وتحته فصلان:
الفصل الأول: أن العرب كانوا على دين إبراهيم ﵇ قبل الوثنية.
الفصل الثاني: متى كان ظهور الشرك فيهم وبيان سببه.
[ ١ / ٣٩٥ ]
التمهيد
وفيه فرعان:
الفرع الأول: في التعريف بالعرب وبيان المقصود بهم.
الفرع الثاني: في التعريف بالجاهلية وبيان المقصود منها.
[ ١ / ٣٩٧ ]
الفرع الأول: في التعريف بالعرب وبيان المقصود بهم:
قال ابن منظور: العُرُب والعَرَب: جيل من الناس معروف خلاف العجم، وهما واحد، والعرب لغة: الصحاري والقفار، والأرض المجدية التي لا ماء فيها ولا نبات، وقد أطلق هذا اللفظ منذ أقدم العصور على شيئين:
١ - على جزيرة العرب.
٢ - وعلى قوم قطنوا تلك الأرض واتخذوها موطنًا لهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (اسم العرب في الأصل كان اسمًا لقوم جمعوا ثلاثة أوصاف:
أحدها: أن لسانهم كان باللغة العربية.
الثاني: أنهم كانوا من أولاد العرب.
الثالث: أن مساكنهم كانت أرض العرب، وهي جزيرة العرب).
وأما المراد بجزيرة العرب: فهو ما يحدها غربًا: البحر الأحمر وشبه جزيرة سيناء، وشرقًا: الخليج العربي وجزء كبير من بلاد العراق الجنوبية، وجنوبًا: بحر العرب الذي هو امتداد لبحر الهند، وشمالًا: بلاد الشام وجزء من بلاد العراق، على اختلاف في بعض الحدود، حتى شط العرب ونهر الفرات، ولا يوجد إلا جزء من شمالها لا تحيط به المياه. سمى الجغرافيون العرب موطنهم الأول جزيرة العرب، مع أن المياه لا تحيط بها من جميع
[ ١ / ٣٩٩ ]
جهاتها، وقد أطلق هذا الاسم على هذه القطعة من الأرض على لسان ابن عباس ﵁ كما نقله ياقوت الحموي في معجم البلدان نقلًا عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي؛ وقيل في تسمية بلاد العرب جزيرة إحاطتها بالأنهار والبحار من جميع أقطارها وأطرافها، فصاروا منها في مثل الجزيرة من جزائر البحر، وتقدر مساحتها ما بين مليون ميل مربع إلى مليون وثلاثمائة ألف ميل مربع.
سبب تسمية العرب بها:
اختلفوا فيه على أقوال:
الأول: ما قال الآلوسي: بأن العرب هم المعروفون بين الأمم البيان في الكلام والفصاحة في المنطق، والذلاقة والبلاغة في اللسان، ولذلك سموا بهذا الاسم؛ فإنه من الإبانة، لقولهم: أعرب الرجل عما في ضميره: إذا أبان
[ ١ / ٤٠٠ ]
عنه.
الثاني: ما قاله ابن منظور: إن أول من أنطق الله لسانه بلغة العرب يعرب بن قحطان، وهو أبو اليمن كلهم، وهم العرب العاربة، ونشأ إسماعيل ﵇ معهم، فتكلم بلسانهم، فهو وأولاده: العرب المستعربة.
الثالث: إن أولاد إسماعيل نشئوا بعَرَبَةَ وهي من تهامة، فنسبوا إلى بلدهم، وكل من سكن بلاد العرب وجزيرتها، ونطق بلسان أهلها فهم عرب، يمنهم ومعدهم.
قال الأزهري: (الأقرب عندي: أنهم سموا عربًا باسم بلدهم: العربات).
وأما المراد بالعرب على أنه اسم قوم: فهم أهم فرع من فروع الساميين، أي الأقوام الذين ينسبون إلى سام بن نوح ﵇. وقد اعتاد المؤرخون تقسيم العرب إلى بائدة وباقية، والباقية إلى العاربة والمستعربة، أو ما يقال: بعرب الجنوب وعرب الشمال.
وأما أصل العرب: فقد اتفق النسابون على أن العرب كلهم من ولد إسماعيل وقحطان. فالمراد بالعرب عندنا في هذا البحث: العدنانيون - أولاد إسماعيل ـ، والقحطانيون.
[ ١ / ٤٠١ ]
الفرع الثاني: في التعريف بالجاهلية وبيان المقصود منها:
الجاهلية لغة:
مصدر صناعي مشتق من صيغة الاسم الفاعل (جاهل) بزيادة ياء النسب مضافًا إليها تاء التأنيث، ولفظ (جاهل) هي لفظة اسم الفاعل المشتق من الجهل.
والجهل تأتي لمعان:
قال ابن منظور: (الجهل نقيض العلم، وقد جهله فلان جهلًا، وجهالة، وجهل عليه وتجاهل: أظهر الجهل والجهالة أن تفعل فعلًا بغير العلم).
قال الآلوسي: (والجهل أيضًا: عدم اتباع العلم، فمن قال خلاف الحق، عالمًا به أو غير عالم فهو جاهل).
وهكذا من عمل بخلاف الحق فهو جاهل وإن علم أنه مخالف للحق.
ومن هنا علمنا عدم صحة قول القائلين من أصحاب المعاجم: بأن الجاهلية تفيد الأمية والجهل بالشيء وعدم العلم به فحسب، ذلك؛ أن العرب - وكما نعلم - كانوا على جانب من المعارف والعلوم، يشهد على ذلك لغتهم وفصاحتهم وبيانهم، ونظمهم للأشعار، وتأليفهم للخطب، كماكان لهم معرفة بالنجوم والفلك والكواكب مطالعها ومغاربها، والأنواء والأمطار والرياح، عرفوا ذلك بالتجربة والملاحظة والبداهة، لا عن طريق التعلم والفلسفة.
[ ١ / ٤٠٢ ]
أما الجاهلية في الاصطلاح:
فهي تطلق على الحقبة الزمنية السابقة للإسلام، وهذا ما أكده ابن خالويه فقال: (إن هذا الاسم حديث في الإسلام، وهو يطلق على الزمن الذي كان قبل بعثة النبي ﷺ)، وعلى هذا سار أكثر الدارسين والباحثين والمؤرخين.
وقال الحافظ ابن حجر: (هذا هو الغالب، ومنه (يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ)، ثم قال: (وأما جزم النووي في عدة مواضع في شرح مسلم: أن هذا هو المراد حيث أتى - ففيه نظر، فإن هذا اللفظ - وهو الجاهلية - يطلق على ما مضى، والمراد ما قبل إسلامه، وضبط آخره غالبًا: فتح مكة).
أقسام الجاهلية وأنواعها:
الجاهلية قسمان:
الجاهلية العامة: وهي الجاهلية التي كانت قبل مبعث النبي ﷺ، وهي الجاهلية المنسوبة إلى الجهل، فإن ما كانوا عليه من الأقوال والأعمال إنما أحدثه لهم جهال، وإنما يعمل به الجاهل، وكذلك كل ما يخالف ما جاء به المرسلون من يهودية ونصرانية، فهي جاهلية عامة.
أما الجاهلية الخاصة: فهي بعد مبعث النبي ﷺ. مثال ذلك قوله ﷺ:
[ ١ / ٤٠٣ ]
«ومبتغ في الإسلام سنة جاهلية»، فإن المراد به كل جاهلية مطلقة كانت أو مقيدة، وسواء كانت يهودية أو نصرانية أو مجوسية أو صابئة أو وثنية أو شركية، من ذلك، أو بعضه، أو منتزعة من بعض هذه الملل الجاهلية، فإنها جميعها: مبتدعها ومنسوخها صارت جاهلية بمبعث محمد ﷺ، وإن كانت لفظة الجاهلية لا تقال غالبًا إلا على حال العرب التي كانوا عليها قبل الإسلام. فإن المعنى واحد.
ولكن هذه الجاهلية الخاصة نوعان:
أ- الجاهلية المطلقة: وهي التي قد تكون في مصر دون مصر، كما هي في دار الكفار، وقد تكون في شخص دون شخص، كالرجل قبل أن يسلم؛ فإنه يكون في جاهلية وإن كان في دار الإسلام.
فأما في زمان مطلق: فلا جاهلية بعد مبعث محمد ﷺ (على هذا الوجه)؛ فإنه لا تزال من أمته طائفة ظاهرين على الحق إلى قيام الساعة.
ب- الجاهلية المقيدة: وهي التي قد تقوم في بعض ديار المسلمين، وفي كثير من المسلمين، وهي المقصودة من قول النبي ﷺ: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية»، وقوله لآخر: «إنك امرؤ فيك جاهلية»، ونحو ذلك ولعل جاهلية القرن العشرين - كما يسمون - أيضًا من هذا النوع، مع توسعها، وتوغلها في أعماق هذه الأمة، والله أعلم.
[ ١ / ٤٠٤ ]
الحقبة الزمنية للجاهلية، وبيان المقصود منها عندنا في هذا الباب:
الزمن الذي استغرقته الجاهلية غير واضح ألبتة، ولا هو محدد تحديدًا دقيقًا بحال من الأحوال، وهو بالتالي: موضع خلاف، ومدار نقاش، ولا سيما تلك الحقبة التي أطلق القرآن عليها لفظة (الجاهلية الأولى)، وقد اختلفوا في تحديدها اختلافًا كثيرًا.
ومهما يكن من أمر، فإنه مما لا شك فيه أنه يكاد يكون من المتفق عليه أن ثمة جاهليتين اثنتين سبقتا بعثة الرسول ﷺ، هما:
الجاهلية الأولى: وهي الجاهلية القديمة الضاربة في أعماق التاريخ، والتي عرف من أصحابها: العرب البائدة، أو العرب الهالكة، من عاد وثمود، وطسم وجديس، والعمالقة ومدين، وأيم، وحضرموت، وجرهم الأولى.
والجاهلية الثانية: هي الجاهلية القريبة التي سبقت مباشرة ظهور الإسلام فامتدت إلى ما يقرب من أربعة أو خمسة من القرون، والتي تنسب إليها وإلى ما قبلها بقليل العرب العاربة والأخرى المستعربة، سواء أكانوا من القحطانيين سكان اليمن وجنوب شبه الجزيرة العربية أم كانوا من عرب العدنانية، بتهامة والحجاز ونجد، وما كان على مشارف بلاد فارس والعراق والشام، هؤلاء العرب الذين عنهم أخذنا اللغة العربية شعرًا ونثرًا، والذين فيهم تنزل القرآن الكريم، ومن بين ظهرانيهم خرج الرسول العربي الصادق الأمين. وهم المقصودون عندنا في هذا الباب.
[ ١ / ٤٠٥ ]
الفصل الأول
ديانة العرب قبل دخول الوثنية
[ ١ / ٤٠٧ ]
الفصل الأول ديانة العرب قبل دخول الوثنية
العرب - عدنانيهم وقحطانيهم - لهم اتصال مباشر بالكعبة المشرفة، بل يمكن أن يقال: بأنها مركز اتصالهم، وذلك نظرًا لما يتصل معها تاريخهم الحضاري والثقافي والديني؛ فإنهم أمة قديمة، فقد كانوا بعد الطوفان وعصر نوح ﵇ في عاد الأولى وثمود والعمالقة وطسم وجديس وأميم وجرهم وحضرموت، ومن ينتمي إليهم من العرب العاربة من أبناء سام بن نوح، وكانت الكعبة المشرفة لها اتصال وثيق بأخبارهم، وأسباب هلاكهم كما تحدثنا عنهم كتبالتاريخ.
ثم لما انقرضت تلك العصور وذهب أولئك الأمم وأبادهم الله بما شاء من قدرته، وصار هذا الجيل من آخرين ممن قرب نسبهم من حمير وكهلان وأعقابهم من التبابعة ومن إليهم من العرب الباقية من أبناء عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام، ثم لما تطاولت تلك العصور وتعاقبت وكان بنو فالغ بن شالخ بن أرفخشد بن سام أَعَالِمَ من بين ولده.
واختص الله تعالى بالنبوة منهم إبراهيم بن تارخ - وهو آزر بن ناحور بن ساروخ بن أرغو بن فالغ ـ، وكان من شأنه مع نمرود ما قصه القرآن ثم كان من هجرته إلى الحجاز ما هو مذكور، وتخلف ابنه إسماعيل مع أمه هاجر بالحجر قربانًا لله تعالى، ومرت بها رفقة من جرهم في تلك المفازة فخالطوها ونشأ إسماعيل بينهم، وربي في أحيائهم، وتعلم لغتهم العربية.
[ ١ / ٤٠٩ ]
ثم كان بناء البيت كما قصه القرآن، ثم بعثه الله تعالى إلى جرهم والعمالقة الذين كانوا بالحجاز، فآمن كثير منهم واتبعوه، ثم عظم نسله وكثر وصار أبًا لجيل آخر من ربيعة ومضر، ومن إليهم من أياد وعك وشعوب نزر وعدنان وسائر ولد إسماعيل، وهم العرب المستعربة التابعة للعرب.
فيفهم من هذا: أن إسماعيل ﵇ كما كان مرسلًا إلى أبنائه هكذا كان مرسلًا إلى العرب العاربة المتبقية، ومعنى ذلك: أن العرب كانت ديانتهم الأصلية هي ديانة إسماعيل ﵇، سواء أطاعوه أم كفروا به، فالعرب جميعهم كانوا أمة سيدنا إسماعيل بن إبراهيم عليهما وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم. وبهذا نصل إلى نتيجة حتمية هي:
أن العرب كانوا على دين إبراهيم ﵇، ومما يدل على ذلك أمور:
١ - تكاد تجمع كتب السيرة على أن العرب كانوا قبل أن تتسرب إليهم الوثنية على دين إبراهيم وإسماعيل، وظلوا على ذلك حتى زمن بعيد.
٢ - كما يدل على هذا القول بعض الآثار عن الصحابة، ومن أشهرها:
ما رواه البزار بسند صحيح عن أنس قال: كان الناس بعد إسماعيل ﵇ على الإسلام، فكان الشيطان يحدث الناس بالشيء يريد أن يردهم عن
[ ١ / ٤١٠ ]
الإسلام حتى أدخل عليهم في التلبية: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك. قال: فما زال حتى أخرجهم عن الإسلام إلى الشرك.
٣ - تكاد تجمع كتب التاريخ والسيرة على أن هناك رجلًا يسمى بعمرو بن لحي - أبو خزاعة الذي هيمن على الكعبة - هو الذي غير دين إبراهيم وإسماعيل بمكة، فلو لم يكن دين العرب قبله دين إبراهيم لا يمكن أن يغير كما هو ظاهر، وسيأتي مزيد من البيان في الفصل الثاني.
فهذه الأدلة كلها تدل على أن العرب كانوا على دين إبراهيم وإسماعيل قبل أن تدخل فيهم الوثنية.
[ ١ / ٤١١ ]
الفصل الثاني متى كان ظهور الشرك في العرب؟ وبيان سببه.
وتحته مبحثان:
المبحث الأول: في بيان شرك العرب في الجاهلية.
المبحث الثاني: أسباب الشرك قديمًا.
[ ١ / ٤١٣ ]
المبحث الأول في بيان شرك العرب في الجاهلية
وتحته مطالب:
المطلب الأول: من أول من روج الشرك في العرب؟ وبيان أحواله
هناك آراء لدى العلماء في بيان كيفية حدوث الشرك في العرب، وفي بيان أول من روج الشرك في العرب، سأبين فيما يلي جميع هذه الآراء، مع الأدلة والترجيح.
القول الأول: إن حدوث الشرك هو نتيجة تقديس أحجار الحرم وتعظيمها، وذلك حين ظعن آل إسماعيل من مكة بعد أن كثروا في ديارهم، ولا يخفى أن ذلك كان في ولاية جرهم أو في أواخر ولاية العماليق، كما يتضح لمن تصفح التاريخ.
ويدل لهذا القول ما يلي:
١ - قال ابن الكلبي في كتابه الأصنام: (إن إسماعيل بن إبراهيم ﷺ لما سكن مكة وولد له بها أولاد كثير حتى ملئوا مكة، ونفوا من كان بها من العماليق، ضاقت عليهم مكة، ووقعت بينهم الحروب والعداوات، وأخرج بعضهم بعضًا، فتفسحوا في البلاد لالتماس المعاش، وكان الذي سلخهم إلى عبادة الأوثان والحجارة: أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن إلا احتمل معه حجرًا من حجارة الحرم، تعظيمًا للحرم وصبابة بمكة، فحيثما حلوا، وضعوا وطافوا به كطوافهم بالكعبة، تيمنًا منهم بها وصبابة بالحرم وحبًا له، وهم بعد يعظمون
[ ١ / ٤١٥ ]
الكعبة ومكة، ويحجون ويعتمرون، على إرث إبراهيم وإسماعيل ﵇، ثم سلخ ذلك بهم إلى عبادة ما استحبوا، ونسوا ما كانوا عليه، واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل وغيره، فعبدوا الأوثان، وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم من قبلهم ).
فهذه الرواية تفيد: أن سبب عبادة العرب للأصنام هو تعظيمهم للحرم، وللبيت الحرام، فلما اضطرتهم ضرورة المعاش إلى النزوح عنه اتخذوا منه حجارة تذكرهم به، ويطوفون حولها، كما كانوا يطوفون حوله، ثم نسوا ذلك بعد أمد، واتخذوا هذه الأحجار آلهة يعبدونها من دون الله.
٢ - وقد روى ابن إسحاق رواية مماثلة فيها أيضًا بيان أول ما كانت عبادة الأحجار في بني إسماعيل؛ بأنه حين ضاقت عليهم مكة والتمسوا التفسح في البلاد حملوا معهم أحجارًا من أحجار الحرم تعظيمًا للحرم، فحيثما نزلوا وضعوه، فطافوا به كطوافهم بالكعبة، حتى سلخ ذلك بهم إلى أن كانوا يعبدون ما استحسنوا من الحجارة وأعجبهم، حتى خلفت الخلوف ونسوا ما كانوا عليه.
القول الثاني: إن ثمة رجل من العرب اسمه عمرو بن لحي، وكان كاهنًا، غلب على مكة وأخرج منها جرهمًا، ثم تولى سدانتها، وهو أول من دعا العرب إلى عبادة الأصنام.
وهذا القول تكاد تجمع كتب التاريخ والرواية والسيرة أيضًا بذكرها.
ولهذا القول أدلة، وهي كثيرة، منها:
ما جاء في الأحاديث النبوية الصريحة الصحيحة من نسبة إحداث الشرك
[ ١ / ٤١٦ ]
إلى هذا الرجل. من أبرز هذه الأحاديث:
١ - ما رواه عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: «إن أول من سيب السوائب وعبد الأصنام أبو خزاعة عمرو بن عامر، وإني رأيته يجر أمعاءه في النار»، والحديث صحيح لغيره، مع أن السند ضعيف لضعف عمرو بن مجمع السكوني، ولين إبراهيم الهجري، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد، وقال: رواه أحمد وفيه إبراهيم الهجري، وهو ضعيف، ولم يذكر ضعف عمرو بن مجمع السكوني. وللحديث - عدا قوله: «وعبد الأصنام» - شاهد من حديث أبي هريرة ﵁ عند أحمد والبخاري ومسلم بلفظ: «رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار، وكان أول من سيب السوائب».
وهناك شاهد آخر أيضًا عند البخاري من حديث عائشة ﵂.
أما قوله: «عبد الأصنام» فله شواهد - كما سيأتي ـ.
٢ - ما رواه ابن إسحاق في السيرة الكبرى فيما ذكره الحافظ في الفتح، قال: أورده ابن إسحاق عن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي صالح - (يعني عن
[ ١ / ٤١٧ ]
أبي هريرة) - أتم من هذا، ولفظه: سمعت رسول الله ﷺ يقول لأكثم بن الجون: «رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار، لأنه أول من غير دين إسماعيل، فنصب الأوثان، وسيب السائبة، وبحر البحيرة، ووصل الوصيلة، وحمى الحامي» هكذا رواه الحافظ ابن حجر عن السيرة الكبرى لابن إسحاق، وهو يختلف اختلافًا يسيرًا عما هو في السيرة لابن هشام، وابن كثير، وعبارتهما كالتالي:
(قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي أن أبا صالح السمان حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله يقول لأكثم بن الجون الخزاعي: «يا أكثم! رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار، فما رأيت رجلًا أشبه برجل منك به ولا بك منه»، فقال أكثم: عسى أن يضرني شبهه يا رسول الله؟ قال: «لا، إنك مؤمن وهو كافر، إنه كان أول من غير دين إسماعيل؛ فنصب الأوثان وبحر البحيرة وسيب السائبة، ووصل الوصيلة وحمى الحامي».
وتابع أبو إسحاق السبيعي ابن إسحاق عند ابن جرير الطبري في هذه الرواية، ثم قال الحافظ: ووقع لنا بعلو في المعرفة، وعند ابن مردويه من طريق سهيل بن أبي صالح ونحوه.
[ ١ / ٤١٨ ]
٣ - ما رواه ابن جرير بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «عرضت على النار، فرأيت فيها عمرو بن فلان بن فلان بن فلان بن خندف يجر قصبه في النار، وهو أول من غير دين إبراهيم وسيب السائبة، وأشبه من رأيت به أكثم بن الجون » الحديث، ورواه الحاكم في المستدرك أيضًا بهذا السند - أعني من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ وفيه «وهو أول من سيب السوائب وغير عهد إبراهيم ﷺ، أشبه من رأيت به أكثم بن أبي الجون »، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وقال الذهبي: صحيح على شرط مسلم، والحديث حسن بهذا السند.
٤ - وأخرج الحاكم من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل عن الطفيل بن أبي بن كعب عن أبيه مرفوعًا به نحوه، في حديث فيه: «ورأيت فيها عمرو بن لحي يجر قصبه في النار، أشبه من رأيت به معبد بن أكثم الخزاعي»، فقال معبد: يا رسول الله، أتخشى عليّ من شبهه، فإنه والدي؟ فقال: «لا، أنت مؤمن وهو كافر، وهو أول من حمل العرب على عبادة الأصنام».
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
ولكن الحديث حسن، فإن عبد الله بن محمد بن عقيل مختلف فيه، وهو حسن الحديث إن شاء الله.
٥ - وأخرج الطبراني في الكبير والأوسط عن بن أبي ذئب عن صالح مولى التوأمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «أول من غير دين إبراهيم
[ ١ / ٤١٩ ]
عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف أبو خزاعة».
قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه صالح مولى التوأمة، وضعف بسبب اختلاطه، وابن أبي ذئب سمع منه قبل الاختلاط، وهذا من رواية ابن أبي ذئب عنه.
فهذا الإسناد حسن على الأقل كما هو ظاهر.
٦ - وروى الحافظ ابن جرير الطبري في تفسيره عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله ﷺ: «إني لأعرف أول من سيب السوائب، وأول من غير عهد إبراهيم»، قالوا: من هو يا رسول الله؟ قال: «عمرو بن لحي أخو بني كعب، لقد رأيته يجر قصبه في النار يؤذي ريحه أهل النار» الحديث.
والحديث هذا من طريق عبد الرازق عن معمر عن زيد بن أسلم، وهو مرسل.
٧ - وروى الفاكهي من طريق عكرمة مرسلًا، مثل حديث ابن عباس السابق، وفيه: (فقال المقداد: يا رسول الله! من عمرو بن لحي؟ قال: «أبو هؤلاء الحي من خزاعة»).
٨ - أخرج ابن المنذر عن أبي سعيد الخدري قال: (صلى بنا رسول الله ﷺ - إلى أن قال - «ورأيت فيها عمرو بن لحي يجر قصبه في النار، وهو الذي
[ ١ / ٤٢٠ ]
سيب السوائب وبحر البحيرة، ونصب الأوثان وغير دين إسماعيل » الحديث.
المقصود: أن هذه الروايات كلها تدل على أن عمرو بن لحي - لعنه الله - كان قد ابتدع لهم أشياء في الدين غيّر بها دين الخليل فاتبعه العرب في ذلك، فضلوا بذلك ضلالًا بعيدًا، بينًا، فظيعًا شنيعًا، هذا من ناحية الروايات الحديثية.
ثم إن هذا القول الذي ثبت بالحديث الصحيح هو الذي ذكره كثير من المفسرين والمحدثين والمؤرخين، وهو قول ابن إسحاق، وابن الكلبي، وابن هشام، والإمام الطبري، والمسعودي، والسهيلي، والعسكري، والشهرستاني، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والحافظ ابن كثير، والسيوطي، والصالحي، والشيخ
[ ١ / ٤٢١ ]
الإمام محمد بن عبد الوهاب، والآلوسي، وغيرهم.
كما يدل عليه بعض أشعار العرب، فمن ذلك:
١ - ما أنشده شاعر جرهمي كان يتمسك بدين الحنيفية:
يا عمر ولا تظلم بمـ كة إنك بلد حرام
سائل بعاد أين هم وكذلك تخترم الأنام
٢ - ما أنشده أيضًا بعض الجراهمة لما أسرف عمرو بن لحي في نصب الأصنام حول الكعبة، وأجبر العرب على عبادتها، مما هدد دين الحنيفية:
يا عمرو إنك أحدثت آلهة شتى بمكة حول البيت أنصابًا
وكان للبيت رب واحد أبدًا فقد جعلت له في الناس أربابًا
لتعرفن بأن الله في مهل سيصطفي دونكم للبيت حجابًا
ومما يؤيد هذه الرواية ما جاء في الآثار الباقية: من أن العرب كانت تؤرخ ببناء إبراهيم للبيت، وظلوا كذلك حتى تفرقوا وخرجوا من تهامة، حتى طال الأمد، فأرخوا بعام رئاسة عمرو بن ربيعة المعروف بعمرو بن لحي (وهو الذي يقال له إنه بدل دين إبراهيم وحمل معه من مدينة البلقاء صنم هبل، وعمل إسافًا ونائلة زمن سابور ذي الأكتاف).
وبهذا ثبت لنا: إن أول من غير دين إسماعيل وإبراهيم في العرب هو عمرو بن لحي بن ربيعة، أبو خزاعة.
[ ١ / ٤٢٢ ]
ويمكن الجمع بين هذا القول والذي سبق بما يأتي:
١ - إن خروج بني إسماعيل من أرض الحرم كان في ولاية جرهم، وكانت ولاية خزاعة بعدها مباشرة، فيكون خروج بني إسماعيل قبل ولاية خزاعة، وأما حمل الحجارة من الحرم تبركًا بها، والطواف بها، والذبح والنذر لها، وعبادتها، فلعلها لم تكن إلا في زمن متأخر جدًا، فيكون بعد ولاية عمرو بن لحي الخزاعي. والله أعلم.
٢ - أو إن عبادة الأحجار لم تكن صفة عامة في بني إسماعيل، قبل عبادة الأصنام بمكة، بل كانت أشياء فردية، ولكن عبادة الأصنام التي بدأت من ولاية عمرو بن لحي كانت بصفة عامة، فنسب بداية الأصنام إليه.
٣ - أو لما كان عمرو بن لحي عنده سلطة تنفيذ أمر ما لكونه ملك مكة في هذا الوقت، كان إفساده وتبديله لدين الله أكثر من إفساد حمل الحجارة من الحرم، صبابة بالحرم وتعلقًا به، والله أعلم.
وأما ما قيل من أن عدنان جد العرب هو أول من دعا العرب إلى عبادة الأصنام، فلا أظنه صحيحًا.
جملة ماذ كره المؤرخون من شأن عمرو بن لحي الخزاعي:
قال السهيلي: (وكان عمرو بن لحي حين غلبت خزاعة على البيت، ونفت جرهم عن مكة، قد جعلته العرب ربًا، ما يبتدع لهم بدعة إلا اتخذوها شرعة).
[ ١ / ٤٢٣ ]
ونحن نرى في تاريخ مكة أيضًا الكثير من أخبار هذا الرجل الذي يكاد يشبه الأسطورة، والذي استطاع أن يغير على مفاهيم ومعتقدات أقوام، فيقلبها رأسًا على عقب، جاعلًا منهم أمة وثنية بعد ما كانوا موحدين على ملة إبراهيم ﷺ، وهم يذكرون أنه كان رجلًا من ألمع رجالات العرب في الجاهلية وأشهرها على الإطلاق، وينسبون إليه الكثير من علائم ومظاهر الرفعة والسؤدد والفخار، فمما يذكرون من شأنه ما يلي:
١ - إنه كان ذا مال جزيل جدًا؛ فقأ أعين عشرين بعيرًا، ذلك عبارة عن أنه ملك عشرين ألف بعير، وكان من عادة العرب؛ أن من ملك ألف بعير فقأ عين واحد منها؛ لأنه يدفع بذلك العين عنها - على زعمهم الكاذب ـ.
٢ - (أنه قسم بين العرب في حطمة حطموها - عشرة آلاف ناقة).
٣ - كما يروى عنه: أنه أول من أطعم الحجاج بمكة (سدايف الإبل ولحمانها بالثريد).
٤ - قال السهيلي: (أنه ربما ذبح أيام الحجيج عشرة آلاف بدنة، وكسى عشرة آلاف حلة حتى ليقال: إنه اللات الذي: يلت السويق للحجيج على صخرة معروفة تسمى صخر اللات).
٥ - ثم إنهم ليبالغون فيقولون: إنه كسا ذات عام من الأعوام جميع حجاج البيت الحرام، كل واحد بثلاثة برود يمانية.
[ ١ / ٤٢٤ ]
٦ - إنه كان يطعم العرب في كل سنة ويحيس لهم الحيس بالسمن والعسل ويلت لهم السويق.
٧ - أنه هو الذي بحر البحيرة، ووصل الوصيلة، وحمى الحامي، وسيب السائبة.
٨ - أنه هو الذي غير تلبية إبراهيم في الحج، قال السهيلي: (بينما هو - عمرو بن لحي - يلبي تمثل له الشيطان في صورة شيخ يلبي معه، فقال عمرو: لبيك لا شريك لك، فقال الشيخ: إلا شريكًا هو لك، فأنكر ذلك عمرو، وقال: ما هذا؟ فقال الشيخ: قل: تملكه وما ملك، فإنه لا بأس بهذا، فقالها عمرو فدانت بها العرب).
