وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذا أَخذ الله مِيثَاق الَّذين أُوتُوا الْكتاب لتبيننه للنَّاس وَلَا تكتمونه فنبذوه وَرَاء ظُهُورهمْ واشتروا بِهِ ثمنا قَلِيلا فبئس مَا يشْتَرونَ﴾ وَهَذِه الْآيَة تدل أَيْضا على وجوب الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر؛ والدعوة إِلَى الله، وَتَحْرِيم الكتمان، قَالَ الإِمَام الْحَافِظ بن كثير بعد كَلَام: وَفِي هَذَا تحذير للْعُلَمَاء أَن يسلكوا مسلكهم - يَعْنِي أهل الْكتاب - فَيُصِيب مَا أَصَابَهُم ويسلك بهم مسلكهم، فعلى الْعلمَاء أَن يبذلوا مَا بِأَيْدِيهِم من الْعلم النافع الدَّال على الْعَمَل الصَّالح، وَلَا يكتموا مِنْهُ شَيْئا، فقد ورد فِي الحَدِيث الْمَرْوِيّ من طرق مُتعَدِّدَة عَن النَّبِي [ﷺ] أَنه قَالَ: " من سُئِلَ عَن علم فكتمه ألْجم يَوْم الْقِيَامَة بلجام من نَار " أهـ.
وَقَالَ الإِمَام الْبَغَوِيّ فِي تَفْسِيره: قَالَ قَتَادَة: هَذَا مِيثَاق أَخذه الله تَعَالَى على أهل الْعلم، فَمن علم شَيْئا فليعلمه، وَإِيَّاكُم وكتمان الْعلم فَإِنَّهُ مهلكه، قَالَ: وَقَالَ الْحسن بن عمَارَة: أتيت الزُّهْرِيّ بعد أَن ترك الحَدِيث فألقيته على بَابه فَقلت: إِن رَأَيْت أَن تُحَدِّثنِي؟ فَقَالَ: أما علمت أَنِّي تركت الحَدِيث؟ فَقلت: إِمَّا أَن حَدثنِي وَإِمَّا أَن أحَدثك، فَقَالَ: حَدثنِي، فساق إِلَى عَليّ ابْن أبي طَالب أَنه قَالَ:
[ ٣٩٨ ]
مَا أَخذ الله على أهل الْجَهْل أَن يتعلموا حَتَّى أَخذ على أهل الْعلم أَن يعلمُوا، قَالَ: فَحَدثني أَرْبَعِينَ حَدِيثا أهـ وَقَالَ الإِمَام الشَّوْكَانِيّ فِي تَفْسِيره: وَالظَّاهِر أَن المُرَاد بِأَهْل الْكتاب كل من آتَاهُ الله علم شَيْء من الْكتاب أَي كتاب كَانَ، كَمَا يفِيدهُ التَّعْرِيف الجنسي فِي الْكتاب، قَالَ الْحسن وَقَتَادَة وَمُحَمّد بن كَعْب: إِن الْآيَة عَامَّة لكل عَالم، وَيدل على ذَلِك قَول أبي هُرَيْرَة: لَوْلَا مَا أَخذ الله على أهل الْكتاب مَا حدثتكم بِشَيْء. ثمَّ تَلا هَذِه الْآيَة. أهـ. وَقَالَ الإِمَام الطَّبَرِيّ فِي تَفْسِيره بعد كَلَام طَوِيل: كَانَ يُقَال: مثل علم لَا يُقَال بِهِ، كَمثل كنز لَا ينْفق مِنْهُ، وَمثل حِكْمَة لَا تخرج، كَمثل صنم قَائِم لَا يَأْكُل وَلَا يشرب، وَكَانَ يُقَال: طُوبَى لعالم نَاطِق، وطوبى لمستمع واع، هَذَا رجل علم علما فَعلمه وبذله ودعا إِلَيْهِ، وَهَذَا رجل سمع خيرا فحفظه ووعاه وانتفع بِهِ. أهـ.