وفيه فصلان:
الفصل الأول: في المسلمين.
الفصل الثاني: فيما هو سب من الكافر.
[ ٤٠٣ ]
الفصل الأول: في المسلمين
أجمعت الأمة على أن الاستخفاف بالنبي ﷺ أو بأي نبي كان من الأنبياء أو قتله أو قتاله: كفر، سواء أقال فاعل ذلك إنه استحله أم فعله معتقدًا تحريمه، ليس بين العلماء خلاف في ذلك، والذين نقلوا الإجماع فيه وفي تفاصيله أكثر من أن يحصوا.
وممن نقل الإجماع في القتل إسحاق بن راهويه، وممن نقل الإجماع في الاستخفاف ونحوه إما الحرمين وغيره.
وقال القاضي عياض:
اعلم أن جميع من سب النبي ﷺ أو عابه أو ألحق به نقصًا في نفسه أو نسبه أو دينه أو خصلة من خصاله أو عرض به أو شبهه بشيء على طريق السب له أو الإزراء عليه أو التصغير لشأنه أو الغض منه أو العيب له: فهو ساب له، والحكم فيه حكم الساب يقتل، ولا نستثني فصلًا من فصول هذا الباب على هذا المقصد، ولا نمتري فيه تصريحًا كان أو تلويحًا.
وكذلك/ من لعنه أو دعا عليه أو تمنى مضرة له، أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه على طريق الذم، أو عبث في جهته العزيزة بسخف من الكلام
[ ٤٠٥ ]
وهجر ومنكر من القول وزور، أو عيرة بشيء مما جرى من البلاء والمحنة عليه، أو غمصه ببعض العوارض البشرية الجائزة والمعهودة لديه، وهذا كله إجماع من العلماء وأئمة الفتوى من لدن الصحابة ﵃ وإلى هلم جرا.
وروى ابن وهب عن مالك: من قال إن رداء النبي ﷺ ويروى: زر النبي ﷺ وسخ أراد بذلك عيبه، قتل.
قال عياض:
وقال بعض علمائنا: أجمع العلماء على أن من دعا على نبي من الأنبياء بالويل أو بشيء من المكروه أنه يقتل بلا استتابة.
وأفتى أبو الحسن القابسي فيمن قال في النبي ﷺ: الجمال يتيم أبي طالب، بالقتل.
وأفتى أبو محمد ابن أبي زيد بقتل رجل سمع قومًا يتذاكرون صفة النبي ﷺ إذ مر بهم رجل قبيح الوجه واللحية فقال: تريدون تعرفون
[ ٤٠٦ ]
صفته؟ هي في صفة هذا المار في خلقه ولحيته. قال: يقتل ولا تُقبل توبته، وقد كذب لعنه الله، وليس يخرج من قلب سليم الإيمان.
وقال أحمد بن [أبي] سليمان صاحب سحنون: من قال إن النبي ﷺ كان أسود يقتل.
وقال في رجل قيل له: لا وحق رسول الله، فقال: فعل الله برسول الله كذا وكذا؛ كلامًا قبيحًا، فقيل له: ما تقول يا عدو الله؟! فقال أشد من كلامه الأول، ثم قال: إنما أردت برسول الله العقرب!، فقال ابن أبي سليمان للذي سأله: اشهد عليه وأنا شريكك في قتله وثواب ذلك.
قال حبيب بن الربيع: لأن ادعاءه التأويل في لفظ صراح لا يقبل، لأنه امتهان، وهو غير معزر لرسول الله ﷺ ولا موقر له، فوجب إباحة دمه.
وأفتى أبو عبد الله/ ابن عتاب في عشار قال لرجل: أد واشك إلى النبي، وقال: إن سألت أو جهلت فقد جهل وسأل النبي، [بالقتل].
[ ٤٠٧ ]
وأفتى فقهاء الأندلس بقتل ابن حاتم المتفقه الطليطلي وصلبه بما شهد عليه به من استخفافه بحق النبي ﷺ وتسميته إياه أثناء مناظرته باليتيم وختن حيدرة، وزعه أنه زهده لم يكن قصدًا، ولو قدر على الطيبات أكلها، إلى أشباه هذا.
