتادة، عن قسامة بن زهير، عن أبي هريرة. وأخرجه الحاكم أيضًا من طريق معمر، عن قتادة، به. وصحَّح إسناده الحافظ العراقي في المغني عن حمل الأسفار (٤٣٩٢). وقال الحاكم: «وقال همام بن يحيى عن قتادة عن أبي الجوزاء عن أبي هريرة». يشير بذلك إلى الاختلاف على قتادة، وما رواه عنه معمر وهشام هو الأشبه بالصواب، ولا يمنع أن يكون فيه لقتادة شيخان؛ لأن قتادة واسع الرواية وهو ممن تدور عليه الأسانيد. وحديث همام أخرجه ابن حبان (٣٠١٣) وهو الحديث التالي عند المصنف. وحديث أبي هريرة هذا سبق تخريجه بسياق أطول من رواية سعيد بن يسار، عنه. (قالمي).
[ ١ / ١٥٩ ]
وأخرجه أبو حاتم في صحيحه (^١) وقال: «إن المؤمن إذا حضره الموتُ حضرته ملائكة الرحمة. فإذا قُبض جُعلت (^٢) روحه في حريرة بيضاء، فيُنطلَق بها إلى باب السماء، فيقولون: ما وجدنا (^٣) ريحًا أطيب من هذه. فيقال: ما فعل فلان؟ ما فعلت فلانة؟ فيقال: دعوه يستريح (^٤)، فإنَّه كان في غمِّ الدنيا. وأما الكافر إذا (^٥) قُبضت نفسُه (^٦) ذُهب بها إلى الأرض، فتقول خَزَنة الأرض: ما وجدنا ريحًا أنتنَ من هذه، فيُبلغ بها إلى الأرض السفلى» (^٧).
_________________
(١) سبق تخريجه في الحاشية السابقة.
(٢) (ب، ط، ج): «وضعت».
(٣) (ب، ط): «رحنا».
(٤) «يستريح» ساقط من (ط).
(٥) (ب، ط، ج): «فإذا».
(٦) (ن): «روحه».
(٧) هنا انتهى ما نقله المصنف من كلام شيخه. انظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٢٩٥). وفيما بعده إلى آخر الفصل كأنه اعتمد في سياق الأحاديث على تذكرة القرطبي (٣٢٣ ــ ٣٢٥).
[ ١ / ١٦٠ ]
وروى النسائي في سننه (^١) من حديث عبد الله بن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: «هذا الذي تحرَّك له العرش، وفُتِحت له أبوابُ السماء، وشهد له سبعون ألفًا من الملائكة، لقد ضُمَّ ضَمَّةً، ثم فُرِّج عنه». قال النسائي: يعني سعد بن معاذ (^٢).
ورَوَى (^٣) من حديث عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «للقبر ضغطةٌ لو
_________________
(١) برقم (٢٠٥٥) عن إسحاق بن إبراهيم (هو ابن راهويه)، عن عمرو بن محمد العنقزيّ، عن عبد الله بن إدريس، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر. وأخرجه من هذا الوجه أيضًا الطبراني في الكبير (١٧٠٧) والأوسط (٥٣٣٣). وقال: «لم يرو هذا الحديث عن عبيد الله إلا ابن إدريس». وإسناده صحيح. رجاله رجال الصحيح. وينظر: السلسلة الصحيحة (١٦٩٥). (قالمي).
(٢) لم أجده في السنن. وقال السيوطي في شرحه: «زاد البيهقي في كتاب عذاب القبر [١٠٩]: يعني سعد بن معاذ». ولكن كذا وقع في تذكرة القرطبي (٣٢٣)، فلعله وهم في عزو ما قاله البيهقي إلى النسائي، وتابعه المصنف.
(٣) ضبط في (ب): «رُوي». ولكن قال المصنف فيما بعد: «رواه». والسياق موهمٌ أن هذا الحديث أيضًا رواه النسائي. والمصنف صادر عن تذكرة القرطبي، والقرطبي صادر عن كتاب العاقبة (٢٤٤). والسياق في العاقبة: «وذكر النسائي عن ابن عمر ومن حديث شعبة بن الحجاج بإسناده إلى عائشة أم المؤمنين وذكر مسلم من حديث عبد الله بن عمر». فذكرُ حديث شعبة بعد النسائي وقبل مسلم قد يُوهم أن حديث شعبة أيضًا من كتاب النسائي. وسياق القرطبي في التذكرة (٣٢٣): «النسائي عن عبد الله بن عمر ومن حديث شعبة » إلخ. فتابع عبد الحق بالنص. وليس فيه تصريح بأن حديث شعبة رواه النسائي، خلافًا لابن القيم الذي تصرَّف في النقل، فقال: «رواه من حديث شعبة»، فصرَّح بأنه رواه النسائي، إذ لا مرجع للضمير غيره؛ إلا أن يقال: إن الفاعل سقط من النسخ، وكان في أصل المصنف مثلًا: «رواه [أحمد] من حديث شعبة». والله أعلم.
[ ١ / ١٦١ ]
نجا منها أحد لنجا منها سعدُ بن معاذ». رواه من حديث شعبة (^١).
وقال هنَّاد بن السَّرِيّ (^٢): حدثنا محمد بن فُضَيل، عن أبيه، عن ابن أبي مُليَكة قال: ما أُجِيرَ من ضغطة القبر أحدٌ، ولا سعدُ بن معاذ الذي منديلٌ من مناديله خيرٌ من الدنيا وما فيها.
