وفيه ثمانية فصول:
الأول: في نقل كلام العلماء في قتله.
الثاني: في نقل كلام العلماء في انتقاض عهده.
الثالث: في بيان أنه لا يلزم من القول بانتقاض عهده ولا بعدمه عدم قتله.
الرابع: في الأدلة الدالة على قتله.
الخامس: في أنه لا تصح توبته مع بقائه على الكفر.
السادس: في أن توبته بالإسلام صحيحة مسقطة للقتل.
السابع: في أنه هل يستتاب بالإسلام ويدعي إليه أو لا؟
الثامن: في أنه هل يصح حكم الحاكم بسقوط القتل عنه؟
[ ٢٣١ ]
الفصل الأول: في نقل كلام العلماء في قتله
قال أبو سليمان الخطابي ﵀: "إذا كان الساب ذميا قال مالك: من شتم النبي ﷺ من اليهود والنصارى قتل إلا أن يسلم، وكذا قال أحمد، وقال الشافعي: يقتل الذمي إذا سب النبي ﷺ وتبرأ منه الذمة، واحتج في ذلك بخبر كعب بن الأشرف، وحكي عن أبي حنيفة قال: لا يقتل الذمي بشتم النبي ﷺ، ما هم عليه من الشرك أعظم".
وقال ابن المنذر: "أجمع عوام أهل العلم أن على من سب النبي ﷺ القتل، وممن قال ذلك مالك والليث وأحمد وإسحاق، وهو مذهب الشافعي، وقد حكي عن النعمان أنه لا يقتل من سب النبي ﷺ من أهل الذمة، ما هم عليه من الشرك أعظم".
[ ٢٣٣ ]
قال ابن المنذر: "ومما يحتج به في هذا الباب قصة كعب بن الأشرف، فإنه قد آذى/ الله ورسوله، فانتدب له جماعة بإذن النبي ﷺ فقتلوه".
وقال إسحاق بن راهويه: إن أظهروا سب رسول الله ﷺ فسمع ذلك منهم أو تحقق عليهم قتلوا، وأخطأ هؤلاء الذين قالوا: ما هم عليه من الشرك أعظم من سب رسول الله ﷺ. قال إسحاق: يقتلون، لأن ذلك نقض للعهد.
وكذلك فعل عمر بن عبد العزيز، وكذلك نص الإمام أحمد علي وجوب قتله وانتقاض عهده.
وقال الزمخشري وهو حنفي، في سورة براءة من "تفسيره":
"وقالوا إذا طعن الذمي في دين الإسلام طعنًا ظاهرًا جاز قتله، لأن العهد معقود معه على أن لا يطعن، فإذا طعن فقد نكث عهده وخرج من الذمة".
وقال القاضي عياض من المالكية:
أما الذمي إذا صرح بسب أو عرض أو استخف بقدره أو وصفه بغير الوجه الذي كفر به، فلا خلاف عندنا في قتله إن لم يُسلم، لأنا لم نعطه
[ ٢٣٤ ]
الذمة أو العهد على هذا، وهو قول عامة العلماء إلا أبا حنيفة والثوري وأتباعهما من أهل الكوفة، فإنهم قالوا: لا يقتل، ما هو عليه من الشرك أعظم، ولكن يؤدب ويعزر.
وقال مالك في كتاب ابن حبيب و"المبسوط" وابن القاسم وابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ فيمن شتم نبينا من أهل الذمة أو أحدًا من الأنبياء ﵈: قتل إلا أن يسلم، وقاله ابن القاسم في "العتبية" وعند محمد وابن سحنون.
وفي كتاب محمد: أخبرنا أصحاب مالك أنه قال: من سب رسول الله ﷺ أو غيره من النبيين من مسلم أو كافر قتل ولم يستتب.
وروى ابن وهب عن ابن عمر أن راهبًا تناول النبي ﷺ، فقال ابن عمر: هلا قتلتموه؟!.
قال القاضي عياض: ووردت لأصحابنا ظواهر تقتضي الخلاف إذا ذكرها الذمي بالوجه الذي كفر به. روى عسى عن ابن القاسم في ذمي قال: إن محمدًا لم يرسل إلينا إنما أرسل إليكم، وإنما نبينا موسى أو عيسى، ونحو هذا: لا شيء عليهم، لأن الله أقرهم على مثله، وأما إن سبه فقال: ليس بنبي، أو: لم يرسل، أو: لم ينزل عليه قرآن وإنما هو شيء تقوله، أو نحو هذا فيقتل.
[ ٢٣٥ ]
قال ابن القاسم: وإذا قال النصراني: ديننا خير من دينكم، إنما دينكم دين الحمير، ونحو هذا من القبيح، أو سمع المؤذن يقول: أشهد أن محمدًا رسول الله فقال: كذلك يعطيكم الله، ففي هذا الأدب الموجع والسجن الطويل. قال: وأما من شتم النبي شتمًا يعرف فإنه يقتل إلا أن يسلم. قاله مالك غير مرة ولم يقل يستتاب.
قال ابن القاسم: ومحمل قوله عندي إن أسلم طائعا.
قال ابن سحنون في سؤالات سليمان بن سالم/ في اليهودي يقول للمؤذن إذا تشهد: كذبت، يُعاقب العقوبة الموجعة مع السجن الطويل.
وفي "النوادر" من رواية سحنون عنه: من شتم الأنبياء من اليهود والنصارى بغير الوجه الذي به كفر ضربت عنقه إلا أن يسلم.
[ ٢٣٦ ]
قال القاضي عياض: ما ذكره ابن سحنون عن نفسه وأبيه مخالف لقول ابن القاسم فيما خفف عقوبتهم فيه مما به كفروا فتأمله، ويدل على أنه خلاف ما روي عن المدنيين في ذلك، فحكى أبو المصعب الزهري قال: أتيت بنصراني قال: والذي اصطفى عيسى على محمد، فاختلف علي فيه، فضربته حتى قتلته أو عاش يومًا وليلة، وأمرت من جر برجله وطرح على مزبلة فأكلته الكلاب.
وسئل أبو المصعب عن نصراني قال: عيسى خلق محمدًا، فقال: يقتل. وقال ابن القاسم: سألنا مالكًا عن نصراني بمصر شهد عليه أنه قال: مسكين محمد، يخبركم أنه في الجنة، فهو الآن في الجنة؟! ما له لم ينفع نفسه إذ كانت الكلاب تأكل ساقيه، لو قتلوه استراح الناس منه، قال مالك: أرى أن تضرب عنقه. قال: ولقد كدت ألا أتكلم فيها ثم رأيت أنه لا يسمعني الصمت.
قال ابن كنانة في "المبسوط": من شتم النبي ﷺ من اليهود والنصارى فأرى للإمام أن يحرقه بالنار، وإن شاء قتله ثم حرق جثته، وإن شاء أحرقه بالنار حيًا إذا تهافتوا في سبه، ولقد كتب إلى مالك [من] مصر - وذكر مسألة ابن القاسم المتقدمة - قال: فأمرني مالك فكتبت بأن يقتل وأن تضرب عنقه، ثم قلت: يا أبا عبد الله وأكتب: ثم يحرق بالنار؟ فقال: إنه لحقيق بذلك وما أولاه به، فكتبته بيدي بين يديه فما أنكره ولا عابه، ونفذت الصحيفة بذلك، فقتل وحرق.
[ ٢٣٧ ]
وأفتى عبيد الله بن يحيى وابن لبابة في جماعة من سلف أصحابنا الأندلسيين بقتل نصرانية استهلت بنفي الربوبية ونبوة عيسى وتكذيب محمد في النبوة.
هذا ما ذكره القاضي عياض من كلام المالكيين ﵏، وحسبك به./
وأما الحنابلة: فقال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: كل من شتم النبي ﷺ أو تنقصه مسلمًا كان أو كافرًا فعليه القتل، وأرى أن يقتل ولا يستتاب.
قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: كل من نقض العهد وأحدث في الإسلام حدثًا مثل هذا رأيت عليه القتل، ليس على هذا أعطوا العهد والذمة.
وكذلك قال أبو الصقر: سألت أبا عبد الله عن رجل من أهل الذمة شتم النبي ﷺ ماذا عليه؟ قال: إذا قامت البينة عليه يُقتل من شتم النبي ﷺ مسلمًا كان أو كافرًا. رواهما الخلال.
[ ٢٣٨ ]
وفي رواية أبي طالب: سُئل أحمد عمن شتم النبي ﷺ، قال: يقتل وقد نقض العهد.
وقال حرب: سألت أحمد عن رجل من أهل الذمة [شتم النبي ﷺ]، قال: يقتل. رواهما الخلال.
وقال الحلواني من الحنابلة: يحتمل أن لا يقتل من سب الله ورسوله إذا كان ذميًا.
وهذا الاحتمال الذي أبداه الحلواني غلط سرى إليه من الكلام في انتفاض عهده، وسأبين أن القول بالقتل واجب سواء أقلنا بالانتفاض أم لا، فلا شك أن هذا الذي قاله الحلواني غلط، ونصوص أحمد وجميع الحنابلة من أولهم إلى آخرهم على خلافه، فلم يكن أحد يتنبه لهذا الاحتمال إلا الحلواني؟!، ولم نجد أحدًا من المذاهب الثلاثة الشافعية والمالكية والحنابلة قال بهذا القول غيره، وهو لم يقله أيضًا ولكن أبداه احتمالًا، وهو لم جزم به لم يلتفت إليه، فكيف بالاحتمال!
[ ٢٣٩ ]
ومثل هذا لا يجوز عده في اختلافات العلماء ولا في الأقوال ولا الوجوه الشاذة الضعيفة المنكرة فضلًا عن المعتبرة.
وأما أصحابنا الشافعية ﵏ فقد تقدم تصريح الشافعي وابن المنذر والخطابي بالقتل.
وقال الشيخ أبو حامد الإسفرايني شيخ أصحابنا العراقيين بعد أن قرر ما تنتقض به الذمة وما لا تنتقض، قال:
"فمتى ارتكب فعلًا من هذه الأفعال التي قلنا إن الذمة لا تنتفض به فإنا نقيم عليه موجبه، فإن كان يوجب القتل - كالقتل، والزنا وهو محصن قتلنا، وإن كان يوجب الجلد - كالزنا وهو بكر،/ والقذف - جلدنا، وإن كان يوجب التعزيز - كأن يفتن مسلمًا عن دينه - عزرنا، لأنه التزم أحكام المسلمين، ولا نحده لشرب الخمر لأنها مباحة عندهم، ومن شرب الخمر معتقدًا إباحتها لم يجب عليه الحد، وإن كان ذكر الله بما لا ينبغي أن يذكر أو كتابه أو دينه أو نبيه محمدًا ﷺ وقلنا إن الذمة لا تنتقض بذلك فإنا نقيم عليه الحد لذلك، وحده القتل، لأن من سب الله تعالى أو سب النبي ﷺ يستوجب ذلك، وإن ارتكب ما تنتقض به الذمة حكم بانتقاض ذمته وأقيم عليه الحد الواجب بذلك على ما ذكرناه، لأنه كان قد التزم أن تجري عليه أحكام الإسلام، وهذا من حكم الإسلام، ثم ينظر فإن كان الحد الذي أقمنا عليه القتل فلا كلام، وإن كان جلدًا أو تعزيزًا فالشافعي هاهنا قال:
[ ٢٤٠ ]
"يلحق بمأمنه، وهو أقرب دار الحرب"، وقال في موضع آخر: "إن شاء قتله وإن شاء استرقه"، ففي المسألة قولان:
أحدهما: يُلحق بمأمنه، لأنه دخل دار الإسلام بحكم أمان، فهو وإن انتقضت ذمته فحصوله في يدنا بذلك الأصل، فلا يجوز إخفاره، كالذي دخل دار الإسلام بأمان صبي أو ذمي ونحوهما، لا يكون ذلك أمانًا صحيحًا لكن لا يجوز إخفاره، لأن ذلك كسوم الأمان.
والقول الآخر: أنه فيه بالخيار بين القتل والاسترقاق، لأن الأمان كان له بعقد الذمة، فإذا انتقضت لم يبق له أمان، فهو كالحربي يدخل دار الإسلام متلصصًا، ويفارق من دخل بأمان صبي أو مجنون ونحوهما، لأنه غير مفرط، وإذا قلنا بالقول الآخر فله أن يقتله وأن يسترقه، فإن أسلم قبل أن يفعل شيئًا من ذلك فقد حقن دمه ولا يجوز الاسترقاق أيضًا. ويخالف الأسير، لأن الأسر سبب لذلك، وإن استرقه ثم أسلم لا يؤثر الإسلام في الرق الذي وجد قبله".
هذا كلام الشيخ أبي حامد، وهو صريح في أن السب حده القتل، وأنه يقام عليه سواء أقلنا ينتقض عهده أم لا./
[ ٢٤١ ]
وقال المحاملي في "التجريد": قال الشافعي: يشرط عليهم أن لا يذكروا الله ﷿ ولا كتابه ولا رسوله ولا دينه، فجرى مجرى اشتراط بذل الجزية وجريان الأحكام، فتفتقر صحة العقد إلى ذكره، فإن لم يذكر لم يصح، ومن أصحابنا من قال إنه بمنزلة ما يتعلق بضرر المسلمين، فأما إذا سب واحد منهم الله ﷿ أو النبي ﵇ فإنه يقتل، لا لأنه نقض ذمته، لكن الحد في هذا هو القتل.
ثم قال المحاملي:
فكل موضع قلنا ذمتهم لا تنتقض تقام عليهم الحدود فيما يجب به الحد والتعزيز فيما لا حد فيه، وكل موضع قلنا ذمتهم تنتقض قال الشافعي هنا: نردهم إلى مأمنهم، وقال في كتاب النكاح: له أن يسترقهم ويقتلهم. فإن قلنا: يردون إلى مأمنهم فإن الحدود تقام عليهم ثم يردون، وإن قلنا إنه بالخيار بين قتلهم واسترقاقهم فإن اختار القتل أقام الحدود ثم قتل، وهكذا إن اختار الاسترقاق فإنه يقيم الحدود أيضًا، فإن أسلموا قبل الاسترقاق حقنوا دماءهم وأموالهم، فلا يجوز قتلهم ولا استرقاقهم ولا أخذ أموالهم، وإن أسلموا بعد الاسترقاق لم يؤثر ذلك.
[ ٢٤٢ ]
انتهى كلام المحاملي، وفيه زيادة على ما قال الشيخ أبو حامد، لأنا حكينا كلام أبي حامد من "تعليقته" التي علقها عنه سليم، وهي في هذا الموضع عندي بخط سليم، و"تجريد" المحاملي من "التعليقة الكبرى"، فلذلك فيه ما ليس في تلك التعليقة.
ومضمون كلام المحاملي أن الذمي إذا سب يُقتل قطعًا، ولكن هل قتله لأجل الحد فقط بدون انتقاض العهد أو مع انتقاض العهد؟ كلامه يشير إلى خلاف في ذلك، وهو صحيح على ما سنبينه إن شاء الله، وقد صرح بأنا إذا قلنا يردون إلى مأمنهم أن الحدود تقام ثم يردون، ومن جملة الحدود حد السب، وهو القتل، فيقتلون.
وقال سليم الرازي في "المجرد":
"وإن ذكر/ الله تعالى أو كتابه أو دينه أو رسوله محمدًا ﷺ بما لا ينبغي فمن أصحابنا من قال: يجري الكف عن ذلك مجرى الجزية
[ ٢٤٣ ]
والانقياد لجريان أحكام الإسلام عليهم، ويلزم اشتراطه في العقد نطقًا، ومنهم من قال: يجري مجرى ما فيه ضرر على مسلم في نفسه أو ماله، فلا يلزم اشتراطه في العقد، وإذا ارتكبوا شيئًا منه فإن لم يشترط في العقد لم تنتقض الذمة، وإن شرط فهل تنتقض؟ وجهان، وكل موضع قلنا لم تنتقض الذمة بفعله فإن كان فعله يوجب القتل مثل أن ذكر الله تعالى أو رسوله أو كتابه أو دينه بما لا ينبغي أو يقتل أو يزني وهو محصن: قتل.
ثم قال: وكل موضع حكمنا بنقض الذمة بفعله أقيم عليه الواجب".
وقال نصر بن إبراهيم بن نصر المقدسي في كتاب "المقصود":
"إن ذكر الله تعالى أو كتابه أو دينه أو رسوله محمدًا ﷺ بما لا ينبغي فمن أصحابنا من قال يلزم اشتراطه في العقد نطقًا وتنتقض الذمة بالمخالفة، لأن ذلك أعظم من الإضرار ببعض المسلمين، فينبغي أن نكون فيه أشد، ومنهم من قال: لا تنتقض به الذمة. وكل موضع قلنا لم تنتقض ذمته بما فعله فإن كان ما فعله مما يوجب القتل مثل أن يذكر الله تعالى أو كتابه أو دينه أو رسوله بما لا ينبغي أو يزني وهو محصن فإنه يقتل، لأن المسلم لو ارتكب شيئًا من ذلك كان عليه القتل، فالذمي بذلك أولى".
[ ٢٤٤ ]
ثم قال:
"وكل موضع قلنا انتقضت ذمته بما فعله أقيم عليه الواجب به على ما مضى، ثم إن كان الواجب غير القتل ففيه قولان، أحدهما: يُلحق بمأمنه ويكون حربًا لنا، والثاني: يتخير الإمام بين القتل والاسترقاق".
هذا كلامه في "المقصود"، وجزم في "الكافي" بأنه يلزم اشتراطه في العقد وتنقض الذمة بمخالفته.
وقال البندنيجي فيما حكاه ابن الرفعة.
[ ٢٤٥ ]
"إذا قلنا لا ينتقض العهد بذلك قتلناه بذكر الله تعالى ورسوله وكتابه ودينه بما لا ينبغي، إذ كل هذا يوجب القتل".
وقال القاضي أبو الطيب ﵀ في "تعليقه":
"ما يشترط على أهل الكتاب في عقد الذمة على ضروب:
(١) ضرب لا يجوز ترك اشتراطه، وهو ضمان أداء الجزية والتزام جريان أحكام الإسلام عليهم، وهذان الشرطان لا بد من ذكرهما في عقد الجزية، وإن لم يذكرهما فيه لم يصح العقد.
[ ٢٤٦ ]
(٢) وضرب يجوز ترك اشتراطه، وفعله نقض للذمة، وهو قتال المسلمين مع أهل الحرب أو منفردين، فإذا فعلوا هذا فقد نقضوا العهد سواء شرط عليهم ترك القتال في عقد الذمة أم لم يشترط.
(٣) وضرب فيه ضرر على المسلمين، وهو ستة أشياء نص عليها:
١ - أن لا يزني بمسلمة،
٢ - ولا يصيبها باسم نكاح،
٣ - ولا يفتن مسلمًا ولا مسلمة عن الدين،
٤ - ولا يقطع الطريق على مسلم ولا مسلمة،
٥ - ولا يؤوي للمشركين عينا،
٦ - ولا يعين على المسلمين بدلالة.
قال أصحابنا:
٧ - ولا يقتل مسلمًا ولا مسلمة، فتكون سبعة أشياء.
وينظر فيها: فإن لم تكن مشروطة في عقد الذمة فإن فعلها لا تكون نقضًا، وإن كانت مشروطة فعلى وجهين، أحدهما: لا يكون نقضًا، والوجه الثاني: يكون نقضًا للذمة، لما روي أن نصرانيًا استكره امرأة مسلمة على الزنا، فرفع إلى أبي عبيدة فقال: "ما على هذا صالحناكم! "، وضرب عنقه، وهذا يدل على أنه جعله ناقضًا للعهد، ولأنه معنى يتعلق
[ ٢٤٧ ]
بالإضرار بالمسلمين شرط تركه في عقد الذمة، فوجب أن يكون فعله نقضًا للعهد أصله قتال المسلمين.
وأيضًا فإن عقوبة هذه الأجرام تستوفى منهم إذا لم تكن مشروطة في عقد الذمة، فوجب أن يكون لها تأثير، ولا تأثير إلا ما قلنا من نقض العهد.
(٤) وضرب فيه تنقص من الدين، وهو ذكر الله وذكر رسوله وذكر كتابه ودينه بما لا ينبغي، فهذه أربعة أشياء اختلف أصحابنا فيها، فذهب أكثرهم إلى أنها بمنزلة الأشياء السبعة، إن لم تكن مشروطة لا تكون نقضًا للعهد، وإن كانت مشروطة ففيها وجهان، ومن أصحابنا من قال - وهو أبو إسحاق - يجب شرطها في عقد الذمة، وترك شرطها يفسد العقد.
وكان أبو بكر الفارسي يقول: "من شتم محمدًا ﷺ قتل حدًا كما أمر رسول الله ﷺ بقتل ابن خطل والقينتين/ ولم ينفذ لهما أمانًا"، وادعى أنه إجماع، وهذا ليس بصحيح، لأن الله تعالى قال: (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون (٢٩» [التوبة: ٢٩].
[ ٢٤٨ ]
(٥) وضرب فيه إظهار منكر في دار السلام، وذلك ستة أشياء:
١ - إحداث بيعة أو كنيسة في دار الإسلام،
٢ - ورفع أصواتهم بقراءة كتبهم،
٣ - والضرب بالنواقيس،
٤ - وإطالة البنيان على أبنية المسلمين أو المساواة فيه،
٥ - ومساواتهم في الزي،
٦ - وإظهار الخمر والخنزير.
فهذا كله يجب عليهم الكف عنه شرط في العقد أم لم يشرط، ومن خالف في شيء منه ففعله لم يكن ناقصًا لعهده. واختلف في تعليله، منهم من قال: لأنه لا ضرر على مسلم فيه، ومنهم من قال: لأنه إظهار ما يتدينون به.
فكل موضع قلنا لا ينتقض عهده كان على الذمة، ولكن تستوفى منه الحقوق التي وجبت عليه بما ارتكبه من الأجرام، فإن كان فعل ما يوجب القتل قتل، أو كان مما يوجب القطع قطع، وإن كان مما يوجب الجلد أو التعزير فعل.
[ ٢٤٩ ]
وكل موضع قلنا انتقض عهده فإنه تستوفى منه الحقوق لأنه التزمها.
فإذا استوفيت منه الحقوق فقد اختلف قول الشافعي، فقال في الجزية: "يرد إلى مأمنه"، وقال في النكاح: "يكون الإمام مخيرًا بين أن يسترقه وأن يقتله لأنه حربي لا أمان له"، ومن قال بالأول قال: لأنه حصل في دار الإسلام بأمان فلا يجوز قتله ولا استرقاقه قبل رده إلى مأمنه، كما إذا حصل بأمان صبي، وإذا قلنا لا يجب رده إلى مأمنه فوجهه ما روي عن أبي عبيدة أنه ضرب رقبة النصراني، ولأنه نقض العهد بفعله. هذا كله في أهل الذمة".
انتهى كلام القاضي أبي الطيب، وقد استوفيته لأني أريد أتكلم عليه. ومحل المقصود منه: كلامه مع أبي بكر الفارسي، ورده عليه إما أن يكون ردًا لما ادعاه من القتل، أو لكونه حدًا، أو لدعواه الإجماع، أو ليس لشيء من ذلك ولكن لدعواه انتقاض العهد به، ويكون فهم عنه من قوله: "يقتل" أن مراده انتفاض عهده، فإن كان الرابع فليس مما نحن فيه في شيء، والخلاف في انتفاض العهد بذلك ثابت، والترجيح فيه سيأتي، وكون قضية ابن خطل والقينتين دالة لذلك أو لا: لا يضرنا، ويرشد إلى أن مراد القاضي أبي الطيب ذلك أنه إنما ذكر هذا في معرض انتقاض العهد.
ولا يرد على هذا أنه يتحد هو وقول أبي إسحاق، لأنا نقول: قول أبي إسحاق في ذكر الله وكتابه ودينه ورسوله، وهذا في الرسول فقط وامتاز بدعوى الإجماع.
[ ٢٥٠ ]
فقد يكون الفرق بينهما هذا، فإن صح إرادة هذا لم يبق شيء يوهم جريان خلاف في القتل.
وإن لم يكن هذا الاحتمال الرابع مرادًا: فإن كان الثاني أو الثالث فلا يلزم منه إثبات خلاف في المذهب في القتل، لجواز أن يقول: يقتل كفرًا بحكم نقض العهد، أو: يقتل حدًا، لكن لا إجماع فيه لخلاف أبي حنيفة، وإن كان الأول فالكلام مع القاضي أبي الطيب في رده ودليله، أما دليله فلا ينتج المقصود، لأنا نقول بموجبه، لأن/ الله تعالى شرط في إعطاء الجزية الصغار، وأي صغار مع سب الرسول؟!، والصغار إما أن يفسر بجريان أحكام الشرع عليهم وانقيادهم لها، ولا شك أن الساب ليس كذلك، وإما أن يفسر بالذلة، وحال الساب حال المستعلى لا حال الذليل.
وأما الرد فإذا لم ينتج دليله فلا عبرة به، ولم يصرح القاضي أبو الطيب بأنه لا يقتل حتى يثبت ذلك وجهًا في المذهب.
ثم إن أبا بكر الفارسي نقل الإجماع، ونقل الإجماع إنما يرد بنقل خلاف لا بدليل متنازع في صحته، وكفى بالإجماع دليلا، والإجماع المنقول بالآحاد حجة.
وكون أبي حنيفة خالف قد اعتذر عنه عن الفارسي بأحد أمور:
- إما أن يكون مراده إجماع الصحابة والتابعين،
[ ٢٥١ ]
- وإما أن يكون مراده من المسلمين، لكن على هذا يخرج عن مسألتنا،
- وإما أن يكون مراده أنه مسوغ للقتل في الجملة، وأبو حنيفة وإن قال: لا ينتقض عهد الذمي ولا يقتل به فقد قيل إن مذهبه التعزيز بالقتل فيما فحش من الجرائم.
