وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمن جَاهد فَإِنَّمَا يُجَاهد لنَفسِهِ إِن الله لَغَنِيّ عَن الْعَالمين وَالَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات لنفكرن عَنْهُم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الَّذِي كَانُوا يعْملُونَ﴾ أَيهَا الْعلمَاء إِن جاهدتم الكفريات والأضاليل الفاشية بَين سَائِر الْأمة، والكبائر الَّتِي ترونها ترتكب لَيْلًا وَنَهَارًا، وسرًا وجهرًا، والبدع والخرافات الَّتِي فَشَتْ فمسخت الشَّرَائِع، وطمست الْحَقَائِق، وَأَطْفَأت الْأَنْوَار وأظلمت الْقُلُوب وأطغت النُّفُوس، وصيرت الْأمة فِي جَهَالَة وضلالة وعماية بعد الرقي الهائل، والعلوم والمعارف وَالْهِدَايَة، فَإِن جاهدتم هَذَا كُله يَا عُلَمَاء الْمُسلمين فَإِنَّمَا تجاهدون لأنفسكم ولراحتكم ومسرتكم عِنْد مليككم، فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿من عمل صَالحا فلنفسه﴾ أَي فَإِنَّمَا يعود نفع عمله على نَفسه، فَإِن الله تَعَالَى غَنِي عَن أَفعَال الْعباد، وَلَو كَانُوا كلهم على أتقى قلب رجل مِنْهُم مَا زَاد ذَلِك فِي ملكه شَيْئا.
[ ٤١٥ ]
قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: إِن الرجل ليجاهد وَمَا ضرب يَوْمًا من الدَّهْر بِسيف، ثمَّ أخبر تَعَالَى أَنه مَعَ غناهُ عَن الْخَلَائق جَمِيعهم، وَمَعَ بره وإحسانه بهم، يجازى الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات أحسن الْجَزَاء، وَهُوَ أَن يكفر عَنْهُم أَسْوَأ الَّذِي عمِلُوا، ويجزيهم أجرهم بِأَحْسَن الَّذِي كَانُوا يعْملُونَ، فَيقبل الْقَلِيل من الْحَسَنَات، ويثيب عَلَيْهَا الْوَاحِدَة بِعشر أَمْثَالهَا إِلَى سَبْعمِائة ضعف، ويجزى على السَّيئَة بِمِثْلِهَا أَو يعْفُو ويصفح، كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِن الله لَا يظلم مِثْقَال ذرة وَإِن تَكُ حَسَنَة يُضَاعِفهَا وَيُؤْت من لَدنه أجرا عَظِيما﴾ وَقَالَ هَهُنَا: ﴿وَالَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات لنكفرن عَنْهُم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الَّذِي كَانُوا يعْملُونَ﴾ أهـ من ابْن كثير.