الشيعة ومخالفتهم أهل البيت
إن الشيعة حاولوا خداع الناس بأنهم موالون لأهل لبيت النبي - ﷺ -، وأنهم أقرب الناس إلى الصحة والصواب من بين طوائف المسلمين، وأفضلهم وأهداهم لتمسكهم بأقارب النبي - ﷺ - وذويه، وإن المتمسكين بأقوالهم، والعاملين بهديهم، والسالكين مسلكهم، والمتتبعين آثارهم وتعاليمهم هم وحدهم لا غيرهم.
ولقد فصلنا القول فيما قبل أن القوم لا يقصدون من أهل البيت أهل بيت النبوة، وأنهم لا يوالونهم ولا يحبونهم، بل يريدون ويقصدون من وراء ذلك عليًا ﵁ وأولاده المخصوصين المعدودين.
ونريد أن نثبت في هذا الباب أن الشيعة لا يقصدون في قولهم إطاعة أهل البيت واتباعهم لا أهل بيت نبي - ﷺ - ولا أهل بيت علي ﵁ فإنهم لا يهتدون بهديهم. ولا يقتدون برأيهم، ولا ينهجون منهجهم، ولا يسلكون مسلكهم، ولا يتبعون أقوالهم وآرائهم، ولا يطيعونهم في أوامرهم وتعليماتهم بل عكس ذلك يعارضونهم ويخالفونهم مجاهرين معلنين قولًا وعملًا، ويخالفون آرائهم وصنيعهم مخالفة صريحة. وخاصة في خلفاء النبي الراشدين، وأزواجه الطاهرات المطهرات، وأصحابه البررة، حملة هذا الدين ومبلغين رسالته إلى الآفاق والنفس،
[ ٢٩ ]
وناشرين دين الله، ورافعين راية الله، ومعلنين كلمته، ومجاهدين في سبيله حق جهاده، ومقدمين مضحين كل غال وثمين في رضاه، راجين رحمته، خائفين عذابه، قوامين بالليل، صوامين بالنهار الذين ذكرهم الله ﷿ في كتابه المحكم: ﴿الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد﴾ (١).
ذكرهم فيه جل وعلا: ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفًا وطمعًا ومما رزقناهم ينفقون﴾ (٢).
وقال ﵎: ﴿الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض، ربنا ما خلقت هذا باطلًا سبحانك فقنا عذاب النار﴾ (٣).
وقال وهو أصدق القائلين حيث يصف أصحاب رسوله المصطفى - ﷺ -: ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعًا سجدًا يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرًا عظيمًا﴾ (٤).
وقال سبحانه، ما أعظم شأنه، في شركاء غزوة تبوك: ﴿لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم﴾ (٥).
كما قال في الذين شاركوه في غزوة الحديبية: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ
_________________
(١) سورة فصلت الآية٤٢
(٢) سورة السجدة الآية١٦
(٣) سورة آل عمران الآية١٩١
(٤) سورة الفتح الآية٢٩
(٥) سورة التوبة الآية١١٧
[ ٣٠ ]
يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحًا قريبًا ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزًا حكيمًا﴾ (١).
وقال: فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابًا من عند الله والله عنده حسن ثواب" (٢).
وشهد بإيمانهم الحقيقي الثابت بقوله: والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقًا لهم مغفرة ورزق كريم" (٣).
وذكر السابقين من الأصحاب المهاجرين منهم والأنصار ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا ذلك الفوز العظيم﴾ (٤).
كما ذكر المهاجرين والأنصار عامة وضمن لهم الفلاح والنجاح بقوله: ﴿للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانًا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون * والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون" (٥).
ويذكر جل مجده المؤمنين المنفقين قبل الفتح - أي فتح مكة - وبعده مثنيًا عليهم مادحًا فيهم: ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلًا وعد الله الحسنى والله بما
_________________
(١) سورة الفتح الآية١٨، ١٩
(٢) سورة آل عمران الآية ١٩٥
(٣) سورة الأنفال الآية٧٤
(٤) سورة التوبة الآية١٠٠
(٥) سورة الحشر الآية٨، ٩
[ ٣١ ]
تعملون خبير﴾ (١).
ثم يقرن ذكر الأصحاب مع نبيه وصفيه المصطفى صلوات الله وسلامه عليه بدون فاصل حيث يذكرهم جميعًا معًا في قوله عز من قائل: ﴿إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا﴾ (٢).
وأيضًا في قوله: ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا﴾ (٣).
وأيضًا: ﴿وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والذين آمنوا﴾ (٤).
وأيضًا: ﴿لكن الرسول والذين آمنوا معه﴾ (٥).
وقال: ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون﴾ (٦).
وأيضًا: ﴿بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم﴾ (٧).
وقال: ﴿فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين﴾ (٨).
يذكر الله المؤمنين من أمة محمد وعلى رأسهم أصحاب النبي ﵇ المؤمنين الأولين الحقيقيين قارنًا ذكرهم بذكر النبي - ﷺ -.
وقال ﷾: ﴿إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم﴾ (٩).
كما ذكر الله ﷿ خروج نبيه من مكة وهجرته منها مع ذكر خروج أصحابه وهجرتهم حيث قال: ﴿يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم﴾ (١٠).
كما ذكر صديقه ورفيقه في الغار: ﴿إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا
_________________
(١) سورة الحديد الآية١٠
(٢) سورة آل عمران الآية٦٨
(٣) سورة المائدة الآية٥٥
(٤) سورة التوبة الآية١٠٥
(٥) سورة التوبة الآية٨٨
(٦) سورة المنافقون الآية٨
(٧) سورة الفتح الآية١٢
(٨) سورة الفتح الآية٢٦
(٩) سورة الفتح الآية١٠
(١٠) سورة الممتحنة الآية١
[ ٣٢ ]
فأنزل الله سكينته﴾ (١).
ويقول في أزواجه المطهرات: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم﴾ (٢).
ويقول: ﴿يا نساء النبي لستن كأحد من النساء﴾ (٣).
وغير ذلك من الآيات الكثيرة الكثيرة.
