فيه مسائل ثلاثة:
الأولى: معنى التوحيد وأنواعه.
الثانية: معنى الشرك وأنواعه.
الثالثة: هل الأصل في بني آدم التوحيد أو الشرك؟
[ ١ / ١٨ ]
المسألة الأولى
معنى التوحيد وأنواعه
معنى التوحيد لغة:
التوحيد: مصدر للفعل الثلاثي المزيد بتضعيف عينه، يقال: وحّد يوحّد توحيدًا أي جعله واحدًا، فهو على وزن تفعيل تعني الوحدة، والانفراد، والتفرد، والحكم والعلم بأن الشيء واحد.
والمقصود من التفعيل: نسبة كالتصديق لا للجعل، فمعنى وحّدت الله: نسبته إلى الوحدانية لا جعلته واحدًا؛ لأن وحدانيته صفة، لا بجعل جاعل، أمّا التوحيد فهو فعل المكلف هي مأخوذة من الوحدة، وذلك مبني على أن المعبود - جل وعلا - واحد في حقوقه الواجبة على العباد، كما أنه واحد في ذاته وصفاته وأفعاله، يقال: أتيته وحده وجلس وحده أي منفردًا، وفلان لا واحد له وواحد دهره أي لا نظير له.
والله الواحد الأحد: المتفرد بالذات والصفات في عدم المثل والنظير، وأحّد الله ووحّده أي نسبه إلى الوحدة والانفراد. فهو سبحانه متفرد في ذاته وصفاته وأفعاله.
فالكلمة تدور حول الوحدة والانفراد والتفرد.
[ ١ / ١٩ ]
معنى التوحيد شرعًا:
ذكره السلف في كتبهم بعبارات مختلفة - وإن كان المآل واحدًا - فمن تلك العبارات ما يلي:
أ - (إفراد المعبود بالعبادة مع اعتقاد وحدته ذاتًا وصفاتًا وأفعالًا).
ب - (العلم والاعتراف بتفرد الرب بصفات الكمال والإقرار بتوحده بصفات العظمة والجلال، وإفراده وحده بالعبادة).
وبعض العلماء عرفه بالتقسيم فقال:
ج - (هو نوعان: توحيد في المعرفة والإثبات، وتوحيد في الطلب والقصد، فالأول هو إثبات حقيقة ذات الرب تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله، وعلوه فوق سمواته على عرشه وتكلمه بكتبه وتكليمه لمن شاء من عباده، وإثبات عموم قضائه وقدره وحكمه
والنوع الثاني: مثل ما تضمنته سورة: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ).
د - التوحيد هو اعتقاد (أن الله واحد في ملكه وأفعاله لا شريك له، وواحد في ذاته وصفاته لا نظير له، وواحد في إلهيته وعبادته لا ند له فيها).
هـ - (علم العبد واعترافه واعتقاده وإيمانه بتفرد الرب بكل صفة كمال، وتوحيده في ذلك واعتقاد أنه لا شريك له في كماله وأنه ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين).
[ ١ / ٢٠ ]
و- (اعتقاد أنه إله واحد لا شريك له، ونفي المثل والنظير عنه، والتوجه إليه وحده بالعبادة ، وانفراده بما له من ذات وصفات وعدم مشاركة غيره له فيها، فهو واحد في إلهيته فلا إله غيره، وواحد في ربوبيته فلا رب سواه، وواحد في كل ما ثبت له من صفات الكمال التي لا تنبغي إلا له).
ففهم من هذه العبارات أن التوحيد هو: إفراد الله تعالى في ربوبيته وإفراده في ذاته وصفاته وأسمائه، وإفراده في ألوهيته وعبادته، وبهذا يتحصل لنا الأجزاء الثلاثة للتوحيد، وهي:
١ - توحيده بالربوبية.
٢ - توحيده بالأسماء والصفات.
٣ - توحيده بأفعال العباد. (بالألوهية).
مفاهيم ضالة في باب التوحيد
رغم وضوح معنى التوحيد في الكتاب والسنة فقد ضل فيها عدة طوائف، فمنهم من خرج بمفهومه عن الإسلام، ومنهم من فهمه فهمًا خاطئًا، ومنهم من فهم بعض أجزائه.
إليك فيما يلي بعض هذه المفاهيم الخاطئة مع مناقشتها:
١ - طوائف الفلاسفة: فالتوحيد عندهم (إثبات وجود مجرد عن
[ ١ / ٢١ ]
الماهية والصفة بل هو وجود مطلق).
وهذا المعنى يظهر في قولهم - كما هو نص ابن سينا ـ: (إن وجود الباري ﷾ وجود معقول) أي وجود مجرد، وقولهم: (فإن واجب الوجود لا حد له، ويتصور بذاته لا يحتاج في تصوره إلى شيء).
وقد أطال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه درء تعارض العقل والنقل، ومنهاج السنة النبوية، والصفدية، الرد على أقوالهم، فأثبت بالحجج والبراهين أنها باطلة، فإن من عرف حقيقة قولهم - أي الفلاسفة - علم يقينًا أنهم لم يؤمنوا بالله ولا برسله ولا بكتبه ولا بملائكته ولا باليوم الآخر، فإن مذهبهم: أن الله ﷾ موجود لا ماهية له ولا حقيقة، بمعنى أن
[ ١ / ٢٢ ]
وجوده ذهني مجرد.
فحقيقة قولهم إذن: إنكار وجود الله؛ لأن معنى كلامهم هذا أنه شيء خيالي لا وجود له في الخارج، ومنشأ ضلالهم: عدم التفريق بين الوجود المجرد في الذهن ووجوده في الخارج، فإن الوجود المجرد ليس بشيء في الخارج.
٢ - طائفة المعتزلة: وهذه الطائفة تقول: (إن التوحيد هو ما يصير به الواحد واحدًا). وإذا قلنا بتوحيد الله فمعناه كونه واحدًا، والله ﷾ لا يوصف بأنه واحد إلا من حيث كونه قديمًا، فالقدم أخص وصف له في زعمهم.
قال الجبائي: إن القديم يوصف بأنه واحد على ثلاثة أوجه. أحدها: بمعنى أنه لا يتجزأ ولا يتبعض، والثاني: بمعنى أنه متفرد بالقدم لا ثانية فيه، والثالث: أنه متفرد بسائر ما يستحقه من الصفات النفسية من كونه قادرًا لنفسه، وعالمًا لنفسه، وحيًا لنفسه، وعلى هذين الوجهين يمدح بوصفنا له: بأنه واحد لاختصاصه بذلك دون غيره.
[ ١ / ٢٣ ]
وهذا الكلام غير صحيح؛ لأن هناك من يوصف بالقدم غير الله تعالى، بل الله لا يوصف به، وإنما يخبر عنه بأنه قديم، وباب الإخبار أوسع من باب الصفات، كما قال ابن القيم: (إن ما يدخل في باب الإخبار عنه أوسع مما يدخل في باب أسمائه وصفاته فإنه يخبر عنه، ولا يدخل في أسمائه الحسنى وصفاته العليا).
ولأن القديم في لغة العرب التي نزل بها القرآن: هو المتقدم على غيره، فيقال: هذا قديم، للعتيق، وهذا حديث، للجديد، ولم يستعملوا هذا الاسم إلا في المتقدم على غيره، لا فيما لم يسبقه عدم كما قال تعالى: (كالعرجون القديم)، والعرجون القديم الذي يبقى إلى حين وجود العرجون الثاني، فإذا وجد الجديد قيل للأول: قديم.
قال الحافظ: (قد سمى المعتزلة أنفسهم (أهل العدل والتوحيد) وعنوا بالتوحيد ما اعتقدوا من نفي الصفات الإلهية لاعتقادهم أن إثباتها يستلزم التشبيه، ومن شبه الله بخلقه أشرك، وهم في النفي موافقون للجهمية).
[ ١ / ٢٤ ]
بناء على ما تقدم من الأقوال فيه: فالتوحيد عندهم: إثبات وجود الله مجردًا عن الصفات التي أثبتها لنفسه في كتابه وأثبتها له رسوله ﷺ في سنته.
٣ - طوائف المتصوفة: فإن هؤلاء المتصوفة وقفوا من التوحيد الذي أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه موقفًا معاديًا تمامًا، ويتمثل ذلك في الأقوال الآتية:
يقول بعضهم: لا يمكن التعبير عن التوحيد بل هو شيء خيالي ومن عبر عنه فقد أشرك وكفر.
يقول الشبلي: (ويحك من أجابك عن التوحيد بالعبارة فهو ملحد، ومن أشار إليه فهو ثنوي، ومن أومأ إليه فهو عابد وثن، ومن نطق به فهو غافل، ومن سكت عنه فهو جاهل، ومن توهم أنه واصل فليس حاصل)، وقال أيضًا: (ما شم روائح التوحيد من تصور عنده التوحيد)، ويقول آخر: (فمن وحد ونعت فقد عين قضية ثلاثية: من موحد محدث هو نفسه، وموحد قديم هو معبوده، وتوحيد حديث هو فعل نفسه).
وقد رد عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: (قول المتصوفة: إنه لا تصح العبارة عن التوحيد، كفر بإجماع المسلمين، فإن الله قد عبر عن توحيده
[ ١ / ٢٥ ]
ورسوله عبر عن توحيده والقرآن مملوء من ذكر التوحيد، بل إنما أرسل الله الرسل وأنزل الكتب بالتوحيد، قال تعالى: (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ)، وقال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ)، ولو لم يصح عنه عبارة لما نطق به أحد. وأفضل ما نطق به الناطقون هو التوحيد، كما قال النبي ﷺ: (أفضل الذكر: لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء: الحمد لله» ).
وهناك طائفة أخرى من المتصوفة ترى أن التوحيد يمكن أن يعبر عنه بالعبارة ولكنهم على اختلاف فيما بينهم، فمثلًا:
طائفة الاتحادية: قالوا في التوحيد: هو أن يعتقد أن الحق المنزه هو عين الخلق المشبه، وأنه تعالى هو عين وجود كل موجود، وليس لوجوده غيره، ولا شيء سواه ألبته.
وقولهم هذا ظاهر البطلان من وجوه:
١) قال شيخ الإسلام: إن تصور مذهب هؤلاء كاف في بيان فساده لا يحتاج مع حسن التصور إلى دليل آخر، وإنما تقع الشبهة لأن أكثر الناس لا
[ ١ / ٢٦ ]
يفهمون قولهم وقصدهم لما فيه من الألفاظ المجملة والمشتركة، بل وهم أيضًا لا يفهمون حقيقة ما يقصدونه ويقولونه، ولهذا يتناقضون كثيرًا في قولهم فإن حقيقة قولهم: أنه سبحانه هو عين وجود كل موجود، وحقيقته وماهيته، فالتعدد: بوجود اعتبارات وهمية، لا بالحقيقة والوجود، فهو عندهم عين الناكح وعين المنكوح، وعين الذابح وعين المذبوح، ومن فروعه: أن فرعون وقومه مؤمنون كاملو الإيمان، عارفون بالله على الحقيقة، وعباد الأصنام على الحق والصواب، وأنهم عبدوا عين الله لا غيره، وهكذا.
ثم إن هؤلاء بعدما اتفقوا على أن الوجود في نفسه شيء واحد، وأن الكثرة إنما هي في التعيينات، اختلفوا في نسبة ذلك الوجود الواحد إلى تلك التعيينات، فذهب بعضهم إلى أنها من نسبة الكل إلى أجزائه، وذهب البعض منهم إلى أنها من نسبة الكلي إلى جزئياتها، أي أن هذه الكثرة البادية
[ ١ / ٢٧ ]
في الموجود كثرة نوعية، والوجود المطلق الكلي جنس. مثلًا أن الحيوان جنس تحته أنواع: هي الإنسان والفرس والجمل إلخ، وذهب أكفرهم وأشدهم افتراءً إلى أن الوجود كله شيء واحد في نفسه لا تكثر ولا تعدد فيه أصلًا، وأما هذه الكثرة التي نراها بأعيننا إنما هي أغلاط الحس.
٢) أنهم بنوا على أصلهم أن وجود المخلوقات والمصنوعات حتى وجود الجن والشياطين والكافرين والفاسقين والكلاب والخنازير والنجاسات والكفر والفسق والعصيان عين وجود الرب، لا أنه متميز عنه منفصل عن ذاته، ووقعوا بذلك على اضطراب شديد؛ حيث إنهم يشهدون أن في الكائنات تفرقًا وكثرة ظاهرة بالحس والعقل.
٣) لا ريب أن قولهم هذا أكثر كفرًا من قول الحلولية، فإن الحلولية يثبتون وجودين - الحال والمحل بخلاف هؤلاء الاتحادية، ومع هذا فقد كفّر
[ ١ / ٢٨ ]
كثير من السلف هؤلاء الجهمية - الذين يزعمون أن الله بذاته في كل مكان - فالذين لا يثبتون الوجود لله مجردًا عن خلقه أشد كفرًا من أولئك الجهمية، بل إن إلحاد هؤلاء المتأخرين وتجهمهم وزندقتهم تفريع وتكميل لإلحاد هؤلاء الجهمية الأولى وتجهمهم وزندقتهم.
٤) قد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن الخالق تعالى بائن من مخلوقاته، ليس في ذاته شيء من مخلوقاته، ولا في مخلوقاته شيء من ذاته، والسلف والأئمة كفروا الجهمية لما قالوا: من أنه في كل مكان وكان مما أنكروه عليهم: أنه كيف يكون في البطون، والحشوش، والأخلية؟ تعالى الله عن ذلك، فكيف بمن يجعله نفس وجود البطون، والحشوش والأخلية، والنجاسات والأقذار!؟
واتفق سلف الأمة وأئمتها: أن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وقال من قال من الأئمة: من شبه الله بخلقه فقد كفر، فكيف من جعله عين المخلوقات، وجعله نفس الأجسام المصنوعات؟ فتعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
وطائفة الحلولية: ترى أن التوحيد على ثلاثة أقسام: توحيد العامة وتوحيد الخاصة، وتوحيد خاصة الخاصة. ويريدون بتوحيد العامة قول: لا إله إلا الله، هذا هو التوحيد الظاهر الذي يصح بالشواهد، والشواهد هي الرسالة.
ويريدون بتوحيد الخاصة: الذي يثبت بالحقائق وهو إسقاط الأسباب
[ ١ / ٢٩ ]
الظاهرة والصعود إلى منازلات العقول، وعن التعلق بالشواهد، وهو أن يشهد في التوحيد دليلًا، ولا في التوكل سببًا، ولا في النجاة وسيلة.
وأما المراد بتوحيد خاصة الخاصة فهو الذي اختصه الحق لنفسه واستحقه وألاح منه لائحًا إلى أسرار طائفة من صفوته وأخرسهم عن نعته، وأعجزهم عن بثه، والذي يُشار به إليه على ألسن المشيرين أنه إسقاط الحدث وإثبات القدم على أن هذا الرمز في ذلك التوحيد علة لا يصح ذلك التوحيد إلا بإسقاطها. فهذا الذي ذكره في التوحيد ليس له أي مستند لا في الكتاب ولا من السنة، بل هو عين الشرك؛ إذ هذا هو الحلول بعينه.
فهؤلاء الطوائف ضلوا في مباحث التوحيد الذي هو أشرف المباحث وأعلاها، فلم يهتدوا إلى معرفة توحيد الله (وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ)، وضلال ما ذهبوا إليه واضح وضوح الشمس، وليس هذا مجال الإطالة في الرد عليهم، فإن من عنده مسكة من عقل يدرك ضلال ما هم عليه دون حاجة إلى إمعان فكر، فإنه من أشد الأمور مخالفة للعقل والفطرة، وسيأتي بعض الردود عليهم في الباب الرابع بمشيئة الله.
ولكن هناك طوائف أخرى لهم أقوال وآراء في التوحيد ما زالت تتردد في العالم الإسلامي، ولهذه الأقوال والآراء سلبيات في فهم كثير من قضايا العقيدة، مع كونهم أقرب الناس إلى أهل السنة في كثير من المباحث العقدية
[ ١ / ٣٠ ]
الأخرى، وهم الأشاعرة، والماتريدية من طوائف أهل الكلام. وسأتعرض فيما يلي لأقوالهم في التوحيد بشيء من البسط والتفصيل.
فقد ضل الأشاعرة والماتريدية في هذا الباب، فلم يستطيعوا أن يأتوا بالتوحيد كما كان حقه، فعرفوا التوحيد ببعض مدلولاته (المعترف به لدى جمهور المشركين) وتركوا مدلوله الأصلي المبعوث لأجله الرسل - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - ألا وهو توحيده في الإرادة والقصد (توحيد الألوهية)، وإليك بعض أقوالهم:
* الأشاعرة: لهم تعريفات للتوحيد، منها:
ما قال الشهرستاني - وهو من أئمتهم ـ: (الواحد هو الشيء الذي لا
[ ١ / ٣١ ]
يصح انقسامه؛ إذ لا تقبل ذاته القسمة بوجه، ولا تقبل الشركة بوجه، فالباري تعالى واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له).
فهذا التعريف - كما ترى - خال عن توحيد الله بأفعال العباد الذي هو توحيد الألوهية، فلم يشمل ما لأجله بعثت الرسل، بل تخلى عن أساس الإسلام، فإن ما أثبته هو لم يخالف فيه إلا الشواذ من الناس في القديم والحديث.
ثم إن هذا التعريف فيه إجمال، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وأشهر الأجزاء عندهم هو الثالث وهو توحيد الأفعال، وهو أن خالق العالم واحد، وهم يحتجون على ذلك بما يذكرونه من دلالة التمانع ـ[وهو قوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللهُ لَفَسَدَتَا)، فإذا لم تفسدا فدل على أن الخالق واحد، مع أن الآية تدل على أنه لو كان هاهنا آلهة حقًا إلا الله لفسدتا، وليس المراد بالإله هو الخالق كما سيأتي] ويظنون أن هذا التوحيد المطلوب، وأن هذا هو معنى قولنا: (لا إله إلا الله) حتى إنهم يرون في معنى الإلهية أنها: القدرة على الاختراع، ومعلوم أن المشركين من العرب الذي بعث إليهم محمدٌ ﷺ أولًا لم يكونوا يخالفونه في هذا، بل كانوا يقرون بالقدر أيضًا، وهم مع هذا مشركون، فقد تبين أنه ليس في العالم من ينازع في
[ ١ / ٣٢ ]
أصل هذا الشرك.
وكذلك النوع الثاني - وهو قولهم: (لا شبيه له في صفاته)، فإنه ليس من الأمم من أثبت قديمًا مماثلًا له في ذاته سواء قال: إنه يشاركه، أو قال: إنه لا فعل له؛ بل من شبه به شيئًا من مخلوقاته فإنما يشبهه في بعض الأمور، وقد علم بالعقل امتناع أن يكون له مثل في المخلوقات يشاركه فيما يجب أو يجوز أو يمتنع عليه، فإن ذلك يستلزم الجمع الجمع بين النقيضين وعلم أيضًا بالعقل أن كل موجودين قائمين بأنفسهما فلابد أن يكون بينهما قدر مشترك كاتفاقهم في مسمى الوجود، والقيام بالنفس، والذات، ونحو ذلك، فإن نفي ذلك يقتضي التعطيل المحض، وأنه لابد من إثبات خصائص الربوبية.
وكذلك النوع الثالث وهو قولهم: (وهو واحد في ذاته لا قسيم له) أو لا جزء له، أو لا بعض له؛ لفظ مجمل، فإن الله سبحانه أحد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، فيمتنع عليه أن يتفرق ويتجزأ، أو يكون قد ركب من أجزاء؛ لكنهم يدرجون في هذا اللفظ نفي علوه على عرشه، ومباينته لخلقه، وامتيازه عنهم، ونحو ذلك من المعاني المستلزمة لنفيه وتعطيله، ويجعلون ذلك من التوحيد.
فقد تبين أن ما يسمونه توحيدًا: فيه ما هو حق، وفيه ما هو باطل، ولو كان جميعه حقًا؛ فإن المشركين إذا أقروا بذلك لم يخرجوا من الشرك الذي وصفهم به القرآن، وقاتلهم عليه الرسول ﷺ؛ بل لابد أن يعترفوا أنه لا إله إلا الله). فهذا قول الأشاعرة.
* أما الماتريدية: فلهم تعريفات على نمط الأشاعرة منها:
[ ١ / ٣٣ ]
١ - إثبات ذات غير مشبهة بالذوات ولا معطلة من الصفات.
٢ - معرفة الله بالربوبية ونفي الأنداد عنه جملة.
٣ - واحد في ذاته وواحد في صفاته، وخالق لمصنوعاته.
٤ - إثبات الوحدة لله في الذات والفعل في خلق الأكوان وأنه وحده مرجع كل كون ومنتهى كل قصد.
٥ - هو اعتقاد الوحدانية في الذات والصفات والأفعال.
ومعلوم أن هذا التعاريف كلها خالية عن توحيد الألوهية.
الآثار المترتبة على اختلاف التعاريف
سبق بيان تعريف التوحيد لدى السلف والطوائف التي ضلت في هذا الباب. كما اتضح لنا أن هناك بعض الطوائف يكفي تصور مذهبهم في إبطالها، والنتائج الفاسدة التي تترتب على تعريفاتهم ظاهرة لدى الجميع.
ولكن هناك بعض الطوائف - وهم الأشاعرة والماتريدية - ما زالت لهم شوكتهم وقوتهم في أوساط المسلمين وهم كثر، فربما يخفى على الناس النتائج والآثار المترتبة على تعريفاتهم القاصرة، فأحببت أن أذكر هنا بعض هذه الآثار؛ حتى يتضح الفرق بين تعريف السلف وتعريفاتهم، ومدى
[ ١ / ٣٤ ]
قصورهم في فهم التوحيد.
وهذا الأمر يتطلب معرفة حقيقة التوحيد لدى الفريقين.
فحقيقة التوحيد عند السلف: إثبات صفات الكمال له، وإثبات كونه فاعلًا بمشيئته وقدرته واختياره، وأن له فعلًا حقيقة، وأنه وحده هو الذي يستحق أن يُعبد ويُدعى، ويُخاف، ويُرجى، ويُتوكل عليه؛ فهو المستحق لغاية الحب بغاية الذل، وليس لخلقه من دونه وكيل ولا ولي ولا شفيع، ولا واسطة بينه وبينهم في رفع حوائجهم وفي تفريج كرباتهم وإجابة دعواتهم.
وذلك بأن ترى الأمور كلها من الله تعالى رؤية تقطع الالتفات عن الأسباب والوسائط، فلا ترى الخير والشر إلا منه، وهذا الأمر يثمر التوكل وترك شكاية الخلق وترك لومهم، والرضاء عن الله، والتسليم لحكمه، فبذلك يعبده سبحانه عبادة يفرده بها ولا يعبد غيره. وهذا كله يتضمن شيئين:
١ - توحيده بالإرادة والقصد بحيث يكون هو الغاية دون سواه (توحيد الألوهية).
٢ - توحيده بالاستعانة والتوكل بحيث لا يتعلق القلب في جلب النفع أو دفع الضر بسواه.
وبمقابل ذلك إذا رأينا إلى حقيقة التوحيد عند الأشاعرة والماتريدية نراهم يقولون: إن حقيقة التوحيد هو (اعتقاد عدم الشريك في الألوهية
[ ١ / ٣٥ ]
وخواصها).
وأرادوا الألوهية - كما صرحوا به - بأنه وجوب الوجود والقدم الذاتي بمعنى عدم المسبوقية بالغير وبخواصها مثل: تدبير العالم وخلق الأجسام واستحقاق العبادة والقِدم الزماني مع القيام بنفسه.
فظنوا أن التوحيد هو مجرد اعتقاد وحدانية الله في ذاته وصفاته وأفعاله، وأن ذلك مفهوم الألوهية، كما قال بعضهم: (لما ثبت وحدانيته في الألوهية ثبت استناد كل الحوادث إليه، والألوهية: الاتصاف بالصفات التي لأجلها استحق أن يكون معبودًا وهي صفاته التي توحد بها سبحانه، فلا شريك له في شيء منها، وتسمى خواص الألوهية، ومنها الإيجاد من العدم، وتدبير العالم والغنى المطلق عن الموجب والموجد في الذات وفي كل من الصفات، فثبت افتقار الحوادث في وجودها إليه).
ومن كلامهم يظهر جليًا: أن تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله هو اعتقاد تفرد الله ووحدانيته في ذاته وصفاته وأفعاله، فلا فرق عندهم بين الإله والرب، ولا بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، بل هما بمعنى واحد، بل يظنون أنهما وصفات مترادفان، فبهذا التزموا أنه لا شرك بالتقرب إلى غير الله بالعبادة إلا إذا تضمن اعتقاد استحقاق المعبود للعبادة من دون الله، وأن المعبود متفرد بالخلق والتدبير، ولهذا لم يكن عندهم شرك في الطلب والعبادة إلا باعتقاد ما يضاد حقيقة الوحدانية لا بمجرد الشرك باتخاذ
[ ١ / ٣٦ ]
الواسطة.
فالمتأمل في مناهج المتكلمين عمومًا يجد: أن التوحيد عندهم اعتقادي فقط، وأن الشرك في الإرادة إذا لم يتضمن الشرك في الاعتقاد لا يكون شركًا عندهم، فاتخاذ الوسائط بالسؤال والطلب عندهم ليس شركًا بمجرد طلب غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله - مثلًا - بل لابد أن يتضمن ذلك اعتقاد استقلالية المطلوب وقدرته على الاختراع الذي هو حقيقة الألوهية عندهم، وصرف شيء من أنواع العبادة لغير الله ليس شركًا لذاته عندهم إلا إذا تضمن اعتقاد استحقاق العبادة لمن صرفت له.
أما ما جاء من إطلاق الشرك فيما يتعلق بشرك الطلب والعبادة والتقرب فلهم فيه تخريجان:
الأول: أن ذلك مقيد بشرك الاعتقاد لا بمجرد الإرادة والعمل.
الثاني: أن ذلك شرك ولكنه شرك أصغر، فهو من المعاصي.
يقول أحدهم في ذلك: (اجتمعت الأمة على أن الذبح والنذر لغير الله حرام، ومن فعلها فهو عاص لله ورسوله، والذي منع العلماء من تكفيرهم أنهم لم يفعلوا ذلك باعتقاد أنها أنداد لله).
ويقول الآخر: (من أين لكم: أن المسلم الذي يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله إذا دعا غائبًا أو ميتًا أو نذر له، أو ذبح لغير الله أن هذا هو الشرك الأكبر الذي من فعله حبط عمله وحل ماله ودمه؟ ولم يقل أهل العلم:
[ ١ / ٣٧ ]
من طلب من غير الله فهو مرتد، ولم يقولوا: من ذبح لغير الله فهو مرتد).
وقد اشتد الخلاف بينهم وبين الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب التميمي ﵀ حين بيَّن لهم أنه كما يكون الشرك في الاعتقاد فإنه كذلك يكون باتخاذ الوسائط في الطلب، وفي التقرب إلى غير الله بالعبادة ولو لم تكن متضمنة الشرك في الاعتقاد.
ولازم كلامهم هنا: أن من تقرب إلى غير الله بالعبادة لا يكون مشركًا بذلك، بل ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن بعض أتباع هؤلاء قد صرح بهذا، وأن منهم من كان يسجد للشمس والقمر والكواكب، ويصوم لها ويذبح، وهو يظن مع ذلك أن توحيده لم ينتقض.
سبب ضلال المتكلمين في باب التوحيد
المتكلمون ضلوا في باب التوحيد من جهتين اثنتين:
[ ١ / ٣٨ ]
الأولى: ضلالهم في باب توحيد الأسماء والصفات.
ويرجع ضلالهم في هذا الباب إلى ما يلي:
١ - جعلهم ظواهر النصوص دالة على تشبيه الخالق بالمخلوق، ووجه ذلك عندهم أننا لا نشاهد متصفًا بالصفات المضافة إلى الله تعالى في النصوص إلا ما هو مخلوق حادث، فتكون لظواهر النصوص على هذا تشبيهًا، وهو غير مراد.
٢ - صرفهم لظواهر النصوص إما بتعطيلها وإما بتأويلها، وأصل كل ذلك تأثرهم بالفلاسفة وآرائهم الكلامية.
الثانية: ضلالهم في باب توحيد الألوهية
ويرجع أسباب ضلالهم في هذا الباب إلى سببين رئيسين هما:
١ - خطؤهم في تصور التوحيد الذي أرسل لأجله الرسل.
٢ - خطؤهم في تصور معنى الرب والإله.
أما الأول وهو خطؤهم في تصور التوحيد الذي أرسل لأجله الرسل:
(١) فإن التوحيد الذي أرسل به الرسل هو توحيده سبحانه بالعبادة؛ لأن النضال الواقع بين الرسل وأقوامهم كان في تحقيق هذا التوحيد، والقضية تحتاج إلى شيء من البسط والتفصيل، ولكني سأقتصر على الاستدلال بالمسلمات بين السلف والمتكلمين. فأقول:
لا شك أن كلمة التوحيد هي كلمة (لا إله إلا الله) ولا تصح إلا بالمتابعة وهي المقصودة بالجزء الثاني (أن محمدًا رسول الله)، فهذا شيء اتفق عليه السلف والمتكلمون، فإذا قالوا بذلك فقد خصموا؛ وذلك أن هذه الكلمة قد جاء تفسيرها في كثير من نصوص القرآن والسنة، بأنها بمعنى لا معبود بحق إلا الله،
[ ١ / ٣٩ ]
والدليل على أن المراد بالتوحيد هو كلمة (لا إله إلا الله)، وأن معنى هذه الكلمة هي العبادة بما يلي:
أ- حديث معاذ عندما بعثه الرسول ﷺ إلى اليمن قال: «إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى » الحديث.
جاء في رواية: «ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله».
وجاء في رواية أخرى: «فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا ».
وفي رواية: «فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله».
[ ١ / ٤٠ ]
وفي رواية: «فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله ﷿».
فهذه الروايات متفقة المعنى، فإن معنى شهادة أن لا إله إلا الله: توحيد الله بالعبادة، والبعد عن عبادة ما سواه، وهذا هو الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، ومن المتأكد أن أحد هذه الألفاظ أو جميعها صدرت من مشكاة النبوة.
