ويشتمل على ثلاثة فصول:
الفصل الأول: في بيان أول شرك وقع في بني آدم والأدلة عليه.
الفصل الثاني: في بيان الصراع بين الشرك والتوحيد في الأمم السابقة.
الفصل الثالث: في بيان أنواع الشرك التي وقعوا فيها.
[ ١ / ٢٠٢ ]
الفصل الأول
في بيان أول شرك وقع في بني آدم والأدلة عليه
[ ١ / ٢٠٤ ]
القول الأول: إن أول شرك في بني آدم كان من قابيل
الفصل الأول في بيان أول شرك وقع في بني آدم والأدلة عليه
إن مما لا خلاف فيه أن أول شرك وقع من العباد هو شرك الشيطان. قال الحافظ ابن جرير الطبري في تفسير قوله تعالى: (وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ):
قال ابن جريج: من يقل من الملائكة إني إله من دونه، فلم يقله إلا إبليس، دعا إلى عبادة نفسه، فنزلت هذه الآية في إبليس.
وقال قتادة: (إنما كانت هذه الآية خاصة لعدو الله إبليس، لما قال ما قال لعنه الله، وجعله رجيمًا).
وقال الضحاك في قوله تعالى: (وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ): (يعني من الملائكة إني إله من دونه، قال: ولم يقل أحد من الملائكة إلا إبليس، دعا إلى عبادة نفسه وشرع الكفر).
فهذا أول شرك وقع على الإطلاق - فيما أعلم ـ، ولكن متى وقع أول شرك في بني آدم؟ اختلفوا فيه على أقوال:
القول الأول: إن أول شرك في بني آدم كان من قابيل، وقد حكى الطبري في تاريخه رواية تدل عليه؛ وهي (ذكر أن قابيل لما قتل هابيل، وهرب
[ ١ / ٢٠٥ ]
القول الثاني: إن بداية الشرك كان في زمن يرد بن مهلائيل
من أبيه آدم إلى اليمن، أتاه إبليس فقال له: إن هابيل إنما قبل قربانه وأكلته النار؛ لأنه كان يخدم النار ويعبدها، فانصب أنت أيضًا نارًا تكن لك ولعقبك، فبنى بيت نار، فهو أول من نصب النار وعبدها).
فهذا القول نرى الإمام الطبري نقله بدون سند، بل صدره بقوله: (ذكر) بصيغة التمريض، مما يدل على ضعفه عنده، وهو في نفسه ضعيف، كما سيأتي بيان ما يخالفه من القول الصحيح.
القول الثاني: إن بداية الشرك كان في زمن يرد بن مهلائيل، وهو أبو إدريس ﵇، وقد حكاه أيضًا ابن جرير في تاريخه، فقال: حدثني الحارث قال: حدثنا ابن سعد قال: أخبرني هشام، قال: أخبرني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: في زمان يرد عملت الأصنام، ورجع من رجع عن الإسلام.
ففي هذا السند نرى هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه وهما ضعيفان بل متهمان، ولا يقبل منهما، خصوصًا أن هذه الرواية خالفت
[ ١ / ٢٠٦ ]
الرواية الصحيحة - كما سيأتي ـ، ثم إن الكلبي هنا يروي التفسير عن أبي صالح عن ابن عباس، وأبو صالح لم ير ابن عباس، ولا سمع منه شيئًا، ولا سمع الكلبي من أبي صالح إلا الحرف بعد الحرف، فما رواه الكلبي لا يحل ذكره في الكتاب، فكيف الاحتجاج به؟ .
والمقصود: أن هذه الرواية لا تصلح للاحتجاج.
القول الثالث: إن أول شرك وقع في بني آدم إنما هو من قبل أبناء قابيل.
وتدل عليه رواية ابن الكلبي في كتاب الأصنام، قال فيها: أخبرني أبي قال: (أول ما عبدت الأصنام أن آدم ﵊ لما مات، جعله بنو شيث بن آدم في مغارة في الجبل الذي أهبط عليه آدم بأرض الهند). ثم روى عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس قال: (وكان بنو شيث يأتون جسد آدم في المغارة فيعظمونه ويترحمون عليه، فقال رجل من بني قابيل بن آدم: يا بني قابيل! إن لبني شيث دوارًا يدورون حوله ويعظمونه، وليس لكم شيء. فنحت لهم صنمًا، فكان أول من عملها).
فهذه الرواية أيضًا من قبل هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه، وهو عن أبي صالح عن ابن عباس. وقد تطرقت لهذا السند بالنقد في ما قبل، فلا أعيده هاهنا، وإنما المقصود بيان كونه قولًا ضعيفًا للغاية.
القول الرابع: إن أول شرك وقع في بني آدم هو في قوم نوح.
[ ١ / ٢٠٧ ]
ويستدل لهذا القول بما يلي:
١ - قوله تعالى: (وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا)، والدليل على أن هؤلاء المذكورين كانوا في قوم نوح؛ الروايات الحديثية التي وردت في تفسير الآية.
من أشهرها: ما رواه الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄ (هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن أنصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت).
وما أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره، قال: (كانوا قومًا صالحين - يغوث ويعوق - بين آدم ونوح، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدرون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر، فعبدوهم).
قال ابن القيم: (قال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد، فعبدوهم).
٢ - قوله تعالى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ).
ويتضح وجه الاستدلال من الآية لمن اطلع على تفسيرها، وقد سبق معنا
[ ١ / ٢٠٨ ]
بيانه في ما قبل.
٣ - ويدل عليه أيضًا: ما رواه ابن جرير بسنده عن ابن عباس ﵄ قال: (كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ).
٤ - وقد قال قتادة: (ذكر لنا أنه كان بين آدم ونوح ﵉ عشرة قرون كلهم على الهدى وعلى شريعة من الحق، ثم اختلفوا بعد ذلك، فبعث الله ﷿ نوحًا، وكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض).
٥ - وعن عكرمة قال: (كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام).
فهذه أقوال صحيحة عن سلف هذه الأمة في بيان بداية الشرك في بني آدم، وهي ترجح هذا القول الرابع؛ بأن بداية الشرك كان في قوم نوح، وقبل هذا كانوا على الإسلام.
ومن غرائب ما في هذا الباب نسبة وجود الشرك في آدم ﵇ استدلالًا بقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ).
[ ١ / ٢٠٩ ]
فإنه جاء في تفسير هذه الآيات آثار عن بعض السلف توهم وجود الشرك في زمن آدم ﵇، وهي ما يلي:
أولًا: ما روى الإمام أحمد بسنده عن الحسن عن سمرة عن النبي ﷺ قال: «لما ولدت حواء طاف بها إبليس - وكان لا يعيش لها ولد ـ، فقال: سمية عبد الحارث؛ فإنه يعيش، فسمته عبد الحارث فعاش، وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره» هذا هو الحديث المرفوع الوحيد إلى النبي ﷺ.
قال الحافظ ابن كثير: (وهكذا رواه ابن جرير عن محمد بن بشار بندار عن عبد الصمد بن عبد الوارث به، ورواه الترمذي في تفسير هذه الآية عن محمد بن المثنى عن عبد الصمد به، وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عمر بن إبراهيم، ورواه بعضهم عن عبد الصمد به ولم يرفعه، ورواه الحاكم في مستدركه من حديث عبد الصمد مرفوعًا، ثم قال: هذا
[ ١ / ٢١٠ ]
حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ورواه الإمام أبو محمد ابن أبي حاتم في تفسيره عن أبي زرعة الرازي عن هلال بن فياض عن عمر بن إبراهيم به مرفوعًا، وكذا رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره من حديث شاذ بن فياض عن عمر بن إبراهيم مرفوعًا؛ قلت - القائل هو الحافظ ابن كثير ـ: وشاذ هو هلال وشاذ لقبه).
ثانيًا: الآثار عن الصحابة:
أ- روي عن ابن عباس روايات بنحو ما ذكر:
١ - من طريق محمد بن إسحاق بن يسار عن داود بن الحصين عن عكرمة عنه، وهذا السند غير مقبول عند المحدثين، فإن كل ما رواه داود بن الحصين عن عكرمة فهو منكر، بل ضعفه بعضهم.
٢ - من طريق عبد الله بن المبارك عن شريك عن خصيف عن سعيد بن جبير عنه، ففي هذا السند خصيف، وهو ضعيف، وشريك أيضًا مختلط،
[ ١ / ٢١١ ]
فلا اعتبار بهذه الرواية.
٣ - ما رواه ابن جرير الطبري، قال: حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي عن أبيه عن ابن عباس (بنحوه). فهذه هي السلسلة العوفية المعروفة بالضعف من رواة التفسير عن ابن عباس.
٤ - ما رواه الطبري من طريق القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثنا حجاج عن ابن جريج قال: قال ابن عباس. وذكر نحوه. فهذا أثر منقطع، ضعيف؛ فإن حجاج بن أرطأة ضعيف، وابن جريج لم يدرك ابن عباس.
ب- وفي الباب رواية عن أبيّ بن كعب نحوه، وقد رواه ابن عباس عنه.
قال ابن كثير: (وقد تلقى هذا الأثر عن ابن عباس من أصحابه؛ كمجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة. ومن الطبقة الثانية قتادة والسدي، وغير واحد من السلف، وجماعة من الخلف، ومن المفسرين من المتأخرين جماعات لا يحصون كثرة. وكأنه - والله أعلم - أصله مأخوذ من أهل الكتاب؛ فإن ابن عباس رواه عن أبيّ بن كعب كما رواه ابن أبي حاتم) وهذه الآثار يظهر عليها - والله أعلم - أنها من آثار أهل الكتاب، وقد صح الحديث عن النبي ﷺ في عدم تصديق أهل الكتاب وفي عدم تكذيبهم أيضًا، ثم إن أخبارهم على
[ ١ / ٢١٢ ]
ثلاثة أقسام؛ فمنها ما علمنا صحته بما دل عليه الدليل من كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ، ومنها ما علمنا كذبه بما دل على خلافه من الكتاب والسنة أيضًا، ومنها ما هو مسكوت عنه فهو المأذون في الحديث.
وهذا الأثر - المروي عن ابن عباس - ننظر إليه بهذه الاعتبارات الثلاثة، فهل يدل عليه من كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ شيء؟ . في الحقيقة: أن هذا فرع عن صحة الحديث الذي رواه سمرة بن جندب ﵁ عن النبي ﷺ أو ضعفه. أعني حديث: «لما ولدت حواء طاف بها إبليس » إلخ.
فالمحدثون في هذا الحديث فريقان:
فريق: أخذوا الحديث بالتصحيح، ثم بدأوا يؤولون في معنى الحديث كي لا يؤدي إلى نسبة الشرك إلى آدم.
وفريق آخر يضعفون الحديث، ويفسرون الآية بما يوافق طبيعة اللغة العربية، وبما روي من آثار في ذلك.
فأما الذين قالوا بصحة الحديث أجابوا بأجوبة، منها:
أ- أن النفس الواحدة وزوجها آدم وحواء، والشرك الواقع منهما ليس شركًا في العبادة، وإنما هو شرك في التسمية، حيث سميا ولدهما (عبد الحارث) والحارث هو اسم إبليس، وآدم وحواء لم يعتقدا بتسمية ولدهما عبد الحارث أن الحارث ربهما، وقد ذكر هذا القول بعض المفسرين، كابن جرير الذي صوبه، ورجحه على غيره، وروى في تأييده آثارًا عن السلف.
[ ١ / ٢١٣ ]
فروى عن ابن عباس أنه قال: (أشركه في طاعته في غير عبادة، ولم يشرك بالله، ولكن أطاعه).
وعن قتادة قال: (وكان شركًا في طاعته، ولم يكن شركًا في عبادته).
وعن سعيد بن جبير قال: (قيل له: أشرك آدم؟ قال: أعوذ بالله أن أزعم أن آدم أشرك، ولكن حواء لما أثقلت أتاها إبليس فقال لها: من أين يخرج هذا؟ من أنفك أو من عينك أو من فيك؟ فقنطها، ثم قال: أرأيت إن خرج سويًا أتطيعيني؟ قالت: نعم، قال: فسميه عبد الحارث، ففعلت فإنما كان شركه في الاسم).
وعن السدي قال: ( فذلك حين يقول الله: (جعلا له شركاء فيما ءاتاهما) يعني في التسمية). وأيضًا يدل عليه قراءة من قرأ (جعلا له شركًا) بمعنى الشركة يعني بالاسم، وحتى يتفادى أصحاب هذا القول الاعتراض عليهم بأن قوله تعالى: (فتعالى الله عما يشركون) يفيد أن الذين أتوا بالشرك جماعة؛ إذ لو كان آدم وحواء لقال: فتعالى الله عما يشركان. فقد ذهبوا إلى أن في الآيتين قصتين: قصة آدم وحواء، والخبر قد انقضى عند قوله: (جعلا له شركاء فيما ءاتاهما).
[ ١ / ٢١٤ ]
وقصة مشركي العرب، والخبر عنها في قوله: (فَتَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ)، والمعنى: فتعالى الله عما يشرك به مشركو العرب من عبدة الأوثان، واستأنسوا في ذلك بما روي من آثار، منها: ما روي عن السدي في قوله تعالى: (فَتَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ)، يقول: هذه فصل من آية آدم خاصة في آلهة العرب.
ويروى عنه أيضًا أنه قال: (هذا من الموصول والمفصول، قوله: (جَعَلا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا) في شأن آدم وحواء، ثم قال الله ﵎: (فَتَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ) قال: عما يشرك المشركون، ولم يعنهما). وقد رواه ابن أبي حاتم أيضًا في تفسيره.
وأجابوا عما يقال: إن آدم وحواء إنما سميا ابنهما عبد الحارث والحارث واحد، وقوله (شركاء) جماعة، فكيف وصفهما جل ثناؤه بأنهما جعلا له شركاء، وإنما أشركا واحدً؟ قالوا في الجواب عن هذا السؤال: إن العرب تخرج الخبر الواحد مخرج الخبر عن الجماعة إذا لم تقصد واحدًا بعينه ولم تسمه، كقوله تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ)، وإنما كان القائل واحدًا، فأخرج الخبر مخرج الخبر عن الجماعة؛ إذ لم يقصد
[ ١ / ٢١٥ ]
قصده، وذلك مستفيض في كلام العرب وأشعارها.
وممن استحسن هذا القول ودافع عنه، ورأى صحة الحديث الألوسي الذي قال: (لا يعد هذا شركًا في الحقيقة؛ لأن أسماء الأعلام لا تفيد مفهوماتها اللغوية، لكن أطلق عليها الشرك تغليظًا).
كما يُفهم من سياق كلام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب أنه يرجع هذا التفسير؛ حيث أتى به في تفسير قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ)، مستدلًا به على منع التعبيد لغير الله.
كما أن الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ﵀ يرى رجحان هذا التفسير في تيسير العزيز الحميد؛ حيث قال: (وإذا تأملت سياق الكلام من أوله إلى آخره مع ما فسره به السلف، تبين قطعًا أن ذلك في آدم وحواء ﵉، فإن فيه غير موضع يدل على ذلك، والعجب ممن يكذب بهذه القصة، وقوله تعالى: (عَمَّا يُشْرِكُونَ) هذا - والله أعلم - عائد إلى المشركين من القدرية، فاستطرد من ذكر الشخص إلى الجنس، وله نظائر في القرآن). وقال أيضًا: (قوله: شركاء في طاعته ولم يكن في عبادته: أي
[ ١ / ٢١٦ ]
لكونهما أطاعاه في التسمية بعبد الحارث، لا أنهما عبداه، فهو دليل على الفرق بين شرك الطاعة وبين شرك العبادة).
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: (قال العماد ابن كثير: «وكان أصله - والله أعلم - مأخوذ من أهل الكتاب». قلت - القائل هو الشيخ عبد الرحمن بن حسن: وهذا بعيد جدًا).
وقال الشيخ محمد خليل هراس بعد أن استعرض كلام ابن كثير: (هكذا ترى ابن كثير يحاول الخروج على ظاهر الآية وينكر الأحاديث والآثار الموافقة لها وينسبها إلى أخبار أهل الكتاب - ثم قال: - محاولة الدفاع عن آدم وحواء بأن شركهما إنما كان في التسمية لا في العبادة، وكان على سبيل الخطأ غير المتعمد وقد عوتبا عليه).
ب- وهناك من يجيب بأنه ليس فيه دليل على الشرك في الألوهية، بل فعله هو الميل إلى طاعة الشيطان وقبول وسوسته مع الرجوع عنه إلى الله، وذلك غير داخل تحت الاختيار، أو لعله قبل النبوة.
واستدرك على القول بأنه كان (قبل النبوة): أن الكفر ممتنع حتى قبل النبوة، وأجيب عنه بأن إشراكهما بالله؛ أنهما أطاعا إبليس في تسمية
[ ١ / ٢١٧ ]
ولدهما بعبد الحارث - كما مر في القصة - وليس ذلك كفرًا، بل ذنبٌ يجوز صدوره قبل النبوة.
وسيأتي مناقشة هذا القول قريبًا، عندما نأتي إلى بيان متى تكون الطاعة لغير الله شركًا، ومتى تكون ذنبًا؟ .
ج- وهناك من يجيب: (بأنهما لم يذهبا إلى أن الحارث ربهما بتسميتهما ولدهما عبد الحارث، لكنهما قصدا إلى أن الحارث كان سبب نجاة الولد فسمياه به كما يسمي الرجل نفسه عبد ضيفه على جهة الخضوع له، لا عن أن الضيف ربه، كما قال حاتم:
وإني لعبد الضيف ما دام ثاويًا وما فيَّ إلا تيك من شيمة العبد)
ولكن السؤال هنا في شيئين:
١ - هل التعبيد لغير الله - وإن كان بمجرد التسمية - يعتبر ذنبًا أم شركًا أصغر؟
٢ - وإذا كان من الشرك، فهل يمكن صدوره عن الأنبياء؟
أما حكم التعبيد لغير الله: فقال الإمام ابن حزم ﵀: (اتفقوا
[ ١ / ٢١٨ ]
على تحريم كل اسم معبد لغير الله؛ كعبد عمرو وعبد الكعبة، وما أشبه ذلك. حاشا عبد المطلب).
فهذا الحكم من حيث الأحكام التكليفية، وأما من حيث ذنبه هل يعتبر شركًا أم كبيرة من الكبائر؟ ففيه خلاف؛ قال بعض العلماء: إن علة التحريم في النهي عن التعبيد لغير الله هي كونه شركًا في الربوبية والإلهية؛ لأن الخلق كلهم ملك لله وعبيد له، استعبدهم لعبادته وحده، وتوحيده في ربوبيته وإلاهيته، فالتعبيد لغير الله يكون شركًا، فإن كان عابدًا حقيقة بأن تعلق به في الخوف أو الرجاء أو المحبة، كما كان الواجب تجاه الرب، أو شارك الرب في هذه الأشياء فقد أشرك بالله شركًا أكبر، وإن انحصر التعبيد في مجرد إسداد النعمة إلى غير الله فهو شرك أصغر.
ولهذا تطرق العلماء لهذا الشيء عندما تكلموا في أنواع الشرك الأصغر، فذكروا في أمثلة الشرك الأصغر باللسان: التعبيد لغير الله؛ كعبد النبي وعبد الرسول. فأدرجوا ضمن الشرك الأصغر القولي مثل الحلف بغير الله، وقول: (ما شاء الله وشئت)، وقول: (قاضي القضاة، أو ملك الأملاك) سواء بسواء.
قال ابن القيم: (لا تحل التسمية بعبد علي، وعبد الحسين، ولا عبد
[ ١ / ٢١٩ ]
الكعبة، وقد روى ابن أبي شيبة عن هانئ بن شريح قال: وفد على النبي ﷺ قوم فسمعهم يسمون رجلًا عبد الحجر، فقال له: «ما اسمك؟» قال: عبد الحجر، فقال له رسول الله ﷺ: «إنما أنت عبد الله».
قال شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية في بيان حكم التعبيد لغير الله؛ بأن المشركين كانوا (يعبدون أنفسهم وأولادهم لغير الله؛ فيسمون بعضهم عبد الكعبة، كما كان اسم عبد الرحمن بن عوف، وبعضهم عبد شمس كما كان اسم أبي هريرة، واسم عبد شمس بن عبد مناف، وبعضهم عبد اللات، وبعضهم عبد العزى، وبعضهم عبد مناة، وغير ذلك مما يضيفون فيه التعبيد إلى غير الله؛ من شمس، أو وثن، أو بشر، أو غير ذلك مما قد يشرك بالله،
[ ١ / ٢٢٠ ]
ونظير تسمية النصارى عبد المسيح، فغيَّر النبي ﷺ ذلك وعبدهم لله وحده، فسمى جماعة من أصحابه: عبد الله وعبد الرحمن، كما سمى عبد الرحمن بن عوف ونحو هذا، وكذا سمى أبا معاوية وكان اسمه عبد العزى فسماه عبد الرحمن، وكان اسم مولاه قيوم فسماه عبد القيوم، ونحو هذا من بعض الوجوه ما يقع في الغالية من الرافضة ومشابههم الغالين في المشايخ، فيقال: هذا غلام الشيخ يونس أو للشيخ يونس، أو غلام ابن الرفاعي أو الحريري، ونحو ذلك مما يقوم فيه للبشر نوع تأله، كما قد يقوم في نفوس النصارى من المسيح، وفي نفوس المشركين من آلهتهم؛ رجاء وخشية، وقد يتوبون لهم، كما كان المشركون يتوبون لبعض الآلهة، والنصارى للمسيح أو لبعض القديسين وشريعة الإسلام الذي هو الدين الخالص لله وحده: تعبيد الخلق لربهم كما سنه رسول الله ﷺ، وتغيير الأسماء الشركية إلى الأسماء الإسلامية، والأسماء الكفرية إلى الأسماء الإيمانية ).
قال ابن القيم: فإن قيل: كيف يتفقون على تحريم الاسم المعبد لغير الله، وقد صح عنه ﷺ: «تعس عبد الدينار» الحديث، وصح عنه أنه قال: «أنا النبي لاكذب، أنا ابن عبد المطلب».
فالجواب: أما قوله: «تعس عبد الدينار» فلم يرد به الاسم، وإنما أراد به الوصف، والدعاء على من يعبد قلبه للدينار والدرهم فرضي بعبوديتهما عن
[ ١ / ٢٢١ ]
عبودية الله ﵎.
أما قوله: «أنا ابن عبد المطلب» فهذا ليس من باب إنشاء التسمية بذلك، وإنما هو من باب الإخبار بالاسم الذي عرف به المسمى دون غيره، والإخبار بمثل ذلك على وجه تعريف المسمى لا يحرم. ولا وجه لتخصيص أبي محمد ذلك بعبد المطلب خاصة، فقد كان أصحابه يسمون عبد شمس، وبني عبد الدار بأسمائهم، ولا ينكر عليهم النبي ﷺ ذلك، فباب الأخبار أوسع من الإنشاء، فيجوز فيه ما لا يجوز في الإنشاء.
فعلى هذا لا تجوز التسمية بعد المطلب ولا غيره مما عبد لغير الله، وكيف تجوز التسمية، وقد أجمع العلماء على تحريم التسمية بـ عبد النبي، وعبد الرسول، وعبد المسيح، وعبد علي، وعبد الحسين، وعبد الكعبة؟ وكل هذه أولى بالجواز من عبد المطلب لو جازت التسمية به، وأيضًا فقد نصّ النبي ﷺ على أن التسمية بعبد الحارث من وحي الشيطان (على فرض صحة الحديث).
وأما ما قيل: من أن المراد: (شركاء في طاعته ولم يكن في عبادته) بمعنى أنهما أطاعاه في التسمية بعبد الحارث، لا أنهما عبداه، فهو دليل على الفرق بين شرك الطاعة وبين شرك العبادة، ولكن يستشكل عليه بأنه تفسير للعبادة بالطاعة، فيلزم من قول قتادة أن يكون الشرك في العبادة هو الشرك بالطاعة أيضًا.
ويجاب عن هذا بأن تفسير العبادة بالطاعة من التفسير اللازم؛ فإن لازم العبادة أن يكون العابد مطيعًا لمن عبده بها، فلذا فسرت بالطاعة، أو يقال: هو
[ ١ / ٢٢٢ ]
من التفسير بالملزوم وإرادة اللازم؛ أي لما كانت الطاعة ملزومًا للعبادة والعبادة لازمة لها، فلا تحصل إلا بالطاعة: جاز تفسيرها بذلك.
أو يقال: ليس كل طاعة تسمى شركًا، بل المقصود بالطاعة التي تدخل بها إلى العبودية هي الطاعة الخاصة، مثلًا في تحليل الحرام أو عكسه، وأما في بعض الذنوب، فحكمهم كحكم سائر أصحاب المعاصي، فهذا ضابط الطاعة التي تكون شركًا والتي لا تكون، وكما قال شيخ الإسلام: (هؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله يكون على وجهين:
أحدهما: أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله فيتبعونهم على هذا التبديل، فيقلدون في تحليل ما حرم الله أوتحريم ما أحل الله، اتباعًا لرؤسائهم، مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل، فهذا كفر، وقد جعله الله ورسوله شركًا، وإن لم يكونوا يصلون لهم ويسجدون لهم، فكان من اتبع غيره في خلاف الدين مع علمه أنه خلاف الدين، واعتقد ما قاله ذلك دون ما قاله الله ورسوله، كان مشركًا مثل هؤلاء.
الثاني: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحرام وتحليل الحرام ثابتًا، لكنهم أطاعوهم في معصية الله، كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاص؛ فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب ).
فلعل المراد من الذين قالوا: (شركاء في طاعته ولم يكن في عبادته) هو هذا الثاني، فلا يكون شركًا، والله أعلم.
[ ١ / ٢٢٣ ]
فهذا هو الحكم على القول بأن التعبيد لغير الله يكون شركًا أكبر إذا أراد الحقيقة من معناه، وأما إن أراد مجرد الالتفات إلى السبب، وجعله سببًا في حصول النعم فلا يكون شركًا أكبر، بل يكون من الشرك الأصغر، وهذا هو القول الراجح لديّ.
وقد سماه بعضهم بـ (الشرك في التسمية)، ومثلوا له بأن ينسب الأولاد إلى الأولياء بمعنى أنهم من عطاء غير الله وهبة غير الله؛ كنحو عبد النبي، وهبة علي، هبة حسين، هبة المرشد، هبة المدار، هبة سالار، وذلك طمعًا في رد البلاء عنهم كل ذلك يثبت به الشرك ويصبح الإنسان به مشركًا.
وقال بعضهم: (ومن المشاهد اليوم أن كثيرًا من الناس يستعينون بالمشايخ والأنبياء وقد ينسبون إليها أبناءهم طمعًا في رد البلاء، فيسمي بعضهم ابنه بعد النبي، وبعضهم بعلي بخش، وحشين بخش، وبير بخش، ومدار بخشر، وسالار بخش كان ذلك شركًا لا شك فيه، كل ذلك يتحقق منه الشرك، ويسمى (الإشراك في العبادة)؛ يعني أن يعظم غير الله في الأعمال التي اعتادها تعظيمًا لا يليق إلا بالله ).
وهناك فئة من الناس ترى: أن التسمية بالتعبيد لغير الله لا تكون شركًا، فقال بعض من ابتلى منهم: (إن إضافة العبد إذا كان إلى غير الله، فلا يخلو إما أن يكون العبد معبودًا من دون الله أو لا، وعلى الثاني إما أن يكون موهمًا لها أو
[ ١ / ٢٢٤ ]
لا، فالأول حرام، والثاني إن كان موهمًا كره، كعبد النبي، وإلا فلا، فعبد العزى حرام، وعبد النبي مكروه، وعبد المطلب جائز). ونسي هذا المستدل قوله تعالى: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللهِ ).
فهذا القول باطل عاطل، وفاسد كاسد، ولا مبرر لقائله، ولا دليل على هذا التقسيم الذي اخترعه من عند نفسه.
وعلم بهذا كله: أنه على القول بصحة هذه القصة عن آدم، فيه نسبة الشرك الأصغر إليه، أو على الأقل نسبة الذنوب إليه، فهل الأنبياء عندهم ذنوب؟ هذا السؤال يقودنا إلى مسألة أخرى وهي:
هل الأنبياء معصومون عن الذنوب؟
المسألة خلافية، والخلاف فيها من عدة أوجه، وضبط القول فيه أن يقال: الاختلاف في هذا الباب يرجع إلى أقسام أربعة:
أ- ما يقع في باب الاعتقاد.
ب- ما يقع في باب التبليغ.
ج- ما يقع في باب الأحكام والفتيا.
د- ما يقع في أفعالهم وسيرتهم.
ثم اختلفوا في وقت العصمة على ثلاثة أقوال:
أحدها: قول من ذهب إلى أن وقت عصمتهم من مولدهم، وهو قول الرافضة.
[ ١ / ٢٢٥ ]
ثانيها: قول من ذهب إلى أن وقت عصمتهم وقت بلوغهم، ولم يجوزوا منهم ارتكاب الكبيرة والكفر قبل النبوة، وهو قول كثير من المعتزلة.
ثالثها: قول من ذهب إلى أن ذلك لا يجوز وقت النبوة، أما قبل النبوة فجائز.
والحديث في المسألة ذو شجون، ولكنني سأقتصر الكلام على ما يتعلق بالمتفق عليه من هذه الأقسام، وهل تصدر المعاصي والذنوب من الأنبياء؟، دون أن أتطرق إلى بيان حكم الأقسام الأخرى؛ لكونها لا تتعلق برسالتي.
المتفق عليه: اتفقت الأمة على أن الرسل معصومون في تحمل الرسالة، فلا ينسون شيئًا مما أوحي إليهم إلا شيئًا قد نسخ، فهم معصومون في التبليغ، قال الرازي: (قد أجمعت الأمة على كونهم معصومين عن الكذب والتحريف فيما يتعلق بالتبليغ، وإلا لارتفع الوثوق بالأداء، واتفقوا على أن ذلك لا يجوز وقوعه منهم عمدًا كما لا يجوز أيضًا سهوًا، ومن الناس من جوز ذلك سهوًا، قالوا: لأن الاحتراز عنه غير ممكن). أما ما يتعلق بباب الاعتقاد فالخطأ فيه غير جائز، فعلى المنع لا يمكن صدور التعبد لغير الله عن آدم ﵊ ألبتة.
[ ١ / ٢٢٦ ]
والخلاف الذي سبق معنا كله إنما هو على فرض ثبوت الحديث.
وأما الذين قالوا بتضعيف الحديث فهم كنز - وهو الصحيح إن شاء الله كما سيأتي ـ، قالوا: إن الحديث ضعيف، فبعض منهم ضعف رواية، وبعضهم ضعفه دراية.
أما الذين ضعفوا من جهة الرواية فهم الجهابذة من المحدثين، منهم الحافظ ابن عدي؛ حيث إنه أعله بتفرد عمر بن إبراهيم، وقال: (وحديثه عن قتادة مضطرب).