فلنرى الشيعة الزاعمين اتباع أهل البيت، المدّعين موالاتهم وحبهم، ونرى أئمتهم المعصومين - حسب قولهم - آل البيت ماذا يقولون في أصحاب رسول الله - ﷺ -، وماذا يعتقدون فيهم؟
وهل أهل بيت النبي يبغضون أصحاب نبيهم، ويشتمونهم، بل ويكفرونهم، ويلعنونهم كما يلعنهم هؤلاء المتزعمون؟ أم غير ذلك يوالونهم، ويتواددون إليهم، ويتعاطفونهم ويساعدونهم في مشاكلهم، ويشاورونهم في أمورهم، ويقاسمونهم همومهم وآلامهم، ويشاركونهم في دينهم ودنياهم، ويشاطرونهم الحكم والحكومة، ويبايعونهم على إمرتهم وسلطانهم، ويجاهدون تحت رايتهم، ويأخذون من الغنائم التي تحصل من طريقهم، ويتصاهرون معهم، يتزوجون منهم ويزوجونهم بهم، يسمون أبناءهم بأسماءهم، ويتبركون بذكرهم، يذاكرونهم في مجالسهم، ويرجعون إليهم في مسائلهم، ويذكرون فضائلهم ومحامدهم، ويقرّون بفضل أهل الفضل منهم، وعلم أهل العلم، وتقوى المتقين، وطهارة العامة وزهدهم.
نسرد هذا كله وقد عاهدنا أن لا نرجع إلا إلى كتب القوم أنفسهم لعلي الحق يظهر، والصدق يجلو، والباطل يكبو، والكذب يخبو، اللهم إلا نادرًا نذكر شيئًا تأييدًا واستشهادًا، لا أصلًا، ولا استدلالًا، ولا اسقلالًا، ولا يكون
_________________
(١) سورة التوبة الآية٤٠
(٢) سورة الأحزاب الآية٦
(٣) سورة الأحزاب الآية ٣٦
[ ٣٣ ]
إلزام الخصم إلا من كتبهم هم، وبعباراتهم أنفسهم، ومن أفواه أناس يزعمونهم أئمتهم، وهم منهم براء وقد قيل قديمًا إن السحر ما يقرّبه المسحور. والحق ما يشهد به المنكر، وما نريد من وراء ذلك إلا الإظهار بأن أئمة الحق وأهل البيت ليسوا مع القوم في القليل ولا في الكثير، ولعل الله يهدى به أناسًا اغتروا بحب أهل البيت حيث ظنوا أن معتقدات الشيعة وضعها أئمة أهل البيت، وأسسوا قواعدها، ورسخوا أصولها، فهم يحبونهم، ويبغضون أعدائهم - حسب زعمهم - الذين غصبوا حقهم وحرموهم من ميراث النبي، وظلموهم.
ويتبين من هذا البحث إن شاء الله علاقة الشيعية الحقيقية بآل البيت وعلاقتهم معهم.
فها هو علي بن أبي طالب - ﵁ - الخليفة الراشد الرابع عندنا، والإمام المعصوم الأول عندهم، وسيد أهل البيت - يذكر أصحاب النبي عامة، ويمدحهم، ويثني عليهم ثناء عاطرًا بقوله: لقد رأيت أصحاب محمد - ﷺ -، فما أرى أحدًا يشبههم منكم! لقد كانوا يصبحون شعثًا غبرًا، وقد باتوا سجدًا وقيامًا، يراوحون بين جباههم وخدودهم، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم! كأن بين أعينهم ركب المعزى من طول سجودهم! إذا ذكر الله هملت أعينهم حتى تبل جيوبهم، ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف، خوفًا من العقاب، ورجاء للثواب" (١).
وهذا هو سيد أهل البيت يمدح أصحاب النبي عامة، ويرجحهم على أصحابه وشيعته الذين خذلوه في الحروب والقتال، وجبنوا عن لقاء العدو ومواجهتهم، وقعدوا عنه وتركوه وحده، فيقول موازنًا بينهم وبين صحابة رسول الله: ولقد كنا مع رسول الله - ﷺ -، نقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا
_________________
(١) نهج البلاغة ص١٤٣ دار الكتاب بيروت ١٣٨٧هـبتحقيق صبحي صالح، ومثل ذلك ورد في "الإرشاد" ص١٢٦
[ ٣٤ ]
وأعمامنا: ما يزيدنا ذلك إلا إيمانًا وتسليمًا، ومضيًا على اللقم، وصبرًا على مضض الألم، وجدًا في جهاد العدو، ولقد كان الرجل منا والآخر من عدونا يتصاولان تصاول الفحلين، يتخالسان أنفسهما: أيهما يسقي صاحبه كأس المنون، فمرة لنا من عدونا، ومرة لعدونا منا، فلما رأى الله صدقنا أنزل بعدونا الكبت، وأنزل علينا النصر، حتى استقر الإسلام ملقيًا جرانه، ومتبوئا أوطانه. ولعمري لو كنا نأتي ما أتيتم، ما قام للدين عمود، ولا اخضر للإيمان عود. وأيم الله لتحتلبنها دمًا، ولتتبعنها ندمًا" (١).
ويذكرهم أيضًا مقابل شيعته المنافقين المتخاذلين، ويأسف على ذهابهم بقوله: أين القوم الذين دعوا إلى الإسلام فقبلوه، وقرءوا القرآن فأحكموه، وهيجوا إلى القتال فولهوا وله اللقاح إلى أولادها، وسلبوا السيوف أغمادها، وأخذوا بأطراف الأرض زحفًا زحفًا وصفًا صفًا، بعض هلك وبعض نجا، لا يبشرون بالأحياء ولا يعزون عن الموتى، مرة العيون من البكاء، خمص البطون من الصيام، ذبل الشفاه من الدعاء، صفر الألوان من السهر، على وجوههم غبرة الخاشعين، أولئك إخواني الذاهبون، فحق لنا أن نظمأ إليهم ونعض الأيدي على فراقهم" (٢).
ويذكرهم، ويذكر بما فازوا به من نعيم الدنيا والآخرة، ولهم حظ وافر من كرم الله وإحسانه، حيث يقول: واعلموا عباد الله أن المتقين ذهبوا بعاجل الدنيا وآجل الآخرة، فشاركوا أهل الدنيا في دنياهم، ولم يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم، سكنوا الدنيا بأفضل ما سكنت، وأكلوها بأفضل ما أكلت، فحظوا من الدنيا بما حظي به المترفون، وأخذوا منها ما أخذه الجبابرة المتكبرون، ثم انقلبوا عنها بالزاد المبلغ والمتجر الرابح، أصابوا لذة زهد الدنيا في دنياهم،
_________________
(١) "نهج البلاغة" بتحقيق صبحي صالح ص٩١، ٩٢ ط بيروت
(٢) "نهج البلاغة" بتحقيق صبحي صالح ص١٧٧، ١٧٨
[ ٣٥ ]
وتيقنوا أنهم جيران الله غدًا في آخرتهم، لا ترد لهم دعوة ولا ينقص لهم نصيب من لذة" (١).
ويمدح المهاجرين من الصحابة في جواب معاوية بن أبي سفيان ﵄ فيقول: فاز أهل السبق بسبقهم، وذهب المهاجرون الأولون بفضلهم (٢).