فإن كان الثاني فالرسول ﷺ بيَّن معنى هذه الكلمة بأن المراد منها توحيد العبادة، وإن كان الأول فالصحابة بيَّنوا معناها بأن التوحيد هو العبادة.
ب - ومثل هذا ما جاء في حديث آخر رواه الإمام مسلم في صحيحه من قول النبي ﷺ: «من وحد الله وكفر بما يُعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله ﷿».
وقد جاء الحديث في رواية أخرى بلفظ: «من قال: لا إله إلا الله وكفر بما يُعبد من دون الله حُرم ماله ودمه ».
وجه الاستدلال: أن الحديث جاء فيه تفسير التوحيد بالرواية الثانية.
ج - ومثل هذا ما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: «بُني الإسلام على خمس:
[ ١ / ٤١ ]
على أن يُعبد الله ويُكفر بما دونه، وإقام الصلاة ».
وقد جاء الحديث في رواية أخرى بلفظ: «بُني الإسلام على خمسة: على أن يوحد الله وإقام الصلاة ».
وقد جاء الحديث في رواية أخرى بلفظ: «بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله وإقام الصلاة ».
وجه الاستدلال: أن بعض هذه الروايات تفسر البعض الآخر، ففي بعضها لفظ التوحيد وفي بعضها تفسيره.
د - ومثل هذا ما جاء في حديث آخر: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: دلني على عمل أعمله يُدنيني من الجنة ويُباعدني من النار، قال: «تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتُقيم الصلاة ».
وجه الاستدلال: أنه ذكر في حديث واحد عبادة الله تعالى وعدم الشرك بالله فيها، فكأن كلمة (لا تشرك به شيئًا) بيان لمعنى عبادة الله المذكور في أول الحديث، فتضمن بيان معنى هذه الكلمة بأن المراد بها توحيده في العبادة، وأن العبادة إنما تتم بعدم الإشراك بالله فيها، وهو بعينه التوحيد المطلوب.
فعلم من هنا ثلاثة أشياء:
١) أنَّ لا إله إلا الله هو التوحيد.
٢) أنَّ التوحيد هو العبادة كما هو منصوص في الروايات.
[ ١ / ٤٢ ]
٣) أنَّ تفسير التوحيد بـ (لا إله إلا الله) أو العكس وهكذا تفسر العبادة بالتوحيد أو العكس كان شائعًا بينهم - الصحابة - من غير نكير.
هـ - حديث جابر بن عبد الله في صفة مناسك الرسول ﵊: قال في حديث طويل: (فصلى رسول الله ﷺ في المسجد ثم ركب القصواء حتى استوت ناقته على البيداء، فنظرت إلى مد بصري من بين يديه من راكب وماشٍ وعن يمينه مثل ذلك وعن يساره مثل ذلك وخلفه مثل ذلك، ورسول الله ﷺ بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله، فأهلَّ بالتوحيد: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك ») الحديث.
المقصود: عبر الصحابة عن التلبية بالتوحيد، ومعروف أن الحمد والنعمة والشكر من العبادات، وإن كان المُلك من خصائص الربوبية، وذلك لما كان العرب يلبون بتلبية كان فيها شرك التقرب والشفاعة، لأنهم كانوا يقولون بعد هذه التلبية المشروعة مباشرة: (إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك) ويقول النبي ﷺ لهم: «قد قد» عندما ينتهي قولهم: (لبيك لا شريك لك).
(٢) لا شك أن جميع الرسل دعوا الناس إلى هذه الكلمة (لا إله إلا الله)،
[ ١ / ٤٣ ]
قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ).
ولكن ما معنى كلمة (لا إله إلا الله)؟ معناها: توحيد الله ﷿ وإخلاص العبادة له فإن خير ما يفسر القرآن هو القرآن الكريم، فمثلًا:
أ - في هذه الآية قال تعالى: (فاعبدون) أي لا معبود إلا الله، فلا تعبدوا غيري بل اعبدون.
ب - في آية أخرى يقول الله ﷿: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) فهو تفسير للآية السابقة، فإن كلمة (اعبدوا الله) بمعنى: إلا الله، وكلمة (اجتنبوا الطاغوت) بمعنى لا إله.
ج - لقد وردت آيات كثيرة تبين أن آحاد الرسل يأتون قومهم فيقولون لهم: (اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ).
ويتضح هذا الدليل بالعلم بأمرين وهما:
الأول: أن الأصل في بني آدم التوحيد، ثم نشأ فيهم الشرك، ثم الأصل في بني آدم الإقرار بالله، هذا شيء اتفق عليه السلف والمتكلمون.
الثاني: معرفة الشرك الذي وقعت فيه الأمم. (وهو الشرك في الألوهية) وسيأتي الكلام عليه مفصلًا في الباب الأول.
[ ١ / ٤٤ ]
(٣) لا شك في أن العناية من خلق الإنسان هي العبادة، كما قال الله ﷿: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ)، فقد بيَّن الله تعالى أنه خلق الإنسان لغاية، وهي عبادته، فلذلك نرى أن الأمر الأول في القرآن الكريم جاء آمرًا بعبادته وحده، حيث قال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، فكيف لا يكون هذا هو غاية ما لأجله أرسل الرسل؟ !
ثم إن هناك تفسيرًا مأثورًا عن السلف في معنى العبادة؛ حيث جاء عنهم أنهم فسروها بالتوحيد، مما يدل على أنه هو الأصل، كما قال ابن عباس ﵁ في تفسير قوله تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ): (إياك نوحد ونخاف ونرجو، يا ربنا لا غيرك) وقال ابن عباس أيضًا: كل ما في القرآن من (اعبدوا) فمعناه (وحدوا).
(٤) قد تواترت الأخبار عن النبي ﷺ أنه كان يدعو الكفار إلى الإسلام والشهادتين، فمن ذلك حديث معاذ عندما بعثه إلى اليمن (المتقدم).
وحديث: «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله».
وحديث: «قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا».
[ ١ / ٤٥ ]
وفي حديث أبي سفيان المتضمن قصته مع هرقل: (اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم).
(٥) الإجماع على أن الكافر إذا قال: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أنه مسلم).
أما خطؤهم الثاني في تصور معنى الرب والإله:
فجعلهما مترادفين، ففسروا من أجله الإله بأنه (القادر على الاختراع) أو (الصانع القادر المالك) وقالوا: الألوهية معناها: (الربوبية والصانعية والمالكية).
وسبب خطئهم في هذا يرجع إلى حمل النصوص والآثار على المصطلحات المستحدثة بعد عهد التنزيل بدهور بعيدًا من تخاطب العرب وفهم السلف، واللسان العربي المبين، فتفسير الإله بالصانع المخترع الخالق المالك أو
[ ١ / ٤٦ ]
الرب باطل لغة وشرعًا، فإن الإله والرب مفهومان متغايران لغة وشرعًا.
أولًا: معنى الإله:
أما لغة: فقد ذكرت له عدة معان:
أولًا: الإله فعال بمعنى مألوه، أي: معبود، كإمام بمعنى مؤتم به، وأله إلهة: عبد عبادة، والتأليه: التعبيد، والآلهة: المعبودون من الأصنام وغيرها، والتأله: التعبد والتنسك.
فالإله: هو المعبود وهو الله سبحانه، وهو على وزن فعال بمعنى مفعول، مثل كتاب معنى مكتوب وبساط بمعنى مبسوط، فالإله إذن على معنى ما روي عن ابن عباس: (هو الذي يألهه كل شيء ويعبده كل خلق، والله ذو الألوهية والمعبودية على خلقه أجمعين).
ثانيًا: الإله مأخوذ من أله: إذا تحير، وأصله وله يوله ولهًا، على وزن تعب يتعب تعبًا، فإن الإله هو الله سبحانه تتحير الألباب والفكر في حقائق صفاته ومعرفته، وعلى هذا، فأصل كلمة إله: ولاه، وأن الهمزة مبدلة من واو وقد أنكر بعض أصحاب المعاجم هذا المعنى.
[ ١ / ٤٧ ]
ثالثًا: أن الإله مأخوذ من أله إلى كذا: أي لجأ إليه، فروي عن الضحاك أنه قال: إنما سمي الله إلهًا؛ لأن الخلق يتضرعون إليه في حوائجهم ويتضرعون إليه عند شدائدهم فيكون المعنى: هو من يُفزع إليه في النوائب لأنه المجير لجميع الخلائق من كل المضار.
رابعًا: أن الإله مشتق من (لاه يليه ويلوه لياهًا) إذا احتجب، فلفظ الجلالة يتضمن معنى الاحتجاب كما قال تعالى: (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير).
خامسًا: أنه مشتق من (ألهت إلى فلان) أي سكنت إليه، فالقلوب لا تسكن إلا بذكره، فمن خاف الله تقرب إليه فيحصل له الاطمئنان والسكون.
سادسًا: أنه مشتق من (أله الرجل إلى الرجل) إذا اتجه إليه لشدة شوقه إليه، ومنه (أله الفصيل بأمه) إذا أولع بأمه، وعلى هذا معناه: أن العباد يتوجهون إليه وحده. والمعنى: (أن العباد مألوهون: أي مولعون بالتضرع إليه في كل الأحوال).
سابعًا: أنه مشتق من الارتفاع، فكانت العرب تقول لكل شيء مرتفع: لاها، وإذا طلعت الشمس تقول: لاهت، وعلى هذا يتضمن لفظ الجلالة
[ ١ / ٤٨ ]
معنى العلو والارتفاع.
فهذه كما ترى معاني اشتقاقات هذا اللفظ، وليس في شيء منها أن معناه القادر على الاختراع أو أنه الصانع المالك.
وقد رجح جماعة من العلماء القول الأول، وأن لفظ الجلالة (الله) مشتق من أله يأله: إذا عبد، فهو إله بمعنى مألوه أي معبود، وكل الاشتقاقات والمعاني الأخرى تدخل تحت هذا المعنى الأول، فهو متضمن لها، وسأذكر فيما يأتي من قال بهذا من أئمة اللغة:
١ - قال الراغب الأصفهاني: (و(إله) جعلوه اسمًا لكل معبود لهم).
٢ - قال ابن منظور الإفريقي: (الإله (الله) ﷿، وكل ما اتخذ من دون الله معبودًا (إله) عند متخذه، والجمع (آلهة».
٣ - وقال المجد الفيروزآبادي الشافعي ( إله) كفعال، بمعنى مألوه، وكل ما اتخذ معبودًا (إله) عند متخذه.
[ ١ / ٤٩ ]
٤ - وقال محمد المرتضى الزبيدي الحنفي: (فإذا قيل: (الإله) أطلق على الله سبحانه، وعلى ما يُعبد من الأصنام، وإذا قلت: (الله) لم يطلق إلا عليه ﷾).
الإله في القرآن وفي فهم السلف والمفسرين:
الألوهية والإله في لغة القرآن واصطلاحه وما حكى الله ﷾ عن مشركي العرب لم يختلف عن معناها الذي ذكرناه عن معاجم اللغة.
فالإله يُطلق على كل معبود حقًا كان أم باطلًا، والأدلة عليها كثيرة، منها:
١ - أن الله ﷾ سمى معبودات المشركين (آلهة) وأبطل كونها آلهة حقًا.
قال تعالى: (واتخذوا من دون ءالهة لا يخلقون شيئًا وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا).
وهكذا كان مشركو العرب يسمون معبوداتهم (آلهة) مع اعتقادهم أنها ليست خالقة لهذا الكون ولا مالكه؛ كما حكى عنهم:
٢ - (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ).
[ ١ / ٥٠ ]
٣ - وقال عنهم: (إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا).
٤ - وقال ﷾: (وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ).
٥ - (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا).
٦ - (وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا).
٧ - (فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ).
٨ - (قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ).
فأنت ترى في هذه الآيات أن المشركين سموا معبوداتهم (آلهة) مع أن المشركين لم يعتقدوا فيها أنها خالقة لهذا الكون وأرباب للعالم.
وهكذا ترى اللغة القرآنية لكلمة (الإله) تتفق مع معاني أهل اللغة لهذه الكلمة، كما أن هذا ما كان عليه فهم السلف والمفسرين:
١ - قال ابن عباس ﵄: (الله: ذو الألوهية والمعبودية
[ ١ / ٥١ ]
على خلقه أجمعين)، ومنه قوله في (ويذرك وآلهتك) يذرك وإلاهتك، أي عبادتك وهو قول مجاهد أيضًا.
٢ - قال الطبري: (ولا شك أن الإلهة على ما فسره ابن عباس ومجاهد مصدر من قول القائل: أله الله فلان إلهة: كما يقال: عبد الله فلانٌ عبادة وعبر الرؤيا عبارة، فقد بين قول ابن عباس ومجاهد هذا: أن أله عبد وأن الإلاهة مصدره).
وقال: (فالإله: هو المعبود وهو الله سبحانه، وهو على وزن فعال بمعنى مفعول مثل كتاب بمعنى مكتوب وبساط بمعنى مبسوط، فالإله إذن على معنى ما روي عن ابن عباس: هو الذي يألهه كل شيء ويعبده كل خلق).
٣ - قال الزجاجي: (إله فعال بمعنى مفعول، كأنه مألوه، أي معبود
[ ١ / ٥٢ ]
مستحق للعبادة يعبده الخلق ويولهونه).
٤ - وقال الزمخشري: (الإله من أسماء الأجناس، كالرجل والفرس، يقع على كل معبود بحق أو باطل، ثم على المعبود بحق).
٥ - قال أبو عبد الله القرطبي في تفسيره: لا إله إلا الله: (معناه: لا معبود إلا الله).
فهذه بعض أقوال المفسرين في معنى الإله.
٦ - وقال شيخ الإسلام: (فإن الإله هو المألوه، والمألوه هو الذي يستحق أن يُعبد، وكونه يستحق أن يعبد هو بما اتصف به من الصفات التي تستلزم أن يكون هو المحبوب غاية الحب، المخضوع له غاية الخضوع).
وقال: فإن الإله هو المحبوب المعبود الذي تألهه القلوب بحبها،
[ ١ / ٥٣ ]
وتخضع له وتذل له وتخافه وترجوه، وتنيب إليه في شدائدها، وتدعوه في مهماتها وتتوكل عليه في مصالحها، وتلجأ إليه وتطمئن بذكره وتسكن إلى حبه، وليس ذلك إلا لله وحده، ولهذا كانت (لا إله إلا الله) أصدق الكلام.
٧ - وقال ابن القيم: (الإله: هو الذي تألهه القلوب محبة وإجلالًا وإنابة وإكرامًا وتعظيمًا وذلًا وخضوعًا وخوفًا ورجاءً وتوكلًا).
٨ - وقال ابن رجب: (الإله: هو الذي يُطاع فلا يُعصى، هيبة له وإجلالًا، ومحبة وخوفًا ورجاءً، وتوكلًا عليه، وسؤالًا منه ودعاءً له، ولا يصلح هذا كله إلا لله ﷿، فمن أشرك مخلوقًا في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلهية، كان ذلك قدحًا في إخلاصه في قوله: (لا إله إلا الله) ونقصًا في توحيده، وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من ذلك).
٩ - وقال البقاعي: (لا إله إلا الله: أي انتفاء عظيمًا أن يكون معبود بحق
[ ١ / ٥٤ ]
غير الملك العظيم، فإن هذا العلم هو أعظم الذكرى المنجية من أهوال الساعة، وإنما يكون علمًا إذا كان نافعًا، وإنما يكون نافعًا إذا كان مع الإذعان والعمل بما تقتضيه، وإلا فهو جهل صرف).
١٠ - وقال الطيبي: (الإله: فعال بمعنى مفعول، كالكتاب بمعنى المكتوب، من أله إلهه: أي عبد عبادة).
١١ - قال الشوكاني: لفظ (إله) إنما هو لبيان استحقاق الله للألوهية التي هي حقيقة العبودية، ولهذا جاء في كتاب الله (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله) أي مألوه معبود فيها، قال قتادة: يعبد في السماء والأرض.
ثانيًا: معنى الرب:
فقد وردت كلمة (رب) لعدة معان في معاجم اللغة، ولكنها عند التحقيق
[ ١ / ٥٥ ]
ترجع إلى ثلاثة أصول، وهي:
أولًا: بمعنى مالك الشيء وصاحبه، ومنه: فلان رب الدار أي صاحبها ومالكها، ورب الدابة كذلك، وكل من ملك شيئًا فهو ربه.
قال الزبيدي: (الرب هو الله ﷿، وهو رب كل شيء أي مالكه، وله الربوبية على جميع الخلق لا شريك له، وهو رب الأرباب، ومالك الملوك والأملاك).
ثانيًا: بمعنى السيد المطاع.
قال ابن منظور: ربيت القوم: سستهم، أي كنت فوقهم، ويقال: رب فلان قومه: أي ساسهم وجعلهم ينقادون له، ورببت القوم: أي حكمتهم وسدتهم.
ثالثًا: تطلق هذه الكلمة كذلك على المصطلح للشيء المدبر له، القائم على تربيته، حتى قال بعض العلماء: إن كلمة (رب) مشتقة من التربية؛ لأن الله سبحانه مدبر الخلق ومربيهم، ويقال: رب فلان ضيعته: إذا قام على إصلاحها.
قال الزبيدي: رب ولده والصبي يربه ربًا؛ أحسن القيام عليه ووليه حتى أدرك وفارق الطفولية، كان ابنًا أو لم يكن.
[ ١ / ٥٦ ]
ومنه يقال للحاضنة: رابة ورابية أيضًا؛ لأنه يقوم بها غالبًا تبعًا لأمها.
فهذه الأصول الثلاثة لكلمة (رب) التي ذكرها أصحاب المعاجم، وبقية المعاني تندرج في أي أصل من أصولها.
أما كلمة (رب) في القرآن وفي فهم السلف والمفسرين:
فهي قد جاءت مستعملة في هذه المعاني الثلاثة المتقدمة:
ومما يدل على استعمالها على المعنى الأول: بمعنى مالك الشيء وصاحبه؛ قوله تعالى: (رَبِّ الْعَالَمِينَ).
قال القرطبي: أي مالكهم وكل من ملك شيئًا فهو ربه، وبه قال الطبري والماوردي وابن كثير.
[ ١ / ٥٧ ]
ومنه حديث: (اللهم رب هذه الدعوة).
ومما يدل على استعمالها على المعنى الثاني: (بمعنى السيد المطاع) قوله تعالى حكاية عن يوسف ﵇: (مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ)، وقوله تعالى عنه: (أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا)، وقوله تعالى عنه: (اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ)، وقوله تعالى عنه: (ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ)، وبه قال الطبري والماوردي والقرطبي وابن كثير.
ومنه حديث الرسول ﵊ «أن تلد الأمة ربتها».
ومما يدل على استعمالها على المعنى الثالث: (بمعنى المصلح للشيء المدبر له) قوله تعالى: (والربانيون والأحبار)، وقوله تعالى: (وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ). وبه قال القرطبي وابن كثير والإمام الطبري.
[ ١ / ٥٨ ]
ومنه حديث: «هل لك نعمة تربها».
وأما الرب (المحلى بالألف واللام) فلا تدل إلا على الله ﷾ لأنها للعهد، ولأنها للعموم فهي بمعنى رب كل شيء وليس كذلك إلا رب العالمين. وإن حذفتا صار مشتركًا بين الله وبين عباده، فيقال: الله رب العباد، وزيد رب الدار، وعلى هذا انعقد إجماع أهل اللغة والمفسرين ولم يؤثر عن العرب أنهم استعملوا كلمة (الرب) لغير الله تعالى، قال ابن منظور: (الرب: هو الله ﷿، هو رب كل شيء: أي مالكه).
ومما تقدم يتبين لنا أن كلمة الرب لا تطلق إلا على الله تعالى، لأنه هو الخالق الرازق المحيي والمميت المالك للخلق كلهم، المدبر لأمرهم، قال شيخ الإسلام: (والرب هو الذي يربي عبده فيعطيه خلقه، ثم يهديه إلى جميع أحواله من العبادة وغيرها).
وقال المقريزي: (فالرب مصدر رب يرب ربًا فهو راب، فمعنى قوله: (رَبِّ الْعَالَمِينَ): راب العالمين، فإن الرب ﷾ هو الخالق
[ ١ / ٥٩ ]
الموجد لعباده القائم بتربيتهم وإصلاحهم، المتكفل بصلاحهم من خلق ورزق وعافية وإصلاح دين ودنيا).
وقال ابن القيم عند تفسير قوله تعالى: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ): (وقدم الربوبية لعمومها وشمولها لكل مربوب والرب هو القادر الخالق الباري المصور الحي القيوم، العليم السميع، البصير، المحسن، المنعم، الجواد، المعطي، المانع إلى غير ذلك من معاني ربوبيته التي له منها ما يستحقه من الأسماء الحسنى).
فعلم مما سبق: أن الإله والرب كلمتان متغايرتان في مفهوميهما. فالقول بأن معنى الإله: (القادر على الاختراع) - كما سبق ذكره عن المتكلمين - قول مبتدع لا يعرف عند العلماء المحققين ولا عند أحد من أئمة اللغة، وإنما هو قول مبتدع في اللغة والشرع.
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وليس الإله بمعنى القادر على الاختراع، فإذا فسر المفسر (الإله) بمعنى القادر على الاختراع، واعتقد أن هذا المعنى هو أخص وصف الإله، وجعل إثبات هذا هو الغاية في التوحيد - كما يفعل ذلك من يفعله من متكلمة الصفاتية، وهو الذي يقولونه عن أبي الحسن وأتباعه - لم يعرفوا حقيقة التوحيد الذي بعث الله به رسوله ﷺ؛ فإن
[ ١ / ٦٠ ]
مشركي العرب كانوا مقرين بأن الله وحده خالق كل شيء، وكانوا مع هذا مشركين، قال تعالى: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ)، فليس كل من أقر بأن الله تعالى رب كل شيء وخالقه يكون عابدًا له دون ما سواه، ولهذا كان من أتباع هؤلاء من يسجد للشمس والقمر والكواكب ويدعوها، ويصوم وينسك لها ويتقرب إليها، ثم يقول: إن هذا ليس بشرك).
ثم على تقدير تسليمه (بأن الإله هو القادر على الاختراع) فهو تفسير باللازم للإله الحق، فإن اللازم له أن يكون خالقًا قادرًا على الاختراع، ومتى لم يكن كذلك فليس بإله حقًا وإن سمي إلهًا، وليس المراد من هذا القول: أن من عرف أن الإله هو القادر على الاختراع فقد دخل في الإسلام وأتى بتحقيق المرام من مفتاح دار السلام، فإن هذا لا يقوله أحد؛ لأنه يستلزم أن يكون كفار العرب مسلمين، ولو قدر أن بعض المتأخرين أراد هذا المعنى فهو مخطئ يرد عليه بالدلائل السمعية والعقلية على ما سيأتي بيانه في بيان ما أشرك فيه العرب قديمًا، وهل أشركوا بالله في الربوبية والخالقية أم كان شركهم في
[ ١ / ٦١ ]
الألوهية والعبادة وفي بعض أمور الربوبية.
أنواع التوحيد:
علمنا مما سبق: أن التوحيد نوعان:
النوع الأول: توحيد المعرفة والإثبات: وهو ما يتعلق بذات الرب ﷾ وأسمائه وصفاته وأفعاله، وهذا ينقسم قسمين:
الأول: توحيد الربوبية: وذكر العلماء في تعريف هذا النوع من التوحيد عبارات، منها: ما قال ابن تيمية - رحمة الله عليه - (فتوحيد الربوبية: أنه لا خالق إلا الله، فلا يستقل شيء سواه بإحداث أمر من الأمور، بل ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن).
وقال ابن القيم ﵀: (فاسم الرب له الجمع الجامع لجميع المخلوقات فهو رب كل شيء وخالقه والقادر عليه، لا يخرج شيء عن ربوبيته، وكل من في السموات والأرض عبد له في قبضته وتحت قهره ).
وقال السفاريني: (توحيد الربوبية: أن لا خالق ولا رازق ولا محيي ولا
[ ١ / ٦٢ ]
مميت ولا موجد ولا معدم إلا الله تعالى).
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في تعريفه: (هو الإقرار بأن الله تعالى رب كل شيء ومالكه وخالقه ورازقه، وأنه المحيي المميت، النافع الضار، المتفرد بإجابة الدعاء عند الاضطرار، الذي له الأمر كله، وبيده الخير كله، القادر على ما يشاء، ليس له في ذلك شريك، ويدخل في ذلك الإيمان بالقدر).
فعلى هذا يكون توحيد الربوبية: هو الإقرار والاعتراف بأن الله تعالى وحده لا شريك له هو الخالق لجميع المخلوقات العلوية والسفلية، المرئية وغيرها، وأنه المتصرف وحده بهذا الكون، لا يشاركه فيه أحد، كما أن بيده تعالى جميع المقادير من رزق وموت وحياة وجميع أمور الخلائق، وأنه إذا أراد شيئًا فإنما يقول له كن فيكون، لا يشاركه في جميع ذلك شريك ولا ند ولا مثي، وأنه ربى جميع الخلق بأصناف نعمه، وربى خواص خلقه وهم الأنبياء وأتباعهم الذين آمنوا به وصدقوا بما جاءوا به من عند ربهم بالعقائد الصحيحة، والأخلاق الجميلة والعلوم النافعة،
[ ١ / ٦٣ ]
والأعمال الصالحة.
ويمكن أن يعرف هذا التوحيد بعبارة مختصرة وهي كما قال ابن القيم: هو إفراد الله تعالى بالخلق والحكم.
فقوله: (إفراد الله بالخلق) يشمل: الخلق الأول، وهو ابتداء خلق الناس وغيرهم، والخلق الثاني: هو البعث كما قال تعالى: (بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ)، وهذه كلها من خصائص الربوبية.
وقوله: (إفراده بالحكم) يشمل: الحكم بنفعهم وضرهم، وتدبير أمورهم، ورزقهم، فالله ﷿ هو النافع والضار، وهو المدبر للأمر والقاضي به، وهو الرازق. فهذا حكمه القدري والكوني، وهو ما يقضي الله به تقديرًا وخلقًا.
وهكذا يشمل حكمه الشرعي: وهو ما يقضي الله به شرعًا، فجميع أحكام الله الشرعية في خلقه من مقتضيات ربوبيته، وهو الذي له الحكم، قال تعالى: (قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ)، وقال عليه الصلاة
[ ١ / ٦٤ ]
والسلام: «إن الله هو الحكم وإليه الحكم».
والخلاصة: توحيد الربوبية: هو الإقرار بأن الله ﵎ رب كل شيء وخالقه ورازقه، وأنه المحيي المميت، النافع الضار، القادر على فعل ما شاء متى شاء، ليس له في ذلك ند ولا شريك ولا معين، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)، وقوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ).
والآيات في هذا كثيرة غير أن الإقرار بهذا التوحيد دون إخلاص العبادة لله وحده وعدم الإشراك به ظاهرًا وباطنًا، لا يصير به العبد مسلمًا؛ لأن الله ﵎ حكى عن المشركين القدامى إقرارهم بهذا التوحيد، كما قال تعالى: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ)، وقال
[ ١ / ٦٥ ]
تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ)، فلم يكونوا بهذا الإقرار مسلمين، وذلك لعدم إخلاصهم العبادة لله وحده.
القسم الثاني: توحيد الأسماء والصفات: الذي هو اعتقاد انفراد الله بالكمال المطلق من جميع الوجوه بنعوت العظمة والجلال والجمال، وذلك بالاعتراف والإقرار الجازم بكل ما ورد في كتاب الله وما ورد في سنة رسول الله ﷺ من أسماء الله الحسنى وصفاته العليا.
وطريقة سلف الأمة في هذا القسم: إثبات ما أثبته الله لنفسه وما أثبته له رسول ﷺ، وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه وما نفاه عنه رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، فهم يعتقدون أن الله ﷾ ليس يشبهه ويماثله شيء من مخلوقاته، لا في ذاته ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فطريقتهم: إثبات بلا تشبيه وتنزيه بلا تعطيل على حد قوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ).
المراد بالتحريف: هو في اللغة: التغيير والتبديل والإمالة والعدول.
وهو في الشرع: العدول بالكلام عن وجهه وصوابه إلى غيره، وهو في باب الأسماء والصفات: تغيير ألفاظ نصوص الأسماء والصفات أو معانيها عن مراد الله تعالى، مثل تحريف إعراب قوله تعالى: (وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى
[ ١ / ٦٦ ]
تَكْلِيمًا) من الرفع إلى النصب، ومثل تحريف معنى استوى: بـ استولى في قوله: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى).
أما التعطيل: فهو في اللغة: من العطل، الذي هو الفراغ والخلو، والترك، قال تعالى: (وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ) أي أهملها أهلها وتركوا وردها والمراد بالتعطيل في باب الأسماء والصفات: نفي الأسماء والصفات أو بعضها وسلبها عن الله.
أما التكييف: فهو جعل الشيء على حقيقة معينة من غير أن يقيدها بمماثل مثال ذلك: قول بعض الفرق عن الله: (طوله كعرضه) ومعنى قول أهل السنة: (من غير تكييف): أي من غير كيف يعقله البشر وليس المراد من قولهم: (من غير تكييف): أنهم ينفون الكيف مطلقًا، فإن كل شيء لابد أن يكون على كيفية ما، ولكن المراد أنهم ينفون علمهم بالكيف إذ لا يعلم كيفية ذاته إلا هو سبحانه.
أما التمثيل: فهو من المثل وهو الشبه والنظير، وهو في باب الأسماء
[ ١ / ٦٧ ]
والصفات بمعنى الاعتقاد في صفات الخلق أنها مثل صفات المخلوقين.
فتوحيد الأسماء والصفات هو ما خلا فيه الأسماء والصفات الثابتة عن الله ورسوله عن هذه المحاذير الأربعة - التعطيل والتحريف والتكييف والتمثيل - فمن نفى صفات الرب جل وعلا وعطلها، فقد كذب تعطيلُه توحيدَه، ومن شبهه بخلقه ومثله بهم، فقد كذب تشبيهُه وتمثيلُه توحيدَه.