_________________
(١) أخرجه البغوي في الجعديات (١٥٦٦)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٨٩٧ ــ مسند عمر بن الخطاب)، وابن حبان (٣١١٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٩٦)، وفي إثبات عذاب القبر (١١٩، ١٢٠) من طرق عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن نافع، عن صفية امرأة ابن عمر، عن عائشة. وأخرجه الإمام أحمد (٢٤٢٨٣) من طريقين عن شعبة، فقال في الأولى: «عن نافع عن عائشة» ولم يذكر الواسطة، وقال في الأخرى: «عن إنسان عن عائشة» ولم يسمه. وقال الحافظ العراقي في تخريجه أحاديث الإحياء (٤٤٦٦): «رواه أحمد بإسناد جيد». ولكن علم من رواية الجماعة عن شعبة أن نافعًا يرويه عن عائشة بواسطة صفية امرأة ابن عمر. وإسناده صحيح. رجاله رجال الصحيح. (قالمي).
(٢) في كتاب الزهد (٣٥٦).
[ ١ / ١٦٢ ]
قال (^١) [٣٦ ب]: وحدثنا عَبْدة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع قال: لقد (^٢) بلغني أنه شهد جنازة سعدِ بن معاذ سبعون ألفَ ملَك لم ينزلوا إلى الأرض قطُّ. ولقد بلغني أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «لقد ضُمَّ صاحبُكم في القبر ضمَّةً».
وقال علي بن معبد (^٣):
حدّثنا عبيد الله، عن زيد (^٤) بن أبي أُنَيْسة، عن جابر، عن نافع قال: أتينا صفيةَ بنت أبي عبيد امرأةَ عبد الله بن عمر، وهي فَزِعةٌ (^٥)، فقلنا: ما شأنُك؟ فقالت: جئت من عند بعض نساء النبي - ﷺ -، فحدَّثتني أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «إنْ كنت لأرى لو أنَّ أحدًا أُعْفِيَ من عذاب القبر لعُوفيَ (^٦) منه سعدُ بن معاذ. لقد ضُمَّ فيه ضَمَّةً» (^٧).
_________________
(١) في كتاب الزهد (٣٥٨). ورجاله ثقات ولكنه مرسل. وعبدة هو ابن سليمان الكلابي الكوفي. (قالمي).
(٢) «لقد» ساقط من الأصل.
(٣) في (ب، ن): «علي بن سعيد». وهو تحريف. والآثار الثلاثة الآتية خرَّجها القرطبي في التذكرة (٣٢٤) من كتاب «الطاعة والمعصية» لعلي بن معبد، غير أنه حذف أسانيدها. أما المصنف فساقها بأسانيدها ولكن لم يصرّح باسم الكتاب. وهو علي بن معبد بن شدَّاد العبدي أبو الحسن ــ ويقال: أبو محمد ــ الرَّقِّي نزيل مصر. توفي سنة ٢١٨. انظر: تهذيب التهذيب (٧/ ٣٨٤). وكتابه «الطاعة والمعصية» ذكره ابن خير في فهرسته (٢٧٢) وابن حجر في المعجم المفهرس (٩٢).
(٤) (أ، ن): «يزيد»، تحريف.
(٥) (ق): «خزاعة».
(٦) في جميع النسخ والتذكرة هنا: «لعفي»، ولعله تصحيف سماعي لما أثبتنا من الأوسط للطبراني (١١٥٩) وحلية الأولياء (٣/ ١٧٤).
(٧) أخرجه الطبراني في الأوسط (١١٥٩) قال: حدثنا أحمد (هو ابن داود المكي) ثنا عبيد الله (هو ابن عمرو الرقي) بإسناده. وفيه جابر وهو ابن يزيد الجعفي وهو متروك. وقال الهيثمي في المجمع (٣/ ٤٧): «وهو مرسل وفي إسناده من لم أعرفه». كذا قال! ولم يتبين لي وجه الإرسال فيه؛ لأنه من رواية نافع عن صفية، عن بعض زوجات النبي - ﷺ -، إلا إذا كان على مذهب من يسمي حديث الصحابي المبهم مرسلًا كالبيهقي وغيره. وقد سبق في رواية سعد بن إبراهيم أنّ نافعًا يرويه عن صفية، عن عائشة ﵂. وقوله ﵀: «وفي إسناده من لم أعرفه» كذا ولعله يعني شيخ الطبراني وإلا فرواته معروفون بالثقة سوى جابر الجعفي فهو معروف بالضعف. والله أعلم. (قالمي).
[ ١ / ١٦٣ ]
وحدثنا مروان بن معاوية، عن العلاء بن المسيّب، عن معاوية العبسي، عن زاذان أبي عمر (^١)، قال: لما دَفَن رسول الله - ﷺ - ابنتَه جلس عند القبر، فتربَّد وجهُه، ثم سُرِّي عنه. فقال له أصحابه: رأينا وجهك آنفًا، ثم سُرِّي عنك. فقال النبي - ﷺ -: «ذكرت ابنتي وضعْفَها وعذابَ القبر، فدعوت الله، ففرَّج عنها. وَايم الله لقد ضُمَّت ضَمَّةً سمعها مَن بين الخافقين» (^٢).
_________________
(١) (ب): «أبي عمرو». (ز): «بن عمر». وفي غيرهما: «بن عمرو». والصواب ما أثبتنا. وكذا في التذكرة.
(٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه كما في اللآلئ المصنوعة (٢/ ٤٣٤) عن مروان بن معاوية بإسناده. ومن طريق سعيد بن منصور أخرجه ابن الجوزي في العلل المتناهية (١٥١٨)، وفي الموضوعات (٣/ ٢٣٣). وهو مرسل، زاذان أبو عمر ذكره ابن سعد في الطبقات (٦/ ١٧٨) في الطبقة الأولى من تابعي أهل الكوفة، وقال: «كان ثقة قليل الحديث»، ووثقه أيضًا ابن معين والخطيب وغيرهما. (انظر: تهذيب التهذيب ٣/ ٣٠٣). وأما معاوية العبسي فلم أظفر له بترجمة. وله شاهد من حديث أنس. أخرجه الطبراني في الأوسط (٥٨١٠) من طريق زكريا بن سلام، عن سعيد بن مسروق عن أنس. قال الحافظ ابن رجب في أهوال القبور (ص ١١٦): «وزكريا قيل: إنه مجهول، وسعيد بن مسروق لم يُدرك أنسًا فهو منقطع». وله طريق أخرى من رواية الأعمش، لكن اختُلف عليه كثيرًا كما شرح ذلك أبو الحسن الدارقطني في العلل (١٢/ ٢٥١) ثم قال: «والحديث مضطرب عن الأعمش». ونقله عنه ابن الجوزي في الموضوعات وقال: «هذا حديث لا يصح من جميع طرقه». (قالمي).