وأيضًا: "وفي المهاجرين خير كثير تعرفه، جزاهم الله خير الجزاء" (٣).
كما مدح الأنصار من أصحاب محمد ﵇ بقوله هم والله ربوا الإسلام كما يربي الفلو مع غنائهم، بأيديهم السباط، وألسنتهم السلاط" (٤).
ومدحهم مدحًا بالغًا موازنًا أصحابه ومعاوية مع أنصار النبي بقوله: أما بعد! أيها الناس فوالله لأهل مصركم في الأمصار أكثر من الأنصار في العرب، وما كانوا يوم أعطوا رسول الله - ﷺ - أن يمنعوه ومن معه من المهاجرين حتى يبلغ رسالات ربه إلا قبيلتين صغير مولدها، وما هما بأقدم العرب ميلادًا، ولا بأكثرهم عددًا، فلما آووا النبي - ﷺ - وأصحابه، ونصروا الله ودينه، رمتهم العرب عن قوس واحدة، وتحالفت عليهم اليهود، وغزتهم اليهود والقبائل قبيلة بعد قبيلة، فتجردوا لنصرة دين الله، وقطعوا ما بينهم وبين العرب من الحبائل وما بينهم وبين اليهود من العهود، ونصبوا لأهل نجد وتهامة وأهل مكة واليمامة وأهل الحزن والسهل (٥) قناة الدين، وتصبروا تحت أحلاس الجلاد حتى دانت لرسول الله - ﷺ - العرب، ورأى فيهم قرة العين قبل أن يقبضه الله إليه، فأنتم في الناس أكثر من أولئك في أهل ذلك الزمان من العرب" (٦).
_________________
(١) "نهج البلاغة" ص٣٨٣ بتحقيق صبحي صالح
(٢) "نهج البلاغة" ص٣٨٣ بتحقيق صبحي صالح
(٣) "نهج البلاغة" ص٣٨٣ بتحقيق صبحي صالح
(٤) "نهج البلاغة" ص٥٥٧ تحقيق صبحي صالح
(٥) وأقاموا
(٦) "الغارات" ج٢ ص٤٧٩، ٤٨٠
[ ٣٦ ]
وسيد الرسل نفسه يمدح الأنصار حسب قول الشيعة "اللهم اغفر للأنصار، وأبناء الأنصار، وأبنا أبناء الأنصار، يا معشر الأنصار! أما ترضون أن ينصرف الناس بالشاه والنعم، وفى سهمكم رسول الله - ﷺ - " (١).
وكذلك "قال النبي - ﷺ -: الأنصار كرشي وعيني، ولو سلك الناس واديا، وسلك الأنصار شعبًا لسلكت شعب الأنصار" (٢).
ويروي المجلسي (٣) عن الطوسي رواية موثوقة عن علي بن أبي طالب أنه قال لأصحابه: أوصيكم في أصحاب رسول الله - ﷺ -، لا تسبوهم،
_________________
(١) تفسير "منهج الصادقين" ج٤ ص٢٤٠، أيضًا "كشف الغمة" ج١ ص٢٢٤
(٢) تفسير "منهج الصادقين" ج٤ ص٢٤٠، أيضًا "كشف الغمة" ج١ ص٢٢٤
(٣) والمجلسي هو الملا محمد باقر بن محمد تقي المجلسي، ولد سنة ١٠٣٧هـ، ومات سنة ١١١٠هـ، من ألد أعداء السنة وخصومهم، ولم ير مثله في الشيعة المتأخرين سليط اللسا، بذيًا، فاحشًا، لا يتكلم بكلمة إلا ويتدفق الفحش والهجاء من كلامه، يسمونه "خاتمة المجتهدين" و"إمام الأئمة في المتأخرين"، يقول القمي: المجلسي إذا أطلق فهو شيخ الإسلام والمسلمين، مروج المذهب والدين، الإمام، العلامة، المحقق، المدقق .. لم يوفق أحد في الإسلام مثل ما وفق هذا الشيخ العزم وأمير الخضم والطود الأشم من ترويج المذهب، وإعلاء كلمة الحق، وكسر صولة المبتدعين، وقمع زخارف الملحدين، وإحياء دارس سنن الدين المبين، ونشر آثار أئمة المسلمين بطرق عديدة وأنحاء مختلفة أجلها وأبقاها الرائقة الأنيقة الكثيرة" (الكنى والألقاب ج٣ ص١٢١). وقال الخوانساري: هذا الشيخ كان إمامًا في وقته في علم الحديث وسائر العلوم، وشيخ الإسلام بدار السلطنة أصفهان، رئيسًا فيها بالرياسة الدينية والدنيوية، إمامًا في الجمعة والجامعة .. ولشيخنا المذكور مصنفات منها كتاب "بحار الأنوار" الذي جمع فيه جميع العلوم وهو يشتمل على مجلدات، وكتب كثيرة في العربية والفارسية" (روضات الجنات ج٢ ص٧٨ وما بعد)
[ ٣٧ ]
فإنهم أصحاب نبيكم، وهم أصحابه الذين لم يبتدعوا في الدين شيئًا، ولم يوقروا صاحب بدعة، نعم! أوصاني رسول الله (- ﷺ -) في هؤلاء" (١).
ويمدح المهاجرين والأنصار معًا حيث يجعل في أيديهم الخيار لتعيين الإمام وانتخابه، وهم أهل الحل والعقد في القرن الأول من بين المسلمين وليس لأحد أن يرد عليهم، ويتصرف بدونهم، ويعرض عن كلمتهم، لأنهم هم الأهل للمسلمين والأساس كما كتب لأمير الشام معاوية بن أبي سفيان ﵄ ردًا عليه دعواه بإمرة المؤمنين وحكم المسلمين، فإن الإمام من جعله أصحاب محمد إمامًا لا غير، فها هو علي بن أبى طالب ﵁ يذكّر معاوية بهذه الحقيقة ويستدل بها على أحقيته بالإمامة، والكلام من كتاب القوم.
"إنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسموه إمامًا كان ذلك لله رضى، فإن خرج منهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى" (٢).
فماذا موقف الشيعة من علي بن أبى طالب ﵁ ومن كلامه هذا حيث يجعل:
أولًا: الشورى بين المهاجرين والأنصار من أصحاب النبي - ﷺ - وبيدهم الحل والعقد رغم أنوف القوم.
ثانيًا: اتفاقهم على شخص سبب لمرضات الله وعلامة لموافقته ﷾ إياهم.
ثالثًا: لا تنعقد الإمامة في زمانهم دونهم، وبغير اختيارهم ورضاهم (٣).