ومن أدلة هذا القسم من التوحيد: قوله تعالى: (اللهُ لا ٢ إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ)، وقوله تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)، وقوله تعالى: (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، وقوله تعالى: (يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ)، وقوله تعالى: (رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)، وقوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) و(كَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا)، إلى غير ذلك من الآيات الواردة في هذا المعنى.
النوع الثاني من أنواع التوحيد: توحيد الطلب والقصد: الذي هو توحيد الله بأفعال العباد، أو ما يعبر عنه بتوحيد الألوهية، وهو العلم والاعتراف بأن الله
[ ١ / ٦٨ ]
ذو الألوهية والمعبودية على خلقه أجمعين، وإفراده تعالى بالعبادة كلها، وإخلاص الدين له وحده.
ويتحقق هذا النوع من التوحيد بعبادة الله وحده لا شريك له ومحبته وخوفه ورجائه، والتوكل عليه، والرهبة والرغبة منه وإليه وحده، والتقرب إليه بسائر العبادات البدنية والمالية، إلى غير ذلك من أنواع العبادات التي تعبد الله بها خلقه وشرعها وبينها لهم رسول الله ﷺ.
وهذا النوع من التوحيد هو أهم مهمات الرسل إلى أممهم، ومن أجله حصل الجدال وشرع الجهاد، وخلق الجن والإنس، وأنزلت الكتب وأرسل الرسل، وبسببه انقسم الناس إلى شقي وسعيد، وخلقت الجنة والنار.
وقد بيَّن الله هذا التوحيد في آيات كثيرة من القرآن الكريم، منها:
١ - ما تضمنته سورة الكافرون: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ).
٢ - (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ).
[ ١ / ٦٩ ]
٣ - (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا).
٤ - (إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ).
٥ - (فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ).
٦ - (قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ).
٧ - (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ).
٨ - (فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا).
٩ - (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ).
١٠ - وقال تعالى حكاية عن الأنبياء قولهم: (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ).
وبهذا يتبين بطلان ما زعمه بعض المتكلمين بأن غاية التوحيد هو (أن الله واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له) لأن التوحيد الذي أنزل الله به كتبه وأرسل به رسله ليس هو هذه
[ ١ / ٧٠ ]
الأمور الثلاثة التي ذكروها، وإن كان فيها ما هو داخل في التوحيد الذي جاء به الرسل - عليهم الصلاة والسلام - فمن عبد الله لم يشرك به شيئًا فقد وحّده، ومن عبد دونه شيئًا فهو مُشرك به، ليس بموحد مخلص له الدين، وإن كان قائلًا بهذه المقالات التي زعموا أنها توحيد.
وقد اتضح لنا من الكلام السابق أن التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام هي:
١ - توحيد الربوبية.
٢ - توحيد الأسماء والصفات.
وهذا القسمان يتعلقان بالعلم والمعرفة.
٣ - توحيد الألوهية أو العبادة، والذي يُقال له: توحيد الطلب والقصد.
فهذه الأقسام الثلاثة (أو الأجزاء الثلاثة) إنما تثبت لنا من وجهين:
الوجه الأول: الاستقراء والتتبع للنصوص:
لقد ثبت بالتتبع والاستقرار: أن التوحيد الذي نزلت به الكتب ودعت إليه الرسل ينحصل في هذه الأقسام للتوحيد، لا يكمل توحيد العبد وإيمانه إلا
[ ١ / ٧١ ]
باستكمالها جميعًا، وقد أوردنا الأدلة الدالة على هذه الأنواع من القرآن، فهذا غيض من فيض، بل القرآن كله في بيان هذه الأنواع للتوحيد.
قال ابن القيم: (كل سورة في القرآن فهي متضمنة للتوحيد، بل نقول قولًا كليًا: إن كل آية في القرآن فهي متضمنة للتوحيد شاهدة به، داعية إليه.
فإن القرآن:
١ - إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، فهو التوحيد العلمي الخبري.
٢ - وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع ما يُعبد من دونه، فهو التوحيد الإرادي الطلبي.
٣ - وإما أمر ونهي، وإلزام بطاعته في نهيه وأمره، فهي حقوق التوحيد ومكملاته.
٤ - وإما خبر عن كرامة الله لأهل توحيده وطاعته، وما فعل بهم في الدنيا، وما يكرمهم به في الآخرة فهو جزاء توحيده.
٥ - وإما خبر عن أهل الشرك، وما فُعل بهم في الدنيا من النكال، فالقرآن كله في التوحيد).
وقال الشيخ حسين بن مهدي النعمي: (لقد تتبعنا في كتاب الله فصول تراكيبه وأصول أساليبه، فلم نجده - تعالى - حكى عن المشركين أن عقيدتهم
[ ١ / ٧٢ ]
في آلهتهم وشركائهم التي عبدوها من دونه أنها تخلق وترزق وتحيي وتميت وتنزل من السماء ماء، وتخرج الحي من الميت والميت من الحي.، بل إذا ضاق عليهم الأمر واشتدت بهم الكرب فزعوا إلى الله وحده، فإذا سئلوا عن حقيقة دينهم: هل هو شرك في الربوبية؟ دانوا وأذعنوا للرب وحده بالاختصاص بكل ذلك والانفراد، وهذا واضح لمن ألقى السمع للقرآن فيما حكى عنهم بقوله: (قُل لِّمَنِ الأرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ)
هل ترى في جميع هذا الذي حكاه الله عنهم: أنهم زعموا منه قليلًا أو كثيرًا، حقيرًا أو خطيرًا لآلهتهم التي هم لها يعبدون، وحولها يعكفون؟ بل صيروا هذه الصفات عطلًا عما تستتبع وتستلزم وتقتضي أن يكون لاحقًا لها ومتعلقًا بها ومنضمًا إليها من التوحيد والتفريد وعدم التشريك والتنديد، بالدعاء والعكوف والقرابين وغيرها.
فهذا شرك القوم واتخاذهم الآلهة الذي كان سببًا أن سجل عليهم ربهم القاهر فوق عباده بالشرك والبغي والضلال والكفر والظلم والجهالة ).
فصرح النعمي ﵀ بأن من تتبع كتاب الله يجد فيه نوعين من التوحيد ويجد أن الشرك كان في العبادة دون الربوبية.
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: (وقد دل استقراء
[ ١ / ٧٣ ]
القرآن العظيم على أن توحيد الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: توحيده في ربوبيته، وهذا النوع من التوحيد جبلت عليه فطر العقلاء، قال الله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) الآية.
الثاني: توحيده جل وعلا في عبادته.
وضابط هذا النوع من التوحيد هو تحقيق معنى (لا إله إلا الله) وهي مركبة من نفي وإثبات، فمعنى النفي: خلع جميع أنواع المعبودات غير الله في جميع أنواع العبادات ومعنى الإثبات: إفراد الله جل وعلا وحده بجميع أنواع العبادات بإخلاص، على الوجه الذي شرعه على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام، وأكثر آيات القرآن في هذا النوع من التوحيد، وهو الذي فيه المعارك بين الرسل وأممهم (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ).
النوع الثالث: توحيده جل وعلا في أسمائه وصفاته).
فقه نبه فيه ﵀ إلى أن أقسام التوحيد الثلاثة مأخوذة بالاستقراء
[ ١ / ٧٤ ]
لنصوص القرآن الكريم، فهو إذن من الحقائق الشرعية المستمدة من كتاب الله، وليس أمرًا اصطلاحيًا أنشأه بعض العلماء.
وقال الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد - حفظه الله ـ: (هذا التقسيم الاستقرائي لدى متقدمي علماء السلف أشار إليه ابن جرير وابن منده وغيرهما وهو استقراء تام لنصوص الشرع، وهو مطرد لدى أهل كل فن، كما في استقراء النحاة كلام العرب إلى اسم وفعل وحرف، والعرب لم تفه بهذا، ولم يعتب على النحاة في ذلك عاتب، وهكذا من أنواع الاستقراء).
وقال الأستاذ عبد الفتاح أبو غدة: (وأما تقسيم التوحيد إلى ما ذكره هؤلاء الأئمة: شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، والشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمهم الله تعالى - إلى توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية، فهذا تقسيم اصطلاحي استقاه العلماء مما جاء في الكتاب والسنة في مواضع لا تحصى، مما رد الله تعالى به على المشركين الذين كانوا يؤمنون بتوحيد الربوبية دون توحيد الألوهية، وفي سورة الفاتحة التي يقرؤها المسلم في صلاته مرات كل يوم: دليل على ذلك).
[ ١ / ٧٥ ]
فما آمن بالتوحيد من لم يؤمن بهذه الأنواع المستمدة من نصوص الشرع، إذ التوحيد المطلوب شرعًا هو الإيمان بوحدانية الله في ربوبيته وألوهيته، وأسمائه وصفاته، ومن لم يأت بهذا جميعه فليس موحدًا، وهذا ثابت بالاستقراء، والاستقراء دليل يفيد القطع إذا كان تامًا، فهاهنا نحن استقرينا النصوص الشرعية كلها فلم نجد إلا هذه الأقسام الثلاثة وما يتعلق بها، مما يدل على أن هذه الأقسام قطعية، وهذه الأقسام تشكل بمجموعها جانب الإيمان بالله الذي نسميه التوحيد.
فلا يصح لأحد توحيده إلا باجتماع أنواع التوحيد الثلاثة، فهي متلازمة يلزم بعضها بعضًا، ولا يمكن الاستغناء ببعضها عن الآخر، فلا ينفع توحيد الربوبية بدون توحيد الألوهية، وكذلك لا يصح ولا يقوم توحيد الألوهية بدون توحيد الربوبية، وكذلك توحيد الله في ربوبيته وألوهيته لا يستقيم بدون توحيد الله في أسمائه وصفاته، فالخلل والانحراف في أي نوع منها خلل في التوحيد كله، فمعرفة الله لا تكون بدون عبادته، والعبادة لا تكون بدون معرفته تعالى، فهما متلازمان.
الشبهات حول الاستقراء والردود عليها:
الشبهة الأولى: قولهم: إن للعلماء عبارات مختلفة في تقسيم التوحيد، فمنهم من قال: التوحيد قسمان:
[ ١ / ٧٦ ]
١ - توحيد في المعرفة والإثبات.
٢ - توحيد في المطلب والقصد.
ومنهم من قال: التوحيد قسمان:
١ - التوحيد العلمي الخبري.
٢ - التوحيد الإرادي الطلبي.
ومنهم من قال: التوحيد قسمان:
١ - التوحيد القولي.
٢ - التوحيد العملي.
ويقول بعضهم: التوحيد قسمان:
١ - توحيد السيادة.
٢ - توحيد العبادة.
وبعض العلماء يذكرون له ثلاثة أنواع - كما أسلفنا - فلو كان الاستقراء والتتبع صحيحًا لما حصل هذا التناقض.
يقال في الرد عليها: إن تنوع العبارات في التعبير عن أنواع التوحيد لا يدل على التناقض، فإنها متفقة في المضمون، فمثلًا: التوحيد العلمي والخبري، وتوحيد المعرفة والإثبات، والتوحيد القولي، وهكذا توحيد السيادة كلها بمعنى: توحيد الأسماء والصفات وتوحيد الربوبية.
وتوحيد القصد والطلب، والتوحيد الإرادي الطلبي، والتوحيد العملي، وتوحيد العبادة كلها بمعنى توحيد الألوهية.
[ ١ / ٧٧ ]
الشبهة الثانية: إن بعض العلماء لا يذكرون إلا تقسيمًا ثنائيًا.
١ - توحيد الألوهية.
٢ - توحيد الربوبية.
وبعض العلماء - يزيدون عليه تقسيمًا، فيجعلونه ثلاثيًا، بقولهم:
٣ - توحيد الأسماء والصفات.
أفلا يدل هذا على عدم الاستقراء التام؟
الرد عليها: «تقسيم التوحيد إلى قسمين هذا هو الأغلب في كلام أهل العلم المتقدمين؛ لأنهم يجمعون توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، وذلك بالنظر إلى أنها يشكلان بمجموعهما جانب العلم بالله ومعرفته ﷿، فجمعوا بينهما لذلك، بينما توحيد الألوهية يشكل جانب العمل لله.
وتقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام راجع إلى اعتبار متعلق بالتوحيد، وتقسيمه إلى قسمين راجع إلى اعتبار ما يجب على الموحد».
الشبهة الثالثة: هذا الاستقراء ليس بتام، فإنه يذكر عن البعض قسمًا رابعًا وهو:
٤ - توحيد الاتباع أو توحيد الحاكمية (أي التحاكم إلى الكتاب والسنة).
الرد عليها: الملاحظة من الذي ذكر هذا القسم: أن هذا القسم في الحقيقة داخل ضمن توحيد الألوهية؛ لأن العبادة لا تقبل شرعًا إلا بشرطين وهما:
أ - الإخلاص.
[ ١ / ٧٨ ]
ب - الاتباع.
كما قال تعالى: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا). وهذا إذا كان العمل مقصورًا في جانب الاتباع فقط، وأما إذا اعتقد حق التشريع لغير الله ﷿ كمن أحل القوانين الوضعية مكان الشريعة المطهرة ودان لها وقضى بها فإنه حينئذ يكون منافيًا لتوحيد الربوبية، فإن التشريع من أمور الربوبية، فالقضاء بغير الكتاب والسنة والعمل بغيرهما مناف لتوحيد الألوهية واعتقاد جواز إحلالها محل شرع الله أو أنها مثل القوانين الأخرى فيسوغ إحلالها محل تشريع الله مناف لتوحيد الربوبية.
ويقول بعض العلماء مبررًا لزيادة هذا الجزء: (لعل مقصود من أفرد (الاتباع) أو (الحاكمية) بقسم مستقل هو إبراز أهمية وتعظيم شأنه نظرًا لانصراف الناس عنه، والله أعلم).
ولكن الذي يظهر - والله أعلم - أن زيادة توحيد الحاكمية - وإن كان لمجرد إظهار أهمية هذا الجانب - فإن فيه بعض المفاسد؛ لأنه يفتح أبوابًا من البدع في العقيدة وفي المنهج السلفي النقي، فمثلًا يأتي أحدهم فيزيد توحيد الخالقية وتوحيد الرازقية وتوحيد الاتباع وغيرها من أفراد توحيد الألوهية والربوبية والأسماء والصفات.
[ ١ / ٧٩ ]
وأما إذا كان المراد بزيادة ما سموه بتوحيد الحاكمية؛ أن السلف حين ذكروا أجزاء التوحيد نسوا بعض جوانب التوحيد فقد أخطئوا خطأً فاحشًا بيِّنًا، بل نتج هذا عن فقد حقيقة المعرفة والتصور لأقوال السلف وآرائهم.
هكذا لو أرادوا بذلك أن مهمة الرسل عليهم الصلاة والسلام إنما هي توحيد الحاكمية فقط، يلزم منه نسبة القصور إلى دعوة الرسل الذين لم يقيموا الدولة ولا الحكم الشرعي فيها، وحينئذ يكون هذا القول مردودًا بنصوص القرآن والسنة.
وأما إن كان المراد - كما يظهر من مؤلفات بعض الكتاب المعاصرين - أنه لو قامت الحكومة الإسلامية وحكَّمت الدولة الشريعة الإسلامية فالبدع والخرافات والأعمال الشركية كلها تزول تلقائيًا بعدها، حينئذ يكون هذا القول ناتجًا عن فساد في الفكر وعدم معرفة منهج الأنبياء والمرسلين ومنهج سلفنا الصالح في الدعوة إلى الله.
فالحكومة الإسلامية وتطبيق الشريعة الإلهية فيها لها دورها في القضاء على الفساد والأعمال الشركية - كما هو مشاهد في هذه الدولة السعودية المباركة التي أُسست على التوحيد ومخالفة الشرك - ولكن مجرد قيام الحكومة الإسلامية لا تصحح عقيدة الناس، والواقع خير شاهد على ذلك، فهناك بعض الدول في العصر الحاضر يفتخر بأنها أقامت دولة إسلامية، وعقائد أهل تلك الديار عقائد وثنية مليئة بالخرافات والأساطير، وذلك لمخالفتهم هدي الأنبياء والرسل في الدعوة إلى الله.
[ ١ / ٨٠ ]
فالأنبياء إنما بدءوا بالدعوة إلى إخلاص العبادة لله ونبذ الشرك به - كما هو معروف لدى كل من له أدنى مسكة من معرفة في منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله - وبعد ما صححت عقيدة الناس قاموا بتطبيق شرع الله والقضاء على ما يخالفه.
وليس المراد به أنني أقلل من أهمية قيام الدولة الإسلامية أو تطبيق الشريعة فيها، فإن أهميته ظاهرة إذ لا يمكن القضاء على كثير من أنواع البدع والشركيات الظاهرة إلا بالسلطة، وهذا ظاهر والحمد لله، ولكن القضاء على الشركيات الموجودة في قلوب الناس لا يمكن إلا بالدعوة إلى توحيد الربوبية والألوهية أولًا وبنبذ ما يخالفهما.
الوجه الثاني من أوجه إثبات تقسيم التوحيد: وجود هذا التقسيم في عبارات السلف إما صراحة وإما إشارة وتلميحًا، وفيما يلي نُقول لبعض أقوالهم الدالة على إثبات نوعي التوحيد:
١ - ابن عباس: ﵄. حيث قال في تفسير قوله تعالى: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ). قال: (من إيمانهم إذا قيل لهم: من خلق السماء ومن خلق الأرض ومن خلق الجبال؟ قالوا: الله، وهم مشركون).
وقال أيضًا في تفسير الآية: (ولئن سألتهم من خلق السماء والأرض ليقولن الله ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله، وهم مع ذلك يشركون به، ويعبدون غيره ويسجدون للأنداد دونه).
[ ١ / ٨١ ]
٢ - مجاهد: قال في تفسير الآية المذكورة: (إيمانهم قولهم: الله خالقنا يرزقنا، ويميتنا، فهذا إيمان مع شرك عبادتهم غيره).
وقال أيضًا: (ليس أحد إلا وهو يعلم أن الله خلقه وخلق السموات والأرض، فهذا إيمانهم ويكفرون بما سوى ذلك).
٣ - قتادة: حيث قال في تفسير هذه الآية: (وهم مشركون في إيمانهم هذا، إنك لست تلقى أحدًا منهم إلا أنبأك أن الله ربه وهو الذي خلقه ورزقه، وهو مشرك في عبادته).
٤ - عطاء: يقول في تفسير الآية: (يعلمون أن الله ربهم وهم يشركون به بعد).
وفي رواية عنه: (يعلمون أن الله خالقهم ورازقهم وهم يشركون به).
[ ١ / ٨٢ ]
٥ - سعيد بن جبير: قال في تفسير الآية: (من إيمانهم: إذا قيل لهم: من خلق السماء ومن خلق الأرض ومن خلق الجبال؟ قالوا: الله، وهم مشركون).
٦ - عكرمة: قال في تفسير الآية: (تسألهم من خلقهم ومن خلق السموات والأرض، فيقولون: الله، فذلك إيمانهم بالله وهم يعبدون غيره).
وفي رواية عنه: (من إيمانهم إذا قيل لهم: من خلق السموات؟ قالوا: الله، وإذا سئلوا: من خلقهم؟ قالوا: الله، وهم يشركون به بعد).
٧ - عامر الشعبي قال: (يعلمون أنه ربهم وأنه خلقهم وهم مشركون به).
[ ١ / ٨٣ ]
وفي رواية: (ليس أحد إلا وهو يعلم أن الله خلقه وخلق السموات والأرض، فهذا إيمانهم، ويكفرون بما سوى ذلك).
٨ - قال ابن زيد: معناه: (ليس أحد يعبد مع الله غيره إلا وهو مؤمن بالله، ويعرف أن الله ربه وأن الله خالقه ورازقه، وهو يشرك به، ألا ترى كيف قال إبراهيم: (قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ) قد عرف أنهم يعبدون رب العالمين مع ما يعبدون قال: فليس أحد يشرك به إلا وهو مؤمن به، ألا ترى كيف كانت العرب تلبي تقول: (لبيك الله لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك) المشركون كانوا يقولون هذا).
يفهم من هذه الأقوال: أن هؤلاء العلماء من أئمة السلف كانوا عارفين بنوعي التوحيد؛ حيث ذكروا في تفسير الآية أن المشركين كانوا مقرين بنوع من التوحيد، وهو توحيد الربوبية أو توحيد الله في أنه هو الرب وهو الخالق وهو الرازق وهو المحيي والمميت، ولكن الإقرار بهذا النوع لم يدخلهم في التوحيد ولم يدخلهم في زمرة المؤمنين، بل وسمهم الله بسمة المشركين، وقاتلهم رسول الله ﷺ على ذلك، فدل على أنهم لم يأتوا بما أمرهم الله عز
[ ١ / ٨٤ ]
وجل به، فهذا التفريق كان موطن الإجماع بين السلف.
فهذه الأنواع من التوحيد كانت معروفة لدى السلف، حتى إن العرب كانوا يعرفونها بسليقتهم، فلم يحتاجوا أن يبينوا هذه الأقسام على حده، بل كان من عرف التوحيد عرف بأقسامه وأبعاده ومقتضياته ومكملاته، فلهذا كانوا يخالفون الرسول ﵊ ويحاربونه أشد المحاربة.
ولو كان التوحيد هو مجرد معرفة أن الله ربنا وخالقنا، لم يكن بين الأمم ورسلهم اختلاف فإنهم كانوا مقرين بهذا النوع. ولكن الخلاف كان بينهم بين الرسل في الجزء الآخر الذي هو من مستلزمات هذا التوحيد وهو عبادته وحده لا شريك له، فلهذا كانت العرب تقول مستنكرين: (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ) أي أجعل المعبودات معبودًا واحدًا؟
فالنضال الذي وقع بينهم وبين الرسل وأتباعهم إنما كان لأجل التوحيد العبادة لله وحده؛ وكان العرب يعرفون ذلك بلسانهم لفصاحتهم وملكتهم وسليقتهم في اللغة، فلهذا كانوا يأبون أن ينطقوا كلمة (لا إله إلا الله) فإنهم يعرفون: أن معناها إخلاص العبادة للخالق الذي نعترف به جميعًا، فترى السلف - من الصحابة - لم يوضحوا تقسيم هذا التوحيد، لا لأنهم لا يعرفونه، بل لأن هذا الشيء مسلم لدى الجميع، حتى دخل العجم في الإسلام، وأفسدوا ما لدى العرب من ملكتهم، فلم يعرفوا لغتهم ولا مقتضاها اللفظي والبلاغي.
فلما رأى بعض السلف تدهور المفاهيم الشرعية للألفاظ والنصوص الشرعية أرادوا أن يحافظوا على هذه المفاهيم حسب ما كان يعرفه العرب في
[ ١ / ٨٥ ]
زمن الرسول ﵊ وقبل دخول العجمة في لغتهم، فحرروها في كتبهم وسجلوها في مصنفاتهم حتى تبقى المصطلحات الشرعية على الجادة، فمن هذا المنطلق قسموا - أو بتعبير أدق: أظهروا - جاء التوحيد للعامة كي لا يغتروا ولا ينسوا بمرور الزمان مدلولاته الشرعية. فترى ذلك واضحًا في أقوال الأئمة والمصنفين في العقيدة والشريعة، كما سيأتي.
٩ - قال الإمام أبو حنيفة ﵀ في كتابه (المنسوب إليه) الفقه الأبسط: (والله يدعى من أعلى لا من أسفل؛ لأن الأسفل ليس من وصف الربوبية والألوهية في شيء).
فقوله: (يُدعى من أعلى لا من أسفل) فيه إثبات العلو لله، وهو من توحيد الصفات.
وقوله: (من وصف الربوبية) فيه إثبات توحيد الربوبية.
وقوله: (والألوهية) فيه إثبات توحيد الألوهية.
١٠ - قال الإمام أبو يوسف ﵀: (ليس التوحيد بالقياس، ألم تسمع إلى قول الله ﷿ في الآيات التي يصف بها نفسه أنه عالم قادر قوي
[ ١ / ٨٦ ]
مالك، ولم يقل: إني قادر عالم، لعله كذا أقدر، بسبب كذا أعلم، وبهذا المعنى أملك، فلذلك لا يجوز القياس في التوحيد، ولا يعرف إلا بأسمائه ولا يوصف إلا بصفاته،
ولم يقل الله: انظر كيف أنا العالم وكيف أنا القادر وكيف أنا الخالق، ولكن قال: انظر كيف خلقت، ثم قال: (والله خلقكم ثم يتوفكم)، وقال: (وفي أنفسكم أفلا تبصرون). أي تعلم أن هذه الأشياء لها رب يقلبه ويبدئها ويعيدها وأنك مكون ولك من كونك، وإنما دل الله ﷿ خلقه بخلقه ليعرفوا: أن لهم ربًا يعبدوه ويطيعوه ويوحدوه، ليعلموا أنه مكونهم لا هم كانوا، يعرف الله بآياته وبخلقه ويوصف بصفاته ويسمى الله بأسماء كما وصف في كتابه وبما أدى إلى الخلق رسوله
إلى أن قال: إن الله ﷿ خلقك وجعل فيك آلات وجوارح، عجز بعض جوارحك عن بعض، وهو ينقلك من حال إلى حال لتعرف أن لك ربًا وجعل فيك عليك حجة بمعرفته تتعرف بخلقه، ثم وصف نفسه فقال: أنا الرب وأنا الرحمن، وأنا الله وأنا القادر وأنا الملك، فهو يوصف بصفاته ويسمى بأسمائه فقد أمرنا الله أن نوحده، وليس التوحيد بالقياس؛ لأن القياس يكون في شيء له شبه ومثل، فالله تعالى وتقدس لا شبيه له ولا مثل له فقد أمرك الله ﷿ أن تكون تابعًا سامعًا مطيعًا ولو يوسع على الأمة التماس التوحيد وابتغاء الإيمان برأيه وقياسه وهواه إذًا لضلوا، ألم تسمع إلى قول الله
[ ١ / ٨٧ ]
﷿: (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ) فافهم ما فسر به ذلك).
فهذا كلام نفيس لأبي يوسف في باب التوحيد وهو ظاهر في توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات.
١١ - الإمام ابن جرير الطبري قال في تفسير الآية (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ): (ويقول تعالى ذكره: وما يقر أكثر هؤلاء - الذين وصف الله ﷿ صفتهم بقوله: (وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ) - بالله أنه خالقه ورازقه وخالق كل شيء إلا وهم به مشركون في عبادتهم الأوثان والأصنام، واتخاذهم من دون الله أربابًا، وزعمهم: أن له ولدًا، تعالى الله عما يقولون).
يظهر من قول ابن جرير: أنه يرى في تحقيق الإيمان والتوحيد أن يكون موحدًا في العبادة والألوهية كما يعترف بربوبيته وخالقيته ورازقيته، وإلا يبقى مشركًا ويعد فعله مشركًا الذي هو ضد التوحيد، وليس هذا إلا إثبات تقسيم التوحيد إلى توحيد المعرفة والإثبات بنوعيه؛ الربوبية والأسماء والصفات، وتوحيد الطلب والقصد.
[ ١ / ٨٨ ]
١٢ - الإمام أبو جعفر الطحاوي في مقدمة متنه في العقيدة المشهورة بالطحاوية:
(نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له ولا شيء يعجزه ولا إله غيره) ولا شك أن فيه بيان أجزاء التوحيد الثلاثة.
١٣ - الإمام ابن بطة العكبري: قال: (وذلك؛ أن أصل الإيمان بالله الذي يجب على الخلق اعتقاده في إثبات الإيمان به ثلاثة أشياء:
أحدها: أن يعتقد العبد ربانيته ليكون بذلك مباينًا لمذهب أهل التعطيل الذين لا يثبتون صانعًا.
والثاني: أن يعتقد وحدانيته ليكون مباينًا بذلك مذاهب أهل الشرك الذين
[ ١ / ٨٩ ]
أقروا بالصانع وأشركوا معه في العبادة غيره.
والثالث: أن يعتقده موصوفًا بالصفات التي لا يجوز إلا أن يكون موصوفًا بها من العلم والقدرة والحكمة وسائر ما وصف به نفسه في كتابه.
إذ قد علمنا أن كثيرًا ممن يقر به، ويوحده بالقول المطلق قد يلحد في صفاته فيكون إلحاده في صفاته قادحًا في توحيده.
ولأنا نجد الله تعالى قد خاطب عباده بدعائهم إلى اعتقاد كل واحدة من هذه الثلاث والإيمان بها).
فهل ثمة أصرح من هذا الكلام في تقسيم التوحيد وابن بطة من علماء السلف المشهورين المتقدمين.
١٤ - الحافظ ابن منده: فإنه صنف كتابًا وسماه بـ (كتاب التوحيد ومعرفة أسماء الله ﷿ وصفاته على الاتفاق والتفرد) وذكر فيه أقسام التوحيد واستعرض كثيرًا من أدلتها في هذا الكتاب واستدل لها من الكتاب والسنة بشرح وبسط وتفصيل بما لا مزيد عليه.
١٥ - شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني:
تنوعت عبارات شيخ الإسلام في هذا الموضوع مع أن المؤدى منها واحد، فتراه مثلًا يقول:
أ- (التوحيد الذي بعث الله به رسوله إما قول وإما عمل، فالتوحيد القولي: مثل سورة الإخلاص (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، والتوحيد العملي: (قُلْ يَا أَيُّهَا
[ ١ / ٩٠ ]
الْكَافِرُونَ) ولهذا كان ﷺ يقرأ بهاتين السورتين في ركعتي الفجر وركعتي الطواف وغير ذلك.
ب - وقال في تفسير قوله ﷺ: «ولا ينفع ذا الجد منك الجد»، (والمعنى: أن صاحب الجد لا ينفعه منك جده أي لا ينجيه و(لا) يخلصه منك جده، وإنما ينجيه الإيمان والعمل الصالح، والجد هو الغنى، وهو العظمة وهو المال فبين في هذا أصلين عظيمين:
أحدهما: توحيد الربوبية، وهو أن لا معطي لما منع الله، ولا مانع لما أعطاه ولا يتوكل إلا عليه، ولا يسأل إلا إياه.