- وسلمنا أن أبا حنيفة خارج مما ادعاه الفارسي فلا أقل من دلالة كلامه على إجماع الشافعية، وهو من العارفين بمذهب الشافعي، فكيف تسوغ منازعته بغير نقل ولا دليل سالم عن النزاع؟!
وقد تبع القاضي أبا الطيب على ما قال جماعة، منهم صاحبه ابن الصباغ، فقال كقوله، قال:
"أكثر أصحابنا أنه يجري مجرى السبعة، وقال أبو إسحاق: يجب شرط ذلك: وإذا ترك فسد عقد الذمة. وحكي عن أبي بكر الفارسي أنه
[ ٢٥٢ ]
قال: من شتم منهم رسول الله ﷺ قتل حدًا، لأن النبي ﷺ لم يؤمن ابن خطل والقينتين، وهذا ليس بصحيح، لأن أولئك كانوا من المشركين لا أمان لهم".
وهذا الذي قاله ابن الصباغ ليس بصحيح لثلاثة أوجه:
أحدها: أن النبي ﷺ ذلك اليوم أمن الناس كلهم كما رواه الدارقطني وغيره إلا أولئك النفر الذين أهدر دماءهم، فقوله: "إن المشركين لا أمان لهم" ليس بصحيح.
الثاني والثالث: أن ابن خطل كان أسلم ثم ارتد، والقينتين لا تقتلان/ بالكفر الأصلي، لأن النساء لا يقتلن إذا لم يقاتلن بالإجماع، فلم يكن قتل القينتين إلا للسب، أو لانضمام السب إلى الكفر الأصلي، وقتل ابن خطل: للسب والردة.
ومنهم: صاحبه الشيخ أبو إسحاق، قال في "المهذب":
"قال أبو إسحاق: حكمه حكم الامتناع من التزام الجزية وأحكام المسلمين والاجتماع على قتالهم، وقال عامة أصحابنا: حكمه حكم ما فيه
[ ٢٥٣ ]
ضرر بالمسلمين، وهي السبعة، ومن أصحابنا من قال: من سب رسول الله ﷺ وجب قتله، لما روي أن رجلًا قال لعبد الله بن عمر: سمعت راهبًا يشتم رسول الله ﷺ، فقال: لو سمعته لقتلته، إنا لم نعطه الأمان على هذا".
وهكذا البغوي في "التهذيب"، فيه مثل ما في "المهذب" حرفًا بحرف، وزاد: يقتل حدًا.
[ ٢٥٤ ]
واستدلالهما بقول ابن عمر يقتضي أنه يقول: يقتل كفرًا لنقض العهد لقول ابن عمر: "إنا لم نعطه الأمان على هذا".
والنقل عن الصاحب المذكور أنه يقتل حدًا و"بعض أصحابنا" المبهم في "المهذب" و"التهذيب" هو أبو بكر الفارسي كما يدل عليه ما في "تعليقة أبي الطيب" و"الشامل".
وبما يتقدم تنبيه على التوقف في إثبات الخلاف في ذلك، بل نجزم أن القاطعين بالقتل لا يعارض كلامهم شيء.
وقال صاحب "البيان".
"قال أبو بكر الفارسي: من أصحابنا من قال: من سب الرسول ﷺ وجب قتله حدًا لأنه انتقضت ذمته. ولم يذكر الشيخ أبو حامد في "التعليق" غيره، لأن النبي ﷺ لم يؤمن ابن خطل ومقيسًا لأنهما كانا يسبانه". وذكر أثر ابن عمر. قال: "والأول أصح، لأن ابن خطل ومقيسًا كانا مشركين لا أمان لهما قبل هذا".
قلت: ابن خطل ومقيس كانا مسلمين قبل ذلك وارتدا، وكل المشركين كان له أمان إلا من أهدر دمه، فإن كان القتل للشرك فقد فغيرهما من المشركين لم يقتل، وإن كان لسب مع الشرك الذي لم يتقدم له أمان فيقتضي أن الحربي الساب يقتل، فالذمي أولى، لأنه ملتزم أحكام الإسلام.
[ ٢٥٥ ]
وقول صاحب "البيان"/: إن الفارسي قال: "من أصحابنا من قال .. " يقتضي أن الفارسي ناقل لا قائل، وهو خلاف المشهور.
وتعليله بأنه انتقضت ذمته يخالف قوله: "حدا .. " بعض مخالفة.
وقوله: ولم يذكر الشيخ أبو حامد في "التعليق" غيره ليس بصحيح، فقد ذكرنا أنه ذكر أنه يقتل سواء أقلنا ينتقض عهده أم لا، وإنما مراد صاحب "البيان" وجوب قتله، وهو صحيح.
وفهم صاحب "البيان" أنه على الأول لا يقتل وأنه الأصح، وهو معذور في هذا الفهم، لأن كلام "المهذب" يوهمه، ولكن ذلك لا يمكن نقله عن أحدٍ من الأصحاب، ولا له دليل صحيح.
وأفحش من هذا وأقبح تصريح يعقوب بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عصرون في "مسائل جمعها على المهذب" بهذا الفهم، فقال: "قوله: وإن ذكر الله تعالى أو كتابه أو رسوله أو دينه ولم يشترط في العقد الكف عنه لم ينتقض العهد، ويستوفى موجبه، وهو التعزيز، وقول ابن عمر محمول على أنه كان مشروطًا"!
[ ٢٥٦ ]
وهذا التصريح من أقبح ما يقع للمصنفين، ويجب على المصنف أن يحافظ على أنه لا يصرح بمقتضى لفظ محتمل إلا إذا تتبع أصوله وعرف صحته، وإلا فيأتي به على وجهه، ومتى لم يفعل ذلك كان غير مؤد للأمانة، ولا قائم بالإرشاد للخلق، وكل هذه الفهوم أصلها بحث القاضي أبي الطيب مع الفارسي، وقد بينا أنه ليس بنقل صريح، ولا دليل صحيح، ويعقوب بن أبي عصرون هذا ليس بعمدة، وإذا كان خفي على من هو أكبر منه فهو بطريق الأولى.
وقال الرافعي ﵀ بعد أن حكى الخلاف في انتقاض العهد، قال:
"وفي "الشامل" وغيره أن أبا بكر الفارسي قال: من شتم منهم النبي ﷺ قتل حدًا، لأن النبي ﷺ قتل ابن خطل والقينتين ولم يؤمنهم. وزيفوه وقالوا: إنهم كانوا مشركين لا أمان لهم".
قلت: وقد سبق تزييف هذا التزييف، وقد أدى الرافعي ﵀ الأمانة في النقل على صورته، ولم يذكره هو وغيره إلا في ضمن الكلام على انتقاض العهد، وكأنهم يريدون أن هؤلاء مشركون لم يكن لهم عهد، وهذا صحيح/ في بعضهم، مثل القينتين ومثل الحويرث بن نقيد، ولكنا نقول: إذا جاز قتل الحربي والمرأة اللذين لا أمان لهم بالسب فلأن يقتل الذمي أولى.
[ ٢٥٧ ]
وقال الروياني في "البحر":
"ذكر أبو بكر الفارسي أن الأمة أجمعت على أن من شتم رسول الله ﷺ فحدة القتل، بخلاف ما لو قذف غيره يحد ثمانين. قال أصحابنا: معناه أن بقذفه يكفر فيقتل بالردة، وقتل المرتد حد يسقط بإسلامه، وإذا أسلم هاهنا بقي حد القذف عليه ثمانون، وقيل: أراد به أنه يقتل حدا، لأن النبي ﷺ أمر بقتل ابن خطل، وهذا الاستدلال لا يصح، لأن ذاك كان مشركًا لا أمان له، فلهذا قتل، بخلاف هذا".
قلت: مراد الفارسي أنه أمن غيره من المشركين وقتله، فصار وصف الشرك في هذا الموضع لا أثر له، وعلة عدم التأمين إنما هو السب، وهي موجودة في الذمي، وإذا سلم على مقتضى كلامه أنها علة في المشرك الذي لا أمان له ففي الملتزم الأحكام أولى.
وقد استوفيت ما وجدته من كلام العراقيين، والروياني ينحو نحوهم، فذكرته معهم، وكذلك البغوي لكونه تبع أبا الطيب في هذا.
وأما المراوزة:
[ ٢٥٨ ]
فقال القاضي حسين:
"إن ذكر كتاب الله تعالى بسوء كأن قال: ليس من عند الله، أو: ليس بمعجز، إن لم يكن شرط لم يصر ناقضًا، وإن شرط صار ناقصًا. وإن ذكر النبي ﷺ بسوء إن كان لا يعتقد ذلك فيه كأن نسبه إلى زنا أو طعن في نسبه صار به ناقصًا، شرط أو لم يشرط، وإن كان يعتقده كأن نسبه إلى الكذب وقتل اليهود بغير حق فكالقسم الثاني".
ثم قال:
"فإذا قلنا ينتقض العهد في هذه المواضع، فلو ارتكب ما يوجب الحد نقيم عليهم الحد، ثم إما أن نقتلهم أو نسترقهم أو نلحقهم بالمأمن، وإذا قلنا: لا ينتقض فنقيم الحد".
وقال صاحبه البغوي في "التهذيب" بعد أن ذكر الخلاف في الانتقاض، قال:
"وعلى القولين يقام عليهم موجباتها، فما كان موجبًا للحد يقام حده، وما يوجب التعزيز يعزر به، لأنه ارتكبه حين كان يجري عليه حكم الإسلام".
وقال الفوراني في "العمد":
[ ٢٥٩ ]
"ما يكون خلافه نقضًا شرط أو لم يشرط، وهو: جريان حكم الإسلام، والكف عن قتالنا، وبذل الجزية، وذكر نبينا ﷺ بسوء لا يعتقدونه، مثل إن نسبوه إلى زنا أو طعنوا في نسبه. وقال الفارسي: من سب نبينا ﷺ نقتله حدًا، يعني: نقتله/ بالردة، لا أنه لا تقبل توبته كما لو سب الله تعالى".
وذكر الإمام الغزالي في أكثر كتبه الخلاف في انتقاض العهد بذلك، وزاد في "الخلاصة" فقال:
"يشترط عليهم أن يكونوا صاغرين لا يذكرون ديننا ونبينا وكتاب الله، ولا يتجسسوا للمشركين، ولا يؤوا جاسوسهم، وما أشبه ذلك، ثم لا يختلف القول أنهم إن امتنعوا عن الجزية فقد نقضوا عهدهم، وكذلك إن ذكروا رسول الله ﷺ أو كتاب الله ﷿ بسوء، والمذهب أنه لا تقبل في ذلك توبتهم وأن يقتلوا على مكانهم، إلا في الامتناع من الجزية فإن توبتهم مقبولة، والامتناع من جريان الأحكام عليهم مثل الامتناع من الجزية، وإنما القتل عاجلا - على الصحيح - بذكر الله أو رسوله أو كتابه بسوء".
هذا كلام الغزالي في "الخلاصة"، وحسبك به بيانًا وتصريحه بأن المذهب أنه لا تقبل توبتهم ويقتلوا على مكانهم، والظاهر أن مراده بعدم قبول توبتهم أي ما داموا كفارًا، ولا يريد به الإسلام فإنه مقبول منهم كما سنذكره.
وقوله: "المذهب .. " يشير إلى خلاف أنه تقبل توبتهم في ذلك، ولم أر من صرح به إلا أن يكون ما قاله القاضي أبو الطيب، مع أن الظاهر أن
[ ٢٦٠ ]
هذا غيره، فإن مقتضى هذا أنه تنتقض ذمته قولا واحدًا، فإن تابوا مع بقائهم على الكفر يقرون بالجزية على وجه ولا يقتلون ولا يلحقون بمأمنهم كما بذلوا الجزية، وأن المذهب بخلاف ذلك، وأنهم يقتلون، فلم يحك الغزالي خلافًا في كون السب موجبًا لنقض الذمة والقتل في الجملة، بخلاف ما يشير إليه كلام القاضي أبي الطيب، فهو غيره بلا شك.
ولعل مراد الغزالي أنه يقتل على المذهب حدًا كما قال الفارسي.
وعلى الوجه الذي أشار إليه يتخير الإمام بين قتله واسترقاقه أو يرده إلى مأمنه لأنه انتقض عهده، وثبوت هذا الوجه أيضًا بعيد.
واعلم أن هذه الوجوه التي يشار إليها بقول الأصحاب: "المذهب .. " ونحوه ينبغي أن يتوقف في ثبوتها، لأنه يحتمل أن يكون مراده أن هذا هو مذهب الشافعي وإن لم يستحضر خلافه، فالمحقق من نقل/ الغزالي أن المذهب أن الساب الذمي يقتل ما لم يسلم، وأما إثبات خلاف فيه فلم يتحقق.
وقال أبو الحسن علي بن محمد الطبري المعروف بإلكيا في كتابه المسمى "شفاء العليل في أحكام التنزيل" في قوله تعالى: "وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم ) الآية [التوبة: ١٢]:
[ ٢٦١ ]
" .. إن مذهب الشافعي أن المعاهد إذا طعن في الدين وجاهر بسب رسول الله ﷺ فإنه يحل قتله وقتاله، وإن أبا حنيفة قال: إن مجرد الطعن في الدين لا ينقض العهد". قال: "ولا شك أن دلالة الآية قوية في تحقيق ما قاله الشافعي". هذا كلام إلكيا ﵀.
فقد ثبت التصريح بقتل الساب الذمي من كلام الشافعي، وابن المنذر، والخطابي، والشيخ أبي حامد، والمحاملي، وسليم الرازي، ونصر المقدسي، وإلكيا، والغزالي ونسبته إياه إلى المذهب، وأبي بكر الفارسي وحكايته الإجماع فيه، وأبي بكر القفال على ما نقل الإمام أنه وافقه، وإن كان الإمام ذكره في المسلم، وإن كان الغزالي خالف إمامه في النقل، فنقل عن القفال موافقة الصيدلاني وعن القاضي حسين موافقة الفارسي، واعتماد نقل الإمام أولى.
ولم نجد أحدًا قط من أصحاب الشافعي يتحقق منه أنه يقول: لا يجب عليه القتل، إلا ما ذكرناه من ألفاظ لا صريحة ولا ظاهرة.
ثم لو ثبت ذلك عن أحد من الأصحاب كان نص إمامه الذي حكيناه رادًا عليه، والأدلة التي سنذكرها أيضًا، وكل من توهم خلافًا في هذه المسألة إنما حمله عليه كلام الرافعي، والرافعي تبع أتباع القاضي أبي الطيب، وقد تكملنا على كلامه وبينا الاحتمالات التي فيه.
ثم لو صرح القاضي أبو الطيب: أهو أحق أن يتبع أم الشافعي والدليل؟!
وأما الإشارة التي ذكرناها عن "الخلاصة" فقد أجبنا عنها بحمد الله تعالى.
[ ٢٦٢ ]
الفصل الثاني: في نقل كلام العلماء في انتقاض عهده
قد تقدمت قطعة صالحة منه في الفصل الأول لاختلاطها بالكلام في القتل، وتقدم من نقل الخطابي عن الشافعي أنه تبرأ منه الذمة.
وقال المارودي: "سب رسول الله ﷺ تنتقض به الهدنة كالذمة خلافًا لأبي حنيفة فيهما". ونقله الرافعي عن الماوردي.
وقال الروياني في "البحر" في باب نقض العهد:
"قيل: عقد الهدنة موجب لثلاثة أمور:
١ - الموادعة في الظاهر،
٢ - وترك الخيانة في الباطن،
[ ٢٦٣ ]
٣ - والمجاملة في الأقوال والأفعال، فإن عدلوا عن الموادعة انتقضت هدنتهم ولا تفتقر إلى حكم الحاكم بنقضها، وأما ترك الخيانة فأن لا يستسروا بفعل ما ينقض الهدنة لو أظهروه، فإذا ظهر ذلك حكم الإمام بنقض هدنتهم ولم تنتقض بمجرد خيانتهم، ويجوز أن يبدأ بقتالهم مجاهرة، ولا يشن عليهم الغارة ولا البيات في الابتداء، ويفعل ذلك في الانتهاء، فصار هذا مخالفًا لما قبله.
وأما المجاملة بالأقوال والأفعال فهي في حقوق المسلمين أعظم منها في حقوقهم، فإن عدلوا عنها سألهم الإمام، فإن ذكروا عذرًا قبل وكانوا على هدنتهم، وإلا أمرهم بالرجوع، فإن لم يرجعوا نقضها بعد إعلامهم بنقضها، فصارت مخالفة للقسمين.
فأما سب الرسول فمما ينتقض به عقد الهدنة وعقد الذمة، وكذلك سب القرآن، فإن كان جهرًا فهو من القسم الأول، وإن كان سرًا فهو من القسم الثاني، وهكذا". قاله الماوردي أيضًا.
وقال الماوردي أيضًا في باب نقض العهد:
"فأما سب رسول الله ﷺ فهو مما ينتقض به عقد الهدنة وعقد الذمة، وكذلك سب القرآن، فإن كان جهرًا فهو من القسم الأول، وإن كان سرًا
[ ٢٦٤ ]
فهو من القسم الثاني، وقال أبو حنيفة: لا ينتقض بها عقد الهدنة ولا عقد الذمة، لأن اليهود قالوا: "السام عليك .. "، فلم يجعل نقضًا للعهد، ولأن قولهم: "ثالث ثلاثة" أعظم. ودليلنا قول ابن عمر لما قيل له عن راهب سب: "لو سمعته أنا قتلته، إنا لم نعطه الأمان على هذا"، وليس يعرف له من الصحابة مخالف، فكان إجماعًا.
وأما الخبر فعنه جوابان:
أحدهما: أنهم قالوه ذمًا لا شتمًا،
والثاني: أنه كان في ضعف الإسلام.
والجواب عن قولهم: "ثالث ثلاثة"، من وجهين:
أحدهما: أنهم قالوه اعتقادًا للتعظيم، والشتم اعتقاد للتحقير، والثاني: أقررناهم عليه، ولم نقرهم على شتم الرسول".
وذكر الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب ومن بعدهما الخلاف في انتقاض الذمة بذلك، ولا بد من مقدمة، وهي:
أن الأشياء المشترطة عليهم في عقد الذمة منها: ما لا تنتقض الذمة بمخالفتها قطعًا، بل يعزرون عليه، ويُلزمون بعدم المخالفة، كإظهار الخمر
[ ٢٦٥ ]
والخنزير، وإسماع المسلمين شركهم واعتقادهم والناقوس وأعيادهم وقراءتهم التوراةَ والإنجيل، وإحداثِهم الكنائس في بلادنا، وإطالتهم البناء وتركهم المخالفة في الغيار: فلا ينتقض عهدهم/ بهذا شرط أم لم يشرط، وفي النفس منه شيء، لأن مُقتَضى الشرط في سائر العقود أن يثبت الخيار بمخالفته كشرط الرهن في البيع ونحوِه، ولعل المدرك هاهنا وجوب قبول الجزية إذا بذلوها مع هذه الأمور وإن منعوا منها وعزروا عليها، ولو قلنا تنتقض بها لأدى إلى أنا لا نقبل الجزية، وذلك مخالف لقوله تعالى: (حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون) [التوبة: ٢٩]، ويكون تعاطي هذه الأمور لا ينافي الصغار، وأما المنع عليها والتعزيز عليها فللمبالغة في إهانتهم وإذلالهم.
ومنها: ما تنتقض به قطعًا، هو الامتناع من التزام الجزية وإجراء الأحكام، والمقاتلة.
ومنها: فيه خلاف، وهو قسمان:
أحدهما: الزنا بمسلمة أو إصابتها باسم نكاح، أو تطلع على عورة المسلمين ونقلها إلى دار الحرب، أو فتنة مسلم أو مسلمة عن دينه، أو يقطع الطريق على مسلم أو مسلمة، أو يؤوي عينًا للمشركين، أو يعين على المسلمين بدلالة، أو يقتل مسلمًا أو مسلمة، ففي هذه الخصال طرق، أصحها - وهي التي قالها الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب
[ ٢٦٦ ]
والأكثرون - أنه إن لم يجر لها ذكر في العقد لم ينتقض، وإن جرى فوجهان، ويقال قولان:
أحدهما: ينتقض لمخالفة المشروط ولما فيه من الضرر الظاهر على المسلمين، ولقصة أبي عبيدة ابن الجراح، ولم ينكر عليه، وبالقياس على منع الجزية. وهذا قال ابن الصباغ إنه الذي نص عليه، وقال القاضي الحسين: إنه المذهب. وممن رجحه الفوراني، وصاحب "الكافي"، وابن أبي عصرون، وقال الرافعي في "المحرر": إنه الأقرب، وصححه النووي في "المنهاج" و"تصحيح التنبيه"، وهو اختيار القفال.
[ ٢٦٧ ]
والثاني: لا ينتقض، لأن ما لم ينتقض العهد إذا لم يشرط لم ينتقض مع الشرط، كإظهار الخمر، ولأن هذه الأمور بالإضافة إلى عقد الذمة كالكبائر بالإضافة إلى الإسلام. قال الرافعي: وينسب هذا إلى اختيار القاضي أبي الطيب، ورجحه صاحب/ "التهذيب" وجماعة. واغتر النووي في "الروضة" بهذا، فقال: إنه الأصح، وليس كما قال.
والطريق الثاني عن الشيخ أبي محمد: إن جرى الشرط انتقض، وإلا فوجهان.
والطريق الثالث: حكى القاضي ابن كج عن بعضهم القطع بأنه لا ينتقض العهد بهذه الأسباب.
[ ٢٦٨ ]
ويخرج من الطرق ثلاثة أوجه، ذكرها صاحب "الإفصاح" وصاحب "التقريب" والغزالي، ثالثها: الفرق بين أن يجري شرط في الابتداء فينتقض بمخالفته وبين أن لا يجري فلا ينتقض، وهو الأصح، والقول بعدم الانتقاض مطلقًا اقتضى كلام "الروضة" تصحيحه، وليس بجيد.
وذكر القاضي أبو الطيب إيواء عيون الكفار من جملة هذه الخصال، وقال الرافعي: إنه ملحق بالخصال الثلاث، وذكر في قطع الطريق طريقين أظهرهما أنه كالزنا.
القسم الثاني: ذكر الله وكتابه ودينه ورسوله بسوء، فيه طريقان:
أحدهما: ينتقض العهد به بلا خلاف كالقتال، وأظهرهما عند الرافعي أنه كالزنا بالمسلمة ونحوه، فيجيء فيه الخلاف، هكذا قال الرافعي.
[ ٢٦٩ ]
وقال الشيخ أبو إسحاق في "النكت":
"إذا ذكر الذمي كتاب الله بما لا ينبغي أو شتم رسول الله ﷺ انتقضت ذمته، ومن أصحابنا من قال: إن شرط أن لا يذكر ولا يسب انتقض وإلا فلا، وقال أبو حنيفة: لا ينتقض".
فخرج من هذا أن في السب أيضًا ثلاثة أوجه:
أحدها: ينتقض العهد به مطلقًا، وهو قول أبي إسحاق المروزي والشيخ أبي إسحاق الشيرازي في "النكت".
والثاني: لا ينتقض به مطلقًا، وكلا الوجهين موجود في كلام الشيخ أبي حامد والقاضي أبي الطيب والرافعي وغيرهم.
والثالث: أنه إن شرط انتقض وإلا فلا.
وقد نظرت كلام الشافعي ﵀ في "الأم" فوجدته على ما أحكيه لك، فقال في باب تحديد الإمام مما يأخذ من أهل الذمة في الأمصار:
"ينبغي للإمام أن يحدد بينه وبين أهل الذمة جميع ما يعطيهم ويأخذ منهم، ويرى أنه ينوبه وينوب الناس منهم، ويسمى الجزية، وأن يؤديها على ما وصفت، ويسمى شهرًا تؤخذ منهم فيه، وعلى أن يجري عليهم إذا طلبهم طالب حكم الإسلام أو أظهروا ظلمًا لأحد، وعلى أن لا يذكروا رسول الله ﷺ إلا بما هو أهله، ولا يطعنوا في دين الإسلام ولا يعيبوا من حكمه شيئا، فإن فعلوه فلا ذمة لهم، ويأخذ عليهم أن لا يسمعوا
[ ٢٧٠ ]
المسلمين شركهم وقولهم في عزير وعيسى، فإن وجدهم فعلوا بعد التقدم إليهم عاقبهم على ذلك عقوبة لا تبلغ حدًا".
ثم ذكر الشافعي الشروط كلها ولم يذكر في شيء منها أنهم إذا فعلوه كان نقضًا للعهد، وذكر قطع الطريق وغيره ولم يذكر الزنا بالمسلمة في هذا الباب، فانظر كيف لم ينص على الانتقاض إلا في ذكر الرسول والطعن في الدين، وهو يدل لأبي إسحاق في أنه لا بد من شرطه، وفي أن بالمخالفة ينقض العهد.
وقال في باب ما أحدث أهل الذمة الموادعون مما لا يكون نقضًا:
"إذا أخذت الجزية من قوم فقطع قوم منهم الطريق أو قاتلوا رجلًا مسلمًا فضربوه، أو ظلموا مسلمًا أو معاهدًا، أو زنا منهم زانٍ أو أظهر فسادًا في مسلم أو معاهد: حد فيما فيه الحد، وعوقب عقوبة منكلة فيما فيه عقوبة، ولم يقتل إلا بأن يجب عليه القتل، ولم يكن هذا نقضًا للعهد يحل دمه، ولا يكون النقض للعهد إلا بمنع الجزية أو الحكم بعد الإقرار والامتناع بذلك".
وهذا الكلام من الشافعي يحتمل أن يكون محله إذا لم يشرط، ويدل له أنه في هذا الباب لم يذكر شرطًا وإنما ذكر الموادعة وإعطاء الجزية، فيصح الكلام حينئذ، وليس فيه تعرض لما إذا ذكروا الله ورسوله بسوء، فمن أين يؤخذ أنه لا ينتقض عهدهم بذلك لا عند الشرط ولا عند عدمه؟!
