الفصل الأول: جهوده في توضيح الإيمان بالله تعالى
المبحث الأول: توحيد الربوبية
تمهيد:
إن عقيدة التوحيد، وإفراد الله وحده بالعبادة، هي أعظم المقاصد، وأهم الغايات، فمن أجلها خلق الله الخلق وأنزل الكتب وأرسل الرسل، وجعل الجنة والنار، فالجنة دار من أطاعه وحقق توحيده ولم يشرك به شيئًا، والنار دار من عصاه وجعل له ندًا وشريكًا.
ومن تأمل نصوص القرآن الكريم، وجدها تبدي وتعيد في شأن العقيدة، داعية إليها محذرة من ضدها في آيات كثيرة بطريق متنوعة وأساليب مختلفة فتارة ببيان أنها أعظم الغايات وسبب إيجاد الخلقية، وأخرى ببيان أن الكتب إنما أنزلت والرسل إنما أرسلوا وبعثوا إلا لتحقيقها، وثالثة ببيان الوعيد الشديد لمن خالف هذه العقيدة وأتى بضدها.. وهكذا.
قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ ٤.
وغيرها من الآيات. والقرآن كله من أوله إلى آخره في تقرير هذه العقيدة؛ لأنه إما خبر عن الله ﷿ وما يجب أن يوصف به وما يجب أن ينزه عنه وهو التوحيد العلمي الخبري الاعتقادي، وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع ما يعبد من دونه فهو التوحيد الطلبي الإرادي، وإما أمر ونهي وإلزام بطاعته فذلك من حقوق التوحيد ومكملاته، وإما خبر عن إكرامه لأهل التوحيد وما فعل بهم في الدنيا من النصر والتأييد وما يكرمهم به في الآخرة وهو جزاء توحيده، وإما خبر عن أهل الشرك وما فعل
_________________
(١) ١سورة الذاريات/ الآية ٥٦. ٢ سورة النحل/ الآية ٣٦. ٣ سورة النساء/ الآية ٤٨. ٤ سورة المائدة/ الآية ٧٢.
[ ٦٤ ]
بهم في الدنيا من النكال وما يفعل بهم في العقبى من العذاب فهو جزاء من خرج عن حكم توحيده، فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه، وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم١.
ثم إنه بعد التتبع والاستقراء لنصوص الكتاب والسنة من قبل علماء الإسلام تبين أن التوحيد لا يخرج عن ثلاثة أنواع:
النوع الأول: توحيد الربوبية: وهو الإقرار بربوبية الله تعالى على خلقه أجمعين بخلقه لهم ورزقه إياهم وإحيائهم وإماتتهم وتصرفه في شئونهم كلها.
النوع الثاني: توحيد الأسماء والصفات وهو إثبات جميع ما ورد في القرآن والسنة من نعوت الكمال لله ﷿، من غير تكييف ولا تحريف ولا تعطيل ولا تمثيل.
النوع الثالث: توحيد الألوهية: وهو إفراد الله وحده بجميع أنواع العبادة، وعدم صرف أي نوع منها لغير الله ﷿.
ومن تتبع نصوص القرآن والسنة جميعها، يجد أنها لا تخرج في توحيد الله تعالى، عن هذه الأنواع الثلاثة.
وقد تناول ابن سعدي في مؤلفاته جميع هذه الأنواع، واعتنى بإبرازها وبيانها وإيضاحها، ونبه على أهميتها وضرورة الحاجة إليها.
وفيما يلي سأفرد كل نوع من هذه الأنواع بمبحث خاص أبين فيه جهود الشيخ ابن سعدي في توضيحه وبيانه٢.
المبحث الأول: في توحيد الربوبية.
المبحث الثاني: في توحيد الأسماء والصفات
المبحث الثالث: في توحيد الألوهية.
_________________
(١) ١ انظر مدارج السالكين لابن القيم ٣/٤٥٠. ٢ وانظر كلامه عن هذه الأنواع على سبيل الإجمال: القول السديد ١٦، ١٧، والتفسير ١/٣٦، والتوضيح والبيان /٢٤، سؤال وجواب /٤، وغيرها من كتبه.
[ ٦٥ ]
المبحث الأول
توحيد الربوبية
[ ٦٦ ]
المبحث الأول
توحيد الربوبية
عرف ابن سعدي هذا النوع من التوحيد فقال:
"هو اعتقاد أن الله سبحانه هو الرب المتفرد بالخلق والرزق والتدبير، وإنه المحيي المميت النافع الضار المتفرد بإجابة الدعاء عند الأضرار، الذي له الأمر كله وبيده الخير كله، القادر على ما يشاء ليس له في ذلك شريك، وأنه الذي ربى جميع خلقه بالنعم، وربى خواص خلقه وهم الأنبياء وأتباعهم بالعقائد الصحيحة، والأخلاق الحميدة والعلوم النافعة والأعمال الصالحة. وهداهم إلى تحقيق عبادته وطاعته وهذه التربية هي النافعة المثمرة للسعادة في الدنيا والآخرة"١.
وعرف الرب بأنه المربي لجميع العالمين وهم من سوى الله، بخلقه إياهم وإنعامه عليهم بأنواع النعم التي لو فقدوها لما أمكنهم الحياة والبقاء على وجه الأرض٢.
وما ذكره من معاني وتوضيح لتوحيد الربوبية ولمعنى الرب، قد دلت عليه نصوص كثيرة في القرآن الكريم، فقد أوضح الله في كتابه في غير آية أنه الرزاق المدبر المنعم القادر على كل شيء المتصرف في شئون خلقه كلها إلى غير ذلك من معاني الربوبية.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٤ وقال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ القول السديد/١٦. ٢ التفسير ١/٣٤، و٥/٦٢٠، والخلاصة/٩. ٣ سورة الذاريات/ الآية ٥٨. ٤ سورة يّس/ الآية ٨٢، ٨٣. ٥ سورة الحديد/ الآية ١٧.
[ ٦٧ ]
وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ. أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ. أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ. أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ، أَمَّنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٢.
وغيرها من الآيات الدالة على تفرد الله وتوحده بالخلق والرزق والإحياء والإماتة والتصرف في جميع المخلوقات، والدالة على قدرته على كل شيء وأن بيده ملكوت كل شيء وأن المرجع والمآل إليه وحده.
تربية الله لخلقه على نوعين:
ورد في القرآن الكريم ذكر ربوبية الله لخلقه وعباده في مواضع كثيرة، وهي على نوعين: ربوبية عامة شاملة لجميع المخلوقات برها وفاجرها مكلفيها وغير مكلفيها حتى الجمادات، لا يخرج عنها أحد، وهي أنه تعالى المنفرد بخلقها ورزقها وتدبيرها.
وربوبية خاصة: وهي خاصة بأولياء الله وأصفيائه وهي تربيته لهم بهدايتهم للدين والإيمان وتعليمهم العلوم النافعة وتكميلهم بالأخلاق الجميلة، ودفعه عنهم الأخلاق الرذيلة، وحقيقتها التوفيق لكل خير.
قال ابن سعدي في بيان هذين النوعين: "وتربيته تعالى لخلقه نوعان: عامة، وخاصة.
فالعامة: هي خلقه للمخلوقين ورزقهم وهدايتهم لما فيه مصالحهم التي فيها بقاؤهم في الدنيا.
_________________
(١) ١ سورة البقرة/ الآية ١٦٤. ٢ سورة النمل/ الآية٦٠:٦٤.
[ ٦٨ ]
والخاصة: تربيته لأوليائه فيربيهم بالإيمان ويوفقهم له ويكملهم ويدفع عنهم الصوارف والعوائق الحائلة بينهم وبينه.
وحقيقتها: تربية التوفيق لكل خير، والعصمة من كل شر.
ولعل هذا المعنى هو السر في كون أكثر أدعية الأنبياء بلفظ الرب فإن مطالبهم كلها داخلة تحت ربوبيته الخاصة"١.
دلالات توحيد الربوبية:
وتوحيد الربوبية له دلالات كثيرة، تدل على تفرد الله بالربوبية على خلقه أجمعين، إذ أن الله جعل لخلقه أشياء لو تأملوها وتفكروا فيها لأرشدتهم إلى أن هناك خالقًا مدبرًا لهذا الخلق أجمعين وقد تعرض الشيخ ابن سعدي لهذه الدلالات في كتاباته ولا سيما في كتابه التفسير، ولكثرة هذه الدلالات فإني سأكتفي بذكر بعضها على سبيل التمثيل:
دلالة الفطرة:
وهذه في مقدمة الدلالات إذ أن الله فطر الخلق على توحيده فما من مولود إلا ويولد على فطرة التوحيد كما قال سبحانه: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٢.
وأخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء" ٣.
لذا نجد أن ابن سعدي ﵀ يقول عند تفسيره هذه الآية "إن جميع أحكام الشرائع الظاهرة والباطنة قد وضع الله في قلوب الخلق كلهم الميل إليها.
فوضع في قلوبهم محبة الحق وإيثار الحق وهذا حقيقة الفطرة ومن خرج عن هذا الأصل فلعارض عرض لفطرته أفسدها"٤.
وهذا ما دل عليه حديث رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه أنه قال: "خلقت
_________________
(١) ١ التفسير ١/٣٤، وانظر الخلاصة /١١١. ٢ سورة الروم/ الآية ٣٠. ٣ البخاري ٢/٩٧، ومسلم ٤/٢٠٤٧. ٤ التفسير ٦/١٢٦.
[ ٦٩ ]
عبادي حنفاء فأتتهم الشياطين فاجتالتهم"١ رواه مسلم، وعرف الفطرة بأنها "هي الخلقة التي خلق الله عباده عليها، وجعلهم مفطورين عليها وعلى محبة الخير وإيثاره وكراهية الشر ودفعه وفطرهم حنفاء مستعدين لقبول الخير والإخلاص لله والتقريب إليه"٢.
ثم إنه يقسم شرائع الفطرة إلى قسمين: قسم يطهر القلب والروح وهو الإيمان بالله وتوابعه من خوفه ورجائه ومحبته والإنابة إليه.
وقسم: يعود إلى تطهير الظاهر ونظافته، ودفع الأوساخ والأقذار منه وهو سنن الفطرة العشر الواردة في حديث عائشة ﵂ أنها قالت قال رسول الله ﷺ: "عشر من الفطرة: قص الشارب وإعفاء اللحية والسواك واستنشاق الماء وقص الأظافر وغسل البراجم، ونتف الإبط وحلق العانة وانتقاص الماء يعني الاستنجاء" قال الراوي ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة. رواه مسلم في صحيحه"٣.
قال ﵀: " والمقصود أن الفطرة شاملة لجميع الشريعة باطنها وظاهرها؛ لأنها تنقي الباطن من الأخلاق الرذيلة وتحليه بالأخلاق الجليلة التي ترجع إلى عقائد الإيمان وتطهره الطهارة الحسية والطهارة المعنوية"٤.
دلالة الأنفس:
إن الله ﷾ صور الإنسان على أحسن صوره، وخلقه على أحسن تقويم كما قال سبحانه:
﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ ٥.
وقال: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ ٦.
وقال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ ٧.
_________________
(١) ١ مسلم ٤/٢١٩٧. ٢ بهجة القلوب الأبرار/٦٨. ٣ مسلم ١/٢٢٣. ٤ بهجة قلوب الأبرار ص ٧٠، ٧١. ٥ سورة التغابن/ الآية ٣. ٦ سورة البقرة/ الآية ١٣٨. ٧ سورة التين/ الآية ٤.
[ ٧٠ ]
وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ. الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ ١.
فلقد أنعم الله على الإنسان بنعمة عظيمة، حيث جعله على هذه الصورة الجميلة المتميزة عن سائر الحيوانات.
لهذا لو أن الإنسان أمعن النظر، في نفسه وما فيها من عجائب صنع الله، ونظر إلى ظاهره وما فيه من كمال خلقه، وأنه متميز عن سائر الحيوانات لعرف أن وراء ذلك رب خالق حكيم في خلقه، وعرف أن هذا الخالق هو المنفرد بتدبير الإنسان وتصريفه بهذه التصاريف لا يشاركه فيه مشارك.
ولهذا فلا يليق بمن أنعم الله عليه بهذه النعم الظاهرة والباطنة أن يكفرها أو أن يجحد إحسان الله عليه بها.
لذا يقول سعدي لمن جحد هذه النعم ولم يؤد شكرها:
"أليس الله هو الذي خلقك فسواك في أحسن تقويم: وركبك تركيبًا قويًا معتدلًا في أحسن الأشكال وأجمل الهيئات، فهل يليق بك أن تكفر نعمة المنعم أو تجحد إحسان المحسن. إن هذا إلا من جهلك وظلمك وعنادك وغشمك فاحمد الله إذ لم يجعل صورتك صورة كلب أو حمار أو نحوهما من الحيوانات"٢.
ولو تأمل الإنسان في نفسه التي بين جنبيه وما فيها من عجائب صنع الله والتي بدونها يصبح الإنسان جثة هامدة بلا حراك؛ لهدته إلى رب حكيم خبير.
يقول ابن سعدي في تقرير هذا المعنى عند قول الله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ ٣.
" وعلى كل حال فالنفس آية كبيرة من آياته التي يحق الإقسام بها فإنها في غاية اللطف والخفة، سريعة التنقل والحركة والتغيير والتأثر، والانفعالات النفسية من الهمة والإرادة والقصد والحب والغضب وهي التي لولاها لكان البدن مجرد تمثال لا فائدة فيه، وتسويتها على ما هي عليه آية من آيات الله العظيمة.
والمقصود أن نفس الإنسان أعظم الأدلة على وجود الله وحده ومن ثم تفرده
_________________
(١) ١ سورة الانفطار/ الآيتان ٦، ٧. ٢ التفسير ٧/٥٨٣. ٣ سورة الشمس/ الآية ٧.
[ ٧١ ]
بالعبادة، وقد أفلح من طهر نفسه من الذنوب ونقاها من العيوب ورقاها بطاعة الله وعلاها بالعلم النافع والعمل الصالح"١.
دلالة الآفاق:
قال الله تعالى في هذه الدلالة العظيمة: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ٢.
إذ أن من آيات الله الدالة عليه، دلالة الآفاق وما في هذا الكون من سماء وأرض، وما اشتملت عليه السماء من نجوم وكواكب وما اشتملت عليه الأرض من جبال وأشجار وأنهار وغيرها، مما خلق الله في السموات والأرض.
فلو تأملها الإنسان وتأمل صنيعها وتتقانها لدلته وأرشدته إلى أن هناك خالقًا لهذه الأكوان وأنه عليم حكيم.
قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمّىً يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ. وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ. وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٣.
قال ابن سعدي عند قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ ﴾: "وقد فعل تعالى فإنه أرى عباده من الآيات ما به تبين أنه الحق، ولكن الله هو الموفق للإيمان من شاء، والخاذل لمن يشاء"٤.
وقال في الرياض الناضرة: " فهذا خبره تعالى عن أمور مستقبلة: أنه يرى عباده من الآيات والبراهين في الآفاق وفي الأنفس ما يدلهم على أن القرآن حق والرسول حق وما جاء به حق "٥.
والمقصود أن الدلالات على تفرد الله وحده بالخلق والرزق والإحياء والإماتة كثيرة جدًا.
_________________
(١) ١ التفسير ٧/٦٣٣ بتصرف. ٢ سورة فصلت/ الآية ٥٣. ٣ سورة الرعد/ الآيات ٢، ٣، ٤. ٤ التفسير ٦/٥٩١. ٥ الرياض الناضرة /١٤٤.
[ ٧٢ ]
وإن كثرتها وتعددها يعد من رحمة الله ولطفه بعباده حيث أكثر لهم الطرق الموصلة إليه، فتعالت حكمته وجل شأنه.
وكما قال ابن سعدي ﵀: "كلما تدبر العاقل في هذه المخلوقات وتغلغل براهين ودلالات على جميع ما أخبر به عن نفسه ووحدانيته وما أخبرت به الرسل من اليوم الآخر وأنها مدبرات مسخرات ليس لها تدبير ولا استعصاء على مدبرها مصرفها فتعرف أن العالم العلوي والسفلي كلهم إليه مفتقرون وإليه صامدون، وأنه الغني بالذات عن جميع المخلوقات، فلا إله إلا هو ولا رب سواه"١.
وقد عقد ﵀ في كتابه الرياض الناضرة فصلا في الإشارة إلى البراهين العقلية والفطرية على ربوبية الله وإلاهيته.
قال في مقدمته: "وليس القصد في هذا الفصل ذكر الأدلة النقلية عليها فإنها واضحة جلية متقررة عند الخواص والعوام، وهي وحدها كافية وافية بالمقصود معرفة بالله جملة وتفصيلا. ولكن نريد أن نشير إشارة إلى أدلتها وبراهينها العقلية التي يخضع لها كل عاقل منصف، وينكرها كل مستكبر مكابر مباهت"٢.
ثم أخذ يعدد جملة من الأدلة على وجود الله واستحقاقه للعبادة. والأدلة على ذلك كثيرة ففي كل شيء آية تدل على أنه واحد.
ولكثرة دلالات هذا النوع من التوحيد لا تجد أحدًا من الخلق ينكره إلا مكابرة وعنادًا.
فالمشركون الذين حاربهم رسول الله ﷺ وأباح دماءهم وأموالهم كانوا مقرين بهذا التوحيد معترفين لله به شاهدين له بالوحدانية والانفراد بالخلق والرزق والإحياء والإماتة، وإنزال المطر وعلم الغيب وغير ذلك، وقد بين الله سبحانه في القرآن الكريم اعترافهم وإقرارهم بذلك في أكثر من آية.
قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ.) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ الخلاصة /٢١. ٢ الرياض الناضرة /٢٥٨ وما بعدها. ٣ سورة العنكبوت/ الآيات ٦١، ٦٢، ٦٣.
[ ٧٣ ]
وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ١.
وقال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٢.
قال ابن كثير ﵀: " وما أحسن ما قال زهير بن أبي سلمى في معلقته المشهورة.
فلا تكتمن الله ما في قلوبكم
ليخفى ومهما يكتم الله يعلم
يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر
ليوم حساب أو يعجل فينقم
فقد اعترف هذا الشاعر الجاهلي بجود الصانع وعلمه بالجزئيات وبالمعاد وبالجزاء وبكتابة الأعمال في الصحف ليوم القيامة"٣.
فالمشركون إذًا مقرون بهذا التوحيد ومعترفون به: ولكن مع ذلك فإن إقرارهم هذا لا ينفعهم لعدم اعترافهم بتوحيد الألوهية وهو توحيد الله بأفعال عبيده.
واستحقوا المحاربة والعداء، بل إن إقرارهم بتوحيد الربوبية يعد حجة عليهم وملزمًا لهم بإفراد الله وحده بالعبادة بأنواعها من دعاء ورجاء وخوف وذبح ونذر واستغاثة وغيرها من أنواع العبادة؛ لأن من أقر أن الله هو وحده الخالق الرازق المدبر فإنه يلزمه أن يفرده بالعبادة والتأله والذل.
قال ابن سعدي في تقرير هذه الحقيقة: "والمشركون الذين يتخذون الأنداد مع الله لا يسوونهم بالله في الخلق والرزق، وإنما يسوونهم به في العبادة فيعبدونهم ليقربوهم إليه"٤.
ويقول عند تفسير الآيات المتقدمة التي فيه إقرار المشركين بوحدانية الله في الخلق والرزق والإحياء والإماتة..الخ يقول: "هذا استدلال على المشركين المكذبين بتوحيد الإلهية والعبادة وإلزام لهم بما أثبتوه من توحيد الربوبية، يلزمهم به الإقرار بتوحيد الألوهية"٥.
ولذا فإن نصوص القرآن التي جاءت لتقرير توحيد الربوبية يستدل بها على وجوب توحيد الألوهية وإفراده بالعبادة، وقد أوضح ابن سعدي ذلك وبينه في مواضع متعددة
_________________
(١) ١ سورة الزخرف/ الآية ٨٧. ٢ سورة لقمان/ الآية ٢٥. ٣ تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٢/٤٣٦. ٤ التفسير ١/١٩٥. ٥ التفسير ٦/١٠٤، ٦/١٦٥، ٦/٣٦٧.
[ ٧٤ ]
ومن ذلك ما قاله عند قوله الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ١.
قال: هذه الآية: "جمعت بين الأمر بعبادة الله وحده والنهي عن عبادة ما سواه وبيان الدليل الباهر على وجوب عبادته وبطلان عبادة ما سواه، وهو ذكر توحيد الربوبية المتضمن انفراده بالخلق والرزق والتدبير" فهو يرى أن انفراد الله وحده بالخلق والرزق والتدبير دليل واضح على وجوب إفراده بجميع أنواع العبادة؛ لذا قال بعد ما تقدم: " فإذا كان أحد مقرًا بأنه ليس له شريك بذلك فعليه الإقرار بأن الله ليس له شريك في عبادته" بل إنه يرى أن هذا أوضح دليل على وجوب إفراد الله وحده بالعبادة؛ لذا يقول: "وهذا أوضح دليل عقلي على وحدانية الباري تعالى وبطلان الشرك"٢.
وفي الآية المتقدمة نفسها ما يوضح أيضًا أن المشركين مقرون بتوحيد الربوبية حيث يقول سبحانه: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وقوله سبحانه: (وأنتم تعلمون)، يوضح أن المشركين يعلمون أن الله ليس له شريك ولا نظير لا في الخلق والرزق والتدبير ولا في الألوهية والكمال، ولكنهم مع ذلك يشركون معه في العبادة.
لذا قال ابن سعدي مخاطبًا هؤلاء: "كيف تعبدون معه آلهة أخرى مع علمكم بذلك؟ هذا من أعجب العجب وأسفه السفه"٣.
والمقصود: أن هذا النوع من التوحيد "توحيد الربوبية" لا يوجد أحد من الخلق ينكره، حتى فرعون الطاغية الذي ادعى الألوهية وقال عن نفسه "إنه رب العالمين" يقرر ويعترف بهذا التوحيد، وإنكاره له من قبيل المكابرة والجحود، قال تعالى في بيان ذلك: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ ٤ أي إنك تعلم يا فرعون أن المنزل لهذه الآيات هو رب السموات والأرض بصائر منه لعباده فإنكارك ليس على الحقيقة بل ترويجا على قومك واستخفافًا لهم.
_________________
(١) ١ سورة البقرة/ الآيتان ٢١، ٢٢. ٢ التفسير ١/ ٥٧. ٣ التفسير ١/٥٨. ٤ سورة الإسراء/ الآية ١٠٢.
[ ٧٥ ]
وقال تعالى في بيان ذلك أيضا: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ ١.
قال ابن سعدي: "ليس جحدهم مستندًا إلى الشك والريب، وإنما جحدهم مع علمهم وتيقنهم بصحتها ظلمًا منهم لحق ربهم ولأنفسهم، وعلوا على الحق وعلى العباد وعلى الانقياد للرسل"٢.
وأيضا إبليس لعنه الله، وهو أضل الخلق على الإطلاق، يقر بهذا التوحيد ويعترف به: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ٣.
﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ٤.
﴿قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ ٥، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
فهو يقر ويعترف بأن الله هو الرب، وأنه الخالق المدبر.
وبالجملة هذا النوع من التوحيد لا ينكره أحد إلا مكابر أو معاند.
كلامه عن ظاهرة الإلحاد والملحدين:
إلا أنه ظهر في الأزمان المتأخرة طائفة خبيثة بلغ بها الزيغ والضلال إلى أن أنكرت وجود الرب، وقالوا إن هذا الكون حدث من قبيل الصدفة، وليس له خالق ولا موجد، فضلوا بذلك ضلالًا مبينًا، وهؤلاء هم الماديون الملحدون.
وقد تصدى لهم علماء الإسلام فأنكروا باطلهم وبينوا ضلالهم، في مؤلفات كثيرة، ومن أبرز من كتب فيهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حيث نقض ما قعدوا من قواعد وهدم ما أصلوا من أصول وبين عوارهم وزيغهم، وبعدهم عن الصراط المستقيم.
ومن جملة من كتب في هؤلاء وأجاد الشيخ ابن سعدي حيث إنه تناول هذه الطائفة الخبيثة في مؤلفاته، وأظهر زيغها وفساد معتقدها.
قال ﵀ في التعريف بهذه الطائفة:
"وقد نبغت في هذه الأزمان المتأخرة فرقة خبيثة، هم من أضل الخلق وأجهلهم
_________________
(١) ١ سورة النمل/ الآية ١٤. ٢ التفسير ٥/٥٦٥، ٥٦٦. ٣ سورة الحجر/ الآية ٣٦. ٤ سورة الحجر/ الآية ٣٩. ٥ سورة الإسراء/ الآية ٦١.
[ ٧٦ ]
وأعظمهم غرورًا، وهم الماديون الملحدون"١.
وبين أن سبب ضلالهم هو ما أوغلوا فيه من علوم الطبيعة فقال إنهم " اغتروا لما عرفوا بعض العلوم الطبيعية ووقفت عقولهم عندها، وقالوا لا نثبت إلا ما وصلت إليه معارفنا وعقولنا وما سوى ذلك ننفيه ولا نعترف به"٢.
فأنكروا بذلك خالق الكون ومسخره، ونسبوا الخلق والإيجاد والتصرف إلى الطبيعة، وقالوا لا نؤمن إلا بالأشياء المادية المحسوسة.
وقد وضعوا لباطلهم هذا أصولًا يمشون عليها ويقلد بعضهم بعضًا فيها، وهذه الأصول كلها في غاية الضعف والفساد، قال عنها ابن سعدي ﵀: "وهي في غاية الفساد، يكفي اللبيب مجرد تصورها عن إقامة البراهين على نقضها، لكونها مناقضة للعقل والنقل ولكنهم زخرفوها وروجوها فانخدع بها أكثر الخلق"٣.
وقد بين ابن سعدي ﵀ أن عندهم أصولًا كثيرة يبنون عليها عقائدهم وأن هذه الأصول ترجع إلى أصل خبيث فاسد، وبين مصدره.
فقال: "وأعظمها عندهم أصل خبيث منقول عن معلمهم الأول أرسطو اليوناني المعروف بالإلحاد والجحد لرب العالمين وهو أنه من أراد الشروع في المعارف الإلهية فليمح من قلبه جميع العلوم والاعتقادات، وليسع في إزالتها من قلبه بحسب مقدوره، وليشك في الأشياء، ثم ليكتف بعقله وخياله ورأيه.
وكملوا هذا الأصل الخبيث بحصرهم للمعلومات بالمحسوسات، وما سوى ما أدركوه بحواسهم نفوه"٤.
ثم بين أن هذا الأصل أفسد عليهم علومهم وعقولهم وأديانهم، وذكر أن العلماء بينوا بطلان أصولهم، وأن من أبلغ من كتب في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية.
ثم إنه ﵀ قد اهتم ببيان فساد هذا الأصل اهتمامًا كبيرًا وأطال في نقضه وإظهار بطلانه.
قال: "إن هؤلاء الملحدين حصروا العلوم المدركة في دائرة ضيقة، فما أدركوه بحواسهم وتجاربهم أثبتوه، وما لم يدركوه بذلك نفوه وأنكروه فأنكروا من أجل ذلك علوم
_________________
(١) ١ الخلاصة/١٠٥، ١٠٦، والخلاصة/١٩٠، ١٩١. ٢ الفتاوى السعدية/٤٦. ٣ الأدلة القواطع/٣. ٤ الأدلة القواطع /٤.
[ ٧٧ ]
الغيب كلها وجحدوا ربوبية الله وأفعاله وعطلوه من صفاته وأفعاله إذ لم يدخل ذلك تحت مداركهم القاصرة وهذا باطل شرعًا وعقلًا:ـ
أما الشرع: فجميع الكتب السماوية وجميع الرسل تبطل قولهم وحصرهم العلوم بمدركات الحس الظاهرة، ونفيهم لما عداها، وتثبت بالبراهين اليقينية من علوم الغيب ومن العلوم التي لا تدرك إلا بالوحي من الحقائق النافعة الصحيحة والمعارف الصادقة مالا نسبه لعلومهم كلها إليها من أولها إلى آخرها
وأما العقل: فجميع العقلاء المعتبرين يثبتون للعلوم مدارك غير مدارك الحس، فإن مدارك العلوم: الحس والعقل والأخبار الصادقة فالأخبار الصادقة أعلاها وأصدقها وأحقها بالحق خبر الله وخبر رسله وفي ذلك تبيان لكل شيء، وهدى للخلائق وتوضيح للحقائق"١.
ويرى ﵀ أن أعظم حل لهذه المشاكل وغيرها، معرفة دين الإسلام والعمل به؛ لأنه بطبيعته وبراهينه وآياته يضمحل أمامه كل باطل، وخصوصًا أقبح الباطل وأشنعه وأشره منافاة للدين والعقل وهو الإلحاد.
بل إنه ﵀ يرى أن التماس الحلول لمثل هذه المشاكل من غير الحلول الإسلامية التي تبنى على الكتاب والسنة أمر لا يجدي ولا ينفع بل يزيد في المشكلة حيث يقول:
"ما من مشكلة كبيرة ولا صغيرة، إلا إذا بنيت على الشريعة الإسلامية المحضة تمت أمورها واستقامت أحوالها وصلحت من جميع الوجوه"٢.
وأحكام الشريعة في غاية القوة والرصانة وشاملة لجميع المشاكل وليست بحاجة إلى حلول مستوردة لما يجد من حوادث بل لا يمكن إصلاح الأمور إلا بها بخلاف غيرها من القوانين.
لذلك فإنه قام بمعالجة مشكلة الإلحاد على ضوء الكتاب والسنة، واهتم بمعالجة هذه المشكلة اهتمامًا كبيرًا، ومما يؤكد اهتمامه بها، أنه إضافة إلى تناوله لعلاجها ضمن كتبه، فقد أفرد فيها رسالة خاصة سماها: "الأدلة القواطع والبراهين في إبطال أصول الملحدين".
وقد أجاد ﵀ في هذه الرسالة الرد على هؤلاء الملحدين، حيث تناول الرد
_________________
(١) ١ الأدلة القواطع / ١٤، ١٥. ٢ الأدلة القواطع /١٤، ١٥.
[ ٧٨ ]
عليهم وبيان زيغهم من ثلاثة وثمانين وجهًا، اختار جملة منها من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، الذي ظهر تأثره بهما على مؤلفاته كما مر معنا في المقدمة.
وكانت ردوده عليهم في غاية القوة والرصانة، ولجودتها ورصانتها استحقت أن توصف هذه الردود وهذا الكتاب بأنه "نازل جميع طوائف الملحدين وتحداهم وأبطل أصولهم وفند مآخذهم وهدم قواعدهم وزلزل بنيانهم وبين مخالفتهم للعقل والفطرة كما خالفوا جميع الأديان الصحيحة"١.
وهذه نماذج من هذه الأوجه التي رد بها الشيخ على هؤلاء الملحدين. وأكثرها خاصة بأصلهم الفاسد المتقدم ذكره وهو:
ـ "أنه من أراد الشروع في المعارف الإلهية فليمح من قلبه جميع العلوم والاعتقادات"٢.
ذكر بعض هذه الأوجه:-
ـ "أن يقال هذه الوصية مخالفة لما بعث الله به رسله وأنزل كتبه فإنه بعث رسله مذكرين للعباد ما فطروا عليه من الإقرار بوحدانية الله ووجوب شكر نعمه، وافتراض الحب الكامل والتعظيم التام لله المتفضل بالنعم الظاهرة والباطنة، ومذكرين لهم بالأمر بما فطرت العقول على استحسانه كالصدق والبر والإحسان والأخلاق الجميلة، وبالنهي عما فطرت العقول على استقباحه من الكذب والظلم والعدوان وجميع الأخلاق الرذيلة، فكيف يؤمر الناس أن يمحوا من قلوبهم وفطرهم هذه الأمور؟
وهل هذا إلا نهي عن جميع مواد السعادة والفلاح والصلاح، وأمر بكل منكر وفحشاء وسوء وشر وفساد؟
وفي هذا من تقويض دعائم الخير والصلاح، والاستبدال بها أصول الشر والفساد والفوضى في العلوم والعقائد والأخلاق، ما لا منتهى لشره وضرره"٣.
ـ"إن المقصود الأعظم من تأصيل هذا الأصل الخبيث الكفر بما جاءت به الرسل والانحلال عنه وإلا فأهله من أكذب الناس فإنهم متمسكون غاية التمسك بما عليه أئمتهم الملحدون، وأقوالهم وعقائدهم مقدمة عندهم على ما جاءت به الرسل ويتعصبون لها غاية التعصب، فلو كانوا صادقين محقين لوجب عليهم أن يمحوا من قلوبهم أقوال أئمتهم وعقائدهم التي ما زالوا متمسكين بها ومقلدين لها تقليدًا أعمى،
_________________
(١) ١ الأدلة القواطع والبراهين/٨٧. ٢ الأدلة القواطع والبراهين/٤. ٣ الأدلة القواطع والبراهين/٧.
[ ٧٩ ]
فالغرض من كلامهم معروف وهو قصدهم الانحلال من الدين الصحيح والتمسك بأقوال هؤلاء الضالين"١.
ـ "أن يقال لهؤلاء الملحدين المنكرين لأمور الغيب التي أخبر الله بها ورسوله لم أنكرتموها؟
فيجيبون بأنها لم تدخل تحت علومنا التي بنيناها على إدراكات الحواس والتجارب، فيقال لهم: قدروا أنها لم تدخل في ذلك فإن طرق العلوم اليقينية كثيرة، وأكثرها لا تدخل تحت إدراكاتكم، فإن إداركاتكم قاصرة حتى باعترافكم فإنكم تعترفون أن مدركاتكم خاصة ببعض المواد الأرضية وأسبابها وعللها ومع ذلك لم تدركوها كلها، باعترافكم وأعمالكم فإنكم لا تزلون تبحثون وتعلمون التجارب التي تنجح مرة وتخفق مرات"٢.
هذه بعض الأوجه التي رد بها الشيخ على هؤلاء الملحدين، ولقد أطال في ذكر الردود عليهم وبيان زيغهم، وإن رغب القارئ في الاستزادة منها فليراجع كتابه العظيم "الأدلة القواطع والبراهين في إبطال أصول الملحدين".
وفي الحقيقة إن كتابه هذا ظاهر الأهمية؛ لجودة مادته ولشدة الحاجة إليه في هذا الزمن الذي طغت فيه المادة؛ وكثر فيه الإلحاد.
رده على القصيمي في إلحاده، وإنكاره لوجود الرب:
إن هذه الدعوة الإلحادية التي تدعو إلى الإباحية والتحلل الخلقي، وإنكار وجود الرب ونسبة الخلق والتصرف إلى الطبيعة، مع ظهور بطلانها وجلاء نكارتها، فإنها قد راجت على بعض أبناء المسلمين وافتتنوا بها واغتروا ببهرجتها فمالوا إليها وأصبحوا من دعاتها. وهذا غاية الانتكاس والخسران والعياذ بالله.
إذ أن التحول من الهدى إلى الضلال ومن النور إلى العمى ومن الإيمان إلى الكفر، يعد من أكبر الانتكاس والخسران، ولا سيما إذا كان من أحد العلماء العاملين الداعين إلى الله.
وهذا ما حصل من عبد الله القصيمي الذي كان من الدعاة البارزين ومعروفًا بالعلم والانحياز لمذهب السلف الصالح وكانت تصانيفه مشحونة بنصر الحق والرد على المبتدعين والملحدين، وكانت له عند الناس سمعة حسنة وذكر طيب٣.
_________________
(١) ١ الأدلة القواطع والبراهين/١١ ٢ الأدلة القواطع والبراهين /٢٤. ٣ بيان الهدى من الضلال للسويح/٥، وتنزيه الدين/٣.
[ ٨٠ ]
بعد ذلك كله انقلب رأسا على عقب فصار عدوًا للإسلام، فأصبح يرى أن الدين سبب لتأخر المسلمين وضعفهم، وصار الدين عنده كالأغلال التي تعوق الإنسان عن مراده، وزاد على ذلك فأنكر الخالق وزعم أنه لا فرق بين الخالق والمخلوق وأن من فرق بينهما من الأنبياء والرسل وأهل الأديان غالط ضال.
وزعم أن الطبيعة تتفاعل وتتطور وتدبر أمر العالم وتدبره وتنظم الأمور الجليلة والدقيقة، وأنكر قضاء الله وقدره، وأرجع ذلك إلى العلم بانتظام الطبيعة وهذا إنكار منه لله ولأفعاله ولصفاته١.
وأنكر الرسالة والمعاد والملائكة والجن وسخر من علماء المسلمين، وأخذ يدعو إلى الإباحية والتحلل والانسلاخ من الدين، ويمدح الأوربيين والمستعمرين لبلاد الإسلام ويدعو إلى تعظيمهم وإدخالهم في البلاد الإسلامية٢.
إلى غير ذلك من الترهات والضلالات التي أخذ يدعو إليه ويروجها، والتي ألف من أجل نشرها كتابه "هذي هي الأغلال". ويقصد بالأغلال أوامر الله ونواهيه والتمسك بالدين الإسلامي إذ أن هذا عنده أعظم الأسباب لتخلف المسلمين وتأخرهم الحضاري، وعلى العكس من ذلك يرى أن سبب تقدم الغرب هو تحللهم من الدين والقيم والأخلاق، وهذا غاية البهت والضلال والانحراف.
لذا فإنه قام جماعة من علماء المسلمين أمام ضلاله، وبينوا للناس زيغه وانحلاله، وبينوا كذبه وافتراءه وفساد ما يدعو إليه من عقائد منحرفة، وقيم منحطه فظهرت مؤلفات عديدة في الرد عليه لعدد من العلماء.
منها: بيان الهدى من الضلال في الرد على صاحب الأغلال، للشيخ إبراهيم بن عبد العزيز السويح، ومنها: الرد القويم على ملحد القصيم للشيخ عبد الله بن علي بن يابس.
ومن هؤلاء العلماء الذين قاموا بالرد عليه الشيخ ابن سعدي؛ إذ ألف في ذلك رسالته القيمة "تنزيه الدين وحملته ورجاله مما افتراه القصيمي في أغلاله".
قال ﵀ في مقدمتها "أما بعد: فإني قد وقفت على كتاب صنفه عبد الله بن علي القصيمي سماه " هذي هي الأغلال" فإذا هو محتو على نبذ الدين والدعاية إلى نبذه والانحلال عنه من كل وجه"٣.
_________________
(١) ١ تنزيه الدين:٦، ٧. ٢ الرد القويم لابن يابس/٩. ٣ تنزيه الدين/٢.
[ ٨١ ]
ثم ذكر سبب تأليفها فقال "فوجب على كل من عنده علم أن يبين ما يحتوي عليه كتابه من العظائم خشية اغترار من ليس له بصيرة بكلامه". ثم ذكر مجمل ما في كتاب الأغلال من الضلال والانحراف وما فيه من الآراء الباطلة. ثم بعد ذلك تناول الرد عليه في هذه الآراء الباطلة والعقائد الفاسدة على وجه التفصيل.
ومن ردوده عليه في قضية الإلحاد قوله بعد أن ذكر رأي صاحب الأغلال في أن المصائب تحدث من الطبيعة وأن الإيمان بالله وباليوم الآخر يمنع الرقي.
"وقول وصل إلى هذا الحد ليس بعده تقدم إلى الكفر، وإنما هو النهاية في الكفر والتعطيل والجحود لرب العالمين والخروج من الديانات السماوية كلها وهو غاية الخروج من العقل والحس، فإن قضية الإيمان بالله ورسوله هي أكبر القضايا وأعظمها وأوضحها"١.
والمقصود أن ابن سعدي اهتم بقضية هذا القصيمي وانحلاله ورد عليه ردًا علميًا هادفًا، يقصد من ورائه بيان زيغ هذا الرجل وإلحاده؛ لكي لا يغتر أحد من المسلمين به، وهذا من نصحه واهتمامه ﵀ بمسألة العقيدة والذود عن حماها.
ومن مؤلفاته في الرد على هؤلاء الملحدين وبيان انحطاط ما هم عليه من معتقد فاسد، رسالة صغيرة سماها "انتصار الحق" وهي على صغر حجمها نافعة عظيمة لأنه تناول فيها معالجة مشكلة الإلحاد على طريقة الحوار بين شخص مسلم وبين شخص مفتتن بالإلحاد فسمى الأول الناصح والثاني المنصوح.
ومما في هذه الرسالة القيمة قوله ﵀ "قال المنصوح أريد أن توضح لي توضيحًا تامًا بطلان ما عليه هؤلاء الملحدون فإنهم يقيمون الشبه المتنوعة في ترويج قولهم ليغتر به من لا بصيرة له.
فقال الناصح: اعلم أن الحق والباطل متقابلان وأن الخير والشر متنافيان، وبمعرفة واحدٍ من الضدين يظهر حسن الآخر أو قبحه
إلى أن قال: "فهذا الدين الحق الذي دعت إليه الرسل عمومًا وخاتمهم محمد ﷺ خصوصًا قد بنى وأسس على التوحيد، والتأله لله وحده لا شريك له حبًا وخوفًا ورجاء وإخلاصًا وانقيادًا وإذعانًا لربوبيته واستسلامًا لعبوديته قد دل على هذا الأصل الذي هو أكبر جميع أصول الأدلة العقلية والفطرية، وقد دلت عليه جميع الكتب السماوية وقرره جميع الأنبياء والمرسلين وأتباعهم من أهل العلوم الراسخة الألباب الرزينة
_________________
(١) ١ تنزيه الدين/١٣.
[ ٨٢ ]
والأخلاق العالية والآداب السامية كل أولئك اتفقوا على أن الله منفرد بالوحدانية منعوت بكل صفة كمال موصوف بغاية الجلال والعظمة والكبرياء والجمال، وأنه الخالق والرازق المدبر لجميع الأمور، وأنه منزه عن كل صفة نقص وعن مماثلة المخلوقين، وأنه لا يستحق العبادة والحمد والثناء والشكر إلا هو، فالدين الإسلامي على هذا الأصل أسس وعليه قام واستقام.
وأما ما عليه أهل الإلحاد فإنه ينافي هذا الأصل غاية المنافاة فإنه مبني على إنكار الباري رأسًا، فضلًا عن الاعتراف له بالكمال وعن القيام بأوجب الواجبات وأفرض الفروض وهو عبوديته وحده لا شريك له، فأهل هذا المذهب أعظم الخلق مكابرة وإنكارًا لأظهر الأشياء وأوضحها فمن أنكر الله فبأي شيء يعترف؟ "فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون" وهؤلاء أبعد الناس عن عبودية الله والإنابة إليه وعن التخلق بالأخلاق الفاضلة التي تدعو إليها الشرائع وتخضع لها العقول الصحيحة، ومع خلو قلوبهم من توحيد الله والإيمان به وتوابع ذلك فهم أجهل الناس وأقلهم بصيرة ومعرفة بشريعة الإسلام وأصول الدين وفروعه"١.
وبهذه المقارنة بين ما عليه المؤمنون الموحدون وبين ما عليه أهل الإلحاد الكافرون، يظهر لكل صاحب بصيرة أن الفرق كبير والبون شاسع بين الفريقين ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ ٢.
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ ٣.
ويظهر أيضًا لكل عاقل بطلان ما عليه هؤلاء الملاحدة، وأنهم في عماية وضلال وبعد عن الحق.
والمقصود أن مشكلة الإلحاد من أخطر المشاكل المعاصرة، وتحتاج إلى جهد من العلماء وتصد لها لإظهار بطلانها لكي لا تنطلي على أصحاب النفوس الضعيفة.
ولقد أعجبني الشيخ ابن سعدي ﵀ باهتمامه بهذه المشكلة ومعالجته لها في كثير من مؤلفاته.
وهنا تظهر لنا فائدة هامة، تتعلق بمنهج الشيخ ابن سعدي في العقيدة.
وهي أن اهتمام السعدي بمعالجة مشكلة الإلحاد والملحدين يوضح لنا أن منهجه
_________________
(١) ١ انتصار الحق/١٠، ١١، ١٢. ٢ سورة الرعد/ الآية ١٩. ٣ سورة الرعد/ الآية/ ١٦.
[ ٨٣ ]
في العقيدة يمتاز بالشمول كما هو حال السلف الصالح في ذلك أي أنهم يتناولون في خدمتهم للعقيدة تأصيل القواعد، وشرح الأصول، والرد على المخالفين وإن كانوا من الماديين الملحدين المنكرين لوجود الرب سبحانه وغيرهم.
وهذا يبين لنا عدم صحة قول من يقول إن السلف ومن سار على نهجهم لا يهتمون بالرد على الملحدين والشيوعيين وغيرهم، وإنما كلامهم قاصر على توضيح توحيد الأسماء والصفات.
فقد ظهر لك أيها القارئ: أن الشيخ ابن سعدي ومن قبله ابن تيمية قد تناولوا مثل هذه المشاكل وبينوا فسادها وضلالها كما تناولوا غيرها.
فليس ردهم قاصرًا على طائفة معينة أو فرقة معينة، وإنما ردهم شامل لكل من خالف عقيدة التوحيد، وهذا هو المنهج الحق الذي يجب أن يسار عليه.
والخلاصة من كل ما تقدم هو ما قاله ﵀ "إن جميع أهل الأديان من المسلمين واليهود والنصارى وغيرهم حتى المشركين متفقون على إثبات ربوبية الله وأنه الأول الذي ليس قبله شيء الخالق لكل شيء الرازق المدبر لكل شيء، وأئمتهم في هذه الأنبياء والمرسلون، وأهل الهدى من العلماء الربانيين أهل العلوم الغزيرة والمعارف الصافية، الأولين منهم والآخرين على هذا الأصل العظيم متفقون، على علم وبصيرة ويقين قد اطمأنت قلوبهم بذلك وسكنت نفوسهم به وصار في قلوبهم أكبر الحقائق وأصحها وأوضحها وخالفهم من هذا شرذمة من زنادقة الدهريين الذين يقولون ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ ١.
وسلك سبيلهم زنادقة الماديين، وهم لم ينكروا ذلك عن علم دلهم عليه ولا سمع ولا عقل ولا فطرة، إنما هو مجرد استبعادات وجحود ومكابرات"٢.
وليست المشكلة في هؤلاء الملحدين إنكارهم لوجود الرب فقط بل إنهم لو اعترفوا بوجوده فإن ذلك لا يكفي في دخولهم الإسلام بل تصبح حالهم كحال المشركين الذين حاربهم الرسول ﷺ لذلك يقول ابن سعدي: "إن كل برهان أبطل الله به الشرك وقرر به التوحيد فهو برهان على بطلان الإلحاد والجحود؛ لأن المشركين يعترفون بالله ويعلمون أنه الخالق الرازق المدبر، ولكنهم يشركون في عبادتهم فيعبدون الله ويعبدون غيره"٣.
_________________
(١) ١ سورة الجاثية/ الآية ٢٤. ٢ الأدلة القواطع والبراهين/٨٠. ٣ الأدلة القواطع والبراهين/٦٥.
[ ٨٤ ]
والمقصود أن من اعترف بوجود الله من غير إفراد له بالعبادة ومن غير إقرار بأسمائه الحسنى فإن إيمانه بوجود الله لا ينفعه، بل لا بد مع الإقرار أن يجرد التوحيد لله وحده، وسيأتي بيان ذلك في توحيد الألوهية.
القضاء والقدر:
إن الإيمان بالقضاء والقدر أحد أركان الإيمان الستة، كما جاء في حديث جبريل"وأن تؤمن بالقدر خيره وشره"١.
وقد دل على وجوب الإيمان بالقضاء والقدر نصوص كثيرة.
قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ٤.
وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ ٥.
والإيمان بالقضاء والقدر داخل في الإيمان بربوبية الله على خلقه إذ أن من آمن بأن الله هو الخالق المدبر المتصرف في شؤون خلقه كلها فهو مؤمن بالقضاء والقدر.
وقد أشار ابن سعدي إلى دخول الإيمان بالقضاء والقدر في الإيمان بربوبية الله.
فبعد أن عرف توحيد الربوبية بأنه اعتقاد انفراد الرب بالخلق والرزق والتدبير قال: " فدخل في توحيد الربوبية إثبات القضاء والقدر، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه على كل شيء قدير وأنه الغني الحميد وما سواه فقير إليه من كل وجه"٦.
وقال: "ولا يتم توحيد الربوبية حتى يعتقد العبد أن جميع أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، وأن مشيئتهم تابعة لمشيئة الله، وأن لهم قدرة وإرادة تقع بها أفعالهم، وهي متعلقة بالمدح والذم والأمر والنهي والثواب والعقاب، وأنه لا يتنافى الأمران: إثبات
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم ١/٣٧، من حديث عمر بن الخطاب ﵁. ٢ سورة القمر/ الآية ٤٩. ٣ سورة الحديد/ الآية ٢٢. ٤ سورة التوبة/ الآية ٥١. ٥ سورة الأحزاب/ الآية ٣٨. ٦ الفتاوى السعدية/١١.
[ ٨٥ ]
مشيئة الله العامة الشاملة للذوات والأفعال والصفات. وإثبات قدرة العبد على أفعاله وأقواله"١.
ونظرًا لدخول إثبات القضاء والقدر في توحيد الربوبية، فقد جعلت الحديث عنه عقب الحديث عن توحيد الربوبية.
وقد تحدث ابن سعدي عن مسألة القضاء والقدر كثيرًا، وأفرد فيها رسالة خاصة شرح فيها قصيدة ابن تيمية التائية في الرد على القدرية، وبين مراتب القدر، وذكر أقوال الناس فيه، وأيد مذهب أهل السنة والجماعة بالأدلة والبراهين، وبين بطلان أقوال الطوائف المنحرفة، وبين أن أفعال العباد مخلوقة وأنهم فاعلون لها بمشيئتهم وقدرتهم إلى غير ذلك من المسائل المتعلقة بالإيمان بالقضاء والقدر.
وحديثنا هنا سيتناول عدة جوانب وهي:-
(١) بيان ابن سعدي أن الإيمان بالقضاء والقدر لا يمنع من فعل الأسباب.
(٢) بيانه لمراتب القدر.
(٣) تقسيمه للطوائف المنحرفة في القدر ورده عليهم.
(٤) بيانه لمذهب أهل السنة والجماعة في القدر وتأييده له بالأدلة.
أولا: بيان ابن سعدي أن الإيمان بالقضاء والقدر لا يمنع من فعل الأسباب:
وهذه مسألة هامة غلط فيها كثير من الناس، حيث توهموا أن فعل الأسباب وتعاطيها ينافي التوكل والاعتماد على الله، وينافي الإيمان بالقضاء والقدر. وفهموا أن الإيمان بالقضاء والقدر يعني الخمول وترك فعل الأسباب.
وهذا غلط بين وهو ناتج من عدم فهم الإيمان بالقضاء والقدر على الوجه المطلوب وقد وضح ابن سعدي هذه المسألة وبينها بيانًا فقال: "الإيمان بالقدر يتفق مع الأسباب، فمباشرة الأسباب والاجتهاد في الأعمال النافعة يحقق للعبد تمام الإيمان بالقضاء والقدر، فإن الله قدر المقادير بأسبابها وطرقها، وتلك الأسباب والطرق هي محل حكمة الله فإن الحكمة: وضع الأشياء مواضعها وتنزيل الأمور منازلها اللائقة بها. فقضاء الله وقدره وحكمته متفقات. كل واحد منها يمد الآخر ولا يناقضه.
وقد أشار النبي ﷺ حين سئل وقيل له يا رسول الله، أرأيت رقي نسترقيها،
_________________
(١) ١ الفتاوى السعدية/١٢.
[ ٨٦ ]
وأدوية نتاداوى بها وتقاه نتقيها، هل ترد قضاء الله وقدره؟ فقال: "هي من قضائه وقدره"١.
فهذه الأسبابُ حسية ومعنوية روحانية حُمْية عما يضر، وهي في مقدمة الأسباب.
وأخبر ﷺ أنها من قضاء الله وقدره، فمن زعم أنه مؤمن بالقدر وترك الأسباب النافعة الدينية والدنوية التي عليها نظام القدر فهو غالط.
فإن المؤمن بالقدر يجري على أحكامه ويعمل على سنته ونظامه، ويتبع النافع في أحكامه وإبرامه والله المعين الموفق.
وتوضيح ذلك أن أقدار الله كلها تابعة لحكمته، فكما أن أفعاله تعالى محكمة في غاية الإحكام والانتظام ما ترى في خلق الرحمن من خلل ولا نقص ولا فطور ولا اختلال ولا في شرعه من عبث وسفه ومنافاة للحكمة والمصلحة والإحسان، فكذلك أفعال المكلفين دينيها ودنيويها، ظاهرها وباطنها كلها تجري على وفق الحكمة والغايات الحميدة، وأنه كلما عظم المقصود وكثرت منافعه ومصالحه لم يمكن إدراكه إلا بسلوك الطرق المفضية إليه.
فأعظم المقاصد على الإطلاق نيل رضا الله، والفوز بثوابه والسلامة من عقابه وقد جعل الله له الإيمان وشعبه الظاهرة والباطنة والقيام بعبودية الله وإخلاص الدين له، ولزوم الاستقامة والتقوى جعلها الله طرقًا وأسبابًا توصل إليه.
فما يسلك العبد هذا السبيل فمحال أن يصل إلى رضوان ربه وثوابه، فاتكال الأحمق على القدر بدون جد واجتهاد، قدح في القدر والشرع جميعًا.
وكذلك المطالب الأخرى كنيل العلم وإدراكه هل يمكن بغير جد واجتهاد ومواصلة الأوقات في طلبه وسلوك الطرق المسهلة له؟
فمن قال: إن قدر لي أدركت العلم، اجتهدت أم لا، فهو أحمق كما قال بعضهم٢.
تمنيت أن تمسي فقيها مناظرًا
بغير عناء والجنون فنون
وليس اكتساب المال دون مشقة
تلقيتها فالعلم كيف يكون
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد ٣/٤٢١، وابن ماجه ٢/١١٣٧، والترمذي ٤/٤٠٠، وقال حديث حسن صحيح، والحاكم ٤/١٩٩، كلهم من حديث أبي خزامة عن أبيه، وأخرج نحوه الحاكم ٤/١٩٩، ٤٠٢، عن حكيم بن حزام، وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. ٢ القائل للبيتين هو: أبو بكر أحمد بن محمد الدينوري الحنبلي، انظر الآداب الشرعية لابن مفلح /١/٢٤٤
[ ٨٧ ]
وهكذا من ترك الزواج وقال: إن قدر لي أولاد حصلوا، تزوجت أو تركت. ومن رجا حصول ثمر أو زرع، بغير حرث وسقي وعمل متكلا على القدر فهو أحمق مجنون.
وهكذا سائر الأشياء دقيقها وجليلها، فعلم أن القيام بالأسباب النافعة واعتقاد نفعها داخل بقضاء الله وقدره، دون الإخلاد إلى الكسل، والسكون مع القدرة على الحركة هو الجنون١.
وقد عقد ابن سعدي في كتابه الرياض الناضرة فصلًا خاصًا بذلك، وهو الفصل الثالث والعشرون في الجمع بين إثبات عموم القدر وإثبات الأسباب.
قال فيه: "ويظن كثير من الناس أن إثبات الأسباب ينافي الإيمان بالقضاء والقدر. وهذا غلط فاحش جدًا وهو عائد على القدر بالإبطال وهو إبطال أيضًا للحكمة.
وكأن هذا الظان يقول ويعتقد: أن الإيمان بالقدر هو اعتقاد وقوع الأشياء بدون أسبابها الشرعية والقدرية.
وهذا نفي للوجود لها فإن الله ربط الكون بعضه ببعض، ونظم بعضه ببعض، وأوجد بعضه ببعض.
فهل تقول - يأيها الظان جهلًا - أن الأولى إيجاد البناء من دون بنيان وإيجاد الحبوب والثمار والزروع من دون حرث وسقي وإيجاد الأولاد والنسل من دون نكاح وإدخال الجنة من دون إيمان وعمل صالح، وإدخال النار من دون كفر ومعصية؟
بهذا الظن والتقدير أبطلت القدر وأبطلت معه الحكمة، أما علمت أن الله بحكمته وكمال قدرته جعل للمسببات أسبابًا وللمقاصد طرقًا ووسائل تحصل بها، وقرر هذا في الفطر والعقول، كما قرره في الشرع، وكما نفذه في الواقع، فإنه أعطى كل شيء خلقه اللائق به ثم هدى كل مخلوق إلى ما خلق له من أصناف السعي والحركة والتصرفات المتنوعة، وبنى أمور الدنيا والآخرة على ذلك النظام البديع العجيب الذي شهد أولا لله بكمال القدرة وكمال الحكمة، وأشهد العباد ثانيا: أن بهذا التنظيم والتيسير والتصريف وجه العاملين إلى أعمالهم ونشطهم على أشغالهم.
فطالب الآخرة: إذا علم أنها لا تنال إلا بالإيمان والعمل الصالح وترك ضدها جد واجتهد في تحقيق الإيمان، وكثرت تفاصيله النافعة واجتهد في كل عمل صالح
_________________
(١) ١ الفتاوى السعدية/٣٢-٣٥، بتصرف يسير.
[ ٨٨ ]
يوصله إلى الآخرة واجتنب في مقابل ذلك الكفر والفسوق والعصيان، وبادر للتوبة من كل ما وقع منه من ذلك.
وصاحب الحرث إذا علم أنه لا ينال إلا بحرث ويسقي وملاحظة تامة جدًا واجتهد في كل وسلية تنمي حرثته وتكملها، وتدفع عنها الآفات
واصل ابن سعدي ضرب الأمثلة على ذلك ثم قال:
وفي خلقه تعالى الأشياء بأسبابها من الحكمة والمنافع والأسرار ما لا يدركه الوصف.
وهذا من الأمور الجلية والحقائق الواضحة التي فطرت الخليقة كلها - حتى الحيوان البهيم - عليها"١.
وقال في شرحه لحديث أبي هريرة ﵁، قال: رسول الله ﷺ: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا، كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن "لو" تفتح عمل الشيطان"٢.
"وقد جمع النبي ﷺ في هذا الحديث بين الإيمان بالقضاء والقدر والعمل بالأسباب النافعة، وهذان الأصلان دل عليهما الكتاب والسنة في مواضع كثيرة، ولا يتم الدين إلا بهما بل لا تتم الأمور المقصودة كلها إلا بهما؛ لأن قوله: "احرص على ما ينفعك" أمر بكل سبب ديني ودنيوي بل أمر بالجد والاجتهاد فيه، والحرص عليه نية وهمة وفعلًا وتدبيرًا. وقوله: "واستعن بالله" إيمان بالقضاء والقدر، وأمر بالتوكل على الله الذي الاعتماد التام على حوله وقوته تعالى في جلب المصالح، ودفع المضار مع الثقة التامة بالله في نجاح ذلك.
فالمتبع للرسول ﷺ يتعين أن يتوكل على الله في أمر دينه ودنياه وأن يقوم بكل سبب نافع بحسب قدرته وعلمه ومعرفته"٣
ثانيا: بيانه لمراتب القدر:
إن الإيمان بالقضاء والقدر لا يتم إلا بمعرفة مراتبه الواردة في الكتاب والسنة، ودل الكتاب والسنة على أن للقدر أربع مراتب.
_________________
(١) ١ الرياض الناضرة/١٦٤-١٦٧. ٢ أخرجه مسلم ٤/٢٠٥٢. ٣ بهجة قلوب الأبرار/٤١، وانظر الدرة البهية/٣٨.
[ ٨٩ ]
وهي:
(١) علم الله المحيط بكل شيء.
(٢) كتابه الذي اشتمل على كل ما سيكون.
(٣) ومشيئته وقدرته العامة على كل شيء.
(٤) إيجاده لجميع المخلوقات.
وقد اعتنى ابن سعدي في مؤلفاته ببيان هذه المراتب وتوضيحها وذكر أدلتها.
قال ﵀: "مراتب القضاء والقدر أربعة لا يتم الإيمان بالقدر إلا بتكميلها، الإيمان بأنه بكل شيء عليم وأن علمه محيط بالحوادث دقيقها وجليلها، وأنه كتب ذلك باللوح المحفوظ، وأن جميعها واقعة بمشيئته وقدرته ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه مع ذلك مكن العباد من أفعالهم فيفعلون اختيارًا منهم بمشيئتهم وقدرتهم كما قال تعالى:
﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ ١.
وقال: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ. وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢"٣.
وقال في تفسيره لقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٤.
"وفي هذه الآية دليل على أن الكتاب الأول قد حوى جميع الكائنات وهذا أحد مراتب القضاء والقدر فإنها أربع:
علم الله الشامل لجميع الأشياء، وكتابه المحيط بجميع الموجودات ومشيئته وقدرته العامة النافذة في كل شيء، وخلقه لجميع المخلوقات حتى أفعال العباد"٥.
ثالثا: تقسيمه للطوائف المنحرفة في القدر ورده عليهم:
قسم ابن سعدي الطوائف المنحرفة في القضاء والقدر إلى ثلاثة أقسام:
١ـ قدرية نفاة.
٢ـ وقدرية مجبرة.
٣ـ وقدرية مشركون.
_________________
(١) ١ سورة الحج/ الآية ٧٠. ٢ سورة التكوير/ الآيتان ٢٨، ٢٩. ٣ سؤال وجواب/١٥. ٤ سورة الأنعام/ ٣٨. ٥ التفسير ٢/٣٩٦.
[ ٩٠ ]
قال ﵀: "القدرية ثلاث طوائف: قدرية نفاه، وقدرية مجبرة، وقدرية مشركون.
فأما القدرية النفاة: فهم الذين يطلق عليهم أكثر العلماء اسم "القدرية" وحقيقة مذهبهم أنهم يقولون:
"إن أفعال العباد وطاعتهم ومعاصيهم لم تدخل تحت قضاء الله وقدره" فأثبتوا قدرة الله على أعيان المخلوقات وأوصافها، ونفوا قدرته على أفعال المكلفين.
وأما الطائفة الثانية: فهم الجبرية الذين يقال لهم "القدرية المجبرة" فزعم هؤلاء: "إن عموم مشئية الله وعموم إرادته يقتضي أن العبد مجبور على أفعاله لا قدرة له على شيء من الطاعات ولا على ترك المعاصي، ومع أنه لا قدرة له على ذلك عندهم، فهو مثاب معاقب على ما لا قدرة له عليه.
وأما الطائفة الثالثة: فهم القدرية المشركون الذين اعتذروا عن شركهم وتحريمهم ما أباح الله بالمشيئة١.
وقد بين ابن سعد ضلال هؤلاء وشناعة أقوالهم المتقدمة، قال: "فهذه الطوائف الثلاث هم خصماء الله في قضائه وقدره، منهم من نفاه ومنهم من غلا فيه غلوًا أوقعه في الباطل"٢.
وتناول ابن سعدي جميع أقوال هذه الطوائف بالرد، وفند شبههم ورد عليها وبين ضلالهم وبعدهم عن الصراط المستقيم.
فقال في ردوده على الطائفة الأولى وهم القدرية النفاة القائلون: "بأن أفعال العباد غير داخلة تحت مشيئة الله وقدرته".
"وهم بهذا القول الباطل ردوا نصوصًا كثيرة من الكتاب والسنة تثبت وتصرح أن جميع أعمال العباد من خير وشر وطاعة ومعصية بقضاء الله وقدره كما أجمع المسلمون أنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن"٣.
وهذه النصوص المبطلة لقول هؤلاء التي أشار ابن سعدي لكثرتها. قد تعرض لأكثرها في تفسيره للقرآن وبين وجه دلالتها على بطلان قول هؤلاء وفيما يلي أسوق بعض هذه النصوص مع تفسيره لها.
_________________
(١) ١ الدرة البهية /١٦- ٢٤ بتصرف. ٢ الدرة البهية /٢٤. ٣ الدرة البهية /١٧ بتصرف يسير.
[ ٩١ ]
قال تعالى في غير موضع من كتابه الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ١.
قال ابن سعدي: "وفي هذه الآية وما أشبهها رد على القدرية القائلين بأن أفعالهم غير داخلة في قدرة الله تعالى؛ لأن أفعالهم من جملة الأشياء الداخلة في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ ٣.
قال ابن سعدي: "فإن مشيئة الله نافذة عامه لا يخرج عنها حادث قليل ولا كثير. ففيها رد على القدرية الذين لا يدخلون أفعال العباد تحت مشيئة الله"٤.
وقال تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ٥.
قال ابن سعدي: " في هذه الآية وما أشبهها أن الأسباب مهما بلغت في قوة التأثير فإنها تابعة للقضاء والقدر ليست مستقلة في التأثير. ولم يخالف في هذا الأصل من فرق الأمة غير القدرية في أفعال العباد زعموا أنها مستقلة غير تابعة للمشيئة فأخرجوها عن قدرة الله فخالفوا كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الصحابة والتابعين"٦.
وقال أيضا في رده عليهم مبينا أهمية مناظرة القدرية بالعلم أي إثبات علم الله وأن ذلك فيه بيان لتناقضهم وتهافت أقوالهم.
قال: "وكان الأئمة كالإمام أحمد وغيره يقولون: "ناظروا القدرية بالعلم، فإن أنكروا العلم كفروا، وإن اعترفوا به خصموا".
يعني: أن القدرية النافين لعلم الله بأفعال عبادة، جاحدون لنصوص الكتاب والسنة المصرحة بإحاطة علم الله بما كان وما يكون من أعيان وأوصاف وأفعال، مما دق وجل، فمن أنكر ذلك فقد كذب الكتاب والسنة صريحًا وذلك هو الكفر، وإن اعترفوا بإحاطة علم الله بكل شيء، وبأفعال العباد قبل وقوعها كما هو القول الذي استقر عليه مذهبهم خصموا.
_________________
(١) ١ في عدة آيات منها سورة البقرة/ الآية ٢٠، وسورة آل عمران/ الآية ١٦٥ وغيرها. ٢ التفسير ١/٥٧. ٣ سورة المدثر/ الآيتان ٥٥، ٥٦. ٤ التفسير ٧/٥٨١. ٥ سورة البقرة / الآية ١٠٢. ٦ التفسير ١/١١٩.
[ ٩٢ ]
ووجه ذلك أنهم يقولون: "إن أفعالهم لا تتعلق بها مشيئة الله وإرادته وإنما هم مستلقون بها من كل وجه".
وإذا كان هذا قولهم في مشيئة الله مع قولهم "إن الله يعلم أعمال العباد قبل أن يعلموها" فهذا تناقض محض: كيف يعلمها وهو لم يقدرها ولم يردها؟ هذا محال: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ١.
فليزمهم أحد أمرين:
إما أن يتناقضوا فينفوا الأمرين: علم الله بأفعالهم، ومشيئته لها فيتضح كفرهم وإما أن يرجعوا إلى الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة، وأجمع عليه المسلمون وهو: أنه تعالى كما أنه بكل شيء عليم وبكل شيء محيط فإنه على كل شيء قدير ومن جملة الأشياء أفعال العباد: طاعتهم ومعاصيهم، فهو تعالى يعلمها إجمالا وتفصيلًا قبل أن يعملوها، وأعمالهم وأفعالهم داخلة تحت مشيئة الله وإرادته فقد شاءها منهم وأرادها، ولم يجبرهم لا على الطاعات، ولا على المعاصي، بل هم الذين فعلوها باختيارهم كما قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ. وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢.
