أما تَعْلِيق السبحة الطَّوِيلَة الغليظة فِي الْعُنُق والطقطقة عَلَيْهَا بِلَا ذكر فَهُوَ الشّرك الْأَصْغَر لِأَنَّهُ رِيَاء وَسُمْعَة. وَقد روى البُخَارِيّ وَمُسلم أَن النَّبِي [ﷺ] قَالَ: " من سمع سمع الله بِهِ، وَمن يراء يراء الله بِهِ، أَي من أظهر عمله للنَّاس رِيَاء أظهر الله نِيَّته الْفَاسِدَة فِي عمله يَوْم الْقِيَامَة وفضحه على رُؤُوس الأشهاد
[ ٢٥٦ ]
وروى ابْن مَاجَه وَغَيره أَنه [ﷺ] قَالَ عَن الله: " أَنا أُغني الشُّرَكَاء عَن الشّرك فَمن عمل لي عملا أشرك فِيهِ غَيْرِي فَأَنا مِنْهُ بَرِيء وَهُوَ للَّذي أشرك " وروى ابْن جرير مُرْسلا: " لَا يقبل الله عملا فِيهِ مِثْقَال حَبَّة من خَرْدَل من رِيَاء "، قَالَ الشَّيْخ الحفني: أما من يتَّخذ السبحة لأجل التزين ويزخرفها ويتحدث مَعَ النَّاس وَهُوَ يقلبها فِي يَده فَذَلِك عَلامَة على سوء حَاله أهـ.
وولوعهم بالسبحة الْمُسَمَّاة عِنْدهم باليسر وشراؤها بغالي الثّمن جهل وتغفيل وضياع لِلْمَالِ والسبحة الألفية الَّتِي يعلقونها فِي السّقف فِي بكرَة للتعبد عَلَيْهَا فِي الظلمَة بِاللَّه الله أَو هُوَ هُوَ أَو حَيّ أَو حق أَو قيوم أَو قهار أَو لطيف أَو باسط بِدعَة وَجَهل وضلال. وَقَول الخليلية على السبحة يَا عَم يَا عَم أَو مدد يَا عَم كل يَوْم مائَة مرّة كفر بِاللَّه تَعَالَى إِذْ هُوَ نِدَاء والتجاء لغيره.
وطرق السبحة فِي المَاء للتشفي والتبرك بهَا غَفلَة وجهالة وَذُهُول عَمَّا جَاءَ بِهِ صَاحب الرسَالَة، وَهل ترجى بركَة من آثَار من يعيشون ويموتون فِي مخالفات ومبتدعات، وعبادات مُنكرَة؟ كلا بل التشفي بهم كالتشفي بطاسة الطربة وبفشلة الحمارة إِن هَؤُلَاءِ يسهرون إِلَى بعد النّصْف فِي حَضْرَة أَو لَيْلَة أَو مولد يشخرون وينخرون، ويشهقون وينعقون بِمَا يسمونه تخميراُ أَو توحيدًا وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة توحيل فِي تغفيل، وأباطيل فِي أظاليل، يصرفون لياليهم فِي:
(شوبش على رجال لَا صَامُوا وَلَا صلوا فرشوا سجاجيدهم على المَاء مَا ابتلوا)
(إيه إيه إِذا كنت منضام وَلَا لَك حد بيراعي إزعق وَقل يَا أَبَا العلمين يَا رفاعي)
(قديم الطَّرِيقَة يجي لَك عالقدم ساعي يأخد بِيَدِك وَلَا تحْتَاج لمراعي)
(آه آه إِذا كنت عيان يَأْمر بِي وَلَا لَك حد أقصد حمى السيدة فِي نَهَار الْحَد)
(وقف على الْبَاب وَقل يَا كَرِيمَة الْيَد تاخد بِيَدِك وَلَا تحمل جمايل حد)
هَذَا هُوَ توحيدهم يَا مشيخة الْأَزْهَر، وَيَا هيأة كبار الْعلمَاء بالأزهر، فَهَل أَنْتُم
[ ٢٥٧ ]