[ ١ / ١٦٤ ]
فصل: أقوال الإمام أحمد في عذاب القبر ومنكر ونكير
وحدثنا شعيب، عن ابن دينار (^١)، عن إبراهيم الغنَوي، عن رجل قال: كنت عند عائشة، فمرَّت جنازة صبيٍّ، فبكت، فقلت لها: ما يُبكيكِ يا أمَّ المؤمنين؟ فقالت: هذا الصبي بكيتُ له شفقةً عليه من ضمَّة القبر.
ومعلوم أنَّ هذا كلَّه للجسد (^٢) بواسطة الروح.
فصل
وهذا كما أنَّه مقتضَى السنّة الصحيحة، فهو متفق عليه بين أهل السنة.
قال المرُّوذي: قال أبو عبد الله: عذابُ القبر حقٌّ لا ينكره إلا ضالٌّ مُضِلّ (^٣).
وقال حنبل: قلت لأبي عبد الله في عذاب القبر، فقال: هذه أحاديثُ
_________________
(١) في (ب، ط، ج): «سعيد» موضع «شعيب». وفي (ن): «حدثنا سعيد بن دينار». وعزاه ابن رجب في الأهوال (٦١) إلى هناد بن السري عن سعيد بن دينار. ولم أجده في كتاب الزهد لهناد.
(٢) «للجسد» ساقط من (ط).
(٣) طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (١/ ١٤٩).
[ ١ / ١٦٥ ]
صحاحٌ نؤمن بها، ونُقِرُّ بها. كلُّ ما جاء عن النبي - ﷺ - إسنادُه جيِّدٌ (^١) أقررنا به. إذا لم نُقِرَّ بما جاء به الرسول، ودفَعناه، وردَدْناه= رددنا على الله أمرَه. قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]. قلت له: وعذابُ القبر حقٌّ؟ قال: حقٌّ، يعذَّبون في القبور.
قال (^٢): وسمعت أبا عبد الله يقول: نؤمن بعذاب القبر وبمنكر ونكير، وأنَّ العبد يُسأل في قبره فـ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ في القبر (^٣).
وقال أحمد بن القاسم (^٤): قلتُ: يا أبا عبد الله، تُقِرُّ بمنكر ونكير، وما يروَى في عذاب القبر؟ فقال: سبحان الله! نعم، نُقِرُّ بذلك، ونقوله. قلت: هذه اللفظة نقول (^٥): «منكَر ونكير» هكذا، أو نقول ملكين؟ قال: منكر ونكير. قلت: يقولون ليس في حديثٍ منكر ونكير. قال: هو هكذا. يعني: أنهما منكر ونكير.
_________________
(١) في النسخ كلها ما عدا (ن): «إسنادٌ جيِّدٌ». وقد ضبط في الأصل بتنوين الكلمتين. وكذا نقله من كتاب الروح المنبجي في تسلية أهل المصائب (٢٨٥) والسفاريني في لوامع الأنوار (٢/ ٢٣). ولعل صوابه ما أثبتناه من حادي الأرواح للمصنف (٧٠٨). وفي (ن): «بإسناد جيد». وكذا في مجموع الفتاوى (٦/ ٥٠٠) في جواب أبي عبد الله عن سؤال حنبل في مسألة الرؤية. وفي كتاب اللالكائي (٨٨٩): بأسانيد جيدة.
(٢) نقله المنبجي في تسلية المصائب (٢٨٥) والسفاريني في لوامع الأنوار (٢/ ٢٣).
(٣) «في القبر» ساقط من (ن). وقد سبق أن الآية نزلت في عذاب القبر.
(٤) ذكره بنحوه ابن أبي يعلى في ترجمته في طبقات الحنابلة (١/ ١٣٥).
(٥) كذا في (ط، ع) بالنون «نقول» هنا وفيما بعد. وفي غيرهما لم ينقط.
[ ١ / ١٦٦ ]
وأما أقوال أهل البدع والضلال (^١)، فقال أبو الهُذَيل والمَرِيسي (^٢):
من خرج عن سمَة الإيمان فإنه يعذَّب بين النفختين، والمسألةُ في القبر إنما تقع في ذلك الوقت.
وأثبت الجُبَّائي وابنه (^٣) والبَلْخي (^٤) عذاب القبر، ولكنهم نفَوْه عن المؤمنين، وأثبتوه لأصحاب التخليد من الكفار (^٥) والفُسَّاقِ على أصولهم.
_________________
(١) هذه الأقوال إلى آخر الفصل منقولة من كتاب التذكرة للقرطبي (٣٧٨ ــ ٣٨٠). وانظر: المواقف للإيجي (٣/ ٥١٧).