فهذه الآية فيها رد على القدرية النفاة وعلى القدرية المجبرة وإثبات للحق الذي عليه أهل السنة والجماعة.
ففي قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ أخبر أن مشيئتهم تابعة لمشيئته، وأنها لا توجد بدونها فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وفي هذا رد على القدرية القائلين "إن مشيئة العباد مستقلة، ليست تابعة لمشيئة الله" بل عندهم: يشاء العباد ويفعلون ما لا يشاؤه الله ولا يقدره"٣.
وبهذا يظهر لنا أن قول القدرية في أفعال العباد إنها ليست داخلة تحت مشيئة الله وقدرته، قول باطل، مخالف لما تقرر في الكتاب والسنة من عموم قدرة الله ومشيئته، ولا يمكن أن يكون شيء في ملك الله إلا إذا شاءه الله وقدَّره. ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٤.
وقال ﵀ في ردوده على الطائفة الثانية وهم القدرية المجبرة القائلون "بأن العباد مجبورون على أفعالهم كالشجرة في مهب الريح".
_________________
(١) ١ سورة الملك/ الآية ١٤. ٢ سورة التكوير/ الآيتان ١٨، ١٩. ٣ الدرة البهية /٢٠، ٢١، بتصرف يسير. ٤ سورة آل عمران/ الآية ١٨٩.
[ ٩٣ ]
"وهذا القول من أشنع البدع وأنكرها وهو مخالف للكتاب والسنة وإجماع الأئمة المهتدين من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ومخالف للعقول والفطر ومخالف للمحسوس.
وكل قول يمكن صاحبه أن يطرده إلا هذا القول الشنيع فإنه لا يمكن أن يعمل به ويطرده ولو ظلم أحدهم واعتذر إليه من ظلمه بالقدر فإنه لا يقبل بل يرى اعتذاره بالقدر زيادة ظلم وتهكما به، فكيف يسلك هذا المسلك مع ربه وهو لا يرتضيه لنفسه من غيره.
والمقصود: أن هذه الطائفة خالفت المنقول والمعقول. ونصوص الكتاب والسنة تبطل قولهم، فإن الله نسب أعمال العباد إليهم من الطاعات المتنوعة والمعاصي الكثيرة كلها يضيفها إلى الفاعلين ويخبر أنهم هم الفاعلون لها ويستحقون جزاءها من خير وشر.
فلو كانوا مجبورين عليها لم ينسبها لهم ولم يضفها إليهم بل ينسب الأفعال إلى نفسه حاشاه وتعالى عن ذلك، فلا يقال: "الله الذي فعل الإيمان والكفر والطاعة والمعصية". بل يقول كل أحد العبد هو الذي فعلها، والله هو الذي قدرها من غير أن يجبره عليها"١.
وبين ﵀ أن قولهم هذا يلزمهم عليه عدة لوازم فاسدة فقال في توضيح الكافية الشافية:
"فلزمهم على تقريرهم هذا أمران باطلان: أحدهما أن تنفي عن العباد قدرتهم على أفعالهم. ثانيا: أن ينفي صدورها منهم.
فيقال على قولهم: لم يقدروا على الإسلام والإيمان ولا الصلاة والصيام ونحوها. وإذا فعلوها يصح أن يقال: لم تصدر منهم إنما يقال ذلك على وجه المجاز لا الحقيقة، ولا فرق عندهم أن يوصفوا بهذه الأفعال أو يوصفوا بالبياض والسواد وبقية الألوان؛ لأن الجميع قامت بهم.
فتصور قولهم بلوازمه المذكورة تعرف به فساده وبطلانه"٢
وعدد أيضا في الدر البهية جملة من اللوازم التي تلزم هذا القول الفاسد فقال:
_________________
(١) ١ الدرة البهية / ٢٢، ٢٣، بتصرف يسير. ٢ توضيح الكافية الشافية /١٢.
[ ٩٤ ]
"ويلزم على قول الجبرية إسقاط الأمر والنهي؛ لأنه كيف يؤمر وينهى من لا قدرة له على امتثال الأمر والنهي؟
ويلزم أيضا على قولهم إسقاط الحدود عن جميع أهل الجرائم إذ كيف يعاقبون وتقام عليهم الحدود وهم غير قادرين بل مجبورين؟
فهذا القول الباطل مخالف لجميع أصول الدين وفروعه.
ويلزم أيضًا على قول الجبرية تعطيل الأسباب الدينية والدنيوية وذلك أن الله تعالى جعل الأسباب موصلة إلى مسبباتها، وأمر العباد بسلوك كل سبب نافع لهم في دينهم ودنياهم فكيف يؤمرون وهم مجبورون غير قادرين؟ فالقول بالجبر فيه فساد الدين والدنيا"١.
أما الطائفة الثالثة وهم القدرية المشركون فكلامهم ظاهر البطلان وقد بين الله بطلانه في آيات متعددة.
وقال تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ. وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ ٤.
وقال ابن سعدي في بيان بطلان احتجاج المشركين على شركهم بمشيئة الله وأن الله لو شاء ما أشركوا.
"وهذه حجة باطلة فإنها لو كانت حقًا ما عاقب الله الذين من قبلهم حيث
_________________
(١) ١ الدرة البهية /٢٣. ٢ سورة الأنعام/ الآية ١٤٨. ٣ سورة النحل/ الآيتان ٣٥، ٣٦. ٤ سورة الزخرف/ الآية ٢٠.
[ ٩٥ ]
أشركوا به فعاقبهم أشد العقاب فلو كان يحب ذلك منهم لما عذبهم وليس قصدهم بذلك إلا رد الحق الذي جاءت به الرسل وإلا فعندهم علم أنه لا حجة لهم على الله، فإن الله أمرهم ونهاهم ومكنهم من القيام بما كلفهم وجعل لهم قوة ومشيئة تصدر عنها أفعالهم فاحتجاجهم بالقضاء والقدر من أبطل الباطل.
هذا وكل أحد يعلم بالحس قدرة الإنسان على كل فعل يريده من غير أن ينازعه منازع، فجمعوا بين تكذيب الله وتكذيب رسله وتكذيب الأمور العقلية والحسية"١.
وقال في موضع آخر: "وهي حجة باطلة في نفسها عقلًا وشرعًا. فكل عاقل لا يقبل الاحتجاج بالقدر ولو سلكه في حالة من أحواله لم يثبت عليها قدمه.
وأما شرعًا فإن الله تعالى أبطل الاحتجاج به ولم يذكره عن غير المشركين به المكذبين لرسله فإن الله تعالى قد أقام الحجة على العباد فلم يبق لأحد عليه حجة أصلًا"٢.
رابعا: بيانه لمذهب أهل السنة والجماعة في القدر وتأييده له بالأدلة:
وكما بين ابن سعدي بطلان الأقوال المتقدمة في القضاء والقدر في أفعال العباد وبعدها عن الصواب وانحرافها عن الصراط المستقيم.
فقد بين أن القول الصواب في ذلك والحق الذي لا مرية فيه هو قول أهل السنة والجماعة؛ وذلك لتضافر أدلة الكتاب والسنة على صحته فبعد أن ذكر الأقوال السابقة وبين بطلانها قال:
"فهذه الطوائف الثلاث هم خصماء الله في قضائه وقدره منهم من نفاه ومنهم من غلا فيه غلوًا أوقعه في الباطل.
وهدى الله أهل السنة والجماعة لما اختلفوا فيه بإذنه ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٣.
فأثبتوا عموم قضاء الله ونفوذ مشيئته في كل شيء، وأثبتوا مع ذلك أفعال العباد من الطاعات والمعاصي وقالوا إنها واقعة باختيارهم، ولا حجة للعاصين على الله إذا احتجوا على معاصيهم بقدره بل حجتهم داحضة باطلة، وقالوا إن مشيئة الله غير محبته
_________________
(١) ١ التفسير ٤/٢٠١. ٢ التفسير ٦/٦٣٩، وانظر أيضا التفسير ٢/٤٩٥ ففيه بيان لبطلان هذه الشبهة من سبعة أوجه. ٣ سورة البقرة/ الآية ٢١٣.
[ ٩٦ ]
فمشيئته تعلقت بكل شيء موجود من خير وشر وطاعة ومعصية، ومحبته خاصة للطاعات وأهلها كما أخبر بذلك في كتابه وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم١.
وقال في موضع آخر شارحا مبينًا عقيدة السلف في ذلك وهي أنهم: "يقولون بما جاء به الكتاب والسنة من إثبات الأصلين:
أحدهما: الاعتراف بأن جميع الأشياء كلها أعيانها وأوصافها بقضاء وقدر، لا تخرج عن مشيئة الله وإرادته بل ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
والأصل الثاني: أن أفعال العباد من الطاعات والمعاصي وغيرها واقعة بإرادتهم وقدرتهم وأنهم لم يجبروا عليها، بل هم الذين فعلوها بما خلق الله لهم من القدرة والإرادة ويقولون لا منافاة بين الأمرين فالحوادث كلها التي من جملتها أفعال العباد بمشيئة الله وإرادته والعباد هم الفاعلون لأفعالهم المختارون لها، فهم الذين اختاروا فعل الخيرات وفعلوها، واختاروا ترك المعاصي فتركوها، فاستحق الأولون المدح والثواب، واستحق الآخرون الذم والعقاب، ولم يجبر الله أحدًا منهم على خلاف مراده واختياره، فلا عذر للعاصين إذا عصوا وقالوا إن الله قدرهم علينا فلنا بذلك العذر. فيقال لهم: إن الله قد أعطاكم المكنة والقدرة على كل ما تريدون وأنتم بزيغكم وانحرافكم أردتم الشر ففعلتموه والله قد حذركم، وهيأ لكم كل سبب يصرف عن معاصيه، وأراكم سبيل الرشد فتركتموه وسبيل الغي فسلكتموه.
وإذا أردت زيادة إيضاح لهذا المقام: فإنه من المعلوم لكل أحد: أن كل فعل يفعله العبد وكل كلام يتكلم به فلا بد فيه من أمرين: قدرة منه على ذلك الفعل والقول، وإرادة منه، فمتى اجتمعا: وجدت منه الأقوال والأفعال، والله تعالى خالق أفعال العباد، والعباد هم الفاعلون لها حقيقة وقد دلت أدلة الكتاب والسنة الكثيرة على أن الله خالق كل شيء وعلى كل شيء قدير، وأن كل شيء بقضاء وقدر الأعيان والأوصاف والأفعال.
ودلت أيضًا أدلة الكتاب والسنة أن العباد هم الفاعلون لفعلهم حقيقة بقدرتهم واختيارهم، فإنه تعالى نسب إليهم وأضاف إليهم كل ما فعلوه من إيمان وكفر وطاعة ومعصية، وأنه تعالى مكنهم من هذا، ولكنه حبب الإيمان إلى المؤمنين وزينه
_________________
(١) ١ الدرة البهية /٢٤، ٢٥.
[ ٩٧ ]
في قلوبهم وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، وولى الآخرين ما تولوا لأنفسهم حيث اختاروا الشر على الخير وأسباب العقاب على أسباب الثواب، وهذا كما أنه معلوم بالضرورة فهو معلوم بالحس الذي لا يمكن أحدًا المكابرة فيه، فإن العبد يفرق بين أفعاله التي يقسر ويجبر ويقهر عليها، وبين أفعاله التي يختارها ويريدها ويحب حصولها"١.
وقال ﵀ في بيان أفعال العباد: "أفعال العباد كلها من الطاعات والمعاصي داخلة في خلق الله وقضائه وقدره ولكنهم هم الفاعلون لها لم يجبرهم الله عليها مع أنها واقعة بمشيئتهم وقدرتهم فهي فعلهم حقيقة فهم الموصوفون بها المثابون والمعاقبون عليها وهي خلق الله حقيقة فإن الله خلقهم وخلق مشيئتهم وقدرتهم وجميع ما يقع بذلك، فنؤمن بجميع نصوص الكتاب والسنة الدالة على شمول خلق الله وقدرته لكل شيء من الأعيان والأوصاف والأفعال كما نؤمن بنصوص الكتاب والسنة الدالة على أن العباد هم الفاعلون حقيقة للخير والشر وأنهم مختارون لأفعالهم فإن الله خالق قدرتهم وإرادتهم وهما السبب في وجود أفعالهم وأقوالهم وخالق السبب التام خالق للمسبب، والله أعظم وأعدل من أن يجبرهم عليها"٢.
وهذا آخر الحديث عن القضاء والقدر، وبه نصل إلى نهاية المبحث الأول المتعلق بتوحيد الربوبية، ويجدر أن أشير إلى أن توحيد الربوبية يدخل ضمن توحيد الأسماء والصفات؛ وذلك لأن الرب اسم من أسماء الله، والربوبية صفة من صفاته، والله أعلم.
_________________
(١) ١ الدرة البهية /١٣، ١٤، ١٥، وانظر أيضًا الخلاصة /١٧٩، والحق الواضح المبين /٨ و٢٠. ٢ سؤال وجواب /١٠، وانظر أيضًا: توضيح الكافية الشافية /١٣، ١٤.
[ ٩٨ ]
المبحث الثاني
توحيد الأسماء والصفات
[ ٩٩ ]
المبحث الثاني
توحيد الأسماء والصفات
تمهيد:
إن تدبر أسماء الله وصفاته وفهمها على مراد الله منها من أهم الأمور وأجلها؛ وذلك لما في هذا العمل من الفوائد العظيمة، والثمار النافعة.
لذلك فقد اشتغل علماء الإسلام قديمًا وحديثًا في بيان أسماء الله الحسنى وصفاته العلى وشرحها وإيضاحها، والرد على من أنكرها أو أنكر بعضها، وألفوا في ذلك مؤلفات عديدة.
وكان الشيخ ابن سعدي ﵀ ممن أسهم حديثًا في بيان الأسماء الحسنى والصفات العلى لما يرى في ذلك من الفوائد ولكونها من أجل العلوم وأنفعها.
وقد عدد ﵀ فوائد عظيمة يحصل عليها المشتغل بهذا العلم النافع أذكر منها ما يلي:-
أولا: إن هذا العلم أشرف العلوم وأجلها على الإطلاق، فالاشتغال بفهمه والبحث عنه اشتغال بأعلى المطالب، وحصوله للعبد من أشرف المواهب.
ثانيا: إن معرفة الله تدعو إلى محبته وخشيته وخوفه ورجائه وإخلاص العمل له، وهذا عين سعادة العبد، ولا سبيل إلى معرفة الله إلا بمعرفة أسمائه وصفاته والتفقه في فهم معانيها.
ثالثا: إن الله خلق الخلق ليعرفوه ويعبدوه وهذا هو الغاية المطلوبة منهم فالاشتغال بذلك بما خلق له العبد وتركه وتضييعه إهمال لما خلق له، وقبيح بعبد لم تزل نعم الله عليه متواترة، وفضله عليه عظيم من كل وجه أن يكون جاهلًا بربه معرضًا عن معرفته.
رابعا: إن أحد أركان الإيمان بل أفضلها وأصلها الإيمان بالله وليس الإيمان مجرد قوله آمنت بالله من غير معرفته بربه، بل حقيقة الإيمان أن يعرف الذي يؤمن به ويبذل جهده في معرفة أسمائه وصفاته حتى يبلغ درجة اليقين،
[ ١٠٠ ]
وبحسب معرفته بربه يكون إيمانه، فكلما ازداد معرفة بربه ازداد إيمانه وكلما نقص نقص، وأقرب طريق يوصله إلى ذلك تدبر صفاته وأسمائه من القرآن، والطريق في ذلك إذا مر به اسم من أسماء الله أن يثبت له ذلك المعنى وكماله وعمومه وينزهه عما يضاد ذلك.
خامسا: إن العلم به تعالى أصل الأشياء كلها، حتى إن العارف به حقيقة المعرفة يستدل بما عرف من صفاته وأفعاله على ما يفعله وعلى ما يشرعه من الأحكام؛ لأنه لا يفعل إلا ما هو مقتضى أسمائه وصفاته، فأفعاله دائرة بين العدل والفضل والحكمة، ولذلك لا يشرع ما يشرعه من الأحكام إلا على حسب ما اقتضاه حمده وحكمته وفضله وعدله، فأخباره كلها حق وصدق وأوامره ونواهيه عدل وحكمة.
وهذا العلم أعظم وأشهر من أن ينبه عليه لوضوحه١.
ولهذه الفوائد العظيمة وغيرها من الفوائد التي يحصل عليها من اشتغل بفهم أسماء الله الحسنى وصفاته العلى، فإن الشيخ ابن سعدي يحث على تعلمها ويبين أن الناس بأحوج ما يكونوا إليها إذ هي أعظم الضروريات.
فيقول: "ولهذا فإنه لا أعظم حاجة وضرورة من معرفة النفوس بربها ومليكها الذي لا غنى لها عنه طرفة عين ولا صلاح لها ولا زكاء إلا بمعرفته وعبادته وكلما كان العبد أعرف بأسماء ربه وما يستحقه من صفات الكمال وما يتنزه عنه مما يضاد ذلك،
كان أعظم إيمانًا بالغيب واستحق من الثناء والمدح بحسب معرفته وموضع هذا تدبر أسمائه الحسنى التي وصف بها نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله فيتأملها العبد اسمًا اسمًا ويعرف معنى ذلك وأن له تعالى من ذلك الاسم أكمله وأعظمه وأن هذا الكمال والعظمة ليس له منتهى، ويعرف أن ما ناقض هذا الكمال بوجه من الوجوه فإن الله تعالى منزه مقدس عنه"٢.
أقسام الناس في الأسماء والصفات وبيان منهج السلف فيها:
بعد أن عرفنا أهمية الاشتغال بفهم الأسماء والصفات على مراد الله منها، فلنعلم أن الناس في ذلك ثلاثة أقسام طرفان ووسط.
_________________
(١) ١ التفسير ١/٢٤، ٢٥، ٢٦، والخلاصة /١٥ بتصرف يسير. ٢ المواهب الربانية /٦١، ٦٢.
[ ١٠١ ]
فأما الطرفان فهم: النفاة المعطلون، والمشبهة المجسمون، وأما الوسط فهم أهل السنة والجماعة المؤمنون الموحدون.
وهذا ما فصله الشيخ ابن سعدي في كتبه في أكثر من موضع حيث يقول:
"الناس في هذا المقام ثلاثة أقسام: مؤمن موحد، ومشبه، ومعطلن فالمؤمن الموحد: يصف الله بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله من صفات الكمال على الوجه اللائق بجلال الله وعظمته من غير تمثيل ولا تشبيه ومن غير تحريف ولا تعطيل لشيء من أوصاف الله.
والمشبه: هو الذي يشبه صفات الخالق بصفات المخلوقين أو يعترض لمعرفة كنهها وحقيقتها التي لا يعلمها غير الله.
والمعطل: هو من نفى شيئًا من صفات الله"١.
وقد بين ابن سعدي أن كلًا من التشبيه، والتعطيل بعيدان عن الصواب وأن الطريق النافع والذي يجب أن يسلكه كل مسلم هو طريق أهل السنة والجماعة.
فقال: "وكل من المعطل والمشبه قد حرم الوصول إلى معرفة الله على وجهها المطلوب، وابتلي بالتكلف والتحريف لنصوص الوحي، وكما أنه مناقض للوحي فهو مناقض لما دلت عليه العقول والفطرة التي لن يطرأ عليها التغير، فلا معقول لديهم ولا منقول. وهدى الله أهل السنة والجماعة لاتباع الحق المنقول عن الله وعن رسله، والمعقول لذوي الألباب، وذلك يظهر بتدبر ما عليه هذه الطوائف في المسائل والدلائل وتحقيقها ونسأل الله الهداية لأقوم الطرق"٢.
منهج السلف في الأسماء والصفات:
عرفنا أن أهدى الطرق وأعدلها في الأسماء والصفات هو ما سلكه أهل السنة والجماعة من فهم لها على مراد الله منها، ولذلك أصبح منهجهم هو الذي يجب أن يحتذي ويسار عليه.
ويتلخص منهج السلف في الأسماء والصفات في النقاط التالية:
ـ أنهم يقرون ويعتقدون بجميع ما ثبت في الكتاب والسنة من أسماء الله وصفاته وأفعاله.
_________________
(١) ١ الحق الواضح المبين ص ١٢. ٢ الحق الواضح المبين ص ١٢.
[ ١٠٢ ]
ـ فيثبتون لله جميع ما أثبته لنفسه وما أثبته له رسوله ﷺ من صفات الكمال ونعوت الجلال.
ـ وينفون عنه جميع ما نفاه عن نفسه، وما نفاه عنه رسوله ﷺ من النقائص والعيوب.
ـ من غير تحريف١ ولا تعطيل٢،ومن غير تكييف٣ ولا تمثيل٤.
وهذا هو المنهج الحق الذي لا مرية فيه، وقد سلك ابن سعدي هذا المنهج الحق في بيان توحيد الأسماء والصفات وسار عليه، وأطال ﵀ في مؤلفاته في تقرير هذا المنهج والرد على من خالفه من سائر طوائف الضلال، ولا سيما في كتابيه: الحق الواضح المبين، وتوضيح الكافية الشافية.
ومما قاله في تقرير هذا المسلك أنه عرف توحيد الأسماء والصفات بأنه "اعتقاد انفراد الرب ﷻ بالكمال المطلق من جميع الوجوه بنعوت العظمة والجلال والجمال التي لا يشاركه فيها مشارك وذلك بإثبات ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله ﷺ من جميع الأسماء والصفات، ومعانيها وأحكامها، الواردة في الكتاب والسنة على الوجه اللائق بعظمته وجلاله من غير نفي لشيء منها ولا تعطيل ولا تحريف ولا تمثيل، ونفي ما نفاه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله ﷺ من النقائص والعيوب وعن كل ما ينافي كماله"٥.
لذلك كان في تفسيره للقرآن إذا مر بآيات تدل على ذلك، أشار إليها وبين وجه دلالتها على صحة هذا المنهج في أسماء الله وصفاته.
فمن ذلك ما قاله عند قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٦.
قال: "وهذه الآية دليل لمذهب أهل السنة والجماعة من إثبات الصفات ونفي مماثلة المخلوقات، وفيها رد على المشبهة في قوله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وعلى المعطلة في قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٧.
_________________
(١) ١ التحريف: هو تغيير ألفاظ الأسماء والصفات أو تغيير معانيها. كقولهم "استوى" بمعنى استول، وقولهم "الرحمة" إرادة الإنعام. ٢ التعطيل: هو نفي الصفات وهو مأخوذ من قولهم جيد معطل أي خالي. ٣ التكييف: معناه بيان الهيئة والكيفية التي تكون عليها الصفات مثل أن يقال كيف يده وكيف وجهه الخ. ٤ التمثيل: هو التشبيه بأن يقال وجه الله كوجه المخلوق وما أشبه ذلك تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. ٥ القول السديد ص ١٥. ٦ سورة الشورى/ الآية ١١. ٧ التفسير ٦/٥٩٨.
[ ١٠٣ ]
وقال في نهاية تفسير سورة الإخلاص: "فهذه السورة مشتملة على توحيد الأسماء والصفات"١.
كما أشار إلى ذلك في غير التفسير من كتبه.
فقال في المواهب الربانية: "قوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾
اشتملت على أن الله تعالى كامل الأسماء والصفات عظيم النعوت، جليل القدر وليس له في ذلك شبيه ولا نظير ولا سمي بل قد تفرد بالكمال المطلق من جميع الوجوه والاعتبارات"٢.
وقال في خلاصة التفسير بعد أن ذكر قصة آدم وأخذ يعدد ما يستنبط منها من فوائد، قال: " ومنها "أي الفوائد" أن فيها دلالة لمذهب أهل السنة والجماعة المثبتين لله ما أثبته لنفسه من الأسماء الحسنى والصفات كلها، لا فرق بين صفات الذات ولا بين صفات الأفعال"٣.
وقد بين ﵀ أن هذا المنهج في الأسماء والصفات هو المنهج الذي يقرره الله في كتابه، وهو المنهج الذي اتفقت عليه الرسل أجمعون.
حيث يقول: " انظر إلى توحيد الله وتفرده بالوحدانية، وتوحده بصفات الكمال، كيف كانت الكتب السماوية مشحونة بها، بل هي المقصد الأعظم، وخصوصًا القرآن الذي هو من أوله إلى آخره يقرر هذا الأصل الذي هو أكبر الأصول وأعظمها.
وانظر كيف اتفقت جميع الرسل والأنبياء وخصوصًا خاتمهم وإمامهم محمد ﷺ، على توحيد الله وأنه متفرد بالوحدانية وعظمة الصفات: من سعة العلم، وشمول القدرة والإرادة وعموم الحجة والحكمة والملك والمجد والسلطان والجلال والجمال والحسن والإحسان في أسمائه وصفاته وأفعاله"٤.
ومعلوم أن المنهج الذي أنزلت به الكتب واتفقت عليه الرسل هو المنهج الحق الذي لا يجوز العدول عنه، بل إن العدول عنه إلى غيره بعد وضلال واستبدال للذي هو أدنى بالذي هو خير، وكلما ازداد الإنسان رغبة في غيره من المناهج ازداد بعدًا عن الطريق المستقيم، وكلما بعد عن الطريق المستقيم ازداد إلحاده في أسماء الله وصفاته.
_________________
(١) ١ التفسير ٧/٦٨٦، وانظر الخلاصة ص ١٨. ٢ المواهب الربانية ص ٤٥ وانظر التفسير أيضا ٥/١٢٦. ٣ الخلاصة ص ١٠٧. ٤ الفتاوى ص ٤٤، ٤٥.
[ ١٠٤ ]
والله يقول: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١.
وأول من عدل عن هذا الطريق من طوائف الضلال هم الجهمية المنسبون إلى الجهم بن صفوان، فهم أول الطوائف إنكارًا للأسماء والصفات.
قال ابن سعدي في بيان ذلك:
"وكان الجهم بن صفوان معروفًا بين الأمة بهذه البدعة الشنعاء الجامعة لشرور كثيرة أعظمها وأطمها نفي صفات الله التي تواترت في الكتاب والسنة واتفق عليها جميع سلف الأمة"٢.
ثم أوضح ﵀ أن جميع من جاء بعده من طوائف الضلال من معتزلة وأشعرية وكلابية وغيرهم - أخذوا عنه فهو رأسهم وشيخهم وسلفهم في هذا المنهج.
أما أهل السنة والجماعة فقد سلمهم الله من هذا الضلال بأن وفقهم لسلوك الصراط المستقيم والمنهج القويم.
قال ﵀ في إيضاح ذلك: "فأخذت طوائف البدع من أقوال جهم بحسب بعدهم من مذهب السلف:
ـ فطائفة أثبتت الأسماء ونفت الصفات، وهم الجهمية والمعتزلة.
ـ وطائفة غلت فنفت الأسماء الحسنى.
ـ وطائفة وافقت الجهمية بنفي الأفعال الاختيارية، ووافقوا السلف في إثبات الصفات السبع وهي الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام. وهم الأشعرية والماتريدية٣،
ـ وطائفة أخذت بقوله إن العباد مجبورون على أفعالهم وهم الملقبون بالجبرية.
ـ وطائفة وافقته في أن القرآن الموجود المحفوظ في الصدور المكتوب في المصاحف مخلوق، والمعنى القديم النفسي غير مخلوق، كالكلابية والأشعرية".
ثم قال ﵀:
"ونجى الله أهل السنة والجماعة من جميع أقواله الباطنة فأثبتوا جميع أسماء الله
_________________
(١) ١ سورة الأعراف/ الآية ١٨٠. ٢ توضيح الكافية الشافية /٥ ٣ إثبات الأشاعرة والماتريدية للصفات السبع ليس موافقًا للسلف تمامًا بل بينهم تفاوت كبير وبون شاسع. وسيأتي مثال ذلك عند التحدث عن صفة الكلام.
[ ١٠٥ ]
الحسنى وما دلت عليه من الصفات العليا ولا فرق بين الصفات الذاتية المتعلقة بذاته التي لا ينفك عنها كالحياة والعلم والقدرة والإرادة ونحوها، ولا بين صفات الأفعال القائمة بذاته المتصف بها المتعلقة بمشيئته وقدرته "١.
ومذاهب هؤلاء جميعهم مبنية على التقول على الله بغير علم وتأويل الصفات على غير المراد منها، وقد بين ﵀ خطورة التقول على الله بغير علم، وذلك عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ٢.
فقال ﵀: "يدخل في ذلك القول على الله بلا علم في شرعه وقدره فمن وصف الله بغير ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله أو نفى عنه ما أثبته لنفسه أو أثبت له ما نفاه عن نفسه فقد قال على الله بلا علم.
إلى أن قال: ومن أعظم القول على الله بلا علم أن يتأول المتأول كلامه، أو كلام رسوله على معاني اصطلح عليها طائفة من طوائف الضلال ثم يقول إن الله أرادها.
فالقول على الله أكبر المحرمات أشملها وأكبر طرق الشيطان التي يدعوا إليها"٣.
وقال عند قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ ٤: "ويدخل في هذا كل من كذب على الله بنسبه شريك له أو وصفه بما لا يليق بجلاله أو الإخبار عنه بما لم يقل"٥.
وبين ﵀ أنه لا يتم إيمان أحد بتوحيد الأسماء والصفات حتى يترك التأويل ويؤمن بجميع الصفات على مراد الله منها فقال:
"ولا يتم توحيد الأسماء والصفات حتى يعترف، ويؤمن بكل ما جاء في الكتاب والسنة والأسماء والصفات والأفعال، وأحكامها وعلى وجه يليق بعظمة الباري، ويعلم أنه كما لا يماثله أحد في ذاته فلا يماثله أحد في صفاته، ومن ظن أن في بعض النقليات ما يوجب تأويل بعض الصفات على غير المعروف فقد ضل ضلالًا مبينًا"٦.
هذا وإن المتكلمين جميعهم قد جعلوا التأويل مطية لهم، فمتى رأوا النصوص تخالف قولتهم أولوها، وقالوا ظاهرها غير مراد، فحرفوا بذلك معاني نصوص الكتاب والسنة.
_________________
(١) ١ توضيح الكافية الشافية /١٣. ٢ سورة البقرة / آية ١٦٩. ٣ التفسير ١/٢٠٠، ٢٠١. ٤ سورة هود/ الآية ١٨. ٥ التفسير ٣/٤١٣. ٦ الفتاوى /١٢.
[ ١٠٦ ]
قال ابن سعدي مشيرًا إلى هذا الواقع: "إن المتكلمين بالكلام الباطل من جهمية ومعتزلة وقدرية وكلابية وأشعرية، قد اشتركوا في نفي صفات الباري، وقد تقاوتوا في كثرة ما ينفونه منها، وكل فريق منهم فيما ينفيه من الصفات إذا وردت عليه النصوص من الكتاب والسنة في إثباتها تأولها تأويلات تنفي ما تدل عليه من المعاني الصريحة الظاهرة الحقة، وصرفها لمعان باطلة لا تدل عليها.
ثم بين الذي شجعهم على ذلك فقال:
وجرأهم على ذلك التأويل أنهم سموا المعاني الفلسفية والأصول اليونانية قواطع عقلية وبراهين يقينية وأدلة الكتاب والسنة ظواهر لفظية قابلة للتأويل فسطوا عليها بالتأويلات الباطلة التي يجزم كل ذي بصيرة أنها خلاف مراد الله ورسوله منها"١.
موقفه من التأويل:
إن التأويل يعد من أخطر معاول الهدم للإسلام، إذ به استطاعت جميع طوائف الضلال أن تروج باطلها، فالجهمية والمعتزلة والرافضة وغيرهم لا يجدون من نصوص الكتاب والسنة ما يدل على باطلهم بل إن نصوص الكتاب والسنة صريحة في الرد عليهم؛ ولذلك لجؤوا إلى التأويل فجعلوه مطية لهم، فأولوا نصوص المخالفة لهم وقالوا: "إن ظاهرها غير مراد"، وهكذا استطاعوا إفساد عقائد كثير من الناس بهذه التأويلات الفاسدة.
مما جعل علماء الإسلام قديما وحديثا يقومون بالتصدي لهذا النوع من التأويل وبيان فساده وضرره على الإسلام والمسلمين. وإن من أبرز من قام بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في أكثر مؤلفاته ولا سيما كتابه العظيم درء تعارض العقل والنقل ورسالة الإكليل في المتشابه والتأويل وغيرهما لهذا يقول الدكتور محمد الجليند في كتابه الإمام ابن تيمية وقضية التأويل عن ابن تيمية أنه "أبرز مفكر إسلامي عالج هذه القضية"٢.
ومن علمائنا المعاصرين الذين قاموا بمعالجة هذه القضية الشيخ ابن سعدي فقد تناول ﵀ هذه القضية في مواضع متعددة من مؤلفاته، وبين فساد التأويل وأنه جر وبالًا على الإسلام.
_________________
(١) ١ توضيح الكافية الشافية ص ٥٩، ٦٠. ٢ الإمام ابن تيمية وقضية التأويل /٩. ولو عبر بعالم المفكر لكان أنسب، وكتابه هذا قيم جدًا في جمع وتنسيق "نقض التأويل وإبطاله" من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
[ ١٠٧ ]
قال ﵀: "ولا يرتاب عارف أن جميع المصائب التي جرت في صدر الإسلام وبعد ذلك، ووقوع الفتن والاقتتال والتحزبات كلها متفرعة عن التأويل الباطل الذي لا ينتج إلا شرًا"١.
ثم عدد جملة من أضراره فقال: " فالتأويل الباطل سبب فتن الأقوال والبدع الاعتقادية والفتن الفعلية، فلم يزل التأويل يتوسع وكل بدعة متأخرة تحدث من التأويلات الباطلة غير ما أحدثته التي قبلها "٢.
وقال عند تفسيره لقوله: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾، "وفيه رد على المتكلمين من الجهمية ونحوهم ممن يرى أن كثيرًا من نصوص القرآن محمولة على غير ظاهرها ولها معان غير ما يفهم منها فإذًا على قولهم لا يكون القرآن أحسن تفسيرًا من غيره، وإنما التفسير الأحسن على زعمهم تفسيرهم الذي حرفوا له المعاني تحريفًا"٣.
أنواع التأويل:
وقد صار للتأويل بسبب تعدد الاصطلاحات ثلاثة معان فصلها شيخ الإسلام في أكثر من موضع من كتبه.
أحدها: أن التأويل بمعنى التفسير، وهذا هو الغالب على اصطلاح المفسرين للقرآن، كما يقول ابن جرير وأمثاله من المصنفين في التفسير واختلف علماء التأويل، ومجاهد إمام المفسرين إذا ذكر أنه يعلم تأويل المتشابه فالمراد به معرفة تفسيره.
الثاني: أن التأويل هو الحقيقة التي يؤول إليها الكلام كما قال الله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَق﴾ ٤. فتأويل ما في القرآن من أخبار المعاد هو ما أخبر الله به فيه مما يكون من القيامة والحساب والجزاء، والجنة والنار ونحو ذلك، كما قال الله تعالى في قصة يوسف لما سجد أبواه وإخوته ﴿يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْل﴾ ٥ فجعل عين ما وجد في الخارج هو تأويل الرؤيا.
_________________
(١) ١ توضيح الكافية الشافية ص ٥٤. ٢ توضيح الكافية الشافية ص ٥٤. ٣ التفسير ٥/٤٧٨. ٤ سورة الأعراف/ آية ٥٣. ٥ سورة يوسف/ آية ١٠٠.
[ ١٠٨ ]
والثالث: أن التأويل هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به، وهذا هو اصطلاح كثير من المتأخرين من المتكلمين في الفقه وأصوله.
وهذا التأويل في كثير من المواضع، أو أكثرها وعامتها من باب تحريف الكلم عن مواضعه١.
وجميع هذه الأنواع تناولها الشيخ ابن سعدي في مؤلفاته، وقد تقدم معنا ذمه للنوع الأخير، وأما النوع الأول والثاني فقد قال عنهما: "وأما التأويل الذي يراد به تفسير مراد الله ومراد رسوله بالطرق الموصلة إلى ذلك فهذه طريقة الصحابة والتابعين لهم بإحسان وهي التي أمر الله ورسوله بها ومدح أهلها.
وكذلك التأويل الذي هو بمعنى ما يؤول إليه الأمر من العمل بأمر الله ومن فهمه ما يؤول إليه الخبر فلفظ التأويل في الكتاب والسنة الغالب عليه هذان الأمران إلى أن قال: فتبين أن التأويل الصحيح كله يعود إلى فهم مراد الله ورسوله وإلى العمل بالخبر وأن التأويل الباطل يراد به ضد ذلك ويراد به صرف النصوص عن معناها الذي أراده الله ورسوله إلى بدعهم وضلالهم وهو من أعظم ما يدخل في القول على الله بلا علم"٢.
وهذا النوع الأخير تقدم معنا في كلام شيخ الإسلام أن عامته باطل؛ لذلك فإن هناك شروطًا لمن ادعى هذا النوع من التأويل إن توفرت في تأويله كان صحيحًا وإلا فهو من التأويل الباطل.
وهي أربعة شروط ذكرها الشيخ ابن سعدي في توضيح الكافية الشافية:
(أحدها): أن يأتي بدليل يدل على قوله؛ لأنه خلاف الأصل فإن الأصل حمل اللفظ على ظاهره وحقيقته فمن ادعى خلاف ذلك فعليه البرهان، فإذا أتى بدليل طولب بأمر (ثاني): وهو أن ذلك الذي تأوله إلى ذلك المعنى يحتمله؛ لأنه لا بد أن يكون بين الألفاظ والمعاني ارتباط وتناسب؛ لأنه باللسان العربي أنزله الله ليعقله العباد إذا تدبروا ألفاظه فهل يمكن أن يعقلوا أو يفهموا ما ليس له ارتباط ودلالة على المعاني من ذات اللفظ ونفس العبارة بحيث لا يحتاجون إلى أمور خارجية فإذا أتى بما يدل ويحتمل ذلك المعنى الذي عينه وهيهات له ذلك طولب بأمر (ثالث): وهو تعيينه المعنى الذي تأول اللفظ له فهب أن ظاهره غير مراد فلا بد من دليل يعين المعنى الذي صرفه إليه ويخصصه به فإن التخصيص من دون دليل من باب التكهن والتخرص؛ لأن اللفظ
_________________
(١) ١ الرسالة التدمرية /٢٩، الفتاوى /١ ص ٦٨، ٦٩. ٢ توضيح الكافية الشافية /٥٤، ٥٥، وانظر الفتاوى السعدية /١١٩، ١٢٠.
[ ١٠٩ ]
لا يدل عليه بخصوصه، فقد يكون القصد به معنى غير الذي عينوه، وقد يكون اللفظ متعبدًا بتلاوته ولفظه مجردًا عن المعاني وهو أولى من تحريفهم أو إتيانهم بمعان ما أنزل الله بها من سلطان، وإن كان الأمران ينافيان حكمة الباري لكن التعبد أهون من التحريف.
فإن فرض أنه تأول على غير ظاهره وأتى بدليل على الاحتمال وعلى التعين طولب بأمر (رابع) وهو الجواب عن المعارض؛ لأن الدعوى لا تتم إلا بذلك.
والمعارض للنفي هو جميع الأدلة النقلية من الكتاب والسنة والأدلة العقلية والفطرة"١.
ويلاحظ أن هذه الشروط عسيرة ولا يمكن توفرها في تأويلاتهم الباطلة وبهذا يفهم قول شيخ الإسلام المتقدم عن هذه التأويلات أن عامتها باطلة.
والمقصود أن الشيخ ابن سعدي كغيره من علماء أهل السنة يرى فساد هذا النوع من التأويل وبطلانه، وأما النوعان الأولان فقد بين أنهما صحيحان وأنهما متعارف عليهما عند السلف الصالح.
ولذلك قال عند تفسيره لقوله تعالى:
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ٢.
" التأويل يطلق بمعنى التفسير والعلم به، ويطلق بمعنى بيان الحقيقة التي يؤول إليها الأمر، فإن كان الأول فيكون قوله (والراسخون) معطوفًا على قوله (إلا الله) وعلى هذا فإن معناه أن المتشابه هو ضد المحكم.
وهو الذي فيه احتمالات، فالرسخون في العلم يفهمونه ويرجعونه إلى المحكم، فالنص الصريح يقضي على النص الذي فيه عدة احتمالات.
وإن كان الثاني: فالتأويل الذي هو بمعنى نفس حقيقة المخبر عنه من صفات اليوم الآخر لا يعلم كنه ذلك وكيفيته إلا الله تعالى، فيكون الوقوف على (إلا الله) ويكون معنى قوله (والراسخون في العلم) بمعنى أنهم يفوضون معرفة الكنه والكيفية
_________________
(١) ١ توضيح الكافية الشافية /٥٥. ٢ سورة آل عمران/ آية ٧.
[ ١١٠ ]
إلى الله، ويقولون (آمنا به كل من عند ربنا) أي: وما كان من عند ربنا فهو حق، سواء عرفنا كنهه أم لا.
وكلا القولين صحيح، وقد قال بكل منهما طائفة من السلف، والجمع بينهما على ما ذكرنا من اختلاف معنى التأويل أولى وأحسن"١.
كلامه في ذم الإلحاد في أسماء الله:-
إن النوع الباطل من التأويل يعد من الإلحاد في أسماء الله ومن الميل والعدول بها عن مرادها، وقد حذر الله ﷿ في كتابه من الإلحاد في أسمائه أشد التحذير، بعد أن بين أن له الأسماء الحسنى، فقال سبحانه:
﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٢.
فالواجب على كل مسلم أن يقر ويعترف بجميع ما أثبته الله لنفسه وما أثبته له رسوله من صفات الكمال وأن ينفي عنه ما نفاه عن نفسه وما نفاه عنه رسوله من صفات النقص من غير إلحاد فيها وذلك بأن يحرفها أو يعطلها عن معانيها أو يشبهها بأوصاف المخلوقين أو يكيفها أو غير ذلك من أنواع الإلحاد.
بل الواجب أن يثبتها على مراد الله وأن يحذر غاية الحذر من الإلحاد فيها.
والإلحادُ في أسماء الله له أنواع متعددة:
أـ أن يسمى بها من لا يستحقها مثل تسمية المشركين أصنامهم بأسماء الله فسموا العزى من العزيز واللات من إله وهكذا.
ب - أن تعطل عن معانيها كقول المعتزلة سميع بلا سمع بصير بلا بصر.
جـ - أن يشبه بها غيره؛ كقول المشبهة يد كأيدينا.
د - أن يحاول تكييفها ومعرفة كنهها.
وكل هذه الأنواع ترجع إلى الميل بها عن مراد الله منها، وقد ذم الشيخ ابن سعدي الإلحاد في أسماء الله وصفاته وحذر منه بجميع أنواعه، وبين أن نفي الإلحاد عن أسماء الله وصفاته من تمام الإيمان بها.
فقال ﵀ (ونفي الإلحاد في أسماء الله وصفاته من تمام إثبات صفات الكمال
_________________
(١) ١ الفتاوى /١١٩، ١٢٠، وانظر التفسير ١/٣٥٨، الخلاصة ١٧٤. ٢ سورة الأعراف/ الآية ١٨٠.
[ ١١١ ]
وتفرد الرب بنعوت العظمة والجلال، فعلى العبد المؤمن أن يحققها علمًا وتعبدًا لله بها ونفيًا للإلحاد فيها"١.
وقال: " فالواجب أن يحذر الإلحاد فيها ويحذر الملحدون فيها"٢.
وقال في بيان حقيقة الإلحاد وأنواعه "وحقيقة الإلحاد في أسماء الله وصفاته الميل بها عما جعلت له.
إما بأن يسم بها من لا يستحقها، كتسمية المشركين بها لآلهتهم، وإما بنفي معانيها وتحريفها، وأن يجعل لها معنى ما أراده الله ولا رسوله وإما أن يشبه بها غيرها"٣.
فالواجب إذًا على المسلم أن يسلك في أسماء الله وصفاته ما سلكه السلف الصالح من صحابة وتابعين من فهم لها على مراد الله منها ومراد رسوله ﷺ.
وقد وضع لهذا المنهج قواعد مبينة له وبها يسهل معرفته.
قواعد في الأسماء والصفات:-
بيان أهمية القواعد واهتمام السعدي بها:
إن معرفة القواعد وإتقانها من أهم العلوم وأعظمها فائدة؛ وذلك أن القواعد يسهل حفظها فإذا حفظت وفهمت يمكن التفريع عليها؛ لذلك اعتنى العلماء بوضع القواعد في جميع الفنون، وليس هناك فن إلا وتجد له قواعد وأصولًا كثيرة تنتهج.
وقد اعتنى ابن سعدي بتدوين القواعد الكلية وأشار إلى أهميتها وفوائدها في غير موضع، ومن ذلك قوله: "ومعلوم أن الأصول والقواعد للعلوم بمنزلة الأساس للبنيان والأصول للأشجار لا ثبات لها إلا بها، والأصول تبنى عليها الفروع، والفروع تثبت وتقوى بالأصول، وبالقواعد والأصول يثبت العلم ويقوى وينمى نماءً مطردًا، وبها تعرف مآخذ الأصول، وبها يحصل الفرقان بين المسائل التي تشتبه كثيرًا كما أنها تجمع النظائر والأشباه التي من جمال العلم جمعها ولها من الفوائد الكثيرة غير ما ذكرنا"٤.
_________________
(١) ١ توضيح الكافية الشافية /٩٧. ٢ التفسير ٣/١٢٢، الحق الواضح المبين /٥٥، ٥٦. ٣ التفسير ٣/١٢٢. ٤ طريق الوصول /٤.
[ ١١٢ ]
ومما يؤكد اهتمام الشيخ واعتناءه بها أنه أفرد ثلاثة كتب من مؤلفاته خصها بذكر القواعد الكلية الجامعة.
وهي: كتاب طريق الوصول إلى العلم المأمول بمعرفة القواعد والضوابط والأصول وكتاب القواعد والأصول الجامعة، والفروع والتقاسيم والبديعة النافعة، وكتاب القواعد الحسان لتفسير القرآن، وله منظومة في القواعد الفقهية.
لهذا سأذكر جملة من القواعد في الأسماء والصفات التي اختارها ابن سعدي وتعرض لها في مؤلفاته.
وهي جملة من القواعد انتقاها الشيخ واختارها من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية. وأذكر بيانه لها؛ وذلك لأن تقرير القواعد وتأصيلها من منهجه كما تبين، ولا سيما في مجال العقيدة.
وهذه القواعد الآتية وإن كانت ليست من استنتاج الشيخ إلا أن ذكره لها وعنايته بشرحها وتوضيحها يدل على شدة اهتمامه بالقواعد.
القاعدة الأولى:
(أسماء الله كلها حسنى) .
هذه القاعدة من القواعد الثابتة المتقررة في الشريعة المتفق عليها عند السلف الصالح، وقد ورود في القرآن الكريم عدة نصوص تدل على هذه القاعدة، منها:
قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١.
وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٢.
وقوله: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٣.
وهذه القاعدة من القواعد التي اهتم بها ابن سعدي وتناولها بالشرح والإيضاح.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف/ الآية ١٨٠. ٢ سورة الإسراء/ الآية ١١٠. ٣ سورة طه/الآية ٨.
[ ١١٣ ]
قال ﵀ عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ ١ "هذا بيان لعظيم جلاله وسعة أوصافه بأن له الأسماء الحسنى"٢.
وقال عند قوله تعالى: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٣ "أي له الأسماء الكثيرة جدًا، التي لا يحصيها ولا يعلمها أحد إلا هو ومع ذلك فكلها حسنى"٤.
وقال في بيان وجه كونها حسنى هو "أن كل اسم دل على صفة كمال عظيمة، وبذلك كانت حسنى.
فإنها لو دلت على غير صفة، بل كانت علمًا محضًا لم تكن حسنى، وكذلك لو دلت على صفة، ليست بصفة كمال بل إما صفة نقص أو صفة منقسمة إلى المدح والقدح لم تكن حسنى.
فكل اسم من أسمائه دال على جميع الصفة التي اشتق منها مستغرق لجميع معناها، وذلك نحو "العليم" الدال على أن له علمًا محيطًا عامًا لجميع الأشياء، فلا يخرج عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء"٥.
وقال: "ومن حسنها أنه أمر العباد أن يدعوه بها، لأنها وسيلة مقربة إليه يحبها ويحب من يحبها ويحب من يحفظها، ويحب من يبحث عن معانيها ويتعبد له بها"٦.
القاعدة الثانية:-
(أسماء الله كلها توقيفية) .
ومعنى ذلك أنه ليس هناك وسيلة لمعرفة أسماء الله وصفاته إلا عن طريق الرسل الذين يبلغون عن الله.
وذلك أن الإيمان بالله وصفاته من الإيمان بالغيب، ولا يمكن معرفة الغيب إلا عن طريق الوحي وقد أثنى الله ﷿ على المؤمنين الذين يؤمنون بالغيب وبين أن الإيمان بالغيب من صفات المتقين، فقال سبحانه: ﴿ألم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ ٧.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف/ الآية ١٨٠. ٢ التفسير ٣/١٢٠. ٣ سورة طه/ الآية١١٠، وسورة الحشر/ الآية ٢٤. ٤ التفسير ٧/٣٤٦، و٥/١٤٥. ٥ التفسير ٣/١٢٠، ١٢١، وانظر الحق الواضح المبين /٥٥. ٦ التفسير ٥/١٤٥. ٧ سورة البقرة/ الآيات ١، ٢، ٣.
[ ١١٤ ]
ومن هنا يعلم أن أسماء الله وصفاته لا مجال للعقل فيها، فلا يجوز أن يوصف الله ﷿ إلا بما ورد في الكتاب والسنة.
ولو وصف أحد الله ﷿ بصفة لم ترد في الكتاب والسنة فقد تقول على الله بلا علم، وافترى على الله الكذب، قال تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ. إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ ٢.
يقول الشيخ ابن سعدي في بيان هذه القاعدة: "فمن وصف الله بغير ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله أو نفى عنه ما أثبته لنفسه أو أثبت له ما نفاه عن نفسه فقد قال على الله بلا علم"٣.
قال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ ٤.
(أسماء الله الحسنى كلها أعلام وأوصاف دالة على معانيها وكلها أوصاف مدح وحمد وثناء) ٥.
ومعنى ذلك أن أسماء الله ليست أعلام محضة لا تدل على معاني كما يقول ذلك المعتزلة، فالمعتزلة أثبتوا لله الأسماء دون ما تتضمنه من الصفات فمنهم من جعل العليم والقدير والسميع والبصير كالأعلام المحضة المترادفة، ومنهم من قال عليم بلا علم قدير بلا قدرة، سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، فأثبتوا الاسم دون ما تضمنه من الصفات٦.
بل هي أعلام وأوصاف. ولو كانت أسماؤه تعالى أعلاما محضة بدون معاني لم تكن حسنى، ومن قال بذلك فقد عطل أسماء الله عن معانيها. ولا يتم الإيمان بالأسماء والصفات إلا بترك التعطيل.
_________________
(١) ١ سورة/ الآيتان ١٦٨، ١٦٩ ٢ سورة هود/ الآية ١٨. ٣ التفسير ١/٢٠٠، ١٠٢، وانظر أيضا التفسير ٣/٤١٣، والمواهب الربانية /٦١. ٤ سورة الإسراء/ الآية ٣٦. ٥ هذه القاعدة قد تكون بمثابة التوضيح والبيان للقاعدة الأولى. ٦ الفتاوى لابن تيمية ٣/٨، والرسالة التدمرية له /١٣.
[ ١١٥ ]
قال ابن سعدي في بيان هذه القاعدة "إن أسماء الله الحسنى كلها أعلام وأوصاف دالة على معانيها وكلها أوصاف مدح وحمد وثناء ولذلك كانت حسنى فلو كانت أعلامًا محضة لم تكن حسنى إلى أن قال: فصفاته كلها صفات كمال محض فهو موصوف بأكمل الصفات، وله أيضا من كل صفة كمال أحسن اسم وأكمله وأتمه"١.
القاعدة الرابعة:-
(يجب الإيمان بأسماء الله وصفاته وأحكام الصفات) .
فهذه ثلاثة أركان للإيمان بأسماء الله وصفاته:
١ـ أن يؤمن بالأسماء الحسنى.
٢ـ وأن يؤمن بما دلت عليه من الصفات.
٣ـ أن يؤمن بأحكام تلك الصفات ومتعلقاتها.
وبيان ذلك يظهر بالأمثلة:
فمثلًا الرحمن اسم من أسماء الله والرحمة صفة من صفاته وأنه يرحم من يشاء.
والقدير اسم من أسماء الله والقدرة صفة من صفاته وأنه يقدر بها على فعل كل شيء.
وهكذا في بقية أسماء الله الدالة على أوصاف متعدية.
أما إن كانت تدل على وصف غير متعد فإنها تتضمن أمرين:
ـ إثبات الاسم لله.
ـ وإثبات الصفة التي تضمنها.
ومثاله الحي والقيوم.
وهذه القاعدة أشار إليها ابن سعدي في أكثر من موضع من مؤلفاته قال ﵀:
إن من قواعد المتفق عليها بين سلف الأمة وأئمتها ما دل عليه الكتاب والسنة من الإيمان بأسماء الله كلها وصفاته جميعها وبأحكام تلك الصفات فيؤمنون مثلًا بأنه رحمن رحيم ذو الرحمة العظيمة التي اتصف بها المتعلقة بالمرحوم فالنعم كلها من آثار رحمته.
وهكذا يقال في سائر الأسماء الحسنى فيقال عليم ذو علم عظيم يعلم به كل شيء قدير ذو قدرة يقدر على كل شيء.
فإن الله قد أثبت لنفسه الأسماء الحسنى والصفات العليا، وأحكام تلك الصفات.
_________________
(١) ١ الحق الواضح المبين /٥٥،، وانظر توضيح الكافية الشافية /٩٦.
[ ١١٦ ]
فمن أثبت شيئًا منها، ونفى الآخر كان مع مخالفته للنقل والعقل متناقضًا مبطلًا"١.
القاعدة الخامسة:
(دلالة الأسماء على الذات والصفات تكون بالمطابقة والتضمن والالتزام) .
قال ابن سعدي ﵀: "وهذه القاعدة من أجل القواعد وأنفعها وتستدعي قوة فكر، وحسن تدبر وصحة قصدإلى أن قال:
والطريق إلى سلوك هذا الأصل النافع أن تفهم ما دل عليه اللفظ من المعاني، فإذا فهمتها فهمًا جيدًا، ففكر في الأمور التي تتوقف عليها ولا تحصل بدونها وما يشترط لها، وكذلك فكر فيما يترتب عليها وما يتفرع عنها وينبغي عليها، وأكثر من هذا التفكير وداوم عليه حتى يصير لك ملكة جيدة في الغوص على المعاني الدقيقة فإن القرآن حق ولازم الحق حق وما يتوقف على الحق حق، وما يتفرع عنه الحق حق، ذلك كله حق ولا بد"٢.
وضرب لذلك مثلًا فقال:
"الرحمن الرحيم تدل بلفظها على وصفه بالرحمن، وسعة رحمته فإذا فهمت أن الرحمة التي لا يشبهها رحمة: هي وصفه الثابت وأنه أوصل رحمته إلى كل مخلوق، ولم يخل أحد من رحمته طرفة عين، عرفت أن هذا الوصف يدل على كمال حياته، وكمال قدرته وإحاطة علمه، ونفوذ مشيئته، وكمال حكمته لتوقف الرحمة على ذلك كله، ثم استدللت بسعة رحمته على أن شرعه نور ورحمه؛ ولهذا يعلل الله تعالى كثيرًا من الأحكام الشرعية برحمته وإحسانه، لأنها من مقتضاها وأثرها"٣
وقال في كتابه الحق الواضح المبين بعد أن ذكر هذه القاعدة "وهذا يجري في جميع الأسماء الحسنى، كل واحد منها يدل على الذات وتلك الصفة دلالة مطابقة، ويدل على الذات وحدها أو على الصفة وحدها دلالة تضمن، ويدل على الصفة الأخرى اللازمة لتلك المعاني دلالة التزام. مثال ذلك:
الرحمن: يدل على الذات وحدها وعلى الرحمة دلالة تضمن، وعلى الأمرين دلالة
_________________
(١) ١ الخلاصة /٧، وانظر الفتاوى السعدية /١١، وسؤال وجواب /٦، والتفسير ١/٣٣، ٣٤، والقواعد الحسان /١١٠، والتنبيهات اللطيفة /٢٠. ٢ القواعد الحسان /٣١ بتصرف يسير. ٣ القواعد الحسان /٣٢.
[ ١١٧ ]
مطابقة ويدل على الحياة الكاملة والعلم المحيط والقدرة التامة ونحوها دلالة التزام؛ لأنه لا توجد الرحمة من دون حياة الراحم وقدرته الموصلة لرحمته للمرحوم وعلمه به وبحاجته"١.
وقال في موضع آخر مشيرًا إلى أهمية هذه القاعدة "وهذه القاعدة تنفعك في جميع النصوص الشرعية فدلالتها الثلاث كلها حجة؛ لأنها معصومة محكمة"٢.
القاعدة السادسة:
(أسماء الله غير محصورة في عدد معين) .
وهذه القاعدة دلت عليها نصوص كثيرة من أحاديث الرسول ﷺ منها:-
ما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت: فقدت رسول الله ﷺ ليلة من الفراش فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد، وهما منصوبتان وهو يقول "اللهم أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك. أنت كما أثنيت على نفسك"٣.
ووجه الدلالة في هذا الحديث "أنه ﷺ أخبر أنه لا يحصي ثناء عليه، ولو أحصي جميع أسمائه لأحصى صفاته كلها فكان يحصي الثناء عليه؛ لأن صفاته إنما يعبر عنها بأسمائه"٤.
ومنها: ما ورد في حديث الشفاعة الطويل أنه ﷺ، قال "ثم يفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئًا لم يفتحه على أحد قبلي"٥.
ووجه الدلالة من هذا الحديث أن هناك محامد من أسماء الله وصفاته ويفتح الله بها على رسوله ﷺ في ذلك الوقت، وهي بلا شك غير المحامد المأثورة في الكتاب والسنة.
ومنها: حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ما أصاب عبدًا هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضي في حكمك عدل في قضاؤك أسلك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدًا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل
_________________
(١) ١ الحق الواضح المبين /٥٤، ٥٥، وانظر التفسير ٢/١٧٤. ٢ توضيح الكافية الشافية /٩٧. ٣ مسلم ١/٣٥٢، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود. ٤ درء تعارض العقل والنقل ٣/٣٢٢، ٣٣٣. ٥ أخرجه البخاري ٥/٢٢٦، والترمذي ٤/٦٢٤، من حديث أبي هريرة.
[ ١١٨ ]
القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله همه وحزنه، وأبدله مكانه فرحا" ١.
والشاهد من هذا الحديث قوله ﷺ: "أو استأثرت به في علم الغيب عندك" حيث "دل على أن أسماءه أكثر من تسعة وتسعين، وأن له أسماء وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده لا يعلمها غيره"٢.
وبهذا يتبين أن أسماء الله غير محصورة في عدد معين، وهذا هو قول جمهور العلماء، ولم يخالف في ذلك إلا ابن حزم٣.
فهو يرى أنها محصورة بتسعة وتسعين اسما. واستدل على ذلك بقول الرسول ﷺ: "إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحدة، من أحصاها دخل الجنة"٤.
فهو يرى أن هذا الحديث أفاد الحصر٥.
ولا دلالة في الحديث لما ذهب إليه؛ لأن الحديث لا يفيد الحصر. يقول ابن القيم ﵀: "فقوله إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحد، من أحصاها دخل الجنة، لا ينفي أن يكون له غيره، والكلام جملة واحدة أي له أسماء موصوفة بهذه الصفة، كما يقال لفلان مائة عبد أعدهم للتجارة وله مائة فرس أعدها للجهاد"٦. وأيضا فإن الأحاديث المتقدمة أفادت عدم الحصر.
هذا وقد تناول ابن سعدي ﵀ هذه القاعدة في مواطن متعددة وبين أن معنى الإحصاء للأسماء الحسنى الواردة في الحديث المتقدم هو فهمها وحفظها والاعتراف بها ودعاء الله بها٧.
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد ١/٣٩١، والحاكم ١/٥٠٩، وغيرهما. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/١٣٦: "رواه أحمد وأبو يعلي والبزار إلا أنه قال وذهاب غمي مكان همي، والطبراني، ورجال أحمد وأبي يعلي رجال الصحيح غير الجهني وقد وثقه ابن حبان" أ. هـ. ٢ شفاء العليل لابن القيم /٢٧٧. ٣ شفاء العليل لابن القيم /٢٧٧، والتلخيص الحبير لابن حجر ٣/١٧٤. ٤ أخرجه البخاري ٨/١٦٩، ومسلم ٢/٢٠٦٢، عن أبي هريرة ﵁. ٥ الفصل لابن حزم ٢/٣٤٥. ٦ شفاء العليل لابن القيم /٢٧٧، وانظر أيضًا في ذلك درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ٣/٣٣٢، والفتاوى لابن تيمية ٢٢/٤٨٦. ٧ انظر طريق الوصول /٣٠٨، والمواهب الربانية /٦٢، والحق الواضح المبين /١٣، والخلاصة /١٨، والتفسير ٧/٣٤٦.
[ ١١٩ ]
كما اهتم ﵀ بشرح الأسماء الحسنى وتوضيحها، وعقد لذلك فصلًا خاصًا في تفسيره، بين في مقدمته أن الحاجة داعية إلى التنبيه إلى معاني الأسماء الحسنى، ثم أخذ يذكرها اسمًا اسمًا ويشرحها بإيجاز"١.
والمقصود أن من أهم القواعد الثابتة في الأسماء والصفات، أن أسماء الله الحسنى غير محصورة في عدد معين.
القاعدة السابعة:
(المضافات إلى الله إذا كانت أعيانًا فهي من جملة المخلوقات وإذا كانت أوصافًا فهي من صفات الله) .
وبيان ذلك أن المضافات إلى الله تكون على نوعين:
الأول: أعيان مثل عبد الله، بيت الله، ناقة الله، فهذه أعيان قائمة بأنفسها فهي إذًا من جملة المخلوقات، وإضافتها إلى الله تقتضي تفضيلها وتشريفها على غيرها من المخلوقات.
الثاني: أوصاف مثل سمع الله، بصر الله، قدرة الله، علم الله.
فهذه الإضافة تقتضي أن هذه الصفة قائمة بالله. وأن الله متصف بها.
وقد أشار ابن سعدي إلى هذه القاعدة وأوضحها فقال:
"والذي يضيفه الله إلى نفسه، إما أعيان يخصها بهذه الإضافة المقتضية للاختصاص والتشريف مثل عبد الله وناقة الله وبيت الله، ومثله ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ ٢ فهذه أعيان قائمة بأنفسها وهي من جملة المخلوقات لكنه أضافها لنفسه تفضيلًا لها على غيرها وتعظيمًا.
وإما إضافة أوصاف كعلم الله وقدرته وإرادته، وكذلك كلامه وحياته. فهذه الإضافة تقتضي قيامها بالله وأنه موصوف بها. وكذلك ما أخبر أنه منه.
فإن كان أعيانًا كروح منه ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ ٣. فهذه منه خلقًا وتقديرًا.
وإن كان ذلك أوصافًا كقوله ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ﴾ ٤. دل على أن ذلك من
_________________
(١) ١ التفسير ٥/٦٢٠، وما بعدها. ٢ سورة الفرقان/ آية ٦٣. ٣ سورة الجاثية/ آية ١٣. ٤ سورة الزمر/ آية ١ وفي غيرها.
[ ١٢٠ ]
صفاته لامتناع قيام الصفة بنفسها"١.
ثم أشار ﵀ إلى أهمية هذه القاعدة فقال "ولهذا لما اهتدى السلف لهذا الفرق الذي يحصل به الفرقان بين الحق والباطل هدوا إلى الصراط المستقيم، ولما ضل عنه الجهمية ونحوهم وقعوا في الأقوال الباطلة"٢.
القاعدة الثامنة:
(الإيمان بالأسماء والصفات يدور على أصلين: النفي المجمل، والإثبات المفصل)
بيان ذلك: أن المؤمن بأسماء الله وصفاته لا بد أن يكون إيمانه مبنيًا على هذين الأصلين:
الأول: الإثبات المفصل:
وهو أن يثبت لله جميع ما أثبته لنفسه، وما أثبته له رسوله ﷺ من صفات الكمال، على وجه التفصيل أي أن كل ما ورد في الكتاب والسنة من الصفات الثبوتية كالسمع والبصر والحياة والقدرة والإرادة وغيرها، فإنه يثبتها لله ﷿ على الوجه اللائق به.
الثاني: النفي المجمل:
وهو أن ينفي عن الله كل ما نفاه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله ﷺ من صفات النقص، وأن يثبت له ضد هذه الصفة المنفية؛ لأن النفي المحض لا يكون كمالا.
وماثل ذلك إذا نفى الشريك عن الله فإنه يثبت له التوحيد بالكمال وإذا نفى الولد والمكافئ عن يثبت له الكمال المطلق وهكذا.
والمنفي عن الله نوعان: متصل، ومنفصل:
فنفي المتصل: هو أن ينفي عن الله ما يناقض ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ من كل ما يضاد الصفات الكمالية. مثل تنزيه الله: عن السنة والنوم واللغوب والنعاس.
ونفي المنفصل: وهو أن ينفي عن الله الشريك في خصائصه التي لا تكون لغيره من التوحيد والتفرد كالكمال مثل: تنزيه الله عن أن يكون لله صاحبة أو ولد أو شريك في الملك.
_________________
(١) ١ توضيح الكافية الشافية /٣١. ٢ توضيح الكافية الشافية/٣١
[ ١٢١ ]
وهذه قاعدة جليلة نافعة شاملة لجميع الأسماء والصفات وقد بين ابن سعدي هذه القاعدة بأنواعها، وأطال في شرحها في مواضع متعددة وبين أهميتها.
فقال: "وهذا النوع - توحيد الأسماء والصفات - مبني على أصلين عظيمين:
أحدهما: تنزيه الباري وتقديسه عما لا يليق بجلاله، وما ينافي كماله عن أمور ثلاثة:
عن تشبيهها بصفات المخلوقين أو نفيها عن الله، أو نفي بعض معانيها؛ فيعلم أن له الكمال المطلق غايته ومنتهاه وأكمله فهو المنزه عن الشريك والظهير والعوين والشفيع بلا إذنه، وهو الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، وهو المنزه عن السنة والنوم والموت والتعب واللغوب، وأن يغيب عن سمعه أو بصره أو علمه شيء، وهو المنزه عن كل ما ينافي كماله وعظمته وجلاله.
والثاني: وهو المقصود الأعظم، وما مضي وسيلة وتتميم له، فإن جميع ما ينزه الله عنه فإنما ذلك لأجل ثبوت ضده، وهذا النوع على إثبات جميع صفات الله الموجودة في الكتاب والسنة والأسماء الحسنى ومعانيها على وجهها والتفقه في معرفة معانيها والتحقق بها تصديقًا ومعرفة وتعبدًا لله بها"١.