[ ٢٧١ ]
وقال في باب إذا أراد الإمام أن يكتب كتاب صلح على الجزية كتب، فذكر الشافعي شروطًا ثم/ قال:
"وعلى أن أحدًا منكم إن ذكر محمد ﷺ أو كتاب الله ﷿ أو دينه بما لا ينبغي أن يذكر به فقد برئت منه ذمة الله، ثم ذمة أمير المؤمنين وجميع المسلمين، ونقض ما أعطى [عليه] الأمان، وحل لأمير المؤمنين ماله ودمه كما تحل أموال أهل الحرب ودماؤهم، وعلى أن أحدًا من رجالهم إن أصاب مسلمة بزنا أو اسم نكاح أو قطع الطريق على مسلم أو فتن مسلمًا عن دينه أو أعان المحاربين على المسلمين بقتال أو دلالة على عورة المسلمين أو إيواء لعيونهم فقد نقض عهده وأحل دمه وماله".
ثم ذكر باقي الشروط ولم يذكر في شيء منها نقض العهد إلا فيما تقدم، ثم قال في آخر هذا الكتاب:
"وأيهم قال أو فعل شيئًا مما وصفته نقضًا للعهد وأسلم لم يقتل إذا كان قولًا، وكذلك إذا كان فعلًا لم يقتل، إلا أن يكون في دين المسلمين أن من فعله قتل حدًا أو قصاصًا، فيقتل بحد أو قصاص لا نقض عهد، وإن فعل ما وصفنا وشرط أنه نقض لعهد الذمة فلم يسلم ولكنه قال: "أتوب وأعطي الجزية كما كنت أعطيها أو على صلح أجدده" عوقب ولم يقتل إلا أن يكون فعل فعلًا يوجب القصاص أو القود، فأما ما دون هذا من الفعل أو القول: فكل قول فيعاقب عليه ولا يقتل".
[ ٢٧٢ ]
قال الشافعي: "فإن فعل أو قال ما وصفنا وشرط أنه يحل دمه فظفرنا به فامتنع من أن يقول: "أسلم أو أعطي جزية" قتل وأخذ ماله فيئا". انتهى.
وهذا الكلام أيضًا صريح في انتقاض العهد بذلك عند الشرط، وكذلك في الزنا بالمسلمة ونحوه، وأنه بعد انتقاض العهد إن أسلم سقط ما ليس بقصاص، ويعاقب على غيره إن أذعن لإعطاء الجزية، وإلا فيقتل ويؤخذ ماله فيئًا، وإطلاقه في القول: "إنه يعاقب عليه ولا يقتل": عام قابل للتخصيص، فينبغي أن يخص منه سب النبي ﷺ للنقل الصريح عنه أنه يقتل، ولعل ما أشار إليه الغزالي في "الخلاصة" راجع إلى ذلك وأنه تقبل توبتهم على وجه ضعيف قبل الإسلام ويعزرون،/ ولست أثق بهذا، والتمسك بنقل الخطابي الصريح وابن المنذر أولى من التعلق بهذا الإطلاق.
والتصريح بأن حد السب القتل قاض على ذلك، ومقتض لأن يلحق بالقصاص الذي نص الشافعي عليه، يخرج عنه فيما بعد الإسلام لما سيأتي، فيبقى قتله على مقتضاه.
هذا بالنسبة إلى القتل، أما انتقاض العهد بذلك فنصوص الشافعي متفقة عليه إذا كان مشروطًا كما نقلناه من باب "تحديد الإمام ما يأخذ من أهل الذمة"، ومن باب "إذا أن يكتب كتاب صلح"، وساكتة عنه إذا لم يشرط كما اقتضاه نصه في باب "ما أحدث أهل الذمة الموادعون"، وكذلك قول المزني في "المختصر"، فإنه قال:
"ويشرط عليهم أن من ذكر كتاب الله أو محمدًا رسول الله ﷺ أو دين الله بما لا ينبغي أو زنا بمسلمة أو أصابها باسم نكاح أو فتن مسلمًا عن
[ ٢٧٣ ]
دينه أو قطع عليه الطرق أو أعان أهل الحرب بدلالة على المسلمين أو آوى عينًا لهم: فقد نقض عهده، وأحل دمه، وبرئت منه ذمة الله وذمة محمد ﷺ".
ثم ذكر الشروط بعدها، ولم يذكر فيها نقض العهد، ولكن كلام "الأم" أصرح، فإنه ظاهر في الحكم بانتقاض العهد بذلك ومؤيد لقول ابن الصباغ: "إنه المنصوص"، وقول القاضي الحسين في الزنا بالمسلمة ونحوه: "إنه المذهب"، ومبطل لقول البغوي: "إن الأصح أنه لا يكون نقضًا شرط أو لم يشرط".
وجعل البغوي ذكر الله أو كتابه أو رسوله أو دينه كالزنا بالمسلمة وأن الأصح عدم الانتقاض به شرط أو لم يشرط: في غاية البعد، ولم أر من صرح بهذا غيره، حتى شيخه القاضي حسين، فقد تقدم عنه خلاف ذلك، ولقد تعجبت من البغوي فإنه رجل كبير وما عادته أن يسقط هذا السقوط! ثم ظهر لي جواب عنه وأنه ليس مخالفًا لكلام الشافعي،
[ ٢٧٤ ]
والحق ما قاله الشافعي من غير خلاف، وبيان ذلك بمقدمة/ نبه عليها الرافعي، وهو أن المعتبر هل هو شرط الامتناع عن هذه الأفعال أو شرط انتقاض العهد بها إذا ارتكبها؟ صرح الإمام بأن المعتبر الثاني، وعلى ذلك جرى الغزالي، وكثير من الأصحاب لم يتعرضوا إلا للأول.
قال الرافعي في الزنا بمسلمة ونحوه:
"ولا يبعد أن يتوسط فيقال: إن شرط الانتقاض فالظاهر الانتقاض كما حُكي عن اختيار القفال، وإلا فالظاهر خلافه كما نسب إلى اختيار القاضي أبي الطيب".
وقال ابن الرفعة:
"إن كلام غير الإمام طافح بأن المراد بالشرط شرط الانكفاف لا شرط الانتقاض، وذلك ظاهر من كلام الماوردي وغيره، وبه صرح صاحب "المرشد" والبندنيجي وابن
[ ٢٧٥ ]
داود وغيرهم، حتى صاحب "الإبانة"، فإنه حيث حكى الأوجه الثلاثة قال في الوجه الثالث: إن كنا شرطنا عليهم أن لا يفعلوا ذلك كان نقضًا وإلا فلا".
قلت: إذا عرفت هذه المقدمة فالبغوي ﵀ إنما صحح عدم الانتفاض شرط أم لم يشرط، لأنه صرح بشرط الامتناع فقال هكذا:
[ ٢٧٦ ]
"إن لم يكن شرط الإمام عليهم في العقد الامتناع عنها لم ينقض ذلك عهدهم، وإن شرط فعلى قولين: الأصح لا ينتقض".
والذي دلت عليه نصوص الشافعي بالانتقاض هو إذا شرط الانتقاض بها، فهما مسألتان، وهذا شاهد للتوسط الذي قاله الرافعي.
لكني أقول: إذا شرط الانتقاض بذكر الله أو رسوله أو كتابه أو دينه انتقض بارتكابه قولًا واحدًا لدلالة نصوص الشافعي على ذلك، ولم يوجد في كلام الأصحاب ما يخالفه، والأدلة تقتضيه، وإذا شرط الامتناع ولم يشرط الانتقاض فهذا محل الخلاف وترتيب الأصحاب المراتب الثلاثة، ولهذا أكثر الأصحاب ذكروا شرط الامتناع، ولعل الحامل للإمام على شرط الانتقاض ما رآه في "المختصر"، ولكن الشافعي لم يعله محل خلاف، وبهذا يزول اللوم عن البغوي وإن كان الأصح خلاف ما قاله، لكنه محل خلاف في الجملة.
وأما عند شرط/ الانتقاض فلا يعرف فيه خلاف صريح، وقد رأينا الذي شرط الشافعي الامتناع عنه فقط دون الانتقاض به في كلام الشافعي لم يحكم بالنقض به كالغيار ونحوه، فلا يبعد جريان خلاف في الزنا بمسلمة ونحوه أيضًا عند شرط الامتناع وإن أمكن الفرق بزيادة الضرر.
هذا في الزنا بمسلمة ونحوه، أما ذكر الله ورسوله ودينه وكتابه ففيه زيادة أخرى، وهو أن الأصحاب اختلفوا في وجوب اشتراط ذلك في العقد، ولم يختلفوا في أنه لا يشترط ذكر الانكفاف عن الزنا ونحوه فكان
[ ٢٧٧ ]
أقوى، فلا يلزم من جريان الخلاف في الزنا بمسلمة إذا شرط: جريانه في السب إذا شرط، وإما إذا لم يشرط فالخلاف في الزنا ونحوه يتجه.
وأما في السب فإن قلنا يجب شرط الانكفاف عنه فللأصحاب خلاف إذا لم يشرط: هل يفسد العقد أو يتأبد ويكون كما لو شرط لأنه مشروط شرعًا؟ وإن قلنا لا يجب شرط الانكفاف عنه في العقد فلا شك أنه أعظم من الزنا، فلا يلزم من جريان الخلاف في الزنا الخلاف فيه، إلا أن الأصحاب ذكروه، فيحتمل على هذا التقدير، وأما تصحيحه فبعيد، وهذا إذا تحققنا عدم الشرط، ونحن في مسألتنا هذه لا ندري أشرط أم لا.
وقد نبه ابن أبي عصرون في "الانتصار" على فائدة عظيمة حيث تكلم في الزنا بالمسلمة ونحوه والفرق بين ما إذا شرط تركه وما لم يشرط، فقال إنه إذا لم يعلم كيف عقد معه وجب تنزيله على أنه مشروط، لأن مطلق العقد يحمل على المتعارف، وهذا العقد في مطلق الشرع كان مشتملًا على هذه الشرائط، ولهذا قال ابن عمر: "ما على هذا أعطيناكم الأمان"، وقال أبو عبيدة: "ما على هذا صالحناكم" حين وجد منهم الزنا بالمسلمة والسب، فإذا كان هذا قولهم في الزنا فما ظنك بالسب؟!
ثم إن الأصحاب لما ذكروا الخلاف في الانتقاض بذكر الله ورسوله اختلفوا في محل الخلاف على طريقين:
[ ٢٧٨ ]
إحداهما: أن الخلاف فيما إذا ذكر النبي ﷺ/ بسوء يعتقده ويتدين به، فأما إذا ذكره بما لا يعتقده ولا يتدين به فهو كما إذا نسبه إلى الزنا أو طعن في نسبه، فيلحق ذلك بالقتال وينتقض به العهد شرط عليهم الكف عنه أو لا.
قال الرافعي: وهذا قضية ما في تعليقة إبراهيم المروروذي وما حكاه القاضي الروياني عن بعض أئمة خراسان.
قلت: ويشهد له أن الشافعي إنما ذكر ذكر النبي والدين والكتاب ولم يتعرض لذكر الله، لأن أحدًا لا يتدين بذكر الله بسوء.
والطريقة الثانية - قال الرافعي: وهي أظهر عند الصيدلاني وغيره ـ: أن الخلاف فيما إذا طعنوا بما لا يتدينون به، أما ما هو من قضية دينهم فلا ينتقض العهد بإظهاره بلا خلاف، كقولهم في القرآن: إنه ليس من عند الله، وهذا الذي أورده الغزالي.
قلت: وهذه الطريق وإن رجحها الصيدلاني وغيره فهي ضعيفة، وكلام الشافعي الذي حكيناه يشير إلى خلافها، وأي ضرورة تدعو إلى
[ ٢٧٩ ]
احتمال إظهارهم لذلك وقد شرط عليهم الصغار، وفي إظهار ذلك استعلاء وامتهان للمسلمين.
فتلخص أن هذا الشخص الذي سب بصريح اللعن منتقض العهد حلال الدم، وأن الخلاف في انتقاض عهده بعيد، وأما الخلاف في حل دمه سواء انتقض عهده أم لم ينتقض فلا يعرف محققًا في مذهب الشافعي ولا في مذهب أحمد ولا هو في مذهب مالك.
ومما نذكره هنا أن شرط الامتناع يصح العقد معه قطعًا، وشرط الانتقاض مقتضى كلام الشافعي الذي ذكرناه صحة العقد معه، وهو الصوابب.
وقد ذكر الإمام فيما إذا شرط عليهم في إظهار الخمر ونحوه أنهم إذا فعلوها انتقض عهدهم فقال: إنه يبني على أن عقد الذمة هل يصح مؤقتًا؟ إن صححناه صح العقد وينتقض إذا أظهروا، وإن لم نصححه فسد العقد من أصله، والحكاية عن الأصحاب أنه لا ينتقض، بل يفسد الشرط ويتأبد العقد، ويحمل ماجرى على تخويفهم وإذلالهم، ووجه ذلك بأن الربط بوقت/ معين هو الذي ينافي التأبيد، والفعل قد لا يوجد، فيتم العقد، وإذا لم يكن التوقيت بالفعل منافيًا للتأبيد فيلغى ويؤبد العقد. انتهى كلامه.
[ ٢٨٠ ]
جئنا إلى هذه الصورة: إذا شرط فيها الانتقاض بالسب فعلى ما قاله الإمام لا ذمة لهم إذا سبوا، لأنا إن صححناه مؤقتًا فقد انقضى، وإلا فهو فاسد، وعلى ما حكى عن الأصحاب من فساد الشرط وتأبد العقد في تلك الصور لا يجري هنا، لأن تلك الصور من إظهار الخمر وغيره لم يشرع شرط الانتقاض بها في العقد، فلذلك يُلغى ويتأبد العقد، وأما هنا فشرط الانتقاض بالسب مشروع فلا يجوز إلغاؤه، والأولى الحكم بصحة العقد مؤقتًا وإن كان الوقت مجهولًا كما اقتضاه كلام الشافعي، ويحتمل أن يجري فيه خلاف بعيد أنه يفسد.
وأما القول بتأبيده ولا ينتقض بالسب فهذا يستحيل القول به من فقيه يتأمل ما يقول.
وينبغي أن نذكر هنا شروط عمر ﵁، فإنه العمدة في هذا الباب، فإنه الذي أجلى اليهود إلى أراضي الشام وأخذ العهد عليهم وعلى النصارى بمحضر من الصحابة - رضوان الله عليهم - الذين هم صدر الأمة وسلفها، وليس لأحدٍ من الأئمة بعده أن يصالحهم بدون شيء من الشروط التي شرط عمر ﵁، وجميع أهل الذمة إنما هم جارون على شروط عمر ﵁، لأنا لا نعرف أحدًا بعده من الأئمة عقد لهم عقدًا يخالف عقده، بل كل الأئمة يعتمدون شروطه ويجرون عليها، ولهذا نقول: إنا متى جهلنا الحال في تلك الشروط هل شرطت أو لا: يحمل الأمر على أنها شرطت؛ لأن العرف الشرعي صار قاضيًا في ذلك بالحمل على شروط، وجميع أهل الذمة اليوم لا يعرف أن إمامًا عقد لهم، فهم إما أن نقول: إنهم جارون على عقد آبائهم الذين تناقلوه من عهد عمر إليهم، وإما أن نقول: لا ذمة لهم، ولم يكن لغير عمر من الأئمة شرط يعرف ولا عقد يعتمد.
[ ٢٨١ ]
وشروط عمر ﵁ مروية بالإسناد المتصل الصحيح،/ وذكرها العلماء في كتبهم بأسانيد صحيحة إلى عبد الرحمن بن غنم الصحابي قال:
كتبنا لعمر حين صالح نصارى أهل الشام:
بسم الله الرحمن الرحيم
"هذا كتاب لعبد الله عمر أمير المؤمنين من نصارى مدينة كذا وكذا: إنكم لما قدمتم علينا سألناكم الأمان لأنفسنا وذرارينا وأموالنا وأهل ملتنا، وشرطنا لكم على أنفسنا أن لا نحدث على مدائننا ولا فيما حولها ديرًا ولا كنيسة ولا قلاية ولا صومعة راهب، ولا نجدد ما خرب منها .. "، وذكر شروطًا إلى أن قال:
" .. ولا نظهر شركًا ولا ندعو إليه أحدًا .. "، وقال في آخره:
" .. شرطنا ذلك على أنفسنا وأهلينا وقبلنا عليه الأمان، فإن نحن
[ ٢٨٢ ]
خالفنا عن شيءٍ شرطناه لكم وضمناه على أنفسنا فلا ذمة لنا، وقد حل لكم منا ما حل من أهل المعاندة والشقاق".
وفيه أن هذا الكلام الأخير كان بأمر عمر ﵁.
وفي هذا دليل على صحة هذا الشرط، وأن القول بأن العقد لا يصح مؤقتًا بذلك: ضعيف، وفيه دليل على انتقاض العهد بإظهار الشرط، ولا شك أن السب أقبح.
[ ٢٨٣ ]
وعن أبي مشجعة ابن ربعي قال: لما قدم عمر بن الخطاب ﵁ الشام قام قسطنطين بطريق الشام، وذكر معاهدة عمر له وشروطه عليهم، قال: أكتب بذلك كتابًا؟ قال عمر: "نعم"، فبينما هو يكتب الكتاب إذ ذكر عمر فقال: إني استثني عليك معرة الجيش مرتين، قال: "لك ثنياك". فلما فرغ من الكتاب قال: يا أمير المؤمنين، قم في الناس فأخبرهم الذي جعلت لي وفرضت علي ليتناهوا عن ظلمي، قال عمر: "نعم". فقال في الناس فحمد الله وأثنى عليه فقال:
"الحمد لله أحمده وأستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له"، فقال النبطي: إن الله لا يضل أحدًا، فقال عمر: "ما يقول؟ " قالوا: لا شيء. وعاد النبطي، فقال: "أخبروني ما يقول"، قالوا: يزعم أن الله لا يضل أحدًا، قال عمر: "إنا لم نعطك الذي أعطيناك لتدخل علينا في ديننا، والذي نفسي بيده لئن عدت لأضربن الذي فيه عيناك".
[ ٢٨٤ ]
فهذا/ من عمر بمحضر المهاجرين والأنصار من غير إنكار يدل على أن الاعتراض في الدين موجب للقتل وانتقاض العهد، فالسب أولى بذلك.
وروى حرب في "مسائله" عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد قال: أتي عمر برجل سب النبي ﷺ، فقتله، ثم قال عمر: "من سب الله أو سب أحدًا من الأنبياء فاقتلوه".
قال ليث: وحدثني عن ابن عباس قال: "أيما مسلم سب الله أو سب أحدًا من الأنبياء فقد كذب برسول الله ﷺ، وهي ردة، يستتاب، فإن رجع وإلا قتل، وإيما معاهد عاند فسب الله أو سب أحدًا من الأنبياء أو جهر به فقد نقض العهد فاقتلوه".
فإن قلت: لم لا قتل عمر ذلك النبطي؟
قلت: لأن الكلام الذي قاله قد يكون قاله على سبيل الجهل ولم يقصد به الطعن في الدين، فكثير من الجهال يقع في ذلك، فأراد عمر أن يبين له ذلك، حتى إن عاد وهو يعلم أنه طعن في الدين انتقض عهده.
وقول ابن عمر في راهب قيل له إنه يسب النبي ﷺ: "لو سمعته لقتلته، إنا لم نعطهم الذمة على أن يسبوا نبينا"؛ فهذا وغيره من كلام الصحابة يدل على أن عليهم من الشروط أن لا يذكروا نبينا ﷺ بسوء، فمن خالف ذلك فقد خالف شرط الذمة، فلا ذمة له.
[ ٢٨٥ ]
ومن الدليل على انتقاض العهد بذلك قوله تعالى: (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر) [التوبة: ١٢]، ولا شك أن الساب ناكث لأيمانه طاعن في الدين.
وقوله تعالى: (ألا تقتلون قومًا نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول) [التوبة: ١٣]، فجعل الهم بإخراج الرسول محرضًا على القتال المقتضى انتقاض العهد، فالسب بطريق الأولى.
وتسميتهم أئمة الكفر لأنهم يقتدى بهم فيه، والطاعن الساب كذلك.
وقوله: (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين (١٤) ويذهب غيظ قلوبهم) [التوبة: ١٤ - ١٥]، وهذه صفات تقتضي أنه صدر منهم زيادة على الكفر، وهو الطعن والسب،/ ولذلك ضمن النصرة عليهم، وغيرهم من الكفار الحرب بينهم وبينهم سجال كما جاء: "ندال عليهم ويدالون علينا".
وقوله: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الأخر ..) إلى قوله: (.. حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون (٢٩» [التوبة: ٢٩]، والصغار: الذل والضيم، وحال الساب ليس كذلك.
[ ٢٨٦ ]
الفصل الثالث: في بيان أن لا يلزم من القول بانتقاض عهده ولا بعدم انتقاضه عدم قتله
قد تقدم من كلام الشيخ أبي حامد أنه يقتل على التقديرين، وكذلك من كلام غيره، وهو صحيح، لأنه حد على السب لخصوصه كحد الزنا وحد القذف والقصاص، فإذا لم ينتقض عهده أقيم عليه كما يقام على المسلم، وإذا انتقض أقيم عليه أيضًا لأنه كان التزمه.
فإن قلت: المسلم إذا أقيم عليه إنما أقيم عليه لكفره، وهذا كافر لا يزداد كفرًا آخر، فقتله مع القول بعدم انتقاض عهده بعيد، وقتله مع القول بالانتقاض أيضًا بعيد، لأن الذمي إذا انتقض عهده لنا فيه خلاف: هل يلحق بمأمنه أو يتخير الإمام فيه؟ وتعين قتله مخالف لذلك.
قلت: قد بينا في المسلم أنه حد، وأنه لا يلزم من ذلك عدم سقوطه بالإسلام، وأنه اجتمع فيه علتان، إحداهما: عموم الردة، والثانية: خصوص السب، والعلة الثانية موجودة هاهنا، ثم إنه لا يلزم من تبقية الكافر الأصلي الذي لم يوجد فيه إلا الكفر تبقيته إذا انضاف إليه السب.
[ ٢٨٧ ]
وقول السائل: إنه لا يزداد كفرًا ممنوع، وقد قال الله تعالى: (ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا) [النساء: ١٣٧]، والسب كفر جديد لم يكن الكافر أقر عليه قبل ذلك، ولا يجوز تقريره عليه، فلا بد من استيفاء حده، وحده إنما هو القتل، للإجماع الذي نقله الفارسي، ولأن النبي ﷺ أعلى قدرًا من سائر الخلق، فلا يليق أن يكون سبه كسب غيره، ألا ترى أنه روي أن قذفة عائشة ﵂ حدوا حدين! وأن ذلك لأزواج النبي ﷺ خاصة دون/ غيرهن من المؤمنات، وإن كانت الرواية في ذلك مختلفة، فإذا كانت أزواجه يعظم الحد لأجلهن فما ظنك به؟! والمعتمد الأدلة التي سنذكرها في فصل الدليل على القتل.
وقول السائل: "إن الذمي إذا انتقض عهده لنا فيه خلاف: هل يلحق بمأمنه أو يتخير الإمام فيه" هذا: إذا لم يصدر منه إلا مجرد الكفر الذي أقر عليه، أما إذا صدر منه ما يوجب القتل فإنه يستوفى حدًا.
وأيضًا: فهذا كفر آخر غير الذي قررناه عليه وأعطيناه الأمان معه، فلا يلزمنا تأمينه مع هذا الكفر الذي لا يجوز التقرير به ولا إلحاقه بمأمنه ولا اختيار خصلة فيه غير القتل - إن لم يسلم - لغلظ كفره.
[ ٢٨٨ ]
وحاصله: أن الأدلة الدالة على قتله تدل على أن قتله إما حد وإما لغلظ كفره بحيث لا يصح فيه الاسترقاق والمن والمفاداة، ومثل هذا لا يلحق بالمأمن ولا يتخير فيه.
ولهذا إن العلماء ﵃ الذين قالوه بالإلحاق بالمأمن أو بالتخيير قالوا في هذه الصورة بالقتل من غير التفات إلى غيره، هذا كلام أهل المذاهب الثلاثة، فكان كلامهم في هذه المسألة الخاصة قاضيًا على إطلاقهم في غيرها، ومنبها على المأخذ، وهو إما غلظ الكفر جدًا بحيث لا جزاء له إلا القتل، وإما مراعاة خصوص السب، والفرق بين المأخذين أن على المأخذ الأول يكون خصوص السب جزء علة، والجزء الآخر الكفر، ففي المسلم: الردة مع السب، وفي الذمي الكفر الأصلي مع السب.
وعلى المأخذ الثاني: خصوص السب وحده هو العلة في الموضعين، حتى لو أمكن تجرده عن الكفر لاقتضى القتل، وقد أشرت إلى شيء من هذا البحث في المسألة الأولى من الفصل الثاني من الباب الأول في أواخرها.
وعلى المأخذين يصح القول بوجوب قتله قبل الإسلام سواء أقلنا انتقض عهده أم لا، ولا يدخل في قوله: "من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة"،
[ ٢٨٩ ]
ولا في قوله: "ولا ذو عهد في عهده"،/ لأن ذاك إذا كان بغير حق.
وهذا إن قلنا لا ينتقض فهو كالقتل بالزنا والقصاص، وإن قلنا ينتقض فليس بمعاهد.
وبالجملة: قد بينا ذلك من كلام العراقيين والخراسانيين، وإنما أردنا هذا التنبيه على دفع إشكال يعرض فيه، ودفع كلام من توهم ذلك.
