وما يجب من حقه نختم به الكتاب
وفيه أربعة فصول:
[الأول: في تعظيم الله تعالى وثنائه عليه في القرآن.
الثاني: في أنه ﷺ جمع المحاسن كلها.
الثالث: فيما ورد في الأحاديث من تعظيم الله تعالى وثنائه عليه والآيات والمعجزات الظاهرة على يديه.]
[ ٤٣٧ ]
الفصل الأول: في تعظيم الله له وثنائه عليه في القرآن
قال تعالى: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليكم ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم) [التوبة: ١٢٨].
وقال تعالى: (كما أرسلنا فيكم رسولًا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون) [البقرة: ١٥١].
وقال تعالى: (لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولًا من أنفسهم) [آل عمران: ١٤].
وقال تعالى: (وما أرسلناك إلى رحمة للعالمين) [الأنبياء: ١٠٧].
وقال تعالى: (إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا (٤٥) وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا (٤٦» [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦].
[ ٤٣٩ ]
وقال تعالى: (ألم نشرح لك صدرك (١) ووضعنا عنك وزرك (٢) الذي أنقض ظهرك (٣) ورفعنا لك ذكرك (٤» [الشرح: ١ - ٤].
قال قتادة: رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.
وقال تعالى: (وأطيعوا الله والرسول) [آل عمران: ١٣٢]، و(أمنوا بالله ورسوله) [النساء: ١٣٦]، فقرن طاعته بطاعته وجمع بينهما بواو العطف، ولا يجوز جمع هذا الكلام في حق غيره.
وقال تعالى: (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين أمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا) [الأحزاب: ٥٦].
وقال تعالى: (من يطع الرسول فقد أطاع الله) [النساء: ٨٠].
وقال تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) [آل عمران: ٣١].
وقال تعالى: (قل أطيعوا الله والرسول) [آل عمران: ٣٢].
وقال تعالى: (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ..) [الأحزاب: ٤٥] الآية، فلم يخاطبه باسمه في شيء من القرآن، بل قال: (يا أيها النبي) (*يا أيها الرسول)، وخاطب غيره باسمه: (يا أدم)، (يا نوح)،
[ ٤٤٠ ]
(يا موسى)، (يا عيسى).
وقال تعالى: (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي) [الأعراف: ١٥٧] الآية.
وقال تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) بالبقرة: ١٣٤].
وقال تعالى: (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا) [النساء: ٤١].
وقال تعالى: (وبشر الذين أمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم) [يونس: ٢]، قال قتادة والحسن وزيد بن أسلم: (قدم صدق) هو محمد ﷺ يشفع لهم.
وقال تعالى: (لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون) [الحجر: ٧٢]، اتفق أهل
[ ٤٤١ ]
التفسير أنه قسم من الله بمدة حياة النبي ﷺ. قال أبو الجوزاء: ما أقسم الله بحياة أحد غير محمد ﷺ، لأنه أكرم البرية عنده.
وعن كعب: (يس) قسم أقسم الله تعالى به قبل أن يخلق السماء والأرض بألفي عام.
وقال النقاش: لم يقسم الله تعالى لأحد من أنبيائه بالرسالة في كتابه إلا له، وقيل: معناه يا سيد، ولا يخفى ما فيه من التعظيم أيضًا، وقد قال ﷺ: "أنا سيد ولد آدم".
وقال تعالى: (لا أقسم بهذا البلد (١) وأنت حل بهذا البلد) [البلد: ١ - ٢]، وقال تعالى: (والضحى (١) والليل إذا سجى) [الضحى: ١ - ٢] إلى آخر السورة، ولا يخفى ما فيها من التنويه والتعظيم.
[ ٤٤٢ ]
وقال تعالى: (والنجم إذا هوى) [النجم: ١]، عن جعفر بن محمد أنه محمد ﷺ، وقال: هو قلب محمد. ولا يخفى ما في هذه السورة من أولها إلى آخرها من عظيم قدر النبي ﷺ وما شاهده مما لم يتفق ذلك لغيره من الأنبياء، ومشاهدته من عجائب الملكوت ما لا تحيط به العبارات، وتقدمه على الملائكة وسائر الخلق، وما حصل له من الخصائص.
وقال تعالى: (ن والقلم وما يسطرون) [القلم: ١] إلى آخرها وما فيها من الثناء عليه وعلى خلقه وبيان عظيم قدره.
وقال تعالى: (إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا) [الفتح: ١] السورة كلها، وكذلك السورة التي تليها سورة الحجرات، فليتأمل اللبيب ما فيهما من التعظيم لهذا النبي الكريم - مما لو بسط لكان مجلدات - ولزوم الأدب معه والتوقير والإجلال.
وقال تعالى: (طه (١) ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى (٢» [طه: ١ - ٢]، ولا يخفى ما فيه من الشفقة عليه والإكرام له، وكذلك قوله تعالى: (فلعلك باخع نفسك على أثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا) [الكهف: ٦]، وقوله تعالى: (لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين) [الشعراء: ٣]، وقوله: (ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون) [الحجر: ٩٧]، وقوله: (فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون) [الأنعام: ٣٣]، أي: لست عندهم ممن يكذب،
[ ٤٤٣ ]
لأنهم يعلمون صدقك وأمانتك، وإنما جحدهم بآيات الله حملهم على التكذيب.
وقال تعالى: (ولقد استهزئ برسل من قبلك)، قال مكي: سلاه تعالى وهون عليه وأعلمه أن من تمادى على ذلك يحل به ما حل بمن قبله. والقرآن محشو بذلك طافح به.
وقال تعالى: (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما أتيتكم من كتب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه) [آل عمران: ٨١] الآية، قال أبو الحسن القابسي: اختص الله محمدًا ﷺ بفضل لم يؤته غيره، وهو ما ذكره في هذه الآية.
قال المفسرون: أخذ الله الميثاق بالوحي فلم يبعث نبيًا إلا ذكر محمدًا وبعثه وأخذ عليه ميثاقه إن أدركه ليؤمنن به وأن يبينه لقوهم ويأخذ ميثاقهم أن يبينوه لمن بعدهم.
[ ٤٤٤ ]
قال علي بن أبي طالب: لم يبعث الله نبيًا من آدم فمن بعده إلا أخذ عليه العهد في محمد ﷺ لئن بعث وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه ويأخذ العهد بذلك على قومه. ونحوه عن السدى وقتادة.
وقال تعالى: (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح) [الأحزاب: ٧].
وقال تعالى: (*إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح) [النساء: ١٦٣] الآية.
عن عمر بن الخطاب قال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد بلغ من فضيلتك عند الله أن بعثك آخر الأنبياء وذكرك في أولهم، لقد بلغ من فضيلتك عنده أن أهل النار يودون أن يكونوا أطاعوك وهم بين أطباقها يعذبون، يقولون: (يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا) [الأحزاب: ٦٦].
وعن الكلبي في قوله تعالى: (*وإن من شيعته لإبراهيم) [الصافات: ٨٣] أن الهاء عائدة على محمد ﷺ./
[ ٤٤٥ ]
وقال تعالى: (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم) [الأنفال: ٣٣]، قال ﷺ: "أنزل الله أمانين لأمتي، فإذا مضيت تركت فيكم الاستغفار".
وقال بعضهم: الرسول ﷺ هو الأمان الأعظم ما عاش، وما دامت سنته باقية فهو باق، فإذا أميتت سنته فانتظر البلاء والفتن.
وقال تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير) [الإسراء: ١]، وما تضمنته هذه القصة: من العجائب.
وقال تعالى: (والله يعصمك من الناس) [المائدة: ٦٧]
وقال تعالى: (إلا تنصروه فقد نصره الله) [التوبة: ٤٠].
وقال تعالى: (فأنزل الله سكينته عليه) [التوبة: ٤٠].
وقال تعالى: (إنا أعطيناك الكوثر (١) فصل لربك وانحر (٢) إن شانئك هو الأبتر (٣» [الكوثر: ١ - ٣].
وقال تعالى: (ولقد أتيناك سبعًا من المثاني والقرآن العظيم) [الحجر: ٨٧].
[ ٤٤٦ ]
وقال تعالى: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) [الأحزاب: ٦].
وقال تعالى: (عفا الله عنك لم أذنت لهم) [التوبة: ٤٣]، وفي هذه الآية من الملاطفة والأدب ما يظهر لأولى البصائر، فإنه كان مخيرا ﷺ، فاختار إحدى الخصلتين الجائزتين، وهي الإذن، فأتت الآية الكريمة ببيان ما كان يظهر من حالهم لو لم يأذن لهم، وصدرت بالعفو لئلا يحمل ﷺ على قلبه من ذلك، وفي ذلك ما لا يخفى من الملاطفة والأدب.