وبين ﵀ أن النفي نوعان فقال: "ما ينزه الله عنه من النقص نوعان: سلب المتصل: وضابطه نفي ما يناقض ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله من كل ما يضاد الصفات الكاملة.
وسلب المنفصل: وضابطه وتنزيه رب العالمين عن أن يشاركه أحد من الخلق في خصائصه التي لا تكون لغيره من التوحد والتفرد بالكمال وأن يفرد بالعبودية"٢.
وبين أن النفي إذا كان محضا لا يكون من صفات الكمال: فقال: "النفي نفي ذلك النقص المصرح به وإثبات ضده ونقيضه"٣.
والمقصود أن هذه قاعدة هامة، وقد أشار ابن سعدي ﵀ إلى أهميتها فقال: بعد أن ذكر هذه القاعدة:
_________________
(١) ١ توضيح الكافية الشافية/٨٤، ٨٥ وانظر التنبيهات اللطيفة /١٢، والحق والواضح المبين /٥ وما بعدها. ٢ الحق الواضح المبين /٦. ٣ الخلاصة / ١٧٧.
[ ١٢٢ ]
" وهذا ضابط نافع في كيفية الإيمان بالله وبأسمائه وصفاته"١. وقال في موضع آخر:
"وهذه فائدة عظيمة فاحفظها في خزانة قلبك فإنها خير الكنوز وأنفعها"٢.
وإليك جملة من الأمثلة في أمور ينزه الله عنها مع بيان ابن سعدي لها:
ـ الله منزه من النسيان والغفلة، قال ابن سعدي ﵀:
"وينزه عن الغفلة والنسيان بوجه من الوجوه؛ لأنه عالم الغيب والشهادة وعلمه محيط لا يعرض له ما يعرض لعلم المخلوق من خفاء بعض المعلومات أو نسيانها والذهول عنها"٣.
قال تعالى: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ ٤.
ـ ومنزه عن الاحتياج إلى الرزق والطعام قال ﵀: "وينزه عن احتياجه إلى الطعام والرزق فإنه تعالى هو الرزاق لجميع الخلق الغني عنهم وكلهم فقراء إليه قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ. مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ. إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ ٥، ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ﴾ ٦" ٧.
ـ ومنزه عن الظلم: قال ﵀: "وينزه الباري عن الظلم للعباد بأن يزيد في سيئاتهم أو ينقص من حسناتهم أو يعاقبهم على ما لم يفعلوا فإن الظالم لا يفعله إلا من هو محتاج إليه أو من هو موصوف بالجور، وأما الله الغني عن خلقه من جميع الوجوه الحكم العدل الحميد، فما له وظلم العباد. قال الله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيد﴾ ٨"٩.
ـ ومنزه عن العبث: قال ﵀ "ويجب تنزيه الله عن العبث في الخلق والأمر فلم يخلق شيئًا عبثًا ولا باطلًا ولا شرع شيئًا إلا لحكمة عظيمة؛ لأنه حكيم حميد فمن تمام حكمته وحمده إتقان المصنوعات وإحكامها وإحكام الشرائع على أكمل وجه وأتمه" ١٠.
_________________
(١) ١ التنبيهات اللطيفة /١٢. ٢ الخلاصة /١٧٧. ٣ الحق الواضح المبين/١٠ ٤ سورة طه/ آية ٥٢. ٥ سورة الذاريات/ الآيات ٥٦، ٥٧، ٥٨. ٦ سورة الأنعام/ الآية ١٤. ٧ الحق الواضح المبين/١٠، ١١ والتفسير ٧/١٨٢. ٨ سورة فصلت/ آية ٤٦. ٩ الحق الواضح المبين/١٠ ١٠ الحق الواضح المبين/١٠.
[ ١٢٣ ]
القاعدة التاسعة:
(القول في بعض الصفات كالقول في بعضها)
وهي قاعدة يرد بها على من فرق بين الصفات فأثبت بعضها ونفى البعض أو أثبت الأسماء دون الصفات.
فمثلا الذي ينازع في محبة الله ورضاه فيجعلها مجازًا ويفسرها بالإرادة يقال له: لا فرق بين ما نفيته وما أثبته بل القول في أحدهما كالقول في الآخر، فإن قال إرادته مثل إرادة المخلوق قيل وكذلك محبته ورضاه وهذا هو التمثيل، وإن قال: له إرادة تليق به كما أن للمخلوق إرادة تليق به يقال له: وكذلك له محبة تليق به وللمخلوق محبة تليق به.
وهكذا يقال في سائر الصفات لمن فرق بينها. وهؤلاء الذين فرقوا بين الصفات فأثبتوا بعضها ونفوا الآخر فروا من شيء ووقعوا في شر منه.
ولو أنهم ساروا في الصفات على منهج واحد فأثبتوها جميعها على الوجه اللائق بالله لسلموا"١.
وقد أشار ابن سعدي إلى هذه القاعدة فقال: "يقال لمن أثبت بعض الصفات ونفى بعضًا، أو أثبت الأسماء دون الصفات، إما أن تثبت الجميع كما أثبته الله لنفسه أو أثبته رسوله، وإما أن تنفي الجميع وتكون منكرًا لرب العالمين. وأما إثباتك بعض ذلك ونفيك لبعضه فهذا تناقض، ففرق بين ما أثبته وبين ما نفيته ولن تجد إلى الفرق سبيلا، فإن قلت ما أثبته لا يقتضي تشبيها، قال لك أهل السنة والإثبات: لما نفيته لا يقتضي تشبيهًا فإن قلت لا أعقل من الذي نفيته إلا التشبيه قال لك النفاة: ونحن لا نعقل من الذي أثبته إلا التشبيه فما أجبت به النفاة أجابك به أهل السنة لما نفيته"٢.
ثم بين تناقض من فرق بين الصفات وأنه ليس معه حجة فقال: "والحاصل أن من نفى شيئًا مما دل الكتاب والسنة على إثباته فهو متناقض لا يثبت له دليل شرعي ولا عقلي بل خالف المعقول والمنقول"٣.
القاعدة العاشرة:
(القول في الصفات كالقول في الذات) .
وذلك أن الله سبحانه ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله،
_________________
(١) ١ الرسالة التدميرية / ١١، وما بعدها. ٢ التفسير ١/٢٥٨، وانظر: طريق الوصول/٧. ٣ التفسير ١/٢٥٨، وانظر طريق الوصول /٧.
[ ١٢٤ ]
فإذا كان له ذات حقيقية لا تماثل الذوات، فالذات متصفة بصفات حقيقية لا تماثل الصفات١.
وهذه القاعدة من القواعد التي نبه ابن سعدي عليها؛ قال ﵀:
"فإن زعموا أن إثباتها يدل على التشبيه بخلقه، قيل الكلام على الصفات، يتبع الكلام على الذات فكما أن لله ذاتًا لا تشبه الذوات، فلله صفات لا تشبهها الصفات فصفاته تبع لذاته، وصفات خلقه تبع لذواتهم فليس في إثباتها ما يقتضي التشبيه بوجه"٢.
القاعدة الحادية عشرة:
(معاني الصفات معلومة وكيفيتها مجهولة، والإيمان بها واجب والسؤال عن كيفيتها بدعة) .
سئل الإمام مالك ﵀ وغيره من السلف عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟
فقال: "الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة".
فبين ﵀ أن الاستواء معلوم، وأن كيفية ذلك مجهولة، وجميع صفات الله يقال فيها هذه القاعدة فمن سئل عن العلو يقال علو الله على خلقه معلوم وكيفيته مجهولة، والسؤال عنه بدعة والإيمان به واجب. وهكذا بقية الصفات.
وقد نبه ابن سعدي إلى هذه القاعدة وبين أن من سأل عن كيفية الاستواء على العرش:
"الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة"؟
فمن سأل عن كيفية علم الله أو كيفية خلقه وتدبيره قيل له فكما أن ذات الله تعالى لا تشبهها الذوات فصفاته لا تشبهها الصفات، فالخلق يعرفون الله ويعرفون ما تعرف لهم به من صفاته وأفعاله، وأما كيفية ذلك فلا يعلم تأويله إلا الله"٣.
_________________
(١) ١ التدمرية لابن تيمية /١٥. ٢ التفسير ١/٢٥٧، وانظر طريق الوصول /٦. ٣ بهجة قلوب الأبرار /٢١٩، وانظر طريق الوصول /٨.
[ ١٢٥ ]
كلامه في تقسيم الصفات:
بعد ذكر هذه القواعد الهامة في أسماء الله وصفاته وتوضيح ابن سعدي لها، أرى من المناسب أن أذكر المنهج الذي يراه السلف من أن صفات الله تنقسم إلى قسمين ذاتية وفعلية، وقد بين أن هذا أصل متفق عليه بين السلف كما دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة.
قال: "ومن الأصول المتفق عليها بين السلف التي دلت عليها النصوص أن صفات الباري قسمان:
ـ صفات ذاتية لا تنفك عنها الذات كصفة الحياة والعلم، والقدرة والقوة والعزة، والملك، والعظمة، والكبرياء، ونحوهما كالعلو المطلق.
ـ وصفات ذاتية لا فعلية: تتعلق بها أفعاله في كل وقت وآن وزمان ولها آثارها في الخلق والأمر فيؤمنون بأنه تعالى فعال لما يريد وأنه لم يزل ولا يزال يقول ويتكلم ويخلق ويدبر الأمور وأن أفعاله تقع شيئا فشيئا تبعا لحكمته وإرادته، فإن شرائعه وأوامره ونواهيه الشرعية لا تزال تقع شيئا فشيئًا.. إلى أن قال: فعلى المؤمن الإيمان بكل ما نسبه الله لنفسه من الأفعال المتعلقة بذاته كالاستواء على العرش والمجيء والإتيان والنزول إلى السماء الدنيا والقول ونحوها، والمتعلقة بخلقه كالخلق والرزق وأنواع التدبير"١.
وبين أن صفات الأفعال قائمة بذات الله ومتعلقة بما ينشأ عنها من الأقوال والأفعال٢.
وذم من خلف هذا التقسيم من أهل الكلام فقال: "أما تقسيم٣ بعض أهل الكلام الباطل أن صفات الأفعال لا تقوم بذات الله بل الفعل عندهم عين المفعول، فهذا قول باطل بالكتاب والسنة والإجماع من السلف"٤.
وقول أهل الكلام هذا مخالف لما ذهب إليه أهل السنة والجماعة من عدم التفريق بين الصفات الذاتية والصفات الفعلية المتعلقة بمشيئة الله وقدرته.
ولذا يقول ابن سعدي ﵀: " أما أهل السنة والجماعة فإنهم أثبتوا كل ما جاء
_________________
(١) ١ التنبيهات اللطيفة /٢٠، ٢١. ٢ الحق الواضح المبين/٥٢، والفتاوى السعدية /١١. ٣ كذا قال ولم يورد تقسيما فالأولى أن يقال أما القولالخ. ٤ الحق الواضح المبين/٥٢، وتوضيح الكافية الشافية /٣٠.
[ ١٢٦ ]
به الكتاب والسنة من صفات الله، واعترفوا بها لا فرق عندهم بين الصفات الذاتية والصفات الفعلية المتعلقة بمشيئته وقدرته، وكلها قائمة بالله، والله موصوف بها، وهو القول الذي دل عليه النقل والعقل"١.
وقسم ﵀ صفات الأفعال إلى قسمين: قسم متعلق بذات الله والآخر متعلق بخلقه فقال:
(جميع صفات الأفعال المتعلقة بذاته كالاستواء على العرش ونزوله إلى سماء الدنيا على ما وردت به النصوص والمجيء والإتيان والقول ونحو ذلك والمتعلقة بخلقه كالإحياء والإماتة والخلق وأنواع التدبيرات كلها تصدر عن القدرة والإرادة"٢.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن بعض الصفات قد تكون ذاتية باعبتار وفعلية باعتبار آخر.
كصفة الكلام مثلًا:
فإنها باعتبار أصلها صفة ذاتية؛ لأن الله لم يزل ولا يزال متكلمًا، وباعتبار آحاد الكلام صفة فعلية لأن الكلام متعلق بمشيئة الله يتكلم بما شاء متى شاء٣.
وفيما يلي سأذكر جملة من الصفات الذاتية، وجملة أخرى من الصفات الفعلية وأذكر كلام ابن سعدي عنها:
وقد نهج ﵀ في إثبات الصفات منهج السلف الصالح من فهم النصوص على مراد الله ومراد رسوله ﷺ منها، وهذا هو المنهج الحق والمسلك المستقيم.
أولًا: ذكر جملة من الصفات الذاتية وكلام الشيخ عنها:
أـ من الصفات الذاتية الحياة قال ابن سعدي في إثبات هذه الصفة: "الحي الذي له جميع معاني الحياة الكاملة من السمع والبصر والقدرة وغيرها من الصفات الذاتية"٤، "والحي يتضمن جميع الصفات الذاتية"٥.
ب - ومنها السمع قال ﵀: "فالسميع الذي أحاط سمعه بجميع المسموعات،
_________________
(١) ١ الحق الواضح المبين/٥٣، وانظر توضيح الكافية الشافية/ ١٣، والتفسير ١/٢٥٦. ٢ الحق الواضح المبين/٢٣. ٣ انظر الحق الواضح المبين/ ٢٣. ٤ التفسير ١/٣١٣، توضيح الكافية الشافية /٢١، وغيرهما. ٥ الخلاصة /١٣. وانظر توضيح الكافية الشافية/٤٦.
[ ١٢٧ ]
فكل ما في العالم العلوي والسفلي من الأصوات يسمعها سرها وعلنها وكأنها لديه صوت واحد لا تختلط عليه الأصوات ولا تخفى عليه جميع اللغات والقريب والبعيد والسر والعلانية عنده سواء"١.
جـ - ومنها البصر: قال ﵀: "والبصير الذي يبصر كل شيء وإن دق وصغر فيبصر دبيب النملة والسوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء، ويبصر ما تحت الأرضين السبع كما يبصر ما فوق السموات السبع"٢.
وقال: " فيرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء وجميع أعضائها الباطنة والظاهرة وسريان القوت في أعضائها الدقيقة، ويرى سريان الماء في أغصان الأشجار وعروقها وجميع النباتات على اختلاف أنواعها وصغرها ودقها، ويرى نياط عروق النملة والنحلة والبعوضة وأصغر من ذلك"٣.
د - ومنها العلم قال ﵀: "فيعلم تعالى الأمور المتقدمة والأمور المتأخرة أزلا وأبدًا ويعلم جليل الأمور وحقيرها وصغيرها وكبيرها ويعلم تعالى ظواهر الأشياء وبواطنها غيبها وشهادتها ما يعلم الخلق منها وما لا يعلمون، ويعلم تعالى الواجبات والمستحيلات والجائزات، ويعلم تعالى ما تحت الأرض السفلي كما يعلم ما فوق السموات العلى ويعلم تعالى جزئيات الأمور وخبايا الصدور وخفايا الأشياء في كل الأوقات ولا يعرض لعلمه خفاء ولا نسيان"٤.
هـ - ومنها القدرة قال ﵀: " فالله كامل القدرة بقدرته أوجد الموجودات بقدرته دبرها، وبقدرته سواها وأحكمها وبقدرته يحي ويميت ويبعث العباد للجزاء ويجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته إذا أراد شيئًا قال له "كن فيكون" وبقدرته يقلب القلوب ويصرفها على ما يشاء ويريد"٥.
وـ ومنها الإرادة: قال ﵀ في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة في الإرادة: " ويعتقدون أن له الإرادة النافذة في جميع الموجودات، وبها خصص ما يشاء من
_________________
(١) ١ الحق الواضح المبين/١٩، وانظر التفسير ٥/٦٢٢. ٢ التفسير /٦٢٢. ٣ الحق الواضح المبين/٢٠ ٤ المواهب الربانية /٦٣، التفسير ٥/١٤٥، وتوضيح الكافية الشافية /٢١. ٥ التفسير ٥/٦٢٤، ٦٢٥.
[ ١٢٨ ]
المخلوقات بالصفات المتباينة والنعوت المتنوعة"١.
ز - ومنها اليدان قال ﵀: "فله يدان حقيقة، كما أن ذاته لا تشبهها الذوات، فصفاته لا تشبهها الصفات"٢.
حـ - ومنها الوجه قال ﵀ عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ٣ قال: "وفيه إثبات الوجه لله تعالى على الوجه اللائق به تعالى، وأن لله وجهًا لا تشبهه الوجوه"٤.
ط - ومنها القدم: قال ﵀: عند قوله تعالى: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيد﴾ ٥
"وقد وعدها الله ملأها كما قال تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ ٦ حتى يضع رب العزة عليها قدمه الكريمة المنزهة عن التشبيه فينزوي بعضها على بعض وتقول قط قط قد اكتفيت وامتلأت"٧.
ي - ومنها الساق: قال ﵀: "إذا كان يوم القيامة وانكشف فيه من القلاقل والزلازل والأهوال ما لا يدخل تحت الوهم، وأتى الباري لفصل القضاء بين عباده ومجازاتهم فكشف عن ساقه الكريمة التي لا يشبهها شيء، ورأى الخلائق من جلال الله وعظمته ما لا يمكن التعبير عنه "٨.
ثانيا: ذكر جملة من الصفات الفعلية "الاختيارية" وكلام الشيخ عنها:
أـ من صفات الأفعال القيومية: قال ﵀ في إثبات هذه الصفة: "القيوم تدخل فيه جميع صفات الأفعال؛ لأنه القيوم الذي قام بنفسه واستغنى عن جميع مخلوقاته، وقام بجميع الموجودات، فأوجدها وأبقاها، وأمده بجميع ما تحتاج إليه في وجودها وبقائها"٩ وهذا من الصفات التي تكون ذاتية باعتبار وفعلية باعتبار فهو قائم بنفسه ومقيم لغيره.
_________________
(١) ١ توضيح الكافية الشافية /٢١. ٢ الخلاصة /١٠٧. ٣ سورة البقرة / آية ١١٥. ٤ التفسير ١/١٢٩. ٥ سورة ق/ آية ٣٠. ٦ سورة هود آية ١١٩. ٧ التفسير ٧/١٥٥. ٨ التفسير ٧/٤٥٢. ٩ التفسير ١/٣١٣، والخلاصة /١٣.
[ ١٢٩ ]
ب - ومنها الرحمة قال ﵀: "الرحمن الرحيم اسمان دالان على أنه تعالى ذو الرحمة الواسعة العظيمة التي وسعت كل شيء وعمت كل مخلوق"١.
ج - ومنها الرزق قال ﵀: "الرزاق لجميع عباده فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها. ورزقه لعباده نوعان: رزق عام شمل البر والفاجر والأولين والآخرين وهو رزق الأبدان.
ورزق خاص وهو رزق القلوب وتغذيتها بالعلم والإيمان، والرزق الحلال الذي يعين على صلاح الدين وهذا خاص بالمؤمنين على مراتبهم معه بحسب ما تقتضيه حكمته ورحمته"٢.
د - ومنها الإتيان والنزول والاستواء: قال ابن سعدي عند قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ﴾ ٣.
قال: "وفي هذه الآية دليل لمذهب أهل السنة والجماعة في إثبات الأفعال الاختيارية لله تعالى كالاستواء والنزول والإتيان لله ﵎ من غير تشبيه له بصفات المخلوقين"٤.
وقال عند قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ ٥: "هذه الآية وما أشبهها دليل لمذهب أهل السنة والجماعة المثبتين للصفات الاختيارية كالاستواء والنزول والمجيء ونحو ذلك من الصفات التي أخبر بها تعالى عن نفسه وأخبر بها عنه رسوله ﷺ، فيثبتونها على وجه يليق بجلال الله وعظمته من غير تشبيه ولا تحريف ولا تعطيل"٦.
هـ - ومنها الرضى والغضب والسخط قال ﵀ عند قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ ٧.
_________________
(١) ١ الخلاصة /٩، والمواهب الربانية /٦٤. ٢ التفسير ٥/٦٢٦، ٦٢٧، والحق الواضح المبين /٤٥. ٣ سورة الأنعام/ آية ١٥٨. ٤ التفسير ٢/٥٠٩. ٥ سورة البقرة/ آية ٢١٠. ٦ التفسير ١/٢٥٦، وانظر سؤال وجواب /٧. ٧ سورة التوبة/ آية ٩٦.
[ ١٣٠ ]
قال: " وفيها إثبات الرضا لله عن المحسنين والغضب والسخط على الفاسقين"١.
ز - ومنها الصبر قال ﵀ "الكمال المطلق التام من جميع الوجوه ثابت لله تعالى نقلًا في جميع الأسماء والصفات والنعوت ومن أنواع الكمال الصبر "٢.
ح - منها الحياء قال ﵀: "هذا مأخوذ من قوله ﷺ: "إن الله يستحي من عبده إذا مد يداه إليه أن يردها صفراء"٣ وهذا من رحمته وكرمه وكماله وحلمه أن العبد يجاهر بالمعاصي مع فقره الشديد إليه حتى إنه لا يمكنه أن يعصي إلا أن يتقوى عليها بنعم ربه والرب مع كمال غناه عن الخلق كلهم من كرمه يستحي من هتكه وفضيحته وإحلال العقوبة به"٤.
د - ومنها المعية قال ﵀: "إخبار الله أنه مع عبده يرد في القرآن على أحد نوعين:
أحدهما: المعية العامة كقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ﴾ ٥ أي هو معهم بعلمه وإحاطته.
الثاني: المعية الخاصة وهي أكثر ورودًا في القرآن وعلامتها أن يقرنها الله بالاتصاف بالأوصاف التي يحبها والأعمال التي يرتضيها مثل قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ ٦ وقوله: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ ٧ وقوله ﴿لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ ٨ وهذه المعية تقتضي العناية من الله والنصر والتأييد والتسديد بحسب قيام العبد بذلك الوصف الذي رتبت عليه المعية"٩.
_________________
(١) ١ التفسير ٣/٢٨٥. ٢ الفتاوى السعدية/ ٢٩، وانظر الحق الواضح المبين /٣١. ٣ أخرجه أحمد ٥/٤٣٨، ٦/٣١٤، وابن ماجه ٢/١٢٧٠، والترمذي ٥/٥٥٦، وقال حديث حسن غريب. والحاكم ١/٤٩٧ وقال صحيح الإسناد على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. ٤ الحق الواضح المبين ٢٩، ٣٠. ٥ سورة المجادلة/ آية ٧. ٦ سورة البقرة/ آية ١٩٤. ٧ سورة التوبة/ آية ٤٠. ٨ سورة طه/ آية ٤٦. ٩ الخلاصة /١٧٤، والتفسير ٥/٦١٧، والمواهب الربانية /١٤، ١٥.
[ ١٣١ ]
هذا وبعد ذكر هذه الجملة من صفات الله الثبوتية الذاتية منها والفعلية، يجد القارئ أن ابن سعدي ﵀ قد سار في إثبات الصفات في جميع مؤلفاته ومن أهمها التفسير على منهج السلف الصالح، وذلك بإثبات جميع ما أثبته الله لنفسه وما أثبته له رسوله من صفات الكمال من غير تكييف ولا تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل وهذا هو المنهج الحق بخلاف غيره من المناهج الباطلة كمذهب الجهمية والمعتزلة والأشاعرة وغيرهم.
وكما أنه ﵀ سار على هذا المنهج في التأصيل والتقدير، فإنه كذلك سار عليه في الرفض والرد، وأعني بذلك أنه ﵀ دافع عن هذا المنهج على طريقة السلف من رفض كل ما يخالف هذه العقيدة في الأسماء والصفات.
فتناول بالرد من ينكر الصفات أو ينكر بعضها أو يتأولها، أو يشبهها بصفات المخلوقين أو غير ذلك من أنواع الإلحاد في أسماء الله وصفاته وقد تقدم معنا في القواعد التي قررها ﵀ قاعدة: "القول في الصفات كالقول في الذات"، وقاعدة "القول في بعض الصفات كالقول في بعض"، وقاعدة "الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة والإيمان به واجب"، وتقدم معنا شرحه لها وكيف يرد بها على المعطلة والمؤولة وغيرهم، وهي قواعد هامة تبين تهافت أقوالهم وتناقض آرائهم التي ليس عليها برهان من كتاب ولا سنة ولا عقل بل هي مخالفة لما تقرر في الكتاب والسنة من إثبات الصفات ومخالفة للعقل السليم الذي لم ينحرف.
وكما قرر ﵀ هذه القواعد العامة التي يرد بها على هؤلاء المؤولة فقد ناقشهم في ما ينكرونه من الصفات، وبين أنه ليس معهم حجة ولا برهان. وذكر الأدلة الدالة على بطلان مذاهبهم.
فناقشهم في صفة الاستواء والكلام والعلو، والنزول والإثبات وغيرها من صفات الله الثابتة بالكتاب والسنة.
ولكي نتعرف على منهجه في الرد على هؤلاء أرى من المناسب أن أذكر مناقشاته معهم في بعض الصفات وأكتفي بذكر صفتين فقط وهما:
صفة الكلام، وصفة الاستواء؛ ليكونا كنموذج لمناقشاته معهم في بقية الصفات.
أولا: صفة الكلام أدلتها، وردود ابن سعدي على من أنكرها:
إن هذه المسألة قد طال الكلام فيها وتنازع الناس فيها نزاعًا كبيرًا، وكثرت أقوال المتكلمين فيها، حتى إنه يقال إنما سمي علم الكلام لكثرة التكلم في هذه الصفة وسيرتكز حديثنا في هذه المسألة في ثلاث نقاط:
[ ١٣٢ ]
أولا: ذكر أقوال الناس في هذه المسألة.
ثانيا: بيان نصرة الشيخ لمذهب السلف وأدلته على ذلك.
ثالثا: ردوده على المخالفين.
أولًا: ذكر أقوال الناس في هذه المسألة:
إن من المناسب أن أذكر أقوال الناس في هذه المسألة، قبل بيان المذهب الحق، وقبل الرد على مخالفيه؛ وذلك ليكون عند القارئ تصور لها.
وتتلخص أقوال الناس في هذه الصفة في تسعة أقوال:
أحدها: أن كلام الله هو ما يفيض على النفوس من معاني، إما من العقل الفعال عند بعضهم، أو من غيره، وهذا قول الصابئة والمتفلسفة.
وثانيها: أنه مخلوق خلقه الله منفصلا عنه، وهذا قول المعتزلة.
وثالثها: أنه معنى واحد قائم بذات الله، وهو الأمر والنهي والخبر والاستخبار وإن عبر عنه بالعربية كان قرآنًا، وإن عبر عنه بالعبرانية كان توراة، وهذا قول ابن كلاب ومن وافقه كالأشعري١ وغيره.
ورابعها: أنه حروف وأصوات أزلية مجتمعة في الأزل، وهذا قول طائفة من أهل الكلام ومن أهل الحديث.
وخامسها: أنه حروف وأصوات، لكن تكلم الله بها بعد أن لم يكن متكلمًا وهذا قول الكرامية وغيرهم.
وسادسها: أن كلامه يرجع إلى ما يحدثه من علمه وإرادته القائم بذاته وهذا يقوله صاحب المعتبر، ويميل إليه الرازي في "المطالب العالية".
وسابعها: أن كلامه يتضمن معنى قائمًا بذاته هو ما خلقه في غيره وهذا قول أبي منصور الماترودي.
_________________
(١) ١ تجدر الإشارة هنا إلى أن أبا الحسن الأشعري قد رجع عن عقيدة الكلابية وألف رسائل على عقيدة السلف وإن كان فيها بعض الشوائب العالقة إثر تركه لعقيدة المعتزلة، ومن ثم تركه لعقيدة الكلابية. ومن هذه المؤلفات التي سار فيها الأشعري على نهج السلف كتابه الإبانة وكتابه رسالة إلى أهل الثغرة، وكتابه مقالات الإسلاميين. ولمزيد من الإيضاح راجع رسالة أبي القاسم عبد الملك بن عيسى بن درباس في الذب عن أبي الحسن الأشعري بتحقيق الدكتور على ناصر فقيهي، وسالة الشيخ حماد الأنصاري في أبي الحسن الأشعري، طبع مؤسسة النور ١٣٨٢هـ.
[ ١٣٣ ]
وثامنها: أنه مشترك بين المعنى القديم القائم بالذات، وبين ما يخلقه في غيره من الأصوات وهذا قول أبي المعالي ومن تبعه.
وتاسعها: أنه تعالى لم يزل متكلمًا إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء وهو يتكلم به بصوت يسمع وأن كلامه قديم النوع حادث الآحاد، وأنه لا نهاية له؛ لأنه لا نهاية للمتكلم به وهذا المأثور عن أئمة الحديث والسنة١.
ثانيا: بيان نصرة الشيخ لمذهب السلف وأدلته على ذلك:
لا ريب أن المذهب الحق من هذه المذاهب، هو مذهب أهل السنة والجماعة الذي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة٢؛ لذا فإن ابن سعدي قد أيد هذا المذهب ونصره وبين أنه المذهب الحق وأطال في ذكر أدلته.
قال ﵀: "القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود والله المتكلم به حقًا لفظه ومعانيه ولم يزل ولا يزال متكلما بما شاء إذا شاء وكلامه لا ينفد ولا له المنتهى"٣.
وبين ﵀ أن هذا هو قول أهل السنة والجماعة فقال: " ومن قول أهل السنة والجماعة قولهم في الكلام وأن الله لم يزل ولا يزال له الكمال المطلق فكلامه القرآن هو المقروء بالألسنة المحفوظ في الصدور المسموع بالآذان، وكلامه من جملة صفاته الفعلية فهو متصف به، وهو متعلق بمشيئته وقدرته، وليس مخلوقًا؛ لأن الكلام صفة المتكلم"٤.
أدلة ابن سعدي على هذا المذهب:
تقدم معنا أنه ﵀ أكثر من ذكر الأدلة على صحة هذا المذهب؛ لذا سأكتفي بذكر جملة منها:
١ـ قال ﵀ عنده تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ
_________________
(١) ١ انظر شرح العقيدة الطحاوية /١١٩، ١٢٠، ومختصر الصواعق لمحمد بن الموصلي /٤٢٣ وما بعدها. ٢ الفتاوى لابن تيمية ١٣/١٣٢. ٣ سؤال وجواب /٨، وانظر الفتاوى /١٢، والخطب المنبرية /٧٥، والحق الواضح المبين /٢٣. ٤ توضيح الكافية الشافية /٢٢.
[ ١٣٤ ]
نَجِيًّا﴾ ١ "وفي هذا إثبات صفة الكلام لله تعالى وأنواعه من النداء والنجاء كما هو مذهب أهل السنة والجماعة خلافًا لمن أنكر ذلك من الجهمية والمعتزلة ومن نحا نحوهم"٢.
٢ـ ومن الأدلة قوله تعالى: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ ٣ قال ﵀: "ففي هذا كلام الرب تعالى لأهل الجنة وسلامه عليهم وأكده بقوله قولًا"٤.
٣ـ ومنها قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ٥ قال ﵀: أي مشافهة منه إليه بلا واسطة حتى اشتهر بهذا عند العالمين فيقال "موسى كليم الرحمن"٦.
٤ـ ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ٧ قال ﵀: "وفي هذا حجة صريحة لمذهب أهل السنة والجماعة القائلين بأن القرآن كلام الله غير مخلوق؛ لأنه تعالى هو المتكلم به وأضافه إلى نفسه إضافة الصفة إلى موصوفها"٨.
٥ - ومنها قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ ٩ وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ ١٠.
وقال ﵀: "هذا من باب تقريب المعنى إلى الأذهان؛ لأن هذه الأشياء مخلوقة وصفاته غير مخلوقة ولا لها حد ولا منتهى، فأي سعة وعظمة تصورتها القلوب فالله فوق ذلك؛ وهكذا سائر صفات الله تعالى كعلمه وحكمته وقدرته ورحمته"١١.
٦ـ ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ١٢ قال ﵀:
_________________
(١) ١ سورة مريم/ آية ٥٢. ٢ التفسير ٥/١١٧. ٣ سورة يس/ آية ٥٨. ٤ التفسير ٦/٣٥٤. ٥ سورة النساء/ آية ١٦٤. ٦ التفسير ٢/٢١٨. ٧ سورة التوبة/ آية ٦. ٨ التفسير ٣/٢٠١. ٩ سورة الكهف/ آية ١٠٩. ١٠ سورة لقمان/ آية ٢٧. ١١ التفسير ٥/٨٦، وانظر التفسير ٦/١٦٨، ١٦٩. ١٢ سورة الحجر/ آية ٩.
[ ١٣٥ ]
"اشتملت على فوائد عديدة الأولى والثانية أن القرآن كلام الله غير مخلوق وأن الله تعالى عليٌ على خلقه وهذا مأخوذ من قوله "نزلنا الذكر" فإنه نزل به جبريل من الله العزيز العليم فكونه نازلًا من عند الله يدل على علو الله، وكونه من عنده يدل على أنه كلام الله فإن الكلام صفة للمتكلم ونعت من نعوته"١.
٧ـ ومنها قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ٢ قال ﵀: "هذه العبارة وما أشبهها مما هو كثير في القرآن تدل على أن جميع الأشياء غير الله وأسمائه وصفاته مخلوقة وليس كلام الله من الأشياء المخلوقة؛ لأن الكلام صفة المتكلم والله تعالى بأسمائه وصفاته أول ليس قبله شيء.
فأخذُ أهل الاعتزال من هذه الآية ونحوها أن كلام الله مخلوق من أعظم الجهل، فإنه تعالى لم يزل بأسمائه وصفاته، ولم يحدث صفة من صفاته، ولم يكن معطلًا عنها بوقت من الأوقات"٣.
٨ - ومنها قول ﷺ في حديث القدسي: "فيقول الله تعالى: يا آدم فيقول لبيك وسعديك فينادي بصوت إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثًا إلى النار"٤.
قال ﵀: "ففي هذا الحديث إثبات القول من الله والنداء لآدم وأنه نداء حقيقة بصوت، وهذا من فضل الله لا يشكل على المؤمنين فإن النداء والقول من أنواع الكلام، وكلام الله صفة من صفاته، والصفة تتبع الموصوف"٥.
٩ـ ومنها قوله ﷺ: "ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان" ٦.
قال ﵀: "وهذا أيضًا إثباتٌ لتكليمه لجميع العباد بلا واسطة"٧.
وأكتفي بهذا القدر من الأدلة وهي في الحقيقة كثيرة جدًا ولا تحصر إلا بكلفة.
ثالثا: ردوده على المخالفين:
أعني بالمخالفين من خالف هذا المنهج الواضح الذي دلت عليه نصوص الكتاب
_________________
(١) ١ المواهب الربانية /٢٦. ٢ سورة الزمر/ آية ٦٢. ٣ التفسير ٦/٤٨٩. ٤ أخرجه البخاري ٨/١٩٥. ٥ التنبيهات اللطيفة /٢٩. ٦ أخرجه البخاري ٨/١٨٥، ومسلم ٢/٧٠٣، والترمذي ٤/٦١١، وأحمد في المسند ٤٠/٢٥٦. ٧ التنبيهات اللطيفة ٣٠.
[ ١٣٦ ]
والسنة، كما تقدم وذكر هذه الجملة من الأدلة على صحة هذا المذهب يعد ردًا على غيره من المذاهب؛ وذلك لأنه إذا تعين أن هذا المذهب هو الحق فإن ما سواه يعد باطلًا لا يلتفت إليه.
ومع ذلك فقد تناول السعدي ﵀ الرد على هؤلاء، ونقض شبههم وبين ضعفها وأنها ليس فيها حجة، وأنها مخالفة لمراد الله ورسوله، من وجوب إثبات هذه الصفة العظيمة لله ﷿ على الوجه اللائق به، كغيرها من صفاته ﷿.
فناقش الفلاسفة والجهمية والمعتزلة والأشاعرة والكلابية والكرامية وغيرها من الطوائف التي ضلت في هذه الصفة وبين أنهم كلهم عدلوا عن الصراط المستقيم وألحدوا في هذه الصفة إذ لم يثبتوها لله ﷿.
وقد تقدم معنا أقوال هذه الطوائف في هذه الصفة، والآن سنتناول ردوده عليهم، كل طائفة على حده باختصار.
ذكر قول الفلاسفة في صفة الكلام والرد عليه:
قال الشيخ ابن سعدي ﵀ مبينا قول الفلاسفة ومن أين أخذوه: "فلما كان من أصولهم القول بقدم العالم وأن العقل الفعال هو المحدث لكل ما تحته وأن هذا العقل دائم الفيض على ما تحته على المحال المستعدة بحسب قابليتها، فيفيض الوجودات وأوصافها وأفعالها وأقوالها وآثارها، فيفسرون كلام الله على هذا الأصل الباطل فيقولون لما كان محمد قد اجتمعت فيه القوى الكاملة من الزكاء والذكاء والقوة العملية، فاض عليه من هذا العقل ما يناسب حاله وهو الكلام الراقي فتلقاه وأتى به للعباد ألفاظًا وخطابة ومواعظ خالية من البراهين لم تصرح بالحق بل رمزت إليه وأشارت إليه من بعيد"١.
ومقصود قولهم أن القرآن ليس كلام الله وإنما هو معاني تخيلها الرسول ﷺ ونظمها وعبارات من عنده، وهذا قول باطل لا مرية في بطلانه، وهو ناتج أولا وقبل كل شيء عن عدم إيمانهم بالله ﷿.
لذا يقول ابن سعدي ﵀ في بيان بطلان هذا المذهب: "ومن تصور أقوالهم جزم بأنهم لا يؤمنون بالله ولا يثبتون وجوده ولا يثبتون الرسالة ولا المعاد الأخروي، وعلم أن ما قالوه مع مخالفته لجميع ما جاءت به الرسل فإنه مخالف لما دلت عليه العقول الصحيحة، وأن ما ادعوه من العقليات هو في الحقيقة جهليات وخيالات. وبسط الكلام على مذهبهم يستدعي أكثر من ذلك، وإنما راج مذهبهم على كثير من الناس لما فيه من
_________________
(١) ١ توضيح الكافية الشافية /٣٣، ٣٤.
[ ١٣٧ ]
الممويهات والتلبيس والنفاق ويصادف مع هذا قلة بصيرة والله المستعان"١.
ولا شك أن قول هؤلاء الفلاسفة ساقط، ومخالف لما جاءت به الرسل ومخالف للعقول السليمة كما أوضح ذلك ابن سعدي ﵀ إلا أنه مع ذلك فإنه يوجد من أبناء المسلمين من اغتر بهذا القول وأخذ به وصار يدعو إليه.
ومن هؤلاء الذين اغتروا بهذا المعتقد الفاسد القصيمي صاحب الأغلال الذي تقدمت ردود ابن سعدي عليه في مسألة إنكار وجود الباري ﷿، فهو في هذه المسألة أيضًا أخذ بقول الفلاسفة واعتمده كما أنه أخذ بجميع ما يدعون إليه.
وفي رد ابن سعدي على كتاب القصيمي "هذي هي الأغلال" تناول هذه المسألة وبين ضلاله فيها وبين أن قصده من وراء ذلك هو إفساد الدين والدعاية إلى نبذه ومحاربته بكل طريق"٢.
ومن أقوال القصيمي الباطلة في هذه المسألة والتي تناولها ابن سعدي بالرد قوله في بيان مأخذ الرسول ﷺ لنصوص الوحي من أي طريق؟ أنه " كان يعبد الطبيعة وأخذت قلبه وقالبه ولبه وكان يناجي الليل والنهار والضياء والظلمة والنسيم ونحوها مما يشاهد، وافتتح رسالته بمناجاة الطبيعة والخلوة بها في غار حراء، وختم رسالته وحياته بشدة النزع إليها وقت السياق حيث كان يقول في الرفيق الأعلى"٣.
فهو يرى أن النبي ﷺ جاء بالقرآن من عند نفسه، وهذا القول كفر ليس وراءه كفر، لأنه أنكر بذلك الوحي والرسالة.
لذا يقول ابن سعدي: " فهو بهذا التحليل أنكر الوحي والرسالة ورمى النبي ﷺ بأنه طبيعي لا يعرف الله ولا يعرف الوحي فلم ينزل عليه جبريل من عند الله، ولا كان يناجي الله ولا يعبده، ولا كان عند السياق إلا مشتاقًا إلى الطبيعة فقط؛ لأنه لا يعرف الله ولا يريده، ولا يحبه٤ ولا يطلبه، وظهر بهذا غرض القصيمي الوحيد، وهو الدعاية إلى نبذ الدين ومحاربته"٥.
_________________
(١) ١ توضيح الكافية الشافية /٣٤. ٢ انظر تنزيه الدين /١٩، ٢٠. ٣ هذي هي الأغلال للقصيمي /٥٦، ١٥٧. ٤ هذه المسألة قد استوفى ابن تيمية الرد فيها على أسلاف القصيمي من الفلاسفة والمعتزلة وغيرهم في أكثر كتبه، ولا سيما كتابه "النبوات" انظر ص ٢٤٨ وما بعدها من كتاب النبوات فقد ذكر أقوال المتكلمين ورد عليها. ٥ تنزيه الدين /١٨، بتصرف يسير.
[ ١٣٨ ]
وهذا من قلة بصيرة هذا الشخص بدين الله؛ لأن هذا الكلام لا يقوله عاقل مؤمن بالله مصدق برسوله ﷺ.
والمقصود أن قول الفلاسفة المتقدم ذكره والذي أيده هذا القصميمي، لا يلتفت إليه لمخالفته جميع ما جاءت به الرسل ولمخالفته للعقول السليمة.
قول الجهمية والمعتزلة ورد ابن سعدي عليه:
تقدم أن قول الجهمية والمعتزلة في صفة الكلام، هو أنهم يرون أن الكلام ليس صفة لله ﷿، وإنما هو مخلوق من مخلوقاته خلقه كما خلق السموات والأرض خارجًا عن ذات الله لا يقوم بذاته كلام ولا قول، قال ابن سعدي ﵀ في بيان بطلان هذا القول وأنه أمر مستنكر عند الناس غير مستساغ: "فلما قال الناس لهم هذا أمر معلوم بطلانه فإن الكلام صفة للمتكلم، والله قد أضافه إلى نفسه إضافة الصفة إلى موصوفها فزعموا أن إضافته إليه إضافة تشريف كإضافة ناقة الله وعبد الله.
فأجابهم الناس بما هو معروف ومتقر عند كل أحد مع دلالة الكتاب والسنة إليه، فقالوا إن الإضافة نوعان:
أحدهما: ما يضيفه الله إلى نفسه من الأعيان كبيت الله وناقة الله ونحوهما، فهذه الإضافة لبعض مخلوقاته تفيد تشريفه وتكريمه بما امتاز به ذلك المضاف من الأوصاف الفاضلة.
والثاني: إضافة معاني وأوصاف تقوم كعلم الله وقدرته وإرادته وكلامه فهذه الإضافة من باب إضافة الأوصاف إلى موصوفها تقتضي قيامها به واتصافه بها.
ومن خالف هذا الفرق فهو منكر للمحسوسات"١.
ويستدل الجهمية والمعتزلة لقولهم هذا بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُْ﴾ ٢.
فهم يجعلون لذلك مقدمة وهي أن القرآن شيء وكل شيء مخلوق إذا فالقرآن مخلوق. وهذا كلام باطل، لأن الآية لم تدل على ذلك، وإنما دلت على أن كل شيء غير أسماء الله وصفاته مخلوق؛ لذا يقول ابن سعدي ﵀: "وليس كلام الله من الأشياء المخلوقة؛ لأن الكلام صفة المتكلم والله تعالى بأسمائه وصفاته أول ليس قبله شيء"٣.
_________________
(١) ١ توضيح الكافية الشافية /٢٥، وانظر القاعدة السابعة من قواعد الأسماء والصفات المتقدمة. ٢ سورة الرعد/ آية ١٦. ٣ التفسير ٦/٤٨٩.
[ ١٣٩ ]
ثم بين أنه لا دلالة في هذه الآية لما ذهب إليه المعتزلة فقال: "فأخذ أهل الاعتزال من هذه الآية ونحوها أن كلام الله مخلوق من أعظم الجهل، فإنه تعالى لم يزل بأسمائه وصفاته ولم يحدث صفة من صفاته، ولم يكن معطلًا عنها بوقت من الأوقات"١.
قول الكلابية والأشعرية ورد ابن سعدي عليه:
وهم القائلون " بأن القرآن نوعان ألفاظ ومعان، فالألفاظ مخلوقة وهي هذه الألفاظ الموجودة والمعاني قديمة قائمة في النفس وهي معنى واحد لا تبعض فيه ولا تعدد، إن عبر عنه بالعربية كان قرآنا وإن عبر عنه بالعبرانية كان توراة، أو بالسريانية كان إنجيلا"٢.
ولا شك أن هذا القول معلوم البطلان، ولا دلالة عليه من كتاب أو سنة ولا مستند من لغة العرب.
قال ابن سعدي ﵀ في معرض رده على هذا القول: " وهذا القول تصوره كاف بمعرفة بطلانه وليس لهم دليل ولا شبهة على هذا القول الذي لم يقله أحد غيرهم"٣.
أما عن استشهادهم على هذا القول بقول الشاعر:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما
جُعل اللسان على الفؤاد دليلًا
فأجاب عنه بقوله: "هذا البيت معروف معناه، وإن الكلام يخرج من القلب ويعبر عنه اللسان، وأما الكلام الذي في اللسان فقط فهذا يشبه كلام النائم والهاذي ونحوهما.
وهب أنه دل على القول الذي قالوه فكيف يتركون لأجله أدلة الكتاب والسنة والذي يعقله العقلاء بعقولهم أن الكلام صفة للمتكلم، وأنه الكلام المسموع منه، وأن ما في النفس لا يسمى كلامًا بوجه من الوجوه"٤.
ثم إنه من المعلوم أن هذا البيت للأخطل النصراني فكيف يجوز أن يترك الكتاب والسنة لأقوال النصارى مع العلم بكثرة أخطائهم في العقيدة والفروع.
لذا يقول ابن سعدي: "وأيضًا فإن غلطهم في الأصول والفروع معروف"٥ ومقصوده أنه كيف يؤخذ بقولهم وهذه حالهم.
وقول الكلابية والأشعرية قريب من قول المعتزلة؛ لأن مؤداه ومعناه أن القرآن
_________________
(١) ١ التفسير ٦/٤٨٩ ٢ توضيح الكافية الشافية /٢٣. ٣ توضيح الكافية الشافية /٢٣. ٤ توضيح الكافية الشافية /٢٣. ٥ توضيح الكافية الشافية /٢٣.
[ ١٤٠ ]
مخلوق. كما اعترف بذلك بعضهم قال ابن سعدي ﵀: "وهذا القول كما قال من اعترف منهم أنه لا فرق بينه وبين قول المعتزلة إلا في اللفظ"١.
والمقصود أن هذا القول ظاهر البطلان من أوجه متعددة قال ﵀: "وقد رد شيخ الإسلام ابن تيمية هذا القول وبين بطلانه في رسالته التسعينية فبين من تسعين وجهًا كل واحد منها يدل على بطلانه أدلة نقلية وأدلة عقلية"٢.
قول الاقترانية ورد ابن سعدي عليهم:
الاقترانية هم القائلون بأن كلام الله حروف وأصوات أزلية مجتمعة في الأزل.
وأما عن سبب تسميتهم بذلك يقول ابن سعدي ﵀ "لما قيل لهم هذا مخالف للمحسوس المعلوم بالبديهة أن حروف الكلام طبعًا لا بد أن يسبق بعضها بعضًا، قالوا إنما تربيتها بالنسبة إلى سمع الإنسان، وإلا فهي ما زالت متصاحبة مقترنة"٣.
وقال في رده عليهم: "ولا شك أن هذا القول إلى التخليط والهذيان أقرب منه إلى التحقيق والبرهان"٤.
وقال: "وهو مخالف لأصل الأئمة وموافق لبعض قول الكلابية"٥. وقد تقدم رده على الكلابية.
وبعد ذكر هذه الجملة من ردود ابن سعدي ﵀ على المخالفين لمذهب السلف الصالح في صفة الكلام أنتقل إلى الصفة الأخرى وهي صفة الاستواء لنرى كيفية مناقشة ابن سعدي للمخالفين في هذه الصفة.
ثالثا: صفة الاستواء وأدلتها ودحض ابن سعدي شبه من أنكرها:
الاستواء من الصفات الثابتة لله ﷿ بالكتاب والسنة، واتفاق سلف الأمة، وهو من الصفات التي تدل على عظمة الله وعلوه على عباده وأنه القاهر فوقهم، وأنه سبحانه بذاته وأسمائه وصفاته له العلو المطلق من جميع الوجوه.
وكلامي عن هذه الصفة سيكون مقتصرًا على ما يلي:
أولا: ذكر معاني الاستواء الواردة في القرآن مع بيان السعدي لها.
ثانيا: إثبات الشيخ للاستواء على طريقة السلف وأدلته على ذلك.
ثالثا: دحض شبه من أنكر هذه الصفة.
_________________
(١) ١ توضيح الكافية الشافية /٢٣. ٢ توضيح الكافية الشافية /٢٣ ٣ توضيح الكافية الشافية /٢٤ ٤ توضيح الكافية الشافية /٢٤. ٥ توضيح الكافية الشافية /٢٥.
[ ١٤١ ]
أولا: ذكر معاني الاستواء الواردة في القرآن:
ذكر ابن سعدي في مؤلفاته أن لفظة استوى ترد في القرآن الكريم على ثلاثة أحوال:
فتارة تكون متعدية بنفسها، وتارة تكون متعدية بـ "على" وتارة تكون متعدية بـ "إلى". وذكر أيضا أن لها في كل موضع من هذه المواضع معنى خاص: فإن كانت متعدية بنفسها فمعناها التمام والكمال، وإن كانت متعدية بـ "على: فمعناها العلو والارتفاع وإن كانت متعدية بـ "إلى" فمعناها القصد، ومن ذلك قوله ﵀:
"استوى ترد في القرآن على ثلاثة معان:
فتارة لا تعدى بالحرف فيكون معناها الكمال والتمام كما في قوله عن موسى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ ١، وتارة تكون بمعنى "علا" و"ارتفع" وذلك إذا عديت بـ "على" كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٢وقوله: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ ٣.
وتارة تكون بمعنى قصد٤، كما إذا عديت بـ "إلى" كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَات﴾ ٥ أي لما خلق تعالى الأرض قصد إلى خلق السماوات فسواهن سبع سموات فخلقها، وأحكمها وأتقنها وهو بكل شيء عليم"٦.
ثانيا: إثبات الشيخ للاستواء على طريقة السلف وأدلته على ذلك:
قال ﵀ في بيان عقيدة السلف الصالح في هذه الصفة العظيمة: " ويقرون ويعتقدون بجميع ما ثبت في الكتاب والسنة من أسماء الله وصفاته وأفعاله،
_________________
(١) ١ سورة القصص/ آية ١٤. ٢ سورة طه/ آية ٥. ٣ سورة الزخرف/ آية ١٣. ٤ تنبيه: الصواب أن استوى وإن عديت بـ "إلى" فهى بمعنى على وارتفع، كما بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وقد نقلا عن جمع من السلف هذا التفسير، كما حكى ابن القيم إجماع السلف على ذلك. انظر الفتاوى ٥/٥١٨ وما بعدها ومختصر الصواعق المرسلة /٣٣٠ ٥ سورة البقرة/ آية ٢٩. ٦ التفسير ١/٦٩، وانظره /٦١٨، ٦١٩ والخلاصة /١٧٤.
[ ١٤٢ ]
ويقولون إنه على خلقه مستو على عرشه"١.
وقال "نعرف ربنا بأنه على بكل معنى واعتبار علو الذات وعلو القدر وعلو القهر، وأنه بائن من خلقه مستو على عرشه كما وصف لنا نفسه بذلك، والاستواء معلوم والكيف مجهول، فقد أخبرنا أنه استوى ولم يخبرنا عن الكيفية، وكذلك نقول في جميع صفات الباري أنه أخبرنا بها ولم يخبرنا عن كيفيتها فعلينا أن نؤمن بكل ما أخبرنا في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ ولا نزيد على ذلك ولا ننقص منه"٢.
وقال ﵀ "وأما استواؤه على العرش العظيم فيستفاد من النقل الكتاب والسنة"٣.
أدلته على إثبات هذه الصفة:
ولقد ورد في القرآن والسنة أدلة كثيرة تبين أن الله سبحانه مستو على عرشه بائن من خلقه، وهي كثيرة جدًا.
وقد أشار ابن سعدي ﵀ في توضيحه للكافية الشافية إلى كثرة الأدلة في ذلك وتنوعها فقال:
"ذكر المصنف - يعني ابن القيم - واحدًا وعشرين نوعًا من الأدلة على هذه المسألة العظيمة كل نوع منها تحته من الأفراد ما لا يعد ولا يحصى"٤.
ثم أخذ رحمه يعدد هذه الأنواع من الأدلة، ومن أجل عدم الإطالة سأختصر جملة من هذه الأدلة فيما يلي:
١ـ أخبر الله سبحانه بأنه مستو على عرشه في سبعة مواضع من القرآن وكلها جاءت بلفظ على العرش؛ وعلى تدل على العلو والارتفاع.
٢ـ تكرر في الكتاب وصف الله العلي الأعلى وهذا يدل على علوه من جميع الوجوه.
٣ـ ورد في القرآن التصريح بالفوقية مثل قوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِم﴾ ٥، والفوقية وصف ثابت لله، دال على علوه.
٤ـ إخبار الله أن القرآن نزل منه، ومن المعلوم أن النزول لا يكون إلا من علو.
_________________
(١) ١ توضيح الكافية الشافية/ ٢٠. ٢ سؤال وجواب /٧. ٣ الحق الواضح المبين /١٣. ٤ توضيح الكافية الشافية /٤٥. ٥ سورة النحل/ الآية ٥٠.
[ ١٤٣ ]
هـ - ورد في القرآن أن بعض المخلوقات والأعمال تصعد إليه وهذا تصريح بعلوه.
٦ـ إخبار الله أنه في السماء كقوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ ١ ومعناه عند جميع المفسرين أنه في العلو.
٧ـ إجماع الكتب السماوية والرسل عليهم الصلاة والسلام على التصريح بعلو الله على خلقه وفوقيته.
٨ - إجماع أهل السنة والجماعة من الصحابة والتابعين وتابعيهم من أئمة المسلمين المعتبرين، على ذلك٢.
هذه جملة من الأدلة التي ذكرها الشيخ ابن سعدي ﵀ على علو الله تعالى على جميع خلقه، ثم أحال ﵀ من أراد الاستزادة من هذه الأدلة إلى كتاب ابن القيم "اجتماع الجيوش الإسلامية"٣.
وكان الشيخ ابن سعدي في تفسيره للقرآن إذا مر على الآيات الدالة على استواء الله على عرشه ينبه عليها، ويشير إلى دلالتها على علو الله على جميع خلقه.
ومن ذلك قوله ﵀ عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ٤: "استواء يليق بجلاله فوق جميع خلقه"٥.
ثالثا: دحضه لشبه المنكرين:
سأورد هنا بعض الشبه التي يطرحها من ينكر هذه الصفة من الجهمية وغيرهم، ثم أذكر أجوبة الشيخ عن هذه الشبه.
الشبهة الأولى: "قولهم إن للاستواء عدة معان"
فإذا قال الجهمي لأتباعه: إن قال لكم المجسم ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٦. فقولوا له هذه لفظة فإن "العرش" له عدة محامل فأي المعاني تريد، و"على" أيضًا تأتي في العربية لعدة معاني.
وقد أجاب ابن سعدي على هذه الشبهة فقال:
_________________
(١) ١ سورة الملك/ الآية ١٦. ٢ انظر الكافية الشافية /٤٥ وما بعدها. ٣ انظر هذه الأدلة في ص ٤٩، وما بعدها من كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" لابن القيم. ٤ سورة الحديد/ الآية ٤. ٥ التفسير ٧/٢٨٣، وانظر في ذلك التفسير ٣/٣٨، ٥/٤٨٩، ٦/ ١٧٧، ٥/ ١٤٤ وغيرها. ٦ سورة طه الآية ٥.
[ ١٤٤ ]
"إذا سمع الجاهل هذا التلبيس والتمويه استعظم ذلك ورآه إشكالًا يعسر الانحلال عنه، وأما المتبصر الذي نور الله قلبه فإنه يعرف أن هذا ليس محل إشكال ولا لبس بل هو من أوضح الأشياء وأبينها.
فإن الألف واللام في العرش للعهد الذي يفهمه كل مسلم أنه عرش الرب العظيم لا غيره من عروش الكرم ونحوها، ولو قيل له يحتمل واحدًا غير هذا لبادر لإنكاره.
هذا مع اتفاق جميع الرسل وشهادتهم أنه استوى على العرش العظيم فكل مؤمن يفهم المعنى من قوله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ١.
وكذلك لفظ الاستواء المعدى بعلى فإنه واضح جدًا دال على العلو والظهور فإن الاستواء حيث عُدي بعلى فإنه يدل على العلو والظهور، وأما إذا عدي بإلى نحو ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ ٢ فإنه يدل على القصد٣، وإذا قيل استوى كذا وكذا دل على معية الأول للثاني كقوله: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ ٤ فهذه المعاني المتباينة بحسب تعديته كما ذكرنا.
فعلم علمًا يقينًا أن قوله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ لا إشكال فيه ولا إجمال خصوصًا وقد طرد إتيانه بهذا السياق في جميع موارده ومصادره ولم يأت هذا المعنى بلفظ فيه إجمال، فلو كان المراد ما قصده الجهمي لأتى به ولو في موضع واحد ليستبين المراد"٥.
الشبهة الثانية: "قولهم إن إثبات الاستواء يقتضي التجسيم".
فالأشاعرة وغيرهم من الذين يثبتون بعض الصفات وينكرون البعض الآخر، يقولون إن إثبات الاستواء وغيره من الصفات الاختيارية يقتضي التجسيم.
وأجاب ابن سعدي عن هذه الشبهة، بأن جميع الصفات وردت في الكتاب والسنة فكيف جاز لكم تأويل بعضها وترك البعض، فإن قالوا بأن ما يقتضي التجسيم تأولناه؛ لأن الجسم من خصائص المحدثات المخلوقة فهذا الذي تأولناه ما نعقل منه إلا التجسيم فتعين تأويله.
_________________
(١) ١ سورة طه/ الآية ٥. ٢ سورة البقرة / الآية ٢٩ وغيرها. ٣ تقدم معنا ص ١٤٢ أن هذا القول مخالف لأقوال السلف، وأن استوى وإن عديت بـ "إلى" فمعناه على وارتفع، فليراجع. ٤ سورة القصص/ الآية ١٤. ٥ توضيح الكافية الشافية /٥٧، ٥٨.
[ ١٤٥ ]
يقال لهم بأن تفريقكم بين الأمرين تفريق بين متماثلين، إذ أنكم إذا تأولتم صفة وقعتم في مثل ما فررتم منه، فأثبتوا جميع الصفات فالباب واحد، وإلا فبينوا فرقًا بين ما نفيتم وبين ما أثبتم، ومن المعلوم أنهم لا يهتدون إلى فرق بين الصفات بإثبات بعضها ونفي بعضها فالواجب إذا هو اتباع السلف الصالح وذلك بإثبات ما أثبته الله لنفسه وما أثبته له رسوله من صفات الكمال"١.
الشبهة الثالثة: "قولهم استوى بمعنى استولى"
وهذا قول الجهمية وغيرهم فهم يقولون إن المراد بقوله تعالى ﴿ثم استوى على العرش﴾ أي استولى على العرش.
واستدلوا على ذلك بقول الشاعر:
قد استوى بشر على العراق
من غير سيف أو دم مهراق،
وأجاب ابن سعدي عن هذه الشبهة بأن الله أخبر أنه مستو على العرش في سبعة مواضع من القرآن وكلها جاءت بلفظ "على العرش" وعلى تدل على العلو والارتفاع وهذا نص لا يقبل الاحتمال ولا الاشتباه في معناه. ولو كان استوى بمعنى استولى كما يقول الجهمية وأتباعهم لأتت اللام في موضع واحد أو أكثر لأجل أن يحمل الباقي عليها فلما لم ترد في موضع واحد بذلك كانت نصا صريحا في العلو والفوقية؛ لأن العرب جرت عادتهم في كلامهم الفصيح أن يضمروا بعض القيود في بعض كلامهم ويذكروه في كلام لفظ آخر فيحمل مطلق الكلام على مقيده، وأما هذا الموضع فالحمل متعذر.
وهم بعملهم هذا مشابهين لليهود، لأن اليهود لما قيل لهم ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ .
دخلوا على آساتهم وقالوا حبة في حنطة تهكمًا وجرأة على الله فاليهود زادوا النون في
_________________
(١) ١ انظر توضيح الكافية الشافية /٦١.
[ ١٤٦ ]
قولهم حنطة بدل حطة والجهمية زادوا اللام في قولهم استولى بدل استوى ١.
وهذا قول باطل قد بين الأئمة بطلانه من وجوه كثيرة٢.
وهذا آخر ما رأيت إيراده في هذا المبحث المتعلق بتوحيد الأسماء والصفات، ويمكن أن نصل إلى خلاصة لما تقدم، وهي: أن الواجب على كل مسلم أن يكون منهجه في توحيد الأسماء والصفات منهج السلف الصالح.
وذلك بإثبات جميع ما أثبته الله لنفسه، وما أثبته له رسوله ﷺ من صفات الكمال، وأن ينفي عنه ما نفاه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله من صفات النقص من غير تكييف ولا تمثيل ومن غير تحريف ولا تعطيل.
هذا وليعلم أن الإنسان لو أتى بهذا التوحيد وسابقه توحيد الربوبية على الوجه المطلوب، ولم يأت مع ذلك بتوحيد الألوهية، فإن توحيده هذا لا ينفعه؛ لأنه لازم على من أقر بربوبية الله وأقر بأسمائه وصفاته أن يوحده بجميع أنواع العبادة، فكما أن الله واحد في ذاته وأسمائه وصفاته، فالواجب أن يوحد ويفرد بجميع أنواع العبادة، وهذا هو موضوع المبحث التالي.
_________________
(١) ١ انظر توضيح الكافية /٥٤، ٥٦. ٢ قال العلامة ابن القيم ﵀ في نونيته: أمر اليهود بأن يقولوا حطة فأبوا وقالوا حنطة لهوان وكذلك الجهمي قيل له استوى فأبى وزاد الحرف للنقصان قال استوى استولى قيل وذا من جهلة لغة وعقلًا ما هما سيان نون اليهود ولام جهمي هما في وحي رب العرش زائدتان؟؟
[ ١٤٧ ]
المبحث الثالث: توحيد الألوهية
[ ١٤٨ ]
المبحث الثالث
توحيد الألوهية
تقدم معنا في المبحثين الماضيين الإشارة إلى أهمية هذا المبحث، وتقدم أيضًا أن الإتيان بتوحيدي الربوبية والأسماء والصفات لا يكفي ولا ينجي بل لا بد من الإتيان مع ذلك بتوحيد الألوهية؛ وذلك لأن هذا النوع من التوحيد يعد أهم المطالب على الإطلاق، إذ من أجل تحقيقه خلق الله الخلق، وأنزل الكتب، وأرسل الرسل، كما سيأتي بيان ذلك.
وهذا ما جعل علماء الإسلام من السلف الصالح الذين هم ورثة الأنبياء، يهتمون بهذا النوع اهتمامًا كبيرًا، فبينوه وحذروا من الوقوع في ضده وأكثروا في ذلك التأليف والكتابة.
وقد اعتنى الشيخ ابن سعدي في مؤلفاته بهذا النوع من التوحيد عناية بالغة وأولاه اهتمامًا كبيرًا، فلقد لمست من خلال قراءتي لكتبه اهتمامه البالغ به، فهو في أكثر مؤلفاته يتحدث عن هذا التوحيد، ويحذر من الوقوع في مخالفته، ويبدي ويعيد في ذلك بعبارات متنوعة وأساليب مختلفة.
ولا ريب أن هذا النوع من التوحيد جدير بالعناية والاهتمام، بل هو أهم الأمور التي يجب العناية والاهتمام بها.
ولهذا فقد أشار ﵀ في مواطن متعددة من مؤلفاته إلى أهميته، وأنه الغاية من خلق الإنس والجن، وأن الإيمان به يوصل إلى كل خير وصلاح.
قال: "وهذا الأصل أعظم الأصول على الإطلاق وأكملها وأفضلها وأوجبها وألزمها لصلاح الإنسانية، وهو الذي خلق الله الجن والإنس لأجله وخلق المخلوقات. وشرع الشرائع لقيامه وبوجوده يكون الصلاح وبفقده يكون الشر والفساد، وجميع الآيات القرآنية إما أمر به أو بحق من حقوقه أو نهي عن ضده، أو إقامة حجة عليه، أو بيان جزاء أهله في الدنيا والآخرة، أو بيان الفرق بينهم وبين المشركين.
[ ١٤٩ ]
ويقال له توحيد الألوهية، فإن الألوهية وصفه تعالى الذي ينبغي أن يؤمن به كل بني آدم، ويوقنوا أنه الوصف الملازم له سبحانه، الدال عليها الاسم العظيم وهو الله، وهو مستلزم جميع صفات الكمال.
ويقال له: توحيد العبادة باعتبار وجوب ملازمة وصف العبودية بكل معانيها للعبد بصفته الملازمة له من مقتضيات العبودية للربوبية بإخلاص العبادة لله تعالى، وتحقيقها في العبد أن يكون عارفًا بربه مخلصا له جميع عباداته محققا ذلك بترك الشرك صغيرة وكبيرة، وباتباع النبي ﷺ ظاهرًا وباطنًا، والبراءة من كل بدعة وضلالة، والحب في الله والبغض لله"١. ثم قال:
"وهذا الأصل الذي هو أكبر الأصول وأعظمها قد قدره شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في رسائل لا تحصى وبالأخص في كتاب التوحيد، وذكر من تقريره وتفاصيله وتحقيقه ونفي كل ما يضاده ما لم يوجد في كتاب غيره"٢.
وقال في موضع آخر: "وهذان الأمران وهما معرفة الله وعبادته هما اللذان خلق الله الخلق لأجلهما، وهي الغاية المقصودة منه تعالى لعباده، وهما الموصلان إلى كل خير وفلاح وصلاح وسعادة دنيوية وأخروية، وهما أشرف عطايا الكريم لعباده وهما أشرف اللذات على الإطلاق وهما اللذان إن فاتا فات كل خير وحضر كل شر"٣.
وبين ﵀ أن الأعمال جميعها متوقفة في قبولها على توفره فقال: " ولا يكون العمل صالحًا إلا إذا كان مع العبد أصل التوحيد والإيمان المخرج عن الكفر والشرك الذي هو شرط لكل عمل صالح"٤.
وبين أيضًا أن هذا النوع هو خلاصة دعوة الرسل، وأنهم إنما قاتلوا أقوامهم من أجل تحقيقه.