[ ٢٩٠ ]
الفصل الرابع: في الأدلة الدالة على قتل الساب الذمي
وهي أربعة عشر دليلًا:
أحدها، وهو الذي احتج به الشافعي ﵁ وكثير من العلماء بعده:
قصة كعب بن الأشرف
وهي ما روى البخاري ومسلم رحمهما الله في "صحيحيهما" من حديث جابر بن عبد الله قال:
قال رسول الله ﷺ: "من لكعبب بن الأشرف؟ فإنه قد آذى الله ورسوله"، فقام محمد بن مسلمة فقال: أنا يا رسول الله، أتحب أن أقتله؟ قال: "نعم"، قال: فأذن لي أقول شيئًا، قال: "قل". قال: فأتاه وذكره
[ ٢٩١ ]
ما بينهم، قال: إن هذا الرجل قد أراد الصدقة وإنه قد عنانا، فلما
[ ٢٩٢ ]
سمعه قال: وأيضًا والله لتملنه، قال: إنا قد اتبعناه الآن ونكره أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير أمره، وقد أردت أن تسلفني سلفًا، قال: فما ترهنوني؟ أرهنوني نساءكم، قال: كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب؟ قال: ترهنوني أولادكم، قال: يسب ابن أحدنا فيقال: رهنت في وسقين من تمر! ولكن نرهنك اللأمة، يعني السلاح، قال: نعم. وواعده أن يأتيه بالحارث وأبي عبس وعباد بن بشر، فجاؤوه ليلًا فدعوه فنزل إليهم، وقالت له امرأته: إني لأسمع صوتًا كأنه صوت دم! قال: إنما هذا محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة، إن الكريم لو دعي لطعنةٍ بليل لأجاب. قال محمد: إذا جاء فسوف أمد يدي إلى رأسه، فإذا استمكنت منه فدونكم، فلما نزل نزل وهو متوشح، قالوا: نجد منك ريح الطيب، قال: نعم، تحتي فلانة أعطر نساء العرب، قال: أفتأذن/ لي أن أشم منه؟ قال: نعم. فشم، ثم قال: أتأذن لي أن أعود؟ قال: فاستمكن منه ثم قال: دونكم. فقتلوه.
وروى هذه القصة جميع أهل السير، قالوا: إن كعب بن الأشرف
[ ٢٩٣ ]
كان شاعرًا، وكان يهجو النبي ﷺ وأصحابه ويحرض عليهم كفار قريش في شعره، ويؤذيهم، وكان مهادنًا ممن وادعه النبي ﷺ لما قدم المدينة. ولا خلاف بين أهل العلم بالسير أن كعب بن الأشرف كان له هدنة وموادعة، ومن ادعى أنه كان حربيًا فلا علم له، هذا متفق عليه بين أهل السير.
نعم: قيل إنه انتقض عهده، وسنذكر ذلك، وإنما كلامنا الآن في أنه تقدمت له هدنة وموادعة، فإنه من يهود المدينة، وكان عربيًا من بني طيء، وأمه من بني النضير، فلذلك كان فيهم ويعد معهم.
ويهود المدينة كلهم موادعون باتفاق أهل السير، وممن ذكر ذلك الشافعي، قال في "الأم" في باب المهادنة:
"إن رسول الله ﷺ وادع حين قدم المدينة يهود على غير خرج أخذه منهم".
[ ٢٩٤ ]
وقال في "الأم" أيضًا في باب الحكم بين أهل الذمة:
قال الشافعي: لم أعلم مخالفًا من أهل العلم بالسير أن رسول الله ﷺ لم انزل بالمدينة وادع يهود كافة على غير جزية، وأن قول الله تعالى: (فأحكم بينهم أو أعرض عنهم) [المائدة: ٤٢] إنما نزلت في اليهود الموادعين الذين لم يعطوا الجزية ولم يقروا أن يجري عليهم حكم: انتهى كلام الشافعي.
وقال الواقدي عن ابن كعب القرظي: لما قدم النبي ﷺ المدينة وادعته يهود كلها، فكتب بينه وبينها كتابًا، وألحق رسول الله ﷺ كل قوم بحلفائهم، وجعل بينه وبينهم أمانًا، وشرط عليهم شروطًا، وكان فيما شرط أن لا يظاهروا عليه عدوًا، فلما أصاب رسول الله ﷺ أصحاب بدر وقدم المدينة بغت يهود وقطعت ما كان بينها وبين رسول الله ﷺ من العهد. انتهى.
وجعل الواقدي هذا سبب غزوة بني قينقاع، وأنها متقدمة على قتل كعب بن الأشرف، وغيره يجعل قتل ابن الأشرف قبل غزوة بني قينقاع.
ونعود إلى كلام أهل السير في كعب بن الأشرف بعد أن ثبت أنه كان من ملة الموادعين، والموادع دون الذمي، فإذا قتل الموادع بالسب فلأن يقتل الذمي أولى، لأن الذمي التزم بجريان الأحكام عليه بخلاف الموادع كما أشار إليه الشافعي في هذا الكلام في أن التخيير في الحكم: في الموادع، يعني بخلاف الذمي، وليس هذا موضع تحقيق ذلك، إنما المقصود أن ابن الأشرف ما كان حربيًا.
[ ٢٩٥ ]
قال أهل السير: فلما كان يوم بدر وانتصر النبي ﷺ/ والمسلمون غاظ ذلك كعب بن الأشرف، ولحق بمكة، ورثى من قتل من المشركين ببدر، وحرص المشركين على قتال النبي ﷺ، وفضل دين الجاهلية على دين الإسلام، ونزل فيه قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين أمنوا سبيلا (٥١) أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا (٥٢» [النساء: ٥١ - ٥٢]، ولهذا لم ينصر، بل خذل وقتل.
وأعلن بعداوة النبي ﷺ وبهجائه، وقدم المدينة قال النبي ﷺ: "اللهم اكفني ابن الأشرف بما شئت"، فانتدب له محمد بن مسلمة وأصحابه.
وروي في معاهدة ابن الأشرف بخصوصه رواية عن جابر بن عدب الله أن كعب بن الأشرف عاهد رسول الله ﷺ أن لا يعين عليه ولا يقاتله، فلحق بمكة ثم قدم المدينة معلنًا لمعاداة النبي ﷺ، فكان أول ما خزع عنه قوله:
أذاهب أنت لم تحلل بمرقبة وتارك أنت أم الفضل بالحرم
في أبيات يهجوه بها، فعند ذلك ندب رسول الله ﷺ إلى قتله، رواه الخطابي وغيره.
[ ٢٩٦ ]
وقوله: "خزع" معناه: قطع عهده، يقال: خزع فلان عن أصحابه، أي: قطع، ومنه سميت خزاعة؛ لأنهم انخزعوا عن أصحابهم وأقاموا بمكة.
وكان قتل ابن الأشرف لأربع عشرة ليلة مضت من ربيع الأول على رأس خمسة وعشرين شهرًا من مهاجر رسول الله ﷺ.
وقيل إن قوله تعالى: (ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرًا) [آل عمران: ١٨٦] نزل في كعب بن الأشرف، وإن قوله: (وإن تصبروا وتتقوا ..) [آل عمران: ١٨٦] كان قبل ذلك، فلما لحق بمكة وبالغ في الأذى وهجا أمر بقتله.
وروي أن رسول الله ﷺ قال: "من لنا من ابن الأشرف، قد استعلن بعداوتنا وهجائنا، وقد خرج إلى قريش فأجمعهم/ على قتالنا، وقد أخبرني الله بذلك، ثم قدم على أخبث ما كان، ينتظر قريشًا أن تقدم فتقاتلنا".
ولما رجع النفر الذين قتلوه وبلغو البقيع كبروا وقد قام رسول الله ﷺ تلك الليلة يصلي، فلما سمع تكبيرهم كبر وعرف أن قد قتلوه. ثم انتهوا
[ ٢٩٧ ]
إلى رسول الله ﷺ، فقال: "أفلحت الوجوه"، فقالوا: [و] وجهك يا رسول الله، ورموا برأسه بين يديه، فحمد الله على قتله، فلما أصبح قال: "من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه"، فخافت اليهود فلم يطلع منهم أحد ولم ينطقوا، وخافوا أن يبيتوا كما بيت ابن الأشرف. كذا ذكره ابن سعد في "الطبقات" وغيره.
ولما قال النبي ﷺ ذلك وثب محيصة بن مسعود على ابن سنينة - رجل من تجار يهود كان يلابسهم - فقتله، وكان حويصة إذ ذاك لم يسلم، جعل يقول: أي عدو الله قتلته! لرب شحم في بطنك من ماله، قال محيصة: والله لقد أمرني بقتله من لو أمرني بقتلك ضربت عنقك. قال حويصة: والله إن دينا بلغ بك هذا لعجب. وأسلم حويصة يومئذ.
وقال الواقدي: "كان ابن الأشرف شاعرًا، وكان يهجو النبي ﷺ وأصحابه ويحرض عليهم، وكان المشركون واليهود من أهل المدينة يؤذون رسول الله ﷺ وأصحابه أذى شديدًا، فأمر الله ﷿ نبيه والمسلمين بالصبر على ذلك، فلما أبى ابن الأشرف أن ينزع عن أذى النبي ﷺ وأذى المسلمين .. "، وساق الواقدي القصة إلى آخرها، ثم قال: ففزعت يهود ومن معها من المشركين، فجاؤوا إلى النبي ﷺ حين أصبحوا فقالوا:
[ ٢٩٨ ]
قد طرق صاحبنا الليلة وهو سيد من ساداتنا، قتل غيلة بلا جرم ولا حدث علمناه،
فقال رسول الله ﷺ: "إنه لو قر كما قر غيره ممن هو على مثل رأيه ما اغتيل، ولكنه نال منا الأذى وهجانا بالشعر، ولم يفعل هذا أحد منكم إلا كان السيف".
ودعاهم رسول الله ﷺ إلى أن يكتب بينهم كتابًا ينتهون إلى ما فيه، وكتبوا بينهم وبينه كتابًا تحت العذق في دار رملة بنت الحارث، فحذرت يهود وخافت وذلت من يوم قتل ابن الأشرف. انتهى.
وقول النبي ﷺ: "إنه لو قر كما قر غيره .. " إشارة إلى حيي بن أخطب. قال قتادة في قوله: "ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب) الآية [النساء: ٥١] نزلت في ابن الأشرف وحيي بن أخطب، وكذا قال عكرمة.
فكلا الرجلين كعب وحيي خرجا إلى مكة وحرضا، وقتل كعب ولم يقتل حيي إلى أن نقض بنو النضير العهد فأجلاهم النبي ﷺ، فلحق بخيبر، ثم جمع عليه الأحزاب، فلما انهزموا دخل مع بني قريظة حصنهم حتى قتله الله معهم.
[ ٢٩٩ ]
وذكر الواقدي في قصة ابن الأشرف أنه لما قدم خبر بدر قال كعب بن الأشرف لقومه: ويلكم! والله لبطن الأرض خير لكم من ظهرها اليوم! هؤلاء سراة الناس قد قتلوا وأسروا، فما عندكم؟ قالوا: عداوته ما حيينا.
وهذا يدل على أنهم نقضوا معه، ولهذا قال النبي ﷺ: "من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه".
فهذه قصة كعب بن الأشرف اختصرناها من متفرقات كلام الناس.
وقيل: إن المشركين لما سألوا ابن الأشرف قال: دينكم خير وأقدم، ودين محمد حديث. وإنه اعتزل النبي ﷺ وقال: لا أعين عليه. فإن صح هذا كان أولى في الاستدلال، وإن لم يصح فالاستدلال بغيره صحيح، وقد ذكره البيهقي في "دلائل النبوة" من حديث جابر بن عبد الله قال: لما كان من أمر النبي ﷺ ما كان اعتزل كعب بن الأشرف ولحق بمكة، وكان بها وقال: لا أعين عليه ولا أقاتله.
وفي "دلائل النبوة" أن محمد بن مسلمة وأصحابه أتوا كعب بن الأشرف عشية وهو في مجلسه بالعوالي.
وقيل: إن الكتاب الذي وادع فيه اليهود كلها كان لما قدم المدينة قبل بدر، ولعل هذا هو الذي أشار إليه الشافعي، ويكون الكتاب الذي ذكرناه عن الواقدي كتابًا ثانيًا جدده بعد قتل ابن الأشرف.
[ ٣٠٠ ]
وكانت اليهود الموادعون بالمدينة وما حولها ثلاث طوائف: بني النضير، وبني قريظة، وبني قينقاع.
ولقد عرض لبعض السفهاء شبهة في قتل ابن الأشرف، فروى الواقدي عن إبراهيم بن جعفر عن أبيه قال: قال مروان بن الحكم وهو على المدينة وعنده ابن يامين النضيري: كيف كان قتل ابن الأشرف؟ قال ابن يامين: كان غذرًا. ومحمد بن مسلمة جالس شيخ كبير، فقال: يا مروان! أيغدر رسول الله ﷺ عندك؟! والله ما قتلناه إلا بأمر رسول الله، والله لا يؤويني وإياك سقف بيت إلا المسجد، وأما أنت يا ابن يامين فلله علي لا قدرت عليك وفي يدي سيف إلا ضربت به رأسك. فكان ابن يامين لا ينزل من بني/ قريظة حتى يبعث رسولًا ينظر محمد بن مسلمة، فإن كان في بعض ضياعه نزل فقضى حاجته ثم صدر، وإلا لم ينزل. فبينا محمد في جنازة وابن يامين بالبقيع، فرأى محمد نعشًا عليه جرائد رطبة لامرأة، جاء فحله، فقام إليه الناس فقالوا: يا أبا عبد الرحمن ما تصنع؟ فنحن نكفيك. فقام إليه، فلم يزل يضربه بها جريدة جريدة حتى كسر ذلك الجريد على وجهه ورأسه حتى لم يترك فيه مصحًا ثم أرسله ولا طباخ به، قال: والله لو قدرت على السيف لضربتك.
[ ٣٠١ ]
وروى غير الواقدي أن هذه القصة جرت عند معاوية وأن ابن مسلمة قال: يا معاوية، أيغدر عندك رسول الله ﷺ ثم لا تنكر؟! والله لا يظلني وإياك سقف بيت أبدًا، ولا يخلو لي دم هذا إلا قتلته.
وهذا ابن يامين هو السفيه الذي أشرنا إليه، ولا أدري هل كان يهوديًا أو متظاهرًا بالإسلام، إلا أن المدينة لم يكن فيها في زمن مروان أحد من اليهود، ولعل مروان أو معاوية - إن ثبت أن القصة كانت عنده - إنما سكت عن قتله لتجويزه أن يكون ابن يامين إنما نسب الغدر إلى ابن مسلمة وأصحابه، ولو تحقق منه أنه نسبه إلى رسول الله ﷺ لم يتوقف في قتله، فقد اتفق الكفار والمسلمون على أنه لا يغدر، ألا ترى إلى قصة أبي سفيان - وهو كافر - مع هرقل، فمن نسب إلى النبي ﷺ غدرًا يقتل مسلمًا كان أو كافرًا.
وذكر الخطابي قصة ابن يامين عند معاوية. وقال الخطابي:
"أبعد الله ابن يامين وقبح رأيه هذا، كان كعب بن الأشرف يهجو رسول الله ﷺ ويحرض عليه وعاهده ألا يعين عليه، ولحق بمكة، ثم نقض مع كفره؛ فاستحق القتل لغدره ولنقضه العهد مع كفره".
[ ٣٠٢ ]
وذكر غيره أن محمد بن مسلمة لم يصرح لكعب بن الأشرف بتأمين في شيء من لفظه، وقيل: من آذى الله ورسوله لا أمان له، والنبي ﷺ إنما قتله بوحي، فصار/ قتله أصلًا في هذا الباب.
ولا يحل أن يُقال: إن كعبًا قتل غدرًا، وقد قال ذلك قائل في مجلس علي بن أبي طالب فأمر به علي فضربت عنقه. حكى ذلك الشيخ زكي الدين عبد العظيم المنذري ﵀ في "حواشي السنن".
وقال الخطابي: "مثل هذا الصنع جائز في الكافر الذي لا عهد له كما جاز البيان والإغارة عليهم أوقات الغرة وأوان الغفلة، وكان كعب هذا قد لهج بسب رسول الله ﷺ في هجائه، فاستحق القتل مع كفره بسبه رسول الله ﷺ، وقد حرم رسول الله ﷺ الفتك وقال: "الإيمان قيد الفتك، لا يفتك مؤمن". قال: "إنما هو فجأة قتل من له أمان، وكان كعب ممن خلع الأمان ونقض العهد".
[ ٣٠٣ ]
وذكر البيهقي في "دلائل النبوة" كلام ابن يامين. وقال البيهقي: "ما ذكرنا وما نذكره من غدر كعب بن الأشرف ونقضه عهده وهجائه رسول الله ﷺ والمسلمين وعداوته إياهم وتحريضه عليهم يكذب هذا القائل ويدل على سوء رأيه وقبح قوله، وأن كعب بن الأشرف كان مستحقًا لقتله لما ظهر من غدره ونقضه العهد مع كفره".
هذه قصة ابن الأشرف وما يتعلق بها، ووجه الاستدلال بها من وجوه:
أحدها: الاقتصار على ما في "الصحيحين" من قول النبي ﷺ: "من لكعب بن الأشرف؟ فإنه قد آذى الله ورسوله"، وهو يقتضي التعليل بالأذى، فكل من آذاه وظهر آذاه يقتل، ولا شك أن الأذى أخص من
[ ٣٠٤ ]
الكفر، كما قال تعالى: (ومنهم الذين يؤذون النبي) [التوبة: ٦١]، فالتعليل في الحديث يقتضي أن كل من آذى النبي ﷺ يُقتل.
الثاني: أنه يقتضي أن كعبًا إنما قتل لأذاه، فيثبت الحكم في غيره من الكفار الذين هم في مثل حاله، لأن حكمه على الواحد حكم على الجماعة.
والفرق بين هذا والوجه الأول أن الوجه الأول يقتضي ثبوت الحكم في كل من آذى النبي ﷺ مسلمًا كان أو كافرًا، وثبوته فيه من القياس المستفاد من التعليل في محل النص وهو قتل كعب، والوجه الثاني يقتضي أن كعبًا قتل لأذاه، فيثبت الحكم في كل من هو في مثل حاله في الكفر والأذى، لا بالقياس ولكن بالإجماع على أن حكمه على الواحد حكمه على الجماعة، وهذا الوجه ساكت عن تعديته إلى المسلم، بخلاف الوجه الأول/ ناطق بتعدية الحكم لكل كافر موادع آذى النبي ﷺ.
الوجه الثالث: أن الكافر الموادع إذا قتل بأذاه للنبي ﷺ فلأن يقتل الكافر الذمي بذلك أولى، لأن الذمي التزم أحكام الإسلام، والموادع لم يلتزم، ولذلك أشار الشافعي فيما قدمنا نقله عنه أن محل التخيير في الحكم: بين الموادعين، أما أهل الذمة فيجب الحكم بينهم، وحمل الآية على ذلك، وهذا هو الصحيح، أعني في وجوب الحكم بين أهل الذمة وعدم وجوبه بين المعاهدين والموادعين.
وهذا الوجه يشارك الوجهين الأولين في الاقتصار على ما في "الصحيحين" واعتبار لفظ الحديث في الدلالة على التعليل بالأذى، ويشارك الوجه الثاني
[ ٣٠٥ ]
خاصة في حال كعب بن الأشرف وإثبات الحكم في كل من هو في مثل حاله في الموادعة بالإجماع، ويزيد عليه في تعديته إلى الذمي بالقياس بطريق الأولى، وساكت عن تعديته إلى المسلم كما سكت عنه الوجه الثاني.
الوجه الرابع: مجاوزة ما في "الصحيحين" والنظر فيما دلت عليه السير من حال كعب بن الأشرف، وقد دلت على أنه غدر وحض المشركين على قتال المسلمين، ورثى قتلاهم، وشبب بنساء المسلمين، فإما أن يكون انتقض عهده بذلك أو لا، فإن لم يكن انتقض فيكون قتله حدًا بإجراء حكم الإسلام عليه، لأنا مخيرون في الحكم على المعاهدين، وإن كان انتقض - وهو الصواب كما صرح به المحدثون وأهل السير والشافعي، وكذا يقتضيه كلام الفقهاء؛ فإنه لم يكن ذميًا وإنما كان موادعًا، والفقهاء وإن اختلفوا في انتقاض عقد الذمي بذلك فلم يختلفوا في انتقاض عقد المعاهد، لأنه أضعف، بل ينتقض بلا خلاف، وهذا كان حال كعب بن الأشرف، لا خلاف في انتقاض عهده، وحينئذ يقتل،
[ ٣٠٦ ]
فظهر أنه لا إشكال في قتله على التقديرين، ولكن التقدير الثاني هو الصواب، وهو المنقول عن الشافعي.
وقد زاد بعض الناس في الاستدلال لقتله بالسب على ما قلناه أن ما فعله محمد بن مسلمة وأصحابه مع كعب بن الأشرف قريب من شبهة الأمان، فلو لم يكن/ قتله للسب لما جاز، ولكن هذا الذي قاله هذا القائل ليس بصحيح، لأن هذا ليس بأمان ولا شبهة أمان، إذ ليس فيه إشعار بشيء من ذلك، وابن الأشرف نقض عهده باختياره وصار حربيًا، ومخادعة الحربي لأجل قتله بذلك جائز، ليس ذلك تأمينًا، ولكنه يوصل إلى القتل الواجب.
وما ذكرناه من كون الهدنة تنتقض بالسب بلا خلاف وليست كالذمة أشار إليه إمام الحرمين، ولا نعرف خلافًا فيه في مذهبنا، وقدمنا عن الماوردي أن أبا حنيفة خالف فيه أيضًا، وهذا في غاية البعد، لأن هدنة قريش مع النبي ﷺ انتقضت بإغارة حلفائهم من بني بكر على خزاعة حلفاء النبي ﷺ وتبييتهم، ولا شك أن ذلك دون السب، لأنه كقتل بعض المسلمين وليس كنصب القتال معهم، وقتل المسلم دون سب الرسول، ولهذا كان الخلاف فيه في الذمة أقوى، والحنفية يقولون إن هدنة قريش لم
[ ٣٠٧ ]
تنتقض بفعلهم، وإنما الإمام له الخيار في نقض الهدنة متى شاء، ويعلمهم أو يتأخر زمانًا يعلمون فيه؛ ومن تأمل قصة فتح مكة استبعد ذلك.
وجميع ما صدر من كعب بن الأشرف من رثاء قتلى الكفار وحضهم على قتال المسلمين وتشبيه بنسائهم: دون السب، لأن القائل بأن الذمة لا تنتقض بالسب يقول إنها لا تنتقض بذلك أيضًا.
وقد قاس الشيخ أبو إسحاق في "النكت" الذمة على الأمان فقال: "لأنه معنى يحقن به دم الكافر، فانتقض بشتم رسول الله ﷺ كالأمان".
فإن كان أبو حنيفة يوافق على انتقاض الأمان بذلك كما يشعر به هذا القياس - لأنه بحث معه - فلعله يقول إن كعب بن الأشرف كان له أمان لا هدنة، فلذلك انتقض بالسب، ولعله يعتذر عن هدنة قريش بأن الصادر قتال.
وإن كان يقول إن الأمان أيضًا لا ينتقض بذلك - وهو الذي سمعت بعض الحنفية ينقله عن مذهبه - فيشكل عليه قتل كعب بن الأشرف، إلا أن يقول إنه لم يكن له أمان أيضًا وإنما كان محاربًا وإن الموادعة هي
[ ٣٠٨ ]
المتاركة ولا يلزم منها الأمان، لكن المعروف من السير وكلام الشافعي وغيره خلاف ذلك، وأن كعبًا كان مهادنًا وانتقض عهده، ولو قال قائل بأنه لا ينتقض عهده ولكن/ يقتل حدًا وإن كعبًا قتل كذلك لسلم من الإشكال وإن خالف ما قاله الناس من انتقاض عهد كعب، وأما القول بأنه لا ينتقض عهده ولا يقتل فلا يستقيم مع الحديث.
فإن قلت: قتل كعب بن الأشرف إنما كان لكفره، والكافر الذي بلغته الدعوة يجوز تبييته والإغارة عليه، ولم يكن كعب معاهدًا وإنما كان محاربًا فلذلك قتل كما يقتل غيره من الكفار، غاية ما في الباب أنه بالغ في الأذى، فلذلك اختير قتله على غيره دفعًا لما يتوقع من شره، كما يختار الإمام القتل في بعض الأسرى.
قلت: أما كونه لم يكن إلا محاربًا فمخالف لما نقله المحدثون وأهل السير من أنه كان معاهدًا وانتقض عهده بما صدر منه، وبذلك يحصل الرد على من يقول إن عهد الهدنة لا ينتقض بالسب.
وأما كونه إنما قتل لكفره فلا شك أنه ليس كذلك، لأن غيره من الكفار الذين ليسوا في مثل حاله لم يقتل كقتله.
بقي هنا أمر: وهو أن كعبًا صدر منه أمور: تأليبه على النبي ﷺ، وتهييج الكفار على قتاله، وتوقع شر عظيم يحصل منه، وما أقذع في
[ ٣٠٩ ]
التشبيب بالمسلمات، ورثاؤه لقتلى المشركين؛ ومثل ذلك لو صدر من أسير لتعنت المصلحة في اختيار قتله، فإن الاسترقاق فيه لا يفيد، والمن عليه والمفاداة به يزيد سرًا، وإلحاقه بدار الحرب - مع ما علم منه - أشد، فلم يبق إلا قتله كما يقتل الأسير على جهة أنه اختيار لأحد الخصال لتعين المصلحة فيها، ويكون القتل حينئذ لأجل الكفر.
فقتل كعب يحتمل أن يكون لهذا المعنى، ويحتمل أن يكون لخصوص السب حدًا، وإذا كان لخصوص السب فيحتمل أن يكون مع انتقاض عهده، ويحتمل أن يكون بدونه. فهذه ثلاثة احتمالات في قتل كعب مع القطع بأنه جائز حلال:
أحدها: أن لا يكون انتقض عهده، وقتل للسب.