وأفتى فقهاء القيروان وأصحاب سحنون بقتل إبراهيم الفزاري، وكان شاعرًا مفننًا في كثير من العلوم، وكان ممن يحضر مجلس القاضي ابن طالب للمناظرة، فرفعت عليه أمور منكرة من هذا الباب، فأمر بقتله وصلبه، فطعن بالسكين، وصلب منكسًا، ثم أنزل وأحرق بالنار.
[ ٤٠٨ ]
وقال القاضي أبو عبد الله ابن المرابط: من قال إن النبي ﷺ هزم يستتاب، فإن تاب وإلا قتل.
وقال حبيب بن ربيع القروي: مذهب مالك وأصحابه أن من قال فيه ﵇ ما فيه نقص قتل دون استتابة.
وقال ابن عتاب: الكتاب والسنة موجبان أن من قصد النبي ﷺ بأذي أو نقص معرضًا أو مصرحًا وإن قل فقتله واجب.
فهذا الباب كله مما عده العلماء سبًا وتنقصًا يجب قتل قائله، لم يختلف في ذلك متقدمهم ولا متأخرهم وإن اختلفوا في حكم قتله كما أشرنا إليه، وكذلك أقول: من غمضه أو عيره برعاية الغنم أو السهو أو
[ ٤٠٩ ]
النسيان أو السحر أو ما أصابه من جرح أو هزيمةٍ لبعض جيوشه أو أذى من عدوه أو شدة من زمنه أو بالميل إلى نسائه: فحكم هذا كله - لمن قصد به [نقصه]ـ القتل.
هذا كلام القاضي عياض ﵀، وقد تقدم كثير منه، ولكنا أحببنا نجمعه في هذا الباب، فإنه محله. ونصوص الشافعية والحنفية والحنابلة متفقة موافقة على أن ذلك سب وردة موجب للقتل وإن اختلفوا في قبول التوبة منه.
فإن قلت: لا إشكال في هذا إذا كان عن سوءِ عقيدة، أما إذا صدر من مصدق بالله/ ورسله فكيف يستقيم جعله كفرًا؟ ولا سيما عند من يقول: الإيمان: التصديق أو المعرفة، والكفر: الجحود أو الجهل، وهو المشهور، وإنما يستقيم ذلك عند من يجعل الأعمال جزءًا من مسمى الإيمان وبزوالها يزول.
قلت: أورد إمام الحرمين في "الشامل" هذا السؤال من جهة الخوارج، فقال:
"ومما كثر تشغيب الخوارج به أن قالوا: لو كان الإيمان تصديقًا على زعمكم لوجب الحكم بإيمان من يقتل نبيًا أو يستخف به أو يسجد بين يدي وثن! فإن هذه الأعمال لا تضاد المعرفة والعقيدة، فلما أجمعنا على
[ ٤١٠ ]
الحكم بتكفير من صدرت منه هذه الأفعال دل على أن الإيمان لا يرجع إلى تصديق القلب".
قال: "والجواب عن ذلك أن نقول: لسنا ننكر في قضية العقل مجامعة هذه الفواحش للمعرفة على ما قلتم، فإن أفعال الجوارح لا تناقض عقد القلوب، ولكن أجمع المسلمون على أن من بدر منه شيء من ذلك فهو كافر، فعلمنا بالإجماع أن الله تعالى لا يقضي على شيء بشيء مما وصفناه إلا وقد قضى بانتزاع المعرفة منه، والدليل على ذلك أن من قارف معصية فالخوارج لا يسلبونه اسم العارف وإن لم ينعتوه بكونه مؤمنًا، ومن قتل نبيًا أو استخف به فالأمة مجمعة على أنه لا يوصف بكونه عارفًا بالله تعالى، وهذا كإجماعهم على أن من جحد نبوة محمد ﵇ فهو غير عارف بالله، وليس ذلك لمضادة الجهل بالنبوة للمعرفة بالله تعالى، ولكن الله تعالى قضى بانتزاع معرفة من جحد نبوة الأنبياء ولم يؤمن بهم". انتهى كلام الإمام هنا.