فقال: " وهذا النوع زبدة رسالة الله لرسله، فكل نبي يبعثه الله يدعو قومه، يقول: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٥. ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ
_________________
(١) ١ القواعد الحسان /١٩٢، ١٩٣. ٢ القواعد الحسان /١٩٣. ٣ التفسير ١/٥٤١، وانظر ٧/١٨١. ٤ التفسير ٣/٢٩١. ٥ سورة الأعراف/ ٥٩، ٦٥، ٧٣، ٨٥ وغيرها.
[ ١٥٠ ]
وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوت﴾ ١ وهو الذي خلق الله لأجله، وشرع الجهاد لإقامته، وجعل الثواب الدنيوي والأخروي لمن قام به وحققه والعقاب لمن تركه.
وبه يحصل الفرق بين أهل السعادة القائمين به، وأهل الشقاوة التاركين له"٢.
وقال ﵀: "فجميع الكتب السماوية وجميع الرسل دعوا إلى هذا التوحيد، ونهوا عن ضده من الشرك والتنديد، وخصوصًا محمد ﷺ، وهذا القرآن الكريم فإنه أمر به وفرضه وقرره أعظم تقرير، وبينه أعظم بيان، وأخبر أنه لا نجاة ولا فلاح ولا سعادة إلا بهذا التوحيد، وأن جميع الأدلة العقلية والنقلية والأفقية والنفسية أدلة وبراهين على الأمر بهذا التوحيد ووجوبه.
فالتوحيد هو حق الله الواجب على العبيد، وهو أعظم أوامر الدين وأصل الأصول كلها، وأساس الأعمال"٣
وقال ﵀: "وبالجملة: فكل خير عاجل وآجل، فإنه من ثمرات التوحيد وكل شر عاجل وآجل فإنه من ثمرات الشرك"٤.
وكما أنه ﵀ بين هذا التوحيد هذا البيان ونبه عليه هذا التنبيه، فقد حث على تعلمه ومعرفته والعمل به والحذر من مخالفته.
فقال: "فعلى العبد أن يبذل جهده في معرفته وتحقيقه والتحقق به ويعرف حده وتفسيره، ويعرف حكمه ومترتبته، ويعرف آثاره ومقتضياته وشواهده وأدلته وما يقويه وينميه، وما ينقضه، وشروطه ومكملاته، ويعرف نواقضه ومفسداته لأنه الأصل الأصيل الذي لا تصح الأصول إلا به فكيف بالفروع"٥.
تعريف ابن سعدي لهذا التوحيد:
عرف ابن سعدي توحيد الألوهية بتعريف جامع، ذكر فيه حد هذا التوحيد وتفسيره وأركانه فقال:
"فأما حده وتفسيره وأركانه فهو أن يعلم ويعترف على وجه العلم واليقين أن الله هو المألوه وحده المعبود على الحقيقة، وأن صفات الألوهية ومعانيها ليست موجودة بأحد
_________________
(١) ١ سورة النحل/ الآية ٣٦. ٢ الحق الواضح المبين /٥٦. ٣ القول السديد /١٨. ٤ القواعد الحسان /١٨. ٥ الحق الواضح المبين /٥٧.
[ ١٥١ ]
من المخلوقات ولا يستحقها إلا الله تعالى. فإذا عرف ذلك واعترف به حقًا أفرده بالعبادة كلها الظاهرة والباطنة فيقوم بشرائع الإسلام الظاهرة كالصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبر الوالدين وصلة الأرحام والقيام بحقوق الله وحقوق خلقه، ويقوم بأصول الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، ويقوم بحقائق الإحسان وروح الأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة مخلصًا ذلك كله لله، لا يقصد به غرضًا من الأغراض غير رضا ربه وطلب ثوابه، متابعًا في ذلك رسول الله ﷺ فعقيدته ما دل عليه الكتاب والسنة. وأعماله وأفعاله ما شرعه الله ورسوله.
وأخلاقه وآدابه الاقتداء بنبيه ﷺ في هديه وسمته وكل أحواله؛ ولهذا فإن كمال هذا التوحيد وقوامه بثلاثة أشياء:
ـ (توحيد الإخلاص لله وحده) فلا يكون للعبد مراد غير مراد واحد وهو العمل لله وحده.
ـ (وتوحيد الصدق) وهو توحيد إرادة العبد في إرادته وقوة إنابته لربه وكمال عبوديته.
ـ (وتوحيد الطريق) وهو المتابعة.
فمن اجتمعت له هذه الثلاثة نال كل كمال وسعادة وفلاح ولا ينقص من كمال العبد إلا بنقص واحد من هذه الأشياء"١.
أدلة هذا النوع من التوحيد:
تقدم معنا أن هذا التوحيد هو المقصود من إنزال الكتب وإرسال الرسل؛ فلذا كانت الأدلة عليه في الكتاب والسنة كثيرة، لأنه كلما كان الأمر مهما كلما كثر إيضاحه وبيانه والحث على العمل به.
ولقد تضافرت الأدلة في الكتاب والسنة على وجوب إفراد الله بالعبادة بجميع أنواعها، وتنوعت فتارة تأتي النصوص لبيان أن هذا الأمر هو المقصود من خلق الإنس والجن، وتارة تأتي لبيان أنه المقصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب، وتارة تأتي للأمر به، والحث عليه، والتحذير من مخالفته، وتارة تأتي لبيان ثواب من عمل به وعقاب من تركه، وعلى هذا فإن النصوص الواردة في الكتاب والسنة جميعها لا تخلو من ذكر هذا النوع أو الإشارة إليه.
سأورد الآن جملة من الآيات القرآنية الدالة على ذلك. ثم أذكر كلام ابن سعدي عنها إجمالا:
_________________
(١) ١ الحق الواضح المبين /٥٨، وانظر الفتاوى السعدية /٨، ٩، والقول السديد /١٦،١٧.
[ ١٥٢ ]
قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ١.
وقال: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ ٢.
وقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ ٣.
وقال: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ ٤.
وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٥.
وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٦.
وقال: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ ٧.
قال ابن سعدي ﵀ بعد ذكر جملة من هذه الآية:
"هذه الآيات الكريمة فيها الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له والدخول تحت رق عبوديته التي هي غاية شرف العبد والانقياد لأوامر واجتناب نواهيه محبة له وذلة وإخلاصا لله وإنابة له في جميع الحالات وفي جميع العبادات الظاهرة والباطنة وفيها النهي عن الشرك به شيئًا.
إلى أن قال: بل الواجب المتعين إخلاص العبادة لمن له الكمال المطلق من جميع الوجوه والتدبير الكامل الشامل الذي لا يشركه ولا يعينه عليه أحد"٨.
وقال في موضع آخر: "يأمر تعالى عباده بعبادته وحده لا شريك له، وهو الدخول تحت رق عبوديته والانقياد لأوامره ونواهيه محبة وذلًا وإخلاصًا له في جميع العبادات الظاهرة والباطنة وينهى عن الشرك به شيئًا "٩.
وقال في كتابه: "القول السديد في مقاصد التوحيد" بعد ذكره للأدلة التي ساقها الشيخ محمد بن عبد الوهاب للدلالة على هذا التوحيد قال: "ذكر المصنف في هذه الترجمة
_________________
(١) ١ سورة الذاريات/ الآية ٥٦. ٢ سورة النساء/ الآية ٣٦. ٣ سورة الإسراء/ الآية ٢٣. ٤ سورة الإسراء/ الآية ٣٩. ٥ سورة الأنبياء/ الآية ٢٥. ٦ سورة النحل/ الآية ٣٦. ٧ سورة الأنعام/ الآية/ ١٥١. ٨ الخلاصة /٣٤، ٣٥. ٩ التفسير ٢/٦٣.
[ ١٥٣ ]
من النصوص ما يدل على أن الله خلق الخلق لعبادته والإخلاص له، وأن ذلك حقه الواجب المفروض عليهم"١
أدلة استحقاق الله للعبادة:
هناك أمور كثيرة جدًا تدل على أن الله وحده هو المستحق للعبادة دون من سواه، فبما أنه المتفرد بالخلق والرزق والإحياء والإماتة والتدبير فيجب أن يفرد بجميع أنواع العبادة وهذه تسمى دلالات التوحيد. وقد اهتم ابن سعدي بهذه الدلالات وبإيضاحها والتنبيه عليها، وذلك عند تفسيره للآيات التي اشتملت على هذه الدلالات فعند ذكره للآية يبين ما اشتملت عليه من دلالات وما تضمنته من براهين على وجوب إفراد الله بالعبادة. وفيما يلي ذكر بعض الأمثلة على ذلك:
١ـ "دقة صنع الله".
فمن أدلة استحقاق الله للعبادة، دقة صنعه لمخلوقاته:
قال ابن سعدي: "كلما تدبر العاقل في هذه المخلوقات وتغلغل فكره في بدائع المبتدعات، وازداد تأمله للصنعة وما أودع فيها من لطائف البر والحكمة علم بذلك أنها خلقت للحق وبالحق وأنها صحائف آيات وكتب دلالات على ما أخبر به الله عن نفسه ووحدانيته وما أخبرت به الرسل من اليوم الآخر وأنها مسخرات ليس لها تدبير ولا استعصاء على مدبرها ومصرفها.
فتعرف أن العالم العلوي والسفلي كلهم إليه مفتقرون وإليه صامدون وأنه الغني بالذات عن جميع المخلوقات فلا إله إلا الله ولا رب سواه"٢.
٢ـ "تعدد النعم ":
وهذه من أدلة استحقاق الله للعبادة، قال ابن سعدي ﵀: "إذا علم أن ما بالعباد من نعمة فمن الله، وأن أحدًا من المخلوقات لا ينفع أحدًا، علم أن الله هو المستحق لجميع أنواع العبادة، وأن يفرد بالمحبة والخوف والرجاء والتعظيم والتوكل وغير ذلك من أنواع الطاعات، وأن من أظلم الظلم وأقبح القبح أن يعدل عن عبادته إلى عبادة العبيد، وأن يشرك المخلوقين من تراب برب الأرباب، أو يعبد المخلوق المدبر العاجز من جميع الوجوه مع الخالق المدبِر القادر القوي الذي قهر كل شيء ودان له كل شيء"٣.
_________________
(١) ١ القول السديد /١٧. ٢ التفسير ١/١٩٤. ٣ التفسير ١/١٨٨، ١٨٩، وانظر الخطب المنبرية /٧٤، ٧٥.
[ ١٥٤ ]
٣ـ "تفرد الله بالأسماء الحسنى والصفات العلى".
فيستدل بتفرد الله وحده بالأسماء الحسنى والصفات العلى على وجوب إفراده العبادة: - قال ابن سعدي ﵀ عند تفسيره لقوله تعالى ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ ١: "يخبر تعالى وهو أصدق القائلين أنه (إله واحد) أي متوحد متفرد في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله.
فليس له شريك في ذاته ولا سمي له ولا كفو له ولا مثل ولا نظير ولا خالق ولا مدبر غيره.
فإذا كان كذلك فهو المستحق؛ لأن يؤله ويعبد بجميع أنواع العبادة ولا يشرك به أحد من خلقه"٢.
وقال: "ومن الأدلة على ذلك معرفة تفرد الرب بالكمال المطلق وأن له كل صفة كمال، وأن المخلوقات كلها كل وصف حميد فيها فإنه من الله تعالى، ليس بها وليس منها وهذا من أعظم البراهين على أنه هو المخصوص بالتأله والعبودية"٣.
٤ـ "نعمة إنزال المطر":
وهذه النعمة العظيمة من جملة الأدلة الدالة على وجوب إفراد الله بالعبادة.
قال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ ٤ قال: "يذكر الله تعالى في هذه الآية نعمة من أعظم النعم ليعقلوا عن الله مواعظه وتذكيره فيستدلوا بذلك على أنه وحده المعبود الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده"٥.
٥ - "تفرد الله بالربوبية".
وهذه من أعظم أدلة على وجوب إفراد الله تعالى الذي خلقك ورزقك وأنعم عليك بالنعم الظاهرة والباطنة لم يشاركه في ذلك مشارك فعليك أن لا تتأله لغيره ولا تتعبد لغيره، وعليك أن تخصه بالتوحيد والسؤال واللجأ والفزع في أمورك كلها، وهذا من أعظم الأدلة على توحيد الألوهية، وهو الاستدلال بربوبية الله الذي لا يستحق الألوهية ولا شيئًا من العبودية غيره"٦.
_________________
(١) ١ سورة البقرة/ الآية ١٦٣. ٢ التفسير ١/١٨٨. ٣ الحق الواضح المبين /٥٨. ٤ سورة النحل/ الآية ٦٥. ٥ التفسير ٤/٢١٦. ٦ الحق الواضح المبين /٥٨.
[ ١٥٥ ]
٦ـ "وكونه النافع الضار المعطي المانع".
فمن اتصف بهذه الصفات فهو المعبود بحق ولا معبود بحق سواه، وهذا دليل عظيم على وجوب إفراد الله بالعبادة.
قال ﵀ عند قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ١.
قال: "هذا من أعظم الأدلة على أن الله وحده المستحق للعبادة، فإنه النافع الضار المعطي المانع الذي إذا مس بضر كفقر ومرض ونحوها فلا كاشف له إلا هو؛ لأن الخلق لو اجتمعوا على أن يضروا أحدًا لم يقدروا على شيء من ضرره إذا لم يرده"٢.
هذا وإن هناك عدة أمور إذا تأملها الإنسان وتبصر فيها هدته إلى أن الله هو المعبود بحق ولا معبود بحق سواه. أجملها الشيخ ابن سعدي في تسعة أمور ذكرها عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ٣.
قال: "العلم لا بد فيه من إقرار القلب ومعرفته بمعنى ما طلب منه علمه وتمامه أن يعمل بمقتضاه.
وهذا العلم الذي أمر الله به وهو العلم بتوحيد الله فرض عين على كل إنسان لا يسقط عن أحد كائنا من كان، بل كل مضطر إلى ذلك.
والطريق إلى العلم بأنه لا إله إلا الله أمور:
أحدها: بل أعظمها تدبر أسمائه وصفاته الدالة على كماله وعظمته وجلاله فإنها توجب بذل الجهد في التأله والتعبد للرب الكامل الذي له كل حمد ومجد وجلال وجمال.
الثاني: العلم بأنه تعالى المنفرد بالخلق والتدبير فيعلم بذلك أنه المنفرد بالألوهية.
الثالث: العلم بأنه المنفرد بالنعم الظاهرة والباطنة الدينية والدنيوية فإن ذلك يوجب تعلق القلب به ومحبته والتأله له وحده لا شريك له.
الرابع: ما نراه ونسمعه من الثواب لأوليائه القائمين بتوحيده من النصر والنعم العاجلة ومن عقوبته لأعدائه المشركين به فإن هذا داع إلى العلم بأنه تعالى وحده المستحق للعبادة كلها.
_________________
(١) ١ سورة يونس/ الآية ١٠٧. ٢ التفسير ٣/٣٩٧. ٣ سورة محمد/ الآية ١٩.
[ ١٥٦ ]
الخامس: معرفة أوصاف الأوثان والأنداد التي عبدت مع الله، واتخذت آلهة وأنها ناقصة من جميع الوجوه فقيرة بالذات لا تملك لنفسها ولا لعابديها نفعًا ولا ضرًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا ولا ينصرون من عبدهم ولا ينفعونهم بمثقال ذرة من جلب خير أو دفع شر، فإن العلم بذلك يوجب العلم بأنه لا إله إلا الله وبطلان إلهية ما سواه.
السادس: اتفاق كتب الله على ذلك وتواطؤها عليه.
السابع: أن خواص الخلق الدين هم أكمل الخليقة أخلاقًا وعقولًا ورأيًا وصوابًا وعلمًا وهم الرسل والأنبياء والعلماء الربانيون قد شهدوا لله بذلك.
الثامن: ما أقامه الله من الأدلة الأفقية والنفسية التي تدل على التوحيد أعظم دلالة تنادي عليه بلسان حالها بما أودعها من لطف صنعته وبديع حكمته وغرائب خلقه"١.
وذكر هذه الأمور الثمانية في خلاصة التفسير وزاد عليها تاسعا وهو: (ما أودعه الله في شرعه من الآيات المحكمة والأحكام الحسنة والحقوق العادلة والخير الكثير وجلب المنافع كلها ودفع المضار، ومن الإحسان المتنوع وذلك يدل أكبر دلالة أنه الله الذي لا يستحق العبادة سواه وأن شريعته التي أنزلت رسالة شاهدة بذلك"٢.
ثم ﵀ قال في تفسيره بعد ذكره الأمور التي يحصل بها العلم بوجوب إفراد الله بالعبادة: "فهذه الطرق التي أكثر الله من دعوة الخلق بها إلى أنه لا إله إلا الله وأبداها في كتابه وأعادها عند تأمل العبد في بعضها لا بد أن يكون عنده يقين وعلم بذلك فكيف إذا اجتمعت وتواطأت واتفقت وقامت أدلة للتوحيد من كل جانب فهناك يرسخ الإيمان والعلم بذلك في قلب العبد بحيث يكون كالجبال الرواسي لا تزلزله الشبه والخيالات ولا يزداد على تكرار الباطل والشبه إلا نموًا وكمالًا هذا وإن نظرت إلى الدليل العظيم والأمر الكبير وهو تدبير هذا القرآن العظيم والتأمل في آياته فإنه الباب الأعظم إلى العلم بالتوحيد ويحصل به من تفاصيله وجمله مالا يحصل في غيره"٣.
كلامه في فضل التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله:-
إن السشهادة لله بالوحدانية بجميع أنواع العبادة يترتب عليه حصول فوائد عظيمة وفضائل كثيرة لا تحصى لكثرتها. وقد عدد الشيخ ابن سعدي ﵀ جملة من هذه الفوائد والفضائل التي لا تحصل إلا لمن وحد الله بالعبادة ولم يشرك به.
_________________
(١) ١ التفسير ٧/٧٣، ٧٤، ٧٥، وانظر التوضيح والبيان لشجرة الإيمان /٢٣ وما بعدها، والقواعد الحسان /١٩٣. ٢ الخلاصة /١٦ ٣ التفسير ١/٧٥.
[ ١٥٧ ]
قال ﵀:
١ـ "من فضائل التوحيد أنه السبب الأعظم لتفريج كربات الدنيا والآخرة ودفع عقوبتهما.
٢ـ ومن فضائله أنه يكفر الذنوب.
٣ـ ومن أجل فوائده أنه يمنع الخلود في النار إن كان في القلب منه أدنى مثقال حبة خردل.
٤ـ وأنه إذا كمل في القلب يمنع دخول النار بالكلية.
٥ـ ومنها: أنه يحصل لصاحبه الهدى الكامل، والأمن التام في الدنيا والآخرة.
٦ـ ومنها: أنه السبب الوحيد لنيل رضا الله وثوابه، وأن أسعد الناس بشفاعة محمد ﷺ من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه.
٧ـ ومن أعظم فضائله أن جميع الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة متوقفة في قبولها وفي كمالها وفي ترتيب الثواب عليها على التوحيد، فكلما قوي التوحيد والإخلاص لله كلمت هذه الأمور وتمت.
٨ - ومن فضائله أنه يسهل على العبد فعل الخير وترك المنكرات ويسليه عن المصيبات. فالمخلص لله في إيمانه وتوحيده تخف عليه الطاعات لما يرجو من ثواب ربه ورضوانه ويهون عليه ترك ما تهواه النفس من المعاصي لما يخشى من سخطه وعقابه.
٩ـ ومنها أن التوحيد إذا كمل في القلب حبب الله لصاحبه الإيمان وزينه في قلبه وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان وجعله من الراشدين.
١٠ـ ومنها أنه يخفف عن العبد المكاره ويهون عليه الآلام، فبحسب تكميل العبد للتوحيد والإيمان يتلقى المكاره والآلام بقلب منشرح ونفس مطمئنة وتسليم ورضا بأقدار الله المؤلمة.
١١ـ ومن أعظم فضائله أن يحرر العبد من رق المخلوقين والتعلق بهم وخوفهم ورجائهم والعمل لأجلهم، وهذا هو العز الحقيقي والشرف العالي، ويكون مع ذلك متألها متعبدًا لله لا يرجو سواه ولا يخشى إلا إياه ولا ينيب إلا إليه، وبذلك يتم فلاحه ويتحقق نجاحه.
١٢ـ ومن فضائله التي لا يلحقه فيها شيء إن التوحيد إذا تم وكمل في القلب وتحقق تحققًا كاملًا بالإخلاص التام، فإنه يصير القليل من عمله كثيرًا، وتضاعف أعماله وأقواله بغير حصر ولا حساب، ورجحت كلمة الإخلاص في ميزان العبد بحيث لا تقابلها السموات والأرض، وعمارها من جميع خلق الله"١.
هذا قليل من كثير من فوائد التوحيد، وفضائل لا إله إلا الله. لا ينالها إلا من فهم معناها وعمل بمقتضاها.
_________________
(١) ١ القول السديد /١٩ وما بعدها.
[ ١٥٨ ]
كلامه في معنى كلمة التوحيد "لا إله إلا الله":
وردت أحاديث كثيرة في فضل هذه الكلمة، ولا ينال أحد ثوابها والفضل الذي فيها إلا إذا فهم معناها وعمل بمقتضاها. منها حديث عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ: "من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان عليه من العمل"١.
ومنها: حديث عتبان أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله"٢
ومنها: حديث أبي موسى أن رسول الله ﷺ قال: "من قال لا إله إلا الله صادقا بها دخل الجنة"٣.
وغيرها من الأحاديث التي تدل على فضل هذه الكلمة، ولكن كما تقدم هذا الفضل مختص بمن فهم معناها وعمل بمقتضاها.
وهذه الأحاديث المتقدمة متضمنة لمعنى لا إله إلا الله، وهو أن يفرد الله وحده بجميع أنواع العبادة ولا يشرك معه غيره٤.
وقد فسرت لا إله إلا الله بتفسيرات باطلة، وذلك لعدم فهم مراد الله منها.
من هذه التفسيرات:
أن معنى لا إله إلا الله: أي لا موجود إلا الله وهذا يفهم منه الاتحاد.
ومنها: أن معناها أي لا معبود موجود إلا الله، وهذا باطل؛ لأنه يلزم منه أن كل معبود عبد بحق أو باطل هو الله.
ومنها: أن معناها أي لا خالق إلا الله، وهذا تدل عليه هذه الكلمة ولكن ليس هو المراد منها.
وإنما معنى هذه الكلمة باتفاق السلف الصالح.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري ٤/١٣٩، ومسلم ١/٥٧. ٢ أخرجه البخاري ١/١١٠، ومسلم ١/٦١. ٣ أخرجه الإمام أحمد في مسند ٤/٤١١، والطبراني في الكبير كما في مجمع الزوائد ١/١٦ وإسناده صحيح. ورجاله رجال الشيخين. ٤ فتح المجيد /٤١.
[ ١٥٩ ]
أنه لا معبود بحق إلا الله، "لا إله" نافية لجميع ما يعبد من دون الله فلا يستحق أن يعبد غيره، "إلا الله" مثبتة العبادة لله فهو الإله المستحق للعبادة١.
وقد أوضح الشيخ ابن سعدي هذا المعنى الأخير وبين أنه المراد بهذه الكلمة في مواطن متعددة في تفسيره.
قال ﵀: "لا إله إلا الله: أي لا معبود بحق إلا الله وحده لا شريك له"٢.
قال عند تفسيره لآية الكرسي: "فأخبر أنه الله الذي له جميع معاني الألوهية وأنه لا يستحق الألوهية والعبودية إلا هو فألوهية غيره، وعبادة غيره باطلة"٣.
وقال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُو﴾ ٤ "فأخبر أنه الله المألوه المعبود، الذي لا إله إلا هو، وذلك لكماله العظيم وإحسانه الشامل وتدبيره العام.
وكل إله غيره فإنه باطل، لا يستحق من العبادة مثقال ذرة؛ لأنه فقير عاجز ناقص لا يملك لنفسه ولا لغيره شيئًا"٥.
فمن شهد لله بالألوهية ونطق بهذه الكلمة لا بد أن يفرده بالعبادة، وأن يحذر من الوقوع بالإشراك فيه.
وأما من قال هذه الكلمة ولم يعمل بمقتضاها فإنها لا تنفعه؛ ولهذا يقول ابن سعدي.
"إن الشاهد لله بالوحدانية وعدم الشريك يقتضي كمال اعتقاده ذلك. وكمال الإخلاص لله، والقيام بحقوق العبودية كلها، فإنها من التأله لله تعالى، فإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة والصيام والحج ونحوها داخلة في ألوهية الله تعالى، كما تدخل أعمال القلوب فيها من الإنابة لله خوفًا ورجاءً ومحبةً وتعظيمًا ورغبةً ورهبًا"٦.
ولهذا فإن على من أراد أن يحقق معنى لا إله إلا الله أن يفهم معنى العبودية ليفرد الله بها.
_________________
(١) ١ معارج القبول للحكمي ١/٣٧٥، وتطهير الاعتقاد للصنعاني /١٩. ٢ التفسير ٣/١٠٢. ٣ التفسير ١/٣١٣. ٤ سورة الحشر/ الآية ٢٢. ٥ التفسير ٧/٣٤٥. ٦ الفتاوى السعدية /٨٨.
[ ١٦٠ ]
كلامه في تعريف العبادة:-
اهتم الشيخ ابن سعدي ﵀ بتعريف العبادة إذ هي المقصود من خلق الجن والإنس كما تقدم بيان ذلك.
وتظهر أهمية معرفة معنى هذه الكلمة إذا عرفنا أن جميع من عبد غير الله أو أكثرهم إنما عبدوهم لعدم فهمهم لمعنى العبادة، وأنها حق الله لا يجوز صرفها لغيره.
كما بين ذلك رسول الله ﷺ في حديث معاذ بن جبل ﵁ حيث قال ﷺ في هذا الحديث: "وحق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا"١.
فإذا كانت العبودية بهذه المكانة، فهي جديرة بأن توضح وتبين ويظهر معناها.
وقد عرف شيخ الإسلام ابن تيمية العبادة بأنها "اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة".
فيدخل تحت التعريف أمور كثيرة من الأعمال الظاهرة كالصلاة والزكاة والحج والصوم والصدقة والإحسان وبر الوالدين وإماطة الأذى عن الطريق وغيرها. وأمور من الأعمال الباطنة كالخشية والإنابة والخوف والرجاء وغيرها.
وهذا يبين خطأ تصور كثير من الناس من أن العبادة متقصرة على المباني الخمسة للإسلام.
فقد دلت النصوص على أن كل أمر يحبه الله ويرضاه يجب أن يتعبد الله به ولا يجوز أن يتعبد به غيره.
وهذا التعريف الذي ذكره شيخ الإسلام للعبادة يعد تعريفا جامعًا للعبادة؛ ولهذا فقد نقل الشيخ ابن سعدي ﵀ هذا التعريف في عدة مواطن من مؤلفاته٢.
قال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ .
"أي نخصك وحدك بالعبادة والاستعانة؛ لأن تقديم المعمول يفيد الحصر وهو إثبات الحكم للمذكور ونفيه عما عداه، فكأنه يقول نعبدك ولا نعبد غيرك ونستعين بك ولا نستعين بغيرك إلى أن قال: والعبادة اسم جامع لما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة"٣.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري ٨/١٦٤، ومسلم ١/٥٨، والترمذي ٥/٢٧، وابن ماجه ٢/١٤٣٥. وأحمد ٢/٣٠٩. ٢ انظر التفسير ١/٣٥، والخلاصة /١٠ وغيرهما. ٣ التفسير ١/٣٥، والخلاصة /١٠.
[ ١٦١ ]
وقال ﵀: "العبادة روحها وحقيقتها تحقيق الحب والخضوع لله فالحب التام والخضوع الكامل لله هو حقيقة العبادة، فمتى خلت العبادة من هذين الأمرين أو من أحدهما فليست عبادة، فإن حقيقتها الذل والانكسار لله ولا يكون ذلك إلا مع محبته المحبة التامة تتبعها المحاب كلها"١.
وقال: "العبادة والعبودية لله: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من العقائد وأعمال القلوب وأعمال الجوارح، فكل ما يقرب إلى الله من الأفعال والتروك فهو عبادة؛
ولهذا كان تارك المعصية لله متعبدا متقربًا إلى ربه بذلك"٢.
وقول ابن سعدي إن تارك المعصية إذا تركها لأجل الله صار متعبدًا لله بها تشهد له نصوص كثيرة.
ومنها حديث ابن عباس قال ﷺ: "إن الله كتب الحسنات والسئيات ثم بين ذلك، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة وإن هم بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وإن هم بسئية فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة وإن هم بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة"٣.
ومنها حديث الثلاثة الذين أووا إلى غار في الجبل فانطبقت عليهم صخرة وسدت فم الغار. فأخذ كل واحد منهم يتوسل إلى الله بأعماله الصالحة فقال أحدهم: "اللهم إنه كانت لي ابنة عم أحببتها كأشد ما يحب الرجل النساء وطلبت منها نفسها فأبت حتى آتيها بمائة دينار، فتعبت حتى جمعت مائة دينار. فجئتها بها. فلما وقعت بين رجليها قالت يا عبد الله اتق الله ولا تفتح الخاتم إلا بحقه. فقمت عنها، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا منها فرجة. ففرج لهمالحديث"٤.
وهذه نعمة عظيمة ومنّة جسيمة من الله على خلقه، فترك المعصية لأجل الله عبادة ويثاب عليها صاحبها، فلله الحمد والشكر.
بيان وتوضيحه أن العبادة لا تقبل إلا بشرطين هما الإخلاص والمتابعة:-
هذا وإن العبادة أيًا كان نوعها وأيًا كانت صفتها لا تقبل من فاعلها إلا إذا توفر فيها شرطان.
_________________
(١) ١ الحق الواضح المبين /٥٩، ٦٠. ٢ الخلاصة /٢٠١. ٣ أخرجه البخاري ٧/١٨٧، ومسلم ١/١١٨. ٤ جزء من حديث أخرجه البخاري ٧/٦٩، ومسلم ٤/٢٠٩٩، عن أنس بن مالك.
[ ١٦٢ ]
فإن عدما أو عدم أحدهما فلن تقبل من فاعلها، بل يكون من الخاسرين الذين قال الله عنهم:
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا. الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ ١.
ولأهمية هذين الشرطين ولتحتم معرفتهما على كل مسلم، فقد اهتم بهما علماء الإسلام قديمًا وحديثًا.
وأول هذين الشرطين: أن تكون العبادة خالصة لوجه الله، فلا يشرك مع الله أحدًا في العبادة.
وثانيهما: أن تكون العبادة مطابقة لسنة الرسول ﷺ.
هذا ولقد تضافرت الأدلة في الكتاب والسنة على هذين الشرطين، فوردت نصوص كثيرة في القرآن الكريم وفي سنة الرسول ﷺ تدل على وجوب إفراد الله وحده بالعبادة وترك الشرك. ووردت نصوص كثيرة تدل على وجوب متابعة الرسول ﷺ والتمسك بسنته والسير على نهجه.
من أدلة الشرط الأول:
قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ٢. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ ٣ وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ ٤ إلى قوله: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ ٥.
وقوله: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ ٦.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ ٧.
وقوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ ٨.
_________________
(١) ١ سورة الكهف/ الآيتان ١٠٣، ١٠٤. ٢ سورة البينة/ آية ٥. ٣ سورة الزمر/ آية ٢. ٤ سورة الزمر/ آية ١١. ٥ سورة الزمر/ آية ١٤. ٦ سورة غافر/ آية ١٤. ٧ سورة النساء/ آية ٤٨. ٨ سورة المائدة/ آية ٧٢.
[ ١٦٣ ]
وفي الصحيحين من حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه "١ واللفظ للبخاري.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا قال الله تعالى: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه"٢.
وغيرها من النصوص الدالة على وجوب إخلاص العبادة لله وحده.
من أدلة الشرط الثاني:
قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٣. وقوله ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ ٤
وقوله ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٥.
وفي الصحيحين من حديث عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"٦.
وفي رواية لمسلم: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد"٧.
وعن عرباض بن سارية ﵁ قال: " وعظنا رسول الله ﷺ موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا قال: أوصيكم بتقوى الله ﷿ والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًاُ كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا
_________________
(١) ١ البخاري ١/٢، ومسلم ٢/١٥١٥. ٢ مسلم ٤/٢٢٨٩، وأخرجه ابن ماجه ٢/١٤٠٥. ٣ سورة الحشر/ آية ٧. ٤ سورة آل عمران/ آية ٣١، ٣٢. ٥ سورة النور/ آية ٦٣. ٦ البخاري ٣/١٦٧، ومسلم ١٣٤٣ وأخرجه ابن ماجه ١/٧، وأبو داود ٤/٢٠٠، وأحمد ٦/٢٧٠. ٧ مسلم ٣/١٣٤٤، ورواه أحمد في المسند ٦/١٤٦.
[ ١٦٤ ]
عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة"١.
وغيرها من النصوص الدالة على هذا الأصل العظيم.
والمقصود أن إخلاص العمل لله ومتابعة رسوله ﷺ من أوجب الواجبات على كل عبد، ولا يستقيم دين عبد ولا تصلح حاله ولا يطيب مآله إلا إذا تمسك بهما.
لذا صار التنبيه عليهما مهمًا في جميع الأحوال؛ ولهذا فقد اهتم الشيخ ابن سعدي ببيان هذين الأصلين اهتماما كبيرًا، ونبه عليهما وبين أنهما أصلان متفق عليهما بين سلف الأمة، وبين أن الأعمال لا تقبل إلا بهما، وبين أنهما معنى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
قال ﵀: "مذهب أهل السنة والجماعة أنهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن الله متفرد بالخلق والملك والسلطان والتدبير، فليس له في ذلك شريك ولا عوين، وأنه الإله الحق الذي لا معبود سواه، وأن كل من عبد من دونه من ملك مقرب أو نبي مرسل أو غيرهما فعبادته من أبطل الباطل وأعظم الشرك ويقومون بعبودية ربهم بكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة، يخلصونها لله ويتابعون فيها رسول الله، ويتقربون بها إلى ربهم على وجه المحبة التامة والذل الكامل، فإن عبادة الله مبنية على هذين الأصلين: الإخلاص والمتابعة، الناشئين عن محبة الله وتعظيمه، فعبودية الله الظاهرة والباطنة تدور على هذا، ولا نجاة ولا فلاح إلا بذلك، ويرون أعظم القربات إلى الله الجد في إحسان الأعمال وإكمالها وإيقاعها على أكمل الوجوه مع استحضار مقام المراقبة لله وقت تلبس العبد بها، فيجتهدون في إتقان العمل وتنقيته من جميع المنقصات، ويعلمون أن هذا مراد الله من عباده كما قال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ ٢" ٣.
وقال ﵀ في تفسيره لهذه الآية: "أي ليمتحنكم إذ خلق لكم ما في السموات والأرض بأمره ونهيه، فينظر أيكم أحسن عملًا.
قال الفضيل بن عياض ﵀: "دين الله أخصله وأصوبه".
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود ٤/٢٠٠ وابن ماجه ١/١٥، والدارمي ١/٤٣، وأحمد في المسند ٤/١٢٦. والمروزي في السنة ٤/١٢٦، وابن أبي عاصم في السنة بتحقيق الألباني ١/٢٩، وقال الألباني إسناده صحيح ورجاله ثقات. ٢ سورة هود/ آية ٧. وسورة الملك/ آية ٢. ٣ توضيح الكافية الشافية /٢٠.
[ ١٦٥ ]
قيل: يا أبا علي "ما أخلصه وأصوبه"؟
فقال: إن العمل إذا كان صوابًا، ولم يكن خالصًا لم يقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا.
والخالص: أن يكون لوجه الله والصواب: أن يكون متبعًا فيه الشرع والسنة"١.
ومن الآيات الجامعة لهذين الشرطين قوله تعالى في آخر سورة الكهف: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ ٢.
وقال ﵀ في تفسيرها: "فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملًا صالحًا وهو الموافق لشرع الله من واجب ومستحب، ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا أي لا يرائي بعمله بل يعمله خالصًا لوجه الله تعالى.
فهذا الذي جمع بين الإخلاص والمتابعة وهو الذي ينال ما يرجو، ويطلب، وأما من عدا ذلك فإنه خاسر في دنياه وأخراه وقد فاته القرب من مولاه ونيل رضاه"٣.
تقسيمه للعبودية من حيث عموم الخلق:
إن الخلق كلهم عبيد الله باعتبار أنهم كلهم مخلوقون مربوبون له. وأما باعتبار أداء الواجب الذي خلقوا من أجله وهو تحقيق العبادة لله وحده وعدم الإشراك به فليس كلهم عبيد لله بل منهم العبيد ومنهم المشركون.
وعلى هذا فإن العبودية بهذا الاعتبار تكون على قسمين عبودية لربوبية الله، وعبودية لألوهيته.
وقد تناول الشيخ السعدي هذا التقسيم بالبيان فقال ﵀: " العبودية لله نوعان:
عبودية لربوبيته: فهذه يشترك فيها سائر الخلق مسلمهم وكافرهم برهم وفاجرهم، فكلهم عبيد لله مربوبون مدبرون ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ ٤.
_________________
(١) ١ التفسير ٣/٤٠٤، وانظر التفسير ٧/٤٢٨، وانظر الخلاصة /٢٠١. ٢ سورة الكهف/ آية ١١٠. ٣ التفسير ٥/٨٨. ٤ سورة مريم/ آية ٩٣.
[ ١٦٦ ]
وعبودية لألوهيته وعبادته ورحمته: وهي عبودية أنبيائه وأوليائه وهي المراده بقوله ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ ١؛ ولهذا أضافها إلى اسمه إشارة إلى أنهم إنما وصلوا إلى هذه الحال بسبب رحمته"٢.
ذكر بعض أنواع العبادة مع بيان ابن سعدي لها:
تقدم معنا أن العبادة أنواع كثيرة، إذ كل عمل يحبه الله ويرضاه وفيه تذلل وخضوع ومحبة، فهو عبادة ولا يجوز أن يصرف لغير الله فهو المعبود بحق ولا معبود بحق سواه.
وسأورد فيما يلي بعض أنواع العبادة، وأذكر كلام ابن سعدي عنها فإنه ﵀ كما اهتم ببيان العقيدة إجمالًا فقد اهتم ببيانها على وجه التفصيل.
إذ أن القارئ في كتابه التفسير وخلاصته وغيرهما من كتبه يلمس هذا الاهتمام ويجد أنه ﵀ يقف عند كثير من الآيات التي فيها ذكر نوع من أنواع العبادة ويتكلم عن هذا النوع المذكور ويبين أنه حق من حقوق الله التي لا يجوز صرفها لغيره ويذكر ما يتعلق بهذا النوع من التفصيلات وما يندرج تحته من أقسام وغير ذلك من الأمور التي تتعلق به على ما سيتبين من خلال كلامنا عن بعض أنواع العبادة.
وسأبدأ أولًا بذكر الدعاء. فالدعاء كما قال ﷺ "هو العبادة"٣.
ـ من العبادة الدعاء
إن الدعاء هو أعظم العبادة، وهو لبها ومخها، وقد وردت آيات كثيرة في كتاب الله في الحث عليه، وعدم الاستكبار عنه، والترغيب فيه. منها قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ٤.
وقال: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ. وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ سورة الفرقان/ آية ٦٣. ٢ التفسير ٥/٢٩٣، والخلاصة /٣٩. ٣ أخرجه الإمام أحمد في المسند ٤/٢٦٧، وابن ماجه ٢/١٢٥٨، والترمذي ٥/٢١١، وقال حديث حسن صحيح، والبغوي في شرح السنة ٥/١٨٤، وأبو نعيم في الحلية ٨/١٢٠، والحاكم في المستدرك ١/٤٩٠، وصححه ووافقه الذهبي. ٤ سورة غافر/ آية ٦٠. ٥ سورة الأعراف/ آية ٥٥، ٥٦.
[ ١٦٧ ]
وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَْ﴾ ١.
وقد ورد في السنة أيضًا أحاديث كثيرة في الترغيب فيه منها: حديث النعمان بن بشير قال: قال ﷺ: "الدعاء هو العبادة"٢ وتلى قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ٣.
ومنها ما رواه الترمذي عن ابن مسعود مرفوعًا "سلوا الله من فضله فإن الله يحب أن يسأل"٤.
ومنها: حديث ابن عباس ﵁ قال: قال ﷺ: "إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله"٥.
وغيرها من الأحاديث.
والمقصود أن الدعاء من أفضل العبادات، ومن أعظم القربات التي يقوم به العبد لربه وخالقه ورازقه ومليكه؛ ولهذا فقد ظهر اهتمام ابن سعدي بهذه المسألة، حيث تناول بيانها وأشار إلى أهميتها في العديد من مؤلفاته، وفي مقدمتها التفسير.
قال ﵀ في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ٦.
"هذا من لطفه بعباده ونعمته العظيمة حيث دعاهم إلى ما فيه صلاح دينهم ودنياهم، وأمرهم بدعائه، دعاء العبادة ودعاء المسألة، ووعدهم أن يستجيب لهم، وتوعد من استكبر عنها فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ أي ذليلين حقيرين، يجتمع عليهم العذاب والإهانة جزاء على استكبارهم"٧.
_________________
(١) ١ سورة البقرة/ آية ١٨٦. ٢ تقدم تخريج في ص ١٦٧. ٣ سورة غافر/ آية ٦٠. ٤ الترمذي ٥/٥٦٥، ورواه أبو داود ٢/٧٦، وابن ماجه ٢/١٢٥٨، والحاكم (١/٤٩٠) والبغوي في الشريعة فيها إسناد هذا الحديث من رواية حنش عن ابن عباس. ٥ أخرجه أحمد ١/٢٩٣، والترمذي ٤/٦٦٧ وقال: حديث حسن صحيح، والآجري في الشريعة /١٨٩ والحاكم ٣/٥٤١، وقد أفرد فيه ابن رجب رسالة أسماها "نور الاقتباس" حسن فيها إسناد هذا الحديث من رواية حنش عن ابن عباس. ٦ سورة غافر/ الآية ٦٠. ٧ التفسير ٦/٥٤٠.
[ ١٦٨ ]
وقال عند قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ١: "فأمر بدعائه تضرعًا أي إلحاحًا في المسألة ودءوبًا في العبادة وخفية أي لا جهر أو علانية يخاف منه الرياء، بل خفية وإخلاصًا لله تعالى"٢.
وقال في بيان أهمية الدعاء "وكل القربات الظاهرة والباطنة تدخل في دعاء العبادة؛ لأن المتعبد لله طالب بلسان مقاله ولسان حاله من ربه قبول تلك العبادة والإثابة عليها"٣.
وقال أيضًا في بيان أهميته عند قوله تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ٤.
"فوضع كلمة الدين موضع كلمة العبادة، وهو في القرآن كثير جدًا، يدل على أن الدعاء هو لب الدين وروح العبادة"٥.
كلامه عن أقسام الدعاء:
بين الشيخ ﵀ في مؤلفاته إن الدعاء ينقسم إلى قسمين دعاء مسألة ودعاء عبادة، فكل أمر في القرآن أو السنة بالدعاء لا يخرج عن هذين القسمين، قال ﵀ في تفسيره " الدعاء نوعان: دعاء عبادة ودعاء مسألة"٦.
وقال في القاعدة الحادية والخمسين من كتابه القواعد الحسان: "كل ما ورد في القرآن من الأمر بالدعاء، والنهي عن دعاء غير الله والثناء على الداعين: يتناول دعاء المسألة ودعاء العبادة.
وهذه قاعدة نافعة فإن أكثر الناس إنما يتبادر لهم من لفظ الدعاء والدعوة دعاء المسألة فقط، ولا يظنون دخول العبادات في الدعاء، وهذا خطأ جرهم إلى ما هو شر منه، فإن الآيات صريحة في شموله لدعاء المسألة والعبادة، ويدل على ذلك عموم قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ أي استجب طلبكم وأتقبل عملكم"٧.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف/ ٥٥. ٢ التفسير ٣/٤٠. ٣ الخلاصة /٥٧. ٤ سورة غافر/ الآية ١٤. ٥ القواعد الحسان /١٥٥. ٦ التفسير ١/٢٤٤، ٣/٤٠. ٧ القواعد الحسان /١٥٦.
[ ١٦٩ ]
كلامه عن آداب الدعاء:
إن الالتزام بآداب الدعاء أمرٌ مطلوب من كل مسلم؛ وذلك لأن التزام آدابه سببٌ لقبوله.
وقد أشار ﵀ إلى جملة من آداب الدعاء التي ينبغي للمسلم أن يلتزمها.
قال ﵀ في تفسيره: "من آداب الدعاء: الإخلاص فيه لله وحده وإخفاؤه وأسراره، وأن يكون القلب خائفًا طامعًا لا غافلًا ولا آمنا ولا غير مبال بالإجابة"١.
وقال: "من شروط الدعاء وآدابه حضور قلب الداعي واستحضاره لمعاني ما يدعو به"٢.
وهذا الشرط الأخير جعله يذكر في كتابه المواهب الربانية جملة من الأدعية الواردة في الكتاب والسنة ويقوم بشرحها ليسهل استحضارها، وهي في الحقيقة جملة من الأدعية الجامعة النافعة فلتراجع لأهميتها٣.
وكذلك من آداب الدعاء أن لا يعتدي فيه ولا يتجاوز فيه الحد، وقد نهى عن الاعتداء في جميع الأمور.
قال ﵀ عند قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ٤.
"ومن الاعتداء كون العبد يسأل الله مسائل لا تصلح له، أو ينقطع في السؤال، أو يبالغ في رفع صوته بالدعاء، فكل هذا داخل في الاعتداء المنهي عنه"٥.
فعلى العبد أن يكثر من دعاء الله سبحانه، وأن يتأدب بآداب الدعاء، وأن يحسن في دعائه والله قريب من المحسنين.
ومن أنواع العبادة المحبة:
إن نصوص الكتاب والسنة الدالة على وجوب محبة الله سبحانه وتقديم محبته على سائر المحاب كثيرة جدًا.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ
_________________
(١) ١ التفسير ٣/٤٠، ٤١. ٢ المواهب الربانية /٢٨. ٣ المواهب الربانية /٢٨، وما بعدها، وانظر بهجة القلوب الأبرار /٢٤٩. ٤ سورة الأعراف/ الآية ٤٠. ٥ التفسير ٣/٤٠.
[ ١٧٠ ]
وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ ١.
وقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢.
وفي الصحيحين من حديث أنس بن مالك ﵁، قال رسول الله ﷺ: "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار"٣.
وفيهما عنه ﵁ أن رجلا سأل النبي ﷺ: "متى الساعة؟ فقال "ما أعددت لها"؟ قال ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صيام ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله فقال رسول الله ﷺ "أنت مع من أحببت"٤.
وقد تناول ابن سعدي هذا النوع من العبادة وبين أهميته وشدة الحاجة إليه وبين معناه، وأنواعه وما يتعلق به.
قال في بيان أهميته: "أصل التوحيد وروحه وإخلاص المحبة لله وحده وهي أصل التأله والتعبد، بل هي حقيقة العبادة، ولا يتم التوحيد حتى تكمل محبة العبد لربه، وتسبق محبته جميع المحاب وتغلبها ويكون لها الحكم عليها بحيث تكون سائر محاب العبد تبعًا لهذه المحبة التي بها سعادة العبد وفلاحه"٥.
وقال " العبادة روحها وحقيقتها الحب والخضوع لله، فالحب التام والخضوع الكامل لله هو حقيقة العبادة فمتى خلت العبادة من هذين الأمرين أو من أحدهما فليست عبادة، فإن حقيقتها الذل والانكسار لله، ولا يكون ذلك إلا مع محبته المحبة التامة التي تتبعها المحاب كلها"٦.
وقال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ ٧ الآية: "وهذه الآية الكريمة أعظم دليل على وجوب محبة الله ورسوله وعلى تقديمها على محبة كل شيء"٨
_________________
(١) ١ سورة التوبة/ الآية ٢٤. ٢ سورة آل عمران/ الآية ٣١. ٣ البخاري ١/٩، ومسلم ١/٦٦. ٤ البخاري ٧/١١٣، ومسلم ٤/٢٠٣٢. ٥ القول السديد /١١٠. ٦ الحق الواضح المبين /٥٩، ٦٠. ٧ سورة التوبة/ الآية ٢٤. ٨ التفسير ٣/٣١٤.
[ ١٧١ ]
كلامه في معنى محبة الله:
قال ﵀ عند قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ ١.
"وهذه الآية هي الميزان التي يعرف بها من أحب الله حقيقة، ومن ادعى ذلك دعوى مجردة.
فعلامة محبة الله اتباع محمد ﷺ الذي جعل متابعته وجميع ما يدعو إليه، طريقًا إلى محبته ورضوانه.
فلا تنال محبة الله ورضوانه وثوابه إلا بتصديق ما جاء به الرسول من الكتاب والسنة وامتثال أمرهما واجتناب نهيهما"٢.
وقال: "ومن لوازم محبة العبد لربه، أنه لا بد أن يتصف بمتابعة الرسول ﷺ ظاهرًا وباطنًا، وفي أقواله وأعماله وجميع أحواله"٣.
والمقصود أن مجرد الادعاء لا يكفي بل لا بد من المتابعة للرسول ﷺ ويظهر ذلك ويتبين فيما إذا عرض للإنسان أمران أحدهما يحبه الله ورسوله وليس لنفسه فيه هوى، والآخر تحبه نفسه وتشتهيه ولكنه يفوت عليه محبوبًا لله ورسوله، وينقصه، فإن قدم ما يحبه الله ورسوله صار صادقًا في دعواه، وإن قدم ما تحبه نفسه وتهواه على ما يحبه الله دل ذلك على أنه ظالم تارك لما يجب عليه"٤.
تقسيمه للمحبة:
قسم الشيخ ابن سعدي المحبة إلى أربعة أقسام فقال:
"واعلم أن أنواع المحبة ثلاثة أقسام:
الأول: محبة الله التي هي أصل الإيمان والتوحيد.
الثاني: المحبة في الله وهي محبة أنبياء الله ورسله وأتباعهم، ومحبة ما يحبه الله من الأعمال والأزمنة والأمكنة وغيرها، وهذه تابعة لمحبة الله ومكملة لها.
الثالث: محبة مع الله وهي محبة المشركين لآلهتهم وأندادهم من شجر، وملك وغيرها وهي أصل الشرك وأساسه.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران/ الآية ٣١. ٢ التفسير ١/٣٧٤. ٣ التفسير ٢/٢٠٧. ٤ التفسير ٣/٣١٤.
[ ١٧٢ ]
وهنا قسم رابع: وهو المحبة الطبيعية التي تتبع ما يلائم العبد، ويوافقه من طعام وشراب ونكاح ولباس وعشرة وغيرها. وهذه إذا كانت مباحة إن أعانت على محبة الله وطاعته دخلت في باب العبادات، وإن صدت عن ذلك وتوسل بها إلى ما لا يحبه الله دخلت في المنهيات. وإلا بقيت من أقسام المباحات"١.
نسأل الله أن يرزقنا حبه، وحب من يحبه والعمل الذي يقرب إلى حبه إنه جواد كريم.
ومن أنواع العبادة الخوف:
الخوف من أفضل مقدمات الدين وأجلها، وقد ذكره الله في كتابه عن سادات المقربين من الملائكة والأولياء والصالحين.
وقال: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ٢.
وقال: ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ ٣.
وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ ٤.
وقال: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ ٥.
وهو من العبادات العظيمة ولا يجوز صرفه لغير الله، وقد أمر الله بإخلاصه له في أكثر من آية.
وقال تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ ٦.
وقال: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ ٧.
وقال: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٨.
وقال: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ ٩.
_________________
(١) ١ القول السدسد /١١٢، ١١٣. ٢ سورة النحل/ الآية ٥٠. ٣ سورة الأنبياء/ الآية ٢٨. ٤ سورة المؤمنون/ الآية ٥٧. ٥ سورة الأحزاب/ الآية ٣٩. ٦ سورة المائدة/ الآية ٤٤. ٧ سورة النحل/ الآية ٥٢. ٨ سورة آل عمران/ الآية ١٧٥. ٩ سورة البقرة/ الآية ٤٠.
[ ١٧٣ ]
هذا وقد تناول الشيخ ابن سعدي هذا النوع من العبادة بالبيان والإيضاح.
فقال ﵀ في بيان إخلاص هذا النوع من العبادة لله وحده عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُون﴾ ١.
قال: "أي فلا تخافوا المشركين أولياء الشيطان، فإن نواصيهم بيد الله، لا يتصرفون إلا بقدره.
بل خافوا الله الذي ينصر أولياءه الخائفين إياه المستجيبين لدعوته وفي هذه الآية وجوب الخوف من الله وحده، وأنه من لوازم الإيمان، فعلى قدر إيمان العبد يكون خوفه من الله، والخوف المحمود ما حجز العبد عن محارم الله"٢.
وقال في بيان أهمية الخوف: "فالخوف يمنع العبد عن محارم الله وتشاركه الخشية في ذلك"٣. وقال: "فإن خشية الله جالبة لكل خير مانعة من كل شر"٤.
تقسيمه للخوف:
يقسم ابن سعدي الخوف إلى أربعة أقسام:
(١) خوف تأله لله، وتعلقه بالله من أعظم الواجبات.
(٢) خوف تأله لغير الله وهذا شرك أكبر.
(٣) خوف طبيعي كالخوف من الأسد والحية والنار وغير ذلك.
(٤) خوف وهمي كالخوف الذي ليس له سبب أصلًا وهذا مذموم يدخل صاحبه في وصف الجبناء.
قال ﵀ في بيان هذه الأقسام:
"اعلم أن الخوف والخشية تارة يقع عبادة وتارة يقع طبيعة وعادة، وذلك بحسب أسبابه ومتعلقاته.
فإن كان الخوف والخشية خوف تأله وتعبد وتقرب بذلك الخوف إلى من يخافه، وكان يدعو إلى طاعة باطنة وخوف سري يزجر عن معصية من يخافه كان تعلقه بالله من أعظم واجبات الإيمان.
وتعلقه بغير الله من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله؛ لأنه أشرك في هذه العبادة
_________________
(١) ١ سورة آل عمران/ الآية ١٧٥. ٢ التفسير ١/٤٥٧، وانظر القول السديد /١١٤. ٣ الخلاصة /٢٠١. ٤ التفسير ٦/٢٢٥.
[ ١٧٤ ]
التي هي من أعظم واجبات القلب - غير الله مع الله، وربما زاد خوفه من غير الله على خوفه لله.
وأيضًا فمن خشي الله وحده على هذا الوجه مخلص موحد، ومن خشي غيره فقد جعل لله ندًا في الخشية كمن جعل لله ندًا في المحبة، وذلك كمن يخشى من صاحب القبر أن يوقع به مكروها أو يغضب عليه فيسلبه نعمه أو نحو ذلك مما هو واقع من عباد القبور.
وإن كان الخوف طبيعيًا كمن يخشى من عدو أو سبع أو حية أو نحو ذلك مما يخشى ضرره الظاهري، فهذا النوع ليس عبادة، وقد يوجد من كثير من المؤمنين، ولا ينافي الإيمان، وهذا إذا كان خوفًا محققًا قد انعقدت أسباب الخوف فليس بمذموم.
وإن كان هذا خوفًا وهميا كالخوف الذي ليس له سبب أصلًا، أو له سبب ضعيف فهذا مذموم يدخل صاحبه في وصف الجبناء، وقد تعوذ ﷺ من الجبن فهو من الأخلاق الرذيلة"١.
من أنواع العبادة التوكل:
قال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ٢.
وقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ ٣.
وقال: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ ٤.
وغيرها من الآيات. والتوكل فريضة يجب إخلاصه لله إذ هو من أفضل العبادات وأعظم القربات وهو أعلى مقامات التوحيد.
وقد اهتم ابن سعدي ببيان هذه العبادة كما اهتم ببيان غيرها من العبادات وأشار إلى أهمية التوكل وشدة الحاجة إليه.
قال ﵀: "التوكل على الله من أعظم واجبات التوحيد والإيمان. وبحسب قوة توكل العبد على الله يقوى إيمانه ويتم توحيده، والعبد يضطر إلى التوكل على الله والاستعانة به في كل ما يريد فعله أو تركه من أمور دينه أو دنياه"٥.
_________________
(١) ١ القول السديد /١١٥، ١١٦. ٢ سورة المائدة/ الآية ١١. ٣ سورة الفرقان/ الآية ٥٨. ٤القول السديد/ ١١٧. ٥ القول السديد /١١٧.
[ ١٧٥ ]
وقال في إحدى خطبه: "فالاستعانة بالله، والتوكل عليه من أعظم واجبات الإيمان وأفضل الأعمال المقربة للرحمن. فإن الأمور كلها لا تحصل ولا تتم إلا بالاستعانة بالله، ولا عاصم للعبد سوى الاعتماد على الله. فإن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولا تحول للعباد من حال إلى حال إلا بالله، ولا قوة لهم على طاعة الله إلا بتوفيق الله، ولا مانع لهم من الشر والمعاصي إلا عصمة الله، وكذلك أسباب الرزق لا تحصل وتتم إلا بالسعي في الطلب مع التوكل على الله"١.
وكما بين ﵀ أهمية التوكل فقد بين حقيقته وكيفيته فقال: "حقيقة التوكل على الله: أن يعلم العبد أن الأمر كله لله، وأنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه النافع الضار المعطي المانع، وأنه لا حول ولا قوة إلا بالله فبعد هذا العلم يعتمد بقلبه على ربه في جلب مصالح دينه ودنياه، وفي دفع المضار، ويثق غاية الوثوق بربه في حصول مطلوبه، وهو مع هذا باذل جهده، في فعل الأسباب النافعة. فمتى استدام العبد هذا العلم وهذا الاعتماد والثقة فهو المتوكل على الله حقيقة، ليبشر بكفاية الله له ووعده المتوكلين، ومتى علق ذلك بغير الله فهو شرك، ومن توكل على غير الله وتعلق به وكل إليه وخاب أمله"٢.
كلامه في التوسل:
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٣.
وقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ ٤.
وهذه أيضا من العبادات التي تناولها الشيخ ابن سعدي وبين معناها وأقسامها.
قال ﵀ في بيان معنى التوسل إلى الله وذلك عند قوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ .
"أي القرب منه والحظوة لديه والحب له، وذلك بأداء فرائضه القلبية كالحب له وفيه، والخوف والرجاء والإنابة والتوكل.
وبدنية كالزكاة والحج.
_________________
(١) ١ الفواكه الشهية/٢٢. ٢ القول السديد /١١٧، ١١٨. ٣ سورة المائدة/ الآية ٣٥. ٤ سورة الإسراء/ الآية ٥٧.
[ ١٧٦ ]
والمركبة من ذلك كالصلاة ونحوها"١.
وبين أن التوسل ثلاثة أقسام فقال: "التوسل يطلق على التوسل إلى الله بما جعله وسيلة إليه في مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ ٢.
وذلك يشمل التقرب إلى الله بالواجبات والمستحبات، وكذلك التقرب إليه بترك المكروهات.
فهذا توسل إليه بعبادته التي خلق لأجلها، ومن هذا التوسل إليه في دعاء المسألة بأسمائه وصفاته، والتوسل إليه بمنته ونعمه كالتوسل إليه بالإيمان به وبرسله وكتبه أو دفع نقمه، وبالإيمان بالرسول ﷺ ومحبته واتباعه بالصلاة والسلام عليه، فهذه الوسيلة لا يتم الإيمان إلا بها.
النوع الثاني: التوسل إلى الله بذوات المخلوقين، وجاههم فهذا الصواب أنه لا يحل؛ لأنه لا يتقرب إلى الله إلا بما شرع، وهذا ليس بمشروع، وأيضًا فذوات المخلوقين وإن كان لهم عند الله مقام وجاه، فهذا ليس لغيرهم وليس التوسل بهم سببا لشفاعتهم للمتوسل عند الله ولم يجعله الله من الأمور المقربة إليه، وليس ذلك إلا توسلا بما منّ الله على المتوسل فتعين أنه لا يجوز.
النوع الثالث: ما يسميه المشركون توسلًا وهو التقرب إلى المخلوقين بالدعاء والخوف والرجاء والطمع ونحو ذلك فهذا توسل الشيطان وهو الشرك الأكبر الذي لا يغفر لصاحبه إن لم يتب"٣.
كلامه عن الشرك:
تمهيد: إن معرفة الشرك وخطره وأسبابه وأدلة بطلانه وأنواعه من أهم الأمور، وذلك أنه لا يمكن للإنسان أن يحذر منه ويحذر غيره إلا إذا عرفه وعرف خطره.
أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن حذيفة بن اليمان ﵄ أنه قال: "كان الصحابة يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني"٤.
_________________
(١) ١ التفسير ٢/٢٨٥. ٢ سورة المائدة/ الآية ٣٥. ٣ الفتاوى السعدية /٣١، ٣٢، وانظر التفسير ١/٣٦٣، والمواهب الربانية /٣١، ٣٢، ٣٣. ٤ البخاري ٨/٩٣، ومسلم ٣/١٤٧٥، وأخرجه الإمام أحمد ٥/٤٠٣، وأبو داود ٤/٩٥.
[ ١٧٧ ]
وهذا المعنى تمثل به أحد الشعراء بقوله:
عرفت الشر لا للشر ولكن لتوقيه
ومن لم يعرف الشر من الناس يقع فيه
ومن هنا يتلخص لنا أن في معرفة الشرك وما يتعلق به فوائد عديدة:
أحدها: إن الإنسان يمكنه بمعرفة الشرك أن يحذر من الوقوع فيه.
الثاني: أنه يمكنه بذلك أن يحذر غيره.
الثالث: أنه يظهر له بذلك حسن الإسلام والتوحيد، وذلك أنه إذا عرف الشرك وظهر له بطلانه، عرف أن ضده وهو التوحيد أفضل الأعمال، بضدها تتميز الأشياء.
إلى غير ذلك من الفوائد.
ولهذه الأسباب وغيرها فقد ظهر اهتمام الشيخ ابن سعدي ببيان الشرك وأقسامه وأسبابه وخطره وجميع ما يتعلق به، وبين أن توحيد العبادة المتقدم بيانه لا يتم ولا يقبل من صاحبه إلا بترك الشرك والبعد عنه. قال: "ولا يتم توحيد العبادة حتى يخلص العبد لله في جميع إرادته وأقواله وأفعاله، وحتى يدع الشرك الأكبر المنافي للتوحيد كل المنافاة، وهو أن يصرف نوعًا من أنواع العبادة لغير الله تعالى، وتحقيق هذا التوحيد وتمامه أن يدع الشرك الأصغر وهو: كل وسيلة يتوسل بها إلى الشرك الأكبر كالحلف بغير الله، ويسير الرياء ونحو ذلك"١.
ولهذا فإني سأذكر فيما يلي تعريفه للشرك وبيانه لأقسامه وأسبابه وذمه له وبيانه لبطلانه إلى غير ذلك من الأمور التي تتعلق بهذا الجانب.
تعريفه للشرك وبيانه لأقسامه:
قال ﵀ في تعريف الشرك: "وحقيقة الشرك بالله: أن يُعبد المخلوق كما يعبد الله أو يُعظم كما يعظم الله أو يُصرف له نوع من خصائص الربوبية والألوهية"٢.
وقسم الشرك إلى نوعين: شرك في الربوبية، وشرك في الألوهية فقال: "الشرك نوعان: شرك في ربوبيته تعالى كشرك الثانوية الذين يثبتون خالقًا مع الله وشرك في ألوهيته كشرك المشركين الذين يعبدون الله ويعبدون غيره ويشركون بينه، وبين المخلوقين، ويسوونهم مع الله في شيء من خصائص ألوهيته"٣.
_________________
(١) ١ الفتاوى السعدية /١٣. ٢ التفسير ٢/٤٩٩. ٣ الخلاصة /٢٠٣ وانظر الرياض الناضرة /٢٥٦، وسؤال وجواب /١١.
[ ١٧٨ ]
وكلامنا هنا سيكون مقتصرًا على النوع الثاني من أنواع الشرك وهو "الشرك في الألوهية"، أما النوع الأول فقد تقدم الكلام عليه ضمن توحيد الربوبية.
ذم الشرك:
وردت نصوص كثيرة في الكتاب والسنة في التحذير من الشرك، وبيان خطره، وأنه أعظم ذنب عصى الله به، وأنه لا أضل من فاعله، وأنه مخلد في النار أبدًا لا نصير له ولا حميم ولا شفيع يطاع.
بل إن الآيات والأحاديث الواردة في ذلك لا تحصى إلا بكلفة.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ ١.
وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ٢.
وقال: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ ٣.
وقال: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ ٤.
وقال للرسل وهم صفوة الخلق: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٥.
وقال لخاتمهم محمد ﷺ: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٦.
وغيرها من الآيات. ومن الأحاديث الواردة في ذلك.
حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من مات يشرك بالله شيئًا دخل النار"٧.
_________________
(١) ١ سورة النساء/ الآية ٤٨. ٢ سورة النساء/ الآية ١١٦. ٣ سورة المائدة/ الآية ٧٢. ٤ سورة الحج/ الآية ٣١. ٥ سورة الأنعام/ الآية ٨٨. ٦ سورة الزمر/ الآية ٦٥. ٧ أخرجه البخاري ٢/٦٩، ومسلم ١/٩٤.
[ ١٧٩ ]
وحديث جابر بن عبد الله قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة"١.
وحديث أبي ذر عن النبي ﷺ قال: "أتاني جبريل ﵇ فبشرني أنه من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة. قلت: وإن زنى وإن سرق قال وإن زنى وإن سرق"٢.
وحديث أبي بكرة ﵁ قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر" ثلاثًا: "الإشراك بالله وعقوق الوالدين وشهادة الزور وكان رسول الله ﷺ متكئًا فجلس، فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت"٣.
وغيرها من الأحاديث.
ولقد اهتم سعدي ببيان خطورة الإشراك بالله وشناعته، وقبح فاعله وضلاله، وبين أن الله وملائكته ورسله قد حذروا من هذا العمل وبين أن ما عبد من دون الله لا يملك لنفسه ضرًا ولا رشدًا وأن النافع الضار هو الله إلى غير ذلك من الجوانب التي تناولها في سبيل بيان قبح الشرك.
قال ﵀: "فالله وملائكته ورسله قد نهوا عن الشرك، وذموا من عمله أشد الذم، ورتبوا عليه من الأسماء المذمومة والأوصاف المقبوحة ما كان به متعاطية أشنع الخلق وصفًا وأقبحهم نعتًا، وله في الخذلان في أمر دينه ودنياه بحسب ما تركه من التعلق بربه.
فمن تعلق بغيره فهو مخذول، قد وكل إلى من تعلق به، ولا أحد من الخلق ينفع أحدًا إلا بإذن الله"٤.
وقال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ ٥.
"فهذا برهان جلي دال على أن عبادة الناقص في ذاته وأفعاله مستقبح عقلًا وشرعًا، ودل تنبيهه وإشارته أن الذي يجب ويحسن عبادته من له الكمال الذي لا ينال العباد نعمة إلا منه ولا يدفع عنهم نقمة إلا هو الله تعالى"٦.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم ١/٩٤. ٢ أخرجه البخاري ٢/٦٩، ومسلم ١/٩٤. ٣ أخرجه البخاري ٣/١٥٢، ومسلم ١/٩١. ٤ التفسير ٤/٣٦٩، وانظر ٦/١٣٠. ٥ سورة مريم/ الآية ٤٢. ٦ التفسير ٥/١١٠.
