وَلَقَد شَاهد الصّديق ﵁ مَعَ الرَّسُول الْأَعْظَم [ﷺ] فِي سَبِيل الدعْوَة إِلَى الله من الْأَهْوَال والبلايا وأنواع الْأَذَى صنوفا وضروبا،
[ ٣٧٠ ]
فَلَقَد كَانَ أول خطيب دَعَا إِلَى الله ﷿ وَإِلَى هدى رَسُوله [ﷺ] حَتَّى ثار الْمُشْركُونَ عَلَيْهِ وعَلى الْمُسلمين فِي نواحي الْمَسْجِد فضربوهم ضربا شَدِيدا. ووطئ أَبُو بكر وأوجع ضربا، ودنا مِنْهُ الْفَاسِق عتبَة بن ربيعَة فَجعل يضْربهُ بالنعال على وَجهه حَتَّى مَا يعرف أَنفه من وَجهه، فَأدْخل بَيته وهم لَا يَشكونَ فِي مَوته، فَجعل أَبوهُ وَبَنُو تيم يكلمونه وَهُوَ لَا يرد جَوَابا. فَلَمَّا أَفَاق كَانَت أول كلمة خرجت من فِيهِ أَن قَالَ: مَا فعل رَسُول الله [ﷺ]؟ فنالوه بألسنتهم. وَلما خلت بِهِ أمه وألحت عَلَيْهِ لتطعمه جعل يَقُول لَهَا: مَا فعل رَسُول الله [ﷺ]؟ قَالَت: وَالله لَا علم لي بصاحبك. فأقسم بِاللَّه أَن لَا يَذُوق طَعَاما وَلَا شرابًا حَتَّى يرى رَسُول الله [ﷺ] فَلَمَّا أسكن النَّاس خرجت بِهِ أمه وَمَعَهَا أُخْرَى يتكئ عَلَيْهِمَا حَتَّى دخلتا على رَسُول الله [ﷺ] فانكب عَلَيْهِ يقبله وانكب عَلَيْهِ الْمُسلمُونَ. فَرضِي الله عَنهُ من صديق وَصَاحب ورفيق.
لقد أَرَادوا مَنعه من تِلَاوَة الْقُرْآن الْمجِيد فِي مَسْجده الَّذِي ابتناه بِفنَاء دَاره للصَّلَاة وَالْقِرَاءَة وَالْعِبَادَة. وَلَقَد حثا السُّفَهَاء على رَأسه التُّرَاب، وَلَقَد خرج من بَلَده مُهَاجرا وَدخل مَعَ الرَّسُول [ﷺ] الْغَار حَتَّى نظر إِلَى الْأَعْدَاء فَرَآهُمْ فَوق رُءُوسهم فَقَالَ: لَو أَن أحدهم نظر إِلَى قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرنَا تَحت قَدَمَيْهِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِي [ﷺ]: " يَا أَبَا بكر مَا ظَنك بِاثْنَيْنِ الله ثالثهما " وَمَا كَانَ حزنه جبنا مِنْهُ، وَإِنَّمَا كَانَ إشفاقًا على الرَّسُول [ﷺ] وَلذَا قَالَ: إِن أقتل فَأَنا رجل وَاحِد، وَإِن قتلت هَلَكت الْأمة. وَهَكَذَا يكون الْحبّ فِي الله وَإِلَّا فَلَا، فَرضِي الله عَنهُ وأرضاه.
[ ٣٧١ ]
وَلَقَد خرج وَلَده عبد الرَّحْمَن قبل إِسْلَامه من صُفُوف الْمُشْركين يطْلب البرَاز فَأَرَادَ أَبوهُ أَن يبرز لَهُ فَقَالَ لَهُ النَّبِي [ﷺ]: " متعنَا بِنَفْسِك يَا أَبَا بكر " فبخ بخ لَك أَيهَا الصّديق. نعم حَقًا لَو وزن إيمانك بِإِيمَان أهل الأَرْض لرجح إيمانك على إِيمَان أهل الأَرْض جَمِيعًا.
