وفيه فصول:
الفصل الأول: خوف الرسول ﷺ من وقوع الشرك في هذه الأمة والتحذير منه.
الفصل الثاني: في بيان سده ﷺ جميع الطرق المؤدية إلى الشرك.
الفصل الثالث: في بيان خفاء الشرك على كثير من الناس حتى وقعوا فيه.
[ ١ / ٥٨٤ ]
الفصل الأول خوف الرسول ﷺ من وقوع الشرك على أمته والتحذير منه
وتحته مباحث:
المبحث الأول: في بيان نماذج من خوف النبي ﷺ من وقوع الشرك فيما يتعلق بذاته سبحانه وأسمائه وصفاته وأفعاله.
المبحث الثاني: في بيان نماذج من خوف النبي ﷺ على أمته في الوقوع في الشرك في عبادة الله سبحانه ومعاملته، والتحذير من الوقوع فيه.
[ ١ / ٥٨٦ ]
الفصل الأول خوف الرسول ﷺ من وقوع الشرك على أمته والتحذير منه
إن إفراد الله بالعبادة واعتقاد أنه سبحانه لا شريك له ولا ند له ولا مثيل له في ربوبيته وإلهيته وأسمائه وصفاته، حق واجب له تعالى على عباده، بل أول الواجبات وأعظمها وأساسها.
وهو دين الله ﷿ الذي أرسل به جميع رسله من نوح إلى محمد - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - كما قال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ).
وقال سبحانه: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ).
وقال سبحانه: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ).
فجميعهم جاءوا يدعون إلى عبادة الله جل وعلا وحده، ونبذ عبادة غيره منذ أن ظهر أول شرك في الأرض حتى بعث الله خاتمهم محمدًا ﷺ، فالأنبياء
[ ١ / ٥٨٧ ]
كلهم كما قال ﷺ: «إخوة علات؛ أمهاتهم شتى ودينهم واحد».
وقد أدى جميع الأنبياء هذه الفريضة، إذ إنهم أرسلوا لطرد الشرك عن أهل الأرض الذين أرسلوا إليهم، فهو واجبهم الأول. كما أدى هذا الواجب - كما ينبغي - نبينا وقدوتنا محمد ﷺ الذي أشهد علينا يوم عرفة بأنه بلغ الرسالة وأدى الأمانة، فنصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وفتح الله به قلوبًا عميًا وآذانًا صمًا، وقد وصفه الله ﷿ في كتابه بقوله: (لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ).
فحرصًا منه ﷺ على حمايتنا مما يوقعنا في العنت - وأي عنت فوق عنت الوقوع في الشرك؟ - خاف الرسول ﷺ على أمته أن يقعوا في الشرك فحذرهم منه تحذيرًا بليغًا.
كما أن هناك سببين آخرين لخوفه ﷺ على أمته من الوقوع في الشرك، وهما:
أ- أن الشرك في أغلب الأمم السابقة كان بحيث يظهر لكل واحد بأنه شرك فلا يخفى على الناس ويمكن الاحتراز منه بسهولة، بخلاف الشرك في هذه الأمة فإنه كما يكون ظاهرًا يكون خفيًا أيضًا، ولهذا قال ﷺ: «أيها الناس، اتقوا هذا الشرك، فإنه أخفى من دبيب النمل»، فقال له من شاء الله أن يقول:
[ ١ / ٥٨٨ ]
وكيف نتقيه يا رسول الله؟ قال: «قولوا: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئًا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه».
فلما كان الشرك بهذه المثابة من الخفاء خاف الرسول ﷺ على أمته من أن يقعوا فيه، فصدر التحذير منه بكافة أنواعه، كما صدر التحذير من جميع دواعيه.
ب- أن الرسول ﷺ لما علم أن الأمم السابقة كاليهود والنصارى والفرس قد ابتلوا بالابتداع في الدين والوقوع في الشرك خاف أن تقع أمته في مثل ما وقع فيه الأمم الماضية، فحذر أمته عن اتباع سنن الأمم السابقة، فقال:
١ - «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه». قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: «فمن؟».
٢ - «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك».
٣ - «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله».
[ ١ / ٥٨٩ ]
٤ - «قاتل الله قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، قالت عائشة: يحرم ذلك على أمته.
٥ - «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». قالت عائشة: يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشيء أن يتخذ مسجدًا.
٦ - «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله».
ولهذا نهى النبي ﷺ «أن يبنى على القبور أو يقعد عليها أو يصلى عليها»، كما نهى عن «تجصيص القبر وأن يبنى عليه بناء». لأن الأمم السابقة قد وقعوا فيه فحذر أمته كي لا يقعوا فيما وقع فيه الأمم السابقة، فإن هذه الأمة ستتبع سنن الأمم السابقة كما جاء عن النبي ﷺ في حديث آخر أنه قال:
٧ - «لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها، شبرًا بشبر،
[ ١ / ٥٩٠ ]
وذراعًا بذراع»، فقيل: يا رسول الله، كفارس والروم؟ فقال: «ومن الناس إلا أولئك».
٨ - «ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل ».
والمقصود: بيان خوف النبي ﷺ على أمته في الوقوع في الشرك الذي وقع فيه الأمم السابقة، ولما كان أغلب شرك الأمم السابقة بالقبور وعبادة الصالحين حذر أمته من الوقوع فيها، بل أمر بتسوية القبور، وعدم كتابة الاسم عليها، ولعن من ذبح لغير الله؛ خشية أن يقعوا فيما وقع فيه الأمم السابقة.
[ ١ / ٥٩١ ]
والأمم السابقة وقعوا في ألوان من الشرك نتيجة الغلو في الأنبياء والصالحين، فلهذا سبق التحذير منه ﷺ في ذلك حيث قال:
١ - «إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين».
٢ - وقال أيضًا: «هلك المتنطعون».
كما أن بعض الأمم السابقة كان لديهم الشرك بالهوى، فسبق الإنذار من الوقوع في مثل ما وقعوا فيه، فقال:
١ - «إن أخوف ما أخاف على أمتي عمل قوم لوط». وقد سبق بيان كونه شركًا في الباب الأول.
وهذا كله تحذير من النبي ﷺ من الشرك بأنواعه؛ حماية لجناب التوحيد.
ولما كان النبي ﷺ حذر أمته من الوقوع في ألوان من الشرك سأذكر فيما يلي نماذج من التحذيرات النبوية في هذا المجال.
[ ١ / ٥٩٢ ]
المبحث الأول في بيان نماذج من خوف النبي ﷺ من وقوع الشرك فيما يتعلق بذاته سبحانه وأسمائه وصفاته وأفعاله، والتحذير منه
فمن هذا القبيل:
١ - قلو النبي ﷺ فيما يرويه عن الله: «لا يزال عبدي يسأل عني، هذا الله خلقني، فمن خلق الله؟».
٢ - قول النبي ﷺ: «قال الله ﷿: إن أمتك لا يزالون يقولون: ما كذا؟ ما كذا؟ حتى يقولوا: هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله؟».
فهذا الشك إذا تمكن في القلب يحصل الشرك في ذاته سبحانه، فحذر النبي ﷺ من الوقوع في ذلك، وبين كيفية اتقاء الناس من الوقوع فيه، فقال:
«الشيطان يأتي أحدكم فيقول: من خلق السماء؟ فيقول: الله، فيقول: من خلق الأرض؟ فيقول: الله، فيقول: من خلق الله؟ فقولوا: آمنا بالله ورسوله».
وفي رواية قال: «فإذا وجد أحدكم ذلك فليقل: آمنت بالله ورسله».
وفي رواية قال: «فإذا بلغ من ذلك ليستعذ بالله ولينته».
[ ١ / ٥٩٣ ]
وفي رواية قال: «فمن وجد من ذلك شيئًا فليقل: آمنت بالله».
وفي رواية قال: «فإذا قالوا ذلك، قل: الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، ثم ليتفل عن يساره، وليستعذ بالله من الشيطان».
ومن هذا القبيل أيضًا: الوسوسة في أمر الرب سبحانه، وإرشاد النبي ﷺ فيه بأنها محض الإيمان ما لم يتجاوز حد الوسوسة ولم يتفوه به، كما جاء في الحديث التالي، وهو:
٣ - ما روى أبو هريرة ﵁ قال: جاء أناس من أصحاب رسول الله ﷺ، إلى النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله إنا نجد الشيء في أنفسنا ليتعاظم عند أحدنا أن نتكلم به، قال: «وقد وجدتموه؟» قالوا: نعم، قال: «ذلك صريح الإيمان».
وفي رواية قال: «ذاك محض الإيمان».
وفي رواية قال: سأل رجل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني أحدث نفسي بشيء من أمر الرب لأن أخرَّ من السماء أحب إلي من أن أتكلم به، قال: «ذاك محض الإيمان».
وفي رواية عن ابن عباس: «أن رجلًا أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله،
[ ١ / ٥٩٤ ]
إني لأجد في صدري الشيء لأن أكون حممًا أحب إلي من أن أتكلم به، قال رسول الله ﷺ: «الله أكبر، الحمد لله الذي رد أمره إلى الوسوسة».
ومن هذا القبيل أيضًا: خوف النبي ﷺ من خوض أمته في القدر والتحذير منه، فمما جاء فيه:
٤ - قول النبي ﷺ: «أخوف ما أخاف على أمتي ثلاث: الاستسقاء بالأنواء، وحيف السلطان، والتكذيب بالقدر».
وقوله ﵊: «إن لكل أمة مجوسًا، وإن مجوس هذه الأمة القدرية».
وقوله ﷺ: «أخّر الكلام في القدر لشرار أمتي في آخر الزمان».
ومن هذا القبيل أيضًا خوف النبي ﷺ على أمته الكبر - الذي هو حق خالص لله تعالى - فحذرهم من الوقوع فيه حيث قال:
٥ - «يقول الله ﷿: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدًا منهما عذبته».
[ ١ / ٥٩٥ ]
ومن هذا القبيل أيضًا: خوف النبي ﷺ على أمته من الوقوع في فتنة الدجال الذي يدعي الربوبية، فيوقع الناس في الفتنة بالشرك فيها، فحذر النبي ﷺ من ذلك أمته، حيث قال:
٦ - «إني قد حذرتكم الدجال حتى قد خشيت أن لا تعقلوا، إن المسيح الدجال رجل قصير أفحج. أدعج أعور ممسوح العين ليس بناتئة ولا حجرًا، فإن ألبس عليكم فاعلموا أن ربكم ﵎ ليس بأعور، وإنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا».
وقوله ﵊ «وإنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور».
وقوله ﷺ وهو يحذر أمته من فتنته: «أتعلمون أنه لن يرى أحدكم ربه حتى يموت».
وقوله ﷺ: «من قال: أنت ربي، فقد فتن».
٧ - ومن هذا القبيل أيضًا: نهي النبي ﷺ عن كثير من الأمور التي فيها ادعاء
[ ١ / ٥٩٦ ]
خصائص الربوبية، أو ادعاء صفات الرب جل شأنه، وتحذيره عن التورط فيها، فمثلًا:
قال في التميمة: «من علق تميمة فقد أشرك»، و«إن الرقى والتمائم والتولة شرك».
وقال في الطيرة: «من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك» و«الطيرة شرك».
وقال في السحر: «من سحر فقد أشرك»، وقال: «إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله».
فهذه كلها من الشرك بالله جل شأنه في صفته القدرة الكاملة.
[ ١ / ٥٩٧ ]
كما أنه حذر من الوقوع في الشرك بالله تعالى في صفته العلم المحيط فقال: «لا يدري متى يجيء المطر إلا الله»، وقال: «مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله».
وقال: «لا يعلم ما في غد إلا الله».
٨ - ومن هذا القبيل أيضًا: إخباره ﷺ عن وقوع الناس في التعطيل العام للربوبية والألوهية لله جل شأنه قبل يوم القيامة، حيث قال: «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله، الله».
[ ١ / ٥٩٨ ]
المبحث الثاني في بيان نماذج من خوف النبي ﷺ على أمته في الوقوع في الشرك في عبادة الله سبحانه ومعاملته، والتحذير من الوقوع فيه
فمن هذا القبيل:
١ - ما حذر النبي ﷺ من وقوع الشرك في أمته بعبادة الأوثان، فمن هذه الأحاديث ما يلي:
أ- قوله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة». قال أبو هريرة ﵁: وذو الخلصة طاغية دوس التي كانوا يعبدونها في الجاهلية.
وذو الخلصة: بفتح الخاء المعجمة واللام بعدها مهملة، هذا هو الأشهر في ضبطها، والخلصة: نبات له حب أحمر، كخرز العقيق.
و(ذو الخلصة): اسم للبيت الذي كان فيه الصنم، وقيل: اسم البيت، الخلصة، واسم الصنم: ذو الخلصة.
و(ذو الخلصة): اسم لصنمين كل منها يدعى ذا الخلصة، أحدهما لدوس، والثاني لخثعم وغيرهم من العرب، فأما صنم دوس، فهو المراد في
[ ١ / ٥٩٩ ]
هذا الحديث، ولا يزال مكان هذا الصنم معروفًا إلى الآن في بلاد زهران (جنوب الطائف)، في مكان يقال له: (ثروق) من بلاد دوس، ويقع ذو الخلصة قريبًا من قرية تسمى (رمس) بفتح الراء والميم.