[ ١٨٠ ]
وقال عند قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ١: ".. فالمخلوقات كل مخلوق فوقه مخلوق يقهره ثم فوق ذلك القاهر قاهر أعلى منه حتى ينتهي القهر للواحد القهار، فالقهر والتوحيد متلازمان متبينان لله وحده.
فتبين بالدليل العقلي القاهر أن ما يدعى من دون الله ليس له شيء من خلق المخلوقات وبذلك كانت عبادته باطلة"٢.
وقال عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴾ ٣.
" الشرك لا يغفره الله لتضمنه القدح في رب العالمين، ووحدانيته وتسوية المخلوق الذي لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا، بمن هو مالك النفع والضر، الذي ما من نعمة إلا منه، ولا يدفع النقم إلا هو الذي له الكمال المطلق من جميع الوجوه والغني التام بجميع وجوه الاعتبارات.
فمن أعظم الظلم، وأبعد الضلال، عدم إخلاص العبادة لمن هذا شأنه وعظمته، وصرف شيء منها للمخلوق الذي ليس له من صفات الكمال شيء ولا له من صفات الغني شيء بل ليس له إلا لعدم، عدم الوجود، وعدم الكمال وعدم الغنى من جميع الوجوه"٤.
وقال في بيان وجه كون الشرك ظلمًا عظيمًا، عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ٥.
"ووجه كونه ظلمًا عظيمًا، أنه لا أفظع ولا أبشع ممن سوّى المخلوق من تراب بمالك الرقاب، وسوّى الذي لا يملك من الأمر شيئًا بمالك الأمر كله وسوى الناقص الفقير من جميع الوجوه بالرب الكامل الغني من جميع الوجوه، وسوى من لا يستطيع أن ينعم بمثقال ذرة من النعم بالذي ما بالخلق من نعمة في دينهم ودنياهم وأخراهم وقلوبهم وأبدانهم إلا منه ولا يصرف السوء إلا هو. فهل أعظم من هذا الظلم شيء؟
وهل أعظم ظلمًا ممن خلقه الله لعبادته وتوحيده، فذهب بنفسه الشريفة فجعلها في أخس المراتب؟ جعلها عابدة لمن لا يسوى شيئًا"٦.
_________________
(١) ١ سورة الرعد/ الآية ١٦. ٢ التفسير ٤/٩٩. ٣ سورة النساء/ الآية ١١٦. ٤ التفسير ٢/١٦٥. ٥ سورة لقمان/ الآية ١٣. ٦ التفسير ٦/١٥٥، ١٥٦، وانظر التفسير ٦/٢٧٦.
[ ١٨١ ]
وبين أن كل من عبد أحدًا غير الله وأشركه معه في العبادة يكون بعمله هذا طائعًا عابدًا للشيطان؛ لأنه امتثل أمره وحقق مراده ومقصوده.
فقال عند قوله تعالى: ﴿لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ ١ أي لا تطيعوه، وهذا التوبيخ يدخل فيه التوبيخ عن جميع أنواع الكفر والمعاصي؛ لأنها كلها طاعة للشيطان وعبادة له"٢.
ويكفي في بيان ذم الشرك وخطره قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٣.
فهو الذنب الوحيد المتميز عن بقية الذنوب بعدم المغفرة لصاحبه إذا مات ولم يتب منه، وأما بقية الذنوب فإن صاحبها إن مات ولم يتب منها فإنه تحت مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.
قال ﵀: "فالذنوب التي دون الشرك قد جعل الله لمغفرتها أسبابًا كثيرة كالحسنات الماحية والمصائب المكفرة في الدنيا والبرزخ ويوم القيامة، وكدعاء المؤمنين، بعضهم لبعض وشفاعة الشافعين، ومن دون ذلك كله رحمته التي أحق بها أهل الإيمان والتوحيد.
وهذا بخلاف الشرك فإن المشرك قد سد على نفسه أبواب المغفرة، وأغلق دونه أبواب الرحمة، فلا تنفعه الطاعات من دون التوحيد، ولا تفيده المصائب شيئًا"٤.
كلامه عن سبب أول شرك حصل في بني آدم:
بين الشيخ ابن سعدي عند تفسيره لسورة نوح ما قرره ابن عباس وغيره من أئمة السلف أن أول شرك حصل من بني آدم سببه هو تعظيم الصالحين وقبورهم، ورفعهم فوق منزلتهم حيث بين أن الناس مكثوا بعد آدم على ملة الإسلام يعبدون الله وحده
_________________
(١) ١ سورة يس/ الآية ٦٠. ٢ التفسير ٥/١١١. ٣ سورة النساء/ الآية ٤٨. ٤ التفسير ٢/٨٠.
[ ١٨٢ ]
فأفسد الشيطان عليهم دينهم بأن أملى لهم تعظيم الصالحين ثم ترقى بهم إلى أن جعلهم يعبدونهم من دون الله.
قال في خلاصة التفسير: "مكث البشر بعد آدم قرونًا طويلة وهم أمة واحدة على الهدى، ثم اختلفوا وأدخلت عليهم الشياطين والشرور المتنوعة بطرق كثيرة فكان قوم نوح قد مات منهم أناس صالحون فحزنوا عليهم فجاءهم الشيطان فأمرهم أن يصوروا تماثيلهم ليتسلوا بهم وليتذكروا بها أحوالهم، فكان هذا مبتدأ الشر.
فلما هلك الذين صوروهم لهذا المعنى جاء من بعدهم وقد اضمحل العلم فقال لهم الشيطان: إن هؤلاء ودًا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا قد كانوا أولوكم يدعونهم ويستشفعون بهم، وبهم يسقون الغيث وتزول الأمراض، فلم يزل بهم حتى انهمكوا في عبادتهم على رغم نصح الناصحين.
ثم بعث الله فيهم نوحًا ﵇ يعرفونه ويعرفون صدقه وأمانته وكمال أخلاقه فقال: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ١ " ٢.
وقال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ ٣.
"وهذه أسماء رجال صالحين لما ماتوا زين الشيطان لقومهم أن يصوروا صورهم لينشطوا بزعمهم على الطاعة إذا رأوها.
ثم طال الأمد وجاء غير أولئك فقال لهم الشيطان إن أسلافكم كانوا يعبدونهم ويتوسلون بهم، وبهم يسقون المطر فعبدوهم"٤.
كلامه عن فطرية التوحيد وأن الشرك طارئ على البشرية:
هذه المسألة للناس فيها قولان:
القول الأول: هو أن الله خلق الناس حنفاء على عقيدة واحدة وهي عقيدة التوحيد ثم عرضت لهذه العقيدة انحرافات فمال الناس وانحرفوا إلى الوثنية والشرك بالله وهذا القول هو القول الحق، الذي لا شك فيه والذي تدل عليه نصوص الكتاب والسنة، ولا يعرف أحد من العلماء المعتبرين قال بخلافه.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف/ الآية ٥٩. ٢ الخلاصة /١٠٧. ٣ سورة نوح/ ٢٣. ٤ التفسير ٧/ ٤٨٥.
[ ١٨٣ ]
أما القول الثاني: فهو أن التدين بدأ بالخرافة والشرك وعبادة غير الله ثم أخذ يتطور إلى أن أفرد الله وحده بالعبادة١.
ولا شك أن هذا القول باطل فاسد يخالف نصوص الكتاب والسنة، بل إن نصوص الكتاب والسنة تدل على بطلانه٢.
وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ ٤. وقال: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٥.
وقال ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٦.
وفي الحديث القدسي قال الله تعالى: "إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم"٧.
وقال ﷺ: "كل مولود يولد على الفطر فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه"٨.
وغيرها من النصوص، وهي كلها تدل على بطلان القول الثاني، وأن الصواب الموافق للكتاب والسنة وهو القول الأول، من أن الأصل في الناس التوحيد والشرك طارئ وحادث فيهم.
وقد بين ابن سعدي أن الأصل في الناس التوحيد وأنهم مفطورون على العقيدة، وأن الشرك والانحراف عن هذه العقيدة طارئ على البشرية.
وقال عند قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ ٩.
"متفقين على الدين الصحيح، ولكنهم اختلفوا فبعث الله الرسل مبشرين ومنذرين"١٠
_________________
(١) ١ ذكر هذين القولين الدكتور محمد دراز في كتابه الدين /٨٠. ٢ انظر: في بيان بطلانه الفتاوى لابن تيمية ٢٠/١٠٦. ٣ سورة يونس/ الآية ١٩. ٤ سورة البقرة/ الآية ٢١٣. ٥ سورة الروم/ الآية ٣٠. ٦ سورة النحل/ الآية ٣٦. ٧ تقدم تخريجه ص ٦٨. ٨ تقدم تخريجه ص ٦٨. ٩ سورة يونس/ الآية ١٩. ١٠ التفسير ٣/٣٣٨.
[ ١٨٤ ]
وقال: "مكث البشر بعد آدم قرونا وهم أمة واحدة على الهدى ثم اختلفوا"١.
وقال عند قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ ٢ بعد أن بين أن الناس جميعا مفطورون على التوحيد وأن هذا الأصل في جميع الناس قال: "ومن خرج عن هذا الأصل فعارض عرض لفطرته أفسدها كما قال النبي ﷺ: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو نصرانه أو مجسانه"٣ ٤.
تنبيه:
قال الشيخ ابن سعدي عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ ٥.
قال: "أي كان الناس مجتمعين على الكفر والضلال والشقاء ليس لهم نور ولا إيمان فرحمهم الله تعالى بإرسال الرسل إليهم"٦.
وهذه الآية ذكر ابن كثير فيها قولين عن السلف وكلاهما ينسب إلى ابن عباس
أحدهما: أنهم كانوا على الهدى جميعهم.
والثاني: أنهم كانوا كفارًا.
ثم قال بعد ذكر هذين القولين: "والقول الأول عن ابن عباس أصح سندًا، ومعنى؛ لأن الناس كانوا على ملة آدم حتى عبدوا الأصنام فبعث الله إليهم نوحًا ﵇ فكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض"٧.
ولا ريب أن قول ابن سعدي المذكور آخرًا يتعارض مع أقواله المتقدمة إلا إذا حمل على أن المراد بالناس في الآية الأقوام التي كفرت بالله بعد أن فطرت على التوحيد، وهذا له وجه من الصحة.
ومن أمعن النظر في أقواله المتقدمة التي ذكر فيها أن الناس كانوا على التوحيد ثم حصل منهم الكفر، عرف صحة هذا المحمل.
والمقصود أن ابن سعدي يرى أن الشرك طارئ على الناس بعد أن خلقوا حنفاء موحدين.
_________________
(١) ١ الخلاصة /١٠٧. ٢ سورة الروم/ الآية ٣٠. ٣ تقدم تخريجه ص ٦٨. ٤ التفسير ٦/١٢٦. ٥ سورة البقرة الآية/ ٢١٣. ٦ التفسير ١/٢٦٠. ٧ تفسير ابن كثير ١/٢٥٠.
[ ١٨٥ ]
كلامه في الفرق بين الكفر والشرك:
ذكر الشيخ ابن سعدي فارقًا بين الكفر والشرك وهو أن الكفر أشمل من الشرك بحيث أنه كل شرك كفر وليس كل كفر شركًا.
ومثال ذلك الاستهزاء برسول الله ﷺ أو القرآن كفر وليس شركًا.
قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ. لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ١.
فهذا العمل كفر وليس بشرك، أما الأمور الشركية كعبادة غير الله من الملائكة والأنبياء والصالحين وغيرهم ودعائهم من دون الله، وطلب الحوائج منهم، وغير ذلك من الشركيات، فإنها كلها كفرية.
قال ابن سعدي في بيان هذا الفارق بين الكفر والشرك: "الكفر أعم من الشرك فمن جحد ما جاء به الرسول أو جحد بعضه بلا تأويل فهو كافر من أي دين يكون سواء كان صاحبه معاندًا أو جاهلًا ضالًا "٢.
وبين أن الكفر نوعان كفر أكبر مخرج من الدين كالتكذيب لله ورسوله، وكفر أصغر كالاقتتال بين المسلمين والنياحة والتبرؤ من النسب٣
كلامه في أنواع الشرك:
قسم ابن سعدي الشرك إلى نوعين: شرك أكبر مخرج من الملة، وشرك أصغر. وبين أن العبد لا يتم له توحيد العبادة حتى يتبرأ من الشرك بنوعيه.
فقال: "الشرك المناقض لتوحيد الألوهية نوعان:
جلي ظاهر مخرج من دائرة الإسلام وهو الشرك الأكبر، وهذا النوع لا يقبل الغفران. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٤.
وتفسيره: أن يتخذ العبد لله ندًا يحبه كمحبة الله أو يرجوه أو يخافه كخوفه من الله
_________________
(١) ١ سورة التوبة الآيتان ٦٥، ٦٦. ٢ الخلاصة /٢٠٣، وانظر الرياض الناضرة /٢٥٥. ٣ الفتاوى السعدية /١٠٣، وهو يشير في ذلك إلى قول النبي ﷺ: "سباب المسلم فسسوق وقتاله كفر" أخرجه البخاري ١/١٧، ومسلم ١/٨١، وقوله: "اثنتان في الناس هما بهم كفر، الطعن في النسب، والنياحة على الميت" أخرجه مسلم ١/٨٢. ٤ سورة النساء/ الآية ٤٨.
[ ١٨٦ ]
أو يدعوه أو يصرف له نوعًا من أنواع العبادة الظاهرة والباطنة. وفي هذا المقام لا فرق بين الملائكة والأنبياء والأولياء الصالحين والطالحين والأشجار والأحجار وغيرها.
فمن صرف لشيء منها نوعًا من العبادة فهو مشرك كافر قد سواها بربه في هذا الحق الذي يختص به، فإن العبودية لا حق فيها لملك مقرب ولا نبي مرسل ولا غيرهما، بل هم مفتقرون غاية الافتقار إلى تألههم وتعبدهم لله.
وأما الشرك الأصغر: فهو كل وسيلة يتوسل بها ويتطرق إلى الشرك الأكبر بشرط أن لا يبلغ مرتبة العبادة كالحلف بغير الله وكالرياء والتصنع للمخلوقين ونحو ذلك من الأقوال المؤدية إلى الشرك.
فلا يتم للعبد توحيد حتى يتبرأ من الشرك كله جليه وخفيه ظاهره وباطنه الأقوال منه والأفعال، وتكون أعماله كلها خالصة. متبعا سنة رسول الله ﷺ"١.
الفوارق بين الشرك الأكبر والأصغر:
وقد ذكر ابن سعدي جملة من الفوارق بين الشرك الأكبر والأصغر، وهي فوارق هامة.
قال ﵀: "اعلم أن الشرك الأكبر، والشرك الأصغر يفترقان في أحكام كثيرة دل عليها الكتاب والسنة والإجماع: يفترقان في حدهما: أما الشرك الأكبر فهو: صرف نوع من العبادة لغير الله تعالى فكل ما ثبت في الكتاب والسنة من العبادات إذا صرف العبد منها شيئًا لغير الله فهو مشرك كافر.
وأما حد الشرك الأصغر فهو كل وسيلة يخشى أن توصل صاحبها إلى الشرك الأكبر كالحلف بغير الله، وكالرياء والسمعة وكالغلو في المخلوق الذي لا يصل إلى رتبة عبادته، فهذا هو أصل الفروق بينهما.
الفرق الثاني، والثالث: أن الشرك الأكبر محكوم على صاحبه بالكفر والخروج من الإسلام، ومحكوم عليه أيضًا بالخلود في النار، وتحريم دخول الجنة.
وأما الشرك الأصغر فهو بخلاف ذلك في الحكمين فإنه لا يحكم على صاحبه بالكفر ولا الخروج من الإسلام، ولا يخلد في النار إذا لم يفعل مكفرًا آخر.
_________________
(١) ١ الحق الواضح المبين /٥٩، وانظر القول السديد /٢٩، ٥٢، والرياض الناضرة /٢٥٦، وسؤال وجواب /١١.
[ ١٨٧ ]
فهذه الأحكام الثلاثة وما يترتب عليها من التفريعات المبنية عليها لم يختلف فيها أهل العلم لأن نصوص الكتاب والسنة فيها كثيرة قاطعة صريحة"١.
هل الشرك الأصغر تحت المشيئة مثل الكبائر أم هو مثل الشرك الأكبر:
تقدم معنا من النصوص ما يدل على أن ذنب الشرك لا يغفره الله إذا مات صاحبه وهو لم يتب منه.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٢.
وهنا يرد سؤال هل الشرك الأصغر داخل في عموم هذه الآية بحيث أن فاعله إذا مات عليه يكون معاقبًا بإدخاله نار جهنم أم أنه كبقية الذنوب التي دون الشرك.
هذه المسألة بحثها الشيخ ابن سعدي وذكر فيها كلامًا نفيسًا. حيث يقول: "من لحظ إلى عموم الآية، وأنه لم يخص شركًا دون شرك أدخل فيها الشرك الأصغر وقال إنه لا يغفر بل لا بد أن يعذب صاحبه، لأن من لم يغفر له لا بد أن يعاقب، ولكن القائلين بهذا لا يحكمون بكفره ولا بخلوده في النار وأنه يعذب عذابًا أبديا - لأن هذا مذهب الخوارج المنحرفين - وإنما يقولون يعذب عذابًا بقدر شركه ثم بعد ذلك مآله إلى الجنة.
وأما من قال إن الشرك الأصغر لا يدخل في الشرك المذكور في هذه الآية، وإنما هو تحت المشيئة فإنهم يحتجون بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ ٣. فيقولون كما أن بإجماع الأئمة أن الشرك الأصغر لا يدخل تحت هذه الآية التي حكم الله بها للمشرك بتحريم الجنة والخلود في النار فلا يدخل في تلك الآية وكذلك لا يدخل في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ ٤، لأن العمل هنا مفرد مضاف ويشمل الأعمال كلها، ولا يحبط الأعمال الصالحة كلها إلا الشرك الأكبر.
قالوا وإذا فارق الشرك الأكبر في تلك الأحكام السابقة بأنه لا يحكم عليه بالكفر والخروج من الإسلام ولا بالخلود في النار، فارقه في كونه مثل الذنوب التي دون الشرك وأنه تحت مشيئة الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه؛ ولأن مشاركته للكبائر في أحكامها الدنيوية والأخروية أكثر من مشاركته للشرك الأكبر.
_________________
(١) ١ ضمن فتاوى بعثها السعدي إلى الشيخ عبد الرحمن بن عبد العزيز الحصين، وهذه الفتاوى مؤرخة بتاريخ ٢٩/٦/١٣٧٤هـ مخطوطه. ٢ سورة النساء/ الآية ٤٨. ٣ سورة المائدة/ الآية ٧٢. ٤ سورة الزمر/ الآية ٦٥.
[ ١٨٨ ]
ويؤيد قولهم أن الموازنة واقعة بين الحسنات وبين السيئات التي هي دون الشرك الأكبر لأن الشرك الأكبر؛ لا موازنة بينه وبين غيره فإنه لا يبقى معه عمل ينفع.
وأما السيئات التي دونه فيقع بينها الموازنة من رجحت حسناته على سيئاته دخل الجنة بلا عذاب، ومن رجحت سيآته على حسناته، استحق دخول النار بقدر ذنوبه، ومن تساوت حسناته وسيآته فهو من أهل الأعراف الذين مآلهم إلى دخول الجنة، ولكن الأولون قد يجيبون عن هذا بأنه قد يعذب صاحب الشرك الأصغر قبل الموازنة، إما في البرزخ، وإما قبل ذلك أو بعده في عرصات القيامة، فيقول الآخرون: وكذلك الكبائر قد يعذب صاحبها قبل الموازنة فتسقط الموازنة بها فلا يختص بذلك الشرك الأصغر، ومن تأمل الأدلة من الكتاب والسنة أمكنه أن يعرف الراجح من القولين"١.
وتقدم عند كلامه عن الفروق بين الشرك الأكبر والأصغر قوله: "وأما الشرك الأصغر فهو بخلاف ذلك في الحكمين فإنه لا يحكم على صاحبه بالكفر ولا الخروج من الإسلام ولا يخلد في النار إذا لم يفعل مكفرًا آخر".
وهذا يبين أنه يرى أن الشرك الأصغر مثل الكبائر داخل تحت مشيئة الله إن شاء عذب فاعله وإن شاء عفى عنه.
ذكر جملة من أنواع الشرك وكلام السعدي عنها:
من أنواع الشرك دعاء غير الله:
قال ﵀: "ومن دعا غيره من نبي أو ملك أو ولي أو غيرهم أو استغاث بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فهو مشرك كافر"٢.
ومنها الذبح لغير الله:
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لا شَرِيكَ لَه﴾ ٣.
وقال: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ ٤.
وقال ﷺ: "لعن الله من ذبح لغير الله"٥.
_________________
(١) ١ ضمن الفتاوى السابقة. ٢ القول السديد /٥٩. ٣ سورة الأنعام/ الآيتان ١٦٢، ١٦٣. ٤ سورة الكوثر/ الآية ٢. ٥ أخرجه مسلم ٣/١٥٦٧، وأحمد ١/١١٨، وغيرهما.
[ ١٨٩ ]
قال ابن سعدي بعد أن ذكر جملة من النصوص في ذلك: "وإذا ثبت أن الذبح لله من أجل العبادات وأكبر الطاعات، فالذبح لغير الله شرك أكبر مخرج عن دائرة الإسلام"١.
ومنها الاستعاذة والاستغاثة بغير الله:
قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ٢.
وقال: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ ٣.
وقال: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ. وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ ٤.
قال ابن سعدي في بيان وجوب إخلاص هاتين العبادتين لله، وأن صرفهما لغير الله شرك "أمر الله بالاستعاذة به وحده من الشرور كلها، وبالاستغاثة به في كل شدة فهذه إخلاصها لله إيمان وتوحيد وصرفها لغير الله شرك وتنديد"٥.
كلامه في لبس الحلقة والخيط:
بين ابن سعدي أن الحكم في هذه المسألة يتوقف على معرفة الأسباب التي دعت إلى لبسها، إذ إنه باختلاف الأسباب الجائزة لا تخرج عن ثلاثة أمور:
" أحدها: أن لا يجعل منها سببًا إلا ما ثبت إنه سبب شرعًا وقدرًا. ثانيها: أن لا يعتمد العبد عليها بل يعتمد على مسببها، ومقدرها مع قيامه بالمشروع منها وحرصه على النافع منها.
ثالثها: أن يعلم أن الأسباب مهما عظمت وقويت فإنها مرتبطة بقضاء الله وقدره لا خروج لها عنه"٦.
والذي يلبس الحلقة أو الخيط أو غيرهما لا يخرج عن أمرين إما أن يعتقد في الذي لبس أنه قادر على رفع الضر وكشف البلاء عنه، أو يعتقد أن هذا مجرد سبب وأن النافع
_________________
(١) ١ القول السديد /٥١، وانظر التفسير ٢/٥١٠. ٢ سورة الناس/ الآية ١. ٣ سورة الجن/ الآية ٦. ٤ سورة يونس/ الآيتان ١٠٦، ١٠٧. ٥ القول السديد /٥٨، وانظر التفسير ٣/٢٢٣. ٦ القول السديد /٤١، ٤٢.
[ ١٩٠ ]
الضار هو الله، وعلى هذا الضوء حكم ابن سعدي، فقال: "من لبس الحلقة والخيط أو نحوهما قاصدًا بذلك رفع البلاء بعد نزوله أو دفعه قبل نزوله فقد أشرك، لأنه اعتقد أنها هي الدافعة الرافعة فهذا الشرك الأكبر
وإن اعتقد أن الله هو الدافع الرافع وحده ولكن اعتقدها سببا يستدفع بها البلاء فقد جعل ما ليس سببًا شرعيًا ولا قدريًا سببًا، وهذا محرم وكذب على الشرع والقدر"١.
كلامه في زيارة القبور:
قسم ابن سعدي زيارة القبور إلى نوعين: نوع مشروع، ونوع ممنوع، قال: "أما المشروع فهو ما شرعه الشارع من زيارة القبور على الوجه الشرعي من غير شد رحل، ويزورها المسلم متبعا للسنة فيدعو لأهلها عمومًا ولأقاربه ومعارفه خصوصًا، فيكون محسنًا إليهم بالدعاء لهم وطلب العفو والمغفرة والرحمة لهم، ومحسنًا إلى نفسه باتباع السنة وتذكرة الآخرة والاعتبار بها والاتعاظ.
وأما الممنوع فإنه نوعان:
أحدهما: محرم ووسيلة للشرك كالتمسح بها والتوسل إلى الله بأهلها، والصلاة عندها، وكإسراجها والبناء عليها، والغلو فيها وفي أهلها إذا لم يبلغ رتبة العبادة.
والنوع الثاني: شرك أكبر كدعاء أهل القبور والاستغاثة بهم وطلب الحوائج الدنيوية والأخروية منهم، فهذا شرك أكبر، وهو عين ما يفعله عباد الأصنام مع أصنامهم"٢.
وهذا آخر ما يتعلق بموضوع الشرك وأسبابه وأنواعه، وقد تبين شدة خطره وضرره.
فالواجب على المسلم أن يحذر منه أشد الحذر وأن يبذل وسعه في سبيل تحقيق التوحيد، ولا يكون ذلك إلا بالسلامة من الشرك بنوعيه والسلامة من البدع والخرفات.
قال ابن سعدي: "إن تحقيق التوحيد تهذيبه وتصفيته من الشرك الأكبر والأصغر ومن البدع القولية والاعتقادية، والبدع الفعلية العملية، ومن المعاصي وذلك بكمال الإخلاص لله في الأقوال والأفعال والإرادات، وبالسلامة من الشرك الأكبر المناقض لأصل التوحيد، ومن الشرك الأصغر المنافي لكماله وبالسلامة من البدع"٣.
_________________
(١) ١ القول السديد /٤٣. ٢ القول السديد /٨١، ٨٢. ٣ القول السديد /٢٥.
[ ١٩١ ]
كلامه عن البدعة وأقسامها:
إن من شروط قبول العبادة أن تكون مطابقة لسنة رسول الله ﷺ ولا يجوز أن يتعبد الله بعبادة لم يشرعها رسول الله ﷺ.
قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ١.
وقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ ٢.
وقد دلت النصوص على أن كل عبادة لم يشرعها الله ولا رسوله فهي بدعة محدثة في الدين مردودة على صاحبها غير مقبولة منه.
ففي صحيحين من حديث عائشة قال ﷺ: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"٣.
وفي رواية "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد"٤.
وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ: "إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم، ويقول "أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة"٥.
وهنا تظهر خطورة الإحداث في دين الله؛ لما يترتب على هذا العمل المحدث من عدم قبوله ورده على صاحبه ووصفه بأنه ضلالة وشر، وأنه في النار، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا. الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ ٦، وقد بين ابن كثير في تفسيره أن هذه الآية "عامة في كل من عبد الله على غير طريقة مرضية يحسب أنه مصيب فيها، وأن عمله مقبول وهو مخطئ وعمله مردود"٧.
وقد اعتنى ابن سعدي بهذا الموضوع في مؤلفاته، وبين خطورة الابتداع في دين الله وأضرارٌ وأنه عناء ومشقة على صاحبه دون فائدة بل إنه يترتب عليه أضرارٌ كثيرة.
_________________
(١) ١ سورة الحشر/ الآية ٧. ٢ سورة آل عمران/ الآية ٣١. ٣ تقدم تخريجه ص ـ١٦٣. ٤ تقدم تخريجه ص ـ١٦٣. ٥ مسلم ٢/٥٩٢. ٦ سورة الكهف/ الآيتان ١٠٣، ١٠٤. ٧ تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٣/١٠٧.
[ ١٩٢ ]
قال عند قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ ١: "دل تقييد التطوع بالخير، أن من تطوع بالبدع التي لم يشرعها الله ولا رسوله، أنه لا يحصل له إلا العناء وليس بخير له بل قد يكون شرًا له إن كان متعمدًا عالمًا بعدم مشروعية العمل"٢.
وهذا شامل لجميع البدع لا فرق بينها، فليس هناك بدعة حسنة وبدعة ضلالة بل جميع البدع ضلالة مردودة على أصحابها.
وقد أشار ابن سعدي إلى هذا الجانب الهام الذي غلط فيه كثير من الناس في مواضع متعددة.
فقال: "وكل من تعبد بعبادة لم يشرعها الله ولا رسوله فهو متعبد ببدعة"٣.
وقال في شرحه لحديث عائشة المتقدم: "وأما حديث عائشةفإنه يدل على أن كل بدعة أحدثت في الدين ليس لها أصل في الكتاب ولا في السنة، سواء كانت من البدع القولية الكلامية كالتجهم والرفض والاعتزال وغيرها، أو من البدع العملية كالتعبد لله بعبادات لم يشرعها الله ولا رسوله، فإن ذلك كله مردود على أصحابه، وأهله مذمومون بحسب بدعهم وبعدها عن الدين فمن أخبر بغير ما أخبر الله به ورسوله، أو تعبد بشيء لم يأذن الله به ورسوله، ولم يشرعه فهو مبتدع، ومن حرم المباحات أو تبعد بغير المشروعات فهو مبتدع"٤.
وكما تناول جانب البدعة وخطرها وأنها بجميع أنواعها ضلالة، فقد تناول جانب السنة وبين أن الدين كامل وأن الرسول ﷺ ما مات حتى أتم الله الدين وأكمله، وبين أن الرسول ﷺ ما ترك خيرًا إلا دل أمته عليه ولا شرًا إلا حذرهم منه.
فقال عند قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ ٥. " فبلغ ﷺ أكمل تبليغ ودعا وأنذر وبشر وعلم الجهال الأميين حتى صاروا من العلماء الربانيين وبلغ بقوله وفعله وكتبه ورسله. فلم يبق خير إلا دل الأمة عليه ولا شر إلا حذرها عنه.
_________________
(١) ١ سورة البقرة/ الآية ١٥٨. ٢ التفسير١/١٨٤. ٣ التفسير ١/٢٣١. ٤ بهجة القلوب الأبرار /١٢، ١٣. ٥ سورة المائدة/ الآية ٦٧.
[ ١٩٣ ]
وشهد له بالتبليغ أفاضل الأمة من الصحابة، فمن بعدهم من أئمة الدين ورجال المسلمين"١.
وقال عند قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ ٢، "ولهذا كان الكتاب والسنة كافيين كل الكفاية في أحكام الدين وأصوله وفروعه.
فكل متكلف يزعم أنه لا بد للناس في معرفة عقائدهم وأحكامهم إلى علوم غير علم الكتاب والسنة من علم الكلام وغيره فهو جاهل مبطل في دعواه، قد زعم أن الدين لا يكمل إلا بما قاله ودعا إليه وهذا من أعظم الظلم والتجهيل لله ولرسوله"٣.
والمقصود أن الدين كامل بأخباره وبأوامره ونواهيه وفرائضه وسننه وجميع أحكامه فما ترك الرسول الكريم من خير إلا دل أمته عليه ورغبها في العمل به، وما ترك من شر إلا ودل أمته عليه وحذرها منه، وإن من أعظم الشرور التي حذر الرسول الأمة منها الإحداث والابتداع في الدين.
تعريفه للبدعة:
ذكر ابن سعدي تعريفًا جامعًا للبدعة فقال: "البدعة هي الابتداع في الدين فإن الدين: هو ما جاء به النبي ﷺ في الكتاب والسنة وما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة فهو من الدين وما خالف ذلك فهو البدعة، هذا هو الضابط الجامع"٤.
وقال: "البدعة هي خلاف السنة"٥.
تقسيمه للبدعة:
قسم ابن سعدي كغيره من العلماء البدعة إلى قسمين:-
بدعة قولية، وبدعة عملية.
فقال: "تنقسم البدعة بحسب حالها إلى قسمين: بدع اعتقاد ويقال لها البدع القولية، وميزانها قوله ﷺ في الحديث الذي في السنن "ستفترق هذه الأمة على ثلاث
_________________
(١) ١ التفسير ٢/٣٢٠. ٢ سورة المائدة/ الآية ٣. ٣ التفسير ٢/٢٤٢، ٢٤٣. ٤ الفتاوى السعدية /٧٣. ٥ سؤال وجواب /١٧.
[ ١٩٤ ]
وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قالوا من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي"١ فأهل السنة المحضة السالمون من البدع الذين تمسكوا بما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه في الأصول كلها أصول التوحيد والرسالة والقدر ومسائل الإيمان وغيرها، وغيرهم من خوارج ومعتزلة وجهمية وقدرية ورافضة ومرجئة ومن تفرع عنهم كلهم من أهل البدع الاعتقادية وأحكامهم متفاوتة بحسب بعدهم عن أصول الدين وقربهم، وبحسب عقائدهم أو تأويلهم، وبحسب سلامة أهل السنة من شرهم في الأقوال والأفعال وعدمه وتفصيل هذه الجملة يطول جدًا.
والنوع الثاني: بدعة عملية وهو: أن يشرع في الدين عبادة لم يشرعها الله ولا رسوله، وكل عبادة لم يأمر بها الشارع أمر إيجاب أو استحباب فإنها من البدع العملية وهي داخلة في قوله ﷺ: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد"٢.
ولهذا كان من أصول الأئمة الإمام أحمد وغيره: أن الأصل في العبادات الحظر والمنع فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله ورسوله، والأصل في المعاملات والعادات الإباحة فلا يحرم منها إلا ما حرمه الله ورسوله.
ولهذا نقول من قصور العلم: جعل بعض العادات التي ليست عبادات بدعًا ولا تجوز مع أن الأمر بالعكس، فإن الذي يحكم بالمنع منها وتحريمها هو المبتدع فلا يحرم من العادات إلا ما حرمه الله ورسوله بل العادات تنقسم إلى أقسام ما أعان منها على الخير والطاعة فهو من القرب، وما أعان على الإثم والعدوان فهو من المحرمات. وما ليس فيه هذا ولا هذا فهو من المباحات"٣.
وهذا النوع الأخير قسمه ابن سعدي إلى قسمين:
فقال: " البدعة نوعان:
ونوع يتعبد لله بعبادة لم يشرعها أصلًا.
ونوع يتعبد له بعبادة شرعها على صفة مخصوصة فتفعل على غير تلك الصفة"٤.
_________________
(١) ١ أخرجه الترمذي ٥/٢٦، والمروزي في السنة /١٨، والآجري في الشريعة ١٦/ ١٧، واللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ١/١٠٠، وانظر في الكلام عن هذا الحديث مقال الشيخ عبد الكريم مراد بعنوان: حديث تفترق الأمة، في مجلة الجامعة الإسلامية عدد /٥٩ ص ٤٧. ٢ تقدم تخريجه ص - ١٦٤. ٣ الفتاوى السعدية /٧٣، ٧٤، ٧٥. وانظر سؤال وجواب /١٧. ٤ التفسير ١/١٨٤.
[ ١٩٥ ]
هذا وإن البدع بجميع أنواعها مردودة لا يقبل منها شيء، وكلها قبيحة ليس فيها حسن، وكلها ضلالة ليس فيها هدى، وكلها أوزار ليس فيها أجر وكلها باطلة ليس فيها حق.
وما على المسلم إلا أن يتمسك بسنة الرسول ﷺ ويعض عليها بنواجذه، ففي ذلك السلامة من البدع، والبعد من الشرور، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ ١.
وقال: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا. وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾ ٢.
ويمكن أن نصل إلى نهاية هذا المبحث إلى خلاصة جامعة:
وهي أن توحيد الألوهية أعظم المطالب على الإطلاق فمن أجل تحقيقه خلق الله الخلق، وأنزل الكتب وأرسل الرسل، ومن أجل تحقيقه حارب الرسل أقوامهم وعادوهم.
ولا يتحقق هذا التوحيد إلا بأمور:
أولا: السلامة من الشرك وذلك بتحقيق العبادة لله وحده بجميع أنواعها.
ثانيا: السلامة من البدع وهذا يتحقق بمتابعة الرسول ﷺ.
ثالثا: السلامة من الذنوب والمعاصي بالبعد عنها، وعدم اقترافها، وبالتوبة منها عند اقترافها. ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ ٣.
_________________
(١) ١ سورة النور/ الآية ٥٤. ٢ سورة الأحزاب/ الآيتان ٦٦، ٦٧. ٣ سورة الكهف/ الآية ١١٠.
[ ١٩٦ ]
الفصل الثاني
جهوده في توضيح الإيمان بالنبوات
[ ١٩٧ ]
الفصل الثاني: الإيمان بالنبوات
إن الرابطة بين هذا الفصل وبي الذي قبله وثيقة جدًا، إذ أن الفصل الأول في الحديث عن معرفة الله ووجوب إفراده بالعبادة والحذر من الشرك والبدع.
وهذا لا يكون ولا يحصل إلا بإرسال هداة للناس يبينون لهم هذا الأمر العظيم ويوضحونه لهم ويرشدونهم إليه.
"ومن هنا تعلم اضطرار العباد فوق كل ضرورة إلى معرفة الرسول وما جاء به وتصديقه فيما أخبر به، وطاعته فيما أمر، فإنه لا سبيل إلى السعادة والفلاح في الدنيا ولا في الآخرة إلا على أيد الرسل، ولا سبيل إلى معرفة الطيب من الخبيث على التفصيل إلا من جهتهم، ولا ينال رضى الله البتة إلا على أيديهم، فالطيب من الأعمال والأقوال والأخلاق ليس إلا هديهم وما جاءوا به، فهم الميزان الراجح الذي على أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم، توزن الأقوال والأخلاق والأعمال.
وبمتابعتهم يتميز أهل الهدى من أهل الضلال فالضرورة إليهم أعظم من ضرورة البدن إلى روحه والعين إلى نورها والروح إلى حياتها.
فأي ضرورة وحاجة فرضت، فضرورة العبد وحاجته إلى الرسل فوقها بكثير وما ظنك بمن إذا غاب عنك هديُه وما جاء به طرفة عين فسد قلبك وصار كالحوت إذا فارق الماء ووضع في المقلاة، فحال العبد عند مفارقة قلبه لما جاء به الرسل كهذه الحال، بل أعظم، ولكن لا يحس بهذا إلا قلب حي، "وما لجرح بميت إيلام١"٢.
وهذا يبين لنا أهمية الإيمان بالأنبياء، وشدة الحاجة إليهم إذ أن السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة لا يحصل إلا عن طريقهم وبإرشادهم وهدايتهم.
_________________
(١) ١ عجز بيت للمتنبي وأوله: من يهن يسهل الهوان عليه. من قصيدة يمدح بها أبا الحسن علي بن أحمد المري. ديوان المتنبي /١٦٤ ط دار بيروت. ٢ زاد المعاد لابن القيم ١/٦٩.
[ ١٩٨ ]
لذا فإن ورثة الأنبياء، وهم العلماء الصالحون السائرون على منهج الأنبياء، قد اهتموا غاية الاهتمام ببيان هذا النوع من الإيمان وبينوا أهميته وشدة الحاجة إليه.
وممن سار في هذا الراكب وسلك هذا المنهج الصالح الشيخ ابن سعدي فقد اهتم ﵀ ببيان هذا النوع اهتماما عظيمًا وتناوله من جميع جوانبه في أكثر مؤلفاته.
فتناول الإيمان بنبوة جميع الأنبياء جملة وتفصيلا وخص بالذكر خاتمهم وسيدهم محمد ﷺ.
وتناول كل ما يتعلق بالإيمان بالنبوات من جميع الجوانب على ما سيأتي بيانه في هذا الفصل.
كلامه في أهمية الإيمان بالنبوات:
إن من نظر وتأمل في الفوائد التي تحصل لمن آمن بالنبوات جميعها على الوجه المطلوب، عرف أهمية ذلك وتبين له شدة الحاجة إليه.
وقد عدد ابن سعدي جملة من الفوائد تحصل بسبب معرفة الأنبياء والإيمان بهم.
فبعد أن بين جملة من العلوم التي اشتمل عليه القرآن الكريم قال: "ومنها - أي هذه العلوم - ذكر الأنبياء وما أرسلوا به وما جرى لهم مع أممهم وفي ذلك فوائد:
ـ منها أن من تمام الإيمان بهم معرفتهم بصفاتهم وسيرهم وأحوالهم وكلما كان المؤمن بذلك أعرف كان أعظم إيمانًا بهم ومحبة لهم وتعظيمًا لهم وتعزيرًا وتوقيرًا.
ـ ومنها: أن من بعض حقوقهم علينا خصوصًا النبي ﷺ معرفتهم ومحبتهم محبة صادقة ولا سبيل لذلك إلا بمعرفة أحوالهم.
ومنها: أن معرفة الأنبياء موجبة لشكر الله تعالى على ما من به على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا منهم يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة بعد أن كانوا في ضلال مبين.
ـ ومنها: أن الرسل هم المربون للمؤمنين الذين ما نال المؤمنون مثقال ذرة من الخير، واندفع عنهم مثقال ذرة من الشر إلا على أيديهم وبسببهم، فقبيح بالمؤمن أن يجهل حالة مربيه ومزكيه ومعلمه، وإذا كان المستنكر جهل الإنسان بحال أبويه ومباعدته لذلك فكيف بحالة الرسول الذي هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أبوهم الحقيقي الذي حقه مقدم على سائر الحقوق بعد حق الله تعالى.
ـ ومنها: أن في معرفة ما جرى لهم وما جرى عليهم تحصل للمؤمنين الأسوة والقدرة ويخف عنهم كثير من المقلقات والمزعجات؛ لأنها مهما بلغت من الثقل والشدة فلا تصل
[ ١٩٩ ]
إلى ما جرى على الأنبياء. قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ١ ومن أعظم الاقتداء بهم، الاقتداء بتعليماتهم وكيفية إلقاء العلم على حسب مراتب الخلق والصبر على التعليم والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن؛ وبهذا وأمثاله كان العلماء ورثة الأنبياء.
ومن فوائد معرفة الرسل ﷺ معرفة الآيات القرآنية المنزلة عليه، وفهم المعنى والمراد منها موقوف على معرفة أحوال الرسول وسيرته مع قومه وأصحابه وغيرهم من الناس، فإن الأزمنة والأمكنة والأشخاص تختلف اختلافًا كثيرًا، فلو أراد الإنسان أن يصرف همه لمعرفة معاني القرآن من دون معرفة منه لذلك لحصل من الغلط على الله وعلى رسوله وعلى مراد الله من كلامه شيء كثير، وهذا إنما يعرف من عرف كيف كثر حمل مراد الله ورسوله على العرف الحادث فوقع الخلل الكثير.
ولغير ذلك من الفوائد المفيدة والنتائج السديدة"٢.
وذكر هذه الجملة من الفوائد الحاصلة لمن عرف الرسل وآمن بهم يشعر بأهمية الإيمان بهم وشدة الحاجة إليهم.
كلامه في الإيمان بالنبوات على وجه الإجمال:
قبل الشروع في تفاصيل موضوع النبوات أرى من المناسب أن أذكر كلام الشيخ ابن سعدي عن الإيمان بالأنبياء على وجه الإجمال.
قال ابن سعدي في بيان هذا الأصل وما ينبغي للمسلم أن يقوم به نحوه إجمالًا:
"وهذا الأصل مبناه على أن يعترف ويعتقد بأن جميع الأنبياء قد اختصهم الله بوحيه وإرساله، وجعلهم وسائط بينه وبين خلقه في تبليغ شرعه ودينه وأن الله أيدهم بالبراهين الدالة على صدقهم وصحة ما جاءوا به، وأنهم أكمل الخلق علمًا وعملًا، وأصدقهم وأبرهم، وأكملهم أخلاقا وأعمالًا، وأن الله خصهم بخصائص وفضلهم بفضائل، لا يلحقهم فيها أحد.
وأن الله برأهم من كل خلق دنيء ورذيل، وأنهم معصومون في كل ما يبلغونه عن الله، وأنه لا يستقر في خبرهم وتبليغهم إلا الحق والصواب. وأنه يجب الإيمان بهم وبكل ما أتوه من الله ومحبتهم وتعظيمهم"٣.
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب/ الآية ٢١. ٢ التفسير ١/٢٦، ٢٧، وانظر الخلاصة /١٠١. ٣ الفتاوى السعدية /١٤، وانظر سؤال وجواب /١٣، ١٤، ١٥.
[ ٢٠٠ ]
ثم أشار إلى أهمية الإيمان بهم وأن الإيمان لا يتم إلا بالإيمان بهم فقال: " فلا يتم الإيمان إلا بذلك، وكل من كان أعظم علمًا بذلك وتصديقًا واعترافًا وعملًا، كان أكمل إيمانًا"١.
وبين أن الإيمان بالأنبياء على هذه الصفة يُعدُ من الإيمان بالغيب فقال: "ومن الإيمان بالغيب الإيمان بجميع رسل الله الذين أرسلهم الله على وجه الإجمال والتفصيل لأشخاصهم ولدعواتهم وشرعهم إلى أن قال: فتمام الإيمان بالغيب أن يؤمن العبد بجميع رسل الله، ويعرف من صفاتهم ومن دعوتهم ما يحقق به هذا الأمر"٢.
كلامه في الفرق بين النبوة والرسالة:
النبي لغة: مشتق من النبأ وهو الخبر، وقيل النبوة مشتقة من النبوة وهي ما ارتفع من الأرض٣.
والرسول لغة: مشتق من رسل التي تدل على الانبعاث والامتداد فيقال أرسلت فلانًا في رسالة أي بعثته فهو مرسل ورسول ويجمع على رُسُل ورسْل٤.
وهذا من حيث اللغة، أما تعريف النبي وتعريف الرسول من حيث الاصطلاح فللعلماء فيها أقوال عديدة:
فقيل: النبي من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه، والرسول من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه٥.
وهذا التعريف عليه مآخذ إذ فيه إشارة إلى أن النبي غير مأمور بالإبلاغ، وهذا فيه كتمان للعلم.
والله يقول: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ ٦.
_________________
(١) ١ الفتاوى السعدية /١٥. ٢ المواهب الربانية /٦٥. ٣ انظر الصحاح للجوهري ١/٧٤، ومعجم مقايس اللغة لابن فارس ٥/٣٨٥، وبصائر ذوي التمييز للفيروز آبادي ٥/١٤. ٤ الصحاح للجوهري ٤/١٧٠٨، ومعجم مقاييس اللغة لابن فارس ٢/٣٩٢، وبصائر ذوي التمييز للفيروز آبادي ٢/٩٨. ٥ لوامع الأنوار البهية ١/٤٩، وشرح العقيدة الطحاوية /١٠٧. ٦ سورة آل عمران/ الآية ١٨٧.
[ ٢٠١ ]
إضافة إلى هذا فهو يتعارض مع نصوص كثيرة تفيد أن النبي مأمور بالإبلاغ منها قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ ١، وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ ﴾ ٢.
وقول الرسول ﷺ: "عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهيط والنبي ومعه الرجل أو الرجلان والنبي ليس معه أحد" ٣. وهؤلاء إنما حصل لهم اتباع بسبب إبلاغهم وحي الله إلى الناس.
إلى غير ذلك من النصوص الدالة على أن النبي مأمور بالإبلاغ.
وهذا التعريف هو الشائع عند العلماء٤. وعليه يكون بين الرسول والنبي عموم وخصوص مطلق. فالنبوة داخلة في الرسالة، والرسالة أعم من جهة نفسها وأخص من جهة أهلها فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولًا، فالأنبياء أعم والنبوة نفسها جزء من الرسالة، فالرسالة تتناول النبوة وغيرها بخلاف النبوة فإنها لا تتناول الرسالة٥.
وقيل: الرسول من أوحي إليه بشرع جديد، والنبي هو المبعوث لتقرير شرع من قبله٦.
وهذا أيضًا يرد عليه اعتراض، وهو أن النبي ﷺ مكث أعواما بعد النبوة لم يؤمر فيها بالتبليغ، حتى نزلت عليه سورة المدثر. وأصبح رسولًا فأخذ يبلغ٧.
ومن خلال تتبعي لمؤلفات السعدي، لم أره تعرض لهذه المسألة إلا في موضع واحد، مال فيه إلى القول الأول.
فقال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ ٨.
"فالرسالة تقتضي تبليغ كلام المرسل، وتبليغ جميع ما جاء به من الشرع
_________________
(١) ١ سورة الأعراف/ الآية ٩٤. ٢ سورة الحج/ الآية ٥٢. ٣ أخرجه البخاري ٧/١٩٩، ومسلم ١/١٩٩، عن ابن عباس، واللفظ لمسلم. ٤ لوامع الأنوار البهية ١/٤٩، وشرح العقيدة الطحاوية /١٠٧، ومعارج القبول للحكمي ٢/٩٧. ٥ الإيمان لابن تيمية /٦، ٧. ٦ تفسير الألوسي ١٧/١٥٧، والكشاف للزمخشري ٢/٤١٤. ٧ تفسير القرآن العظيم ٤/٤٤٠. ٨ سورة مريم/ الآية ٥١.
[ ٢٠٢ ]
دقه وجله، والنبوة تقتضي إيحاء الله إليه وتخصيصه بإنزال الوحي إليه، فالنبوة بينه وبين ربه، والرسالة بينه وبين الخلق"١.
وقد تقدم معنا ما يرد على هذا التعريف من مآخذ واعتراضات؛ لذا فإني أرى أن أسلم تعريف للنبوة والرسالة.
هو ما ذكره شيخ الإسلام في كتاب النبوات حيث قال في بيان الفرق بين النبوة والرسالة: "والمقصود هنا الكلام على النبوة فالنبي هو الذي ينبئه الله، وهو نبيئ بما أنبأ الله به، فإن أرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله ليبلغه رسالة من الله إليه فهو رسول، وأما إذا كان إنما يعمل بالشريعة قبله ولم يرسل هو إلى أحد يبلغه عن الله رسالة فهو نبي وليس برسول"٢. والله أعلم.
كلامه عن التفاضل بين الأنبياء وأن بعضهم أفضل من بعض:
لقد ورد في القرآن الكريم ما يدل على أن الأنبياء متفاضلون، وأن بعضهم أفضل من بعض.
قال رحمه الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ ٣.
وقال: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ ٤. فالآية الأولى تدل على أن هناك مفاضلة بين الرسل وأن بعض الرسل أفضل من بعض، والآية الثانية تدل أيضًا على أن هناك مفاضلة بين الأنبياء وأن بعضهم أفضل من بعض.
وقد أجمعت الأمة على أن الرسل أفضل من الأنبياء؛ لأنه كما تقدم الرسول أشمل وأعم من النبي إذ كل رسول نبي وليس كل نبي رسول.
وهذه المسألة "مسألة المفاضلة بين الرسل" تناولها ابن سعدي في مؤلفاته وبين أن هناك مفاضلة بين الرسل والأنبياء، كما بين من هو أفضلهم ومنهم أولو العزم من الرسل.
فقال عند تفسير لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ٥. "يخبر الباري أنه فاوت بين الرسل في الفضائل الجليلة والتخصصات الجميلة بحسب ما من
_________________
(١) ١ التفسير ٥/١١٦. ٢ النبوات لابن تيمية /٢٥٥. ٣ سورة البقرة/ الآية ٢٥٣. ٤ سورة الإسراء/ الآية ٥٥. ٥ سورة البقرة / الآية ٢٥٣.
[ ٢٠٣ ]
الله به عليهم، وقاموا به من الإيمان الكامل واليقين الراسخ والأخلاق العالية والآداب السامية والدعوة والتعليم والنفع العميم. فمنهم من اتخذه خليلًا ومنهم من رفعه فوق الخلائق درجات "١.
وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ ٢
قال: "فيعطى كلا منهم ما يستحقه وتقتضيه حكمته، ويفضل بعضهم على بعض في جميع الخصال الحسية والمعنوية، كما فضل بعض النبيين المشتركين بوحيه على بعض بالفضائل والخصائص الراجعة إلى ما من به عليهم، من الأوصاف الممدوحة، والأخلاق المرضية، والأعمال الصالحة وكثرة الأتباع ونزول الكتب على بعضهم المشتملة على الأحكام الشرعية والعقائد المرضية"٣.
وبين ﵀ أن الرسل الذين قصهم الله في كتابه وذكر شيئًا من خبرهم أفضل ممن لم يقصص، كما قال تعالى:
﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ﴾ ٤. قال ابن سعدي: "فالرسل الذين قصهم الله في كتابه، أفضل ممن لم يقصص علينا نبأهم بلا شك"٥.
أولو العزم من الرسل:
وكما تناول ابن سعدي مسألة المفاضلة بين الرسل والأنبياء فقد تناول المفاضلة بين الرسل وبين أولى العزم منهم.
قال ﵀ "أفضل أنبياء الله المرسلون منهم، وأفضل المرسلين أولوا العزم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ﷺ خاتم النبيين وإمام المتقين وسيد ولد آدم"٦.
وهؤلاء الخمسة أولو العزم من الرسل خصهم الله بالذكر مجتمعين في بعض الآيات.
_________________
(١) ١ التفسير ١/٣١٠. ٢ سورة الإسراء/ الآية ٥٥. ٣ التفسير ٤/٢٨٩، ٢٩٠. ٤ سورة النساء/ الآية ١٦٤. ٥ التفسير ٢/٤٣٠. ٦ طريق الوصول /٢٩٩، وانظر التفسير ٦/٢٠١، و٦/٥٩٨.
[ ٢٠٤ ]
فقال سبحانه: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ ١.
وقال: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ ٢.
وأمر رسوله أن يصبر ويتحمل من أذية قومه له، كما صبر إخوانه، أولو العزم من الرسل فقال: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُم﴾ ٣.
قال ابن سعدي: "أمر تعالى رسوله، أن يصبر على أذية المكذبين المعادين له، وأن لا يزال داعيًا لهم إلى الله، وأن يقتدى بصبر أولي العزم من المرسلين سادات الخلق أولي العزائم والهمم العالية الذين عظم صبرهم وتم يقينهم. فهم أحق الخلق بالأسوة بهم والقفو لآثارهم والاهتداء بمنارهم"٤.
كلامه في بعض صفات أولي العزم من الرسل:
هؤلاء الخمسة أولو العزم من الرسل اختص الله كل واحد منهم ببعض الخصال العظيمة والمناقب الحميدة، امتازوا بها عن غيرهم من الأنبياء.
وقد ذكر سعدي بعض ما امتاز به أفراد هؤلاء الرسل من الخصال فذكر أن نوحًا امتاز بأنه أول رسول أرسله الله، وأنه الأب الثاني للبشرية وجميع الأنبياء الذين جاءوا من بعده كلهم من ذريته٥.
وذكر أن إبراهيم ﵇ امتاز بأنه خليل الرحمن، وأن الله أكرمه بالكرامات المتنوعة فجعل في ذريته النبوة والكتاب وأخرج من صلبه أمتين هما أفضل الأمم العرب وبنو إسرائيل، واختاره الله لبناء بيته الذي هو أشرف بيت وأول بيت وضع للناس، ووهب له الأولاد بعد الكبر واليأس وملأ بذكره ما بين الخافقين، وامتلأ قلوب الخلق من محبته وألسنتهم من الثناء عليه٦.
_________________
(١) ١ سورة الشورى/ الآية ٣. ٢ سورة الأحزاب/ الآية ٧. ٣ سورة الأحقاب/ الآية ٣٥. ٤ التفسير ٧/٥٩، ٦٠. ٥ الخلاصة /١٠٩، والتفسير ٥/١١٠. ٦ انظر الخلاصة /١٢٢، والتفسير ٧/٣٠٢.
[ ٢٠٥ ]
وذكر أن موسى ﵇ امتاز بأنه كليم الله، وأنه أعظم أنبياء بني إسرائيل وأن شريعته وكتابه التوارة مرجع أنبياء بني إسرائيل وعلمائهم، وأن أتباعه أكثر أتباع الأنبياء غير أمة محمد ﷺ، وأن له من القوة العظيمة في إقامة دين الله والدعوة إليه والغيرة العظيمة ما ليس لغيره١.
وذكر أن عيسى ﵇ امتاز بأن الله سبحانه آتاه من البينات الدالة على صدقه، وأنه رسول الله حقًا، فجعله يبرئ الأكمه والأبرص ويحي الموتى بإذن الله، وكلم الناس في المهد صبيًا، وأيده بروح القدس.٢.
وذكر أن محمدًا ﷺ أفضل الرسل على الإطلاق، وأنه خاتم النبيين، وإمام المتقين وسيد ولد آدم، وإمام الأنبياء إذا اجتمعوا، وخطيبهم إذا وفدوا، صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون وصاحب لواء الحمد والحوض المورود، وشفيع الخلائق يوم القيامة، وصاحب الوسيلة والفضيلة الذي بعثه بأفضل كتبه وشرع له أفضل شرائع دينه وجعل أمته خير أمة أخرجت للناس وجمع له ولأمته من الفضائل والمحاسن ما فرقه فيمن قبلهم، وهم آخر الأمم خلقًا وأولهم بعثا٣.
كلامه في أن الرسل أفضل الخلق وأكملهم:
اقتضت حكمة الله تعالى أن لا يصطفي لإبلاغ دينه، ولتحمل رسالته إلا صفوة الخلق وأفضلهم.
إذ أن كمال الرسل واختصاصهم بالفضل يوجب على الأمم تصديقهم والانقياد لهم، والسير على نهجهم وهذا من رحمة الله بعباده ولطفه بهم.
قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ٤.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ٥.
قال ابن سعدي: "فالرسل لا يكونون إلا صفوة الخلق على الإطلاق، والذي اختارهم واجتباهم ليس جاهلًا بحقائق الأشياء فاختياره إياهم عن علم منه أنهم أهل
_________________
(١) ١ الخلاصة /١٢٩، والتفسير ٧/٦١٤. ٢ التفسير ١/٣١٠. ٣ طريق الوصول /٢٩٩. ٤ سورة الحج/ الآية ٧٥. ٥ سورة آل عمران/ الآية ٣٣.
[ ٢٠٦ ]
لذلك، وأن الوحي يصلح فيهم كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ ١" ٢.
لذلك فإن الأنبياء لا يدعون إلا للخير والإصلاح ولا ينهون الناس إلا عن الشر والفساد.
قال ابن سعدي: "الأنبياء جميعهم بعثوا بالإصلاح، والصلاح، ونهوا عن الشرور والفساد، فكل صلاح وإصلاح ديني ودنيوي فهو من دين الأنبياء وخصوصًا إمامهم وخاتمهم فإنه أبدى وأعاد في هذا الأصل ووضح للخلق الأصول النافعة التي يجرون عليها في الأمور العادية والدنيوية كما وضع لهم الأصول في الأمور الدينية"٣.
ولا ريب أن معرفة هذه الصفات التي توفرت في الأنبياء وفي دعوتهم، دافع عظيم لمن سمع بها وعرفها وحافز له لأن يتأسى بهم ويترسم خطاهم، وهذه هي الفائدة والثمرة من معرفة الأنبياء وأحوالهم.
قال ابن سعدي: "لما أخبر الله عن كمال الرسل وما أعطاهم من الفضل والخصائص وأن دينهم واحد ودعوتهم إلى الخير واحدة كان موجب ذلك ومقتضاه أن تجتمع الأمم على تصديقهم والانقياد لهم لما آتاهم من البينات التي على مثلها يؤمن البشر، لكن أكثرهم انحرفوا عن الصراط المستقيم، ووقع الاختلاف بين الأمم فمنهم من آمن ومنهم من كفر"٤.
بيانه أن الكفر بنبي واحد كفر بجميع الأنبياء:
لما كان الأنبياء بهذه المثابة وعلى هذه الصفات وغايتهم واحدة وهدفهم واحد وجب على كل مسلم أن يؤمن بجميع الأنبياء دون تفريق بينهم، وصار الكفر بنبي واحد كفر بجيمع الأنبياء.
قال ابن سعدي: " الواجب في الأنبياء، أن يؤمن بهم على وجه العموم والشمول، ثم ما عرف منهم بالتفصيل وجب الإيمان به مفصلًا"٥.
وبين أن الكفر بنبي واحد كفر بجميع الأنبياء فقال: "من عادى أحدًا من رسله فقد عادى الله وعادى جميع رسله كما قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ
_________________
(١) ١ سورة الأنعام/ الآية ١٢٤. ٢ التفسير ٥/٣٢٨. ٣ الخلاصة ٥/٣٢٨. ٤ التفسير ١/٣١١. ٥ التفسير ١/١٤٦.
[ ٢٠٧ ]
وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ ١ وكذلك من كفر برسول فقد كفر بجميع الرسل بل بالرسول الذي يزعم أنه مؤمن به"٢.
وقال: "جميع الأنبياء دعوتهم واحدة، من كذب واحدًاُ منهم فقد كذب الجميع؛ لأنه يكذب الحق الذي جاء به كل واحد منهم"٣.
وهذا الذي ذكره ابن سعدي دلت عليه نصوص كثيرة:
منها قوله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا. أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ ٤.
وقوله: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ ٥.
وقوله: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ ٦.
وقوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾ ٧.
وغيرها من الآيات، فمن كذب برسالة أحد الرسل أو نفاها، فقد نفى أعظم منة امتن الله بها على عباده، إذ أن العبادَ لا طريق لهم إلى نيل السعادة والكرامة والفلاح إلا عن طريق الرسلِ، ويكون بذلك قد كذب بالرسولِ الذي يزعم أنه آمن به وبغيره من الرسل.
كلامه في خلاصة دعوة الرسل:
تقدم معنا في توحيد الألوهية أن الله سبحانه ما خلق الخلق إلا لعبادته وما أوجدهم إلا لتحقيق توحيده وطاعته، كما قال تعالى:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ٨.
_________________
(١) ١ سورة البقرة/ الآية ٩٨. ٢ التفسير ٢/٢٠٨. ٣ الخلاصة /١١٥. ٤ سورة النساء/ الآيتان ١٥٠، ١٥١. ٥ سورة الشعراء/ الآية ١٠٥. ٦ سورة الشعراء/ الآية ١٢٣. ٧ سورة الشعراء/ الآية ١٤١. ٨ سورة الذاريات / الآية ٥٦.
[ ٢٠٨ ]
ولتحقيق هذا الأمر العظيم جعل الله بينه وبين خلقه وسائط في تبليغ الرسالة فاصطفى لهذا الأمر العظيم أفضل الملائكة وأفضل الرسل، وأمرهم بتبليغ وحيه وإيصاله إلى الناس.
فقاموا بذلك أتم القيام وأكمله، وعصمهم الله من الخطأ في تبليغ هذا الوحي.
فالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم معصومون من الخطأ فيما يبلغون عن الله تعالى؛ لأن مقصود الرسالة لا يحصل إلا بذلك١.
ومقصود الرسالة الأعظم وأهم أمر بعثوا من أجله، وهو الدعوة إلى عبادة الله حده، وإفراده بجميع أنواع العبادة، والتحذير من الشرك والبدع وجميع الأنبياء متفقون على هذا المبدأ، سائرون على هذا المنهج، فما من نبي أرسله الله إلا وكان أول ما يدعو قومه إليه عبادة الله وحده وعدم الإشراك به.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٢.
وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٣.
وقد اهتم ابن سعدي ببيان هذه المسألة أعظم اهتمام إذ هي أفضل وسيلة إلى التوحيد الخالص والنهي عن الشرك فنوح وغيره أول ما يقولون لقومهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ .
ويكررون هذا الأصل بطرق كثيرة"٤.
وقال: "زبدة دعوة الرسل كلهم ومدارها على قوله: ﴿أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ أي على معرفة الله وتوحيده في صفات العظمة التي هي الألوهية وعبادته وحده لا شريك له فهي التي أنزل بها كتبه وأرسل رسله، وجعل الشرائع كلها تدعوا إليها وتحث وتجاهد من حاربها وقام بضدها"٥.
_________________
(١) ١ التفسير لابن سعدي ٦/٤٢٤. ٢ سورة النحل/ الآية ٣٦. ٣ سورة الأنبياء/ الآية ٢٥. ٤ الخلاصة /١٠٩. ٥ التفسير ٤/١٨٣.
[ ٢٠٩ ]
وقال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ .
"فكل الرسل الذين من قبلك مع كتبهم زبدة رسالتهم وأصلها الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له وبيان أنه الإله الحق المعبود وأن عبادة ما سواه باطلة"١.
وتناول ﵀ في تفسيره للقرآن وفي خلاصة تفسير القرآن دعوة كل نبي، وبين أنها كلها تدور حول تحقيق هذا الأصل العظيم.
فبين أن دعوة نوح٢، وإبراهيم٣ وموسى٤ وهود٥، وصالح٦ وشعيب٧ ولوط٨ وخاتمهم محمد٩ ﷺ وغيرهم من الأنبياء، تدور حول الأمر بعبادة الله والتحذير من الشرك.
وبين ﵀ أن ضد التوحيد هو الشرك محبط للعمل في نبوة جميع الأنبياء.
فقال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ١٠.
قال: "ففي نبوة جميع الأنبياء أن الشرك محبط لجميع الأعمال كما قال الله تعالى في سورة الأنعام لما عد كثيرًا من أنبيائه ورسله، قال عنهم: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١١ "١٢.
وقال عند تفسيره هذه الآية: "فإذا كان هؤلاء الصفوة الأخيار لو أشركوا وحاشاهم لحبطت أعمالهم، فغيرهم من باب أولى"١٣.
_________________
(١) ١ التفسير ٥/٢٢٣. ٢ التفسير ٣/٤١٧، والخلاصة /١٠٧. ٣ الخلاصة /١١٦. ٤ الخلاصة /١٢٩. ٥ التفسير ٣/٤٢٩، والخلاصة/١١٢. ٦ التفسير ٣/٤٣٦، والخلاصة /١١٤. ٧ التفسير ٣/٤٤٧، والخلاصة /١٢٦. ٨ الخلاصة /١٢٤. ٩ الخلاصة /١٦٤. ١٠ سورة الزمر/ الآية ٦٥. ١١ سورة الأنعام/ الآية ٨٨. ١٢ التفسير ٦/٤٩١. ١٣ التفسير ٢/٤٣٠.
[ ٢١٠ ]
هذا وقد تعرضنا لتفاصيل هذا الموضوع عند الحديث عن توحيد الألوهية وإنما هذه إشارة ناسب المقام ذكرها عند الحديث عن النبوات.
موقف طوائف الضلال من الأنبياء:
يتمثل قول جميع طوائف الضلال في الأنبياء ﵈ في طرفين كلاهما ذميم، الغلو والجفاء، أو الإفراط والتفريط.
ويتمثل جانب الغلو من الأمم السابقة في النصارى، وجانب الجفاء يتمثل في اليهود.
ومن أوضح الأمثلة المبينة لذلك: "موقف هاتين الطائفتين من عيسى ﵇".
فالنصارى غلو فيه ﵇ فجعلوه تارة إلهًا وتارة ابن الإله، وثالث ثلاثة، وأما اليهود فقد جفوا في حقه ﵇ فقالوا - وقبح الله قولهم - إنه ابن بغي.
قال ابن سعدي: "اختلفت فرق الضلال في عيسى ﵇ من اليهود والنصارى وغيرهم، فمن غال فيه وجاف.
