وتحته فصول:
الفصل الأول: في بيان الشرك الذي يتعلق بالربوبية.
الفصل الثاني: في بيان الشرك الذي يتعلق بالألوهية.
الفصل الثالث: في بيان وجوب الإخلاص والتحذير من الشرك.
[ ١ / ٦٨١ ]
الفصل الأول في بيان الشرك الذي يتعلق بالربوبية
وتحته مبحثان:
المبحث الأول: في بيان الشرك في الربوبية بالتعطيل.
المبحث الثاني: في بيان الشرك في الربوبية بالأنداد.
[ ١ / ٦٨٣ ]
المبحث الأول في بيان الشرك في الربوبية بالتعطيل
مدخل في بيان وجه دخول التعطيل في الشرك:
لا شكأن الشرك هو الذي يقابل التوحيد، فكما أن التوحيد يتناول إثبات الربوبية والأسماء والصفات والأفعال، ويتناول عدم اتخاذ الأنداد في الربوبية والأسماء والصفات والأفعال، وعدم صرف نوع من العبادة لغير الله؛ إن الشرك يتناول إنكار الربوبية وإنكار الأسماء والصفات والأفعال، ويتناول اتخاذ الأنداد في الربوبية والأسماء والصفات والأفعال، وصرف نوع من العبادة لغير الله.
ومن هذا المنطلق نرى أن كثيرًا من أنواع وإن كان يبدو في أول وهلة أنها من أنواع الكفر، إلا أن من أمعن النظر في مدلولات التوحيد ومدلولات الشرك يتضح له أنها من أنواع الشرك. وليس في دخولها تحت مسمى الشرك أي تناقض بين الشرك والكفر، فإن الكفر خصال عديدة، والشرك ما هو إلا بعض تلك الخصال التي تضاد التوحيد. ثم أصل الشرك كما سبق بيانه إنما هو التشبيه، والمعطل قد شبه ربه بالمعدومات أو - على الصحيح - جعله من جملة المعدومات، فيصح أن يقال له: إنه مشرك بالله جل شأنه.
فإن قيل: إن الشرك لابد أن يكون بين شيئين بحيث يشرك أحدهما مع الآخر، يقال: إن الشرك بالتعطيل فيه أيضًا ما يشرك به، وهو إما بالاستكبار،
[ ١ / ٦٨٥ ]
وإما بطلب النفس أن يكون شريكًا لله وذلك باتباع هواه، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمة الله عليه ـ: (وكل مستكبر فهو مشرك، ولهذا كان فرعون من أعظم الخلق استكبارًا عن عبادة الله، وكان مشركًا بل الاستقراء يدل على أنه كلما كان الرجل أعظم استكبارًا عن عبادة الله كان أعظم إشراكًا بالله؛ لأنه كلما استكبر عن عبادة الله ازداد فقره وحاجته إلى المراد المحبوب الذي هو المقصود - مقصود القلب - بالقصد الأول، فيكون مشركًا بما استعبده من ذلك ).
وقال ابن القيم - رحمة الله عليه ـ: (أحدهما: شرك التعطيل، وهو أقبح أنواع الشرك، كشرك فرعون والشرك والتعطيل متلازمان، فكل مشرك معطل، وكل معطل مشرك، لكن الشرك لا يستلزم أصل التعطيل، بل قد يكون المشرك مقرًا بالخالق سبحانه وصفاته، ولكنه عطل حق التوحيد، وأصل الشرك وقاعدته التي يرجع إليها: هو التعطيل ).
وقال في موضع آخر:
واعلم بأن الشرك والتعطيل مذ كانا هما لا شك مصطحبان
أبدا فكل معطل هو مشرك حتمًا وهذا واضح التبيان
فالعبد مضطر إلى من يكشف الـ ـبلوى ويغني فاقة الإنسان
وإليه يصمد في الحوائج كلها وإليه يفزع طالب الأمان
فإذا انتفت أوصافه وفعاله وعلوه من فوق كل مكان
[ ١ / ٦٨٦ ]
فزع العباد إلى سواه وكان ذا من جانب التعطيل والنكران
فمعطل الأوصاف ذاك معطل الـ ـتوحيد حقًا ذان تعطيلان
قد عطلا بلسان كل الرسل من نوح إلى المبعوث بالقرآن
والناس في هذا ثلاث طوائف ما رابع أبدًا بذي إمكان
إحدى الطوائف مشرك بإلهه فإذا عاه دعا إلهًا ثان
هذا وثاني هذه الأقسام ذاك جاحد يدعو سوى الرحمن
هو جاحد للرب يدعو غيره شركًا وتعطيلًا له قدمان
يقول الشارح لهذه الأبيات: (يثبت المؤلف في هذه الأبيان أن التعطيل ونفي الصفات أخو الإشراك وعبادة الأوثان، وأنهما مذ وجدا أخوان لا يفترقان، وأن أولهما وهو التعطيل مفض إلى الشرك ومقتض له، كما تقتضي العلة معلولها، فكل معطل وجاحد للصفات فهو مشرك عابد للطاغوت.
وذلك لأن العبد في هذه الحياة الدنيا عرضة لنوائب الخير والشر، وهو لا يستطيع أن يستقل بتحصيل الخير لنفسه ولا يدفع الشر عنها، فهو محتاج إلى من يدفع عنه ضره ويغنيه عن عيله، وإليه يقصد في كل حوائجه ليقضيها له، ويفزع من مخاوفه ليوفر له الأمان، فإذا نفينا صفات هذا الإله المقصود وأفعاله، ونفينا وجوده فوق عرشه لم يجده العباد أهلًا لأن يفزعوا إليه، بل لم يجدوه شيئًا؛ فيفزعون حينئذ إلى غيره، والذي جرهم إلى هذا الشرك هو التعطيل والإنكار.
فمن عطل أوصافه سبحانه فقد عطل توحيده، فهما تعطيلان قد بعث جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام من أولهم نوح إلى خاتمهم محمد
[ ١ / ٦٨٧ ]
لإنكارهما وإبطالهما، والناس بالنسبة لهذا الأمر ثلاث فرق لا رابع لها.
فأما إحداها: فهو من يشرك بإلهه في العبادة فيدعو معه إلهًا آخر، وهو شرك أكثر المشركين، فإنهم يقرون بوجود الله وبأنه المنفرد بالربوبية في الخلق والرزق والتدبير والملك، ولكنهم يعبدون معه غيره.
وأما ثانيتهما: فهو من يجحد الرب جل شأنه فينكر وجوده وصفات كماله، فهذا لا يدعوه وإنما يدعو غيره، فهو قد جمع بين الشرك والتعطيل، واتخذ منهما قدمين يقوم عليهما كفره وإلحاده، وهذا شر الفريقين، فإن من يدعو مع الله غيره مع دعائه إياه أهون ممن لا يدعوه، بل يدعو سواه).
وقال ابن القيم بعد هذا:
فمعطل الأوصاف ذو شرك كذا ذو الشرك فهو معطل الرحمن
أو بعض أوصاف الكمال له فحقق ذا ولا تسرع إلى نكران
يقول الشارح: (فمعطل الأوصاف كلها أو بعضها فهو مشرك، وكذلك المشرك فهو معطل، فتأمل هذا الأمر جيدًا وتدبره، ولا تسرع إلى إنكار لعدم فهمك له).
ثم قال ابن القيم:
لكن أخو التعطيل شر من أخي الإشراك بالمعقول والبرهان
إن المعطل جاحد للذات أو لكمالها هذان تعطيلان
يقول الشارح: (وإذا كان التعطيل كما بيَّنا أخا للشرك وملازمًا له، فإن
[ ١ / ٦٨٨ ]
المعطل شر من المشرك وأسوأ منه عقيدة في ربه ﷿. وليست هذه دعوى ثقال باللسان ولكنها مدعمة بالدليل والبرهان، إن التعطيل نوعان، أحدهما: جحد الذات وعدم الإقرار بوجودها، وهو تعطيل الدهرية الذين ينكرون الصانع ويقولون ما حكاه القرآن عنهم: (إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ).
والثاني: تعطيل الذات عن صفات الكمال الثابتة لها، فهذا تعطيلان يتضمنان الطعن في حقيقة الألوهية والتنقيص من شأنها ).
ولهذا لما تكلم ابن القيم في أنواع الشرك قال: (الشرك شركان: شرك يتعلق بذات المعبود، وأسمائه وصفاته وأفعاله، وشرك في عبادته ومعاملته، وإن كان صاحبه يعتقد أنه سبحانه لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته ولا في أفعاله) - إلى أن قال ـ: (والشرك الأول نوعان: أحدهما: شرك التعطيل، وهو أقبح أنواع الشرك، وهو ثلاثة أقسام: تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه، وتعطيل الصانع عن كماله المقدس: تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه، وتعطيل الصانع عن كماله المقدس بتعطيل أسمائه وصفاته وأفعاله، وتعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد. والشرك الثاني: شرك الأنداد من غير تعطيل ).
كما قال المقريزي: (الشرك شركان: شرك يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله، وشرك في عبادته ومعاملته أما الشرك الأول: فهو نوعان: أحدهما: شرك التعطيل، وهو أقبح أنواع الشرك كشرك فرعون وهو ثلاثة أقسام: أحدها: تعطيل المصنوع عن صانعه. الثاني: تعطيل
[ ١ / ٦٨٩ ]
الصانع عن كماله الثابت له. والثالث: تعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد، ومن هذا شرك أهل الوحدة. ومنه شرك الملاحدة القائلين بقدم العالم وأبديته، ومنه شرك معطلة الأسماء والصفات كالجهمية والقرامطة وغلاة المعتزلة.
النوع الثاني: شرك التمثيل: وهو شرك من جعل معه إلهًا آخر كالنصارى في المسيح، واليهود في عزير، والمجوس القائلين بإسناد حوادث الخير إلى النور وحوادث الشر إلى الظلمة، وشرك القدرية المجوسية مختصر منه ).
فعلمنا بهذا البيان: أن التعطيل شرك. وقد عده العلماء من شر أنواع الشرك، ونظرًا إلى جزئيات هذا الشرك ووجودها في العصر الحاضر فإنه سيكون الكلام عليها في المطالب التالية:
المطلب الأول: في بيان الشرك في الربوبية بالتعطيل بتعطيل المصنوع عن صانعه.
المطلب الثاني: في بيان الشرك في الربوبية بتعطيل الصانع عن كماله المقدس بتعطيل أسمائه وصفاته وأفعاله.
المطلب الثالث: في بيان الشرك في الربوبية بتعطيل الصانع عما يجب عليه من حقيقة التوحيد.
المطلب الأول: في بيان الشرك في الربوبية بتعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه ومظاهر ذلك في هذه الأمة:
ذكرنا فيما سبق أن هذا النوع من الشرك لم يذهب إليه إلا شرذمة قليلة
[ ١ / ٦٩٠ ]
من الناس من بني آدم قديمًا، وما كان إنكارهم لله وشركهم بالله في هذا الباب إلا مكابرة ومعاندة من غير حجة ولا برهان: (وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون). وقد ذكرنا أشهر من عرف بهذا النوع من الشرك من بني آدم، ومن تأثر به من الجاهليين، فلم يكن يخطر ببال أحدٍ أن يوجد هذا النوع من الشرك في هذه الأمة مع وجود العلم الذي يدعو إلى الإيمان. ولكن مع الأسف قد وقع في هذا النوع من الشرك كثير من أبناء المسلمين من هذه الأمة.
وسأذكر بعض الطوائف التي وجد فيها هذا النوع من الشرك في الفروع التالية:
الفرع الأول: تعطيل المصنوع عن صانعه في الشيوعية:
وذلك، لأن من معتقداتهم: (إنكار وجود الله تعالى وكل المغيبات، والقول بأن المادة هي أساس كل شيء، وشعارهم: نؤمن بثلاثة: ماركس ولينين وستالين، ونكفر بثلاثة: الدين، الملكية الخالصة، - عليهم من الله ما يستحقون ـ).
مجمل شبهات الشيوعية والردود عليها:
إذا نظرنا إلى شبهات الشيوعية في الإلحاد نجدها ما يلي:
١ - القول بأزلية المادة أو الطبيعة وأبديتها، والأشياء باختلاف صورها إنما هي من نتاج المادة.
٢ - القول بالتطور الذاتي أو النشوء الذاتي للمادة والحياة.
[ ١ / ٦٩١ ]
٣ - القول بالمصادفة.
فهذه الشبهات هي التي تلجأ إليها الشيوعية في محاولة الإلحاد بالله جل شأنه. وفيما يلي استعراض لشبهاتهم واستدلالاتهم عليها، مع الردود المقنعة عليها إن شاء الله.
الشبهة الأولى: القول بأزلية المادة وأبديتها:
وقبل أن ندخل في الردود عليهم يحسن بنا أن نذكر مقصودهم بالمادة، وصفاتها لديهم، حتى يتسنى لنا الردّ على وجه لا تبقى معه فجوة فيها.
تعريف المادة لدى لينين:
يعرف لينين المادة بقوله: (هي مقولة فلسفية تخدم في تعيين الواقع الموضوعي المعطى للإنسان في إحساساته التي تنسخه، تصوره، تعكسه، والموجود بصورة مستقلة عن الإحساسات).
وبناء على هذا التعريف الذي يعتبر المادة شاملة لجميع مفاهيم الأشياء كالورد والشجر، والبيت ونحوها - إذ كلها مفاهيم - تكتسب المادة خاصية السبق على الإدراك والتأثير فيه، وبما أن الفلسفة تدرس المفاهيم شاملة إلى أقصى حدٍّ، أطلق على هذه الدراسة مقولة فلسفية، وبما أن المادة تدرس المفاهيم شاملة إلى أقصى حدٍّ فهي إذن على هذا الأساس مقولة فلسفلية، ووظيفتها: تعيين الواقع الموضوعي؛ أي: الواقع المادّي الموجود خارج الإدراك، وهو المؤثر في أعضاء حواس الإنسان وإثارة إحساساته.
إذن: فالفكر انعكاس للمادة الواقعة على الدماغ، وهو يفكر في المادة التي تعكس عليه. وقبل انعكاس المادة على الدماغ لا يوجد فكر. فالمادة إذن
[ ١ / ٦٩٢ ]
تسبق الفكر عنده.
بعد أن عرفنا المادة وأنها سابقة - حسب قولهم - في الوجود على الفكر، أذكر هنا رأيهم في أزلية المادة وأبديتها.
يقول الماديون: (وبالتالي فليس للكون نهاي ولا حدود، العالم أبدي وليس له أي (بداية) ولن يكون له أيّ (نهاية)، ومن هنا، فأيَّ عالم غيبي، غير مادي، غير موجود، ولا يمكن أن يوجد.
في واقع الأمر أنه إذا لم يوجد شيء غير المادة، فلا يوجد غير عالم مادّي واحد، وهذا يعني أنه عند وجود الأشياء والظواهر المختلفة في العالم المحيط بناء هناك خاصية واحدة توحدها، هي: ماديتها).
إذن، فلا يوجد شيء - على حدّ تعبيرهم - غير العالم المادي، ولا يمكن أن يوجد عالم روحي أو يوم آخر، كما جاءت به الأديان، فالإنسان، في نظرهم نتاج المادة فقط، فالمادة هي الخالقة، ولها خصائص الخالق، وليس هناك عالم غيبي، لأن العالم محصور فيما تدركه الحواس، ولم يكتفوا بإنكار وجود الله ﷾ بل صرّحوا بأن الله من إبداع الإنسان، وأن المشكلة ليست هي مشكلة وجوده سبحانه، بل هي مشكلة فكرة وجوده.
إذن، مبدؤهم الذي ينطلقون منه: أن الله لا نفع فيه، وإثارة النقاش حول وجوده لا طائل تحته، إذ لديهم فكرة لا تتغير؛ وهي: أن ما وراء الكون المادي
[ ١ / ٦٩٣ ]
وهمٌ وهُراءٌ.
فهذه المادة هي كل شيء، ترد بمعنى الطبيعة، كما أن الطبيعة ترد بمعنى المادة.
وأما قولهم بأبدية المادة فيعللون لها بقولهم: (إن في الطبيعة لا ينشأ شيء من لا شيء، ولا يختفي أبدًا بلا أثر، وإذا كان الأمر كذلك فإن المادة أو الطبيعة قد وجدت دائمًا، لأننا إذا سلمنا بأنه في وقت من الأوقات لم يكن هناك شيء في العالم، أي لم تكن توجد مادة، فمن أين لها أن تنشأ؟ ولكن ما أن توجد المادة فهذا يعني أنها لم تنشأ في أي وقت من الأوقات بل وجدت دائمًا، وستوجد دائمًا فهي أبدية وخالدة، ولهذا لم يمكن أن تخلق، فلا يمكن أن يخلق ما لا يمكن فناؤه، وبذلك المادة لم تنشأ أبدًا، بل وجدت دائمًا وستوجد دائمًا فهي أبدية).
إذن، فالمادة أبدية خالدة، لم تنشأ من العدم لأنه لا يمكن أن يخلق ما لا يمكن إفناؤه؛ ولهذا لا يجوز السؤال عن بداية المادة ونهايتها لأن آثارها واضحة ومشاهدة، والحركة كذلك محال خلقها وإفناؤها، لأنه صنعة المادة.
يقول انجلز: (المادة بدون حركة أمر غير معقول، بقدر ما هي الحركة بدون المادة، وإذن فالحركة محال خلقها وإفناؤها قدر ما هو محال ذلك بالنسبة للمادة نفسها).
[ ١ / ٦٩٤ ]
الردود على هذه الشبهة:
قبل البدء في الردّ عليهم أورد هنا الأساس الفكري لهذه الفكرة المادية، فإن الأساس الفكري لهذه الفكرة المادية التي نشأت منها الشيوعية هو حصر نطاق المعرفة في المادة وحدها.
وهذا الفكر وإن كان نشأ ونما في أوروبا فيما بعد القرن السابع عشر إلاَّ أنه قديم في البشرية قدم الآفات والانحرافات فيها، ويعتبر امتدادًا لفكرة هؤلاء الماديين أو الدهريين الذين أنكروا البعث قديمًا ونسبوا الموت للدهر بدلًا من الله كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم: (وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر).
كذلك أعداء الرسالات أغلبهم مادّيون، ولذلك تراهم يتطاولون بالمادة وينكرون البعث واليوم الآخر ويرون الجزاء للإنسان قاصرًا على متع الحياة الدنيا يقول ﷾: (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٣٤) وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ)، (أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ (٣٥) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ).
كما يحكي القرآن مقالة الماديين لدى ظهور الإسلام: (وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعًا، أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر
[ ١ / ٦٩٥ ]
الأنهار خلالها تفجيرًا، أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفًا أو تأتي الله والملائكة قبيلًا، أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقي في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابًا نقرؤه).
وقد بين القرآن أن هذا الذي طلبه الماديون في شأن التصديق بالرسالة الخاتمة ليس غريبًا ولا غير معهود في تاريخ البشرية، وإنما هو أمر تكرر على عهد الرسالات السابقة: (وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا ٢ يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ)؛ أي أشبهت قلوب مشركي العرب قلوب من تقدمهم في الكفر والعناد.
(يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً).
(كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ). فتشابهت قلوبهم. وقال متأخروهم بما قال به متقدموهم.
فالظاهرة العامة لهم هي الركون إلى المادة، وإنكار ما وراء المحسوس المشاهد. ولا يعرفون غيرها في مجال الإقناع والاقتناع.
[ ١ / ٦٩٦ ]
ولكنّ هناك فروقًا بين الإلحاد القديم والحديث. ومن أهمها ما يلي:
أولًا: أن الإلحاد بمعنى إنكار وجود الله أصلًا - وهو أبرز ما في الاتجاه المادي الحديث عمومًا - لم يكن ظاهرة منتشرة متفشية في القديم، وإنما الذي كان شائعًا هو الشرك بمعنى منح خصائص الألوهية لغير الله ﷿، وإشراك آلهة مزعومة معه سبحانه.
صحيح أن الملاحدة الدهرية كان لهم وجود منذ القدم - كما أشير من قبل - ولكن هؤلاء كانوا شرذمة قليلين مع اختلاف آرائهم في هذا الباب. فإنهم كانوا على طائفتين:
الأولى: الفلاسفة الدهرية الإلهية. القائلون بقدم العالم، وكان من مقدمتهم أرسطو، وأتباعه. فهؤلاء لم يكونوا يقولون: بأن المادة هي الخالقة، بل كانوا يثبتون للعالم علة يتشبه بها.
الثانية: الفلاسفة الدهرية الملاحدة أو الطبيعية. القائلون بما ذكر الله عنهم بقولهم: (مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا) فهؤلاء يشبهون في بعض الجواني الشيوعيين في العصر الحاضر، وقد ردّ الله عليهم في هذا القول بقوله: (مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ)؛ أي: (يتوهمون ويتخيلون). فقولهم هذا ما كان مستندًا إلى علم أو يقين بل كان عن ظن
[ ١ / ٦٩٧ ]
وتخمين.
ولكن الشيوعية الحديثة وإن كانت تشبه أفكارهم في جانب الإلحاد معهم إلاَّ أنها تختلف معها في بعض الجوانب - كما يأتي ـ.
ثانيًا: الإلحاد في هذا الزمن هو إنكار وجود الله أصلًا، انتشر في العصور الحديثة انتشارًا واسعًا في دول أوروبا بصورة ملفتة للنظر، وأصبح له حكومات تحرسه، ودول تحميه، بل لقد غزا بلاد الإسلام حتى قام في ربوعها ناعقون يرددون سفاهاته وينشرون ضلالاته.
ثالثًا: إن إلحاد هذا الزمان يضرب بسيف من العلم، ويزعم بأنه يقوم على سند من العلم وتأييد من البحث، وذلك أن الصفة التي تتصف بها المادية قديمًا وحديثًا هي أن الماديين يتصورون أن المادة حقائق محسوسة ملموسة وليست فروضًا وراء الحس والنظرة العلمية في تصورهم هي ما تخضع للبحث التجريبي، وما لا يخضع للبحث التجريبي لا يسمّى علميًا في نظرهم، ومن ثم أبعدوا مفاهيم الدين والغيب من مجال البحث العلمي حيث لا يقوم عليها دليل عندهم. ووصل الأمر أن أصبح الدين في حسّ كثير من العلماء الأوروبيين مثلًا للخرافة، وصاروا يدفعون عقيدة الإيمان بالله بحجة أن العلم يأباها، وشنوا حملة ضد الإيمان عامة وضدّ الإسلام خاصة بل بلغ الأمر إلى أن أصبحت هذه الآراء والأفكار الملحدة تدرس في كثير من جامعات العالم الإسلامي تارة باسم الفلسفة، وتارة باسم الجيولوجية، وتارة باسم الاقتصاد الحديث.
[ ١ / ٦٩٨ ]
وهذه النظرية يمكن إبطالها بما يلي:
١ - عدم استقرارهم على منهج معين. وذلك؛
أ- تراجعهم عن تعريف المادة:
سبق تعريف المادة كما عرفوها، وذلك ما قال به الشيوعية أخيرًا، حيث أعادوا صياغة تعريفها بقولهم: هي: (الوجود الموضوعي خارج الذهن). ولكن ماذا كانوا يقولون في تعريف المادة في أول أمرهم؟ كانوا يقولون: هي (كل ما تقع عليه الحواس)، وحصروا موادها في أمور أربعة؛ الماء والهواء والتراب والنار، وكان المادّي يخبط المائدة بيده أو يضرب الأرض بقدمه ويقول لمن يجادله: هذه هي الحقيقة التي ألمسها بيدي وقدمي أو أراها بعيني وأسمعها بأذني.
ثم توالت الاكتشافات العلمية، وشاعت العلوم التجريبية في القرنين الأخيرين، وشاعت معها قوانين الحركة والضوء وسائر القوانين التي عرفت بالقوانين الوضعية، فتجاوزت ما تقع عليه الحواس إلى عالم الذرة، فأعادوا صياغة تعريف المادة بأنها: (الوجود الموضوعي خارج الذهن).
ب- تراجعهم عن القول بأسبقية المادة على الفكر:
إن هؤلاء الشيوعيين كانوا في بداية أمرهم يقولون بأسبقية المادة على الفكر، وأرادوا بذلك إنكار المغيبات على أنها أفكار، والمادة سابقة لها، فلا يفكر فيها، بل الأصل هو المادة.
ولكنهم سرعان ما تراجعوا عن القول بأسبقية المادة في الوجود على
[ ١ / ٦٩٩ ]
الفكر، يقول أصحاب أسس الماركسية اللينينية: (إن النشاط الذهني أو الفكر خاصة مميزة للمادة، ولكنها ليست شكلًا من أشكال المادة، وفي المسألة الأساسية في الفلسفة يطرح الفكر كضد للمادة والروح كضد للطبيعة، فالمادة هي أي شيء يوجد خارج العقل ولا يتوقف عليه، وبالتالي: من الخطأ الجسيم اعتبار الفكر جزءًا من المادة، وفي الوقت الحالي يعتبر التوحيد بين الفكر والمادة من مفاهيم المادية المنحطة).
إذن، لقد وصف الشيوعيون أنفسهم الفكر المادي للقرن التاسع عشر الذي قامت الماركسية والشيوعية على أساسه والذي يسوي بين المادة والفكر، ويعتبر الفكر شكلًا متطورًا من أشكال المادة يعكس الوسط المادّي، وصفوا هذا القول بأنه من المفاهيم المنحطة.
إذن، هؤلاء على اضطراب تام في تفسير الفكر، فبعضهم اعتبروا من المادة، وبعضهم اعتبروا التوحيد بين المادة والفكر كلامًا منحطًا، فلنتساءل: ما هو الحق لديكم في هذا الباب؟ هل هما شيء واحد، أم بينهما انفصال؟ .
ج- تراجعهم عن القول بالمادة بأنها هي أصل كل شيء. وذلك؛
أنه لما جاء القرن العشرين وجاء معه تفجير الذرة فتحولت المادة إلى طاقة وفتح ذلك الباب إلى تعريفات جديدة للمادة، منها: أنها صورة مختلفة من الطاقة فحسب، وقال آخر منهم: إن المادة مركبة من بروتونات وإليكترونات، أي شحنات موجبة وسالبة من الكهرباء.
[ ١ / ٧٠٠ ]
فلمّا تغير مفهوم المادة ورأوا عدم صحة القول بأنها هي وراء كل شيء، بل اكتشف أخيرًا أن المادة في نفسها طاقة تشكلت بوضع خاص فصارت مادة، قالوا: وماذا في الأمر؟ إن ما نقوله بالنسبة إلى المادة قد انتقل إلى الطاقة التي هي أصل المادة. هكذا قال لينين.
من العرض السابق لتعريف المادة وبيان أقوالهم حولها رأينا أن المادة التي قال بها الشيوعيون والماديون، وبنوا عليها مذهبهم قد تغير مفهومها تمامًا، ولم يعد لها ذلك المفهوم السطحي الذي نشأت الشيوعية في ظلها. فالمادة في القرن العشرين تحولت إلى طاقة.
وقررت الحقائق العلمية أخيرًا؛ أن الشيء الصلد الذي نلمسه فتراه ذا حجم ثابت ليس أكثر من شحنات كهربية وإلكترونية. بل العالم المادّي المكون من جبال وأنهار وأرض وأشجار ونحو ذلك مما تشهد به حواسنا، هو كتل من الإشعاعات الضوئية المتحركة.
وبهذا نكون قد قضينا على القول بأن المادة هي أصل كل شيء. وفيما يلي نقد أقوالهم في أزلية المادة وأبديتها.
٢ - عدم وجود دليل قاطع على أزلية المادة وأبديتها:
فإن هؤلاء الملاحدة عندما يوجه إليهم السؤال - الذي يقوم عليه التحدي - من خلق المادة؟ فإنهم يجيبون: إن العلم أثبت أنها وجدت دائمًا منذ الأزل، فنحن نطرح عليهم سؤالًا لابدّ من إجابته لإثبات هذا المدعى، وهو:
[ ١ / ٧٠١ ]
أين الدليل العلمي القاطع الذي يثبت صدق دعواكم أن المادة وجدت من الأزل؟ وكل ما ذكرتموه من الاستدلالات بأنها سابقة الفكر، وأنها لا تنشأ عن لا شيء، وما لا يمكن إفناؤه لا يمكن أن يخلق. هذه الشبهات الثلاثة السابقة الذكر ليست إلاّ تخمينات وظنون وليس عليها أيّ دليل علمي قاطع. فكيف تؤمنون بالنظريات هذه وأنتم ما أثبتموها إلاّ بالظنون الكاذبة، ولم تؤمنون بالخالق المبدع مع أنّ آثار وجوده ظاهرة وباهرة؟ .
٣ - مخالفة الشيوعية للمنهج العلمي: وذلك؛
أن فلسفتهم المادية هي - حسب زعمهم - الفلسفة العلمية الوحيدة التي تتفق وسائر العلوم، ومن شأن المنهج العلمي الطبيعي - كما هو معروف - الاقتصار على الكون المادّي، وعدم تجاوزه إلى ما وراءه، لأن وسائله التي يعتمدها هي الملاحظة والتجربة، وهذه الوسائل قاصرة عن إدراك ما وراء الكون المادّي، فهي لا تملك إزاءه أية وسيلة للنفي أو للإثبات. فكان الواجب على الماركسية والشيوعية أن تلتزم بموضوع هذا المنهج ولا تتجاوزه إلى غيره، فتركز همّها في دراسة الكون المادّي ولا تتعداه إلى غيره، ولكنها أقحمت نفسها بشيء خارج عن مجال خطته التي خطها لنفسه، فتقحمت عالم الغيب، وأنكرت وجود الله سبحانه.
٤ - مخالفة المادة - التي زعموا أنها أزلية - خصائص الأزلية المعترف بها لدى جميع العقلاء، والمعترف بها لدى الشيوعيين أيضًا لزامًا: وذلك:
أن الأزلي كما هو مجمع عليه عند العقلاء لابدّ أن تتوفر فيه الشروط الآتية:
١ - أن يكون وجوده من ذاته ومتوقفًا على ذاته، ومن ثم فإنه يكون مستغنيًا في وجوده وفي بقاء هذا الوجود واستمراره عن غيره، ولا يستطيع غيره أن يؤثر
[ ١ / ٧٠٢ ]
عليه في إيجاد أو تحويل أو إعدام.
٢ - أن يكون قديمًا لا بداية له؛ لأنه لو كانت له بداية لكان محدثًا من العدم، فلا يكون أزليًا.
٣ - أن يكون باقيًا لا نهاية له؛ لأنه لوكانت له نهاية لكان هناك من يستطيع إفناءَه.
والماديون عمومًا يسلّمون بهذه الشروط الواجب توافرها فيما هو أزلي، ولكنهم يحاولون تطبيقها على المادة، ويزعمون أنها أزلية، فهل المادة كذلك؟ هذا ما سيحقق فيما يأتي في الردّ الخامس وما بعده.
٥ - أدلة حدوث الكون أو المادة:
وهذه الأدلة يمكن تقسيمها إلى مجموعتين:
المجموعة الأولى: في بيان الأدلة العقلية الفلسفية القديمة:
وأصل هذه الأدلة: هو إثبات وجود العالم من ظاهرة التغير الملازمة لكل شيء فيه، وذلك؛ أن التغير نوع من الحدوث للصورة والهيئة والصفات، وهذا الحدوث لابدّ له من علة، وتسلسلًا مع العلل للمتغيرات الأولى سنصل حتمًا إلى نقطة بدء نقرر فيها أن هذا الكون له بداية في صفاته وأعراضه، وفي ذاته ومادته الأولى، وحينما نصل إلى هذه الحقيقة لابدّ أن نقرر أن هناك خالقًا أزليًا - لا يمكن أن يتصف بصفات تقتضى حدوثه - وهذا الخالق هو الذي خلق هذا الكون وأوجده بالصفات التي هو عليها. والذي يوضح ذلك ما يلي:
[ ١ / ٧٠٣ ]
١ - دليل الإلزام العقلي بين الوجود والعدم:
قال تعالى: (أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وقد قيل: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ): من غير رب خلقهم، وقيل: من غير مادة، وقيل: من غير عاقبة وجزاء، والأول مراد قطعًا، فإن كل ما خلق من مادة أو لغاية فلابدّ له من خالق. ومعرفة الفطر أن المحدَث لابد له من محدِث أظهر فيها من أن كل محدَث لابدّ له من مادة خلق منها وغاية خلق لها، فإن كثيرًا من العقلاء نازع في هذا وهذا، ولم ينازع في الأول. طائفة قالت: إن هذا العالم حدث من غير محدث أحدثه؛ بل من الطوائف من قال: إنه قديم بنفسه واجب بنفسه ليس له صانع، وأمّا أن يقول: إنه محدث حدث بنفسه بلا صانع، فهذا لا يعرف عن طائفة معروفة، وإنما يحكى عمّا لا يعرف).
وقال في موضع آخر: (قوله: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) فيها قولان: فالأكثرون على أن المراد: أم خلقوا من غير خالق بل من العدم المحض؟ كما قال تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ)، وكما قال تعالى: (وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ). وقال: (وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ). وقيل: أم خلقوا من غير مادة، وهذا ضعيف، لقوله بعد ذلك: (أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) فدل ذلك على أن التقسيم
[ ١ / ٧٠٤ ]
أم خلقوا من غير خالق، أم هم الخالقون؟ ولو كان المراد من غير مادة لقال: أم خلقوا من غير شيء، أم من ماء مهين؟ فدل على أن المراد أنا خالقهم لا مادتهم. ولأن كونهم خلقوا من غير مادة ليس فيه تعطيل وجود الخالق، فلو ظنوا ذلك لم يقدح في إيمانهم بالخالق بل دل على جهلهم، ولأنهم لم يظنوا ذلك، ولا يوسوس الشيطان لابن آدم ذلك، بل كلهم يعرفون أنهم خلقوا من آبائهم وأمهاتهم، ولأن اعترافهم بذلك لا يوجب إيمانهم ولا يمنع كفرهم. والاستفهام استفهام إنكار، مقصوده تقريرهم أنهم لم يخلقوا من غير شيء، فإذا أقروا بأن خالقًا خلقهم نفعهم ذلك، وأمّا إذا أقروا بأنهم خلقوا من مادة لم يغن ذلك عنهم من الله شيئًا).
والمقصود: بيان أن في هذه الآية، ذكر الله ﷿ شيئين في قضية الخلق، وهما:
أ- إمّا أنهم خلقوا من العدم، والعدم هو الأصل.
ب- وإما أنهم خلقوا من شيء، وخلقوا أنفسهم بأنفسهم، فالوجود هو الأصل.
فمعنى الآية: هل انتقلوا من العدم إلى الوجود من غير خالق؟ أم هل كانوا هم الخالقين لأنفسهم في هذا الانتقال؟ وكلاهما من الأمور المستحيلة بداهة.
والموجِد لا يكون عدمًا لأن العدم لا يمكن أن يكون هو الأصل لأنه هو النفي العام لكل ما يخطر ببال، ونفي صفاته، فلا ذات ولا قوة ولا إرادة ولا
[ ١ / ٧٠٥ ]
علم ولا حياة ولا أي شيء، ولا يمكن أن يتحول هذا العدم إلى الوجود، ولا يمكن أن يأتي من هذا العدم العام: ذوات وصفات وقوى تنطلق بنفسها منه إلى الوجود فقد ثبت لنا أن العدم لا يمكن أن يكون هو الأصل. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (ولم يذكر القرآن خلق شيء من لا شيء، بل ذكرأنه خلق المخلوق بعد أن لم يكن شيئًا، كما قال تعالى: (وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا) مع إخباره أنه خلقه من نطفة).
فإذا لم يكن العدم هو الأصل لابدّ أن يكون الوجود هو الأصل، لأنه نقيض العدم، ولذلك يستحيل عقلًا أن يطرأ العدم على وجود علِمنا أنه هو الأصل.
ولو نظرنا إلى الموجودات التي تقع تحت مجال إدراكنا الحسّي في هذا الكون العظيم لوجدنا أن هذه الموجودات - ومنها الإنسان - لم تكن ثم كانت، وأن أشكالًا كبيرة كانت معدومة في أشكالها وصورها ثم وجدت، كما هو مشاهد لنا باستمرار، كما تبدو لنا صورة التغيرات الكثيرة الدائمة في كل جزء من أجزاء هذه المواد الكونية التي نشاهدها، أو نحسّ بها، أو ندرك قواها وخصائصها، فمن موت إلى حياة، ومن حياة إلى موت، ومن تغييرات في الأشكال والصور إلى تغييرات في الصفات والقوى، وكل ذلك لا يعلّل في عقولنا - وفق قوانين هذا الكون الثابتة التي استفدناها من الكون نفسه - إلاّ
[ ١ / ٧٠٦ ]
بالأسباب المؤثرة التي تحمل سرّ هذه التغيرات الكثيرة المتعاقبة في كل شيء من هذا الكون على اختلاف جواهره وصفاته، سواء منها المتناهي في الصغر أو المتناهي في الكبر.
وهنا نقول: لو كان الأصل في هذه الموجودات المعروفة على حواسنا (المادة) هو الوجود الأزلي، لم تكن عرضة للتحول والتغير والزيادة والنقص، والبناء والفناء، ولم يحتج صور وجوداتها وتغيراتها إلى أسباب ومؤثرات. وبما أنه عرضة للتغيير والتحويل، وبما أن قوانينها تفرض احتياجاتها إلى الأسباب والمؤثرات، لزم عقلًا ألا يكون الأصل فيها الوجود، وإنما يجب عقلًا أن يكون الأصل فيها هو العدم، ولابدّ لها من سبب أوجدها من العدم، وهو الله ﷾.
٢ - دليل الإمكان في الكون أو المادة.
بملاحظتنا لكل شيء في الكون، سواء كان من الأشياء المادية التي يمكن أن ندركها ببعض حواسنا كالأرض والكواكب والنجوم، أو صفة من الصفات القائمة في الأشياء المادية التي نستنبط وجودها بعقولنا كالجاذبية الخاصة الموجودة في حجر المغناطيس، وكخواص المركبات المادية التي لا حصر لها في الكون سواء في ذلك الظواهر الكيميائية أو الفيزيائية، من خلال ملاحظتنا لجميع هذه الأشياء الكونية، ندرك بداهة في كل واحد منها أنه كان من الممكن عقلًا أن يتخذ صورة وحالة غير ما هو عليه الآن. فما المانع من أن
[ ١ / ٧٠٧ ]
يكون العقل في البهائم والنطق في العجماوات؟ وما المانع من أن يكون الأرض أدنى إلى الشمس والقمر من الوضع الذي هي عليه؟ أو غير ذلك من أشياء كثيرة.
فإن قيل: إن الحكمة تقتضي أن تكون هذه الأشياء كما هي عليه الآن. وإلاّ لاختل النظام وفسدت النتائج المرجوة من هذا الكون.
قلنا: إن الحكمة هي من صفات الحكيم - هو الله سبحانه - وما دام أن كل شيء في الكون يحتمل أن يكون على واحد من أوضاع كثيرة غير الوضع الذي هو عليه الآن، فإن العقول لابدّ أن تحكم بداهة بأن ما كان كذلك فلابدّ من مخصص قد خصصه باحتمال موافق للحكمة والإبداع والاتفاق من جملة احتمالات كثيرة، ولولا وجود المخصص للزم ترجيح أحد المتساويين على الآخر من غير مرجح، أو القول بأن موافقة الحكمة - فيما لا حصر له من الأعداد - كان على طريق التصادف، وكلاهما مستحيل عقلًا.
٣ - دليل الإتقان في الكون:
من أعظم ما يدهشنا في أنفسنا في الكون من حولنا ذلك الإتقان العجيب في التركيب والصنع، فما نصادف من شيء في الأرض ولا في السماء إلاّ وهو
[ ١ / ٧٠٨ ]
في غاية الإتقان، مركب أحكم تركيب يودّي به إلى غايته التي خلق من أجلها.
أليس من الإتقان هندسة الكون العجيبة، في مخطط كواكبه ونجومه، بحيث إن أيّ تغيير فيه يؤدّي به إلى الخلل والنقص أو الخراب والفناء. وكذلك، أليس من الإتقان المدهش هذا الإنسان في خلقه وتكوينه، وكذلك هذه الحيوانات المدهشة في تكوينها. نعم، في كل شيء نرى فيه الإتقان المدهش الذي لا يصدر إلاّ عن متقن بنفسه يتقن كل شيء صنعًا.
فهذه أدلة علمية عقلية كلها تدور على أن الكون بما فيه المادة، حادثة وموجودة بعد أن لم يكن لها وجود، فهي حادثة، والحادث لابدّ له من محدث، وبهذه يبطل قول الماديين بأزلية المادة كما أنها في حالة حدوث وتغيير دائمين، فحدوثها وتغييرها دليل على أن لها بداية، وهذا الدليل نفسه يقودنا إلى أن للمادة نهاية محتومة لابدّ أن تصير إليها، لأن كل شيء له بداية لابدّ أن يكون له نهاية.
وحين لا يسلم بهذه الأدلة المنطقية العقلية التي تدل على حدوث الكون (المادة) وبدايته ونهايته طائفة من المفتونين بالعلوم الحديثة وقوانينها، ومنجزاتها، فإنني أعرض لهم أدلة من هذه العلوم وقوانينها التي تثبت حدوث الكون، وأنه لابدّ له من إله أوجده من العدم، كما أن له نهاية محتومة سيصير إليها.
[ ١ / ٧٠٩ ]
المجموعة الثانية: في بيان الأدلة العلمية على أن المادة ليست أزلية ولا أبدية:
وهذه الأدلة يمكن أن نقسمها قسمين:
الأول: الأدلة العلمية الحديثة الدالة على أن المادة ليست بأزلية:
وذلك بما يلي:
١ - أثبتت الكشوفات العلمية في العصر الحديث أن للمادة بداية، حيث لاحظ العلماء أن حركة المادة في الكون كله حركة دائرية، فكل ذرة من ذرات الكون مؤلفة من جزئي كهربيّ موجب ويسمَّي (البروتون)، وجزئي كهربي سالب، ويسمَّي (إليكترون)، وبعض الذرات تحتوي على جزء ثالث معتدل ويسمَّي (النيترون). هذا، ويشكل البروتون والنيترون في حالة وجود كتلة النواة. أما الإليكترون فهو يدور بسرعة دائرية هائلة. ولولا هذا الدوران لجذبت كتلة النواة كتلة الإليكترون، ولم يكن هناك امتداد لأيّ مادة على الإطلاق، بل لولا هذا الدوران لكانت الأرض كلها - كما يقال - في حجم البيضة.
هذا الدوران هو سنة الله في الطبيعة، فالقمر يدور حول الأرض، والأرض تدور حول الشمس، وهكذا كل ذرة تدور في هذا الكون، والذي نريده هو: أن الشيء الدائر لابدّ أن تكون له نقطة بداية زمانية ومكانية ابتدأ منها.
٢ - يقول إدوارد لوثر كيسيل في معرض ردّه على القائلين بأزلية الكون: (ولكن القانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية يثبت خطأ هذا الرأي
[ ١ / ٧١٠ ]
الأخير، فالعلوم تثبت بكل وضوح أن هذا الكون لا يمكن أن يكون أزليًا، فهنالك انتقال حراري مستمر من الأجسام الباردة إلى الأجسام الحارة، ومعنى ذلك؛ أن الكون يتجه إلى درجة تتساوى فيها جميع الأجسام وينضب منها معين الطاقة، ويومئذ لن تكون هناك عمليات كيماوية أو طبيعية، ولن يكون هناك أثر للحياة نفسها في هذا الكون، ولما كانت الحياة لا تزال قائمة؛ ولا تزال العمليات الكيماوية والطبيعية تسير في طريقها، فإننا نستطيع أن نستنتج أن هذا الكون لا يمكن أن يكون أزليًا وإلاّ لاستهلكت طاقته منذ زمن بعيد، وتوقف كل نشاط في الوجود. وهكذا توصلت العلوم - دون قصد - إلى أن لهذا الكون بداية، وهي بذلك تثبت وجود الله، لأن ماله بداية لا يمكن أن يكون قد بدأ بنفسه، ولابدّ من مبدئٍ أو من محرك أول، أو من خالق هو الإله).
فهذه الأدلة العلمية القاطعة تثبت أن المادة غير أزلية، والآن أعرض فيما يلي الأدلة العلمية على أن المادة ليست أبدية.
الثاني: الأدلة العلمية الدالة على أن المادة ليست أبدية:
من أشهر هذه الأدلة:
١ - ما سبق معنا من قانون الديناميكا الحرارية، فإنه قد جاء فيه: أنّ مكونات هذا الكون تفقد حرارتها تدريجيًا، وأنها سائرة حتمًا إلى يوم تصير فيه الأجسام تحت درجة من الحرارة بالغة الانخفاض هي الصفر المطلق، ويومئذ تنعدم الطاقة، وتستحيل الحياة، ولا مناص من حدوث هذه الحالة من انعدام الطاقة عندما تصل درجة حرارة الأجسام إلى الصفر المطلق بمضي الوقت ولا شك أنه يدل على أن للمادة نهاية محتومة ستصير إليها.
[ ١ / ٧١١ ]
٢ - ومنها قانون تحطم الشموس، وفحواه: أن ذرات الشموس تتحطم في قلبها المرتفع الحرارة جدًا، وبواسطة هذا التحطم الهائل المستمر تتولد هذه الطاقة الحرارية التي لا مثيل لها، وكما هو معلوم فإن الذرة عندما تتحطم تفقد جزءًا من كتلتها حيث يتحول هذا الجزء إلى طاقة، فكل يوم يمر بل كل لحظة تمر على أيّ شمس فإنّها تفقد جزءًا ولو يسيرًا من كتلتها، ومعنى هذا بالضرورة أن سيأتي الوقت الذي تستنفد الشموس كتلتها نهائيًا. أي: أنها تفنى.
٣ - (جون كليفلاند كوتران) عالم الكيمياء والرياضيات يقول: (تدلنا الكيمياء على أن بعض المواد على سبيل الزوال والفناء، ولكن بعضها يسير نحو الفناء بسرعة كبيرة والآخر بسرعة ضئيلة. وعلى ذلك فإن المادة ليست أبدية ).
فهذه الأدلة كلها تدل على أن المادة ليست أزلية ولا أبدية، بل إنها مخلوقة وفانية، وبهذا يسقط دعوى الشيوعية في كون المادة هي الأصل، والحياة هي المادة.
وفيما يلي بيان شبهتهم الثانية وردّها.
الشبهة الثانية: القول بالتطور الذاتي أو النشوء الذاتي للمادة والحياة.
وذلك؛ في قولهم إن الحياة إنما هي من نتاج المادة دون أن يكون وراءها شيء، بل تطورت ذاتيًا، ونشأت تلقائيًا حسب قوانين المادة التطورية، هذا ما يسمونه أيضًا بالقوانين الطبيعية.
[ ١ / ٧١٢ ]
هذه الشبهة مؤلفة من ثلاثة جوانب:
الجانب الأول: القول بالتطور الذاتي. وهذا ما كان يقول به الشيوعيون في بداية أمرهم.
الجانب الثاني: القول بنظرية النشوء والارتقاء، هذا ما مالوا إليه بعدما سمعوا أن داروين قد أظهر هذا القول كالفرضية أو النظرية، دعمًا لمواقفهم السابقة.
الجانب الثالث: القول بنسبة الخلق والحياة إلى الطبيعة، فهذا وإن كانوا في حقيقة أمرهم لا يبالون بجانب البحث عن الخالق أو المسبب، إلا أنهم قالوا بهذا القول رغم إنكارهم لذلك في كتاباتهم هروبًا من الكنيسة وإله الكنيسة.
الجانب الأول: القول بالتطور الذاتي:
الرد عليه بما يلي:
إن هذا القول إنما هو محاولة تفسيرهم لظاهرة الحياة في المادة، فإنهم لما أنكروا وجود الخالق - جل وعلا - لزمهم أن يقولون: إن المادة الأولى للكون التي هي عديمة الحياة والإحساس والإدراك والفكر، قد ارتقت بالتطور الذاتي حتى نشأت الحياة، التي هي أكمل وأرقى من مادة الكون الأولى، ثم نشأت بعد ذلك في الحياة: الإحساسات الراقية، حتى مستوى الفكر، ووعي
[ ١ / ٧١٣ ]
ما في الكون عن طريقه، وبذلك استطاعت المادة أن تعي ذاتها، متمثلًا ذلك في الجهاز الراقي الذي أبدعته بالتطور الذاتي، وهو الدماغ.
قبل مناقشة هذه المسألة: لابدّ من طرح سؤال وهو: ما هو الدليل العلمي على أن الروح والفكر والإحساس ثمرة من ثمرات المادة؟ .
إن أدق ما قدمته الشيوعية من برهان على هذه الدعوى إلى الآن هو: أن الحياة تنشأ عن الحرارة، والحرارة بدورها تنشأ من الحركة، أي أن الحركة + حرارة = حياة.
ونحن نلجأ إلى نفس الأسلوب الذي تسير عليه الماركسية لضبط سلامة معارفنا وهو التطبيق العلمي لنرى هل الحركة + الحرارة = الحياة؟ .
ولنتساءل من الذي جمع هاتين الظاهرتين إلى بعضهما (بجهد من تطبيقه الخاص) بهذه البساطة أو بما شاء من التعقيد الكيميائي فاستخرج منها حقيقة الحياة؟ وهنا لابدّ أن يُعاد إلى الأذهان خبر المؤتمر الذي عقده ستة من علماء الحياة في كل من الشرق والغرب في نيويورك ١٩٥٩ م. وكان فيهم العالم الروسي (أوبارين) أستاذ الكيمياء الحيوية في أكاديمية العلوم السوفياتية، أملًا في فهم شيء عن أصل الحياة ومنشأها على ظهر الأرض، وإلى معرفة مدى إمكان إيجاد الحياة عن طريق التفاعل الكيميائي.
لقد قرر المجتمعون في نهاية بحوثهم بالإجماع (أن أمر الحياة لا يزال مجهولًا، ولا مطمع في أن يصل إليه العلم يومًا ما، وأن هذا السرّ أبعد من أن
[ ١ / ٧١٤ ]
يكون من مجرد بناء مواد عضوية معينة وظواهر طبيعية خاصة).
ثم إن الحقيقة التي أجمع عليها العلماء حتى الآن - مسلمهم وكافرهم - أن العلم لا يدري إلى اليوم شيئًا عن الحياة والروح، فهل تجميع الحرارة والحركة ينتج حياة بهذه البساطة؟ إن مما لا شك فيه أن كلًا من الحركة والحرارة من أبرز خصائص الحياة، ولكن من المفروغ منه في قواعد المنطق أن خواص شيءٍ ما ليست تعبيرًا عن الجوهر الذاتي الذي يقوم به؛ فالماء مثلًا في حالة الغليان يتصف بكل من الحركة والحرارة، ولكن من الواضح أن جوهر الماء شيء آخر غير الحركة والحرارة، وهكذا أن الحركة والحرارة خصيصتان من خصائص الحياة الدالة عليها كالأيدروجين والكربون والأوزون والأوكسجين وغير ذلك من عناصر الحياة الأساسية، أما جوهر الحياة ذاته فشيء آخر لا يقف عليه إنسان.
ولهذا قال انجلز: (ليس في مكنة العلم الطبيعي حتى الوقت الراهن أن يؤكد شيئًا بخصوص أصل الحياة). فهذا اعتراف منهم على أنهم ما وصلوا في خصوص الحياة إلى نتيجة علمية ثابتة، وإنما هذه الأقوال دعاوى كاذبة، وأحاجي فارغة تناقض حتى المبادئ العقلية.
فالإنسان ليس من صنع المادة؛ لأن المصنوع لا يحيط بصانعه، والإنسان قد أحاط بصورة المادة وخرج بها إلى دائرة الأثير، بل إلى عمليات رياضية فكرية في قدرة الإنسان أن يحتويها، وهذا لا يأتي إلا إذا كان في طبيعة الإنسان
[ ١ / ٧١٥ ]
شيء يعلو على مكونات المادة، شيء مفارق لكل خصائصها المعروفة.
فمادة الكون الأولى، التي ليس فيها مركبات متقنة، وليس فيها حياة ولا إحساس ولا وعي، لا تستطيع أن ترقى إلى الكمال ارتقاءً ذاتيًا، ولا تستطيع أيضًا أن تصنع أجزاءً فيها هي أكمل منها وأرقى. وذلك: لأن فاقد الشيء لا يعطيه، وصنع الناقص لما هو أرقى منه نظير تحول العدم إلى الوجود تحولًا ذاتيًا، لأن القيمة الزائدة قد كانت عدمًا محضًا، والعدم المحض لا يخرجه إلى الوجود إلا قوة مكافئة له، أو أقوى منه، والمادة العمياء الصماء الجاهلة لم تكن أقوى ولا مكافئة لمادة حية مريدة ذات وعي وإحساس، بل هي أقل قيمة منها، فهي إذن عاجزة بداهة عن إنتاج ما هو خير منها.
فهذه الدعوى - دعوى وجود الحياة نتيجة التطور الذاتي - كانت تقول بها الشيوعية في بداية أمرها، وكانت تقول: إن المادة تتطور من كمية إلى كيفية، ومصادفة يحدث في المادة شيء آخر، والحياة ما هي إلا نتيجة من نتائج هذه المصادفة في المادة في بعض مراحل تطورها، وتمثل الشيوعية لها بالماء إذا زاد في غليانه يزيد في الحرارة، ولكن لما تصل الحرارة إلى ١٠٠% فإنه يصبح بخارًا، فأخذ شكلًا آخر في بعض تطورها، فيقال لهم: إن التطور في مثل هذه الأشياء أحدث شيئًا آخر ولكن ليس بذاتها، بل بفعل فاعل، ثم إن حدوث البخار من الماء شيء يمكن إثباته بالتجربة، فهل الحياة مثل هذا؟ هل
[ ١ / ٧١٦ ]
يمكن إثبات الحياة في مادة ميت ما على سبيل التجربة؟
ثم إن هذا المبدأ من مبادئ الماركسية، لا يمكن أن يعتبر قانونًا عامًا ينطبق على كل حركة تطور في الطبيعة، فالعلوم المادية الإنسانية لا تقرر به، وهو وإن صدق ببعض الأمثلة، فإنه لا يصدق بآلاف الأمثلة الأخرى.
إن التراكم في الكم لا يقتضي دائمًا التطور في الكيف، ما لم يكن نظام ذلك الشيء يقتضي ذلك، إن الملاحظة تثبت أن لكل حالة تطور في الكون شروطًا معينة في أنظمته وسننه الثابتة، فمتى استوفيت هذه الشروط تحقق التطور. فمثلًا:
أ- بيضة الدجاجة الملقحة إذا وجدت ضمن حرارة ذات مقدار معين، ورطوبة ذات مقدار معين، بدأ جنينها يتكون تدريجيًا حتى يتكامل داخل القشرة، وفي نهاية ثلاثة أسابيع يكون قد تكامل، وبدأ ينقر القشرة من الداخل حتى يكسرها، وعندئذ يخرج من غلافه إلى الهواء، ليبدأ رحلة حياته إلى الأرض.
لقد حصل التطور، ولكن على خلاف المدعى في المبدأ الماركسي، فلا تراكم الحرارة هو الذي أحدث ظاهرة التغير، ولا تراكم الرطوبة، بل ثبات درجة الحرارة، وثبات درجة الرطوبة، قد ساعدا على تكون جنين البيضة تكونًا تدريجيًا، ضمن الوقت المخصص في نظام الكون لتكامل تكوينه، ولو أن الحرارة تراكمت أكثر من المقدار المحدّد في نظام التكوين لسلقت البيضة، ولهلكت نواة جنينها، ولو زاد هذا التراكم لاحترقت البيضة.
[ ١ / ٧١٧ ]
فنظام الكون هو نظام تحديد مقادير لكل شيء، ضمن خطط ثابتة، وليست تغيراته ثمرة تراكمات، هذه هي الحقيقة التي تدل عليها الملاحظات والتجارب العلمية، وهي التي أعلنها الله ﷿ بقوله: (وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ).
إن هذا المثال كافٍ لنقض فكرة التراكم المدعاة في المبدأ الشيوعي، الذي يعتبرونه قانونًا شاملًا لكل تطور في الوجود، وهو أيضًا كافٍ لنقض فكرة التطور السريع المفاجئ، إذ الأمور تتطور في الغالب تطورًا تدريجيًا.
ب- والكائنات الحية تبدأ حركة بنائها منذ لحظة التقاء خلية لقاح الذكر بخلية بيضة الأنثى، ويسير بناء الكائن في نمو متدرج، حتى إذا استوفى الشروط اللازمة لظهور الحياة فيه دبت الحياة فيه، ثم يسير ضمن نظام نمو متدرج، حتى إذا استكمل نموه الجنيني، تمخضت عنه أمه فولدته، ثم يسير في نمو تدريجي أيضًا حتى يبلغ، ويندرج في النماء حتى يكون شابًا، فكهلًا، ثم يعود إلى طور الانحدار، فيصير شيخًا، فهرمًا، ثم يقضي أجله المقدر له، فيموت، فيتفسّح جسمه، ويعود ترابًا كما بدأ من التراب، وقد يموت في أيّ مرحلة من المراحل السابقة، فينحدر ويعود إلى مثل مرحلة البدء دون أن يمرّ في المراحل المعتادة للأحياء، وتخضع كل المراحل لنظام المقادير المحددة في كل شيء؛ في العناصر، وفي الصفات، وفي الزمان، وفي درجة الحرارة، وفي سائر ما يلزم لتكوين الحي، وإعداده لأداء وظائفه.
هذا المثال الثاني كاف أيضًا لنقض كل ما قالوا في مبدأ التطور، ففكرة التراكم المقررة في المبدأ فكرة منقوضة؛ ذلك لأن الأحياء تخضع لنظام
[ ١ / ٧١٨ ]
المقادير المحددة سواء في جواهرها وأعراضها، ولا تخضع لفكرة التراكم الكمي، وفكرة التطور السريع المفاجئ المقررة في المبدأ الشيوعي منقوضة أيضًا؛ لأن الأحياء تسير وفق نظام البناء المتدرج، لا وفق التطور السريع المفاجئ. (أو الصدفة - كما يقولون ـ).
فهذان المثالان من آلاف الأمثلة في نقض أقوال الشيوعية في القول بالتطور - على التفسير الذي يريدونه - وبنقض مبدأ التطور ينقض أيضًا مبدؤهم القائل بأن الحياة وظيفة من وظائف المادة، متى وصل تركيبها إلى وضع خاص بالتطور، فإن آخر ما توصلت إليه العلوم الإنسانية التي قام بها الغربيون والشرقيون الماركسيون، والتي أنفقوا في سبيلها ألوف الملايين، وعشرات السنين، قد انتهت إلى قرار علمي جازم هو أنه لا تتولد الحياة إلاّ من الحياة، وأن وسائل العلوم الإنسانية لا تملك تحويل المادة التي لا حياة فيها، إلى أدنى وأبسط خلية حية.
وبما أن الوعي مرتبط بالحياة فهو مظهر من مظاهرها، وصفة من صفاتها، فلا سبيل للمادة الميتة أن يكون الوعي أحد وظائفها، مهما كانت عالية التنظيم.
فالعلوم الإنسانية، قد كفتنا مهمة إبطال هذا المبدأ من مبادئ الماركسية وسائر الماديين الملحدين.
على أن مبدأهم هذا هو الأساس ادعاء غير مقترن بأيّ دليل عقلي أو علمي، وهو من لوازم مبدئهم الأول الباطل الذي يرون فيه أن المادة هي أساس الوجود وجوهره.
[ ١ / ٧١٩ ]
الجانب الثاني: القول بنظرية النشوء والارتقاء:
وكما سبق أن هذا ما مالوا إليه بعدما سمعوا أن داروين قد أظهر هذا القول. فوجدوا فيه غايتهم المنشودة. فقالوا بها دعمًا لمواقفهم السابقة، وقالوا: انتصرت المادة.
يقول: (جون لويس): (لقد حول داروين ما كان يجول بخاطر العديد من المفكرين إلى فكرة ممكنة مقنعة، وهي أن عالم الحيوان لم يوجد نتيجة خلق واحدة، بل هو ثمرة تغيرات ارتقائية عملت على تحويل الأنواع التي ظهرت في عصور مبكرة إلى الأشكال الأكثر تعقيدًا، والتي ظهرت في عصور متأخرة والإنسان نفسه لم يخلق بفعل خاص منفصل، بل هو ثمرة الارتقاء، ونظرية الارتقاء لا تستبعد قوى ما فوق الطبيعة من عملية الخلق فحسب، بل تضع بدل هذه القوى: تطور الحياة الطبيعي، وقد كان هذا تجديدًا مدهشًا).
فهذا القول يُظهر لنا مدى تأثر الماديين بهذه النظرية الخبيثة. وسيأتي بيان مجمل لهذه النظرية مع الرد عليها فيما بعد.
الجانب الثالث: القول بوجود الخلق من الطبيعة:
سبق أن ذكرنا: أن المادة والطبيعة عندهم شيء واحد، ولكنهم لما وجدوا ضغوطًا من الكنائس البابوية المنحرفة قالوا: الخلق إنما هو من الطبيعة. فلينظر مدى صحة هذا القول، وهل الطبيعة تصلح أن تكون خالقًا؟ .
[ ١ / ٧٢٠ ]
في الحقيقة: إن هذه فرية راجت في عصرنا هذا، راجت حتى على الذين - يظنون أنهم - نبغوا في العلوم المادية، وعللوا كثيرون وجود الأشياء وحدوثها بها، فقالوا: الطبيعة هي التي تُوجد وتحدثُ.
وهؤلاء نوجه إليهم هذا السؤال: ماذا تريديون بالطبيعة؟ هل تعنون بالطبيعة ذوات الأشياء؟ أم تريدون بها السنن والقوانين والضوابط التي تحكم الكون؟ أم تريدون بها قوة أخرى وراء هذا الكون أوجدته وأبدعته؟ .
فإننا نرى: أن الطبيعة في اللغة: السجية.
أمّا في عقول الناس اليوم فلها مفاهيم:
المفهوم الأول: أنها عبارة عن الأشياء بذاتها، (الكون نفسه)، فالجماد والنبات والحيوان كل هذه الكائنات هي الطبيعة.
وهو مفهوم غير دقيق وحكم غير سديد، فإن هذا القول يصبح ترديدًا للقول السابق بأن الشيء يوجد نفسه - بأسلوب آخر، أي أنهم يقولون: الكون خلق الكون، فالسماء خلقت السماء، والأرض خلقت الأرض، والكون خلق الإنسان والحيوان، هذا القول لا يخرج بالطبيعة بالنسبة لخلق الوجود من تفسير الماء بالماء، والأشياء أوجدت ذاتها، فهي الحادث والمحدث، وهي الخالق والمخلوق في الوقت ذاته، وقد سبق بيان كون العقل الإنسان يرفض التسليم بأن الشيء يوجد نفسه، كما أن الشيء لا يخلق شيئًا أرقى منه، فالطبيعة من سماء وأرض ونجوم وشموس وأقمار لا تملك عقلًا ولا سمعًا ولا بصرًا، فكيف تخلق إنسانًا سميعًا بصيرًا عليمًا؟ هذا لا يكون، فبطلان هذا القول بيّن، فهو لا يخلو عن أمرين:
[ ١ / ٧٢١ ]
١ - إمّا ادعاء بأن الشيء وجد بذاته من غير سبب.
٢ - وإمّا ازدواج الخالق والمخلوق في كائن واحد، فالسبب عين المسبب، وهو مستحيل، بل هو من التهافت والتناقض بحيث لا يحتاج إلى الوقوف والشرح.
فإن قالوا: خلق كل ذلك مصادفة، يقال: ثبت لدينا يقينًا أن لا مصادفة من خلق الكون - كما سيأتي ـ.
وكان مما ساعد على انتشار هذا القول: نظرية التولد الذاتي. وكان من أدلتها: ما شاهده العلماء الطبيعيون من تكوّن (دود) على براز الإنسان أو الحيوان، وتكون بكتيريا تأكل الطعام فتفسده، فقالوا: ها هي ذي حيوانات تتولد من الطبيعة وحدها، وراجت هذه النظرية التي مكنت للوثن الجديد (الطبيعة) في قلوب الضالين والتائهين بعيدًا عن هدي الله الحق، لكن الحق ما لبث أن كشف باطل هذه النظرية على يد العالم الفرنسي المشهور (باستير) الذي أثبت أن الدود المتكون والبكتيريا المتكونة المشار إليها لم تتولد ذاتيًا من الطبيعة، وإنما من أصول صغيرة سابقة لم تتمكن العين من مشاهدتها، وقام بتقديم الأدلة التي أقنعت العلماء بصدق قوله، فوضع غداء وعزله عن الهواء وأمات البكتيريا بالغليان. فما تكونت بكتيريا جديدة ولم يفسد الطعام، وهذه هي النظرية التي قامت عليها الأغذية المحفوظة (المعلبات).
[ ١ / ٧٢٢ ]
وبهذا يظهر بطلان هذا المفهوم للطبيعة جليًا وبينًا.
المفهوم الثاني: أن الطبيعة عبارة عن القوانين التي تحكم الكون، بمعنى أنها تعني صفات الأشياء وخصائصها، فهذه الصفات من حرارة وبرودة ورطوبة ويبوسة، وملاسة وخشونة، وهذه القابليات: من حركة وسكون، ونمو واغتذاء، وتزاوج وتوالد، كل هذه الصفات والقابليات: هي الطبيعة.
إن هذا تفسير الذين يدّعون العلم والمعرفة من القائلين بأن الطبيعة هي الخالقة، فهم يقولون: إن هذا الكون يسير على سنن وقوانين تسيّره وتنظم أموره في كل جزئية، والأحداث التي تحدث فيه تقع وفق هذه القوانين، مثله كمثل الساعة التي تسير بدقة وانتظام دهرًا طويلًا، فإنها تسير بذاتها دون مسيّر.
الردود:
١ - إن هذا القول ليس جوابًا، وإنما هو انقطاع عن الجواب، وذلك:
أن هؤلاء في واقع الأمر لا يجيبون عن السؤال المطروح: من خلق الكون؟ ولكنهم يكشفون لنا عن الكيفية التي يعمل الكون بها، هم يكشفون لنا كيف يعمل القوانين في الأشياء، ونحن نريد إجابة عن موجد الكون وموجد القوانين التي تحكمه.
(كان الإنسان القديم يعرف أن السماء تمطر، لكننا اليوم نعرف كل شيء عن عملية تبخر الماء في البحر، حتى نزول الماء على الأرض، وكل هذه المشاهدات صور للوقائع، وليست في ذاتها تفسيرًا لها، فالعلم لا يكشف لنا
[ ١ / ٧٢٣ ]
كيف صارت هذه الوقائع قوانين؟ وكيف قامت بين الأرض والسماء في هذه الصورة المفيدة المدهشة، حتى إن العلماء يستنبطون منها قوانين علمية؟ .
إن ادعاء الإنسان بعد كشفه لنظام الطبيعة أنه قد كشف تفسير الكون ليس سوى خدعة لنفسه، فإنه قد وضع بهذا الادعاء حلقة من وسط السلسلة مكان الحلقة الأخيرة).
٢ - الطبيعة لا تفسّر شيئًا (من الكون)، وإنما هي نفسها بحاجةٍ إلى تفسير. وذلك؛ (لو أنك سألت طبيبًا: ما السبب وراء إحمرار الدم؟ .
لأجاب: لأن في الدم خلايا حمراء، حجم كل خلية منها ١/ ٧٠٠ من البوصة.
- حسنًا، ولكن لماذا تكون هذه الخلايا حمراء؟
- في هذه الخلايا مادة تسمّى (الهيموجلوبين). وهي مادة تحدث لها الحمرة حين تختلط بالأكسجين في القلب.
- هذا جميل، ولكن من أين تأتي هذه الخلايا التي تحمل (الهيموجلوبين)؟ .
- إنها تصنع في كبدك.
- عجب! ولكن كيف ترتبط هذه الأشياء الكثيرة من الدم والخلايا والكبد وغيرها، بعضها ببعض ارتباطًا كليًا وتسير نحو أداء واجبها المطلوب بهذه الدقة الفائقة؟ .
- هذا ما نسميه بقانون الطبيعة.
- ولكن ما المراد بقانون الطبيعة هذا يا سيادة الطبيب؟
- المراد بهذا القانون هو الحركات الداخلية العمياء للقوى الطبيعية
[ ١ / ٧٢٤ ]
والكيماوية.
- ولكن لماذا تهدف هذه القوى دائمًا إلى نتيجة معلومة؟ وكيف تنظم نشاطها حتى تطير الطيور في الهواء، ويعيش السمك في الماء، ويوجد إنسان في الدنيا، بجميع ما لديه من الإمكانيات والكفاءات العجيبة المثيرة؟
- لا تسألني عن هذا، فإن علمي لا يتكلم إلاّ عن (ما يحدث)، وليس له أن يجيب: (لماذا يحدث).
هكذا يتضح من هذه الأسئلة عدم صلاحية العلم الحديث لشرح العلل والأسباب وراء هذا الكون، وأن من أمعن النظر في تعبير الطبيعيين يجد أنها جميعها أفعال مبنية للمجهول؛ لجهلهم أو تجاهلهم الفاعل الحقيقي.
٣ - إن مبدأ السببيةم تفق عليه بين المؤمنين والملحدين نظريًا فأين تطبيقه عمليًا؟ والمراد بالسببية هنا: أن الإنسان الذي أنعم الله ﷿ عليه بالعقل، منذ أن أشرقت أشعة عقله على الوجود بدأ يتساءل ولا يزال وسيبقى يتساءل من بداية نشأته، وأين سينتهي مصيره؟ ويتساءل عن هذه الموجودات، والكائنات، كيف وجدت؟ ومن أوجدها؟ وما هي الأسباب الكامنة وراءها؟ .
هذا المبدأ من المبادئ الثابتة التي لم تتغير على مدى التاريخ، وهو محل اتفاق بين المؤمنين والملحدين. أما المؤمنون فيقولون به نظريًا وعمليًا، وهذا أشهر من أن يقام عليه دليل، أمّا الملحدون؛ فهؤلاء أيضًا قالوا به نظريًا،
[ ١ / ٧٢٥ ]
والدليل عليه ما يلي:
يقول سبركين وياخوت: (نوجه دائمًا في نشاطنا سؤالًا عن علل هذه الظواهر أو تلك، وهو أحد الأسئلة التي تساعد على تبيّن الطبيعة الداخلية للظواهر التي تجري حولنا والتوصل إلى جوهرها، ولم يكن عبثًا؛ أن كتب الفيلسوف اليوناني ديمقريطس يقول: (لأفضّل أن أجد السبب الحقيقي ولو لظاهرة واحدة من أن أصبح قيصرًا على بلاد فارس). فإذن، ماذا تعني مقولتنا (السبب) و(النتيجة)؟ تعرف من الخبرة أنه (لا شيء) لا ينتج شيئًا، وكل ظاهرة لها ما يولدها، وهو الذي يسمّونه (السبب). السبب هو ما يخلق وينتج ويولد ظاهرة أخرى. وما ينتج تحت تأثير السبب يسمّى نتيجة أو فعلًا).
فهذا المبدأ العام الذي اعترف به الماديون الملحدون وأخذوا به من الناحيةا لنظرية هل طبقوه من الناحية العلمية؟ .
هذا ما سيتضح لنا عندنا يطرح سؤال - وهو مثال خلاف جذري بين المؤمنين من جهة، وبين الماديين الملحدين من جهة أخرى - وهو:
ما هوا لسبب الكامن وراء هذا الوجود من أرض وسموات ونبات وحيوانات وإنسان وغيره من المخلوقات؟ .
هذا السؤال نجد الإجابة عليه جاهزة وميسرة ومتوفرة عند الماديين، وهي أن هذا من الأمور الميتافيزيقية التي لا تهمنا بحال من الأحوال، ولا نشغل عقولنا بها؛ لأنها أمور تافهة، والبحث عنها مضيعة للوقت، فكل شيء
[ ١ / ٧٢٦ ]
يخالف نظريتهم - ولو كان صحيحًا - لا يأخذون به ويصمونه بوصمة عار عندهم وهي إرجاعه إلى الميتافيزيقية، أو المثالية التي هي في عرفهم عدوة للعلم، فهم لا يعرفون إلا العالم المادّي، هذا العالم وجد، ولا خالق له، وبالتالي فليس له سبب أول أوجده.
وقد كتب لينين بصدد المفهوم المادّي عند فيلسوف العهد القديم (هيراكليت) يقول في ترجمة حرفية: (العالم، وحدة الكل، لم يخلقه أي إله ولا إيّ إنسان، ولكنه كان وسيبقى نارًا حية أزليًا تشتعل وتنطفئ بموجب قوانين هذا عرض جيد جدًا لمبادئ المادية الجدلية).
في هذا النص نرى أن لينين نفى السبب الأول في إيجاد العالم المادّي، وهذا نفي صريح للقانون الذي قرره هم أنفسهم، حين وقفوا في تفسيره عند حدود معينة لم يتجاوزوها. لأن تجاوز هذه الحدود يؤدّي بهم إلى الاعتراف بخالق الكون، ومن ثم الاعتراف بالأديان، وهذا ما لا يرضونه.
والمقصود: بيان كون تفسيرهم لمظاهر الكون في وجوده وتغيره للطبيعة وعدم تفسيرهم للطبيعة إنما هو هروب منهم لقانون السببية - المعترف به لديهم - فإن تطبيقهم العملي لهذا القانون سيؤديهم حتمًا إلى الاعتراف بخالق للكون. وهذا ما لا يستسيغونه مطلقًا.
وبهذا يظهر بطلان هذا المفهوم (الثاني) أيضًا للطبيعة، فما بقي إلاّ أن يقولوا بالمفهوم الثالث حتمًا، وإن كانوا ينكرونه بشدة لما يترتب على الاعتراف به من إثبات وجود الله وبالتالي بمستلزمات هذا الإثبات التي هي
[ ١ / ٧٢٧ ]
عبادة الله وحده لا شريك له، وهذا المفهوم الثالث بيانه ما يلي:
المفهوم الثالث: أن يقول: إن الطبيعة قوة أوجدت الكون، وهي قوة حية سميعة بصيرة حكيمة قادرة فإننا نقول لهم: هذا صواب وحق، وخطؤكم في أنكم سمّيتم هذه القوة (الطبيعة)، وقد دلتنا هذه القوة المبدعة الخالقة على الاسم الذي تستحقه وهو (الله)، وهو عرفنا بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، فعلينا أن نسمّي بما سمّى به نفسه ﷾.
قال ابن القيم: (وكأنّي بك أيها المسكين تقول: هذا كله من فعل الطبيعة، وفي الطبيعة عجائب وأسرار! فلو أراد الله أن يهديك لسألت نفسك بنفسك، وقلت: أخبرني عن هذه الطبيعة، أهي ذات قائمة بنفسها لها علم وقدرة على هذه الأفعال العجيبة؟ أم ليست كذلك؟ بل عرض وصفة قائمة بالمطبوع تابعة له محمولة فيه؟ .
فإن قالت لك: بل من ذات قائمة بنفسها، لها العلم التام والقدرة والإرادة والحكمة، فقل لها: هذا هو الخالق البارئ المصوّر، فلم تسمّيه طبيعة؟ ! .
وباللهِ عن ذكرا لطبائع يرغب فيها! فهلاّ سميتَه بما سمّى به نفسه على ألسن رسله ودخلتَ في جملة العقلاء والسعداء، فإن هذا الذي وصفت به الطبيعة صفته تعالى.
وإن قالت لك: بل الطبيعة عرض محمول مفتقر إلى حامل، وهذا كله فعلها بغير علم منها ولا إرادة ولا قوة ولا شعور أصلًا، وقد شوهد من آثارها ما شوهد! .
فقل لها: هذا ما لا يصدقه ذو عقل سليم، كيف تصدر هذه الأفعال العجيبة
[ ١ / ٧٢٨ ]
والحكم الدقيق التي تعجز عقول العقلاء عن معرفتها وعن القدرة عليها ممّن لا فعل له ولا قدرة ولا شعور؟ وهل التصديق بمثل هذا إلاّ دخول في سلك المجانبين والمبرسمين.
ثم قل لها بعد: ولو ثبت لك ما ادعيت فمعلوم أنّ مثل هذه الصفة ليست بخالقة نفسها ولا مبدعة لذاتها، فمن ربها ومُبدعها وخالقها؟ ومن طبعها وجلبها تفعل ذلك؟ فهي إذن من أدل الدليل على بارئها وفاطرها وكمال قدرته وعلمه وحكمته، فلم يُجْدِئْكَ تعطيلك ربّ العالم جحدك لصفاته وأفعاله إلاّ مخالفتك العقل والفطرة.
ولو حاكمناك إلى الطبيعة لأريناك أنك خارج عن موجبها، فلا أنت مع موجب العقل، ولا الفطرة، ولا الطبيعة، ولا الإنسانية أصلًا، وكفى بذلك جهلًا وضلالًا، فإن رجعت إلى العقل وقلت: لا يوجد حكمة إلا من حكيم قادر عليم، ولا تدبير متقن إلاّ من صانع قادر مدبّر عليم بما يريد قادر عليه، لا يُعجزه ولا يصعب عليه ولا يؤوده.
قيل لك: فإذن أقررت - ويحك - بالخلاق العظيم الذي لا إله غيره ولا ربّ سواه، فدَع تسميته طبيعة أو عقلًا فعالًا أو موجبًا بذاته، وقل: هذا هو الله الخالق البارئ المصوّر ربّ العالمين، وقيوم السموات والأرضين، وربّ المشارق والمغارب، الذي أحسن كل شيء خَلَقَه، وأتقن ما صنع، فما لك جحدت أسماءه وصفاته - بل وذاته - وأضفت صُنعه إلى غيره وخلقَه إلى سواه؟
[ ١ / ٧٢٩ ]
مع أنك مضطر إلى الإقرار به وإضافة الإبداع والخلق والربوبية والتدبير إليه ولابدّ، فالحمد لله رب العالمين.
على أنك لو تأمّلت قولك: (طبيعة) ومعنى هذه اللفظة، لدلّك على الخالق الباري لفظها كما دلّ العقولَ عليه معناها؛ لأن (طبيعة) فعيلة بمعنى مفعولة، أي مطبوعة، ولا يحتمل غير هذا ألبتة، لأنها على بناء الغرائز التي ركبت في الجسم ووضعت فيه كالسجية والغريزة، والبحيرة والسليقة، والطبيعة؛ فهي التي طبع عليها الحيوان وطبعت فيه.
ومعلوم أن طبيعة من غير طابع لها محال، فقد دلّ لفظ الطبيعة على البارئ تعالى كما دل معناها عليه.
والمسلمون يقولون: إن الطبيعة خلق من خلق الله مسخر مربوب، وهي سنة في خليقتهه التي أجراها عليه، ثم إنه يتصرف فيها كيف شاء وما شاء، فيسلبها تأثيرها إذا أراد، ويقلب تأثيرها إلى ضدّه إذا شاء؛ ليُريَ عباده أنه وحده البارئ المصوّر، وأنه يخلق ما يشاء، (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ). وإن الطبيعة التي انتهى نظر الخفافيش إليها إنما هي خلق من خلقه بمنزلة سائر مخلوقاته ).
الشبهة الثالثة: القول بالمصادفة:
وهو القول بأن وجود الكون بما فيه من أرض وسموات وشموس وأقمار وغيرها والإنسان والحياة وكل هذه الأشياء إنما وجدت مصادفة واتفاقًا بدون أيّ خطة سابقة، أو عمل أيّ حكيم.
[ ١ / ٧٣٠ ]
هذا القول قد تضمن الردّ عليه ما سبق معنا من الردود على القول بأبدية المادة وأزليتها، وعلى تطور الحياة والمادة، وعلى القول بالطبيعة، وسيأتي الردّ عليه تفصيلًا عند الرد على شرك الوجودية.
فهذه الفكرة قائمة على الإلحاد وإنكار الخالق جل شأنه، وتعطيل هذا المصنوع عن صانعه الحكيم مكابرة ومعاندة لما تقتضيه الفطر السليمة وشهدت به العقول الصحيحة الصريحة من عدم خلو المصنوع عن الصانع - كما هو معلوم ـ، وقد نادى بهذه الفكرة الخبيثة كثير من أبناء المسلمين في كثير من الدول - حتى في بعض دول العالم الإسلامي - جهلًا بحقيقته واغترارًا بكلام الدعاة إليها المعسول.
الفرع الثاني: شرك تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه عند الوجودية:
وذلك؛ أن من أفكارهم واعتقاداتهم: (الكفر بالله ورسله وكتبه وبكل المغيبات وكل ما جاءت به الأديان، ويعتبرونها عوائق أمام الإنسان نحو المستقبل، وقد اتخذوا الإلحاد مبدأ، ووصلوا إلى ذلك من نتائج مدمرة).
والوجودية بالمعنى العام: إبراز قيمة الوجود الفردي، ولم يكن هذا الرأي ملازمًا للإلحاد بالله، ولكن ظهر فيما بعد بعض الملحدين الذين رأوا في مذهب الوجودية أفكارًا يمكن أن تنسجم مع إلحادهم، فهذه هي الوجودية المعاصرة التي نعنيها ها هنا، ورائدهم في ذلك (هيدجر)، و(جان بول
[ ١ / ٧٣١ ]
سارتر).
وهي التي شاعت بين الشباب، واشتهرت من كتابات سارتر وتلامذته، حتى اقترنت باسمه، والأساس الذي قام عليه فكرتهم هو: أن الوجود الإنساني هو المشكلة الكبرى، فالعقل وحده عاجز عن تفسير الكون ومشكلاته، وأن الإنسان يستبد به القلق عند مواجهته مشكلات الحياة، وأساس الأخلاق قيام الإنسان بفعل إيجابي، وبأفعاله تتحدد ما هيته، وإذن فوجوده الفعلي يسبق ما هيته.
أقوال الوجوديين في الإله والخالق:
١ - قالوا: (لا يصح أن نقول: الله موجود؛ لأن الموجود هو الإنسان، والذي يتغير هو الإنسان، فله زمان، أما الله؛ فلا زمان له، فهو غير موجود، لأنه لا زمان له، بل هو كائن).
مناقشة هذا القول:
التغير ومرور الزمن يدلان على الحدوث الذي هو أخص من الوجود، إذ الوجود يعم القديم والحادث.
ثم إن العقلاء استدلوا بعدم تغير الله سبحانه وعدم مرور الزمن عليه على أنه أزلي، إذ أنه موجود قبل الزمان فلا يقاس وجوده بالزمان إذن، ومن كان هذا شأنه كان موجودًا قديمًا، وهذا الاستدلال يتمشى مع العقل السليم، والتفكير السديد، لكن لما فسد العقل بدأوا يستدلون بما يثبت القدم على العدم.
[ ١ / ٧٣٢ ]
ثم بعد أن حكموا على الله: بأنه غير موجود، قالوا: (هو كائن). فهل الكائن شيء غير الموجود؟ فإن الذي يعرف من معنى الكائن: أنه موجود أو ثابت أو واقع أو حادث أو غير ذلك.
ولكن الذي يظهر - والله أعلم - أن أصحاب هذه المقالة لم تكن تنكر فكرة الإله أو الخالق للكون، وإن كانوا يتحرجون من إطلاق اسم (الوجود) عليه، لما أن الوجود يحتاج إلى أشياء عندهم، وهم لا يرونها في الله، فلهذا وصفوه بالكائن. فهذا من منقديهم الذين لم يقولوا بالإلحاد المطلق. ولننظر الآن إلى متأخريهم.
آراء هيدجر وسارتر:
قال هيدجر: (لا نرى فوقنا أيَّة قوة عليا تعيننا على التحكم في مصيرنا).
هذا القول صريح في إنكار وجود الله، ومعلوم: أنه دعوى، وتقرير، حيث إنهم لم يستدلوا بشيء، فلا داعي للرد عليه.
أما سارتر - أبو الوجوديين الملحدين - فمن جملة أقواله في إنكار وجود الله:
١ - (أنا موجوود؛ معناه: أنني حر، وقولي: أنا حر معناه: أنه لم يعد موجودًا).
٢ - (أن تكون إنسانًا: هذا معناه: أن تنزع إلى أن تكون إلهًا).
٣ - (أما نحن، فإننا قد قوضنا - الله ـ، لكننا قلنا باستمرار وجود تلك القيم
[ ١ / ٧٣٣ ]
بالرغم من اعتقادنا بعدم وجود الله).
فهذه ادعاءات تقريرية على إنكار وجود الله بدون إبداء أي دليل أو برهان على ذلك، ولكن سرعان ما جاء بشبه، هي:
قوله عن العالم ووجوده: (كل موجود يوجد بلا سبب ويحيا عن ضعف ويموت بمحض المصادفة). فاجتمع بهذا العرض الشريع لمعتقداتهم شبهات يتشبثون بها في إنكار وجود الله، وهي كما يلي:
الشبهة الأولى:
كل موجود يوجد بلا سبب، أي سبب حقيقي، فلا يعلل، وقد سبق الرد عليهم عند الرد على الشيوعية.
الشبهة الثانية:
القول بالمصادفة، وأن الكون أو الإنسان لا يحتاج إلى موجد أوجده، بل وجد صدفة دون تقدير ولا تدبير، فلا خالق ولا موجد له.
الرد على هذه الشبهة:
القول بالصدفة هو المخرج الثاني للقائلين بنظرية النشوء والارتقاء لأصل الإنسان، فإنهم لمّا قالوا بنظرية الارتقاء والتطور، والنشوء سئلوا عن أساس التطور، فأجابوا بأنه حدث فعلًا بالصدفة، وأن الحياة والكون إنما هما نتيجتا الصدفة. وقد سبق معنا الرد على نظرية التطور والنشوء والارتقاء. وأما
[ ١ / ٧٣٤ ]
القول بالصدفة فيقال في الرد عليها:
إن القول بالصدفة من الافتراءات الآثمة التي قال بها الغافلون عن الإبداع الكوني، وما في العالم من أسرار ونواميس هي أكبر شاهد على مدبر حكيم، إن ما يحدث في الكون من تقدير في الأرزاق والآجال، وما عليه الكون من إبداع، وما يحتوي عليه من أسرار لا مرد له إلى العشوائية والارتجال. فهي قضية من المسلَّمات التي اتفقت عليها الدلائل العلمية المادية، والبراهين العقلية المنطقية.
فالدلائل العلمية المادية المستندة إلى الوسائل الإنسانية تحيل وجود المتقنات الراقية الدقيقة المعقدة بالمصادفة، وترفض المصادفة في أية ظاهرة كونية ذات إتقان دقيق معقد، والباحثون العلميون سواء أكانوا مثاليين أو ماديين، يبحثون باستمرار عن سبب أية ظاهرة كونية يشاهدونها، ويرفضون ادعاء المصادفة فيها رفضًا قاطعًا، لأن المناهج العلمية الاستقرائية قد أثبتت للعلماء أنه ما من ظاهرة تحدث في الكون دون أن تكون مسبوقة بسبب مكافئ لحدوثها، وإذا كانت هذه الظاهرة من الظواهر التي تحتاج إلى علم ومهارة حتى يكون قادرًا على إنتاجها، قرروا أن منتجها صاحب علم ومهارة، وهكذا. فكيف بالكون كله وما فيه من متقنات لا حصر لها، أصغرها الذرة وأكثرها المجرة - في نظرنا ـ، وأدناها في الأحياء التي اكتشفناها الفيروس، وأعلاها فيما نشاهد: الإنسان؟ .
وللرد عليهم علميًا يُذكر ما يلي:
١ - إن البروتينات من المركبات الأساسية في جميع الخلايا الحية. وهي تتكون من خمسة عناصر، هي: الكربون والأيدروجين، والنيتروجين،
[ ١ / ٧٣٥ ]
والأكسجين، والكبريت، ويبلغ عدد الذرات في الجزء الواحد (٤٠) ألف ذرة، ولما كان عدد العناصر الكيماوية في الطبيعة (٩٢) عنصرًا موزعة بقدر معلوم، فإن احتمال اجتماع هذه العناصر الخمسة لكي تكون جزئيًا واحدًا من جزئيات البروتين يمكن حسابه لمعرفة كميات المادة التي ينبغي أن تخلط خلطًا مستمرًا لكي تُؤلِّف هذا الجزئي، وقد حاول أحد العلماء حساب الفترة الزمنية التي يجب أن تستغرقها عملية خلط العناصر المذكورة هي (١٠) ٢٤٣ سنة معنى ذلك أنه قبل وجود الكون وما بعد أيامنا هذه بمليون سنة أمامه (٢٣٩) صفر مرة، فهل هذا معقول؟ كل تلك الأرقام المستحيلة يطلبها قانون الصدفة لتكوين جزئي، واحدة من جزئيات الخلية الحية، ألا يكفي خلق الإنسان من بلايين الخلايا [الحية] التي تحركها إشعاعه الحياة (تلك النفخة الإلهية العظمى في المادة)، ألا يكفي هذا لكي يؤمن الملحدون بالخالق الواحد الأحد الفرد الصمد؟).
٢ - يقول أحد الباحثين المعاصرين: إن (معظم الحيوانات والنباتات تتكون من عدد هائل من تلك الوحدات الدقيقة الحجم التي نسمِّيها (الخلايا)، كما يتكون المبنى من مجموعة من الأحجار المرصوصة).
وخلايا أجسامنا وأجسام غيرنا من الحيوانات دائمة الانقسام، وذلك الانقسام قد يكون لنمو الجسم أو لتعويض ما يفقد أو يموت من الخلايا
[ ١ / ٧٣٦ ]
لأسباب عديدة، وكل خلية من هذه الخلايا تتكون أساسًا من مادة عجيبة نطلق عليها اسم (البروتوبلازم).
وتوجد بداخل كل خلية محتويات عديدة ذات وظائف محددة. ومن هذه المحتويات أجسام دقيقة تحمل عوامل وراثية هي التي نطلق عليها اسم (الكروموسومات). وعدد هذه الكروموسومات ثابت في خلايا كل نوع من أنواع الحيوانات والنباتات المختلفة، فعددها في خلايا القط - مثلًا - يختلف عن عددها في خلايا الكلب أو الفيل أو الأرنب أو نبات الجزر أو الفول. وفي كل خلية من الخلايا التي يتكون منها جسم الإنسان يوجد ستة وأربعون من هذه الكروموسومات.
وعندما تنقسم الخلية إلى خليتين داخل أجسامنا، فإن كل خلية جديدة لابد أن تحتوي على العدد نفسه من (الكروموسومات). وهي ستة وأربعون، إذ لو اختل هذا العدد لما أصبح الإنسان إنسانًا.
والخلايا - كما ذكرت - دائمة الانقسام. يحدث هذا في جميع ساعات اليوم حتى في أثناء نومنا، ونحن حتى الآن ما ندرك حقيقة القوى المهيمنة على هذه العملية المذهلة - عملية انقسام الخلايا - بل يكتفي العلم بوصف خطوات العملية التي يمكن ملاحظتها تحت عدسات (الميكروسكوب) العادي، أو عن طريق (الميكروسكوب الإلكتروني) الذي يكبر الأشياء تكبيرًا أكثر بكثير من تكبير الميكروسكوب العادي.
إن جميع الخلايا الناتجة عن عمليات الانقسام في جسم الإنسان لابد أن تحتوي - كما ذكرت - على ستة وأربعين كروموسومًا، فيما عدا نوعين من الخلايا؛ هما الخلايا التناسلية، أي الحيوان المنوي في الذكر والبويضة في
[ ١ / ٧٣٧ ]
الأنثى، إذ عندما تنقسم خلايا الأنسجة لتكوين هذه الخلايا التناسلية فإنها تنتج خلايا لا تحتوي على الستة والأربعين كروموسومًا، بل تحتوي على نصف هذا العدد؛ أي يصبح في كل خلية تناسلية ذكرية أو أنثوية ثلاثة وعشرين كروموسومًا فقط.
لماذا يحدث ذلك؟ يحدث هذا لحكمة بالغة ولهدف عظيم، إذ أن الخلية الذكرية (الحيوان المنوي) لابد أن تندمج مع الخلية الأنثوية (البويضة) لتكوين أول خلية في جسم الجنين، وهي التي نطلق عليها اسم (الخلية الملقحة). وبهذا الاندماج يعود عدد الكروموسومات في الخلية الجديدة إلى العدد الأصلي وهو ستة وأربعون (كروموسومًا).
وهذه الخلية الملحقة التي أصبحت تحتوي على ستة وأربعين (كروموسومًا) توالي انقسامها فتصبح خليتين ثم أربع خلايا ثم ثمان خلايا، وهكذا حتى يتم تكوين الجنين الذي يخرج من بطن أمه ويستمر نموه عن طريق انقسام الخلايا حتى يصبح إنسانًا كامل النمو في كل خلية من خلاياه ستة وأربعون (كروموسومًا) كما هو الحال في خلايا جسد أبيه وأمه وأجداده وجميع أفراد الجنس البشري.
إن اختزال عدد الكروموسومات إلى النصف عند تكوين الخلايا التناسلية بالذات لكي تندمج فيعود العدد الأصلي (للكروموسومات) في الخلايا التي يمكن مطلقًا نتيجة مصادفة عمياء. بل لابد أن يكون نتيجة تخطيط دقيق من قوة عليا تعرف ماذا تفعل، وهي في الوقت نفسه لا يمكن أن تخضع للتجربة واحتمال الخطأ، إذ لو حدث خطأ مرة واحدة عند بدء الخلق لقضى على الكائن الحي قبل تكوين الجيل الثاني؛ أي أن هذا الترتيب لابد أن يكون قد تم منذ تكوين أول جنين ظهر في الوجود. ألا يكفي هذا وحده دليلًا على وجود
[ ١ / ٧٣٨ ]
قوة عليا مدبرة مقدرة حكيمة؟ بل لا يمكن أبدًا أن يكون هذا المبدأ أو القانون الذي يسود جميع الكائنات الحية من صنع مصادفة عمياء تتخبط في الظلام، إذ إن المصادفة لا يمكن أن تتخذ مظهر قانون عام تخضع له جميع الكائنات.
فهذه بعض الأمثلة من جملة عشرات الأمثلة للدلائل العلمية المادية المستندة إلى الوسائل الإنسانية، تحيل وجود المتقنات الراقية الدقيقة المعقدة بالصدفة.
وأما البراهين العقلية المنطقية فهي أيضًا تحيل وجود المتقنات الراقية الدقيقة المعقدة بالصدفة. وفيما يلي استعراض سريع لبعض هذه الأدلة.
١ - إن الأرض هي الكوكب الوحيد الذي يمكن أن توجد فيه الحياة على الوجه الذي نعرفه (إن حركة دوران الأرض حول نفسها إن أسرعت أو أبطأت عما هي عليه؛ لطالت الأيام أو قصرت، ولتوقفت الحياة بسبب برودة الليل أو قيظ النهار، والشمس في نفس الموقع بالضبط الذي يمكنها من حفظ الحياة على الأرض، ودرجة حرارتها البالغة (٦٥٠٠) درجة مئوية هي على وجه التحديد درجة الحرارة اللازمة لكوكبنا. فلو انحرف متوسط درجة الحرارة صعودًا أو هبوطًا على الهامش الصغير الذي لا يتجاوز (٢٨) درجة لانعدمت أمواج المد فغمرت السهول والجبال وغطت كل شيء على ظهر الأرض تحت طبقة من الماء عمقها (٢٥٠٠) متر.
[ ١ / ٧٣٩ ]
أما محور الأرض فإنه لم يكن على زاوية (٢٣) درجة كما هو فلن تكون هناك فصول، ولتحركت أبخرة المحيطات نحو القطبين: الشمالي والجنوبي، مكونة تراكمات هائلة من الثلج عند القطبين، تاركة وسط الأرض خاليًا تمامًا من الماء، لن تكون هناك عندئذٍ أمطار، وستخلو المحيطات من مياهها، وستنبعج الأرض عند خط الاستواء تحت ضغوط الثلوج المتراكمة عند القطبين، وسيترتب على ذلك آثار هائلة.
أما الغازات التي يتكون منها الغلاف الجوي فإنها إن اختلفت عمَّا هي عليه فلن يستطيع أي شيء أن يبقى حيًا، واحتمال أن يكون كل هذا وليد الصدفة احتمال متناهي الضاآلة، ولا يعدو أن يكون واحدًا في المليار، ولذلك يقول آينشتين: (لا أستطيع أن أصدق أن الكون قد نتج عن رمية زهر).
٢ - لقد وجد من يقول: (لو جلست ستة من القردة على آلات كاتبة، وظلت تضرب على حروفها بلايين السنين فلا نستبعد أن نجد في بعض الأوراق الأخيرة التي كتبتها قصيدة من قصائد شكسبير - فكذلك الكون الموجود الآن، نتيجة لعمليات عمياء، ظلت تدور في المادة لبلايين السنين).
هذا قول أحد الملاحدة من المنكرين لوجود الله، ويجاب عن هذه الفرية؛ بأن أي كلام من هذا القبيل (لغو مثير)، بكل ما تحويه هذه الكلمة من معانٍ، فإن جميع علومنا تجهل - إلى يوم الناس هذا - أية مصادفة أنتجت واقعًا عظيمًا ذا روح عجيبة، في روعة الكون.
[ ١ / ٧٤٠ ]
ثم إن الرياضيات التي تعطينا نكتة (المصادفة) هي نفسها التي تنفي أي إمكان رياضي في وجود الكون الحالي بفعل قانون المصادفة، ولهذا ردَّ على هذه الفرية عالم آخر من الغرب بقوله: (لو تناولت عشرة دراهم وكتبت عليها الأعداد من واحد إلى عشرة ثم رميتها في جيبك، وخلطتها جيدًا، ثم حاولت أن تخرج من الواحد إلى العشرة بالترتيب العددي بحيث تلقي كل درهم في جيبك بعد تناوله مرة أخرى، فإمكان أن تتناول الدرهم المكتوب عليه واحد في المحاولة الأولى هو واحد في المائة، وإمكان أن تخرج الدراهم (١، ٢، ٣، ٤) بالترتيب هو واحد في عشرة آلاف حتى إن الإمكان في أن تنجح في تناول الدراهم من (١ - ١٠) بالترتيب واحد في عشرة بلايين من المحاولات). وعلى ذلك فكم يستغرق بناء هذا الكون لو نشأ بالمصادفة والاتفاق؟ إن حساب ذلك بالطريقة نفسها يجعل هذا الاحتمال خاليًا يصعب حسابه فضلًا عن تصوره.
إن كل ما في الكون يحكي أنه إيجاد موحد حكيم عليم خبير، ولكن الإنسان ظلوم جهول: (قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (٢٣) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا). كيف يمكن أن تتأتي المصادفة في كذلك كله؛ في خلق الإنسان وتكوينه، وفي صنع طعامه على هذا النحو المقدَّر الذي تشارك فيه الأرض والسماء. (قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ).
[ ١ / ٧٤١ ]
وصدق الله في وصفه للإنسان: (إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا).
قال الإمام ابن القيم: سل المعطل الجاحد: ما تقول في دولاب دائر على نهر قد أحكمت آلاته، وأحكم ترتيبه، وقدرت أدواته أحسن تقدير وأبلغه بحيث لا يرى الناظر فيه خللًا في مادته ولا في صورته. وقد جعل على حديقة عظيمة فيها من كل أنواع الثمار والزروع يسقيها حاجتها، وفي تلك الحديقة من يلِمُّ شعثها ويحسن مراعاتها وتعهدها والقيام بجميع مصالحها فلا يختل منها شيء ولا تتلف ثمارها، ثم يقسم قيمتها عند الجذاذ على سائر المخارج بحسب حاجاتهم وضروراتهم، فيقسم لكل صنف منها ما يليق به، ويقسمه هكذا على الدوام أترى هذا اتفاقًا بلا صانع ولا مختار ولا مدبر؟ ! بل اتفق وجود ذلك الدولاب والحديقة وكل ذلك اتفاقًا من غير فاعل ولا قيِّم ولا مدبر أفترى ما يقول عقلك في ذلك لو كان؟ وما الذي يفتيك به؟ وما الذي يرشدك إليه؟ .
ولكن من حكمة العزيز الحكيم أن خلق قلوبًا عميًا لا بصائر لها - فلا ترى هذه الآيات الباهرة إلا رؤية الحيوانات البهيمة - كما خلق أعينًا عميًا لا أبصار لها، والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره وهي لا تراها، فما ذنبها إن أنكرتها وجحدتها! فهي تقول في ضوء النهار: هذا ليل! ولكن أصحاب الأعين لا يعرفون شيئًا.
ولقد أحسن القائل:
وَهَيْنِي قلت هذا الصبح ليل أَيَعْمَى العالمون عن الضياء
[ ١ / ٧٤٢ ]
أخيرًا ما أقول، وهو ما اعترف به كبار علماء الكون المعاصرين، من تراجع العلم المعاصر عن اعتبار الكون عن طريق المصادفة إلى إدراك أنه مظهر لخطة عليم حكيم قدير مهيمن على كل شيء.
يقول العلامة الفلكي الرياضي البريطاني السيد (جيمس جينز): (لقد كان قبل ثلاثين سنة - ونحن ننظر إلى الكون - نظن أننا أمام حقيقة من النوع الميكانيكي، وكان يبدو لنا أن الكون يشتمل على ركام من المادة المبعثرة، وقد اجتمعت أجزاؤه بالمصادفة، وأن عمل هذه المادة ينحصر في أن ترقص لبعض الوقت رقصًا لا معنى له، تحت تأثير قوى عمياء لا هدف لها، وأنها بعد نهاية الرقص ستنتهي هذه المادة في صورة كون ميت، وأن الحياة قد وجدت مصادفة خلال عمل هذه القوى العمياء، وأن بقعة صغيرة جدًا من الكون قد نعمت بهذه الحياة، أو على سبيل الاحتمال يمكن أن توجد هذه الحياة في بقاع أخرى، وأن كل هذه ستنتهي يومًا ما، وسيبقى الكون فاقد الروح.
ولكن توجد اليوم أدلة قوية، تضطر علم الطبيعة إلى قبول الحقيقة القائلة: بأن نهر العلم ينساب نحو حقيقة غير ميكانيكية.
إن الكون أشبه بفكر عظيم منه بماكينة عظيمة. إن (الذهن) لم يدخل إلى هذا العالم المادي كأجبني عنه، ونحن نصل الآن إلى مكان يجدر بنا فيه استقبال (الذهن) كخالق هذا الكون وحاكمه.
إن هذا الذهن - بلا شك - ليس كأذهاننا البشرية، بل هو ذهن خلق الذهن الإنساني من (الذرة، المادة). وهذا كله كان موجودًا في ذلك الذهن الكوني في صورة برنامج معد سابقًا.
إن العلم الجديد يفرض علينا أن نعيد النظر في أفكارنا عن العالم، تلك
[ ١ / ٧٤٣ ]
التي أقمناها على عجل، لقد اكتشفنا أن الكون يشهد بوجود قوة منظمة أو مهيمنة ).
فهذا التراجع يدلنا على أن مواقفهم غير ثابتة بل هي واهية البنيان والأساس، وما الاستدلالات التي استدلوا بها على أفكارهم إلا ظنونًا وتخمينًا. فالعالم من خلق خالق مبدع حكيم مريد خلقه على خطة مسبقة معدٍّ، وهو يهيمن عليه ويحيط به في جميع أجزائه.
الشبهة الثالثة:
(إن الله لكي يكون علة نفسه يجب أن يوجد أولًا ).
ومنشأ الخطأ لدى سارتر وغيره من الوجوديين ممن تشبث بهذه الشبهة:
أنه اعتقد أن كل موجود مفتقر في وجوده لآخر حتى وجود الله. فتصور وجوده كوجود الإنسان. ولذلك لم يتصور أنه أصل الوجود الذي ليس وراءه أصل، والوجود لا يكون إلا هكذا، إذ إنه لابد - في الوجود - من موجد أوجد غيره ولم يوجده الغير، هو الأول للوجود، كما عبر عنه فيثاغورس بأنه كالعدد واحد، أصل الأعداد، ولا يوجد أصل له.
ولذلك قال تعالى: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)
[ ١ / ٧٤٤ ]
وقوله ﷺ: «أنت الأول فليس قبلك شيء».
وقوله ﷺ: «كان الله ولم يكن شيء قبله».
ولكي يتضح هذا التقدير يستدل بما يلي:
إن التساؤل عن علة وجود المصدر الأول، حجة يوسوس بها الشيطان للإنسان، منذ أن بدأ الفكر الإلحادي يدب إلى أذهان بعض الناس. ولهذا قال ﷺ: «الشيطان يأتي أحدكم فيقول: من خلق السماء؟ فيقول: الله، فيقول: من خلق الأرض؟ فيقول: الله، فيقول: من خلق الله؟ فقولوا: آمنا بالله ورسوله»، وفي رواية: «فعند ذلك يضلون».
فهذه الحجة الشيطانية تزعم أن الإيمان بأن الله هو المصدر الأول للأشياء، والوقوف عنده، يساوي نظريًا وقوف الملحدين عند المادة الأولى للكون، التي يطلقون عليها اسم السديم، وتزعم أن كلا الفريقين لا يجد جوابًا على هذا التساؤل عن علة وجود المصدر الأول، إلا أن يقول: لا أعرف إلا أن وجود هذا الأصل غير معلول، وتزعم أن الملحد اعترف بهذا قبل المؤمن بخطوة واحدة، وبعد هذه المزاعم يخادع مطلقوها (بأن إعلان الجهل والاعتراف به من متطلبات الأمانة الفكرية، حين لا توجد أدلة وشواهد
[ ١ / ٧٤٥ ]
وبراهين كافيات).
ولدى البحث المنطقي الهادئ يتبين لكل ذي فكر صحيح، أن هذه الحجة ليست إلا مغالطة من المغالطات الفكرية، وهذه المغالطة قائمة على التسوية بين أمرين متباينين تباينًا كليًا، ولا يصح التسوية بينهما في الحكم، وفيما يلي تعرية تامة لهذه المغالطة من كل التلبيسات التي سترت بها.
سبق إثبات كون الله ﷿ أزليًا، كما سبق إثبات كون المادة حدثت بعد أن لم يكن لها وجود. واستنادًا على هذا الإثبات إننا إذا وضعنا هذه المغالطة بعبارتها الصحيحة كان كما يلي:
ما دام الموجود الأزلي الذي هو واجب الوجود عقلًا، ولا يصح في حكم العقل عدمه بحال من الأحوال غير معلول الوجود، فلم لا يكون الموجود الحادث غير معلول الوجود أيضًا؟ .
إن كل ذي فكر سليم صحيح من الخلل يعلم علم اليقين أنه لا يصح أن يقاس الحادث على القديم الأزلي الذي لا أول له، فلا يصح أن يشتركا بناء على ذلك في حكم هو من خصائص أحدهما.
وعلى هذه الطريقة من القياس الفاسد من أساسه صنعت هذه المغالطة الجدلية، والتورط في هذه المغالطة راجع إلى علة نفسية، غفلة منا وانصياعًا للتصور الغالب، شأن رجل يشتغل عمرة بكيمياء النحاس، فعرض له الذهب فجأة، فراح يطبق عليه قوانين النحاس، أفتراه يصيب، أم يخطئ؟ لا جرم أن خطأ نشأ من انهماكه الدائم في قانون معين، وغفلته عن التفريق بين القوانين حينما اختلفت مجالات التطبيق، ولقد عرفنا أن خالق الحوادث لا يتصف
[ ١ / ٧٤٦ ]
بالحدوث قطعًا، فكيف نطبق عليه قانون الحوادث؟ ! .
ذكروا: (أن رجلًا جاء إلى عالم من علماء الأمة فقال: إذا أقررنا بالخالق فمن ذا خلقه؟ قال: عُدَّ من الواحد صعودًا، ففعل الرجل، قال: عُدَّ قبل الواحد، قال: ليس قبل الواحد شيء. قال: كذلك ليس قبل الواحد شيء!).
والخلاصة: إن الخالق ليس بحادث، فنطبق عليه قانون الحوادث في السؤال عن خالقه، فذلك غير سائغ، وأنه كامل مطلق، والكامل المطلق لا يحتاج إلى غيره، وبذلك ينهدم آخر صرح من صروح الشك، فنقول: الكامل المطلق لا يمكن أن يفتقر إلى الموجد.
وأما أزلية الخالق، وعدم احتياج وجوده إلى علة، فبرهان ذلك يمكن إيجازه بما يلي:
إن العدم العام الشامل لكل شيء يمكن تصوره في الفكر، لا يصح في منطق العقل أن يكون هو الأصل؛ لأنه لوكان هو الأصل لاستحال أن يوجد شيء مَّا.
إذن: فلابد أن يكون وجود موجد مَّا هو الأصل، ومن كان وجوده هو الأصل فإن وجوده لا يحتاج عقلًا لأية علة، بل وجوده واجب عقلًا، ولا يصح في العقل تصور عدمه، وأي تساؤل عن علة لوجوده لا يكون إلا على أساس اعتبار أن أصله العدم ثم وجد، وهذا يتناقض مع الإقرار باستحالة أن يكون
[ ١ / ٧٤٧ ]
العدم العام الشامل هو الأصل الكلي.
ومن كان وجوده واجبًا بالحتمية العقلية باعتبار أنه هو الأصل، فإنه لاي مكن بحال من الأحوال أن يتصف بصفات تستلزم تستلزم أن يكون حادثًا.
أما ادعاء أصلية الوجود للكون بصفاته المتغيرة فهو ادعاء باطل، وذلك بموجب الأدلة التي تثبت أنه حادث وليس أزليًا.
إن هذا الكون يحمل دائمًا وباستمرار صفات حدوثه، تشهد بهذه الحقيقة: النظريات العقلية المستندة إلى المشاهدات الحسية، وتشهد بها البحوث العلمية المختلفة في كل مجال من مجالات المعرفة، والقوانين العملية التي توصل إليها العلماء الماديون.
وإذ قد ثبت أن هذا الكون عالم حادث، له بداية ونهاية، فلابد له حتمًا من علة تسبب له هذا الحدوث، وتخرجه من العدم إلى الوجود، وذلك؛ لاستحالة تحول العدم بنفسه إلى الوجود.
أما ما لا يحمل في ذاته صفات تدل على حدوثه مطلقًا، وتقضي الضرورة العقلية بوجوده، فوجوده هو الأصل، لذلك فهو لا يحتاج أصلًا إلى موجد يوجده، وكل تساؤل عن سبب وجوده تساؤل باطل بالحتمية العقلية، لأنه أزلي واجب الوجود، ولا يمكن أن يكون غير ذلك عقلًا، وليس حادثًا حتى يتسائل الفكر عن سبب وجوده.
وهنا نقول: لو كانت صفات الكون تقتضي أزليته لقلنا فيه أيضًا كذلك، لكن صفات الكون المشاهدة المدروسة تثبت حدوثه.
يضاف إلى هذا: أن مادة الكون الأولى عاجزة بطبيعتها عن المسيرة
[ ١ / ٧٤٨ ]
الارتقائية التي ترتقي بها ذاتيًا إلى ظاهر الحياة، فالحياة الراقية في الإنسان.
وبهذا تنكشف للبصير المنصف: المغالطة الشيطانية التي يوسوس بها الشيطان، وتخطر على أذهان بعض الناس، بمقتضى قصور رؤيتهم عن استيعاب كل جوانب الموضوع وزواياه، فهم بسبب هذا القصور في الرؤية يتساءلون: وما علة وجود الله؟ .
إنها مغالطة تريد أن تجعل الأزلي حادثًا، وأن تجعل واجب الوجوب عقلًا ممكن الوجود عقلًا، وأن الأصل فيه العدم، ليتساءل الفكر عن علة وجوده.
أو تريد أن توهم بأن ما قامت الأدلة على حدوثه فهو أزلي، أو هو واجب الوجود لذاته؛ لتسوي بين الحادث والأزلي في عدم الحاجة إلى علة لوجوده.
وتريد هذه المغالطة أن تطمس الضرورة العقلية التي تقتضي بأن الأصل هو وجود موجد أزلي، وهذا الموجد الأزلي لا يصح عقلًا بأن الأصل هو وجود موجد أزلي، وهذا الموجد الأزلي لا يصح عقلًا أن يسأل عن علة لوجوده مطلقًا؛ لتنافي هذا السؤال مع منطق العقل، وهذا الموجد الأزلي لا يمكن أن تكون له صفات تستلزم حدوثه.
أما الكون فصفاته تستلزم بالبراهين العقلية والأدلة العلمية المختلفة - حدوثه، لذلك كان لابد من السؤال عن علة لوجوده، ولا تكون هذه العلة إلا من قبل الموجد الأزلي، الذي يقضي منطق العقل بضرورة وجوده، خارجًا عن حدود الزمن ذي البداية والنهاية، وخلاف ذلك مستحيل عقلًا.
والحدوث من العدم العام الشامل، دون سبب من موجد سابق له مستحيل عقلًا.
[ ١ / ٧٤٩ ]
الشبهة الرابعة:
هي قولهم: (إن حرية الإنسان تقوم على أنقاض حرية الله).
ومقصودهم بهذا القول: أن الإنسان لا يكون حرًا إلا إذا أنكر وجود الله، فإنه ما دام يثبت وجود الله فإنه لابد من اتباع أوامره واجتناب نواهيه. وهذا مخالف للحرية التامة، فإذا قضي على فكرة وجود الله فقد ثبتت الحرية، وإلا فلا.
الرد على هذه الشبهة:
إن دعوى الحرية التامة المطلقة - التي أسس عليها الوجوديون إنكار الله الخالق الرازق المحيي والمميت - لا وجود لها إلا في خيالهم المريض؛ إذ لو كان الإنسان حرًا حرية مطلقة لتحكم في مسيره ومجريات أحداثه، وكان عالمًا بكل ما يحيط به من أحداث، بل لكان من المتحكم والمخطط لمسيرها في الحياة، ولما كان هناك ما يقع على الإنسان غير ما يبتغيه أو يرغب فيه، بل يتمنى ألا يقع، تأكد كذب ما ترتب على دعوى الوجودية من استغناء الإنسان من خالق أوجده أو قدره. وبيان ذلك: أن الإنسان وهو بطريق الحياة تنتابه الأقدار:
١ - أحداث يقع به فيفجؤه بل يفجعه نزولها به دون أن يدور بخلده - قط - أنها ستصبه أو ستلم به، مثل النوازل والكوارث التي قد تصيب الإنسان وهو بطريق الحياة دون سابق إنذار، وما يستطيع عاقل أن يقول: إن الإنسان هو الذي وضعها بنفسه أو أنزلها بساحته بناء على حريته المطلقة.
٢ - تنوبه أحداث أخرى ما يتمناها لنفسه - قط - لكنها تقع به؛ مثل ضعف البصر، انحناء الظهر، عجز القدمين عن حمل الجسم، تجاعيد الوجه،
[ ١ / ٧٥٠ ]
ابيضاض الشعر، فلو كان الإنسان سيد أفعاله لما أوقع بنفسه ما تكرهه نفسه.
٣ - لو كان الإنسان هو الخالق لنفسه لكان عالمًا بتفاصيل حياته وأسباب وجوده، أو الغاية التي تصير إليها بعد رحيله، وهذا يتناقض مع ما تنادي به الوجودية في أضل مبادئها، فهي ترى أن الإنسان قد قذف به في الحياة دون قصد وهدف، وسيرحل عن الحياة دون إرادة أو غاية، وتوضيح ذلك وبيانه أوضح من أن يثار.
٤ - هل يعقل أن يلغي الإنسان وجود الله لمجرد إثبات حريته الكاملة، وهل هذه إلا حرية بهيمة شيطانية لنيل مقصوده والتسلط على حقوق الآخرين؟
الشبهة الخامسة:
حصر إيمانهم بالمحسوسات فقط. حيث قالوا: إذا كان الله موجودًا فلماذا لا نراه بأعيننا ولا ندركه بحواسنا كما ندرك ونرى الموجودات؟ وهل يسوغ لنا أن نؤمن بما لا نراه؟ .
الرد على هذه الشبهة:
١ - إن الإيمان بالمحسوسات والموجودات فقط مسخ للإنسان، وتغليب لجانب من شخصيته على الجانب الآخر مما ينتج عنه القلق والفزع الذي يعاني منه الوجودي، وإلا فالإنسان جسد وروح، وحصر الموجودات فيما يرى
[ ١ / ٧٥١ ]
ويحس غير صحيح، فكم من موجودات لا تحس ولا ترى، كما أن حصر وسائل المعرفة في الإدراك الحسي غير صحيح كذلك، فالإنسان يعرف ويدرك عن طريق البداهة والفطرة، وعن طريق العقل والفكر، وعن طريق البصيرة والإلهام.
كما يدرك، ويدرك عن طريق الحس والرؤية، فعلماء الفلك يقدرون وجود كواكب بيننا وبينها ملايين السنين الضوئية، وقدروا مواقعها والأبعاد بين بعضها، لأن وجودها في المواقع التي حددوها، يفسر لهم آثارًا وظواهر معينة، في حركة الكواكب التي رصدوها، ويستدلون بما رأوه على ما لم يروه، ويتبين بالملاحظات العلمية صحة الفرض الذي فرضوه، فهل يلام هؤلاء العلماء على إيمانهم بما لم يروه ولم يحسوه مع أنهم اهتدوا إليه بالمنطق الرياضي الذي يعتمد على الأرقام لا على الأوهام؟ .
إن هؤلاء العلماء قد اعتمدوا على منطق بسيط ولكنه صادق -هو الاستدلال بالأثر على المؤثر-، فهم قد عرفوا الكواكب البعيدة بآثارها لا بذاتها، وعلى هذا النهج نفسه درس العلماء الطبيعيون (الذرة)، واستخدموا قوانين الكتلة والطاقة، مع أنهم لم يروا الذرة حتى الآن، كل ما انتهوا إليه بوسائلهم الإلكترونية الجبارة أنهم استطاعوا أن يروا ظلها أو خيالها بعد تكبيره وتضخيمه، فكيف نسلم بهذا المنطق -منطق الاستدلال بالآثار- ونستخدمه في علوم الطبيعة والفلك ثم ننكره في معرفة الخالق؟ .
٢ - إن هذا الزعم لا دليل عليه مطلقا، إنه مجرد إنكار ورجم بالغيب، لقد كان الماديون ينكرون ما لا تصل إليه الحواس الإنسانية قبل أن يتوصل البحث
[ ١ / ٧٥٢ ]
العلمي إلى اكتشاف أجهزة تستطيع أن تحس بأشياء كونية كانت بالنسبة إلى الحواس البشرية أمورا من أمور الغيب، ولمَّا اكتشفت هذه الأجهزة، وكشفت للعلماء الباحثين ما كشفت من خفايا داخل الكون تراجع الفكر المادي عن تعنته قليلا، فاعترف بوجود أشياء يمكن أن تدركها الأجهزة التي توصل العلماء الباحثون إلى اكتشافها.
ومنها أجهزة الإحساس بالأشعة التي لا تدركها حواس الناس، وأجهزة الإحساس بالذبذبات الصوتية التي تنطلق في الأجواء، وأجهزة الإحساس بالطاقات الكهربائية والمغناطيسية والحرارية وغيرها.
وكلما تقدم العلم تطورت أجهزة الإحساس بالموجودات كانت غيبا على الناس قبل التوصل إليها، تراجع الفكر المادي الوجودي عن بعض تعنتاته، ولكن ظل منكرا ما وراءه مما لا يزال غيبا.
لقد كان الاستنتاج العقلي يثبت أمورًا، وكان الفكر المادي الوجودي ينكر بتعنت وعناد، وحين كشفت الأجهزة المستحدثة ما كان يثبته العقل، تجاهل الماديون الوجوديون إنكارهم الأول، وأخذوا يراوغون، ويوسعون مذهبهم المادي، حتى يشمل ما أثبتته الأجهزة المستحدثة وأحست به، وقدمت للعلماء شهادة بما شاهدت من خفايا كانت قبلها غيبًا عن حواس الناس.
أما الماديون المعاصرون الذين يعترفون بقوانين العلوم، وما توصلت إليه استناجًا عقليًا، فإنهم يتناقضون مع أنفسهم حين يسلمون بمقررات علمية لم يتوصل إليها العلم إلا عن طريق الاستنتاج العقلي، ويرفضون مع ذلك الاستناجات العقلية التي توصل إلى ضرورة الإيمان بالخالق.
ما أعجب أمر هؤلاء الوجوديين والماديين! ! .