وقد وقع ما أخبر به النبي ﷺ في هذا الحديث، فإن قبيلة دوس وما حولها من العرب قد افتتنوا بذي الخلصة عند ما عاد الجهل إلى تلك البلاد، فأعادوا سيرتها الأولى وعبدوها من دون الله، حتى قام الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ بالدعوة إلى التوحيد، وجدد ما اندرس من الدين، وعاد الإسلام إلى جزيرة العرب؛ فقام الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود ﵀ وبعث جماعة من الدعاة إلى ذي الخلصة، فخربوها، وهدموا بعض بنائها، ولما انتهى حكم آل سعود على الحجاز في تلك الفترة عاد الجهال إلى عبادتها مرة أخرى، ثم لما استولى الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود ﵀ على الحجاز، أمر عامله عليها، فأرسل جماعة من جيشه فهدموها، وأزالوا أثرها، ولله الحمد والمنة.
ب- قوله ﷺ: «لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى». فقالت عائشة: يا رسول الله! إن كنت لأظن حين أنزل الله (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) أن ذلك تامًا، فقال: «إنه سيكون من ذلك ما شاء الله، ثم يبعث الله ريحًا طيبة، فتوفى كل من في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين
[ ١ / ٦٠٠ ]
آبائهم».
ج- قوله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان».
ما روى الإمام مسلم في حديث الساعة: قال: «سمعت رسول الله ﷺ قال: فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع، لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا، فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون: فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك دارٌ رزقهم حسن عيشهم، ثم ينفخ في الصور ».
٢ - ومن هذا القبيل إخباره ﷺ بخروج الناس من الإيمان ودعوتهم إلى الشرك بسبب ما يعرض لهم من الفتن. فمما روي فيه:
أ- قوله ﷺ: «إن بين أيديكم فتنًا كقطع الليل المظلم؛ يصبح الرجل فيها مؤمنًا، ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا، ويصبح كافرًا ».
٣ - ومن هذا القبيل أيضًا: إخبار النبي ﷺ عن اتباع أمته الهوى حتى يسيطر على عقولهم فلا يمشون إلا وراءه، وذكر من مظاهر هذا الاتباع للهوى ركونهم
[ ١ / ٦٠١ ]
إلى الدنيا، وعبادتهم لها، بجميع مظاهرها البراقة من الأموال النفيسة والدراهم والدنانير وغيرها، حيث قال:
أ- «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة » الحديث.
ب- وقال: «إن لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال ».
ج- وقال: «أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم».
د- وقال: «لتصبن عليكم الدنيا صبًا».
هـ- وقال: «اتقوا الدنيا ».
لقد صدق الرسول ﷺ فيما خوفنا عنه، فقد وقع الناس في هذا العصر وراء الدنيا فلا يبالون بالدين إذا وافقهم شيء من الدنيا، بل كثير منهم يشترون الدنيا بالدين. وكم من الناس باعوا أنفسهم ولبوا منادي الدنيا. فلا حول ولا قوة إلا بالله.
[ ١ / ٦٠٢ ]
الفصل الثاني سده ﷺ جميع أبواب الشرك
وفيه مباحث:
المبحث الأول: سده جميع أبواب الشرك الذي يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله.
المبحث الثاني: في سده ﷺ جميع أبواب الشرك الذي يتعلق بعبادة الله ومعاملته.
المبحث الثالث: سده الوسائل القولية والفعلية التي تؤدي إلى الشرك خصوصًا إلى الشرك الأصغر وصدور التحذير منه ﷺ.
المبحث الرابع: في بيان شبهة من قال بعدم وقوع الشرك في هذه الأمة وردّها.
[ ١ / ٦٠٤ ]
المبحث الأول سدّه جميع أبواب الشرك الذي يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: سده جميع أبواب شرك التعطيل
لقد بين الرسول ﷺ الشرك، وحذّر منه، ونهى عنه، وبيّن أنواعه، وخطورته على الناس وعواقبه الوخيمة في الدنيا والآخرة، وذلك: لما خافه النبي ﷺ على أمته من الوقوع فيه - كما سبق بيانه في الفصل الأول - كما بيّن ﵊ ونهى عن كل ما يقارب الشرك أو يكون ذريعة للشرك بالله ﷾، حماية لجناب التوحيد، وسدًّا لجميع أبواب الشرك بكافة أنواعه.
ومن هذا الوجه نرى أنه ﵊ سدّ جميع أبواب شرك التعطيل، سواء كان ذلك في أسمائه - سبحانه - أو صفاته، أو كان في أفعاله. ولعلّ من أهم الأدلة على هذا: بيان النبي ﷺ توحيد الربوبية، واحتجاجه به على توحيد الألوهية، وإثارة هذه الحقيقة الكامنة في نفوس الناس كي يلبّوا نداء الفطرة والعقل في هذا الباب.
فإن الشرك في هذا النوع وإن لم يكن منتشرًا على نطاق واسع في زمانه ﷺ إلا أنه بيّن ذلك ليكون نبراسًا لأمته، ولئلا يقعوا فيه، أو يواجهوا المبتلين به، فإنه قد يأتي زمان يقع بعض الأمة في مثل ذلك، كما هو الحال في زماننا الذي انتشر فيه الإلحاد وإنكار ربوبية الله ﷿ كما هو عند الشيوعيين، والوجوديين،
[ ١ / ٦٠٥ ]
والعلمانيين الملحدين، وهكذا المادّيون الذين ينكرون كل ما لا يشاهدونه، فكان من الضروري، العناية بهذا النوع من التوحيد، وسأضرب هنا بعض الأمثلة لحماية النبي ﷺ حمى التوحيد وسدّه جميع أبواب شرك التعطيل في الربوبية.
١ - ذكره الآيات القرآنية الدالة على ذلك، فقال: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ)، وقال: (أَفِي اللهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ).
٢ - ذكره ﷺ الوساوس التي تعتري أنفس المكلفين، وإرشاده إلى كيفية التخلص من هذا الداء العضال، وذلك بعدم إعطائها فرصة التمكن في القلب، وردّها إلى الوسوسة المحضة التي لا تؤاخذ عليها هذه الأمة، فمن ذلك:
أ- قول النبي ﷺ: «الشيطان يأتي أحدكم فيقول: من خلق السماء؟ فيقول: الله، فيقول: من خلق الأرض؟ فيقول: الله، فيقول: من خلق الله، فقولوا آمنا بالله ورسوله».
وفي روايةٍ: «فإذا وجد أحدكم ذلك فليقل: آمنت بالله ورسله».
وفي روايةٍ: «فإذا بلغ من ذلك فليسعذ بالله ولينته».
وفي روايةٍ: «فإذا قالوا ذلك: فقل: الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، ثم ليتفل عن يساره وليستعذ بالله من الشيطان».
انظر - رحمك الله - كيف سدّ النبي ﷺ باب التعطيل، والشك في جانب
[ ١ / ٦٠٦ ]
رب البرية سبحانه جل وعلا.
ب- عن ابن عباس قال: «إن رجلًا أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إني لأجد في صدري الشيء لأن أكون حممًا أحب إليّ من أتكلم به، قال رسول الله ﷺ: الله أكبر، الحمد لله الذي ردّ أمره إلى الوسوسة».
انظر كيف عالج الرسول ﷺ هذا الشك في الربوبية، حيث أمره بردّه إلى الوسوسة حتى لا يتمكن في القلب، وبها سدّ باب الشرك في الله سبحانه.
ومن أمثلة عناية الرسول ﷺ بجانب توحيد الأسماء والصفات وسدّه جميع أنواع شرك التعطيل فيه: بيانه ﷺ بيانًا كافيًا شافيًا لهذا الأمر، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الحموية الكبرى: (فإن الله ﷾ بعث محمدًا ﷺ بالهدى ودين الحق، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد محال مع هذا وغيره أن يكون قد ترك باب الإيمان بالله، والعلم به ملتبسًا مشتبهًا، ولم يميّز ما يجب لله في الأسماء الحسنى والصفات العُلى، وما يجوز عليه، وما يمتنع عليه، فإن معرفة هذا أصل الدين، وأساس الهداية ومن المحال أيضًا أن يكون النبي ﷺ قد علّم أمته كل شيء، حتى الخِراءة أن يترك تعليمهم ما يقولونه بألسنتهم، ويعتقدونه بقلوبهم في ربّهم، ومعبودهم، ربّ العالمين، الذي معرفته غاية المعارف بل هذا خلاصة الدعوة النبوية، وزبدة الرسالة الإلهية ).
وإليك أمثلة يسيرة لهذا البيان:
[ ١ / ٦٠٧ ]
١ - قال الله تعالى: (وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
٢ - وقال: (قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى).
٣ - وقال ﵊: «إن لله تسعًا وتسعين اسمًا مائة إلا واحدة من أحصاها دخل الجنة ».
٤ - وفي الحديث: «ما أصاب مسلمًا قط همّ ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيّ حكمك، عدلٌ فيّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سمّيت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور بصري، وجلاء حزني وذهاب همّي؛ إلاّ أذهب الله همّه، وحزنه، وأبدله مكانه فرحًا ».
فقد جاءت الأسماء الحسنى والصفات العُلى في الكتاب والسنة غير مشتبهة ولا مؤدية إلى التعطيل والإلحاد. وكل هذا بيان لهذا النوع من التوحيد، وسد لجميع نوافذ الشرك فيه.
[ ١ / ٦٠٨ ]
المطلب الثاني: سده ﷺ لجميع أبواب شرك الأنداد في الربوبية وخصائصها:
ومن أمثلته ما يلي:
أ- بيانه ﷺ خصائص الربوبية، ونفيها ﷺ عن نفسه وعن أي خلق من المخلوقات، سواء كان ذلك في الآيات القرآنية أو الأحاديث النبوية. فمن ذلك:
١ - قوله تعالى: (قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا).
٢ - قوله تعالى: (قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا).
٣ - قوله تعالى: (قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ).
٤ - وقوله: (وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ).
٥ - وقوله تعالى: (قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ).
٦ - وقوله تعالى حكاية لقول نوح لقومه: (وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ).
[ ١ / ٦٠٩ ]
٧ - وقوله تعالى: (قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللهُ).
وقد جاءت الأحاديث النبوية لهذا النوع من الشرك، ومن أمثلتها:
١ - قوله ﷺ: «لا عدوى ولا طيرة » الحديث.
٢ - وقوله ﷺ لما خرج على أصحابه يتنازعون في القدر : «ألهذا خلقتم، أم بهذا أمرتم؟ ! لا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض، انظروا ما أمرتم به فاتبعوه وما نهيتم عنه فاجتنبوه».
٣ - وقوله ﷺ: «مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله » الحديث.
٤ - وقوله ﷺ: «يقول الله ﷿: العظمة إزاره، والكبرياء رداءه. فمن نازعني واحدًا منهما عذبته».
٥ - وقوله ﷺ: «أشدّ الناس عذابًا يوم القيامة المصورون»، وفي رواية: «يقال لهم: أحيوا ما خلقتم».
٦ - وقوله ﷺ: «قال الله ﷿: ومن أظلم ممّن ذهب يخلق خلقًا كخلقي، فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة».
[ ١ / ٦١٠ ]
٧ - قوله ﷺ لمّا سمع الجارية تقول: (وفينا نبي يعلم ما في غدٍ) ـ: «لا تقولي هكذا، وقولي ما كنت تقولين».
هذه بعض النماذج في سدّ النبي ﷺ لأبواب شرك الأنداد في الربوبية، وهناك نماذج أخرى؛ كالنهي عن الطيرة، والتنجيم والسحر، والتمائم، والرقى الممنوعتين، والاستسقاء بالأنواء، كلها من قبيل سدّه ﷺ جميع أبواب شرك الأنداد في الربوبية، وقد سبق بيانها والاستدلال عليها من كلام الرسول ﵊ في الفصل الأول، فلا نعيده هاهنا.
[ ١ / ٦١١ ]
المبحث الثاني في سدّه ﷺ جميع أبواب الشرك الذي يتعلق بعبادة الله ومعاملته
ومن ملامح هذا السدّ ما يلي:
أولًا: إن الرسول ﷺ قد نهى عن الغلو في مدحه بما قد يفضي إلى عبادته، فقال: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله». إذ الغلو في تعظيمه يؤدّي إلى استشعار القلب بالخوف والرهبة منه والرجاء فيه، فيصرف إليه عندئذٍ شيئًا من حقوق الله تعالى.
ثانيًا: نهى الرسول ﷺ عن البناء في القبور وعن اتخاذها عبدًا، وعن اتخاذها مساجد، فقال لما ذكرت له أم سلمة ﵂ أنها رأت كنيسة بأرض الحبشة وما فيها من الصور. قال: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدًا وصوّروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله».
وقال الرسول ﷺ قبل أن يموت بخمس ليال: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله تعالى قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا،
[ ١ / ٦١٢ ]
ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد؛ إنّي أنهاكم عن ذلك».
وقال ﵊: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلّوا عليّ، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم».
كما نهى النبي ﷺ عن تجصيص القبور، كما قال جابر بن عبد الله ﵄: «نهى النبي ﷺ أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه».
وكذلك نهى عن الصلاة عند القبور سواء بنى عليه مسجد أو لا، لقوله ﷺ: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلّوا إليها». فقد نهى النبي ﷺ عن تلك الأمور كلها الدالة على تعظيم القبر؛ لئلاّ يفضي ذلك إلى عبادتها وطلب قضاء الحوائج من الموتى، ويدل على أن هذا هو المراد ما أشار به إلى صنيع الأمم السابقة، وكذلك، لأن هذا هو أصل ابتداء الشرك في الناس كما تقدم، وقد قال ابن قدامة معللًا للنهي عن اتخاذ القبور مساجد ومصلّى: (لأن تخصيص القبور
[ ١ / ٦١٣ ]
بالصلاة عندها يشبه تعظيم الأصنام بالسجود لها والتقرب إليها، وقد روينا أن ابتداء عبادة الأصنام: تعظيم الأموات باتخاذ صورهم ومسحها والصلاة عندها).