الثاني: توحيد الإلهية: وهو بيان ما ينفع، وما لا ينفع، وأن ليس كل من أعطي مالًا أو دينًا أو رئاسة كان ذلك نافعًا له عند الله منجيًا له من عذابه، وتوحيد الألوهية: أن يعبد الله، ولا يشرك به شيئًا، فيطيعه، ويطيع رسله، يفعل ما يحبه ويرضاه.
وأما توحيد الربوبية، فيدخل ما قدره وقضاه، وإن لم يكن مما أمر به وأوجبه وأرضاه، والعبد مأمور بأن يعبد الله ويفعل ما أمر به وهو توحيد الألوهية ويستعين الله على ذلك، وهو توحيد له، فيقول: إياك نعبد وإياك نستعين).
[ ١ / ٩١ ]
ج - وقال في موضع (في سياق الكلام عن توحيد المتكلمين):
(إنهم أخرجوا من التوحيد ما هو منه كتوحيد الإلهية، وإثبات حقائق أسماء الله وصفاته، ولم يعرفوا من التوحيد إلا توحيد الربوبية، وهو الإقرار بأن الله خالق كل شيء، وهذا التوحيد كان يقر به المشركون الذين قال الله عنهم: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) وإنما التوحيد الذي أمر الله العباد هو توحيد الألوهية المتضمن توحيد الربوبية فيكون الدين كله لله).
د - وقال في موضع آخر:
(وليس المراد بالتوحيد مجرد توحيد الربوبية، وهو اعتقاد أن الله وحده خلق العالم كما يظن ذلك من يظن من أهل الكلام والتصوف، ويظن هؤلاء أنهم إذا أثبتوا ذلك بالدليل فقد أثبتوا غاية التوحيد، ويظن هؤلاء أنهم إذا شهدوا هذا وفنوا فيه فقد فنوا في غاية التوحيد وذلك؛ أن الرجل لو أقر بما يستحقه الرب تعالى من الصفات ونزهه عن كل ما ينزه عنه، وأقر بأنه وحده خالق كل شيء لم يكن موحدًا، بل ولا مؤمنًا حتى يشهد أن لا إله إلا الله، فيقر بأن الله وحده هو الإله المستحق للعبادة، ويستلزم بعبادة الله وحده لا شريك
[ ١ / ٩٢ ]
له )، فـ (شهادة أن لا إله إلا الله فيها الإلهيات، وهي الأصول الثلاثة؛ توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات، وهذه الأصول الثلاثة تدور عليها أديان الرسل وما أنزل إليهم، وهي الأصول الكبار التي دلت عليها، وشهدت بها العقول والفطرة).
١٦ - الإمام ابن القيم ﵀ وقد ذكره في أماكن، منها:
أ- ما قال في شرح المنازل: (فصل في اشتمال هذه السورة على أنواع التوحيد الثلاثة التي اتفقت عليها الرسل - صلوات الله وسلامه عليهم ـ. التوحيد نوعان: نوع في العلم والاعتقاد، ونوع في الإرادة والقصد. ويسمى الأول: التوحيد العلمي، والثاني: التوحيد القصدي والإرادي، لتعلق الأول بالأخبار والمعرفة، والثاني بالقصد والإرادة، وهذا الثاني أيضًا نوعان: توحيد في الربوبية وتوحيد في الإلهية. فهذه ثلاثة أنواع. فأما توحيد العلم فمداره على إثبات صفات الكمال وعلى نفي التشبيه والمثال والتنزيه عن العيوب والنقائص).
ب- وقال أيضًا: (وأما التوحيد الذي دعت إليه رسول الله ونزلت به كتبه، فوراء ذلك كله وهو نوعان: توحيد في المعرفة والإثبات، وتوحيد في الطلب والقصد.
[ ١ / ٩٣ ]
فالأول: هو حقيقة ذات الرب تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله وعلوه فوق سمواته على عرشه، وتكلمه بكتبه وتكليمه لمن يشاء من عباده، وإثبات عموم قضائه وقدره وحكمه. وأفصح القرآن عن هذا النوع جد الإفصاح، كما في أول سورة الحديد وسورة طه، وآخر سورة الحشر، وأول سورة تنزيل السجدة، وأول سورة آل عمران، وسورة الإخلاص بكاملها، وغير ذلك.
والنوع الثاني: مثل ما تضمنته سورة (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) وقوله: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ) الآية، وأول سورة تنزيل الكتاب وآخرها، وجملة سورة الأنعام، وغالب سور القرآن، بل كل سورة في القرآن فهي متضمنة للتوحيد شاهدة به داعية إليه ).
وبالجملة: فابن القيم له عبارات كلها تدور حول تقسيم التوحيد إلى الإلهية والربوبية والأسماء والصفات. فمثلًا أنه قال: التوحيد نوعان:
١ - التوحيد في العلم والاعتقاد، والمراد به: توحيد الأسماء والصفات.
٢ - التوحيد في الإرادة والقصد. والمراد به: توحيد الألوهية والربوبية.
وقال أيضًا: التوحيد نوعان:
١ - توحيد في المعرفة والإثبات، والتوحيد القولي. والمراد به: توحيد الربوبية والأسماء والصفات.
[ ١ / ٩٤ ]
٢ - توحيد في المطلب والقصد، والتوحيد العملي. والمراد به: توحيد الألوهية.
وربما قال: التوحيد نوعان: أ- عام، ب- خاص.
وأراد بالعام: ١ - توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات.
وأراد بالخاص: ٢ - توحيد الألوهية.
١٧ - العلامة المقريزي: قال في كتابه (تجريد التوحيد المفيد) ما نصه: (اعلم أن الله سبحانه هو رب كل شيء ومالكه وإلهه، فالرب مصدر رب يرب ربًا فهو راب: فمعنى قوله تعالى: (رَبِّ الْعَالَمِينَ) راب العالمين، فإن الرب ﷾ هو الخالق الموجد لعباده القائم بتربيتهم وإصلاحهم المتكفل بصلاحهم من خلق ورزق وعافية وإصلاح دين ودنيا.
والإلهية: كون العباد يتخذونه سبحانه محبوبًا مألوهًا ويفردونه بالحب والخوف والرجاء والإخبات والتوبة والنذر والطاعة والطلب والتوكل ونحو هذه الأشياء - إلى أن قال ـ: وهذا التوحيد مقام الصديقين، ولا ريب: أن توحيد الربوبية لم ينكره المشركون بل أقروا بأنه سبحانه وحده خالقهم وخالق السموات والأرض والقائم بمصالح العالم كله، وإنما أنكروا توحيد الألوهية والمحبة إلخ).
١٨ - العلامة ابن أبي العز الحنفي: قال في شرح العقيدة الطحاوية:
[ ١ / ٩٥ ]
(فالتوحيد أول الأمر وآخره، أعني توحيد الإلهية، فإن التوحيد يتضمن ثلاثة أنواع:
أحدها: الكلام في الصفات.
والثاني: توحيد الربوبية، وبيان أن الله وحده خالق كل شيء.
والثالث: توحيد الألوهية، وهو استحقاقه ﷾ أن يُعبد وحده لا شريك له ).
وقد قال ملا علي القاري مثل هذا الكلام في «شرح الفقه الأكبر» للإمام أبي حنيفة كما ذكره الشيخ ولي الله الدهلوي: في «الفوز الكبير في أصول التفسير».
[ ١ / ٩٦ ]
١٩ - شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ حيث إنه قل ما كتب في التوحيد والعقيدة إلا واعتنى بهذا التقسيم، بل دعوته في إبراز هذين النوعين من التوحيد ظاهرة.
فهذه بعض أقوال العلماء من السابقين واللاحقين كلهم على إثبات جزئي التوحيد - الربوبية والألوهية - وهم سادات هذه الأمة، وليس المراد هنا الحصر، وإنما المقصود بيان نماذج مَن ذكره من العلماء، وليس هناك قضية مثله في الوضوح، فالمنكر له ليس عنده أي مستند شرعي ولا نقل سلفي، وإنما هو مكابر ومعاند، والله أعلم.
العلاقة بين أقسام التوحيد:
هذه الأقسام تشكل بمجموعها جانب الإيمان بالله الذي نسميه (التوحيد) فلا يكمل لأحد توحيده إلا باجتماع أنواع التوحيد الثلاثة فهي متلازمة يكمل بعضها بعضًا، ولا يمكن الاستغناء ببعضها عن الآخر، فلا ينفع توحيد الربوبية بدون توحيد الألوهية، وكذلك لا يصح ولا يقوم توحيد الألوهية بدون توحيد الربوبية، وكذلك توحيد الله في ربوبيته وألوهيته لا يستقيم بدون توحيد الله في أسمائه وصفاته، فالخلل والانحراف في أي نوع منها هو خلل في التوحيد كله.
وقد أوضح بعض أهل العلم هذه العلاقة بقوله: (هي علاقة تلازم وتضمن وشمول، فتوحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية)، وتوحيد الألوهية
[ ١ / ٩٧ ]
متضمن لتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات شامل للنوعين معًا.
بيان ذلك: أن من أقر بتوحيد الربوبية وعلم أن الله سبحانه هو الرب وحده لا شريك له في ربوبيته، لزمه من ذلك الإقرار بأن يفرد الله بالعبادة وحده ﷾؛ لأنه لا يصلح أن يعبد إلا من كان ربًا خالقًا مالكًا مدبرًا، وما دام كله لله وحده وجب أن يكون هو المعبود وحده. ولهذا جرت سنة القرآن الكريم على سوق آيات ربوبيته مقرونة بآيات الدعوة إلى توحيد الألوهية ومن أمثلة ذلك: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ).
وأما توحيد الألوهية فهو متضمن لتوحيد الربوبية؛ لأن من عبد الله ولم يشرك به شيئًا فإنه يدل ضمنًا على أنه قد اعتقد بأن الله هو ربه ومالكه الذي لا رب غيره.
وهذا أمر يشاهده الموحد من نفسه، فكونه قد أفرد الله بالعبادة ولم يصرف شيئًا منها لغير الله، ما هو إلا لإقراره بتوحيد الربوبية وأنه لا رب ولا مالك ولا متصرف إلا الله وحده.
وأما توحيد الأسماء والصفات فهو شامل للنوعين معًا، وذلك لأنه يقوم على إفراد الله تعالى بكل ما له من الأسماء الحسنى والصفات العلى التي لا
[ ١ / ٩٨ ]
تنبغي إلا له ﷾، والتي من جملتها: الرب، الخالق، الرازق، الملك، وهذا هو توحيد الربوبية.
ومن جملتها: الله، الغفور، الرحيم، التواب، وهذا هو توحيد الألوهية.
وبعبارة أخرى: أن التوحيد علمي اعتقادي وعملي طلبي، والعملي متضمن للعلمي، فإذا علم العبد أن ربه لا شريك له في خلقه وأمره وأسمائه وصفاته نتج عنه أن يعمل على طاعته وعبادته، ومن عبد إلهه ووحده يكون قد اعترف أولًا بأن لا رب غيره يشركه في خلقه وأمره، ولا يجوز العكس؛ لأن القلب يتعلق أولًا بتوحيد الربوبية، ثم يرتقي إلى توحيد الألوهية.
قال ابن القيم: (الإلهية التي دعت الرسل أممهم إلى توحيد الرب بها هي العبادة والتأليه، ومن لوازمها توحيد الربوبية الذي أُمر به المشركون فاحتج الله عليهم به، فإنه يلزم من الإقرار به الإقرار بتوحيد الألوهية).
وبناء على ما مضى: فهمنا أن توحيد الربوبية والأسماء والصفات وحده لا يكفي لإدخال صاحبه في الإسلام ولا ينقذه من النار ولا يعصم ماله ودمه - كما مر بيانه سابقًا - قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وكلمة الشهادة التي دعا إليها الرسل - لا إله إلا الله - تشتمل على أنواع التوحيد الثلاثة، فقد دلت على توحيد العبادة؛ لأن معناها: لا معبود بحق إلا الله، ففيها إثبات العبادة لله ونفيها عما سواه، ودلت على توحيد الربوبية؛ لأن العاجز لا يكون إلهًا، فإن المعبود لابد
[ ١ / ٩٩ ]
وأن يكون خالقًا مدبرًا، ودلت على توحيد الأسماء والصفات؛ لأن فاقد الأسماء الحسنى وصفات الكمال غير كامل ولا يصلح مَنْ هذا حاله، أن يكون إلهًا خالقًا.
ولمزيد من التفصيل في هذا الباب أذكر هنا فروقًا بين نوعي التوحيد فأقول: إن بينهما فروقًا من عدة اعتبارات:
١ - الاختلاف في الاشتقاق: فالربوبية مشتقة من اسم الله (رب) والألوهية مشتقة من لفظ (الإله).
٢ - أن متعلق الربوبية الأمور الكونية: كالخلق والرزق، والإحياء والإماتة ونحوها، ومتعلق توحيد الألوهية: الأوامر والنواهي: من الواجب، والمحرم، والمكروه.
٣ - أن توحيد الربوبية قد أقر به المشركون غالبًا، وأما توحيد الألوهية فقد رفضوه وذكر الله ذلك في كتابه: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) وقال ﷿: (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ).
٤ - أن توحيد الربوبية مدلوله علمي، وأما توحيد الألوهية فمدلوله عملي.
٥ - أن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية، بمعنى أن توحيد الألوهية خارج عن مدلول توحيد الربوبية، لكن لا يتحقق توحيد الربوبية إلا بتوحيد الألوهية، وأن توحيد الألوهية متضمن توحيد الربوبية، بمعنى أن توحيد الربوبية جزء من معنى توحيد الألوهية.
[ ١ / ١٠٠ ]
٦ - أن توحيد الربوبية لا يُدخِلُ من آمن به في الإسلام بعكس توحيد الألوهية، فإن الإيمان به يدخل في الإسلام.
٧ - يقال لتوحيد الربوبية: توحيد المعرفة والإثبات، ولتوحيد الألوهية: توحيد الإرادة والقصد.
الشبهات حول تقسيم التوحيد والردود عليها:
رغم ظهور هذه القضية فقد خالف فيه من خالف، وتشبثوا بشبه عديدة يحاولون بها إنكار تقسيم التوحيد إلى الربوبية والألوهية، وقالوا بترادف الألوهية والربوبية، وهم فئتان:
أ - المتكلمون من الماتريدية والأشعرية، فقد زعموا: أن الألوهية بعينها هي الربوبية.
ب - القبورية المتصوفة: حيث قالوا: إن الألوهية بعينها هي الربوبية بدون فرق وتمييز بينهما، فهما متحدان لا متغايران.
وسأذكر فيما يلي مجمل شبهاتهم مع الردود عليها:
الشبهة الأولى: الإله هو الرب، والرب هو الإله، فيكون توحيد
[ ١ / ١٠١ ]
الربوبية وتوحيد الألوهية متلازمين لا ينفك أحدهما عن الآخر في الوجود والاعتقاد.
الرد: سبق أن ذكرنا معنى الإله والرب في اللغة والشرع، واتضح لنا أن لفظ الإله ومعناه غير الرب ومعناه في اللغة والشرع وهو المعروف عند سلف هذه الأمة. بقي أن نشير هنا إلى قاعدة مهمة لإزالة لبسٍ قد يقع، وهي: أن أسماء الله أعلام وأوصاف، فهي باعتبار دلالتها على الذات أعلام، وباعتبار دلالتها على المعنى أوصاف، وهي بالاعتبار الأول مترادفة لدلالتها على مسمى واحد وهو الله ﷿، وبالاعتبار الثاني متباينة لدلالة كل واحد منها على معناه الخاص، فمن قال بترادفها بالاعتبار الثاني فهو جاهل؛ إذ لم يميز بين معنى الإله ومعنى الرب، ولم يعن نفسه بمطالعة كتب اللغة وكلام أهل العلم ليظهر له الفرق.
الشبهة الثانية: إذا كان كفار مكة مقرين بتوحيد الربوبية فهل يكون توحيدهم هذا صحيحًا؟ وهل للكفار توحيد صحيح؟ وإذا لم يكن توحيدهم صحيحًا معناه أنهم ما كانوا مقرين بالتوحيد، فلا عبرة بهذا التقسيم.
الرد: لم يصف أحد من أهل العلم من جاء بتوحيد الربوبية بأنه موحد هكذا على الإطلاق، وإنما يوصف الموحد عندهم من جاء بالتوحيد بأقسامه (أجزائه) الثلاثة، وإنما يأتي في كلام أهل العلم عمن أثبت ربوبية الله وأنه
[ ١ / ١٠٢ ]
وحده هو الخالق الرازق المالك المدبر لا شريك له، ثم لم يفرده بالعبادة بأنه مقر بتوحيد الربوبية أو معترف بتوحيد الربوبية أو نحو ذلك، ولا يرون أن هذا ينجيه من عذاب الله أو يخرجه من وصف الكفر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فأما توحيد الربوبية الذي أقر به الخلق وقرره أهل الكلام فلا يكفي وحده، بل هو من الحجة عليهم).
وقال ابن القيم: (وأما توحيد الربوبية الذي أقر به المسلم والكافر وقرره أهل الكلام في كتبهم فلا يكفي وحده، بل هو الحجة عليهم كما بيَّن ذلك سبحانه في كتابه في عدة مواضع).
وقال الصنعاني: (الحمد لله الذي لا يقبل توحيد ربوبيته من العباد حتى يفردوه بتوحيد العبادة كل الإفراد ).
ثم إن إطلاق أهل العلم لمن أثبت ربوبية الله وأنه الخالق الرازق إلخ، بأنه مقر بتوحيد الربوبية وإن كان مشركًا في العبادة قول مطابق لما جاء في القرآن الكريم، قال تعالى: (فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون).
قال ابن عباس: (أي لا تشركوا بالله غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر
[ ١ / ١٠٣ ]
وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره، وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه الرسول ﷺ من توحيده هو الحق). وقال قتادة: (أي تعلمون أن الله خلقكم وخلق السموات والأرض ثم تجعلون له أندادًا).
وقال ابن جرير: ( ولكن الله جل ثناؤه قد أخبر في كتابه عنها (أي عن العرب) أنها كانت تقر بالوحدانية غير أنها كانت تشرك في عبادته ما كانت تشرك فيها، فقال جل ثناؤه (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ) ) وقد سبق إيراد أقوال السلف في تفسير هذه الآية التي تدل على أنهم كانوا يطلقون على من اعترف بالله خالقًا وعبد معه غيره بأنه اعترف بتوحيد الربوبية إلا وهو مشرك في عبادته غيره، ولهذا قال الصنعاني: (ولفظ الشريك يشعر بالإقرار بالله تعالى).
ثم هنا أمر لابد من تقريره وإيضاحه وهو أن قول أهل العلم عن المشركين بأنهم يعترفون بتوحيد الربوبية ليس المراد به أنهم اعترفوا بهذا القسم من التوحيد على التمام والكمال، فهذا لا يقول به أحد من أهل العلم، وإنما مرادهم تقرير ما ثبت في القرآن عن المشركين من اعترافهم ببعض صفات الربوبية وخصائصها.
ثم إن هذا ليس حكمًا عامًا مطردًا على جميع المشركين، بل وهم كما قال شيخ الإسلام: (إن كثيرًا من أهل الشرك والضلال قد يضيف وجود بعض
[ ١ / ١٠٤ ]
الممكنات أو حدوث بعض الحوادث إلى غير الله، وكل من قال هذا لزمه حدوث الحادث بلا سبب، وهم مع شركهم وما يلزمهم من نوع تعطيل في الربوبية لا يثبتون مع الله شريكًا مساويًا له في أفعاله ولا في صفاته).
فعلمنا بذلك أنه لم يقل أحد من أهل السنة أن من أشرك في الألوهية وأقر بالربوبية يكون توحيده صحيحًا، ويوجب له دخول الجنة، كيف وقد قال الله تعالى: (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ)، فالآية فيها الإطلاق، أي من يشرك بالله شركًا أكبر في الألوهية أو الربوبية يدخل النار.
وأما فهم أن من أقر الله بالربوبية يكون توحيده صحيحًا، فهذا على أصل الأشاعرة والماتريدية وزملائهم الصوفية، فإن توحيد الربوبية هي الغاية العظمى عندهم، وليس عندنا.
الشبهة الثالثة: هل سمع المسلمون في الأحاديث والسير: أن رسول الله ﷺ إذا قدمت عليه أجلاف العرب: ليسلموا على يده يفصل لهم توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية؟ ويخبرهم أن توحيد الألوهية هو الذي يدخلهم الإسلام؟ .
الرد على هذه الشبهة: من وجهين:
الأول: يقال من باب المعارضة: وهل قال الرسول ﵊: إن الوحدانية تكون في الذات والصفات والأفعال كما نص عليه الأشاعرة على أن هذه هي أنواع التوحيد؟ وكما نص عليه أئمة القبورية؟
[ ١ / ١٠٥ ]
الثاني: إن الشبهة - كما يفهم من السؤال الاستنكاري - بأن الرسول ﷺ ما كان يفصل لأجلاف العرب نوعي التوحيد؛ لا تخلو من أحد احتمالين:
الاحتمال الأول: إما أن يريد أن الرسول ﷺ لم يبين لهم معنى التوحيد فهذا باطل - يعلم بطلانه بالضرورة من دين الإسلام، ويمكن أن يعلم بيان الرسول ﷺ للتوحيد بنهيه عن الشرك وتحذيره منه، وبيان خطره وقبحه - كما سيأتي بيانه في مبحث آخر - وبإقامة البراهين والحجج على وجوب إفراد الله تعالى بالعبادة بأنواع من الأدلة كبيان ربوبية الله وإنعامة وتقرير المشركين بذلك، وبيان ضعف وعجز من يعبد من دون الله، وبيان وسائل الشرك وذرائعه ونهيه وتحذيره منها، فكيف يقال بعد هذا كله: إن الرسول ﷺ لم يبين نوعي التوحيد معنى؟ !
الاحتمال الثاني: أو يريد أن الرسول ﷺ لم ينص لفظًا على أن التوحيد ينقسم إلى الربوبية والألوهية، فهذا حق، ولكن لا يلزم منه ألا يكون قد بين معنى التوحيد، فهذه أمور لو كانت أمورًا اصطلاحية فقط كما اصطلح الأشاعرة على تقسيمهم القاصر للتوحيد لما كان هناك أي حجة لهم في إنكارها، فضلًا عن كون هذه الأمور (التقسيم) من الحقائق الشرعية المستمدة من كتاب الله تعالى، وليس أمرًا اصطلاحيًا أنشأه بعض العلماء، والأدلة دالة على شمول تقسيم أهل السنة للتوحيد.
الشبهة الرابعة: أن القول بتوحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات شر بدعة أحدثها السلفية، بل أي دين سوى دين النصرانية ذلك الدين الذي يثبت لله تعالى أقانيم ثلاثة، فتثليثهم أشبه بتثليث
[ ١ / ١٠٦ ]
النصارى.
الرد:
١ - أن التثليث عقيدة نصرانية تقوم على أساس جعل الآلهة ثلاثة، وهم: الأب والابن وروح القدس، وقد كفرهم الله بها في محكم تنزيله، أما تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام: الربوبية والألوهية والأسماء والصفات أو إلى قسمين: توحيد معرفة وإثبات، توحيد إرادة وطلب، فهذه عقيدة المسلمين بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ سوى المبتدعة الضلال، وقد سبق أن أوردنا أدلة القرآن والسنة على إثبات هذه الأنواع بما لا مزيد عليه.
٢ - ثم يقال لهم: ألستم تقولون: (هو واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته الأزلية لا نظير له، وواحد في أفعاله لا شريك له)، فقد أثبتم ثلاثة أقانيم ما فررتم منها ورميتمونها بها، فما جوابكم فهو عين جوابنا.
٣ - هذه الأقسام الثلاثة هي أقسام حقوق الله تعالى، وليست أقسام الآلهة كما في عقيدة النصارى.
الشبهة الخامسة: إن هذا التقسيم غير معروف لأحد قبل ابن تيمية، بل هو الذي اخترعه.
الرد عليها: هذه الشبهة تدل على قصور علمهم وقلة خبرتهم ومعرفتهم
[ ١ / ١٠٧ ]
بكتب السلف الصالح؛ إذ هي مليئة بالتصريح تارة وبالإشارة تارة إلى هذه الأقسام، ولو ذهبت أنقل كل ما في ذلك لطال المقام، ولكن حسبي ما أوردت بعض النقول من النصوص المشتملة على ذكر أقسام التوحيد الثلاثة لبعض الأئمة الذين كانوا قبل شيخ الإسلام ابن تيمية ليظهر كذب من يتهم شيخ الإسلام بهذه التهمة حيث أوردت قول كل من الإمام ابن بطة، وابن منده، وأبي حنيفة، وأبي يوسف، وابن جرير الطبري وغيرهم، ﵏.
إشكال:
فإن قيل: إن كثيرًا من العلماء - الذين صنفوا في علم الكلام (من المتكلمين) قد أعرضوا عن بيان هذه الأقسام للتوحيد، بل أغلبهم بذلوا جهودهم في إثبات الجزء الأول من التوحيد، ولم يتعرضوا للأجزاء الأخرى، فهل هناك سبب معين في إعراضهم عن ذكر توحيد الألوهية؟ وهل هذا ناتج عن عدم فهمهم للآيات القرآنية والسنة الصحيحة، وهل كان الجميع - متقدموهم ومتأخروهم - بمعزل تام عن معرفة هذا الجزء من التوحيد؟
دفع الإشكال: لا، بالتأكيد، بل لعل المتقدمين كانوا يعرفون هذا الجزء - وإنما لم يصنفوا تصانيف مستقلة بالبحث عن حقيقة توحيد الألوهية وما يضاده من الشرك ومظاهره وذرائعه ووسائله؛ لأنه لم يظهر ما ظهر عن المتأخرين من جماهير الطوائف.
والذي يؤكد هذه الحقيقة - أن علماء أهل السنة والجماعة الذين تصدوا للرد على الأشعرية وغيرهم لم يذكروا - فيما أعلم - مسائل توحيد الألوهية فيما خالف فيه أولئك، فلو كان عندهم شيء مخالف لذكروه ولردوا عليه.
[ ١ / ١٠٨ ]
وبالجملة: فهذا يؤكد أن المتقدمين من الطوائف وقدماء الأشاعرة والماتريدية لم يكونوا ينازعون في أن الاستعاذة بغير الله لا تجوز، وكذلك الدعاء والاستغاثة فيما لا يقدر عليه إلا الله والحلف وغير ذلك. كما ينازع المتأخرون منهم والمتصوفة المنبثقة من المتكلمين، ويفهم هذا من وجهين:
الأول: تنصيص بعض المتقدمين من الأشاعرة على توحيد الألوهية، ومن ذلك:
أ- ما قاله الباقلاني: والتوحيد له هو (الإقرار بأنه ثابت موجود وإله واحد فرد معبود ليس كمثله شيء)، وقال أيضًا: (إنه ليس معه إله سواه ولا من يستحق العبادة إلا إياه).
وممن صرح به من المتأخرين: الباجوري حيث قال معرفًا للتوحيد: (هو إفراد المعبود بالعبادة مع اعتقاد وحدته والتصديق بها ذاتًا، وصفاتًا، وأفعالًا)، فهذا التعريف - مع ملاحظة الإجمال فيه في الأسماء والصفات - شامل لجميع مدلولات التوحيد.
ب- وأيضًا مما يؤكد أن المتقدمين منهم كانوا يعرفون ما يجهله كثير من
[ ١ / ١٠٩ ]
متأخريهم في هذا الزمان من أن الدعاء والرغبة والرهبة والخوف لا يكون إلا الله ومن الله ما ورد من أقوالهم في ذلك وتحذيرهم عن بعض صور الشرك وذرائعه، منها:
١ - ما قال الحليمي: (والدعاء [في] الجملة من جملة التخشع والتذلل؛ لأن كل من سأل ودعا فقد أظهر الحاجة وباح واعترف بالذلة والفقر والفاقة لمن يدعوه ويسأله، فكان ذلك في العبد نظير العبادات التي يتقرب بها إلى الله عز اسمه، ولذلك قال الله ﷿: (ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين)، فأبان [أن] الدعاء عبادة، والخائف فيما وصفنا كالراجي؛ لأنه إذا خاف خشع وذل لمن يخافه وتضرع إليه في طلب التجاوز عنه].
وقال أيضًا: (إنه لا ينبغي أن يكون الرجاء إلا لله ﷻ إذ كان المنفرد بالملك والدين، ولا يملك أحد من دونه نفعًا ولا ضرًا).
٢ - قال الرازي: (قال الجمهور الأعظم من العقلاء: إن الدعاء أهم
[ ١ / ١١٠ ]
مقامات العبودية، ويدل عليه وجوه من النقل والعقل ) فذكرها.
وقال أيضًا: (إنه ﵇ قال: «الدعاء هو العبادة» فقوله: «الدعاء هو العبادة» معناه: معظم العبادة وأفضل العبادة).
وقال أيضًا: (كل من اتخذ لله شريكًا فإنه لابد وأن يكون مقدمًا على عبادة ذلك الشريك من بعض الوجوه إما طلبًا لنفعه أو هربًا من ضرره، وأما الذين أصروا على التوحيد وأبطلوا القول بالشركاء والأضداد ولم يعبدوا إلا الله ولم يلتفتوا إلى غير الله فكان رجاؤهم من الله وخوفهم ورغبتهم في الله ورهبتهم في الله، فلا جرم لم يعبدوا إلا الله ولم يستعينوا إلا بالله، فلهذا قالوا: (إياك نعبد وإياك نستعين) فكان قوله: (إياك نعبد وإياك نستعين) قائمًا مقام: لا إله إلا الله).
فهذه الأقوال فيها رد على زعم كثير من المتأخرين الذين يجيزون دعاء غير الله مطلقًا، وعلى قولهم: إن ذلك لا يكون شركًا إلا إذا اعتقد الداعي التأثير في المدعو من غير الله.