[ ١ / ٧٥٣ ]
إنهم يرفضون الاستنتاج العقلي، حينما يلزمهم ويلزم جميع العقلاء بضرورة الإيمان بالخالق الذي هو غيب عن الحواس بذاته، لكن ضرورة وجوده تعلم حتمًا بآثار صنعته المتقنة، ثم هم يقبلون بمقررات علمية كونية كثيرة ما زالت غيبًا عن الحواس، وغيبًا عن الأجهزة العلمية المتقدمة جدًا، مثل صفات الذرة، وحركاتها، وصفات الخلية وتطورها، مع أن هذه المقررات يوجد في بعضها ما دل عليه الاستنتاج العقلي بأمارات ظنية، لا بأدلة قطعية.
أليس هذا منهم تناقضًا مع أنفسهم؟ !
إنهم لو كانوا منسجمين مع الأدلة العلمية انسجامًا سويًا لم يتدخل معه الهوى لما كانوا متناقضين في مناهجهم، ولقبلوا على طول خط المعرفة ومكتسباتها كل الاستناجات العقلية القطعية، أو التي تعطي ظنًا قويًا راجحًا، ولما فرقوا بين أفرادها وهي متماثلة في قوة دلالتها.
لكنهم متعصبون أصحاب هوى ضد قضية الإيمان بالرب الخالق، فهم يرفضون كل دليل يثبت وجوده ﷿، مهما كان دليلًا برهانيًا قويًا، وحينما يكون لهم هوى في أن ينتفعوا من طاقات الكون وخصائصه يقبلون ما يقدمه لهم الاستناج العقلي حول هذه الطاقات والخصائص، ولو كان استنتاجًا ظنيًا أو وهميًا أحيانًا، ويخادعون بأن هذا مما تثبه الوسائل العلمية.
٣ - يضاف إلى ذلك: أن البصيرة العقلية ومستنبطاتها التجريدية لا تسمح مطلقًا بالانغلاق في حدود المادة والوجود.
إن الشيء الذي لا نشاهده في الواقع الحسي لا يلزم عقلًا أن يكون غير
[ ١ / ٧٥٤ ]
ممكن الوجود، فعدم الوجود فعلًا لا يدل على استحالة الوجود. فما بالك بالحكم على الخالق بأنه غير موجود، وبأنه متناقض وجوده، لمجرد أننا لم نشاهده في دوائر حواسنا المحدودة جدًا؟ .
٤ - إن وسائل العلم ثلاثة:
الأولى: المعرفة المباشرة، وتكون بالإدراك الحسي، ولو عن طريق الأجهزة والأدوات.
الثانية: الاستدلال العقلي بمختلف طرقه الاستنتاجية والاستنباطية الصحيحة، والمؤيدة بالحجج البرهانية أو المقبولة.
الثالثة: الخبر الصادق، ومن الخبر الصادق الوحي الذي يتلقاه نبي من أنبياء الله مؤيد بالمعجزات الباهرات، ومن الخبر الصادق قطعًا ما يبلغه عن الوحي هذا النبي.
فهؤلاء الملحدون حصروا العلوم المدركة في دوائر ضيقة، فما أدركوه بحواسهم وتجاربهم أثبتوه، وما لم يدركوه بذلك نفوه، وهذا باطل، بل قصور في العلم، فمن ليس عنده علم بشيء مَّا يجب أن يتعلم من الآخر، وليس عليه أن ينكر ذلك الشيء.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ما أخبرت به الرسل من الغيب فهي: أمور موجودة ثابتة أكمل وأعظم مما نشهده نحن في هذه الدار، وتلك أمور
[ ١ / ٧٥٥ ]
محسوسة تشاهد وتحس ولكن بعد الموت في الدار الآخرة، ويمكن أن يشهدها في هذه الدار من يختصه الله بذلك، ليست عقلية قائمة بالعقل كما تقوله الفلاسفة، ولهذا كان الفرق بينها وبين الحسيات التي نشهدها أن تلك غيب وهذه شهادة، وكون الشيء غائبًا أو شاهدًا أمر إضافي بالنسبة إلينا، فإذا غاب عنا كان غيبًا، وإذا شهدناه كان شهادة، وليس هو فرقًا يعود إلى أن ذاته تعقل ولا تشهد ولا تحس، بل كل ما يعقل ولا يمكن أن يحس بحال فإنما يكون في الذهن، والملائكة يمكن أن يشهدوا ويروا، والرب تعالى يمكن رؤيته بالأبصار، والمؤمون يرونه يوم القيامة وفي الجنة كما تواترت بذلك النصوص).
وبهذا يبطل أصل الملاحدة الذين يحضرون المعلومات بمدركاتهم الخاصة القاصرة، فإن هؤلاء قصروا معرفتهم في شيء ولم يعرفوا غيره، ومن عرف له حجة على من لم يعرف، فليس كل من لم يعرف شيئًا ينكره على حجة عدم علمه ومعرفته.
ولنضرب لذلك مثلًا: لو أن عالمًا من علماء الحيوان تحدث عن وجود حيوان برِّيٍّ غريب رآه بعينه، وأخذ يصف مشاهداته الحسية له، ثم جاء سمَّاك فقال: لا أجد المبرر العقلي لوجود هذا الحيوان الغريب الذي يتحدث عنه هذا العالم، فإنا لم نشاهد في البحر نظيره. لما كان كلامه أكثر سقوطًا من ناحية الاستدلال العلمي من كلام هؤلاء الوجوديين، فقد جاءتنا الأخبار الصادقة من
[ ١ / ٧٥٦ ]
قبل الرسل الكرام الصدِّيقون في أخبارهم بأن هناك إله ورب خالق له الصفات العلي كذا، وكذا، ثم جاء بعض من أعمى الله بصره وحجب عنه بصيرته، فيقول: لا أحسُّ به، ليس كلامه هذا أقل سقوطًا من كلام هذا السمَّاك.
ولهذا قال ابن القيم: (المعلومات المعاينة التي لا تدرك إلا بالخبر أضعاف أضعاف المعلومات التي تدرك بالحسِّ والعقل، بل لا نسبة بينها بوجه من الوجوه، ولهذا كان إدراك السمع أعم وأشمل من إدراك البصر، فإنه يدرك الأمور المعدومة والموجودة والحاضرة والغائبة، والمعلومات التي لا تدرك بالحسِّ والأمور الغائبة عن الحسِّ نسبة المحسوس إليها كقطرة من بحر، ولا سبيل بها إلى العلم بها إلا بالخبر الصادق).
فإذا أبطلنا هذه العلوم فإننا قد أبطلنا علومًا جمة، ومعارف كثيرة، وليس هذا الإنداء إلى الجهل والطيش.
الفرع الثالث: شرك تعطيل المصنوع عن صانعه في الداروينية:
وذلك؛ حينما رأوا أن الحياة إنما هي نتيجة النشوء والارتقاء، وأن تفسير النشوء والارتقاء بتدخل الله هو بمثابة إدخال عنصر خارج للطبيعة، في وضع ميكانيكي بحت.
خلاصة أفكارهم في إنكار الخالق سبحانه:
١ - تقوم فكرة التطور الداروينية على أن الكائنات الحية تسير في تطورها
[ ١ / ٧٥٧ ]
مرتقية من أدنى الأحياء إلى الأعلى فالأعلى، وأن الإنسان قد كان قمة تطورها.
٢ - وبقاء بعض الأنواع وانقراض بعضها يرجع إلى ظاهرة الصراع من أجل البقاء، فالبقاء يكون للنوع المكافح الأفضل، وأما النوع الخامل الذي لا يكافح من أجل البقاء فإنه يضمر، ثم يضمحل، ثم ينقرض. وهو ما يسمى بالانتقاء الطبيعي.
٣ - والعضو الذي يهمل إذ لا تبقى له وظيفة عمل في النوع الواحد، يضمر شيئًا فشيئًا، حتى يضمحل، ولا يبقى منه إلا أثر يدل عليه، وقد لا يبقى له أثر.
كانت هذه هي الداروينية في عالم الأحياء، ثم عممت حتى شملت الوجود المادي كله، من الغاز السديمي الأول - كما يسمونه - حتى المجرات فالكواكب، فالمواد الصالحة لظهور الحياة، فالنبات، فالحيوان، وأمسى التطور مذهبًا.
وقد أجرى الداروينيون تنقيحات وتعديلات في آراء داروين من بعده، وحشدوا لفكرة التطور الطبيعي في الأحياء أسانيد يرجع كلها إلى العناصر الثلاثة السابقة.
١ - تعتمد النظرية على أساس ما شوهد في زمن (داروين) من الحفريات الأرضية، فقد وجدوا: أن الطبقات القديمة تحتوي على كائنات أولية، وأن الطبقات التي تليها تحتوي على كائنات أرقى فأرقى. فقال (داروين): إن تلك الحيوانات الراقية قد جاءت نتيجة للنشوء والارتقاء من الحيوانات والكائنات الأولى.
[ ١ / ٧٥٨ ]
ثم وجد الداروينية من هذه الحفريات ما يسمونه بإنسان بلتداون بجمجمة إنسان وفك قرد.
٢ - وتعتمد أيضًا على ما كان معروفًا في زمن (داروين) من تشابه جميع أجنة الحيوانات في أدوارها الأولى، فهو يوحي بأن أصل الكائنات واحد، كما أن الجنين واحد، وحدث التطور على الأرض كما يحدث في أرحام الكائنات الحية.
٣ - كما تعتمد النظرية على وجود الزائدات الدودية في الإنسان التي هي المساعد في هضم النباتات، وليس لها الآن عمل في الإنسان، مما يوحي بأنها أثر بقي من القرود لم يتطور، لأنها تقوم بدورها في حياة القرود الآن.
٤ - تأخر وجود بعض أنواع الأحياء على سطح الأرض عن بعض.
وقالوا في كيفية عملية التطور: أن هناك ثلاث وسائل في إكمال عملية التطور، وهي:
أ- الانتخاب الطبيعي: تقوم عوامل الفناء بإهلاك الكائنات الضعيفة الهزيلة، والإبقاء على الكائنات القوية، وذلك ما يسمى بزعمهم بقانون (البقاء للأصلح)، فيبقى الكائن القوي السليم الذي يورث صفاته القوية لذريته، وتتجمع الصفات القوية مع مرور الزمن مكونة صفة جديدة في الكائن، وذلك هو (النشوء) الذي يجعل الكائن يرتقي بتلك الصفات الناشئة إلى كائن أعلى، وهكذا يستمر التطور وذلك هو الارتقاء.
ب- الانتخاب الجنسي: وذلك بواسطة ميل الذكر والأنثى إلى التزوج بالأقوى والأصلح، فتورث بهذا صفات الأصلح، وتنعدم صفات الحيوان
[ ١ / ٧٥٩ ]
الضعيف لعدم الميل إلى التزاوج بينه وبين غيره.
ج- كلما تكونت صفة جديدة ورثت في النسل.
هذا آخر ما تخيلوا من الشبه، والتي يتشبثون بها في محاولة الإنكار للخلق المباشر، ولننظر فيما يلي مدى واقعية هذه الفكرة، ومدى صحتها لدى العلماء الغربيين أيضًا، فضلًا عن كونها من الأساطير والخرافات لدى أصحاب المل الثلاث.
تفنيد الأساس الذي قامت عليه النظرية:
١ - أما استدلالهم بالحفريات:
فيقال: إن علم الحفريات لا يزال ناقصًا، فلا يدعي أحد أنه قد أكمل التنقيب في جميع طبقات الأرض وتحت الجبال والبحار فلم يجد شيئًا جديدًا ينقض المقررات السابقة.
وعلى فرض ثبات مقررات هذا العلم فإن وجود الكائنات الأولى البدائية أولًا، ثم الأرقى، ليس دليلًا على تطور الكائنات الأدنى، بل هو دليل على ترتيب وجود هذه الكائنات فقط عند ملاءمة البيئة لوجودها على أي صورة كان هذا الوجود، وإذا كانت الحفريات في زمن داروين تقول: إن أقدم عمر للإنسان هو ستمائة ألف سنة، فإن الاكتشافات الجديدة في علم الحفريات قد قدَّرت أن عمر الإنسان يصل إلى عشرة ملايين من السنين.
أليس هذا أكبر دليل على أن علم الحفريات متغير لا يبنى عليه دليل قطعي؟
[ ١ / ٧٦٠ ]
وأنه قد ينكشف في الغد من الحقائق عكس ما كنا نأمل؟
يقول الدكتور (جمال الدين الفندي) أستاذ الفلك في كلية العلوم بجامعة القاهرة: إن من الأدلة التي تنفي نظرية داروين أن عمر الأرض كما قدره الفلكيون والطبيعيون لا يربو على ثلاثة بلايين سنة، بينما يقدر علماء الحياة أن المدة اللازمة لتطور الأحياء على الأرض إلى حين عصر الحياة القديمة تزيد على سبعة بلايين سنة، بمعنى أن عمر الأرض لابد أن يكون عشرة بلايين سنة؛ أي ضعف عمر الشمس.
ويقول أحد علماء الغرب في كتابه (الإنسان الأول): (من المؤسف أنه لا يوجد لدينا إلا وثائق غير تامة من الحفريات عن أصل قرد الإنسان، ولا نعلم في أي وقت ولا في أي مكان بدأ شكل الإنسان يختلف عن شكل القرد).
فالحفريات لا تعتبر دليلًا أبدًا، حتى إن الرأي الأخير من الحفريات هو يناقض تمامًا ما قالته الداروينية، وذلك لما وجدوا من الجماجم الإنسانية التي تدل على وجود هذا النوع من مدة سحيقة موغلة أكثر مما يثبته الداروينيون لعمر الإنسان.
وأما ما قيل من أنهم عثروا على إنسان بلتداون بجمجة إنسان وفك قرد، مما يدل على أن الإنسان تطور من القرد، وأن إنسان بلتداون صورة من صور الحلقات المفقودة في عملية التطور، فيقال في الرد عليهم:
إن التجارب الأخيرة على إنسان بلتداون أثبتت أنه ليس قديمًا كما
[ ١ / ٧٦١ ]
تصوروا، بل إن هناك من قام بإحداث عدة تغييرات في هذه الجثة للإيهام بأنها تعود إلى أزمان غائرة جدًا، وليس هذا فحسب، بل تبين أن الأسنان المغروسة في عظم الفلك بردت بمبردة للتمويه وللإيهام بأنها تآكلت على مر الزمن، وكانت علامات البرد ظاهرة لكل عين متفحصة، وأخيرًا أعلنت النتيجة في تشرين الثاني سنة ١٩٥٣ م، وكانت كما يلي:
(إن (إنسان بلتداون) ليس إلا قضية تزوير وخداع، تمت بمهارة من قبل أناس محترفين، فالجمجمة تعود إلى إنسان معاصر، وأما عظام الفك فهي لقرد أورنج بعمر عشر سنوات، والأسنان هي أسنان إنسان غرست بشكل اصطناعي وركبت على عظام الفلك، وظهر ذلك، إن العظام عوملت بمحلول ديكرومايت البوتاسيوم لإحداث آثار بقع للتمويه وإعطاء شكل تاريخي قديم لها).
٢ - وأما الاستدلال بتشابه أجنة الحيوانات:
فذلك خطأ كبير وقع فيه بعض العلماء نتيجة عدم تقدم الآلات المكبرة التبي تبين التفاصيل الدقيقة التي تختلف بها أجنة الحيوانات بعضها عن بعض في التكوين والتركيب والترتيب، إلى جانب التزييف الذي قام به واضع صور الأجنة المتشابهة العالم الألماني (أرنيست هيكل)، فإنه أعلن بعد انتقاد علماء الأجنة له: أنه اضطر إلى تكملة الشبه في نحو ثمانين في المائة من صور الأجنة لنقص الرسم المنقول.
ثم لما تقدمت الآلات المكبرة في العصر الحاضر بينت هذه الآلات تفاصيل دقيقة بين أجنة الحيوانات، وظهر أنه لا تشابه بين أجنة الحيوانات أبدًا، وأن أجنة
[ ١ / ٧٦٢ ]
الإنسان تختلف عن أجنة القردة من عدة جوانب.
٣ - أما الاستدلال بوجود الزائدة الدودية على نظرية النشوء الذاتي:
فيقال: إن وجود الزائدة الدودية في الإنسان كعضو أثري للتطور القردي فليس دليلًا قاطعًا على تطور الإنسان من القرد، بل يكون سبب وجودها هو وراثتها من الإنسان الجد الذي كان اعتماده على النباتات، فخلقت لمساعدته في هضم تلك النباتات.
ثم القول بأن الزائدة الدودية ليست لها وظيفة خاليًا في جسم الإنسان قول غير صحيح، فإنه أثبت الطب حديثًا: أن الزائدة الدودية ذات وظيفة في جسم الإنسان، وهي جهاز لمفاوي مناعي في البطن كغيره من أجهزة المناعة في جسم الإنسان، لذلك تدعى باسم (لوزات البطن).
كما أن العلم قد يكشف لها حقيقة أخرى لا تزال غائبة عنا حتى اليوم، فالعلم كل يوم في ازدياد، وإذا كانت الخنوثة من صفات الكائنات الأولية الدنيا، والزوجية من خصائص الكائنات الراقية، فإن الثدي من أمارات الأنوثة، ونجد الفيل الذكر له ثدي كما للإنسان، في حين ذكور ذوات الحافر كالحصان والحمار لا ثدي لها إلا ما يشبه أمهاتها، فكيف بقي أثر الخنوثة في الإنسان، ولم يبق فيما هو أدنى منه؟ مع أن داروين يزعم أن الإنسان تطور مما هو أدنى منه.
[ ١ / ٧٦٣ ]
٤ - أما الاستدلال بتأخر وجود بعض أنواع الأحياء على سطح الأرض عن بعض على إثبات نظرية التطور:
فيقال: إن تأخر ظهور بعض الأنواع الراقية عن أنواع سابقة لها في الوجود لا يقتضي أن السابق أب أو جد لما ظهر بعده، إذ الاحتمال الأقرب للتصور أن يكون مبدع النوع الأول قد أبدع بعده النوع الأرقى، ثم أبدع بعد ذلك الأرقى فالأرقى، ثم أبدع أخيرًا الإنسان.
وهذا ما نلاحظه في سلسلة المبتكرات والمخترعات، فاللاحق كثيرًا ما يكون وليد فكر المبدع ونتاج عمله، بالاستناد إلى ملاحظته للسابق، وليس ثمرة التطوير للسابق نفسه في واقع العمل، بحذف شيء منه وإضافة شيء إليه، فالعملية تكون عملية فكرية، ويأتي التطبيق الواقعي غالبًا بناءً جديدًا.
ومهما يكن من أمر، فالاحتمالان أمران متكافئان إمكانًا، بشرط ربط كل منهما بأنه مظهر لاختيار مدبر خالق حكيم عليم قدير خالق، فهو أمر مستحيل عقلًا، إذ الناقص لا ينتج الكامل في خطة ثابتة، وهو بمثابة إنتاج العدم للوجود. وإحالة الأمر على المصادفة إحالة على أمر مستحيل علميًا ورياضيًا في عمليات الخلق الكبرى. كما سبق بيانه.
تفنيد شرح داروين لعملية التطور:
أما القول بالانتخاب الطبيعي: بأن هناك ناموسًا أو قانونًا يعمل على إفناء الكائنات الحية فلا يبقى إلا الأصلح الذي يورث صفاته لأبنائه فتتراكم
[ ١ / ٧٦٤ ]
الصفات القوية حتى تكون حيوانًا جديدًا.
فيقال: حقًا هناك نظام وناموس وقانون يعمل على إهلاك الكائنات الحية جميعها قويها وضعيفها، لأن الله قدر الموت على كل حي، إلا أن نظامًا وناموسًا يعمل بمقابلة هذا النظام؛ ذلك هو قانون التكافل على الحياة بين البيئة والكائن، لأن الله قدر الحياة فهيأ أسبابها؛ فنجد الشمس والبحار والرياح والأمطار والنباتات والجاذبية كل هذه وغيرها تتعاون للإبقاء على حياة الإنسان وغيره من الحيوانات، فالنظر إلى عوامل الفناء وغض النظر عن عوامل البقاء يحدث خللًا في التفكير، فإذا كانت هناك سنة للهلاك فهناك سنة للحياة، ولكل دور في الحياة، وإذا كانت الظروف الطبيعية: من رياح ورعد وحرارة وماء وعواصف وغيرها قادرة على تشويه الخلق أو تدمير صنعة، كطمس عين أو تهديم بناء، فإنه من غير المعقول أن تقرر هذه الظروف الطبيعة الميتة الجامدة والبليدة أن تنشئ عينًا، لمن لا يملك عينًا أو تصلح بناء فيه نقص.
ولكن للأسف، إن التطوريين يقولون بمثل هذا القول. فالانتخاب الطبيعي معبود التطوريين المحروم من الشعور، هكذا وبهذه البساطة يعتقد داروين أنه استطاع أن يشرح كيفية تحول عضو من شكل إلى آخر، أما العلم المعاصر فإنه يرفض هذا الشرح وهذا التفسير، بل يعتبره مضحكًا، فكما يصعب على الإنسان الاعتقاد بأن سيارة تسير بالبنزين قد تحولت - نتيجة سلسلة حوادث المرور - إلى سيارة تعمل بالغاز السائل، وأنها في فترات من فترات التحول كانت
[ ١ / ٧٦٥ ]
تسير بالبنزين والغاز معًا من باب الاحتياط! ! كذلك يصعب عليه تصديق كل هذه الحكايات حول خروج الأحياء من الماء إلى اليابسة.
إذ لا مبرر هناك للاعتقاد بأن كل هذه المزاعم صحيحة من دون تحقيق وتمحيص، حتى وإن قدمها البعض تحت لبوس العلم، لأن قليلًا من العلم وقليلًا من التفكير، يكفيان لرؤية كيف أن اللوحة التي تقدمها نظرية التطور في حاجة إلى عقل وشعور خارقين.
ويمثل هنا بمثال واحد، فمثلًا قبل كل شيء يحتاج جهاز التنفس لكل يتعرض لمثل هذا التبدل والتحول إلى تعيين هدفه أمامه وهذا الهدف هنا هو (الخروج من الماء إلى اليابسة)، فمن الذي يعطي هذا القرار ويعين هذا الهدف؟ أهو الكائن نفسه؟ أهي جزئيات جسمه؟ أهو الماء؟ أهو الهواء؟ .
ثم يجب تعيين الخطوات اللازمة للوصول إلى هذا الهدف، ووضع خطة تحتوي على تفاصيل كثيرة جدًا تشمل أجهزة الجسم كله، فمن الذي يضع هذه الخطة؟ أهو الكائن الحي؟ أهي ذرات جسمه؟ أم الهواء؟ .
ثم يجب الأخذ بنظر الاعتبار جميع العوائق والمشاكل التي قد تظهر أثناء خطوات التقدم نحو الهدف، وأخذ التدابير والاحتياطات اللازمة تجاهها، وإدراج جميع هذه التدابير في الخطة بشكل مناسب، بحيث لا تتعارض مع الخط العام للخطة. فمن الذي يرى المشاكل والعوائق والصعوبات قبل أوانها، ويفكر بالتدابير اللازمة فيؤمن التنسيق بين الأعضاء؟ أما القول بأن (الأعضاء تقوم من نفسها بتأمين نظام للتعاون والمساعدة فيما بينها) فهو قول لا يقره أي
[ ١ / ٧٦٦ ]
عقل وأي منطق.
ثم تأتي مرحلة التنفيذ، والتطوريون يرون أنها تحقق نتيجة ملايين الحوادث التي تصيب شفرات الجينات. والغريب أن هذه الحوادث تكون وكأنها مرتبة ضمن خطة معينة! ! ثم إن حادثة معينة تأتي لتكمل (التقدم) الذي حققته الحادثة السابقة، ولتدفع خطوة أخرى إلى الأمام، ولتقرب الكائن خطوة أخرى نحو الهدف! !، وهكذا يتخلص هذا الكائن من غضبة الانتخاب الطبيعي (الذي يجول في الدنيا في كل ساعة من ليل ونهار دون أن يحس به أحد)! .
وأخيرًا بعملية تشبه عملية تحول دراجة أطفال ذات ثلاث عجلات، إلى طائرة فانتوم، إثر تعرضها لسلسلة من الحوادث العشوائية! ! تظهر أمامنا المعجزة وتتكامل.
ثم إنه من الغريب جدًا، أن لا يؤدي عبث الصدفة بشفرات الجينات إلى كوارث، ونحن نفس عدم فهم داروين ومعاصريه هذا الأمر إلى قلة معلوماتهم، أما الإصرار ممن جاء بعدهم عليه، فلا يفسر إلا بالعناد والتعصب، ذلك؛ لأن مدَّيد العبث إليها أو تدخل الصدفة، لا تؤدي إلا إلى كارثة.
واليوم يحاول الذكاء الإنساني - وليست الصدفة - أن ينفذ إلى أعماق علوم الجينات بدراسات شاقة، فمن المستحيل قبول الادعاء بأن الصدفة والانتخاب الطبيعي استطاعا القيام بحل كل هذه الألغاز التي استعصى حلها على الذكاء الإنساني بالرغم من جميع الجهور المبذولة في هذا المجال. من المستحيل قبول هذا الادعاء وإن بذلت المحاولات لوضع قناع العلم عليه. وبالرغم من مرور قرن
[ ١ / ٧٦٧ ]
على وفاة داروين، فإن التطوريين لم يتعبوا بعد من محاولة جعل هذا المستحيل ممكنًا.
أما شرحه الثاني لقانون التطور بأنه يحصل (التطور) أيضًا بالانتخاب الجنسي الذي يكون به الميل في التناسل بين الأفراد القوية مما سبب اندثارًا لأفراد الضعاف، وبقاء الأقوى:
فيقال: إن ذلك ليس دليلًا على حدوث تطور في النوع، بل يفهم منه بقاء النوع القوي من نفس النوع، واندثار النوع الضعيف.
ثم إنه ليس بصحيح أن الصفات الحسنة في فرد من الأفراد تنقل بواسطة الوراثة. فمثلًا: هذا الحداد القوي العضلات لا تنتقل قوة عضلاته إلى ذريته كما أن العالم الغزير العلم لا ينتقل علمه بالوراثة إلى أبنائه.
أما القول الأخير له في شرحه لعملية التطور كيف تمت هي: بأنه (كلما تكونت صفة جديدة ورثت في النسل):
فيقال في الجواب عليه: إن القول بحدوث النشوء لبعض الخصائص والصفات العارضة تم توريثها في النسل فذلك ما يرفضه علم الوراثة الحديث. فكل صفة لا تكمن في الناسلة ولا تحتويها صبغة من صبغاتها فهي صفة عارضة لا تنتقل إلى الذرية بالوراثة.
وإلى جانب مخالفة علم الوراثة (لنظرية داروين)، فإن التجربة تنقضه؛ فهاهم اليهود والمسلمون من بعدهم يختنون أبناءهم ولكن ذلك كله لم يسبب أن
[ ١ / ٧٦٨ ]
ولد أطفالهم بعد مرور السنين مختونين، وهكذا، فكما تقدم العلم أثبت بطلان نظرية داروين.
النظرية لا يؤيدها الواقع المشاهد:
١ - لو كانت النظرية حقًا لشاهدنا كثيرًا من الحيوانات والإنسان تأتي إلى الوجود عن طريق التطور، لا عن طريق التناسل فقط، وإذا كان التطور يحتاج إلى زمن طويل فذلك لا يمنع من مشاهدة قرود تتحول إلى آدميين في صورة دفعات متوالية كل سنة، أو كل عشر سنوات، أو كل مائة سنة.
٢ - لو سلمنا جدلًا: أن الظروف الطبيعية والانتخاب الطبيعي، قد طورت قردًا إلى رجل - مثلًا - فإنا لن نسلم أبدًا بأن الظروف قد قررت أيضًا أن تكون امرأة لذلك الرجل ليستمرا في التناسل والبقاء مع الموازنة بينهما.
٣ - إن القدرة على التكيف التي نشاهدها في المخلوقات - كالحرباء - مثلًا تتلون بحسب المكان هي مقدرة كائنة في تلك المخلوقات تولد معها، وهي عند بعضها وافرة وعند البعض الآخر تكاد تكون معدومة، وهي عند جميع المخلوقات محدودة لا تتجاوزحدودها، فالقدرة على التكيف صفة كامنة، لا صفة متطورة تكونها البيئة كما يزعم أصحاب النظرية، وإلا كانت البيئة فرضت التكيف على الأحجار والأتربة وغيرها من الجمادات.
٤ - تمتاز الضفادع على الإنسان بمقدرة على الحياة في البر والماء، كما تمتاز الطيور عليه بمقدرة على الطيران والانتقال السريع، وذلك بدون آلة، كما أن
[ ١ / ٧٦٩ ]
أنف الكلب أشد حساسية من أنف الإنسان، فهل أنف الكلب أكثر رقيًا من أنف الإنسان؟ وهل الضفادع والطيور أرقى من الإنسان في بعض الجوانب؟ فهذه النظرية يخالفها الواقع المشاهد مخالفة تامة.
النظرية تعجز عن الإجابة المقنعة لكثير من الأسئلة عبر الظواهر الموجودة:
إن نظرية التطور تحسب أنها استطاعت تفسير نشوء الكائنات الحية وتكاملها، وكل شيء بـ (الانتخاب الطبيعي)، ولكن الحياة هي أشمل وأعقد من مجرد أجساد الكائنات الحية، فعلاوة على وجود الأجهزة العضوية في أجساد الكائنات، هناك علاقات متداخلة ومتشعبة ومعقدة وحساسية بين هذه الكائنات والكائنات الأخرى من جهة، وبينها وبين بيئتها، وهذا موضوع مهم لا يمكن لأية نظرية تدعي تفسير الحياة أن تهمل إيضاحها وتفسيرها، غير أننا نرى أن الظلمات تحيط بهذا الموضوع في نظرية التطور، ولا نرى أي بصيص من نور.
فمثلًا: لا تستطيع نظرية التطور تفسير كيف أن البعوضة ما أن تفتح عيونها على الحياة حتى تحاول الوصول إلى هدفها ورزق أبرتها - كأي ممرضة متمرسة - والقيام بامتصاص الدم؟
كما لا تستطيع هذه النظرية تفسير كيف تستطيع النحلة التجول بين الأزهار، وامتصاص رحيقها لعمل غذاء من أنقى الأغذية، وليس هناك من معلم أو مدرب لها؟ وكيف تستطيع بإشاراتها ورقصاتها الخاصة من التخاطب مع أفرادها مجموعتها، ثم القيام بإنشاء خلاياها بدقة هندسية متناهية، لا نشاهد فيها خطأ مليمتر واحد؟
[ ١ / ٧٧٠ ]
أم هل تستطيع هذه النظرية تفسير كيف أن الطفل، وهو جنين في بطن أمه يتدرب لاكتساب المهارة الوحيدة المطلوبة منه، وهي عملية مصِّ الثدي، وذلك بمصِّ أصبعه؟ !
كيف تبني العناكب بيوتها؟ والطيور أوكارها؟ والنمل مساكنها؟ أسئلة لا تستطيع هذه النظرية الإجابة عليها.
ويمكن تعداد أمثلة أكثر وأكثر وكتابة مجلدات من الكتب حول هذا الموضوع، بل يمكن صرف العمر كله في تعداد هذه الأمثلة، أما الاكتفاء بالقول بأن (الغريزة) هي الكلمة السحرية التي تفسر وتوضح هذه المهارات المتعددة والمذهلة والمختلفة، فليس إلا إعلانًا عن جهل الإنسان وعماه.
موقف علماء الطبيعة من هذه النظرية:
لعلماء الطبيعة موقفان وراء هذه الفرضية:
الأول: المؤيدون للنظرية: وتأييدهم كان أكثر انتصار لحرية الفكر الذي كانت الكنيسة تحاربه، وتقاومه، وحربًا مضادة يشنها علماء الطبيعة ضد قسس الكنيسة وأفكارهم بعد أن نشبت حرب طاحنة بين الفريقين.
فالتأييد إنما هو نتيجة حرب حاقد على الأديان، لا عن علم واقتناع قلبي، فقد اعترف المؤيدون لهذه الفرضية (النظرية) أيضًا بأنها غير ثابتة وغير علمية، وفيما يلي بعض أقوالهم:
١ - (إن نظرية النشوء لا زالت حتى الآن بدون براهين، وستظل كذلك؛ والسبب الوحيد في أننا نؤمن به هو أن الدليل الوحيد الممكن لها هو الإيمان
[ ١ / ٧٧١ ]
بالخلق المباشر، وهذا أمر غير وارد على الإطلاق).
٢ - (إن التغيرات الإعجازية التي نفترض أنها قاصرة على القصص الخرافية أمور عادية جدًا في نظرية النشوء والارتقاء).
٣ - (إن علماء الحيوان يؤمنون بالنشوء، لا كنتيجة للملاحظة، أو الاختبار، أو الاستدلال المنطقي، ولكن لأن فكرة الخلق المباشرة بعيدة عن التصور).
٤ - (إننا بالرغم من إيماننا بالنشوء فإننا لا نعلم كيف حدث).
٥ - (إن نظرية النشوء جاءت لتبقى، ولا يمكن أن نتخلى عنها، حتى ولو أصبحت مجرد عمل من أعمال الاعتقاد).
٦ - (كلما تعمقنا في دراسة أنتوبيولوجيا كلما اكتشفنا أن نظرية النشوء ترتكز على الاعتقاد).
هكذا يصبح واضحًا، أن هذه النظرية ليس لها أي مستند صحيح، وقد اعترف بتهافتها وعدم ثبوتها علميًا حتى مؤيدوها، وهو مدين بوجوده فقط لذلك الرفض العنيد للإيمان بوجود الخالق.
الثاني: المعارضون: لقد سبق معنا آراء المؤيدين لهذه النظرية بأنهم ما
[ ١ / ٧٧٢ ]
أيدوها على أنها حقيقة علمية، وإنما على أنها أفضل بدليل للإيمان بالله جل شأنه، فما بال العلماء الغربيين المتنورين بالعلم والحرية لا يعارضونها؟ لقد عارضها كثير من علماء الغرب الجيولوجيون والطبيعيون بالأدلة والبراهين، والمقام لا يتسع لذكر آرائهم ها هنا.
ولكن ما موقف بعض من تأثر بهذه النظرية من المسلمين؟ لقد تأثر بهذه النظرية كثير ممن يدعي العلم في العصر الحاضر من المسلمين، كما قد قال ببعض هذه النظرية علماء مشهورون من هذه الأمة.
فممن تأثر بهذه النظرية من المعاصرين موريس بوكاي، حيث استدل في كتابه (ما أصل الإنسان؟ إجابات العلم والكتب المقدسة) على صحة هذه النظرية بقوله تعالى: (مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا).
ويمكن أن يرد على هذا القول بأنه لم يفسر به أحد من المفسرين لا بالمأثور ولا بالرأي، ولم يقل به أحد من السلف، بل تفسير الآية على حسب ما روي عن السلف هو أن المراد بالأطوار كونه (نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظامًا).
وممن قال ببعض هذه النظرية من العلماء القدامى المشهورين: ابن خلدون، حيث فسر قوله تعالى: (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ). على أنه من
[ ١ / ٧٧٣ ]
القردة إلى الإنسان. كما ينسب هذا القول إلى كل من الدميري، والبلخي، والفخر الرازي، والفارابي، وغيرهم.
ويجاب عن شبهتهم هذه: بأن تفسير هذه الآيات القرآنية لا يكون إلا على ضوء ما فهمه سلفنا الصالح أو على ما يوافق الآيات القرآنية الأخر أو الأحاديث النبوية، وإذا ما وجدت يمكن أن يفسر على مقتضى طبيعة اللغة العربية وعلى فهم ما أنزل إليهم، لا إلى الأهواء والمفاهيم السيئة، وإلا سيصبح الدين كله لعبة، كلٌ يفسر الآيات القرآنية كما يهواه كما هو حال أهل البدع والزنادقة.
فالآيات المذكورة قد فسرت على تفسيرين:
الأول: هو الذي عليه أكثر المفسرين؛ منهم علي بن أبي طالب وابن عباس ﵄، ومجاهد وعكرمة والشعبي، والحسن وأبو العالية والضحاك والسدي وابن زيد، واختاره ابن جرير: أن المراد بالآية: (ثم نفخنا فيه الروح فتحرك وصار خلقًا آخر ذا سمع وبصر وإدراك وحركة واضطراب).
الثاني: ما روي عن ابن عباس أنه قال: إن معنى الآية: (ننقله من حال إلى حال إلى أن خرج طفلًا، ثم نشأ صغيرًا، ثم احتلم، ثم صار شابًا، ثم كهلًا، ثم شيخًا، ثم هرمًا)، وبه قال قتادة، والضحاك في رواية.
[ ١ / ٧٧٤ ]
فترى أن التفسير الذي ذكروه يس له أي سلف، فلا يقبل مثل هذه التأويلات الباطنية للآيات القرآنية.
ولما كان هناك من المسلمين من تأثر بهذه النظرية - أو الفرضية على الصحيح - واستدل بعض هؤلاء بالآيات القرآنية، فإننا سوف نورد حديث القرآن عن أصل الإنسان وخلقه بآيات صريحة وواضحة في الدلالة لا لبس فيها ولا غموض، حتى لا يستطيع إنكاره إلا من أعمى الله بصره وجعل على قلبه غشاوة، وأضله عن سواء الصراط. ففيما يلي هذا البيان من القرآن الكريم والسنة النبوية.
حديث القرآن والسنة عن أصل الإنسان وكيفية خلقه:
إن حديثنا الآن مع الذين يؤمنون بالله ربًا، فنحن نسألهم هل تؤمنون بأن الله يعلم ما خلق، ومم خلق؟ وسيكون الجواب حتمًا بنعم، وإلا يكونوا قد كفروا بالله، وإذا كانت الإجابة بنعم، فإننا نقول لهم: إن الذي خلق الخلق لا شك هو أعلم بالمخلوق، قال تعالى: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ).
فإذا كان هو أعلم بالخلق وكيفية خلقه، فقد حكى بنفسه في القرآن وبينه الرسول في السنة قصة خلق الإنسان ببيان ظاهر وواضح.
فالله يخبرنا أنه خلق الإنسان خلقًا مستقلًا مكتملًا، وقد أخبر ملائكته بشأن خلقه قبل أن يوجده: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً).
وحدثنا عن المادة التي خلقه منها، فقد خلقه من ماء وتراب (طين)، قال تعالى: (فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ).
[ ١ / ٧٧٥ ]
وجاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله ﵎ خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، منهم الأحمر، والأبيض، والأسود، وبين ذلك، والسهل والحزن، والخبيث والطيب».
والماء عنصر في خلق الإنسان، حيث قال: (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ)، وقال تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ)، فهو إذن من ماء وتراب.
وقد شكله الله بيديه، حيث قال: (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ)، ثم هذا الطين تحول إلى صلصال كالفخار (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ).
وقد خلقه مجوفًا منذ البداية، ففي الحديث عن أنس بن مالك قال: «لما صور الله آدم في الجنة تركه ما شاء الله أن يتركه، فجعل إبليس يطيف به وينظر إليه، فلما رآه أجوف عرف أنه خلق لا يتمالك».
هذا الطين نفخ الله فيه من روحه فدبت فيه الحياة، فأصبح سميعًا بصيرًا
[ ١ / ٧٧٦ ]
عاقلًا واعيًا، فقد أمر الله الملائكة بالسجود لآدم حين ينفخ فيه الروح وتدب فيه الحياة: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ).
وأخبرنا بالمكان الذي خلق فيه وهو الجنة: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ)، وبمجرد أن تم خلقه أخذ يتكلم ويفقه ما يقال له، ففي القرآن: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ).
وفي حديث آخر قال رسول الله ﷺ: «لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح عطس، فقال: الحمد لله، فحمد الله بإذنه، فقال له ربه: يرحمك الله يا آدم، اذهب إلى أولئك النفر من الملائكة - إلى ملأ منهم جلوس - فقل: السلام عليكم. قالوا: عليك السلام ورحمة الله ».
هذا هو الإنسان الأول؛ هو آدم ﵇، وهو أبو الناس كافة، بل إن المرأة خلقت منه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا).
ولم يكن خلق الإنسان ناقصًا ثم اكتمل، كما يقول أصحاب نظرية التطور؛
[ ١ / ٧٧٧ ]
بل كان كاملًا ثم أخذ يتناقص الخلق، ففي الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة ﵁ قال: «خلق الله آدم ﵇، وطوله ستون ذراعًا).
ولذلك، فالمؤمنون يدخلون الجنة مكتملين على صورة آدم.
هذه لمحة مما حكاه القرآن وبيَّنه عن خلق الإنسان الأول، لم أستقص النصوص من الكتاب والسنة في ذلك، وإلا فالقول في ذلك واسع طويل، وهو يعطي صورة واضحة لأصل الإنسان ليس فيها أي غموض، وهذا الذي بيَّنه الإسلام أصل كريم يعتز الإنسان بالنسبة إليه، أما ذلك الإنسان الذي يصوره داروين - ذلك القرد الذي ترقى عن فأر أو صرصور - فإنه أصل يخجل الإنسان من الانتساب إليه.
الفرع الرابع: شرك تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه في العلمانية:
وذلك؛ لأن (بعض العلمانيين - الملحدين منهم - ينكرون وجود الله أصلًا). وقبل أن أذكر آراءهم لابد من بيان إجمالي عن العلمانية ونشأتها، وأنواع العلمنة، وأنواع الشرك فيها
التعريف بالعلمانية:
لفظ العلمانية ترجمة خاطئة لكلمة (secularism) في الإنجليزية، أو (secularite) بالفرنسية.
[ ١ / ٧٧٨ ]
وهي كلمة لا صلة لها بلفظ العلم ومشتقاته على الإطلاق. فالعلم في الإنجليزية والفرنسية معناه (science)، والمذهب العلمي نطلق عليه كلمة (scientism) وبالنسبة إلى العلم بالإنجليزية (scientific)، وبالفرنسية (scientifique). ثم لو كان - فرضًا - إن هذه الكلمة منسوبة إلى العلم قبل في النسبة إليها: علمي، وليس علماني، إلا إذا قيل: إن زيادة الألف والنون وإن كانت غير قياسية في اللغة العربية - أي في الاسم المنسوب - إلا أنها جاءت سماعًا، ثم كثرت في كلام المتأخرين كقولهم: (روحاني، جسماني، ونوراني)، فالترجمة الصحيحة للكلمة: أنها تعني في اللغة.
١ - دنيوي أو مادي.
٢ - ليس بديني أو ليس بروحاني.
٣ - ليس بمترهب، ليس برهباني.
أما معنى هذه الكلمة فيما اصطلحوا عليه فقد ذكروا عدة عبارات، منها:
١ - هي النظرية التي تقول: إنه لا ينبغي أن يكون الدين أساسًا للأخلاق والتربية.
٢ - جاء في دائرة المعارف البريطانية: (أنها حركة اجتماعية، تهدف إلى نقل الناس من العناية بالآخرة إلى العناية بالدار الدنيا فحسب وظل
[ ١ / ٧٧٩ ]
الاتجاه إلى (secularism) يتطور باستمرار خلال التاريخ الحديث كله، باعتبارها حركة مضادة للدين ).
ودائرة المعارف البريطانية حينما تحدث عن العلمانية تحدثت عنها ضمن حديثها عن الإلحاد، وقد قسمت دائرة المعارف الإلحاد إلى قسمين:
أ- إلحاد نظري.
ب- إلحاد علمي. وجعلت العلمانية ضمن الإلحاد العلمي.
ولهذا لو قيل عن هذه الكلمة (العلمانية) إنها (اللادينية)، لكان أدق تعبيرًا وأصدق، أو يقال: (الدنيوية)، لا بمعنى ما يقابل الأخروية فحسب، بل بمعنى أخص: هو ما لا صلة له بالدين، أو ما كانت علاقته بالدين علاقة تضاد.
والتغيير الشائع في الكتب الإسلامية هو (فصل الدين عن الدولة)، وهو في الحقيقة لا يعطي المدلول الكامل للعلمانية الذي ينطبق على الأفراد والسلوك الذي قد لا يكون له صلة بالدولة، ولو قيل: إنها (فصل الدين عن الحياة) لكان أصوب. ولذلك فإن المدلول الصحيح العلمانية هو: (إقامة الحياة على غير الدين).
والخلاصة: أن العلمانية مذهب من المذاهب الشركية التي ترمي إلى عزل الدين عن التأثير في الحياة الدنيا، فهو مذهب يعمل على قيام الدنيا في جميع النواحي: السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والأخلاقية، والقانونية، وغيرها بعيدًا عن أوامر الدين ونواهيه.
نشأتها:
كان الغرب النصراني في ظروفه الدينية المتردية هو البيئة الصالحة،
[ ١ / ٧٨٠ ]
والتربة الخصة، التي نبتت فيها شجرة العلمانية وترعرعت، وقد كانت فرنسا بعد ثورتها المشهور هي أول دولة تقيم نظامها على أساس الفكر العلماني، ولم يكن هذا الذي حدث من ظهور الفكر العلماني والتقيد به - بما يتضمنه من إلحاد، وإبعاد للدين عن كافة مجالات الحياة، بالإضافة إلى بغض الدين ومعاداته، ومعاداة أهله - أقول: لم يكن هذا حدثًا غريبًا في بابه؛ ذلك لأن الدين عندهم حينئذ لم يكن بمثل وحي الله الخالص الذي أوحاه إلى عبده ورسوله المسيح عيسى ابن مريم ﵇، وإنما تدخلت فيه أيدي التحريف والتزييف، فبدلت وغيرت، وأضافت وحذفت، فكان من نتيجة ذلك أن تعارض الدين المبدل مع مصالح الناس في دنياهم، ومعاملاتهم، في الوقت نفسه الذي تعارض مع حقائق العلم الثابتة، ولم تكتف الكنيسة - الممثلة للدين عندهم - بما عملته أيدي قسيسيها ورهبانها من التحريف والتبديل، حتى جعلت ذلك دينًا يجب الالتزام والتقيد به، وحاكمت إليه العلماء المكتشفين والمخترعين، وعاقبتهم على اكتشافاتهم العلمية المناقضة للدين المبدل، فاتهمتهم بالزندقة والإلحاد، فقتلت من قتلت، وحرقت من حرقت، وسجنت من سجنت.
ومن جانب آخر فإن الكنيسة - الممثلة للدين عند النصارى - أقامت تحالفًا غير شريف مع الحكام الظالمين، وأسبغت عليهم هالات التقديس والعصمة، وسوغت لهم كل ما يأتون به من جرائم وفظائع في حق شعوبهم، زاعمة أن هو الدين الذي ينبغي على الجميع الرضوخ له والرضا به.
من هنا بدأ الناس هناك يبحثون عن مهرب بهم من سجن الكنيسة ومن
[ ١ / ٧٨١ ]
طغيانها، ولم يكن مخرجهم الذي اختاروه إذ ذاك إلا الخروج على ذلك الدين - الذي يحارب العلم ويناصر المجرمين - والتمرد عليه وإبعاده، وطرده من كافة جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والعلمية والأخلاقية وغيرها.
وعلى ذلك، فالعلمانية هي ذلك اللفظ الخادع الذي استخدم بدلًا من عبارة اللادينية والتي تعتبر أصل الحركة التي ظهرت في أوروبا في القرن التاسع عشر الميلادي لتعبر عن وجهة نظر المنكرين لوجود الله أو الذين يفصلون بين وجود الله وتأثيره في الحياة، فعلى فرض أن الحركة لم تنكر الدين من أساسه وإنما تعزله عن المجتمع وتدع الفرد يباشر عبادته في نطاق حياته الفردية، فإن فكرة بهذه الصورة فكرة لا دينية، والمجتمع الذي يتبناها مجتمع لا ديني، لأن المجتمع الذي يلجأ إلى التخلص من الدين بعزله عن تيار الحياة وحركتها وحبسه داخل جدران الكنيسة إنما هو مجتمع لا ديني، وإن ادعى غير ذلك.
صور العلمانية:
إن للعلمانية صورتين، كل صورة منها أقبح من الأخرى:
الصورة الأولى: العلمانية الملحدة: وهي التي تنكر الدين كلية، وتنكر وجود الله الخالق البارئ المصور، ولا تعترف بشيء من ذلك، بل وتحارب وتعادي من يدعو إلى مجرد الإيمان بوجود الله، وهذه العلمانية على فجورها ووقاحتها في التبجح بكفرها إلا أن الحكم عليها أمر ظاهر ميسور لكافة المسلمين، لا ينطلي - بحمد الله - أمرها على المسلمين، ولا يقبل عليها من المسلمين إلا رجل يريد أن يفارق دينه. وخطر هذه الصورة من العلمانية من
[ ١ / ٧٨٢ ]
حيث التلبيس على عوام المسلمين خطر ضعيف، وإن كان لها خطر عظيم من حيث محاربة الدين ومعاداة المؤمنين وحربهم وإيذائهم بالتعذيب أو السجن أو القتل.
وأصحاب هذه العلمانية لا ينادون إلى نيل بغيتهم مباشرة؛ لأنهم يعرفون أن أغلب الناس يرفضون، ولهذا تراهم دائمًا يتسترون بإحدى الستائر المعروفة من الشيوعية أو الاشتراكية أو الداروينية، أو الفرويدية أو القومية أو الوطنية مثلًا، فهذه الستائر ما هي إلا صور حية واقعية للعلمانية الملحدة.
لأن العلمانية الملحدة ليست لديها من الأدلة التي تستطيع من خلالها أن تقنع المخالف لها، فلهذا هي دائمًا تتستر بإحدى النظريات المذكورة، لأن هذه النظريات يرى واضعوها ومؤيدوها ومناصروها أن لها أدلة علمية ثابتة، وإن كانت ما هي إلا سراب يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا.
فهذه العلمانية الملحدة هي المقصودة عندنا في هذا الباب، لأنها شرك في الربوبية بتعطيل المصنوع عن صانعه والمخلوق عن خالقه، وهؤلاء ليست لهم شبهة خاصة بهم إلا ما هو موجود عند الشيوعية المادية والداروينية التطورية، وقد سبق الرد عليها مفصلًا، فلينظر إليه.
الصورة الثانية: العلمانية غير الملحدة: وهي علمانية لا تنكر وجود الله
[ ١ / ٧٨٣ ]
وتؤمن به إيمانًا نظريًا، لكنها تنكر تدخل الدين في شئون الدنيا، وتنادي بعزل الدين عن الدنيا والحياة، وهذه الصورة أشد خطرًا من الصورة السابقة من حيث الإضلال والتلبيس على عوام المسلمين، فعدم إنكارها لوجود الله، وعدم ظهور محاربتها للدين يغطي على أكثر عوام المسلمين حقيقة هذه الدعوة الفكرية، فلا يتبينون ما فيها من الكفر لقلة علمهم ومعرفتهم الصحيحة بالدين، ولذلك تجد أكثر الأنظمة الحاكمة اليوم في بلاد المسلمين أنظمة علمانية، والكثرة الكاثرة والجمهور الأعظم من المسلمين لا يعرفون حقيقة ذلك. وسيأتي تفصيل البيان في حكم هذه الصورة وشبهها فيما بعد.
والمقصود هنا: بيان كون العلمانية الملحدة من الشرك بالله في الربوبية بتعطيل المصنوع عن الصانع والمخلوق عن الخالق.
الفرع الخامس: شرك تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه في القومية:
القومية: مصدر صناعي، ونسبتها إلى قوم، وقوم الرجل: شيعته وعشيرته. ولفظ قوم ورد في القرآن الكريم والسنة المطهرة مطلقًا ومقيدًا، وسمي القوم قومًا؛ لأنهم في الأصل يقومون بمهام الأمور ويقيمونها بما يقوم به وتصلح عليه بمشيئة الله.
وأما المقصود بالقومية: فاختلف دعاتها على أقوال:
[ ١ / ٧٨٤ ]
منهم من يقول: هي مجرد انتساب إلى جنس معين. أو هي نتيجة التكلم بلغة واحدة، أو هي آثار من آثار وحدة الأرض والوطن والولاء للدولة القومية، أو هي نتيجة الرغبة في التعايش الاقتصادي المشترك.
أو هي: ارتباط الفرد بجماعة من الناس تعرف باسم الأمة والحرص على مصالح هذه الجماعة والعمل من أجلها.
أو هي: شعور أبناء الأمة الواحدة بأن ثمة ما يجمعهم ليكونوا أمة واحدة وما يميزهم عن غيرهم من الأمم الأخرى، سواء أكانت هذه المميزات حضارية أو تاريخية أو اقتصادية أو سياسية.
فيظهر لنا: أن عناصر القومية هي:
١ - وحدة الأصل والعِرق.
٢ - وحدة اللغة.
٣ - وحدة التاريخ.
٤ - وحدة الثقافة.
٥ - المصالح المشتركة.
٦ - وحدة المشاعر حول آلام الماضي وآمال المستقبل.
ويصرون على حذف وحدة الدين، بل هذا في مقدمة ما يحذفونه من عناصر؛ لأن الهدف من إنشاء فكرة القومية الحديثة مقاومة الدين، وعزله عن السياسة والمجتمع.
[ ١ / ٧٨٥ ]
نشأتها:
ليس هناك تاريخ محدد لظهور الحركة القومية، ويتفق المؤرخون: أن شعار (القومية) شعار معاصر، ظهر في أوروبا منذ أوائل القرن التاسع عشر الميلادي. وكان ظهور القومية في أوروبا بديلًا للرابط الديني، في أعقاب سيادة الاتجاه الألماني، وضعف الرابط الديني شعبيًا، وبتره سياسيًا بترًا كليًا.
لقد كان لابد من بديل للرابط الديني الذي كان أقوى في أوروبا من الرابط القومي أما وقد تقطع الرابط بسيادة الاتجاه الألماني فإن البديل التلقائي هو ظهور الرابط القومي؛ لأن له في النفس الإنسانية دوافع فطرية ومصلحية.
وكان بعد ذلك حركة الإصلاح التي قام بها لوتر؛ فقد فقدت النصرانية سلطانها على النفوس، وتحولت دول أوروبا إلى شتات من البشر لا تربط بينها رابطة، فلجأت إلى طريق القوميات كوسيلة تربط بها بين شعوبها وتجمع بها الشتات الضائع، فجمعت نفسها في قوميات عدة: كقومية ألمانية، وفرنسا والنمسا، وغيرها.
ثم أقبل القرن العشرون الميلادي وقامت فيه حربان عالميتان كبيرتان، دمرتا دمارًا عظيمًا، وأهلكتا الحرث والنسل، وكانت دوافعهما قومية، على مستوى الشعور الجماهيري العام، إذ انفجرت القومية في ألمانيا وإيطاليا، وكان لها ظهور قومي في فرنسا وبريطاني وغيرها.
ثم خبت وقدة النزعات القومية لما أحست الشعوب الغربية بلعنتها،
[ ١ / ٧٨٦ ]
واتجه العالم الغربي إلى نزعات غير قومية، ضمن الاتجاه العلماني اللاديني، فمنها ما اتجه شطر الالتقاء على المصالح المشتركة الاقتصادية أو السياسية أو الدفاعية، ومنها ما كان لقاءً على وحدة فكرية عالمية، غير ذات حدود إقليمية أو وطنية أو قومية. ولم يكن باستطاعتهم أن يجتمعوا على دين؛ لأنهم قد أسقطوا الدين من عقائدهم ومن روابطهم السياسية، ومعظم روابطهم الاجتماعية، وبقايا الدين فيهم أمست شخصية.
ولما أذنت شمس القومية تتجه إلى الغروب في أوروبا والعالم الغربي كله، بدأت تظهر في بعض شعوب العالم الإسلامي، بمكايد مدبرة، من أبرزها:
القومية العربية، والقومية الطورانية، والقومية الكردية، والقومية الفارسية، وغيرها، بل أغلب شعوب العالم الإسلامي في العصر الحالي اتجهت إلى هذه الدعوة الخبيثة الهدامة، وغيرت حدود أوطان على الخارطة السياسية.
فالقومية التي سبق إيرادها ليست بمعنى الرابطة التي يرتبط فيها الإنسان بقومه ووطنه، فتلك من فطر البشرية المركوزة في جبلة الإنسان، وليست بمعنى محبة الإنسان لوطنه وأمته وسعيه في سبيل تقدمها وازدهارها والعمل على أن تكون كرامتها مصونة وحصونها محمية. وإنما القومية المقصودة هنا: هي التي فرغها دعاتها من كل معنى إسلامي وأطلقوها قومية علمانية، والتي عزلت القوم عن الإسلام واستبدلت بعقيدته ورابطته عقيدة وروابط أخرى هي التي غالى فيها دعاتها ورفعوها إلى مقام الربوبية أحيانًا وإلى مقام التقديس والعبادة في حين آخر، وضمنوها محتوي فكريًا بعيدًا عن دين هذه الأمة، مقطوع الصلة عن أعظم نبي عرفه التاريخ.
[ ١ / ٧٨٧ ]
حكم القومية في الإسلام:
هذه القومية الملعونة هي (دعوة باطلة، وخطأ عظيم، ومنكر ظاهر، وجاهلية نكراء، وكيد سافر للإسلام وأهله ). يقول الأستاذ تقي الدين الهلالي في حديث له عن القومية: (كل من دعا إلى رابطة نسبية، أو وطنية مذهبية، وتعصب لها وجعلها أصلًا في الموالاة والمعاداة والتناصر والتخاذل، فقد خرج عما جاء به رسول الله ﷺ ودعا بدعوى الجاهلية وضيع حقوقا لأخوة الإسلامية، واتبع سنة هتلر، وموسوليني، واستالين، وتشرشيل، وآيزنهاور).
وكان من توصيات المؤتمر العالمي للدعوة وإعداد الدعاة، المنعقد في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة: ٢٤ - ٢٩/ ٢/١٣٩٧ هـ. اعتبار القومية (من الدعوات والاتجاهات المضادة للإسلام، كالباطنية والبهائية والقاديانية والتبشير والماسونية، واليهودية العالمية، والإباحية والوجودية).
فما هو السبب في اعتبارها ضمن الدعوات المضادة للإسلام؟ لقد كشف الدكتور صالح بن عبد الله العبود النقاب عن هذا السؤال فأخبر في رسالته (فكرة القومية العربية) بأنها شرك في الربوبية وشرك في الألوهية معًا؛ أما كونها شركًا في الألوهية والعبادة فسيأتي بيانه عند استعراض شرك العصر الحديث في الألوهية والعبادة. وهنا يكتفي ببيان كونها شركًا في الربوبية.
[ ١ / ٧٨٨ ]
الدعوى إلى القومية شرك بالله في الربوبية:
يقول الدكتور صالح بن عبد الله العبود - حفظه الله - في كتابه المذكور مبينًا كونها من الشرك في الربوبية: (إن الاعتقاد بأن القومية ذات قوة رابطة فعالة موحدة - كما هو المبدأ الأوروبي في القومية - سواء جعل محور هذه الرابطة الوطن أو اللغة أو التاريخ أو الجنس أو هي مجتمعة أو بعضها أو أي شيء من دون الله اعتقاد باطل.
وقول القوميين: بأن اللغة حياة الأمة وروحها، إذا فقدت الأمة لغتها فقدت حياتها وروحها، وبأن التاريخ خلاق، وهو ذاكرة الأمة وشعورها، إذا فقدت تاريخها فقدت خلاقيتها وذاكرتها وشعورها، وهما مع الوطن والجنس ونحو ذلك عوامل مكونة للأمة، وروابط تربط أبناءها برابطة ذات قوة لا حتمية، وأن ذلك اعتقاد كل متنور، كل ذلك القول أو بعضه، وما أشبهه شرك في ربوبية الله تعالى أغلظ من شرك العرب في الجاهلية، الذين يتوجه إليهم الخطاب؛ لأن أولئك كانوا يقرون باختصاص الله بالخلق والإيجاد والإحياء والإماتة والرزق والتدبير، إنما نسبوا إلى معبوداتهم أنها تقربهم إلى الله زلفى وتشفع لهم عند الله، ولا قالوا في الطبيعة ما قاله القوميون، بل يعلمون أنها مطبوعة مخلوقة لها طابع خالق، وإنما أنكر بعضهم البعث بعد الموت ولكن القوميين بقولهم ذلك في الطبيعة والقومية في درك من الجهل والسفه أدنى من كل الناس وفي غفلة وإعراض عن توحيد الربوبية المقرر فيها
وأنى للقوميين مع عدم معرفتهم لتوحيد [هم] الله بأفعاله ضرورة،
[ ١ / ٧٨٩ ]
ونسبتهم ذلك إلى العوامل الأخرى، وأن هذا التكوين الذي أقروا به يظنونه لها، أو أنهم عرفوا الحق لكن جحدوا سياسةً واصطيادًا للرغبة، أنى لهم مع هذا أن يلتزموا بتوحيد الله بأفعالهم التعبدية وأن يقيموا أعمالهم على سنة رسول الله ﷺ؟ ولذا مالوا إلى الماركسية الملحدة، وقالوا بالاشتراكية المبيحة، وعملوا بالثورة الفوضوية، ونادوا بالحرية الفاسدة، لتبرير مفاسدهم).
فدعاة القومية في حقيقة أمرهم مشركون بالله في الربوبية بالتعطل؛ لأن من أفكارهم ومعتقداتهم: (تحرير الإنسان من الخرافات والغيبيات والأديان) كما يزعمون.
فهذا استعراض مجمل لأبرز المشركين بالله في الربوبية بتعطيل المصنوع عن صانعه، وقد أعرضت صفحًا عن كثير من الملحدين المعطلين للمصنوع عن الصانع؛ وذلك لعدم وجود أي شبهة لديهم في تعطيلهم، ولعدم وجود المقتضي لقبول هذه الأديان والمذاهب الهدامة لأي أحد، بل هي في سبيلها إلى الزوال والفناء، ولعدم فتح أصحاب هذه الأديان والمذاهب أبوابهم لأحد في مجتمعاتهم.
المطلب الثاني: في بيان مظاهر الشرك في الربوبية بتعطيل الصانع عن كماله المقدس الثابت له:
مدخل: في بيان كون تعطيل الله عن أسمائه وصفاته وأفعاله شركًا.
سبق معنا على العموم بيان كون التعطيل شركًا بالله جل شأنه بذكر نصوص
[ ١ / ٧٩٠ ]
أئمة هذا الشأن، ويمكن أن أذكر ملخص ما مضى بالعبارات التالية.
أولًا: لا خلاف بين المحققين: أن الشرك هو الذي يقابل التوحيد، وإذا قلنا: إن التوحيد له أجزاء ثلاثة: الربوبية، والأسماء والصفات، والألوهية، فإننا قد أثبتنا كل ما يقابل هذه الثلاثة ويضادها بأنه شرك، وهذه المضادة والمقابلة تكون في شيئين:
أ- بتعطيلها.
ب- بإثباته لغيره سبحانه.
أما التعطيل: فيكون بإنكار الربوبية مطلقًا، أو بإنكار كماله المقدس الثابت له، أو بإنكار كليهما معًا، أما الأول: فهو الشرك بالله في الربوبية بتعطيل الله الصانع عن مصنوعه، وقد سبق الكلام عليه في المطلب الأول. وأما الثاني: فهو الشرك بالله في الربوبية والأسماء والصفات والأفعال بتعطيله عن كماله، وهذا ما سيكون الكلام عليه في هذا المطلب بمشيئة الله. وأما الثالث: فإن الكلام عليه سيكون في المطلب الثالث بمشيئة الله.
وأما إثباتها لغيره سبحانه: فإنه يكون في الذات والصفات والأفعال، وهذا الجانب سيكون الكلام عليه في المبحث الثاني بمشيئة الله.
فعلمنا: أن التعطيل يكون شركًا بالله في الربوبية وفي الأسماء والصفات والأفعال من حيث كون الربوبية والأسماء والصفات والأفعال من أجزاء التوحيد.
ثانيًا: إن العبد لا يخلو عن العبادة مطلقًا، فإنه فقير بذاته، وهو حارث وهمام، والفقر يحوجه إلى من يغنيه عن هذا الفقر، فإذا عطل المصنوع عن
[ ١ / ٧٩١ ]
صانعه، أو عطله عن أسمائه وصفاته وأفعاله، أو عطل كليهما، فإنه لابد أن يطلب من الآخر ما يسد به حاجاته - شاء أم أبى ـ، ومن طلب منه سد الحاجات، يكون قد جعله ربًا له.
مثال ذلك؛ أن من أنكر أن يكون له رب أو خالق، فإنه لابد أن يعيش في هذا الكون، والعيش لا يكون بلا مواجهة المشاكل والمتاعب، فالمنكر للربوبية لا يخلو في التخلص عن هذه المتاعب والمشاكل عن حالين: إما أن يقول: إني سيد نفسي، أستطيع أن أتخلص عن هذه المشاكل بنفسي بدون تدخل من أحد، فإنه حينئذ يكون كاذبًا لا محالة. وإما أن يقول: إن فلانًا أو نظامًا معينًا سيحل لي المشاكل كلها، فإنه حينئذ أقام الشخص الفلاني أو النظام الفلاني في مقام الربوبية - وإن لم يصرح به، ولم يعترف به ـ.
وهكذا الأمر فيمن أنكر أسماء الله وصفاته وأفعاله الذي هو عدله وحكمته، فإنه يكون قد أثبت هذه الأسماء والصفات والأفعال لغيره سبحانه وإن أنكر وادعى غير ذلك، وذلك؛ أن أسماء الله وصفاته وأفعاله كلها من لوازم ذاته، ومن مستلزمات العباد، فكون هذه الأسماء والصفات والأفعال ثابتة له تعني أن العباد محتاجون إلى دعائه بهذه الأسماء، ومحتاجون لمعرفة هذه الصفات، ومحتاجون إلى هذا الأفعال. فوجود هذه الأسماء والصفات والأفعال لدى الرب تقتضي أن يكون العبد محتاجًا إلى العبودية بها، ولهذا يقول الإمام ابن القيم: (والأسماء الحسنى والصفات العُلى مقتضية لآثارها من العبودية والأمر اقتضاءها لآثارها من الخلق والتكوين، فلكل صفة عبودية خاصة هي من موجباتها ومقتضياتها؛ أعني من موجبات العلم بها والتحقق بمعرفتها، وهذا مطرد في جميع أنواع العبودية التي على القلب والجوارح.
[ ١ / ٧٩٢ ]
فعلم العبد بتفرد الرب تعالى بالضر والنفع والعطاء والمنع والخلق والرزق والإحياء والإماتة يثمر له عبودية التوكل عليه باطنًا، ولوازم التوكل وثمراته ظاهرًا.
وعلمه بسمعه تعالى وبصره، وعلمه، وأنه لا يخفى عليه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، وأنه يعلم السر وأخفى ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور - يثمر له حفظ لسانه وجوارحه وخطرات قلبه عن كل ما لا يرضي الله - وأن يجعل تعلق هذه الأعضاء بما يحبه الله ويرضاه، فيثمر له ذلك الحياء باطنًا ويثمر له الحياء اجتناب المحرمات والقبائح. ومعرفته بغناه وجوده وكرمه وبره وإحسانه ورحمته توجب له سعة الرجاء وتثمر له ذلك في أنواع العبودية الظاهرة والباطنة بحسب معرفته وعلمه.
وكذلك معرفته بجلال الله وعظمته وعزه تثمر له الخضوع والاستكانة والمحبة، تثمر له تلك الأحوال الباطنة أنواعًا من العبودية الظاهرة هي موجباتها.
وكذلك علمه بكماله وجماله وصفاته العلى يوجب له محبة خاصة بمنزلة أنواع العبودية، فرجعت العبودية كلها إلى مقتضى الأسماء والصفات، وارتبطت بها ارتباط الخلق بها، فخلقه سبحانه وأمره هو موجب أسمائه وصفاته في العالم وآثارها ومقتضاها).
وقال في موضع آخر: (فأسماؤه الحسنى اقتضت ما اقتضته من التخلية بين العبد وبين الذنب، فإنه الغفار التواب العفو الحليم، وهذه أسماء تطلب آثارها وموجباتها ولابد).
[ ١ / ٧٩٣ ]
وقال أيضًا: (أنه سبحانه له الأسماء الحسنى، ولكل اسم من أسمائه أثر من الآثار في الخلق والأمر، لابد من ترتبه عليه؛ كترتب المرزوق والرزق على الرازق، وترتب المرحوم وأسباب الرحمة على الراحم، وترتب المرئيات والمسموعات على السميع والبصير ونظائر ذلك في جميع الأسماء فإن هذه الأمور متعلقة بالغير، ومعانيها مستلزمة لمتعلقاتها، وهذا باب أوسع من أن يدرك، واللبيب يكتفي منه باليسير، وغليظ الحجاب في واد ونحن في واد).
والمقصود من نقل كلام ابن القيم: بيان كون الله ﷿ لم يسمّ بهذه الأسماء ولم يتصف بهذه الصفات ولم يفعل أفعاله إلا لأن العباد محتاجون إليها لا محالة، ولا يستغنون أبدًا عن العبودية بها، بل كونه عبدًا يلزم أن يكون معبوده معه هذه الأشياء، وإلا لا فائدة في وجود هذه الأشياء لدى المعبود، فأسماء الله وصفاته وأفعاله تستلزم أن يكون وجودها ضروريًا للعباد، وإلا لا يمكن أن يعيش العبد مطلقًا، فإذا أنكر العبد هذه الأشياء للرب الحق فإنه لابد وأن يحتاج إلى هذه الأشياء ويصرفها إلى غير الحق سبحانه، وبهذا يقع في الشرك بالله جل شأنه. وإن كان هو ينكر ذلك عنادًا وتكبرًا.
فإذا كان هذا فيمن أنكر أسماءه وصفاته وأفعاله، فيقاس عليه من أنكر وعطل حقيقة ذاته ووجوده، وأنكر وعطل جميع أسماءه وصفاته.
فعرفنا بهذا البيان: كيف دخل المعطل في الشرك بالله، سواء كان معطلًا للمصنوع عن الصانع، أو كان معطلًا لكماله، أو كان معطلًا لكليهما، فإذا
[ ١ / ٧٩٤ ]
علمنا هذا فلنبدأ بمقصودنا، وهو بيان شرك التعطيل بتعطيل كماله الصانع المقدس له سبحانه. فأقول:
إن هؤلاء على صنفين:
الصنف الأول: المشركون بالله في الربوبية بتعطيل الأسماء والصفات:
لقد وجدت في هذه الأمة عدة فرق، أشركت بالله جل شأنه بتعطيله عن أسمائه وصفاته، وبيان هذه الفرق وأقوالها، وشبهاتها، مع الردود عليها في الفروع التالية:
الفرع الأول: الجهمية:
وذلك؛ أن مذهبهم في التوحيد هو إنكار جميع الأسماء والصفات لله جل وعلا، ويجعلون أسماء بالله من باب المجاز. قال الأشعري: (إنه - أي الجهم - كان يقول: لا أقول إن الله سبحانه شيء؛ لأن ذلك تشبيه له بالأشياء). وقال الشهرستاني: (الجهمية: أصحاب جهم وافق المعتزلة في نفي الصفات الأزلية وزاد عليهم بأشياء، منها: قوله: لا يجوز أن يوصف الباري تعالى بصفة يوصف بها خلقه؛ لأن ذلك يقتضي تشبيهًا، فنفي كونه حيًا عالمًا، وأثبت كونه قادرًا فاعلًا خالقًا؛ لأنه لا يوصف شيء من خلقه بالقدرة والفعل والخلق. ومنها إثباته علومًا حادثة للباري تعالى لا في محل، قال: لا يجوز أن يعلم الشيء قبل خلقه؛ لأنه لو علم ثم خلق أفبقي علمه على ما كان، أو لم يبق؟ فإن بقي فهو جهل، فإن العلم بأن سيوجد غير العلم بأن قد وجد، وإن لم
[ ١ / ٧٩٥ ]
يبق فقد تغير، والمتغير مخلوق ليس بقديم، وإذا ثبت حدوث العلم فليس يخلو إمّا أن يحدث في ذاته تعالى، وذلك يؤدي إلى التغير في ذاته وأن يكون محلًا للحوادث، وإمّا أن يحدث في محل، فيكون المحل موصوفًا به لا الباري تعالى، فتعين أنه لا محل له. فأثبت علومًا حادثة بعدد المعلومات الموجودة).
فهؤلاء الجهمية أنكروا أسماء الله وصفاته واستندوا في إنكارها إلى أشياء زعموها أدلة عقلية، وهي:
١ - أن إثباتها يستلزم التشبيه.
٢ - أن إثباتها يستلزم الجسم لله.
٣ - أن إثباتها يستلزم أن يكون الله محلًا للحوادث.
فهذا مجمل شبهاتهم في وقوعهم في شرك التعطيل. وقد تأثر بهم المعتزلة، وذلك؛ لأنهم جهمية في باب الصفات، إذ كل من أنكر الصفات أوبعضها فهو جهمي، كلٌ بقدر ما وافق فيه الجهم من مذهبه، ولهذا نرى شيخ الإسلام ابن تيمية قسم الجهمية إلى ثلاث درجات:
الدرجة الأولى: وهم الجهمية الغالية النافون لأسماء الله وصفاته. وإن سمّوه بشيء من الأسماء الحسنى قالوا: هو مجاز.
الدرجة الثانية من الجهمية: وهم المعتزلة، ونحوهم، والذين يقرون بأسماء الله الحسنى في الجملة لكن ينفون صفاته.
الدرجة الثالثة: وهم قسم من الصفاتية المثبتين المخالفين للجهمية، ولكن فيهم نوع من التجهم، وهم الذين يقرون بأسماء الله وصفاته في الجملة،
[ ١ / ٧٩٦ ]
ولكنهم يردون طائفة من الصفات الخبرية وغير الخبرية ويؤولونها.
ومنهم من يقر بصفاته الخبرية الواردة في القرآن دون الحديث، كما عليه كثير من أهل الكلام والفقه وطائفة من أهل الحديث، ومنهم من يقر بالصفات الواردة في الأخبار أيضًا في الجملة، لكن مع نفي وتعطيل لبعض ما ثبت بالنصوص وبالمعقول، وذلك كأبي محمد بن كلاب ومن اتبعه، وفي هذا القسم يدخل أبو الحسن الأشعري وطوائف من أهل الفقه والكلام والحديث والتصوف، وهؤلاء إلى السنة المحضة أقرب منهم إلى الجهمية والرافضة والخوارج والقدرية، لكن انتسب إليهم طائفة هم إلى الجهمية أقرب منهم إلى أهل السنة المحضة.
والمقصود: بيان كون الجهمية من المشركين بالله بتعطيل أسمائه وصفاته، وهؤلاء وإن لم يكن لهم وجود بهذا الاسم في الحاضر، إلا أن هناك طوائف قد أخذت أقوالهم وشبهاتهم، كالمعتزلة العصريون - وهم بعض العقلانيين - والقاديانيون، وغيرهم.
الآثار المترتبة على أقوال الجهمية:
إن الذي يدقق النظر في مقالة الجهمية يعلم أنها تفضي إلى إنكار الخالق، ولذا رأى علماء أهل السنة؛ أن الذين ابتدعوا هذه المقالة هم من الزنادقة الذين ينكرون الخالق ويجحدونه، ولكنهم تستروا وراء فلسفات ونظريات ضالة توصل إلى مرادهم، وتخفي قصودهم على خصومهم.
فالذين يجحدون صفات الخالق قولهم كقول فرعون ونمرود الذين
[ ١ / ٧٩٧ ]
يجحدون الخالق؛ لأن الذي لا صفات له لا وجود له، ولا تمكن معرفته.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (رؤساء الرافضة والجهمية كانوا زنادقة؛ وأول من ابتدع الرفض كان منافقًا، وكذلك التجهم أصله زندقة ونفاق، ولهذا كان الزنادقة المنافقون من القرامطة الباطنية المتفلسفة وأمثالهم يميلون إلى الرافضة والجهمية لقربهم منهم).
ويقول أيضًا: (المأثور عن السلف والأئمة إطلاق أقوال بتكفير الجهمية المحضة الذين ينكرون الصفات ).
ويقول: (وحقيقة قول الجهمية المعطلة هو قول فرعون، وهو جحد الخالق، وتعطيل كلامه ودينه، كما كان فرعون يفعل، فكان يجحد الخالق ﷻ، ويقول: (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي) وكان ينكر أن يكون الله كلم موسى، أو يكون لموسى إله فوق السموات، ويريد أن يبطل عبادة الله وطاعته، ويكون هو المعبود المطاع. فلما كان قول الجهمية المعطلة يؤول إلى قول فرعون كان منتهى قولهم إنكار رب العالمين وإنكار عبادته، وإنكار كلامه، حتى ظهروا بدعوى التحقيق والتوحيد والعرفان، فصاروا يقولون: العالم هو الله، والوجود واحد، والموجود القديم الأزلي هو الموجود المحدث المخلوق، والرب هو العبد، ما ثم رب وعبد، وخالق ومخلوق ولهذا صاروا يعيبون على الأنبياء وينقصونهم، ويعيبون على نوح وعلى إبراهيم وغيرهما، ويمدحون فرعون ويجوزون عبادة جميع المخلوقات ).
[ ١ / ٧٩٨ ]
تأثير الجهمية فيمن جاء بعدهم:
قد يظن بعض أهل العلم: أن مقالة الجهمية في نفي الصفات - الدرجة الأولى - قد غاضت وزالت بزوال قالتها ودعاتها، ولكن العالم بالفرق ومقالاتهم يعلم أن كثيرًا من الأصول التي أصّلها الجهمية والتأويلات التي ابتدعوها لم يزل لها وجود على مرّ التاريخ الإسلامي، وقد تبناها وذهب إليها من يدعي أنه من أهل الحق، وحسبنا أن نعلم أن المعتزلة كانت امتدادًا للجهمية وفرعًا من فروعها.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (هذه التأويلات الموجودة - اليوم - مثل التأويلات التي ذكرها أبو بكر بن فورك في كتاب التأويلات، وذكرها أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي في كتابه الذي سمّاه: (تأسيس التقديس)، ويوجد كثير منها في كلام خلق كثير غير هؤلاء، مثل أبي علي الجبائي، وعبد الجبار بن أحمد الهمداني، وأبي الحسين البصري، وأبي الوفاء بن عقيل، وأبي
[ ١ / ٧٩٩ ]
حامد الغزالي وغيرهم، هي بعينها تأويلات بشر المريسي، التي ذكرها في كتابه، وإن كان قد يوجد في كلام بعض هؤلاء ردّ التأويل وإبطاله أيضًا، ولهم كلام حسن في أشياء، فإنما بينت أن عين تأويلاتهم هي عين تأويلات بشر المريسي.
ويدل على ذلك كتاب الردّ الذي صنفه عثمان بن سعيد الدارمي، أحد الأئمة المشاهير في زمان البخاري، حكى فيه هذه التأويلات بأعيانها عن بشر المريسي، بكلام يقتضي أن المريسي أقعد بها، وأعلم بالمنقول والمعقول من هؤلاء المتأخرين الذين اتصلت إليهم من جهته وجهة غيره).
ويقول في موضع آخر: (أخذ هذا المذهب عن الجعد بن درهم، الجهم بن صفوان فأظهره، وناظر عليه، ثم انتقل ذلك إلى المعتزلة أتباع عمرو بن عبيد، وظهر قولهم أثناء خلافة المأمون).
وقال في موضع آخر: (ثم إن المعتزلة الذين اتبعوا عمرو بن عبيد على قوله في القدر والوعيد دخلوا في مذهب جهم، فأثبتوا أسماء الله تعالى، ولم يثبتوا صفاته ).
[ ١ / ٨٠٠ ]
وقال أيضًا: (غلا جهم في النفي، ووافقه على ذلك الباطنية والفلاسفة ونحوهم، والمعتزلة في الصفات دون الأسماء، والكلابية ومن وافقهم في نفي الصفات الاختيارية، والكرامية ونحوهم وافقوه على أصل ذلك، وهو امتناع دوام ما لا يتناهى، وأنه يمتنع أن يكون لم يزل متكلمًا إذا شاء، وفعالًا إذا يشاء، لامتناع حوادث لا أول لها ).
ويقول جمال الدين القاسمي: (قد يظن أن الجهمية أمست أثرًا بعد عين، مع أن المعتزلة فرع منها، وهي في الكثرة تعدّ بالملايين، على أن المتكلمين المتأخرين المنسوبين للأشعري يرجع كثير من مسائلهم إلى مذهب الجهمية كما يدريه المتبحر في فن الكلام).
الفرع الثاني: المعتزلة (الغلاة).
وذلك: لتعطيلهم صفات الله جل وعلا، قال الرازي: (اعلم أن المعتزلة كلهم متفقون على نفي صفات الله تعالى)، قال الشهرستاني: (الذي يعم طائفة المعتزلة من الاعتقاد القول بأن الله تعالى قديم، والقدم أخص وصف ذاته، ونفوا الصفات القديمة أصلًا فقالوا: هو عالم لذاته، قادر لذاته، حي لذاته، لا بعلم وقدرة وحياة، هي صفات قديمة ومعاني قائمة به، لأنه لو شاركته الصفات في القدم الذي هو أخص الوصف لشاركته في الإلهية ).
وقال الأشعري: (أجمعت المعتزلة على أن الله واحد ليس كمثله شيء وهو
[ ١ / ٨٠١ ]
السميع البصير ولا يوصف بشيء من صفات الخلق الدالة على حدوثهم ).
وقال البغدادي: (إن المعتزلة افترقت فيما بينها عشرين فرقة يجمعها كلها في بدعتها أمور: منها: نفيها كلها عن الله ﷿ صفاته الأزلية، وقولها: بأنه ليس لله ﷿ علم، ولا قدرة، ولا حياة، ولا سمع، ولا بصر، ولا صفة أزلية، وزادوا على هذا بقولهم: إن الله تعالى لم يكن له في الأزل اسم ولا صفة)، وقال الأشعري أيضًا: (ونفت المعتزلة صفات رب العالمين).
فهذه نصوص كتب مصنفي الفرق والملل والنحل كلها تدل على أن المعتزلة تنكر صفات الله ﷿ لا تثبتها، وهو نفس المنصوص في كتب القوم أيضًا حيث جاء في كتبهم (الأصل فيه: أن التوحيد في أصل اللغة عبارة. عما به يصير الشيء واحدًا فأما في اصطلاح المتكلمين؛ فهو العلم بأن الله تعالى واحد لا يشاركه غيره فيما يستحق من الصفات نفيًا وإثباتًا على الحد الذي يستحقه والإقرار به)، وقال آخر: (أما بعد: فقد اختلف أهل الصلاة في معنى التوحيد، وإن كانوا قد أجمعوا على انتحال اسمه، فليس يكون كل من انتحل اسم التوحيد موحدًا إذا جعل الواحد ذا أجزاء، وشبهه بشيء ذا أجزاء).
ولأهمية القول بنفي الصفات عند المعتزلة اعتبروه أحد أصولهم الخمسة.
فعلمنا بذلك: أن المعتزلة مع اختلاف فرقهم كلهم متفقون على تعطيل
[ ١ / ٨٠٢ ]
صفات الله ﷿، وبذلك وقعوا في الشرك بتعطيل الله سبحانه عن الكمال المقدس الثابت له.
شبهات المعتزلة في نفي الصفات والرد عليها إجمالًا:
للمعتزلة شبهات كثيرة في هذا الباب، ولكن هذه الشبهات كلها ترجع في الحقيقة إلى ما يلي:
الأولى: وهي أكبرها، وإليها ترجع بقية الشبهات في الحقيقة، وهي: استنادهم إلى ما يسمى بدليل الأعراض وحدوث الأجسام.
الثانية: إن في إثبات الصفات تشبيهًا.
الثالثة: إن في إثبات الصفات تركيبًا.
الرابعة: إن القول بإثبات الصفات يؤدي إلى القول بحلول الحوادث بالله سبحانه، والتغيير في ذاته، والتغيير دليل الحدوث.
مجمل الردود على هذه الشبهة:
إن هؤلاء عندما قالوا: إن إثبات الأسماء والصفات يستلزم التشبيه أو
[ ١ / ٨٠٣ ]
التركيب، أو التجسيم والأعراض، أو حلول الحوادث بالله سبحانه، استخدموا ألفاظًا وكلمات مجملة كلها تحتوي في طياتها معاني باطلة ومعاني صحيحة، وإنما المشكلة عندهم في إنكار الصفات هو القول بالألفاظ المجملة، بدون تفصيل، وتقديم العقل على النصوص من غير دليل.
فيرد على هؤلاء بالإجمال بأن يقال: إنّ تسميتكم صفات الباري وأسماءه وأفعاله بأن هذا تجسيم أو تركيب أو حوادث تسمية خاطئة ما أنزل الله بها من سلطان، بل هذه من تسميتكم، فلترجعوا إلى مصطلحات القرآن والسنة حتى لا تقعوا في هذه المشاكل.
وجود المعتزلة في الحاضر:
قد يظن بعض أهل العلم أن المعتزلة قد انقرضوا وبادوا، وهذا خطأ، فإنه قد حمل آراءهم ومعتقداتهم كثير من الذين جاءوا من بعدهم، وكثير من المعاصرين، (فشيعة العراق على الإطلاق معتزلة، وكذلك شيعة الأقطار الهندية والشامية والبلاد الفارسية، ومثلهم الزيدية في اليمن، فإنهم على مذهب المعتزلة في الأصول كما هو في العلم الشامخ. وهؤلاء يعدون في المسلمين بالملايين.
وبهذا يعلم أن الجهمية والمعتزلة ليسوا في قلة، فضلًا عن أن يظن أنهم انقرضوا، وأن لا فائدة للمناظرة معهم، وقائل ذلك جاهل بعلم تقويم البلدان ومذاهب أهلها).
[ ١ / ٨٠٤ ]
وأكبر دليل على وجود هؤلاء ظهور العقلانيين في الساحة مع الأفكار التي كانت عند المعتزلة بحذافيرها.
الفرع الثالث: الخوارج:
وذلك لاعتقادهم في توحيد الأسماء والصفات اعتقادات المعتزلة في نفي الصفات.
فإن الخوارج وإن كانوا نصّيين في أغلب معتقداتهم ولكنهم ضلّوا في باب الصفات حتى وقعوا في شرك تعطيل صفات الله - جل وعلا - يقول الإمام الأشعري: (أما التوحيد فإن قول الخوارج فيه كقول المعتزلة). وقد سبق معنا بيان مذهب المعتزلة في التوحيد.
وقد انقرضت جميع فرق الخوارج القديمة ما عدا الإباضية، فلوجود هؤلاء الإباضية في العصر الحاضر سأذكر نبذة عنهم وعن شركهم في توحيد الأسماء والصفات بتعطيل صفات الله جل وعلا كالمعتزلة. وفيما يلي بيان ذلك:
[ ١ / ٨٠٥ ]
التعريف بالإباضية:
هي إحدى الفرق الأربع الكبرى من فرقة الخوارج، سميت بذلك نسبة إلى عبد الله بن إباض أحد بني مرة بن عبيد من بني تميم، يعد من طبقة التابعين، ولم تذكر المصادر الموثوقة تاريخ وفاته وولادته، لكنها تكاد تجمع على أنه عاصر عبد الملك بن مروان الخيفة الأموي المتوفى سنة ٨٦ هـ. وأنه أحد رؤوس الخوارج، وقد أجمعت الإباضية قديمًا وحديثًا على إمامته فيهم، وانتسابهم إليه.
شركهم بالله:
هؤلاء الإباضية وقعوا في شرك تعطيل الصفات كسلفهم الخوارج. يقول الإمام أبو الحسن الأشعري: (الإباضية تخالف المعتزلة في التوحيد في الإرادة فقط).
والصحيح: أن الإباضية انقسموا في صفات الله إلى فريقين:
١ - فريق نفى الصفات نفيًا تامًا خوفًا من التشبيه بزعمهم.
٢ - وفريق منهم يرجعون الصفات إلى الذات، فقالوا: صفات الله هي عين ذاته، وأن الاسم والصفة معنى واحد. قالوا: إن الله عالم بذاته وقادر بذاته وسميع بذاته، فالصفات عندهم عين الذات.
[ ١ / ٨٠٦ ]
وهذا في حقيقته نفي للصفات، ولكنه نفي مغطى بحيلة إرجاعها إلى الذات وعدم مشابهتها لصفات الخلق. وبذلك يخالفون أهل السنة والأشاعرة ويوافقون المعتزلة والشيعة والإمامية.
وهم يشنعون على الذين يثبتون الصفات بأنهم مشبهة كعباد الأوثان، وأن مذهب أهل السنة هو - حسب زعمهم - تأويل الصفات، فاليد: النعمة، والقدرة، والوجه: الذات، ومجيء الله: مجيء أمره لفصل القضاء، لأن إثبات هذه الصفات لله هو عين التشبيه كما يزعمون.
فهؤلاء يؤولون صفات الله الخبرية أيضًا، كاليد والمجيء والنزول، والعين والوجه والنفس، ونحوها، وهم بذلك يخالفون أهل السنة ويوافقون المتكلمين من الأشاعرة والماتريدية والمعتزلة والجهمية.
وجود الخوارج (الإباضية) في العصر الحاضر:
أول ما نشأت الإباضية بصفتها فرقة متميزة في عمان وما حولها وذلك في النصف الثاني من القرن الأول الهجري، بعد سنة ٦٤ هـ، ومنذ ذلك التاريخ وحتى اليوم تعدّ عمان من معاقل الإباضية؛ يحكمها حكام أو سلاطين أو ولاة إباضيون، ولا يزال لهم وجود في حضرموت واليمن، ولإباضية عمان امتداد في الساحل الشرقي للخليج (جهة إيران حاليًا)، والساحل الشرقي لأفريقيا في زنجبار أو تنزانيا كما تسمّى حاليًا، حيث إن سلاطينها إباضيون
[ ١ / ٨٠٧ ]
حتى بعد وجود الاستعمار.
كما توجد الإباضية في المغرب العربي، خصوصًا بعض الأماكن في ليبيا، وجنوب الجزائر، وتونس، وفي واحات الصحراء المغربية، كما أن لهم امتداد فكري وعقدي غرب السودان ومالي وغيرها، ولكنه قليل.
الفرع الرابع: الباطنية:
فرقة لقّبوا بها (لدعواهم أن لظواهر القرآن والأخبار بواطن تجري في الظواهر مجرى اللب من القشر، وأنها بصورها توهم عند الجهال الأغبياء صورًا جلية، وهي عند العقلاء والأذكياء رموز وإشارات إلى حقائق معينة).
فالباطن في لغة القوم قيل معناه: علم السرائر والخفيات، وقيل أيضًا: هو العالم بكل ما بطن، يقال: بطنت الأمر: إذا عرفت باطنه.
والباطني عند القوم: هو المخصص بمعرفة أسرار الأشياء وخواصها، وقيل: هو الرجل الذي يكتم اعتقاده فلا يظهره إلا لمن يثق به، وقيل: هو الذي يحكم بأن لكل ظاهر باطنًا، ولكل تنزيل تأويلًا، وهذه المعاني الثلاثة متقاربة في الحقيقة.
النشأة التأريخية للباطنية:
هناك عدة آراء في الأصل التاريخي للباطنية، فبعضهم يقول: إنه يرجع
[ ١ / ٨٠٨ ]
إلى المجوس، وقيل: إلى الصابئة، وقيل: الإغريق أو اليونان، ولعلّ الراجح - تاريخيًا - أن اليهودية الموتورة التي لا تستطيع الانتقام بحدّ الحسام، لجأت إلى الحيلة والمؤامرة لإيجاد الفرقة بين المسلمين ليضربوا بعضهم ببعض؛ حيث تقدم عبد الله بن سبأ أو ابن السوداء ذلك الحبر اليهودي بإشعال الفتن والاضطرابات التي حاقت المجتمع الإسلامي وذلك عن طريق ابتداع مناهج الباطنية في تأويل الشريعة على نحو يفضي إلى نسخها، والاستعاضة عنها بخليط عجيب من الحكمة، يجمع بين خرافات الفرس ووثنية الإغريق وعقائد اليهود الذي حرفوا دينهم من قبل.
ولهذا لم تلبث أن ظهرت تلك العقائد اليهودية المطعمة بالوثنية الفارسية والإغريقية، بعد صبغها بصبغة إسلامية خادعة، كفكرة النور المحمدي، وعصمة الأئمة ومعجزاتهم، وتقديس الأئمة، والغيبة والرجعة والحلول، وتجسيد الألوهية، والتأويل وغير ذلك من الأفكار والعقائد.
وهذه الأفكار كانت في الحقيقة قبل هذا لدى علماء اليهود لأنهم أولوا التوراة على أسس الأفلاطونية الحديثة، وقالت بها أيضًا طائفة يهودية معروفة. والتي شوهت التوراة وحرفتها عن طريق التأويل وادعت الجمع بين التأويل الباطني وادعاء الكشف عن الغيب وأسرار الحروف وغير ذلك من التلفيق الواضح بين فلسفة
[ ١ / ٨٠٩ ]
الإغريق والأفلاطونية الحديثة ورواسب من عقائد الفرس.
إذن نستطيع أن نقول: إن الباطنية دسيسة يهودية، خليطة بالعقائد الوثنية الإغريقية والفارسية، وغيرهما.
تاريخ ظهور الباطنية في الإسلام:
يرى كثير من العلماء أن الباطنية إنما نشأت كفرقة لها آراؤها الاعتقادية بعد مائتين من الهجرة، في زمن المأمون، وانتشرت في عهد المعتصم.
فرق الباطنية وألوان الشرك فيها:
فيما يلي بيان أهم هذه الفرق ووقوعها في الشرك بالله سبحانه وخروجها من الإسلام.
١ - القرامطة. ٢ - الإسماعيلية. ٣ - النصيرية. ٤ - الدرزية. ٥ - البهائية والبابية. ٦ - الواقفة من الإسماعيلية.
أمّا البهائية والبابية: فسيأتي ذكرهم في الشرك بالله في الربوبية بالأنداد. وأمّا الواقفة: فلا وجود لهم الآن حسب ما أعلم. وبقية الفرق سأستعرض نبذة عنهم مع بيان شركهم بالله جل شأنه، مع العلم أن بعض هذه الفرق اجتمعت لديهم أنواع من الشرك بالله، فربما يتكرر ذكرهم فيما بعد من المباحث والمطالب.
١ - القرامطة:
وهي حركة باطنية هدامة، اعتمدت التنظيم السري العسكري، ظاهرها التشيع لآل البيت والانتساب إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، وحقيقتها الإلحاد والشيوعية والإباحية وهدم الأخلاق والقضاء على الدولة
[ ١ / ٨١٠ ]
الإسلامية، سميت بهذا الاسم نسبة إلى حمدان قرمط بن الأشعث الذي نشرها في سواد الكوفة سنة ٢٧٨ هـ، وكان لهم في تاريخ الإسلام مواقف رهيبة مع المسلمين بالقتل والتشريد للحجاج الأبرياء في مكة وقلع الحجر الأسود وهدم البيت وغيرها. ويقال لهم الإسماعيلية أيضًا.
شركهم بالله جل شأنه:
ينسب إليهم الإلحاد في الله جل شأنه. بأنهم ينفون وجود الله، ويقولون بتأثير الكواكب، هكذا ذكر بعض العلماء، ولكن الذي يظهر: أن هذا الإنكار كان نتيجة اعتقادهم في الصفات حيث وصفوا الله تعالى بصفات سلبية مؤداها إنكار وجود الله.
وقد ذكرهم الإمام ابن القيم من المشركين بالله في الربوبية بالتعطيل بتعطيل أسمائه وصفاته.
إلا أن لديهم ألوانًا أخرى من الشرك تخرجهم عن دين الإسلام جملة وتفصيلًا - كما سيأتي بيانه فيما بعد ـ.
٢ - الإسماعيلية:
وهي الحركة الإسماعيلية الأصلية. وقد مرّت بعدة أدوار:
١ - دور الستر: من موت إسماعيل بن جعفر سنة: ١٤٣ هـ إلى ظهور عبيد الله
[ ١ / ٨١١ ]
المهدي، وقد اختلف في أسماء أئمة هذه الفترة بسبب السرّية.
٢ - بداية الظهور: يبدأ بظهور الدولة الإسماعيلية في اليمن سنة: ٢٦٦ هـ، وامتد نشاطها إلى شمال أفريقيا، واكتسبت شيوخًا كتامة، يلي ذلك ظهور علي بن الفضل الذي ادعى النبوة وأعفى أنصاره من الصوم والصلاة.
٣ - دور الظهور: يبدأ بظهور عبيد الله المهدي الذي كان مقيمًا في سلمية بسوية ثم هرب إلى شمال أفريقيا واعتمد على أنصاره هناك من الكتامين، وأسس أول دولة إسماعيلية في المهدية بأفريقيا (تونس)، واستولى على بعض ضواحي مصر سنة ٢٩٧ هـ، وتتبع بعده الفاطميون إلى أن كان آخرهم المستنصر بالله (أبو تميم) المتوفى سنة ٤٨٧ هـ.
وبوفاته انقسمت الإسماعيلية قسمين: نزارية شرقية، ومستعلية غربية، والسبب في هذا الانقسام أن إمامهم المستنصر قد نص على أن يليه ابنه نزار لأنه الابن الأكبر. ولكن الوزير الأفضل بن بدر الجمالي نحى نزارًا وأعلن إمامه المستعلي، وهو الابن الأصغر، كما أنه في نفس الوقت ابن أخت الوزير. وقام بإلقاء القبض على نزار ووضعه في سجن وسدّ عليه الجدران حتى مات. وبموته تم الانقسام فعليًا في صفوف الإسماعيلية إلى إسماعيلية نزارية وإسماعيلية مستعلية:
أمّا الإسماعيلية المستعلية: فهم حكام مصر من سنة ٤٨٧ إلى سنة ٥٥٥ هـ، حتى أزال الله دولتهم على يدي صلاح الدين الأيوبي.
ومن بقاياهم في العصر الحاضر: البهرة. فهم إسماعيلية مستعلية، يعترفون بالإمام المستعلي ومن بعده الآمر ثم ابنه الطيب، ولذا يسمّون بالطيبية، وهم إسماعيلية الهند واليمن، تركوا السياسة وعملوا بالتجارة
[ ١ / ٨١٢ ]
فوصلوا إلى الهند واختلط بهم الهندوس الذين أسلموا وعرفوا بالبهرة، والبهرة لفظ هندي قديم بمعنى التاجر.
وهم يقولون بوجود أئمة مستورين من نسل الطيب بن الآخر بن المستعلي، لا يعرف عنهم شيء، حتى إن أسماءهم غير معروفة، وعلماء البهرة أنفسهم لا يعرفون. والإمام الحالي المستور عندهم يسمّونه ميرزا طاهر سيف الدين - كما هو مسطور في كتاب الأنساك للبهرة الذين يأتون إلى المدينة - ثم هؤلاء البهرة انقسموا فرقتين:
١ - البهرة الداودية: نسبة إلى الداعي قطب شاه داود: وهم في الهند وباكستان منذ القرن العاشر الهجري، وداعيتهم يقيم في بومباي. وقد وجد في الآونة الأخيرة في دولة بنغلاديش أتباع وأنصار له يسمّون أنفسهم طاهريون. وهم أثرياء الناس في بنغلاديش.
٢ - البهرة السليمانية: نسبة إلى الداعي سليمان بن حسن، وهؤلاء مركزهم في اليمن حتى اليوم.
وأمّا الاسماعيلية النزارية: فمن فرقهم:
١ - الحشاشون: وهم إسماعيلية نزارية بالشام وفارس وبلاد الشرق، وكان في مصر وقت حرمان نزار شخص فارسي هو الحسن بن الصباح الذي كان حاجًا إلى الإمام المستنصر، ولما شاهد ما حدث من الانقسام عاد إلى بلاد فارس داعيًا إلى الإمام المستور، واستولى على قلعة الموت سنة ٤٨٣ هـ، وأسس الدولة الإسماعيلية النزارية الشرقية، وهم الذين عرفوا بالحشاشين (لكثرة أكلهم الحشيش)، وانتهت دولتهم، وسقطعت قلاعهم أما جيش هولاكو المغولي الذي قتل آخر زعمائهم ركن الدين خورشاه سنة
[ ١ / ٨١٣ ]
١٢٥٥ م. ولهم أتباع إلى الآن في إيران وسوريا والهند، وفي أجزاء من أواسط روسيا السوفيتية. كما أن أسرة أغاخان تدعي كونها من نسل الحشاشين.
٢ - إسماعيلية الشام: لقد ظلوا خلال هذه الفترات الطويلة في سوريا، ولا يزالون في بعض أماكن من الشام، وهؤلاء يعرفون أيضًا بالسنانية.
٣ - الإسماعيلية الآغاخانية: ظهرت هذه الفرقة في إيران في الثلث الأول من القرن التاسع عشر الميلادي، وأول دعاتهم يسمّى بحسن علي شاه، وهو آغاخان الأول الملقب من قبل الحكومة البريطانية المستعمرة. وآخر دعاتهم الموجود حاليًا هو كريم الآغاخان الرابع، وقد درس في إحدى الجامعات الأمريكية. ولا يزال له أتباع في بومباي وإيران، وفي بعض الدول الأوروبية والأميريكية.
فهؤلاء كلهم على اختلاف فرقهم ونحلهم من الإسماعيلة الباطنية، وفيما يلي بيان شركهم بالله في الربوبية بتعطيل أسمائه وصفاته.
شرك الإسماعيلية الباطنية في الربوبية بالتعطيل:
هؤلاء الإسماعيلية على اختلاف فرقهم ونحلهم كلهم يرون: النفي المطلق للصفات عن الله، وإنكار أية صفةٍ له سبحانه من التي وصف بها نفسه في القرآن الكريم، لأنه - تعالى - كما يزعمون - فوق متناول العقل، والعقل عاجز عن إدراك كنهه، فنفي الصفات عند الله اعتقاد أساسي في التوحيد عند الإسماعيلية، لأن إثباتها - حسب زعمهم - يعني عدم التوحيد، ولهذا نرى
[ ١ / ٨١٤ ]
الحامدي ينفي جميع الصفات الإلهية عن الله سبحانه، بقوله: (فلا يقال عليه حي، ولا قادر، ولا عالم، ولا عاقل، ولا كامل، ولا فاعل؛ لأنه المبدع الحيّ القادر العالم التام الكامل الفاعل، ولا يقال له ذات؛ لأن كل ذات حاملة للصفات).
ويقول الآخر منهم: (الحمد لله الذي ليس بمرئي فيكيف، ولا بموصوف فيوصف ). فهؤلاء يزعمون أن جميع الأسماء والصفات الإلهية، إنما تليق بمبدعاته التي هي الأعيان الروحانية، ومخلوقاته التي هي الصور الجسمانية، فأسماء الله الحسنى التي ذكرت في القرآن الكريم ما هي إلا إشارة إلى حدود الروحانية العلوية والجسمانية السلفية، ويؤولون قوله تعالى: (وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) بأن المقصود بالأسماء هي الحدود، أي يطلبون الوصول إلى توحيد الله من جهتهم، وذلك أن الإسماعيلية تزعم أن الله لم يخلق العالم خلقًا مباشرًا، وإنما أبدع الله تعالى (الكاف) واخترع (النون)، وأن من الكاف والنون أقام الله العالم العلوي والعالم السفلي.
فتوحيد الله الصحيح عندهم - كما يزعمون - هو معرفة حدوده، وسلب
[ ١ / ٨١٥ ]
الإلهية عنه له تجريده، وسلب الأسماء والصفات عنه له تنزيهه. لأن الإثبات الحقيقي لهذه الصفات والأسماء على الله يعني شركة بينه وبين سائر الموجودات.
واستنادًا: إلى ما سبق، فإن معرفة الله عندهم تقوم على اعتبارين:
الأول: تجريد الله وتنزيهه عن أسمائه وصفاته.
والثاني: أن توحيده يعني معرفة حدوده.
وأمّا قولهم: (إنما أبدع الله تعالى الكاف) واخترع (النون)، فهذه نظرية الإبداع التي تقول بها الإسماعيلية، وهي تتفق مع الفلسفة الأفلوطونية الحديثة، وبالذات مع نظرية الفيض عند أفلوطين، مع أن بعض كتّاب الإسماعيلية، يحلو لهم أن يبدلوا كلمة الفيض بكلمة الإبداع، بتعليلات فلسفية لا تغير في جوهر المعنى شيئًا.
والإسماعيلية بعد أن تجرد الله ﷿ من جميع أسمائه وصفاته تحولها إلى أول مبدع أبدعه الله تعالى - وهو كما يزعمون - (العقل الأول)، ويقولون: إذا كان الله عريًا عن كل صفةٍ، فإن صفات الكمال موجودة في أول مبدع أبدعه، فهو - أي المبدع - الحق والحقيقة، وهو الوجود الأول، وهو الوحدة، وهو الواحد، وهو الأزل وهو الأزلي، وهو العقل الأول، وهو الحياة، وهو الحيّ الأول.
فالواحد - كما يزعمون - أبدع بأمر من مشيئته أول سابق، فهو إذن: العقل
[ ١ / ٨١٦ ]
الأول والحجاب المفضل، وظهر عنه التالي مخترعًا من نوره، ثم ظهرت جميع الموجودات منها وبهما، فالفيض الأول هو أصل الإيجاد، وهو المبدأ وإليه المعاد.
ويقولون: العقل الأول أو المبدع الأول هو الذي رمز إليه تعالى بـ (القلم) في الآية الكريمة: (نْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ)، وعلى هذا، فالقلم هو الخالق المصور، وهو الذي أبدع النفس الكلية التي رمز إليها القرآن بـ (اللوح المحفوظ)، ووصفت بجميع الصفات التي هي للعقل الكلي، إلا أن العقل كان أسبق إلى توحيد الله وأفضل، فسمّي بـ (السابق) وسميت النفس بـ (التالي) وبواسطة العقل والنفس وجدت جميع المبدعات الروحانية والمخلوقات الجسمانية.
فالخالق عند الإسماعيلية إذن هو العقل الكلي والنفس الكلية، وإذا ذكر الله عندهم فالمقصود هو العقل الكلّي.
وممّا لا شك فيه: أن هذا المنهج الباطني سلاح ذو حدين، فهو إمّا أن يتجه إلى تثبيت المذهب الإسماعيلي، وإمّا إلى محاولة القضاء على الإسلام كله، ومعتقدهم في الألوهية والتوحيد من هذا القبيل، (فظاهره التوحيد .. وباطنه الكفر المحض والانسلال عن ربقة الدين).
[ ١ / ٨١٧ ]
وقد تبين لنا: أن الإسماعيلية تعتقد بوجود إلهين اثنين صانعين لهذا العالم، أحدهما علة لوجود الآخر، وهما السابق والتالي، وأن السابق خلق العالم بواسطة التالي.
وهذا الاعتقاد شرك بالله جل شأنه في الربوبية بالأنداد - كما سيأتي ـ، يقول الغزالي: (أما القول بإلهين فكفر صريح لا يتوقف فيه، لأنهم عرفوا أننا نعتقد أن للعالم صانعًا واحدًا قادرًا عالمًا مريدًا متكلمًا سميعًا بصيرًا حيًا، ليس كمثله شيء فمن رآها كفرًا فهو كافر لا محالة). وكما نعلم فإن الدعوة الأولى التي دعا إليها رسول الله ﷺ هي التوحيد وعدم الإشراك مع الله إلهًا آخر، ولا شك أن اعتقاد الإسماعيلية يعني إشراك آلهة أخرى مع الله، وهذا يدل على هدم الركن الأساسي في الإسلام.
فهؤلاء الإسماعيلية مشركون بالله في الربوبية بالتعطيل، بتعطيل أسمائه وصفاته، وبتعطيل أفعاله - كما سيأتي بيانه ـ، ومشركون بالله في الربوبية بالأنداد أيضًا، كما سيأتي بيانه بمشيئة الله جل وعلا.
فهذه الفرق الباطنية هي التي أشركت بالله في الربوبية بالتعطيل بتعطيل أسماء الله وصفاته، ولهذا جرى بيانهم، وأمّا الفرق الباطنية الأخرى كالدروز والنصيرية والبابية والبهائية فهؤلاء شركهم ألصق بالشرك في الربوبية بالأنداد، فآثرت تأجيل بيانه إلى أوانه.
أمّا بالنسبة للردود على أفكارهم، فقد رأينا من خلال استعراض آرائهم
[ ١ / ٨١٨ ]
أنهم يعتقدون هذه الأمور وينكرون صفات الله جل وعلا دون إبداء أي دليل أو شبهة قوية يوقف عندها، وإنما هي ادعاءات تقريرية غير برهانية، ولا ينبغي الاشتغال بالردود عليها. وإنما ينفع معهم سلطان القوة لا سلطان الحجة.
الصنف الثاني: المشركون بالله في الربوبية بتعطيل أفعال الله جل وعلا:
لقد وجدت في هذا العصر عدة فرق، أشركت بالله جل شأنه بتعطيله عن أفعاله. وبيان هذه الفرق والطوائف مع بيان ما عندهم من الشرك في الفروع التالية:
الفرع الأول: الباطنية:
والفرق التي وقعت منها في هذا النوع من الشرك ما يلي:
أ- الإسماعيلية: مع اختلاف نحلهم وفرقهم كلهم وقعوا في هذا النوع من الشرك، ويتمثل ذلك في أشياء: من أبرزها:
الأول: إنكارهم للبعث واليوم الآخر.
الثاني: اعتقادهم إرسال الرسل، حيث زعموا أن النبوة فيض خاص من العقل الأول على التالي، وليست من عند الله جل شأنه.
الثالث: إنكارهم الشريعة والقول بنسخها.
أما إنكارهم البعث واليوم الآخر: فيظهر ذلك جليًا في اعتقادهم بالتناسخ، حيث يزعمون أن الإنسان إذا مات ينتقل روحه إلى رجل آخر وهكذا دواليك، فمما قالوا في البعث والنشور: أنه (قيام النفوس الجزئية المفارقة للمدركات الحسية والآلات الجسدانية، وقيام الشرائع والأديان، بظهور صاحب الزمان
[ ١ / ٨١٩ ]
ـ الإمام ـ، وقيام الدور ببروز النفس الكلية لمحاسبة النفس الجزئية، وقيام القيامة كمال الإخلاص والنجاة واستراحة النفوس بأجمعها من الإيراد والإصدار).
والقيامة عندهم نوعان: قيامة صغرى، وقيامة كبرى.
فالقيامة الصغرى هي عند ما تفارق النفس الجسد بعد الموت. والقيامة الكبرى هي ما تفارق كل النفوس الجزئية الموجودة في علم الكلام وفساد أجسادها، وتعود النفس الكلية إلى مبدعها وخالقها فيبطل الوجود كله ما عدا الله سبحانه.
وأما الحشر: فهو انحطاط النفوس في سلك انقيادها وانجبارها إلى ما فيه ذاتها. وهي حقيقة يوم تدعي كل أناس بإمامهم. وأما النشر: فهو ظهور النفس في عالم بعد عالم على وفق مكتسباتها. وأما الحساب: فهو أن توقف النفس الكلية النفوس الجزئية على ما صدر منها من الأقوال والأفعال والأعمال. وأما الجنة: فهي العوالم الثمانية أولها جنة الميراث وهي رتبة الإنسانية وثامنها: جنة الماء وهي عالم الأمر الذي بدت منه العوالم وإليه معادها.
وأما الناس: فهي العوالم السبعة المتوالدة من الثلاثة الأركان، أولًا: لظى نزاعة وهي كرة الأثير، ثم الجحم مركز الهواء والزمهرير، وأما العذاب والعقاب، فيؤولونه إلى ما تجده النفوس من الآلام والأوجاع، والأسقام ومفارقات المألوفات بهجوم الحوادث والنكبات.
[ ١ / ٨٢٠ ]
وتابع الإسماعيلية المعاصرون منهج أسلافهم في تأويل هذه العقائد - التي هي أفعال الله جل وعلا - ومقابلتها بالسخرية والاستهزاء حيث يقولون: (إن القول بالبعث مهزأة وأن المؤمن الحقيقي هو من يؤول الوحي الإلهي على طريقتهم، وأما من يتبع الشرائع المنزلة وأحكامها على ظواهرها فليس هو إلا كافرًا وحمارًا).
وقصروا البعث على (انتباه النفوس من غفلتها لتتلقى العلوم والمعارف التي تهذبها وتنقيها من أدران عالم الكون والفساد؛ لتتمكن من اللحاق بالنفس الكلية التي حيث السعادة والهناء السرمدية).
كما يؤكد الإسماعيلية المعاصرون ما ذهب إليه أسلافهم من إنكار للمعاد، فهذا مصطفى غالب يقول بصراحةٍ: (إن الإنسان بعد موته يستحيل عنصره الترابي (جسمه) إلى ما يجانسه من التراب، وينتقل عنصره الروحي (الروح) إلى الملأ الأعلى، فإن كان الإنسان في حياته مؤمنًا بالإمام فهي تحشر في زمرة الصالحين وتصبح ملكًا مدبرًا، وإن كان شريرًا عاصيًا لإمامه حشرت مع الأبالسة والشياطين. وهم أعداء الإمام).
وقد بين الغزالي عقيدتهم في المعاد، فقال: (وأما المعاد فأنكروا ما ورد به الأنبياء، ولم يثبتوا الحشر والنشر للأجساد، ولا الجنة والنار، ولكن قالوا: معنى المعاد عود كل شيء إلى أصله ).
وتبعًا لإنكارهم للمعاد أنكروا الثواب والعقاب، يقول مصطفى غالب:
[ ١ / ٨٢١ ]
إن الثواب ليس حسيًا وإنما هو العلم فقط. كما أنه يذهب إلى أن العذاب للنفوس المخالفة؛ تتعذب وترتاع بمجرد مفارقتها للجسد، وهذا عذابها وشقاؤها وتعاستها في عالمها الظلماني المخيف.
وهذا آغا خان الثالث يسخر من الجنة ويعتبرها من معتقدات الطبقة الجاهلة إذ يقول: (إن الروح والمادة دائمًا تتعاون مع النفس، ولا يمكن لهذين المبدأين اللذين يؤلفانها أن يصلا بهما إلى ما يسميه شركاؤنا في الاعتقاد (الطبقة الجاهلة منهم) الجنة. والتي هي في الحقيقة وفي (رأي العقلاء المدركين) حالة النفس البالغة كمال المعرفة الحقيقية).
هكذا نرى معتقد الإسماعيلية في المعاد يقود في النهاية إلى إنكار هذا المعتقد كما عبر عنه الإسلام. ومعلوم أن فيه تعطيل لفعل الباري سبحانه ﷿.
أما اعتقادهم في إنكار إرسال الرسل: فإن هذا ناتج عن تصورهم للألوهية على نظرية الفيض. فإنهم استنبطوا أيضًا من نفس النظرية آراءهم حول النبوات، إذ جعلوا النبوة فيضًا من أحد العقول العشرة التي اعتقدوها، وقالوا بها، فالنبوة باعتقادهم مكتسبة اكتسابًا، ليست هبة من الله ﷾ لأحد من خلقه اختصه واختاره لها، فالإنسان باعتقاد الإسماعيلية يستطيع أن يصبح نبيًا بعد الارتياض والمجاهدة.
وهم بهذا ينكرون ما خص الله به من إرسال الرسل، بل كل واحد يستطيع
[ ١ / ٨٢٢ ]
أن يصبح نبيًا بعد المجاهدة، وليس من عمل الله ﷿ عندهم إرسال الرسل، بل هذا فيض من السابق بواسطة التالي لمن يجاهد مجاهدة جادة. ومعلوم أن فيه تعطيل لفعل الباري جل وعلا.
أما اعتقادهم بنسخ الشريعة الإسلامية وتعطيل أحكامها: فما زالت محاولة الإسماعيلة مستمرة حيال العمل على إسقاط الأوامر والنواهي الشرعية التي وضعها الله ﷾ دستورًا لهذه الحياة، يكفل للأفراد والجماعات والأمم حياتها السعيدة. فنجد أصوات المعاصرين منهم تنعق مدعية أن الشريعة الإسلامية قد نسخت تارة، وتطالب بإسقاط التكاليف الشرعية تارة أخرى.
تتجلى تلك الأصوات من خلال مقولاتهم وأشعارهم التي ساروا بها على خطى أسلافهم الذين اتخذوهم معينًا يستقون منه هذه الشعارات.
وسعيًا إلى الخروج على الدين حاول الإسماعيلية أن يساووا بينه وبين الديانات التي دخلها التحريف والعبث بها بأيدي الناس، فنادوا بوحدة الأديان. وهذه الأمور لا شك في كونها تعطيلًا لأفعال الله جل وعلا، ومن ثم وقعوا في شرك التعطيل بالله سبحانه في أفعاله.
ب- القرامطة: حيث وقع هؤلاء القرامطة في شرك تعطيل الباري عن
[ ١ / ٨٢٣ ]
أفعاله، وذلك في عدة أمور، من أبرزها:
١ - إنكارهم الأنبياء والرسل وتلقيبهم بالأبالسة.
٢ - إنكارهم اليوم الآخر أو البعث والحشر، والنشر، والثواب، والعقاب، والجنة، والنار.
٣ - إنكارهم شرع الله واتباع المزدكية في القول بشيوعية المال والنساء.
ومعلوم: أن هذه الاعتقادات فيها تعطيل الله جل وعلا في أفعاله. وهو شرك في الربوبية بالتعطيل في أفعاله سبحانه.
وهؤلاء القرامطة ومن قبلهم من الإسماعيلية ليس لهم أي شبهة لا من الشرع ولا من العقل، وإنما هي ادعاءات تقريرية يريدون أن يهدموا بها قواعد دين الإسلام الحنيف، ويأبي الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون.
ج- الدروز:
إن هذه الفرقة من الفرق الباطنية، أخذت جل عقائدها عن الإسماعيلية، ينسبون إلى رجل يقال له: نشتكين الدرزي. نشأت في مصر، لكنها لم
[ ١ / ٨٢٤ ]
تلبث أن هاجرت إلى الشام، عقائدها خليط من عدة أديان وأفكار، كما أنها تؤمن بسرية أفكارها. فلا تنشرها بين الناس، ولا تعلمها حتى لأبنائها إلا إذا بلغوا سن الأربعين. ولا يسمح لأحدٍ أن يدخل في مجتمعهم، إلا لليهود خاصة.
أصل الدروز ونشأتهم:
محور العقيدة الدرزية هو الخليفة (الفاطمي): أبو علي المنصور بن العزيز بالله بن المعز لدين الله (الفاطمي) الملقب بالحاكم بأمر الله. ولد سنة ٣٧٥ هـ، وقتل سنة ٤١١ هـ. كان شاذًا في أفكاره، وسلوكه، وتصرفاته، شديد القسوة والتناقض، والحقد على الناس، أكثر من القتل والتعذيب دون أسباب تدعو إلى ذلك. والمؤسس الفعلي لهذه العقيدة هو: حمزة بن علي ابن محمد الزوزني (٣٧٥ - ٤٣٠ هـ): وهو الذي أعلن ألوهية الحاكم سنة ٤٠٨ هـ، ودعا بها، وألف كتب العقائد الدرزية، وهو مقدس عندهم بمثابة النبي ﷺ عند المسلمين.
والشخصية الثابتة في تأسيس المذهب الدرزي هو: محمد بن إسماعيل الدرزي المعروف بنشتكين، كان مع حمزة في تأسيس عقائد الدروز، إلا أنه
[ ١ / ٨٢٥ ]
تسرع في إعلان ألوهية الحاكم سنة ٤٠٧ هـ، مما أغضب حمزة عليه وأثار الناس ضدّه حيث فرّ إلى الشام، وهناك دعا إلى مذهبه وظهرت الفرقة الدرزية التي ارتبطت باسمه على الرغم من أنهم يلعنونه لأنه خرج عن تعاليم حمزة الذي دبّر لقتله سنة ٤١١ هـ.
اعتقاداتهم:
أهم المعتقدات التي أوقعتهم في الشرك بالله جل شأنه هي ما يلي:
١ - يعتقدون بألوهية الحاكم بأمر الله، ولما مات قالوا بغيبته وأنه سيرجع. فبقولهم هذا وقعوا في الشرك في الربوبية بالأنداد. وسيأتي بيان ذلك فيما بعد.
٢ - ينكرون الأنبياء والرسل جميعًا ويلقبونهم بالأبالسة.
فباعتقادهم هذا وقعوا في شرك تعطيل الله ﷿ عن أفعاله.