ثالثًا: النهي عن الوفاء بالنذر بالذبح لله تعالى في مكان يذبح فيه لغير الله، أو يقام فيه عيد من أعياد الجاهلية، فعن ثابت بن الضحاك ﵁ قال: (نذر رجل أن ينحر إيلًا ببوانة، فسأل النبي ﷺ، فقال: «هل كان فيه وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا، قال: «فهل كان فيه عيد من أعيادهم؟» قالوا: لا، فقال رسول الله ﷺ: «أوف بنذرك، فإنّه لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم». فقوله في آخر الحديث: «فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله» يفيد أن الوفاء بالنذر في المكان الذي فيه أمر من أمور الجاهلية معصية لله، ففي هذا سدّ لذريعة الشرك وإبعاد المسلمين عن التشبه بالمشركين في تعظيم أوثانهم.
[ ١ / ٦١٤ ]
رابعًا: النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها؛ صيانة للصلاة والمصلّين المسلمين أن يشبهوا الكفار في سجودهم لها وعبادتهم لها وللشيطان، فمن ذلك قول النبي ﷺ: «صلّ صلاة الصبح، ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع؛ فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذٍ يسجد لها الكفار - إلى أن قال - حتى تصلي العصر، ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس، فإنها تغرب بين قرني شيطان، وحينئذٍ يسجد لها الكفار».
خامسًا: النهي عن الصلاة إلى ما قد عُبد من دون الله، (وأحبّ لمن صلّى إلى عمود أو عودٍ، أو شجرةٍ، أن يجعله على أحد جانبيه، ولا يصمد له صمدًا، سدًّا لذريعة التشبه بالسجود لغير الله تعالى).
سادسًا: الأمر بهدم بناء القبب والمساجد على القبور والأمر بتسويتها: فمن ذلك ما قال أبو الهياج الأسدي، قال: قال لي علي بن أبي طالب: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ، ألاَّ تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلاّ سويته».
[ ١ / ٦١٥ ]
سابعًا: التحذير الشديد من زيارة القبور للصلاة في المساجد المبنية عليها، أو الدعاء عندها، على ظن أن هذا أسرع إجابة، أو للتبرك بها، أو جعلها عيدًا، أو للحج إليها بشد الرّحال إليها، أو زيارتها لعبادة الله تعالى عندها أيّ نوع كان من أنواع العبادات، من ذبح، أو نذر أو اعتكاف، أو قراءة القرآن، إلى غير ذلك؛ فإن كل هذا لمن أعظم أسباب الوثنية.
فقد قال رسول الله ﷺ: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد؛ المسجد الحرام، ومسجد الرسول ﷺ، ومسجد الأقصى».
ودخل في النهي شدّها لزيارة القبور والمشاهد، فإمّا أن يكون نهيًا، وإمّا أن يكون نفيًا، وجاء في روايةٍ: بصيغة النهي، فتعيّن أن يكون للنهي، ولهذا فهم منه الصحابة - رضوان الله عليهم - المنع، كما في الموطأ والمسند والسنن عن بصرة بن أبي بصرة الغفاري أنه قال لأبي هريرة - وقد أقبل من الطور ـ: لو أدركتك قبل أن تخرج إليه لما خرجتَ، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا
[ ١ / ٦١٦ ]
تعمل المطي إلاّ إلى ثلاثة مساجد؛ المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى».
[ ١ / ٦١٧ ]
المبحث الثالث سدّه الوسائل القولية والفعلية التي تؤدي إلى الشرك - خصوصًا إلى الشرك الأصغر - وصدور التحذير منه ﷺ
قد نهى الرسول ﷺ عن كل ما يؤدي إلى إساءة الظن برب العالمين وعدم تقديره حق قدره، كما نهى أيضًا عن الأقوال والأفعال التي فيها التسوية بين الله والمخلوق، وإن كان المرتكب لا يعتقد التسوية. وسأذكرها في عدة مطالب.
المطلب الأول: تحذير النبي ﷺ من وقوع أمته في الشرك الأصغر باللسان:
فمن أفراده: أ- الحلف بغير الله، وقد ورد النهي عنه في أحاديث، مثلًا:
١ - قوله ﵊: «ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، ومن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت».
٢ - وقال: «إن الله ﷿ ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم ».
[ ١ / ٦١٨ ]
٣ - وقال أيضًا: «من كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله».
٤ - وقال أيضًا: «لا تحلف بأبيك ولا بغير الله؛ فإنه من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك».
٥ - وقال أيضًا: «لا تحلفوا بالطواغيث ولا بآبائكم».
٦ - وقال أيضًا: «لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد ».
٧ - وقال أيضًا: «من حلف بالأمانة فليس منّا».
٨ - وقال أيضًا: «من حلف منكم فقال في حلفه: باللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله».
٩ - ثم إن يهوديًا أتى النبي ﷺ فقال: «إنكم تشركون وتقولون:
[ ١ / ٦١٩ ]
والكعبة، فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: وربّ الكعبة ».
والمقصود: بيان تحذير النبي ﷺ من الوقوع في هذا النوع من الشرك الأصغر.
ب- الشرك مع الله أحدًا ولو بمجرد القول، وقد ورد النهي عن مثل هذا الاشتراك في اللفظ وإن لم يعتقد حقيقة الاشتراك، مثلًا:
١ - أن النبي ﷺ قال: «لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم فلان».
٢ - إن يهوديًا أتى النبي ﷺ فقال: «إنكم تشركون تقولون: ما شاء الله وشئت فأمرهم النبي ﷺ أن يقولوا: ما شاء الله ثم شئت».
٣ - وقوله ﵊: «إنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها، فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده».
٤ - وقوله ﵊ للذي قال للنبي ﷺ: ما شاء الله وشئت، قال: «أجعلتني لله ندًا؟ بل ما شاء الله وحده». وفي رواية: «أجعلتني لله عدلًا، بل ما شاء الله وحده».
[ ١ / ٦٢٠ ]
والمقصود: بيان تحذير النبي ﷺ من الوقوع في هذا النوع من الشرك الأصغر.
ج- التحذير عن الشرك الأصغر الذي يتضمن النزاع في خصوصية الرب سبحانه على الظاهر، وإن كان لا يقصده المتلفظ. فمن هذا النوع:
١ - قوله ﵊: «إن أخنع الأسماء عند الله رجل يسمّى: بشاهان شاه - أي ملك الملوك - لا ملك إلا الله»، وفي لفظ: «أغيظ رجل على الله رجل يسمّى بملك الأملاك».
٢ - قوله ﵊: «لا يقل أحدكم: أطعم ربّك، وضّئ ربك، وليقل: سيدي ومولاي، ولا يقل أحدكم: عبدي وأمتي، وليقل: فتاي وفتاتي وغلامي».
د- التحذير من إسناد بعض الحوادث إلى غير الله وفيها شبه اعتراض على القدر. فمن هذا النوع:
١ - قوله ﵊: «المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، واحرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، فإن أصابك شيء فلا تقل: (لو فعلت كذا وكذا)، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن (لو) تفتح عمل الشيطان).
[ ١ / ٦٢١ ]
وقوله ﵊: «أربع في أمتي في أمر الجاهلية لا يتركونهن، - وذكر منهن - الاستسقاء بالنجوم»، وفي روايةٍ: «أخاف على أمتي ثلاثًا: استسقاء بالنجوم ».
المطلب الثاني: تحذير النبي ﷺ أمته من الوقوع في الشرك الأصغر الفعلي:
وأفراده كثيرة، منها:
التطير، وتصديق الكاهن، والعرّافين، ولبس الحلقة والخيط ونحوها جاء التحذير من الوقوع فيه، حيث قال:
١ - «الطيرة شرك» قاله ثلاثًا، يقول الراوي: «وما منا إلاّ، ولكن الله يذهبه بالتوكل».
٢ - «ليس منّا من تطيّر، ولا من تطيّر له، أو تكهّن أو تكهّن له، أو سحر أو سحر له».
٣ - «إن الرقى والتمائم والتولة شرك».
٤ - «أخاف على أمتي ثلاثًا: حيف الأئمة، وإيمانًا بالنجوم، وتكذيبًا
[ ١ / ٦٢٢ ]
بالقدر».
٥ - «إن ممّا أخاف على أمتي: التصديق بالنجوم، والتكذيب بالقدر، وحيف الأئمة».
٦ - «لا عدوى ولا طيرة، ولا هامة ولا صفر»، وفي رواية: «ولا نوء ولا غول».
٧ - «من سحر فقد أشرك».
وغيرها من الأحاديث، وهذا الباب واسع، وقد سبق بيان بعض الأحاديث.
المطلب الثالث: تحذير النبي ﷺ أمته من الوقوع في الشرك الأصغر القلبي:
فمن أفراده:
أ- الرياء، وقد خاف النبي ﷺ من وقوع هذا النوع من الشرك على أمته، فقال:
١ - «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، فسئل عنه؛ فقال: الرياء».
٢ - قوله ﵊: «إن يسير الرياء شرك».
[ ١ / ٦٢٣ ]
٣ - وقوله ﷺ: «قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه».
والأحاديث في هذا الباب كثيرة.
ب- ومن أفراده: إرادة الإنسان بعمله الدنيا.
وقد سبق التحذير من النبي ﷺ في هذا النوع من الشرك الأصغر القلبي، فمن أشهر هذه الأحاديث:
١ - قوله ﷺ: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة » الحديث.
٢ - قوله ﷺ: «من تعلّم علمًا يبتغي به وجه الله ﷿ لا يتعلمه إلا ليصيب به غرضًا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة ».
والأحاديث في هذا الباب كثيرة.
والمقصود: بيان النبي ﷺ كما خاف على أمته في الوقوع في الشرك الأكبر بجميع أنواع هكذا خاف أن يقعوا في الشرك الأصغر بكافة أنواعه، ومن ثمّ حذر أمته في الوقوع فيه، وذكرنماذج من أنواع الشرك كي لا يقعوا فيما وقع فيه الأمم السابقة؛ لكونه كالأب الرحيم لأمته، ولكونه رؤوفًا رحيمًا لما
[ ١ / ٦٢٤ ]
يعنتهم.
ولكن رغم هذا التحذير الشديد من وقوع أمته في أنواع من الشرك صدرت البشارة النبوية بثبات فئة من أمته على الحق بعيدة عن الشرك بجميع مظاهره وأنواعه، وهي الطائفة المنصورة والناجية، حيث قال: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله، وهم ظاهرون»، وفي رواية: «لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة».
قال العلماء: هم أصحاب الحديث والأثر. فهؤلاء لا يشركون بالله جل وعلا بمقتضى هذه البشارة النبوية.
[ ١ / ٦٢٥ ]
المبحث الرابع: في بيان شبهة من قال بعدم وقوع الشرك في هذه الأمة وردّها
هناك نصوص يتشبث بها القائلون بعدم وقوع الشرك في هذه الأمة، ويزعمون دلالتها على خلاف ما ذهبنا إليه مما دلت عليه الأدلة، ويؤكده الواقع من أن الشرك يقع في هذه الأمة.
ومن أشهر هذه النصوص التي يستدلون بها ما يلي:
١ - قوله ﷺ: «والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخاف عليكم أنتنافسوا فيها ».
وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ ما خاف علينا الشرك فكيف يقع الشرك في هذه الأمة؟
ويجاب عن هذه الشبهة بما أجاب به الحافظ ابن حجر في الفتح، حيث قال في شرح الحديث:
أ- - (أي على مجموعكم، لأن ذلك قد وقع من البعض، أعاذنا الله تعالى منها).
ب- أو يقال: إنه في الصحابة خاصة، لأن الرسول ﷺ قال: «عليكم». قال الحافظ في الفتح: (فيه إنذار بما سيقع فوقع كما قال ﷺ وأن الصحابة
[ ١ / ٦٢٦ ]
لا يشركون بعده، فكان كذلك، ووقع ما أنذر به من التنافس في الدنيا).
ج- أو يقال: (لعلّ النبي ﷺ قال ذلك قبل أن يعلم ويوحى إليه بأن طوائف من الأمة سوف يضلون ويشركون).
ومن هذه الشبة أيضًا:
٢ - قوله ﷺ: «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب».
وجه الاستدلال: (إن هذه البلاد بفضل الله طاهرة من كل رجس سالمة من كل شرك بإخبار رسول الله ﷺ).
يجاب عن هذه الشبهة: بأن هذا الفهم الذي ذكره هذا المفتون لم يفهمه المحدّثون ولا السابقون الأوّلون، بل المعنى الذي فهموا منه هو النهي عن التمكين لدينين أن يجتمعا في جزيرة العرب، وليس المقصود به نفيه، ولا نفي وجوده عن النبي ﷺ؛ إذ كيف يمكن حمله على النفي وقد كان هناك أديان - لا دينان فقط - عند موت النبي ﷺ وحتى في صدور الخلافة الراشدة في جزيرة العرب.
ثانيًا: لو حملنا الحديث المنسوب إلى النبي بهذا اللفظ على النفي لكنّا قد كذبنا الواقع؛ فإن جزيرة العرب في تحديدهم (جنوبًا وشمالًا: من عدن إلى ديار بكر، وشرقًا وغربًا: من العراق إلى مصر، فتدخل فيها اليمن، والحجاز، ونجد، والعراق، والشام، ومصر)، فإن قلنا بحمل الحديث على النفي
[ ١ / ٦٢٧ ]
فإننا قد فتحنا لغير المسلمين بابًا للضحك على عقولنا في ردّ الأحاديث، بدلالة كذب الواقع له، فإن في هذه الديار المذكورة كم من الأديان، وكم من الكنائس أيضًا، وهي ما زالت معمورة من أول الإسلام حتى عصرنا الحاضر.
