وفيه فصلان:
أحدهما: في وجوب قتله إذا لم يتب.
والثاني: في توبته واستتابته.
[ ١١٧ ]
الفصل الأول: في وجوب قتله
وذلك مجمع عليه، والكلام في مسألتين، إحداهما: في نقل كلام العلماء في ذلك ودليله، والثانية: في أنه: يُقتل كفرًا أو حدًا مع الكفر؟
المسألة الأولى: في نقل كلام العلماء ودليله
أما النقل: فقال القاضي عياض: "أجمعت الأمة على قتل متنقصه من المسلمين وسابه".
وقال أبو بكر بن المنذر: "أجمع عوام أهل العلم على أن على من سب النبي ﷺ القتل. وممن قال ذلك مالك بن/ أنس، والليث، وأحمد،
[ ١١٩ ]
وإسحاق، وهو مذهب الشافعي".
قال عياض: "وبمثله قال أبو حنيفة وأصحابه، والثوري وأهل الكوفة، والأوزاعي، في المسلم".
وقال محمد بن سحنون: "أجمع العلماء أن شاتم النبي ﵇ المتنقص له كافر، والوعيد جار عليه بعذاب الله، وحكمه عند الأمة القتل، ومن شك في كفره وعذابه كفر".
[ ١٢٠ ]
وقال أبو سليمان الخطابي: "لا أعلم أحدًا من المسلمين اختلف في وجوب قتله إذا كان مسلمًا".
وعن إسحاق بن راهويه أحد الأئمة الأعلام قال: "أجمع المسلمون أن من سبَّ الله أو سبَّ رسوله ﷺ أو دفع شيئًا مما أنزل الله أو قتل نبيًا من أنبياء الله ﷿ أنه كافر بذلك وإن كان مقرًا بكل ما أنزل الله".
وهذه نقول معتضدة بدليلها، وهو الإجماع، ولا عبرة بما أشار إليه ابن حزم الظاهري من الخلاف في تكفير المستخف به، فإنه شيء لا يعرف
[ ١٢١ ]
لأحد من العلماء، ومن استقرأ سير الصحابة تحقق إجماعهم على ذلك، فإنه نقل عنهم في قضايا مختلفة منتشرة يستفيض مثلها، ولم ينكره أحد.
روى أبو داود والنسائي عن أبي برزة قال: كنت عند أبي بكر ﵁، فتغيظ على رجل - وفي رواية: من أصحابه - فاشتد عليه، فقلت: تأذن لي يا خليفة رسول الله أضرب عنقه؟ قال: فأذهبت كلمتي غضبه، فقام فدخل، فأرسل إلىَّ فقال: ما الذي قلت آنفًا؟ قلت: ائذن لي أضرب عنقه. [فقال:] أكنت فاعلًا لو أمرتك؟ قلت: نعم، قال: لا والله، ما كانت لبشرٍ بعد محمد ﷺ.
[ ١٢٢ ]
فهذا الكلام من أبي بكر ﵁ يدل على أن النبي ﷺ له أن يقتل من تغيظ عليه، بخلاف غيره من البشر، ولا شك أن سبه يغيظه.
وروى سيف وغيره أن المهاجر بن أبي أمية - وكان أميرًا على اليمامة أو نواحيها - رفعت إليه امرأتان غنت إحداهما باسم النبي ﷺ فقطع يدها ونزع ثناياها، وغنت الأخرى بهجاء المسلمين فقطع يدها ونزع ثنيتها/، فكتب إليه أبو بكر: بلغني الذي سرت به في المرأة التي تغنت وزمرت باسم النبي ﷺ، فلولا ما قد سبقتني فيها لأمرتك بقلتها، لأن حد الأنبياء ليس يشبه الحدود، فمن تعاطى ذلك من مسلم فهو مرتد، أو معاهد فهو محارب غادر.
[ ١٢٣ ]
فإن قيل: لِمَ لا كتب إليه أبو بكر بقتلها؟ قلنا: لعلها أسلمت، أو لأن المهاجر حدها باجتهاده فلم ير أبو بكر أن يجمع بين حدين.
وعن عمر ﵁ أنه أتى برجل سب النبي ﷺ فقلته، ثم قال عمر: من سب الله أو سب أحدًا من الأنبياء فقاتلوه.
وعن ابن عباس قال: أيما مسلم سب الله أو سب أحدًا من الأنبياء فقد كذب برسول الله ﷺ، وهي ردة، يستتاب فإن رجع وإلا قتل، وأيما معاهد عاند فسب الله أو سب أحدًا من الأنبياء أو جهر به فقد نقض العهد فاقتلوه.
وعن خليد أن رجلًا سب عمر بن عبد العزيز فكتب عمر: أنه لا يقتل إلا من سب رسول الله ﷺ.
[ ١٢٤ ]
والإكثار من ذلك لا حاجة إليه مع العلم بقيام الإجماع عليه.
وهكذا ورد عن الشافعي ﵁ أنه سئل عمن هزل بشيء من آيات الله تعالى، فقال: هو كافر، واستدل بقوله تعالى: (قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون (٦٥) لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم) [التوبة: ٥٦ - ٦٦].
ونقل القاضي عياض عن إبراهيم بن حسين بن خالد الفقيه أنه احتج بقتل خالد بن الوليد بن نويرة لقوله عن النبي ﷺ: صاحبكم.
[ ١٢٥ ]
قال: وقال ابن القاسم عن مالك - في "كتاب ابن سحنون"، و"المبسوط"، و"العتبية"، وحكاه مطرف عن مالك في كتاب ابن حبيب ـ: من سب النبي ﷺ قتل ولم يستتب. وقال ابن القاسم في
[ ١٢٦ ]
"العُتبية": أو شتمه أو عابه أو تنقصه فإنه يقتل، وحكمه عند الأمة القتل كالزنديق. وفي "المبسوط": عن عثمان بن كنانة: من شتم النبي ﷺ من المسلمين قتل أو صلب حيًا/ ولم يستتب، والإمام مخير في صلبه حيًا أو قتله. ومن رواية أبي مصعب وابن أبي أويس: سمعنا مالكًا يقول: منسب رسول الله ﷺ أو شتمه أو عابه أو تنقصه قتل مسلمًا كان أو كافرًا ولا يستتاب. وفي "كتاب محمد": أخبرنا أصحاب مالك أنه قال: من سب النبي ﷺ أو غيره من النبيين من مسلم أو كافر قتل ولم يستتب. وقال
[ ١٢٧ ]
أصبغ: يقتل على حال أسر ذلك أو أظهره، ولا يستتاب، لأن توبته لا تعرف. وقال عبد الله بن عبد الحكم: من سب النبي ﷺ من مسلم أو كافر قتل ولم يستتب. وحكى الطبري مثله عن أشهب عن مالك. وروى ابن وهب عن مالك: من قال: إن رداء النبي ﷺ ويروى: زر النبي ﷺ وسخ، أراد به عيبه، قتل.
قال القاضي عياض: وقال بعض علمائنا: أجمع العلماء على أن من دعا على نبي من الأنبياء بالويل أو بشيء من المكروه أنه يقتل بلا استتابة، وأفتى أبو الحسن القابسي فيمن قال في النبي ﷺ، يتيم أبي طالب،
[ ١٢٨ ]
بالقتل. وأفتى فقهاء الأندلس بقتل [ابن] حاتم المتفقه الطليطلي وصلبه باستخفافه بحق النبي ﷺ وتسميته إياه أثناء مناظرته باليتيم، وزعمه أن زهده لم يكن قصدًا، ولو قدر على الطيبات أكلها.
وقال حبيب بن ربيع القروي: مذهب مالك وأصحابه أن من قال فيه ﵇ ما فيه نقص قتل دون استتابة.
وقال ابن عتاب: الكتاب والسنة موجبان أن من قصد النبي ﷺ بأذى أو نقص معرضًا أو مصرحًا وإن قل فقلته واجب.
قال القاضي عياض: وكذلك أقول حكم من غمصه أو عيره برعاية الغنم أو السهو أو النسيان أو السحر، أو ما أصابه من جرح أو أصاب
[ ١٢٩ ]
بعض جيوشه، أو شدة من زمنه أو عدوه، أو بالميل إلى نسائه، فحكم هذا كله لمن قصد به: القتل./
وقال أحمد بن حنبل في رواية عبد الله: من شتم النبي قُتل، وذلك أنه شتم فقد ارتد عن الإسلام، ولا يشتم مسلم النبي ﷺ.
وقال في رواية حنبل: كل من شتم النبي ﷺ أو تنقصه مسلمًا كان أو كافرًا فعليه القتل، وأرى أن يُقتل ولا يستتاب.
وقال في رواية أخرى: من شتم النبي ﷺ مسلمًا كان أو كافرًا يُقتل.
وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عمن شتم النبي ﷺ: يُستتاب؟ قال: قد وجب عليه القتل ولا يستتاب؛ خالد بن الوليد قتل رجلًا شتم النبي ﷺ ولم يستتبه.
وهكذا قال أصحاب أحمد: إن من سب الله كفر سواء أكان مازحًا أم جادًا للآية التي استدل بها الشافعي.
[ ١٣٠ ]
وقال أبو يعلى من الحنابلة: من سب الله أو سب رسوله فإنه يكفر سواء استحل سبه أم لم يستحله، فإن قال: لم أستحل ذلك لم يقبل منه في ظاهر الحكم، رواية واحدة، وكان مرتدا. قال: وليس كالقاتل والشارب والسارق إذا قال: أنا غير مستحل، حيث يصدق، لأن له غرضا في فعل هذه الأشياء مع التحريم، وهو اللذة. قال: وإذا حكمنا بكفره فإنما نحكم به في الظاهر، فأما في الباطن فإن كان صادقًا فيما قال فهو مسلم كما في الزنديق.
وذكر أبو يعلي عن بعض الفقهاء: إن كان مستحيلًا كفر، وإن لم يكن مستحيلًا فسق ولم يكفر كساب الصحابة.
[ ١٣١ ]
وهذا نظير ما يُحكى أن بعض الفقهاء من أهل العراق أفتى هارون الرشيد فيمن سب النبي ﷺ أن يجلدا، حتى أنكر ذلك مالك ﵁ ورد هذه الفتيا.
وهذا نظير ما حكاه ابن حزم، وقد ذكر القاضي عياض بعد أن رد هذه الحكاية عن بعض فقهاء العراق والخلاف الذي أشار إليه ابن حزم بما نقله من الإجماع عن غير واحد، وحمل الحكاية على أن أولئك لم يكونوا ممن شهر بالعلم، أو لم يكونوا ممن يوثق بفتواه لميل الهوى به، أو أن الفتيا كانت في كلمة اختلف/ في كونها سبًا أو كانت فيمن تاب.
وما حكي عن بعض الفقهاء من أنه إذا لم يستحل لا يكفر: زلة عظيمة وخطأ صريح لا يثبت عن أحد من العلماء المعتبرين، ولا يقوم عليه دليل صحيح.
[ ١٣٢ ]
وأما الدليل: فالكتاب والسنة والإجماع والقياس.
أما الكتاب: فقوله تعالى: (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والأخرة وأعد لهم عذابًا مهينًا) [الأحزاب: ٥٧].
وقوله تعالى: (والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم) [التوبة: ٦١].
وقال تعالى: (ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا) [الأحزاب: ٦١].
فهذه الآيات كلها تدل على كفره وقتله.
والأذى هو: الشر الخفيف، فإن زاد كان ضررًا، كذا قال الخطابي وغيره، ويدل له قول الله تعالى فيما حكى عنه نبيه: "يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني" مع إثباته الأذى في هذه الآيات، وفي ذلك تعظيم لقدر النبي ﷺ أن نيله بشيء يسير من الشر كفر، والضرر في حق الله تعالى محال، والأذى في حقه وحق رسوله كفر، لأن العذاب المهين إنما يكون للكفار، وكذلك القطع بالعذاب في الدنيا والأخرة إنما يكون للكفار، وكذا العذاب الأليم.
وكذلك قوله بعد ذلك: (ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله ) [التوبة: ٦٣]، الآية، فإنه مع الآية قبله يدل على أن الأذى محادة، وقد قال تعالى: (إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا) [المجادلة: ٥]، وقوله: (أولئك في
[ ١٣٣ ]
الأذلين (٢٠) كتب الله لأغلبن أنا ورسلي) [المجادلة: ٢٠ - ٢١]، وقوله: (ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا (٥٢» [النساء: ٥٢].
وإذا علم هذا فنركب دليلًا، وهو: أن الساب مؤذٍ، والمؤذي محاد، والمحاد مكبوت أذل مغلوب، ومن كان كذلك لا يكون منصورًا، فلو لم يجز قتله لوجب على المسلمين نصرته، وقد ثبت بطلانه.
وأيضًا نقول: الساب مؤذ، والمؤذي كافر بالآيات الأول، وغير ذلك من وجوه تركيب الاستدلال.
وأما السنة: فقول النبي ﷺ في الحديث الثابت في "الصحيحين" لما خطب في قضية الإفك واستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول فقال: "من يعذرني من رجل بلغني/ أذاه في أهلي"، فقال سعد بن معاذ سيد الأوس: أنا يا رسول الله أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك.
فقول سعد بن معاذ هذا دليل على أن قتل مؤذيه كان معلوما عندهم، وأقره النبي ﷺ ولم ينكره ولا قال له إنه لا يجوز قتله، والمستعذر منه ابن أبي، وكان ظاهره الإسلام، ولم يكن قصد سعد قتله لنفاق، وإنما كان لأذاه لرسول الله ﷺ.
فإن قلت: قد كان من جملة من خاض في الإفك مسطح وجماعة من خيار المسلمين ممن يقطع بأنهم لا يحكم عليهم بكفر ولا قتل، ولو كان ما استدللت به على ظاهره لوجب إجراء ذلك عليهم، ولكان سب أزواج النبي ﷺ موجبًا للكفر أو للقتل.
[ ١٣٤ ]
قلت: الأذى على قسمين: أذى مقصود، وأذى غير مقصود، فمسطح وحمنة وحسان لم يكن مقصودهم أذى النبي ﷺ، فلذلك لا يجري عليهم كفر ولا قتل، وأما ابن أبي فكان مقصوده بالأذى النبي ﷺ، فلذلك يستحق القتل، ولكن الحق للنبي ﷺ، فله تركه.
وهذه القاعدة واعتبار القصد فيما يحصل به الأذى مما يجب التنبيه له، فإن الشخص قد يفعل فعلًا أو يقول قولًا فيحصل لآخر منه أذى لا يكون ذلك الفاعل أو القائل قصد أذاه ألبتة، وإنما قصد أمرًا آخر ولم يحضر عنده أن ذلك يستلزم الأذى لذلك الشخص ولا كان لزومه له بينا، فهذا لا يترتب عليه حكم الإيذاء.
وهذا قد وقع لجماعة من جفاة الأعراب ومن لم يتأمل مواقع الكلام، فلم يؤاخذهم النبي ﷺ، وحال مسطح ورفقته يحتمل أن يكون من هذا الضرب، ويحتمل أنه قبل أن يتبين لهم أنها زوجته في الدنيا والأخرة وأن زوجات الأنبياء تجب براءتهن، وجوزوا أنه سيفارقها.
[ ١٣٥ ]
ومما يدلك على هذا قوله تعالى في شأن الذين قعدوا في وليمة زينب: (يا أيها الذين أمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذالكم كان يؤذي النبي ..) [الأحزاب: ٥٣]، فهؤلاء من خيار الصحابة لم يقصدوا الأذى، فلذلك لم يترتب عليه حكمه، وأما/ عبد الله بن أبي فيما حمله على ذلك إلى نفاقه وبغضه للنبي ﷺ وقصده الإيذاء، فلذلك كان يستحق القتل، إلا أن النبي ﷺ حلم عليه.
ولهذا قال جماعة من المفسرين: إن قولك تعالى: (إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والأخرة) [النور: ٢٣] خاصة بأزواج النبي ﷺ خاصة، وليس فيها توبة لما في قذفهن من الطعن على رسول الله ﷺ، بخلاف قذف غيرهن حيث استثنى منه الذين تابوا، وإن كان المختار خلاف هذا القول، وأن الآية التي في أول السورة لبيان الأحكام الدنيوية، وهذه لبيان الأحكام الأخروية، وكلاهما يسقط بالتوبة، وقد أطلنا في هذا الدليل.