وذهب النجار إلى أن الإيمان هو المعرفة بالقلب والإقرار باللسان وإلزام الأركان الخضوع لله تعالى وترك الاستكبار، وزعم أن إبليس - لعنه الله - إنما كفر باستكباره، وإلا فقد كان عارفًا بقلبه مقرًا بلسانه.
[ ٤١١ ]
ومذهب الأشعري وأكثر أصحابه أن الإيمان هو التصديق، واختلف/ جوابه في معنى التصديق: هل هو المعرفة أو هو قول النفس على تحقيق ومن ضرورته المعرفة؛ وهو الذي ارتضاه القاضي ابن الباقلاني؟.
ومذهب السلف أن الإيمان معرفة بالجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان، وأنه يزيد وينقص، وأنه لا ينتفي بانتفاء الأعمال، ومذهب السلف في هذا هو الحق، ولتقريره مكان غير هذا.
[ ٤١٢ ]
[ ٤١٣ ]
وما ذكره الإمام في جواب السؤال من القضاء بانتفاء المعرفة قد يتوقف فيه! فإنا إذا فرضنا المعرفة موجودة حسًا كيف نقضي بانتفائها؟ فإن قال: "المراد انتفاؤها شرعًا" عاد إلى تفسير الإيمان بمعنى شرعي، ويحتاج إلى بيانه.
والحاصل أن التصديق لا بد أن يقترب به أمر آخر حال في القلب وعمل له، وهو: تعظيم الرسول وإجلاله وتوقيره ومحبته والطمأنينة لقبول الأوامر والنواهي والانقياد بالقلب لذلك، فمن استكبر أو استخف أو استهان فقد ضاد ذلك، فانتفى التصديق لوجود ضد أثره وإن كانت صورة التصديق موجودة، لكن لما لم يترتب عليها أثرها ووجد المعارض لعملها صارت كالمعدومة.
فالكفر كفران: كفر للجهل والجحود، وكفر مع المعرفة والتصديق ووجود ما يعارضهما ويضادهما، مثل كفر اليهود وإبليس، وإذا نفينا المعرفة والتصديق في مثل هذا فالمراد: المعتد به من ذلك.
وكفر الساب الذي يزعم أنه مصدق عارف من هذا القبيل، فلا شك في كفره واستحل أو لم يستحل، جهل أو عرف، ومن توقف من الفقهاء
[ ٤١٤ ]
فيما إذا لم يستحل فقد خفي عليه مأخذ التكفير وأن الاستخفاف يضاد التوقير الذي هو شرط الإيمان.
ولذلك ضرب عمر ﵁ رقبة الذي لم يرض بحكم رسول الله ﷺ، وإنما لم يقتل النبي ﷺ الذي قال له: "أن كان ابن عمتك" وأضرابه من الأعراب لما قدمناه من المعاني التي ترك لأجلها قتل المنافقين.
وما روي من أن الذي قال: "أن كان ابن عمتك" كان من البدريين إن صح فيحمل أنه كان بعد ذلك وأن/ الواقعة كانت قبل بدر، فإن من
[ ٤١٥ ]
شهد بدرًا مغفور لهم، ومثل هذا كفر لا يغفر، اللهم إلا أن يقال: معنى المغفرة له أن يختم له بالإسلام فيغفر له.
واعلم أن الألفاظ الموجبة للكفر منها ما هو سب يختلف العلماء في قبول التوبة منه، ومنها ما هو ردة محضة ليس بسب، تقبل التوبة منه ما لم يكن زنديقًا يستر به، فيختلفون في قبول توبته أيضًا، والمرجع فيما يسمى سبًا وما لا يسمى سبًا إلى العرف. وما دل عليه كلام العلماء الذي حكيناه يستدل به على ما يشبهه.