٣ - ينكرون اليوم الآخر، وبالتالي الجنة والنار.
فهذا الاعتقاد أيضًا أوقعهم في شرك تعطيل الباري في الربوبية عن أفعاله الحكيمة.
[ ١ / ٨٢٦ ]
٤ - ينكرون الشرائع.
وهذا أيضًا من الشرك بالله جل شأنه في أفعاله بتعطيل أفعاله سبحانه.
فهذه بعض معتقداتهم التي أوقعتهم في الشرك مع ما يعتقدون من العقائد الباطنية الأخرى من أن إلههم خلق العقل الكلي وبواسطته وجدت النفس الكلية، وعنها تفرعت المخلوقات. وسيأتي ذكر هذه العقيدة عند بيان الشرك في الربوبية في هذه الأمة. وإنما جرى ذكرهم هنا لوجود الشرك في الربوبية بالتعطيل بتعطيل أفعاله جل وعلا، وذلك بإنكار اليوم الآخر، والثواب، والعقاب، والبعث، والجنة، والنار، وبإنكار الشرائع.
د- البابية والبهائية:
هي: حركة باطنية من الحركات الباطنية الخبيثة التي تحاول هدم الإسلام وإخراج أهله منه بأساليب وطرق شتى قديمًا وحديثًا. نشأت هذه الفرقة سنة ١٢٦٠ هـ تحت رعاية الاستعمار الروسي واليهودية العالمية، والاستعمار الإنجليزي بهدف إفساد العقيدة الإسلامية وتفكيك وحدة المسلمين وصرفهم عن قضاياهم الأساسية.
وهذه الفرقة في الحقيقة نشأت عن الشيخية الإمامية، الذين أثاروا أشواق الناس وهيجوها إلى قرب ظهور المنتظر الموعود (الموهوم)، كما
[ ١ / ٨٢٧ ]
كانت هناك أحوال سيئة في إيران حيث إن اليأس، والقنوط، والجهل ثبت سمومها وترمي النفوس إلى أوهام تتشبث بأذيالها للنجاة. ففي مثل هذا الظروف السيئة والمعتقدات الفاسدة ولد مؤسسها المرزا علي محمد رضا الشيرازي سنة ١٢٣٥ هـ، وشبّ فيها حتى أعلن أنه الباب إلى المهدي المنتظر الملقب بالبهاء، وسمى الحركة بالحركة البهائية، وله كتاب وضعه وسماه (الأقدس)، وقد هلك سنة ١٨٩٢ م - ١٢٦٦ هـ.
اعتقاداتهم:
لهم اعتقادات كثيرة، من أبرزها:
١ - أن الباب هو الذي خلق كل شيء بكلمته، وهو المبدأ الذي ظهرت عنه جميع الأشياء.
٢ - يقولون بالحلول والاتحاد، خصوصًا في المرزا حسين علي المازندراي الملقب بالبهاء.
٣ - إنكار البعث واليوم الآخر، والجنة، والنار، الحساب، والميزان، وغيرها.
٤ - إنكار الشرائع بدعوى نسخها بظهور الباب.
والمقصود: أن هؤلاء البابية والبهائية وقعوا في الشرك بأنواعه،
[ ١ / ٨٢٨ ]
فاعتقادهم أن الباب هو الذي كل شيء شرك بالله في الربوبية بالأنداد. وسيأتي بيانه.
واعتقادهم أن ذات الرب جلّ في البهاء هو شرك في الربوبية بالتعطيل بتعطيل ما يتعلق بحقيقة التوحيد. كما سيأتي بيان ذلك.
واعتقادهم عدم وجود القيامة والبعث، واليوم الآخر، والجنة والنار، والثواب، والعقاب أوقعهم في الشرك بالله في الربوبية بالتعطيل بتعطيل الله ﷿ عن أفعاله. ومثل هذا اعتقادهم في إنكار الشرائع؛ فإنه تعطيل لأفعال الله جل شأنه. فلوجود هذين الاعتقادين الأخيرين أوردتهم في هذا الموضع.
وهؤلاء البابية والبهائية في إنكارهم هذين الشيئين ليس لهم أي مستند لا شرعي ولا عقلي، وإنما هي ادعاءات تقريرية يريدون من ورائها هدم الدين الإسلامي من أساسه، ولكن الله ﷿ يحفظ هذا الدين من كيد أعدائه الكافرين ولوكره المشركون.
الفرع الثاني: المعتزلة قديمًا وحديثًا:
لقد وقع في هذا النوع من الشرك كثير من القدرية من المعتزلة، وذلك لإنكارهم القدر، وقد سبق معنا إثبات كونه شركًا وتعطيلًا لأفعال الله في الباب الثاني. وإنما المقصود هنا بيان وقوع بعض الناس في هذا النوع من الشرك، فالمعتزلة القدرية هم الرواد في إنكار القدر في الإسلام، وهو أول شرك على رواية منصوصة عن الصحابة ﵃ أجمعين.
[ ١ / ٨٢٩ ]
والمعتزلة ليست فرقة منقرضة كما يزعمه البعض، بل آراؤهم حية في الفرق الأخرى، ولهذا ترى جحود القدر من المسائل التي لا تزال موجودة، فإن من أهل الضلال من يجحده كلية، ويدعو غيره إلى الكفر به، كما فعل ذلك القصيمي حين زعم أن الإيمان بالقدر سبب تأخر المسلمين عن مواكبة الحضارة الدنيوية، وأنه كان سببًا - بزعمه - في إلقاء الوهن بين الناس.
ومثله: حسين أمين الذي يرى أن عقيدة الإيمان بالقدر عقيدة بدوية، لا تناسب المدنية والتطور الذي يشهدهما العالم اليوم.
ومن أهل الضلال من يجحد مراتبه، كالإرادة والخلق، وهؤلاء هم المعتزلة ومن اعتقد معتقدهم من الرافضة، وبعض الماتريدية وبعض الأشاعرة مثل محمود شلتوت، وغيرهم.
فهؤلاء يزعمون أن العبد يخلق فعل نفسه، وليس الله - تعالى - والخلق أحد مراتب القدر، كما أنهم ينفون إرادة الله - تعالى ـ، والإرادة أيضًا من مراتب القدر. وقد سبق الرد على منكري القدر في الباب الثاني فلا نعيده هنا.
الفرع الثالث: الروحية الحديثة:
هي دعوة هدامة، وحركة مغرضة، مبنية على الشعوذة، تدّعي استحضار أرواح الموتى بأساليب علمية، تهدف إلى التشكيك في الأديان والعقائد،
[ ١ / ٨٣٠ ]
وتبشر بدين جديد وتلبس لكل حالة لباسها.
ظهرت في بداية هذا القرن في أمريكا، ومن ورائها اليهود، ثم انتشرت في العالمين العربي والإسلامي.
أصل هذه الفكرة ونشأتها:
الروحية الحديثة أو تحضير الأرواح شيء واحد، فقد تأسست بلندن عام ١٨٨٢ م جمعية المباحث الروحية وامتد علمها في إنجلترا وأمريكا. ومن أعضائها أعلام في الفلسفة والعلوم الطبيعية. وتقبل في عضويتها المؤمنين بوجود الأرواح والمناهضين لها، وكل ما تشترطه الإلمام بالروح كظاهرة طبيعية.
وتقوم هذه الجمعية ببحوث ودراسات عن الروح وعن عالم ما وراء الطبيعة بواسطة التجربة - كما يدعون ـ، وتقيم المؤتمرات وتؤلف الكتب.
وبداية فكرة الروح عندهم قصة حدثت مع رجل يدعى (فيكمان) كان يسكن في قرية (هيدسفيل) في نواحي ولاية (نيويورك) حيث سمع طرقات متكررة في منزله فدب الرعب في أسرته فهجروا البيت، ثم سكنت في البيت أسرة أخرى هي أسرة (جون فوكس)، وعادت الطرقات من جديد، وتجاسرت ربة البيت؛ فقالت للطارق: إن كنت روحًا فأحدث طرقتين، ففعل، فسألته عن سن ابنتها، فطرق طرقات بعدد سني ابنتها. ولم تزل تسأله حتى علمت أنها روح رجل كان ساكنًا في ذلك البيت فقتله جاره وسرق ماله، وهكذا ضبطت الجريمة.
هكذا يروي أدعياء الروحية الحديثة بداية فكرتهم، وبعد هذا بدأ
[ ١ / ٨٣١ ]
أصحاب هذا المذهب يحضرون الأرواح ويقومون بالتجارب إلى أن توصلوا إلى تثبيت معالم مذهبهم، والذي يتلخص فيما يلي:
١ - يقولون: إن الإنسان مكون من جسم مادي ومن آخر أثيري يتخلله ويطابقه، وأن الموتى بعد الموت مباشرة يكونون في عالمنا هذا. ولا يزالون كذلك مدة تختلف باختلاف درجتهم الروحية.
وبناء عليه فيمكن مكالمة الروح بعد خروجها من الجسم ورؤيتها مجسمة بواسطة شخص يسمّونه الوسيط الذي لا يشترطون فيه الصلاح، والدين، بل المهم أن يكون لديه استعداد فطري لهذا الأمر، وأن يتمتع بقوة البصر أو الشم، أو الذكاء، أو قوة الأعصاب، وأن يقع في خدر عال عند إرادته تحضير الروح فتستفيد الروح من استعداده فتكلم الناس بفمه وتنبئ عن أمور الحاضرين وتكشف أسرار العلم والفلسفة وتصف العلاجات.
أما أسلوب تحضير الأرواح فيتم تجهيز غرفة مظلمة فيها نور أحمر خافت - حتى إن الإنسان لا يستطيع أن يميز ما حوله - ويجلس فيها الذين يريدون مشاهدة الروح أو ما يسمّونهم (بشهود الجلسة)، وهناك حجرة صغيرة متصلة بالغرفة السابقة. وتسمّى هذه الغرفة الصغيرة بالخباء أو الخدر وهي معدة لجلوس الوسيط. فإذا تم الاتصال بين الوسيط والأرواح فإنه يخرج عبر الوسيط إشعاعات من الحجرة الصغيرة باتجاه الحجرة الكبيرة، وتسمع أصوات الروح في تلك اللحظة بل إنها تطلب الطعام والشراب.
ويؤكد أصحاب المذهب على صحة مذهبهم بأنهم التقطوا صورًا لتلك الأشباح بواسطة الأشعة تحت الحمراء، وأن مذهبهم علمي بدليل وجود العلماء من مختلف الحقول في صفوفهم.
[ ١ / ٨٣٢ ]
٢ - ويقولون: إن هذه الأرواح تفتيهم في مشكلات الغيب ومعضلاته ويستعان بهم في علاج مرضى الأبدان والنفوس، والإرشاد على المجرمين، والكشف عن الغيب، والتنبؤ بالمستقبل.
٣ - يعتقدون أن هذه الأرواح التي يستحضرونها مرسلة من الله إلى البشر كالرسل.
٤ - يعتقدون أن معجزات الأنبياء هي ظواهر روحية كالتي تجري في غرفة تحضير الأرواح، ويقولون: إن بإمكانهم إعادة معجزات الأنبياء.
٥ - يعرضون أفكارهم لكل شخص وفق ما يناسبه، ولذلك تجدهم أحيانًا يدعمون تلك الدعاوى بنصوص من الكتب السماوية بعد أن يلووا أعناقها كما يريدون، وفي بعض الأحيان يقولون لهم: (أنصح الحاضرين بقراءة القرآن والأدعية). وفي الحقيقة: تظهر بعد أيام من الدخول فيها: إنهم يرفضون الوحي، والرسل، ويقولون: إنه ليس في الأديان ما يصح الركون إليه، ويسخرون من المتدينين.
٦ - يقولون: بأن إلههم أظهر من إله الرسل وأقل صفات بشرية وأكثر صفات إلهية.
وفيه تصريح بأن الروحية دين جديد يدعو إلى العالمية ونبذ كل الأديان.
٧ - ينكرون شرع الله، وينادون بترك العبادات.
٨ - يدعون أن الأرواح التي تخاطبهم تعيش في هناء وسعادة رغم أنها كافرة، ليهدموا بذلك عقيدة البعث والجزاء، وأن الجنة والنار حالة عقلية
[ ١ / ٨٣٣ ]
يجسمها ويصنعها الخيال.
٩ - يقولون بحلول الإله في الحاضرين في المجلس واتحاده بهم.
فهذه أغلب اعتقادات الروحية الحديثة. فقد وقعوا بهذه الاعتقادات الفاسدة في أنواع من الكفر كما وقعوا في ألوان من الشرك. أما وقوعهم في أنواع من الكفر بالله جل شأنه فهذا واضح، فإن أغلب هذه الأقوال كفر. وأما وقوعهم في ألوان من الشرك بالله؛ فيمكن بيانه فيما يلي:
أ- قولهم إن هذه الأرواح تحل المشكلات، والمعضلات، وتخبر عن الغيب، هذا كله شرك بالله في الربوبية بالأنداد في صفات الله جل شأنه. وسيأتي شبهاتهم والردود عليها - بمشيئة الله - فيما بعد.
ب- قولهم بالحلول والاتحاد: شرك بالله في الربوبية بتعطيل حقيقة التوحيد. وسيأتي ذكر هذا القول عند بيان شرك الربوبية بتعطيل حقيقة التوحيد بعد هذا الباب - بمشيئة الله ـ.
ج- قولهم: بإنكار الشرائع، وهكذا قولهم بإنكار عقيدة البعث، والجزاء، والجنة والنار، والحساب، شرك بالله في الربوبية بتعطيل أفعال الله جل وعلا.
ولما كان هذا النوع من الشرك - الذي نحن في بيانه - وجد لدى هؤلاء - أصحاب الروحية الحديثة - جرى ذكرهم في هذا الموضع.
ولكن هل عندهم شبهة عقلية أو شرعية في إنكارهم البعث واليوم الآخر،
[ ١ / ٨٣٤ ]
وإنكارهم الشرع؟ يبدو لمن يتفصح أقوالهم وآراءهم أنهم لا يذكرون أي شبهة لا عقلية ولا شرعية، في رد هذين الشيئين. وإنما هذا من الادعاءات التقريرية التي لا نشغل بالنا بالرد عليه.
ومع تفاهة دعاوى هذه الفرقة أو الطائفة نرى أن هذه الدعاوى منتشرة في جميع العالم الإسلامي، وقد تأثر بها كثير من الناس الذين عرفوا بالعلم والفضل، ووجد من يرى أن الأرواح تحضر حقيقة، وتستطيع أن تخبر عن المغيبات وتحل المشاكل. فمن هؤلاء: الشيخ طنطاوي جوهري، والأستاذ أحمد فهمي أبو الخير، والأستاذ محمد فريد وجدي، والدكتور رؤوف عبيد الأستاذ بكلية الحقوق بجامعة عين شمس، والشيخ محمد حسنين مخلوف كما ذكر عنه الدكتور رؤوف عبيد، والأستاذ محمد مصطفى المراغي شيخ الأزهر سابقًا، وغيرهم.
الفرع الرابع: العلمانية: (غير الملحدة):
وهي العلمانية التي لا تنكر وجود الله، بل تؤمن به إيمانًا نظريًا، ولكنها تنكر تدخل الدين في شئون الدنيا، وتنادي بعزل الدين عن الدنيا والحياة. بل تنكر شرع الله ولزومه إمّا صراحةً وإمّا ضمنًا.
[ ١ / ٨٣٥ ]
فهذا الاعتقاد لا شك في كونه شركًا بالله في الربوبية بتعطيل أفعاله ﷾.
من مظاهر هذه العلمنة:
١ - تطبيق العلمنة في التعليم ومناهجه، فأبعد الدين عنه.
٢ - تطبيقها في السياسة والحكم، فعزل الدين عنها.
٣ - تطبيقها في الاقتصاد ونظم الأموال فعزل الدين عن هذا المجال.
٤ - تطبيقها في القوانين المدنية، فوضع العلمانيون قوانينهم.
٥ - تطبيقها في الاجتماع والأخلاق، فأبعد الدين عنهما.
٦ - تطبيقها في الفنون، فانطلق هواة الفن ينتجون إنتاجاتهم المختلفة مستهينين بالدين وبفضائل الأخلاق وبفضائل السلوك.
وجملة الشبهات التي يتشبثون بها في هذا الباب ما يلي:
١ - إن العلمانية هي أساس الوحي، والوحي علماني في جوهره، والدينية طارئة عليه.
٢ - إن الشريعة مطبقة بالفعل.
٣ - التناقض بين العلم والدين.
٤ - دعوى ضرورة الدولة القومية وانقضاء عصر الدولة الدينية.
٥ - دعوى جمود الشريعة وقعودها عن ملاحقة الحياة التطورية.
٦ - دعوى الاستبداد السياسي.
٧ - دعوى الكبت واضطهاد حرية الفكر ومعاداة التقدم.
[ ١ / ٨٣٦ ]
٨ - دعوى الموانع الطائفية.
٩ - دعوى القسوة في العقوبات الشرعية.
هذا مجمل الدعاوى التي يتشبثون بها في تعطيل شرع الله ﷿.
مجمل الردود على هذه الدعاوى:
أولًا: نقول: هل تؤمنون بالله ربًا؟ فإن آمنتم بهذا المبدأ فالأمر هين، فإن من المستحيل أن يكون الرب غير عالم بمصالح العباد ومشاكلهم، أنتم عالمون بهذه المصالح والمشاكل التي تذكرونها!، هل الله جل وعلا لا يعلم ما تذكرونه؟ .
ثانيًا: هل تؤمنون بالرسول ﷺ بأنه آخر الرسل وشريعته آخر الشريعة؟ وأنها ناسخة لما قبلها؟ وأن هذه الشريعة مكملة؟ أم ترون أن شريعته ناقصة، وهناك شريعة غير شريعة محمد ﷺ بعده؟ فإن قلتم بالأول الذي يدل عليه القرآن والسنة فقد اعترفتم بتفاهة هذه الدعوى، وإن قلتم بالثاني فقد خرجتم من دين الإسلام.
ومع الردود على هذه الشبهات يكون قد استعرضنا معظم الشرك في الربوبية بتعطيل أفعاله جل وعلا. وإن كان هناك فرق وطوائف أخرى وجد عندهم هذا النوع من الشرك؛ كالقومية، والوطنية، وبعض نوادي
[ ١ / ٨٣٧ ]
الماسونية من الليونز، والروتاري، وبعض الأديان الوضعية المنبوذة كالبوذية، ولكن شرك هؤلاء أنسب بباب آخر غير باب شرك تعطيل أفعال الله، فلهذا آثرت ترك ذكرهم هنا.
المطلب الثالث: في بيان أنواع الشرك في الربوبية بتعطيل الصانع عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد:
تنبيه:
سبق معنا إثبات كون التعطيل شركًا، كما تضمن هذا البيان أيضًا إثبات كون تعطيل الصانع عما يجب عليه من حقيقة التوحيد شركًا، وهنا أريد أن أشير إلى مجمل هذا البيان بما يلي:
إن دخول هذا النوع من التعطيل في الشرك له سببان:
الأول: لأنه داخل في توحيد المعرفة والإثبات، (أعني: توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات)، وكل ما يضاد توحيد المعرفة والإثبات مضادة ظاهرة فهو شرك لا محالة، ولزيادة البيان أمثل بمثال، وهو: أن الواجب على العبد في تحقيق التوحيد أن يعتقد أن ربه على عرشه، ولا يماثله أحد، ولا يشبهه، ولا يحل في أحد، ولا يتحد مع أحد أبدًا، بل هو بائن من خلقه، وإذا لم يكن هذا اعتقاد أحد فإنه ما حقق توحيد الله ﷿، وبهذا يكون قد وقع في الشرك بالله سبحانه في الربوبية.
الثاني: أنه لما عطل كونه على عرشه، بل عطل كونه مباينًا لخلقه، وربما
[ ١ / ٨٣٨ ]
عطل وجوده كما هو عند الاتحاديين فإنه يكون قد أشرك بالله جل وعلا من ناحية أخرى، فإنه في اعتقاده هذا عطل ذاته، وربوبيته، وعطل جميع أسمائه وصفاته وأفعاله وجميع مستلزماتها، فلما عطل هذه الأشياء كلها، وقد سبق معنا بيان كون هذه الأشياء من الأسماء والصفات والأفعال لها آثارها في العبودية، والعبد لا يستغني عن العبودية بها مطلقًا، لأن الرب جل وعلا لم يسمّ بهذه الأسماء ولم يتصف بهذه الصفات، ولم يفعل هذه الأفعال إلا لأن الخلق يحتاج إليها لا محالة، فإذا كان قد عطل الله المعبود الحق عن هذه الأشياء كلها فحتمًا يكون قد يتوجه بها إلى المعبود الباطل.
ثم إن في مثل هذا الاعتقاد نداء إلى تأليه الإنسان نفسه.
ونظرًا لجزئيات هذا المطلب فإنني سأبينه في مدخل وثلاثة فروع.
مدخل: في معرفة مذاهب المعطلين الصانع عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد:
المعطلون للصانع عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول: مذهب الحلول.
ومعنى الحلول: يقال: حل المكان وحل به يَحُلُّ ويَحِلُّ حِلًاّ وحلولًا إذا نزل به.
وفي المعجم الأوسط: (الحلول: اتجاد الجسمين بحيث تكون الإشارة إلى أحدهما إشارة إلى الآخر).
وفيه: (مذهب الحلول بأن الله حال في كل شيء).
[ ١ / ٨٣٩ ]
قلت: هذا أحد نوعي الحلول كما سيأتي.
وفيه أيضًا: (الحلولية فرقة من المتصوفة تعتقد مذهب الحلول على غير ما قال به أهل السنة).
وعند بعض الصوفية وبعض فرق النصارى: الحلول: هو حلول اللاهوت بالناسوت. وينقسم عندهم باعتبار تمكنه إلى قسمين:
١ - الحلول الجواري: وهو عبارة عن كون أحد الجسمين طرفًا للآخر؛ كحلول الماء في الكأس.
٢ - الحلول السرياني: وهو: عبارة عن اتحاد الجسمين بحيث تكون الإشارة إلى أحدهما إشارة إلى الآخر، كحلول ماء الورد في الورد، وكحلول الماء في المادة السكرية.
وينقسم باعتبار المحل إلى قسمين أيضًا:
١ - الحلول الخاص: وهو قل النسطورية من النصارى ومن نحا نحوهم ممن يقول: إن اللاهوت حل في الناسوت. فمصدر هذا القول إنما هو من النصارى، ولكن دخل في الإسلام بواسطة الرافضة الغلاة الذين قالوا: إن الله حل بعلي بن أبي طالب وأئمة أهل بيته، كما قال به الصوفية المنتسبة إلى الإسلام الذين يقولون بأن الله حلَّ في الأولياء.
[ ١ / ٨٤٠ ]
٢ - الحلول العام: وهو قول الجهمية ومن نحا نحوهم من الأشعرية والماتريدية الذين يقولون: إن الله بذاته في كل مكان.
المذهب الثاني: مذهب الاتحاد:
ومعنى الاتحاد: امتزاج الشيئين واختلاطهما حتى يصيرا شيئًا واحدًا، وينقسم الاتحاد إلى قسمين:
١ - الاتحاد الخاص: وهو قول يعقوبية النصارى القائلين: إن اللاهوت والناسوت اختلطا وامتزاجا كاختلاط اللبن بالماء، وهو قول به بعض المنتسبين إلى الإسلام في بعض الأشخاص.
٢ - الاتحاد العام: وهو قول الملاحدة الذين يزعمون أن الله عين وجود الكائنات، وهذا القول هو المعبر عنه بوحدة الوجود - كما سنرى - وهو شر الأقوال كلها كما يقول شيخ الإسلام؛ لأن أولئك قالوا: إن الرب يتحد عبده الذي قربه واصطفاه، فخصوا ذلك بمن عظموه كالمسيح والأولياء، وهؤلاء جعلوا ذلك ساريًا في الكلاب والخنازير والأقذار والأوساخ، وإذا كان الله تعالى قد قال: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) فكيف بمن قال: إن الله هو الكفار والمنافقون والصبيان والمجانين والأنجاس والأنتان وكل شيء؟ !
[ ١ / ٨٤١ ]
ومما تجدر الإشارة إليه ونحن نبين معنى الاتحاد عند هؤلاء قولهم: إن من وقع منه الاتحاد فلا يتصور معه أن تبقى منه باقية بل يفنى ويذوب ويصير جوهره جزءًا لا يتجزأ عن جوهر من اتحد به، يقول عبد الرحمن بدوي: (والاتحاد بالله أن يصير المحب والمحبوب شيئًا واحدًا فعلًا سواء في الجوهر والفعل أي في الطبيعة والمشيئة لانعدام المشير، فلا يصير ثمة غير واحد أحد هو الكل في الكل).
وقال أيضًا في معرض تحليله لقول أبي يزيد البسطامي يخاطب الله: (كنت لي مرآة فصرت أنا المرآة): (أما وقد بلغ أبو يزيد هذه المرتبة التي تعلو فوق مقام الأنبياء، فليثب الوثبة الأخيرة ليلحق بالألوهية نهائيًا فيصير هو والله شيئًا واحدًا).
فهذا القول يكفي في إثبات كونهم ضاهوا به النصارى والروافض.
الفرق بين الحلول والاتحاد:
فلسفة الاتحاد والحلول عند الصوفية تفسر بأن للحب الإلهي ناحيتين:
إحداهما: شوق الحق إلى الخلق، وله اعتباران أو مظهران:
أ- اشتياقه إلى الظهور بعد البطون أو التقيد بعد الإطلاق.
ب- اشتياقه إلى العودة إلى الإطلاق بعد التقييد أو التجرد بعد التعيين.
[ ١ / ٨٤٢ ]
ثانيهما: شوق الخلق إلى الخلق.
فالناحية الأولى التي يشتاق فيها الحق إلى الخلق نتيجة الحلول، والثانية التي فيها شوق الخلق إلى الحق تنتج الاتحاد، أو بعبارة أخرى: يرى الاتحادي أن المخلوق المصطفى يرتفع بنفسه ويصفو ويسمو بروحه إلى حضرة الذات العلية حتى يتحد بها، ويفنى فيها ولا يبقى له أثر، بينما يرى الحلولي أن الله تعالى يتنازل عن علياته ﷿ فيحل في بعض المصطفين من عباده.
تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، ولذلك كثيرًا ما نجد الاتحاديين يعبرون عن رحلتهم إلى الاتحاد بالمعراج، يقول ابن الفارض:
ومن أنا إياها إلى حيث لا إلى عرجت وعطرت الوجود برجعتي
وقال شارحه: يعني عرجت من مقام أنا: إياها - وهو ابتداء الاتحاد.
ومن قولهم: أنا الحق، (لا إلا إلا أنا فاعبدني) إلى أن وصلت لا مقام لا نهاية فيه، وعطر الوجود برجوعه لاتصافه بصفات الرحمن واتحاده بذات الملك الديان). فهذا هو الفرق بين الحلول والاتحاد عند الصوفية.
المذهب الثالث: مذهب وحدة الوجود:
(وهو مذهب فلسفي صوفي يوحد بين الله والعالم، ولا يقر بوجود واحد هو الله وكل ما عداه أعراض وتعينات له).
[ ١ / ٨٤٣ ]
وصف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مذهبهم بقوله: (ويقولون: إن وجود المخلوق هو وجود الخالق، لا يثبتون موجودين خلق أحدهما الآخر، بل يقولون: الخالق هو المخلوق).
وهذا المذهب هو مذهب الاتحاد العام المشار إليه آنفًا، لا يختلفون في شيء، ولذا نجد كثيرًا من أهل العلم يطلقون على ابن عربي وابن الفارض ومن على نهجهما أنهم من أهل الاتحاد، فمرادهم الاتحاد العام الذي هو وحدة الوجود. وهذا الإطلاق كثيرًا ما نجده في عبارات شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، فأينما وجد فالمراد به الاتحاد العام لا الخاص، ويبدو أن الشيخ عبد الرحمن الوكيل لم ينتبه بهذا المعنى فاستدرك كثيرًا على من أطلق لفظ الاتحاد على أهل وحدة الوجود. كما أن الدكتور عبد القادر محمد لم يفقه هذا المعنى، حيث ذهب يتهم ابن تيمية بالخلط بين معنى الاتحاد والحلول ووحدة الوجود. فلو فقه أن للاتحاد معنيين، لبان له الحق ولم يقل ما قال.
ويمكن تلخيص الفرق التي تندرج في هذا النوع من الشرك فيما يلي:
١ - أصحاب الحلول.
٢ - أصحاب الاتحاد.
٣ - أصحاب الاتحاد العام أصحاب وحدة الوجود.
وكل من الحلول والاتحاد الخاص يقضيان وجود شيئين في الأصل، حل الأعلى منهما في الأدنى أو اتحد الأدنى منهما بالأعلى.
وأصحاب الاتحاد العام هو أصحاب وحدة الوجود. وحقيقتها: أنه لا
[ ١ / ٨٤٤ ]
وجود لغير الله في العالم جملة وتفصيلًا.
فهذه الفرق الثلاث سنتكلم عليها في الفروع الآتية بمشيئة الله.
الفرع الأول: الحلوليون:
لقد وقع في هذا النوع من الشرك جملة من الفرق والطوائف الموجودة في العصر الحديث، من أشهرهم:
أولًا: بعض الفرق الباطنية المعاصرة، ومن أبرزها.
أ- البهرة بفرعيها السليماني والداودي: حيث يعتقدون أن الإله متجسد في زعيمهم شخصيًا.
ب- كما أن القرامطة كانوا يقولون: الخالق يجب أن يتجسد في صورة بشرية، فيعبدون بذلك إلهًا يعرفونه. والإمام هو الذي تجسد فيه الإله.
ج- كما يعتقد الدروز أن الحاكم بأمر الله: الحاكم العبيدي، له حقيقتان: حقيقة لاهوتية لا تدرك بالحواس ولا بالأوهام ولا تعرف بالرأي، وله حقيقة ناسوتية تظهر كيف شاء في أي صورة شاء.
د- كما يعتقد النصيرية حلول الإله في علي بن أبي طالب ﵁.
هـ- البابية والبهائية يعتقدون في البهاء حسين علي المازندراني: أن الله
[ ١ / ٨٤٥ ]
حلَّ فيه، وإنما ظهر البهاء في صورة البشر ليتمكن من ترشيد الناس وإصلاحهم إلى الحق - كما يزعمون ـ.
ثانيًا: بعض النحل المعاصرة، منها:
أ- القاديانية: لأنهم يعتقدون حلول الله في غلام أحمد القادياني، وادَّعاه هذا الكاذب لنفسه في كتبه.
ب- الروحية الحديثة: حيث إن من اعتقادهم: (أنهم في الله وأن الله فيهم).
فهذه هي الطوائف التي أشركت بالله جل وعلا في الربوبية بتعطيل الصانع عما يجب له من حقيقة التوحيد، وذلك بقولهم بالحلول، وسيأتي فيما بعد ذكر الطوائف الأخرى، ولكنها تستند - فيما تزعم - بأدلة شرعية أو عقلية. أما هؤلاء فلم يذكروا في اعتقادهم هذا في الله أيَّ دليل أو شبهة لا من الشرع ولا من العقل، وإنما يذكرونه كدعوى تقرير.
١ - إن هذا الاعتقاد أصلًا مستقي من الفلسفة اليونانية، وهي عنصر رئيس في الفلسفة الهندية، والمسيحية استمدت هذه الفكرة من الهندوكية.
[ ١ / ٨٤٦ ]
٢ - يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى ـ: (إن هذا القول - الحلول والتجسيد - كفر صريح باتفاق المسلمين، فإذا قيل: ظهر في صورة إنسان وتجلى فيه، فإن اللفظ يصير مشتركًا بين أن تكون ذاته فيها، وأن تكون قد صارت بمنزلة المرآة التي يظهر فيها وكلاهما باطل، فإن ذات الله ليست في المخلوقات، ولا في نفس ذاته ترى المخلوقات كما يرى المرئي في المرآة).
٣ - قال الرازي: (إن المعقول من حلول الشيء في غيره كون هذا الحالّ تبعًا لذلك المحل في أمر من الأمور، وواجب الوجود لذاته يمتنع أن يكون تبعًا لغيره، فوجب أن يمتنع عليه الحلول).
٤ - (إنه تعالى لا يجوز أن يحل في غيره، وذلك لأن الحلول هو الحصول على سبيل التبعية وأنه ينفي الوجوب الذاتي، وأيضًا: لو استغنى عن المحل لذاته لم يحل فيه، إذ لابد في الحلول من حاجة، ويستحيل أن يعرض للغني بالذات ما يحوجه إلى المحل، لأن ما كان غنيًا لا يزول بالغير، ولا احتاج إليه: أي إلى المحل لذاته، فإن الاستغناء عدم الاحتياج ولا واسطة بينهما، ولزم حينئذ مع حاجة الواجب قدم المحل، فيلزم محالات معًا).
٥ - إن الحلول محال ولا يمكن تصوره بين عبدين، فكيف يمكن تصوره بين العبد وربه؟ .
[ ١ / ٨٤٧ ]
٦ - (إن القديم يختلف عن الحادث لاختلاف الماهية في كل منهما، وهذا الاختلاف يوجب استحالة حلول القديم في الحادث.
٧ - كما أن الله واجب الوجود، وهذا الوصف ينفي الحلول، لأنه في حالة حدوثه يصبح الحالّ تبعًا لما حل فيه، وكما يصبح معلولًا لهذا المحل ومتأثرًا به، بل إن ليصبح في غير الإمكان تصور الحال إلا بتصور المحل، إذن ينتفي الحلول في هذه المرة كما استحال في الأولى).
من الطوائف الأخرى التي وقعت في هذا النوع من الشرك، والتي تزعم أن لديها مستند من الشرع أو العقل ما يلي:
ثالثًا: الجهمية: حيث ادعوا أن الله في كل مكان، ونفوا كونه على عرشه. وبهذا وقعوا في الحلول العام. ويقال لهم: الجهمية الحلولية، غلب على عُبَّادهم وصوفيتهم وعامتهم من شبهاتهم في هذا الباب:
١ - قوله تعالى: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).
٢ - قوله تعالى: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ).
٣ - قوله تعالى: (وهو معكم أين ما كنتم).
[ ١ / ٨٤٨ ]
الردود على هذه الافتراءات:
كل من آمن بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًا يعرف قبح هذا القول بفطرته السليمة، وذلك لما يترتب على اعتقاد مثل هذا القول من مفاسد عظيمة بأبى القلب تصورها، فضلًا أن يكون هذا صحيحًا في حقيقة الأمر، فمن اعتقد أن ربه في كل مكان يستلزم أن يكون في القاذورات والنجاسات والحمامات - تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا ـ.
أما بالنسة لاستدلالاتهم ببعض الآيات القرآنية فإنني سأكتفي بنقل بعض الردود العلمية من الأئمة الكبار في هذا الشأن:
أولها: ردُّ الإمام أحمد - رحمه الله تعالى ـ:
قال الإمام أحمد: (بيان ما أنكرت الجهمية أن يكون الله على عرشه). فقلنا: لِمَ أنكرتم أن يكون الله على العرش؟ وقد قال تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى).
فقالوا: هو تحت الأرض السابعة، كما هو على العرش، فهو على العرش وفي السموات وفي الأرض وفي كل مكان، وتلوا آية من القرآن: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ).
فقلنا: قد عرف المسلمون أماكن كثيرة ليس فيها من عظمة الرب شيء.
فقالوا: أيَّ مكان؟
فقلنا: أجسامكم وأجوافكم وأجواف الخنازير والحشوش والأماكن
[ ١ / ٨٤٩ ]
القذرة ليس فيها من عظمة الرب شيء، وقد أخبرنا أنه في السماء).
وساق الإمام بعض الآيات الدالة على أن الله في السماء عاليًا على خلقه، ثم قال: (وقلنا لهم: أليس تعلمون أن إبليس كان مكانه، والشياطين مكانهم، فلم يكن الله ليجتمع هو وإبليس في مكان واحد.
وإنما معنى قول الله جل ثناؤه: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ). يقول: هو إله من في السموات، وإله من في الأرض، وهو على العرش، وقد أحاط علمه بما دون العرش، ولا يخلو من علم الله مكان، ولا يكون علم الله في مكان دون مكان. فذلك قوله: (لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا).
وقال: من الاعتبار في ذلك: لوأن رجلًا كان في يديه قدح من قوارير صاف، وفيه شراب صاف، لكان نظر ابن آدم قد أحاط بالقدح من غير أن يكون ابن آدم في القدح. والله - وله المثل الأعلى - قد أحاط بجميع خلقه من غير أن يكون في شيء من خلقه.
وخصلة أخرى: لو أن رجلًا بنى دارًا بجميع مرافقها، ثم أغلق بابها وخرج منها، كان ابن آدم لا يخفى عليه كم بيتًا في داره، وكم سعة كل بيت من غير أن يكون صاحب الدار في جوف الدار، فالله - وله المثل الأعلى - قد أحاط بجميع ما خلق، وعلم كيف هو؟ وما هو؟ من غير أن يكون في شيء مما خلق، - ثم قال: - وما تأول الجهمية من قول الله ﷿: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ)؟
[ ١ / ٨٥٠ ]
فقالوا: إن الله معنا وفينا. فقلنا: الله جل ثناؤه يقول: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ)، ثم قال: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ)؛ يعني الله بعلمه (وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا) يعني الله بعلمه (هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ) يعني بعلمه فيهم (أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، بفتح الخبر بعلمه وبختم الخبر بعلمه.
ويقال للجهمية: إن الله إذا كان معنا بعظمة نفسه فقل له: هل يغفر الله لكم فيما بينه وبين خلقه؟
فإن قال: نعم، فقد زعم أن الله بائن من خلقه دونه، وإن قال: لا، كفر.
وإذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله حين زعم أن الله في كل مكان ولا يكون في مكان دون مكان، فقل: أليس الله كان ولا شيء؟
فيقول: نعم.
فقل له: حين خلق الشيء خلقه في نفسه أو خارجًا عن نفسه؟ فإنه يصير إلى ثلاثة أقوال لابد له من واحد منها:
إن زعم أن الله خلق الخلق في نفسه كفر، حين زعم أن الجن والإنس والشياطين نفسه.
وإن قال: خلقهم خارجًا ثم دخل فيهم، كان هذا أيضًا كفر حين زعم أنه دخل في مكان رجس وقذر ورديء.
وإن قال: خلقهم خارجًا ثم لم يدخل فيهم رجع عن قوله أجمع، وهو قول أهل السنة).
[ ١ / ٨٥١ ]
ثانيها: رد الإمام عثمانم بن سعيد الدارمي:
حيث قال ردًا على الحلولية ومنكرًا عليهم مقولتهم: (أرأيتم إذا قلتم: هو في كل مكان، وفي كل خلق، أكان الله إلهًا واحدًا قبل أن يخلق الخلق والأمكنة؟ قالوا: نعم.
قلنا: فحين خلق الخلق والأمكنة، أقدر أن يبقى كما كان في أزليته في غير مكان؛ فلا يصير في شيء من الخلق والأمكنة التي خلقها بزعمكم، أو لم يجد بدًا من أن يصير فيها، أو لم يستغن عن ذلك؟
قالوا: بلى.
قلنا: فما الذي دعا الملك القدوس إذ هو على عرشه في عزه وبهائه بائن من خلقه أن يصير في الأمكنة القذرة، وأجواف الناس، والطير والبهائم؟ لقد شوهتم معبودكم إذا كانت هذه صفة، والله أعلى وأجل من أن تكون هذه صفته، فلابد من أن تأتوا ببرهان بيّن على دعواكم من كتاب ناطق أو سنة ماضية، أو إجماع من المسلمين، ولن تأتوا بشيء منه أبدًا.
ثم قال: فاحتج بعضهم فيه بكلمة زندقة أستوحش من ذكرها، وتستر آخر من زندقة صاحبه، فقال: قال الله تعالى: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ).
[ ١ / ٨٥٢ ]
قلنا: هذه الآية لنا عليكم، لا لكم، إنما يعني أنه حاضر كل نجوى، ومع كل أحد من فوق العرش بعلمه، لأن علمه بهم محيط، وبصره فيهم نافذ، لا يحجبه شيء عن علمه وبصره، ولا يتوارون منه بشيء، وهو بكماله فوق العرش بائن من خلقه (يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى)، أقرب إلى أحدهم من فوق العرش من حبل الوريد، قادر على أن يكون له ذلك، لأنه لا يبعد عنه شيء ولا تخفى عليه خافية في السموات ولا في الأرض، فهو كذلك رابعهم وخامسهم وسادسهم، لا أنه معهم بنفسه في الأرض كما ادعيتم، وكذلك فسرته العلماء.
فقال بعضهم: دعونا من تفسير العلماء، إنما احتججنا بكتاب الله، فأتوا بكتاب الله.
قلنا: نعم، هذا الذي احتججتم به هو حق، كما قال الله ﷿، وبها نقول على المعنى الذي ذكرنا، غير أنكم جهلتم معناها، فضللتم عن سواء السبيل، وتعلقتم بوسط الآية، وأغفلتم فاتحتها وخاتمتها، لأن الله ﷿ افتتح الآية بالعلم بها، وختمها به، فقال: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ). الآية، ففي هذا دليل على أنه أراد العلم بهم وأعمالهم، لا أنه في كل مكان معهم كما زعمتم. فهذه حجة بالغة لو عقلتم).
ثالثها: ردّ المحدث محمد بن الحسين الآجري:
[ ١ / ٨٥٣ ]
حيث قال - رحمه الله تعالى - محذرًا من مذهب الحلولية:
(أما بعد، فإني أحذر إخواني المؤمنين مذهب الحلولية، الذي لعب بهم الشيطان فخرجوا بسوء مذهبهم عن طريق أهل العلم إلى مذاهب قبيحة لا تكون إلا في مفتون هالك.
زعموا: أن الله ﷿ حالٌ في كل شيء حتى أخرجهم سوء مذهبهم إلى أن تكلموا في الله ﷿ بما تنكره العلماء العقلاء، لا يوافق قولهم كتاب ولا سنة وقول الصحابة ﵃ ولا قول أئمة المسلمين، وإني لأستوحش أن أذكر قبيح أفعالهم تنزيهًا مني لجلال الله الكريم وعظمته كما قال ابن المبارك: (إنا لنستطيع أن نحكي كلام اليهود والنصارى، ولا نستطيع نحكي كلام الجهمية) ثم إنهم إذا أنكروا عليهم سوء مذهبهم قالوا: لنا حجة من كتاب الله ﷿. وإذا قيل لهم: ما الحجة؟
قالوا: قال الله ﷿ في كتابه في سورة المجادلة: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ) الآية، وبقوله تعالى: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ).
[ ١ / ٨٥٤ ]
فلبَّسوا على السامع منهم بما تأولوا، فسروا القرآن على ما تهوى أنفسهم فضلوا وأضلوا، فمن سمعهم ممن جهل العلم ظن أن القول كما قالوا، وليس هو كما تأولوه عند أهل العلم.
والذي يذهب إليه أهل العلم: أن الله ﷿ على عرشه فوق سماواته، وعلمه محيط بكل شيء، قد أحاط علمه في جميع ما خلق .. وهو على عرشه سبحانه الأعلى، ترفع إليه أعمال العباد، وهو أعلم بها من الملائكة الذين يرفعونها بالليل والنهار).
ثم قال: (فإن قال قائل: فأين معنى قوله تعالى: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ). الآية التي بها يحتجون؟
قيل له: علمه ﷿، والله على عرشه وعلمه محيط بهم، وبكل شيء من خلقه، كذا فسره أهل العلم، والآية تدل أولها وآخرها على أنه العلم.
فإن قال قائل: كيف؟
قيل: قال الله ﷿: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) فابتدأ الله ﷿ الآية بالعلم وختمها بالعلم، فعله ﷿ محيط بجميع خلقه وهو على عرشه، وهذا من قول المسلمين).
هذه بعض أقوال السلف في الرد على الجهمية، وكل عاقل يدرك بفطرته النقية بطلان هذا القول لمخالفته الحق والصواب الذي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وعقلائها.
[ ١ / ٨٥٥ ]
ثم إن هذه الأقوال السلفية كما أنها ردٌّ على الجهمية الحلولية القائلين بالحلول المطلق العام هكذا تصلح ردًّا على المتصوفة - الآتي ذكرهم - القائلين بالحلول المقيد الخاص. لهذا أطلت في نقل هذه الردود كي تكون ردًّا على كلتا الطائفتين الحلوليتين، إذ الشبهات هي هي، وإن اختلف القائلون بها.
رابعًا: بعض المتصوفة:
هناك بعض المتصوفة المنتسبة إلى الإسلام قد قالوا بالحلول الخاص والمقيد، ووقعوا في هذا النوع من الشرك، وما زال بعض الناس يزعمون أن هؤلاء المتصوفة الحلوليين من علماء هذه الأمة وعظمائها، وتنبيهًا على هذا الخطأ ونصحًا للأمة سأورد هنا بعض هؤلاء المتورطين في القول بالحلول، ونماذج من أقوالهم. ولكن قبل أن ندخل في بيان أقوال هؤلاء المتصوفة يحسن بنا أن نتعرف على الصوفية والمتصوفة ومستقاها في عقائدها وأفكارها.
التعريف بالتصوف والمتصوفة:
هذه الكلمة (التصوف) اختلف في اشتقاقها اللغوي اختلافًا عجيبًا، كما اختلف في ذكر معناها الاصطلاحي اختلافًا غريبًا، وإنني فيما يلي سأذكر أصح ما عندي من هذه الأقوال والآراء:
التصوف أصل تسميته من الصوف، حيث ذهب غالب المتصوفة المتقدمين والمتأخرين إلى أن الصوفي منسوب إلى لبس الصوف، واختاره
[ ١ / ٨٥٦ ]
جمع من أهل السنة الذين صنفوا في الرد على التصوف، كابن خلدون، وابن تيمية.
أما في اصطلاح الصوفية، فقد وجد لديهم عبارات تفوق المئات بل الآلاف في تحديد هذا المصطلح، ولعل أصح ما قال فيه أحد متأخريهم: (إنه لم ينته الرأي فيه إلى نتيجة حاسمة بعد).
ومن الطريف أنهم يرجعون ذلك إلى عظمة قدر التصوف والصوفية حيث إن التصوف - كما يحلله هؤلاء - لا تدرك أغواه ولا تبلغ أبعاده، إذ هو مادة جميع العلوم والفنون، فيفوق الحدود والضوابط، ولا يقدر أحد أن يجمع كل جوانبه في ألفاظ قليلة حاصرة، بل غاية أمر المتعرض لتعريفه وحده أن يعبر عما أدركه هو في التصوف، وما رآه من مقامات الرجال وأحوالهم، فكل يعبر عن حاله وذوقه ومشاهداته التي يزعمها.
وهذه النزعة الباطنية تهدف - بلا ريب - إلى فتح طرق ومسالك ينفذ منها أهل التصوف إلى سن طرق ومخارج جديدة في البدعة كلما شدد عليهم الخناق.
فهم لا يريدون أن يكون التصوف مما يضبط بضوابط معينة، ويحدُّ بحدود معلومة، بل يريدونه شعابًا وأوعارًا لا تحد ولا تحصى، فمتى اكتشف الناس أن شعبًا ما يؤدي إلى مخالفة الكتاب والسنة فتحوا شعبًا آخر أكثر إيغالًا في
[ ١ / ٨٥٧ ]
الوعورة والحزونة، ولا شك أنهم لو حدوا التصوف حدًا جامعًا، وقيدوه بالكتاب والسنة لأدى ذلك إلى كشف زيف ما يظهرونه من أمور تخدع الساذج والمغفل.
وهذا الأمر هو الظاهر في عدم تعريفهم التصوف تعريفًا واحدًا جامعًا مانعًا، فليس في تناقض أقوالهم وعدم تعريف التصوف بتعريف جامع مانع أي عظمة قدر لهم كما يزعمون.
نشأة التصوف:
إذا تتبعنا كتب التاريخ التي كتبت عن نشأة الفرق في الإسلام فإننا سنجد بأن أول بوادر ظهور التصوف وبروزه ظاهرة معروفة بهذا الاسم ولها تعاليم خاصة بها ومدرسة وتلاميذ تربيهم خاصة تختلف مع التربية العامة التي يسلكها أهل السنة والجماعة في تربية الأجيال المسلمة، كان في القرن الثاني الهجري، وذلك نتيجة توسع الفتوحات الإسلامية واختلاط الشعوب المتنوعة المختلفة في عقائدها وأجناسها ولغاتها، ولذا لا يستبعد أن يكون بعض من المسلمين تأثروا بالعقائد التي كانت موجودة وسائدة هناك، خاصة وأن التصوف كان معروفًا قبل الإسلام في الأمم الماضية وبالأخص في بلاد فارس والهند، وكان من مصادره الديانة النصرانية المنحرفة، وبعض الديانات الوضعية؛ كالهندوسية والبوذية، واليونانية الوافدة.
[ ١ / ٨٥٨ ]
المقصود بالمتصوفة في هذا الباب:
المتصوفة على أقسام عدة كما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - وذكره الرازي أيضًا في بعض مصنفاته. والمقصود من هذه الأقسام عندنا ما يلي:
١ - المتصوفة الحلولية: وهم القائلون بحلول الله في بعض مخلوقاته.
٢ - المتصوفة الوجودية: وهم القائلون بوحدة الوجود.
٣ - المتصوفة الإباحية: وهم القائلون بسقوط التكاليف وإباحة المحرمات.
٤ - المتصوفة القبورية: وهم الداعون إلى دعاء الأنبياء والأولياء أحياءً وأمواتًا، من دون الله أو مع الله، والمستغيثون بهم، والطالبون لكشف الكربات وقضاء الحاجات منهم.
ولما كان هدفنا هنا بيان المشركين بالله جل وعلا في الربوبية بتعطيل حقيقة ما يجب على العبد من التوحيد، فإننا سوف نتناول فيما يلي: المتصوفة الحلولية، والمتصوفة الوجوية (أصحاب الوحدة والاتحاد). راجيًا أن يكون الكلام على المتصوفة القبوبية في المبحث الثاني - بمشيئة الله - وأما المتصوفة الإباحية فهم مندرجون تحت شرك تعطيل الرب ج وعلا في كماله المقدس بتعطيل أفعاله، وقد سبق الكلام عليه.
المتصوفة الحلولية والوجودية قديمًا وحديثًا:
ولعل أول من قال بالحلول من المتصوفة في الإسلام هو الحلاج، فمن
[ ١ / ٨٥٩ ]
أقواله في هذا الباب:
مزجت روحك في روحي كما تمزج الخمرة بالماء الزلال
فإذا مسّك شيء مستني فإذا أنت أنا في كل حال
ويقول أيضًا:
أنا من أهوى ومن أهوى أنا ليس في المرآة شيء غيرنا
قدسها المنشد إذ أنشده نحن روحان حللنا بدنا
لا أناديه ولا أذكره إن ذكري وندائي يا أنا
وأما الاتحاد: فلعل أول من قال به في الإسلام من المتصوفة: أبو يزيد البسطامي، ومن أقواله في هذا البا:
(من ثلاثين سنة كان الحق مرآتي، فصرت اليوم مرآة نفسي، لأني لست الآن من كنته، وفي قولي: أنا والحق إنكار لتوحيد الحق؛ لأني عدم محض).
فهما رائدان من رواد الحلول والاتحاد، قد تبعهما كثير من المتصوفة، فمن هؤلاء:
١ - الشبلي: حيث قال هو بنفسه: (أنا والحلاج في شيء واحد، خلصني جنوني وأهلكه عقله).
٢ - الغزالي: وذلك؛ أنه قسم التوحيد أربع مراتب:
[ ١ / ٨٦٠ ]
الأولى: أن يقول الإنسان بلسانه: (لا إله إلا الله) وقلبه غافل عنه، أو منكر له كتوحيد المنافقين.
الثانية: أن يصدق بمعنى اللفظ كما صدق به عموم المسلمين وهو اعتقاد العوام.
الثالثة: أن يشاهد ذلك بطريقة الكشف بواسطة نور الحق، وهو مقام المقربين، وذلك؛ بأن يرى أشياء كثيرة ولكن يراها على كثرتها صادرة عن الواحد القهار.
الرابعة: أن لا يرى في الوجود إلا واحدًا، وهي مشاهدة الصديقين، وتسمية الصوفية: الفناء في التوحيد؛ لأنه من حيث لا يرى إلا واحدًا فلا يرى نفسه أيضًا، وإذا لم ير نفسه لكونه مستغرقًا بالتوحيد كان فانيًا عن نفسه في توحيده .
٣ - ابن الفارض: ويدل عليه ما جاء في تائيته:
إليَّ رسولًا كنت مني مرسلًا وذاتي بآياتي علي استدلت
وقوله أيضًا:
تحققت أني في الحقيقة واحد وأثبت صحو الجمع محو التشتت
٤ - ابن عربي الملقب عند المتصوفة بالشيخ الأكبر:
ويدل عليه كثير من كتبه، وبالخصوص: فصوصه. والذي جاء فيه:
(فكل ما ندركه فهو وجود الحق في أعيان الممكنات. فمن حيث
[ ١ / ٨٦١ ]
هوية الحق هو وجوده، ومن حيث اختلاف الصورة فيه هو أعيان الممكنات).
٥ - ابن سبعين: ومن الأقوال الدالة على كونه من أصحاب وحدة الوجود ما يلي:
قوله: (فإن عرفته في كل شيء عين كل شيء لا الصورة المتعينة لم تجهله في صورة أصلًا).
٦ - العفيف التلمساني - الفاجر ـ: والذي يدل على أنه كان من أصحاب وحدة الوجود:
ما نقله شيخ الإسلام ابن تيمية - (مر التلمساني ومعه شخص بكلب، فركضه الآخر برجله، فقال: لا تركضه، فإنه منه).
٧ - أبو الحسن الشاذلي: شيخ الطريقة الشاذلية المعروفة حيث قال:
(من أطاعني في كل شيء بهجرانه لكل شيء أطعته في كل شيء بأن أنجلي له في كل شيء حتى يراني أقرب إليه من كل شيء، هذه هي طريق أولى، وهي طريق السالكين، وطريق كبرى، من أطاعني في كل شيء، بإقباله على كل
[ ١ / ٨٦٢ ]
شيء لحسن إرادة مولاه في كل شيء أطعته في كل شيء بأن أنجلي له في كل شيء حتى يراني كأني عين كل شيء).
٨ - النابلسي الحنفي: حيث كان هو من أكثر الناس دفاعًا عن عقيدة وحدة الوجود.
ومما يدل عليه صراحة كتابه: (جواب عبد الغني)، وقد جاء فيه في تفسير قوله تعالى: (وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ). أي: الذين ألهاهم التكاثر، أي: التكاثر عن الوحدة، حتى زاروا المقابر، أي حتى ماتوا على كثرة أعيانهم ولم يرجعوا إلى العين الوحدة).
٩ - التجاني: من أقواله في وحدة الوجود:
(كذلك صاحب اليقين سلبه الله صورة الغير والغيرية ولم يبق في حسه وشهوده وإدراكاته وذوقه إلا الحق محضًا ﷾ من كل وجه وبكل اعتبار، كما قال بعض العارفين:
[ ١ / ٨٦٣ ]
فلم يبق إلا الله لا شيء غيره فما ثم موصول ولا ثم بائن
وقال أيضًا: (فكل عابد أوساجد لغير الله في الظاهر فما عبد ولا سجد إلا لله تعالى، لأنه هو المتجلي في تلك الألباس ).
١٠ - أشرف علي التهانوي الديوبندي الحنفي الملقب عند أغلب الأحناف بحكيم الأمة: حيث قال نقلًا عن الشيخ إمداد الله: (قيل لموحد: إذا كان الحلوي والخرء شيئًا فكل الحلوى والخرء جميعًا، فجعل هذا الموحد شكله شكل الخنزير، فأكل الخرء، ثم حول نفسه من صورة الخنزير إلى صورة الآدمي، فأكل الحلوى).
فعلق عليه أشرف علي التهانوي بقوله: (إن هذه المعترض على هذا الموحد كان غبيًا، ولذلك تكلف هذا الموحد هذا التصرف، وإلا فالجواب ظاهر، وهو أن الحلوى والخرء متحدان في الحقيقة لا في الأحكام والآثار).
١١ - الشيخ إمداد الله: إمام الديوبندية الحنفية وشيخهم الأول في التصوف: حيث قال: (أعجبني بعض الأمور الطيبة في الحرمين:
منها: عقيدة وحدة الوجود انتشرت كثيرًا في الناس وارتكزت فيهم حتى الأطفال ).
نقول: لقد كان هذا - إن صح قوله - في عصر الظلمات قبل قيام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ بدعوته السلفية، نحمد الله ﷿
[ ١ / ٨٦٤ ]
الذي أزال عن هذه الديار تلك الخبائث والرذائل والشرك والكفر والبدع بمثل هذا المجدد، وأقرت عيون السلفية بدعوته المباركة.
١٢ - البريلوي: حيث زعم: أن الرسول ﷺ جزء من نور الله، وأن الكون إنما هو من نوره ﷺ، حتى وصل الأمر إلى كون المخلوق جزءًا من الخالق. أقول: وليس هذا إلا عقيدة وحدة الوجود.
فهذه نماذج من شرك المتصوفة بتعطيل الصانع عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد.
وهو اسم لثلاثة فروع:
١ - الحلول: وقد سبق الرد عليه عند الرد على الجهمية الحلولية.
٢ - الاتحاد الخاص: وسيكون الكلام في الرد عليه في النوع الثاني.
٣ - وحدة الوجود أو الاتحاد العام: وسيرد على هذا الاعتقاد في الفرع الثالث.
فإن قيل: ما وجه ذكر هؤلاء المتصوفة في العصر الحاضر، وقد ماتوا وفاتوا وبادوا؟
يقال: لا عبرة بكونهم قد مضوا، بل العبرة بوجود أفكارهم بعد موتهم أيضًا: فهؤلاء الذين ذكرتهم الآن - وسيأتي ذكر الآخرين منهم - إنما ذكرتهم لسببين اثنين:
[ ١ / ٨٦٥ ]
الأول: إن أفكار هؤلاء الأساطين موجودة برمتها عند المتصوفة بدون أي تعديل، بل ربما تطورت إلى أودية وشعاب.
الثاني: إن هؤلاء المشايخ هم مشايخ التصوف في القديم، ومشايخ التصوف في الحاضر، فما من متصوف إلا وهو يبجل هؤلاء المذكورين، ويذكرهم بأنهم أولياء الله، فلينظر العاقل إلى نفسه، بأنه لو كان الأمر في المشايخ والأساطين هكذا - بأنهم مبتلون بالشرك بالله، فما بال أتباعهم؟ .
الفرع الثاني: الاتحاديون، والردود عليهم:
أما الاتحاد فيمكن أن يجاب عنه بما يلي:
١ - قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى ـ: (الخالق والمخلوق إذا اتحدا، فإن كانا بعد الاتحاد اثنين - كما كان قبل الاتحاد - فذلك تعدد وليس اتحاد، وإن كانا استحالا إلى شيء ثالث كما يتحد الماء واللبن والنار والحديد لزم من ذلك أن يكون الخالق قد استحال وتبدلت حقيقته كسائر ما يتحد مع غيره فإنه لابد أن يستحيل، وهذا ممتنع على الله تعالى منزه عنه، لأن الاستحالة تقتضي عدم ما كان موجودًا، والرب تعالى واجب الوجود بذاته، وصفاته اللازمة له صفات كمال، فعدم شيء منها نقص يتعالى الله عنه، ولأن اتحاد المخلوق بالخالق يقتضي أن العبد متصف بالصفات القديمة اللازمة لذات الرب، وذلك ممتنع على العبد المحدَث المخلوق، فإن العبد يلزمه الحدوث والافتقار والذل، والرب تعالى يلازمه القدم والغنى والعزة، وهو - سبحانه - قديم غني عزيز يستحيل عليه نقيض ذلك، فاتحاد أحدهما بالآخر: يقتضي أن يكون الرب متصفًا بنقيض صفاته من الحدوث والفقر
[ ١ / ٨٦٦ ]
والذل، والعبد متصفًا بنقيض صفاته من القدم والغنى الذاتي، وكل ذلك ممتنع).
٢ - أن يقال في الرد عليهم: إن هذا القول ليس له دليل من الشرع ولا مستند من العقل، بل هذه عقيدة دخيلة في الإسلام من الديانة الهندوسية والديانة النصرانية، وكفى كون هذه العقيدة من هاتين الديانتين أن تكون باطلة.
الفرع الثالث: أصحاب وحدة الوجود:
سبق معنا بيان المقصود بأصحاب وحدة الوجود، بأنه لم يذهب إلى هذا المذهب إلا بعض المتصوفة. وفيما يلي بعض الردود على أفكارهم وآرائهم.
١ - إن هذا الاعتقاد من الاعتقادات الدخيلة في الإسلام، حيث إنه لا دليل له من الشرع ولا مستند له من العقل، وإنما يوجد مثل هذا الاعتقاد في الديانة الهندوسية، وبعض الديانات المنحرفة.
٢ - وقد ناقش شيخ الإسلام هذا المذهب وبين أنه يقوم على أصلين هما:
أ- أن المعدوم ثابت في العدم.
ب- وجود الأعيان نفس وجود الحق.
أما الأصل الأول: فقد نشأ عند ابن عربي من علم الله الأشياء قبل إيجادها، فرأى أنها لابد أن تكون ثابتة في العدم، وإلا لما علمت وتعلق بها العلم.
[ ١ / ٨٦٧ ]
وهذه شبهة واهية، لأن علم الله الشيء لا يستلزم ثبوته في العدم، فالإنسان يعلم الموجود والمعدوم الممكن والمعدوم المستيحل فهذه أمور نتصورها نوع تصور، ولا يكون لها ثبوت في الخارج، فثبوت الشيء في العلم والتقدير ليس ثبوتًا لعينه في الخارج والذي عليه أهل السنة والجماعة وعامة عقلاء بني آدم من جميع الأصناف، أن المعدوم ليس في نفسه شيئًا، وأن ثبوته ووجوده وحصوله شيء واحد.
وأما الأصل الثاني: وهو قولهم: إن وجود الأعيان نفس وجود الحق وعينه، فقد ذكر شيخ الإسلام: أن هذا الأصل انفردا به عن جميع مثبتة الصانع من المسلمين واليهود والنصارى والمجوس والمشركين، وأن هذا هو حقيقة قول فرعون والقرامطة المنكرين لوجود الصانع.
فمن فهم هذا فهم جميع كلام ابن عربي نظمه ونثره وما يدعيه من أن الحق يغتذي بالخلق، لأن وجود الأعيان معتمد بالأعيان الثابتة في العدم، ولهذا يقول بالجمع من حيث الوجود، وبالفرق من حيث الماهية والأعيان، ويزعم أن هذا هو سر القدر، لأن الماهيات لا تقبل إلا ما هو ثابت لها في العدم في أنفسها فهي التي أحسنت وأساءت، وحمدت وذمت، والحق لم يعطها شيئًا إلا ما كانت عليه في حال العدم.
فكلامه تضمن شيئين:
إنكار وجود الحق.
وإنكار خلقه لمخلوقاته.
فهو منكر للرب الذي خلق فلا يقر برب ولا بخلق، ومنكر لرب العالمين،
[ ١ / ٨٦٨ ]
فلا رب ولا عالمون مربوبون، إذ ليس إلا أعيان ثابتة ووجودها قائم بها، فلا الأعيان مربوبة ولا الوجود مربوب، ولا الأعيان مخلوقة، ولا الوجود مخلوق، وهو يفرق بين المظاهر والظاهر والمجلي والمتجلي، لأن المظاهر عنده هي الأعيان الثابتة في العدم، وأما الظاهر فهو وجود الخلق.
وقد أبطل شيخ الإسلام هذا الأصل بقوله: هذه الأعيان المعدومة الثابتة في العدم هل خلقها الله وجعلها موجودة بعد أن كانت معدومة؟ أم لم يخلقها فلا تزال معدومة؟
فإن كان الأول: امتنع أن تكون هي إياه، لأن الله لم يكن معدومًا فيوجد.
وإن كان الثاني: وجب أن لا يكون شيء لم يكن موجودًا وهذا تبطله المشاهدة والعقل والشرع، ولا يقوله عاقل، ولا يقبله عقل.
وأما قولهم: ظهر الحق وتجلى، وهذه مظاهر الحق ومجاليه، وهذا مظهر إلهي ومجلي إلهي، فقال شيخ الإسلام: أتعني به أن عين ذاته حصلت هناك؟ أو تعني أنه صار ظاهرًا متجليًا لها بحيث تعلمه؟ أو تعني أنه ظهر لخلقه بها وتجلى بها؟
فإن عنيت الأول: فهو باطل، فقد صرحت بأن عين المخلوقات - حتى النجاسة منها - هي ذات الله أو هي وذات الله متحدتان، أو ذات الله حالة فيها، وهذا الكفر أعظم من كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم، وأن الله ثالث ثلاثة، وأن الله يلد ويولد، وأن له بنين وبنات.
وإن عنيت أنه صار ظاهرًا متجليًا لها، فهذا حقيقة أمر صار معلومًا لها، ولا ريب أن الله يصير معروفًا لعبده لكن كلامك في هذا باطل من وجهين:
[ ١ / ٨٦٩ ]
١ - إنك جعلته معلومًا للمعدومات التي لا وجود لها لكونه قد علمها، واعتقدت أنها إذا كانت معلومة يجوز أن تصير عالمة، وهذا عين الباطل.
٢ - إنه إذا علم أن الشيء سيكون، لم يجز أن يكون هذا قبل وجوده عالمًا قادرًا فاعلًا، وأن هذا ليس حكم جميع الكائنات المعلومة، بل بعضها هو الذي يصبح منه العلم.
وأما إن قلت: إن الله يعلم بها لكونها آيات دالة عليها، فهذا حق، لكنك لم تقل هذا الوجهين:
١ - إنها لا تصير آيات إلا بعد أن يخلقها ويجعلها موجودة، لا في حال كونها معدومة معلومة، وأنت لم تثبت أنه خلقها ولا جعلها موجودة، ولا أنه أعطي شيئًا خلقه، بل جعلت نفسه هو هي المتجلية لها.
٢ - إنك قد صرحت بأنه تجلى لها وظهر لها، لا أنه دل بها خلقه وجعلها آيات تكون تبصرة، والله قد أخبر في كتابه أنه يجعل في هذه المصنوعات آيات ..
وإذا كان عندهم أن المرئي بالعين هو الله، فهذا كفر صريح باتفاق المسلمين، ولا سيما إذا قيل: ظهر فيها وتجلى، فإن اللفظ يصير مشتركًا بين أن تكون ذاته فيها أو تكون قد صارت بمنزلة المرآة التي يظهر فيها مثال المرئي، وكلاهما باطل، فإن ذات الله ليس في المخلوقات، ولا نفس ذاته ترى في المخلوقات كما يرى المرئي في المرآة.
ولكن ظهورها: دلالتها عليه شهادتها له، وأنها آيات له على نفسه وصفاته ﷾).
[ ١ / ٨٧٠ ]
ويقول في معرض رده على القائلين بأن الوجود واحد بمعنى: أن الموجودات اشتركت في مسمى الموجود: ( فهذا صحيح، لكن الموجودات المشتركات في مسمى الواحد لا يكون وجود هذا عين وجود هذا، بل هذا اشتراك في الاسم العام الكلي، كالاشتراك في الأسماء التي يسميها النحاة اسم الجنس ويقسمها المنطقيون إلى جنس ونوع وفصل وخاصة وعرض عام. فالاشتراك في هذه الأسماء: هو مستلزم لتبائن الأعيان، وكون أحد المشتركين ليس هو الآخر، وهذا ما يعلم به أن وجود الحق مباين لوجود المخلوقات، فإنه أعظم من مباينة هذا الموجود لهذا الموجود، فإذا كان وجود الفلك مباينًا مخالفًا لوجود الذرة والبغوضة، فوجود الحق تعالى أعظم مباينة لوجود كل مخلوق فإن الوحدة المعينة الشخصية تمتنع في الشيئين المتعددين، ولكن الوجود واحد في نوع الوجود بمعنى أن اسم الموجود عام يتناول كل واحد، كما أن اسم الجسم والإنسان ونحوهما يتناول كل جسم وكل إنسان، وهذا الجسم ليس هو ذاك، وهذا الإنسان ليس هو ذاك، وكذلك هذا الموجود ليس هو ذاك).
وقال: (ولهذا اتفق أئمة المسلمين على أن الخالق بائن من مخلوقاته ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، بل الرب رب والعبد عبد (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا).
[ ١ / ٨٧١ ]
فهذه بعض الردود على القائلين بوحدة الوجود، والأمر لا يحتاج إلى كثرة الردود، بل تصور حقيقة مذهب هؤلاء كافٍ في إدراك بطلانه وسخافته.
ولكن هل يوجد لديهم أي شبة يتشبثون بها؟ نعم، قد وجد عندهم بعض الشبه، حيث استندوا على آرائهم الفاسدة ببعض النصوص الشرعية.
بعض منها صحيحة، ولكن الاستدلال بها باطل، وبعض منها باطلة من أساسها.
أهم الشبه التي يستند إليها أصحاب وحدة الوجود:
الشبهة الأولى: تشبثهم بالحديث الذي فيه (أن الله يجمع الناس ويظهر لهم فينكرونه، ويظهر لكل أمة بصورة لا تعرفها فتنكره، فيعود فيظهر لكل أمة بالصورة التي عبدوه عليها في الأرض فيسجد الكل ).
هكذا ذكروه كأنه لفظ الحديث، واستدلوا به على وحدة الوجود، على أنه يظهر لكل عابد على صورة معبوده في الدنيا، لأنه ما عبد إلا هو.
قبل الرد على الاستدلال يقال لهم: إن لفظ الحديث لا يدل على ما تقولونه، فإن النص الوارد في الحديث كالتالي:
(عن أبي هريرة ﵁ قال: قال ناس: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: «هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟» قالوا: لا يا رسول الله. قال: «فإنكم ترونه يوم القيامة كذلك، يجمع الله الناس فيقول: من كان يعبد شيئًا ليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت،
[ ١ / ٨٧٢ ]
وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا أتانا ربنا عرفناه، فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفونها فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا فيتبعونه ويضرب جسر جهنم» ).
فهذا هو الحديث الصحيح الذي أرادوا أن يتصيدوا منه الدليل على قولهم الفاسد.
وللرد عليهم على استدلالهم أقول:
١ - أين فيه: أنه تعالى يظهر لكل أمة بالصورة التي عبدوه عليها؟ .
٢ - يثبت الحديث: أن هذا التجلي لن يكون إلا في الآخرة، وهؤلاء يدينون بتلبسه بالصور في الدنيا.
٣ - يدين هؤلاء: أن الله يتجلى لكل أحد بحسب اعتقاده، فإذا اعتقد في صنم أو كوكب أو عجل تجلى له في صورة معتقده، أما إذا تجلى له في صورة أخرى أنكره، أما العارف المطلق فإنه يعرف الله - في زعمهم - في كل صورة يظهر بها؛ لأنه يعتقد أن الرب عين كل شيء، هذا في حين يبين الحديث أن المؤمنين أنكروه في صورته الأولى، وعرفوه في صورته الثانية، وهؤلاء هم الرسل والأولياء، وهم - باعتراف هؤلاء - أكمل العارفين، وهم لم يعرفوه إلا في صورة واحدة، وهذا ينسف أصل دعواهم: وهو أن العارف من يعرف الله في كل صورة.
[ ١ / ٨٧٣ ]
٤ - يزعم الاتحادية: أن الله عين كل شيء، والحديث يثبت وجود قوم مؤمنين، وكافرين ومنافقين، فإذا أخذنا بفكر المتصوفة كان ربهم هو الكافر والمنافق وغير ذلك؛ لأنه عندهم عين كل شيء، وبطلان هذا الفكر واضح جلي.
٥ - يثبت الحديث: أن الله سبحانه لن يتجلى إلا في صورة واحدة في كل مرة من المرتين الأولى والثانية، وأما هؤلاء فيدينون بتجلي ربهم فيما لا يتناهى من الصور المتباينة في آن واحد.
٦ - لم يبين الحديث كُنه الصورة الأولى، أما الصورة الثانية فعرَّفها الحديث بأنها هي التي رأوه فيها أول مرة، وهذا ينقض قول الحلولية بأنه يظهر لكل أحد في صورة معتقده، كما يبطل قول أهل الوحدة بأن ربهم عين كل شيء.
٧ - ما لهؤلاء القوم يستشهدون بما لا يؤمنون به؟ فإنهم يزعمون أنهم يأخذون عن الله مباشرة، ويستنكفون أن يعملوا بالشريعة التي جاء بها رسل الله.
الشبهة الثانية:
استدلالهم بقوله ﵇: « كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يسعى بها ».
يقول ابن عربي: (فذكر أن هويته هي عين الجوارح التي هي عين العبد، فالهوية واحدة والجوارح مختلفة).
يقال في الرد عليهم: إن هذا الحديث في الواقع حجة عليهم لا لهم، وذلك من وجوه:
منها:
[ ١ / ٨٧٤ ]
١ - إن قوله: «من عادى لي وليًا فقد بارزني بالمحاربة» فأثبت معاديًا محاربًا، ووليًا غير المعادي.
٢ - قوله: «وما تقرب إليَّ عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه» فأثبت عبدًا متقربًا إلى ربه، وربًا افترض عليه فرائضه.
٣ - قوله: «ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه» فأثبت متقرِبًا ومتقرَبًا إليه، ومحبًا ومحبوبًا غيره.
٤ - قوله: «لئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه»، فأثبت سائلًا ومسئولًا غيره، ومستعيذًا ومستعاذًا به غيره، وهذا كله ينقض قولهم: الوجود واحد.
والحديث حق، وظاهره على أن الولي لكمال طاعته لله ومحبته له، يبقى عمله لله، فما يسمعه مما يحبه الحق أحبه، وما يسمعه مما يبغض الحق أبغضه، وما يراه مما يحبه أحبه، وما يراه مما يبغضه أبغضه، فيبقى محبوب الحق محبوبه، ومكروه الحق مكروهه، ومأمور الحق مأموره، وولي الحق وليه، وعدو الحق عدوه.
وعلى الأوجه كلها لا متمسك فيه للاتحادية، ولا القائلين بالوحدة.
الشبهة الثالثة:
استدلالهم بقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ).
[ ١ / ٨٧٥ ]
يقول النابلسي: (فقد أخبر تعالى: أن نبيه محمدًا ﷺ هو الله تعالى وتقدس، وبيعته وبيعة الله ويده التي مدت للبيعة هي يد الله تعالى، كما سمعت من الآية الشريفة).
يقال في الرد على هذه الشبهة كما قال شيخ الإسلام: (إن قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ) لم يرد بك أنك أنت الله، وإنما أراد أنك أنت رسول الله ومبلغ أمره ونهيه، فمن بايع فقد بايع الله، كما أن من أطاعك فقد أطاع الله، ولم يرد بذلك أن الرسول هو الله، ولكن الرسول أمر بما أمر الله به فمن أطاعه فقد أطاع الله، ومن ظن في قوله: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ) أن المراد به أن فعلك هو فعل الله، أو المراد: أن الله حال فيك ونحو ذلك فهو مع جهله وضلاله - بل كفره وإلحاده - فقد سلب الرسول خاصيته وجعله مثل غيره، وذلك؛ أنه لو كان المراد به أنه خالق لفعلك لكان هناك قدر مشترك بينه وبين سائر الخلق، وكان من بايع أبا جهل فقد بايع الله، ومن بايع مسيلمة فقد بايع الله، وعلى هذا التقدير: فالمبايع هو الله أيضًا فيكون الله قد بايع الله!).
فهذه بعض الشبهات التي يستندون إليها في الشرك بالله جل شأنه في الربوبية بتعطيل معاملة الصانع عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد.
بقي أن نجيب على شبهة كبرى للبريلوية، وهي:
الشبهة الرابعة:
أن الرسول ﷺ نور وليس ببشر، وأنه مخلوق من نور الله.
[ ١ / ٨٧٦ ]
هذه الشبهة مكونة من جانبين:
أولًا: ادعاؤهم أن النبي ﷺ نور.
ثانيًا: ادعاؤهم أنه جزء من نور الله، وجميع الخلائق من نور محمد ﷺ.
أما الجانب الأول: فهو قولهم بأن النبي ﷺ نور، وأنه لا يوجد له ظل لكونه نورًا، وأنه جاء متنقلًا من أصلاب آبائهم من آدم إلى عبد الله بن عبد المطلب، فهذا القول قد قال به كثير من المتصوفة، قديمًا وحديثًا.
ومعلوم أن هذا القول من الأقوال المبتدعة ونتيجة للغلو، ومخالفة لصريح القرآن والسنة، والكلام على هذا الموضوع سيكون في غير هذا الموضع.
وأما الجانب الثاني: وهو قولهم: إن محمدًا ﷺ جزء من نور الله، وأن
[ ١ / ٨٧٧ ]
جميع الكائنات من نوره، فهذه هي العقيدة الاتحادية التي نحن بصدد ذكرها وردها.
وفيما يلي بيان القائلين بهذا القول والردود المقنعة عليها، بمشيئة الله.
ممن قال بذلك من المتصوفة:
ابن عربي الحاتمي، وعبد الكريم الجيلي، وأبو الحسن بن عبد الله البكري، والبريلوي، ومحمد عثمان عبده البرهاني، والملا علي القاري.
فالنبي ﷺ عند هؤلاء الغلاة خلق من نور الله تعالى، ثم خلق من نور النبي ﷺ بقية المخلوقات، فهذا الذي ذهبوا إليه من خلق العالم أو صدوره عن ذات الله تعالى يفسر لنا ما ذهب إليه هؤلاء من القول بوحدة الوجود.
الردود على هذا القول:
١ - إن ما ذهبوا إليه لم يكن وليد أفكارهم، إنما كان مستمدًا من مصادر فلسفية قديمة تأثروا بها ونقلوها إلى المسلمين، وما زال تأثيرها إلى وقتنا
[ ١ / ٨٧٨ ]
الحاضر.
٢ - إن هذا القول من معتقدات النصارى في عيسى ﵇.
٣ - إن هذا القول مما تأثر به المتصوفة من الشيعة؛ حيث ترى الشيعة أكثر الناس مشتغلين بالنور وادعائه في أئمتهم.
٤ - إن هذا القول ليس له أي مستند صحيح من النقل ولا دليل صريح من العقل.
شبهات وجوابها:
من الشبهات التي يتشبثون بها في هذا الباب:
استدلالهم ببعض الأحاديث المنسوبة إلى الرسول ﷺ، من ذلك ما يلي:
١ - استدلال هؤلاء الغلاة على قولهم هذا بالحديث المنسوب إلى جابر ابن عبد الله الأنصاري في مواضع متفرقة من كتبهم، ناسبًا تخريجه إلى عبد الرازق الصنعاني في المصنف له، فبعضهم يذكره في بضعة أسطر، وبعضهم في بضع صفحات، وفيما يلي أشمل نص وجد من هذه الروايات الموهومة:
(عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أخبرني عن أول شيء خلقه الله قبل الأشياء؟ قال النبي ﷺ: إن الله خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره، فجعل ذلك النور يدور في القدر حيث شاء الله،
[ ١ / ٨٧٩ ]
ولم يكن في ذلك لوح ولا قلم، ولا جنة ولا نار، ولا ملك ولا سماء ولا أرض، ولا شمس ولا قمر، ولا جني ولا إنسي، فلما أراد أن يخلق الخلق، قسم ذلك النور أربعة أجزاء:
١ - فخلق من الجزء الأول: القلم.
٢ - ومن الثاني: اللوح.
٣ - ومن الثالث: الجنة والنار.
٤ - ثم قسم الرابع أربعة أجزاء:
أ- فخلق من الأول: نور أبصار المؤمنين.
ب- ومن الثاني: نور قلوبهم - وهو المعرفة بالله ـ.
ج- ومن الثالث: نور أنسهم - وهو التوحيد - لا إله إلا الله، محمد رسول الله الحديث).
فهذا الحديث الذي تم نقله الآن فيه قوله: (من نوره)، وهو يدل على أن محمدًا ﷺ خلق من نور الله.
الردود على هذه الرواية:
لنا على هذه الرواية بحثان من حيث الرواية، ومن حيث ٣ الدراية.
أما من حيث الرواية:
فأقدم من رأيت من نسبه إلى مخرج هو القسطلاني، حيث قال: (وروى عبد الرازق بسنده). ولكنه لم يصرح في أي كتاب خرجه بالسند.
[ ١ / ٨٨٠ ]
ثم جاء الزرقاني في شرحه للمواهب اللدنية، فنسبه إلى عبد الرزاق في مصنفه، وزاد عليه تخريجًا آخر، فقال: (ولم يذكر الرابع من هذا الجزء، فليراجع من مصنف عبد الرزاق مع تمام الحديث، وقد رواه البيهقي ببعض مخالفة).
هكذا قال الزرقاني، ولكن ما وجدنا في المصنف بعد طول البحث والتنقيب أي حديث يشبهه - فضلًا أن يكون هذا موجودًا فيه ـ. فظننت لعل عبد الرزاق أخرجه في تفسيره، فبحثت عنه في تفسيره فلم أجده.
ثم رأيت شيخ الطريقة البرهانية قد أحال تخريجه إلى كتاب جنة الخلد ونسبه إلى عبد الرزاق، وقد بحثت عن هذا الكتاب لعلي أطلع على سند الحديث، ولكن دون جدوى فلم أعثر له على أثر، بل لم أقف على من نسب مثل هذا الكتاب لعبد الرزاق، وكذلك بحثت عن كتب عبد الرزاق الأخرى أيضًا فلم أجد له أثرًا، وقد بحثه غيري أيضًا في مصنفات عبد الرزاق فلم يعثر عليه.
بل قد شهد شاهد من القوم على براءة عبد الرزاق من هذا الحديث. وهو عبد الله بن الصديق الغماري - الذي وصفه العلوي المالكي بأنه محدث الدنيا! ! ! - حيث قال عبد الله بن الصديق الغماري: معلقًا على قول السيوطي في الحاوي على هذا الحديث: (إنه غير ثابت):
[ ١ / ٨٨١ ]
(وهو تساهل قبيح، بل الحديث ظاهر الوضع، واضح النكارة، وفيه نفس صوفي والعجب أن السيوطي عزاه إلى عبد الرزاق، مع أنه لا يوجد في مصنفه ولا تفسيره ولا جامعه، وأعجب من هذا أن بعض الشناقطة صدق هذا العزو المخطئ، فركب له إسنادًا من عبد الرزاق إلى جابر، ويعلم الله أن هذا كله لا أصل له، فجابر ﵁ بريء من رواية هذا الحديث، وعبد الرزاق لم يسمع به، وأول من شهر بهذا الحديث ابن عربي الحاتمي، فلا أدري عمن تلقاه، وهو ثقة، فلابد أن أحد المتصوفة المتزهدين وضعه ).
فهذا آخر ما عندنا من نقد الحديث من ناحية الرواية، وقد اتضح لنا من البحث السابق أن الحديث لم يخرجه أحد، لا عبد الرزاق ولا غيره، وإنما هو من أكاذيب المتصوفة.
وأما ما نسب إليه الزرقاني بأنه رواه البيهقي ببعض مخالفة، فهذا أيضًا من جنس ما سبق، فإني قد بحثت في مظان هذا الحديث من كتب البيهقي فلم أظفر به ولا ما هو بمعناه في أي من كتبه.
أما من حيث الدراية:
فأيضًا أن الحديث لا يصح لوجوه:
١ - إننا لا نعرف في أي كتاب روى هذا الحديث عبد الرزاق، ولا نعرف أنه رواه عند أحد من العلماء المعتد بهم، ومن قرائن وضع الحديث ألا يتداوله العلماء وأهل العلم بالحديث، فليس الحديث في مصنفه، ولا في مسند أحمد
[ ١ / ٨٨٢ ]
ولا في سنن الدارمي، ولا في مسند الطيالسي، ولا في الكتب الستة، ولا في صحيحي ابن خزيمة وابن حبان، ولا في مستدرك الحاكم، ولا في معاجم الطبراني الثلاثة، ولا في دلائل النبوة للبيهقي، ولا في سنن البيهقي، ولا في سنن الدارقطني، ولا في كتب الضعفاء والمتروكين، ولا في كتب الزهد والرقائق كالحلية لأبي نعيم، وصفوة الصفوة، ولا في مجاميع الحديث كالجامع الصغير، والجامع الكبير، ولا في كنز العمال، ولا في كتب التراجم، فأين يكون هذا الحديث؟ !، لا شك أنه حديث باطل.
٢ - لو سلمنا أن الحديث صحيح إلى عبد الرزاق، لكان مما حدث به بعد تغيره، فقد عمي في آخر عمره وصار يلقن أحاديث ليست في كتبه، فوقعت المناكير في حديثه بعد ذلك.
٣ - إن الحافظ الثقة إذا حدث بحديث يخالف فيه الثقات كان حديثه شاذًا، فكيف إذا خالف الكتاب والسنة وروى الأباطيل؟ فلا ريب أن حديثه الذي انفرد به منكر مردود.
٤ - سئل شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - أن قومًا ينقلون: (إن الله قبض من نور وجهه قبضة ونظر إليها، فخلق الله من كل قطرة نبيًا، وكانت القبضة هي قبضة النبي ﷺ وبقي كوكبًا دريًا، وكان نورًا منقولًا من أصحاب الرجال إلى بطون النساء).
فأجاب: (من ذكر من أن الله قبض من نور وجهه قبضة) إلخ - فهذا أيضًا
[ ١ / ٨٨٣ ]
كذب باتفاق أهل المعرفة بحديثه، وكذلك ما يشبه هذا من أحاديث يذكرها شيرويه الديلمي في كتابه الفردوس، ويذكرها ابن حمويه في مثل كتاب (المحبوب) ونحو ذلك مما يذكرون من أن النبي ﷺ، كان كوكبًا أو أن العالم كله خلق منه، أو كان موجودًا قبل أن يخلق أبوه، أو أنه كان يحفظ القرآن قبل أن يأتيه جبريل، ومثل هذه الأمور، فكل ذلك مفترى باتفاق أهل العلم بسيرته ).
وقال أيضًا: (فهذه الأحاديث وأمثالها مما هو كذب وفرية عند أهل العلم، لا سيما إذا كانت معلومة البطلان بالعقل، بل متخلية في العقل! ليس لأحد أن يرويها ويحدث بها إلى على وجه البيان، لكونها كذبًا، وعلى ولاة الأمور أن يمنعوا من التحديث بها في كل مكان، ومن أصر على ذلك فإنه يعاقب العقوبة البليغة التي تزجره وأمثاله عن الكذب على النبي ﷺ وأصحابه، وأهل بيته، وغيرهم من أهل العلم والدين).
٥ - إن شيوع مثل هذا المعتقد الذي يخالف كل دليل من كتاب الله ومن سنة رسوله، يجعل المسلمين في سخط الله تعالى، لأنهم يعتقدون عقائد تخالف ما شرع الله في كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ.
٦ - إن نسبة مثل هذه العقائد إلى الإسلام تجعله في نظر خصومه دين الخيالات والمبالغات.
٧ - إن مثل هذا القول سفسطة ظاهرة، فإن ذات ربنا ﵎ منزه من أن يكون مادة لغيره وأخذ قبضة من نوره ليس معناه أنه قطع منه جزء فجعله نور
[ ١ / ٨٨٤ ]
نبيه، فإنه مستلزم للتجزي، وغير ذلك مما يتبعه في ذاته - تعالى الله عنه ـ.
حتى لو سلمنا جدلًا - وأنى له ذلك - أن الحديث ثابت؛ فإن قوله: (من نوره) إن الإضافة فيه كالإضافة في قوله تعالى في قصة خلق آدم: (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي)، وكقوله تعالى من قصة سيدنا عيسى: (وَرُوحٌ مِنْهُ)، وكقولهم: (بيت الله الكعبة والمساجد)، وقولهم: (روح الله) لعيسى، وغير ذلك.
قال الزرقاني في شرح المواهب: عند شرح قوله (من نوره): (إضافة تشريف، على حد قوله تعالى: (وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ)، وهي بيانية).
وبهذا علمنا: أن الشبهات التي يتشبث بها أصحاب وحدة الوجود كلها ساقطة من أساسها، فلا يوجد لديهم أي دليل لا من العقل ولا من النقل على القول بوحدة الوجود.
[ ١ / ٨٨٥ ]
المبحث الثاني: الشرك في الربوبية باتخاذ الأنداد
والكلام عليه سيكون على محورين:
المحور الأول: الشرك في الربوبية بالأنداد في الذات.
المحور الثاني: الشرك في الربوبية بالأنداد في الصفات والأفعال.
المحور الأول: في بيان الشرك في الربوبية باتخاذ الأنداد في الذات:
وقد وقع فيه جملة من الملل في العصر الحاضر، فمن هذه الملل ما يأتي:
١ - شرك المجوس الموجودين في العصر الحاضر، وقد سبق بيان مذهبهم وعقيدتهم فيما سبق، فلا نعيده هاهنا.
٢ - شرك النصارى الموجودين في العصر الحاضر، مع اختلاف فرقهم ونحلهم؛ فإنهم ما زالوا على العقائد السابقة الذكر، وإن اختلفت النحل والأسماء في العصر الحديث.
٣ - بعض الفرق الباطنية المعاصرة:
من أبرز الفرق:
أ- الإسماعيلية المعاصرة: فإنهم يعتقدون كاعتقاد سلفهم: أن الله لم
[ ١ / ٨٨٦ ]
يخلق العالم خلقًا مباشرًا، بل كان ذلك عن العقل الكلي الذي هو محل لجميع الصفات الإلهية، ويسمونه الحجاب، ويسمون الأول بالسابق والثاني بالتالي، وقد حل العقل الكلي في بعض إنسانهم وأئمتهم، فمن هؤلاء الذين لهم الألوهية عندهم:
١ - الإمام الموجود عند البوهرة السليمانية والداودية.
٢ - الإمام الحالي لدى الإسماعيلية الأغاخانية.
ج- النصيرية: حيث يعتقدون في علي بن أبي طالب ﵁ أنه إله، ويعتقدون أيضًا ألوهية خمسة أيتام.
فهؤلاء أبرز من أشرك بالله في الربوبية بالأنداد في الذات، فالمجوس والنصارى معلوم شركهم لدى الجميع، وأما الفرق الباطنية المنتسبة إلى الإسلام فلا يذكرون تجاه هذه الاعتقادات أي شبهة، وإنما هي ادعاءات تقريرية، وهم باعتقادهم هذه قد خرجوا من الإسلام جملة وتفصيلًا.
المحور الثاني: الشرك في الربوبية باتخاذ الأنداد في الصفات والأفعال:
وله جانبان:
الجانب الأول: الشرك في الربوبية بالأنداد بادعاء إثبات صفات الخالق
[ ١ / ٨٨٧ ]
للمخلوق.
الجانب الثاني: الشرك في الربوبية بالأنداد بادعاء بإثبات صفات المخلوق للخالق.
أما الجانب الأول ففيه عدة مطالب:
المطلب الأول: الشرك في الربوبية بالأنداد بإثبات صفة القدرة الكاملة الخاصة لله جل وعلا للمخلوق.
المطلب الثاني: الشرك في الربوبية بالأنداد بإثبات صفة العلم المحيط الخاصة بالله جل وعلا لبعض المخلوقات.
المطلب الثالث: الشرك في الربوبية بالأنداد بإثبات صفة الحكم الخاصة بالله جل شأنه لغير الله جل وعلا من المخلوقات.
المطلب الأول: الشرك في الربوبية بالأنداد بإثبات صفة القدرة الكاملة لغير الله جل شأنه
المقصود بالشرك في قدرة الله الكاملة:
معلوم أن صفة من الصفات الجامعة لله، تشمل كثيرًا من صفاته تعالى، وهي تعني: كل ما ليس في مقدور البشر أن يفعله من خصائص الربوبية. فمن هذه الصفات ما يلي:
١ - التصرف الشامل في الكون والمكنون.
٢ - التصرف الخاص في الكون والمكنون.
وهذا النوع الثاني من التصرف يشتمل على عدة أمور.
- القدرة على الخلق والإيجاد.
- القدرة على إحياء الموتى.
[ ١ / ٨٨٨ ]
- القدرة في إنزال المطر.
- القدرة على شفاء الأمراض.
- القدرة على الهداية التوفيقة.
- القدرة على حفظ العالم من الدمار.
- القدرة على النفع والضر.
- القدرة على الإنقاذ من عذاب القبر.
- القدرة على غفران الذنوب ومحو الخطايا من الصحف.
- القدرة على إجابة الدعاء واستماع ندائهم وإغاثة المكروبين من كربهم والمصابين من مصائبهم.
لقد وقع في هذا النوع جملة من الفرق والنحل والطوائف وبعض الجهلة من الناس في العصر الحديث؛ فإن كل من أثبت لغير الله جل شأنه من الأفعال والأعمال التي تتعلق بالقدرة الكاملة كالإحياء والإماتة والنفع والضر والخلق والرزق والإغاثة من الكرب والمصائب وغيرها التي لا يمكن أن تكون من غير الله، فقد أشرك بالله في صفته القدرة الكاملة. وسأذكر هذه الفرق والنحل والطوائف وبعض من تورط ببعض أنواع الشرك في الفروع التالية:
الفرع الأول: الشرك في الربوبية بالأنداد في صفة القدرة الكاملة لغير الله في الشيعة:
وذلك؛ لما يعتقدون في علي ﵁: (أن عليًا لما رفع السيف ليضرب به مرحّبًا، أمر الله سبحانه إسرافيل وميكائيل أن يقبضا عضده في الهواء حتى لا يضرب بكل قوته، ومع هذا قسمه نصفين، وكذا ما عليه من
[ ١ / ٨٨٩ ]
الحديد وكذا فرسه، ووصل السيف إلى طبقات الأرض، فقال لي الله سبحانه: يا جبريل، بادر إلى تحت الأرض، وامنع سيف علي عن الوصول إلى ثور الأرض حتى لا تنقلب الأرض، فمضيت فأمسكته، فكان على جناحي أثقل من مدائن لوط، وفي ذلك اليوم أيضًا: لما فتح الحصن، وأسروا نساءهم كانت فيهم صفية بنت ملك الحصن، فأتت النبي ﷺ وفي وجهها أثر شجة، فسألها النبي ﷺ عنها، فقالت: إن عليًا لما أتى الحصن وتعسر عليه أخذه، أتى على برج من بروجه، فهزه فاهتز الحصن كله، وكل من كان فوق مرتفع سقط منه، وأنا كنت جالسة فوق سريري فهويت من عليه فأصابني السرير، فقال لها النبي: يا صفية، إن عليًا لما غضب وهز الحصن غضب الله لغضب علي، فزلزل السموات كلها حتى خافت الملائكة ووقعوا على وجوههم، وكفى به شجاعة ربانية، وأما باب خيبر فقد كان أربعون رجلًا يتعاونون على سده وقت الليل، ولما دخل علي الحصن طار ترسه من يده من كثرة الضرب، فقلع الباب، وكان في يده بمنزلة الترس يتقاتل فهو في يده حتى فتح الله عليه).
ومعلوم أن مثل هذه القدرة خاصة بالله تعالى، وهي ليست في مقدور البشر. وهذا النص وإن كان في مصدر قديم للشيعة إلا أن القوم ما زالوا على نفس الاعتقاد؛ بدليل كون هذا الكتاب ونصوصه عندهم مثل صحيح البخاري عند أهل السنة، فالقوم ما زالوا يعتقدون مثل هذا الاعتقاد.
وهؤلاء الشيعة في اعتقاداتهم هذه ما يذكرون أي دليل يذكر من مصادر موثوقة، وإنما يختلقون أكاذيب، وينقلون روايات ملفقة من المجهولين
[ ١ / ٨٩٠ ]
ليثبتوا هذه العقائد. ولا يستدلون لا بالآية القرآنية ولا بالسنة الصحيحة، ولا بالعقل الصريح، حتى نشتغل بالرد عليهم، ولذا فإننا لا نطيل في الرد عليهم، مكتفيًا بما سيأتي في ردنا على المتصوفة فيما بعد.
الفرع الثاني: الشرك بالله ﷿ في صفته القدرة الكاملة لدى البابية والبهائية:
لقد وقعت البابية والبهائية في ألوان من الشرك بالله جل وعلا، سبق أن ذكرنا بعضًا منها، وهنا نذكرهم على أساس أنهم وقعوا في الشرك بالله في الربوبية بالأنداد في صفته القدرة الكاملة، وذلك؛ أنهم يعتقدون أن الباب الذي هو حسين علي المازندراني هو الذي خلق العالم كله، وإليه الخلق والرزق، وكل ما هو لدى الله فهو عنده.
الفرع الثالث: الشرك في الربوبية بالأنداد في صفته الكاملة لغير الله في المتصوفة:
المتصوفة قد وقعوا في هذا النوع من الشرك من وجوه عدة، وفيما يلي بيان ذلك بالتفصيل:
أ- اعتقاداتهم تجاه النبي ﷺ في هذا الباب:
فمن هذا الباب ادعاء الغلاة: أنه إليه الملاذ والمهرب في الشدائد والكرب. فمن أقوالهم الدالة عليه ما يلي:
١ - يقول القسطلاني - ثم لم يعلق عليه الزرقاني موافقة له ـ: (فهو خزانة
[ ٢ / ٨٩١ ]
السر، وموضع نفوذ الأمر، فلا ينفذ أمر إلا منه، ولا ينقل خير إلا عنه، ولله در القائل:
ألا بأبي من كان ملكًا وسيدًا وآدم بين الماء والطين واقف
إذا رام أمرًا لا يكون خلافه وليس لذاك الأمر في الكون صارف)
٢ - ما ذكر النبهاني عن بعض أساطينهم أنه قال:
يا ملاذي يا منجدي يا منائي يا معاذي يا مقصدي يا رجائي
يا نصيري يا عمدتي يا مجبري يا خفيري يا عدتي يا شفائي
أدرك أدرك أغث أغث يا شفيعي عند ربي واعطف وجد بالرضاء
أنت عوني وملجئي وغياثي وجلا كربتي وأنت غنائي
٣ - كما نقل أيضًا عن آخر قوله:
نفحة لمحة غياثًا عياذًا عطفة جذبة جوابًا نداء
كم هموم من الديون علتني أنا في فكرها صباح ومساء
ثقلت حملها غير أني بك أرجو وضعًا لها أو وفاء
أنت في كل مطلب نصب عيني لا أرى لي إلا سواك التجاء
يا مجلي بحبه الكرب فَرِّج كربة القلب واكشف الغماء
[ ٢ / ٨٩٢ ]
يا مرجي الخطوب أنت المرجى عند ما ترجى الخطوب الرجاء
عظمت كربتي فجئتك قصدًا قاصدًا للعظائم العظماء
٤ - ونقل عن آخر قوله:
بذلي بإفلاسي بفقري بفاقتي إليك رسول الله أصبحت أهرب
٥ - ونقل عن آخر قوله:
يا رسول الإله إني ضعيف فاشفني أنت مقصد للشفاء
يا رسول الإله إن لم تغثني فإلي من ترى يكون التجائي
٦ - وقال النبهائي نفسه مثل هذا القول:
سيدي أبا البتول أغثني أنت أدرى بما حواه الضمير
وقال أيضًا: (إن المسلمين من أهل السنة والجماعة - وهم جمهور الأمة المحمدية يعتقدون فيه ﷺ: أنه يعلم الغيب، ويعطي ويمنع، ويقضي حوائج السائلين، ويفرج كربات المكروبين، وأنه يشفع فيمن يشاء، ويدخل الجنة من يشاء).
٧ - ومثل هذا ما جاء في القصيدة للبوصيري التي سميت بالبردة - ظلمًا
[ ٢ / ٨٩٣ ]
وزورًا - مضاهًا للقصيدة الصحيحة:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم
وقوله:
ولن يضيق رسول الله جاهك بي إذا الكريم تحلى باسم منتقم
وقوله:
إن آت ذنبًا فما عهدي بمنتقض من النبي ولا حبلي بمنصرم
فإن لي ذمة منه بتسميني محمدًا وهو أوفى الخلق بالذمم
إن لم يكن في معادي آخذًا بيدي فضلًا وإلا فقل يا زلة القدم
حاشاه أن يحرم الراجي مكارمه أو يرجع الجار منه غير محترم
وقال أيضًا في قصيدته الهمزية:
قد تمسكت من ودادك بالحبل الذي استمسكت به الشفعاء
وأبى الله أن يمسني السوء بحال ولي إليك التجاء
قد رجوناك للأمور التي أبردها في قلوبنا رمضاء
وأتينا إليك أنصار فقر حملتنا إلى الغني أنضاء
وانطوت في الصدر حاجات نفسي ما لها عن نديدك انطواء
فأغثنا يا من هو الغوث والغيث إذا أجهد الورى اللأواء
والجواد الذي به تفرج الغمة عنا وتكشف الحوباء
يا نبي الهدى استغاثة ملهوف أضرت بحاله الحوباء
إذا نظرنا إلى الأبيات السابقة التي أوردتها عن البوصيري نرى فيها الغلو
[ ٢ / ٨٩٤ ]
الشديد الذي أدى به إلى أن يتجاوز بالرسول منزلة العبودية إلى منزلة الألوهية والربوبية؛ حيث توجه إليه بطلب الاستغاثة، ووصفه بأنه هو الذي ينجيه من الكربات ومن هلاك يوم القيامة، وأنه ليس له غيره منج له.
٨ - ومثل هذا ما جاء عن البرعي:
فخذ بيدي وجد بالعفو يا من إذا ناديته لبى سريعًا
وقل عبد الرحيم غدا رفيقي وما يخشى رفيقك أن يضيعا
يا سيدي يا رسول الله خذ بيدي في كل هو من الأهوال ألقاه
إن كان زارك قوم لم أزر معهم فإن عبدك عاقته خطاياه
يا صاحب القبر المقيم بيثرب يا منتهى أملي وغاية مطلبي
يا من نرجيه لكشف عظيمة ولحل عقدٍ ملتوٍ متصعب
يا من يجود على الوجود بأنعمٍ خضرٍ تعم عموم صوب الصيب
يا غوثَ من في الخافقين وغيثهم وربيعهم في كل عام مجدب
يا رحمة الدنيا وعصمة أهلها وأمان كل مشرّقٍ ومغرّبٍ
وهناك أبيات أخرى للبرعي توجه فيها إلى الرسول بالدعاء والاستغاثة، وإنما ذكرت هنا نماذج من شركه في الربوبية في القدرة الكاملة، وشركه في العبادة في الدعاء لغير الله.
إذا نظرنا إلى هذه الأبيات التي قالها البرعي مادحًا بها الرسول ﷺ نرى أنه قد غلا في مدح الرسول غلوًا شديدًا، حتى وصل به هذا اللغو إلى أن يصرف
[ ٢ / ٨٩٥ ]
عبادات لا يجوز صرفها لغير الله عزوجل، حيث توجه إلى الرسول بالدعاء والاستغاثة وطلب منه أن يأخذ بيده، وصرح بأنه إذا نادى الرسول فإنه ينفذ له مطلوبه، وطلب من الرسول أن ينجيه من كل الأهوال التي تصيبه في هذه الدنيا، ووصفه أيضًا بأن الرسول ﷺ هو الذي يجود بالنعم لكل ما في هذا الكون، وأخيرًا وصف الرسول ﷺ بأنه مغيث كل من في الخافقين، وأنه أمان لكل من في المشرق والمغرب.
وهذه الأوصاف كلها لا تليق إلا بالله ﷿، وأغلبها من الشرك في القدرة الكاملة، ولكن الغلو الزائد أوقع البرعي في هذه الشركيات التي نراها واضحة في هذه الأبيات التي أوردناها عنه، وهي لا تحتاج إلى الإيضاح والبيان؛ لأن الاستغاثة والتوجه إلى الرسول بالدعاء والالتجاء إليه في الشدائد واضح فيها من أولها إلى آخرها. وإذا لم تكن مثل هذه الألفاظ شركًا فليس هناك شيء يسمى شركًا.
٩ - ويقول آخر:
أنشأك نورًا ساطعًا قبل الورى فرد الفرد والبرية في العدم
ثم استمد جميع مخلوقاته من نورك السامي فيا عظم الكرم
فلذا إليك الخلق تفزع كلهم في هذه الدنيا وفي اليوم الأهم
وإذا دهمتهم كربة فرجتها حتى سوى العقلاء في ذاك منتظم
جد لي فإن خزائن الرحمن في يدك اليمنى وأنت أكرم من قسم
إذا نظرنا في هذه الأبيات السابقة نرى فيها الغلو الزائد في الرسول ﷺ واضح فيها؛ حيث ادعى فيها بأن الرسول أول مخلوق، وأنه مخلوق من نور،
[ ٢ / ٨٩٦ ]
وأن جميع المخلوقات استمدت من نوره، كما يتضح من البيت الثالث والرابع أنه يرى وجود القدرة الكاملة لدى الرسول ﷺ، حيث يدعي الشاعر أن جميع الخلائق يفزعون إلى الرسول يوم القيامة وفي هذه الدنيا أيضًا لإنجائهم في المهالك، ولتحقيق المطالب. وزعم أيضًا بأن الرسول هو المفرج لجميع الكرب التي تصيب البشرية، ثم سأل الرسول أن يجود له من الخزائن التي في يده لأن خزائن الرحمن كلها في يد الرسول ﷺ على زعمه ـ، وهذه كلها من الشرك بالله جل شأنه في قدرته الكاملة.
١٠ - ويقول آخر:
من استجار به ينجيه من كرب فجاه طه وسيع لا بمنحصر
رب استجرب به في كل حادثة وكل نائبة ما عشت عمري
وفي القيام وفي حشر لينقذني من كل ما أخشى من سيئ القدر
شفاء ذي وصب نجاة ذي عطب غياث ذي نصب في السهل والوعر
من راح قاصده يلقى مقاصده كالبحر في كرم والغيث والمطر
وقال أيضًا:
يا رسول الله غوثًا عجلا فعظيم الخطب فينا نزلا
يا رسول الله فرج سندي أصلح الشأن وسد الخللا
إن حصن الله من لاذ به أمن الخوف ونال الأملا
أنت سر الله يا نور الهدى أنت غوث الخلق من كل البلا
يا مزيل الخطب إن خطب دها سيدي أنت لها غث عجلًا
فأغثني سيدي الأبناء من فرجًا للناس كلا أرسلا
[ ٢ / ٨٩٧ ]
فاكشف الغماء عني عجلا يا مغيثًا يا عظيمًا بطلا
إذا نظرنا في الأبيات السابقة يظهر بجلاء مدى توغل صاحبه في الشرك في الربوبية في القدرة الكاملة، حيث إنه طلب منه النجاة والشفاء وفرج الكربات وغيرها.
ففي هذه الأشعار والأبيات (ومثلها كثير عند المتصوفة) شرك في الربوبية بالله جل شأنه في صفته القدرة الكاملة، كما أن فيها شرك بالله بالأنداد بجملة من الصفات المندرجة تحت صفة القدرة الكاملة؛ من كشف الضر والخلاص من الكربات وشفاء السقام، واللجوء من الخوف والضرر والهول، كل هذه الصفات أثبتوها لغيره سبحانه.
١١ - ويقول البريلوي: إن النبي ﷺ يقضي كل قسم من الحاجات، إن جميع أمور الدنيا والآخرة في اختياره.
١٢ - ويقول آخر: ماذا في كفة الله تعالى سوى الوحدة؟ إن كنت تريد شيئًا فاطلبه من محمد ﷺ.
١٣ - وأيضًا يقول البريلوي: (إن مفاتيح الكون كلها في يد رسول الله ﷺ، وهو مالك الكل، وأنه النائب الأكبر للقادر، وهو الذي يملك كلمة (كن».
١٤ - ويقول أيضًا: (كل ما ظهر في العالم فإنما يعطيه سيدنا محمد ﷺ الذي بيده المفاتيح، فلا يخرج من الخزائن الإلهية شيء إلا على يديه، وإنه ﷺ إذا أراد شيئًا لا يكون خلافه؛ لأنه ليس لأمره صارف في الكون).
[ ٢ / ٨٩٨ ]
١٥ - ويقول أيضًا في ديباجة كتابه: (الأمن والعلى لناعتي المصطفى): (وصلى ربنا وسلم على دافع البلاء والوباء والقحط والمرض والألم، سيدنا ومولانا ومالكنا ومأوانا محمد مالك الأرض ورقاب الأمم قال الفقير المستدفع البلاء، من فضل نبيه العلي الأعلى، صلى عليه الله تعالى، عبد المصطفى أحمد رضا، المحمدي الحنفي القادري البركاتي البريلوي، دفع بنبيه البلاء، ومنح قلبه النور والجلاء).
١٦ - وقال: إن الرسول ﷺ هو المبرئ من السقم والآلام والكاشف عن الأمة كل خطب، وهو المحيي، وهو الدافع للمعضلات والنافع للخلق، والرافع للراتب، وهو الحافظ الناصر، وهو دافع البلاء، وهو الذي برد على الخليل النار، وهو الذي يهب ويعطي وحكمه نافذ، وأمره جار في الكونين.
١٧ - وقال:
(منه الرجاء منه العطاء منه المدد في الدين والدنيا والأخرى للأبد).
١٨ - وقال: إن رسول الله ﷺ خليفة الله الأعظم، وإنه متصرف في الأرض والسماء.
١٩ - وقالوا: المعاملة كلها بيد رسول الله ﷺ، يعطي من شاء ما شاء؛ لأن الدنيا والآخرة من جوده، وعلم اللوح والقلم من علومه، فإن كنتم تريدون
[ ٢ / ٨٩٩ ]
خيري الدنيا والآخرة فأتوا إلى بابه، ثم اطلبوا ما شئتم.
٢٠ - وقالوا: إن الله تعالى قد مكن النبي ﷺ من إعطاء كل ما أراد من خزائن الحق، ومن خصائصه ﷺ أن يخص من شاء بما يشاء، ومن خصائصه ﷺ أن الله تعالى أقطعه أرض الجنة يعطي منها ما يشاء من يشاء.
٢١ - وقالوا: إن رسول الله ﷺ مالك الأرضين ومالك الناس، ومالك الأمم، ومالك الخلائق، بيده مفاتيح النصر والمدد، والجنة والنار، وهو يكون صاحب القدرة والاختيار يوم القيامة، ويكشف الكروب ويدفع البلاء، وهو حافظ للأمانة وناصر لها، وإليه ترفع الأيدي للاستنجاد.
٢٢ - وقالوا: إن النبي ﷺ نائب مطلق عن الله تعالى، فالعالم كله تحت تصرفه، فهو يفعل ما يشاء، ويعطي ما يشاء من يشاء، ويسلب ما يشاء من يشاء؛ لا راد لقضائه في العالم كله، والعالم كله محكوم له، وهو مالك لجميع بني آدم، والأرض كلها والجنة كلها ملكه.
وملكوت السموات والأرض تحت أمره، ومفاتيح الجنة والنار في يده، والرزق والخير وكل قسم من العطاء يوزع من عنده، إن الدنيا والآخرة حصة من عطائه.
٢٣ - وقالوا: قال الله تعالى: يا محمد، كلهم يطلبون رضاي، وأنا أطلب
[ ٢ / ٩٠٠ ]
رضاك، وجعلت ملكي كله من العرش إلى الفرش فداءً لك، حكمك جار على الشمس والقمر؛ لا يطلع الشمس حتى تسلم على ابنك الجيلاني غوث الثقلين وغيث الكونين.
والخلاصة: بعد إيرادنا تلك المقالات عن المتصوفة ومن سار على نهجهم من القبوريين التي مدحوا فيها الرسول وتجاوزوا فيها الحد، حيث غلوا في الرسول ورفعوه إلى منزلة الألوهية والربوبية، نستطيع: إن نقول: إن المتصوفة قد وقعوا في انحراف عقدي خطير جدًا؛ حيث توجهوا إلى رسول بالدعاء والاستغاثة طالبين منه غفران الذنوب وتفريج الكروب، وغير ذلك من المطالب، تاركين الله ﷿ وراء ظهورهم، معرضين عن دعائه ﷾ الذي قال في كتابه: (ادعوني أستجب لكم).
وقوله سبحانه: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان).
وبما أن الدعاء يعتبر عبادة من أجل العبادات، فإن صرفه للرسول ﷺ يعتبر شركًا بالله ﷾؛ وذلك لأن الرسول عبد من عباد الله ولا يستحق شيئًا من حقوق الألوهية، بل هو ﷺ كان يعبد ربه صلى الليل حتى تتفطر قدماه، وكان يستغفر الله كثيرًا ﷺ.
ولأن غفران الذنوب وتفريج الكروب والإنجاء من المهالك في الدنيا والآخرة خاص بالله ﷾، قال تعالى: (ومن يغفر الذنوب إلا الله)، والجواب: لا أحد يغفر الذنوب إلا الله ﷾؛ لا نبيًا
[ ٢ / ٩٠١ ]
مرسلًا ولا ملكًا مقربًا ولا وليًا.
وعلى هذا فالمتصوفة بتوجههم بالدعاء إلى الرسول والاستغاثة به وطلب غفران الذنوب منه يعتبرون قد وقعوا في الإشراك بالله غيره؛ لأن الدعاء عبادة فصرفه لغير الله يعتبر شركًا بالله ﷾. وسيأتي بيان هذا النوع من الشرك عند المتصوفة فيما بعد. إنما المقصود هنا: بيان شرك الربوبية بالأنداد لدى المتصوفة، وهذه النصوص فيها بيان صريح لوقوعهم في أنواع من الشرك في الربوبية بالأنداد، ومن أبرزها: الشرك في صفة القدرة الكاملة لله سبحانه، ولهذا فإننا سنرد عليهم فيما يلي:
الردود على هذه الأقوال:
يرد على هذه الأقوال بالقرآن والسنة وأقوال سلف هذه الأمة:
أما الكتاب، فمثل قوله تعالى:
١ - (قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ).
٢ - (وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ).
٣ - (وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).
٤ - (وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى
[ ٢ / ٩٠٢ ]
كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ).
٥ - (قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ).
٦ - (قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا).
٧ - (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ).
٨ - (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ).
٩ - (قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا).
١٠ - (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلآ أَنفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ).
[ ٢ / ٩٠٣ ]
١١ - (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ).
١٢ - (وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ).
١٣ - (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ).
١٤ - (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ).
١٥ - (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ).
١٦ - (قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا).
١٧ - (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلا شَيْطَانًا مَرِيدًا).
١٨ - (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ).
١٩ - (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ).
[ ٢ / ٩٠٤ ]
٢٠ - (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ).
فهذه بعض الآيات القرآنية الدالة على أن هذه الأشياء التي أثبتوها للنبي ﷺ كلها من خصائص الربوبية، ومن الحقوق الخالصة لله جل شأنه، بل فيه إشراك في صفة القدرة الكاملة لله تعالى، فإثباتها لغير الله شرك بالله في الربوبية في صفة القدرة الكاملة.
أما السنة: فقد دلت أحاديث كثيرة على إبطال هذه العقيدة - عقيدة التصوف في الكون لغير الله - والتي هي شرك بالله في صفته القدرة الكاملة، من أهمها ما يلي:
الحديث الأول: حديث ابن عمر ﵁ قال: كنت خلف رسول الله ﷺ يومًا، فقال: «يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله. وإذا استعنت فاستعن بالله. واعلم: أن الأمة إذا اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف».
[ ٢ / ٩٠٥ ]
فإن هذا الحديث من أعظم الأحاديث التي تثبت التصرف في الكون لله وحده لا شريك له، وتنفي عن غيره تعالى، ويدل على أن الأنبياء والأولياء وغيرهم من المخلوقين لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا؛ فضلًا عن أن يملكوا لغيرهم، كما أنهم لا يملكون موتًا ولا حياةً ولا نشورًا، وأن غيره تعالى غير قادر على العطاء والمنع، ودفع الضر وجلب النفع.
الحديث الثاني: حديث عبد الله بن حوالة الأزدي: قال: بعثنا رسول الله ﷺ لنغنم على أقدامنا، فرجعنا فلم نغنم شيئًا، وعرف الجهد في وجوهنا، فقام فينا فقال: «اللهم لا تكلهم إلي فأضعف عنهم، ولا تكلهم إلى أنفسهم فيعجزوا عنها، ولا تكلهم إلى الناس فيستأثروا عليهم».
هذا الحديث أيضًا يدل على إبطال عقيدة المتصوفة في زعمهم التصرف في الكون لغير الله، فإنه صريح، ونص على أن النبي ﷺ لا يملك نفعًا ولا ضرًا، وأنه عاجز عن حفظ نفسه، فكيف يملك حفظ غيره؟ !
كما دل الحديث على أن حفظ الخلق صفة خاصة بالله تعالى.
الحديث الثالث: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قام فينا النبي ﷺ،
[ ٢ / ٩٠٦ ]
فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره، قال: «لا ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء، على رقبته فرس لها حمحمة، يقول: يا رسول الله أغثني!
فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد بلغتك.
وعلى رقبته صامت.
فيقول: يا رسول الله أغثني!
فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد بلغتك.
أو على رقبته رقاع تخفق.
فيقول: يا رسول الله أغثني!
فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك».
فهذا الحديث أيضًا صريح في أن سيد البشر، وأفضل الأنبياء لا يملك نفعًا ولا ضرًا حتى لأصحابه، فما بالك بغيره؟ ! .
الحديث الرابع: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ حين أنزل الله: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ)، قال: «يا معشر قريش - أو كلمة نحوها - اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبد مناف!
[ ٢ / ٩٠٧ ]
لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب! لا أغني عنك من الله شيئًا، يا صفية عمة رسول الله! لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا فاطمة بنت محمد ﷺ، سليني ما شئت من مالي! لا أغني عنك من الله شيئًا).
فهذا الحديث أيضًا يدل نصًا على أن النبي ﷺ لا يملك نفعًا ولا ضرًا لبنته وعمه وعمته وأقاربه، وأنه لا يستطيع أن يخلصهم من بطش الله وعذابه فما ظنك بغيره؟ ! فلو كان النبي ﷺ يملك القدرة والتصرف والنفع والضر لكان أقاربه أحق الناس بأن يدفع عنهم الضر ويجلب لهم الخير، ولم يقل له: (إني لا أملك لكم، ولا أغني عنكم من الله شيئًا).
ووردت أحاديث كثيرة تؤكد بأن الرسول ﷺ لا يعلم ما سيفعل به في المستقبل، وأنه لا يستطيع دخول الجنة إلا إذا أدخله الله فيها برحمته، وإليك النصوص الدالة على هذا:
الحديث الأول: قال رسول الله ﷺ: «والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي».
والحديث الثاني: قول الرسول ﷺ: «لن يدخل أحدكم الجنة بعمله» قالوا: حتى أنت يا رسول الله؟ قال: «حتى أنا إلا أن يتغمدني الله بفضل
[ ٢ / ٩٠٨ ]
ورحمة».
ففي هذين الحديثين صرح الرسول ﷺ بأنه لا يعرف ما يفعل به، وأنه لا يستطيع أن يدخل أحد بعمله الجنة إلا بفضل الله - حتى هو صلوات الله وسلامه عليه - وإذا كان الرسول كذلك لا يملك لنفسه دخول الجنة إلا برحمة الله، فتوجه المتصوفة إليه بالدعاء والاستغاثة يعتبر عبثًا وهراء، وما أوقعهم في هذا الشرك إلا حبهم للخرافة والابتداع والوقوع في حبائل الشرك.
وكيف يتوجه إليه المتصوفة بالدعاء والاستغاثة ويطلبوا منه أمورًا لا يجوز طلبها إلا من الله، وهو قد زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، ثم قال رسول الله ﷺ: «استأذنت ربي أن أستغفر لأمي؛ فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت».
وثبت أيضًا في صحيح مسلم أن رجلًا قال: يا رسول الله، أين أبي؟ قال: «في النار»، فلما قفى دعاه فقال له: «إن أبي وأباك في النار».
فانظر كيف أن الرسول ﷺ لم يستطع أن ينفع والديه وهما أقرب الناس إليه، فكيف نتصور أن الرسول ﷺ يغفر ذنوب من جاءوا إليه بعد موته، ويفرج همومهم من أولئك المتصوفة المخرفة الذين يتوجهون إليه بالدعاء والاستغاثة ضاربين بتلك الآيات التي تصف الداعي لغير الله أضل إنسان مثل قوله تعالى: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ
[ ٢ / ٩٠٩ ]
غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ).