ومن السنة أيضًا حديث عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وهو في
[ ١٣٦ ]
"سنن أبو داود" من حديث أسباط بن نصر عن السُدى عن مصعب بن سعد عن سعد قال: لما كان يوم فتح مكة أمن رسول الله ﷺ الناس إلا أربعة نفر وامرأتين، وسماهم وابن أبي سرح .. فذكر الحديث، قال: وأما ابن أبي سرح فإنه اختبأ عند عثمان بن عفان، فلما دعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة جاء به حتى أوقفه على رسول الله ﷺ، فقال: يا نبي الله بايع عبد الله، فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثًا، كل ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاث، ثم أقبل على أصحابه فقال: "ما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله؟ "، فقالوا: ما ندري يا رسول الله ما في نفسك، ألا أومأت إلينا بعينك؟ قال: "إنه لا ينبغي لنبي أن تكون خائنة الأعين".
[ ١٣٧ ]
وأخره النسائي أيضًا. وإسماعيل السدي وأسباط بن نصر روى لهما مسلم، وفيهما كلام، لكن الحديث مشهور جدًا عند أهل السير كلهم.
وكان ابن أبي سرح يكتب الوحي لرسول الله ﷺ/ ثم ارتد مشركًا وصار إلى قريش بمكة فقال لهم: إني كنت أصرف محمدًا حيث أريد، كان يملي علي: (عزيز حكيم) فأقول: أو (عليم حكيم)، فيقول: نعم كل صواب. فلما كان يوم الفتح أمر رسول الله ﷺ بقلته وقتل عبد الله بن هلال بن خطل، ومقيس بن صبابة، وإن وجدوا تحت أستار الكعبة، وكذلك أمر بقتل الحويرث بن نقيد، وهبار بن الأسود، وابن الزبعري، وعكرمة بن أبي جهل، ووحشي، وقينتي ابن خطل، وهما فرتنا وأرنب، كان يقول الشعر يهجو رسول الله ﷺ ويأمرهما تغنيان به، وسارة
[ ١٣٨ ]
مولاة عمرو بن هاشم، مغنية نواحة بمكة، كانت يُلقى عليها هجاء النبي ﷺ فتغني به، وقتلوا إلا ابن أبي سراح وهبار بن الأسود وابن الزبعرى
[ ١٣٩ ]
وعكرمة ووحشي وفرتنا إحدى القينتين، فأسلموا.
وقيل إن ابن خطل كان قتل أنصاريًا كان رفيقه، وذكر الواقدي أن ابن أبي سرح لما جاء مع عثمان جاء تائبًا، وظاهر حاله يقتضي ذلك.
وهؤلاء الذين أهدر النبي ﷺ دمهم منهم من كان مسلمًا فارتد كابن أبي سرح، وانضاف إلى ردته ما حصل منه في حق النبي ﷺ، فلذلك أهدر النبي ﷺ دمه، حتى جاء به عثمان واستحيا النبي ﷺ فبايعه، وهو بلا شك دليل على قتل الساب قبل التوبة، أما بعد التوبة فسنتكلم عليه، ونتكلم أيضًا هناك - إن شاء الله - على قول النبي ﷺ: "أما كان منكم رجل رشيد يقول إلى هذا فيقتله".
ومنهم مقيس بن صبابة، ارتد وقتل نفسًا، ومنهم ابن خطل أيضا،
[ ١٤٠ ]
ارتد وقتل نفسًا، فقتلهما الله، ومنهم عكرمة بن أبي جهل انضاف إلى كفره الأصلي شدة عداوته للنبي ﷺ، ولا أعلم هل صدر منه سب أو لا، وصار بعد ذلك من سادات المسلمين.
ومنهم من كان كافرًا أصليًا ولكن ما كان إهدار دمه لكفره ولا لشدة عداوة بل بما صدر منه من السب، ألا ترى أن النساء لا يقتلن بالكفر! فلم يكن الأمر بقتلهن إلا للوقيعة، ولم يقتل النبي ﷺ يوم الفتح أحدًا لمجرد الكفر، لكن قيل: إنه أذن لخزاعة أن تنتقم من بني بكر الذين أغاروا عليهم، فقتلوا منهم، ثم حرم النبي ﷺ كله بعد ذلك.
وقيل: إن الأنصار قاتلوا، وللكلام في تحقيق ذلك محل غير هذا، وأما إذنه لخزاعة فروى أبو عبيد في كتاب "الأموال": ثنا عبد الوهاب
[ ١٤١ ]
- يعني: ابن عطاء - عن حسين المعلم: عن عمرو بن شعيب: عن أبيه: عن جده قال: لما فتحت مكة على رسول الله ﷺ قال: "كفوا السلاح إلا خزاعة عن بني بكر فإن لهم حقا"، حتى صلى العصر، ثم قال: "كفوا السلاح"، فلقي رجل من خزاعة رجلًا من بني بكر بالمزدلفة فقتله، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فلما كان من الغد قام خطيبا مسندًا ظهره إلى الكعبة، فقال: "إن أعتى الناس على الله من عدا في الحرم، ومن قتل غير قاتله، ومن قتل بذحل الجاهلية".
وأبو عبيد يرى أن مكة فتحت عنوة، والشافعي ﵀ مع قوله: "فتحت صلحا" قال: إن الذين قاتلوا بها بنو نفاثة فأذن في قتلهم، ولا مال لهم ولا سبي لهم بها فيؤخذ، إنما هم قوم من غير أهلها لجؤوا إليها،
[ ١٤٢ ]
ذكر ذلك في "الأم" جوابًا عن قول أبي يوسف: إن السبي لا يجري على أهل مكة، في الجزء السابع عشر من "الأم".
والاستدلال بحديث ابن أبي سرح هذا قوي عند من يرى أن/ استتاببة المرتد واجبة، فإن قتله لو كان للردة لاستتابه على قول هؤلاء، ولم يقع ذلك، وليس بكافر أصلي حتى يقول إن الإمام مخير فيه قبل الإسلام، فلا محمل لقتله إلا السب، وأن الساب يقتل بغير استتابة، أعني: لا نعرض عليه التوبة، أما إذا أنذر فأسلم فسيأتي حكمه.
ومن لا يرى الاستتابة واجبة يقول: إنها سنة، فتترك النبي ﷺ إياها يدل على أن هذا القتل عن السب، وأنه أعظم من قتل الردة، إذ يستتاب في ذلك وجوبًا أو استحبابًا ولا يستتاب في هذا.
ومما يدل على أن جُرْمَ الساب أعظم من جُرْمِ المرتد ما روى البخاري عن أنس قال: كان رجل نصرانيا فأسلم، وكان يكتب للنبي ﷺ، فعاد نصرانيًا، فكان يقول: ما يدري محمد إلا ما كتبت له، فأماته الله، فدفنوه، فأصبح وقد لفظته الأرض، فقالوا: هذا فِعْلُ محمدٍ وأصحابه نبشوا عن صاحبنا فألقوه، فحفروا له وأعمقوا، فأصبحوا وقد لفظته الأرض، فعملوا أنه ليس من الناس فألقوه.
[ ١٤٣ ]
فانظر عناية الله بإظهار كذب من افترى على نبيه، وعدم قبول الأرض له، حتى يظهر للناس أمره، وإلا فكثير من المرتدين ماتوا ولم تلفظهم الأرض، ولكن الله أراد أن يفضح هذا المعلون ويبين كذبه للناس، ولو لم يسلم ابن أبي سرح لكان كذلك.
وقد اختلف الناس فيما قاله ابن أبي سرح وهذا النصراني، فقيل: إن ذلك كذب وافتراء لم يكن منه شيء، وقيل: إن القرآن أنزل على سبعة أحرف ثم نسخت الستة وثبت السابع في العرضة الأخيرة التي عرضها النبي ﷺ على جبريل، وكان في الأول يجوز: (سميع عليم) ونحوه موضع: (عليم حكيم) ونحوه ما لم يختم آية رحمة بعذاب، ولا آية عذاب برحمة، وقيل غير ذلك من التأويلات الصحيحة التي لم يفهمها ابن أبي
[ ١٤٤ ]
سرح ولا النصراني حيث أضلهما الله تعالى، وكان ذلك من أعظم الجُرم، لأنه يؤثر في القلوب المريضة ريبا، فكانت عقوبته أشد.
وابن خطل أيضًا كان مسلمًا واستعمله النبي ﷺ على الصدقة، وأصحبه رجلًا من الأنصار يخدمه، فغضب عليه لكونه لم يصنع له طعامًا فقتله، ثم خاف أن يُقتل فارتد، وكان يقول الشعر يهجو به رسول الله ﷺ، ويأمر جاريتيه أن تغنيا به، وقتله لو كان قصاصًا لسُلم إلى أولياء المقتول، ولو كان ردة لاستتيب، فلم يكن إلا للسب.
فإن قلت: الهجاء بالشعر من أفحش السب، فلم يعم السب بالكلمة الواحدة؟
قلت: سيأتي عموم الحكم في السب بغير الشعر والتعليل بالأذى، وهو مقتضى العموم، وأيضًا فالمبيح للدم لا فرق في الجنس الواحد منه بين قليله وكثيره.
ومن السنة أيضًا: ما اشتهر أن بجير بن زهير بن أبي سلمى كتب إلى أخيه كعب بن زهير أن رسول الله ﷺ قد قتل رجالًا بمكة ممن كان يهجوه ويؤذيه.
[ ١٤٥ ]
ومن السنة أيضًا: حديث الأعرابي الذي قال للنبي ﷺ لما أعطاه: ما أحسنت ولا أجملت، فأراد المسلمون قتله، ثم قال النبي ﷺ: "لو تركتم حين قال الرجل ما قال فقتلتموه دخل النار".
ولما قسم غنائم حنين قال رجل: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله، فقال عمر: دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق، فقال: "معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي". وفي هذا إشارة إلى أنه كان مستحقًا للقتل بإذن النبي ﷺ لو أذن.
[ ١٤٦ ]
ولما قال ابن أبي: "لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل": استأمر عمر في قتله، فقال: "إذن ترعد له آنف كثيرة بالمدينة"، وقال "لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه".
وفي مغازي سعيد بن يحيى بن سعيد: عن أبيه: عن أبي المجالد: عن الشعبي قال: لما افتتح رسول الله ﷺ مكة ودعا بمال
[ ١٤٧ ]
العزى فنثره بين يديه، ثم دعا رجلًا قد سماه فأعطاه، ثم دعا رهطا من قريش فأعطاهم، فقام رجل فقال: إنك لبصير حيث تضع التبر. ثم قام الثانية فقال مثله، فأعرض/ عنه النبي ﷺ، ثم قام الثالثة فقال: إنك لتحكم وما نرى عدلًا، قال: "ويحك! إذا لا يعدل أحد بعدي". ثم دعا نبي الله ﷺ أبا بكر فقال: اذهب فاقتله، فذهب فلم يجده، فقال: "لو قتلته لرجوت أن يكون أولهم وآخرهم".
ومن السنة أيضًا: ما روى القاضي عياض: ثنا ابن غلبون: عن أبي ذر إجازة قال: ثنا أبو الحسن الدارقطني وأبو عمر بن حيويه: ثنا محمد ابن نوح: ثنا عبد العزيز بن محمد بن الحسن بن زبالة: ثنا عبد الله بن موسى [بن جعفر: عن علي بن موسى]: عن أبيه: عن جده: عن محمد بن علي بن الحسين: عن أبيه: عن الحسين بن علي: عن أبيه: أن رسول الله ﷺ قال: "من سب نبيًا فاقتلوه، ومن سب أصحابي فاضربوه".
[ ١٤٨ ]
في هذا الحديث نظر من جهة الراوي عن أهل البيت فيه، وعبد العزيز بن محمد بن الحسن بن زبالة، جرحه ابن حبان وغيره.
[ ١٤٩ ]
وقد رواه أيضًا الخلال والأزجي من حديث علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ: "من سب نبيًا قتل، ومن سب أصحابه جلد".
وابن الصلاح قال في كلامه على "الوسيط": "هذا حديث لا يعرف"، وهذا الكلام من ابن الصلاح لأنه لم يقف على إسناده، فينبغي
[ ١٥٠ ]
النظر فيه، فإن كان محفوظًا فهو عمدة قوية في المسلم والكافر، وقد أطلنا في الاستدلال في هذا المكان، ولا ضرورة إليه لأنه حكم مجمع عليه.
وأما الإجماع: فقد تقدم نقله.
وأما القياس: فلأن المرتد ثبت قتله بالإجماع والنصوص المتظاهرة، ومنها قوله ﷺ: "من بدل دينه فاقتلوه"، والساب مرتد مبدل لدينه، فلك أن تدخله في عموم قوله: "من بدل دينه" فيكون ثابتًا بالنص، ولك أن تجعل السب مقيسًا على الردة بطريق الأولى لأنه أفحش.
[ ١٥١ ]
المسألة الثانية: في أن قتل الساب للكفر أو للحد
وأقدم عليه مقدمة، وهي: أن المرتد يقتل للنص والإجماع كما سبق، وتوبته مقبولة بإجماع أكثر العلماء إذا لم يكن زنديقًا، وقال الحسن في رواية: لا تقبل توبته ويُقتل وإن أسلم كالزاني، وقاله أحمد فيمن ولد في الإسلام، وهو قول عطاء وإسحاق. والمشهور من مذاهب الصحابة والتابعين: قبول توبته، ولعل الذي روي عن الحسن لا يثبت، أو يكون في واقعة خاصة.
ولا شك أن قتله إذا لم يتب ليس كقتل الكافر الأصلي، لأن الكافر الأصلي الحربي إذا أسر يتخير الإمام فيه بين القتل والاسترقاق والمن والفداء، وإن كان كتابيًا يقر بالجزية ويهادن ويؤمن، وإن كانت امرأة لم
[ ١٥٢ ]
تقتل إلا إن قاتلت، والمرتد بخلاف ذلك في جميع هذه الأحكام، ويجبر على الإسلام رجلًا كان أو امرأة، ولا يقبل منه غيره، فإن لم يسلم قتل.
فعلمنا بهذا أن العلة في هذا الحكم ليس هو مطلق الكفر، بل خصوص الردة، ولذلك جعلها الغزالي من الجنايات الموجبة للعقوبة، وهي سبع: البغي، والردة، والزنا، والقذف، والسرقة، وقطع الطريق، والشرب. وفسرها بأنها عبارة عن قطع الإسلام من مكلف، وقال: احترزنا بالقطع عن الكفر الأصلي، وهكذا وقع في كلام القاضي حسين في "تعليقته"، والروياني في "البحر"، حيث حكيا ما سنذكره عن أبي بكر الفارسي أن قتل المرتد حد يسقط بإسلامه، وهكذا في كلام غيرهما، وهذا هو التحقيق، وهو أن القتل عقوبة خاصة رتبها الشرع على خصوص الردة كما رتب الرجم على زنا المحصن.
[ ١٥٣ ]
وبهذا يظهر لك أن قتل المرتد حد، والردة كفر خاص يوجب القتل الذي لا خيرة فيه إلا الإسلام، بخلاف غيرها من أنواع الكفر.
وليس يلزم من كون قتل المرتد حدًا أن لا يسقط بالإسلام، ألا ترى أنا اختلفنا في حد الزنا هل يسقط بالتوبة أو لا؟ مع الإجماع على تسميته حدًا، فلا يمتنع أن يكون قتل المرتد حدًا وإن سقط بالإسلام، ومن ظن أنه متى سميناه حدًا لا يسقط بالإسلام فهو غالط.
والحد هو: العقوبة المقدرة من جهة الشارع، ولك أن تجعل المعاقب عليه في الردة خصوص الكفر بعد الإسلام، ولك أن تجعله قطع الإسلام بالكفر كما تشير إليه عبارة الغزالي، وهو معنى غير الأول، وهو أحسن.
فرتب الشارع/ على قطع الإسلام القتل، ثم يسقط بالإسلام، لقوله: (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) [الأنفال: ٣٨]، ولقوله ﷺ: "الإسلام يجب ما قبله"، ولا يلزم من التردد في سقوط الحد بالتوبة التردد في سقوطه بالإسلام، لأن الإسلام أعلى.
إذا عرفت هذا فنقول:
الساب المسلم مرتد، فالكلام فيه كالكلام في قتل المرتد، فيكون حدًا أيضًا وإن كان كافرًا كالمرتد، وفي هذا بحث زائد، وهو أن القتل هل هو لعموم الردة أو لخصوص السب؟ أو لهما معًا؟ هذا محل نظر الفقيه.
[ ١٥٤ ]
أما عموم الكفر فلا، لما قدمناه من اختلاف الآثار، لأن هذا لا يسترق ولا يؤمن ولا يفادي به ولا يقر بجزية، ولا يفترق الحال بين أن يكون رجلًا وامرأة، ولكن النظر: هل هو لعموم الردة أو لخصوص السب؟ أو لمجموعهما؟
ولا شك أن الردة موجبة للقتل بالإجماع والنصوص، وخصوص السب موجب للقتل بحديث: "من سب نبيًا فاقتلوه" وبترتيب الحكم على الأذى، وترتيب الحكم على خصوص الوصف يشعر بأنه هو العلة، وقد وجد في الساب المسلم المعنيان جميعًا، أعنى: الردة والسب، فيكون قد اجتمع على قتله علتان، كل منهما موجبة للقتل، والقتل حد لكل منهما، وقد تجتمع علتان شرعيتان على معلول واحد، ولهذا البحث أثر يظهر فيما إذا صدر السب من كافر، فإنه انفرد فيه السب عن الارتداد، وفيما إذا تاب الساب وأسلم، وسنذكره إن شاء الله تعالى. هذا تحرير البحث في قتل الساب والمرتد.