٩ - إنه أول من غير دين إسماعيل ﵇ الحنيف بعبادة الأصنام،
[ ١ / ٤٢٥ ]
وأدخل الأصنام في الحرم. وذلك كما يروى: أنه لما رأى عمرو بن لحي أنه استطاع أن يغلب على الجراهمة، وبالتالي على مكة، وما جاورها من الأقوام أراد أن يدعم سلطته ونفوذه بأن يبتدع عقيدة جديدة، تحل محل الدين القويم وقد رأى تساهل قومه فيه، بعد تقادم الزمن ومرور السنوات العديدة، وكان عمرو كثيرًا ما رحل إلى الدول المجاورة في الشام والعراق، واطلع على أحوالها، وشاهد عقائدها الوثنية، ورأى فيها وسيلة لإيجاد سند دنيوي مادي يعتمد عليه في تدعيم نفوذه السياسي، والسبب في ذلك كما قال العسكري: (إن الملك يحتاج إلى الدين كحاجة المال والرجال؛ لأن الملك لا يثبت إلا بالبيعة، والبيعة لا تكون إلا بالأيمان، والأيمان لا يكون إلا لأهل الأديان، إذ لا يصح أن يحلف الرجل إلا بدينه ومعبوده، ومن لا يعتقد دينًا لا يوثق بيمينه ).
فلذا تخلى عن الحنيفية، دين إسماعيل وإبراهيم، لأنه رأى أنه لا يستطيع أن يسيطير عليهم سيطرة كاملة، بل تكون السيطرة في الحنيفية لله فقط، فأقام الأوثان عند الكعبة وجملة الأصنام التي حملها إلى مكة ما يلي:
أ- أول هذه الأصنام على الإطلاق: هبل، قال ابن هشام: (حدثني بعض أهل العلم: أن عمرو بن لحي خرج من مكة إلى الشام في بعض أموره، فلما قدم مآب من أرض البلقاء، وبها يومئذ العماليق رآهم يعبدون
[ ١ / ٤٢٦ ]
الأصنام؛ فقال لهم: ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون؟ قالوا له: هذه أصنام نعبدها، فنستمطرها فتمطرنا، ونستنصرها فتنصرنا، فقال لهم: أفلا تعطوني منها صنمًا، فأسير به إلى أرض العرب، فيعبدوه؟ فأعطوه صنمًا يقال له: هبل، فقدم به مكة، فنصبه، وأمر الناس بعبادته وتعظيمه).
وقال السهيلي: (وأما هبل: فإن عمرو بن لحي جاء به من هيت، وهي أرض الجزيرة حتى وضعه في الكعبة ). وأيًا كان مصدره؛ فقد ثبت أن الذي حمله إلى العرب هو عمرو بن لحي.
ولما جاء به عمرو بن لحي نصبه في جوف الكعبة، واتخذته قريش صنمًا يعبدونه، قال ابن الكلبي والآلوسي: (وكانت لقريش أصنام في جوف الكعبة وحولها وكان أعظمها (هبل) عندهم، وكان فيما بلغني من عقيق أحمر على صورة الإنسان، مكسور اليد اليمنى، أدركته قريش كذلك فجعلوا له يدًا من الذهب، وكان أول من نصبه خزيمة بن مدركة، وكان يقال لها هبل خزيمة). وكانوا يستقسمون لديه في أمورهم كما ذكره المؤرخون.
ب- أن عمرو بن لحي هو الذي سن لهم عبادة إساف ونائلة. قال ابن إسحاق: (واتخذوا إسافًا ونائلة على موضع زمزم ينحرون عندهما، وكان
[ ١ / ٤٢٧ ]
إساف ونائلة رجلًا وامرأة من جرهم فوقع إساف على نائلة في الكعبة فمسخهما الله حجرين).
ثم روى ابن إسحاق بسنده المتصل الصحيح عن عائشة ﵂ أنها قالت: ما زلنا نسمع أن إسافًا ونائلة كانا رجلًا وامرأة من جرهم، أحدثا في الكعبة، فمسخهما الله تعالى حجرين، والله أعلم).
وقال السهيلي: (عن بعض السلف: ما أمهلهما الله إلى أن يفجرا فيها، ولكنه قبَّلها فمُسخا حجرين، فأُخرجا إلى الصفا والمروة، فنُصبا عليهما، ليكونا عبرة وموعظة، فلما كان عمرو بن لحي نقلهما إلى الكعبة، ونصبهما على زمزم، فطاف الناس بالكعبة وبهما، حتى عبدا من دون الله).
وأما إزالتهما: فقال السهيلي: (ذكر الواقدي: أن نائلة حين كسرها النبي ﷺ عام الفتح خرجت منها سوداء شمطاء تخمش وجهها، وتنادي بالويل والثبور).
ج- أنه هو الذين سَنَّ لهم عبادة اللات؛ وقد روي فيه عدة روايات، منها:
ما قال السهيلي: (بأنه - عمرو بن لحي - هو اللات الذي يلت السويق للحجيج على صخرة معروفة تسمى صخر اللات).
ومنها ما قيل: (إن الذي يلت كان من ثقيف، فلما مات قال لهم عمرو: إنه لم يمت، ولكنه دخل في الصخرة، ثم أمرهم بعبادتها، وأن يبنوا عليه بيتًا،
[ ١ / ٤٢٨ ]
يسمى: اللات فلما هلك سميت تلك الصخرة: اللات: مخففة التاء، واتخذ صنمًا يعبد ).
وقال ابن الكلبي ونقله الإمام ابن القيم: (ثم اتخذوا اللات بالطائف، وهي أحدث من مناة، وكانت صخرة مربعة، وكان سدنتها من ثقيف، وكانوا قد بنوا عليها، وكانت قريش وجميع العرب تعظمها، وبها كانت العرب تسمي زيد اللات وتيم اللات، وكانت في موضع منارة مسجد الطائف اليسرى اليوم، فلم تزل كذلك حتى أسلمت ثقيف، فبعث رسول الله ﷺ المغيرة بن شعبة فهدمها، وحرقها بالنار).
والمقصود: أن عمرو بن لحي هو الذي أمرهم بعبادة اللات - كما سبق بيانه ـ، وقد أزيل - بحمد الله - على يد الصحابي الجليل المغيرة بن شعبة ﵁.
د- أن عمرو بن لحي هو الذي نصب (مناة) الطاغية أول مرة.
فقد جاء في أخبار مكة لأبي الوليد الأزرقي بسند حسن إلى ابن إسحاق قال: (إن عمرو بن لحي نصب (مناة على ساحل البحر مما يلي قديدًا، وهي
[ ١ / ٤٢٩ ]
التي كانت للأزد وغسان يحجونها ويعظمونها، فإذا طافوا بالبيت وأفاضوا من عرفات وفرغوا من منى لم يحلقوا إلا عند مناة، وكانوا يهلون لها، ومن أهلّ لها لم يطف بين الصفا والمروة لمكان الصنمين اللذين عليهما: نهيك مجاود الريح، ومطعم الطير، فكان هذا الحي من الأنصار يهلون بمناة وكانت مناة للأوس والخزرج وغسان من الأزد ومن دان بدينهم من أهل يثرب وأهل الشام، وكانت على ساحل البحر من ناحية المشلل بقديد).
وبعث رسول الله ﷺ سعيد بن عبيد الأشهلي إلى مناة بالمشلل فهدمها.
هـ - إن عمرو بن لحي هو أول من دعا إلى عبادة العزى، قال الأزرقي: (وكانت العزى ثلاث شجرات سمرات بنخلة، وكان أول من دعا إلى عبادتها عمرو بن ربيعة والحارث بن كعب، وقال لهم عمرو: إن ربكم يتصيف
[ ١ / ٤٣٠ ]
باللات لبرد الطائف ويشتو بالعزى لحر تهامة، وكان في كل واحدة شيطان يعبد، فلما بعث الله محمدًا ﷺ بعث بعد الفتح خالد بن الوليد إلى العزى ليقطعها فقطعها )، وذكر قصة طويلة في هذا، وهذه الرواية رواها الأزرقي من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، ومعلوم أنه أوهى الطرق عن ابن عباس.
ولكن الأزرقي نفسه روى رواية أخرى عن ابن إسحاق بسند حسن فيه: (أن عمرو بن لحي اتخذ العزى بنخلة، فكانوا إذا فرغوا من حجهم وطوافهم بالكعبة لم يحلوا حتى يأتوا العزى، فيطوفون بها ويحلون عندها، ويعكفون عندها يومًا، وكانت لخزاعة، وكانت قريش وبنو كنانة كلها يعظم العزى مع خزاعة وجميع مضر ).
و- إن عمرو بن لحي هو أول من نصب الأصنام على الصفا والمروة.
قال أبو الوليد الأزرقي ومحمد بن إسحاق الفاكهي - واللفظ للثاني ـ: عن ابن إسحاق بسند حسن أنه قال: (إن عمرو بن لحي نصب على الصفا صنمًا يقال له: نهيك مجاود الريح، ونصب على المروة صنمًا يقال له: مطعم الطير).
ز- إن عمرو بن لحي هو الذي نصب (الخلصة) بأسفل مكة، فكانوا
[ ١ / ٤٣١ ]
يلبسونها القلايد، ويهدون إليها الشعير، والحنطة، ويصبون عليها اللبن، ويذبحون لها، ويعلقون عليها بيض النعام ). وذكر ابن الكلبي والآلوسي وياقوت الحموي موضع هذا الصنم بتبالة، وزاد السهيلي وياقوت: بأنه في العبلات أو العبلاء.
ح- إن مما استحدثه عمرو بن لحي من الأصنام بمكة ومنى: ما رواه الفاكهي والأزرقي في أخبار مكة - واللفظ للثاني - بإسناد حسن عن ابن إسحاق قال: (إن عمرو بن لحي نصب بمنى سبعة أصنام، نصب صنمًا على (القرين) الذي بين مسجد منى والجمرة الأولى على بعض الطريق، ونصب على الجمرة الأولى صنمًا، وعلى (المدعى) صنمًا، وعلى الجمرة الوسطى صنمًا، ونصب على شفير الوادي صنمًا، وفوق الجمرة العظمى صنمًا، وعلى الجمرة العظمى صنمًا، وقسم عليهن حصى الجمرات إحدى وعشرين حصاة يرمي كل وثن بثلاث حصيات، ويقال للوثن حين يرمى: أنت أكبر من فلان - الصنم الذي يرمى قبله ـ).
ط- إن عمرو بن لحي هو الذي وزع أصنام قوم نوح على قبائل العرب والدليل عليه ما ذكره المؤرخون: فمن ذلك قولهم:
[ ١ / ٤٣٢ ]
١ - أن عمرو بن لحي أتى شاطئ جدة، واستثار منها عدة أصنام حتى حملها حتى ورد تهامة، وحضر الحج، فدعا العرب إلى عبادتها قاطبة.
قال ابن الكلبي - بعد أن أورد قصة إخراجه لهذه الأصنام من شاطئ جدة - قال: (فأجابه عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور ابن قضاعة، فدفع إليه ودًا، فحمله إلى وادي القرى فأقره بدومة الجندل، وسمى ابنه عبد ود، فهو أول من سمى به وجعل عوف ابنه عامرًا الذي يقال له: عامر الأجدار سادنًا له، فلم تزل بنوة يسدنونه حتى جاء الله بالإسلام ثم كسره خالد بن الوليد، فجعله جذاذًا، وكان رسول الله ﷺ بعث خالدًا من غزوة تبوك لهدمه، فحالت بينه وبين هدمه بنو عبد ود، وبنو عامر الأجدار، فقاتلهم حتى قتلهم، فهدمه وكسره ﵁، وكان تمثال رجل كأعظم ما يكون من الرجال، قد ذر عليه حلتان، متزر بحلة، مرتد أخرى، عليه سيف قد تقلده، وقد تنكب قوسًا، وبين يديه حربة فيها لواء، ووفضة فيها نبل).
ثم قال: (وأجابت عمرو بن لحي مضر بن نزار، فدفع إلى رجل من هذيل - يقال له: الحارث بن تميم سعد بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر - سواعًا.
[ ١ / ٤٣٣ ]
فكان بأرض يقال لها: رهاط من بطن نخلة، يعبده من يليه من مضر، فبعث رسول الله ﷺ عمرو بن العاص لهدمه، فهدمه.
وأجابته مَذْحجُ، فدفع إلى أنعم بن عمرو المرادي يغوث، وكان بأكمة باليمن يقال لها مذحج، تعبده مذحج - أي قبيلة مذحج، وهم طيء وبنو مالك - ومن والاها.
وأجابته همدان، فدفع إلى مالك بن مرثد بن جشم : يعوق، فكان بقرية يقال لها خَيْوان، تعبده همدان ومن والاها من أرض اليمن.
[ ١ / ٤٣٤ ]
وأجابته حمير: فدفع إلى رجل من ذي رُعين يقال له: معديكرب: نسرًا، فكان بموضع من أرض سبأ يقال له: بَلخَع، تعبده حمير ومن والاها، فلم يزل يعبدونه حتى هودهم ذو نواس.
فلم تزل هذه الأصنام تعبد حتى بعث الله النبي ﷺ فأمر بهدمها).
٢ - قال ابن القيم - بعد أن ساق توزيع عمرو بن لحي الأصنام على قبائل العرب ـ: (قلت: هذا شرح ما ذكره البخاري في صحيحه عن ابن عباس قال: صارت الأوثان التي كان قوم نوح في العرب تعبد، أما ود فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد، ثم لبني عُطيف بالجرف عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع ).
٣ - قال الحافظ ابن حجر في شرح هذا الأثر: ( إن تلك الأسماء رفعت إلى الهند فسموا بها أصنامهم، ثم أدخلها إلى أرض العرب عمرو بن لحي ).
فثبت بهذه الروايات كلها: أن عمرو بن لحي - لعنه الله - هو الذي جاء بالأصنام إلى أرض العرب، ووزعها بين القبائل، فهو حامل لواء الكفار والمشركين إلى جهنم؛ لأنه أول من سن لهم عبادة الأصنام في أرض العرب،
[ ١ / ٤٣٥ ]
كما جاء ذلك في أحاديث، وقد سلف ذكرها.
وأما الحامل لهذا اللعين على الشرك بالله؛ فالذي يذكره المؤرخون هنا سببان:
١ - أنه مرض مرضًا شديدًا، فقيل له: إن بالبلقاء من الشام حمة إن أتيتها برأت، فأتاها فاستحم بها فبرأ، ووجد أهلها يعبدون الأصنام فقال: ما هذه؟ فقالوا: نستسقي بها المطر ونستنصر بها على العدو، فسألهم أن يعطوه منها ففعلوا، فقدم بها مكة ونصبها حول الكعبة.
٢ - قيل: إن عمرو بن لحي كان له رئي من الجن، يكنى أبا ثمامة، فأتاه فقال: أجب أبا ثمامة، وادخل بلا ملامة، ثم ائت جدة، تجد بها أصنامًا معدة، ثم أوردها تهامة، ولا تهب، ثم ادع العرب إلى عبادتها تجب. فأتى عمرو ساحل جدة فوجد بها ودًا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا، فاستثارها من تحت الأرض وخرج بها إلى تهامة، وحضر الموسم فدعا إلى عبادتها فأجيب.
وسواء صحت هذه الرواية أم تلك في الحامل لهذا اللعين على ترويج الشرك في العرب، فقد انتشرت فيهم عبادة الأصنام، حتى لم يبق حي ولا قبيلة في العرب إلا ولها صنم تعبده وجاء الإسلام والأصنام تملأ جوف الكعبة وتحيط بها، وكانت كل قبيلة من العرب تحج كل عام إلى صنمها؛ تذبح له، وتطوف به، وتستشيره في مهامها.
[ ١ / ٤٣٦ ]
المطلب الثاني: في بيان طبيعة الشرك لدى العرب في الجاهلية
يبدو لمن تصفح تاريخ العرب في الجاهلية، أن الشرك فيهم كان على أشكال عدة؛ فإننا إذا تعدينا الحنفاء منهم ونظرنا إلى المشركين نجدهم على أنواع وألوان من الشرك، فبعضهم كانوا مشركين بالله في الربوبية، وبعضهم كانوا يشركون في الألوهية.
قال الشهرستاني: (اعلم أن العرب أصناف شتى؛ فمنهم معطلة، ومنهم محصلة نوع تحصيل، فمعطلة العرب؛ وهي أصناف، فصنف منهم: أنكروا الخالف والبعث والإعادة، وقالوا بالطبع المحيي والدهر المفني وصنف منهم أقروا بالخالق وابتداء الخلق ونوع من الإعادة، وأنكروا الرسل، وعبدوا الأصنام، وزعموا أنهم شفعاؤهم عند الله في الآخرة، وحجوا إليها ونحروا لها الهدايا وقربوا القرابين، وتقربوا إليها بالمناسك والمشاعر، وحللوا وحرموا، وهم الدهماء من العرب.
ومن العرب من يعتقد التناسخ، فيقول: إذا مات الإنسان أو قتل اجتمع دم الدماغ وأجزاء بنيته فانتصب طيرًا هامة، فيرجع إلى رأس القبر كل مائة سنة ومن العرب من كان يميل إلى اليهودية، ومنهم من كان يميل إلى النصرانية ومنهم من يصبو إلى الصابئة، ويعتقد في الأنواء اعتقاد المنجمين في السيارات ومنهم من يصبو إلى الملائكة، فيعبدهم، بل كانوا عبدوا الجن، ويعتقدون فيهم أنهم بنات الله).
[ ١ / ٤٣٧ ]
وجمع بعض العرب بين عبادة الله ﷿ وعبادة الأوثان في وقت واحد، وآمنوا بأن المولى ﷾ أعظم من أوثانهم، فقال شاعرهم:
وباللات والعزى ومن دان دينها وبالله إن الله منهن أكبر
والمقصود: أن العرب كانوا في شركهم على أصناف شتى، ويمكن تصنيف هؤلاء على صنفين:
الصنف الأول: المشركون في الربوبية.
الصنف الثاني: المشركون في الألوهية أو العبادة، وفيما يلي بيان هذين الصنفين:
الفرع الأول: في بيان شرك الربوبية لدى العرب:
سبق معنا في الباب الأول بيان المقصود بالشرك في الربوبية بأنه إذا كان المقصود منه إثبات صانعين متماثلين من كل الوجوه، فهذا لم يوجد في بني آدم قط. بل الفطرة مفورة بإقرار وإثبات رب واحد، وإنما المقصود من الشرك في الربوبية: الشرك في بعض خصائص الربوبية، ثم إن قولنا عن المشركين بأنهم يعترفون بتوحيد الربوبية: ليس المراد به أنهم اعترفوا بهذا القسم من التوحيد على التمام والكمال، فهذا لا يقول به أحد من أهل العلم، وإنما مرادهم تقرير ما ثبت في القرآن عن المشركين من اعترافهم بالخالق الرازق المدبر لشئون الخلق، فهذه من صفات الربوبية وخصائصها، وقد آمن واعترف به المشركون، ثم هذا أيضًا ليس حكمًا مطردًا على جميع المشركين،
[ ١ / ٤٣٨ ]
إذ منهم من وُجد عنده حتى الشرك في الربوبية، ومنهم من آمن ببعض خصائص الربوبية دون بعض.
وعلى هذا تحمل النصوص السابقة المنقولة عن أصحاب الأخبار وأهل الملل والنحل بأن بعض العرب وقع في الشرك في الربوبية أيضًا، وهو واضح في بعض الآيات القرآنية في سياق الرد عليهم.
ولكن ليس هذا هو الصفة الغالبة لديهم، بل كان غالب شركهم في العبادة، كما سيتضح ذلك فيما يلي بمشيئة الله.
ولكن لما كان هناك من العرب من وقع في الشرك في الربوبية سأذكرهم على النحو التالي:
المشركون في الربوبية على صنفين:
الصنف الأول: المعطلون: وهم على ثلاث فرق.
أ- تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه: وهو إنكار الربوبية مطلقًا، مع ما يترتب عليه جملة وتفصيلًا، ويدخل تحت هذا من مشركي العرب:
الدهرية: حيث قالوا - ما حكاه الله عنهم ـ: (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ).
قال الشهرستاني: (فمعطلة العرب، وهي أصناف: صنف منهم أنكروا الخالق والبعث والإعادة وقالوا بالطبع المحيي والدهر المفني، وهم الذين
[ ١ / ٤٣٩ ]
أخبر الله عنهم في القرآن المجيد (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا)؛ إشارة إلى الطبائع المحسوسة في العالم السفلي وقصر الحياة والموت على تركبها وتحللها، فالجامع هو الطبع والمهلك هو الدهر، (وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ)، فاستدل عليهم بضروريات فكرية وآيات قرآنية فطرية في كم آية وكم سورة فقال: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ)، (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، وقال: (أَوَ لَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللهُ)، وقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ)، وقال: (قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ).
فأثبت الدلالة الضرورية من الخلق على الخالق وابتداء الخلق والإبداع ).
فهؤلاء الدهريون والقائلون بالطبيعة في العصر الحديث هم طائفة واحدة في الحقيقة، وقد رد عليهم العلماء في كتبهم مفصلًا.
ب- تعطيل معاملة الصانع عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد، ولم يوجد في عرب الجاهلية من يعتقد أن الحق المنزه هو عين الخلق المشبه، حسب ما وصل إلينا من المصادر الموثوقة. اللهم إلا ما نقل البغدادي: بأن (منهم: الذين عبدوا كل ما استحسنوا من الصور على مذهب الحلولية في
[ ١ / ٤٤٠ ]
دعواها حلول روح الإله بزعمهم في الصور الحسنة).
ج- تعطيل الصانع سبحانه عن كماله المقدس بتعطيل أسمائه وأوصافه وأفعاله، وقد كان العرب في الجاهلية وقعوا في هذا التعطيل.
ففي الأسماء مثلًا: اتخذوا أسماء الأصنام مشتقة من أسماء الله جل شأنه، وهذا إلحاد في أسماء الله جل شأنه وصفاته، والإلحاد شرك إذا كان بهذه الصفة.
فمما كان في العرب في الجاهلية من هذا النوع من الإلحاد: اتخاذ أسماء الأصنام من أسماء الله - جل وعلا ـ؛ كتسميتهم اللات من الإله، والعزى من العزيز، والمناة من المنان، وغيرها. قال تعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى).
قال ابن عباس: سموا اللات من الإله، والعزى من العزيز.
وقال ابن جرير: (وأولى القراءتين بالصواب عندنا في ذلك قراءة من قرأه بتخفيف التاء، على المعنى الذي وصفت لقارئه، كذلك لإجماع الحجة في قراء الأمصار عليه). وقال: (اللات هي من الله، ألحقت فيه التاء فأنثت كما قيل عمرو للذكر، وللأنثى عمرة، وكما قيل للذكر عباس ثم قيل للأنثى عباسة، فكذلك سمى المشركون أوثانهم بأسماء الله تعالى ذكره وتقدست
[ ١ / ٤٤١ ]
أسماؤه، فقالوا: من الله اللات، ومن العزيز العزى).
قال ابن القيم: (والإلحاد في أسماء الله أنواع: أحدها: أن يسمى الأصنام بها، كتسميتهم اللات من الإله، والعزى من العزيز، وتسميتهم الصنم إلهًا، وهذا إلحاد حقيقة، فإنهم عدلوا عن أسمائه إلى أوثانهم وآلهتهم الباطلة ).
وأما المناة: (فأصل اشتقاقه من اسم الله المنان).
كما أن هناك من العرب من كان ينكر اسم الرحمن (عنادًا وتكبرًا، مع العلم بأنه من أسماء الله جل وعلا)، وقد ذكر الله ﷿ هذا الإنكار فقال: (وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ)، وقال: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا).
قال الحافظ ابن كثير: (أي لا نعرف الرحمن، وكان ينكرون أن يسمى الله باسمه الرحمن، كما أنكروا ذلك يوم الحديبية ).
وقال تعالى: (قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا). قال الحافظ ابن كثير ﵀: (يقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين المنكرين صفة
[ ١ / ٤٤٢ ]
الرحمة لله ﷿ ).
ومن العرب من كان يعطل صفة العلم لله بكل شيء، ودليله قوله تعالى: (وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ).
والمقصود: أن هذا إلحاد وشرك. قال ابن القيم:
وحقيقة الإلحاد فيها الميل بالـ إشرك والتعطيل والنكران
وهذا الإلحاد والشرك كان موجودًا لدى العرب في جاهليتهم.
وأما في الأفعال: فقد كان العرب في جاهليتهم وقعوا في هذا التعطيل، والذي يمثل ذلك ما يلي:
١ - إنكارهم إرسال الرسل: فإنهم استبعدوا أن يأتيهم منذر من الله، وهم بهذا عطلوا أفعال الله ﷿ وحكمته في خلقه. قال تعالى: (وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ)، وقال: (بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ)، وقال: (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا)، وقال تعالى
[ ١ / ٤٤٣ ]
حكاية عن قولهم: (أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ)، وقال تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ)، وقال تعالى حكاية عنهم: (هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ)، وقال تعالى حكاية عنهم: (إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ)، وقال: (مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ)، وقال: (مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ)، وقال: (قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ)، وقال: (وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ)، وقال حكاية عنهم: (أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ)، وغيرها من الآيات.
والمقصود: أن الذين أنكروا الرسل هم عطلوا أفعال الله ﷿ وحكمته في خلقه.
قال الشهرستاني: (وأما الشبهة الثالثة فكان إنكارُهم لبعث الرسول ﷺ في الصورة البشرية أشد، وإصرارهم على ذلك أبلغ ).
[ ١ / ٤٤٤ ]
٢ - إنكارهم القدر: والمعروف أنهم هم القدرية من المشركين والقدرية على ثلاثة أصناف:
أولًا: المجوسية: وهم الذين كذَّبوا بقدر الله وإن آمنوا بأمره ونهيه، فغلاتهم أنكروا العلم والكتاب، ومقتصدوهم أنكروا عموم مشيئته وخلقه وقدرته وهذا الصنف لم يكن لهم وجود في العرب في الجاهلية.
ثانيًا: القدرية الإبليسية: الذين أقروا بالقضاء والقدر كما أقروا بالأمر والنهي، ولكن جعلوا هذا متناقضًا من الرب ﷾، وطعنوا في حكمته وعدله، كما يُذكر ذلك عن إبليس مقدمهم، وهذا الصنف أيضًا لم يكن لهم وجود في العرب في الجاهلية حسب ما جاءنا من النصوص منهم.
ثالثًا: القدرية المشركية: الذين أقروا بالقضاء والقدر، وأنكروا الأمر والنهي؛ حيث زعموا: أن ذلك - القضاء والقدر - يوافق الأمر والنهي، فهؤلاء هم المقصودون عندنا في هذا الباب، حيث وجد في العرب من كان يعتقد مثل هذا الاعتقاد، حيث قالوا: (لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ)، و(وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاء اللهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ)، و(قَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ).
وقد رد الله عليهم ردًا وافيًا في القرآن العزيز، فقال في الآية الأولى: (كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ
[ ١ / ٤٤٥ ]
فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ)، وقال في الآية الثانية: (كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ)، وقال في الآية الثالثة: (مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ).
والمقصود: بيان كونهم وقعوا في شرك التعطيل في الربوبية بتعطيله عن أفعاله، وتمسكوا في تبرير شركهم بشبهة المشيئة العامة، وهي باطلة عاطلة.
قال شيخ الإسلام: (فهؤلاء يؤول أمرهم إلى تعطيل الشرائع والأمر والنهي، مع الاعتراف بالربوبية العامة لكل مخلوق وإن كان ذلك لا يستتب لهم وإنما يفعلونه عند موافقة أهوائهم كفعل المشركين من العرب، ثم إذا خولف هوى أحد منهم قام في دفع ذلك متعديًا للحدود غير واقف عند حد إذ هذه الطريقة تتناقض عند تعارض إرادات البشر، فهذا يريد أمرًا والآخر يريد ضده، وكل من الإرادتين مقدرة، فلابد من ترجيح إحداهما أو غيرهما، أو كل منهما على وجه، وإلا لزم الفساد ).
وقال في موضع آخر: (ولو كان القدر حجة لأحد لم يعذب الله المتكلمين للرسل كقوم نوح وعاد وثمود والمؤتفكات وقوم فرعون، ولم يأمر بإقامة الحدود على المعتدين، ولا يحتج أحد بالقدر إلا إذا كان متبعًا لهواه بغير هدى من الله، ومن رأى القدر حجة لأهل الذنوب يرفع عنهم الذم والعقاب فعليه أن لا يذم أحدًا ولا يعاقبه إذا اعتدى عليه؛ بل يستوي عنده ما يوجب اللذة وما
[ ١ / ٤٤٦ ]
يوجب الألم، فلا يفرق بين من يفعل خيرًا، وبين من يفعل شرًا، وهذا ممتنع طبعًا وعقلًا وشرعًا.
وقال في موضع آخر: (وأما القدر: فإنه لا يحتج به أحد إلا عند اتباع هواه، فإذا فعل محرمًا بمجرد هواه وذوقه ووجده، من غير أن يكون له علم بحسن الفعل ومصلحته استند إلى القدر، كما قال المشركون: (لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا) الآية، فبين أنهم ليس عندهم علم بما كانوا عليه من الدين، وإنما يتبعون الظن.
والقوم لم يكونوا ممن يسوغ لكل واحد منهم الاحتجاج بالقدر، فإنه لو خرب الكعبة، أو شتم إبراهيم الخليل، أو طعن في دينهم لعادوه وآذوه، فكيف وقد عادوا النبي ﷺ على ما جاء به من الدين، وما فعله هو أيضًا من المقدور، فلو كان الاحتجاج بالقدر حجة لكان النبي ﷺ وأصحابه، فإن كان كل ما يحدث في الوجود فهو مقدر، فالمحق والمبطل يشتركان في الاحتجاج بالقدر - إن كان الاحتجاج به صحيحًا ـ، ولكن كانوا يتعمدون على ما يعتقدونه من جنس دينهم، وهم في ذلك يتبعون الظن ليس لهم به علم بل هم يخرصون).
والمقصود: بيان كون هذا الأمر شركًا بالله جل شأنه، ولهذا جاء الوعيد من الله لمن يعتقد بمثل هذا الاعتقاد بقوله تعالى: (ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ).
[ ١ / ٤٤٧ ]
أخرج مسلم والترمذي وابن ماجه وأحمد وغيرهم عن أبي هريرة ﵁ قال: (جاء مشركو قريش إلى النبي ﷺ يخاصمونه في القدر، فنزلت (يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر، إنا كل شيء خلقناه بقدر).
٣ - إنكارهم البعث: وهذه الظاهرة كانت لأغلب المشركين، قال الله تعالى حكاية عن فعلهم: (وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَن يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا)، وقال: (وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ أَحَدًا)، وقال: (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ)، وقال: (وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ)، وقال: (قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ)، وقال: (وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا)، وقال: (أَئِذَا
[ ١ / ٤٤٨ ]
مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ)، وقال: (وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ)، وقال: (وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ)، وقال: (إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ)، وقال أيضًا: (وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ)، وقال: (بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ)، وقال: (وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ)، إلى آخر هذه الآيات، كلها تدل على أن المشركين أو أغلبهم كانوا قد عطلوا فعل الله ﷿ وحكمته الذي هو البعث والنشور، وبذلك وقعوا في شرك التعطيل.