وكم في القرآن من آية لا نستطيع حصرها مما فيه تصريح وإشارة إلى علو قدره ﷺ أكثر مما ذكرناه بكثير، فسبحان من شرفه وكرمه وعظمه على سائر الخلق، وصلى الله على هذا النبي الكريم، وحشرنا في زمرته ومن نحب بمنه وكرمه.
[ ٤٤٧ ]
الفصل الثاني: في أنه ﷺ جمع المحاسن كلها
خلقًا وخلقا، وكمله الله تعالى صورة ومعنى، وما من خصلة من خصال الخير يتفاضل الخلائق بها ويفتخرون بشيء منها إلا قد جمعها الله له في: كمال خلقته، وجمال صورته، ووفرة/ عقله، وصحة فهمه، وفصاحة لسانه، وقوة جنانه وحواسه وأعضائه، واعتدال حركاته، وشرف نسبه، وعزة قومه، وكرم أرضه، وأحوال بدنه في غذائه ونومه وملبسه ومنكحه ومسكنه وماله وجاهه، وأخلاقه العلية، وآدابه الشرعية، في دينه، وعلمه، وحلمه، وصبره، وشكره، وعدله، وزهده، وتواضعه، وعفوه، وعفته، وجوده، وشجاعته، وحيائه، ومروءته، وصمته وتؤدته، ووفائه، وصدق لهجته، ورحمته وحسن أدبه ومعاشرته، وغير ذلك مما لا يحصى من صفات الكمال التي إذا وجدت واحدة منها في واحد في عصر من الأعصار ضرب به المثل، وصار يعظم بها على ممر الدهور والأعصار، فكيف بممن اجتمعت فيه كلها على أقصى درجات الكمال؟!
[ ٤٤٨ ]
هذا مع الخصال التي لا مطمع لبشر في شيء منها، من فضيلة النبوة، والرسالة، والمحبة، والنخلة، والاصطفاء، والإسراء، والرؤية، والقرب، والدنو، والوحي، والشفاعة، والوسيلة، والفضيلة، والدرجة الرفيعة، والمقام المحمود، والبراق، والمعراج، والبعث إلى الأحمر والأسود، والصلاة بالأنبياء، والشهادة بين الأنبياء والأمم، وسيادة ولد آدم، ولواء الحمد والسيادة، والنذارة، والمكانة عند ذي العرش،
[ ٤٤٩ ]
والطاعة ثم، والإمامة، والهداية، ورحمة للعالمين، وإعطاء الرضا والسؤل، والكوثر، وسماع القول، وإتمام النعمة، والمغفرة لما تقدم وما تأخر، وشرح الصدر، ووضع الوزر، ورفع الذكر، وعزة النصر، ونزول السكينة والتأييد بالملائكة، وإيتاء الكتاب والحكمة والسبع المثاني والقرآن العظيم، وتزكية الأمة، والدعاء إلى الله، وصلاة
[ ٤٥٠ ]
الله والملائكة، والحكم بين الناس بما أراه الله، ووضع الإصر والأغلال عنهم، والقسم باسمه وعلى رسالته، وإجابة دعوته، وتكليم الجمادات والعجم، وإحياء الموتى، وإسماع الصم،/ ونبع الماء من بين أصابعه، وتكثير القليل، وانشقاق
[ ٤٥١ ]
القمر، ورد الشمس، وقلب الأعيان، والنصر بالرعب، والإطلاع على الغيب، وظل الغمام، وتسبيح الحصا، وإبراء
[ ٤٥٢ ]
الأكمه، والعصمة من الناس، ورؤيته من خلفه كما يرى أمامه، وأنه لا ينام قلبه، وحل الغنائم لأمته وجعل الأرض كلها لهم مسجدًا وطهورًا.
وإلى غير ذلك من صفات الكمال التي لا يحيط بها إلا الله تعالى الذي آتاه إياها وفضله بها، لا إله غيره، مع ما أعد له في الدار الأخرة من منازل الكرامة، ودرجات القدس، ومراتب السعادة، والحسنى والزيادة، التي تقف دونها العقول، ويحار دون أدائها الوهم.
وهذا الذي أجملناه وأشرنا إليه مفصل مشروح كله في السير والشمائل ودلائل النبوة و"الشفا" للقاضي عياض شكر الله سعيه، وغيرها.
[ ٤٥٣ ]
ولنشر إلى شيءٍ منها:
[ ٤٥٤ ]
أما صفته ﷺ فكان أزهر اللون، أبيض مشربًا حمرة، عظيم الهامة، أغر، رجل الشعر، إن انفرقت عقيصته فرق وإلا فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه إذا هو وفره، واسع الجبين، أزج الحواجب، سوابغ في غير قرن، بينهما عرق يدره الغضب، وقالت أم معبد: أقرن،
[ ٤٥٥ ]
فلعله قرن خفي أدعج عظيم العينين، أشكل، وهو حمرة في بياض العين، أهدب الأشفار، سهل الخد، مستدير الوجه، فخمًا مفخمًا، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر.
ليس بالمطهم، ولا المكلثم، أحسن الناس لونا، وجهه مثل الشمس والقمر، بل أحسن منهما، كأن الشمس تجري في وجهه، كث اللحية تملأ صدره، تام الأذنين، ضليع الفم حسنه، أقنى العرنين، له نور يعلوه، يحسبه من لم يتأمله أشم، مفلج الأسنان، أشنب، كأن عرقه من وجهه اللؤلؤ، كأن عنقه جيد دمية في صفاء
[ ٤٥٦ ]
الفضة، طويل المسربة رقيقها، وهو شعر من لبته إلى سرته يجري كالقضيب، ليس في بطنه ولا صدره شعر غيره، واسع الصدر، سواء البطن والصدر، عظيم المنكبين/ ضخمهما، بعيد ما بينهما، عظيم الساعدين، ضخم العضدين، أشعر الذراعين والمنكبين، طويل الزندين، رحب الراحتين، سبط القصب، شثن الكفين والقدمين، سائل الأطراف، ضخم العظام، أنور المتجرد، معتدل الخلق، بادن
[ ٤٥٧ ]
متماسك، أبيض الكشحين، شثن الأطراف، جليل المشاش والكتد، خمصان الأخمصين، مسيح القدمين ينبو عنهما الماء، إذا زال زال قلعا، وقيل: ليس بأخمص، وهو محمول على أنه ليس بشديد الخمص بل معتدله، يخطو تكفيا، ويمشي هونا، ذريع المشية، إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وإذا التفت التفت
[ ٤٥٨ ]
جميعا، خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جل نظره الملاحظة.
ليس بالطويل البائن ولا بالقصير، وإذا مشى مع طويل طاله، ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، حسن الخلق، لم تبعه ثجلة، ولم تزر به صعلة، وسيم قسيم، في صوته صحل، شديد سواد الشعر، إن صمت فعليه الوقار، وإن تكلم سما وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاه من بعيد، وأحسنه وأحلاه من قريب، حلو المنطق، فصل لا نزر ولا هذر، كأنه منطقه خرازات نظم [يتحدرن]، لا تشنؤه من طول، ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة
[ ٤٥٩ ]
منظرًا، وأحسنهم قدرًا، له رفقاء يحفون به، إذا قال استمعوا لقوله، وإن أمر ابتدروا أمره، محفود محشود، لا عابس ولا مفند.
يسوق أصحابه، يبدر من لقي بالسلام، متواصل الأحزان، دائم الفكر، ليست له راحة، لا يتكلم في غير حاجة، طويل السكت، يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه، ويتكلم بجوامع الكلم.
ليس بالجافي ولا المهين، لا يضحك إلا تبسمًا، بين كتفيه خاتم النبوة، وهو خاتم النبيين.
أجود الناس كفًا، وأجرأ الناس صدرًا، وأصدق الناس لهجة، وأوفى الناس بذمة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه.
[ ٤٦٠ ]
لم يكن فاحشًا ولا متفحشًا، ولا صخابًا في الأسواق، يعظم/ النعمة وإن دقت، لا يذم منها شيئا، لا يذم ذواقا ولا يمدحه، إن اشتهاه أكله، وإلا تركه، لا تغضبه الدنيا وما كان لها، فإذا تعوطي الحق لم يعرفه أحد، ولم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر، لا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها، وإنما ينتصر لله.
