وَقد كَانَ الشَّيْخ مُحَمَّد السُّبْكِيّ ﵀ وَعَفا عَنهُ، كثيرا مَا يَقُول للنَّاس فِي دروسه مَا حَاصله: إِن أصح وأكمل مَا ورد فِي صفة الصَّلَاة على النَّبِي [ﷺ] هُوَ: اللَّهُمَّ صلي على مُحَمَّد وَآله وَسلم. وَلذَا ترى جَمِيع تلاميذه لَا يصلونَ على النَّبِي ([ﷺ]) غَالِبا بغَيْرهَا. وَلَيْسَ كَمَا قَالَ، بل الْأَصَح سندا ومتنا هُوَ مَا قدمْنَاهُ لَك مِمَّا ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا، وَقد ذكر الشَّيْخ فِي الدِّيوَان فِي الصَّلَاة على النَّبِي [ﷺ] وشحنها بالأحاديث الضعيفة والواهية
[ ٢٤٣ ]
ترَاهَا فِيمَا قدمْنَاهُ، وَفِي الدِّيوَان كُله، بل وَفِي جَمِيع كتبه شَيْء من ذَلِك كثير فليتنبه لذَلِك جدا قَارِئ كتب الشَّيْخ عَلَيْهِ الرَّحْمَة وَقد سمعنَا كثيرا من أَتْبَاعه صيغا مخترعة مبتدعة فِي الصَّلَاة على النَّبِي ([ﷺ]) مثل:
(يَا رب صل على الْمُخْتَار وامنن علينا بالأنوار)
فَيجب عَلَيْهِم أَن يقلعوا عَن ذَلِك كُله وَلَا يلتفتوا إِلَيْهِ إِذْ لَا دَلِيل عَلَيْهِ، ولماذا يغفلون عَن رِوَايَات الصَّحِيحَيْنِ؟ وَإِذا تركُوا هم الصَّحِيح، فَمن الَّذِي يتعبد بِهِ؟
فيا أهل السّنة اتبعُوا وَلَا تبتدعوا فقد كفيتم، وَإِيَّاكُم وَمَا ابتدعتموه فَإِنَّهُ ضَلَالَة وَالصَّلَاة باللهم صل أفضل صَلَاة على أسعد مخلوقاتك الخ بِدعَة؛ وَكَذَا عدد كَمَال الله وكما يَلِيق بِكَمَالِهِ بِدعَة؛ وَكَذَا: صلى الله على طه، خير الْخلق وأحلاها الخ بِدعَة لم تشرع. وَكَذَا صلَاتهم بِصِيغَة: اللَّهُمَّ صل على الحبيب المحبوب، مشفي الْعِلَل ومفرج الكروب، هِيَ على لحنها فِي الْإِعْرَاب ومخالفتها لوجه الصَّوَاب فِيهَا شرك فَيجب تَركهَا وَكَذَا قَوْلهم: صل على مُحَمَّد طب الْقُلُوب ودوائها. وعافية الْأَبدَان وشفائها، وَنور الْأَبْصَار وضيائها الخ يتحتم تَركهَا.
وَكَذَا قَول بعض الْفُقَهَاء فِي كتبهمْ: إِن الصَّلَاة على النَّبِي لَا تجب فِي الْعُمر إِلَّا مرّة وَاحِدَة، فَهَذَا القَوْل يجب أَن يكون بَاطِلا، قَالَه قَائِله على الله بِغَيْر علم. لحَدِيث " رغم أنف رجل ذكرت عِنْده فَلم يصل عَليّ، والبخيل من ذكرت عِنْده فَلم يصل عَليّ " وَحَدِيث " مَا من قوم يَجْلِسُونَ مَجْلِسا لَا يذكرُونَ الله فِيهِ وَلَا يصلونَ على نبيه إِلَّا كَانَ عَلَيْهِم ترة ".
