وَفِي هَذَا الشَّهْر سفر الْحجَّاج إِلَى آداء فَرِيضَة الْحَج، إِلَّا أَنهم يركبون قبل سفرهم إِثْمًا ومنكرًا قبيحًا، وَذَلِكَ بِسَبَب ازدحام نِسَائِهِم وبناتهم وَبَنَات جيرانهم بِالرِّجَالِ على القطار وَرفع أصواتهن جَمِيعًا بِالْغنَاءِ غناء الْحجَّاج وَهَذَا مَذْمُوم من وُجُوه.
الأول: أَن شريعتنا المطهرة تأبى للْمَرْأَة أَن ترفع صَوتهَا بَين الرِّجَال، لِأَن صَوتهَا عَورَة وفتنة، وَلذَا منعت من التأذين وَحَتَّى من التَّلَفُّظ: بسبحان الله خلف الإِمَام بل جَاءَ فِي الحَدِيث " إِنَّمَا جعل التصفيق للنِّسَاء ".
[ ١٦٣ ]
الثَّانِي: أَن أَكثر نسَاء زَمَاننَا لَا يخْرجن إِلَّا متزينات متعطرات، وَفِي الحَدِيث " أَيّمَا امْرَأَة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا رِيحهَا فَهِيَ زَانِيَة " رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَغَيره.
الثَّالِث: أَن الْغيرَة الإسلامية تأبى خُرُوج الْمَرْأَة إِلَى المجتمعات وأماكن الازدحام، وَلذَا كَانَ عَليّ ﵁ يَقُول: " أَلا تستحيون؟ أَلا تغارون؟ يتْرك أحدكُم امْرَأَته تخرج بَين الرِّجَال تنظر إِلَيْهِم وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهَا " وَلما دخل الْأَعْمَى على زوجيه [ﷺ] أَمرهمَا بالاحتجاب مِنْهُ فَقَالَتَا: إِنَّه أعمى لَا يُبصرنَا فَقَالَ [ﷺ]: " أفعمياوان أَنْتُمَا؟ ألستما تبصرانه؟ " وَذكره ابْن كثير فِي تَفْسِير آيَة ﴿وَقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن﴾ عَن أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ.
الرَّابِع: كَيفَ يقبل رجل عِنْده بعض غيرَة إسلامية على زَوجته أَو ابْنَته أَن تقف بَين مئات بل أُلُوف من الرِّجَال ينظرُونَ إِلَيْهَا وَتنظر إِلَيْهِم ويتزاحمون ويتغنون (بخذ أمك فِي طولك تنكتب حجتك) و(بياهنا اللي انوعد) إِنَّه لَا يقبل هَذَا على نَفسه وَأَهله إِلَّا كل حمَار جَاهِل بِدِينِهِ لم يذقْ لَهُ طعما إِذْ لَو ذاق طعمه لعرف كَيفَ يغار على أَهله، وَورد " لِأَن يطعن فِي رَأس أحدكُم بمخيط من حَدِيد خير لَهُ من أَن يمس امْرَأَة لَا تحل لَهُ " رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ.
فيا أَيهَا الْحَاج امْنَعْ نِسَاءَك عَن الْخُرُوج من بُيُوتهنَّ، واقرأ عَلَيْهِنَّ قَول الله ﴿وَقرن فِي بيوتكن وَلَا تبرجن تبرج الْجَاهِلِيَّة الأولى﴾ واتل عَلَيْهِم قَول نبيك ([ﷺ]) " الْمَرْأَة عَورَة فَإِذا خرجت من بَيتهَا استشرفها الشَّيْطَان، وَأقرب مَا تكون الْمَرْأَة من الله تَعَالَى إِذا كَانَت فِي بَيتهَا " ذكره فِي الزواجر وَابْن كثير عَن الْبَزَّار وَالتِّرْمِذِيّ.