وناسين أيضًا تلك الآيات التي قررت بأن كل مدعو دون الله ما هو إلا عبد وأنه لا يستطيع نصر من يدعوه سواء كان هذا المدعو ملكًا أو نبيًا أو حجرًا أو شجرًا، ومن هذه الآيات قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ (١٩٥) إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ).
ففي هذه الآيات أخبرنا الله ﷾ بأن المدعوين من دون الله لا يستطيعون نصر من يدعونهم؛ لأنهم عاجزون عن نصر أنفسهم فضلًا عن أن ينصروا غيرهم، ومن كان عاجزًا عن نصر نفسه لا ينبغي أن يتوجه إليه بالدعاء والاستغاثة؛ لأنه لا يملك إجابة دعاء من دعاه ولا إغاثة من استغاث به؛ لأن هذه من خصوصية الله ﷿، فلا ينبغي أن تصرف لغيره ومن صرفها لغيره، فدعا واستغاث بغيره، فقد وقع في الشرك الأكبر.
وهناك نص قاطع من السنة النبوية بأن الرسول ﷺ قال للصحابة حينما قالوا: قوموا نستغيث برسول الله: «إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله»، وهذا نص الحديث.
روى الطبراني بإسناده أنه كان في زمن النبي ﷺ منافق يؤذي المؤمنين،
[ ٢ / ٩١٠ ]
فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق، فقال النبي صل الله عليه وسلم: «إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله».
وفي حديث آخر حينما قال الصحابي للرسول ﷺ: ما شاء الله وشئت، قال: «بل ما شاء الله وحده، أجعلتني لله ندًا؟ !».
فإذا نظرنا إلى الحديثين السابقين نجد أن الرسول ﷺ أنكر على الصحابة الذين قالوا: قوموا نستغيث برسول الله ﷺ، وأخبرهم بأن الذي يستغاث به هو الله ﷾؛ لأنه هو الذي يستطيع أن يغيث من يستغاث به، أما هو فلا يستغاث به؛ لأنه عاجز عن إغاثة من استغاث به في الأمور التي لا يمكن أن يقدر عليها إلا الله ﷾، وهذا في حالة حياته أما بعد موته فإنه لا يجوز أن يستغاث برسول الله ﷺ إطلاقًا؛ لأنه انتقل من هذه الدار الفانية إلى الدار الباقية، فكل من استغاث به بعد موته وطلب منه غفران الذنوب وتفريج الكروب وإزالة
[ ٢ / ٩١١ ]
الهموم، فقد صرف له شيئًا من العبادات التي لا يجوز صرفها لغير الله ﷾، وحينئذ يعتبر أنه وقع في الشرك.
أما في الحديث الثاني، فقد أنكر الرسول ﷺ على الذي عطف مشيئته على مشيئة الله ﷾، فقد له مبينًا له خطورة هذه الكلمة - وهو قوله: (ما شاء الله وشئت) ـ: (أجعلتني لله ندًا)، فالرسول كما نرى في هذا الحديث اعتبر عطف مشيئة الرسول على مشيئة الله بحرف الواو إشراكًا بالله ﷾، وهذا رد كاف ومقنع في الحقيقة على المتصوفة الذين رفعوا الرسول ﷺ إلى منزلة الألوهية، فصرفوا له أنواعًا من العبادات رغم أن العبادات لا يجوز صرفها لغير الله ﷾؛ لا لنبي ولا لولي ولا للملائكة ولا غيرهم من المخلوقات - كما سيأتي بيانه في الفصل الثاني ـ.
ولذا أقول: إن توجه المتصوفة إلى الرسول ﷺ بالدعاء والاستغاثة يعتبر شركًا بالله ﷾؛ لأنه صرف شيء من العبادات لغير الله، وصرف شيء من العبادات لغير الله يعتبر عبادة لغيره وما الشرك إلا هذا بعينه. وقولهم: بأن الرسول عنده مقدرة على غفران الذنوب وكشف الكروب ودفع المضار وجلب المنافع، هذا شرك بالله في الربوبية بالأنداد في صفته القدرة الكاملة. فجمعوا بين الشركين.
قلت: هذه بعض الأمثلة من الأحاديث النبوية على إبطال عقائد المتصوفة في النبي ﷺ بأنه يملك التصرف في الكون والذي هو شرك بالله في صفته القدرة الكاملة. وهي تدل صراحة ونصًا على أن النبي صلى الل عليه وسلم لا يملك نفعًا ولا ضرًا لأحد. فضلًا عن أن يملك الإحياء والإماتة، والإقطاع في الجنة، والإغناء، والشقاء، والسعادة، والهداية، والشفاء، والإعطاء.
[ ٢ / ٩١٢ ]
فتلك المدائح الصوفية ومقالاتهم والتي غلوا فيها غلوًا شديدًا، حتى رفعوا منزلة الرسول إلى منزلة الألوهية والربوبية فتوجهوا إليه بالدعاء والاستغاثة، وطلبوا منه أمورًا كلها تتعلق بصفة القدرة الكاملة لله جل شأنه، ولا يجوز طلبها إلا من الله ﷾، كغفران الذنوب، وتفريج الكروب، وإذهاب الهموم، والغموم، والنجاة من النار، وصفوه بأنه ملاذهم الوحيد الذي لا ملاذ لهم سواه! ! ونسوا الله ﷿ الذي قال في كتابه: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ).
ونحن نقول للمتصوفة: إن الرسول ﷺ ما هو إلا عبد من عباد الله الذين خلقهم لعبادته وحده، وفضله الله بالرسالة وجعله خاتم الأنبياء والمرسلين وفضله على العالمين، وخصه بخصائص كثيرة دون إخوته من الأنبياء والمرسلين جميعًا، ولكن مع ذلك كله لا يخرجه هذا عن طور العبودية لله ﷾، وقد وصفه الله ﷿ بالعبودية له في أكمل أحواله فقال في الإسراء: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ).
وقال في الإيحاء: (فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى).
وقال في الدعوة: (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا).
[ ٢ / ٩١٣ ]
وقال في التحدي: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ).
إذا نظرنا إلى الآيات السابقة نرى: أن الله ﷾ وصف الرسول بالعبودية له حيث أضافه إليه، فقال: (إِلَى عَبْدِهِ) في الأماكن الأربعة، وهو وصف عظيم في الحقيقة لا يجده إلا من حقق العبودية الكاملة لله ﷾. ولذا أقول: الرسول عبد من عباد الله لا يستحق شيئًا من العبادات التي يُتَعَّبَدُ بها الله، وبما أن الدعاء عبادة والاستغاثة أيضًا فيما لا يقدر عليه إلا الله عبادة، فلا يجوز صرفهما للرسول ﷺ؛ لأنه لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، وما دام لا يملك ذلك لنفسه فمن باب أولى لا يملكه لغيره، وقد أمره الله في كتابه العزيز أن يقول: إنه بشر، لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، في كثير من الآيات.
فالرسول ﷺ لا يملك نفعًا ولا ضرًا لنفسه فضلًا عن أن يملك جر النفع ودفع الضرر عن غيره، وأنه لو كان النفع والضر بيده لما أصيب بأمور يكرهها في هذه الدنيا، ولكن كان لا يملك ذلك؛ فقد أصيب الرسول ﷺ بأذى كثير من المعركة في غزواته ومنها الإصابات التي أصيب بها في غزوة أحد كما هو معروف في السير؛ ولذا يعتبر توجه المتصوفة إليه بالدعاء والاستغاثة عبث وهراء وشرك بالله ﷿.
وقد أمره الله في آية أخرى أيضًا أن يقول: إنه لا يعلم ما سيفعل به هو شخصيًا ولا يعلم ما سيفعل بأمته، وأنه ما هو إلا متبع لما يوحى من قبل الله عز
[ ٢ / ٩١٤ ]
وجل. والذي لا يدري ما يفعل به ولا يدري ما سيفعل بأمته لا يستحق أن يصرف له شيء من العبادة التي لا يستحقها إلا الله ﷾؛ لأن الذي يدعى لابد أن يكون عالمًا بالشيء قادرًا على دفعه، وهذا يبرأ منه الرسول ﷺ كما هو أمامنا في هذه الآية، قال تعالى: (مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ).
وإذا كان الرسول ﷺ لا يعرف ما يفعل به في المستقبل ولا بأصحابه وهو في الحياة الدنيا قبل موته، فكيف يعرف مشاكل الصوفية بعد أن مات حتى يتوجهوا إليه بالدعاء والاستغاثة من دون الله تعالى؟ ! إلا إذا قال المتصوفة: الشريعة ما هي إلا لأهل الظاهر فقط، أما أهل الحقيقة فإنهم لهم شريعة أخرى غير القرآن والسنة.
والحاصل: أنه قد تبين لنا من خلال الآيات السابقة التي أوردتها ومن أقوال العلماء التي ذكرتها: أن الدعاء نوعان، وأن كلًا من النوعين مستلزم للنوع الآخر، وأن كلًا منهما عبادة لا يجوز صرفها لغير الله ﷾ كائنًا من كان، وأن الرسول عبد من عباد الله الذين خلقهم لعبادته واصطفاه برسالته، وأن أفضل وصف وصف به هو وصفه بأنو عبد الله، وما دام الأمر كذلك فقد بينا بأن صرف الدعاء والاستغاثة به يعتبر شركًا بالله ﷿، وبينا خطورة الشرك وأنه من أكبر المعاصي التي لا يغفرها إلا الله بالتوبة منها قبل الموت، وأن الرسول ﷺ قد تبرأ ممن يدعونه من دون الله، وأخبر بأنه لا يملك شيئًا من النفع والضر فضلًا عن أن يملكه لغيره. وعلى هذا نقول: إن كل من
[ ٢ / ٩١٥ ]
يدعو الرسول ويستغيث به محاد لله ولرسوله، فهو داخل تحت هذه الآية: (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ).
وقوله تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا).
ولذا ينبغي على المتصوفة أن يتركوا هذه الأدعية الشركية التي توجهوا بها إلى الرسول ﷺ وطلبوا منه غفران الذنوب، وتفريج الكروب والغموم، والأخذ باليد يوم الميعاد، ويتوجهوا إلى خالقهم الذي بيده ملكوت كل شيء والذي لا يغفر الذنوب سواه، ولا يستطيع على إجابة المضطر سواه.
قال تعالى: (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ).
وقال تعالى: (وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ).
وقال تعالى: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ).
والخلاصة التي نخرج بها: أن الرسول ﷺ بشر مثلنا، وأنه ما خلق إلا لعبادة الله كما خلق غيره من الإنس والجن، وأنه لا يستحق شيئًا من العبادة، وقد سبق معنا الحديث الذي فيه أنه قال: لا يستغاث به وإنما يستغاث بالله ﷾، وأنه لا يستطيع أن ينجي أحدًا من النار حتى ولو أقرب
[ ٢ / ٩١٦ ]
الأقربين إليه إلا إذا مات مؤمنًا بالله، ولذا أقول: إن توجه المتصوفة إلى الرسول بالدعاء والاستغاثة يعتبر شركًا بالله ﷾ من جهتين اثنتين:
الشرك في الربوبية: من جهة اعتقادهم أن الرسول يقدر على هذه الأمور، فإنه إثبات الند في صفة القدرة لله جل شأنه.
الشرك في الإلهية: من جهة توجههم إليه بأنواع من العبادات.
ومع أن ما قلناه كاف ومقنع لمن يريد الوصول إلى الحق والهداية إلى الصراط المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، فإننا نريد أن ندعم ما قلناه بآراء العلماء في حكم التوجه إلى الرسول ﷺ بالدعاء والاستغاثة، وذلك حتى لا يتهمنا أحد بأننا أول من أتينا بهذا الكلام، وأن هذا الأمر لم يتكلم فيه أحد في العصور السابقة من علماء الأة الإسلامية في عصورها المختلفة - كما يدعي عباد القبور من المتصوفة وغيرهم في أرجاء العالم الإسلامي ـ.
أما نصوص السلف في إبطال التصرف في الكون لغير الله: فأذكر نماذج من أقوالهم فيما يلي:
أولًا: أقوال شيخ الإسلام ابن تيمية في حكم التوجه إلى الرسول ﷺ بالدعاء والاستغاثة وطلب كشف الضر وجلب النفع منه:
يعتبر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ من أكثر العلماء الذين أوتوا مقدرة فائقة في الرد على المبتدعة بشتى أصنافها؛ من صوفة وجهمية ومعتزلة وأشعرية وخوارج وشيعة وغيرها من الفرق الضالة.
ولقد اعتبر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ التوجه إلى الرسول بالدعاء والاستغاثة وطلب النفع والضر وتفريج الكرب شركًا بالله عز وعلا، وإليك طائفة من أقواله في هذا المجال:
[ ٢ / ٩١٧ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بعد أن أورد هاتين الآيتين، وهما: قوله تعالى: (وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ). وقوله سبحانه: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: قالت طائفة من السلف: كان أقوام يدعون المسيح والعزير والملائكة، فبين الله أن الملائكة والأنبياء لا يملكون كشف الضر عنهم ولا تحويلًا، وأنهم يتقربون إلى الله ويرجون رحمته ويخافون عذابه، وقال تعالى: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللهِ). وقوله سبحانه: (وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ).
ثم قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (فبين سبحانه أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابًا كفر، فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار مثل أن يسألهم غفران الذنوب وهداية القلوب وسد الفاقات، فهو كافر بإجماع المسلمين).
وقال في التوسل والوسيلة: (فأما ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى فلا يجوز أن يطلب إلا من الله سبحانه، لا يطلب من الملائكة ولا من الأنبياء ولا من غيرهم،
[ ٢ / ٩١٨ ]
كما لا يجوز أن يقال لغير الله: اغفر لي واسقنا الغيث وانصرنا على القوم الكافرين، أو اهد قلوبنا ونحو ذلك).
وقال في موضع آخر من نفس الكتاب: (ولا يجوز لأحد أن يستغيث بأحد من المشايخ الغائبين ولا الميتين مثل أن يقول: يا سيدي فلان أغثني وانصرني وادفع عني وأنا في حسبك ونحو ذلك، بل كل هذا من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، وتحريمه مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام، وهؤلاء المستغيثون بالغائبين والميتين عند قبورهم وغير قبورهم لما كانوا من جنس عباد الأوثان صار الشيطان يضلهم ويغويهم كما يضل عباد الأصنام ويغويهم؛ فتتصور الشياطين في صورة ذلك المستغاث به وتخاطبهم بأشياء على سبيل المكاشفة كما تخاطب الشياطين الكهان).
وقال أيضًا في نفس الكتاب: (وأما دعاء الرسول وطلب الحوائج منه وطلب شفاعته عند قبره أو بعد موته، فهذا لم يفعله أحد من السلف، ومعلوم أنه لو كان قصد الدعاء عند القبر مشروعًا لفعله الصحابة والتابعون، وكذلك السؤال به، فكيف بدعائه وسؤاله بعد موته فإن كل هذا من فعل النصارى وغيرهم من المشركين ومن ضاهاهم من مبتدعة هذه الأمة، ليس هذا فعل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، ولا مما أقربه أحد من أئمة المسلمين).
وقال أيضًا: (وإذا تكلمنا فيه يستحقه الله ﵎ من التوحيد بينّا أن
[ ٢ / ٩١٩ ]
الأنبياء وغيرهم من المخلوقين لا يستحقون ما يستحقه الله ﵎ من خصائص، فلا يشرك بهم ولا يتوكل عليهم ولا يستغاث بهم كما يستغاث بالله، ولا يقسم على الله بهم، ولا يتوسل بهم بذواتهم، وإنما يتوسل بهم بالإيمان بهم وبمحبتهم وطاعتهم وموالاتهم وتعزيرهم وتوقيرهم، ومعاداة من عاداهم، وطاعتهم فيما أمروا وتصديقهم فيما أخبروا، وتحليل ما حللوه وتحريم ما حرموه).
وقال في موضع آخر: (إن كل من غلا في نبي أو رجل صالح وجعل فيه نوعًا من الإلهية مثل أن يقول: يا سيدي فلان أغثني، أو انصرني، أو ارزقني، أو أجرني وأنا في حسبك ونحو هذه الأقوال، فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل، فإن الله إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب ليعبد وحده لا يجعل معه إلهًا آخر. والذين يدعون مع الله آلهة أخرى مثل المسيح والملائكة والأصنام لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق أو تنزل المطر أو تنبت النبات، وإنما كانوا يعبدونهم أو يعبدون قبورهم أو صورهم ويقولون: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)، ويقولون: (هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ). فبعث الله رسله تنهى أن يدعى أحد من دونه لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة) - إلى أن قال: - (وعبادة الله وحده لا شريك له هي أصل الدين، وهو التوحيد الذي بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب).
ثانيًا: أقوال ابن القيم ﵀ في حكم الاستغاثة بغير الله ودعاء غير الله لكشف الكربات ودفع البليات:
[ ٢ / ٩٢٠ ]
فقد قال ﵀ في كتابه مدارج السالكين متحدثًا عن أنواع الشرك:
(ومن أنواعه - أي الشرك - طلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالم، فإن الميت قد انقطع عمله وهو لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا فضلًا لمن استغاث به أو سأله أن يشفع إلى الله وهذا من جهله بالشافع والمشفوع عنده، فإن الله سبحانه لا يشفع عنده إلا بإذنه، والله سبحانه لم يجعل سؤال غيره سببًا لإذنه، وإنما السبب لإذنه كمال التوحيد، فجاء هذا المشرك بسبب يمنع الإذن، والميت محتاج إلى من يدعو له كما أمرنا النبي ﷺ إذا زرنا قبور المسلمين أن نترحم عليهم وندعو لهم ونسأل لهم العافية والمغفرة، فعكس المشركون هذا وزاروهم زيارة العبادة وجعلوا قبورهم أوثانًا تعبد، فجمعوا بين الشرك بالمعبود وتغيير دينه ومعاداة أهل التوحيد ونسبتهم إلى التنقص بالأموات.
وهم قد تنقصوا الخالق سبحانه بالشرك وأولياءه الموحدين بذمهم ومعاداتهم، وتنقصوا من أشركوا به غاية التنقص إذا ظنوا أنهم راضون منهم بذلك، وأنهم أمروهم به. وهؤلاء أعداء الرسل في كل زمان ومكان وما أكثر المستجيبين لهم، ولله در خليله إبراهيم ﵇ حيث قال: (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).
وما نجح من أشرك بهذا الأكبر إلا من جرد توحيده لله وعادى المشركين في الله وتقرب بمقتهم إلى الله).
[ ٢ / ٩٢١ ]
وقال الإمام ابن القيم في إغاثة اللهفان:
(ومن المحال أن يكون دعاء الموتى أو الدعاء بهم أو الدعاء عندهم مشروعًا وعملًا صالحًا ويصرف عنه أهل القرون الثلاثة المفصلة بنص رسول الله ﷺ ثم يرزقه الخلوف الذين يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون، فهذه سنة رسول الله ﷺ في أهل القبور بضعًا وعشرين سنة حتى توفاه الله تعالى، وهذه سنة خلفائه الراشدين، وهذه طريقة جميع الصحابة والتابعين لهم بإحسان، هل يمكن لبشر على وجه الأرض أن يأتي عن أحد منهم بنقل صحيح أو حسن أو ضعيف أو منقطع أنهم كانوا إذا كان لهم حاجة قصدوا القبور فدعوا عندها وتمسحوا بها فضلًا أن يصلوا عندها أو يسألوا الله بأصحابها أو يسألوهم حوائجهم؟ فليوقفونا على أثر واحد أو حرف واحد في ذلك بلى يمكنهم أن يأتوا عن الخلوف التي خلفت بعدهم بكثير من ذلك، وكلما تأخر الزمان وطال العهد كان ذلك أكثر حتى لقد وجد في ذلك عدة مصنفات ليس فيها عن رسول الله ولا عن خلفائه الراشدين ولا عن أصحابه حرف واحد من ذلك بل فيها من خلاف ذلك كثير).
ثالثًا: قول الإمام الحافظ ابن عبد الهادي في حكم الاستغاثة برسول الله ﷺ والتوجه إليه بالدعاء:
[ ٢ / ٩٢٢ ]
قال ﵀: (وقوله: إن المبالغة في تعظيمه - أي تعظيم الرسول ﷺ واجبة إن أريد به المبالغة بحسب ما يراه كل أحد تعظيمًا حتى الحج إلى قبره والسجود له والطواف به واعتقاد أنه يعلم الغيب وأنه يعطي ويمنع ويملك لمن استغاث به من دون الله الضر والنفع، وأنه يقضي حوائج السائلين، ويفرج كربات المكروبين، وأنه يشفع فيمن يشاء ويدخل الجنة من يشاء - فدعوى المبالغة في هذا التعظيم مبالغة في الشرك وانسلاخ من جملة الدين).
رابعًا: أقوال الإمام الشوكاني في حكم التوجه إلى الرسول ﷺ بالدعاء والاستغاثة وبطلب النفع والضر:
قال ﵀: (فلا شك أن من اعتقد في ميت من الأموات أو حي من الأحياء أنه يضره أو ينفعه إما استقلالًا أو مع الله تعالى، أو ناداه أو توجه إليه أو استغاث به في أمر من الأمور التي لا يقدر عليها المخلوق، فلم يخلص التوحيد لله ولا أفرده بالعبادة؛ إذ الدعاء بطلب وصول الخير إليه ودفع الضر عنه هو من أنواع العبادة، ولا فرق بين أن يكون هذا المدعو من دون الله أو معه حجرًا أو شجرًا أو ملكًا أو شيطانًا كما كان يفعل ذلك الجاهلية، وبين أن يكون إنسانًا من الأحياء أو الأموات كما يفعله الآن كثير من المسلمين، وكل عالم يعلم هذا ويقربه؛ فإن العلة واحدة.
وعبادة غير الله تعالى وتشريك غيره معه يكون للحيوان كما يكون للجماد، وللحي كما يكون للميت، فمن زعم أن ثم فرقًا بين من اعتقد في وثن من الأوثان أنه يضر أو ينفع أو يقدر على ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى فقد غلط
[ ٢ / ٩٢٣ ]
غلطًا بينًا وأقر على نفسه بجهل كثير، فإن الشرك هو دعاء غير الله في الأشياء التي تختص به، أو اعتقاد القدرة لغيره فيما لا يقدر عليه سواه، أو التقرب إلى غيره بشيء مما لا يتقرب به إلا إليه.
ومجرد تسمية المشركين لما جعلوه شريكًا بالصنم والوثن والإله لغير الله زيادة على التسمية بالولي والقبر والمشهد كما يفعله كثير من المسلمين، بل الحكم واحد إذا حصل لمن يعتقد في الولي والقبر ما كان يحصل لمن كان يعتقد في الصنم والوثن؛ إذ ليس الشرك هو مجرد إطلاق بعض الأسماء على بعض المسميات، بل الشرك هو أن يفعل لغير الله شيئًا يختص به سبحانه سواه أطلق على ذلك الغير ما كان تطلقه عليه الجاهلية أو أطلق عليه اسمًا آخر، فلا اعتبار بالاسم فقط، ومن لم يعرف هذا فهو جاهل لا يستحق أن يخاطب بما يخاطب به أهل العلم، وقد علم كل عالم أن عبادة الكفار الأصنام لم تكن إلا بتعظيمها واعتقاد أنها تضر وتنفع، والاستغاثة بها عند الحاجة والتقرب لها في بعض الحالات بجزء من أموالهم، وهذا كله قد وقع من المعتقدين في القبور؛ فإنهم قد عظموها إلى حد لا يكون إلا لله سبحانه، بل ربما يترك العاصي منهم فعل المعصية إذا كان في مشهد من يعتقده أو قريبًا منه مخافة تعجيل العقوبة من ذلك الميت، وربما لا يتركها إذا كان في حرم الله أو في مسجد من المساجد أو قريبًا من ذلك، وربما حلف بعض غلاتهم بالله كاذبًا ولم يحلف بالميت الذي يعتقده! !
وأما اعتقادهم أنها تضر وتنفع فلولا إشمال ضمائرهم على هذا الاعتقاد لم يدع أحد منهم ميتًا أو حيًا عند استجلابه لنفع أو استدفاعه لضر قائلًا: يا فلان افعل لي كذا وكذا، وعلى الله وعليك، وأنا بالله وبك).
[ ٢ / ٩٢٤ ]
وقال أيضًا في رسالته شرح الصدور بتحريم رفع القبور: (لقد أمر الله رسوله ﷺ أن (قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا)، فانظر كيف أمر سيد البشر وصفوة خلقه في أنه لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا، وكذلك قال في الحديث: «يا فاطمة بنت محمد، لا أغني عنك من الله شيئًا» الحديث، فإذا كان هذا قول رسول الله في نفسه وفي أخص قرابته به وأحبهم إليه، فما ظنك بسائر الأموات الذين لم يكونوا أنبياء معصومين ولا رسلًا مرسلين بل غاية ما عند أحدهم أنه فرد من أفراد هذه الأمة المحمدية؟).
خامسًا: قول الشيخ محمد صديق حسن خان في حكم التوجه إلى الرسول بالدعاء والاستغاثة:
قال ﵀ في تفسيره فتح البيان تحت قوله تعالى: (قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ): (وفي هذا أعظم وأبلغ زاجر لمن صار ديدنه وهجيراه المناداة لرسول الله أو الاستغاثة به عند نزول النوازل التي لا يقدر على دفعها إلا الله ﷾، وكذلك من صار يطلب من الرسول ﷺ ما لا يقدر على تحصيله إلا الله سبحانه، فإن هذا مقام رب العالمين الذي خلق الأنبياء والصالحين وجميع المخلوقين ورزقهم أحياهم ويميتهم، فكيف يطلب من نبي من الأنبياء أو ملك من الملائكة أو صالح من الصالحين ما هو عاجز عنه غير قادر عليه ويترك الطلب لرب الأرباب القادر على كل شيء
[ ٢ / ٩٢٥ ]
الخالق الرازق المعطي المانع؟
وحسبك بما في الآية من موعظة؛ فإن سيد ولد آدم وخاتم الرسل يأمره الله بأن يقول لعباده: (لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا)، فكيف يملكه لغيره؟ وكيف يملكه غيره ممن رتبته ومنزلته لا تبلغ إلى منزلته لنفسه فضلًا عن أن يملكه لغيره؟، فيا عجبًا لقوم يعكفون على قبور الأموات الذين قد صاروا تحت أطباق الثرى ويطلبون منهم الحوائج ما لا يقدر عليه إلا الله ﷿، كيف لا يستفطنون لما وقعوا فيه من الشرك ولا ينتبهون لما حل بهم من المخالفة لمعنى (لا إله إلا الله) ومدلول (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)؟ .
وأعجب من هذا اطلاع أهل العلم على ما يقع من هؤلاء ولا ينكرون عليهم ولا يحولون بينهم وبين الرجوع إلى الجاهلية الأولى وإلى ما هو أشد منها، فإن أولئك يعترفون بأن الله سبحانه هو الخالق الرازق المحيي المميت الضار النافع، وإنما أصنامهم شفعاء لهم عند الله ويقربونهم إليه، وهؤلاء يجعلون لهم القدرة على الضر والنفع وينادونهم تارة على الاستقلال وتارة مع ذي الجلال، وكفاك من شر سماعه، والله ناصر دينه ومظهر شريعته من أوضار الشرك وأدناس الكفر، ولقد توسل الشيطان - أخزاه الله - بهذه الذريعة إلى ما تقر عينه وينثلج به صدره من كفر كثير من هذه الأمة المباركة وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، وإنا لله وإنا إليه راجعون).
اعتقاداتهم تجاه ما يزعمون أنهم من الأولياء والصالحين:
لقد وجد عند المتصوفة نفس الاعتقاد الذين اعتقدوه في النبي ﷺ، بل ربما زادوا عليه أشياء تجاه أوليائهم ومشائخهم، فإنهم يرون التصرف في الكون، والإحياء والإماتة والإرزاق والنصر على العدو وقضاء الحوائج،
[ ٢ / ٩٢٦ ]
وكشف الكربات وإغاثة الملهوف وغير هذه الاعتقادات تجاه أوليائهم ومشايخهم. ومن مظاهر هذا الاعتقاد ما يلي:
اختراعهم مراتب للأولياء الذين لهم تصرف ونفوذ على الكون - على حد تعبيرهم ـ:
لقد اخترع الصوفية وابتدعوا من عند أنفسهم مراتبَ وألقابًا من عند أنفسهم لمن يصفونهم بأنهم أولياء الله، بقطع النظر عن الشخص الذي يصفونه بهذا الوصف، وهل هو مستحق لهذا الوصف العظيم - وهو وصف ولي الله - أو غير مستحق ذلك، لأن إطلاق هذا اللفظ على شخص بعينه فيه شهادة له وتأكيد بأنه من المرضي عنهم دنيا وأخرى، وهذا فيه جرأة عظيمة على الله. ولو لاحظنا غالب من يعتبرهم المتصوفة بأنهم أولياء الله سنجد بأنهم أصحاب دجل وكهانة وشعوذة وبدع وخرافات، ويظهر هذا لكل من يقرأ في كتبهم ويلاحظ سلوكهم.
ومن جملة البدع التي ابتدعها المتصوفة هي إحداث ألقاب لمن يطلقون عليهم أولياء الله، فقد ذكر الصوفية ألقابًا لأولياء الله لم ترد في الكتاب لا في السنة وإنما أتوا بها من عند أنفسهم، وإليك هذه المراتب والألقاب والوظائف التي ذكرها الصوفية في كتبهم.
أولًا: مراتب الأولياء عند الصوفية:
فمن الصوفية الذين ذكروا هذه المراتب والألقاب والوظائف محيي الدين ابن عربي الذي يصفه الصوفية: بأنه الشيخ الأكبر والكبريت الأحمر، فقد قال عن مراتب الأولياء عند الصوفية:
(فمنهم الأقطاب ومنهم الأئمة ومنهم الأوتاد ومنهم الأبدال ومنهم النقباء
[ ٢ / ٩٢٧ ]
ومنهم النجباء ومنهم الرجيبيون ومنهم الأفراد، وما فيهم طائفة إلا قد رأيت منهم وعاشرتهم ببلاد المغرب وببلاد الحجاز والشرق.
ثانيًا: معاني هذه الألفاظ ووظيفة أصحاب كل مرتبة عند الصوفية:
لقد وضّح مشايخ الصوفية معاني هذه الألفاظ ووظيفة صاحب كل مرتبة توضيحًا شافيًا لا غموض فيه.
ولنبدأ بمعنى كلمة القطب أو الأقطاب ووظائفهم عند الصوفية:
القطب:
لقد تكلم كثير من مشايخ الصوفية عن معنى القطب عندهم، ومن جملة المشايخ الذين تكلموا عن القطب والأقطاب محيي الدين بن عربي، فقد قال متحدثًا عن الأقطاب:
(الأقطاب: جمع قطب، وهو عبارة عن الواحد الذي هو موضع نظر الله في العالم، ويقال الغوث وهو على قلب إسرافيل).
وقد تحدث ابن عربي أيضًا عن أسماء القطب وأوصافه، فقال: (إن اسم القطب في كل زمان عبد الله، وعبد الجامع المنعوت بالتخلق والتحقق بمعاني جميع الأسماء الإلهية بحكم الخلافة، وهو مرآة الحق تعالى ومجلي النعوث المقدسة ومحالّ المظاهر الإلهية وصاحب الوقت وعين الزمان وصاحب علم سر القدر، وله علم دهر الدهور، ومن شأنه أن يكون الغالب عليه الخفاء، لأنه محفوظ في خزائن الغيرة ملتحف بأردية الصون لا يعتريه شبهة في دينه قط، ولا يخطر له خاطر يناقض مقامه، كثير النكاح ورغب محب للنساء يوفي
[ ٢ / ٩٢٨ ]
الطبيعة حقها على الحد المشروع له).
وقد أكد ابن عربي أن الأقطاب لم يخل منهم زمان منذ أن خلق الله البشرية، كما زعم أن لكل إقليم أو قرية قطبًا صغيرًا ينوب عن القطب الكبير.
وقد تحدث التيجاني عن حقيقة القطبانية في المفهوم الصوفي، فقال: (إن حقيقة القطبانية هي الخلافة العظمى عن الحق مكلفًا في جميع الوجود جملة وتفصيلًا، حيثما كان الرب إلهًا كان هو خليفة في تصريف الحكم وتنفيذه في كل من له عليه ألوهية لله تعالى. فلا يصل إلى الخلق شيء كائنًا ما كان من الحق إلا بحكم القطب، ثم قيامه في الوجود بروحانية في كل ذرة من ذرات الوجود، فترى الكون أشباحًا لا حركة، وإنما هو الروح القائم فيها جملة وتفصيلًا. ثم صرفه في مراتب الأولياء، فلا تكون مرتبة في الوجود للعارفين والأولياء خارجة عن ذوقه فهو المتصرف في جميعها والممد لأربابها، به يرحم الوجود، وبه يبقى الوجود في بقاء الوجود رحمة لكل العباد، وجوده في الوجود حياة لروحه الكلية وتنفس نفسه بعد، يمد الله به العلوية والسفلية، ذاته مرآة مجردة يشهد فيها كل قاصد مقصده).
إذا نظرنا في النص السابق نجد أن المتصوفة يعتبرون القطب هو المتصرف الوحيد في هذا الكون لأنه نائب عن الله.
ويدّعي محيي الدين بن عربي بأنه اجتمع الأقطاب الذين كانوا في الأمم
[ ٢ / ٩٢٩ ]
السابقة فيما سماه بـ (حضرة برزخية) فيقول تحت عنوان: أقطاب الأمم السابقين: (وأما أقطاب الأمم المكملين في غير هذه الأمة ممن تقدمنا بالزمان فجماعة، ذكرت لي أسماؤهم باللسان العربي لما أشهدتهم ورأيتهم في حضرة برزخية وأنا بمدينة قرطبة في مشهد قدس. ثم ذكر أسماؤهم).
وعلى هذا يعتبر المتصوفة القطب مساويًا لله ﷾ في علمه وصفاته وتصرفه في هذا الكون، وهذا غلو شديد يؤدي بمن يعتقده إلى الخروج كلية عن الإسلام؛ لأن من يعتقد بأن القطب يتصف بهذه الأوصاف المذكورة فقد اتخذه ربًا وإلهًا مع الله، وهذا شرك عظيم.
وبالجملة: إذا نظرنا في النصوص السابقة كلها نخرج بنتيجة واحدة وهي أن المتصوفة يعتقدون بأن كل هذا الكون وتصريفه بيد القطب، وكأنه الوزير النائب عن الله، فلا يكون شيء في هذا الكون إلا عن طريق القطب الصوفي المزعوم، والذي لا وجود له في الحقيقة، وإنما وجوده في خيال المتصوفة فقط، وليس له أصل لا في الكتاب ولا في السنة.
وبهذا نكتفي في مجال القطب، وننتقل إلى المرتبة الثانية من المراتب التي وضعها الصوفية للأولياء وهي مرتبة البدلية:
المرتبة الثانية: البدل أو البدلاء:
يعتقد المتصوفة أن هناك رجالًا سبعة يقال لهم الأبدان يحفظون هذه الأقاليم السبعة - أي القارات التي يعيش فيها هذا العالم ـ، وأن كل بدل مكلف بإقليم واحد يحفظه من كل سوء ويحميه.
وإليك نصوصًا من بطون كتبهم:
[ ٢ / ٩٣٠ ]
فقد قال محيي الدين بن عربي متحدثًا عن الأبدال: (أما الأبدال: فهم سبعة رجال من سافر منهم من موضع ترك على صورته جسدًا أي شبحًا يحيى بحياته ويظهر بأعمال أصله).
وقال أيضًا في مكان آخر: (اعلم أن ثَم رجالًا سبعة يقال لهم الأبدال يحفظ الله بهم الأقاليم السبعة، لكل بدل إقليم، وإليهم تنظر روحانيات السموات السبع، ولكل شخص منهم قوة منبعثة من روحانيات الأنبياء الكائنين في هذه السموات؛ وهم: إبراهيم الخليل، يليه موسى، يليه هارون، يتلوه إدريس، يتلوه يوسف، يتلوه عيسى، يتلوه آدم - سلام الله عليهم أجمعين ـ).
وقال صاحب كتاب معجم المصطلحات الصوفية في وصف الأبدال: (هم سبعة رجال، فمن سافر منهم عن موضعه ترك جسدًا على صورته حيًا يحيى بحياته، ظاهرًا بأعمال أصله بحيث لا يعرف أحد أنه فقد، فذلك هو البدل لا غير، وهو في تلبسه بالأجساد والصور على صورته على قلب إبراهيم ﵇).
وقال ناقلًا عن آخر: (البدلاء أربعون، والأمناء سبعة، والخلفاء من الأئمة ثلاثة، والواحد هو القطب، فالقطب عارف بهم جميعًا ومشرف عليهم ولم يعرفه أحد ولا يتشرف عليه وهو إمام الأولياء، فالثلاثة الذين هم الخلفاء من الأئمة يعرفون السبعة ويعرفون الأربعين وهم البدلاء، والأربعون يعرفون سائر الأولياء من الأئمة ولا يعرفهم من الأولياء أحد فإذا نقص واحد، من الأربعين أبدل مكانه من الأولياء).
[ ٢ / ٩٣١ ]
المرتبة الثالثة: مرتبة الوتد أو الأوتاد:
يعتقد الصوفية بأن هناك مرتبة الأولياء تسمى الأوتاد، ويعتقد المتصوفة بأن هؤلاء الأوتاد يحفظون هذا الكون الذي نعيش فيه.
قال صاحب معجم مصطلحات الصوفية عن الأوتاد: (الأوتاد هم أربعة رجال منازلهم على منازل الجهات الأربع من العالم شرق وغرب وشمال وجنوب، مع كل واحد منهم مقام تلك الجهة، ويحفظ الله بهم تلك الجهات لكونهم مجال نظره تعالى، والولي يتنور بصورهم فيكلم الناس في الباطن والظاهر ويخبرهم).
(لكل وجهة وتد يشفع يوم القيامة فيمن دخل عليه إبليس من جهته).
المرتبة الرابعة: مرتبة الأفراد:
وقد تكلم محيي الدين بن عربي عن الأفراد وأطال الحديث عنهم، فقال: (أما الأفراد فهم الخارجون عن دائرة القطب، وهم الذين على بينة من ربهم، وهم في هذه الأمة بمنزلة الأنبياء في الأمم الخالية).
وقال في وصفهم أيضًا: الأفراد لهم الأولوية في الأمور: فالإنكار ليس من شأنهم، فإن لهم الأولية في الأمور، فهم ينكر عليهم ولا ينكرون. قال الجنيد: لا يبلغ أحد درجة الحقيقة حتى يشهد فيه ألف صديق بأنه زنديق؛ وذلك لأنهم يعلمون من الله ما لا يعلمه غيرهم، ثم قال: الأفراد هم أصحاب
[ ٢ / ٩٣٢ ]
العلم الباطن.
المرتبة الخامسة: مرتبة النقباء:
ولقد عرف النقباء صاحب كتاب معجم المصطلحات الصوفية فقال: (أما النقباء فهم الذين استخرجوا خبايا النفوس وأشرفوا على الضمائر لتحققهم بالعبودية).
إذن، النقباء هم الذين يعرفون ما في الضمائر، ومعنى ذلك هم الذين يعلمون الغيب.
المرتبة السادسة: مرتبة النجباء:
وقد عرفهم صاحب كتاب معجم المصطلحات الصوفية بما يلي:
(أما النجباء فهم أربعون شخصًا، مشغولون بحمل أثقال الخلق، فلا يتصرفون في حق أنفسهم بل في حق غيرهم).
المرتبة السابعة: مرتبة الأئمة:
وقد تحدث محيي الدين بن عربي عن هذا عند المتصوفة فقال: (أما الأئمة فهما إمامان، أحدهما عن يمين القطب ونظره في عالم الملكوت واسمه عبد الرب، والآخر عن يساره ونظره في عالم الملك واسمه عبد الملك، وهو الذي يخلف القطب إذا درج).
إذا نظرنا إلى النص السابق نرى بوضوح أن المتصوفة يقصدون بلفظ الأئمة الإمامين اللذين يجلسان عن يمين القطب ويساره، وهذا حسب
[ ٢ / ٩٣٣ ]
زعمهم، وإلا فلا وجود أصلًا للقطب المزعوم فضلًا عن أن يكون له إمامان يجلسان بجنبيه.
المرتبة الثامنة: مرتبة المجذوب:
هناك درجة أخرى من الدرجات التي وضعها المتصوفة لمن يسمونهم أولياء الله وهي مرتبة المجاذيب. وقد تحدث صاحب عوارف المعارف على هذه المرتبة فقال:
المجذوب: هو الذي يبادئه الحق بآيات اليقين، ويرفع عن قلبه شيئًا من الحجاب، ولا يؤاخذ في طريق السلوك والمعاملة، وهذا لا يؤهل المشيخة.
والخلاصة التي توصلنا إليها من خلال كلامنا عن مراتب الصوفية التي وضعوها للأولياء: هو أن المتصوفة كونوا مملكة بشرية وهمية، وزعموا أن هذه المملكة هي التي تسير هذا الكون بكامله، فلا يقع في هذا الكون أمر من الأمور إلا عن طريق هذه المملكة المزعومة، وأن هذه المملكة لها التصرف المطلق في هذا الكون فهي التي تحفظه من المهالك وعن طريقها يرزق كل ما في هذا الكون.
وهذا واضح جدًا في النصوص السابقة التي أوردتها عن أئمة التصوف، وبهذا نصل إلى نتيجة واحدة وهي أن المتصوفة يعتقدون بأن هناك بشر شركاء لله في تدبير هذا الكون وتسييره. والحقيقة - فيما أعلم - أن هذا شرك بالله ﷿ في قدرته الكاملة، وقد انفرد المتصوفة بمثل هذا القول من بين الفرق والطوائف بل وأصحاب الأديان المختلفة، وذلك لأنه حتى الكفار الذين بعث إليهم الرسول ﷺ لم يكونوا يقولون إن الآلهة التي كانوا يعبدونها من دون الله
[ ٢ / ٩٣٤ ]
لها المشاركة مع الله في التصرف في هذا الكون، وإنما كانوا يقولون: إنها وسائط فقط.
ولذا نقول: إن المتصوفة فاقوا المشركين الأوائل في الشرك بالله، فإنه ما وجد مثل هذا الاعتقاد في شرك الأمم السابقة ولا في شرك العرب في الجاهلية، وإن وجد شيئًا من هذا النمط فكان في الباطنية الكفرة، فهؤلاء لعلهم استقوا هذه الاعتقادات من الباطنية الأشرار، وسأزيد هذا الموضوع توضيحًا فيما يلي بإيراد حكايات عن أئمة التصوف ثبتت لنا أن المتصوفة يعتقدون بأن مشائخهم لهم التصرف الكامل في هذا الكون.
ثانيًا: ذكر نماذج من نصوص من بطون كتب الصوفية التي ألفها أئمة جهابذة عندهم تثبث لنا أن المتصوفة بالفعل يعتقدون أن الأولياء يتصرفون في الكون:
سبق معنا بيان مراتب الأولياء ووظائفهم عند المتصوفة، وهنا أورد بعض النصوص من بطون كتبهم لكي نثبت ونؤكد ونوضح أكثر اعتقاد المتصوفة التصرف المطلق للأولياء في هذا الكون والذي هو شرك بالله في قدرته الكاملة، وحتى نقطع الحجة على كل متنطع متصوف يقول مثلًا: إن هذا القول لم يقله المتصوفة وإنما هو مفترى عليهم. فمن هذه الحكايات:
أ- ما يقول به يوسف النبهاني في معرض حكاياته لكرامات الأولياء: أن عبد الله بن علوي ابن الأستاذ الأعظم من كراماته أن رجلًا أنشد أبياتًا تتعلق بالبعث والحساب، فتواجد صاحبه وخر مغشيًا عليه، فلما أفاق قال للرجل: أعد الأبيات، فقال الراجل: بشرط أن تضمن لي الجنة، فقال: ليس ذلك إليّ ولكن اطلب ما شئت من المال، فقال الرجل: ما أريد إلا الجنة وإن حصل لنا شيء ما كوهنا، فدعا له بالجنة فحسنت حالة الرجل وانتقل إلى - رحمة الله - وشيعه السيد
[ ٢ / ٩٣٥ ]
المذكور وحضر دفنه وجلس عند قبره ساعة، فتغير وجهه، ثم ضحك واستبشر فسئل عن ذلك فقال: إنه لما سأله الملكان عن ربه قال: شيخي عبد الله بن علوي فتعبت لذلك فسألاه أيضًا فأجاب بذلك فقالا: مرحبًا بك وبشيخك عبد الله يا علوي. قال بعضهم: هكذا ينبغي أن يكون الشيخ يحفظ مريده حتى يعد.
والشاهد في النص أن المتصوفة يعتقدون أن معرفة شيخ الطريقة من الطرق الصوفية تغني عن معرفة الله ورسوله، وأنه كفيل لكي ينجي مريده من عذاب النار ويدخله الجنة، وأن شيخ أي طريقة صوفية يستطيع أن يحفظ مريده حيًا وميتًا، وعلى هذا فلا حاجة للتعب والسهر في تلاوة كتاب الله ومعرفة معانيه ولا في دراسة سنة رسوله محمد ﷺ، وهذه دعوى صريحة للقضاء على الدين الإسلامي كله وتحويل البشرية إلى عبادة البشر الذين يطلق عليهم المتصوفة أنهم أولياء.
٢ - وقال النبهاني أيضًا: ومنهم الشيخ عبد الله أحد أصحاب سيدي عمر النبيتي، كتب لي أنه رآني بحضرة رسول الله وهو يقول للإمام علي بن أبي طالب: ألبس عبد الوهاب الشعراني طاقيتي هذه وقل له يتصرف في الكون فما دونه مانع.
والشاهد في النص - كما هو واضح ولا يحتاج إلى شرح وإيضاح - هو أن رسول الله ﷺ قال للشعراني: تصرف في هذا الكون وأنه ليس هناك أي مانع يمنعه من التصرف فيه، ومعنى ذلك أن المتصوفة يعتقدون أن الأولياء يتصرفون في هذا الكون، وهذا شرك بالله تعالى لم يصل إليه المشركون الأوائل الذين بعث إليهم رسول الله ﷺ.
٣ - وقال أيضًا: ومن جملة القصص المشهورة: (أن الفقيه إسماعيل
[ ٢ / ٩٣٦ ]
الحضرمي ﵁ أنه قال يومًا لخادمه وهو في سفر يقول للشمس تقف حتى يصل إلى منزله - وكان في مكان بعيد وقد قرب غروبها - فقال لها الخادم: قال لك الفقيه إسماعيل: قفي لي، فوقفت حتى بلغ مكانه، ثم قال للخادم: ما تطلق ذلك المحبوس؟ فأمرها الخادم بالغروب فغربت وأظلم الليل في الحال).
ثم ذكر بأن بعض المتصوفة قال: (لا يكون الشيخ شيخًا حتى يمحو خطيئة تلميذه من اللوح المحفوظ. وقال آخر منهم منكرًا لهذا القول المذكور: لو كان شيخًا لما غفل عن تلميذه حتى وقع في الخطيئة).
والشاهد من النصين السابقين واضح جدًا؛ حيث إن الولي الأول أوقف الشمس عن السير ثم أطلق سراحها، ولم يوقفها بنفسه بل أمر تلميذه أن يقول لها: إن الشيخ يأمرك أن تقفي فوقفت، وهذا اعتقاد تصرف لغير الله في هذا الكون واعتقاد القدرة الكاملة في غير الله، وأما النص الثاني فالشاهد فيه أن المتصوفة يعتقدون بأن الأولياء لهم التصرف الكامل حتى إنهم يستطيعون أن يمحوا الخطايا والذنوب التي وقع فيها أتباعهم من اللوح المحفوظ، ورأى أحد المتصوفة أن وقوع المريد في الذنب يعتبر نقصًا في شيخه وذلك لأنه لو كان شيخًا حقيقة لما وقع مريده في الخطيئة، ومعنى ذلك أن الولي يحفظ مريده من الوقوع في المعاصي ويعصمه، وهذه عقائد فاسدة؛ وذلك لأن فيها دعوى بأن البشر لهم حق التصرف في هذا الكون.
وهناك نصوص أخرى تدل كلها صراحة على أن المتصوفة يعتقدون في
[ ٢ / ٩٣٧ ]
أوليائهم أنهم يحيون الموتى، ويشفون المرضى، وينزلون الأمطار، ويعطون الأرزاق، ويهدون الهداية التوفيقية، ويقلبون الأعيان، ويفعلون ما يشاءون، وكتب القوم مسطورة ومشحونة بمثل هذه الشركيات.
والمقصود: بيان كون إثبات هذه الأمور شركًا بالله جل شأنه في الربوبية بالأنداد بإثبات صفة القدرة الكاملة لغيره سبحانه.
يقول الشيخ أبو بكر الجزائري تحت عنون (شرك الربوبية ومظاهره في الأمة الإسلامية).
(وهنا بيان مقتضب لتلك المظاهر الشركية في بعض أفراد الأمة الإسلامية نذكرها تحذيرًا منها وتعليمًا بأن عقيدة المؤمنين الحقة خلوها من كل مظاهر الشرك وآثاره لابتنائها على هدي الكتاب والسنة؛ كتاب الله وسنة رسوله ﷺ:
١ - اعتقاد كثير من عوام المسلمين وأشباههم أن هناك في الكون قطبًا وأبدالًا من الأولياء والصالحين لهم قدر معين من التصرف في حياة الناس، فهم يولون ويعزلون ويعطون ويمنعون ويضرون وينفعون، كما شاع بين عوام المسلمين أن لهؤلاء الأقطاب والأبدال ديوانًا يطلق عليه ديوان الصالحين منه تصدر القرارات والمراسيم بربح فلان وبحاجة وخيبة فلان وخسرانه، ومن هنا
[ ٢ / ٩٣٨ ]
تعلقت قلوب كثير من الناس بالصالحين وهتفت بهم الألسنة واستغيث بهم ودعوا عند الشدائد ونودوا للخلاص من المحن، وهو مظهر واضح للشرك في الربوبية لما فيه اعتقاد التصرف والتدبير في الكون لغير الله تعالى، أوله ولغيره ﷾.
٢ - اعتقاد كثير من المنتسبين إلى العلم أن لأرواح الأولياء تصرفًا بعد موتهم، وشاع هذا الاعتقاد الكاذب والباطل ورسخ في نفوس كثير من المسلمين حتى أصبحت الأضرحة والمشاهد والقبور ملاذًا لكل خائف مستشفى لكل مريض، فمن أصابه كرب أو نزل به ضيم أو حلت به نكبة فزع إلى تلك الأضرحة والمشاهد والقبور وأناخ بساحتها وتعلق بأهداب أصحابها راجيًا منها تفريج كربه وقضاء حاجته وهذا من خصائص الربوبية؛ إذ هو من التدبير للخلق الذي اختص به الرب ﵎ ).
والمقصود: بيان كون المتصوفة ومن على شاكلتهم من العوام كثير منهم وقعوا في هذا النوع من الشرك بالله جل شانه.
ولكن هل لدى هؤلاء شبهة نقلية أو عقلية؟
إن أصحاب هذا الاعتقاد - السابق ذكره - على صنفين:
الصنف الأول: يعتقدون أن الأنبياء والأولياء لهم القدرة الكاملة والمطلقة في فعل هذه الأمور. ومعلوم من الدين بالضرورة أن أي اعتقاد مثل هذا يعتبر شركًا في الربوبية في صفة القدرة الكاملة لله جل شأنه. وهذا الصنف من الناس لا يستندون في هذا الاعتقاد إلى أي شبهة نقلية صحيحة أو عقلية صريحة، وإنما جل شبهاتهم إما ادعاءات فارغة أو أحاديث واهية وموضوعة،
[ ٢ / ٩٣٩ ]
والاشتغال بالرد على الادعاءات والأحاديث الواهيات ضياع للوقت.
الصنف الثاني: لا يعتقدون - على الظاهر - أن لهؤلاء الأنبياء والأولياء قدرة كاملة على التصرف في الكون، ويبدو أن هؤلاء لا يستندون في هذا الاعتقاد إلا قولهم: بأنهم يتوسلون أو يتوسطون أو يتبركون أو يستغيثون أو يستنصرون أو مثل هذه الألفاظ، وإن كانوا في الحقيقة يعتقدون أن هؤلاء المستغاثون أو المتوسلون أو المتبركون عندهم قدرة كاملة على فعل هذا ولكنهم يخفون هذا بل يظهرون للناس أنهم يفعلون، ويعتقدون هذه الأمور في الأنبياء والأولياء على أن الأنبياء والأولياء لهم قدرة على فعل هذه الأمور بالوساطة والشفاعة والجاه والوجاهة والمنزلة الرفيعة والكرامة. وإذا كانوا يبدون لنا هذا الاعتقاد نقول لهم: إن هذا الاعتقاد شرك بالله في الألوهية. وسيأتي بيان شبهاتهم والردود عليها عند بيان الشرك في الألوهية في العصر الحديث.
الفرع الرابع: مظاهر الشرك في الربوبية بادعاء إثبات صفة القدرة الكاملة لأحد غير الله في المتبركين بغير الله:
هناك أفراد من الناس وقعوا في الشرك بالله في الربوبية باتخاذ الأنداد في صفة القدرة الكاملة لله جل شأنه بالتبرك بغير الله. وفيما يلي بيان كون التبرك شركًا بالله في الربوبية باتخاذ الأنداد في صفة القدرة الكاملة لله ﷿.
خلاصة الكلام في التبرك:
إنه على قسمين: الأول: التبرك المشروع. فهذا النوع من التبرك لا كلام فيه. فكل ما ثبت في شرع الله تعالى التبرك به يجوز التبرك به ولا ينافي التوحيد ولا يكون من البدع أبدًا.
[ ٢ / ٩٤٠ ]
الثاني: التبرك الممنوع. وهو التبرك الذي لم يرد الشرع بجوازه، أو ورد الشرع بخلافه.
وله نوعان:
أ- التبرك الشركي: وهو ما كان فيه طلب الخير والنماء من غير الله تعالى فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، أو أن يعتقد المتبرِّك، أن المتبرَّك به غير الله تعالى يعطي الخير والنماء فوق الأسباب العادية.
وهذا النوع من التبرك يرجع إلى عقيدة التصرف في الكون لغير الله ﷾. ومن المظاهر في العصر الحديث: ما يقولون: إن فلانًا لمبارك، أو الشيخ فلان مبارك، أو أن القبر الفلاني يتبرك به، أو مثل هذا الكلام الذي يدور بين المتصوفة في مشايخهم وأوليائهم. بل ترى بعضهم يسافرون إلى بغداد أو أجمير أو دلهى طلبًا للبركة من قبر أوليائهم ومشايخهم.
ب- التبرك البدعي: وهو ما لم يكن فيه طلب الخير والنماء من غير الله تعالى فيما لا يقدر عليه إلا الله، بل كان فيه طلب الخير والنماء من الله، ولكن بواسطة شيء لم يرد به الكتاب السنة. كطلب البركة من الله بواسطة غلاف الكعبة، أو طلب البركة من الله بواسطة استلام الحجرة النبوية، ونحوها، أو طلب البركة من الله تعالى بواسطة تمر المدينة النبوية، ونحوها مما هو معروف.
وهذا التبرك البدعي ربما يتطور حتى يكون شركًا في العبادة، وذلك إذا صرفوا لها بعض العبادات بسبب المبالغة في تعظيمهم والافتتان بها.
والتبرك الذي أردنا إيراده هاهنا هو التبرك الشركي، إذ هو لا شك في كونه من الشرك بالله ﷿ في قدرته الكاملة.
[ ٢ / ٩٤١ ]
الفرع الخامس: الشرك في الربوبية بالأنداد في صفة القدرة الكاملة لغير الله لدى أصحاب الروحية الحديثة:
وذلك؛ لأنهم يعتقدون في الأرواح بأنها تحل لهم جميع المشاكل، وقد سبق بيان مذهبهم في ذلك في المبحث الأول، ومما يشكل عليهم أو يتشبثون به من الشبه ما يلي:
قولهم: إن هذه الأرواح في أغلب الأحيان تعطينا حلولًا كافيةً لمشكلاتنا، فالأرواح عندها القدرة الكاملة على حلول المشكلات؛ كإشفاء المريض، وإلا من أين يحصل لنا هذه الأمور؟
إن هذا المذهب ألصق بالمطلب الذي بعده، فإن هؤلاء يرون أن هذه الأرواح يعلمون الغيب، وما هذه التصرفات إلا لعلمهم الغيب ومعرفتهم بحقيقة الأمور، ولهذا فإننا نؤجل الرد عليهم إلى المطلب الثاني - عند بيان الشرك في الربوبية بالأنداد في صفة العلم المحيط بكل شيء ـ، وإنما يرد عليهم هنا على قولهم بمقدرة هذه الأرواح على حل المشاكل وتوصيف أشياء من الطب وما يتبع ذلك.
فنقول في الرد عليهم:
أ- إن ادعاء وجود الحلول الكافية لدى هؤلاء فيه شرك بالله في قدرته الكاملة، وليس هناك أي دليل لهم على ذلك، بل هي مجرد دعوى، بل بعضهم ربما يحل الشيطان بعض المشاكل لما عنده من الحيل لتنفيذ خططه، سواء كان بسرقة أو باستعانة الشياطين الأخر، وربما يسرق أموال الغير ليرضي
[ ٢ / ٩٤٢ ]
بها صاحبه، كما ذكره شيخ الإسلام في بعض مصنفاته.
وأما ما يذكرون بأنهم يصفون الوصفة الطيبة فيشفون بهذه الأدوية فلا تمنع أن يكون من الجنات لديهم بعض المعرفة بالطب، ثم ليس هذا مطردًا في جميع المرضى، بل قد يكون بعضهم وصف لهم بعض الأدوية ولكنه ما شفي بهذا، والواقع خير دليل على هذا.
الفرع السادس: مظاهر الشرك في الربوبية بالأنداد لدى بعض الناس ادعاء إثبات صفة القدرة الكاملة الثابتة لله تعالى لغيره سبحانه بالتمائم والرقى ولبس الخيط والحلقة ونحوها:
لقد سبق الكلام على مسألة التمائم والرقى ولبس الخيط والحلقة متى تكون هذه الأشياء شركًا بالله جل شأنه ومتى لا؟ وما هي الأدلة الدالة على عدها من الشرك؟ . وهنا نشير إلى أن هذه الظاهرة موجودة بصفة عامة في أغلب العالم الإسلامي في الوقت الحاضر، وأغلب من يستعمل هذه التمائم والرقى ويلبسون الخيط والحلقة يعتقدون فيها النفع والضر لذاتها، وبهذا يقعون في الشرك في الربوبية في قدرته الكاملة.
أما إن لم يعتقدوا فيها إلا على كونها من باب الالتفات إلى الأسباب فهذا شرك أصغر.
الفرع السابع: مظاهر الشرك في الربوبية بالأنداد في صفة القدرة الكاملة لدى السحرة والكهان:
لقد سبق معنا بيان حكم السحر والكهانة والتنجيم، بأنها تكون من
[ ٢ / ٩٤٣ ]
الشرك بالله جل وعلا في الربوبية من جهتين:
من جهة إثبات القدرة الكاملة للسحرة والكهنة والمنجمين.
ومن جهة إثبات العلم الشامل المحيط بالمغيبات لهم.
كما سبق معنا بيان كونها من الشرك بالله في العبادة إذا صرف لهم أو لشياطينهم أي أنواع من العبادة.
هنا أريد أن أنبه على أن هؤلاء السحرة والكهنة والمنجمين لهم وجود في جميع الدنيا بشكل عام، وهؤلاء عندهم نفس أنواع الشرك الذي سبق أن تكلمنا عليها عندما بينا أنواع الشرك في الجاهلية لدى العرب.
إن هذه الخصلة من الخصال الموجودة في زماننا هذا عند من يدعون الولاية، فإن منهم من يتعاطى الأعمال السحرية من إمساك الحيات، وضرب السلاح، والدخول في النيران، ونحوها، ويزعم أنها من الكرامات التي تجري على أيدي الصالحين، نتيجة للجهد والسهر والرياضيات.
وهذا أكثر ما يوجد في المتصوفة، بل لك أن تقول: إن التصوف والسحر قرينان، يدل على ذلك أمران:
أحدهما: أن أئمة السحر هم أئمة المتصوفة، فإن جابر بن حيان كبير السحرة، والحلاج الزنديق أكبر منه، وهكذا ابن عربي الملحد وغيرهم من المتصوفة كانوا من السحرة.
[ ٢ / ٩٤٤ ]
ثانيهما: أن من علوم المتصوفة علم الطلسمات، وعلم الحرف، والسيمياء، وهي من علوم السحر.
كما أن الرافضة لا يبعدون كثيرًا عن المتصوفة في هذا الأمر، وذلك أن لهم عناية بالطلاسم واعتقادًا فيها.
كما أن من الناس من يتخذ مهنة السحر وسيلة من وسائل العيش بها، مدعيًا أن ذلك من الطب ونحوه، ومنهم من يتخذ مهنة السحر للإضرار بعباد الله، فتارة يمرضون به وتارة يقتلون، وتارة يفرقون بين المرء وزوجه. وهذا موجود بكثرة.
ومن صور وجود هذه الخصلة: حفلات الزار التي تقام في بعض البلاد، ويذبح من أجلها للشياطين، وينذر لهم.
ومن ذلك ما يسمى بـ (ألعاب السيرك) التي تعتمد في غالبها على السحر.
فهذا بعض ما يدل على وجود هذه الخصلة في هذا العصر.
الفرع الثامن: مظاهر الشرك في الربوبية بالأنداد في صفة القدرة الكاملة لدى المتطيرين والعائفين:
سبق معنا بيان الطيرة والطيرة ووجودهما في الجاهلية، كما تكلمنا في
[ ٢ / ٩٤٥ ]
كونها شركًا بالله جل وعلا في الربوبية في صفة القدرة الكاملة لله جل شأنه.
وهنا سيكون الكلام على وجود هذه الخصال في العصر الحاضر، فأقول: هذه الخصلة ما زالت موجودة إلى يومنا هذا، ففي بعض المجتمعات التي يغلب فيها الجهل، لا تزال العيافة موجودة بينهم، فهم يتعيفون من كثير من الطيور، وخاصة البوم، فهم يعتقدون أن هذا الطائر إذا وقع على دار أحدهم، فإنما تنعي إليه نفسه، أو أحد أفراد عائلته.
كما أن كثيرًا منهم يتعيف بالغراب، فإذا قابله أول النهار، اعتقد أن مكروهًا يصيبه.
وهكذا ترى الطيرة موجودة إلى يومنا هذا بشكل أوسع، ولها صور كثيرة، منها:
التشاؤم ببعض الأشخاص ذوي العيب؛ كالأعور والأحول والأعرج، وببعض الأشجار؛ كالأشجار المتجرة عن أغصانها، وببعض الأرقام؛ كرقم (١٣) عند النصارى، ورقم (١٠) عند الروافض، ورقم (٧) عند أهل البادية، وببعض الأصوات، كصوت الغراب والبومة، وبالمقص إذا كان مفتوحًا، وبتقليم الأظافر ليلًا، وبالاغتسال ليلًا بقصد النظافة، وبالضحك الكثير، وبتسمية الأبناء باسم الآباء وهم أحياء، وبمشاهدة ما يسوء أول النهار كحادث مثلًا، أو بمشاهدة بغيض كعدو ونحوه، وبحكة رجل، ورفة العين اليسرى،
[ ٢ / ٩٤٦ ]
وببعض الأولاد، وخاصة البنات، وببعض الشهور كصفر وشوال، وببعض الأيام كيوم الجمعة، وبالعطاس، وبالكنس بمكنسة جديدة قبل تقليم أطرافها. وببعض الألوان كالأسود والأزرق، وبشرب الماء عند اصفرار الشمس، وبالعزم على كتابة الوصية، أو الندم على ما وقع منه من ظلامة للناس، ومحاولة التحلل منه، ورد ظلامتهم إليهم، وبذكر العقرب والحية، وغير ذلك من الهوام. فهذه الأمثلة تدل دلالة واضحة على أن هذه الخصلة ما زالت موجودة في هذا العصر.
ولكن متى تكون الطيرة شركًا بالله في الربوبية، ومتى تكون شركًا أصغر؟
إذا اعتقد في المتطير به أن فيه قدرة على جلب النفع أو دفع الضر، فإنه حينئذ يكون من الشرك في الربوبية في القدرة الكاملة. قال في شرح السنن: (وإنما جعل الطيرة من الشرك لأنهم كانوا يعتقدون أن الطيرة تجلب لهم نفعًا أو تدفع عنهم ضرًا إذا عملوا بموجبها، فكأنهم أشركوا مع الله تعالى).
وأما إذا كان مجرد التفات إلى الأسباب فحينئذ تعد من الشرك الأصغر. لأنه (اعتمد على هذا السبب الذي لم يجعله الله سببًا، وهذا يضعف التوكل
[ ٢ / ٩٤٧ ]
على الله، ويوهن العزيمة وبذلك يعتبر شركًا من هذه الناحية، والقاعدة: أن كل إنسان اعتمد على سبب لم يجعله الشرك سببًا فإنه مشرك).
فهذه بعض أنواع الشرك بالله جل شأنه في الربوبية في صفته القدرة الكاملة في العصر الحاضر.
وفيما يلي بيان بعض أنواع الشرك بالله جل وعلا في صفته العلم الشامل المحيط في العصر الحاضر.
المطلب الثاني: الشرك بالله جل وعلا في الربوبية في صفته العلم المحيط ومظاهره في العصر الحديث
لقد وقع في هذا النوع من الشرك عدة فرق ونحل في العصر الحاضر. وفيما يلي بيان أبرز من وقع في هذا النوع من الشرك من الفرق والنحل مع الردود على شبهاتها - بمشيئة الله - في الفروع التالية:
الفرع الأول: مظاهر الشرك بالله جل شأنه في الربوبية في صفته العلم المحيط لدى الشيعة:
الشيعة ترى أن أئمتهم يعلمون المغيبات، ولعل الشيعة هم أول من قالوا بمثل هذا القول في الإسلام، فلهم السبق في هذا الميدان كالميادين الأخرى حيث يرون أن أئمتهم فوق البشر، وفوق الأنبياء والرسل، بل آلهة يعلمون أعمار الناس وآجالهم، ولا يخفى عليهم خافية، ويملكون الدنيا كلها، ويغلبون على جميع الخلق، ويرتعد الكون من هيبتهم وشدة بأسهم، يدين لهم الملائكة كما دان لهم الأنبياء والرسل، ولا يضاهيهم أحد. وفيما يلي جملة من النصوص من كتب الشيعة تدل على هذا الاعتقاد.
١ - يروى في الكافي تحت باب: (إن الأئمة إذا شاءوا أن يعلموا علموا):
[ ٢ / ٩٤٨ ]
عن جعفر أنه قال: إن الإمام إذا شاء أن يعلم علم.
٢ - وروي تحت باب: (إن الأئمة يعلمون متى يموتون وأنهم لا يموتون إلا باختيار منهم): عن جعفر بن الباقر أنه قال: (أي إمام لا يعلم ما يغيبه وإلى ما يصير، فليس ذلك بحجة الله على خلقه).
فهذه بعض النصوص الدالة على اعتقادهم تجاه أئمتهم بأنهم يعلمون المغيبات، بل لو سألت أي شيعيّ في هذا العصر تراه يجيب بمثل هذا الجواب، ما لم يتلبس بالتقية - النفاق ـ.
وهؤلاء في اعتقادهم هذا لم يستندوا لا من الكتاب ولا من السنة، وإنما افتروا على هؤلاء الأئمة الذين هم برآء من مثل هذا الاعتقاد كبراءة الذئب من دم ابن يعقوب. فهؤلاء مفترون وكاذبون على دعواهم هذه، فلا أشتغل بالرد عليهم، على أمل أن يكون هناك رد مقنع على المتصوفة الذين يعتقدون مثل هذا الاعتقاد تجاه أوليائهم وصلحائهم، يكون ردًا على الشيعة أيضًا.
الفرع الثاني: مظاهر الشرك بالله جل شأنه في الربوبية بالأنداد في صفة العلم المحيط الشامل لدى المتصوفة:
لقد وقع المتصوفة في هذا النوع من الشرك بالله جل شأنه.
وقد سبق معنا: أنهم يعتقدون التصرف في الكون لأرباب التصوف وبالتالي يرون أنهم ينادونهم ويزعمون أن هؤلاء الأولياء يعلمون أحوالهم ونداءاتهم، وقد سبق بيان هذا النوع من الشرك، وإنما المقصود هنا بيان كون الاعتقاد في التصرف والنداء والاستغاثة والاستعانة والنداء لكشف الكربات ودفع البليات وجلب المنافع ودفع المضرات وغيرها لا يتأتى إلا باعتقاد علم
[ ٢ / ٩٤٩ ]
الغيب فيمن ينادونهم ويستغيثون ويستنصرون بهم. وهذا واضح.
ثم هناك نصوص صريحة عند المتصوفة تدل على ما قلناه بأنهم يعتقدون علم المغيبات للنبي ﷺ ولأرباب التصوف. وفيما يلي بيان ذلك من كتبهم.
اعتقادهم علم الغيب للنبي ﷺ:
غالت المتصوفة يعتقدون علم الغيب لرسول الله ﷺ، فوصفوه بأنه عالم بجميع ما كان ما يكون أزلًا وأبدًا، وأنه يعلم جميع ما في اللوح المحفوظ؛ بل هذا كله من علومه ﷺ! وأنه ﷺ يعلم ما في الضمائر والقلوب من الأسرار، وأنه لا تخفى عليه خافية، وأنه لا يخرج من علمه شيء، الكلام ها هنا في عدة أنواع.
النوع الأول: علم ما كان وما يكون.
تعتقد المتصوفة أن النبي ﷺ يعلم جميع ما كان وما يكون من المخلوقات والموجودات أزلًا وأبدًا، لا تخفى عليه منها خافية.
وهذه العقيدة من أعظم عقائد البريلوية خاصة وصراحة. كما توجد هذه العقيدة عند الآخرين الذين تأثروا بهم من المتصوفة في العصر الحاضر. فقالوا: إن الله تعالى أعطى المصطفى ﷺ علم الأولين والآخرين، وعلم ما كان وما يكون، وعلم ما في السموات وما في الأرض.
النوع الثاني: علم جميع ما في اللوح المحفوظ وما سطره القلم وزيادة:
[ ٢ / ٩٥٠ ]
وأحسن من تمثل هذا القول هو البوصيري حيث قال:
فإن من علومك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم
وكلهم من رسول الله ملتمس غرفًا من البحر أو رشفًا من الديم
والبريلوية قالوا بمثل هذا القول، بل زادوا عليه: بأن علم اللوح والقلم سطر من سطور علمه ﷺ ونهر من بحور علمه بل ذرة منها. ولهذا قال: إنه كان يعلم القرآن قبل ولادته؛ لأنه كان يعلم جميع ما في اللوح المحفوظ.
النوع الثالث: علمه ﷺ محيط بجميع الكون. لم يحجب عن روح رسول الله ﷺ شيء، فهو المطلع على عرشه، وعلوه وسفله، ودنياه وآخرته، وناره وجنته، فعلمه محيط بجميع المعلومات الغيبية الملكوتية.
النوع الرابع: أنه ﷺ حاضر وناظر في كل مكان وزمان، وهو يشاهد العالم كله من المدينة، وأن السماء والأرض والعرش والكرسي مملوءة من رسول الله ﷺ، يرى جميع الناس في زمان واحد وفي جميع الأقطار المتباعدة بدون أي إشكال، بل روح النبي ﷺ حاضر في بيوت أهل الإسلام، وإن القطب يملأ الكون ويكون حاضرًا وناظرًا وشاهدًا في كل مكان في الكون، فما بالك برسول الله ﷺ، وكل ما يحدث في الكون من المشرق إلى المغرب ومن السماء إلى الأرض حتى قبل إبراهيم بآلاف السنين، فهو ﷺ يعلمه ويراه من
[ ٢ / ٩٥١ ]
حيث إنه موجود في كل مكان وزمان.
النوع الخامس: أن النبي ﷺ كان يعلم الأمور الخمسة من وقت الساعة ووقت نزول الغيث، وعلم ما في الأرحام، وأوقات موت الأنفس، وأين تموت. بل كان يعطي علوم هذه الخمسة من يشاء من خدمه.
فهذه عقائد القوم في النبي ﷺ بأنه يعلم المغيبات كلها وجلها، وهي لا شك في كونها شرك بالله في الربوبية في صفته العلم المحيط.
اعتقادهم تجاه - ما يزعمون أنهم من - الأولياء والصالحين:
كما غالت المتصوفة في الرسول ﷺ وجعلوه عالمًا بكل المغيبات بأشكالها وأنواعها وعالمًا بجميع علوم الدنيا، وعالمًا لما كان وما سيكو، وموجودًا عند كل واحد، وعارفًا بأحوال أمته في كل لحظة ونفس، هكذا غالوا في أوليائهم وصلحائهم وأرباب تصوفهم ومشايخهم أنهم يعلمون أخبار السماء، واعتقد بعضهم فيهم بأنهم يعلمون ما في باطن الأرض، وبعضهم على أنهم يعلمون ما في باطن القلوب، وبعضهم اعتقدوا أن أولياءهم يعلمون الأمور المستقبلية.
[ ٢ / ٩٥٢ ]
وفيما يلي نقل يسير عن هذا الاعتقاد من بطون كتبهم:
من الصوفية الذين زعموا بأن الأولياء يعلمون الغيب أبو القاسم القشيري، فقد ادعى بأن الإنسان وهو يترقى في درجات السلوك التي وضعها الصوفية لمريدهم قد يصل إلى مرحلة يصبح لا يخفى عليه شيء من هذا الكون، فقد قال وهو يتحدث في بيان درجات السلوك:
(ثم من خلال هذه الأحوال قبل وصوله إلى هذا المقام الذي هو نهاية، وكان يرى جملة الكون يضيء بنور كان له، حتى لم يخف من الكون عليه شيء، وكان يرى جميع الكون من السماء والأرض رؤية عيان ولكنه كان لا يرى في هذا الوقت بعين؛ لأنه شيء ولكن لم يكن هذه رؤية علم بل لو تحرك في الكون ذرة أو نملة).
إذا نظرنا في النص السابق نجد أن القشيري ادعى بأن الإنسان قد يصل إلى مرحلة يرى فيها كل شيء في هذا الكون حتى حركات الذرة والنملة الصغيرة، بمعنى أنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وهذا وصف لا يليق إلا بالله، فما أجرأ المتصوفة على الله وتعديهم على حقوقه ووصف أوليائهم المزعومين بها.
ونقل الكلاباذي عن أبي عبد الله الأنطاكي أنه قال: (إذا جالستم أهل الصدق فجالسوهم بالصدق، فإنهم جواسيس القلوب، يدخلون في أسراركم
[ ٢ / ٩٥٣ ]
ويخرجون من هممكم).
ومن الصوفية الذين زعموا أن الأولياء يعلمون الغيب عبد الكريم الجيلي؛ فقد زعم بأنه رأى العوالم العلوية والسفلية بعد أن كشف الله له الحجب، وأنه شاهد الملائكة جميعًا وتبادل الحديث معهم والرسل والأنبياء، وإليك نص كلامه في هذا المجال، قال:
«وفي هذا المشهد اجتماع الأنيباء والأولياء بعضهم ببعض أقت فيه يزيد بشهر ربيع الأول سنة ثمانمائة من الهجرة النبوية، فرأيت جميع الرسل والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، والأولياء والملائكة العالين والمقربين وملائكة التسخير، ورأيت روحانية الموجودات جميعها، وكشفت عن حقائق الأمور على ما هي عليه من الأزل إلى الأبد، وتحققت بعلوم الألوهية لا يسع الكون أن نذكرها فيه. ثم زعم بأنه رأى نوحًا ﵇ في السماء الثانية جالسًا على سرير خلق من نور الكبرياء بين أهل المجد والثناء فسلم عليه. وتمثل بين يديه فرد ﵇ ورحب به وقام إلى أن قال: وروحانية الملك الحاكم على جميع ملائكة هذه السماء عجائب من آيات الرحمن وغرائب من أسرار الأكوان لا يسعنا إذاعتها في أهل هذا الزمان. ثم واصل الجيلي افتراءاته فادعى أنه رأى في السماء الثالثة يوسف ﵇ وأنه دار بينهما حديث، وأنه كان يعلم تلك العلوم التي أخبره بها يوسف قبل أن يتفوه بها.
حيث قال: اجتمعت في هذه السماء مع يوسف ﵇، فرأيته على سرير من الأسرار كاشفًا عن رمز الأنوار، عالمًا بحقيقة ما انعقدت عليه أكلة الأحبار، متحققًا بأمر المعاني مجاورًا عن قيد الماء والأواني، فسلمت عليه
[ ٢ / ٩٥٤ ]
تحية وافد إليه فأجاب وحيًا ثم رحّب بي. ثم زعم الجيلي أن السماء الرابعة هيَ قاب الشمس وأن فيها إدريس، وأن أكثر الأنبياء في دائرة هذا الفلك المكين مثل عيسى وسليمان وداود وإدريس وجرجيس وغيرهم.
وهنا كما نرى ذكر الجيلي اسم نبي لم نجد له ذكر في القرآن ولا في السنة فمن أين علم ذلك (جرجيس)؟ .
ثم واصل الجيلي وصفه للسموات وما تحتويها، فقال في وصف السماء الخامسة: (هي سماء الكوكب المسمى بهرام، وحاكم هذه السماء هو الملك المسمى غزرائيل، وهو روحانية المريخ صاحب الانتقام والتوبيخ).
وذكر الجيلي أيضًا أنه رأى في السماء السادسة موسى ﵇ ودار بينهما حديثٌ طويلٌ، ثم قال إنه رأى في السماء السابعة إبراهيم ﵇ قائمًا في هذه السماء وله منصة يجلس عليها على يمين العرش من فوق الكرسي وهو يتلو آية (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ).
إلى أن قال: (إنه صعد إلى سدرة المنتهى، وأنه رأى هناك الملائكة وأنها على هيئات مختلفة وأمامهم سبعة ثم ثلاثون ثم ثلاثة ثم ملك مقدم يسمى عبد الله، وأنهم أخبروه أنهم لم يسجدوا لآدم).
ثم بدأ عبد الكريم الجيلي في وصف الأراضي السبعة، فقال:
(وأما الطبقة الأولى من الأرض فأول ما خلقها الله كانت أشد بياضًا من اللبن وأطيب رائحة من المسك فأعبرت لما أهبط آدم ﵇ عليها بعد أن عصى الله تعالى، وهذه الأرض تسمى أرض النفوس دورة كرة هذه
[ ٢ / ٩٥٥ ]
الأرض مسيرة ألف عام ومائة عام وستة وستون عامًا ومائتا يوم وأربعون يومًا ثم سلك الإسكندر الجانب الجنوبي وهو الظلمات حتى بلغ يأجوج ومأجوج وهم في الجانب الجنوبي من الأرض لم تطلع الشمس على أرضهم أبدًا، ثم سلك الجانب الشمالي حتى بلغ محلًا منه لم تغرب الشمس فيه، وهذه الأرض بيضاء على ما خلقها الله تعالى عليه هي مسكن رجال الغيب وملكها الخضر ﵇، وهي قريبة من أرض بلغار، وبلغار بلدة في العجم لا تجب فيها صلاة العشاء أيام الشتاء؛ لأن شفق الفجر يطلع قبل غروب شفق المغرب فيها وهذه الأرض أشرف الأراضي وأرفعها قدرًا لأنها محل النبيين والمرسلين والأولياء والصالحين).
واسترسل في مكان آخر ببيان الأفراد والأقطاب إلى أن قال: (فكل أحد من الأفراد والأقطاب له التصرف في جميع المملكة الوجودية، ويعلم كل واحد منهم ما اختلج في الليل والنهار، فضلًا عن لغة الطيور، وقد قال الشبلي: (لو دبت نملة سوداء على صخرة صماء في ليلة ظلماء ولم أسمعها لقلت: إني مخدوع أو ممكور بي). وقال غيره: (لا أقول: ولم أشعر بها؛ لأنها لا تدب إلا بقوتي وأنا محركها فكيف أقول: لا أشعر بها وأنا محركها؟).
إذا نظرنا في النصوص السابقة نجد أن عبد الكريم الجيلي صرح بأن الأولياء يعلمون الغيب بشتى أصنافها، فليس هناك من حاجة تخفى على الأولياء كبرت أو صغرت، وهذا طبعًا حسب زعمه، وإلا فالغيب علمه خاص
[ ٢ / ٩٥٦ ]
بالله ﷿ لا يشركه فيه أحد من خلقه.
وقال عبد الكريم الجيلي في مكان آخر وهو يتحدث عن الأولياء: (فإذا كشف الحجاب وفتح لهم الباب علم العوالم بأجمعها على ما هي عليه من تفاريعها من المبدأ إلى المعاد، وعلم كل شيء، كيف هو كائن وكيف يكون، وعلم ما لم يكن ولم لا يكون ما لم يكن، ولو كان ما لم يكن كيف كان يكون، كل ذلك علمًا أصليًا حكميًا كشفيًا ذوقيًا من ذاته لسريانه في المعلومات، علمًا إجماليًا تفصيلًا كليًا جزئيًا مفصلًا في إجماله، ومنهم من تجلى الله عليه بصفة السميع، فيسمع نطق الجمادات والنباتات والحيوانات وكلام الملائكة واختلاف اللغات، وكان البعيد عنه كالقريب).
وهكذا كما رأينا في النصوص السابقة التي أوردتها عن عبد الكريم الجيلي نرى بوضوح كامل بأنه ادعى أن الأولياء يعلمون علم الغيب، وأنه بهذا القول فقد زعم بأن الأولياء يشاركون الله في هذه الخاصية التي أخبرنا الله ﷿ كما سيأتي - بأنها خاصة به، وأنه لا يعلم الغيب إلا هو.
ومن الصوفية الذين زعموا أن الأولياء يعلمون الغيب أحمد الرفاعي المتوفى سنة (٥٧٨ هـ)، فقد قال متحدثًا عن الدرجات التي يمر بها الإنسان حتى يصل إلى مرحلة الغوثية التي إذا وصلها الإنسان يصبح الغيب عنده كالمشاهدة، فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. وهذا نص كلامه:
(إن العبد ما يزال يرتقي من سماء إلى سماء حتى يصل إلى محل الغوث، ثم ترتفع صفته إلى أن تصير صفة من صفات الحق يطلعه على غيبه حتى لا تنبت شجرة ولا تخضر ورقة إلا بنظره، ويتكلم هناك عن الله بكلام لا تسعه عقول
[ ٢ / ٩٥٧ ]
الخلائق وكان يقول: إن القلب إذا تجلى من حب الدنيا وشهوتها صار كالبلور وأخبر صاحبه بما مضى، وبما هو آت من أحوال الناس).
إذا نظرنا إلى النص السابق نجد أن الرفاعي صرح بأن الولي إذا وصل إلى مرحلة الغوثية يطلعه الله على الغيب فلا يخفى عليه شيء، وهذا فيه تقرير عن اعتقادهم علم الغيب في أوليائهم.
كما أن الرفاعي يزعم أن الله اطلعه على سبعة مدائن، وكل سكانها لا يذكرون الله، وهم ليسوا من الجن ولا من الإنس، وأن الله يأمر الملائكة بأخذ ذنوب أمة محمد وقذفها على تلك المدن السبعة، وكل من يصاب منهم بذنب من الذنوب التي ارتكبها فرد من أفراد أمة محمد ﷺ يصبح من أهل الجنة.
واليك نص كلامه، فقد قال إبراهيم الأعزب: كنت قائمًا في بعض الليالي في موضع هناك للسيد أحمد الرفاعي ﵁، فأيقظني وقال: أي إبراهيم، ألا أخبرك؟ أظهرني الله سبحانه في هذه الساعة على سبعة مدائن كل مدينة منها بقدر هذه الدنيا سبع مرات، وهي مملوءة من الخلق ليسوا من الجن ولا الإنس وما فيهم من يذكر الله تعالى، وكل ليلة عند غروب الشمس يأمر الله تعالى الملائكة فيأخذون ذنوب أمة محمد ﷺ وينفضوها على تلك المدائن السبعة، وكل من أصاب منهم ذنبًا فهو من أهل الجنة.
ومن المتصوفة الذين زعموا بأن الأولياء يعلمون الغيب عبد الوهاب الشعراني (٩٧٣ هـ)، وهاك نماذج من كلامه:
فقد قال الشعراني: في معرض حديثه عن شيخه وأستاذه علي الخواص
[ ٢ / ٩٥٨ ]
البرلس: (كان أميًا لا يكتب ولا يقرأ، وكان يتكلم على معاني القرآن العظيم والسنة المشرفة كلامًا نفيسًا يحتر فيه العلما! ! ! وكان محل كشفه اللوح المحفوظ عن المحو والإثبات، فكان إذا قال قولًا لابد وأن يقع على الصفة التي قال، كنت أرسل له الناس يشاورونه عن أحوالهم فما كان قط يحوجهم إلى كلام، بل كان يخبر الشخص بواقعته التي أتى لأجلها قبل أن يتكلم، فيتحير الشخص وسمعت سيدي - سيده - محمد بن عنان يقول: الشيخ برلس أعطى التصريف في ثلاثة أرباع مصر).
ونقل الشعراني أيضًا عن شيخه علي الخواص أنه قال: (لا يكمل إيمان عبد حتى يصير الغيب عنده كالشهادة في عدم الريب، ويسري منه الإيمان في نفس العالم كله فيأمنوه على القطع على أنفسهم وأموالهم وأهليهم).
وقال الشعراني عن إبراهيم العريان: (أنه كان إذا دخل بلدًا سلم على أهلها كبارًا وصغارًا بأسمائهم حتى كأنه تربى بينهم، وكان يطلع على المنبر ويخطب عريانًا وكان يخرج الريح بحضرة الأكابر ثم يقول: هذه ضرطة فلان، ويحلف على ذلك فيخجل ذلك الكبير منه).
ففي هذا النص مع ادعاء علم الغيب له من المخازي ما يستحي منه من عنده أدنى مسكة من عقل.
ويقول الشعراني: وأما سيدي علي الخواص فسمعته يقول: (لا يكمل
[ ٢ / ٩٥٩ ]
الرجل عندنا حتى يعلم حركات مريده في انتقاله في الأصلاب وهو نطفة من يوم (ألست بربكم) إلى استقراره في الجنة أو في النار).
وهنا - كما نرى في هذا النص - فقد ساوى هذا الرجل بين علم الله وعلم الأولياء، فماذا بقي لله؟ ! سبحانك هذا بهتان عظيم.
وقال محمد محيي الدين الأحمدي الشناوي حفيد الشعراني الصوفي وهو يتحدث عن مناقب جده الشعراني:
(وكان يشهد بقلبه تطور أعماله ثم تصعد إلى أماكنها من السموات والأفلاك، ومعرفة الأملاك الذين شاركهم في العمل من حملة العرش ملائكة الستور، والملائكة الذين نصفهم نار ونصفهم ثلج، وذلك لأن أعماله الموافقة لأعمالهم تصعد مع أعمالهم إلى حضرة الله تعالى، ومعلوم أن أهل كل حرفة يعرفون).
ومن الصوفية الذين يزعمون بأن الأولياء يعلمون الغيب على حرازم بن العربي برادة، فقد قال واصفًا شيخه التيجاني: ومن كماله ونفوذ بصيرته الربانية وفراسته النورانية التي ظهر مقتضاها في معرفة أحوال الأصحاب، وفي غيرها من إظهار مضمرات وإخبار بمغيبات، وعلم بعواقب الحاجات، وما يترتب عليها من المصالح والآفات، وغير ذلك من الأمور الواقعات.
وقال في رماح حزب الرحيم: (وينبغي على المريد أن يعتقد في شيخه أنه
[ ٢ / ٩٦٠ ]
يرى أحواله كلها كما يرى الأشياء في الزجاجة).
وقال في بغية المستفيد: (وأما مكاشفته بمعنى إخباره بالأمر قبل قوعه يقع وفق ما أخبر به، فلا يكاد ينحصر ما حدث به الثقات عنه ومن إخباره بالغيب عن طريق كشفه إخباره بأمور لم تقع إلا بعد وفاته إما بالتصريح أو التلويح).
إذا نظرنا في النصوص السابقة نرى بوضوح أن علي حرازم قد وصف شيخه بأنه كان يعلم ما في ضمائر الناس، وكان يخبر بالمغيبات ويعلم عواقب الأمور التي تصير عليها في النهاية، وأنه كان يخبر الأمر قبل وقوعه، وأنه ينبغي على كل مريد أن يعتقد أن شيخه مطلع عليه أينما كان، وهذه أمور غيبية لا يمكن أن يعلم بها أي مخلوق مهما كان؛ لا ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا ولي؛ لأن علم الغيب خاص بالله ﷿، وكما نرى علي حرازم فقد اعتقد في شيخه بأنه يعلم الغيب وبهذا يصبح بأنه أشرك شيخه في خاصية اختص الله بها من بين مخلوقاته جميعًا.
وقال البريلوي أحمد رضا مؤسس الطريقة البريلوية إحدى الطرق الصوفية بالقارة الهندية ناقلًا عن أمثاله من المتصوفة:
(إن النبي لا يخفى عليه شيء من الخمس المذكورة في الآية الشريفة، وكيف يخفى عليه ذلك والأقطاب السبعة من أمته الشريفة يعلمونها وهم دون الغوث فكيف بسيد الأولين والآخرين الذي هو سبب كل شيء ومنه كل شيء؟ !
[ ٢ / ٩٦١ ]
ثم قال: وكيف يخفى أمر الخمس عليه والواحد من أهل التصرف من أمته الشريفة لا يمكنه التصرف إلا بمعرفة هذه الخمس، فاسمعوا هذا يا منكرين، ولا تكونوا لأولياء الله مكذبين، فإن تكذيبهم خراب للدين، وسينتقم الله من الجاحدين، وأعاذنا الله بعباده العارفين).
وقال البريلوي أيضًا: (الكامل قلبه مرآة الوجود العلوي والسفلي كله على التفصيل).
وقال أيضًا: (ليس الرجل من يقيده العرش وما حواه من الأفلاك والجنة والنار، وإنما الرجل من نفذ بصره إلى خارج هذا الوجود كله).
ونقلوا عن عبد القادر الجيلاني أنه قال:
وعُلِّمَ نبت الأرض كم من نباتة وعلم رمل الأرض كم هو رملة
وعلم علم الله أحصى حروفه وأُعلم موج البحر كم هو موجة
أنا الواحد الفرد الكبير بذاته أنا الواصف الموصوف علم الطريقة
ملكت بلاد الله شرقًا وغربًا وإن شئت أفنيت الأنام بلحظة
وقالوا يا هذا تركت صلاتك ولم يعلموا أني أصلي بمكة
مريدي تمسك بي وكن بي واثق فأحميك في الدنيا ويوم القيامة
قلت: إن هذا القول لم يقل به عبد القادر، بل هو تقول عليه، وكذب صريح. فأين هذا الكذب من قول عبد القادر الجيلاني الثابت في كتابه الغنية: (فإن قيل: لِمَ لم يطلع الله عباده على ليلة القدر يقينًا وقطعًا؟ قيل: لئلا يتكلوا
[ ٢ / ٩٦٢ ]
على عملهم فيها). ففي هذا النص له ما يدل على أنه لا يعرف الغيب، بل الغيب من خصائص الربوبية، حتى إنه لم يثبت لنفسه علم ليلة القدر بل أسنده إلى أنه من علم الغيب. وهذا يدل أيضًا على مدى كذب القوم حتى على عبد القادر.
فهذه عقيدة المتصوفة في علم مشايخها وأوليائها، كما بينها أقطابها في دواوين فكرهم، ولا شك أن من له أدنى حظ من شعب الإيمان، أو له مسكة من العقل والفطر السليمة، أو رزق شيئًا من الإنصاف - يعلم علم اليقين أن هذا الفكر لا يتجاوز كونه ضربًا من الخيال، وأنه من قبيل الهراء المحض الذي لا يروج إلا على من فقد الإحساس بأهمية الإيمان بالله وحده. ورقّت روابط انتمائه إلى حزب الله، ولا يعتقد صحة هذه الدعاوى والملفقات إلا من لا يعرف التوحيد الذي أنزل الله على رسوله، ولا يعرف الشرك الذي أرسل الله رسله وأنزل الله كتبه للنهي عنه والابتعاد عنه بشتى الطرق.
الرد على هذه العقيدة الشركية:
الرد عليهم من القرآن:
أ- إثبات الله في القرآن الكريم في عدة آيات منه بأن علم الغيب من خصائصه الربوبية، واستدلاله به على أن يعبدوه وحده لا شريك له، حتى لا يتوكل ولا يطلب شيئًا إلا من الله، ويدل عليه عدة آيات من القرآن الكريم، منها:
١ - قوله تعالى: (قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللهُ).
٢ - قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ
[ ٢ / ٩٦٣ ]
الصُّدُورِ).
٣ - قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).
٤ - قوله تعالى: (وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ).
٥ - قوله تعالى: (فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ).
٦ - قوله تعالى: (وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ).
٧ - وقوله تعالى: (إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ).
٨ - وقال تعالى: (اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ).
[ ٢ / ٩٦٤ ]
٩ - وقوله تعالى: (لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).
١٠ - وقوله تعالى: (قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ).
١١ - وقوله تعالى: (وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ).
١٢ - ب - إخباره تعالى بأن علم الساعة وعلم المغيبات الخمسة لا أحد يتدخل فيه، بل هو في علم الله فقط. يدل عليه قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ).
١٣ - وقوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللهِ).
١٤ - وقوله تعالى: (يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا).
١٥ - وقوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا).
١٦ - ج - إخباره تعالى عن علم الغيب بأنه صفة له خاصة، فقال: (عَلاَّمُ الْغُيُوبِ).
[ ٢ / ٩٦٥ ]
١٧ - وقوله تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ).
١٨ - قوله تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ).
١٩ - د- إخباره تعالى عن نبيه محمد ﷺ بأنه لا يعلم الغيب؛ فقال تعالى آمرًا نبيه ﷺ أن يقول: (وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ).
٢٠ - ومثله أيضًا قوله تعالى: (قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ).
٢١ - ونحوه أيضًا قوله تعالى: (وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ).
٢٢ - وقال تعالى حكاية عن نبيه قوله: (قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ).
٢٣ - وهكذا أمره أن يقول بأنه لا يعرف ما يفعل الله به ولا بغيره من الناس، بل كل هذا بيد الله، فقال: (قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ
[ ٢ / ٩٦٦ ]
إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ).
٢٤ - ويدل عليه قوله تعالى لنبيه بصيغة (لا تدري): (لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا). فهذه الآيات كلها تدل على أن النبي ﷺ لا يعلم الغيب.
٢٥ - هـ - وهكذا أن إبراهيم ﷺ الذي هو أبو الأنبياء يحدث القرآن عنه بأنه لا يعلم الغيب: كما يدل عليه قوله تعالى: (وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١) قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣) فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ)، ففي هذه الآيات بيان كون إبراهيم ﵇ لا يعرف الغيب، وهذا واضح.
٢٦ - وقوله ﷿: (وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (٥١) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢) قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٥٣) قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤) قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (٥٥) قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (٥٦) قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ). فنبي الله إبراهيم ﷺ ما علم الغيب وإلا لما حصل له ما حصل.
[ ٢ / ٩٦٧ ]
٢٧ - وقوله تعالى: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٢٨) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩) قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٣٠) قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ). فلم يعرف إبراهيم ﷺ ضيوفه حتى أخبروه عن أنفسهم، فلو كان يعلم الغيب لما كانت هناك هذه المحاورات التي حصلت، بل عرفهم إبراهيم ﵇ في أول وهلة ولم يقدم لهم أي طعام.
٢٨ - وإخباره تعالى عن نبي الله لوط ﷺ بأنه لا يعلم المغيبات: فقال: (وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) وَجَاءهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ (٧٨) قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (٧٩) قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ).
٢٩ - قوله تعالى: (فَلَمَّا جَاء آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ (٦٢) قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) وَأَتَيْنَاكَ بَالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٦٤) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥) وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاء مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ (٦٦) وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (٦٩) قَالُوا أَوَلَمْ
[ ٢ / ٩٦٨ ]
نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (٧٠) قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ).
٣٠ - ز - إخباره تعالى عن سليمان ﷺ بأنه لا يعلم الغيب: فقال تعالى: (وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (٢٠) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢١) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ).
٣١ - ح - إخباره تعالى عن داود ﵇ بأنه لا يعلم المغيبات: فقال: (وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ).
٣٢ - ط - إخباره عن موسى ﷺ بأنه لا يعلم الغيب: فقال: (قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا) - إلى قوله تعالى: - (قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا) - إلى أن قال: - (قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا) - إلى أن قال: - (ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا).
٣٣ - وقوله تعالى: (قَالَ خُذْهَا وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأولىَ).
[ ٢ / ٩٦٩ ]
٣٤ - وقوله تعالى: (وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ).
٣٥ - وقوله تعالى: (وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ). فلو كان عالمًا بالغيب لما كان لإخباره تعالى عن أمر الحية معنى، ولما فر من الخوف.
٣٦ - وقوله تعالى: (وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَى (٨٣) قَالَ هُمْ أُولاء عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤) قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ) فلو كان عالمًا بالغيب لما غاب عنه ضلال قومه بالسامري.
٣٧ - ي - إخباره تعالى عن يعقوب ﷺ بأن لا يعلم الغيب: فقال: (فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥) وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (١٦) قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (١٧) وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ). فلو كان عالمًا بالغيب لقال: إنه في الحب الآن، وأنتم لكاذبون، ولما حصل ما حصل له من الأسى والحزن.
٣٨ - ك - إخباره تعالى عن زكريا ﵇ بأنه لا يعلم الغيب: فقال: (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧) هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ
[ ٢ / ٩٧٠ ]
لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ).
٣٩ - وقال عنه أيضًا: (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا).
٤٠ - ل - قوله تعالى عن عيسى ﵇: (تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ).
٤١ - م - وقال تعالى عن جميع أنبيائه مطلقًا: (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ).
٤٢ - ن - قوله سبحانه عن الملائكة نافيًا عنهم علم الغيب والعلم المحيط الشامل لكل شيء: (قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ).
٤٣ - س - وقوله تعالى عن الجن: (فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ).
٤٤ - ع - وفي الرد على استدلالهم بأن الأولياء يعلمون المغيبات يورد قوله
[ ٢ / ٩٧١ ]
تعالى: (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ).
٤٥ - وقال تعالى في الأولياء الكرام أصحاب الكهف: (وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ) إلى أن قال: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥) قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا).
٤٦ - وقوله تعالى في حق الأموات من الأنبياء والأولياء وغيرهم ممن كان المشركون ينادونهم عند الكربات: (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ).
٤٧ - وقوله تعالى أيضًا في حق الأموات من الأنبياء والأولياء وغيرهم ممن كان المشركون ينادونهم عند الكربات ويدعونهم لدفع المضرات وجلب الخيرات: (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ).
٤٨ - وقوله تعالى أيضًا في حق الأموات من الأنبياء والأولياء وغيرهم ممن
[ ٢ / ٩٧٢ ]
كان المشركون ينادونهم عند الكربات ويدعونهم لدفع المضرات وجلب الخيرات ويستغيثون بهم عند إلمام الملمات ونزول البليات: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ).
٤٩ - ف - قال تعالى في حق مريم التي هي من أعظم وليات الله تعالى: (قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ).
٥٠ - وقوله تعالى: (فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا).
٥١ - ص - وأما ما ادعت البريلوية بأن الرسول عنده جميع علوم المخلوقات فيرد عليه بقوله تعالى: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ).
٥٢ - ق - ومن الآيات التي تبطل زعم البريلوية أن الرسول ﷺ حاضر وناظر كل حين وآن وأنه موجود في السموات والأرض وفي كل مكان وفي كل زمان قوله تعالى: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ).
٥٣ - وقوله تعالى: (وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ).
[ ٢ / ٩٧٣ ]
٥٤ - وقوله تعالى: (وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ).
٥٥ - وقوله تعالى: (وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ).
٥٦ - وقوله تعالى: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ).
٥٧ - وحكى الله ﷿ في كتابه ذهابه بنبيه محمد ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، فقال: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)؛ أي ذهب به إلى المسجد الأقصى حيث لم يكن هناك من قبل، وإلا لم يخبر بذهابه هناك، ولم يتعجب به قومه.
٥٨ - وقال جل من قائل: (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا). أي أخرجوه من مكة وذهب بأبي بكر إلى الغار، وبعد خروجه لم يكن في مكة، وقبل خروجه لم يكن بالغار.
٥٩ - وقال: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).
[ ٢ / ٩٧٤ ]
٦٠ - وقال: (إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ)؛ أي نصر الله رسوله عند نزوله ببدر وفي العدوة الدنيا عند نزول الكفار في العدوة القصوى، حيث خرج من المدينة مع أصحابه الثلاث مائة وثلاث عشرة مجاهدًا، ولم يكن في المدينة بعد خروجه كما لم يكن في البدر قبل خروجه، إليها.
٦١ - وقال: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا). فكان في الحديبية في العام السادس بعد الهجرة، حيث لم يكن في المدينة، وكما لم يكن في مكة ولم يكن في الحديبية موجودًا قبله، ولم يبق فيها بعد رجوعه إلى المدينة. وقال: (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ)، وغير ذلك من الآيات الكثيرة، والوقائع اليومية التي كانت تحدث في حياته ﷺ؛ من وجوده في الحجرة الشريفة، وانتظار الصحابة إياه في المسجد، وخروجه من البيت، ووجوده في المسجد، وعدم وجوده في المسجد عند وجوده في السوق، وغير ذلك من الحوادث الظاهرة والأمور الجلية التي لا خفاء فيها إلا لمن أعمى الله قلبه مع عمى بصره، فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور، فكيف يقول هؤلاء المتصوفة أن الرسول ﷺ لا يخلو منه مكان بل كل شيء أمام عينيه، وأنه يعلم جميع أحوال الموجودات والمخلوقات ولا تخفى عليه خافية؟
[ ٢ / ٩٧٥ ]
فهذه بعض الآيات القرآنية الدالة على أن علم الغيب صفة مختصة بالله تعالى، وأن الأنبياء ﵈، والأولياء، والملائكة، والجن، لا يعلمون المغيبات.
والله تعالى هو وحده عالم الغيب والشهادة، وهو وحده علام الغيوب، وعنده وحده مفاتيح الغيب، وهو وحده يعلم الأمور الخمسة المذكورة في آخر سورة لقمان، وهو وحده يعلم السر وأخفى، وهو وحده يعلم ما في الصدور، وهو وحده لا تخفى عليه خافية، وقد تقدم في هذه الآيات أنه لا يعلم أحد في السموات والأرض الغيب غير الله تعالى، وأن الأنبياء لا يعلمون الغيب.
وأن الأولياء كأصحاب الكهف، ومريم، وغيرهم لم يكونوا يعلمون الغيب، وأن الله تعالى قد ساق في كتابه كثيرًا من أخبار أنبيائه وأوليائه دليلًا على أنهم لم يكونوا يعلمون الغيب، كقصة آدم والملائكة وإبراهيم، ولوط ويعقوب ويوسف وزكريا وعزير ومريم وأصحاب الكهف، وغيرها، وهي كلها أدلة قاطعة على أنهم لم يكونوا يعلمون الغيب كله، وهكذا الجن لم يكونوا يعلمون الغيب.
الرد عليهم من السنة النبوية ووقائع من السيرة العطرة:
السنة النبوية مليئة بالأدلة على أن الرسول ﷺ لم يكن يعلم الغيب، فضلًا عما يدعيه المتصوفة معرفة علم الغيب لأوليائهم. سأورد فيما يلي بعض الأحاديث الدالة على أن علم الغيب ليس إلا عند الله جل وعلا.
الحديث الأول:
حديث جبريل المعروف المشهور، وفيه قال جبريل: (متى الساعة؟ فقال رسول الله ﷺ: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل» في خمس لا
[ ٢ / ٩٧٦ ]
يعلمهن إلا الله ثم تلا النبي ﷺ: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) الآية).
وقد استدل العلماء بهذا الحديث على أن جبريل والنبي ﷺ لم يكونا يعلمان الوقت المحدد لقيام الساعة، بل لا يعلم ذلك أحد غير الله تعالى، من ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا ولي، لدلالة الحصر. وهذه الأمور الخمسة هي مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا الله ﷾.
الحديث الثاني:
قول النبي ﷺ: «مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله: لا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله».
الحديث الثالث:
ما جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ سمع خصومة بباب حجرته، فخرج إليهم فقال: «إنما أنا بشر وإنه يأتيني الخصم ولعل بعضكم أبلغ من بعض، فأحسبه أنه صدق فأقضي له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو فليتركها».
فعلم من هذا الحديث أن النبي ﷺ لم يكن يعلم الغيب، فلم يكن يعرف الصادق من الكاذب، والمحق من المبطل في الخصمين، ولذلك حذرهما
[ ٢ / ٩٧٧ ]
بهذه الكلمة الجامعة التي فيها عبرة لكل مسلم.
الحديث الرابع:
حديث الحوض، وقد روي بعدة روايات، منها:
١ - «أنا فرطكم على الحوض، وليرفعن معي رجال منكم، ثم ليختلجن دوني، فأقول: يارب أصحابي؛ فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك؟».
٢ - وفي رواية: «خطب رسول الله ﷺ: فقال: أيها الناس، إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلًا، ثم قال: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) إلى آخر الآية، ثم قال: ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم، ألا وإنه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: يارب أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: (وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)، فيقال: إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم».
٣ - وفي رواية: «فأقول: إنهم مني؛ فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك؟ فأقول: سحقًا سحقًا لمن غير بعدي».
[ ٢ / ٩٧٨ ]
٤ - وفي رواية: «إنهم مني، فيقال: إنك لا تدري ما بدلوا بعدك؟ فأقول: سحقًا سحقًا لمن بدل بعدي».
وهناك روايات أخرى لهذا الحديث عن أكثر من عشرة صحابي - رضوان الله عليهم أجمعين - في كلها إما إنك لا تدري، أو لا علم لك، أو هل شعرت، ونحو ذلك من ألفاظ هذا الحديث المتواتر القاطع للنزاع، ودل هذا الحديث بهذه الألفاظ كلها أن النبي ﷺ لا يعلم أعمال أمته، وأن روحه ليست بمطلعة على أحوال الناس.
وإذا كان هذا حال أفضل الرسل، فكيف بالأنبياء الآخرين فضلًا عن الأولياء والصالحين؟ ! .
الحديث الخامس:
الذي ذكره الحافظ ابن حجر: وقال قبل إيراده: (إن بعض من لم يرسخ في الإيمان كان يظن أن صحة النبوة تستلزم اطلاع النبي ﷺ على جميع المغيبات، كما وقع في المغازي لابن إسحاق أن ناقة النبي ﷺ ضلت، فقال زيد بن اللصيب: يزعم محمد أنه نبي ويخبركم عن خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته! فقال النبي ﷺ: «إن رجلًا يقول كذا وكذا، وإني والله لا أعلم إلا ما علمني الله، وقد دلني الله عليها وهي في شعب كذا قد حبستها شجرة» فذهبوا فجاءوا بها).
[ ٢ / ٩٧٩ ]
الحديث السادس: ما روي في أسباب النزول: أنه ﷺ: «جاءه رجل بفرس له يقودها عقوق ومعه مهرة له يبيعها فقال: من أنت؟ قال: أنا نبي الله، قال: وما نبي الله؟ قال: رسول الله، قال الرجل: متى تقوم الساعة؟ فقال ﷺ: «غيب، ولا يعلم الغيب إلا الله»، قال: متى تمطر السماء؟ فقال ﷺ: «غيب، ولا يعلم الغيب إلا الله. قال الرجل: ما في بطن فرسي هذا؟ فقال ﷺ: «غيب ولا يعلم الغيب إلا الله». قال: أرني سيفك، فأعطاه النبي ﷺ سيفه، فهزه الرجل ثم رده إليه، فقال ﷺ: أما إنك لم تكن تستطيع الذي أردت ».
الحديث السابع:
وروى البخاري في صحيحه: عن الربيع بنت معوذ بن عفراء ﵂ قالت: جاء النبي ﷺ يدخل حين بنى عليّ، فجلس على فراشي كمجلسك، فجعلت جويرات لنا يضربن بالدف، ويندبن من قتل من آبائي يوم بدر، إذ قالت إحداهن: وفينا نبي يعلم ما في غد، فقال ﷺ: «دعي هذه، وقولي بالذي كنت تقولين».
[ ٢ / ٩٨٠ ]
فالرسول ﷺ حرص على تصحيح العقيدة الإسلامية في مسألة الغيب ولو أغنية من الأغنيات مما كانت الجارية تنسب إليه ﷺ شيئًا من علم الغيب، حتى أمرها من فوره بأن تترك هذا القول.
الحديث الثامن: ما روي عن عائشة ﵂ وله حكم الرفع:
تقول عائشة ﵂: من زعم أن رسول الله ﷺ يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول: (قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّه). رواه مسلم.
وفي رواية للبخاري عنها: «من حدثك أنه يعلم الغيب فقد كفر».
الحديث التاسع:
حديث قصة الإفك التي رواها البخاري ومسلم وغيرهما:
وقد جاء فيها: «يا عائشة، فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه».
ومن نتائج هذه القصة أن رسول الله ﷺ رغم أنه كان قد وطن نفسه لمواجهة كل بلية أو أذى يقوم بها المنافقون؛ لأنه كان على علم وبصيرة بمكايدهم، إلا
[ ٢ / ٩٨١ ]
أنه ﷺ لم يكن يتوقع منهم النيل من عرضه، والإساءة إليه في أحب أهله إليه، ولذا كانت الحادثة شديدة على رسول الله ﷺ، تحمل في طياتها دروسًا وعبرًا؛ من أهمها بشرية الرسول ﷺ وكونه لا يعلم الغيب، بل الغيب من علم الله الخالص، إذ لو كان يعلم الغيب لبادر إلى تكذيب المفترين لأول وهلة، وبادر إلى بيان تبرئة عائشة دون أي شك ولم يلبث القلق والضيق معه إلى شهر، ولم يذهب إلى زوجه ولم يقل: «يا عائشة، قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه».
فهذه الحادثة صريحة في أن النبي ﷺ لا يعلم المغيبات.
الحديث العاشر: ما جاء في قصة بيعة الرضوان:
ذلك أن رسول الله ﷺ لما وصل إلى الحديبية في عمرته بركت ناقته هناك لأمر يعلمه الله، ثم أوفد عثمان ﵁ إلى مكة لإعلامهم بأنه لم يأت ليشن حربًا عليهم، وإنما جاء زائرًا للبيت ومعظمًا لحرمته.
قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر أن رسول الله ﷺ حين بلغه أن عثمان قد قتل قال: «لا نبرح حتى نناجز القوم»، فدعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة.
ومن أهم الدروس التي ينبغي الاهتمام بها في هذه القصة أن خبر مقتل عثمان لما أشيع وبلغ النبي ﷺ صدقه واقتنع بصحته إلى حدٍ كبير، فتحول في
[ ٢ / ٩٨٢ ]
لحظة عن خيار السلم الذي جاء معه وأعلن حالة استنفار قصوى، ودعا أصحابه للبيعة على القتال وعدم الفرار، فبادروا ﵃ إلى البيعة.
ولما تمت البيعة رجع عثمان ﵁ فظهر أن نبأ مقتله كان مجرد شائعة لا أساس لها من الصحة، ولو كان ﷺ يعلم الغيب لخبرهم بالواقع ولأفادهم أن عثمان حي معافى، لم يصبه مكروه، ولكنه - وهو على مقربة من مكة - لم يكن يدري ما يجري بداخلها.
الحديث الحادي عشر:
ما جاء في قصة عثمان بن مظعون ﵁ التي وردت في حديث أم العلاء الأنصارية ﵂؛ وهي أنه لما توفي أبو السائب عثمان بن مظعون ﵁ وفرغوا من تكفينه، دخل النبي ﷺ، فقالت أم العلاء: (رحمة الله عليك أبا السائب، شهادتي عليك لقد أكرمك الله، فقال النبي ﷺ: «وما يدريك أن الله أكرمه؟ فقالت: لا أدري بأبي أنت وأمي يا رسول الله، قال: «أما هو فقد جاءه والله اليقين، والله إني لأرجو له الخير، وما أدري والله - وأنا رسول الله - ما يفعل بي». قالت: فوالله لا أزكي أحدًا بعده).
وهذا النص أيضًا دليل آخر صحيح صريح على أن رسول الله ﷺ لم يكن
[ ٢ / ٩٨٣ ]
علمه ببعض المغيبات دليلًا على علمه بكل غيب، فلئن كان بشر بعض أصحابه بالجنة إطلاع الله له على حالهم، فإنه لم يكن ما حال بعضهم الآخر، ذلك لأن معرفة ما يئول إليه حال الإنسان يوم القيامة غيب لا يعلمه إلا الله.
فهذه بعض نصوص الشرع تدل على أن علم الغيب من خصائص الربوبية لا يعلمه أحد إلا ما أعلمه الله ﷿ أحد خلقه، فمن أثبت هذا العلم لغير الله فقد نازع الله في ربوبيته في علمه المحيط الشامل لكل شيء، ومعلوم أن هذا شرك بالله في ربوبيته بالأنداد في صفته العلم المحيط.
الفرع الثالث: مظاهر الشرك بالله في الربوبية بالأنداد في صفته العلم المحيط لدى السحرة:
لقد سبق معنا كيف يكون السحر شركًا في الربوبية، ومتى يكون، وإنما ذكرته هاهنا لوجود ظاهرة السحر والتسحر في العصر الحديث بصفة عامة في جميع دول العالم، بل ترى الآن هناك محافل وأندية للسحرة ولهم سلطة عجيبة على كثير من الملوك، وقل ما تجد صحيفة يومية أو أسبوعية إلا وفيها إعلان عن تعليم السحر، وإبرازه بأنه فن من الفنون المحمودة. والناس دائمًا يهرولون إليهم بغية معرفة الأخبار السرية أو طلبًا للتنبؤات - كما يسمون - المستقبلية، ويعتقدون معرفتهم بالمغيبات. وهذا لا شك في كونه شركًا بالله في الربوبية في صفته العلم المحيط.
الفرع الرابع: مظاهر الشرك بالله في الربوبية بالأنداد في صفته العلم المحيط لدى الكهنة والمنجمين والعرافين وأصحاب الطرق:
سبق معنا ذكر كون الكهانة والتنجيم والعرافة شركًا بالله جل شأنه في صفته
[ ٢ / ٩٨٤ ]
العلم المحيط لكل شيء، وهنا أذكرهم على أن هذه الظاهرة من الكهانة والعرافة والتنجيم موجودة بشكل عام في جميع بلدان العالم، فقل ما تذهب إلى دولة إلا تجد هناك في الشوارع أناسًا جالسين وأمامهم لوحة كبيرة مكتوب عليها: (تعرّف على مستقبلك)، أو (هنا نستطيع أن نقرأ خطوط أيديك ونخبرك بما سيحدث لك أو ما حدث)، أو (نحن نستطيع أن نختار لك أحسن الحجر الذي سينفعك في مستقبل عمرك بمعرفة برجك)، أو مثل هذه العبارة.
وهناك من العلماء ما زالو ينظرون إلى حروف أبي جاد المعروف، حيث يأخذون اسم الرجل واسم والدته ثم يقسمونه على عدد معلوم ثم يقولون له: إنه سيحدث لك مثل هذا أو ذاك، ومعلوم أن هذه كلها من العرافة التي فيها ادعاء علم المغيبات التي اختص الله بها نفسه.
وهناك طائفة أخرى من الناس تراهم يعلنون دائمًا في الصحف: (إن كان ولادتك في يوم كذا فأنت من حظ الجدي مثلًا، أو العقرب مثلًا، وأنت ستكون محظوظًا في يومك هذا، أو شهرك هذا، أو يقولون: ستكون محظوظًا في يومك هذا، أو شهرك هذا، أو يقولون: ستكون لك مصائب عن قريب، أو سيكون هناك انحطاط جسدي أو فكري أو تجاري، أو مثل هذه العبارة. ولا شك أن هذه كلها من الشرك بالله في الربوبية بالأنداد في صفته العلم المحيط.
وأعظم من تتمثل فيهم الصوفية، فإن الذي يسبر أحوالهم، ويطلع عليها، يعلم علم اليقين أن أكثر مشايخ الطرق ما بين كاهن وعراف، فادعاء علم الغيب عندهم كأنه من مستلزمات الولاية والكرامة، ويسمون ذلك بـ (الكشف).
كما أن الكهانة منتشرة بين كثير من الخرافيين الذين يدعون معرفة الغيب،
[ ٢ / ٩٨٥ ]
ويزعمون أنهم يرشدون الناس إلى ما يريدون، ويأكلون أموالهم بالباطل.
كما أن من مظاهر وجودها: ما يوجد عند بعض من يتطبب بما يسمى بالطب الشعبي، فيزعم أنه يعرف سبب المرض الفلاني، وأن علاجه كذا وكذا، عن طريق الشياطين.
كما أن من مظاهرها أيضًا: ما يدعيه الفلكيون من المنجمين من معرفة ما يحصل بما يسمى بالطالع سواء كان نحسًا أو سعيدًا، وهذا موجود في أكثر الصحف والمجلات.
وأما الطرق: التي هي ضرب من ضروب الكهانة التي كان العرب يتوصلون - بزعمهم - بها إلى معرفة المغيبات. وذلك بالخط على الأرض على طريقة مخصوصة. وهذه الظاهرة ما زالت موجودة في هذا العصر، فمنها:
الخط على الرمل، وضرب الودع منتشران انتشارًا كبيرًا، وكذا التنبؤ - كما يسمون - بها.
ومما يلحق بها مما هو موجود في هذا العصر، ما يسمى بـ (زهر الطاولة)، (والدومينو) وهذا يقومان على التنبؤ بالشيء عن طريق الأرقام، بحيث توضع دائرة على الأرض، ثم يلقى بالزهر المرقم داخلها، فإن لم يدخل فيها، فهو يعني أن ثمة شقاقًا سيقع، وإن دخل فيها تمت قراءة الأرقام الموجودة على الزهر، وكل رقم يدل على حادثة معينة.
ومنها: قراءة النار: حيث إنهم يستدلون على ما يقع - بزعمهم - من الأحداث في المستقبل بصور الجمر، وتلهب النار.
[ ٢ / ٩٨٦ ]
ومنها: ما يسمى بقراءة الفنجان، وهو فنجان القهوة، حيث يعتمد الكاهن على ما يتبقى من القهوة فيه، فيرسم به على جوانب الفنجان خطوطًا، ثم يتنبأ بما يحصل.
ومنها: ما يسمى بقراءة الكف، حيث يعتمد مدعي الغيب على خطوط الكف، وما فيها من تقاطعات، وتعرجات، وانقطاعات، واتصالات، ثم يزعم أنه يكون كذا، وكذا.
ومنها ما يسمى بـ (قراءة الكوتشينة)، وهي كزهر الطاولة التي سبق الكلام عليها قبل قليل.
ومنها: الضرب بحباب الفول.
الفرع الخامس: مظاهر الشرك بالله في الربوبية بالأنداد في صفته العلم المحيط في الروحية الحديثة:
فإن في اعتقاد بعض الناس أن الأرواح - التي هي جنات في الحقيقة - تعلم المغيبات.
وهذه الظاهرة قد انتشرت في الآونة الأخيرة في أغلب دول أوروبا، وفي بعض الدول الآسيوية أيضًا، وقد سبق معنا تفصيل البيان في كيفية مزاولة الوسيط الشيطاني من الإنس هذه الأعمال، وكيف أنها أشرك بالله من عدة جهات، وإنما أوردتهم هاهنا لأنهم يعتقدون في الأرواح أنها تعلم المغيبات.