وأما الحافظ ابن كثير فقال: إن هذا الحديث معلول من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن عمر بن إبراهيم هذا هو البصري، وقد وثقه ابن معين، ولكن قال أبو حاتم الرازي: لا يحتج به، ولكن رواه ابن مردويه من حديث
[ ١ / ٢٢٧ ]
المعتمر عن أبيه عن الحسن عن سمرة مرفوعًا، فالله أعلم.
الثاني: أنه قد روي من قول سمرة نفسه، ليس مرفوعًا، كما قال ابن جرير
الثالث: أن الحسن - نفسه - فسر الآية بغير هذا، فلو كان هذا عنده عن سمرة مرفوعًا لما عدل عنه إلى الذي أورده ابن جرير بسنده عن الحسن (جَعَلا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا)، قال: كان هذا في بعض أهل الملل ولم يكن بآدم.
وبسنده عن الحسن قال: عني به ذرية آدم ومن أشرك منهم بعده.
وبسنده عن الحسن قال: هم اليهود والنصارى؛ رزقهم الله أولادًا فهودوا ونصّروا.
ثم قال ابن كثير: هذه أسانيد صحيحة عن الحسن ﵁ أنه فسر الآية بذلك، وهو من أحسن التفاسير وأولى ما حملت عليه الآية، ولو كان هذا الحديث محفوظًا عنده من رسول الله ﷺ لما عدل عنه هو ولا غيره، ولا سيما مع تقواه لله وورعه، فهذا يدلك على أنه موقوف على الصحابي، ويحتمل أنه تلقاه من بعض أهل الكتاب من آمن منهم مثل كعب، ووهب بن منبه، وغيرهما.
[ ١ / ٢٢٨ ]
وزاد الشيخ محمد ناصر الدين الألباني - حفظه الله - علة أخرى؛ وهي الآتي ذكرها في الوجه الرابع.
الرابع: أن الحسن في سماعه من سمرة خلاف مشهور، ثم هو مدلس، ولم يصرح بسماعه عن سمرة، وقال الذهبي في ترجمته في الميزان: (كان الحسن كثير التدليس، فإذا قال في حديث: (عن فلان) ضعف احتجاجه).
ولكن يفهم من صنيع الحافظ العلائي أن رواياته عن سمرة تحمل على السماع، وقد ذكر لذلك شاهدًا، فلم يبق من العلل إلا ما ذكره ابن كثير.
أما من حيث الدراية: فأيضًا لا يصح؛ فإنه لم يثبت لدينا أن إبليس كان اسمه حارث، ثم ليس لدينا ما يدل على أن آدم كان يموت له الأولاد في حياته غير هابيل، ثم إن هذا خلاف مقتضى إرساله إلى الأرض من الله جل وعلا، فإنه أرسل لعمران الأرض، فلو مات له الأولاد لا يحصل هذا المقصود ألبته، فهذا مما يضعف الحديث دراية، ولهذا قال ابن حزم ﵀: (وهذا الذي نسبوه إلى آدم ﵇ من أنه سمى ابنه عبد الحارث خرافة موضوعة
[ ١ / ٢٢٩ ]
مكذوبة، من تأليف من لا دين له ولا حياء، لم يصح سندها قط، وإنما نزلت في المشركين على ظاهرها).
وقال ابن القيم: (فالنفس الواحدة وزوجها آدم وحواء، واللذان جعلا له شركاء فيما آتاهما المشركون من أولادهما، ولا يلتفت إلى غير ذلك مما قيل: إن آدم وحواء كانا لا يعيش لهما ولد ).
من وجوه ضعف هذا القول ما يلي:
١ - أن آدم ﵇ كان أعرف بإبليس وعداوته الشديدة له، وأن اسم إبليس هو الحارث - لوصح - فكيف مع هذا يسمى ولده عبد الحارث؟
٢ - جمع الشركاء في قوله تعالى: (جَعَلا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا) يدل على أن المتخذ شريكًا لله جماعة، في حين أن المتخذ شريكًا لله على هذا القول واحد وهو إبليس، فالتعبير بالجمع يدل على ضعف هذا القول.
٣ - أنه لم يجر لإبليس في الآية ذكر، فلو كان هو المتسبب في تسمية - التي أطلق عليها شرك - على حد هذا القول - لجرى له ذكر، فالمقام مقام التحذير من الانخداع بوسوسة إبليس يقتضي ذكر اسم إبليس؛ لئلا ينخدع أحد بعده.
٤ - أنه تعالى قال بعده: (أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ)، وهذا يدل على أن المقصود من هذه الآية الرد على من جعل الأصنام شركاء لله تعالى، وما جرى لإبليس اللعين في هذه الآية ذكر.
[ ١ / ٢٣٠ ]
٥ - لو كان المراد إبليس لقال: (أيشركون من لا يخلق شيئًا). ولم يقل: (ما لا يخلق شيئًا)؛ لأن العاقل إنما يذكر بصيغة (من) لا بصيغة (ما).
وأما تفسير الآية على القول بتضعيف هذه الرواية فكما يلي:
١ - أن الآيتين في حق آدم وحواء، ويدفع الإشكال في قوله: (جَعَلا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا) بأن الكلام على حذف مضاف، والتقدير: (جعل أولادهما له شركاء فيما آتى أولادهما)، والتثنية على أن ولده قسمان: ذكر وأنثى؛ أي صنفين ونوعين، فزال الإشكال عن (جعلا) و(آتاهما). وفي قوله تعالى: (فَتَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ) بلفظ الجمع باعتبار الأولاد.
٢ - أن الخطاب لجميع الناس، والضمير في (جعلا) و(آتاهما) يعود على النفس وزوجها، لا إلى آدم وحواء، وعلى هذا: النفس، غير ما ذكروه في تأويله، وهذا أقرب وأبعد من التأويل المتكلف.
٣ - أن الخطاب في (خلقكم) لقريش، وهم آل قصي، فإنهم خلقوا من نفس قصي، وكان له زوج من جنسه عربية قرشية، وطلبا من الله أن يعطيهما الولد، فأعطاهما أربعة بنين فسماهم بـ عبد مناف، عبد شمس، عبد العزى، عبد الدار.
٤ - أن المراد بالنفس الواحدة آدم، وزوجها المجعول منها حواء، والذي
[ ١ / ٢٣١ ]
طلبه آدم وحواء من الله صالحًا هو النسل السوي بصنفيه الذكور والإناث، ولكن أولاده جعلوا لله شركاء من الأصنام والأوثان فيما أتاهم، فتعالى الله عن إشراك المشركين من هذا النسل.
فقوله: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا) جنس الولد الصالح في تمام الخلق بدنًا، وقوة، وعقلًا، فكثروا صفة للولد وهو الجنس، فيشمل الذكر والأنثى والقليل والكثير، فكأنه قيل: (فلما أتاهما أولادًا صالحي الخلقة من الذكور والإناث جعل النوعان (له شركاء) بعضهم أصنامًا، وبعضهم نارًا، وبعضهم شمسًا، وبعضهم غير ذلك.
والمقصود: أنه لم يثبت أن آدم ﵇ وقع في الشرك، بل الصحيح الثابت ما سبق أن ذكرناه أن أول شرك وقع في بني آدم هو في قوم نوح.
قال شيخ الإسلام: (إن الناس كانوا بعد آدم ﵇، وقبل نوح ﵇ على التوحيد والإخلاص، كما كان عليه أبوهم آدم أبو البشر ﵇ حتى ابتدعوا الشرك وعبادة الأوثان، بدعة من تلقاء أنفسهم، لم ينزل الله بها كتابًا ولا أرسل بها رسولًا، بشبهات زينها الشيطان من جهة المقاييس الفاسدة والفلسفة الحائدة؛ قوم منهم زعموا: أن التماثيل طلاسم الكواكب السماوية والدرجات الفلكية والأرواح العلوية.
وقوم اتخذوها على صورة من كان فيهم من الأنبياء والصالحين.
وقوم جعلوها لأجل الأرواح السفلية من الجن والشياطين.
وقوم على مذاهب آخر.
[ ١ / ٢٣٢ ]
وأكثرهم لرؤسائهم مقلدون، وعن سبيل الهدى ناكبون، فاتبعث الله نبيه نوحًا ﵇، يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وينهاهم عن عبادة ما سواه، وإن زعموا أنهم يعبدونهم ليقربوهم إلى الله زلفى ويتخذوهم شفعاء).
[ ١ / ٢٣٣ ]
الفصل الثاني
وقوع الشرك في الأمم السابقة
[ ١ / ٢٣٥ ]
الفصل الثاني وقوع الشرك في الأمم السابقة
سبق أن ذكرنا أن أول البشر آدم ﵇، قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢).
فأول ما قص الله علينا من قصص الأنبياء في القرآن الكريم هي قصة آدم ﵇، بأنه أبو البشر، وكان في الجنة، أكرمه ربه فأسجد له ملائكته المقربين لديه؛ اعترافًا لشرفه وفضله، إلا إبليس فإنه كاد له فأخرجه من الجنة، فأُهبط إلى الأرض، فكان أول بشر في الأرض، ولكن هل كان على التوحيد؟ نعم، كان على التوحيد وكان نبيًا، ويدل عليه ما يلي:
١ - قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ) الآية.
٢ - قوله ﵇ فيما رواه ابن حبان في صحيحه قال: إن رجلًا قال: يا رسول الله! أنبي كان آدم؟ قال: «نعم، مكلم » الحديث.
[ ١ / ٢٣٧ ]
٣ - ولقوله ﷺ: «ما من نبي - آدم فمن سواه - إلا تحت لوائي».
فدلت هذه النصوص على أن آدم ﵇ كان نبيًا، وكان على التوحيد لا محالة، وقد اتفق عليه جميع من يعتد بأقوالهم، ولم يوجد فيه أيّ خلاف: بأن آدم ﵇ كان على التوحيد، وقد جاء في حديث الشفاعة - الطويل - «يا آدم أنت أبو البشر » الحديث، فوصفوه بأنه أبو البشر، وجاء في الأحاديث: أنه نبي، والنبي إنما يبعث بالتوحيد، فقد بعث آدم ﵇ إلى ذريته وهم على الفطرة، ولم يصدر منهم كفر، فأطاعوه.
وقد سبق تفنيد قول القائلين بوقوع الشرك في الألفاظ من آدم ﵇ فيما نسب إليه في تفسير قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا).
[ ١ / ٢٣٨ ]
المبحث الأول في بيان الشرك في قوم نوح
لما مات آدم ﵇ قام بأعباء الأمر بعده ولده شيث ﵇ ولم يكن هناك وجود للشرك على الصحيح.
فلما حانت وفاته أوصى إلى ابنه أنوش فقام بالأمر بعده، ثم بعده ولده قينن، ثم بعده ولده مهلائيل، فلما مات قام بالأمر ولده يرد.
ومما يذكره المؤرخون من الأحداث في هذه الفترة ما يلي:
قالوا: إن قابيل لما قتل هابيل وهرب من أبيه آدم إلى اليمن، أتاه إبليس، فقال له: إن هابيل إنما قُبل قربانه وأكلته النار؛ لأنه كان يخدم النار ويعبدها، فانصب أنت أيضًا نارًا تكون لك ولعقبك، فبنى بيت نار، فهو أول من نصب النار وعبدها.
وقالوا: فيما يرونه عن ابن عباس بسند فيه ابن الكلبي عن أبيه عن أبي صالح: بأن ابن عباس قال: في زمان يَرد عملت الأصنام، ورجع من رجع عن الإسلام.
فلما حضرت يرد الوفاة أوصى إلى ولده خنوخ - وهو إدريس ﵇ على المشهور - قال ابن كثير: (وكان أول بني آدم أعطي النبوة بعد آدم وشيث
[ ١ / ٢٣٩ ]
﵉)، قال تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا)، فإدريس ﵇ قد أثنى الله عليه ووصفه بالنبوة والصديقية، وهو خنوخ هذا، وهو في عمود نسب رسول الله ﷺ على ما ذكره غير واحد من علماء النسب، وكما ثبت في الصحيحين في حديث الإسراء: أن رسول الله ﷺ مر به وهو في السماء الرابعة - وفيه التصريح بالنبوة ـ.
ثم أرسل الله نوحًا ﵇، وهو النبي الثالث الذي ذكره الله في القرآن بعد آدم ﵇، وهو نوح بن لامك بن متوشلخ بن خنوخ - الذي هو إدريس - ابن يرد بن مهلائيل بن قينن بن آنوش بن شيث بن آدم أبي البشر ﵇.
وهو أول الرسل كما في حديث الشفاعة المشهور؛ حيث ورد فيه «يا نوح أنت أول الرسل إلى الأرض». وكما جاءت الآية التي تكلمت عن الرسل بتصديره؛ مثل قوله تعالى: (أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وِأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ).
وهكذا جاء ذكره في مواضع مدحه جل وعلا النبيين والمرسلين، كما قال
[ ١ / ٢٤٠ ]
تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا).
وبالجملة: فنوح ﵇ إنما بعثه الله تعالى لما عُبدت الأصنام والطواغيت، وشرع الناس في الضلال والكفر، فبعثه الله رحمة للعباد، فكان أول رسول بعث إلى أهل الأرض - كما يقوله أهل الموقف يوم القيامة - وقد ذكرت قصة نوح في عدة سور من القرآن، منها الأعراف، ويونس، وهود، والمؤمنون، والشعراء، وسورة نوح.
شرك قوم نوح:
ذكر الإمام ابن جرير الطبري فيه ثلاثة أقوال:
١ - كانوا قد أجمعوا على العمل بما يكرهه الله؛ من ركوب الفواحش، وشرب الخمور، والاشتغال بالملاهي عن طاعة الله عزوجل.
٢ - كانوا أهل طاعة بيوراسب، وكان بيوراسب أول من أظهر القول بقول الصابئين.
٣ - أما كتاب الله فإنه ينبئ عنهم أنهم كانوا أهل أوثان، وهو الصحيح من هذه الأقوال، وبقية الأقوال إنما هي مجرد ظن وتخمين من المؤرخين؛ فإن قوم نوح في الواقع كانوا قد أحدثوا الشرك وعبادة الأصنام، وكانوا يدعون ودًا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا، وذلك أن الله عزوجل يقول مخبرًا عن نوح: (قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١) وَمَكَرُوا
[ ١ / ٢٤١ ]
مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا).
وجاء في صحيح البخاري عن ابن عباس ﵁ في تفسير هذه الآية قال: هذه (أسماء قوم صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسوا إليها أنصابًا وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت».
قوله: (فلم تعبد) أي الأصنام. (حتى إذا هلك وتنسخ العلم عُبدت) و(تنسخ) من نسخ أي زال. وللكشميهني [نسخ العلم] أي درست آثاره بذهاب العلماء، وعم الجهل حتى صاروا لا يميزون بين التوحيد والشرك، فوقعوا في الشرك ظنًا منهم أنه ينفعهم عند الله، حيث اندرس العلم الذي من أجله صوروهم في معابدهم؛ وهو كثرة العبادة والحث عليها اقتداء بهم.
قال ابن القيم ﵀: (قال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم).
فثبت أن أصل الشرك في بني آدم - كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀
[ ١ / ٢٤٢ ]
(كان من الشرك بالبشر الصالحين المعظَّمِين؛ فإنهم لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم عَبَدوهم، فهذا أول شرك كان في بني آدم وكان في قوم نوح).
ولهذا جاء في كتاب (مجموعة التوحيد): (إن العكوف على القبور والتمسح بها وتقبيلها والدعاء عندها هو أصل الشرك وعبادة الأوثان).
كما جاء في كتاب صيحة الحق: (إن أصل عبادة الأوثان والأصنام عند جميع الأمم هو نُصُبْ وتماثيل أقاموا على قبور صالحيهم، فالعرب واليونان والرومان والمصريون والفرس والهنود والصينيون هؤلاء كانت الآلهة التي أخذوها وأوثانهم التي عكفوا على عبادتها أصلها نصب وتماثيل أقاموا على قبور صالحيهم؛ لتذكرهم بما كانوا يوصونهم به من الفضائل والخلق الكريم، فلما بعد العهد بهم خلف من بعدهم خلق نسوا ذلك الغرض، واتخذوها آلهة تعبد وتقرب إلى الله وتشفع عنده).
هكذا نسي الناس عهد الله، وخرجوا عن ملة التوحيد التي هي فطرة الله، ولم يبق في الأرض يومئذ من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا، فأرسل الله إليهم نبيه نوحًا ﵇ يدعوهم إلى الله عزوجل، وينذرهم عقابه إن استمروا على عبادتهم لتلك الآلهة المزعومة والباطلة، وطالت دعوته لهم ومقامه بينهم، وهو لا يفتأ يدعوهم ويذكرهم بالليل والنهار، سرًا وعلانية، ولكن لم يستجب لنوح ﵇ في ذلك المدى الطويل إلا نفر قليل من قومه، مع
[ ١ / ٢٤٣ ]
وضوح دعوته وظهور حجته وطول مثابرته، وأوحى الله عزوجل إليه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يعملون، وأمره أن يصنع الفلك بأعين الله ووحيه، وأن يحمل فيها من كل نوع من الدواب والحيوانات زوجين اثنين - الذكر والأنثى ـ، وأن يركبها هو والمؤمنون معه وأهله إلا من سبق عليه القول منهم. قال تعالى في بيان نتائجهم: (فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ).
[ ١ / ٢٤٤ ]
المبحث الثاني في بيان الشرك في قوم هود
الشرك بعد قوم نوح:
لا يعرف متى حدث الشرك بعد نوح ﵇، وكل الذي نعلمه من القرآن الكريم أن الله استخلف عادًا في الأرض بعد قوم نوح، قال تعالى على لسان هود ﵇: (وَاذكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلاء اللهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)، كما أننا لا ندري أيضًا كم مر من القرون بين نوح وهود ﵉، ولكن الآية تفيد أنه لم يكن بينهما رسول.
ويجيء دائمًا في القرآن الكريم قصة عاد بعد قصة قوم نوح مما يدل على ما ذكرناه من أن عادًا خلفت قوم نوح في الأرض، وأنه لم يكن بينهما أمم، ولا يمكن أن يقال هنا أكثر من هذا، فإن هذه أمور موغلة في القدم وعصور ما قبل التاريخ، فلا يجوز الكلام فيها بأزيد مما جاء به النص والسكوت عما وراء ذلك مما لا يضر الجهل به؛ إذ لو كان فيه فائدة لذكره الله ﷿ لنا. ولنأخذ الآن في بيان حال قوم هود ﵇ من الشرك والفساد.
أما هود ﵇ فهو: (هود بن عبد الله بن رباح بن الخلود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح)، وقيل: هو هود بن عوص بن إرم بن سام بن
[ ١ / ٢٤٥ ]
نوح، وعلى هذا يكون عاد أخا هود.
وقيل: هو عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، وكان يقال لهود: عابر، ورجح الإمام أبو جعفر ابن جرير الطبري القول الأول، ولعل هذا القول هو الصحيح، كما حققه الدكتور عبد الوهاب النجار في قصص الأنبياء، وأما القول الثاني فهو أبعد الأقوال.
أما عاد: فهو المعروف بعاد الأولى، قال تعالى: (وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى)، وسماها الأولى؛ لأنهم كانوا قبل ثمود، وقيل: لأنهم أول أمة هلكت بعد نوح، لقوله تعالى: (أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ)، فعند الترتيب التاريخي جاء بذكر ثمود بعد عاد الأولى.
مساكن عاد:
كانوا عربًا يسكنون الأحقاف، وهي جبال الرمل، وجمعه حقف، وهو ما استطال من الرمل العظيم واعوج، والجمع حقاف، وكانت باليمن من عمان وحضرموت بأرض مطلة على البحر يقال لها: الشحر، واسم واديهم:
[ ١ / ٢٤٦ ]
مغيث، وكانوا يسكنون كثيرًا في الخيام ذوات الأعمدة الضخام، كما قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ)، أي عاد إرم وهو عاد الأولى.
شرك عاد:
يفهم من قوله تعالى: (وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) أنهم أشركوا بالله في بعض أمور الربوبية، ولكن ما كانوا ينكرون ربوبية الله، والدليل عليه قوله تعالى حكاية عنهم: (إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ)، فيفهم منه أنهم كانوا يقرون بالله عزوجل، ولكنهم نسوا الرب جل وعلا، فاعتزوا بسلطانهم وقوتهم واغتروا بأبهتهم وعظمتهم، كما قال تعالى: (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ).
إذن، ما هو حقيقة الشرك في قوم عاد؟ يقول المؤرخون: كانوا أهل أوثان.
اختلفوا في بيان أوثانهم، فقال بعضهم: كانت أصنامهم ثلاثة: صدا، وصمودا، وهرا.
[ ١ / ٢٤٧ ]
وقيل: كانت أوثانهم: صداء، وصمود، والهباء.
وقيل: كانت أوثانهم: ضرا، وضمور، والهباء.
وعلى كلٍ: ثبت بهذه الروايات أنهم وقعوا في شرك العبادة والألوهية، وقد حباهم الله نعمًا وافرة، وخيرات لا تُحصى؛ ففجروا العيون وزرعوا الأرض، وشادوا القصور، وزادهم الله فوق ذلك بسطة في أجسامهم، وقوة في أبدانهم، ولكنهم لم يشكروا الله على آلائه، بل اتخذوا هذه الأصنام؛ يعبدونها ويستنصرون بها في الشدائد.
وأيضًا: كان من شرك القوم: ادعاء الضر والنفع في أصنامهم؛ حيث قالوا: (إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ)، وهذا من الشرك بالله في أمور الربوبية.
فبعث الله فيهم أخاهم هودًا ﵇، فكان من أوسطهم نسبًا، وأحسنهم خلقًا، وأرجحهم عقلًا، فدعاهم إلى عبادة الله وحده، ونبذ ما يعبدون من حجارة لا تجلب لهم نفعًا، ولا تدفع عنهم ضرًا.
فردَّ عليه الملأ من قومه أسوأ رد، واتهموه بشتى التهم، كما قال تعالى: (الَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ)، و(قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ).
[ ١ / ٢٤٨ ]
ولما طغت عاد، ولم ينفع التذكر ولا الإنذار فيهم، أرسل الله عليهم ريحًا صرصرًا فأهلكتهم، وجعلتهم عبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. قال تعالى: (وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ).
وبلغ بهم الحمقى منتهاه؛ حيث إنهم عندما رأوا السحاب فرحوا، وظنوا أنه مطر غزير جاء بعد أن حبسه الله عنهم بضع سنين، فلما أظلتهم سبحابة سوداء فزعوا، وزاد فزعهم عندما هبت ريح عقيم، قال تعالى: (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ).
ونجى الله هودًا والذين آمنوا معه، وما آمن معه إلا قليل، قال تعالى: (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ)، واستحق قوم عاد لعنة الله والملائكة والناس أجمعين؛ لأنهم أشركوا بالله وجحدوا بآياته، وعصوا رسله، واتبعوا وانقادوا لكل جبار ظالم، قال تعالى: (وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٥٩) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ).
[ ١ / ٢٤٩ ]
المبحث الثالث في بيان الشرك في قوم صالح ﵇
قوم صالح ﵇:
يجيء قوم صالح في الترتيب القرآني عقيب قصة هود في جميع المواضع التي ذكرت القصتان، ففي سورة الأعراف جاءت القصص على هذا الترتيب: نوح، ثم هود، ثم صالح. بل جاء على لسان صالح ﵇ في تلك السورة أنه قال لقومه: (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا).
وفي سورة (براءة) يقول سبحانه في صدد تذكير المنافقين بما حصل للمكذبين قبلهم: (أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وِأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ).
وكذلك الشأن في سورة هود والحجر والشعراء والقمر وغيرها، مما يدل على أن الأمتين (عاد وثمود) كانتا متقارنتين ومتقاربتين في الزمان، وأن ثمودًا كانت على علم بما جرى لأسلافهم - عاد - من العذاب والنكال، ولعل من المناسب أن نلمح بشيء من التعريف عن ثمود، من حيث نسبهم وديارهم، ومعتقدهم قبل بعثة صالح ﵇، فنقول:
[ ١ / ٢٥٠ ]
١ - نسبهم ومساكنهم:
ثمود: قبيلة نسبت إلى جدها (ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح).
وقيل: (ثمود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح).
وقيل: (ثمود بن جاثر بن إرم بن بسام بن نوح).
وعلى كلٍ: هم أول الأقوام بعد عاد، كما قال تعالى: (ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ)، قال ابن كثير: هم (ثمود؛ لقوله تعالى: (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ).
٢ - منازلهم:
الحجر، كما أخبر الله ﷿ في القرآن في قوله: (وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ).
قال ابن كثير: (وأصحاب الحجر: هم ثمود الذين كذبوا صالحًا نبيهم ﵇). جاء في كتاب معجم معالم الحجاز: (والحجر: اسم ديار ثمود بوادي القرى بين المدينة والشام، وتسمى اليوم بـ (مدائن صالح)، وتقع شمال المدينة النبوية، وتبعد عن المدينة بحوالي ٣٤٧ كم، وبالقرب منها تقع مدينة (العلا)، وتبعد شمال (العلا) بـ ٢٥ كم).
[ ١ / ٢٥١ ]
شرك قوم ثمود:
كانت قبيلة ثمود تدين بعبادة الأصنام، يشركونها مع الله في العبادة، كما هو شأن أهل الكفر والوثنية، لقد كانت أرضهم جنات وعيون، ومنازلهم بيوتًا فارهة وقصورًا شامخة، وكانوا سادة الناس وملوك الأرض، لكنهم لم يشكروا الله على نعمه، بل زادوا فسادًا وبعدًا عن الحق؛ أشرًا وبطرًا، وعبدوا الأصنام من دون الله جلت قدرته، وزيادة على ذلك كان هناك لون آخر من ألوان الشرك ورد ذكره عن قوم صالح وهو التطير، وأصله مأخوذ من التطير بالسوانح، والبوارح من الطير والظباء وغيرهما، ثم يستعمل في كل ما يتفاءل به ويتشاءم.
وقد دل كونه شركًا حديث ابن مسعود ﵁ مرفوعًا: «الطيرة شرك، الطيرة شرك، الطيرة شرك - ثلاثًاـ» الحديث.
والطيرة تعد من الشرك لأنهم كانوا يعتقدون أنها تجلب لهم نفعًا أو تدفع عنهم ضرًا، إذا عملوا بموجبه، فكأنهم أشركوا بالله ﷿.
[ ١ / ٢٥٢ ]
وحديث القرآن عن تطير قوم صالح ورد في قوله تعالى: (قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ)، فهذا كان شركهم بالله بالتطير من غيره سبحانه، مع شركهم بالله بعبادة غيره.
فبعث الله فيهم أخاهم صالحًا (وهو صالح بن ماسح بن عبيد بن حاجر بن ثمود بن عابر بن إرم بن نوح) أو (هو صالح بن عبيد بن آسف بن ماشخ بن عبيد بن حاذر بن ثمود)، فنهاهم نبي الله صالح ﵇ عن عبادة الأوثان، ودعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، قال تعالى: (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ)، وقال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ).
والملأ من قوم ثمود كعادة الملأ في كل عصر ومصر، كذبوا نبيهم، واستغربوا كيف ينهاهم صالح ﵇ عن آلهتهم التي ورثوا عبادتها عن آبائهم وأجدادهم، قال تعالى: (قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ)، وقال: (قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (١٨٦) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ
[ ١ / ٢٥٣ ]
الصَّادِقِينَ)، فأعطى الله الناقة لثمود آية مبصرة؛ قال تعالى: (وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا)، وقال: (فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ).
وقد كان الله لثمود بالمرصاد، لقد أخذهم بالصيحة أخذ عزيز مقتدر، قال تعالى: (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ).
هكذا أضافت ثمود إلى سجل المشركين من بني آدم صفحة ملطخة بالظلم والوثنية والطغيان الكبير.
[ ١ / ٢٥٤ ]
المبحث الرابع في بيان الشرك في قوم إبراهيم ﵇
قوم إبراهيم ﵇:
ثم بعد أن تطاولت الأزمان أرسل الله رسوله إبراهيم ﵇ خليل الرحمن، وقد جاءت قصة هذا النبي الكريم في الترتيب القصصي للقرآن بعد قصة صالح ﵇، فقد جاء في سورة براءة قوله تعالى: (أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ)، وفي سورة فاطر: (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (٢٥) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ).
ويعتبر إبراهيم ﵇ ابتداء عهد جديد للتوحيد؛ فكل من كان على وجه الأرض كانوا كفارًا سوى إبراهيم الخليل وامرأته، وابن أخيه لوط ﵈، فلنتعرف على إبراهيم من هو؟ وإلى من بُعث؟ وكيف كان شرك قومه؟ وكيف عالجه إبراهيم ﵇؟ وفيما يلي بيان ذلك باختصار:
١ - التعريف بإبراهيم ﵇:
هو إبراهيم بن آزر - أو تارخ - بن ناحور بن ساروغ بن راعو بن فالغ بن عابر ابن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح ﵇.
[ ١ / ٢٥٥ ]
وقيل: هو إبراهيم بن تارخ بن ناخور بن ساروغ بن أرغو بن فالغ بن عابر بن شالخ بن قينان بن أرفخشد بن سام بن نوح ﵇.
واختلفوا في الموضع الذي كان منه، والمكان الذي ولد فيه.
فقال بعضهم: كان مولده بالسوس من أرض الأهواز، وقيل: أنه ولد بغوطة دمشق في قرية يقال لها: برزة في جبال قاسيون، وهو مروي عن ابن عباس. وقال بعضهم: كان مولده بالوركاء من ناحية الزوابي وحدود كسكر، ثم نقله أبوه إلى الموضع الذي كان به نمرود من ناحية كوثى. وقال بعضهم: كان بالسواد بناحية كوثى. وقال بعضهم: كان مولده بحران، ولكن أباه نقله إلى أرض بابل. وقال بعضهم: كان مولده ببابل من أرض السواد وهو الذي صححه ابن كثير، ورواه عن ابن عساكر من غير وجه عن عكرمة، بأنه ولد إلى أرض الكلدانيين - يعنون أرض بابل ـ.
واختلف المؤرخون في اسم أبي إبراهيم هل هو آزر أم تارح؟
والصحيح أن اسمه آزر، لقوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ (٧٤)، وقول الرسول ﷺ: «يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة » الحديث.
[ ١ / ٢٥٦ ]
وقال ابن جرير ﵀: والصواب أن اسمه آزر، ولعل له اسمان علمان، أو أحدهما لقب والآخر علم، وقال ابن كثير: (هذا الذي قاله - ابن جرير - جيد قوي. والله أعلم).