_________________
(١) "حياة القلوب للمجلسي" ج٢ ص٦٢١
(٢) "نهج البلاغة" ج٣ ص٧ ط بيروت تحقيق محمد عبده وص٣٦٧ تحقيق صبحي
(٣) وقد حل الإشكال من هذا أيضًا بأن الإمامة والخلافة في الإسلام لا تنعقد إلا بالشورى والانتخاب، لا بالتعيين والوصية والتنصيص كما يزعمه الشيعة مخالفين نصوص أئمتهم ومعصوميهم حسب زعمهم
[ ٣٨ ]
رابعًا: لا يرد قولهم ولا يخرج من حكمهم (أي الصحابة) إلا المبتدع أو الباغي، والمتبع والسالك غير سبيل المؤمنين.
خامسًا: يقاتل مخالف الصحابة، ويحكم السيف فيه.
سادسًا: وفوق ذلك يعاقب عند الله لمخالفته رفاق رسول الله - ﷺ - وأحبائه، المهاجرين منهم والأنصار رضي الله عنهم ورضوا عنه وأولاد عليّ على شاكلته.
فها هو علي بن الحسين الملقب بزين العابدين - الإمام المعصوم الرابع عند القوم - وسيد أهل البيت في زمانه يذكر أصحاب محمد ﵊، ويدعو لهم في صلاته بالرحمة والمغفرة لنصرتهم سيد الخلق في نشر دعوة التوحيد وتبليغ رسالة الله إلى خلقه فيقول: فاذكرهم منك بمغفرة ورضوان اللهم وأصحاب محمد خاصة، الذين أحسنوا الصحابة، والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره، وكاتفوه وأسرعوا إلى وفادته، وسابقوا إلى دعوته، واستجابوا له حيث أسمعهم حجة رسالته، وفارقوا الأزواج والأولاد في إظهار كلمته، وقاتلوا الآباء والأبناء في تثبيت نبوته، والذين هجرتهم العشائر إذ تعلقوا بعروته، وانتفت منهم القرابات إذ سكنوا في ظل قرابته، اللهم ما تركوا لك وفيك، وأرضهم من رضوانك وبما حاشوا الحق عليك، وكانوا من ذلك لك وإليك، واشكرهم على هجرتهم فيك ديارهم وخروجهم من سعة المعاش إلى ضيقه ومن كثرة في اعتزاز دينك إلى أقله، اللهم وأوصل إلى التابعين لهم بإحسان الذين يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان خير جزائك، الذين قصدوا سمتهم، وتحروا جهتهم، لو مضوا إلى شاكلتهم لم يثنهم ريب في بصيرتهم، ولم يختلجهم شك في قفو آثارهم والائتمام بهداية منارهم مكانفين وموازرين لهم، يدينون بدينهم، ويهتدون بهديهم، يتفقون عليهم، ولا يتهمونهم فيما أدوا إليهم" (١).
_________________
(١) صحيفة كاملة لزين العابدين ص١٣ ط مطبعة طبي كلكته الهند ١٢٤٨هـ
[ ٣٩ ]
وواحد من أبنائه حسن بن علي المعروف بالحسن العسكري - الإمام الحادي عشر عند القوم - يقول في تفسيره: إن كليم الله موسى سأل ربه هل في أصحاب الأنبياء أكرم عندك من صحابتي؟ قال الله: يا موسى! أما عملت أن فضل صحابة محمد - ﷺ - على جميع صحابة المرسلين كفضل محمد - ﷺ - على جميع المرسلين والنبيين" (١).
وكتب بعد ذلك في تفسير الحسن العسكري "إن رجلًا ممن يبغض آل محمد وأصحابه الخيرين أو واحدًا منهم يعذبه الله عذابًا لو قسم على مثل عدد خلق الله لأهلكهم أجمعين" (٢).
ولأجل ذلك قال جده الأكبر علي بن موسى الملقب بالرضا - الإمام الثامن عند الشيعة - حينما سئل "عن قول النبي - ﷺ -: أصحابي كالنجوم فبأيهم اقتديتم اهديتم (٣).
وعن قوله ﵇: دعوا لي أصحابي:؟ فقال ﵇: هذا صحيح" (٤).
هذا ونقل ما قاله ابن عم النبي - ﷺ - وابن عم علي ﵁ عبد الله بن عباس - فقيه أهل البيت وعامل علي ﵁ - أنه قال في حق الصحابة: إن الله جل ثناؤه وتقدست أسماءه خص نبيه محمدًا - ﷺ - بصحابة آثروه على الأنفس والأموال، وبذلوا النفوس دونه في كل حال،
_________________
(١) تفسير الحسن العسكري ص٦٥ ط الهند، وأيضًا "البرهان" ج٣ ص٢٢٨، واللفظ له
(٢) تفسير الحسن العسكري ص١٩٦
(٣) وينبغي الانتباه أننا ننقل هذه الرواية من الشيعة أنفسهم، فالرواية روايتهم وهي حجة عليهم
(٤) نص ما ذكره الرضا نقلًا عن كتاب "عيون أخبار الرضا" لابن بابويه القمي الملقب بالصدوق تحت قول النبي: أصحابي كالنجوم ج٢ ص٨٧
[ ٤٠ ]
ووصفهم الله في كتابه فقال: ﴿رحماء بينهم﴾ الآية، قاموا بمعالم الدين، وناصحوا الاجتهاد للمسلمين، حتى تهذبت طرقه، وقويت أسبابه، وظهرت آلاء الله، واستقر دينه، ووضحت أعلامه، وأذل بهم الشرك، وأزال رؤوسه ومحا دعائمه، وصارت كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى، فصلوات الله ورحمته وبركاته على تلك النفوس الزاكية، والأرواح الطاهرة العالية، فقد كانوا في الحياء لله أولياء، وكانوا بعد الموت أحياء، وكانوا لعباد الله نصحاء، رحلوا إلى الآخرة قبل أن يصلوا إليها، وخرجوا من الدنيا وهم بعد فيها" (١).
ويروي ابن علي بن زين العابدين محمد الباقر رواية تنفى النفاق من أصحاب رسول الله - ﷺ -، وتثبت لهم الإيمان ومحبة الله ﷿ كما أوردها العياشي والبحراني (٢) في تفسيريهما تحت قول الله ﷿: ﴿إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾.