إذا أشار أشار بكفه كلها، وإذا تعجب قلبها، وإذا تحدث فصل بها، يضرب براحته اليمنى باطن إبهامه اليسرى، وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غضن طرفه، يفتر عن مثل حب الغمام.
إذا أوى إلى منزله جزأ دخوله ثلاثة أجزاء: جزءًا لله، وجزءًا لأهله، وجزءًا لنسه، ثم جزأ جزءه بينه وبين الناس، فيرد ذلك على العامة بالخاصة، ولا يدخر عنهم شيئًا، فكان من سيرته في جزء الأمة إيثار أهل الفضل بإذنه، وقسمه على قدر فضلهم في الدين، فمنهم ذو الحاجة وذو الحاجتين وذو الحوائج، فيتشاغل بهم ويشغلهم فيما أصلحهم والأمة من مسألته عنهم، وإخبارهم بالذي ينبغي لهم، ويقول: "يبلغ الشاهد
[ ٤٦١ ]
الغائب"، و"أبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغي حاجته، فإنه من أبلغ سلطانًا حاجة من لا يستطيع إبلاغها إياه ثبت الله قدميه يوم القيامة"، لا يذكر عنده إلا ذلك، ولا يقبل من أحد غيره، يدخلون روادا، ولا يفترقون إلا عن ذواق، ويخرجون أدلة، يخزن لسانه إلا مما يعنيهم، ويؤلفهم، ولا يفرقهم، ولا ينفرهم، يكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم، ويحذر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد بشره ولا خلقه، يتفقد أصحابه، يسأل الناس عما في الناس، يحسن الحسن ويقويه، ويقبح القبيح ويوهيه، معتدل الأمر غير مختلف، لا يغفل مخافة أن يغفلوا، لكل حال عنده عتاد، لا يقصر عن الحق ولا يجوزه، الذين يلونه من الناس خيارهم، أفضلهم عنده أعمهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة، لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر، لا يوطن الأماكن، وينهى عن/ إيطانها، وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس، ويأمر بذلك، يعطي كل جلسائه نصيبه، ولا يحسب جليسه أن أحدًا أكرم عليه منه، من جالسه أو قاومه في حاجة صابره حتى يكون هو المنصرف،
[ ٤٦٢ ]
ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول، قد وسع الناس بسطه وخلقه فصار لهم أبًا، وصاروا عنده في الحق سواء، مجلسه مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن فيه الحرم، ولا تنثى فلتاته، متعادلين، يتفاضلون فيه بالتقوى، متواضعين، يوقرون فيه الكبير، ويرحمون فيه الصغير، ويؤثرون ذا الحاجة، ويحفظون الغريب.
وكان ﷺ دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب ولا فخاش، ولا عابس، ولا عياب ولا مداح، يتغافل عما لا يشتهي، ولا يؤيس منه [راجيه]، ولا يجيب فيه، قد ترك نفسه من ثلاث: المراء، والإكثار، ومما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: لا يذم أحدًا ولا يعيره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما رجا ثوابه.
إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير، وإذا سكت تكلموا، لا يتنازعون عنده الحديث، من تكلم أنصتوا له حتى يفرغ، حديثهم عنده حديث أولهم، يضحك مما يضحكون منه، ويعجب مما
[ ٤٦٣ ]
يتعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته، حتى إن كان أصحابه ليستجلبونهم، ويقول: "إذا رأيتم طالب حاجة يطلبها فأرفدوه"، ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يكون هو الذي يقطع بانتهاء أو قيام.
وكان سكوته ﷺ على أربع: على الحلم، والحذر، والتدبر، والتفكر، فأما تدبره ففي تسوية النظر، والاستماع من الناس، وأما تفكره: ففيما يبقى ويفنى، وجمع له الحلم في الصبر، فكان لا يغضبه شيء ولا يستفزه، وجمع له الحذر في أربع: أخذه الحسن ليقتدي به، وتركه القبيح/ لينتهي عنه، واجتهاده الرأي فيما أصلح أمته، والقيام فيما جمع لهم من أمر الدنيا والآخرة.
لا يأخذ أحدًا بقول أحد، ولا يصدق أحدًا على أحد، وكان أوقر الناس في مجلسه، لا يكاد يخرج شيئًا من أطرافه، وكان أكثر جلوسه
[ ٤٦٤ ]
محتبيا، وربما تربع، وربما جلس القرفصاء.
لا يتكلم في غير حاجة، ويعرض عمن تكلم بغير جميل، في كلامه ترسل أو ترسيل، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله ﷺ.
والأحاديث في بسط صفته مشهورة كثيرة، فلا نطول بذكرها.
وقد اتفق الحكماء على أن الصفات التي نقلت في خلقته ﷺ تقتضي أن يكون أعدل الناس مزاجًا، وأكملهم اعتدالًا.
وقال وهب بن منبه: قرآن في أحد وسبعين كتابًا أن النبي ﷺ أرجح الناس عقلًا، وأفضلهم رأيًا. وفي رواية أخرى: فوجدت في جميعها أن
[ ٤٦٥ ]
الله تعالى لم يعط جميع الناس من بدء الدنيا إلى انقضائها من العقل في جنب عقله إلا كحبة رمل من بين رمال الدنيا. انتهى.
وهذه نبذة ذكرناها يستدل بها على كمال خلقته صورة ومعنى، وأن بشريته زائدة على من سواه من البشر، مع ما زاده الله على ذلك من خواص النبوة والرسالة، والمعارف الربانية، والأنوار الإلهية.
ومما خصه الله به قوة حواسه، حتى قيل إنه كان يرى في الثريا أحد عشر نجما.
واختلف في ولادته مختونًا، فمن الناس من أنكره، ومنهم من قال: ولد مختونًا مقطوع السرة.
[ ٤٦٦ ]
وكانت رائحته وعرقه أطيب من المسك، يضع يد على رأس الصبي فيعرف من بين الصبيان بريحها، ولم يمر في طريق فيتبعه أحد إلا عرف أنه سلكه من طيبه.
وكان إذا أراد أن يتغوط انشقت الأرض فابتلعت غائطه وبوله، وفاحت لذلك رائحة طيبة، وهذا يؤيد قول أبي جعفر الترمذي - من
[ ٤٦٧ ]
أصحابنا - بطهارة فضلاته ﷺ، وورد حديث مرفوع أن الأرض تبلع ما يخرج من الأنبياء فلا يرى منه شيء، وأنا أختار في هذه المسألة قول أبي جعفر الترمذي بالطهارة وإن كان المشهور عند أصحابنا خلافه،
[ ٤٦٨ ]
لحديث التي شربت بوله، وهو صحيح ألزم الدارقطني الشيخين
[ ٤٦٩ ]
إخراجه، ولم يأمرها بغسل فمها، فدل على طهارته.
وكان تنام عيناه ولا ينام قلبه، فلا ينتقض وضوؤه بالنوم،
[ ٤٧٠ ]
وكذلك الأنبياء، وقيل إنه كان يرى في الظلمة كما يرى في الضوء.
[ ٤٧١ ]
وكان بالمحل الأقصى/ في فصاحة اللسان، وجزالة القول، وصحة المعاني، وقلة التكلف، مخصوصًا ببدائع الحكم، وعلم ألسنة العرب، يخاطب كل أمة بلسانها، قال له أصحابه: ما رأينا أفصح منك، قال: "ما يمنعني وأنزل القرآن بلساني؟ "، وفي رواية: "بيد أني من قريش، ونشأت في بني سعد"، فجمع له بذلك قوة عارضة البادية وجزالتها،
[ ٤٧٢ ]
ونصاعة ألفاظ الحاضرة ورونق كلامها، وهذه إحدى الحكم والفوائد في رضاعته ﷺ في البادية.
ومن فوائدها أيضًا تفحيل المولود وتقويته، وقد كان ﷺ أوتي قوة أربعين رجلًا، صارع ركانة فصرعة النبي ﷺ ثلاث مرات في وقت واحد، وكان ركانة من أشد الناس قوة.
ولأجل قوته ﷺ طاف على نسائه في ليلة واحدة، وجمع رسول الله ﷺ بين تسع نسوة مات عنهن، واللاتي دخل بهن غيرهن، واللاتي عقد عليهن ولم يدخل بهن أكثر من ذلك، وفي كثرة تزوجه حكم وفوائد، منها:
[ ٤٧٣ ]
- معرفة كماله في طور البشرية كما هو كامل في خصائص الرسالة.
