فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أنس قَالَ: دخل رجل الْمَسْجِد يَوْم الْجُمُعَة وَرَسُول الله ([ﷺ]) قَائِم يخْطب النَّاس فَقَالَ: يَا رَسُول الله هَلَكت الْأَمْوَال وانقطعت
[ ٢٨٠ ]
السبل، فَادع الله يغيثنا، فَرفع رَسُول الله ([ﷺ]) يَدَيْهِ ثمَّ قَالَ: " اللَّهُمَّ أغثنا اللَّهُمَّ أغثنا اللَّهُمَّ أغثنا " قَالَ أنس وَالله مَا نرى فِي السَّمَاء سحابا وَلَا قزعة وَمَا بَيْننَا وَبَين سلع من بُنيان وَلَا دَار، فطلعت من وَرَائه سَحَابَة مثل الترس، فَلَمَّا توسطت السَّمَاء انتشرت ثمَّ أمْطرت، فَلَا وَالله مَا رَأينَا الشَّمْس سِتا، ثمَّ دخل رجل من ذَلِك الْبَاب فِي الْجُمُعَة الْمُقبلَة وَرَسُول الله ([ﷺ]) قَائِم يخْطب فَاسْتَقْبلهُ قَائِما فَقَالَ: يَا رَسُول الله، هَلَكت الْأَمْوَال وانقطعت السبل فَادع الله يمْسِكهَا عَنَّا، فَرفع رَسُول الله ([ﷺ]) يَدَيْهِ ثمَّ قَالَ: " اللَّهُمَّ حوالينا وَلَا علينا، اللَّهُمَّ على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشّجر " قَالَت: فأقلعت وَخَرجْنَا نمشي فِي الشَّمْس أهـ من الوابل الصيب. وَفِي الْأَذْكَار قَالَ: روينَا فِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن عَائِشَة ﵂ أَن رَسُول الله ([ﷺ]) كَانَ إِذا رأى الْمَطَر قَالَ: " اللَّهُمَّ صيبا نَافِعًا " مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا.
هَذَا وَإنَّك تسمع كثيرا من الْعَوام والجهلاء عِنْد اشتداد الأمطار ألفاظا هِيَ إِلَى الْكفْر أقرب مِنْهَا للْإيمَان، فَمن ذَلِك قَوْلهم: حوش بلاويك عَنَّا، بِزِيَادَة غرقتنا، فنعوذ بِاللَّه.
وَمِمَّا يدل على جَهَالَة آبَاء وَأُمَّهَات الصّبيان وَأَنَّهُمْ لَا عناية لَهُم بتربية أنفسهم وَلَا أَوْلَادهم قَول الصبية فِي الشوارع والزقاقات وَقت الْمَطَر:
(يَا مَطَرا رخي كبريت والسقا رَكبه عفريت)
(يَا مَطَرا رخى بصل والسقا وَقع انْكَسَرَ)
(يَا مطرة عبد العال رخيها واملي الفنجال)
[ ٢٨١ ]
(يَا مطرة بَاب اللوق رخيها واملي الصندوق
(يَا مطرة عبد الله رخيها وأملي الْقلَّة)
فيا حسرة على قوم يعيشون فِي الْإِسْلَام ويموتون وَلم يَذُوقُوا لَهُ طعما، وَلم يعرفوا هم وَلَا نِسَاؤُهُم وَلَا أبناؤهم شَيْئا من تعاليمه السامية الَّتِي ارتقت بسلفهم إِلَى أَعلَى عليين فجعلتهم سادة أهل الأَرْض أَجْمَعِينَ ف ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا قوا أَنفسكُم وأهليكم نَارا﴾ أدبوهم وعلموهم وحببوهم فِي رَسُول الله ([ﷺ]) وَفِيمَا جَاءَ بِهِ " مروا أَوْلَادكُم بِالصَّلَاةِ وهم أَبنَاء سبع سِنِين، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وهم أَبنَاء عشر