(٢) كذا في جميع النسخ. وفي تذكرة القرطبي ــ وهو مصدر المؤلف ــ: «بِشْر». والمقصود به: بِشر بن المعتمر الهلالي. وقد صرَّح بذلك الآمدي في أبكار الأفكار (الآيات البينات: ٨٧) والعضد في المواقف (٣/ ٥١٧). ولكن ابن القيِّم توهَّم أن المراد: بِشر بن غياث المريسي، فتصرَّف في نقل كلام القرطبي، وكتب مكان «بشر»: «المريسي» مع أنَّ القرطبي ميَّز بينهما. فذكر ابن المعتمر باسمه «بشر» في أول الفقرة، وذكر ابن غياث في آخرها باسمه ونسبه: «بشر المريسي». أضف إلى ذلك أن السياق يأبى أن يراد هنا المريسي، فإن القرطبي نقل أولًا أقوال طائفة من المعتزلة القائلين بعذاب القبر، ومنهم أبو الهذيل وبشر، ثم قال: «وأما الباقون من المعتزلة فإنهم أنكروا عذاب القبر أصلًا». وذكر من هؤلاء «بشرًا المريسي». فلا يعقل أن يكون المريسي منكرًا لعذاب القبر أصلًا وقائلًا به في وقت واحد.
(٣) الجبَّائي محمد بن عبد الوهاب (ت ٣٠٣) وابنه عبد السلام (ت ٣٢١). ترجمتهما في طبقات المعتزلة (٨٠، ٩٤).
(٤) عبد الله بن أحمد البلخي الكعبي، رأس الفرقة الكعبية (ت ٣١٩). ترجمته في المصدر السابق (٨٨).
(٥) في (ط، ج): «في النار» مكان «من الكفار».
[ ١ / ١٦٧ ]
وقال كثير من المعتزلة: لا يجوز تسمية ملائكة الله بمنكَر ونكير، وإنّما المنكَر: ما يبدو من تلجلجه إذا سئل؛ والنكير: تقريعُ الملكين له.
وقال الصالحي (^١) وصالح قُبَّة (^٢): عذاب القبر يجري على المؤمن من غير ردِّ الأرواح إلى الأجساد، والميتُ يجوز أن يأْلَم ويُحِسَّ ويعلمَ بلا روح. وهذا قول جماعة من الكرَّامية.
وقال بعض المعتزلة: إن الله سبحانه يعذِّب الموتى في قبورهم، ويُحدِثُ فيهم الآلام، وهم لا يشعرون. فإذا حُشروا وجدوا تلك الآلام، وأحسُّوا بها. قالوا: وسبيل المعذَّبين من الموتى كسبيل السكران والمغشيّ عليه، لو ضُرِبوا لم يجدوا الألم، فإذا عاد إليهم العقل أحسُّوا بألم الضرب.
وأنكر جماعة منهم عذاب القبر رأسًا مثل ضِرار بن عمرو (^٣). ويحيى بن كامل (^٤)، وهو قول المَريسي.
_________________
(١) في (ب، ط، ن، ج): «الصنابحي». والصواب ما أثبتنا من غيرها والتذكرة. وهو أبو الحسين محمد بن مسلم الصالحي، رأس الفرقة الصالحية، من قدماء المعتزلة. انظر: طبقات المعتزلة (٧٢).
(٢) في جميع النسخ الخطية ما عدا (ن، ز): «فيه»، وكذا في المطبوعة. وفي (ن، ز): «فتنة». وكلاهما تصحيف. والصواب ما أثبتنا من التذكرة. وقد أشار الأستاذ بسام العموش إلى احتمال هذا التصحيف في نشرته للروح (٢٩٧)، ولكنه لم يكن على بينة منه فلم يثبته في المتن. وانظر في صالح قبَّة: طبقات المعتزلة (٧٣) ومقالات الإسلاميين (٤٠٦ ــ ٤٠٧) وفيه سبب تلقيبه.
(٣) رأس الفرقة الضرارية. ترجمته في الفهرست (٢١٤) وسير أعلام النبلاء (١٠/ ٥٤٤).
(٤) كان من أصحاب المريسي ومن المرجئة ثم انتقل إلى مذهب الإباضية. الفهرست (٢٣٣).
[ ١ / ١٦٨ ]
فصل: عذاب القبر هو عذاب البرزخ، فكل ميت مستحق للعذاب يناله نصيبه منه قبر أم لم يقبر
فهذه أقوال أهل الحَيْرة والضلالة (^١).
فصل
ومما ينبغي أن يُعلم أنَّ عذاب القبر هو عذاب البرزخ. فكلُّ من مات، وهو مستحِقٌّ للعذاب، ناله نصيبه منه، قُبر أو لم يُقبر. فلو أكلته السباع، أو أُحرِق حتى صار رمادًا، أو نُسِف في الهواء، [٣٧ ب] أَو صُلِب، أو غَرِق في البحر= وصل إلى روحه وبدنه من العذاب ما يصل إلى المقبور (^٢).
وفي «صحيح البخاري» (^٣) عن سَمُرة بن جُنْدُب قال: كان النبي - ﷺ - إذا صلَّى صلاةً أقبل علينا بوجهه، فقال: «من رأى منكم الليلة رؤيا؟» قال: فإن رأى أحدٌ رؤيا قصَّها. فيقول ما شاء الله. فسألنا يومًا، فقال: «هل رأى أحد منكم رؤيا؟» قلنا: لا. قال: «لكنّي رأيتُ الليلةَ رجلين أتياني، فأخذا بيدي، وأخرجاني إلى الأرض المقدَّسة. فإذا رجل جالس، ورجل قائم، بيده كَلُّوبٌ من حديد، يُدخله في شِدْقِه حتى يبلغ قفاه، ثم يفعل بشِدقه الآخرِ مثلَ ذلك، ويلتئم شِدقه هذا، فيعود، فيصنع مثله.
قلتُ: ما هذا؟ قالا: انطِلْق.
فانطلقنا حتى أتَيْنا على رجلٍ مضطجع على قَفاه، ورجلٌ قائمٌ على رأسه بصخرة أو فِهْر، فيشدَخ بها رأسَه. فإذا ضربه تدَهْدَهَ الحجر، فانطلقَ إليه
_________________
(١) (ن، ز): «الضلال».