ومنها:
- أنه ﷺ شديد التعلق بجانب الربوبية والملكوت الأعلى، وكل وقت يترقى في ذلك، ومخاطبته للبشر تقتضي - لأجل المناسبة - التفاتًا إليهم، وفي معاشرة النساء جذب إلى ذلك. ومنها:
- أنه ﷺ كامل في ظاهره وباطنه وجلوته وخلوته، والرجال علموا ذلك ونقلوه في أوقات الجلوة الظاهرة، فأريد كثرة نسائه ليعلمن وينقلن كماله وأحواله في الخلوة الباطنة، وما يحصل فيها من الأحكام. ومنها:
- أن في النسوة من قتل أباها أو أخاها وعادي أهلها، والطباع البشرية تقتضي ميل المرأة إلى أهلها وإطلاعهم على أحوال زوجها، ومع ذلك كانت الواحدة منهن لا تعدل برسول الله أحدًا، حتى طوت أم حبيبة فراش رسول الله لا يجلس عليه أبوها، وهذا إنما يصدر عن اطلاع على كمال عظيم لا يقدر قدره، فسبحان من كمله ظاهرًا وباطنًا ﷺ./
ومما خصه الله تعالى به شرف نسبه، فلم يزل يتقلب من آدم إلى عبد الله إلى بطن أمه في نكاح صحيح كنكاح الإسلام لم يشبه شيء من سفاح ولا من أنكحة الجاهلية، بل منتقلا الكريمة إلى الأرحام الطاهرة.
[ ٤٧٤ ]
وهو أشرف الخلق، فإنه خيار بني هاشم، وبنو هاشم خيار قريش، وقريش خيار كنانة، وكنانة خيار العرب، والعرب خيار بني آدم، وجميع الأنبياء كاملون في أنسابهم وصفاتهم، وإنما بعث الله نبيًا في ذروة قومه.
وأما زهده ﷺ، واجتهاده في العبادة، وخشيته من الله تعالى وتوكله عليه؛ وصبره ورضاه وشفقته على الخلق، وسائر صفاته القلبية التي ما اطلع الناس إلا على بعضها، وحسن شمائله، وبدائع سيره، وحكم حديثه، وعلمه بما في التوراة والإنجيل والكتب المنزلة وحكم الحكماء وسير الأمم الخالية وأيامها وضرب الأمثال وسياسات الأنام، وتقرير الشرائع، وتأصيل الآداب النفيسة والشيم الحميدة، وفنون العلوم التي اتخذ أهلها كلامه ﵇ قدوة، وإشاراته حجة، كالعبارة والطب
[ ٤٧٥ ]
والحساب والفرائض والنسب وغير ذلك: فذلك قد ملأ الدواوين والدفاتر، واستفرغ الأقلام والمحابر، ولم يبلغ الناس منه معشار عشره، على كثرة ما اغترفوه من در بحره، هذا مع كونه ﷺ قبل النبوة ما طالع كتابًا ولا جالس عالمًا، بل نبي أمي لم يعرف بشيء من ذلك حتى شرح الله صدره بالقرآن، وآتاه الوحي والنبوة بقاطع البرهان، وهذا بحر لا ساحل له، فلنقتصر منه على هذا القدر اليسير.
[ ٤٧٦ ]
الفصل الثالث: فيما ورد في الأحاديث من تعظيم الله تعالى
وثنائه عليه والآيات والمعجزات الظاهرة على يديه
روى الحاكم في "المستدرك" والبيهقي في "دلائل النبوة" أن آدم ﵇ قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غرت لي، فقال الله ﷿ يا آدم وكيف عرفت محمدًا ولم أخلقه؟ قال: يا رب لأنك لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبًا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال الله ﷿: صدقت يا آدم، إنه لأحب الخلق إلى، وإذ سألتني بحقه فقد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد: وهو أول حديث ذكرته لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم في هذا الكتاب.
[ ٤٧٧ ]
[ ٤٧٨ ]
[ ٤٧٩ ]
[ ٤٨٠ ]
وفي "المستدرك" أيضًا عن ابن عباس قال: أوحى الله إلى عيسى ﵇: يا عيسى آمن بمحمد ومر من أدركه من أمتك أن يؤمنوا به، فلولا محمد ما خلقت آدم، ولولا محمد ما خلقت الجنة والنار، ولقد خلقت العرش على الماء فاضطرب، فكتبت عليه: لا إله إلا الله [محمد رسول الله] فسكن.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
[ ٤٨١ ]
والآثار التي وردت في فضل التسمية بمحمد أكثر من أن تحصى.
وعن النبي ﷺ أنه قيل له: متى وجبت لك النبوة؟ قال: "وآدم بين الروح والجسد" رواه الترمذي في المناقب من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة، وقال: حسن غريب.
[ ٤٨٢ ]
وعنه ﷺ قال: "أنا أكرم ولد آدم على ربي ولا فخر"، و"أنا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر"، و"أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر".
وعنه ﷺ قال: "أتاني جبريل فقال: قلبت مشارق الأرض ومغاربها فلم أر رجلًا أفضل من محمد، ولم أر بني أب أفضل من بني هاشم".
ولما أتي النبي ﷺ بالبراق ليلة أسرى به فاستصعب عليه، فقال له جبريل: بمحمد تفعل هذا؟! فما ركبك أحد أكرم على الله منه، فارفض عرقًا.
وعنه ﷺ قال: قال الله تعالى: "سل يا محمد"، فقلت: "ما أسأل يا رب! اتخذت إبراهيم خليلا، وكلمت موسى تكليما، واصطفيت نوحا، وأعطيت سليمان ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده"، فقال الله تعالى:
[ ٤٨٣ ]
"أعطيتك خيرًا من ذلك، أعطيتك الكوثر، وجعلت اسمك مع اسمي ينادي به في جوف السماء، وجعلت الأرض طهورًا لك ولأمتك، وغفرت/ لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فأنت تمشي في الناس مغفورًا لك، ولم أصنع ذلك لأحد قبلك، وجعلت قلوب أمتك مصافحها، وخبأت لك شفاعتك ولم أخبئها لنبي غيرك".
وفي حديث آخر: "بشرني - يعني ربه - أن أول من يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا مع كل ألف سبعون ألفًا ليس عليهم حساب، وأعطاني أن لا تجوع أمتي ولا تغلب، وأعطاني النصر والعزة، الرعب يسعى بين يدي أمتي شهرًا، وطيب لي ولأمتي الغنائم، وأحل لنا كثيرًا مما شدد على من كان قبلنا، ولم يجعل علينا في الدين من حرج".
وعنه ﷺ: "ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيًا أوحى الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة"، معناه: بقاء معجزته ما بقيت الدنيا، ومعجزات الأنبياء ذهبت، ومعجزة القرآن باقية يقف عليها كل من يأتي قرنًا بعد قرن عيانًا لا خيرًا إلى يوم القيامة.
[ ٤٨٤ ]
وعنه ﷺ: "إني عبد الله وخاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته، ودعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى ابن مريم".
وعن ابن عباس: "إن الله فضل محمدًا ﷺ على أهل السماء وعلى الأنبياء صلوات الله عليهم".
وعنه ﷺ: "أنا دعوة أبي إبراهيم - يعني قوله: (ربنا وابعث فيهم رسولًا منهم) [البقرة: ١٢٩]ـ وبشر بي عيسى، ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاء له قصور بصرى من أرض الشام، واسترضعت في بني سعد، فبينا أنا مع أخ لي إذ جاءني رجلان عليهما ثياب بيض - وفي
[ ٤٨٥ ]
حديث آخر: ثلاثة رجال - بطست من ذهب مملوءة ثلجًا، فأخذاني فشقا بطني من نحري إلى مراق بطني، ثم استخرجا منه قلبي فشقاه، فاستخرجا منه علقة سوداء فطرحاها، ثم غسلا بطني وقلبي بذلك الثلج حتى أنقياه".
قال في حديث آخر: «ثم تناول أحدهما شيئًا فإذا بخاتم في يده من نور يحار الناظر دونه، فختم به قلبي فامتلأ إيمانًا وحكمة، ثم أعاده مكانَه، وأمر الآخر يده على مفرق صدري فالتأم».
وفي رواية أخرى أن جبريل قال: «قلب وكيع - أي: شديد - فيه عينان تبصران، وأذنان سميعتان».
[ ٤٨٦ ]
"ثم قال أحدهما/ لصاحبه: زنه بعشرة من أمته، فوزنني فرجحتهم، ثم قال: زنه بمئة من أمته، فوزنني بهم فوزنتهم، ثم قال: زنه بألف من أمته، فوزنني بهم فوزنتهم، ثم قال: دعه عنك، فلو وزنته بأمته لوزنها".