الوجه الثاني: الذي يدل أيضًا على أن أمر توحيد الألوهية كان معروفًا لدى بعض منهم، أنه لما حدثت بعض ذرائع الشرك ومظاهره في توحيد الألوهية عند بعض المسلمين أنكر بعض أئمة المتكلمين ذلك، ومن هؤلاء:
١ - الرازي: في تفسير قوله تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لا
[ ١ / ١١١ ]
يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ) نقل في بيان كيفية اتخاذ المشركين آلهتهم شفعاء اختلاف العلماء في ذلك: ستة أقوال، فذكر بعد الثلاثة الأولى قوله: (ورابعها: أنهم وضعوا هذه الأصنام والأوثان على صور أنبيائهم وأكابرهم، وزعموا أنهم متى اشتغلوا بعبادة هذه التماثيل فإن أولئك الأكابر يكونون شفعاء لهم عند الله تعالى، ونظيره في هذا الزمان: اشتغال كثير من الخلق بتعظيم قبور الأكابر على اعتقاد أنهم إذا عظموا قبورهم فإنهم يكونون شفعاء عند الله).
٢ - قول أبي شامة: (قد عم الابتلاء - أي النبذ للشريعة من تزيين الشيطان العامة تخليق الحيطان والعمد وسرج مواضع مخصوصة في كل بلد، يحكى لهم حاك: أنه رأى في منامه بها أحدًا ممن اشتهر بالصلاح والولاية فيفعلون ذلك ويحافظون عليه مع تضييعهم فرائض الله تعالى وسننه، ويظنون أنهم متقربون بذلك، ثم يتجاوزون هذا إلى أن يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم، فيعظمون بها، ويرجون الشفاء لمرضاهم وقضاء حوائجهم بالنذر لهم، وهي من بين عيون وشجر وحائط وحجر فما أشبهها بذات أنواط الوارد في الحديث.
[ ١ / ١١٢ ]
المسألة الثانية
معنى الشرك وأنواعه
معناه اللغوي:
جاء في معجم مقاييس اللغة لابن فارس: مادة (الشرك) المكونة من حرف الشين والراء والكاف أصلان:
أحدهما: يدل على مقارنة وخلاف انفراد.
والآخر: يدل على امتداد واستقامة.
أما الأول: فهو (الشرك) بالتخفيف أي بإسكان الراء، أغلب في الاستعمال، يكون مصدرًا واسمًا، تقول: شاركته في الأمر وشركته فيه أشركه شركًا، بكسر الأول وسكون الثاني، ويأتي: شركة، بفتح الأول وكسر الثاني فيها. ويقال: أشركته: أي جعلته شريكًا.
فهذه اشتقاقات لفظ الشرك في اللغة على الأصل الأول.
ويطلق حينئذ على المعاني الآتية:
١ - المخالطة، والمصاحبة، والمشاركة.
[ ١ / ١١٣ ]
قال ابن منظور: الشَّرْكة والشَّرِكة سواء؛ مخالطة الشريكين، يقال: اشتركنا بمعنى تشاركنا، وقد اشترك الرجلان وتشاركا، وشارك أحدهما الآخر والشريك: المشارك، والشِّرك كالشريك، والجمع أشراك وشركاء.
قال ابن فارس: الشركة هو أن يكون الشيء بين اثنين لا ينفرد به أحدهما، ويقال: شاركت فلانًا في الشيء إذا صرت شريكه، وأشركت فلانًا، فإذا جعلته شريكًا لك، قال تعالى حكاية عن موسى ﵊: (وأشركه في أمري)، ويقال في الدعاء: (اللهم أشركنا في دعاء المؤمنين) معنى الآية: اجعله شريكي فيه، ومعنى الدعاء: اجعلنا شركاء في دعائهم.
قال الراغب: الشركة والمشاركة: خلط الملكين، وقيل: هو أن يوجد شيء لاثنين فصاعدًا عينًا كان ذلك الشيء أو معنى، كمشاركة الإنسان والفرس في الحيوانية.
٢ - ويطلق أيضًا على النصيب والحظ والحصة.
قال الأزهري: يقال: شريك وأشراك، كما قالوا: يتيم وأيتام، ونصير
[ ١ / ١١٤ ]
وأنصار، والأشراك أيضًا جمع الشرك وهو النصيب، كما يقال: قسم وأقسام، وقد ذكر هذا المعنى كل من الزبيدي وابن منظور، ومنه الحديث: «من أعتق شركًا له في عبد» أي حصة ونصيبًا.
٣ - ويطلق أيضًا على التسوية: قال ابن منظور: يقال: طريق مشترك: أي يستوي فيه الناس، واسم مشترك: تستوي فيه معاني كثيرة.
٤ - ويطلق على الكفر أيضًا، قال الزبيدي: والشرك أيضًا: الكفر.
وأما الأصل الثاني: وهو الذي يدل على الامتداد والاستقامة، فأيضًا يطلق على معان:
١ - الشراك ككتاب، سير النعل على ظهر القدم، يقال: أشركت نعلي وشركتها تشريكًا: إذا جعلت لها الشراك.
[ ١ / ١١٥ ]
٢ - الشرك (بفتحتين) حبالة الصائد، الواحدة منها: شركة، ومنه قيل: (وأعوذ بك من الشيطان وشركه) بفتح الراء.
٣ - الشركة (بسكون الراء): بمعنى معظم الطريق ووسطه جمعها: شرك (بفتحتين).
فهذه هي المعاني لكلمة (الشرك): والكلمات ذات المادة الواحدة غالبًا يكون فيما بينها ترابط في المعنى، فإذا تأملنا مدلولات المادة السابقة نجد الترابط واضحًا بينها، فالمشرك يجعل غير الله مشاركًا له في حقه، فله نصيب مما هو مستحق لله تعالى، فهو سوى بين الله وبين من أشركه في حق الله، بمعنى أنه جعل من تألهه من دون الله مقصودًا بشيء من العبادة، ولا يلزم أن يساوي بين الرب جل وعلا، وبين من أشركه معه في القصد والتعبد من كل وجه، بل يكفي أن يكون في وجه من الوجوه. وهو (الشرك) حبائل الشيطان؛ به يصيد أهله، وهو شبكة إبليس، أدخل أهله فيها، والذي يوجد فيه هذا الشرك لا يعتبر مسلمًا.
وقد جاء في كتاب الشيخ مبارك الميلي (الشرك ومظاهره) ذكر مثل هذا الترابط؛ بأن مرجع مادة الشرك إلى الخلط والضم، فإذا كان بمعنى الحصة من
[ ١ / ١١٦ ]
الشيء يكون لواحد وباقيه لآخر أو آخرين، كما في قوله تعالى: (أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ)، فالشريك مخالط لشريكه وحصته منضمة لنصيب الآخر.
وإذا كان بمعنى الحبالة، فإنه ما يقع فيها من الحيوان يختلط بها وينضم إلى ملك الصائد.
وإذا كان بمعنى معظم الطريق، فإن أرجل السائرين تختلط آثارها هنالك وينضم بعضها إلى بعض.
وإذا كان بمعنى سير النعل، فإن النعل تنضم به إلى الرجل فيخلط بينهما.
وإذا كان بمعنى الكفر فهو التغطية، والتغطية نوع من الخلط.
ثم إن اجتماع الشركاء في شيء لا يقتضي تساوي أنصبائهم منه، ولا يمنع زيادة قسط للآخر، فموسى ﵇ سأل ربه إشراك أخيه في الرسالة، وقد أجيب سؤاله، لقوله تعالى: (قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى)، ومعلوم أن حظ هارون من الرسالة دون حظ موسى، ولهذا تقول: فلان شريك لفلان في دار أو بضاعة، ولو لم يكن له إلا معشار العشر، هذا في الحسيات، ومثله في المعنويات: تقول: الأبوان شريكان في طاعة ابنهما لهما، وإن كان حق الأم في الطاعة أقوى، وتقول: أبنائي شركائي في محبتي، وأنت تحب بعضهم أشد من بعض، فهذا تقرير معنى الشرك في اللغة.
معنى الشرك في الشرع:
لقد اختلفت عبارات العلماء في بيان معنى الشرك في الدين، وإن كانت
[ ١ / ١١٧ ]
هذه العبارات تكمل بعضها الأخرى، وفيما يلي بيان لبعض أقوالهم.
أ- بعض العلماء بدأ بالتقسيم قبل التعريف، ثم عرفه من خلال التعريف بأقسامه، منهم الراغب في المفردات، والذهبي في كتابه الكبائر - المنسوب إليه ـ، والإمام ابن القيم في مدارج السالكين.
ب- ومنهم من عرف الشرك في ثنايا كلامه - وإن كان التعريف لم يكن مقصودًا بذاته في ذلك الكلام - ولهم في ذلك عبارات مختلفة، منها:
١ - يقول الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ: هو (تشبيه للمخلوق بالخالق - تعالى وتقدس - في خصائص الإلهية، من ملك الضر والنفع، والعطاء والمنع الذي يوجب تعلق الدعاء والخوف والرجاء والتوكل وأنواع العبادة كلها بالله وحده).
٢ - وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: (هو صرف نوع من العبادة إلى غير الله، أو: هو أن يدعو مع الله غيره، أو يقصده بغير ذلك من أنواع العبادة التي أمر الله بها).
[ ١ / ١١٨ ]
٣ - وقال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀: (هو أن يجعل لله ندًا يدعوه كما يدعو الله، أو يخافه، أو يرجوه، أو يحبه كحب الله، أو يصرف له نوعًا من أنواع العبادة).
٤ - وقال أيضًا: (حقيقة الشرك بالله: أن يُعبد المخلوق كما يعبد الله، أو يعظم كما يعظم الله، أو يصرف له نوع من خصائص الربوبية والإلهية). قلت: هذا التعريف شامل لجميع مدلولات الشرك.
٥ - وقيل: (هو كل ما ناقض التوحيد أو قدح فيه، مما ورد في الكتاب والسنة تسميته شركًا).
٦ - وقيل: هو (أن يثبت لغير الله ﷾ شيئًا من صفاته المختصة به؛ كالتصرف في العالم بالإرادة الذي يعبر عنه بكن فيكون، أو العلم الذي هو من غير اكتساب بالحواس أو الإيجاد لشفاء المريض واللعنة لشخص والسخط عليه حتى يقدر عليه الرزق أو يمرض أو يشفى لذلك السخط، أو الرحمة لشخص حتى يبسط له الرزق أو يصح بدنه ويسعد ).
٧ - وقيل: (الشرك هو أن يعتقد المرء في غير الله صفة من صفات الله؛ كأن يقول: إن فلانًا يعلم كل شيء، أو يعتقد أن فلانًا يفعل ما يشاء، أو يدعي أن
[ ١ / ١١٩ ]
فلانًا بيده خيري وشري، أو يصرف لغير الله من التعظيم ما لا يليق إلا بالله - تعالى ـ، كأن يسجد للشخص أو يطلب منه حاجة أو يعتقد التصرف في غير الله).
٨ - وقال الشيخ محمد إسماعيل بن عبد الغني الدهلوي ﵀: (إن الشرك لا يتوقف على أن يعدل الإنسان أحدًا بالله، ويساوي بينهما بلا فرق، بل إن حقيقة الشرك: أن يأتي الإنسان بخلال وأعمال خصها الله - تعالى - بذاته العلية وجعلها شعارًا للعبودية - لأحد من الناس؛ كالسجود لأحد، والذبح باسمه والنذر له، والاستعانة به في الشدة والاعتقاد أنه ناظر في كل مكان، وإثبات التصرف له، كل ذلك يثبت به الشرك ويصبح به الإنسان مشركًا). قلت: هذا التعريف فيه تصور كامل لحقيقة الشرك، ولكنه غير منضبط.
٩ - وقيل: هو (إشراك غير الله مع الله في اعتقاد الإلهية، وفي العبادة). وهذا تعريف مختصر جامع.
١٠ - وقال الشوكاني: (إن الشرك هو دعاء غير الله في الأشياء التي تختص به، أو اعتقاد القدرة لغيره فيما لا يقدر عليه سواه، أو التقرب إلى غيره بشيء مما لا يتقرب به إلا إليه).
[ ١ / ١٢٠ ]
١١ - وقيل: (الشرك: إسناد الأمر المختص بواحد إلى من ليس معه أمره).
قلت: هذا التعريف غير مانع، فإنه ليس كل إسناد مختص بواحد إلى من ليس معه أمره يعد شركًا، بل ربما يكون ظلمًا أو فسقًا.
فهذه - كما ترى - أقوال العلماء في تصور حقيقة الشرك، بعض منها جامع وليس بمانع، وبعضها ناقص، وبعضها كمثابة التمثيل على بعض ما وقع فيه الناس من أفراد الشرك في العبادة أو في الاعتقاد، وليس المراد: أنهم ما كانوا عارفين بالشرك، ولكن لما كان من دأبهم ذكر النماذج دون إرادة الاستقصاء، ذكروا بعض الجوانب من الشرك، والجوانب الأخرى أشاروا إليها من خلال مصنفاتهم، ومؤلفاتهم، ومن فاته شيء منها ذكره الآخرون منهم، كما هو واضح في كتابتهم ومناظرتهم مع الذين وقعوا في الشرك في زمانهم.
والذي يظهر من هذه الأقوال: أن الشرك حقيقته في اتخاذ الند مع الله، سواء كان هذا الند في الربوبية أو الألوهية.
وبهذا يتفق قول العلماء المحققين في حقيقة الشرك مع قول أصحاب المعاجم بأن أصل الشرك اتخاذ الأنداد مع الله.
فأصل الشرك - كما علمنا من البيان السابق - ما هو إلا اتخاذ الند مع الله، وهذا ما سيتضح لنا أكثر عند بيان حقيقة الشرك في نصوص القرآن والسنة.
إذا نظرنا إلى حقيقة الشرك في القرآن الكريم نرى: أن الله ﷿ بينها في كتابه بيانًا شافيًا واضحًا لا لبس فيه ولا غموض. فقال تعالى: (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ).
[ ١ / ١٢١ ]
معنى الآية: النهي عن اتخاذ الأنداد مع الله بأي وجه من الوجوه، وقد نقل عن السلف في تفسير الآية مثل هذا القول، فمثلًا:
١ - قال ابن عباس: الأنداد: الأشباه، والند: الشبه، يقال: فلان ند فلان، ونديده: أي مثله وشبهه، ومنه قول النبي ﷺ لمن قال له: ما شاء الله وشئت: «أجعلتني لله ندًا»، وكل شيء كان نظيرًا لشيء وشبيهًا فهو له ند.
٢ - قال ابن مسعود: الأنداد: الأكفاء من الرجال تطيعونهم في معصية الله، فهذا المعنى بمعنى الشرك بالله باتباعهم الناس في معصية الله جل وعلا، فقد بين القرآن ذلك فقال: (وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ).
قال الطبري: فإن اتخاذ بعضهم بعضًا أربابًا هو ما كان بطاعة الأتباع الرؤساء فيما أمروهم به من معاصي الله، وتركهم ما نهوهم عنه من طاعة الله، كما قال جل ثناؤه: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ
[ ١ / ١٢٢ ]
ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا).
وقال الطبري: قال عدي بن حاتم: أتيت رسول الله ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: «يا عدي، اطرح هذا الوثن من عنقك» فطرحته وانتهيت إليه وهو يقرأ في سورة براءة، فقرأ هذه الآية: (اتخذوا أحبارهم ورهبنهم أربابًا من دون الله). قلت: يا رسول الله، إنا لسنا نعبدهم، فقال: «أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟». قلت: بلى، قال: «فتلك عبادتهم». ففي هذا القول أيضًا: إثبات كون الشرك هو اتخاذ الند، فإن من أثبت حق التشريع والتحليل والتحريم لغيره - سبحانه - فقد أثبت له الند.
٣ - قال عكرمة: (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا) (أي تقولوا: لولا كلبنا لدخل علينا اللص الدار، لولا كلبنا صاحٍ في الدار، ونحو ذلك، فنهاهم الله تعالى أن يشركوا به شيئًا، وأن يعبدوا غيره، أو يتخذوا له ندًا وعدلًا في الطاعة، فقال: كما لا شريك لي في خلقكم وفي رزقكم الذي أرزقكم، وملكي إياكم، ونعمتي عليكم، فكذلك فأفردوا لي الطاعة، وأخلصوا لي العبادة، ولا تجعلوا لي شريكًا وندًا من خلقي، فإنكم تعلمون: أن كل نعمة عليكم
[ ١ / ١٢٣ ]
مني).
٤ - قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الأنداد: الآلهة التي جعلوها معه، وجعلوا لها مثل ما جعلوا له. فمعنى الأنداد على هذا المعنى هي الآلهة، والآلهة عند الكفار بمعنى الشفعاء لهم عند الله، وقد سماهم الله ﷿ شركاء، فقال - في الرد على اتخاذهم آلهة ـ: (وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ).
٥ - قال مجاهد: الأنداد: العدلاء.
والعدلاء هنا أيضًا بمعنى الشركاء لله في عبادته، قال الله تعالى: (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) أي يشركون، ويقال: من مساواة الشيء بالشيء: عدلت هذا بهذا، إذا ساويته به عدلًا.
قال الطبري: يجعلون شريكًا في عبادتهم إياه، فيعبدون معه الآلهة والأنداد والأصنام والأوثان، وليس منها شيء شاركه في خلق شيء من ذلك، ولا في إنعامه عليهم بما أنعم عليهم، بل هو المنفرد بذلك كله وهم يشركون في عبادتهم إياه غيره.
٦ - قال الطبري: الأنداد جمع ند، والند: العدل، والمثل.
والمقصود: أن اتخاذ الشبيه والكفؤ لله يسمى شركًا بالله، ولهذا أخبر
[ ١ / ١٢٤ ]
﷾ أنه لم يكن له كفؤ ولا شبيه ولا نظير، لأنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، قال تعالى: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ). قال أبو العالية في معنى الآية: لم يكن له شبيه ولا عدل وليس كمثله شيء، أي كيف يكون له من خلقه نظير يساميه أو قريب يدانيه، تعالى وتقدس وتنزه، وهو الواحد الأحد، لا نظير له ولا وزير ولا نديد، ولا شبيه ولا عديل.
هكذا بيَّن الله في كتابه حقيقة الشرك بالله بيانًا واضحًا، وهو: اتخاذ الند مع الله، وكل ما ذكر في معاني الند من الكفؤ، والشبيه، والمثل، والعدل، والآلهة، كلها معاني متقاربة تدل على معنى الشرك بالله، والتي تدل صراحة أن الشرك في الحقيقة: اتخاذ الند بمعنى الشبيه لله ﷿ كما سيأتي.
كما أن هذا المعنى هو المستفاد من أحاديث الرسول ﷺ التي فيها بيان حقيقة الشرك، والدليل عليه:
١ - ما روى الشيخان عن ابن مسعود قال: سألت النبي ﷺ: أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: «أن تجعل لله ندًا وهو خلقك» الحديث.
[ ١ / ١٢٥ ]
٢ - ما رواه مسلم أيضًا عنه: قال: قال رجل: يا رسول الله، أي الذنب أكبر عند الله؟ قال: «أن تدعو لله ندًا وهو خلقك» الحديث - وفي آخره - فأنزل الله ﷿ تصديقها: (والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما).
٣ - وروى الشيخان عن أبي بكرة قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر: - ثلاثًا - الإشراك بالله » الحديث.
ففي هذا الحديث ذكر أكبر الكبائر بأنه الشرك، فهو بمثابة التفسير للند المذكور في الحديثين السابقين.
وبهذا يحصل لنا حقيقة الشرك بلسان الرسول ﵊؛ حيث فسر اتخاذ الند بالشرك، بأن الشرك أكبر المعاصي وأكبر الكبائر، وهو أن تجعل لله ندًا ومثلًا وشبيهًا وعديلًا في العبادة وكفؤًا في الطاعة، فمن جعل لله ندًا وشبيهًا فقد أشرك.
وأيضًا اتضح لنا من خلال ما ذكرنا: أن الشرك إنما هو اتخاذ الند والشبيه لله من
[ ١ / ١٢٦ ]
خلقه فيما يستحقه ﷿ من الإلهية والربوبية، فمن صرف شيئًا من هذه الخصائص لغيره فهو مشرك، فأصل الشرك وحقيقته إنما هو في التشبيه والتشبه.
قال ابن القيم: (حقيقة الشرك: هو التشبه بالخالق والتشبيه للمخلوق به، ). فالمشرك مشبه للمخلوق بالخالق في خصائص الإلهية.
فإن من خصائص الإلهية:
١ - التفرد بملك الضر والنفع والعطاء والمنع، وذلك يوجب تعلق الدعاء والخوف والرجاء والتوكل به وحده، فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق، ومن أقبح التشبيه: تشبيه هذا العاجز الفقير بالذات، بالقادر الغني بالذات.
٢ - ومن خصائص الإلهية: الكمال المطلق من جميع الوجوه، الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها له وحده، والتعظيم والإجلال والخشية والدعاء والرجاء والإنابة والتوبة والتوكل والاستعانة، وغاية الذل مع غاية الحب، كل ذلك عقلًا وشرعًا وفطرة أن يكون له وحده، ويمنع عقلًا وشرعًا وفطرة أن يكون لغيره، فمن جعل شيئًا من ذلك لغيره فقد شبه ذلك الغير بمن لا شبيه له، ولا مثيل له، ولا ند له، وذلك أقبح التشبيه وأبطله.
٣ - ومن خصائص الإلهية: العبودية التي قامت على ساقين لا قوام لها بدونهما: غاية الحب، مع غاية الذل، هذا تمام العبودية. فمن أعطى حبه وذله وخضوعه لغير الله فقد شبه به في خالص حقه.
[ ١ / ١٢٧ ]
٤ - ومن خصائص الإلهية: السجود، فمن سجد لغيره فقد شبه المخلوق به، وهكذا:
٥ - التوكل، فمن توكل على غيره فقد شبهه به.
٦ - والتوبة، فمن تاب لغيره فقد شبهه به.
٧ - والحلف باسمه تعظيمًا وإجلالًا له، فمن حلف بغيره فقد شبهه به.
٨ - والذبح له، فمن ذبح لغيره فقد شبهه به.
٩ - وحلق الرأس (تعبدًا )، إلى غير ذلك.
كل هذا في جانب التشبيه.
وأما في جانب التشبه به: (تشبه المخلوق بالخالق) فمن تعاظم وتكبر ودعا الناس إلى إطرائه في المدح والتعظيم والخضوع والرجاء، وتعليق القلب به خوفًا ورجاءً والتجاءً واستعانةً، فقد تشبه الله ونازعه في ربوبيته وإلهيته، وإذا كان المصور الذي يصنع الصورة بيده من أشد الناس عذابًا يوم القيامة كما قال النبي ﷺ: «أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم» وذلك لتشبهه بالله في مجرد الصنعة، فما الظن
[ ١ / ١٢٨ ]
بالتشبه بالله في الربوبية والإلهية؟ !
وفي الصحيحين عنه صىلى الله عليه وسلم أنه قال: «قال الله ﷿: ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقًا كخلقي، فليخلقوا ذرّة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة»، فنبه بالذرة والشعيرة على ما هو أعظم منهما وأكبر.
والمقصود: أن هذا حال من تشبه به في صنعة صورة، فكيف حال من تشبه به في خواص ربوبيته وإلهيته، مثلًا:
١ - العظمة والكبرياء، ولهذا جاء في الصحيح أنه ﵇ قال: «يقول الله عزوجل: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدًا منهما عذبته».
٢ - وكذلك من تشبه به في الاسم الذي لا ينبغي إلا لله وحده، كملك الأملاك، وحاكم الحكام ونحوه، وقد جاء في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «إن أخنع الأسماء عند الله رجل يُسمى بشاهنشاه - أي ملك الملوك - لا ملك إلا الله»، وفي لفظ: «أغيظ رجل على الله رجل يسمى بملك الأملاك».
[ ١ / ١٢٩ ]
فهذا مقت الله وغضبه على من تشبه به في الاسم الذي لا ينبغي إلا له، فإنه سبحانه ملك الملوك وحده، لا غيره.
(وبالجملة: فالتشبيه والتشبه هو حقيقة الشرك، ولذلك كان من ظن أنه إذا تقرب إلى غيره بعبادة ما، يقربه ذلك إليه تعالى، فإنه يخطئ لكونه شبهه به، وأخذ ما لا بنيغي أن يكون إلا له، فالشرك منعه ﷾ حقه، فهذا قبيح عقلًا وشرعًا، ولذلك لم يشرع ولم يغفر لفاعله).
فعلمنا من هذا البيان الطويل أن حقيقة الشرك في الدين بنصوص القرآن والسنة وأقوال سلف هذه الأمة: اتخاذ الند والشبيه والمثل والعديل مع الله سبحانه، وذلك إما:
باتخاذ الند في الربوبية بالتعطيل أو بالأنداد والتمثيل، أو باتخاذ الند في العبادة.
فهذا مجمل البيان في أنواع الشرك في ضوء نصوص الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة.
مفهوم ضال في معرفة حقيقة الشرك:
لقد تغير هذا المفهوم عند بعض المتكلمين، والمتصوفة، فإنه لما كان التوحيد عندهم أمر اعتقادي بحت، فإن الشرك في الإرادة (إرادة غير الله
[ ١ / ١٣٠ ]
بالعبادة أو بطلب النفع أو دفع الضرر) إذا لم يتضمن الشرك في الاعتقاد لا يكون شركًا عندهم.
فاتخاذ الوسائط بالسؤال والطلب ليس شركًا عندهم بمجرد طلب غير اله ما لا يقدر عليه إلا الله - مثلًا - بل لابد أن يتضمن ذلك اعتقاد استقلالية المطلوب منه وقدرته على الاختراع (الذي هو حقيقة الألوهية عندهم).
وهكذا: صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله ليس شركًا لذاته - عندهم - إلا إذا تضمن استحقاق العبادة لمن صرفت له.
ولهذا يقولون في تعريف الشرك:
١ - (الذي يقدح في التوحيد هو اعتقاد التأثير لغير الله، أو اعتقاد الألوهية واستحقاق العبادة لغير الله، وأما مجرد النداء من غير اعتقاد شيء من ذلك فلا ضرر فيه).
٢ - (الشرك والعبادة لا يتحققان إلا باعتقاد الربوبية لغيره تعالى، والاستقلال بالنفع والضر والإيجاد والخلق ونفوذ المشيئة لا محالة، والتأثيرات بالذات دون الحاجة إلى الغير، فليس من المسلمين الموحدين المستغيثين بالصالحين شرك، وهم برآء من الشرك).
[ ١ / ١٣١ ]
٣ - (الذي يوقع في الإشراك هو اعتقاد الألوهية غير الله سبحانه، أو اعتقاد التأثير لغير الله ولا يعتقد أحد من المسلمين ألوهية غير الله، ولا تأثير أحد سوى الله).
وعلى هذا: فكل من انتسب إلى الإسلام لا يتصور - عندهم - وقوع الشرك منه، فالشرك ينحصر عندهم في الأمور التالية:
١ - أن يشرك في الربوبية والخلق والتدبير والإيجاد والإحياء والإماتة ونحوها، أو:
ب- اعتقاد التأثير لغير الله بالاستقلال فيه بالنفع والضر بنفسه وبذاته، ونفوذ المشيئة له لا محالة، وتأثيره في الكائنات من تلقاء نفسه بدون حاجته إلى الله تعالى، أو:
ج - إذا صاحب الشرك اعتقاد الألوهية واستحقاق العبودية لغير الله.
ولهذا قال بعضهم: (المستغيث لا يعتقد أن المستغاث به من الخلق مستقل في أمر من الأمور غير مستمد من الله تعالى أو راجع إليه، وذلك مفروغ منه، ولا فرق في ذلك بين الأحياء والأموات، فإن الله خالق كل شيء).
وقال آخر: (وأنت إذا نظرت إلى كل فرد من المسلمين - عامتهم وخاصتهم - لا تجد في نفس أحد منهم غير مجرد التقرب إلى الله لقضاء حاجتهم الدنيوية والأخروية بالاستغاثات، مع علمهم بأن الله هو الفعال المطلق المستحق للتعظيم بالأصالة وحده لا شريك له).
الرد: تعريفهم لحقيقة الشرك بما ذكر، باطل عقلًا ونقلًا.
[ ١ / ١٣٢ ]
وقد سبق بيان حقيقة الشرك من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والآثار السلفية مما فيه كفاية، ولنا عود - إن شاء الله - إلى هذا الموضوع في الباب الرابع عند بيان شبهات القبورية وردها.
بقي أن أقول: إن الحقيقة التي يجب التأكيد عليها هنا: أنه لم يقع في تاريخ البشرية الشرك باعتقاد استقلال أحد غير الله بالخلق والإيجاد، إلا ما يذكر عن الفلاسفة الذين يرون: أن الموجودات قد وجدت بطريق السببية الضرورية الحتمية من ذات الموجودات لا من خلق الله وتدبيره، الذي ليس له عندهم أي علاقة بالعالم لا علمًا ولا إرادة ولا قدرة.
أما الشرك الذي وقع فيه الجماهير من الناس قديمًا وحديثًا فهو شرك الطلب من غير الله تعالى ما لا يطلب إلا من الله، لا على سبيل أن من يطلب منه العطاء والرزق مالك له على سبيل الاستقلال والخلق، بل على سبيل أن من يطلب منه ذلك قريب من الله جاهًا ومنزلة، وأنه لذلك يعطي من يشاء ما يشاء بمجرد إرادته هو.
وهكذا لم يقع عن أحد من المشركين قديمًا - الذين أرسل إليهم الرسل - اعتقاد أن غير اله يستحق العبادة لذاته، وذلك: أن شرك العبادة لا يتضمن الشرك في الربوبية؛ لأن شرك العبادة متعلق بالإرادة ولازمها من العمل، وأما شرك الربوبية فمتعلق بالاعتقاد وإثبات الكمال لله في ذاته وصفاته وأفعاله.
ولهذا ذكر الله عن المشركين أنهم يعتقدون أن الله هو المتفرد بتدبير الأمور، لكنهم أشركوا بالله من جهة التوسط في الطلب أو في العبادة، والآيات
[ ١ / ١٣٣ ]
الدالة على هذا المعنى كثيرة، من أبرزها قوله تعالى: (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله)، وقوله تعالى: (قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ)، وقوله تعالى: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١».