قال الشهرستاني: (وشبهات العرب كانت مقصورة على هاتين الشبهتين إحداهما: إنكار البعث - بعث الأجساد ـ، والثانية: جحد البعث - بعث الرسل ـ، فعلى الأولى قالوا: (أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ). إلى أمثالها من الآيات، وعبروا عن ذلك في أشعارهم، فقال بعضهم:
حياة ثم موت ثم نشر حديث خرافة يا أم عمرو
[ ١ / ٤٤٩ ]
ولبعضهم في مرثية أهل بدر من المشركين:
فماذا بالقليب قليب بدر من الشيزى تكلل بالسنام
يخبرنا الرسول بأن سنحيا وكيف حياة أصداء وهام)
وقد أثبت الله ﷿ في القرآن الكريم عقيدة البعث أتم بيان، بحيث لم يبق فيه أي شك، ومن أهم ما ذكره الله في القرآن على إمكان المعاد الجسماني: قضية ابتداء الخلق، قال تعالى: (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ)، وقال: (أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ)، وقال: (إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ)، وقال: (مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ)، وغيرها من الآيات.
وأما كون إنكار البعث شركًا؛ فلأنه يتضمن تعطيلًا لفعل الله وحكمته، كما يتضمن تعطيلًا لأسماء الله وصفاته ومقتضاها، وإنكارًا لعلم الله وقدرته وحكمته.
قال الله تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ).
يقول ابن القيم عن هذه الآيات: (فجعل كمال ملكه، وكونه سبحانه
[ ١ / ٤٥٠ ]
الحق، وكونه لا إله إلا هو، وكونه رب العرش المستلزم لربوبيته لكل ما دونه، مبطلًا لذلك الظن الباطل، والحكم الكاذب فإن ملكه الحق يستلزم أمره ونهيه، وثوابه وعقابه، وكذلك يستلزم إرسال رسله، وإنزال كتبه، وبعث المعاد ليوم يجزى فيه المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، فمن أنكر ذلك فقد أنكر حقيقة ملكه، ولم يثبت له الملك الحق، ولذلك كان منكرًا لذلك كافرًا بربه، وإن زعم أنه يقر بصانع العالم، فلم يؤمن بالملك الحق الموصوف بصفات الجلال، والمستحق لنعوت الكمال).
وقال في موضع آخر: (وهو سبحانه يقرر المعاد بذكر كمال علمه وكمال قدرته، وكمال حكمته، فإن شبه المنكرين له كلها تعود إلى ثلاثة أنواع:
أحدها: اختلاط أجزائهم بأجزاء الأرض على وجه لا يتميز ولا يحصل معها تميز شخص عن شخص.
الثاني: أن القدرة لا تتعلق بذلك.
الثالث: أن ذلك أمر لا فائدة فيه. أو إنما الحكمة اقتضت دوام هذا النوع الإنساني شيئًا بعد شيء، هكذا أبدًا، كلما مات جيل خلفه جيل آخر، فأما أن يميت النوع الإنساني كله ثم يحييه بعد ذلك، فلا حكمة في ذلك، فجاءت براهين المعاد في القرآن مبنية على ثلاثة أصول:
أحدها: تقرير كمال علم الرب ﷾؛ كما قال في جواب من قال: (مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ): (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ)، وقال: (قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ).
[ ١ / ٤٥١ ]
الثاني: تقرير كمال قدرته، كقوله: (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ)، وقوله: (بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ) وقوله: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
الثالث: كمال حكمته، كقوله: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ)، وقوله: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا)، وقوله: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ).
ولهذا كان الصواب: أن المعاد معلوم بالعقل مع الشرع، وأن كمال الرب تعالى وكمال أسمائه وصفاته تقتضيه وتوجبه، وأنه منزه عما يقوله منكروه، كما ينزه كماله عن سائر العيوب والنقائص.
وبهذا انتهينا من الكلام عن المشركين في الربوبية بالتعطيل:
أما الصنف الثاني: فهم أصحاب الأنداد:
قد وجد في الجاهلية لدى العرب أشكال من شرك الربوبية بالأنداد، سأذكر فيما يلي ملخص ما أمكن جمعه، منها:
١ - الزنادقة من العرب:
[ ١ / ٤٥٢ ]
قال الآلوسي: (وهم طائفة من قريش)، وقال ابن قتيبة في المعارف: (وكانت الزندقة في قريش أخذوها من الحيرة)، قال الآلوسي: (والذي يظهر لي أن مراد ابن قتيبة من الزندقة التي نسبها إلى بعض العرب اعتقاد الثنوية أو القائل بالنور والظلمة بمقتضى قوله: (أخذوها من الحيرة) ولو كان مراده: من لا يؤمن بالآخرة وبالربوبية لم يكن لأخذها من الحيرة وجه؛ فإن كثيرًا من قبائل العرب كانوا كذلك، فتعين أن مراده ما ذكرنا ).
وبهذا يدخل الزنادقة من العرب في الشرك في الربوبية بالأنداد.
٢ - المجوس من العرب:
قال ابن قتيبة: (وكانت المجوسية في تميم، منها: زرارة بن عدس التميمي، وابنه حاجب بن زرارة ومنهم أقرع بن حابس، كان
[ ١ / ٤٥٣ ]
مجوسيًا، وأبو سود جد وكيع بن حسان كان مجوسيًا ).
والمراد بالمجوسية: القائلون بالأصلين؛ أي: (أثبتوا أصلين اثنين مدبرين قديمين، يقتسمان الخير والشر، والنفع والضر، والصلاح والفساد، يسمون أحدهما: النور، والثاني: الظلمة، والفارسية يزدان وأهرمن ومسائل المجوس كلها تدور على قاعدتين، إحداهما: بيان سبب امتزاج النور بالظلمة، والثانية: سبب خلاص النور من الظلمة، وجعلوا الامتزاج أو الخلاص معادًا). والفرق بين المجوس والثنوية: (أن الثنوية يزعمون: أن النور والظلمة أزليان قديمان، بخلاف المجوس فإنهم قالوا بحدوث الظلام، وذكروا سبب حدوثه ).
وهؤلاء المجوس هم عباد النار، ويقولون: (إنها أوسع العناصر خيرًا، وأعظمها جرمًا، وأوسعها مكانًا، وأشرفها جوهرًا، وألطفها جسمًا، ولا كون في العالم إلا بها، ولا نمو ولا انعقاد إلا بممازجتها ).
فهؤلاء المشركون قد اتخذوا أندادًا؛ وهذا شرك في أمور الربوبية.
٣ - نصارى العرب ويهود العرب:
وقد ذكر أصحاب الملل والنحل وأصحاب الأخبار: أن هناك طوائف
[ ١ / ٤٥٤ ]
من العرب قد تهودوا وتنصروا، ومعلوم: أن اليهود والنصارى كان عندهم ألوان من الشرك في الربوبية والشرك في الألوهية، وقد سبق إيرادها بالتفصيل، فلينظر هاهنا.
وإنما أقتصر هنا على بيان بعض القبائل التي تأثرت باليهودية والنصرانية:
فكانت اليهودية في حمير بعد أن كان الغالب فيهم من المجوس وعبدة الشمس ونحو ذلك، وقد كانت النصرانية في ربيعة وغسان وبعض قضاعة، وكأنهم تلقوا ذلك عن الروم، وكان بنو تغلب أيضًا من نصارى العرب، كما كان أهل نجران أيضًا من نصارى العرب.
٤ - ومن ذلك: شرك كثير ممن كان يشرك بالله بالكواكب العلويات، ويجعلها أربابًا مدبرة لأمر هذا العالم، كما هو مذهب مشركي الصابئة وغيرهم.
وقد وقع فيه بعض العرب، قال الشهرستاني: (منهم - أي من العرب - من يصبو إلى الصابئة، ويعتقد في الأنواء اعتقاد المنجمين في السيارات، حتى لا يتحرك ولا يسكن ولا يسافر ولا يقيم إلا بنوء من الأنواء ويقول: مطرنا بنوء كذا وكذا ).
وقد سبق معنا بيان عقائد الصابئة بأنهم يقولون: لا سبيل لنا للوصول إلى جلاله (الرب) إلا بالوسائط، فالواجب علينا أن نتقرب إليه بتوسطات
[ ١ / ٤٥٥ ]
الروحانيات القريبة منه، وهم الروحانيون والمقربون المقدسون عن المواد الجسمانية، فهم أربابنا وآلهتنا وشفعاؤنا عند رب الأرباب وإله الآلهة، فما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى. ولذلك وضعوا هياكل السيارات السبع الكبرى، وبعد مرور الزمن بدأوا يتقربون إلى هذه السيارات السبع على أنها هي المدبرة للعالم.
فهؤلاء عندهم شرك بالله في الربوبية مع شركهم في العبادة، فإنهم اعتقدوا أن في العالم تأثيرًا لغير الله، والمعروف أنه حق خالص لله جل شأنه.
وقد ذكر النبي ﷺ هؤلاء المشركين من العرب في بعض الأحاديث: فمن ذلك قوله ﷺ فيما رواه الإمام مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة».
وأخرج الإمام أحمد عن النبي ﷺ أنه قال: «أخاف على أمتي ثلاثًا: استسقاء بالنجوم، و».
وأخرج البخاري ومسلم عن زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل،
[ ١ / ٤٥٦ ]
فلما انصرف أقبل على الناس، فقال: «هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي، كافر بالكواكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي، مؤمن بالكواكب».
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: (إذا اعتقد أن للنوء تأثيرًا في إنزال المطر فهذا كفر؛ لأنه أشرك في الربوبية، والمشرك كافر، إن لم يعتقد ذلك فهو من الشرك الأصغر؛ لأنه نسب نعمة الله إلى غيره، ولأن الله لم يجعل النوء سببًا لإنزال المطر فيه، وإنما هو فضل من الله ورحمته يحبسه إذا شاء وينزله إذا شاء ).
وقال في موضع آخر: (فإذا قال قائلهم: مطرنا بنجم كذا أو بنوء كذا، فلا يخلو: إما أن يعتقد أن له تأثيرًا في إنزال المطر، فهذا شرك وكفر، وهو الذي يعتقده أهل الجاهلية، كاعتقادهم أن دعاء الميت والغائب يجلب لهم نفعًا، أو يدفع عنهم ضرًا، أو أنه يشفع بدعائهم إياه، فهذا الشرك الذي بعث الله رسول الله ﷺ بالنهي عنه وقتال من فعله وإما أن يقول: مطرنا بنوء كذا مثلًا، لكن مع اعتقاده أن المؤثر هو الله وحده، ولكن أجري العادة بوجود المطر عند سقوط ذلك النجم، والصحيح أنه يحرم نسبة ذلك إلى النجم ولو على طريق المجاز ).
٥ - شرك عباد الشمس وعباد الناس وعباد القمر أو الأجرام الأخرى
[ ١ / ٤٥٧ ]
السماوية أو الأرضية، إذا صاحب عبادتهم لها اعتقادهم أنها هي المعبودة، وأنها هي الآلهة على الحقيقة، أو أنه إله من جملة الآلهة، وأنه إذا خصه بعبادته والتبتل إليه والانقطاع إليه أقبل عليه واعتنى به
فهذا شرك بالله في الربوبية، قد وقع فيه بعض العرب في الجاهلية، خاصة عرب الجنوب.
٦ - الشرك في بعض صفات الله ﷿، إما بإثبات صفات الله للمخلوقين؛ وإما بإثبات صفات المخلوقين لله جل شأنه.
أما الأول فقد وقع فيه العرب كثيرًا، وسأذكر فيما يلي بعض الأمثلة على ما قلنا:
أ- الشرك في صفته العلم المحيط بكل شيء.
والمقصود بالعلم المحيط عندنا هو معرفة علم الغيب.
وقبل الدخول في بيان المشركين بالله في هذه الصفة يحسن بنا أن نتعرف على معنى علم الغيب والذي اختص الله بعلمه من بين سائر خلقه، فأقول:
إن لفظ الغيب يطلق على كل ما غاب عن العقول أو الأنظار. فيقال: غابت الشمس وغيرها إذا استترت عن الأعين. وسمي الغيب غيبًا باعتباره
[ ١ / ٤٥٨ ]
بالناس ونحوهم، لا بالله ﷿، فإنه سبحانه لا يغيب عنه شيء، لكن لا يجوز أن يقال: إنه جل وعلا لا يعلم الغيب قصدًا إلى أنه لا غيب بالنسبة إليه، لأن ذلك من إساءة الأدب.
وفي لسان الشرع: الغيب ينقسم باعتبار معلومه إلى نوعين:
أحدهما: ما استأثر الله تعالى بعلمه، وهو ما يتعلق بذاته تعلى وبعض أسمائه وحقائق صفاته.
ثانيهما: ما يجوز أن يطلع بعض خلقه على بعضه، وهو ما يتعلق بمخلوقاته. ثم إن هذا النوع باعتبار العلم به ينقسم إلى قسمين:
الأول: العلم بالغيب علمًا حقيقيًّا مطلقًا، وهذا العلم غائب عن جميع الخلق حتى الملائكة، ولا يعلمه أحد سوى الله. وهذا النوع من علم الغيب هو المراد عند إطلاق لفظ (علم الغيب)؛ لاستغراقه الزمان والمكان. فالله ﷾ هو العليم بكل شيء، فالماضي والحاضر والمستقبل عنده سواء، وعلمه بذلك صفة ذاتية لازمة له ﷿ ولا تنفك عنه بحال.
الثاني: العلم بالغيب علمًا إضافيًا مقيدًا:
وهو ما غاب عن بعض الخلائق دون بعض، كعلم الملائكة بأمور عالمهم التي لا يعلمها البشر مثلًا، وكذلك علم بعض البشر ببعض الأمور تغيب عن
[ ١ / ٤٥٩ ]
بعض. وهذا القسم من العلم هو ما يتأتى للمخلوقات، وهم متفاوتون فيه من حيث الكم والنوع، كل بحسب استعداده وتعليم الله له. وعلوم الأنبياء تدخل في هذا القسم.
وبعد أن عرفنا هذا، يحسن بنا أن نستعرض مظاهر الشرك في الربوبية بالأنداد في صفته العلم المحيط لدى العرب في جاهليتهم.
من مظاهر الشرك في علم الباري المحيط:
١ - الكهانة، والعرافة؛ أما الكاهن: فهو الذي يأخذ عن مسترق السمع، وكانوا قبل المبعث كثيرين، وأما بعد المبعث فإنهم قليلون.
وقيل: الكاهن هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل؛ وقيل: هو الذي يخبر عما في الضمير.
وأما العرافة؛ فمنه العراف، قال البغوي: (العراف الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق ومكان الضالة)، ظاهره: أنه هو الذي يخبر عن الوقائع كالسرقة وسارقها والضالة ومكانها.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (العراف اسم للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم).
وقال أيضًا: (والمنجم يدخل في اسم العراف، وعند بعضهم هو معناه).
[ ١ / ٤٦٠ ]
وقال أيضًا: (والمنجم يدخل في اسم الكاهن عند الخطابي وغيره من العلماء، وحكي ذلك عن بعض العرب، وعند آخرين: هو من جنس الكاهن، وأسوأ حالًا منه، فيلحق به من جهة المعنى).
وسئل الإمام أحمد عن الساحر والكاهن هل هما شيء واحد؟ قال: (لا، الكاهن يدّعي الغيب، والساحر يعقد ويفعل كذا).
وفي رواية عنه: (أنه سئل عن الكاهن فقال: هو نحو العراف، والساحر أخبث؛ لأن السحر شعبة من الكفر).
وقال ﵀ في العراف: (العرافة: طرف من السحر، والساحر أخبث).
وقال ابن الأثير: (العراف: المنجم، والحازي: الذي يدعي علم الغيب، وقد استأثر الله تعالى به).
وقال ابن القيم ﵀: (من اشتهر بإحسان الزجر عندهم سموه عائفًا عرافًا).
وقال أيضًا: (المنجم، والزاجر، وصاحب القرعة، التي هي شقيقة الأزلام، وضاربة الحصى، والعراف، والرمال، ونحوهم ممن تطلب منهم الإخبار عن المغيبات).
إذن كل من ادعى أمرًا من أمور الغيب فهو يندرج ضمن هذه المسميات.
[ ١ / ٤٦١ ]
وقد كان في العرب كهنة كشق وسطيح وغيرهما، فمنهم من كان يزعم أن له تابعًا من الجن ورئيًا يلقي إليه الأخبار، ومنهم من كان يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات، أسباب يستدل بها على مواقعها من كلام من يسأله أو فعله أو حاله، وهذا يخصونه باسم العراف.
والمقصود من هذا: أن من يدعي معرفة شيء من المغيبات، فهو إما داخل في اسم الكاهن، وإما مشارك له في المعنى فيلحق به؛ وذلك: (أن إصابة المخبر ببعض الأمور الغائبة في بعض الأحيان يكون بالكشف، ومنه ما هو من الشياطين، ويكون بالفأل والزجر والطيرة والضرب بالحصى والخط في الأرض والتنجيم والكهانة والسحر، ونحو هذا من علوم الجاهلية، وكل هذه الأمور يسمى صاحبها كاهنًا وعرافًا أو في معناهما ).
وقد قال النبي ﷺ لما قال الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين: إن هؤلاء يحدثوننا أحيانًا بالأمر فيكون كما قالوا، فأخبرهم ـ: «إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله كأنه سلسلة على صفوان فإذا (فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا) للذي قال (الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ)، فيسمعها مسترق السمع ومسترق السمع، هكذا بعضه فوق بعض ووصف سفيان بكفه فحرفها وبدد بين أصابعه فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدرك الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا: كذا وكذا،
[ ١ / ٤٦٢ ]
فيصدق بتلك الكلمة التي سمع من السماء».
فذكر أن ذلك من جهة الشياطين يلقون إليهم الكلمة تكون حقًا فيزيدون هم معها مائة كذبة، فيصدقون من أجل تلك الكلمة.
ولما كان هذا الأمر من الشرك بالله في بعض صفاته، وهو بهذا العمل إذا كان يصدق صحة العرافين والكهان يخرج من الملة، جاءت الأحاديث متضمنة الوعيد الشديد لهؤلاء ولمن أخذ عنهم، وفي بعض هذه الأحاديث تصريح بخروجهم عن الملة.
من ذلك ما رواه عمران بن حصين ﵁ قال: قال ﷺ: «ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له، ومن أتى كاهنًا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ».
وعن أبي هريرة ﵁ قال: «من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ».
وقوله ﷺ: «من أتى عرافًا أو كاهنًا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل
[ ١ / ٤٦٣ ]
على محمد ﷺ».
ولمسلم عن معاوية بن الحكم السلمي ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، أمورًا كن نصنعها في الجاهلية، كنا نأتي الكهان؟ قال: «فلا تأتوا الكهان».
والمقصود: بيان كون إتيان الكهان وتصديقهم ومن على شاكلتهم من العرافين، والرمالين يكون شركًا بالله في الربوبية؛ حيث إنه يعد من الشرك بالله في صفته العلم المحيط بالمغيبات، كما أن المشركين كانوا يستسلمون لكل ما يقضي به الكهان على الغالب، وبهذا يكونون قد أشركوا بالله في الربوبية من جهة إعطائهم سلطة التشريع والتحكيم من دون الله.
وروى البخاري في صحيحه قال: (كانت الطواغيت التي كانوا يتحاكمون إليها في جهينة واحد، وفي أسلم واحد، وفي كل حي واحد، وهم كهان كانت تنزل عليهم الشياطين).
[ ١ / ٤٦٤ ]
فهذا نص صريح على أنهم كانوا يتحاكمون إلى الكهان، وأعطي لهم سلطة التشريع والحكم في القضايا، وهذا لا شك في كونه شركًا مع شرك - كما أسلفنا ـ.
ومما يلحق بالكهانة: العيافة والطرق والطيرة، لقوله ﷺ: «العيافة والطرق والطيرة من الجبت».
والمقصود بالعيافة: زجر الطير والحيوان، والاستدلال بأصواتها وحركاتها وسائر أحوالها على الحوادث، واستعلام ما غاب عنهم.
وأما الطيرة: فسيأتي الكلام عليها مفصلًا فيما بعد.
وأما الطرق. فهو الخط في الأرض، وقال بعضهم: الضرب بالحصى ويسمى علم الرمل، حيث يستدلون بأشكال الرمل على أحوال المسألة حين السؤال.
وأما الجبت: فهو الكهانة والسحر، كما قال عمر بن الخطاب ﵁: (الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان). وهكذا روي عن ابن عباس وأبي العالية ومجاهد وعطاء وعكرمة وسعيد بن جبير والشعبي والحسن والضحاك والسدي.
والمقصود: أن هذه الأشياء كانت موجودة في العرب في
[ ١ / ٤٦٥ ]
الجاهلية، وأن هذه الأشياء شرك بالله جل وعلا، ووجه كون العيافة والطرق والطيرة شركًا بالله، لما فيه من دعوى علم الغيب، ومنازعة الله في ربوبيته، فإن علم الغيب من صفات الربوبية التي استأثر الله تعالى بها دون من سواه، إضافة إلى أن بعضهم يعتقد أن تلك الأشياء تنفع أو تضر، فهذا شرك بالله في ربوبيته، وبالأخص في صفته القدرة الكاملة الشاملة، كما سيأتي.
ومن مظاهر الشرك في علم الباري تعالى سبحانه المحيط أيضًا:
٢ - تصديق المنجمين فيما يقولونه من الكلام:
جاءت النصوص الحديثية برد علم التنجيم الموجود في زمن النبي ﷺ: من ذلك قوله ﷺ: «من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد»، وقوله ﷺ: «أخاف على أمتي ثلاثًا: حيف الأئمة، وإيمانًا بالنجوم، وتكذيبًا بالقدر»، وقوله ﷺ: «أخاف على أمتي بعدي خصلتين: تكذيبًا بالقدر، وإيمانًا بالنجوم».
كما جاءت آثار عن السلف في النهي عن هذا العمل الجاهلي: فمن ذلك ما رواه البخاري في صحيحه قول قتادة ﵀ أنه قال: (خلق الله هذه النجوم لثلاث؛ زينة للسماء، ورجومًا للشياطين، وعلامات يهتدى بها، فمن
[ ١ / ٤٦٦ ]
تأول فيها غير ذلك أخطأ وأضاع نصيبه، وكلف ما لا علم له به).
وفي رواية عنه أنه قال بعد هذا مباشرة: (إن ناسًا جهلة بأمر الله قد أحدثوا في هذه النجوم كهانة: من أعرس بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا، ومن سافر بنجم كذا وكذا كان كذا، ولعمري ما من نجم إلا يولد به الأحمر والأسود، والطويل والقصير، والحسن والدميم، وما علم هذه النجوم وهذه الدابة وهذا الطائر بشيء من هذا الغيب، ولو أن أحدًا علم الغيب لعلمه آدم الذي خلقه الله بيده، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء).
وقال شيخ الإسلام: (التنجيم: هو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية).
وقال الخطابي: (علم النجوم المنهي عنه هو ما يدعيه أهل التنجيم من علم الكوائن والحوادث التي لم تقع وستقع في مستقبل الزمان، كأوقات هبوب الرياح، ومجيء المطر، وتغير الأسعار، وما في معناها من الأمور التي يزعمون أنها تدرك معرفتها بمسير الكواكب في مجاريها واجتماعها وافتراقها، يدعون أن لها تأثيرًا في السفليات، وهذا منهم تحكم على الغيب،
[ ١ / ٤٦٧ ]
وتعاط لعلم قد استأثر الله به، ولا يعلم الغيب سواه).
وأما قوله تعالى: (وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ)، فليس المراد: أنه يهتدى بها في علم الغيب - كما يعتقده المنجمون - بل المراد به: لتعرفوا بها جهة قصدكم.
فإن قيل: المنجم قد يصدق؟ قيل: صدقه كصدق الكاهن، يصدق في كلمة ويكذب في مائة، وصدقه ليس عن علم، بل قد يوافق قدرًا، فيكون فتنة في حق من صدقه.
ولهذا نهى ابن عباس ﵁ أحد تلاميذه عن النظر في النجوم فقال: (يا غلام، إياك والنظر في النجوم؛ فإنه يدعو إلى الكهانة).
وجاء عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: (والله ما في النجم موت أحد ولا حياته، وإنما جعل الله النجوم زينة ورجومًا للشياطين)، وعنه أيضًا أنه قال: (والله ما لأحد من أهل الأرض في السماء من نجم، ولكن يتبعون الكهنة، ويتخذون النجوم علة).
والمقصود: أن التنجيم من الشرك بالله جل وعلا في الربوبية؛ حيث إنه شرك بالله جل وعلا في علمه المحيط، بل فيه شرك بالله جل وعلا في أموره الربوبية مثل التدبير في العالم، وذلك لمن يعتقد أن الحوادث السفلية إنما هي من الكواكب العلويات، وقد سبق بيانه.
[ ١ / ٤٦٨ ]
وقد رد على المنجمين والمستدلين بالنجوم على وقوع الحوادث كثير من أهل السنة في مؤلفاتهم، فمن ذلك ما ذكره ابن القيم في مفتاح دار السعادة حيث توسع في الرد عليهم بذكر شبهاتهم، وتفنيدها واحدة تلو الأخرى.
فهذا الشرك كان في العرب في جاهليتهم، فقد ذكر المؤرخون وأصحاب الملل والنحل: أن من العرب عرافين وأصحاب النجوم، وأصحاب الأنواء. قال الشهرستاني: (اعلم أن العرب في الجاهلية كانت على ثلاثة أنواع من العلوم الثالث: علم الأنواء، وذلك مما يتولاه الكهنة).
وقال الآلوسي: (وكانت لهم - عرب الجنوب - اليد الطولى في كثير من الصناعات، وكانت للتبابعة والجبابرة منهم مذاهب في أحكام النجوم وغيرها، كل ذلك من المسلمات التي لا يمكن لأحد التوقف في قبولها ولا التردد في الإذعان لها، وقد نطق متواتر الأخبار الصحيحة بها، وأما بنو عدنان - عرب الشمال - إنما علمهم ما سمحت به قرائحهم من الشعر والخطب، أو ما حفظوه من أنسابهم وأيامهم، أو ما احتاجوا إليه من دنياهم من الأنواء أو من الحروب ونحو ذلك).
ومن أنواع هذا التنجيم: (ما يفعله من يكتب حروف أبي جاد، ويجعل لكل حرف منها قدرًا من العدد معلومًا ويجري على ذلك أسماء الآدميين والأزمنة والأمكنة وغيرها، ويجمع جمعًا معروفًا عنده، ويطرح منه طرحًا خاصًا، ويثبت إثباتًا خاصًا، وينسبه إلى الأبراج الاثني عشر المعروفة عند أهل
[ ١ / ٤٦٩ ]
الحساب، ثم يحكم على تلك القواعد بالسعود والنحوس وغيرها مما يوحيه إليه الشيطان).
قال ابن عباس ﵁ في قوم يكتبون أبا جاد، وينظرون في النجوم: (ما أدري من فعل ذلك له عند الله خلاق).
وهذا النوع أيضًا يتضمن دعوى مشاركة الله في علم الغيب الذي انفرد به سبحانه.
قال السعدي في هذا المقام: (إن الله تعالى انفرد بعلم الغيب، فمن ادعى مشاركة الله في شيء من ذلك بكهانة أو عرافة أو غيرها، أو صدق من ادعى ذلك، فقد جعل ذلك شريكًا فيما هو من خصائصه، وقد كذب الله ورسوله).
فهذه الأنواع من التنجيم وما شابهها شرك بالله جل شأنه، لما فيه من اعتقاد أن تلك النجوم تنفع أو تضر، ولما فيه من دعوى الغيب، ومنازعة الله تعالى فيما اختص به سبحانه من علم الغيب.
ومن مظاهر الشرك بالله جل وعلا في صفته العلم المحيط:
٣ - الشرك بتصديق الأنواء، وقد سبق معنا بيانه، فلا نعيده ها هنا، وإنما المقصود بيان أن العرب في إشراكهم بالله جل شأنه بتصديق الأنواء قد ارتكبوا عدة محذورات؛ فمن ذلك شرك بالله في تدبير المخلوقات بجعله للنجوم والكواكب العلويات، ومن ذلك شركهم بالله في العلو على أن القائلين
[ ١ / ٤٧٠ ]
بالأنواء يعلمون متى تمطر، ومتى لا تمطر، وبهذا وقعوا في شرك الربوبية في صفة علم الباري تعالى - جل شأنه - المحيط بكل شيء، وقد كان العرب في جاهليتهم يصدقون الأنواء، كما هو مبين في الكتب التي تتحدث عن تاريخ العرب في الجاهلية.
ومن مظاهر الشرك بالله جل وعلا في صفته العلم المحيط:
٤ - استقسامهم بالأزلام عند الأصنام: إذا اعتقد أن الأصنام تعلم المغيبات، وكانت العرب في الجاهلية إذا أرادوا سفرًا أو تجارةً أو نسبًا أو اختلفوا في نسب أو أمر قتيل أو تحمل عقل أو غير ذلك من الأمور العظيمة جاءوا إلى هبل ـ، وهو أعظم أصنام قريش - كما سبق - وكان بمكة وفي الكعبة - ومعهم مائة درهم، فأعطوها صاحب القداح حتى يجيلها لهم، وكانت أزلامهم سبعة قداح محفوظة عند سادن الكعبة وخادمها، وهي مستوية في المقدار، عليها أعلام وكتابة؛ قد كتب على واحد منها (أمرني ربي)، وعلى واحد منها (نهاني ربي)، وعلى واحد (منكم)، وعلى واحد (من غيركم)، وعلى واحد (ملصق)، وعلى واحد (العقل)، وواحد (غفل) أي ليس عليه شيء، فإذا أرادوا الوقوف على مستقبل الأمر الذي تصدوا له ومعرفة عاقبته أخير هو أم شر استقسم لهم أمين القداح بقدحي الأمر والنهي، إلى غير ذلك من أفاعيلهم.
وكان بعض العرب يستقسم عند ذي الخلصة؛ وقد وقع مثل هذا الاستقسام للشاعر الجاهلي امرئ القيس لما أراد أن يأخذ بثأر أبيه.
[ ١ / ٤٧١ ]
ومن مظاهر الشرك بالله جل وعلا في الربوبية بالشرك في علم الباري المحيط:
٥ - اعتقاد أن الجن يعلمون الغيب: قال تعالى: (وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا)، فالاستعاذة وإن كانت من العبادة - كما سيأتي في شرك العبادة - إلا أن العرب في الجاهلية كان عندهم اعتقاد معرفة الجن للغيب.