٢ - بيان من أُرسل إليهم إبراهيم ﵇:
سبق ذكر اختلاف المؤرخين في مكان ولادته، ولعل منشأ هذا الخلاف: وجود الروايات على أن إبراهيم ﵇ قام بدعوته في أرض الكلدانيين، كما أنه قام بدوره في أرض الكنعانيين، وكما يدل بعض الروايات على أنه بلّغ رسالته في أهل حران، وكان النبي يُبعث إلى قومه، فاختلف المؤرخون في مكان ولادته لما رأوا تعدد أماكن دعوته، ولكن الصحيح: أنه ولد بأرض الكلدانيين وهي أرض بابل وما والها، ثم ارتحل إلى أرض الكنعانيين وهي بلاد بيت المقدس، فأقام بحران، وهي أرض الكشدانيين في ذلك الزمان، وكذلك أرض الجزيرة والشام أيضًا.
شرك قوم إبراهيم ﵇:
قوم إبراهيم ﵇: هم الصابئة.
لقد وجد في هؤلاء القوم نوعان من الشرك؛ وهما الشرك في الربوبية، والشرك في الألوهية، أما الشرك في الربوبية: فقد ادعى الربوبية ملكهم ـ
[ ١ / ٢٥٧ ]
نمرود بن كوش - وهو أحد العبيد الضعفاء ـ، قال تعالى في حكاية مناظرة خليله مع هذا الملك الجبار المتمرد الذي ادعى لنفسه الربوبية: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨)﴾.
وأيضًا: كان من شركهم في الربوبية: اعتقاد تأثير بعض الأشياء بخفاء مما لا يعلم له سبب ظاهر، فإن هذا النوع من الشرك إنما حدث أول مرة في الكلدانيين - الذي كانوا يعتقدون تأثير الكواكب في السفليات - كما سيأتي:
وأما أصل شركهم فكان بعبادة الكواكب والشمس والقمر، وكان في بابل مع هذا: عبادة الأصنام، فكانوا يعبدون الحجارة الصماء والثماثيل البكماء، وكان أهل حران يعبدون الكواكب السبعة في عهده ﵇، فدعا أهل بابل إلى عبادة الله وحده، ثم انتقل إلى حران.
قال ابن كثير: (ثم ارتحل إبراهيم وأهله قاصدين إلى أرض الكنعانيين وهي بلاد بيت المقدس، فأقاموا بحران، وكانوا يعبدون الكواكب السبعة، والذين عمروا مدينة دمشق كانوا على هذا الدين؛ يستقبلون القطب الشمالي، ويعبدون الكواكب السبعة بأنواع من الفعال والمقال، ولهذا كان على كل باب من أبواب دمشق القديمة هيكل لكوكب منها، ويعملون له أعيادًا وقرابين، ولهذا كان أهل حران يعبدون الكواكب والأصنام. وكل من كان على وجه
[ ١ / ٢٥٨ ]
الأرض كانوا كفارًا سوى إبراهيم الخليل وامرأته وابن أخيه لوط، وكان الخليل هو الذي أزال الله به تلك الشرور، وأبطل به ذلك الضلال).
وكان قوم إبراهيم - أهل بابل - ينحتون من الخشب والحجارة، ويصورونها ويجعلونها أصنامًا، كما بيَّن الله ﷾ في كتابه حكاية عن إبراهيم: (أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)، وقوله تعالى: (إِذْ قَالَ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢)، وقوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً)، وقال: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إبراهيم إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا (٤١) إِذْ قَالَ لابِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا (٤٢).
والمقصود: أن في زمان إبراهيم كان الناس يعبدون الكواكب كما كان الناس في زمن نوح يعبدون تماثيل الصالحين، لكن الناس في عهد إبراهيم عبدوا الأصنام والكواكب.
وذكر الرازي السبب الذي دعا الناس إلى عبادة هذه الأجرام السماوية، فقال: (إن الناس رأو تغييرات أحوال هذا العالم مربوط بتغييرات الكواكب، ثم إنهم رصدوا أحوال سائر الكواكب فاعتقدوا أن ارتباط السعادة والنحوسة في الدنيا بكيفية وقوعها في طوالع الناس، فلما اعتقدوا ذلك بالغوا في تعظيمها، فمنهم من قال: إنها أشياء واجبة الوجود لذاتها، وهي التي خلقت
[ ١ / ٢٥٩ ]
هذه العوالم، ومنهم من اعتقد أنها مخلوقة للإله الأكبر، ولكنها خالقة لهذا العالم، فالأولون اعتقدوا أنها هي الوسائط بين الله تعالى وبين البشر، فلا جرم اشتغلوا بعبادتها والخضوع لها، ثم لما رأوا الكواكب مستترة في أكثر الأوقات عن الأبصار اتخذوا لها أصنامًا وأقبلوا على عبادتها قاصدين بتلك العبادات تلك الأجرام العلوية ومتقربين إلى أشباحها الغائبة، ثم لما طالت المدة ألغوا ذكر الكواكب، وتجردوا لعبادة تلك التماثيل، فهؤلاء في الحقيقة عبدة الكواكب).
وذكر الله تعالى مناظرة إبراهيم ﵇ لقومه من عباد الكواكب، وبيَّن إبراهيم ﵇ لهم أن هذه الأجرام السماوية المشاهدة لا تصلح للألوهية ولا أن تعبد مع الله ﷿؛ لأنها مخلوقة مدبَّرة تطلع تارة وتأفل أخرى، فتغيب عن هذا العالم، والرب تعالى لا يغيب عنه شيء، ولا تخفى عنه خافية، قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧).
وقد كانت مواقف إبراهيم ﵇ مع قومه متعددة، فتارة يحاج والده، وتارة يحاج الجمهور، وتارة يحاج الملك، وتارة يفعل ما يستفزهم به إلى محاجته، كتكسير الأصنام ليكلموه في شأنها، إلى أن أوقدوا النار لتحريقه، فنجاته منها بعد أن ألقي فيها، فهجرته.
فإنه بعد أن جهد الجهد كله في سبيل هداية قومه، وبعد أن حاول أن
[ ١ / ٢٦٠ ]
يقنعهم بكل وسائل الإقناع، لم يحل من قومه بطائل، وجفاء قومه، وألقوه في النار، فجعلها الله تعالى بردًا وسلامًا عليه، وهدده أبوه بأن يرجمه إذا استمر على جحد الأصنام، ولم يؤمن له من قومه سوى زوجته سارة ولوط بن هاران ابن أخيه، فتبرأ إبراهيم من أبيه، ولم يطلب له المقام بين أهله وقومه، فذهب إلى ديار الكلدانيين، ثم حران، ثم رحل إبراهيم بعد ذلك إلى فلسطين غريبًا ومعه زوجته سارة وابن أخيه لوط، كما قال تعالى: (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).
وسكن إبراهيم ﵇ ولوط ﵇ في تلك الأنحاء وكانت أرض الكنعانيين، ولكنه لم يطل المقام، بل انتقل إلى مصر، وذلك في عهد جبار من الفراعنة، فأظهر أن التي معه أخته، وأراد الملك أخذها زوجة ولكنه فشل - بفضل الله وبعونه ـ، بل زيادة عليه أخدمها هاجر، فأعطتها لإبراهيم، فلما دخل بها أتت منه بغلام هو إسماعيل ﵇، فأسكنه إبراهيم ﵇ عند بيت الله المحرم، ثم عاد يسكن بالشام.
بيان مذهب الصابئة:
فيما يلي بيان مذاهب الصابئة؛ حتى يتضح موقف إبراهيم ﵇ وبيان ما كان عندهم من أنواع الشرك.
هذه المذاهب كانت في القديم من أعظم الأديان انتشارًا في العالم، وكان منشؤها العراق وكعبتها حران، وهي في الأصل دين الكواكب السبعة والاثني عشر، ولتلك الكواكب هياكل مخصوصة، وهي المتعبدات الكبار يصورون
[ ١ / ٢٦١ ]
فيها تلك الكواكب، ولهم زيادة على ذلك هيكل ثامن يسمونه هيكل العلة الأولى، وهم خمس فرق:
١ - ما يسمى بالصابئة المعتدلة:
وهم الذين يسوون بين الأديان، ويقتبسون الفضائل ويلتزمون الحدود، ويحرمون المحرمات، ويؤمنون ببعض بشارات الأنبياء، ويتشددون كثيرًا في الطهارات، وهي طهارة البدن والثياب.
٢ - الصابئة المنكرون: وهم الذين لا يدينون بشيء في هذا الكون، وإنما يؤمنون بوجود الصانع الحكيم.
٣ - الصابئة المشركة: وهي أقدم فرق الصابئة، يقولون: إن للعالم صانعًا فاطرًا حكيمًا مقدسًا عن سمات الحدثان، والبشر مفتقر إلى معرفته افتقارهم إلى طاعته وأوامره، ومحتاج في ذلك إلى متوسط يتقرب به إلى غير جسماني، لأن الوسائط الجسمانية بشرية تنتابها الأعراض، خاضعة لأحكام المادة.
أما الوسائط الروحانية المقربة لديه فيجب أن تكون مقدسة .. وتسمى الوسائط أربابًا، وآلهة، ووسائل، وشفعاء عند الله رب الأرباب وإله الآلهة.
ويقولون: إن لكل روحاني من الروحانيات العلوية جرمًا سماويًا، وهو هيكله، فهو مدبره والمتصرف فيه، وقالوا: لا سبيل إلى الروحاني بعينه، فأوجبوا التقرب إلى هيكله بكل عبادة وقربان، وقالوا عن الكواكب السبعة: زحل، والمشترى، والمريخ، والشمس، والقمر، والزهرة، وعطارد: هي
[ ١ / ٢٦٢ ]
قوة مدبرة لهذا العالم تصدر أوامرها إلى الملأ الأعلى. فنصبوا لها الأصنام على صورها، وأقاموا لها الهياكل وعكفوا على عبادتها.
قال ابن القيم: (والمشركون منهم يعظمون الكواكب السبعة، والبروج الاثني عشرة، ويصورونها في هياكلهم، ولتلك الكواكب عندهم هياكل مخصوصة، وهي المتعبدات الكبار، كالكنائس للنصارى والبيع لليهود، فلهم هيكل كبير للشمس، وهيكل للقمر، وهيكل للزهرة، وهيكل للمشتري، وهيكل للمريخ، وهيكل لعطارد، وهيكل لزحل، وهيكل للعلة الأولى. ولهذه الكواكب عندهم عبادات ودعوات مخصوصة، ويصورونها في تلك الهياكل، ويتخذون لها أصنامًا تخصها، ويقربون لها القرابين، ولها صلوات خمس في اليوم والليلة نحو صلوات المسلمين).
وقالوا: لا سبيل لنا إلى الوصول إلى جلاله إلا بالوسائط، فالواجب علينا أن نتقرب إليه بتوسطات الروحانيات القريبة منه، وهم الروحانيون المقربون المقدسون عن المواد الجسمانية، وعن القوى الجسدانية، بل قد جبلوا على الطهارة، فنحن نتقرب إليهم، ونتقرب بهم إليه، فهم أربابنا وآلهتنا وشفعاؤنا عند رب الأرباب وإله الآلهة، فما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فالواجب علينا أن نطهر نفوسنا عن الشهوات الطبيعية، ونهذب أخلاقنا عن علائق القوى الغضبية؛ حتى تحصل المناسبة بيننا وبين الرواحنيات، وتتصل أرواحنا بهم، فحينئذ نسأل حاجتنا منهم، ونعرض أحوالنا عليهم، ونصبوا في جميع أمورنا إليهم، فيشفعون لنا إلى إلهنا، وإلههم.
[ ١ / ٢٦٣ ]
وهذا التطهير والتهذيب لا يحصل إلا باستمداد من جهة الروحانيات، وذلك بالتضرع والابتهال بالدعوات، من الصلوات والزكوات، وذبح القرابين، والبخورات والعزائم، فحينئذ يحصل لنفوسنا استعداد من غير واسطة الرسل، بل نأخذ من المعدن الذي أخذت منه الرسل، فيكون حكمنا وحكمهم واحدًا، ونحن وإياهم بمنزلة واحدة.
قالوا: والأنبياء أمثالنا في النوع وشركاؤنا في المادة، وأشكالنا في الصورة، يأكلون مما نأكل ويشربون مما نشرب، وما هم إلا بشر مثلنا يريدون أن يتفضلوا علينا.
والمقصود: أن هؤلاء كفروا بالأصلين اللذين جاءت بهما جميع الرسل والأنبياء، من أولهم إلى آخرهم؛ أحدهما: عبادة الله وحده لا شريك له، والكفر بما يعبد من دونه من إله.
الثاني: الإيمان برسله، وما جاؤوا به من عند الله، تصديقًا وإقرارًا وانقيادًا وامتثالًا. وليس هذا مختصًا بمشركي الصابئة - كما غلط فيه كثير من أرباب المقالات - بل هذا مذهب المشركين من سائر الأمم، لكن شرك الصابئة كان من جهة الكواكب والعلويات .
وهم قوم إبراهيم ﵇، الذين ناظرهم في بطلان الشرك، وكسر حجتهم بعلمه، وآلهتهم بيده، فطلبوا تحريفه. وهو مذهب قديم في العالم وأهله طوائف شتى، فمنهم عباد الشمس، زعموا أنها ملك من الملائكة، لها نفس وعقل، وهي أصل نور القمر والكواكب، وتكون الموجودات السفلية كلها عندهم منها، وهي عندهم ملك الفلك فيستحق التعظيم والسجود
[ ١ / ٢٦٤ ]
والدعاء.
ومن شريعتهم في عبادتها: أنهم اتخذوا لها صنمًا بيده جوهرة على لون النار، وله بيت خاص قد بنوه باسمه، وجعلوا له الوقوف الكثيرة من القرى والضياع، وله سدنة وقوام وحجبة، يأتون البيت ويصلون فيه لها ثلاث كرات في اليوم، ويأتيه أصحاب العاهات، فيصومون لذلك الصنم ويصلون، ويدعون، ويستسقون به، وهم إذا طلعت الشمس سجدوا كلهم لها، وإذا غربت وإذا توسطت الفلك، ولهذا يقارنها الشيطان في هذه الأوقات الثلاثة؛ لتقع عبادتهم وسجودهم له، ولهذا نهى النبي ﷺ عن تحري الصلاة في هذه الأوقات؛ قطعًا لمشابهة الكفار ظاهرًا، وسدًا لذريعة الشرك وعبادة الأصنام.
وطائفة أخرى اتخذت للقمر صنعًا، وزعموا أنه يستحق التعظيم والعبادة، وإليه تدبير هذا العالم السفلي، ومن شريعة عبّاده: أنهم اتخذوا له صنمًا على شكل عجل يجره أربعة، وبيد الصنم جوهرة، ويعبدونه ويسجدون له، ويصومون له أيامًا معلومة من كل شهر، ثم يأتون إليه بالطعام والشراب والفرح والسرور، فإذا فرغوا من الأكل أخذوا في الرقص والغناء وأصوات المعازف بين يديه.
ومنهم من يعبد أصنامًا اتخذوها على صورة الكواكب، وروحانيتها بزعمهم؛ وبنوا لها هياكل ومتعبدات، لكل كوكب منها هيكل يخصه، وصنم يخصه، وعبادة تخصه.
٤ - أما الصابئة الحنفاء: فهؤلاء يرجعون في الدين إلى الاعتقاد بأن البشر محتاج في المعرفة والطاعة إلى متوسط من جنس البشر تكون درجته في
[ ١ / ٢٦٥ ]
الطهارة والعصمة والتأييد والحكمة فوق الروحانيات، يماثلنا من حيث البشرية، ويمتاز عنا من حيث الروحانية، فيتلقى الوحي بطرف الروحانية، ويلقن الإنسان بطرف البشرية.
ولهم عبادات من الصلوات والصيام مثل ما يفعله المسلمون، ولهم أعياد عند نزول الكواكب الخمسة المتحيرة بيوت أشرافها؛ وهي: زحل والمشتري والمريخ والزهرة وعطارد، ويعظمون بيت مكة، ويفرضون الحج إليها، ويعتقدون أنها من بناء هرمس أو إدريس ﵇، وأنها بيت زحل أعلى الكواكب السيارة، وينقل عنهم عارفوهم أنهم قرأوا صفة محمد ﷺ في كتبهم، ويسمونه عندهم: ملك العرب.
فهؤلاء هم الحنفاء منهم، فقيل: انقرض دورهم، وإنما الذين بقوا من الصابئة غير هذه الطائفة، خصوصًا منهم: الصابئة المشركة. قال أبو محمد ابن حزم: (وكان الذي ينتحله الصابئون أقدم الأديان على وجه الدهر، والغالب على الدنيا، إلى أن أحدثوا الحوادث، وبدلوا شرائعه، فبعث الله إليهم إبراهيم خليله بدين الإسلام، الذي نحن عليه اليوم، وتصحيح ما أفسدوه، وبالحنيفية السمحة التي أتانا بها محمد رسول الله ﷺ من عند الله تعالى، وكانوا في ذلك الزمان وبعده يسمون: الحنفاء).
وعلى هذا المذهب كان جماعة من أعيان الدولة ببغداد، وأصل دين هؤلاء - فيما زعموا - أنهم يأخذون بمحاسن ديانات العالم ومذاهبهم،
[ ١ / ٢٦٦ ]
ويخرجون من قبيح ما هم عليه قولًا وعملًا، ولهذا سموا صابئة؛ أي خارجين، فقد خرجوا عن تقيدهم بجملة كل دين وتفصيله، إلا ما رأوه فيه من الحق، وكانت كفار قريش تسمي النبي ﷺ الصابئ، وأصحابه: الصبأة.
والمقصود: أن هذه الأمة قد شاركت جميع الأمم وفارقتهم، فالحنفاء منهم شاركوا أهل الإسلام في الحنيفية، والمشركون منهم شاركوا عباد الأصنام ورأوا أنهم على صواب.
وقد ناظرهم إمام الحنفاء صلوات الله وسلامه عليه في بطلان ما يعبدون من دون الله بما حكاه الله سبحانه في سورة الأنعام أحسن مناظرة وأبينها، ظهرت فيها حجته ودحضت، فقال بعد أن بيّن بطلان إلهية الكواكب والقمر والشمس بأفوالها، وأن الإله لا يليق به أن يغيب أو يأفل، بل لا يكون إلا شاهدًا غير غائب، كما لا يكون إلا غالبًا قاهرًا، غير مغلوب ولا مقهور، نافعًا لعابده، يملك لعابده الضر والنفع، فيسمع كلامه، ويرى مكانه، ويهديه ويرشده، ويدفع عنه كل ما يضره ويؤذيه، وذلك ليس إلا لله وحده، فكل معبود سواه باطل.
فلما رأى إمام الحنفاء أن الشمس والقمر والكواكب ليست بهذه المثابة صعد منها إلى فاطرها وخالقها ومبدعها، قال: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ).
[ ١ / ٢٦٧ ]
٥ - أما الصابئة الفلاسفة: فهم طائفة كانوا لا يعتقدون بشريعة معينة، ولا يلتزمون مذهبًا خاصًا، بل يؤمنون بروحانية الكواكب فقط، ويأخذون بمحاسن ما دلت عليه العقول - بزعمهم - سواء وافق الأديان أم لم يوافقها، وهي تعرف الدين بأثره، فإن أورث السلامة والرحمة والكف عن الأذى فهو الحق، وإن أورث الفساد والظلم فهو باطل.
قال ابن القيم: (وأكثر هذه الأمة فلاسفة، والفلاسفة يأخذون من كل دين - بزعمهم - محاسن ما دلت عليه العقول، وعقلاؤهم يوجبون اتباع الأنبياء وشرائعهم، وبعضهم لا يوجب ذلك ولا يحرمه، وسفهاؤهم وسفلتهم يمنعون ذلك). وهم - الدهرية - الذين يقولون: ما هي إلا حياتنا الدنيا وما يهلكنا إلا الدهر، ففشت هذه العقيدة عن طريق هؤلاء الفلاسفة، وهو تعطيل المصنوع عن الصانع.
قال ابن القيم: (والمقصود: أن الصابئة فرق؛ صابئة حنفاء، وصابئة مشركون، وصابئة فلاسفة، وصابئة يأخذون بمحاسن ما عليه أهل الملل والنحل، من غير تقيد بملة ولا نحلة، ثم منهم من يقر بالنبوات جملة، ويتوقف في التفصيل، ومنهم من يقر بها جملة وتفصيلًا، ومنهم من ينكرها جملة وتفصيلًا) فهذا هو حقيقة الشرك في قوم إبراهيم ﵇.
[ ١ / ٢٦٨ ]
المبحث الخامس في بيان الشرك في قوم لوط ﵇
قوم لوط ﵇:
ومما وقع في حياة إبراهيم الخليل ﵇ من الأمور العظيمة قصة لوط ﵇ وما حل بقومه من النقمة الغميمة؛ وذلك أنه لما آمن لوط بن هاران بن آزر بدعوة عمه إبراهيم ﵇، وهاجر معه إلى بابل، كما قال تعالى: (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)، وصاحبه في جميع رحلاته، استقر أخيرًا في سدوم من أرض غور زغر بعد عودتهم من مصر، وفيما يلي بيان حال لوط ﵇ وقومه:
نسبه ﵇ ومكانه:
هو نبي الله تعالى لوط بن هاران بن آزر - وهو ابن أخي إبراهيم الخليل ﵇ آمن بإبراهيم ﵇ واهتدى بهديه، وقد بعثه الله إلى أرض سدوم، وكانت قرية من الأردن. يذكر المؤرخون أن قوم لوط أمة عظيمة
[ ١ / ٢٦٩ ]
عاشت في حياة إبراهيم ﵇، وكانوا يسكنون سدوم، وهي أكبر قرى قوم لوط الأربعة، وهي: (صنعة، وصعوة، وعثرة، ودوما).
ويذكر ابن كثير في تفسيره: بأن (مكان هذه القرى قد تحول بفعل العذاب إلى بحيرة منتنة خبيثة، وهي مشهورة ببلد الغور، متاخمة لجبال بيت المقدس بينها وبين بلاد الكرك والشوبك).
ومن المؤرخين من يحدد مكانها حاليًا بالبحر الميت، أو بحيرة لوط.
ويرى بعض العلماء أن البحر الميت لم يكن موجودًا قبل هذا الحادث، وإنما حدث بالزلزال الذي جعل عالي البلاد سافلها، وصارت أخفض من سطح البحر بنحو أربعمائة متر، وفي هذا العصر اكتشف أن آثار مدن قوم لوط تقع على حافة البحر الميت.
معتقد قومه ومعصيتهم (الشرك في هؤلاء القوم):
كانوا أفجر الناس، وأخبثهم سيرة وسريرة، وأسوأهم طوية، فقد أضافوا إلى ما كان منهم من الشرك رذائل أخرى هي من أشنع الرذائل، فكانوا يحاربون الله وأنبياءه ويسعون في الأرض فسادًا، ويقطعون الطريق، ويخونون الصديق، وكان من أخطرها ابتداع فاحشة اللواط في المجتمع الإنساني بإتيانهم الذكران من العالمين، وترك ما أحله الله تعالى لهم، وما خلق لهم من أزواجهم، استعاضة منهم بالحرام عن الحلال، واستبدال الخبيث بالطيب، ورغبة في الرذالة عن الطهارة، ومع هذا تعروا من كل فضيلة،
[ ١ / ٢٧٠ ]
وتلبسوا بكل رذيلة، فنزعوا عنهم جلابيب الحياء، واتفق في حقهم أنهم كانوا من أشر أهل الأرض طوية وأفسدهم سريرة، وأرداهم خلاقًا، لا يستحيون من منكر، بل يأتون في ناديهم المنكر جهارًا وعلنًا دون حياء أو خجل، ولا يتعففون عن معصية، بل ويأتونها على رؤوس الأشهاد دون وازع من دين أو تأنيب ضمير؛ يسفاد هذا مما قصه الله تعالى علينا من أخبارهم، وكفى باستيائه ﵇ من مجيء أضيافه خوفًا من انتهاك كرامتهم من قبل المكذبين من قومه شاهدًا على جرمهم، كما قال تعالى: (وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ).
وكان من خصالهم ما يلي:
تصفيف الشعر، وحل الإزار، ورمي البندق، والخذف بالحصى، واللعب بالحمام والطيارة، والنرد، والشطرنج، والصفير بالأصابع، وفرقة العلك، وإسبال الإزار، (أي إذا لبسوه)، وحل أزار الأقبية، وإدمان شرب الخمر، وإتيان الذكور، والتضارط في مجالسهم.
وهذه الخصال كلها أو بعضها معنية بالآية التي ذكرت في سورة العنكبوت: (وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ)، وقد قال الإمام ابن
[ ١ / ٢٧١ ]
جرير الطبري: (إن الصواب من القول من ذلك عندي قول من قال: عني بالمنكر خذوفهم من مر بهم وسخريتهم منه).
وعلى كلٍ: قد أتوا من الفواحش التي ما سبقهم بها أحد من العالمين، فدعاهم أخوهم لوط إلى الله ﷿، ونهاهم عن فعل الفاحشة، وإتيان المنكر في ناديهم، فما كان جواب قومه على هذه الدعوة الخالصة والنصيحة المشفقة إلا الصدود والإعراض عن دعوته، بل هددوه بالإخراج من قريتهم، وقالوا له: (لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ)، وبينوا السبب بقولهم: (إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ)؛ أي أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويدعون إلى توحيد الله وعدم الإشراك به، وينكرون علينا إتيان الذكران من العالمين، ويجتنبون الفواحش والبغي والإثم.
فأعلن لوط البراءة منهم، وقال: (إِنِّي لِعَمَلِكُم مِّنَ الْقَالِينَ)، وقال لما نفذ صبره: (رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ)، ودعا الله ﷿ أن ينجيه وأهله مما يعملون، فنجاه الله وأهله أجمعين، إلا امرأته فإنها كانت على دين قومها، وكانت تخونه وتدلهم على أضيافه، فكانت من الغابرين؛ أي الباقين في العذاب، فلما أراد الله ﷿ إهلاكهم أرسل الله إليهم جندًا من الملائكة ليرسلوا عليهم حجارة من طين مسومة عند ربك للمسرفين. قال تعالى: (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا
[ ١ / ٢٧٢ ]
حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ).
هذا ما ذكره الله ﷿ من حال قوم لوط، فهل كان فيهم الإشراك بالله؟ اختلفوا فيه على قولين:
القول الأول: وقف بعض العلماء على ظاهر ما قصه الله علينا من خبر نبيه لوط ﵇؛ حيث اقتصر ظاهر الآيات على النهي من ارتكاب الفاحشة والتحذير من عاقبتها، فيستنبط من خلالها أن القوم ليس فيهم شرك وإلا لنهوا عنه، وأمروا بعبادة الله تعالى وحده، وهذا ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية في بعض مصنفاته؛ إذ يقول بعد أن ذكر هلاك قوم صالح وأهل مدين: (وقوم لوط ذكر عنهم استحلال الفاحشة، ولم يُذَكَّرُوا بالتوحيد بخلاف سائر الأمم، وهذا يدل على أنهم لم يكونوا مشركين).
القول الثاني: نظر بعض المفسرين إلى الأصول العامة لدعوة الرسل ﵈، وأهمها الدعوة إلى توحيد الله تعالى، كما جاء في سورة الأنعام في قوله تعالى: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) - إلى قوله تعالى ـ: لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، وكما جاء في سورة الأنبياء في قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ).
فبناء على هذا نصوا على أنه ﵇ نهى قومه عن الشرك، ومن ذلك: ما ذكره ابن كثير في قوله: (دعاهم إلى الله تعالى أن يعبدوه وحده لا شريك له،
[ ١ / ٢٧٣ ]
وأن يطيعوا رسولهم الذي بعثه الله إليهم، ونهاهم عن معصية الله وارتكاب ما كانوا قد ابتدعوا في العالم مما لم يسبقهم أحد من الخلائق إلى فعله من إتيان الذكور دون الإناث).
وهكذا جاء في تاريخه قوله: (فدعاهم لوط إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، ونهاهم عن تعاطي هذه المحرمات والفواحش المنكرات والأفاعيل المستقبحات).
وأورد القرطبي في تفسيره عن ابن عباس ﵁ في ذكر معاصي قوم لوط، فقال بعد تعدادها: (ومع هذا كله كانوا يشركون بالله تعالى، وهم أول من ظهر على أيديهم اللوطية والسحاق).
ثم هو ﵇ بدأهم بالأمر بتقوى الله، وأعلمهم بأنه رسول الله، وأن من حق الرسول أن يطاع فيما يخبرهم به من مناهج العبادة لله وحده، ثم أتبع ذلك أن بيَّن لهم بعض مناهجهم المخالفة لأمر الله تعالى، كما جاء في قوله تعالى: (كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٤) أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ).
فهو ﵇ جعل معاني العقيدة في المقام الأول، وربط المفاسد
[ ١ / ٢٧٤ ]
الخطيرة في المجتمع بمعاني العقيدة.
واستدل محمد رشيد رضا في المنار على أن لوطًا ﵇ قد دعا قومه إلى توحيد الله تعالى، وأنه لم يترك تحذيرهم من الشرك، بدلالة سياق الآيات؛ إذ يقول عند تفسيره لقوله تعالى: (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ): (النسق الذي قبل هذا يقتضي أن يكون المعنى: وأرسلنا لوطًا، ولكن حذف هنا متعلق الإرسال وركنه الأول وهو توحيد العبادة للعلم له بما قبله، ومما ذكر في غير هذه السورة، أي: أرسلناه في الوقت الذي أنكر على قومه بفعل الفاحشة فيما بلغهم من دعوى الرسالة).
ونظر بعض المفسرين إلى التوافق الزمني بين لوط والخليل إبراهيم ﵉، وإيمان لوط بإبراهيم كما جاء في قوله تعالى: (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)، فقال: إن النسب في عدم التصريح بدعوة لوط ﵇ قومه إلى التوحيد؛ لأن لوطًا ﵇ كان له قوم، وكان قومه على قرب من قوم إبراهيم وفي زمانه، وقد سبقه إبراهيم ﵇ بالدعوة إلى التوحيد ونبذ الشرك، واجتهد فيه حتى اشتهر
[ ١ / ٢٧٥ ]
إبراهيم ﵇ بالدعوة إليه تعالى عند الخلق قاطبة، فلم يذكر على لسان لوط ﵇ التصريح بالدعوة إلى توحيده استغناءً بما قام به إبراهيم ﵇، وإنما ذكر ما اختص به لوط ﵇ من المنع عن الفاحشة وغيرها، وأما غيره من الرسل الذي جاء الخبر عنهم صريحًا بالدعوة إلى توحيد الله تعالى، فلأنهم جاؤوا بعد انقراض من كان يعبد الله ﷿ ويدعو إليه سبحانه، فلذلك دعا كل منهم إلى عبادة الله تعالى.
والذي أميل إليه: أن لوطًا ﵇ أمر قومه بعبادة الله تعالى، ونهاهم عن الشرك؛ بدلالة سياق الآيات، وبالنظر أيضًا إلى الأصول المشتركة بين الأنبياء ﵈ في الدعوة إلى الله تعالى، ثم إن الحق ﵎ نفى الإيمان عمن أهلك من قوم لوط حال إهلاكهم، فقال: (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ)، ومعلوم أن المعاصي لا تخرج الناس من الإيمان؛ فلم يبق إلا أن نقول أنهم كانوا مشركين بالله، أو كانوا كافرين.
