أَيهَا الْعلمَاء إِن الله تَعَالَى يَقُول فِي كِتَابه ﴿وَللَّه الْعِزَّة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمنِينَ﴾ فقد أصبح الْمُؤْمِنُونَ الْآن بِلَا عزة بِسَبَب أَنكُمْ لم تبينوا لَهُم أَسبَاب الْعِزَّة الَّتِي
[ ٣٨٥ ]
أعز الله بهَا الْمُؤمنِينَ السالفين فيسلكون سَبِيلهَا، فَأنْتم السَّبَب فِي وقوعهم فِي هَذَا الذل الْكَبِير، بل انقلبت عَلَيْهِم آيَة ﴿ضربت عَلَيْهِم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله﴾ فَكَأَنَّهَا مَا أنزلت فِي الْمُسلمين.
يَا عُلَمَاء الْإِسْلَام: يَقُول الله فِي كِتَابه ﴿مُحَمَّد رَسُول الله وَالَّذين مَعَه أشداء على الْكفَّار رحماء بَينهم﴾، وَيَقُول سُبْحَانَهُ: ﴿فَسَوف يَأْتِي الله بِقوم يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّة على الْمُؤمنِينَ أعزة على الْكَافرين﴾، فصفة الْمُؤمنِينَ عِنْد الله أَن يكون أحدهم شَدِيدا عنيفًا على الْكفَّار، رحِيما برا بالأخيار، غضوبًا عبوسًا فِي وَجه الْكفَّار، ضحوكا بشوشا فِي وَجه أَخِيه الْمُؤمن، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا قَاتلُوا الَّذين يلونكم من الْكفَّار وليجدوا فِيكُم غلظة﴾ .
هَذَا وَإِن الألوف وألوف الألوف مِمَّن يتسمون بِالْمُسْلِمين وَالْمُؤمنِينَ ليقفون أَمَام الْيَهُودِيّ الحقير لَيْسَ الْكَبِير أَو النَّصْرَانِي الدنيء أذلّ من الشَّاة إِن خاطبه خاطبه وَهُوَ خاشع ذليل بَين يَدَيْهِ لَا يرفع إِلَيْهِ رَأسه وَلَا طرفه كَأَنَّهُ وَاقِف بَين يَدي رب الْعَالمين وَأحكم الْحَاكِمين.
هَذَا مَعَ أَن الله قد وصف هَؤُلَاءِ الْكَافرين وَالْمُنَافِقِينَ بِأَنَّهُم أجبن الْجُبَنَاء وأضعف الضُّعَفَاء؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذا رَأَيْتهمْ تعجبك أجسامهم وَإِن يَقُولُوا تسمع لقَولهم﴾ أَي وَكَانُوا أشكالًا حَسَنَة، وَذَوي فصاحة وألسنة. وَإِذا سمعهم السَّامع يصغي إِلَى قَوْلهم لبلاغتهم، وهم مَعَ ذَلِك فِي غَايَة الضعْف والخور والهلع والجبن والجزع ﴿كَأَنَّهُمْ خشب مُسندَة﴾ أشباح بِلَا أَرْوَاح، وأجسام بِلَا أَحْلَام لَيست بأشجار تثمر وَلَكنهُمْ خشب مُسندَة إِلَى حَائِط ﴿يحسبون كل صَيْحَة عَلَيْهِم﴾ أَي كلما وَقع أَمر أَو كائنة أَو خوف يتعقدون لجبنهم أَنه نَازل بهم كَمَا قَالَ تَعَالَى: (أشحة عَلَيْكُم، فَإِذا جَاءَ الْخَوْف رَأَيْتهمْ ينظرُونَ إِلَيْك تَدور أَعينهم كَالَّذي يغشى عَلَيْهِ من الْمَوْت؛ فَإِذا ذهب الْخَوْف سلقوكم بألسنة
[ ٣٨٦ ]
حداد أشحة على الْخَيْر، أُولَئِكَ لم يُؤمنُوا فأحبط الله أَعْمَالهم وَكَانَ ذَلِك على الله يَسِيرا﴾ فهم جهامات وصور بِلَا مَعَاني، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿هم الْعَدو فَاحْذَرْهُمْ قَاتلهم الله أَنى يؤفكون﴾ .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَأَنْتُم أَشد رهبة فِي صُدُورهمْ من الله ذَلِك بِأَنَّهُم قوم لَا يفقهُونَ﴾ أَي أَنْتُم يَا معشر الْمُسلمين تخافكم الْكفَّار، وترهب مِنْك أَشد وَأكْثر من خوفهم من الله، وَذَلِكَ بِسَبَب أَنهم لم يعقلوا عَن الله شَيْئا ﴿إِن هم إِلَّا كالأنعام بل هم أضلّ سَبِيلا﴾ . وَقَالَ تَعَالَى فيهم ﴿تحسبهم جَمِيعًا وَقُلُوبهمْ شَتَّى﴾ أَي تراهم مُجْتَمعين فتحسبهم مؤتلفين وهم مُخْتَلفُونَ غَايَة الِاخْتِلَاف، فَتبين بِهَذَا أَن سَبَب جبن وَضعف قُلُوب هَذِه الْأمة وخورهم وهلعهم وجزعهم إِنَّمَا هم الْعلمَاء الصامتون الْبكم الَّذين لَا ينطقون، وَلم يبينوا هَذِه الْأَنْوَار والعلوم المشجعة للقلوب، المحرضة للنفوس على الْعِزَّة والشرف، الرافعة للْأمة، الخافضة لِلْعَدو فويل لَهُم ثمَّ ويل لَهُم إِن لم يتوبوا من وَعِيد آيَته ﴿إِن الَّذين يكتمون﴾