قال قتادة: ( لو كان أحد يعلم الغيب لعلم الجن حيث مات سليمان بن داود ﵇، فلبثت تعمل حولًا في أشد العذاب، وأشد الهوان، وهم لا يشعرون بموته، وما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته - أي تأكل عصاه - فلما خر تبينت الجن أن لو كانت الجن تعلم الغيب ما لبثوا في العذاب المهين، وكانت الجن تقول مثل ذلك: أنها كانت تعلم الغيب، تعلم ما في غد، فابتلاهم الله بذلك).
ومن الشرك بالله في بعض صفاته سبحانه بإثبات صفات الله الخاصة به للمخلوقين:
ب- الشرك في قدرة الله الكاملة؛ ومن مظاهره الكثيرة ما يلي:
١ - لبيس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه.
وهذا شرك بالله في الربوبية، وخاصة في قدرة الله الكاملة الشاملة، قال ابن الأثير مبينًا سبب كونه شركًا: (كانوا يعتقدون أنها تمام الدواء والشفاء، وإنما
[ ١ / ٤٧٢ ]
جعلها شركًا؛ لأنهم أرادوا بها دفع المقادير المكتوبة عليهم، فطلبوا دفع الأذى من غير الله الذي هو دافعه).
وقد جاء في الحديث ما يدل على أن العرب كان عندهم هذا النوع من الشرك؛ ومن ذلك ما يروى عنه ﷺ أنه: أبصر على عضد رجل حلقة - من صفر - فقال: «ويحك ما هذه؟» قال: من الواهنة، قال: «أما إنها لا تزيدك إلا وهنًا، انبذها عنك فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدًا»
ومثل هذا ما جاء عن حذيفة بن اليمان ﵁ أنه (دخل على مريض، فرأى في عضده سيرًا، فقطعه أو انتزعه، ثم قال: (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون).
وأصرح من هذا ما روت زينب امرأة عبد الله بن مسعود ﵂
[ ١ / ٤٧٣ ]
قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب تنحنح وبزق كراهية أن يهجم منا على شيء يكرهه، قالت: وأنه جاء ذات يوم فتنحنح، قالت: وعندي عجوز ترقيني من الحمرة، فأدخلتها تحت السرير، فدخل فجلس إلى جنبي فرأى في عنقي خيطًا، قال: ما هذا الخيط؟ قالت: خيط رقي لي فيه، قالت: فأخذه فقطعه ثم قال: إن آل عبد الله لأغنياء عن الشرك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك».
فعلمنا بهذه الأدلة أن تعليق الخيط والحلقة وغيرها كانت من عادات العرب الجاهلية يقصدون بها دفع البلاء، ومعلوم أن هذا شرك في صفة القدرة الكاملة لله جل وعلا، وسيأتي مزيد من البيان له في الباب الرابع - إن شاء الله - عندما نبين متى يكون هذا شركًا أكبر، ومتى يكون شركًا أصغر؟ .
ومن مظاهره أيضًا:
٢ - التمائم والرقى والتولة ونحوها لرفع البلاء أو جلب المنافع:
أما التمائم: فهي جمع تميمة، والتميم: العوذ، والتميمة: خرزة رقطاء تنظم في السير ثم يعقد في العنق. وقيل: هي قلادة يجعل فيها سيور وعوذ، وقيل: التميمة؛ خرزات كان الأعراب يعلقونها على أولادهم ينفون بها النفس والعين بزعمهم، فأبطله الإسلام. قال ابن الأثير: (هي خرزات كانت العرب تعلقها على أولادها يتقون بها العين - في زعمهم - فأبطلها الإسلام).
[ ١ / ٤٧٤ ]
وقال الحافظ ابن حجر: (هي خرز أو قلادة تعلق في الرأس كانوا في الجاهلية يعتقدون أن ذلك يدفع الآفات).
أما الرقي: فواحدتها الرقية؛ (وهي العوذة، يقال: رقي الراقي رقية ورقيًا: إذا عوذ ونفث في عوذته. قال ابن الأثير: الرقية: العوذة التي رقي بها صاحب الآفة كالحمى والصرع وغير ذلك من الآفات).
فالرقى: هي التي تسمى العزائم، ويخص من عموم النهي ما رخص فيه رسول الله ﷺ كالعين والحمى، بشرط أن تخلو الرقى أو العزائم من الشرك.
والمقصود هنا: بيان كون الرقى والتمائم وما في معناها كلها تدخل في الشرك في الربوبية، وخاصة في صفة القدرة الكاملة لله الشاملة لكل شيء، وأن العرب في جاهليتهم كانت عندهم هذه الأشياء، ولهذا جاء النهي عنها في الأحاديث النبوية، من هذه الأحاديث ما يلي:
١ - قوله ﷺ: «من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له».
٢ - أن رسول الله ﷺ أقبل على رهط فبايع تسعة وأمسك عن واحد، فقالوا: يا رسول الله! بايعت تسعة وتركت هذا، قال: «إن عليه تميمة»، فأدخل يده فقطعها، وبايعه، وقال: «من علق تميمة فقد أشرك».
[ ١ / ٤٧٥ ]
٣ - أن رسول الله ﷺ أرسل رسولًا: «أن لا تبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت». قال ابن حجر: (إنهم كانوا يقلدون الإبل أوتار القسي لئلا تصيبها العين بزعمهم، فأمروا بقطعها إعلامًا بأن الأوتار لا ترد من أمر الله شيئًا).
٤ - قول النبي ﷺ: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك».
٥ - وقوله ﷺ: «من تعلق شيئًا وكل إليه».
٦ - قوله ﷺ: «من عقد لحيته أو تقلد وترًا أو استنجى برجيع دابة أو عظم، فإن محمدًا بريء منه».
فهذه الأحاديث مجتمعة تدل على أن التمائم وما في معناها من الشرك، وإنما المقصود هنا بيان كونه موجودًا في العرب في الجاهلية.
ومن مظاهره أيضًا:
٣ - طلب التبرك من غير الله جل وعلا.
وذلك؛ أن التبرك هو طلب كثرة الخير ودوامه، (ولا أحد أحق بذلك
[ ١ / ٤٧٦ ]
وصفًا وفعلًا منه ﵎، وتفسير السلف يدور على هذين المعنيين، وهما متلازمان).
قال ابن القيم: (وهذا اللفظ قد ذكره الله سبحانه في المواضع التي أثنى فيها على نفسه بالجلال، والعظمة، والأفعال الدالة على ربوبيته وإلهيته وحكمته وسائر صفات كماله ).
فهذا التبرك من الشرك بالله في ربوبيته - خصوصًا في صفته القدرة الكاملة - إذا اعتقد حصول كثرة الخير ودوامه من غير الله؛ لأنه اعتقاد في غير الله ما لا يجوز أن يعتقد إلا في الله، ففيه إنزال غير الله منزلة الربوبية.
وربما يكون هذا شركًا بالله في ألوهيته وعبادته إذا صرفوا لغير الله بعض أنواع العبادات؛ وهذا بسبب المبالغة في تعظيم من يتبركون بهم، والافتتان بهم والتعلق بهم.
وكان عند مشركي العرب هذا النوع من الشرك كما يدل عليه بعض الأحاديث والآثار المروية في ذلك، فمن ذلك:
١ - ما رواه أبو واقد الليثي ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين، ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا
[ ١ / ٤٧٧ ]
ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله ﷺ: «الله أكبر! إنها السنن، قلتم - والذي نفسي بيده - كما قالت بنو إسرائيل لموسى: (اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ)، لتركبن سنن من كان قبلكم».
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: (وكان عكوف المشركين عند تلك السدرة تبركًا بها وتعظيمًا لها). فهذا يدل على أن المشركين كانوا في الجاهلية يطلبون الخير والبركة من هذه الأشجار، ومعلوم أن طلب الخير والبركة، وطلب دوامها من العبادة، وإيصال الخير والبركة وإدامتها إنما هي من خصائص الربوبية، فلهذا يكون عملهم هذا شركًا في الربوبية في قدرة الله الكاملة؛ لأنهم يعتقدون حصول الخير والبركة ودوامها من غير الله جل شأنه.
ولعل ما ذكر المؤرخون من أول ما حدث من الشرك: التبرك بأحجار الحرم أدل دليل على أن العرب في جاهليتهم كانوا يتبركون من بعض الأشياء، وقد سبق معنا بيان كيف حدثت عبادة الأحجار من قبل بني إسماعيل.
ثم هناك نصوص أخرى تدل على أن بعض العرب كانوا في جاهليتهم يتبركون ويستمدون من بعض القبور، فقد ذكر بعض من كتب في تاريخ العرب: أن قبر حاتم الطائي غدا مقر الضيفان وملاذ التائهين في الجاهلية وكانت طيء تزعم أنه لم ينزل بقبر حاتم أحد قط إلا قراه، فهذا هو أبو البختري كما ذكروا، مر في نفر من قومه بقبر حاتم الطائي، فنزلوا قريبًا منه، فبات
[ ١ / ٤٧٨ ]
أبو البختري يناديه، يا أبا الجعد، أقرنا
والمقصود: أن التبرك من غير الله جل وعلا، ومن غير ما جعله الله مباركًا بنصوص الكتاب والسنة، إذا كان قصد المتبرك بالتبرك أنه يحصل له من قبل المتبرك به نفسه، فهذا شرك بالله في الربوبية في صفة القدرة الكاملة الشاملة، وإذا كان يعتقد أن المتبرك به يشفع عند الله، فهذا شرك بالله في العبادة.
ومن مظاهره أيضًا:
٤ - السحر والتسحر، والنشرة لفك السحر؛ ومنه الصرف والعطف.
وقبل أن ندخل في تفاصيل كونه شركًا، ووجوده في العرب في الجاهلية، يحسن بنا أن نتعرف على السحر، فنقول:
السحر في لغة العرب: كل ما لطف مأخذه ودق، وأصل السحر: صرف الشيء عن حقيقته إلى غيره، وسحره بمعنى: خدعه، وسحره بكلامه: استماله برقته وحسن تركيبه.
وأما في الاصطلاح: فأحسن ما قيل فيه قول الشافعي ﵀: (السحر: اسم جامع لمعان مختلفة)، ولقد قال العلماء في تعريفه عبارات، منها:
[ ١ / ٤٧٩ ]
١ - (كل أمر خفي سببه، وتخيل على غير حقيقته، ويجري مجرى التمويه والخداع).
٢ - وقيل: (هو كلام مؤلف يعظم به غير الله تعالى، وتنسب إليه في المقادير والكائنات).
٣ - وقيل: (هو عقد ورقى وكلام يتكلم به، أو يكتبه، أو يعمل شيئًا يؤثر في بدن المسحور أو قلبه، أو عقله).
٤ - وقيل: (هو عزائم ورقى وعقد يؤثر في القلوب والأبدان، فيمرض ويقتل، ويفرق بين المرء وزوجه).
٥ - وقيل: (إن السحر حيل صناعية يتوصل إليها بالاكتساب، غير أنها لدقتها لا يتوصل إليها إلا آحاد الناس، ومادته الوقوف على خواص الأشياء العلم بوجوه تركيبها وأوقاته).
وعلى كلٍ: فإن التعاريف مختلفة، وسبب ذلك الاختلاف كثرة أنواع السحر، واختلاف صوره، حتى جعله الفخر الرازي ثمانية أقسام، وبعضهم جعله أكثر من ذلك، ولهذا قد جاء التنبيه من بعض الأئمة إلى
[ ١ / ٤٨٠ ]
ضرورة تحديد معنى السحر وتمييزه عن غيره.
قال القرافي: (أطلق المالكية وجماعة الكفر على الساحر، وأن السحر كفر، ولا شك أن هذا قريب من حيث الجملة، غير أنه عند الفتيا في جزئيات الوقائع يقع منهم الغلط العظيم المؤدي إلى هلاك المفتي، والسبب في ذلك: أنه إذا قيل للفقيه: ما هو السحر؟ وما حقيقته حتى يقضي بوجوده على كفر فاعليه؟ يعسر عليه ذلك جدًا، فإنك إذا قلت له: السحر والرقى والخواص والسيميا والهيميا وقوى النفس شيء واحد، وكلها سحر، أو بعض هذه الأمور سحر، وبعضها ليس بسحر؟ فإن قال: الكل سحر، يلزمه أن سورة الفاتحة سحر؛ لأنها رقية إجماعًا، وإن قال: لكل واحد من هذه خاصية تختص بها، فيقال: بين لنا خصوص كل واحد منها، وما به تمتاز، وهذا لا يعرفه أحد من المتعرضين للفتيا إن الكتب الموضوعة في السحر وضع فيها هذا الاسم على ما هو كذلك كفر ومحرم، وعلى ما ليس كذلك، وكذلك السحرة، ويطلق لفظ السحر على القسمين، فلابد من التعرض لبيان ذلك).
ثم قال: (وللسحر فصول كثيرة في كتبهم يقطع من قبل الشرع بأنها ليست معاصي ولا كفرًا، كما أن لهم ما يقطع أنه كفر، فيجب حينئذ التفصيل، كما
[ ١ / ٤٨١ ]
قال الشافعي ﵁ أما الإطلاق بأن كل ما يسمى سحرًا كفر، فصعب جدًا).
وصدق ﵀؛ فالحكم على الشيء فرع من تصوره، فلابد للناظر في هذه المسألة أن يفصل ويميز ويفرق بين السحر الذي يعد كفرًا، وما ليس كذلك، ولعل هذا هو السبب الذي قال الشنقيطي ﵀ لأجله (كما قال الشافعي قبله): (إن السحر في الاصطلاح لا يمكن حده بحد جامع مانع؛ لكثرة الأنواع المختلفة الداخلة تحته).
فالتحقيق في هذه المسألة هو التفصيل، فإن كان السحر مما يعظم فيه غير الله كالكواكب والجن وغير ذلك مما يؤدي إلى الكفر، فهو كفر بلا نزاع، ومن هذا النوع سحر هاروت وماروت المذكور في سورة البقرة، فإنه كفر بلا نزاع، كما دل عليه قوله تعالى: (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ)، وقوله تعالى: (إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ)، وقوله تعالى: (وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ)، وقوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا).
وإن كان السحر لا يقتضي الكفر كالاستعانة بخواص بعض الأشياء من دهانات وغيرها، فهو حرام حرمة شديدة، ولكنه لا يبلغ بصاحبه الكفر.
[ ١ / ٤٨٢ ]
وللإمام النووي ﵀ عبارة جامعة في حكم السحر؛ حيث قال: (قد يكون - السحر - كفرًا، وقد لا يكون كفرًا بل معصية كبيرة، فإن كان فيه فعل أو قول يقتضي الكفر كفر، وإلا فلا، وأما تعلمه وتعليمه فحرام، فإن تضمن ما يقتضي الكفر كفر، وإلا فلا، وإذا لم يكن فيه ما يقتضي الكفر عزز واستتيب ).
فالسحر الذي يعد كفرًا، قد يقع قولًا باللسان، أو اعتقادًا بالقلب، أو عملًا بالجوارح، ونورد أمثله على ذلك:
السحر الذي لا يتأتى إلا عن طريق الشياطين، كأن يستغيث بهم، ويدعوهم فيما لا يقدر عليه إلا الله، وينطق بكلمة الكفر من أجل رضاهم والاستمتاع بهم.
أو يعتقد نفعهم أو ضرهم بغير إذن الله، فهذان هما المقصودان عندنا في هذا الباب؛ لأنهما داخلان في شرك الربوبية، وهما شرك في قدرة الله الكاملة. وسيأتي توضيح ذلك بالتفصيل.
أو يدعي لنفسه ولشياطينه علم الغيب أو مشاركة الله في ذلك، فهذا شرك بالله في صفته العلم المحيط، وقد سبق بيانه.
أو يذبح لتلك الشياطين ونحوهم ويتقرب إليهم، فهذا شرك بالله في الألوهية والعبادة.
أو يهين ما أوجب الله تعظيمه من الكتاب العزيز وغيره، فهذا كفر بالله جل شأنه.
والمقصود هنا: بيان هل وجد هذا النوع من الشرك (شرك الربوبية في صفة الله
[ ١ / ٤٨٣ ]
﷿ القدرة الكاملة الشاملة لكل شيء) في العرب في الجاهلية؟ وهل هذا شرك بالله في الربوبية؟ وكيف؟ .
أما الجواب عن الشق الأول: فالذي يتضح من تدبر كلام الله ﷿: أن ظاهرة السحر بأنواعه المختلفة كانت موجودة في غالب الأمم، كما دل عليه قوله تعالى: (كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ).
يقول ابن تيمية: (اسم الساحر معروف في جميع الأمم).
فهذا يدل على أن السحرة كانوا موجودين في زمن النبي ﷺ، كما يدل عليه أن المشركين كانوا يقولون للنبي ﷺ بأنه ساحر، يدل عليه قوله تعالى: (وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ) و(قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ)، و(لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ)، و(وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ)، و(إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلًا مَّسْحُورًا)، و(وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلا رَجُلا مَّسْحُورًا)، و(بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ)، (قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ)، و(قَالَ الَّذِينَ
[ ١ / ٤٨٤ ]
كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ)، و(أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ)، و(إِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ)، و(فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ)، و(فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ).
وكما يدل عليه قصة سحر النبي ﷺ له من قبل بعض أعدائه من اليهود.
فهذه كلها تدل صراحة على أن العرب كانوا عارفين عن السحر، وكان منهم سحرة.
وأما الجواب عن الشق الثاني: - وهو هل السحر من الشرك في الربوبية؟ وكيف؟ - فيجاب عنه باختصار:
أن بعض الأنواع من السحر لا يمكن أن يتعاطاها إلا بالشرك بالله جل وعلا، وذلك؛ إما بالاستعانة بهم، أو يدعوهم فيما لا يقدر عليه إلا الله، وينطق بكلمة الكفر من أجل رضاهم والاستمتاع بهم، أو يعتقد أن الكواكب مدبرة لأمر هذا العالم، وإما باعتقاد نفعهم أو ضرهم بغير إذن الله.
[ ١ / ٤٨٥ ]
فهذان الأمران شركان بالله في قدرة الله الكاملة، وهما شرك في الربوبية.
وإما أن يدعي لنفسه أو لشياطينه علم الغيب أو مشاركة الله في ذلك. فهذا شرك بالله في علمه بالغيب، وهو شرك في الربوبية.
وإما أن يوجه بعض أنواع العبادات إلى هؤلاء الشياطين، كالذبح لهم، والتقرب إليهم بالنذور، فهذا شرك بالله في عبادته.
ثم إن النبي ﷺ قرن السحر بالشرك، وفي بعض الأحاديث سماه شركًا، وحكم ﷺ بالكفر على من أتى ساحرًا فصدقه، فكيف بالساحر؟ كما تبرأ النبي ﷺ من الساحر والمسحور.
فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات» قالوا: يا رسول الله، ما هن؟ قال: «الشرك بالله، والسحر ».
وقال ﷺ: «ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن خمر، وقاطع رحم، ومصدق بالسحر».
وقال أيضًا: «من عقد ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئًا وكل إليه».
[ ١ / ٤٨٦ ]
وقال أيضًا: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك»؛ والتولة ضرب من السحر، قال الأصمعي: (هو الذي يحبب المرأة إلى زوجها).
وقال عبد الله بن مسعود ﵁: (من أتى عرافًا، أو ساحرًا، أو كاهنًا، فسأله فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ).
وعن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له ».
فهذه الأحاديث بمجموعها تدل على أن السحر شرك.
ومما يلحق بالسحر: النشرة.
وقد كانت النشرة موجودة في الجاهلية. وهي كما قال ابن الأثير: (ضرب من العلاج والرقية، يعالج به من يظن أن به مسًا من الجن، سميت نشرة
[ ١ / ٤٨٧ ]
لأنه ينشر بها عند ما خامره من الداء، أي يكشف ويزال، قال الحسن: النشرة من السحر).
وقال ابن القيم: (النشرة حل السحر عن المسحور، وهو نوعان: حل بسحر مثله، وهو الذي كان في الجاهلية، ويعد من عمل الشيطان، وقد قال الرسول ﷺ: «هي من عمل الشيطان».
والثاني: النشرة بالرقية والتعويذات والأدوية المباحة، فهذا جائز).
ومقصودنا في هذا الباب هو النوع الأول، فإنه سحر، وهو الذي كان موجودًا في الجاهلية، ولعل هذا هو السبب الذي قال لأجله من قال: (لا يحل السحر إلا ساحرًا)، فحكمها حكم السحر بالإجمال والتفصيل.
ومن مظاهر الشرك بالله جل وعلا في صفته القدرة الكاملة:
٥ - الطِيَرَة والتطير وما في معناها.
الطيرة: بكسر الطاء وفتح الياء، وقد تسكن: اسم مصدر من تطير طيرة، كما يقال: تخير خيرة، وأصله: (التطير بالسوانح والبوارح من الطير والظباء وغيرهما، وكان ذلك يصدهم عن مقاصدهم، فنفاه الشارع وأبطله، وأخبر أنه لا تأثير له في جلب نفع أو دفع ضر).
[ ١ / ٤٨٨ ]
فهذه الطيرة شرك بالله جل وعلا في الربوبية، وذلك: بالإشراك في قدرة الله الكاملة، وقد قال ﷺ: «الطيرة شرك، الطيرة شرك، الطيرة شرك» ثلاثًا. وقال أيضًا: «من ردته الطيرة عن حاجته، فقد أشرك».
وإنما جعل الطيرة من الشرك؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن الطيرة تجلب لهم نفعًا، أو تدفع عنهم ضرًا إذا عملوا بموجبها، فكأنهم أشركوا بالله تعالى.
فثبت بهذه الأدلة على أنها شرك، وقد كانت هذه الظاهرة موجودة في الجاهلية، كما كانت في الأمم السابقة، والدليل على كونها موجودة في الجاهلية ما في صحيح مسلم عن معاوية بن الحكم السلمي أنه قال لرسول الله ﷺ: ومنا أنا يتطيرون، قال: «ذلك شيء يجده أحدكم في نفسه، فلا يصدنكم».
وقال عكرمة: كنا جلوسًا عند ابن عباس، فمر طائر يصيح، فقال رجل من القوم: خير خير، فقال له ابن عباس: (لا خير ولا شر). قال ابن القيم: فبادره بالإنكار عليه، لئلا يعتقد تأثيره في الخير والشر.
وخرج طاوس مع صاحب له في سفر، فصاح غراب، فقال الرجل:
[ ١ / ٤٨٩ ]
خير، فقال طاوس: وأي خير عن هذا؟ لا تصحبني.
وقد ذكر أصحاب الأخبار أيضًا تشاؤم العرب وتطيرهم بالطيور، وأن هذه الظاهرة كانت معروفة لديهم. حتى إن بعضهم كان يتشاءم من العطاس أيضًا.
ولا شك: أن هذا شرك بالله في قدرته الكاملة إذا كان اعتقاد المتطير أنها تؤثر بذاتها في جلب نفع أو دفع ضر، وأما إذا كان اعتقاده مجرد الالتفات إلى الأسباب، فهذا من قبيل الشرك الأصغر.
ومن الشرك بالله جل شأنه في الربوبية بالأنداد بإثبات صفات الله لبعض مخلوقاته:
ج- الشرك بإعطاء حق التشريع والتحليل والتحريم والحكم لغير الله؛ فإن من المعلوم أن الحُكم أو الحَكَم من صفات الله ﷿، وهكذا التشريع والتحليل والتحريم، فقد قال تعالى: (أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًا)، وقال: (فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ)، (أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ)، وقال ﷺ: «إن الله هو الحَكَم وإليه الحُكم».
[ ١ / ٤٩٠ ]
ولقد وقع مشركو العرب في هذا النوع من الشرك؛ والدليل عليه رد الله ﷿ عليهم في كتابه، فمن ذلك (مع ما ذكر) قوله تعالى: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ)، وقوله تعالى: (قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللهَ حَرَّمَ هَذَا)، وقوله تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ)، وقوله: (وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ)، وقوله: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ)، وقوله: (لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ)، وقوله: (لَوْ شَاء اللهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ)، وقال: (وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللهُ افْتِرَاء عَلَى اللهِ)، وقال: (وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا افْتِرَاء عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨) وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاء سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حِكِيمٌ عَلِيمٌ)، وقال: (وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا
[ ١ / ٤٩١ ]
حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ)، وقال: (قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلالًا قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ)، وغير ذلك من الآيات التي تدل صراحة على أنهم وقعوا في شرك التحليل والتحريم والتشريع لغير الله عزوجل.
كما أن هناك آيات تدل على أنهم وقعوا في شرك إعطاء حق الحكم والتحاكم لغير الله، فمن ذلك قوله تعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)، وقوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا)، وقوله: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)، وقوله: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)، وقوله: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)، وقوله: (أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا)، وقوله: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ)، وقوله: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى
[ ١ / ٤٩٢ ]
يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ)، فهذه آيات من القرآن الكريم تدل على أن مشركي العرب كان عندهم نوع من التحاكم إلى الطاغوت وقد نهاهم الله عن ذلك، بل ذكر ما يدل على أن الإيمان لا يصح إلا بالكفر بالطاغوت، ومنذلك (مع ما ذكر) قوله تعالى: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا)، وقوله: (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى
اللهِ لَهُمُ الْبُشْرَى).
ومن أصرح الأدلة على أن العرب كان عندهم نوع من التحاكم إلى غير الله: استقسامهم بالأزلام. قال تعالى: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)، وقال تعالى: (وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ).
والمقصود: أن هذا النوع من الشرك قد كان في العرب، وهو شرك بالله في الربوبية بالأنداد، وذلك بإعطاء حق التشريع والتحليل والتحريم والحكم والتحاكم لغير الله، وقد ذكر المفسرون في تفسير هذه الآيات من الأسباب ما يدل على أن العرب قد وقعوا في هذا الشرك؛ فمن ذلك قول الحافظ ابن كثير عند تفسيره لقوله تعالى: (وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ)، حيث قال: (ثم نهى عن سلوك سبيل المشركين الذين حللوا وحرموا بمجرد ما
[ ١ / ٤٩٣ ]
وصفوه واصطلحوا عليه من الأسماء بآرائهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وغير ذلك مما كان شرعًا لهم ابتدعوه في جاهليتهم)، وقال أيضًا: (والمقصود: أن عمرو بن لحي - لعنه الله - كان قد ابتدع لهم أشياء في الدين غير بها دين الخليل، فاتبعه العرب في ذلك).
وقال في موضع آخر: (وكان قوله وفعله فيهم كالشرع المتبع لشرفه فيهم ومحلته عندهم وكرمه عليهم)، وقال: (وابتدعوا من الشرائع الباطلة الفاسدة التي ظنها كبيرهم عمرو بن لحي - قبحه الله - مصلحة ورحمة بالدواب والأنعام، وهو كاذب مفتر في ذلك ).
وقد ذكر الإمام البخاري في صحيحه من قول ابن عباس أنه قال: (إذا سرك أن تعلم جهل العرب، فاقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من سورة الأنعام)، وفي هذه الآيات من التحليل والتحريم والتشريع من عند غير الله ما الله به عليم، ومن أراد البسط في ذلك فليرجع إلى تفسير ابن كثير وغيره.
فهذه بعض مظاهر الشرك بالله جل شأنه في بعض صفاته من حيث إثبات صفات الله جل وعلا المختصة به لبعض مخلوقاته.
ومن الشرك بالله جل شأنه في بعض صفاته: إثبات صفات المخلوق الناقصة لله ﷿، ومن مظاهر هذا الشرك لدى العرب في جاهليتهم ما يلي:
[ ١ / ٤٩٤ ]
١ - خرق البنات والبنين لله جل شأنه.
قال تعالى: (وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ).
وقال: (أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا).
وقال: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ).
وقال: (وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ).
وقال: (فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠) أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ).
وقال: (أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ).
وقال: (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى).
وقال: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ).
وقال: (أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ).
[ ١ / ٤٩٥ ]
وقال: (إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى).
وغيرها من الآيات، كلها تدل على أن مشركي العرب في الجاهلية كانوا يعتقدون في الملائكة أنهم بنات الله، كما كان هذا اعتقادهم في بعض الأصنام.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وأما قوله: (وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا)، فقيل: هو قولهم الملائكة بنات الله، وهو قول مجاهد وقتادة، وقيل: قالوا لحي من الملائكة يقال لهم الجن ومنهم إبليس وهم بنات الله وقوله: (وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ)، قال بعض المفسرين كالثعلبي: وهم كفار العرب، قالوا: الملائكة والأصنام بنات الله، واليهود قالوا: عزير ابن الله، والنصارى قالوا: المسيح ابن الله ).
ومن مظاهره أيضًا:
٢ - إثبات المصاهرة بين الله وبين الجنات.
قال تعالى: (وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ).
وقال في معرض الرد عليهم على لسان الجنات: (وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا).
[ ١ / ٤٩٦ ]
وقال: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ).
قال ابن جرير الطبري ﵀ في تفسير الآية: (جعل هؤلاء المشركون بين الله وبين الجنة نسبًا، واختلف أهل التأويل في معنى النسب الذي أخبر الله عنهم أنهم جعلوه لله تعالى؛ فقال بعضهم: هو أنهم قالوا: إن الله وإبليس أخوان).
وقال قتادة: قالت اليهود: إن الله ﵎ تزوج إلى الجن، فخرج منهما الملائكة.
وقال في موضع آخر في تفسير قوله تعالى: (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ): يقول تعالى ذكره: تنزه الله وعلا فارتفع عن الذي يصفه به هؤلاء الجهلة من خلقه في ادعائهم له شركاء من الجن واختراقهم له بنين وبنات، وذلك لا ينبغي أن يكون من صفته؛ لأن ذلك من صفة خلقه الذين يكون منهم الجماع الذي يحدث عنه الأولاد، والذين تضطرهم لضعفهم الشهوات إلى اتخاذ الصاحبة لقضاء اللذات، وليس الله تعالى ذكره بالعاجز فيضطره شيء إلى شيء، ولا بالضعيف المحتاج فتدعوه حاجته إلى النساء إلى اتخاذ صاحبة لقضاء لذة ).
[ ١ / ٤٩٧ ]
وقال ابن كثير: (قال مجاهد: قال المشركون: الملائكة بنات الله تعالى، فقال أبو بكر ﵁: فمن أمهاتهن؟ قالوا: بنات سروات الجن، وكذا قال قتادة وابن زيد).
ويروى عن ابن عباس أنه قال: (أنزلت هذه الآية في ثلاثة أحياء من قريش؛ سليم وخزاعة وجهينة. (وجعلوا بينه وبين الجنة نسبًا)، قال: قالوا: صاهر إلى كرام الجن).