سِنِين، وَفرقُوا بَينهم فِي الْمضَاجِع " رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالْحَاكِم وَصَححهُ فِي الْجَامِع، مرنوهم وعودهم النُّطْق وَالْعَمَل وهم صغَار على شرائع الْإِسْلَام، دربوهم على الصّيام لتهذب بِهِ نُفُوسهم، فَلَقَد كَانَ أَصْحَاب النَّبِي ([ﷺ]) يصوّمون صبيانهم الصغار، ويجعلون لَهُم اللعبة من العهن الْمَصْبُوغ فَإِذا بَكَى أحدهم على الطَّعَام أَعْطوهُ اللعبة تلهيه حَتَّى يتم الصّيام، كَذَا جَاءَ فِي الصَّحِيح، اتَّقوا الله وَاعْلَمُوا أَن لأولادكم عَلَيْكُم حقوقا " فَحق الْوَلَد على وَالِده أَن يحسن اسْمه، وَيحسن أدبه، وَيحسن مَوْضِعه، ويعلمه الْكتاب - أَي الْقُرْآن - ويعلمه الْكِتَابَة، والسباحة، والرماية، وَأَن لَا يرزقه إِلَّا طيبا، ويزوجه إِذا أدْرك " كَذَا جَاءَت الْأَخْبَار " أدبوا أَوْلَادكُم على ثَلَاث خِصَال، حب نَبِيكُم وَحب أهل بَيته، وَقِرَاءَة الْقُرْآن. فَإِن حَملَة الْقُرْآن فِي ظلّ الله يَوْم الْقِيَامَة يَوْم لَا ظلّ إِلَّا ظله مَعَ أنبيائه وأصفيائه " رَوَاهُ الشِّيرَازِيّ والديلمي وَابْن النجار عَن عَليّ كَمَا فِي الْجَامِع " فكلكم رَاع وكلكم مسئول عَن رَعيته، أما وَالله إِن سَمِعْتُمْ وعملتم بنصيحتي وقيتم ونجوتم أَنْتُم وأهلوكم ﴿نَارا وقودها النَّاس وَالْحِجَارَة عَلَيْهَا مَلَائِكَة غِلَاظ شَدَّاد﴾ وَمن أَبى ﴿فأمه هاوية، وَمَا أَدْرَاك مَاهِيَّة نَار حامية﴾ بِدَلِيل " كل أمتِي يدْخلُونَ الْجنَّة إِلَّا من أَبى، قَالُوا: وَمن أَبى يَا رَسُول الله؟ قَالَ: من أَطَاعَنِي دخل الْجنَّة وَمن عَصَانِي فقد أَبى " رَوَاهُ البُخَارِيّ.
[ ٢٨٢ ]
يَا عباد الله، وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِنَّكُم مَا سَقَطْتُمْ وصرتم أرذل الْأُمَم وأحقرها وَأَدْنَاهَا وأصغرها وعبيدا لَهَا بعد أَن كَانَت الْعِزَّة لله وَلِرَسُولِهِ بترككم تعاليم دينكُمْ وخطة نَبِيكُم؛ لقد أَصْبَحْتُم ضفادع وخنافس، بل تُرَابا تَحت أرجل أعدائكم - بعد أَن كَانَت عبيد الْإِسْلَام السود ترهب الْمُلُوك فِي عروشها، فَمَتَى تفيقون؟ وَمن هَذِه السكرة تنتبهون، وَمن هَذِه الرقدة الطَّوِيلَة تستيقظون، ولمجد سلفكم تعيدون؟ أما بلغتكم آيَة ﴿وَمن أعرض عَن ذكري فَإِن لَهُ معيشة ضنكا﴾ أما قَرَأْتُمْ حَدِيث " وَجعل الذل وَالصغَار على من خَالف أَمْرِي "؟ رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالطَّبَرَانِيّ. يَا عباد الله إِنَّكُم لَا تزالون فِي ذل وصغار بَين النَّاس حَتَّى تتبعوا كتاب الله وَشرع نبيه، وَحَتَّى تعرفوا الْحق وتجاهدوا للحق، وتتفانوا فِي الدفاع عَن الْحق، وَيكون الْمَوْت فِي هَذَا السَّبِيل أسمى أمانيكم.