هَذِه نصيحتي إِلَيْكُم أَيهَا الْعلمَاء، وَمَا نصحتكم إِلَّا بِكَلَام الله وَكَلَام رَسُوله هَذِه دَعْوَتِي لكم، وَمَا دعوتكم إِلَى الله إِلَّا بِمَا دعَاكُمْ الله وَرَسُوله بِهِ فِي كِتَابه وَسنة نبيه، فَهَل أَنْتُم بهَا عاملون، وَفِي الله مجاهدون، وَلما اندرس من السّنَن محيون، وَلأَهل الكفريات وكبائر الذُّنُوب زاجرون، وَلَهُم واعظون وناصحون، وللسبع الموبقات والشرك بِاللَّه، وَالسحر، وَقتل النَّفس الَّتِي حرم الله إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأكل الرِّبَا، وَأكل مَال الْيَتِيم، والتولي يَوْم الزَّحْف، وَقذف الْمُحْصنَات الْمُؤْمِنَات الْغَافِلَات مانعون ومحرمون، وَهل أَنْتُم للغش والخيانة وَالْمَكْر والخديعة وَأكل الْحَرَام ومطل الْأَغْنِيَاء والأيمان الكاذبة وَالْغَصْب والنهب وَمنع أجر الْأَجِير وَالسَّرِقَة وَالْقَتْل وَالزِّنَا وأذى الْجَار وَالْفُحْش من القَوْل واللعن والشتم وَسَب الدّين والعقوق وَالسَّعْي بِالْفَسَادِ بَين الْأَب وَابْنه، وَالزَّوْج وَامْرَأَته، وَلبس الْحَرِير وَالذَّهَب والتشبه بِالنسَاء والوشم والوصل والنمص والجور وَالظُّلم والرشاوى، وإعانة الظَّالِمين، ومساعدة المبطلين، وَالْخُمُور والفجور والزور والطبول والزمور والتبذير والإسراف، وكشف العورات وتتبعها، وَالْبخل وَالشح، والغل والحقد والحسد وَالْغَضَب وَالْكبر والغيبة والنميمة والتهاجر والتشاحن والتدابر وَالْحلف بِغَيْر الله، وَالنّذر لغيره، والغدر وَخلف الْوَعْد وَحب الأشرار ومصاحبتهم؛ وإتيان الْكُهَّان والمنجمين والرمالين وضرابي الْحَصَا والتصاوير واللعب بالنرد وَالْميسر " الْقمَار " والنياحة على الْمَيِّت، وَلَطم الخدود وشق الْجُيُوب، والإحداد على غير الزَّوْج، وَتَعْلِيق الودع والفاسوخ والعقاقير والتمائم والحروز، فَهَل أَنْتُم لهَذَا كُله وَلِجَمِيعِ الرذائل وَالْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن محاربون؟؟
[ ٤٢٤ ]
روى ابْن مَاجَه فِي سنَنه عَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ: كنت عَاشر عشرَة رَهْط من الْمُهَاجِرين عِنْد رَسُول الله [ﷺ] فَأقبل علينا رَسُول الله [ﷺ] بِوَجْهِهِ فَقَالَ: " يَا معشر الْمُهَاجِرين خمس خِصَال أعوذ بِاللَّه أَن تدركون: مَا ظَهرت الْفَاحِشَة فِي قوم حَتَّى أعْلنُوا بهَا إِلَّا ابتلوا بالطواعين والأوجاع الَّتِي لم تكن فِي أسلافهم الَّذين مضوا، وَلَا نقص قوم الْمِكْيَال إِلَّا ابتلوا بِالسِّنِينَ وَشدَّة الْمُؤْنَة وجور السُّلْطَان، وَمَا منع قوم زَكَاة أَمْوَالهم إِلَّا منعُوا الْقطر من السَّمَاء، وَلَوْلَا الْبَهَائِم لم يمطروا، وَلَا خفر قوم الْعَهْد إِلَّا سلط الله عَلَيْهِم عدوا من غَيرهم فَأخذُوا بعض مَا فِي أَيْديهم. وَمَا لم تعْمل أئمتهم بِمَا أنزل الله فِي كِتَابه إِلَّا جعل الله بأسهم بَينهم " وكل هَذَا قد حل بِنَا بوقوعنا فِي هَذِه الْمعاصِي وَغَيرهَا فَإنَّا لله، وَذكر أَبُو عمر بن عبد الْبر عَن أبي عمرَان قَالَ: " بعث الله ﷿ ملكَيْنِ إِلَى قَرْيَة أَن يدمراها بِمن فِيهَا، فوجدا فِيهَا رجلا قَائِما يُصَلِّي فِي مَسْجِد، فَقَالَا: يَا رب إِن فِيهَا عَبدك فلَانا يُصَلِّي، فَقَالَ الله ﷿: دمراها ودمراه مَعَهم فَإِنَّهُ مَا تمعر وَجهه فِي قطّ " وَلما زلزلت الأَرْض على عهد عمر بن عبد الْعَزِيز ﵀ كتب إِلَيّ الإمصار.