عن سلام قال: كنت عند أبي جعفر، فدخل عليه حمران بن أعين، فسأله عن أشياء، فلما هم حمران بالقيام قال لأبي جعفر ﵇: أخبرك أطال الله بقاك وأمتعنا بك، إنا نأتيك فما نخرج من عندك حتى ترق قلوبنا، وتسلوا أنفسنا عن الدنيا، وتهون علينا ما في أيدي الناس من هذه الأموال، ثم نخرج من عندك، فإذا صرنا مع الناس والتجار أحببنا الدنيا؟ قال: فقال أبو جعفر ﵇: إنما هي القلوب مرة يصعب عليها الأمر ومرة يسهل، ثم
_________________
(١) "مروج الذهب" ج٣ ص٥٢، ٥٣ دار الأندلس بيروت
(٢) هو هاشم بن سليمان بن إسماعيل، ولد في قرية من القرى "التوبلى" في منتصف القرن الحادي عشر ومات في السنة ١١٠٧هـ. قال فيه الخوانساري "فاضل عالم ماهر مدق فقيه عارف بالتفسير والعربية والرجال، وكان محدثًا فاضلًا، جامعًا متتبعًا للأخبار بما لم يسبق إليه السابق سوى شيخنا المجلسي، ومن مصنفاته "البرهان في تفسير القرآن" (روضات الجنات ج٨ ص١٨١، أيضًا أعيان الشيعة")
[ ٤١ ]
قال أبو جعفر: أما إن أصحاب رسول الله - ﷺ - قالوا: يا رسول الله نخاف علينا النفاق، قال: فقال لهم: ولم تخافون ذلك؟ قالوا: إنا إذا كنا عندك فذكرتنا روعنا، ووجلنا، نسينا الدنيا وزهدنا فيها حتى كأنا نعاين الآخرة والجنة والنار ونحن عندك، فإذا خرجنا من عندك، ودخلنا هذه البيوت، وشممنا الأولاد، ورأينا العيال والأهل والمال، يكاد أن نحول عن الحال التي كنا عليها عندك، وحتى كأنا لم نكن على شيء، أفتخاف علينا أن يكون هذا النفاق؟ فقال لهم رسول الله - ﷺ -: كلا، هذا من خطوات الشيطان. ليرغبنكم في الدنيا، والله لو أنكم تدومون على الحال التي تكونون عليها وأنتم عندي في الحال التي وصفتم أنفسكم بها لصافحتكم الملائكة، ومشيتم على الماء، ولولا أنكم تذنبون، فتستغفرون الله لخلق الله خلقًا لكي يذنبوا، ثم يستغفروا، فيغفر الله لهم، إن المؤمن مفتن تواب، أما تسمع لقوله: ﴿إن الله يحب التوابين﴾ وقال: ﴿استغفروا ربكم ثم توبوا إليه﴾ (١).
وأما ابن الباقر جعفر الملقب بالصادق يقول: كان أصحاب رسول الله - ﷺ - اثنى عشر ألفا، ثمانية آلاف من المدينة، وألفان من مكة، وألفان من الطلقاء، ولم ير فيهم قدري ولا مرجئ ولا حروري ولا معتزلي، ولا صاحب رأي، كانوا يبكون الليل والنهار ويقولون: اقبض أرواحنا من قبل أن نأكل خبز الخمير" (٢).
هذا ولقد روى علي بن موسى الرضا عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: من زارني في حياتي أو بعد موتى فقد زار الله تعالى" (٣).
ورسول الله - ﷺ - الصادق الأمين وسيد الخلائق نفسه يشهد
_________________
(١) "تفسير العياشي" ج١ ص١٠٩، و"البرهان" ج١ ص٢١٥
(٢) "كتاب الخصال" للقمي ص٦٤٠ ط مكتبة الصدوق طهران
(٣) "عيون أخبار الرضا" لابن بابويه القمي ج١ ص١١٥
[ ٤٢ ]
لأصحابه بالسعادة والجنة حيث يقول،
ويرويه القمي (١) محدث القوم وإمامهم والملقب بالصدوق في كتابه الذي طبعته الشيعة أنفسهم "عن أبي أمامة أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: طوبى لمن رآنى وآمن بي" (٢).
وروى الميري القمي (٣) مثل هذه الرواية عن جعفر بن باقر عن أبيه "أن النبي - ﷺ - قال: من زارني حيًا وميتًا كنت له شفيعًا يوم القيامة" (٤).
_________________
(١) هو أبو جعفر محمد بن علي بن الحسن بن بابويه القمي الملقب بالصدوق، من مواليد أوائل القرن الرابع من الهجرة، وتوفي سنة ٣٨١ من الهجرة، ونشأ بقم، وقبر بالري، هو من كبار القوم ومحدثيهم، وكتابه "من لا يحضر الفقيه" أحد الكتب الأربعة التي تعد من أهم الكتب وأصحها في الحديث عند الشيعة، كما أن له مصنفات عديدة أخرى، وهو من المكثرين، كما أن كتبه عمدة لمذهب الشيعة، يقول الشيعة فيه: لم ير في القميين مثله في حفظه وكثرة علمه" (أعيان الشيعة ج١ ص١٠٤ و"الخلاصة" للحلي). كما يقولون: ولد هو وأخوه بدعوة صاحب الأمر علي يد السفر الحسين بن الروح، فإنه كان الواسطة بينه وبين ابن البابويه" (روضات الجنات للخوانساري ج٦ ص١٣٦). قال فيه المجلسي: وثقه جميع الأصحاب لما حكموا بصحة جميع أخبار كتابه يعني صحة جميع ما قد صح عنه من غير تأمل، بل هو ركن من أركان الدين" (نقلًا عن الخوانساري ج٢ ص١٣٢)
(٢) "كتاب الخصال" لابن بابويه ج٢ ص٣٤٢
(٣) هو أبو العباس عبد الله بن جعفر بن الحسن الحميري القمي. "شيخ القميين ووجههم، ثقة من أصحاب محمد العسكري (ع)، قدم الكوفة سنة نيف وتسعين ومائتين، وسمع أهلها منه، فأكثروا، وصنف كتبًا كثيرة منها كتاب "قرب الإسناد" (الكنى والألقاب ج٢ ص١٧٧). "وهو من أساتذة الكليني، قد روي عنه في الكافي روايات عديدة، وله مكاتبات مع أبي الحسن، كما أنه كاتب مع أبي محمد"- من أئمة الشيعة المزعومين - (مقدمة قرب الإسناد ص٢)
(٤) "قرب الإسناد" ص٣١ ط طهران
[ ٤٣ ]
موقف الشيعة من الصحابة
فهذا هو موقف أهل البيت من أصحاب رسول الله - ﷺ - خيار خلق الله وصفوة الكون.