وقد قال القاضي عياض ﵀ بعد أن حكى قتله عن جماعة ثم قال: ولا تُقبل توبته عند هؤلاء، وبمثله قال أبو حنيفة وأصحابه، والثوري، وأهل الكوفة، والأوزاعي، في المسلم، كلهم قالوا: هي ردة. وروى مثله الوليد بن مسلم عن مالك.
[ ١٥٥ ]
وقال بعد ذلك: ذكرنا الإجماع على قتله،/ ومشهور مذهب مالك وأصحابه وقول السلف وجمهور العلماء قتله حدًا لا كفرًا إن أظهر التوبة، ولهذا لا تقبل التوبة عندهم.
فأشار القاضي في هذا الكلام إلى أن مأخذ قبول التوبة جعل قتله للكفر، ومأخذ عدم قبولها جعله للحد، وقد بينا أن ذلك غير لازم.
ويمكن تأويل كلام القاضي على فرض الخلاف فيما إذا أسلم لا فيما قبل ذلك.
وقد نقل القاضي حسين من الشافعية عن أبي بكر الفارسي أنه قال: أجمعت الأمة على أن من سب النبي ﷺ يقتل حدًا. قال: وإنما ذاك لأن من سب النبي ﷺ فقد خرج عن الإيمان، والمرتد يقتل حدًا، فإن تاب يجب أن تقبل توبته.
وقال الروياني: ذكر أبو بكر الفارسي أن الأمة أجمعت على أن من شتم رسول الله ﷺ فحدة القتل، بخلاف ما لو قذف غيره يحد ثمانين.
قال الروياني: قال أصحابنا: معناه أن بقذفه يكفر فيقتل بالردة، وقتل المرتد حد يسقط بإسلامه، وإذا أسلم هنا بقي حد القذف عليه ثمانون، لأن من قذف غيره ثم ارتد ثم أسلم فحد القذف عليه باقٍ، وقيل: أراد به أنه
[ ١٥٦ ]
يُقتل حدًا لأن النبي ﷺ أمر بقتل ابن خطل، وهذا الاستدلال لا يصح، لأن ذاك كان مشركًا لا أمان له، فلهذا قتل، بخلاف هذا. انتهى كلام الروياني.
وسنعود إلى كلام الفارسي، وإنما قصدنا بذكره هنا قوله: إنه يقتل حدًا، وحكايته الإجماع على ذلك، وموافقة القاضي حسين والروياني والأصحاب له على تسميته حدًا، وإن خالفوه في شيء آخر نذكره في سب الكافر إن شاء الله.
فقد تحرر من هذه المسألة أن الساب يُقتل إن لم يتب حدًا مع كفره، والخلاف هنا في كونه حدًا أو كفرًا لفظي لا يكاد يظهر له فائدة في هذا المحل، وإنما تظهر فائدة في البحث وفي سب الكافر، وقد أشرنا إلى أنه لا يظهر له أثر في قبول إسلامه، بل قد يكون حدًا ويقبل/ إسلامه.
نعم، إذا أخذ بالنسبة إلى ما قاله الناس وأفهمه كلامهم وإشارة بعضهم إلى أن قتله حدًا مستلزم لعدم سقوطه بالإسلام فقد يظهر أثره، ومحل الكلام على ذلك عند الكلام في قبول توبته، ويظهر أيضًا أثره في هذا المحل في شيء آخر، وهو أنا لا نعلم أحدًا قال فيما إذا كان السب قذفًا إنه يجمع فيه بين الجلد والقتل، وقد يُقال: لِمَ لا جمع بينهما كما لو وجب عليه لشخص قصاص وحد قذف؟
وتحقيق الجواب عن هذا يرجع إلى تحرير ما كنا فيه، فنقول: إن قلنا: القتل لخصوص السب، وإن خصوص السب موجب للقتل من حيث هو سب،
[ ١٥٧ ]
فيكون وجوب حد القذف به مخرجًا على قاعدة، وهي: أن ما أوجب أعظم الأثرين بخصوصه هل يوجب أهونهما بعمومه؟، وعلى قاعدة أخرى، وهي: إذا اجتمع أمران من جنس واحد هل يدخل أحدهما في الآخر؟.
وعلى هاتين القاعدتين تتخرج مسائل:
- منها: أن المني يوجب خروجه الغسل، فهل يوجب مع ذلك الوضوء؟ فيه خلاف، المشهور في المذهب أنه لا يجب للقاعدة الأولى.
- ومنها: زنا المحصن يوجب الرجم، ولا خلاف عندنا أنه لا يوجب الجلد، عملًا بالقاعدة الأولى أيضًا، وقد قال به بعض العلماء، ويمكن أن يقال بأن موجب الجلد زنا البكر لا عموم الزنا.
[ ١٥٨ ]
- ومنها: خروج الحيض يوجب الغسل والوضوء معًا، وهو يرد على القاعدة الأولى.
- ومنها: إذا وجب عليه وضوء وغسل أجزأه الغسل على ظاهر المذهب للقاعدة الثانية.
ومنها: إذا أحرم قارنًا بالحج والعمرة دخلت أعمال العمرة في أعمال الحج عندنا وعند جمهور العلماء للقاعدة الثانية.
جئنا إلى مسألتنا:
يمكن تخريجها على القاعدتين فيُقال:
يجب القتل وحده، ويسقط الحد. أما للقاعدة الأولى فإن هذا القذف الخاص أوجب القتل، وهو أعظم الأثرين بخصوص كونه في هذا المحل الخاص، فلا يوجب أهونهما وهو الجلد بعموم كونه قذفًا.
أو يقال: إنهما وجبا، ولكن دخل الأصغر في الأكبر كما/ دخل الوضوء في الغسل، وكما دخلت العمرة في الحج.
[ ١٥٩ ]
أو يُقال: إن القذف في هذا المحل الخاص حده القتل، فلا حاجة للتمسك بشيء من القاعدتين في إسقاط الجلد، لكن هذا يوجب تخصيص أنه القذف، ولا دليل عليه.
هذا كله إذا قلنا: القتل لخصوص السب من حيث كونه سبًا، وإن قلنا: القتل به لكونه ردة فيحتمل أن تسلك المباحث المذكورة.
ويحتمل أن يقال: لا وجه حينئذ لسقوط الجلد، لأن المحذور على القاعدة الأولى أن يكون الشيء الواحد موجبًا لشيئين، وهذا مفقود هنا على هذا التقدير، وإنما الموجب للجلد القذف، والموجب للقتل ما اشتمل عليه من الكفر.
ومع هذا كله فلا أعلم أحدًا يوجب الجمع بين القتل والجلد في مسألتنا، وإنما الواجب قبل التوبة القتل وحده، وبعد التوبة، قال بعض أصحابنا: سقط القتل وبقي حد القذف، وهذا كأنه أعرض عن القاعدة الأولى ولاحظ الثانية، فيجعل القذف موجبًا لهما، فإن استوفي الأعظم دخل فيه الأصغر، وإلا انفرد الأصغر، والمذهب سقوط الحد، وكأنه نظر إلى القاعدة الأولى وأنه لم يجب من أصله إلا القتل، فتخريج الوجهين على هذين المأخذين.
وأما الوجه الثالث القائل بأنه يقتل بعد الإسلام فسنذكر، وحينئذٍ لا يُجلد معه كما قبل التوبة، ولم يقل أحد بإلغاء القاعدتين جميعًا في هذا المحل، لأنه يلزم منه أن يجلد ويقتل قبل التوبة وكذا بعدها على وجه.
[ ١٦٠ ]
الفصل الثاني: في توبته واستتابته
وفيه مسألتان، إحداهما: في قبول توبته، والثانية: في استتابته.
المسألة الأولى: في قبوله توبته
ولا خلاف أن توبته لا تكون بغير الإسلام، وحيث أطلقنا توبته فالمراد بها إذا أسلم.
وقد اختلف العلماء في قبولها مع اتفاقهم أو أكثرهم على قبول توبة المرتد غير الزنديق،/ وقد قدمنا عن القاضي عياض أن مشهور مذهب مالك وأصحابه وقول السلف وجمهور العلماء أنه لا تقبل توبته وأنه يقتل حدًا. قال: وحكمه حكم الزنديق ومسر الكفر في هذا القول، سواء أكانت توبته بعد القدرة والشهادة على قوله أما جاء تائبًا من قبل نفسه، لأنه حد وجب لا تسقطه التوبة، كسائر الحدود.
[ ١٦١ ]
قال القابسي: إذا أقر بالسب وتاب وأظهر التوبة قتل بالسب، إذ هو حده. وقال ابن أبي زيد مثله.
وأما فيما بينه وبين الله تعالى فتوبته تنفعه.
وقال ابن سحنون فيمن شتم النبي ﷺ من الموحدين ثم تاب: لم تزل توبته عنه القتل.
وكذلك اختلف في الزنديق إذا جاء تائبًا، فحكى ابن القصار قولين، قال: من شيوخنا من قال: أقتله بإقراره، ومنهم من قال: أقبل توبته، بخلاف من أسرته البينة.
قال القاضي عياض: وهذا قول أصبغ، ومسألة ساب النبي ﷺ أقوى لا يصور فيها الخلاف على الأصل المتقدم، لأنه حق متعلق للنبي ﷺ ولأمته بسببه لا تسقطه التوبة كسائر حقوق الآدميين. والزنديق إذا تاب بعد القدرة عليه فعند مالك والليث وإسحاق وأحمد لا تقبل توبته، وعند الشافعي تقبل، واختلف فيه عن أبي حنيفة وأبي يوسف، وحكى ابن المنذر عن علي: يستتاب، وقال ابن سحنون: لم يزل القتل عن المسلم
[ ١٦٢ ]
بالتوبة من سبه ﵇، لأنه لم ينتقل من دين إلى دين، وإنما فعل شيئًا حده عندنا القتل لا عفو فيه لأحدٍ، كالزنديق، لأنه لم ينتقل من ظاهر إلى ظاهر.
وقال القاضي أبو محمد بن نصر محتجًا لسقوط اعتبار توبته: والفرق بينه وبين من سب الله تعالى على مشهور القول باستتابته أن النبي ﷺ بشر، والبشر جنس تلحقه المعرة إلا من أكرمه الله/ بنبوته، والله تعالى منزه عن جميع المعايب قطعًا، وليس من جنس تلحق المعرة بجنسه، وليس سبه ﵇ كالارتداد المقبول فيه التوبة، لأن الارتداد معنى ينفرد به المرتد لا حق فيه لغيره من الآدميين فقبلت توبته، ومن سب النبي ﷺ تعلق فيه حق لآدمي، فكان كالمرتد يقتل حين ارتداده أو يقذف، فإن توبته لا تسقط عنه حد القتل والقذف. وأيضًا فإن توبة المرتد إذا قبلت لا تسقط ذنوبه من زنى وسرقة وغيرها، ولم يقتل ساب النبي ﷺ لكفره لكن لمعنى يرجع إلى تعظيم حرمته وزوال المعرة به، وذلك لا تسقطه التوبة.
قال القاضي أبو الفضل: يريد - والله أعلم - لأن سبه لم يكن بكلمة تقتضي الكفر، ولكن بمعنى الإزراء والاستخفاف، أو لأن بتوبته وإظهار إنابته ارتفع عنه اسم الكفر ظاهرًا، والله أعلم بسريرته، وبقي حكم السب عليه.
[ ١٦٣ ]
وقال أبو عمران الفاسي: من سب النبي ﷺ ثم ارتد عن الإسلام قتل ولم يستتب، لأن السب من حقوق الآدميين التي لا تسقط عن المرتد.
وكلام شيوخنا هؤلاء مبني على القول بقتله حدًا لا كفرًا، وهو يحتاج إلى تفصيل، وأما على رواية الوليد بن مسلم عن مالك ومن وافقه على ذلك ممن ذكرناه وقال به من أهل العلم فقد صرحوا به أنه ردة، قالوا: ويستتاب منها، فإن تاب نكل، وإن أبي قتل، فحكم له بحكم المرتد مطلقًا في هذا الوجه، والوجه الأول أشهر وأظهر لما قدمناه، ونحن نبسط الكلام فيه فنقول:
من لم يره ردة فهو يوجب القتل فيه حدًا، وإنما يقول ذلك مع فصلين: إما مع إنكاره ما شهد عليه به أو إظهاره الإقلاع والتوبة عنه، فنقتله حدًا لثبات كلمة الكفر عليه في حق النبي ﷺ/ وتحقيره ما عظم الله من حقه، وأجبرينا حكمه في ذلك وغيره حكم الزنديق إذا ظهر عليه وأنكر أو تاب.
فإن قيل: كيف تثبتون عليه الكفر ويشهد عليه بكلمة الكفر ولا تحكمون عليه بحكمه من الاستتابة وتوابعها؟
[ ١٦٤ ]
قلنا: نحن وإن أثبتنا له حكم الكافر في القتل فلا نقطع عليه بذلك لإقراره بالتوحيد والنبوة وإنكاره ما شهد به عليه، أو زعمه أن ذلك كان منه وهلا ومعصية وأنه مقلع عن ذلك نادم عليه، ولا يمتنع إثبات بعض أحكام الكفر على بعض الأشخاص وإن لم يثبت له خصائصه، كقتل تارك الصلاة.
وأما من علم أنه سبه معتقدًا لاستحلاله فلا شك في كفره، وكذلك إن كان سبه في نفسه كفرا كتكذيبه أو تكفيره ونحوه فهذا ما لا إشكال فيه، ويقتل وإن تاب منه، لأنا لا نقبل توبته ونقتله بعد التوبة حدًا [لقوله] ومتقدم كفره، وأمره بعد إلى الله، المطلع على صحة إقلاعه، العالم بسريرته، وكذلك من لم يظهر التوبة واعترف بما شهد به عليه وصمم عليه فهذا كافر بقوله واستحلاله هتك حرمة الله وحرمة نبيه يقتل كافرًا بلا خلاف، فعلى هذه التفصيلات حمل كلام العلماء.
هذا كلام القاضي أبي الفضل عياض ﵀ في كتاب "الشفا بتعريف حقوق المصطفى"، وقد تضمن إشارة إلى أن عدم قبول توبته مبني على أنه حد، وقبولها مبني على أنه ردة، وقد بينا أن هذا البناء لا يحتاج إليه، والصواب أن يذكر الحكم المذكور واختلاف العلماء فيه من غير بناء.
[ ١٦٥ ]
وقدم القاضي عياض في أول كلامه أن جميع من سب النبي ﷺ أو عابه أو ألحق به نقصًا في نفسه أو نسبه أو دينه أو خصلة من خصاله أو عرض به أو شبهه بشيء على طريق السب له أو الإزراء عليه أو التصغير لشأنه أو الغض منه والعيب له: فهو ساب له، والحكم فيه حكم الساب يُقتل/ ولا يمترى فيه، تصريحًا كان أو تلويحًا، وكذلك من لعنه أو دعا عليه أو تمنى مضرة له، أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه على طريق الذم، أو عبث في جهته العزيزة بسخف من الكلام وهجر ومنكر من القول وزورٍ، أو عيره بشيء مما جرى من البلاء والمحنة عليه، أو غمصه ببعض العوارض البشرية الجائزة والمعهودة لديه.
وهذا كله إجماع من العلماء وأئمة الفتوى من لدن الصحابة رضوان الله عليهم وإلى هلم جرا.
قال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن من سب النبي ﷺ يقتل، وممن قال ذلك: مالك بن أنس، والليث، وأحمد، وإسحاق، وهو مذهب الشافعي.
قال القاضي عياض: وهو مقتضى قول أبي بكر الصديق ﵁، ولا تقبل توبته عند هؤلاء، وبمثله قال أبو حنيفة وأصحابه، والثوري، وأهل الكوفة، والأوزاعي، في المسلم، لكنهم قالوا: هي ردة، وروى مثله الوليد بن مسلم عن مالك. انتهى كلام القاضي عياض.
وإنما قصدت بنقله هنا لكونه نقل عن الشافعي موافقة مالك في القتل ثم قال: ولا تقبل توبته عند هؤلاء، ومقتضى ذلك أن الشافعي لا يقبل
[ ١٦٦ ]
توبته، ولم أرد من أصحابه من صرح عنه بذلك على الإطلاق إلا ما سأحكيه، وهو ما حكاه إمام الحرمين عن أبي بكر الفارسي.