ثالثًا: أن ما ذكره هذا الضال من الحديث الذي رواه الإمام مالك في الموطأ، وما ورد أيضًا بلفظ: «لا يبقين دينان بأرض العرب»، وما رواه الإمام أحمد في المسند بلفظ: «لا يترك بجزيرة العرب دينان»، كل هذه الأحاديث إنما جاءت في سياق رواية وصية النبي ﷺ وآخر عهده في حياته، وهي تدلّ صراحة على أن المراد بالحديث إنما هو النهي لا النفي كما فهمه هذا المفتون.
رابعًا: أن جميع من روى هذا الحديث من أصحاب الحديث كلهم ذكروه بعبارات تدل على أن المراد هو النهي، لا النفي، فمن هذه الروايات ما يلي:
١ - عن عمر بن الخطاب أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب ».
[ ١ / ٦٢٨ ]
٢ - عن عمر قال: «لئن شئت - إن شاء الله - لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب».
وهناك روايات صريحة تدل على أن هذا إنما هو أمر النبي ﷺ، منها:
١ - عن ابن عباس: في حديث طويل قال ﷺ: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب».
وبعد هذه الروايات الواضحة لا يقول بحمل الحديث على النفي إلا الغبي الجاهل الذي ليس له أيّ مشاركة في هذا العلم الشريف. والله أعلم.
وممّا اشتبه عليهم أيضًا:
٣ - قوله ﷺ: «إن الشيطان قد أيس أن يعبد في جزيرتكم - جزيرة العرب» هكذا ذكر بعضهم، وقال آخر:
قوله ﷺ: «إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلّون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم».
[ ١ / ٦٢٩ ]
وقوله ﷺ فيما رواه ابن مسعود ﵁: «إن الشيطان قد يئس أن تعبد الأصنام بأرض العرب، ولكن رضي منهم بما دون ذلك بالمحقرات وهي الموبقات».
وجه الدلالة: (أن الرسول أخبر أن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، وفي حديث ابن مسعود: أيس الشيطان أن تعبد الأصنام بأرض العرب، وهذا بخلاف مذهبكم؛ فإن البصرة ومن حولها والعراق من دون دجلة الموضع فيه قبر علي وقبر الحسين ﵄ كذلك اليمن كلها والحجاز كل ذلك من أرض العرب، ومذهبكم أن هذه المواضع كلها عبد الشيطان فيها، وعبدت الأصنام، وكلهم كفار، وهذه الأحاديث ترد مذهبكم).
ويجاب عن هذه الشبهة بما يلي:
أولًا: أن الرواية الأولى لم أجدها في كتب الحديث بهذا اللفظ، وأقرب ما وجدت مما يوافق هذه الرواية ما جاء عن ابن عمر ﵄ قال: «أيها الناس! إن الشيطان قد أَيِس أن يعبد في بلدكم هذا آخر الزمان، وقد رضي منكم بمحقرات الأعمال، فاحذروه على دينكم» الحديث.
والحديث ضعيف، فلا احتجاج فيه.
أما الرواية الثانية: فهي ثابتة، ولكن هل الأحاديث الصحيحة تنتاقض
[ ١ / ٦٣٠ ]
مع بعضٍ؟ كلا، بل لابدّ أن يكون لكل واحدٍ منها محمل غير ما للآخر، فالحديث الذي نحن بصدده يخالف ظاهرًا - لدى البعض - الأحاديث الثابتة الصحيحة التي فيها خوف الرسول ﷺ وتحذيره من وقوع ألوان من الشرك في هذه الأمة، والعلماء قد ذكروا لهذا الحديث عدة احتمالات، فممّا قالوا فيه:
١ - إن الشيطان أيس بنفسه - ولم يبأس - لما رأي عز الإسلام في حياة النبي ﷺ وإقبال القبائل على الدخول في هذا الدين الذي أكرمهم الله، فلمّا رأى ذلك يئس من أن يرجعوا إلى دين الشيطان، وأن يعبدوا الشيطان أي: يتخذوه مطاعًا.
وهذا كما أخبر الله عن الذين كفروا في قوله: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ)، فهم يئسوا أن يراجع المسلمون مع عليه المشركون من الدين الباطل القائم على اتخاذ الأنداد مع الله، وصرف العبودية إلى أشياء مع الله أو دونه.
فكما أن المشركين لما رأوا تمسك المسلمين بدينهم يئسوا من مراجعتهم، هكذا الشيطان يئس لما رأى عزّ المسلمين ودخولهم في الدين في أكثر نواحي جزيرة العرب.
والشيطان - لعنه الله - لا يعلم الغيب، ولا يعلم أنه ستحين فرص يصد الناس بها عن الإسلام والتوحيد، وكانت أول أموره في صرف الناس لعبادته بعد موت النبي ﷺ، حيث أطاعه أقوام وقبائل فارتدت عن الإسلام إمّا بمنع الزكاة، أو باتباع مدعي النبوة، فنشط وكانت له جولة وصولة، ثم كبته الله.
والمقصود: أن الشيطان ييأس إذا رأي التمسك بالتوحيد والإقرار به
[ ١ / ٦٣١ ]
والتزامه، واتباع الرسول ﷺ، وهو حريص على أن يصد الناس عن هذا، ولذا تمكن من هذا في فترات مختلفةٍ، فعبده القرامطة عبادة طاعة وهم في الجزيرة، وأفسدوا ما أفسدوا، وعبده من بعدهم ممّا يعرفه أولو البصيرة.
فالقول بأن الشرك منتفٍ عن هذه الأمة مخالف للواقع، كما أنه مخالف للفهم الصحيح لنصوص الشرع.
٢ - أو يقال: إن نبينا ﷺ فصّل ما بين الشرك والتوحيد وبينّه أتم بيان، وترك الدين على بيضاء ليلها كنهارها، وهذه البيضاء هي مضمون لا إله إلا الله، وهي إفراد الله بالعبادة، وخلع الأنداد، والكفر بما يعبد من دون الله، والبراءة من الشرك وأهله، كما فسّرها أهل العلم ﵏، فإذا علم هذا يقينًا فمحال أن يكون الشرك بصورته التي نهي الله عنها موجودًا في بلادٍ كثيرة، ويحكم عليها بالشرك ويوجد في الجزيرة بصورته ولا يحكم عليها بالشرك. وهذا من التلاعب والهوى الصارخ.
٣ - وقال ابن رجب في شرح الحديث: إنه يئس أن يجتمعوا كلهم على الكفر الأكبر.
وأشار ابن كثير إلى هذا المعنى عند تفسيره قوله تعالى: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ) حيث قال: (قال ابن عباس ﵄: يعني يئسوا
[ ١ / ٦٣٢ ]
أن تراجعوا دينكم).
٤ - ولا يبعد أن يقال: (مراد النبي ﷺ بقوله: «إن الشيطان » أن الشيطان لا يطمع أن يعبده المؤمنون في جزيرة العرب، وهم المصدّقون بما جاء به الرسول من عند ربّه المذعنون له، والممتثلون لأوامره، ولا شك أن من كان على هذه الصفة فهو على بصيرة ونور من ربّه، فلا يطمع الشيطان أن يعبده ووجود مثل هذا في جزيرة العرب لا ينافي الحديث الصحيح كما لا يخفى على من له قلب سليم وعقل راجح، وإطلاق لفظ المصلّين على المؤمنين كثير في كلام العارفين.
٥ - ويحتمل أن يراد بالمصلين أناس معلومون بناء على أن تكون (أل) للعهد وأن يراد بهم الكاملون فيها وهم خير القرون، يؤيد ذلك قول النبي ﷺ في آخر الحديث ـ: «ولكن في التحريش بينهم». يقول الطيي: لعلّ المصطفى ﷺ أخبر بما يكون بعده من التحريش الواقع بين صحبه رضوان الله عليهم أجمعين، أي أيس أن يعبد فيها، ولكن يطمع في التحريش والدليل متى طرقه الاحتمال بطل به الاستدلال).
٦ - أو يقال: كما أن الرسول ﷺ قد أخبر بوقوع الشرك وحدوثه في هذه الأمة، ووقع، وحصل هذا الإخبار بما هو مشاهد عيانًا، ولا ينكره إلاّ من أعمى الله بصره وطمس بصيرته. هكذا أخبر الرسول ﷺ في هذا الحديث أناسًا معلومين بأن الشيطان لا يسلّط عليهم، وهم الذين قال عنهم الرسول ﵊: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق، منصورة، لا يضرهم من خذلهم ولا من
[ ١ / ٦٣٣ ]
خالفهم حتى يأتي أمر الله».
٧ - أو يقال: إن الحديث يقول: إن الشيطان أيس أن يعبد. وظاهر لفظه: أنه أيس من أن يعبد هو نفسه، لا من أن يعبد غيره من المخلوقات كالأنبياء والملائكة والصالحين والأشجار والأحجار، والقبور. فإن الشيطان إن أطيع في عبادة بعض المخلوقات، وقد تضاف إليه هذه العبادة ولكنها إضافة غير حقيقية، والعلاقة في الإضافة كونه هو الآمر بها، وحقيقة عبادة الشيطان نفسه: أن توجه إليه العبادة كفاحًا مباشرة.
٨ - أو يقال: المراد أن الشيطان قد أيس من أن يعبد أو تعبد الأصنام في بلاد العرب في كل وقت وزمان، فهذا لن يكون إن شاء الله، وقد يشهد لهذا لفظة أبدًا) المذكور في الرواية الأخرى.
وعلى كل حال: لا يمكن أن يدعى أنه لن يعبد غير الله في بلاد العرب في وقت من الأوقات، فإن هذا باطل كاذب بالإجماع والضرورة والنصوص المتواترة.
ومما يستدل به القبوريون في هذا الباب:
٤ - قوله ﷺ: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي، ولا يزال أمر هذه الأمة مستقيمًا حتى تقوم الساعة، أو يأتي أمر الله تعالى ».
[ ١ / ٦٣٤ ]
وجه الاستدلال: (أن النبي ﷺ أخبر أن أمر هذه الأمة لا يزال مستقيمًا إلى آخر الدهر، ومعلوم أن هذه الأمور التي تكفرون بها، ما زالت قديمًا ظاهرة ملأت البلاد، فلو كانت هي الأصنام الكبرى، ومن فعل شيئًا من تلك الأفاعيل عابد الأوثان، لم يكن أمر هذه الأمة مستقيمًا، بل منعكسًا ).
يجاب عن هذه الشبهة: بأن هذه الشبهة ناتجة عن قصور باعه في علم الحديث. فإن الأحاديث تأتي بروايات مختلفة بعضها تفسّر البعض الآخر، فالذي ذكره جاء بعدة روايات، حتى إنه جاء في صحيح البخاري في خمسة مواضع عن معاوية ﵁.
وقد جاء في كتاب العلم بلفظ: «ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله ولا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله»، وفي كتاب الاعتصام بلفظ: «ولا تزال هذه الأمة ظاهرين على من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون».
وجاء في كتاب المناقب بلفظ: «لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله ».
كما جاء في كتاب الاعتصام بلفظ: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون».
وفي كتاب التوحيد: «لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله ».
[ ١ / ٦٣٥ ]
والحديث جاء عند مسلم بلفظ: «لن يزال قوم من أمتي ظاهرين على الناس حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون».
والمقصود: أن الروايات المطلقة في بعض الأحاديث تحمل على الروايات المقيدة، فإن من قواعد أصول الفقه حمل المطلق على المقيد إذا اتحد المحل والحكم، وهنا هكذا، لهذا قال الحافظ ابن حجر عند شرح الحديث: (أن بعض هذه الأمة يبقى على الحق أبدًا). ولا شكّ أن هؤلاء البعض هم المحدثون ومتبعو الآثار لا غيرهم من القبوريين كما نصّ عليه السلف.
ومما يتشبث به القبوريون في هذا الباب:
٥ - عن عائشة قالت: قال النبي ﷺ: «لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزّى» فقلت: يا رسول الله! إن كنت لأظن حين أنزل الله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) إن ذلك تام، قال: «إنه سيكون من ذلك ما شاء الله، ثم يبعث الله ريحًا طيبة فتوفى كل من في قلبه مثقال حبة من خردل إيمان، فيبقى من لا خير فيه فيرجعون إلى دين آبائهم».
[ ١ / ٦٣٦ ]
وقال النبي ﷺ: «لا يزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق حتى يقاتل آخرهم المسيح».
وقال النبي ﷺ: «لن يبرح هذا الدين قائمًا عليه عصابة المسلمين حتى تقوم الساعة».
وقال رسول الله ﷺ: «لا يزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة، وهم على ذلك» فقال عبد الله بن عمرو: أجل، ثم يبعث الله ريحًا كريح المسك مسّها مسّ الحرير، لا تترك إنسانًا في قلبه مثقال حبةٍ من إيمان إلاّ قبضته، ثم يبقى شرار الناس عليهم تقوم الساعة».
وجه الاستدلال: (في هذه الأحاديث الصحيحة أبين دلالة على بطلان مذهبكم؛ وهي أن جميع هذه الأحاديث مصرّحة بأن الأصنام لا تعبد في هذه الأمة إلاّ بعد انخرام أنفس جميع المؤمنين آخر الدهر».