فكما أن اعتقاد كون الله متفردًا بالكمال في ذاته وصفاته وأفعاله لا يكفي لتحقيق التوحيد بل لابد من إرادة الله وحده بالقصد والعمل، فكذلك ليس الشرك محصورًا في الاعتقاد، بل هو شامل للشرك في الإرادة المستلزمة للعمل، بل إن الشرك في الإرادة هو حقيقة الشرك الذي أرسل الله الرسل وأنزل الكتب من أجل إخراج الناس منه إلى توحيده وعبادته وحده، فالعبادة ليست مجرد اعتقاد.
وغالب ما يكون من الذبح وتقريب القرابين والنذور لغير الله، فالغاية منه استجلاب الخير واستدفاع الضر عمن عبد بذلك.
وهذا الشرك مع أنه استعاثة بغير الله تعالى ففيه عبادة غير الله بالتقرب والنسك الذي لا ينبغي صرفه إلا لله وحده، فهو ضلال وشرك في الطلب والعبادة معًا، ولهذا ترى أن الله ﷿ نفى أن ينفع المعبودون عابديهم، بل نفى الضر أيضًا، وأن ذلك كله لله وحده، لا يملكه سواه، فلا يطلب غيره ولا يعبد
[ ١ / ١٣٤ ]
غيره.
وبهذا يتبين: أن شرك العبادة ليس شركًا اعتقاديًا يستلزم أن يكون المعبود عند من عبده مستحقًا للعبادة من دون الله، وإنما شرك في إرادة غير الله بالعبادة، ولو كان من تحقق منه ذلك معتقدًا أن الله هو الذي يستحق العبادة، وإنما يصرفها لغيره على جهة التوسط إلى الله لكان بذلك مشركًا به، سواءً كان ذلك التوسط بالشفاعة عنده في قبول العبادة، أو في قبول الشفاعة مطلقًا، أو رجاء نفع المعبود مع اعتقاد أنه ليس له التدبير والتصريف، وأن ذلك كله لله، لكن لجاه المعبود في ذلك - بحسب ظن المشرك - صرف له العبادة التي هي حق الله الخالص.
فعلى هذا: (كما يكون الشرك بالاعتقاد، كذلك يكون بالإرادة والعمل، ولا فرق). فلا يحتاج إلى اشتراط مصاحبة اعتقاد الألوهية أو استحقاق العبودية لمن يعبده لكونه شركًا.
الآثار المترتبة على الخطأ في معرفة حقيقة الشرك عند المتأخرين:
لقد نتج عن سوء فهمهم لحقيقة الشرك مفاسد عظيمة، منها:
١ - كل ما لا يؤدي إلى الشرك في الربوبية، والخلق والتدبير، والإحياء والإماتة، وكل ما لا يؤدي إلى اعتقاد التأثير لغير الله بالاستقلال فيه بالنفع والضر، ونفوذ المشيئة، وكل ما لا يصاحبه اعتقاد الألوهية واستحقاق العبودية لغير الله لا يكون شركًا - عندهم - ولو كان سجودًا أو استغاثة أو نذرًا أو ذبحًا، أو غيرها.
٢ - محاولة تغيير بعض الحقائق الشرعية لما رأوا أنها تسمى شركًا في
[ ١ / ١٣٥ ]
النصوص، فمنها: قولهم في تبرير اشتراط تاثير الله بالاستقلال، لما رأوا النصوص الشرعية تخالفهم في ذلك - بل وصفت النصوص اعتقاد التأثير لغير الله بدون الاستقلال بالنفع والضر أيضًا بالشرك - قالوا: إن المشركين لم يكونوا صادقين في قولهم: إن الله هو الخالق وهو مدبر الأمر! !، ولم يكونوا جادين في أنهم يعبدون غير الله من أجل التقرب والشفاعة، لا على جهة استحقاق العبادة من دون الله.
ومنها قولهم: إذا وجد في كلام المؤمنين إسناد شيء لغير الله تعالى يجب حمله على المجاز العقلي، ولا سبيل إلى تكفيرهم، فإذا قال العامي من المسلمين: نفعني النبي أو الصحابي أو الولي، فإنما يريد الإسناد المجازي، والقرينة عليه أنه مسلم.
ومنها: أنهم لما قالوا في التوحيد بأنه مجرد اعتقاد تفرد الله في ذاته وصفاته وأفعاله، وأن الإله هو القادر على الاختراع، وبالتالي: إن مجرد الطلب، والتقرب إلى غير الله بالعبادة لا يكون شركًا لذاته - عندهم - ما لم يتضمن شرك الاعتقاد، عارضتهم النصوص التي فيها إطلاق الشرك على الطلب من غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله، وإطلاق الشرك أيضًا على عبادة غير الله، قالوا في الجواب عن هذا الإشكال: إن لنا فيه تخريجين:
الأول: أن ذلك مقيد بالشرك في الاعتقاد، لا بمجرد الإرادة والعمل.
الثاني: أن ذلك شرك ولكنه شرك أصغر، فهو من المعاصي التي لا يخرج
[ ١ / ١٣٦ ]
فاعلها عن الملة.
ومنهم قولهم: إن الاستغاثة بغير الله هو التوسل به، وجعلهما مترادفين، والاستدلال بجواز أحدهما في بعض الصور على جواز الآخر من غير تفريق.
ومنها: قولهم: إن الدعاء الوارد في الآيات (التي فيها ذكر الشرك بالدعاء) إنما هو عبادة لا طلب ومسألة، وفرق بين العبادة والمسألة.
ومنها: جعلهم توحيد الربوبية هو الغاية، وقد تمت الإجابة عليه فيما سبق.
ومنها: عدم التفريق بين توحيد الربوبية والألوهية، نتيجة عدم التفريق بين الرب والإله.
ومنها: اتهامهم أهل السنة بإنزال الآية التي نزلت في الكفار على المسلمين.
وستأتي الردود على هذه الأقوال مفصلة في الباب الرابع - إن شاء الله - عند ذكر شبهات القبوريين وردها.
[ ١ / ١٣٧ ]
أنواع الشرك
تنوعت عبارات أهل العلم في بيان أنواع الشرك، ولكنها لا تخرج عن المدلول الشرعي للشرك الذي سبق معنا، فمن عباراتهم في بيان أنواع الشرك ما يلي:
أ- أن الشرك ينقسم إلى أكبر وأصغر.
ب- ويقول بعضهم: إنه على ثلاثة أقسام: أكبر، وأصغر، وخفي.
ج- والبعض يقسمه حسب أجزاء التوحيد الثلاثة.
د- وبعضهم يقسمه إلى نوعين: الشرك في الربوبية، والشرك في الألوهية، ويدخل الشرك في الأسماء والصفات ضمن النوع الأول.
هذه الأقوال ليست متباينة، بل بعضها يوافق بعضًا، فمن قسم الشرك إلى قسمين: أكبر وأصغر، نظر إلى حقيقة الشرك وأحكامه من حيث خروجه من الإسلام وعدم خروجه. والذي قسم الشرك إلى ثلاثة أنواع: الأكبر والأصغر والخفي، فإنه لم يخالف القول السابق؛ لأنه إنما أراد إظهار أهمية الشرك الخفي، وإلا فالشرك الخفي داخل تحت النوعين السابقين، فإن الشرك الخفي
[ ١ / ١٣٨ ]
بعضه من الشرك الأكبر المخرج من الملة، وبعضه من الشرك الأصغر الذي هو أكبر من المعاصي (الكبائر) ولكنها لا تخرج من الملة، وإنما أراد من أبرزها كنوع ثالث بيان خفائها على كثير من الناس وكثرة وقوعها، كما سيأتي بيانه فيما بعد.
أما الذي قسمه حسب أنواع التوحيد الثلاثة والذي قسمه إلى نوعي الشرك في الربوبية والشرك في الألوهية فليس بينهما إلا إجمال وتفصيل.
فهذه الأقوال صحيحة وشاملة. وهناك أقوال أخرى للعلماء في بيان أنواع الشرك، وهي غير شاملة، منها:
هـ - أن أقسام الشرك أربعة:
الأول: شرك الاحتياز: وهو أن يكون غير الله مالكًا لشيء يستقل به، ولو كان في الحقارة مثقال ذرة.
الثاني: شرك الشياع: أن يكون لغيره نصيب يشاركه فيه، كيفما كان هذا النصيب في المكان والمكانة.
الثالث: شرك الإعانة: وهو أن يكون له ظهير ومعين من غير أن يملك معه، كما يعين أحدنا مالك متاع على حمله مثلًا.
الرابع: شرك الشفاعة: وهو أن يوجد من يتقدم بين يديه يدل بجاهه، ليخلص أحدًا بشفاعته.
ويبدو ممن قال بهذا القول: أنه قسم الشرك حسب متعلقه وحسب باعث الناس على الشرك، وهذه الأنواع كلها داخلة تحت الشرك الأكبر، وهذه من
[ ١ / ١٣٩ ]
أفراده، وكان قد أخذه من قوله تعالى: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ)
و- وقال بعضهم: إنه على ستة أنواع:
١ - شرك الاستقلال: وهو إثبات شريكين مستقلين، كشرك المجوس.
٢ - شرك التبعيض: وهو تركيب الإله من آلهه كشرك النصارى.
٣ - شرك التقريب: وهو عبادة غير الله إلى الله زلفى، كشرك متقدمي الجاهلية.
٤ - شرك التقليد: وهو عبادة غير الله تبعًا للغير، كشرك متأخري الجاهلية.
٥ - شرك الأسباب: وهو إسناد التأثير للأسباب العادية، كشرك الفلاسفة، والطبائعيين، ومن تبعهم في ذلك.
٦ - شرك الأغراض: وهو العمل لغير الله.
يلاحظ أن أقسام الشرك التي ذكرها هي مجرد صور للأعمال الشركية التي تقع في بعض المجتمعات الإسلامية لعموم الجهل، وهناك صور أخرى للشرك لم يتعرض لها، ولا يمكن حصر جميع الصور بهذه الطريقة.
ز- وهناك تقسيم للإمام ابن القيم ﵀ ذكره في كتابه: «الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي»، يمكن أن يوصف بأنه أكثر دقة في استقصاء أنواع الشرك؛ حيث قال: (الشرك شركان: شرك يتعلق بذات
[ ١ / ١٤٠ ]
المعبود، وأسمائه وصفاته وأفعاله، وشرك في عبادته ومعاملته، وإن كان صاحبه يعتقد أنه - سبحانه - لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته ولا في أفعاله). ثم بدأ الإمام في بيان التفريعات فيهما.
التقسيم المختار:
ولعل التقسيم الذي يجمع بين هذه التقسيمات هو أن يقال:
الشرك على نوعين: أكبر، وأصغر.
أما الأكبر:
فهو أن يتخذ شريكًا أو ندًا مع الله - تعالى - في ذاته أو في أسمائه وصفاته، أو أن يعدل بالله - تعالى - مخلوقاته في بعض ما يستحقه وحده.
أو يقال: هو أن يجعل الإنسان لله ندًا في ربوبيته أو ألوهيته أو أسمائه وصفاته.
وهو من حيث تعلقه بالتوحيد ينقسم قسمين:
القسم الأول: شرك يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله (الشرك في الربوبية والأسماء والصفات).
تعريف الشرك في الربوبية:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (أما النوع الثاني: فالشرك في الربوبية، فإن الرب سبحانه هو المالك المدبر، المعطي المانع، الضار
[ ١ / ١٤١ ]
النافع، الخافض الرافع، المعز المذل، فمن شهد أن المعطي أو المانع، أو الضار أو النافع أو المعز أو المذل غيره، فقد أشرك بربوبيته).
وقال في موضع آخر: (فأما الأول - الشرك في الربوبية - فهو إثبات فاعل مستقل غير الله، كمن يجعل الحيوان مستقلًا بإحداث فعله، ويجعل الكواكب، أو الأجسام الطبيعية، أو العقول أو النفوس، أو الملائكة، أو غير ذلك مستقلًا بشيء من الأحداث، فهؤلاء حقيقة قولهم: تعطيل الحوادث عن الفاعل ).
أو بعبارة مختصرة يقال: من أشرك مع الله غيره في خصائص الربوبية أو أنكر شيئًا منها، أو شبهه بغيره، أو شبه غيره به، يعد مشركًا بالله، سواء كان في ذاته أو أفعاله أو أوصافه.
وهذا الشرك ينقسم إلى كبير وأكبر، وليس شيء منه مغفورًا.
وهو على نوعين:
النوع الأول: شرك التعطيل؛ وهو أقبح أنواع الشرك، كشرك فرعون إذ قال: (وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣)، وقال تعالى مخبرًا عنه ما قال لهامان: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا).
وإنما قلنا لهذا التعطيل بأنه شرك؛ لأن الشرك والتعطيل متلازمان، فكل
[ ١ / ١٤٢ ]
معطل مشرك، وكل مشرك معطل، لكن الشرك لا يستلزم أصل التعطيل، بل قد يكون المشرك مقرًا بالخالق سبحانه وصفاته، ولكنه عطل حق التوحيد وأصل الشرك وقاعدته التي يرجع إليها هو التعطيل، وهو على ثلاثة أقسام:
١ - تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه، ومنه شرك الملاحدة القائلين بقدم العالم وأبديته، وأنه لم يكن معدومًا أصلًا، بل لم يزل ولا يزال، والحوادث بأسرها مستندة عندهم إلى أسباب ووسائط اقتضت إيجادها يسمونها بالعقول والنفوس، ومنه الإلحاد بإنكار الخالق للكون.
٢ - تعطيل الصانع - سبحانه - عن كماله المقدس بتعطيل أسمائه وأوصافه وأفعاله، ومن هذا شرك من عطل أسماء الرب تعالى وأوصافه وأفعاله من غلاة الجهمية، والقرامطة، فلم يثبتوا له اسمًا ولا صفة، بل جعلوا المخلوق أكمل منه؛ إذ كمال الذات بأسمائه وصفاته.
ويدخل في ذلك شرك منكري الرسالة للرسل، وشرك منكري القدر، وشرك التشريع والتحليل والتحريم من غير الله.
٣ - تعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد: ومن هذا شرك طائفة أهل وحدة الوجود الذين يقولون: ما ثمَّ خالق ومخلوق، ولا هاهنا شيئان، بل الحق المنزه هو عين الخلق المشبه.
النوع الثاني: شرك الأنداد من غير تعطيل: وهو من جعل مع الله إلهًا آخر ولم يعطل أسماءه وصفاته وربوبيته، ومن ذلك:
[ ١ / ١٤٣ ]
١ - شرك النصارى الذين جعلوا ثالث ثلاثة، فجعلوا المسيح إلهًا، وأمه إلهًا.
٢ - شرك المجوس: القائلين بإسناد حوادث الخير إلى النور وحوادث الشر إلى الظلمة.
٣ - شرك القدرية: القائلين بأن الحيوان هو الذي يخلق أفعال نفسه، وأنها تحدث بدون مشيئة الله وقدرته، ولهذا كانوا أشباه المجوس.
٤ - شرك الذي حاج إبراهيم في ربه (إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ)، فهذا جعل نفسه ندًا لله تعالى، يحيي ويميت بزعمه، كما يحيي الله ويميت، فألزمه إبراهيم أن طرد قولك أن تقدر على الإتيان بالشمس من غير الجهة التي يأتي بها الله منها، وليس هذا انتقالًا كما زعم بعض أهل الجدل، بل إلزامًا على طرد الدليل إن كان حقًا.
٥ - شرك فرعون حينما قال: (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي) وقوله تعالى حكاية عن قول قومه له: (وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ)، كما هو في
[ ١ / ١٤٤ ]
بعض القراءات.
٦ - وأيضًا من هذا النوع شرك كثير ممن يشرك بالكواكب العلويات، ويجعلها أربابًا مدبرة لأمر هذا العالم، كما هو مذهب مشركي الصابئة وغيرهم.
٧ - ومن هذا النوع: شرك من أسند النعمة إلى غير الله، قال تعالى: (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً).
٨ - ومن هذا شرك عباد الشمس، وعباد النار، وغيرهم، فمن هؤلاء من يزعم أن معبوده هو الإله على الحقيقة، ومنهم من يزعم أنه أكبر الآلهة، ومنهم من يزعم أنه إله من جملة الآلهة، وأنه إذا خصه بعبادته والتبتل إليه والانقطاع إليه أقبل عليه واعتنى به، ومنهم من يزعم أن معبوده الأدنى يقربه إلى المعبود الذي هو فوقه، والفوقاني يقربه إلى من هو فوقه حتى تقربه تلك الآلهة إلى الله ﷾! ! فتارة تكثر الآلهة والوسائط وتارة تقل.
فيستنتج مما سبق أن هذا القسم من الشرك ينقسم قسمين:
١ - نوع في توحيد الربوبية، ويكون من وجهين:
أ- بالتعطيل، وذلك:
إما بالإلحاد، كقول فرعون: (وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣)، ويدخل فيه الشيوعية والاشتراكية والقومية وغيرها من الاتجاهات الهدامة التي تجددت.
[ ١ / ١٤٥ ]
وإما بتعطيل المصنوع عن صانعه: كالقول بقِدَم العالم.
وإما بتعطيل معاملة الصانع عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد: كالقول بوحدة الوجود.
وإما تعطيل الصانع عن أفعاله: كمنكري إرسال الرسل، ومنكري القدر، ومنكري البعث والنشور، وغيرها.
ب- بالأنداد، وذلك:
إما بدعوى التصرف في الكون من الغير كمشركي قوم إبراهيم الصابئة، والمتصوفة القائلين بالغوث والقطب والأوتاد، والأبدال وتصرفهم كما يدّعون.
وإما بإعطاء السلطة لأحد غير الله في التحليل والتحريم، كما كان في النصارى، وفي بعض حكام هذه الأمة، والقوانين الوضعية وغيرها.
وإما بدعوى التأثير في الكون من النجوم والهياكل، كالصابئة من قوم إبراهيم، أو الأولياء، أو التمائم والأحجبة.
٢ - نوع في توحيد الأسماء والصفات، وذلك من وجهين أيضًا:
أ- بالتعطيل: وذلك بتعطيل الصانع عن كماله المقدس: كالجهمية الغلاة، والقرامطة الذين أنكروا أسماء الله ﷿ وصفاته.
ب- بالأنداد:
١ - إثبات صفات الصانع للمخلوقين: وذلك؛ بالتمثيل في أسمائه أو صفاته، كالشرك في علم الباري المحيط، ويدخل في ذلك: التنجيم، والعرافة والكهانة، وادعاء علم المغيبات لأحد غير الله، وكالشرك في قدرة الله الكاملة، وذلك بادعاء التصرف للغير في ملكوت الله، وخوف الضرر أو
[ ١ / ١٤٦ ]
التماس النفع من الغير، أو بالاستغاثة من الغير، أو تسمية غيره غوثًا، أو بالسحر والتسحر وغيرها.
٢ - أو بإثبات صفات المخلوق للصانع جل وعلا: كاليهود المغضوب عليهم الذين شبهوا اله بصفات المخلوقين، وهكذا النصارى في قولهم بالبنوة والأبوة وما إلى ذلك من صفات المخلوقات لله جل وعلا، ويدخل في هذا النوع كل من شبه الله بخلقه ومثلّه بهم من هذه الأمة.
وكل هذه الأنواع السالفة الذكر يعتبر من الشرك الأكبر، وينقسم إلى كبير وأكبر، وليس شيء منه مغفورًا باتفاق العلماء.
وأما القسم الثاني: فهو الشرك بمعناه الخاص (الشرك في الألوهية والعبادة):
وهو شرك في عبادة الله، وإن كان صاحبه يعتقد أنه - سبحانه لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته ولا في أفعاله، وهو الذي يسمى بالشرك في العبادة، وهو أكثر وأوسع انتشارًا ووقوعًا من الذي قبله، فإنه يصدر ممن يعتقد أنه لا إله إلا الله، وأنه لا يضر ولا ينفع ولا يعطي ولا يمنع إلا الله، وأنه لا إله غيره ولا رب سواه، ولكن لا يخلص لله في معاملته وعبوديته، بل يعمل لحظ نفسه تارة، ولطلب الدنيا تارة، ولطلب الرفعة والمنزلة والجاه عند الخلق تارة أخرى، فلله من عمله وسعيه نصيب، ولنفسه وحظه وهواه نصيب، وللشيطان نصيب، وللخلق نصيب.
وهذا حال أكثر الناس، ومعلوم أن من لم يخلص لله في عبادته لم يفعل ما أمر به، بل الذي أتى به شيء غير الذي أمر به، فلا يصح، ولا يقبل منه، قال الله
[ ١ / ١٤٧ ]
﷿ كما في الحديث القدسي: - «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملًا أشرك معي فيه غيري فهو للذي أشرك به، وأنا منه بريء»، ويقول أصحاب هذا الشرك مخاطبين لآلهتهم وقد جمعهم الجحيم: (تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨»، ومعلوم أنهم ما سووهم به في الخلق والرزق والإماتة والإحياء، والملك والقدرة، وإنما سووهم في الحب والتأله والخضوع لهم والتذلل والتعظيم.
وقبل أن ندخل في بيان أنواع الشرك في الألوهية أو العبادة يحسن بنا أن نتعرف على معنى العبادة في مفهوم الشرع.
فالعبادة في الشرع: أصلها مأخوذة من معناها اللغوي الذي هو الذل والخضوع.
قال الأزهري: معنى العبادة في اللغة: الطاعة مع الخضوع، يقال: طريق معبد إذا كان مذللًا بكثرة الوطء، ويعبر معبد إذا كان مطليًا بالقطران.
وقال الجوهري: أصل العبودية: الخضوع والذلة، والتعبيد: التذليل، والعبادة: الطاعة، والتعبد: النسك.
[ ١ / ١٤٨ ]
وأما الإطلاق الشرعي للعبادة:
فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في تعريف العبادة الشرعية بأن: (العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة).
وقيل: (هي عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف)، لأن الحب الكامل مع الذل التام يتضمن طاعة المحبوب والانقياد له، فالعبد هو الذي ذلله الحب والخضوع لمحبوبه، فطاعة العبد لربه تكون بحسب محبته وذله له.
وقيل: (هي طاعته بفعل المأمور وترك المحظور).
وقال ابن حبان: (عبادة الله: إقرار باللسان وتصديق بالقلب وعمل بالجوارح).
ولعل الأصل في اختلاف العبارات بين السلف في تعريف العبادة يرجع
[ ١ / ١٤٩ ]
إلى شيئين اثنين، هما:
أن العبادة تطلق مصدرًا وتعنى بها التعبد بمعنى فعل العابد.
وتطلق اسمًا وتعني بها: المتعبد به.
فالعبادة تعريفها على المعنى الأول: (التذلل لله محبة وتعظيمًا بفعل أوامره واجتناب نواهيه على الوجه الذي جاءت به شرائعه)، وعليه يحمل قول شيخ الإسلام في تعريفها بأنها: (تجمع كمال الحب مع كمال الذل).
وقول الإمام ابن القيم: (التعبد هو غاية الحب وغاية الذل)، وقوله: (عبادة الله وحده هي كمال محبته والخضوع والذل له)، وقوله: (العبودية مدارها على قاعدتين هما أصلها: حب كامل وذل تام)، وقوله: (التعبد: الحب مع الخضوع والذل).
وقول ابن كثير: (هي عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف).
[ ١ / ١٥٠ ]
وقول الحافظ ابن رجب: (من أحب شيئًا وأطاعه وكان غاية قصده ومطلوبه، ووالى لأجله وعادى لأجله، فهو عبده، وكان ذلك الشيء معبوده وإلهه).
والمقصود: إذا كانت العبارة بمعنى فعل العابد فإنها حينئذ بمعنى (غاية الحب مع غاية الذل والخضوع)، قال ابن القيم: (فمن أحببته ولم تكن خاضعًا له، لم تكن عابدًا له، ومن خضعت له بلا محبة لم تكن عابدًا له، حتى تكون محبًا خاضعًا، ومن هاهنا كن المنكرون محبة العباد لربهم منكرين حقيقة العبودية، والمنكرون لكونه محبوبًا لهم منكرين لكونه إلهًا ).
وقال شيخ الإسلام: (المقصود: هو أن الخلة والمحبة لله تحقيق عبوديته، وإنما يغلط من يغلط في هذه من حيث يتوهم أن العبودية مجرد ذل وخضوع فقط، لا محبة معه، أو أن المحبة فيها انبساط في الأهواء أو إدلال لا تحتمله الربوبية).
فإذا كانت العبادة (بمعنى التعبد أي فعل العباد) هي الطاعة المصحوبة بأقصى الخضوع الممزوج بغاية الحب، ففي أي شيء تكون هذه الطاعة؟ هذا ما يذهب بنا إلى أن نتعرف على معنى العبادة على الاسمية، أعني حسب المتعبد به، فأقول:
أما العبادة باعتبارها اسمًا فتعني: المتعبد به، وتعريفها حينئذٍ: (اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة).
[ ١ / ١٥١ ]
قال شيخ الإسلام: (فالصلاة والزكاة والصيام والحج وصدق الحديث وأداء الأمانة وبر الوالدين وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء والذكر والقراءة، وأمثال ذلك من العبادة، وكذلك حب الله ورسوله، وخشية الله وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه والشكر لنعمه، والرضا بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته والخوف لعذابه، وأمثال ذلك هي من العبادة لله )، وقال في موضع آخر: (ومن عبادته وطاعته: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله ).
وقال في موضع آخر: (ويدخل في العبادة: الخشية والإنابة، والإسلام والتوبة).
وقال: (وأصناف العبادات: الصلاة بأجزائها مجتمعة؛ وكذلك أجزاؤها التي هي عبادة بنفسها من السجود، والركوع، والتسبيح، والدعاء، والقراءة، والقيام، لا يصلح إلا لله وحده وكذلك الزكاة العامة من الصدقات كلها والخاصة، لا يتصدق إلا لله وكذلك الحج، لا يحج إلا إلى بيت الله، فلا يطاف إلا به ولا يحلق الرأس إلا به، ولا يوقف إلا بفنائه، وكذلك الصيام، لا يصام عبادة إلا لله ).
والمقصود: إن العبادة بمعنى المتعبد به هي ما قال شيخ الإسلام في
[ ١ / ١٥٢ ]
موضع آخر: (طاعة الله بامتثال ما أمر الله به على ألسنة الرسل)، وقال أيضًا: (فكل ما أمر الله عباده من الأسباب فهو عبادة).
وهو المقصود بقول الإمام ابن القيم: (فهي - العبادة - تتحقق باتباع أمره واجتناب نهيه).
وقول ابن حبان: (عبادة الله: إقرار باللسان وتصديق بالقلب وعمل بالجوارح).
وقول الحافظ ابن كثير: (هي طاعته بفعل المأمور وترك المحظور) ومثله عن الحافظ ابن حجر في الفتح.
قال ابن القيم في توضيح هذا المعنى: (وبني (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) - أي العبادة - على أربع قواعد: التحقق بما يحبه الله ورسوله ويرضاه، من قول اللسان والقلب، وعمل القلب والجوارح، فالعبودية اسم جامع لهذه المراتب الأربع. فأصحاب (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) حقًا هم أصحابها.
فقول القلب: هو اعتقاد ما أخبر الله سبحانه به عن نفسه، وعن أسمائه وصفاته وأفعاله وملائكته ولقائه على لسان رسله.
وقول اللسان: الإخبار عنه بذلك، والدعوة إليه، والذب عنه، وتبيين
[ ١ / ١٥٣ ]
بطلان البدع المخالفة له، والقيام بذكره، وتبليغ أوامره.
وعمل القلب: كالمحبة له، والتوكل عليه، والإنابة إليه، والخوف منه، والرجاء له، وإخلاص الدين له، والصبر على أوامره، وعن نواهيه، وعلى أقداره، والرضى به وعنه، والمعاداة فيه، والذل له والخضوع، والإخبات إليه، والطمأنينة به، وغير ذلك من أعمال القلوب التي فرضها - أفرض من أعمال الجوارح
وأعمال الجوارح: كالصلاة والجهاد، ونقل الأقدام إلى الجمعة والجماعات، ومساعدة العاجز، والإحسان إلى الخلق ونحو ذلك).
ثم قال: (ورحى العبودية تدور على خمس عشرة قاعدة: من كملها كمل مراتب العبودية، وبيانها: أن العبودية منقسمة على القلب واللسان والجوارح، وعلى كل منها عبودية تخصه، والأحكام التي للعبودية خمسة: واجب، ومستحب، وحرام، ومكروه، ومباح وهي لكل واحد من القلب واللسان والجوارح).
فعلمنا أن جميع أمور الديانة من الاعتقاد والإرادات والأقوال والأعمال داخلة في مسمى العبادة، فالعبادة في الإسلام مفهومها شامل وواسع جدًا.
فهي تشمل الدين كله كما تشمل الحياة كلها، وكيان الإنسان كله.
يظهر هذا من إجابة شيخ الإسلام - السابق ذكرها - لما سئل عن قول الله ﷿: (يأيها الناس اعبدوا ربكم) ما العبادة؟ وما فروعها؟ وهل مجموع
[ ١ / ١٥٤ ]
الدين داخل فيها أم لا؟ فأجاب ﵀ بالجواب السابق ذكره، وهو: (العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة )، واستدل على هذا القول بحديث جبريل الذي فيه تسمية الإسلام والإيمان والإحسان بالدين، حيث جاء في آخره: «هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم»، فجعل هذا كله من الدين.
أركان العبادة:
والمقصود هنا بيان أركان العبادة من حيث التعبد (فعل العابد):
يتضح مما سبق من تعريف العبادة من حيث فعل العابد: أن لها ركنين وهما: كمال الخضوع والذل، وكمال المحبة.
أما الركن الأول: فهو: كمال الخضوع والذل، والمراد به: أن يستكين العبد لله تعالى ويخضع له ويذل، وله أربع مراتب كما ذكر ابن القيم:
(المرتبة الأولى: مشتركة بين الخلق، وهي ذل الحاجة والفقر إلى الله، فأهل السموات والأرض جميعًا محتاجون إليه فقراء إليه، وهو وحده الغني عنهم، وكل أهل السموات والأرض يسألونه وهو لا يسأل أحدًا.
المرتبة الثانية: ذل الطاعة والعبودية: وهو ذل الاختيار، وهذا خاص بأهل طاعته وهو سر العبودية.
المرتبة الثالثة: ذل المحبة، فإن المحب ذليل بالذات، وعلى قدر محبته له يكون ذله.