فمنهم من قال إنه الله، ومنهم من قال إنه ابن الله، ومنهم من قال إنه ثالث ثلاثة.
ومنهم من لم يجعله رسولًا بل رماه بأنه ولد بغي كاليهود. وكل هؤلاء مستحقون للوعيد الشديد"١.
وموقف أهل السنة هو التوسط بين جانبي الغلو والجفاء فيقولون إن عيسى رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وهكذا موقفهم مع جميع أنبياء الله ورسله ويؤمنون بهم جملة، ويؤمن بهم تفصيلًا وفقا لما ورد في الكتاب والسنة.
كلامه في مدعي النبوة:
قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ ٢.
هذه الآية دليل على أنه لا نبي بعد محمد ﷺ، فلا رسول بالطريق الأولى والأحرى؛ لأنه كما تقدم مقام الرسالة أخص من مقام النبوة فإن كل رسول نبي ولا عكس.
وقد ورد في السنة أحاديث كثيرة تدل على أن الرسالات ختمت برسالة محمد ﷺ فلا نبي بعده ولا رسول.
_________________
(١) ١ التفسير ٥/١٠٦. ٢ سورة الأحزاب/ الآية ٤٠.
[ ٢١١ ]
قال ﷺ: "مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى دارًا فأكملها وأحسنها إلا موضع لبنة فكان من دخلها فنظر إليها قال ما أحسنها إلا موضع هذه اللبنة فأنا موضع اللبنة ختم بي الأنبياء ﵈"١.
وقال ﷺ: "فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون"٢.
وقال ﷺ: "إن لي أسماء أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله تعالى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب الذي ليس بعده نبي"٣.
وغيرها من الأحاديث، قال ابن كثير في تفسيره بعد أن ذكر جملة من هذه الأحاديث الدالة على أن محمدًا ﷺ خاتم النبيين ولا نبي بعده.
قال: "والأحاديث في هذا كثيرة، فمن رحمة الله تعالى بالعباد إرسال محمد ﷺ إليهم، ثم من تشريفه لهم ختم الأنبياء والمرسلين به وإكمال الدين الحنيف له، وقد أخبر الله ﵎ في كتابه ورسوله ﷺ في السنة المتواترة عنه أنه لا نبي بعده ليعلموا أن كل من ادعى هذا المقام بعده فهو كذاب أفاك ودجال ضال مضل، ولو تحرق وشعبذ وأتى بأنواع السحر والطلاسم والنيرانيجات فكلها محال وضلال عند أولي الألباب"٤.
هذا وقد أخبر الرسول الكريم ﷺ أنه سيخرج في أمته دجالون كذابون، كلهم يزعمون كذبًا وزورًا أنهم مرسلون من عند الله.
ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون قريبا من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله"٥.
"وقد ظهر بعد بعثة الرسول ﷺ مجموعة من أدعياء النبوة كمسيلمة والأسود العنسي وسجاح، ولا يزال يظهر بين الفينة والفينة دَعِيٌّ من أمثال هؤلاء.
وقد ظهر في القرن الماضي على محمد الشيرازي (ولد سنة ١٨١٩م) ولقب بالباب
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري ٤/١٦٢، ومسلم ٤/١٧٩١، وأحمد ٢/٢٥٧. ٢ أخرجه مسلم ١/٣٧١، وأحمد ٢/٤١٢، والترمذي ٤/١٢٣. ٣ أخرجه البخاري ٤/١٦٢، ومسلم ٤/١٨٢٨. ٤ تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٣/٤٩٤. ٥ البخاري ٤/١٧٨، ومسلم ٤/٢٢٤٠.
[ ٢١٢ ]
وأتباعه يدعون البابية، وادعى النبوة حينًا والألوهية حينًا، وسار على نهجه تلميذه الذي لقب (ببهاء الله) وأتباعه يدعون البهائية.
ومن هؤلاء الأدعياء غلام أحمد القادياني، وله أتباع منتشرون في الهند وألمانيا وأنكلترا وأمريكيا، ولهم فيها مساجد يضللون بها المسلمين، وكانوا يسمون بالقاديانية، وهم يسمون اليوم أنفسهم بالأحمدية إمعانا في تضليل عباد الله.
وآخر هؤلاء الأدعياء رجل ظهر في السودان يدعي أنه نبي وقد تكفل الله لفضح كل من ادعى هذه الدعوى وهتك ستره"١.
وقد اهتم علماء المسلمين قديمًا وحديثًا بكشف كذب هؤلاء وبيان زيغهم وضلالهم وفجورهم وكفرهم، وبعدهم عن الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليه من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
وقد أشار ابن سعدي إلى مسألة ادعاء النبوة في بعض مؤلفاته وبين أن محمدًا ﷺ خاتم النبيين ولا نبي بعده، وبين أن ادعاء النبوة من أظلم الظلم وأعظم الكذب على الله.
فقال عند قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ٢.
"ويدخل في ذلك ادعاء النبوة وأن الله يوحي إليه وهو كاذب في ذلك فإنه مع كذبه على الله وجرأته على عظمته وسلطانه يوجب على الخلق أن يتبعوه ويجاهدهم على ذلك ويستحل دماء من خالفه وأموالهم.
ويدخل في هذه الآية كل من ادعى النبوة كمسيلمة الكذاب، والأسود العنسي والمختار وغيرهم ممن اتصف بهذا الوصف"٣.
وقد أشار في خلاصة التفسير إلى بعض الفوارق بين الأنبياء حقًا، وبين أدعياء النبوة فقال:
"فإن الأنبياء يصدق بعضهم بعضًا ويشهد بعضهم لبعض، ويكون كما جاءوا به متفقًا لا يتناقض؛ لأنه من عند الله محكم منتظم.
_________________
(١) ١ الرسل والرسالات للدكتور عمر الأشقر /٢٢٢ هاش. ٢ سورة الأنعام/ الآية ٩٣. ٣ التفسير ٢/٤٣٤.
[ ٢١٣ ]
وأما الكذبة فإنهم لا بد أن يتناقضوا في أخبارهم وأوامرهم ونواهيهم ويعلم كذبهم بمخالفته لما يدعو إليه الأنبياء الصادقون"١.
بيانه أن الأنبياء ليس منهم نساء:
ذهب بعض العلماء إلى أن من النساء نبية. منهم:
القرطبي وابن حزم وغيرهما.
والذي عليه جمهور العلماء، وهو أن الذكورية شرط في الرسالة والنبوة، وعليه فإنه ليس من النساء نبيه٢.
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ ٣.
وقد تناول ابن سعدي هذه المسألة وبين أن النساء ليس منهن نبية فقال عند قوله تعالى: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ ٤.
"وهذا دليل على أن مريم لم تكن نبية بل أعلى أحوالها الصديقية وكفى بذلك فضلًا وشرفًا، وكذلك سائر النساء لم يكن منهن نبيه لأن الله تعالى جعل النبوة في أكمل الصنفين في الرجال كما قال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ ٥"٦.
وقال عند تفسير هذه الآية: "أي لست ببدعٍ من الرسل، فلم نرسل قبلك ملائكة بل رجالًا كاملين لا نساء"٧.
بيانه أن الخضر ليس بنبي:
اختلف العلماء في الخضر هل هو نبي أو رسول أو ولي، كما قال الراجز:
واختلف في خضر أهل العقول
قيل نبي أو ولي أو رسول٨
فذهب بعضهم إلى أن الخضر نبي واستدلوا بسياق الآيات في سورة الكهف،
_________________
(١) ١ الخلاصة /١٢. ٢ تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٢/٤٩٦، وفتح الباري لابن حجر ٦/٤٤٧. ٣ سورة يوسف/ الآية ١٠٨. ٤ سورة المائدة/ الآية ٧٥. ٥ سورة يوسف/ الآية ١٠٨. ٦ التفسير ٢/٣٢٦. ٧ التفسير ٤/٢٠٥. ٨ أضواء البيان للشيخ محمد الأمين الشنقيطي ٤/١٥٨.
[ ٢١٤ ]
كقوله تعالى: ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ ١.
فقالوا المراد بالرحمة في الآية رحمة النبوة.
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ ٢.
فقالوا هذا العلم هو ما يوحيه الله إليه عن طريق الوحي.
واستدلوا بأفعال الخضر من قتل الغلام وخرق السفينة وبناء الجدار ثم قوله بعد ذلك ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ ٣.
فقالوا هذا الأمر أوحى الله به إلى الخضر، ولم يفعله من تلقاء نفسه، وكل ذلك يدل على نبوته٤.
وذهب بعض العلماء إلى أن الخضر عبد صالح وليس نبي؛ وذلك لأن الله سبحانه لم ينص على نبوته، وإنما وصفه بالعبودية، فذلك يوقف عند نص الآية.
ومن هؤلاء الشيخ ابن سعدي فقد ذهب إلى أن الخضر ﵇ عبد صالح وليس بنبي، اكتفاء بما نصت عليه الآية من وصفه بالعبودية وعدم وصفه بالنبوة.
فقال بعد تفسيره للآيات المتعلقة بنبأ موسى مع الخضر: "وفي هذه القصة العجيبة الجليلة من الفوائد والأحكام والقواعد شيء كثير، ننبه على بعضه بعون الله ثم قال:
ومنها: أن ذلك العبد الذي لقياه، ليس نبيًا، بل عبدًا صالحًا لأنه وصفه بالعبودية، وذكر منّة الله عليه بالرحمة والعلم، ولم يذكر رسالته ولا نبوته، ولو كان نبيًا لذكر ذلك كما ذكر غيره.
وأما قوله في آخر القصة ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ ٥. فإنه لا يدل على أنه نبي وإنما يدل على الإلهام والتحديث كما يكون لغير الأنبياء.
كما قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ ٦.
﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ ٧ " ٨.
_________________
(١) ١ سورة الكهف/ الآية ٦٥ ٢ سورة الكهف/ الآية ٦٥. ٣ سورة الكهف/ الآية ٨٢. ٤ الزهر النضر في نبأ الخضر لابن حجر ضمن مجموعة الرسائل المنيرية ٢/١٩٧، وأضواء البيان للشيخ محمد الأمين الشنقيطي ٤/١٥٨. ٥ سورة الكهف/ الآية ٨٢. ٦ سورة القصص/ الآية ٧. ٧ سورة النحل/ الآية ٦٨. ٨ التفسير ٥/٦٥، ٦٦.
[ ٢١٥ ]
وقال في خلاصة التفسير: " ذلك العبد الذي لقياه ليس نبيًا، بل هو عبد صالح ملهم؛ لأن الله ذكره بالعلم والعبودية الخاصة والأوصاف الجميلة، ولم يذكر معها أنه نبي أو رسول"١.
فائدة تتعلق بالخضر:
قال ابن سعدي عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ. كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ ٢. "وهذه الآية تدل على بطلان قول من يقول ببقاء الخضر، وأنه مخلد في الدنيا فهو قول لا دليل عليه، ومناقض للأدلة الشرعية"٣
_________________
(١) ١ الخلاصة /١٤٦. ٢ سورة الأنبياء/ الآيتان ٣٤، ٣٥. ٣ التفسير ٥/٢٢٨، ٢٢٩.
[ ٢١٦ ]
الإيمان بنبوة محمد ﷺ
هذا أصل عظيم من أصول الإيمان التي ينبني عليها، بل لا يحصل الإيمان لأحد حتى يؤمن بمحمد ﷺ رسول رب العالمين، وخاتم النبيين، وسيد الأولين والآخرين.
وقد اهتم ابن سعدي ببيان هذا الأصل العظيم في مواضع متعددة من مؤلفاته، وتناوله من جوانب متعددة.
فبين أن محمدً ﷺ أفضل النبيين، وأن الأنبياء جميعهم مقرون بدعوته وبين وجوب الإيمان به وتصديقه ومحبته وأن ذلك من موجبات الإيمان، وبين أن الله قرر نبوته في القرآن الكريم بأساليب مختلفة. وبين دعوة الرسول ﷺ واهتمامه بالتوحيد وتحذيره من الشرك، وغير ذلك من الجوانب الهامة المتعلقة بنبوته ﷺ على ما سيأتي تفصيله وبيانه إن شاء الله.
وسنبدأ الحديث أولًا عن فضل النبي ﷺ على سائر الأنبياء والمرسلين وبيان ابن سعدي ذلك.
بيانه أن محمدًا أفضل الرسل عليه وعليهم الصلاة والسلام:
قال ابن سعدي في بيان فضل النبي محمد ﷺ على سائر الأنبياء "فضل نبينا محمد ﷺ بفضائل كثيرة فاق بها جميع الأنبياء، فكل خصلة حميدة ترجع إلى العلوم النافعة والمعارف الصحيحة، والعمل الصالح فلنبينا منها أعلاها وأفضلها وأكملها.
ولهذا لما ذكر الله أعيان الأنبياء الكرام قال لنبيه.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ١.
وهداهم هو ما كانوا عليه من الفضائل الظاهرة والباطنة، وقد تمم ﷺ ما أمر به وفاق جميع الخلق؛ ولذلك خص الله نبينا بخصائص لم يشاركه فيها أحد من الأنبياء منها:
هذه الخمسة التي عادت على أمته بكل خير وبركة ونفع"٢.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام/ الآية ٩٠. ٢ بهجة قلوب الأبرار/ ٨٤، ويقصد بالخصائص الخمس ما ورد في حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: أعطيت خمس لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة". أخرجه البخاري ١/٨٦.
[ ٢١٧ ]
وقال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ١. "أي: امش أيها الرسول الكريم خلف هؤلاء الأنبياء الأخيار واتبع ملتهم وقد امتثل ﷺ، فاهتدى بهدى الرسل قبله وجمع كل كمال فيهم. فاجتمعت لديه فضائل وخصائص، فاق بها جميع العالمين، وكان سيد المرسلين وإمام المتقين، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين.
وبهذا الملحظ استدل بهذا من استدل من الصحابة أن الرسول ﷺ أفضل الرسل كلهم٢.
وأعظم بيان لذلك وأوضح دليل عليه قوله ﷺ: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من ينشق عنه القبر وأول شافع وأول مشفع"٣.
بيانه أن الأنبياء جميعهم مقرون بنبوته:
قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ ٤.
قال ابن سعدي في تفسير هذه الآية: "هذا إخبار منه تعالى أنه أخذ عهد النبيين وميثاقهم كلهم، بسبب ما أعطاهم ومن به عليهم من الكتاب والحكمة، والمقتضي للقيام التام بحق الله وتوفيقه أنه أن جاءهم رسول مصدق لما معهم، بما بعثوا به من التوحيد والحق والقسط والأصول التي اتفقت عليها شرائع أنهم يؤمنون به وينصرونه.
فأقروا على ذلك واعترفوا والتزموا وأشهدهم وشهد عليهم وتوعد من خالف هذا الميثاق، وهذا أمر عام بين الأنبياء جميعهم طريقهم واحد، وأن دعوة كل واحد منهم قد اتفقوا وتعاقدوا عليها.
وعموم ذلك، أنه أخذ على جميعهم الميثاق بالإيمان والنصرة لمحمد ﷺ "٥.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام/ الآية ٩٠. ٢ التفسير ٢/٤٣١. ٣ أخرجه مسلم ٤/١٧٨٢ من حديث أبي هريرة. ٤ سورة آل عمران/ الآية ٨١. ٥ التفسير ١/٣٩٦.
[ ٢١٨ ]
كلامه في وجوب الإيمان به ومحبته وطاعته:
قال ابن سعدي في بيان وجوب الإيمان بالرسل ﷺ والتزام طاعته وتصديقه.
"يجب معرفة جميع ما جاء به من الشرع جملة وتفصيلًا، بحسب الاستطاعة والإيمان بذلك والتزامه والتزام طاعته في كل شيء بتصديق خبره؛ وامتثال أمره واجتناب نهيه"١.
وقد بين ابن سعدي أن معرفة الرسول صلى الله عليه وما هو عليه من صفات أكبر دافع لتقوية الإيمان وزيادته، وأن ذلك من أعظم موجبات الإيمان، فبعد أن ذكر جملة من الأمور التي يحصل ويقوى بها الإيمان، قال: "ومن طرق موجبات الإيمان وأسبابه معرفة النبي ﷺ ومعرفة ما هو عليه من الأخلاق العالية، والأوصاف الكاملة، فإن من عرفه حق المعرفة لم يرتب في صدقه، وصدق ما جاء به من الكتاب والسنة والدين الحق.
كما قال تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ ٢.
أي فمعرفته ﷺ توجب للعبد المبادرة إلى الإيمان ممن [لم] يؤمن وزيادة الإيمان ممن آمن به"٣.
وبين أن طاعة الرسول ﷺ واجبة وأنها من طاعة الله فقال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ ٤.
وقال: "طاعةُ الله وطاعة رسوله واجبة، فمن أطاع الله فقد أطاع الرسول ومن أطاع الرسول فقد أطاع الله"٥.
وقال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه﴾ ٦. "وكل من أطاع رسول الله في أوامره ونواهيه فقد أطاع الله تعالى لكونه لا يأمر إلا بأمر الله وشرعه ووحيه وتنزيله"٧.
_________________
(١) ١ الفتاوى السعدية /١٥. ٢ سورة المؤمنون/ الآية ٦٩. ٣ التوضيح والبيان /٢٧. ٤ سورة المائدة/ الآية ٩٢. ٥ التفسير ٢/٣٤١. ٦ سورة النساء/ الآية ٨٠. ٧ التفسير ٢/١٠٠.
[ ٢١٩ ]
وبين ﵀ أن طاعة الرسول ﷺ هي العلامة الواضحة على صدق محبته، فقال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ ١.
"هذه الآية هي الميزان التي يعرف بها من أحب الله حقيقة ومن ادعى ذلك دعوى، فعلامة محبة الله اتباع محمد ﷺ، الذي جعل متابعته وجميع ما يدعو إليه طريقًا إلى محبته ورضوانه، فلا تنال محبة الله ورضوانه وثوابه إلا بتصديق ما جاء به الرسول من الكتاب والسنة وامتثال أمرهما واجتناب نهيهما فمن فعل ذلك أحبه الله وجازاه جزاء المحبين، وغفر له ذنوبه وستر عليه عيوبه.
فكأنه قيل ومع ذلك فما حقيقة اتباع الرسول وصفتها؟
فأجاب بقوله: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ ٢. بامتثال الأمر واجتناب النهي وتصديق الخبر: "فإن تولوا" عن ذلك فهذا هو الكفر والله لا يحب الكافرين"٣.
وبين ﵀ أن طاعة الرسول ﷺ ومحبته من تمام النصيحة له فقال في بيان معنى النصحية للرسول ﷺ:
"والنصحية للرسول: هي كمال الإيمان به ومحبته وطاعته واتباعه، وتقديم قوله وهديه وسيرته على كل قول وهدى وسيرة ونصر ما جاء به"٤.
بيانه أن نبوة محمد ﷺ مقررة في القرآن بطريق متعددة
ذكر ابن سعدي في كتابه القواعد الحسان جملة من القواعد المتعلقة بتفسير القرآن الكريم، وذكر من جملة هذه القواعد قاعدة جليلة تتعلق بالأساليب المختلفة والطرق المتنوعة التي ذكرها الله في كتابه لتقرير نبوة محمد ﷺ. قال ﵀: "هذا الأصل الكبيير قرره الله في كتابه بالطرق المتنوعة التي يعرف بها كمال صدقه ﷺ فأخبر أنه صدق المرسلين، ودعا إلى ما دعوا إليه، وأن جميع المحاسن التي في الأنبياء في نبينا محمد ﷺ، وما نزهوا عنه من النقائص والعيوب فرسولنا محمد أولاهم وأحقهم بهذا التنزيه.
وأن شريعته مهيمنة على جميع الشرائع، وكتابه مهيمن على كل الكتب، فجميع
_________________
(١) ١ سورة آل عمران/ الآيتان ٣١،٣٢. ٢ سورة آل عمران/ الآية ٣٢. ٣ التفسير ١/٣٧٤. ٤ الفتاوى السعدية /٧٠.
[ ٢٢٠ ]
محاسن الأديان والكتب قد جمعها الله في هذا الكتاب وهذا الدين، وفاق عليها بمحاسن وأوصاف لم توجد في غيره.
وقرر نبوته بأنه أمي لا يكتب ولا يقرأ ولا جالس أحدًا من أهل العلم بالكتب السابقة. بل لم يفجأ الناس إلا وقد جاءهم بهذا الكتاب الذي لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله ما أتوا ولا قدروا ولا هو في استطاعتهم ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا، وأنه محال مع هذا أن يكون من تلقاء نفسه أو أن يكون قد تقول على ربه أو أن يكون على الغيب بظنين، وأعاد في القرآن وأبدى في هذا النوع"١.
واستمر ابن سعدي في ذكر هذه الطرق والأساليب والواردة في القرآن المقررة لنبوة محمد ﷺ.
ثم قال بعد أن ذكر جملة كبيرة من هذه الطرق: "فهذه الأمور والطرق قد أكثر الله من ذكرها في كتابه وقررها بعبارات متنوعة، ومعاني مفصلة وأساليب عجيبة وأمثلتها تفوق العد والإحصاء"٢.
ثم إن القرآن الكريم أعظم دليل وأقوى برهان على صدق محمد ﷺ، بل هو وحده يكفي لأن يكون دليلًا على صدق نبوة محمد ﷺ كما قرر الله ذلك في كتابه؛ لذلك يقول ابن سعدي: "والله تعالى يقرر أن القرآن كاف جدًا أن يكون هو الدليل الوحيد على صدق رسوله ﷺ في مواضع عدة. منها قوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٣ "٤.
هذا وقد جعل الله مع هذا البرهان الجلي والدليل القاطع جملة من البراهين فلا مجال للشك أو الريب بصدق نبوة محمد ﷺ.
قال ابن سعدي: "قد أقام الله على صدق رسله من الآيات البينات والأدلة الواضحات، ما على مثله يؤمن البشر وخصوصًا إمامهم وسيدهم محمدًا ﷺ فإن آيات نبوته وبراهين رسالته متنوعة. سيرته وأخلاقه وهديه، وما جاء به من الدين القويم، وحثه على كل خلق جميل وعمل صالح ونفع وإحسان إلى الخلق، ونهيه عند ضد ذلك.
_________________
(١) ١ القواعد الحسان/١٩. ٢ القواعد الحسان /٢٣. ٣ سورة العنكبوت/ الآية ٥١. ٤ القواعد الحسان /٢٣.
[ ٢٢١ ]
كلها آيات وبراهين على رسالته وما جاء به من الوحي من الكتاب والسنة كله جملة وتفصيلًا أدلة وبراهين على رسالته مع ما أكرمه الله به من النصر العظيم وإظهار دينه على الأديان كلها، وإجابة الدعوات وحلول أنواع البركات التي لا تعد أنواعها فضلا عن أفرادها.
هذا بقطع النظر عن شهادة الكتب السابقة له، وعن معارضة المكذبين له، وتحديه إياهم بكل طريق حتى عجزوا غاية العجز عن نصر باطلهم، ولا يزال الباطل بين يدي ما جاء به الرسول مخذولًا بحيث إن القائمين بما جاء به الرسول والقائمين بمعرفة دينه يتحدون جميع أهل الأرض أن يأتوا بصلاح أو فلاح أو رقي حقيقي أو سعادة حقيقية بجميع وجوهها فيتبين أنه محال أن يتوصل إلى شيء من ذلك بغير ما جاء به الرسول وأرشد إليه ودل عليه"١.
وقال: "وأما ما آتى الله محمدًا ﷺ من الآيات فهي لا تحد ولا تعد من كثرتها وقوتها ووضحها ولله الحمد، فلم يبق لأحد من الناس بعدها عذر"٢.
بيانه لكمال دعوة الرسول ﷺ:
بين ابن سعدي أن دعوة الرسول ﷺ في غاية الجودة والحسن وبين أن الرسول ﷺ فاق في دعوته جميع الأنبياء قال ﵀:
"فانظر إلى دعوات الرسل صلوات الله وسلامه عليهم التي حكاها الله في كتابه مع أممهم المستجيبين والمعرضين والمعارضين تجدها محتوية على غاية الحسن في كل أحوالها.
ثم انظر إلى دعوة سيدهم وإمامهم محمد ﷺ وما سلك من الطرق المتنوعة في دعاية الخلق عمومًا وخصوصًا على اختلاف طبقاتهم، ومنازلهم وبحسب أحوالهم، وبحسب الأقوال والأحكام التي يدعو إليها، تجده قد فاق في ذلك الأولين والآخرين والآثار أكبر دليل على قوة المؤثر"٣.
كما بين ﵀ أن زبدة دعوة الرسول ﷺ وخلاصة دعوته الدعوة إلى توحيد الله سبحانه والتحذير من الشرك كما كان سلفه في ذلك إخوانه الأنبياء، قال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ الفتاوى السعدية /٤٧، ٤٨. ٢ القواعد الحسان /١٥١. ٣ الخلاصة /١٩٧. ٤ سورة الأنبياء/ الآية ٢٥.
[ ٢٢٢ ]
قال ابن سعدي مبينًا أعظم أمر دعا إليه الرسول ﷺ: "فكان أعظم مقامات دعوته: دعوته إلى التوحيد الخالص والنهي عن ضده، دعى الناس لهذا، وقرره الله في كتابه وصرفه بطرق كثيرة واضحة تبين وجوب التوحيد وحسنه وتعينه طريقًا إلى الله وإلى دار كرامته، وقرر إبطال الشرك والمذاهب الضارة بطرق كثيرة احتوى عليها القرآن، وهي أغلب السور المكية.
فاستجاب له في هذا الواحد بعد الواحد على شدة عظيمة من قومه، وقاومه قومه وغيرهم وبغوا له الغوائل، وحرصوا على إطفاء دعوته بجدهم وقولهم وفعلهم وهو يجادلهم ويتحداهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن، وهم يعلمون أنه الصادق الأمين، ولكنهم يكابرون ويجحدون آيات الله"١.
وقال ﵀ في بيان إتمام الرسول ﷺ لهذه الدعوة وإبلاغه لها غاية البلاغ: " بل هو ﷺ أمين أهل السماء أمين أهل الأرض الذي بلغ رسالات ربه البلاغ المبين. فلم يشحْ بشيء منه عن غني ولا فقير ولا رئيس ولا مرؤوس ولا ذكر ولا أنثى ولا حضري ولا بدوي؛ ولذلك بعثه الله في أمة أمية جاهلة جهلاء.
فلم يمت ﷺ، حتى كانوا علماء ربانيين، وأحبارًا متفرسين، إليهم الغاية في العلوم، وإليهم المنتهى في استخراج الدقائق والمفهوم، وهم الأساتذة وغيرهم قصاراه أن يكون من تلاميذهم"٢.
بيانه لكمال الرسول ﷺ البشري:
تناول ابن سعدي في مؤلفاته عدة جوانب تتعلق بالرسول ﷺ وبين تحقيقه لها، وكماله لقيامه بها.
فذكر منها تحقيق الرسول ﷺ للعبودية، واتصافه بأحسن الأخلاق وعصمته وكمال عقله وكثرة علمه إلى غير ذلك من الجوانب الكثيرة التي كمل فيها الرسول ﷺ لإكماله إياها ولكثرتها فسأقتصر على ذلك طرف منها:
تحقيق للعبودية:
وهذا أعظم الأمور التي يجب تحقيقها وقد بين الله سبحانه أن رسوله محمدًا ﷺ قد حقق العبودية لله وحده؛ لذلك فإنه عند ذكره لرسوله في المقامات العظيمة يذكره بوصف العبودية وفي ذلك إشارة لتحقيق الرسول ﷺ لها وإتمامه إياها.
_________________
(١) ١ الخلاصة /١٦٦. ٢ التفسير ٧/٥٧٩، بتصرف يسير.
[ ٢٢٣ ]
قال ابن سعدي عند قوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ ١. "وذكره هنا وفي مقام الإنزال للقرآن ومقام التحدي بصفة العبودية؛ لأنه نال هذه المقامات الكبار بتكميله لعبوديته لربه"٢.
وقال عند قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ﴾ ٣.
"وفي وصف الرسول بالعبودية في هذا المقام العظيم، دليل على أن أعظم أوصافه ﷺ قيامه بالعبودية التي لا يلحقه فيها أحد من الأولين والآخرين"٤.
كمال أخلاقه:
إن الله سبحانه لما امتن على المؤمنين بهذا الرسول الكريم جمع له من صفات الكمال وأفضل الخصال ما لم يكن لغيره من البشر فجمع له جميع الخصال الموجودة في الرسل وغيرهم، وما من خصلة حميدة وصفة طيبة دعا إليها شرعنا الحكيم إلا ورسولنا ﷺ متصف بها، فبهذا كان ﵊ أكمل الخلق أخلاقا وأحسنهم أوصافًا.
يقول ابن سعدي في بيان ذلك: " فعلا ﷺ بخلقه العظيم على جميع الخلق وفاق الأولين والآخرين، وكان خلقه العظيم كما فسرته به عائشة ﵂ هذا القرآن الكريم"٥.
وذلك نحو قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ ٦.
وقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ ٧ الآية
وقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٨.
_________________
(١) ١ سورة الإسراء/ الآية ١. ٢ التفسير ٤/٢٥٩. ٣ سورة البقرة/ الآية ٢٣. ٤ التفسير ١/٦١. ٥ كما روى ذلك مسلم في صحيحه ١/٥١٣ من حديثها ﵂. ٦ سورة الأعراف/ الآية ١٩٩. ٧ سورة آل عمران/ الآية ١٥٩. ٨ سورة التوبة/ الآية ١٢٨.
[ ٢٢٤ ]
وما أشبهها من الآيات الدالات على اتصافه ﷺ بمكارم الأخلاق، والآيات التي فيها الحث على كل خلق جميل فكان أول الخلق امتثالًا لها وسبقًا إليها وإلى تكميلها، فكان له منها أكملها وأجلها وأعلاها، وهو في كل خصلة منها في الذروة العليا، فكان سهلًا لينًا قريبًا من الناس مجيبًا لدعوة من دعاه قاضيًا لحاجة من استقضاه، جابرًا لقلب من سأله لا يحرمه ولا يرده خائبا، وإذا أراد أصحابه أمرًا وافقهم عليه وتابعهم فيه إذا لم يكن في ذلك محذور، وإن عزم على أمر لم يستبده به دونهم، بل يشاورهم ويؤامرهم، وكان يقبل من محسنهم ويعفو عن مسيئهم. ولم يكن يعاشر جليسًا إلا أتم عشرة وأحسنها فكان لا يعبس في وجهه ولا يغلظ له في كلامه ولا يطوي عنه بشره ولا يمسك عليه فلتات لسانه، ولا يؤاخذه بما يصدر منه من جفوة بل يحسن إليه غاية الإحسان ويحتمله غاية الاحتمال ﷺ"١.
وقال في موضع آخر: " فهو ﷺ أعظم الخلق حلمًا وصبرًا، وأكثرهم عفوًا عن الخلق وصفحًا وأجمعهم لجميع المحاسن والكمالات وأكرمهم في الخير والمعروف وبذل الهبات وهو الذي جمع الكرم والإحسان بعمله وعلمه وحاله وماله"٢.
عصمته فيما يبلغ عن ربه:
وهذا مما يدل على كمال الرسول ﷺ البشري، فهو في ألفاظه وأقواله التي يبلغ فيها رسالة ربه، ما يتكلم بشيء منها إلا عن وحي من الله سبحانه، فقد عصمه الله من الخطأ في تبليغ الرسالة. وأدل شيء على ذلك قول الله سبحانه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى.) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ٣.
لذلك يقول ابن سعدي عن هذه الآية: "ودل هذا على أن السنة وحي من الله ولرسوله ﷺ كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ ٤ وأنه معصوم فيما يخبر به عن الله تعالى وعن شرعه؛ لأن كلامه لا يصدر عن هوى وإنما يصدر عن وحي يوحى"٥.
_________________
(١) ١ الخلاصة /٢٥ بتصرف يسير. ٢ الخطب المنبرية /٦٦. ٣ سورة النجم/ الآيتان ٣، ٤. ٤ سورة النساء/ الآية/ ١١٣. ٥ التفسير ٧/٢٠٤.
[ ٢٢٥ ]
سعة علمه:
وهذه من نعم الله على رسوله ﷺ حيث امتن عليه بأن أعطاه علمًا واسعًا وعقلًا راجحًا، لا يماثله في ذلك أحد من البشر يقول ابن سعدي ﵀: "ورسول الله ﷺ هو الذي عنده من العلم أعظم من غيره وأنبأه الله من علم الغيب على ما لم يطلع عليه أحد من الخلق"١.
أما عن كمال عقل الرسول ﷺ فيقول ابن سعدي "محال أن توجد عقول تقارب عقل النبي ﷺ الذي تستمد منه العقول والآراء حسب العقول الكاملة أن تستمد من عقل النبي ﷺ وآرائه وتستنير بنور هديه وتوجيهه وإرشاده"٢.
هذه إشارة وقليل من كثير مما امتن الله به على رسوله ﷺ من صفات الكمال وطيب الخصال، وحسب المسلم أن يعرف أن أكمل الخلق وأفضلهم وسيدهم هو رسول الله ﷺ.
الإيمان بالكتب المنزلة على الرسل ﵈:
وهذا من المباحث الهامة إذ هو من أركان الإيمان الستة، وهو داخل في الإيمان بالنبوات؛ لأنه لا يتم الإيمان بالأنبياء إلا مع الإيمان بالكتب المنزلة عليهم.
لذا يقول ابن سعدي بعد أن ذكر أهمية الإيمان بالأنبياء ﵈ ووجوب الإيمان بهم جملة وتفصيلًا: "ويدخل في الإيمان بالرسل الإيمان بالكتب، فالإيمان بمحمد ﷺ يقتضي الإيمان بكل ما جاء به من الكتاب والسنة ألفاظها ومعانيها، فلا يتم الإيمان إلا بذلك، وكل من كان أعظم علمًا بذلك وتصديقًا واعترافًا وعملًا كان أكمل إيمانًا"٣.
وقد سبق أن تحدثنا عن الكتب في مبحث الأسماء والصفات، من حيث كونها من كلام الله، والكلام صفة من صفاته سبحانه.
وأما حديثنًا عن الكتب هنا، فعن أهمية الإيمان بها جملة وتفصيلًا، وأن فيها الهداية والتوفيق على من أنزلت إليهم من ذكر أسماء بعضها مما ورد ذكره في القرآن ومن أنزلت عليه، ثم بيان أهمها وأعظمها والمهيمن عليها وهو القرآن الكريم.
وهذه النقاط الهامة تكلم عنها الشيخ ابن سعدي في مؤلفاته ولا سيما في كتابه
_________________
(١) ١ التفسير ٧/١٩٩. ٢ الخطب المنبرية /٥٣. ٣ الفتاوى السعدية /١٥.
[ ٢٢٦ ]
التفسير، فبين ﵀ وجوب الإيمان بالكتب المنزلة على المرسلين وأن ذلك من تمام الإيمان بهم وقد تقدم النقل عنه أنها داخلة في الإيمان بالنبوات، ومعنى ذلك أن من آمن بأنبياء الله ورسله فإن الواجب عليه أن يؤمن بما أنزل عليهم من كتب.
وقد أخبر الله سبحانه في كتابه الكريم أن الرسول ﷺ والمؤمنين آمنوا بما أنزل الله على رسوله ﷺ وأنهم آمنوا بالملائكة والكتب والرسل حيث يقول سبحانه: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ ١ إلى آخر الآية من سورة البقرة.
قال ابن سعدي عند تفسيره لهذه الآية: "فإن الله أمر في أول هذه السورة الناس بالإيمان بجميع أصوله في قوله: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ ٢ الآية. وأخبر في هذه الآية أن الرسول ﷺ ومن معه من المؤمنين آمنوا بهذه الأصول العظيمة وبجميع الرسل وجميع الكتب، ولم يصنعوا صنيع من آمن ببعض وكفر ببعض كحالة المنحرفين من أهل الأديان المنحرفة"٣.
لذا فإن الواجب على المسلم أن يؤمن بهذه الكتب جملة وتفصيلًا. فيؤمن جملة بجميع ما أنزل الله من الكتب، ويوقن أن في هذه الكتب الهداية للبشر، وأنها منزلة من عند الله، ويؤمن تفصيلًا بما ورد ذكره في القرآن الكريم من هذه الكتب فيؤمن بالتوراة والإنجيل والزبور، ويؤمن بالقرآن الكريم وأنه أفضلها والمهيمن عليها.
وهذه النقاط المتقدمة تناولها ابن سعدي مفصلة في تفسيره.
كلامه في التوراة:
قال ابن سعدي في وصف التوراة، وبيان ما اشتملت عليه من النور والهداية عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّه﴾ ٤.
قال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ﴾ على موسى بن عمران ﵊ ﴿فِيهَا هُدىً﴾ يهدي إلى الإيمان والحق ويعصم من الضلالة، ﴿وَنُورٌ﴾ يستضاء به في ظلم الجهل والحيرة والشكوك والشبهات والشهوات.
_________________
(١) ١ سورة البقرة/ الآية ٢٨٥. ٢ سورة المائدة/ الآية ٤٤. ٣ التفسير ١/٣٥٢. ٤ سورة المائدة/ الآية ٤٤.
[ ٢٢٧ ]
كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ ١.
﴿يَحْكُمُ بِهَا﴾ بين الذين هادوا، أي اليهود في القضايا والفتاوى. ﴿النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ لله وانقادوا لأوامره الذين إسلامهم أعظم من إسلام غيرهم صفوة الله من العباد"٢.
وقد بين ابن سعدي أن الله سبحانه كثيرًا ما يقرن بين القرآن والتوراة؛ وذلك لأنهما أفضل كتابين أنزلهما الله على خلقه، فقال: "كثيرًا ما يجمع تعالى بين هذين الكتابين الجليلين اللذين لم يطرق العالم أفضل منهما ولا أعظم ذكرًا ولا أبرك ولا أعظم هدى وبيانًا وهما التوراة والقرآن"٣.
وقال في موضع آخر: "كثيرًا ما يقرن الباري بين نبوة محمد ﷺ ونبوة موسى ﵇، وبين كتابيهما وشريعتهما؛ لأن كتابيهما أفضل الكتب وشريعتهما أكمل الشرائع ونبوتيهما أعلى النبوات وأتباعهما أكثر المؤمنين"٤.
كلامه في الإنجيل:
قال تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْأِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ ٥.
قال ابن سعدي في تفسيره لهذه الآية: "أي واتبعنا هؤلاء الأنبياء والمرسلين الذين يحكمون بالتوراة، بعبدنا ورسولنا عيسى بن مريم، روح الله وكلمته التي ألقاها إلى مريم.
بعثه الله مصدقًا لما بين يديه من التوراة، ومؤيدًا لدعوته وحاكما بشريعته وموافقا له في أكثر الأمور الشرعية.
وقد يكون عيسى ﵇ أخف في بعض الأحكام كما قال تعالى: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُم﴾ ٦
_________________
(١) ١ سورة الأنبياء/ الآية ٤٨. ٢ التفسير ٢/٢٩٤. ٣ التفسير ٥/٢٣٦. ٤ التفسير ٤/٢٦٠. ٥ سورة المائدة/ الآية ٤٦. ٦ سورة آل عمران/ الآية ٥٠.
[ ٢٢٨ ]
﴿وَآتَيْنَاهُ الْأِنْجِيلَ﴾ الكتاب العظيم المتمم للتوراة ﴿فِيهِ هُدىً وَنُورٌ﴾ يهدي إلى الصراط المستقيم ويبين الحق من الباطل.
﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ بتثبيتها والشهادة لها والموافقة. ﴿وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ ١. فإنهم الذين ينتفعون بالهدى، ويتعظون بالمواعظ ويرتدعون عما لا يليق"٢.
كلامه في الزبور:
قال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ ٣ " وهو الكتاب المعروف المزبور الذي خص الله به داود ﵇ لفضله وشرفه"٤.
كلامه في القرآن الكريم:
وهو أفضل الكتب السماوية وخاتمها والمهيمن عليها والمصدق لها أنزله الله على صفيه وخليله محمد بن عبد الله ﷺ.
وقد تناول ابن سعدي فضل القرآن الكريم، وبين أنه أفضل الكتب السماوية، وأنه المصدق لها والمهيمن عليها فقال في وصف القرآن الكريم فهو: "مشتمل على الحق في أخباره وأوامره ونواهيه ومصدق لما بين يديه من الكتب؛ لأنه شهد للكتب السالفة ووافقها وطابقت أخباره أخبارها وشرائعه الكبار شرائعها وأخبرت به فصار وجودها مصداقا لخبرها.
وهو مشتمل على ما اشتملت عليه الكتب السابقة، وزيادة في المطالب الإلهية والأخلاق النفسية، فهو الكتاب الذي تتبع كل حق جاءت به الكتب فأمر به، وحث عليه، وأكثر من الطرق الموصلة إليه، وهو الكتاب الذي فيه نبأ السابقين واللاحقين.
وهو الكتاب الذي فيه الحكم والحكمة والإحكام الذي عرضت عليه الكتب السابقة، فما شهد له بالصدق فهو المقبول وما شهد له بالرد فهو مردود قد دخله التحريف والتبديل وإلا فلو كان من عند الله لم يخالفه"٥.
وقال: "وأكمل الرسالة وختمها بمحمد ﷺ وكتابه العظيم الذي هدى الله به
_________________
(١) ١ سورة المائدة/ الآية ٤٦. ٢ التفسير ٢/٢٩٨. ٣ سورة النساء/ الآية ١٦٣. ٤ التفسير ٢/٢١٨، انظر ٧/٢٩٠. ٥ التفسير ٢/٢٩٩، بتصرف.
[ ٢٢٩ ]
الخلق من الضلالات واستنقذهم به من الجهالات وفرق به بين الحق والباطل والسعادة والشقاوة، والصراط المستقيم وطرق الجحيم فالذين آمنوا به واهتدوا حصل لهم به الخير الكثير والثواب العاجل والآجل"١.
وقال عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ ٢.
"يخبر تعالى عن شرف القرآن وجلالته وأنه يهدي للتي هي أقوم أي: أعدل وأعلى من العقائد والأعمال والأخلاق، فمن اهتدى بما يدعو إليه القرآن كان أكمل الناس وأقومهم وأهداهم في جميع الأمور..
إلى أن قال فالقرآن مشتمل على البشارة والنذارة، وذكر الأسباب التي تنال بها البشارة وهو الإيمان والعمل الصالح والتي تستحق بها النذارة وهو ضد ذلك"٣.
وقد عدد ﵀ جملة من أوصاف القرآن الكريم وذلك في مقدمة كتابه خلاصة تفسير القرآن فقال: "قد وصف الله كتابه بأوصاف جليلة تنطبق على جميعه وتدل أكبر دلالة على أنه الأصل والأساس لجميع العلوم النافعة، والفنون المرشدة لخبر الدنيا والآخرة.
وصفه بالهدى والرشد والفرقان، وأنه مبين وتبيان لكل شيء فهو في نفسه هدى ويهدي الخلق لجميع ما يحتاجونه من أمور دينهم ودنياهم، ويرشدهم إلى كل طريق نافع، ويفرق لهم بين الحق والباطل والهدى والضلال وبين أهل السعادة والشقاوة بذكر أوصاف الفريقين، وفيه بيان الأصول والفروع
ووصفه بأن رحمة ووصفه بأن نور ووصفه بأنه شفاء لما في الصدور"٤.
إلى غير ذلك من الأوصاف العظيمة لهذا الكتاب والعظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
وبهذه الأوصاف الجليلة والنعوت الجميلة يظهر لنا أهمية العناية بهذا القرآن؛ لما يترتب على ذلك من حصول السعادة والهداية والفلاح في الدنيا والآخرة.
_________________
(١) ١ التفسير ١/٣٥٦. ٢ سورة الإسراء/ الآية ٩. ٣ التفسير ٤/٢٦٤. ٤ الخلاصة /٦، ٧.
[ ٢٣٠ ]
الإيمان بالملائكة:
وهذا المبحث له صلة عميقة بالإيمان بالنبوات، إذ أن الملائكة هم الذين يبلغون وحي الله إلى خلقه، ولا يتم الإيمان بالله وكتبه ورسله إلا بالإيمان بالملائكة، وقد أشار ابن سعدي إلى أن الإيمان بالملائكة داخل في الإيمان بالنبوات حيث قال: "والإيمان بالملائكة مع القدر داخل في هذا الأصل العظيم"١ يعني الإيمان بالنبوات؛ لذا فقد رأيت أن أجعل هذا المبحث ضمن الكلام على النبوات.
هذا وقد تناول ابن سعدي هذا الأصل العظيم في مؤلفاته وبين وجوب الإيمان به وأنه أحد أصول الإيمان. وبين أن الإيمان لا يتم إلا بالإيمان بالملائكة، كما تناول ذكر أوصافهم وأعمالهم.
قال ﵀: "الإيمان بالملائكة أحد أصول الإيمان ولا يتم الإيمان بالله وكتبه ورسله إلا بالإيمان بالملائكة وقد وصفهم الله بأكمل الصفات وأنهم في غاية القوة على عبادة الله، والرغبة العظيمة فيها، وأنهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وأنهم لا يستكبرون عن عبادته بل يرونها من أعظم نعمه عليهم وأنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
ففي هذا بيان كمال محبتهم لربهم وقوة إنابتهم إليه ونشاطهم التام في طاعته وأنهم لا يعصونه طرفة عين. وهم وسائط بينه وبين رسله، لا سيما جبريل أفضلهم وأعظمهم وأقواهم وأرفعهم عند الله منزلة، فإنه ذو قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين وما هو على الغيب بضنين ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ ٢.
وكما أنهم الوسائط بينه وبين عباده في تبليغ الوحي والشرائع إلى الأنبياء، فهم الوسائط في التدبيرات القدرية، فإن الله وصفهم بأنهم المدبرات أمرًا فكل طائفة منهم قد وكله على عمل هو قائم به بإذن الله، فمنهم الموكلون بالغيث والنبات والموكلون بحفظ العباد مما يضرهم ويحفظ أعمالهم وكتابتهم والموكلون بقبض الأرواح وبتصوير الأجنة في الأرحام وكتابة ما يجري عليها في الحال والمآل، والموكلون على الجنة والنار، ومنهم حملة العرش ومن حوله من الملائكة المقربين، إلى غير ذلك مما وصفوا به في الكتاب والسنة"٣.
_________________
(١) ١ الفتاوى السعدية /١٥. ٢ سورة الشعراء/ الآيات ١٩٢-١٩٤. ٣ الخلاصة /٢٩.
[ ٢٣١ ]
ثم قال ﵀ بعد ذكر هذه الجملة النافعة من أوصف هؤلاء الكرام البررة ومن نعوت هؤلاء الأطهار. مبينا الواجب نحوهم، وأنه يجب الإيمان بهم "فيجب الإيمان بهم إجمالا وتفصيلًا، وكثير من سور القرآن فيها ذكر الملائكة، والخبر عنهم فعلينا أن نؤمن بذلك كله"١.
كما بين ﵀ أن الإيمان بالملائكة من الإيمان بالغيب الذي هو صفة من صفات المؤمنين المتقين كما قال سبحانه: ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ ٢.
فبين أنه لا يتم الإيمان بالغيب إلا بالإيمان بالملائكة، قال:
"ومن الإيمان بالغيب الإيمان بالملائكة الكرام الذين جعلهم الله عبادًا مكرمين لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون وأنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وأنه تعالى جعلهم يدبرون بأمره وإذنه أمور الدنيا والآخرة فهم أكثر جنود الله وهم رسله في أحكامه الدينية وأحكامه القدرية وأن الله جعل للعبد منهم معقبات يحفظونه من أمر الله ويحفظون عليه أعماله ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد، ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ. وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ. كِرَامًا كَاتِبِينَ. يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾، ولهم صفات وأفعال مذكورة في الكتاب والسنة لا يتم الإيمان بالغيب إلا بالإيمان بها"٣.
كلامه عن منكري وجود الملائكة:
بين ابن سعدي أن الإيمان بالملائكة وأوصافهم ونعوتهم عقيدة راسخة في نفوس المسلمين، ولا ينكر ذلك أحد إلا الزنادقة المنكرين لوجود الله سبحانه.
قال ﵀: "ولا تكاد تجد أحدًا ينكر وجود الملائكة إلا الزنادقة المنكرين لوجود ربهم ومن تستر بالإسلام منهم فإنه ينكر الملائكة حقيقة وينكر خبر الله ورسوله عنهم، ويفسر الملائكة تفسيرًا وتحريفًا خبيثًا فيزعم أن الملائكة هي القوى الخيرية والصفات الحسنة الموجودة في الإنسان، وأن الشياطين هي القوى الشريرة فيه وغرضهم من هذا التحريف دفع الشنعة عنهم، وقد ازدادوا بهذا التحريف شرًا إلى شرهم، وراج هذا
_________________
(١) ١ الخلاصة /٢٩. ٢ سورة البقرة/ الآيتان ٢، ٣. ٣ المواهب الربانية /٦٧.
[ ٢٣٢ ]
التحريف الخبيث على بعض الذين يحسنون الظن بهؤلاء الزنادقة، وليس عندهم بصيرة في أديان الرسل وإن أظهروا تعظيمهم، فإن زنادقة الفلاسفة أعظم في قلوبهم من الرسل وكفى بالعبد ضلالًا وغيًا أن يصل إلى هذه الحال، نعوذ بالله من مضلات الفتن"١.
ومن هؤلاء البعض الذين ساروا في ركب الزنادقة وترسموا خطاهم القصيمي الملحد صاحب الأغلال وإليه وأمثاله يشير السعدي بقوله: "وراج هذا التحريف الخبيث على بعض الذين يحسنون الظن بهؤلاء الزنادقة، وليس عندهم بصيرة في أديان الرسل"٢.
وقد أنكر هذا القصيمي في كتابه "الأغلال" وجود الملائكة وسخر ممن يثبت وجودهم وتهكم منه وقرر أن هذه خرافات لا حقيقة لها، وهذا غاية البهت والضلال.
قال ابن سعدي ﵀: "ومن فروع نبذه - أي القصيمي - الإيمان بالله وبما أخبر به على ألسنة رسله، إنكاره الملائكة والجن والأرواح وسياقه لهذا الإنكار بأساليب تهكمية وعبارات سخرية بما أخبر الله به وأخبرت به رسله ونطقت به الكتب واعترف به علية الخلق وسائر أهل الأديان السماوية وجاءت به نصوص الكتاب والسنة في نصوص كثيرة زادت على التواتر فأقر بها المسلمون واعترفوا بها وبكل ما أخبر الله به ورسله عن الملائكة والجن وعن أحوال البرزخ وغيره ولم ينكر ذلك إلا جاحد ملحد مكذب لله ورسله"٣.
والمقصود أن الملائكة لهم وجود حقيقي خلقهم الله وأمرهم بأوامر متنوعة من حفظ للكائنات وإنزال للمطر وكتابة للإعمال وغير ذلك من الصفات والأعمال الواردة عنهم في الكتاب والسنة.
فواجب المسلم أن يؤمن بكل ما ورد في الكتاب والسنة عنهم من غير شك ولا ريب وأن يصدق بذلك تمام التصديق فالإيمان بهم أحد أركان الإيمان الستة. ولا يتم الإيمان لأحد حتى يؤمن بالملائكة على الإجمال والتفصيل. والله أعلم.
وهذا آخر ما يتعلق بالفصل الثاني، ويليه الفصل الثالث وفيه الإيمان باليوم الآخر. وبالله التوفيق.
_________________
(١) ١ الخلاصة /٢٩. ٢ تنزيه الدين /٣٩. ٣ تنزيه الدين /٣٩.
[ ٢٣٣ ]
*
الفصل الثالث
جهوده في توضيح الإيمان باليوم الآخر
[ ٢٣٤ ]
الفصل الثالث: الإيمان باليوم الآخر
تمهيد:
إن الإيمان باليوم الآخر أحد أركان الإيمان الستة، ولا يصح إيمان أحد إن لم يؤمن باليوم الآخر.
قال تعالى في وصف المؤمنين:
﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ ١.
وقال في وصف الكافرين:
﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ ٢.
وقد بين النبي ﷺ في حديث جبريل المشهور أهمية الإيمان باليوم الآخر حيث جعله أحد أركان الإيمان.
فقال ﷺ في تعريفه للإيمان:
"أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وأن تؤمن بالقدر خيره وشره"٣.
هذا وإن الحديث عن الإيمان باليوم الآخر يشتمل على أمور كثيرة:
فكل ما أخبر به الله ورسوله مما يكون بعد الموت من عذاب القبر ونعيمه وما يكون من النفخ في الصور. وما يكون من البعث والنشور، وما يكون يوم القيامة من ثواب وعقاب وجنة ونار. وما يكون قبل ذلك كله من علامات وأشراط كل ذلك داخل في الإيمان باليوم الآخر.
وعلى هذا فإن الحديث في هذا الفصل يشتمل على خمسة مباحث هامة:
أولها: الإيمان بأشراط الساعة.
والثاني: الإيمان بفتنة القبر وعذابه ونعيمه.
_________________
(١) ١ سورة النمل/ آية ١٣. ٢ سورة هود/ آية ١٩. ٣ أخرجه مسلم ١/٣٧ من حديث عمر بن الخطاب ﵁.
[ ٢٣٥ ]
الثالث: الإيمان بالنفخ في الصور.
الرابع: الإيمان باليوم الآخر بعد البعث.
وقبل الشروع في هذه المباحث على وجه التفصيل، يجدر التنبيه على اهتمام السعدي بهذا الموضوع.
حيث إنه ﵀ تناول الحديث عن الإيمان باليوم الآخر جملة وتفصيلًا فتحدث بالجملة عن أهمية ووجوب الإيمان به، وما يترتب على الإيمان به من فوائد عديدة في الدنيا والآخرة.
فقال ﵀ في بيان أهميته ووجوب الإيمان به جملة وتفصيلًا، وأن ذلك أحد أركان الإيمان:
"من أصول الإيمان: الإيمانُ باليوم الآخر، وهو الإيمان بكل ما أخبر الله ورسوله به بعد الموت من فتنة القبر ونعيمه وعذابه وأحوال يوم القيامة وما يكون فيه ومن صفات الجنة والنار وصفات أهليهما، فالإيمان باليوم الآخر هو الإيمان بذلك جملة وتفصيلًا"١.
وبين ﵀ أن الإيمان باليوم الآخر من الإيمان بالغيب الذي أثنى الله على المؤمنين به. وأخبر عن سعادتهم وفلاحهم واستحقاقهم النعيم المقيم.
فقال: "ومن أنواع الإيمان بالغيب الإيمان باليوم الآخر وما وعد الله العباد من الجزاء، فدخل في هذا الإيمان بجميع ما يكون بعد الموت من فتنة القبر وأهواله، ومن صفات النار وأهلها وما أعد الله لهم فيها، ومن صفات الجنة وأهلها وما أعد الله فيها لأهلها فيفهمها فهمًا صحيحًا مأخوذًا من الكتاب ودلالته ومن السنة الصحيحة ودلالتها، فبحسب ما يصل إلى العبد من نصوص الكتاب والسنة في هذا الباب وفهمها على وجهها يكون إيمان العبد بالغيب "٢.
وفي كلامه هذا إشارة إلى أهمية الاعتناء بهذا الموضوع على نحو ما ورد في الكتاب والسنة من تفاصيل لذلك - وأنه كلما ازداد الإنسان فهمًا لتفاصيل هذا الموضوع زاد إيمانه بالغيب.
_________________
(١) ١ الخلاصة /٢٦، وانظر الفتاوى السعدية /١٦، وسؤال وجواب /١٥، وغيرها. ٢ المواهب الربانية /٦٦.
[ ٢٣٦ ]
وقد ذكر ﵀ جملة من الفوائد تحصل لمن آمن باليوم الآخر وأهواله وما يكون فيه من نعيم وعذاب.
فقال: "وفي العلم بذلك فوائد كثيرة:
منها: أن الإيمان باليوم الآخر أحد أركان الإيمان الستة التي لا يصح الإيمان بدونها، وكلما ازدادت معرفته بتفاصيله ازداد إيمان العبد به.
ومنها: أن معرفة ذلك حقيقة المعرفة يفتح للإنسان باب الخوف والرجاء اللذين إن خلا القلب منهما خرب كل الخراب، وإن عمر بهما أوجب له الخوف والانكفاف عن المعاصي، والرجاء تيسير الطاعة وتسهيلها، ولا يتم ذلك إلا بمعرفة تفاصيل الأمور التي يخاف منها وتحذر. كأهوال القبر وشدته وأهوال الموقف وصفات النار المفظعة، وبمعرفة تفاصيل الجنة وما فيها من النعيم المقيم والحبرة والسرور ونعيم القلب والروح والبدن فيحدث بسبب ذلك الاشتياق الداعي للاجتهاد في السعي للمحبوب والمطلوب بكل ما يقدر عليه.
ومنها: أن يعرف بذلك فضل الله وعدله في المجازاة على الأعمال الصالحة والسيئة الموجب لكمال حمده والثناء عليه بما هو أهله.
وعلى قدر علم العبد بتفاصيل الثواب والعقاب يعرف بذلك فضل الله وعدله وحكمته"١.
وقال في موضع آخر: "إن الإيمان بالبعث والجزاء أصل صلاح القلوب، وأصل الرغبة في الخير والرهبة من الشر اللذين هما أساس الخيرات"٢.
وهذا ما يتعلق بحديثه عن الإيمان باليوم الآخر من حيث الجملة، وأما تفاصيله ذلك فسنتناوله في الخمسة المباحث الآتية.
_________________
(١) ١ التفسير ١/٢٨، ٢٩. ٢ التفسير ١/٣٦٠.
[ ٢٣٧ ]
المبحث الأول
الإيمان بأشراط الساعة
[ ٢٣٨ ]
المبحث الأول: الإيمان بأشراط الساعة
ورد في الكتاب والسنة ما يدل على أن للساعة علامات تدل على قرب وقتها ودنوه فالواجب على كل مسلم أن يصدق بكل ما ورد في ذلك وأن يؤمن بأنه كله حق وأنه سيقع طبقا لما أخبر الله ورسوله ﷺ.
قال السفاريني في درته المضيئة:
وما أتى في النص من أشطراط
فكله حق بلا شطاط١
فمن أدلة الكتاب على أمارات الساعة:
قوله تعالى:
﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ ٢.
وقد ورد في القرآن الكريم ذكر جملة من أشراط الساعة، سيأتي ذكر بعضها قريبًا.
أما أدلة السنة على أشراط الساعة فكثيرة متواترة:
منها: حديث جبريل المشهور حيث سئل النبي ﷺ عن أمارات الساعة: "قال أخبرني عن أماراتها، فقال أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاة الشاة يتطاولون في البنيان" ٣
ومنها: حديث حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁ قال: "طلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر، فقال ما تذاكرون؟ قالوا نذكر الساعة قال: إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات: فذكر الدخان والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى بن مريم ﵇، ويأجوج ومأجوج - ثلاثة خسوف خسف بالمشرق،
_________________
(١) ١ الدرة المضيئة في عقد الفرقة المرضية للسفاريني ١/٧٠، من شرحها لوامع الأنوار البهية.. ٢ سورة محمد/ ١٨. ٣ أخرجه مسلم ١/٣٨.
[ ٢٣٩ ]
وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم"١.
ومنها: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "بادروا بالأعمال ستًا طلوع الشمس من مغربها أو الدخان أو الدجال، أو خاصة أحدكم أو أمر العامة"٢.
وغيرها من الأحاديث، والمقصود أن الأحاديث الدالة على أمارات الساعة كثيرة جدًا.
وهذه الأشراط منها ما هو قريب من قيام الساعة مثل نزول عيسى ﵇ وخروج الدجال ويأجوج ومأجوج وطلوع الشمس من مغربها وغيرها.
ومنها ما يكون قبل ذلك كالأمارات التي جاءت في حديث جبريل وغيرها.
وقد تناول ابن سعدي جملة من أشراط الساعة في ثنايا مؤلفاته وسأقتصر فيما يلي على ذكر كلامه في جملة من أشراط الساعة العظام:
وهي:
ـ فتنة الدجال.
ـ نزول عيسى ﵇.
ـ خروج يأجوج ومأجوج.
ـ طلوع الشمس من مغربها.
ـ خروج الدابة.
فتنة الدجال:
لقد تواترت الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ في خروج المسيح الدجال في آخر الزمان، ونعت لهم صفاته وما يحصل عند خروجه من مصائب وفتن.
وقد كان ﷺ يكثر من تحذير الصحابة من فتنته، كما بين أن سلفه من الأنبياء كانوا يحذرون أقوامهم منه.
فعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول اله ﷺ: "ما بعث نبي إلا أنذر أمته الأعور الكذاب ألا إنه أعورر وإن ربكم ليس بأعور، مكتوب بين عينيه كافر"٣.
وعن ابن عمر ﵄ قال: قام رسول الله ﷺ في الناس فأثنى على الله
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم ٤/٢٢٢٥، والترمذي ٤/٤٧٧، وأبو داود ٤/١١٥، وأحمد في المسند ٤/٦. ٢ أخرجه مسلم ٤/٢٢٦٧. ٣ أخرجه البخاري ٨/١٠٣، ومسلم ٤/٢٢٤٨.
[ ٢٤٠ ]
بما هو أهله ثم ذكر الدجال فقال إني لأنذركموه وما من نبي إلا وقد أنذره قومه ولكني سأقول لكم فيه قولًا لم يقله نبي لقومه إنه أعور، وإن الله ليس بأعور"١.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "ألا أخبركم عن الدجال حديثًا ما حدثه نبي قومه إنه أعورر، وإنه يجيء معه مثل الجنة والنار، فالتي يقول إنها الجنة هي النار وإني أنذركم به كما أنذر به نوح قومه"٢.
والأحاديث في ذلك كثيرة؛ ولهذا فقد اهتم علماء المسلمين بالتحذير من فتنة الدجال حتى قال بعض السلف إن الحديث الذي فيه ذكر الدجال ينبغي أن يدفع إلى معلم الصبيان ليحذرهم في صغرهم من فتنته، قال ابن ماجه في سننه بعد إيراده حديث أبي أمامة الباهلي الطويل في ذكر الدجال - سمعت أبا الحسن الطنافسي يقول سمعت عبد الرحمن المحاربي يقول "ينبغي أن يدفع هذا الحديث إلى المؤدب حتى يعلمه الصبيان في الكتاب"٣.
وقد وقفت على كلام الشيخ ابن سعدي في التحذير من هذه الفتنة حيث إن أحد طلبة العلم سأله أن يذكر له وصية نافعة في التحذير من الفتن، ولا سيما فتنة الدجال.
فتحدث ﵀ عن الفتن وكثرتها في هذه الأزمان، ثم تعرض لفتنة المسيح الدجال وأنها من أعظم الفتن وأشدها، لما يحصل عند خروجه من بلاء وأذية للمسلمين، ونبه على أهمية الاستعاذة من فتنته، وأنه ينبغي للإنسان أن لا يغتر بمعرفته لبعض أوصاف الدجال بأن ذلك يمنعه من اتباعه والافتتان به، بل ينبغي للمسلم أن يكثر من الاستعاذة من الفتن عمومًا ومن فتنة المسيح الدجال على وجه الخصوص.
قال ﵀: "إن كفره وكفر أتباعه أظهر كل شيء، ومع ذلك معه من أسباب الفتن ما أوجب أن يحذر النبي ﷺ منه أمته وينذرهم إياه، ويأمرهم بالاستعاذة من فتنته في كل صلاة وخصها بعد التعميم فعمم بقوله من فتنة المحيا والممات الشاملة لكل الفتن وخصص فتنة الدجال لعظمها وشدة ضررها.
فهو مع عظم فتنته وقوة شبهته قد كشف الله حاله للمؤمنين فبين عينيه مكتوب "ك ف ر" يعرف ذلك منه"٤.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري ٨/١٠٢. ٢ أخرجه مسلم ٤/٢٢٥٠. ٣ ابن ماجه ٢/١٣٦٣. ٤ رسالة بعثها الشيخ ابن سعدي للشيخ عبد الله البصيري أجابه فيها عن بعض الأسئلة مؤرخة بسنة ١٣٧١هـ.
[ ٢٤١ ]
ثم بين أن فتنة الدجال على نوعين فتنة جنس وفتنة شخص، فقال: " وفتنة الدجال نوعان:
فتنة جنس وفتنة شخص، فتنة الجنس كل فتنة يقارنها تمويهات ويقترن بها شبهات فإنها من جنس فتنة الدجال.
وفتنة الشخص خروج الدجال الذي صحت فيه الأحاديث التي لا ريب فيها وبهذا التقسيم الذي ذكره شيخ الإسلام في التسعينية يفهم فائدة الاستعاذة بالله من فتنته؛ لأن الذي يدرك شخصه من الأمة قليل جدًا بالنسبة إلى من لم يدرك شخصه.
ولهذا قال ﷺ: "من سمع بالدجال فلينأ عنه "١ أي يبعد ليسلم من فتنته.
ثم ساق عبارة شيخ الإسلام في السبعينية وهي قوله: "وفتنة الدجال لا تختص بالموجودين في زمانه بل حقيقة فتنته الباطل المخالف للشريعة المقرون بالخوارق فمن أقر بما يخالف الشريعة لخارق فقد أصابه نوع من هذه الفتنة، وهذا كثير في كل زمان ومكان.
لكن هذا المعين فتنته أعظم الفتن فإذا عصم الله عبده منها سواء أدركه أو لم يدركه كان معصومًا مما هو دون هذه الفتنة.
إلى أن قال: "ومعلوم أن ما ذكر معه من التعوذ من عذاب جهنم والقبر وفتنة المحيا والممات أمر به كل مصل إذ هذه الفتن جارية على كل أحد ولا نجاة إلا بالنجاة منها فدل على أن فتنة الدجال كذلك.
ولو لم تصب فتنته إلا مجرد الذين يدركونه لم يؤمن بذلك كل الخلق مع العلم بأن جماهير الخلق لا يدركونه، ولا يدركه إلا أقل القليل من الناس المأمورين بهذا الدعاء.
وهكذا إنذار الرسل إياه أممهم يقتضي تخويف عموم فتنته، وأن تأخر وجود شخصه حتى يقتله المسيح.
وكثيرا ما وقع بقلبي أن هؤلاء الاتحادية أحق الناس باتباع الدجال ومع هذا فقد جرى للمؤمنين مع أتباعهم من المحنة الواقعة في الإسلام. ومعلوم أن هذه الفتنة هي نتيجة محنة الدجال، بل هذه النتيجة أقرب إلى محنة الدجال من غيرها"٢ انتهى كلام الشيخ.
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد في مسنده ٤/٤٣١، وأبو داود ٤/١١٦، والحاكم ٤/٥٣١، كلهم من طريق حميد بن هلال عن أبي الدهماء عن عمران بن حصين ﵃ وإسناد أبي داود رجاله ثقات وهم من رجال مسلم، وكذا إسناد أحمد في إحدى روايته، وعن الرواية الثانية قال ابن كثير في النهاية ١/١٤٦، "هذا إسناد جيد" أ. هـ. ٢ السبعينية لابن تيمية ٥/١٣٣ ضمن مجموعة الفتاوى المصرية.