ويجاب عن هذه الشبهة من عدة أوجهٍ:
أولًا: مراد النبي ﷺ في هذا الحديث بيان وقت ظهور الشرك بصفة عامة بحيث يطغى على التوحيد ويسيطر على حاملي لواء التوحيد ويستأصلهم، فذكر: أن هذا يحدث في أواخر أيام الدنيا، قبل انعقاد القيامة الكبرى، وبعد
[ ١ / ٦٣٧ ]
خروج الريح القابضة لأنفس جميع المؤمنين حتى لا تبقى هذه الطائفة المنصورة والناجية على ظهر الأرض. والذي يدلّ عليه فهم الصحابي الجليل عبد الله بن عمرو حيث إنه عقّب على قوله ﵊: «لا تزال عصابة الحديث» بقوله: أجل، ثم يبعث الله ريحًا كريح المسك إلخ.
فهذا الحديث: إنما يبين التحديد الزمني لفشو الشرك في هذه الأمة حتى لا يبقى في ظهر الأرض إلا مشرك، وليس المراد منه عدم وقوع الشرك في هذه الأمة كما ظنّه بعض مدّعي العلم والمعرفة، وإلاّ يكون هذا الفهم مخالفًا للأحاديث الصحيحة الأخرى ومخالفًا للواقع.
وأما استدلاله بهذا الحديث على عدم وقوع الشرك في هذه الأمة، فليس فيه ما يدل عليه، وقد بينّا المراد من الحديث، ثم إن عدم الدليل المعين لا يستلزم عدم المدلول المعّين كما هو معلوم لدى كل واحد من أهل العلم.
ومما يتشبت به القبوريون أيضًا في إثبات شبهتهم:
٦ - قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ).
وقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ).
وجه الاستدلال: (أن الأمة ليس فيها من يعمل الكفر، وأنها أمة صالحة كلها - من أولها إلى آخرها - ليس فيها شرك).
[ ١ / ٦٣٨ ]
ويجاب عن هذه الشبهة بما يلي:
أولًا: أنهم تركوا من الآيتين ما هو دليل عليهم، وذلك: (أن الله وصف خير أمة أخرجت للناس بثلاث صفاتٍ وهي لأهل الإيمان خاصة، وليس لأهل الكفر والشرك، والنفاق والبدع والفسوق فيها نصب، فقال: (تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)، فليس المشركون والمنافقون من خير أمةٍ بل هم من شرار الأمة ).
ثانيًا: (كل أهل الملل من اليهود والنصارى والمجوس والصابئة من أمته أرسل إليهم وكلهم من أمة محمد، وهم أمة الدعوة ومن لم يؤمن بالنبي ﷺ ولم يتبعه من هذه الملل الخمس فهو في النار، كما قال تعالى: (إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية) فأخبر تعالى أنهم في النار مع كونهم من هذه الأمة.
وأما استدلاله بقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا)، فالخطاب للنبي ﷺ وأصحابه، وهم المعنيون بهذه الأمة، ومن كان مثلهم من أهل الإيمان لحق بهم، وأمّا الكفار والمشركين والمنافقين فهم أعداء الأمة الوسط في كل زمان ومكان، ولا يمكن أحد أن يزعم أنهم من الأمة الوسط إلا مثل هذا الجاهل الذي يقول: ليس في الأمة كافر ولا مشرك ).
[ ١ / ٦٣٩ ]
ويبين الشيخ عبد الرحمن بن حسن جانبًا من البدع والشرك والضلال الذي وقع في هذه الأمة (مثل المرتدين في عهد الصديق، والخوارج زمن علي بن أبي طالب، والقدرية، والجهمية الجبرية، ودولة القرامطة، الذين وصفهم شيخ الإسلام بأنهم أشدّ الناس كفرًا، والبويهيين، والعبيديين وغيرهم).
وبالجملة: (هذا المعترض مموه بلفظ الأمة ملبس، قال تعالى في ذم هذا الصنف من الناس (وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ). وهذا من أعظم اللبس والخلط والتمويه، والامة تطلق ويراد بها عموم أهل الدعوة، ويدخل فيها من لم يستجب لله ورسوله، وتطلق أيضًا ويُراد بها: أهل الاستجابة المنقادين لما جاءت به الرسل، ومن لم يفصل ويضع النصوص [في غير] مواضعها فهو من الجاهلين الملبّسين).
ويكشف الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن عن أصل هذه الشبهة وسبب حدوثها، فقال: (اعلم أن هذا المعترض لم يتصور حقيقة الإسلام والتوحيد، بل ظن أنه مجرد قول بلا معرفة ولا اعتقاد، وإلاّ فالتصريح بالشهادتين في هذه الأزمان والإتيان بهما ظاهرًا هو نفس التصريح بالعداوة، ولأجل عدم تصوره أنكر هذا، وردّ إلحاق المشركين في هذه الأزمان بالمشركين
[ ١ / ٦٤٠ ]
الأولين، ومنع إعطاء النظير حكم نظيره، وإجراء الحكم مع علته، واعتقد أن من عبد الصالحين، ودعاهم وتوكل عليهم، وقرّب لهم القرابين مسلم من هذه الأمة، لأنه يشهد أن لا إله إلا الله).
ويظهر جهل القائل بهذا القول حين لم يفرق بين أمة الإجابة، وأمة الدعوة، وقد ردّ الشيخ عبد اللطيف ذلك الاشتباه، فقال: (ليس كل ما وصف بأنه من الأمة يكون من أهل الإجابة والقبلة، وفي الحديث: «ما من أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني يسمع بي ثم لا يؤمن بي إلاّ كان من أهل النار» وقال تعالى: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا)، فدلت هذه الآية على أن هؤلاء الكافرين من الأمة التي يشهد عليهم ﷺ والأمة في مقام المدح والوعد يراد بها أهل القبلة وأهل الإجابة، وتطلق في مقام التفرق والذم ويُراد بها غيرهم، فلكل مقام مقال).
وممّا يتشبث به القبوريون أيضًا في هذا الباب:
٧ - قوله ﷺ: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد».
وجه الاستدلال: (دعاؤه مستجاب)، يعني فلا يمكن أن يكون هناك
[ ١ / ٦٤١ ]
شرك بقبر الرسول.
ويجاب عن هذه الشبهة: بأن دعاء الرسول مستجاب لا شك فيه، ولهذا قد أحاطه الله بأسوار وجدران، فلا أحد يستطيع أن يسجد لقبره مباشرة كائنًا من كان، وليس فيه أيّ دليل على أن أحدًا لا يشرك بالله جل وعلا بعبادة النبي مثلًا أو بإثبات خصائص الربوبية في الرسول ﵊، فإن هذا واقع، والواقع خير دليل في هذا المجال، فكم من الغالين في الرسول مثلًا يدّعي فيه خصائص الربوبية، وسيأتي معنا بيان نماذج من هذا الغلو في الباب الرابع بمشيئة الله.
وأيضًا مما يتشبت به القبوريون في هذا الباب:
٨ - بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إن أخوف ما أتخوف على أمتي، الإشراك بالله، أما إني لست أقول: يعبدون شمسًا ولا قمرًا ولا وثنًا، ولكن أعمالًا لغير الله وشهوة خفية».
وجه الاستدلال: أن الرسول ﵊ ما خاف علينا الشرك الأكبر، وإنما خاف علينا الشرك الأصغر.
ويجاب عن هذه الشبهة بما يلي:
١ - إن الحديث ضعيف، والحديث الضعيف لا احتجاج به عند من
[ ١ / ٦٤٢ ]
يعتد به من أهل العلم.
٢ - ولو فرضنا صحته: يكون مراد النبي ﷺ من الحديث بيان خفاء هذا الشرك في أمته حتى يقع فيه بعض من يدعي العلم والتحقيق أيضًا، فمثلًا: عبادة الشمس والقمر والوثن من الظواهر التي لا يخفى ضلال مرتكبه، ولكن الشرك بأعمال القلوب؛ مثلًا المحبة لغير الله، والذل والخضوع لغير الله، واعتقاد أشياء مخصوصة لله جل شأنه لغير الله تعالى، هذه كلها من ضمن الأعمال لغير الله وممّا تبقى خفيًا، وهذا ظاهر، والحمد لله.
[ ١ / ٦٤٣ ]
الفصل الثالث في بيان خفاء الشرك على كثير من الناس حتى وقعوا فيه
وفيه مباحث:
المبحث الأول: متى وكانت بداية الشرك في هذه الأمة؟ .
المبحث الثاني: في بيان وقوع بعض هذه الأمة في الشرك.
المبحث الثالث: دور العلماء في محاربة الشرك ومواجهة الانحرافات العقدية.
[ ١ / ٦٤٥ ]
المبحث الأول متى وكيف كانت بداية الشرك في هذه الأمة؟
إن الله ﷿ أنعم على هذه الأمة حيث بعث محمدًا ﷺ رسولًا إلى الثقلين (عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ)، وقد (مقت أهل الأرض عربهم وعجمهم إلاّ بقايا من أهل الكتاب)، والناس إذ ذاك أحد رجلين: إمّا كتابي معتصم بكتاب مبدل أو منسوخ، ودين دارس بعضه مجهول، وبعضه متروك، وإمّا أمي: من عربي وعجمي.
فمنهم من بحث عن الحنيفية واعتصم بها، ولكن أغلبهم كانوا مقبلين على عبادة ما استحسنوه، وظنوا أنه ينفعهم؛ من نجم أو وثن أو قبر، أو تمثال أو غير ذلك؛ والناس في جاهلية جهلاء: من مقالات يظنونها علمًا وهي جهل، وأعمال يحسبونها صلاحًا، وهي فساد، وعبادات يحسبونها من عند الله، وهي من ما زينت لهم الشياطين وتهواها نفوسهم، ووجدوا عليها آباءهم.
فهدى الله الناس بنبوة محمد ﷺ هداية جلت عن وصف الواصفين، وفاقت معرفة العارفين، وفتح الله بها أعينًا عميًا، وآذانًا صمًا، وقلوبًا غلفًا، بعد أن جاهدهم وجالدهم باللين والحكمة، وقارعهم بالسنان والحجة لمن كابر وعاند، وكان من أمره ﷺ مع قريش ما كان، حتى هاجر إلى المدينة،
[ ١ / ٦٤٧ ]
وكان نصر الله حليفه، فاستقام أمره، وظهر دينه، فجاء نصر الله ودخل الناس في دين الله أفواجًا، وجمعهم الله على دين الإسلام؛ دين التوحيد، والملة الإبراهيمية الحنيفية بعد تشتت تام وعداوة كاملة، وانهيار خلقي وانحلال ديني وفساد عقدي.
فألف بين قلوبهم حتى أصبحوا بنعمة الله إخوانًا، وكسرت الأوثان والأصنام، وزالت عباتها على أصنافها، فطمست التماثيل وسويت القبور المشرفة، وأزيلت المعبودات من دون الله من قبر وشجر وحجر ونصب وصنم ووثن، وأبطلت.
وتحررت العقول من دناءة تفكيرها، ووضاعة تصورها، فارتقت إلى التوحيد بعد أن كانت في حمأة الشرك، وأصبحت قلوبهم متجة إلى الله وحده لا شريك معه غيره؛ لا نبي مرسل، ولا ملك مقرب، فأتم الله أمره وأكمل دينه، وأعلا كلمته، حتى صار الدين كله لله.
فلما تمت نعمة الله عليه وعلى أمته وظهر ما جاء به من الحق، ووضحت الطريقة توفاه الله جل وعلا إليه، والإسلام في تقدم وشوكة تامة وغلبة كاملة، ليظهر على الدين كله.
وكان الصحابة ﵃ وأرضاهم - يأخذون سلوكهم وأعمالهم وعقائدهم من رسول الله ﷺ، فحياته هي الإسلام غضًا طريًا، وقد نزل القرآن الكريم بلغتهم ففهموا ما أراد الله منهم، وما احتاج إلى بيان بينه لهم رسول الله بسنته، فكان الناس أمة واحدة ودينهم قائم في خلافة أبي بكر وعمر، فلما استشهد باب الفتنة عمر ﵁، وانكشف الباب، قام رؤوس الشر على الشهيد عثمان حتى ذبح صبرًا، وتفرقت الكلمة، وتمت وقعة الجمل ثم وقعة
[ ١ / ٦٤٨ ]
صفين، فظهرت الخوارج وكُفِّر سادة الصحابة، ثم ظهرت الروافض والنواصب.
وكان السبب في ذلك أنه كان هناك دولتان عظيمتان في زمن النبي ﷺ؛ وهما: فارس، والروم، وقد كسر الله شوكتهم، وأزال ملكهم بأيدي الصحابة، وفي عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، فلما سيطر حكم الإسلام على أكثر البلاد في آسيا، وإفريقيا، وغيرهما، دخل تحت حكمه أمم كثيرة رغبة ورهبة، وكان لها أديان مختلفة، من يهودية ونصرانية، ومجوسية ووثنية، وغير ذلك.
وقد كان لكثير من الأمم سلطان كبير مثل المجوس، والرومان، فسلبهم المسلمون ذلك، وكان عند هؤلاء من الكبر والاستعلاء ما يجعلهم يأنفون من كونهم تحت سلطان المسلمين، ولا سيما وقد كانوا يرون العرب من أحقر الأمم، وأقلها شأنًا.
كما أن اليهود واجهوا الإسلام ورسوله من أول أمره بالعداء، وحاولوا القضاء عليه بأنواع جهدهم وكيدهم إلى الدسائس، والمؤامرات، والاغتيالات لرجاله العظام، ودخل في الإسلام ظاهرًا من هؤلاء من قصد إفساده، وتمزيق وحدة أهله، ولابدّ أن يكون عن دراسة، وإعمال فكر وتخطيط، وربما يكون هناك جمعيات متعاونة، من المجوس والنصارى، والهنود، وغيرهم، وقد تكون لكل طائفة مؤسسات تعمل لإفساد عقائد المسلمين، لتيقنهم أنه لا يمكن هزيمة المسلمين إلاّ بإفساد عقيدتهم.