قال في الحديث الآخر: «ثم ضموني إلى صدرهم وقبلوا رأسي وما بين عيني، ثم قالوا: يا حبيب لم ترع، إنك لو تدري ما يراد بك من الخير لقرت عيناك، ما أكرمك على الله، إن الله معك وملائكته. فما هو إلا وليا عني، فكأنما أرى الأمر معاينة".
[ ٤٨٧ ]
قال علي السبكي غفر الله له: ينبغي للعاقل أن يتأمل هذه الخلقة الشريفة، ثم تطهير القلب، ثم إيداعه ذلك النور العظيم، كيف يكون صفاؤه ومعارفه وأحواله! والواحد منا - مع دنسه - إذا صفا له وقت يسير ينفتح لقلبه فيه بارقة: يرى الأكوان دونه! فكيف بهذا القلب النقي الممتلئ نورًا من غير دنس يعتريه في شيء من الأوقات!.
[ ٤٨٨ ]
وقد جاء أن شق الصدر كان ليلة الإسراء، وذلك تخليط من شريك راوي الحديث، وإنما كان شق الصدر وهو صبي عند حليمة.
[ ٤٨٩ ]
ومن معجزاته ﷺ وما أكرمه الله به: الإسراء، وقد نطق القرآن به،
[ ٤٩٠ ]
وأجمع المسلمون على صحته ووقوعه، والحق الذي عليه جمهور المسلمين من السلف والخلف أنه إسراء بالجسد والروح في اليقظة، وهو قول ابن عباس، وجابر، وأنس، وحذيفة، وعمر، وأبي هريرة، ومالك بن صعصعة، وأبي حبة البدري، وابن مسعود، والضحاك، وسعيد بن جبير، وقتادة، وابن المسيب، وابن شهاب، وابن زيد، والحسن، وإبراهيم، ومسروق، ومجاهد، وعكرمة، وابن جريج، وهو دليل قول عائشة، وهو قول الطبري وابن حنبل وجماعة عظيمة، وهو قول أكثر الفقهاء والمحدثين والمتكلمين والمفسرين.
وعن معاوية أنه إسراء بالروح، وأنه رؤيا منام، ورؤيا الأنبياء حق، وأشار إلى هذا محمد بن إسحاق، ونقل عن الحسن، ولكن المشهور عنه خلافه.
وقالت طائفة ثالثة: كان الإسراء إلى بيت المقدس بالجسد، وإلى السماء بالروح، والصحيح المشهور: الأول، وأما الثاني فيقطع ببطلانه، لأنه لو كان/ كذلك لما أنكرته قريش، وعجب إن صح ذلك عن معاوية!
[ ٤٩١ ]
وكذا من قال: أسري بجسده نائمًا وقلبه حاضر: قول باطل لما ورد من صلاته بالأنبياء ونحو ذلك.
وقد تضمن الإسراء أنواعًا من الكرامات، والإسراء والمعراج كانا في ليلة واحدة، واختلف في تاريخه مع الإجماع على أنه كان في مكة، والذي كان يختاره شيخنا أبو محمد الدمياطي أنه قبل الهجرة بسنة، وهو في ربيع الأول، ولا احتفال بما تضمنته "التذكرة الحمدونية" أنه في رجب، وبإحياء المصريين ليلة السابع والعشرين منه لذلك، فإن ذلك بدعة منضمة إلى جهل. ولنذكر حديث الإسراء:
عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "أتيت بالبراق، وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه. قال: فركبته حتى أتيت بيت المقدس، فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء، ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت، فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن، فاخترت اللبن، فقال جبريل: اخترت الفطرة. ثم عرج بي إلى السماء، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا بآدم ﷺ، فرحب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء الثانية،
[ ٤٩٢ ]
فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: بُعث إليه، قال: مرحبًا به ونعم المجيء جاء، ففتح لنا فإذا أنا بابني الخالة: عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا صلى الله عليهما، فرحبا بي ودعوا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة، فذكر مثل الأول، ففتح لنا، فإذا أنا بيوسف ﵇، وإذا هو قد أعطى شطر الحسن، فرحب بين ودعا لي بخير. ثم عرج بي إلى الرابعة، وذكر مثله، فإذا أنا بإدريس، فرحب بي ودعا لي بخير، قال الله تعالى: (ورفعناه مكانًا عليا) [مريم: ٥٧]. ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة، فذكر مثله، فإذا أنا بهارون، فرحب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء السادسة، فذكر مثله، فإذا أنا بموسى،/ فرحب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء السابعة، فذكر مثله، فإذا أنا بإبراهيم مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو بدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه. ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى، فإذا ورقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال، فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تغيرت، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها، فأوحى الله إلي ما أوحى، ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فنزلت إلى موسى، فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإن أمتك لا يطيقون ذلك، فإني بلوت بني إسرائيل وخبرتهم،
[ ٤٩٣ ]
قال: فرجعت إلى ربي فقلت: يا رب خفف عن أمتي، فحط عني خمسًا، فرجعت إلى موسى فقلت: حط عني خمسًا، قال: إن أمتك لا يطيقون ذلك، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، قال: فلم أزل ارجع بين ربي تعالى وموسى حتى قال: يا محمد، هن خمس صلوات في كل يوم وليلة، بكل صلاة عشر، فتلك خمسون صلاة، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرًا، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئًا، فإن عملها كتبت سيئة واحدة. قال: فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فقال رسول الله ﷺ: فقلت: قد رجعت حتى استحييت منه".
هذا حديث صحيح متفق عليه، وفي رواية فيه قول كل نبي: مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح، إلا آدم وإبراهيم فقالا: الابن الصالح.
وفي رواية ابن عباس: "ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام".
وفي رواية أبي هريرة: "وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء، فجاءت الصلاة فأممتهم، فقال قائل: يا محمد، هذا مالك خازن النار فسلم عليه، فالتفت فبدأني بالسلام".
[ ٤٩٤ ]
وفي بداءة مالك له بالسلام مع بدائه هو كغيره لطيفة وإشارة إلى سلامته وسلامة أمته من النار.
واختلف السلف في رؤيته ﷺ/ لربه في تلك الليلة بعين رأسه، فذهب إلى ذلك ابن عباس وجماعة من الصحابة ومن بعدهم، وأبو الحسن الأشعري، وأحمد بن حنبل، وممن حكي ذلك عنه ابن مسعود، وأبو هريرة، وأبو ذر، والحسن، وقال سعيد بن جبير: لا أقول رآه ولا لم يره، وعند أحمد بن حنبل أنه قال: رآه بقلبه، وجبن عن القول برؤيته في الدنيا بالأبصار.
وتابع هؤلاء على التوقف في ذلك طائفة، قال القاضي عياض: "والحق الذي لا امتراء فيه أن رؤيته تعالى في الدنيا جائزة عقلا، ولكن وقوعها من الغيب الذي لا يعلمه إلا من علمه الله، ووجوبه لنبينا والقول بأنه رآه بعينه ليس فيه قاطع ولا نص، إذ المعول فيه على آيتي النجم، والتنازع فيهما مأثور، والاحتمال لهما ممكن، ولا أثر قاطع متواتر عن النبي ﷺ بذلك، فإن ورد حديث نص بين في الباب اعتقد ووجب المصير إليه".
قلت: وليس من شرطه أن يكون قاطعًا أو متواترًا، بل متى كان حديث صحيح ولو ظاهرًا وهو من رواية الآحاد جاز أن يعتمد عليه في
[ ٤٩٥ ]
ذلك، لأن ذلك ليس من مسائل الاعتقاد التي يشترط فيها القطع، على أنا لسنا مكلفين بذلك والجزم فيه بأحد الطرفين لا علمًا ولا ظنًا.
وأما المناجاة وقوله تعالى: "فأوحى إلى عبده ما أوحى (٤٠» [النجم: ١٠] فقال القاضي عياض: "أكثر المفسرين على أن الموحي الله إلى جبريل، وجبريل إلى محمد، إلا شذوذًا منهم، فذكر عن جعفر الصادق قال: أوحى إليه بلا واسطة، ونحوه عن الواسطي، وإلى هذا ذهب بعض
[ ٤٩٦ ]
المتكلمين أن محمدًا كلم ربه في الإسراء، وحكي عن الأشعري، وحكوه عن ابن مسعود وابن عباس، وأنكره آخرون".
