وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمن أعرض عَن ذكري فَإِنَّهُ لَهُ معيشة ضنكا ونحشره يَوْم الْقِيَامَة أعمى قَالَ رب لما حشرتني أعمى وَقد كنت بَصيرًا قَالَ كَذَلِك أتتك آيتنا فنسيتها، وَكَذَلِكَ الْيَوْم تنسى﴾ أَي من خَالف أوَامِر ربه المبينة فِي كِتَابه وَسنَن نبيه وتناساها فَإِنَّهُ يعِيش فِي الدُّنْيَا معيشة كلهَا هموم، وأحزان وأكدار وغموم ثمَّ يحشره الله يَوْم الْقِيَامَة بَين النَّاس أعمى؛ حينما يسْعَى نور الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات العاملين بِكِتَاب الله وشرعة رَسُوله الْأَعْظَم بَين أَيْديهم وبأيمانهم فَيَقُول: ﴿رب لم حشرتني أعمى وَقد كنت بَصيرًا﴾ أَي فِي الدُّنْيَا؛ فَيَقُول الله تَعَالَى لَهُ: ﴿كَذَلِك أتتك آيَاتنَا فنسيتها﴾ أَي فتركتها وغفلت عَنْهَا وأعرضت ﴿وَكَذَلِكَ الْيَوْم تنسى﴾ أَي تتْرك فِي نَار جَهَنَّم بذهولك عَن الْقُرْآن الْكَرِيم وَسنَن النَّبِي الْعَظِيم، فالنسيان هُنَا مَعْنَاهُ التّرْك ﴿وَمَا كَانَ رَبك نسيا﴾ سُبْحَانَ رب ﴿لَا يضل رَبِّي وَلَا ينسى﴾ .
يَقُول مُحَمَّد: فالسبب الْأَعْظَم فِي ضنك عَيْش الْمُسلمين واقتيات أَكْثَرهم من أَيدي النَّصَارَى وَالْيَهُود أظلم الظَّالِمين، إِنَّمَا هُوَ إعراضهم عَن كَلَام رب الْعَالمين، وَلَو أَنهم آمنُوا وَاتَّقوا لفتح الله عليم بَرَكَات من السَّمَاء وَالْأَرْض، وَلَو أَنهم أَقَامُوا كتاب الله وَمَا أنزل إِلَيْهِم من رَبهم لأكلوا من فَوْقهم وَمن تَحت أَرجُلهم وَلَو اتَّقوا الله لجعل لَهُم من أَمرهم يسرا، ولجعل لَهُم من كل هم فرجا، وَمن كل
[ ٣٩٠ ]
ضيق مخرجا، ورزقهم من حَيْثُ لَا يحتسبون، ولرزقهم كَمَا يرْزق الطير تَغْدُو خماصا وتعود بطانا.
ثمَّ إِن الْعلمَاء لما أَعرضُوا عَن كتاب رَبهم أَصَابَهُم أَيْضا ضنك الْعَيْش فَأَصْبحُوا يقفون على أَبْوَاب الظَّالِمين أَبنَاء الدُّنْيَا أَرْبَاب المناصب الشُّهُور والسنين لتحصلوا مِنْهُم على وساطة لوظيفة يقتاتون مِنْهَا، فضاعوا وأضاعوا أمتهم وَضَلُّوا وأضلوا؛ هَذَا وَإِن الله سُبْحَانَهُ قد تكفل لكل عبد عمل الصَّالِحَات بِالْحَيَاةِ الطّيبَة فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة يُوفيه أجره أضعافا مضاعفة، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿من عمل صَالحا من ذكر أَو أُنْثَى وَهُوَ مُؤمن فلنحيينه حَيَاة طيبَة ولنجزينهم أجرهم بِأَحْسَن مَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ فَتبين بِهَذَا أَن إِعْرَاض الْعلمَاء عَن الدّين وَالْكتاب الْمُبين هُوَ السَّبَب الْأَكْبَر فِي ضيَاع هَذِه الْأمة المسكينة، وَلَو أخذُوا بِيَدِهَا لرفعوها إِلَى أعلا عليين، وسادوا أهل الأَرْض إِلَى يَوْم الدّين.