والثاني: أن يكون انتقض عهده، وقتل للسب أيضًا لاستحقاقه بالسب المتقدم كما يرجم بالزنا المتقدم قبل انتقاض/ العقد، كحاله لو كان ذميًا.
الثالث: أن يكون انتقض عهده، وقتل للكفر كما شرحناه أولًا.
ولا يتجاوز أمر كعب هذه الاحتمالات الثلاثة، والاحتمال الأول مخالف لما قاله الشافعي والخطابي وغيره من المحدثين وأهل السير، ولكنه يحتمل أن يقول به قائل.
ويحمل قول من صرح بأن كعبًا نقض العهد على أن هذا العالم يرى ذلك فروى على ما رأى، والنبي ﷺ لم يصرح ولا ذكر ما يدل على نقض العهد، فلعل قتله للسب مع بقاء العهد، ولا شك أن هذا محتمل، لكن يبعده قيام الدليل على أن صدور مثل هذه الأشياء يوجب انتقاض العهد، فلا وجه للقول بأن كعبًا لم ينتقض عهده.
[ ٣١٠ ]
فلم يبق إلا التردد بين الاحتمال الثاني والثالث، وهما متقاربان، لكن يرجح الثاني على الثالث التمسك بالتعليل الثابت في "الصحيحين" بالأذى وما وافق ذلك من السير.
على أن الذي قاله الشافعي أنه ينتقض عهده ويقتل، وذلك مشترك بين الاحتمال الثاني والثالث، ولكن بينهما فرق، فإن على الاحتمال الثاني يكون القتل واجبًا حدًا من الحدود لا خيرة للإمام فيه إلا النبي ﷺ، فإنه يتخير لأن الحق له، وعلى هذا يحمل قتل كعب وترك غيره في ذلك الوقت.
وعلى الاحتمال الثالث يحتمل أن يقال: إن الإمام يتخير فيه كما يتخير في كل من انتقض عهده، فإن ظهرت المصلحة في قتِلِه قِتِلَه، وإن ظهرت المصلحة في إبقائه أبقاه بعد استتابته وتعزيره إن قدر عليه.
ويحتمل أن يقال: إنه لا خيرة للإمام في ذلك، لأن الإمام إنما يتخير فيما إذا لم ينضم إلى الكفر غيره، وهذا انضم إليه السب، وهو كفر آخر لا يقر عليه، فيتعين قتله إلا أن يسلم.
ويتمسك في هذا بأن النبي ﷺ أمر بقتل كعب بن الأشرف كما جاء مصرحًا في الحديث، والأمر للوجوب، ويلحق به من هو مثله.
فإن قلت: أمره بقتل هذا كأمره بقتل من يختار قتله من الأسراء.
قلت: الأسراء ثبت فيهم أنه من على بعضهم، ولم يثبت لنا في مثل من هذا حاله أنه من عليه مع الكفر، فكان الواجب فيه القتل/ ليس إلا،
[ ٣١١ ]
وكانت تلك سنة رسول الله ﷺ فيهم، وقد قال ﷺ: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي".
فتلخص أن في قتل كعب بن الأشرف معنيين:
أحدهما: أن يكون اختيارًا لقتله بالكفر كما يختار قتل الأسارى المخير فيهم.
والثاني: أنه لأجل الأذى، ويعضده الحديث وما ذكرناه، وهو أقوى الاحتمالين وأرجحهما، ولذلك - والله أعلم - اعتمده الشافعي.
ومما نذكر هنا من المباحث أن قوله ﷺ: " .. فإنه قد آذى الله ورسوله" تعليل بالأذى، ولكنه تعليل لقتل كعب بأذاه، ولا شك أن ذلك الأذى الخاص الذي حصل منه حامل على اختيار النبي ﷺ قتله، ولا خلاف في ذلك، وإنما الخلاف في أن مسمى الأذى موجب للقتل وليس في التعليل ما يقتضي ذلك؟
والجواب عن ذلك إما اعتبار الأذى الخاص، فلو قلنا به لبطل باب القياس، ونحن في العلل إنما نعتبر مسمى ما نص عليه الشارع أو أومأ إليه وننيط الحكم به.
وأما كون المعلل اختيار النبي ﷺ للقتل الجائز لا وجوبه فجوابه ما تقدم من أنه إذا علم أن النبي ﷺ قتله لذلك ثبت أنه سبب في القتل، ولا دليل على سقوط القتل واختيار خصلة أخرى سواه في هذه الصورة.
[ ٣١٢ ]
بل أقول: إن الكافر الحربي الذي لم يحصل له عهد أصلًا لو سب ووقع في قبضة الإمام لم يتخير فيه، بل يتعين قتله إلا أن يسلم، لما ذكرناه من البحث.
ألا ترى أن النبي ﷺ لما من على أبي عزة الشاعر يوم بدر وذهب إلى مكة وتكلم، وجاء المرة الثانية وسأله المن عليه فلم يفعل، وقال له: "لا تمسح سبلاتك بمكة وتقول: سخرت بمحمد! "، ثم قال: "لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين"، وقتله.
[ ٣١٣ ]
فهذا - والله أعلم - وما أشرنا إليه من أن التخيير إنما يكون في الكفر الذي لم ينضم إليه غيره: يقتضي أن من كان من الأسراء حصل منه ذلك تعين قتله إلا أن يسلم، وإن كنت لم أر ذلك منقولًا إلى طرفًا منه، فقد ذكره أبو العباس ابن تيمية الحنبلي، وقال: إن المتقدمين وطوائف من المتأخرين - يعني من أصحابهم - قالوا: هذا - يعني الساب وغيره من ناقضي العهد - يتعين قتلهم كما دل عليه كلام أحمد، وذكر طوائف منهم أن الإمام يتخير فيمن نقض العهد من أهل الذمة كما يتخير في الأسير بين القتل والاسترقاق والمن والفداء بعد أن ذكروه في الناقضين للعهد، فدخل هذا الساب في عموم هذا الكلام وإطلاقه، وأوجب أن يقال فيه بالتخيير إذا قيل به في غيره من ناقضي العهد، لكن قيد محققو أصحاب هذه الطوائف ورؤوسهم - مثل القاضي أبي يعلى في كتبه المتأخرة وغيره - هذا الكلام وقالوا: التخيير في غير ساب الرسول ﷺ، وأما سابه فإنه يتعين قتله، وإن كان غيره كالاسير، وعلى هذا فإما أن لا يحكى في قتله خلاف لكون الذين أطلقوا التخيير في موضع قالوا في آخر بأن الساب يتعين قتله، وصرح رأس أصحاب هذه الطريقة بأن مستثنى؛ أو يحكى فيه وجه ضعيف. انتهى كلامه.
والصواب أنه لا يحكى فيه خلاف، لأن المطلقين لا تنسب إليه مخالفة حتى تتحقق، فإذا قام الدليل على التقييم وجب اتباعه والاقتصار عليه.
[ ٣١٤ ]
قال ابن تيمية: واختلف أصحاب الشافعي أيضًا، فمنهم من قال: يجب قتل الساب حتمًا وإن خير في غيره، ومنهم من قال: هو كغيره من الناقضين للعهد، وفيهم قولان: أضعفهما أنه يلحق بمأمنه، والصحيح منهما جواز قتله، قالوا: ويكون كالأسير يجب على الإمام أن يفعل فيه الأصلح للأمة من القتل والاسترقاق والمن والفداء.
قلت: ولم أر في كلام الشافعية تصريحًا بما ذكره، وكأنه أخذ ذلك من مقتضى كلامهم كما تصرف في كلام أصحابهم، والصواب أن لا يثبت في ذلك خلاف وإن كان قضية كلام المطلقين التسوية بين الساب وغيره من ناقضي العهد، وأن يؤخذ بكلام من أطلق القتل في الساب.
ثم إن هذا كله فيمن كان ذميًا أو معاهدًا ونقض، أما الحربي الذي لم يتقدم له عهد وأسر بعد أن سب أو سب في حال الأسر فهو الذي قلت إنه ينبغي أن يتعين قتله وإنني لم أجده منقولًا.
وكذلك لا ينبغي أن يجوز تأمين الحربي الساب، ولو أمنه شخص لا يصح أمانه، وبهذا يجاب عن قول من قال: إن ما صدر من محمد بن مسلمة وأصحابه شبهة أمان، فنقول: على تقدير تسليم ذلك/ هو أمان باطل لا يمنع القتل.
[ ٣١٥ ]
وقوله ﷺ: "إذا أمنك الرجل على دمه فلا تقتله"، ونحو ذلك من الأحاديث محمول على ما إذا لم يكن مستحق القتل بحد أو قصاص، وقتل الساب حد، وبذلك تحصل المحافظة على عموم العلة، ويكون الأذى موجبًا لاستحقاق القتل سواء أكان من مسلم أم من ذمي أم من معاهد أم من مستأمن أم من حربي إذا قدر عليه ولم يسلم.
ولا يغتر بما يفهمه كلام بعض الفقهاء من أن الحربي لا تتعلق به الأحكام، وإنما مراده أنه إذا أسلم تسقط.
فإن قلت: قد قال أصحابنا إن المهادن لا يجب عليه حد الزنا والشرب، وفي حد السرقة والمحاربة قولان، أصحهما عدم الوجوب أيضًا، فإذا كان هذا في المحاربة، وهي حق آدمي، فكيف تدعي قتل
[ ٣١٦ ]
الساب وهو إن كان حق آدمي فمثل المحاربة، وإن كان حق الله تعالى فمثل حد الزنا؟
قلت: حق القطع في السرقة وحق المحاربة وحد الزنا كلها أمور جزئية فروعية، وأما سب الله ورسوله والقرآن فإنه طعن في الدين، فلا يلزم من عدم إقامة الحد في حقوق الله - التي هي من فروع الشريعة - عدم إقامته في التعرض لأصل الدين، وقد قال تعالى: (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر) [التوبة: ١٢]، فلا يجوز الصبر على السب كما لا يجوز الصبر على الطعن في الدين، فلا شك أن السب موجب لاستحقاق القتل من كل من صدر منه معاهدًا كان أو مستأمنًا أو غيره لما فيه من الطعن في الدين وضرر المسلمين كلهم، وما فيه من غيظ قلوب جميع المؤمنين والتجري على أنبياء الله تعالى بالنقيصة التي تؤثر في قلوب أهل الزيغ، فأين هذا من الزنا والسرقة والمحاربة التي هي أمور مختصة ببعض الآحاد؛ بل أين هو من الكفر الذي ضرره على صاحبه ولا فيه ثلم عرض أنبياء الله تعالى وإدخال الريب على القلوب الضعيفة؟!
وإذا ثبت أن السب موجب لاستحقاق القتل في المعاهد والحربي ففي الذمي أولى لالتزامه الأحكام.
وبه ظهر احتجاج الشافعي بقصة كعب بن الأشرف وإن لم يكن ذميًا ولا كان له ذمة قط، فإن يهود المدينة وما حولها لم يكن عليهم جزية،
[ ٣١٧ ]
والفقهاء إنما يطلقون عقد الذمة على ما كان في جزية، فيهود المدينة على قولهم كانوا مهادنين لا ذميين.
على أن عندي في قصر الذمة على ما يقتضي أداء الجزية نظرًا! لأن إعطاء الجزية نزل في سورة براءة، وهي من آخر ما نزل، بل نص العلماء صريحًا على أن آية الجزية إنما نزلت في غزاة تبوك، وهي في سنة تسع من الهجرة، وهي آخر الغزوات، فكان اليهود كلهم قبل ذلك بغير جزية، ولا شك أن بعضهم كانوا ملتزمين الكف عن المسلمين وأحكامًا أخرى.
والذمة معناها الالتزام، فينبغي إذا التزموا إجراء الأحكام عليهم والتزمنا لهم الذب عنهم: انعقدت الذمة وإن لم تكن جزية في ذلك الوقت، لعدم مشروعيتها، وبحمل كلام الفقهاء على هذا الزمان بعد شرعية الجزية ليس لنا أن نعقد الذمة إلا بها.
إذا عُرف هذا: فقد يكون يهود المدينة كانوا ذميين بلا جزية، وحينئذ تكون قصة كعب بن الأشرف نصًا في الذمي وفي أنه تنتقض ذمته بذلك، ولكن ما حكيناه عن الشافعي يقتضي أن يهود المدينة مهادنون فقط لا أهل ذمة.
ثم إن كعب بن الأشرف كان موضعه في العوالي كما تقدم في الروايات، والعوالي خارج المدينة، وهي تبع لها، والظاهر أن يهودها
[ ٣١٨ ]
كانوا في حكم يهودِ المدينة، وأصحابنا يقولون إن المهادن إذا نقض الهدنة فإن كان في بلده جاز قصده والإغارة عليه في موضعه، وإن كان دخل دارنا بأمان أو مهادنةٍ فلا يغتال وإن انتقض عهده، بل يبلغ المأمن.
كذا نقله الرافعي عن نقل القاضيين ابن كج والروياني وغيرهما، وقالوا: في الذمي إذا نقض قولان، أحدهما: يبلغ المأمن، وأصحهما - على ما في "التهذيب" وغيره ـ: المنع، بل يتخير الإمام فيه بين القتل والاسترقاق/ والمن والفداء.
وكعب بن الأشرف لم يكن في شيء من هذه المثابة، لأنه نقض العهد والتحق بدار الحرب لما ذهب إلى مكة، وقدم إلى العوالي بغير أمان، فلا يقولُ أحد فيه إن حكمه حكم أهل الذمة الذين ينقضون وهم في دارنا تحت يدنا قبل بلوغهم المأمن، ولا أن حكمه حكم أهل العهد إذا كانوا دخلوا لنا بأمان، فلذلك جاز تبييته والإغارة عليه قولًا واحدًا، إما لأنه في العوالي، والعوالي ليست في حكم المدينة، وإما لأن العوالي في حكم المدينة - وهو الصحيح - ولكنه جاء إليها ناقضًا بغير أمان بعد أن لحق بدار الحرب، فلا شبهة في قتله.
ولو سلم أن كعب بن الأشرف كان حربيًا محضًا لم يسبق له عهدٌ ولا أمانٌ فقتله جائز كقتل غيره من الكفار الذين بلغتهم الدعوة، والتعليل في الحديث بالأذى يقتضي أن القتل لذلك لا للكفر وحدَه، وحينئذ يكون دليلًا على أنَّ ذلك إذا صدر من الحربي يستحق به القتل، وإنما قلت هذا
[ ٣١٩ ]
لأن المحقق في حال كعبٍ وغيرِهِ من يهود المدينة الموادعة، وهي التي قالها الشافعي، ومعناها المتاركة، ولا يلزم من ذلك أن يكون بعقد يستحق به الأمان، فقد يكونُ باقيًا على أحكام الحرابة مع الكف عنه، وذلك لا يضرنا فيما قصدناه من الاحتجاج بترتيب الشارع القتل على الأذى؛ بل ينفع ويزيد في المقصود.
وقد قدمنا من كلام الروياني والماوردي ما يقتضي أن سب الرسول والقرآن من المعاهد إن كان جهرًا ينقض الهدنة ولا يتوقف على الحاكم، وإن كان سرًا كان كالخيانة، فللإمام نقضها به، ولا شك أن سب كعب بن الأشرف كان جهرًا، فلذلك كان منتقض العهد يجوز تبييته وشن الغارة عليه بلا خلاف.
فإن قلت: في الروايات المتقدمة ما يقتضي أن الله تعالى أوحى إلى نبيه حال كعب بن الاشرف، فلعله لما اطلع الله تعالى من قلبه أمر بقتله، وذلك لا يوجد في غيره.
قلت: نحن متعبدون ببناء الأحكام على أسبابها الظاهرة، ولم يكن النبي ﷺ يبني الأحكام على الأمور الباطنة وإن جاء بها الوحي، بل على الأسباب التي نصبها في الشريعة، ألا ترى إلى المنافقين مع إعلام الله له بحالهم/ لم يقتلهم لعدم قيام البينة أو الإقرار اللذين نصبهما حجة شرعية؟ وإن كان قد علل ترك قتلهم بغير ذلك مثل قوله ﷺ: "لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه" أو غير ذلك.
[ ٣٢٠ ]
وبما ذكرناه يتبين لك أن الاستدلال بقصة كعب بن الأشرف لا يتوقف على ثبوت كونه كان معاهدًا، بل سواء أكان حربيًا أم لا الاستدلال بها صحيح بضميمة التعليل المذكور في الحديث.
وقد سبق أنه قيل إن النبي ﷺ كان كتب كتاب موادعة أول قدومه المدينة قبل قتل ابن الأشرف، ويكون الكتاب الذي كتبه بعد قتله ثانيًا لانتقاض العهد بنقض ابن الأشرف، إما لأنه كان كبيرًا، ونقض الكبير يتبعه الانتقاض في حق الأتباع ما لم يعتزلوه، وإما لأنهم نقضوا أيضًا كما يدل عليه ما قدمنا من الروايات وقولهم له إن ما عندهم إلا عدواة النبي ﷺ.
وعلى كلا التقديرين يتخرج قتل محيصة ابن سنينة، لأن العهد انتقض في حقه بأحد الطريقين المذكورين وبطريق ثالث، وهو أنه جاء منتصرًا لقتل كعب بن الأشرف، فكان بذلك ناقضًا، وقوله ﷺ: "من وجدتموه من رجال يهود فاقتلوه" دليل على انتقاض العهد في حقهم.
[ ٣٢١ ]
الدليل الثاني: قصة قتل أبي رافع عبد الله بن أبي الحقيق اليهودي
قال ابن إسحاق: حدثني الزهدي: عن عبد الله بن كعب بن مالك قال: كان مما صنع الله لرسوله ﷺ أن هذين الحيين من الأنصار الأوس والخزرج كانا يتصاولان معه تصاول الفحلين لا يصنع أحدهما شيئًا إلا صنع الأخر مثله، فلما قتلت الأوس كعب بن الأشرف تذكرت الخزرج رجلًا هو في العداوة لرسول الله ﷺ مثله، فذكروا ابن أبي الحقيق بخيبر، فاستأذنوا رسول الله ﷺ في قتله، فأذن لهم. وقصة قتله مشهورة ثابتة في البخاري، وإنما ذكرناها عن ابن إسحاق لذكره أن أبا رافع مثل كعب بن الأشرف.
[ ٣٢٢ ]
وقال غير ابن إسحاق: كان في حصن له بأرض الحجاز.
فإن كان موادعًا كابن الأشرف فالاستدلال به مثله، وإلا بالطريق المتقدم من التعليل بالأذى.
[ ٣٢٣ ]
الدليل الثالث: قصة قتل أبي عفك اليهودي
ذكرها أهل السير، وهي وإن لم يحتج بها بمفردها ففيها تأكيد لقصة كعب بن الأشرف.
قال الواقدي بإسناده: إن شيخًا من بني عمرو بن عوف يقال له أبو عفك، وكان شيخًا كبيرًا قد بلغ عشرين ومئة سنة حين قدم النبي ﷺ المدينة، وكان يحرض على عداوة النبي ﷺ، ولم يدخل في الإسلام، فلما خرج رسول الله ﷺ إلى بدر رجع وقد ظفره الله بما ظفره، فحسده وبغا فقال:
قد عشت [حينا] وما إن أرى من الناس دارًا ولا مجمعا
أجم عقولا وآتى إلى منيب سراعًا إذا ما دعا
فسلبهم أمرهم راكب حرامًا حلالًا لشتى معا
فلو كان بالملك صدقتم وبالنصر تابعتم تبعا
فقال سالم بن عمير، وهو أحد البكائين من بني النجار: علي نذر
[ ٣٢٤ ]
أن أقتل أبا عفك أو أموت دونه. فأمهل وطلب له غرة حتى كانت ليلة صائفة، فنام أبو عفك بالفناء في الصيف في بني عمرو بن عوف، فأقبل سالم بن عمير فوضع السيف على كبده حتى خش في الفراش، فصاح عدو الله، فثار إليه ناس ممن هم على قوله، فأدخلوه منزله وقبروه، وقالوا: من قتله؟ والله لو نعلم من قتله لقتلناه به.
وكان قتل أبي عفك في شوال على رأس عشرين شهرًا من الهجرة عقب بدر، قبل قتل كعب بن الأشرف بزمان.
وممن نص على أن أبا عفك كان يهوديًا ابن سعد، وقد سبق أن يهود المدينة كلهم كانوا موادعين، وهذا دليل على أن اليهودي الموادع إذا سب يقتل غيلة، وأن ذلك من القربات التي تلزم بالنذر، وأن ذلك كان معلومًا عند الصحابة.
[ ٣٢٥ ]
الدليل الرابع: قصة أنس بن زنيم الديلي
ذكرها أهل السير أن أنس بن زنيم الديلي - وكان ممن دخل في عهد قريش وهدنتهم مع رسول الله ﷺ هجا رسول الله ﷺ، فسمعه غلام من خزاعة فشجعه، فثار الشر مع ما/ كان بين الحيين، وجاءت خزاعة إلى رسول الله ﷺ يستنثرونه، وأنشدوه القصيدة المشهورة التي أولها:
لاهم إني ناشد محمدا حلف أبينا وأبيك الأتلدا
فلما فرغ الركب قالوا: يا رسول الله، إن أنس بن زنيم الديلي قد هجاك. فندر رسول الله ﷺ دمه، فبلغ ذلك أنس بن زنيم فقدم معتذرا إلى رسول الله ﷺ، ومدحه بقصيدة أولها:
[ ٣٢٦ ]
ءأنت الذي تهدي معد بأمره بل الله يهديها وقال لك أشهد
وفيها:
فما حملت من ناقة فوق رحلها أبر وأوفى ذمة من محمد
تعلم رسول الله أنك قادر على كل سكن من تهام ومنجد
تعلم رسول الله أنك مدركي وأن وعيدًا منك كالأخذ باليد
ونبي رسول الله أني هجوته فلا رفعت سوطي إلى إذا يدي
سوى أنني قد قلت يا ويح فتية أصيبوا بنحس يوم طلق وأسعد
فإني لا عرضًا خرقت ولا دمًا هرقت ففكر - عالم الحق - وأقصد
وتعلم أن الركب ركب عويمر هم الكاذبون المخلفو كل موعد
وبلغت قصيدته رسول الله ﷺ، وكلمه نوفل بن معاوية الديلي، فقال: يا رسول الله، أنت أولى الناس بالعفو، ومن منا لم يعادك ويؤذك، ونحن في جاهلية لا ندري ما نأخذ وما ندع حتى هدانا الله بك وأنقذنا بك من الهلك، وقد كذب عليه الركب وكثروا عندك، فقال: "دع الركب عنك، فإنا لم نجد بتهامة أحدًا من ذي رحم ولا بعيد الرحم كان أبر من خزاعة".
[ ٣٢٧ ]
فأسكت نوفل، فلما سكت قال رسول الله ﷺ: "قد عفوت عنه"، قال نوفل: فِداك أبي وأمي.
وهذه القصة - إذا صحت - من أقوى الأدلة - بل فيها دليل على أن القتل لا يسقط بالإسلام حتى يعفو، فإن ظاهر القصيدة يدل على إسلام أنس بن زنيم، وكان حين هجائه مهادنًا، ونوفل الذي شفع فيه كان ممن نقض العهد ثم أسلم وصار يشفع فيه، فدل على أن السب أعظم من نقض العهد، وأن/ ناقض العهد إذا أسلم سلم، والساب إذا أسلم لا يسلم، ولهذا إن النبي ﷺ لم يهدر دم أحد من بني بكر الذين أغاروا على خزاعة، وإنما سلط خزاعة على قتالهم، وأهدر دم هذا بعينه حتى أسلم واعتذر، هذا مع أن العهد عهد موادعة وهدنة لا عقد جزية وذمة، والمهادن في بلده لا يتوقف فيما شاء من المنكرات، فإذا أخذ بذلك فالذمي أولى.
فهذه القصة لا شك في دلالتها على قتل الساب المعاهد، وأما إذا أسلم فنحن نختار سقوط القتل عنه، ونحمل ما صدر في هذه القصة من سؤال العفو على قبول توبته كما في قبول توبة كعب بن مالك حين تخلف عن تبوك، حيث تأخرت خمسين ليلة مع ندمه وصدقه كما نبهنا عليه من قبل، ليتحقق رضى الله تعالى عنه وقبوله توبته، كذلك هنا المقصود
[ ٣٢٨ ]
رضى النبي ﷺ عنه، وهو أمر مقصود، فليس نصًا في أنه لو لم يعف عنه لقتله بعد إسلامه، بل لعلة كان له أن يعاقبه بغير القتل أو مجرد إعراضه عنه عقوبة، وكيف يطيب قلب المسلم إذا لم يكن النبي ﷺ راضيًا عنه، بخلاف الكافر الحربي أو المعاهد الذي نقض العهد بغير ذلك، كالقتال ونحوه، فإنه بمجرد الإسلام لا يبقى عليه تبعة أخرى، لأن دينه الذي كان: هو الكفر والمحاربة، وقد زال بالإسلام، وذنب الساب زائد على الكفر.
[ ٣٢٩ ]
الدليل الخامس
استدل به أيضًا جماعة من العلماء منهم أحمد بن حنبل، وذكره أبو داود في "سننه" في باب الحكم فيمن سب النبي ﷺ.
قال أبو داود: ثنا عثمان بن أبي شيبة وعبد الله بن الجراح، عن جرير، عن مغيرة، عن الشعبي، عن علي ﵁ أن يهودية كانت تشتم النبي ﷺ وتقع فيه، فخنقها رجل حتى ماتت، فأبطل رسول الله ﷺ دمها.