فرع: [في سب أم النبي ﷺ]:
من قذف أم النبي ﷺ فهو ساب، لأنه طاعن في نسبه، نص الحنابله على ذلك واتفقوا عليه، وغيرهم لا يخالفهم فيه، ولو سبها بغير القذف فقد أطلق بعض الحنابلة أن من سب أم النبي ﷺ يقتل مسلمًا كان أو كافرًا. قال ابن تيمية: وينبغي أن يكون مرادهم بالسب هنا القذف، كما
[ ٤١٦ ]
صرح به الجمهور، لما فيه من سب النبي ﷺ.
فرع: [في سب عائشة ﵂]:
قال مالك: من سب عائشة قُتل. قيل له: لم؟ قال: من رماها فقد خالف القرآن. وقال ابن شعبان عنه: لأن الله تعالى يقول: (يعظم الله أن تعودوا لمثله أبدًا إن كنتم مؤمنين) [النور: ١٧]، فمن عاد لمثله فقد كفر.
وحكى أبو الحسن الصقلي أن أبا بكر ابن الطيب قال: إن الله تعالى إذا ذكر في القرآن ما نسبه إليه المشركون سبح نفسه، كقوله: (وقالوا اتخذ الله ولدًا سبحانه) [البقرة: ١١٦]، وذكر تعالى ما نسبه المنافقون إلى عائشة فقال: (ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانه) [النور: ١٦]، سبح نفسه في تنزيهها من السوء. وهذا يشهد لقول مالك، ومعنى هذا أن الله لما عظم سبها وكان سبها سبا لنبيه، وقرن سب نبيه وأذاه بأذاه تعالى، وكان حكم مؤذيه تعالى القتل؛ كان مؤذي نبيه كذلك.
[ ٤١٧ ]
وذكر أبو يعلى من الحنابلة، وقال ابن تيمية إنه حكى الإجماع فيه غير واحد.
فرع: [في سب أزواج النبي ﷺ غير عائشة]:
أما غير عائشة من أزواج النبي ﷺ فحكى القاضي عياض فيمن سبها قولين، أحدهما: يقتل، لأنه سب النبي ﷺ بسب حليلته، والآخر: أنها كسائر الصحابة يجلد حد المفتري. قال: وبالقول الأول أقول.
وقيل إنه ورد معنى ذلك عن ابن عباس، لأن فيه عارًا وغضاضة على النبي ﷺ.
وقال أبو بكر ابن زياد النيسابوري: سمعت القاسم بن محمد يقول لإسماعيل بن إسحاق وأتي المأمون
[ ٤١٨ ]
بالرقة برجلين شتم أحدهما فاطمة والآخر عائشة، فأمر بقتل الذي شتم فاطمة وترك الآخر الذي شتم عائشة، فقال إسماعيل: ما حكمهما إلا أن يقتلا، الذي شتم عائشة رد القرآن. وعلى هذا مضت سيرة أهل الفقه والعلم من أهل البيت وغيرهم.
وقال أبو السائب: كنت يومًا بحضرة الحسن بن زيد الداعي بطبرستان، وكان يلبس الصوف، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويوجه في كل سنة بعشرين ألف دينار إلى مدينة السلام تفرق على أولاد
[ ٤١٩ ]
الصحابة، فكان بحضرته رجل ذكر عائشة بقبيح من الفاحشة، فقال: يا غلام! اضرب عنقه، فقال له العلويون: هذا رجل من شعيتنا! فقال: معاذ الله! هذا رجل طعن على النبي ﷺ، قال الله تعالى: (الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرءون مما يقولون) [النور: ٢٦]، فإن كانت عائشة خبيثة فالنبي ﷺ خبيث! هو كافر فاضربوا عنقه. فضربوا عنقه وأنا حاضر. رواه اللالكائي.
وعن محمد بن زيد أخي الحسن بن زيد أنه قدم عليه رجل من العراق، فذكر عائشة بسوء، فقام إليه بعمود فضرب به دماغه فقتله.