[ ٢٤٢ ]
قلت١: هؤلاء الملحدون العصريون الذين ذكر الشيخ أشباههم هم أعظم الناس قيامًا بفتنته دعوة واستجابة"٢.
نزول عيسى ﵇:
ومن أمارات الساعة التي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة نزول عيسى ﵇ قبل قيام الساعة فيقتل الدجال ويكسر الصليب ويضع الجزية حكمًا عدلًا مقسطًا.
وقد أخبر الله عن نزوله في آيتين من القرآن الكريم.
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِه﴾ ٣ أي قبل موت عيسى ﵇، كما ذهب إلى ذلك ابن كثير في تفسيره وهو قول ابن عباس والحسن وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم٤.
والآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ ٥.
قال البغوي في تفسيره: "يعني نزوله من أشراط الساعة يعلم به قربها"٦. وقد روى ذلك ابن جرير الطبري: عن ابن عباس من طرق متعددة وعن الحسن ومجاهد وقتادة والسدي وغيرهم٧.
وقد أشار ابن سعدي إلى هذين القولين عند تفسيره للآيتين المتقدمتين فقال عند الآية الأولى: "ويحتمل أن الضمير في قوله "قبل موته" راجع إلى عيسى ﵇، فيكون المعنى: وما من أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بالمسيح ﵇ قبل موته، وذلك عند اقتراب الساعة وظهور علاماتها الكبار"٨.
وقال عند تفسير الآية الثانية:
"أي وإن عيسى ﵇ لدليل على الساعة، وأن القادر على إيجاده من أم
_________________
(١) ١ القائل ابن سعدي. ٢ ضمن الرسالة السابقة. ٣ سورة النساء/ ١٥٩. ٤ تفسير ابن كثير ١/٥٧٦. ٥ سورة الزخرف/ ٦١. ٦ معالم التنزيل ٤/١٤٣. ٧ جامع البيان للطبري ١٠/٩٠، ٩١. ٨ التفسير ٢/٢١٤.
[ ٢٤٣ ]
بلا أب قادر على بعث الموتى من قبورهم.
أو وأن عيسى ﵇ سينزل في آخر الزمان ويكون نزوله علامة من علامات الساعة"١.
أما نصوص السنة الدالة على نزول عيسى ﵇ فكثيرة جدًا تبلغ حد التواتر.
منها حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا مقسطًا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد ".
ثم يقول أبو هريرة اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ ٢ أخرجاه٣.
ومنها حديث أبي هريرة أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ: "كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وأمكم" أخرجه مسلم٤.
ومنها حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: سمعت رسول النبي ﷺ يقول: "لا يزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة قال، فينزل عيسى ابن مريم ﵇ فيقول أميرهم تعال صل لنا، فيقول لا: إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة" أخرجه مسلم٥.
وغيرها من الأحاديث، وقد أشار ابن سعدي إلى كثرة الأحاديث الواردة في نزول عيسى ﵇ فقال: "فإنها تكاثرت الأحاديث في نزوله ﵇ في آخر هذه الأمة فيقتل الدجال ويضع الجزية ويؤمن به أهل الكتاب مع المؤمنين"٦.
_________________
(١) ١ التفسير ٦/٦٥٧. ٢ سورة النساء/١٥٩. ٣ البخاري ٣/٤٠، ومسلم ١/١٣٥. ٤ مسلم ١/١٣٦. ٥ مسلم ١/١٣٧. ٦ التفسير ٢/٢١٤.
[ ٢٤٤ ]
خروج يأجوج ومأجوج:
قال الله تعالى:
﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا. قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا. قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا. آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا. فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا. قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا. وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ ١.
وقال تعالى:
﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ. وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ ٢.
فهذان الموضوعان من كتاب الله فيهما الدلالة الواضحة على خروج يأجوج ومأجوج قبل يوم القيامة، وأن خروجهم أحد علامات الساعة التي تكون قبل قيامها وقد ورد في السنة عن الرسول ﷺ أحاديث كثيرة تدل على ذلك وتوضحه وتبينه.
منها حديث حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁ قال: "طلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر، فقال: ما تذاركرون قالوا: نذكر الساعة، قال: "إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات فذكر الدخان والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى بن مريم ويأجوج ومأجوج وثلاث خسوف، خسف بالمشرق وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم"٣.
ومنها حديث النواس بن سمعان الكلابي ﵁ عن النبي ﷺ وفيه: "فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى: أن قد أخرجت عبادًا لي، لا يَدَان لأحد بقتالهم فحرز عبادي إلى الطور ويبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون: لقد
_________________
(١) ١ سورة الكهف ٩٣-٩٩. ٢ سورة الأنبياء ٩٦، ٩٧. ٣ تقدم تخريجه. ص ٢٤٠.
[ ٢٤٥ ]
كان بهذه مرة ماء ويحصر نبي الله عيسى وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرًا من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه ونتنهم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله طيرًا كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله مطرًا لا يكون منه بيت مدر ولا وبر فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة ثم يقال للأرض أنبتي ثمرتك، وردي بركتك"١.
ومنها حديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فستحفرونه غدًا فيعودون إليه كأشد ما كان حتى إذا بلغت مدتهم وأراد الله ﷿ أن يبعثهم إلى الناس حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فستحفرونه غدًا إن شاء الله ويستثني فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه فيحفرونه ويخرجون على الناس فينشفون المياه ويتحصن الناس منهم في حصونهم"٢.
ومنها: حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يفتح يأجوج ومأجوج فيخرجون على الناس كما قال الله ﷿: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ فيعثون في الأرض وينحاز المسلمون عنهم إلى مدائنهم وحصونهم ويضمون إليهم مواشيهم ويشربون مياه الأرض حتى إن بعضهم ليمر بالنهر فيشربون ما فيه حتى يتركوه يابسا حتى إن من بعدهم ليمر بذلك النهر فيقول لقد كان ههنا ماء مره "٣.
وعقيدة السلف في يأجوج ومأجوج كما دل على ذلك الكتاب والسنة:
الإيمان بخروج هاتين القبيلتين من بني آدم قبل قيام الساعة، وبعد نزول عيسى ﵇ وقتل الدجال، وذلك بعد اندكاك السد الذي هم منحازون وراءه منذ بناه ذو القرنين.
فإذا خرجوا يحصل على أيديهم أذى وفتنة وشر عظيم، وهم جموع كثيرة حتى إنهم لكثرتهم إذا مر أولهم على بحيرة طبرية عند خروجهم شربوا الماء الذي فيها جميعه، فإذا
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم ٤/٢٢٥١. ٢ أخرجه أحمد ٢/٥١٠، والترمذي ٥/٣١٣، وابن ماجه ٢/١٣٦٤، والحاكم في مستدركه ٤/٤٨٨، وقال صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. ٣ أخرجه أحمد ٣/٧٧، وابن ماجه ٢/١٣٦٢، والحاكم في المستدرك ٤/٤٨٩، وقال صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي.
[ ٢٤٦ ]
مر آخرهم قالوا قد كان في هذه البحيرة ماء ثم يستمر أذاهم ويزداد إفسادهم فيرغب نبي الله عيسى ﵇ وأصحابه إلى الله، فتكون نهايتهم بأن يرسل الله عليهم النغف في رقابهم فيموتون جميعًا. وإليك أقوال العلماء في ذلك:
قال البغوي عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ ١ الآية "أي يريد فتح السد عن يأجوج ومأجوج ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ يعني القيامة.
قال الفراء وجماعة: الواو في قوله واقترب مقحمة فمعناه حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج افترب الوعد الحق"٢.
وقال ابن العربي: "وأما خروج يأجوج ومأجوج فإنه يكون بعد نزول عيسى ﵇ وهما أمتان مضرتان مفسدتان كافرتان"٣.
وقال ابن كثير: "قد كانوا يعيثون في الأرض ويؤذون فحصرهم ذو القرنين في مكانهم داخل السد حتى يأذن الله بخروجهم على الناس"٤.
وقال ابن قدامة المقدسي: "ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ وصح به النقل فيما شاهدناه أو غاب عنا، نعلم أنه حق وصدق وسواء في ذلك ما عقلناه وجهلناه ولم نطلع على حقيقة معناه مثل حديث الإسراء والمعراج إلى أن قال ومن ذلك أشراط الساعة مثل خروج الدجال، ونزول عيسى بن مريم ﵇ فيقتله وخروج يأجوج ومأجوج"٥.
وقال ابن أبي العز في شرح العقيدة الطحاوية: "وأحاديث الدجال وعيسى بن مريم ﵇ ينزل من السماء ويقتله ويخرج يأجوج ومأجوج في أيامه بعد قتله الدجال فيهلكهم الله أجمعين في ليلة واحدة ببركة دعائه عليهم يضيق هذا المختصر عن بسطها"٦.
وقال السفاريني في لوامع الأنوار البهية: " خروجهم من وراء السد على الناس حق ثابت لوروده في الذكر وثبوته عن سيد البشر ولم يحله عقل فوجب اعتقاده"٧.
وقد جاء عن ابن سعدي القول بأن يأجوج ومأجوج هم دول الكفر الموجودة الآن
_________________
(١) ١ سورة الأنبياء/ الآية ٩٦. ٢ معالم التنزيل ٣/٢٦٨ بتصرف. ٣ عارضة الأحوذي لابن العربي ٩/٣٤. ٤ نهاية البداية والنهاية لابن كثير ١/١٨٤. ٥ لمعة الاعتقاد لابن قدامة /٣٠. ٦ شرح العقيدة الطحاوية /٥٠٥. ٧ لوامع الأنوار البهية ٢/١١٦.
[ ٢٤٧ ]
من الروس والصين والأمريكان واليابان وغيرهم.
وألف في ذلك رسالتين نصر فيهما قوله المذكور، واستدل على ذلك ببعض الأدلة والصواب خلاف ذلك.
إذ أن قوله هذا مخالف لنصوص الكتاب والسنة وما عليه العلماء المحققون كما تقدم النقل عن بعضهم، وكما سيأتي مزيد إيضاح ذلك.
ولكننا نجده في آخر حياته طبع كتابه التفسير وذلك بعد تأليف الرسالتين المتقدمتين بسبع عشرة سنة، وسلك في تفسيره للآيات المتعلقة بيأجوج ومأجوج مسلك أهل التحقيق من العلماء، حيث ذكر فيه أن يأجوج ومأجوج يخرجون في آخر الزمان قبل قيام الساعة، وبعد اندكاك السد. وفي هذا احتمال كبير لتراجعه عن هذا القول، إذ لو كان باقيا عليه لأشار إليه في تفسير الآيات المتعلقة به ومما يقوي هذا الاحتمال أنه لم يطبع رسالتيه المتقدمتين ولم يشتهرا عنه، إلا عند القليل من طلبة العلم، حتى جاء الشيخ عبد الله ابن محمود فألف رسالته "لا مهدي ينتظر بعد الرسول خير البشر"!! ١.
وغلط فيها أغلاطا فاحشة، وخالف ما عليه المحققون من العلماء، وأنكر فيها الأحاديث الواردة في المهدي.
وكان مما أثاره في رسالته تلك القضية التي ذكرها ابن سعدي عن يأجوج ومأجوج وأنهم دول الكفر، فأظهر هذا القول بعد اندثاره وأشهره.
وقد قام فضيلة الشيخ محمود التويجري حفظه الله بالرد على ابن محمود، وبين خطأه وألف في ذلك كتابه: "الاحتجاج بالأثر على من أنكر المهدي المنتظر".
فأفاد فيه وأجاد، وقد استفدت منه كثيرًا في هذا الموضوع.
وأما القول بأن يأجوج ومأجوج هم دول الكفر فبطلانه ظاهر من وجوه متعددة:
أحدها: أنه مخالف لما ثبت في النصوص من أن خروج يأجوج ومأجوج لا يكون إلا بعد نزول عيسى ﵇ وقتل الدجال.
والثاني: أنه ثبت في النصوص أنهم لا يمكثون بعد خروجهم إلا فترة يسيرة من الزمان، وأمم الكفر موجودون على هذه الحالة من أزمان طويلة.
والثالث: أنه ثبت في القرآن والسنة أن السد الذي هم منحازون وراءه لا يندك إلا إذا دنا قيام الساعة.
الرابع: أن هذا القول يخالف ما أخبر الله به عن ذي القرنين أنه جعل بين الناس
_________________
(١) ١ وللوالد الكريم الشيخ عبد المحسن العباد حفظه الله، رد على هذه الرسالة، عنوانه: "الرد على من كذب بالأحاديث الصحيحة الواردة في المهدي" وهو مطبوع متداول.
[ ٢٤٨ ]
وبين يأجوج ومأجوج سدًا كبيرًا من حديد وأنهم لا يتسطيعون نقبه إلا عند اقتراب الساعة.
الخامس: أنه ثبت في النصوص أنه إذا خرجت إحدى الآيات العظام، تتابعت على إثرها باقي الآيات كما يتتابع الخرز في النظام، وأمم الكفر لهم أمد طويلة على هذه الحال، ومع ذلك لم يخرج شيء من الآيات العظام.
السادس: أن أمم الكفر على اختلاف أجناسهم وأوطانهم كانوا موجودين في جميع الجهات في زمان الرسول ﷺ وقبل زمانه وبعد زمانه ولم يؤثر عنه أنه قال إنهم هم يأجوج ومأجوج، ولم يؤثر ذلك عن أحد من الصحابة والتابعين ولا من جاء بعدهم من العلماء المتقدمين.
السابع: أنه ثبت عن النبي ﷺ أن يأجوج ومأجوج إذا خرجوا يمر أولهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، وأمم الكفر المياه عندهم متوفرة فضلًا عن أن يشربوا بحيرة طبرية١.
هذه بعض الأوجه التي يتبين بطلان قول من قال إن يأجوج ومأجوج هم دول الكفر الموجودة الآن.
وفيما يلي أعرض جملة من أدلة القائلين بهذا القول مع بيان عدم دلالتها على ما ذهبوا إليه.
فمن أدلتهم قولهم:
إن يأجوج ومأجوج من بني آدم وليسوا من الجن ولا من عالم غيبي آخر، وهم على سطح الأرض، ومع ذلك لم يرهم أحد من السائحين في الأرض؟
والجواب عن ذلك أن يقال: لا شك أن يأجوج ومأجوج من بني آدم، وأنهم على سطح الأرض كما دل على ذلك الكتاب والسنة، ولكن لا يلزم من كونهم كذلك أن يراهم أحد؛ لأن الله سبحانه قادر على كل شيء، ومن ذلك أن يمنع الناس من رؤيتهم ويحجب أبصارهم عن مشاهدتهم.
وقد أجاب عن هذه الشبهة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في كتابه أضواء البيان بعد أن ذكر أن هذه الشبهة هي عمدة القائلين بهذا القول:
فقال: "فقولكم لو كانوا موجودين وراء السد إلى الآن لاطلع عليهم الناس، غير
_________________
(١) ١ انظر الاحتجاج بالأثر على من أنكر المهدي المنتظر من ٣٠٨ إلى ٣٥٨.
[ ٢٤٩ ]
صحيح، لإمكان أن يكونوا موجودين والله يخفي مكانهم على عامة الناس حتى يأتي الوقت المحدد لإخراجهم على الناس.
ومما يؤيد إمكان هذا ما ذكره الله تعالى في سورة المائدة من أنه جعل بني إسرائيل يتيهون في الأرض أربعين سنة وذلك في قوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ ١ الآية.
وهم في فراسخ قليلة من الأرض يمشون ليلهم ونهارهم ولم يطلع عليهم الناس حتى انتهى أمد التيه؛ لأنهم لو اجتمعوا بالناس لبينوا لهم الطريق، وعلى كل حال فربك فعال لما يريد"٢.
وقال الشيخ محمود التويجري في كتابه الاحتجاج بالأثر: "وأما كون السائحين في الأرض لم يروا يأجوج ومأجوج ولا سد ذي القرنين فلا يلزم منه عدم السد ويأجوج ومأجوج. فقد يصرف الله السائحين عن رؤيتهم ورؤية السد وقد يجعل الله فوق السد ثلوثًا متراكمة بحيث لا تمكن رؤية السد معها أو يجعل الله غير ذلك من الموانع التي تمنع من رؤية يأجوج ومأجوج ورؤية السد. والواجب على المسلم الإيمان بما أخبر الله به في كتابه عن السد ويأجوج ومأجوج وما صح عن النبي ﷺ في ذلك، ولا يجوز للمسلم أن يتكلف ما لا علم له به ولا يقول بشيء من أقوال المتكلفين المتخرصين بل ينبذها وراء ظهره ولا يعبأ بشيء منه"٣.
ويقال أيضا جاء في حديث الجساسة أن بعض الصحابة رأوا الدجال مقيدًا في إحدى الجزر وأخبروا الرسول ﷺ بذلك فلم ينكر عليهم ذلك، فهو بلا شك موجود في الجزيرة التي رؤي فيها إلى أن يأذن الله له بالخروج، فهل ينكر وجوده لعدم رؤيته من قبل السائحين؟
الواجب على المسلم أن يصدق بجميع الأخبار الواردة عن الصادق المصدوق فيؤمن بوجود الدجال ويأجوج ومأجوج وسواء رآهم الناس أم لم يروهم.
ومن أدلتهم:
تأويلهم لقول الله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ ٤ أن هذا قد حصل
_________________
(١) ١ سورة المائدة/ الآية ٢٦. ٢ أضواء البيان ٤/١٨٦. ٣ الاحتجاج بالأثر /٣١٥. ٤ سورة الأنبياء/ الآية ٩٦.
[ ٢٥٠ ]
حيث إن أمم الكفر حققوا ذلك بصعودهم إلى الفضاء بالطائرات والمراكب الفضائية وشقهم للبحار والأنهار بالسفن والبواخر، وغير ذلك من وسائل التنقل الحديثة.
والجواب عنه: أن هذا فهم للنص على خلاف مراده، واستدلال في غير محله؛ وذلك لأن هذا الأمر لا يحصل إلا في آخر الزمان عند اقتراب الساعة كما دل على ذلك الآية نفسها والتي تليها حيث يقول الله سبحانه: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ. وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ .
فأخبر الله سبحانه في هذه الآية أن خروجهم من كل حدب ينسلون لا يحصل إلا عند اقتراب الوعد الحق وهو يوم القيامة.
وقد دل على ذلك نصوص كثيرة في الكتاب والسنة منها حديث النواس بن سمعان وحديث أبي سعيد الخدري وحديث أبي هريرة، وقد تقدم ذكرها قريبًا، وفيها ذكر نزول عيسى وقتله الدجال وأن يأجوج ومأجوج لا يخرجون إلا بعد ذلك، وذلك كله لا يحصل إلا في آخر الزمان. ثم إن تفسير الآية بهذا المعنى تفسير محدث لم يسبق إليه أحد من أئمة التفسير، وكل خير في اتباع من سلف.
بل إن تفسيرهم هذا للآية يتعارض مع ما فسر به رسول الله ﷺ من أن ذلك يحصل في آخر الزمان فيعيثون في الأرض فسادًا بعد خروجهم وينحاز الناس عنهم إتقاء شرهم.
وذلك كما ورد في حديث أبي سعيد الخدري المتقدم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يفتح يأجوج ومأجوج على الناس كما قال الله ﷿: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ فيعيثون في الأرض، وينحاز المسلمون عنهم" الحديث.
ويقال أيضًا إن هذا التفسير يتعارض مع ما أخبر به الرسول ﷺ من أن يأجوج ومأجوج يحفرون السد كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فستحفرونه غدًا فيعودون إليه كأشد ما كان حتى إذا بلغت مدتهم وأرد الله ﷿ أن يبعثهم على الناس حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فستحفرونه غدًا إن شاء الله ويستثني فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه فيحفرونه ويخرجون على الناس فينشفون المياه ويتحصن الناس منهم في حصونهم.
وهذا لم يحصل من أمم الكفر بل هم يتنقلون متى شاءوا إلى أي مكان شاءوا، وليس هناك سد يمنعهم أو حاجز يعوقهم حتى ولو كان تنقلهم بواسطة الأقدام أو الحمير أو غيرها من الوسائل القديمة.
[ ٢٥١ ]
ومن أدلتهم:
قولهم إن النبي ﷺ أخبر عن بدأ انفتاح السد في زمانه حيث قال "لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج مثل هذه وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها"١. الحديث. ومعنى هذا أن السد كل يوم يزداد في الانفتاح حتى تلاشى في زماننا هذا.
والجواب عن هذا أن يقال: قد أخبر الله ورسوله عن خروج يأجوج ومأجوج وعن اندكاك السد، وأنه لا يتم إلا عند اقتراب الساعة، وبعد خروج الدجال ونزول عيسى ﵇.
دل على ذلك قول الله سبحانه: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ.) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ ٢.
ودل عليه جملة من نصوص السنة منه حديث النواس بن سمعان وحديث أبي هريرة وحديث أبي سعيد الخدري وقد تقدم ذكرها.
والمقصود أنه لا يجوز للمسلم أن يأخذ ببعض النصوص ويترك بعضًاَ، ففي حديث زينب المتقدم أخبر الرسول ﷺ عن انفتاح السد قدر تحليقه إصبعيه، وفي حديث أبي هريرة أخبر أنهم كل يوم يفتحون من السد قليلًا ثم يبيتون فيعود السد كما كان، إلى أن يأذن الله لهم بالخروج في آخر الزمان، وهذا ظاهر الدلالة في أن اندكاك السد لا يكون إلا في آخر الزمان قبل قيام الساعة عندما يأذن الله لهم بالخروج.
ويضاف إلى ذلك أن حديث النواس بن سمعان دل على أن ذلك لا يكون إلا بعد خروج الدجال ونزول عيسى ﵇، فيلزم من قولهم هذا أن يكون الدجال قد خرج وعيسى ﵇ قد نزل وهذا ظاهر البطلان.
ومن أدلتهم:
قولهم إن كثيرًا من المعاصرين صرحوا بذلك في كتبهم كشكيب أرسلان ومحمد رشيد رضا وغيرهما.
والجواب عن هذا أن يقال: تصريح المتأخرين أو من هو أفضل منهم من المتقدمين بما يخالف النص، لا يلتفت إليه مهما كانت مكانة قائله العلمية.
وقد تقدم بيان بطلان هذا القول بما يكفي، فلا عبرة بهذه التصريحات، ولا يلتفت إليها
_________________
(١) ١ أخرجه البخار ٨/١٠٤، ومسلم ٤/٢٢٠٧، وغيرهما عن زينب بنت جحش. ٢ سورة الأنبياء/ الآيتان ٩٦، ٩٧.
[ ٢٥٢ ]
وقد استدلوا بغير هذه الأدلة، وأدلتهم كلها واهية لا تقوم بها حجة، ولا يصلح بها برهان، وفي النصوص الصحيحة الصريحة ما يدل على أمر يأجوج ومأجوج وأن خروجهم لا يحصل إلا في آخر الزمان بعد اندكاك السد، وبعد خروج المسيح الدجال ونزول عيسى ﵇.
فالواجب على المسلم أن يؤمن بما صح به الخبر من أشراط الساعة، ولا يتأول النصوص بخلاف ما تدل عليه.
فالتمسك بالنصوص وعدم تأويلها هو المنهج الذي سار عليه الصحابة وتابعوهم بإحسان، وهو المنهج الحق الذي لا يجوز العدول عنه.
أما الشيخ ابن سعدي فقد أخطأ في ما ذهب إليه في رسالتيه المشار إليهما آنفا، وجانبه الصواب في ذلك وليس هو بالمعصوم. ثم إنه قد ظهر في بعض مؤلفاته كما تقدم الإشارة إلى ذلك ما يفيد احتمال تراجعه عن هذا القول حيث إنه طبع كتابه التفسير في آخر عمره وقرر فيه عند تفسيره لسورة الكهف وسورة الأنبياء خلاف هذا القول الباطل.
فبين في كتابه التفسير أن الخروج واندكاك السد لا يتم إلا في آخر الزمان وهذا القول هو الصواب الموافق لأقوال السلف المطابق لمفهوم نصوص الكتاب والسنة.
فقال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ. وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ ١.
"هذا تحذير من الله للناس أن يقيموا على الكفر والمعاصي، وأنه قد قرب انفتاح يأجوج ومأجوج، وهما قبيلتان من بني آدم، وقد سد عليهم ذو القرنين، لما شكى إليه إفسادهم في الأرض.
وفي آخر الزمان ينفتح السد عنهم، فيخرجون إلى الناس وفي هذه الحالة والوصف الذي ذكره الله من كل مكان مرتفع، وهو الحدب ينسلون أي يسرعون.
وفي هذه الآية دلالة على كثرتهم الباهرة، وإسراعهم في الأرض، إما بذواتهم وإما بما خلق الله لهم من الأسباب التي تقرب لهم البعيد وتسهل عليهم الصعب. وأنهم يقهرون الناس، ويعلون عليهم في الدنيا، وأنه لا يد لأحد بقتالهم ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقّ﴾ أي يوم القيامة الذي وعد الله بإتيانه، ووعده حق وصدق"٢.
وقال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا، حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ
_________________
(١) ١ سورة الأنبياء/ الآيتان ٩٦، ٩٧. ٢ التفسير ٥/٢٦٣.
[ ٢٥٣ ]
مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا) إلى قوله تعالى: ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ ١.
قال: "قال المفسرون ذهب متوجهًا من المشرق قاصدًا للشمال، فوصل إلى ما بين السدين وهما سدان كانا معروفين في ذلك الزمان.
سدان من سلاسل الجبال المتصلة يمنة ويسرة حتى تتصل بالبحار بين يأجوج ومأجوج وبين الناس، وجد من دون السدين قومًا لا يكادون يفقهون قولًا لعجمة ألسنتهم واستعجام أذهانهم وقلوبهم.
وقد أعطى الله ذا القرنين من الأسباب العلمية ما فقه به ألسنة أولئك القوم وفقههم وراجعهم وراجعوه. فاشتكوا إليه ضرر يأجوج ومأجوج وهما: أمتان عظيمتان من بني آدم فقالوا: ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بالقتل وأخذ الأموال وغير ذلك ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ أي جعلًا ﴿عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ .
ودل ذلك على عدم افتدارهم بأنفسهم على بنيان السد، وعرفوا اقتدار ذي القرنين عليه فبذلوا له أجره ليفعل ذلك، وذكروا له السبب الداعي وهو إفسادهم في الأرض.
فلم يكن ذو القرنين ذا طمع ولا رغبة في الدنيا ولا تاركًا لإصلاح أحوال الرعية بل قصده الإصلاح فلذلك أجاب طلبتهم لما فيها من المصلحة ولم يأخذ منهم أجرة وشكر ربه على تمكينه واقتداره فقال لهم: ﴿مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ أي مما تبذلون لي وتعطوني وإنما أطلب منكم أن تعينوني بقوة منكم بأيديكم ﴿أَجْعَلْ بَيْنَكمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ أي: مانعا من عبورهم عليكم، ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ أي قطع الحديد فأعطوه ذلك ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ أي الجبلين اللذين بنى بينهما السد ﴿قَالَ انْفُخُوا﴾ أي أوقدوها إيقادًا عظيمًا واستعملوا لها المنافيخ لتشتد فتذيب النحاس.
فلما ذاب النحاس الذي يريد أن يلصقه بين زبر الحديد ﴿قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ أي نحاسًا مذابًا.
فأفرغ عليه القطر فاستحكم السد استحكامًا هائلًا، وامتنع به من وراءه من الناس من ضرر يأجوج ومأجوج.
﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ أي فما لهم استطاعة ولا قدرة على الصعود عليه لارتفاعه ولا على نقبه لإحكامه وقوته، فلما فعل هذا الفعل الجميل
_________________
(١) ١ سورة الكهف/ الآيات ٨٩، ٩٨.
[ ٢٥٤ ]
والأثر الجليل أضاف النعمة إلى موليها وقال: ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ أي من فضله وإحسانه عليّ وهذه حال الخلفاء الصالحين، إذا منَّ الله عليهم بالنعم الجليلة، ازداد شكرهم وإقرارهم واعترافهم بنعمة الله كما قال سليمان ﵇ لما حضر عنده عرش ملكة سبأ مع البعد العظيم قال: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ ١.
بخلاف أهل التجبر والتكبر والعلو في الأرض فإن النعم الكبار تزيدهم أشرًا وبطرًا، كما قال قارون لما آتاه الله من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة قال: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ ٢.
وقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي﴾ أي لخروج يأجوج ومأجوج ﴿جَعَلَهُ﴾ أي السد المحكم المتقن ﴿دَكَّاءَ﴾ أي دكه فانهدم واستوى هو والأرض وكان وعد ربي حقا"٣. أ. هـ كلامه.
وكلامه في هذين الموضعين هو الصواب الموافق لما عليه السلف الصالح في أمر يأجوج ومأجوج، وفي كلامه هذا أبلغ رد على ما قاله في رسالتيه المتقدمتين، وفيه أيضًا احتمال كبير لرجوعه عما قاله فيهما؛ لأنه طبعه في آخر حياته.
لذا يقول الشيخ حمود التويجري بعد أن ذكر كلام ابن سعدي عند تفسيره لسورة الأنبياء: "وهذا صريح في رجوعه عما كان يقوله في يأجوج ومأجوج أنهم أمم الكفار على اختلاف أجناسهم وأوطانهم"٤.
ثم أشار التويجري إلى أن الشيخ ابن سعدي طبع تفسيره في سنة ١٣٧٥هـ في المطبعة السلفية أي قبل وفاته بسنة٥، وأرسل منه نسخة للشيخ حمود التويجري.
وكان هذا بعد إخراجه للرسالة التي غلط فيها في أمر يأجوج ومأجوج بنحو سبع عشرة سنة، وهذا فيه احتمال كبير لتراجع الشيخ عن قوله المذكور في يأجوج ومأجوج، وإن لم يكن قد رجع فكلامه فيهم متناقض. لذا يقول الشيخ التويجري حفظه الله: "ولم يخرج تفسير الآيات من سورة الكهف ومن سورة الأنبياء عما ذكره المفسرون في أمر يأجوج ومأجوج، فيحتمل أنه قد رجع عما قرره في رسالته وإن لم يكن رجع عن ذلك
_________________
(١) ١ سورة النمل/ الآية/ ٤٠. ٢ سورة القصص/ الآية/ ٧٨. ٣ التفسير ٥/٧٦، ٧٧، ٧٩. ٤ الاحتجاج بالأثر /٣٢٦. ٥ أما فراغه من تأليفه، فقد مر معنا عند ذكره في مؤلفاته أنه فرغ منه في ٧ شعبان سنة ١٣٥٤هـ.
[ ٢٥٥ ]
فكلامه في يأجوج ومأجوج متناقض فيؤخذ بما كان منه موافقا لأقوال المفسرين من الصحابة والتابعين ويرد ما خالفهم فيه"١.
وقد أثنى الشيخ التويجري على الشيخ ابن سعدي ثناءً طيبًا بعد أن نبه على خطئه المتقدم وأشار إلى علمه وفضله.
فقال: "ليعلم المطلع على كتابي هذا أن إنكاري لما توهمه ابن سعدي في أمر السد ويأجوج ومأجوج وما كتبته في التنبيه على أخطائه لا يمنعني من الثناء عليه والدعاء له بالمغفرة والرحمة فقد خلف رحمه الله تعالى علمًا كثيرًا في مؤلفاته وعند تلاميذه، فأما ما كتبه في رسالته في السد ويأجوج ومأجوج فهو من الزلات المغمورة في جنب فضائله ومحاسنه وقد قال الشاعر وأحسن فيما قال:
ومن ذا ترضى سجاياه كلها
كفى المرء نبلا أن تعد معائبه٢
وثمة موضع آخر خطأ الشيخ ابن سعدي في تأويله يتعلق بأشراط الساعة حيث أول حديث أبي سعيد الخدري في قصة الراعي الذي كلمه الذئب فأخبر النبي ﷺ بذلك.
ولفظ حديث أبي سعيد: عن النبي ﷺ قال بينما أعرابي في بعض نواحي المدينة في غنم له عدا عليه الذئب فأخذ شاة من غنمه فأدركه الأعرابي فاستنقذها منه وهجهجه فعانده الذئب ثم أقعى مستذفرًا بذنبه يخاطبه فقال أخذت رزقًا رزقنيه الله قال واعجبًا من ذئب مقع مستذفر بذنبه يخاطبني فقال الله إنك لتترك أعجب من ذلك قال وما أعجب من ذلك فقال رسول الله ﷺ في النخلتين بين الحرتين يحدث الناس عن نبأ ما قد سبق، وما يكون بعد ذلك قال فنعق الأعرابي بغنمه حتى ألجأها إلى بعض المدينة ثم مشى إلى النبي ﷺ حتى ضرب عليه فلما صلى النبي ﷺ قال أين الأعرابي صاحب الغنم فقام الأعرابي فقال له النبي ﷺ حدث الناس بما سمعت وما أريت فحدث الأعرابي الناس بما رأى من الذئب وسمع منه فقال النبي ﷺ عند ذلك صَدَقَ، آياتٌ تكون قبل الساعة. والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى يخرج أحدكم من أهله فيخبره نعله أو سوطه أو عصاه بما أحدث أهله بعده"٣.
_________________
(١) ١ الاحتجاج بالأثر /٣٢٧، ٣٢٨. ٢ الاحتجاج بالأثر /٣٥٨. ٣ أخرجه الإمام أحمد ٣/٨٨، والحاكم مفرقًا (٤/٤٦٧، ٤٦٨) وقال صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وأخرج آخره الترمذي من قوله " والذي نفس بيده " وقال: "حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث القاسم بن الفضل وهو ثقة مأمون" الترمذي ٤/٤٧٦، وصححه الألباني. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة ١/١٩٠.
[ ٢٥٦ ]
فهذ الحديث ظاهر في أن التكليم حصل حقيقة من الذئب للراعي، وأنه كذلك يحصل حقيقة من السوط والنعل والعصا قبل قيام الساعة، إلا أن الشيخ ابن سعدي تأول هذا الحديث بما قد حصل في هذه الأزمان من الاتصالات التليفونية والهوائية والإذاعات وغيرها.
فقال: "وإخباره أنه لا بد أن يكلم الرجل عذبه وسوطه وشراك نعله ويخبره فخذه بما فعله أهله بعده، ومصداقه ما ظهر من الأعمال الكهربائية والمخاطبات التليفونية والهوائية والراديات المتنوعة التي لا تزال في نمو وازدياد"١.
ولا ريب أن تأويل ابن سعدي هذا ظاهر البطلان، ويتنافى مع ما سبق أن قرره من وجوب فهم النصوص على ظاهرها من غير تكليف لتأويلها.
ويكفي في بيان بطلان هذا التأويل صدر الحديث حيث أن الراعي أخبر النبي ﷺ أن الذئب كلمه فقال النبي ﷺ "لا تقوم الساعة حتى يخرج أحدكم من أهله فيخبره نعله أو سوطه أو عصاه بما أحدث أهله بعده"٢.
فهنا حصل تكليم حقيقي من الذئب للراعي وكذلك يحصل في آخر الزمان تكلم السباع الآدميين ويكلم السوط والنعل والعصا صاحبه بما أحدث أهله.
كل ذلك حق على حقيقته ويجري على ظاهره ولا يتكلف تأويله بما حصل من المخترعات الحديثة.
ومثله ما أخبر النبي ﷺ من أن حجرًا في مكة كان يسلم عليه٣، وهذا حق على حقيقته، وكما يقال في هذا الحديث يقال في الحديث الذي قبله.
ومثله أيضًا ما أخبر به النبي ﷺ من أن المسلمين يقاتلون اليهود في آخر الزمان فيقول الحجر والشجر يا مسلم هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله٤، وهذا أيضًا حق على
_________________
(١) ١ وجوب التعاون بني المسلمين /٤٨. ٢ تقدم تخريجه. ٣ ولفظ الحديث عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم عليّ قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن". أخرجه مسلم ٤/١٧٨٢، وأحمد ٥/٨٩. ٤ ولفظ الحديث قال ﷺ: "تقاتلون اليهود حتى يختبئ أحدهم وراء الحجر فيقول يا عبد الله هذا يهودي ورائي فاقتله". أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة وابن عمر ﵄. البخاري ٣/٢٣٢، ومسلم ٤/٢٢٣٨.
[ ٢٥٧ ]
حقيقته وسيكلم الحجر والشجر وسيقع طبقًا لما أخبر به الصادق المصدوق ﵊.
والمقصود أن هذه النصوص وأمثالها لا يجوز تأويلها وصرفها عن ظاهرها بل الواجب أن تمر كما جاءت مع تيقن حصول ما أخبر به الرسول ﷺ من غير تكلف لتأويلها، أو صرف لها عن ظاهرها.
وبهذا يتبين لنا أن تأويل ابن سعدي للحديث المتقدم بما حصل من المخترعات العصرية خطأ واضح يتنافى مع منهجه السليم من الأخذ بالظاهر وترك التأويل، والكمال لله والعمصة لرسوله ﷺ.
خروج الدابة:
ومن أمارات الساعة الدالة على قرب وقتها خروج دابة الأرض على الناس ضحى تكلمهم وتسميهم مؤمنًا وكافرًا، كما دل على ذلك نصوص الكتاب والسنة.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآياتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ ١.
وقال ﷺ: "لن تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات وذكر منها الدابة"٢.
وقال ﷺ: "إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيهما ما كانت قبل صاحبتها، فالأخرى على إثرها قريبًا"٣.
وقد أشار ابن سعدي إلى هذه الأمارة وكثرة الأحاديث فيها، وذلك عند تفسيره للآية المتقدمة فقال: "وهذه الدابة المشهورة التي تخرج في آخر الزمان، تكون من أشراط الساعة كما تكاثرت بذلك الأحاديث، لم يذكر الله ورسوله كيفية هذه الدابة وإنما ذكر أثرها والمقصود منها، وأنها من آيات الله تكلم الناس كلامًا خارقًا للعادة حين يقع القول على الناس، وحين يمترون بآيات الله فتكون حجة وبرهانا للمؤمنين وحجة على المعاندين"٤.
طلوع الشمس من مغربها:
ومن أمارات الساعة طلوع الشمس من مغربها كما تواترت بذلك نصوص الكتاب والسنة.
_________________
(١) ١ سورة النمل/ الآية ٨٢. ٢ تقدم تخريجه ص ٢٤٠. ٣ أخرجه مسلم ٤/٢٣٦٠ـ عن عبد الله بن عمرو بن العاص. ٤ التفسير ٥/٦٠٣.
[ ٢٥٨ ]
قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ ١.
قال البخاري في تفسير هذه الآية حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا عبد الواحد حدثنا عمارة حدثنا أبو زرعة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا رآها الناس أمن من عليها"٢ فذلك حين ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ ٣.
وقد ورد في السنة أحاديث كثيرة عن طلوع الشمس من مغربها. منها ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "بادروا بالأعمال ستًا طلوع السمش من مغربها والدجال والدخان والدابة وخاصة أحدكم وأمر العامة"٤.
ومنها ما رواه مسلم أيضًا عنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا: طلوع الشمس من مغربها والدجال، ودابة الأرض"٥.
ورواه الإمام أحمد وذكر "الدخان" بدل "الدجال"٦.
وقد أشار ابن سعدي عند تفسير الآية المتقدمة إلى كثرة النصوص وتضافرها في طلوع الشمس من مغربها وأن الإيمان لا ينفع عند طلوعها فقال: "وقد تكاثرت الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ أن المراد ببعض آيات الله طلوع الشمس من مغربها، وأن الناس إذا رأوها آمنوا فلم ينفعهم إيمانهم ويغلق حينئذ باب التوبة"٧.
وقال في المواهب الربانية: "فسر النبي ﷺ ذلك بطلوع الشمس من مغربها فالأحاديث الصحيحة دلت على أن أول الآيات طلوع الشمس من مغربها. والآية دلت على أن أي آية من آيات الله التي هي مقدمات الساعة وبها يكون الإيمان اضطراريًا أتت
_________________
(١) ١ سورة الأنعام/ الآية ١٥٨. ٢ البخاري ٥/١٩٥. ٣ سورة الأنعام/ الآية ١٥٨. ٤ مسلم ٤/٢٢٦٧. ٥ مسلم ١/١٣٨. ٦ المسند ٢/٤٤٥. ٧ التفسير ٢/٥٠٩.
[ ٢٥٩ ]
فإنه لا ينفع الإيمان؛ لأنه إنما ينفع إيمان الاخيتار وإيمان الغيب وإذا أتى بعض الآيات صار الإيمان بشهادة واضطرار فلا ينفع فالآية دلت على التعليل والأحاديث دلت على الأولية"١.
وهذا آخر ما يتعلق بمبحث أشراط الساعة ويليه المبحث الثاني وهو الإيمان بفتنة القبر وعذابه ونعيمه وبالله التوفيق.
_________________
(١) ١ المواهب الربانية /٧.
[ ٢٦٠ ]
المبحث الثاني
الإيمان بفتنة القبر وعذابه ونعيمه
[ ٢٦١ ]
المبحث الثاني: الإيمان بفتنة القبر وعذابه ونعيمه
لقد تظاهرت نصوص الكتاب والسنة على إثبات فتنة القبر وعذابه ونعيمه، وأجمع على ذلك سلف الأمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أهل السنة والجماعة.
وقد ورد في القرآن الكريم عدة آيات تثبت عذاب القبر ونعيمه وفتنته، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ. لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ ٤، وقال ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ ٥.
وقال: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ. النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ ٦.
كما ورد في السنة أحاديث كثيرة عن رسول الله ﷺ في إثبات فتنة القبر وعذابه ونعيمه منها:
_________________
(١) ١ سورة الأنعام/ ٩٣. ٢ سورة إبراهيم/ ٢٧. ٣ سورة المؤمنون/ ٩٩، ١٠٠. ٤ سورة التوبة/ ١٠١. ٥ سورة السجدة/ ٢١. ٦ سورة غافر/ ٤٥، ٤٦.
[ ٢٦٢ ]
حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: "إنكم تفتنون في قبوركم كفتنة الدجال" ١.
ومنها: حديثها أيضًا ﵂ "أن يهودية دخلت عليها فذكرت عذاب القبر فقالت لها أعاذك الله من عذاب القبر فسألت عائشة رسول الله ﷺ عن عذاب القبر فقال نعم عذاب القبر قالت عائشة ﵂ فما رأيت رسول الله ﷺ بعد صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر"٢.
ومنها حديث ابن عباس ﵁ قال: مر رسول الله ﷺ على قبرين فقال "أما إنهما ليعذبان وما يعذبان من كبير أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله" قال فدعا بعسيب رطب فشقه باثنين ثم غرس على هذا واحدًا وعلى هذا واحدًا ثم قال: "لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا"٣.
ومنها حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال نبي الله ﷺ "إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم "قال: يأتيه ملكان فيقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ " قال: "فأما المؤمن فيقول أشهد أنه عبد الله ورسوله" قال: "فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدًا من الجنة" قال نبي الله ﷺ "فيراهما جميعًا"٤.
وغيرها من الأحاديث، والمقصود أن نصوص الكتاب والسنة متضافرة على إثبات فتنة القبر وعذابه ونعيمه؛ لذا فقد تناول ابن سعدي إثبات عذاب القبر ونعيمه في مؤلفاته وبين أن ذلك من عقائد المسلمين الواجب اعتقادها.
قال: "أما أحوال القبر وفتنته وعذابه ونعيمه وتفاصيل ذلك فقد تواترت به الأحاديث الصحيحة والحسنة عن رسول الله ﷺ كما هو معروف، والقرآن أشار إليه في عدة آيات"٥.
وقال: "كل ما جاء في الكتاب والسنة مما يكون بعد الموت فإنه داخل في الإيمان
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري ١/٢٩، ومسلم ٢/٦٢١. ٢ أخرجه البخاري ١/١٠٢. ٣ أخرجه البخاري ١/٦٠، ومسلم ١/٢٤٠، واللفظ لمسلم. ٤ أخرجه البخاري ٢/١٠٢، ومسلم ٤/٢٢٠٠. ٥ الخلاصة /٢٦.
[ ٢٦٣ ]
باليوم الآخر كأحوال القبر والبرزخ ونعيمه وعذابه"١.
وقال: "ومن أنواع الإيمان بالغيب الإيمان باليوم الآخر وبما وعد الله العباد من الجزاء فدخل في هذا الإيمان بجميع ما يكون بعد الموت من فتنة القبر وأحواله"٢.
ولذلك فإن ابن سعدي في تفسيره إذا مر بآية فيها دلالة أو إشارة إلى عذاب القبر بين ذلك وأوضحه.
قال عند قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ ٣.
"وفي هذه الآية دلالة على فتنة القبر وعذابه ونعيمه كما تواترت بذلك النصوص عن النبي ﷺ في الفتنة وصفتها ونعيم القبر وعذابه"٤.
وقال عند قوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ٥.
"وهذه الآية من الأدلة على إثبات عذاب القبر ودلالتها ظاهرة فإنه قال: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾ أي بعض وجزء منه فدل على أن ثم عذابًا أدنى قبل العذاب الأكبر وهو عذاب النار"٦.
وقال عند قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ ٧.
"وفي هذا دليل على عذاب البرزخ ونعيمه، فإن هذا الخطاب والعذاب الموجه إنما هو عند الاحتضار وقبيل الموت وبعده"٨.
وهذا يظهر لنا مدى اهتمام ابن سعدي في تفسيره للقرآن بالجوانب العقدية فهو عند
_________________
(١) ١ سؤال وجواب /١٥. ٢ المواهب الربانية /٦٦. ٣ سورة إبراهيم/ ٢٧. ٤ التفسير ٤/١٤٠. ٥ سورة السجدة/٢١. ٦ التفسير ٦/١٨٧. ٧ سورة الأنعام/ ٩٣. ٨ التفسير ٢/٤٣٦.
[ ٢٦٤ ]
كل آية تتعلق ببيان أمر عقدي أورد شبه أو تأصيل قاعدة أو غير ذلك فإنه يقف عندها مبينا ما فيها من هذه الجوانب الهامة. فمسألة فتنة القبر وعذابه ونعيمه كلما مر بآية تتعلق بهذا الجانب بينه وأظهره وربما ذكر في بعض المواضع الآيات الدالة على ذلك كما فعل عند قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ ١.
قال: "وهذه إحدى الآيات الدالة على عذاب القبر والثانية قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ ٢. والثالثة قوله: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ ٣ والرابعة: قوله عن آل فرعون ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ ٤.
وهذا كله المقصود منه بيان هذه العقيدة وتقريرها وترسيخها في الأذهان.
وكما اهتم ابن سعدي بتقرير هذه العقيدة فقد عُني أيضًا ببيان صفتها وكيفية الافتتان وصفة النعيم وصفة العذاب وغير ذلك من الأمور التي تحصل عند دخول الميت في قبره مما دل عليه الكتاب والسنة.
قال ﵀: "فأما الفتنة فإن الناس يفتنون في قبورهم فيقال للرجل من ربك وما دينك وما نبيك فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فيقول المؤمن الله ربي والإسلام ديني، ومحمد ﷺ نبيي، وأما المرتاب فيقول هاه هاه لا أدري سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته فيضرب بمرزبة من حديد فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان ولو سمعها الإنسان لصعق.
وهذا الابتلاء والامتحان لكل عبد فأما من كان مؤمنًا إيمانا صحيحًا ثبته الله ولقنه الجواب الصحيح للملكين كما قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ فذكر أن تثبيته لهم جزاء لهم على إيمانهم في الدنيا فالمؤمن يجيب الجواب الصحيح وإن كان عاميًا أو أعجميًا وأما الكافر والمنافق ممن كان في الدنيا غير مؤمن بما جاء به الرسول فإنه يستعجم عليه الجواب ولو كان من أعلم الناس وأفصحهم
_________________
(١) ١ سورة طه/١٢٤. ٢ سورة الأنعام/ ٩٣. ٣ سورة السجدة/ ٢١. ٤ سورة غافر/٤٥.
[ ٢٦٥ ]
كما قال تعالى: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ ومن حكمة الله أن نعيم البرزخ وعذابه لا يحس به الإنس والجن بمشاعرهم؛ لأن الله تعالى جعله من الغيب ولو أظهره لفاتت الحكمة المطلوبة.
ثم بعد هذه الفتنة إما نعيم وإما عذاب إلى أن تقوم القيامة الكبرى فتعاد الأرواح إلى الأجساد وتقوم القيامة التي أخبر الله بها في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ، وأجمع عليها المسلمون فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين"١.
كما بين ﵀ أن دار البرزخ وما فيها من نعيم أو عذاب ليس المقصود منه الخلود والبقاء وإنما هي دار فاصلة بين الدنيا والآخرة ينتقل الناس بعد الدخول إليها إلى دار الخلود والبقاء وهي الدار الآخرة فقال عند تفسيره لسورة التكاثر:
"ودل قوله: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ أن البرزخ دار المقصود منها النفوذ إلى دار الآخرة؛ لأن الله سماهم زائرين ولم يسمهم مقيمين"٢.
وإلى هنا أكتفي بما يتعلق بمبحث فتنة القبر وعذابه ونعيمه لأنتقل للمبحث الذي يليه وسيكون الحديث فيه عن النفخ في الصور.
_________________
(١) ١ التنبيهات اللطيفة /٣٩، ٤٠. ٢ التفسير ٧/٦٦٧.
[ ٢٦٦ ]
المبحث الثالث
الإيمان بالنفخ في الصور
[ ٢٦٧ ]
المبحث الثالث: الإيمان بالنفخ في الصور
لقد أخبر الله ﷿ في كتابه بثلاث نفخات:
نفخة الفزع في سورة النمل في قوله: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ ١.
ونفخة الصعق والقيام ذكرهما في قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ ٢ " ٣.
فالنفخة الأولى هي التي يتغير بها هذا العالم ويفسد نظامه، ويحصل الفزع فيها لشدة ما يقع من هول تلك النفخة.
والنفخة الثانية وهي التي فيها هلاك كل شيء ودماره إلا من استثناه الله كما قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾
وأما النفخة الثالثة فهي التي يبعث الناس فيها من قبورهم ويقومون لرب العالمين٤.
وقد ذكر ابن سعدي هذه النفخات بأنواعها، وذكر معنى الصور ومن الموكل بالنفخ فيه، وما يحدث عقب هذه النفخات من هلاك أو دمار أو فزع أو شدة.
قال في تعريف الصور والنافخ فيه: "وهو قرن عظيم لا يعلم عظمته إلا خالقه ومن اطلعه الله على علمه من خلقه، ينفخ فيه إسرافيل ﵇ أحد الملائكة المقربين وأحد حملة عرش الرحمن"٥.
فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "كيف أنعم وقد
_________________
(١) ١ سورة النمل/ الآية/ ٨٧. ٢ سورة الزمر/ الآية/ ٦٨. ٣ الفتاوى لابن تيمية /٤/٢٦٠، ٢٦١. وانظر الفتاوى ١٦/٣٥، والنهاية لابن كثير ١/٢٥٣، وعارضة الأحوذي لابن العربي ٥/٢٥٩. ٤ لوامع الأنوار البهية للسفاريني ٢/١٦٤. ٥ التفسير ٦/٤٩٣.
[ ٢٦٨ ]
التقم صاحب القرن القرن وحنى جبهته، وأصغى سمعه، ينتظر أن يؤمر أن ينفخ فينفخ. قال المسلمون: فكيف تقول يا رسول الله؟ قال: قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل، توكلنا على الله ربنا" ١.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: "جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال ما الصور؟ فقال قرن ينفخ فيه"٢.
وتحدث ابن سعدي عن النفخات الثلاث في تفسيره.
فقال عن نفخ الفزع عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ ٣.
"بسبب النفخ في الصور أفزع الناس وارتاعوا وماج بعضهم ببعض خوفًا مما هو مقدمة له إلا من شاء الله ممن أكرمه الله وثبته وحفظه من الفزع"٤.
وقال عن نفخة الصعق والموت عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ ٥.
"وهي نفخة الصور تأخذهم وهم لاهون عنها لم تخطر على قلوبهم في حال خصومتهم وتشاجرهم فيما بينهم الذي لا يوجد في الغالب إلا وقت الغفلة، وإذا أخذتهم وقت غفلتهم فإنهم لا ينظرون ولا يمهلون"٦.
وقال عن نفخة البعث والنشور:
عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ ٧.
"أي إذا نفخ إسرافيل الصور أعاد الله الأرواح إلى الأجسام ثم حشرهم وجمعهم
_________________
(١) ١ أخرجه الترمذي ٤/٦٢٠، وقال حديث حسن، وأحمد ٣/٧، وأبو نعيم في الحلية ٥/١٠٥، وصححه الألباني، انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة ٣/٦٦. ٢ أخرجه الترمذي ٤/٦٢٠، وقال حديث حسن، وأبو داود ٤/٢٣٦، والدارمي ٢/٣٢٥، وأحمد ٢/١٩٢، والحاكم ٢/٥٠٦ وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. وصححه أحمد شاكر في تحقيقه للمسند ١١/٥٨. ٣ سورة النمل/ ٨٧. ٤ التفسير ٥/٦٠٤ بتصرف. ٥ سورة يس/ الآية ٤٩. ٦ التفسير ٦/٣٥٢. ٧ سورة الكهف/ الآية ٩٩.
[ ٢٦٩ ]
لموقف القيامة، الأولين منهم والآخرين والكافرين والمؤمنين ليسألوا ويحاسبوا ويجازوا بأعمالهم"١.
وقال عند قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ ٢..
"فإذا نفخ في الصور خرجوا من الأجداث والقبور ينسلون إلى ربهم أي: يسرعون للحضور بين يديه لا يتمكنون من التأني والتأخر"٣.
_________________
(١) ١ التفسير /٥/٨٠/. ٢ سورة يس/ آية ٥١. ٣ التفسير ٦/٣٥٢ وانظر أيضًا التفسير ٧/٤٦٠، ٥/١٨٧، ٥/٣٨٠.
[ ٢٧٠ ]
المبحث الرابع
الإيمان بالبعث والنشور
[ ٢٧١ ]
المبحث الرابع: الإيمان بالبعث والنشور
وبعد المكث في دار البرزخ يبعث الله من في القبور ويعيدهم معادًا جسمانيًا، فيجمع الله ﷿ أجزاءهم الأصلية ويعيد تركيبها كما كانت وإن تفرقت وبليت وتحرقت، ويعيد الأرواح إليها.
فقد دل على ذلك نصوص الكتاب والسنة. فالله سبحانه أخبر في كتابه عن هذا المعاد ورد على من أنكره بأنواع الردود. وكذلك رسوله ﷺ أخبر في عدة أحاديث صحيحة عن المعاد والبعث والنشور، واتفق علماء المسلمين على ذلك بل إن البعث والمعاد متفق عليه بين المسلمين واليهود والنصارى، ولم ينكره إلا الدهرية والمشركون.
قال العلامة المحقق ابن القيم في كتابه الروح: "معاد الأبدان متفق عليه بين المسلمين واليهود والنصارى"١.
أما أدلة الكتاب على ذلك فكثيرة منها:
قوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ ٢.
وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ ٣.
وقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ. ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ ٤.
وقوله: ﴿اللَّهُ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ نقله السفاريني في لوامع الأنوار ٣/١٥٧، وعزاه لابن القيم في كتابه الروح. قلت: ولم أهتد إليه فيه، فلعل ابن القيم ذكره في كتابه الكبير في الروح، والذي أشار إليه في كتابه الروح هذا (ص ٣٨) بقوله بعد كلام ذكره: "وقد ذكرناها في كتابنا الكبير في معرفة الروح والنفس". ٢ سورة طه/ الآية ٥٥. ٣ سورة الحج/ الآيتان ٦، ٧. ٤ سورة المؤمنون/ الآيتان ١٥، ١٦. ٥ سورة الروم/ الآية ١١.
[ ٢٧٢ ]
وقوله: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ١.
وقوله: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ. ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ. ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ ٢.
وغيرها من النصوص وهي كثيرة جدًا بل القرآن كله من فاتحته إلى خاتمته مملوء بذكر أحوال البعث والنشور وما بعده، وأما الأحاديث في هذا الباب فكثيرة جدًا.
منها حديث ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ قال: قال الله: "كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي فقوله لي ولد فسبحاني أن أتخذ صاحبة ولا ولدا"٣.
ومنها حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن في الإنسان عظمًا لا تأكله الأرض أبدًا فيه يركب يوم القيامة، قالوا أي عظم هو يا رسول الله قال: عجب الذنب"٤.
ومنها حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "أسرف رجل على نفسه فلما حضره الموت أوصى بنيه فقال: إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني ثم اذروني في الريح في البحر. فوالله لإن قدر علي ربي ليعذبني عذابًا ما عذبه أحدًا. قال ففعلوا ذلك به فقال للأرض أدي ما أخذت فإذا هو قائم فقال له ما حملك على ما صنعت؟ فقال خشيتك يا رب أو قال مخافتك، فغفر له بذلك"٥.
والنصوص في ذلك كثيرة بل إن هذا الأمر محل اتفاق الرسل، والكتب مطبقة على حصول ذلك، فالواجب الإيمان بذلك إذ هو من الإيمان باليوم الآخر الذي هو أحد أركان الإيمان.
وقد كفر الله من أنكره بقوله: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ٦.
وقد اعتنى ابن سعدي بتقرير هذا الأمر، وبيان شواهده وأدلته الحسية والمعنوية
_________________
(١) ١ سورة لقمان/ الآية/ ٢٨. ٢ سورة عبس/ الآيات/ ٢٠، ٢١، ٢٢. ٣ أخرجه البخاري ٥/٢٢٧١. ٤ أخرجه مسلم ٤/٢٢٧١. ٥ أخرجه مسلم ٤/٢١١٠، وأخرجاه بنحوه من حديث أبي سعيد الخدري. البخاري ٨/٢٠٠، ومسلم ٤/٢١١١. ٦ سورة التغابن/ الآية/ ٧.
[ ٢٧٣ ]
قال: "اتفقت الكتب السماوية والرسل العظام وأتباعهم على اختلاف طبقاتهم وتباين أقطارهم وأزمانهم وأحوالهم على الإيمان به والاعتراف به وكم أقام الله عليه من الأدلة الحسية والمشاهدة ما يدل أكبر الدلالة عليه وكم أشهد عباده في هذا الدار نماذج من الثواب والعقاب وأراهم حلول المثلات بالمكذبين وأنواع العقوبات الدنيوية بالمجرمين، كما أراهم نجاة الرسل وأتباعهم المؤمنين وأكرمهم في الدنيا قبل الآخرة وكم أبطل الله شبهة يقدح بها في المعاد"١.
وقد قرر الله ﷿ البعث والنشور في كتابه العزيز بصيغ متعددة وأساليب متنوعة.
فتارة يخبر سبحانه عن قدرته المطلقة في الخلق والإيجاد وأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
وتارة يبين أن إيجاده للناس من العدم وخلقهم لهم ابتداء يدل أكبر دلالة على قدرته على إعادتهم بعد موتهم وفنائهم وهذا الأخير أهون. وتارة يخبر أن الذي قدر على إيجاد السموات والأرض وما فيهما من صنع الله، لأكبر دليل على قدرة الله على البعث بعد الموت.
وتارة يبين أن إحياءه الأرض الهامدة الميتة الخالية من الماء والزروع يدل أكبر دلالة على قدرته على خلق الناس وأن الذي أحياها سيحي الموتى.
وتارة يضرب الأمثلة الحسية المشاهدة في بعض الناس فيميتهم ويحييهم ليبين لهم قدرته على ذلك وليعتبر غيرهم وهذا كثير في القرآن كما أخبر الله عن صاحب البقرة، والذي مر على القرية الخاوية وقصة الألوف من بني إسرائيل، وقصة أصحاب الكهف وغيرها من أنواع الأدلة التي لا تدع مجالا للشك ولا سبيلا للتردد.
ومن نصوص القرآن المبينة لذلك قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ
_________________
(١) ١ الفتاوى السعدية /٤٩.
[ ٢٧٤ ]
عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٢.
وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْأِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ. وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ. قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ. الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ. أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ. إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٣.
وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ ٤.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٥.
وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ. ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٦.
وقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً. أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى. ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى. فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى. أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ ٧.
_________________
(١) ١ سورة البقرة/ الآيات ٢٥٨، ٢٥٩، ٢٦٠. ٢ سورة الأحقاف/ الآية ٣٣. ٣ سورة يس/ الآيات ٧٧- ٨٣. ٤ سورة البقرة/ الآية ٢٤٣. ٥ سورة الروم/ الآية ٢٧. ٦ سورة الحج/ الآيتان ٥، ٦. ٧ سورة القيامة/ الآيات ٣٦- ٤٠.
[ ٢٧٥ ]
وغيرها من الآيات القرآنية المقررة للمعاد والنشور، وبالأساليب المتعددة والطرق المتنوعة.
وقد قعَّد ابن سعدي في كتابه القواعد الحسان قاعدة ذكر تحتها جملة من هذه الأساليب المتنوعة في تقرير المعاد. وهي "القاعدة الثامنة" طريقة القرآن في تقرير المعاد" بين تحت هذه القاعدة أن المعاد أحد الأصول المتفق عليها بين الرسل والشرائع كالتوحيد والنبوات.
ثم قال: "وهذا قد أكثر الله من ذكره في كتابه الكريم. وقرره بطريق متنوعة:
منها: إخباره وهو أصدق القائلين عنه وعما يكون فيه من الجزاء الأوفى، مع إكثار الله من ذكره، فقد أقسم عليه في ثلاثة مواضع من كتابه، كقوله ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ١.
ومنها: الإخبار بكمال قدرة الله تعالى، ونفوذ مشيئته، وأنه لا يعجزه شيء، فإعادة العباد بعد موتهم فرد من أفراد آثار قدرته.
ومنها: إحياؤه الأرض الهامدة الميتة، بعد موتها، وأن الذي أحياها سيحيى الموتى، وقرر ذلك بقدرته على ما هو أكبر من ذلك وهو خلق السموات والأرض والمخلوقات العظيمة، فمتى أثبت المفكرون ذلك ولن يقدروا على إنكاره، فلأي شيء يستبعدون إحياء الموتى.
وقرر ذلك بسعة علمه وكمال حكمته، وأنه لا يليق به، ولا يحسن أن يترك خلقه سدى مهملين لا يؤمرون ولا ينهون، ولا يثابون ولا يعاقبون وهذا الطريق قرر به النبوة وأمر المعاد.
ومما قرر به البعث ومجازاة المحسنين بإحسانهم، والمسيئين بإساءتهم ما أخبر به من أيامه وسننه سبحانه في الأمم الماضية والقرون الغابرة، وكيف نجى الأنبياء وأتباعهم، وأهلك المكذبين لهم والمنكرين للبعث، ونوع عليهم العقوبات وأحل بهم المثلات، فهذا جزاء معجل ونموذج من جزاء الآخرة أراه الله عباده، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة.
_________________
(١) ١ سورة القيامة/ الآية/ ١.
[ ٢٧٦ ]
ومن ذلك: ما أرى الله عباده من إحيائه الأموات في الدنيا كما ذكر الله عن صاحب البقرة والألوف من بني إسرائيل، والذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، وقصة إبراهيم الخليل والطيور وإحياء عيسى ابن مريم للأموات وغيرها مما أراه الله عباده في هذه الدار؛ ليعلموا أنه قوي ذو اقتدار، وأن العباد لا بد أن يردوا دار القرار، إما الجنة أو النار.
وهذه المعاني أبداها الله وأعادها في محال كثيرة. والله أعلم"١.
وقد جمع الله أكثر هذه الأساليب المتنوعة في أواخر سورة "يس" حيث قال سبحانه:
﴿أَوَلَمْ يَرَ الْأِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ. وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ. قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ. الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ. أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ. إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٢.
فهذه الآيات جمع الله فيها أدلة كثيرة على المعاد، وفيها أبلغ رد على من ينكره.
قال ابن سعدي عند تفسيره لها: "وهذه الآيات الكريمات فيها ذكر شبهة منكري البعث، والجواب عنها بأتم جواب وأحسنه وأوضحه".
ثم ذكر شبهة المنكر للبعث أو الشاك فيه، وهي قوله من يحي العظام وهي رميم حيث قاس قدرة الخالق على المخلوق وهذا الأمر عنده مستبعد على ما يعهد من عادة البشر.
ثم استخلص ابن سعدي من هذه الآيات ستة أدلة فيها أبلغ رد على هذا المنكر٣.
قال: "فأجاب تعالى عن هذا الاستبعاد بجواب شاف كاف فقال: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وهذا بمجرد تصوره يعلم به علمًا يقينًا لا شبهة فيه أن الذي أنشأها أول مرة قادر على الإعادة ثاني مرة، وهو أهون على القدرة إذا تصوره المتصور.
﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ هذا أيضًا دليل ثان من صفات الله تعالى وهو أن علمه تعالى محيط بجميع مخلوقاته في جميع أحوالها في جميع الأوقات.
_________________
(١) ١ القواعد الحسان /٢٤، ٢٥. ٢ سورة يس/ الآيات ٧٧-٨٣. ٣ التفسير ٦/٣٦٣.
[ ٢٧٧ ]
ويعلم ما تنقص الأرض من أجساد الأموات وما يبقى ويعلم الغيب والشهادة فإذا أقر العبد بهذا العلم العظيم علم أنه أعظم وأجل من إحياء الله الموتى من قبورهم.
ثم ذكر دليلًا ثالثًا فقال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ فإذا أخرج النار اليابسة من الشجر الأخضر الذي هو غاية الرطوبة مع تضادهما وشدة تخالفهما، فإخراجه الموتى من قبورهم مثل ذلك.
ثم ذكر دليلًا رابعًا فقال: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ أي: أن يعيدهم بأعيانهم ﴿بَلَى﴾ قادر على ذلك فإن خلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس.
﴿وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ وهذا دليل خامس فإنه تعالى الخلاف الذي جميع المخلوقات متقدمها ومتأخرها صغيرها وكبيرها كلها أثر من آثار خلقه وقدرته وأنه لا يستعصى عليه مخلوق أراد خلقه فإعادته للأموات فرد من أفراد آثار خلقه ولهذا قال:
﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا﴾ نكرة في سياق الشرط فتعم كل شيء ﴿أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي في الحال من غير تمانع.
﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وهذا دليل سادس، فإنه تعالى هو الملك المالك لكل شيء الذي جميع ما سكن في العالم العلوي والسفلي ملك له وعبيد مسخرون مدبرون يتصرف فيهم بأقداره الحكمية وأحكامه الشرعية وأحكامه الجزئية، فإعادته إياهم بعد موتهم لينفذ فيهم حكم الجزاء من تمام ملكه ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ من غير امتراء ولا شك لتواتر البراهين القاطعة والأدلة الساطعة على ذلك فتبارك الذي جعل في كلامه الهدى والشفاء والنور"١. أ. هـ.
ثم إن الناس بعد المعاد والنشور يواجهون أهوالًا عظيمة وشدائد مخيفة، ينقسم الناس بعدها إلى قسمين أو فريقين فريق في الجنة وفريق في السعير.