[ ١٦٤ ]
إخْوَانِي ذكرُوا نساءكم بقول النَّبِي ([ﷺ]) " أَيّمَا امْرَأَة خرجت من بَيتهَا بِغَيْر إِذن زَوجهَا كَانَت فِي سخط الله تَعَالَى حَتَّى ترجع إِلَى بَيتهَا أَو يرضى عَنْهَا زَوجهَا " ذكره فِي الْجَامِع برمز الْخَطِيب وَحسنه. ثمَّ إِذا كَانَت شريعتنا تنْهى الْمَرْأَة عَن صِيَام التَّطَوُّع بِغَيْر إِذن زَوجهَا كَمَا فِي الحَدِيث " أَيّمَا امْرَأَة صَامت بِغَيْر إِذن زَوجهَا فأرادها على شَيْء فامتنعت عَلَيْهِ كتب الله عَلَيْهَا ثَلَاثًا من الْكَبَائِر " ذكره فِي الْجَامِع برمز الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَحسنه، فَكيف تكون خالها إِذا خرجت متبرجة تمشي بَين الرِّجَال وريحها تعصف ثمَّ كَيفَ إِذا وقفت بَين الرِّجَال تغني بصوتها الرَّقِيق الرفيع الجذاب؟ لَا شكّ أَن هَذَا ضلال مُبين، وَجَهل فاضح، ومنكر فَاحش، لَا يرتضيه مُسلم عرف معنى الشهامة.
وَقد سُئِلَ ابْن مَسْعُود عَن قَول الله: ﴿وَمن النَّاس من يَشْتَرِي لَهو الحَدِيث ليضل عَن سَبِيل الله بِغَيْر علم ويتخذها هزوا أُولَئِكَ لَهُم عَذَاب مهين﴾ فَقَالَ " الْغناء وَالله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ ورددها ثَلَاثًا " وَكَذَا قَالَ ابْن عَبَّاس وَجَابِر وَعِكْرِمَة وَسَعِيد بن جُبَير وَمُجاهد وَمَكْحُول، وَذكر ابْن الْجَوْزِيّ عَن أبي أُمَامَة قَالَ: " نهى رَسُول الله ([ﷺ]) عَن بيع الْمُغَنِّيَات وَعَن التِّجَارَة فِيهِنَّ، وَعَن تعليمهن الْغناء وَقَالَ: ثمنهن حرَام، وَقَالَ فِي هَذَا أَو نَحوه نزلت على ﴿وَمن النَّاس من يَشْتَرِي لَهو الحَدِيث ليضل عَن سَبِيل الله﴾ وَقَالَ: " مَا من رجل يرفع عفيرة صَوته للغناء إِلَّا بعث الله لَهُ شياطين يرتدفانه - أَعنِي هَذَا من ذَا الْجَانِب وَهَذَا من ذَا الْجَانِب - وَلَا يزَالَانِ يضربان بِأَرْجُلِهِمَا فِي صَدره حَتَّى يكون هُوَ الَّذِي يسكت " وَهُوَ كَذَلِك فِي تَفْسِير الْبَغَوِيّ. وَفِي الْجَامِع وَصَححهُ " صوتان ملعونان فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة: مزمار عِنْد نعْمَة. وَرَنَّة عِنْد مُصِيبَة " وَقَالَ ابْن مَسْعُود: " الْغناء ينْبت النِّفَاق فِي الْقلب كَمَا ينْبت المَاء البقل ". وَمر ابْن عمر بِقوم محرمين وَفِيهِمْ رجل يتَغَنَّى فَقَالَ: أَلا لَا سمع الله لَك. ف (يَا أَيهَا
[ ١٦٥ ]
الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وَقُولُوا قولا سديدًا يصلح لكم أَعمالكُم وَيغْفر لكم ذنوبكم﴾ وَأسد قَول هُوَ ذكر الله فِي طَرِيق حَجكُمْ والإكثار من لَا إِلَه إِلَّا الله، وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر، أما الْغناء فَمن فعل الَّذين ﴿استحوذ عَلَيْهِم الشَّيْطَان فأنساهم ذكر الله أُولَئِكَ حزب الشَّيْطَان. أَلا إِن حزب الشَّيْطَان هم الخاسرون﴾ .