وقال شيخ الإسلام في موضع آخر: إنهم - أي قوم لوط - كانوا مشركين إلى جانب إتيان الفاحشة؛ حيث قال: (فكان في قوم لوط مع الشرك إتيان الفواحش التي لم يسبقوا إليها).
وقال أيضًا: (وقال - أي الله جل وعلا - في قوم لوط: (وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ)، وكانوا كفارًا، من جهات: من جهة استحلال
[ ١ / ٢٧٦ ]
الفاحشة، ومن جهة الشرك، ومن جهة تكذيب الرسل، ففعلوا هذا وهذا، ولكن الشرك والتكذيب مشترك بينهم وبين غيرهم ).
وقال الإمام ابن القيم: (إنهم كانوا مشركين).
ثم (كونه ﷺ آمن بإبراهيم ﷺ) لا يمنع استقلاله برسالة وقوم؛ لأن الرسل أمروا أن يؤمن بعضهم ببعض، وأن يؤمن المتأخر بالمتقدم، وجعل الله ﷿ من كذب برسول واحدًا تكذيبًا لجميع الرسل، كما قال تعالى: (كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ).
وما جدال إبراهيم ﵇ في قوله تعالى: (يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ) إلا بعد أن عرف أن الحجة قامت عليهم كاملة، من الأمر بعبادة الله تعالى، ونهيهم عن سائر الفواحش والآثام.
وأما عدم قص الله تعالى علينا معبوداتهم وشركهم كما يذكره القائلون بأن هؤلاء ما كانوا مشركين، فنقول: حتى وإن لم يكونوا يعبدون غير الله من الأصنام والأوثان والكواكب وغيرها - على الافتراض - إلا أنهم كانوا يعبدون هواهم، ألا ترى إلى قولهم: (أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ)، وقوله تعالى عنهم: (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ).
[ ١ / ٢٧٧ ]
فمعلوم أنهم عبدوا هواهم، وقدموا أهواءهم النفسية على أمر الله ﷿، وأحبوا معاصيهم بأعمال قلوبهم، فصار هذا الأمر من معبوداتهم، ينطبق عليهم قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ )، ومعلوم أن أحدًا لا يقول: إن إلهه هواه، وإنما المراد: أنه يمشي وراء هواه فيعبده حيث تعلق به قلبه دائمًا بالحب والذل والخضوع.
وهذه الحالة هي الظاهرة المسيطرة على قوم لوط في ارتكابهم الفاحشة، وبهذا ينطبق عليهم أنهم أشركوا بالله بعبادة هواهم، فأمرهم الله بعبادته وحده بترك عبادة هواهم الذي قادهم إلى ارتكاب الفواحش، والله أعلم.
[ ١ / ٢٧٨ ]
المبحث السادس في بيان الشرك في قوم يوسف ﵇
يوسف ﵇ وقومه:
ثم جاء دور أبناء إبراهيم ﵇ وهم على التوحيد وإخلاص العبادة لله وحده، فقد مضى عهد إسحاق وإسماعيل ويعقوب ﵇ وهم أنبياء ورسل من الله ﷿، ولم يأت لدينا ما يدل على وجود أي نوع من أنواع الشرك في أقوامهم، حتى جاء الله ﷿ في القرآن بقصة يوسف ﵇ عندما كان في مصر، وفيما يلي ذكر نبذة من تعريفه، وإلى من أُرسل؟ وما كان طبيعة الشرك فيمن أرسل إليهم.
أما نسبه: فهو: يوسف الصديق ابن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈. وقد جاء في حديث ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم؛ يوسف بن يعقوب بن إسحاق ابن إبراهيم ﵈».
وكما جاء في حديث أبي هريرة ﵁: « قال: فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله».
وهو الذي أنزل الله في شأنه سورة طويلة تقص علينا حياته الكريمة
[ ١ / ٢٧٩ ]
ومراحلها من طفولته إلى موته، وكيف تقلبت به الأحوال، وما واجه من صعاب، فتلقاها بقوة النبوة وصبرها، وحكمتها، وحلمها، ولا يستغرب ذلك عنه؛ فإنه سليل هؤلاء الأنبياء الكبار، فلا عجب إن كان على غرارهم في الصدق والإخلاص وشدة الحماس في الدعوة إلى التوحيد، ونبذ الشرك، وانتهاز كل فرصة لبثِّ هذه الدعوة وتبليغها والوقوف ضد الشرك والوثنية.
أما موضع إرساله: فبظهور يوسف ﵇ تبدأ مرحلة جديدة في الدعوة إلى عبادة الله الواحد، ونبذ الشرك والوثنية، يكون مركزها مصر بدلًا من فلسطين، فقد جاء يوسف ﵇ إلى مصر وهو غلام صغير حين كاد له إخوته وألقوه في غيابة الجب، وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم ليستقي لهم من البئر، فتعلق يوسف برشاء الدلو وخرج، وما إن رآه الرجل حتى هتف: يا بشرى هذا غلام!، وأسرّوه بضاعة وعرضوه للبيع في أسواق مصر، فبيع بثمن بخس؛ دراهم معدودة.
وكان الذي اشتراه هو عزيز مصر الذي أوصى به امرأته خيرًا، وقد امتُحن الصديق في بيت هذا الرجل امتحانًا رهيبًا؛ حيث راودته التي هو في بيتها عن نفسه، وغلَّقت الأبواب، وقال: هيت لك، ولكن الصديق يجيبها بجواب حاسم يقطع طمعها فيه، ويرجع إليها ما عزب من ضميرها فيقول: (مَعَاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ).
وكان بعد ذلك ما كان من إيداعه السجن بعد ظهور براءته ودخول فتيين
[ ١ / ٢٨٠ ]
معه السجن، وطلبهما منه أن يعبر لهما عن رؤياهما، وتحدثه إليهما بما أنعم الله به عليه من علم تعبير الرؤيا، وهجر الملل الباطلة، والتمسك بدين الله آبائه وأجداده في التوحيد والإيمان، ووعظه لهم بأن يسلكا سبيله في ذلك تاركين عبادة هذه الأرباب المتفرقة التي لا حقيقة لها، وإنما هي أسماء سموها ما أنزل الله بها من سلطان.
هذا ما حدث في حياة يؤسف ﵇، ولكن إذا كان مما لا شك فيه أنه كان نبيًا ورسولًا فينبغي ألا يُشك أيضًا في أن مجال رسالته كان في مصر؛ فإنه لم يُعرف فيما نقل إلينا من أخباره أنه خرج منها، بل الثابت أنه ظل بها إلى أن مات ودفن بها.
ولقد جاءت آية صريحة من سورة غافر تدل على أن رسالته كانت في أهل مصر، وهي قوله تعالى على لسان مؤمن آل فرعون يخاطب قومه ويحضهم على الإيمان بموسى ﵇: (وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ).
ولكن متى أرسل يوسف ﵇؟ ليس هناك في الواقع نص يحدد لنا بدء إرساله، والذي يُرجَّح أن يكون يوسف ﵇ قد أُرسل في الفترة التي قضاها في السجن؛ لأن كلامه مع صاحبي السجن اللذين دخلا معه؛ من تعبيره لرؤيا كل منهما، ودعوته إياهما إلى التوحيد، وقوله لهما: (ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ)، يكاد يكون صريحًا في الدلالة على
[ ١ / ٢٨١ ]
حصول النبوة له آنذاك.
الشرك في قوم يوسف:
لقد قصَّ الله ﷿ شرك هؤلاء القوم من خلال دعوة يوسف ﵇ لصاحبي السجن؛ حيث قال عن يوسف بأنه قال للفتيان: (لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٧) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٣٨) يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ).
يُفهم من هذا النص القرآني أن يوسف ﵊ رأى فساد قصور الفراعنة في مصر وظلمها، وعرف عقائد الأمة التي عاش فيها، عرف ما فيها من فساد ووثنية؛ تتخذ الأصنام والأبقار آلهة مع الله، ومما يفهم من هذا النص:
١ - أنهم كانوا يشركون بالله في عبادته، لقوله تعالى: (مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً).
[ ١ / ٢٨٢ ]
٢ - أنهم كانوا يحكمون حسب أهوائهم، فذكَّرهم بأن الحكم لا يكون إلا من الله، وأن هذا يُعد من العبادة، لقوله تعالى: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ).
٣ - أنهم كانوا يسمون معبوداتهم أربابًا، دون أن يشركوا بالله في الربوبية، كما قاله البعض في تفسير قوله تعالى: (أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ).
٤ - قيل: وجد عند بعضهم الشرك في الربوبية أيضًا، بدليل قوله تعالى: (أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)، وقوله تعالى: (إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ)، ولكن ما كانت هذه عقيدة الجماهير، بل الجماهير كانوا يعترفون بالإله الواحد الخالق لهذا الكون، كما يدل عليه قوله تعالى حكاية عن هذه النسوة: (وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ).
وسيأتي مزيد من البسط في عقيدة المصريين عندما تأتي قصة موسى وفرعون، ويكفي هنا أن يقال بأنهم كانوا أهل أوثان وقد اتخذوا آلهة معبودة، فقام نبي الله يوسف ﵇ بالدعوة فيهم، فآمن به فرعون ذلك
[ ١ / ٢٨٣ ]
الزمان، ثم هلك وجاء ملك آخر الذي غير الدين الحنيف المسيطر على الناس.
[ ١ / ٢٨٤ ]
المبحث السابع في بيان الشرك في قوم شعيب ﵇
شعيب ﵇ وقومه:
ثم تأتي قصة مدين شعيب ﵇، وقد جاءت قصته قرينة قصة قوم لوط ﵇ في كتاب الله ﷿ في مواضع متعددة، فذكر تعالى بعد قصة قوم لوط قصة مدين، وهم أصحاب الأيكة على الصحيح، ولكني آثرت ذكر قصة يوسف ﵇ مع قومه من أهل مصر حفاظًا على التسلسل التاريخي؛ فإنه قد ذكر الحافظ ابن عساكر في تاريخه عن ابن عباس ﵁: أن شعيبًا ﵇ كان بعد يوسف ﵇، وسيأتي فيما يلي نسب هذا النبي الكريم الذي أرسله الله إلى أهل مدين، وما كان فيهم من الشرك بالله.
أما نسبه ﵇: فهو: (شعيب بن مكيل بن يشجر بن مدين بن إبراهيم ﵇) وقد ذكر المؤرخون أقوالًا أخرى في تحديد نسبه ﵇، بين اتفاق واختلاف في ألفاظ سياق النسب، وأكثر من ذكر نسبه يرجعون إلى سلالة إبراهيم الخليل ﵇.
وأما قوله: فهم (مدين)، ورد ذكرهم في كتاب الله تعالى بلفظ (مدين)
[ ١ / ٢٨٥ ]
إخبارًا عن الإرسال كما في قوله تعالى: (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا) وبلفظ (الأيكة) في معرض الذم والانتقام، كما في قوله تعالى: (كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ).
وكلا اللفظين: المراد بهما ما هية الأمة التي بلغها شعيب ﵇ دعوته، وبيان أنها أمة واحدة لا أمتان على المشهور من أقوال المفسرين، ولكل من التسميتين ما يؤيده، ومدين من ولد نبي الله إبراهيم الخليل ﵇، وعلى هذا فالمراد بنو مدين، كما يقال: مضر، والمراد بنو مضر، ويعرفون بها، فإن شئت قلت: بنو مدين، نسبة إلى القبيلة، وإن شئت قلت: أهل مدين؛ نسبة إلى المكان الذي أضحى محل سكناهم.
وأما نسبتهم إلى (الأيكة) فيرجع إلى ما نبت في أرضهم من أشجار كثيرة ملتفة؛ إذ إنهم كانوا أهل غياض ورياض كثر عندهم اخضرار الشجر ونبات الشمر، حتى أصبح من كثرته ملتفًا بعضه على بعض.
والأيكة: في لغة العرب: الغيضة وهي الشجر الكثير الملتف، الواحدة (أيكة)، وإنما سموا أصحاب الأيكة؛ لأنهم كانوا أصحاب غياض ورياض.
وفي قراءة: (ليكة) على أنه اسم للقرية.
[ ١ / ٢٨٦ ]
قال في الصحاح: (من قرأ أصحاب الأيكة فهي الغيضة، ومن قرأ ليكة فهي اسم القرية، ويقال: هما مثل بكة ومكة). ومدين هذه بلدة عامرة في وادي عفال غرب تبوك على بعد (٣٢٠) كم تقريبًا، وشرق ساحل الخليج على سبعين كم، تربطها بالجهتين طريق معبدة تسمى الآن بالبدع، وهي حسنة الزرع آهله بالسكان، وبها آثار النبي شعيب المعروفة بمغائر شعيب.
عقيدة قوم شعيب:
انحرافات قوم شعيب نوجزها فيما يلي:
١ - عبادة غير الله من الأصنام والأوثان والأهواء وغيرها من الآلهة التي كان يعبدها آباؤهم وأجدادهم. قال الحافظ ابن كثير: (وكان أهل مدين كفارًا يقطعون السبيل ويخيفون المارة، ويعبدون الأيكة وهي شجرة من الأيك - وهو الدوم - حولها غيظة ملتفة بها)، وقال أيضًا: (أصحاب الأيكة هم أهل مدين على الصحيح، وكان نبي الله شعيب من أنفَسَهم، وإنما لم يقل: أخوهم شعيب لأنهم نسبوا إلى عبادة الأيكة وهي شجرة - وقيل: شجر ملتف - كالغيضة كانوا يعبدونها ).
فثبت أنهم قوم كفروا بالل ﷿، واتجهوا بالعبادة إلى غيره سبحانه، ويدل عليه أيضًا دلالة الأمر والنهي في قوله تعالى: (اعْبُدُوا
[ ١ / ٢٨٧ ]
اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ). هذا إلى جانب بعض الكبائر السائدة بينهم، وهي ما يلي:
٢ - سوء المعاملة في البيع والشراء ، كانوا إذا اكتالوا من الناس يأخذون حقهم وزيادة، وإذا كالوهم ينقصون. قال تعالى: (وَلا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ).
٣ - كانوا يبخسون الناس أشياءهم، وهذا أعم مما سبق، فإن البخس يشمل النقص والعيب في كل شيء، والأشياء أعم من المكيل والموزون، قال تعالى: (وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ)؛ حيث نهاهم نبيهم بهذا القول عن البخس في الأموال.
٤ - الفساد في الأرض، بكل ما تعنيه كلمة فساد من ظلم وبغي وعدوان على الأنفس والأعراض والأموال، قال تعالى حكاية عن دعوة شعيب لقومه: (وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ).
٥ - الصد عن سبيل الله، فكانوا يجلسون في الطرقات، ويحذرون المارة من شعيب، وكانوا يتوعدون المؤمنين ويتهددونهم. قال تعالى حكاية عن دعوة شعيب: (وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا).
[ ١ / ٢٨٨ ]
٦ - ومما كان في معتقداتهم: إنكار التدخل من قبل شعيب في أمور دنياهم كما أنكروا عليه التدخل في أمور دينهم، فقالوا: (أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ).
يروى عن ابن عباس أنه قال: كان شعيب نبيًا ورسولًا من بعد يوسف، وكان من خبره وخبر قومه ما ذكر الله في القرآن: (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ)، فكانوا - مع ما كان فيهم من الشرك - أهل بخس في مكايلهم وموازينهم، مع كفرهم بربهم وتكذيبهم نبيهم، وكانوا قومًا طغاة بغاة، يجلسون على الطريق فيبخسون الناس أموالهم حتى يشترونه، وكان أول من سن ذلك هم، وكانوا إذا دخل عليهم الغريب يأخذون دراهمه ويقولون: دراهمك هذه زيوف فيقطعونها ثم يشترونها منه بالبخس، يعني بالنقصان، فذلك قوله: (وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا).
وكانت بلادهم بلاد ميرة يمتار الناس منهم، فكانوا يقعدون على الطريق فيصدون الناس عن شعيب ويقولون: لا تسمعوا منه، فإنه كذاب يفتنكم، فذلك قوله: (وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ) الناس إن اتبعتم شعيبًا فتنكم - ثم إنهم تواعدوه فقالوا: يا شعيب لنخرجنك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا، أي إلى دين آبائنا، فقال عند ذلك: (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ). قال ابن عباس: كان حليمًا صادقًا وقورًا، وكان رسول الله ﷺ إذا ذكر شعيبًا يقول: «ذلك خطيب الأنبياء»؛ لحسن مراجعته قومه فيما
[ ١ / ٢٨٩ ]
دعاهم إليه وفيما ردوا عليه.
وكان ﵇ كثير الصلاة، مواظبًا على العبادة فرضها ونفلها، فلما نهاهم وأمرهم، عيروه بما رأوه يستمر عليه من كثرة الصلاة، واستهزءوا به، فقالوا ما أخبر الله عنهم بقوله: (قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ).
أي (قال قوم شعيب: يا شعيب، أصلاتك تأمرك أن نتركعبادة ما يعبد آباؤنا من الأوثان والأصنام، أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء من كسر الدراهم وقطعها وبخس الناس في الكيل والوزن).
وبذلك ردوا عليه في دعوته لنبذ الشرك، وعدم النقص في الكيل والوزن، أما الأول فردوا عليه بأنهم ساروا على منهج آبائهم وأسلافهم في التدين والإيمان، وردوا على الثاني بأنهم أحرار في أموالهم يتصرفون فيها بما يجلب لهم المصلحة فيها، فهؤلاء المستغلون الشرهون من قوم ش عيب لم يتمالكواأنفسهم من الغضب والاستعلاء، وأخذوا يتبجحون بأن المال الذي يكتسبونه من تجارتهم هو مالهم الخاص، ولذلك فهم فيه أحرار يفعلون به ما يشاؤون، ويتصرفون فيه كيف يريدون، ورفضوا تقييد حريتهم بأي قيد في معاملاتهم التجارية التي اعتادوها، فهم حريصون على اكتساب أكبر ربح
[ ١ / ٢٩٠ ]
ممكن بأمثل عوض ممكن، ويعتبرون هذا الأسلوب في التجارة هو أسلوب التجار العقلاء الراشدين في معاملاتهم، ويرون التدخل فيه خطرًا على حريتهم ومعاشهم.
والخلاصة: أنهم ردوا عليه الناحيتين الدينية والدنيوية بما رأوا من شبه مزيفة وحجج آسنة، فالاستفهام في قوله تعالى: (أَصَلَاتُكَ) للإنكار عليه والاستهزاء به، فإنه لما كان كثير الصلاة وكانوا من فرط سفههم يظنون أن هذه الصلاة من نتائج الوسوسة وأفاعيل المجانين، قالوا لنبيهم: ما علاقة صلاتك بديننا وعقائدنا التي ورثناها عن آبائنا جيلًا بعد جيل؟ ! وما علاقة صلاتك بأموالنا وتجارتنا التي من حقنا أن نفعل فيها ما نشاء من تطفيف ومكوس؟ ! (إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ): قالوا ذلك استهزاءً وسخرية به، وإنما قالوها لأنهم ما يفهمون معنى ما جاء به شعيب ﵇ كما قالوا (مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ).
فكانوا يظنون أن الدين هو ما يفعله شعيب من الصلاة والقراءة والأدعية وغيرها، فرأوا أن المنع عن عبادة غير الله والتصرف السيء في أموالهم ليس إلا مجرد الوسوسة التي نتجت عن أدائه للصلاة، فلم يفهموا التوحيد، ولا الدين بصورته الكاملة، ولهذا بدأوا يستهزؤون به بقولهم: (إِنَّكَ لَأَنْتَ
[ ١ / ٢٩١ ]
الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ)، أي سفهوه وجهلوه بهذا الكلام.
ولكن نبي الله وخطيب الأنبياء أجابهم على ذلك بأحسن جواب وألطفه؛ حيث قال: (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨) وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ).
فما كان من القوم الغلاظ الأكابر القساة القلوب إلا أن أصموا آذانهم عن النصح وهددوا نبيهم بالرجم، وقالوا: (قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (٩١) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢) وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ).
مصرعهم ومصيرهم:
ولم ينته شعيب ﵇ أن دعاهم، فلما عتوا على الله أخذتهم الرجفة، وذلك أن جبريلنزل فوقف عليهم فصاح صيحة رجفت منها الجبال والأرض فخرجت أرواحهم من أبدانهم، فذلك قوله: (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ).
وذلك أنهم حين سمعوا الصيحة قاموا قيامًا وفزعوا لها، فرجفت بهم
[ ١ / ٢٩٢ ]
الأرض فرمتهم ميتين، ويدل عليه قوله تعالى: (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ)؛ أي أخذت الذين كفروا من قوم شعيب الرجفة وهي الزلزلة المحركة بعذاب الله.
وكانت صفة العذاب: أنهم لما سألوا العذاب فتح الله عليهم بابًا من أبواب جهنم، فأهلكهم الحر منه، فلم ينفعهم ظل ولا ماء، ثم إنه بعث سحابة بها ريح طيبة فوجدوا برد الريح وطيبها، فتنادوا: الظلة عليكم بها، فلما اجتمعوا تحت السحابة - رجالهم ونساؤهم وصبيانهم - انطبقت عليهم فأهلكتهم، فهو قوله: (فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ).
قال القرطبي: (قوم شعيب أخذتهم الصيحة من فوقهم)، قال تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ).
[ ١ / ٢٩٣ ]
المبحث الثامن في بيان أمم أهلكوا بعامة في هذه الفترة، قبل موسى ﵇ وبيان شركهم بالله
تأتي قصة أمم أهلكوا بعامة بعد هذا في الترتيب التاريخي، وذلك قبل نزول التوراة، بدليل قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ). وكما رواه الطبري وابن أبي حاتم والبزار، من حديث عوف الأعرابي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: ما أهلك الله قومًا بعذاب من السماء أو من الأرض بعدما أنزلت التوراة على وجه الأرض غير القرية التي مُسخت قردة، ألم تر أن الله تعالى يقول: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ)، ورفعه البزار في رواية له، والأشبه - والله أعلم - وقفه.
[ ١ / ٢٩٤ ]
فدل على أن كل أمة أهلكت بعامة كانت قبل موسى ﵇، فمنها:
١ - أصحاب الرس:
قال تعالى: (وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (٣٨) وَكُلا ضَرَبْنَا لَهُ الأمْثَالَ وَكُلا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (٣٩)، وقال تعالى: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (١٣) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ)، وهذا السياق والذي قبله يدل على أنهم أهلكوا ودمروا وتبروا.
التعريف بالرس:
واختلف المؤرخون في تعيينهم وبيان عقيدتهم، فقالوا في الرس:
١ - أنه في كلام العرب يطلق على البئر التي تكون غير مطوية، والجمع رئاس.
٢ - إنه كل حفرة في الأرض من بئر أو قبر.
٣ - إن الرس معدن. قاله أبو عبيدة.
٤ - إنه قرية من قرى اليمامة يقال لها: الفلج من ثمود. قاله قتادة.
٥ - وقيل غير ذلك
أنه ما بين نجران واليمن إلى حضرموت، قاله بعض المفسرين.
[ ١ / ٢٩٥ ]
وقيل: الرس ماء ونخل لبني أسد.
وقيل: الثلج المتراكم في الجبال.
ويطلق أيضًا على الإصلاح بين الناس والإفساد بينهم، فهو من الأضداد.
من هم أصحاب الرس؟
اختلفوا فيه، على أقوال:
١ - قيل: هم قوم شعيب، حكاه بعض المفسرين.
٢ - إنهم قوم رسوا نبيهم في بئر، قاله عكرمة.
٣ - إنهم قوم كانوا نزولًا على بئر يعبدون الأوثان، وكانوا لا يظفرون بأحد يخالف دينهم إلا قتلوه ورسوه فيه. وكان الرس بالشام، قاله الضحاك.
٤ - إنهم قوم أرسل الله إليهم نبيًا فأكلوه، وهم أول من عمل نساؤهم السحر، قاله الكلبي.
٥ - إنهم قوم باليمامة كان لهم آبار، قاله قتادة، وعنه رواية عند ابن عساكر: بأنهم قوم شعيب.
٦ - إنهم بئر قتل فيها صاحب يس ورسوه، روي عن الضحاك، وهو قول
[ ١ / ٢٩٦ ]
السدي، وقول مقاتل أيضًا.
٧ - روايات عن ابن عباس ﵁، وهي:
أ- أنهم أهل بئر بأذريبجان، قتلوا أنبياءهم فخفت أشجارهم وزروعهم فماتوا جوعًا وعطشًا.
ب- وروى ابن جرير عنه أنه قال: الرس قرية من ثمود.
ج- وأخرج ابن المنذر وابن أبي شيبة عن ابن عباس أنه سأل كعبًا عن أصحاب الرس قال: (صاحب البئر الذي قال: يا قوم اتبعوا المرسلين ).
٨ - أنهم أصحاب الأخدود.
٩ - وقيل: هم أصحاب حنظلة بن صفوان، وهو الذي ذكره ابن عساكر في
[ ١ / ٢٩٧ ]
تاريخه ونصره.
أما شرك هؤلاء القوم:
فقيل:
١ - كانوا يعبدون الشجر.
٢ - كانوا يعبدون الأصنام.
٣ - أنهم أصحاب حنظلة بن صفوان، وقد ذكر الحافظ ابن كثير في تاريخه عن قصة هؤلاء القوم بأنهم: (كانت لهم بئر ترويهم وتكفي أرضهم جميعًا، وكان لهم مالك عادل حسن السيرة، فلما مات وجدوا عليه وجدًا عظيمًا كان بعد أيام تصور لهم الشيطان في صورته، وقال: إني لم أمت، ولكن تغيبت عنكم حتى أرى صنيعكم، ففرحوا أشد الفرح، وأمر بضرب حجاب بينهم وربينه، وأخبرهم أنه لا يموت أبدًا، فصدق به أكثرهم وافتتنوا به وعبدوه، فبعث الله فيهم نبيًا وأخبرهم أن هذا شيطان يخاطبهم من وراء الحجاب، ونهاهم عن عبادته، وأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له.
قال السهيلي: وكان يوحى إليه في النوم، وكان اسمه: حنظلة بن صفوان، فعدوا عليه فقتلوه وألقوه في البئر، فغار ماؤها وعطشوا بعد ريهم، ويبست أشجارهم، وانقطعت ثمارهم، وخربت ديارهم، وتبدلوا بعد الأنس بالوحشة، وبعد الاجتماع بالفرقة، وهلكوا عن آخرهم ).
هذا القول الأخير هو ما يترجح لديّ من جملة الأقوال المروية، ويفهم من
[ ١ / ٢٩٨ ]
سياق القصة لابن كثير أنه أيضًا يرجح هذا القول، فقد كان شركهم بعبادة ما سوى الله من شجر أو صنم أو شخص افتتنوا به بعد موته، كماتدل عليه هذه القصة.
٢ - قصة قوم يس، وهم أصحاب القرية:
قال تعالى: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤) قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (١٥) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٧) قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ).
سأذكر فيما يلي ما روي عن أصحاب القرية، وما كانوا عليه من الشرك:
أما القرية وأصحابها:
فاشتهر عند كثير من السلف والخلف أن هذه القرية: أنطاكية، رواه ابن إسحاق فيما بلغه عن ابن إسحاق وكعب الأخيار ووهب بن منبه، وكذا روي عن بريدة بن الحصيب، وعكرمة، وقتادة، والزهري، وغيرهم. فهذا
[ ١ / ٢٩٩ ]
القول عليه جميع المفسرين.
أما أصحاب القرية وعبادتهم والمرسَل إليهم:
١ - فقال ابن إسحاق فيما بلغه عن ابن عباس وكعب ووهب بن منبه أنهم قالوا: كان لها ملك اسمه انطيخس بن انطيحس، وكان يعبد الأصنام، فبعث الله إليهم ثلاثة من الرسل؛ وهم: صادق، وصدوق، وشلوم، فكذبهم. وقال ابن جرير: صادق ومصدوق وسلوم. فقدم إليه وإلى أهل المدينة منهم اثنان، فكذبوهما، ثم عزز اللهُ بثالث.
قال ابن كثير: (وهذا ظاهر أنهم رسل من الله ﷿).
وكان ملك أنطاكية أحد الفراعنة، يعبد الأصنام، صاحب شرك مع أهلها، وكانت لهم ثلاثة أصنام يعبدونها، وذكر النقاش: أن أسماءها رومس، وقيل: ارطميس، واختلف في اسم الملك على قولين، أحدهما: أن اسمه
[ ١ / ٣٠٠ ]
انطيخس، الثاني: اسمه انطرا، وعند ابن جرير: (ابطيحس).
٢ - زعم قتادة: أنهم كانوا رسلًا من المسيح، ولم يكونوا رسلًا مستقلين من الله ﷿، أرسلهم عيسى ﵇، وكان اسم المرسلين الأوليين: شمعون ويوحنا، واسم الثالث: بولس، والقرية: أنطاكية. قال ابن كثير: (وهذا القول ضعيف جدًا؛ لأن أهل أنطاكية لما بعث إليهم المسيح ثلاثة من الحواريين كانوا أول مدينة آمنت بالمسيح في ذلك الوقت، ولهذا إحدى كانت المدن الأربع التي تكون فيها بتاركة النصارى؛ وهن: أنطاكية، والقدس، وإسكندرية، ورومية، ثم بعدها إلى القسطنطينية، ولم يهلكوا، وأهل هذه القرية المذكورة في القرآن أهلكوا. كما قال في آخر قصتها بعد قتلهم صديق المرسلين: (إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ)، ولكن إن كانت الرسل الثلاثة المذكورون في القرآن بعثوا إلى أهل أنطاكية قديمًا فكذبوهم فأهلكهم الله، ثم عمرت بعد ذلك، فلما كان في زمن المسيح آمنوا برسله إليهم، فلا يمنع هذا، والله أعلم).
ثم قال ابن كثير: (فأما القول بأن هذه القصة المذكورة في القرآن هي قصة
[ ١ / ٣٠١ ]
أصحاب المسيح فضعيف؛ لما تقدم، ولأن ظاهر سياق القرآن يقتضي أن هؤلاء الرسل من عند الله). ولما سبق في الحديث أن الله لم يهلك قومًا بعذاب من السماء ولا من الأرض إلا قبل موسى.
وعلى كلٍ: فقد ثبت بالآيات القرآنية أنهم كانوا يعبدون الأصنام، واتخذوا من دون الله آلهة، كما قال تعالى - حكاية عن صديق المرسلين ـ: (وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤)، ثم قال مخاطبًا للرسل: (إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ)، فعند ذلك قتلوه، قيل: رجمًا، وقيل: عضًّا، وقيل: وثبوا إليه وثبة رجل واحد فقتلوه، وحكى ابن إسحاق عن بعض أصحابه عن ابن مسعود قال: وطئوه بأرجلهم حتى أخرجوا قصبه.