وهذا ما سيدور عليه حديثنا في المبحث التالي:
_________________
(١) ١ التفسير ٦/٦٣، ٣٦٤، ٣٦٥.
[ ٢٧٨ ]
المبحث الخامس
الإيمان باليوم الآخر بعد البعث
[ ٢٧٩ ]
المبحث الخامس: الإيمان باليوم الآخر بعد البعث
تقدم معنا في مطلع هذا الفصل حديثٌ مجملٌ عن وجوب الإيمان باليوم الآخر وأنه أحد أركان الإيمان الستة، وأنه من الإيمان بالغيب، وتحدثنا عن الفوائد العظيمة الحاصلة لمن آمن به.
وأما حديثنا هنا فسيكون عن بعض تفاصيل أحوال اليوم الآخر بعد النفخ في الصور والبعث والنشور، مما يكون في ذلك اليوم من أهوال وشدائد، وما فيه من حشر للخلائق وعرض للأعمال، وعن الميزان والصراط والحوض والشفاعة، وعن الجنة وما فيها من النعيم المقيم، وعن النار وما فيها من العذاب الأليم.
وغير ذلك من أحوال ذلك اليوم، مما تواترت به النصوص، ووجب الإيمان به.
وهذه الأمور المتقدمة تناولها ابن سعدي في مؤلفاته، وبين أنها حق، وأن الإيمان بها واجب، وأنها داخلة في الإيمان باليوم الآخر، إذ كل من ورد ذكره في القرآن الكريم أو في السنة المطهرة من أحوال ذلك اليوم كله داخل في الإيمان باليوم الآخر.
قال ابن سعدي في إحدى خطبه مبينا ما ينبغي للمسلمين اعتقاده في اليوم الآخر:
"ونؤمن بجميع ما جاء به الكتاب والسنة من أحوال اليوم الآخر والشفاعة والحوض والميزان والصراط وصحائف الأعمال، وما ذكر من صفات الجنة والنار وصفات أهلهما، وكل ذلك حق لا ريب فيه وكله داخل في الإيمان باليوم الآخر"١.
وقال في موضع آخر من مؤلفاته: "فكل ما جاء به الكتاب والسنة، مما يكون بعد الموت فإنه من الإيمان باليوم الآخر كأحوال البرزخ وأحوال يوم القيامة وما فيه من الحساب والثواب والعقاب والشفاعة والميزان والصحف المأخوذة باليمين والشمال، وأحوال الجنة والنار، وصفات أهلهما، وأنواع ما أعده الله فيهما لأهلهما إجمالًا وتفصيلاٍ، وكل ذلك داخل في الإيمان باليوم الآخر"٢
_________________
(١) ١ الخطب المنبرية /٧٦. ٢ الفتاوى السعدية /١٦.
[ ٢٨٠ ]
وقد كان ابن سعدي يعنى في مؤلفاته ببيان ما ورد ذكره في القرآن والسنة مما يتعلق باليوم الآخر، فتحدث عن الحشر ووزن الأعمال والشفاعة والحوض والصراط والجنة والنار وغيرها.
وفيما يلي أذكر منها وكلام ابن سعدي فيها:
كلامه في الحشر والموازين:
بعد بعث الناس وخروجهم من قبورهم، يقفون في المحشر أمام ربهم، لينالوا جزاء أعمالهم في الدنيا، وهو يوم عصيب لا يعلم هَوْلَه وعِظمه إلا الله، يجمع الله فيه الأولين والآخرين من الخلق إنسهم وجنهم وصغيرهم وكبيرهم حتى الوحوش فإنها تحشر، وذلك كله من كمال عدله سبحانه ولطفه وإحسانه.
قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ ٤.
وقال ابن سعدي في وصف ذلك اليوم: "إذا نفخ في الصور نفخة البعث يقوم الناس من أجداثهم كاملي الخلقة ينظرون ما يستقبلهم من هذه الحياة الأخروية التي يجازي فيها العباد بأعمالهم حسنها وسيئها.
أما المؤمنون الطائعون فيقفون مطمئنين طامعين في فضل ربهم ورحمته مستبشرين بثوابه وعفوه ومغفرته، وأما المجرمون فيقفون فزعين خائفين متحسرين يدعون بالويل والثبور، يقولون: يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا؟ فيساقون إلى جهنم وردًا فحينئذ تكثر القلاقل والأهوال ويشيب الولدان من هول ذلك اليوم وفظاعته ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ ٥.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ. وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ. وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ. لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ
_________________
(١) ١ سورة الكهف/ الآية ٤٧. ٢ سورة المائدة/ الآية ٩٦. ٣ سورة ق/ الآية ٤٤. ٤ سورة التكوير/ الآية ٥. ٥ سورة الحج/ الآية ٢.
[ ٢٨١ ]
يُغْنِيهِ. وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ. ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ. وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ. تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ. أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ ١، ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا. الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ ٢.، وتكور الشمس والقمر وتنتشر النجوم فتذهب هذه الأنوار المشاهدة وتشرق الأرض بنور ربها، وينزل الله لفصل القضاء بين عباده ومحاسبتهم على أعمالهم، أما المؤمنون فيحاسبون حسابًا يسيرًا يقررهم بذنوبهم ثم يغفرها ويسترها عن الخلائق. ويضاعف لهم الحسنات ويعطيهم من فضله وإحسانه ما لا تبلغه أعمالهم، ويعطون كتبهم بأيمانهم إكرامًا واحتراما كما تبيض وجوههم وتثقل موازينهم. ويغتبطون بذلك ويستبشرون به فيقولون لإخوانهم ومعارفهم ومجيبهم هاؤم اقرؤوا كتابية إني ظننت - أي: أيقنت - أني ملاق حسابية فهو في عيشة راضية الآيات٣، ويساقون إلى الجنة زمرًا كل طائفة منهم مع نظرائهم في الخير بحسب طبقاتهم وسبقهم
ثم قال: وأما الكافرون المجرمون فيحاسبهم الله على ما أسلفوه من الجرائم ويقرعهم ويخزيهم بين الخلائق، ويعطون كتبهم من وراء ظهورهم بشمائلهم، وتسود منهم الوجوه، وتخفف موازينهم، ويساقون إلى جهنم جياعًا عطاشًا منزعجين مرعوبين زمرًا، كل طائفة تحشر مع نظيرها من أهل الشر"٤.
وقال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ ٥.
"ويحشر الله جميع الخلق على تلك الأرض فلا يغادر منهم أحدًا بل يجمع الأولين والآخرين، من بطون الفلوات، وفغور البحار ويجمعهم بعد ما تفرقوا ويعيدهم بعد ما تمزقوا خلقًا جديدًا.
فيعرضون عليه صفًا ليستعرضهم وينظر في أعمالهم ويحكم فيهم بحكمه العدل الذي لا جور فيه ولا ظلم، ويقول لهم: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ٦ أي بلا مال ولا أهل ولا عشيرة، ما معهم إلا الأعمال والمكاسب في الخير والشر التي كسبوها
_________________
(١) ١ سورة عبس/ الآيات ٣٤-٤٢. ٢ سورة الفرقان/ الآيتان ٢٥، ٢٦. ٣ سورة الحاقة / الآيات ١٩: ٣٧. ٤ الخلاصة /٢٦، ٢٧، ٢٨. بتصرف. ٥ سورة الكهف/ الآية ٤٧. ٦ سورة الكهف/ الآية ٤٨.
[ ٢٨٢ ]
كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾ ١. "٢.
ثم بعد ذلك تنشر الدواوين وتوزن الأعمال فآخذ كتابه باليمين، وآخذ كتابه بالشمال.
﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ. إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ. فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ. فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ. قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ. كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ. وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ. وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ. يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ. مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ. هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ. خُذُوهُ فَغُلُّوهُ. ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ. ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ ٣.
قال ابن سعدي: "وحينئذ تحضر الأعمال التي كتبها الملائكة الأبرار فتطير لها القلوب وتعظم من وقعها الكروب وتكاد لها الصم الصلاب تذوب"٤.
وقال: "وفي يوم القيامة مواضع يشتد كربها ويعظم وقعها كالميزان الذي يميز به أعمال العباد وينظر فيه بالعدل ماله وما عليه، وتبين فيه مثاقيل الذر من الخير والشر.
فمن ثقلت موازينه بأن رجحت حسناته على سيئاته فأولئك هم المفلحون لنجاتهم من النار واستحقاقهم الجنة وفوزهم بالثناء الجميل.
ومن خفت موازينه بأن رجحت سيئاته على حسناته وأحاطت به خطيئته فأولئك الذين خسروا أنفسهم خسارة أبدية وشقاوة سرمدية في جهنم خالدون لا يخرجون منها أبدا الآبدين"٥.
كلامه في الحوض المورود:
لقد تواترت الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ في ثبوت الحوض المورود في عرصات القيامة لمحمد ﷺ، وقد ورد في السنة أوصاف كثيرة لهذا الحوض.
عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "حوضي
_________________
(١) ١ سورة الأنعام/ الآية ٩٤. ٢ التفسير ٥/٤٥، ٤٦. ٣ سورة الحاقة/ الآيات ١٩: ٣٢. ٤ التفسير ٥/٤٦. ٥ التفسير ٥/٣٨٠، بتصرف.
[ ٢٨٣ ]
مسيرة شهر وزواياه سواء، وماؤه أبيض من الورق وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء فمن شرب منه فلا يظمأ بعده أبدًا"١.
وعن أبي ذر الغفاري ﵁ قال: قلت: يا رسول الله ما آنية الحوض؟ قال: "والذي نفس محمد بيده لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء وكواكبها ألا في الليلة المظلمة المصحية. آنية الجنة من شرب منها لم يظمأ آخر ما عليه يشخب فيه ميزابان من الجنة من شرب منه لم يظمأ عرضه مثل طوله ما بين عمان إلى أيله ماؤه أشد بياضًا من اللبن وأحلى من العسل"٢.
يقول ابن سعدي: "وفي عرصات القيامة الحوض المورود لمحمد ﷺ ماؤه أشد بياضًا من اللبن وأحلى من العسل آنيته عدد نجوم السماء طوله شهر وعرضه شهر من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا"٣.
ويقول أيضًا معددًا ما يناله المؤمنون يوم القيامة من الخير العظيم "كما يردون في عرصات القيامة حوض نبيهم فيشربون منه شربة هنيئة لا يظمؤون بعدها"٤.
كلامه في الصراط:
الصراط جسر ينصب على متن جهنم ليعبر الناس من فوقه إلى الجنة، فمنهم من يتمكن من العبور بسرعة، ومنهم من لا يعبر إلا ببطأ، ومنهم من لا يتمكن من العبور فيسقط في جهنم.
وقد ورد في ذكر الصراط وصفته وصفة المرور عليه أحاديث كثيرة:
منها: حديث الشفاعة الطويل المتفق على صحته وفيه يقول الرسول ﷺ: "ويضرب الصراط بين ظهري جهنم فأكون أنا وأمتي أول من يجيزها، ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، ودعوى الرسل يومئذ اللهم سلم سلم، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان هل رأيتم السعدان؟ قالوا نعم يا رسول الله. قال فإنها مثل شوك السعدان، غير أنه لا يعلم ما قدر عظمها إلا الله ﷿ وتخطف الناس بأعمالهم فمنهم الموقن بعمله والموثق بعمله ومنهم المخردل أو المجازى أو نحوه"٥ الحديث.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم ٤/١٧٩٣. ٢ أخرجه مسلم ٤/١٧٩٨. ٣ التنبيهات اللطيفة /٤١. ٤ الخلاصة /٢٧. ٥ البخاري ٨/١٧٩، ومسلم ١/١٦٣، وأخرجه أحمد ٣/١١، ومن حديث أبي هريرة.
[ ٢٨٤ ]
وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال ﷺ: " ثم يؤتى بالجسر فيجعل بين ظهري جهنم قلنا: يا رسول الله وما الجسر؟ قال: مدحضة مزلة عليها خطاطيف وكلاليب وحسكة مفلطحة لها شوكة عقيفاء تكون بنجد يقال لها السعدان، يمر المؤمن عليها كالطرف وكالبرق والريح وكأجاويد الخيل والركاب فناج مسلم، وناج مخدوش ومكدوس في نار جهنم حتى يمر آخرهم يسحب سحبا" ١ الحديث.
يقول ابن سعدي: "وفي ذلك الموطن ما ثم إلا النار قد برزت وليس لأحد نجاة إلا بالعبور على الصراط وهذا لا يستطيعه إلا أهل الإيمان الذين يمشون في نورهم، وأما غير المؤمنين فليس لهم عند الله عهد في النجاة من النار"٢.
ويقول في وصف الناس حال عبورهم الصراط: "ويمرون على الصراط على قدر أعمالهم كلمح البصر وكالبرق الخاطف وكأجاويد الخيل والإبل وكسعي الرجال وكمشيهم ودون ذلك "٣.
كلامه في الشفاعة:
قال ابن تيمية ﵀: "وأول من يستفتح باب الجنة محمد ﷺ وأول من يدخل الجنة من الأمم أمته.
وله ﷺ في يوم القيامة ثلاث شفاعات:
أما الشفاعة الأولى فيشفع في أهل الموقف حتى يقضي بينهم بعد أن يتراجع الأنبياء آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم حتى تنتهي الشفاعة إليه.
وأما الشفاعة الثانية فيشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، وهتان الشفاعتان خاصتان له.
وأما الشفاعة الثالثة: فيشفع فيمن استحق النار، وهذه الشفاعة له ولسائر النبيين والصديقين وغيرهم، فيشفع فيمن استحق النار أن لا يدخلها، ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها.
ويخرج الله من النار أقوامًا بغير شفاعة بل بفضله ورحمته ويبقى في الجنة فضل عمن دخلها من أهل الدنيا فينشئ الله لها أقوامًا فيدخلهم الجنة"٤.
_________________
(١) ١ البخاري ٨/١٨١، ومسلم ١/١٦٧، واللفظ للبخاري. ٢ التفسير ٦/٣٥٨، بتصرف يسير. ٣ الخلاصة /٢٧.. وانظر التفسير ٥/١٣٠. ٤ العقيدة الواسطية /١٤٠، ١٤١، ١٤٢.
[ ٢٨٥ ]
وهذا الكلام الجامع في الشفاعة الذي ذكره شيخ الإسلام دلت عليه نصوص كثيرة في الكتاب والسنة.
منها: قوله تعالى: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ١.
وقوله: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ ٢.
وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ ٣.
وقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ٤.
ومن أدلة السنة حديث أنس بن مالك الطويل " في ذكر الشفاعة وفيه أن الناس يأتون آدم ليشفع لهم فيعتذر ويأتون إبراهيم فيعتذر ويأتون موسى فيعتذر ويأتون عيسى فيعتذر ثم يأتون محمدًا ﷺ فيقول "أنا لها".قال ﷺ: "فأنطلق فأستأذن على ربي، فيؤذن لي، فأقوم بين يديه، فأحمده بمحامد لا أقدر عليه إلا أن يلهمنيه الله، ثم أخر له ساجدًا فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفع. فأقول رب أمتي أمتي، فيقال: انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من برة أو شعيرة من إيمان فأخرجه منها فأنطلق فأفعل، ثم أرجع إلى ربي فأحمد بتلك المحامد ثم أخر له ساجدًا، فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفع. فأقول أمتي أمتي فيقال لي: انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان فأخرجه من النار فأنطلق فأفعل"٥.
وعلى هذا فإن الشفاعة حق، وهي ثابتة للرسول صلى لله عليه وسلم، ولمن يأذن الله ﷿ من النبيين والصديقين والملائكة.
قال ابن سعدي: "وأما الشفاعة عنده بإذنه من الأنبياء والأصفياء لأهل الجرائم فإنها ثابتة كما أثبتها في عدة مواضع من كتابه؛ وذلك لأنها دالة على كمال رحمته وعموم إحسانه فإنها من رحمته بالشافع والمشفوع له، فالشافع ينال بها الأجر والثناء من الله ومن خلقه، والمشفوع له يرحمه الله على يد من أذن له بالشفاعة فيه، ومع هذا فلا يأذن لأحد
_________________
(١) ١ سورة يونس/ الآية ٣. ٢ سورة الأنبياء/ الآية ٢٨. ٣ سورة طه/ الآية ١٠٩. ٤ سورة البقرة/ الآية ٢٥٥. ٥ أخرجه مسلم ١/١٨٢.
[ ٢٨٦ ]
أن يشفع إلا فيمن رضي قوله وعمله وهو من كان مخلصًا متابعًا لرسول الله"١.
وقد أكد ﵀ ونبه كثيرًا على أن الشفاعة لا تكون إلا لأهل التوحيد وأما من سواهم فلا تنفعهم شفاعة الشافعين.
قال في خلاصة التفسير: "ولا يشفعون إلا لمن ارتضاه الله، ولا يرضى إلا عمن قام بتوحيده واتباع رسله، فمن لم يتصف بهذا فليس له في الشفاعة نصيب، وأسعد الناس بشفاعة محمد ﷺ من قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه"٢.
وقال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ٣ "والله لا يأذن لأحد أن يشفع إلا فيمن ارتضى ولا يرتضي إلا توحيده، واتباع رسله فمن لم يتصف بهذا فليس له في الشفاعة نصيب"٤.
وقال عند قوله تعالى: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ ٥.
"فلا يقدم أحد على الشفاعة، ولو كان أفضل الخلق حتى يأذن الله، ولا يأذن إلا لمن ارتضى. ولا يرتضي إلا أهل الإخلاص والتوحيد له"٦.
كلامه في الجنة:
إن الجنة هي دار كرامة الله لأوليائه المؤمنين، وهي مثوى عباده الطائعين، وقد أعد الله فيها من النعيم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: قال الله تعالى: "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر"٧ قال أبو هريرة اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ ٨.
وقد تحدث ابن سعدي عن الجنة كثيرًا ولا سيما في تفسيره للقرآن وتناول وصف الجنة وما فيها من أنواع النعم وصنوف المنن، بأسلوب جامع بليغ.
_________________
(١) ١ الحق الواضح المبين /٦. ٢ الخلاصة /١٣. ٣ سورة البقرة/ الآية ٢٥٥. ٤ التفسير ١/٣١٤. ٥ سورة يونس/ الآية ٣. ٦ التفسير ٣/٣٢٣. ٧ أخرجه البخاري ٦/٢١، ومسلم ٤/٢١٧٤، وأحمد ٥/٣٣٤. ٨ سورة السجدة/ الآية ١٧.
[ ٢٨٧ ]
قال ﵀ في وصف الجنة من حين دخولها إلى ما يلقاه المؤمنون فيها من النعم: "حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها بشفاعة محمد ﷺ فتلقاهم خزنة الجنة يسلمون عليهم، ويهنئونهم بالنجاة من العذاب وحصول الخير والثواب والخلود الأبدي بسبب طيبهم، فيقولون لهم سلام عليكم طبتم: أي طابت قلوبكم بالعقائد الصحيحة الصادقة، والأخلاق الجميلة وألسنتكم بذكر الله والثناء عليه، وجوارحكم بخدمته والقيام بطاعته، فادخلوها خالدين.
فإذا دخلوها ورأوا ما فيها من النعيم المقيم مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، حمدوا الله على منته عليهم بالسوابق والإيمان والأعمال الصالحة وبإنجاز ما وعدهم به على ألسنة رسله، وعلى أن الله أورثهم الجنة يتبوؤون من خيراتها حيث يشاؤون وأنى يشاؤون مما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين من نعيم القلوب والأرواح، ومن نعيم الأبدان والأجسام ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ. مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ. يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ. بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ. وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ. وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ. وَحُورٌ عِينٌ. كَأَمْثَالِ الْلُؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ خيرات الأخلاق حسان الوجوه، قد جمع الله لهن حسن البواطن والظواهر فهن سرور وقرة النواظر.
وتمام ذلك أن الله يحل عليهم رضوانه فلا يسخط عليهم أبدًا، وأنه يقال لهم أن لكم أن تشبوا فلا تهرموا، وإن لكم أن تصحوا فلا تموتوا أبدًا، فلهم كل ما يشاءون فيها وتتعلق به أمانيهم، ولهم فوق ذلك مما تبلغه أمانيهم، ولهم نعيم أعلى من ذلك كله وهو التمتع بالنظر إلى وجهه الكريم، وسماع خطابه والابتهاج برضاه وقربه، والسرور بمحبته وذكره وحمده والثناء عليه وشكره، مما يشاهدون من كثرة الخيرات، وسوابغ النعم والهبات، وزيادة النعيم وتواصله، ومما يزدادون من معرفته والأنس به، فتبارك الله ذو الجلال والإكرام"١.
وله ﵀ خطبة بليغة ذكر فيها جملة كبيرة من أوصاف الجنة ونعيمها ضمن مجموعة خطبه "الفواكه الشهية في الخطب المنبرية" قال في آخرها بعد تعداد جملة من أوصاف الجنة " لمثل هذه الدار فليعمل العاملون وفي أعمالها الموصلة إليها فليتنافس المتنافسون فواعجبًا كيف نام طالبها، وكيف لم يسمح بمهرها خاطبها، وكيف طاب القرار في هذه الدار بعد سماع أخبارها، وكيف للمشتاقين القرار دون معانقة
_________________
(١) ١ الخلاصة /٢٧، ٢٨.
[ ٢٨٨ ]
أبكارها، طريقها يسير على من يسره الله عليه، وهو امتثال الأوامر واجتناب النواهي والتوبة والإنابة إليه"١.
كلامه في الرؤية:
وأما أعظم نعيم يناله المؤمنون في الجنة فهو رؤية الله ﷿ والتمتع بالنظر إلى وجهه الكريم.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ. فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ ٤.
والمراد بالمزيد والزيادة هنا، رؤية الله ﷿ في الجنة، قال ابن كثير في تفسيره:
"وقد رُوي تفسير الزيادة بالنظر إلى وجهه الكريم عن أبي بكر الصديق، وحذيفة بن اليمان وعبد الله بن عباس وسعيد بن المسيب، وعبد الرحمن بن أبي ليلى وعبد الرحمن بن سابط ومجاهد وعكرمة وعامر بن سعد وعطاء بن والضحاك والحسن وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق وغيرهم من السلف والخلف، وقد وردت فيه أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ"٥.
ومن هذه الأحاديث ما رواه الإمام أحمد وابن ماجه من حديث صهيب الرومي ﵁ أن رسول الله ﷺ تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ وقال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى منادٍ يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدًا يريد أن ينجزكموه، فيقولون وما هو ألم يثقل موازيننا؟ ألم يبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة وينجنا من النار؟ قال فيكشف لهم الحجاب فينظرون إليه فوالله ما أعطاهم شيئًا أحب إليهم من النظر إليه ولا أقر لأعينهم"٦.
قال ابن سعدي: "إن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة في الجنة ويتلذذون بالنظر إليه أعظم من سائر اللذات ويبتهجون بخطابه ويفرحون بقربه كما ذكر الله ذلك في عدة آيات من القرآن وتواتر فيه النقل عن رسول الله"٧.
_________________
(١) ١ الفواكه الشهية /٥٠. ٢ سورة القمر/ الآيتان ٥٤، ٥٥. ٣ سورة يونس/ الآية ٢٦. ٤ سورة ق/ الآية ٣٥. ٥ تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٢/٤١٤. ٦ أحمد ٤/٣٣٢، وابن ماجه ١/٦٧، وصححه الألباني. انظر صحيح الجامع ١/٢٠٢. ٧ التفسير ٧/٥٩٠.
[ ٢٨٩ ]
وقد استدل على ثبوت رؤية المؤمنين لربهم في الجنة بأدلة كثيرة من القرآن الكريم.
فقال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ. إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ١ "أي: ينظرون إلى ربهم على حسب مراتبهم فمنهم من ينظر كل يوم بكرة وعشيًا، ومنهم من ينظر كل جمعة مرة واحدة، فيتمتعون بالنظر إلى وجهه الكريم وجماله الباهر، الذي ليس كمثله شيء، فإذا رأوه نسوا ما هم فيه من النعيم، وحصل لهم من اللذة والسرور ما لا يمكن التعبير عنه، ونضرت وجوههم فازدادوا جمالًا إلى جمالهم"٢.
وقال عند قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ ٣. "وأعظم ذلك وأجله وأفضله النظر إلى وجهه الكريم والتمتع بسماع كلامه والتنعم بقربه"٤.
وقال عند قوله تعالى: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ ٥.
"إلى ما أعد الله لهم من النعيم وينظرون إلى وجه ربهم الكريم"٦.
وقال عند قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ٧.
"ودل مفهوم هذه الآية على أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة في الجنة"٨.
والمقصود أن الرؤية ثابتة للمؤمنين فسيرونه عيانًا كما أخبر بذلك وكما أخبر رسوله ﷺ، ولا ينكر ذلك إلا المعطلة من الجهمية وغيرهم.
وقد استدل هؤلاء المعطلة على عدم إمكان الرؤية بآيتين من القرآن وهما قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ٩. وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ ١٠.
_________________
(١) ١ سورة القيامة/ الآيتان ٢٢-٢٣. ٢ التفسير ٧/٥٢٦، ٥٢٧. ٣ سورة ق / الآية ٣٥. ٤ التفسير ٧/١٥٧. ٥ سورة المطففين/ الآية ٢٣. ٦ التفسير ٧/٥٩٣. ٧ سورة المطففين/ ١٥. ٨ التفسير ٧/٥٩٠. ٩ سورة الأنعام/ الآية ١٠٣. ١٠ سورة الأعراف/ الآية ١٤٣.
[ ٢٩٠ ]
وليس في الآيتين دليل لما ذهبوا إليه، إذا فهمتًاُ فهمًا صافيًا خاليًا من التحريف والتأويل.
وقد رد ابن سعدي عليهم في استدلالهم هذا عند تفسيره لهاتين الآيتين، وبين أنه ليس فيهما دلالة لما ذهبوا إليه.
فقال عند الآية الأولى وهي قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ١.
"أي لا تحيط به الأبصار، وإن كانت تراه في الآخرة، وتفرح بالنظر إلى وجهه الكريم.
فنفي الإدراك لا ينفي الرؤية، بل يثبتها بالمفهوم، فإنه إذا نفى الإدراك الذي هو أخص أوصاف الرؤية، دل على أن الرؤية ثابتة. فإنه لو أراد نفي الرؤية لقال "لا تراه الأبصار" ونحو ذلك فعلم أنه ليس في الآية حجة لمذهب المعطلة الذين ينفون رؤية ربهم في الآخرة. بل فيها ما يدل على نقيض قولهم"٢.
وقال عند الآية الثانية وهي قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٣.
"أي لن تقدر الآن على رؤيتي فإن الله ﵎ أنشأ الخلق في هذه الدار على نشأة لا يقدرون بها ولا يثبتون لرؤية الله، وليس في هذا دليل على أنهم لا يرونه في الجنة.
فإنه قد دلت النصوص القرآنية والأحاديث النبوية على أن أهل الجنة يرون ربهم ﵎، ويتمتعون بالنظر إلى وجهه الكريم وأنه ينشئهم نشأة كاملة يقدرون معها على رؤية الله تعالى؛ ولهذا رتب الله الرؤية في هذه الآية على ثبوت الجبل فقال مقنعا لموسى في عدم إجابته للرؤية: ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَه﴾ إذا تجلى الله له ﴿فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ . ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ الأصم الغليظ ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ أي انهال مثل الرمال، انزعاجًا من رؤية الله وعدم ثبوته لها"٤.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام/ الآية ١٠٣. ٢ التفسير ٢/٤٤٧. ٣ سورة الأعراف/ الآية ١٤٣. ٤ التفسير ٣/٧٨، ٨٨.
[ ٢٩١ ]
كلامه في النار:
وأما النار فهي دار أعدها الله لمن عصاه من الكفرة والمعرضين والمجانبين للصراط المستقيم، وجعل لهم فيها النكال والأغلال والويل والثبور، حتى ينالوا بذلك جزاء كفرهم وإعراضهم.
قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ٣.
يقول ابن سعدي في وصف النار وأهلها المستحقين لدخولها:
"فهي دار من طغى وبغى وتجبر على الخلق وآثر الحياة الدنيا، دار الشقاء الأبدي والعذاب الشديد السرمدي، دار جمع الله فيها للطاغين أصناف العذاب، وأحل على أهلها السخط والسعير والحجاب، دار اشتد غيظها وزفيرها، وتفاقمت فظاعتها وحمى سعيرها قعرها بعيد وعذابها شديد ولباس أهلها القطران والحديد وطعامهم الغسلين وشرابهم الصديد، ويتجرعه المجرم ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت فيستريح من التنكيد، يتردد أهلها بين الزمهرير والمفرط برده وبين السعير ويلاقون فيها العنا والشقا فيا بئس المثوى ويا بئس المصير ويلقى عليهم الجوع الشديد المفظع والعطش العظيم الموجع، فيستغيثون للطعام والشراب، فيغاثون من هذا العذاب بأفظع عذاب، يغاثون بماء كالمهل وهو الرصاص المذاب، خبيث الطعم منتن الريح، حره قد تناها، إذا قرب من وجوههم أسقط جلدها ولحمها وشواها، وإذا وقع في بطونهم صهرها وقطع معاها، يغلي طعام الزقوم في بطونهم كغلي الحميم، فشاربون عليه من الحميم، فشاربون شرب الإبل العطاش الهيم، هذا نزلهم فبئس النزل غير الكريم"٤.
وقال أيضًا في تعداد صنوف العذاب وألوانه وأنواعه في جهنم:
_________________
(١) ١ سورة آل عمران/ الآية ١٣١. ٢ سورة التحريم/ الآية ٦. ٣ سورة النساء/ الآيتان ٥٥، ٥٦. ٤ الفواكة الشهية /٤٥، ٤٦.
[ ٢٩٢ ]
" فتارة يعذبون بالسعير المحرق لظواهرهم وبواطنهم كلما نضجت جلودهم بدلوا جلودًا غيرها، وتارة بالزمهرير الذي قد بلغ برده أن يهرى اللحوم ويكسر العظام، وتارة بالجوع المفرط والعطش المفظع، وإذا استغاثوا لذلك أغيثوا بعذاب آخر، ولون من الشقاء ينسى ما سبقه فيغاثون بطعام ذي غصة، بشجرة الزقوم التي تخرج في الذي يوقد عليه النار، وإن يستغيثوا للشراب يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه، إذا قرب إليها فلا يدعهم العطش مع ذلك أن يتناولها، فإذا وصلت إلى بطونهم قطعت أمعاءهم ولا يزالون في عذاب شديد لا يفتر عنهم العذاب ساعة، ولا يرجون رحمة ولا فرجا "١.
فنعوذ بالله من جهنم وما قرب إليها من قول أو عمل.
الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن:
وقد دل على وجودهما نصوص كثيرة في الكتاب والسنة:
قال تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ٢.
وقال: ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ ٣.
وقال: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ٤"٥.
وقال: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾ ٦.
وقد ورد في السنة أحاديث كثيرة تدل على ذلك:
منها: حديث ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا مات أحدكم فإنه يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي، فإن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار"٧.
ومنها: حديث عمران بن حصين ﵁ عن النبي ﷺ قال: "اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء واطلعت على النار فرأيت أكثر أهلها النساء"٨.
_________________
(١) ١ الخلاصة /٢٨. ٢ سورة آل عمران/ الآية ١٣٣. ٣ سورة الحديد/ الآية ٢١. ٤ سورة البقرة/ الآية ٢٤. ٥ سورة البقرة / الآية ٢٤، وسورة آل عمران /الآية ١٣١. ٦ سورة الفرقان/ الآية ١١. ٧ أخرجه البخاري ٢/١٠٣، ومسلم ٤/٢١٩٩، وأحمد ٢/٥١. ٨ أخرجه البخاري ٧/١٧٩، وأحمد ١/٥١.
[ ٢٩٣ ]
وقد أشار ابن سعدي في تفسيره إلى مسألة وجود الجنة والنار وأنهما معدتان الآن، وبين أن هذا هو الاعتقاد الصحيح الذي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، بخلاف ما ذهب إليه المعتزلة بأنهما تخلقان يوم القيامة.
فقال ﵀ عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ١.
"هذه الآية ونحوها من الآيات فيها دليل لمذهب أهل السنة والجماعة أن الجنة والنار مخلوقتان، خلافًا للمعتزلة"٢.
وبهذا نصل إلى نهاية الفصل الثالث المتعلق بالإيمان باليوم الآخر، ويليه الفصل الرابع والأخير، وهو عن تعريف الإيمان وما يتعلق به من مسائل.
_________________
(١) ١ سورة البقرة/ الآية ٢٤، وسورة آل عمران/ الآية ١٣١. ٢ التفسير ١/٦١.
[ ٢٩٤ ]
الفصل الرابع
جهوده في توضيح تعريف الإيمان وما يتعلق به من مسائل
[ ٢٩٥ ]
الفصل الرابع: تعريف الإيمان وما يتعلق به من مسائل
يشتمل هذا الفصل على أمور كثيرة تتعلق بالإيمان: تعريفه والعلاقة بينه وبين الإسلام، وزيادة الإيمان ونقصانه، وحكم الاستثناء في الإيمان، وحكم مرتكب الكبيرة.
وقبل الشروع في تعريف الإيمان وما يتعلق به من مسائل، أرى من المناسب أن أتكلم باختصار عن أهميته فأقول:
لا يخفى أن للإيمان أهمية بالغة إذ هو الفاصل بين أهل السعادة وأهل الشقاوة، وأهل الجنة وأهل النار، وهو الذي إذا كان مع العبد قبلت أعمال الخير منه، وإذا عدم منه لم يقبل له صرف ولا عدل ولا فرض ولا نفل فالإيمان الصحيح المقرون بالعمل الصالح عنوان على سعادة صاحبه وأنه من أهل الرحمن ومن الصالحين من عباد الله.
قال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى. وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى. قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا. قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ ٢.
وأهمية الشيء تظهر بمعرفة فوائده وثماره، وقد عقد ابن سعدي في خلاصة التفسير فصلًا خاصًا بثمرات الإيمان - ذكر تحته جملة كبيرة من ثمرات الإيمان وفوائده.
قال فيه "اعلم أن خير الدنيا والآخرة من ثمرات الإيمان الصحيح، وبه يحي العبد حياة طيبة في الدارين، وبه ينجو من المكاره والشرور، وبه تخف الشدائد وتدرك جميع المطالب، ولنشر إلى هذه الثمرات على وجه التفصيل فإن معرفة فوائد الإيمان وثمراته من أكبر الدواعي إلى التزود منه.
_________________
(١) ١ سورة طه/ الآيات ١٢٣: ١٢٦. ٢ سورة يونس/ الآية ٦٢.
[ ٢٩٦ ]
ثم شرع ﵀ في ذكر تفاصيل ثمرات الإيمان وفوائده وإليك ملخصها:
فمن ثمرات الإيمان وفوائده:
(١) أنه سبب رضا الله الذي هو أكبر شيء.
(٢) أن ثواب الآخرة ودخول الجنة والتنعم بنعيمها، والنجاة من النار وعقابها إنما يكون بالإيمان.
(٣) أن الله يدفع ويدافع عن الذين آمنوا شرور الدنيا والآخرة.
(٤) أن الله وعد المؤمنين القائمين بالإيمان حقيقة بالنصر والتأييد.
(٥) أن الهداية من الله للعلم والعمل ولمعرفة الحق وسلوكه هي بحسب الإيمان والقيام بحقوقه.
(٦) أن الإيمان يدعو إلى الزيادة من علومه وأعماله الظاهرة والباطنة.
(٧) أن المؤمنين بالله وبكماله وعظمته وكبريائه ومجده أعظم الناس يقينًا وطمأنينة وتوكلًا على الله وثقة به.
(٨) أنه لا يمكن العبد أن يقوم بالإخلاص لله ولعباد الله ونصيحتهم على وجه الكمال إلا بالإيمان.
(٩) أن المعاملات بين الخلق لا تتم وتقوم إلا على الصدق والنصح وعدم الغش ولا يقوم بذلك حقيقة إلا المؤمنون.
(١٠) أن الإيمان أكبر عون على تحمل المشقات، والقيام بأعباء الطاعات وترك الفواحش التي في النفوس داع قوي إلى فعلها، فلا تتم هذه الأمور إلا بقوة الإيمان.
(١١) أن العبد لا بد أن يصاب بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات والإيمان أكبر عون على تحمل هذه المصائب.
(١٢) أن الإيمان يوجب للعبد قوة التوكل على الله لعلمه وإيمانه أن الأمور كلها راجعة إلى الله ومندرجة في قضائه وقدره.
(١٣) أن الإيمان يشجع العبد ويزيد الشجاع شجاعة فإن لاعتماده على الله العزيز الحكيم ولقوة رجائه وطمعه فيما عنده تهون عليه المشقات ويقدم على المخاوف واثقًا بربه راجيًا له راهبًا من نزوله من عينه لخوفه من المخلوقين.
(١٤) أن الإيمان هو السبب الأعظم لتعلق القلب بالله في جميع مطالب الدينية والدنيوية.
(١٥) أن الإيمان يدعو إلى حسن الخلق مع جميع طبقات الناس، وإذا ضعف الإيمان أو نقص أو انحرف، أثر ذلك في أخلاق العبد انحرافا بحسب بعده عن الإيمان.
[ ٢٩٧ ]
(١) أن الإيمان الكامل يمنع من دخول النار بالكلية كما يمنع صاحبه في الدنيا من فعل المعاصي والإيمان الناقص يمنع الخلود في النار.
(٢) أن الإيمان يوجب لصاحبه أن يكون معتبرًا عند الخلق أمينًا. ويوجب للعبد العفة عن دماء الناس وأموالهم وأعراضهم.
(٣) أن قويّ الإيمان يجد في قلبه من ذوق حلاوته ولذة طعمه واستحلاء آثاره. والتللذ بخدمة ربه وأداء حقوقه وحقوق عباده التي هي موجب الإيمان وأثره. فالمؤمن يتقلب في لذات الإيمان وحلاوته المتنوعة.
(٤) أن الإيمان هو السبب الوحيد للقيام بذروة سنام الدين، وهو الجهاد البدني والمالي والقولي في سبيل الله.
ثم قال ﵀ بعد ذكره لهذه الجملة الكبيرة النافعة من ثمرات الإيمان: "وهذا كله من ثمرات الإيمان ومن تمامه وكماله. وبالجملة فخير الدنيا والآخرة كله فرع عن الإيمان ومترتب عليه، والهلاك والنقص إنما يكون بفقد الإيمان أو نقصه"١.
وبعد هذا البيان الموجز لأهمية الإيمان وما يترتب عليه من فوائد وثمار نشرع في تعريف الإيمان وما يتعلق به من مسائل.
تعريف الإيمان:
أن من أصول أهل السنة والجماعة: أن الإيمانَ قول وعملٌ؛ قولُ القلبِ واللسانِ وعملُ القلبِ واللسانِ والجوارح٢.
وقد دل على ذلك نصوص كثيرة في الكتاب والسنة:
أما أدلة قول القلب وهو تصديقه وإيقانه:
فمنها: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ. لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٤.
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ ٥. وغيرها من الآيات.
_________________
(١) ١ الخلاصة /١٣٠-١٣٤. ٢ العقيدة الواسطية لابن تيمية /١٥٢. ٣ سورة الحجرات/ الآية ١٥. ٤ سورة الزمر/ الآيتان ٣٣، ٣٤. ٥ سورة الأنعام/ الآية ٧٥.
[ ٢٩٨ ]
وأما أدلة اللسان وهو النطق بالشهادتين شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله والإقرار بلوازمها.
فمنها:
قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ٢.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾ ٣.
وقوله ﵊: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله"٤ الحديث.
وغيرها من النصوص.
وأما أدلة عمل القلب وهو النية والإخلاص والمحبة والانقياد والإقبال على الله ﷿ والتوكل عليه ولوازم ذلك وتوابعه.
فمنها: قوله تعالى: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ ٥.
وقوله: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى. إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ (الليل: ١٩-٢٠)
وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ ٦.
وقوله ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى"٧.
_________________
(١) ١ سورة البقرة/ الآية ١٣٦. ٢ سورة الأحقاف/ الآية ١٣. ٣ سورة القصص/ الآية ٥٣. ٤ أخرجه البخاري ١/١٠، ومسلم ١/٥٣، وغيرهما من حديث ابن عمر. ٥ سورة الأنعام/ الآية ٥٢. ٦ سورة الأنفال/ ٢. ٧ أخرجه البخاري ١/٢، ومسلم ٣/١٥١٥.
[ ٢٩٩ ]
وقوله ﷺ: "قال الله تعالى: " أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه"١.
وغيرها من النصوص.
وأما أدلة عمل اللسان والجوارح فكثيرة جدًا: وعمل اللسان هو ما لا يؤدى إلا به كتلاوة القرآن وسائر الأذكار من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والدعاء والاستغفار وغير ذلك، وعمل الجوارح هو ما لا يؤدى إلا بها مثل القيام والركوع والسجود والمشي في مرضاة الله والخطا إلى المساجد وإلى الحج والجهاد في سبيل الله ﷿ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك، ومن أدلة عمل اللسان والجوارح:
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ ٢.
وقوله تعالى: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ ٣.
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ ٤.
ومنها قوله ﷺ: "الإيمان بضع وسبعون شعبة أفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان"٥.
وغيرها من نصوص الكتاب والسنة٦.
وقد بين ابن سعدي هذا الأصل العظيم وأوضحه في كثير من مؤلفاته وأشار إلى كثرة أدلته واستدل له بأدلة كثيرة من الكتاب والسنة٧.
قال ﵀: "الإيمان اسم جامع لعقائد القلب وأعماله وأعمال الجوارح وأقوال اللسان فجميع الدين أصوله وفروعه داخل في الإيمان"٨
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم ٤/٢٢٨٩. ٢ سورة فاطر/ الآية ٢٩. ٣ سورة الكهف/ الآية ٢٧. ٤ سورة الأحزاب/ الآية ٤١. ٥ أخرجه البخاري ١/٨، ومسلم ١/٦٣، عن أبي هريرة ﵁، وهذا لفظ مسلم. ٦ وقد توسع الشيخ حافظ حكمي في ذكر الأدلة على ذلك في كتابه معارج القبول. انظر ٢/١٧ وما بعدها. ٧ انظر ذلك: في توضيح الكافية الشافية /١٣، والتفسير ١/٤٢٠، ١/٤٢٤، ٣/٩٦، ٣/١٠٢، ٧/٢٩٤، وبهجة قلوب الأبرار /١٧، والخلاصة /١١ وغيرها. ٨ سؤال وجواب /٨.
[ ٣٠٠ ]
وقال: "الإيمان الشرعي عند السلف شامل للعقائد الدينية وأعمال القلوب وأعمال الجوارح وفي هذا من النصوص ما لا يعد ولا يحصى"١.
وقال: " أهل السنة والجماعة يعتقدون ما جاء به الكتاب والسنة من أن الإيمان: تصديق القلب المتضمن لأعمال الجوارح.
فيقولون: الإيمان اعتقادات القلوب وأعمالها، وأعمال الجوارح وأقوال اللسان وأنها كلها من الإيمان، وأن من أكملها ظاهرًا وباطنا فقد أكمل الإيمان ومن انتقص شيئًا منها فقد نقص إيمانه"٢.
العلامة بين مسمى الإيمان والإسلام:
إن اسم الإيمان تارة يذكر مفردًا غير مقرون باسم الإسلام. وتارة يذكر مقرونًا به. فمن أمثلة ذكره مقرونا بالإسلام:
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ ٣.
وقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ ٤.
وقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٥.
وقول جبريل ﵇ في حديث عمر بن الخطاب: "ما الإسلام وما الإيمان"٦.
ومن أمثلة ذكر الإيمان مفردًا:
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ ٧.
وقوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ. وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٨.
_________________
(١) ١ توضيح الكافية الشافية /٨. ٢ الفتاوى السعدية /١٧. ٣ سورة الأحزاب/ الآية ٣٥. ٤ سورة الحجرات/ الآية ١٤. ٥ سورة الذاريات/ الآيتان ٣٥، ٣٦. ٦ تقدم تخريجه ص - ٢٣٩. ٧ سورة الأنفال/ الآية ٢. ٨ سورة الحديد/ الآيتان ٧، ٨.
[ ٣٠١ ]
وقوله ﷺ: "الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى من الطريق"١.
وقوله ﷺ: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"٢.
ومن أمثلة ذكر الإسلام مفردًا:
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ﴾ ٣.
وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ ٤.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٥.
وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ ٦.
وعلى هذا فإن الإسلام والإيمان إذا أطلق أحدهما شمل الدين كله أصوله وفروعه من اعتقاداته وأقواله وأفعاله.
وأما إذا قرن بينهما وذكرا معا فعند ذلك يفترقان فيراد بالإسلام حينئذ الأعمال والأقوال الظاهرة، ويراد بالإيمان الاعتقادات الباطنة.
ومن تأمل حديث جبريل والنصوص المتقدمة وغيرها من النصوص عرف ذلك.
وقد أوضح ابن سعدي هذه العلامة بين هذين المسميين فقال: "اعلم أن الإيمان الذي هو تصديق القلب التام بهذه الأصول وإقراره المتضمن لأعمال القلوب والجوارح وهو بهذا الاعتبار يدخل فيه الإسلام، وتدخل فيه الأعمال الصالحة كلها، فهي من الإيمان وأثر من آثاره.
فحيث أطلق الإيمان دخل فيه ما ذكر، وكذلك الإسلام إذا أطلق دخل فيه
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه ص ٣٠٠. ٢ أخرجه البخاري ١/٩ عن أنس بن مالك. ٣ سورة آل عمران/ الآية ١٩. ٤ سورة المائدة/ الآية ٣. ٥ سورة آل عمران/ الآية ٨٥. ٦ سورة البقرة/ الآية ٢٠٨.
[ ٣٠٢ ]
الإيمان، فإذا قرن بينهما كان الإيمان اسمًا لما في القلب من الإقرار والتصديق والإسلام اسما للأعمال الظاهرة"١.
وقال في موضع آخر: "أما الإسلام فهو استسلام القلب لله وإنابته، والقيام بالشرائع الظاهرة والباطنة، وأما الإيمان فهو التصديق التام والاعتراف بأصوله التي أمر الله بالإيمان بها، ولا يتم ذلك إلا بالقيام بأعمال القلوب وأعمال الجوارح. ولهذا سمى الله كثيرًا من الشرائع الظاهرة والباطنة إيمانًا، وبعض الآيات يذكر أنها من لوازم الإيمان فعلى هذا الإيمان عند الإطلاق يدخل فيه الإسلام، وكذلك بالعكس، وإذا جمع بين الإيمان والإسلام فسر الإيمان بما في القلب من التصديق والاعتراف وما يتبع ذلك، وفسر الإسلام بالقيام بعبودية الله كلها الظاهرة والباطنة"٢.
زيادة الإيمان ونقصانه:
ورد في الكتاب والسنة نصوص كثيرة تدل على أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بفعل الطاعات وينقص بارتكاب المحرمات.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً﴾ ٤.
وقال تعالى: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ ٥.
وقال تعالى: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدىً﴾ ٦.
وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال ﷺ: "يا معشر النساء تصدقن وفي الحديث: ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن"٧.
وفي صحيح مسلم من حديث حنظلة الأسيدي قال: لقيني أبو بكر ﵁ فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قال قلت: نافق حنظلة، قال سبحان الله ما تقول؟ قال قلت: نكون عند رسول الله ﷺ يذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأى عين، فإذا خرجنا
_________________
(١) ١ التفسير ١/١٤٤. ٢ الخلاصة /١٩٩، وانظر أيضًا سؤال وجواب /٥. ٣ سورة محمد/ الآية ٧٦. ٤ سورة مريم/ الآية ٧٦. ٥ سورة الأحزاب/ الآية ٢٢. ٦ سورة الكهف/ الآية ١٣. ٧ البخاري ٢/١٢٦، ومسلم ١/٨٧.
[ ٣٠٣ ]
من عند رسول الله ﷺ عافسنا الأزواج والأولاد الصغار فنسينا كثيرًا قال أبو بكر ﵁: فوالله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله ﷺ قلت: نافق حنظلة يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ وما ذاك؟ قلت: يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأى عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرًا فقال رسول الله ﷺ: والذي نفسي بيده لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة "ثلاث مرات"١.
فهذه النصوص ظاهرة الدلالة في أن الإيمان يزيد وينقص إذ هي صريحة بذلك.
وقد تناول ابن سعدي هذه المسألة وبين أن الإيمان يزيد وينقص يزيد بقوة الاعتقاد وكثرته وحسن الأعمال والأقوال وكثرتها وينقص بضد ذلك٢.
واستدل على ذلك بأدلة كثيرة أذكر بعضها:
قال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ. وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ. أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ ٣.
"وفي هذه الآيات دليل على أن الإيمان يزيد وينقص، وأنه ينبغي للمؤمن أن يتفقد إيمانه ويتعاهده فيجدده وينميه، ليكون دائما في صعود"٤.
وقال عند قوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً﴾ ٥. "وفي هذا دليل على زيادة الإيمان ونقصه كما قاله السلف الصالح ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ ٦، ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ ٧.
ويدل عليه أيضًا الواقع فإن الإيمان قول القلب واللسان وعمل القلب واللسان
_________________
(١) ١ مسلم ٤/٢١٠٦. ٢ انظر سؤال وجواب /٨، والفتاوى السعدية /١٧، والتفسير ٦/٣٥، والخلاصة /١٣١، وتوضيح الكافية الشافية /٨، ٩، ١٣. وغيرها. ٣ سورة التوبة/ الآيات ١٢٤، ١٢٥، ١٢٦. ٤ التفسير ٣/٣١٧. ٥ سورة مريم/ الآية ٧٦. ٦ سورة المدثر/ الآية ٣١. ٧ سورة الأنفال/ ٢.
[ ٣٠٤ ]
والجوارح والمؤمنون متفاوتون في هذه الأمور أعظم تفاوت"١.
وقال في شرحه لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير"٢.
"وهذا من أدلة السلف على أن الإيمان يزيد وينقص، وذلك بحسب علوم الإيمان ومعارفه وبحسب أعماله.
وهذا الأصل قد دل عليه الكتاب والسنة في مواضيع كثيرة"٣.
مسألة الاستثناء في الإيمان:
وهذه المسألة مترتبة على ما سبق بيانه من أن الإيمان قول وعمل واعتقاد وأنه يزيد وينقص فإذا ثبت ذلك. فإنه ينبغي للإنسان إذا قال أنا مؤمن أن يستثني؛ لأنه لا يستطيع أن يجزم بأنه كمّل الأعمال، وإن جزم بذلك فقد زكى نفسه.
قال ابن سعدي بعد أن عرف الإيمان وبين أنه أصل عظيم وأن أهل السنة والجماعة يعتقدون أنه قول وعمل واعتقاد "ويرتبون على هذا الأصل صحة الاستثناء في الإيمان.
فيصح أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله؛ لأنه يرجو من الله تكميل إيمانه فيستثني من غير شك منه بحصول الإيمان"٤.
وقال في تفسيره لقوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ ٥ "وفيه دلالة على جواز إضافة الإنسان إلى نفسه الإيمان على وجه التقييد بأن يقول أنا مؤمن بالله، كما يقول آمنت بالله بل هذا الأخير من أوجب الواجبات، كما أمر الله به أمرًا حتمًا بخلاف قول العبد: أنا مؤمن ونحوه فإنه لا يقال إلا مقرونًا بالمشيئة لما فيه من تزكية النفس؛ لأن الإيمان المطلق يشمل القيام بالواجبات وترك المحرمات، فهو كقوله أنا متقي أو ولي أو من أهل الجنة، وهذا التفريق هو مذهب محققي أهل السنة والجماعة"٦.
_________________
(١) ١ التفسير ٥/٣٣. ٢ أخرجه مسلم ٤/٢٠٥٢. ٣ بهجة قلوب الأبرار/ ٣٣، وانظر أيضا التنبيهات اللطيفة /٥٠، ٥١، فقد ذكر فيها جملة من الأدلة على زيادة الإيمان ونقصانه، وذكر فيها أيضًا أوجه زيادته ونقصانه، وأن الإيمان يزيد وينقص من أوجه متعددة، فليراجع. ٤ الفتاوى السعدية /١٨، ١٩. ٥ سورة البقرة / الآية ١٣٦. ٦ الخلاصة /١١، وانظر التفسير ١/١٤٥.
[ ٣٠٥ ]
حكم مرتكب الكبيرة:
قبل معرفة حكم الكبيرة أذكر تعريف الكبيرة، فأقول:
اختلف السلف في تعريف الكبيرة إلى أقوال متعددة:
فقيل: هي كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب.
وقيل: هي ما أوعد الله عليه حدًا في الدنيا أو عذابًا في الآخرة.
وقيل: هي ما كانت المظالم فيه بين العباد أنفسهم.
وقل: هي ما سماه الله في القرآن كبيرًا أو عظيمًا.
وقيل: غير ذلك١.
ومن أجمع التعاريف للكبيرة: أنها كل معصية فيها حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة أو ورد فيها وعيد بنفي إيمان أو لعن ونحوهما٢.
أما حكم مرتكب الكبيرة:
فإن نصوص الكتاب والسنة تدل دلالة واضحة على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر ولا يخرج من الدين بسبب ارتكابه للكبيرة، وإنما ينقص إيمانه فلا يذهب عنه الإيمان بالكلية بل يبقى معه مطلق الإيمان.
وارتكاب الكبيرة ليس سببًا للخلود في النار فلا يخلد أحد في النار بسبب ارتكاب الكبيرة؛ لأنه لا يوجب الخلود في النار إلا الإشراك بالله.
وهذا هو قول أهل السنة والجماعة، وأدلة الكتاب والسنة جمعيها متضافرة على تقريره وتأصيله والرد على من خالفه.
أما الخوارج: فقد كفروا مرتكب الكبيرة وأخرجوه من الدين بالكلية وأوجبوا له الخلود في النار.
وأما المعتزلة فقد وافقوا الخوارج في خلود مرتكب الكبيرة في النار، وأما في الدنيا فهو عندهم ليس مؤمنًا ولا كافرًا، وإنما في منزلة بين المنزلتين.
وأما المرجئة الخالصة: فقالوا: "إنه لا يضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة". فمرتكب الكبيرة عندهم مؤمن كامل الإيمان ولا يستحق دخول النار.
وهذه الفرق كلها جانبت الصواب، وخالفت نصوص الكتاب والسنة والمذهب الحق في ذلك هو مذهب أهل السنة والجماعة؛ لدلالة نصوص الكتاب والسنة عليه وهو
_________________
(١) ١ انظر في هذه التعاريف وغيرها مدارج السالكين لابن القيم ١/٣٢٠، وما بعدها. ٢ لوامع الأنوار للسفاريني ١/٣٦٥، وانظر الفتاوى لابن تيمية ١١/٦٥٠، وما بعدها.
[ ٣٠٦ ]
وسط بين هذه المذاهب الضالة، فمن مات على كبيرة فأمره مفوض إلى الله إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه، وإذا عاقبه بها فإنه لا يخلد خلود الكفار بل يخرج من النار ويدخل الجنة١.
وقد اهتم ابن سعدي ببيان هذا الحكم والرد على من خالفه، وذكر له أدلة كثيرة من الكتاب والسنة.
قال ﵀: "كبائر الذنوب وصغائرها لا تصل بصاحبها إلى الكفر ولكنها تنقص الإيمان من غير أن تخرجه من دائرة الإسلام، ولا يخلد صاحبها في النار.
ولا يطلقون عليه اسم الكفر كما تقوله الخوارج، أو ينفون عنه الإيمان كما تقول المعتزلة، بل يقولون هو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته فمعه مطلق الإيمان، أما الإيمان المطلق فينفى عنه"٢.
وقد استدل ابن سعدي على أن الكبائر لا يكفر صاحبها، ولا توجب الخلود في النار بأدلة كثيرة.
منها: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ٣.
قال ابن سعدي: "في قوله ﴿أَخِيهِ﴾ دليل على أن القاتل لا يكفر، لأن المراد بالأخوة هنا الأخوة الإيمانية فلم يخرج بالقتل منها.
ومن باب أولى سائر المعاصي التي هي دون القتل، ولا يكفر بها فاعلها وإنما ينقص بذلك إيمانه"٤.
ومنها: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ ٥.
قال ابن سعدي: "الإيمان والأخوة الإيمانية لا يزولان مع وجود الاقتتال كغيره من الذنوب والكبائر التي دون الشرك، وعلى ذلك مذهب أهل السنة والجماعة"٦.
وقد استدل الخوارج والمعتزلة على مذهبهم الباطل بنصوص من القرآن، من تأملها وجد أنها حجة عليهم لا لهم.
_________________
(١) ١ انظر القعيدة الواسطية شرح الهراس /١٢١، ١٢٢، ولوامع الأنوار البهية للسفاريني ١/٣٦٦، وما بعدها. ومعارج القبول للحكمي ٢/٤١٧ وما بعدها. ٢ الفتاوى السعدية /١٨. ٣ سورة البقرة/ الآية ١٧٨. ٤ التفسير /١/٢١٦. ٥ سورة الحجرات/ الآية ٩. ٦ التفسير ٧/١٣٤، ١٣٥.
[ ٣٠٧ ]
يقول ابن سعدي: "وكل مبطل يحتج بآية أو حديث صحيح على قوله الباطل فلا بد أن يكون فيما احتج به حجة عليه"١، ولذلك كان في تفسيره للقرآن إذا مر بآية استدل بها الخوارج والمعتزلة على مذهبم الباطل، بين أن في الآية المستدل بها حجة عليهم لا لهم٢.
ومن أمثلة ذلك استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ ٣.
قال ابن سعدي: "ويدخل في اسم المعصية الكفر فما دونه من المعاصي، فلا يكون فيها شبهة للخوارج القائلين بكفر أهل المعاصي فإن الله تعالى رتب دخول الجنة على طاعته وطاعة رسوله ورتب دخول النار على معصيته ومعصية رسوله فمن أطاعه طاعة تامة دخل الجنة بلا عذاب، ومن عصى الله ورسوله معصية تامة يدخل فيها الشرك فما دونه دخل النار وخلد فيها.
ومن اجتمع فيه معصية وطاعة كان فيه من موجب الثواب والعقاب بحسب ما فيه من الطاعة والمعصية.
وقد دلت النصوص المتواترة على أن الموحدين الذين معهم طاعة التوحيد غير مخلدين في النار"٤.
ومن أمثلة ذلك أيضًا استدلالهم بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ٥.
قال ابن سعدي: "في هذا أن الربا موجب لدخول النار والخلود فيها، وذلك لشناعته، ما لم يمنع من الخلود مانع الإيمان.
وهذا من جملة الأحكام التي تتوقف على وجود شروطها وانتفاء موانعها وليس فيها
_________________
(١) ١ التفسير ١/١٠٣. ٢ انظر التفسير ٧/٤٩٥، ٢/٣٦، ٧، ٢٣/١٢٩، ٥/٤٩٦، ١/٣٣٨، ١/١٠٣، والتنبيهات اللطيفة /٥١ وغيرها. ٣ سورة النساء/ الآية ١٤. ٤ التفسير ٢/٣٦، ٣٧. ٥ سورة البقرة/ الآية ٢٧٥.
[ ٣٠٨ ]
حجة للخوارج كغيرها من آيات الوعيد، فالواجب أن تصدق جميع نصوص الكتاب والسنة فيؤمن العبد بما تواترت به النصوص، من خروج من في قلبه أدنى مثقال حبة خردل من الإيمان من النار"١.
وانظر بقية الأمثلة على ذلك في الصفحات المشار إليها آنفا بالهامش، تجد أن كل مبطل إذا استدل بنص صحيح على باطله يكون فيما استدل به حجة عليه.
وإنما هدى الله أهل السنة والجماعة للحق في ذلك لجمعهم بين النصوص وتوفيقهم بينها، لا كما يفعله المبطلة من الأخذ بطرف من النصوص وتركهم طرفًا آخر لاشتماله على رد عليهم.
الجمع بين النصوص الواردة في خلود مرتكب الكبيرة في النار، وبين النصوص التي تدل على أنه لا يخلد في النار إلا المشرك:
قد يشكل على بعض ورود كثير من الآيات فيها ذكر خلود مرتكب الكبيرة في النار، وآيات أخرى فيها أنه لا يخلد في النار إلا المشرك.
وقد أورد ابن سعدي هذا الإشكال وأجاب عنه جوابًا شافيًا فقال: "ورد في القرآن عدة آيات فيها ذكر الخلود في النار على ذنوب كبائر ليست بكفر مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ ٢.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ ٣.
وقوله: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ٤.
فما الجمع بينها وبين النصوص المتواترة من الكتاب والسنة أنه لا يخلد في النار إلا الكفار، وأن جميع المؤمنين مهما عملوا من المعاصي التي دون الكفر فإنهم لا بد أن يخرجوا منها؟
_________________
(١) ١ التفسير ١/٣٣٩. ٢ سورة النساء/ الآية ٩٣. ٣ سورة النساء/ الآية ١٤. ٤ سورة البقرة/ الآية ٨١.
[ ٣٠٩ ]
فهذه الآيات قد اتفق السلف على تأويلها وردها إلى هذا الأصل المجمع عليه بين سلف الأمة.
وأحسن ما يقال فيها أن ذكر الخلود على بعض الذنوب التي دون الشرك والكفر أنها من باب ذكر السبب، وأنها سبب للخلود في النار لشناعتها، وأنها بذاتها توجب الخلود إذا لم يمنع من الخلود مانع.
ومعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن الإيمان مانع من الخلود، فتنزل هذه النصوص على الأصل المشهور وهو أنه لا تتم الأحكام إلا بوجود شروطها وأسبابها وانتفاع موانعها، وهذا واضح ولله الحمد مع أن بعض الآيات المذكورة فيها ما يدل على أن الخطيئة المراد بها الكفر، لأن قوله: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ دليل على ذلك، لأن المعاصي التي دون الكفر لا تحيط بصاحبها، بل لا بد أن يكون معه إيمان يمنع من إحاطتها، وكذلك قوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾ ١ فالمعصية تطلق على الكفر وعلى الكبائر وعلى الصغائر ومن المعلوم أنه إذا دخل فيها الكفر زال الإشكال"٢.
وبهذا التوفيق الذي ذكره ابن سعدي يزول هذا الإشكال ثم إن القاعدة في الذنوب عند السلف:
أنها إن كانت دون الشرك فهي تحت مشيئة الله إن شاء عذب فاعلها وإن شاء عفا عنه وإن عذبه فإنه لا يخلد في النار.
وأما إن كان في الذنوب إشراك بالله فصاحبها خالد مخلد في نار جهنم، دل على هذه القاعدة العظيمة قوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٣.
وهذا آخر الحديث عن الإيمان وما يتعلق به، وبه نهاية الفصل الرابع من الباب الثاني والأخير
والحمد لله رب العالمين..
_________________
(١) ١ سورة النساء/ الآية ١٤. ٢ الخلاصة /١٨٨، وانظر أيضًا التفسير ٢/١٢٩. ٣ سورة النساء/ الآيتان ٤٨، ١١٦.
[ ٣١٠ ]
الخاتمة
[ ٣١١ ]
الخاتمة
الحمد لله الذي بحمده تتم الصالحات، أحمده على توفيقه، وأثني عليه الخير كله، لا أحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه.
وبعد: فقد تمت هذه الرسالة بحمد الله تعالى، وقد عنيت فيها ببيان جهود العلامة الشيخ عبد الرحمن بن سعدي العقدية، والتي تنمي عن حرصه الشديد وجهوده المكثفة لنصرة هذه العقيدة.
وعرضنا هذا لجهوده يبين لنا شدة عنايته بالعقيدة بجميع جوانبها، فكما تقدم في الرسالة كان حديثه عن العقيدة شاملًا لجوانب كثيرة وجزئيات متنوعة ونقاط متعددة من جوانب العقيدة، شاملًا أيضًا للردود على كل من خالف هذه العقيدة الصافية المأخوذة من الكتاب والسنة، والتي لا فلاح ولا نجاح ولا سعادة إلا بتحقيقها.
وكلامه في هذا كله مدعم بالأدلة النقلية، أدلة الكتاب والسنة، فهو في كل مسألة يبينها وينصرها، وفي كل شبهة يدحضها ويبين بطلانها وزيفها، يستدل على ذلك بأدلة صحيحة صريحة واضحة في الدلالة على المقصود، لا لبس فيها ولا غموض، بعيدة عن تكلفات الفلاسفة والمؤولة والمعطلة وغيرهم، فهو ينهج في تقريراته وردوده منهج السلف الصالح، يرتسم خطاهم ويسير على نهجهم ويقتفي آثارهم، وقد استفاد كثيرًا من كتب المتقدمين من علماء السلف وذلك لعنايته الشديدة بها.
كما تأثر ﵀ بالعالمين الجليلين الذين خدما العقيدة خدمة جليلة، وهما شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم الجوزية، فقد استفاد ﵀ كثيرًا من كتبهما واعتنى بها عناية شديدة فشرح بعضها واختصر بعضها واستخرج قواعد وضوابط من أكثرها، وكان يثني عليها ويحث طلابه على قراءتها وقد ظهر تأثره بهما في تقريراته وردوده في مؤلفاته.
كما عنيت في هذه الرسالة بدارسة شاملة لحياة ابن سعدي تناولت فيها جانبي حياته الشخصي والعلمي، وقد ظهر لنا فيها حرص الشيخ منذ نشأته على طلب العلم وتحصيله فقد أمضى حياته وأفنى جميع أوقاته في العلم حفظًا ودارسة وتحصيلًا وعملًا وتطبيقًا وتدريسًا ولا يصرفه عنه أي أمر من الأمور.
[ ٣١٢ ]
وفي الحقيقة إن الشيخ ابن سعدي يعد شخصية علمية بارزة، جديرة بالاهتمام من الباحثين، فقد أدى ﵀ دورًا كبيرًا في خدمة هذا الدين ونصرته، عن طريق المواعظ والخطب والدروس العلمية والمؤلفات النافعة وغير ذلك، فقد جلس للتدريس والتعليم أكثر من المؤلفات العلمية القيمة النافعة ما يربو على أربعين مؤلفًا تناول فيها العقيدة والتفسير والحديث والفقه والأصول وغير ذلك، ومؤلفاته جميعها تمتاز بسهولة العبارة، وقرب المأخذ، والبعد عن التكليف وهي جديرة بالعناية من طلبة العلم.
وقد كان ﵀ في حياته متصفًا بجملة من الصفات الكريمة، فكان متواضعًا كريمًا بشوشًا، عطوفًا على الفقراء مساعدًا لهم، محبًا للخير مقدمًا عليه، وكان محل إعجاب الناس وثنائهم، فلا يذكر إلا بكل خير ولا يوصف إلا بكل حميد، وكان محل ثناء العلماء، فحمدوا فيه سعة علمه وحسن خلقه، فرحمه الله وغفر له وأسكنه فسيح جناته.
هذا والله الكريم أسأل أن أكون قد وفقت فيما أردت بيانه في هذه الرسالة، وأن يقيل عثراتي ويجنبني الزلل، فهو حسبي ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
[ ٣١٣ ]