قال الإمام في كتاب الجزية بعد أن ذكر حكم الذمي:
"نختم الفصل بأمر يتعلق بالمسلمين، قال الأئمة: من ذكر الله تعالى بسوء - وكان ذلك مما يوجب التكفير بالإجماع - فالذي صدر منه ردة،
[ ١٦٧ ]
فإذا تاب قبلت توبته. ولو سب رسول الله ﷺ بما هو قذف صريح كفر باتفاق الأصحاب. قال الشيخ أبو بكر الفارسي في "كتاب الإجماع": لو تاب لم يسقط القتل عنه، فإن حد من يسب النبي ﷺ القتل، فكما لا يسقط حد القذف بالتوبة كذلك لا يسقط القتل الواجب لسب النبي/ ﷺ بالتوبة. وادعى فيه الإجماع، ووافقه الشيخ أبو بكر القفال، وقال الأستاذ أبو إسحاق: كفر بالسب وتعرض للسيف تعرض المرتد، فإذا تاب سقط القتل عنه. وقال الشيخ أبو بكر الصيدلاني: إذا سب الرسول استوجب القتل للردة لا للسب، فإذا تاب زال القتل الذي هو موجب الردة، وجلد ثمانين".
ثم قال الإمام:
"ولا يتجه عندنا إلا مسلكان، أحدهما: ما قاله الفارسي، وهو في نهاية الحسن، ولكنه مبهم بعد، فإنه أطلق فقال: حد من يسبه القتل،
[ ١٦٨ ]
وهذا فيه نظر، فإن الحدود لا تثبت بالرأي، وقد ورد في الأخبار: "من سب نبيًا فاقتلوه"، ولكن مع هذا لا يمكن القضاء بأنه حد قذف، ولكنه قتل بسب وهو ردة، وهو متعلق بتعظيم رسول الله ﷺ، ولا تصح التوبة عما يتعلق بحق آدمي، وهذا مراد الفارسي.
والثاني: أنه ردة، والتوبة عنها كالتوبة عن الردة، وما ذكر الصيدلاني من بقاء ثمانين جلدة تعرض منهم لقياس جزئي في الفقه، والدليل عليه أنه لو لم يتب للزم أن يجلد ويقتل.
ولو تعرض متعرض لرسول الله ﷺ بوقيعة ليست قذفًا صريحًا ولكنها تعريض يوجب مثله التعزيز فالذي أراه أنه كالسب الصريح، فإن الاستهانة بالرسول كفر، ثم ينقدح فيه تحتم القتل حتى لا يسقط بالتوبة".
هذا كلام الإمام، وتكلم في أنه لو عفا بعض بني أعمامه ﷺ هل يسقط؟ وهذا ليس بشيء، لأن الأنبياء إنما ورثوا العلم، وكذا في أن استيفاء بتوقف على طلب بعضهم.
[ ١٦٩ ]
فهذا الذي قاله الفارسي واستحسنه الإمام من عدم سقوطه بالتوبة وحكاية الإجماع على ذلك قد يشهد لما اقتضاه كلام عياض من عد الشافعي/ مع القائلين بعدم قبول التوبة، ويقرب منه قول الغزالي في "الخلاصة" في أهل الذمة إذا صدر منهم ذلك أن المذهب عدم قبول توبتهم إذا أخذ على إطلاقه، لكن الأقرب أن مراده بالتوبة غير الإسلام.
ولكن المشهور على الألسنة وعند الحُكام - وما يزالون يحكمون به - أن مذهب الشافعي قبول التوبة، وأما الرافعي، فإنه قال: "المسلم إذا
[ ١٧٠ ]
ذكر الله تعالى بما يقتضي التكفير فهو مرتد مدعو إلى الإسلام، وكذا لو كذب رسول الله ﷺ، فإن عاد وتاب قبلت توبته، ومن قذف النبي ﷺ وصرح بنسبته إلى الزنا فهو كافر باتفاق الأصحاب، فإن عاد إلى الإسلام ففيه ثلاث أوجه:
أحدها - ونظم "الوجيز" يقتضي ترجيحه، وبه قال الأستاذ أبو إسحاق:- أنه لا يلزمه شيء لأنه صار مرتدًا بذلك وقد عاد إلى الإسلام.
والثاني - وبه قال أبو بكر الفارسي ـ: أنه يقتل حدًا، لأن قذف النبي ﷺ حده القتل، وحد القذف لا يسقط بالتوبة.
والثالث: قال الصيدلاني: يجلد ثمانين حدًا، لأن سب النبي ﷺ كفر موجب للقتل، فإذا عاد إلى الإسلام سقط القتل الواجب بالردة ويبقى حد القذف على قياس ما إذا قذف إنسانًا وارتد ثم عاد إلى الإسلام".
فصدر كلام الرافعي جازم بقبول توبة المكذب، وآخره متردد في قبول توبة القاذف ترددًا قويًا، بحيث إنه ما نقل ترجيح قبولها إلا عن اقتضاء
[ ١٧١ ]
نظم "الوجيز"، فيحتمل أن يقال إن هذا التردد خاص بالقذف، فإن حد القذف في غير النبي ﷺ لا يسقط بالتوبة، ولا يتخير فيه الحاكم، ويفتقر إلى طلب المقذوف، وينتقل لورثته، كل ذلك مما لا خلاف فيه.
والسب لغير النبي ﷺ بما سوى القذف إنما يوجب التعزيز، واختلفوا في أن الإمام هل يتخير فيه/ أو لا، فعلمنا بهذا أن الحد أقوى من التعزيز، وموجب الحد أقوى من موجب التعزيز، وهما في حق النبي ﷺ مقتضيان للتكفير، مستويان في ذلك قبل التوبة والإسلام، أما بعده فيجوز أن يظهر أثر اختلافهما، ويكون حكم الأول أنه لا يسقط كسائر الحدود، أعني حد القذف، في غيره لا يسقط إلا بعفو المقذوف أو وارثه، وهو هنا متعذر، أعني العفو، والحد هنا القتل، فلذلك لا تقبل التوبة على وجه، وعلى وجه تقبل بالنسبة إلى القتل، ويحد حد القذف. وحكم الثاني: السقوط.
ويحتمل أن يُقال: إن كلًا منهما يسقط بالإسلام، لأنا نعلم من شفقة النبي ﷺ على أمته ورحمته لهم ورأفته بهم ورغبته في هدايتهم أنه لو كان حيًا لقبل إسلامهم وعفا عنهم وأن ذلك يرضيه، ولم يصح أن النبي قتل أحدًا بعد التلفظ بالشهادتين بغير الزنا والقصاص، وحينئذ تكون مسألتان:
إحداهما: السب بغير القذف، ولا خلاف بين الشافعية في سقوطه بالإسلام.
والثانية: السب بالقذف، وهو محل الخلاف، والراجح فيه السقوط أيضًا. هذا وجه من البحث بحسب ما يقتضيه كلام الرافعي.
ويحتمل أن يقال: إن الوجه الثالث القائل بجلد ثمانين لا يأتي في غير القذف بلا إشكال، لكن يأتي بدله أنه يعزر، لأن القتل حق الرسالة المتعلقة
[ ١٧٢ ]
بالربوبية، فيسقط بالإسلام، والحد والتعزير كلاهما حق البشرية، ويرد على هذا أن هذا البشر الخاص حده والعزيز لأجله إنما هو القتل.
والوجهان الآخران مطردان سواء أكان السب قذفًا أم غيره، ومستند السقوط أنه ردة، ومستند عدم السقوط أنه حق آدمي. ألا ترى كلام الإمام حيث استعمل لفظ السب تارة ولفظ القذف أخرى وجرى على حكم واحد ولم يفرق بينهما في الحكم وتعليله بتعظيم قدر النبي ﷺ وأن حق الآدمي لا يسقط بالتوبة!
ولهذا اختلفت عبارات الناقلين لكلام الفارسي، فالإمام ذكره بلفظ القذف، وصرح بعدم قبول التوبة، والقاضي الحسين ذكره بلفظ السب، واقتضاء كلامه قبول التوبة، واضطربت عبارة/ الناقلين لعبارة الفارسي، وسأجمعها عند الكلام في الذمي، والذي يتعلق منها بهذا الموضع قد ذكرته.
فالمتخلص أن القاذف في قبول توبته خلاف قوي، وليس فيها من حيث النقل ترجيح قوي، لكن الدليل يقتضيه لما ذكرته وأذكره إن شاء الله.
والساب غير القاذف أولى بقبول التوبة من القاذف.
وحاصل المنقول عند الشافعية أنه متى لم يسلم قتل قطعا، ومتى أسلم: فإن كان السب قذفًا فالأوجه الثلاثة: هل يقتل، أو يجلد، أو لا شيء. إن كان السب غير قذف فلا أعرف فيه نقلًا للشافعية غير قبول توبته.
ويتجه تخريج وجهين، أحدهما: القتل، والثاني: التعزيز، ولكني لم أجد من صرح بهما من الشافعية، وقد يفرق بأن التعزيز يدخل في الحد كمقدمات الزنا مع الزنا، وأحد الحدين لا يدخل في الآخر، فلذلك لم يدخل حد القذف في القتل، هذا ما حضرني نقلًا وبحثًا.
[ ١٧٣ ]
ولم أجد في مذهب الشافعي شيئًا غير هذا وغير قول الخطابي في "معالم السنن": إذا كان الساب ذميًا قال مالك: من شتم النبي ﷺ من اليهود والنصارى قتل إلا أن يسلم، وكذا قال أحمد. وقال الشافعي: يقتل الذمي إذا سب النبي ﷺ، وتبرأ منه الذمة. واحتج في ذلك بخبر كعب بن الأشرف، وحكي عن أبي حنيفة قال: لا يقتل الذمي بشتم النبي ﷺ.
فهذا الكلام من الخطابي يشعر بأن الشافعي يقول بقتله ولو أسلم، وإذا كان ذلك في الذمي ففي المرتد أولى، إلا أن كلام الخطابي يمكن حمله على أنه أراد حكاية لفظ الشافعي، وهو ساكت عن حكمه إذا أسلم.
هذا ما وجدته للشافعية في ذلك، والحنفية في قبول التوبة قريب من الشافعية، ولا يوجد للحنفية غير قبول التوبة، وكلتا الطائفتين لم أرهم تكلموا في مسألة السب مستقلة، بل في ضمن نقض الذمي العهد، وكأن
[ ١٧٤ ]
الحامل على ذلك أن المسلم لا يسب، ولم أرد أحدًا من الشافعية صرح بأن الساب مطلقًا لا تقبل توبته، لأن الإمام حيث صرح عن الفارسي بعدم قبول التوبة إنما نقله في القذف وإن كان في غضون كلامه ما يقتضي تعميمه، وغير الإمام نقله في السب واقتصر على قوله: "يقتل حدا"، وقد قدمت أن قتله حدًا لا ينافي قبول توبته.
وأما الحنابلة فكلامهم قريب من كلام المالكية، المشهور عن أحمد عدم قبول توبته، وعنه رواية بقبولها/، فمذهبه كمذهب مالك سواء.
هذا تحرير المنقول في ذلك.
وأما الدليل فمعتمدنا في قبول التوبة قوله تعالى: (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) [الأنفال: ٣٨]، وقوله تعالى: (يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم (٥٣» [الزمر: ٥٣]، وقوله تعالى: (كيف يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين (٨٦) أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين (٨٧) خالدين فيها لا يخف عنهم العذاب ولا هم ينظرون (٨٨) إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم (٨٩» [آل عمران: ٨٦ - ٨٩]، وهذه نص في قبول توبة المرتد، وعمومها يدخل فيه الساب.
[ ١٧٥ ]
وقوله ﷺ: (الإسلام يجب ما قبله، والتوبة تجب ما قبلها"، ولأنا لا نحفظ أن النبي ﷺ قتل أحدًا بعد إسلامه، والتأسي به واجب.
ولقوله ﷺ: "لا يحل دم امرئٍ يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة"، وهذا الحديث عمدة في منع القتل إلا بهذه الجهات الثلاثة، وبعد الإسلام ليس بواحد من الثلاثة، فلا يقتل، وبالقياس على سب الله تعالى فإنه يقتل بالإجماع إذا لم يتب، وإن تاب فالصحيح المشهور من مذهب مالك قبول توبته وسقوط القتل عنه.
فإن قلت: قد تقدم الفرق بأن هذا حق آدمي، وحق الآدمي لا يسقط بالتوبة، قلت: صحيح، لكنا علمنا من النبي ﷺ ورأفته ورحمته وشفقته أنه ما انتقم لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمات الله، فينتقم لله، وهذا الساب قد انتهك حرمات الله بسبه أنبياءه، فيجب قتله ما دام مقيمًا
[ ١٧٦ ]
على كفره بالسب،/ فإذا أسلم وتاب سقط حق الله تعالى، وقد علمنا أن النبي ﷺ لرأفته ورحمته ما انتقم لنفسه، فكيف ينتقم له بعد موته!، وكأنه ﷺ جعل حقه تابعًا لحق الله تعالى، فإذا سقط المتبوع سقط التابع.
ولا شك أن رسول الله ﷺ ليس له قصد إلا هداية العالم وتعظيم حرمات الله تعالى، وليس قتل الساب متحتمًا لله تعالى بالاتفاق، بل كان له ﷺ أن يعفو عنه، ألا ترى أنه عفا عن ابن عمه أبي سفيان بن الحارث، وكان بعد ذلك من خيار المسلمين، وعفا عن ابن أبي سرح وجماعة، ولم يقتل أحدًا بعد إسلامه، فلو كان قتل الساب لحق الله حتمًا لم يتركه، فعلمنا أن قتله في حال بقائه على الكفر إنما كان لحق الله تعالى، لأنه لم يكن ينتقم لنفسه، وبعد الإسلام زال هذا المعنى، ولو كان لله حق في أن يقتل ساب نبيه بعد رجوعه إلى الإسلام لما تركه النبي ﷺ.
فإن قلت: قتله قبل الإسلام حق لله ورسوله، ولم يترك، وبالإسلام سقط حق الله وبقي حق الرسول ﷺ فله العفو والقتل، فلذلك عفا عن أبي
[ ١٧٧ ]
سفيان ابن عمه وجماعة منهم ابن أبي سرح بعد مراجعة عثمان فيه، وكان يجوز له قتله، ولهذا قال: "أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إليه فيقتله؟ "، وقد ورد أن ابن أبي سرح أسلم قبل قدوم النبي ﷺ، ورجع عن ردته.
قلت: أما كونه رجع عن الردة وأسلم قبل ذلك فلم يثبت، وإنما رواه بعض أهل السير، والأكثرون لم يذكروه، والأقرب أنه لم يقع ذلك، وقول الواقدي: إنه جاء تائبًا، معناه: راجعًا عن ذنبه، ولا يكفي ذلك في الإسلام حتى يتلفظ بالشهادتين، ولم ينقل قط في طريق صحيح أن أحدًا ممن أهدر النبي ﷺ دمه تلفظ بالإسلام قبل ذلك، ولا أن الذين أسلموا منهم/ قتلوا.
فإن قلت: فلم لا تفطن عثمان ﵁ ولقن أخاه ابن أبي سرح المبادرة بكلمة الشهادة ليعصم دمه ولم يراجع النبي ﷺ؟
قلت: لأمرين:
أحدهما: أن عثمان كان أعلم بالله تعالى ورسوله من ذلك، فلم يكن ليتقدم بين يديه ولا ليقطع أمرًا دونه، وقد يكون النبي ﷺ يريد قتل ابن أبي سرح، فتعليمه ما يدرء عنه القتل افتئات على النبي ﷺ.
[ ١٧٨ ]
والثاني: أن العادة كانت جرت بالمبايعة، ولعل ذلك كان شرطًا في الإسلام في أول الإسلام، فلذلك أتى به ليبايعه، ولهذا كان أبو سفيان بن الحارث وغيره ممن صدر منه ما صدر لما جاؤوا مسلمين صاروا خائفين إلى أن قبل النبي ﷺ إسلامهم، فإما أن يكون ذلك لأن المبايعة في ذلك الوقت كانت شرطًا في صحة الإسلام، وإما لأن بها يعلم أن النبي ﷺ علم صحة الإسلام وليس بنفاق، وإما لقصد أنه مقبول عند الله تعالى، كما في توبة كعب بن مالك ورفيقيه، فإنهما كانا نادمين تائبين، ومع ذلك لم تنزل توبة الله عليهم إلا بعد خمسين ليلة.
وهذا ذكرناه هنا استطرادًا لقضية أبي سفيان بن الحارث وأضرابه، وأما ابن أبي سرح فلم يكن كذلك، بل لم يصح إسلامه ظاهرًا وباطنًا حتى بايعه النبي ﷺ، ولم يتلفظ قبله بكلمة الإسلام إلا على ما ذكره بعض أهل السير، ولم يثبت.