وأما الشيعة الذين يزعمون أنهم أتباع أهل البيت والمحبون الموالون لهم، فإنهم يرون رأيا غير هذا الرأي محترقين على جهادهم المستمر، ومنتقمين على فتوحاتهم الجبارة الكثيرة التي أرغمت أنوف أسلافهم، وكسرت شوكة ماضيهم ومزقت جموع أحزابهم، ودمرت ديارهم وأوكار كفرهم، الصحابة الذين أذلوا الشرك والمشركين، وهدموا الأوثان والأصنام التي كانوا يعبدونها ويعتكفون عليها، أزالوا ملكهم وسلطانهم، وخربوا قصورهم وحصونهم ومنازلهم، وأنزلوا فيها الفناء، وأعلوا عليها راية التوحيد وعلم الإسلام شامخًا مترفرفًا، فاجتمع أبناء المجوس واليهود، وأبناء البائدين الهالكين الذين أرادوا سد هذا النور النير، والوقوف في سبيل وطريق هذا السيل العرم، اجتمعوا ناقمين، حاقدين، حاسدين، محترقين، واقتنعوا بقناع الحب لآل البيت - وآل البيت منهم براء - وسلّوا سيوف أقلامهم وألسنتهم ضد أولئك المجاهدين المحسنين، رفاق رسول الله - ﷺ - وأصحابه المشغوفين بحبه، والمفعمين بولائه، والمميتين في إطاعته واتباعه، والراهنين كل ثمين ونفيس في سبيله، والمضحين بأدنى إشاراته الآباء والأولاد والمهج، المقتفين آثاره، المتتبعين خطواته، السالكين منهجه، الغر الميامين رضوان الله عليهم أجمعين.
فقال قائلهم: إن الناس كلهم ارتدوا بعد رسول الله (- ﷺ -) غير أربعة (كتاب (١) سليم بن قيس العامرى ص ٩٢ ط دار الفنون بيروت).
هذا ومثل هذا كثير.
_________________
(١) والغريب أن أبناء اليهودية الأثيمة يطيعون مثل هذه الكتب الخبيثة المليئة من العيب والشتم لأهل خير القرون وخير الأمة، ثم يتضوغون عن الكتب التي كتبت ردًا عليهم مثل كتاب "الشيعة والسنة" للمؤلف لتبيين مذهبهم، وإظهار ما يكنونه في صدورهم تجاه الأمة المرحومة ومحسنيها، ويقولون: إنه لا ينبغي كتابة مثل هذه الكتب وطبعها ونشرها في زمان، المسلمون أحوج ما يكون إلى الاتحاد والاتفاق، ونحن لا ندري أي اتحاد ووفاق يريدون؟ نحن لا نسب القوم ولا نشتم قادتهم، بل كل ما نعمل نبدي للرأي العام ما عمله القوم الأمس وما يعملونه اليوم. فمن أي شيء يخافون؟ ثم ولم نفهم من بعض من يسمي نفسه متنورًا، واسع الأفق، فسيح القلب، وسيع الظرف، محبًا للتقريب والوفاق من أهل السنة، البلهاء أو المغترين، لا نفهم منهم حينما يعترضون علينا بأننا لم نقم بإحقاق الحق وإبطال الباطل؟ ولم ندافع عن أولئك القوم الذين لو ما كانوا كنا عباد البقر أو النجوم أو اللات والمناة والعزى والثالث، أو الحجر والشجر، ولو ما رفعوا راية الإسلام، وحملوا لواء التوحيد ما عرفنا ربنا ﷿ ونبينا وقائدنا محمدًا صلوات الله وسلامه عليه، وما علمنا ماذا أنزله الرحمن على عبده وحبيبه، وما تركه المصطفى من سنته وحكمته، وما عرفنا القرآن الذي أنزله نورًا وهدى ورحمة للعالمين. نعم: يقلق مضاجع هؤلاء المتنورين هذا، ولا يفجعون عن كتاب سليم بن قيس العامري الذي قال فيه جعفرهم - نعم جعفرهم، لا الجعفر الصادق الذي نعرفه ونعلمه - قال: من لم يكن عنده من شيعتنا ومحبينا كتاب سليم بن قيس العامري، فليس عنده من أمرنا شيء وهو سر من أسرار محمد - ﷺ -،- الكتاب الذي لم نجد صفحة من صفحاته، ولا ورقة من أوراقه إلا وهي مليئة بأقذر الشتائم وأخبث السباب، وكتاب سليم ومثله كتب للقوم لا تعد ولا تحصى، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فنقول لهؤلاء القوم عديمي الغيرة، وفاقدي الحمية: فليهنأ لكم التنور، وليهنأ لكم التوسع، فأما نحن فلن ولن نتحمل هذا، ولن ولن نسكت عن ذلك إن شاء الله ما دامت العروق يجري فيها الدم، وما دام الروح في الجسد واللسان يتكلم
[ ٤٤ ]
ولقد تقدم بخارى القوم محمد بن يعقوب الكليني إلى أبعد من ذلك فقال: كان الناس أهل ردة بعد النبي إلا ثلاثة المقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي (١).
_________________
(١) "كتاب الروضة من الكافي" ج٨ ص٢٤٥
[ ٤٥ ]
ومثل هذا ذكر المجلسي "هلك الناس كلهم بعد وفاة الرسول إلا ثلاثة أبو ذر والمقداد وسلمان" (١).
ولسائل أن يسأل هؤلاء الأشقياء وأين ذهب أهل بيت النبي بما فيهم عباس عم النبي، وابن عباس ابن عمه، وعقيل أخ لعلي، وحتى علي نفسه، والحسنان سبطا رسول الله؟
ألا تستحيون من الله؟
ثم وأكثر من ذلك قال الكليني في موضع آخر من كتابه: إن الناس يفزعون إذا قلنا: إن الناس ارتدوا، فقال: .. إن الناس عادوا بعد ما قبض رسول الله - ﷺ - أهل جاهلية، إن الأنصار اعتزلت (يعني عن أبي بكر) فلم تعتزل بخير (أي لم يكن اختيارهم لاختيار الحق أو ترك الباطل، بل اختاروا باطلًا مكان باطل آخر للحمية والعصبية - كما ذكر المحشي الملعون على هذه الرواية -) جعلوا يبايعون سعدًا وهم يرتجزون ارتجاز الجاهلية (كذب وزور - يا كذاب!) يا سعد! أنت المرجأ، وشعرك المرجل، وفحلك المرجم" (٢).