فهذه بعض الروايات التي تدل على أن بعض العرب وقع في هذا النوع من الشرك، وأغلب هذه الروايات ضعيفة.
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بعض هذه الروايات، ففي بعض المواضع نقل شيخ الإسلام نسبة المصاهرة من مشركي العرب بدون تعقيب، ولكنه عقبه في موضع آخر بأن في صحتها نظر، فقال:
(وقال الكلبي: قالوا - لعنهم الله ـ: بل تزوج من الجن فخرج بينهما الملائكة وأما الذين كانوا يقولون من العرب: إن الملائكة بنات الله، وما نقل عنهم من أنه صاهر الجن، فولدت له الملائكة؛ فقد نفاه الله عنه بامتناع الصاحبة، بامتناع أن يكون منه جزء فإنه صمد، وقوله: (ولم تكن له صاحبة)، وهذا من أن الولادة لا تكون إلا من أصلين سواء في ذلك تولد الأعيان التي
[ ١ / ٤٩٨ ]
تسمى الجواهر، وتولد الأعراض والصفات، بل ولا يكون تولد الأعيان إلا بانفصال جزء من الوالد، فإذا امتنع أن يكون له صاحبة امتنع أن يكون له ولد، وقد علموا كلهم أن لا صاحبة له من الملائكة، ولا من الجن، ولا من الإنس، ولم يقل أحد منهم أن له صاحبة، فلهذا احتج بذلك عليهم، وما حكي عن بعض كفار العرب أنه صاهر الجن، فهذا فيه نظر، وذلك إن كان قد قيل، فهو مما يعلم انتفاؤه من وجوه كثيرة).
فإن كانت هذه الروايات ثابتة يكون إثباتهم مثل هذه المصاهرة من الشرك بالله في الربوبية بإثبات صفات المخلوق الناقصة لله جل وعلا.
والمقصود: بيان كون العرب - بعضهم على فرض ثبوت الروايات في ذلك - قد أشركوا بالله في بعض صفاته من حيث إثبات صفات المخلوق الناقصة لله جل شأنه الكامل، وهو إلحاد وتنقيص وشرك، وقد سبق معنا إثبات كونه شركًا فيما سبق.
فهذه بعض مظاهر الشرك بالله جل وعلا في بعض خصائص الربوبية التي كانت لدى العرب في جاهليتهم، ولكن - كما أسلفنا - أن هذه المظاهر ما كانت بصفة عامة لدى جميع العرب، بل العرب كان أغلبهم شركهم في الجاهلية في العبادة والألوهية وفي المعاملة - سواء كانت هذه العبادات من الأقوال القلبية أو كانت من الأعمال القلبية - على أنها تقربهم إلى الله زلفى، وعلى أنها تشفع لهم إلى الله يوم القيامة، أو تشفع لهم في قضاء حوائجهم أو في جلب نفع أو دفع ضر، وهي الصفة الغالبة لديهم في الجاهلية كما تدل عليها الآيات القرآنية - كما سيأتي ـ.
[ ١ / ٤٩٩ ]
الفرع الثاني: شرك العبادة لدى العرب:
وفيه تمهيد وعنصران
أما التمهيد فيتضمن نقطتان:
النقطة الأولى: في بيان كون أغلب شرك العرب في العبادة:
من أبرز حقائق الشرك الجاهلي: اعتقاد المشركين بتعدد الآلهة دون إنكاره سبحانه أو اعتقاد الخالقية والرازقية والإحياء والإماتة وغيرها من أمور الربوبية لغيره سبحانه، فأغلبهم كانوا يقولون بتعدد الآلهة دون التخلي عن فكرة الإله الخالق للكون، وإنما هم أشركوا بعباته عبادة الآلهة الأخرى المتمثلة في الأوثان والأصنام على اختلافها وتنوعها، كما هي تتمثل أيضًا في بعض الأشجار والأحجار والأجرام السماوية، معتقدين أن هذه الأشياء المميزة إنما هي مكمن للقوى الخفية، وللأرواح الشريرة، وللشياطين التي تدخل في شئون الإنسان، وتسد عليه طريق تفكيره وسلوكه.
وفي القرآن الكريم وفي السنة المطهرة النبوية وفي التراث الجاهلي بشعره ونثره الكثير من الأدلة والشواهد المثبتة لمبدأ تعدد الآلهة دون التنكر لفكرة الله خالق هذا الوجود، ودون إثبات الرازقية والخالقية والإماتة والإحياء وتدبير الأمور وغيرها لغيره ﷾، وسأذكر فيما يلي الأدلة على أن أغلب شرك العرب إنما كان في العبادة فحسب.
لقد نوع الله ﷿ في كتابه الكريم الدلائل على إقرار المشركين بتوحيد الربوبية وإشراكهم في الألوهية.
النوع الأول من الدلائل على ذلك: استدلال الله ﷿ واحتجاجه على مشركي العرب بإقرارهم بالخالقية والرازقية والإحياء والإماتة وتدبير
[ ١ / ٥٠٠ ]
الأمور على أن الألوهية والعبادة محض حق خالص له سبحانه.
فمن هذه الآيات:
١ - قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) إلى قوله: (فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ).
قال الطبري وابن كثير: (أي لا تشركوا بالله غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره).
٢ - قوله تعالى: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ).
قال ابن كثير في هذه الآية: (يحتج تعالى على المشركين باعترافهم بوحدانية ربوبيته على وحدانية ألوهيته أي فكيف تُصرفون عن عبادته إلى عبادة ما سواه وأنتم تعلمون أنه الرب الذي خلق كل شيء والمتصرف في كل شيء؟).
٣ - قوله تعالى: (قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ).
قال ابن كثير: (أي أنتم تعلمون أن شركاءكم لا يقدرون على هداية ضال، وإنما يهدي الحيارى والضلاّل من الغي إلى الرشد الله الذي لا إله إلا هو).
[ ١ / ٥٠١ ]
فإذا كانت الهداية والضلالة بيد الله باعترافكم فلماذا تعبدون غيره؟ وما الذي منعكم من إخلاص العبادة لله جل شأنه إذا كان لديكم الاعتراف بربوبيته؟ .
٤ - قوله تعالى: (قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللهُ).
قال ابن كثير: (يقرر تعالى أنه لا إله إلا هو؛ لأنهم معترفون بأنه هو الذي خلق السموات والأرض وهو ربها ومدبرها).
٥ - قوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ).
قال ابن كثير: (يقول تعالى: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين بالله العابدين معه غيره: من خلق السموات والأرض؟ (ليقولن خلقهن العزيز العليم)؛ أي ليعترفن بأن الخالق لذلك هو الله وحده لا شريك له، وهم مع هذا يعبدون معه غيره من الأصنام والأنداد).
٦ - قوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ).
قال ابن كثير: (أي ولئن سألت هؤلاء المشركين بالله العابدين معه غيره، من خلقهم؟ ليقولن: الله، أي هم يعترفون أنه الخالق الأشياء جميعها وحده لا شريك له في ذلك).
٧ - وقوله تعالى: (قُل لِّمَنِ الأرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤)
[ ١ / ٥٠٢ ]
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ).
قال ابن كثير: (يقرر - تعالى - وحدانيته واستقلاله بالخلق والتصرف والملك؛ ليرشد إلى أنه الله الذي لا إله إلا هو ولا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له، ولهذا قال للرسول محمد ﷺ أن يقول للمشركين العابدين معه غيره المعترفين له بالربوبية: أنه لا شريك له فيها، ومع هذا فقد أشركوا معه في الإلهية فعبدوا غيره معه، مع اعترافهم أن الذين عبدوهم لا يخلقون شيئًا ولا يملكون شيئًا ولا يستبدون بشيء فقال: (قل لمن الأرض ومن فيها)؛ أي مَن مالكها الذي خلقها ومَن فيها من الحيوانات والنباتات والثمرات وسائر صنوف المخلوقات؟ (إن كنتم تعلمون، سيقولون لله)؛ أي فيعترفون لك بأن ذلك لله وحده لا شريك له، فإذا كان ذلك (قل أفلا تذكرون) أنه لا تنبغي العبادة إلا للخالق الرازق لا لغيره؛ (قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم) (سيقولون لله قل أفلا تتقون) أي إذا كنتم تعترفون بأنه رب السموات ورب العرش العظيم أفلا تخافون عقابه وتحذرون عذابه في عبادتكم معه غيره وإشراككم به؟
قال: وقوله: (فأنى تسحرون) أي فكيف تذهب عقولكم في عبادتكم معه غيره مع اعترافكم وعلمكم بذلك).
[ ١ / ٥٠٣ ]
٨ - قوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ).
قال ابن كثير تحت هذه الآيات: (يقول تعالى مقررًا أنه لا إله إلا هو؛ لأن المشركين الذين يعبدون معه غيره معترفون بأنه المستقل بخلق السموات والأرض والشمس والقمر، وتسخير الليل والنهار، وأنه الخالق الرازق لعباده، ومقدر آجالهم واختلاف أرزاقهم، ففاوت بينهم، فمنهم الغني والفقير، وهو العليم بما يصلح كلًا منهم، ومن يستحق الغنى ممن يستحق الفقر، فذكر أنه المستقل في خلق الأشياء، المتفرد بتدبيرها، فإذا كان الأمر كذلك فلم يعبد غيره؟ ولم يتوكل على غيره؟ فكما أنه الواحد في ملكه فليكن هو الواحد في عبادته، وكثيرًا ما يقرر تعالى مقام الإلهية بالاعتراف بتوحيد الربوبية، وقد كان المشركون يعترفون بذلك كما كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك ).
٩ - قوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ).
قال ابن كثير في تفسير الآية: (يقول تعالى مخبرًا عن هؤلاء المشركين به أنهم يعرفون أن الله خالق السموات وحده لا شريك له، ومع هذا يعبدون معه شركاء يعترفون أنها خلق له وملك له، ولهذا قال تعالى: (قل الحمد لله) أي
[ ١ / ٥٠٤ ]
إذا قامت عليكم الحجة باعترافكم).
١٠ - قوله تعالى: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ).
قال ابن كثير: (يقول تعالى مقررًا تفرده بالخلق والرزق وانفراده بالإلهية أيضًا كما كانوا يعترفون بأنهم لا يرزقهم من السماء والأرض إلا الله. فكذلك فليعلموا أنه لا إله غيره).
١١ - قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ).
قال ابن كثير: (ينبه تعالى عباده ويرشدهم إلى الاستدلال على توحيده في إفراد العبادة له كما أنه المستقل بالخلق والرزق فكذلك فليفرد بالعبادة ولا يشرك به غيره من الأصنام والأنداد والأوثان).
١٢ - قوله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ).
وجه الاستدلال: تقريرهم بأن شركاءهم ما خلقوا شيئًا، كما هو واضح من الآية.
١٣ - قوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ).
قال ابن كثير: (يعني المشركين، كانوا يعترفون بأن الله ﷿ هو الخالق
[ ١ / ٥٠٥ ]
للأشياء كلها، ومع هذا يعبدون معه غيره ممن لا يملك لهم ضرًا ولا نفعًا).
فهذه بعض الآيات القرآنية التي تدل على أن أغلب المشركين كانوا يعترفون بربوبية الله جل شأنه وخالقيته ورازقيته، وينسبون تدبير أمورهم وشئونهم إلى الله سبحانه وحده، وهم مع هذا كانوا مشركين، فشركهم ليس إلا في العبادة.
النوع الثاني من الأدلة على ذلك: احتجاج الله جل وعلا على أحقيته بتوحيد العبادة بإقرار المشركين عن معبوديهم بأنها لا تملك النفع والضر لأحد فضلًا عن أن تملك كشف الضر عن أحد. وقد ذكره الله ﷿ في آيات كثيرة، منها:
١ - قوله تعالى: (قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا).
قال ابن كثير في تفسير الآية: (يقول الله تعالى منكرًا على من عبد غيره من الأصنام والأنداد والأوثان ومبينًا له أنها لا تستحق شيئًا من الإلهية وفقال تعالى قل يا محمد لهؤلاء العابدين غير الله أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرًا ولا نفعًا، أي لا يقدر على دفع ضر عنكم ولا إيصال نفع إليكم، والله هو السميع العليم .. فلم عدلتم عنه إلى عبادة جماد لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم شيئًا، ولا يملك ضرًا ولا نفعًا لغيره ولا لنفسه).
والمقصود: أن السؤال كان سؤال إنكار وتقرير.
٢ - قوله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ).
[ ١ / ٥٠٦ ]
قال ابن كثير في تفسير الآية: (أي إذا أتاكم هذا وهذا أغير الله تدعون إن كنتم صادقين، أي لا تدعون غيره لعلمكم أنه لا يقدر أحد على رفع ذلك سواه، ولهذا قال: (إن كنتم صادقين) أي: في اتخاذكم آلهة معه).
٣ - قوله تعالى: (قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا).
قال ابن كثير: (يقرر تعالى: أنه لا إله إلا هو، لأنهم معترفون بأنه هو الذي خلق السموات والأرض وهو ربها ومدبرها وأولئك الآلهة لا تملك لنفسها ولا لعابديها بطريق الأولى نفعًا ولا ضرًا فهل يستوي من عبد هذه الآلهة ومن عبد اللهه وحده لا شريك له فهو على نور من ربه).
٤ - قوله تعالى: (قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ).
قال الشوكاني: (أي أخبروني عن آلهتكم هذه هل تقدر على كشف ما أراده الله بي من الضر (أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته) عني بحيث لا تصل إلي، قال مقاتل: لما نزلت هذه الآية سألهم النبي ﷺ فسكتوا، وقال غيره: قالوا: لا تدفع شيئًا من قدر الله ولكنها تشفع، فنزل (قل حسبي الله) في جميع أموري في جلب النفع ودفع الضر ).
٥ - قال تعالى: (وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ).
[ ١ / ٥٠٧ ]
قال الشوكاني: إن الكفار يعتقدون في معبوداتهم وأصنامهم أنها تنفعهم في غير كشف الضر والمصائب، وأما في هذه الحالة - أي حالة مسهم الضر في البحر - فإن كل واحد منهم يعلم علمًا لا يقدر على مدافعته: أن الأصنام ونحوها لا فعل لها.
فهذه الآيات كلها تدل على أن أغلب مشركي العرب كانوا يعترفون بأن الضر والنفع من الله، وأنه ليس لهم أي كاشف عن مصائبهم غير الله سبحانه، ومعلوم أن هذا من أمور الربوبية، ولكن مع هذا هم يشركون بالله، ليس إلا بالعبادة، فاحتج الله عليهم بهذا الاعتراف على ضرورة تفرده سبحانه وحده بالعبادة.
النوع الثالث: آيات من القرآن الكريم تصرح بالشركة: ومعلوم أن الشركة لا تكون إلا بوجود الاعتراف بمن يشرك به، وهو الله جل شأنه، وهذه الآيات وإن كانت تدل على الشركة في الألوهية والربوبية معًا إلا أن الأدلة الأخرى توضح بأنهم ما كانوا يشركون في الربوبية باتخاذ الأنداد في الذات - إلا عند شرذمة منهم كما مر ـ، وإنما كانوا يشركون في الألوهية وبعض خصائص الربوبية، فالشركة هنا ظاهرة في الشرك في الألوهية. فمن هذه الآيات:
١ - قوله تعالى: (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرَى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ).
[ ١ / ٥٠٨ ]
فهذه الآية الكريمة أفادت أن المشركين يشهدون: بأن الله إلههم، ولكنهم يقولون: إن معه آلهة أخرى، وهذه الشهادة منهم أكدت بالقسم وبأداة التأكيد إن، وأكدت باللام، (فلفظ (مع) في الآية تدل على أنهم مقرون بربوبية الله وكذا بألوهيته، ولكنهم جعلوا معه آلهة أخرى، جعلوها مع الله، فشركهم من حيث إشراكهم آلهة مع الله يتوجهون إليها كوسائط توصلهم إلى الله، وترفع حاجاتهم، وتلبي طلبهم بالدعاء لها، هذا اعتقادهم ودينهم، وجاء مثل هذا المعنى في آيات كثيرة).
٢ - قوله تعالى: (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ).
قال الحافظ ابن كثير: (وعيد أكيد لمن جعل مع الله معبودًا آخر).
والمعروف: أن فيه اعترافهم بالله مع شركهم به، فشركهم إنما هو بالعبادة والألوهية لا في الربوبية؛ بدليل اعترافهم بالشركة، والشركة ليست في الربوبية باتخاذ الأنداد، وإنما هي في الألوهية، وفي بعض خصائص الربوبية.
٣ - قال تعالى: (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ). قال الحافظ ابن كثير: (يقول تعالى متوعدًا من أشرك به غيره، وعبد معه سواه، ومخبرًا أن من أشرك بالله لا برهان له؛ أي لا دليل له على قوله).
[ ١ / ٥٠٩ ]
٤ - قوله تعالى: (أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ)، بعد قوله: (آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا). ومثل هذا قوله تعالى: (أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ)، وقوله: (أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ)، وقوله: (أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)، وقوله: (أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ).
قال الحافظ ابن كثير: (استفهام إنكار على المشركين في عبادتهم مع الله آلهة أخرى، ثم شرع يبين أنه المتفرد بالخلق والرزق والتدبير دون غيره، أي لم تكونوا تقدرون على إنبات أشجارها، وإنما يقدر على ذلك الخالق والرازق المستقل بذلك، المنفرد به دون هؤلاء الأصنام والأنداد كما يعترف به هؤلاء المشركون).
ومن هذا الباب أيضًا:
٥ - قوله تعالى: (فَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ).
٦ - قوله تعالى: (الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ).
والآيات كثيرة، يذكر الله في كتابه ما يعتقده المشركون أن مع الله آلهة، فهم
[ ١ / ٥١٠ ]
مقرون بربوبية الله وأحديته فيها، ولكن يتخذون معه آلهة في العبادة.
النوع الرابع: آيات تدل على أن المشركين كانوا يقرون على أنفسهم بالشرك في العبادة: بل القرآن كله في مخاطبته للمشركين مضمن لهذا، ولفظ الشرك لا يكون في لسان إلا ومعناه إشراك شيئين في حكم، فهم مع اعترافهم بشركهم مقرون بربوبية الله ولكنهم أشركوا به في الإلهية، ومن هذه الآيات:
قوله تعالى: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ). وجه الدلالة: اعترافهم بالمشيئة لله فهو إقرار بالربوبية واعترافهم بالشرك ما هو إلا في الألوهية والعبادة.
النوع الخامس: إخباره تعالى عن هؤلاء المشركين الذين كذَّبوا رسول الله ﷺ وحاربوه وقلوه، أنهم لا يشركون إلا في الرخاء واليسر، لا في الشدة والكرب والعسر، فهم حين ذلك مخلصون لله وحده، لا يدعون سواه، ولا يتخذون وسائط.
وهذا النوع متعدد في القرآن الكريم العزيز، من ذلك ما يلي:
١ - قوله تعالى: (قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ).
٢ - قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ)
[ ١ / ٥١١ ]
٣ - قوله تعالى: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ).
٤ - قوله تعالى: (وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ).
فالحق الذي لا محيد عنه هو الذي دل عليه القرآن من إقرار المشركين بالربوبية لله جل شأنه، وكذا بألوهيته، لكنهم أشركوا مبررين صنيعهم بتأويلات وشبهات باطلة، فإذا كانوا في حالة الرخاء أشركوا بالله، ولكن إذا كانوا على الشدة والكرب أخلصوا دينهم لله، وتركوا طلب الدعاء من غير الله، وتركوا الاستغاثة بغير الله، بل أخلصوا ذلك كله لله، ونسوا غيره من الملائكة والأنبياء والصالحين والأصنام والأنداد.
النوع السادس: ذكر الله عن المشركين أن عندهم نوع من إيمان بالله سبحانه، وأردف ذلك ببيان كونهم مشركين به، ومعلوم أن إيمانهم كان في توحيد الربوبية، وشركهم كان في توحيد الألوهية والعبادة. ومن ذلك:
قوله تعالى في آخر سورة يوسف: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ). يقول المفسرون من السلف والخلف: إيمانهم بالله هو قولهم: الله خالقنا ورازقنا ومميتنا ومحيينا، وإشراكهم به هو جعلهم لله شريكًا في عبادته ودعائه، فلا يخلصون له بالطلب منه وحده، وبنحو هذا قال أهل التأويل، منهم ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وعامر الشعبي، وقتادة وغيرهم.
فهذه دلالات القرآن على أن أغلب مشركي العرب كان شركهم في العبادة دون
[ ١ / ٥١٢ ]
الربوبية، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (أما توحيد الربوبية فقد أقر به المشركون وكانوا يعبدون مع الله غيره ويحبونهم كما يحبونه فكان ذلك التوحيد الذي هو توحيد الربوبية حجة عليهم ).
وقال الإمام ابن القيم: (والإلهية التي دعت إليه الرسل أممهم إلى توحيد الرب بها: هي العبادة والتأليه، ومن لوازمها: توحيد الربوبية الذي أقر به المشركون فاحتج الله عليهم به فإنه يلزم من الإقرار به الإقرار بتوحيد الإلهية ).
الأدلة من السنة النبوية المطهرة على أن المشركين في الجاهلية كانوا يقرون بالربوبية، وأن غالب شركهم كان في الألوهية والعبادة: وهي كثيرة، وسأضرب بعض الأمثلة على ذلك:
١ - ما سبق معنا من قول النبي ﷺ: «قد قد»، لمن سمعه يقول في تلبيته: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك ).
٢ - قوله ﷺ لحصين: «كم تعبد؟» قال: سبعًا في الأرض وواحدًا في السماء، قال: «فإذا أصابك الضر من تدعو؟» قال: الذي في السماء .
الأدلة من أشعار العرب على أن أغلب شرك العرب كان في العبادة دون
[ ١ / ٥١٣ ]
الربوبية:
لعل من أبرز ما يدل على أن شركهم كان في العبادة ذكرهم آلهتهم في أشعارهم بالعبادة، وأنشادهم الأشعار في شأنهم، وتتمثل هذه المظاهر فيما يلي:
أ- تلبياتهم لبعض الأصنام؛ وفيها التصريح بالعبادة لهذه الأصنام بالحج والعمرة والطواف وغيرها، فمثلًا أن نزارًا كانت تقول إذا ما أهلت:
لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك
إلا شريك هو لك تملكه وما ملك
وجاء في الأخبار: أن العرب كانت تحج الأقيصر، فيحلقون عنده رؤوسهم، وكان يلقون مع كل شعرة من شعورهم قرة من دقيق، وهم يسبحون ويهللون، وفي ذلك قال قائلهم:
فإنني والذي نغم الأنام له حول الأقيصر تسبيح وتهليل
كما جاء في أشعار العرب ذكر ذي الخلصة، وطواف دوس بهذا الصنم. فقد قال قائلهم:
يطيف بنصبهم حجن صغار فقد كانت حواجبهم تشيب
[ ١ / ٥١٤ ]
وكانت للعرب أحجار منصوبة يطوفون بها ويعترون عندها يسمونها الأنصاب ويسمون الطواف بها الدوار، وفي ذلك يقول قائلهم:
ألا يا ليت أخوالي غنيًا عليهم كلما أمسوا دوار
وهذه بعض أشعارهم في الطواف حول الأصنام والمعبودات، وحول بيوت الآلهة.
ب- ومن مظاهره أيضًا: ذبحهم للأصنام، وذكر ذلك في أشعارهم، فمن ذلك قول بعضهم:
أسوق بدني محقبًا أنصابي هل لي من قومي من أرباب
وقول الآخر منهم:
كأن العزى الفرد أجسد رأسه عتائر مظلوم الهدي المذبح
والعزى هنا هو الحجر الذي كان يذبح عنده للأصنام.
وقول الآخر منهم:
وأنصاب الأقيصر حين أضحت تسيل على مناكبها الدماء
وقول الآخر منهم:
تراهم حول قيلهم عكوفًا كما عكفت هذيل على سواع
تظل جنابه صرعى لديه عتائر من ذخائر كل راع
[ ١ / ٥١٥ ]
فهذه بعض أشعار العرب الدالة على أنهم كانوا يذبحون لأصنامهم، ومعروف أن الذبح لغير الله من الشرك بالله في الألوهية.
ج- ومن مظاهره أيضًا: الحلف بالآلهة، ومن الأشعار الدالة عليه ما روي عن بعضهم:
حلفت بأنصاب الأقيصر جاهدًا وما سحقت فيه المقاديم والقمل
وقول الآخر منهم:
حلفت غطيف لا تنهنه سربها وحلفت بالأنصاب أن لا يرعدوا
ومثل هذا كثير في أشعارهم، ولعل من أبرزها ما كانت تقوله قريش:
وباللات والعزى ومن دان دينها وبالله إن الله منهن أكبر
د- ومن مظاهره أيضًا: ذكرهم بعض الأشعار التي تدل على أنهم إنما يطلبون من هذه الأصنام الشفاعة، فمن ذلك ما كانت قريش تقول عندما تطوف الكعبة:
واللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى فإنهن الغرانيق العلى
وإن شفاعتهم لترتجى.
فهذه بعض أشعار العرب الدالة على أن شرك العرب في الغالب كان في العبادة، وهم في ذلك مقرون بالله جل شأنه - بالربوبية حتى وبالألوهية أيضًا ـ، ولكن الذي يفقدهم هو إفراده سبحانه بالعبادة.
ولكن ما الذي جرهم إلى عدم إفراد العبادة؟ وما الذي حملهم على عبادة غير الله تعالى إذا كانوا يقرون بالله ربًا وخالقًا ورازقًا ومعبودًا؟ هذا ما سيأتي بيانه فيما يلي:
[ ١ / ٥١٦ ]
النقطة الثانية: في بيان كون شرك العرب في الجاهلية في الحقيقة باتخاذ المعبودات زلفى:
كانت فلسفة العرب في عبادة غير الله وإيمانهم بهذه الآلهة وتكريمهم لها إنما هو من أجل التقرب إلى الله والتشفع بها عنده ليس إلا.
وقد ذكر الله ﷿ أصل هذا الشرك والدافع إليه عند المشركين في الجاهلية بأن الذي تقرر في قلوب المشركين - المتقدمين والمتأخرين - أن آلهتهم تشفع لهم عند الله، ويزعمون أنها تقربهم إلى الله - تعالى - برفع حوائجهم إليه والشفاعة عندهم، فقال تعالى:
١ - (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ).
قال الطبري: (يقول تعالى: والذين اتخذوا من دون الله أولياء يتولونهم ويعبدونهم من دون الله يقولون لهم: ما نعبدكم أيها الآلهة إلا لتقربونا إلى الله زلفى - قربة ومنزلة ـ، وتشفعوا لنا عنده في حاجاتنا
قال مجاهد: قريش تقوله للأوثان، ومن قبلهم يقوله للملائكة، ولعيسى بن مريم ولعزير).
فعلم بهذا: أن قوله تعالى: (ما نعبدهم) الآية من قول المشركين لآلهتهم، وقد جاء هذا مصرحًا في قراءة عبد الله بن مسعود الهذلي ﵁ حيث إنه قرأ: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ
[ ١ / ٥١٧ ]
زُلْفَى) والقراءة وإن كانت شاذة إلا أنها تصلح تفسيرًا للآية على أشهر أقوال المفسرين، كما أن هذه قراءة سعيد بن المسيب أيضًا من التابعين.
وقال ابن كثير في تفسير الآية: (ثم أخبر ﷿ عن عباد الأصنام من المشركين: أنهم يقولون: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى)؛ أي إنما يحملهم على عبادتهم لها أنهم عمدوا إلى أصنام اتخذوها على صور الملائكة المقربين - في زعمهم - فعبدوا تلك الصور تنزيلًا لذلك منزلة عبادتهم الملائكة؛ ليشفعوا لهم عند الله تعالى في نصرهم ورزقهم وما ينوبهم من أمور الدنيا، قال قتادة والسدي وزيد بن أسلم وابن زيد: إلا ليقربونا إلى الله زلفى: أي ليشفعوا لنا ويقربونا عنده منزلة).
وقال الشوكاني: (والضمير في (نعبدهم) راجع إلى الأشياء التي كانوا يعبدونها من الملائكة وعيسى والأصنام، وهم المرادون بالأولياء، والمراد بقولهم (إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) الشفاعة كما حكاه الواحدي عن المفسرين).
وقال الرازي في تفسير الآية: (وتقدير الكلام: والذين اتخذوا من دونه أولياء يقولون: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، وعلى هذا التقدير فخبر (والذين) محذوف وهو قوله: (يقولون)، واعلم أن الضمير في قوله: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) عائد على الأشياء التي عُبدت من دون الله، وهي قسمان: العقلاء، وغير العقلاء.
أما العقلاء: فهو أن قومًا عبدوا المسيح وعزيرًا والملائكة، وكثير من
[ ١ / ٥١٨ ]
الناس يعبدون الشمي والقمر والنجوم، ويعتقدون فيها أنها أحياء عاقلة ناطقة.
وأما الأشياء التي عبدت مع أنها ليست موصوفة بالحياة والعقل فهي الأصنام، إذا عرفت هذا فنقول: الكلام الذي ذكره الكفار لائق بالعقلاء، أما بغير العقلاء فلا يليق، ويمكن أن يقال: إن العاقل لا يعبد الأصنام من حيث إنه خشب أو حجر، وإنما يعبدونه لاعتقادهم أنها تماثيل الكواكب أو تماثيل الأرواح السماوية، أو تماثيل الأنبياء والصالحين الذين مضوا، ويكون مقصودهم من عبادتها توجيه تلك العبادات إلى تلك الأشياء التي جعلوا هذه التماثيل صورًا لها ).
وقال صاحب محاسن التأويل: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ) أي بالمحبة والتقرب والتوسل بهم إلى الله - تعالى - (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) أي يقولون ذلك احتجاجًا على ضلالهم (إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) أي عند حشر معبوداتهم معهم فيقرن كلًا منهم مع من يتولاه من عابد ومعبود، ويدخل المبطل النار مع المبطلين، كما يدخل المحق الجنة مع المحقين).
والمقصود: أن الله ﷿ بين سبب عبادة المشركين لآلهتهم بيانًا شافيًا بأن شرك العرب كان بدافع التقرب والواسطة إلى الله جل وعلا، ولكن كان هذا
[ ١ / ٥١٩ ]
نتيجة الغلو في المخلوقات ورفعها فوق منزلتها، كما سيأتي في بيان أسباب الشرك. وإنما المقصود هنا بيان الآيات التي تدل على أن شرك العرب كان بدافع التقرب إلى الله جل وعلا بهؤلاء المعبودات، وقد نقلت في تفسير هذه الآية أقوال المفسرين من المأثور والرأي. وقد ذكر الله ﷿ هذه الحقيقة في عدة أيات من القرآن الكريم غير ما ذكرت، وسأورد بعضًا منها فيما يلي دون الإشارة إلى تفسيرها اكتفاء بما ذكر في الآية الأولى، وبما هو مدون في كتب التفسير، فمن هذه الآيات:
٢ - قوله تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ).