[ ٢٤٤ ]
وَمن فظيع مَا كتب وَنشر على الْمُسلمين فِي كتب الْمَشْهُورين الَّذين يعْتَقد الجم الْغَفِير فِي دينهم وغزارة علمهمْ قَوْلهم: إِن من صلى على النَّبِي بِصِيغَة الفاتح لما أغلق، والخاتم لما سبق، والناصر الْحق بِالْحَقِّ الخ مرّة وَاحِدَة فِي عمره لَا يدْخل النَّار وَأَن قرَاءَتهَا مرّة تعدل ثَوَاب سِتّ ختمات قرآنية. وَقيل الْمرة مِنْهَا تعدل عشرَة آلَاف، وَقيل: سِتّمائَة ألف. وَمن تَلَاهَا فِي لَيْلَة ألفا اجْتمع بِالنَّبِيِّ [ﷺ] كَذَا فِي شرح صلوَات الدردير للصاوي ص ٣٧ فيالله الْعجب لقد أضاعوا فضل كَلَام الله وَكَلَام رَسُوله بِجَانِب فضل ثَوَاب هَذِه الصِّيغَة المبتدعة، وَهل أحد على وَجه الأَرْض يقْرَأ آيَة من الْقُرْآن أَو حرفا من كَلَام مُحَمَّد [ﷺ] أَو يُصَلِّي عَلَيْهِ بعد مَا سمع هَذَا؟ فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون، يَا إِلَه الْعَرْش إِلَيْك وَحدك لَا شريك لَك نشكو مَا حل بِالْإِسْلَامِ وَأَهله من البلايا والرزايا والمصائب بِسَبَب علمائه وكبرائه لَا غير فَإِنَّهُم هم الَّذين ضلوا وأضلوا. وَمن الهذيان قَوْلهم جمَاعَة: أَلفَيْنِ ألف صَلَاة على مُحَمَّد، وميتين ألف للعربي كَرَامَة، عشر تالاف للي فج نوره، هَدِيَّة للمظلل بالغمامة. وَكَذَا قَوْلهم صل على مُحَمَّد عدد حُرُوف الْقُرْآن حرفا حرفا، وَعدد كل حرف ألفا ألفا، وَعدد صُفُوف الْمَلَائِكَة صفا صفا، وَعدد كل صف ألفا ألفا. وَكَذَا قَوْلهم: صل على مُحَمَّد زنة بحارك، وَعدد أمواجها وَعدد اضْطِرَاب الْمِيَاه العذبة والملحة، وَعدد الرمل والحصى، وَعدد كل شجر ومدر وَحجر، وَعدد مَا يخرج من نَبَات الأَرْض، وَعدد مَا خلقت من الْإِنْس وَالْجِنّ وَالشَّيَاطِين، وَعدد كل شَعْرَة فِي أبدانهم ووجوههم ورءوسهم وو ومنذ خلقت الدُّنْيَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فِي كل يَوْم ألف ألف مرّة كل هَذَا وَمَا شاكله شرع لم يَأْذَن بِهِ الله وَرَسُوله فَهُوَ بَاطِل مَرْدُود مَضْرُوب بِهِ وَجه صَاحبه.
ثمَّ اعلموا أَن الله جلت قدرته، وتعالت عَظمته وَمَلَائِكَته لَا يَكْتُبُونَ لكم أجر كل مَا تظنون وتزعمون أَن لكم فِيهِ أجرا كَبِيرا، إِذْ هُوَ الرب الْخَالِق
[ ٢٤٥ ]
السَّيِّد وَأَنْتُم العبيد، وَإِنَّمَا يكْتب لكم أجر مَا عملتموه مُوَافقا لما شَرعه فِي كِتَابه وعَلى لِسَان نبيه: ثمَّ يضاعفه لكم أضعافا كَثِيرَة، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ عشر أَمْثَالهَا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمن يقترف حَسَنَة نزد لَهُ فِيهَا حسنا إِن الله غَفُور شكور﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالله يُضَاعف لمن يَشَاء﴾ لَا أَن تأمروا ربكُم بِمَا تشتهون مِمَّا تخترعون وتحدثون، ثمَّ هُوَ يكْتب لكم ويثيبكم على وفْق مرادكم ومزاجكم، الله أكبر الله أكبر وَسُبْحَان الله! .
فَمن أَرَادَ السَّلامَة فليتجنب هَذِه الخزعبلات كلهَا، وَأَن لَا يتعبد إِلَّا بِمَا هُوَ أَعلَى صِحَة وَأقوى سندا كَحَدِيث الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا، وَالله الْمُوفق.
إِذا فهمت هَذَا فَاعْلَم أَن الصَّلَوَات البكرية والدرديرية والميرغنية كلهَا مخترعات ومبتدعات، وَكَذَا كتاب " أفضل الصَّلَوَات على سيد السادات " وَكتاب " صلوَات الثَّنَاء على سيد الْأَنْبِيَاء " للنبهاني، وَكتاب " رَوْضَة الْأَسْرَار فِي الصَّلَاة على الْمُخْتَار " وَكتاب " التُّحْفَة الربانية بِالصَّلَاةِ على إِمَام الحضرة القدسية " و" مِفْتَاح المدد فِي الصَّلَاة على الرَّسُول السَّنَد " وَكتاب " التفكر وَالِاعْتِبَار، فِي الصَّلَاة على النَّبِي الْمُخْتَار لِأَحْمَد بن ثَابت المغربي. وَكَذَا كل كتاب رتبت فِيهِ الصَّلَاة على النَّبِي على حُرُوف المعجم كَأَن يَقُول فِيهَا: اللَّهُمَّ صل سيدنَا مُحَمَّد الْقَائِل: إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ " ويذكرون بعد كل تصلية حَدِيثا نبويا أَو سجعة، فَاعْلَم أَنه حدث فِي الدّين، وَشرع لم يَأْذَن بِهِ الله، فَلَا تتعبد أخي أصلا إِلَّا بِكُل مَا يتعبد بِهِ مُحَمَّد [ﷺ] وَأَصْحَابه، وَلَا تلْتَفت إِلَى مَا لم يخرج من فَم رَسُول الله [ﷺ] وَإِلَّا فلست محبا لَهُ وَلَا مُتبعا لما جَاءَك بِهِ، وَلَا مُطيعًا لِرَبِّك فِي قَوْله: ﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ﴾ وَقَوله: ﴿واتبعوه لَعَلَّكُمْ تهتدون﴾ وَلَا تكونن آمنا من أَن يكون لَك نصيب من آيَة ﴿فليحذر الَّذين يخالفون عَن أمره أَن تصيبهم فتْنَة أَو يصيبهم عَذَاب أَلِيم﴾ قَالَ الإِمَام أَبُو بكر ابْن الْعَرَبِيّ فِي شَرحه على التِّرْمِذِيّ:
[ ٢٤٦ ]
حذار حذار من أَن يلْتَفت أحد إِلَى مَا ذكره ابْن أبي زيد فيزيد فِي الصَّلَاة على النَّبِي [ﷺ]، وَارْحَمْ مُحَمَّدًا فَإِنَّهُ قريب من بِدعَة، لِأَن النَّبِي ﵇ علم الصَّلَاة بِالْوَحْي، فَالزِّيَادَة فِيهَا استقصار لَهُ، واستدراك عَلَيْهِ، وَلَا يجوز أَن يزدْ على النَّبِي ﵇ حرف أهـ.