ومعناه أنه لم يبق ولا واحد، لا أبو ذر ولا سلمان ولا المقداد؟
هذا ويذكر شيعي معاصر عكس ذلك تمامًا حيث أن القوم يدعون بأن الصحابة ارتدوا - عياذًا بالله - بعد أن أسلموا، ولكن أحدًا من بقايا القوم الناقمين ينكر حتى دخولهم في الإسلام كما يقول وهو يرد علينا بأننا لم ننصف في اتهامنا الشيعة - حسب زعمه - بأنهم يكفرون أصحاب الرسول العظيم ﵇، وفى أثناء الرد يقر ويثبت ما ذكرناه، فانظر إليه كيف يستأسر في حبله نفسه بنفسه "ومع ذلك فإني أقول: إن العرب لم يؤمنوا بمحمد إلا بعد
_________________
(١) "حيات القلوب" للمجلسي فارسي ج٢ ص٦٤٠
(٢) "كتاب الروضة من الكافي" ج٢ ص٢٩٦
[ ٤٦ ]
أن قرعت الدعوة الإسلامية أسماعهم (١) أي أن محمد (- ﷺ -) دعاهم أولًا للإسلام فآمن من آمن .. ومنهم من تأخر عن ذلك، ومنهم من ماطل كثيرًا، ومنهم من دخل في الإسلام نفاقًا، ومنهم من دخل خوفًا ورهبًا بعد أن ضاقت عليه الأرض، ولم يدخل في الإسلام أحد بدلالة عقله إلا شخصية واحدة (٢) خرجت من بلادها طلبًا للحقيقة، ولاقت صعوبات وأخطارًا حتى ظفرت بالحقيقة عند محمد (يعنى سلمان) فآمنت به" (٣).
ويكتب القمي تحت تفسير قوله تعالى: ﴿وحسبوا أن لا تكون فتنة﴾ نزل كتاب الله يخبر أصحاب الرسول - ﷺ - فقال: ﴿وحسبوا أن لا تكون فتنة﴾ أي لا يكون اختبار، ولا يمتحنهم الله بأمير المؤمنين ﵇ (فعموا وصموا) قال حيث كان رسول الله - ﷺ - بين أظهرهم (ثم عموا وصموا) حين قبض رسول الله - ﷺ -، وأقام أمير المؤمنين ﵇ عليهم فعموا وصموا فيه حتى الساعة" (٤).
_________________
(١) انظر إلى الحقد كيف يتدفق، والبغض كيف يظهر للأمة العربية التي لبّت رسالة الإسلام في باكورة عهدها، وحملتها وأدتها إلى العالم أجمع
(٢) وحتى خرّجوا عليًا وأهل بيت النبي حيث لم يذكروا فيمن ذك إلا سلمان
(٣) "كتاب الشيعة والسنة في الميزان" ص٢٠، ٢١ لمؤلف مجهول المقنع بقناع س - خ ط بيروت - أي الكتاب الذي حاول مجهوله عبثًا الرد على كتابنا "الشيعة والسنة" حيث لم يستطع في الكتاب كله تغليط عبارة واحدة أو مصدر واحد من العبارات أو المصادر التي ذكرناها في الكتاب، ولا مسألة واحدة، أو نتيجة من النتائج التي استنتجناها في كتابنا كله، ولله الحمد والمنة على ذلك التوفيق الصائب والشرف الذي أولانا الله ﷿ للدفاع عن حرمات النبي، ومقدسات الإسلام، ومحبي الملة الحنيفية البيضاء، اللهم ألهمنا الرشد والسداد، واجعلنا من الذين يعرفون القول ويتبعون أحسنه، ﴿ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذي سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم﴾
(٤) "تفسير القمي" لعلي بن إبراهيم ج١ ص١٧٥، ١٧٦ ط مطبعة النجف ١٣٨٦هـ
[ ٤٧ ]
هذا ومثل هذا كثير (١).
فهذا هو موقف الشيعة من الصحابة، وذلك هو موقف أهل البيت منهم.
موقف أهل البيت من الصديق
هذا ونريد بعد ذلك أن نبّين موقف أهل البيت من ثاني اثنين إذ هما في الغار، من الصديق الأكبر ﵁، فيقول فيه ابن عم النبي وصهره، زوج ابنته، ووالد سبطيه علي بن أبى طالب ﵁ وهو يذكر بيعة أبى بكر الصديق بعد وفاة رسول الله - ﷺ - عند انثيال (٢) الناس على أبى بكر، وإجفالهم (٣) إليه ليبايعوه: فمشيت عند ذلك إلى أبى بكر، فبايعته ونهضت في تلك الأحداث حتى زاغ الباطل وزهق وكانت "كلمة الله هي العليا" ولو كره الكافرون، فتولى أبو بكر تلك الأمور فيسر، وسدد، وقارب، واقتصد، فصحبته مناصحًا، وأطعته فيما أطاع الله (٤) جاهدًا" (٥).
ويذكر في رسالة أخرى أرسلها إلى أهل مصر مع عامله الذي استعمله عليها قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري "بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى من بلغه كتابي هذا من المسلمين، سلام عليكم فإني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو. أما بعد! فإن الله بحسن صنعه وتقديره وتدبيره اختار الإسلام دينًا لنفسه وملائكته ورسله، وبعث به الرسل إلى عباده (٦) خص من انتخب من خلقه، فكان مما أكرم الله ﷿ به هذه الأمة وخصهم (٧)
_________________
(١) انظر لذلك كتابنا "الشيعة والسنة"
(٢) انثيال الناس أي انصبابهم من كل وجه كما ينثال التراب (كما قاله ابن أبي الحديد شارح نهج البلاغة)
(٣) الإجفال الإسراع
(٤) فيه
(٥) "الغارات" ج١ ص٣٠٧ تحت عنوان "رسالة علي ﵇ إلى أصحابه بعد مقتل محمد بن أبي بكر"
(٦) و(٧) به
[ ٤٨ ]
من الفضيلة أن بعث محمدًا - ﷺ - (١) فعلمهم الكتاب والحكمة والسنة والفرائض، وأدّبهم لكيما يهتدوا، وجمعهم لكيما (٢) يتفرقوا، وزكاهم لكيما يتطهروا، فلما قضى من ذلك ما عليه قبضة الله (٣) صلوات الله وسلامه ورحمته ورضوانه إنه حميد مجيد. ثم إن المسلمين من بعده استخلفوا امرأين منهم صالحين عملًا بالكتاب وأحسنا السيرة ولم يتعديا السنة ثم توفاهما الله فرحمهاما الله" (٤).
ويقول أيضًا وهو يذكر خلافة الصديق وسيرته: فاختار المسلمون بعده (أي النبي - ﷺ -) رجلًا منهم، فقارب وسدد بحسب استطاعة على خوف وجد" (٥).
ولم اختار المسلمون أبا بكر خليفة للنبي وإمامًا لهم؟ يجيب عليه المرتضى ﵁ وابن عمة الرسول زبير بن العوام ﵁ بقولهما: وإنا نرى أبا بكر أحق الناس بها، إنه لصاحب الغار وثاني اثنين، وإنا لنعرف له سنة، ولقد أمره رسول الله بالصلاة وهو حي" (٦).
ومعنى ذلك أن خلافته كانت بإيعاز الرسول ﵇.