المرتبة الرابعة: ذل المعصية والجناية.
[ ١ / ١٥٥ ]
فإذا اجتمعت هذه المراتب الأربع: كان الذل لله والخضوع له أكمل وأتم؛ إذ يذل له خوفًا وخشية ومحبة وإنابة، وطاعة وفقرًا وفاقة).
وأما الركن الثاني - الذي هو كمال المحبة - فإن الذي يدل على اعتبار كمال الحب مع كمال الذل هو أصل التأله: التعبد، وهو كما قال ابن القيم: (التعبد آخر مراتب الحب، يقال: عبده الحب وتيمه إذا ذلل لمحبوبه)، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (العابد محب خاضع، بخلاف من يحب من لا يخضع له، بل يحبه ليتوسل به إلى محبوب آخر، وبخلاف من يخضع لمن لا يحبه كما يخضع للظالم، فإن كلًا من هذين ليس عبادة محضة)، فتبين من هذا: أن إفراد الله بالمحبة أصل العبادة، وهذا يستلزم أن يكون الحب كله لله ولأجله وفيه. وشرط صحة المحبة: المتابعة التي لابد فيها من الصدق والإخلاص. فإن لم تتحقق المتابعة يكون مدعي المحبة كاذبًا في دعواه.
أي هذه الأنواع من العبادات يدخلها الشرك؟
العبادة مفهومها واسع جدًا في الإسلام - كما سبق بيانه ـ، فهي تشتمل بمفهومها الواسع على الدين كله وعلى الحياة كلها، كما تشمل كيان الإنسان
[ ١ / ١٥٦ ]
كله، فهو صرف شيء منها لغير الله يكون شركًا بالله في العبادة؟
الأمر فيه تفصيل، والذي يظهر من خلال استقراء أقوال السلف أنهم إنما يدخلون في الشرك من هذه الأمور ما يخالف توحيد العبادة، ولم يريدوا إلا ما هي عبادة بنفسها. ومعلوم أن العبادة متعلقة باللسان والقلب والجوارح، فالشرك في العبادة أيضًا يكون في هذه الأشياء الثلاثة، فقد يكون الشرك في الأعمال القلبية، وقد يكون بالأعمال والجوارح، وقد يكون بالألفاظ والأقوال، وقد يجتمع بعضها مع بعض، ولهذا قسم ابن القيم هذا النوع من الشرك ثلاثة أقسام، فقال: (ويتبع هذا الشرك [الشرك في العبادة] الشرك به سبحانه في الأفعال والأقوال والإرادات والنيات.
فالشرك في الأفعال: كالسجود لغيره، والطواف بغير بيته، وحلق الرأس عبودية وخضوعًا لغيره، وتقبيل الأحجار غير الحجر الأسود وتقبيل القبور واستلامها والسجود لها
والشرك به في الألفاظ: كالحلف بغيره، وقول القائل للمخلوق: ما شاء الله وشئت، أما متوكل على الله وعليك، وأنا في حسب الله وحسبك، وما لي إلا الله وأنت، وهذا من الله ومنك، وهذا من بركات الله وبركاتك، والله لي
[ ١ / ١٥٧ ]
في السماء وأنت لي في الأرض، أو يقول: والله وحياة فلان، أو يقول: نذر الله وفلان، أو أنا تائب لله ولفلان، أو أرجو الله وفلانًا، ونحو ذلك.
وأما الشرك في الإرادات والنيات: فهو أن يريد بعمله غير وجه الله، أو نوى شيئًا غير التقرب إليه وطلب الجزاء منه، وهذا هو الشرك الذي له تعلق بأفعال القلوب.
وبهذا عرفنا أقسام شرك العبادة باعتبار أقسام العبادة، فالعبادة تكون بالقلب، وتكون بالقلب والجوارح معًا، وربما تكون باللسان كما تكون بالجوارح، فيكون الشرك أيضًا بالقلب واللسان والجوارح.
أما شرك القلوب: فمنه ما هو اعتقادي فقط: وهو الشرك في الربوبية، كما أسلفنا، وربما يتعلق به بعض أنواع الشرك في العبادة، إذا رأى أحد أن بعض الخلق له شركة في استحقاق أنواع العبادة، أو أن هناك من له منزلة كريمة إذا رضي عليه يحصل له مطلبه، كمن يرى الشفاعة مثلًا حقًا لأحد مستقلًا عن الله، وبغير إذنه ورضاه.
ومنه ما يتعلق بالأعمال القلبية، وهي على أوجه:
١ - الشرك في العبادات التي تتم بالقلب فقط، ومن ذلك: المحبة (محبة العبودية) لغير الله، والتوكل، والخشية، والخوف، والرجاء، والإنابة، والتوبة، والنية والإرادة والقصد، والطاعة، وغيرها.
٢ - الشرك في العبادات التي تتم بالقلب والجوارح معًا (شرك التقرب
[ ١ / ١٥٨ ]
والنسك)؛ كالصلاة، والركوع والسجود، والطواف بالبيت، وسائر أنواع العبادات البدنية كالصوم والحج، والجهاد في سبيل الله، ومن ذلك أيضًا: النذر والذبح، والزكاة التي هي من العبادات المالية.
٣ - الشرك في العبادات التي تتم بالقلب واللسان، وهي كثيرة، فمنها: الدعاء؛ سواء كان طلبًا للشفاعة أو غيرها من المطالب، وسواء كان دعاء ثناء وعبادة أو دعاء مسألة وطلب، فالدعاء كله وجله عبادة، ولهذا جاء «الدعاء هو العبادة».
ومنها الاستغاثة، فيما لا يقدر عليه إلا الله.
ومنها الاستعانة، والاستعاذة فيما لا يقدر عليه إلا الله، وغيرها.
وأما شرك اللسان: فهو كالذكر لغير الله على وجه العبادة، وكالنطق بكلمة التوحيد مع الإشراك فيه، فمن نطق بهذه الكلمة وأدخل معه غيره فقد أشرك فقه، كما كان يفعله مشركو العرب في التلبية بقولهم: ( لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك)، ويدخل في شرك اللسان شتى أنواع الأذكار المخصوصة لله إذا أريد بها غير الله، كالتحميد والاستغفار والاستجارة والشهادة ونحو ذلك.
[ ١ / ١٥٩ ]
فهذه أقسام الشرك في العبادة، وهي كما ترى إما قولية وإما عملية، وسنأتي إلى بعض التفصيلات لبعض هذه الأقسام التي يكثر وقوعها قديمًا وحديثًا في الباب الرابع بمشيئة الله.
حكم الشرك الأكبر:
من المعلوم أن هذا الشرك أعظم ما نهى الله عنه، قال تعالى: (وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا)، فقرن النهي عنه بأعظم أمر أمر به وهو عبادته، التي من أجلها خلق الخلق كما قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ).
وهو أول المحرمات كما يدل عليه قوله تعالى: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا).
فهذا الشرك الأكبر مخرج عن الملة وصاحبه حلال الدم والمال، وفي الآخرة خالد مخلد في النار، قال تعالى: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد).
وقال تعالى: (إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ).
وقال تعالى: (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ).
[ ١ / ١٦٠ ]
كما أن هذا الشرك يحبط العمل، قال تعالى: (وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، وقال تعالى: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).
كما أنه تحرم ذبيحة مرتكبه، لقوله تعالى: (وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ).
وصاحب هذا الشرك لا يرث ولا يورث، بل ماله لبيت المال، ولا يُصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، وذلك أن المشرك قد ارتكب أعظم جريمة، وأفظع ظلم، قال تعالى: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا).
وقد جاء في الحديث الذي رواه ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «من مات وهو يدعو من دون الله ندًا دخل النار»، وفي رواية عنه: «من مات يجعل لله ندًا أُدخل النار ».
وكما جاء عن جابر ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «من لقي الله لا يُشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار».
[ ١ / ١٦١ ]
وكما جاء عن ابن مسعود أيضًا قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من مات يشرك بالله شيئًا دخل النار » الحديث.
وفي حديث أبي هريرة قال: زار النبي ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال: «استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي».
وفي حديث ابن عمر قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أبي كان يصل الرحم، وكان ، فأين هو؟ قال: «في النار»، قال: فكأنه وجد من ذلك، فقال: يا رسول الله! فأين أبوك؟ فقال رسول الله ﷺ: «حيثما مررت بقبر مشرك، فبشره بالنار». قال: فأسلم الأعرابي بعدُ، وقال: لقد كلفني رسول الله ﷺ تعبًا، ما مررت بقبر كافر إلا بشرته بالنار.
وفي حديث سلمة بن يزيد الجعفي ﵁ قال: انطلقت أنا وأخي إلى رسول الله ﷺ، قال: قلنا: يا رسول الله، إن أمنا مليكة كانت تصل الرحم وتقري الضيف وتفعل وتفعل، هلكت في الجاهلية فهل ذلك نافعها شيئًا؟ قال: «لا».
[ ١ / ١٦٢ ]
وفي حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «الدواوين عند الله ﷿ ثلاثة: ديوان لا يعبأ الله به شيئًا، وديوان لا يترك الله منه شيئًا، وديوان لا يغفره الله، فأما الديوان الذي لا يغفره الله فالشرك بالله، قال الله ﷿: (مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ) ».
ومثله ما روت عائشة عن النبي ﷺ قالت: قلت: يا رسول الله، ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المساكين، فهل ذلك نافعه؟ قال: «لا يا عائشة، إنه لم يقل يومًا: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين».
والأحاديث في هذا الباب كثيرة، نكتفي منها بهذا القدر.
وأما الإجماع: فقد نقل غير واحد من العلماء إجماع الأمة على أن المشرك يخلد في النار.
وأما أقوال السلف في ذلك: فهي كثيرة، منها:
أ- قال الإمام أحمد بن حنبل: (ويخرج الرجل من الإيمان إلى
[ ١ / ١٦٣ ]
الإسلام، ولا يخرجه من الإسلام إلا الشرك بالله العظيم، أو يرد فريضة من فرائض الله ﷿ جاحدًا بها ).
ب- قد عقد الإمام البخاري لذلك بابًا في صحيحه، فقال: (باب المعاصي من أمر الجاهلية، ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا الشرك).
ج- وقال العلامة ابن جرير ﵀ حول قوله تعالى: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ): (ومعنى الكلام: ولقد أوحي إليك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين، وإلى الذين من قبلك، بمعنى وإلى الذين من قبلك من الرسل من ذلك، مثل الذي أوحي إليك منه، فاحذر أن تشرك بالله شيئًا فتهلك، ومعنى قوله: لتكونن من الهالكين بالإشراك بالله إن أشركت به شيئًا).
د- قال القرطبي: تعليقًا على حديث: «من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار»: إن مات على الشرك لا يدخل الجنة ولا يناله من الله رحمة ويخلد في النار أبد الآباد، من غير انقطاع عذاب، ولا تصرم آماد.
[ ١ / ١٦٤ ]
هـ - قال النووي: (أما دخول المشرك النار فهو على عمومه، فيدخلها ويخلد فيها، ولا فرق فيه بين الكتابي - اليهودي والنصراني ـ، وبين عبدة الأوثان وسائر الكفرة، ولا بين من خالف ملة الإسلام وبين من انتسب إليها ثم حكم بكفره بجحده ما يكفر بجحده وغير ذلك).
و- ويقول شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية: (ومن أعظم الاعتداء والعدوان والذل والهوان أن يدعى غير الله، فإن ذلك من الشرك، والله لا يغفر أن يشرك به، وإن الشرك لظلم عظيم ).
ز- قال ابن كثير: (أخبر - تعالى - أنه لا يغفر أن يُشرك به، أي: لا يغفر من لقيه وهو مشرك به، ويغفر ما دون ذلك أي: من الذنوب لمن يشاء من عباده).
ح- قال ابن القيم: (ولما كان الشرك أعظم الدواوين الثلاثة عند الله ﷿ حرم الجنة على أهله فلا تدخل الجنة نفس مشركة، وإنما يدخلها أهل التوحيد ).
ط- وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀: (أن من لقيه لا يشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار، ولو كان من أعبد
[ ١ / ١٦٥ ]
الناس).
ي- وقال أحمد بن حجر آل بوطامي الشافعي ﵀: (الشرك نوعان: أكبر وأصغر، فمن خلص منهما وجبت له الجنة، ومن مات على الأكبر وجبت له النار).
أما الشرك الأصغر:
فقد جاء في تعريفه عبارات عدة، منها:
١ - (أنه كل وسيلة وذريعة يتطرق بها إلى الأكبر).
وينتقض هذا التعريف بأنه غير مانع؛ إذ أن هذا التعريف يصدق على الكبائر من الذنوب.
٢ - (هو جميع الأقوال والأفعال التي يتوسل بها إلى الشرك كالغلو في المخلوق الذي لا يبلغ رتبة العبادة؛ كالحلف بغير الله ويسير الرياء ونحو ذلك).
وهذا التعريف أيضًا غير جامع ولا مانع؛ إذ إنه يصدق على كبائر الذنوب، ثم ليس كل ما يتوسل به إلى الشرك يُعد من الشرك الأصغر، كالتوسل إلى الله بذوات الصالحين ونحو ذلك.
٣ - (هو كل ما نهى عنه الشرع مما هو ذريعة إلى الشرك الأكبر ووسيلة للوقوع فيه وجاء في النصوص تسميته شركًا).
[ ١ / ١٦٦ ]
فيه ما سبق من الاعتراضات، ثم ليس كل شرك أصغر جاء في النصوص تسميته شركًا، فهناك أفراد من الشرك الأصغر لم يأت تسميتها في النصوص شركًا.
٤ - (هو تسوية غير الله بالله في هيئة العمل، أو أقوال اللسان، فالشرك في هيئة العمل هو الرياء، والشرك في أقوال اللسان: هو الألفاظ التي فيها معنى التسوية بين الله وغيره، كقوله: ما شاء الله وشئت، وقوله: عبد الحارث ونحو ذلك).
٥ - (هو مراعاة غير الله تعالى معه في بعض الأمور).
٦ - لا يعرّف، وإنما يذكر بالأمثلة.
وهذا الأخير هو ما أرتضيه؛ لأن تعريف مثل هذا النوع من الشرك غير منضبط لكثرة أفراده وتنوعه.
مصدر تسمية هذا النوع من الشرك بالشرك الأصغر:
جاءت نصوص الشرع بتسميته شركًا أصغر، ومما يدل عليه الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن محمود بن لبيد: أن رسول الله ﷺ قال: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر»، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: «الرياء، يقول الله تعالى يوم القيامة، إذا جازى الناس بأعمالهم:
[ ١ / ١٦٧ ]
اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء».
فثبتت هذه التسمية بنص الحديث.
وهكذا تثبت هذه التسمية في لسان الصحابة، ومن ذلك ما رواه شداد بن أوس، قال: (كنا نعد الرياء على عهد رسول الله ﷺ الشرك الأصغر).
أنواع الشرك الأصغر:
تنوعت الأقوال في بيان أنواع الشرك الأصغر.
فمنهم من قال: (هو نوعان: ظاهر، وخفي.
فالظاهر: يكون بعمل رياء، كالتصنع لغير الله بعمل في ظاهره أنه لله، وفي باطنه عدم الإخلاص لله به، ويكون باللفظ كالحلف بغير الله
والخفي: ما بنتابه الإنسان في أقواله وأعماله في بعض الفترات من غير أن يعلم أنه شرك).
ويدل عليه قوله ﷺ: «الشرك في أمتي أخفى من دبيب النمل على الصفا».
[ ١ / ١٦٨ ]
ولكن هذا القول فيه نظر، فإن ما ينتابه الإنسان في أقواله أو أعماله في بعض الفترات من غير أن يعلم أنه شرك ليس بشرك أصغر فقط، بل قد يدخل في الشرك الأكبر أيضًا، كما سيأتي في بيان المراد بالشرك الخفي.
ومنهم من قال: إنه على نوعين:
أ- الشرك في النيات والمقاصد؛ ويدخل فيه:
١ - الرياء.
٢ - إرادة الإنسان بعمله الدنيا.
ب- الشرك في الألفاظ؛ ويدخل فيه:
١ - الحلف بغير الله.
٢ - قول القائل: ما شاء الله وشئت، ولولا الله وأنت، ونحوهما.
٣ - إسناد بعض الحوادث إلى غير الله ﷿ واعتقاد تأثيره فيها، مثل أن يقول: لولا وجود فلان لحصل كذا، ولولا الكلب لدخل اللص.
٤ - قول بعضهم: مطرنا بنوء كذا وكذا، إن كان جرى على لسانه من غير قصد.
ولعل من أحسن ما يقال في بيان أنواع الشرك الأصغر ما يلي:
إن له أنواعًا كثيرة، ويمكن حصرها بما يأتي:
أولًا: قولي: وهو ما كان باللسان، ويدخل فيه ما يأتي:
١ - الحلف بغير الله، على تفصيل في ذلك.
٢ - قول: (ما شئت الله وشئت)، أو: أنا متوكل على الله وعليك، وأنا في حسب الله وحسبك، ومالي إلا الله وأنت، وهذا من الله ومنك، وهذا من بركات الله وبركاتك، والله لي في السماء وأنت لي في الأرض، أو يقول: والله
[ ١ / ١٦٩ ]
وحياة فلان، أو يقول: نذر الله ولفلان، أو أنا تائب لله ولفلان، أو أرجو الله وفلانًا ونحو ذلك.
ولعل الضابط في هذا أن يكون الشيء مما يختص بالله جل وعلا، فيعطف عليه غيره سبحانه لا على سبيل المشاركة وإنما بمجرد التسوية في اللفظ، وأما إن كان يعتقد المشاركة فهذا يدخل تحت الشرك الأكبر.
٣ - وقوله: (قاضي القضاة).
٤ - وهكذا: التعبيد لغير الله، كعبد النبي وعبد الرسول (إذا لم يقصد به حقيقة العبودية).
٥ - وإسناد بعض الحوادث إلى غير الله ﷿، مثل أن يقول: لولا وجود فلان لحصل كذا، ولولا الكلب لدخل اللص، وقول الرجل: لولا الله وفلان، ولولا تجعل فيها فلانًا، ولولا البط في الدار لأتانا اللصوص ، وأعوذ بالله وبك.
٦ - قول بعضهم: مطرنا بنوء كذا وكذا، (على طريق غير الحقيقة).
ولعل الضابط في هذا: (الاعتماد على سبب لم يجعله الشرع سببًا).
ثانيًا: فعلي: وهو ما كان بأعمال الجوارح، ويدخل فيه ما يأتي:
[ ١ / ١٧٠ ]
١ - التطير، (إذا لم يعتقد القدرة في المتطيَّر به).
٢ - إتيان الكهان وتصديقهم، (إذا لم يعتقد وجود علم الغيب لديهم).
٣ - والاستعانة على كشف السارق ونحوه بالعرافين، (إذا لم تصاحبه اعتقاد علمهم الغيب).
٤ - تصديق المنجمين والرمالين وغيرهم من المشعوذين، (إذا لم يصاحبه اعتقاد علمهم بالغيب).
٥ - ولبس الحلقة والتطير ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه، (إذا لم يعتقد تأثيرها بذاتها).
ثالثًا: قلبي: ويدخل فيه ما يلي:
١ - الرياء، (إذا كان يسيرًا)، ولا يخلو من:
أ- أن يكون الرياء بالأعمال: كمن يصلي فيطيل القيام ويطيل الركوع والسجود ويظهر الخشوع عند رؤية الناس له، ويصوم فيظهر للناس أنه صائم، فيقول مثلًا مخاطبًا غيره: اليوم يوم الاثنين والخميس ألا تعلم؟ ألست بصائم؟ أو يقول له: أدعوك اليوم لتفطر معي، وكذلك في الحج والجهاد فيذهب إليهما ومقصده المراءاة بهما، وكالمراءاة بالصدقة ونحوها.
ب- أو يكون الرياء من جهة القول: كالرياء بالوعظ والتذكير وحفظ الأخبار والآثار لأجل المحاورة وإظهار غزارة العلم، وتحريك الشفتين بالذكر في محضر الناس، وإظهار الغضب للمنكرات بين الناس، وخفض الصوت وترقيقه بقراءة القرآن ليدل بذلك على الخوف والحزن ونحو ذلك، إذا فعل ذلك بقصد الرياء، ومن ذلك أيضًا: تحريك الشفتين بالذكر في محضر الناس ويتغافل عنه في منزله.
[ ١ / ١٧١ ]
ج- أو يكون الرياء من جهة الزي: كإبقاء أثر السجود على جبهته، ولبس الغليظ من الثياب وخشنها مع تشميرها كثيرًا ليقال: عابد زاهد، أو ارتداء نوع معين من الزي ترتديه طائفة يعدهم الناس علماء ليقال: عالم.
د- أو يكون الرياء بالأصحاب والزائرين: كالذي يتكلف أن يستزير عالمًا أو عابدًا ليقال: إن فلانًا قد زار فلانًا، ودعوة الناس لزيارته كي يقال: إن أهل الخير يترددون عليه، وكذلك من يرائي بكثرة الشيوخ ليقال: لقي فلان شيوخًا كثيرين واستفاد منهم فيباهي بذلك.
هـ - أو يكون الرياء لأهل الدنيا: كمن يتبختر ويختال في مشيه، وتحريك يديه وتقريب خطاه، أو يأخذ بطرف ثوبه، أو يصعر خده، أو يلف عباءته، أو يحرك سيارته حركة خاصة.
و- أن يكون الرياء من جهة البدن: كأن يرائي بإظهار النحول والصفار ليوهم الناس أنه جاد في العبادة كثير الخوف والحزن، أو يرائي بتشعيث الشعر ليظهر أنه مستغرق في هم الدين لا يتفرغ لتسريح شعره، أو يرائي بحلق الشارب واستئصال الشعر ليظهر بذلك تتبع زي العباد والنساك، أو يرائي بخفض الصوت وإغارة العينين وذبول الشفتين ليدلك على أنه مواظب للصوم.
هذه مجامع ما يرائي به المراؤون - غالبًا - يطلبون بذلك الجاه والمنزلة في قلوب العباد.
٢ - إرادة الإنسان بعمله الدنيا:
[ ١ / ١٧٢ ]
المراد به: أن يعمل الإنسان أعمالًا صالحة يريد بها الدنيا، إما لقصد المال أو الجاه، كالذي يجاهد أو يتعلم ليأخذ مالًا، أو ليحتل منصبًا، أو يتعلم القرآن، أو يواظب على الصلاة لأجل وظيفة المسجد، أو نحو ذلك من الأعمال الصالحة، لكن نيته الحصول على مصالح دنيوية لا طلب مرضاة الله.
والفرق بينه وبين الرياء:
أن المرائي إنما يعمل لأجل المدح والثناء، والمريد بعمله الدنيا يعمل لدنيا يصيبها كالمال أو المنصب.
فهذه أنواع الشرك الأصغر قد تكون هذه الأنواع في خصائص الربوبية، وقد يكون في خصائص الألوهية، كما أن كل قسم من أنواع الشرك الأصغر يحتمل أن ينقلب إلى شرك أكبر، وذلك من وجهين:
١ - إذا صحبه اعتقاد قلبي، وهو تعظيم غير الله كتعظيمه. كالحلف بغير الله معظِّمًا له كتعظيم الله.
٢ - أو كان في أصل الإيمان، أو كثر حتى يغلب على العبد؛ كالمراءاة بأصل الإيمان، أو يغلب الرياء على أعماله، أو يغلب عليها إرادة الدنيا بحيث لا يريد بها وجه الله.
فهذه أنواع الشرك الأصغر على الإجمال.
حكم الشرك الأصغر:
أنه محرم، بل هو أكبر الكبائر بعد الشرك الأكبر، لكنه لا يخرج من ارتكبه عن ملة الإسلام.
[ ١ / ١٧٣ ]
ولذا ورد التحذير منه في الكتاب والسنة.
فمن الكتاب: قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا).
فإن عموم الآية تشمل الشرك الأكبر والأصغر.
وقوله تعالى: (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ).
الآية في الشرك الأكبر، إلا أن بعض السلف كابن عباس ﵄ كانوا يحتجون بها في الأصغر؛ لأن الكل شرك.
وقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ).
قال مجاهد: هم أهل الرياء. ومعلوم أن الرياء هو رأس الشرك الأصغر.
ومن السنة: قوله تعالى في الحديث القدسي: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه»، وقوله ﵇: «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر» الحديث.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ
[ ١ / ١٧٤ ]
ونحن نتذاكر المسيح الدجال، فقال: «ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قال: فقلنا: بلى يا رسول الله، قال: «الشرك الخفي » الحديث.
أما كونه أكبر الكبائر بعد الشرك الأكبر، فلما قال عبد الله بن مسعود ﵁: (لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إليّ من أن أحلف بغيره صادقًا).
ووجه الاستدلال: أن الحلف بالله كاذبًا كبيرة من الكبائر، لكن الشرك أكبر من الكبائر وإن كان أصغر، وإلا لما أقدم عبد الله بن مسعود ﵁ لأن يقول مثل هذا القول الذي فيه إقدام على ارتكاب الكبائر، والله أعلم.
ولأن الحلف بالله توحيد، والحلف بغيره شرك، وإن قدر الصدق في الحلف بغير الله فحسنة التوحيد أعظم من حسنة الصدق، وسيئة الكذب أسهل من سيئة الشرك، ففيه دليل على أن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر.
ثم (إن هذا النوع من الشرك - الشرك الأصغر - يبطل ثواب العمل، وقد يعاقب عليه إذا كان العمل واجبًا، فإنه ينزِّله منزلة من لم يعمله، فيعاقب على ترك امتثال الأمر).
ثم إنه قد يكون وسيلة تؤدي بصاحبه إلى الشرك الأكبر.
[ ١ / ١٧٥ ]
أما حكم مرتكبه:
فقد اتفقوا على أن مرتكب الشرك الأصغر غير خارج من الملة، وأنه لا يُخَلَّد في النار، ولكن هل يكون تحت المشيئة إن لم يتب كما هو حال أصحاب الكبائر الآخرين لقوله تعالى: (إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)، أو يكون تحت الوعيد بأن لا يُغفر له إذا لم يتب، لأنه قد أطلق عليه بأنه أشرك؟ اختلفوا فيه على قولين:
القول الأول: أنه تحت المشيئة، وإليه ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما يظهر ميل الإمام ابن القيم إليه في الجواب الكافي.
القول الثاني: أنه تحت الوعيد، وهو الذي مال إليه بعض أهل العلم.
الفروق بين نوعي الشرك الأكبر والأصغر:
هناك فروق بين الشرك الأكبر والأصغر، منها:
١ - أن الأكبر لا يغفر الله لصاحبه إلا بالتوبة، وأما الأصغر فقد اختلفت فيه فقيل: إنه تحت المشيئة. وقيل: إن صاحبه إذا مات فلابد أن يعذبه الله عليه، لكن لا يخلد في النار.
٢ - الأكبر محبط لجميع الأعمال، وأما الأصغر فلا يحبط إلا العمل الذي
[ ١ / ١٧٦ ]
قارنه (على القول الراجح).
٣ - أن الأكبر مخرج عن الملة الإسلامية، وأما الأصغر فلا يخرج منها، ولذا فمن أحكامه: أن يعامل معاملة المسلمين؛ فيناكح، وتؤكل ذبيحته ويرث ويورث، ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين.
٤ - أن الشرك الأكبر صاحبه خالد مخلد في النار، وأما الأصغر فلا يخلد في النار وإن دخلها كسائر مرتكبي الكبائر.
٥ - أن الشرك الأكبر يحل الأنفس والأموال، بعكس الشرك الأصغر، فإن صاحبه مسلم مؤمن ناقص الإيمان، فاسق من حيث الحكم الديني.
ويجتمعان في:
استحقاق صاحبهما الوعيد، وأنهما من أكبر الكبائر من الذنوب.
ما هو الشرك الخفي؟ وهل هو من الشرك الأكبر أو من الأصغر؟
تعريف الشرك الخفي: سبق معنا في تعريف الشرك الأصغر بأن الشرك الخفي أحد نوعي الشرك الأصغر عند بعض العلماء، وبناء على ذلك عرفوه بقولهم: ما ينتابه الإنسان في أقواله أو أعماله في بعض الفترات من غير أن يعلم أنه شرك.
وقيل: هو ما خفي من حقائق إرادة القلوب، وأقوال اللسان مما فيه تسوية
[ ١ / ١٧٧ ]
بين الله وخلقه.
هذا النوع من الشرك مما ذكره الرسول ﷺ وخافه علينا، وحذرنا منه.
يدل عليه ما روي عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «الشرك في أُمَّتي أخفى من دبيب النمل».
وفي رواية لأبي بكر ﵁ أن النبي ﷺ لما قال: «الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل» قال: قلنا: يا رسول الله! وهل الشرك إلا ما عُبد من دون الله أو دعي مع الله؟ قال: «ثكلتك أمك يا صديق، الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل، ألا أخبرك بقول يذهب صغاره وكباره - أو صغيره وكبيره؟ ـ» قلت: بلى يا رسول الله، قال: «تقول كل يوم ثلاث مرات: اللهم إني أعوذ بك أن أُشرك بك شيئًا وأنا أعلمه وأستغفرك لما لا أعلم، والشرك أن تقول: أعطاني الله وفلان، والند: أن يقول الإنسان: لولا فلان قتلني فلان».
وفي رواية عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نتذاكر المسيح الدجال، فقال: «ألا أخبركم بما هو
[ ١ / ١٧٨ ]
أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟» قال: قلنا: بلى، قال: «الشرك الخفي: أن يقوم الرجل يصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر الرجل».
فهذه نصوص الشرع تدل على أنه هناك نوعًا آخر من الشرك يسمى بالخفي، فهل هذا يدخل تحت أحد نوعي الشرك أم هو نوع مستقل بذاته؟ اختلفوا فيه.
فقيل: يمكن أن يجعل الشرك الخفي نوعًا من الشرك الأصغر، فيكون الشرك حينئذ نوعين: شرك أكبر، ويكون في عقائد القلوب، وشرك أصغر: ويكون في هيئة الأفعال وأقوال اللسان، والإرادات الخفية، وإلى هذا القول مال بعض المعاصرين.