وَقَالَ الإِمَام النَّوَوِيّ فِي الْأَذْكَار مَا حَاصله: وَأما زِيَادَة، وَارْحَمْ مُحَمَّدًا، وَآل مُحَمَّد؛ فَهَذَا بِدعَة لَا أصل لَهَا قَالَ: وَقد بَالغ الإِمَام أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ فِي إِنْكَار ذَلِك، وتخطئة ابْن أبي زيد فِي ذَلِك، وتجهيل فَاعله أهـ.
فَهَذِهِ زِيَادَة خَفِيفَة لَا تَسَاوِي عشر معشار الزِّيَادَات الَّتِي زادوها، وألفوا فِيهَا أُلُوف المجلدات العديدة، وَمَعَ هَذَا فقد أَنْكَرُوا عَلَيْهَا أَشد إِنْكَار، فَكيف إِذا رَأَوْا مَا حدث، وَعم وطم، وَصَارَت السّنة بجانبه نسيًا منسيًا، وشيئًا لَا يذكر إِلَّا فِي بطُون كتب السّنَن. فَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه.
فيا عباد الله: إِن الزِّيَادَة على تَعْلِيم الرَّسُول [ﷺ] بِدعَة ضَلَالَة لَا تقربكم من الله، بل تبعدكم عَن دَار كرامته ورضوانه؛ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يعبد إِلَّا بِمَا شرع لَا بالمحدثات والبدع.
يَا عباد الله: أتظنون أَن مَا أَلفه لكم شيوخكم من الصَّلَاة وَالتَّسْلِيم، أفضل مِمَّا خرج من فَم الْمَعْصُوم [ﷺ]؟ لَا شكّ أَنه كَذَلِك عنْدكُمْ، وَإِلَّا فلماذا لَا تصلونَ على النَّبِي بِمَا ورد فِي الصِّحَاح، وَالسّنَن؛ بل لَا تعرفونه بِالْكُلِّيَّةِ؟ أفضلتم مشائخكم على نَبِيكُم الَّذِي لَو " كَانَ مُوسَى حَيا مَا وَسعه إِلَّا اتِّبَاعه "، و" لَو نزل مُوسَى فاتبعتموه وتركتم نَبِيكُم لَضَلَلْتُمْ ".
يَا عباد الله: اذْكروا قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شجر بَينهم ثمَّ لَا يَجدوا فِي أنفسهم حرجا مِمَّا قضيت ويسلموا تَسْلِيمًا﴾ فَكروا فِي: " وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، لَا يُؤمن أحدكُم حَتَّى يكون هَوَاهُ تبعا لما جِئْت بِهِ ".
[ ٢٤٧ ]
اعلموا عباد الله: أَنكُمْ لَو حفظتم لفظا وَاحِدًا مِمَّا فِي الصِّحَاح، أَو السّنَن فصليتم بِهِ على النَّبِي [ﷺ] طول حَيَاتكُم، واستغنيتم بِهِ عَن جَمِيع مَا أَلفه النَّاس، لأثابكم الله أجرا عَظِيما، وَهَذَا مِمَّا لَا يشك فِيهِ إِنْسَان، وَلَو أعرضتم؛ بل وحرقتم الدَّلَائِل، وَجَمِيع كتب الصَّلَوَات الْمُؤَلّفَة، ونسفتموها فِي اليم نسفا، لما حصل لكم أدنى عِقَاب من الله، وَهل يعاقبكم الله على الْعَمَل بالسنن، وَترك الْبدع؟ كلا وَالله.