فإن قلت: فإذا كان الحكم أن بالإسلام يسقط القتل وتصح التوبة، وابن أبي سرح قد جاء لذلك، فلم أعرض النبي ﷺ عنه وأراد أن بعض أصحابه يتفطن فيقتله، وهو أعظم الخلق شفقة ولا ينتقم لنفسه وإنما ينتقم لله؟
قلت: نعم هو ﷺ كذلك أعظم الخلق شفقة ورحمة ورأفة وتحببًا وتعطفًا، ولا ينتقم لنفسه وإنما ينتقم لله، وكان الإعراض عن ابن أبي سرح
[ ١٧٩ ]
ذلك الوقت/ حقًا لله تعالى لاجترائه على أنبياء الله ورسله بأقبح أنواع الكفر، فإن مراتب الكفر ثلاثة:
أحدها: الكفر الأصلي، وصاحبه يتدين به ومفطور عليه.
وثانيها: الرجوع إليه بعد الإسلام، وهو أقبح، ولهذا لم يقبل منه إلا الإسلام بخلاف الأول حيث كان فيه الجزية والاسترقاق والمن والفداء.
وثالثها: السب، وهو أقبح الثلاثة، فإنه لا يتدين به، وفيه إزراء بأنبياء الله تعالى ورسله، وإلقاء للشبهة في القلوب الضعيفة، فلذلك كانت جريمته أقبح الجرائم، ولا تعرض عليه التوبة، بخلاف القسم الثاني، لأن في الثاني قد يكون له شبهة فتحل عنه، واسب لا شبهة فيه، وإذا لم يكن عرض التوبة عليه واجبًا ولا مستحبًا فلا يمتنع الإعراض عنه حتى يقتل
[ ١٨٠ ]
تطهيرًا للأرض عنه، فإن أسلم عصم نفسه، فهذا ما ظهر لي في سب الإعراض مع القول بقبول التوبة.
وقريب من هذا الكفار الأصليون، لا يقاتلون في الأول حتى ينذروا، فإذا بلغتهم الدعوة والنذارة جازت الإغارة عليهم وتبييتهم من غير افتقار إلى الدعاء إلى الإسلام في كل مرة، لأنه قد بلغهم وزال عذرهم، فإن أسلموا عصموا أنفسهم.
وإنما استثنينا المرتد بغير السب لأن الغالب أن الردة إنما تحصل لشبهة، فتزال بالاستتابة، ولهذا تردد العلماء في توبة الزنديق وتوبة من ولد في الإسلام: هل يقتل أو لا؟ لأنه لا شبهة لهما.
فإن قلت: القاعدة أن حقوق الآدميين لا تسقط بالتوبة وإنما تسقط بعفو صاحبها ..
قلت: كذلك هو، ولفظ العفو إنما اعتبر للدلالة على الرضا بالسقوط، فإذا علم من كرم النبي ﷺ أنه لا ينتقم لنفسه، وأنه أرحم بأمته من أنفسهم: كان ذلك دليلًا على رضاه، فيقوم مقام اللفظ، وبالإسلام يحقق رضاه وسقوط الحقين جميعًا، أعني حق القتل، وأما بقاء عقوبة دون القتل فسأتعرض لذكرها إن شاء الله تعالى.
[ ١٨١ ]
فإن قلت: قد ورد أن عثمان قال للنبي ﷺ بعد ذلك في ابن أبي سرح: إنه يفر منك كلما لقيك، قال: "ألم أبايعك وأؤمنه؟ " قال: بلى، ولكنه يتذكر عظيم جرمه في الإسلام، فقال: "الإسلام يجب ما قبله". فهذا يبين أن خوف القتل سقط بالبيعة والأمان، وأن الإثم زال بالإسلام.
قلت: بل فيه بيان أن الكل زال بالإسلام، ودفع لما توهمه ابن أبي سرح من بقاء الإثم.
فإن قلت: إن صح أن ابن أبي سرح أسلم قبل ذلك الوقت هل يكون فيه دليل على عدم قبول التوبة وأن القتل متحتم؟
قلت: لا، لأمرين:
أحدهما: ما أشرنا إليه أنه يجوز أن يكون في ذلك الوقت كان يشترط في الإسلام قبول النبي ﷺ له ومبايعته، بخلاف ما بعد النبي ﷺ، والفرق أن في زمن النبي ﷺ ينزل ويطلعه الله على ما لم يطلع عليه غيره.
الثاني: أن فيما قدمناه من حديث أبي بكر ما يقتضي أن للنبي ﷺ أن يقتل من أغضبه، فقد يكون هذا الحكم يستمر ما دام الغضب موجودًا، فإذا رضي زال وإن لم يتوقف على لفظ العفو، ولا القتل على لفظ السب، بل يدور مع الغضب وجودًا وعدمًا.
[ ١٨٢ ]
وابن أبي سرح لما جاء لم يكن غضب النبي ﷺ زال، فلما استحيا من عثمان زال الغضب، وكذلك ابن عمه أبو سفيان بن الحارث وإن لم يرق دمه لما حضر إليه مسلمًا أقام مدة حتى رضي عنه.
فلا مانع من أن يرتب الله على غضب رسوله عقوبة قتلًا أو غيره، والغضب والرضا أمران باطنان لا يطلع عليهما إلا هو، والمعلوم من أحوال النبي ﷺ وأخلاقه أنه إذا استرضى رضي، فالساب بعد موته إذا رجع إلى الإسلام لا يتحقق غضب النبي ﷺ عليه، فكيف يقتل؟! وسنعود إلى الكلام على ابن أبي سرح.
فإن قلت: حديث: "من سب نبيًا فاقتلوه" يكفي في ذلك.
قلت: إن صح فهو مثل: "من بدل دينه فاقتلوه"، ولم يلزم من ذلك أن لا تقبل توبة المرتد، فكذلك هذا، وقد ارتد الحارث بن سويد ثم تاب، وقبل النبي ﷺ/ توبته، وهو الذي نزل فيه قوله تعالى: (كيف يهدي الله قومًا ..) الآية [آل عمران: ٨٦].
فإن قلت: هل من شيء زائد على هذا؟
قلت: نعم، قال تعالى: (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا بك خيرًا لهم) [التوبة: ٧٤].
[ ١٨٣ ]
نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي بن سلول المنافق لما قال: ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك، لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. وكانوا في تبوك إذا خلا بعضهم إلى بعض - أعني المنافقين - سبوا رسول الله ﷺ وأصحابه وطعنوا في الدين، فنقل ذلك إلى رسول الله ﷺ.
فقد شهدت الآية الكريمة أن المنافقين السابين: (إن يتوبوا بك خيرًا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابًا أليمًا في الدنيا والأخرة) [التوبة: ٧٤]، وذلك دليل على أن توبتهم مقبولة رافعة عنهم العذاب في الدنيا والآخرة.
فإن قلت: هل الحكم في توبة الساب كالحكم في توبة الزنديق؟
قلت: في كلام القاضي عياض ما يقتضى التسوية بينهما، ويظهر أن المأخذ مختلف، فإن مأخذ القتل في الساب كونه حق آدمي، حتى لو فرض من يعفو عنه سقط، ومأخذ القتل في الزنديق عدم الوثوق بإسلامه، لكني سأبين بعد ذلك تقارب الحكمين.
[ ١٨٤ ]
فإن قلت: هل لما قاله الإمام والغزالي من عفو بعض أقارب النبي ﷺ وجه؟
قلت: قال ﷺ: "إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم"، فلا شك أن المال لا يورث عنهم، والعلم موروث عنهم، وما سوى ذلك من الحقوق فصدر الحديث ساكت عنها، وآخر الحديث يمنع إرثها، وهو الظاهر عملًا بعموم الحصر، فوجه الذي قاله الإمام النظر إلى صدر الحديث، وإذا قلنا به فيجب النظر إلى الأقرب لا إلى الجميع، وينبغي أيضًا أن يتوقف استيفاؤه على الطلب، وما أظن أحدًا يقول بهذا، والصواب منع الإرث، وأن هذا الحق يقوم فيه/ سائر المسلمين مقامه ﷺ، أعني في المطالبة، وأما العفو فقد بينا أن القتل يسقط بالإسلام، وقبله ليس لأحد العفو.
فإن قلت: فإذا كان السب قذفًا؟
قلت: المختار أنه كالسب بغير القذف، وأن موجبهما جميعًا القتل، ولا يجب معه الجلد لما نبهنا عليه في القاعدتين المتقدمين، والمختار
[ ١٨٥ ]
منهما الثانية، وهي اندراج الأصغر في الأكبر، فإنه قام الدليل عندنا على الاندراج في مثل ذلك، ولم يقم الدليل عندنا على أن ما أوجب أعظم الأثرين بخصوصه لا يوجب أهونهما بعمومه.
فإن قلت: أيما أقوى: القول بقتل الزنديق أو الساب إذا تاب؟
قلت: القاتل للزنديق يزعم أنه كافر ويتهمه في الإسلام، فلا يخالف قوله ﷺ: "لا يحل دم امرئٍ مسلم إلا بإحدى ثلاث .. "، وأما القاتل للساب التائب مع صحة إسلامه فمخالف لهذا الحديث.
والحاصل أن هذا قبل السب مجمع على عصمة دمه، وبعد السب قبل التوبة مجمع على إهداره، وبعد التوبة مختلف فيه، وليس زانيًا ولا قاتلًا ولا كافرًا، فلا يقتل للحديث المذكور إلا أن يثبت تخصيصه بنص صحيح.
فإن قلت: أجمعنا على قتله قبل التوبة، فمن ادعى سقوطه القتل بالتوبة فعليه الدليل ..
قلت: قد أقمناه، وهو الحديث المذكور، فإنه مسلم غير زان ولا قاتل.
فإن قلت: هذا الحديث يقتضي أنه لا يقتل إلا بإحدى ثلاث: الزنا، أو الكفر، أو القتل، فقتل الساب قبل التوبة إن كان حدًا فقد خالفتم الحديث، وإن كان كفرًا فقد قدمتم خلافه!
قلت: الساب كافر بعد إيمان، ولفظ الحديث: "لا يحل دم امرئٍ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان، وقتل نفس
[ ١٨٦ ]
بغير نفس"، المراد بالمسلم من تقدم منه الإسلام حتى يصح أن يستثنى منه من كفر بعد إيمان، والسب كفر بعد إيمان، فدخل في الحديث.
يبقى أن يُقال: السب فيه جهتان، إحداهما: خصوصه، والأخرى: عموم كونه كفرًا بعد/ إيمان، والحديث يقتضي أن هذه الجهة هي العلة، فلا يكون خصوص السب علة، وقد قدمنا أنه علة، فنقول وبالله التوفيق:
إن بين السب والكفر عمومًا وخصوصًا من وجه، لأن السب قد يقع من الكافر الأصلي، وذلك زيادة على الكفر لا إنشاء كفرٍ، وقد يقع ممن كان مسلمًا، وذلك إنشاء كفرٍ، وبين السب والكفر بعد الإيمان عموم وخصوص مطلق، فكل سب بعد الإيمان كفر، وليس كل كفر بعد الإيمان سبًا.
ولما كان مورد الحديث النبوي - الذي أوتي قائله جوامع الكلم - في المسلم أتى بالأعم ليشمل السب وغيره مما هو كفر بعد إيمان، واقتصر في التعليل على المعنى الأعم، وفيه لطيفه وفائدة:
أما اللطيفة: فالأدب مع جانب الربوبية والإعراض عن خصوص حقه، وهو كما صح أنه لم ينتقم لنفسه إنما ينتقم لله.
وأما الفائدة: فالسقوط بالإسلام، ولا ينافي ذلك أن القتل قبله حد، كما يسمى قتل المرتد حدًا، والنزاع في ذلك لفظي، وبحث فيما سبق.
وقولنا: "إن خصوص السب عله" أردنا به ما يشمل السب بعد الإيمان وقبله، حتى ننتفع بذلك الاستدلال في سب الذمي والمعاهد كما سيأتي.
[ ١٨٧ ]
وهذا الحديث الذي فيه حصر أسباب قتل المسلم في ثلاث لم يتعرض لغير المسلم، فلا جرم لم يكن ما ذكرناه مخالفًا للحديث، والله أعلم.
فإن قلت: قوله: "لا يحل دم امرئٍ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان، وقتل نفس بغير نفس" لا دلالة فيه على سقوط القتل بالإسلام لا عن الساب ولا عن المرتد بغير السب، بل قد يكون فيه دليل على القتل وإن أسلم كما ذهب إليه الحسن والظاهرية في المرتد، وجماعة غيرهم في السب، لأنه صدق أنه حصل منه كفر بعد إيمان سواء أرجع عنها أم لم يرجع، وليس في الحديث أنه كفر موجود حالة القتل، فقد يكون وصف طريان الكفر على الإيمان/ موجبًا للقتل حتمًا لا يسقط بالإسلام، بخلاف الكفر الأصلي.
قلت: صدنا عنه أمور، أقواها: توبة الحارث بن سويد من الردة، وقبول النبي ﷺ لها، ونزول القرآن العظيم فيه، وكان بعد ذلك من خيار المسلمين مع النبي ﷺ ولم يقتله، فعلمنا أن المراد كفر موجود حالة القتل، ولا التفات إلى الخلاف في ذلك مع القرآن والسنة الصحيحة، دع ما يرشد إليه المعنى ويفهمه كل عربي صحيح الطبع من أن المراد ذلك، وتقتضيه القواعد الأصولية من ترتيب الحكم على العلة وأنه يوجد
[ ١٨٨ ]
بوجودها ويعدم بعدمها، والمعنى المناسب في ذلك، وهو تلبسه بالكفر والمخالفة لأمر الله تعالى، هذا في المرتد، والكلام في الساب مثله./
فإن قلت: هذا الحديث عام، فيخص بحديث ابن أبي سرح، فإنه إما أن يكون أسلم قبل مجيئه أو لم يسلم ولكن جاء قاصدًا للإسلام، وعلى كلا التقديرين: من يقول بسقوط القتل بالإسلام لا يرى قتل مثله، وقد قال النبي ﷺ: "ما كان فيكم رجل رشيد يقوم إليه فيقتله؟ " فدل على أن قتله جائز لا يسقط إلا بعفوه ﷺ أسلم أو لم يسلم ..
قلت: هذا الآن محل يجب النظر فيه، وقد تمهلت ونظرت وتتبعت روايات هذا الحدث فوجدتها متفقة في أنه ارتد وقال ما قال: وجاء يوم الفتح مع عثمان إلى النبي ﷺ، هذا لا شك فيه.
وكذلك تضافرت الروايات على أن النبي ﷺ قال: "ما كان فيكم من يقوم إليه فيقتله؟ ".
وأما كونه أسلم قبل مجيئه أو في ذلك الوقت عند النبي ﷺ أو بعده فهذا محل النظر:
روي عن عكرمة أنه أسلم قبل ذلك، وهذا لم يثبت كما نبهنا عليه من قبل.
وقول الواقدي: "إنه جاء تائبًا" ليس نصًا في الإسلام، ولا الواقدي
[ ١٨٩ ]
ممن يحتج بحديثه وإن كان إمامًا في السير.
والحديث الذي في "سنن أبي داود" يقتضي أن قول النبي ﷺ تلك المقالة بعد مبايعته، وقدمنا أن في سنده أسباط بن نصر وإسماعيل السدي، والسُدي فيه كلام كثير وإن كان مسلم روى له، وكذلك أسباط، فبهذا السبب ليس الحديث على شرط الصحيح، فيحتمل أن يكون عثمان لما أتى به قصد الأمان له فأمه النبي ﷺ وانطلق كافرًا، فقال النبي ﷺ تلك المقالة، ثم أسلم بعد ذلك.
ولفظ أبي عمر ابن عبد البر في حكاية قصته في "الاستيعاب" يقتضي ذلك أو يحتمله، فإنه قال:
[ ١٩٠ ]
"فغيبه عثمان حتى أتى به رسول الله ﷺ بعدما اطمأن أهل مكة، فاستأمنه له، فصمت رسول الله ﷺ طويلًا، ثم قال: "نعم"، فلما انصرف عثمان قال رسول الله/ ﷺ لمن حوله: "ما صمت إلا ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه"، فقال رجل من الأنصار: فهلا أومأت إلي يا رسول الله؟، فقال: "إن النبي لا ينبغي له أن يكون له خائن عين"، وأسلم عبد الله بن سعد بن أبي سرح أيام الفتح فحسن إسلامه".
هذا لفظ ابن عبد البر، وهو محتمل لما قلناه.