قال المفسرون: فبعث الله إليهم جبريل ﵇، فأخذ بعضادتي الباب الذي هو لبلدهم، ثم صاح بهم صيحة واحدة فإذا هم خامدون، أي أخمدت أصواتهم وسكنت حركاتهم، ولم يبق منهم عين تطرف، قال تعالى: (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (٢٩).
[ ١ / ٣٠٢ ]
ثم قال ابن كثير: (وهذا كله يدل على أن هذه القرية ليست أنطاكية). إلا أن يقال - كما سبق توجيهه من قبل ابن كثير نفسه ـ، بأن الرسل المذكورين في القرآن بعثوا إلى أهل أنطاكية قديمًا فكذبوهم فأهلكهم الله، ثم عمرت بعد ذلك، فلما كان في زمن المسيح أرسل إليهم المسيح رسله فآمنوا، فلا يمنع، والله أعلم. ولكن مع ذلك فيه بعد وتعسف ظاهر؛ (فإن هذه - أنطاكية - لم يُعرف أنها أُهلكت لا في الملة النصرانية ولا قبل ذلك، والله ﷾ أعلم).
٣ - قصة يونس:
قال تعالى: (فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ).
وقال: (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ).
وقال: (وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى
[ ١ / ٣٠٣ ]
حِينٍ)، وقال: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ).
فهذه هي الآيات التي تناولت قصة يونس ﵇، وما كان من قومه من التوبة، وقبولها من الله، ونجاتهم من العقاب المؤكد من قبل الله ﷿، فلينظر عن هذا النبي الكريم، وما كان في قومه من الشرك، وكيف نجاهم الله من عقابه.
أما يونس ﵇: فهو يونس بن متى - بفتح الميم وتشديد المثناة، مقصور ـ، ووقع في تفسير عبد الرزاق أنه اسم أمه، وهو مردود بما في حديث ابن عباس ﵁ (ونسبه إلى أبيه)، فهذا أصح وهو يعني أن متى اسم أبيه وليس اسم أمه. ولم أقف على نسبه في شيء من الأخبار، وقد قيل: إنه كان في زمان ملوك الطوائف من الفرس.
[ ١ / ٣٠٤ ]
قال اهل التفسير: بعث الله يونس ﵇ إلى أرض نينوي من أرض الموصل، خرج من بين أظهرهم ووعدهم حلول العذاب بهم بعد ثلاث.
شرك هؤلا القوم:
قال ابن الأثير في بيان شرك هؤلاء القوم ومصيرهم:
(كان قومه يعبدون الأصنام، فبعثه الله اليهم بالنبي عن عبادتها، والأمر بالتوحيد، فأقم فيهم ثلاثا وثلاثين سنة يدعوهم، فلم يؤمن غير رجلين، فلما أيس من إيمانهم دعا عليهم، فقيل له: ما أسرع ما دعوت علي عبادي؟ ارجع اليهم فادعهم أربعين يوماّ، فدعاهم سبعة وثلاثين يومًا فلم يجيبوه، فقال لهم: إن العذاب يأتيكم إلى ثلاث أيام، وآيه ذلك أن ألوانكم تتغير، فلما أصبحوا تغيرت ألوانهم، فقالوا: قد نزل بكم ما قال يونس ولم نجرب عليه كذبا، فانظروا فإن يبت فيكم تأمنوا من العذاب، وإن لم يبت فاعلموا أن
[ ١ / ٣٠٥ ]
العذاب يصحبكم ) قال السيوطي: (وروي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: إن يونس ﵇ كان قد وعد قومه العذاب وأخبرهم أنه يأتيهم إلى ثلاثة أيام، فتفرقوا بين كل والدة وولدها، ثم خرجوا فجأروا الي الله واستغفروه، فكف الله عنهم العذاب، وغدا يونس ﵇ ينتظر العذاب فلم يرا شيئًا، وكان من كذب ولم يكن له بينة قتل، فانطلق مغاضبًا حتي أتي قومًا في سفينة فحملوه وعرفوه، فلما دخل السفينة ركدت_ والسفن تسير يمينًا وشمالًا_ حتي أوقعوه في الماء، فوقع وقد وكل به الحوت، فلما وقع ابتُلع فأهوى به إلى قرار الأرض، فسمع يونس ﵇ تسبيح الحصى، فنادى في الظلمات: أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ).
وعلى كلٍ، فقد ثبت أن قومه كانوا على الشرك والكفر، ولكنهم تابوا فتاب الله عليهم.
هذا آخر ما جاءنا بالآثار المعتبرة من أخبار الأمم التي تشير إليها الآية في قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ).
[ ١ / ٣٠٦ ]
المبحث التاسع في بيان الشرك في قوم موسى ﵇
موسى ﵇ وقومه:
يأتي بعد ذلك في التسلسل التاريخي الذي قصه الله علينا ورسوله: قصة موسى وفرعون، وقد سبق أن تحدثنا عن قصة يوسف ﵇؛ كيف مكن الله له في أرض مصر، وأنه استقدم إليه أبويه وإخوته وسائر أهله، فأقاموا بمصر قرونًا عدة، حتى كثروا وزاد عددهم، مما حمل فرعون مصر على التخوف منهم، فسامهم سوء العذاب، فكان يستحيي نساءهم للخدمة ويذبح أبناءهم، وكان يعاملهم بمنتهى الإذلال ويستخدمهم في الأعمال الشاقة وألوان السخرة، كما قال تعالى: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ).
وبظهور موسى ﵇ تبدأ مرحلة جديدة وخطيرة في حياة نبي إسرائيل، كما تبدأ حلقة من حلقات النضال في سبيل الدعوة إلى الله وإلى التوحيد، بطلاها موسى وهارون ﵉، وليس من غرضنا الآن أن نخوض في قصة ولادة موسى وهارون ﵉، وما اشتملت عليه من مظاهر العناية الإلهية به، وكيف رباه سبحانه في بيت عدوه، ولا أن نخوض
[ ١ / ٣٠٧ ]
فيما كان منه ﵇ في تلك الفترة من قتله المصري وخروجه من مصر، وليس غرضي أن أتحدث عن هذا الدور من حياة موسى ﵇؛ فإنه دور إعداد وتمهيد قصد به تهيئته لحمل تلك الرسالة الكبرى، كما قال تعالى: (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي)، و(وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي). وإنما الغرض أن أتعرف فيما يلي على موسى ﵇، وعلى طبيعة الشرك الذي كان في قوم موسى، وكيف واجهه ﵇.
موسى ﵇:
هو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم.
وقيل: هو موسى بن عمران بن قاهث بن عازر بن لاوي.
وقيل: هو موسى بن عمران بن لاهب بن عازر بن لاوي.
قال تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولا نَّبِيًّا (٥١) وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الايْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢) وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا).
وقد ذكره الله تعالى في مواضع كثيرة متفرقة في القرآن، وذكر قصته في مواضع عديدة مبسوطة مطولة وغير مطولة، أظهر الله ﷿ فيما ما وقع بينه
[ ١ / ٣٠٨ ]
وبين عدو الله فرعون من المناقشات والمحاورات، وكيف ناداه إلى الله ﷿، وكيف كانت استجابته له ﷺ.
أما فرعون فيقال بأن اسمه: (قابوس بن يوسف الأول (مصعب)، فلما نودي موسى أعلم أن قابوس بن مصعب قد مات، وقام أخوه الوليد بن مصعب مكانه، وكان أعتى من قابوس وأكفر وأفجر، وأمر بأن يأتيه هو وأخوه بالرسالة)، ويقال: إن للوليد تزوج آسية ابنة مزاحم بعد أخيه.
وكان اسم والد موسى: عمران، وكان عمر عمران مائة سنة وسبعًا وثلاثين سنة، وولد موسى وقد مضى من عمر عمران سبعون سنة، والمقصود: بيان كون موسى مرسلًا إلى فرعون مع هارون.
وقال ابن إسحاق: قبض الله يوسف، وهلك الملك الذي كان معه الريان ابن الوليد وتوارثت الفراعنة من العماليق ملك مصر، فنشر الله بها بني إسرائيل، فلم يزل بنو إسرائيل تحت أيدي الفراعنة وهم على بقايا من دينهم مما كان يوسف ويعقوب وإسحاق وإبراهيم شرعوا فيهم من الإسلام، متمسكين به.
حتى كان فرعون موسى الذي بعثه الله إليه، ولم يكن منهم فرعون أعتى منه على الله ولا أعظم قولًا ولا أطول عمرًا في ملكه منه، وكان اسمه: الوليد بن مصعب، ولم يكن من الفراعنة فرعون أشد غلظة ولا أقسى قلبًا، ولا أسوأ ملكة لبني إسرائيل منه، يعذبهم فيجعلهم خدمًا وخولًا، وقد صنفهم في أعماله، فصنف يبنون، وصنف يحرثون، وصنف يزرعون له، فهم في
[ ١ / ٣٠٩ ]
أعماله.
ومن لم يكن منهم في صنعة له من عمله فعليه الجزية، فسامهم كما قال تعالى: (سُوءَ الْعَذَابِ)، وفيهم مع ذلك بقايا من أمر دينهم لا يريدون فراقه، وقد استنكح منهم امرأة يقال لها: آسية بنت مزاحم، من خيار النساء المعدودات، فعمر فيهم وهم تحت يديه طويلًا يسومهم سوء العذاب، فلما أراد الله أن يفرج عنهم وبلغ موسى الأشدُ أعطي الرسالة، فنودي (مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ).
فأتاه الوحي من قبلها أن (يَا مُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى).
ثم أراد الله ﷿ إيناسه بالخطاب وتسليحه بالآيات قبل أن يأمره بالذهاب إلى فرعون فسأله عما في يمينه فقال: (هِيَ عَصَايَ)، قال (أَلْقِهَا يَا مُوسَى (١٩) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (٢٠) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (٢١) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (٢٣) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى)، قال: (رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ
[ ١ / ٣١٠ ]
مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤) قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآياتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ).
(فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٧) قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (١٩) قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢١) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٢) قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨) قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (٣٣) قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (٣٥) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ
الْغَالِبِينَ (٤٠).
فلما جاء السحرة للمبارزة قالوا لموسى: (إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦)، (فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (٤٥) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ
[ ١ / ٣١١ ]
سَاجِدِينَ (٤٦) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧)، (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢)، (وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤)، قال تعالى: (وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦).
وبهذا كانت نهاية فرعون، ولكن بني إسرائيل ما زالوا في تمردهم (فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ).
ولم يقفوا بالقول، بل لما ذهب موسى ﵇ ليكلم ربه بدأوا عبادة العجل الذي صنعه لهم السامري، حتى غضب الله عليهم، فهم المغضوب عليهم، واستحقوا الذل والهوان من الله العظيم.
شرك قوم موسى:
لقد كان الشرك في قوم موسى على أشكال عدة؛ فإن هناك شركًا كان في بني إسرائيل كما يذكره القرآن، وهناك شرك في فرعون كما يصوره الله عزوجل في كلامه، وهناك أنواع أخرى من الشرك في قوم فرعون، كما يذكره المفسرون والمؤرخون على ضوء ما يستفاد من نصوص الآيات القرآنية، ولنذكر أولًا الشرك في قوم فرعون - أهل مصر ـ.
عقيدة المصريين:
لقد وجد هناك رأيان في بيان عقيدتهم، وهما:
١ - أن قدماء المصريين كانوا وثنيين يعبدون آلهة متعددة، ومن بينها
[ ١ / ٣١٢ ]
صنوف من الكواكب؛ كالشعرى اليمانية، والشمس، والجوزاء، وغيرها، بل وأكثر من هذا، قالوا: إنهم كانوا يعبدون الحيوانات؛ كالبقر، والعجول، والقردة، والقطط، والتماسيح.
والذي يدل عليه أمور، منها:
أ- قالوا في تفسير قوله تعالى: (وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ): كان يعبد ما يستحسن من البقر، ولذلك أخرج السامري عجلًا جسدًا له خوار، وقال: هذا إلهكم وإله موسى، وكان معبودًا في قومه، قاله السدي.
ب- أن الآلهة هي الشمس، فيكون تأويل الآية: (ويذرك الشمس حتى تعبد).
ج- قيل: إن فرعون كان قد وضع لقومه أصنامًا صغارًا وأمرهم بعبادتها.
د- وقيل: إنه كان قد اتخذ أصنامًا على صور الكواكب، يعبدها ويتقرب إليها على ما هو دين عبدة الكواكب.
هـ - قال الحسن: كان فرعون يعبد الأصنام.
٢ - يقول فضيلة الأستاذ الدكتور محمد عبد الله دراز ﵀ في
[ ١ / ٣١٣ ]
كتابه (الدين) عند تعليقه على العصر الفرعوني ما ملخصه: إن الأوراق المحفوظة في برلين ولندن تدل على أن المصريين منذ القدم كانوا يعرفون الإله الأحد الغيبي الأزلي لا تصوره الرسوم ولا تحصره الحدود، غيرأن تلك العقيدة كانت مشوبة عند العامة بفكرة أن هذا الإله يتمثل أو يتجسد أو يحل سره في بعض الكائنات الممتازة؛ من إنسان، أوحيوان، أو جماد، فكانوا يعتقدون أن قوة التدبير في الملوك، وقوة الإخصاب النباتي في النيل، وقوة الإخصاب الحيواني في العجل (أبيس) مستمدة بتلقيح شعاع الشمس مثلًا، وأن هذه الكائنات الخاصة أهل للتقديس والعبادة بفضل تلك الصلة السرية بالإله الأعلى.
وأصحاب هذا القول يردون على أصحاب القول الأول: بأنهم لم يكونوا وثنيين، بل كانت عقيدة التوحيد هي الأصل، وإنما كانوا يأخذون آلهة متعددة على أنها رموز فقط تدل على صفات الإله الواحد؛ أي أنها كانت رموزًا مجازية تدل على صفات وحقائق إلهية، فإن عوام المصريين القدماء لم يعبدوا هذه الأشياء لذواتها، وإنما جعلوها رمزًا لذلك الإله القادر الذي حلت - على زعمهم - روحه، وظهرت آثاره فيها، وهذا من فعل الكهنة في دور من أدوار
[ ١ / ٣١٤ ]
الديانة المصرية؛ وهو الدور الرمزي المعدد للآلهة، هكذا تطور الدين من عبادة الإله في أول أمره في شخص أتون ثم رع أو قرص الشمس وفي شخص آمون وبقية مظاهر الطبيعة ثم الملوك والعظماء، ولهذا نرى الملوك في المعابد الكبرى ماثلين في العبادة أمام أتون أو رع أوآمون، كما نرى في بعض حوائط المعابد الصغيرة صور الفراعنة ولها الصف الأول حتى قبل الآلهة، بل نراها تتقبل العبادة ولها اختصاصات الآلهة، ولم يلبث ذلك الدين الذي بدأ بالتوحيد أن انتهى بالشرك والوثنية التي خالطت العبادة على يد الكهنة أخيرًا من أحط الحيوانات وأحقر الحشرات والهوام.
وإنما أطلتُ في نقل هذه النصوص توخيًا للكشف عن هذه الديانة المصرية التي كانت تسود مصر القديمة، وإن كنا لا نوافق على كل ما جاء في هذا الكلام من اعتبار هذه المظاهر المتعددة رموزًا لإله واحد، فالحق: أن المصريين في انحدارهم من التوحيد إلى الوثنية اتخذوا آلهة متعددة، كل منها إله قائم بذاته في أوصافه وخصائصه، وإن كان هذا لا يمنع من اعتقادهم بإله هو كبير هذه الآلهة؛ بدليل ما جاء في أناشيدهم من مناجاة وأدعية لهذا الإله، نعم لقد صدق فيما قاله المؤرخون بأن الملوك كان لها الصف الأول قبل الآلهة من حيث العبادة والتقديس، ولقد يشهد لهذا قوله تعالى حكاية عن فرعون
[ ١ / ٣١٥ ]
موسى: (فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى)، فجعل نفسه ربًا فوق الآلهة جميعًا، بل أحيانًا كان يتجاهلها ويجعل نفسه هو وحده الإله كما في قوله تعالى ناقلًا قوله في آية أخرى: (يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي)، ولعل السبب في تعديد المصريين القدماء لآلهتهم ما قيل: إن الناس حين ارتبكت عقولهم وشلت أفكارهم وتساءلوا فيما بينهم: هل يمكن لواحد أن يدبر هذا الملك الشاسع الواسع بمفرده؟ فأجابهم الكهنة بأن ذلك الإله القادر خلق آلهة أخرى، لكل غرض إله.
ولعل ما جرى من المقاولة بين موسى ﵇ وفرعون في سورة الشعراء يشهد بأن فكرة إله واحد مسيطر على كل شيء، وإليه ترجع الموجودات جميعًا كانت (هذه الفكرة) بعيدة عن الوعي الديني لذلك العهد. وإليك هذه الآيات: (قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨) قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ).
قال الشيخ محمد خليل هراس: فتجاهُل فرعون لرب العالمين وسؤاله
[ ١ / ٣١٦ ]
موسى عن حقيقته وصفته، وقوله حين أخبر بها للملأ الذين معه: (أَلَا تَسْتَمِعُونَ)، وتهديده لموسى ﵇ بالسجن إن هو اعتقد إلهًا غيره، كل ذلك يشهد بما بلغه الملوك في مصر من درجة في العبادة غطت على ما كان للآلهة من ذلك، ويدل على استنكار القوم لوجود رب واحد مسيطر عل جميع الكائنات، ومثل هذه الآيات أيضًا قوله تعالى في سورة طه: (قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠) قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأولَى (٥١) قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى (٥٢) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأوْلِي النُّهَى).
هذا ما قاله الشيخ محمد خليل هراس، ويدل قوله هذا على أن قوم فرعون كانوا جاهلين بالرب جلا وعلا، فما كان يعرفون عن عقيدة الألوهية لله جل وعلا شيئًا، قال ابن كثير ﵀: (وكانوا يجحدون الصانع جل وعلا، ويعتقدون أنه لا رب لهم سوى فرعون).
ولهذا قال بعض المفسرين في تفسير قوله تعالى: (وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ): معناه: ويذرك
[ ١ / ٣١٧ ]
وعبادتك، فإنه قد قرئ: (ويذرك وإلاهتك) أي يترك عبادتك. وقال عكرمة في قوله تعالى: (وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ): ليس يعنون به الأصنام، إنما يعنون تعظيمه. ويروى مثل هذا القول عن ابن عباس أيضًا. وقال السدي: كان معبودًا في قومه. وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ): إنهم صدقوه في قوله: (أنا ربكم الأعلى).
وقال شيخ الإسلام: إن المستكبر عن الحق يبتلى بالانقياد للباطل، فيكون المستكبر مشركًا، كما ذكر الله عن فرعون وقومه: أنهم كانوا مع استكبارهم وجحودهم مشركين، فقال عن مؤمن آل فرعون: (وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (٤٢) لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ)، وقال: (وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ
[ ١ / ٣١٨ ]
مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ) الآية، وقال يوسف الصديق لهم: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)، وقد قال تعالى: (وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ).
فإن قيل: كيف يكون قوم فرعون مشركين؟ وقد أخبر الله عن فرعون أنه جحد الخالق فقال: (وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ)، وقال: (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي)، وقال: (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى)، وقال عن قومه: (فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا)، والإشراك لا يكون إلا من مُقر بالله، وإلا فالجاحد له لم يشرك به.
قيل: لم يذكر الله جحود الصانع إلا عن فرعون موسى، وأما الذين كانوا في زمن يوسف فالقرآن يدل على أنهم كانوا مقرين بالله وهم مشركون به، ولهذا كان خطاب يوسف للملك وللعزيز ولهم: يتضمن وجود الصانع، كقوله: (أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)، (ارْجِعْ إِلَى
[ ١ / ٣١٩ ]
رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ) إلى قوله: (إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ)، (وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢) إلى قوله: (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)، وقد قال مؤمن آل - حم - (وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا). فهذا يقتضي أن أولئك الذين بُعث إليهم يوسف كانوا مقرين بالله ، وذلك أن فرعون الذي كان في زمن يوسف أكرم أبويه وأهل بيته لما قدموا إكرامًا عظيمًا مع علمه بدينهم، واستقراء أحواله يدل على ذلك.
فإن جحود الصانع لم يكن دينًا غالبًا على أمة من الأمم قط، وإنما كان دين الكفار الخارجين عن الرسالة هو الإشراك، وإنما كان يجحد الصانع بعض الناس، وأولئك كان علماؤهم من الفلاسفة الصابئة المشركين، الذين يعظمون الهياكل والكواكب والأصنام، والأخبار المروية من نقل أخبارهم وسيرهم كلهم تدل على ذلك، ولكن فرعون موسى: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ)، وهو الذي قال لهم - دون الفراعنة المتقدمين ـ: (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي)، ثم قال لهم بعد ذلك: (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى).
وإذا كان أولئك كانوا مشركين كما وُصفوا بذلك، وفرعون وموسى هوا لذي جحد الصانع وكان يعبد الآلهة، ولم يصفه الله بالشرك فقوم فرعون
[ ١ / ٣٢٠ ]
قد يكونوا أعرضوا عن الله بالكلية بعد أن كانوا مشركين به واستجابوا لفرعون في قوله: (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى)، و(مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي). ولهذا لما خاطبهم المؤمن ذكر الأمرين فقال: (تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ)؛ فذكر الكفر به الذي قد يتناول جحوده، وذكر الإشراك به أيضًا، فكان كلامه متناولًا للمقالتين والحالين جميعًا.
فقد تبين: أن المستكبر يصير مشركًا، إما بعبادة آلهة أخرى مع استكباره عن عبادة الله، لكن تسمية هذا شركًا نظير من امتنع من استكباره عن إخلاص الدين لله، كما قال تعالى: (إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ). فهؤلاء مستكبرون مشركون والمستكبر الذي لا يقر بالله في الظاهر كفرعون أعظم كفرًا منهم).
فهذا نص كلام شيخ الإسلام، سقته مع طوله ليدل على أن قوم فرعون كما أشركوا بالله ﷿ في أمور الربوبية هكذا أشركوا في أمور الألوهية، وليدل على أن هناك فرقًا ظاهرًا بين فرعون يوسف وفرعون موسى؛ من حيث الاعتراف بوجود الله من الأول وقومه، وإنكار وجود الله في الظاهر من الثاني وقومه.
ثانيًا: شرك فرعون - لعنه الله ـ:
هذا العبد من عبيد الله الضعفاء ادعى أنه إله يُعبد، ومالك يملك، وأجبر
[ ١ / ٣٢١ ]
قومه على أن يعبدوه ويطيعوه، وهو الذي علا في الأرض وطغى وتجبر واستكبر، و(وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢) فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ).
وقال لهم: (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ).
وقال: (وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ)، وقال: (لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ)، وقال: (فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى).
اتضح من هذه النصوص أن فرعون كان يدّعي الألوهية والربوبية لنفسه، وينكر وجود الله، فكان يجحد الصانع؛ قال شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية ﵀: (وأما فرعون فكان منكرًا للموصوف المسمى، فاستفهم بصيغة (ما) لأنه لم يكن مقرًا به، طالبًا لتعيينه، ولهذا كان الجواب في هذا الاستفهام بقول موسى: (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، وبقوله: (رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ)، فأجاب أيضًا بالصفة ).
وقال أيضًا: (ومن الكفار من أظهر جحود الخالق، كفرعون حيث قال:
[ ١ / ٣٢٢ ]
(يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ)، وقال: (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى)، وقال لموسى: (لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ)، وقال: (يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا).
ثم إن فرعون كما كان ينكر وجود الصانع ظاهرًا، كان ينكر الرسالة أيضًا، وهذا شرك في أمور الربوبية من وجه آخر؛ قال شيخ الإسلام: (وموسى ﵇ خاصم فرعون الذي جحد الربوبية والرسالة ). وقال أيضًا: (ففرعون كان منكرًا للصانع، مستفهمًا عنه استفهام إنكار، سواء كان في الباطن مقرًا به أو لم يكن، ثم طلب من موسى آية، فأظهر آيته، ودل بها على إثبات إلهية ربه وإثبات نبوته جميعًا).
وقال في موضع آخر: وأشهر من عرف تجاهله وتظاهره بإنكار الصانع فرعون، وقد كان مستيقنًا في الباطن كما قال له موسى: (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ)، وقال تعالى عنه وعن قومه: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا)، ولهذا قال: (وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ) على
[ ١ / ٣٢٣ ]
وجه الإنكار له ).
ثبت بهذه النصوص: أن فرعون كان جاحدًا منكرًا لوجود الصانع، فهل يعتبر هذا الجحود والإنكار شركًا؟ وهل كان عنده أنواع أخرى من الشرك؟
سأبين ذلك فيما يلي:
إن فرعون كان عنده أنواع من الشرك:
الأول: شرك الجحود أو التعطيل:
سبق معنا بيان أدلة جحوده للصانع، ولكن كيف يعد جحوده شركًا؟ قال شيخ الإسلام في الإجابة عليه: (فإن قيل: كيف يكون قوم فرعون مشركين وقد أخبر الله عن فرعون أنه جحد الخالق والإشراك لا يكون إلا من مقر بالله، وإلا فالجاحد له لم يشرك به، قيل: لم يذكر الله جحود الصانع إلا عن فرعون موسى وكان فرعون في الباطن عارفًا بوجود الصانع، وإنما استكبر كإبليس وأنكر وجوده والمستكبر يصير مشركًا، إما بعبادة آلهة أخرى مع استكباره عن عبادة الله، لكن تسمية هذا شركًا نظير من امتنع مع استكباره عن إخلاص الدين لله، كما قال تعالى: (إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ)، فهؤلاء مستكبرون مشركون؛ وإنما استكبارهم عن إخلاص الدين لله، فالمستكبر الذي لا يقر بالله في الظاهر - كفرعون - أعظم كفرًا منهم، وإبليس الذي يأمر بهذا كله ويحبه ويستكبر عن عبادة ربه وطاعته أعظم كفرًا من هؤلاء، وإن كن عالمًا بوجود الله
[ ١ / ٣٢٤ ]
وعظمته كما أن فرعون كان أيضًا عالمًا بوجود الله).
وقال في موضع آخر: (فأعظم السيئات: جحود الخالق، والشرك به، وطلب النفس أن تكون شريكة وندًا له، أو أن تكون إلهًا من دونه، وكلا هذين وقع؛ فإن فرعون طلب أن يكون إلهًا معبودًا من دون الله تعالى وإبليس يطلب أن يُعبد ويطاع من دون الله، فيريد أن يعبد ويطاع هو، ولا يعبد الله ولا يطاع، وهذا الذي في فرعون وإبليس هو غاية الظلم والجهل).
وقال في موضع آخر: (بل الاستقراء يدل على أنه كلما كان الرجل أعظم استكبارًا عن عبادة الله كان أعظم إشراكًا بالله؛ لأنه كلما استكبر عن عبادة الله ازداد فقره وحاجته إلى المراد المحبوب الذي هو المقصود: مقصود القلب بالقصد الأول، فيكون مشركًا بما استعبده من ذلك).
وقال ابن القيم ﵀: (الشرك نوعان: أحدهما: شرك التعطيل، وهو أقبح أنواع الشرك، كشرك فرعون إذ قال: (وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ)، وقال تعالى مخبرًا عنه قوله لهامان: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا)، والشرك والتعطيل متلازمان؛ فكل مشرك معطل، وكل معطل مشرك، لكن الشرك لا يستلزم أصل التعطيل، بل قد يكون المشرك مقرًا بالخالق سبحانه وصفاته، ولكنه عطل حق التوحيد، وأصل الشرك وقاعدته التي يرجع إليها:
[ ١ / ٣٢٥ ]
هو التعطيل ).
وقال الرازي: (الأقرب أن يقال: إنه كان دهريًا ينكر وجود الصانع).
فثبت بهذا كله: أن فرعون كان مشركًا، وشركه يتمثل في التعطيل والاستكبار وادعاء الربوبية لنفسه، ويكون المعنى المراد من قوله تعالى: (وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ): طلبه صفة هذا الذي ادعى موسى أنه رب العالمين، فكأنه قال: ومن هذا الذي تزعم أنه رب العالمين غيري؟ قال الحافظ ابن كثير ﵀: (هكذا فسره علماء السلف وأئمة الخلف، حتى قال السدي: هذه الآية كقوله تعالى: (قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى)، ومن زعم من أهل المنطق وغيرهم أن هذا سؤال عن الماهية فقد غلط، فإنه لم يكن مقرًا بالصانع حتى يسأله عن الماهية، بل كانت جاحدًا له بالكلية فيما يظهر، وإن كانت الحجج والبراهين قد قامت عليه ).
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الرد على من قال: إن السؤال من فرعون كان من الماهية وأن موسى ﵇ عدل عن الإجابة على سؤاله - كما قاله الرازي وغيره ـ: (وقد زعم طائفة من ان فرعون استفهم استفهام استعلام فسأله عن الماهية وان المسئول عنه لم يكن له ماهية عجز
[ ١ / ٣٢٦ ]
موسى عن الجواب وهذا غلط وعلى هذا التقدير يكون استفهم استفهام انكار وجحد كما دل سائر آيات القران على ان فرعون كان جاحدا لله نافيا له لم يكن مثبتا له طالبا للعلم بماهيته
فلهذا بين لهم موسى أنه معروف وأن آياته ودلائل ربوبيته أظهر وأشهر من أن يسال عنه بما هو فإن هذا إنما هو سؤال عما يجهل وهو سبحانه أعرف وأظهر وأبين من أن يجهل بل معرفته مستقرة في الفطرة اعظم من معرفة كل معروف).
وقال في موضع آخر: (وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ سُؤَالَ فِرْعَوْنَ (وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ) هُوَ سُؤَالٌ عَنْ مَاهِيَّةِ الرَّبِّ كَالَّذِي يَسْأَلُ عَنْ حُدُودِ الْأَشْيَاءِ فَيَقُولُ " مَا الْإِنْسَانُ؟ مَا الْمَلَكُ؟ مَا الْجِنِّيُّ؟ " وَنَحْوُ ذَلِكَ. قَالُوا: وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لِلْمَسْئُولِ عَنْهُ مَاهِيَّةٌ عَدَلَ مُوسَى عَنْ الْجَوَابِ إلَى بَيَانِ مَا يُعْرَفُ بِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) وَهَذَا قَوْلٌ قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَهُوَ بَاطِلٌ. فَإِنَّ فِرْعَوْنَ إنَّمَا اسْتَفْهَمَ اسْتِفْهَامَ إنْكَارٍ وَجَحْدٍ لَمْ يَسْأَلْ عَنْ مَاهِيَّةِ رَبٍّ أَقَرَّ بِثُبُوتِهِ بَلْ كَانَ مُنْكِرًا لَهُ جَاحِدًا. وَلِهَذَا قَالَ فِي تَمَامِ الْكَلَامِ (لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ) وَقَالَ (وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا).