فبدأت آثار تلك المؤامرات تظهر، شيئًا فشيئًا، فقتل الخليفة الراشد عمر بن الخطاب بأيد مجوسية، وربما بمؤامرة مجوسية يهودية، ثم قتل الخليفة الذي بعده، بأيد مشبوهة، من غوغاء، بدفعهم بعض دهاة اليهود والمجوس.
[ ١ / ٦٤٩ ]
قال الإمام ابن حزم: (الأصل في أكثر خوارج هذه الطوائف عن ديانة الإسلام أن الفرس كانوا على سعة الملك، وعلوّ اليد على جميع الأمم، وجلالة الخطر في أنفسهم، حتى أنهم يسمون أنفسهم الأحرار والأبناء، وكانوا يعدون سائر الناس عبيدًا لهم، فلما امتحنوا بزوال الدولة عنهم، على أيدي العرب، وكانت العرب أقل الأمم خطرًا، تعاظمهم الأمر، وتضاعفت لديهم المصيبة، وراموا كيد الإسلام بالمحاربة، في أوقات شتى، فرأوا أن كيده على الحيلة أنجح.
فأظهر قوم منهم الإسلام واستمالوا أهل التشيع بإظهار محبة أهل بيت رسول الله ﷺ، واستشناع ظلم علي ﵁، ثم سلكوا بهم مسالك شتى، حتى أخرجوهم عن الإسلام، فقوم منهم أدخلوهم إلى القول بأن رجلًا ينتظر يدعى المهدي، عنده حقيقة الدين، إذ لا يجوز أن يؤخذ الدين من هؤلاء الكفار، وقوم خرجوا إلى نبوة من ادعي له النبوة، وقوم سلكوا بهم القول بالحلول، وسقوط الشرائع.
وآخرون تلاعبوا بهم، وأوجبوا عليهم خمسين صلاة في كل يوم وليلة وقد سلك هذا المسلك أيضًا عبد الله بن سبأ الحميري اليهودي، فإنه - لعنه الله ـ
[ ١ / ٦٥٠ ]
أظهر الإسلام ليكيد أهله، فهو كان أصل إثارة الناس على عثمان ﵁
ومن هذه الأصول الملعونة، حدثت الإسماعيلية، والقرامطة، وهما طائفتان مجاهرتان بترك الإسلام جملة، قائلتان بالمجوسية المحضة، ثم مذهب مزدك الموبذ، فإذا بلغ الناس إلى هذين الشعبين أخرجوهم عن الإسلام كيف شاؤوا، إذ هذا هو غرضهم فقط).
فأول فرقة ظهورًا هي الشيعة، وكانت الخوارج أيضًا في نفس الوقت ظهرت كفرقة مستقلة، وإن كان لكل منهما وجود قبل هذا ولكن بصفة متفرقة، فهاتين الفرقتين لهما السبق في تفريق جمع هذه الأمة.
قال الشهرستاني: (ومن الفريقين ابتدأت البدع والضلالة وانقسمت الاختلافات بعده إلى قسمين:
أحدهما: الاختلاف في الإمامة.
والثاني: الاختلاف في الأصول والاختلاف في الإمامة على وجهين:
أحدهما: القول بأن الإمامة بالاتفاق والاختيار، والثاني: القول بأن الإمامة تثبت بالنص والتعيين
وأما الاختلاف في الأصول فحدثت في آخر أيام الصحابة بدعة معبد الجهني وغيلان الدمشقي، في القول بالقدر وإنكار إضافة الخير
[ ١ / ٦٥١ ]
والشر إلى القدر )، فتبرأ ابن عمر وابن عباس وغيرهما ممن يقول بهذه المقال. ثم حدثت بدعة الإرجاء، ثم حدثت بدعة الجهم بن صفوان ببلاد المشرق فعظمت الفتنة به، فإنه نفى أن يكون لله صفة، وأورد على أهل الإسلام شكوكًا أثرت في الملة الإسلامية آثارًا قبيحة تولد منها بلاء كبير.
وفي أثناء ذلك حدث مذهب الاعتزال على يد واصل بن عطاء، كمسلك فكري، بنت هذه الفرقة مذهبها على الجدل، واستعانت في ذلك بما وجدته من منطق اليونان وفسلفتها لتعزيز آرائها، وغيّروا كثيرًا من مفاهيم العقيدة، وأصّلوا لبدعتهم أصولًا توافق عقولهم وأهواءهم.
ثم تطورت هذه المذاهب السياسية والفكرية وتشبعت حتى خرجت بعض هذه الفرق عن دائرة الإسلام، كما هو معلوم.
[ ١ / ٦٥٢ ]
بداية الانحراف الشركي في هذه الأمة في الربوبية بالتعطيل
بعد استعراض أقوال العلماء في كيفية انحراف عقيدة هذه الأمة يحسن بنا أن نتعرف على بداية الانحراف الشركي في الربوبية بالتعطيل: سواء كان في أسماء الله أو صفاته أو أفعاله.
ولعل أول شرك منظم في هذه الأمة في هذا الجانب - على ما نص عليه العلماء - هو شرك القدرية الذين أنكروا القدر، فأشركوا في الربوبية بتعطيل صفات الله ﷿ وأفعاله. فإن إنكار القدر يتضمن إنكار كثير من الصفات والأفعال، كما أنهم أثبتوا خالقين.
ولهذا قال ابن عباس ﵄: (هذا أول شرك في هذه الأمة).
وقال ابن عمر ﵄ فيهم: (فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني برئ منهم، وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر: لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبًا فأنفقه ما قبل منه حتى يؤمن بالقدر).
وأول من عرف بذلك رجل مجوسي يقال له: سيسويه، من الأساورة، وإن كان قد اشتهر أن أول من قال به معبد الجهني.
[ ١ / ٦٥٣ ]
ثم ظهر شرك التعطيل في أسماء الله وصفاته، بأنه ليس لله أسماؤه الحسنى، وأنه لا يوصف بشيء مما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ، وأنه لا يحب أحدًا من عباده، ولا يتكلم وليس له يد ولا وجه، وكان أول من عرف بذلك رجل يقال له: الجعد بن درهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (أصل هذه المقالة - مقالة التعطيل للأسماء والصفات - إنما هو مأخوذ عن تلامذة اليهود والمشركين، وضلال الصابئين، فأول من حفظ عنه أنه قال هذه المقالة في الإسلام: هو الجعد بن درهم، فأخذهاعنه الجهم بن صفوان، وأظهرها، فنسبت مقالة الجهمية إليه، وقد قيل: إن الجعد أخذ مقالته عن أبان بن سمعان، وأخذها أبان من طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم، وأخذها طالوت من لبيد بن الأعصم اليهودي الساحر الذي سحر النبي ﷺ). فهذه سلسلة يهودية لها سوابق في محاربة الإسلام.
روى البخاري في خلق أفعال العباد، بسنده، قال: قال خالد بن عبد الله القسري في يوم أضحى: (ارجعوا فضحوا تقبل الله منكم، فإني مضح بالجعد ابن درهم، زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا، تعالى الله علوًا كبيرًا عما يقول ابن درهم)، ثم نزل فذبحه، قال أبو عبد الله: قال قتيبة: إن جهمًا كان يأخذ الكلام من الجعد بن درهم).
[ ١ / ٦٥٤ ]
فتبين من هذا أن الإلحاد أو شرك التعطيل في الربوبية بتعطيل الأسماء والصفات والأفعال ما هو إلا مؤامرة يهودية سيقت بغية إفساد العقيدة الصحيحة النقية للإسلام، كما بينا أن هذا الرافض أول من عرف من دعائه يهودي ماكر حاقد وهو ابن سبأ.
والمقصود: بيان كون الشرك الذي يتعلق بذات الرب سبحانه وأسمائه وصفاته وأفعاله بالتعطيل أول ما حدث في تاريخ الإسلام من قبل هؤلاء القدرية في زمن صغار الصحابة، ومن قبل هؤلاء الجهمية بعدما ذهب أئمة التابعين - رضوان الله عليهم أجمعين ـ.
وفي أثناء ذلك حدث مذهب الاعتزال على يد واصل بن عطاء؛ فأنكر صفات الله عزوجل متأثرًا بالجهمية، فهؤلاء المعتزلة نفوا أن يكون لله ﷿ خالقًا لأفعال العباد، وأثبتوا صفة الخلق لأفعال العباد للعباد الضعفاء، وحرفوا الآيات القرآنية الدالة على الصفات وخلق الله لأفعال العباد، وجعلوا الأحاديث الصحيحة التي تدل على خلق الله سبحانه لأفعال العباد ظنية غير موجبة للعمل، تلبية لدعوة هواهم في إثبات آرائهم الفاسدة، وجمعوا بهذه الأعمال الشنيعة بين شرك تعطيل الصفات مع شرك تعطيل الأفعال، فما عبدوا إلا المعدوم، وما أشبهوا إلا المجوس.
وتأثر بهم ابن كلاب، فهذب مذهب الاعتزال وحاول تقريبه إلى مذهب أهل السنة في الصفات، ولكن لم يتخلص منهم، ثم ظهر في الساحة
[ ١ / ٦٥٥ ]
الإمام الأشعري، وكان قد أخذ عن الجبائي المعتزلي في أول الأمر، ولكنه سرعان ما رجع إلى مذهب ابن كلاب، فألف ودافع عنه، فهؤلاء الأشاعرة المنسوبة إلى الإمام الأشعري كلهم من أتباع ابن كلاب في الحقيقة، وهم من المتأثرين بالمعتزلة في الصفات حيث لم يتخلصوا من شرك التعطيل.
ومن الذين تأثروا بمذهب المعتزلة والجهمية في زمن الأشعري: أبو منصور الماتريدي، حيث إنه أخذ مذهب الاعتزال وأراد أن يتخلص منه، ولكن فاته الحظ الأوفر من مذهب السلف في الصفات، فلم يسلم من شرك التعطيل في صفات الله جل وعلا من جميع الوجوه، وهؤلاء الماتريدية المنسوبون إليه إلى يومنا هذا كلهم واقعون في شرك تعطيل بعض صفات الله جل شأنه شاءوا أم أبوا.
والمقصود: أن هؤلاء الأشاعرة والماتريدية إنما تأثروا ببدعة الجهمية في إنكار الصفات وتأويلها وتعطيلها، وبهذا وقعوا في شرك التعطيل من غير أن يشعروا، ورائدهم في ذلك: جهم بن صفوان الذب ابتدع هذه البدعة في زمان أئمة التابعين وأتباعهم.
وفي نفس الوقت حدث في الساحة شرك التشبيه بالله جل شأنه، فسموا مشبهة، وهم صنفان: صنف شبهوا ذات الباري بذات غيره، وصنف آخر شبهوا صفاته بصفات غيره، وكل صنف من هذين الصنفين مفترقون على أصناف شتى.
[ ١ / ٦٥٦ ]
فأما الذين شبهوا ذات الباري بذات غيره، فسيأتي ذكرهم في شرك الأنداد، وأما الذين يشبهون صفاته بصفات المخلوقين فهم الذين وقعوا في شرك التعطيل - تعطيل الصفات - إذ إن كل مشبه معطل، فهؤلاء المشبهة كثيرون، ولعل من أوائلهم: (هشام بن الحكم الرافضي الذي شبه معبوده بالإنسان، وزعم لأجل ذلك أنه سبعة أشبار بشبر نفسه، وأنه جسم ذو حد ونهاية).
وتبعه (هشام بن سالم الجواليقي الذي زعم أن معبوده على صورة الإنسان، وأن نصفه الأعلى مجوف، ونصفه الأسفل مصمت، وأن له شعرة سوداء وقلبًا ينبع منه الحكمة). تعالى الله عن هذه المقولات القبيحة علوًا كبيرًا.
وتبعهما الغالية من الرافضة في التشبيه. كما تأثر بهما جماعة من المعتزلة، وجماعة من المنتسبين إلى أهل السنة.
وبعد ظهور شرك تعطيل الصفات بزمن يسير ظهر في الساحة شرك وحدة الوجود، وهو شرك تعطيل معاملة الله سبحانه عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد، قال ابن القيم: (ومن هذا شرك أهل وحدة الوجود الذين يقولون: ما
[ ١ / ٦٥٧ ]
ثم خالق ومخلوق، ولا هاهنا شيئان، بل الحق المنزه هو عين الخلق المشبه).
ولعل أول من قال بهذه المقالة الشنيعة في هذه الأمة هو الحلاج.
وتبعه كل من ابن الفارض، وابن عربي، وابن سبعين
[ ١ / ٦٥٨ ]
وغيرهم، والمتصوفة الطرقية عمومًا.
فالحلاج هو القائل الأول بوحدة الوجود، وأما القائلون بالحلول والاتحاد فقد حاز السبق فيه أيضًا ابن سبأ وأتباعه، فقد وجد هذان الشيئان في الغالية من الرافضة قديمًا، وقد ذكر الأشعري والبغدادي والشهرستاني من ذلك شيئًا كثيرًا.
والمقصود: بيان أن هؤلاء أشركوا بالله جل وعلا بتعطيل حقيقة التوحيد، فمنهم من ادعى الألوهية لنفسه، ومنهم من ادعى الحلول، ومنهم من ادعى الاتحاد، كما أن فريقًا آخر منهم ادعى الوحدة، وهم أكفر وأشد تشريكًا بالله من اليهود والنصارى، فاليهود - مثلًا - قالوا بحلول الرب في ذات عزرا، وقالت النصارى بحلوله في ذات المسيح، ولكن هؤلاء قالوا بحلوله سبحانه في كل شيء حتى في أخبث الحيوانات وأنتن الأماكن والبقاعات.
