اعْلَم أَن من الضلال الْكَبِير ترك غَالب النَّاس للصَّلَاة طول السّنة فَإِذا مَا جَاءَ شهر رَمَضَان صلوا وصاموا وطقطقوا بالسبح، وَفِي الحَدِيث " خمس
[ ١٥٧ ]
صلوَات من حَافظ عَلَيْهِنَّ كَانَت لَهُ نورا وبرهانًا وَنَجَاة يَوْم الْقِيَامَة؛ وَمن لم يحافظ عَلَيْهِنَّ لم يكن لَهُ نورا يَوْم الْقِيَامَة وَلَا برهَان وَلَا نجاة، وَكَانَ يَوْم الْقِيَامَة مَعَ فِرْعَوْن وَقَارُون وهامان وَأبي بن خلف " ذكره فِي الْجَامِع عَن مُحَمَّد بن نصر الْمروزِي فِي كتاب الصَّلَاة، وَفِيه " عرى الْإِسْلَام وقواعد الدّين ثَلَاثَة عَلَيْهِنَّ أسس الْإِسْلَام، من ترك وَاحِدَة مِنْهُنَّ فَهُوَ بهَا كَافِر حَلَال الدَّم، شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَالصَّلَاة الْمَكْتُوبَة وَصَوْم رَمَضَان " ورمز لحسنه. فَلَو كَانَ النَّبِي ([ﷺ]) حَيا أَو أحد خلفائه مَا أَبقوا وَاحِدًا على وَجه الأَرْض من هَؤُلَاءِ الْكَافرين بتركهم للصَّلَاة؛ فحذار أَيهَا النَّاس من ترك فَرِيضَة وَاحِدَة، إِذْ جَاءَ فِي الحَدِيث من " ترك صَلَاة لَقِي الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان " رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ، وروى الْأَصْبَهَانِيّ " من ترك صَلَاة مُتَعَمدا أحبط الله عمله وبرئت مِنْهُ ذمَّة الله حَتَّى يُرَاجع الله تَوْبَة " وروى الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط عَنهُ ([ﷺ]) " من ترك الصَّلَاة مُتَعَمدا فقد كفر جهارًا " ورمز فِي الْجَامِع لصِحَّته.
أما النِّسَاء فَإِنَّهُنَّ يتركن الصَّلَاة أبدا فِي رَمَضَان وَغَيره، ويحافظن كل الْمُحَافظَة على صِيَام رَمَضَان، حَتَّى وَهن حيض يصمن طول النَّهَار الصّيام الْمحرم وقبيل الْغُرُوب يجرحن صيامهن، كَمَا يقلن، على لقْمَة أَو جرعة مَاء، فلأمرهن الْعجب يَأْمُرهُنَّ الله بِالصَّلَاةِ فيعصينه وَلَا يصلين، وَيحرم عَلَيْهِم الصّيام حيضا فيفرضنه على أَنْفسهنَّ جهلا وضلالا، بل كفرا وعنادًا، وَلَا لوم عَلَيْهِنَّ، بل اللوم كُله على رِجَالهنَّ، إِذْ لَو عرفُوا دينهم لعلموا نِسَاءَهُمْ وَأَوْلَادهمْ، فالويل لَهُم ثمَّ لَهُنَّ، كلا كلا بل اللوم كل اللوم على عُلَمَاء الْأَزْهَر فَإِنَّهُم لم يبلغُوا مَا أمروا بتبليغه، فيا نَار كوني بردا عَلَيْهِم. وَمن الجرائم والفظائع الْكَبِيرَة شدَّة حَمَاقَة وَغَضب كثير من الصائمين لأدنى سَبَب يعرض لأَحَدهم، وَرُبمَا أَدَّاهُ جَهله إِلَى سبّ دين الْإِسْلَام فيكفر وَهُوَ
[ ١٥٨ ]