فَاسْتِفْهَامُهُ كَانَ إنْكَارًا وَجَحْدًا يَقُولُ: لَيْسَ لِلْعَالِمِينَ رَبٌّ يُرْسِلُك فَمَنْ هُوَ هَذَا؟ إنْكَارًا لَهُ. فَبَيَّنَ مُوسَى أَنَّهُ مَعْرُوفٌ عِنْدَهُ وَعِنْدَ الْحَاضِرِينَ وَأَنَّ آيَاتِهِ ظَاهِرَةٌ بَيِّنَةٌ لَا يُمْكِنُ مَعَهَا جَحْدُهُ. وَأَنَّكُمْ إنَّمَا تَجْحَدُونَ بِأَلْسِنَتِكُمْ مَا تَعْرِفُونَهُ بِقُلُوبِكُمْ ، وَلَمْ يَقُلْ فِرْعَوْنُ " وَمَنْ رَبُّ الْعَالَمِينَ " فَإِنَّ " مَنْ " سُؤَالٌ عَنْ عَيْنِهِ يَسْأَلُ بِهَا مَنْ عَرَفَ جِنْسَ الْمَسْئُولِ عَنْهُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَدْ شَكَّ فِي
[ ١ / ٣٢٧ ]
عَيْنِهِ كَمَا يُقَالُ لِرَسُولِ عَرَفَ أَنَّهُ جَاءَ مِنْ عِنْدِ إنْسَانٍ " مَنْ أَرْسَلَك؟ ".
وَأَمَّا " مَا؟ " فَهِيَ سُؤَالٌ عَنْ الْوَصْفِ. يَقُولُ: أَيُّ شَيْءٍ هُوَ هَذَا؟ وَمَا هُوَ هَذَا الَّذِي سَمَّيْته " رَبَّ الْعَالَمِينَ "؟ قَالَ ذَلِكَ مُنْكِرًا لَهُ جَاحِدًا. فَلَمَّا سَأَلَ جَحْدًا أَجَابَهُ مُوسَى بِأَنَّهُ أَعْرَفُ مِنْ أَنْ يُنْكَرَ وَأَظْهَرُ مِنْ أَنْ يُشَكَّ فِيهِ وَيُرْتَابَ. فَقَالَ (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ).
وقال في موضع آخر: (وأما فرعون فكان منكرًا للموصوف المسمى، فاستفهم بصيغة (ما)؛ لأنه لم يكن مقرًا به طالبًا لتعيينه).
والمقصود: أن فرعون كان من شركه الجحود والتكبر.
الثاني: من أنواع الشرك عنده: عبادته للأوثان: واختلفوا فيه على قولين:
القول الأول: أنه كان يُعبد ولا يَعبد، وعليه حملوا قراءة من قرأ (وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ)، وقوله: (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى). وهذا القول روي عن بعض السلف، ولكن سنده ليس بذاك.
القول الثاني: أنه كان يعبد الأصنام والأوثان مع كونه ادعى لنفسه الربوبية، ومما ذكر فيه:
[ ١ / ٣٢٨ ]
١ - أنه كان يعبد الأصنام، وكان قومه يعبدونه.
٢ - أنه كان يعبد ما يستحسن من البقر، قال ابن كثير: قال السدي في قوله تعالى: (وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ): (وآلهته - فيما زعم ابن عباس ـ: كانوا إذا رأوا بقرة حسناء أمرهم فرعون أن يعبدوها ).
٣ - وقال الطبري في تفسيره: بلغني أن فرعون كان يعبد إلهًا في السر.
٤ - وروى الطبري عن الحسن قال: كان لفرعون جمانة معلقة في نحره يعبدها ويسجد لها.
٥ - قال الرازي: (كان دهريًا ينكر وجود الصانع، وكان يقول: مدبر هذا العالم السفلي هو الكواكب، وأما (المجدي) في هذا العالم للخلق ولتلك الطائفة والمربي لهم فهو نفسه ، وإذا كان مذهبه ذلك لم يبعد أن يقال: إنه كان قد اتخذ أصنامًا على صور الكواكب، ويعبدها ويتقرب إليها على ما هو دين عبدة الكواكب).
٦ - وقال أيضًا: (أو يقال: إنه كان من الفلاسفة القائلين بالعلة الموجبة لا بالفاعل المختار، ثم إنه اعتقد أنه بمنزلة الإله لأهل إقليمه من حيث استعبدهم وملك ذماتهم وزمام أمرهم).
[ ١ / ٣٢٩ ]
٧ - (ويحتمل أن يقال: إنه كان على مذهب الحلولية، القائلين بأن ذات الإله يتدرع بجسد إنسان معين، حتى يكون الإله سبحانه لذلك الجسد بمنزلة روح كل إنسان بالنسبة إلى جسده، وبهذه التقديرات كان يسمي نفسه إلهًا).
ولهذا قال شيخ الإسلام لما أراد أن يقارن بين مقالات أهل الوحدة والحلول وبين مذهب فرعون: ( والمنكر للصانع منهم مستكبر كثيرا ما يعبد آلهة؛ ولا يعبد الله قط؛ فإنه يقول: هذا العالم واجب الوجود بنفسه. وبعض أجزائه مؤثر في بعض ويقول إنما انتفع بعبادة الكواكب والأصنام ونحو ذلك ولهذا كان باطن قول هؤلاء الاتحادية المنتسبة إلى الإسلام هو قول فرعون، وكنت أبين أنه مذهبهم وأبين أنه حقيقة مذهب فرعون حتى حدثني الثقة: عن بعض طواغيتهم أنه قال: نحن على قول فرعون؛ ولهذا يعظمون فرعون في كتبهم تعظيما كثيرا. فإنهم لم يجعلوا ثم صانعا للعالم خلق العالم ولا أثبتوا ربًا مدبرًا للمخلوقات وإنما جعلوا نفس الطبيعة هي الصانع ولهذا جوزوا عبادة كل شيء وقالوا من عبده فقد عبد الله وهؤلاء يعبدون ما يعبده فرعون وغيره من المشركين لكن فرعون لا يقول: هي الله ولا تقربنا إلى الله والمشركون يقولون: هي شفعاؤنا وتقربنا إلى الله وهؤلاء يقولون هي الله كما تقدم وأولئك أكفر من حيث اعترفوا بأنهم عبدوا غير الله أو جحدوه؛ وهؤلاء أوسع ضلالا من حيث جوزوا عبادة كل شيء وزعموا أنه هو الله وأن العابد هو المعبود وإن كانوا إنما قصدوا عبادة الله).
وقال الإمام ابن القيم - بعدما ذكر افتراق الفلاسفة على فرق شتى ـ:
[ ١ / ٣٣٠ ]
(وبالجملة: فملاحدتهم هم أهل التعطيل المحض فإنهم عطلوا الشرائع وعطلوا المصنوع عن الصانع وعطلوا الصانع عن صفات كماله وعطلوا العالم عن الحق الذي خلق له وبه فعطلوه عن مبدئه ومعاده وعن فاعله وغايته ثم سرى هذا الداء منهم في الأمم وفي فرق المعطلة فكان منهم إمام المعطلين فرعون فإنه أخرج التعطيل إلى العمل وصرح به وأذن به بين قومه ودعا إليه وأنكر أن يكون لقومه إله غيره وأنكر أن يكون الله تعالى فوق سمواته على عرشه وأن يكون كلم عبده موسى تكليما وكذب موسى في ذلك وطلب من وزيره هامان أن يبني له صرحا ليطلع بزعمه إلى إله موسى ﵇ وكذبه في ذلك فاقتدى به كل جهمي ).
فهذا آخر ما توصلت إليه من أخبار الشرك في فرعون وقومه، وكان مصير فرعون وقومه أن أغرقهم الله في البحر، وجعل ذلك آية للناس الذين أتوا بعدهم.
اليهود المغضوب عليهم:
أطلق هذا الاسم على أتباع التوراة وأتباع موسى ﵇ في الشريعة - حسب ما يدعيه هؤلاء - وهم أبناء يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵇، دخلوا مصر في عهد يوسف بن يعقوب ﵇ بدعوة منه، وكانوا بعد هذا على عقيدة التوحيد الذي ورثوه من آبائهم، حتى تأثروا بوثنية الأمم المجاورة لهم.
الشرك في اليهود:
فهل وجد الشرك فيهم قديمًا أم الشرك طرأ عليهم بعدما ذهب أنبياؤهم؟
[ ١ / ٣٣١ ]
إذا نظرنا إلى التاريخ نرى أنهم وقعوا في الشرك قديمًا.
مما يذكر لنا القرآن عن شركهم ما يلي
١ - لصوق الوثنية بقلوب فريق من بني إسرائيل على عهد موسى:
قال تعالى: (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَآئِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩) قَالَ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٤٠) وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَونَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ).
ففي هذه الآيات يخبرنا الله ﷿ أنه فلق البحر لبني إسرائيل حتى عبروه إلى الشاطئ الآخر، فمروا في سيرهم على قوم عكوف على أصنام لهم يعبدونها من دون الله ﷿، فطلبوا من موسى أن يجعل لهم آلهة مثل آلهة هؤلاء، وكان من أصنامهم كما يذكره ابن جرير عن ابن جريج قال: (تماثيل بقر من نحاس، فلما كان عجل السامري شبه لهم أنه من تلك البقر، فذلك كان أول شأن العجل)؛ لتكون لله عليهم حجة فينتقم منهم، فهي من الآيات
[ ١ / ٣٣٢ ]
العظام، ثم سألوا الشرك صراحة، فهذا مما يدل على أن الوثنية المصرية كانت لا تزال عالقة بنفوسهم، وأن استعلاء المصريين عليهم وإذلالهم أثر فيهم حتى قلدوهم في دينهم، والمغلوب يميل دائمًا إلى تقليد الغالب.
فهذا الذي حدث في قوم موسى قد صدر مثل ذلك عن هذه الأمة، وما يزال يصدر مثل هذا التقليد والشرك في هذه الأمة. ولقد رأينا بعض هذا فيما روى أبو واقد الليثي ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين، ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسولا لله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله ﷺ: «الله أكبر! إنها السنن، قلتم - والذي نفسي بيده - كما قالت بنو إسرائيل لموسى: (اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨)، لتركبن سنن من كان قبلكم»، وما أكثر الخلق لهؤلاء في اتخاذ إله مجعول، فكل من اتخذ إلهًا غير الله فقد اتخذ إلهًا مجعولًا، فأي جهل فوق هذا؟ طلبوا من موسى أن يجعل
[ ١ / ٣٣٣ ]
لهم إلهًا، فطلبوا من مخلوق أن يجعل لهم إلهًا مخلوقًا، وكيف يكوف أن يكون الإله مجعولًا؟ بل الإله هو الجاعل لكل ما سواه، والمجعول مربوب مصنوع، فيستحيل أن يكون إلهًا.
٢ - اتخاذ بني إسرائيل العجل إلهًا يعبدونه:
قال تعالى: (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (١٤٨) وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).
وقال: (وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَى (٨٣) قَالَ هُمْ أُولاء عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤) قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥) إلى قوله: (قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ (٩٥) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي).
هذه الآيات تصور تلك النكسة التي أصابت شعب إسرائيل بعودتهم إلى الشرك والوثنية التي ألفوها عند إقامتهم بمصر، فبمجرد أن خرج موسى ﵇ لميقات ربه وقد استخلف على قومه أخاه هارون ﵇، وكان هارون رجلًا لين الطبع حليمًا، فاهتبل القوم هذه الفرصة وأعطوا حليهم التي كانوا قد استعاروها من المصريين لموسى السامري، فصاغ لهم منها عجلًا جسدًا، ويقال: إنه ألقي عليه حفنة من التراب الذي سار عليه جبريل عليه
[ ١ / ٣٣٤ ]
السلام، فصار عجلًا حيًا له خوار، ثم قال لهم: هذه إلهكم وإله موسى، فنسي، فاستخف القوم فأطاعوه وعبدوا العجل، فقام هارون ﵇ ينصحهم ويحذرهم عاقبة شركهم ويقول لهم: (يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى).
فهذا الشرك وعبادة العجل من دون الله إنما هو من تلاعب الشيطان بهم، فإنهم قد شاهدوا ما حلَّ بالمشركين من العقوبة، وأخذ الرابية، ونبيهم حي لم يمت، هذا وقد شاهدوا صانعه يصنعه ويصوغه ويصليه النار، ويدقه بالمطرقة ويسطو عليه بالمبرد، ويقلبه بيديه ظهرًا لبطن.
قال ابن القيم: (ومن عجيب أمرهم: أنهم لم يكتفوا بكونه إلههم حتى جعلوه إله موسى فنسبوا موسى ﵇ إلى الشرك وعبادة غير الله تعالى بل عبادة أبلد الحيوانات وأقلها دفعا عن نفسه بحيث يضرب به المثل في البلادة والذل فجعلوه إله كليم الرحمن، ثم لم يكتفوا بذلك حتى جعلوا موسى ﵇ ضالا مخطئا فقالوا: فنسي
قال ابن عباس: (أي ضل وأخطأ الطريق)، وفي رواية عنه أي إن موسى ذهب يطلب ربه فضل ولم يعلم مكانه
وعنه أيضا نسى أن يذكر لكم أن هذا إلهه وإلهكم وقال السدى: أي ترك موسى إلهه ههنا وذهب يطلبه وقال قتادة: أي إن موسى إنما يطلب هذا ولكنه نسيه وخالفه في طريق آخر.
هذا هو القول
[ ١ / ٣٣٥ ]
المشهور: أن قوله فنسى من كلام السامري وعباد العجل معه والسياق يل عليه وهذا من أقبح تلاعب الشيطان بهم ).
٣ - اتخاذ الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله، الذي هو شرك في الربوبية والألوهية معًا:
قال تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ).
قال ابن القيم: (ومن تلاعبه بهم أيضا: أنهم كانوا يقتلون الأنبياء الذين لا تنال الهداية إلا على أيديهم ويتخذون أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله تعالى يحرمون عليهم ويحلون لهم فيأخذون بتحريمهم وتحليلهم ولا يلتفتون: هل ذلك التحريم والتحليل من عند الله تعالى أم لا.
قال عدي بن حاتم: أتيت رسول الله ﷺ فسألته عن قوله: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ) فقلت: يا رسول الله ما عبدوهم فقال: حرموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام فأطاعوهم فكانت تلك عبادتهم إياهم رواه الترمذي وغيره، وهذا من أعظم تلاعب الشيطان بالانسان: أن يقتل أو يقاتل من هداه على يديه ويتخذ من لم تضمن له عصمته ندا لله يحرم عليه ويحلل له ).
فما أشبه اليوم بالأمس، لقد وجد هذا الشرك بعينه في هذه الأمة، كما
[ ١ / ٣٣٦ ]
سيأتي بيانه عند بيان الشرك في العصر الحديث.
٤ - شركهم بالله جل وعلا باتصافهم ببعض خصائص الربوبية؛ مثل الكِبر:
قال شيخ الإسلام: (قال تعالى: (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ)، فإنه تعالى قال هذا القول بعد أن قال: (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) الآية. ولما كان أصل دين اليهود الكبر، عاقبهم بالذلة. قال تعالى: (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا). وقد وصف الله بعض اليهود بالشرك في قوله: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ)، وفي قوله: (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ)، ففي اليهود من عبد الأصنام، وعبد البشر؛ وذلك أن المستكبر عن الحق يُبتلى بالانقياد للباطل، فيكون المستكبر مشركًا ).
٥ - الشرك بالله في الربوبية؛ وذلك بتشبيهه بصفات المخلوقين: وهو ما ذكرنا سابقًا - في أنواع الشرك - من الشرك بالله بالأنداد المنهي عنه في قوله تعالى: (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ).
[ ١ / ٣٣٧ ]
واليهود قد شبهوا الله ﷿ بصفات النقص من وجوه عدة، منها:
أ- إثبات الولد لله جل وعلا، قال تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ)، فإثبات الولد لله فيه تنقيص في حق ربوبية الله ﷿، وما قدروه حق قدره، فشبهوه بمخلوقاته، وبصفاتهم.
ب- قولهم: إن الرب - تعالى - محجور عليه في نسخ الشرائع، فحجروا عليه أن يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، وجعلوا هذه الشبهة الشيطانية ترسًا لهم في جحد نبوة محمد رسول الله ﷺ، وقرروا ذلك بأن النسخ يستلزم البداء، وهو على الله محال.
ج- قولهم: إن الرب سبحانه نائم لا ينتبه من نومه، فإنهم في العشر الأول من العشر الأول من كل سنة يقولون في صلاتهم: (لم تقول الأمم: أين الهمم؟ انتبه كم تنام يا رب؟ استيقظ من رقدتك).
د- قولهم: إن الله يندم، ومن ذلك قولهم: (وندم الله سبحانه على خلق البشر الذين في الأرض، وشق عليه وعاد في رأيه)، وذلك عندهم في قصة قوم نوح.
وقولهم: (إن الله سبحانه لما رأى فساد قوم نوح، وأن شركهم وكفرهم قد عظم ندم على خلق البشر).
ويقول كثير منهم: (إنه بكى على الطوفان حتى رمد، وعادته الملائكة، وأنه عض على أنامله حتى جرى الدم منها).
[ ١ / ٣٣٨ ]
وقالوا أيضًا: (إن الله ندم على تمليكه شاؤول على بني إسرائيل، وأنه قال ذلك لشمويل).
وقالوا: (فندم الرب على الشر الذي قال إنه سيفعله بشعبه).
هـ - وصفوا الله ﷿ بالجهل؛ حيث زعموا أنه يجب أن توضع له علامة ليستدل بها عليهم حتى لا يهلكهم، فقالوا: (فإن الرب يجتاز ليضرب المصريين، فحين يرى الدم على العتبة العليا والقائمتين يعبر الرب عن الباب ولا يدع المهلك يدخل بيوتكم).
و- المشي على الأرض؛ يذكر اليهود أن الله ﷿ كان يسير أمامهم، ومن ذلك قولهم في سفر الخروج: (وكان الرب يسير أمامهم نهارًا في عمود سحاب ليهديهم في الطريق).
ز- الرؤية بالعين في الدنيا؛ يزعم اليهود أنهم رأوا الله ﷿ في الدنيا؛ حيث قالوا: (ثم صعد موسى وهارون وناداب وأبيهوا وسبعون من شيوخ بني إسرائيل ورأوا إله إسرائيل تحت رجليه شبه صنعة من العقيق الأزرق الشفاف فرأوا الله، وأكلوا وشربوا).
ح- التعب لله؛ زعم اليهود - لعنهم الله - أن الله تعب من خلق السموات والأرض فاستراح في اليوم السابع؛ حيث قالوا: (وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل، فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي
[ ١ / ٣٣٩ ]
عمل).
ط- قولهم: (إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ).
ي- قولهم: (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ).
ك- وقولهم: (إن النهار اثنتا عشرة ساعة، في الثلاثة الأولى منها يجلس الله ويطالع الشريعة، وفي الثلاث الثانية: يحكم، وفي الثلاث الثالثة: يطعم العالم، وفي الثلاث الأخيرة يجلس ويلعب مع الحوت ملك الأسماك).
فهذه أنواع الشرك في القديم، وما زالت عندهم هذه العقيدة، بل ربما تطورت إلى ما هو أسوأ كما يظهر من خلال نصوص التلمود. والله أعلم.
أما كون هذه النقائص التي فيها تشبيه الخالق بالمخلوق من حيث اتصافه ببعض صفات النقص التي تعتري المخلوق شركًا؛ فلما سبق معنا في بيان حقيقة الشرك: أن حقيقة الشرك هو اتخاذ الند لله جل وعلا، ومن معاني الند: الكفؤ، والشبيه والمثل والعدل وغيرها كلها معاني متقاربةة تدل على أن الشرك في الحقيقة كما قال ابن القيم: (هو التشبه بالخالق والتشبيه للمخلوق به ).
والتشبيه لفظ عام يطلق على تشبيه المخلوق بالخالق في ذاته، أو صفاته،
[ ١ / ٣٤٠ ]
ويطلق هكذا على تشبيه الخالق بالمخلوق في ذاته أو صفاته. وإن كان الأمر الأول هو الذي وقع فيه أكثر الناس، كما قال ابن القيم، ولا يمنع ذلك وجود فئة من الناس الذين وقعوا في الأمر الثاني أيضًا.
ولهذا قال الإمام الطحاوي: (ولا يشبه الأنام)، قال الشارح: هذا رد لقول المشبهة الذين يشبهون الخالق بالمخلوق ﷾، قال ﷿: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ).
قال الإمام أبو حنيفة في الفقه الأكبر - المنسوب إليه ـ: (لا يشبه شيئًا من خلقه، ولا يشبهه شيء من خلقه وصفاته كلها خلاف صفات المخلوقين، يعلم لا كعلمنا، ويقدر لا كقدرتنا، ويرى لا كرؤيتنا).
وقال نعيم بن حماد: (من شبه الله بشيء من خلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله
[ ١ / ٣٤١ ]
تشبيهًا).
وقال إسحاق بن إبراهيم بن راهويه: من وصف الله فشبه بصفات أحد من خلق الله فهو كافر بالله العظيم.
وقال أيضًا: (إنما يكون التشبيه لو قيل: يد كيد وسمع كسمع).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والرب تعالى أحق بتنزيهه عن كل عيب ونقص منكم؛ فإن له المثل الأعلى، فكل كمال ثبت للمخلوق، فالخالق أحق بثبوته منه إذا كان مجردًا عن النقص، وكل ما ينزه عنه المخلوق من نقص وعيب فالمخلوق أولى بتنزيهه عنه ). بل عظم الشرك في العالم على حسب انتقاصهم لله، قال شيخ الإسلام بعد الكلام السابق: (ولهذا كانت القرامطة الباطنية من أعظم الناس شركًا، وعبادة لغير الله؛ إذ كانوا لا يعتقدون في إلههم أنه يسمع أو يبصر أو يغني عنهم شيئًا ).
ويدل على نفي النقائص عن الله آيات من القرآن الكريم. منها قوله تعالى: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ)، بل سورة (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) كلها تدل
[ ١ / ٣٤٢ ]
عليه، وهكذا آية الكرسي، وهكذا يدل عليه أمر الله سبحانه عباده بتسبيحه فإنه يقتضي تنزيهه عن كل عيب ونقص وإثبات ضدهما. فإن النقائص جنسها منفي عن الله تعالى، وكل ما اختص به المخلوق فهو من النقائص التي يجب تنزيه الرب سبحانه عنها، فمثلًا: التعب والفقر والجهل واللغوب هذه مما اختصت بها العباد، فالله منزه عنه.
وقال شيخ الإسلام في موضع آخر: إن ما يسلكه نفاة الصفات أو بعضها، إذا أرادوا أن ينزهوه عما يجب تنزيهه عنه، مما هو من أعظم الكفر، مثل أن يريدوا تنزيهه عن الحزن والبكاء ونحو ذلك، ويريدون الرد على اليهود الذين يقولون: إنه بكى على الطوفان حتى رمد، وعادته الملائكة ونحو ذلك، فإن وصف الله تعالى بهذه النقائص والآفات أظهر فسادًا في العقل والدين من نفي التحيز والتجسيم؛ فإن هذا فيه من الأشياء والنزاع والخفاء ما ليس في ذلك، وكفر صاحب ذلك معلوم بالضرورة من دين الإسلام ؛ لأن مشابهة الناقص في صفات النقص نقص مطلقًا، كما أن مماثلة المخلوق في شيء من الصفات تمثيل وتشبيه ينزه عنه ﵎. والنقص ضد الكمال، وهو سبحانه منزه عن النقائص.
[ ١ / ٣٤٣ ]
فالتشبيه يتضمن وصف الله بصفات النقص؛ لأن فيه تشبيه الله بالمخلوق الناقص. وتطلق المشبهه في عرف السلف - رحمة الله عليهم - على من قاس صفات الله ﵎ على صفات خلقه، فلم يفهم من صفاته جل وعلا إلا ما ألف الناس من صفاتهم، فمن قال: لله بصر كبصري، ويد كيدي، وقدم كقدمي، أو وصفه بالنقائص، فهو مشبه؛ لأنهم يطلقون هذا اللقب - المشبه - على من مثل الله تعالى بخلقه، كأن جعل ذات الله تعالى كذات خلقه، أو جعل صفات الخلق مثل صفات المخلوق.
وقال ابن القيم: (كل مشرك مشبه لإلهه ومعبوده بالله سبحانه، وإن لم يشبهه به من كل وجه، حتى إن الذين كفروا وصفوه بالنقائص والعيوب؛ كقولهم: (إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ)، وإن (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ)، وإنه استراح لما فرغ من خلق العالم، والذي جعلوا له ولدًا وصاحبة، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا ووصفه سبحانه بهذه الأمور من أبطل الباطل؛ لكونها في نفسها نقائص وعيوبًا وتنزيهه سبحانه عن العيوب والنقائص واجب لذاته، كما أن إثبات صفات الكمال والحمد واجب لذاته، وهو أظهر في العقول والفطر وجميع الكتب الإلهية وأقوال الرسل من كل شيء ، بل إثبات هذه العيوب والنقائص يضاد كماله المقدس، وهو سبحانه موصوف بما يضادها وينافيها من كل وجه).
[ ١ / ٣٤٤ ]
والمقصود أن وصف الله ﷿ بهذه النقائص يعتبر شركًا، فإنه من المعلوم أن التوحيد على ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، وتوحيد العبادة، ولا يتحقق توحيد الأسماء والصفات إلا بإثباتها بلا تمثيل، وتنزيهها بلا تعطيل، فقولهم في الصفات مبني على أصلين:
أحدها: أن الله ﷾ منزه عن صفات النقص مطلقًا؛ كالسنة والنوم والعجز والجهل وغيره ذلك.
الثاني: أنه متصف بصفات الكمال التي لا نقص فيها على وجه الاختصاص بما له من الصفات، فلا يماثله شيء من المخلوقات في شيء من الصفات.
فإثبات صفات النقص لله جل وعلا شرك في توحيد الأسماء والصفات؛ لدخوله تحت الإلحاد في أسماء الله وصفاته، فإن من أنواع الإلحاد في أسماء الله وصفاته: (وصفه سبحانه بما ينزه ويتقدس عنه؛ مثل قول اليهود (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) و(إنه فقير)، وقولهم: (إنه استراح يوم السبت). وما يتنزه الله ﵎ عنه قسمان: متصل ومنفصل، أما المتصل: فهو نفي ما يناقض ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ من كل ما يضاد الصفات الكاملة، وذلك كالنوم والإعياء والتعب واللغوب والموت والجهل والظلم والغفلة والنسيان والسنة.
أما المنفصل: فهو تنزيه الله عن أن يشاركه أحد من الخلق في شيء من خصائصه التي لا تكون لغيره، كالزوجة والولد والشريك، والكفو والظهير،
[ ١ / ٣٤٥ ]
والشفيع بغير إذن الله، والولي من الذل ، فهذا التشبيه والتمثيل نوع من الإلحاد، والإلحاد شرك، والشرك حقيقته تشبيه المخلوق بالخالق وتشبيه الخالق بالمخلوق - كما سبق بيانه مرارًا ـ، وهو المعنى الذي يرجع إليه تفسير اتخاذ الند المنهي عنه في القرآن والسنة.
وبهذا علمنا: أن من وصف الله ﷿ بشيء من صفات النقص فهو مشبه، والمشبه مخالف لتوحيد الأسماء والصفات. قال ابن القيم: (ومن شبهه بخلقه ومثله بهم، فقد كذب تشبيهه وتمثيله توحيده).
وعلمنا أيضًا أن وصف اليهود الرب سبحانه بالنقائص التي يختص بها المخلوق تشبيه للخالق بالمخلوق، وهو شرك بالله جل وعلا في توحيد الأسماء والصفات، وبمفهوم عام يدخل تحت الشرك في الربوبية الذي هو الجانب العلمي الاعتقادي.
ولكن لا يمنع أن يكون هناك لدى بعضهم نوع من الشرك العملي أيضًا - كما سيأتي من قول شيخ الإسلام ـ.
قال شيخ الإسلام: فَالْيَهُودُ وَصَفُوا اللَّهَ بِالنَّقَائِصِ الَّتِي يَتَنَزَّهُ عَنْهَا فَشَبَّهُوهُ بِالْمَخْلُوقِ: كَمَا وَصَفُوهُ بِالْفَقْرِ وَالْبُخْلِ وَاللُّغُوبِ. وَهَذَا بَاطِلٌ؛ فَإِنَّ الرَّبَّ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ وَمَوْصُوفٌ بِالْكَمَالِ الَّذِي لَا نَقْصَ فِيهِ وَهُوَ مُنَزَّهٌ فِي صِفَاتِ الْكَمَالِ أَنْ يُمَاثِلَ شَيْءٌ مِنْ صِفَاتِهِ شَيْئًا مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ فَلَيْسَ لَهُ كُفُؤًا أَحَدٌ فِي شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِهِ لَا فِي عِلْمِهِ وَلَا قُدْرَتِهِ وَلَا إرَادَتِهِ وَلَا رِضَاهُ وَلَا
[ ١ / ٣٤٦ ]
غَضَبِهِ والسلف لا ينفون عنه ما أثبته لنفسه من الصفات، ولا يمثلون صفاته بصفات المخلوقين؛ فالنافي معطل، والمعطل يعبد عدمًا، والمشبه ممثل، والممثل يعبد صنمًا).
وقال في موضع آخر: (فلا يوجد أحد من أهل التعطيل الجهمية وأهل التمثيل المشبهة إلا وفيه نوع من الشرك العملي إذ أصل قولهم فيه شرك وتسوية بين الله وبين خلقه أو بينه وبين المعدومات كما يسوي المعطلة بينه وبين المعدومات في الصفات السلبية التي لا تستلزم مدحا ولا ثبوت كمال أو يسوون بينه وبين الناقص من الموجودات في صفات النقص وكما يسوون إذا أثبتوا هم ومن ضاهاهم من الممثلة بينه وبين المخلوقات في حقائقها حتى قد يعبدونها فيعدلون بربهم ويجعلون له أندادا ويسوون المخلوقات برب العالمين. واليهود كثيرا ما يعدلون الخالق بالمخلوق ويمثلونه به حتى يصفوا الله بالعجز والفقر والبخل ونحو ذلك من النقائص التي يجب تنزيهه عنها وهي من صفات خلقه ).
فثبت بهذا كله أن قول اليهود بالتشبيه ووصف الخالق بصفات المخلوق هذا أمر مشهور عنهم، حتى عده الشهرستاني من طبائعهم الملازمة، فالقوم أسرفوا في تشبيه الله ﷿ بالمخلوقات، ووصفوه جل وعلا بالنقائص التي تختص بالمخلوق.