قلت: وهذا الإنكار غير متجه ولا دليل يعضده، والمختار إنه كلمه بلا واسطة كما حكي عن الأشعري وغيره، فإن ذلك ظاهر المراجعة التي جرت بينه وبين موسى، وغير ذلك مما تضمنه الإسراء.
نعم، لا بد أن يكون من وراء حجاب، إما على القول بعدم الرؤية، وإما على القول بالرؤية في غير وقتها، أو في وقتها كما يشاء الله تعالى مع المحافظة على قوله تعالى: (*وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ورأي حجاب أو يرسل رسولًا فيوحى بإذنه ما يشاء) [الشورى: ٥١].
وأما الدنو والتدلي فعبارة عن نهاية القرب، ولطف المحل، وإيضاح المعرفة، ويستحيل الدنو والتدلي حسًا من الله تعالى.
[ ٤٩٧ ]
ومن تفضيله ﷺ في القيامة ما دل عليه قوله: "أنا أول الناس خروجا إذا بعثوا، وخطيبهم إذا وفدوا، ومبشرهم إذا أيسوا، لواء الحمد بيدي، وأنا أكرم لد آدم على ربي ولا فخر".
وفي رواية: "وقائدهم إذا وفدوا، وخطيبهم إذا أنصتوا، وشفيعهم إذا حبسوا، ومبشرهم إذا أبلسوا، لواء الكرم بيدي".
وفي حديث آخر: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذٍ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض"، "وأول شافع وأول مشفع، وأنا أول من يحرك حلق
[ ٤٩٨ ]
الجنة فيفتح لي".
هو ﷺ سيدهم في الدنيا والآخرة، وإنما قال: "يوم القيامة" إشارة إلى تفرده بالسؤدد وظهور ذلك الفضل العظيم والمقام المحمود وأنه لا يدنو للشفاعة غيره، كقوله تعالى: (لمن الملك اليوم) [غافر: ١٦]، وحديث الشفاعة مشهور لا يحتاج إلى ذكره، وفيه لطيفه نبه عليها القاضي عياض في عصمة الأنبياء، فإنهم اعتذروا بأشياء وعدوها ذنوبا، وليس منها إلا ما له مخرج، فلو كان شيء غيرها لذكروه، ونحن نوافق القاضي عياض على اختيار أن الأنبياء معصومون من الكبائر والصغائر عمدًا وسهوًا.
ومما أكرمه الله به: المحبة والخلة، أما الخلة فقوله: "ولكن صاحبكم خليل الله"، وأما المحبة فمن رواية ابن عباس: "ألا وأنا حبيب الله".
[ ٤٩٩ ]
ومما أكرمه الله به: الوسيلة والدرجة الرفيعة، وهي أعلى درجة في الجنة، لا تنبغي لغيره، والكوثر، وهو نهر من الجنة يسيل في حوضه ﷺ.
وقد أورد القاضي عياض هنا أنه إذا تقرر من دليل القرآن وصحيح الأثر وإجماع الأمة كونه أكرم البشر وأفضل الأنبياء؛ فما معنى الأحاديث/ الواردة بنهيه عن التفضيل، كقوله: "ما ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى"، وقوله: "لا تفضلوا بين الأنبياء"، وقوله: "لا تخيروني على موسى"، وقوله: "ولا أقول إن أحدًا أفضل من يونس بن متى"، وقوله: "من قال أنا خير من يونس بن متى فقد كذب"، ولما قيل له: يا خير البرية قال: "ذاك إبراهيم".
وأجاب بأن للعلماء فيها تأويلات:
أحدها: أن نهيه عن التفضيل كان قبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم.
[ ٥٠٠ ]
قلت: وهذا ضعيف، لأن النهي من رواية أبي هريرة، وهو متأخر، والنبي ﷺ علم فضله على غيره قبل ذلك، ألا ترى إلى حديث الإسراء، فإن فيه جملة تدل على ذلك.
الثاني: أنه على طريق التواضع، قال: وهذا لا يسلم عن الاعتراض.
الثالث: لا يفضل بينهم تفضيلًا يؤدي إلى تنقيص بعضهم.
الرابع: منع التفضيل في حق النبوة والرسالة، فإن الأنبياء فيها على حد واحد، إذ هي شيء واحد لا يتفاضل، وإنما التفاضل في زيادة الأحوال والخصوص والكرامات والرتب والألطاف، أما النبوة نفسها فلا تفاضل فيها، وإنما التفاضل بأمور أخرى، ولذلك منهم أولو العزم، ومنهم من رفع مكانًا عليًا، ومن أوتي الحكم صبيا، ومنهم من كلم الله، ورفع بعضهم درجات.
[ ٥٠١ ]
الخامس: أن يكون (أنا) راجعًا إلى القائل نفسه، أي: لا يظن أحد وإن بلغ من الذكاء والعصمة والطهارة ما بلغ أنه خير من يونس بن متى لأجل ما حكى الله عنه، فإن درجته أفضل وأعلى، وتلك الأشياء لم تحطه عنها حبة خردلة ولا أدنى.
وأقول: في قوله: "لا تفضلوا بين الأنبياء" جواب سادس، وهو في ضمن كلام عياض، ولكني أبسطه وأقول: المعنى: لا تفضلوا أنتم وإن كان الله ورسله - العالمون بحقائق الأحوال - يفضلون، لا التفضيل يحتاج إلى توقيف، ومن فضل بلا علم فقد كذب أو زل، فالنهي للمخاطبين على سبيل التأديب، لما هو الغالب على حالهم من الجهل بمقدار الأنبياء،/ ولا يدخل في ذلك من فضل بعلم أو أخذ التفضيل من الكتاب والسنة.
ومن فضائله ﷺ أسماؤه، وقد جاء في "الصحيح" أنه قال: "لي خمسة أسماء "، ولم يجعل العلماء ذلك للحصر، بل ذكروا غيرها، فمن أسمائه ﷺ التي ذكروها - وقد صنف فيها أبو الخطاب عمر بن حسن
[ ٥٠٢ ]
ابن علي بن دحية مجلدين - فمنها:
[ ٥٠٣ ]
[ ٥٠٤ ]
محمد، وأحمد، والرسول، النبي، الأمي، الأول، الآخر، الأمين، الأتقى، الأعلم بالله، إمام النبيين، أكثر الأنبياء تابعًا، أرحم الناس بالعيال، أرجح الناس عقلًا، الآخذ بالحجزات، أحسن الناس، أجود الناس، أشجع الناس، الأبطحى، بينة من الله، البشير، برهان، بيان، باطن، بليغ، البرقليطس، التقي، التالي، التهامي، ثاني اثنين، الحق، المبين، الحاشر، حامل لواء الحمد، الحليم، حم، حكيم، حميد، حافظ، حجة، حريص، حنيف، حم عسق، حفيظ، حسيب، حمطايا،
[ ٥٠٥ ]
حاتم، حامد، خاتم النبيين، الخاتم، الخبير، خليل الله، داعي الله، ذو الوسيلة، ذو المعجزات، الذكر، رؤوف، رحيم، الرسول، رحمة للعالمين، رحمة مهداة، راكب الجمل، الراضي، الرفيع الذكر، الزكي، زين من وافى القيامة، طه، اللسان، المكي، مرغمة، المدني، المقدس، المهيمن، المشفع، المرتل، محمود، المسلم، المرسل، المنير، المتوكل، المبشر، المزمل، المدثر، مشفح، بالشين المعجمة والفاء والحاء المهملة، الماحي، المقفي، مقيم السنة، مطهر، المص، المر، المنحمنا، المأمون، المذكر، المبين، المولى، محلل، محرم، مؤتمن، مهاجر، ماجد، مؤمن، معقب، المنصف،
[ ٥٠٦ ]
المكرم، المهدي، المصطفى، المطاع، المنذر، المرفع الدرجات، المعزر، الموقر، المبلغ، النذير، نعمة الله، النور، النبي، نبي الرحمة، نبي الملحمة، النجم الثاقب، النبي الصالح، الصادق، المصدوق، الصفوح، صاحب القضيب، صاحب التاج، صاحب الكوثر، صاحب الهراوة، الصاحب، صاحب المنبر، صاحب الوسيلة، صاحب قولِ لا إلهَ إلا الله، الضحوك، عبد الله،/ العاقب، العظيم، العفو، العروة الوثقى، العفيف، العدل، العربي، العالم، الغالب، الغني، الغيث، الفارقليط، الفجر، الفاتح، الفرط، فضل الله، قثم، القتال، قدم صدق، قاسم، القائم، القرشي، السراج، سيف الله
[ ٥٠٧ ]
المسلول، الشاهد، الشهيد، الشفيع، الشافع، الشكور، الهادي، الواعظ، الولي، يس.