فرع: [في سب سائر الصحابة ﵃]:
أما سائر الصحابة فمن سبهم جلد باتفاق العلماء.
[ ٤٢٠ ]
قال أحمد: القتل/ أجبن عنه، ولكن أضربه ضربًا نكالًا.
ولأصحاب الشافعي خلاف في تكفير الرافضة الذين يسبون أبا بكر وعمر.
وروى أبو مصعب عن مالك أنه من سب من انتسب إلى بيت النبي ﷺ يضرب ضربًا وجيعًا ويشهر ويحبس طويلًا حتى تظهر توبته، لأنه استخفاف بحق الرسول.
وأفتى أبو المطرف الشعبي فقيه مالقة في رجل أنكر تحليف امرأة بالليل وقال: لو كانت بنت أبي بكر الصديق ما حلفت إلا بالنهار. وصوب قوله بعض المتسمين بالفقه، فقال أبو المطرف: ذكر هذا لابنة أبي بكر في مثل هذا يوجب عليه الضرب الشديد والسجن الطويل، والفقيه الذي صوب
[ ٤٢١ ]
قوله هو أخص باسم الفسق من اسم الفقه، فيتقدم إليه في ذلك ويزجر ولا تقبل فتواه ولا شهادته، وهي جرحة ثابتة فيه، ويبغض في الله.
ولا يجوز للسلطان أن يعفو عن أحد وقع في أحد من الصحابة، بل يعاقبه ويستتيبه، فإن تاب قبل منه، وإن لم يتب أعاد عليه العقوبة وخلد عليه الحبس حتى يموت أو يرجع.
وأتى عمر بن عبد العزيز برجل سب عثمان، فقال: ما حملك على أن سببته؟ قال: أبغضه، قال: وإن أبغضت رجلًا سببته؟!، فأمر به فجلد ثلاثين سوطًا. وضرب إنسانًا شتم معاوية أسواطًا.
وقال ابن المنذر: لا أعلم أحدًا يوجب القتل عن سب من بعد النبي ﷺ.
وهذا الإطلاق في كلام ابن المنذر يشمل عائشة وغيرها، فلينظر فيه، فإن كان الكلامان صحيحين فالجواب أن ذلك لأجل النبي ﷺ.
وقال أبو يعلي الحنبلي: الذي عليه الفقهاء في سب الصحابة إن كان مستحلا لذلك كفر، وإن لم يكن مستحلا فسق ولم يكفر. قال: وقد قطع
[ ٤٢٢ ]
طائفة من الفقهاء من أهل الكوفة وغيرهم بقتل من سب الصحابة وكفر الرافضة.
وقال محمد بن يوسف الفريابي وسئل عمن شتم أبا بكر قال: كافر. قيل: تصلي عليه؟ قال: لا.
وممن كفر الرافضة أحمد بن/ يونس، وأبو بكر ابن هانئ، وقالا: لا تؤكل ذبائحهم لأنهم مرتدون.
وكذا قال عبد الله بن إدريس أحد أئمة الكوفة: ليس لرافضي شفعة، لأنه لا شفعة إلا لمسلم.
[ ٤٢٣ ]
وقال أحمد في رواية أبي طالب: شتم عثمان زندقة.
وأجمع القائلون بعدم تكفير الذين يسبون الصحابة أنهم فساق.
ومن محاسن مالك ﵀ أنه استنبط أنه لا حق لهم في الفيء من قوله تعالى: (والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذي سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين أمنوا ربنا إنك رءوف رحيم) [الحشر: ١٠].
[ ٤٢٤ ]
وممن قال بوجوب القتل على من سب أبا بكر وعمر: عبد الرحمن بن أبزي الصحابي.