(٢) في (ق، ز) والنسخ المطبوعة: «القبور»، تحريف. وانظر «الأمر الثامن» في المسألة الآتية.
(٣) برقم (١٣٨٦).
[ ١ / ١٦٩ ]
ليأخذه، فلا يرجع إلى هذا حتى يلتئم رأسُه، وعاد رأسه كما هو، فعاد إليه، فضربه.
قلتُ: ما هذا؟ قالا: انطلِق.
فانطلقنا إلى نَقْبٍ مثل التنّور، أعلاه ضيِّق، وأسفلُه واسع، يوقَد تحته نارٌ (^١). فإذا فيه رجالٌ ونساءٌ عراةٌ. فيأتيهم اللهب من تحتهم، فإذا اقترب (^٢) ارتفعوا حتى كادوا يخرجوا (^٣)، فإذا خمدت رجعوا.
فقلت: ما هذا؟ قالا: انطلق.
فانطلقنا، حتى أتينا على نهر من دمٍ، فيه رجل قائم، وعلى وسط النهر رجل بين يديه حجارة. فأقبل الرجل الذي في النهر، فإذا أراد أن يخرج رمَى الرجلُ بحجرٍ في فيه، فردَّه حيث كان. فجَعل كلَّما جاء ليخرج رمَى في فيه بحجر، فرجع كما كان.
فقلت: ما هذا، قالا: انطلق.
فانطلقنا حتى انتهينا إلى روضة خضراءَ، فيها شجرةٌ عظيمة، وفي أصلها شيخ وصبيان. وإذا رجل قريب من الشجرة، بين يديه نارٌ يوقدها. فصعدا بي الشجرة، وأدخلاني دارًا لم أرَ قط أحسنَ منها، فيها شيوخ وشبَّان (^٤). ثم صعدا بي فأدخلاني دارًا هي أحسن وأفضل.
_________________
(١) (ق): «نارًا».
(٢) (ب، ط): «ضرمت». (ن): «أضرمت».
(٣) كذا في الأصل وغيره ما عدا (ط، ز) والنون حذفت للتخفيف. وقد يكون المؤلف أثبت «كاد أن يخرجوا» كما في الصحيح، فأخطأ الناسخ. وفي (ط، ز): «يخرجون».
(٤) في الصحيح: «رجال شيوخ وشباب ونساء وصبيان».
[ ١ / ١٧٠ ]
قلت [٣٨ أ]: طَوَّفْتُماني (^١) الليلة، فأخبِراني عما رأيتُ. قالا: نعم. الذي رأيتَه يُشَقُّ شِدقُه كذَّاب يحدِّث بالكَذْبة، فتُحمَل عنه حتَّى تبلغ الآفاق؛ فيُصنَع به إلى القيامة. والذي رأيته يُشدَخ رأسُه، فرجلٌ علَّمه الله القرآن، فنام عنه بالليل، ولم يعمل به في النهار؛ يُفعل به إلى يوم القيامة. وأما الذي رأيت في النَّقْب فهم الزناة. والذي رأيتَه في النهر فآكلُ الربا.
وأما الشيخ الذي في أصل الشجرة فإبراهيم، والصبيانُ حوله فأولاد الناس، والذي يوقِد النار فمالكٌ خازُن النار. والدارُ الأولى دار عامَّة المؤمنين، وأما هذه الدار فدار الشهداء. وأنا جبريل، وهذا ميكائيل، فارفع رأسك. فرفعتُ رأسي، فإذا قصر مثلُ السحابة. قالا: ذاك منزلك، قلت (^٢): دَعاني أدخلْ منزلي، قالا: إنه بقي لك عمر لم تستكمله، فلو استكملتَه أتيتَ منزلك».
وهذا نصٌّ في عذاب البرزخ، فإنَّ رؤيا الأنبياء وَحْي مطابق لما في نفس الأمر.
وقد ذكر الطحاوي (^٣) عن ابن مسعود عن (^٤) النبي - ﷺ - قال: «أُمِر بعبد
_________________
(١) (ب، ط): «طُفتمابي».
(٢) (ب، ط، ج): «فقلت».
(٣) في مشكل الآثار (٣١٨٥) قال: حدثنا فهد بن سليمان، ثنا عمرو بن عون الواسطي، ثنا جعفر بن سليمان، عن عاصم، عن شقيق، عن ابن مسعود. ورجاله ثقات غير عاصم هو ابن أبي النجود وهو صدوق له أوهام، حجة في القراءة، وحديثه في الصحيحن، كما في التقريب. وجوَّد إسناده الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٧٧٤). (قالمي). والمصنف صادر عن تذكرة القرطبي. (الإصلاحي).
(٤) ما عدا (أ، ق، غ): «أنَّ».
[ ١ / ١٧١ ]
من عباد الله أن يُضرَب في قبره مائة جلدة. فلم يزل يسألُ الله ويدعوه حتى صارت واحدة (^١)، فامتلأ قبره عليه (^٢) نارًا. فلما ارتفع عنه أفاق، فقال: علَام جلدتموني؟ قالوا: إنّك صلَّيت صلاة بغير طهور، ومررت على مظلوم فلم تنصره».
وقد ذكر البيهقي (^٣) حديث الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي
_________________
(١) في (ب، ط) زيادة: «فضرباه». وفي مشكل الآثار مكانها: «فجُلد جلدة واحدة».
(٢) (أ): «عليه قبره».