وَرَضي الله عَن عمر بن الْخطاب حَيْثُ كَانَ يَقُول على الْمِنْبَر: يَا معشر الْمُسلمين مَاذَا تَقولُونَ لَو ملت برأسي إِلَى الدُّنْيَا كَذَا؟ وميل رَأسه. فَقَامَ إِلَيْهِ رجل فسل سَيْفه وَقَالَ: أجل كُنَّا نقُول بِالسَّيْفِ كَذَا وَأَشَارَ إِلَى قطعه، فَقَالَ: إيَّايَ تَعْنِي بِقَوْلِك؟ قَالَ: نعم، إياك أَعنِي بِقَوْلِي، فنهره عمر ثَلَاثًا وَهُوَ ينهر عمر، فَقَالَ عمر: رَحِمك الله، الْحَمد لله الَّذِي جعل فِي رعيتي من إِذا تعوجت قومني، وَلَقَد كَانَ يرفع يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاء وَيَقُول: اللَّهُمَّ كَبرت سني، وضعفت قوتي. وانتشرت رعيتي، فاقبضني إِلَيْك غير مضيع وَلَا مفرط، وَكَانَ يَقُول: اللَّهُمَّ ارزقني شَهَادَة فِي سَبِيلك، وَاجعَل موتِي فِي بلد رَسُولك، وَلَقَد كَانَ ﵁ إِذا أُقِيمَت الصَّلَاة مر بَين الصُّفُوف، وَيَقُول: اسْتَووا حَتَّى إِذا لم ير فِيهِنَّ خللا تقدم فَكبر للصَّلَاة، وَرُبمَا قَرَأَ سُورَة يُوسُف أَو النَّحْل حَتَّى يجْتَمع النَّاس، فَمَا هُوَ إِلَّا أَن كبر فسمعوه يَقُول: قتلني أَو أكلني الْكَلْب، حِين طعنه الْخَبيث أَبُو لؤلؤة، وَطعن مَعَه ثَلَاثَة عشر رجلا مَاتَ مِنْهُم سَبْعَة، ثمَّ طعن نَفسه. وَتَنَاول عمر يَد عبد الرَّحْمَن بن عَوْف فقدمه للصَّلَاة، ثمَّ حمل إِلَى بَيته مغشيًا عَلَيْهِ حَتَّى أَسْفر النَّهَار، فَلَمَّا أَفَاق قَالَ هَل صلى النَّاس؟ فَقَالُوا: نعم. فَقَالَ: لَا إِسْلَام لمن ترك الصَّلَاة، ثمَّ دَعَا بِوضُوء فَتَوَضَّأ وَصلى. وَبعد قَلِيل ارتحل إِلَى رَحْمَة ربه ورضوانه الْأَكْبَر.
ورضى الله عَن عُثْمَان بن عَفَّان الَّذِي حبس عَن الصَّلَاة وأحصر أَيَّامًا وليالي بِلَا ذَنْب، وَمنع عَنهُ المَاء بِلَا خَطِيئَة، وَقتل ضربا بِالسَّيْفِ وَهُوَ
[ ٣٧٢ ]
وَهُوَ صَائِم وَهُوَ يَقُول بيني وَبَيْنكُم كتاب الله، ﵁، رأى رَسُول الله [ﷺ] وَأَبا بكر فِي مَنَامه فَقَالَا لَهُ: " صبرا فَإنَّك تفطر عندنَا الْقَابِلَة " فَأصْبح صَائِما وَقتل من يَوْمه.
وَرَضي الله عَن ابْن عَم الرَّسُول [ﷺ] الْمَقْتُول فجرًا وَهُوَ يُنَادي الْمُؤمنِينَ: الصَّلَاة الصَّلَاة، غفر الله لَهُ ورحمه، مَا أعدله وَأعظم إنصافه، قَالَ لِابْنِهِ الْحسن: انْظُر يَا حسن إِن أَنا مت من ضربتي فَاضْرِبْهُ بضربة وَلَا تمثلن بِالرجلِ، فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله [ﷺ] يَقُول: " إيَّاكُمْ والمثلة وَلَو بالكلب الْعَقُور " ثمَّ دَعَا ولديه فَقَالَ لَهما: أوصيكما بتقوى الله، وَلَا تبغيا الدُّنْيَا وَإِن بغتكما، وَلَا تبكيا على شَيْء زوى عنكما، وقولا الْحق، وارحما الْيَتِيم، وَأَعْيُنًا الضائع، واصنعا لِلْأُخْرَى، وكونا للظالم خصيما، وللمظلوم ناصرًا. واعملا بِمَا فِي كتاب الله، وَلَا تأخذكما فِي الله لومة لائم " وَأوصى مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة بهما وأوصاهما بِهِ، ثمَّ كرر لِلْحسنِ الْوَصِيَّة فَقَالَ: أوصيك أَي بني بتقوى الله، وإقام الصَّلَاة لوَقْتهَا، وإيتاء الزَّكَاة عِنْد محلهَا، وَحسن الْوضُوء فَإِنَّهُ لَا صَلَاة إِلَّا بِطهُور، وأوصيك بغفر الذَّنب، وكظم الغيظ، وصلَة الرَّحِم، والحلم عَن الْجَاهِل، وَالنَّفقَة فِي الدّين، والتثبت فِي الْأَمر، والتعاهد لِلْقُرْآنِ، وَحسن الْجوَار، وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْي عَن الْمُنكر، وَاجْتنَاب الْفَوَاحِش، ثمَّ لم يزل يذكر الله حَتَّى مَاتَ ﵁.