٣ - قوله تعالى: (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا).
٤ - قوله تعالى: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ).
٥ - قوله تعالى: (فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ
٦ - قوله تعالى: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ
[ ١ / ٥٢٠ ]
ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (جمع [في هذه الآية] بين الشرك والشفاعة).
إذن حقيقة الشرك في العرب: اتخاذ واسطة بين المخلوق والخالق. فعبادتهم لغير الله وإيمانهم بهذه الآلهة وتكريمهم لها إنما هو من أجل التقرب إلى الله والتشفع بها عنده.
قال الشهرستاني في الملل والنحل في بيان شرك العرب: (وصنف منهم أقروا بالخالق وابتداء الخلق ونوع من الإعادة وأنكروا الرسل، وعبدوا الأصنام، وزعموا أنهم شفعاؤهم عند الله في الدار الآخرة، وحجوا إليها ونحروا لها الهدايا وقربوا القرابين، وتقربوا إليها بالمناسك والمشاعر، وأحلوا وحرموا، وهم الدهماء من العرب، إلا شرذمة منهم ).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (ولم يكن أحد من عباد الأصنام يعتقد أنها خلقت السموات والأرض، بل إنما كانوا يتخذونها شفعاء ووسائط لأسباب:
منهم من صورها على صور الأنبياء والصالحين.
ومنهم من جعلها تماثيل وطلاسم للكواكب والشمس والقمر.
ومنهم من جعلها لأجل الجن.
ومنهم من جعلها لأجل الملائكة ).
[ ١ / ٥٢١ ]
وقال في موضع آخر: (فالمشركون كانوا يتخذون من دون الله شفعاء من الملائكة والأنبياء والصالحين، ويصورون تماثيلهم فيستشفعون بها، ويقولون: هؤلاء خواص الله، فنحن نتوسل إلى الله بدعائهم وعبادتهم ليشفعوا لنا، كما يتوسل إلى الملوك بخواصهم لكونهم أقرب إلى الملوك من غيرهم فيشفعون عند الملوك بغير إذن الملوك، وقد يشفع أحدهم عند الملك فيما لا يختاره فيحتاج إلى إجابة شفاعته رغبة ورهبة).
وقال أيضًا: (وكان المشركون الذين جعلوا معه آلهة آخرين مقرين بأن آلهتهم مخلوقة، ولكنهم كانوا يتخذونهم شفعاء ويتقربون بعبادتهم إليه).
وقال ابن أبي العز: (ولم يكونوا يعتقدون في الأصنام أنها مشاركة لله في خلق العالم، بل كان حالهم فيها كحال أمثالهم من مشركي الأمم في الهند والترك والبربر وغيرهم؛ تارة يعتقدون: أن هذه تماثيل قوم صالحين من الأنبياء والصالحين، ويتخذونهم شفعاء ويتوسلون بهم إلى الله، وهذا كان أصل شرك العرب - إلى أن قال: - ومن أسباب الشرك عبادة الكواكب، واتخاذ الأصنام بحسب ما يظن أنه مناسب للكواكب من طباعها، وشرك قوم إبراهيم ﵇ كان - فيما يقال - من هذا الباب. وكذلك الشرك بالملائكة والجن، واتخاذ الأصنام لهم، وهؤلاء كانوا مقرين بالصانع ولكن اتخذوا هذه الوسائط شفعاء ).
وقال الآلوسي: (وكانوا يعتقدون بعبادتهم الأصنام عبادة الله تعالى،
[ ١ / ٥٢٢ ]
والتقرب إليه، ولكن بطرق مختلفة.
فرقة قالت: ليس لنا أهلية لعبادة الله تعالى بلا واسطة؛ لعظمته، فعبدناها لتقربنا إليه
وفرقة قالت: الملائكة ذوو جاه ومنزلة عند الله، فاتخذنا أصنامًا على هيئة الملائكة ليقربونا إلى الله.
وفرقة قالت: جعلنا الأصنام قبلة لنا في عبادة الله تعالى كما أن الكعبة قبلة في عبادته.
وفرقة اعتقدت: أن على كل صنم شيطانًا موكلًا بأمر الله، فمن عبد الصنم حق عبادته قضى الشيطان حوائجه بأمر الله، وإلا أصابه الشيطان بنكبة بأمر الله ).
والمقصود: بيان أن المشركين إنما أشركوا بالله تعالى شرك الشفاعة والتوسل إلى الله تعالى بعبادة الصالحين، حيث ظنوا أنهم لا يمكنهم الوصول إلى الله تعالى مباشرة إلا بواسطة الصالحين الذين لهم مكانة عند الله، وأن الله تعالى لا يرد شفاعتهم لمنزلتهم عنده، وكانوا يقيسون الله على ملوك الدنيا، فزعموا أنه كما لا يمكن الوصول إلى الملك إلا بواسطة حواشيه وندمائه، هكذا لا يمكن الوصول إلى الله تعالى مباشرة إلا بواسطة عباد الله المقربين عنده.
وعلى هذا الأساس صوروا لهم الصور ونحتوا لهم التماثيل تذكارًا لهم، وجعلوها قبلة للتوجه إلى هؤلاء الصالحين المقربين، فكانوا على هذا الأساس يدعونهم ويستغيثون بهم في المهمات، وينذرون لهم، ويعبدونهم بأنواع العبادات.
[ ١ / ٥٢٣ ]
وهذه الوسائط لدى العرب لما كانت تنقسم إلى ما هو عاقل وما هو غير عاقل، وإلى ما هو سماوي وما هو أرضي، فإنني سأذكرها بالتفصيل في العنصرين الآتيين:
العنصر الأول: في بيان شرك العرب بعبادة الآلهة السماوية:
فهذه الأدلة بعضها تعقل وبعضها لا تعقل.
أما ما كانوا يعبدون من الآلهة السماوية من العقلاء فمثلًا: عبادة الملائكة.
فقد ثبت من النصوص الشرعية وروايات التاريخ: أن من العرب من كان يعبد الملائكة. قال الله ﷿: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ).
قال الطبري: (يقول تعالى ذكره: ويوم نحشر هؤلاء الكفار بالله جميعًا ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدونكم من دوننا؟ فتتبرأ منهم الملائكة، (قَالُوا سُبْحَانَكَ) ربنا تنزيهًا لك وتبرئة مما أضاف إليك هؤلاء من الشركاء والأنداد (أنت ولينا من دونهم) لا نتخذ وليًا من دونك (بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ) قال قتادة: ويوم نحشرهم جميعًا ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم
[ ١ / ٥٢٤ ]
كانوا يعبدون؟ استفهام كقوله لعيسى: (أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ ).
وقال ابن كثير: (يخبر الله تعالى أنه يقرع المشركين يوم القيامة على رؤوس الخلائق فيسأل الملائكة الذين كان المشركون يزعمون أنهم يعبدون الأنداد التي هي على صورهم ليقربوهم إلى الله زلفى، فيقول للملائكة: (أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ ).
وقال الماوردي في تفسير الآية: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا) يعني المشركين ومن عبدوه من الملائكة (ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ) وهذا السؤال للملائكة تقرير وليس باستفهام، وإن خرج مخرج الاستفهام ).
وقال جل شأنه في آية أخرى في شأن عبادة المشركين للملائكة والأنبياء وغيرهم: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا).
قال الطبري في تفسير الآية: (يقول تعالى ذكره: ويوم نحشر هؤلاء المكذبين بالساعة العابدين الأوثان وما يعبدون من دون الله من الملائكة
[ ١ / ٥٢٥ ]
والإنس والجن. كما حدثني عن مجاهد في قول الله تعالى: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) فنقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء؟ قال: عيسى، وعزير والملائكة ).
وقال الماوردي: (قوله: (وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) قال مجاهد: هم عيسى وعزير والملائكة، وقوله: (أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ) هذا تقرير لإكذاب من ادعى ذلك عليهم وإن خرج مخرج الاستفهام، وفيمن يقال له ذلك قولان:
أحدهما: أنه يقال للملائكة، قاله الحسن.
الثاني: لعيسى وعزير والملائكة، قاله مجاهد).
وقال ابن كثير: (يقول تعالى مخبرًا عما يقع يوم القيامة من تقريع الكفار في عبادتهم من عبدوا من دون الله من الملائكة وغيرهم، فقال: (ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله). قال مجاهد: هم عيسى والعزير والملائكة ).
والمقصود: بيان أن من مشركي العرب من كان يعبد الملائكة وذلك بتصويرهم كما صور لهم الشياطين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمة الله عليه ـ: (وقد يعتقدون أنهم يعبدون الملائكة وإن كانوا في الحقيقة إنما يعبدون الجن، فإن الجن هم الذين يعينونهم ويرضون بشركهم، قال تعالى: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ
[ ١ / ٥٢٦ ]
أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ)، والملائكة لا تعينهم على الشرك لا في المحيا ولا في الممات، ولا يرضون بذلك ).
وقال ابن القيم: (ومن تلاعبه - أي الشيطان - بهم: أن زين لقوم عبادة الملائكة فعبدوهم بزعمهم، ولم تكن عبادتهم في الحقيقة لهم، ولكن كانت للشياطين، فعبدوا أقبح خلق الله وأحقهم باللعن والذم ).
أما المعبودات السماوية التي لا تعقل فهذه كثيرة، منها:
عبادة الكواكب، وهي على قسمين:
١ - عبادة الأجرام الكبرى؛ وهي الشمس والقمر والزهرة.
قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ).
قد رأى بعض العلماء: (أن عبادة أهل الجاهلية هي عبادة الكواكب في الأصل، وأن أسماء الأصنام والآلهة وإن تعددت وكثرت، إلا أنها ترجع كلها إلى ثالوث سماوي، هو الشمس والقمر والزهرة، وهو رمز لعائلة صغيرة، تتألف من أب هو القمر، ومن أم هي الشمس، ومن ابن هو الزهرة، وذهبوا إلى أن أكثر أسماء الآلهة هي في الواقع نعوت لها، وهي من قبيل ما يقال له: الأسماء الحسنى لله في الإسلام).
[ ١ / ٥٢٧ ]
ولسنا بصدد تحقيق هذا القول، ولكن الصحيح أنه قد لفت الجرمان السماوية: الشمس والقمر نظر الإنسان إليهما بصورة خاصة، لما أدرك فيهما من أثر في الإنسان وفي طباعه وعمله، وفي الجو الذي يعيش فيه، وفي حياة زرعه وحيوانه، وفي تكوين ليله ونهاره والفصول التي تمر عليه، فتوصل بعقله يوم ذاك إلى أنه نفسه، وكل ما يحيط به، من فعل هذين الجرمين ومن أثر أجرام أخرى أقل شأنًا منهما عليه، فنسب إليهما نموه وتكوينه وبرئه وسقمه، وحياة زرعه وماشيته، ورسخ في عقله أنه إن تقرب وتعبد لهما، ولبقية الأجرام، فإنه سيرضيها، وستغدق عليه بالنعم والسعادة والمال والبركة في البنين، فصار من ثم عابد كوكب.
وهذه الأجرام السماوية الثلاثة هي الأجرام البارزة الظاهرة التي بهرت نظر الإنسان ولاسيما الشمس والقمر، والزهرة وإن كانت غير بارزة بروز الشمس والقمر، غير أنها ظاهرة واضحة مؤثرة بالقياس على بقية الأجرام، ذات مظهر جذاب، ولون باهر خلاب، وقد يكون هذا المظهر الجميل الأخاذ هو الذي جعلها ابنًا للشمس والقمر في أساطير العرب الجنوبيين.
ولكن الصحيح الذي لا مرية فيه أن هذه الآلهة لا تحتل نفس المركز في ديانة العرب الشماليين، بل كان التأثر لها عند الشماليين أقل من الجنوبيين، كما هو ظاهر، ولكن ما زال هناك من العرب الشماليين الساميين من مال إلى الانبهار بها وإلى اعتبارها آلهة تستحق التقدير والعبادة والتقديس، وهذا الأمر
[ ١ / ٥٢٨ ]
كان لدى العرب من أقدم العصور.
ويبدو أن عبادة الكواكب جاءت إلى العرب عن طريق الصابئة وبقايا الكلدان الذين تأثر العرب بهم مثلما تأثروا من قبلهم بالفرس والهند والترك والصين واليونان.
حتى الآلهة الأرضية - كما سيأتي - ونعني بها الأصنام، فإنها ما كانت - حسبما تذهب بعض المصادر - إلا تمثيلًا لما علاها وعلاهم من الجواهر العلوية والأجسام السماوية التي هي سبعة من الأشخاص الفلكية الرئيسة المؤلفة من الشمس والقمر وعطارد والزهرة والمريخ والمشتري وزحل، وأخر من ذوات التأثير في العالم الأرضي.
والمقصود: أن أصل عبادة الكواكب جاءت إلى العرب من الصابئة قوم إبراهيم، قال الإمام ابن القيم: (وأصل هذا المذهب من مشركي الصابئة، وهم قوم إبراهيم ﵇ الذين ناظرهم في بطلان الشرك وكسر حجتهم بعلمه وآلهتهم بيده، فطلبوا تحريقه، وهو مذهب قديم في العالم، وأهله طوائف شتى، فمنهم عباد الشمس، زعموا أنها ملك من الملائكة لها نقس وعقل، وهي أصل نور القمر والكواكب، وتكون الموجودات السفلية كلها عندهم منها، وهي عندهم ملك الفلك، فيستحق التعظيم، والسجود والدعاء ).
فعلم من هذه النصوص أن عرب الجنوب غالبًا وعرب الشمال - لدى
[ ١ / ٥٢٩ ]
بعض منهم - كان لديهم الشرك بعبادة الكواكب من الأجرام السماوية الكبرى كالشمس والقمر، والزهرة، ولهذا نهى الله جل وعلا هؤلاء الجاهليين أن لا يوجهوا بعبادتهم - السجدة - إليها، فقال: (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ).
قال ابن جرير الطبري: (لا تسجدوا أيها الناس للشمس ولا للقمر فإنهما وإن جريا في الفلك بمنافعكم فإنما يجريان بها لكم بإجراء الله إياهما لكم طائعين له في جريهما ومسيرهما، لا بأنهما يقدران بأنفسهما على سير وجري دون إجراء الله إياهما وتسييرهما، أو يستطيعان لكم نفعًا أو ضرًا، وإنما الله مسخرهم لكم لمنافعكم ومصالحكم، فله فاسجدوا، وإياه فاعبدوا دونهما، فإنه إن شاء طمس ضوءهما فترككم حيارى في ظلمة لا تهتدون سبيلًا ولا تبصرون شيئًا ).
فالآية بينت أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله كالليل والنهار التي يستدل بهما على عبادته وحده دون سواه، كذلك دلت على بطلان عبادتهما من دون الله، وقد بين الله - تعالى - بطلان عبادة جميع المخلوقات سوى الله - تعالى - قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ ).
فأخبرنا تعالى بأن جميع الأشياء في هذا الكون - من شمس وقمر ونجوم وجبال وشجر ودواب وكثير من الناس - خاضعة لله مطيعة له، كلها عبد لديه، مفتقرة إليه، فلا يصح عبادة شيء منها ألبتة.
[ ١ / ٥٣٠ ]
قال ابن كثير: (يخبر - تعالى - أنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له؛ فإنه يسجد له لعظمته كل شيء طوعًا وكرهًا).
٢ - عبادة الأجرام الأخرى:
عبد بعض أهل الجاهلية أجرامًا سماوية أخرى، وتقربوا إليها بالنذور والصلوات، ففي كتب الأخباريين:
أ- أن طائفة من تميم عبدت (الدبران)، وأن (العيوق) في زعمهم (عانق الدبران لما ساق إلى الثريا مهرًا، وهي نجوم صغار نحو عشرين نجمًا، فهو يتبعها أبدًا خاطبًا لها، ولذلك سموا هذه النجوم القلاص).
ب- وفي كتبهم أيضًا: أن بعض قبائل لخم وحمير وقريش عبدوا (الشعرى العبور)، وأن أول من سن ذلك لهم، وأدخل تلك العبادة إليهم (أبو كبشة). وهو (جزء بن غالب بن عامر بن الحارث بن غبشان الخزاعي)، أو (وجز بن غالب)، أحد أجداد النبي ﷺ من قبل أمهاته، خالف قريشًا في عبادة الأصنام وعبد الشعرى العبور، وكان (وجز) يقول: إن الشعرى تقطع السماء عرضًا، فلا أرى في السماء شيئًا، شمسًا ولا قمرًا ولا نجمًا، يقطع السماء عرضًا، والعرب تسمي الشعرى العبور؛ لأنها تعبر السماء عرضًا.
والعرب تظن أن أحدًا لا يعمل شيئًا إلا بعرق ينزعه شبهه، فلما خالف رسول الله ﷺ دين قريش، قالت قريش: نزعه أبو كبشة، لأن أبا كبشة خالف
[ ١ / ٥٣١ ]
الناس في عبادة الشعرى، وكانوا ينسبون رسول الله ﷺ إليه، وكان أبو كبشة سيدًا في خزاعة، ولم يعيروا رسول الله ﷺ به من تقصير كان فيه، ولكنهم أرادوا أن يشبهوه بخلاف أبي كبشة، فيقولون: (خالف كما خالف أبو كبشة).
وذكر القرطبي: (أن أول من عبد الشعرى (أبو كبشة أحد أجداد النبي ﷺ من قبل أمهاته، ولذلك كان مشركو قريش يسمون النبي ﷺ: ابن أبي كبشة، حين دعا إلى الله وخالف أديانهم، وقالوا: ما لقينا من ابن أبي كبشة! .
وقال أبو سفيان يوم الفتح، وقد وقف في بعض المضايق وعساكر رسول الله ﷺ تمر عليه: لقد أمر أمر ابن أبي كبشة)، وقال أيضًا أبو سفيان هذه المقالة عندما خرج من عند هرقل، لما سأل هرقل عير قريش عن أمر النبي ﷺ وظهوره.
وقد ذكر الله ﷿ في سورة النجم هذا الكوكب بمعرض الرد على الكفار في كونه مربوبًا لا ربًا، فقال: (وأنه هو رب الشعرى).
قال الطبري في تفسير الآية: (يقول تعالى ذكره: وأن ربك يا محمد هو رب الشعرى؛ يعني بالشعرى النجم الذي يسمى هذا الاسم، وهو نجم كان بعض أهل الجاهلية يعبده من دون الله ).
[ ١ / ٥٣٢ ]
عن ابن عباس ﵁ قال: هو الكوب الذي يدعى الشعرى، وعن مجاهد قال: الكوكب الذي خلق الجوزاء كانوا يعبدونه، وعنه: أنه كان يعبد في الجاهلية، وعن قتادة قال: كان ناس في الجاهلية يعبدون هذا النجم الذي يقال له: الشعرى، وعن ابن زيد قال: كانت تعبد في الجاهلية، فقال: تعبدون هذه وتتركون ربها، اعبدوا ربها وقال: الشعرى: النجم الوقاد الذي يتبع الجوزاء يقال له المرزم.
وقال القرطبي: (الشعرى: الكوكب المضيء الذي يطلع بعد الجوزاء، وطلوعه في شدة الحر، وهما الشعريان: العبور التي في الجوزاء، والشعرى الغميصاء التي في الذراع، وتزعم العرب أنهما أختا سهيل، وإنما ذكر أنه رب الشعرى وإن كان ربًا لغيره؛ لأن العرب كانت تعبده، فأعلمهم الله جل وعز أن الشعرى مربوب وليس برب ).
وقال ابن كثير: (قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد وغيرهم: هو هذا النجم الوقاد الذي يقال له مرزم الجوزاء، كانت طائفة من العرب يعبدونه).
والمقصود: بيان أن طائفة من العرب كانت تعبد الشعرى، حتى قال القرطبي: (قد كان من لا يعبد الشعرى من العرب يعظمها ويعتقد تأثيرها في العالم).
ج- ويذكرون أيضًا: (أن بعض طيئ عبدوا (الثريا)، وهي عدة كواكب مجتمعة)، وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن (النجم) المذكور في سورة
[ ١ / ٥٣٣ ]
النجم: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى): الثريا، والعرب كانت تسمى الثريا نجمًا. وقال بعض آخر: (إن النجم هاهنا هو الزهرة؛ لأن قومًا من العرب كانوا يعبدونها). (وقد سبق الإشارة إلى كونها معبودة).
د- ويذكرون أيضًا: (أن بعض قبائل ربيعة عبدوا (المرزم) كمِنْبَر. والمرزمان: نجمان مع الشعريين، والرزم بمعنى الجمع، ورزم الشتاء رزمة برد وبه سمي نوء المرزم، ويقال: إن أحد المرزمين يتبع الشعرى العبور، والآخر هو الكوكب الأخفى من كوكبي الذراع المبسوطة ).
هـ- ونسب إلى بني جرهم وجذام ولخم أنهم سجدوا للمشتري، وإلى أسد أنها عبدت عطارد، وإلى بعض طيئ أنها عبدت سهيلًا.
و- وعبد بعض الجاهليين (المريخ)، واتخذوه إلهًا، كما عبد غيرهم (زحل).
وأخيرًا فإننا نكتفي بهذا القدر من بيان عبادة العرب الأجرام السماوية من الكواكب التي لا تعقل ولا تعلم عن عابيها شيئًا، والآن نبدأ في بيان المعبودات الأرضية سواء كانت مما تعقل أو كانت مما لا تعقل.
[ ١ / ٥٣٤ ]
العنصر الثاني: في بيان شرك العرب بعبادة الآلهة الأرضية:
المراد بالعنوان: كل ما عبد من دون الله جل وعلا من الأشياء الموجودة على ظهر الأرض سواء كانت تعقل أو لا تعقل.
فمن المعبودات الأرضية التي تعقل ما يلي:
١ - عبادة الجن: جاء في الأخبار وفي التفاسير: أن جماعة من العرب أشركوا عبادة الجن والشياطين مع عبادة الله، ولقد جاء في كتاب الأصنام لابن الكلبي: أن (بني مليح من خزاعة كانوا يعبدون الجن، وأن فيهم نزلت الآية: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ)، وهؤلاء هم شرذمة قليلون من أهل البوادي، قد حكى الله عنهم بقوله: (وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقًا) أي كبرًا وعتوًا وغيًا بأن أضلوهم حتى استعاذوا بهم؛ فإن الرجل كان إذا أمسى بقفر قال: (أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه).
وقال تعالى: (بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ).
وقال: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ) هؤلاء الشركاء لله، أي: جماعة الجن هم
[ ١ / ٥٣٥ ]
الذين كانوا يزينون للمشركين قتل أولادهم ووأدهم أحياء خشية إملاق وتجنب العار، وهذا ما جاء في تفسير الآية الكريمة (وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ).
وقال تعالى: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ).
وقال أيضًا: (وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ)؛ يعني: قد أكثرتم من إضلالهم وإغوائهم.
قال ابن عباس ومجاهد والحسن وغيرهم: أضللتهم منهم كثيرًا، فيجيبه - سبحانه - أولياؤهم من الإنس بقولهم: (رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ)؛ يعنون استمتاع كل نوع بالنوع الآخر، فاستمتع الجن بالإنس طاعتهم لهم فيما يأمرونهم به من الكفر والفسوق والعصيان، فإن هذا أكثر أغراض الجن من الإنس فإذا أطاعوهم فيه فقد أعطوهم مناهم. واستمتاع الإنس بالجن: أنهم أعانوهم على معصية الله والشرك به بكل ما يقدرون عليه من التحسين والتزيين والدعاء وقضاء كثير من حوائجهم واستخدمهم بالسحر والعزائم وغيرها، فإطاعتهم الإنس فيما يرضيهم من الشرك والفواحش والفجور، وإطاعتهم
[ ١ / ٥٣٦ ]
الجن فيما يرضيهم من التأثيرات والإخبار ببعض المغيبات، فتمتع كل من الفريقين بالآخر.
وقال تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا).
قال الإمام البخاري في صحيحه عن ابن مسعود ﵁ قال: (ناس من الجن كانوا يعبدون فأسلموا). وفي رواية: (كان ناس من الإنس يعبدون ناسًا من الجن فأسلم الجن وتمسك هؤلاء بدينهم).
فهذه الآيات تدل على أن بعض المشركين كانوا يعبدون الجنات، وقبل أن نبين كيفية عبادتهم من قبل بني آدم يحسن بنا أن نعرف بأن جميع الجنات من أبناء إبليس؛ فالمردة منهم الشياطين، وهناك فئة تؤمن بالله جل وعلا، وبذلك يكونون من عباد الله الناجين من النار، بخلاف من هم من المردة فإنهم لا يؤمنون أبدًا، فهؤلاء هم الذين يرضون بعبادة الناس لهم.
وعبادة الناس لهؤلاء الشياطين تتمثل في شيئين اثنين، هما:
الأول: الاستعاذة بهم خوفًا من مكرهم، كما كان يفعل ذلك بعض الجاهليين، فإن الاستعاذة من العبادة، قال تعالى: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ
[ ١ / ٥٣٧ ]
الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ). وقد رأينا فيما سبق كيف كان بعض الجاهليين يستعيذون ببعض الجنات.
الثاني: طاعتهم في أوامرهم، حيث تعد هذه الطاعة من شرك الطاعة، قال تعالى: (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ).
قال الحافظ ابن كثير: (أي حيث عدلتم من أمر الله لكم وشرعه إلى قول غيره فقدمتم عليه غيره فهذا هو الشرك).
وقال أيضًا: (ويوم يحشرهم جميعًا يعني الجن وأولياؤهم من الإنس الذين كانوا يعبدونهم في الدنيا ويعوذون بهم، ويطيعون ويوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا قال الحسن: وما كان استمتاع بعضهم ببعض إلا أن الجن أمرت وعلمت الإنس، وقال ابن جريج: كان الرجل في الجاهلية ينزل الأرض فيقول: أعوذ بكبير هذا الوادي، فذلك استمتاعهم ).
وقال في موضع آخر: (وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ). هذا رد على المشركين الذي عبدوا مع الله غيره، وأشركوا به في عبادته، أن عبدوا الجن فجعلوهم شركاء له في العبادة فإن قيل: فكيف عبدت الجن مع أنهم إنما كانوا يعبدون الأصنام؟ فالجواب: أنهم ما عبدوها إلا عن طاعة الجن وأمرهم إياهم بذلك ).
[ ١ / ٥٣٨ ]
والمقصود: بيان أن بعض الجاهليين كان يعبد الجنات من دون الله ويشركونها مع الله في العبادة، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
٢ - عبادة الإنس من عباد الله الصالحين والأنبياء والمرسلين:
وقد سبق معنا في شرك الأمم السابقة أن أصل الشرك وبدايته كان من الغلو في الصالحين وتعظيمهم فوق ما ينبغي، ولكن هل وجد مثل هذا النمط من الشرك في الجاهلية لدى العرب؟ موضع يحتاج إلى نظر دقيق في بعض المعبودات لدى العرب، فمن هذه المعبودت مثلًا وجود أصنام قوم نوح في العرب، فإنها ما وجدت إلا لاعتقادهم فيها أنها تماثيل عباد الله الصالحين وصورهم، وإلا فمجرد حجارة أو خشب ليس هو المقصود بالذات ألبتة.
روى الإمام البخاري في صحيحه: عن ابن عباس ﵁ قال: (صارت الأوثان التي في قوم نوح في العرب بعد، أما ود: فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع: فكانت لهذيل، وأما يغوث: فكانت لهمذان، وأما نسر: فكانت لحمير لآل ذي الكلاع: أسماء رجال صالحين من قوم نوح ). وقد سبق بيان كون هؤلاء من عباد الله الصالحين في بيان شرك الأمم.
ولعل من أصرح الأدلة على كون بعض هؤلاء المشركين يعبدون البشر المعظمين من عباد الله الصالحين قصة عبادة اللات على ما حكاه الأخباريون. فقد جاء في حقيقة اللات عدة أقوال، منها:
[ ١ / ٥٣٩ ]
١ - (أنه كان إنسانًا من ثقيف، فلما مات قال لهم عمرو بن لحي: لم يمت، ولكن دخل في الصخرة، ثم أمر بعبادتها، وأن يبنوا عليها بنيانًا يسمى اللات).
٢ - إنه في الأصل صخرة كان يجلس عليها رجل، يبيع السمن واللبن للحجاج في الزمن الأول.
٣ - إنها سميت باللات لأن عمرو بن لحي كان يلت عندها السويق للحجاج على تلك الصخرة.
٤ - كانت صخرة مربعة، وكان يهودي يلت عندها السويق.
٥ - وذكر في بعض التفاسير: أن هناك رواية تزعم أن حجر اللات كان على صورة ذلك الرجل الذي قبر تحته، وهو الذي كان يلت السويق، فلما مات عكفوا على قبره فعبدوه.
٦ - إن اللات كان يقوم على آلهتهم ويلت لهم السويق.
فنحن نرى: أن اللات إنسان في الأصل مات، وكان يخدم الأصنام فيتقدم إليها بلت السويق ويعطيه الناس، أو كان رجلًا صالحًا يلت السويق للحجاج القادمين للبيت الحرام، فلما توفي دفن في موضعه الذي كان يلت السويق
[ ١ / ٥٤٠ ]
عنده، ثم اتخذ قبره مزارًا، كما اتخذت قبور أخرى مزارات ينحر عندها، ويتبرك بها الناس. وليس هذا إلا ما نقول له: عبادة الصالحين من البشر المعظمين.
ولعل ما هو أصرح من ذلك ما نجد في أخبار فتح مكة أن الرسول ﷺ حينما دخل الكعبة رأى فيها صور الأنبياء والملائكة، فأمر بها فمحيت.
والمقصود: بيان وجود هذا النوع من الشرك في العرب في الجاهلية.
وأما المعبودات الأرضية التي لا تعقل فهي كثيرة: وسأذكر أبرزها فيما يلي:
١ - عبادة الأشجار والنيران والقبور والأسلاف والحيوانات:
أما عبادة الأشجار: فقد وجد ثمة من المشركين من عبد الأشجار ولاسيما ما كان منها قديم العهد، نائبًا عن مواطن الشجر؛ حيث التفرد والوحشة وما يبعث على الخشية، فالعبادة على أنها مسكن للأرواح والأشباح، ومن هذه الأشجار ما يلي:
أ- شجرة نجران: فأهل نجران على ما ذكر ابن هشام: عبدوا نخلة طويلة كانت بين ظهرانيهم، وكانوا قد جعلوا لها في كل سنة عيدًا، إذ كانوا يأتون إليها معتكفين، فيعلقون عليها كل ثوب حسن وجدوه، وكل حلي من حلي النساء. ظلت هذه الشجرة يخصونها بالعبادة والتقديس إلى أن سخر عليها الله ريحًا
[ ١ / ٥٤١ ]
اجتثتها من فوق الأرض، وذلك تلبية لدعوة أحد العباد الصالحين من أتباع المسيح عيسى ﵇، ويقال: إن هذا هو سبب تنصر أهل نجران.