ولكن الظاهر من النصوص المذكورة: أن الشرك الخفي قد يكون من الشرك الأكبر، وقد يكون من الشرك الأصغر، وليس له وصف منضبط، بل دائمًا يتردد بين أن يكون من الشرك الأكبر، أو الشرك الأصغر، بل هو كل ما خفي من أنواع الشرك. وهذا هو الراجح عندي.
وعليه: فيجب الحذر منه لكثر الاشتباه فيه، فربما يظن في أمر من الأمور أنه من الشرك الأصغر وهو في واقع الأمر من الشرك الأكبر وهكذا العكس، وذلك لخفاء مأخذه، ودقة أمره، وصعوبة معرفته، فيكون مجالة الأمر
[ ١ / ١٧٩ ]
المشتبه الذي لا يعرفه إلا الحذاق من أهل العلم، وإن كان قد يخفى على غيرهم ممن لم يكمل نظره، وضعف فهمه في أدلة الكتاب والسنة.
[ ١ / ١٨٠ ]
المسألة الثالثة
هل الأصل في الإنسان التوحيد أو الشرك؟
هذا السؤال يتطلب جوابه أن نرجع إلى أصل الإنسان، فالذين يقولون: إن أصل الإنسان أنهم خلقوا من نفس واحدة، كما قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)، قالوا: إنهم خلقوا من آدم، وعليه اتفاق جميع الأديان السماوية، وعليه اتفقت كلمة أصحاب الملل - اليهود والنصارى والمسلمون - إلا من شذ منهم واتبع الملاحدة في أقوالهم، وآرائهم، فجميع أصحاب الأديان السماوية يقولون: إن الأصل في الإنسان هو التوحيد، والشرك طارئ عليهم.
ويستدل عليه من وجوه:
أولًا: أن الإنسان الأول هو آدم ﵇ كان نبيًا يعبد الله وحده لا شريك له، وعلم أبناءه التوحيد؛ حيث سئل النبي ﷺ عن آدم: أنبي هو؟ قال: «نعم، نبي مكلم خلقه الله بيده ثم نفخ فيه روحه ». ثم وقع بنو آدم في الشرك بعده بأزمان - وهذا يقر ويقول به كل من يؤمن بأن الله هو الخالق، وكل من يؤمن بالأديان السماوية الثلاث؛ الإسلامية والنصرانية واليهودية،
[ ١ / ١٨١ ]
إلا من تابع قول الملحدين منهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (ولم يكن الشرك أصلًا في الآدميين، بل كان آدم ومن كان على دينه من بنيه على التوحيد لله، لاتباعهم النبوة فإن آدم أمرهم بما أمره الله به، حيث قال له: (فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والذين كفروا باياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) ، فهذا الكلام الذي خاطب الله به آدم وغيره لما أهبطهم قد تضمن أنه أوجب عليهم اتباع هداه المنزَّل).
ثانيًا: بيَّن الله سبحانه أن البشرية كانت في أول أمرها على التوحيد، ثم طرأ عليها الشرك وتعدد الآلهة، لقوله تعالى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ).
وجمهور المفسرين يقولون بأن الناس كانوا أمة واحدة على الهدى والتوحيد، فظهر فيهم الشرك عن طريق تعظيم الموتى، فبعث الله إليهم رسله ليردوهم إلى التوحيد. قال الطبري: (وأولى التأويلات في هذه الآية بالصواب أن يقال: إن الله ﷿ أخبر عباده أن الناس كانوا أمة واحدة على دين واحد وملة واحدة، وقد يجوز أن يكون ذلك الوقت الذي كانوا فيه أمة واحدة في عهد آدم إلى عهد نوح ﵉ كما روى عكرمة عن ابن عباس، وكما قاله قتادة).
[ ١ / ١٨٢ ]
ويؤيده ما جاء في قراءة أبيّ بن كعب، وعبد الله بن مسعود ﵄ (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ ) الآية.
كما يؤيده قوله تعالى: (وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا).
وهو الذي رجحه ابن كثير معللًا بقوله: (لأن الناس كانوا على ملة آدم حتى عبدوا الأصنام - فبعث الله إليهم نوحًا ﵇ فكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض)، ويقول: (ثم أخبر الله أن هذا الشرك حادث في الناس كائن بعد أن لم يكن، وأن الناس كلهم كانوا على دين واحد وهو الإسلام).
ثالثًا: أخبر الله ﷾ في كتابه أن الفطرة التي فطرت عليها البشرية كلها هي فطرة الإسلام التي هي التوحيد الخالص، قال تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ).
وقال تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا
[ ١ / ١٨٣ ]
غَافِلِينَ).
فهاتان الآيتان تبينان أن العباد كلهم مفطورون على التوحيد وأنه الأصل في بني آدم، وقد فسر مجاهد الفطرة بأنها الإسلام.
رابعًا: بيَّن الله في كتابه: أن التوحيد هو أصل دعوة الرسل وإليه دعوا أقوامهم، قال تعالى: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه)، وقال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ)، وقال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ)، وقال تعالى: (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ). وكل رسول افتتح دعوته لأمته بالدعوة إلى عبادة الله، فقال: (اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (إن الناس كانوا بعد آدم ﵇ وقبل نوح ﵇ على التوحيد والإخلاص كما كان أبوهم آدم أبو البشر ﵇، حتى ابتدعوا الشرك وعبادة الأوثان بدعة من تلقاء أنفسهم لم ينزل الله بها كتابًا ولا أرسل به رسولًا، بشبهات زينها الشيطان من جهة
[ ١ / ١٨٤ ]
المقاييس الفاسدة والفلسفة الحائدة، قوم منهم زعموا أن التماثيل طلاسم الكواكب السماوية والدرجات الفلكية والأرواح العلوية، وقوم اتخذوها على صورة من كان فيهم من الأنبياء والصالحين، وقوم جعلوها لأجل الأرواح السفلية من الجن والشياطين، وقوم على مذاهب أخرى، فابتعث الله نبيه نوحًا ﵇ يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له وينهاهم عن عبادة ما سواه وجاءت الرسل بعده تترى، إلى أن عم الأرض دين الصابئة والمشركين كما كانت النماردة والفراعنة، فبعث الله تعالى إليهم إمام الحنفاء وأساس الملة الخالصة والكلمة الباقية إبراهيم خليل الرحمن فدعا الخلق من الشرك إلى الإخلاص ونهاهم عن عبادة الكواكب والأصنام»، فجعل الأنبياء والمرسلين من أهل بيته، وبعث الله بعده أنبياء من بني إسرائيل ثم بعث الله عيسى المسيح بن مريم ).
خامسًا: ويدل عليه ما روى ابن جرير بسنده عن ابن عباس ﵄ قال: «كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين».
وقد قال قتادة: «ذكر لنا أنه كان بين آدم ونوح ﵉ عشرة قرون
[ ١ / ١٨٥ ]
كلهم على الهدى وعلى شريعة من الحق، ثم اختلفوا بعد ذلك، فبعث الله ﷿ نوحًا، وكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض».
سادسًا: ما رواه عياض بن حمار: أن رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه ﷿ قال: «إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا».
سابعًا: ما رواه أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيما من جدعاء؟»، ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا).
[ ١ / ١٨٦ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الحديث: (فالصواب أنها فطرة الإسلام وهي الفطرة التي فطرهم عليها يوم قال: (ألست بربكم قالوا بلى)، وهي السلامة من الاعتقادات الباطلة والقبول للعقائد الصحيحة وقد ضرب رسول الله ﷺ مثل ذلك فقال: «كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟» بيَّن أن سلامة القلب من النقص كسلامة البدن، وأن العيب حدث طارئ).
وقال ابن القيم: (فجمع ﵊ بين الأمرين؛ تغيير الفطرة بالتهويد والتنصير، وتغيير الخلقة بالجدع، وهما الأمران اللذان أخبر إبليس أنه لابد أن يغيرهما، فغيَّر فطرة الله بالكفر وهو تغيير الخلقة التي خلقوا عليها، وغير الصورة بالجدع والبتك، فغير الفطرة إلى الشرك، والخلقة إلى البتك والقطع، فهذا تغيير خلقة الروح، وهذا تغيير خلقة الصورة).
ويقول كذلك: (فالقلوب مفطورة على حب إلهها وفاطرها وتأليهه، فصرف ذلك التأله والمحبة إلى غيره تغيير للفطرة).
ومن هذا يتبين لنا أن الشرك لم يكن أصلًا في بني آدم، بل كان آدم ومن جاء بعده من ذريته على التوحيد إلى أن وقع الشرك.
فإن هذه الأدلة تنص على أن بني آدم عبدوا الله فترة من الزمن، وهي عشرة
[ ١ / ١٨٧ ]
قرون كما يذكره ابن عباس ﵄، ثم انحرف من انحرف عن هذا المنهج القويم، فبعث الله إليهم الرسل ليردوهم إلى التوحيد.
وهناك رواية أخرى تبين لنا كيف بدأ وقوع بني آدم في الشرك، فقد أخرج البخاري بسنده عن ابن عباس ﵄ أنه قال في معنى قول الله ﷿: (وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا)، قال: «هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسوا إليها أنصابًا وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت».
فهذا كان مبدأ وقوع بني آدم في الشرك وانحرافهم عن توحيد الله ﷿.
أما الذين يقولون: إن أصل الإنسان ليس هو نفسًا واحدة بل الإنسان على هذه الصورة الموجودة نتيجة التطور والارتقاء، اختلفوا في ذلك اختلافًا شديدًا، وصدق فيهم قول الله ﷿: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا).
[ ١ / ١٨٨ ]
فقالوا: إن أصل الإنسان هو الشرك ثم حدث فيهم التوحيد، بل قال بعضهم: إن الإنسان ما كان يعرف عن الديانة شيئًا، وإنما الدين وجد بعد مرور الزمان والأيام، وحصول الوحشة لدى بعضهم. واختلفوا في بيان هذه الأشياء التي اضطرتهم إلى التدين، فمن أقوالهم ومذاهبهم في هذا الباب ما يلي:
١ - ما يسمى بالمذهب الطبيعي:
وقد نادى إليه (ماكس مولر) سنة: ١٨٥٦ م، و(كوهن) سنة: ١٨٥٩ م، و(شغارتز) سنة: ١٨٦٣ م، وملخصه: أن الإنسان البدائي عندما نشأ وجد نفسه ضعيفًا بين المظاهر الكونية المختلفة، كالشمس والقمر والنجوم والرياح والصواعق والأنهار وغيرها، فاعتقد أن باستطاعتها أن تنفعه أو تضره، فأخذ يتقرب إليها ويقدم لها سائر أنواع العبادات دفعًا لشرها.
ورد (جيفونس) و(دركايم) على هذا المذهب بأن الخوف لا يصلح سببًا لنشوء العقيدة؛ لأن مع مرور الزمان يألف الإنسان هذه الأشياء بتكررها على نسق واحد، ويذهب خوفه منها ويترك التقرب إليها.
وأصحاب هذا القول يرون: أن الإنسان إنما هونتيجة الطبيعة؛ حيث كان (أميبا) ثم تطور بفعل الرطوبة، حتى وصل بعد أزمان عديدة إلى صورة القرد، ثم تطور حتى أصبح ما يسمى إنسانًا، فزعموا: أن هذا الإنسان - وكان في ذلك الوقت في طور الطفولة البشرية - أخذ يبحث عن إله يعبده، فتوجه إلى عبادة الآباء والأجداد والأشجار والحيوانات الضخمة والشمس القمر، إلى غير
[ ١ / ١٨٩ ]
ذلك من الأشياء التي يستعظمها في نفسه، ثم بدأ هذا الإنسان يتطور في عقله وأحاسيسه، فبدأ يتخلى عن كثير من الآلهة التي كان يعبدها، حتى توصل في عهد الفراعنة إلى التوحيد، ولا يعني ذلك عندهم عبادة الله وحده لا شريك له، وإنما المراد: عبادة إله واحد وهو (رع) الذي يرمز له بقرص الشمس.
ولهذا قال داروين: إن الإنسان إنما هو نتيجة التغير في الناموس الوراثي، فتوصل في بحثه إلى أن الإنسان ترقى من حشرات إلى فقاريات، إلى القردة، فالإنسان.
٢ - ما يعرف بمذهب النمو:
قالوا: إن الديانة نمت كما تنمو كل مصلحة إنسانية، ويقينًا أنه لم يكن في مقدور الإنسان البدائي - بله أسلافه القردة وأسلافه من الثدييات - فكرة عن الرب والدين، فلم يستطع ذهنه وقوى فهمه أن تصبح قادرة على تصور هذه الأفكار العامة إلاّ ببطء شديد، فالدين شيء نمى مع الترابط الإنساني.
وقال بعضهم: إن الدين بدأ في صورة الخرافة والوثنية، والإنسان أخذ يترقى في دينه على مدى الأجيال حتى وصل إلى الكمال فيه بالتوحيد، كما تدرج نحو الكمال في علومه وصناعاته، حتى زعم بعضهم: أن عقيدة (الإله الأحد) عقيدة حديثة، وأنها عقلية خاصة بالجنس السامي.
٣ - ما يسمى بالمذهب الإغريقي: - وهي من فكرة السوفسطائيين ـ:
[ ١ / ١٩٠ ]
قالوا: إن الإنسان كان في أول نشأته يعيش بغير رادع من قانون ولا وازع من خلق، وأنه كان لا يخضع إلا إلى القوة الباطشة، ثم لما وضعت القوانين اختفت المظاهر العلنية من هذه الفوضى البدائية، ولكن الجرائم السرية ما برحت سائدة منتشرة، فهنالك فكر بعض العباقرة في إقناع الجماهير بأن في السماء قوة أزلية أبدية ترى كل شيء، تسمع كل شيء، وتهيمن على كل شيء! .
٤ - المذهب الروحي:
وقد نادى إليه (سبنسر وتيلور). وملخصه: أن الإنسان البدائي عندما كان يرى الأحلام فيرى أشخاصًا كانوا قد ماتوا، اعتقد ببقاء أرواح الموتى وأن لها القدرة على الإيذاء أو النفع، وكان يعلل كل ما يصيبه من أمراض بغضب هذه الأرواح عليه وخاصة أنها تمثل أرواح أسلافه، فأخذ يتقرب لها بالعبادة خوفًا من شرها وتقديسًا لآبائه وأجداده.
وقال بعضهم: إن أول ما عرفت العبادة كان بسبب أحلام منامية يراها الإنسان؛ كأن يرى قريبه الميت يأتيه في نومه ويقول له: اذهب إلى المكان الفلاني ستجد فيه كذا وكذا، فيذهب بعد يقظته إلى هذا المكان، فيجد ما أخبره به في منامه، فإذا تحقق لواحد من هؤلاء مثل هذه الرؤية أخذ يعظم قبر الميت، وصارت تعظمه جماعته كذلك، إلى أن صاروا يعبدونه، فيسألونه حوائجهم ويتضرعون إليه ويستعينون به، ويعكفون عليه.
[ ١ / ١٩١ ]
ورد (دور كايم) على هذا المذهب بأن اعتقاد الإنسان الأولى ببقاء الأرواح لا يكفي لنشوء عقيدة دينية؛ لأن عبادة الأسلاف وجدت عند الأمم المتحضرة كما وجدت عند الأمم البدائية، بجانب عبادة أشياء أخرى، بل بعض الأمم لم تعبد الأسلاف، فلا يكفي هذا لتفسير نشأة العقيدة.
٥ - المذهب الطوطمي:
قالوا في الإنسان: إنه كان في الأصل من الحيوانات المائية، التي يقدرون لها آلاف السنين الغابرة، ويطلقون عليه في هذه الفترة (الإنسان المائي)، وبعد مرور آلاف السنين أخذ هذا الحيوان المائي يخرج إلى شاطئ البحر، ويأكل الحشائش النابتة عليها ثم يرجع إلى البحر يعيش فيه كالتمساح، ويطلقون عليه هذه الفترة (الحيوان البرمائي)، ثم بعد آلاف السنين استطاع هذا الحيوان أن ينطبع بطباع البر وأن يعيش فيه طول حياته وأن يترك حياة البحر، ويطلقون عليه هذه الفترة (الإنسان البري)، إلا أنه لم يتميز عن كثير من الحيوانات البرية المعروفة، منذ ذلك الوقت صار يستعمل أنواعًا من الآلات كالحجارة ونحوها، فارتفع وارتقى عن باقي الحيوانات التي تتميز .
فهذا الإنسان الذي أصله من الحيوان - كما زعموا - عرف الدين بطريقة يسمونها (طوطمية) - أو توتمية ـ، وهي شعار تتخذه العشيرة شعارًا لوحدتها وقوتها، وتعتقد أنه جدها الأعلى ومنه تناسلت، فتقدس العشيرة هذا
[ ١ / ١٩٢ ]
التوتم ولا تسمح للنساء والغرباء بلمس هذا التوتم، وتحمله معها في الحروب للنصر، وقد يكون التوتم جمادًا أو نباتًا أو حيوانًا، وعندها يحرم أكله وقتله.
وقد رد كل من (لانج وتيلور وفوكارت وفريزر وشميث) على هذا المذهب بأن هذا التوتم لا يصلح كمبدأ للعقيدة؛ لأنه من خلال الأبحاث الكثيرة تبين أن هناك أممًا بدائية كانت تعبد مع التوتم آلهة أخرى، وربما لم تعبد التوتم إطلاقًا، وإن كان رمزًا لها.
٦ - ما يسمى بالفرويدية:
قالوا: إن سبب العبادة الأولى هو جريمة الولد بقتل الأب حسدًا وبغضًا؛ لأن الأب منع الابن أن يستمتع معه بأمه، فقتله، فندم على ذلك، وأنكر على نفسه فعلته وحرم عليها الاقتراب من نساء أبيه تنفيذًا لأوامر الميت، وعكف على قبره فأكرمه وعظمه، فلما ظهرت له شناعة جريمته تعاهد مع الآخرين على صيانة حياتهم، وحرم الواحد على نفسه قتل أخيه، وأبيه، فأصبح هذا عامة للقبائل عمومًا، وبهذا تعارف الناس على التقاليد والأديان والعبادة تدريجيًا.
ولا يخفى أن هذا من الهراء الذي لا قيمة له في العقل البشري.
هذا هو ملخص أقوال أصحاب النحل، ولكنهم جميعًا متفقون على:
أن الأديان من صنع البشر، وليست من قبل الله ﷿، وأن الأصل هو الشرك.
[ ١ / ١٩٣ ]
والعجيب أن يوافقهم على هذه الخزعبلات بعض من يسمى بالمفكرين في الإسلام كعباس محمود العقاد في كتابه (الله ﷻ)، وعبد الكريم الخطيب في كتابه (قضية الألوهية بين الفلسفة والدين)، وثريا منقوش في كتابها (التوحيد في تطوره التاريخي).
وقد زعم أصحاب هذا القول أن لهم عليه دليلين:
أولًا: القياس على الصناعة، فكما أن الإنسان قد تطور في صناعته فهو كذلك تطور في ديانته.
ثانيًا: أن الحفريات دلتهم على أن الناس وقعوا في الشرك وتعدد الآلهة، وأن الإنسان عرف التوحيد متأخرًا.
مناقشة أقوال هؤلاء الملحدين:
أ- هذه الأقوال - كما يتضح لدى القارئ - إنما هي سخافات وأحاجي فارغة ينطبق عليها المثل القائل: (إن الغريق بكل حبل يمسك)، فمن أين لهم أنهم هم أنفسهم كانوا حشرات وجراثيم فأصبحوا بشرًا؟ من جاءهم بهذا القول؟ ومن أي مصدر أخذوه؟ ومتى تم ذلك؟ وكيف اكتشفوا؟ ولماذا لا تتطور النملة فتصبح فيلًا أو الحنظل عنبًا أو تمرًا؟ !
وأيضًا: لماذا لا تتطور تلك الحيوانات التي كانت في البر قبل وصول الإنسان إليها من البحار والمياه الآسنة؟ ما الذي حال بينها وبين التطور والارتقاء ما دامت قد سكنت البر قبله؟
[ ١ / ١٩٤ ]
وأيضًا: ما الذي حال بين الإنسان وبين التطور إلى صفة أخرى أعظم من البشرية؟ لابد أن قدرة خارجة عن نطاق قوته جعلته إنسانًا لا يختلف شكله على طورا لدهور، ولا يلتبس شكله وقوامه بشكل الذرة أو البعوضة، أو الفيل، فجعلت تلك القوة الإنسان إنسانًا والحيوان الغير ناطق حيوانًا، والنخلة نخلة والذرة ذرة إلى آخر هذه المخلوقات التي تملأ الأرض. إنها سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلًا. فجعلت تلك السنة الإلهية القمر في مكانه والشمس في مكانها، والنجوم في مكانها، والأرض والجبال والبحال كلًا في مكانه، وفي فلك يسبح فيه، فالشمس التي كانت قبل ملايين السنين هي نفسها شمس اليوم، وكذلك القمر والنجوم والأرض وهيئة الكون، إنها قوة إلهية، يعجز أولئك الملاحدة أن يأتوا بدليل يقنع أحدًا سليم العقل والفطرة، وصدق الله العظيم رب الأولين والآخرين حين قال: (مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا).
ب- يرد عليهم كذلك: بأن المنهج الذي سلكه العلماء القائلون بنظرية التطور حتى توصلوا لما توصلوا إليه من نتائج تطورية، هو منهج خاطئ؛ لأن مقارنتهم كانت لا تفرق بين الدين الصحيح والخرافات الأسطورية الهمجية التي كانت منتشرة عند الشعوب القديمة عن الأرواح والأحلام وما إلى ذلك، فجعلوا عقيدة التوحيد على قدم المساواة بالعقائد الأخرى الباطلة، فهم لا يفرقون بين اليهودية والنصرانية والصابئية، والمجوسية والبوذية والهندوكية، وسائر أنواع الشرك من جهة، وبين الإسلام من جهة أخرى.
ج- ونرد عليهم كذلك: بأن بحوثهم قامت على افتراضات وتخمينات
[ ١ / ١٩٥ ]
بسبب أنهم بحثوا في أمم مر عليها آلاف السنين، وهي تعتبر في عالم الغيب الذي لا مصدر صحيح لمعرفته إلا بالوحي، ولذلك جاءت أبحاثهم مناقضة للبحث العلمي والمنهج العلمي الصحيح؛ لأنهم بحثوا فيما لا يستطيع العقل أن يبحث فيه، وكانت أقوالهم رجمًا بالغيب؛ ليأتوا بما يوافق أهواءهم من النتائج.
د- وأما ردنا على هذه النظرية من أبحاث العلماء القائلين بنظرية أصالة التوحيد المنكرين لنظرية التطور، فنقول:
انقسم علماء الأجناس ومقارنة الأديان إلى فريقين:
١ - فريق قال بنظرية التطور، وقد سبق ذكرها.
٢ - وفريق آخر من العلماء قال بنظرية معاكسة تمامًا للنظرية الأولى، ومن أمثال هؤلاء العلماء: لانج، وشريدر، وفريزر شميدث، وبتاتزوني، وفوكارت، فقد توصل هؤلاء العلماء من خلال أبحاثهم التي قاموا بها إلى أن الأصل هو التوحيد وليس الشرك، وسموا نظريتهم: (نظرية فطرية التوحيد وأصالته)، وقد انتصر لهذه النظرية فريق كبير من العلماء وأيدوها بما توصلوا إليه من اكتشافات وحفريات قديمة تدل على أن هناك أممًا عريقة في القوم لم تكن تعرف تعدد الآلهة، وكانت تؤمن بالإله الواحد. وبنوا عليه أن عقيدة الوحدانية هي أقدم ديانة عرفها البشر، وأن التعدد والوثنية طارئة ومتطفلة على عقيدة التوحيد.
[ ١ / ١٩٦ ]
وأما ما تمسك به أولئك الخارجون عن الحق بتقدم الصناعات على تقدم الديانات فلا شك أن هذا في الواقع قياس فاسد واستدلال باطل، وقياس مع الفارق؛ لعدة أمور:
أولًا: أن الصناعات من الأشياء المادية، والأديان من الأشياء المعنوية، فكيف يقاس معنوي غير محسوس على شيء مادي محسوس؟ ! فهو كمن يقيس الهواء على الماء.
ثانيًا: أن الصناعات تقوم على التجربة والملاحظة، وتظهر النتائج بعد استكمال مقوماتها، بخلاف الدين الذي لا يقوم على ذلك ولا تظهر نتائجه في هذه الحياة الدنيا.
ثالثًا: يلزم من هذا القياس شيئان:
١ - أن يكون الإنسان في هذا الزمن صادق التدين خالص التوحيد، لأن الصناعة قد بلغت مبلغًا عاليًا من التطور، والواقع خلاف ذلك، فإن الإنسان في العصر الحاضر أحط ما يكون من الناحية الدينية؛ إذ الإلحاد متفش في أكثر بقاع العالم.
٢ - كما يلزم منه ألاّ يوجد شرك في هذا الزمن، والواقع خلاف ذلك؛ حيث إن الشرك متفش في الشرق والغرب.
وأما ما تمسكوا به - على قولهم الباطل - بالحفريات ومخلقات الأمم السابقة، فيقال عنه:
أولًا: إن هذه الحفريات ناقصة، فلا دلالة فيها على ما ذكروا سوى التخمين ومحاولة الربط بين أمور متباعدة، وغاية ما تدل عليه الحفريات والآثار: إن الأمم السابقة وقعت في الشرك، وهذا لا ننكره نحن، بل القرآن
[ ١ / ١٩٧ ]
والسنة نصا على ذلك وبيناه، وأما عبادة الإنسان الأول وعقيدته فلا يمكن معرفتها من خلال الآثار حتى يعثروا على الإنسان الأول ويجدوا آثارًا تدل على عقيدته وعبادته.
ثانيًا: من المؤكد أن الأمم تتقلب في عبادتها فتنتقل من التوحيد إلى الشرك، ومن الشرك إلى التوحيد، فمعرفة عبادة أمة من الأمم لا يعني أنها لم تعرف سوى هذه العبادة، بل يعني ذلك أنها كانت على هذه العبادة في تلك الفترة فقط.
ثالثًا: أن الحفريات ومخلفات الأمم السابقة كما استدل به بعضهم على القول بالشرك في الأمم هكذا استدل به فريق آخر على توحيد بعض الأمم، فقد قال به فريق من العلماء أمثال (لانج وشريدر، وفريزر، وشميدث، وبتاتزوني، وفوكارت)، وغيرهم، فقد توصلوا من خلال أبحاثهم التي قاموا بها إلى أن الأصل هوالتوحيد وليس الشرك، وسموا نظريتهم (نظرية فطرية التوحيد وأصالته)، وقد انتصر لهذه النظرية فريق كبير من العلماء، وأيدوها بما توصلوا إليه من اكتشافات وحفريات قديمة تدل على أن هناك أممًا عريقة في القدم لم تعرف تعدد الآلهة، وكانت تؤمن بالإله الواحد، وبنوا على هذه الحفريات والكتابات المكتشفة نظريتهم القائلة بأن عقيدة الوحدانية هي أقدم ديانة عرفها البشر، وأن التعدد والوثنية طارئة ومتطفلة على عقيدة التوحيد.
وبهذا يظهر جليًا واضحًا فساد هذه الأقوال المنحرفة عن الحق، وأن ما استدلوا به ليس إلا تخرصات وتوهمات لا تقوم على وجه الحق الواضح البين
[ ١ / ١٩٨ ]
الذي سبق أن ذكرناه؛ وهو أن الإنسان أصله التوحيد، والتوحيد هو أول ما عرفه الإنسان، ثم بدأ بالانحراف فتدرج أمره حتى وقع في الشرك، وذلك هو الحق الذي لا ريب فيه.
ثم إن هذا القول الموافق للقرآن والسنة والفطرة والعقل الصريح الموافق للنقل الصحيح قد اهتدى إليه بعض علماء الآثار والباحثون في الأديان من الغربيين وغيرهم، نذكر هنا نماذج من أقوالهم:
١ - يقول الباحث (أدمسون هيوبل) المتخصص في دراسة الملل البدائية: (لقد مضى ذلك العهد الذي كان يتهم الرجل القديم بأنه غير قادر على التفكير فيما يتعلق بالذات المقدسة أو في الله العظيم، ولقد أخطأ (تيلور) حيث جعل التفكير الديني الموحد نتيجة للتقدم الحضاري والسمو المعرفي، وجعل ذلك نتيجة لتطور بدأ من عبادة الأرواح والأشباح، ثم التعدد، ثم أخيرًا العثور على فكرة التوحيد).
٢ - ويقول الباحث (أندري لانج) من علماء القرن الماضي: إن الناس في استراليا وأفريقيا والهند لم ينشأ اعتقادهم في الله العظيم على أساس من الاعتقاد المسيحي، وقد أكد هذا الرأي العالم الأسترالي (وليم سميث) حيث ذكر في كتابه (أسس فكرة التوحيد) مجموعة من البراهين والأدلة جمعها من عدة مناطق واتجاهات تؤكد أن أول عبادة مارسها الإنسان كانت تجاه الله الواحد العظيم.
ويقول الدكتور (الحاج أورانج كاي) من علماء الملايو في إندونيسيا: (عندنا في بلاد (أرخبيل) الملايو دليل أكيد على أن أهل ديارنا هذه كانوا يعبدون الله الواحد، وذلك قبل أن يدخل الإسلام إلى هذه الديار، وقبل أن
[ ١ / ١٩٩ ]
تدخل النصرانية.
وفي عقيدة جزيرة (كلمنتان) بأندونيسيا لوثة من الهندوسية ورائحة من الإسلام، مع أن التوحيد كعبادة لأهل هذه الديار كان هو الأصل قبل وصول الهندوسية أو الإسلام إليها.
وإذا رجعنا إلى اللغة الدارجة لأهل هذه الديار قبل استخدام اللغة السنسكريتية أو قبل الهجرة الهندوسية أو دخول الإسلام تأكدنا من أن التصور الاعتقادي لأجدادنا - حسب النطق والتعبيرات الموروثة - هو: أن الله في عقيدتهم واحد لا شريك له).
[ ١ / ٢٠٠ ]