الشرك في الملة اليهودية بعد موسى ﵇:
اليهود - كما سبق بيانه - لم يكونوا موحدين قط حق التوحيد، إذا تمعنا
[ ١ / ٣٤٧ ]
النظر في مصادرهم الدينية؛ لأن اليهودية تأثرت بما جاورها من الديانات الوثنية، كما أخذت من ديانة بابل، وتأثرت عنهم في عبادة العجل، ونقلت عن الكنعانيين مراسيم وطقوسًا، حتى قال بعض الباحثين: إن إلههم (يهوه) إنما هو إله كنعاني، أخذه اليهو وزادوا في صفاته ما يتفق مع حياتهم، وإذا صح هذا فإن كلمة (يهوه) تكون معروفة قبل ميلاد سيدنا إبراهيم ﵇، فهؤلاء اليهود لما أخذوا (يهوه) إلهًا، نظروا في صفات (يهوه) إلى الديانات الوثنية، فأخذوها، فمما أخذوا من الديانات الوثنية فكرة (خصوصية) الإله، فإنها منقولة عن الوثنيات التي سبقت ديانتهم أو عاصرتها.
والمخالفات التي تزدحم بها التوراة والتلمود وكتب اليهود المقدسة لحقيقة التوحيد تثبت لنا أن التوراة الأصلية الصحيحة التي فيها الهدى والنور قد تغيرت وحرفت على أيدي اليهود، ودخلت فيها الوثنيات من الشرك والتعدد والكفر والإلحاد، وما تذكر من التجسيد. وصفات (يهوه) من الحمق والرعونة والطيش والندم والتوحش والمحاباة لعباده إنما هو مذكور في صفات آلهة بلبل وآشور وغيرها، وفي الفترات التي كانت دعوة التوحيد الموسوية تعلوا على غيرها لم تخل اليهودية من اعتقاد التعدد، فقد كانوا يؤمنون بإلههم مع الاعتراف بآلهة الشعوب الأخرى.
وأخذوا بأخرة فكرة البنوة لله من المسيحية، ومن الهندوسية، والبوذية، فزعم اليهود أن عزيرًا (عزرا) هو ابن الله، وهذا القول معروف عن يهود المدينة.
[ ١ / ٣٤٨ ]
وهم في جميع مراحلهم أشركوا مع الله غيره، بل كفروا بيهوه وأخلصوا لغيره، وانظر على سبيل المثال إلى الكتاب المقدس - كما سموه - ستى هذا الأمر واضحًا جليًا.
ذكر بعض الأنبياء بعد موسى ﵇:
لقد أرسل الله إلى بني إسرائيل رسلًا، وآتاهم ما لم يؤت أحدًا من العالمين، فقد جاء بعد موسى ﵇ أنبياء وملوك ليهديهم إلى الصراط المستقيم، ولم يذكر الله ﷿ لنا كثيرًا من أنبيائهم على التعيين، وإنما أخبر عن بعض منهم؛ مثل داود وسليمان، كما حكى عن طالوت وجهاده ضد جالوت، وكلهم كانوا داعين إلى التوحيد لا محالة.
ولم يذكر لنا القرآن شيئًا عن وجود أي خلل في هذه المسيرة الصحيحة، كما لم يأت في السنة المطهرة ما يدل على أن هؤلاء وقعوا في الشرك، إلا ما ذكر عن امرأة سبأ وقومها، حيث إنهم كانوا عباد الشمس، ولكن زال هذا الشرك بإسلام ملكة سبأ - كما هو ظاهر من سياق القرآن ـ.
[ ١ / ٣٤٩ ]
المبحث العاشر في بيان الشرك في قوم إلياس
قوم إلياس ﵇:
قد ذكرا لله ﷿ أمة في هذه الفترة وقعت في الشرك وفي عبادة الأصنام من دون الله؛ وهم قوم إلياس ﵇.
قال تعالى بعدما ذكر قصة هارون وموسى: (وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ (١٢٤) أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥) اللهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ)، وقال في آية أخرى: (وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ).
وفيما يلي التعريف بإلياس وقومه، وبيان ما كانوا عليه من الشرك.
أما إلياس: فاختلفوا فيه على قولين:
أ- إنه إدريس: قال الإمام البخاري: يذكر عن ابن مسعود وابن عباس أن إلياس هو إدريس. قال الحافظ: (أما قول ابن مسعود فوصله عبد بن حميد وابن أبي حاتم بإسناد حسن عنه، قال: إلياس هو إدريس، ويعقوب هو إسرائيل. وأما قول ابن عباس فوصله جويبر في تفسيره عن الضحاك عنه
[ ١ / ٣٥٠ ]
وإسناده ضعيف، ولهذا لم يجزم به البخاري، وقد أخذ أبو بكر بن العربي من هذا، أن إدريس لم يكن جدًا لنوح، وإنما هو من بني إسرائيل؛ لأن إلياس قد ورد أنه من بني إسرائيل، واستدل على ذلك بقوله ﵇ للنبي ﷺ: (مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح)، ولو كان من أجداده لقال له كما قال آدم وإبراهيم: «والابن الصالح»، وهو استدلال جيد، إلا أنه قد يُجاب عنه بأنه قال ذلك على سبيل التواضع والتلطف، فليس ذلك نصًا فيما زعم ).
ولعل من قرأ قوله تعالى: (سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ) بـ (إدراسين) يذهب أيضًا إلى هذا القول. وقال الإمام الشوكاني: قرأ ابن مسعود والأعمش، ويحيى بن وثاب: (وإن إدريس لمن المرسلين).
[ ١ / ٣٥١ ]
ب- أنه إلياس، وليس بإدريس، وعلى هذا فهو:
١ - إلياس بن نسي بن فنحاص بن العيزار بن هارون أخي موسى بن عمران، والله أعلم.
٢ - وقيل: هو إلياس بن يس من سبط هارون أخي موسى.
٣ - وقيل: هو إلياس التشبي.
٤ - وقيل: هو إلياس بن العازر بن العيزار بن هارون بن عمران.
قوم إلياس:
كان إرساله إلى أهل بعلبك غربي دمشق، وبعلبك الآن داخل الحدود اللبنانية.
شرك قوم إلياس:
أرسل الله النبي الكريم إلى أهل بعلبك، فدعاهم إلى الله ﷿ وأن يتركوا عبادة صنم لهم كانوا يسمونه بعلًا. ونقل الحافظ ابن عساكر بسنده عن ابن عباس قال: إنما سمي بعلبك لعبادتهم البعل، وكان موضعهم البَدْء فسمي بعلبك.
[ ١ / ٣٥٢ ]
واختلفوا في المعنى المراد بالبعل على أقوال:
١ - أنه اسم صنم لهم كانوا يعبونه. قال الحافظ ابن كثير: وهو الأصح.
٢ - كانت امرأة اسمها بعل، كانوا يعبدونها.
٣ - وقال مجاهد: (بعلًا) أي: ربًا، وهو قول الإمام البخاري أيضًا في صحيحه.
والصحيح هو القول الأول كما أشار إليه ابن كثير، فإنهم (كانوا قد عبدوا صنمًا يقال له: بعل، فدعاهم إلى توحيد الله تعالى ونهاهم عن عبادة ما سواه، وكان قد آمن به ملكهم ثم ارتد، واستمروا على ضلالهم ولم يؤمن به منهم أحد، فدعا الله عليهم فحبس عنهم القطر ثلاث سنين، ثم سألوه أن يكشف ذلك عنهم ووعدوه الإيمان به إن هم أصابهم المطر، فدعا الله تعالى لهم فجاءهم الغيث، فاستمروا على أخبث ما كانوا عليه من الكفر، فسأل الله أن يقبضه إليه ). وقد ذكر الحافظ ابن جرير الطبري في تفسيره قصصًا أخرى أغلبها من الإسرائيليات، عن طريق محمد بن إسحاق ووهب بن منبه، ولا يعلم صحتها؛ فلذا تم صرف النظر عنها.
والمقصود: أن قوم إلياس ﵇ كانوا يعبدون الأصنام - من دون الله ـ،
[ ١ / ٣٥٣ ]
فكانوا يشركون بالله ﷿ في ألوهيته وعبادته، فأرسل الله إليهم نبيه إلياس ﵇ يدعوهم إلى التوحيد، فعلى رواية: أنهم آمنوا ثم كفروا، وعلى رواية أخرى: أنهم آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا لما شاهدوا صدق ما يقوله نبيهم.
[ ١ / ٣٥٤ ]
المبحث الحادي عشر في بيان الشرك في قوم عيسى ﵇
قوم عيسى ﵇:
قال تعالى: (إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُون).
وقال تعالى: (أَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ).
وقال تعالى: (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ)، وقال تعالى: (إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ).
[ ١ / ٣٥٥ ]
فهذا هو عيسى ابن مريم الذي حكاه الله ﷿ لنا في كتابه الكريم، وفيه تعريف شامل لعيسى ابن مريم، الذي لا مجال للشك والخلاف فيه.
فهو ليس بإله ولا ابنه، بل هو عبد من عباده جعله مثلًا لبني إسرائيل: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ).
قال تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا)، وقال تعالى: (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ)، وهو الذي حكاه الله ﷿ عن عيسى ﵇ بأنه قال: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ).
فهذا ما ذكر لنا القرآن من تعريف عيسى ﵇، ومما تعرفنا عليه من خلال هذه النصوص:
أن عيسى ابن مريم ﵇ هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وهو آخر أنبياء الله ورسله من بني إسرائيل؛ كما أن آخر الأنبياء والرسل من بني الإنسان جميعًا محمد ﷺ، ذُكر اسمه في القرآن بلفظ
[ ١ / ٣٥٦ ]
المسيح تارة، وبلفظ عيسى، وبكنيته ابن مريم تارة أخرى.
أما مريم ﵍ فقد ذكرت في القرآن الكريم، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ)، وكان عمران أبو مريم رجلًا عظيمًا بين العلماء في بني إسرائيل، وقد حملت زوجته فنذرت أن تجعل ما في بطنها من الحمل محررًا لخدمة الدين، فلما وضعتها رأتها أنثى فسمتها مريم.
وعيسى ﵇ يمثل آخر طور من أطور الديانة الإسرائيلية، وقد جعله الله ﷿ هو وأمه آية في ولادتهما ونشأتهما؛ حيث كان الشعب الإسرائيلي في ذلك الوقت قد فقد الروح الديني الصحيح، وجمد على الطقوس والمراسيم وأشكال العبادة، وأكبَّ على الدنيا والمادة، وارتكب الجرائم المروعة التي أشار إليها الله ﷿ في القرآن الكريم في سورة النساء بقوله: (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ)، وقوله قبل ذلك: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلًا).
وكانت بنو إسرائيل أمة قاسية، عاصية؛ تارة يعبدون الأصنام والأوثان، وتارة يعبدون الله، وتارة يقتلون النبيين بغير حق، وتارة يستحلون ما حرم الله بأدنى الحيل، فلُعنوا أولًا على ليسان داود، وكان من خراب بيت المقدس ما
[ ١ / ٣٥٧ ]
هو معروف عند أهل الملل كلهم.
وكان قد دخل فيهم داء التعطيل، فإنهم في زمن موسى ﵇ كانوا على التوحيد وإثبات الصفات، وتكليم الله لعبده موسى تكليمًا، إلى أن توفي موسى ﵇، ودخل الداخل على بني إسرائيل، ورفع التعطيل رأسه بينهم، وأقدموا على علوم المعطلة - أعداء موسى ﵇ وقدموها على نصوص التوراة، فسلط الله تعالى عليهم من أزال ملكهم، وشردهم من أوطانهم، وسبى ذراريهم. والمقصود أن هذا الداء لما دخل في بني إسرائيل كان سبب دمارهم وزوال مملكتهم .
فأراد الله سبحانه أن يهز في هذا الشعب ما جمد من عواطفه ويحرك فيه المعاني الروحية التي نسيها، فأجرى له ثلاث آيات كبار جاءت متتابعة متقاربة؛ الأولى: في ولادة مريم ﵍، وكانت أمها حنة (أو حمنة) عقيمًا لا تلد، فنذرت إن رزقها الله بولد لتهبنه لخدمة بيت المقدس، فلما وضعتها أسفت لكونها أنثى لا تصلح للخدمة، وقالت - تعتذر إلى الله ـ: (فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)، ولكن الله قبلها منها وأنبتها نباتًا حسنًا، فذهبت إلى العلماء في بيت المقدس وألقتها بين أيديهم وقالت: دونكم هذه النذيرة، فتنافسوا في كفالتها، ولكن الله كفّلها زكريا ﵇؛ لأن خالتها كانت تحته، وقد جعلها زكريا في محراب المسجد، فكان كلما
[ ١ / ٣٥٨ ]
دخل عليها المحراب وجد عندها رزقًا، (قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ).
فأطمع هذا زكريا ﵇ في أن يرزقه الله الولد ولو في غير أوانه، فدعا ربه بهذا الدعاء الضارع الذليل، متوسلًا إلى الله بأحب الوسائل إليه؛ وهو إظهار الضعف والافتقار إليه، والرغبة إليه وحده، فقال: (قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا).
فما فارق زكريا المحراب حتى نادته الملائكة مبشرة له بأن الله قد وهبه يحيى مصدقًا بكلمة من الله وسيدًا وحصورًا ونبيًا من الصالحين، وعجب زكريا من أن يكون له غلام على كبر سن منه وعقم من زوجه، فقيل له: (كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ)، وطلب آية تدل على حمل امرأته، فقيل له: (آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا)، وولد له يحيى وشب على الطهر والاستقامة، وكان آية في ورعه وزهده وطاعته لربه وبره بوالديه، وآتاه الله العلم والحكمة، ومنّ عليه بالرسالة، فهذه آية ثابتة في بني إسرائيل.
أما الثالثة: فكانت ولادة عيسى ﵇، قال تعالى في ذكر أروع وأصدق هذه القصة في سورة مريم: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ
[ ١ / ٣٥٩ ]
أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا)، إلى أن قال: (ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ)، أرسله الله ﷿ إلى بني إسرائيل رسولًا، وقد خلت من قبله الرسل، وجعله آية للناس؛ حيث خلقه من غير أب، إظهارًا لكمال قدرته، وشمول كلمته سبحانه؛ حيث قسم النوع الإنساني الأقسام الأربعة؛ فجعل آدم من غير ذكر ولا أنثى، وخلق زوجه حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق المسيح ابن مريم من أنثى بلا ذكر، وخلق سائرهم من الزوجين الذكر والأنثى. وأتى عبده المسيح من الآيات البينات ما جرت به سنته؛ فأحيي الموتى، وأبرأ الأكمه والأبرص، وأنبأ الناس بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم، ودعا إلى الله وإلى عبادته متبعًا سنة إخوانه المرسلين، مصدقًا لمن كان قبله، ومبشرًا بمن يأتي بعده.
وقد ذكر الله ﷿ في القرآن الكريم دعوته إلى التوحيد وكونه من الرسل في غير ما آية، فقال في معرض الرد على النصارى في ادعائهم بنوة عيسى ﵇، وفي قولهم: إن الآلهة ثلاثة، أنهم غيروا رسالة عيسى وخالفوا دعواته، فإنه ما دعاهم إلا بما كانت الرسل قبله تدعو إليه من توحيد الله ﷿ وإفراده بالعبادة، قال تعالى: (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ
[ ١ / ٣٦٠ ]
وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ).
وقال أيضًا: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ).
وقال: (وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ).
ويحكي الله ﷿ لنا في سورة المائدة صورة لما سيكون يوم القيامة حين يسأل عيسى ﵇ عما يقوله النصارى من أنه أمرهم أن يتخذوه وأمه إلهين من دون الله، فيجيب على ذلك البهت بهذا الجواب المفحم الرصين: (سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).
[ ١ / ٣٦١ ]
هكذا في كل موضع من هذا المواضع يؤكد القرآن الكريم براءة عيسى ﵇ مما نُسب إليه، ويقرر أنه ما كان إلا واحدًا من هؤلاء الرسل الذين بُعثوا بالدعوة إلى التوحيد وإبطال عبادة الطاغوت.
فالمسيح هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم، بعث لإرشاد الضالين من بني إسرائيل، فجدد لهم الدين وبيَّن لهم معالمه، ودعاهم إلى عبادة الله وحده، والتبري من تلك الأحداث والآراء الباطلة، فعادوه وكذبوه ورموه وأمه بالعظائم، وراموا قتله، فطهره الله تعالى منهم ورفعه إليه، فلم يصلوا إليه بسوء، وأقام الله تعالى للمسيح أنصارًا دعوا إلى دينه وشريعته حتى ظهر دينه على من خالفه، ودخل فيه الملوك، وانتشرت دعوته، واستقام الأمر على السداد بعده نحو ثلاثمائة سنة.
بدء الانحراف والشرك في قوم عيسى ﵇:
بعد وفاة المسيح بحوالي سبعين سنة، أسلم أحد الوثنيين اسمه بولس - نفاقًا على ما يظهر - وكان قبل ذلك يضطهد النصارى ويظلمهم ويقتلهم شر قتله، فما أن أظهر إسلامه إلا جاء بأقوال لم يسبقه إليها أحد، فمنها:
١ - الدعوة إلى التثليث.
٢ - الدعوة إلى ألوهية المسيح، وألوهية الروح المقدس.
٣ - اختراع قصة الفداء للتكفير عن خطيئة البشر.
٤ - جعل يوم الأحد مقدسًا عند المسيحيين؛ بحجة أنه قام فيه من القبر، بدلًا من السبت الذي كان مقدسًا عند اليهود.
[ ١ / ٣٦٢ ]
٥ - جعل التشريع حقًا للرؤساء الروحانيين، بعد أن كان للأنبياء والرسل.
٦ - أعلن بنسخ التوراة؛ لما وجد مقاومة شديدة من اليهود والمسيحيين على السواء، وذلك تمهيدًا لإدخال الوثنية والوثنيين في المسيحية؛ لأن التوراة كانت حاجزًا قويًا في طريق بولس، وأعلن أمام الوثنيين بأن الإيمان بالمسيح يكفي للنجاة، وانطلاقًا من نسخه التوراة استطاع بولس أن يلغي كثيرًا من الأحكام كانت معروفة لدى اليهود والمسيح نفسه. منها حكم الختان، فألغى حكم الختان، كما أباح للمسيحيين الجدد الداخلين في دينه أكل لحم الخنزير، وكان محرمًا في الشريعة الموسوية، وكان قبل هذا عندهم بقايا من دين المسيح؛ كالختان، والاغتسال من الجنابة، وتعظيم السبت، وتحريم الخنزير، وتحريم ما حرمه التوارة إلا ما أحل لهم بنصها، ولكن لما أعلن نسخ التوراة استطاع بموجبه إدخال ما أراد من الوثنية في الديانة المسيحية.
ولكن بولس فشل في إقناع المسيحيين الخُلَّص بهذه العقائد، وفشل في إقناع الشرقيين من اليهود والنصارى على السواء؛ وذلك لوجود بعض الحواريين وأتباعهم وشدة تمسكهم بما أرشدهم إليه المسيح عيسى ﵇. ولكن بولس لم يتغير عن موقفه، بل جاء بعقيدة أخرى؛ حيث توجه إلى الأقطار الأوروبية وأحدث فكرة جديدة في المسيحية، وهي:
٧ - عالمية المسيح، بينما كانت دعوة المسيح لليهود خاصة.
[ ١ / ٣٦٣ ]
٨ - أن عيسى ﵇ إنما صُلب تكفيرًا لخطايا البشر.
٩ - قيامة عيسى ﵇ من الأموات، وأنه صعد وجلس عن يمين الله.
وهذه المبادئ التي جاء بها بولس قد ردها النصارى أولًا ولم يقبلوها، فقد صرح هو في رسالته الثانية إلى تيموثاوس: (إن جميع الذين في آسيا ارتدوا عني)، وهذا هو المتوقع من الحواريين والذين عرفوا الحق ورأوا المسيح ﵇.
واستمر الحال على إنكار هذه المبادئ - إلا من شذ منهم من الرومان واليونان وخاصة في غرب أوروبا؛ حيث كانت الغلبة للوثنيين فناسبتهم في أفكارهم فأخذوا بها - أما الذين كانوا في آسيا وفي الموضع الذي أرسل فيه المسيح فكانوا على إنكار هذه المبادئ نحو ثلاثمائة سنة - كما سبق ـ.
ولكن بعد هذا أخذ دين المسيح في التبديل والتغيير، حتى تناسخ واضمحل، ولم يبق بأيدي النصارى منه شيء، بل ركّبوا دينًا بين دين المسيح ودين الفلاسفة عباد الأصنام، ولما آل الأمر إلى هذا الحد اجتمعت النصارى في عدة مجامع تزيد على ثمانين مجمعًا، ثم يتفرقون على الاختلاف والتلاعن؛ يلعن بعضهم بعضًا، حتى جمعهم قسطنطين الملك آخر ذلك من الجزائر والبلاد وسائر الأقطار، فجمع كل بترك وأسقف وعالم، فكانوا ثلاثمائة وثمانية عشر.
[ ١ / ٣٦٤ ]
وذلك في سنة ٣٢٥ من الميلاد؛ حيث اجتمع لديه النصارى القائلين بالتثليث، والنصارى الذين كانوا على القول الصحيح في شأن المسيح مثل آريوس وأتباعه، ولكن الملك جنح إلى القائلين بالتثليث لما وافق ذلك وثنيته السابقة عنده، وقرروا فيه ألوهية المسيح ﵇، وأنه نزل ليصلب تكفيرًا لخطايا البشر - كما تقدم بيان ذلك فيما أحدثه بولس ـ. وبذلك أصبحت الديانة النصرانية مدينة في الواقع لبولس، وليس للمسيح منها إلا الاسم فقط.
الشرك في قوم عيسى ﵇:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والنصارى يغلب عليهم الشرك ).
وقال أيضًا: (فإن النصارى شر منهم - اليهود - فإنهم أعظم ضلالًا وأكثر شركًا ).
وقال: (ولما كان أصل دين النصارى الإشراك لتعديد الطرق إلى الله، أضلهم عنه ).
وقال الإمام ابن القيم: (أساس دين النصارى قائم على شتم الله، والشرك به).
وقال أيضًا: (إن هذه الأمة جمعت بين الشرك وعيب الإله وتنقصه ).
فما هي هذه الأمور الشركية في هذه الأمة؟
[ ١ / ٣٦٥ ]
لقد وجد فيهم أنواع من الشرك، وهي ما يلي:
١ - القول بالتثليث، والمراد بالتثليث كما يقول قاموس الكتاب المقدس: (إله واحد، الأب والابن والروح المقدس إله واحد، جوهر (ذات) واحد، متساوين في القدرة والمجد).
ويفسرون هذه العقيدة بقولهم: إن تعليم الثالوث يتضمن:
أ- وحدانية الله.
ب- لاهوت الأب والابن والروح المقدس.
ج- إن الأب والابن والروح المقدس أقانيم يمتاز كل منهم عن الآخر منذ الأزل وإلى الأبد.
د- إنهم واحد في الجوهر، متساوون في القدرة والمجد.
هـ- إن بين أقانيم الثالوث تمييزًا أيضًا في الوظائف والأعمال.
و- إن بعض أعمال اللاهوت تنسب في الكتاب المقدس إلى الأب والابن والروح القدس مثل خلق العالم وحفظه. وبعض الأعمال تنسب على الخصوص إلى الأب مثل الاختيار والدعوة، وإن بعض الأعمال تنسب خصوصًا إلى الابن مثل الفداء، وبعض الأعمال تنسب خصوصًا إلى الروح القدس مثل التجديد والتقديس.
[ ١ / ٣٦٦ ]
ويتضح منها أنهم يقولون:
إن وحدانية الله وحدانية حقيقية، وكذلك تثليثه، أي أنه ثلاثة حقيقة؛ أي ثلاثة أشخاص وفي نفس الوقت يتميز كل واحد من هؤلاء الثلاثة بأعمال ومميزات ليست من مميزات الآخر، وهم في نفس الوقت متساوون في قدرتهم ومجدهم، ووجودهم، لم يسبق أحد منهم الآخر.
يقال لهم: (هذا في الواقع جمع بين الضدين، فالوحدانية تنفي الشرك، والشرك ينفي الوحدانية، فلا يمكن أن تجتمع الوحدانية والشرك في مكان واحد، بل هما ضدان لا يجتمعان، كالسواد والبياض).
قال شيخ الإسلام: (وقوم غلوا فيه - أي عيسى - وزعموا أنه الله أو ابن الله، وأن اللاهوت تدرع الناسوت جوهر واحد، ثلاثة أقانيم، وأن الواحد منها أقنوم الكلمة، وهي العلم، هي تدرعت الناسوت البشري، مع العلم بأن أحدهما لا يمكن انفصاله عن الآخرين، إلا إذا جعلوه ثلاثة إلهات متباينة، وذلك مما لا يقولونه).
والنصارى يعتقدون اجتماعهما، مخالفين بذلك الحس والعقل والنقل، ويحاول النصارى أن يقربوا هذه العقيدة للناس بضرب الأمثلة لها.
فمرة يشبهونها بالإنسان المكون من دم وروح وجسد، ومرة بالشمس المكونة من جرم وأنها تنير الأرض وتدفئها، ومنهم من شبهها بالشجرة، فإن لها أصل وهي الجذور والساق والورق.
[ ١ / ٣٦٧ ]
ومنهم من يقول: إن المسيح من الأب بمنزلة شعلة نار توقدت من شعلة نار، فلم تنقص الأولى لإيقاد الثانية منها.
وهذه التشبيهات ليس فيها ما يمكن أن يكون مطابقًا لدعوى النصارى في التثليث؛ لأن جميع هذه الأشياء إما أن تكون ذاتًا واحدة لها أجزاء وأبعاض، أو صفات وآثار، بخلاف دعواهم في التثليث؛ فإنهم يقولون: هم ثلاثة حقيقيون ذوو أعمال مختلفة متباينة، وهم في نفس الوقت واحد حقيقي، بخلاف تشبيههم له بالإنسان المكون من دم وروح وجسد، فهذه مكونات الجسم ولا يستقل واحد منها بذاته، كما أن الدم ليس الروح، والروح ليس الجسد، والجسد ليس هو الروح والدم، بخلاف دعوى التثليث، الذي يزعمون فيه أن كل واحد من الثلاثة هو الآخرين، ولهذا صرح كثير منهم بعدم معقولية التثليث. و(أنها قضية لا يفهمها العقل ولا يقبلها).
والمقصود: أنهم وقعوا في الشرك بقولهم التثليث، وهو شرك في الربوبية؛ حيث جعلوا الرب مركبًا من هذه الأشياء، وحيث تنقصوا الخالق سبحانه وسبوه ورموه بالعظائم، وحيث زعموا أنه ﷾ عن قولهم علوًا كبيرًا - نزل من العرش عن كرسي عظمته، ودخل في فرج امرأة، وأقام هناك تسعة أشهر يتخبط بين البول والدم والنجو، وقد علته أطباق المشيمة والرحم والبطن، ثم خرج من حيث دخل، رضيعًا صغيرًا يمص الثدي، ولف في القمط، وأودع السرير يبكي ويجوع ويعطش ويبول ويتغوط ويحمل على
[ ١ / ٣٦٨ ]
الأيدي والعواتق، ثم صار إلى أن لطمت اليهود خديه وربطوا يديه وبصقوافي وجهه وصفعوا قفاه وصلبوه جهرًا بين لصين، وألبسوه إكليلًا من الشوك، وسمروا يديه ورجليه وجرعوه أعظم الآلام، وهذا وهو الإله الحق الذي بيده أتقنت العوالم، وهو المعبود المسجود له، ولهذا قال تعالى: (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا).
وقال الله تعالى: «شتمني ابن آدم وما ينبغي له ذلك، وكذبني ابن آدم وما ينبغي له ذلك، وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدًا، وأنا الأحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوًا أحد ».
قال ابن القيم: (وبالجملة: فلا نعلم أمة من الأمم سبت ربها ومعبودها وإلهها بما سبت به هذه الأمة، كما قال عمر ﵁: «إنهم سبوا الله مسبة ما سبه إياها أحد من البشر». وكان بعض أئمة الإسلام إذا رأى صليبًا أغمض عينيه عنه، وقال «لا أستطيع أن أملأ عيني ممن سب إلهه ومعبوده بأقبح سب»).
ومن شركهم في الربوبية في هذا الباب: الغلو في المخلوق، حتى جعلوه شريك الخالق وجزءًا منه، وإلهًا آخر معه، وأنفوا أن يكون عبدًا له.
ومن شركهم في الربوبية: تشبيه بعضهم اتحاد اللاهوت بالناسوت وامتزاجه به باتحاد النار والحديد، وتمثيل غيرهم ذلك باختلاط الماء باللبن،
[ ١ / ٣٦٩ ]
وتشبيه آخرين ذلك بامتزاج الغذاء حتى صارا حقيقة أخرى - تعالى الله ﷿ عن إفكهم وكذبهم ـ.
ومن شركهم في الربوبية: اتفاهم بأسرهم على أن اليهود أخذوه وضربوه وطعنوه بالحربة وصلبوه وقتلوه حتى مات، وتركوه مصلوبًا حتى التصق شعره بجلده، ثم دفنوه وأقام تحت التراب ثلاثة أيام، ثم قام بلاهوتيته من قبره.
كل هذه الأشياء شرك في الربوبية؛ حيث إنها تشبيه المخلوق بالخالق والخالق بالمخلوق الذي هو أصل الشرك - كما مر معنا مرارًا ـ.
ومن أنواع الشرك فيهم:
٢ - قولهم بالصلب والفداء، وفيه أيضًا شرك في الربوبية؛ فإن فيه التكذيب على الله في كونه تاب على آدم ﵇ وغفر له خطيئته، ونسبته إلى أقبح الظلم؛ حيث زعموا أنه سجن أنبياءه ورسله وأولياءه في الجحيم، بسبب خطيئة أبيهم، ونسبوه إلى غاية السفه؛ حيث خلصهم من العذاب بتمكينه أعداءه من نفسه، حتى قتلوه وصلبوه وأراقوا دمه، ونسبوه إلى غاية العجز؛ حيث عجّزوه أن يخلصهم بقدرته من غير هذه الحيلة، ونسبوه إلى غاية النقص؛ حيث سلط أعداءه على نفسه وابنه، ففعلوا به ما فعلوا.
٣ - من أنواع الشرك فيهم: قولهم بمحاسبة المسيح للناس، ففيه شرك في الربوبية؛ فإن محاسبة الناس إنما هي من شأن الخالق شبحانه ﷻ، لا لأحد من البشر.
[ ١ / ٣٧٠ ]
فهذه كلها أنواع الشرك في الربوبية.
ومن الشرك في الألوهية في هذه الأمة الضالة ما يلي:
٤ - عبادتهم المسيح، وذلك في صلواتهم: (حيث يقدمون الصلاة باسم المسيح لأنه الواسطة عندهم).
٥ - تعظيمهم للصليب الذي يؤدي إلى مستوى العبادة، فإن هذه الأمة اتخذته معبودًا يسجدون له، وإذا اجتهد أحدهم في اليمين بحيث لا يحنث ولا يكذب حلف بالصليب ويكذب إذا حلف بالله ولا يكذب إذا حلف بالصليب. ولقد قال بعض عقلائهم: إن تعظيمنا للصليب جار مجرى تعظيم قبور الأنبياء فإنه كان قبر المسيح وهو عليه ثم لما دفن صار قبره في الأرض وليس وراء هذا الحمق والجهل حمق فإن السجود لقبور الأنبياء وعبادتها شرك بل من أعظم الشرك وقد لعن إمام الحنفاء وخاتم الأنبياء ﷺ اليهود والنصارى حيث اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وأصل الشرك وعبادة الأوثان من العكوف على القبور واتخاذها مساجد.