وَمن الْبدع الذميمة والجهالات الوخيمة، أَن ألوفا من النَّاس لَا يقصدون من الْحَج إِلَّا زِيَارَة قبر النَّبِي [ﷺ] وَوضع أَيْديهم على شباكه، وإنني لأعْلم أَن كثيراُ مِمَّن يحجون لَو شعروا أَن زِيَارَة الْقَبْر النَّبَوِيّ ممتنعة تِلْكَ السّنة مثلا - لرجعوا من فورهم لأَنهم يرَوْنَ أَن الْحَج هُوَ زِيَادَة قَبره [ﷺ] أَو أَن الْحَج لَا يقبل أَو لَا يتم إِلَّا بذلك، وَإِن هَذَا لَهو الْبلَاء الْعَظِيم وَالْجهل الوخيم. أَلا فاعلموا أَيهَا الْمُسلمُونَ أَن أَرْكَان الْحَج خَمْسَة: الْإِحْرَام، وَالْوُقُوف بِعَرَفَة، وَالطّواف، وَالسَّعْي بَين الصَّفَا والمروة وَحلق الرَّأْس أَو التَّقْصِير. وأركان الْعمرَة أَرْبَعَة: الْإِحْرَام، وَالطّواف، وَالسَّعْي، وَالْحلق أَو التَّقْصِير، فَمن حج الْبَيْت أَو اعْتَمر، فَأدى هَذِه الْأَركان فقد تمّ حجه وعمرته.
أما زِيَارَة قَبره [ﷺ] فَسنة مُسْتَحبَّة مُسْتَقلَّة يُؤَدِّيهَا الْمُسلم فِي أَي زمَان شَاءَ، سَوَاء أَكَانَ فِي أَيَّام الْحَج أَو غَيرهَا، على أَن لَا يقْصد السّفر إِلَّا للصَّلَاة فِي الْمَسْجِد.
ثمَّ اعْلَم أَن كل حَدِيث ورد فِي فضل زِيَارَة قَبره [ﷺ] فواه أَو مَوْضُوع. وَإِنَّمَا الصَّحِيح " لَا تشد الرّحال إِلَّا إِلَى ثَلَاثَة مَسَاجِد: الْمَسْجِد الْحَرَام، وَمَسْجِد النَّبِي [ﷺ] وَالْمَسْجِد الْأَقْصَى " فَإِذا دخل الْإِنْسَان مَسْجِد الرَّسُول [ﷺ] سنّ لَهُ أَن يُصَلِّي فِيهِ، ثمَّ يزور الْقَبْر الْمُعظم.
وَقد أشاع الأغفال الْجُهَّال أَن الْمَرْأَة المتزوجة إِذا عزمت على الْحَج وَلَيْسَ
[ ١٦٦ ]
مَعهَا محرم، يعْقد عَلَيْهَا رجل آخر ليَكُون مَعهَا كمحرم لَهَا، ثمَّ يطلقهَا بعد العودة، وَهَذِه بِلَا شكّ هِيَ سنة أهل الْجَاهِلِيَّة الأولى، إِذْ كَانَ الرِّجَال الْعشْرَة يَجْتَمعُونَ على الْمَرْأَة، فَإِذا وضعت نظرُوا إِلَى أَي رجل مِنْهُم جَاءَ الْوَلَد شَبِيها بِهِ فينسب إِلَيْهِ وَإِنَّهَا لأنكر النكر، وَإِحْدَى الْكبر. بل الْمَشْرُوع هُوَ مَا روى مُسلم فِي صَحِيحه أَنه [ﷺ] قَالَ: " لَا يحل لامْرَأَة تؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر أَن تُسَافِر سفرا يكون ثَلَاثَة أَيَّام فَصَاعِدا إِلَّا وَمَعَهَا أَبوهَا أَو ابْنهَا أَو زَوجهَا أَو ذُو محرم مِنْهَا " وروى الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادِهِ أَنه [ﷺ] قَالَ: " لَا تحجن امْرَأَة إِلَّا وَمَعَهَا ذُو محرم ".