وكنيته ﷺ المشهورة أبو القاسم، وقد كني أيضًا بأبي الأرامل، وقيل: كنيته أبو القاسم لأنه يقسم الجنة بين الخلق يوم القيامة.
فإن قلت: أكثر هذه صفات لا أسماء!
قلت: المراد بالأسماء ما يشتمل على النوعين، ألا ترى إلى الأسماء الحسنى وهي مشتملة على الصفات.
فإن قلت: من هذه الأسماء ما هو من أسماء الله تعالى!
قلت: من أسماء الله تعالى ما يسمى به الخالق والمخلوق، وذلك من باب الاشتراك اللفظي، وليس بينهما قدر مشترك، فكما أن ذاته تعالى لا تشبه الذوات كذلك صفاته لا تشبه الصفات.
وتركنا شرح هذه الأسماء اختصارًا، ولأنها لا تخفى.
[ ٥٠٨ ]
ومن المعلوم أن (محمدًا) مبالغة في كونه محمودًا واشتماله على صفات الخير، و(أحمد) مبالغة في كونه حامدًا لله تعالى، فلا أحمد لله تعالى منه.
ومن معجزاته ﷺ القرآن، وهو أعظم المعجزات، وهو مشتمل على أكثر من سبعين ألف معجزة، لأن النبي ﷺ تحدى بسورة منه، وأقصر السور: (إنا أعطيناك الكوثر)، فكل آية أو آيات منه بعددها معجزة.
ثم فيها نفسها معجزات من جهات حسن تأليفه والتئام كلمه، وفصاحته ووجوه إيجازه وبلاغته الخارقة عادة العرب الفصحاء، وصورة نظمه العجيب، والأسلوب الغريب الذي حارت فيه عقولهم، وتدلهت دونه أحلامهم، وما انطوى عليه من الإخبار بالمغيبات، وما أنبأ به من أخبار القرون السالفة، والشرائع القديمة، مما كان لا يعلم منه/ القصة الواحدة إلا الفذ من آحاد أهل الكتاب الذي قطع عمره في تعلم ذلك، فيورده النبي ﷺ على وجهه، ويأتي به على نصه.
فهذه أربعة أنواع من الإعجاز في ذلك العدد الكبير، فلا يعلم قدر ما في القرآن من المعجزات إلا الله تعالى، مع بقائه على ممر الدهر يشاهده ويسمعه المتأخرون كما شاهده وسمعه الأولون، لا تنقضي عجائبه، ولا يخلق عن كثرة الرد، وهو متواتر مقطوع به في أقصى درجات التواتر، ما من بلد من البلاد إلا وفيها من شيوخها وكهولها وصبياتها من حملته عدد لا يعلمهم إلا الله، وما فيه مما تحدي به من الأمور الخاصة يعجز عنه المخاطبون، وما يحصل في قلوب سامعيه من الهيبة والروع والخشية، وتيسير حفظه، والأمن من تغييره، ولو شرحنا هذه المعاني كان مجلدات.
[ ٥٠٩ ]
ومن معجزاته ﷺ: انشقاق القمر، طلب منه أهل مكة آية، فأراهم القمر فرقتين، فرقة فوق الجبل وفرقة تحته، وحراء بينهما.
ومنها: أنه كان يوحى إليه ورأسه في حجر علي حتى غربت الشمس، فقال: أصليت يا علي؟ قال: لا، فقال رسول الله ﷺ: "اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس"، قالت أسماء بنت عميس: فرأيتها غربت ثم رأيتها طلعت بعد ما غربت، ووقعت على الجبال والأرض، وذلك بالصهباء في خيبر. رواه الطحاوي وقال القاضي عياض: إن رواته ثقات، وإن أحمد بن صالح المصري [قال]: لا ينبغي لمن سبيله العلم التخلف عن حفظ حديث أسماء، لأنه من علامات النبوة. وقال أبو الخطاب ابن دحية: إنه موضوع. وهو من رواية فضيل بن
[ ٥١٠ ]
مرزوق عن إبراهيم بن الحسن عن فاطمة بنت حسين عن أسماء، وإبراهيم ابن الحسن هذا لا يُعرف، والتخليط من فضيل بن مرزوق.
ومنها: نبع الماء من بين أصابعه، وذلك صحيح لا شك فيه.
ومنها: تكثير/ القليل ببركته ﷺ، وذلك في وقائع كثيرة، في عين تبوك، وفي بئر الحديبية، وفي الميضأة، وفي مزادتي المرأة والإداوة، ولما ضرب بقدمه الأرض فخرج الماء.
وتكثير الطعام ببركته ودعائه في حديث جابر يوم الخندق، أطعم ألف رجل من أقراص شعير وعناق، وأطعم سبعين أو ثمانين من أقراص جاء
[ ٥١١ ]
بها أنس تحت إبطه، وصنع أبو أيوب طعامًا يكفي النبي ﷺ وأبا بكر، فأطعم منه مئة وثمانين رجلًا، وأتى بقصعة فيها لحم فتعاقبوها من غدرة حتى الليل، ولما دعا ببقية الأزواد، وحديث أبي هريرة في شرب أهل الصفة، وقرص أم سليم، وغير ذلك من الوقائع الكثيرة المنتشرة.
ومنها: كلام الشجر وشهادتها له بالنبوة، وإجابتها دعاءه لما طبها، وحنين الجذع، وتسبيح الحصى في
[ ٥١٢ ]
كفه، وتسليم الأحجار عليه، وقولها له: أنت رسول الله، وتكليم الحيوانات له: الضب، والغزال، والذئب، والجمل، وتسخير الأسد لسفينة مولاه.
[ ٥١٣ ]
ومنها: إحياء الشاة الميتة المسمومة حتى كلمته، وقيل إن الكلام وجد منها من غير حياة، وهذان قولان للمتكلمين هل الحياة شرط لوجود الحروف والأصوات أو لا.
ومنها: إبراء المرضى وذوي العاهات، ورد عين قتادة بعد أن وقعت على وجنته، فكانت أحسن
[ ٥١٤ ]
عينيه، والأعمى الذي توسل به فكشف الله عن بصره، والذي نفث في عينيه فأبصر، فكان يدخل الخيط في الإبرة وهو ابن ثمانين، ورمي كلثوم في نحره فبصق رسول الله ﷺ فيه فبرئ، وتفل على شيجة عبد الله ابن أنيس فلم تمد، وتفل في عيني علي يوم خيبر وكان
[ ٥١٥ ]
رمدًا فأصبح بارئًا، ونفث على ضربة بساق سلمة يوم خيبر فبرئت، ووقائع كثيرة غير هذه.
ومنها: إجابة دعائه، وهذا باب واسع لا ينحصر، وكان إذا دعا لرجل أدركت الدعوة ولده وولد ولده.
ومنها: انقلاب الأعيان له، وبركته فيما لمسه بيده أو غرسه/ أو ركبه.
[ ٥١٦ ]
ومنها: بركته في درور الشاة والحوائل باللبن الكثير، كشاة أم معبد، وغنم حليمة، وشاة أنس، وغيرها.
ومنها: ما اطلع عليه من الغيوب، وهو باب واسع جدًا يحتمل مجلدات.
[ ٥١٧ ]
ومنها: عصمة الله له من الناس وكفايته من آذاه.
ومنها: معارفه وعلومه الباهرة.
ومنها: أخباره مع الملائكة والجن، وإمداد الله له بالملائكة، وطاعة الجن له.
ومنها: إخبار الرهبان والكهان والأحبار وعلماء أهل الكتاب عن بعثه، وصفته، واسمه، وعلاماته، وذكر الخاتم الذي بين كتفيه، وتظليل الغمام له.
ومنها: ما ظهر من الآيات عند مولده، وأخبار هواتف الجنان بمكة.
[ ٥١٨ ]
ومنها: حراسة السماء بالشهب، وقطع رصد الشياطين، ومنعهم استراق السمع، وما نشأ عليه من بغض الأصنام، والعفة عن أمور الجاهلية، وما خصه الله به من ذلك، وحماه واختاره في وفاته.
واعلم أن معجزاته ﷺ صنف الناس فيها كتبًا مطولة كأبي نعيم والبيهقي وغيرهما، ولم يستوعبوا، ونحن هنا إنما قصدنا الإشارة إلى شيء منها مما يزيد المؤمن محبة واعتقادًا.