وروي أن عبيد الله بن عمر وقع بينه وبين المقداد كلام، فشتم عبيد الله المقداد، فقال عمر: علي بالجلاد، أقطع لسانه لا يجترئ أحد بعده يشتم أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ، فهم عمر بقطع لسانه، فكلمه فيه أصحاب محمد ﷺ فقال: ذروني أقطع لسان ابني حتى لا يجترئ أحد من بعدي يسب أحدًا من أصحاب محمد ﷺ. ولعله إنما ترك ذلك لأجل شفاعة الصحابة، ولعل المقداد عفا.
[ ٤٢٥ ]
أما من ادعى في علي الإلهية ونحوه فلا شك في كفره.
فرع: من كذب على النبي ﷺ:
اختلف العلماء في كفره ووجوب قتله وقبول توبته، وليس هذا موضع بسط القول في ذلك.
[ ٤٢٦ ]
الفصل الثاني: فيما هو سب من الكافر
ليس كل كفر سبًا، فلذلك الألفاظ التي تصدر من الذمي إذا كانت كفرًا غير سب لا تنقض عهده ولا توجب قتله، لأنا أقررناه عليها، وإذا كانت سبًا تنقض عهده وتوجب قتله، لأنا لم نقره عليها، وقد تقدم أن هذا الفرق أيضًا معتبر في المسلم في قبول التوبة من الأول/ والاختلاف في قبولها من الثاني.
وقدمنا في الباب الثاني في الفصل الثاني منه اختلاف أصحابنا: هل يفترق الحال بين ما يعتقدونه ويتدينون به وغيره أو لا فرق، واخترنا أنه لا فرق وإن كان الصيدلاني وغيره رجح الفرق.
وعلى كل حال لا شك أن الشتم سب موجب للقتل سواء أتكرر أم لم يتكرر، كان في ملأ من الناس أو في خلوة إذا شهد به شاهدان أو أقر، لأن إقراره وتلفظه بحضرة الشاهدين إظهار، إلا أن يفرض أن الشتم صدر من الكافر سرًا في بيته وهو يرى أنه لا يسمعه أحد فسمعه جيرانه المسلمون أو من استرق السمع منهم وشهدوا عليه فإن في كلام الحنابلة
[ ٤٢٧ ]
إشارة إلى أنه لا يؤاخذ به، ولم أجد ذلك في كلام غيرهم، فلعل إطلاقهم محمول عليه.
قالت الحنابلة - القاضي أبو يعلى وابن عقيل: ما أبطل الإيمان فإنه يبطل الأمان إذا أظهروه، فإن الإسلام أكد من عقد الذمة، فإذا كان من الكلام ما يبطل حقن الإسلام فأن يبطل حقن الذمة أولى، مع الفرق بينهما من وجه آخر، فإن المسلم إذا سب الرسول دل على سوء اعتقاده في رسول الله ﷺ، فلذلك كفر، والذمي قد علم أن اعتقاده ذلك وأقررناه على اعتقاده، وإنما أخذنا عليه كتمه وأن لا يظهره، فبقي تفاوت بين الإظهار والإضمار.
قال ابن عقيل: فكما أخذ على المسلم أن لا يعتقد ذلك أخذ على الذمي أن لا يظهره، فإظهار هذا كإضمار ذاك، وإضمارة لا ضرر على الإسلام ولا إزراء فيه، وفي إظهاره ضرر وإزراء على الإسلام، ولهذا ما بطن من الجرائم لا نتبعها في حق المسلم، ولو أظهرها أقمنا عليه حد الله.
وطرد القاضي وابن عقيل هذا القياس في كل ما ينقض الإيمان من الكلام - كقول النصارى إن الله ثالث ثلاثة ونحو ذلك - أن الذمي متى
[ ٤٢٨ ]
أظهر ما يعلم من دينه من الشرك نقض العهد، كما أنه إن أظهر ما يعتقده في نبينا ﷺ بزعمه ينتقض عهده.
وسئل أحمد عن يهودي مر بمؤذن وهو يؤذن فقال له: كذبت، فقال: يقتل لأنه شتم.
وهذا قول جمهور المالكيين أنه يقتل بكل سب سواء استحله أم لم يستحله.