ولفظ الواقدي في "مغازيه": جاء ابن أبي سرح إلى عثمان - وكان أخاه من الرضاعة - فقال: يا أخي، إني والله اخترتك فاحتبسني هاهنا، واذهب إلى محمد فكلمه في، فإن محمدًا إن رآني ضرب الذي فيه عيناي، وإن جرمي أعظم الجرم، وقد جئت تائبًا، فقال عثمان: بل اذهب معي، قال عبد الله: والله إن رآني ليضربن عنقي ولا يناظرني، قد أهدر دمي، وأصحابه يطلبوني في كل موضع. فقال عثمان: انطلق معي، فلا يقتلك إن شاء الله، فلم يرع رسول الله ﷺ إلا بعثمان آخذًا بيد ابن أبي سرح واقفين بين يديه، فأقبل عثمان على النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أمه كانت تحملني وتمشيه، وترضعني وتفطمه، وكانت تلطفني وتتركه، فهبه لي، فأعرض عنه رسول الله ﷺ، وجعل عثمان كلما أعرض
[ ١٩١ ]
عنه النبي ﷺ بوجهه استقبله، فيعيد عليه هذا الكلام، وإنما أعرض عنه النبي ﷺ إرادة أن يقوم رجل فيضرب عنقه، لأنه لم يؤمنه، فلما رأى ألا يقوم أحد؛ وعثمان قد أكب على رسول الله ﷺ يقبل رأسه وهو يقول: يا رسول الله، تبايعه فداك أبي وأمي؟ فقال رسول الله ﷺ: "نعم". ثم التفت إلى أصحابه فقال: "ما منعكم أن يقوم رجل منكم إلى هذا الكلب فيقتله؟ " أو قال: "الفاسق". فقال عباد بن بشر، ألا أومأت إلى يا رسول الله؟ فوالذي بعثك بالحق إني لأتبع طرفك من كل ناحية رجاء أن تشير إلي فأضرب عنقه. ويقال: قال هذا أبو اليسر، ويقال: عمر بن الخطاب. فقال: "إني لا أقتل بالإشارة". وقائل يقول: إن النبي ﷺ/ قال يومئذٍ: "إن النبي لا تكون له خائنة الأعين"، فبايعه رسول الله ﷺ.
هذا لفظ مغازي الواقدين، وظاهره يقتضي أن المبايعة بعد تلك المقالة، وأن عثمان إنما قال أولًا: هبه لي، ولم يطلب المبايعة، فأعرض عنه، فلما قال عثمان في المرة الأخيرة: تبايعه؟، قال: "نعم"، لأنه طلب الإسلام.
ويشهد لهذا قوله: "ما منعكم أن يقوم رجل منكم إلى هذا الكلب .. " أو: "الفاسق .. "، ولو كان قد أسلم لم يطلق هذه العبارة عليه، لأن المسلم الذي كما أسلم ولم يتدنس بمعصية ليس بفاسق بإجماع المسلمين، فالظاهر أن هذه المقالة وقعت قبل إسلامه وبعد تأمينه.
[ ١٩٢ ]
ولو ثبت أنه أسلم قبل هذه المقالة وبايع لكنا نقول إن الله تعلى أطلع نبيه ﷺ على أن باطنه خلاف ظاهره، وأنه أسلم نفاقًا ثم حسن إسلامه بعد ذلك حتى يصح إطلاق الكلب والفاسق عليه ويتمنى النبي ﷺ قتله، والمسلم الصحيح الإيمان لا يحصل فيه ذلك.
وقد روى أبو داود في "سننه" أيضًا عن ابن عباس قال: [كان] عبد الله بن سعد بن أبي سرح يكتب لرسول الله ﷺ، فأزله الشيطان فلحق بالكفار، فأمر به رسول الله ﷺ أن يقتل يوم الفتح، فاستجار له عثمان بن عفان، فأجازه رسول الله ﷺ.
فانظر هذا الحديث ليس فيه أنه أسلم، وإنما فيه أنه استجار له فأجاره، وهو يؤيد ما قلناه.
وعلى الجملة فمعنا حديث مجمع على صحته يقتضي أن لا يحل دم مسلم إلا بزنًا بعد إحصان، أو قتلِ نفسٍ بغير نفس، أو كفرٍ بعد إيمان، فلا نخرج عنه ولا نخصصه بحديث رواه السدي مع ما قيل فيه من الضعف.
فإن قلت: فأنت احتججت به في قتله قبل التوبة!
قلت: ذلك مما لا خلاف فيه، ومما اتفقت طرق الأحاديث وألفاظ حديث ابن أبي سرح/ عليه أنه ارتد وتكلم، فلذلك احتججت به تمسكًا بما اتفقت عليه الطرق لا بتلك الطريق وحدها، ونحن هنا في جواز قتله بعد التوبة ولم تتفق الطرق عليه ولا صح صحة تقاوم صحة حديث التحريم.
[ ١٩٣ ]
فإن قلت: يخص بشيء آخر، وهو قوله تعالى: (إنما جزاؤ الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا ..) [المائدة: ٣٣] الآية، والساب محارب مشاق محاد عدو لله ولرسوله ساع في الأرض بالفساد، قال تعالى في المنافقين: (ألا إنهم هم المفسدون) [البقرة: ١٢]، بل السب أصل كل فساد، لأنه فساد النبوة التي هي صلاح الدين والدنيا، وإذا كان الساب محاربًا ساعيًا بالفساد وجب أن يعاقب بإحدى العقوبات المذكورة في الآية إلا أن يتوب قبل القدرة عليه، وقد قامت الأدلة على أن عقوبته متعينة بالقتل، وأن السب ذنب مقتطع عن الكفر، وهو من جنس المحاربة، والتوبة التي تحقن دم المرتد هي التوبة عن الكفر، فأما إن ارتد محاربة كما فعل مقيس بن صبابة والعرنيون فلا. ومما يحقق أن السبب كالمحاربة أن مفسدته جناية وقعت في الوجود، ولا يرتفع أثرها، فهي كالمحاربة، والزنا والقتل ذنوب ماضية ليست كالكفر الذي هو عليه الآن حتى تصح التوبة عنها ويسقط أثره بها.
قلت: الآية الكريمة عند أكثر العلماء واردة في قطاع الطريق مسلمين كانوا أو كافرين، واحتجوا على ثبوت معنى الحرابة في المسلم بقوله
[ ١٩٤ ]
تعالى: (فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله) [البقرة: ٢٧٩]، ومن يقول بأنها واردة في الكفار يريد الذين ضموا إلى كفرهم قطع الطريق، مثل العرنيين الذين نزلت فيهم الآية، فإنهم ارتدوا وقطعوا الطريق، أما الكافر الذي لم يحصل منه قطع طريق فليس مرادًا من الآية وإن كان حربيًا، فإن المحارب صار له معنى خاص غير الحربي.
قال ابن قتيبة: المحاربون لله ورسوله هم الخارجون على الإمام وعلى جماعة المسلمين يخيفون السبيل ويسعون في الأرض بالفساد.
وقال الشيخ أبو حامد الإسفرايني:
"ذهب بعض السلف إلى أنها نزلت في أهل الذمة إذا نقضوا العهد ولحقوا بدار الحرب، فللإمام والمسلمين أن يفعلوا كل ذلك بهم. وعن
[ ١٩٥ ]
ابن عمر أنها نزلت في المرتدين، وذكر قصة العرنيين. وذهب الفقهاء كلهم إلى أن المراد بالآية قطاع الطريق الذين يخيفون السبيل ويشهرون السلاح، ويقاتلون القوافل، وإلى هذا ذهب ابن عباس. والدليل عليه قوله: (إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم) [المائدة: ٣٤]، والذي يختلف حكمه إذا تاب قبل القدرة وبعدها هو قاطع الطريق، أما الحربي فسواء تاب قبل أن يقدر عليه أم بعده حكمه واحد، وكذا المرتد". انتهى.
وقال غيره: (يحاربون الله ورسوله) أي: حزب الله ورسوله، وهم المؤمنون.
[ ١٩٦ ]
وقال البخاري: المحاربة لله: الكفر به.
وقال الواحدي: كل من أظهر السلاح على المسلمين فهو محارب لله ولرسوله.
هذه أقوال العلماء في الآية.
ولو سلم أن المحارب يصدق على الكافر فالآية شرطت معه أن يسعى في الأرض فسادًا، ولا شك أن كل عاصٍ مفسد، وليس بمراد،/ بل المراد فساد خاص، وهو قطع الطريق، يرشد إليه سبب الآية وتفسير العلماء لها.
وكل مرتد فهو ساعٍ في الأرض بالفساد إذا أخذ بعموم اللفظ ولم ينظر إلى سببه وتفسيره وما يرشد السياق إليه، وكل منافق مفسد، لما ذكر في السؤال، وحكم الآية لا يثبت في المرتد والمنافق بالإجماع، وكذلك لا يثبت في الساب سواء أجعلناه داخلًا تحت اسم المحارب أم لم نجعله داخلًا في الاسم ولكن قسناه عليه، لأنه على كلا التقديرين يلزم أن يثبت له حكم الآية، وهو التخيير عند قومٍ والتنويع عند آخرين، فعلى قول
[ ١٩٧ ]
التخيير يجوز أن يعدل عن القتل إلى قطع الأيدي والأرجل من خلاف أو النفي من الأرض، وعلى قول التنويع لا يُقتل من لم يَقتل، وكلا الحكمين لم يقل به أحد في الساب.
وقول السائل: "إن الأدلة قامت على أن عقوبة الساب القتل" لا يفيده هنا، لأنا إذا أردنا إدراجه في الآية نصًا أو حكمًا لا بُد أن نثبت له حكمها المنصوص، ولا يجوز أن ندرج في الآية أو في حكمها شيئًا ونثبت له حكمًا آخر مغايرًا لحكمها، هذا شيء لا يجوزه أحد من النظار ولا يقتضيه علم، ولا عاقب النبي ﷺ أحدًا من الكفار ولا من المرتدين السابين ولا الكفار والمرتدين غير السابين بشيءٍ من العقوبات المذكورة في الآية غير القتل، ثم إن هذا لو كان كحد الحرابة لم يجز العفو عنه بعد القدرة عليه، وقد عفا النبي ﷺ عن ابن أبي سرح وغيره.
وقد تقرر في حد الحرابة أنه لا يسقط بعفو صاحب الدم لما فيه من حق الله تعالى، فهاهنا أولى لما قدمنا أن النبي ﷺ لا ينتقم لنفسه وإنما ينتقم لله، فلو كان السب كالحرابة لوجب الانتقام منه قبل الرجوع إلى الإسلام وبعده ولم يجز العفو عنه، ولما عفا النبي ﷺ عن ابن أبي سرح وقد صار في قبضته، وأسلم وقبل إسلامه وحسنت صحبته واستمر معه إلى آخر حياته.
بل أعرض عن ذي الخويصرة وقد قال: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله! وكان قادرًا على الانتقام منه، وهذه القضية كانت في غزوة حنين بعد فتح مكة وقد أعز الله الإسلام وقواه، ولو قتله لم يحصل بسببه
[ ١٩٨ ]
فتنة، ولكنه تركه للمصلحة، ولا نقول إن انتقامه وتركه في الحالتين لأن الحق له فله أن يعفو وله أن يترك، صحيح أن له ذلك ولكنا علمنا أنه لم ينتقم لنفسه قط، فعلمنا أنه إنما راعى حق الله في الحالتين، وأنه حيث انتقم انتقم لله وقتل ابن خطل والقينتين ومقيس بن صبابة، وحيث نزل نزل لله في ابن أبي سرح وذي الخويصرة وجماعة كثيرة.
وحال الأئمة بعده كحاله في أنهم يجب عليهم الانتقام لله فيمن لم يسلم، وليس لهم الترك، لأنهم لا يطلعون على المصالح، والنبي ﷺ كان يطلع عليه ويخصه الله بما شاء من علمه وحكمه فيها، ولهذا لم يستتب ذا الخويصرة وشبهه، ولو صدر من أحد اليوم ما صدر من ذي الخويصرة لأوجبنا استتابته.
ولعل ترك الاستتابة في ذلك الوقت لأحد أمرين:
إما أن النبي ﷺ أطلع على بواطن أولئك القوم وأنهم لا يتوبون كالمنافقين الذين علم نفاقهم، فلم يكن للاستتابة فائدة.
وإما لأن أولئك القوم كانوا جهالًا حديثي عهد بإسلام، لم تتقرر عندهم أحكام الشريعة ولا عرفوا دلائل العصمة ووجوب تعظيم الأنبياء وصيانة منصبهم العلي عن ذلك، فلم يؤاخذهم بذلك، كما قال تعالى: (وأعرض عن الجاهلين) [الأعراف: ١٩٩]، فلا يكون ذلك ردة في حقهم، الله أعلم براد رسوله.
فإن قتل: لا شك أن النبي ﷺ لم يكن ينتقم لنفسه، لكن له أن ينتقم وإن تركه تكرمًا، فبعد موته ﷺ الحق ثابت له، وليس لغيره أن يترك، فبماذا يسقط الحق؟
[ ١٩٩ ]
قلت: أما قبل العود إلى الإسلام والتوبة فلا يسقط، ويجب القتل،/ وأما بعده فمتى تحقق الإسلام فلا نعدم أدلة على ذلك، منها:
١ - قوله ﷺ "الإسلام يجب ما قبله"، وكما أن هذا خبر عن حكم شرعي فإنه يصلح أن يتمسك بعمومه فيما كان من حقه ﷺ، لأنه هو المتكلم بذلك، فكان في ذلك عفو عن حقه بالإسلام، ولو قال: "من أسلم فقد عفوت عنه" صح، فكذلك هذا.
ولا يُقال: إن هذا إبراء قبل ثبوت الحق، لأنا نقول: بل هو حكم شرعي، والحكم الشرعي يصح تعليقه.
ومما يقوي التمسك بقوله: "الإسلام يجب ما قبله" أنه ورد في قصة هبار بن الأسود بن عبد المطلب، وكان النبي ﷺ أمر بقتله، ثم جاء فوقف عليه وتلفظ بالشهادتين وقال: قد كنت موضعًا في سبك وأذاك، وكنت محذولًا فاصفح عني، قال الزبير: فجعلت أنظر إلى رسول الله ﷺ وإنه ليطأطئ رأسه مما يعتذر هبار، وجعل رسول الله ﷺ يقول: "قد عفوت عنك والإسلام يجب ما كان قبله"، فقوله ﷺ ذلك في هذه الواقعة يقتضي أنه يجب ما كان قبله من السب وغيره، لأن خصوص السبب لا يجوز إخراجه من العموم.
[ ٢٠٠ ]
وهبار وإن لم يكن حين السب مسلمًا ولكنا ذكرنا قصته هنا لأجل ورود لفظ الحديث فيها على هذا السبب لنعلم دخوله في العموم.
٢ - ومنها: أن النبي ﷺ استغفر لكل المؤمنين والمؤمنات. قال رجل لعبد الله بن سرجس الصحابي: أستغفر لك رسول الله ﷺ؟ قال: نعم ولك، ثم تلا قوله تعالى: (واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات) [محمد: ١٩]، فهذا الشخص الذي رع وحسنت سريرته وصح إسلامه قد استغفر النبي ﷺ له، ومن استغفر له النبي ﷺ غفرت ذنوبه التي بينه وبين الله، [وهي] لا تختص بالنبي ﷺ، فالتي تختص به أولى، لأن الذي يشفع للشخص أول راضٍ عنه.
٣ - ومنها: أنه تحقق أنه من أمة النبي ﷺ، والنبي ﷺ اختبأ دعوته شفاعة لأمته، وليس له همة يوم القيامة إلا الشفاعة لهم، فلو كان حقه باقيًا على من مات مسلمًا بحيث أنه يطالبه به في عَرَصاتِ القيامة لتعوق بسببه عن الجنة إذا لم يكن قد أخذ به في الدنيا حتى يعفو عنه في القيامة، ولا نشك أن النبي ﷺ لا يرضى أن يتأخر أحد من أمته عن الجنة لحق غيره فضلًا عن أن يكون لحقه، ولا يطالبه به وهو يجتهد في خلاص أمته.
[ ٢٠١ ]
٤ - ومنها: قوله: "عليكم بسنتي .. "، ومن سننه أنه لم يقتل مسلمًا قط، هذا ما لا شك فيه، ولو كان ذلك جائزًا لبينه.
٥ - ومنها: علمنا برضاه عن كل من حسن إسلامه، وأنه لا يقصد من أمته غير ذلك.
٦ - ومنها: كمال شفقته عليهم.