ب- ذات أنواط: وقد تحدثنا الكتب أيضًا عن ذات أنواط، وهي شجرة عظيمة ملتفة الأوراق، متشابكة الأغصان، كانت بالقرب من مكة، وكان يأتيها كفار قريش ومن جاورهم من الأعراب في كل سنة مرة فيعلقون عليها ويذبحون، ولقد نسب إلى ابن عباس قوله: (إن المشركين كانوا إذا ما فرغوا من حجهم البيت حجوا إليها أيضًا، فيضعون زادهم ويعلقون أسلحتهم عندها، ثم يدخلون إلى حرمها بغير زاد، تعظيمًا لهذه الشجرة).
ولقد ذكروا أن رسول الله ﷺ وهو في طريقه إلى حنين، مر بهذه الشجرة المسماة بذات أنواط، فطلب إليه رهط من أصحابه وفيهم أبو واقد الحارث بن عوف أن يجعل لهم ذات أنواط محاكاة لها، فقد روى أحمد والترمذي والطبري والطبراني وغيرهم عن أبي واقد الحارث بن عوف الليثي قال: خرجنا مع رسول الله إلى حنين، ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة،
[ ١ / ٥٤٢ ]
فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال رسول الله ﷺ: «الله أكبر! إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده، كما قالت بنو إسرائيل لموسى: (اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) لتركبن سنن من كان قبلكم».
فالرواية صريحة في أن المشركين كانوا يتعلقون بهذه الأشجار، فكانوا يعبدونها، إذ لا معنى للتعليق إلا عبادتها، ولكن ما هي ذات أنواط؟ قال ابن الأثير: (هي اسم شجرة بعينها كانت للمشركين ينوطون بها سلاحهم، أي يعلقونها بها، ويعكفون حولها، وأنواط جمع نوط، وهي مصدر سمي به المنوط).
وأنواع العبادات التي كانوا يوجهونها لها هي: التعليق بها، وتعليق سيوفهم بها، والعكوف حولها، والذبح عندها، والتبرك بها والتعظيم لها.
وقد جاء في رواية أخرى: (كان يناط بها السلاح فسميت ذات أنواط، وكانت تعبد من دون الله).
[ ١ / ٥٤٣ ]
والمقصود: بيان كون هذه الشجرة مما كانت تعبد من دون الله.
ج- العزى: قال ابن حجر الطبري - رحمة الله عليه ـ: (كانت شجرة عليها بناء وأستار بنخلة - بين مكة والطائف - كانت قريش يعظمونها). كما قال أبو سفيان يوم أحد: (لنا العزى ولا عزى لكم)، فقال رسول الله ﷺ: «قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم».
وقد جاء في بعض الروايات أنه: (لما فتح رسول الله ﷺ مكة بعث خالد بن الوليد إلى نخلة، وكانت بها العزى، وكانت على ثلاث سمرات، فقطع السمرات، وهدم البيت الذي كان عليها ).
فهذه العزى أصلا شجرة ذات سمرات ثلاث، وقد عبدها المشركون.
أما عبادة النيران: فأصل هذه العبادة من المجوس، ولكنها تعود إلى عبادة الأفلاك والكواكب باعتبارها أقرب الأجسام المرئية إلى الله، وباعتبار أنها حية ناطقة، وأن ما يحدث في العالم فإنما هو على قدر ما تجري به الكواكب بأمر الله، ولما كانت الكواكب تختفي نهارًا وفي بعض أوقات الليل، فإنهم جعلوا لها أصنامًا وبيوتًا وهياكل سموها بأسماء الكواكب السبعة بما فيها الشمس والقمر، ولما كانت النار تشبه بضوئها ضوء الشمس والكواكب،
[ ١ / ٥٤٤ ]
فإنهم عظموها تعظيمهم للشمس والكواكب، ويقال: إن ذلك كان زمن جم ملك الفرس.
وهذا هو أصل عبادة النيران، كما هو عند معظم الأمم الوثنية، وعند الصابئة الذين عرفت بعضهم جزيرة العرب، وهذا بدوره انتقل تأثيره إلى بعض القبائل العربية التي حدثتنا عنها كتب الرواية، بأنها عبدت النار وقدستها، من ذلك:
١ - قال ابن قتيبة في المعارف: (وكانت المجوسية في تميم، منهم زرارة بن عدس التميمي وابن حاجب بن زرارة ومنهم الأقرع بن حابس كان مجوسيًا، وأبو الأسود جد وكيع بن حسان كان مجوسيًا).
٢ - قال الآلوسي: (وصنف منهم - من العرب - عبدوا النار، وهم أشتات من العرب، وكان ذلك سرى إليهم من الفرس والمجوس ).
٣ - قال ابن القيم: (ومن تلاعبه وكيده: ما تلاعب بعباد النار، حتى اتخذوها إلهًا معبودة).
ثم إن لنا في النار التي تحدثنا عنها كتب الرواية أدل دليل على وقوع بعض العرب في عبادة النيران، فقد ذكر أهل الأخبار روايات عن نار عظيمة متنقلة كانت قد ظهرت في الجزيرة العربية فأضلت العرب وكادت تفتنهم وتؤدي بهم إلى المجوسية، لولا أن قيض الله لهم رجلًا منهم يدعى خالد بن سنان العبسي، فأخذ هراوة ثم شد على النار وهو يقول: (أبدًا أبدًا، كل هوى مود إلى الله
[ ١ / ٥٤٥ ]
الأعلى، لأدخلنها وهي تتلظى). فانطفأت النار كأن لم تكن. وقد جاء في وصف هذه النار بأنها كانت تحكم بين النار، فتأكل الظالم ولا تضر المظلوم، وهي النار التي تحاكم إليها تبع ملك اليمن وقوم حمير .
ولكن مع خمود هذه النار فقد تأثر بها جماعة من العرب، حيث بقيت هذه العبادة في عرب تميم وما جاورها، وفي البحرين وعمان، ومن الأدلة على ذلك، وعلى تقديسهم النار: نار الحلف وحلفهم بالرماد والنار وفي نار الاستمطار أو الاستسقاء، ونار المهول وسواها من النيران، لنا فيها جميعًا ما يفيد أو يشير على الأقل إلى شيوع هذه العبادة الأرضية عند العرب في الجاهلية.
أما عبادة القبور والأسلاف:
فقد وجد من العرب من كان يعبدها ولا سيما قبر السيد المطاع في قومه، قد يتحول إلى حرم مقدس وإلى مقر للعبادة، تنال عنده البركة والشفاعة، فيقيمون عنده ويعكفون وينحرون، وللقبر مكانة سامية عند الجاهليين، هذا إذا كان صاحب القبر سيد القوم وأميرهم، أو كان من الصلحاء المعروفين لديهم، إذ كنت تجدهم يرفعون فوقه القبة فيحتمي إليه الخائفون والعائذون.
ولعل من أبرز هذه المظاهر:
١ - قبر حاتم طيئ: الذي غدا مقر الضيفان وملاذ التائهين في الجاهلية، وقد وصفه بعضهم بقوله: (رأيت قبر حاتم الطائي ببقة أو ببيعة، وإذا قدر
[ ١ / ٥٤٦ ]
عظيمة من بقايا قدور مكفأة في ناحية من القبر من القدور التي كان يطعم فيها الناس، وعن يمين القبر أربع جوار من حجارة، وعلى يساره أربع جوار من حجارة، كلهن صاحبة شعر منشور، محتجرات على قبره كالنائحات عليه ).
وجاء في الأخبار: أن طيئًا كانت تزعم أنه لم ينزل بقبر حاتم أحدًا قط إلا قراه، فها هو أبو البختري - كما ذكروا - (مر في نفر من قومه بقبر حاتم طيء، فنزلوا قريبًا منه، فبات أبو البختري يناديه: يا أبا الجعد أقرنا).
٢ - على إحدى التفسيرات الماضية للات، كان أحد من يلت السويق للحاج، فلما مات صوروه وعكفوا على قبره فعبدوه.
٣ - وكالذي كان من أمر ضريح (تميم بن مر) جد (تميم)، فإنهم اتخذوا قبره مزارًا وملاذًا وحمى يحتمون به.
ثم إن لنا أن نستنتج من أمر النبي ﷺ بتسوية القبور ونهيه عن اتخاذها مساجد ومواضع للصلاة أن الجاهليين كانوا يعبدون أرواح أصحاب هذه القبور ويتقربون إليها.
وأما على القول الراجح في أصنام قوم نوح وأصنام الجاهلية بأنها ما كانت إلا عبادًا صالحين أو المقربين من عباد الله فليس عبادة هذه الأشياء إلا تصويرها
[ ١ / ٥٤٧ ]
وإضافة التقديس لها، وليس هذا إلا نوع من عبادة القبور.
أما عبادة الحيوانات: فقد عبدها بعض أهل الجاهلية، فمن ذلك:
١ - ما ورد من أن جماعة الشاعر (زيد الخيل) وهم من طيء كانوا يتعبدون لجمل أسود.
٢ - ورد أن قومًا من البحرين عرفوا بـ (الأسبذين) كانوا يعبدون الخيل. وذكر عنهم بأنهم قوم من المجوس، كمانوا مسلحة لحصن المشقر من أرض البحرين.
٣ - ورد أيضًا أن بعض القبائل مثل (إياد) كانت تتبرك بالناقة.
ومهما يكن من أمر هذه العبادة التي تتخذ مظهرًا فلكيًا أو أرضيًا يتعلق بالأشجار والنيران والقبور والأسلاف والحيوانات وسواها، فإنه مما لا شك فيه، أن المظهر الأرضي المتعلق بالتماثيل والأصنام وسواها من الأوثان هو الأبرز على صعيد الشرك الجاهلي، فما هي هذه الآلهة الأرضية المعبودة؟ وما الفرق بين الصنم والوثن والتماثيل؟ هذا ما يأتي بيانه فيما يلي:
[ ١ / ٥٤٨ ]
٢ - عبادة الأصنام والأوثان والأنصاب والتماثيل المؤلهة من دون الله:
قبل أن ندخل في بيان عبادتها وعبادها يحسن بنا أن نتعرف على معنى هذه الألفاظ ومدلولاتها، فإن الحكم على الشيء فرع عن تصوره.
اختلفت عبارات المحققين في تحديد معاني هذه الكلمات.
فأما الأنصاب والتماثيل فلفظان عامان:
فقالوا في الأنصاب: (هو ما كان من حجارة منصوبة أمام الحرم وغير الحرم ثم طيف به). قال ابن الكلبي: (ومن العرب من لم يقدر على اتخاذ صنم، ولا اتخاذ بيت، فكان ينصب حجرًا أمام الحرم، وأمام غيره مما استحسن، ثم يطوف به كطوافه بالبيت، وهذه الحجارة هي الأنصاب). فكانوا يطوفون به ويذبحون عنده فيحمر بالدم، قال تعالى: (وما ذبح على النصب).
قال ابن كثير: (قال مجاهد وابن جريج: كانت النصب حجارة حول الكعبة، قال ابن جريج: وهي ثلاثمائة وستون نصبًا، كانت العرب في جاهليتها يذبحون عندها وينضحون ما أقبل منها إلى البيت بدماء تلك الذبائح يشرحون اللحم ويضعونه على النصب ). والآيات والأحاديث
[ ١ / ٥٤٩ ]
تدل كلها على هذا المعنى.
فعلمنا: أن الأنصاب عمومًا: هي الأحجار التي كان المشركون يعكفون عليها، ويذبحون عندها.
وأما التماثيل: فجمع تمثال، قال ابن منظور: التمثال هو الصورة، وهو اسم للشيء المصنوع مشبهًا بخلق من خلق الله تعالى، وهو مأخوذ من مثلث الشيء بالشيء إذا قدرته على قدره، ومثل له الشيء وصوره حتى كأنه ينظر إليه. قال تعالى: (يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ). قال ابن كثير: (التماثيل: الصور). والآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة، كلها تدل على هذا المعنى.
فعرفنا بهذه الأدلة: أن التماثيل هي التي كانت على صورة معينة لشيء ما.
أما الأوثان والأصنام: فاختلفت عبارات أهل اللغة والمعاجم والمفسرين في تحديد معناهما على أقوال:
١ - لا فرق بينهما، فإن الصنم معرب شمن، أي الوثن نفسه، وقال الطبري: إن الصنم والوثن شيء واحد وإن اختلفت التسمية.
[ ١ / ٥٥٠ ]
٢ - وقيل إن بينهما فرقًا، ثم اختلفوا في تحديد هذا الفرق على سبعة أقوال متباينة، ولا يمكن ترجيح بعض هذه الأقوال بالرجوع إلى نصوص الكتاب والسنة، ولا بالنظر إلى استعمالات معاجم اللغة، ولكن الذي يظهر - والله أعلم - أنهما إذا افترقا اتحدا، وإذا اجتمعا اختلفا، وتحديد الخلاف عند اجتماعهما يكون على اعتبارات.
ومهما تكن من فرق بين الأصنام والأوثان والأنصاب والتماثيل في المادة والهيئة، فغرض الوثنيين منها واحد وهو عبادتها من دون الله - تعالى - على أي كيفية كانت، وعلى أي صورة وجدت، ولقد انتشرت عبادة الأصنام والأوثان والأنصاب والتماثيل بين الجاهليين من العرب انتشارًا هائلًا، ولقد اعتنى العلماء ببيان أوثانهم وأصنامهم اهتمامًا بالغًا، ولعل أبرز من كتب في هذا الموضوع ابن إسحاق في سيرته، ولكنه لم يوف الموضوع حقه؛ إذ كان جل اهتمامه في بيان السيرة النبوية.
وجاء بعده ابن الكلبي وكتب كتابًا جامعًا وسماه بكتاب الأصنام، اهتم بذكر أغلب هذه المعبودات الأرضية التي لا تعقل عن عابديها شيئًا، ثم ذيله بعض المتأخرين بتكملة، فجاء الكتاب حافلًا بأغلبها والتي فاتها ابن الكلبي.
[ ١ / ٥٥١ ]
ولعل من أحسن ما كتب فيه من المتأخرين كتاب المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام لجواد علي حيث توسع فيه أيما توسع، وذكر كل ما ذكر في كتب المعاجم وكتب أحوال العرب، فأجاد وأفاد.
وفيما يلي سأشير إلى بعض هذه المعبودات وعابديها بإيجاز.
سبق معنا ذكر بعض الأصنام وعابديها في ذكر أول من روج الشرك في العرب، فقد ذكرنا منها:
١ - اللات بالطائف: وكان سدنتها من ثقيف بنو عتاب بن مالك، وكانت قريش وجميع العرب تعظمها. وكانت في موضع منارة مسجد الطائف اليسرى. وهي التي ذكرها الله في القرآن فقال: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى).
٢ - العزى: وكان الذي اتخذه ظالم بن أسعد، وكانت بواد من نخلة الشامية، وكانت العرب وقريش تسمي بها (عبد العزى)، وكانت أعظم الأصنام عند قريش، وكانوا يزورونها ويهدون لها ويتقربون عندها بالذبح، وكانت قريش تطوف بالكعبة وتقول: واللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، فإنهن الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى.
وكانوا يقولون: بنات الله وهن يشفعن إليه وكانت قريش قد حمت لها شعبًا من وادي حراض يقال له سقام، يضاهون به حرم الكعبة، وكان لها منحر ينحرون فيه هداياها، يقال له الغبغب، فكانوا يقسمون لحوم هداياهم فيمن حضرها وكان عندها. وكانت قريش تخصها بالإعظام.
[ ١ / ٥٥٢ ]
٣ - مناة: وهي أقدم الأصنام عند ابن الكلبي، وكان منصوبًا على ساحل البحر من ناحية الشمال بقديد بين المدينة ومكة، وكانت العرب جميعًا تعظمه وتذبح حوله، وكانت الأوس والخزرج ومن ينزل بالمدينة ومكة وما قارب من المواضع يعظمونه ويذبحون به ويهدون له، ولم يكن أحد أشد إعظامًا له من الأوس والخزرج، فكانوا يحجون فيقفون مع الناس المواقف كلها، ولا يحلقون رؤوسهم، فإذا نفروا أتوه فحلقوا رؤوسهم عنده وأقاموا عنده، لا يرون لحجهم تمامًا إلا بذلك. ومناة هذا هي التي ذكرها الله جل وعلا في القرآن فقال: (وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى)، وكانت لهذيل وخزاعة، وكانت قريش وجميع العرب تعظمه أيضًا.
٤ - سواع: وكان لهم برهاط من أرض ينبع. وقد سبق بيانه بأنه مما نشره عمرو بن لحي في أحياء العرب. وكانت سدنته بنو لحيان.
٥ - ود: وكان لكلب بدومة الجندل.
٦ - يغوث: وكان لمذحج وأهل حرش.
٧ - يعوق: وكان لخيوان، وبقرية يقال لها خيوان من صنعاء على ليلتين، مما يلي مكة.
٨ - نسر: وكان لحمير، فعبدوه بأرض يقال لها بلخع.
فهذه أصنام قوم نوح وجدت في العرب في جاهليتهم. وقد بينا كيفية بدء
[ ١ / ٥٥٣ ]
عبادتها في جزيرة العرب فيما سبق.
٩ - إساف ونائلة: صنمان من أصنام قريش، حيث يقال إنهما جاءا لطواف بيت الله، فهمّا أن يفجرا في الحرم فمسخا حجرين فوضعا عند الكعبة، ثم أخرجا منها فنصبا على الصفا والمروة مقابل البيت من أجل أن يتعظ بهما الناس، ويكونا عبرة لكل معتبر، فلما طال مكثهما، وعبدت الأصنام، وصارا صنمين يعبدان فيما يعبد من أصنام.
وقد ذكرنا أن الذي حولهما صنمين هو عمرو بن لحي حيث راح يدعو الناس إلى عبادتهما، وجاء بعده قصي بن كلاب فحول هذين الصنمين عن موضعهما، وصار يذبح عندهما في المكان الذي فيه بئر زمزم، وعلى أثر ذلك راح الناس يطوفون بإساف ونائلة بادئين بالأول ومنتهين بنائلة، ثم كانوا بعد ذلك يحلقون رؤوسهم عندهما، ويهدون إليهما النذور ويذبحون العتائر بإزائهما في المكان الذي يقال له الحطيم.
وقيل: إن إسافًا ونائلة صنمان قديمان في البيت، عبدا منذ القدم، ولا يصح قول من قال: إن إسافًا فجر بنائلة أو هم بالفجور، كما قيل، ولكنه مخالف لما روته عائشة، وقد سبق بيانه.
وقد وصف الأزرقي هذين الصنمين فقال: إنهما كانا يرتديان ثوبًا، فإذا ما
[ ١ / ٥٥٤ ]
بليت هذه الثياب خلعوا عليهما ثيابًا غيرها، وذكر أيضًا: أن الحائض والنفساء لم يكن بمقدورهن التمسح بهما ما داما هكذا.
١٠ - مجاود الريح ومطعم الطير: وهما من الأصنام التي نصبها عمرو بن لحي - كما سبق بيانه ـ، وكانا على الصفا والمروة مقابل الكعبة.
١١ - الأصنام السبعة التي كانت في منى، وقد سبق بيانه.
١٢ - هبل: وهو أعظم أصنام قريش، كان موضعه في جوف الكعبة، وقيل على ظهرها، وقيل على البئر المحاذية لها إذ كان يجمع عنده ما يهدى للكعبة. وهو من العقيق الأحمر المصنوع على هيئة الإنسان، ويحكى أنه كان مكسور اليد فجعلت قريش له يدًا من ذهب.
ويقال: إن أول من نصبه في الكعبة رجل يقال له خزيمة، ويقال: إن عمرو بن لحي الذي حمل بقية الأصنام السابقة هو الذي حمله من مدينة البلقاء أو من هيت بأرض الجزيرة، فنصبه على البئر التي في بطن الكعبة، ثم أمر الناس بعبادته، فكان الرجل منهم إذا قدم من سفره بدأ به طوافه بالبيت، ثم حلق رأسه عنده. وكانوا يستقسمون عنده بالأزلام ويضربون عنده بالقداح للوصول إلى نتيجة؛ ما طلبًا واستفسارًا لحكم الغيب.
وهذا التقدير لهبل من قريش خاصة إنما كان من أجل التقرب إليه والتبرك
[ ١ / ٥٥٥ ]
به، ومن أجل التماس الشفاعة والدعاء.
١٣ - ذو الخلصة: قيل: إن أول من نصبه من العرب باسفل مكة عمرو بن لحي، وأن المشركين كانوا (يلبسونه القديد، ويهدون إليه الحنطة والشعير، ويصبون عليه اللبن ويذبحون له، ويعلقون عليه بيض النعام).
وقال ابن الكلبي: (كان مروة بيضاء منقوشة، عليها كهيئة التاج، وكان بتبالة، بين مكة واليمن على مسيرة سبع ليال من مكة، وكان سدنتها بنو أمامة من باهلة بن أعصر، وكانت تعظمها وتهدي لها خثعم وبجيلة وأزد السراة، ومن قاربهم من بطون العرب من هوازن).
فهذه بعض أسماء الأصنام والأوثان والتماثيل والأنصاب المعبودة لدى العرب من دون الله جل وعلا من الآلهة الأرضية، ولا شك أن هذه المعبودات الأرضية كانت أكثر بكثير مما ذكرته هاهنا، فقد ذكرها المعتنون بتاريخ العرب قبل الإسلام وأصحاب المعاجم كابن إسحاق وابن الكلبي وابن هشام، وأبو الفرج الأصفهاني، والأزرقي، وياقوت الحموي، وابن الأثير، وابن كثير، وابن منظور، والفيروز آبادي، والزبيدي، والنويري، والآلوسي، وجواد علي، وغيرهم. وإنما المقصود هنا ذكر بعض النماذج من هذه الأصنام الأرضية.
ولكن مع استقصاء المعتنين بتأريخ العرب قبل الإسلام ذكر الأصنام والأوثان، والمعبودات الأرضية، لابد أن يفوتهم الكثير منها، فإن المعروف من تأريخ العرب أنه كان لكل قبيلة عربية تقريبًا، ولأهل كل دار، صنم عبدوه،
[ ١ / ٥٥٦ ]
(فإذا أراد الرجل منهم سفرًا تمسح به حين يركب فكان ذلك آخر ما يصنع حين يتوجه إلى سفره، وإذا قدم من سفره تمسح به، فكان ذلك أول ما يبدأ به قبل أن يدخل على أهله). هذا ما ذكره أصحاب السيرة.
ويؤيده ما جاء في صحيح البخاري بأنه (لما فتح رسول الله ﷺ مكة وجد حول البيت ثلاثمائة وستين صنمًا، فجعل يطعن بعود في يده ويقول: (جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا). وهي تتساقط على رؤوسها، ثم أمر بها فأخرجت من المسجد وحرقت).
٣ - عبادة بيوت الأصنام من دون الله ﷿:
والمقصود ببيوت الأصنام تلك الأماكن التي كانت تضم بعضًا من آلهة العرب المعبودة من أصنام وتماثيل، وسواها من الأوثان والأنصاب، بحيث إنها مهوى أفئدة المشركين ومحجتهم التي إليها ينظرون، وكانوا يوجهون إليها أنواعًا من العبادات كالطواف والعكوف والذبح والنذر والنحر وغيرها.
وكان يشرف عليها حجبة وسدنة، وكانوا يهدون إليها أنواعًا من الهدايا الجميلة والتحف الثمينة. ولا شك أن توجيههم أنواعًا من العبادات لهذه البيوت سواء كان للأصنام الموجودة في داخلها أو كان للبيوت وحدها - كما كان هناك بعض البيوت تعظم لذاتها - كل هذا داخل في الشرك بالله جل وعلا؛
[ ١ / ٥٥٧ ]
لأنه صرف أنواع من العبادة لغير الله جل شأنه، ولهذا سمى الرسول ﷺ بعض هذه البيوت بالطاغية.
وهذه البيوت هي كالتالي:
١ - كعبة نجران: وهي الكعبة التي كانت لبني الحارث كعب بنجران في بلاد اليمن. قال ابن الكلبي: (وكان لبني الحارث بن كعب كعبة بنجران يعظمونها).
٢ - كعبة سنداد: قال ابن الكلبي: (وكان لإياد كعبة أخرى بسنداد، من أرض بين الكوفة والبصرة في الظَّهر). ثم استدرك ابن الكلبي فقال: (وقد سمعت أن هذا البيت لم يكن بيت عبادة، وإنما كان منزلًا شريفًا). أي إنما هو مجرد قصر بين الحيرة والأبلة، كانت تحج إليه إياد.
٣ - القليس: الذي بناه أبرهة الأشرم باليمن - بصنعاء - بالرخام وجيد الخشب، وكتب إلى ملك الحبشة (إني قد بنيت لك كنيسة لم يبن قبلها أحد قط، ولست تاركًا العرب حتى أصرف حجهم عن بيتهم الذي يحجون إليه).
فهذا البيت وإن كان العرب - خصوصًا عرب الشمال - لم يعترفوا به إلا أن عرب اليمن - عرب الجنوب - قد لقي عند بعضهم القبول، فلذا ذكرته هاهنا.
٤ - رُضاء أو رُضى: وهو بيت لبني ربيعة بن كعب من تميم، وكان من البيوت المعظمة لدى بعض العرب.
[ ١ / ٥٥٨ ]
٥ - رئام: وهو بيت لحمير بصنعاء، وكانوا ينحرون عنده ويكلمون منه. أما تسميته بهذا الاسم فقد تكون مشتقة من رأم الأنثى لولدها، إذ كانوا يأتونه ليلتمسوا منه الرحمة، ولينالوا البركة والشفاعة.
٦ - ذو الخلصة: وهو بيت من بيوت الشرك المعروفة عند البعض، وإن كان صنمًا عند البعض الآخر، ومنهم ابن الكلبي، وكان لدوس وخثعم وبجيلة ومن والهم من العرب بتبالة إلى الجنوب من مكة مسيرة سبع ليال. وقد رجح الأزرقي: أنه بيت كان يدعى الكعبة اليمانية، كما رجحه ياقوت الحموي في معجم البلدان.
٧ - بيت الربة: أو بيت الشمس: وكانوا وقفوا له الكثير من الضياع والما، وكانوا يأتونه كلما مالت الشمس إلى المغيب أو أخذت الزوال، وكانوا يحجون إليه صائمين، فيصلون عنده ويتشفعون، وكان سدنتها بني أوس من تميم.
٨ - بسّ: بيت لغطفان، بناه ظالم بن أسعد لما رأى قريشًا تطوف بالكعبة، وتسعى بين الصفا والمرة فذرع البيت، ثم أخذ حجرًا من الصفا وحجرًا آخر
[ ١ / ٥٥٩ ]
من المروة، ورجع إلى قومه فبنى بيتًا على قدر البيت، ووضع الحجرين قائلًا: (هذين الصفا والمروة، فاجتزوا بهما عن الحج).
٩ - السعيدة: قيل: إنه بيت في أحد، كانت تحج إليه العرب في جاهليتها.
١٠ - بيت العزى: قيل أن بعض العرب كانوا قد حجوا إليها وطافوا بها وأهدوا لها، وخصّوها بالنذور والأموال لكونه من البيوت المعظمة.
١١ - بيت اللات: كما كانت ثقيف تعتبرها قبلة لهم، ويفهم هذا من مصالحتهم لأبرهة الأشرم لما جاء لهدم الكعبة.
فتلك بعض معبودات المشركين التي تم جمعها تحت هذا المبحث.
ونخلص مما تقدم ذكره: بأن أصل شرك العبادة إنما هو من قبيل طلب التقرب إلى الله جل شأنه بعبادة هذه المعبودات، وذلك نتيجة قياس الخالق سبحانه على المخلوق.
فإن المشركين زعموا بعقولهم الفاسدة أن ملوك الدنيا لا يتوصل إليهم إلا بالوجهاء والشفعاء والوزراء الذين يرفعون إليهم حوائج رعاياهم ويطلبون لهم عطفهم، فيكون ذلك تمهيدًا للأمر المطلوب منهم، فظن المشركون أن الله - تعالى - كذلك، وهذا سوء ظن بالله - جل شأنه ـ، وهو من أفسد الأقيسة في العالم، كما سيأتي بيان ذلك في الباب الرابع بمشيئة الله جل وعلا عندما نورد شرك هذه الأمة في الأنداد والعبادة، وعند بيان الشبهات لمشركي زماننا، فإن نفس هذه الشبهة موجودة برمتها لدى القبوريين من هذه الأمة.
[ ١ / ٥٦٠ ]
المطلب الثالث: أنواع العبادات التي كانوا يوجهونها إلى معبوداتهم:
العرب قبل الإسلام وجهوا جميع أنواع العبادات - التي عرفوها بأنها عبادة - إلى غير الله جل شأنه، فمن هذه العبادات: العبادات العملية، ومن مظاهرها الكثيرة ما يلي:
١ - الصلاة والصيام - حسب اعتقادهم وأهوائهم - لهؤلاء الأصنام، وقد سبق معنا ذكر بيت الربة، وكيف كانوا يأتون إليه عند مغيب الشمس، وكيف يأتون إليه وهم صائمون.
٢ - السجود: وهذه كانت ظاهرة عامة لدى مشركي العرب، فكانوا يسجدون لأصنامهم.
٣ - الحج: وقد سبق بيان حجهم لأصنامهم، ولبعض البيوت المعظمة.
٤ - الذبح: وقد بينا أيضًا أن أغلب هؤلاء المشركين كانوا يذبحون وينحرون عند هذه الأصنام والأوثان المعبودة من دون الله.
٥ - النذر: كما سبق أن بينا: أن المشركين كانوا ينذرون لأصنامهم كما كانوا ينذرون لله، ولكن سرعان ما يحتالون في وفاء نذر الله - تعالى ـ، وقد بين بعض هذه الحيل في كتب السير والتأريخ.
[ ١ / ٥٦١ ]
٦ - بذل الأموال للأصنام: سواء كانت من النقدية أو غير النقدية من عين أو متاع، وذلك على سبيل الهدية والهبة، أو على سبيل الوفاء بنذر ما، وقد زاد مشركو عرب الجنوب ضريبة معينة، هي العشر مما يكسبه تاجر الطيوب من فضل مال أو أرباح.