قال أبو مصعب في نصراني/ قال: "والذي اصطفى عيسى على محمد": اختلف علي فيه، فضربته حتى قتلته أو عاش يومًا وليلة، وأمرت من جر برجله وطرح على مزبلة فأكلته الكلاب.
وقال أبو مصعب في نصراني قال: عيسى خلق محمدًا، قال: يقتل.
وأفتى سلف الأندلسيين بقتل نصرانية استهلت بنفي الربوبية وبنوة عيسى لله.
وقال ابن القاسم فيمن سبه فقال: ليس بنبي، أو: لم يرسل، أو: لم ينزل عليه قرآن وإنما هو شيء تقوله، ونحو هذا؛ فيقتل، وإن قال: إن محمدًا لم يرسل إلينا إنما أرسل إليكم، وإنما نبينا موسى أو عيسى، ونحو هذا؛ لا شيء عليهم، لأن الله أقرهم على مثله.
[ ٤٢٩ ]
قال ابن القاسم: وإذا قال النصراني: ديننا خير من دينكم، إنما دينكم دين الحمير، ونحو هذا من القبيح، أو سمع المؤذن يقول: أشهد أن محمدًا رسول الله فقال: كذلك يعطيكم الله؛ ففي هذا الأدب الموجع والسجن الطويل.
وهذا قول محمد بن سحنون، وذكره عن أبيه.
ولهم قول آخر أنه إذا سبه بالوجه الذي به كفر لا يقتل. قال سحنون عن ابن القاسم: من شتم الأنبياء من اليهود والنصارى بغير الوجه الذي به كفر ضربت عنقه إلا أن يسلم.
فهذه نقول المذاهب الثلاثة، والخلاف فيها: هل يفرق بين ما يتدينون به وغيره أو لا، والصحيح المختار أنه لا فرق، وهو مذهب جمهور العلماء، فإن أكثر الذين كانوا يقعون في النبي ﷺ إنما يقولون ما يعتقدونه من قولهم: ساحر وكاهن ونحو ذلك، ولم ينقل عن أحد منهم أنه طعن في نسبه ولا نسبه إلى فاحشة ولا عيب، ولا كان أحد يعتقد فيه ذلك، فالذين وقعوا فيه وأهدرت دماؤهم إنما هم من القسم الأول.
ولأن السب بالقذف ونحوه إنما أوجب القتل لكونه طعنًا في النبوة ووسيلة إليها، وإذا كانت الوسيلة توجب انتقاض العهد فالمقصد أولى.
[ ٤٣٠ ]
ولو لم نقتلهم بما يعتقدونه لما أمكن القتل بالسب أصلًا، لأنهم يمكنهم دعواه/ في كل سب أنه معتقدهم.
وملاحظة الفرق بين ما يعتقدونه وغيره يجر إلى موافقة أهل الرأي في أن العهد لا ينتقض بشيء من السب، فالأولى موافقة الجمهور والتسوية بين ما يعتقدونه وغيره، لكن بشرط أن يسمى سبًا، وهو أمر يرجع فيه إلى العرف، فإن كل ما ليس له حد في الشرع ولا في اللغة يرجع فيه إلى العرف والعادة، فما عدة أهل العرف سبًا قلنا هو سب، وما لا فلا.
ولا بد من ذكر جزئيات تبين للفقيه ما يعتمده فيها، وينشأ له منها قاعدة كلية يحكم فيها، وإن الكلام في ذلك أو إجراءة على اللسان على سبيل الحكاية وتصوره بالقلب لشديد، ولكن الضرورة تلجئ إلى بيان الأحكام، فنذكره لا في محل خاص، بل نتكلم في السب مطلقًا من غير تعيين المسبوب، والفقيه يأخذ حظه منه، فنقول:
السب نوعان: دعاء وخبر، فالدعاء: باللعن، والخزي، والقبح، وعدم الرحمة والرضوان، وقطع الدابر، وعدم الصلاة والتسليم ورفع الذكر، ونحو ذلك كله سب، سواء أصدر من مسلم أم من كافر، ولا فرق في المسلم بين أن يخفيه وتقوم البينة عليه أو يظهره.