وَرَضي الله عَن حَمْزَة عَم النَّبِي [ﷺ] الَّذِي قتل شَهِيدا فبقرت هِنْد زوج أبي سُفْيَان بَطْنه. وَأخذت كبده لتأكلها فلاكتها بفمها ثمَّ أرسلتها، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَن خبيب بن عدي، قَالَ لَهُم حينما أَرَادوا قَتله:
(وَلست أُبَالِي حِين أقتل مُسلما على أَي جنب كَانَ فِي الله مصرعي)
(وَذَلِكَ فِي ذَات الْإِلَه وَإِن يَشَأْ يُبَارك على أوصال شلو ممزع)
[ ٣٧٣ ]
وَللَّه در سعد بن أبي وَقاص إِذْ يَقُول: إِنِّي لأوّل الْعَرَب رمى بِسَهْم فِي سَبِيل الله، وَكُنَّا نغزو مَعَ النَّبِي [ﷺ] وَمَا لنا طَعَام إِلَّا ورق الشّجر حَتَّى إِن أَحَدنَا ليضع كَمَا يضع الْبَعِير أَو الشَّاة، فَرضِي الله عَنهُ.
وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته على الْأَنْصَار الَّذين كَانُوا يَوْم الخَنْدَق يَقُولُونَ:
(نَحن الَّذين بَايعُوا مُحَمَّدًا على الْجِهَاد مَا حيينا أبدا)
فَيُجِيبهُمْ [ﷺ] بقوله:
(اللَّهُمَّ لَا عَيْش إِلَّا عَيْش الْآخِرَة فاكرم الْأَنْصَار والمهاجرة)
وَعَفا الله عَن أهل خَيْبَر، إِذْ كَانَ يَقُول قَائِلهمْ:
(تالله لَوْلَا الله مَا اهتدينا وَلَا تصدقنا وَلَا صلينَا)
(وَنحن عَن فضلك مَا استغنينا فَثَبت الْأَقْدَام إِن لاقينا)
(وأنزلن سكينَة علينا إِن الأولى قد بغوا علينا)
أ
فَقَالَ رَسُول الله [ﷺ] " من هَذَا؟ " فَقَالَ: أَنا عَامر، قَالَ: " غفر لَك رَبك " فَمَاتَ ليومه شَهِيدا مغفورًا لَهُ فهنيئًا لَهُ.
وأسبغ اللَّهُمَّ كَامِل ووافي رحماتك وإحسانك على سَائِر الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وعَلى عبد الله بن رَوَاحَة الْأنْصَارِيّ الْجَلِيل إِذْ كَانَ آخِذا بزمام نَاقَة الرَّسُول الْأَعْظَم [ﷺ] يَقُودهَا وَهُوَ دَاخل مَكَّة وَهُوَ يَقُول:
(باسم الَّذِي لَا دين إِلَّا دينه باسم الَّذِي مُحَمَّد رَسُوله)
(خلوا بني الْكفَّار عَن سَبيله الْيَوْم نَضْرِبكُمْ على تَأْوِيله)
(كَمَا ضربناكم على تَنْزِيله ضربا يزِيل الْهَام عَن مقِيله)
(وَيذْهل الْخَلِيل عَن خَلِيله قد أنزل الرَّحْمَن فِي تَنْزِيله)
(فِي صحف تتلى على رَسُوله
(بِأَن خير الْقَتْل فِي سَبيله)
(يَا رب إِنِّي مُؤمن بقيله )
[ ٣٧٤ ]