٦ - تصوير الصور في الكنائس وعبادتها فلا تجد كنيسة من كنائسهم تخلو عن صورة مريم والمسيح وجرجس وبطرس وغيرهم من القديسين عندهم والشهداء وأكثرهم يسجدون للصور ويدعونها من دون الله تعالى حتى لقد كتب بطريق الاسكندرية إلى ملك الروم كتابا يحتج فيه للسجود للصور: بأن الله تعالى أمر موسى ﵇ بالتصوير، وهذا كذب، ثم على فرض الصحة غايته: أن يكون بمثابة التذكر للخطيئة حتى لا ينساها كما ورد عن
[ ١ / ٣٧١ ]
بعضهم، وليس فيه دليل على السجود للصور، فأين هذا مما يفعله هؤلاء المشركون من التذلل والخضوع والسجود بين يدي تلك الصور؟ .
٧ - من الشرك في هذه الأمة الضالة: اتخاذ الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله، وذلك من وجوه:
أ- إعطائهم سلطة التشريع؛ حيث أعطوا رهبانهم وقساوستهم سلطة التشريع، يشرعون لهم ما يشاءون، وهم يقرأون أن المسيح قال: (إنما جئتكم لأعمل بالتوراة وبوصايا الأنبياء قبلي، وما جئت ناقضًا بل متممًا، ولأن تقع السماء على الأرض أيسر عند الله من أن أنقض شيئًا من شريعة موسى)، وما زال أصحاب المسيح على ذلك قريبًا من ثلاثمائة سنة، ثم أخذ القوم في التغيير والتبديل والتقرب إلى الناس بما يهوون، ومكايدة اليهود ومناقضتهم بما فيه ترك دين المسيح والانسلاخ منه جملة
وانضاف إلى هذا السبب ما في كتابهم: أن قومًا من النصارى خرجوا من بيت المقدس وأتوا أنطاكية وغيرها من الشام فدعوا الناس إلى دين المسيح الصحيح؛ فدعوهم إلى العمل بالتوراة، وتحريم ذبائح من ليس من أهلها، وإلى الختان وإقامة السبت، وتحريم الخنزير وتحريم ما حرمته التوراة.
فشق ذلك على الأمم واستثقلوه، فاجتمع النصارى ببيت المقدس وتشاوروا فيما يحتالون به على الأمم ليحببوهم إلى دين المسيح ويدخلوا فيه، فاتفق رأيهم على مداخلة الأمم والترخيص لهم والاختلاط بهم، وأكل ذبائحهم، والانحطاط في أهوائهم، والتخلق بأخلاقهم، وإنشاء شريعة تكون بين شريعة الإنجيل وما عليه الأمم، وأنشأوا في ذلك كتابًا، فهذا في أحد
[ ١ / ٣٧٢ ]
مجامعهم الكبار، وكانوا كلما أرادوا إحداث شيء اجتمعوا مجمعًا وافترقوا فيه على ما يريدون إحداثه فالنصارى تلقوا أصول دينهم عن أصحاب المجامع.
ب- تقليد هذه الأمة الضالة لأحبارهم ورهبانهم في امتثال ما يشرعون لهم، وبذلك دخلوا في الشرك في الألوهية، فإن التشريع من خصائص الرب؛ فالتشريع من الأحبار والرهبان فيه شرك في الربوبية، وامتثال بني إسرائيل لهذا التشريع عبادة لهم لهؤلاء القساوسة والأحبار والرهبان.
ج- شركهم في الربوبية من حيث إعطاء الراهب والقسيس حقوق الغفران والتوبة، فليس عند النصارى على من زنا أو لاط أو سكر حد في الدنيا أبدًا ولا عذاب في الآخرة؛ لأن القس والراهب يغفره لهم.
قال ابن القيم: (فكلما أذنب أحدهم ذنبًا أهدى للقس هدية أو أعطاه درهمًا أو غيره ليغفر له ربه! !، وإذا زنت امرأته أحدهم بيّتها عند القس ليطيبها له، فإذا انصرفت من عنده وأخبرت زوجها أن القس طيبها قبل ذلك منها وتبرك به)! ! ! .
آثار شرك قوم عيسى في هذه الأمة المرحومة:
سيأتي بيان هذه الآثار مفصلًا عند استعراض الشرك في هذه الأمة في العصر الحديث. وإنما يكتفي هنا بذكر بعض هذه العقائد التي وجدت بعينها أو متطورة منها في بعض من ينتسب إلى الإسلام، فمثلًا:
١ - وجدت عقيدة الحلول ووباؤه لدى بعض مبتدعة المتصوفة وعباد
[ ١ / ٣٧٣ ]
الجهمية، فقد وقع في نظير شركهم وكفرهم طوائف من المنتسبين إلى الإسلام، واشتبه عليهم ما يحل في قلوب العارفين من الإيمان به ومعرفته ونوره وهداه، فظنوا أن ذلك نفس ذات الرب.
٢ - وجدت عقيدة الغلو في الصالحين في هذه الأمة عند بعض المتصوفة، حيث غلوا في الرسول ﷺ ورفعوه من منزلة العبد إلى منزلة المعبود.
٣ - وجدت عقيدة السجود للقبور واتخاذها مساجد في بعض من ينتسب إلى الإسلام.
٤ - النصارى ادعوا في المسيح بأنه نور، وهكذا ادعى بعض المتصوفة الجهلة في نبي الله ﷺ بأنه نور من نور الله، والغلو في هذا الأمر.
٥ - النصارى أعطت سلطة التشريع إلى قساوستهم، وهكذا ترى بعض المقلدة، وبعض الشعوب أعطت حق التشريع لحكامهم وعلمائهم واتبعتهم في ذلك دون إمعان أو نظر هل يوافق نصوص الشرع أم يخالفه.
وبهذا ترى تحقق قول الرسول ﷺ: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لسلكتموه» قالوا: يا رسول الله، من اليهود والنصارى؟ قال: «فمن إذن؟».
[ ١ / ٣٧٤ ]
الفصل الثالث في بيان أنواع الشرك التي وقعوا فيها
وتحته مبحثان:
المبحث الأول: هل أشركوا في الربوبية؟
المبحث الثاني: شرك العبادة في الأمم السابقة.
[ ١ / ٣٧٦ ]
المبحث الأول هل أشركوا في الربوبية؟
فَطَر الله جميع الخلائق على الإقرار بهذا التوحيد لا يمنع أن يكون الأمم قد وقع في شرك الربوبية، كالدهرية قديمًا، والشيوعية حديثًا - كما سيأتي في الباب الرابع ـ، فمن شذ من هؤلاء وأمثالهم، فادعاء إنكارهم له جل وعلا إنما هو عن استكبار وعناد، لا عن شك وارتياب.
وأشهر من عرف تجاهله وتظاهره بإنكار الخالق جل وعلا وادعاؤه بأنه إله من دون الله (فرعون) عندما قصه الله علينا في قوله: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَأيُّهَا المَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ)، والذي قال لنبي الله موسى ﷺ على وجه الإنكار عندما أبلغه رسالة ربه: (فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى).
ومع هذا فإنكاره لربوبية الله جل وعلا ما كان إلا عن مكابرة. قال تعالى بعد الآية الأولى: (وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ)، وأقام تعالى الحجة بعد الآية الثانية على لسان نبيه موسى ﷺ بقوله: (قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا)، وقال تعالى عنه وعن قومه: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ
[ ١ / ٣٧٧ ]
كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ).
وقد وجد إنكار الربوبية على وجه التكبر والعناد في أمم قبل فرعون، منهم: عاد حينما قالوا: (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً)، وكما وجد في ملك قوم إبراهيم ﵇ عندما قال: (أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ)، لما قال له إبراهيم ﵇: (رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ). ولكن مع هذا لم يكن التعطيل والجحود لربوبية الله جل وعلا غالبًا في أمة من الأمم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (جحود الصانع لم يكن غالبًا على أمة من الأمم قط، وإنما كان على دين الكفار الخارجين عن الرسالة هو الإشراك، وإنما كان يجحد الصانع بعض الناس، وأولئك كان علماؤهم من الفلاسفة الصابئة المشركين الذين يعظمون الهياكل والكواكب والأصنام، والأخبار المروية من نقل أخبارهم وسيرهم كلها تدل على ذلك، ولكن فرعون موسى كان في الباطن عارفًا بوجود الصانع، وإنما استكبر كإبليس وأنكر وجوده ).
وقال في موضع آخر: (فأما الإيمان بالله فهو في الجملة قد أقر به جمهور الخلائق، إلا شواذ الفرق من الفلاسفة الدهرية، والإسماعيلية ونحوهم، أو من نافق فيه من المظهرين للتمسك بالملل، وإنما يقع اختلاف أهل الملل في أسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه وعباداته، ونحو ذلك ). وسيأتي
[ ١ / ٣٧٨ ]
بيان حقيقة مذهب الدهرية المعطلة فيما بعد.
وإنما قلنا إنما جحود الصانع لم يكن غالبًا في أمة من الأمم، فإن الآيات دالة على منزلها، والمخلوق دال على الخالق سبحانه، كدلالة الأثر على المؤثر، فالفطرة هدت الأعرابي إلى أن يقول: «البعرة تدل على البعير، والأثر على المسير، ليل داج ونهار ساج، وسماء ذات أبراج، أفلا تدل على الصانع الخبير؟ !».
وأما ما نسب إلى بعض الطوائف من اعتقادهم (وجود إلهين كالثنوية من المجوس والمانوية القائلين بالأصلين: النور والظلمة، وأن العالم صدر عنهما، فإنهم متفقون على أن النور خير من الظلمة، وهو الإله المحمود، وأن الظلمة شريرة مذمومة، وهم متنازعون في الظلمة هل هي قديمة أم محدثة؟ فلم يثبتوا ربين متماثلين). وسيأتي بيان مذهب الثنوية فيما بعد.
[ ١ / ٣٧٩ ]
وأما النصارى القائلين بالتثليث، فإنهم لم يثبتوا للعالم ثلاثة أرباب ينفصل بعضهم عن بعض، بل هم متفقون على أن صانع العالم واحد، ويقولون: باسم الأب والابن وروح القدس إله واحد، وقولهم في التثليث متناقض في نفسه، وقولهم في الحلول أفسد منه، ولهذا كانوا مضطريين في فهمه وفي التعبير عنه، لا يكاد واحد يعبر عنه بمعنى معقول، ولا يكاد اثنان يتفقان على معنى واحد؛ فإنهم يقولون: هو واحد بالذات، ثلاثة بالأقنوم! .
والأقانيم يفسرونها تارة بالخواص، وتارة بالصفات، وتارة بالأشخاص، وقد فطر الله العباد على إدراك فساد هذه الأقوال بعد التصور التام، وفي الجملة فهم لا يقولون بإثبات خالقين متماثلين. والمقصود هنا: أنه ليس في الطوائف من يثبت للعالم صانعين متماثلين في الصفات والأفعال.
ولما كان الشرك في الربوبية معلوم الامتناع عند الناس كلهم باعتبار إثبات خالقين متماثلين في الصفات والأفعال، وإنما ذهب بعض المشركين إلى أن ثمَّ خالقًا خلق العالم، كما يقوله الثنوية في الظلمة، وكما يقوله القدرية في أفعال الحيوان، وكما يقوله الفلاسفة الدهرية في حركة الأفلاك، أو حركات النفوس، أو الأجسام الطبيعية، فإن هؤلاء يثبتون أمورًا محدثة بدون
[ ١ / ٣٨٠ ]
إحداث الله إياها، فهم مشركون في بعض الربوبية، وكثير من مشركي الأمم قد يظن في آلهته شيئًا من نفع أو ضر، بدون أن يخلق الله ذلك.
فلما كان هذا النوع من الشرك في الربوبية موجودًا بين الناس - حتى في مشركي العرب كما سيأتي بيانه فيما بعد - بيَّن القرآن بطلانه، كما في قوله تعالى: (مَا اتَّخَذَ اللهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ).
قال ابن القيم: (فتأمل هذا البرهان الباهر بهذا اللفظ الوجيز البين؛ فإن الإله الحق لابد أن يكون خالقًا فاعلًا، يوصل إلى عابده النفع ويدفع عنه الضر، فلو كان معه سبحانه إله لكان له خلق وفعل، وحينئذ فلا يرضى شركة الإله الآخر معه، بل إن قدر على قهره وتفرده بالإلهية دون فعل، وإن لم يقدر على ذلك انفرد بخلقه وذهب به كما ينفرد ملوك الدنيا بعضهم عن بعض بمماليكهم إذا لم يقدر المنفرد على قهر الآخر والعلو عليه، فلابد من أحد أمور ثلاثة: إما أن يذهب كل إله بخلقه وسلطانه، وإما أن يعلو بعضهم على بعض، وإما أن يكونوا كلهم تحت قهر إله واحد يتصرف فيهم ولا يتصرفون فيه، ويمتنع من حكمهم ولا يمتنعون من حكمه؛ فيكون وحده هو الإله وهم العبيد المربوبون المقهورون. وانتظام أمر العالم العلوي والسفلي وارتباط بعضه ببعض، وجريانه على نظام محكم لا يختلف ولا يفسد من أدل دليل على أن مدبره واحد، لا إله غيره، كما دل دليل التمانع على أن خالقه واحد لا رب غيره، فذاك تمانع في الفعل والإيجاد، وهذا تمانع في الغاية والألوهية، فكما
[ ١ / ٣٨١ ]
يستحيل أن يكون للعالم ربان خالقان متكافئان، يستحيل أن يكون لها إلهان معبودان).
والمقصود: أن الأمم السابقة قد وقع منهم الشرك في الربوبية، ولكن التعطيل المطلق لم يكن صفة عامة لأمم من الأمم، وإنما كان في شواذ من الناس، وهكذا ما وجد ي الأمم من أثبت صانعين وخالقين متماثلين في الذات والصفات، وإنما كان شركهم إما بالأنداد، أو بالتعطيل الذي يتمثل في تعطيل الصانع عن المصنوع مع ما يترتب عليه جملة وتفصيلًا، وفي تعطيل الصانع عن كماله المقدس بتعطيل أسمائه أو صفاته، أو بإثباتها للغير، أو بتشبيهها بأسماء أو صفات أو أفعال غير الله ﷾.
أو التعطيل الذي يتمثل في تعطيل معاملة الصانع عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد. وقد سبق معنا بيان أمثلة كل من وقع في هذه الأنواع من الشرك في الربوبية، وفيما يلي إشارة موجزة إلى كل من وقع في هذه الأنواع من مشركي الأمم السابقة:
إن المشركين في الربوبية من الأمم السابقة يمكن تصنيفهم بما يلي:
الصنف الأول: المعطلون: وهم على ثلاث فرق:
أ- تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه: وهو إنكار الربوبية مطلقًا، مع ما يترتب عليه جملة وتفصيلًا، ويدخل تحت هذا شرك فرعون؛ إذ قال: (وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ). ومنه شرك الملاحدة القائلين بقدم العالم وأبديته،
[ ١ / ٣٨٢ ]
وأنه لم يكن معدومًا أصلًا، بل لم يزل ولا يزال، والحوادث بأسرها مستندة عندهم إلى أسباب ووسائط اقتضت إيجادها يسمونها بالعقول والنفوس، وهم الفلاسفة الصابئة الملاحدة الدهريون.
قال ابن القيم: (وهؤلاء فرقتان؛ فرقة قالت: إن الخالق سبحانه لما خلق الأفلاك متحركة أعظم حركة دارت عليه فأحرقته، ولم يقدر على ضبطها وإمساك حركاتها.
وفرقة قالت: إن الأشياء ليس لها أول ألبتة، وإنما تخرج من القوة إلى الفعل، فإذا خرج ما كان بالقوة إلى الفعل تكونت الأشياء: مركباتها وبسائطها، من ذاتها، لا من شيء آخر، وقالوا: إن العالم دائم لم يزل ولا يزال، ولا يتغير، ولا يضمحل، ولا يجوز أن يكون المبدع يفعل فعلًا يبطل ويضمحل إلا وهو يبطل ويضمحل مع فعله، وهذا العالم هو الممسك لهذه الأجزاء التي فيه، وهؤلاء هم المعطلة حقًا، وهم فحول المعطلة، وقد سرى هذا التعطيل إلى سائر فرق المعطلة ).
وقد حكى أرباب المقالات أن أول من عرف عنه القول بقدم العالم أرسطو، والرجل معطل مشرك جاحد للنبوات والمعاد، لا مبدأ عنه ولا معاد ولا رسول ولا كتاب، وبالجملة: ملاحدة الفلاسفة هم أهل التعطيل المحض، فإنهم عطلوا الشرائع، وعطلوا المصنوع عن الصانع.
[ ١ / ٣٨٣ ]
ب- تعطيل معاملة الصانع عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد. وهذا القسم لا أعلم أن أحدًا من مشركي الأمم السابقة وقع فيه، فإن القول بوحدة الوجود ما عرف سابقًا، اللهم إلا أن يقال: إن قولهم هذا مستمد من قول فرعون، وأن حقيقة فرعون لا يختلف عن قولهم كثيرًا، كما أشار إليه شيخ الإسلام في بعض فتاويه. وأما بعد فرعون فمن الأمم التي وقعت في هذا النوع من الشرك: اليهود في دعواهم حلول الله في عزرا، والنصارى في دعواهم حلول الرب جل وعلا في المسيح عيسى. تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
ج- تعطيل الصانع سبحانه عن كماله المقدس بتعطيل أسمائه وأوصافه وأفعاله. وقد وقع فيه جملة من الأقوام من الأمم الماضية: فمن ذلك شرك عاد حينما قالوا: (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً)؛ بإنكارهم وتعطيلهم صفتي القدرة والقوة لله جل وعلا.
ومن ذلك: شرك اليهود والنصارى عندما عطلوا صفات الكمال لله جل وعلا ووصفوه بنقيض صفاته، بل بصفات مخلوقاته، وقد وصفوا بعض المخلوقات بصفات الله.
ومن ذلك: شرك منكري الرسالة، وهذا كثير في الأمم، فإنهم استبعدوا أن يأتيهم منذر من الله، وهم بهذا عطلوا أفعال الله ﷿ وحكمته في خلقه.
ومن ذلك: شرك منكري القدر؛ ولا أدري هل أنكرته الأمم السابقة أم لا؟
[ ١ / ٣٨٤ ]
ولكن يفهم من قوله تعالى رادًا على المحتجين بالقدر: (كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم) أنهم وقعوا فيه.
ومن ذلك أيضًا: شرك إثبات التشريع والتحليل والتحريم لغير الله، فهم وقعوا في هذا النوع من الشرك كالنصارى في رهبانهم، واليهود في أحبارهم، ويدل عليه ما مضى معنا من حديث عدي بن حاتم، وقوله تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ).
ولعل منكري البعث من الأمم يدخلون تحت هذا النوع من التعطيل، فإن البعث من فعل الله ﷿ وحكمته، فمن عطله فقد أشرك فيه غير الله، فإنه - كما سبق - إن كل معطل مشرك.
الصنف الثاني: أصحاب الأنداد الذين كانوا يشركون بالله من غير تعطيل: وهم الذين اتخذوا مع الله آلهة أو إلهًا آخر، ولم يعطلوا أسماءه وصفاته وربوبيته، فهؤلاء أقروا بالربوبية لله جل وعلا، ولكن جحدوا ما يترتب عليه، وهؤلاء آمنوا بالله ربًا وخالقًا، ولكنهم لم يفردوه بالعبادة، ولم يتحمل عقلهم المريض أن يكون الله وحده هو المعبود دون من سواه، وهؤلاء هم المشركون الذين قال الله فيهم - وفيمن كانوا في زمن النبي ﷺ، كما سيأتي
[ ١ / ٣٨٥ ]
في الباب الثاني بمشيئة الله ـ.
(وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ).
وقد نعى الله عليهم هذا المسلك في آيات كثيرة تناقشهم وتوضح لهم أن الإيمان بربوبية الله تعالى مستلزم للإيمان بألوهيته وحده دون من سواه.
وهؤلاء في الأمم السابقة هم الأكثرون، فمن هذا النوع:
١ - شرك النصارى الذين جعلوه ثالث ثلاثة، فجعلوا المسيح إلهًا وأمه إلهًا آخر.
٢ - شرك المجوس القائلين بإسناد حوادث الخير إلى النور، وحوادث الشر إلى الظلمة.
٣ - شرك الذي حاج إبراهيم في ربه: (إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ)، فهذا جعل نفسه ندًا لله تعالى، يحيي ويميت - بزعمه - كما يحيي الله ويميت.
٤ - شرك قوم فرعون حينما قال: (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي)، وقوله تعالى حكاية عن قول الملأ له: (وَيَذَرَكَ وإلاهَتِكَ) كما هو في بعض القراءات.
[ ١ / ٣٨٦ ]
٥ - وأيضًا من هذا النوع شرك كثير ممن كان يشرك بالله بالكواكب العلويات، ويجعلها أربابًا مدبرة لأمر هذا العالم، كما كان شرك قوم نوح على قول، وشرك مشركي الصابئة من قوم إبراهيم باتفاق العلماء.
٦ - وأيضًا يدخل في هذا النوع شرك عباد الشمس وعباد الناس وغيرهم؛ الذين عبدوا غير الله معه، وزعموا في الله أنه إله من جملة الآلهة، أو أنه أكبر الآلهة.
٧ - ومن هذا الصنف: الثنوية من المجوس الذين قالوا: الصانع اثنان: ففاعل الخير نور، وفاعل الشر ظلمة، وهما قديمان، لم يزالا، ولن يزالا قويين حساسين، مدركين، سميعين، بصيرين، وهما مختلفان في النفس والصورة، متضادان في الفعل والتدبير، فالنور فاضل حسن نقي، طيب الريح، حسن المنظر، ونفسه خيره كريمة، حكيمة نفاعة، منها الخيرات والمسرات والصلاح، وليس فيها شيء من الضرر ولا من الشر.
والظلمة ضد ذلك؛ من الكدر والنقص ونتن الريح وقبح المنظر، ونفسها نفس شريرة بخيلة سفيهة منتنة مضرة، منها الشر والفساد.
ثم اختلفوا: فقالت طائفة: إن النور لم يزل فوق الظلمة.
وقالت فرقة: بل كل واحد منهما إلى جانب الآخر.
وقالت فرقة: النور لم يزل مرتفعًا في ناحية الشمال، والظلمة منحطة في الجنوب، ولم يزل كل واحد منهما مباينًا لصاحبه.
[ ١ / ٣٨٧ ]
وبعضهم يقول: الظلمة تتولد شياطين، والنور يتولد ملائكة، والنور لا يقدر على الشر، ولا يجيء منه، والظلمة لا تقدر على الخير ولا يجيء منها، ولهم مذاهب سخيفة جدًا.
واختلفوا هل الظلمة قديمة أو حادثة؟ فقالت فرقة منهم: هي قديمة لم تزل مع النور، وقالت فرقة: بل النور هو القديم، ولكنه فكر فكرة خبيثة رديئة حدثت منها الظلمة، فدار مذهبهم على أصلين هما من أبطل الباطل.
أحدهما: أن شر الموجودات وأخبثها وأردأها: كفو لخير الموجودات، وضد له، ومناوئ له، ويعارضه ويضاده، ويناقضه دائمًا، ولا يستطيع دفعه، وهذا أعظم من شرك عباد الأصنام، فإنهم جعلوها مملوكة له، مربوبة مخلوقة، بخلاف هؤلاء.
والأصل الثاني: أنهم نزهوا النور أن يصدره شر، ثم جعلوه منبع الشر كله وأصله ومولده - بزعمهم أنه فكرة خبيثة حدثت منها الظلمة - فأثبتوا ربين وإلهين - وإن لم يكونا متماثلين - وأثبتوا خالقين، فجمعوا بين الكفر بالله تعالى وأسمائه وصفاته، ورسله وأنبيائه وملائكته وشرائعه، وأشركوا به أعظم الشرك.
قال ابن القيم: (ولولا أن الله سبحانه يحكي عن المشركين والكفار أقوالًا أسخف من هذا وأبطل لاستحى العاقل من حكاية هذا).
فهذا مذهب الثنوية، وقد أطلت فيه؛ لأني أراهم من شرك الأمم السابقة الذي نحن بصدد ذكره.
[ ١ / ٣٨٨ ]
المبحث الثاني شرك العبادة في الأمم السابقة
من المعلوم: أن العبد لا يتخلى عن العبادة؛ لأن العبودية - من العباد - صفة لازمة لهم، وذلك لسببين رئيسين هما: الفقر الذاتي، وكونه حارثًا همامًا، فلا يستطيع أحد أن يخلوا من العبادة، سواء كان للمعبود الحق أم للمعبود الباطل، بل العبادة عنصر أساسي في كيانه شاء أم أبى، فالأمم السابقة لابد أن كانوا عبادًا، إما عبادًا لله جل وعلا، حتى يدخلوا في زمرة الموحدين، وإما أنهم كانوا عبادًا لغير الله؛ فيعتبرون من المشركين.
والذي اتضح من خلال استعراض شرك الأمم السابقة أن أغلب شرك الأمم كان في العبادة، وإن اختلفت طبيعة المعبودات من أمة إلى أخرى، وأما الذين كان فيهم شرك في بعض خصائص الربوبية فهم لا محالة كانوا من المشركين مع الله في العبادة، فإن الشرك في الربوبية يستلزم الشرك في العبادة، كما أن توحيد الربوبية يستلزم التوحيد في العبادة.
وبهذا يتضح حقيقة الشرك في الأمم بأنها كانت في العبادة، وإن اختلفت المعبودات من أمة إلى أخرى؛ فبعضهم أشركوا بعبادة الله عبادة الصالحين من
[ ١ / ٣٨٩ ]
الناس، وبعضهم بعبادة الأصنام، وبعضهم بعبادة الكواكب والأجرام السماوية، وبعضهم كانوا مشركين بالله بعبادة أهوائهم، وبعضهم بعبادة أحبارهم ورهبانهم.
والمقصود: بيان طبيعة الشرك في الأمم السابقة بأن أغلب الشرك كان فيهم من جهة العبادة، والذين أشركوا بالله في ربوبيته من الأمم السابقة أدى بهم شركهم في الربوبية في نهاية المطاف إلى الشرك بالله في العبادة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (أصل الشرك في بني آدم كان الشرك بالبشر الصالحين المعظَّمين، فإنهم لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم ثم عبدوهم، فهذا أول شرك كان في بني آدم، وكان في قوم نوح).
وقال أيضًا: (الشرك في قوم نوح كان أصله عبادة الصالحين ثم قوم إبراهيم انتقلوا إلى الشرك بالسماويات، بالكواكب، وصنعوا لها الأصنام بحسب ما رأوه من طبائعها ).
وقال في موضع آخر: (والمشركون الذين وصفهم الله ورسوله بالشرك أصلهم صنفان: قوم نوح وقوم إبراهيم؛ فقوم نوح، كان أصل شركهم العكوف على قبور الصالحين، ثم صوروا تماثيلهم، ثم عبدوهم، وقوم إبراهيم كان أصل شركهم عبادة الكواكب والشمس والقمر ).
يظهر من كلام شيخ الإسلام أنه يرى: أن أصل شرك الأمم إنما كان في
[ ١ / ٣٩٠ ]
العبادة والألوهية، وإن كان هناك بعض أنواع الشرك في بعض خصائص الربوبية، ولكنها قليلة إذا قورنت بالشرك في العبادة، بل إنما أرسل الرسل لتقرير توحيد العبادة، والإنكار على شرك العبادة غالبًا.
فليس الشرك محصورًا في اعتقاد وجود رب آخر لهذا العالم مساوٍ لله في الصفات والأفعال، بل هذا النوع لم يكن معروفًا في بني آدم أصلًا، وإنما وجد الشرك في الربوبية في بعض خصائصها، ولكن غالب شرك الأمم كان في في العبادة.
وبهذا يظهر جهل كثير من الناس في هذه الأزمنة المتأخرة بحقيقة الشرك، فالله المستعان.
وقد سبق استعراض شرك الأمم مفصلًا، ويمكن من خلال ما ذكر أن يصنف شرك الأمم في العبادة بما يلي:
١ - الشرك بعبادة الصور والصالحين، وكان هذا مبدأ الشرك في البشرية، حيث كان في قوم نوح.
٢ - الشرك بالعكوف على القبور، وأيضًا كان في قوم نوح، كما كان هذا في قوم إلياس ﵉.
٣ - الشرك بعبادة الأصنام، فهذا أيضًا كان في قوم نوح ﵇،
[ ١ / ٣٩١ ]
وقوم هود ﵇، وقوم صالح ﵇، ولدى بعض قوم إبراهيم ﵇، وفي قوم يوسف ﵇، وقوم شعيب ﵇، وقوم إلياس ﵇، وقوم موسى ﵇ بعد موته.
٤ - الشرك بعبادة الكواكب، وكان في قوم إبراهيم ﵇.
٥ - الشرك بعبادة الهوى، وكان ذلك في قوم لوط ﵇.
٦ - الشرك بعبادة الرؤساء والحيوانات، مثل ما وقع في قوم موسى ﵇ في حياته وبعد مماته، وما حكى الله ﷿ عن الملأ في جميع الأمم.
٧ - الشرك بعبادة الأحبار والرهبان؛ ومظاهره في قوم موسى ﵇ وقوم عيسى ﵇.
٨ - الشرك بعبادة الأنبياء والرسل: ومثال ذلك ما وقع في قوم موسى عليه
[ ١ / ٣٩٢ ]
السلام بعبادة عزير، وفي قوم عيسى بعبادة المسيح ﵇.
والمقصود: أن أغلب شرك الأمم كان في العبادة، وذلك: إما بإعطاء خصائص الألوهية لغير الله، وإما بمشاركة غير الله فيما هو محض حق الله تعالى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (المقصود: أن أصل الشرك في العالم كان من عبادة البشر الصالحين، وعبادة تماثيلهم ومن الشرك ما كان أصله عبادة الكواكب؛ إما الشمس وإما القمر وإما غيرهم، وصورت الأصنام طلاسم لتلك الكواكب، وشرك قوم إبراهيم - والله أعلم - كان من هذا، أو كان بعضه من هذا ومن الشرك ما كان أصله عبادة الملائكة أو الجن، وضعت الأصنام لأجلهم، وإلا فنفس الأصنام الجمادية لم تعبد لذاتها، بل لأسباب اقتضت ذلك ).
وبهذا انتهينا من الكلام في شرك الأمم السابقة، والأن نبدأ في بيان شرك العرب في الجاهلية.
[ ١ / ٣٩٣ ]