[ ٤٣١ ]
فإن أظهر الكافر الدعاء للنبي وأبطن فيه الدعاء للنبي وأبطن فيه الدعاء عليه مثل: "السام عليكم" إذا أخرجه مخرج التحية، اختلف العلماء فيه، منهم من قال: هو سب يقتل به، وإنما عفى النبي ﷺ عن اليهود فيه في حال ضعف الإسلام، أو لأنه كان له أن يعفو، ومنهم من قال: ليس من السب الذي ينقض العهد، لأنه لم يظهروه، وإنما تفطن له بعض السامعين.
النوع الثاني: الخبر، كالتسمية باسم قبيح، والإخبار بما فيه نقص واستهزاء، والصوف بالمسكنة، والإخبار بأنه في العذاب والإثم، وإظهار التكذيب على وجه الطعن، ووصفه بالسحر والخداع والاحتيال وأن ما جاء به زور وباطل، ونحو ذلك، فإن نظم ذلك شعرًا كان أقبح، فإن الشعر يحفظ ويروى ويؤثر في النفوس، فإن غني به بين الناس فقد تفاقم أمره.
وأما إن أخبر عن معتقده بغير طعن فيه مثل أن/ يقول: أنا لست متبعه، أو: لست مصدقه، أو: لا أحبه، أو لا أرضى دينه، ونحوه، فإنما أخبر عن اعتقاده ولم يتضمن انتقاصًا، لأن عدم التصديق والمحبة قد يصدر عن الجهل والعناد والحسد.
وإذا قال: لم يكن رسولًا ولا نبيًا ولم ينزل عليه شيء؛ فهو تكذيب متضمن النسبة إلى الكذب بواسطة علمنا أنه كان يقول إنه رسول الله،
[ ٤٣٢ ]
فاختلف العلماء في هذا فلم يلحقوه بقوله: هو كذاب؛ لأن ذاك سب صريح وهذا بواسطة.
فرع:
الكافر إذا سب الله تعالى ثم أسلم صح إسلامه وسقط قتله، وإذا سب النبي ﷺ ثم أسلم فعلى الخلاف السابق لكونه حق آدمي.
والمسلم إذا سب الله تعالى ثم أسلم في قبول إسلامه وسقوط القتل عنه خلاف في مذهب مالك وغيره، لدلالة التلفظ بذلك بعد الإسلام على الزندقة.
فرع:
سب سائر الأنبياء والملائكة كسب النبي ﷺ بلا خلاف.
[ ٤٣٣ ]
فرع: في ميراث الساب إذا قتل أو مات على سبه:
أما المسلم إذا مات أو قتل على سبه فحكمه حكم سائر المرتدين، وإن تاب ورجع إلى الإسلام فمن قبل توبته فحكمه عنده حكم سائر المسلمين، ومن لم يقبل توبته وقال إن قتله حد يقول: ميراثه كميراث سائر المسلمين لورثته كالزاني المحصن.
واختلف عن مالك في ميراث الزنديق هل هو لورثته إذا أنكر أو تاب أو لجماعة المسلمين، لأن ميراثه تبع لدمه.
وأما الكافر إذا سب وقتل بذلك فقال ابن القاسم إن ميراثه
[ ٤٣٤ ]
للمسلمين ليس على جهة الميراث، لأنه لا توارث بين أهل ملتين، ولكن لأنه فيؤهم لنقضه العهد، وهذا معنى قوله واختصاره. كذا حكاه القاضي عياض، وهو مقتضى قول الشافعي إنه ينتقض عهده، وقد قدمنا أنه يحتمل أن يقال بقتله - مع بقاء عهده - حدًا، فعلى هذا يكون ميراثه روثته الكفار، لكن الأول مقتضى قول الشافعي/ ومقتضى الدليل، وهو الذي صرح به ابن القاسم، فليكن هو الأصح.
[ ٤٣٥ ]