يقال في الرد عليهم:
[ ٢ / ٩٨٧ ]
١ - كما قال الشيخ محمود شلتوت في الفتاوى: لم يرد شيء فيما يختص بتحضيرها، وتسخيرها لدعوة الإنسان، كما لم يدل عليه حس موثوق به أو تجربة صادقة، وكل ما نسمعه في ذلك لا يخرج عن مظاهر خداع وإلهاء بالخيالات لا يلبث أن ينكشف أمره.
٢ - ما الذي أعلمهم أنها أرواح؟ هل يعرفون الروح؟ يمكنهم أن يقولوا: إنهم يحضرون قوى خفية، ولكن أرواحًا فلا، وكل ذلك غير مقبول، وليس هذا ثابت بالبحث العلمي؛ لأن البحث العلمي يحتاج إلى المعمل وإلى التجربة، وهذا لا يتوفر فيه التجربة والمعمل.
٣ - ما هذه الأرواح التي يزعمون أنهم يحضرونها؟ هل هي أرواح الصالحين؟ كلا، فهؤلاء عرفوا الله عن طريق الأنبياء والمرسلين، فيستحيل أن يخرجوا على كتبهم، ويتنكبوا طريقهم، ولو أتيحت فرصة العودة إلى الدنيا - جدلًا - لما دعوا الناس في هذا الزمان إلا إلى اتباع محمد ﷺ، والأخذ من قرآنه، أم هي أرواح الفجار؟ كلا، فهؤلاء بعد ما غادروا الحياة ملكتهم حسرة قاتلة على زيغهم أيام الدنيا، ثم هو في أيدي حراس غلاظ شداد، قد أمسكوا بخناقهم توطئة لحسابهم الشاق، فكيف يتصور أنهم عادوا إلى الحياة الدنيا عن طريق الاتصال الروحي يستأنفون التزوير والتضليل؟ !
إننا لا نشك في أن مبادئ الروحية الحديثة هي من عبث مردة الجن الذين استغفلوا نفرًا من أبناء آدم، واصطادوهم إلى هذه المجالس؛ مجالس الأشباح والأوهام، مجالس تحضير الأرواح - كما يقال - ليملوا عليهم هذا المنكر من
[ ٢ / ٩٨٨ ]
القول.
وما أكثر عبث الجن بالإنس وأوسع طرقه، ولذلك يندد القرآن الكريم بأطراف هذه الفتنة فيقول: (وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ).
ولا غرو، فإن الشيطان يستحلي إغواء أبناء آدم، كما يستحلي أبناء آدم أكل السحت وارتكاب الزنا، وما هذه الدعوى من تحضير الأرواح إلا من الشياطين. فالصحيح الذي لا مرية فيه: أن ما يسمونه بالأرواح ما هي إلا شياطين.
وأما كيفية معرفتهم لبعض ما يغيب على الناس، فهذا لا يخلو عن ثلاثة أمور:
١ - إما أنه من قرين الميت الذي كان يعرف كثيرًا من أعمال الميت، فيخبرهم عن أحواله.
٢ - وإما أنه من قبيل الجن العابر الذي تعرف على حال المسئول عنه عن طريق استخباره عن الجن الذي هو قرين المسئول عنه.
٣ - وإما أن يخبر عن أشياء هي غائبة بالنسبة لدينا، وليست بغائبة لديهم؛ فمثلًا: كل ما في جيب الإنسان لا يراه إنسان آخر، ولكن الجنات يرون هذه الأشياء كرؤيتنا للمشهودات.
فإخبارهم بهذه الأشياء ليس من قبيل المغيبات.
فهذا آخر ما أمكن من بيان المشركين بالله في الربوبية بالأنداد في صفة العلم المحيط في العصر الحاضر.
[ ٢ / ٩٨٩ ]
المطلب الثالث: الشرك بالله جل شأنه في الربوبية بالأنداد في صفته الحكم والتشريع المطلقين بإثباتهما لغيره سبحانه
وفيه مدخل وفروع:
مدخل في بيان المقصود بالحكم في هذا الباب، وكون إثباته لغير الله شركًا بالله في الربوبية، وبيان الصور التي تدخل منه في هذا النوع من الشرك.
المقصود بالحكم في هذا البا:
مع الجهل بحقيقة الإسلام والبعد عنه، ومع جهود المحادين لله ورسوله، أخذت عدة مفاهيم شرعية تتغير في عقول الناس وتتبدل، وتنحرف عن معناها الأصلي، ومن تلك المفاهيم التي أصابها الضمور في عقول الناس مفهوم الحكم بما أنزل الله، فقد انحصر مفهوم الحكم بما أنزل الله على شموله واتساعه في بعض أجزائه.
فبعضهم ينحصر في التشريعات والأحكام المتعلقة بالأسرة؛ من زواج وطلاق، وحضانة وغير ذلك.
والبعض الآخر يحصره في العقوبات الشرعية من الحدود وغيرها.
والبعض الآخر يحصره في مجرد كلمة غامضة تكتب في قصاصة من الورق لا قيمة لها يسمونها (الدستور) أو ما شابهه من المسميات.
ونماذج بتر المفهوم الصحيح للحكم بما أنزل الله كثيرة ومتنوعة باختلاف أهواء البشر وضلالاتهم وجهالاتهم. وأبرز هذا المفهوم المبتور ما ترى في كثير من الناس الذين يكفرون الحكام وعامة الناس من غير تفصيل ولا احتياط
[ ٢ / ٩٩٠ ]
في هذا الأمر، ومن غير مراعاة منهج السلف في هذا الباب، بل ترى كثيرًا منهم يسارعون إلى تكفير الحكام لعدم الحكم بما أنزل الله، وتراه لا يحكم بما أنزل الله في نفسه وأسرته، بل زيادة على ذلك تراه يقبل أحكامًا تخالف شرع الله ﷿ من عند رئيس جماعته، ونحلته التي ينتسب إليها، ولما وصل الأمر إلى هذا الحد لزم بيان المفهوم الصحيح للحكم بما أنزل الله.
وإذا رجعنا إلى معنى كلمة (الحكم) نجد لها عدة معان، يتعلق منها بموضوعنا معنيان:
الأول: القضاء والفصل في الأمور المعينة: اعتمادًا على تشريع سابق، ويكون دور القاضي في هذه الحالة: البحث في نصوص التشريع عما ينطبق على الحالةا لمعروضة، ثم يحكم فيها بما يدل عليه ذلك التشريع، ويدل على هذا المعنى لمفهوم كلمة الحكم، قوله تعالى: (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)، وقوله تعالى: (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ)، وقوله تعالى: (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا)، وغير ذلك من النصوص المشابهة.
فالمراد بالحكم في هذه النصوص وما شابهها: القضاء والفصل في الأمور على وفق التشريع المنزل من عند الله.
[ ٢ / ٩٩١ ]
وهذا النوع من الحكم ليس خاصًا بالله، ولا يمنع المسلم من مزاولته فكل مسلم استوفى شروط القضاء المعروفة يمكنه مزاولة هذا النوع من الحكم. وطبيعة هذا النوع من الحكم أنه يتعلق بوقائع معينة محددة، وما خالف في جوازه إلا الخوارج ومن تبعهم من معاصرينا.
الثاني: القضاء والفصل في الأمور بغير اعتماد على تشريع سابق، أو القضاء والفصل في الأمور اعتمادًا على تشريع يضعه القاضي أو الحاكم من قبل نفسه، أو مما خلفته الأمم من التشريعات، أو مما سنته عقول الناس.
فهذا النوع من الحكم يكون الحكم فيه بمعنى التشريع المبتدأ الذي يبتدئه الحاكم من عند نفسه أو من القوانين الأخرى المستوردة، من غير أن يمليه عليه أحد، أو يتبع فيه أحدًا، وقد يصحبه بعد ذلك الحكم بالمعنى الأول، وقد لا يصحبه.
وفعل الحاكم في هذا النوع من الحكم أنه يضع من عند نفسه التشريع ويبين الأحكام المترتبة على الأقوال والأفعال والتصرفات. وقد يحكم الحاكم بعد ذلك في قضية أو واقعة معينة بناء على هذا التشريع - القوانين ـ، وقد لا يحكم فيها بنفسه.
ويدل على هذا المعنى لمفهوم كلمة (الحكم) قول الله تعالى: (ذَلِكُمْ حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ)، وقوله تعالى: (وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللهِ)، وقوله تعالى: (أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ)، وقوله تعالى: (وَلَا
[ ٢ / ٩٩٢ ]
يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا)، وقوله تعالى: (أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًا)، وقوله تعالى: (إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ). وغير ذلك من الآيات الكثيرة الدالة على هذا المعنى.
فالمراد بالحكم في هذه النصوص وما شابهها: إحداث تشريع مبتدأ للحكم في القضايا، سواء كانت قضايا كلية عامة، أو كانت قضايا معينة محددة.
ومعلوم أن هذا النوع من الحكم مختص بالله رب العالمين، لا يشركه فيه أحد من خلقه.
ومن هنا يتبين جليًا أن مفهوم الحكم بما أنزل الله مفهوم واسع يشمل كل ما جاءت به النصوص الشرعية من الكتاب والسنة أو دلت عليه. فمثلًا:
١ - مال الدولة الإسلامية: تحديد موارده، وتحديد مصارفه، وكيفية مصارفه، وكيفية الاكتساب في الإسلام، وما يحل منه وما يحرم، كل ذلك يشمله مفهوم الحكم بما أنزل الله.
٢ - ثروات الأمة المخزونة في باطن الأرض أو على ظاهرها: ما يكون منها ملكًا للدولة وما كان منها ملكًا للأفراد، وكيفية توزيع ثروات الأمة بين أبنائها بالحق والعدل، بحيث لا يستأثر بها فريق دون آخر، يشمله الحكم بما أنزل الله.
٣ - صفات الوالي: وما يشترط فيه من الشروط، وواجباته، وحقوقه، وكيفية اختياره أو عزله - إن اقتضى الأمر - كل ذلك يشمله أيضًا مفهوم الحكم بما أنزل الله.
[ ٢ / ٩٩٣ ]
٤ - العلاقات الخارجية: علاقات الدولة الإسلامية بغيرها من دول الكفر: ما هي حدود العلاقات؟ هل هي حرب أم هي سلم؟ أم هي هدنة مؤقتة أم هي غير ذلك؟ كل ذلك يشمله مفهوم الحكم بما أنزل الله.
٥ - مخالفات الناس ومعاصيهم: وما يترتب على ذلك من عقوبات قد تكون حدًا، وقد تكون تعزيرًا، يشمله أيضًا الحكم بما أنزل الله.
٦ - العلاقات الأسرية: من زواج وطلاق، وحضانة، وخلع، وعدة ومتعة، وأحكام الوراثة، وأحكام المهور كل ذلك يشمله الحكم بما أنزل الله.
٧ - كما أنها تشمل حكم الله في الصلاة والصيام والزكاة والحج والزفاف والجنائز واللباس والطعام والشراب، بل في جميع أمور الفرد والأسرة والمجتمع والأمة.
وهكذا، فالحكم بما أنزل الله مدلوله أشمل وأوسع من مجرد ما يظنه كثير من الناس، إذ ما من آية أو حديث فيها حكم من الأحكام الشرعية، إلا كان الحكم بما دلت عليه الآية أو الحديث داخلًا في مفهوم الحكم بما أنزل الله.
ولعله يصبح من الواضح جدًا الآن شيئان:
الأول: أن مطالبة المطالبين بالحكم بما أنزل الله لا تعني تنفيذ بعض هذه الأحكام، بل تعني جميع هذه الأحكام، وأن الأمر لا يخص الأمراء فقط، بل حتى على الأسرة والمجتمع، والمجتمع كلٍّ حسب ما كلف من جهة الشرع، فالرجل مكلف أن يحكم بما أنزل الله في أسرته؛ لأن كل واحد منا راع وكلنا مسئولون عن رعايانا. فما ترى من الناس من أنهم ينصبون جميع اللوم على الحكام والأمراء في عدم الحكم بما أنزل الله ليس ذاك إلا لمجرد القصور في النظر.
[ ٢ / ٩٩٤ ]
الثاني: لما قلنا: إن الحكم بما أنزل الله يشمل كل شئون الفرد والمجتمع، وإذا لم يطبق أحدنا ما حكم الله ﷿ في ما يرعاه، فإن حكمه يختلف حسب ما أداه إليه عمله هذا، من الكبيرة وارتكاب الحرام وكفر دون كفر، إلى كفر أكبر وشرك أكبر؛ لأن للمخالفة درجات في الشرع، فإن كان خالفه بمجرد اتباع هواه فهل يقال له إنه كافر مثلًا؟ ولو قلنا بهذا فما الفرق بيننا وبين الخوراج مثلًا؟ ولهذا من الخطأ ما نرى الآن في الساحة أناسًا يكفرون الناس بدون تفصيل، وبدون النظر إلى عواقب الأمور وإلى أنه هل يوجد هناك عنده شبهة أو مانع أم لا؟ .
كون إثبات صفة الحكم لغير الله شركًا بالله جل وعلا:
لا شك أن تنحية شرع الله تعالى وعدم التحاكم إليه في شئون الحياة من أخطر وأبرز الانحراف في مجتمعات المسلمين. ولقد كان من عواقب الحكم بغير ما أنزل الله في بلاد المسلمين ما حل بهم من أنواع الفساد وصنوف الظلم والذل والمحق. ولعل أخطر منه إعطاء سلطة التشريع والحكم لغير الله سبحانه.
ونظرًا لأهمية وخطورة هذه المسألة من جانب، وكثرة اللبس فيها من جانب آخر، نفصل القول في المسألة على النحو التالي:
منزلة إثبات صفة الحكم والتشريع لله وحده:
فرض الله تعالى الحكم بشريعته، وأوجب ذلك على عباده، وجعله الغاية من تنزيل كتابه، فقال سبحانه: (وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) وقال تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ).
[ ٢ / ٩٩٥ ]
وبين سبحانه اختصاصه وتفرده بالحكم، فقال: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ)، وقال سبحانه: (إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ)، وقال ﷿: (لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)، وقال سبحانه: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ)، كما سبق معنا إيراد النظائر من الآيات الدالة على أن الحكم والتشريع من خصائص الله ﷿.
فالحكم بما أنزل الله من توحيد الربوبية؛ لأنه تنفيذ لحكم الله الذي هو مقتضى ربوبيته وكمال ملكه وتصرفه، ولهذا سمى الله تعالى المتبوعين في غير ما أنزل الله تعالى أربابًا لمتبعيهم، فقال سبحانه: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ).
وكما يقول الشيخ محمد رشيد رضا - في بيان معنى الشرك في الربوبية ـ: هو إسناد الخلق التدبير إلى غير الله تعالى معه، أو أن تؤخذ أحكام الدين
[ ٢ / ٩٩٦ ]
في عبادة الله تعالى والتحليل والتحريم من غيره، أي غير كتابه ووحيه الذي بلّغه عنه رسله.
ويقول ابن حزم - عند قوله تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ) الآية ـ:
(لما كان اليهود والنصارى يُحرمون ما حرم أحبارهم ورهبانهم، ويُحلون ما أحلوا، كانت هذه ربوبية صحيحة، وعبادة صحيحة، وقد دانوا بها، وسمى الله تعالى هذا العمل اتخاذ أرباب من دون الله وعبادة، وهذا هو الشرك بلا خلاف).
ويقول ابن تيمية ﵀ في هذا الشأن: (وقد قال تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ).
وفي حديث عدي بن حاتم - وهو حديث حسن طويل رواه أحمد والترمذي وغيرهما - وكان قد قدم على النبي ﷺ وهو نصراني، فسمعه يقرأ هذه الآية، قال: فقلت له: إنا لسنا نعبدهم، قال: «أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟». قال: فقلت: بلى. قال: «فتلك عبادتهم». وكذلك قال أبو البختري: «أما إنهم لم يصلوا لهم، ولو أمروهم أن
[ ٢ / ٩٩٧ ]
يعبدوهم من دون الله ما أطاعوهم، ولكن أمروهم فجعلوا حلال الله حرامه، وحرامه حلاله، فأطاعوهم فكانت تلك الربوبية
فقد بين النبي ﷺ أن عبادتهم إياهم كانت في تحليل الحرام وتحريم الحلال، لا أنهم صلوا لهم، وصاموا لهم، ودعوهم من دون الله، فهذه عبادة الرجل، وقد ذكر الله أن ذلك شرك بقوله: (لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ).
وإذا كانت متابعة أحكام المشرعين غير ما شرعه الله، تعتبر شركًا، وقد حكم الله على هؤلاء الأتباع بالشرك، كما قال تعالى: (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ)، فكيف بحال هؤلاء المشرعين؟ ! لا شك في كفرهم؛ لأنهم نازعوا الله تعالى في ربوبيته، وبدلوا دين الله وشرعه.
كما أن حقيقة الرضا بالله ربًا توجب إفراد الله تعالى بالحكم، واختصاصه تعالى بالخلق والأمر، حيث قال سبحانه: (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ)، وقال سبحانه: (قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ). فالأمر كله لله تعالى وحده، سواء كان هذا الأمر كونيًا قدريًا، أو شرعيًا دينيًا.
[ ٢ / ٩٩٨ ]
يقول العز بن عبد السلام: وتفرد الإله بالطاعة لاختصاصه بنعم الإنشاء والإبقاء والتغذية والإصلاح الديني والدنيوي، فما من خير إلا هو جالبه، وما من ضير إلا هو سالبه وكذلك لا حكم إلا له.
ويقول عبد الرحمن السعدي: فإن الرب والإله هو الذي له الحكم القدري، والحكم الشرعي، والحكم الجزائي، وهو الذي يؤله ويعبد وحده لا شريك له، ويطاع طاعة مطلقة فلا يعصى بحيث تكون الطاعات كلها تبعًا لطاعته.
إضافة إلى ذلك، فإن الحَكَم من أسماء الله تعالى الحسنى، فقد قال ﷺ: «إن الله هو الحَكَم وإليه الحُكْم». يقول ابن الأثير: (وإنما كره له ذلك لئلا يشارك الله في صفته).
[ ٢ / ٩٩٩ ]
وفي دعاء الاستفتاح في صلاة التهجد يقول الرسول ﷺ: «وإليك حاكمت». يقول ابن منظور في اللسان: (أي: رفعت الحكم إليك ولا حكم إلا لك).
وقال تعالى: (أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًا).
وقال سبحانه: (فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ).
وقال ﷿: (أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ).
وإن الإيمان بهذا الاسم يوجب التحاكم إلى شرع الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: (وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا). وقال سبحانه: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ).
وقد بين الله تعالى - في آيات كثيرة - صفات من يستحق أن يكون الحكم له كما قال العلامة الشنقيطي مبينًا ذلك:
فمن الآيات القرآنية التي أوضح بها تعالى صفات من له الحكم والتشريع، قوله تعالى: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ)، ثم قال مبينًا صفات من له الحكم: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠) فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ
[ ٢ / ١٠٠٠ ]
وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ).
فهل في الكفرة الفجرة المشرعين للنظم الشيطانية، من يستحق أن يوصف بأنه الرب الذي تفوض إليه الأمور، ويتوكل عليه، وأنه فاطر السموات والأرض - أي خالقها ومخترعها، على غير مثال سابق ـ، وأنه هو الذي خلق للبشر أزواجًا ؟
فعليكم أيها المسلمون أن تتفهموا صفات من يستحق أن يشرع ويحلل ويحرم، ولا تقبلوا تشريعًا من كافر خسيس حقير جاهل.
ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: (لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا).
فهل في الكفرة الفجرة المشرعين من يستحق أن يوصف بأن له غيب السموات والأرض؟ وأن يبالغ في سمعه وبصره لإحاطة سمعه بكل المسموعات، وبصره بكل المبصرات؟ وأنه ليس لأحد دونه من ولي؟ ﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا.
ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: (وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ).
فهل في الكفرة الفجرة المشرعين من يستحق أن يوصف بأنه الإله الواحد
[ ٢ / ١٠٠١ ]
وأن كل شيء هالك إلا وجهه؟ وأن الخلائق يرجعون إليه؟ تبارك ربنا وتعاظم وتقدس أن يوصف أخس خلقه بصفاته.
ومنها قوله تعالى: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ).
فهل فيهم من يستحق أن يوصف بأنه يقص الحق، وأنه خير الفاصلين؟
ومنها قوله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلالًا قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ).
فهل في أولئك المذكورين من يستحق أن يوصف بأنه هو الذي ينزل الرزق للخلائق، وأنه لا يمكن أن يكن تحليل ولا تحريم إلا بإذنه؟ لأن من الضروري أن من خلق الرزق وأنزله هو الذي له التصرف فيه بالتحليل والتحريم.
سبحانه جل وعلا أن يكون له شريك في التحليل والتحريم.
وقال ﵀ في تفسير قوله تعالى: (وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا): وقد قرأ هذا الحرف عامة القراء (ولا يشرك) بالياء المثناة التحتية، وضم الكاف على الخبر، ولا نافية، والمعنى: ولا يشرك الله ﷿ أحدًا في حكمه، بل الحكم لله وحده لا حكم لغيره ألبتة، فالحلال ما أحله - تعالى - والحرام ما حرمه، والدين ما شرعه، والقضاء ما قضاه. وقرأ ابن عامر في السبعة: (ولا تشرك) بضم التاء المثناة الفوقية، وسكون الكاف بصيغة النهي، أي لا تشرك يا نبي الله، أو لا تشرك أيها المخاطب في حكم الله جل وعلا، بل أخلص الحكم لله من شوائب شرك غيره في الحكم، وحكمه جل وعلا المذكور
[ ٢ / ١٠٠٢ ]
في قوله: (وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا) شامل لكل ما يقتضيه جل وعلا، ويدخل في ذلك التشريع دخولًا أوليًا.
وإذا كان القول بأن الله هو الحَكَم، وأن الحُكم له وحده يمثل جزءًا من عقيدة المسلمين في الله ربهم فإنه يعني من جانب آخر أن المسلم لا يقر بذلك لأحد دون الله تعالى. هذا فضلًا عن أن يدعي ذلك لنفسه، أو لغيره.
ومما تقدم تبين أن من ادعى أنه هو الحَكَم وأن الحُكْم له - سواء كان هذا المدعي فردًا، أو جماعة، أو هيئة، أو مؤسسة، أو مجلسًا شعبيًا، أو برلمانًا، أو غير ذلك من المسميات - فقد ادعى مشاركته لله ﵎ في ذلك.
والمقصود: بيان كون الحكم والتشريع من خصائص الربوبية، وإعطاء هذه الخصيصة لغير الله شرك بالله جل شأنه في صفة الحكم وفي صفة التشريع.
بقي أن نشير هنا إلى أنه هل وجد هذا النوع من الشرك في العصر الحديث أم لا؟ .
فأقول: لقد وقع في هذا النوع من الشرك جملة من الطوائف في العصر الحديث، ويتمثل ذلك فيما يلي:
إعطاء حق التشريع لغير الله سواء كان من الأمراء والسلاطين، أو القوانين، أو الأنظمة المستوردة.
ومنها: إعطاء حق التشريع للعلماء والأئمة ورؤساء الأحزاب والجماعات.
ومنها: إعطاء حق التشريع لمشايخ التصوف.
وسأذكر كل من وقع في هذا النوع من الشرك في الفروع الآتية:
[ ٢ / ١٠٠٣ ]
الفرع الأول: مظاهر الشرك بالله في الربوبية بالأنداد في صفة الحكم والتشريع بإثباتهما لغير الله، سواء كان إنسانًا عاديًا، أو أميرًا من الأمراء، أو كان قانونًا من قوانين الكفرة، أو نظامًا من الأنظمة المستوردة :
كل من نصب نفسه حاكمًا مطلقًا أو مشرعًا - في أي قضية من القضايا - فقد أوقع نفسه في هذا النوع من الشرك؛ لأن الله ﷿ سماه مشرعًا في قوله: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ). كما سماه طاغوتًا، وحرم التحاكم إليه، وبين أن من تحاكم إلى الطاغوت ثم زعم الإيمان أن أمره عجيب؛ لأن دعوى الإيمان يبطلها التحاكم إلى الطاغوت. قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا).
وقد سمى الله تعالى الذين يحكمون بغير شرعه كفارًا، وظالمين، وفاسقين، فقال سبحانه: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)، وقال سبحانه: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)، وقال
[ ٢ / ١٠٠٤ ]
عزوجل: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ).
وأبرز من وقع في هذا النوع من الشرك:
المشرعون للقوانين الوضعية. والمستوردون لها والمبدلون بها الحكم الشرعي والمستحلون للحكم بها، والمنكرون لأحقية حكم الله ورسوله عليها، والمسوون بينها وبين حكم الله، والقائلون بعدم صلاحية حكم الله في هذا القرن العشرين - قرن العلم والنور - (كما يقولون)، والمعرضون عن أحكام الشريعة الدالة على عدم الاقتناع بها.
وذلك: (أن طواغيت البشر - قديمًا وحديثًا - قد نازعوا الله في حق الأمر والنهي والتشريع بغير سلطان من الله تعالى، فادعاه الأحبار والرهبان لأنفسهم؛ فأحلوا به الحرام، وحرموا به الحلال، واستطالوا به على عباد الله، وصاروا بذلك أربابًا من دون الله.
ثم نازعهم الملوك في هذا الحق حتى اقتسموا السلطة مع هؤلاء الأحبار والرهبان، ثم جاء العلمانيون فنزعوا الحق من هؤلاء وهؤلاء، ونقلوه إلى هيئة تمثل الأمة والشعب، أُطلق عليها اسم البرلمان، أو مجلس النواب وغالب الأنظمة التي تحكم بلاد المسلمين - من خلال استقراء دساتيرها - إنما هو انسلاخ من عقيدة إفراد الله تعالى وحده بالتشريع، حيث جعلت التشريع والسيادة للأمة أو الشعب، وربما جعلت الحاكم مشاركًا في ذلك في سلطة التشريع، وقد يستقل بالتشريع في بعض الأحوال، وكل ذلك تمرد على حقيقة الإسلام التي توجب الانقياد والقبول لدين الله تعالى، والله المستعان).
وقد وصل امتهان الشريعة الإلهية ونبذها - في بعض تلك الدساتير - إلى
[ ٢ / ١٠٠٥ ]
حد أنهم جعلوا هذه الشريعة الربانية مصدرًا ثانويًا من مصادر القانون، فتأتي الشريعة متأخرة بعد التشريع الوضعي، والعرف، كما أنهم يجاهرون صراحة بحق التشريع لغير الله تعالى - بحيث أن نصوص الشريعة لا تكتسب صفة القانون عندهم لو أرادوا العمل بتلك النصوص إلا بصدورها عمن يملك حق التشريع، وهي السلطة التي يمنحها الدستور الاختصاص بذلك.
أما كون هذه الشريعة منزلة من عند الله تعالى فلا يعطيها صفة القانون عندهم فضلًا أن تكون حاكمة ومهيمنة، بل إن العرف يلغي أي مبدأ من مبادئ الشريعة الإسلامية - فسحقًا لهم ـ.
كما أن هذه القوانين والدساتير الطاغوتية عند أصحابها قد صار لها من الحرمة والتعظيم كما لو كانت شريعة إلهية، يبين ذلك الشيخ أبو الأشبال أحمد شاكر ﵀ فيقول:
(هذه القوانين التي فرضها على المسلمين أعداء الإسلام هي في حقيقتها دين آخر جعلوه دينًا للمسلمين بدلًا من دينهم النقي السامي، لأنهم أوجبوا عليهم طاعتها وغرسوا في قلوبهم حبًا وتقديسها والعصبية لها، حتى لقد تجري على الألسنة والأقلام كثير من الكلمات (تقديس القانون)، و(قدسية القضاء) و(حرمة المحكمة) وأمثال ذلك من الكلمات ثم صاروا يطلقون على هذه القوانين ودراساتها كلمة (الفقه) و(الفقيه)، و(التشريع) و(المشرع) وما إلى ذلك من الكلمات التي يطلقها علماء الإسلام على الشريعة وعلمائها).
إن شريعة الله تعالى يجب أن تكون وحدها حاكمة ومهيمنة على غيرها،
[ ٢ / ١٠٠٦ ]
وأن تكون المصدر الوحيد للتشريع، فلا ننخدع بما يقوله بعضهم بأن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع، لما تضمنه هذه العبارة الشركية من الإقرار والرضا بمصادر أخرى للتشريع، ولو كانت مصادر فرعية. يقول الله تعالى: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ).
وفيما يلي بيان نصوص العلماء المحققين في إثبات ما ذكر:
أولًا: قول شيخ الإسلام ابن تيمية:
قال ﵀ في كتابه منهاج السنة النبوية: (ولا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله فهو كافر، فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه عدلًا من غير اتباع لما نزل الله فهو كافر، فإنه ما من أمة إلا هي تأمر بالعدل، وقد يكون العدل في دينها ما رآه أكابرهم، بل كثير من المنتسبين إلى الإسلام ويحكمون بعاداتهم التي لم ينزلها الله، كسواليف البادية، وكأوامر المطاعين، ويرون أن هذا هو الذي ينبغي أن يحكم به دون الكتاب والسنة، وهذا هو الكفر، فإن كثيرًا من الناس أسلموا ولكن لا يحكمون إلا بالعادات الجارية التي يأمر بها المطاعون.
فهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز لهم الحكم إلا بما أنزل الله، فلم يلتزموا ذلك، بل استحلوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل الله فهم كفار).
وقال في موضع آخر: (والإنسان متى حلل الحرام - المجمع عليه - أو حرم
[ ٢ / ١٠٠٧ ]
الحلال - المجمع عليه - أو بدل الشرع - المجمع عليه - كان كافرًا باتفاق الفقهاء).
وقال: (ليس لأحد أن يحكم بين أحد من خلق الله، لا بين المسلمين، ولا الكفار ولا الفتيان، ولا رماة البندق، ولا الجيش، ولا الفقراء، ولا غير ذلك إلا بحكم الله ورسوله، ومن ابتغى غير ذلك تناوله قوله تعالى:
(أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ).
وقوله تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).
فيجب على المسلمين أن يُحَكّموا الله ورسوله فيما شجر بينهم، ومن حكم بحكم البندق وشرع البندق، أو غيره مما يخالف شرع الله وشرع رسوله، وحكم الله وحكم رسوله، وهو يعلم ذلك، فهو من جنس التتار الذين يقدمون حكم (الياسق) على حكم الله وحكم رسوله، ومن تعمد ذلك فقد قدح في عدالته ودينه).
وقد سئل - رحمه الله تعالى - عن قتال التتار مع تمسكهم بالشهادتين ودعواهم أنهم يتبعون أصل الإسلام، فقال: (كل طائفة ممتنعة عن التزام شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة من هؤلاء وغيرهم، فإنه يجب قتالهم، حتى يلتزموا شرائعه، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين، وملتزمين بعض شرائع الإسلام، كما قاتل أبو بكر والصحابة رضوان الله عليهم مانعي الزكاة ).
وبين - رحمه الله تعالى ـ: (أن مجرد الاعتصام بالإسلام مع عدم التزام
[ ٢ / ١٠٠٨ ]
شرائعه ليس بمسقط للقتال، فالقتال واجب حتى يكون الدين لله، وحتى لا تكون فتنة، فمتى كان الدين لغير الله فالقتال واجب).
ثم بين ﵀ وأجزل له المثوبة ـ: (أن كل طائفة ممتنعة عن بعض الصلوات المفروضات أو الصيام أو الحج، أو امتنعت عن التزام تحريم الدماء والأموال أو الخمر أو الزنا أو الميسر أو نكاح ذوات المحارم، أو امتنعت عن التزام جهاد الكفار أو ضرب الجزية على أهل الكتاب أو غير ذلك من التزام واجبات الدين أو محرماته التي لا عذر لأحد في جحودها أو تركها والتي يكفر الواحد بجحودها فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها وإن كانت مقرة بها، وهذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء ).
ثم بين ﵀ أن هؤلاء الممتنعين من هذه الواجبات ليسوا بغاة، وإنما هم كفرة خارجون عن الإسلام، وشتان ما بين الأمرين، قال ﵀: (وهؤلاء عند المحققين من العلماء ليسو بمنزلة البغاة الخارجين على الإمام أو الخارجين عن طاعته، كأهل الشام مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، فإن أولئك خارجون عن طاعة إمام معين، أو خارجون عليه لإزالة ولايته، أما المذكورون فهم خارجون عن الإسلام بمنزلة مانعي الزكاة وبمنزلة الخوارج الذين قاتلهم علي بن أبي طالب ﵁).
ثانيًا: من أقوال العلامة ابن القيم ﵀:
يقول ابن القيم ﵀: (من تحاكم أو حاكم إلى غير ما جاء به
[ ٢ / ١٠٠٩ ]
الرسول ﷺ فقد حكم الطاغوت وتحاكم إليه). ويعرف ﵀ الطاغوت فيقول: (الطاغوت كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه، غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله، فهذه طواغيت العالم، إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم من عبادة الله إلى عبادة الطاغوت، وعن التحاكم إلى الله ورسوله إلى التحاكم إلى الطاغوت).
ويقول في موضع آخر: (فالرضا بالله ربًا، ألاّ يتخذ ربًا غير الله تعالى يسكن إلى تدبيره، وينزل له حوائجه، قال تعالى: (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ). قال ابن عباس ﵁: سيدًا وإلهًا، يعني فكيف أطلب ربا غيره وهو رب كل شيء؟ وقال أول السورة: (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)؛ يعني معبودًا وناصرًا ومعينًا وملجئًا. وهو من الموالاة التي تتضمن الحب والطاعة. وقال في وسطها: (أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا)؛ أي أفغير الله أبتغي من يحكم بيني وبينكم، فنتحاكم إليه فيما اختلفنا فيه؟ وهذا كتابه سيد الحكام، فكيف نتحاكم إلى غير كتابه؟ وقد أنزله مفصلًا، مبينًا كافيًا شافيًا
وكثير من الناس يرضى الله ربًا، ولا يبغي ربًا سواه، لكنه لا يرضى به وليًا
[ ٢ / ١٠١٠ ]
وناصرًا وحده، بل يوالي من دونه أولياء، ظنًا منه أنهم يقربونه إلى الله، وأن موالاتهم كموالاة خواص الملك، وهذا شرك
وكثير من الناس يبتغي غيره حكمًا، يتحاكم إليه، ويخاصم إليه، ويرضى بحكمه بينما أركان التوحيد الثلاثة: أن لا يتخذ سواه ربًا، ولا إلهًا، ولا غيره حكمًا).
ثالثًا: قول العلامة ابن كثير:
بعد أن ذكر ﵀ من الياسق التي يحكم بها التتار قال: (وفي ذلك كله مخالفة لشرائع الله المنزلة على عبادة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسق وقدمها عليه! من فعل ذلك فهو كفر بإجماع المسلمين).
فهو يقرر أن التحاكم إلى الشرائع السماوية المنسوخة كاليهودية كفر، فتكفير الذين يتحاكمون إلى غيرها من الشرائع من باب أولى. ثم يقرر أن أمثال هؤلاء يكفرون بإجماع المسلمين.
ويقول ﵀ في تفسير قوله تعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ):
(ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله تعالى المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات
[ ٢ / ١٠١١ ]
التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيز خان الذي وضع لهم الياسق، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى: من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعًا متبعًا يقدمونه على الحكم بالكتاب وسنة رسول الله ﷺ).
رابعًا: قول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀:
عدّ شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ رؤوس الطواغيت فكانت خمسة، أذكر منها ما يتعلق بالموضوع:
١ - الحاكم الجائز المغيّر لأحكام الله تعالى، واستدل على ذلك بقوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا).
٢ - الذي يحكم بغير ما أنزل الله، والدليل قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ).
خامسًا: قول العلامة الشيخ أحمد شاكر:
بيّن الشيخ شاكر ﵀ أن القوانين الوضعية تعتبر تشريعًا جديدًا
[ ٢ / ١٠١٢ ]
ودينًا جديدًا، ثم قال: (وصار هذا الدين الجديد هو القواعد الأساسية التي يتحاكم إليها المسلمون في أكثر بلاد الإسلام ويحكمون بها، سواء منها ما وافق في بعض أحكامه شيئًا من أحكام الشريعة وما خالفها، وكله باطل وخروج؛ لأن ما وافق الشريعة إنما وافقها مصادفة، لا اتباعًا لها، ولا طاعة لأمر الله وأمر رسوله، فالموافق والمخالف كلاهما مرتكس في حمأة الضلالة، يقود صاحبه إلى النار، ولا يجوز لمسلم أن يخضع له أو يرضى به).
فهو يقرر أن هذه الشرائع كلها باطلة، وهي خروج على الدين الإسلامي، ولا عبرة بما جاء فيها موافقًا لأحكام الشريعة الإسلامية؛ لأن هذه الموافقة جاءت مصادفة، والتشريع الإسلامي يؤخذ من حيث كونه منزلًا من عند الله دون سواه.
ويقول في موضع آخر: (إن الأمر في هذه القوانين الوضعية واضح وضوح الشمس، هي كفر بواح، لا خفاء فيه ولا مداراة، ولا عذر لأحد ممن ينتسب إلى الإسلام - كائنًا من كان - في العمل بها أو الخضوع لها أو إقرارها، فليحذر امرؤ لنفسه، وكل امرؤ حسيب نفسه).
وقال في موضع آخر: (ما احتج به مبتدعة زماننا، من القضاء في الأموال، والأعراض والدماء بقانون مخالف لشريعة أهل الإسلام، وإصدار قانون ملزم لأهل الإسلام بالاحتكام إلى حكم غير حكم الله في كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ، فهذا الفعل إعراض عن حكم الله، ورغبة عن دينه، وإيثار لأحكام أهل الكفر
[ ٢ / ١٠١٣ ]
على حكم الله تعالى، وهذا كفر لا يشك أحد من أهل القبلة - على اختلافهم - في تكفير القائل به والداعي إليه).
ثم بيّن أحمد شاكر: (أن الأمر في هذه القوانين الوضعية واضح وضوح الشمس في رابعة النهار فهي كفر بواح )، قال: (ألا فليصدع العلماء بالحق غير هيابين، وليبلغوا ما أمروا بتبليغه غير موانين ولا مقصرين).
لقد قال ﵀ كلمة الحق غير هياب ولا وجل: (سيقول عني عبيد هذا (الياسق العصري) وناصروه: أني جامد، وأني رجعي، وما إلى ذلك من الأقاويل، ألا فليقولوا ما شاؤوا، فما عبئت يومًا ما بما يقال عني، ولكني قلت ما يجب أن أقول).
فهو يرى ﵀ أنه يجب على العلماء إظهار هذه الحقيقة، وبذلك يقومون بمهمة البلاغ التي كلفهم الله تعالى بها، فينجوا أمام الله تعالى من أليم عقابه، ومن ثم يتبين الأمر لعامة الناس، ويأخذوا الأمر بجد، ولا يتهاونوا في مواجهة هذا الباطل، ويهربوا من الكفر الذي يراد لهم أن يدخلوا فيه.
وقد رأى ﵀ تحريم تعلم هذا الباطل، كما يرى على العلماء تحريم التولي لولاية القضاء في مثل هذه المحاكم التي تطبق شريعة البشر، قال ﵀: (أفيجوز لأحد من المسلمين أن يعتنق هذا الدين الجديد، أعني التشريع الجديد! أو يجوز لأب أن يرسل أبناءه لتعلم هذا واعتناقه، واعتقاده والعمل به، عالمًا كان الأب أو جاهلًا؟ أو يجوز لرجل مسلم أن يلي القضاء
[ ٢ / ١٠١٤ ]
في ظل هذا (الياسق العصري) وأن يعمل به، ويعرض عن شريعته ألبته؟ ! ما أظن أن رجلًا مسلمًا يعرف دينه، ويؤمن به جملة وتفصيلًا، ويؤمن بأن هذا القرآن أنزله الله على رسوله كتابًا محكمًا، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبأن طاعته وطاعة الرسول الذي جاء به واجبة قطعية الوجوب في كل حال - ما أظنه يستطيع إلا أن يجزم غير متردد ولا متأول، بأن ولاية القضاء في هذه الحال باطلة بطلانًا أصليًا، لا يلحقه التصحيح ولا الإجازة).
ويقول في موضع آخر: (نرى في بعض بلاد المسلمين قوانين ضربت عليها، نقلت عن أوروبا الوثنية الملحدة، وهي قوانين تخالف الإسلام مخالفة جوهرية في كثير من أصولها وفروعها، بل إن في بعضها ما ينقض الإسلام ويهدمه، وذلك أمر واضح وبديهي، لا يخالف فيه إلا من يغالط نفسه، ويجهل دينه أو يعاديه من حيث يشعر أو لا يشعر، وهي في كثير من أحكامها أيضًا توافق التشريع الإسلامي، أو لا تنافيه على الأقل، وإن العمل بها في بلاد الإسلام غير جائز حتى فيما وافق التشريع الإسلامي؛ لأن من وضعها حين وضعها لم ينظر إلى موافقتها للإسلام أو مخالفتها، إنما نظر إلى موافقتها إلى قوانين أوروبا أو لمبادئها وقواعدها وجعلها هي الأصل الذي يرجع إليه، فهو آثم مرتد بهذا سواء أوضع حكمًا موافقًا للإسلام أو مخالفًا له ).
ويرى فضيلته أن الواقع في هذا الجرم العظيم من الناس ثلاثة، وهم:
١ - المتشرِّع: (ويقصد به في مصطلحاتهم الهيئة التشريعية، وعلى رأسهم الآمر بذلك، وهو الحاكم الأعلى للدولة، الذين يعين الهيئة ويأمرها بذلك
[ ٢ / ١٠١٥ ]
ويحدد لها مهمتها ويصادق على ما تبناه من تشريعات - وإن كانت كلمة التشريعات ما يجوز إطلاقها ولكنه سماه هنا على أساس ما يسمونه ظلمًا وزورً): قال عنه: فإنه يضع هذه القوانين وهو يعتقد صحتها وصحة ما يعمل، فهذا أمره بيّن وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم.
٢ - المدافع: (وهو الذي يدافع عن هذه القوانين وينفذها): قال عنه: فإنه يدافع بالحق وبالباطل، فإذا ما دفع الباطل المخالف ذلك للإسلام معتقدًا صحته فهو كزميله المتشرع، وإن كان غير ذلك كان منافقًا خالصًا مهما يعتذر بأنه يؤدي واجب الدفاع.
٣ - الحاكم: (وهو الذي يقضي ويحكم بين الناس بهذه القوانين). فعن هذا يقول: قد يكون له في نفسه عذر حين يحكم بما يوافق الإسلام من هذه القوانين، وإن كان التحقيق الدقيق لا يجعل لهذا العذر قيمة، أما حين يحكم بما ينافي الإسلام مما نص عليه الكتاب والسنة ومما تدل عليه الدلائل منها فإنه على اليقين مما يدخل في هذا الحديث - يقصد: «وعلى المرء السمع والطاعة فيما أحب أو كره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» - بل بما هو أشد من المعصية أن يخالف كتاب الله وسنة رسوله فلا سمع ولا طاعة، فإن سمع وأطاع كان عليه من الوزر ما كان على آمره الذي وضع هذه القوانين وكان كمثله سواء.
[ ٢ / ١٠١٦ ]
سادسًا: قول الشيخ محمد بن عبد الوهاب بن عبد اللطيف آل الشيخ: مفتي الديار السعودية ﵀، قال:
إن من الكفر الأكر المستبين، تنزيل القانون اللعين منزلة ما نزل به الروح الأمين على قلب محمد ﷺ ليكون من المنذرين، بلسان عربي مبين، في الحكم به بين العالمين، والرد إليه عند تنازع المتنازعين، مناقضة ومعاندة لقول الله ﷿: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا).
وقد نفى الله ﷾ الإيمان عمن لم يحكّموا النبي ﷺ فيما شجر بينهم، نفيًا مؤكدًا بتكرار أداة النفي وبالقسم، قال تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).
ولم يكتف تعالى وتقدس منهم بمجرد التحكيم للرسول ﷺ، حتى يضيفوا إلى ذلك عدم وجود شيء من الحرج في نفوسهم، بقوله جل شأنه: (ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ).
والحرج: الضيق، بل لابد من اتساع صدورهم لذلك وسلامتها من القلق والاضطراب.
ولم يكتف تعالى أيضًا هنا بهذين الأمرين، حتى يضموا إليها التسليم وهو كمال الانقياد لحكمه ﷺ، بحيث يتخلون ها هنا من أي تعلق للنفس بهذا
[ ٢ / ١٠١٧ ]
الشيء، ويسلموا ذلك إلى الحكم الحق أتم تسليم، ولهذا أكد ذلك بالمصدر المؤكد، وهو قوله جل شأنه (تسليمًا) المبين أنه لا يكتفي ها هنا التسليم بل لابد من التسليم المطلق.
وتأمل ما في الآية الأولى، وهي قوله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا).
كيف ذكر النكرة وهي قوله: (شيء) في سياق الشرط وهو قوله جل شأنه: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ) المفيد العموم، فيما يتصور التنازع فيه جنسًا وقدرًا تأمل كيف جعل ذلك شرطًا في حصول الإيمان بالله واليوم الآخر، بقوله: (إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ).
ثم قال جل شأنه: (ذَلِكَ خَيْرٌ).
فشيء يطلق الله عليه أنه خير، لا يتطرق إليه شر أبدًا، بل هو خير محض عاجلًا وآجلًا ثم قال: (وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا).
أي: عاقبة في الدنيا والآخرة، فيفيد أن الرد إلى غير الرسول ﷺ عند التنازع شر محض وأسوء عاقبة في الدنيا والآخرة.
عكس ما يقوله المنافقون: (إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا).
وقولهم: (إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ).
[ ٢ / ١٠١٨ ]
ولهذا رد الله عليهم قائلًا: (أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ).
وعكس ما عليه القانونيون من حكمهم على القانون بحاجة العالم (بل ضرورتهم) إلى التحاكم إليه، وهذا سوء ظن صِرْف بما جاء به الرسول ﷺ ومحض استنقاص لبيان الله ورسوله، والحكم عليه بعدم الكفاية للناس عند التنازع، وسوء العاقبة في الدنيا والآخرة، إن هذا لازم لهم.
وتأمل أيضًا ما في الآية الثانية من العموم، وذلك في قوله تعالى: (فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ).
فإن اسم الموصول مع صلته مع صيغ العموم عند الأصوليين وغيرهم، وذلك العموم والشمول هو من ناحية الاجناس والانواع، كما أنه من ناحية القدر، فلا فرق هنا بين نوع ونوع، كما أنه لا فرق بين القليل والكثير، وقد نفى الله الإيمان عمّن أراد التحاكم إلى غير ما جاء به الرسول ﷺ من المنافقين، كما قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا).
فإن قوله ﷿: (يزعمون) تكذيب لهم فيما ادعوه من الإيمان، فإنه لا يجتمع التحاكم إلى غير ما جاء به النبي ﷺ مع الإيمان في قلب عبد أصلًا، بل أحدهما ينافي الآخر، والطاغوت مشتق من الطغيان، وهو: مجاوزة الحد، فكل من حكم بغير ما جاء به الرسول ﷺ أو حاكم إلى غير ما جاء به النبي ﷺ فقد
[ ٢ / ١٠١٩ ]
حكم بالطاغوت وحاكم إليه. ذلك؛ أنه من حق كل أحد أن يكون حاكمًا بما جاء به النبي ﷺ فقط لا بخلافه.
كما أن من حق كل أحد أن يحكم إلى ما جاء به النبي ﷺ، فمن حكم بخلافه أو حاكم إلى خلافه فقد طغى، وجاوز حده، حكمًا أو تحكيمًا، فصار بذلك طاغوتًا لتجاوزه حده.
وتأمل قوله ﷿: (وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ).
تعرف منه معاندة القانونيين وإرادتهم خلاف مراد الله حول هذا الصدد، فالمراد منهم شرعًا والذي تُعُبِّدوا به هو: الكفر بالطاغوت لا تحكيمه، (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ).
ثم تأمل قوله: (وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ).
كيف دل على أن ذلك ضلال، وهؤلاء القانونيون يرونه من الهدى، كما دلت الآية على أنه من إرادة الشيطان، عكس ما يتصور القانونيون من بُعْدِهِمْ من الشيطان، وأن فيه مصلحة الإنسان، فتكون على زعمهم مرادات الشيطان هي صلاح الإنسان، ومراد الرحمن، وما بعث به سيد ولد عدنان معزولًا من هذا الوصف، ومنحّى عن هذا الشأن. وقد قال تعالى منكرًا على هذا الضرب من الناس، ومقررًا ابتغاءهم أحكام الجاهلية، وموضحًا أنه لا حكم أحسن من حكمه: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ).
فتأمل هذه الآية الكريمة وكيف دلت على أن قسمة الحكم ثنائية، وأنه
[ ٢ / ١٠٢٠ ]
ليس بعد حكم الله تعالى إلى حكم الجاهلية، الموضح أن القانونيين في زمرة الجاهلية، شاءوا أم أبوا، بل هم أسوأ منهم حالًا، وأكذب منهم مقالًا، ذلك أن أهل الجاهلية لا تناقض لديهم حول هذا الصدد.
وأما القانونيون فمتناقضون، حيث يزعمون الإيمان بما جاء به الرسول ﷺ، ويناقضون ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلًا، وقد قال الله تعالى في أمثال هؤلاء: (أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا).
ثم انظر كيف ردت هذه الآية الكريمة على القانونيين ما زعموا من حسن زبالة أذهانهم، ونحاتة أفكارهم، بقوله ﷿: (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ).
سابعًا: مقالة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز:
كتب فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز رسالة بعنوان: (وجوب تحكيم شرع الله ونبذ ما خالفه)، وجاء في مقدمتها قول فضيلته - حفظه الله ـ: (هذه رسالة موجزة ونصيحة لازمة في وجوب التحاكم إلى شرع الله، والتحذير من التحاكم إلى غيره، كتبتها لما رأيت وقوع بعض الناس في هذا الزمان في تحكيم غير شرع الله، والتحاكم إلى غير كتاب الله وسنة رسوله، من العرافين والكهان وكبار عشائر البادية، ورجال القانون الوضعي وأشباههم، جهلًا من بعضهم لحكم عملهم ذلك، ومعاندة ومحادة لله ورسوله من آخرين).
ثم تعرض فضيلته لبيان الغاية من خلق الجن والإنس، وأورد الأدلة الدالة على أنهم خلقوا لعبادة الله، وبين معنى العبادة، وبين أن العبادة (تقتضي
[ ٢ / ١٠٢١ ]
الانقياد التام لله تعالى أمرًا ونهيًا واعتقادًا وقولًا وعملًا، وأن تكون حياة المرء قائمة على شريعة الله، يحل ما أحل الله، ويحرم ما حرم، ويخضع في سلوكه وأعماله وتصرفاته كلها لشرع الله، متجردًا من حظوظ نفسه ونوازع هواه ليستوي في هذا الفرد والجماعة والرجل والمرأة، فلا يكون عابدًا لله من خضع لربه في بعض جوانب حياته، وخضع للمخلوقين في جوانب أخرى).
وحول سؤال ورد إلى فضيلته لبيان ما يراه في المسلمين الذين يحتكمون إلى القوانين الوضعية مع وجود القرآن الكريم والسنة المطهرة بين أظهرهم. أجاب فضيلته:
(رأيي في هذا الصنف من الناس الذين يسمون أنفسهم بالمسلمين في الوقت الذي يتحاكمون فيه إلى غير ما أنزل الله، ويرون شريعة الله غير كافية ولا صالحة للحكم في هذا العصر هو ما قال ﷾ في شأنهم، حيث يقول ﷾: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ)، ويقول ﷾: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)، إذن فالذين يتحاكمون إلى شريعة غير شريعة الله لا شك أنهم يخرجون بذلك عن دائرة الإسلام، ويكونوا كفارًا، ظالمين، فاسقين، كما جاء في الآيات والله الموفق).
وقال في موضع آخر: (فالمقصود: أنه لابد من توحيد الله بإفراده العبادة والبراءة من عبادة غيره وعابدي غيره، ولابد من اعتقاد بطلان الشرك، وأن
[ ٢ / ١٠٢٢ ]
الواجب على جميع العباد من جن وإنس أن يخصوا الله بالعبادة، ويؤدوا حق هذا التوحيد بتحكيم شريعة الله، فإن الله ﷾ هو الحاكم، ومن توحيده: الإيمان والتصديق بذلك، فهو الحاكم في الدنيا بشريعته، وفي الآخرة بنفسه ).
وقال في موضع آخر: (إن أصل دين الإسلام وقاعدته أمران:
أحدهما: أن لا يعبد إلا الله وحده، وهو معنى شهادة أن لا إله إلا الله.
والثاني: أن لا يعبد إلا بشريعة نبيه محمد ﷺ.
فالأول: يبطل جميع الآلهة المعبودة من دون الله، ويعلم به أن المعبود بحق هو الله وحده.
والثاني: يبطل التعبد بالآراء والبدع التي ما أنزل الله بها من سلطان، كما يتضح به بطلان الحكم بالقوانين الوضعية والآراء البشرية، ويعلم به أن الواجب هو تحكيم شريعة الله في كل شيء).
ثامنًا: من أقوال الشيخ محمد بن صالح العثيمين - حفظه الله ـ:
(إن الحكم بما أنزل الله من توحيد الربوبية؛ لأنه تنفيذ لحكم الله الذي هو مقتضى ربوبيته، وكمال ملكه وتصرفه، ولهذا سمى الله - تعالى - المتبوعين في غير ما أنزل الله - تعالى - أربابًا لمتبعيهم، فقال - سبحانه ـ: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)، فسمى
[ ٢ / ١٠٢٣ ]
الله تعالى المتبوعين أربابًا، حيث جُعلوا مشرعين مع الله - تعالى - وسمى المتبعين عبادًا حيث إنهم ذلوا لهم، وأطاعوهم في مخالفة حكم الله ﷾).
وفي الختام أورد نص فتوى من فتاوى اللجنة الدائمة التي جاء فيها ما يلي:
(الشرك الأكبر: أن يجعل الإنسان لله ندًا:
إما في أسمائه وصفاته
وإما أن يجعل له ندًا في عبادته
وإما أن يجعل له ندًا في التشريع، بأن يتخذ مشرعًا له سوى الله، أو شريكًا لله في التشريع يرتضي حكمه ويدين به في التحليل والتحريم ).
هذا، ومما ينبغي التنبيه له: هو أن لا يظن ظان أني كفرت أحدًا من الأمراء أو الحكام، فإن الحكم على العموم شيء، والحكم بالخصوص شيء آخر، والأول سهل إذا وجد ما يدل عليه، وأما الثاني: - فكما يقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين - يحتاج إلى شيئين:
١ - أن يثبت أن هذا الشيء في نفسه كفر أو شرك،
٢ - أن ينطبق الحكم على الشخص المعين بمراعاة الضوابط والقواعد الشرعية.
ثم الأمر فيه كما قال الشيخ الألباني: (فأنتم أولًا لا تستطيعون أن تحكموا على كل حاكم يحكم بالقوانين الغربية الكافرة أو بكثير منها، أنه لو سئل لأجاب: بأن الحكم بهذه القوانين هو الحق والصالح في هذا العصر، وأنه لا يجوز الحكم بالإسلام، لو سئلوا، لا تستطيعون أن تقولوا: بأنهم يجيبون بأن
[ ٢ / ١٠٢٤ ]
الحكم بما أنزل الله اليوم لا يليق، وإلا لصاروا كفارًا دون شك ولا ريب).
وهل مجرد العمل بالقوانين الغربية الكافرة شرك بالله؟ هذه المسألة يرى الشيخ الألباني فيها أنه لابد من ظهور ما يدل على أنه يراه جائزًا أو مبدلًا لشرع الله وإلا لما يحكم عليه بالكفر الأكبر والشرك الأكبر.
بينما يرى الشيخ محمد صالح العثيمين غير ذلك، حيث يقول: (ولكنا قد نخالفه في مسأله أنه لا يحكم بكفرهم إلا إذا اعتقدوا حل ذلك، هذه المسألة تحتاج إلى نظر؛ لأننا نقول: من اعتقد حل ذلك - حتى لو حكم بحكم الله - وهو يعتقد أن حكم غير الله أولى - فهو كافر كفر عقيدة.
لكن كلامنا على العمل، وفي ظني أنه لا يمكن لأحد أن يطبق قانونًا مخالفًا للشرع يحكم فيه بعباد الله إلا وهو يستحله ويعتقد أنه خير من قانون الشرع، هذا هو الظاهر. وإلا فما الذي حمله على ذلك؟ قد يكون الذي حمله على ذلك خوف من أناس آخرين أقوى منه إذا لم يطبقه، فيكون هنا مداهنًا لهم. فحينئذ نقول: هذا كافر، كالمداهن في بقية المعاصي ).
ولكن الذي يظهر: أن هذه القوانين الغربية الكافرة ما طبقها حكام عصرنا، وإنما هي إما من مخلفا الاستعمار وإما من مخلفات الحكام التابعين للاستعمار في عصر دون هذا العصر، فاللوم على المطبقين لها أول مرة، ويكون الحكم عليهم لا على الذين هم ورثوا شيئًا ولم يعلموا أن هذا كفر أو شرك، لغلبة الجهل بحقيقة الدين الإسلامي على أغلب الحكام. والجهل
[ ٢ / ١٠٢٥ ]
إذا كان عذرًا مقبولًا لمن يقيم بالبادية فكيف لا يعذر من لم يجد من يدله على حقيقة الدين الإسلامي، أو نشأ في بيئة لا تدرس فيها الدين إلا يسيرًا؟ .
ويدخل في هذا النوع - الشرك في صفة الحكم - أيضًا: ما يسمونه بـ (حكم الأغلبية)، أو الديموقراطية:
ففيه يختار الشعب نوابًا عنه يمثلونه في البرلمان يكون إليهم أمر التشريع، ويكون التصويت داخل البرلمان بالأغلبية.
فلو رأت الأغلبية إباحة الخمر أبيح، ولو رأت إباحة الربا أبيح، ولو رأت عدم تطبيق شرع الله فلا يطبق، فالحكم أولًا وأخيرًا للأغلبية! ! .
وفي هذا مصادمة واضحة بينة للشرع، وذلك لأن التشريع حق لله وحده والسلطة التشريعية لابد من الرجوع بها لكتاب الله ولسنة رسوله ﷺ قال تعالى: (وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ)، وقال تعالى: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ)، وقال تعالى: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)، وقال تعالى: (وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا). والنبي ﷺ صادق مصدوق قال تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)، إذن فهذه السلطة مصدرها
[ ٢ / ١٠٢٦ ]
الشرع المطهر لا الشعب.
فلا يجوز شرعًا إنشاء مجالس تشريعية تبحث هل الربا نتعامل معه أم لا؟ وهل تمنع الخمر أم لا؟ ونعرض ذلك على عقول البشر، فمهمة العقل أن يفهم الشرع وأن يستسلم لحكم ربه ويحل ما أحل الله ويحرم ما حرم الله جل وعلا، قال تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).
وقال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا)، وقال تعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ).
والواجب الإذعان لشرع الله وأن يقتصر دور المجالس على سن القوانين الإدارية فقط التي لا تخالف شرع الله، والمنضبطة بأصول وقواعد الشرع، والمتفقة مع مقاصد الشريعة، ويراعى فيها تحقيق المصالح ودرء ودفع المفاسد، كقانون المرور مثلًا فهو نظام مطلوب للحفاظ على أرواح الناس وتيسير سبل الحركة في الطرق ونحو ذلك.
الناس جميعًا - حكامًا كانوا أو محكومين وسواء كانوا في السلطة التنفيذية أو القضائية - يجب عليهم أن ينقادوا لشرع الله ويقودوا الناس به «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، والإمام راع ومسئول عن رعيته».
[ ٢ / ١٠٢٧ ]
ولا شك أن الحاكم دوره خطير ومسئوليته أعظم وبصلاحة واستقامته ينصلح خلق كثير ويستقيمون على أمر الله، كما قيل: (إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن)، وليس له أن يتابع آراء أو أهواء البشر قلَّت أو كثرت إذا صادمت شرع الله وبحجة أنه ينزل على إرادة شعب، هذا إذا كان الشعب يرفض الرجوع لدين الله.
يقول الشيخ أحمد شاكر ﵀: وهو يعلق على تفسير ابن كثير قوله تعالى: (أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًا) الآية وما بعدها ـ: (هذه الآيات وما في معناها تدمغ بالبطلان نوع الحكم الذي يخدعون به الناس ويسمونه الديموقراطية، إذ هي حكم الأكثرية الموسومة بالضلال، هي حكم الدهماء والغوغاء).
والأمر الذي ينبغي التنبيه عليه هو: أن رأي الأغلبية أو الأكثرية لا قيمة له عند الله تعالى إن كانت تعمل بمعصية الله، قال تعالى: (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللهِ)، وقال تعالى: (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ)، وقال تعالى: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ).
قال الإمام ابن القيم: وما أحسن ما قال أبو محمد عبد الرحمن بن
[ ٢ / ١٠٢٨ ]
إسماعيل المعروف بأبي شامة في كتاب الحوادث والبدع: حيث جاء الأمر بلزوم الجماعة فالمراد به لزوم الحق واتباعه، وإن كان المتمسك به قليلًا والمخالف له كثيرًا.
لأن الحق هو الذي كانت عليه الجماعة الأولى من عهد النبي ﷺ وأصحابه، ولا نظر إلى كثرة أهل البدع بعدهم. قال عمرو بن ميمون الأدي: صحبت معاذًا باليمن، فما فارقته حتى واريته التراب الشام، ثم صحبت بعده أفقه الناس عبد الله بن مسعود ﵁، فسمعته يقول: عليكم بالجماعة، فإن يد الله على الجماعة، ثم سمعته يومًا من الأيام وهو يقول: سيلي عليكم ولاة يؤخرون الصلاة عن مواقيتها، فصلوا الصلاة لميقاته، فهي الفريضة، وصلوا معهم فإنها لكم نافلة، قال: قلت: يا أصحاب محمد، ما أدري ما تحدثونا؟ قال: وما ذاك؟ قلت: تأمرني بالجماعة وتحضني عليها، ثم تقول: صل الصلاة وحدك، وهي الفريضة، وصل مع الجماعة وهي نافلة؟ قال: يا عمرو بن ميمون، قد كنت أظنك من أفقه أهل هذه القرية، تدري ما الجماعة؟ قلت: لا، قال: الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك! ! وفي طريق أخرى: فضرب على فخذي وقال ويحك! إن جمهور الناس فارقوا الجماعة، وإن الجماعة ما وافق طاعة الله ﷿. قال نعيم بن حماد: يعني إذا فسدت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد، وإن كنت وحدك. فإنك أنت الجماعة حينئذ.
[ ٢ / ١٠٢٩ ]
وسئل الشيخ ابن عثيمين: يحتج بعض الناس إذا نُهي عن أمر مخالف للشريعة أو الآداب الإسلامية بقوله: الناس يفعلون كذا؟
فأجاب بقوله: هذا ليس بحجة؛ لقوله تعالى: (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللهِ)، وقوله تعالى: (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ). والحجة فيما قاله الله ورسوله ﷺ أو ما كان عليه السلف الصالح.
ولقد حذرنا الله ﷿ من الخوض مع الناس في الضلال وفي المعصية، قال تعالى: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ) أي كلما غوى غاو غوينا معه.
ولقد بين النبي ﷺ عقوبة هذا الصنف من الناس الذي يسير بلا إرادة وبلا وعي حين يوضع في قبره؛ كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، إنه ليسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا، أتاه ملكان، فيقعدانه، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل، محمد؟ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله وأما الكافر أو المنافق - وفي رواية: وأما الكافر والمنافق - فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس فيه، فيقال: لا دريت، ولا تليت».
[ ٢ / ١٠٣٠ ]
فينبغي لكل مسلم التفطن لهذا الأمر وأن يعلم أن الجماعة هي الحق، وأنه لا يجوز لمسلم أن يكون إمعة لا رأي له يسير مع الناس حيث ساروا في أي طريق كان، بل الواجب عليه أن يبحث عن الحق وأن يتمسك به ويؤثره على غيره مهما قل أتباعه.
الفرع الثاني: مظاهر الشرك بالله في الربوبية بالأنداد في صفته الحكم والتشريع باتصاف العلماء وأئمة الدين بهما:
لقد وقع في هذا النوع من الشرك قديمًا - كما سبق معنا - اليهود والنصارى، والعرب في جاهليتهم، وتجد نفس هذا الشرك في هذه الأمة وفي العصر الحديث.
فأغلب الفرق التي خرجت عن دين الإسلام إنما خرجت لأجل غلوها في أئمتها، وحسن الظن بأفعالهم الشنيعة المخالفة للقول الحق، وإضافة بعض خصائص التشريع لهؤلاء الأئمة.
كما أنك ترى كثيرًا من الأحزاب والجماعات تأخذ بأقوال مؤسسيها من ألفها إلى يائها، دون أن ينظر إلى حكم الشرع في هذه الأقوال. ولهذا تراهم دائمًا يلوون أعناق النصوص كي توافق أقوال رؤسائهم، ولا يقبلون بأي وجه من الوجوه أي نفذ نزيه تجاه من يقدسونهم، بل في بعض الأحيان تراهم يستدلون على فعلهم الشنيع بأقوال مؤسسي جماعاتهم، ويريدون أن يلزموا بها الآخرين، كأنهم في ذلك أضافوا صفة التشريع والحكم لهؤلاء الرؤساء.
والفرق التي خرجت من الإسلام، أو حادث عن الطريق السوي إذا فُتش
[ ٢ / ١٠٣١ ]
السبب يظهر جليًا بأن السبب في ذلك يرجع إلى الأخذ بأقوال مؤسيسها بحذافيرها دون تمحيصها، ووزنها بميزان نصوص الكتاب والسنة ومفهوم سلف هذه الأمة. وسأذكر فيما يلي بعض من حاد عن الطريق السوي وأضاف صفة التشريع والحكم إلى أئمتهم نتيجة الغلو في هؤلاء الأشخاص.
أ- الشيعة:
أوسع من رأيت وقع في هذا النوع من الشرك هم الشيعة، وذلك؛ أن الرافضة قد أوجبوا تقليد أئمتهم، واعتبروهم حجة الله على العباد، وزعموا أنهم معصومون كالأنبياء.
وفي هذا يقول عبد الله نعمة - وهو من دعاة الرافضة المعاصرين ـ: (ينظر الشيعة إلى الأنبياء والأئمة من أهل البيت جميعًا نظرة مثالية، ويحوطونهم بهالة مقدسة، لا تقتحمها الظنون والشكوك، فهم لديهم شخوص كريمة، يتجسد فيها المثل الأعلى للإنسان في الخير والحق والعدل والعلم، لا يلتوون، ولا ينحرفون، ولا يجورون، ولا يظلمون، قد تساموا بأنفسهم عن الأهواء والشهوات والمطامع والخطايا والذنوب).
وهم يرون أن فتاوى من يزعمونهم معصومين قطعية الدلالة، لا تجوز مخالفتها (فأمرهم أمر الله، ونهيهم نهيه، وطاعتهم طاعته، ومعصيتهم معصيته، ولا يجوز الرد عليهم، والراد عليهم كالراد على الرسول ﷺ، والراد على الرسول ﷺ كالراد على الله، فيجب التسليم لهم، والانقياد لأمرهم، والأخذ بقولهم).
ولا شك أن هذا غاية الغلو في التقليد وإضفاء صفة التشريع والحكم لغير الله.
[ ٢ / ١٠٣٢ ]
وقد نعى عليهم الدكتور موسى الموسوي - وهو أحد الرافضة المتأخرين من أقران الخميني الخبيث - فعلهم ذلك، وشنع عليهم بقوله: (الشيعة الإمامية خضعت بلا دليل ولا برهان، لما ادعاه فقهاؤها بوجوب الانقياد والطاعة العمياء لهم باسم (التقليد)، حيث قالوا: إن الفروض الشرعية التي تؤديها الشيعة عاطلة باطلة، إذا لم تلزم نفسها بالاتباع لفقيه من الفقهاء، وأضاف بعضهم: يجب إطاعة الفقهاء، ليس في المسائل الشرعية فحسب، بل حتى في الموضوعات، أي في شؤون الدين والدنيا معًا).
فهذا هذا هو ما تعبد الله به الناس؟
إن هذا المنهج، منهج ترفضه الشرائع السماوية بأسرها، وترفضه العقول الصحيحة، والفطر السليمة؛ إذ التشريع ليس من اختصاصات الأئمة، بل من اختصاصات الرب جل شأنه.
ب- المقلدة:
إذا قدم المقلدة أقوال أئمتهم على قول الله ورسوله، بعد أن وضح لهم الحق، فإنهم حينئذ يضفون صفة الحكم والتشريع إلى أئمتهم، وقد كان هذا التقليد موجودًا بصفة عامة في كثير من ديار المسلمين.
وما زالت مثل هذه الظاهرة موجودة في بعض الديار، فترى بعض المتعصبة الفقهاء يأبون الرجوع عن اجتهادات الأئمة ﵏ ولو استبان لهم الدليل، ولا شك أن هذا خطير، ومن الشرك بطاعة العلماء في تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل.
[ ٢ / ١٠٣٣ ]
وقد بوّب شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في كتابه التوحيد لهذا بعنوان: (باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرمه الله، فقد اتخذهم أربابًا)، كما ذكر في كتابه مسائل الجاهلية بقوله: (السابعة والثلاثون: التعبد باتخاذ الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله).
وحديث عدي بن حاتم السابق إنما ورد في العلماء منصوصًا؛ لأن اليهود والنصارى كانوا قد أعطوا سلطة التشريع والحكم في القضايا الدينية لأحبارهم، ورهبانهم.
ويقول صاحب الدين الخالص في قوله تعالى: (وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ): (تبكيت لمن اعتقد ربوبية المسيح وعزير، وإشارة إلى أن هؤلاء من جنس البشر وبعض منه، وإزراء على من قلد الرجال في دين الله فحلل ما حللوه وحرم ما حرموه عليه. فإن من فعل ذلك فقد اتخذ من قلده ربًا).
ونقل أيضًا عن أبي العالية أنه قال: (إنهم - يقصد اليهود - ربما وجدوا في كتاب الله تعالى ما يخالف أقوال الأحبار والرهبان، فكانوا يأخذون بأقوالهم، وما كانوا يقبلون حكم الله تعالى).
فطاعة المتمذهب لمن يقتدي بقوله، ويستن بسنته من علماء هذه الأمة، مع مخالفته لما جاءت به النصوص، وقامت به حجج الله وبراهينه، ونطقت به كتبه وأنبياؤه، هو كاتخاذ اليهود والنصارى للأحبار والرهبان أربابًا من دون الله،
[ ٢ / ١٠٣٤ ]
للقطع بأنهم لم يعبدوهم، بل أطاعوهم وحرموا ما حرموا، وحللوا ما حللوا. وهذا هو صنيع المقلدين من هذه الأمة، وهو أشبه به من شبه البيضة بالبيضة، والتمرة بالتمرة، والماء بالماء، بل يدل على لسان حالهم ما قال به بعض الشعراء:
وهل أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد
والمقصود: أن عدم الرجوع إلى الحق بعد وضوحه فيه إضفاء ضفة الحكم إلى العلماء، وليس هذا إلا شرك بالله في ربوبيته في الحكم.
الفرع الثالث: مظاهر الشرك بالله في الربوبية بالأنداد في صفة الحكم والتشريع لدى المتصوفة:
وذلك؛ أن بعض المتصوفة تعتقد في مشايخهم بأن لهم حق التشريع نتيجة اعتقاد العصمة في أوليائهم، وذلك (أنهم يقرأون عن شيوخ طريقتهم شيئًا من الأحوال التي تنافي الأحكام الشرعية، فيعتقدون أنها من التشريع الذي خص الله به عباده المقربين، وأن شيخهم لا يفعل إلا حقًا، ولا يقول إلا صدقًا، والفقه للعموم، وهذه طريق الخصوص، فيتبعونه في كل ما يؤثر عنه من قول أو فعل، على أنه الطريق المقرب الموصل إلى رضاه).
ومن صور التشريع عند المتصوفة ما يلي:
أ- تشريع أنواع العبادات التي ليس لها أصل في الشرع، منها:
١ - تشريع صلوات ليست في الكتاب العزيز ولا في السنة المطهرة.
لقد أقدم كبار مشايخ الصوفية الذين اشتهروا بين الناس بالعبادة والزهد
[ ٢ / ١٠٣٥ ]
فاكتسبوا حسن ظن الناس بهم وقلدوهم تقليدًا أعمى أقدموا على اختراع صلوات معينة في أيام معينة، رتبوا عليها أجورًا محددة، يقصدون بذلك زيادة التقرب إلى الله عزوجل، وغني عن البيان أن يقال: إن التقرب إلى الله ليس طريقة الابتداع في الدين بعد أن بين الرسول ﷺ: أن «كل بدعة ضلالة». وبعد أن سمى الله تعالى الرهبانية بدعة في قوله تعالى: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ). علمًا بأن هؤلاء كانوا يقصدون برهبانيتهم زيادة التقرب إلى الله. وقد ذكر القرطبي أن المعنى: (ما كتبناها عليهم لكن ابتدعوها ابتغاء رضوان الله)، وذكر أيضًا أن الآية الدالة على أن كل محدثة بدعة، وعليه فإن الواو في قوله: (ورهبانية) للاستئناف، والاستثناء منقطع، بمعنى: لكن.
وقال الشوكاني عن المعنى: (ما كتبناها نحن عليهم رأسًا ولكن ابتدعوها ابتغاء رضوان الله)، وعليه، فإن الواو للاستئناف.
فإذا تقرر توجيه الذم إلى هؤلاء مع سلامة مقاصدهم علمنا أن حسن النية وحده لا يكفي لكي تنتج العبادة ثمرتها المرجوة، بل لابد مع ذلك من توفر أصلين عظيمين: (أحدهما: أن لا نعبد إلا الله. والثاني: أن لا نعبده إلا بما شرع، لا نعبده بعبادة مبتدعة.
وهذان الأصلان هما تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله).
وفيما يلي نماذج قليلة من الصلوات التي شرعوها لأتباعهم:
[ ٢ / ١٠٣٦ ]
صلاة الكفاية: وهي ركعتان تؤدى أي وقت كان، ويقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب، و(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) عشر مرات - و(فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) خمسين مرة، ثم يسلم.
صلاة الخير: وهي الصلاة في ليلة النصف من شعبان مائة ركعة يقرأ فيهن (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) ألف مرة، في كل ركعة عشر مرات. وأن من صلى هذه الصلاة في هذه اللية نظر الله إليه سبعين نظرة، وقضى له بكل نظرة سبعين حاجة أدناها المغفرة.
صلاة الخصماء: وهي أربع ركعات بتسليمة واحدة يقرأ في الأولى فاتحة الكتاب و(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) إحدى عشر مرة، وفي الثانية: الفاتحة و(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) عشر مرات، وثلاث مرات (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) وفي الثالثة: الفاتحة و(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) عشر مرات، و(أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ) مرة. وفي الرابعة: الفاتحة و(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) خمس عشرة مرة، وآية الكرسي مرة. ثم يجعل ثوابها لخصمائه؛ يكفيه الله أمرهم يوم القيامة. ويصلي هذه الصلاة في سبعة أوقات: أول ليلة من رجب، وليلة النصف من شعبان، وآخر جمعة من رمضان، ويومي العيدين، ويوم عرفة، ويوم عاشوراء.
هذه نماذج من تشريعات المتصوفة في الدين وخصوصًا في الصلاة، وكلها واهية لا مستند لها من الكتاب والسنة.
ومن أراد الاستزادة من هذه التشريعات فلينظر إلى كتاب الإحياء لأبي
[ ٢ / ١٠٣٧ ]
حامد الغزالي وما جاء في كتاب الغنية.
٢ - تشريع أذكار وصلوات على الرسول ما أنزل الله بها من سلطان، بألفاظ وهيئات معينة، وأجور مقدرة.
معلوم من الشرع ضرورة: إن من أعظم العبادات وأكبر المطالب الدينية ذكر الله تعالى، فقد أمر الله تعالى به في غير ما آية من كتابه، ووعد الذاكرين بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. كما أوعد الغافلين عن ذكره في كثير من الآيات القرآنية. وكذلك أتت الأحاديث النبوية مؤكدة لما جاء في آيات القرآن الكريم ومبينة إجمالها وكيفيتها؛ لأن من لازم كونه رسولًا أن يكون مبلغًا لكل ما يوحى به إليه مفصلًا لكل ما يحتاج إلى ذلك؛ ولذا قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ)، وقال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ).
فكان عمله ﷺ على مقتضى هذا الأمر فلم يترك شيئًا يقرب إلى الله إلا بلغه وبينه وحث عليه، ولا شيئًا يبعد منه إلا بلغه وبينه وحذر منه، الأمر الذي جعل المشركين في حيرة من أمرهم لما رأوا من استقصائه في تبليغ أوامر الله، حتى قالوا لصحابي: «قد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة؟ قال: أجل».
وإذا تقرر هذا، فليعلم أن من بين الموضوعات التي حظيت بالبيان الشافي موضوع الأذكار والصلوات، فلم يترك ﷺ مجالًا من مجالات الذكر ولا موقعًا
[ ٢ / ١٠٣٨ ]
من المواقع التي يؤمر فيها بذكر معين إلا بين صيغة الذكر المطلوب في ذلك الظرف.
وهكذا بالنسبة للصلاة على النبي ﷺ؛ لما نزل الأمر بالصلاة على النبي ﷺ في القرآن أشكل على الصحابة فسألوه عن كيفيتها، فبين النبي ﷺ صيغها كما هو مألوف في الصلوات الخمس، وهناك عدد آخر من صيغ الصلاة علمها النبي ﷺ لأصحابه بناء على استفسار منهم.
فالأذكار والصلوات توقيفية، لا مجال للاجتهاد فيها، ولا حاجة إلى الزيادة فيها، كما أن التحديد إذا لم يرد في الشرع به لا يحدد، كما جاء في حديث ابن مسعود ﵁ الذي فيه إنكاره ﵁ على الذين قالوا: سبحوا مائة، وكبروا مائة، وهللوا مائة، ولا يخترع الإنسان أجرًا محددًا من تلقاء نفسه؛ لأن الأجر إنما مرده إلى الله، وليس لأحد أن يقول: إن في الشيء الفلاني أجر كذا إلا بالنص الوارد عن الله أو رسوله. ولا ينبغي أن يضاف إلى العبادات أي شيء من الكيفيات والهيئات التي لم ترد عن الشارع.
ولكن ماذا ترى في المتصوفة؟ ستراهم قاموا بتشريع أذكار وصلوات لم ينزل بها قرآن، ولا نطق بها رسوله في السنة، ولا أرشد إليها، فمن هذه التشريعات ما يلي:
أولًا: الذكر بلفظ المفرد:
قال ابن عربي: (دخلت على شيخنا من أهل العيا، وكان مستهترًا بذكر الاسم المفرد (الله) لا يزيد عليه شيئًا، قلت له: يا سيدي، لم لا تقول: لا إله إلا الله؟ فقال لي: يا ولدي! الأنفاس بيد الله، ما هي بيدي، فأخاف أن يقبض الله روحي عندما أقول (لا) أو (لا إله) فأقبض في وحشة النفي. وسألت
[ ٢ / ١٠٣٩ ]
شيخًا آخر عن ذلك فقال لي: ما رأت عيني ولا سمعت أذني من يقول: (أنا الله) غير الله، فلم أجد من أنفي، فأقول كما سمعته يقول: الله، الله).
هكذا تمادى المتصوفة في تجاوزاتهم وغلوهم فأباحوا للشيوخ أن يشرعوا لأنفسهم ولأتباعهم ذكرًا غريبًا لم يعرفه الجيل الأول من الصحابة والتابعين ومن تبعهم على السنة، بل ولا عرفه نبي الأمة ﷺ؛ ألا وهو الذكر باللفظ المفرد مظهرًا كقولهم: الله، الله، الله، أو حي، حي، حي، أو مضمرًا كقولهم: هو، هو، هو، أو ها، ها، ها.
وبدعية هذا النوع من الأذكار أمر واضح لا يحتاج إلى كثير بيان، بل هو ذريعة إلى ضلالات لا يعلم مداها إلا الله، حتى قال شيخ الإسلام: (وأما الاقتصار على الاسم المفرد مظهرًا أو مضمرًا فلا أصل له، فضلًا عن أن يكون من ذكر الخاصة والعارفين، بل هو وسيلة إلى أنواع من البدع والضلالات، وذريعة إلى تصورات أحوال فاسدة من أحوال أهل الإلحاد وأهل الاتحاد).
والمتصوفة حاولوا الاستدلال على ذكرهم هذا بالقرآن والسنة. أما القرآن: فقد تشبثوا بقوله تعالى: (قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ). فزعمو أن معنى (قل الله) اذكر الله بهذا الاسم المفرد وهو استدلال باطل كما ذكره محققو الإسلام. وأما السنة: فحاولوا الاستدلال بقوله ﷺ: «لا تقوم
[ ٢ / ١٠٤٠ ]
الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله، الله». ومعلوم أن هذا الذي ذهبوا إليه لم يذهب إليه أحد من شراح الحديث المشهورين. بل الحديث قد جاء في رواية أخرى عن نفس الراوي بلفظ: «حتى لا يقال في الأرض: لا إله إلا الله». ومعلوم أن الأحاديث تفسر بعضها بعضًا.
ثانيًا: تشريع صيغ مستقلة بأعداد معينة، وأجور مقدرة من قبل المتصوفة:
يقول أحدهم: (إنه اجتمع بالخضر، فأعطاه وردًا يدعو به كل يوم سبعة آلاف مرة، ولفظه: (اللهم يا رب بجاه سيدنا محمد بن عبد الله ﷺ اجمع بيني وبين سيدنا محمد بن عبد الله في الدنيا قبل الآخرة».
ويقول التيجاني: (الحرز اليماني - وهو دعاء السيفي - من فضله، أن من ذكره مرة تكتب له عبادة سنة، ومرتين بسنتين، وهكذا، ومن حمله معه كتب من الذاكرين كثيرًا ولو لم يذكر)، ويقول أيضًا عن صلاة الفاتح: (وليكن من جملة أورادكم التي تحافظون عليها بعد الورد هو لازم الطريقة: الحزب السيفي، وصلاة الفاتح لما أغلق، فإنهما يغنيان عن جميع الأوراد).
ومعلوم أن مثل هذه الأوراد والصلوات ليس من دين الله من شيء، حيث لا
[ ٢ / ١٠٤١ ]
يوجد في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ، وليست من مدلولاتها ما تفيد أن لها أي أهمية أو قيمة، بل هي مجرد كلام، وجمل، ويستطيع كل واحد من بني آدم أن يخترع مثل هذا الكلام ويقول: إن لها من الفضل كذا وكذا.
ثالثًا: القيام أثناء الذكر عند ذكر الولادة:
معلوم من الدين أن القيام للتعظيم ليس من هدي النبي ﷺ، والقيام إذا كان للتقديس فإنه يكون عبادة. وهؤلاء المتصوفة - والعوام في العالم الإسلامي - في الوقت الراهن يزعمون أن ذكر الميلاد من العبادة، وليس هذا إلا تشريع جديد في الدين، فعمل المولد من البدع المحرمة، والذين بدأوا به هم العبيديون الباطنيون (الفاطميون)، وهم الذين شرعوا مثل هذه المواليد، ومن كان يريد أن يكون المشرع له الباطنيون الملاحدة فليبك على دينه، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى: ترى المتصوفة - والغوغاء من الناس معهم - قد شرعوا تشريعًا جديدًا، وهو القيام تقديسًا للرسول، ومعلوم أن في هذا جمع بين شركين: الأول: شرك الربوبية بالأنداد في صفة التشريع، والثاني: شرك العبادة حيث وجهوا القيام المقدس لله جل شأنه وحده للرسول ﷺ.
وأما اعتقاد بعضهم: أن الرسول يحضر مجالسهم فهذا من الاعتقادات الخطيرة في الدين، فالرسول ميت، وهو في عالم ليس في عالمنا، فكيف يمكن له الخروج من القبر؟ وكيف يمكنه الحضور في آن واحد في جميع مجالس المولد؟ وقبل كل هذا كيف يعلم الرسول بهذه المجالس؟ وكيف يعرف مكانها؟ هل هو عالم بالغيب؟ هذه تساؤلات لا يستطيع هؤلاء المتصوفة أن يجيبوا عنها، بل كل من عنده أدنى مسكة من عقل سليم يعرف أن
[ ٢ / ١٠٤٢ ]
هذا من البدع والخرافات.
رابعًا: السماع والذكر:
من تشريعات المتصوفة: السماع، وهو عبارة عن اللحن والموسيقى للرقص، والغناء والاستماع إليه.
ويبدو أن السماع له وزنه واعتباده عند المتصوفة، فقد اهتم به مصنفو كتب القوم اهتمامًا بالغًا، فأغلب من كتب في هذا المجال أعطى بابًا مستقلًا أو فصلًا خاصًا لهذا الموضوع. فهؤلاء كلهم يرون أن السماع عبادة، وبهذا نصبوا أنفسهم في منزلة التشريع من دون الله، فإنه لا يعلم لهذا السماع أصل في الشرع. فاعتباره من العبادة ما هو إلا تشريع، وقد صرح بعضهم بأنه (مستحب). فهذا تصريح منهم بأنه عبادة، ولكن من شَرَّعه؟ لقد شرعته المتصوفة، فهم وقعوا في شرك الربوبية في صفة الحكم والتشريع.
خامسًا: تشريع هيئات في الذكر لم يرد بها الشرع، كالاجتماع للذكر:
إن اشتراط الجماعة في الذكر والصلاة على النبي ﷺ محدث لم يكن معروفًا عند أصحاب رسول الله ﷺ، وما لم يكن دينًا يومئذ لن يكون دينًا اليوم أو غدًا أو إلى يوم القيامة.
ونقل الشعراني: أن أول مرة ابتدعت إضافة الاجتماع للذكر على الهيئة المعروفة وأسست مجالس الصلاة على النبي ﷺ في جميع العالم الإسلامي في سنة: ٩٤٤ هـ. ومعنى هذا: أن الناس منذ عهد النبي ﷺ حتى تلك السنة
[ ٢ / ١٠٤٣ ]
كانوا على هديه، فواظبوا على ذكر الله والصلاة على النبي ﷺ فرادى، من غير اشتراط الجماعة.
وهذا الأمر لا ريب أنه ذم، وإن كان الشعراني لم يرد به إلا الثناء وذكر الأولياء. وقد سبق معنا بيان إنكار ابن مسعود ﵁ على القائلين: سبحوا مائة، وكبروا مائة، وهللوا مائة.
ب- الطرق وما فيها من تشريعات صوفية:
لقد وقعت المتصوفة في أنواع أخرى من الشرك في التشريع، نذكر من أهمها ما يلي:
١ - القول بوجوب المبايعة على طريقة من الطرق:
واستدلوا على هذا القول - ظلمًا وزورًا - بقوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى). يقول أحدهم: (هو طاعة الأكابر من السادات والمشايخ). كما استدلوا بقوله تعالى: (يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ). يقول أحدهم: (وإذا كان الأتباع يدعوهم الله تعالى بأسماء مشايخهم ويدعو كل أهل طريقة إلى منازل شيخهم ويلحقهم بدرجته ظهر بأدنى تأمل أن أتباع ختم الأولياء لا يلحق درجتهم غيرهم).
يقال في الرد عليهم: إن التفسير الذي ذكروه لهاتين الآيتين ليس لهم سبق
[ ٢ / ١٠٤٤ ]
بمثل هذا التفسير، بل هو تحريف للنصوص وليّها على غير مرادها اتباعًا للهوى. أما الآية الأولى فأين فيها وجوب المبايعة على طريقة من الطرق؟ وأما الثانية فالمراد من الآية عند المفسرين شيئان، هما:
أ- صحف الأعمال.
ب- من يقتدون ويأتمون به في الدنيا.
أما على القول الأول فلا علاقة للآية بالناس، بل الآية تكلمت عن المرء وصحف أعماله.
وأما على القول الثاني: فهل يريد أحد أن يكون إمامه غير النبي ﷺ؟ فيكون إمام أتباع محمد ﷺ هو النبي ﷺ، وإمام الكفرة، الكفار والملحدون، ومن ترك الائتمام بالنبي وفضل الائتمام بآخر غير النبي ﷺ فهو محروم في الدنيا والآخرة لا محالة.
فلما لم يبق لهم أي متمسك بهاتين الآيتين علمنا أن الوجوب الذي قالوا به إنما هو تشريع من عند أنفسهم.
ومن تشريعاتهم المتعلقة بالطرق:
٢ - القول بوجوب طاعة الشيخ طاعة عمياء:
إن من الأمور المجمع عليها عند أهل السنة والجماعة أن السمع والطاعة المطلوبين شرعًا ليس الأمر فيهما على إطلاقه، بل لابد من تقييد ذلك بما إذا كان المأمور به طاعة الله تعالى، أما إذا كان معصية فلا طاعة، لقوله ﷺ: (لا
[ ٢ / ١٠٤٥ ]
طاعة لمخلوق في معصية الله ﷿). ذلك لأن القول بوجوب الطاعة المطلقة لأي أحد من الناس يجعله مشرعًا ويرفعه إلى مقام النبوة والرسالة، كما يؤدي إلى اتخاذه وليًا من دون الله، وقد يصل إلى اتخاذه ربًا يعبد، وقد نهى الله تعالى عن ذلك فقال: (وَلا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء).
قال البغوي: (أي لا تتخذوا غيره أولياء تطيعونهم في معصية الله تعالى).
وقال ابن كثير: (أي لا تخرجوا عما جاءكم به الرسول إلى غيره فتكونوا قد عدلتم عن حكم الله إلى حكم غيره).
أما أهل التصوف فقد جعلوا للمشايخ من القداسة ما لا حدود له، ودعوا كافة المريدين إلى طاعة الشيوخ طاعة مطلقة عمياء. وفيما يلي نصوص صوفية تدل على مذهب القوم في وجوب طاعة الشيوخ طاعة مطلقة:
يرى الجيلاني أن المريد يجب عليه (ترك مخالفة شيخه في الظاهر، وترك الاعتراض عليه في الباطن).
ويرى أيضًا أن المريد (هدية من الله للشيخ فعليه قبوله).
[ ٢ / ١٠٤٦ ]
ومن ينظر إلى ما يقرونه تجاه الشيوخ يجد أنهم لا يقدمون حق أحد كائنًا من كان على ما سموه حق الشيوخ، فهذا أحد شيوخهم يقول: (لا تنتفع بشيخك إلا إذا كان اعتقادك فيه فوق كل اعتقاد، وهناك يجعلك في حضوره ويحفظك في مغيبه).
بل يصرح آخر بما هو أفدح من ذلك، فيقول: (طاعة المريد لشيخه فوق طاعته لربه) - كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبًا ـ.
فهذه عقائد القوم، ولا شك أن في القول بوجوب طاعة الشيخ طاعة عمياء إضفاء بصفة الحكم والتشريع الخاصين لله جل وعلا إلى شيوخهم وأوليائهم.
ومن مظاهر التشريعات المتعلقة بالطرق:
٣ - قولهم وجوب قطع جميع الصلات والروابط مع المشايخ والصالحين خارج الطريقة:
هذا القول مخالف لهدي القرآن والسنة، فالقرآن يأمرنا بأن نكون - نحن المسلمين - إخوة، قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ). ويذكر لنا القرآن أن الولاء والبراء مردهما إلى الإيمان بالله والكفر به، وليس النسبة إلى الشيخ الفلاني، أو الطريقة الفلانية، حيث قال: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ).
وجاء في الحديث أنه ﷺ قال: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم
[ ٢ / ١٠٤٧ ]
وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».
فهل قال الرسول ﷺ بهذه الحزبية الصوفية أم كان هديه مخالفًا لهديهم؟ ثم إن هذا الوجوب الذي يدعونه ليس إلا تشريعًا جديدًا، وشركًا بالله في الربوبية بالأنداد بإثبات حق التشريع لأنفسهم.
يقول ابن عربي: (إنما كان المريد لا يفلح قط بين شيخين قياسًا على عدم وجود إلهين، وعلى عدم وجود المكلف بين رسولين، وعلى عدم وجود امرأة بين رجلين).
يقال في الجواب على هذا القياس الذي أورده: إن هذا ليس بشيء أصلًا، إذ لا علاقة بين وجود المريد بين شيخين، ووجود العالم بين إلهين، لأن هذا محال، وذلك حاصل، وواقع، وقد يكون محمودًا، إذا كان الشيخان فاضلين من عباد الله الصالحين، وكان مقصد الشخص الاسترشاد بهما. وأما وجود المكلف بين رسولين فأمر ممكن وواقع، ولا غرابة فقد أرسل الله تعالى موسى وهارون ﵉ إلى فرعون وقومه، فما المانع في ذلك؟ وأما وجود امراة بين زوجين فمحرم شرعًا، وليس هناك دليل شرعي يحرم قيام المسلم بالتتلمذ على العلماء والأخذ منهم، بل الأدلة الشرعية تدل على عكسها.
وبعد، فهذه بعض النماذج من تشريعات المتصوفة، وقد ترى هؤلاء أوسع من ارتكبوا هذا المحظور من زمان قديم، وما زالت هذه التشريعات من دأبهم وديدنهم، وهم موجودون بصفة عامة في جميع أقطار العالم الإسلامي.
ج- إباحة الشرك الأكبر من الركوع والسجود، والقيام والحلق، والنذر،
[ ٢ / ١٠٤٨ ]
والذبح، وذلك بسنة للأتباع، أفيظن عاقل يدري ما يخرج من رأسه، أن أولئك الذين يركعون ويسجود ويقومون ويحلقون وينذرون ويذبحون وينحرون لغير الله هم يعتقدون حرمته؟ لا أعتقد - والله - أن أحدًا يظن ذلك. فإباحتهم هذه الأشياء تشريع جديد في دين الله.
د- استباحة البدع على اختلاف أنواعها: فما من مبتدع بدعة إلا هو يرى حلها.
هـ - استباحة المتصوفة لكثير من المحرمات: كالزنا، واللواط.
و- التعبد بتحريم زينة الله، والطيبات من الرزق.
ز- مضاهاة المشركين الأوائل في تبحير البحائر وتسييب السوائب، فهذه الخصلة لا تزال موجودة في بعض البلاد.
ح- مضاهاة المشركين في تحريم بعض أنواع الأطعمة والاقتصار على جنس دون آخر.
ط- استباحة أكل أموال الناس بالباطل، عن طريق ما يسمى (صناديق النذور) الموجودة في مساجد المشركين القبوريين.
[ ٢ / ١٠٤٩ ]
أما الجانب الثاني: ففي الشرك في الربوبية بالأنداد إثبات صفة المخلوق للخالق سبحانه.
وفيه عدة مطالب:
المطلب الأول: الشرك في الربوبية بالأنداد بإثبات صفة المخلوق للخالق لدى القاديانية
وذلك؛ أنهم يعتقدون (بأن الله يصوم ويصلي وينام ويصحو ويكتب ويوقّع ويخطئ ويجامع) تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
قال القادياني: (قال لي الله إني أصلي وأصوم وأصحو وأنام).
هذا ما قاله هذا الدجال الأفاك الخبيث، وأما ما أنزله إله الحق على محمد الرسول ﷺ فهو: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ)، وقال ﵊: «إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام»، ووصف الرب ﵎ نفسه بقوله: (قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا). وبقوله:
[ ٢ / ١٠٥٠ ]
(هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ)، وبقوله على لسان الملائكة: (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا)، وعلى لسان موسى ﵇: (لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى). ولكن القاديانية تعتقد بأن الله يخطئ ويصيب، والمعروف: أن الخطأ لازم الجهل والنسيان، فهذا المتنبي القادياني يقول: (قال الله: إني مع الرسول أجيب، أخطئ وأصيب، إني مع الرسول محيط)، ويقول أيضًا: (أنا رأيت في الكشف بأني قدمت أوراقًا كثيرة إلى الله تعالى، ليوقع عليها، ويصدق الطلبات التي اقترحتها، فرأيت أن الله وقّع على الأوراق بحبر أحمر، وسقطت منه قطرات الحبر الأحمر على أثوابي ).
وفي محل آخر يشبه هذا الدجال الخالق، المتعال، الكبير، بحيوان بحري يقال له: أخطبوط، فيقول: (نستطيع أن نفرض لتصوير وجود الله بأن له أيادي وأرجل كثيرة، وأعضاؤه بكثرة لا تعد ولا تحصى، وفي ضخامة لا نهاية لطولها وعرضها، ومثل الأخطبوط له عروق كثيرة التي هي امتدت إلى أنحاء العالم وأطرافها).
وهكذا سخر بوجود الله المنزه عن التشبيه، وكذّب قول الله عزوجل:
[ ٢ / ١٠٥١ ]
(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ).
وأكثر من هذا، تعتقد القاديانية: بأن الله يباشر ويجامع، ويولد له أولاد! ! خلافًا لنصول كتاب الله وسنة رسول الله، وخلافًا لجميع الأديان السماوية. وأغرب من هذا اعتقادهم في الله: أنه جامع نبيهم غلام أحمد، وليس هذا فحسب بل هو النتيجة أيضًا لهذه المباشرة، فأولًا: الذي باشره الله هو نبيهم غلام أحمد، ثم وهو الحامل، وثالثًا: هو المولود، فلنسمع ما قاله القاديانية بألفاظهم، يقول أحدهم: (إن المسيح الموعود (أي الغلام) بيّن مرة حالته فقال: إنه رأى نفسه كأنه امرأة، وأن الله أظهر فيه قوته الرجولية).
ويقول القادياني بنفسه: (قد نفخ فيّ روح عيسى، كما نفخ فيّ مريم، وحبلت بصورة الاستعارة، وبعد أشهر لا تتجاوز عن عشرة أشهر، حولت عن مريم، وجعلت عيسى، وبهذا الطريق صرت ابن مريم).
ويقول: إن الله سماني بمريم التي حبلت بعيسى، وأنا المقصود من قوله في سورة التحريم: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا) ).
وعلى هذا الأساس تعتقد القاديانية بأن غلام أحمد هو ابن الله، بل هو عين الله،
[ ٢ / ١٠٥٢ ]
فيقول المتنبي الكذاب: (وقال لي الله: أنت من مائنا، وهم من فشل).
وفي صراحة تامة يصرح الغلام بأن الله له فم ينفخ به الصور تأييدًا لدعوته المشؤمة، حيث قال: (ستؤسس جماعة وينفخ الله الصور بفمه لتأييدها ).
لقد وصل الغلام الكذاب في تشبيه رب العالمين أكثر مما وصل إليه عتاة التجسيم والتشبيه مثل هشام بن الحكم الرافضي، وغيره ممن ضل سعيه في الحياة الدنيا، وهم يظنون أنهم يحسنون صنعًا.
كما أنه شبه الله بإنسان لهقصر فيه باب يمنع الداخلين إلا بإذنه، قال في ضميمة الوحي: (ولا يوصل إلى قصر الله وبابه إلا هذا الدين الأجلي).
هذه هي معتقدات القاديانية في الرب جل وعلا، وقد وقعوا في الشرك في الربوبية بالأنداد بوصفه جل وعلا بصفات المخلوقات. وقد قال تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ).
المطلب الثاني: الشرك بالله في الربوبية بالأنداد بإثبات صفة المخلوق للخالق لدى المتصوفة والمتكلمين
من صور وجود المعتقدات في العصر الحاضر: تسمية الله بما لم يسم به نفسه،
[ ٢ / ١٠٥٣ ]
ولم يسمه به أعلم الخلق بربه، كتسمية المتصوفة إياه بـ (هو)، وإطلاق المتكلمين لفظ الجسم والجوهر والعرض، وغير ذلك من الألفاظ على الله - تعالى ـ.
ومن صور ذلك أيضًا إطلاق كل اسم محمود أو مذموم عليه، ووصفه بكل وصف قبيح أو مذموم، كما عليه غلاة المتصوفة من أهل أصحاب وحدة الوجود، الذي صور مذهبهم ابن القيم ﵀ في نونيته بقوله:
فأتى فريق ثم قال وجدته هذا الوجود بعينه وعيان
فهو السماء بعينها ونجومها وكذلك الأفلاك والقمران
وهو الغمام بعينه وهو الثلو ج والأمطار مع برد ومع حسبان
إلى آخر ما نقل عنهم ابن القيم ﵀.
ومعلوم أنه وصف لله بصفات المخلوقات، وهو شرك بالله في الربوبية بالأنداد في أسمائه وصفاته، بإثبات صفات المخلوقات لله جل شأنه.
المطلب الثالث: الشرك بالله في الربوبية بالأنداد بإثبات صفة المخلوقات لله جل شأنه لدى الحداثيين
لقد وقع في هذا النوع من الشرك في هذا العصر بعض الحداثيين الذين
[ ٢ / ١٠٥٤ ]
لا يتورعون عن وصف الله - تعالى - بأي وصف، ولا عن تسميته بأي اسم، وذلك فيما يزعمونه شعرًا، وإليك شيئًا مما قالوه في هذا:
يقول بدر شاكر السياب:
محمد اليتيم أحرقوه
فالسماء
يضيء من حريقه
وفارت الدماء من يديه
من عيونه
وأحرق الإله في جفونه
ويقول أدونيس:
مات إله كان هناك
هبطت جمجمة السماء
ويقول صلاح عبد الصبور:
ملاحنا ينتف شعر الذقن في جنون
يدعو إله النقمة المجنون
أن يلين قلبه
ولا يلين
[ ٢ / ١٠٥٥ ]
ويقول عبد العزيز المقالح:
صار الله رمادًا
صمتًا، رعبًا، في كف الجلادين
حقلًا ينبت وعمائم بين الرب الأغنية الشروة
والرب القادم من هوليود
كان الله قديمًا حيًا
كان سحابة
كان نهارًا في الليل
أغنية تغسل بالأمطار الخضراء تجاعيد الأرض
ففي هذه الأبيات الشعرية نرى الحداثيين سموا الله ﷿ ووصفوه بصفات لا تليق بالله سبحانه مطلقًا، فمما سمي به الرب بأنه سحابة، وأنه نهار، وأنه أغنية، وأنه مات، وأنه قادم من هوليود، وغير هذه الأسماء والصفات المذمومة. (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ). والله تعالى أعلم.
[ ٢ / ١٠٥٦ ]
الفصل الثاني
مظاهر الشرك بالله جل وعلا في العصر الحديث فيما يتعلق بعبادته
[ ٢ / ١٠٥٨ ]
الفصل الثاني مظاهر الشرك بالله جل وعلا في العصر الحديث فيما يتعلق بعبادته
سبق معنا بيان المقصود بالعبادة، والشرك في العبادة. هنا أبين بعض مظاهر الشرك بالله في عبادته ومعاملته في العصر الحديث.
ومعلوم أن الشرك في العبادة (يكون في أقوال القلب ويكون في أعمال القلب).
فالشرك في العبادة إذن له جانبان:
الأول: الشرك بالأقوال القلبية.
الثاني: الشرك بالأعمال القلبية.
أما الأول: - الذي هو الشرك بالأقوال القلبية - فمن أفراده ما يلي:
الأول: الشرك بالدعاء.
الثاني: الشرك بالاستعانة.
الثالث: الشرك بالاستغاثة.
وأما الثاني: فهو الشرك بالأعمال القلبية: وهو على نوعين:
النوع الأول: الشرك بالأعمال القلبية الخالصة.
النوع الثاني: الشرك بالأعمال القلبية المتعلقة بالجوارح، والمتعلقة
[ ٢ / ١٠٥٩ ]
بالأموال.
أما النوع الأول: فله أفراد:
الأول: الشرك في المحبة.
الثاني: الشرك في النية والإرادة والقصد.
الثالث: الشرك في الطاعة.
الرابع: الشرك بالخوف.
الخامس: الشرك بالرجاء.
السادس: الشرك بالتوكل.
أما النوع الثاني: فهو الشرك بالأعمال القلبية مع الجوارح (شرك التقرب والنسك)، وله أفراد، منها:
الأول: الشرك بالنسك؛ كالقيام والركوع والسجود والحج والصوم والتعظيم وغيرها.
الثاني: الشرك بالذبح والنحر لغير الله.
الثالث: الشرك بالنذر لغير الله.
ونظرًا لما يحتوي هذا الفصل من الجزئيات الكبيرة فإني سأبينها في المباحث التالية:
المبحث الأول: في بيان مظاهر الشرك بالله فيما يتعلق بعبادته بأعمال القلوب
وتحته مطالب:
المطلب الأول: الشرك بالله فيما يتعلق بعبادته بالمحبة
وذلك، بأن يحب العبد أحدًا غير الله كمحبة الله.
[ ٢ / ١٠٦٠ ]
قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ الله).
ومن المعلوم أن المحبة لله تعالى من عبادته جل وعلا، وهو المحبوب لذاته، ولا يمكن أن يكون المحبوب لذاته إلا واحدًا، ومستحيل أن يوجد في القلب محبوبان لذاتهما. كما يستحيل أن يكون في الخارج ذاتان قائمتان بأنفسهما كل ذات منهما مستغنية عن الأخرى من جميع الوجوه، وكما يستحيل أن يكون للعالم ربان متكافئان مستقلان، فليس الذي يحب لذاته إلا الإله الحق الغني بذاته عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير بذاته إليه.
وأما ما يجب لأجله فيتعدد، ولا تكون محبة العبد له شاغلة له عن محبة ربه ولا يشركه معه في الحب، فإن المحبة المتعلقة بالله ثلاثة أقسام: محبة الله، والمحبة له وفيه، والمحبة معه. فالمحبة له وفيه من تمام محبته وموجباتها لا من قواطعها، فإن محبة الحبيب تقتضي محبة ما يحب ومحبة ما يعين على حبه ويوصل إلى رضاه وقربه.
وأما المحبة مع الله: فهي المحبة العبودية الشركية، وهي كمحبة أهل الأنداد لأندادهم، كما في الآية التي سبق ذكرها، وأصل الشرك الذي لا يغفره الله هو الشرك في هذه المحبة. فإن المشركين لم يزعموا أن آلهتهم وأوثانهم شاركت الرب سبحانه في خلق السموات والأرض، وإنما كان شركهم بها من جهة محبتها مع الله فوالوا عليها وعادوا عليها وتألهوها، وقالوا: هذه آلهة صغار تقربنا إلى الإله الأعظم.
[ ٢ / ١٠٦١ ]
ففرق بين محبة الله أصلًا، والمحبة تبعًا، والمحبة معه شركًا، فالمحبة معه هي التي كانت لدى المشركين، حيث قالوا: (تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ). ومعلوم أنهم ما سووهم به سبحانه في الخلق والرزق والإماتة والإحياء والملك والقدرة، وإنما سووهم به في الحب والتأله والخضوع لهم والتذلل.
فالمحبة هي أصل دين الإسلام الذي تدور عليه رحاه، فبكمال محبة الله يكمل دين الإسلام، وبنقصها ينقص توحيد الإنسان، والمراد بالمحبة هنا محبة العبودية، فإن المحبة على مراتب: فأولها: العلاقة، وثانيها: الصبابة، وثالثها: الغرام، ورابعها: العشق، وخامسها: الشوق، وسادسها: - الأخير منها - التتيم، وهو تعبد المحب لمحبوبه، يقال: تيمه الحب، إذا عبده، وحقيقة التعبد: الذل والخضوع للمحبوب، فالعبد هو الذي ذلله الحب والخضوع لمحبوبه، ولهذا كانت أشرف أحوال العبد ومقاماته هي العبودية، فلا منزل أشرف منها، والله سبحانه خلق الخلق لعبادته وحده لا شريك له التي هي أكمل أنواع المحبة مع أنواع الخضوع والذل، ومن أشرك أحدًا في ذلك فقد أشرك مع الله، وهو أصل الشرك بالله.
ولا يعتبر كل ما تطلق عليه المحبة شركًا، بل بعض المحبة تكون محبوبةً إلى الله عزوجل - كما ذكرنا - فإن المحبة على أنواع:
الأول: محبة الله، وهو التتيم أي الحب مع الذل والخضوع، ويتعلق به
[ ٢ / ١٠٦٢ ]
الخوف والرجاء، وهي وحدها لا تكفي للنجاة من عذاب الله، والفوز بثوابه، فإن المشركين وعباد الصليب واليهود وغيرهم يحبون الله.
الثاني: محبة ما يحب الله، وهذه المحبة هي التي تدخله في الإسلام وتخرجه من الكفر، وأحب الناس إلى الله أقومهم بهذه المحبة، وأشدهم فيها.
الثالث: المحبة لله، وفي الله، وهي فرض ومن لوازم محبة ما يحب، لا تستقيم محبة ما يحب إلا فيه وله، كمحبة أوليائه من الرسل والصالحين، ومحبة الرسول ﷺ من ضمن هذه المحبة. وبغض أعداء الله أيضًا من هذه المحبة، فالمحبة التامة مستلزمة لموافقة المحبوب في محبوبه ومكروهه وولايته وعداوته. ومن المعلوم أن من أحب الله المحبة الواجبة فلابد أن يبغض أعداءه ويحب أولياءه.
الرابع: المحبة مع الله، وهي المحبة الشركية، وكل من أحب شيئًا مع الله، لا الله، ولا من أجله، ولا فيه، محبة متضمنة الذل والخضوع والتعظيم والإجلال والخوف لمحبوبه فقد اتخذه ندًا مع الله، وهذه هي محبة المشركين قديمًا وحديثًا للأولياء والصالحين، وحتى في النبي ﷺ عند بغض غلاة المتصوفة والبريلوية.
الخامس: المحبة الطبيعية، وهي ميل الإنسان إلى ما يلائم طبعه، وهي على ثلاثة أقسام:
أ- محبة فطرية: محبة الجائع للطعام.
ب- محبة إشفاق: كمحبة الولد لولده.
ج- محبة الشريك لشريكه، ومحبة الصديق لصديقه.
[ ٢ / ١٠٦٣ ]
فهذه لا تذم شرعًا بشروط:
١ - ألا تشغله عن طاعة الله الواجبة، فإنه حينئذ مذموم.
٢ - ألا تكون داعية إلى معصية الله، فإنه مذموم حينئذ.
٣ - ألا يكون حبه على درجة التتيم، المتضمن الذل والخضوع والتعظيم والإجلال والخوف. وهو المقصود من قول النبي ﷺ: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش».
وهكذا كل من أحب شيئًا بالحب الذي يكون لله فقد أشرك بالله، وإن كان أصل الحب كان فطريًا، إلا أنه تطور إلى درجة التتيم - العبادة ـ، وعلى هذا فهذا النوع من المحبة وإن لم تدخل بذاتها في أنواع الشرك، إلا أنها تكون سببًا للشرك في بعض الأحيان، وهذا ما نراه في عصرنا هذا - كما سيأتي بيان نماذج من هذا النوع من المحبة المؤدية إلى الشرك فيما بعد ـ.
وعلى هذا: فالمحبة التي تعتبر شركًا خالصًا هي المحبة مع الله؛ لأنه - كما سبق - لا يمكن أن توجد محبة لذاته - المتضمن للتتيم والعبادة - إلا الله، وكل من أحب مع الله أحدًا فقد أشركه في المحبة لذاته، وهي القسم الرابع منها؛ لأنها تستلزم التعظيم والذل والعبودية، وهي المذكورة في قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ).
[ ٢ / ١٠٦٤ ]
قال ابن كثير: (يذكر الله حال المشركين به في الدنيا ومآلهم في الدار الآخرة، حيث جعلوا لله أندادًا؛ أي أمثالًا ونظراء يعبدونهم معه، ويحبونهم كحبه. وهو الله لا إله إلا هو، ولا ضد له، ولا ند له، ولا شريك معه. وفي الصحيحين: عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندًا وهو خلقك»).
ومعنى الآية كما قال ابن القيم في مدارج السالكين: (أخبر تعالى أن من أحب من دون الله شيئًا كما يحب الله تعالى، فهو ممن اتخذ من دون الله أندادًا، فهذا ند في المحبة، لا في الخلق والربوبية، فإن أحدًا من أهل الأرض لا يثبت هذا الند في الربوبية، بخلاف ند المحبة، فإن أكثر أهل الأرض قد اتخذوا من دون الله أندادًا في الحب والتعظيم).
وأما قوله تعالى: (يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ)، ففي تقدير الآية قولان:
أحدهما: يحبونهم كما يحبون الله، فيكون قد أثبت لهم محبة الله، ولكنها محبة أشركوا فيها مع الله أندادهم.
الثاني: أن المعنى: يحبون أندادهم كما يحب المؤمنون الله، فليس فيه إثبات محبتهم لله.
وأما قوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ)، ففيه أيضًا قولان، ترتبا على الاختلاف السابق في معنى الجزء الأول من الآية.
القول الأول: إن المعنى: والذين آمنوا أشد حبًا لله من المشركين بالأنداد لله؛
[ ٢ / ١٠٦٥ ]
فإن محبة المؤمنين خالصة، ومحبة أصحاب الأنداد قد ذهبت أندادهم بقسط منها، والمحبة الخالصة - التي هي عند المؤمنين - أشد من المشتركة - التي هي عند أصحاب الأنداد ـ.
القول الثاني: معنى الآية: والذين آمنوا أشد حبًا لله من أصحاب الأنداد لأندادهم وآلهتهم التي يحبونها، ويعظمونها من دون الله، ويدل عليه ما رواه الطبري عن مجاهد في قوله تعالى: (يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ)، قال: (مباهاة ومضاهاة للحق بالأنداد، (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ) من حبهم لآلهتهم).
ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يرجح القول الأول ويقول: (إنما ذموا بأن أشركوا بين الله وبين أندادهم في المحبة، ولم يخلصوها لله كمحبة المؤمنين له، وهذه التسوية هي المذكورة في قوله تعالى حكاية عنهم وهم في النار، أنهم يقولون لآلهتهم وأندادهم وهي محضرة معهم في العذاب (تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ)، ومعلوم أنهم ما سووهم برب العالمين في الخلق والربوبية، وإنما سووهم به في المحبة والتعظيم.
وهذا أيضًا هو العدل المذكور في قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ
[ ٢ / ١٠٦٦ ]
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) به غيره في العبادة التي هي المحبة والتعظيم ).
فكان الحب أصل كل عمل من حق وباطل، فأصل الأعمال الدينية حب الله ورسوله، كما أن أصل الأقوال الدينية تصديق الله ورسوله. وكل إرادة تمنع كمال الحب لله ورسوله وتزاحم هذه المحبة، أو شبهة تمنع كمال التصديق فهي معارضة لأصل الإيمان أو مضعفة له، فإن قويت حتى عارضت أصل الحب والتصديق كانت شركًا أو كفرًا أكبر، وإن لم تعارضه قدحت في كماله، وأثرت فيه ضعفًا وفتورًا في العزيمة والطلب.
وهي تحجب الواصل، وتقطع الطالب، وتنكس الراغب، كما هو حال من آثر المحبة الطبيعة على محبة الله، أو على محبة ما يحب الله، أو على المحبة في الله، ولله. ولهذا قال تعالى: (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ).
وأما محبة الرسول ﷺ فمن لوازم محبة الله، وإنما يحب الرسول ﷺ لأنه ليس في هذه المحبة شيء من شوائب الشرك؛ كالاعتماد عليه ورجائه في حصول مرغوب منه، أو دفع مرهوب منه، أو الرغبة إليه من دون الله، وما كان فيها هذه الأمور، فمحبته تعتبر مع الله - ويدخل في الشرك بالله - لما فيها من
[ ٢ / ١٠٦٧ ]
التعلق على غيره.
بل محبة الرسول واجبة على أنها لله ولأجله، ولأنه كان محبًا لله، فحبه ليس لذاته، بل لكونه يحب الله، فكما يحب أحدنا الإيمان والعمل الصالح لكونهما محبوبين عند الله، هكذا الحكم في محبة الرسول ﷺ. وهكذا المحبة هي المرادة من قول النبي ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين». فما يدعيه بعض المتصوفة والجهلة من المحبة للرسول ﷺ لذاته ليست إلا عبادة الرسول باسم آخر - شاءوا أم أبوا ـ.
والمقصود: أن أعظم أنواع المحبة المحمودة محبة الله وحده، ومحبة ما أحب، وهذه المحبة هي أصل السعادة ورأسها التي لا ينجو أحد من العذاب إلا بها.
وأعظم أنواع المحبة المذمومة: المحبة مع الله التي يسوي المحب فيها بين محبته لله ومحبته للند الذي اتخذه من دونه. وهي المحبة الشركية، وهي رأس الشقاوة، فإن كل من اتخذ لله ندًا يدعوه من دون الله ويرغب فيه ويرجوه لما يؤمله منه من قضاء حاجاته، وتفريج كرباته - كحال عباد القبور والطواغيت والأصنام - فلابد أن يعظموهم ويحبوهم لذلك؛ فإنهم أحبوهم مع الله، وإن كانوا يحبون الله تعالى، ويقولون: (لا إله إلا الله)، ويصلون ويصومون، فقد أشركوا بالله في المحبة بمحبة غيره وعبادة غيره.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (فمن رغب إلى غير الله في قضاء
[ ٢ / ١٠٦٨ ]
حاجة أو تفريج كربة، لزم أن يكون محبًا له، ومحبته هي الأصل في ذلك).
فاتخاذهم الأنداد يحبونهم كحب الله يبطل كل قول يقولونه وكل عمل يعملونه؛ لأن المشرك لا يقبل منه عمل، ولا يصح منه، وهؤلاء وإن قالوا: (لا إله إلا الله) فقد تركوا كل قيد قيدت به هذه الكلمة العظيمة.
وفيما يلي بيان بعض مظاهر الشرك في المحبة لله جل شأنه.
الفرع الأول: مظاهر الشرك في محبة الله لدى المتصوفة:
لقد وقع في هذا النوع من الشرك كثير من المتصوفة، سواء كان هذا بدعوى محبة النبي ﷺ، أو بدعوى محبة شيخ التصوف.
أما في محبة الرسول: فترى كثيرًا منهم يغلون في محبة الرسول ﷺ حتى يسمي نفسه: بعبد المصطفى. وليس هذا فحسب، فهناك من يرى الفناء في محبة الرسول ﷺ، يقول أحد المتصوفة: (ففي حال ذكرك له ﷺ تصور كأنك بين يديه متأدبًا بالإجلال والتعظيم والهيبة والحياء، فإنه يراك ويسمعك كما ذكرت؛ لأنه متصف بصفات الله، هو سبحانه جليس من ذكره).
فهذا القطب الصوفي لا يميز بين صفات الله التي لا يليق إلا به وبين صفات نبيه ورسوله. فيعتقد أنه ﷺ يرى ويسمع كل ذكر له في العالم. بل إننا نجد في
[ ٢ / ١٠٦٩ ]
الكلام المنقول عن هذا الرجل ما يدل دلالة واضحة على أنه يعتقد الإلهية في النبي ﷺ، ويدعو إلى الفناء فيه كما يدعو غيره من الغلاة إلى الفناء في الله.
يقول - وهو يذكر كيفية التعلق بالنبي ﷺ: (وهي أن تلاحظ أنه ﷺ ملء الكون بل عينه، وأنه نور محض، وأنك منغمس في ذلك النور مع تغميض عين البصر لا البصيرة، فإذا حصل لك الاستغراق في هذا النور والتلاشي والعينية فتتصف حينئذ بمقام الفناء فيه، ومن حصل له مقام الفناء فيه ذاق محبته ﷺ - إلى أن قال ـ: فإن لم تجد في جميع وجودك هذه المحبة التي وصفتها فاعلم أنك ناقص الإيمان).
والسؤال هنا: هل كان أحد من الخلفاء الراشدين أو من العشرة المبشرين بالجنة أو من أهل بدر أو من أصحاب الرسول ﷺ وغيرهم من السلف الصالح يعتقد أن النبي ﷺ ملء الكون؟ وأنه نور محض؟ أو ادعى الفناء فيه؟ أو عرف ما هو بمعنى ذلك؟ ومتى كان هذا شعبة من شعب الإيمان حتى يوصف من لم يعتقده بنقص الإيمان؟ على رسلك يا صوفي إن إمامنا كتاب الله، وسنة رسول الله ﷺ وسيرة الجيل الأول من السلف الصالح وتفاصيل فهمهم للنصوص، وما لم يكن يومئذ دينًا فلن يكون اليوم دينًا، ومن اتخذه دينًا فهو ضال، وإذا دعا إليه فهو مضل، وإن وصف بأفخم أوصاف الصوفية كالقطب والغوث ونحوهما.