ورواه أحمد بن جرير، عن مغيرة، عن الشعبي، عن علي قال: كان رجل من المسلمين أعمى يأوي إلى امرأة يهودية، فكانت/ تطعمه وتحسن إليه، فكانت لا تزال تشتم النبي ﷺ وتؤذيه، فلما كانت ليلة من الليالي خنقها فماتت، فلما أصبح ذكر ذلك لرسول الله ﷺ فنشد الناس في أمرها، فقام الأعمى فذكر له أمرها؛ فأبطل رسول الله ﷺ دمها.
[ ٣٣٠ ]
وهذا الإسناد لا يرتاب في صحته واتصاله إلا من جهة سماع الشعبي من علي، ولا شك أنه أدركه وأدرك خلائق من الصحابة، فإن مولده - على ما ذكره ابن منجويه - لست سنين خلت من خلافة عمر بن الخطاب، فيكون - عند وفاة علي بن أبي طالب ﵁ عمره عشرين سنة، وأكثر الأقوال في وفاته تدل على هذا، أعني الشعبي، فإنه قيل إنه توفي سنة ثنتين ومئة وعمره ثنتان وثمانون سنة، وقيل فيه أقوال أخرى، ومن جملتها أنه توفي سنة ست أو سبع ومئة وعمره سبع وسبعون سنة، وعلى هذا يكون أدرك من حياة علي عشر سنين، والمشهور الأول، وعلى كل قول فالإدراك محقق، وكذا إمكان السماع، فإنه كوفي وعلي كان بالكوفة، فلا مانع من لقائه والسماع منه، وروايته عن علي معروفة
[ ٣٣١ ]
مشتهرة، ومن جملة روايته عنه حديث شراحة الهمدانية.
[ ٣٣٢ ]
وذكر بعضهم أنه سمع من علي، وهذا تصريح، فإن ثبت ذلك وإلا فالمشهور عند المحدثين الاكتفاء باللقاء والإمكان وحمل الأمر على السماع، فالحديث حينئذ صحيح، وبتقدير أن يكون مرسلًا فإن مرسلات الشعبي من أصح المراسيل، ومع ذلك قد عضده حديث ابن عباس الذي سنذكره في الدليل السادس، فإن القصة إما أن تكون واحدة كما تشعر به رواية أحمد التي ذكرانها، وإما أن يكون المعنى واحدًا.
وعلى تقدير أن لا يكون عاضدًا له فإن أكثر أهل العلم قائلون به، وجاء ما يوافقه عن أصحاب رسول الله ﷺ، وكل واحد من هذه الأمور الثلاثة
[ ٣٣٣ ]
إذا اعتضد به المرسل كان حجة بلا خلاف، فإن الشافعي يقبله معها، وكذلك من وافقه، وغيرهم يقبله/ مطلقًا معها وبدونها، فقبوله معها مما اتفق عليه العلماء.
وهذا الحديث من أقوى الأدلة، ويصعب على الحنفية الجواب عنه، فإن المرأة لا تقتل بالكفر الأصلي بإجماع العلماء، ولا تقتل بالردة
[ ٣٣٤ ]
عندهم، على أن هذه لم تكن مرتدة بل يهودية، وقتلها عندهم - سواء أكان من مسلم أم من غيره - موجب للقصاص، فإبطال رسول الله ﷺ دمها أدل دليل على أن السب أوجب قتلها، وترتيب الراوي الإبطال على الشتم بالفاء دليل على أن الشتم علة للإبطال، وأيضًا حكم النبي ﷺ بالإبطال عقب ذكر الشتم دليل على أن الشتم علة، وكل واحد من هذين الأمرين دليل العلية على ما هو مقرر في أصول الفقه، وذلك مما يبطل قول الخصم إن المرأة كانت حربية، وإن ذلك هو علة الإبطال لا الشتم.
ومما يبين فساد هذا القول أن الإهدار إنما يكون لما انعقد سبب الضمان فيه، ولهذا لما رأى النبي ﷺ امرأة مقتولة في بعض مغازيه نهى عن قتل النساء والصبيان، ولم يقل إنه أهدر دمها، لأنها لم ينعقد فيها
[ ٣٣٥ ]
سبب الضمان، بخلاف هذه، فإنها من أهل العهد، والعهد سبب لكون دمها مضمونًا لولا الشتم.
ومما يبين فساده أيضًا أن هذه اليهودية من يهود المدينة، وقد قدمنا أن يهود المدينة كلهم موادعون وقول الشافعي في ذلك وقول الواقدي: إن النبي ﷺ كتب لهم كتابًا، وكذلك قاله ابن إسحاق أيضًا: إن رسول الله ﷺ يعني في أول قدومه المدينة - كتب كتابًا بين المهاجرين والأنصار وداع فيه يهود وعاهدهم وأقرهم على دينهم وأموالهم، وكان عند آل عمر ابن الخطاب مقرونًا بكتاب الصدقة الذي كتب عمر للعمال، كتب:
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا كتاب من محمد النبي بين المسلمين والمؤمنين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم: أنهم أمة واحدة، يتعاقلون بينهم معاقلهم .. وفيه:
وأن ذمة الله واحدة، يجير عليهم أدناهم.
وفيه: أن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وأن اليهود/ بني عوف ذمة من المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم وأثم، فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته، وأن ليهود بني النجار وبني الحارث وبني ساعدة وبني جشم مثل ما ليهود بني
[ ٣٣٦ ]
عوف، وأن ليهود الأوس مثل ما ليهود بني عوف، وأن ليهود بني ثعلبة ولجفنة - بطن من ثعلبة - ولبني الشطيبة مثل ما ليهود بني عوف، وأن موالي ثعلبة كأنفسهم، وأن بطانة يهود كأنسهم، وأن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم، وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخشى فساده فإن مرده إلى الله وإلى محمد ﷺ، وأن يهود الأوس ومواليهم وأنفسهم على مثل ما في هذه الصحيفة مع البار المحسن .. "، وفيها أشياء أخر.
وذكر أبو عبيد في كتاب "الأموال" هذا الكتاب أيضًا عن يحيى بن بكير وعبد الله بن صالح قالا: ثنا الليث: حدثني عقيل، عن ابن شهاب قال: "بلغني .. "، وقال أبو عبيد: إنه مقدم النبي ﷺ المدينة.
وفسر أبو عبيد قوله: "وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين" قال: فهذه النفقة في الحرب خاصة، شرط عليهم المعاونة له
[ ٣٣٧ ]
على عدوه، ونرى أنه إنما كان يسهم لليهود إذا غزوا مع المسلمين لهذا الشرط الذي شرط عليهم من النفقة، ولولا هذا لم يكن لهم في غنائم المسلمين سهم.
وفي كتاب أبي عبيد أن يهود بني عوف أمة من المؤمنين، وفسره بأنه إنما أراد نصرهم المؤمنين ومعاونتهم إياهم على عدوهم بالنفقة التي شرطها عليهم.
وفي "صحيح مسلم" عن جابر: "كتب رسول الله ﷺ على كل بطن عقوله".
ومعنى قوله: "إن كل من تبع المسلمين من اليهود فإن له النصر". معنى الاتباع هنا: المسالمة وترك المحاربة.
ولم يكن أحد بالمدينة من اليهود إلا وله حلف، إما مع الأوس أو بعض بطون الخزرج، وكان بنو قينقاع - وهم المجاورون بالمدينة، وهم رهط عبد الله بن سلام - حلفاء بني عوف بن الخزرج رهط ابن أبي، وهم البطن الذي بدئ بهم في هذه الصحيفة.
[ ٣٣٨ ]
وكان في المدينة وفيما حولها ثلاثة أصناف من اليهود: بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة، فبنو قينقاع والنضير حلفاء الخزرج، وقريظة حلفاء الأوس.
وأول من نقض العهد بنو قينقاع، وحاربوا فيما بين بدر وأحد، وهم الذين كانوا بالمدينة، والنضير وقريظة كانوا خارجًا من المدينة.
وهذه المرأة يظهر أنها من بني قينقاع، لأن الظاهر أنها كانت في المدينة، وسواء أكانت منهم أم من غيرهم فهي مهادنة ولها عهد كسائر يهود المدينة وما حولها.
فإذا كان سبها يقتضي القتل فالذمية التي تلتزم أحكام الإسلام أولى أو مثلها.
ومما يدل على أنها كانت معصومة قبل السب أن النبي ﷺ/ نشد الناس في أمرها، ولو لم تكن معصومة لما فعل ذلك.
فإن قلت: الساب وإن وجب قتله لا يجوز لآحاد الناس قتله بغير إذن الإمام، وكذا المرتد، فلو كان القتل للسب لأنكر النبي ﷺ عليه لكونه فعل ما لا يجوز، فلما لم ينكر دل على أن القتل لغير ذلك.
[ ٣٣٩ ]
قلت: أما كون القتل لغير السب فلا يمكن، إذ لا محمل له غيره، لما بيناه من كون المرأة لا تقتل بالكفر الأصلي، فتعين أن يكون للسب.
وأما كون آحاد الناس ليس له ذلك إلا بإذن الإمام وأن النبي ﷺ لم ينكر: فلعل ترك الإنكار خشية أن يتوهم عدم استحقاق القتل، وللإمام أن يترك الإنكار بمثل ذلك.
أو يقال: بأن ذلك إنما يحرم خوف الفتنة أو حيث يمكن الرفع إلى الإمام، ولم تكن هذه الواقعة كذلك.
أو يقال: بأن الكافر لا يحتاج في قتله إلى إذن الإمام إذا وجد فيه ما يقتضي قتله بغلظ كفره بالسب، ألا ترى أن الغزو بغير إذن الإمام جائز، فالمرأة السابة بمنزلة الرجل المقاتل.
أو يقال إن كانت هذه القصة هي قصة أم الولد وأنها رقيقة: إن للسيد إقامة الحد على عبده كما هو أحد قولي العلماء.
وبالجملة: فالمجاز إهدار دمها، وأما كون المتعاطي لذلك الإمام أو غيره فليس الكلام فيه.
[ ٣٤٠ ]
فإن قلت: قد يكون قتلها ولا عهد لها، والكافرة إذا قتلت كذلك دمها هدر.
قلت: الإشكال في عدم الإنكار باق؛ مع إبطال ما دل عليه الحديث من وجوه كثيرة على أن القتل للشتم لا لغيره، مع أن القتل في النساء لأجل الكفر قد تغيظ النبي ﷺ عليه لما حصل في بعض مغازيه، واشتد إنكاره له، وهاهنا لم يفعل ذلك، فدل على الفرق بين الواقعتين.
[ ٣٤١ ]
الدليل السادس
ما صدر به أبو داود باب الحكم فيمن سب النبي ﷺ، قال: ثنا عباد ابن موسى الختلي: ثنا إسماعيل بن جعفر المدني، عن إسرائيل، عن عثمان الشحام، عن عكرمة قال: ثنا ابن عباس، أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي ﷺ وتقع فيه، فينهاك فلا تنتهي، ويزجرها فلا تنزجر، فلما كانت ذات ليلة جعلت تقع في النبي ﷺ وتشتمه، فأخذ المغول فوضعه في بطنها وأتكأ عليها فقتلها، فوقع بين رجليها طفل فلطخت ما هناك بالدم. فلما أصبح ذكر/ ذلك لرسول الله ﷺ، فجمع الناس فقال: "أنشد الله رجلًا فعل ما فعل لي عليه حق إلا قام"، قال: فقام الأعمى يتخطى الناس وهو يتزلزل، حتى قعد بين يدي النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أنا صاحبها، كانت تشتمك وتقع فيك فأنهاك فلا تنتهي، وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة، فلما كان البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك، فأخذت المغول فوضعته في بطنها واتكأت عليها حتى قتلتها. فقال النبي ﷺ: "ألا اشهدوا أن دمها هدر". ورواه النسائي أيضًا، وهذا إسناد جيد على شرط الصحيح،
[ ٣٤٢ ]
واستدل به أحمد أيضًا، ورواه عن روح عن عثمان الشحام.
واقتضى كلام الخطابي أنه فهم أن هذه المرأة كانت مسلمة، فتكون واقعة غير التي رواها علي، وهو بعيد، والظاهر أنهما واقعة واحدة، وأنها تلك اليهودية، ويجوز أن تكون أمته، لأنه يجوز وطئ الأمة الكافرة الكتابية بملك اليمين، ويجوز أن تكون زوجته، وكل من الأمة والزوجة تبع للسيد والزوج في العهد، مع ما سبق أن جميع يهود المدينة
[ ٣٤٣ ]
مهادنون، فلم يكن قتلها إلا للسب كما سبق، سواء أكانتا واقعتين أم واقعة واحدة.
فإن قيل: لعل قتلها إنما كان لانتقاض عهدها بالسب، فتصير كما لو قاتلت فتقتل أو يتخير فيها.
قلت: إذا قاتلت تقتل للدفع، وأما التخير فيها فلا يجيء هنا، لا سيما إذا كانت رقيقة، وهو ظاهر لفظ الحديث، لأن الرق حاصل، والمن والفداء كل منهما خير منه، فتعين القتل، ومتى تعين القتل فهو المقصود، سواء أكان حدًا كحد الزنا مع بقاء العهد، أم كان لأجل الانتقاض، ولأنه لو تخير فيها لكانت الخيرة للإمام لا لآحاد الرعية.
والمغول بكسر الميم وسكون الغين المعجمة، قال الخطابي: شبه المشمل، ونصله دقيق ماض. وقال غيره: شبه سيف قصير يشتمل به الرجل تحت ثيابه. وقيل: هو سوط في جوفه سيف دقيق يشده القاتل على وسطه ليغتال به الناس. وقيل: هو حديدة دقيقة لها حد ماض. والمشمل بكسر الميم وسكون الشين المعجمة: سيف قصير يشتمل عليه الرجل، أي يغطيه بثوبه. فأما المِعْوَلُ بالعين المهملة: فالفأس العظيمة التي ينقر بها الصخر.
[ ٣٤٤ ]
وقوله في حديث علي: "خنقها" روي بالنون والفاء، فإن كان بالفاء فالجمع بين الروايتين إن كانت واقعة واحدة ظاهر، وإن كان بالنون فلعله خنقها ثم بعج بطنها بالمغول./
هذا إن كانت واقعة واحدة، ويحتمل أن تكونا واقعتين في يهوديتين أو في يهودية ومسلمة، والاستدلال على كل تقدير حاصل، وإنما أدخلناهما جميعًا في هذا الباب لعدم قيام الدليل على إسلام متقدم لواحدة منهما.
[ ٣٤٥ ]
الدليل السابع: قصة العصماء بنت مروان اليهودية
وهي غير القصتين المتقدمتين، وذلك ما روي عن ابن عباس قال: هجت امرأة من خطمة النبي ﷺ، فقال: "من لي بها؟ "، فقال رجل من قومها: أنا يا رسول الله. فنهض فقتلها، فأخبر النبي ﷺ بذلك، فقال: "لا ينتطح فيها عنزان".
[ ٣٤٦ ]
وذكرها الواقدي في آخر غزوة بدر فيما قيل في أشعار بدر، قال: حدثني عبد الله بن الحارث [عن أبيه] أن عصماء بنت مروان - من بني أمية بن زيد - كانت تحت يزيد بن زيد بن حصن الخطمي، وكانت تؤذي النبي ﷺ، وتعيب الإسلام، وتحرض على النبي، وقالت شعرًا. وقال عمير بن عدي بن خَرَشة بن أمية الخطمي حين بلغه قولها وتحريضها: اللهم إن لك علي نذرًا لئن رد رسول الله ﷺ إلى المدينة لأقتلنها. ورسول الله ﷺ يومئذٍ ببدر.
فلما رجع رسول الله ﷺ من بدر جاءها عمير بن عدي في جوف الليل، حتى دخل عليها في بيتها وحولها نفر من ولدها نيام، منهم من ترضعه في صدرها، فجسها بيده فوجد الصبي ترضعه، فنحاه عنها، ثم وضع سيفه على صدرها حتى أنفذه من ظهرها، ثم خرج حتى صار الصبح مع النبي ﷺ بالمدينة، فلما انصرف النبي ﷺ نظر إلى عمير فقال: «أقتلت بنت مروان؟» قال: نعم بأبي أنت يا رسول الله. وخشي عمير أن يكون افتأت على النبي ﷺ بقلتها فقال: هل علي في ذلك شيء يا رسول الله؟ قال: «لا ينتطح فيها عنزان»؛ فإن أول ما سمعت هذه الكلمة من النبي ﷺ.
[ ٣٤٧ ]
قال عمير: فالتفت النبي ﷺ/ إلى من حوله فقال: "إذا أحببتم أن تنظروا إلى رجل نصر الله ورسوله بالغيب فانظروا إلى عمير بن عدي"، فقال عمر بن الخطاب: انظروا إلى هذا الأعمى الذي يسري في طاعة الله، فقال: "لا تقل الأعمى، ولكنه البصير".
فلما رجع عمير من عند رسول الله ﷺ وجد في بيتها جماعة يدفنونها، فأقبلوا إليه حين رأوه مقبلًا من المدينة، فقالوا: يا عمير أنت قتلتها؟ فقال: نعم، فكيدوني جميعًا ثم لا تنظرون، فوالذي نفسي بيده لو قلتم بأجمعكم ما قالت لضربتكم بسيفي هذا حتى أموت أو أقتلكم. فيومئذٍ ظهر الإسلام في بني خطمة، وكان منهم رجال يستخفون بالإسلام خوفًا من قومهم، وقال حسان شعرًا يمدح عمير بن عدي. وكان قتل عصماء لخمس ليال بقين من رمضان، مرجع النبي ﷺ من بدر.
وقال ابن عبد البر في "الاستيعاب":
[ ٣٤٨ ]
"عمير الخطمي القارئ، من بني خطمة من الأنصار، [روي عنه زيد ابن إسحاق]، كان أعمى، كانت له أخت تشتم النبي ﷺ فقتلها، فقال رسول الله ﷺ: أبعدها الله".
ثم قال: "عمير بن عدي الخطمي، إمام بني خطمة وقارئهم الأعمى، روى عنه ابنه عدي بن عمير، فإن كان الذي روى عنه زيد بن إسحاق فهو الذي قتل أخته لشتمها رسول الله، فقال رسول الله ﷺ: أبعدها الله".
وذكر ابن سعد هذه القصة عن الواقدي مختصرة، وذكرها شيخنا أبو محمد الدمياطي في "قبائل
[ ٣٤٩ ]
الأوس" عن ابن سعد كما ذكرناها، ونسب عميرًا: عمير بن عدي بن خرشة بن أمية بن عامر بن خطمة - وهو عبد الله، ضرب رجلًا على خطمه فسمى خطمة - ابن جشم بن مالك بن الأوس.
ثم قال شيخنا: وقال ابن القداح: العصماء بنت مروان بن الحارث ابن عبيد بن عمرو، من بني يزيد من بلي، حلفاء لبني أمية بن زيد،
[ ٣٥٠ ]
هي أم يزيد بن زيد بن حصن التي قامت عنه، وولدها يقولون: اسمها الكلفاء بنت أوفى من قيس من بني خطمة، وذلك باطل. ولم يشهد عمير ابن عدي بدرًا ولا أحدًا ولا الخندق لضر بصره، ولكنه/ كان قديم الإسلام، صحيح النية فيه، يغضب لله ولرسوله. ونظر النبي ﷺ إلى عمير ابن عدي بن خرشة يتوضأ، وكان أعمى، فجعل النبي ﷺ يقول: "بطن القدم"، ولا يسمعه الأعمى، حتى غسل بطن القدم، فسمي البصير بهذا. وكان عمير بن عدي وخزيمة بن ثابت يكسران أصنام بني خطمة، وكان النبي ﷺ يقول لأصحابه: "اذهبوا بنا نزور البصير في بني خطمة". انتهى كلام شيخنا.
وذكر هذه القصة غير هؤلاء أيضًا، فثبت بهذه القصة وبغيرها أن هؤلاء النسوة إنما قتلن بشتمهن وسبهن.
وعلم بذلك أن السب لا يجوز التقرير عليه سواء أكان الساب معاهدًا أم حربيًا أم ذميًا، وليس كالكفر المجرد، فإن الكفر المجرد قد أباح الله ترك القتل به، بل أوجب الكف عن القتل به في كثير من الأوقات قبل الهجرة - حتى نسخ بآية السيف إما إيجابًا، أو إباحةً ثم إيجابًا - وفي أعصار كثيرة من أعصار الأمم المتقدمة الذين لم يبعث الأنبياء فيها بالقتال.
[ ٣٥١ ]
وأما السب فلا يعلم عصر من الأعصار جاز التقرير عليه - فضلًا عن وجوب التقرير عليه - واحتمال هذا الضيم العظيم، فالقول بأنه لا يجوز قتل الساب من أهل الذمة في غاية الفساد والبعد عن نفس الشريعة وسير النبي ﷺ والصحابة.
وقد يقول قائل: كيف يحتج بهذه القصص التي يذكرها أهل السير - مثل الواقدي وغيره - ولم يرد بها حديث صحيح؟
فاعلم أن المقصود تأكيد الأدلة، وقد ذكرنا الحديث الصحيح أولًا، وبانضمام هذه الأمور إليه يزداد تأكيدًا، بل الأمور التي ينفرد بها أهل السير إذا اشتهرت وعرفت في بعض الأوقات تكون أقوى من الحديث الذي ينفرد به ثقة، والواقدي إمام أهل السير بلا مدافعة، منه تستفاد وإن كان فيه كلام كثير، ربما حمل عليه كونه يجمع الأسانيد الكثيرة ورواياتها في لفظ واحد يقصد به الجمع والاختصار، فكثير الكلام فيه لذلك، وأما علمه فلا منازعة فيه، وإذا/ ذكر قصة وشرحها تقوى بها ورودها من جهة غيره، وتبين الحال فيها، والأحاديث الضعيفة إذا اجتمعت قربت من رتبة الاحتجاج أو وصلت، فكيف إذا كان معها صحيح؟! فكيف إذا اتفقت السير عليها؟!
[ ٣٥٢ ]
الدليل الثامن: قصة قينته ابن خطل وسارة مولاه بني عبد المطلب
ونحوهن ممن أهدى النبي ﷺ ومن يوم فتح مكة ممن لم يكن
السلم قبل ذلك
وقد ذكرنا ذلك في الباب الأول عند ذكر عبد الله بن أبي سرح وابن خطل، ولم يكن قتلهن إلا للسب والأذى، فإن المرأة لا تقتل، فإن النبي ﷺ نهى قبل يوم الفتح بسنين عن قتل النساء والصبيان، لا سيما والقينتان أمتان، والعبد لا يقتل بالكفر، فلم يكن إهدار دمهما لأجل الكفر، إنما كان للسب، فإن كن معاهدات في عهد قريش دل على قتل الساب المعاهد، والذمي بطريق الأولى، وإن لم يكن لهن عهد فبطريق الأولى، لأنه إذا قتل من لا عهد له بالسب فالذي له عهد أو الذمي الملتزم للأحكام أولى.
[ ٣٥٣ ]
وأما ابن خطل فقد ذكرناه في الباب الأول، وكان استعمله النبي ﷺ على الصدقة فقتل رفيقه وارتد ولحق بمكة وصار يقع في النبي ﷺ، فله ثلاث جرائم: الردة، والقتل، والسب.
قال بعضهم: لو كان قتله للردة لاستتيب، ولو كان للقتل لسُلم إلى أولياء المقتول، فإنما كان للسب.
[ ٣٥٤ ]
الدليل التاسع: أن النبي ﷺ يوم الفتح أمن أكثر الكفار وأهدر دم ابن الزبعري ونحوه ممن كان يهجو، حتى لحق ابن الزبعري بكل وجه ثم جاء وأسلم.
ولا فرق بين ابن الزبعري وغيره من الكفار إلا ما كان منه من الشعر والهجو، وإذا كان ذلك وهو حربي فالذمي أولى.
وأبو سفيان ابن الحارث بن عبد المطلب كان منه شيء ثم أسلم وعفا عنه النبي ﷺ.
وروي أن النضر بن الحارث/ عندما استشعر من النبي ﷺ أنه يقتله قال لمصعب بن عمير: كلم صاحبك أن يجعلني كرجل من أصحابي، هو والله قاتلي، لم تفعل، قال مصعب: إنك كنت تقول في كتاب الله كذا وكذا، وتقول في نبيه كذا وكذا.
ولما أراد قتل عقبة بن أبي معيط جعل عقبة يقول: علام أقتل من بين هاهنا؟ قال رسول الله ﷺ: "لعداوتك لله ورسوله"، قال: يا محمد منك أفضل، فاجعلني كرجل من قومي، يا محمد من للصبية؟ قال رسول الله ﷺ: "النار، قدمه يا عاصم فاضرب عنقه"، فقدمه عاصم فضرب عنقه،
[ ٣٥٥ ]
فقال رسول الله ﷺ: "بئس الرجل كنت، والله ما علمت كافرًا بالله وبكتابه وبرسوله، مؤذيًا لنبيه؛ فأحمد الله الذي هو قتلك واقر عيني منك". رواه الواقدي.
ولم يُقتل من الأسرى أحد غير هذين الرجلين: النضر وعقبه، أعني أسرى بدرٍ بعد الانصراف من بدر.
فاختصاص هؤلاء بالقتل دليل على أن الحربي المؤذي للنبي ﷺ إذا أسر لا يمكن عليه بل يقتل إلا أن يسلم، وقد تقدم في الباب الأول قطعة من هذا.
[ ٣٥٦ ]
الدليل العاشر
روى سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي في "مغازيه": ثنا أبي قال: أخبرني عبد الملك ابن جريج، عن رجل أخبره عن عكرمة عن عبد الله بن عباس أن رجلًا من المشركين شتم رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: "من يكفيني عدوي؟ " فقام الزبير بن العوام فقال: أنا. فبارزه؛ فأعطاه رسول الله ﷺ سلبه، ولا أحسبه إلا في خيبر.
وروي أن رجلًا كان سب النبي ﷺ فقال: "من يكفيني عدوي؟ " فقال خالد: أنا. فبعثه النبي ﷺ إليه فقتله.