أما بعد. فَإِن هَذَا الرجف شَيْء يُعَاتب أَو يُعَاقب الله ﷿ بِهِ الْعباد؛ وَقد كتبت إِلَى سَائِر الْأَمْصَار أَن يخرجُوا فِي يَوْم كَذَا وَكَذَا. فَمن كَانَ عِنْده شَيْء فليتصدق بِهِ؛ فَإِن الله ﷿ قَالَ ﴿قد أَفْلح من تزكّى وَذكر اسْم ربه فصلى﴾ وَقُولُوا كَمَا قَالَ آدم: ﴿رَبنَا ظلمنَا أَنْفُسنَا وَإِن لم تغْفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين﴾ وَقُولُوا كَمَا قَالَ نوح: ﴿وَإِلَّا تغْفر لي وترحمني أكن من الخاسرين﴾ وَقُولُوا كَمَا قَالَ يُونُس ﴿لَا إِلَه إِلَّا أَنْت سُبْحَانَكَ إِنِّي كنت من الظَّالِمين﴾ أه. من الْجَواب الْكَافِي.
[ ٤٢٥ ]
فيا حماة الدّين ادعوا وَلَا تذهلوا عَن الدعْوَة فقد جَاءَ فِي الحَدِيث أَنه [ﷺ] قَالَ: " من دَعَا إِلَى هدى كَانَ لَهُ من الْأجر مثل أجور من تبعه لَا ينقص ذَلِك من أُجُورهم شَيْئا " رَوَاهُ مُسلم. يَا حراس الشَّرِيعَة عَلَيْكُم بِالْقُرْآنِ وَبَيَانه للنَّاس فقد ورد أَنه [ﷺ] قَالَ: " إِن هَذَا الْقُرْآن طرفه بيد الله وطرفه بِأَيْدِيكُمْ فَتمسكُوا بِهِ فَإِنَّكُم لن تضلوا وَلنْ تهلكوا بعده أبدا " ذكره فِي التَّرْغِيب من رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد جيد. وَفِيه عَن عبد الله بن مَسْعُود بِإِسْنَاد جيد أَنه قَالَ: " إِن هَذَا الْقُرْآن شَافِع مُشَفع. من اتبعهُ قَادَهُ إِلَى الْجنَّة. وَمن أعرض عَنهُ زج فِي قَفاهُ إِلَى النَّار " رَوَاهُ الْبَزَّار.