بل محبة الرسول ﷺ إنما تعرف بطاعته ﷺ وتقديمها على طاعة كل أحد وإن كان أحد الوالدين أو أكثر المشايخ مهابة وجلالة في العيون، وإن كان النفس أو الهوى، قال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ). فهذه الآية هي الميزان التي يعرف بها من أحب الله حقيقة ومن
[ ٢ / ١٠٧٠ ]
ادعى ذلك دعوى مجردة، فمن ادعى محبة الله ولم يظهر ذلك في طاعة رسوله ﷺ بامتثال أوامره واجتناب نواهيه فدعواه كاذبة.
ولا ريب أن دعوى محبة رسول الله ﷺ مع عدم فقه هذا الأمر حدث بالمبتدعة إلى أن يبتدعوا بدعًا كثيرة ظنوها من مظاهر محبة الرسول ﷺ، كإقامة الموالد، وترديد القصائد، ومخالفته في أمره بعدم إطرائه عدم الإحداث في الدين، ولا يخفى أن محبته لا تجتمع مع مخالفة أمره.
تعصي الإله وأنت تزعم حبه هذا محال في القياس بديع
لو كان حبك صادقًا لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع
قلت: بهذا نعلم أن هؤلاء كما أنهم لم يفرقوا بين حق الله على عباده وبين حق النبي ﷺ على أمته، فكذلك لم يفرقوا بين حقه ﷺ وبين حق شيوخهم. وهذا هو الضلال المبين الذي يجب الحذر منه. والله المستعان.
وأما الشرك في دعوى المحبة للأولياء ومشايخ التصوف فمن ملامحه ما يلي:
تصوير الولي أو الشيخ في صورة المتوجه إليه بالعبادة فيحب المحبة التي لا تجوز لغير الله، وعامة كتب التراث الصوفي مملوءة بذلك، ولذا نجد أن القبوريين منهم وأهل تقديس (الأولياء) سرعان ما يتهمون دعاة التوحيد الذين يدعون إلى إخلاص العبادة بكل أنواعها لله عزوجل بأنهم لا يحبون النبي ﷺ والأولياء، ولهذا يصرحون في نصوص كثيرة لا تكاد تحصى بأن المريد يجب أن يفرد شيخه بالمحبة ولا يشرك به غيره، فإليك شيئًا يسيرًا منها:
[ ٢ / ١٠٧١ ]
يحكي الشعراني عن أحد المتصوفة أنه مكث عند شيخه إلى أن توفي لم يذق له طعامًا، فقيل له في ذلك، فقال: (أنا لم آكل لشيخي طعامًا خوفًا أن أشرك في طلبي للشيخ شيئًا آخر).
ويجب عندهم أن لا يزاحم أحد في محبة المريد لشيخه، لا زوجته ولا ولده، وفي ذلك يقص أحمد بن المبارك - راوي الإبريز - قصة مع شيخه الدباغ مفادها:
أن ابن المبارك كان قد تزوج بنت الفقيه محمد بن عمر السلجماسي وكان يحب البنت حبًا شديدًا، وكان الدباغ يسأله: هل تحبني مثل فلانة؟ فيصارحه الرجل (أن لا) فيتأثر الشيخ بذلك - يقول ابن المبارك: وحق له، فإن المريد لا يأتي منه شيء حتى لا يكون في قبه غير الشيخ والله والرسول.
ومما قاله الشعراني في هذا الباب: (أخذ علينا العهد أن لا نأخذ العهد على فقير بالسمع والطاعة لما نأمره من الخير إلا إن كنا نعلم منه يقينًا أنه لا يقدم علينا في المحبة أحدًا من الخلق مطلقًا حتى أهله وولده).
ويقول الشيخ التيجاني: (من أكبر الشروط الجامعة بين الشيخ ومريده هو أن لا يشارك في محبته غيره ولا في تعظيمه ولا في الاستمداد منه ولا في الانقطاع إليه بقلبه، ويتأمل ذلك في شريعة نبينا ﷺ؛ فإن من ساوى رتبة نبيه ﷺ مع رتب غيره من النبيين والمرسلين في المحبة والتعظيم والاستمداد والانقطاع إليه بالقلب والتشريع، فهو عنون على أنه يموت كافرًا إلا أن تدركه عناية ربانية
[ ٢ / ١٠٧٢ ]
بسبق محبة إلهية، فإذا عرفت هذا فليكن المريد مع شيخه كما هو مع نبيه ﷺ في التعظيم والمحبة والاستمداد والانقطاع إليه بالقلب، فلا يعادل غيرهه في هذه الأمور ولا يشارك غيره. ومن أكبر القواطع عن الله أن ينسب ما عنده من الفتح والأسرار لغير شيخه).
فأنت ترى أن هذا النص أقل ما فيه التسوية بين الشيخ وبين النبي ﷺ، وذلك مجاهرة برفض قوله ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين».
ويقول الشعراني: (إذا أراد الله ﷿ أن يعرف عبدًا من عبيده بولي من أوليائه ليأخذ عنه الأدب ويقتدي به في الأخلاق طوى عنه شهود بشريته وأشهده على وجه الخصوصية فيه فيعتقده بلا شك ويحبه أشد المحبة. وأكثر الناس الذي يصحبون الأولياء لا يشهدون منهم إلا وجه البشرية، ولذلك قل نفعهم وعاشوا عمرهم كله معهم ولم ينتفعوا منهم بشيء).
والمقصود: بيان كون المتصوفة قد وقعوا في شرك العبادة بالمحبة وذلك بإعطائهم هذه العبودية لغير الله.
الفرع الثاني: مظاهر الشرك في محبة الله لدى بعض المعاصرين في عقد الولاء والبراء على غير أسس المحبة في الله والمحبة لله:
الولاء: بالواو واللام والياء: أصل صحيح يدل على قرب، وتأتي هذه الكلمة بمعنى: الملك والقرب والنصرة والقرابة والمحبة. ووالى فلان فلانًا:
[ ٢ / ١٠٧٣ ]
أحبه، وهكذا التولي: فإنها تأتي بمعنى الولاء: أي النصرة والموالاة. وتأتي بمعنى أخص من عموم الموالاة، بمعنى: اتخذه وليًا. كما قال الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ: (التولي كفر يخرج من الملة، وهو كالذب عنهم وإعانتهم بالمال والبدن والرأي). وعلى هذا تراه فرّق بين الموالاة والتولي.
ولعل الصحيح أن التولي والموالاة كلاهما بمعنى جعلهم أولياء، ولذا ترى جميع المفسرين ابن جرير ﵀ في عدة مواضع من تفسيره يفسر معنى اتخاذ الكفار أولياء بمعنى جعلهم أنصارًا، وهو بمعنى توليهم.
فعلم من ذلك كله: أن أصل الموالاة: الحب، والموالاة لا تكون إلا لله تعالى بذاته، وتكون لرسوله وللمؤمنين لأمر الله ﷿ بموالاتهم، فمن كان عنده موالاة لغير الله مثل ما كان ينبغي لله، فقد أشرك مع الله غيره في الحب، ويدخل في شرك المحبة لا محالة. والأدلة على هذا كثيرة، منها:
١ - قوله تعالى: (لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ).
٢ - قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ
[ ٢ / ١٠٧٤ ]
بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ).
٣ - قوله تعالى: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).
٤ - وقد أخبر النبي ﷺ: «أن من أحب قومًا حشر معهم».
وإنما تدخل الموالاة لأهل الشرك في الشرك، لكونها مضادة لكلمة التوحيد، فإن من شروط كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) محبة هذه الكلمة ولما اقتضته ودلت عليه، ولأهلها العاملين بها الملتزمين لشروطها، وبغض ما ناقض ذلك.
فتحقيق شهادة أن لا إله إلا الله يقتضي (أن لا يحب إلا الله، ولا يبغض إلا الله، ولا يوالي إلا لله، ولا يعادي إلا لله، وأن يحب ما أحبه الله ويبغض ما أبغضه الله).
فإن شطر العقيدة وركنها الثاني الذي لا تتم إلا به: هو الكفر بالطاغوت.
قال تعالى: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى). فلا يكون مؤمنًا من لا يكون كافرًا بالطاغوت، وهو كل متبوع أو
[ ٢ / ١٠٧٥ ]
مرغوب أو مرهوب من دون الله.
لكن موالاة الكفار تقع على شعب متفاوتة وصور مختلفة، ولذا فإن الحكم فيها ليس حكمًا واحدًا، فإن من هذه الشعب والصور ما يكون شركًا، ومنها ما يكون ردة، وينقض الإيمان بالكلية، ومنها ما هو دون ذلك في المعاصي، وهذه الموالاة التي تناقض التوحيد قد تكون اعتقادًا فحسب، وقد تظهر في أقوال وأعمال.
وأما الاعتقادي - كما سبق أن بيناه ـ: فهو ولاؤهم في الظاهر والباطن، وموافقتهم في الباطن بتوليهم دون الظاهر، فهذا يسمى نفاقًا، وهو أيضًا شرك اعتقادي، فإنه أشرك في محبة الله غير الله، ولا يتأتى ممن يفعل مثل هذا الولاء إلا بعد أن يشرك بالله في محبته غيره، أو محبة شرعة غير شرع الله.
وأما من كان ولاؤهم لهم في الظاهر فقط فهو على نوعين:
الأول: أن تكون الموافقة والولاء في الظاهر بسبب الإكراه (الملجيء) فهذه الحالة لا تدخل في الموالاة ما دامت الموافقة والموالاة باللسان، والقلب مطمئن بالإيمان، لقوله تعالى: (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ).
الثاني: أن يكون الولاء والموافقة في ظاهره مع مخالفتهم في الباطن لغرض دنيوي، كحب رئاسة وطمع في جاه ومنزلة ونحو ذلك، فاختلف العلماء في ذلك، فمنهم من قال: إنه من المعاصي، ومنهم من قال: إنه يدخل تحت شرك الإرادة والنية والقصد - وسيأتي بيانه فيما بعد - وهو الصحيح لظاهر قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا
[ ٢ / ١٠٧٦ ]
يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ). وقوله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ). ومعلوم أنه ليس شيء يحبط العمل مثل الشرك، ثم إنه أشرك بالله في الاتباع أيضًا، وحيث اتبع هواه، ولم يلتفت إلى رضى الله، فدخل تحت وعيد قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ).
أما الموالاة العملية فهي كثيرة في العصر الحديث، أذكر منها ما يلي:
أ- من أقام ببلاد الكفار رغبة واختيارًا لصحبتهم، فيرضى ما هم عليه من الدين، أو يمدحه، أو يرضيهم بعيب المسلمين، فهذا لا شك في خروجه عن الملة.
يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: (والإقامة ببلد يعلو فيه الشرك والكفر، ويظهر الرفض وين الإفرنج ونحوهم من المعطلة للربوبية والإلهية وترفع فيها شعائرهم، يهدم الإسلام والتوحيد، ويعطل التسبيح والتكبير والتحميد، وتقلع قواعد الملة والإيمان ويحكم بينهم بحكم الإفرنج واليونان فالإقامة بين أظهرهم والحالة هذه لا تصدر عن قلب باشره حقيقة الإسلام والإيمان والدين بل لا يصدر عن قلب رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ نبيًا، فإن الرضا بهذه الأصول الثلاثة قطب الدين، وعليه تدور حقائق العلم واليقين، وقد جاء في قصة صحابي جاء
[ ٢ / ١٠٧٧ ]
إلى النبي ﷺ وقال: يا رسول الله، بايعني واشترط، فقال الرسول ﷺ: «تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وأن تفارق المشركين».
وفيه إلحاق مفارقة المشركين بأركان الإسلام ودعائمه العظام).
ب- من أطاع الكفار والمشركين في التحليل والتحريم، فأظهر الموافقة على ذلك، فهو أيضًا مشرك خارج عن الملة، والدليل عليه قوله تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ).
فصرح تعالى بأنهم مشركون في طاعة الكفار حينما وافقوهم في تحليل أو تحريم، وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (٢٥) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ). فهذا النوع من الموالاة كان سببًا في ردة أولئك القوم. وسيأتي مزيد من البيان بمشيئة الله في بيان شرك الطاعة، وإنما ذكرهم هاهنا لكون الباعث على هذه الطاعة هو المحبة لغير الله والولاء والبراء على غير محبة الله.
[ ٢ / ١٠٧٨ ]
ويمكن أن يلحق بطاعة ومتابعة الكفار في التحليل والتحريم، وموافقتهم في التشريع ما قد أفتى به بعض علماء هذا العصر في مسألة التجنس بجنسية أمة غير مسلمة. إلا في إحدى الحالات الثلاثة التالية:
١ - الإقامة لغرض الدعوة إلى الله مع الأمن على الدين، والقدرة على الجهر بشعائر الإسلام، بلا معارضة في شيء منها، وقادرًا على الولاء والبراء، ومن هذه ما هو مستحب كالسفر للجهاد في سبيل الله.
٢ - السفر من أجل التجارة، وهو عارف بدينه، آمن عليه قادر على الجهر بشرائعه، قادر على الولاء والبراء.
٣ - المستضعفون من النساء والولدان والرجال الذين لهم ظروف جغرافية أو سياسية تحول في الرجوع إلى ديارهم
وأما في غير هذه الحالات الثلاثة فإن التجنس بجنسية أمة غير مسلمة يدخل في الشرك بالولاء والبراء.
ج- التشبه المطلق بهم، أو التشبه فيما يوجب الخروج عن الملة، فالموالاة وإن كانت متعلقة بالقلب (بالحب والنصرة) لكن المخالفة في الظاهر أعون على مقاطعة الكافرين ومجانبتهم. وقد قال النبي ﷺ عن التشبه بالمشركين: «من تشبه بقوم فهو منهم».
[ ٢ / ١٠٧٩ ]
وهذا التشبه له ألوان لا تعد ولا تحصى في العصر الحاضر.
د- أيضًا من الموالاة العملية التي فيها مناقضة للتوحيد، وشرك مع الله في محبته، ومحبة دينه: إقامة مؤتمرات وتنظيم ملتقيات من أجل تقرير وحدة الأديان، وإزالة الخلاف العقدي وإسقاط الفوارق الأساسية فيما بين تلك الديانات، وهذه الفكرة الخبيثة قد وجدت قديمًا عند ملاحدة الصوفية، كما وجدت عند التتار. ويأتي النظام الدولي الجديد عاملًا رئيسيًا في إحياء تلك الشجرة الخبيثة، كما هو ظاهر في مثل هذه الأيام القريبة.
هذا كله في ما يتعلق بالشرك بموالاة الكفار.
وأما النصرة: فأظهر من الشمس في رابعة النهار بأن نصرة المشركين على المسلمين شرك بالله جل وعلا في محبته، ولذا عده العلماء من نواقض التوحيد.
ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فمن قفز منهم إلى التتار كان أحق بالقتال من كثير التتار، فإن التتار فيهم المكره وغيره المكره، وقد استقرت السنة بأن عقوبة المرتد أعظم من عقوبة الكافر الأصلي من وجوه متعددة.
ويقول ابن القيم: إنه سبحانه قد حكم، ولا أحسن من حكمه أن من تولى
[ ٢ / ١٠٨٠ ]
اليهود والنصارى فهو منهم: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) فإذا كان أولياؤهم منهم بنص القرآن كان لهم حكمهم. وهذا القول لابن القيم على التفسير الثاني لكلمة (التولي) على أنها أبلغ من الموالاة - كما سبق معنا في بداية الكلام ـ.
ويقول الشيخ عبد العزيز بن باز - حفظه الله ـ: (وقد أجمع علماء الإسلام على أن من ظاهر الكفار على المسلمين وساعدهم عليهم بأي نوع من المساعدة، فهو كافر مثلهم).
وقال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀ عند تفسيره لقوله تعالى: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ): (وذلك الظلم يكون بحسب التولي، فإن كان توليًا تامًا، كان ذلك كفرًا مخرجًا عن دائرة الإسلام، وتحت ذلك من المراتب ما هو غليظ وما هو دونه). ويقول عند تفسير قوله تعالى: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ): (إن التولي يوجب الانتقال إلى دينهم، والتولي القليل يدعو إلى الكثير، ثم يتدرج شيئًا فشيئًا حتى يكون العبد منهم).
وعلى كل: إن مظاهرة الكفار ونصرتهم والذب عنهم، يناقض الإيمان سواء سمي ذلك توليًا أو موالاة، فإن مظاهرة المشركين ضد المسلمين خيانة لله ولرسوله وللمؤمنين. فمثل هذه الموالاة تتضمن بغضًا لدين الله تعالى، وحربًا
[ ٢ / ١٠٨١ ]
لعباد الله الصالحين ونصرة للكفار، ولا شك أن هذه الأشياء كلها منافية لمحبة الله، الذي هو حقيقة التوحيد، فمن ذلك الباب يدخلون في الشرك، فإنه ما أعان أحدًا على دين الله إلا أحبه أو أحب ما يتعلق به، ومن أحب شيئًا مع الله فقد أشرك مع الله غيره. فإن موالاة المتعاديين لا يجتمعان.
الفرع الثالث: حب الدنيا وزينتها أكثر من حب الله، أو مثل حب الله:
لقد وجد في هذا العصر كثير من الناس تراهم يحبون أشياء حبًا كأنهم يعبدونها، حيث يجتمع عندهم في محبتها التعظيم لهذه الأشياء مع الذل والخضوع والاستكانة لها، ومظاهرها كثيرة يتضح لمن تدبر ذلك على ملاحظة قاعدة هامة؛ والقاعدة في المسألة هي: أن كل من أحب شيئًا - سواء كان حقيرًا أو ثمينًا في نفسه - بحيث تعلق قلبه به - وهي درجة التتيم في الحب - مع الذل والخضوع له فقد أشرك بالله جل شأنه، وعلامة ذلك: كونه يقدم هذا الشيء على محبوبات الله ﷿ ويفكر فيه ليلًا ونهارًا.
فمثلًا: إن الذي أحب زوجته مثل هذا الحب بحيث تعلق قلبه بها، وذل وخضع له إلى درجة لا ينبغي أن يكون إلا له سبحانه فإنه حينئذ يكون قد عبد زوجته، ويقاس عليه أشياء كثيرة، منها مثلًا: المسئولية، أو الوظيفة، أو الكرة، أو الموضة أو الأزياء، أو مغنيًا، أو غناء، أو شيخًا معينًا، أو قبرًا، أو راية كالقومية أو الوطنية، أو حزبًا أو قائدًا أو هوى متبعًا إذا كانت محبة
[ ٢ / ١٠٨٢ ]
إحداها بهذه المثابة والصفة التي سبق ذكرها فإنه يكون قد عبد هذا الشيء، فالأصنام كانت في السابق تظهر بصورة مادية محسة، يتخذونها من خشب أو ذهب أو فضة على صورة إنسان، وقد تتخذ من حجر فتسمى وثنًا، ولكنها قد تظهر في العصور المتأخرة - زيادة على ما سبق - بصور أخرى ومظاهر جديدة؛ قد تكون مذهبًا من المذاهب الفكرية الجاهلية كالديموقراطية، أو الوطنية، أو القومية وقد تكون مذهبًا اقتصاديًا كالرأسمالية والاشتراكية وقد تكون أهواء وشهوات يخضع لها الناس، فلا يهوون شيئًا إلا عبدوه، قال تعالى: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ)، وقال: (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا)، وقال: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللهِ).
وقد تكون الأصنام مجموعة من القيم الاجتماعية أو القيم المادية التي تسيطر على الناس فيخضعون لها، ويتحركون بحركتها، فتكون لهم دينًا ومذهبًا. إذ كل هذه الأشياء منشؤها الحب لغير الله، والحب هو أصل العبادة في الحقيقة.
يقول ابن تيمية ﵀: (وجماع القرآن هو الأمر بتلك المحبة ولوازمها، والنهي عن هذه المحبات ولوازمها، وضرب الأمثال والمقاييس للنوعين، وذكر قصص أهل النوعين).
[ ٢ / ١٠٨٣ ]
ويقول أيضًا: (وإذا كانت المحبة والإرادة أصل كل عمل وحركة، وأعظمها في الحق محبة الله وإرادته بعبادته وحده لا شريك له، وأعظمها في الباطل أن يتخذ الناس من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله، ويجعلون له عدلًا وشريكًا، علم أن المحبة والإرادة أصل كل دين، سواء كان دينًا صالحًا أو دينًا فاسدًا، فإن الدين هو من الأعمال الباطنة والظاهرة، والمحبة والإرادة أصل ذلك كله).
المطلب الثاني: الشرك بالله فيما يتعلق بعبادته بالخوف
معنى الخوف:
الخوف مصدر من الفعل الثلاثي الأجوف (خاف) وأصله: خَوِفَ بكسر الواو ويَخْوَفُ بفتحها. مثل علم يعلم علمًا. معناه: الفزع. والذعر. وهو والخشية والرهبة بمعنى متقارب. قال القرطبي: (والرُهب والرَهب والرهبة: الخوف).
(والخائف من الله تعالى هو أن يخاف إما يعاقبه إما في الدنيا، وإما في الآخرة، ولهذا قيل: ليس الخائف الذي يبكي ويمسح عينيه، بل الخائف الذي يترك ما يخاف أن يعذب عليه).
ومن هنا كان الخوف والخشية دون التقوى ووسيلة إليها.
[ ٢ / ١٠٨٤ ]
أقسام الخوف:
الخوف على أربعة أقسام:
الأول: خوف السر، وهو أن يخاف من المقدس أن يصيبه بما يشاء متى يشاء من مرض أو فقر أو موت، ونحو ذلك بقدرته ومشيئته.
الثاني: الخوف من الناس خوفًا ظاهريًا يؤدي إلى ترك الأقدام على فعل الواجبات الثقيلة كالجهاد، ويعرف هذا الخوف بالجبن.
الثالث: الخوف من وعيد الله الذي توعد به العصاة.
الرابع: الخوف الطبيعي، كالخوف من عدو يترصده أو سبع أو هدم أو غرق.
الخوف الذي يدخل فيه العبادة والمقصود بالخوف هنا:
لا شك أن القسم الرابع من الخوف لا يذم المتصف به، لأنه أمر جبلي لا يسلم منه أحد حتى الأنبياء، مثلًا: قال تعالى: (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ) فمثل هذا الخوف ليس في بابنا.
وأما القسم الثالث: الذي هو الخوف من الوعيد: فمقام عظيم من مقامات الصالحين الأبرار، وهو محبوب لدى الله، ومطلوب من عباده له. قال تعالى: (ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ)، وقال: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ). وهذا الخوف من الله يكون محمودًا إذا لم يوقع في القنوط واليأس من روح الله.
[ ٢ / ١٠٨٥ ]
وأما القسم الثاني من الخوف: الذي هو الجبن، فهو الذي يحول بين المسلم وبين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله. وهذا مذموم شرعًا، وقد ثبت في الأحاديث النبوية أنه ﷺ كان يتعوذ بالله من الجبن، وهذا القسم من الخوف ناتج عن ضعف الإيمان وقلة اليقين.
وأما القسم الأول: فهو الذي لا يجوز صرفه لغير الله تعالى، إذ ليس هناك من يصيب من يشاء بما يشاء بقدرته غير الله تعالى، فمن اعتقد أن النبي أو الولي أو شيخه أو مقبوره أو من يقدسه - سواء كان حيًا أو ميتًا - يملك البطش به متى أراد بقدرته فقد خصه بأعظم لوازم الألوهية؛ لأن هذا القسم من الخوف قد أمر الله تعالى عباده أن يخافوه به، بل أن يختصوه به ويخلصوه له، ومعلوم أن الله تعالى لا يأمر عباده بأمر ويحثهم عليه إلا إذا كان عبادة من العبادات، وما كان عبادة يكون صرفها لغير الله شركًا. قال تعالى في الأمر بهذا الخوف: (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)، وقال: (وَإِيَّايَ فَارْهَبُون)، وقال: (فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ)، وقال: (وَقَالَ اللهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ فَإيَّايَ فَارْهَبُونِ).
وقال تعالى في ثنائه على عباده الصالحين من الأنبياء والملائكة والمؤمنين لتحقيقهم هذا الخوف لله وحده: (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)، وقال تعالى: (وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ)، وقال
[ ٢ / ١٠٨٦ ]
تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ)، وقال تعالى: (أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ)، وقال تعالى: (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ).
إن من تدبر هذه الآيات وما فيها من الأمر بإفراد الله تعالى بالخوف والرهبة إما تصريحًا بنفيها من غيره، وإما قصرًا وحصرًا بتقديم المعمول على العامل، وثنائه على عباده الصالحين من الأنبياء والملائكة والمؤمنين لتحقيقهم هذا الخوف، من تدبرها ظهر له جليًا أن هذا الخوف من خصائص الإله التي لا يجوز التوجه بها إلى غير الله سبحانه، وأن ذلك شرك لا يغفر الله لمن مات عليه.
قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: «وَقَالَ اللهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ) الآية: (يخبر تعالى أنه لا إله إلا هو، وأنه لا ينبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له، فإنه مالك كل شيء وخالقه وربه).
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ: (فمن اتخذ مع الله ندًا يخافه هذا الخوف فهو مشرك).
فالسلف فهموا أن هذا الخوف عبادة، لا يجوز صرفه لغير الله تعالى.
نماذج من وقوع الناس في هذا النوع من الشرك في العصر الحديث:
أكثر من رأيت أنهم وقعوا في هذا النوع من الشرك: المتصوفة، والجهلة من الناس المتأثرين بالتصوف البغيض. فإننا قد علمنا سلفًا أن المتصوفة رفعوا
[ ٢ / ١٠٨٧ ]
أولياءهم فوق كل مخلوق، وجعلوا قدراتهم وطاقاتهم تفوق طاقة البشر، واعتقدوا فيهم اعتقادات فيها الكثير من الغلو والتجاوز، فاعتقدوا أن لهم التصرف في الكون والحياة تصرفًا كاملًا شاملًا، كإحياء الموتى وشفاء المرضى وإنزال المطر وهداية الضالين هداية التوفيق، وإضلال المهتدين بالسر والباطن، وحفظ العالم من الدمار، واعتقدوا أنهم يعلمون الغيب على وجه الإطلاق فلا يخفى عليهم شيء، وأنهم معصومون من الخطأ والخطايا، يقولون للشيء كن فيكون، وغير ذلك كثير.
فلما اعتقدوا ذلك كله في أوليائهم كان من الطبيعي ألا ينحرفوا عن هذا الخط الذي رسموه وساروا عليه، فجعلوا من أوليائهم أشياء مرهبة ومخيفة لترعب الآخرين وتخوف الناس الذين لا يمشون على هواهم، وصدهم عن بيان الحق في وقت الحاجة إليه، مستخدمين أسلوب القصص والحكايات الإرهابية التي ينتج من النظر فيها انبعاث مشاعر الخوف والرهبة في النفوس، مشابهين بذلك من قال الله فيهم: (وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ).
وفيما يلي أشير إلى نماذج من تلك الحكايات الكاذبة:
١ - ذكر السبكي في طبقاته: أن محمد بن علي القشيري كان في مجلسه، فأساء معه شخص الأدب، فقال له الشيخ: (نعيت لي في هذا المجلس ثلاث مرات، فمات بعد ثلاثة أيام).
[ ٢ / ١٠٨٨ ]
٢ - وهكذا نقل السبكي عن أحد أصحاب أبي العباس الشاطر قال: (خرجت معه (الشاطر) من القاهرة إلى دمنهور، فلما طلعنا من المركب وكان فيها رفيق تاجر له في المركب فراش ونطع، فطلعنا بحوائج الشيخ أبي العباس، فلما انتهيت قال: انزل هات الفراش والنطع، فنزلت، فقال لي صاحبهما: هما لي، فعدت إلى الشيخ، فقال لي: عد إليه وقل له: هاتهما. فعدت، فأعاد الجواب، فأعادني ثالثًا، فأبى. فقال لي رابعًا: عد إليه وقل له: غرق الساعة في البحر لك مركب، وكل مالك فيها لم يسلم إلا عبد ومعه ثمانية عشر دينارًا فكان الأمر كذلك).
فهذه بعض القصص يروجونها بغية حمل الناس على الخضوع لهؤلاء الأولياء وتمكينهم من التصرف في أموال العامة وممتلكاتهم وإعطائهم كل ما يرغبون من غير مناقشة أو مجادلة أو اعتراض، ومن أبى فليس أمامه إلا الهلاك السريع والدمار الفجيع أو ذهاب الأموال.
٣ - يقول المناوي: (ليحذر الناظر في تضاعيف الكتاب ويلزم الأدب، فلا ينكر فيحل به العطب).
[ ٢ / ١٠٨٩ ]
٤ - حكى المناوي أيضًا: أن أحدهم سأل علي بن عمر القزويني عن بعض أحكام الزهد والتقشف الصوفي، فأجاب عنه بما لم يقنعه، فأنكر عليه، فرأى تلك الليلة ما أزعجه وقائلًا يقول: هذا بسبب القزويني.
٥ - ويقول المناوي في ترجمة عبد القادر الجيلاني: (واجتمع له ببغداد مائة من أكابر الفقهاء وأتوه لامتحانه، فظهرت منه بارقة نور مرت على صدورهم، فصاحوا صيحة واحدة ومزقوا ثيابهم وكشفوا رؤوسهم، فصعد الكرسي وأجاب عن جميع ما عندهم).
هذه بعض القصص الخرافية الصوفية الدالة على ما قلنا بأنهم يخوفون الناس أولياءهم خوف السر، ويوقعون الناس في الشرك بالله جل وعلا، وقد أفاد الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ بعض النماذج الحية من ممارسات القبوريين تحت نير الخوف من غير الله، أذكر منها ما يلي:
أ- يقول الشيخ بعد أن ذكر الخوف الشركي: (وهذا القسم هو الواقع اليوم من عباد القبور، فإنهم يخافون الصالحين بل الطواغيت، كما يخافون الله بل أشد، ولهذا إذا توجهت على أحدهم اليمين بالله أعطاك ما شئت من الأيمان
[ ٢ / ١٠٩٠ ]
كاذبًا أو صادقًا، فإن كان اليمين بصاحب التربة لم يقدم على اليمين إن كان كاذبًا، وما ذاك إلا لأن المدفون في التراب أخوف عنده من الله).
ب- وكذلك لو أصاب أحدًا منهم ظلم لم يطلب كشفه إلا من المدفونين في التراب.
ج- إن واحدًا من هؤلاء لو أراد أن يظلم أحدًا فاستعاذ بالله منه لم يعذه، ولو استعاذ بصاحب التربة أو بتربته لم يقدم عليه أحد ولم يتعرض له بالأذى.
هـ- إن بعض الناس أخذ من التجار أموالًا عظيمة أيام موسم الحج، ثم بعد أيام أظهر الإفلاس، فقام عليه أهل الأموال، فالتجأ إلى قبر في جدة يقال له: (المظلوم)، فما تعرض له أحد بمكروه خوفًا من سر المظلوم.
تلك هي الصورة الحية لحال القبوريين قديمًا وحديثًا. ولعله سيمر علينا نماذج أخرى عندما ندرس موضوع الرجاء وكذلك الاستغاثة، فإن هذه الموضوعات كلها وثيقة الصلة بعضها ببعض - كما سنرى قريبًا إن شاء الله ـ.
المطلب الثالث: الشرك بالله فيما يتعلق بعبادته بالرجاء
معنى الرجاء: جاء في اللسان: (الرجاء من الأمل: نقيض اليأس، ممدود. رجاه يرجوه رجوًا ورجاء ورجاوة ومرجاة ورجاة، وهمزته منقلبة عن واو بدليل ظهورها في رجاوة).
[ ٢ / ١٠٩١ ]
ويأتي بمعنى التوقع والأمل.
والمراد بالرجاء: طلب شيء ما من أحد.
ولا يكون شركًا إذا كان المرجو عنده قدرة على إعطاء هذا الشيء.
وأما الرجاء الذي هو العبادة شرعًا: فهو طلب ما عند الله بلا يأس ولا قنوط، والمطلوب كماله وغايته، فيرجو ما عند الله كمال الرجاء، وهو والحالة هذه لا يصلح إلا لله تعالى، كما قال تعالى: (وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا). فالرغب: هو رجاء ما عند الله تعالى، إذ كل فضل فهو واهبه، وكل نعمة فهو معطيها، فهو الصمد المقصود في الحوائج، وهو القيوم الذي قام بنفسه، وأقام مخلوقاته بعظيم لطفه وكرمه وإنعامه وإحسانه. وضده اليأس من روح الله والقنوط من رحمته، كما قال تعالى: (قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ).
وإذا أذنب العبد شهد رجاءه في توبته عليه، كما قال سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ). وإذا شهد تقصيره في حقه ﷾، شهد فضله وكرمه، وأن رحمته وسعت كل شيء، كما صح الحديث عن النبي ﷺ أن الرب جل شأنه قال: «سبقت رحمتي غضبي».
وقال الرسول ﷺ: «أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك». ولا يحصل الرجاء إلا بأمور:
[ ٢ / ١٠٩٢ ]
الأول: شهود كرمه وإنعامه وإحسانه على العباد.
الثاني: صدق الرغبة فيما عند الله من الثواب والنعيم.
الثالث: التسلح بصالح الأعمال، والمسابقة في الخيرات.
فلا يكون راجيًا من قصَّر في العمل، ولا من لم تصدق رغبته في الثواب، ولا من شهد كده وتعبه فيما يعمل، ولذا فقد ذم الله قارون على قوله، فيما أخبر عنه تعالى: (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي) واستحق العقوبة على ذلك.
والمقصود: أن الرجاء كالخوف يمثل نوعًا معينًا من أنواع العبادة التي تعبد الله بها عباده، كما يشكل أحيانًا جانبًا مهمًا من جوانب تحقيق العبودية الحقة، حيث إنه لابد حتى تتحقق لعبوديته من وجود حافز يدفع الإنسان ويحركه. فلولا الخوف والرجاء أو الرهبة والرغبة والحذر والأمل لتعطلت حركات العباد وتفتر نشاط الإنسان ولأصبح الإنسان كالتائه الذي لا يدري أين يذهب ولا ماذا يريد.
ولذا نجد أن الله قد قرن بين الخوف والرجاء في آيات كثيرة، كقوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا).
وقال تعالى: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ).
وقد ورد كذلك عن النبي ﷺ أحاديث تؤكد أن الرجاء والخوف عاملان
[ ٢ / ١٠٩٣ ]
أساسيان وحافزان عظيمان يحركان العبد المؤمن إلى العبادة.
ففي حديث عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﷺ قال لأبيه: «يا حصين، كم تعبد اليوم إلهًا؟». قال: سبعة، ستًا في الأرض وواحدًا في السماء. قال: «فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك؟». قال: الذي في السماء الحديث. رواه الترمذي وحسنه. وهو حديث حسن.
فقد تبين من الحديث أن الرجل رغم كثرة معبوداته لابد أن يكون من بينها معبود يتقرب إليه خوفًا من عقابه ورجاء لثوابه.
ونظرًا لأهمية الرجاء فقد أرشد الله ﷿ عباده الذين يرجون لقاءه إلى أقرب سبيل يمكن سلوكها لتحقيق مرضاته تعالى، فقال: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا).
وقال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ). فوجههم إلى إخلاص العبادة لله وموافقة السنة في العمل.
وكذلك وعد من يرجو لقاءه خيرًا، فقال: (مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ)، وأوعد من لا يرجو لقاءه فقال: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ).
[ ٢ / ١٠٩٤ ]
قال الشاطبي: (فإن الخوف والرجاء يسهلان الصعب، فإن الخائف من الأسد يسهل عليه تعب الفرار، والراجي لنيل مرغوبه يقصر عليه الطويل من المسافة).
ويقول ابن القيم: (الرجاء حاد يحدو القلوب إلى بلاد المحبوب، وهو الله والدار الآخرة، ويطيب لها السير والفرق بينه وبين التمني أن التمني يكون مع الكسل، ولا يسلك صاحبه طريق الجد والاجتهاد، والرجاء يكون مع بذل الجهد وحسن التوكل).
متى يكون الرجاء جائزًا ومتى يكون شركًا؟
هذه المسألة ربما يشكل على الناس بأن الإنسان ربما يرجو شيئًا عن الآخر فهل هذا شرك؟ وإجابةً على هذا الإشكال أقول:
لابد من التفريق بين الرجاء المتعلق بالأغراض الظاهرة والرجاء المتعلق بالأغراض الباطنة. فإن الإنسان وهو يمارس حياته العادية لابد أن تعتريه حاجات كثيرة، مثل أن يعتري صحتته بعض العلل، أو يصيب نشاطه المالي بعض الضوائق، إلى غير ذلك، فلو حصل أنه توجه بمثل هذه الحاجات إلى طبيب شرعي خبير بمرضه يرجو شفاءه على يديه، أو إلى أخ رحيم غني يرجو
[ ٢ / ١٠٩٥ ]
منه سداد تلك الثغرات المالية، فإنه يكون قد وضع الشيء في محله ولم يرتكب أمرًا يستنكر في الشرع، بل حكم هذا كحكم الخوف الطبيعي.
أما الرجاء السري الباطني الذي يتحكم في تصرفات الإنسان فيتصرف على نحو غير مفهوم لا في الشرع ولا في العقل فهو رجاء العبادة. فلو اعتراه حاجة من الحاجات الدنيوية كالحاجة إلى الصحة أو المال أو الولد أو النجاة من عدو أو خطر داهم، أو الحاجات الأخروية كالتثبيت عند المسألة أو الشفاعة في الخروج من المأزق أو في دخول الجنة والنجاة من النار، فلو توجه بشيء من ذلك إلى مخلوق يطلبه منه - وإن كان ملكًا مقربًا أو نبيًا مرسلًا أو رجلًا صالحًا حيًا أو ميتًا - فإنه يكون قد اتخذه بذلك إلهًا، وجعله لله ندًا بصرفه هذه العبادة له.
فعلى المسلم الناصح لنفسه أن يقوي رجاءه في الله، ويعتقد أن كل ما يرجوه الإنسان في حياته الدنيا والأخرى إنما هو بيد الله ولا يمكن أن يتحقق إلا بإذنه تعالى وقضائه وقدره. والولي أو الرجل الصالح مهما علا مقامه عند الناس فهو عبد ذليل لله، لم يصل إلى مقامه في الولاية - إن صحت ولايته لله - إلا بتحقيقه للعبودية الصادقة لله وبعده عن الإشراك به، وهو في حاجة دائمة مستمرة إلى الله مولاه، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ). فكل مخلوق محتاج إلى الله في كل شيء، والله لا يحتاج إلى أحد في شيء. والمخلوق لا يملك للمخلوق شيئًا من النفع والضر إلا بإذن الله.
نماذج من الشرك بالرجاء:
لقد وجد هذا النوع من الشرك لدى المتصوفة؛ وذلك أنهم خرقوا كل هذه الأسس العقدية فتوجهوا بالرجاء الباطن إلى الأموات المقبورين والأحياء
[ ٢ / ١٠٩٦ ]
الغائبين، وحثوا أتباعهم على التوجه إليهم بالحاجات، حتى إن بعضهم يصرح لبعض أتباعه بأنه قريب ممن آمن به، فكأنه يريد أن يقول: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ).
قال الدسوقي مخاطبًا تلميذه: (يا ولدي، إن صح عهدك معي فأنا منك قريب غير بعيد، وأنا في ذهنك، وأنا في سمعك، وأنا في طرفك، وأنا في جميع حواسك الظاهرة والباطنة، وإن لم يصح عهدك لا تشهد مني إلا البعد).
ولا يخفى أن نتيجة الاعتقاد بأن الشيخ معك أينما كنت هي ألا تقصد غيره بالحاجات والرغبات، وهو المقصود بصحة العهد.
وينقل آخر عن كرامات الدباغ: أن بعض الناس كان أسلفني دراهم وترك دراهم أخر أمانة عندي، ثم قام ليأخذ سلفه وأمانته، ولم يكن عندي شيء مما أسلفني ولا تيسر لي ما أبيعه في قضائه، وكنت أظنه بطيء الاحتجاج له، فأخرجت له الأمانة، وجعلت أذكر الشيخ بقلبي لكي لا يذكر لي السلف، فسكت ولم يذكر لي ذلك إلى الآن، وذلك نحو الستة أشهر، مع أنه قدم ليأخذ الأمرين لا محالة).
يقول الشعراني عن أحد شيوخه: (ولقد قصدته في حاجة وأنا فوق سطوح مدرسة أم خونذ بمصر، فرأيته خرج من قبره يمشي من دمياط وأنا أنظره إلى أن
[ ٢ / ١٠٩٧ ]
صار بيني وبينه نحو خمسة أذرع، فقال: عليك بالصبر، ثم اختفى ).
ومن العجيب أيضًا دعوى الشعراني أنه من الذين يقضون الحاجات بالقلب، حيث يقول: (سألت شيخنا: هل أقضي حوائج الناس بقلبي وأرسلهم في الظاهر إلى بعض الإخوان ليسألوهم في قضائها سترة أو تكبيرًا له وربنا سبحانه يميز كل عمل لصاحبه؟ فقال: لا تفعل، لأنك تؤذيه من حيث لا يشعر فيظن أنه الذي قضى الحاجة فندخله في القوم الذين يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا).
ومن الأباطيل المضحة في هذا الباب ما قرره الدباغ بقوله:
(فقد يكون الرجل مشهورًا بالولاية عند الناس وتقضي للمتوسل به إلى الله الحوائج، ولا نصيب له في الولاية، وإنما قضيت حاجة المتوسل به على يد أهل التصرف (يقصد أهل الديوان الصوفي)، وهم الذين أقاموا ذلك الرجل في صورة الولي ليجتمع عليه أهل الظلام مثله).
أقول: ما فائدة هذه التمثيلية التي يقوم بها أهل التصرف؟
ألأجل أن يضل الناس ويزداد أهل الظلام ظلامًا؟ ونحن نعلم يقينًا أن أولياء الله لا هم لهم سوى إرشاد الناس إلى الحق وإلى سواء السبيل. ألا ما أكثر الفواقر والمخازي التي تصدر عن أعضاء هذه الحكومة الخفية في أذهان الصوفية.
بهذه الجهالات وتلك الضلالات زرع كبار المتصوفة في قلوب أتباعهم الرهبة منهم والرغبة إليهم وإفرادهم بذلك، فتم لهم ما أرادوا من رفعهم فوق كل مقام وتقديسهم تقديسًا لا يليق بمخلوق، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
[ ٢ / ١٠٩٨ ]
المطلب الرابع: الشرك بالله في عبادته بالتوكل
معنى التوكل:
التوكل في اللغة: معناه الاعتماد والتفويض، وهو من عمل القلب، يقال: توكل في الأمر إذا ضمن القيام به، ووكلت أمري إلى فلان: أي ألجأت إليه واعتمدت فيه عليه. ومن أسماء الله الوكيل، بمعنى الحافظ، أي توكل القيام بجميع ما خلق، وقال بعضهم: الوكيل: الكفيل.
والتوكل على الله أمر من أعظم أنواع العبادة التي يجب إخلاصها لله، قال تعالى: (وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ).
أقسام التوكل:
التوكل على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: التوكل الشركي (الاعتقادي):
وهو الاعتماد بالقلب على غير الله في جلب المنافع ودفع المضار، كالتوكل على الصنم والوثن، أو الإنس والجن وغيرها. وهو على نوعين:
أحدهما: الاعتماد بالقلب على غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، وهو شرك أكبر.
ثانيهما: الاعتقاد بالقلب على الأحياء الحاضرين القادرين فيما يقدرون عليه مما أقدرهم الله من جلب نفع أو دفع ضر، فهو شرك أصغر، وقد يطلق عليه التوكل على الأسباب الظاهرة.
[ ٢ / ١٠٩٩ ]
القسم الثاني: التوكل في تصريف بعض أمور الدنيا:
كأن يوكل إنسانًا عنه قضاء بعض مصالحه الدينية والدنيوية: كالوكالة في الحج، أو البيع والشراء، فهذا جائز.
القسم الثالث: التوكل التوحيدي:
وهو التوكل الواجب، وهو الذي يكون باعتماد القلب على الله، وتفويض الأمور لله جل شأنه، وضده التوكل الشركي.
فعلمنا بذلك أن التوكل على الله في دفع المضار وتحصيل الأرزاق وما لا يقدر عليه إلا هو من أعظم أنواع العبادة، والتوكل على غيره في ذلك شرك أكبر، قال الله تعالى: (وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)، فأمر سبحانه بالتوكل عليه وحده، لأن تقديم المعمول يفيد الحصر، وجعل التوكل عليه شرطًا في الإيمان، كما جعله شرطًا في الإسلام في قوله تعالى: (وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ)، فدل على انتفاء الإيمان والإسلام عمن لم يتوكل على الله أو توكل على غيره فيما لا يقدر عليه إلا هو من أصحاب القبور والأضرحة وسائر الأوثان.
فالتوكل على الله فريضة يجب إخلاصها لله، وهو أجمع أنواع العبادة وأعلى مقامات التوحيد وأعظمها وأجلها، لما ينشأ عنه من الأعمال الصالحة؛ فإنه إذا اعتمد على الله في جميع أموره الدينية والدنيوية دون كل ما سواه صح إخلاصه ومعاملته مع الله.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وما رجا أحد مخلوقًا ولا توكل عليه إلا خاب ظنه فيه .
[ ٢ / ١١٠٠ ]
والتوكل على الله من أعظم منازل (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)، فلا يحصل كمال التوحيد بأنواعه الثلاثة إلا بكمال التوكل على الله سبحانه، قال الله تعالى: (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا)، والآيات في الأمر به كثيرة جدًا، وقال تعالى: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ).
قال الإمام ابن القيم ﵀ تعالى: (وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)، فجعل التوكل على الله شرطًا في الإيمان، فدل على انتفاء الإيمان عند انتفائه، وكلما قوي إيمان العبد توكله أقوى، وإ ذا ضعف الإيمان ضعف التوكل، وإذا كان التوكل ضعيفًا كان دليلًا على ضعف الإيمان ولابد، والله تعالى في مواضع من كتابه يجمع بين التوكل والإسلام، وبين التوكل والهداية، فظهر أن التوكل أصل لجميع مقامات الإيمان، والإحسان أصل لجميع أعلام الإسلام، وأن منزلته منها كمنزلة الرأس من الجسد، فكما لا يقوم الرأس إلا على البدن فكذلك لا يقوم الإيمان ومقاماته وأعماله إلا على ساق التوكل.
وقد جعل الله التوكل عليه من أبرز صفات المؤمنين فقال ﷾: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)، أي يعتمدون عليه بقلوبهم فلا يرجون
[ ٢ / ١١٠١ ]
سواه، وفي الآية وصف المؤمنين حقًا بثلاث مقامات من مقامات الإحسان: وهي الخوف، وزيادة الإيمان، والتوكل على الله وحده.
والتوكل على الله سبحانه لا ينافي السعي في الأسباب والأخذ بها، فإنه سبحانه قدر مقدورات مربوطة بأسباب، وقد أمر الله ﵎ بتعاطي الأسباب مع أمره بالتوكل، فالأخذ بالأسباب طاعة لله، لأن الله أمر بذلك، وهو من عمل الجوارح، والتوكل من عمل القلب، وهو إيمان بالله، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ)، وقال تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ)، وقال تعالى: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ). قال بعض العلماء: من طعن في الحركة - يعني في السعي والكسب والأخذ بالأسباب - فقد طعن في السنة، ومن طعن في التوكل فقد طعن في الإيمان.
قال الإمام ابن رجب ﵀: والأعمال التي يعملها العبد ثلاثة أقسام:
أحدها: الطاعات التي أمر الله بها عباده وجعلها سببًا للنجاة من النار ودخول الجنة، فهذا لابد من فعله مع التوكل على الله فيه والاستعانة به عليه، فإنه لا حول ولا قوة إلا به، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فمن قصر في شيء من ذلك استحق العقوبة في الدنيا والآخرة قدرًا وشرعًا يقال: اعمل عمل رجل لا ينجيه إلا عمله، وتوكل توكل رجل لا يصيبه إلا ما كتب له.
[ ٢ / ١١٠٢ ]
والثاني: ما أجرى الله العادة به في الدنيا وأمر عباده بتعاطيه؛ كالأكل عند الجوع، والشرب عند العطش، والاستظلال في الحر، والتدفؤ من البرد ونحو ذلك، فهذا أيضًا واجب على العبد تعاطي أسبابه، ومن قصر فيه حتى تضرر بتركه مع القدرة على استعماله فهو مفرط يستحق العقوبة، لكن الله ﷾ يقوي بعض عباده من ذلك على ما لا يقوى عليه غيره، فإذا عمل بمقتضى قوته التي اختص بها عن غيره فلا حرج عليه، ولهذا كان النبي ﷺ يواصل في صيامه وينهي عن ذلك أصحابه ويقول لهم: «إني لست كهيئتكم، إني أطعم وأسقى». وقد كان كثير من السلف لهم من القوة على ترك الطعام والشراب ما ليس لغيرهم، فمن كان له قوة فعمل بمقتضى قوته ولم يضعفه ذلك عن طاعة الله فلا حرج عليه، ومن كلف نفسه حتى أضعفها عن بعض الواجبات فإنه ينكر عليه ذلك.
والقسم الثالث: ما أجرى الله العادة به في الدنيا في الأعم الأغلب إلى أن قال: وقد روي عن ابن عباس قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون: نحن متوكلون، فيحجون فيأتون مكة ويسألون الناس، فأنزل الله هذه الآية (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى)، وقد سئل أحمد ﵀ عمن يقعد ولا يكتسب ويقول: توكلت على الله؟ فقال: ينبغي للناس كلهم أن يتوكلوا على الله، ولكن يعودون على أنفسهم بالكسب، وقد
[ ٢ / ١١٠٣ ]
كان الأنبياء يؤجرون أنفسهم، وكان النبي ﷺ يؤجر نفسه وأبو بكر وعمر، ولم يقولوا: نقعد حتى يرزقنا الله، وقال الله تعالى: (فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ).
وخرّج الترمذي من حديث أنس قال: قال رجل: يا رسول الله، أعقلها وأتوكل أو أطلقها وأتوكل؟ قال: «اعقلها وتوكل». وهذا كله إشارة إلى أن التوكل لا ينافي الإتيان بالأسباب المباحة، بل قد يكون جمعها أفضل، وقد لقى عمر بن الخطاب جماعة من أهل اليمن فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن المتوكلون، قال: بل أنتم المتأكلون، إنما المتوكل الذي يلقي حبه في الأرض ويتوكل على الله.
أكثر من وقع في التوكل الشركي:
لقد وقف المتصوفة في مباحث التوكل على جانبين متضادين؛ فترى بعضهم أخذوا بمعنى التوكل بدون أخذ الأسباب وهذا في غاية الجهل والسفه كما ذكر. وسأذكر فيما يلي مثالًا واحدًا من مئات الأمثلة على توكلهم على غير الله.
يقول الدباغ تلميذه في وصيته: إذا عرضت له حاجة أن يذكرها له فقط فيقضيها الشيخ له في الباطن، حيث يقول له: (إذا أردت قضاء حاجة لك أو لغيرك فاذكرها لي ولا تزد؛ أي لا تحرص في قضائها ولا تهتم بها؛ فإن ذلك سبب عدم قضائها. فكان الأمر كذلك، فكنا إذا عرضت حاجة وذكرناها له
[ ٢ / ١١٠٤ ]
وسكتنا جاء فيها الفرج سريعًا، وإذا وقع لنا بها اهتمام وعناية انغلق بابها).
وهذه دعوة صارخة إلى ترك الأخذ بالأسباب المشروعة بدعوى التوكل، وهو ممنوع للمتوكل على الله، فكيف بمن اعتمد على الشيخ ولم يأخذ بالأسباب؟ ونظرًا لهذه التربية الشركية التي تلقاها هذه الرجل من شيخه فقد وصل به الحال إلى الحضيض فصار يذكر شيخه عند خوفه ورجائه بدل ذكر ربه.
وترى البعض الآخر يأخذ بالتوكل الشركي، حيث يتوكل على غير الله، وهذا واضح، وما زال هناك أناس جهلة متأثرة بالمتصوفة في العالم الإسلامي، يتوكلون على ما يسمونهم الأولياء والمشايخ عندما يخرجون لضرورة أو مهمة، أو كانوا بحرًا، فينادون مثلًا: يا شيخ بدر متوكلًا عليك، خصوصًا الذي هم ملاحون في البحر.
وهناك فئة أخرى من الناس يلتفتون إلى الأسباب، والذي يؤدي بهم إلى الشرك الأصغر.
المطلب الخامس: الشرك بالله في عبادته بالطاعة
معنى الطاعة:
الطاعة لغة: اسم من أطاعه طاعة، يقال: طاع له وأطاع سواء، فمن قال طاع يقال: يطاع، ومن قال أطاع قال: يطيع. ومنه الطوع: وهو ضد الكره. وطاع يطاع: معناه: انقاد ولان، وأطاعه إطاعة وانطاع له: كذلك، وقد طاع له يطوع: إذا انقاد له، بغير ألف، فإذا مضى لأمره فقد أطاعه، فإذا وافقه فقد
[ ٢ / ١١٠٥ ]
طاوعه.
فعلمنا من هذا أن الطوع: ضد الكرة، والطاعة أبلغ منه بحيث يضاف إليه معنى الليونة والانقياد. حيث قالوا في الطاعة بأن معناها: لان وانقاد. وأطاع أبلغ منه فإن معناه امتثال الأوامر، وطاوع أبلغ منه لأن معناه: الموافقة زيادة على ذلك.
إذ إن الطاعة تتضمن معنى الذل والخضوع اللذين هما أصل معنى العبادة.
أما الطاعة في الشرع:
فمعناها العبادة. قال تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ). وجه الدلالة: سمى الطاعة شركًا والمطيع مشركًا، والشرك يستعمل مقابل العبادة غالبًا. ولهذا قيل في تعريف العبادة: بأنها الطاعة.
فالطاعة إذن عبادة. ولكنه أخص من العبادة المطلقة، كما تفهم من الآية السابقة، حيث إنه تعالى سمى المطيعين للشيطان في تحليل الحرام وتحريم الحلال عبادة، فليس كل طاعة عبادة، وإنما هي طاعة مخصوصة.
وعلى هذا: الشرك في الطاعة: هو أن يطيع أحدًا أو يتبع شيئًا ما - وإن كان حقيرًا - في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله.
[ ٢ / ١١٠٦ ]
وقيل: (هو مساواة غير الله بالله في التشريع والحكم). وهذا التعريف منتقض، إذ ليس من شرط الشرك في الطاعة أن يعتقد المساواة، بل مجرد اتباع شيء ما في التحليل والتحريم يعتبر شركًا في الطاعة. فإنه لا شك في أن المشركين الذين أطاعوا الشيطان ما سووه في التحليل والتحريم مع الله، وإنما اتبعوه في التحليل والتحريم.
ألوان من الشرك في الطاعة في العصر الحاضر:
هناك ألوان من الشرك في الطاعة في العصر الحاضر، يمكن بيانها في الفروع التالية:
الفرع الأول: في بيان الشرك في الطاعة في قبول الحكم بغير ما أنزل الله:
الذين أطاعوا المبدلين المغيرين لشرع الله مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل، فإنه يكون شركًا بالله في الطاعة، ويدل عليه نصوص من القرآن والسنة وأقوال سلف هذه الأمة وخلفهم الذين اتبعوهم بإحسان.
فمن القرآن: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ).
وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ).
وقوله تعالى: (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللهِ إِن
[ ٢ / ١١٠٧ ]
يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ).
وقوله تعالى: (اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ).
وجه الدلالة من هذه الآيات: أن الله ﷿ سمى المتبع لغير شرع الله كافرًا، والعمل كفرًا، والمقصود من الكفر هنا الشرك، بدليل استخدامه في مقابل الاتباع لغير شرع الله، وقد أثبتنا أن اتباع شرع غير شرع الله شرك بالله في الطاعة والاتباع، ولا تناقض بتسميته كفرًا؛ لأن الشرك من خصال الكفر، فهنا استعمل العام بمعنى الخاص (إذا كان المتبعون يتبعون في التحليل والتحريم). كما يدل على ما قلنا الآيات التالية:
قوله تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ).
وقوله تعالى: (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ).
قال الحافظ ابن كثير ﵀: (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) حيث عدلتم عن أمر الله لكم وشرعه إلى قول غيره فقدمتم عليه غيره، فهذا هو الشرك، كما قال تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ).
[ ٢ / ١١٠٨ ]
وأما من السنة:
فما رواه البيهقي في سننه الكبرى بسنده عن عدي بن حاتم ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب، قال: فسمعته يقول: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ). قال: قلت: يا رسول الله! إنهم لم يكونوا يعبدونهم. قال: «أجل، ولكن يحلون ما حرم الله فيستحلونه، ويحرمون عليهم ما أحل الله فيحرمونه، فتلك عبادتهم لهم».
وروى البيهقي أيضًا عن أبي البختري قال: سئل حذيفة بن اليمان ﵁ عن هذه الآية (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ). أكانوا يصلون لهم؟ قال: «لا، ولكنهم كانوا يحلون لهم ما حرم الله عليهم فيستحلونه، ويحرمون عليهم ما أحل الله لم فيحرمونه، فصاروا بذلك أربابًا».
أقوال سلف هذه الأمة وخلفها في المسألة:
لقد ذكر المفسرون والمحدثون والعلماء المحققون حكم من اتبع وأطاع غير شرع الله في التحليل والتحريم - سأذكر نماذج من هذه الأقوال فيما يلي:
[ ٢ / ١١٠٩ ]
قول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ر حمه الله ـ: (هؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا - حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله - يكونون على وجهين:
أحدهما: أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله فيتبعونهم على التبديل، فيعتقدون تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله اتباعًا لرؤسائهم مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل، فهذا كفر، وقد جعله الله ورسوله شركًا، وإن لم يكونوا يصلون لهم ويسجدون لهم، فكان من اتبع غيره في خلاف الدين مع علمه أنه خلاف الدين، واعتقد ما قاله ذلك دون ما قاله الله ورسوله، مشركًا مثل هؤلاء.
الثاني: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحلال وتحليل الحرام ثابتًا، لكنهم أطاعوهم في معصية الله، كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاص، فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب
ثم ذلك المحرم للحلال والمحلل للحرام إن كان مجتهدًا قصده اتباع الرسول لكن خفي عليه الحق في نفس الأمر، وقد اتقى الله ما استطاع؛ فهذا لا يؤاخذه الله بخطئه، بل يثيبه على اجتهاده الذي أطاع به ربه. ولكن من علم هذا خطأ فيما جاء به الرسول ثم اتبعه على خطئه، وعدل عن قول الرسول، فهذا له نصيبه من الشرك الذي ذمه الله، لا سيما إن اتبع في ذلك هواه، ونصره باللسان واليد، مع علمه بأنه مخالف للرسول؛ فهذا شرك يستحق صاحبه العقوبة عليه).
فهذا الكلام من شيخ الإسلام فيه نور، لقد فصل فيه شيخ الإسلام الحكم
[ ٢ / ١١١٠ ]
في المسألة، حيث ذكر أن طاعة المحلين للحرام والمحرمين للحلال يكون شركًا أكبر إذا كان هو عالمًا بأن هؤلاء قد غيروا شرع الله ثم اتبعه. وأما من كان اعتقاده وإيمانه بالتحريم والتحليل ثابتًا، ولكن مع هذا تبعهم في ذلك فهذا حكمه حكم المعاصي، وأما إذا كان اتباعه لهؤلاء المشرعين والمحلين والمحرمين لمجرد الهوى فإنه حينئذ يكون مرتكبًا الشرك الأصغر، ولهذا قال بعد هذا: ( وأما إن قلد شخصًا دون نظيره بمجرد هواه، ونصره بيده ولسانه من غير علم أنه الحق، فهذا من أهل الجاهلية، وإن كان متبوعه مصيبًا، لم يكن عمله صالحًا. وإن كان متبوعه مخطئًا، كان آثمًا. كمن قال في القرآن برأيه؛ فإن أصاب فقد أخطأ، وإن أخطأ فليتبوأ مقعده من النار. وهؤلاء من جنس مانع الزكاة الذي تقدم فيه الوعيد، ومن جنس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، فإن ذلك لما أحب المال حبًا منعه من عبادة الله وطاعته، صار عبدًا له. وكذلك هؤلاء؛ فيكون فيه شرك أصغر، ولهم من الوعيد بحسب ذلك).
وقال ﵀ ملزمًا كل من علم حكم الله، التمسك به وإن أوذي في ذلك ـ: (ولو ضرب وحبس وأوذي بأنواع الأذى ليدع ما علمه من شرع الله ورسوله الذي يجب اتباعه واتبع حكم غيره كان مستحقًا لعذاب الله، بل عليه أن يصبر، وإن أوذي في الله فهذه سنة الله، في الأنبياء وأتباعهم).
وقال في موضع آخر: (ومتى ترك العالم ما علمه من كتاب الله وسنة رسوله، واتبع حكم الحاكم المخالف لحكم الله ورسوله؛ كان مرتدًا كافرًا، يستحق العقوبة في الدنيا والآخرة، قال تعالى: (المص (١) كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلا
[ ٢ / ١١١١ ]
يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ).
ويقول الشيخ أحمد شاكر ﵀: (وهذا مثل ما ابتلي به الدين درسوا القوانين الأوروبية من رجال الأمم الإسلامية ونسائها أيضًا، الذين أشربوا في قلوبهم حبها، والشغف بها، والذب عنها، وحكموا بها، وأذاعوها، بما ربوا من تربية أساسها صنع المبشرين الهدامين أعداء الإسلام. ومنهم من يصرح ومنهم من يتوارى، ويكادون يكونون سواء، فإنا لله وإنا إليه راجعون).
قول الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀:
بيّن ﵀ أنواع التوحيد، وبين أن الشرك مضاد للتوحيد، ثم قسم الشرك إلى ثلاثة أقسام: شرك أكبر، وشرك أصغر، وشرك خفي.
وبيّن ﵀ أن الشرك الأكبر لا يغفر لصاحبه في يوم القيامة، ثم قسمه إلى أربعة أنواع: وجعل أحد هذه الأنواع الأربعة: شرك الطاعة، واستدل على ذلك بقوله تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ).
ثم قال: (وتفسيرها الذي لا إشكال فيه طاعة العلماء والعباد في المعصية، لا دعاؤهم إياهم، كما فسرها النبي ﷺ لعدي بن حاتم لما سأله
[ ٢ / ١١١٢ ]
فقال: لسنا نعبدهم، فذكر له أن عبادتهم طاعتهم في المعصية.
ويقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: بعد أن أورد عدة آيات من القرآن الكريم، قال: (وبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا يظهر غاية الظهور، أن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان في ألسنة أوليائه مخالفة لما شرعه الله جل وعلا على ألسنة رسله، أنه لا يشك في كفرهم وشركهم، إلا من طمس الله على بصيرته).
وقال: (ويفهم من هذه الآيات كقوله: (وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا) أن متبعي غير ما شرعه الله تعالى أنهم مشركون بالله، وهذا المفهوم جاء مبينًا في آيات أخر، كقوله فيمن اتبع الشيطان في إباحة الميتة بدعوى أنها ذبيحة الله: (وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ). فصرح أنهم مشركون بطاعته، وهذا الإشراك في الطاعة، واتباع التشريع المخالف لما شرع الله - تعالى - هو المراد بعبادة الشيطان في قوله تعالى: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ). وقوله عن إبراهيم: (يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا). وقوله تعالى: (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثًا
[ ٢ / ١١١٣ ]
وَإِنْ يَدْعُونَ إِلا شَيْطَانًا مَرِيدًا). أي ما يعبدون إلا الشيطان، أي وذلك باتباع شريعته، ولذا سمى الله تعالى الذين يطاعون فيما زينوا من المعاصي شركاء في قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ).
ويقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين - حفظه الله - عند بيانه معنى قوله تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ): (وسمى المتبعين عبادًا حيث إنهم ذلوا لهم، وأطاعوهم في مخالفة حكم الله ﷾).
ويقول الشيخ صالح الفوزان - حفظه الله ـ: (اعلم - وفقني الله وإياكم - أن من الشرك طاعة العلماء والأمراء في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله وقد فسر النبي ﷺ فيه اتخاذ الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله بأنه ليس معناه الركوع والسجود لهم، وإنما معناه: طاعتهم في تغيير أحكام الله وتبديل شريعته بتحليلهم الحرام وتحريمهم الحلال، وأن ذلك يعتبر عبادة لهم من دون الله، حيث نصبوا أنفسهم شركاء لله في التشريع، فمن أطاعهم في ذلك فقد اتخذهم في تحكيم القوانين الوضعية المخالفة للأحكام الشرعية في تحليل الحرام؛ كإباحة الربا والزنا وشرب الخمر، ومساواة المرأة للرجل في الميراث، وإباحة السفوروالاختلاط، أو تحريم الحلال؛ كمنع تعدد الزوجات، وما أشبه ذلك من تغيير أحكام الله واستبدالها بالقوانين الشيطانية، فمن وافقهم
[ ٢ / ١١١٤ ]
على ذلك ورضي به واستحسنه فهو مشرك كافر - والعياذ بالله ـ).
فهذه أقوال العلماء على أن طاعة المشرعين في التحليل والتحريم شرك بالله على التفصيل الذي سبق معنا.
الفرع الثاني: في بيان شرك الطاعة في قبول التشريع والتحليل والتحريم عن العلماء - الأئمة ـ:
لا شك أن من أطاع عالمًا من العلماء في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله مع علمه به فإنه أشرك بالله في الطاعة. وقد سبق معنا بعض الأدلة الدالة عليه؛ فإن آية التوبة إنما نزلت في شأن العلماء منصوصًا، وإن كان يشمل الأمراء ظاهرًا. ومن الأدلة عليه:
قوله تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (من علم أن هذا أخطأ فيما جاء به الرسول ثم اتبع في ذلك هواه، ونصره باللسان واليد، مع علمه أنه مخالف للرسول فهذا شرك يستحق العقوبة عليه. ولهذا اتفق العلماء على أنه إذا عرف الحق لا يجوز له تقليد أحد في خلافه).
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀ تعليقًا على قوله تعالى: (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ): (وهذا قد وقع فيه كثير من الناس مع من قلدوهم لعدم اعتبارهم الدليل إذا خالف المقلد، وهو من هذا الشرك - أي
[ ٢ / ١١١٥ ]
الأكبر ـ، ومنهم من يغلو في ذلك ويعتقد أن الأخذ بالدليل والحالة هذه يكره أو يحرم، فعظمت الفتنة، ويقول: هم أعلم منا بالأدلة ).
ويقول الشيخ صالح الفوزان: (ومن ذلك - الشرك في الطاعة - تقليد الفقهاء باتباع أقوالهم المخالفة للأدلة إذا كانت توافق أهواء بعض الناس وما يشتهونه، كما يفعل بعض أنصاف المتعلمين من تلمس الرخص، والواجب أن يؤخذ من قول الفقهاء ما وافق الدليل ويطرح ما خالفه ).
الفرع الثالث: في بيان شرك الطاعة في اتخاذ تشريعات المتصوفة دينًا ملزمًا:
من ألوان شرك الطاعة لدى المتصوفة وأتباعهم من الجهلة: (طاعة علماء الضلال فيما أحدثوه في دين الله من البدع والخرافات والضلالات؛ كإحياء أعياء الموالد والطرق الصوفية، والتوسل بالأموات ودعائهم من دون الله، حتى إن هؤلاء العلماء الضالين شرعوا ما لم يأذن به الله، وقلدهم فيه الجهال السذج واعتبروه هو الدين، ومن أنكره ودعا إلى اتباع ما جاء به الرسول ﷺ اعتبروه خارجًا من الدين، أو أنه يبغض العلماء والصالحين، فعاد المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، والسنة بدعة والبدعة سنة، حتى شب على ذلك الصغير وهرم عليه الكبير، وهذا من غربة الدين وقلة الدعاء الصالحين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وإذا كان لا يجوز اتباع أئمة الفقه المجتهدين فيما أخطأوا فيه من الاجتهاد مع أنهم معذورون ومأجورون فيما أخطأوا فيه من غير قصد - إلا أنه يحرم اتباعهم على الخطأ - فكيف لا يحرم تقليد هؤلاء المضللين والدجالين الذين أخطأوا
[ ٢ / ١١١٦ ]
فيما لا يجوز الاجتهاد فيه وهو أمر العقيدة). وقد سبق معنا بيان بعض التشريعات عند بيان الشرك في الربوبية بالأنداد في صفة الحكم والتشريع لله جل شأنه.
يقول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀: (المسألة الخامسة: تغير الأحوال إلى هذه الغاية حتى صار عند الأكثر عبادة الرهبان هي أفضل الأعمال، وتسمى الولاية، وعبادة الأحبار هي العلم والفقه، ثم تغيرت الحال إلى أن عبد من دون الله من ليس من الصالحين، وعبد بالمعنى الثاني من هو من الجاهلين).
على كل: إن هذا اللون من الشرك يعم وجه الأرض اليوم؛ فأما الأرض غير الإسلامية فقد حوت كل صنوف الكفر والشرك، ومن أبرزها: شرك الطاعة في التحليل والتحريم بغير ما أنزل الله، واتخاذ الأنداد والأرباب المختلفة من دون الله يطيعونهم في أعمالهم. وأما الأرض الإسلامية فقد وقع أهلها في هذا النوع من الشرك، كل من رضي بشريعة غير شريعة الله، مجلوبة من الشرق أو الغرب، أو من المتصوفة أو من العلماء الكبار، وكل من رفع راية التحزب وليست تحت راية الإسلام، من قومية أو وطنية أو علمانية أو غيرها من الرايات التي لم يأذن بها الله. فهؤلاء يطيعونهم في التحليل والتحريم، وإن كانت الأرباب التي أخذوها إنما هي أفكار، وليست بمحسوسة.
فالذي ينادي بالقومية أو الوطنية ويتخذ ذلك وسيلة وذريعة لإقامة وطن لا تحكم فيه شريعة الله، هو في الواقع يتخذ القومية أو الوطنية ربًا يعبده من دون الله، سواء في ذلك من يقيم هذه الراية ومن يرضى بها، لأن الأول يصدر باسمها تشريعات تحل وتحرم بغير ما أنزلا لله، والآخر يتلقى منها ويطيعها ولا يتوجه
[ ٢ / ١١١٧ ]
بالتلقي والطاعة إلى الله.
والذي ينادي بوجوب الإفطار في نهار رمضان للعمال، معللًا أن الصيام يضر بالإنتاج المادي، يتخذ الإنتاج المادي في الحقيقة ربًا يعبده من دون الله، لأنه يطيعه مخالفًا أمر الله.
والذي ينادي بخروج المرأة سافرة متبرجة مخالطة للرجال باسم التقدم والرقي وباسم التحرر، يتخذ التقدم والرقي والتحرر في الحقيقة أربابًا معبودة من دون الله، لأنه يحل باسمها ما حرم الله، ويطيعها من دون الله.
والذي يدعو إلى إبطال شريعة الله أو تبديل الأحكام الإسلامية التي تصون الأخلاق والأعراض لكي نبدو في نظر الغرب متحضرين غير متخلفين، يتخذ الغرب وتقاليده أربابًا من دون الله، ولو صلى وصام وزعم أنه مسلم.
والذي اتبع هواه في التحليل والتحريم فيأخذ ما يحلو له من الدين ويترك ما يخالف هواه فهو أخذ هواه ربًا يعبده بطاعته. وما أكثر هذا الشرك بالهوى في العصر الحاضر.
والذي اتبع عقله في دين الله من غير مبالاة بالكتاب والسنة، وغير محرم لما حرم الله، وغير محلل لما حلل الله بحجة مخالفة العقل، فهو يأخذ العقل ربًا يطيعه في التحليل والتحريم.
وهكذا نرى صورًا متعددة من صور شرك الطاعة والاتباع تعم حياة الناس اليوم دون أن يتبينوا ما هم واقعون فيه من الشرك.
فهؤلاء المتبعون والمطيعون لغير الله في الشرع والتحليل والتحريم حكمهم على التفصيل الذي سبق معنا من كلام شيخ الإسلام ﵀.
[ ٢ / ١١١٨ ]
المطلب السادس: الشرك بالنية والإرادة والقصد
النية في اللغة: القصد والعزم والإرادة.
وفي الشرع: تستعمل على معنيين:
الأول: تمييز العبادات بعضها عن بعض؛ كتمييز صلاة الظهر عن صلاة العصر مثلًا، وتمييز صيام رمضان عن صيام غيره، أو تمييز العبادات من العادات؛ كتمييز الغسل من الجنابة من غسل التبرد ونحو ذلك، وهذه النية هي التي توجد كثيرًا في كلام الفقهاء في كتبهم. وهذا غير مقصود عندنا هاهنا.
الثاني: تمييز المقصود بالعمل وهل هو لله وحده لا شريك له أم لله ولغيره؟، وهذه النية هي المقصودة عندنا هاهنا. وهي التي حث الشرع في العبادة أن تكون لله جل شأنه.
أما الشرك في النية والإرادة والقصد: فالمقصود به: أن ينوي ويقصد العبد بعمله جملة وتفصيلًا غير الله. وهو الشرك في الاعتقاد. ودليل ذلك قوله سبحانه: (مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ (١٥) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
فبين سبحانه أن من كان غرضه الدنيا لا غير لا يريد إلا إياها ولا يحب إلا
[ ٢ / ١١١٩ ]
من أجلها، فليس له من الدنيا إلا ما قدر له، وهو في الآخرة من أهل النار، وما كان من الأعمال الحسنة التي أراد بها تحصيل الدنيا باطلة لا قيمة لها؛ لأنه كما قال ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات»، فلما كانت أعماله كلها للدنيا لم تنفعه في الآخرة، إذ كل عمل لا يكون لله لا خير فيه ألبتة، ولذا فإن المؤمن دومًا يلحظ في أعماله ابتغاء رضا ربه وثوابه وجنته والنجاة من النار. قال تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ).
فهذا الشرك في مقابل الإخلاص، فمن لا يكون مخلصًا يكون مشركًا، وهذا الشرك يكون من وجهين:
١ - أن يراد بعمله غير وجه الله.
وذلك بأن يعمل العمل لا يريد به وجه الله، بل يريد به غيره من صنم أو وثن أو قبر أو ميت أو قائد أو راية ونحو ذلك. وهو أعظم أنواع الشرك.
٢ - نوى شيئًا غير التقرب إليه وطلب الجزاء منه.
يقول الإمام ابن القيم: (وأما الشرك في الإرادات والنيات، فذلك البحر الذي لا ساحل له، وقلّ من ينجو منه، فمن أراد بعمله غير وجه الله ونوى شيئًا غير التقرب إليه، وطلب الجزاء منه، فقد أشرك في نيته وإرادته، والإخلاص: أن يخلص لله في أفعاله وأقواله، وإرادته ونيته، وهذه هي الحنفية ملة إبراهيم التي أمر الله بها عباده كلهم، ولا يقبل من أحد غيرها، وهي حقيقة الإسلام، كما قال تعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ
[ ٢ / ١١٢٠ ]
الْخَاسِرِينَ). وهي ملة إبراهيم التي من رغب عنها فهو من أسفه السفهاء).
قال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا)؛ أي كما أنه إله واحد، ولا إله سواه، فكذلك ينبغي أن تكون العبادة له وحده، فكما تفرد بالإلهية يجب أن يفرد بالعبودية، فالعمل الصالح هو الخالي من الرياء المقيد بالسنة، وكان عمر ﵁ من دعائه: (اللهم اجعل عملي كله صالحًا، واجعله لوجهك خالصًا، ولا تجعل لأحد فيه شيئًا).
لكن الشرك في النية والإرادة له درجات: قد يكون شركًا أكبر، وقد يكون دون ذلك. ويكاد يكون محصورًا في شيئين:
الأول: الرياء. فالرياء كله شرك، فإن كان يسيرًا فهو شرك أصغر، كما سبق معنا في التمهيد. وإن كان كثيرًا فهو من الشرك الأكبر. قال تعالى في بيان خصال الكفار والمشركين والمنافقين: (وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلا قَلِيلًا)، وقال: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاء النَّاسِ).
وفي السنة: قول النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه جل وعلا: «أنا أغنى الشركاء
[ ٢ / ١١٢١ ]
عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه».
قال ابن رجب ﵀ موضحًا ذلك: (اعلم أن العمل لغير الله أقسام: فتارة يكون رياءً محضًا، بحيث لا يراد سوى مراءاة المخلوقين لغرض دنيوي؛ كحال المنافقين في صلاتهم وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط، وأن صاحبه يستحق المقت والعقوبة ).
الثاني: إرادة الإنسان بعمله الدنيا (هذا أعم من الرياء): قال تعالى: (مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ (١٥) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ). قال قتادة: (من كانت الدنيا همه وسدمه وطلبته ونيته جازاه الله بحسناته في الدنيا، ثم يفضي إلى الآخرة وليس له حسنة يعطى بها جزاء).
ويدل عليه حديث الثلاثة الذين تسعر بهم النار قبل كل واحد يوم القيامة.
وجود هذا النوع من الشرك في العصر الحديث:
هذا النوع من الشرك - كما قال ابن القيم - (بحر لا ساحل له)، وله وجود بصفة عامة في جميع الديار، وقلّ من ينجو منه، فكم من الناس تراه يعمل أعمالًا صالحة من صلاة وصوم وصدقة وإحسان إلى الناس وترك ظلمهم ونحو ذلك لكنه لا يريد ثوابه في الآخرة، وإنما يريد أشياء دنيوية بحتة.
[ ٢ / ١١٢٢ ]
وكم من الناس يعمل أعمالًا كثيرة ولا يريدون إلا حطام الدنيا، كالمال يأخذه، أو امرأة يتزوجها.
وكم من الناس يقوم بالتدريس أو يقوم بالإمامة وليس من نيته إلا الحفاظ على الوظيفة.
وكم من الناس يقوم بتهمة القتال، وليس من نيته إلا الدفاع عن اللغة أو الدولة أو الجنس مثلًا.
ولكن لا يعرف هذه الأمور لكونها مخفية في قرارة نفسه، فليحذر الإنسان ربه وليخلص نيته.
* * *
[ ٢ / ١١٢٣ ]
المبحث الثاني: في بيان مظاهر الشرك بالله في عبادته بالأعمال القلبية مع الجوارح (شرك التقرب والنسك)
وهذا النوع من الشرك أفراده كثيرة، لأن ما من عبادة ظاهرة إلا وله مدخل فيها، ولعل الضابط فيه: (التعظيم لغير الله بأعمال العبادات الظاهرة على وجه الذل والخضوع والحب لغير الله). فكل من الركوع والسجود والقيام والطواف والذبح والنحر والنذر والتوبة وحلق الرأس تذللًا وخضوعًا وتعبدًا وغيرها من العبادات الظاهرة، صرفها لغير الله يكون من الشرك الأكبر في العبادة.
وسأذكر فيما يلي بعض هذه الأفراد التي يكثر وقوعها في العصر الحديث في المطالب الآتية:
المطلب الأول: في بيان شرك التقرب والنسك بالركوع والسجود والقيام وغيرها لغير الله
الركوع والسجود والقيام والطواف وغيرها من العبادات الظاهرة لله، ففي السجود والركوع أبلغ معاني الخضوع والتذلل والانقياد، مما لا يكون إلا لله وحده لا شريك له، وقد أخبر الله تعالى بانقياد هذا الكون كله لله وحده لا شريك له، وسجوده له تعالى، فقال سبحانه: (وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ
[ ٢ / ١١٢٤ ]
وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ). وأمر الله سبحانه بالسجود والركوع له وحده في مواضع كثيرة من كتابه، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وبالجملة: فالقيام والركوع والسجود حق للواحد المعبود خالق السموات والأرض، وما كان حقًا خالصًا لله لم يكن لغيره نصيب فالعبادة كلها لله وحده لا شريك له).
وقد منع الشرع توجيهها لغير الله، يقول تعالى: (لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ)؛ أي: لا تشركوا به، فما تنفعكم عبادتكم له مع عبادتكم لغيره، فإنه لا يغفر أن يشرك به.
قال بعض أهل العلم في تفسير هذه الآية: (إن من أراد أن يكون عبدًا لله خالصًا، فلا يسجد إلا له سبحانه، ولا يسجد للشمس والقمر، نبه بهما على غيرهما من المخلوق العادي، فالسفلي من الأحجار والأشجار والضرائح نحوها بالأولى. وقد دلت هذه الآية على أن ديننا هو أن السجود حق للخالق، فلا يسجد لمخلوق أصلًا كائنًا من كان، فإن المخلوقية يتساوى فيها الشمس والقمر، والولي والنبي، والحجر والمدر والشجر، ونحوها).
[ ٢ / ١١٢٥ ]
وأيضًا: فإن الله تعالى قال - بعد الآية السابقة ـ: (فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ).
فمن سجد لله وحده، فقد خضع وانقاد لله وحده، وحقق كمال الذل والمحبة لله تعالى وحده. وضده من استكبر عن إفراد الله بالعبادة - ومنها السجود والركوع ـ، وقد توعد الله سبحانه هؤلاء المستكبرين بالعذاب المهين. فقال سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ).
ويقول القرطبي: (وهذا السجود المنهي عنه قد اتخذه جهال الصوفية عادة في سماعهم، وعند دخولهم على مشايخهم، واستغفارهم، فيرى الواحد منهم إذا أخذه الحال - بزعمه - يسجد للأقدام لجهله، سواء كان للقبلة أو غيرها جهالة منه، ضل سعيهم وخاب أملهم).
ويقول ابن القيم في بيان هذا الشرك: (ومن أنواع الشرك: سجود المريد للشيخ، فإنه شرك من الساجد والمسجو له، والعجب أنهم يقولون: ليس هذا سجود، وإنما هو وضع الرأس قدام الشيخ احترامًا وتواضعًا، فيقال لهؤلاء: ولو سميتموه ما سميتموه، فحقيقة السجود: وضع الرأس لمن يسجد له، وكذلك السجود للصنم، وللشمس، وللنجم، وللحجر، كله وضع الرأس قدامه.
ومن أنواعه: ركوع المتعممين بعضهم لبعض عند الملاقاة، وهذا سجود في اللغة، به فسر قوله تعالى: (وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا) أي: منحنين، وإلا
[ ٢ / ١١٢٦ ]
فلا يمكن الدخول بالجبهة على الأرض، ومنه قول العرب: سجدت الأشجار إذا أمالتها الريح).
ويقول أيضًا: جاء شيوخ الضلال والمزاحمون للربوبية فزينوا لمريديهم حلق رؤوسهم لهم، كما زينوا لهم السجود لهم وسموه بغير اسمه، وقالوا: هو وضع الرأس بين أيدي الشيخ، ولعمر الله إن السجود لله تعالى هو وضع الرأس بين يديه سبحانه، وزينوا لهم أن ينذروا لهم، ويتوبوا لهم، ويحلفوا بأسمائهم، وهذا هو اتخاذهم أربابًا وآلهة من دون الله، قال تعالى: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ).
وأشرف العبودية عبودية الصلاة، وقد تقاسمها الشيوخ والمتشبهون بالعلماء والجبابرة، فأخذ الشيوخ منها أشرف ما فيها، وهو السجود، وأخذ المتشبهون بالعلماء منها الركوع، فإذا لقي بعضهم بعضًا ركع له كما يركع المصلي لربه سواء، وأخذ الجبابرة منهم القيام، فيقوم الأحرار والعبيد على رؤوسهم عبودية لهم، وهم جلوس، وقد نهى رسول الله ﷺ عن هذه الأمور الثلاثة على التفصيل، فتعاطيها مخالفة صريحة له؛ فنهى عن السجود لغير الله وقال: «لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد». وتحريم هذا معلوم من دينه
[ ٢ / ١١٢٧ ]
بالضرورة، وتجويز من جوزه لغير الله مراغمة لله ورسوله، وهو من أبلغ أنواع العبودية، فإذا جوز هذا المشرك هذا النوع للبشر، فقد جوزا لعبودية لغير الله، وأيضًا فالانحناء عند التحية سجود، ومنه قوله تعالى: (وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا) أي منحنين، وإلا فلا يمكن الدخول على الجباه.
والمقصود: أن النفوس الجاهلية الضالة أسقطت عبودية الله سبحانه، وأشركت فيها من تعظمه من الخلق، فسجدت لغير الله، وركعت له، وقامت بين يديه قيام الصلاة، وحلفت لغيره، ونذرت لغيره، وحلقت، وذبحت لغيره، وطافت لغير بيته ، وسوت من تعبده من المخلوقين برب العالمين، وهؤلاء هم المضادون لدعوة الرسل، وهم الذين بربهم يعدلون، قال تعالى: (تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ).
وإذا تقرر كون السجود لغير الله تعالى شركًا بالله تعالى، فينبغي أن نفرق بين سجود العبادة، وسجود التحية، فأما سجود العبادة فقد سبق الحديث عنه، وأما سجود التحية فقد كان سائغًا في الشرائع السابقة، ثم صار محرمًا على هذه الأمة، فهو معصية لله تعالى، فمن المعلوم أن سجود العبادة القائم على الخضوع والذل والتسليم والإجلال لله وحده هو من التوحيد الذي اتفقت عليه دعوة الرسل، وإن صرف لغيره فهو شرك وتنديد، ولكن لو سجد أحدهم لأب أو عالم ونحوهما وقصد التحية والإكرام فهذه من المحرمات التي دون الشرك، أما
[ ٢ / ١١٢٨ ]
إن قصد الخضوع والقرابة والذل له فهذا من الشرك، ولكن لو سجد لشمس أو قمر أو قبر، فمثل هذا السجود لا يتأتى إلا عن عبادة وخضوع وتقرب، فهو سجود شركي، وإليك توضيح ذلك من خلال النصوص التالية:
يقول الله تعالى: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا).
يقول ابن عطية - في معنى السجود ـ: (واختلف في هذا السجود، فقيل: كان كالمعهود عندنا من وضع الوجه بالأرض، وقيل: بل دون ذلك كالركوع البالغ ونحوه، مما كان سيرة تحياتهم للملوك في ذلك الزمان، وأجمع المفسرون أن ذلك السجود - على أي هيئة كان - فإنما كان تحية لا عبادة، قال قتادة: هذه كانت تحية الملوك عندهم).
ويقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: (وقد كان سائغًا في شرائعهم، إذا سلموا على الكبير يسجدون له، ولم يزل هذا جائزًا من لدن آدم إلى شريعة عيسى ﵇، فحرم هذا في هذه الملة، وجعل السجود مختصًا بجناب الرب ﷾، هذا مضمون قول قتادة وغيره - إلى أن قال ـ: والغرض أن هذا كان جائزًا في شريعتهم، ولهذا خروا له سجدًا).
ويقول محمد رشيد رضا عند تفسيره لقوله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ): (وهو سجد لا نعرف صفته، ولكن أصول الدين تعلمنا أنه ليس سجود عبادة؛ إذ لا يعبد إلا الله تعالى، والسجود في اللغة التطامن والخضوع والانقياد، وأعظم مظاهره الخرور نحو الأرض للأذقان، ووضع الجبهة على التراب، وكان عند القدماء من تحية الناس للملوك والعظماء،
[ ٢ / ١١٢٩ ]
ومنه سجود يعقوب وأولاده ليوسف ﵇).
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر، ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها».
وعن قيس بن سعد ﵁ قال: (أتيت الحيرة، فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم، فقلت: رسول الله ﷺ أحق أن يسجد له، قال: فأتيت إلى النبي ﷺ، فقلت: إني أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم، فأنت يا رسول الله أحق أن نسجد لك، قال: «أرأيت لو مررت على قبري أكنت تسجد له؟» قال: قلت: لا، قال: «فلا تفعلوا، لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد، لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن، لما جعل الله لهم عليهن من الحق»).
قال الطيبي: (أي اسجدوا للحي الذي لا يموت، ولمن ملكه لا يزول،
[ ٢ / ١١٣٠ ]
فإنك إنما تسجد لي الآن مهابة وإجلالًا).
ويبين ابن تيمية هذه المسألة فيقول:
(أما تقبيل الأرض، ووضع الرأس، ونحو ذلك مما فيه السجود، مما يفعل قدام بعض الشيوخ، وبعض الملوك، فلا يجوز بل لا يجوز الانحناء كالركوع أيضًا، كما قالوا للنبي ﷺ: (الرجل منا يلقى أخاه، أينحني له؟ قال: لا ).
وأما من فعل ذلك تدينًا وتقربًا فهذا من أعظم المنكرات، ومن اعتقد مثل هذا قربة وتدينًا فهو ضال مفتر، بل يبين له أن هذا ليس بدين ولا قربة، فإن أصر على ذلك استتيب، فإن تاب وإلا قتل).
ويقول أيضًا: (وأما وضع الرأس عند الكبراء من الشيوخ وغيرهم، أو تقبيل الأرض ونحو ذلك، فإنه مما لا نزاع فيه بين الأئمة في النهي عنه، بل مجرد الانحناء بالظهر لغير الله ﷿ منهي عنه).
ويقول في موضع ثالث: (وحجرة نبينا ﷺ وحجرة الخليل، وغيرهما من المدافن التي فيها نبي أو رجل صالح، لا يستحب تقبيلها، ولا التمسح بها باتفاق الأئمة، بل منهي عن ذلك، وأما السجود لذلك فكفر).
وإذا انتقلنا إلى الطواف: فإن المراد بالطواف الذي يكون شركًا هو الطواف بغير الكعبة مع قصد التقرب لغير الله تعالى، كالطواف بالقبور والمشاهد
[ ٢ / ١١٣١ ]
ونحوها، فالطواف عبادة لقوله تعالى: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)، وصرف العبادة أو شيء منها لغير الله تعالى شرك، وأما لو طاف بتلك القبور بقصد التقرب إلى الله تعالى فهو محرم، وبدعة منكرة، ووسيلة لعبادة تلك القبور.
يقول ابن تيمية في هذه المسألة:
(وأما الرجل الذي طلب من والده الحج، فأمره أن يطوف بنفس الأب، فقال: طف ببيت ما فارقه الله طرفة عين قط، فهذا كفر بإجماع المسلمين، فإن الطواف بالبيت العتيق مما أمر الله به ورسوله، وأما الطواف بالأنبياء والصالحين فحرام بإجماع المسلمين، ومن اعتقد ذلك دينًا فهو كافر، سواء طاف ببدنه أو بقبره).
ويقول أيضًا: (ليس في الأرض مكان يطاف به كما يطاف بالكعبة، ومن اعتقد أن الطواف بغيرها مشروع فهو شر ممن يعتقد جواز الصلاة إلى غير الكعبة فمن اتخذ الصخرة اليوم قبلة يصلي إليها فهو كافر مرتد يستتاب؛ فإن تاب وإلا قتل، مع أنها كانت قبلة لكن نسخ ذلك، فكيف بمن يتخذها مكانًا يطاف به كما يطاف بالكعبة؟ والطواف بغير الكعبة لم يشرعه الله بحال ).
وإذا تقرر حكم هذه الأعمال، فإنه يمكن بإيجاز أن نقول: إن هذا شرك يناقض توحيد العبادة.
وقد غلط مرجئة المتكلمين ومن تبعهم قديمًا وحديثًا عندما زعموا أن شرك التقرب والنسك ليس شركًا بإطلاق، ما لم يتضمن عندهم الشرك في التوحيد العلمي الخبري؛ لأنهم حصروا التوحيد في الربوبية، ومن ثم فالشرك عندهم هو الشرك في هذا التوحيد.
[ ٢ / ١١٣٢ ]
ومثال ذلك ما توهمه بعضهم بأن السجود لغير الله لا يكون كفرًا إلا إذا اعتقد الربوبية فيمن سجد له. والصحيح أن السجود لغير الله شرك يناقض توحيد العبادة، وإذا انضم إلى ذلك اعتقاد الربوبية فيمن سجد له، فهذا شرك في الربوبية، وليس الشرك محضور في اعتقاد الربوبية بالمسجود له.
ومنهم من قال: إن السجود للصنم أو الشمس ونحوهما علامة الكفر وإن لم يكن في نفسه كفر. وهذا ليس بصحيح، بل السجود للصنم أو الشمس في حد ذاته كفر وشرك بالله تعالى في العبادة، فهو خضوع ورجاء وتذلل لغير الله تعالى، ولا تقوم عبودية الله تعالى إلا بتحقيق السجود له سبحانه، كما قال تعالى: (لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ).
ثم إن هذه الأعمال - السجود والركوع والطواف بغير بيت الله والذبح والنحر والنذر - فيها تشبيه المخلوق الضغيف العاجز بالخالق القدير القوي سبحانه. وقد سبق معنا: أن أصل الشرك هو التشبيه والتشبه كما ذكره ابن القيم ﵀ في عدة من كتبه، وذكره المقريزي في تجريد التوحيد المفيد.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (فإنا بعد معرفة ما جاء به الرسول نعلم بالضرورة أنه لم يكن يشرع لأمته السجود لميت، ولا لغير ميت ونحو ذلك،
[ ٢ / ١١٣٣ ]
بل نهى عن كل هذه الأمور، وإن ذلك من الشرك الذي حرمه الله ورسوله).
وكما يقول أيضًا: (كان من أتباع هؤلاء المشركين من يسجد للشمس والقمر والكواكب، ويدعوها كما يدعو الله تعالى، ويصوم لها وينسك لها، ويتقرب إليها، ثم يقول: إن هذا ليس بشرك، وإنما الشرك إذا اعتقدتُ أنها هي المدبرة لي، فإذا جعلتها سببًا وواسطة لم أكن مشركًا، ومن المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أن هذا شرك).
فالخلاصة: أن الركع والسجود والقيام إذا كان المقصود منها التعظيم لغير الله فإنها حينئذ تكون من الشرك بالله جل شأنه بالتقرب والنسك، وأما إذا كان المقصود منها التحية أو الاحترام - كما يسمونه - فهذه شرك بالله في الطاعة؛ لأنها منهية محرمة في الشرع، ومن عرف نهي الشرع ومع ذلك عمل به فهو أطاع الشيطان، ومن أطاع الشيطان في التحليل والتحريم فقد عبده، وبهذا يكون هو مرتكبًا الشرك بالله شركًا أكبر في الطاعة، وقد سبق بيانه فيما سبق.
وأما إن كان المسجود أو المركوع له من الحجر أو الشجر أو القبر أو مثل هذه الأشياء فهذه السجدة والركو ليسا من التحية، بل هذه السجدة سجدة عبادة، فليسميها المفترون بما شاءوا.
وإذا علم هذا، فكم من الناس تراهم يركعون ويسجدون ويقومون - بالذل والخضوع مع الحب القلبي - لمن يعظمونهم ويعتقدون فيهم القداسة أو الولاية. وإذا أردت معرفتها فلتنظر إلى عباد القبور، وعباد الرؤساء، وعباد الكبار من أصحاب المناصب.
ومن أمثلة هذه العبادة في العصر الحاضر:
القيام في البرلمان مطأطئًا الرؤوس لمدة خمس دقائق - كما هو منصوص
[ ٢ / ١١٣٤ ]
في أغلب دساتير برلمان العالم الإسلامي - لموتى الدولة في أول جلسة البرلمان. وكما سبق أن هذا النوع من الركوع والسجود لا يمكن أن يكون فيه شبهة التحية، بل هي سجدة العبادة لا محالة.
والدخول راكعًا في البرلمان، احترامًا للبرلمان الذي مكنه من الكلام أمام الناس.
كما أن من أفراده في العصر الحاضر الركوع من قبل بعض المغنيين وأصحاب البرامج للمستمعين للأغنية أو للمشاهدين للمسرحية أو التمثيلية مثلًا.
وهكذا إعطاء الزهور في اليوم الوطني لقبور شهداء الدولة والوقوف أمام قبورهم شبه ساجد بضع دقائق احترامًا لهؤلاء الذين ماتوا في استقلال الدولة، ووصل الأمر إلى حد أن بعض الدول تستضيف الضيوف الدولية أول ما تستضيف في هذه القبور وبإعطاء باقة من الزهور إلى هذه القبور، وصار الأمر هينًا عندهم لكونه منصوصًا في الدساتير بأنه من احترام المضيف والضيف، فالله المستعان.
ومن مظاهره أيضًا: تعظيم التماثيل والنصب التذكارية سواء كان بالسجود لها أو الركوع أو القيام لها بالصفة التي تقدمت معنا.
ومن مظاهره أيضًا: الوقوف في الأصنام التذكارية لكبار الدولة عند ما يسمونه باليمين الدستوري - مع أنه شرك في نفسه، فإن اليمين لا يكون إلا بالله أو بأسمائه أو صفاته وهؤلاء يحلفون بالدستور حلفًا يقصدون به تعظيم المحلوف عليه، وهذا معلوم كونه من الشرك الأكبر، وليس من الشرك الأصغر الذي هو مجر إرادة التأكيد ـ.
[ ٢ / ١١٣٥ ]
المطلب الثاني: في بيان شرك التقرب والنسك بالذبح والنذر لغير الله
أ- أما الذبح: فلا شك أن الذبح والنحر إن قصد بهما التوجه والتقرب إلى الله وحده فهو من العبادات، ويسمى نسكًا؛ لأن النسك هو العبادة والقربة. وقد فرض الله ذلك بقوله تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ)، والنسك - هاهنا - الذبيحة.
يقول ابن عطية في تفسير الآيات: (قوله: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي ) الآية، أمر من الله عزوجل أن يعلن بأن مقصده في صلاته، وطاعته من ذبيحة وغيرها، وتصرفه مدة حياته، وحاله من الإخلاص والإيمان عند مماته إنما هو لله عزوجل، وإرادة وجهه وطلب رضاه، وفي إعلان النبي ﷺ بهذه المقالة ما يلزم المؤمنين التأسي به، حتى يلتزموا في جميع أعمالهم قصد وجه الله عزوجل).
ويقول ابن كثير في تفسيره: (يأمره تعالى أن يخبر المشركين الذين يعبدون غير الله ويذبحون لغير اسمه أنه مخالف لهم في ذلك، فإن صلاته لله، ونسكه
[ ٢ / ١١٣٦ ]
على اسمه وحده لا شريك له، وهذا كقوله تعالى: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ)، أي أخلص له صلاتك وذبحك، فإن المشركين كانوا يعبدون الأصنام، ويذبحون لها، فأمره الله تعالى بمخالفتهم والانحراف عما هم فيه، والإقبال بالقصد والنية والعزم على الإخلاص لله تعالى).
ومما قاله محمد رشيد رضا في تفسيره لهذه الآيات: (هذا بيان إجمالي لتوحيد الإلهية بالعمل، والمراد بالصلاة جنسها الشامل للمفروض والمستحب، والنسك في الأصل العبادة أو غايتها، والناسك العابد، ويكثر استعماله في القرآن والحديث في عبادة الحج، وعبادة الذبائح والقرابين فيه، - إلى أن قال - والعبادات إنما تمتاز على العادات بالتوجه فيها إلى المعبود تقربًا إليه، وتعظيمًا له، وطلبًا لمثوبته ومرضاته، وكل من يتوجه إليه المصلي أو الذابح بذلك، ويقصد به تعظيمه فهو معبود له، سواء عبر فاعله عن ذلك بقول يدل عليه أم لا. فالعبادة لا تنبغي إلا لله رب العباد وخالقهم وكون الصلاة والنسك لا يكونان في الدين الحق إلا خالصين لله وحده أمر ظاهر يعد من ضروريات الدين).
ويقول سبحانه: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ).
يقول ابن تيمية عن هذه الآية الكريمة: (أمره الله أن يجمع بين هاتين العبادتين العظيمتين، وهما: الصلاة، والنسك الدالتين على القرب والتوضع والافتقار وحسن الظن، وقوة اليقين، وطمأنينة القلب إلى الله، وإلى عدته
[ ٢ / ١١٣٧ ]
وأمره وفضله، عكس حال أهل الكبر والنفرة، وأهل الغنى عن الله الذين لا حاجة في صلاتهم إلى ربهم، والذين لا ينحرون له خوفًا من الفقر، وتركًا لإعانة الفقراء وإعطائهم، وسوء الظن منهم بربهم، ولهذا جمع الله بينهما في قوله تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، والنسك هي الذبيحة ابتغاء وجهه، وهو أجل العبادات المالية، وما يجتمع للعبد في نحره من إيثار الله، وحسن الظن به، وقوة اليقين، والوثوق بما في يد الله أمر عجيب، إذا قارن ذلك الإيمان والإخلاص، وقد امتثل النبي ﷺ أمر ربه، فكان كثير الصلاة لربه، كثير النحر، حتى نحر بيده في حجة الوداع ثلاثًا وثلاثين بدنة، وكان ينحر في الأعياد وغيرها).
وبهذا يتقرر أن الذبح من أجل العبادات، وأعظم الطاعات.
ب- وأما النذر: فهو عبادة، لا يكون إلا لله وحده لا شريك له (باعتبار الوفاء به، وأما باعتبار ابتداء النذر فقد صح النهي عنه، فالمقصود هنا في كونه عبادة: باعتبار الوفاء به) حيث إن الله ﷿ مدح الموفين بالنذر، فقال سبحانه: (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا).
يقول الحافظ ابن حجر ﵀ عن هذه الآية: (يؤخذ منه أن الوفاء بالنذر قربة، للثناء على فاعله، لكن ذلك مخصوص بنذر الطاعة). ويقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ﵀ في بيان معنى الآية: (إن الله مدح الموفين بالنذر، والله تعالى لا يمدح إلا على فعل واجب أو
[ ٢ / ١١٣٨ ]
مستحب، أو ترك محرم، لا يمدح على فعل المباح المجرد، وذلك هو العبادة).
وقال تعالى: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ). والمعروف أن الإنفاق عبادة، والوفاء بالنذر كذلك.
وقد أمر النبي ﷺ بالوفاء بنذر الطاعة، فقال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه».
وقال أيضًا في ذم الذين ينذرون ولا يوفون: «خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ثم يجيء قوم ينذرون ولا يفون، ويخونون ولا يؤتمنون، ويشهدون ولا يستشهدون، ويظهر فيهم السمن». فسوى بين من يخون أمانته، ومن لا يفي بنذره، والخيانة مذمومة، فيكون ترك الوفاء بالنذر مذمومًا.
ومن خلال ما سبق إيراده، ندرك أن النذر عبادة مدح الله الموفين به، فلا ينبغي أن يكون إلا لله وحده.
الشرك بالله بالذبح والنذر لغير الله ووجوده في العصر الحاضر:
إن الذبح أو النذر لغير الله تعالى شرك بالله تعالى، لأنهما عبادتان يجب
[ ٢ / ١١٣٩ ]
صرفهما لله تعالى وحده، فمن صرفهما لغيره فقد أشرك، كما أن هؤلاء الذين ينحرون لغير الله تعالى سواء كان للأموات، أو للجن، أو للملائكة ﵈، أو لطلعة سلطان ونحوها، إنما يفعلون ذلك عن اعتقاد باطل، فيعتقدون أنها تجلب النفع أو تدفع الضر، ومنهم من يقدم تلك النحائر والنذور إلى هذه المعبودات من أجل أن تقربهم عند الله زلفى.
يقول تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ).
ومعنى قوله تعالى: (وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ): (ما ذبح لغير الله تعالى، وقصد به صنم أو بشر من الناس كما كانت العرب تفعل، وكذلك النصارى، وعادة الذابح أن يسمي مقصوده ويصيح به، فذلك إهلاله).
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (قوله تعالى: (وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) ظاهره أنه ما ذبح لغير الله تعالى، مثل أن يقال: هذه ذبيحة لكذا، وإذا كان هذا هو المقصود، فسواء لفظ به أو لم يلفظ، وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبحه للحم وقال فيه: باسم المسيح ونحوه، كما أن ما ذبحناه نحن، متقربين إلى الله سبحانه، كان أزكى وأعظم مما ذبحناه للحم، وقلنا عليه: باسم الله، فإن عبادة الله سبحانه بالصلاة له، والنسك له، أعظم من الاستعانة باسمه في فواتح الأمور، فإذا حرم ما قيل فيه باسم المسيح أو الزهرة، فلأن يحرم ما قيل فيه لأجل المسيح والزهرة أو قصد به ذلك أولى، وهذا يبين لك
[ ٢ / ١١٤٠ ]
ضعف قول من حرم ما ذبح باسم غير الله، ولم يحرم ما ذبح لغير الله، كما قاله طائفة من أصحابنا وغيرهم، بل لو قيل بالعكس كان أوجه، فإن العبادة لغير الله أعظم كفرًا من الاستعانة بغير الله، وعلى هذا فلو ذبح لغير الله متقربًا به إليه لحوم، وإن قال فيه باسم الله، كما قد يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة الذين قد يتقربون إلى الكواكب، بالذبح والبخور ونحو ذلك، وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبيحتهم بحال، لكن يجتمع في الذبيحة مانعان).
يقول ابن كثير: (فنهى الله المؤمنين عن هذا الصنيع - يقصد أكل ما ذبح على النصب ـ، وحرم عليهم أكل هذه الذبائح التي فعلت عند النصب، حتى ولو كان يذكر عليها اسم الله في الذبح عند النصب، فهو من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، وينبغي أن يحمل هذا على هذا).
وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: ما كان النبي ﷺ يسر إلى شيئًا يكتمه الناس، غير أنه قد حدثني بكلمات أربع، فقيل: ما هن يا أمير المؤمنين؟ قال: «لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، ولعن الله من آوى محدثًا، ولعن الله من غير منار الأرض».
ومما يبين لك أن هؤلاء الذين ينذرون أو يذبحون لغير الله تعالى إنما هو عن اعتقاد بأنها تجلب النفع أو تدفع الضر، ما يرى من أحوالهم وأوضاعهم، وقد بين العلماء ذلك في كتبهم، فهذا الصنعاني ﵀ يوضح هذا الأمر فيقول - مناقشًا شبهات من يذبح لغير الله ـ: (فإن قال: إنما نحرت لله، وذكرت
[ ٢ / ١١٤١ ]
اسم الله عليه، فقل: إن كان النحر لله فلأي شيء قربت ما تنحره من باب مشهد من تفضله وتعتقد فيه؟ هل أردت بذلك تعظيمه؟ إن قال: نعم، فقل له: هذا النحر لغير الله تعالى، بل أشركت مع الله تعالى غيره، وإن لم ترد تعظيمه فهل أردت توسيخ باب المشهد وتنجيس الداخلين إليه؟ أنت تعلم يقينًا أنك ما أردت ذلك أصلًا، ولا أردت إلا الأول، ولا خرجت من بيتك إلا قصدًا له).
ويقول - أيضًا - مبينًا حكم هذه النذور والنحائر ـ: (فإن قلت: هذه النذور والنحائر ما حكمها؟ قلت: قد علم كل عاقل أن الأموال عزيزة عند أهلها، يسعون في جمعها ولو بارتكاب كل معصية، ويقطعون الفيافي من أدنى الأرض والأقاصي، فلا يبذل أحد من ماله شيئًا إلا معتقدًا لجلب نفع أكثر منه، أو دفع ضرر، فالناذر للقبر ما أخرج ماله إلا لذلك، وهذا اعتقاد باطل، ولو عرف الناذر بطلان ما أراده، ما أخرج درهمًا).
وكذلك الشوكاني ﵀ يقرر أن هذه الأعمال الشركية صادرة عن الباطن، وأن أصحابها يعتقدون فيها النفع والضر، فيقول: (وكذلك النحر للأموات عبادة لهم، والنذر لهم بجزء من المال عبادة لهم، والتعظيم عبادة لهم، كما أن النحر للنسك وإخراج صدقة المال، والخضوع والاستكانة عبادة الله ﷿ بلا خلاف، ومن زعم أن ثمة فرق بين الأمرين فليهده إلينا، ومن قال: إنه لم يقصد بدعاء الأموات والنحر لهم والنذر لهم عبادتهم، فقل له: فلأي مقتضى صنعت هذا الصنع؟ فإن دعاءك للميت عند نزول أمر بك ألا يكون إلا لشيء في قلبك عبر عنه لسانك، فإن كنت تهذي بذكر الأموات عند عرض
[ ٢ / ١١٤٢ ]
الحاجات من دون اعتقاد منك لهم، فأنت مصاب بعقلك، وهكذا إن كنت تنحر لله، وتنذر لله، فلأي معنى جعلت ذلك للميت وحملته إلى قبره، فإن الفقراء على ظهر البسيطة في كل بقعة من بقاع الأرض، وفعلك وأنت عاقل لا يكون إلا لمقصد قد قصدته، أو أمر قد أردته).
ويعلل صاحب كتاب (التوضيح عن توحيد الخلاق) كون النذر لغير الله تعالى من الشرك قائلًا: (لأن الناذر لم ينذر هذا النذر لغير الله إلا لاعتقاده في المنذور له أنه يضر وينفع، ويعطي ويمنع، إما بطبعه، وإما بقوة سببية فيه، ويجلب الخير والبركة، ويدفع الشر والعسرة، والدليل على اعتقاد هؤلاء الناذرين وشركهم: حكيهم وقولهم: إنهم قد وقعوا في شدائد عظيمة، فنذروا لفلان وفلان فانكشفت شدائدهم واستراحت خواطرهم، فقد قام في نفوسهم أن هذه النذور هي السبب في حصول مطلوبهم ودفع مرهوبهم، ومن تأمل القرآن وسنة المبعوث به ﷺ، ونظر أحوال السلف الصالح، علم أن هذا النذر نظير ما جعلته المشركون لآلهتهم في قوله تعالى: (هَذَا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَآئِنَا).
ويتحدث الشيخ مبارك الميلي عن واقع أولئك الناس الذين يذبحون لغير الله تعالى، ويبين أنهم إنما يفعلون ذلك عن اعتقاد وطلب للقربى من تلك
[ ٢ / ١١٤٣ ]
المعبودات، فكان مما قاله ﵀: (إن كل من خالط العامة، يجزم بأن قصدهم بذبائح الزردة التقرب من صاحب المزار، ويكشف عن ذلك أشياء:
أحدها: أنهم يضيفون الزردة إلى صاحب المزار، فيقولون: زردة سيدي فلان، أو طعام سيدي عبد القادر مثلًا:
ثانيها: أنهم يفعلونها عند قبره، وفي جواره، ولا يرضون لها مكانًا آخر.
ثالثها: أنهم إن نزل المطر إثرها، نسبوه إلى سر المذبوح له، وقوي اعتقادهم فيه، وتعويلهم عليه.
رابعها: أنهم لو تركوها فأصيبوا بمصيبة، نكسوا على رؤوسهم، وقالوا: إن وليهم غضب عليهم، لتقصيرهم في جانبه).
وفي ختام مسألة الذبح أو النذر لغير الله تعالى، يحسن بنا أن ننبه على عدم الخلط بين ما يذبح لغير الله تعالى تقربًا أو تعظيمًا، فهذا من باب العبادات والقربان، وبين ما يذبح عادة بقصد الأكل أو إكرام ضيف ونحوهما. فالأول: شرك في العبادة والألوهية، وأما الثاني: فليس بشرك ويختلف حكمه حسب النية.
كما يجب التفريق بين النذر الشركي المخرج من الملة وبين نذر المعصية
[ ٢ / ١١٤٤ ]
فيما دون ذلك، وذلك؛ أن (النذر الغير جائز قسمان:
أحدهما: نذر فعل المعصية، كشرب الخمر، وقتل المعصوم، فيحرم الوفاء به؛ لقول النبي ﷺ: «من نذر أن يعصي الله فلا يعصه»، ولأن معصية الله تعالى لا تباح في حال من الأحوال
الثاني: النذر لغير الله تعالى؛ كالنذر لإبراهيم الخليل، أو محمد النبي الأمين ﷺ، أو ابن عباس، أو عبد القادر، أو الخضر فلا خلاف بين من يعتد به من علماء المسلمين أنه من الشرك الاعتقادي). إذا اعتقد فيهم النفع أو الضر، ومن جانب الوفاء به من الشرك في العبادة والألوهية.
شبهة في باب الذبح والنذر والجواب عنها:
قد لبس خصوم عقيدة التوحيد في هذه المسألة، فزعموا: أن الذبح لغير الله، وكذا النذر لغيره، إنما هي من المحرمات التي دون الشرك وذلك بسبب سوء فهمهم للنصوص الشرعية، وكلام أهل العلم، بل ربما نسبوا هذا التلبيس لبعض أئمة السلف أيضًا.
وقد قام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب بكشف هذا التلبيس، وبيان
[ ٢ / ١١٤٥ ]
الحق في هذه القضية، فكتب جوابًا في الرد على أحد الخصوم له، حين زعم الأخير أن النذر لغير الله حرام ليس بشرك، فقال الشيخ في الرد عليه:
(فدليلك قولهم: إن النذر لغير الله حرام بالإجماع، فاستدللت بقولهم: حرام على أنه ليس بشرك، فإن كان هذا قدر عقلك، فكيف تدعي المعرفة؟ يا ويلك! ما تصنع بقول الله تعالى: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا). فهذا يدل على أن الشرك حرام ليس بكفر؟ يا هذا الجاهل الجهل المركب، ما تصنع بقول الله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) - إلى قوله - (وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا). هل يدل هذا التحريم على أنه لا يكفر صاحبه؟ ! يا ويلك في أي كتاب وجدته إذا قيل لك هذا حرام، أنه ليس بكفر، فقولك: أن ظاهر كلامهم أنه ليس بكفر، كذب وافتراء على أهل العلم، بل يقال: ذكر أنه حرام، وأما كونه كفر فيحتاج إلى دليل آخر، والدليل عليه أنه مصرح في الإقناع: أن النذر عبادة، ومعلوم أن لا إله إلا الله معناها: لا يعبد إلا الله، فإذا كان النذر عبادة وجعلتها لغيره، كيف لا يكون شركًا؟).
وأيضًا يورد الشيخ قاعدة مهمة أثناء جوابه على من ادعى أن الذبح للجن منهي عنه فهو معصية وليس بردة، حيث قال ﵀: (قوله: الذبح للجن منهي عنه، فاعرف قاعدة أهملها أهل زمانك، وهي أن لفظ (التحريم والكراهة)، و (لا ينبغي) ألفاظ عامة تستعمل في المكفرات،
[ ٢ / ١١٤٦ ]
والمحرمات التي هي دون الكفر، وفي كراهة التنزيه التي هي دون الحرام، مثل استعمالها في المكفرات قول: (لا إله إلا الذي لا تنبغي العبادة إلا له)، وقوله تعالى: (وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا). ولفظ التحريم مثل قوله تعالى: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا). وكلام العلماء لا ينحصر في قولهم: (يحرم كذا)، لما صرحوا في مواضع أخر أنه كفر، وقولهم: (يكره) كقوله تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) - إلى قوله - (كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا). وأما كلام الإمام أحمد في قوله: (أكره كذا) فهو عند أصحابه على التحريم، إذا فهمت هذا فهم صرحوا أن الذبح للجن ردة تخرج، وقالوا: الذبيحة حرام، ولو سمي عليها، قالوا: لأنها يجتمع فيها مانعان: الأول: أنها مما أهل لغير الله، والثاني: أنها ذبيحة مرتد، والمرتد لا تحل ذبيحته، وإن ذبحها للأكل وسمى عليها).
[ ٢ / ١١٤٧ ]
المبحث الثالث مظاهر الشرك بالله في عبادته بالأقوال القلبية (شرك الدعوة)
الأقوال القلبية التي تعد عبادة كثيرة، من أفرادها: الدعاء والاستغاثة، والاستعانة، والاستمداد، والاستشفاع، والاستنصار، والنداء، والسؤال، والطلب، وغيرها. ويجمعها كلها لفظ الدعاء، فإن كل هذه الأشياء لا تؤدى إلا بالدعاء، ولهذا أقصر الكلام هنا فقط في شرك الدعاء على أن أحكام البقية تابعة له في الحقيقة.
معنى الدعاء:
الدعاء مصدر دعا يدعو، وهو لغة: يأتي لمعان، منها:
١ - النداء: يقال: دعوت فلانًا وبفلان: ناديته وصحت به.
٢ - السؤال: دعوت فلانًا: سألته.
٣ - الاستغاثة: دعوت فلانًا: استغثته، والدعاء الغوث، فالدعاء النداء والاستغاثة.
٤ - والطلب: دعوت فلانًا: استدعيته، وطلب جلب النفع ودفع الضر.
٥ - الحث على فعل الشيء والدعوة إليه: دعا إليه: طلبه إليه.
٦ - السوق: يقال: دعاه: ساقه إلى الأمير.
٧ - التسمية: يقال دعوت الولد زيدًا، أو بزيد: إذا سميته بهذا الاسم.
٨ - الجعل: (أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا)، أي جعلوا.
[ ٢ / ١١٤٨ ]
٩ - العبادة: يطلق (الدعاء)، ويراد به (العبادة).
١٠ - رفعة القدر، ورفع الذكر.
الدعاء في الشرع:
تنوعت عبارات العلماء في تعريف الدعاء، وتعددت كلماتهم، وكلها تهدف إلى الكشف عن حقيقة معناه الشرعي وإليك بعض تلك العبارات:
* قال أبو سليمان الخطابي: (ومعنى الدعاء: استدعاء العبد ربه ﷿ العناية، واستمداده إياه المعونة، وحقيقته إظهار الافتقار إليه، والتبرؤ من الحول والقوة).
* وقال أبو عبد الله الحليمي: (الدعاء: قول القائل: يا الله، يا رحمن، يا رحيم، وما أشبه ذلك).
* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (إن دعاء المسألة: هو طلب ما ينفع الداعي وطلب كشف ما يضره، ودَفْعِهِ).
* وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀: (وهو الطلب بياء النداء لأنه ينادى به القريب والبعيد، وقد يستعمل في الاستغاثة أو بأحد أخواتها).
[ ٢ / ١١٤٩ ]
* وعرفه الشيخ حسين بن مهدي النعمي اليمني: (فالمعنى الذي هو راجع وضعًا لا قصدًا إلى القوي القادر، بحيث لا يصلح إلا له، ولا يتحصل إلا به أو عنه، اسم طلبه والتماسه، واللفظ الذي يكون له هو الدعاء وضعًا وشرعًا، والدعاء في لسان أنبياء الله ورسله وكتابه - اسم لطلب ذلك المعنى ـ). وقال في موضع آخر: إن الدعاء عند المتشرعة والإسلاميين طبع وهيئة لازمة طلب العاجز للقادر وسؤاله منه).
* وعرفه الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ بقوله: (هو السؤال والطلب رغبة أو رهبة أو مجموعهما).
هذه بعض تعريفات العلماء للدعاء، وهي كما نرى خاصة ببعض جوانب الدعاء، ولا تشمل جميع جوانب الدعاء - كما سيتضح ذلك لاحقًا ـ.
ولعل التعريف الشامل أن يقال: الدعاء هو الرغبة إلى الله تعالى والتوجه إليه في تحقيق المطلوب، أو دفع المكروه، والابتهال إليه في ذلك إما بالسؤال، أو بالخضوع والتذلل، والرجاء والخوف والطمع. ووجه كونه شاملًا ما سيأتي توضيحه فيما يلي ببيان مدلولات الدعاء في الشرع، وبيان أنواعه، وأن هذا التعريف شامل لجميع جوانب الدعاء ومدلولاته كله.
أنواع الدعاء:
تنوعت عبارات العلماء المحققين في بيان أنواع الدعاء، فمنهم من قسمه
[ ٢ / ١١٥٠ ]
إلى ثلاثة أنواع، ومنهم من قسمه إلى نوعين:
* يقول ابن القيم: الدعاء ثلاثة أنواع:
١ - دعاء مسألة.
٢ - دعاء ثناء.
٣ - دعاء تعبد.
* ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (الدعاء نوعان: دعاء العبادة، ودعاء المسألة. وهو قول ابن القيم أيضًا في زاد المعاد، وفي مواضع من بدائع الفوائد، وفي جلاء الأفهام.
وليس هناك تناقض بين قول الإمام ابن القيم الأول وبين قوله الثاني: وقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀؛ لأن دعاء الثناء والتعبد هما في الحقيقة: دعاء العبادة، وإنما أفرد بالذكر، اهتمامًا به، وهذين النوعين - دعاء العبادة ودعاء المسألة - من الدعاء يشمل جميع أنواع الأدعية في الحقيقة، وهو مؤدى كلام كثير من العلماء الذين سبقوهما أيضًا: كالطبري في تفسيره، والبغوي في تفسيره، وغيرهما.