[ ٣٥٧ ]
وهذان الحديثان يدلان على أن السب موجب للقتل ولإطلاق العداوة، ولكون العداوة موجبة للقتل.
[ ٣٥٨ ]
الدليل الحادي عشر
أن الصحابة كانوا/ إذا سمعوا من يسبه ﷺ قتلوه وإن كان قريبًا، فيقرهم ﷺ على ذلك ولا ينكره؛ بل يرضاه، وربما سمى من فعل ذلك ناصر الله ورسوله، وقد تقدم جملة ذلك.
وروى أبو إسحاق الفزاري عن سفيان الثوري، عن إسماعيل بن سميع، عن مالك بن عمير قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني لقيت أبي في المشركين، فسمعت منه مقالة قبيحة لك، فما صبرت أن
[ ٣٥٩ ]
طعنته بالرمح فقتلته. فما شق ذلك عله. وجاءه آخر فقال: إني لقيت أبي في المشركين فصفحت عنه. فما شق ذلك عليه.
وروى أبو إسحاق الفزاري أيضًا عن الأوزاعي: عن حسان بن عطية قال: بعث رسول الله ﷺ جيشًا فيهم عبد الله بن رواحة وجابر، فلما صافوا المشركين أقبل رجل منهم يسب رسول الله ﷺ، فقام رجل من المسلمين فقال: أنا فلان بن فلان، وأمي فلانة، فسبني وسب أمي وكف
[ ٣٦٠ ]
عن رسول الله ﷺ. فلم يزده ذلك إلا إغراء، فأعاد مثل ذلك، وأعاد الرجل مثل ذلك، فقال في الثالثة: لئن عدت لأرحلنك بسيفي. فعاد فحمل عليه الرجل؛ فولى مدبرًا، فاتبعه الرجل حتى خرق صف المشركين فضربه بسيفه، وأحاط به المشركون فقتلوه، فقال رسول الله ﷺ: "أعجبتم من رجل نصر الله ورسوله". ثم إن الرجل برئ من جراحه فاسلم، فكان يسمى: الرحيل.
وقد ذكروا أن الجن الذين آمنوا به كانوا يقصدون من يسبه من الجن الكفار فيقتلونه قبل الهجرة وقبل الإذن في القتال له وللإنس.
قال سعيد بن يحيى الأموي في "مغازيه": حدثني محمد بن سعيد - يعني عمه - قال: قال محمد بن المنكدر إنه ذكر له عن ابن عباس قال: هتف هاتف من الجن على أبي قبيس فقال:
[ ٣٦١ ]
قبح الله رأيكم آل فهر ما أدق العقول والأحلام
حين تغضي لمن يعيب عليها دين آبائها الحماة الكرام/
في أبيات أخرى، فأصبح هذا الشعر حديثًا لأهل مكة، فقال رسول الله ﷺ: "هذا شيطان يكلم الناس في الأوثان يقال له مسعر، والله مخزيه"، فمكثوا ثلاثة أيام، فإذا هاتف يهتف على الجبل يقول:
نحن قتلنا في ثلاث مسعرا إذا سفه الحق وسن المنكرا
قنعته سيفا حساما مبترا بشتمه نبينا المطهرا
[ ٣٦٢ ]
فقال النبي ﷺ: "هذا عفريت من الجن اسمه سمحج آمن بي وسميته عبد الله، أخبرني أنه في طلبه منذ ثلاثة أيام"، فقال علي: جزاه الله خيرًا يا رسول الله. انتهى.
فقد جرت أوامر النبي ﷺ وسننه وسيره على قتل الساب، وكذلك سنة الله تعالى أنه يهلك من سبه ولا يؤخره، وهكذا عرف واشتهر في حصار القلاع أنه متى وقع منهم السب أخذوا عاجلًا، حتى صار ذلك معروفًا بين المسلمين يعلمون به قرب النصرة إذا تعرض الكفار لذلك.
[ ٣٦٣ ]
الدليل الثاني عشر
العمومات المتقدمة في الباب الأول، مثل حديث: "من سب نبيًا فاقتلوه" والآيات والأحاديث الدالة على قتل من يؤذيه مطلقًا من غير تفصيل بين المسلم والكافر.
[ ٣٦٤ ]
الدليل الثالث عشر
في الذمي الأدلة الدالة على أن لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين، وإن خص ذلك فيبقى فيما عدا التخصيص على مقتضى العموم.
ثم إن قلنا بعدم انتقاض العهد فالقتل واجب كما هو على المسلم، وإن قلنا بانتقاض العهد فهو قد وجب في حالة الالتزام واستحق، فلا يرتفع بالنقض كسائر الحدود، والمختار أنه ينتقض عهده لما سبق، ويقتل للاستحقاق الماضي.
[ ٣٦٥ ]
الدليل الرابع عشر
إجماع العلماء على أن ذلك موجب للعقوبة، إما القتل عند جمهورهم، وإما التعزير عند الحنفية، ولم يقل أحد إن ذلك يجوز التقرير عليه ويسكت لهم عنه، وهذا أمر معلوم من الدين بالضرورة، وهذا يقدح في تمسك الحنفية بأن ما/ هم عليه من الشرك أقبح، فإنه لو كان كذلك لما تعرضنا لهم بسببه كما لا نتعرض لهم بسبب الشرك إذا بذلوا الجزية.
ومما يبين فساد قولهم في ذلك أن الشرك قبيح للجهل بالله تعالى، والسب كفر قبيح للافتراء على الله ورسله والطعن فيهم، فهو أمر زائد على الجهل، فكان أقبح، ولذلك لا يصبر لهم عليه بخلاف الشرك المجرد، وإذا ثبت أنه أقبح من الشرك المجرد فيكون موجبًا للقتل ضرورة.
وأيضًا فإنه كفر وإساءة على أهل الكمال، فلو أوجب التعزيز فقط لساوى سب غيره من الناس، وهذا باطل بالضرورة، فثبت أنه موجب للقتل.
وقد اعترض بأمور:
أحدها: قوله تعالى: (ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرًا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور (١٨٦» [آل عمران: ١٨٦].
[ ٣٦٦ ]
وجوابه - بعد تسليم أن ذلك في أهل الذمة وأن الصبر ينافي القتل ـ: بأنه منسوخ بآية السيف، فقد ورد أن ذلك كان قبل بدر، وكانت سيرة النبي ﷺ قبل بدر الإمساك عن جميع الكفار، وبعد بدر عز الإسلام فصار لا يمسك عمن يؤذيه وغيرهم بقتل من يؤذيه، وربما عفى عن بعضهم إلى أن نزلت "براءة" وفتحت مكة وكمل الدين، فلم يجسر أحد من المنافقين بعد تبوك ينبز بكلمة.
الاعتراض الثاني: أن اليهود كانوا يقولون: السام عليك ولم يقتلهم.
وجوابه: قيل إن ذلك في حال ضعف الإسلام وخشية الفتنة من الانتقام، وقيل لأنهم أخفوه ولم يظهروه، فكان كالأشياء التي تصدر من المنافقين ويطلع النبي ﷺ من غير ظهورها للصاحبة، وذلك لا يقتضي القتل كما سبق، وإن كانت عائشة تفطنت لذلك فأكثر الصحابة لم يتفطنوا له حتى تقوم السنة بذلك، وأيضًا فإن الحق له ﵇ فله أن يتركه.
الاعتراض الثالث: عدم قتل من تعرض لشيء من ذلك من الأعراب يوم حنين وغيره، وقد تقدم شيء منه، وهي وقائع كثيرة وإن كان فيمن ظاهره الإسلام، وإذا جاز ترك المسلم فترك الذمي أولى.
[ ٣٦٧ ]
وجوابه: أما في الكفار فلأن الحق للنبي ﷺ،/ فله أن يعفو وأن يؤخر، وأما في المسلم فلما قدمناه في الباب الأول وجهل من يصدر منه، وكما كان يعفو عن المنافقين الذين يتحقق نفاقهم.
الاعتراض الرابع: أن أهل الذمة أقررناها على دينهم، ومن دينهم استحلال سب النبي ﷺ.
وجوابه: أن من دينهم استحلال قتال المسلمين، ولو فعلوه انتقض العهد قطعًا، ودعوى أنا أقررناهم على دينهم مطلقًا ممنوعة، لأن من دينهم هدم المساجد، وإحراق المصاحف، وقتل العلماء والصالحين، وأخذ أموال المسلمين، وإظهار الطعن في الدين، والمحاربة، ولا خلاف أنهم لا يقرون على شيء من ذلك، ففي دينهم أن الجزية لا تجب عليهم ولا سائر ما نوجبه عليهم؛ وإنما أقررناهم على اعتاقدهم، ولا نعترض عليهم فيما يخفونه منه ولا فيما يظهرونه مما لا ضرر فيه على المسلمين أو مخالفة لشرطهم، فإن الخطيئة إذا خفيت لم تضر إلا صحابها، وإذا أعلنت ضرت العامة.
ودعوى أن من دينهم استحلال سب النبي ﷺ مطلقًا ممنوعة، إنما ذلك قبل العهد، أما بعد العهد فلا، كما أن من ديننا استحلال أذاهم قبل العهد لا بعده، لأن الوفاء بالعهد واجب في جميع الملل، فإن قدر أن من دينهم أن الوفاء بالعهد لا يجب ولا يلزم الوفاء بالشرط فلا يصح عقد الهدنة معهم، لأنه لا يوثق بها، ونحن قد عاهدناهم على أن يكفوا عن أذانا بألسنتهم وأيديهم، وأن لا يظهروا شيئًا من أذى الله ورسوله، وأن
[ ٣٦٨ ]
يخفوا دينهم الذي هو باطل في حكم الله ورسوله، وإذا عاهدوا على هذا كانت مخالفته حرامًا عليهم في كل الأديان، لأن الغدر والخيانة حرام عند كل أحد، ونحن إنما نتعرض لهم إذا سبوا ظاهرًا بأن ثبت ذلك عليهم، فيكونوا قد خالفوا العهد، أما إذا فرض سب في خفية لم يطلع عليه أحد من المسلمين ولا أقر صاحبه به فلا نقول إن العهد ينتقض به، بل إذا استشعره الإمام له نبذ العهد، كالخيانة إذا خيفت، كما تقدم عن الروياني.
وبهذا يظهر لك أنه لا فرق في السب أن يكون مما يعتقده الكافر أو لا، وهو الصحيح من المذاهب، خلافًا لما قاله بعض أصحابنا./
وكذلك إظهار كلمة التثليث، فإنا إنما نقرهم عليها إذا أخفوها، والعهد والشرط اقتضى تحريم إظهارها، فكان إظهارها نقضًا، على خلاف فيه بين العلماء، ومن لا يقول بأنه نقض يفرق بينه وبين السب بأن الساب منتقص بخلاف معتقد التثليث فإنه متدين به، وإن كان الحق أنه سب أيضًا، لما في البخاري عن الله تعالى: "كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، أما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون على الله من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولدًا؛ وأنا الأحد الصمد، الذي لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفوًا أحد". فيفقر بين هذا السب وذاك السب بما ذكرناه.
[ ٣٦٩ ]
وأيضًا فالساب طاعن في الدين، وضرره يسري إلى غيره، فكان كالحرابة، وضرر اعتقاد التثليث ونحوه قاصر عليه.
ومن يفرق بين سب الله وسب الرسول يقول: إن سب الله تعالى لا يدعو إليه طبع أحد من العقلاء، وسب الرسول طبع الكافر يدعو إليه، فناسب أن يرتب عليه زاجرا، على أن الذي فرق إنما فرق في قبول التوبة، وأما إيجاب القتل به فلا فرق بين سب الله وسب الرسول، كل منهما موجب للقتل.
ثم قول الخصم: "إن ما هم عليه من الشرك أقبح" لو سلم إنما يلزم منه أن عقوبته في الأخرة تكون أعظم، أما في الدنيا فنحن نرى الكفار يقرون على الشرك ولا يقرون على الزنا وإن كان الشرك أقبح.
ثم هذه الاعتراضات كلها مخالفة للسنة الصريحة التي بيانها في قتل الساب، وكل قياس في مقابلة النص باطل.
* تنبيهات:
أحدهما: كان المقصود قتل الذمي إذا سب، وقد تبين أن الذمي والمهادن والمستأمن والحربي في ذلك سواء.
الثاني: أن الذي بلغ من اليهود والنصارى في هذه البلاد ولم يعقد له ذمة - كما هو الواقع - فأحد الوجهين من مذهب الشافعي ﵀ أن جزيته جزية أبيه، وأن العقد مع أبيه يجري حكمه عليه ولا يحتاج إلى استئناف عقد، وقال أبو حامد الإسفرايني ﵀:/ يستأنف معه
[ ٣٧٠ ]
عقدها عن مراضاته. ورد عليه ذلك؛ لأنه لم يفعله أحد من الأئمة في عصر من الأعصار، وعلى تقدير صحة قوله فلا شك أنه لا يجوز اغتيالهم، بل يكون حكمهم حكم من دخل دار الإسلام بأمان، وعلى كل تقدير فحكم من سب منهم القتل كما تقرر، والله أعلم.
فائدة: قال ابن حزم في "المحلى":
"من قال من أهل الكفر مما سوى اليهود والنصارى والمجوس: "لا إله إلا الله) أو قال: (محمد رسول الله) كان بذلك مسلمًا، وأما اليهود والنصارى والمجوس فلا يكون مسلمًا بقول: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) حتى يقول: وأنا مسلم، أو: أسلمت، أو: بريء من كل دين حاشى الإسلام".
وذكر أحاديث منها من مسلم عن ثوبان قال: كنت قائمًا عند رسول الله ﷺ فجاء حبر من أحبار اليهود، فقال: السلام عليك يا محمد. فدفعته دفعة كاد يصرع منها، فقال: لم تدفعني؟ فقلت: ألا تقول: يا رسول الله؟! فقال اليهودي: إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله، فقال رسول الله ﷺ: "إن اسمي محمدًا الذي سماني به أهلي"، ثم ذكر الحديث، وفي آخره أن اليهودي قال: لقد صدقت وإنك لنبي، ثم انصرف.
[ ٣٧١ ]
قال: ففي هذا الحديث ضرب ثوبان اليهودي إذ لم يقل: رسول الله، ولم ينكر عليه رسول الله ﷺ، فصح أنه حق واجب، إذ لو كان غير جائز لأنكره ﵇ عليه. وفيه أن اليهودي قال: إنك لنبي، ولم يلزمه النبي ﷺ بذلك ترك دينه.
ومن طريق البخاري عن ابن عمر: قال رسول الله ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس .. " الحديث. قال: وهذا كله قول الشافعي وداود. قال: ولا يقبل من يهودي ولا نصراني ولا مجوسي جزية إلا بأن يقروا بأن محمدًا رسول الله إلينا، وأن لا يطعنوا فيه ولا في شيء من دين الإسلام، لحديث ثوبان، وهو قول مالك في "المستخرجة": من قال من أهل الذمة: إنما أرسل محمد إليكم لا إلينا؛ فلا شيء عليه، قال: فإن قال: لم يكن نبيًا قتل. انتهى.
[ ٣٧٢ ]
وما استدل به من التقرير على أن ضرب اليهودي حق: صحيح، وإذا كان هذا في قوله: يا محمد، فما ظنك بالسب؟!
وما قاله من أنه لا يقر الكتابي بالجزية حتى يعترف بالرسالة إلينا غريب! وكذلك الحكم بعدم الإسلام في غير العيسوي إذا قال: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله).
[ ٣٧٣ ]
الفصل الخامس: في أنه لا تصح توبته مع بقائه على الكفر
لا أعلم في ذلك خلافًا بين القائلين بقلته من المذاهب الثلاثة: المالكية والشافعية والحنبلية إلا ما أشار إليه كلام "الخلاصة"، وليس محققًا، بل غايته - إن ثبت - وجه ضعيف، ومثله في مذهب أحمد وجه مضطرب غير محقق، والمشهور الذي هو كالمقطوع به في المذهب أن توبته مع الكفر لا تفيد.
فإن قلت: أليس له انتقض عهده بالامتناع من الجزية ثم انقاد إليها مع بقائه على الكفر يجاب؟
قلت: الفرق بينهما أن مفسدة الامتناع عن أداء الجزية زال بأدائها والانقياد إليها، ومفسدة السب لا تزول بقوله: "إني تائب" مع كفره، ولا يعجز أحد من الكفار أن يفعل ذلك في كل وقت ويتخذ ذلك ذريعة وملعبة بالمسلمين وإغاظة لقلوبهم، وللطعن في الدين وإغراء غيره من الكفار أن يفعل كفعله، ولا يردهم عن ذلك إلا السيف.
[ ٣٧٤ ]
فإن قلت: قال تعالى: (حتى يعطوا الجزية) [التوبة: ٢٩]، فمتى أعطى الجزية حصلت الغاية.
قلت: إعطاء الجزية غاية للمقاتلة، لقوله تعالى: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله) [التوبة: ٢٩] الآية، ولم يجعل غاية للقتل؛ بل قال تعالى: (اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) [التوبة: ٥]، ولم يقيدها، ونحن وإن قلنا إنها مقيدة فلا شك أن القتل بما يصدر منهم من الجرائم - كالزنا والقتل والمحاربة - لا يرتفع بالجزية، والسب مثله لما تقدم من الأدلة، ولأنه لا بد له من عقوبة زاجرة عنه، ولا يليق بعقوبته غير القتل.
فإن قلت: هل هذا على القول بانتقاض عهده أو مطلقًا؟
قلت: بل مطلقًا، أما إذا لم نقل بانتقاض/ عهده فلأنه حد من الحدود، والحد لا يسقط بالتوبة، ومن قال من الفقهاء إنه يسقط بالتوبة فذاك في حق المسلم، لأنها التوبة الصحيحة، أما الكافر فلا.
وأيضًا فإن السب لا تكون توبته بغير الإسلام، لأنه المضاد له.
[ ٣٧٥ ]
وأما إذا قلنا بانتقاض عهده به - وهو الحق - فيقتل إما حدا على الجريمة السابقة كما يرجم بالزنا السابق، وإما كما يقتل الأسير الذي اقتضت المصلحة قتله، وعلى كلا التقديرين لا تفيد التوبة مع الكفر.
فإن قلت: لم لا يلحق بمأمنه؟
قلت: معاذ الله! فإن الإلحاق بالمأمن - وإن قال به بعض الفقهاء على ضعفه - إنما يحتمل فيما إذا كان انتقاض العهد بشيء لا ضرر على المسلمين فيه يوجب قتله، فإنه حينئذٍ يصير كغيره من الكفار الحربيين لا يضر إلا نفسه، ولا جريمة له غير الكفر، والكفر الأصلي لا يوجب القتل ولكن يجوزه، ويوجب المقاتلة للدخول في الإسلام لمصلحة من يقاتله.
وأما الانتقاض بما فيه ضرر عام كالسب والزنا بمسلمة ونحوه من المفاسد العامة التي توغر صدور المؤمنين وتغري السفهاء والملحدين وتحصل الشبه في القلوب الضعيفة: فالقتل به من باب الزواجر المشروعة في الحدود، لئلا يسري ضررها ويتشبه غيره به، فلا جزاء له إلا القتل، سواء أكان في مأمنه أم في غير مأمنه، فكيف نمكنه من الرجوع إلى مأمنه مع ذلك وقد تعين علينا قتله وفارقت حالته حالة المحارب الذي لا ضرر علينا منه إلا بامتناعه بشوكته؟! فإذا حصل في أيدينا ضرره؟! وهذا الكلب حصل ضرره علينا وهو في أيدينا.
واستقراء أحوال النبي ﷺ في سيره يدل على أنه كان لا يعفو عن الكفار الذين يحصل منهم ضرر عام من سب أو غيره، كقتله النضر بن الحارث، وأبا عزة في المرة الثانية، وغيرهما.
[ ٣٧٦ ]
وإنما كان يمن على من لا ذنب له غير الكفر الذي جزاؤه النار يوم القيامة، فإن الدنيا لم تجعل جزاء على الذنوب، وإنما شرع فيها زواجر عن الذنوب التي تحصل بها مفاسد عامة أو/ استجلاب إلى مصالح، وأخرت عقوبة الكفر إلى الدار الآخرة.
فإن قلت: قد أطلق أصحابنا الخلاف في إبلاغ الذمي - إذا انتقض عهده - المأمن ولم يقيدوه بما قتل!
قلت: نعم، والفقيه يقيد ما يطلقه الأصحاب بحسب ما يقوم الدليل عليه، وغاية الأمر إذا سلم أن يكون فيه قول ضعيف بتبليغه المأمن، والصحيح خلافه، ولنذكر هنا ما قاله الفقهاء فيمن انتقض عهده، وهو على قسمين:
أحدهما: أن يكون في قبضة الإمام ولم ينتصب لقتال ولا شوكة له، فمثل هذا لا ينتقض عهده عند أبي حنيفة، ومذاهب الأئمة الثلاثة أنه ينتقض إذا فعل شيئًا مما قدمنا أنه ناقض، فعلى هذا قال أصحابنا: هل
[ ٣٧٧ ]
نبلغه المأمن؟ فيه قولان:
أحدهما: نعم، لأنه دخل دار الإسلام بأمان فيبلغ المأمن، كمن دخل بأمان صبي.
وأصحهما: المنع: بل يتخير الإمام فيمن انتقض عهده بين القتل والاسترقاق والمن والفداء، كالأسير الحربي، وهذا هو المشهور عن أحمد أيضًا، وعنه رواية أخرى أنه يقتل، واستدل بأن عمر صلب رجلًا من اليهود فجر بمسلمة. قيل لأحمد: ترى أن عليه الصلب مع القتل؟ قال: إن ذهب رجل إلى حديث عمر. كأنه لم يعب عليه.
وقال مهنا: سألت أحمد عن يهودي أو نصراني فجر بمسلمة؟
[ ٣٧٨ ]
قال: يقتل. فأعدت عليه، قال: يقتل. قلت: الناس يقولون غير هذا. قال: كيف يقولون؟ قلت: يقولون عليه الحد. قال: لا، ولكن يقتل. فقلتك له: في هذا شيء؟ قال: نعم، عن عمر أنه أمر بقتله. والمشهور عن أحمد وغيره ما قدمناه من التخيير.
وأما الرد إلى المأمن فضعيف:
- لقوله تعالى: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) [التوبة: ٥]، وذلك يعم المأمن وغير المأمن، وقوله: (وإن نكثوا أيمانهم ..) [التوبة: ١٢]، وغير ذلك من الآيات.
- ولقول النبي ﷺ صبيحة قتل كعب بن الأشرف: "من وجدتموه من رجال يهود فاقتلوه".
- ولأنه أجلى بني النضير على أن لا ينقلوا إلا ما حملته الإبل إلا الحلقة، وإبلاغ المأمن أن يؤمن على نفسه وأهله وماله حتى يبلغ مأمنه.
- ولأن عمر/ وأبا عبيدة ومعاذًا وعوف بن مالك قتلوا النصراني الذي أراد أن يفجر بمسلمة وصلبوه ولم يردوه إلى مأمنه، ولم ينكره منكر.
[ ٣٧٩ ]
- ولقول ابن عمر في الراهب: "لو سمعته لقتلته".
- ولأن مقتضى شروط عمر حل دمهم إذا نقضوا، وعن أبي بكر وابن عباس وخالد أنهم قتلوا ناقض العهد ولم يبلغوه مأمنه.
القسم الثاني: أن ينتصب ناقض العهد للقتال، قال أصحابنا: فلا بد من دفعهم والسعي في استئصالهم، وهذه العبارة توهم أنهم في دار الإسلام إنما يقاتلون للدفع حتى لو أسروا لا يقتلون بل يبلغون المأمن على أحد القولين، وهذا يخالف ما فعله النبي ﷺ في بني قريظة، فإنه قتلهم بعد الأسر، فإما أن يجعل هذا دليلًا على ضعف القول بإلحاقهم بالمأمن من أصله، وإما أن يكون هذا القول لا جريان له في هذا القسم.
وحيث صاروا حربًا إما في دار الإسلام وإما بالتحاقهم بدار الحرب؛ فإذا أسروا فيتخير الإمام فيهم كما يتخير في غيرهم من الأسرار بين القتل والمن والمفاداة والاسترقاق، هذا مذهب جمهور العلماء، وإذا بذلوا الجزية جاز قبولها منهم ويردون إلى الذمة، لأن أصحاب رسول الله ﷺ عقدوا الذمة لأهل الكتاب من أهل الشام مرة ثانية وثالثة بعد أن نقضوا
[ ٣٨٠ ]
العهد، لكن هل نقول إن ذلك واجب كما يجب ابتداء إذا بذلوا الجزية - على الأصح - أو جائز غير واجب لما حصل من غدرهم؟
فيه نظر، قد يتمسك للثاني بإجلاء النبي ﷺ بني النضير وبقتل بني قريظة ولم تؤخذ منهم جزية، وجوابه: أنهم لم يعطوها ولا يجب علينا إرشادهم إليها، والمشهور عند المالكية أن من نقض العهد ولحق بدار الحرب ثم أسر كان فيئًا يسترق ولا يرد إلى الذمة، وعن أحمد رواية أن من نقض عهده وقدر عليه بعد أن لحق بدار الحرب يرد إلى الجزية ولا يسترق، وعلى هذه الرواية يجب ردهم إلى الذمة، وهو بعيد، لأن النبي ﷺ قتل أسرى بني قريظة وأسرى خيبر ولم يدعهم إلى إعطاء الجزية،/ والظاهر أنه لو دعاهم إليها لأجابوه، فدل على التخيير.
ومما يدل على جواز المن على الناكث أن النبي ﷺ وهب الزبير بن باطا القرظي لثابت بن قيس بن شماس هو وأهله وماله على أن يسكن
[ ٣٨١ ]
الحجاز، وكان من أسرى بني قريظة الناكثين، وذلك قبل أن يحرم إسكانهم في الحجاز ويجب إخراجهم، وقد خرجنا عن المقصود في هذا المحل لتعلقه به.