هَذِه دَعْوَتِي ونصيحتي لكم، فَهَلُمُّوا لنعمل جَمِيعًا. ونتعاون على الْبر وَالتَّقوى كَمَا أمرنَا. فهيا ألفوا لنا الجمعيات لِلْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر. وإحياء الْفَضَائِل وَقتل الرذائل. وَإِظْهَار الْحق وَإِبْطَال الْبَاطِل. عَسى أَن يعود لنا مجد أسلافنا أَو بعضه ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله ولتنظر نفس مَا قدمت لغد وَاتَّقوا الله إِن الله خَبِير بِمَا تَعْمَلُونَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أُولَئِكَ هم الْفَاسِقُونَ لَا يَسْتَوِي أَصْحَاب النَّار وَأَصْحَاب الْجنَّة أَصْحَاب الْجنَّة هم الفائزون﴾ وَقَالَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا هَل أدلكم على تِجَارَة تنجيكم من عَذَاب أَلِيم تؤمنون بِاللَّه وَرَسُوله وتجاهدون فِي سَبِيل الله بأموالكم وَأَنْفُسكُمْ ذَلِكُم خير لكم إِن كُنْتُم تعلمُونَ يغْفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار ومساكن طيبَة فِي جنَّات عدن ذَلِك الْفَوْز الْعَظِيم وَأُخْرَى تحبونها نصر من الله وَفتح قريب وَبشر الْمُؤمنِينَ﴾ وَقَالَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تلهكم أَمْوَالكُم وَلَا أَوْلَادكُم عَن ذكر الله وَمن يفعل ذَلِك فَأُولَئِك هم الخاسرون وأنفقوا مِمَّا رزقناكم من قبل أَن يَأْتِي أحدكُم الْمَوْت فَيَقُول: رب لَوْلَا أخرتني إِلَى أجل قريب فَأَصدق وأكن من الصَّالِحين، وَلنْ يُؤَخر الله نفسا إِذا جَاءَ أجلهَا وَالله خَبِير بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ . (يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا
[ ٤٢٦ ]
تناجيتم فَلَا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرَّسُول وتناجوا بِالْبرِّ وَالتَّقوى وَاتَّقوا الله الَّذِي إِلَيْهِ تحشرون﴾ . ﴿يَا أَيهَا الْإِنْسَان مَا غَرَّك بِرَبِّك الْكَرِيم الَّذِي خلقك فسواك فعدلك فِي أَي صُورَة مَا شَاءَ ركبك﴾ ﴿﴾ (يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا ارْكَعُوا واسجدوا واعبدوا ربكُم وافعلوا الْخَيْر لَعَلَّكُمْ تفلحون وَجَاهدُوا فِي الله حق جهاده هُوَ اجتباكم وَمَا جعل عَلَيْكُم فِي الدّين من حرج مِلَّة أبيكم إِبْرَاهِيم هُوَ سَمَّاكُم الْمُسلمين من قبل وَفِي هَذَا ليَكُون الرَّسُول شَهِيدا عَلَيْكُم وتكونوا شُهَدَاء على النَّاس فأقيموا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة واعتصموا بِاللَّه هُوَ مولاكم فَنعم الْمولى وَنعم النصير) ﴿وأقرضوا الله قرضا حسنا﴾ (وَمَا تقدمُوا لأنفسكم من خير تَجِدُوهُ عِنْد الله هُوَ خيرا وَأعظم أجرا وَاسْتَغْفرُوا الله إِن الله غَفُور رَحِيم﴾ .
وَالسَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته مَا دمتم بنصيحتي من العاملين.
وَقد كنت ابتدأت فِي تأليف هَذَا الْكتاب بعد صَلَاة الْعشَاء من يَوْم ٢٩ رَجَب الْحَرَام سنة ١٣٥١ هـ؛ وانتهيت من ترتيبه قبل غرُوب شمس يَوْم السبت ٢٩ ذِي الْحجَّة سنة ١٣٥٢ هـ، وَقد اعترتني فِي هَذِه الْمدَّة مشاغل ومتاعب وأمراض وأحزان وهموم أشغلت البال؛ وَجعلت الْفِكر فِي بلبال؛ أسأله سُبْحَانَهُ أَن يَجعله خَالِصا لوجهه الْكَرِيم وَأَن يَنْفَعنِي بِهِ وَجَمِيع إخْوَانِي الْمُسلمين وصل اللَّهُمَّ على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد وعلينا مَعَهم آمين.
كتبه مُحَمَّد عبد السَّلَام خضر
[ ٤٢٧ ]