فهذا استعراض مجمل لخط الانحراف العقدي الشركي في هذه الأمة في
[ ١ / ٦٥٩ ]
الربوبية التي تتضمن الشرك في الألوهية أيضًا - كما هو معلوم - بالتعطيل.
بداية ظهور شرك الربوبية بالأنداد في هذه الأمة:
لعل أول شرك في هذا الجانب هو شرك عبد الله بن سبأ اليهودي حيث أشرك بالله جل شأنه في الربوبية بالأنداد في الذات. حيث غلا في علي ﵁ حتى زعم أنه إله، كما أنه هو الرائد في الإشراك بالله في الربوبية بالأنداد في الصفات والأفعال؛ حيث زعم: أن عليًا له الحياة الدائمة المطلقة، وله العلم المحيط بكل شيء، وله القدرة الكاملة الشاملة على كل شيء، وأنه هو الذي يقوم بمحاسبة الناس يوم القيامة، ويأتي بالأمطار، وسينتقم من أعدائه، وغير هذه الاعتقادات الباطلة التي فيها شرك في الربوبية بالأنداد في الصفات والأفعال.
وبهذا نستطيع أن نقول: إن بداية ظهور شرك الربوبية بالأنداد في الذات إنما كان من عبد الله بن سبأ اليهودي، وتبعه أغلب الروافض الغلاة،
[ ١ / ٦٦٠ ]
والإسماعيلية، والعبيدية، والقرامطة، والنصيرية، والدروز،
[ ١ / ٦٦١ ]
وغيرهم.
وأما الشرك في الربوبية بالأنداد في الصفات والأفعال فقد كان السبق فيه أيضًا لابن سبأ اليهودي، وقد سبق بيانه، ويشترك كل من أشرك بالله في الربوبية بالأنداد في الذات في الشرك بالله بالأنداد في الصفات والأفعال؛ لأن كل من أثبت إلهًا من دون الله أعطى له من صفات الربوبية وأفعاله ما شاء وما أراد. ووقع في هذا النوع من الشرك كثير ممن لا يشرك بالله في ربوبيته في الأنداد في الذات، كالإمامية من الشيعة، والغلاة من المتصوفة في النبي ﷺ، وفي بعض مشائخ التصوف وأساطينهم.
أما الرافضة فأصل البلاد عندهم في شرك الأنداد في الصفات والأفعال هو اتباعهم لابن سبأ اليهودي الزنديق الذي أراد أن يغير الدين الإسلامي الحنيف إلى دين اليهود والنصارى، فأحدثوا لهم أقوالًا من هذا النمط. وسيأتي تفصيل هذه المقولات فيما بعد إن شاء الله.
وأما الباطنية فهؤلاء تآمروا على هدم الدين من أساسه، فادعوا الند والشريك السابق، وله قرين، سموه بالتالي وهو الذي خلق السموات والأرضين وما فيهن.
[ ١ / ٦٦٢ ]
أما السبب في انتشار شرك الأنداد بين المتصوفة فهو: أنه قد ظهر أناس من المسلمين بمظهر التقشف، وكان أخطر هؤلاء الأعداء على الدهماء وأبعدهم غورًا في الإغواء: أناس ظهروا بأزياء الصالحين؛ بعيون دامعة كحيلة، ولحى مسرحة طويلة، وعمائم كالأبراج، وأكمام كالأخراج، يحملون سبحات طويلة كبيرة الحبات، يتظاهرون بمظهر الدعوة إلى سنة سيد السادات مع انطوائهم على مخازٍ ورثوها عن الأديان الباطلة والنحل الآفلة، وكان في مكرهم الماكر أن خلطوا الكذب المباشر بالتزيد في تفسير مأثور، أو في فهم حديث صحيح، أو تأويله على مقتضى هواهم، أو الاستدلال بحديث مكذوب سواء كان قصدًا أو بغير قصد.
فهؤلاء غلوا في أنفسهم بادعاء أشياء واهية من التصرفات في الكون، والعلم بما في المكنون، والقدرة على تقليب الشيء الموزون، ثم لما هلك هؤلاء جاء أتباعهم فادعوا فيهم أكثر مما ادعوا لأنفسهم من ذكر الكرامات، طلبًا لتقديس الشخصيات، اتباعًا لسنن الأمم السابقة في هذه المجالات، ونبين بعض هذه الأنواع من الشركيات بشيء من البسط والتفصيل فيما يأتي من العبارات.
بداية ظهور الشرك في الألوهية والعبادة:
لعل أصل حدوث الشرك في الألوهية والعبادة كان من قبل الشيعة على اختلاف فرقها، وطوائفها، ونحلها، فإن التشيع هو ملجأ كل من يريد أن يحارب الإسلام والمسلمين، فما الباطنية بجميع شعبها - والإسماعيلية والقرامطة، والنصيرية والعبيدية والدرزية - إلا من فرقها، ومعروف: أن
[ ١ / ٦٦٣ ]
هؤلاء الباطنية كانوا مشركين بالله جل وعلا في ذاته وصفاته وأفعاله، ومشركين بالله جل وعلا في عبادته ومعاملته أيضًا، فهؤلاء جمعوا خبائث الأمم السابقة، وقالوا بالمجوسية المحضة، وجاهروا بترك الإسلام جملة، وهؤلاء كما كانوا يثبتون الشرك في الربوبية في الذات، ويثبتون الشرك في الربوبية في الصفات والأفعال، هكذا كانوا يعبدون القبور وأهلها، ويبنون عليها المساجد، والقباب، فأحيوا بذلك سنة اليهود والنصارى، فظهرت في هذه الأمة فرقة قبورية وثنية مشركة في صورة هؤلاء الروافض، الذين عمروا المشاهد وعطلوا المساجد.
فالإسماعيلية منهم - مثلًا - بثوا معتقداتهم بين الناس سرًا، فاستحسن الجهال هذا الأمر لخفته وطرح التكاليف الشرعية، فأخذت تظهر الاعتناء بالقبور وتشييد المزارات والمشاهد، وتحري الدعاء عندها، حتى نقلهم الشيطان إلى اتخاذهم شفعاء، ثم نقلهم إلى دعاء الأموات، ودعاء صاحب القبر، ثم نقلهم إلى الاعتقاد بأن لهم تصرفًا في الكون، تدرج هذا في قرنين ونحوها.
قال أحد المعاصرين: (إن أقدم من وقفت عليه يُرجع المسلمين إلى دين الجاهلية في الاعتقاد بالأرواح والقبور هم الإسماعيليون، وبخاصة إخوان الصفا، تلك الجماعة السرية الخفية التي بنت عقائدها ورسائلها الخمسين
[ ١ / ٦٦٤ ]
بسرية تامة حتى لا يكاد يعرف لها كاتب، ولا مصنف وإن ظن ظنًا.
ثم تبعهم على تقديس المقبورين من أهل البيت: الموسويون الملقبون بالاثني عشرية). وصنفوا التصانيف في الحج إلى المشاهد وفي كيفية الزيارات والأدعية عند القبور، يسندونها بطرق باطلة كاذبة، إلى أئمة أهل البيت ﵃، وقد طالعت كتاب (الزيارات الكاملة) لابن قولويه فرأيت فيه من هذا شيئًا كثيرًا.
ومن طالع تراث الإسماعيليين، وحركة إخوان الصفا وجد ما قلته ماثلًا أمامه، فإن فتنة الناس بالقبور واتخاذ أهلها شفعاء ووسطاء لم تعرف قبلهم، ولما غلب الجهل قبل ظهور الدولة الفاطمية عرفت هذه الأمور طائفة من الناس، فلما ظهرت هذه الدولة العبيدية شيدت المشاهد ونشرت ما كان سرًا من عقائدها.
جاء في الرسالة الثانية والأربعين من رسائل إخوان الصفا ما يبين هذا، ويبرهن له، فقد قال مؤلفوا الرسائل:
(وذلك أن القوم الذين بعث إليهم النبي ﵊ والتحيات والرضوان - كانوا يتدينون بعبادة الأصنام، وكانوا يتقربون إلى الله تعالى
[ ١ / ٦٦٥ ]
بالتعظيم لها والسجود والاستسلام والبخورات، وكانوا يعتقدون أن ذلك يكون قربة لهم إلى الله زلفى، والأصنام هي أجسام خرس، لا نطق لها ولا تمييز، ولا حسًّا ولا صورة ولا حركة، فأرشدهم الله، ودلهم على ما هو أهدى وأقوم وأولى مما كانوا فيه، وذلك أن الأنبياء ﵈ وإن كانوا بشرًا فهم أحياء ناطقون مميزون علماء، مشاكلون للملائكة بنفوسهم الزكية، يعرفون الله حق معرفته، والتقرب إلى الله بهم أولى وأهدى وأحق من التوسل بالأصنام الخرس التي لا تسمع، ولا تبصر، ولا تغني عنك شيئًا
ثم اعلم يا أخي: أن من الناس من يتقرب إلى الله بأنبيائه ورسله وبأئمتهم وأوصيائهم، أو بأولياء الله وعباده الصالحين، أو بملائكة الله المقربين، والتعظيم لهم ومساجدهم ومشاهدهم، والاقتداء بهم وبأفعالهم، والعمل بوصاياهم وسننهم على ذلك بحسب ما يمكنهم ويتأتى لهم ويتحقق في نفوسهم ويؤدي إليه اجتهادهم.
فإن من يعرف الله حق معرفته فهو لا يتوسل إليه بأحد غيره، وهذه مرتبة أهل المعارف الذين هم أولياء الله، وأما من قصر فهمه ومعرفته وحقيقته: فليس له طريق إلى الله تعالى إلا بأنبيائه، ومن قصر فهمه ومعرفته بهم فليس له طريق إلى الله تعالى إلا بالأئمة من خلفائهم وأوصيائهم، والتعلق بسننهم والذهاب إلى مساجدهم ومشاهدهم، والدعاء والصلاة والصيام والاستغفار وطلب الغفران والرحمة عند قبورهم وعند تماثيل المصورة على أشكالهم، لتذكر آياتهم، وتعرف أحوالهم، من الأصنام والأوثان وما يشاكل ذلك طلبًا للقربة إلى الله وزلفى لديه.
ثم اعلم أن حال من يعبد شيئًا من الأشياء ويتقرب إلى الله تعالى بأحد فهو
[ ١ / ٦٦٦ ]
أصلح حالًا ممن لا يدين شيئًا ولا يتقرب إلى الله ألبتة ).
وهذه الجماعة الباطنية كانت نشاطاتها في أول القرن الثالث، ولم تعرف رسائلها التي قعدت لمذهبها، وبثت ذلك أوساط الناس إلا في القرن الرابع الهجري، بسرية تامة، فدخلت الأفكار في الطغام، وأنكرها العلماء الأعلام، وكفّروا أصحابها.
كما قال ابن عقيل في القرن الخامس حيث انتشرت المذاهب بتأييد الدولة العبيدية، قال: (لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام عدلوا من أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم؛ إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم. وهم عندي كفار لهذه الأوضاع، مثل تعظيم القبور، وإكرامها بما نهى عنه الشرع من إيقاد السرج وتقبيلها وتخليقها، وخطاب الموتى بالحوائج، وكتب الرقاع فيها: يا مولاي افعل بي كذا وكذا، وإلقاء الخرق على الشجر اقتداء بمن عبد اللات والعزى ).
فعلمنا بهذا الحديث الطويل أن الشرك في القبور في هذه الأمة إنما هو من معتقدات الباطنية في هذه الأمة، ولم يكن هذا فاشيًا قبل ظهورهم. هذا من ناحية
[ ١ / ٦٦٧ ]
ومن ناحية أخرى: أنه عربت كتب الفلاسفة اليونانية القبورية الوثنية، وعكف عليها كثير ممن تفلسفوا في الإسلام، أمثال الفارابي الكافر، وابن سينا الحنفي القرمطي، ونصير الكفر والشرك الطوسي.
[ ١ / ٦٦٨ ]
وغيرهم ممن لعبوا بالإسلام كما لعب بولس بالنصرانية.
فتأثروا بآرائهم الفلسفية، ومنها العقائد القبورية، فصاروا دعاة القبورية الوثنية بتفلسفهم.
وسايرهم كثير من المتكلمين من الماتريدية الحنفية، والأشعرية الكلابية، بسبب العكوف على كتبهم الفلسفية، فتأثروا بعقائدهم القبورية، حتى صاروا دعاة إلى القبورية الدهمية في آن واحد - كما سيأتي بيانه فيما بعد ـ.
فهذه نبذة من تاريخ حدوث الشرك في العبادة والألوهية في هذه الأمة، وإنما حدث بعد هذا عندما ذهب أصحاب القرون الثلاثة المشهود لهم بالخيرية على لسان الرسول ﵊.
[ ١ / ٦٦٩ ]
ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (قد جاءت خلافة بني العباس. وظهر في أثنائها من المشاهد بالعراق وغير العراق ما كان كثير منها كذبًا، وكانوا عند مقتل الحسين بكربلاء قد بنوا هناك مشهدًا، وكان ينتابه أمراء عظماء، حتى أنكر عليهم الأئمة، وحتى إن المتوكل لما تقدموا له بأشياء يقال إنه بالغ في إنكار ذلك وزاد على الواجب.