ومن هذه العبادات التي كانوا يوجهونها إلى معبوداتهم: العبادات القولية:
ومن مظاهر هذه العبادات القولية: التلبية لهذه الأصنام، فكان لكل صنم تلبية معينة كما يحكيه المعتنون بتاريخ العرب قبل الإسلام.
كما كان العرب يوجهون العبادات القلبية لغير الله سبحانه، بل هذا هو أصل شركهم، فكانوا يصرفون التعظيم والدعاء والاستغاثة والاستعاذة وغيرها إلى غير الله، كما كانوا يخافون ويرجون ويحبون معبوداتهم مثل حب الله أو أشد منه، ودلائل هذا القول مبسوطة في القرآن العظيم والأحاديث النبوية.
المطلب الرابع: طبيعة اعتقاد الجاهليين تجاه معبوداتهم
إذا نظرنا إلى عبادة المشركين لهذه المعبودات ترى أنها تتصف بالآتي:
أولًا: البساطة والسذاجة:
وأبرز الأدلة على أن اعتقاداتهم تجاه هذه المعبودات كانت بسيطة
[ ١ / ٥٦٢ ]
وساذجة عبادة أحجار لا تنفع ولا تضر، فعقيدتهم غير ثابتة الأركان ولا تقوم على أساس واضح من أسس الأيدلوجية الواعية، وإنما هي مجرد عقيدة بدائية تنسجم إلى حد بعيد مع حياتهم السياسية والاجتماعية والثقافية البعيدة عن التخصص والتقدم والعمق والشمول. بل أغلب هذه الاعتقادات كانت نتيجة عاطفة شخص أو قبيلة تجاه فلسفة معينة في أشياء معينة، وفيما يلي بيان لما قلناه، فمثلًا:
قضية عبادة الأحجار: فإن بدء عبادة الأحجار كانت نتيجة عاطفة بعض أولاد إسماعيل تجاه أراضي مكة وآثارها، قال ابن الكلبي: (إن إسماعيل ﵇ لما سكن مكة وولد بها أولادًا فكثروا، حتى ملئوا مكة، ونفوا من كان بها من العماليق ضاقت عليهم مكة، ووقعت بينهم الحروب والعداوات، وأخرج بعضهم بعضًا، فتفسحوا في البلاد والتماس المعاش، فكان الذي حملهم على عبادة الأوثان والحجارة: أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن إلا احتمل معه حجرًا من حجارة الحرم؛ تعظيمًا للحرم وصبابة بمكة، فحينما حلوا وضعوه وطافوا به، كطوافهم للبيت؛ حبًا للبيت وصبابة به، ثم عبدوا ما استحسنوا ونسوا ما كانوا عليه، واستبدلوا بدين إبراهيم وغيره، فعبدوا الأوثان ).
وقال ابن الكلبي في موضع آخر: (واستهترت العرب في عبادة الأصنام، فمنهم من اتخذ بيتًا، ومنهم من اتخذ صنمًا، ومن لم يقدر عليه ولا على بناء بيت، نصب حجرًا أمام الحرم وأمام غيره، مما استحسن، ثم طاف به كطوافه بالبيت فكان الرجل إذا سافر منزلًا، أخذ أربعة أحجار فنظر إلى أحسنها
[ ١ / ٥٦٣ ]
فاتخذه ربًا، وجعل ثلاث أثافي لقدره، وإذا ارتحل تركه، فإذا نزل منزلًا آخر، فعل مثل ذلك، فكانوا ينحرون ويذبحون عندها ويتقربون إليها وكان الذي يفعلون من ذلك في أسفارهم إنما هو للاقتداء منهم بما يفعلون عندها لصبابة بها).
وفي رواية أخرى قال أبو رجاء العطاردي: (لما بعث النبي ﷺ فسمعنا به، لحقنا بمسيلمة الكذاب فلحقنا بالنار، قال: وكنا نعبد الحجر في الجاهلية، فإذا وجدنا حجرًا هو أحسن منه نلقي ذلك ونأخذه، فإذا لم نجد حجرًا جمعنا حثية من تراب، ثم جئنا بغنم فحلبناها عليه ثم طفنا به)، وقال أبو رجاء أيضًا: (كنا نعمد إلى الرمل فنجمعه ونحلب عليه فنعبده، وكنا نعمد إلى الحجر الأبيض فنعبده زمانًا ثم نلقيه).
وقال أبو عثمان النهدي: (كنا في الجاهلية نعبد حجرًا، فسمعنا مناديًا ينادي: يا أهل الرحال، إن ربكم قد هلك فالتمسوا ربًا، قال: فخرجنا على كل صعب وذلول، فبينا نحن كذلك نطلبه إذا نحن بمنادٍ ينادي: إنا قد وجدنا ربكم أو شبهه، فإذا حجر، فنحرنا عليه الجزور).
[ ١ / ٥٦٤ ]
وقال عمرو بن عبسة: (كنت امرأً ممن يعبد الحجارة، فينزل الحي ليس معهم إله، فيخرج الرجل منهم، فيأتي بأربعة أحجار، فينصب ثلاثة لقدره، ويجعل أحسنها إلهًا يعبده، ثم لعله يجد ما هو أحسن منه قبل أن يرتحل فيتركه ويأخذ غيره).
فهذا مثال دل على سذاجة اعتقاداتتهم تجاه هذه المعبودات، من ضمن أمثلة عديدة.
ثانيًا: وهن العقيدة:
كما سبق أن بينا أن اعتقادهم تجاه هذه المعبودات كان متصفًا بالبساطة والسذاجة، هكذا يمكن اتصافه بوهن الأساس وضعف البنيان؛ لأنه يصدر عن عاطفة عديمة الثبات، وقلما يتغلغل في الأعماق أو يرسخ في الأذهان، بل تراه عاطفة متقلبة تحركها الأهواء السانحة وتسيرها المصالح وتقتضيها الضرورة والحاجة، فليس ثمة عند الجاهلي رسوخ في العقيدة، ولا خلوص في النية، ولا تفكر بما وراء المظهر والمادة.
وهو في عقيدته تلك إنما يصدر عن تمسك بالعادة وعن جري في التقليد، واقتفاء بأثر من سبقه إليه، فهو لا يتورع عن سب آلهته وشتمها وضربها، وهذا ما فعله امرؤ القيس مع صنمه، كما لا يتورع أيضًا عن أكلها - كما في حادثة بني حنيفة - خصوصًا إذا ما كانت هذه الأصنام مصنوعة من التمر والزبيب وقد أضر الجوع بعابدها، كما وإنه لا يحجم أبدًا عن سرقتها، وأخذ اللبن المخصص
[ ١ / ٥٦٥ ]
لها، وهذا ما فعله مالك بن حارثة الأجداري يوم أن شرب اللبن المخصص لسقاية الصنم ود.
وسأسوق هنا جملة من القصص تدل على ما قلناه، فمنها:
١ - حادثة (ذو الخلصة): وهي حينما جاءه امرؤ القيس ليستقسم عنده بالأزلام، كان ذلك لما قتلت بنو أسد أباه حجرًا، وخرج السهم الذي ينهاه عن الأخذ بالثأر لأبيه، فما كان من الشاعر إلا أن كسر القداح وضرب بها وجه الصنم متهددًا متوعدًا، وقال: (عضضت بأير أبيك! لو كان أبوك قتل ما عوقتني)، ثم غزا بني أسد، فظفر بهم، قال ابن الكلبي: (فلم يستقسم عنده بشيء حتى جاء الله بالإسلام، فكان امرؤ القيس أول من أخفره).
٢ - حادثة (فلس): وهي؛ حينما جاءه مالك بن كلثوم حيث أقدم على حل عقال ناقة جارة له، تلك الناقة التي وقفت للصنم وأودعت بفنائه فلا يحل لأحد أخذها، ولا التصرف بها، لكن ابن كلثوم أقدم على حل الناقة وسوقها أمامه ذاهبًا بها، دون أن يحرك الصنم لإله ساكنًا، ولا أن يقدر على الانتقام ممن اجترأ على حرمته، ونال من قداسته، واستلب ما كان موقوفًا له، وهذه الحادثة - كما يقولون - حملت الشاعر الجاهلي عدي بن حاتم على تخليه عن عبادة فلس، لأن فلسًا بزعمه (أهين على يد مالك، فلم يثأر الإله لكرامته وقداسته).
٣ - حادثة (سعد): وهي؛ حينما قدم إليه رجل من المشركين لينال البركة ولينيخ إبله بفنائها، لكن سرعان ما نفرت هذه الناقة، لدى رؤيتها الدم
[ ١ / ٥٦٦ ]
المهراق، فضربت في الأرض بعيدًا، الأمر الذي دفع بالرجل إلى القول متبرئًا من سعد وممن يعبد سعدًا:
أتينا إلى سعد ليجمع شملنا فشتتنا سعد فلا نحن من سعد
وهل سعد إلا صخرة بتنوفة من الأرض لا يدعى لغي ولا رشد
٤ - حادثة صنم بني حنيفة: وهي؛ أن هذا الصنم كان مصنوعًا من الحيس، فعبدوه حينًا من الدهر، فأصابت بنو حنيفة سنة من الجوع، فلم يتورعوا عن أكله فيما أكلوه ذلك العام، فقال قائل:
أكلت بنو حنيفة ربها زمن التقحم والمجاعة
لم يحذروا من ربهم سوء العقاب ولا البشاعة
فهذه الحوادث كلها إن دلت على شيء فهو أن حرارة العقيدة ما كانت تتغلغل في أعماق هؤلاء الجاهليين، بل هي ظلت عقيدة واهية الأساس، خاضعة للأهواء، متقلبة سرعان، ما تضعف وتزول عندما تصادم بشيء يستطيع أن يزيلها.
فهؤلاء العرب في جاهليتهم كانوا يتبعون هواهم، تجاه عبادة هذه المعبودات، وقد ورد الإنكار الشديد في كتاب الله تعالى لمن جعل إلهه هواه فيتبعه في كل ما يملي عليه.
قال تعالى: (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا).
قال تعالى: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ).
قال ابن عباس ﵁: (ذلك الكافر؛ اتخذ دينه بغير هدى من الله
[ ١ / ٥٦٧ ]
ولا برهان)
وقال قتادة: (هو الكافر؛ لا يهوى شيئًا إلا ركبه لا يخاف الله).
وقال ابن كثير: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ) أي إنما يأتمر بهواه فمهما رآه حسنًا فعله، ومهما رآه قبيحًا تركه).
والمقصود: بيان أن عبادة العرب لهؤلاء المعبودات ما كانت عن دليل ولا برهان، وما كان عندهم رسوخ في العقيدة، بل هي واهية البنيان والأساس، وذلك؛ نتيجة اتباعهم الهوى تجاه معبوداتهم، فإن هذا هو مصير كل من اتبع هواه بغير هدى من الله.
ثالثًا: تعصبهم لمعبوداتهم:
سبق أن قلنا: أن العرب كانت عقيدتهم واهية البنيان غير قائمة على أسس متينة، فهذا من جهة، ولكن من جهة ثانية فإننا لا نعدم وسيلة العثور على مواقف أخرى قد تبدو متناقضة مع ما شهدناه من مواقف دالة على ضعف العقيدة ووهنها، أعني بذلك تلك المواقف الدالة على شدة تمسك الجاهلي بعقيدته، والتعصب لآلهته تعصبًا يفدي بمقتضاه بنفسه وماله وبنيه، وكل ما يملكه في الدنيا، وإلا فكيف يمكننا أن نفسر موقف أبي سفيان (قبل إسلامه) المعادي جدًا، والمتشدد لأبعد حدود التشدد، وكذلك موقف أبي لهب وغيره من سادات قريش وصناديدها، من الإسلام ومن دعوة النبي ﷺ لهم؟ ألم يكونوا أشد الناس تعصبًا لآلهتهم المزعومة؟ ألم تقل حمنة بنت أبي سفيان
[ ١ / ٥٦٨ ]
لابنها سعد بن أبي وقاص الزهري حين بلغها نبأ إسلامه: (أليس قد أمر الله بالبر، والله لا أطعم طعامًا ولا أشرب شرابًا حتى أموت أو تكفر)؟ .
أليس هؤلاء هم الذين قاتلوا رسول الله ﷺ وحملوا معهم الأصنام في المعارك؟ أليس هم الذين قالوا: اعل هبل؟ أليس هم الذين قالوا: لنا العزى ولا عزى لكم؟ .
إذن، وكما نرى فإن بعض مشركي الجاهلية - ولا سيما من كان منهم من صف السادة والمستكبرين - كانوا جد متعصبين لآلهتهم، وجد متمسكين بما أورثوا من عبادتها عن الآباء والأجداد، إنهم محكومون بالتعصب لها؛ ذودًا عن مصالحهم، وحفاظًا على مكاسبهم - بزعمهم ـ، كيف لا، وهم من الأسياد أو السدنة أو ممن أوكل بهم حفظ الآلهة، وأسند إليهم ما يزعمون من شرف الدفاع عنها، ولهذا قالوا: (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ).
رابعًا: تقليدهم لآبائهم في عبادة هذه المعبودات:
سبق معنا: أن مشركي العرب ما كان اعتقادهم يستند إلى أسس قوية ولا عن قناعة نفسية تامة، كما هو واضح في الأمثلة التي تم إيرادها، ولكن ما الذي حملهم إذن على عبادتها؟ لقد أجاب القرآن على هذا السؤال فقال: (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ) فما هو إلا التقليد الأعمى لآبائهم وكبرائهم. ولهذا سيقولون يوم القيامة: (إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا
[ ١ / ٥٦٩ ]
وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا).
[ ١ / ٥٧٠ ]
المبحث الثاني أسباب الشرك قديمًا
ذكرنا فيما سبق: أن حقيقة الشرك: تشبيه الخالق بالمخلوق، وتشبيه المخلوق بالخالق، وقد وجد هذا التشبيه والتشبه لسببين اثنين، هما:
١ - الغلو في المخلوق.
٢ - إساءة الظن برب العالمين نتيجة عدم معرفة قدر الله جل شأنه. فما قدروا الله حق قدره فأساءوا الظن به سبحانه.
أما السبب الأول الذي هو الغلو: فإنه يكون بتنزيل المخلوق منزلة فوق منزلته، فيصرف له شيء من حقوق الله، وهذا الأمر جلي وواضح في جميع الأمم المشركة بالله تعالى، فإنه - كما قال شيخ الإسلام - إن أوائل المشركين (صنفان: قوم نوح، وقوم إبراهيم، فقوم نوح كان أصل شركهم العكوف على قبور الصالحين ثم صوروا تماثيلهم ثم عبدوهم. وقوم إبراهيم كان أصل شركهم عبادة الكواكب والشمس والقمر).
ومشركوا العرب شركهم لا يخلوا عن هذين الأمرين. ولكن كل هذا ناتج عن الغلو في المخلوقات. فمثلًا: إن قوم نوح إنما صوروا تماثيلهم للاقتداء
[ ١ / ٥٧١ ]
بهم في بداية الأمر، ثم لما رفع العلم وغلب الجهل ظن أن هؤلاء كانوا قومًا صالحين فلابد من العكوف على قبورهم كي ينالوا مرضات الرب سبحانه، فعكفوا على قبورهم، ثم دب إليهم إبليس بأن الأولين كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر فعبدوهم. فلم يحصل هذا الشرك في هؤلاء القوم إلا نتيجة الغلو في بعض المخلوقات.
وشرك قوم إبراهيم ﵇ أيضًا ناتج عن الغلو في بعض المخلوقات؛ فإن (قومًا من الأوائل اعتقدوا أن الكواكب تفعل أفعالًا تجري في النفع والضر مجرى أفعال الإله على حسب ما يعتقده بعض أهل التنجيم، فاتخذوا عبادتها دينًا، وأراد ملوكهم ورؤساؤهم توكيده في أنفسهم، والزيادة فيه من عندهم، وذلك؛ أن الملك يحتاج إلى الدين كحاجة المال والرجال، لأن الملك لا يثبت إلا بالبيعة، والبيعة لا تكون إلا بالأيمان والأيمان لا يكون إلا لأهل الأديان، إذ لا يصح أن يحلف الرجل إلا بدينه ومعبوده، ومن لا يعتقد دينًا لا يوثق بيمينه، إلى غير ذلك مما يتعلق من أمر الملك بالدين، فصنعوا لهم الأصنام على صور الكواكب التي يعبدونها).
فهؤلاء غلوا في الأجرام السماوية، وظنوا أنها تنفع وتضر وأن شفاعتهن مقبولة عند الباري تعالى، ولهذا قالوا: (لا سبيل لنا إلى الوصول إلى جلاله إلا بالوسائط، فالواجب علينا أن نتقرب إليه بتوسطات الروحانيات القريبة منه، وهم الروحانيون المقربون المقدسون عن المواد الجسمانية، وعن القوى الجسدانية، بل قد جبلوا على الطهارة، فنحن نتقرب إليهم ونتقرب بهم إليه،
[ ١ / ٥٧٢ ]
فهم أربابنا وآلهتنا وشفعاؤنا عند رب الأرباب وإله الآلهة، فما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ).
قال الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ في تيسير العزيز الحميد بعد أن ذكر قصة أصنام قوم نوح: (فتبين أن مبدأ الشرك بالصالحين هو الغلو فيهم، كما أن سبب الشرك بالنجوم هو الغلو فيها، واعتقاد النحوس فيها والسعود، ونحو ذلك. وهذا هو الغالب على الفلاسفة ونحوهم، كما أن ذلك هو الغالب على عباد القبور ونحوهم، وهو أصل عبادة الأصنام؛ فإنهم عظموا الأموات تعظيمًا مبتدعًا، فصوروا صورهم، وتبركوا بها، فآل الأمر إلى أن عبدت الصور، ومن (هي) صورته، وهذا أول شرك حدث في الأرض، وهو الذي أوحاه الشيطان إلى عباد القبور في هذه الأزمان؛ فإنه ألقى إليهم أن البناء على القبور والعكوف عليها من محبة الصالحين وتعظيمهم، وأن الدعاء عندها أرجى في الإجابة من الدعاء في المسجد الحرام والمساجد، فاعتادوها لذلك، فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم منه إلى الدعاء به والإقسام على الله به).
وهذا الغلو له عدة أوجه، منها:
١ - بغية التبرك من الأشياء والأماكن المقدسة كما هو حال عبادة الأحجار بمكة؛ حيث إ نهم لما ظعنوا من مكة أخذوا أحجارًا من الحرم تبركًا وحنانًا إلى مكة، ولكن بعد مرور الزمن نسوا القصد فعبدوا هذه الأحجار.
٢ - تلاعب الشيطان بكل قوم على قدر عقولهم؛ فطائفة دعاهم إلى
[ ١ / ٥٧٣ ]
عبادتها من جهة تعظيم الموتى الذين صوروا تلك الأصنام على صورهم. كما هو الحال في أصنام قوم نوح، وقد سبق بيانه مفصلًا.
٣ - النظر إلى بعض المعبودات بأنها تؤثر في السعود والنحوس، كما هو حال بعض المشركين الذين يشركون بعبادة الكواكب والأجرام السماوية، فكانوا يعتقدون أنها تستحق التعظيم والتقديس، فبدؤوا يعبدونها.
٤ - أن الشياطين تدخل في الأصنام والأوثان والهياكل، وتخاطبهم منها، وتخبرهم ببعض المغيبات، وتدلهم على بعض ما يخفى عليهم، وهم لا يشاهدون الشياطين، فجعلتهم وسفهاء القوم منهم يظنون أن الصنم نفسه هو المتكلم المخاطب.
والمقصود: بيان كون الغلو هو أهم أسباب الشرك قديمًا، بل الغلو في المخلوق هو السبب الرئيس للوقوع في الشرك، حيث إنهم لما غلوا في المخلوق وأعطوه منزلة فوق منزلته جعلوا فيه حظًا من الألوهية، وحظًا من أمور الربوبية، وذلك بتشبيهه بالله سبحانه وبتشبيهه سبحانه الكامل من جميع الوجوه بهذا المخلوق الناقص.
أما السبب الثاني: - الذي هو إساءة الظن بالله سبحانه ـ، فهذا السبب في الحقيقة مترتب غالبًا على السبب السابق، فإنه بعد غلو الشخص في المخلوق
[ ١ / ٥٧٤ ]
وحصول الجهل بالدين يتخذه وسيطًا يقربه إلى الله فيعطفه عليه في قضاء حاجاته، فيكون قد أساء الظن بإفضال ربه وإنعامه وإحسانه إليه، وهذا يحدث وإن اعتقد أن الله يسمع ويرى ويملك كل شيء.
وربما تكون إساءة الظن بالله سبحانه غير ناتجة عن الغلو في المخلوق؛ كمن وصف الله ﷿ الكامل بجميع الوجوه بصفات المخلوق الناقص، قال الإمام ابن القيم: (فمن ظن به خلاف ما وصف به نفسه ووصفه به رسله، أو عطل حقائق ما وصف به نفسه، ووصفه به رسله، فقد ظن به ظن السوء).
ولعل ما يحملهم على إساءة الظن بالله جل شأنه هو: أنهم ما قدروا الله حق قدره، قال ابن القيم: (هنا أصل عظيم يكشف سر المسألة، وهو أن أعظم الذنوب عند الله إساءة الظن به، فإن المسيء به الظن قد ظن به خلاف كماله المقدس، وظن به ما يناقض أسماءه وصفاته، ولهذا توعد الله سبحانه الظانين به السوء بما لم يتوعد به غيرهم، كما قال تعالى: (وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا). فهذه إشارة لطيفة إلى السر الذي لأجله كان الشرك أكبر الكبائر عند الله، وأنه لا يغفر بغير التوبة منه، وأنه يوجب الخلود في العذاب، وأنه ليس تحريمه وقبحه لمجرد النهي عنه، بل يستحيل على الله أن يشرع لعباده عبادة إله غيره، كما يستحيل عليه ما يناقص أوصاف كماله ونعوت جلاله، وكيف يظن بالمنفرد بالربوبية
[ ١ / ٥٧٥ ]
والإلهية والعظمة والجلال أن يأذن في مشاركته في ذلك أو يرضى به؟ تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا).
أما إساءة الظن بالله سبحانه الناتجة عن الغلو في المخلوق الذي يجر الناس إلى الشرك في العبادة غالبًا فهو واضح.
قال ابن القيم: (ومن ظن أن له ولدًا، أو شريكًا وأن أحدًا يشفع عنده بدون إذنه، أو أن بينه وبين خلقه وسائط يرفعون حوائجهم إليه، أو نصب لعباده أولياء من دونه يتقربون بهم إليه، ويتوسلون بهم إليه، ويجعلونهم وسائط بينهم وبينه، فيدعونهم كحبه، ويخافونهم ويرجونهم؛ فقد ظن به أقبح الظن وأسوأه).
وقال في موضع آخر: قال تعالى عن خليله إبراهيم أنه قال لقومه: (مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ)؛ أي فما ظنكم أن يجازيكم به إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره؟ وما ظننتم به حتى عبدتم معه غيره؟ وما ظننتم بأسمائه وصفاته وربوبيته من النقص حتى أحوجكم ذلك إلى عبودية غيره؟ فلو ظننتم به ما هو أهله من أنه بكل شيء عليم وهو على كل شيء قدير، وأنه غني عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير إليه، وأنه قائم بالقسط على خلقه، وأنه المنفرد بتدبير خلقه لا يشركه فيه غيره، والعالم
[ ١ / ٥٧٦ ]
بتفاصيل الأمور، فلا يخفى عليه خافية من خلقه، والكافي لهم وحده، فلا يحتاج إلى معين، والرحمن بذاته، فلا يحتاج في رحمته إلى من يستعطفه.
وهذا بخلاف الملوك وغيرهم من الرؤساء، فإنهم يحتاجون إلى من يعرفهم أحوال الرعية وحوائجهم ويعينهم على قضاء حوائجهم، وإلى من يسترحمهم ويستعطفهم بالشفاعة، فاحتاجوا إلى الوسائط ضرورة؛ لحاجتهم وضعفهم وعجزهم وقصور عملهم.
فأما القادر على كل شيء، العالم بكل شيء، الرحمن الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء، فإدخال الوسائط بينه وبين خلقه تنقص بحق ربوبيته وإلهيته وتوحيده، وظن به ظن السوء، وهذا يستحيل أن يشرعه لعباده، ويمتنع في العقول والفطر جوازه إلى أن قال: فما قدر الله حق قدره من عبد معه غيره، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ).
فما قدر الله حق قدره من عبد معه غيره من لا يقدر على خلق أضعف حيوان وأصغره، وإن سلبه الذباب شيئًا مما عليه لم يقدر على استنقاذه منه، وقال تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ).
فما قدر من هذا شأنه وعظمته حق قدره من أشرك معه في عبادته من ليس له
[ ١ / ٥٧٧ ]
شيء من ذلك ألبتة، بل هو أعجز شيء وأضعفه، فما قدر القوي العزيز حق قدره من أشرك معه الضعيف الذليل).
وقال في موضع آخر: (ومن ظن به أنه إذا غضبه وأسخطه، وأوضع في معاصيه، ثم اتخذ من دونه وليًا، ودعا من دونه ملكًا أو بشرًا - حيًا، أو ميتًا - يرجو بذلك أن ينفعه عند ربه، ويخلصه من عذابه، فقد ظن به ظن السوء، وذلك زيادة في بعده من الله، وفي عذابه).
وقال أيضًا في بيان سوء الظن بالله الناجم عن عدم قدر الله حق قدره: (وهل قدره حق قدره من شارك بينه وبين عدوه في محض حقه من الإحلال والتعظيم والطاعة والذل والخضوع والخوف والرجاء؟ فلو جعل له من أقرب الخلق إليه شريكًا في ذلك لكان ذلك جراءة وتوثبًا على محض حقه، واستهانة به، وتشريكًا بينه وبين غيره فيما لا ينبغي ولا يصلح إلا له سبحانه، فكيف وإنما أشرك بينه وبين أبغض الخلق إليه، وأهونهم عليه وأمقتهم عنده، وهو عدوه على الحقيقة؟ .
فإنه ما عبد من دون الله إلا الشيطان، كما قال تعالى: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ). ولما عبد المشركون الملائكة بزعمهم وقعت عبادتهم في نفس الأمر للشياطين، وهم يظنون أنهم يعبدون الملائكة، كما قال تعالى: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ
[ ١ / ٥٧٨ ]
أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ)، فالشيطان يدعو المشرك إلى عبادته، ويوهمه أنه ملك.
وكذلك عباد الشمس والقمر والكواكب يزعمون أنهم يعبدون روحانيات هذه الكواكب، وهي التي تخاطبهم، وتقضي لهم الحوائج، ولهذا إذا طلعت الشمس قارنها الشيطان فيسجد لها الكافر، فيقع سجودهم له، وكذلك عند غروبها.
وكذلك من عبد المسيح وأمه لم يعبدهما وإنما عبد الشيطان، فإنه يزعم أنه يعبد من أمره بعبادته وعبادة أمه، ورضيها لهم وأمرهم بها، وهذا هو الشيطان الرجيم، لا عبد الله ورسوله، فنزل هذا كله في قوله تعالى: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ). فما عبد أحد من بني آدم غير الله كائنًا من كان إلا وقعت عبادته للشيطان، فيستمتع العابد بالمعبود في حصول غرضه، ويستمتع المعبود بالعابد في تعظيمه له وإشراكه مع الله الذي هو غاية رضى الشيطان ).
فهذه كله إساءة الظن بالله جل وعلا في جانب شركهم بالعبادة معه غيره سبحانه، وأما إساءة الظن بالله سبحانه التي حملت الناس على الإشراك معه في أمور الربوبية والتي نجمت عن عدم معرفة قدر الله حق قدره فقد بينه الله ﷿ في كتابه الكريم، حيث قال: (وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ
[ ١ / ٥٧٩ ]
فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ) لمن أنكر صفة من صفاته.
وقال: (وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ). قال غير واحد من المفسرين: إن ظنهم الباطل هاهنا: هو التكذيب بالقدر.
وقال: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ).
فإن من قال: إنه لم يرسل إلى خلقه رسولًا، ولا أنزل كتابًا، نسبه إلى ما لا يليق به ولا يحسن منه من إهمال خلقه وتضييعهم وتركهم سدى، وخلقهم باطلًا وعبثًا، فهذا ليس إلا سوء ظن بالله سبحانه، وليس إلا عدم معرفة قدر الله حق قدره.
وقال: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ).
وقال: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١) وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ).
وقال: (وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا)، وقال:
[ ١ / ٥٨٠ ]
(وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ)، وقال: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)، وقال: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ).
سيقت هذه الآيات كلها في الرد على من ظن بالله ظنًا سوءًا في أنه لا يحيي الموتى ولا يبعث من في القبور، ولا يجمع خلقه ليوم يجازي المحسن فيه بإحسانه والمسيء بإساءته، ويأخذ للمظلوم فيه حقه من ظالمه، ويكرم المتحملين للمشاق في هذه الدار من أجله وفي مرضاته بأفضل كرامته، ويبين لخلقه الذين يختلفون فيه، ويعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين. فمن ظن هذا الظن فهو لم يقدر الله حق قدره، وأساء الظن برب العالمين.
وقال سبحانه: (وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا).
وقد فسر هذا الظن من المشركين والمنافقين - الظن الذي لا يليق بالله سبحانه ـ: بأنه لن يحقق وعده بنصر الرسول ﷺ وأصحابه، وأن أمره سيضمحل، وأنه يسلمه للقتل، كما قال تعالى: (بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا
[ ١ / ٥٨١ ]
بُورًا).
قال ابن القيم في تفسير الآية الأولى: (وإنما كان هذا ظن السوء، وظن الجاهلية المنسوب إلى أهل الجهل، وظن غير الحق؛ لأنه ظن غير ما يليق بأسمائه الحسنى، وصفاته العليا، وذاته المبرأة من كل عيب وسوء بخلاف ما يليق بحكمته وحمده وتفرده بالربوبية والإلهية، وما يليق بوعده الصادق الذي لا يخلفه، وبكلمته التي سبقت لرسله أنه ينصرهم ولا يخذلهم - إلى أن قال ـ: وأكثر الناس يظنون بالله غير الحق ظن السوء فيما يختص بهم، وفيما يفعله بغيرهم، ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله، وعرف أسماءه وصفاته، وعرف موجب حمده وحكمته).
فعلمنا بهذا البيان: أن إساءة الظن بالله سبحانه هي التي أوقعت الناس في الشرك سواء أكان هذا الشرك في العبادة أم كان في أمور الربوبية.
[ ١ / ٥٨٢ ]