٧ - ومنها:/ أن الأئمة بعده إنما يقومون مقامه في الأمور العامة المتعلقة بمصلحة الخلق، فاستيفاء هذا الحق إما أن يكون لخصوص النبي ﷺ، فيحتاج قيام الإمام بعده فيه مقامه إلى دليل، ولم يوجد، وإما أن يكون لمصلحة الخلق فيلزم أن لا يكون له إسقاطه في حياته، وقد عفا عن ابن أبي سرح، وإما أن يكون لحق الله تعالى لاجترائه على أنبيائه ورسله وأمناء وحيه وما يجر ذلك من الطعن في دينه، وكل ذلك حق لله تعالى،
[ ٢٠٢ ]
فيسقط بالإسلام عملًا بقول نبيه المبلغ عنه: "الإسلام يجب ما قبله"، وقوله هو: (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) [الأنفال: ٣٨].
فإن قلت: السب جريمة كالزنا والقتل لا يذهب أثره بالإسلام بخلاف الردة المجردة، فإنها اعتقاد يزول بالإسلام ..
قلت: السب أيضًا إنما قتل به لأنه يدل على خبث باطن وسوء عقيدة، فإذا أسلم زال ذلك.
فإن قلت: أما قلت في المسألة الثانية من الفصل الأول: إن خصوص السب وحده موجب للقتل لا لعموم الكفر؟
قلت: بلى، ولكن فيه مزيد بحث، وهو أن خصوص [السب] كفر خاص، وفيه اعتباران:
أحدهما: من حيث كونه كفرًا، وهذا يزول أثره بالإسلام، كما أن الردة قطع الإسلام، وهو شيء وقع في الوجود لا يمكن زواله، ومع ذلك يذهب أثره بالإسلام نظرًا إلى ما قطعه به وهو الكفر المستمر.
[ ٢٠٣ ]
والثاني: من حيث كونه سبًا فقط، مع قطع النظير عن كونه كفرًا، وهذا المعنى لا شك أنه لا يذهب بالإسلام، ولكن ترتيب القتل عليه من جهة هذا المعنى يحتاج إلى دليل، والأدلة التي قدمناها - كقوله: "من سب نبيًا فاقتلوه" - وغيرها صحيح أنها تقتضي ترتيب الحكم على خصوص السب الخاص، ولكن في السب الخاص معنيان، أحدهما: كونه سبًا هو كفر يزول بالإسلام، والآخر: مطلق السب، وإذا كان في محل النص معنى معتبر لا يجوز إلغاؤه، ولا شك أن جهة كونه كفرًا معنى معتبر صالح لأن يكون علة أو جزء علة، فالإعراض عنه بالكلية وعله لمطلق السب يتوقف على دليل.
وهذا لا ينافي قولنا فيما تقدم: إن القتل لعلتين: إحداهما: عموم الردة، والثانية: خصوص السب، لأنا أردنا به السب الخاص الذي هو كفر، وهو مشتمل على المعنيين اللذين ذكرناهما هنا، وهما: جهة الكفر من حيث هو، وجهة السب من حيث هو، بحيث لو فرض عدم التكفير به اقتضى القتل، وهذا المعنى هو الذي يبقى أثره بعد الإسلام، ولا يتم البحث لمدعي القتل بعد الإسلام إلا بتقريره، وفي تقريره تسكب العبرات أو
[ ٢٠٤ ]
تتجاذب الاحتمالات، فالأولى الكف عن الدماء بعد الإسلام، وامتطاء حبل العصمة، وحسبانه على الله.
وقولنا: "لو فرض عدم التكفير به" نعني على سبيل الفرض والتقدير للأمور المستحيلة، فإن التكفير بكل سب لا شك فيه، ولكن فيه جهتان يميز العقل إحداهما عن الأخرى، فأردنا بالفرض تحرير إحدى الجهتين.
فإن قلت: هل ثبوت القتل لمجرد السب من حيث كونه سبًا مع قطع النظر عن كونه سبًا مكفرًا: محتمل أو لا؟
قلت: نعم، هو محتمل، ولكن يحتاج في إثباته إلى دليل بين من الشرع، فإذا لم نجده ووجدنا أدلة قوية عاصمة لكل مسلم فالأولى التمسك بها، والواجب الوقوف عندها.
فإن قلت: هل تقول هذا في كل من تلفظ بكلمتي الشهادتين أو فيمن انضم إلى ذلك قرائن تدل على صدقه وحسن سريرته وصحة إسلامه؟
قلت: هذا هو الذي كنت وعدت بأني أتكلم عليه وأبين تقارب حكم الساب والزنديق، فإن في الساب مأخذين، أحدهما: حق الأدمي، والثاني: الزندقة، والذي أقوله بعون الله تعالى بعد أن قدمت قولي: "اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، أهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم"، وسألت الله أن يسددني
[ ٢٠٥ ]
ويعصمني من الزيغ والهوى، ويحفظ قلبي ولساني وقلمي في هذا المقام العظيم عن الخطأ في حكمه، إنه على كل شيء قدير، لا عاصم إلا هو، فأقول وبالله التوفيق:
إن من ظهرت قرائن تدل على حسن سريرته وصفاء باطنه ومعاملته مع الله تعالى وإخلاصه وندمه وإقلاعه على ما فرط منه فلا شك عندي في سقوط القتل عنه للأدلة التي قدمتها.
وحق الآدمي في هذا المقام لما كان لأشرف الآدميين بل لأشرف الخلق وأكرمهم على الله؛ والجناية عليه جناية على الله باعتبار صفة النبوة والرسالة التي هي أخص من/ البشرية، ولذلك كانت عقوبتها القتل بخلاف غيره من البشر؛ وكان هذا البشر الذي هو سيد ولد آدم لم ينتقم لنفسه قط، ولا يلاحظ بهمته العلية إلا حق الله تعالى: كان حقه في القتل تابعًا لحق الله تعالى في الثبوت والسقوط، فإذا سقط حق الله بالإسلام سقط الآخر تبعًا كما ثبت تبعًا.
وهكذا إذا لم تقم قرائن تدل القاضي على ذلك، ولكن علم الله من حال هذا الشخص ذلك، فحكمه عند الله هذا وإن لم نطلع نحن عليه، بل هو يعرف من نفسه ذلك، ونعلم أنه ليس كمن علم من نفسه أنه زنى وهو محصن، أو قتل ولم يطلع القاضي ولا أولياء المقتول عليه، فإن دمه مستحق مع إسلامه، أما في مسألتنا فالقتل ساقط عنه فيما بينه وبين الله، بخلاف الزاني والقاتل، وكذلك عند القاضي إذا دلت قرائن على صدقه.
أما من لم تقم قرائن على صدقه وقد أتى به إلى القاضي الذي لا يعلم باطن حاله ولا ما في قلبه فهذه فيها شبه من مسالة الزنديق من جهة أن سبه
[ ٢٠٦ ]
دل على خبث باطنه، فهو كمن علم منه أنه يخفي الكفر ويظهر الإيمان، وهو الزنديق.
وبهذا الشبه أخذت المالكية والحنابلة فألحقوه بالزنديق، وحكموا بقتله، ومقتضى كلام الشافعية والحنفية أنهم لا يراعون هذا الشبه من جهة أن الساب جاهز بسبه وأظهر ما في نفسه، فهو كالمرتد، وليس كمن قامت البينة عليه بأنه يخفى خلاف ما يظهر، فإن صح هذا الفرق - وهو الظاهر - قطع بقبول توبته.
وإن روعي الشبه فهذه هي مسألة الزنديق، والخلاف في قبول توبته مشهور، والصحيح قبولها، لقوله ﷺ: "هلا شققت عن قلبه؟! "، ولقوله: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله".
[ ٢٠٧ ]
وإيمان الزنديق ممكن، إذا ادعاه ولا يعلم إلا من جهته يقبل قوله فيه، وهذا هو المشهور من مذهب الشافعي المنصوص في "المختصر" الذي قطع به العراقيون، وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة.
ولنا وجه آخر أنه لا تقبل توبته، وبه قال مالك وأحمد، وربما يستدلون بقول عمر في كثير من المنافقين: "دعني أضرب عنقه"، ولم يرد النبي ﷺ علته، بل علل ترك قتلهم بعلة أخرى.
وجواب هذا الاستدلال: أن عمر ما قال ذلك إلا فيمن ظهر منه قول أو فعل يدل على نفاقه، وكلامنا فيمن ادعى أنه رجع عن ذلك واحتمل صدقه، فكيف نقتله مع احتمال إسلامه؟ وإذا دار الأمر بين تركه مع
[ ٢٠٨ ]
احتمال كفره وقتله مع احتمال إسلامه تعين تركه لخطر الدماء، ولأنا رأينا الشارع ترك كثيرًا من الكفار فلم يقتلهم، ولم نره قط قتل مسلمًا، وهذا المعنى/ وحده كافٍ في عدم قتل الزنديق إذا تلفظ بالإسلام.
وقولهم: إنه يتخذ ذلك ذريعة، كلما خشي القتل تلفظ بالإسلام، وإذا رفع عنه القتل عاد، جوابه: بأنا نؤدبه التأديب البليغ، وخوفه من ذلك ومن قيام السيف كل وقت يمنعه من ذلك.
وأيضًا ليس لنا أن ننصب زواجر لم يأذن بها الشرع، ونحن تبع للشرع، حيث قال: اقتلوا، قتلنا، وحيث لم نجد نصًا توقفنا، ولا ننصب سياسات واستصلاحات من أنفسنا.
ولنا وجه ثالث قاله الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني: أنه إن أخذ ليقتل فتاب لم تقبل توبته، وإن جاء تائبًا وظهرت عليه مخايل الصدق قبلت، ومأخذه ما تقدم في الحرابة والفرق بين أن يتوب قبل القدرة عليه أو لا، ولكنه لم يسلك به مسلك الحرابة من كل وجه.
وأيضًا فالحرابة جريمة كالزنا يقتل عليها مع الإسلام، وهنا إنما يقتل على الكفر، فلا وجه لإلحاق هذا بالحرابة، لا سيما مع خطر الدماء، فالوجه الكف عنها وأن لا تراق بمثل هذه الأقيسة الضعيفة حتى يأتي نص أو دليل قوي.
[ ٢٠٩ ]
إذا عرف هذا فالصحيح من المأخذين في مسألة الساب عند القائلين بقتله أنه ملحق بالزنديق، فإن السب دل على خبث باطنه كما لو شهدت البينة على أنه تلفظ بالكفر في الخفية فإنه ثبت به الزندقة.
فقد بان بهذا أن مأخذ القتل في الساب والزنديق سواء، وأنا قد ذكرت تفصيلًا في الساب أنه إن دلت القرائن على صدقه قبلت توبته، وإلا ففيه تردد، الأصح القبول، وكذلك أقول في الزنديق إنه يجب أن يكون محل الخلاف ما دمنا نتهمه، وإن كان الأصح قبول توبته.
أما إذا اختبر مدة طويلة وظهرت قرائن على حسن إسلامه فينبغي القطع بارتفاع القتل عنه، وقد كان جماعة من المؤلفة قلوبهم حسن إسلامهم بعد ذلك، وصاروا من خيار المسلمين.
فالحاصل أن الساب والزنديق كلاهما متى ظهرت قرائن الريبة أو اتهم بسوء الباطن اتجه الخلاف فيه، والأقوى قبول إسلامه ودرء القتل عنه،/ ومتى ظهرت قرائن حسن سريرته فعندي: القطع بقبول إسلامه ودرء القتل عنه.
والإقدام على قتل مثل هذا جمود على غير نص ولا ظاهر ولا دليل قوي، أخشى أن النبي ﷺ يكون أول سائل عن دمه يوم القيامة.
وأرى أن مالكًا وغيره من أئمة المسلمين لا يقولون بذلك إلا في محل التهمة، فهو محل قول مالك ومن وافقه.
[ ٢١٠ ]
ولقد أقمت برهة من الدهر متوقفًا في قبول توبته مائلًا إلى عدم قبولها لما قدمته من حكاية الفارسي الإجماع، ولما يقال من التعليل بحق الآدمي، حتى كان الآن نظرت في المسألة حق النظر، واستوفيت الفكر، فكان هذا منتهى نظري، فإن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأ فمني، والله ورسوله بريء منه، ولكنا متعبدون بما وصل إليه علمنا وفهمنا.
اللهم إنك تعلم أن هذا الذي وصل إليه علمي وفهمي لم أحاب فيه أحدًا، ولا قلدت فيه إمامًا غير ما فهمته من نفس شريعتك وسنة نبيك ﷺ وأخلاقه ومكارمه ورحمته وشفقته ورأفته، فلم يحصل لنا خير في الدنيا ولا في الأخرة إلا منه، والله يختم لنا بخير في عافية بلا محنة، وكذلك آباؤنا وأمهاتنا وأولادنا وأهلونا، بمنه وكرمه إنه قريب مجيب.
فإن قلت: قد قدمت أن في حديث أبي بكر ما يدل على أنه يجوز للنبي ﷺ أن يقتل من أغضبه، بل سأله أبو داود أحمد بن حنبل عن حديث أبي بكر فقال أحمد: "لم يكن لأبي بكر أن يقتل رجلًا إلا بإحدى الثلاث التي قالها رسول الله ﷺ: كفر بعد إيمان، وزنًا بعد إحصان، وقتل نفس بغير نفس، والنبي ﷺ كان له أن يقتل"، فإن كان مراد أحمد: كان له أن يقتل من أغضبه، فهو الذي قلته، وإن كان مراده كان له أن يقتل بغير الثلاثة وذلك من خصائصه بمعنى أن له أن يأمر بقتل من لا يعلم الناس له شيئًا يبيح دمه وعلى الناس أن يطيعوه في ذلك لأنه لا يأمر/ إلا بما أمر الله
[ ٢١١ ]
به، وهاتان الخصيصتان ليستا لغيره ﷺ، وبعد موته انسد باب الخصلة الثانية، وأما الخصلة الأولى وهي قتل من أغضبه فلم ينسد، فيقوم الأئمة بعده مقامه في استيفائه.
قلت: من أغضبه بسب أو نحوه مما حكمنا بأنه كفر فلا شك أنه يقتل ما لم يسلم، وأما من أغضبه من الجهال وجفاة الأعراب بشيء لم يقصد قائله التنقيص ولا حكم بكفره فهذا إن ثبت جواز قتله وأن ذلك من خصائصه مع الحكم بإسلامه قائله فإنا نعلم ونتحقق أن النبي ﷺ لم يفعل ذلك ولم يقتل مسلمًا قط، فإما أن يحمل خبر أبي بكر على من أغضبه بما يكفر به، وغالب من يغضبه كذلك، وإما أن يحمل على أن ذلك كان له ولم يفعله تكرمًا وإغضاء، وبعده لا يفعل لأمرين، أحدهما: الاقتداء بسنته، والثاني: أن ذلك كان له على جهة الجواز لا على جهة الوجوب، والأئمة لا ينوبون عنه فيما اختص به من الجائزات التي جعلها الله تعظيمًا لقدره العلي.
[ ٢١٢ ]
خاتمة لهذه المسألة
اعلم أنا وإن اخترنا أن من أسلم وحسن إسلامه تقبل توبته ويسقط قتله فذلك على سبيل الفرض إن وجد، وهو أمر ممكن فيما يظهر، فمن وجد ذلك وعلم الله منه هذا، فهذا حكمه، وهو ناج في الآخرة، ولكنا نخاف على من يصدر ذلك منه خاتمة السوء، نسأل الله العافية، فإن التعرض لجناب النبي ﷺ عظيم، وغيرة الله له شديدة، وحمايته بالغة، فنخاف على من يقع فيه بسب أو عيب أو تنقيص أو أمر ما أن يخذله الله تعالى فلا يرجع له إيمانه ولا يوفقه لهداية.
[ ٢١٣ ]
ولهذا جرت العادة في الحصون والقلاع أنهم متى تعرضوا لذلك هلكوا، وكثير ممن رأيناه وسمعنا به تعرض لشيء من ذلك - وإن نجا من القتل في الدنيا - بلغنا عنهم خاتمة ردية نسأل الله السلامة، وليس ذلك ببدع من غيرة الله لنبيه،/ وما من أحد وقع في شيء من ذلك في هذه الأزمنة مما شاهدناه أو سمعناه إلا لم يزل منكوسًا في أموره كلها في حياته ومماته، فالحذر كل الحذر والتحفظ كل التحفظ وجمع اللسان والقلب عن الكلام في الأنبياء إلا بالتعظيم والإجلال والتوقير والصلاة والتسليم، وذلك بعض ما أوجب الله لهم من التعظيم، وحكمنا بعصمة دم من علم إسلامه اتباع لما أمرونا به من التحليل والتحريم، فلا ينافي أحدهما الآخر، والله أعلم.
[ ٢١٤ ]
المسألة الثانية: في استتابة الساب
لا شك أن من قال: لا تقبل توبته يقول: إنه لا يستتاب، وأما من قال بقبول توبته فظاهر كلامهم أنهم يقولون باستتابته كما يستتاب المرتد، بل هو فرد من أفراد المرتدين.