[ ٢ / ١١٥١ ]
وجه انقسام الدعاء إلى نوعين، وبيان تلازمهما وكونهما من العبادة، والدليل عليهما:
قد ذكرنا في تعريف الدعاء أن معناه هو الرغبة والقصد والتوجه إلى المدعو، وهذا القصد والتوجه إلى المدعو تارة يكون لذاته، وتارة لمسألته أمرًا منه، وهذا كالشخص يدعو غيره، ويطلبه، ويقصده، تارة لذاته، وتارة لأمر يطلبه منه.
فالقصد إلى المدعو لذاته هو المسمى بدعاء العبادة والثناء، وتمتلئ القلوب فيه بعظمة الله وجلاله، والقصد إلى المدعو لمسألته هو المسمى بدعاء المسألة، وتمتلئ القلوب فيه بالرغبة والانطراح بين يدي الله تعالى، وهذا هو وجه انحصار وانقسام الدعاء إلى نوعين فقط.
تلازم نوعي الدعاء:
ذكرنا فيما سبق أن الدعاء ينقسم إلى دعاء عبادة، ودعاء مسألة، وهذا التقسيم معناه أن الدعاء يراد به تارة دعاء المسألة وتارة دعاء العبادة، وليس معناه أنهما متضادان بحيث أنه لا يدل إلا على النوع الذي أريد به، بل معناه: أنه في تلك الحالة دلالته على أحد النوعين أظهر، ويدل على النوع الآخر إما بدلالة الالتزام أو بدلالة التضمن، وعلى النوع الذي يكون فيه أظهر بدلالة المطابقة.
فإذا أريد به المسألة والطلب يدل على العبادة بطريق التضمن. لأن
[ ٢ / ١١٥٢ ]
الداعي دعاء المسألة عابد لله تعالى بسؤاله، ورغبته، والتضرع إليه، والابتهال إليه، والانطراح بين يديه، وهو يرجو قبول دعوته وقضاء حاجته، وهو مع ذلك خائف من طرده، وعدم قبول دعوته، فهذا هو لب العبادة ومخها وروحها وحقيقتها. فالآيات التي ورد فيها الدعاء مرادًا به دعاء المسألة تدل هذه الآيات بطريق التضمن على دعاء العبادة.
وأما إذا أريد بالدعاء دعاء العبادة، فإنه يدل على دعاء المسألة بطريق دلالة الالتزام. وذلك؛ لأن العابد لله تعالى - كالذي يذكر الله مثلًا - فهو في الحقيقة سائل وإن كان لا يأتي بلفظ السؤال، كالذي يطوف على بعض الأبواب والأسواق ليدعو الناس، يكون سائلًا وإن حذف لفظ السؤال.
والخلاصة: أن معنى دعاء العبادة بعبارة أخرى: هو العبادة نفسها، فيكون الدعاء والعبادة اسمين مترادفين لمسمى واحد.
وأما دعاء المسألة: فمعناه: النداء والاستمداد والاستنصار والاستغاثة لدفع الضر وجلب النفع، قولًا، وسؤالًا، وطلبًا باللسان، ثم دعاء المسألة - فوق الأسباب - مخ العبادة، فإذا أردنا من الدعاء: دعاء العبادة يكون الدعاء بعينه العبادة، وهما شيء واحد؛ كالأسد والغضنفر، وغيرهما من المترادفات.
وأما إذا أردنا من الدعاء: دعاء المسألة - فإن كان فيما فوق الأسباب ـ
[ ٢ / ١١٥٣ ]
يكون الدعاء نوعًا من أنواع العبادة، وفردًا من أفرادها، وجزئيًا من جزئياتها، فيكون دعاء غير الله شركًا في العبادة، بل أمًّا للشرك؛ لأن العبادة أمر كلي شامل لعدة من الجزئيات التي تندرج تحتها، ومن تلك الجزئيات (دعاء المسألة)، فيكون دعاء المسألة خاصًا وأخص من (العبادة)، التي هي أمر عام وأعم، فتكون النسبة بينهما عموم وخصوص مطلقًا، بأن يكون الدعاء أخص مطلقًا، والعبادة أعم مطلقًا، وأن كل دعاء عبادة ولا عكس.
فنوعا الدعاء متلازمان، لا ينفك أحدهما عن الآخر، فحيث ما ذكر أحدهما دخل معه الآخر إما تضمنا وإما التزامًا. وبهذا التقرير يندفع ما يردده بعض المخالفين من أن الآيات الواردة في التحذير من دعاء غير الله - تعالى - المراد بها العبادة فقط، وليس المراد بها السؤال والطلب فلا يدخل فيها طلب الشفاعة من الأموات والتوسل بهم بل ولا دعاؤهم والاستغاثة بهم والهتاف باسمهم من مسافات بعيدة، هكذا زعموا، وأولوا كل الآيات التي فيها التحذير من دعاء غير الله - تعالى - بالعبادة، ولم يقتصروا على هذا فقط، بل ضيقوا معنى العبادة حيث زعموا أن مفهومها لا يشمل إلا السجود والركوع ونحو ذلك، بل زيادة على ذلك بعضهم زادوا على ذلك أن يكون الركوع والسجود على اعتقاد الربوبية في المسجود والمركوع له، وأما الدعاء، والاستغاثة والنذر، والذبح، وما إلى ذلك فليست داخلة في العبادة. وقد ذكرنا مناقشة بعض هذه الأقوال فيما قبل. وسيأتي مناقشة بعض هذه الأقوال فيما بعد.
فعلمنا بذلك: أن الدعاء عبادة، وسأسوق جملة من النصوص المتضمنة
[ ٢ / ١١٥٤ ]
على نوعي الدعاء، الدالة على أنهما في القرآن والسنة على معنى العبادة.
الأدلة من القرآن والسنة على أن الدعاء بنوعيهما عبادة:
الأدلة من القرآن:
قد ورد إطلاق الدعاء في القرآن الكريم على ثلاثة أوجه:
١ - أن يراد منه دعاء المسألة.
٢ - أن يراد منه دعاء العبادة.
٣ - أن يراد منه مجموعهما.
فهذه الأوجه الثلاثة هي التي تدور عليها إطلاقات الدعاء في القرآن الكريم، إما أن يراد منه أحدهما، أو يراد منه ما يشمل النوعين.
وهذه الاستعمالات الثلاثة كثيرة في القرآن الكريم، قد ورد بكل منها عدة آيات:
فمما ورد في دعاء المسألة على الأظهر ما يلي:
* الآيات التي تتحدث عن التجاء الإنسان إلى الله تعالى في وقت الشدائد والمصائب والاضطرار، وعن كشف الله لتلك الشدائد: فمن ذلك:
١ - قوله تعالى: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ). فالآية ظاهرة في أنها في دعاء المسألة. فإنها سيقت في بيان الطلب من الله.
[ ٢ / ١١٥٥ ]
٢ - قوله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ). فإن الآية لا شك في كونها دالة على دعاء المسألة، وليس المراد منها دعاء العبادة.
٣ - قوله تعالى: (وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ). وغيرها من الآيات.
* الآيات التي تتحدث عن طلب الأمم من أنبيائهم دعاء الله تعالى لهم والتوسل لهم: فمن ذلك:
٤ - وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا).
٥ - وقوله تعالى: (وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ).
* الآيات التي تتحدث عن نداء الأنبياء لربهم وسؤالهم له: ومن ذلك:
٦ - قوله تعالى: (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ).
٧ - وقوله تعالى: (إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا) - إلى قوله - (وَلَمْ
[ ٢ / ١١٥٦ ]
أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا). فهذا في دعاء المسألة أظهر، والمعنى: إنك عودتني إجابتك وإسعافك ولم تشقني بالرد والحرمان، فهو توسل إليه تعالى بما سلف من إجابته وإحسانه.
* الآيات التي تتحدث عن عدم سماع المدعوين من دون الله دعاء من دعاهم، ومن ذلك:
٨ - قوله تعالى: (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ). والآية صريحة في دعاء المسألة.
٩ - قوله تعالى: (وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ).
١٠ - قوله تعالى: (وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ). والآية دالة على دعاء المسألة.
وأما الآيات التي تدل على دعاء العبادة على الأظهر فقد ورد في القرآن
[ ٢ / ١١٥٧ ]
الكريم استعمال الدعاء بمعنى العبادة وكثر ذلك، منها ما يلي:
١ - قوله تعالى: (قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ). فالدعاء هنا أظهر في العبادة؛ بدليل قوله: (أن أعبد).
٢ - وقوله تعالى: (أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ).
٣ - وقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) - إلى قوله تعالى - (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا).
٤ - وقوله تعالى: (فَادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ). فهذا في دعاء العبادة: (والمعنى: اعبدوه ووحّدوه وأخلصوا عبادته لا تعبدوا معه غيره).
٥ - وقوله تعالى: (إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ).
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ما يمكن اعتباره ضابطًا للآيات التي يكون فيها حمل الدعاء على العبادة أظهر، فقال: (وكل موضع ذكر فيه دعاء المشركين لأوثانهم فالمراد به دعاء العبادة المتضمن دعاء
[ ٢ / ١١٥٨ ]
المسألة، فهو في دعاء العبادة أظهر، لوجوه ثلاثة:
أحدها: أنهم قالوا: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى). فاعترفوا بأن دعاءهم إياهم عبادتهم لهم.
الثاني: أن الله تعالى فسر هذا الدعاء في موضع آخر، كقوله تعالى: (وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ).
وقوله تعالى: (لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ)، وهو كثير في القرآن فدعاؤهم لآلهتهم هو عبادتهم لها.
الثالث: أنهم كانوا يعبدونها في الرجاء فإذا جاءتهم الشدائد دعوا الله وحده وتركوها، ومع هذا فكانوا يسألونها بعض حوائجهم ويطلبون منها، وكان دعاؤهم لها دعاء عبادة ودعاء مسألة).
وهناك آيات يراد بالدعاء فيها مجموع الأمرين - دعاء العبادة ودعاء المسألة - منها:
قوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)، فهذه الآية
[ ٢ / ١١٥٩ ]
فسرت بنوعي الدعاء، فقيل في المعنى: أعطيه إذا سألني، وقيل: أجيبه بالثواب على طاعته إياي إذا أطاعني.
ومثله قوله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ). فقد فسرت الآية بالمعنيين.
وقوله تعالى: (وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا). فالدعاء بالأسماء الحسنى يتناول دعاء المسألة ودعاء العبادة.
المقصود: أن الدعاء في القرآن الكريم - سواء كان دعاء عبادة أو مسألة - جاء بمعنى العبادة، وهو دليل واضح وصريح على أن الدعاء عبادة.
ومن أوجه دلالة القرآن أيضًا على أن الدعاء عبادة، أن الله ﷿ صرح بالعبادة بعد ذكر الدعاء، فمن هذه الآيات ما يلي:
* قوله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ). حيث صرح ببيان سبب الوعيد
[ ٢ / ١١٦٠ ]
الذي أوعده بأن من لم يدعه لم يعبده، ومن لم يعبده يدخل ناره جزاء لاستكباره.
* قوله تعالى في شأن إبراهيم ﷺ: (وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ). حيث بين الله ﷿ سبب إعطاء إبراهيم الجائزة، بأنه ترك عبادة غير الله، وإبراهيم ﷺ إنما قال: (وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ) فلم يذكر إبراهيم ﵇ لفظ الدعاء ومع ذلك ذكر الله بأنه لم يعبد غيره، مما يدل على أن الدعاء المذكور في قول إبراهيم ﷺ إنما هو العبادة.
* وقال تعالى: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ). ففي هذه الآية نرى أن الله ﷿ ينعى على عقول الكفار والمشركين الذين يدعون لغير الله، ثم أردف قوله بأن هؤلاء يوم القيامة يكفرون بعبادة عابديهم، فسمي دعاء الداعين لأوليائهم الميتين، ولأصنامهم بالعبادة. فهذه الآيات الثلاث فيها تصريح من الله بأن الدعاء عبادة، فهل أحد أعلم من الله؟ .
الدليل من السنة على أن الدعاء عبادة:
جاءت السنة النبوية مبينة ومستقلة تدل على أن الدعاء عبادة، فمن هذه الأحاديث التي جاءت مبينة قوله ﷺ: «إن الدعاء هو العبادة». يقول الراوي: ثم قرأ: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ
[ ٢ / ١١٦١ ]
دَاخِرِينَ).
ومما جاء في السنة مستقلًا قوله ﷺ: «من مات وهو يدع لله ندًا دخل النار».
فالحديث فيه دلالة واضحة على كون دعاء الند موجب لدخول النار، وليس شيء أوجب في دخول النار من عبادة غير الله، فالدعاء هنا بمعنى العبادة.
فثبت بهذه النصوص أن الدعاء عبادة.
الدعاء لغير الله شرك بالله جل شأنه في العبادة:
بعدما أثبتنا بنصوص القرآن والسنة كون الدعاء عبادة، يثبت لنا تلقائيًا أن الدعاء بجميع أنواعه من الاستعاذة، والاستجارة، والاستغاثة كلها - التي هي من نوع الدعاء والطلب - عبادة لله جل شأنه، لا يجوز صرفه إلا لله وحده، فمن صرف أي فرد من أفراده لغير الله فهو مشرك بالله جل شأنه، لذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وأعظم الاعتداء والعدوان والذل
[ ٢ / ١١٦٢ ]
والهوان، أن يدعى غير الله، فإن ذلك من الشرك، والله لا يغفر أن يشرك به، وإن الشرك لظلم عظيم، (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا).
ويبين ابن القيم شناعة هذ الشرك فيقول:
ومن أنواعه (الشرك الأكبر) طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالم، فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا، فضلًا عمن استغاث به، وسأله قضاء حاجته، أو سأله أن يشفع له إلى الله فيها، وهذا من جهله بالشافع والمشفوع له عنده.
ويجب أن يعلم أن من قصد غير الله بدعاء أو استعاذة أو استعانة فهو كافر، وإن لم يعتقد فيمن قصده تدبيرًا، أو تأثيرًا، أو خلقًا، فمشركو العرب الذين قاتلهم رسول الله ﷺ لم يكونوا يقولون عن معبوداتهم إنها تخلق، وترزق، وتدبر أمر من قصدها، بل كانوا يعلمون أن ذلك لله وحده كما حكاه عنهم في غير موضع من كتابه، بل كانوا يدعونها، ويستغيثون بها مع إقرارهم بأن الله هو المدبر الخالق الرازق .
يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀:
ومن أنواع العبادة الدعاء، كلما كان المؤمنون يدعون الله وحده ليلًا ونهارًا
[ ٢ / ١١٦٣ ]
في الشدة والرخاء، ولا يشك أحدًا أن هذا من أنواع العبادة، فتفكر رحمك الله فيما حدث في الناس اليوم من دعاء غير الله، في الشدة والرخاء، فهذا تلحقه الشدة في البر أو البحر، فيستغيث بعبد القادر أوشمسان أو نبي من الأنبياء، أو ولي من الأولياء أن ينجيه من هذه الشدة، فيقال لهذا الجاهل: إن كنت تعرف أن الإله هو المعبود، وتعرف أن الدعاء من العبادة، فكيف تدعو مخلوقًا ميتًا، وتترك الحي القيوم الحاضر الرؤوف الرحيم القدير؟ .
ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن موضحًا أن الطلب من الأموات شرك: (إن الاستمداد بالأموات والغائبين هو الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله، فإن الاستمداد عبادة، والعبادة لا يجوز أن يصرف منها شيء لغير الله).
ومع وضوح هذه القضية فقد وقع في هذا النوع من الشرك كثير من المتصوفة والجهلة من الناس، بل هذا النوع من الشرك هو الذي يغلب على العالم الإسلامي، وقد بدأ هذا النوع من الشرك من الشيعة، وانتشر بين المتصوفة، ثم عمت العباد والبلاد على حين غفلة من العلماء والدعاء، حتى أصبح الإنكار عليه منكرًا، والأمر به معروفًا، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وقد ذكرنا نماذج من وقوع الناس قديمًا وحديثًا في هذا النوع من الشرك عند بيان الشرك في الربوبية بالأنداد في إثبات صفة القدرة الكاملة لغير الله لدى المتصوفة، فإن كل من أثبت لغير الله التصرف في الكون إنما يثبت ذلك كي يجوِّز النداء والدعاء لغير الله، وقد ذكرنا مجمل النصوص من المتصوفة التي تدل على جواز النداء والطلب والاستغاثة والاستعانة بغير الله - في اعتقادهم ـ
[ ٢ / ١١٦٤ ]
لارتباط الكلام بعضه مع بعض بين اعتقاد التصرف في الكون لغير الله وبين دعاء غير الله والنداء والاستغاثة بغيره سبحانه، فلا نعيده هاهنا.
ولكن هل هناك شبهة في اعتقادهم جواز دعاء غير الله والاستغاثة بغيره سبحانه؟ .
لقد وجد هناك شبهات - بل هذا المكان بالذات محل أغلب شبهاتهم - سأذكر هذه الشبهات مع الردود عليها في المبحث التالي بمشيئة الله.
* * *
[ ٢ / ١١٦٥ ]
المبحث الرابع أهم شبهات القبوريين وردها
الشبهة الأولى: تغييرهم لبعض الحقائق الشرعية، منها:
أ- عدم التفريق بين التوسل والاستغاثة، وعدم التفريق بين الجائز منها والممنوع:
نتج هذا من سوء فَهم المتصوفة للأحاديث الواردة في التوسل وعدم تفريقهم بين التوسل بدعاء النبي ﷺ وبين دعائه والاستغاثة به من دون الله، حيث إننا إذا نظرنا في كتب المتصوفة نرى أنهم دائمًا يوردون الأحاديث الواردة في التوسل المشروع ليحتجوا بها على جواز التوجه إلى النبي ﷺ بالدعاء والاستغاثة، وعلى جواز التوسل بذاته، مع أننا إذا نظرنا في الأحاديث التي تتكلم عن توسل الصحابة بالنبي ﷺ، فإننا نراها لا تخرج عن شيء واحد؛ ألا وهو: التوسل بدعاء النبي ﷺ، حيث إن الصحابة كانوا يأتون إلى النبي ويطلبون منه الدعاء فيدعو لهم الرسول، وهنا لا نزاع بيننا وبين المتصوفة في هذا التوسل، ولكن هذا الآن غير ممكن لأن الرسول قد مات.
ثم إن الاستدلال بأحاديث التوسل المشروع على جواز التوسل الممنوع - ألا وهو التوسل بذات النبي - استدلال بنص ليس نصًا في محل النزاع بل هو خارج عنه، ولذا فلن أناقش المتصوفة في الأحاديث التي وردت في توسلات الصحابة بدعائه في حياته؛ لأن هذا ليس محل النزاع بيننا وبينهم.
واستدلالهم بهذه الأحاديث على جواز التوسل بذات النبي وجاهه ومكانته
[ ٢ / ١١٦٦ ]
عند الله والتوجه إليه بالدعاء والاستغاثة كما يفعل المتصوفة، هذا يعتبر استدلالًا باطلًا؛ لأنه ليس هناك ولو نصًا واحدًا من كتاب الله ولا من سنة رسول الله يجيز التوجه إلى النبي بالدعاء والاستغاثة، بل العكس كل النصوص تحذر من صرف العبادات لغير الله كائنًا من كان.
وفيما يلي بعض النصوص التي تثبت لنا أن المتصوفة يخلطون بين التوسل بدعاء النبي ﷺ وبين دعائه والاستغاثة به، وأنهم يرون الكل بمعنى واحد.
فقال قال النبهاني: (وينبغي للزائر أن يكثر من الدعاء والتضرع والاستغاثة والتشفع والتوسل والتوجه به ﷺ، فجدير به من استشفع به أن يشفعه الله تعالى فيه، فإن كلًا من الاستغاثة والتوسل والتشفع والتوجه للنبي واقع في كل حال قبل خلقه وبعده، في مدة حياته في الدنيا وبعد موته في مدة البرزخ، وبعد البعث في عرصات القيامة).
مما تقدم يتضح لنا أن النبهاني لا يرى فرقًا مطلقًا بين التوسل بدعاء النبي ﷺ وبين التوجه إليه بالدعاء والاستغاثة حيًا وميتًا، ومما يدل على هذا قول النبهاني في مكان آخر من نفس الكتاب وهو يصف الرسول ﷺ بأوصاف لا تليق إلا بالله، حيث قال:
(فهو الوسيلة إلى نيل المعالي واقتناص المرام، والمفزع يوم الجزع والهلع لكافة الرسل الكرام، واجعله أمامك فيما نزل بك من النوازل، وأمامك فيما تجادل من القرب والمنازل، فإنك تظفر من المراد بأقصاه، وتدرك رضا من أحاط بكل شيء علمًا وأحصاه).
[ ٢ / ١١٦٧ ]
وقال النبهاني أيضًا: (لقد اتفق العلماء العارفون على جواز التوسل به ﵇ إلى الله لقضاء الحاجات في حياته وبعد الممات، وقد صار المجريات أن من استغاث به ﷺ إلى الله بإخلاص وصدق التجاء تقضي حاجته مهما كانت، ولم يحصل التخلف لأحد إلا من ضعف اليقين وحصول التردد وعدم صدق الالتجاء).
ومن المتصوفة الذين خلصوا بين التوسل بالنبي ﷺ والتوجه إليه بالدعاء والاستغاثة أحمد زيني دحلان، حيث قال:
(فالتوسل والتشفع والاستغاثة كلها بمعنى واحد، وليس لها في قلوب المؤمنين معنى إلا التبرك بذكر أولياء الله تعالى؛ لما ثبت أن الله يرحم العباد بسببهم سواء كانوا أحياءً أو أمواتًا).
ويقول أيضًا: (ولا فرق في التوسل بين أن يكون بلفظ التوسل أو التشفع أو الاستغاثة أو التوجه؛ لأن التوجه من الجاه وهو علو المنزلة، وقد يتوسل بذي الجاه إلى من هو أعلى منه جاهًا، والاستغاثة معناها: طلب الغوث والمستغيث يطلب من المستغاث به أن يحصل له الغوث من غيره وإن كان أعلى منه، فالتوجه والاستغاثة به ﷺ وبغيره ليس لها معنى في قلوب المسلمين إلا طلب
[ ٢ / ١١٦٨ ]
الغوث حقيقة من الله تعالى ومجازًا بالتسبب العادي من غيره، ولا يقصد أحد من المسلمين غير ذلك المعنى، فالمستغاث به حقيقة هو الله، وأما النبي ﷺ فهو واسطة بينه وبين المستغيث).
المناقشة:
إن التوسل المشروع هو التوسل بالإيمان بالنبي ﷺ وبطاعته ومحبته، كذلك التوسل بدعائه في حين حياته، كما كان الصحابة يأتون إليه ويطلبون منه الدعاء.
وأما التوسل الممنوع فهو التوسل بذات النبي ﷺ كما يفعله كثير من المتصوفة.
وإليك التفصيل في هذا:
أما التوسل بالإيمان بالنبي ﷺ وبطاعته ومحبته فهو من الأعمال الصالحة، والأعمال الصالحة من الوسائل المشروعة التي يتقرب بها الإنسان إلى ربه.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
(وهذا التوسل بالإيمان به وطاعته فرض على كل أحد في كل حال باطنًا وظاهرًا في حياة الرسول ﷺ وبعد موته؛ في مشهده ومغيبه، لا يسقط التوسل به بالإيمان به وبطاعته عند أحد من الخلق في حال من الأحوال بعد قيام الحجة عليه إلا بعذر من الأعذار. ولا طريق إلى كرامة الله ورحمته والنجاة من هوانه وعذابه إلا التوسل بالإيمان به وبطاعته، وهو ﷺ شفيع الخلائق صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون، فهو أعظم الشفعاء قدرًا
[ ٢ / ١١٦٩ ]
وأعلاهم جاهًا عند الله، وقد قال تعالى عن موسى: (وَكَانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهًا). ومحمد ﷺ أعظم جاهًا من جميع الأنيباء والمرسلين لكنَّ شفاعتَه ودعاءَه إنما ينتفع بهما من شفع له رسول الله ﷺ ودعا له، فمن دعا له الرسول وشفع له توسل إلى الله بشفاعته ودعائه كما كان الصحابة يتوسلون إلى الله بدعائه وشفاعته، وكما يتوسل الناس يوم القيامة إلى الله ﵎ بدعائه وشفاعته ﷺ.
ولفظ التوسل في عرف الصحابة كانوا يستعملونه في هذا المعنى، والتوسل بدعائه وشفاعته ينفع مع الإيمان به، وأما بدون الإيمان به: فالكفار والمنافقون لا تغني عنهم شفاعة الشافعين في الآخرة).
ومعلوم أن الاستغاثة شرك بالله في الربوبية بالأنداد في قدرة الله الكاملة إذا كان يعتقد أن الرسول عنده مقدرة على الإغاثة والنفع والضر - كما سبق معنا ـ، وشرك الألوهية لازم له في هذا الاعتقاد، وإذا كان مجرد النداء والدعاء للمسألة أو العبادة؛ فهذا شرك في العبادة.
أما التوسل الذي يتشبث به المتصوفة ويستدل به على جواز الاستغاثة بغير الله وطلب النفع والضر من غيره تعالى، فهو توسلهم بالذوات.
وقد احتج المتصوفة لتجويز هذا التوسل بأحاديث كثيرة، يمكن تصنيفها إلى ما يلي:
أ- الأحاديث الصحيحة، ولكنها لا تدل على مقصودهم.
[ ٢ / ١١٧٠ ]
ب- الأحاديث الضعيفة والموضوعة والواهية والآثار الإسرائيلية، وقد جمع الشيخ ناصر الدين الألباني - حفظه الله - أغلبها في كتابه «التوسل أنواعه وأحكامه»، وفندها وبين بطلانها واحدة تلو الأخرى، فلا أذكرها هاهنا، وإنما أذكر مما استدلوا به من الأحاديث الصحيحة، وأشهر ما يستدلون به هما الحديثان الآتيان، وهما:
أولًا: حديث الضرير الذي رواه عثمان بن حنيف: أن رجلًا ضرير البصر أتى النبي ﷺ فقال: ادع الله لي أن يعافيني، قال: «إن شئت أخرت لك وهو خير، وإن شئت دعوت»، فقال: ادعه، فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويصلي ركعتين ويدعو بهذا الدعاء: «اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بمحمد ني الرحمة، يا محمد، إني قد توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى، اللهم فشفعه في». قال: ففعل الرجل فبرئ.
وقد استدل المتصوفة كالنبهاني وزيني دحلان والعلوي المالكي بهذا الحديث على جواز التوسل بذات النبي ﷺ، وبنوا على ذلك أن التوسل به باق ولو بعد موته، ولم يقفوا عند الرسول بل قالوا: يجوزا لتوسل بذوات الأولياء أحياءً وأمواتًا؛ وذلك لأن النبي ﷺ علم الأعمى أن يتوسل به في دعائه وفعل الأعمى ذلك فعاد بصيرًا.
[ ٢ / ١١٧١ ]
هذا وجه استدلالهم المتصوفة بهذا الحديث ويا ليتهم وقفوا عند الاستدلال به على جواز التوسل بذات النبي وذلك حتى يهون الشر - وإن كان التوسل بالذوات هوا لباب الذي وقع عن طريقه كثير من أفراد الأمة الإسلامية في الإشراك بالله - بل تجاوزوا ذلك فأجازوا التوجه إلى الرسول وغيره من الصالحين بالدعاء والاستغاثة وطلب النفع والضر وقضاء الحوائج منهم.
ولو نظرنا إلى هذا الحديث وفهمنا معناه الفهم الصحيح سنرى أنه لا حجة فيه للمتصوفة وغيرهم الذين استدلوا به على جواز التوسل بذات النبي وغيره من الأولياء والصالحين، بل الحديث دليل على التوسل المشروع بالنبي ﷺ وهو التوسل بدعائه؛ وذلك لأنه لو كان التوسل بذات النبي كاف بدون التوسل بدعائه ﷺ لما جاء ذلك الصحابي الجليل إلى النبي ﷺ وطلب منه الدعاء، بل كان من اللائق به أن يكتفي بتوسله بذات النبي ﷺ والتوجه إليه بالدعاء والاستغاثة كما يفعل المتصوفة اليوم، ولكن لم كان التوسل المشروع إلى الله هو التوسل بدعاء النبي ﷺ أتى إلى الرسول ﷺ وطلب منه أن يدعو الله له، وعلى هذا فالحديث دليل عليهم لا لهم كما وهم المتصوفة والقبوريين عامة.
وإليك أقوال العلماء في تحليل ألفاظ هذا الحديث والأحكام التي تستفاد منه:
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مرجحًا أن الأعمى توسل بدعاء النبي ﷺ ليرد إليه بصره، ولم يتوسل بذاته كما يزعم الكثيرون من المتصوفة وغيرهم:
(دعاء الموتى والغائبين من الأنبياء والملائكة والصالحين والاستغاثة بهم والشكوى إليهم، فهذا لم يفعله أحد من السلف من الصحابة والتابعين لهم
[ ٢ / ١١٧٢ ]
بإحسان، ولا رخص فيه أحد من أئمة المسلمين.
وحديث الأعمى هو من القسم الثاني من التوسل بالدعاء، فإن الأعمى قد طلب من النبي ﷺ أن يدعو له بأن يرد الله عليه بصره، فقال له: «إن شئت صبرت وإن شئت دعوت لك». فقال: (بل ادع)، فأمره أن يتوضأ ويصلي ركعتين ويقول: (اللهم إني أسألك بنبيك نبي الرحمة. يا محمد، يا رسول الله، إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه ليقضيها، اللهم فشفعه في). فهذا توسل بدعاء النبي ﷺ وشفاعته، وقد دعا له النبي ﷺ، ولهذا قال: (وشفعه في)، فسأل الله أن يقبل شفاعة رسوله فيه وهو دعاؤه.
وهذا الحديث ذكره العلماء في معجزات النبي ﷺ ودعائه المستجاب وما أظهر الله ببركة دعائه من الخوارق والإبراء من العاهات؛ فإنه ﷺ ببركة دعائه لهذا الأعمى أعاد الله عليه بصره).
ومن العلماء الذين حللوا ألفاظ هذا الحديث تحليلًا دقيقًا الشيخ محمد نسيب الرفاعي، فقد قال رادًا على الذين يستدلون بهذا الحديث على مشروعية التوسل بذات النبي ﷺ:
(إن قول الأعمى: (ادع الله أن يعافيني) فيه بيان واضح جلي لقصد الأعمى من المجيء؛ وهو أنه ما جاء إلا من أجل أن يدعو له رسول الله ﷺ بالشفاء من ضره، وإن قوله ﷺ مجيبًا الأعمى: «إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت وهو خير» لدليل آخر على أن الأعمى ما جاء إلا من أجل الدعاء، وفيه تخيير من رسول الله ﷺ بالدعاء أو الصبر، حتى إذا شاء الأعمى الدعاء ودعا له، وفي تخييره هذا وعد بالدعاء إن شاءه.
[ ٢ / ١١٧٣ ]
وإن إصرار الأعمى على الدعاء بقوله: (فادعه) لدليل ثالث على أن مجيئه لم يكن إلا من أجل الدعاء، ومن إصراره يفهم أن رسول الله ﷺ دعا له لأنه وعده بذلك إذا شاء الدعاء، وقد شاء بقوله: (فادعه)، على أن رسول الله ﷺ أحب أن يكون للأعمى كذلك مشاركة في الدعاء ولكنه لم يترك الأعمى أن يدعو ربه بما شاء، بل علمه دعاء خاصًا وأمره أن يدعو الله به بالإضافة إلى دعائه ﷺ.
وإن قول الأعمى في آخر الدعاء الذي علمه إياه رسول الله ﷺ: (اللهم فشفعه في) لدليل رابع على الدعاء.
والشفاعة من رسول الله ﷺ لا تسمى شفاعة ولا تكون إلا بدعاء الشافع للمشفوع له، فدعاء الأعمى أن يقبل الله شفاعة رسوله فيه ما يدل على أن رسول الله ﷺ قد دعا له فعلًا، والأعمى يطلب من الله قبول دعاء رسول الله ﷺ).
ثم قال الشيخ محمد نسيب الرفاعي: (فإذا استجمعنا هذه الأدلة على ثبوت دعاء الرسول ﷺ للأعمى توحى لنا أمرًا هامًا يدور عليه مآل الحديث ويكشف معناه بشكل واضح؛ وهو أن معنى (اللهم إني أسألك بنبيك) أي بدعاء نبيك. ولا يفهم منه التوسل بذاته ﷺ وما كان هذا مراد الأعمى من مجيئه إلى الرسول ﷺ حتى. وإن معنى التوسل المتبادر إلى أذهان الصحابة ﵃ في ذلك الوقت كان محصورًا فيها في طلب الدعاء من المتوسل به، وليس له المعنى المتعارف عليه عند البعض في زمننا الحاضر أي التوسل بذات المتوسل به، فقد كان مثل هذا التوسل بنفر منه الصحابة؛ لأنه من مفاهيم الجاهلية التي من أجل وجودها بعث الله رسوله إلى الناس كافة).
ويقول الشيخ ناصر الدين الألباني بعد أن رد على الذين يحتجون بهذا
[ ٢ / ١١٧٤ ]
الحديث على جواز التوسل بذات النبي ﷺ وغيره من الصالحين.
(إذا تبين للقارئ الكريم ما أوردناه من الوجوه الدالة على أن حديث الأعمى إنما يدور حول التوسل بدعائه ﷺ وأنه لا علاقة له بالتوسل بالذوات، فحينئذ يتبين له أن قول الأعمى في دعائه: (اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بنبيك محمد ﷺ) إنما المراد به: (أتوسل إليك بدعاء نبيك)؛ أي حذف المضاف، وهذا أمر معروف في اللغة، كقوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيْرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا) أي أهل القرية وأصحاب العير، ونحن ومخالفونا متفقون على ذلك؛ أي على تقدير مضاف محذوف ).
ثم قال الشيخ الألباني: (وثمة أمر آخر جدير بالذكر؛ وهو أنه لما حمل حديث الضرير على ظاهره وهو التوسل بالذات لكان معطلًا لقوله فيما بعد: (اللهم فشفعه في وشفعني فيه). وهذا لا يجوز كما لا يخفى، فوجب التوفيق بين هذه الجملة والتي قبلها وليس ذلك إلا على ما حملناه من أن التوسل كان بالدعاء، فثبت المراد وبطل الاستدلال به على التوسل بالذات المحمدية والحمد لله).
والخلاصة: أن حديث الضرير ليس فيه أي دليل للذين يقولون بجواز التوسل بذات النبي ﷺ حيًا وميتًا، وإنما هو دليل عليهم؛ لأنه لا يدل إلا على جواز التوسل بدعاء الرسول ﷺ كما كان يفعل كثير من الصحابة في حياته، حيث كانوا يأتون إلى النبي ويطلبون منه الدعاء، ومن جملة الصحابة هذا الصحابي الجليل الذي عمي بصره فأتى إلى النبي ﷺ وطلب منه أن يدعو الله له فدعا له، فبرئ، وعلى هذا فلا حجة للمتصوفة في هذا الحديث.
وبالإضافة إلى ذلك فإن المتصوفة يستدلون بهذا الحديث على جواز
[ ٢ / ١١٧٥ ]
التوجه بالدعاء والاستغاثة إلى النبي ﷺ والأولياء كما اتضح لنا ذلك في الأناشيد الشعرية التي قالها المتصوفة، والتي من أولها إلى آخرها شرك صريح بالله ﷿ وتأليه للرسول ﷺ.
ولو نظرنا إلى حديث الأعمى فإننا لا نجد فيه لفظًا واحدًا من قريب أو بعيد فيه إشارة إلى جواز التوجه إلى النبي ﷺ رأسًا بالدعاء والاستغاثة كما رأينا في الأبيات السابقة التي توجه فيها المتصوفة إلى الرسول ﷺ، وعلى هذا فإنني أقول: إن حديث الأعمى في الحقيقة ليس نصًا في محل النزاع، وإنما هو شيء خارج عنه، فإن نزاعنا مع المتصوفة الذين يدعون الأنيباء ليس في التوسل فحسب بنوعيه المشروع والممنوع، وإنما نزاعنا معهم هو في التوجه بالدعاء والاستغاثة إلى الرسول والأولياء الذي يفعلونه يوميًا ويسمونه توسلًا بالأنبياء والأولياء، مع أنه ليس كذلك بل هو دعاء واستغاثة بالرسول ﷺ والأولياء.
وتسمية المتصوفة له بالتوسل لا يخرجه عن حقيقته وهو كونه دعاء واستغاثة بالرسول ﷺ وليس توسلًا به ولا بالأنبياء والأولياء، وهو يعتبر من باب تسمية الشيء بغير اسمه، وتسمية الشيء بغير اسمه لا يغير من حقيقة الشيء، فكون الخمر إذا سماه أحد من الناس عسلًا لا يغير ذلك من حقيقة الخمر بل هو باق على حقيقة الخمرية، وكون المتصوفة يسمون دعاء الرسول والاستغاثة به وكذلك الأولياء بأنه توسل بهم لا يغير ذلك من الحقيقة شيئًا بل هو باق على حقيقته وهو كون هذا الذي يفعله المتصوفة مع الرسول والأولياء دعاء واستغاثة بهم من دون الله، وهو عين الشرك بالله تعالى.
[ ٢ / ١١٧٦ ]
ثانيًا: ما رواه أنس بن مالك ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال: «اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. قال: فيسقون».
ولقد فهم المتصوفة وغيرهم من القائلين بجواز التوسل بذوات الأنبياء والصالحين إلى الله من هذا الأثر بأن توسل عمر ﵁ إنما كان بجاه العباس ﵁ ومكانته عند الله ﷾، وأن توسله كان مجرد ذكر العباس في دعائه وطلب منه لله أن يسقيهم من أجله. وأما سبب عدول عمر ﵁ عن التوسل بالرسول ﷺ بزعمهم وتوسلًا بدلًا منه بالعباس ﵁ فإنما كان لبيان جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل ليس غير.
المناقشة: إن فهم المتصوفة هذا فهم خاطئ، وتفسيرهم للحديث بهذا التفسير السابق مردود عليهم من وجوه كثيرة:
فإن من القواعد المهمة في الشرعية الإسلامية أن النصوص الشرعية يفسر بعضها بعضًا ولا يفهم شيء منها في موضع ما بمعزل عن بقية النصوص الواردة فيه؛ وبناء على ذلك فحديث توسل عمر السابق إنما يفهم على ضوء ما ثبت من الروايات والأحاديث الواردة في التوسل، والجميع متفقون على أن في كلام عمر: (كنا نتوسل إليك بنبينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا) شيئًا محذوفًا لابد له
[ ٢ / ١١٧٧ ]
من تقدير، وهذا التقدير إما أن يكون كنا نتوسل بجاه نبينا، وإنا نتوسل بجاه عم نبينا على رأي المخالفين، أو أن يكون؛ كنا نتوسل إليك بدعاء نبينا وإنّا نتوسل إليك بدعاء عم نبينا على رأينا نحن، ولابد من الأخذ بواحد من هذين التقديرين ليفهم الكلام بوضوح وجلاء.
وإذا أردنا أن نعرف أي التقديرين أصح لابد من الرجوع إلى السنة لتبين لنا طريق توسل الصحابة الكرام بالنبي محمد ﷺ.
فإذا نظرنا إلى الصحابة الكرام هل كانوا إذا أجدبت بلادهم يبقى كل واحد منهم في بلده، أو كانوا يجتمعون في بلد، أو كانوا يجتمعون دون أن يكون معهم رسول الله ﷺ وهو في الحياة؛ فيدعون متوسلين بجاه محمد وذاته قائلين: اللهم بنبيك محمد وحرمته عندك ومكانته لديك اسقنا الغيث مثلًا، أم كانوا يأتون النبي ذاته فعلًا ويطلبون منه الدعاء فيحقق ﷺ طلبهم ويدعو لهم ويسقون؟ .
أما الأمر الأول: وهو التوسل بذات الرسول وحرمته عند الله ومكانته دون الإتيان إلى الرسول ﷺ وطلب الدعاء منه فلا وجود له في السنة النبوية الصحيحة ألبتة، ولا عمله الصحابة الكرام. وما ورد في ذلك من آثار فهي كلها موضوعة وضعها المغرضون لإيقاع الناس في الشرك في الدعاء.
وأما الأمر الثاني: وهو التوسل إلى الله بطلب الدعاء من الرسول ﷺ فقد ورد كثير منه في السنة النبوية وقد كان الصحابة الكرام يفعلونه، حيث أتى كثير من الصحابة يطلب الدعاء من الرسول ﷺ حينما أجدبت بلادهم. وإليك حديثًا واحدًا يدل على أن الصحابة الكرام كانوا يتوسلون بدعاء النبي ﷺ لا بذاته وجاهه وحرمته ومكانته عند الله.
فقد روى أنس بن مالك ﵁ حديثًا عن رسول الله ﷺ فقال: «بينما
[ ٢ / ١١٧٨ ]
رسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله، قحط المطر فادع الله أن يسقينا، فدعا فمطرنا فما كدنا أن نصل إلى منازلنا، فما زلنا نمطر إلى الجمعة المقبلة. قال: فقام ذلك الرجل أو غيره فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يصرفه عنا، فقال رسول الله ﷺ: «اللهم حوالينا ولا علينا»، قال: فلقد رأيت السحاب يتقطع يمينًا وشمالًا يمطرون ولا يمطر أهل المدينة».
ووجه الاستدلال بهذا الحديث أن الصحابة الكرام رضوان الله عليهم كانوا يتوسلون إلى الله بدعاء النبي ﷺ لأنهم كانوا يأتون إليه يطلبون منه الدعاء، ولو كانوا يتوسلون بذاته ومكانته عند الله لما احتاجوا إلى الإتيان إلى المدينة وطلب الدعاء منه، بل لكانوا يتوسلون إلى الله وهم في أهليهم فيقولون: (اللهم بنبيك محمد ومكانته وجاهه وحرمته عندك اسقنا الغيث) فيسقون. ولكن هذا لم يفعله الصحابة الكرام لأنهم يعلمون أنه توسل غير مشروع. ولذا: نقول إن المحذوف في توسل عمر بالعباس هو (أنّا كنا نتوسل إليك بدعاء نبينا فتسقينا وأنّا نتوسل إليك بدعاء عم نبينا فاسقنا). وعلى هذا فتقدير المجيزين للتوسل الممنوع وهو قولهم: إن المحذوف في توسل عمر بالعباس هو كلمة الجاه في الموضعين غير صحيح؛ لأنه ليس لهم دليل يستندون إليه.
وإلى جانب ذلك هناك قرائن كثيرة تدل على أن التوسل من عمر ﵁ كان بدعاء العباس لا بذاته ولا بجاهه ولا بمكانته، وهذه القرائن هي:
١ - عدول عمر عن التوسل بالرسول ﷺ وهو أشرف خلق الله وأن التوسل به أولى من التوسل بغيره؛ وذلك لأن الرسول ﷺ قد مات ولا يمكن طلب الدعاء منه بعد موته؛ ولذلك عدل عمر عن التوسل به إلى التوسل بالعباس بن عبد المطلب، لأنه عم رسول الله ﷺ فطلب منه الدعاء، ولو كان عمر توجه بجاه العباس إلى الله
[ ٢ / ١١٧٩ ]
لتوسل بجاه النبي لأنه أكبر جاهًا عند الله من العباس بن عبد المطلب.
ولكن لما كان التوسل المشروع هو التوسل بدعاء الرسول ﷺ عدل عن التوسل بالنبي ﷺ لأنه لا يمكن طلب الدعاء منه بعد موته فتوسل بدعاء العباس ابن عبد المطلب لطلب السقيا، وعلى هذا نقول: إن استدلال المجيزين للتوسل بذات الشخص وجاهه ومكانته عند الله بهذا الحديث استدلال باطل؛ لأن الحديث ليس دليلًا بل عليهم، ولكن أوقعهم في الاستدلال به سوء مقصدهم.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رادًا على الذين يقولون بجواز التوسل بذات النبي وذات غيره من الأولياء ومؤكدًا بأن هذا لم يفعله الصحابة ولا التابعون بل هو من البدع المحدثة التي ابتدعها أهل الأهواء:
(فأما التوسل بذاته في حضوه أو مغيبه أو بعد موته - مثل الإقسام بذاته أو بغيره من الأنبياء، أو السؤال بنفس ذواتهم لا بدعائهم - فليس هذا مشهورًا عند الصحابة والتابعين، بل عمر بن الخطاب ومعاوية بن أبي سفيان ومن بحضرتهما من أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين لهم بإحسان لما أجدبوا استسقوا وتوسلوا واستشفوا بمن كان حيًا كالعباس ويزيد بن الأسود، ولم يتوسلوا ولم يستشفعوا ولم يستسقوا في هذه الحال بالنبي ﷺ لا عند قبره ولا غير قبره بل عدلوا إلى البدل كالعباس وكيزيد، بل كانوا يصلون عليه في دعائهم، وقد قال عمر: (اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبيك فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا).
[ ٢ / ١١٨٠ ]
فجعلوا هذا بدلًا عن ذاك لما تعذر أن يتوسلوا به على الوجه المشروع الذي كانوا يفعلونه، وقد كان من الممكن أن يأتوا إلى قبره ويتوسلوا هناك ويقولوا في دعائهم بالجاه ونحو ذلك من الألفاظ التي تتضمن القسم بمخلوق على الله ﷿ أو السؤال به فيقولون: نسأله أو عليك بنبيك ونحو ذلك مما يفعله بعض الناس ).
ثم قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وكذلك علم الصحابة أن التوسل به إنما هو التوسل بالإيمان به وطاعته ومحبته وموالاته أو التوسل بدعائه وشفاعته، فلهذا لم يكونوا يتوسلون بذاته مجردة عن هذا وهذا، فلما لم يفعل الصحابة رضوان الله عليهم شيئًا من ذلك ولا دعوا بمثل هذه الأدعية - وهم أعلم منا وأعلم بما يحب الله ورسوله وأعلم بما أمر الله به ورسوله من الأدعية وما هو أقرب إلى الإجابة منا بل توسلوا بالعباس وغيره ممن ليس مثل النبي ﷺ دل عدولهم عن التوسل بالأفضل إلى التوسل بالمفضول أن التوسل المشروع بالأفضل لم يكن ممكنًا).
ويقول الشيخ محمود شكري الآلوسي رادًا على المتصوفة الذين يستدلون بتوسل عمر بالعباس على جواز التوسل بالذوات مبينًا أن هذا الحديث دليل على عدم جواز التوسل بالذوات، وأن التوسل المشروع هو التوسل بطلب الدعاء من الرجل الصالح إن وجد، قال: (بل هو أقوى الأدلة وأرجحها وأعلاها وأوثقها وأصحها وأصدقها لما ندعيه، فإن قول عمر: (اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إلخ) يدل دلالة ظاهرة على انقطاع ذلك الذي هو الدعاء، بدليل قوله: (إنا كنا)، ولما كان العباس حيًا فطلبوه منه فلما مات فات، فقصرهم له على الموجودين ولو كانوا مفضولين دليل ساطع وبرهان لامع على هذا
[ ٢ / ١١٨١ ]
المراد. ولو كان المقصود الذوات كما يقولون لبقيت هذه التوسلات على حالها لم تتغير ولم تتبدل إلى المفضولين بعد وجود الفاضلين سيما الأنبياء والمرسلين. فتأمل في هذا فإنه أحسن ما في الأوراق، حقيق بأن يضرب عليه رواق الاتفاق، والله يهديك السبيل، فهو نعم المولى ونعم الوكيل).
وقال الشيخ نعمان خير الدين الشهير بابن الآلوسي البغدادي مبينًا أن توسل عمر بالعباس ﵁ دليل على جواز التوسل بدعاء الرجل الصالح وعلى منع التوسل بالذوات:
(وأما ما ذكروه من الاستدلال بتوسل عمر بن الخطاب بالعباس بن عبد المطلب ﵄ فالمراد بذلك أن يدعو لهم. يدل عليه ثبوت دعائه لهم بطلب السقيا كما جاءت به بقية الروايات، ومثله استسقاء معاوية في الشام بيزيد بن الأسود فإنه قال: يا يزيد، ارفع يديك، فرفع يديه ودعا الناس حتى سقوا، وهذا المعنى هو الذي عناه الفقهاء في باب الاستسقاء ومرادهم التوجه إلى الله تعالى بدعاء الصالحين؛ فإن دعاءهم أرجى الإجابة.
ولو كان التوسل بالذوات هو المطلوب، والمدلول الذي أقاموا عليه الدليل - وهم بمقتضى دليلهم لا يخصون الأحياء بهذا التوسل، ويستحبون التوسل بالذوات الشريفة ولو بندائهم ودعائهم وأنه على معنى أن الشفعاء يدعون لهم وقالوا: لا مانع من ذلك عقلًا وشرعًا فإنهم أحياء في قبورهم - لكان التوسل بالنبي ﷺ في ذلك الأمر المهم وهم عنده بالمدينة أولى). ثم
[ ٢ / ١١٨٢ ]
أورد توسل عمر بالعباس وقال: (بل هذا الدليل الذي تمسكوا به من أقوى الأدلة وأرجحها وأظهرها على ما ندعيه من عدم الجواز، فهو عليهم لا لهم عند من له أدنى فهم وإنصاف).
والخلاصة: أن توسل عمر بن الخطاب ﵁ بالعباس ﵁ دليل قاطع على أن التوسل المشروع بالنبي ﷺ إلى الله تعالى هو التوسل بمحبته وطاعته والإيمان به؛ لأن هذه الأمور من الأعمال الصالحة والأعمال الصالحة من أهم الأشياء التي يتقرب بها الإنسان إلى الله ﷾، ولأنه هو التوسل الباقي بعد موت الرسول؛ حيث إن الصحابة كانوا يأتون إلى النبي ﷺ في حياته ويطلبون منه الدعاء فكان يدعو لهم، ولكن لما علم الصحابة رضوان الله عليهم أن التوسل بدعاء النبي ﷺ غير ممكن بعد موته توسلوا إلى الله بدعاء العباس بن عبد المطلب حيث طلب منه عمر أن يدعو فدعا.
ولم يكن التوسل بالعباس بن عبد المطلب بجاهه كما يزعم المخالفون من المتصوفة وغيرهم، وإنما كان التوسل بدعائه، ولو كان التوسل بالذوات والجاه جائزًا لما عدل عمر ﵁ عن التوسل بجاه النبي ﷺ وذاته ومكانته عند الله؛ لأن النبي ﷺ يتفوق على الجميع في هذا، ولكن لما كان التوسل بذاته وجاهه ومكانته غير جائز عدل عن التوسل به إلى التوسل بالعباس بن عبد المطلب.
وبهذا نخلص إلى أن الأحاديث الصحيحة التي استدل بها المتصوفة على جواز التوجه إلى الرسول بالدعاء والاستغاثة وبالأنبياء والصالحين ليس لهم أي دليل فيها، بل هي ضدهم، ومشايخ الصوفية لم يقعوا في هذا لعدم فهمهم
[ ٢ / ١١٨٣ ]
لها، وإنما يستدلون بها لسوء مقصدهم، وفساد معتقدهم من أجل أن يبرروا للناس العوام الأعمال الشركية، وقد فعلوها، فما من بلد إسلامي في هذا العالم الإسلامي - إلاّ ما شاء الله - إلاّ ويمارس الشرك باسم التوسل رغم أن التوسل بالشخص ودعاءه والاستغاثة به بينهما فرق كبير جدًا، ومع هذا فالصوفية يخلطون بينهما عن عمد ويسمون دعاء الرسول والاستغاثة به وكذلك الأولياء بأنه توسل، وهذا جهل عظيم، وخطأ فادح وقع فيه المتصوفة عن عمد أو خطأ، وعن علم أو جهل، الله أعلم بحالهم.
وللشيخ محمود شكري الآلوسي كلام نفيس في هذا المجال، وهذا نصه:
فقد قال ﵀ في كتابه غاية الأماني في الرد على النبهاني في معرض رده على النبهاني: (أقول وبالله التوفيق: إن الكلام على ما حواه كلامه من الكذب والزور والبطلان يطول جدًا، فضلًا عما اشتملت عليه عباراته من الغلط وفساد التركيب وسوء التعبير؛ فكلامه كله ظلمات بعضها فوق بعض، فلو تكلمنا على ذلك كله لطال الكلام وكلت عن رقمه الأقلام، فإن النبهاني هذا من أعظم الغلاة المحادين لله ورسوله وكلامه كله باطل وجهل مركب وبهت لأهل الحق، وليس فيه جملة واحدة توافق الحق أصلًا، فالحمد لله الذي خذل أعداء دينه وجعلهم عبرة لأوليائه وعباده المؤمنين).
ثم دخل الشيخ في التفريق بين دعاء الشخص والاستغاثة به من دون الله وبين التوسل به إلى الله، فقال:
(أما مشروعية الاستغاثة ففيها تفصيل؛ إذ الاستغاثة بالشيء على ما ذكره بعض المحققين: طلب الإغاثة والغوث منه، كما أن الاستغاثة طلب الإعانة منه فإذا كان بنداء المستغيث للمستغاث كان ذلك سؤالًا منه، وظاهر أن ذلك
[ ٢ / ١١٨٤ ]
ليس توسلًا به إلى غيره إذ قد جرت العادة أن من توسل بأحد غيره أن يقول لمستغاثة: أستغيثك على هذا الأمر بفلان. فيوجه السؤال إليه ويقصر أمر شكواه عليه، ولا يخاطب المستغاث به ويقول له: أرجو منك أو أريد منك وأستغيث بك. ويقول: إنه وسيلتي إلى ربي.
وإن كان كما يقول فما قدر المتوسل إليه حق قدره وقد رجا وتوكل والتجأ إلى غيره، كيف واستعمال العرب يأبى عنه؛ فإن من يقول: صار لي ضيق فاستغثت بصاحب القبر فحصل الفرج، يدل دلالة جلية على أنه قد طلب الغوث منه، ولم يفد كلامه أنه توسل به، بل إنما يراد هذا المعنى إذا قال: توسلت أو استغثت إليك بفلان. فيكون حينئذٍ مدخول الباء متوسلًا به، ولا يصح إرادة هذا المعنى إذا قلت: استغثت بفلان، وتريد المتوسل به، سيما إذا كنت داعية وسائله.
بل قولك هذا نص على أن مدخول الباب مستغاث وليس مستغاثًا به، والقرائن التي تكتنفه من الدعاء وقصر الرجاء والالتجاء شهود عدل، ولا محيد عما شهدت به ولا عدول، فهذه الاستغاثة وتوجه القلب إلى المسئول بالسؤال والإبانة محظورة على المسلمين، لم يشرعها لأحد من أمته رسول رب العالمين.
وهل سمعتم أن أحدًا في زمانه ﷺ أو ممن بعده في القرون المشهود لأهلها بالنجاة والصدق - وهم أعلم منا بهذه المطالب وأحرص على نيل مثل تلك الرغائب - استغاث بمن يزيل كربته التي لا يقدر على إزالتها إلا الله، أم كانوا يقصرون الاستغاثة على مالك الأمور ولم يعبدوا إلا إياه، ولقد جرت عليهم أمور وشدائد مدلهمة في حياته ﷺ وبعد وفاته، فهل سمعت عن أحد منهم أنه استغاث بالنبي ﷺ أو قالوا: إنا مستغيثون بك يا رسول الله؟ أم بلغك أنهم لاذوا بقبره الشريف وهو
[ ٢ / ١١٨٥ ]
سيد القبور حين ضاقت منهم الصدور؟ كلا، لا يمكن لهم ذلك، وأن الذي كان بعكس ما هنالك، فلقد أثنى الله عليهم ورضي عنهم فقال عز من قائل: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ)؛ مبينًا لنا أن هذه الاستغاثة أخص الدعاء وأجلى أحوال النجاة وهي من لوازم السائل المضطر الذي يضطر إلى طلب الغوث من غيره، فيخص نداءه لدى استغاثته بمزيد الإحسان في سره وجهره، ففي استغاثته بغيره تعالى عند كربته تعطيل لتوحيد معاملته).
ثم قال: (فلا يقال لأحد حي أو ميت قريب أو بعيد: ارزقني، أو أمتني، أو أحي ميتي أو اشف مريضي. إلى غير ذلك مما هو من الأفعال الخاصة بالواحد الأحد الفرد الصمد).
ثم قال: (والقرآن ناطق بخطر الدعاء عن كل أحد لا من الأحياء ولا من الأموات سواء أكانوا أنيباء أو صالحين أو غيرهم، وسواء كان الدعاء بفظ الاستغاثة أو بغيرها؛ فإن الأمور الغير مقدورة للعباد لا تطلب إلا من خالق القدر ومنشئ البشر، كيف والدعاء عبادة، وهي مختصة به سبحانه).
والمقصود: بيان كون هذه الشبهة التي تعلقوا بها في الشرك بالله ﷿ في قدرته الكاملة من إثبات التصرف في الكون لغير الله ﷿ وإثبات جواز نداء غير الله والاستغاثة بغيره سبحانه من الشبه الواهية، وليس لهم أي مستند من الشرع، وليس هذا من باب التوسل الذي يذكرونه، فإنه شتان بين التوسل وبين الاستغاثة والاستنجاد وطلب النفع والضر ودفع الكربة من الله، ثم ليس كل ما يرون من التوسل جائزًا، بل التوسل الجائز يمنع وقوع مثل هذه الأنواع
[ ٢ / ١١٨٦ ]
من الشركيات بغير الله، فاستدلال المتصوفة بشبهة التوسل على جواز هذه الأمور استدلال في غير محله.
ب- عدم التفريق بين الربوبية والألوهية في المعنى، وفي الحكم، والقول بترادفهما:
وذلك، أنهم لما قالوا بترادفهما نتج عن ذلك اعتبار كل من اعتقد بالله ربًا: مسلمًا، عبد بعد هذا من دونه ما شاء، لا يخرجه عن الإسلام.
مع وضوح الدلائل والبينات في ما سبق معنا على أن الرب والإله كلمتان متغايرتان في مفهوميهما في لغة العرب وفي لغة القرآن وفي مفهوم سلف هذه الأمة، فإن هناك من المتأخرين من يتشبث ببعض الشبه على قولهم بترادف الإله والرب، حتى قالوا: من أيقن بالله ربًا فقد جاء بالتوحيد المطلوب، ولهم شبهات كثيرة معظمها ناتجة عن سوء الفهم للآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، لبعدهم عن الفهم الصحيح لهذه النصوص. فمن الشبه التي يتمسكون بها ما يلي:
الشبهة الأولى: قوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللهُ لَفَسَدَتَا).
وجه الاستدلال: - كما يقولون - هذه الآية فيها دلالة على أن الإله هو الرب؛ فإن الله تعالى علم المؤمنين ورد على الكافرين المشركين، والمعنى لو كان في السموات والأرض أرباب غير الله لفسدتا؛ لأن كل رب يريد ما لا يريد الآخر؛ فيلزم فساد هذا النظام الموجود؛ فلما لم تفسدا دل على أن الرب لهذا الوجود واحد في ربوبيته.
[ ٢ / ١١٨٧ ]
ويجاب عن هذه الشبهة: بأن الإله في هذه الآية ليس المراد منه هو الرب الخالق الصانع؛ لأن هذه الآية سيقت للرد على المشركين الذين لم يعتقدوا صانعين أو أكثر للعالم؛ بل اتخذوا آلهة يعبدونها من دون الله؛ ولم يعتقدوا فيها أنها خالقة؛ أرباب، صانعة، بل اعتقدوا فيها أنها عباد مقربون عند الله ويشفعون لهم عند الله، إذن حمل الآية على برهان التمانع (التفسير المذكور) صار باطلًا أيضًا، فإنه سبحانه أخبر: أنه لو كان فيهما آلهة غيره؛ ولم يقل: (أرباب).
وأيضًا فإن هذا إنما هو بعد وجودهما، وأنه لو كان فيهما وهما موجودتان آلهة سواه لفسدتا، وأيضًا فإنه قال: (لفسدتا)، وهذا فساد بعد الوجود، ولم يقل: لم توجدا. فالمراد من الفساد ليس التخريب والهدم الظاهر؛ لأنه لو كان الأمر هكذا لقال الله تعالى: (لم تخلقا) ولم يقل: (لفسدتا) لأن برهان التمانع يقتضي ألاّ توجد السموات والأرض إن فرض وجود صانعين فأكثر لا أن تفسدا بعد خلقهما، وإنما المراد من الفساد في الآية: الفساد بمعنى الظلم والعدوان؛ لأن التوحيد أعدل العدل، والشرك أظلم الظلم.
وأما المراد من الفساد المنفي في هذه الآية فهو الفساد الناشئ عن عبادة غير الله تعالى وفساد نظام صلاح الحق، قال شيخ الإسلام: (فالمقصود هنا: أن في هذه الآية بيان امتناع الألوهية من جهة الفساد الناشئ من عبادة ما سوى الله تعالى؛ لأنه لا صلاح للخلق إلا بالمعبود المراد لذاته فلو كان فيهما معبود غيره لفسدتا من هذه الجهة).
[ ٢ / ١١٨٨ ]
الشبهة الثانية: تشبثهم بقوله تعالى: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى).
قالوا: (لم يقل: ألست بإلهكم، فاكتفى منهم بتوحيد الربوبية، ومن المعلوم: أن من أقر لله بالربوبية فقد أقر الله بالألوهية، إذ ليس الرب غير الإله، بل هو بعينه).
الشبهة الثالثة: تشبثهم بقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا).
قالوا: (لم يقل: (إلهنا)، فهذا يدل على أن توحيد الربوبية كافٍ في النجاة والفوز، لاسلتزامه توحيد الألوهية، فهذا دليل على أن القول بأحد التوحيدين قول بالآخر).
الشبهة الرابعة: استدلالهم بحديث سؤال الملكين في القبر: بـ (من ربك؟).
قالوا: (لم يقولا له: (من إلهك)، فدل على أن توحيد الألوهية هو توحيد الربوبية).
[ ٢ / ١١٨٩ ]
الشبهة الخامسة: استدلالهم بحديث: «قل ربي الله ثم استقم».
وجه الاستدلال - كما سبق - حيث لم يقل: قل: (إلهي الله).
ويجاب عن هذه الشبهات الأربعة الأخيرة:
بأنه لا شك في أننا مأمورون باعتقاد أن الله ربنا وحده، ليس لنا رب غيره، وباعتقاد أن الله وحده هو معبودنا، ليس لنا معبود غيره، ولا نعبد إلا إياه. فإذا اتفقنا عليه نستطيع أن نقول: بأن الرب هو الله ﷿ وليس لنا رب سواه، وإذا قلنا: إنه هو الرب لنا يجب علينا أن نؤلهه أي نعبده، فإن الرب هو الذي يرب الناس - كما سبق - والذي يرب هو الذي يعبد. فقولهم: (ليس الرب غير الإله) لا يخلو من إحدى ثلاث حالات:
الأولى: أن الإله هو الرب نفسه في واقع الأمر. فهذه القضية صحيحة لا شك فيها.
الثانية: أن الإله هو الرب نفسه في اعتقاد الموحدين المؤمنين - كما عليه في نفس الأمر - فهذا أيضًا صحيح.
الثالثة: أن الإله هو الرب نفسه في اعتقاد المشركين، فهذا هو محل النزاع، فإن الإله الحق في نفس الأمر واعتقاد الموحدين هو الرب نفسه، إلا أن المشركين كانوا يتخذون غير الله آلهة مع اعترافهم بأن الله هو رب الخالق المدبر، فلا يصح قولهم - الذي سبق - إرا أرادوا هذا المعنى.
أما استدلالهم بالآية القرآنية والأحاديث النبوية على أن الرب هو الإله
[ ٢ / ١١٩٠ ]
بعينه، فأقول: إن هذا الاستدلال فاسد من وجوه:
الأول: غاية ما تفيد هذه الآيات والأحاديث أنه عند إفراد الربوبية يدخل فيها توحيد الألوهية، ولا تفيد حصر التوحيد في الربوبية فقط، فإن هناك أدلة صريحة تدل على توحيد الألوهية أيضًا.
الثاني: أنها تحتمل أن تكون كنظائرها التي فيها تقرير المشركين باعترافهم بتوحيد الربوبية ليقروا بتوحيد الألوهية وليفردوه بالعبادة، فإن الإقرار بتوحيد الربوبية - مع ملاحظة قضية بديهية وهي أن غير الرب لا يستحق العبادة - يقتضي الإقرار بتوحيد الألوهية عند من له عقل سليم، وفهم مستقيم، فيكون الإقرار المذكور حجة عليهم، كما احتج الله تعالى على المشركين بتوحيد الرازق ومالك السمع والأبصار على وحدانية الألوهية.
فقال: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ).
وقال: (قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ).
الثالث: أن يكون المراد بالرب فيها - المعبود - كما في قوله تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ). ومن المعلوم:
[ ٢ / ١١٩١ ]
أن أهل الكتابين ما كانوا يقولون: إن أحبارهم ورهبانهم يخلقون ويرزقون ونحو ذلك، وإنما كان شركهم في طاعتهم المطلقة، وذلك شرك في التشريع والرب يأتي بمعنى المعبود، كما قاله القرطبي.
الوجه الرابع: خاص بقوله تعالى: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ).
إن في الآية اختصارًا، والمقصود: ألست بربكم وإلهكم، يدل عليه أثر ابن عباس ﵄: «إن الله لما مسح صلب آدم فاستخرج منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة فأخذ منه الميثاق أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا وتكفل لهم بالأرزاق» الحديث.
وفي أثر أبي بن كعب ﵁: «اعلموا أنه لا إله غيري ولا رب غيري فلا تشركوا بي شيئًا، فإني أرسل إليكم رسلي يذكرونكم عهدي وميثاقي وأنزل عليكم كتبي، قالوا: نسهد أنك ربنا وإلهنا، لا رب لنا غيرك، ولا إله لنا غيرك، فأقروا له يومئذ بالطاعة».
الوجه الخامس: إن الرب والإله يجتمعان ويفترقان؛ كما في قوله تعالى:
[ ٢ / ١١٩٢ ]
(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ). وكما يقال: رب العالمين وإله المرسلين، وعند الإفراد يجتمعان كما في قول القائل: من ربك؟
ومثاله: الفقير والمسكين نوعان في قوله: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ). ونوع واحد في قوله ﷺ: «افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم» وهذا أيضًا مثل مسألة الإسلام والإيمان، وإذا ثبت هذا فقول الملكين للرجل في القبر: (من ربك) معناه: من إلهك، لأن الربوبية أقر بها المشركون، ما يمتحن أحد بها، وكذلك قوله: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ). وقوله: (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا) وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا). فالربوبية في هذا هي الألوهية ليست قسيمة لها، كما تكون قسيمة لها عند الاقتران، فينبغي التفطن لهذه المسألة. لأن كثيرًا من الكلمات مع اختلاف معانيها قد تأتي إحداها بمعنى الأخرى في بعض السياق، ومع ذلك لا يدل على أنهما شيء واحد؛ لأن الاتحاد في الصدق لا يستلزم الاتحاد في المفهوم فضلًا عن التساوي؛ كما صرح به العلماء.
[ ٢ / ١١٩٣ ]
الشبهة السادسة: استدلالهم بقوله تعالى: (وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا). قالوا: إنه يدل على اتحاد الرب والإله. فإن المشركين لم يأخذوهم ربًا - كما تدعون ـ.
يجاب عن هذه الشبهة:
بأنه ليس في شيء من هذه الآية أن مشركًا قال في حق غير الله: إنه رب، أي إنه خالق مدبر الكون ونحوه ، وإنما في بعضها: اتخاذ الأرباب، وهذا ليس نصًا على أنهم مقرون بربوبيتهم وخالقيتهم ونحوها، بل يحتمل أن يكون اتخاذهم الأرباب بمعنى:
١ - صرف شيء من العبادة إليهم.
٢ - بمعنى اتباع ما شرعوا لهم من تحريم الحلال وتحليل الحرام.
٣ - كما ذكره أحد العلماء - إن بعض البشر اتخذوا أربابًا من دون الله، ومن اتخذ ربًا سماه ربًا إن كانت هذه التسمية لغة قومه، وقريش ما كانت تتخذ آلهتها أربابًا، والنصارى يسمون المسيح ربهم، ولا يطلقون اسم الرب على من عبدوهم من دونه وإن اتخذوهم أربابًا وآلهة.
حاصل الجواب: أنه ليس المراد من لفظة (الرب) في مثل هذا السياق (الخالق
[ ٢ / ١١٩٤ ]
الرازق مدبر الكون) حتى يلزم ما زعمه هؤلاء، بل المراد من الرب في مثل هذا السياق هو المعبود، فإنه قد يأتي بهذا المعنى - كما سبق - فلفظة (الرب) في هذه الآية بمعنى المعبود، ويدل عليه أيضًا ما ذكره المفسرون في بيان سبب نزول الآية: أن بعض اليهود والنصارى قالوا للنبي ﷺ: أتريد يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى بن مريم؟ فقال رسول الله ﷺ: «معاذ الله أن نعبد غيره، أو نأمر بعبادة غيره، ما بذلك بعثني، ولا بذلك أمرني»، فأنزل الله هذه الآية.
الشبهة السابعة: أن المشركين من العرب ما كانوا يعترفون بالربوبية لله جل شأنه، بل كانوا مشركين بالله بعدم إيمانهم بالله ربًا، والدليل عليه: قوله تعالى: (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ). والمعنى: لو كانوا صادقين بأن عبادتهم لأصنامهم تقربهم إلى الله زلفى ما اجترءوا أن يسبوه انتقامًا ممن يسبون آلهتهم، فإن ذلك واضح جدًا في أن الله تعالى في نفوسهم أقل من تلك الحجارة.
يجاب عن هذه الشبهة بما يلي:
أولًا: أن سبهم الذي يخشى أن يقع عند سب آلهتهم هو مقابلتهم لمن سب معبودهم بمثل سبه يريدون محض المجاراة فيتجاوزون الحد فيها، كما يقع كثيرًا من المختلفين في الدين والمذهب. وهذا كله من حب الذات والجهل
[ ٢ / ١١٩٥ ]
الحامل على المعاقبة على الجريمة بارتكابها عينها، يهين والده المعظم عنده.
الثاني: ليس المراد أنهم يسبونه صريحًا، ولكن يخوضون في ذكره فيذكرونه بما لا يليق به، ويتمادون في ذلك بالمجادلة فيزدادون في ذكره بما لا يليق بالله تعالى.
الثالث: أن معنى سبهم لله تعالى: عيبهم لأمر المسلمين فيعود ذلك إلى الله تعالى، لا أنهم كانوا يصرحون بسب الله تعالى؛ لأنهم كانوا يقرون أنه خالقهم وإن أشركوا به.
الرابع: أنهم ربما كان في جهالهم من كان يعتقد بأن إله محمد شيطان يحمله على ادعاء الرسالة، وليس خالق السموات والأرض، فكان يشتم إله محمد على هذا التأويل.
الخامس: أن هؤلاء يعلمون أن الله أجل وأعظم من أصنامهم، ولكن تهوى أنفسهم هذه الأصنام أكثر وتحبها حبًا أفضل من حب الله تعالى في أشياء مخصوصة باعتبارات مخصوصة، وليس تفضيلًا مطلقًا.
السادس: معنى السب لله تعالى هو تماديهم في الشرك به، فالشرك مسبة لله، وأي مسبة أعظم من عبادة غيره معه أو ادعاء الولد والصاحبة له؟ .
[ ٢ / ١١٩٦ ]
وهناك وجوه أخرى في توجيه هذه الآية، منها: أن المراد بسب الله: سب رسوله، أو أن الآية في القائلين بالدهر، ونفاة الصانع، وهذه الوجوه ضعيفة لا تناسب سياق الآية.
الشبهة الثامنة: تشبثهم بقوله تعالى: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ).
وجه الاستدلال: لو كان الله هو الرب المعترف به لديهم لما كان حرمته أقل في نفوسهم من الحجارة والأوثان.
يجاب عن هذه الشبهة بما يلي:
إن الآية - بحمد الله - تدل على عكس فهم هذا الزاعم، وذلك أن معناها كما ذكره ابن عباس ومجاهد: أنهم يسمون لله جزءًا من الحرث، ولشركائهم وأوثانهم جزءًا، فما ذهبت به الريح أو سقط من جزء أوثانهم إلى جزء الله ردوه وقالوا: الله غني عن هذا، وأما ما ذهب من جزء الله إلى جزء أوثانهم لم يردوه وقالوا: إنها فقيرة ومحتاجة.
وقال السدي: (إذا هلك الذي يصنعون لشركائهم وأوثانهم وكثر الذي لله قالوا: ليس بد لآلهتنا من نفقة، وأخذوا الذي لله فأنفقوه على آلهتهم، وإذا أجدب الذي لله وكثر الذي لآلهتهم قالوا: لو شاء أزكى الذي له، فلا يردون عليه شيئًا مما للآلهة).
[ ٢ / ١١٩٧ ]
فهذان التفسيران يدلان على أن الله تعالى أعظم في نفوسهم من آلهتهم، لوصفهم الله تعالى بالغني على التفسير الأول، وبالمشيئة المطلقة على الثاني، ولوصفهم أوثانهم بالفقر والحاجة، وعدم المشيئة.
الشبهة التاسعة: إن قول أبي سفيان يوم أحد (اعل هبل) أن يعلو في تلك الشدة يدل صراحة على أنهم كانوا يعبدون الله كعبادة الأصنام الأخرى وليس لكونه ربًا حتى باعترافهم.
يجاب عن هذه الشبهة بما يلي:
إن معنى (اعل هبل): ظهر دينك، أو أظهر دينك، وعلى هذا فهو يخبر بظهور دين هبل على دين المسلمين وليس على خالق السموات والأرض، أو يدعوه بأن يظهر دينه على دين المسلمين.
ولو سلمنا أن معناه: أن هبل أعلى من إله المسلمين فهو على قصد أن إله المسلمين غير خالق السموات والأرض، فإن المشركين لا يعترفون بأن الله هو الذي أرسل محمدًا ﷺ، بل يقولون: إنه ساحر، وكاذ وشاعر إلى آخر ذلك. ويدل عليه قصة الحديبية صراحة.
وإذا كان هناك احتجاج بكلام الكفار في الحرب فيقال لهذا القائل: ماذا تقول في كلام أبي جهل يوم بدر: (اللهم أقطعنا للرحم وأتانا بما لا نعرف فأحنه
[ ٢ / ١١٩٨ ]
الغداة فكان ذلك استفتاحًا منه فنزلت: (إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ).
والمقصود: أن القول بترادف الرب والإله غير صحيح، وبالتالي لا يقال: إن من أقر الله ربًا، يكون مسلمًا خالصًا فليدع ما شاء من دون الله، لا يخرج ذلك عن إسلامه - كما يقول به بعض المتصوفة وبعض الأشاعرة والماتريدية ـ.
الشبهة الثانية: ومن الشبه التي يستدل بها المتصوفة على جواز دعاء غير الله في الشدائد والاستغاثة به هو زعمهم بأنهم يدعون الأنبياء والصالحين ليتوسطوا لهم إلى الله:
ولها صورتان عند المتصوفة قديمًا وحديثًا.
الأولى: صورة فلسفية منطقية كلامية.
والثانية: صورة أمية عامية عادية.
أما الصورة الأولى فتقريرها: أن النفوس التي فارقت أبدانها أقوى من النفوس المتعلقة بالأبدان من بعض الوجوه؛ لأنها لما فارقت أبدانها زال عنها الغطاء والوطاء، وانكشف لها عالم الغيب، فالإنسان إذا ذهب إلى قبر إنسان قوي النفس كامل الجوهر شديد التأثير، ووقف عند قبره ساعة، وتأثرت نفسه من تلك التربة، حصل لنفس هذا الزائر تعلق بتلك التربة، وقد عرفت أن لنفس ذلك الميت تعلقًا بتلك التربة أيضًا، فحينئذ يحصل لنفس الحس ولنفس الميت ملاقاة بسبب اجتماعهما على تلك التربة، فصارت هاتان النفسان شبهتين
[ ٢ / ١١٩٩ ]
بمرآتين صقيلتين وضعتا بحيث ينعكس الشعاع من كل واحدة منهما إلى الأخرى.
وبهذا السبب ينعكس النور من نفس الميت المزور إلى نفس هذا الحي الزائر، وبهذا الطريق تصير تلك الزيارة سببًا لحصول المنفعة الكبرى، فهذا هو السبب الأصلي في شرعية الزيارة، ولهذا ينتفع بزيارة القبور والاستعانة بنفوس الأخيار من الأموات في استنزال الخيرات واستدفاع الملمات. فهذه فلسفة المتفلسفة منهم.
وبطلان هذا القول أظهر من الشمس في رابعة النهار، فلا يشتغل بالرد عليه.
وأما الصورة الثانية: فتقريرها عند العامة على جواز الاستعاثة بالأموات عند الكربات بل على وجوبها - عندهم - أن الأنبياء ﵈ والأولياء - كما يزعمون - واسطة في العون والمدد والإغاثة بين الله وبين المكروبين المضطرين، لعلو شأنهم ورفيع درجاتهم عند الله، وأن المكروب المستغيث يرى نفسه ملطخًا بالذنوب، فهو بعيد عن الله تعالى لا يصل إليه بواسطة أحبابه من الأولياء الذين يشفعون لهم عند الله تعالى. فكما أنه لا يمكن للرعايا الوصول إلى الملوك إلا بواسطة الوزراء والأمراء، كذلك لا يمكن الوصول إلى الله لإنجاح الحوائج بواسطة الأنبياء والأولياء.
[ ٢ / ١٢٠٠ ]
يجاب عن هذه الشبهة في تشبثهم بكلمة الواسطة بما يلي:
١ - إن المتصوفة في تشبثهم بكلمة الواسطة ملبسون ومدلسون، حيث إنهم خلطوا الباطل بالحق، فإن كون الأنبياء عليهم الصلاة والسلام واسطة بين الله وبين سائر الناس، يحتمل معنى حقًا ومعنى باطلًا؛ فمن أراد أنهم واسطة في تبليغ أوامر الله ونواهيه، وبيان دينه وشرعه، وتوضيح ما يحبه الله ويرضاه، وما يكرهه، فهذا معنى حق وصواب. وإن أراد بالواسطة أن الأنبياء والأولياء واسطة بين العباد وبين رب العباد في جلب المنافع ودفع المضار، والرزق، والنصر، والإغاثة، وكشف الكربات؛ فهذا من أعظم الشرك بالله الذي كفّر الله به المشركين.
ولشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كلام نفيس في هذا المجال أريد أن أنقل منه مقتطفات. قال ﵀ بعد أن أثبت بأن الأنبياء والرسل واسطة بين الله وبين الخلق في تبليغ الرسالة بكل ما تحمله هذه العبارة من العقائد والعبادات والأحكام الشرعية بشتى أنواعها، قال رادًا على الذين يزعمون بأن الأنبياء والأولياء والصالحين وسائط بين الله وبين خلقه في دفع المضار وجلب المنافع: (وإن أراد بالواسطة أنه لابد من واسطة في جلب المنافع ودفع المضار مثل أن يكون واسطة في رزق العباد ونصرهم وهداهم يسألونه ذلك ويرجعون إليه فيه، فهذا من أعظم الشرك الذي كفر الله به المشركين، حيث اتخذوا من دون الله أولياء وشفعاء، يجتلبون بهم المنافع، ويدفعون بهم المضار. لكن الشفاعة لمن يأذن الله له فيها حق، قال الله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ
[ ٢ / ١٢٠١ ]
وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ).
وقال الله تعالى: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ).
وقالت طائفة من السلف: كان أقوام يدعون المسيح وعزير والملائكة، فبين الله لهم أن الملائكة والأنبياء لا يملكون كشف الضر عنهم ولا تحويلًا، وأنهم يتقربون إلى الله ويرجون رحمته ويخافون عذابه، قال تعالى: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ).
فبين سبحانه أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابًا كفر، فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار مثل أن يسألهم غفران الذنوب وهداية القلوب وتفريج الكروب وسد الفاقات فهو كفر بإجماع المسلمين - إلى أن قال - والمقصود هنا أن من أثبت وسائط بين الله وبين خلقه كالوسائط التي تكون بين الملوك والرعية فهو مشرك، بل هذا دين المشركين عباد الأوثان، كانوا يقولون: إنها تماثيل الأنبياء والصالحين، وإنها وسائل يتقربون بها إلى الله، وهو من الشرك الذي
[ ٢ / ١٢٠٢ ]
أنكره الله على النصارى، حيث قال: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ).
ويقول الشيخ عبد اللطيف في رده على ابن جرجيس الحنفي البغدادي الذي استدل على جواز دعاء غير الله والاستغاثة به بكونهم وسائط بين الله وبين عباده، قال: (فالقول بجواز الاستغاثة بغير الله ودعاء الأنبياء والصالحين وجعلهم وسائط بين العبد وبين الله والتقرب إليهم والنذر والنحر والتعظيم بالحلف وما أشبهه مناقضة ومنافاة لهذه الحكمة التي هي المقصودة بخلق السموات والأرض وإنزال الكتب، وإرسال الرسل وفتح لباب الشرك في المحبة والخضوع والتعظيم، ومشاقة ظاهرة لله ورسوله، ولكل نبي كريم، والنفوس مجبولة على صرف ذلك المذكور من العبادات إلى من أهل لكشف الشدائد وسد الفاقات وقضاء الحاجات من الأمور العامة التي لا يقدر عليها إلا فاطر الأرض والسموات) - إلى أن قال - (الوجه الثاني: أن هذا بعينه قول عباد الأنبياء والصالحين من عهد قوم نوح إلى أن بعث إليهم خاتم النبيين، ولم يزيدوا على ما ذكره هؤلاء الغلاة فيما انتحلوه من الشرك الوخيم، والقول الذميم، كما حكى الله عنهم ذلك في كتابه الكريم، قال تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ).
وقال تعالى: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا
[ ٢ / ١٢٠٣ ]
إِلَى اللَّهِ زُلْفَى).
وقال تعالى: (فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ).
فهذه النصوص المحكمة صريحة في أن المشركين لم يقصدوا إلا الجاه والشفاعة والتوسل بمعنى جعلهم وسائط تقربهم إلى الله، وتقضي حوائجهم منه تعالى، وقد أنكر القرآن هذا أشد الإنكار، وأخبر أن أهله هم أصحاب النار، وأن الله تعالى حرم عليهم الجنة دار أوليائه الأبرار. وجمهور هؤلاء المشركين لم يدّعوا الاستقلال ولا الشركة في توحيد الربوبية، بل أقروا واعترفوا بأن ذلك لله وحده، كما حكى سبحانه وإقرارهم واعترافهم بذلك في غير موضع من كتابه.
فحاصل ما ذكر من جواز الاستغاثة والدعاء والتعظيم بالنذر والحلف مع نفي الاستقلال وأن الله يفعل لأجله هو عين دعوى المشركين وتعليلهم وشبههم لم يزيدوا عليه حرفًا واحدًا، إلا أنهم قالوا: قربان وشفعاء، والغلاة سموا ذلك: توسلًا، فالعلة واحدة، والحقيقة متحدة ).
ثم قال الشيخ بعد أن ذكر الوجه الثالث الذي أثبت فيه بأن الله ﷾ أمر عباده بإفراده بالدعاء والاستغاثة وإنزال الحاجات به دون غيره، حيث أورد آيات وأحاديث كثيرة في هذا المجال، وأخيرًا قال: (وعلى القول بجعل الوسائط بين العباد وبين الله تقلع أصول هذا الأصل العظيم الذي هو قطب رحى الإيمان، وينهدم أساسه الذي ركب عليه البيان، فأي فرح وأي نعيم،
[ ٢ / ١٢٠٤ ]
وأي فاقة سدت، وأي ضرورة دفعت، وأي سعادة حصلت، وأي أنس واطمئنان، إذا كان التوجه والدعاء والاستغاثة والذبح والنذر لغير الملك الحنان المنان
فصلاح السموات والأرض بأن يكون الله سبحانه هو إلهها دون ما سواه، ومستغاثها الذي تفزع إليه وتلجأ إليه في مطالبها وحاجاتها وأن الشرع الذي جاء به محمد ﷺ والسنة التي سنها في قبور الأنبياء والصالحين وعامة المؤمنين تنافي هذا القول الشنيع وتبطله وتعارضه؛ فإنه ﷺ سن عند القبور ما صحت به الأحاديث النبوية وجرى عليه عمل علماء الأمة من السلام عند زيارتها، والدعاء لأصحابها وسؤال الله العافية لهم، من جنس ما شرعه من الصلاة على جنائزهم، ونهى عن عبادة الله عند القبور والصلاة فيها وإليها، وخص قبور الأنبياء والصالحين بلعن من اتخذها مساجد يعبد فيها الله تعالى، ويدعى، وتواترت بذلك الأحاديث خرجها أصحاب الصحيحين وأهل السنن، ومالك في موطئه، فمنها قوله ﷺ: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد».
وحديث أبي هريرة ﵁: «قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ) ثم قال الشيخ عبد اللطيف: (ومن شم رائحة العلم وعرف شيئًا مما جاءت به الرسل عرف أن هذا الذي قاله الغلاة من جنس عبادة الأصنام والأوثان، مناقض لما دلت عليه السنة والقرآن، ولا يستريب في ذلك عاقل من نوع الإنسان وأن من أعرض عن الله وقصد غيره، وأعد ذلك الغير لحاجته
[ ٢ / ١٢٠٥ ]
وفاقته، واستغاث به ونذر له ولاذ به؛ فقد أساء الظن بربه، وأعظم الذنوب عند الله إساءة الظن به، فإن المسيء به الظن قد ظن خلاف كماله المقدس؛ فظن به ما يناقض أسمائه وصفاته، ولهذا توعد ﷾ الظانين به ظن السوء بما لم يتوعد به غيرهم كما ذكره تعالى: (وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا).
وقال تعالى - لمن أنكر صفة من صفاته ـ: (وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ).
وقال تعالى عن خليله إبراهيم ﵇: (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ).
قال الشيخ عبد اللطيف: (أي فما ظنكم أن يجازيكم إذا لقيتموه قد عبدتم غيره، وما ظننتم بأسمائه وصفاته وربوبيته من النقص حتى أحوجكم ذلك إلى عبودية غيره، فو ظننتم به ما هو أهله من أنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وأنه غني عن كل ما سواه فقير إليه كل من عداه، وأنه قائم بالقسط على خلقه، وأنه المنفرد بتدبير خلقه لا يشرك فيه غيره، والعالم بتفاصيل الأمور فلا تخفى عليه خافية من خلقه، والكافي لهم وحده لا يحتاج إلى معين، والرحمن بذاته فلا يحتاج في رحمة إلى من يستعطفه.
وهذا بخلاف الملوك وغيرهم من الرؤساء فإنهم محتاجون إلى من يعرفهم
[ ٢ / ١٢٠٦ ]
أحوال الرعية وحوائجهم من الوسطاء الذين يعينونهم على قضاء حوائجهم وإلى من يسترحمهم ويستعطفهم بالشفاعة، فاحتاجوا إلى الوسائط ضرورة لحاجتهم وعجزهم وضعفهم وقصور علمهم. فأما القادر على كل شيء، الغني بذاته عن كل شيء، العالم بكل شيء، الرحمن الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء؛ فإدخال الوسائط بينه وبين خلقه تنقص بحق ربوبيته وإلهيته وتوحيده، وظن به ظن السوء، وهذا يستحيل أن يشرعه لعباده، ويمتنع في العقول والفطر، وقبحه مستقر في العقول السليمة فوق كل قبيح).
والخلاصة: أن شبهة الوساطة التي يحتج بها المتصوفة لدعاء غير الله من الأنبياء والأولياء هي نفس الشبهة التي وقع بسببها أمام كثيرة في الإشراك بالله حيث دعوا الأنبياء والأولياء بحجة أنهم يتوسطون لهم إلى الله، وقد وصفهم الله تعالى بالمشركين لوقوعهم في دعاء غير الله من الأنبياء والصالحين، فكل من فعل مثل فعلهم فهو مثلهم، ويتناوله الحكم الذي حكم الله به على أسلافهم من عبدة القبور.
ثم إن الله ﷾ أقرب إلينا من حبل الوريد، كما ذكره تعالى: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)، فلا حاجة إلى الوسطاء بين الله وبين عباده، ولذا فقد أمر الله سبحانه عباده المؤمنين أن يدعوه ويطلبوا منه ما يريدونه رأسًا بلا وسائط، فقال تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ).
[ ٢ / ١٢٠٧ ]
وقال تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ).
وعلى هذا فحجة المتصوفة بأنهم يدعون الأنبياء والأولياء لأنهم وسطاء بينهم وبين الله حجة باطلة أتوا بها من عند أنفسهم، وليس لهم أي دليل يستندون عليه من الكتاب والسنة لإثبات شرعية استدلالهم بهذه الحجة، بل إن دعاء الأنبياء والأولياء بهذه الحجة هو عين الإشراك بالله - كما سبق لنا ـ.
٢ - إن المتصوفة القبورية في جعلهم الصالحين واسطة بين الخلق وبين الحق تعالى لدفع المضرات وجلب الخيرات مشبهة مرتين بتشبيهين من جهتين اثنتين، فمرة شبهوا المخلوق بالخالق في صفات الكمال فصاروا مشبهة حيث رفعوا المخلوقين فوق منزلتهم ووصفوهم بصفات الله من العلم والقدرة والسمع والإغاثة ونحوها، فعبدوهم من دون الله تعالى.
ومرة شبهوا الخالق بالمخلوق في صفات النقص، وذلك؛ حيث إنهم قد قاسوا رب العالمين، خالق السموات بالملوك والسلاطين الذين لا يتوصل إليهم إلا بالأمراء والوزراء، ومن المعلوم - كما سبق معنا ـ: أن أصل الشرك هو التشبيه والتشبه.
٣ - إن هذه الواسطة باطلة من أصلها؛ إذ فيها قياس الله على الملوك، وهذا من أفسد القياس في العالم، وهو قياس مع الفارق من عدة أوجه:
[ ٢ / ١٢٠٨ ]
الأول: أن الملوك لأجل جهلهم بحقائق الأمور وعدم جهلهم بأحوال الرعية - يحتاجون إلى وسائط من الأمراء والوزراء والندماء والوجهاء والعرفاء ليبلغوهم أحوال الرعية، ويرفعوا إليهم حوائجهم، بخلاف عالم الغيب والشهادة الذي لا تخفى عليه خافية، فمن ظن أن الله تعالى مثل الملوك فهو كافر.
الثاني: أن الملوك عاجزين عن تدبير أمورهم والقيام على حقوق رعاياهم ودفع أعدائهم، فهم في حاجة إلى أعوان وأنصار من الوزراء ليعينوهم في تدبير مملكتهم وسياسة رعاياهم وحفظ بلدانهم وأوطانهم؛ بخلاف رب الكائنات، الخالق، الحي، القيوم، القادر، المالك، الغني، القاهر، القوي، العزيز، فمن ظن أن الله تعالى مثل الملوك فهو كافر.
الثالث: أن الملوك ليسوا مريدين لنفع الرعية والإحسان إليهم ورحمتهم إلا بمحرك يحركهم من خارج، فاحتاجوا في ذلك إلى الشفعاء والنصحاء ينصحون ويشفعون عندهم للمضطرين والمكروبين من رعاياهم، ليقوموا بقضاءحوائجهم بهذا الترغيب والنصيحة والشفاعة.
بخلاف الله رب العالمين، الرحمن الرحيم، الرؤوف، الذي هو أرحم الراحمين، وأرحم بخلقه من أية والدة بولدها، ومن ظن أن الله تعالى مثل الملوك فقد كفر كفرًا مبينًا.
الرابع: أن الملوك مضطرون إلى قبول شفاعة أمرائهم ووزرائهم لحاجتهم إليهم في حفظ البلاد وسياسة العباد؛ فالملوك يقبلون شفاعتهم بإذنهم وبدون إذنهم لمن يرضون عنه ولمن يسخطون عليه، بخلاف رب الأرباب فإنه غني، حي، قيوم، لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل، وهو مالك الأكوان، ليس له لأحد فيها من شرك، ولا له
[ ٢ / ١٢٠٩ ]
من خلقه من ظهير، فهو ﷾ لا يقبل الشفاعة إلا لمن أذن له، ورضي له قولًا، ون ظن أن الله تعالى مثل الملوك فقد كفر كفرًا صريحًا.
فتبين أن قياس الخالق على المخلوق قياس مع الفارق.
٤ - إن شبهة الواسطة باطلة من أساسها، بل تصور وجود الواسطة ها هنا غير وارد أصلًا، وذلك لوجوه:
الأول: أن الأموات لا يعلمون بحال المضطرين المكروبين المستغيثين بهم، فكيف يشفعون لهم؟ وكيف يكونون واسطة بينهم وبين الله؟
الثاني: أن الأموات لا تصرف لهم في الكون - كما سبق أن استدللنا لهذا القول من القرآن والسنة - فكيف يتصرفون تصرف الشفعاء والوزراء؟
الثالث: أن الأموات لا يسمعون دعاء المستغيثين بهم، فكيف يمكن لهم الشفاعة والتوسط بدون أن يسمعوا نداءهم؟
الرابع: أنه لم يثبت في الشرع أن الميت يشفع لمن يسغيث به.
٥ - أن ما زعموا من أن المعاصي - نظرًا لكثرة ذنوبه - ليس له اللجوء إلى الله مباشرة، وأنه أولى به أن يستصحب أحد المقربين قبل مناجاة رب العالمين، أن ذلك كلام لا أصل له في الإسلام قط، لأن إبليس - رمز العصاة ورأس الملعونين - لما دعا ربه مباشرة أجيبت دعوته: (قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ).
٦ - إن كون هذا الرجل صالحًا، أو وليًا من أولياء الله هذا ليس إلا عمله
[ ٢ / ١٢١٠ ]
الخاص، لا دخل فيه للمستغيث أبدًا، فكيف يتدخل أحدنا في عمل الغير؟ أليس يعد من الحمق إذا قلنا: يا رب، أعطنا هذا الشيء لأن فلان الولي عبدك كثيرًا؟ هذا شيء بدهي في العقل ومعلوم بطلانه عند العقلاء.
الشبهة الثالثة: اعتقادهم أن الأنبياء والأولياء أحياء في قبورهم فلا مانع من التوسل بهم:
ويستدلون على ذلك بما يلي:
أ- أن النبي ﷺ حي في قبره حياة دنيوية، بدليل قوله تعالى: (وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا). قالوا: فالنبي ﷺ حي في قبره حياة دنيوية، ولذلك لا تجوز مناكحة أزواجه ﷺ، لأن الحي لا يجوز نكاح زوجته.
الرد على هذه الشبهة باختصار ما يلي:
إن هذا القول الذي قالوه في النبي ﷺ لم يقله أحد من المفسرين السابقين، وإنما هو قول مبتدع، وتفسير - بل تأويل - باطل من قبل هؤلاء المتأخرين، وكل خير في اتباع من سلف، وكل شر في ابتداع من خلف.
ثم إن الصحيح الذي لا مرية فيه: أن حياة الأنبياء برزخية لا نعرف كنهها، وليس ما ذكروه فيه أي دليل على كون تحريم نكاح أزواج النبي ﷺ
[ ٢ / ١٢١١ ]
لأجل حياته ﷺ، وإنما لكونهن كالأمهات، فكما أن الأمهات لا تنكحهن الأولاد بعد موت الآباء فهنا أيضًا هكذا، وأدل دليل على هذا ذهاب بعض العلماء إلى أن مطلقة رسول الله أيضًا لا تحل لأحد.
أو لأنهن زوجاته في الآخرة.
أو لإكرام النبي ﷺ أن يطأهن أحد بعده.
أو لإكرامهن أيضًا: حيث قصرهن على رسول الله ﷺ، وقصره عليهن خير لهن.
أو أن الله ﷿ أعطاهن هذا الفضل لما صبرن على الرسول في حياته بدون التفات إلى متاع الحياة الدنيا. قال ابن القيم:
لكن رسول الله خص نساؤه بخصيصة عن سائر النسوان
خيرن بين رسوله وسواه فاختـ رن الرسول لصحة الإيمان
شكر الإله لهن ذاك وربنا سبحانه للعبد ذو شكران
قصر الرسول على أولئك رحمة منه بهن وشكرذي الإحسان
وكذلك أيضًا قصرهن عليه معـ ـلوم بلا شك ولا حسبان
٥ - لا تلازم بين الحياة وبين طلب شيء منهم، فمثلًا: هؤلاء شهداء أحد معروف مكانهم وفضلهم، معروفة قبورهم، لم يذهب إليهم أحد من المسلمين من صحابة الرسول ﷺ في حياته ولا بعد مماته يسألونهم الدعاء والشفاعة ولا توسلوا بهم.
[ ٢ / ١٢١٢ ]
وهم أحياء حياة برزخية بنص القرآن: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ).
فلماذا ترك أولئك طلب الدعاء من هؤلاء الشهداء؟ بل الثابت عنهم أنهم كانوا يدعون لهم، لا أنهم يسألونهم الدعاء. وهم أحياء بنص كريم، لكن حياتهم ليست كحياتنا على الأرض. نعلم منه أنهم وإن كانوا أحياء حياة برزخية لا نعلم حقيقتها فهي مختلفة في ما يقدرون عليه عن حياتهم في الدنيا.
٦ - أخرج مسلم في الصحيح عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن خير التابعين رجل يقال له أويس، وله والدة، وكان به بياض، فمروه فليستغفر لكم». وفقه هذا الحديث الصحيح أن الرسول ﷺ أرشد عمر أن يطلب الدعاء من أويس وهو تابعي، وأين منزلته من منزلة رسول الله ﷺ؟ فأرشده الرسول ﷺ إلى أن يدعو له المفضول ويترك طلب الدعاء من خير الخلق في قبره، وهذا دليل واضح في أن الفرق هو تغير نوع الحياة، وقدرة الحي على الدعاء للمعين، بخلاف من حياته
[ ٢ / ١٢١٣ ]
برزخية.
فإذا كان هذا في حق الرسول ﷺ وهو أحسن حالًا في القبر على الإطلاق، فكيف بمن يطلب الدعاء من الآخرين؟
ثم إن الأولياء - الذين يذهبون إلى قبورهم ويتوجهون إلى مشاهدهم طالبين لهم الدعاء - ليس لهم أي دليل على وجود حياتهم مثل حياة الأنبياء والشهداء، وإنما قاسوا على حياة الأنبياء والشهداء، ومعلوم أن هذا قياس مع الفارق؛ إذ لا دليل على وجود الحياة لأوليائهم في قبورهم.
ب- زعمهم أن النبي ﷺ حي في قبره بدليل عدم قسمة تركته، كما جاء في الحديث النبوي أنه ﷺ قال: «لا نورث ما تركناه فهو صدقة». قالوا: إن علة النهي عن قسمة التركة كونه حيًا في قبره حياة دنيوية، فإن الحي لا يورث.
ويرد على هذا القول: بأن العلة ليس كونه حيًا كما زعمته المتصوفة، بل قد ذكر الرسول الحكمة فيه في نفس الحديث بأن ما تركه صدقة. وقد جاء في رواية أخري أنه ﷺ قال: «لا يقتسم ورثتي دينارًا ولا درهمًا، ما تركت بعد نفقة نسائي ومئونة عاملي فهو صدقة».
[ ٢ / ١٢١٤ ]
جـ- استدلال القبورية المتصوفة بقوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا).
وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ حي في قبره، وإلا لما جاز طلب الاستغفار منه. وما دام أنه حي في قبره وقد أمر في الآية بطلب الاستغفار منه، فإنه يكون مرغوبًا فيه وليس منهيًا عنه.
يجاب عن هذا الاستدلال بما يلي:
إن الآية وردت في قوم معينين، وليس هناك لفظ عام حتى يقال: إن العبرة بعموم اللفظ لا لخصوص المورد، بل الألفاظ الدالة الواقعة في هذه الآية كلها ضمائر. وقد ثبت في مقره أن الضمائر لا عموم لها.
إن المقصود بهذه الآية المجيء إلى الرسول ﷺ في حياته فقط، فإن هذه الآية نزلت في شأن المنافقين الذين دعوا الله وحكم رسوله ﷺ فصدوا واحتكموا إلى الطاغوت، فظلموا أنفسهم، ولم يجيئوا إلى رسول الله ﷺ تائبين منيبين ليستغفر لهم.
إن اللفظ العام لا يتناول إلا ما كان من أفراده، والمجيء إلى قبر الرجل ليس من أفراد المجيء إلى عين الرجل لا لغة ولا شرعًا ولا عرفًا، فإن المجيء إلى الرجل ليس معناه إلا المجيء إلى عين الرجل، ولا يفهم منه أصلًا أمر زائد
[ ٢ / ١٢١٥ ]
على هذا.
(إن أعلم الأمة بالقرآن ومعانيه هم سلف الأمة ومن سلك سبيلهم، فلم يفهم منها أحد من السلف والخلف إلا المجيء إليه في حياته، ليستغفر لهم، فلما استأثر الله ﷿ بنبيه ﷺ ونقله من بين أظهرهم إلى دار كرامته لم يكن أحد منهم قط يأتي إلى قبره ويقول: يا رسول الله، فعلت كذا وكذا فاستغفر لي، ومن نقل هذا عن أحد منهم فقد جاهر بالكذب والبهت.
أفترى عطّل الصحابة والتابعون وهم خير القرون على الإطلاق هذا الواجب الذي ذم الله سبحانه من تخلف عنه وجعل التخلف عنه من أمارات النفاق، ووفق له من لا توبة له من الناس، ولا يعد من أهل العلم؟ ! وكيف أغفل هذا الأمر أئمة الإسلام وهداة الأنام من أهل الحديث والفقه والتفسير ومن لهم لسان صدق في الأمة فلم يدعوا إليه ولم يحضوا عليه ولم يرشدوا إليه، ولم يفعله أحد منهم ألبتة، بل المنقول الثابت عنه ما قد عرف مما يسوء الغلاة فيما يكرهه وينهى عنه من الغلو والشرك الجفاة عما يحبه ويأمر به من التوحيد والعبودية
ومما يدل على بطلانه قطعًا: أنه لا يشك مسلم أن من دعي إلى رسول الله ﷺ في حياته وقد ظلم نفسه ليستغفر له فأعرض عن المجيء وأباه مع قدرته عليه كان مذمومًا غاية الذم مغموصًا بالنفاق، ولا كذلك من دعي إلى قبره ليستغفر له، ومن سوى بين الأمرين وبين المدعوين وبين الدعوتين فقد جاهر بالباطل، وقال على الله وكلامه ورسوله وأمناء دينه على الحق.
وأما دلالة الآية على خلاف تأويله فهو أنه سبحانه صدرها بقوله: (وَمَا
[ ٢ / ١٢١٦ ]
أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ)، وهذا يدل على أن مجيئهم إليه ليستغفر لهم إذ ظلموا أنفسهم طاعة له، ولهذا ذم من تخلف عن هذه الطاعة، ولم يقل مسلم إن من الواجب على من ظلم نفسه بعد موته أن يذهب إلى قبره ويسأله أن يستغفر له، ولو كان هذا طاعة لكان خير القرون قد عصوا هذه الطاعة وعطلوها، ووفق لها هؤلاء الغلاة والعصاة. وهذا بخلاف قوله: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ)؛ فإنه نفى الإيمان عمن لم يحكمه، وتحكيمه هو تحكيم بما جاء به حيًا وميتًا، ففي حياته كان هو الحاكم بينهم بالوحي، وبعد وفاته نوابه وخلفاؤه.
يوضح ذلك أنه ﷺ قال: «لا تجعلوا قبري عيدًا». ولو كان يشرع لكل مذنب أن يأتي إلى قبره ليستغفر له، لكان القبر أعظم أعياد المذنبين، وهذا مضادة صريحة لدينه وما جاء به).
ثم على هذا التفسير الذي ذكروه في الآية بأن المراد منها حث الناس على طلب الاستغفار منه، (على هذا التفسير أن الآية حكمها مستمر، فكما أن مجيء من ظلم نفسه إليه ﷺ في حياته واستغفاره عنده شرط لقبول توبته فهو
[ ٢ / ١٢١٧ ]
شرط أيضًا في قبول توبة من ظلم نفسه بعد وفاته ﷺ فلابد من مجيئه إلى قبره ﷺ واستغفاره عنده، واستغفار الرسول له، ولا يخفى ما في هذا من المناقضة لكتاب الله تعالى وسنة نبيه وما عليه المسلمون ).
الشبهة الرابعة: هي الحكايات التي تناقلوها كابرًا عن كابر، وشحنت بها المتصوفة كتبهم من أن فلانًا استغاث بالولي الفلاني فأغاثه، وفلان ذهب إلى قبر فلان فتعافى وقضى حاجته:
وهذه الشبهة من أقوى الشبه لدى المتصوفة، ويمكن أن تسمى بشبهة التجربة.
الردود على هذه الشبهة بما يلي:
١ - أن العلماء قد صرحوا بأن هذه الحكايات التي تناقلتها المتصوفة لدعوة المضطرين إلى الاستغاثة بالأموات بحجة أن هذه الحكايات كرامة لهؤلاء الأولياء، هي محض أساطير، وعين الأكاذيب، وليست هي من الكرامات، بل هي أباطيل الحكايات؛ لأن رواتها هم هؤلاء القبورية السفهاء. ومعروف أنهم أكذب الناس ومعادن الكذب، وبيوت الكذب، وبيوت الإفك، فلا اعتبار لرواياتهم، فهم في نقل هذه الحكايات كذبة فسقة.
٢ - أن قضاء الحوائج عند الاستغاثة بالموتى ليس لأجل الاستغاثة بالموتى، بل ذلك بمحض قدرة الله تعالى وتقديره المقدر بوقته، فيصادف
[ ٢ / ١٢١٨ ]
ذلك الاستغاثة بالموتى، فيظن المستغيث أن المستغاث به هو الذي قضى حاجته، فيعد ذلك من كرامته ويجعله دليلًا على كونه وليًا متصرفًا في الكون.
٣ - أن العلماء صرحوا في الجواب عن تلك الحكايات الشركية بأن كثيرًا ما تقضى حاجات المستغيثين بالأموات، لا لأجل أنه استغاث بالمقبور، بل لأجل أن هذا المستغيث يكون مضطرًا مكروبًا فيدعو بحرقة وانكسار وذلة، فيستجيب الله تعالى له، ويقضي حاجته، لصدق توجهه وتضرعه، واضطراره، وانكساره، وذلته، ولكن الجاهل يظن أن للمقبور تأثيرًا في إجابة تلك الدعوة وقضاء تلك الحاجة.
٤ - أن العلماء قد صرحوا في الجواب عن حكايات القبورية بأن الله تعالى كثيرًا ما يستجيب دعاء الكفار والمشركين عند أصنامهم لاضطرارهم، وإظهار انكسارهم، لموافقته أوقات الإجابة، ولما قام من العبودية بقلبه، فيجيب الله تعالى دعاء المضطر، ولو دعا في الخانة، والخمارة، والحمام، والسوق، بل قد يستجيب لمن يدعو عند الأوثان، فيظن الجاهل أن للمقبور تأثيرًا في قضاء الحوائج واستجابة الدعاء.
٥ - أن العلماء قد صرحوا بأنه كثيرًا ما تقضي حوائج القبورية عند التجائهم إلى القبور وأهلها، ولكن لا لأجل أن للمقبور تأثيرًا في ذلك، بل يحدث ذلك
[ ٢ / ١٢١٩ ]
استدراجًا من الشياطين لهذا القبوري المشرك الذي يستغيث بالأموات فتأتي الشياطين وتساعده في بعض حاجاته استدراجًا له، وازديادًا له في الإضلال والإغواء، بل قد تطيعه الشياطين فيقضون بعض حوائجه لما بينه وبينهم من الصلة والأخوة بسبب الشرك وعبادة غير الله تعالى من الاستغاثة بالأموات. وكثيرًا ما تتثمل له الشياطين في صورة صاحب القبر وتكلمه، فيرى أن القبر قد انشق وخرج منه المقبور وهو يظن أن ذلك الولي فيعانقه ويكلمه، فيعد ذلك من كراماته، وهكذا تلعب الشياطين بالقبورية والمتصوفة كما كانت تلعب بالكفار عبدة الأصنام.
٦ - قد يكون سبب كوني معقول لقضاء بعض حوائج المتصوفة عند بعض القبور، فقد يكون لأحد فرس مريض بمرض الإمساك الشديد، والقبض المؤلم بحيث لا يستطيع أن يتروث، فيذهب به صاحبه إلى بعض القبور التي يكون المقبور فيه كافرًا، أو فاجرًا، يعذب عذابًا شديدًا، ويصيح صيحات مرتفعة مخيفة مهولة، فيسمعها ذلك الفرس، فيخاف خوفًا شديدًا بحيث يسهل ويتروث من شدة الخوف، فيزول منه الإمساك فيتعافى، فيظن ذلك الرجل - صاحب الفرس - أن المقبور قد قضى حاجته، وشفى فرسه، مع أن الفرس قد تعافى بسبب الإسهال الذي حدث له لأجل خوف شديد لما سمع من صراخ ذلك المقبور الذي كان يعذب في قبره. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مثل هذه القصة في بعض كتبه.
[ ٢ / ١٢٢٠ ]
٧ - أن العلماء قد صرحوا بأنه لو سُلِّم صحة بعض تلك الحكايات فغاية ما فيها أن ذلك قد يكون سببًا لقضاء الحاجة، ولكن لا يلزم من ذلك جواز الاستغاثة بالأموات، والتضرع عند القبور، والالتجاء إلى أهلها لدفع الكربات وجلب المنافع؛ لأنه لا يجوز تناول كل سبب من الأسباب إلا ما هو مباح شرعًا منها؛ لأن الأسباب منها ما هو حرام، ومنها ما هو مباح، ولا ريب أن الاستغاثة بالأموات والالتجاء إلى القبور وأهلها لدفع البليات، وجلب المنافع من الأسباب المحرمة في دين الله تعالى، فلا يجوز تناول هذا السبب أبدًا؛ لأن الاستغاثة عبادة، بل مخ العبادة، فصرفها لغير الله شرك قطعًا.
وكم من عبد دعا بدعاء غير مباح فقضيت حاجته في ذلك الدعاء، وكان ذلك سبب هلاكه في الدنيا والآخرة، وكثير من الكفار والمشركين يدعون عند الأوثان فيستجاب لهم، وكثير من المقاصد تحصل بأسباب محرمة قطعًا كالسحر، والتكهن، وشهادة الزور، والفاحشة، والظلم، والسرقة، والخمر، بل الشرك، والكفر قد يحصل بهما بعض المقاصد، فليس كل من قضيت حاجته بسبب يقتضي أن يكون مشروعًا؛ فلا يجوز تعاطي الأسباب المحرمة لإنجاح المقاصد. فهذا الجواب يعرفنا أيضًا: أن الغاية لا تبرر الوسيلة كما هو لدى بعض الحركيين.
٨ - لا يمكن إثبات شرع الله تعالى بمثل هذه الحكايات من العوام والجهلة والمتصوفة، فإن هذه الحكايات إنما نسمعها عمن ليس قوله حجة من الحجج
[ ٢ / ١٢٢١ ]
الشرعية؛ فلا يجوز إثبات الشرع بمثله ولا إثبات العبادات أيضًا بمثله. وإنما المتبع في إثبات الأحكام والعبادات إنما هو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وإجماع الأمة، وهو سبيل السابقين الأولين من هذه الأمة؛ فلا يجوز إثبات حكم شرعي بدون هذه الأصول الثلاثة نصًا، أو استنباطًا بحال أصلًا عند المسلمين. وإثبات الشرع بمثل هذه الحكايات إنما هو دأب اليهود والنصارى وأمثالهم ممن ينقلون عن غير الأنبياء؛ فإن لديهم مثل هذه الحكايات شيء كثير.
٩ - أن العلماء قد أجابوا عن تلك الأقوال التي يذكرها المتصوفة في كتبهم عن كثير ممن ينتسبون إلى العلم والفقه والفضل والزهد بأن بعض هذه الاقوال المنقولة عن هؤلاء ما قد يكون صاحبه قاله أو فعله باجتهاد يخطئ أو يصيب، أو قاله بقيود أو شروط كثيرة على وجه لا محذور فيه فحرف النقل عنه. وبعضهم قد لا يريدون بلفظة التوسل الاستغاثة بالأموات، ولكن المتصوفة حرفوا عباراتهم وجعلوا التوسل هو الاستغاثة بالأموات.
١٠ - أن كثيرًا ممن ينتمون إلى العلم والفضل والصلاح والزهد وقعوا في الشرك بالله، والاستغاثة بالأموات، وبأفعالهم، وأقوالهم الشركية، لأجل عادة العوام التي جروا عليها، لا لأجل أن لهم دليلًا شرعيًا على ذلك، ولكن لما كان خطؤهم عن حسن قصد ونية صالحة، ونبهوا على خطئهم انتبهوا ورجعوا عن تلك الشركيات دون عناد أو إصرار.
[ ٢ / ١٢٢٢ ]
الشبهة الخامسة: شبهة الكرامة:
وذلك؛ أن هؤلاء المتصوفة في اعتقادهم التصرف في الكون تجاه الأولياء والصلحاء يرون حصول هذه الأشياء لهم عن طريق الكرامة، إذ كرامات الأولياء مسألة ثابتة عند أهل السنة والجماعة (على شروط معينة - كما ستأتي ـ).
لقد تشبثت المتصوفة لاعتقادهم التصرف في الكون، وتفريج الكربات تجاه أوليائهم الذين يستغيثون بهم عند الشدائد بقولهم: إنه يجوز الاستغاثة بهم عند الملمات، بحجة أن الله تعالى أكرمهم بالكرامات التي بها يقتدون على كشف كرب المكروبين، وإجابة دعاة المضطرين، وبها يتصرفون في الكون، وبها يعلمون حال الداعين، وبها يسمعون نداءهم.
وهذه الشبهة من أهم الشبهات التي يذكرها عامة القبورية في كتبهم.
ويقولون: إن الكرامة تظهر من الولي بقصده وبغير قصده.
وقصدهم بذلك أن الأولياء لهم قدرة على التصرف في الكون، وأن ذلك منهم كرامة، وأن الكرامة لا تنقطع بعد الموت، وجازف بعض أئمتهم فقال: (الولي في الدنيا كالسيف في غمده فإذا مات تجرد منه، فيكون أقوى في
[ ٢ / ١٢٢٣ ]
التصرف).
وهكذا نرى أئمة المتصوفة يصرحون بأن الأولياء أقوى تصرفًا وقدرة بعد الموت منهم في حياتهم. فينفع بعد مماته أكثر مما ينفع في حياته.
يرد على هذه الشبهة بما يلي:
إنه لا ملازمة بين الكرامات وبين الاستغاثة بصاحبها، لأن الكرامة لا تقتضي جواز الاستغاثة بصاحبها ولا تبيحها، بل الاستغاثة بأصحاب الكرامات ليست إلا طريقة أهل الأوثان، وأما أهل الإيمان فليس لهم غير الله دافع. فإن ذكر ما ليس من شأنه النفع ولا دفع الضر من نبي وملك وولي أو غيره على وجه الإمداد إشراك مع الله، إذ لا قادر على الدفع غيره، ولا خير إلا خيره.
إن الكرامة أمر خارق للعادة يظهرها الله تعالى على يد ولي من أوليائه بدون اختياره، وهي من فعل الله ﷿ ولا يدللولي فيها، بل ليس للولي كسب في الكرامة.
[ ٢ / ١٢٢٤ ]
إن العلماء صرحوا بأن الكرامة بمعنى صدور أمر خارق للعادة تسلب بعد موت الولي. فإن الحكمة في صدور الكرامة - كما يقول العلماء - هو التثبت على الحق واليقين والاجتهاد في العبادة والاحتراز عن السيئات، وهذا لا يحتاج إليه بعد موت الولي، لأن عين اليقين يحصل بعد الموت، وما بعد الموت ليس وقت التكليف، ولأجل هذا صرح العلماء بأن الكرامة ليست مقصودة، وإنما المقصود هو الاستقامة.
أن الكرامة لو ثبتت لشخص من الأولياء فإنه يجتهد في إخفائها ولا يركن إليها، ويخاف أن تكون من قبيل الاستدراج، ويسعى في أن لا يطلع عليه أحد، ويحاول كتمانه، خوفًا من الاغترار والاشتهار.
وليس كل أمر خارق للعادة تعد من الكرامة، ولا دليلًا على الولاية، بل قد يكون الأمر الخارق للعادة من قبيل الاستدراج الشيطاني، والأحوال الشيطانية التي تصدر من الفسقة والفجرة، بل من الكفرة والمشركين، حتى أمثال فرعون، والسامري، والدجال، فلا يدل الأمر الخارق للعادة على أنه كرامة، فلا يقطع المتصوفة أن حصول شيء معين من كرامة ذلك الولي، بل ربما يكون استدراجًا، وهو لا يدري.
[ ٢ / ١٢٢٥ ]
إن كثيرًا مما يظنه المتصوفة كرامات - هي في الحقيقة ليست بكرامات لأولياء الرحمن، بل الحقيقة أن الشياطين قد تظهر لهم بصورة شيوخهم وأوليائهم، وأتوا بغرائب من الخوارق إضلالًا لهم واستدراجًا لهم، فيظنون أن هذه من كرامات الأولياء، وتتمثل لهم الشياطين فيظنون أن الولي الفلاني قد حضر للإغاثة، وأن فلانًا قد خرج من القبر، وأن الولي الفلاني قد كلمه أو عانقه، والشيطان ربما يقضي بعض حاجته، فيظن أن هذه من كرامات الولي مع أن هذه أحوال شيطانية تصدر من هؤلاء الشياطين.
إن هؤلاء المستغيثين بغير الله كثيرًا ما ينادون الفسقة والفجرة، وتارة يطلبون المدد من الزنادقة والملاحدة، وأخرى يستغيثون بأعداء الله الكفرة، فهل هم من أولياء الله؟ وهل ما صدر منهم يعد من الكرامات؟ كلا بل هم من أولياء الشيطان وخوارقهم ليس إلا من الاستدراجات الشيطانية، ولكن المستغيثين بغير الله وصلوا من الحمق درجة لا ينتبهون لهذا مطلقًا.
[ ٢ / ١٢٢٦ ]
إن هؤلاء المتصوفة أكذب الناس على الإطلاق في نقل الكرامات، فكم من الكرامات نقلوا لأوليائهم وهي في الحقيقة من الكذب والافتراء على صاحب القبر.
ثم إن للكرامة حدودًا وضوابط، فليس كل شيء يستطيع أن يفعله الولي مثلًا، ومن هذه الضوابط ما يلي:
أ- أن يكون صاحبها مؤمنًا متقيًا.
ب- ألاّ يدعي صاحبها الولاية.
جـ - ألاّ تكون الكرامات فوق ما كان النبي ﷺ من المعجزات، إذ الكرامات لا تسبق المعجزات. فالكرامة التي يكرم بها أحد من هذه الأمة لابد أن يكون لها أصل من معجزات النبي ﷺ كما نص عليه العلماء.
الشبهة السادسة: شبهة المجاز العقلي:
لقد تشبثت هؤلاء المتصوفة لتبرير شركهم، وتجويز استغاثتهم بالأموات عند نزول النوازل وإلمام الملمات، لجلب الخيرات ودفع المضرات بشبهة
[ ٢ / ١٢٢٧ ]
أخرى، وهي: أن تصرف الأولياء في الكون وشفاءهم للأمراض، وكونهم يدمرون الأعداء وينصرون الأولياء، ويغيثون المستغيثين إنما نقصد بذلك المجاز العقلي!
فالمتصرف في الكون هو الله في الحقيقة، والشافي للأمراض هو الله في الحقيقة، والناصر والمغيث هو الله في الحقيقة، وهو النافع الضار في الحقيقة، وهو الفاعل في الحقيقة، ولكن نسبة ذلك كله إلى الولي نسبة المجاز العقلي، لا على وجه الحقيقة.
وهذه هي شبهة المجاز العقلي، وهي من أعظم شبهات المتصوفة المشركين بالله قديمًا وحديثًا.
يجاب عن هذه الشبهة بما يلي:
إن وجود المجاز في اللغة ثم وجود المجاز العقلي مسألة مختلف فيها حتى عند البلاغيين فضلًا عن عدم وجود من قال به من السلف قبل الجهمية والمعتزلة.