لهَذَا منكرون، وَله محاربون، أَو لَهُ مقرون، وبمثله عاملون؟ ثمَّ إِنَّك إِذا نخست أحدهم أَو حدثت حَرَكَة أَو صَوت تجدهم يَتَكَلَّمُونَ بِكَلَام وقح لَا يمكنني كِتَابَته، وَأقله أَن يَقُول: أح يَا أمه أَو يشخر وَيَقُول: " يَا ابْن الْأَحِبَّة ثمَّ يَقُول لَك هَذَا الْكَلَام لَيْسَ لَك بل لكلمة الْجَلالَة، ثمَّ هم ومشايخهم لَا يحسنون قِرَاءَة الْفَاتِحَة بل وَلَا سُورَة الْعَصْر وَلَا الْكَوْثَر وَلَا الْإِخْلَاص، هَذَا مَعَ إتقانهم لحفظ الْكثير من الْأَلْفَاظ الشيطانية كَقَوْلِهِم: سبابينير ادنبدادنبي كراكرتدي سرسر أندي سبر سبر تمونا كد كردد طهُور بدعق محببه سققاطيس، الخ ويحفظون الجلجلوتيه كلهَا والبرهتية كلهَا، ويحفظون أَيْضا قصَّة الزناتية والهلالية وعنترة وَالظَّاهِر بيبرس، أما سُورَة أَو حَدِيث نبوى فكلا فَهَل هَؤُلَاءِ مُسلمُونَ يتبرك بآثارهم؟ إِنَّه لَا يتبرك بهؤلاء إِلَّا غفول جهول حمَار مَأْوَاه - إِن لم يعقل عَن الله ويقلع - النَّار وَبئسَ الْقَرار، قَالَ الإِمَام الصَّنْعَانِيّ: وَمن جنس هَذَا اعتناء بعض الأغبياء الْجُهَّال والعوام الضلال بدعوتهم بِدُعَاء تمشيخا تمشميشا وشمخيشا ودعوتهم فِي الشدائد بأسماء أَصْحَاب الْكَهْف، وَدُعَاء شيخ وَغَيرهَا من الدَّعْوَات المجهولات بزعمهم أَن هَذَا من الْأَسْمَاء الْعِظَام والأدعية المستجابة عِنْد العلام أَو أَنه من التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل، ولسنا ملتزمين فِي شريعتنا بذلك الدُّعَاء، فِي الصَّباح والمساء، وَلم يقل بهَا أحد من الْعلمَاء والصلحاء، بل وَضعه أغبياء الأدباء وسفهاء الْقصاص لتغرير الْعَوام، وَجمع الحطام، وَقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَللَّه الْأَسْمَاء الْحسنى فَادعوهُ بهَا﴾ وَقَالَ رَسُول الله [ﷺ]: " إِن لله تِسْعَة وَتِسْعين إسما مائَة إِلَّا وَاحِدًا " والشيطان فِي أَكثر الأحيان يظْهر لتِلْك الْأَسْمَاء تأثيرات وَمَنَافع لأجل تغرير الْجُهَّال وافتتانهم، وَرُبمَا يكون التَّلَفُّظ بِتِلْكَ الْكَلِمَات كفر لأننا نتكلم بِكَلَام لَا نَعْرِف مَعْنَاهُ بِالْعَرَبِيَّةِ وَقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿مَا فرطنا فِي الْكتاب من شَيْء﴾ وَهُوَ يَقُول وَيَدْعُو: أهيا شراهيا أدنو أَي أصباءوت فَكُن متيقظا لهَذِهِ الرّقية فقد ضل بهَا خلق كثير، وقانا الله الْبدع والأهواء والفتنة المدلهمة الظلماء، كالليلة السَّوْدَاء، وَكثر الاعتناء بِأَلف اسْم وَاسم وَاحِد يَدْعُو بعض الْفُقَرَاء
[ ٢٥٨ ]
بهَا، وَلم يرد بهَا خبر وَلَا أثر عَن السّلف الصَّالح وأئمة الْهدى، بل بَعْضهَا كفر لِأَن أَسمَاء الله توقيفية لَا يجوز لنا أَن ندعوا إِلَّا بِمَا زرد فِي الْكتاب وَالسّنة.