دَع خلافة بني العباس في أوائلها، وفي حال استقامتها، فإنهم حينئذ لم يكونوا يعظمون المشاهد، سواء منها ما كان صدقًا أو كذبًا كما حدث فيها بعد؛ لأن الإسلام كان حينئذ ما يزال في قوته وعنفوانه، ولم يكن على عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم من ذلك شيء في بلاد الإسلام بل عامة هذه المشاهد محدثة بعد ذلك.
وكان ظهورها وانتشارها حين ضعفت خلافة بني العباس، وتفرقت الأمة، وكثير فيهم الزنادقة الملبسون على المسلمين، وفشت فيهم كلمة أهل البدع، وذلك من دولة المقتدر في أواخر المائة الثالثة، فإنه إذ ذاك ظهرت القرامطة العبيدية القداحية بأرض المغرب. ثم جاءوا بعد ذلك إلى أرض مصر ).
وبعد أن علمنا مصدر الشرك في العبادة في هذه الأمة، سنتطرق فيما يلي:
كيف خفي هذا الشرك في هذه الأمة حتى وقع فيه من هو معروف بالعلم والفضل؟ وكيف كان دور علماء سلف هذه الأمة في مواجهة جميع أنواع الشرك؟
[ ١ / ٦٧٠ ]
المبحث الثاني: في بيان وقوع بعض هذه الأمة في الشرك
لقد صدق الرسول الأمين الحريص على حفظ إيمان المؤمنين حينما قال: «الشرك أخفى في أمتي من دبيب الذر على الصفا ». لقد خفى بعض أنواع الشرك على كثير من العلماء حيث وقعوا فيه، قال صاحب الدين الخالص: (ومن أنواع الشرك أشياء ما عرفها الصحابة إلا بعد سنين، فمن أنت حتى تعرفه بغير علم. وقد قال لنبيه ﷺ: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ)، وقال تعالى: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)، فإذا كان هذا في حق سيد الرسل وخاتمهم، فما ظنك بغيره من الناس؟
وقال إبراهيم : (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ)، فإذا كان أبو الأنبياء يخاف على نفسه وعلى بنيه الأنبياء فما نرجوه في غيره وغيرهم من آحاد الناس الذين ليسوا بأنبياء؟ وحيث إن
[ ١ / ٦٧١ ]
الشرك أخفى من دبيب النمل ابتلي به بعض من لم يتفطن له، وأفصح به في مقالاته، على جهل منه ).
حتى بعض العلماء مبتلون في الوقوع في بعض أنواع الشرك؛ لخفائها وعدم تصور حقيقة الشرك التي بعث الرسل لأجلها، ولعلّ بعضهم كان لديهم حسن نية في بعض أقوالهم وأعمالهم التي شابهت الشرك، ولكن كما قال عبد الله بن مسعود ﵁: (وكم من مريد للخير لن يصيبه).
ثم إن هؤلاء القوم الذين سأذكرهم فيما يلي: لا أقول إنهم مشركون، فإن الحكم على العموم سهل وميسر في كثير من القضايا دون الحكم بالتعيين، فإنه ربما يوجد المقتضي للحكم على أحدٍ بالشرك أو الكفر، ولكن يمنع من الحكم عليه فوات شرط من الشروط أو انتفاء مانع من الموانع، فمثلًا إذا كان لدى أي مسلم شبهة في كون بعض أنواع من التصرفات شركًا فإنه تزال عنه الشبهة أولًا، وتقام عليه الحجة ثانيًا، وقبل هذا لا يحكم عليه بالشرك أو الكفر أبدًا.
قال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين: أحد علماء نجد الأعلام: (والذي نقوله في ذلك: إن من مات من أهل الشرك قبل بلوغ الدعوة إليه، فالذي يحكم عليه إذا كان معروفًا بفعل الشرك ويدين به، ومات على ذلك فظاهره أنه مات على الكفر، فلا يدعى له ولا يضحى له، ولا يتصدق عنه، وأمّا
[ ١ / ٦٧٢ ]
حقيقة أمره فإلى الله تعالى، فإن كانت قد قامت عليه الحجة في حياته وعاند فهذا كافر الظاهر والباطن، وإن كان لم تقم عليه الحجة فأمره إلى الله، وأما من لا نعلم حاله في حال حياته، ولا ندري ما مات عليه، فإنا لا نحكم بكفره، وأمره إلى الله).
وقال الإمام المجدد - الشيخ محمد بن عبد الوهاب ـ: (القصة تفيد أن المسلم - بل العالم - قد يقع في أنواع من الشرك وهو لا يدري عنها، فتفيد لوازم التعلم والتحرز، وتفيد أيضًا: أن المسلم المجتهد إذا تكلم بكلام كذب هو لا يدري، فنبه على ذلك فتاب من ساعته، أنه لا يكفر ).
وفي موضع آخر: ( وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على قبر عبد القادر والصنم الذي على قبر أحمد البدوي، وأمثالهما؛ لأجل جهلهم، وعدم من ينبههم ).
وقال الإمام عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب عن بعض من يعمل الشرك أنه لا يكفر: (لعدم من يناضل في هذه المسألة في وقته بلسانه، وسيفه وسنانه، فلم تقم عليه الحجة، ولا وضحت له المحجة ).
فالصحيح في تكفير المعين ونسبته إلى الشرك: أنه لا ينسب إليه الشرك إلا بعد إزالة الشبهة الموجودة عنده، وبعد إقامة الحجة عليه، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الجهمية (الذين وقعوا في شرك التعطيل):
[ ١ / ٦٧٣ ]
(ولهذا كنت أقول للجهمية من الحلولية والنفاة الذين نفوا أن الله تعالى فوق العرش لما وقعت محنتهم: أنا لو وافقتكم كنت كافرًا؛ لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون؛ لأنكم جهّال)، وكان هذا خطابًا لعلمائهم وقضاتهم وشيوخهم وأمرائهم.
فكل من وقع في هذه الأمة في أنواع من الشرك بالله جل شأنه لا نحكم عليهم بأنهم مشركون إلا إذا ثبت لنا أنه قد أقيمت عليهم الحجة، وأزيلت عنهم الشبهة، فليس كل من وجد عنده شرك يوصف بالمشرك - إلا إذا كان الشيء مما يعلم من الدين بالضرورة ـ، كما هو ظاهر من نصوص الأئمة.
وإذا نظرنا إلى أغلب الفرق التي وقعت في الشرك نرى أنها كانت لديهم شبهة فيما قالوه وارتكبوه، فهذا الذي يمنعنا عن الحكم عليهم بأنهم مشركون بالتعيين، ولكن ليس المراد منه أن من ليس عنده شبهة، أو كانت شبهته في الأمور التي تعد من المعلوم بالدين بالضرورة، وقد أقيمت عليه الحجة؛ أنا لا نقول له بأنه مشرك كالباطنية والنصيرية والغلاة من الروافض مثلًا، فقد ثبت عن الأئمة أنهم كفروهم بالتعيين.
ثم إنا وإن لم نصف أحدًا بالتعيين بأنه من المشركين فإنه لا ضير أن نذكر من وجد عنده نوع من أنواع الشرك؛ تنبيهًا للعامة ونصحًا للأمة، فمن هذا المنطلق سأذكر بعض من تورط في بعض أنواع الشرك سواء كان بقصد أو بغير قصد.
فمثلًا: إن الشرك في ذات الله وصفاته وأفعاله بالتعطيل قد وقع فيه كثير من العلماء البارزين من الجهمية والمعتزلة، كما وقع فيه جملة من العلماء المشهورين من الأشاعرة والماتريدية، وجملة من العلماء الذين قالوا بالقدر
[ ١ / ٦٧٤ ]
أو الجبر، وهكذا وقع فيه جملة من المتصوفة الذين قالوا بوحدة الوجود مثلًا.
وأما الشرك في ذات الباري وأسمائه وصفاته وأفعاله بالأنداد فقد وقع فيه كثير من الشيعة وكثير من أهل السنة الغالين بالتشبيه، سواء كان هذا التشبيه في ذاته أو في صفاته أو في أفعاله، وذلك بإثبات بعض صفات الباري المختصة به سبحانه لبعض العباد، كما فعل الروافض في علي وأئمتهم، وكما فعل بعض أصحاب الغلو في النبي ﷺ، وفي بعض من يحسنون بهم الظن بأنهم من الأولياء الكمّل ولهم من الخصائص كذا وكذا، حتى بلغوا بهم إلى حد إثبات الأنداد لله ﷿، وسيأتي بيان بعض النماذج في الباب الرابع إن شاء الله.
وأما الشرك في العبادة فحدث عنه ولا حرج، فكم من العلماء المعروفين في هذه الأمة أشركوا بالله جل وعلا - وما زالوا يشركون - في هذا الباب؛ كدعاء غير الله، والاستغاثة بغيره فيما لا يستغاث فيه إلا به، والاستعانة بغير الله في الأمور التي تختص فيها الاستعانة به سبحانه، والنذر والذبح، وأنواع من العبادات لغير الله، بحجة التوسل بهؤلاء الأشخاص والأموات إلى الله جل شأنه.
فلما فشى الشرك في هذه الأمة إلى هذه الدرجة قام العلماء الذين قد نور الله قلوبهم بمعرفة التوحيد ومعرفة حقيقة الشرك بمقتضى البشارة النبوية: «لا يزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي وعد الله»، وهم أصحاب الحديث والأثر من هذه الأمة، وسيأتي ذكر نماذج من جهود العلماء البارزين في هذا المجال في محاربة
[ ١ / ٦٧٥ ]
الشرك والخرافات بأنواعها في المبحث الآتي.
[ ١ / ٦٧٦ ]
المبحث الثالث دور العلماء في محاربة الشرك ومواجهة الانحرافات العقدية
لقد صدقت البشارة النبوية: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفن عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين»؛ فإنه لما ظهر بعض أنواع الشرك (في الصفات وفي الأفعال) في زمن بعض صغار الصحابة وقفوا أمامها كالسد المنيع كما فعل ابن عمر وابن عباس ﵄ حيث قاما ضد شرك القدرية، وبيّنا أنه لا إيمان ولا توحيد لمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره، وحلوه ومرّه.
وهكذا لما حدث شرك التعطيل في صفات الله جل شأنه وفي بعض أمور الربوبية قام التابعون ومن تبعهم من العلماء والمحدثين ضد هذه الاعتقادات الدخيلة خير قيام، حيث ألف بعضهم في الدفاع عن التوحيد وبيان حقيقة الشرك، وكتب الآخرون في جمع أقوال السلف المتعلقة بالعقيدة.
ففي القرن الثاني - مثلًا - كان العلماء قد قاموا بصد أنواع الشرك في تأليفاتهم، سواء كانت هذه التأليفات ضمن كتب الحديث أم كانت كرسائل مستقلة في هذا الباب، ولعل من أول من ألف في هذا الباب الكتاب المنسوب إلى الإمام أبي حنيفة ﵀ وهو الفقه الأكبر - مع ملاحظة بعض الأخطاء
[ ١ / ٦٧٧ ]
العقدية - حيث ذكر الإمام ﵀ عقائد أهل السنة إجمالًا، وذكر فيه الرد على شرك التعطيل في الصفات.
وفي هذا الوقت بالذات جمع طوائف من العلماء والأحاديث والآثار المروية في أبواب عقائد أهل السنة؛ مثل حماد بن سلمة (١٧٦) هـ، وعبد الرحمن ابن مهدي (١٩٨) هـ، وغيرهم؛ حفاظًا على العقيدة النقية، وردًا لشرك التعطيل الذي وقع في هذا الوقت لدى بعض معاصريهم في بعض صفات وأفعال الباري ﷾، كما كتب الإمام الشافعي ﵁ (٢٠٤) هـ كتابه المنسوب إليه «الفقه الأكبر». وحذر فيه عن أنواع من شرك التعطيل. فهذه المؤلفات من أوائل ما كتب في هذا الباب، وبعضها موجود، وبعضها مفقود.
ثم جاء دور التأليف المستقل في باب العقيدة مع شيء من البسط والتفصيل بذكر الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والآثار السلفية في القرن الثالث الهجري سواء كان من المؤلفات التي تحمل اسم الإيمان، أو كان باسم السنة. ثم في نهاية القرن الثالث وبداية القرن الرابع كان التدوين تحت
[ ١ / ٦٧٨ ]
مصطلح (التوحيد)، ثم (الشريعة).
يليهما مصطلح (العقيدة)، و(أصول الدين).
فالمؤلفون من سلفنا الصالح في هذه القرون كلهم ذكروا في مؤلفاتهم تنبيهاتهم عن الوقوع في الشرك سواء كان في شرك التعطيل في أسماء الباري تعالى وصفاته أو كان في أفعاله ﷾؛ حيث صدر منهم التحذير عن الجهمية والقدرية والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية والاتحادية وغيرهم.
كما ألف في أثناء ذلك كتب الردود على بعض الفرق الضالة، ككتاب الرد على الجهمية للدارمي، وكتاب الرد على بشر المريسي العنيد له، وكتاب خلق أفعال العباد للبخاري، وغيرها من الكتب للمحدثين المشهورين، كما صدر التحذير عن بعض الفرق التي خرجت عن شريعة الإسلام بغلوهم وتجاوزهم وإفراطهم، كلها تعتبر من جهود سلف هذه الأمة ضد شرك التعطيل بأنواعه.
وأما جهود العلماء ضد شرك الأنداد في الربوبية وضد شرك العبادة والمعاملة فيتمثل في بيان تنبيهات العلماء السابقين الذين صنفوا في العقيدة والشريعة مثلًا، فما من كتاب من كتب الفقه من مذاهب الأئمة الأربعة إلا وفيه
[ ١ / ٦٧٩ ]