متلبس بأعظم قربَة شرعها الله لتهذيب النُّفُوس وتدريبها وَحملهَا على التعود على الْخِصَال الحميدة، والأخلاق الطاهرة، وَالْأَفْعَال المرضية، وَأي كَأَنَّهُمْ لم يقرءوا قَول الله تَعَالَى: ﴿وَعباد الرَّحْمَن الَّذين يَمْشُونَ على الأَرْض هونا وَإِذا خاطبهم الجاهلون قَالُوا سَلاما﴾ أَي إِذا سفه عَلَيْهِم الْجُهَّال بالْقَوْل السيء لم يقابلوهم عَلَيْهِ بِمثلِهِ، بل يعفون ويصفحون وَلَا يَقُولُونَ إِلَّا خيرا، كَمَا كَانَ نَبينَا [ﷺ] لَا تزيده شدَّة الْجَاهِل إِلَّا حلمًا. وكما قَالَ تَعَالَى فِي وصف الصَّالِحين من عباده: ﴿وَإِذا سمعُوا اللَّغْو أَعرضُوا عَنهُ وَقَالُوا لنا أَعمالنَا وَلكم أَعمالكُم سَلام عَلَيْكُم لَا نبتغي الْجَاهِلين﴾ وَقد ورد أَن رجلَيْنِ اسْتَبَّا عِنْد رَسُول الله [ﷺ] فَجعل المسبوب يَقُول للَّذي يسبه عَلَيْك السَّلَام، فَقَالَ رَسُول الله [ﷺ] " أما إِن ملكا بَيْنكُمَا يذب عَنْك، فَكلما شتمك قَالَ لَهُ - أَي الْملك - بل أَنْت وَأَنت أَحَق بِهِ، وَإِذا قلت وَعَلَيْك السَّلَام، قَالَ: لَا بل عَلَيْك وَأَنت أَحَق بِهِ " ذكره فِي زَوَائِد الْجَامِع وَحسنه ابْن كثير.
أخي لَا تغْضب، فَإِن الْغَضَب مفْسدَة " الْغَضَب يفْسد الْإِيمَان كَمَا يفْسد الصَّبْر الْعَسَل " الْغَضَب من الشَّيْطَان فَإِذا غضِبت فاستعذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم أذكر أخي قَول رَسُول الله ([ﷺ]) " إِذا كَانَ يَوْم صَوْم أحدكُم فَلَا يرْفث وَلَا يجهل، فَإِن امْرُؤ شاتمه فَهُوَ قَاتله فَلْيقل: إِنِّي صَائِم إِنِّي صَائِم " حَدِيث صَحِيح، تدبر قَوْله ([ﷺ]) " رب صَائِم حَظه من صِيَامه الْجُوع والعطش " ذكره فِي الْجَامِع وَصَححهُ. اسْتمع لِرَبِّك حَيْثُ يَقُول: ﴿قد أَفْلح من زكاها﴾ أَي زكى نَفسه بِطَاعَة الله وطهرها من الْأَخْلَاق الدنيئة والرذائل القبيحة ﴿وَقد خَابَ من دساها﴾ أَي قذرها بِالْجَهْلِ والغفلة، ودسها مدسوسة فِي الْمعْصِيَة وَلم يحملهَا ويجاهدها على طَاعَة مَوْلَاهُ، أكظم غيظك أخي أبدا لَا سِيمَا وَأَنت
[ ١٥٩ ]
صَائِم، واعف عَن أَخِيك إِن هُوَ أَسَاءَ إِلَيْك، بل وَأحسن إِلَيْهِ عساك تدخل فِي عداد من مدحهم الله بقوله: ﴿والكاظمين الغيظ وَالْعَافِينَ عَن النَّاس وَالله يحب الْمُحْسِنِينَ﴾ إِن سَمِعت وأطعت يكن لَك نصيب مَعَ من قَالَ الله فيهم: ﴿أُولَئِكَ جزاؤهم مغْفرَة من رَبهم وجنات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا وَنعم أجر العاملين﴾ . وَقد روى ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد جيد كَمَا قَالَه الْعِرَاقِيّ أَنه ([ﷺ]) قَالَ: " مَا من جرعة أعظم عِنْد الله من جرعة غيظ كظمها عبد ابْتِغَاء وَجه الله ".