(٣) في دلائل النبوة (٦٧٩) والمصنف صادر عن تذكرة القرطبي (٤٠١). (الإصلاحي). أخرجه البيهقي من طريق أبي جعفر الرازي وهو عيسى بن ماهان، عن الربيع بن أنس، بطوله. ومن هذا الوجه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٣١٨٤)، وابن جرير الطبري في تفسيره (١٤/ ٤٢٤ ــ ٤٣٥)، والبزار (٥٥ - كشف الأستار). إلا أنه وقع عند ابن أبي حاتم والبزار الشك في شيخ الربيع بن أنس أو غيره. ووقع عند الطبري الشك في الصحابي: «عن أبي هريرة أو غيره» وزاد: «شك أبو جعفر» يعني عيسى بن ماهان الرازيّ. قال البزار: «وهذا لا نعلمه يروى إلا بهذا الإسناد من هذا الوجه». وفي إسناده أبو جعفر الرازي واسمه عيسى بن أبي عيسى عبد الله بن ماهان، صدوق سيئ الحفظ كما في التقريب، ومن سوء حفظه شكّه في التابعي هل هو أبو العالية الرياحي واسمه نُفيع بن مهران وهو ثقة من رجال الجماعة أو غيره فيكون مجهولًا. ولذلك قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٧٢) ــ بعد أن عزاه للبزار ــ: «رجاله موثقون إلا أن الربيع بن أنس، قال: عن أبي العالية أو غيره، فتابعيه مجهول». والحديث أورده ابن كثير في تفسيره (٥/ ٣٢ ــ ٣٨) عن الطبري بطوله ثم قال عقبه: «أبو جعفر الرازي قال فيه الحافظ أبو زرعة الرازي: يَهِم في الحديث كثيرًا، وقد ضعَّفه غيره أيضًا، ووثقه بعضهم، والأظهر أنه سيئ الحفظ ففيما تفرد به نظر. وهذا الحديث في بعض ألفاظه غرابة ونكارة شديدة، وفيه شيء من حديث المنام من رواية سمرة بن جندب في المنام الطويل عند البخاري، ويشبه أن يكون مجموعًا من أحاديث شتى، أو منام أو قصة أخرى غير الإسراء، والله أعلم». (قالمي).
[ ١ / ١٧٢ ]
هريرة، عن النبي - ﷺ - في هذه الآية: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ الآية [الإسراء: ١]، قال: «أُتي بفرس، فحُمل عليه». قال: «كلُّ خطوة منتهى أقصى بصره. فسار، وسار معه جبريلُ، فأتَى على قوم يزرعون في يوم ويحصدون في يوم، كلَّما حصدوا عاد كما كان، فقال: يا جبريل مَن هؤلاء؟ قال: هؤلاء المهاجرون (^١) في سبيل الله، يُضاعَف لهم الحسنةُ بسبعمائة ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩].
ثم أتى على قوم تُرضَخ رؤوسهم بالصخر، كلَّما رُضِخت عادت [٣٨ ب] كما كانت، لا يُفَتَّرُ عنهم شيءٌ من ذلك. قال: يا جبريل مَن هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين تتثاقل (^٢) رؤوسهم عن الصلاة.
قال: ثم أتى على قوم، على أقبالهم رِقاعٌ، وعلى أدبارهم رقاع، يسرحون كما تسرح الأنعام على الضَّريع، والزَّقُّوم، ورَضْفِ (^٣) جهنَّم، وحجارتها. قال: ما هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين لا يؤدُّون صدقات أموالهم. وما ظلمهم الله، وما الله بظلام للعبيد.
_________________
(١) ما عدا (أ، ق): «المجاهدون». وقد غيَّر بعضهم في (ب) «المهاجرون» إلى «المجاهدون». وفي الدلائل ما أثبتنا.
(٢) (ب، ط، ن، ج): «تنام».
(٣) ما عدا (ب، ط): «وصف»، تصحيف. والرضف: الحجارة التي حميت بالشمس أو النار.
[ ١ / ١٧٣ ]
ثم أتى على قوم، بين أيديهم لحمٌ من (^١) قِدْر نضيج، ولحم آخر خبيث. فجعلوا يأكلون من الخبيث، ويدَعُون النضيج الطيب. فقال: يا جبريل مَن هؤلاء؟ قال: هذا الرجل يقوم، وعنده امرأة حلالًا طيبًا (^٢)، فيأتي المرأةَ الخبيثة، فتبيتُ معه حتى تصبح.
ثم أتى على خشبة على الطريق، لا يمرُّ بها شيء إلا قصَفَتْه. يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾ [الأعراف: ٨٦].
ثم مرَّ على رجل قد جمَعَ حُزمةً عظيمةً لا يستطيع حملَها، وهو يريد أن يزيدَ عليها. قال: يا جبريل ما هذا؟ قال: هذا (^٣) رجل من أمتك، عليه أمانةٌ، لا يستطيع أداءها، وهو يزيد عليها.
ثم أتى على قوم تُقَرَض شفاههم بمقاريض (^٤) من حديد، كلَّما قُرِضت عادت كما كانت، لا يفتَّر عنهم شيء. قال: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء خطباء الفتنة (^٥).
ثم أتى على حجر صغير، يخرج منه ثور عظيم. فجعل الثور (^٦) يريد أن يدخل من حيث خرج ولا يستطيع، قال: ما هذا يا جبريل؟ قال (^٧): هذا الرجل
_________________
(١) (ن، ز): «في». وكذا في الدلائل.
(٢) (ق، ز): «حلال طيب».
(٣) «هذا» من (ق، ن، ج) والدلائل.
(٤) (أ، غ): «بمقارض».
(٥) (ط): «أمتك».
(٦) «الثور» ساقط من (أ، غ).
(٧) «هؤلاء خطباء قال» ساقط من (ن).
[ ١ / ١٧٤ ]
يتكلم بالكلمة، فيندم عليها، فيريد أن يردَّها، فلا يستطيع». وذكر الحديث.
وذكر البيهقي (^١)
أيضًا في حديث الإسراء من رواية أبي سعيد الخُدري عن النبي - ﷺ - قال: «فصعدْتُ أنا وجبريلُ، فاستفتح جبريل، فإذا بآدم (^٢) كهيئته يومَ خلقه الله على صورته، تُعرض عليه أرواح ذريته المؤمنين، فيقول: روحٌ طيِّبة ونَفْس طيِّبة، اجعلوها في علِّيين. ثم تُعرض عليه (^٣) أرواح ذريته الفُجَّارِ، فيقول: روح خبيثة ونفس خبيثة، اجعلوها في سِجِّين.