قال القاضي عياض: إذا قلنا بالاستتابة حيث تصح فالاختلاف فيها على الاختلاف في توبة المرتد، إذ لا فرق، وقد اختلف السلف في وجوبها وصورتها ومدتها، فذهب الجمهور من أهل العلم إلى أن المرتد يستتاب، وحكى ابن القصار أنه إجماع من الصحابة على تصويب قول عمر في الاستتابة، ولم ينكره أحد منهم، وهو قول عثمان وعلي وابن مسعود، وبه قال عطاء بن أبي رباح والنخعي والثوري ومالك وأصحابه، والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي، وذهب طاوس وعبيد بن عمير والحسن في إحدى الروايتين عنه إلى أنه لا يستتاب، وقاله عبد العزيز ابن أبي سلمة، وذكره عن معاذ، وأنكره سحنون عن معاذ، وحكاه
[ ٢١٥ ]
الطحاوي عن أبي يوسف، وهو قول أهل الظاهر، قالوا: تنفعه توبته عند الله، ولكن لا تدرأ القتل عنه لقوله ﷺ: " فاقتلوه"، وحكي أيضًا عن عطاء أن من ولد في الإسلام لم يستتب.
وأما مدتها: فمذهب الجمهور/ - وروي عن عمر - أنه يستتاب ثلاثة أيام، وأحد قولي الشافعي، واستحسنه مالك، وقال: لا يأتي الاستظهار إلا بخبر، وهو قول أحمد وإسحاق، وقال مالك أيضًا: الذي آخذ به في المرتد قول عمر: يحبس ثلاثة أيام ويعرض عليه كل يوم فإن تاب وإلا قتل. وقال ابن القصار: في تأخيره ثلاثًا روايتان عن مالك: هل ذلك واجب أو مستحب. واستحسن الاستتابة ثلاثًا
[ ٢١٦ ]
أصحاب الرأي، وروي عن أبي بكر الصديق أنه استتاب امرأة فلم تتب فقتلها، وقاله الشافعي مرة، فقال: إن لم يتب قتل مكانه، واستحسنه المزني.
وقال الزهري: يدعى إلى الإسلام ثلاث مرات، فإن أبي قتل. وروي عن علي بن أبي طالب أنه يستتاب شهرين. وقال النخعي: يستتاب أبدًا. وبه أخذ الثوري ما رجيت توبته.
وحكى ابن القصار عن أبي حنيفة أنه يستتاب ثلاث مرات في ثلاثة أيام أو ثلاث جمع، كل يوم أو جمعة مرة.
وفي كتاب محمد عن ابن القاسم: يدعى المرتد إلى الإسلام ثلاث مرات، فإن أبى ضرب عنقه.
[ ٢١٧ ]
واختلف على هذا: هل يهدد أو يشدد عليه أيام الاستتابة ليتوب أم لا؟ فقال مالك: ما علمت في الاستتابة تخويفًا ولا تعطيشًا، ويؤتى من الطعام بما لا يضره.
وقال أصبغ: يخوف أيام الاستتابة بالقتل ويعرض عليه الإسلام. وفي كتاب أبي الحسن الطابثي: يوعظ في تلك الأيام ويذكر بالجنة ويخوف بالنار، وكذلك يستتاب أبدًا كلما رجع وارتد، وقد استتاب النبي ﷺ نبهان الذي ارتد أربع مرات أو خمسًا.
قال ابن وهب عن مالك: يستتاب أبدًا كلما رجع. وهو قول الشافعي وأحمد، وقاله ابن القاسم.
وقال إسحاق: يقتل في الرابعة. وقال أصحاب الرأي: إن لم يتب في الرابعة قتل دون استتابة، وإن تاب ضرب ضربًا وجيعًا ولم يخرج من السجن حتى يظهر عليه خشوع التوبة.
[ ٢١٨ ]
وقال ابن المنذر:/ لا نعلم أحدًا أوجب على المرتد في المرة الأولى أدبًا إذا رجع، وهو على مذهب مالك والشافعي والكوفي. انتهى ما حكاه القاضي عياض.
وما ذكره عن عطاء أن من ولد في الإسلام لا يستتاب هي رواية عن أحمد أيضًا، والمشهور عن عطاء وأحمد خلافها، واتفقا على أن من كان مشركًا وأسلم يستتاب.
ثم هؤلاء الذين حكى القاضي عنهم القول بعدم الاستتابة يقولون: لو تاب لا تقبل توبته، وقد قلنا: إنه لا شك في أن من منع قبول التوبة لا يستتب، وإنما الكلام عند من يقبلها.
ومنع قبول توبة المرتد بعيد، وما روي عن الحسن وغيره لعله في الزنديق، فإن المعلوم من أحوال النبي ﷺ وأبي بكر قبول توبة المرتدين.
وفي «مسند أحمد»: "لا يقبل الله توبة عبدٍ كفر بعد إسلامه"، وفي ابن ماجه: "لا يقبل الله من مشرك أشرك بعد إسلامه عملًا حتى يفارق
[ ٢١٩ ]
المشركين إلى المسلمين".
ومعنى الحديثين أنه ما دام بين المشركين وهو قادر على الخروج إلى المسلمين لا يقبل إسلامه، وأنه يقبل بعد ذلك.
وقصدنا بنقل كلام القاضي عياض ما صرح به أن المرتد والساب سواء في ذلك، وإطلاق أصحابنا يقتضي ذلك أيضًا، فإنهم مثلوا الردة بألفاظ منها السب، ثم تكلموا في استتابة المرتد وجزموا بها، واختلفوا هل هي واجبة أو مستحبة على قولين:
أحدهما - وهو الأصح على ما ذكره القاضيان الطبري والروياني وغايرهما -: أنها واجبة، لأنه كان محترمًا بالإسلام، وربما عرضت له شبهة فيسعى في إزالتها، ورده إلى ما كان.
هكذا عبارة الرافعي في تعليله، وعبارة الشيخ أبي إسحاق في «النكت»: لأنه لا يرتد إلا لشبهة عرضت له، فوجبت استتابته لإزالة شبهته.
ومن حجة هذا القول - بل هو أقوى حجته - ما ورد عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قدم عليه رجل من قبل أبي موسى، فسأله عن
[ ٢٢٠ ]
الناس فأخبره، ثم قال: هل كان فيكم من مغربة خير؟ فقال: نعم، رجل كفر بالله بعد إسلامه، قال: فما فعلتم به؟ قال: قربناه فضربنا عنقه. قال عمر: هلا حبستموه ثلاثًا وأطعمتموه كل يوم رغيفًا واستتبتموه لعله يتوب ويراجع أمر الله؟! اللهم إني لم أحضر ولم آمر ولم أرض إذ بلغني.
وقد تقدم ما حكاه ابن القصار المالكي من إجماع الصحابة على تصويب قول عمر، ولم ينكره أحد.
وعن ابن عمر قال: يستتاب المرتد ثلاثًا.
وروى الدارقطني من حديث عائشة قالت: ارتدت امرأة يوم أحد، فأمر النبي ﷺ أن تستتاب، فإن تابت وإلا قتلت. في إسناده محمد بن عبد الملك الأنصاري، قال أحمد: كان يضع الحديث ويكذب.
[ ٢٢١ ]
ومن حديث جابر أن امرأة يقال لها أم مروان ارتدت عن الإسلام، فأمر النبي ﷺ أن يعرض عليها الإسلام، فإن رجعت وإلا قتلت. في إسناده معمر بن بكار، قال العقيلي: في حديثه وهم.
وعن جابر قال: ارتدت امرأة عن الإسلام، فأمر رسول الله ﷺ أن يعرضوا عليها الإسلام فإن أسلمت وإلا قتلت. في سنده عبد الله بن أذينة، جرحه ابن حبان.
والقول/ الثاني - وبه قال أبو حنيفة واختاره ابن أبي هريرة - أنها مستحبة، لقوله ﷺ: "من بدل دينه فاقتلوه"، ولأن الكافر الأصلي الذي ظهر عناده لا تجب استتابته.
[ ٢٢٢ ]
والجواب عن الحديث أنه لا يمنع الاستتابة إذا دل عليها دليل، وهو قول الصحابة.
وعن الثاني: ما قاله الشيخ أبو إسحاق وغيره أن الكافر الأصلي الحربي كفره ليس عن شبهة، والمرتد بخلافه.
ولهذا لو طلب المرتد التأجيل لأجل، ولو طلب الحربي لم يؤجل، ومسألة تأجيل المرتد فيها خلاف، قولان:
أحدهما - وبه قال أبو حنيفة: يجب تأجيله ثلاثًا إذا طلب لأثر عمر.
والثاني: لا، وهو المنصور في الخلاف، كما لو طلب التأجيل بعد الثلاث.
والمراد بالتأجيل إمهاله ثلاثًا، فإن الخلاف الأول في الاستتابة من أصلها.
وسواء أقلنا هي واجبة أو مستحبة ففي مدتها - وهو المراد بالتأجيل - قولان: أحدهما: أنه يستتاب ثلاثًا للأثر، وأصحهما - وهو اختيار المزني - يستتاب في حاله، فإن تاب وإلا قتل ولم يمهل، ومذهب
[ ٢٢٣ ]
مالك وأحمد مثل القول الأول، وعن أبي حنيفة مثله، وقد تقدم النقل عنه في كلام القاضي عياض.
ولا خلاف أنه لا يخلى في هذا الإمهال، بل يحبس، وفي أنه لو قتل قبل الاستتابة أو قبل مضي المهلة لم يجب بقتله شيء، لا قصاص ولا دية ولا كفارة، وإن كان القاتل مسيئًا بما فعل على قول الوجوب.
ولو جرحه أجنبي قبل الاستتابة ثم أسلم ومات فلا ضمان، لأنه قطع مباح فلم تضمن سرايته، كقطع السارق، قاله الشافعي والأصحاب.
ولو قال: حلوا شبهتي، فهل نناظره؟ أصحهما عند الغزالي المنع، والمختار عندي أن يناظر ما لم يظهر أنه يقصد التسويف والمماطلة، وإن كان الأصحاب أطلقوا على أحد الوجهين أنه يناظر.
[ ٢٢٤ ]
ومن حجة القول بأن الاستتابة لا تجب ما صح عن معاذ بن جبل أنه قدم على أبي موسى فإذا عنده رجل موثق، فقال: ما هذا؟ قال: هذا كان يهوديًا فأسلم ثم راجع دينه دين السوء فتهود، فقال: لا أجلس حتى يقتل، قضاء الله ورسوله. قاله ثلاثًا، قال: فأمر به فقتل. رواه .
لكن في "سنن أبي داود" في بعض طرقه أنه كان قد استتيب قبل ذلك، وفي طريق أخرى: فلم ينزل حتى ضرب عنقه وما استتابه، وفي طريق أخرى قال أبو داود: لم تذكر الاستتابة.
[ ٢٢٥ ]
وذكر البيهقي حديث عمر في الاستتابة ثلاثًا، ثم قال: وكان الشافعي يقول بهذا في القديم، ثم قال في القول الآخر: ثبت عن النبي ﷺ/ أنه قال: "يحل الدم بثلاث: كفر بعد إيمان .. " ولم يأمر فيه بأناةٍ مؤقتة تتبع، ولم يثبت حديث عمر لانقطاعه، ثم حمله على الاستحباب، فإنه لم يجعل على من قتله قبل ثلاث شيئًا.
وهذا الكلام من البيهقي يقتضي أن القول بوجوب الاستتابة ثلاثة أيام قديم، والجديد أنه مستحب، وساكت عن وجوب الاستتابة في الحال الذي اقتضى كلام الرافعي أنه الأصح، ويقتضي أن جواز التأخير إلى ثلاثة أيام مجزوم به، وكلام الرافعي ساكت عن ذلك، بل يشير إلى أنه لا يجوز على الأصح، لأنه قال: يستتاب في الحال، فإن تاب وإلا قُتل ولا يهمل.
وقال ابن المنذر: اختلف قول الشافعي في هذا الباب، فقال في كتاب المرتد: يقتل مكانه، وقال في مكان آخر قولًا ثانيًا: يحبس ثلاثًا، ومال المزني إلى القول الأول.
قال ابن المنذر: وقد اختلفت الأخبار عن عمر في هذا الباب، واستعمال ما أمر به النبي ﷺ يجب، وهو قوله: "من بدل دينه فاقتلوه"، وحسن أن يستتاب، فإن تاب مكانه وإلا قتل.
[ ٢٢٦ ]
وروى البيهقي عن أبي بكر وعثمان وعلي الاستتابة من غير توقيت. وقال ابن الصباغ: إن الشافعي نصر القول بأنه يستتاب في الحال، فإن تاب وإلا قتل.
والمتلخص في هذه المسألة من مذهب الشافعي أن الاستتابة ثلاثة أيام جائزة قطعًا على ما اقتضاه كلام/ البيهقي، وهل هي واجبة أو مستحبة؟ قولان، الجديد الصحيح: الثاني، ومستند الجواز إما وجوبًا وإما استحبابًا: قضايا الصحابة، فيتعين القطع به، بخلاف ما بعد الثلاث، فلم يرد إلا شاذًا مع ما فيه من تأخير الواجب إلى مدة لا نهاية لها.
وهل يجوز قتله بدون استتابة أصلًا أو لا بد من استتابته في الحال؟ قولان، أصحهما عند جماعة: الثاني، والمختار عندي الأول، لأن الأحاديث التي ذكرناها مما يدل على الوجوب ضعيفة، وأثر عمر مختلف في ثبوته،
[ ٢٢٧ ]
وبقية قضايا الصحابة تدل على الجواز لا على الوجوب، نعم لا شك في استحبابها، وإذا كنا نقول في الكافر الأصلي الذي بلغته الدعوة وعلم القتال: يجوز اغتياله، فهذا أولى، لأن شبهته أضعف، وعلمه بتوجه القتل عليه أتم، وكفره أغلظ.
ولهذا إذا تعارض قتال المرتدين وقتال الكفار الأصليين بدأنا بقتال المرتدين، نص عليه الشافعي والأصحاب، ونقل الشيخ أبو حامد الإجماع عليه.
هذا حكم استتابة المرتد غير الساب، والساب قد علمت أن القاضي عياض بن موسى قال: إنه مثله، وكذلك يقتضيه كلام أصحابنا وغيرهم.
ويمكن أن يقال إنه أولى بعدم الاستتابة لما تقدم أن كفره أغلظ وأفحش ولا شبهة فيه، وربما يؤيد ذلك بأن النبي ﷺ لم يستتب ابن خطل ومقيس بن صبابة وابن أبي سرح ومن أهدر دمه معهم ذلك اليوم.
ولا يقال بأنه لا يستتاب إلا من هو في قبضة الإمام وهؤلاء التحقوا بدار الحرب، لأنا نقول: قد نص أصحابنا أن المرتدين إذا اجتمعوا وكانت لهم شوكة يقاتلون، فإذا قدر عليهم استتيبوا، وهؤلاء قدر عليهم بفتح مكة، وقد حضر إليه ابن أبي سرح.
[ ٢٢٨ ]
وإنما الجواب الصحيح أحد ثلاثة أجوبة:
إما أن الاستتابة مستحبة ليست بواجبة، وهؤلاء قد طالت مدتهم، وربما ظهر/ من حالهم ما يبعد رجوعهم، وذلك كافٍ في ترك المستحب.
وإما أنهم كانوا محاربين، كما ورد أن مقيس بن صبابة قتل واستاق المال والتحق بدار الحرب، وكذلك ابن خطل، لكن هذا لم يكن في جميعهم.
وإما أن الساب لا يستتاب لفحش كفره، سواء أقلنا إذا بادر بالتوبة صحت توبته أم لا، فإن هذا محتمل.
والذي أراه أنه حيث قبلنا التوبة نستحب الاستتابة، ونتأكد ولا نغتال، لأنه قد يكون تاب فيما بينه وبين الله تعالى فنقتل مسلمًا، وأما متى شهر السيف عليه وهو عالم ولم يتلفظ بالإسلام فإنه يعلم أنه مصر على كفره.
وأعلم أنا حكينا عن بعض التابعين أن المرتد لا يستتاب وأنه لا تقبل توبته، وأنا أخشى أن تكون رواية من منع قبول التوبة غلطًا، وأنه روى: "لا يستتاب" فظن أنه يلزم منها منع قبول التوبة، وقد عرفت أنه ليس بلازم، فالصواب القطع في المرتد الذي ليس بساب ولا زنديق بقبول توبته، ولا يثبت فيه خلاف عن أحد إلا بيقين، إلا الرواية المنقولة عن أحمد في الفرق بين من ولد في الإسلام وغيره، فإن أصحابه العارفين بمذهبه نقلوها عنه.
[ ٢٢٩ ]