وَلَعَلَّ قَائِلا يَقُول: هَؤُلَاءِ الْيَهُود وَالنَّصَارَى أكفر النَّاس بِاللَّه وأعصاهم لَهُ، وَإِنَّا لَا نراهم إِلَّا فِي أرغد الْعَيْش وأرفهه، وألذ الْقُوت وأطيبه، فَمَا لَهُم لم يصابوا مثلهَا بضنك الْعَيْش وضيق الرزق؟
فَالْجَوَاب: أَن الله سُبْحَانَهُ ممهلهم وسيأخذهم قَرِيبا أَخذ عَزِيز مقتدر، فَهُوَ اسْتِدْرَاج مِنْهُ تَعَالَى ﴿سنستدرجهم من حَيْثُ لَا يعلمُونَ﴾ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وأملي لَهُم إِن كيدي متين﴾ وَقد أخبر تَعَالَى عَن إخْوَان هَؤُلَاءِ الْكَافرين خَبرا تقشعر مِنْهُ جُلُود الْمُؤمنِينَ فَقَالَ: (وَلَقَد أرسلنَا إِلَى أُمَم من قبلك فأخذناهم بالبأساء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُم يَتَضَرَّعُونَ، فلولا إِذْ جَاءَهُم بأسنا تضرعوا، وَلَكِن قست قُلُوبهم وزين لَهُم الشَّيْطَان مَا كَانُوا يعْملُونَ فَلَمَّا نسوا مَا ذكرُوا بِهِ فتحنا عَلَيْهِم أَبْوَاب كل شَيْء حَتَّى إِذا فرحوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَة فَإِذا هم مبلسون، فَقطع دابر
[ ٣٩١ ]
الْقَوْم الَّذين ظلمُوا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أيحسبون أَن مَا نمدهم بِهِ من مَال وبنين نسارع لَهُم فِي الْخيرَات بل لَا يَشْعُرُونَ﴾ وَقَالَ: ﴿لَوْلَا أَن يكون النَّاس أمة وَاحِدَة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضَّة ومعارج عَلَيْهَا يظهرون، ولبيوتهم أبوابًا وسررًا عَلَيْهَا يتكئون، وزخرفا وَإِن كل ذَلِك لما مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا وَالْآخِرَة عِنْد رَبك لِلْمُتقين﴾ .
أما أمتنَا هَذِه فَلَا شكّ أَن علماءها ورؤساءها لَو تنبهوا فتعاونوا على الْبر وَالتَّقوى، وآمنوا بِاللَّه حق الْإِيمَان، واتقوه حق التَّقْوَى، وَرفعُوا الْقُرْآن وَالسّنة فَوق كل شَيْء لرفعهم الله حَقًا كَمَا رفع سلفهم، وأعزهم كَمَا أعز سلفهم واقرءوا إِن شِئْتُم: ﴿وَأَن لَو استقاموا على الطَّرِيقَة لأسقيناهم مَاء غدقا﴾ واقرءوا إِن شِئْتُم: ﴿ألر، كتاب أحكمت آيَاته ثمَّ فصلت من لدن حَكِيم خَبِير، أَن لَا تعبدوا إِلَّا الله إِنَّنِي لكم مِنْهُ نَذِير وَبشير، وَأَن اسْتَغْفرُوا ربكُم ثمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يمتعكم مَتَاعا حسنا إِلَى أجل مُسَمّى وَيُؤْت كل ذِي فضل فَضله، وَأَن توَلّوا فَإِنِّي أَخَاف عَلَيْكُم عَذَاب يَوْم كَبِير﴾ فَمَا أصَاب هَذِه الْأمة من البلايا والرزايا والسقوط فِي جَمِيع أحوالها إِلَّا بِمَا اجتنوه على أنفسهم، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم من مُصِيبَة فبمَا كسبت أَيْدِيكُم وَيَعْفُو عَن كثير﴾ .