[ ٥١٩ ]
الفصل الرابع: فيما يجب على الأنام من حقوقه ﷺ
فيجب الإيمان به، والاعتراف بنبوته ورسالته بالقلب واللسان، لا يصح إسلام ولا إيمان إلا بذلك، وأجمع العلماء على أن من وحد الله تعالى ولم يعترف بالرسل فهو كافر غير عارف بالله تعالى، فيجب تصديق النبي ﷺ في جميع ما جاء به بالقلب ونطق اللسان بذلك، واختلف العلماء فيمن لم يتمكن من النطق ولكن آمن بقلبه واخترمته المنية قبل اتساع وقت للشهادة بلسانه، فمنهم من قال: لا يتم الإيمان، ومنهم من قال: يتم ويستوجب الجنة، وهو الصحيح.
أما القادر على النطق فلا بد منه، ونقل القاضي عياض خلافًا غريبًا في أنه كافر أو عاصٍ، وهذا غير المحل الذي/ نقلنا فيه الإجماع أولًا،
[ ٥٢٠ ]
فإن ذاك فيمن وحد ولم يعترف بالرسل لا بقلبه ولا بلسانه وقد بلغته دعوتهم، فلا شك أنه كافر بالإجماع، وهذا فيمن اعترف بالله ورسله بقلبه ولم يترك التلفظ عن ريب ولا عناد ولكن إهمالًا، والصحيح أنه كافر.
وتجب طاعته ﷺ في جميع ما جاء به، واتباعه وامتثال سننه، والاقتداء بهديه، والانقياد لحكمه، والتسليم ظاهرًا وباطنًا حتى لا يكون في القلب حرج من قضائه، وترك مخالفته في قول أو فعل، ومحبته ولزوم سنته، ولا يتجاوزها إلى بدعة، وأن يكون أحب إلينا من أنفسنا، والصادق في حبه من تظهر علامة ذلك عليه، وأولها الاقتداء به، واستعمال سنته، واتباع أقواله وأفعاله، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، والتأديب بأدبه في عسره ويسره، ومنشطه ومكرهه، وإيثار ما شرعه وحض عليه على هوى نفسه وموافقة شهوته، وإسخاط العباد في رضى الله، فمن اتصف بهذه الصفة فو كامل المحبة، ومن خالفها في بعض هذه الأمور
[ ٥٢١ ]
فهو ناقص المحبة ولا يخرج عن اسمها، ودليله قوله ﵇ للذي حده في الخمر: "إنه يحب الله ورسوله".
ومن علامات محبته كثرة ذكره وكثرة شوقه إلى لقائه، وتعظيمه وتوقيره عند ذكرى، وإظهار الخشوع والانكماش مع سماع اسمه، ومحبته لمن أحب، ولمن هو من آل بيته وصحابته من المهاجرين والأنصار، وعداوة من عاداهم، وبغض من أبغضهم وسبهم، فمن أحب شيئًا أحب من يحب:
حبيب إلى قلبي حبيب حبيبي
ومحبة القرآن الذي أتى به، ومحبة سنته، والوقوف عند حدودها، والزهد في الدنيا، وإيثار الفقر واتصافه به.
وحقيقة المحبة: الميل إلى ما يوافق، إما لجمال صورة، وإما لحسن سيرة، وإما لوصول إحسان، والنبي ﷺ جامع لذلك كله، لما عرف من
[ ٥٢٢ ]
جمال صورته، وحسن سيرته، ولا أعظم من إحسانه إلينا ومنته علينا لأحدٍ من الخلق.
وتجب مناصحته ﷺ، فالدين النصيحة لله/: بصحة الاعتقاد، والرغبة في محابه، والبعد من مساخطه، والإخلاص في عبادته، والنصيحة لكتابه: بالإيمان به، والعمل بما فيه، وتحسين تلاوته، والتخشع عنده، والتعظيم له، وتفهمه والتفقه فيه، والذب عنه من تأويل الغالين وطعن الملحدين.
والنصيحة لرسوله: بالتصديق بنبوته، وبذل الطاعة له فيما أمر به ونهى عنه، ومؤازرته ونصرته وحمايته حيًا وميتًا، وإحيائه سنته بالطلب والذب عنها ونشرها، والتخلق بأخلاقه الكريمة، وآدابه الجميلة، والدعوة إلى
[ ٥٢٣ ]
الله وإلى كتابه وإلى رسوله، والعمل بها، وبذلك النفوس والأموال دونه، ومجانبة من رغب عن سنته وبغضه والتحذير منه، والشفقة على أمته، والبحث عن تعرف أخلاقه وسيره وآدابه، والصبر على ذلك.
ومما يجب له ﷺ: توقيره وبره، وأن لا يتقدم بين يديه، ولا ترفع الأصوات فوق صوته، وبغض الصوت عنده، ولا نجعل دعاءه كدعاء بعضنا بعضا، وتعزيزه بالمبالغة في تعظيمه ونصرته وإعانته، وعاده الصحابة في ذلك المبالغة، ولو استقصينا ما ورد عنهم في ذلك لطال، وهم وإن بالغوا في ذلك فلم يبلغوا ما هو حقه ﷺ، وما أحد من البشر يطيق القيام بحقه على التمام، لكن بحسب طاقته.
وحرمته ﷺ بعد موته وتوقيره وتعظيمه لازم كما كان في حياته، وذلك عند ذكره وذكر حديثه وسنته، وسماع اسمه وسيرته، ومعاملة آله وعترته.
فواجب على كل مؤمن متى ذاكره أو ذكر عنده أن يخضع ويخشع ويتوقر ويسكن من حركته، ويأخذ في هيبته وإجلاله بما كان يأخذ به نفسه لو كان بين يديه، ويتأدب بما أدبنا الله به، وهذه كانت سيرة السلف الصالح والأئمة الماضين ﵃.
[ ٥٢٤ ]
وكان صفوان بن سليم إذا ذكر النبي ﷺ بكى، فلا يزال يبكي حتى يقوم الناس عنه ويتركوه. وكان مالك بن أنس لا يحدث بحديث رسول الله ﷺ/ إلا وهو على وضوء لإجلاله. وروي أنه كان يغتسل ويتطيب ويلبس ثيابًا جددًا وساجه، ويتعمم ويضع على رأسه رداءه، وتلقى له منصة فيخرج فيجلس عليها وعليه الخشوع، ولا يزال يبخر بالعود حتى يفرغ من حديث رسول الله ﷺ، ولم يكن يجلس على تلك المنصة إلا إذا حدث عن رسول الله ﷺ.
ومن توقيره ﷺ توقير أصحابه والإمساك عما شجر بينهم، وتوقير مشاهده من مكة والمدينة، ومعاهده وما لمسه أو عرف به، وأفتى مالك فيمن قال: "تربة المدينة رديئة" بضرب ثلاثين درة، وأمر بحبسه - وكان له قدر - وقال: ما أحوجه إلى ضرب عنقه، تربة دفن فيها النبي ﷺ يزعم أنها غير طيبة!
[ ٥٢٥ ]
ومما يجب له ﷺ: الصلاة عليه ﷺ، نقل القاضي عياض الإجماع على وجوبها، واختلفوا: هل تكفي في العمر مرة أو كلما ذكر أو في كل صلاة؟ على ما عرف بين العلماء، وقول الطبري إن محمل الآية على الندب بالإجماع محمول على ما زاد على ذلك، وقد جمعنا ألفاظ الصلاة في كتابنا المسمى: "شفاء السقام في زيارة خير الأنام".
ومن حقه ﷺ: زيارة قبره، وقد جمعنا في ذلك الكتاب ما يتعلق بالزيارة وبلوغ السلام للنبي ﷺ وسماعه.
[ ٥٢٦ ]
واعلم أن حقوق النبي ﷺ لا تنتهي، وليس هذا الباب مصنفًا لذلك حتى يستوعب كثيرًا منها، وإنما ذكرنا هذه الفصول فيها: نبذ يسيرة من شرفه وحقه، ليكون خاتمة هذا الكتاب ختم الله لنا بخير، فلنقتصر على ذلك، ويكون هذا آخر كلامنا في هذا الكتاب.
والله أسال أن ينفع من كتبه أو سمعه أو نظر فيه بمنه وكرمه.
فرغت من تصنيفه في يوم الخميس سلخ شعبان المكرم، سنة أربع وثلاثين وسبعمئة، بمنزلي بدرب الطفل من القاهرة.
كتبه مصنفه علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام بن يوسف بن موسى بن تمام بن حامد بن يحيى السبكي، غفر الله لهم.
والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. حسبنا الله ونعم الوكيل.
[ ٥٢٧ ]