لو فتح هذا الباب من التأويل لما وجد الشرك، ولما حكم بالكفر على أحد
[ ٢ / ١٢٢٨ ]
أبدًا، وإن سب الله تعالى، وسب الأنبياء ﵈، ولو أنكر البعث والحشر والنشر، وأباح الفواحش، وادعى الألوهية، مثلًا يكون معنى قول القائل: (الرسول خالق السموات والأرض): رب الرسول - بحذف المضاف ـ، ومعنى قول فرعون فيما حكاه الله عنه بقوله: (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى): (أنا أقول لكم: ربكم الأعلى) - بتقدير القول ـ، وكذلك يكون معنى من قصد الأصنام وتضرع إليها: أنه يدعو الله الذي هو مالك الأصنام، ويتضرع إليه تعالى - بحذف المضاف ـ، فما ذكره أحد من المسلمين بهذه التأويلات الفاسدة أبدًا.
إن هؤلاء المستغيثين بغيرا لله وأصحاب اعتقاد التصرف في الكون لغير الله أكثرهم عوام جهال لا يدرون المجاز العقلي الذي اصطلح عليه المجازيون والبلاغيون، ولا يعرفون هذه المسألة. ومعلوم أن إرادة الشيء فرع من تصوره.
إنهم يعتقدون في أهل القبور التصرف والإعطاء ولا يفهمون إلا أنهم أهل للإعطاء والإيجاد، ويسمونهم أقطابًا وأغواثًا.
إنهم إذا نذروا للأموات وتأخروا في إيفاء نذرهم للأموات فيصابوا بسبب ذلك بمصيبة وبلية، يقولون: إن الشيخ الفلاني أصابني بالمصيبة؛ لأني لم أوف بنذره، وهكذا يحذرون من شرورهم. وهذا دليل صريح على أن هؤلاء لا يقصدون المجاز في أقوالهم وعقائدهم، بل يريدون الحقيقة ونسبة الفعل
[ ٢ / ١٢٢٩ ]
إلى هؤلاء الأولياء والصلحاء - كما يزعمون - الأموات على الحقيقة، فلا شائبة في كلامهم للمجاز العقلي ألبتة.
إن المشركين الذي أنزل الله فيهم القرآن إنما كانوا يدعونهم شفعاء لهم عند الله، وكانوا يقولون: إنما ندعوهم ليقربونا إلى الله زلفى، أي منزلة ودرجة، ويشفعوا لنا في حاجاتنا، إذن أنهم لا يعتقدون في أصنامهم إلا بمثل اعتقاد المتصوفة في أوليائهم بأنهم لا يعطون شيئًا ولا يدفعون شيئًا، وإنما المعطي والدافع هوا لله، ولكن هؤلاء الأصنام والمعبودات من دون الله ما هم إلا للمنزلة والدرجة، ومع ذلك وسمهم الله بسمة المشركين، وحاربهم الرسول الأمين في حياته كلها، فما الفرق بين القول بالمجاز وبين القول بالزلفى والقربة والمنزلة؟، وإذا ثبت هذا تبين أن هؤلاء المتصوفة أشد شركًا منهم؛ لأنهم اعتقدوا فيهم القدرة والملك، والتصرف في الكون، بل الإحياء والإماتة وغيرها من الكفريات.
إن النسبة المجازية - على فرض وجود المجاز - هي نسبة الفعل إلى غير الفاعل الذي صدر منه ذلك الفعل، لا يخلو من أمرين:
أحدهما: لكونه ظرفًا للفعل، كقول القائل: (أنبت الربيع البقل)؛ أي: (أنبت الله البقل في وقت الربيع).
ثانيهما: لكونه سببًا في صدور ذلك الفعل، كقول القائل: (بنى الأمير المدينة)؛ أي: (بنى المعماري المدينة بأمر الأمير ونفقته).
وإذا عرف هذا، فإن الذي ينادي ميتًا، أو حيًا غائبًا، ويستغيث به، ويقول: يا فلان! أغثني، أو اشفني أو أنجني مثلًا لا ينطبق عليه أنه ناداه واستغاث به مجازًا من ناحية كونه ظرفًا للفعل؛ لأن الميت والغائب ليسا بظرف للفعل، فلا
[ ٢ / ١٢٣٠ ]
يقال: إن الميت أو الغائب ظرف للنداء أو الإغاثة أو الشفاء أو الإنجاء، حتى يقال: إن هذه النسبة مجازية، والفاعل في الحقيقة هو الله تعالى، فهذا المجاز لا يتصوره أحد، ولا يصح في مثل هذه الصورة ألبتة.
وأما الصورة الثانية من المجاز التي هي: أن هذا المنادي المستغيث يقصد: أن الشافي والناصر والمنجي والمغيث هو الله تعالى في الحقيقة، ولكن يرى أن الولي الفلاني الذي يستغيث به ويناديه هو مجرد سبب لذلك.
فيقال لهم: إن هذا الاحتمال أيضًا غير وارد، ولا يصح المجاز في هذه الصورة أيضًا، لأن هذا المنادي المستغيث بهذا الولي الميت، أو الحي الغائب، لابد له من أن يعتقد فيه عقائد ثلاثًا:
الأولى: أن هذا الولي الميت أو الحي الغائب يسمع صوته ونداءه فوق الأسباب العادية.
الثانية: أنه يعلم بحاله ويطلع على مصيبته.
الثالثة: أن يعتقد فيه أنه يقضي حاجته بأن يشفع له عند الله.
فلابد من هذه العقائد الثلاث، وإلا لا يمكن جعله سببًا.
وإذا تحقق أنه لابد من أن يعتقد هذا المنادي المستغيث في ذلك المنادى المستغاث - الميت أو الحي الغائب - السمع المطلق، والعلم المطلق، والقدرة المطلقة، ومعلوم أن هذه كلها من صفات الله الخاصة به سبحانه، فالميت أو الحي الغائب لا يسمع نداء المستغيث، ولا يعلم بحاله ولا يطلع على مصيبته، فقد قال تعالى: (وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ)، وقال تعالى: (وَهُمْ
[ ٢ / ١٢٣١ ]
عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ).
ثم إننا لو أولنا إسنادهم الأمور إلى غير الله واستغاثتهم بغير الله وطلب النفع ودفع الضر من غير الله باحتمال المجاز العقلي فماذا نفعل بأعمالهم الشركية فهل يمكن تأويلها أيضًا بالمجاز؟ وإذا قلنا نؤول، فبأي شيء نؤول سجودهم على أعتاب الأضرحة وطوافهم بالقباب، وذبحهم للقرابين وبذلهم النذور؟ فهل هذه الأعمال الشركية والأفعال الكفرية أيضًا: من باب المجاز؟
إن من المعروف أن التأويل والمجاز - حتى عند القائلين بهما - لا يذهب إليهما إذا إذا كان غير منصوص، وأما إذا كان منصوصًا مثل الأبيات الشعرية التي أوردناها والحكايات التي ذكرناها عن المتصوفة فلم يقل أحد بأن في المنصوص أي مجاز، وإنما المجاز - على رأي القائلين به - يكون على الظاهر المحتمل له.
الأهم من هذا كله هو أن المشركين الذين نزل فيهم القرآن الكريم، وحكم بكفرهم كانوا يعتقدون السببية والتوسط، وهذا هو حجة من يرى المجاز العقلي، ويبيح إسناد الأمور الخاصة بالله في ربوبيته وألوهيته لغير الله، فلو أن اعتقاد السببية والتوسط ينفع في حمل كلام من يدعو غير الله تعالى على المجاز العقلي، ويمنع من الحكم عليه بالشرك؛ لكان الله تعالى أعذر المشركين الذين يعتقدون التسبب والوساطة، ولحكم بالكفر على من يعتقد الاستقلال فقط. ولكن الله ﷿ حكم بالكفر على هؤلاء المشركين القائلين بالتسبب والتوسط، كما سيأتي ذكرهما في الشبهة التالية.
[ ٢ / ١٢٣٢ ]
وبهذا بطل دعوى المجاز الذي يتشبثون به قديمًا وحديثًا.
الشبهة السابعة: شبهة الكسب والسبب:
تشبثت المتصوفة بهذه الشبهة لتبرير شركهم بالله، واستغاثتهم بالأموات، عند إلمام الملمات ونزول النوازل والكربات لدفع المضرات وجلب الخيرات، وتبرير أكاذيبهم وكفرياتهم وعقائدهم الباطلة من التصرف في الكون، والإحياء والإماتة، والقدرة، والعلم بالغيوب، وتسخير الأمور وغير ذلك. فقالوا:
إن الاستغاثة بالأنبياء والأولياء من أعظم الأسباب لاجتلاب البركات، واستنزال الرحمات والخيرات، واستجابة الدعوات وسرعة قضاء الحاجات، والتوسل بهم من قبيل الأخذ بالأسباب. وليس ذلك من باب الشرك بالله ولا من قبيل عبادة غير الله، وإن طلب الغوث منهم على سبيل الكسب والتسبب، ومن الله تعالى على سبيل الخلق والإيجاد. وغاية ما يعتقد الناس في الأموات أنهم متسببون ومكتسبون كالأحياء، لا أنهم خالقون موجدون، والتسبب والتكسب مقدوران للميت، وفي إمكانه كالحي، فمن يستطيع أن يقول: إن ذلك شرك؟ . هذه كانت شبهة الكسب والسبب التي يتشبث بها المتصوفة قديمًا وحديثًا.
يجاب عن هذه الشبهة بما يلي:
إن احتمال التكسب والتسبب في الاستغاثة بالأموات المقبورين،
[ ٢ / ١٢٣٣ ]
والأحياء الغائبين لا يمكن صحته ولا يتصور وقوعه، لعدم قدرتهم على ذلك، فاحتمال الكسب والسبب هنا باطل من أساسه، يقول الآلوسي: (فإن قلت: إن للمستغاث بهم قدرة كسبية وتسببية، فتنسب الإغاثة إليهم بهذا المعنى قلنا له: إن كلامنا فيمن يستغاث به عند إلمام ما لا يقدر عليه إلا الله، أو السؤال بما لا يعطيه ولا يمنعه إلا الله، وأما فيما عدا ذلك مما يجري فيه التعاون والتعاضد بين الناس واستغاثة بعضهم ببعض - فهذا شيء نقول به ولا نمنعه ولا ننكره، ونعد منعه جنونًا، كما نعد إباحة ما قبله - وهو ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى - شركًا. والعراقي - عامله الله بعدله - أورد نصوص المباح في الممنوع، واستدل بدلائل المشروع على غير المشروع وكون العبد له قدرة كسبية لا يخرج بها عن مشيئة رب البرية، فتحقق أنه لا يستغاث به - أي بالعبد ـ، ولا يتوكل عليه، ولا يلتجأ في ذلك إليه إلا بالله وعليه وإليه. فلا يقال لأحد - حي، أو ميت، قريب، أو بعيد ـ: ارزقني أو أمتني، أو أحي ميتي، أو اشف مريضي ).
أن الاستغاثة بالأموات عند إلمام الملمات على أن هؤلاء الأموات سبب في دفع المضرات وأنهم من الأسباب لجلب المنافع والخيرات هي بعينها عقيدة المشركين السابقين، فإن المشركين من كل أمة في كل قرن ما قصدوا من معبوداتهم وآلهتهم التي عبدوها مع الله إلا التسبب والتوسل والتشفع، ليس إلا، ولم يدعوا الاستقلال، والتصرف لأحد دون الله، ولا قاله أحد منهم سوى
[ ٢ / ١٢٣٤ ]
فرعون، والذي حاج إبراهيم في ربه؛ وقد قال تعالى: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا).
فهم في الباطن يعلمون أن ذلك لله وحده، قال تعالى في بيان قصدهم ومرادهم بدعاء غيره: (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ)، وقال تعالى: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى). فأخبر أنهم تعلقوا على آلهتهم، ودعوهم مع الله للشفاعة، والتقريب إلى الله بالجاه والمنزلة، ولم يريدوا منهم تدبيرًا، ولا تاثيرًا، ولا شركة، ولا استقلالًا.
إن الأموات ليسوا من أسباب قضاء حوائج المستغيثين بهم في شرع الله ﷿، فأين في شرع الله تعالى: أن الله ﷾ جعل الأموات والاستغاثة بهم والنذر لهم ونحو ذلك سببًا لقضاء حوائج المستغيثين بهم؟ بل شرع الله تعالى كله على نقيض ذلك.
يقول السهسواني في صيانة الإنسان: (ونحن لا ننازع في إثبات ما أثبته الله من الأسباب والحكم، ولكن نقول: من هو الذي جعل الاستغاثة بالمخلوق ودعاءه سببًا في الأمور التي لا يقدر عليه إلا الله؟ ! ومن ذا الذي قال: إنك إذا استغثت بميت أو غائب - من البشر كان أو غيره - كان ذلك سببًا في حصول الرزق، والنصر، والهدى، وغير ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله؟ ومن ذا الذي
[ ٢ / ١٢٣٥ ]
شرع ذلك وأمر به؟ ومن الذي فعله من الأنبياء والصحابة والتابعين لهم بإحسان؟ ! فإن هذا المقام يحتاج إلى إثبات مقدمتين: إحداهما: أن هذه أسباب لحصول المطالب التي لا يقدر عليها إلا الله. والثانية: أن هذه الأسباب مشروعة لا يحرم فعلها ).
ولو سلمنا - جدلًا - أن الأموات والاستغاثة بهم سبب لقضاء الحاجات فإن قضاء هذه الحاجات لا يكون إلا سببًا كونيًا فحسب، لا سببًا شرعيًا، وكم من الأشياء هي أسباب كونية للمنافع، ولكنها لما كانت محرمة في شرع الله، لم يصح كونها أسبابًا شرعية، فلا يجوزت عاطي أي سبب إلا إذا علم أنه سبب شرعي وأمر مباح.
الشبهة الثامنة: شبهة الشفاعة أو شبهة الاستقلال:
وهي: أن الصالحين أحياءً وأمواتًا يشفون للمستغيثين بهم عند الله ﷾، والله ﷿ يقبل شفاعتهم فيهم فتقضى حوائجهم.
هذا حاصل تقرير المتصوفة لشبهة الشفاعة وهي في الحقيقة شبهة الواسطة. ولكن غيروا العبارة موهمين أنها من الأدلة لهم على ما يزاولونه، وقد سبق الرد على جوانب هذه الشبهة في الرد على الشبهة الثانية، وإنما يكتفي هنا ببيان معنى الشفاعة وهل يصح الاستدلال بها أم لا؟ .
[ ٢ / ١٢٣٦ ]
فيقال في الرد عليهم:
الشفاعة في اللغة: شفع، يشفع، شفاعة، وتشفع: طلب. والشفاعة: كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها لغيرها، وشفع إليه: في معنى طلب إليه، والشافع: الطالب لغيره، يتشفع به إلى المطلوب. فمعنى الشفاعة: الدعاء. وعلى هذا يفسر موارد اللفظ في القرآن والسنة، في لفظ الشفاعة.
وأصله في الجمع والضم، ومنه يقال: الشفع بمقابل الوتر، ويطلق على الشفيع لأنه يكون إلى جانب من يشفع له.
فهذه الشفاعة لها حكمها في الإسلام، حيث جاءت آيات كثيرة في كتاب الله الكريم، فبعضها تنفي الشفاعة مطلقًا عن أحد غير الله يوم القيامة، مثل قوله تعالى: (قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا)، وقوله تعالى: (لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ)، وقوله تعالى: (أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ).
وهناك آيات أخرى ذكر الله فيها أن الشفاعة موجودة يوم القيامة، مثل قوله تعالى: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ)، وقوله تعالى: (يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ)، وقوله تعالى: (وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا
[ ٢ / ١٢٣٧ ]
تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى). وغير ذلك من الآيات في الذكر الحكيم.
وهناك آيات أخرى ذكرت الانتفاع بالشفاعة يرضى الله، واتخاذ الشافع والمشفوع له عهدًا عند الله. مثل قوله تعالى: (وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ)، وقوله تعالى: (لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا)، وقوله تعالى: (يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا). وآيات أخر لا تخفى على من تتبع ما في الباب من آيات.
فإذا تبين أن الله ﵎ قد نفى في كتابه شفاعة، وأثبت شفاعة، وجب على طالب الحق أن ينظر في هذه الشفاعة المنفية، والشفاعة المثبتة، ومعنى هذه وهذه، حتى لا يضل في هذا الأمر الذي ضل فيه فئام من أمة محمد ﷺ، وإنما كان سبب ضلالهم أن كل فرقة أخذت بآية وبنت عليها أحكام ولم تتتبع آيات الشفاعة في القرآن، فضربوا كتاب الله بعضه ببعض. والقرآن حق كله، والحق لا يناقض حقًا أبدًا.
فالآيات الأولى دلت على أن هناك شفاعة منفية ليست لأحد من الخلق، وهذه الشفاعة هي ذلك النوع الذي يظنه المشركون في الجاهلية.
وأولئك المشركون ظنوا أن الشفاعة عند الله كالشفاعة عند غيره، وهذا
[ ٢ / ١٢٣٨ ]
أصل ضلال النصارى أيضًا.
فمن ظن أن الشفاعة المعهودة من الخلق للخلق ينفع عند الله مثل أن يشفع الإنسان عند من يرجوه المشفوع إليه، أو يخافه، كما يشفع عند الملك ابنه، أو أخوه، أو أعوانه، أو نظراؤه الذين يخافهم ويرجوهم، فيجيب سؤاله، لأجل رجائه أو خوفه منهم، أو أن لهم حقًا عنده يوجب عليه الإجابة فيمن يشفعون فيه عنده، وإن كان يكره شفاعتهم، ويشفعون بغير إذنه. فهذه الشفاعة هي التي نفاها الله جل وعلا في الآيات الأول، وهي أن يكون للشافع حق عند الله كما للشفعاء حق عند الملوك ونحوهم.
وهذا النوع الشركي هو الذي أشرك به من أشرك بالله، واتخذ وسائط يسألهم الشفاعة. كما كان يفعله النصارى، وأشباههم في ذلك من هذه الأمة، ويعتقدون أن لهم أن يسألوا المقبورين من الأنبياء والصالحين شفاعتهم، وهم يعتقدون أن لهم حقًا عند الله به يجيب شفاعتهم ولا يرد شفاعتهم.
وحقيقة هذه الشفاعة عند المتصوفة والضلال من هذه الأمة: طلب الشفاعة من غير الله على جهة أن المطلوب يملك الشفاعة ويستحق الإجابة على الله، وذلك لا شك تنقص لربوبية الله تعالى وتقييد لمشيئته وإرادته ﷾، فالكلام في استحقاق الله للشفاعة وكونها حق خالص له وحده فرع عن الكلام في إرادة الله وعمومها وشمولها وكونها نافذة في جميع مخلوقاته.
فمن أثبت لغير الله حق الشفاعة عند الله فقد قيد إرادة الله بإرادة المخلوق وجعل إرادة المخلوق نافذة وحاكمة على إرادة الله سبحانه. بينما المخلوق هو الذي لا يكون له فعل إلا بإرادة الله تعالى، فمشيئة المخلوق محكومة بمشيئة الله،
[ ٢ / ١٢٣٩ ]
وقد قال تعالى: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ).
فالعبد هو الذي تقيد مشيئه بمشيئة الله، وليس الله هو الذي تقيد مشيئته بمشيئة العبد، ولأن مشيئة الله نافذة على كل مخلوق، وهو سبحانه لا مكره له ولا استحقاق لأحد عليه، فمقتضى ذلك أن لا يكون لأحد حق الشفاعة عنده، بل الشفاعة لله وحده يأذن فيها لمن يشاء ويمنعها عمن يشاء. ولهذا نفى الله سبحانه أن يكون غيره يملك الشفاعة من دونه في آيات كثيرة، وقد سبق إيراد بعض هذه الآيات فيما قبل. فهناك شفاعة منفية وشفاعة مثبتة.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في التفريق بين الشفاعة المنفية والشفاعة المثبتة: (الشفاعة المنفية هي الشفاعة المعروفة عند الناس عند الإطلاق، وهي أن يشفع الشفيع إلى غيره ابتداء فيقبل شفاعته.
فأما إذا أذن له أن يشفع فشفع، لم يكن مستقلًا بالشفاعة، بل يكون مطيعًا له؛ أي تابعًا له في الشفاعة، وتكون شفاعته مقبولًا، ويكون الأمر كله للآمر المسؤول).
والله مع أنه مالك الشفاعة فإنه قد يأذن فيها لمن يشاء من عباده، ولا يلزم من ذلك أن يكون المأذون له في الشفاعة قد ملكها مع الله، بل هي لله وحده قبل الإذن وبعده. وإنما يكرم بها الله بعض عباده، ويشرفهم فيقبل شفاعتهم إذا كانت شفاعتهم عنده مرضية شرعًا. فحقيقة الشفاعة: إظهار كرامة الشافع وإرادة رحمة الله للمشفوع، وإلا فالأمر كله بيد الله، ليس فيه أي حق لنبي مرسل ولا لملك مقرب، ولا لأحد من خلقه مطلقًا.
[ ٢ / ١٢٤٠ ]
كما أنه لا يلزم أن من أذن الله له في الشفاعة وأكرمه بذلك أن يكون الإذن له مطلقًا؛ لأنه لا فرق في الحقيقة بين ملكية الشفاعة والإذن المطلق فيها، وإنما يكون الإذن مقيدًا في كل شفاعة على الخصوص.
ولهذا لم يقبل شفاعة بينا محمد ﷺ في أمه، ولا في أن يستغفر لبعض المنافقين، كما لم يؤذن لإبراهيم ﵇ في أبيه، ولا لنوح ﵇ في ابنه، مع أنهم أعظم الناس جاهًا ومنزلة عند الله، وإنما منع قبول الشفاعة منهم عدم رضى الله عن عمل المشفوع لهم لكونهم على الكفر، وسيأتي الكلام عن هذا قريبًا.
ومن كل ما تقدم يتبين لنا أن من جعل المرجح والأصل في قبول الشفاعة مجرد إرادة الشافع، وأنه يشفع عند الله كما يشفع خواص الملوك ومن لهم منزلة عندهم، فإنه يكون بذلك مشركًا؛ لأ، هـ قد جعل على الله ضرورة من غيره، وقيد إرادة الله ومشيئته بإرادة المخلوق مهما كان جاهه ومنزلته عند الله، فإنه بهذا الاعتقاد وقع في الشرك في قدرة الله الكاملة، حيث تدخل فيه بعنصر خارجي.
وحقيقة الإذن للشافع في الشفاعة أن يقبل منه شفاعته فتكون نافعة، كما ذكره تعالى: (وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ)، وقوله تعالى: (يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا).
والمقصود من الآيتين: أن الشفاعة عنده لا تنفع إلا من أذن له فقبل شفاعته التي تتضمن الشفاعة بما يحبه الله.
[ ٢ / ١٢٤١ ]
فالشفاعة لا تقبل عند الله إلا بشرطين اثنين: الرضا عن الشافع، والإذن له، ولابد أن تكون الشفاعة موافقة لشرع الله، فهذا هما شرطا الشفاعة المقبولة.
١ - أما اشتراط الرضا عن الشافع فقد ورد في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: (وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ).
يقول ابن كثير: (هذا استثناء منقطع؛ أي لكن من شهد بالحق على بصيرة وعلم فإنه تنفع شفاعته عنده بإذنه له).
فهذه القاعدة التي ذكرها ابن كثير ﵀ هنا عامة في كل آية تنفى فيها الشفاعة، أو ينفى ملكها، ثم يستثنى فيها الإذن للشافع الذي ﵁.
وليس المقصود نفي الشفاعة مطلقًا؛ لوجود الاستثناء فيها، وليس الاستثناء متصلًا؛ لأن المأذون له في الشفاعة لا يؤذن له فيها إذنًا مطلقًا، ولا يملكها بمجرد الإذن فيها.
ومما ورد في ذلك من الآيات قوله تعالى: (لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا)، وقوله تعالى: (وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى)، وقوله تعالى: (لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى).
فرضا الله عن الشافع شرط في الإذن له في الشفاعة. هذا عن شرط الرضى عن الشافع لكي يأذن له.
فهذا الشرط يتضمن شرطين في الحقيقة، هما: الرضا عن الشافع، وإذنه
[ ٢ / ١٢٤٢ ]
للشافع بالشفاعة.
٢ - أما شرط كون الشفاعة مرضية لله أيضًا فقد جاءت آيات تنص على ذلك كمثل قوله تعالى: (يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا).
وقد تقدم أن الإذن للشافع لا يكون إلا إذا ﵁، ولا يرضى عنه إلا إذا كان على التوحيد. وأما رضى الله لقوله فالمقصود رضاه لشفاعته، ولا يكون ذلك إلا إذا كانت حقًا وصوابًا. وقوله تعالى: (وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا). موافق لقوله تعالى في الآية الأخرى: (رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا).
فإذا لم تكن الشفاعة بالحق والصواب لم تقبل ولو تحقق الشرط الأول الذي هو الرضى عن الشافع.
ولهذا لم يقبل الله شفاعة نبيه محمد ﷺ في أن يستغفر لأمه، بل قال ﷺ: «استأذنت ربي أن أزور قبر أمي فأذن لي، واستأذنته أن أستغفر لها فلم يأذن لي». ولم يأذن الله له ﷺ ولم يقبل شفاعته في بعض المنافقين مع استغفاره لهم، بل قال تعالى: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ).
[ ٢ / ١٢٤٣ ]
والسبب في ذلك: أنهم ماتوا على الكفر، والكافر لا يغفر الله له.
ومثل ذلك شفاعة إبراهيم ﷺ في أبيه أن يدخله الله الجنة فلم تقبل شفاعته، وقد جاء في الصحيح مصرحًا هذا بأن الرسول ﷺ قال: «يلقى إبراهيم أباه فيقول: يارب، إنك وعدتني ألا تخزني يوم يبعثون. فيقول الله: إني حرمت الجنة على الكافرين».
فالسبب في عدم قبول شفاعة إبراهيم ﵇ مع عظيم منزلته عند الله هو كفر أبيه وأن الله لا يدخل من كان كافرًا الجنة.
ومثل ذلك أيضًا: شفاعة نوح ﷺ في ابنه أن ينجيه الله من العذاب العام الذي حل بالقوم الكافرين الذين كذبوه وكان منهم ابنه، ولكن ما قبل منه، بل قال تعالى: (إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (الشفاعة للكفار بالنجاة من النار والاستغفار لهم مع موتهم على الكفر لا تنفعهم ولو كان الشفيع أعظم الشفعاء جاهًا).
ولا يناقض ما سبق كونه ﷺ يشفع في عمه أبي طالب، لأن شفاعته فيه ليست في إخراجه من النار ولو شفع في ذلك لعمه أبي طالب لم تقبل منه؛ لأنه مات على الكفر، كما لم يقبل شفاعته ودعاءه ﷺ في أبويه. وإنما شفاعته لأبي طالب لتخفيف العذاب عنه.
[ ٢ / ١٢٤٤ ]
وخلاصة الكلام: الشفاعة تنقسم إلى قسمين:
الأول: الشفاعة في الدنيا إلى الأحياء: وهي مشروطة بشرطين:
أ- ألاّ يكون في حد من حدود الله.
ب- ألاّ يترتب عليه تحليل حرام أو تحريم حلال.
الثاني: الشفاعة في الآخرة: وهي مشروطة أيضًا بشرطين هما:
أ- الرضا من الله على الشافع.
ب- كون الشفاعة مرضية لله أيضًا، وبالتالي: الإذن - أو الأمر - له تفضلًا منه وكرمًا.
فهذا هو معنى الشفاعة وأسباب حصولها، ولكنه في مفهوم الناس غير هذا، كما سبقت الإشارة إليه ويتمثل ذلك في قولهم:
(فالقائل: يا نبي الله اشفني، واقض ديني، لو فرض أن أحدًا قال هذا، فإنما يريد: اشفع لي في الشفاء، وادع لي بقضاء ديني، وتوجه إلى الله في شأني، فهم ما طلبوا منه إلا ما أقدرهم الله عليه، وملكهم إياه من الدعاء والتشفع).
ففي هذا النص نرى شيئين واضحين:
أ- اعتقاد المتصوفة: أن الرسول ﷺ يشفع لهم الآن إذا سئل منه، وأن شفاعته مقبولة مطلقًا.
ب- اعتقادهم أن الرسول قد ملك هذا الأمر فلا يحتاج إلى الإذن - الذي هو
[ ٢ / ١٢٤٥ ]
الأمر من الله سبحانه بخصوص الشفاعة ـ.
وقبل أن نرد على هاتين الشبهتين يحسن بنا أن نذكر الأدلة التي يتشبثون بها على هذا المعتقد، فأقول:
إن للمتصوفة تجاه هذا المعتقد ثلاثة أنواع من الاستدلالات.
منها: استدلالهم ببعض الأحاديث الصحيحة الواردة في الشفاعة ولكنها لا تدل على المدّعي بأي شكل من الأشكال، بل تدل على ضد مقصدهم. فمثلًا تراهم كثيرًا ما يستدلون بحديث الشفاعة العظمى في ميدان المحشر بأن الرسول ﷺ له حق الشفاعة مطلقًا، ولكنهم لا ينظرون إلى آخر الحديث الذي فيه: «ارفع رأسك، سل تعط، اشفع تشفع». حيث هذا الجزء من الحديث دل دلالة صريحة على أن الرسول ما بدأ بالشفاعة حتى أذن له بها، وأمر بها.
ومنها: استدلالهم ببعض الأحاديث الموضوعة والواهية: مثل ما روي: «من زار قبري وجبت له شفاعتي». ومعلوم أن هذا من الأحاديث الواهية المكذوبة على الرسول ﷺ عند المحققين.
ومنها: قياسهم الخالق على المخلوق، حيث إن المخلوق غالبًا يتوسط في الوصول إلى الكبار للحصول على مقاصدهم فيقيسون الخالق عليه للوصول إليه. وقد سبق معنا أن هذه هي الشبهة الرئيسة للمشركين الأولين والآخرين وقد أطلنا الكلام في الرد عليها في شبهة الواسطة فلينظر ها هنا.
[ ٢ / ١٢٤٦ ]
أما الرد على معتقداتهم في باب الشفاعة التي تم إيرادها آنفًا: فيرد عليهم بما يلي:
الرد على شبهة جواز طلب الشفاعة من الرسول أو الأولياء وأنه يشفع لمن يطلب منهم الشفاعة، وأن شفاعتهم مقبولة مطلقًا فلا عبرة باشتراط الإذن:
هذه العقيدة مشتملة على ثلاثة أشياء كلها باطلة:
الأول: جواز طلب الشفاعة من الرسول بعد موته.
الثاني: أنه يشفع لهم.
الثالث: أن شفاعة الرسول مقبولة مطلقًا.
أما الأول: فنقول في الرد عليه:
ليس هناك دليل يدل على جواز طلب الشفاعة من الرسول ﷺ بعد موته، بل الأدلة صريحة في المنع من وجوه عدة.
منها: ما مر معنا أن الشفاعة بمعنى الدعاء، والدعاء هو العبادة، ولا يجوز العبادة لغير الله مطلقًا، سواء كان نيبًا مرسلًا أو ملكًا مقربًا.
ومنها: أن الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - كان شأنهم أن يأتوا إلى النبي ﷺ في حياته، وأما بعد موته فما كانوا يأتون إليه، بل أجمع أهل القرون الثلاثة المفضلة على أمرين:
الأول: عدم مشروعية طلب الشفاعة منه في قبره، وإنما ظهر خلاف من خالف من شذاذ الناس بعد نشاط الدعوات الباطنية كالإسماعيلية والفاطمية، ومن تأثر بها كالموسوية الجعفرية وشبهها، فروجوا هذا في الناس، فأشكل على بعضهم. فقد كان المسلمون في القرون الثلاثة المفضلة لا يعرفون طلب
[ ٢ / ١٢٤٧ ]
الشفاعة منه بسؤاله إياها، بل مضى الخلفاء الراشدون ولم يسأل أحد منهم نبي الله الشفاعة بعد موته، ولوكانت مشروعة لكانوا أحرص عليها، ولم يتركوا طلبها منه بعد موته، فلو لم يكن تغير نوع الحياة له أثر عندهم لما تركوا ذلك. وكذلك مضى التابعون وتابعوهم بإحسان وتابعوهم. حتى نشطت الدعوات الباطنية التي تسترت بالتشيع لأهل بيت النبي ﷺ، بل إنهم ألفوا الكتب باسمهم، وهذا ظاهر لمن درس حركة إخوان الصفا والعبيديين. فالمقصود من هذا: أن الاستشفاع بالنبي ﷺ بسؤاله الشفاعة بعد موته محدث أحدثه الباطنيون.
الثاني: - وهو الأهم - أن أهل السنة مجمعون على أن للنبي ﷺ أنواعًا من الشفاعة يشفع بها، ولم يذكروا منها طلبها منه في قبره، بل كلها يوم القيامة.
وأما الرد على الدعوى الثانية: بأن الرسول ﷺ يشفع الآن في قبره، فيقال:
أولًا: شفاعة الرسول ﷺ في قبره لأمته ليس عليه دليل صحيح لا من الكتاب والسنة ولا من العقل، إذ انتقل الرسول إلى دار غير هذه الدار وهي دار الآخرة، وحياة الرسول في قبره حياة برزخية، لا يدري كنهها إلا الله، ولم يخبرنا الرسول عن حقيقة هذه الحياة، فقياس الحياة البرزخية على الحياة الدنيا قياس مع الفارق.
ثانيًا: لم يأت نص صحيح دال على شفاعة النبي ﷺ لمن يتشفع به، بل النصوص كلها متضافرة على أن الرسول ﷺ إنما يشفع يوم القيامة، فإنه قد جاء في حديث الشفاعة، «أول شافع أول مشفع»، وهذه الشفاعة هي الشفاعة
[ ٢ / ١٢٤٨ ]
العظمى لأهل الموقف بالنص والإجماع. فهذا قوله ﷺ نحكمه على من ادعى محبته وتصديقه، فقوله: «أنا أول شافع وأول مشفع» يقتضي أولوية مطلقة لا استثناء فيها، على كل من قامت قيامته.
ومن زعم أنه بعد موته في قبره يشفع وأن الصالحين يشفعون بعد موتهم في قبورهم فلا معنى لقوله: «أنا أول شافع» عند ذلك الزاعم، إذ لو كان النبي ﷺ يشفع في قبره لكان يشفع من حين موته إلى أن ينفخ في الصور، وحينئذ فلا معنى لقوله: «أنا أول» إذ لو كان يشفع في قبره لانتفى تخصيصه ﷺ بهذه الفضيلة يوم القيامة. فإذا كان في حياته يشفع لهم بالدعاء، وبعد موته يشفع وبعد قيام قيامة الناس يشفع، فأي معنى لقوله ﷺ: «أنا أول شافع»؟ !
فإذا كان هذا في حق النبي ﷺ فما ظنك الآخرين؟ !
الرد على الدعوى الثالثة التي فيها: إن شفاعته ﷺ مقبولة مطلقًا، يقال في الرد عليها:
هذا غلط: فإن دعاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد يرد، وليس كل ما دعوا به أجيب، بل ربما امتنعت الإجابة لحكمة يعلمها الله عزوجل، إما أنه قد سبق في القضاء ما يخالف ما دعوا به، وإما لأنهم دعوا وشفعوا فيمن لمن يرض الله قوله، أو نحو ذلك من الموانع.
ومن المتقرر في الكتاب والسنة أن الأنبياء ليس لهم حق في أن يجاب جميع ما دعوا به، ودعاؤهم حري بالإجابة وهم أرفع من غيرهم من أممهم، فإجابة سؤالهم إما إعطاؤهم عين ما سألوا، أو تأخير ذلك بالأجر الجزيل لهم.
وقد سبق معنا بيان نماذج من أدعية الأنبياء التي ما قبلت، منها دعوة محمد ﷺ في أمه، ودعوة نوح ﵇ في ابنه، ودعوة إبراهيم ﵇ في
[ ٢ / ١٢٤٩ ]
أبيه، فإذا كان هذا حال من هو مقرب إلى الله بلا شك، مع من هم أقرب لديهم، فكيف إجابة الدعاء لمن ليسوا بأقرباء لهم؟ وكيف بمن هو أبعد الناس لهم في سيرهم وهديهم وسننهم؟ وكيف حال غير الأنبياء كالصالحين الذين هم صالحين لدينا وربما يكونون من أخبث الخلق عند الله؟
قال الحافظ في الفتح: (دعواتهم على رجاء الإجابة). وقال آخر: (إن لكي نبي دعوة مجابة ألبتة، وهو على يقين من إجابتها، وأما باقي دعواتهم فهو على رجاء إجابتها، وبعضها يجاب وبعضها لا يجاب).
الشبهة التاسعة: شبهة التبرك:
سبق معنا بيان معنى التبرك، وقد جاء فيه أنه بمعنى طلب الخير واستدامته، ومعلوم أن جلب الخير ودفعه ليس في قدرة البشر، وإنما التبرك من الله، وقد جعل الله في الدنيا أشياء مباركة، ولكن ليس منها طلب الخير ودفع الشر من غير الله كالأنبياء والرسل بعد موتهم بذواتهم، كما أنه ليس منها طلب الخير ودفع الشر بالأولياء والصالحين. فالمتصوفة الذين يرون أن الاستغاثة والدعاء والتوجه إلى غير الله ما هي إلا تبرك بهؤلاء الكرام على حصول المقصود غير مشروع أصلًا، فلا يجوز التبرك في غير ما ورد عن الله ورسوله ﷺ، وهؤلاء المتصوفة الذين يتبركون بالقبر، إن كان قصدهم طلب الخير والنماء من المتبرك به فلا شك أنه كفر وشرك أكبر، وإن كان مقصدهم: طلب الخير والبركة من الله ولكن بواسطتهم فلا شك أنه بدعة مذمومة، بل ربما
[ ٢ / ١٢٥٠ ]
يكون من الشرك الأصغر إذا اعتقد ذلك سببًا، فإن اعتقاد ما ليس بسبب مشروع سببًا شرك أصغر.
الشبهة العاشرة: تشبثهم بسوء فهمهم لبعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية: ومن هذه الآيات والأحاديث ما يلي:
فمن الآيات:
أ- قوله تعالى: (فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ).
ب- قوله تعالى: (فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ).
جـ - قوله تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ).
د- قوله تعالى: (وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ).
هـ - قوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى).
و- قوله تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ).
ز- قوله تعالى: (اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ).
[ ٢ / ١٢٥١ ]
فهذه بعض الآيات الكريمات التي استدل بها بعض المشركين بالله جل وعلاه على تبرير عملهم الشركي؛ من الدعاء والاستغاثة والنداء والاستعانة والتشفع والالتجاه إلى غير الله.
أما الأحاديث النبوية التي استدلوا بها على تبرير شركهم في كثيرة، أبرزها ما يلي:
أ- حديث الشفاعة العظمى.
ب- أحاديث ترغيب المسلم في قضاء حاجة أخيه.
الجواب عن الاستدلال بهذه الآيات والأحاديث:
إن الذين استدلوا بهذه الآيات والأحاديث هم في الحقيقة ملبسون، ومحرفون الكلم عن مواضعه، ويتلاعبون بنصوص الكتاب والسنة، ويضعون النصوص الشرعية في غير موضعها؛ لأن هذه النصوص إنما تدل على جواز مناصرة بعض الناس بعضًا، واستغاثة بعضهم ببعض فيما يقدرون عليه، وهو المعنيّ بما تحت الأسباب.
ولا تدل إطلاقًا بحال من الأحوال على جواز استغاثة الناس بعضهم ببعض فيما لا يقدر عليه إلا الله، وهو المعنيّ بما فوق الأسباب.
ولكن هؤلاء الملبسين تراهم يستدلون بنصوص الاستغاثة المباحة على
[ ٢ / ١٢٥٢ ]
الاستغاثة المحرمة الشركية، كدأب أهل التحريف من اليهود والمتفلسفة المتكلمة الجهمية، ولعل بعضهم لجهله لم يتصور محل النزاع، ولا عرف منار البحث والدفاع، فإن طلب الدعاء من الأحياء مسألة.
ونداء غير الله تعالى أمواتًا وأحياءً بما هو من خصائص الألوهية مسألة أخرى.
وبين المسألتين بون بعيد، وفرق ما عليه من مزيد.
فهذان النوعان من الاستغاثة والاستعانة، والاستنصار والاستمداد، أمران متضادان، ومسألتان متباينتان، وهما حقيقتان مختلفتان، ومفهومان متغايران، لكل واحد حكم مغاير لحكم الآخر، فلا يجوز الخلط بين الحكمين حتى لا يكون تلبيسًا.
فالنوع الأول جائز بلا ظنون، لابد منه، ولا ينكره إلا مجنون، لكنه خارج عن محل النزاع.
وأما النوع الثاني فهو محل النزاع، وهو لا يجوز؛ لأنه إشراك بالله ﷿، ومتضمن لعبادة غير الله ﷾.
الشبهة الحادية عشرة: استدلال القبوريين ببعض الآيات القرآنية التي هي ليست في محل النزاع:
مثل قوله تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ). قالوا: أمرنا الله بالاستعانة
[ ٢ / ١٢٥٣ ]
بالأعراض ولم يقل: استعينوا بالله. ويقول آخر: من قال: لا ينبغي الاستعانة بغير الله فقد كفر، لمخالفته نص الكتاب في قوله تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ).
ويجاب عن هذه الشبهة بما يلي:
إن هذه الآية الكريمة لا علاقة لها بجواز الاستغاثة بالأموات عند الكربات، والاستعانة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله رب العالمين، بل هذه الآية من أقوى الأدلة على وجوب الالتجاء إلى الله والاستغاثة به عند الملمات، والتوسل إلى الله بالأعمال الصالحات، إذ الصلاة والصبر من أعظم الأعمال الصالحات التي يتوسل بها إلى الله عند الكربات، فقد كان النبي ﷺ إذا حزبه أمر توسل إلى الله بالصلاة.
بل الآية من قبيل قوله تعالى: (وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ)؛ فكما أن المراد منها الاعمال الصالحة على تفسير السلف من الأثر والرأي، هكذا هنا المراد من هذه الآية: التوسل بالأعمال الصالحة.
الشبهة الثانية عشرة: استدلال المتصوفة القبورية بقصة هاجر ﵂:
والقصة: أن إبراهيم ﵇ لما ترك ابنه إسماعيل ﵇ وهاجر ﵂ بوادي مكة قبل أن يبني فيها الكعبة، وقبل ظهور ماء زمزم، ولم
[ ٢ / ١٢٥٤ ]
يكن بمكة يومئذ أحد، ولا ماء، ووضع عندها جرابًا فيه تمر، وسقاء فيه ماء، فجعلت أم إسماعيل ترضع ابنها وتشرب من ذلك الماء، حتى نفد ما في السقاء فعطشت وعطش إسماعيل ﵇، وجعل يتمرغ من شدة العطش، فوجدت هاجر الصفا أقرب جبل إليها، فقامت عليها لترى أحدًا، فهبطت من الصفا ثم أتت المروة، فقامت عليها فلم تر أحدًا، فعلت ذلك سبعًا، (فلما أشرفت المروة سمعت صوتًا .. فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث)، وفي رواية: (أغث إن كان عندك خير).
فهذه القصة من أقوى الأدلة عند المتصوفة والقبورية على الإطلاق، فإن فيها تنصيصًا بلفظ الغوث وفيها استغاثة بالغائب عن البصر، وعلى طلب الغوث والمدد من الغائب عن النظر.
يجاب عن هذه الشبهة بما يلي:
إن هذه القصة لا صلة لها بالاستغاثة بالغائب الذي لا يقدر ولا ينفع أو الميت الذي لا يعلم ولا يرى ولا يسمع، كما لا علاقة لها بطلب ما لا يقدر عليه إلا الله، بل تدل على جواز الطلب من الحي الحاضر فيما يقدر عليه، فإن هاجر لما نفد الماء ما نادت أحدًا بالاستغاثة، بل إنما نادت لما أحست صوتًا وسمعها، حيث سمعت الصوت من جبريل الحاضر الحي، فطلبت منه ما كان يقدر عليه وإن لم تكن تراه، ومن ظن غير ذلك فقد افترى على أمنا هاجر،
[ ٢ / ١٢٥٥ ]
ورماها بالشرك، وحاشاها أن تشرك بالله.
الشبهة الثالثة عشرة: استدلال المتصوفة القبورية على تبرير نداء الغائب والاستغاثة ببعض الأحاديث الضعيفة:
١ - بما روي من حديث ابن مسعود ﵁ والذي فيه: «إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة فليناد: يا عباد الله احبسوا، يا عباد الله احبسوا، فإن لله ﷿ في الأرض حاضرًا سيحبسه».
يجاب عن هذه الشبهة: بأن الحديث ضعيف لعلتين: الأول: أنه منقطع، ثانيًا: أن في إسناد رجلًا ضعيفًا، فلا يصح الاستدلال به.
وما أحسن ما جاء في ذم الكلام: أن عبد الله بن المبارك ضل في بعض أسفاره في طريق، وكان قد بلغه أن من اضطر في مفازة فنادى: عباد الله أعينوني! أعين، قال: فجعلت أطلب الجزء أنظر إسناده. والمقصود: أنه لم يستجز أن يدعو بدعاء لا يرى إسناده، هكذا فليكن الاتباع.
واستدلوا أيضًا بما جاء في رواية أخرى:
٢ - «إذا ضل أحدكم شيئًا، أو أراد عونًا، وهو بأرض ليس بها أنيس،
[ ٢ / ١٢٥٦ ]
فليقل: يا عباد الله أغيثوني، يا عباد الله أغيثوني، فإن لله عبادًا لا نراهم».
يقولون: إن في الحديث تنصيصًا على نداء الغائب.
يجاب عن هذه الشبهة:
بأن الحديث ضعيف لانقطاعه.
وعلى فرض صحة الحديثين السابقين: ففيهما نداء للأحياء وطلب منهم ما يقدرون عليه، وهذا مما لا نزاع في جوازه.
ويقول الشيخ الألباني - حفظه الله ـ: (ومع أن الحديث ضعيف كالذي قبله، فليس فيه دليل على جواز الاستغاثة بالموتى من الأولياء والصالحين، لأنهما صريحان بأن المقصود بـ (عباد الله) فيهما خلق من غير البشر، بدليل قوله في الحديث الأول: «فإن لله حاضرًا سيحبسه عليهم»، وقوله في هذا الحديث: «فإن لله عبادًا لا نراهم». وهذا الوصف إنما ينطبق على الملائكة أو الجن، لأنهم الذين لا نراهم عادة».
وقد جاء في حديث آخر تعيين أنهم طائفة من الملائكة، أخرجه البزار كما قال الهيثمي في مجمع الزوائد: عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ بلفظ: «إن لله تعالى ملائكة في الأرض سوى الحفظة يكتبون ما يسقط من
[ ٢ / ١٢٥٧ ]
ورق الشجر، فإذا أصابت أحدكم عرجة بأرض فلاة فليناد: يا عباد الله أعينوني». وقد رواه البيهقي في الشعب موقوفًا على ابن عباس. فهذا الحديث يعين أن المراد بقوله في الحديث الأول: «يا عباد الله» إنما هم الملائكة، فلا يجوز أن يلحق بهم المسلمون من الجن أو الإنس ممن يسمونهم برجال الغيب منالأولياء والصالحين، سواء كانوا أحياء أو أمواتًا، فإن الاستغاثة بهم وطلب العون منهم شرك بيّن؛ لأنهم لا يسمعون الدعاء، ولو سمعوا ما استطاعوا الاستجابة وتحقيق الرغبة، وهذا صريح في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ).
الشبهة الرابعة عشرة:
قولهم: إن النصوص التي تنهى عن دعاء غير الله والاستغاثة بغيره سبحانه إنما وردت في الأصنام والأوثان فقط، والأولياء والصالحون ليسوا مثل الأصنام.
[ ٢ / ١٢٥٨ ]
قالوا: لا يقاس الاستغاثة بالأنبياء والأولياء ودعائهم والنذر لهم على عبادة الأصنام والأحجار والأوثان التي لا مكانة لها ولا احترام لها عند الله ولا تضر ولا تنفع، لأن المشركين كانوا يعبدونها على أساس أنها تستقل بالنفع والضر، وأن لها تأثيرًا وشرفًا ذاتيًا وتدبيرًا، وأما نحن فنستغيث بالأنبياء والأولياء الذين لهم مكانة عند الله، وهم أحياء يعلمون ويسمعون. فأين هذا من ذاك؟
يجاب عن هذه الشبهة بما يلي:
إن هذه الشبهة تتضمن شبهات كثيرة
الأولى منها: أن دعاء الأموات والاستغاثة بالأموات عند الكربات ليست من العبادة فليست من الشرك بالله تعالى. ويجاب عن هذه الشبهة بما يلي:
هذا القول ناتج عن الانحراف في مفهوم العبادة، حيث حصرت العبادة لدى البعض في عدة أعمال ظاهرة كالصلاة والزكاة والصوم والحج ونحوها، وبعض الأعمال القلبية من اعتقاد الربوبية، وبناء على ذلك أخرجوا الدعاء والاستغاثة من مفهوم العبادة، فقالوا: إن الدعاء والاستغاثة، ونداء الأولياء وطلب المدد منهم عند البلاء ليست هذه الأمور من العبادة في شيء، ولا من الشرك بالله، لأن العبادة لا تتحقق إلا إذا اعتقد في غير الله القدرة الكاملة الذاتية والاستقلال بالنفع والضر، والربوبية، ونفوذ المشيئة لا محالة، وإذا كان الأمر كذلك فمن استغاث بالأولياء ودعاهم لدفع الضر وجلب النفع، وطلب منهم المدد فهو لم يعبد غير الله، وإذا لم يعبد غير الله لم يشرك به أيضًا.
[ ٢ / ١٢٥٩ ]
ويمكن أن يجاب عن هذه الشبهة بما يلي:
سبق معنا بيان معنى العبادة في مفهوم الشرع، وقد بينا بالأدلة والبراهين أن ما ذكروه من العبادة والنداء والسؤال، والشفاعة والاستشفاع، والنصر والاستنصار، والمدد والاستمداد، والعون والاستعانة، والغوث والاستغاثة، والدعاء والحب، والتوكل والخضوع، والإبانة، والخوف والرجاء، والطاعة، هذه كلها وما شاكلها من العبادة الشرعية. فإخراجهم هذه الأشياء كونها من العبادة باطل شرعًا، وقد سبق معنا بيان هذا الأمر مفصلًا فلا نعيده هنا، ويكتفي هنا بالردود على بعض هذه الأفكار بما يلي:
أولًا: إن هذا القول يصادم النصوص الواضحة التي سمت دعاء المسألة عبادة، وهي كثيرة:
فمن ذلك قوله ﷺ: «الدعاء هو العبادة». وقد سبق إثبات ذلك بالتفصيل.
ثانيًا: إن أكثر استعمال الدعاء في الكتاب والسنة واللغة ولسان العرب ومن بعدهم من العلماء في السؤال والطلب. ومن الأدلة على ذلك: صنيع المؤلفين من المحدثين وغيرهم، حيث يعتقدون في كتبهم بباب الدعوات أو
[ ٢ / ١٢٦٠ ]
كتاب الدعوات أو مثل هذه العبارة ثم يوردون ما يتعلق بدعاء المسألة فقط. وأغلبهم لا يتعرضون لدعاء العبادة في تلك الكتب والأبواب.
ومثل هؤلاء آخرون الذين أفردوا كتبًا خاصة بالدعاء وهي كتب كثيرة للمتقدمين والمتأخرين، لم يذكروا في تلك الكتب إلا ما يتعلق بدعاء المسألة. فهذا يدل على أن الاستعمال لكلمة الدعاء في لسان المصنفين من العلماء إنما هو دعاء المسألة.
ثالثًا: لو سلمنا أن المراد بالدعاء في الآيات دعاء العبادة، لا نسلم أن دعاء المسألة لا يدخل في العبادة، فإنه إن لم يكن الدعاء من العبادة فلا عبادة يمكن تصورها، لأن الدعاء يتضمن أنواعًا من العبادات وليس عبادة واحدة فقط، فهو يتضمن الرجاء والخوف والتوكل والتضرع والابتهال والخشية والطمع والتوجه إلى الله والإقبال عليه والانطراح بين يديه وحسن الظن بالله والمراقبة لله، كما أنه يتضمن سؤاله وذكره وثناءه والتوسل إليه بأسمائه الحسنى وصفاته العليا.
فإذا لم تكن هذه الأمور عبادة فلا يمكن أن نتصور عبادة، وقد وردت الأدلة الصحيحة بأن الدعاء هو العبادة وأنه مخها وروحها، قال ﷺ: «الدعاء هو العبادة» (فثبت بهذا أن الدعاء عبادة من أجل العبادات فإن لم يكن الإشراك فيه شركًا، فليس في الأرض شرك، وإن كان في الأرض شرك فالشرك في الدعاء أولي أن يكون شركًا من الإشراك في غيره من أنواع العبادات).
فتحصّل من هذا أن الدعاء داخل في العبادة، وأن الآيات والأحاديث
[ ٢ / ١٢٦١ ]
الواردة في العبادة والتحذير من صرفها لغير الله تعالى تشمل وتعم جميع أنواع العبادات ومن أجلّها دعاء المسألة، وقد قدمنا تلازم نوعي الدعاء وأن دعاء العبادة يستلزم الطلب والسؤال، فلا ينفع الخصم تأويل معنى الدعاء إلى العبادة وتضييقه لمفهوم العبادة حيث يظن أنها خاصة بالصلاة والصوم والحج.
وما وقع من وقع في الشبهة المذكورة إلا لحصره العبادة في بعض الأعمال الظاهرة. وقد سبق معنا بيان أبعاد العبادة وأنواعها، فمن عرف أنواع العبادة يعرف جيدًا أن هذه الشبهة ما تطرق إلى الأذهان إلا لقلة العلم وعدم معرفة مقاصد الشرع ومفهوم الشرع في العبادة.
الثانية منها: أن الشرك لا يتحقق باعتقاد الربوبية والخالقية والاستقلال بالنفع والضر في غير الله، وقد سبق أن تعرضنا لشبهة الاستقلال، وذكرنا أيضًا: أن المشركين باعتقاد الاستقلال بالنفع والضر في الأصنام والأوثان لم يكن عليه حتى العرب في جاهليتهم، ولم يكن عليه شرك الأمم السابقة أيضًا.
الثالثة منها: إن تلك النصوص إنما وردت فيا لأصنام فقط، والأولياء والصالحون ليسوا مثل الأصنام، فمن يدعوهم ليس مثل من يدعو الأصنام.
ويجاب عن هذه الشبهة بما يلي:
١ - إن المشركين الذين وردت فيهم تلك النصوص ليسوا كلهم يعبدون الأصنام فإن منهم من يعبد الأولياء والصالحين، ومنهم من يعبد الملائكة،
[ ٢ / ١٢٦٢ ]
ومنهم من يعبد الأنبياء، ومنهم من يعبد الأحجار وهي في الأصل صور رجال صالحين، والأدلة على ذلك كثيرة من القرآن الكريم، ومن أوضحها قوله تعالى: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا).
فهذه الآية في العقلاء بدون شك وإن اختلف المفسرون في تعيينهم:
أ- فقيل: الجن، فقد روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (كان نفر من الإنس يعبدون نفرًا من الجن، فأسلم النفر من الجن واستمسك الإنس بعبادتهم، فنزلت: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ). وفي رواية: (فأسلم الجنيون، والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون).
ب- وفي رواية أخرى عن عبد الله بن مسعود أنها نزلت في الملائكة، ومثله عن عبد الرحمن بن زيد.
جـ - وفي رواية أنهم عزير وعيسى وأمه والملائكة، روي ذلك عن ابن عباس ومجاهد.
[ ٢ / ١٢٦٣ ]
فهذه الأقوال المنقولة عن السلف عن تفسير هذه الآية ليس بينها اختلاف، لأنها عامة تشمل كل هذه الأقوال، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ثم إنه ليس مراد من فسرها بالجن أو الملائكة أنها خاصة بذلك، وإنما مراده مجرد التمثيل.
قال شيخ الإسلام: (وهذه الأقوال كلها حق، فإن الآية تعم كل من كان معبوده عابدًا لله سواء كان من الملائكة أو من الجن أو من البشر، والسلف ﵃ في تفسيرهم يذكرون جنس المراد بالآية على نوع التمثيل، كما يقول الترجمان لمن سأله ما معنى لفظ الخبز؟ فيريه رغيفًا فيقول: هذا، فالإشارة إلى نوعه لا إلى عينه.
وليس مرادهم بذلك تخصيص نوع دون نوع مع شمول الآية للنوعين، فالآية خطاب لكل من دعا من دون الله مدعوًا وذلك المدعو يبتغي إلى الله الوسيلة، ويرجو رحمته ويخاف عذابه، وهذا موجود في الملائكة والجن والإنس).
فمعنى الآية أن الذين يدعوهم المشركون هم أنفسهم يتقربون إلى الله بالطاعات ويرجونه ويخافونه فكيف يجوز دعاؤهم؟ وهذا كقوله تعالى: (أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ).
وأما القول بأنها لا تعم إلا الذين كانوا أحياء في وقت النزول - وهم الملائكة والجن لأنهم هم الذين يتقربون ويرجون ويخافون وقت نزول الآية، وأما
[ ٢ / ١٢٦٤ ]
الذين ماتوا مثل عزير ومريم فلا تشملهم - ففيه نظر؛ لأنه يمكن أن يقال: إن الآية تذكر صفتهم في حال حياتهم فقد كانوا يتقربون إلى الله تعالى، ويمكن أن يقال أيضًا: إنهم لا زالوا يتقربون كما ورد أن موسى يصلي في قبره، وأما الرجاء والخوف فلا ينقطع إلا بعد دخول الجنة يوم القيامة.
فتبين بهذا أن الآية في المعبودين من العقلاء بدون تخصيص صنف دون صنف. وقد اتفقت أقوال المفسرين على أن هذه الآية في المدعوين العقلاء وليست في الأصنام: يقول الرازي: (وليس المراد: الأصنام، لأنه تعالى قال في صفتهم: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ)، وابتغاء الوسيلة إلى الله تعالى لا يليق بالأصنام ألبتة).
ومما يدل على أن المشركين الذين نزل فيهم القرآن يعبدون غير الأصنام ما بينه الله ﷾ في كتبه من الشرك بالملائكة، والشرك بالأنبياء، والشرك بالصالحين، والشرك بالكواكب، والشرك بالأصنام، والشرك بالجن، وأصل ذلك كله الشرك بالشيطان. وقد سبق معنا بيان أنواع الشرك التي كانت موجودة في الجاهلية، واستدللنا لكل هذه الأنواع من الشرك بدلالات من القرآن والسنة ومن أخبار العرب وتاريخهم بما لا مزيد عليه.
[ ٢ / ١٢٦٥ ]
٢ - لو سلمنا أن تلك النصوص وردت في الأصنام فقط على سبيل التنزل فإننا نقول: إن تلك الأصنام هي تماثيل لقوم صالحين؛ فقد ثبت في ود وسواع ويغوث إلخ إنها أسماء رجال صالحين من قوم نوح. كما ثبت أن اللات رجل يلت السويق للحجيج، وقد تقدم معنا ذكر ذلك كله بالتفصيل.
فعلى هذا فعبادة الأصنام ترجع في الحقيقة إلى عبادة الصالحين فهي الأساس في العبادة وأصل الفتنة ورأس البلية. وقد ذكر كثير من علماء الإسلام هذا المعنى وبينوا أن عبادة الأصنام ترجع إلى عبادة العقلاء من الملائكة والأنبياء والصالحين أو الكواكب.
٣ - إن تلك النصوص عامة شاملة لجميع المدعوين من دون الله سواء كانوا من الأصنام الجامدات أو العقلاء؛ لأن تلك النصوص وردت بألفاظ العموم فتشمل الجميع.
وبعض تلك النصوص جاءت بألفاظ خاصة بالعقلاء، نحو (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ). وليست هذه الآية في الأصنام كما يزعمه من لم يتدبر، لأن (الذين) لم يخبر به إلا عن العقلاء، ولأن الأصنام من الأخشاب والأحجار لا يحلها الموت.
[ ٢ / ١٢٦٦ ]
وبهذا يتبين أن النصوص عامة لكل المدعوين من العقلاء وغيرهم، ومن ادعى التخصيص بغير العقلاء فعليه البرهان ولا برهان له يدل على الفرق بين العقلاء وغيرهم؛ (لأن الحكم واحد إذا حصل لمن يعتقد في الولي والقبر ما كان يحصل لمن كان يعتقد في الصنم والوثن، إذ ليس الشرك هو مجرد إطلاق بعض الأسماء على بعض المسميات، بل الشرك هو أن يفعل لغير الله شيئًا يختص به سبحانه، سواء أطلق على ذلك الغير ما كان تطلقه عليه الجاهلية أو أطلق عليه اسمًا آخر، فلا اعتبار بالاسم قط
وقد علم كل عالم أن عبادة الكفار للأصنام لم تكن إلا بتعظيمها واعتقاد أنها تضر وتنفع، والاستغاثة بها عند الحاجة والتقرب إليها في بعض الحالات بجزء من أموالهم، وهذا كله قد وقع من المعتقدين في القبور ).
وإنما قلنا بأن الآيات جاءت بألفاظ العموم لأنها جاءت بصيغة الموصول وهي من صيغ العموم؛ كقوله: (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ)، وقوله: (وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ)، وقوله: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ).
فهذه الموصولات في كلام الله وكلام رسوله واقعة على كل مدعو ومعبود
[ ٢ / ١٢٦٧ ]
نبيًا كان أو ملكًا أو صالحًا، إنسيًا أو جنيًا، حجرًا أو شجرًا متناولة لذلك بأصل الوضع، فإن الصلة كاشفة ومبينة للمراد، وهي واقعة على كل مدعو من غير تخصيص، وهي أبلغ وأدل وأشمل من الأعلام الشخصية والجنسية.
وهذا هو الوجه في إيثارها على الأعلام، وشرط الصلة أن تكون معهودة عند المخاطب، والمعهود عند من يعقل من أصناف بني آدم أن الأنبياء والملائكة والصالحين قد عبدوا مع الله وقصدهم المشركون بالدعاء في حاجاتهم.
الشبهة الخامسة عشرة: شبهة تنزيل الآيات القرآنية المنزلة على المشركين على المؤمنين:
إن القبوريين لما كانوا يدعون الأولياء والصالحين، واستدل عليهم العلماء بالآيات القرآنية والأحاديث الواردة في أن الدعاء والطلب والشفاعة وغيرها من العبادة، وأن الله ﷿ قد كفّر المشركين الأول لهذه الأعمال، قالوا: إن المشركين الذين نزل فيهم القرآن لا يشهدون أن لا إله إلا الله، ويكذبون الرسول ﷺ وينكرون البعث، ويكذبون القرآن، ونحن نشهد الشهادتين ونؤمن بالبعث ونصلي ونصوم فكيف تجعلوننا مثلهم بمجرد قصدنا الأولياء للشفاعة؟
واحتجوا على هذا بحديث: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا » وحديث أسامة، وغيرها من الأحاديث الآمرة بالكف عمن قال: لا إله إلا الله.
[ ٢ / ١٢٦٨ ]
يجاب عن هذه الشبهة بما يلي:
الإقرار بالشهادتين والاعتراف بالشريعة الإسلامية لا يغني عن الاحتراز من الوقوع في نواقض الإسلام، ولا يلزم من ذلك بقاء الرجل على الإسلام ولو أتى بالكفريات وربما يناقض الشهادتين، والأدلة على ذلك كثيرة:
١ - إجماع العلماء ﵏ على أن من صدق الرسول ﷺ في شيء وكذبه في شيء يكفر، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا).
وقد علم أن التوحيد أهم أركان الإسلام، فمن أنكره أو أنكر بعض جوانبه فقد كفر.
٢ - وقد وقع في التأريخ الإسلامي ما يدل على إجماع العلماء على تكفير من أنكر بعض الشيء من الدين، ومن ذلك:
أ- إجماع الصحابة رضوان الله عليهم على قتال المرتدين بعد مناقشة عمر لأبي بكر وبيانه له، فلم يحصل بينهم في قتالهم خلاف مع أن بعضهم لا زال يقر بالإسلام.
ب- قد حرق علي ﵁ الذين غلوا فيه وألهوه، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة ولا من التابعين، وقد أنكر عليه ابن عباس الإحراق بالناس - لما جاء
[ ٢ / ١٢٦٩ ]
عنده عن الرسول منع الإحراق بالنار - لا أصل قتلهم.
٣ - فقهاء المذاهب يعقدون أبوابًا في أحكام الردة، ولو أن المسلم لا يمكن وقوع الكفر منه لما كانت حاجة إلى عقد تلك الأبواب، وقد ذكروا في تلك الأبواب ما هو أقل بكثير مما نحن فيه.
٤ - قد وردت آيات تدل على ارتداد من ارتكب بعض الكفريات مع كونهم من أصحاب رسول الله ﷺ يجاهدون معه، ويقاتلون الكفار، قال تعالى: (يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا)، وقال سبحانه: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ). وهؤلاء كانوا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فلو كان مجرد الشهادتين يمنع الحكم بالكفر لما كفرهم، وحكم بأنهم كفروا بعد إيمانهم.
٥ - كما أنه قد وردت آيات أخر تبين أن من أشرك يبطل عمله حتى ولو كان من الأنبياء والمرسلين مع أن الله ﷿ عصمهم، فكيف بغيرهم؟ قال تعالى بعد ذكر جملة من الأنبياء: (وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).
[ ٢ / ١٢٧٠ ]
٦ - الأنبياء والرسل الكرام وجلة الصالحين كانوا يخافون على أنفسهم الشرك، ولو كان مجرد النطق بالشهادتين يكفي ولا يضر الإتيان بما يناقض ذلك لما خافوا على أنفسهم من الشرك. قال إبراهيم ﵇: (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ). وقد حذر النبي ﷺ أمته من الشرك وقال إنه أخفى في أمته من دبيب النمل على الصخرة الصماء في ليلة ظلماء.
٧ - يقال أيضًا: إن الجامع بين المشركين من الأولين والآخرين موجود وهو الشرك، فالحكم في ذلك واحد لا فرق فيه لعدم الفارق ووجود الجامع. وفي أصول الفقه: إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ويلزم من هذا الاعتراض أن يقال: كل حكم نزل على سبب مخصص في قضية سالفة فهو لا يتعداها إلى غيرها.
وهذا باطل، وتعطيل لجريان الأحكام الشرعية على جميع البرية؛ لأنه يلزم من اعتقاد أن الآيات لا تشمل إلا المشركين الأوائل الذين نزلت فيهم أنها لا حكم لها الآن، فالذي يجب على الإنسان إذا قرأ القرآن أن لا يحسب أن المخاصمة كانت مع قوم انقرضوا، بل الواقع أنه ما من بلاء كان فيما سبق من الزمان إلا وهو موجود اليوم بطريق الأنموذج. بحكم الحديث: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذور القذة بالقذة ».
[ ٢ / ١٢٧١ ]
يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن في الرد على مثل هذه الشبهة: (إن من منع تنزيل القرآن، وما دل عليه من الأحكام على الأشخاص والحوادث التي تدخل تحت العموم اللفظي، فهو من أضل الخلق وأجهلهم بما عليه أهل الإسلام وعلماؤهم قرنًا بعد قرن، وجيلًا بعد جيل، ومن أعظم الناس تعطيلًا للقرآن، وهجرًا له وعزلًا عن الاستدلال به في موارد النزاع، فنصوص القرآن وأحكامه عامة لا خاصة بخصوص السبب.
وما المانع من تكفير من فعل ما فعلت اليهود من الصد عن سبيل الله والكفر به، مع معرفته؟).
ويقول ابن سحمان: (فمن فعل كما فعل المشركون من الشرك بالله، بصرف خالص حقه لغير الله من الأنبياء والأولياء والصالحين، ودعاهم مع الله، واستغاث بهم كما يستغيث بالله، وطلب منهم ما لا يطلب إلا من الله، فما المانع من تنزيل الآيات على من فعل كما فعل المشركون، وتكفيره، وقد ذكر أهل العلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولكن إذا عميت قلوبهم عن معرفة الحق، وتنزيل ما أنزله الله في حق المشركين على من صنع صنيعهم واحتذا حذوهم فلا حيلة فيه).
وأما احتجاجهم بالأحاديث الآمرة بالكف عمن قال: لا إله إلا الله، فيقال: إن الأحاديث تدل على وجوب الكف عمن قالها إلا أن يتبين منه ما يناقض تلك الكلمة، كدعاء غير الله تعالى، والاستغاثة بالأولياء وما إلى
[ ٢ / ١٢٧٢ ]
ذلك.
وقد ثبت في بعض طرق الأحاديث ما يفيد ذلك وهو قوله ﷺ في حديث له: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به». فقوله ﷺ: «يؤمنوا بي وبما جئت به» يدل على وجوب الإيمان بكل ما جاء به الرسول ﷺ، ولا يكفي مجرد الإيمان بالشهادتين فقط.
كما ورد نحوه في حديث آخر أنه ﷺ قال: «من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه، وحسابه على الله».
فدل على اشتراط الكفر والبراءة مما يعبد من دون الله، وأنه لا يكتفي بمجرد النطق بلا إله إلا الله.
ويدل لذلك أيضًا: قوله ﷺ في الحديث الذي يحتجون به «إلا بحقها» وفي رواية: «إلا بحق الإسلام». وحقها: إفراد الإلهية والعبودية لله تعالى، والقبوريون لم يفردوا الإلهية والعبادة، فلم تنفعهم كلمة الشهادة؛ فإنها لا تنفع إلا مع التزام معناها، كما لم ينفع اليهود قولها لإنكارهم بعض الأنبياء.
وقد صرح بعض العلماء بأن حديث الأمر بالكف بالإقرار بالشهادة خاص بمشركي العرب، وأما من كان يقر بالتوحيد كاليهود فلا يكتفي بقوله: لا إله إلا الله؛
[ ٢ / ١٢٧٣ ]
لأنها من اعتقاده، فلابد من إيمانه بجميع ما جاء به الرسول ﷺ.
ثم من المعروف إن لكلمة (لا إله إلا الله) شروطًا لصحتها، فليس كل من قال لا إله إلا الله يكون إيمانه صحيحًا، بل لابد من مراعاة الشروط فيها، فقد سئل بعض السلف: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟ قال: نعم، ولكن للمفتاح أسنان - وذكر أشياء ثم قال: - كما أنه لا يفتح بالمفتاح الذي لا أسنان له، هكذا مجرد النطق بالكلمة لا تجدي ولا تنفع.
فاتضح بما سبق: أن كلمة الشهادتين وإقامة الصلاة إلخ إنما يفيد من التزم بمقتضى ذلك، ولم يأت بما يناقضه، وأما من لم يلتزم بذلك وأتى بالنواقض فلا يمنعه.
هذا، وقد أعرضت عن شبهات أخرى يتشبث بها المتصوفة القبورية كالاحتجاج بالأحاديث الموضوعة والمنامات والإلهامات - إذ يكفي أن يقال عنها كلها: إنها مردودة - فأما الأحاديث الموضوعة فمردودة مطلقًا، وأما موافقة للشرع، والأمر فيه كما في مراقي السعود:
وينبذ الإلهام بالعراء أعني به إلهام الأولياء
قال شارحه عن الإلهام: (وليس بحجة لعدم ثقة من ليس معصومًا بخواطره؛ لأنه لا يأمن دسيسه الشيطان فيها).
وقال: (وكذا من رأى النبي ﷺ في النوم يأمره وينهاه لا يجوز اعتماده لعدم ضبط الرائي.).
[ ٢ / ١٢٧٤ ]
الفصل الثالث وجوب الإخلاص والحذر من الشرك
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: في معنى الإخلاص لغة وشرعًا.
المبحث الثاني: في بيان وجوب الإخلاص.
المبحث الثالث: في بيان موانع الإخلاص والحذر من الشرك.
[ ٢ / ١٢٧٥ ]
المبحث الأول في معنى الإخلاص لغة وشرعًا
الإخلاص لغة:
جاء في المصباح المنير: (خلص الشيء من التلف) من باب - قعد ـ، (وخلاصًا)، و(مخلصًا): سلم ونجا، و(خلص) الماء من الكدر: صفار، و(خلصته) بالتثقيل: ميزته من غيره. وهكذا مدار الإخلاص في كتب اللغة على الصفا والتميز عن الشوائب التي تخالط الشيء، يقال: هذا الشيء خالص لك أي لا يشاركك فيه غيرك، وتطلق العرب (الإخلاص) على الزبد إذا خلص من اللبن. (والخلاص) في لغة العرب: ما أخلصته النار من الذهب والفضة. والخالص من الألوان عندهم: ما صفا ونصع، ويقولون: خالصه في العشرة؛ أي: صافاه.
وهذه المعاني جاءت في القرآن الكريم، قال تعالى: (نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا)؛ أي: لا يخالطه دم ولا فرث.
وقال تعالى في إخوة يوسف: (خَلَصُوا نَجِيًّا)، أي: انفردوا
[ ٢ / ١٢٧٧ ]
وتميزوا عمن سواهم، وقال تعالى حكاية عن المشركين: (خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا)؛ أي: لا يشركهم الإناث.
وأما حقيقة الإخلاص في الشرع:
فقد تنوعت تعريفات العلماء له، ولكن مدارها على قصد الله بالعبادة دون سواه.
جاء في المفردات لغريب القرآن: (فحقيقة الإخلاص: التبري عن كل ما دون الله تعالى).
وعرفه أبو القاسم القشيري: بأنه (إفراد الحق ﷾ في الطاعات بالقصد، وهو أن يريد بطاعته التقرب إلى الله تعالى دون شيء آخر؛ من تصنع لمخلوق، واكتساب محمدة عند الناس، أو محبة مدح من الخلق، أو معنى من المعاني سوى التقرب إلى الله ﷾).
وقال في موضع آخر: (يصح أن يقال: الإخلاص تصفية العمل عن ملاحظة المخلوقين).
[ ٢ / ١٢٧٨ ]
وعرفه بعضهم بقوله: (الإخلاص أن يفعل المكلف الطاعة خالصة لله وحده لا يريد بها تعظيمًا من الناس ولا توقيرًا، ولا جلب نفع ديني ولا دفع ضرر دنيوي).
وقال سهل بن عبد الله: (الإخلاص أن يكون سكون العبد وحركاته لله - تعالى - خالصة).
قال الغزالي بعد ذكره لهذا التعريف: (وهذه كلمة جامعة محيطة بالغرض).
وقد ذكر الإمام ابن القيم، ما يقارب ثلاثة عشر تعريفًا للإخلاص، وكلها ترجع إلى معنى واحد: وهو أن يقصد العبد بأقواله، وأعماله وإرادته، ونيته وجه الله تعالى دون سواه، من غير أن ينظر إلى مغنم، أو جاه، أو لقب، أو تقدم، أو تأخر، إلى غير ذلك من أغراض الدنيا.
وقد ذكر ابن القيم أن للإخلاص ثلاثة أركان، قال - رحمه الله تعالى ـ:
[ ٢ / ١٢٧٩ ]
(فحقيقة الإخلاص: توحيد المطلوب، وحقيقة الصدق: توحيد الطلب والإرادة، ولا يثمران إلا بالاستسلام المحض للمتابعة، فهذه هي الأركان الثلاثة للإخلاص).
[ ٢ / ١٢٨٠ ]
المبحث الثاني وجوب الإخلاص في الدين
أما وجوب الإخلاص في الدين: فلأنه من أعمال القلوب، بل هو من أهم أعمال القلوب المندرجة تحت الإيمان، وأعظمها قدرًا وشأنًا، من المعلوم: أن أعمال القلوب عمومًا آكد وأهم من أعمال الجوارح، يقول ابن تيمية ﵀ عن الأعمال القلبية: (وهي من أصول الإيمان وقواعد الدين، مثل محبة الله ورسوله، والتوكل على الله، وإخلاص الدين لله، والشكر له، والصبر على حكمه، والخوف منه، والرجاء له وهذه الأعمال جميعها واجبة على جميع الخلق باتفاق أئمة الدين).
ويقول ابن القيم: (وأعمال القلوب هي الأصل، وأعمال الجوارح تبع ومكملة، وإن النية بمنزلة الروح، والعمل بمنزلة الجسد للأعضاء الذي إذا فارق الروح فموات، فمعرفة أحكام القلوب أهم من معرفة أحكام الجوارح).
وبهذا تدرك أهمية أعمال القلوب، وعلو شأنها، ووجوب تحقيق هذه الأعمال عمومًا، ومن أهمها وأخصها: الإخلاص.
فالإخلاص حقيقة الدين، ومفتاح دعوة الرسل ﵈، وإذا تمكن الإخلاص من طاعة ما، فكانت هذه الطاعة خالصة لوجه الله تعالى، فإن الله تعالى
[ ٢ / ١٢٨١ ]
يجزي الجزاء الكيبر والعطاء العظيم لهؤلاء المخلصين، وإن كانت الطاعة في ظاهرها يسيرة أو قليلة.
يقول ابن تيمية في هذا الشأن: (والنوع الواحد من العمل قد يفعله الإنسان على وجه يكمل فيه إخلاصه عبوديته لله، فيغفر الله به كبائر، كما في حديث البطاقة فهذه حال من قالها بإخلاص وصدق، كما قالها هذا الشخص، وإلا فأهل الكبائر الذين دخلوا النار كلهم يقولون التوحيد، ولم يترجح قولهم على سيئاتهم كما ترجح قول صاحب البطاقة) - ثم ذكر ابن تيمية ﵀ حديث البغيّ التي سقت كلبًا فغفر الله لها، والرجل الذي أماط الأذى عن الطريق فغفر الله له - ثم قال: (فهذه سقت الكلب بإيمان خالص كان في قلبها فغفر لها، وإلا فليس كل بغي سقت كلبًا يغفر لها، فالأعمال تتفاضل بتفاضل ما في القلوب من الإيمان والإجلال).
وفي المقابل إن أداء الطاعة بدون إخلاص وصدق مع الله، لا قيمة لها، ولا ثواب، بل صاحبها متعرض للوعيد الشديد، وإن كانت هذه الطاعة من الأعمال العظام كالإنفاق في وجوه الخير، وقتال الكفار، ونيل العلم الشرعي كما سيأتي معنا حديث الثلاثة؛ من المجاهد، والعالم، والجواد.
وقد تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة، وكثرة أقوال الأئمة في اشتراط الإخلاص للأعمال والأقوال الدينية، وأن الله لا يقبل منها إلا ما كان خالصًا وابتغي وجهه. قال تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ).
[ ٢ / ١٢٨٢ ]
قال ابن كثير: (هذه الآية فيها توجيه من الله - تعالى - لنبيه ﷺ بأن يقول للمشركين أنه لا يصلي إلا لله، ولا يذبح إلا له، وأن محياه ومماته كل ذلك لله وحده لا شريك له، بخلاف المشركين، فإنهم كانوا يعبدون الأصنام ويذبحون لها، فأمره الله - تعالى - بمخالفتهم، والابتعاد عما هم عليه والإقبال بالقصد والنية والعزم والإخلاص لله تعالى).
وقال تعالى: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ).
قال الفضيل بن عياض: - في بيان معنى (أَحْسَنُ عَمَلًا) ـ: هو أخلصه وأصوبه، قالوا: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ فقال: إن العمل إذا كان خالصًا لم يقبل حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة، ثم قرأ قوله تعالى: فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) فلا يمكن أن يكون العمل خالصًا إلا إذا جرد الإنسان المتابعة للكتاب والسنة في عبادته، واقتفى ما خط له فيهما، فقبول الأعمال مرهون وموقوف بصدق الإخلاص.
[ ٢ / ١٢٨٣ ]
يقول ابن القيم تعليقًا على كلام الفضيل بن عياض: (والأعمال أربعة: واحد مقبول، وثلاثة مردودة، فالمقبول ما كان خالصًا لله، وللسنه موافقًا، والمردود ما فقد منه الوصفان أو أحدهما، وذلك أن العمل المقبول هو ما أحبه الله ورضيه، وهو سبحانه إنما يحب ما أمر به وما عمل لوجهه، وما عدا ذلك من الأعمال فإنه لا يحبها، بل يمقتها ويمقت أهلها فإن قيل: فقد بان بهذا أن العمل لغير الله مردود غير مقبول، والعمل لله وحده مقبول، فبقي قسم آخر وهو أن يعمل العمل لله ولغيره، فلا يكون لله محضًا ولا للناس محضًا، فما حكم هذا القسم؟ هل يبطل العمل كله أم يبطل ما كان لغير الله ويصح ما كان لله؟ قيل: هذا قسم تحته أنواع ثلاثة:
أحدها: أن يكون الباعث الأول على العمل هو الإخلاص، ثم يعرض عليه الرياء وإرادة غير الله في أثنائه، فهذا المعول فيه على الباعث الأول
الثاني: عكس هذا، فهذا لا يحتسب له بما مضى من العمل، ويحتسب له من حين قلب نيته
الثالث: أن يبتدئها مريدًا بها الله والناس، فهذا لا يقبل منه العمل.
وقال تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ).
فإسلام العبد وجهه لا يتحقق إلا بإخلاص قصده وعمله لله تعالى، والإحسان في ذلك لا يتحقق إلا بمتابعة الرسول ﷺ، ولقد أخبر الله تعالى أن الأعمال التي تكون على غير الكتاب والسنة أو قصد بها غير وجه الله تعالى فإنها تصير هباء منثورًا ليس لها قيمة وليس فيها نفع لصاحبها. قال تعالى: (وَقَدِمْنَا
[ ٢ / ١٢٨٤ ]
إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا). والآيات الواردة في الحض على إخلاص العبادة لله - وحده لا شريك له - كثيرة جدًا في كتاب الله تعالى وكلها تدل على اهتمام الإسلام بإصلاح الفرد ظاهرًا، وباطنًا.
من هذه الآيات الكريمات قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ).
قال ابن كثير: (وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) أي أمركم بالاستقامة في عبادته في محالها وهي متابعة المرسلين المؤيدين بالمعجزات فيما أخبروا به عن الله وما جاءوا به من الشرائع، وبالإخلاص له في عبادته فإنه تعالى لا يتقبل العمل حتى يجمع هذين الركنين: أن يكون صوابًا موافقًا للشريعة، وأن يكون خالصًا من الشرك).
وقوله تعالى: (فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ).
قال الحافظ ابن كثير: أي فاعبد الله وحده لا شريك له وادع الخلق إلى ذلك وأعلمهم أنه لا تصح العبادة إلا له وحده وأنه ليس له شريك ولا عديل ولا نديد، ولهذا قال تعالى: (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ) أي لا يقبل من العمل إلا ما أخلص فيه العامل لله وحده لا شريك له. قال قتادة في تفسير قوله تعالى: (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ): (شهادة أن لا إله إلا الله). وعلى هذا التفسير يكون
[ ٢ / ١٢٨٥ ]
معنى الآية: أي: التوحيد الصافي من شوائب الشرك وهو المستحق لذلك وحده.
وقوله تعالى: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ). فهذه الآية أيضًا تأمر بعبادة الله - تعالى - العبادة الخالصة البعيدة عن كل إشراك.
وقوله تعالى: (قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي) في هذه الآية إخبار بأنه ﷺ أمر بأن يخص الله تعالى وحده بالعبادة مخلصًا له دينه ولا يعبد أحدًا غيره. فقوله: (اللَّهَ أَعْبُدُ) يفيد الحصر؛ أي: لا أعبد أحدًا غير الله تعالى.
وقوله تعالى: (فَادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ). قال الحافظ ابن كثير: أي فاخلصوا لله وحده العبادة والدعاء وخالفوا المشركين في مسلكهم ومذهبهم.
وقوله تعالى: (هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ).
(قال الحافظ ابن كثير في تفسير الآية: قال تعالى: (هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) أي هو الحي أزلًا وأبدًا لم يزل ولا يزال، وهو الأول والآخر والظاهر والباطن (لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) أي لا نظير له ولا عديل له (فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) أي موحدين له مقرين بأنه لا إله إلا هو، الحمد لله رب العالمين.
وقوله تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ).
قال ابن كثير: (قوله تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) كقوله:
[ ٢ / ١٢٨٦ ]
(وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ)، ولهذا قال: (حُنَفَاءَ) أي متحنفين عن الشرك إلى التوحيد كقوله: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ). قوله: (وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ) وهي أشرف عبادات البدن (وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ) وهي الإحسان إلى الفقراء والمحاويج (وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) أي الملة القائمة العادلة أو الأمة المستقيمة المعتدلة. وقد استدل كثير من الأئمة بهذه الآية الكريمة على أن الأعمال داخلة في الإيمان ولهذا قال: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ).
فهذه الآيات الكريمات كلها تدل على أهمية الإخلاص وتدل على أنه يجب على كل إنسان أن يحققه في عبادته لربه، لتكن عبادته مقبولة عند الله - تعالى ـ، والقرآن الكريم عند ما يطلق اسم الإخلاص لا يريد به التوجه إلا الله في عمل من الأعمال، بل المقصود به أن يتوجه المكلف بأعماله كلها إلى الله وحده دون سواه، فلا يقصد بعبادته ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلًا ولا يعبد شجرًا ولا حجرًا ولا شمسًا ولا قمرًا، فالإخلاص يعني أن يتوجه بالأعمال القلبية لله وحده، كما يتوجه بالأعمال الظاهرة، والإخلاص هو الدين الذي بعث الله به الرسل جميعًا، فكان محور دعوتهم ولبها، وهو الدين الذي طالبت به الرسل الأمم التي أرسلت إليها (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ)، وطالما أن للإخلاص هذه الأهمية في القرآن فإنه ينبغي أن نعرف أهميته من السنة النبوية:
[ ٢ / ١٢٨٧ ]
لقد أكدت السنة النبوية على أهمية الإخلاص في عبادة الله في أحاديث كثيرة، منها:
١ - ما رواه الشيخان عن أبي موسى قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: الرجل يقاتل حمية ويقاتل شجاعة ويقاتل رياء فأي ذلك في سبيل الله؟ قال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله».
فقد بين النبي ﷺ أن القتال الذي يكون لله وفي سبيله إنما هو القتال الذي يكون الغاية منه رفع راية الإسلام، أما القتال لأجل مراءات الناس، وإظهار الشجاعة، أو للحمية، كل هذا في سبيل الشيطان، وليس في سبيل الرحمن.
٢ - وروى الإمام أحمد من حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة أولي الأمر، ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم».
قال العلامة ابن القيم: (أي لا يبقى فيه غل، ولا يحمل الغل معهذه الثلاثة بل تنفي عنه غلة وتنقيه منه، وتخرجه عنه، فإن القلب يغل على الشرك أعظم غل، وكذلك يغل على الغش، وعلى خروجه عن جماعة المسلمين بالبدعة، والضلالة، فهذه الثلاثة تملؤه غلًا، ودغلًا، ودواء هذا الغل، واستخراج أخلاطه بتجريد الإخلاص والنصح ومتابعة الرسول).
[ ٢ / ١٢٨٨ ]
وقال في موضع آخر: (أي: لا يحمل الغل ولا يبقى فيه مع هذه الثلاثة؛ فإنها تنفي الغل والغش وفساد القلب وسخائمه، فالمخلص لله إخلاصه يمنع غل قلبه، يخرجه ويزيله جملة؛ لأنه قد انصرفت دواعي قلبه وإرادته إلى مرضاة ربه، فلم يبق فيه موضع للغل والغش، كما قال تعالى: (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ)، فلما أخلص لربه صرف عنه دواعي السوء والفحشاء. ولهذا لما علم إبليس أنه لا سبيل له على أهل الإخلاص استثناهم من شرطه التي اشترطها للغواية والإهلاك، فقال: (فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ).
قال تعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ). فالإخلاص هو سبيل الخلاص، والإسلام مركب السلامة، والإيمان خاتم الأمان).
٣ - وأخبر ﷺ أن الإنسان إذا قصد بعمله وجه الله - تعالى - زاده الله رفعة ودرجة في دنياه وآخرته. دل على ذلك حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: جاءني رسول الله يعودني في حجة الوداع من وجع اشتد بي .. فقلت: يا رسول الله أخلّف بعد أصحابي، قال: «إنك لن تُخلّف فتعمل عملًا
[ ٢ / ١٢٨٩ ]
تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة ».
٤ - وأخبر ﷺ أن العمل بقصد الرياء والسمعة محبط للعمل وموجب للنار، كما في حديث الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار، (قارئ القرآن، والمجاهد، والمتصدق بماله).
فقارئ القرآن قرأه ليقال: فلان قارئ، والمجاهد جاهد ليقال: فلان شجاع، والمتصدق تصدق ليقال: فلان جواد، ولم تكن أعمالهم خالصة لله - تعالى - فكانوا من أصحاب النار؛ لأنهم قصدوا بأعمالهم غير الله فوقعوا في الشرك، والله تعالى أغنى الشركاء عن الشرك. كما في حديث آخر قدسي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي تركته وشركه»، وقال تعالى: (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ).
٥ - كما أن النبي ﷺ أخبر في حديث آخر أن من لم يخلص لله في عمله لا يقبل منه، فقد جاء عن النبي ﷺ أنه جاء رجل إليه ﷺ وقال: (أرأيت رجلًا غزا يلتمس الأجر والذكر؛ ما له؟ فقال رسول الله ﷺ: «لا شيء له» فأعادها ثلاث مرار، ويقول رسول الله ﷺ: «لا شيء له»، ثم قال: «إن الله ﷿ لا يقبل
[ ٢ / ١٢٩٠ ]
من العمل إلا ما كان خالصًا وابتغي به وجهه».
٦ - كما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: «الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا ما ابتغي به وجه الله».
٧ - كما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله لا ينظر إلى أجسامكم، ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم». وفي رواية: «وأعمالكم».
ففي هذا الحديث ذكر إخلاص النية بقوله: «إلى قلوبكم»، وذكر وجوب كونه صوابًا في نفس الأمر بقوله: (وأعمالكم»؛ حيث تجب الأعمال أن تكون على وفق هدي الرسول.
٨ - وقال النبي ﷺ: «الغزو غزوان: فأما من ابتغى وجه الله، وأطاع الإمام، وأنفق الكريمة، وياسر الشريك، واجتنب الفساد، فإن نومه ونبهه أجر كله، وأما من غزا فخرًا ورياءً وسمعة، وعصى الإمام، وأفسد في الأرض، فإنه لم يرجع بالكفاف».
فهذه بعض الأحاديث النبوية تدل على أهمية الإخلاص ووجوبه في أعمال العباد القلبية والبدنية والقولية.
فعلى الإنسان أن يجتهد في تحقيق الإخلاص في أقواله وأفعاله - القلبية
[ ٢ / ١٢٩١ ]
والبدنية - التي يتقرب بها إلى الله جل وعلا ـ، وأن يحاول جاهدًا أن يربي نفسه ويعودها الأخذ بالإخلاص في جميع أعماله؛ إذ الإخلاص من أشق الأشياء عليها.
قال الإمام أحمد ﵀: (أمر النية شديد).
وقال سفيان الثوري: (ما عالجت شيئًا أشد عليّ من نيتي لأنها تنقلب علي).
وقال آخر: (تخليص النية من فسادها أشد على العالمين من طول الاجتهاد).
وقال سهل بن عبد الله التستري: (وليس على النفس شيء أشق من الإخلاص لأنه ليس لها فيه نصيب).
وقال آخر: (أعز شيء في الدنيا الإخلاص، وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي، وكأنه ينبت فيه على لون آخر، فيجب على من نصح نفسه أن يكون اهتمامه بتصحيح نيته، وتخليصها من الشوائب فوق اهتمامه بكل شيء لأن الأعمال بالنيات ولكل امري ما نوى).
[ ٢ / ١٢٩٢ ]
ويقول بعضهم: المخلص هو الذي لا يبالي لو خرج كل قدر له في قلوب الناس، من أجل صلاح قلبه مع الله ﷿، ولا يحب أن يطلع الناس على مثاقيل الذر من عمله.
ولا شك أن الإخلاص يحتاج إلى مجاهدة كبيرة حتى يناله العبد تمامًا، فإن النفس الأمارة بالسوء تشين الإخلاص في قلوب المكلفين، وكما يقول ابن القيم: (وتريه صورة الإخلاص في صورة ينفر منها، وهي الخروج على حكم العقل المعيشي، والمداراة والمداهنة التي بها اندراج حال صاحبها ومشيه بين الناس، فمتى أخلص أعماله ولم يعمل لأحد شيئًا تجنبهم وتجنبوه، وأبغضهم وأبغضوه ).
فالسلف كانوا يجتهدون غاية الاجتهاد في تصحيح نياتهم ويرون الإخلاص أعز الأشياء، وأشقها على النفس، وذلك لمعرفتهم بالله، وما يجب له، ويعلل الأعمال وآفاتها، ولا يهمهم العمل لسهولته عليهم، وإنما يهمهم سلامة العمل وخلوه من الشوائب المبطلة لثوابها أو المنقصة له، فقلب الإنسان هو الأساس في عبادة الله - تعالى - وهو موضع نظر الله تعالى، ومحل عنايته، كما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ السابق ذكره.
والذي نخلص إليه مما تقدم أن الإنسان مأمور أن يصفي وينقي عمله من جميع شوائب الشرك، وأن يفعل كل الطاعات على وجه الإخلاص ولابد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (فكل ما يفعله المسلم من القرب الواجبة والمستحبة كالإيمان بالله، ورسوله، والعبادات البدنية، والمالية، ومحبة الله ورسوله، والإحسان إلى عباد الله بالنفع، والمال هو مأمور بأن يفعله
[ ٢ / ١٢٩٣ ]
خالصًا لله رب العالمين، لا يطلب من مخلوق عليه جزاء لا دعاء ولا غير دعاء، فهذا مما لا يسوغ أن يطلب عليه جزاء لا دعاء، ولا غير دعاء).
فصلاح القلب أساس قبول العمل ولا يعتبر العمل مقبولًا إلا إذا كان عن نية خالصة لوجه الله - تعالى ـ، أما العمل إذا كان مقصورًا به مراءات الناس، أو السمعة فإن ذلك مبطل للعمل من أساسه بالكلية، ويفضح الله سريرته صاحبه يوم القيامة بين الخلائق عامة، فعلى العبد أن يتقي الرياء ويخلص العمل لله - تعالى - فإن الرياء من الأعمال الدنيئة التي تهبط بالإنسان إلى أسفل الدرجات، أما إذا أظهر الإنسان الطاعات للناس دون قصد منه، وكانت مصحوبة بالإخلاص، فأعجبهم عمله وحمدوه على ذلك فهذا لا يحبط عمله، ولا ينافي ذلك إخلاصه.
برهان ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي ذر ﵁ أنه سأل رسول الله ﷺ قال: أريت الرجل يعمل العمل من الخير فيحمده الناس عليه؟ قال: «تلك عاجل بشرى المؤمن».
[ ٢ / ١٢٩٤ ]
المبحث الثالث موانع الإخلاص والحذر من الشرك
الأمور المنافية للإخلاص كثيرة ويمكن أن نقسمها قسمين:
١ - الأمور المنافية له صراحة: وهي الشرك بأنواعه، وقد سبق بيانه في الفصول السابقة.
٢ - الأمور المنافية له خفيًا: وهذه الأمور هي التي يقع فيها الناس كثيرًا حتى من عنده إيمان راسخ، وهي كثيرة من أهمها:
أ- حب الدنيا والمال وحب الشهرة.
ب- حب الشرف والرياسة.
ج- الرياء.
د- السمعة.
هـ - العجب، وغيرها.
فهذه الأمور كلها منافية للإخلاص، لا تجتمع مع الإخلاص أبدًا، ولهذا لا يفوتنا أن نذكر هنا كلمة لابن القيم وضعها ﵀ كنبراس لتحقيق الإخلاص في القلب، قال ﵀: (لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء والطمع فيما عند الناس إلا كما يجتمع الماء والنار، والضب والحوت، فإذا حدثتك نفسك بطلب الإخلاص، فأقبل على الطمع أولًا فاذبحه بسكين اليأس، وأقبل على المدح والثناء فازهد فيهما زهد عشاق الدنيا في الآخرة، فإذا استقام لك ذبح الطمع، والزهد في الثناء والمدح،
[ ٢ / ١٢٩٥ ]
سهل عليك الإخلاص.
فإن قلت: وما الذي يسهل عليّ ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح؟
قلت: أما ذبح الطمع فيسهله عليك علمك يقينًا أنه ليس من شيء يطمع فيه إلا وبيد الله وحده خزائنه لا يملكها غيره ولا يؤتي العبد منها شيئًا سواه.
وأما الزهد في الثناء والمدح فيسهله عليك علمك أنه ليس أحد ينفع مدحه ويزين ويضر ذمه ويشين إلا الله - وحده - كما قال الأعرابي للنبي ﷺ أن مدحي زين، وذمي شين، فقال: «ذلك الله ﷿». فازهد في مدح من لا يزينك مدحه، وفي ذم من لا يشينك ذمه، وارغب في مدح من كل الزين في مدحه وكل الشين في ذمه، ولن يقدر على ذلك إلا بالصبر واليقين، فمتى فقدت الصبر واليقين كنت كمن أراد السفر في البحر من غير مركب.
قال تعالى: (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ).
وقال تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ).
فهذه بعض وسائل القضاء على حب الشرف والرئاسة والثناء كما ذكره الإمام ابن القيم، ولكن بقية الموانع من الإخلاص كالرياء والسمعة والعجب، أما الرياء: فهو إظهار العبادة لقصد رؤية الناس، فيحمدوا صاحبها، فهو يقصد التعظيم والمدح والرغبة أو الرهبة فيمن يرائيه، وأما السمعة: فهي
[ ٢ / ١٢٩٦ ]
العمل لأجل سماع الناس، وأما العجب: فهو قرين الرياء، وقد فرق بينهما شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقال: (فالرياء من باب الإشراك بالخلق، والعجب من باب الإشراك بالنفس).
والكلام عليها طويل جدًا، وحسبنا أن نشير هنا إلى بعض المسالك الدقيقة للرياء وخفاياه على النحو التالي:
أولها: ما ذكره أبو حامد الغزالي في إحيائه حيث قال - أثناء ذكره للرياء الخفي ـ: (وأخفى من ذلك أن يختفي (العامل بطاعته) بحيث لا يريد الاطلاع، ولا يسر بطهور طاعته، ولكنه مع ذلك إذا رأى الناس أحب ان يبدؤوه بالسلام، وأن يقابلوه بالبشاشة والتوقير وأن يثنوا عليه، وأن يوسعوا له في المكان، فإن قصر فيه مقصر ثقل ذلك على قلبه، ووجد لذلك استبعادًا في نفسه، كأنه يتقاضى الاحترام مع الطاعة التي أخفاها مع أنه لم يطع عليه، ولو لم يكن وجود العبادة كعدمها في كل ما يتعلق بالخلق لم يكن قد قنع بعلم الله، ولم يكن خاليًا عن شوب خفي من الرياء لم يسلم منه إلا الصديقون).
وأما ثانيها: فهو أن يجعل الإخلاص لله وسيلة - لا غاية وقصدًا - لأحد المطالب الدنيوية.
وقد نبه شيخ الإسلام على تلك الآفة الخفية فكان مما قال ﵀: (حكي أن أبا حامد الغزالي بلغه أن من أخلص لله أربعين يومًا تفجريت ينابيع
[ ٢ / ١٢٩٧ ]
الحكمة من قلبه على لسانه، قال: فأخلصت أربعين يومًا فلم يتفجر شيء فذكرت ذلك بعض العارفين، فقال لي: إنك إنما أخلصت للحكمة، ولم تخلص لله تعالى ).
ثم قال ابن تيمية: (وذلك لأن الإنسان قد يكون مقصوده نيل العلم والحكمة، أو نيل المكاشفات والتأثيرات، أو نيل تعظيم الناس له ومدحهم إياه، أو غير ذلك من المطالب، وقد عرف أن ذلك يحصل بالإخلاص لله وإرادة وجهه، فإذا قصد أن يطالب ذلك بالإخلاص لله وإرادة وجهه كان متناقضًا، لأن من أراد شيئًا لغيره فالثاني هو المراد المقصود بذاته، والأول: يراد لكونه وسيلة إليه، فإذا قصد أن يخلص لله ليصير عالمًا أو عارفًا أو ذا حكمة، أو صاحب مكاشفات وتصرفات ونحو ذلك، فهو هنا لم يرد الله، بل جعل الله وسيلة له إلى ذلك المطلوب الأدنى ).
ولذا يقول الشاطبي ﵀: (إن الفاعل للسبب عالمًا بأن المسبب ليس إليه، إذا وكله إلى فاعله وصرف نظره عنه كان أقرب إلى الإخلاص، فالمكلف إذا لبى الأمر والنهي في السبب من غير نظر إلى ما سوى الأمر والنهي، خارج عن حظوظه، قائم بحقوق ربه، واقف موقف العبودية، بخلاف ما إذا التفت إلى المسبب ورعاه، فإنه عند الالتفات إليه متوجه شطره، فصار توجهه إلى ربه بالسبب، بواسطة التوجه إلى المسبب، ولا شك في تفاوت ما بين الرتبتين في الإخلاص).
ولما ذكر الشاطبي حكاية: (من أخلص لله أربعين يومًا ) قال ﵀: (هذا واقع كثيرًا في ملاحظة المسببات [النتائج والعواقب] في الأسباب،
[ ٢ / ١٢٩٨ ]
وربما غطت ملاحظتها فحالت بين المتسبب وبين مراعاة الأسباب، وبذلك يصير العباد مستكثرًا لعبادته، والعالم مغترًا بعلمه، إلى غير ذلك).
وأما ثالثها: وهو ما أشار إليه ابن رجب ﵀ بقوله: (وهاهنا نكتة دقيقة، وهي أن الإنسان قد يذم نفسه بين الناس، يريد بذلك أن يرى الناس أنه متواضع عند نفسه؛ فيرتفع بذلك عندهم ويمدحونه به، وهذا من دقائق أبواب الرياء).
علاج الرياء:
إن لكل داء دواء علمه من علمه وجهله من جهله، ولداء الرياء - وكذا غيره مما يضاد الإخلاص - أنواع من العلاج والدواء، فمنها:
* أن يعلم المكلف علمًا يقينيًا بأنه عبد محض، والعبد لا يستحق على خدمته لسيده عوضًا ولا أجرة، إذ هو يخدمه بمقتضى عبوديته، فما يناله من سيده من الأجر والثواب تفضل منه وإحسان إليه لا معارضة.
* مشاهدة لمنة الله عليه وفضله وتوفيقه، وأنه بالله لا بنفسه، وأنه إنما أوجب عمله مشيئة الله لا مشيئته هو، فكل خير فهو مجرد فضل الله ومنته.
* مطالعة عيوبه وآفاته وتقصيره وما فيه من حظ النفس ونصيب الشيطان، فكل عمل من الأعمال إلا وللشيطان فيه نصيب وإن قل، وللنفس فيه حظ.
* سوء ظنه بنفسه وعمله وبغضه لها، وكراهته لأنفاسه وصعودها إلى الله، فإنه يحول بينه وبين الرضى بعمله والرضى عن نفسه والعجب والرياء.
[ ٢ / ١٢٩٩ ]
* تذكير النفس بما أمر الله تعالى به من إصلاح القلب، وإخلاصه، وحرمان المرائي من التوفيق.
* خوف مقت الله تعالى إذا اطلع على قلبه وهو منطو على الرياء.
* الإكثار من العبادات غير المشاهدة، وإخفاؤها؛ كقيام الليل، وصدقة السر، والبكاء خاليًا من خشية الله، وكان السلف يستحبون أن يكون للرجل خبيئة من عمل صالح لا تعلم به زوجته ولا غيرها.
* تحقيق تعظيم الله تعالى، وذلك بتحقيق التوحيد والتعبد لله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى.
* تذكر الموت وسكراته، والقبر وأهواله، واليوم الآخر بأحواله التي تشيب لها الولدان.
* معرفة الرياء ومداخله وخفاياه؛ حتى يتم الاحتراز منه.
* النظر في عاقبة الرياء في الدنيا ومضاره؛ فليعلم العبد أن الناس لو اجتمعوا على أن ينفعوه بشيء، لم ينفعوه إلا بشيء قد كتبه الله له كما جاء في وصية رسول الله ﷺ لابن عباس، ولذا قال بعض السلف: من عرف الناس استراح، وقال بعضهم: جاهد نفسك في دفع أسباب الرياء عنك، واحرص على أن يكون الناس عندك كالبهائم والصبيان، ولا تفرق في عبادتك بين وجودهم وعدمهم، وعلمهم بها أو غفلتهم عنها، واقنع بعلم الله وحده.
ورضي الله عن عمر الفاروق القائل: (فمن خلصت نيته في الحق ولو على
[ ٢ / ١٣٠٠ ]
نفسه، كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزين بما ليس فيه شانه الله). يقول ابن القيم ﵀ معلقًا على عبارة أمير المؤمنين عمر ﵁: (ومن تزين بما ليس فيه شانه الله): (لما كان المتزين بما ليس فيه ضد المخلص، فإنه يظهر للناس أمرًا وهو في الباطن بخلافه، عامله الله بنقيض قصده، فإن المعاقبة بنقيض القصد ثابتة شرعًا وقدرًا، ولما كان المخلص يعجل له من ثواب إخلاصه الحلاوة والمحبة والمهابة في قلوب الناس، عجل للمتزين بما ليس فيه من عقوبته أن شانه الله بين الناس؛ لأنه شان باطنه عند الله، وهذا موجب أسماء الرب الحسنى وصفاته العليا ).
* النظر إلى عاقبة الرياء في الآخرة ومضاره وفضيحته: فإن مما يدفع الرياء معرفة عاقبته في الآخرة، والتي منها: رد عمله كما في حديث الثلاثة المذكور سابقًا، الذين هم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة مع أنهم كانوا فعالين للخير إلا أنهم لم يريدوا به وجه الله وإنما أرادوا به العباد، كما في الحديث الصحيح عنه ﷺ أنه قال: «من سمّع سمّع الله به، ومن يرائي يرائي الله به».
يقول ابن حجر ﵀: قال الخطابي: (معناه: من عمل عملًا على غير إخلاص وإنما يريد أن يراه الناس ويسمعوه جوزي على ذلك بأن يشهره الله
[ ٢ / ١٣٠١ ]
ويفضحه ويظهر ما كان يبطنه). فإذا علم الإنسان أن هناك يوم حساب، وعلم شدة حاجته في ذلك اليوم إلى العمل الصالح، وعلم عاقبة الرياء غلب على نفسه الحذر من الرياء كي يقبل عمله وكيلا ينفضح في ذلك اليوم.
* معرفة عظم جزاء المخلص في دنياه وآخرته. يقول عمر ﵁: (فما ظنك بثواب عند الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته!)؛ يريد به تعظيم جزاء المخلص أنه رزق عاجل إما للقلب أو للبدن أو لهما، ورحمته مدخرة في خزائنه؛ فإن الله سبحانه يجزي العبد على ما عمل من خير في الدنيا ولابد، ثم في الآخرة يوفيه أجره، كما قال تعالى: (وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ). فما يحصل في الدنيا من الجزاء على الأعمال الصالحة ليس جزاء توقية، وإن كان نوعًا آخر كما قال تعالى عن إبراهيم ﵇: (وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) فأخبر سبحانه أنه أتى خليله أجره في الدنيا من النعم التي أنعم بها عليه في نفسه وقلبه وولده وماله وحياته الطيبة، ولكن ليس ذلك أجر توفية. فإذا نظر الإنسان إلى عاقبة الإخلاص في الدنيا والآخرة فإنه يترك ما يخالفه لا محالة.
* الاستعانة بالله على الإخلاص، والتعوذ به من الرياء، فعلى المسلم أن يكثر من الدعاء والتضرع إلى الله؛ بأن يقيه الرياء ودواعيه، كما جاء في الحديث، عن رسول الله ﷺ أنه علم الدعاء للتخلص مما يخالف الإخلاص،
[ ٢ / ١٣٠٢ ]
حيث قال: «تقول: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم ».
فهذه بعض أنواع العلاج للرياء، وهي تصلح للأنواع الأخرى من موانع الإخلاص أيضًا كما هو ظاهر.
مزالق وتنبيهات في أن هناك بعض الأمور التي يظن أنها مخالفة للإخلاص وهي في الحقيقة ليست مخالفة له:
هناك أمور يعملها العبد قد يظنها بعض الناس أنها تخالف الإخلاص وهي ليست مخالفة له، ولهذا يجري التنبيه عليها رفعًا للبس.
منها ما يلي:
تحسين الثوب الذي يلبسه الإنسان عند الخروج إلى الناس إنما هو ليراه الناس، كذلك كل تجمل لأجلهم، حيث إن كثيرًا من الناس لا يحبون أن يراهم أحد بعين نقص في أي حال، ومن الناس من يؤثر إظهار نعمة الله عليه فهذا ليس منافيًا للإخلاص.
وكذلك كتمان الذنوب وعدم إظهارها، بل هو واجب شرعي؛ لأن الله يكره ظهور المعاصي ويحب سترها.
وكذلك نشاط العبد بالعبادة عند رؤية العابدين، كأن يبيت الرجل مع المتهجدين فيصلون أكثر الليل وعادته قيام ساعة فيوافقهم، أو يصومون فيصوم، ولولا الله ثم هم ما انبعث هذا النشاط، هذا ليس مخالفًا للإخلاص على الإطلاق بل فيه تفصيل، ولمعرفة العبد ذلك عليه في مثل هذه الحالة أن يمثل القوم في مكان يراهم ولا يرونه، فإذا رأى نفسه تسخو بالتعبد فهو لله،
[ ٢ / ١٣٠٣ ]
وإن لم تسخ كان سخاؤها عندهم غير صادر عن الإخلاص، وعلى هذا فقس.
وكذلك إذا عمل العبد العمل لله خالصًا ثم ألقي له الثناء الحسن في قلوب المؤمنين ففرح بفضله ورحمته لم يضره ذلك ولم يعد مخالفًا للإخلاص، وقد سبق معنا بيان الحديث الدال عليه.
ومن الأمور التي قد يقع الخلط فيها عند بعض الناس، عدم التفريق بين الرياء ومطلق التشريك، حيث أشكل ذلك على بعض أهل العلم، فحكموا على العبادات التي قصد بها العابد أمرًا أقره الشارع بالبطلان، كمن يجاهد الكفار ولكي ينال الغنيمة ونحوهما، ولقد بين القرافي ﵀ الفرق بينهما، فقال: (الفرق الثاني والعشرون والمائة بين قاعدة الرياء في العبادة وبين قاعدة التشريك فيها: اعلم أن الرياء شرك وتشريك مع الله تعالى في طاعته، وهو موجب للمعصية والإثم والبطلان في تلك العبادة، فالرياء أن يعمل العمل المأمور به المتقرب به إلى الله تعالى، ويقصد به وجه الله تعالى، وأن يعظمه الناس أو بعضهم، فيصل إليه نفعهم، أو يندفع به ضررهم.
وأما مطلق التشريك كمن جاهد لتحصيل طاعة الله بالجهاد، وليحصل له المال من الغنيمة، فهذا لا يضيره، ولا يحرم عليه بالإجماع؛ لأن الله جعل له هذا في العبادة، ففرق بين جهاده ليقول الناس: هذا شجاع، أو ليعظمه الإمام فيكثر عطاؤه من بيت المال، هذا ونحوه رياء وحرام، وبين أن يجاهد لتحصيل السبايا والكراع والسلاح من جهة أموال العدو مع أنه قد شرّك، ولا يقال لهذا:
[ ٢ / ١٣٠٤ ]
رياء، بسبب أن الرياء أن يعمل ليراع غير الله من خلقه، والرؤية لا تصح إلا من الخلق.
وكذلك من حج وشرّك في حجه غرض المتجر، وكذلك من صام ليصح جسده، أو ليحصل له زوال مرض من الأمراض التي ينافيها الصوم، ولا يقدح هذا في صومه، بل أمر بها صاحب الشرع في قوله ﷺ: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» فلو كان ذلك قادحًا لم يأمر به ﷺ في العبادة.
فهذه الأغراض لا يدخل فيها تعظيم الخلق، بل هي تشريك أمور من المصالح ليس لها إدراك ولا تصلح للإدراك، ولا للتعظيم، ولا يمنع أن هذه الأغراض المخالطة للعبادة قد تنقص الأجر، وأن العبادة إذا تجردت عنها زادت الأجر وعظم الثواب).
وقد تحدث العز بن عبد السلام عما هو قريب من تلك المسألة فعقد
[ ٢ / ١٣٠٥ ]
فصلًا بعنوان: (فصل في بيان أن الإعانة على الأديان وطاعة الرحمن ليست شركًا في عبادة الديان وطاعة الرحمن)، فقال: (إن قيل: هل يكون انتظار الإمام المسبوق ليدركه في الركوع شركًا في العبادة أم لا؟ قلت: ظن بعض العلماء ذلك وليس كما ظن، بل هو جمع بين قربتين لما فيه من الإعانة إلى إدراك الركوع، وهي قربة أخرى، والإعانة على الطاعات من أفضل الوسائل عند الله ). ويدل عليه قوله ﷺ: «إني لأدل في الصلاة، وأنا أريد إطالتها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز في صلاتي، مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه».
وقد كان مالك بن الحويرث ﵁ يقول: (إني لأصلي بكم وما أريد الصلاة) أي حضور صلاة معينة .. (أصلي كيف رأيت النبي ﷺ يصلي).
قال الحافظ ابن حجر: (فيه دليل على جواز مثل ذلك، وأنه ليس من باب التشريك في العبادة). وقال الشاطبي - في مثل هذا المقام ـ: (إن ما تعبد العباد به على ضربين: أحدهما: العبادات المتقرب بها إلى الله بالأصالة والثاني: العادات الجارية بين العباد التي في التزامها نشر المصالح بإطلاق،
[ ٢ / ١٣٠٦ ]
وفي مخالفتها نشر المفاسد بإطلاق فأما الأول فلا يخلو أن يكون الحظ المطلوب دنيويًا أو أخرويًا، فإن كان أخرويًا فهذا حظ وقد أثبته الشرع وإذا ثبت شرعًا فطلبه من حيث أثبته صحيح، إذ لم يتعد ما حده الشارع، ولا أشرك مع الله في ذلك العمل غيره، ولا قصد مخالفته، إذ قد فهم من الشارع حين رتب على الأعمال جزاء أنه قاصد لوقوع الجزاء على الأعمال، فصار العامل ليقع له الجزاء عاملًا لله وحده على مقتضى العلم الشرعي، وذلك غير قادح في إخلاصه؛ لأنه علم أن العبادة المنجية، والعمل الموصل ما قصد به وجه الله، لا ما قصد به غيره).
ويقول أيضًا: (فحظوظ النفس المختصة بالإنسان لا يمنع اجتماعها مع العبادات، إلا ما كان بوضعه منافيًا لها، كالحديث والأكل والشرب والنوم والرياء وما أشبه ذلك، أما ما لا منافاة فيه فكيف يقدح القصد إليه في العبادة؟ هذا لا ينبغي أن يقال، غير أنه لا ينازع في أن إفراد قصد العبادة عن قصد الأمور الدينوية أولى ).
وقد سئل ابن تيمية ﵀ عن رجل يتلو القرآن مخافة النسيان، ورجاء الثواب، فهل يؤجر على قراءته للدراسة ومخافة النسيان أم لا؟ فأجاب ﵀ (إذا قرأ القرآن لله - تعالى - فإنه يثاب على ذلك بكل حال، ولو قصد بقراءته أن يقرأه لئلا ينساه، فإن نسيان القرآن من الذنوب، فإذا قصد القرآن أداء الواجب عليه من دوام حفظه للقرآن، واجتناب ما نهي عنه من إهماله حتى ينساه، فقد
[ ٢ / ١٣٠٧ ]
قصد طاعة الله فكيف لا يثاب ).
يجتهد بعض العباد للتخلص من الرياء والسلامة منه، لكنهم يشتطون في ذلك، فينزلقون في مسلك: (ترك العمل خوف الرياء)؛ فترى أحدهم قد اعتاد فعل الخير، فيعرض في نفسه عارض الرياء، فيترك هذه الطاعة خوفًا من هذا العارض، ولا شك أن هذا خطأ وانحراف لا يقل خطرًا عما يقابله من الرياء والسمعة، ولقد كشف الفضيل بن عياض ﵀ عن هذا الانحراف فقال: (ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما).
قال النووي ﵀: (ومعنى كلامه ﵀ أن من عزم على عبادة وتركها مخافة أن يراه الناس، فهو مراء؛ لأنه ترك العمل لأجل الناس، أما لو تركها ليصليها في الخلوة فهذا مستحب إلا أن تكون فريضة أو زكاة واجبة، أو يكون عالمًا يُقتدى به فالجهر بالعبادة في ذلك أفضل ).
ويقول ابن تيمية ﵀: (ومن كان له ورد مشروع من صلاة الضحى، أو قيام ليل، أو غير ذلك، فإنه يصليه حيث كان، ولا ينبغي له أن يدع ورده المشروع لأجل كونه بين الناس، إذا علم الله من قلبه أن يفعله سرًا لله مع اجتهاده في سلامته من الرياء ومفسدات الإخلاص - إلى أن قال ـ: ومن نهى عن أمر مشروع بمجرد زعمه أن ذلك رياء، فنهيه مردود عليه من وجوه:
أحدها: أن الأعمال المشروعة لا ينهى عنها خوفًا من الرياء بل يؤمر بها
[ ٢ / ١٣٠٨ ]
وبالإخلاص فيها فالفساد في ترك إظهار المشروع أعظم من الفساد في إظهاره رياء
الثاني: لأن الإنكار إنما يقع على ما أنكرته الشريعة
الثالث: إن تسويغ مثل هذا يفضي إلى أن أهل الشرك والفساد ينكرون على أهل الخير والدين، إذا رأوا من يظهر أمرًا مشروعًا، قالوا: هذا مراء، فيترك أهل الصدق إظهار الأمور المشروعة حذرًا من لمزهم، فيتعطل الخير
الرابع: إن مثل هذا من شعائر المنافقين، وهو الطعن على من يظهر الأعمال المشروعة، قال تعالى: (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).
وقد تمادى أصحاب هذا المسلك في هذا الانحراف، حتى وصل بهم الحد إلى قصد ذم الناس ولومهم، وسموا بـ (الملامية) وهم الذين يفعلون ما يلامون عليه، ويقولون: نحن متبعون في الباطن، أرادوا بذلك مقابلة المرائين، فردوا باطلهم بباطل آخر، وهدى الله أهل السلوك من أهل السنة والجماعة إلى التزام الصراط المستقيم فكانوا وسطًا بين المرائين والملامية.
ومما هو قريب مما سبق، ويقع فيه اللبس والاشتباه: عدم التفريق بين حب الرئاسة والولاية، وبين حب الإمارة لأجل الدعوة إلى الله تعالى، وقد أوضح ابن القيم ﵀ ذلك فقال: (الفرق بين حب الرئاسة، وحب الإمارة للدعوة إلى الله هو الفرق بين تعظيم أمر الله والنصح له، وتعظيم النفس
[ ٢ / ١٣٠٩ ]
والسعي في حظها، فإن الناصح لله المعظم له المحب له يجب أن يطاع ربه فلا يعصى، وأن يكون الدين كله لله، وأن يكون العباد ممتثلين أوامره مجتنبين نواهيه، فقد ناصح الله في عبوديته، وناصح خلقه في الدعوة إلى الله، فهو يحب الإمامة في الدين؛ بل يسأل ربه أن يجعله للمتقين إمامًا يقتدي به المتقون، كما اقتدى هو بالمتقين، فإذا أحب هذا العبد الداعي إلى الله أن يكون في أعينهم جليلًا وفي قلوبهم مهيبًا، وإليهم حبيبًا لكي يأتموا به ويقتفوا أثر الرسول على يده لم يضره ذلك بل يحمد عليه؛ لأنه داع إلى الله يحب أن يطاع ويعبد ويوحد وهذا بخلاف طلب الرئاسة، فإن طلابها يسعون في تحصيلها لينالوا بها أغراضهم من العلو في الأرض، وتعبد القلوب لهم وميلها إليهم ومساعدتها لهم على جميع أغراضهم، مع كونهم عالين عليهم قاهرين لهم، فترتب على هذا المطلوب من المفاسد ما لا يعلمه إلا الله، من البغي والحسد والطغيان والحقد والظلم والفتنة ) إلى آخر ما قاله ابن القيم.
[ ٢ / ١٣١٠ ]