ثم مضَيْتُ هنيَّة، فإذا أنا بأَخوِنَة [٣٩ أ]، عليها لحمٌ مُشرَّح (^٤) ليس بقربها أحد. وإذا بأخْوِنة أخرى، عليها لحم قد أرْوَحَ ونَتِن، وعندها ناس يأكلون منها. قلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء يتركون الحلال ويأتون الحرام.
_________________
(١) في دلائل النبوة (٦٧٧) والمصنف صادر عن تذكرة القرطبي (٤٠٣). (الإصلاحي). أخرجه البيهقي بسنده عن أبي محمد بن أسد الحماني، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري. وأخرجه ابن جرير الطبريّ في تفسيره (١٤/ ٤٣٦ ــ ٤٤١) من طريقين عن أبي هارون به، مطوّلا ومختصرًا. وإسناده ضعيف جدًّا. علّته أبو هارون العبدي مشهور بكنيته واسمه عمارة بن جُوَيْن. قال الحافظ في التقريب: «متروك ومنهم من كذبه». وساقه الحافظ ابن كثير في تفسيره (٥/ ٢١ ــ ٢٥) عن البيهقي بطوله، ثم قال في آخره: «أبو هارون العبدي واسمه عمارة بن جوين وهو مضعَّف عند الأئمة، وإنما سقنا حديثه هاهنا لما في حديثه من الشواهد لغيره». (قالمي).
(٢) (أ، غ): «آدم».
(٣) «عليه» ساقط من (ب، ط).
(٤) زاد بعضهم في الأصل واوًا بين الراء والحاء ليقرأ «مشروح» كما في (غ). وفي (ب، ط، ن، ج): «يشرح».
[ ١ / ١٧٥ ]
قال: ثم مضيت هنيَّة فإذا أنا بأقوامٍ بطونُهم أمثالُ البيوت (^١)، كلّما نهض أحدهم خرَّ يقول: اللهم لا تُقِم الساعة. قال: وهم على سابلةِ آل فرعون. قال: فتجيء السابلة (^٢)، فتطؤُهم، فيصيحون (^٣). قلت: يا جبريل (^٤) من هؤلاء؟ قال: هؤلاء ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥].
قال: ثم مضَيْت هنيَّةً، فإذا أنا بقوم (^٥)، مشافِرُهم كمشافر الإبل، فتُفتَح (^٦) أفواهُهم، فيُلْقَمون الجمر، ثم يخرج من أسافلهم، فسمعتهم يصيحون (^٧). قلت: من هؤلاء؟ قال: الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا.
ثم مضيت هنيَّة، فإذا أنا بنساء معلَّقات بثُدِيِّهن، فسمعْتُهن يصِحْن. قلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الزواني.
ثم مضيت هنيَّة، فإذا أنا بقوم يُقطع من جنوبهم اللحمُ، فيُلْقَمون، فيقال: كُلْ ما كنت تأكل من لحم أخيك. قلت: من هؤلاء؟ قال: الهمَّازون من أمتك». وذكر الحديث بطوله.
_________________
(١) (ط): «كأمثال البيوت».
(٢) السابلة: الطريق المسلوك، والسالكون عليه.
(٣) (ب، ط، ج): «يضجُّون».
(٤) «يا جبريل» ساقط من (ط).
(٥) (ط، ن): «بأقوام».
(٦) (ط، ج): «فتنفتح».
(٧) (ب، ط، ج): «يضجُّون».
[ ١ / ١٧٦ ]
وفي سنن أبي داود (^١) من حديث أنس بن مالك قال (^٢): قال رسول الله - ﷺ -: «لما عُرج بي مررتُ بقومٍ، لهم أظفارٌ من نحاس، يخمِشُون وجوههم وصدورهم. فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم».
وقال أبو داود الطيالِسيُّ في مسنده (^٣): حدثنا شعبةُ، عن الأعمش، عن
_________________
(١) (ن): «وفي د». كذا اكتفى بالرمز. والحديث فيه برقم (٤٨٧٨). وانظر: تذكرة القرطبي (٤٠٤). (الإصلاحي». أخرجه أبو داود من طريق بقية وأبي المغيرة كلاهما عن صفوان، عن راشد بن سعد وعبد الرحمن بن جبير كلاهما عن أنس. وأخرجه الإمام أحمد (١٣٣٤٠)، والطبراني في الأوسط (٨)، وفي مسند الشاميين (٩٣٢) من طريق أبي المغيرة، به. وإسناده صحيح، رجاله ثقات شاميون؛ وصفوان هو ابن عمرو الحمصي، وأبو المغيرة هو عبد القدوس بن الحجاج الحمصي. وانظر: السلسلة الصحيحة (٥٣٣). (قالمي).
(٢) «قال» ساقط من (ب، ط).
(٣) برقم (٢٧٦٨) وانظر: التذكرة (٣٩٥). (الإصلاحي). ورجاله ثقات، غير أنّ أصحاب الأعمش خالفوا شعبة في إسناده ولفظه؛ فأخرجه البخاري (٦٥٢)، ومسلم (٢٩٢) من طريق وكيع. والبخاري (٢١٨) من طريق أبي معاوية محمد بن خازم، و(١٣٧٨) من طريق جرير. ومسلم من طريق عبد الواحد بن زياد. أربعتهم عن الأعمش، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس، وفيه: «لا يستتر من بوله» بدل «فكان يأكل لحوم الناس». فتبين بهذا أن مجاهدًا لم يسمعه من ابن عباس، فيكون في إسناد الطيالسي انقطاع، وشذوذ في قوله: «فكان يأكل لحوم الناس» يعني يغتابهم. ويجوز أن يكون مجاهد سمع الحديث من الوجهين، بواسطة وبغير واسطة؛ يؤيد ذلك أن الإمام البخاري (٢١٦، ٦٠٥٥) رواه من طريق منصور بن المعتمر، عن مجاهد، عن ابن عباس، لكن بلفظ الجماعة. (قالمي).