والمقصود أنه ما دام على الكفر لا تقبل توبته، وحكم القتل بالسب جار عليه، ولا يجوز المن عليه، لأن النبي ﷺ لم يمن على من هذا حاله من الأسراء، ولو فعل ذلك كان لحقه، ونحن لا يجوز لنا ترك حقه هذا ما دام على الكفر، ولا حاجة للإطالة في ذلك، فإنه مما لم يقل به أحد إلا إن كان وجهًا ضعيفًا جدًا لا يجوز الأخذ به ولا التعويل عليه.
[ ٣٨٢ ]
الفصل السادس: فيما إذا أسلم
وفي كل من المذاهب الثلاثة خلاف، أما المالكية: فعن مالك روايتان مشهورتان في سقوط القتل عنه بالإسلام وإن قالوا في المسلم لا يسقط القتل عنه بالإسلام بعد السب.
وأما الحنابلة فكذلك عندهم في الساب ثلاث روايات، إحداها: يقتل مطلقًا، والثانية: لا يقتل مطلقًا، والثالثة: أن توبة الذمي بالإسلام مقبولة، وتوبة المسلم إذا سب ثم أسلم غير مقبولة، والمشهور عندهم عدم القبول مطلقًا.
[ ٣٨٣ ]
وأما الشافعية: فالمشهور عندهم القبول مطلقًا على ما حررته فيما تقدم من النقل.
ومن كلام المالكية والحنابلة يتبين لك أن سقوط القتل عن الذمي إذا أسلم أولى من الساب المسلم إذا أسلم، وسبب ذلك ما قدمناه من أن للقتل في المسلم مأخذين، أحدهما: الزندقة، والثاني: كونه حق آدمي، والمأخذ الأول إنما يصح في الذي يخفي الكفر ويظهر الإسلام، وصدور السب من المسلم يدل على ذلك بخلاف الكافر، فإنه متظاهر به، فلم يبق إلا كونه حق آدمي وكونه طعنًا في الدين، فلذلك كان القائلون/ بالسقوط عن الكافر بإسلامه أكثر من القائلين بالسقوط في المسلم.
وقد يعكس ويستند إلى أن المسلم قد يصدر ذلك منه على سبيل الغلط وسبق اللسان، بخلاف الكافر، فظاهر حاله يدل على أنه يصدر من عن اعتقاد وقصد.
ولكن الفقهاء نظروا إلى اللفظ في الموضعين، ولعمري إنه متى ظهر ذلك في الموضعين ودلت القرائن على أنه قال ذلك - مسلمًا كان أو كافرًا - عن حنق، وحرج، وبادرة حمله عليها نزغة شيطان: فيقوى هنا سقوط القتل بالإسلام في الموضعين، ولا سيما إذا دلت القرائن على أنه إسلام صحيح لم يقصد به التقية.
[ ٣٨٤ ]
وإن دلت القرائن على أنه قال ذلك عن عقدٍ، وبصيرة، وسوء طوية، وروية: فيقوى هنا عدم قبول توبته بالإسلام وأنه يقتل، لا سيما إذا دلت القرائن مع ذلك على أنه قصد التقية بالإسلام ورفع السيف عنه، ولكنا لا نقدر على الحكم بالقتل عليه، أما أولا: فلأنه خلاف المشهور عن الشافعي، وأما ثانيًا: فلما قدمناه في توبة المسلم، فكل ما دل على سقوط القتل هناك أو على التوقف فيه فهو دال على ذلك هنا، وقد أتقنا ذلك في المسألة الأولى من الفصل الأول.
ومما ينبه عليه هنا أن سب الله تعالى في سقوط القتل به بالإسلام خلاف يلتفت على المأخذين، إن عللنا بالزندقة فلا يسقط، وإن عللنا بحق الآدمي سقط.
ويتحرر في التعليل في حق النبي ﷺ أمور:
أحدها: دلالة السب على زندقة الساب،
والثاني: الطعن في الدين،
والثالث: كونه حق آدمي،
والرابع: كون طباع الكفار تدعو إليه، فيشرع له زاجر وهو القتل، كالزنا، ولا يسقط بالإسلام./
والمعنى الأول: يختص بالمسلم، والرابع يختص بالكافر في حق النبي ﷺ دون حق الله تعالى، والثاني موجود فيهما في الموضعين، والثالث موجود فيهما في حق النبي ﷺ دون حق الله تعالى.
وإذا فهمت هذا نزلت الخلاف في السقوط في سب الله تعالى إذا أسلم: على ذلك.
[ ٣٨٥ ]
من علل بالطعن في الدين قال: لا يسقط، ومن علل بحق الآدمي قال: يسقط، ومن علل بالزندقة قال: يسقط في الكافر دون المسلم، ومن علل بأن طبع الكافر يدعو إليه قال: يسقط، لأن سب الله لا يدعو إليه طبع أحد.
هذا كله عند من يرى بالقتل بعد الإسلام، وأما نحن فلم نجسر على قتل مسلم بدون الثلاثة المذكورة في الحديث، ونصبر عليه إلى أن يلقى الله تعالى العالم بسريرته فيفعل به ما شاء.
هذا فيمن حسنت حالة ودلت قرائن الأحوال على صدق سريرته وأن الذي صدر منه كان فلتة، وأما من دلت قرائن حاله على خلاف ذلك من سوء عقيدة وتقاة بكلمة الشهادة فلا أتكلم فيه بشيء إن شاء الله، وأرى أن أتوقف فيه، فإن تقلده حاكم كان حسابه عليه أو أجره له، وأنا أرضى بالسلامة ولا ألقى الله تعالى بدم مسلم ولا بإسقاط حق لله ولرسوله، إلا أن يتبين لي علم بعد ذلك يقتضي الجزم بقتله أو بعدم قتله، فإني كل وقت أترقب زيادة علم، وإنما كان مقصودي بهذا التصنيف قتله ما لم يسلم كافرًا كان أو مسلمًا وإبطال القول بإبقائه إذا كان كافرًا.
ومما ينبه عليه أيضًا أن القتل بالسب - وإن قلنا هو حد لله تعالى - ينبغي أن يجري في سقوطه بالإسلام ما جرى في حد الزنا، وقد حكي عن
[ ٣٨٦ ]
الشافعي أنه قال إذ كان بالعراق: إن الذمي إذا زنا ثم أسلم سقط الحد عنه، وقال أبو ثور: لا يسقط، فينبغي أن يجيء في سقوط القتل بالسب عن الذمي إذا أسلم هذا الخلاف وإن قلنا إنه حد الله تعالى، فإن قلنا هو حق آدمي فالقتل أظهر، أما إذا قلنا يقتل كفرًا فيظهر السقوط بالإسلام.
وقد وقفت على تصنيف لأبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية سماه "الصارم المسلول على شاتم الرسول"، استدل على تعين قتله بسبع وعشرين طريقة أطال فيها وأجاد ووسع القول في الاستدلال والآثار وطرق النظر والاستنباط، ومجموع الكتاب مجلد، ولكني لم ينشرح صدري لموافقته على القول بالقتل بعد الإسلام، ولكنه من محال الاجتهاد،/ فإن انشرحت له نفس عالم فلا حرج عليه، ومبنى الاجتهاد والتقليد على انشراح الصدر.
[ ٣٨٧ ]
ولقد استحسنت فتيا من الشيخ أبي الفتح محمد بن علي بن وهب القشيري المعروف بابن دقيق العيد رأيتها بخطه، سئل عن تقليد المذاهب هل يجوز وما ضابطه؟ فكتب:
"الضابط عندي شيئان:
أحدهما: أن لا يكون في المسألة التي يريد أن يقلد فيها حديث صحيح يقتضي خلاف مذهب من يقلده.
والثاني: أن ينشرح صدره لذلك ولا يعتقد أنه متساهل في دينه، وإنما اعتبرت هذا لقوله ﷺ: "الإثم ما حاك في نفسك"، فإذالم يكن في المسألة نص وكان الشخص - كما ذكرنا - منشرح الصدر جاز التقليد لمن شاء، والله أعلم". نقلته من خطه.
وقوله: "أن لا يكون في المسألة نص" يريد به: أو نحوه.
وتحريره: أن لا يكون في المسألة ما ينقض به قضاء القاضي من نص أو إجماع أو قياس جلي، وقد نبه أبو محمد ابن عبد السلام على أن كل ما ينقض قضاء القاضي فيه لا يجوز التقليد فيه، وكذلك غيره، فإنا إذا كنا ننقضه بعد الحكم فقبل الحكم أولى.
[ ٣٨٨ ]
وانشراح الصدر لا بد منه ليكون معتقدًا فيعمل بما يعتقده، أما من أقدم على فعل وهو يعلم اختلاف العلماء فيه ولم يعتقد جوازه لا اجتهادًا ولا تقليدًا بل مجرد علمه أن بعض الناس قال بتحريمه وبعضهم قال بتحليله: فالذي أراه أنه آثم، لكونه أقدم مع الشك في حكم الله تعالى، وإن كان قد وقع في كلام الغزالي وغيره ما يقتضي عدم الإثم في ذلك وأنه يصير كالمخير، وإنما يتجه جعله كالمخير - على قول - إذا انسد عليه باب الترجيح لا بالاجتهاد ولا بالتقليد، فحينئذ قال بعض العلماء بتخييره، أما قبل ذلك وهو يمكنه أن يسأل ليظهر له الراجح فلا، وإذا سأل ودل على الراجح ولكن لم يترجح في نفسه فهذا هو الذي قصدته أولًا وحكيت كلام ابن دقيق العيد فيه.
والذي يتجه فيه أنه لا يقدم عليه أيضًا حتى يترجح في نفسه وينشرح صدره له، للحديث الذي ذكره: "الإثم ما حاك في نفسك .. "./
[ ٣٨٩ ]
تذييل ملحق
في شوال المبارك سنة إحدى وخمسين وسبعمئة حين وقع نصراني حصل منه قذف بشع فظيع، وحيل بني المسلمين وبينه فلم يقتلوه، ثم بعد ثلاث عشرة سنة وقع وأخذوه فتلفظ بالشهادتين المعظمتين، فلم ينشرح صدري للحكم بحقن دمه ورأيت قتله، لأن هذه الواقعة ما أظن وقع مثلها، ولا شك أن درجات الشتم والسب والقذف متفاوتة، ودرجات من يصدر منه ذلك في: السهو وسبق اللسان، والغلط الناشئ عن حدة في بعض الأوقات من متحفظ في غالبها، والتعمد الناشئ عن خبث باطن، والجرأة والقحة، وقصد الأذى: متفاوتة، وليس من اللازم إذا حصل اختلاف من العلماء في أدنى الدرجات أو أوسطها أن يحصل في أعلاها، فإذا حصل مثل هذا القذف البشع ممن عرفت جرأته واستهزاؤه يبعد القول بقبول توبته وأنها تسقط ما وجب، لا سيما وحد القذف لا يسقط إلا بالإسقاط، ومن يسقط هذا الحد الناشئ عن لفظ لا يحتمل المسلمون سماعه ولا التفوه بحكايته؟! والحد في مثل هذا إنما هو بالقتل لا بجلد ثمانين.
[ ٣٩٠ ]
فرأيت أن آخذ في هذا بما حكاه الفارسي من الإجماع ووافقه القفال واستحسنه إمام الحرمين - وناهيك بهم - غيره للنبي ﷺ وصيانة لمنصبه العلي:
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى يراق على جوانبه الدم
وإن كان كرم الله ورحمة رسول الله ورأفته تقتضي قبول إسلام هذا الكلب فينفعه في الآخرة، ونحمي حوزة الشرف الرفيع عن بقاء لسان تفوه في حقه بذلك، وقلب خطر ذلك عليه. فقوي عندي أني أحكم بقتله تقربا إلى الله وإلى رسوله، وخفت من جاهل أو ذي ضغن يعترض علي ويقول: المشهور من مذهب الشافعي خلافه، والأستاذ أبو إسحاق يقول بسقوط القتل وغيره، والصيدلاني يقول بسقوط القتل ولكن يجب جلد ثمانين، وعلمي محيط بذلك، ولكني أقول:
إن الأستاذ والصيدلاني قد يكونان لم يطلعا على الإجماع الذي نقله الفارسي، لا سيما والفارسي متقدم، فإن وفاته في سنة خمس وثلاثمئة، ووفاة الأستاذ سنة ثماني عشرة وأربعمئة، والصيدلاني إما في وقت الأستاذ وإما بعده، فنقل الإجماع من الفارسي قبلهما بأكثر من مئة سنة، فلا يسمع خلافهما حتى يبينا خلافًا متقدمًا.
ولو فرضنا أنه لا إجماع وأنها من محال النظر فالنظر يقتضي القتل، لأن حد القذف لا يسقط بالإسلام والتوبة، ولا يسقط إلا بإبراء صاحبه أو وراثه، وإبراء صاحبه هنا متعذر.
[ ٣٩١ ]
ونحن أيها المسلمون وإن قمنا مقام علمائه فلا نرى إسقاط حق نبينا من ذلك، والإرث متعذر لأن الأنبياء إنما ورثوا العلم، ولو فرضنا أن هذا الحق يورث عنهم فبنو عمه منتشرون غير منحصرين، ولا يعرف الأقرب منهم الذي يصح الإبراء منه.
وحد القذف في هذا إنما هو القتل، بدليل الإجماع على أنه الواجب قبل الإسلام، وإعلاء لقدر النبي ﷺ أن يكون التجري عليه كالتجري على غيره.
وهذا الذي رأيته في هذه الواقعة الخاصة لا أطرده في كل صورة، لما أشرت إليه هنا من تفاوت الدرجات.
وقد أشرت في أثناء الفصل المتقدم إلى هذا التفصيل، وذكرت ما يدل على عدم اعتماده هناك، ولكني هنا أبديت ما يدل على اعتماده، وهو الأولى، ولا شك أن النوع الواحد قد تختلف أحكام أفراده باختلاف مراتبها، فالفقيه الحاذق يعطي كل فرد حقه من النظر إذا لم يكن ضابط من الشارع يسوي بين أفراد ذلك النوع./
وقد حصل النظر مرات في أنه إذا كان في مسالة قولان في المذهب وأحدهما هو المشهور الراجح هل للحاكم الذي ليس من أهل الاجتهاد أن يحكم بخلافه؟ أو للحاكم الذي من أهل الاجتهاد أن يحكم بخلافه إذا ظهر له مصلحة في الحكم به وإن لم يترجح دليله عنده؟
والذي أراه في الحالة الأولى أنه لا يجوز، وعندي في الحالة الثانية توقف.
[ ٣٩٢ ]
وقد روي أن ابن عبد الرحمن بن القاسم حنث في غير اللجاج فأتاه أبوه بكفارة يمين وقال: أفتيتك بقول الليث، وإن عدت أفتيتك بقول مالك!.
وهذا فيه عندي توقف، وهو في الفتيا أسهل منه في الحكم، وعلى كل حال ليس هو مثل مسألتنا، لأنه هو في أمر واحد لا يتصور اختلاف الحكم فيه، وإنما هو اعتماد المصلحة في آحاد الوقائع مع استواء حكم الشرع في جميعها، أما مسألتنا هذه فأنا أمنع استواء الحكم، وأقول: إنه يختلف باختلاف مراتب تلك الآحاد لاختلافها، فجاز أن يكون لكل منها حكم يخصه، ففي بعضها يقوي القتل، وفي بعضها لا يقوي، وفي بعضها يحتمل إجراء الخلاف، وفي بعضها لا يحتمل.
وأما كون المشهور في مذهب الشافعي عدم القتل فهو بحسب ما اشتهر عند المتأخرين، ولم أر من كلام الشافعي تصريحًا بذلك، ونصه على قتل الذمي الساب مطلق لم يستبن فيه إذا أسلم، بخلاف نص مالك وأحمد، فإنهما قالا: إلا إذا أسلم.
[ ٣٩٣ ]
ولكني الذي أقوله في المسلم ما قدمته من التفصيل، وأرى للقاضي جواز اجتهاده في آحاد الصور.
هذا رأيي الآن وإن كان فيه مخالفة لما قدمته في أثناء الفصل المتقدم، ولكن على الحاكم التيقظ لتقوى الله تعالى لئلا يداخله هوى أو حظ نفس، فيحترز في شيئين:
أحدهما: المدارك الفقهية والاجتهاد فيما يقتضيه حكم الشرع في تلك الواقعة بخصوصها.
والثاني: تفقد خواطره ونفسه ودسائسها، وتجريد الخواطر الربانية عن الخواطر النفسانية، ويسال الله العصمة والتوفيق.
فلما رأيت ذلك في هذه الواقعة وخفت - كما قلت - من جاهل أو ذي ضغن: فوضت الأمر إلى حنبلي فيما بيني وبين الله، وهو عند الناس مستقل، فحكم بإراقة دمه، ونفذه المالكي، ثم
[ ٣٩٤ ]
الحنفي نفذ حكم المالكي، ثم نفذت أنا تنفيذ الحنفي، ثم قتل الشخص المذكور في يوم الإثنين خامس شوال سنة إحدى وخمسين وسبعمئة.
وسألني سائل: أيما أعظم: هذا أو الشرك بالله؟ قلت: الشرك بالله عظيم، ولكن المشرك يتدين به ويعتقده دينًا، وأما هذا ففيه من الجرأة والقحة على الله ورسوله وأذاه ما ليس في الشرك، فلذلك يجب الإسلام الشرك ولا يجب هذا.
[ ٣٩٥ ]
خاتمة
لما حضرنا عند قتل هذا الشخص ورأيت اجتماع الناس حوله وما هو فيه: خفت أن يكون ذلك سببًا لارتداده عن الإسلام، فحصل عندي من ذلك شيء، ثم ارتأيت واستقر رأيي بعد أيام على أني لا ألقى الله بدم مسلم أبدًا، وأن كل من أسلم عصم دمه ويقبل ذلك منه في الظاهر، وأمره في الباطن إلى الله، وذلك لأن النبي ﷺ بالمؤمنين رؤوف رحيم، فإذا ثبت الإيمان لشخص ولو تقدم منه ما عسى أن يتقدم فالنبي ﷺ به رؤوف رحيم بالنص القاطع، ومن رأفته به ورحمته محافظتنا على بقاء إيمانه، وعدم تعريضه للفتن.
ولا شك أن هذا الشخص وأمثاله حديث عهد بالإسلام، فإذا رأى نفسه وقد أسلم إسلامًا صحيحًا قد أحيط به ولم ينجه ذلك: ربما - والعياذ بالله - جمع في نفسه بغضًا لهذا الدين أو لأهله فيكفر! ولأن يهدي الله بنا رجلًا واحدًا خير لنا من حمر النعم، ونحن نتحقق من النبي ﷺ رغبته في الهداية لجميع الخلق، وأنه لم يكن يجزي بالسيئة السيئة، بل يعفو ويصفح.
[ ٣٩٦ ]
ولا سبيل إلى أن نقول: إن إسلام هذا ما صح، فإذا صح وجب دخوله في الرأفة والرحمة، وإن احتمل عدم صحة إسلامه: فإذا دار الأمر بين شفقتنا عليه حتى يهتدي وبين تعريضنا له للكفر وأيها أولى لا شك أن الهداية أولى، فلذلك استقر رأيي وفهمت من نفس الشريعة عدم قتله.
قال لي قائل: يكون شهيدًا؟ قلت: لو وثقنا بطمأنينة قلبه كان جيدًا، ولكن من هو الذي يصبر في ذلك؟! ومن هو الذي ما يسول له الشيطان ويزلزله ويحمله على إساءة الظن فيكفر؟! وأين القوي؟ فالشفقة على خلق الله والرأفة بهم والرحمة تقتضي إبقاء هذا وحمله على الاهتداء وعدم قتله، والله أعلم.
كتبته يوم التاسع والعشرين من شوال سنة إحدى وخمسين وسبعمئة./
[ ٣٩٧ ]
الفصل السابع: في أنه هل يستتاب بالإسلام ويدعى إليه
أو يهجم على قتله ابتداء؟
إن قلنا لا يسقط القتل عنه بالإسلام فلا يستتاب، وإن قلنا يسقط فقد ذهب بعض العلماء أيضًا إلى أنه لا يستتاب، ويكون كالأسير الحربي يقتل قبل الاستتابة، فإن أسلم سقط عنه القتل، وهذا وجه في مذهب أحمد على الرواية بسقوط القتل بالإسلام، وقريب منه في مذهب مالك.
وأما أصحابنا فلم يصرحوا بذلك، وقد تقدم عنهم في المسلم أنه يُستتاب، وبحثنا فيه، وأما هنا فترك الاستتابة أقوى، لأن المسلم يظهر منه أنه لا يقدم على ذلك إلا عن شُبْهةٍ أو حَرَج، والكافرُ بخلافه، فالوجه القطع فيه بأنَّ الاستتابة لا تجب، أما استحبابها فلا يبعُدُ القولُ به.
[ ٣٩٨ ]
الفصل الثامن: في أنه هل يصح حكم الحاكم بسقوط القتل عنه مع بقائه على الكفر؟
والجواب: إن كان الحاكم شافعيًا أو مالكيًا أو حنبليًا لم يصح حكمه بذلك، لأنه خلاف مذهبه، وفي هذا الزمان الحكام مقلدون، والسلطان يوليهم على مذاهب معروفة، فكأنه بلسان الحال يقول للشافعي: أذنت لك أن تحكم بمذهب الشافعي، وللمالكي: احكم بمذهب مالك، وللحنفي: احكم بمذهب أبي حنيفة، وللحنبلي: احكم بمذهب أحمد، فلا يجوز لأحدٍ منهم أن يتجاوز مذهبه في الحكم.
ولو فرضنا أن واحدًا منهم ظهر له في مسألة بالدليل خلاف مذهبه، أو قلد غير إمامه فيها: لا يجوز له أن يحكم في تلك المسألة بما اعتقده من اجتهاد أو تقليد، لأنه غير مأذون له فيه، ولا بمذهبه لأنه لا يعتقده وإن كان مأذونًا له فيه.
فطريقه أن يراجع السلطان إن شاء حتى يأذن له أن يحكم بما يعتقده.
وفيه أيضًا خلاف في أن الشافعي هل له أن يولي غير شافعي؟ والتقيد بهذه المذاهب في هذا الزمان بحسب تولية السلطان لا بد منه،/ إلا أن يولي السلطان رجلًا مجتهدًا ويعلم منه ذلك، فيكون إذنًا له أن يحكم بما يراه، وبدون ذلك لا يجوز أن يخرج عن مذهبه.
[ ٣٩٩ ]
فإن كان مقلدًا - كما هو الغالب في قضاة الزمان - فليس له أن يخرج عن مشهور مذهبه الذي عليه الفتوى في ذلك المذهب.
وإن كان مجتهدًا في المذهب فيجوز له أن يخالف ذلك إذا رأى غيره أولى بمذهب الشافعي واقتضت عنده قواعد الشافعي ترجيحه، وكان قاصدًا للحق والدليل لا للهوى، ويكون ذلك غير خارج عن مذهب الشافعي، ولا يفترق الحال عنده بين ذي الجاه وغيره، والسلطان والرعية، فإن حكم الله واحد في الجميع.
فأي حاكم حكم من حكام الزمان من غير الحنفية ببقاء هذا الكافر نقض حكمه وأبطل وحكم بخلافه.
[ ٤٠٠ ]
ثم إن كان إقدام الحاكم على ذلك لجهل منه بأن اعتقد أنه مذهب إمامه فتبين له ذلك فيستغفر الله تعالى من تقصيره في السؤال ممن هو أعلم منه، وهو باقٍ على ولايته.
وإن كان إقدامه على ذلك مع علمه بأن مذهب إمامه خلافه وقلد فيه أبا حنيفة لاعتقاده قوة مذهبه فكذلك يبين له أنه لم يكن يجوز له أن يحكم بغير مذهب إمامه وإن اعتقده، ويستغفر الله تعالى من الحكم بذلك، وهو باق على ولايته.
وإن كان إقدامه على ذلك عالمًا بمخالفته لمذهب إمامه أو للمشهور منه، والحامل له على ذلك محاباة ذي جاه أو طمع في شيء من الأمور الدنيوية فقد خان الله تعالى ورسوله والمؤمنين، وانعزل من جميع ما بيده من المناصب الدينية، القضاء وغيره، وفسق ولم تحل ولايته بعد ذلك حتى يتوب إلى الله تعالى وينصلح حاله.
ويخشى عليه في دينه إن كان الحامل له على ذلك التهاون بهذا الحق العظيم، لكنا لا نظن بمسلم الوقوع في ذلك.
وأما إن كان الحاكم الذي حكم بسقوط القتل عنه حنيفًا وقد حكم بذلك مقلدًا لأبي حنيفة ﵁/ فيحتمل أن يقال بنقض حكمه بذلك، لأن الأدلة الدالة على وجوب قتله واضحة جلية، فهي مما ينقض قضاء القاضي بخلافها، ويحتمل أن يتوقف في ذلك لأن الحديث الوارد فيه ليس بذلك القوي، ولا إجماع.
[ ٤٠١ ]
ومحل النظر: في كون مجموع ما ذكرناه من الأدلة واستقراء السير والأقيسة هل تتنزل منزلة الحديث الصحيح الصريح، وفي كون الأقيسة جلية أو لا، والأقرب عندي أنها كذلك حتى ينقض قضاء القاضي الحنفي بخلافها ما لم يقترن به حكم آخر بتنفيذه، فإذ ذاك يمتنع نقضه، لأن جواز نقضه ليس بينا عندنا؛ بل هو في محل الاجتهاد، فإذا قضى به قاض كان كالحكم بالمختلف فيه، فلا ينقض.
هذا كله في حكم الحنفي، أما الشافعي والمالكي والحنبلي فلا ريبة في نقض حكمهم بذلك.
[ ٤٠٢ ]