[ ١ / ١٧٧ ]
مجاهد، عن ابن عباس أنّ رسول الله - ﷺ - أتى على قبرين فقال: «إنهما لَيُعذَّبان في غير كبير (^١). أمَّا أحدهما فكان يأكل لحوم الناس. وأما الآخر فكان صاحب نميمة. ثم دعا بجريدة، فشَقَّها نصفَين، فوضع نصفَها على هذا القبر، ونصفها على هذا القبر، وقال: عسى أن يخفَّف عنهما ما دامتا رَطبتين».
وقد اختلف الناس في هذين: هل كانا كافرين أو مؤمنين؟
فقيل: كانا كافرين. وقوله: «وما يعذّبان في كبير» (^٢) يعني: بالإضافة إلى الكفر والشِّرك. قالوا: ويدلُّ عليه [٣٩ ب] أنَّ العذاب لم يرتفع عنهما، وإنما خُفّف (^٣). وأيضًا فإنه (^٤) خُفِّف مدةَ رُطوبة الجريدة فقط. وأيضًا فإنّهما لو كانا مؤمنين لشَفَع فيهما ودعا لهما النبي - ﷺ -، فرُفع عنهما العذابُ بشفاعته. وأيضًا ففي بعض طرق الحديث: أنهما كانا كافرين. وهذا التعذيبُ زيادةٌ على تعذيبهما بكفرهما وخطاياهما، وهو دليل على أنَّ الكافر يعذَّب بكفره وذنوبه جميعًا. وهذا اختيار أبي الحَكَم بن بَرَّجان (^٥).
_________________
(١) (ب، ط، ج، ز): «وما يعذبان في كبير» موضع «في غير كبير». والمثبت من غيرها موافق لما في المسند. ولعل بعض الناسخين نظر إلى اللفظ الذي سيأتي في الكلام على الحديث، فأثبته هنا ليزول الخلاف بين المتن والشرح.
(٢) لم يسبق هذا اللفظ في كلام المصنف، ولكنه ينقل من تذكرة القرطبي الذي أورد أحاديث مختلفة وتكلم عليها. وهذا لفظ الصحيحين.
(٣) (ط، ز): «يخفف». (ن): «خفف عنهما».
(٤) (ط): «إنه».
(٥) في كتابه: «الإرشاد الهادي إلى التوفيق والسداد». انظر: التذكرة للقرطبي (٣٩٦). وبه جزم أبو موسى المديني، كما في فتح الباري (١/ ٣٢١).
[ ١ / ١٧٨ ]
وقيل: كانا مسلمين لنفيْهِ - ﷺ - التعذيبَ بسببٍ غير السببين المذكورين، ولقوله: «وما يعذبان في كبير»، والكفرُ والشرك أكبر الكبائر على الإطلاق. ولا يلزم أن يشفَع النبي - ﷺ - لكل مسلم يعذَّب في قبره على جريمة من الجرائم (^١)، فقد أَخبر عن صاحب الشَّملة الذي قُتل في الجهاد أنَّ الشملة تشتعل عليه نارًا في قبره، وكان مسلمًا مجاهدًا (^٢). ولا يُعلَم ثبوت هذه اللفظة، وهي قوله: «كانا كافرين» (^٣)، ولعلها لو صحَّت ــ وكَلَّا (^٤) ــ فهي من
_________________
(١) في (أ، غ): «على الحرام». سقط وتحريف.
(٢) يشير إلى حديث أبي هريرة. أخرجه البخاري (٤٢٣٤) ومسلم (١١٥).
(٣) أخرج الطبراني في الأوسط (٤٦٢٨) من طريق ابن لهيعة، عن أسامة بن زيد، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: «مرَّ النبيُّ - ﷺ - على قبور نساء من بني النجار، هلكوا في الجاهلية، فسمعهم يعذَّبون في القبور في النميمة». قال الطبراني: «لم يرو هذا الحديث عن أسامة بن زيد إلا ابن لهيعة». ومن هذا الوجه رواه أبو موسى المديني، كما في فتح الباري (١/ ٣٢١)، ولفظه: «أن النبي - ﷺ - مرَّ على قبرين من بني النجار هلكا في الجاهلية، فسمعهما يعذبان في البول والنميمة» قال أبو موسى: «هذا وإن كان ليس بقوي لكن معناه صحيح». قال الحافظ ابن حجر: «لكن الحديث الذي احتج به أبو موسى ضعيف كما اعترف به، وقد رواه أحمد بإسناد صحيح على شرط مسلم وليس فيه سبب التعذيب، فهو من تخليط ابن لهيعة». يعني الحافظ ما أخرجه الإمام أحمد (١٤١٥٢) من طريق ابن جريج، عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله، فذكره. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٥٥): «رجاله رجال الصحيح». (قالمي).
(٤) «وكلا» ضرب عليه في الأصل، ولم يرد في (ب، غ).
[ ١ / ١٧٩ ]
قول بعض الرواة. والله أعلم. وهذا اختيار أبي عبد الله القرطبي (^١).
* * *
_________________
(١) التذكرة (٣٩٦). ورجح ابن حجر احتمال كونهما كافرين في حديث جابر الطويل الذي أخرجه مسلم (٣٠٠٦). أما حديث ابن عباس، فالظاهر من مجموع طرقه أنهما كانا مسلمين. انظر: فتح الباري (١/ ٣٢١).
[ ١ / ١٨٠ ]