وعلي بن أبى طالب ﵁ قال هذا القول ردًا على أبي سفيان حين حرضه على طلب الخلافة كما ذكر ابن أبى الحديد (٧) جاء أبو سفيان إلى علي ﵇،
_________________
(١) إليهم
(٢) لا
(٣) إليه فعليه
(٤) "الغارات" ج١ ص٢١٠ ومثله باختلاف يسير في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، و"ناسخ التواريخ" ج٣ كتاب٢ ص٢٤١ ط إيران، و"مجمع البحار" للمجلسي
(٥) "شرح نهج البلاغة" للميثم البحراني ص٤٠٠
(٦) "شرح نهج البلاغة" لابن أبي الحديد الشيعي ج١ ص٣٣٢
(٧) هو عز الدين عبد الحميد بن أبي الحسن بن أبي الحديد المدائني "صاحب شرح نهج البلاغة، المشهور "هو من أكابر الفضلاء المتتبعين، وأعاظم النبلاء المتبحرين مواليًا لأهل بيت العصمة والطهارة .. وحسب الدلالة على علو منزلته في الدين وغلوه في ولاية أمير المؤمنين ﵇، شرحه الشريف الجامع لكل نفيسة وغريب، والحاوي لكل نافحة ذات طيب .. كان مولده في غرة ذي الحجة ٥٨٦، فمن تصانيفه "شرح نهج البلاغة" عشرين مجلدًا، صنفه لخزانة كتب الوزير مؤيد الدين محمد بن العلقمي، ولما فرغ من تصنيف أنفذه على يد أخيه موفق الدين أبي المعالي، فبعث له مائة ألف دينار، وخلعة سنية، وفرسًا" ("روضات الجنات" ج٥ ص٢٠، ٢١). ولد بالمدائن "وكان الغالب على أهل المدائن التشيع والتطرف والمغالاة، فسار في دربهم، وتقبل مذهبهم، ونظم العقائد المعروفة بالعلويات السبع على طريقتهم، وفيها غالى وتشيع وذهب به الإسراف في كثير من الأبيات كل مذهب، يقول في إحداها: علم الغيوب إليه غير مدافع والصبح أبيض مسفر لا يدفع وإليه في يوم المعاد حسابنا وهو الملاذ لنا غدًا والمفزع ورأيت دين الاعتزال وإنني أهوى لأجلك كل من يتشيع ولقد علمت بأنه لا بد من مهديكم وليومه أتوقع تحميه من جند الإله كتائب كاليم أقبل زاخرًا يتدفع تالله لا أنسى الحسين وشلوه تحت السنابك بالعراء موزع لهفي على تلك الدماء تراق في أيدي أمية عنوة وتضيع يأبى أبو العباس أحمد إنه خير الورى من أن يطل ويمنع فهو الولي لثأرها وهو الحمو ل لعبئها إذ كل عود يضلع والدهر طوع والشبيبة غضة والسيف عضب والفؤاد مشيع ثم خف إلى بغداد، وجنح إلى الاعتزال، وأصبح كما يقول صاحب نسخة السحر "معتزليًا جاهزيًا في أكثر شرحه بعد أن كان شيعيًا غاليًا". "وتوفى في بغداد سنة ٦٥٥ يروي آية الله العلامة الحلي عن أبيه عنه" (الكنى والألقاب ج١ ص١٨٥)
[ ٤٩ ]
فقال: وليتم على هذا الأمر أذل بيت في قريش، أما والله لئن شئت لأملأنها على أبى فصيل خيلًا ورجلًا، فقال علىّ ﵇: طالما غششت
[ ٥٠ ]
الإسلام وأهله، فما ضررتهم شيئًا، لا حاجة لنا إلى خيلك ورجلك، لولا أنا رأينا أبا بكر لها أهلًا لما تركناه" (١).
ولقد كررّ هذا القول ومثله مرات كرات، وأثبتته كتب القوم في صدورها وهو أن عليًا كان يعدّ الصديق أهلًا للخلافة، وأحق الناس بها، لفضائله الجمة ومناقبه الكثيرة حتى حينما سئل قرب وفاته بعد ما طعنه ابن الملجم من سيكون الإمام والخليفة بعدك؟ فقال كما روى عن أبى وائل والحكيم عن علي بن أبى طالب ﵇ أنه قيل له: ألا توصي؟ قال: ما أوصى
_________________
(١) "شرح ابن أبي الحديد" ج١ ص١٣٠
[ ٥١ ]
رسول الله (- ﷺ -) فأوصى، ولكن قال: (أي رسول) إن أراد الله خيرًا فيجمعهم على خيرهم بعد نبيهم" (١).
وأورد مثل هذه الرواية "علم الهدى" (٢) للشيعة في كتابه الشافي:
"عن أمير المؤمنين ﵇ لما قيل له: ألا توصي؟ فقال: ما أوصى رسول الله (- ﷺ -) فأوصي، ولكن إذا أراد الله بالناس خيرًا أستجمعهم على خيرهم كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم" (٣).
فهذا هو علي بن أبى طالب ﵁ يتمنى لشيعته وأنصاره أن يفوق الله لهم رجلًا خيرًا صالحًا كما وفق للأمة الإسلامية المجيدة بعد أن اصطدموا بوفاة النبي - ﷺ - برجل خير صالح، أفضل الخلائق بعد نبيه - ﷺ - بأبي بكر الصديق ﵁ إمام الهدى، وشيخ الإسلام، ورجل قريش، والمقتدى به بعد رسول الله - ﷺ - حسب ما سماه سيد أهل البيت زوج الزهراء ﵄ كما رواه السيد مرتضى علم الهدى في كتابه عن جعفر بن محمد عن أبيه أن رجلًا من قريش جاء إلى أمير المؤمنين ﵇، فقال: سمعتك تقول في الخطبة آنفا: اللهم أصلحنا بما أصلحت به الخلفاء الراشدين، فمن هما؟ قال: حبيباي، وعماك أبو بكر وعمر، وإماما الهدى، وشيخا الإسلام. ورجلا قريش، والمتقدى بهما بعد رسول الله - ﷺ -، من اقتدى بهما عصم، ومن اتبع آثارهما هدى إلى صراط المستقيم" (٤).
هذا وقد كرر في نفس الكتاب هذا "إن عليًا ﵇ قال في خطبته: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر"، ولم لا يقول هذا وهو الذي روى "أننا كنا مع النبي - ﷺ - على جبل حراء إذ تحرك الجبل، فقال له: قر، فإنه ليس عليك إلا نبي وصديق وشهيد" (٥).
فهذا هو رأى علي ﵁ في أبي بكر، نعم! رأي علي الخليفة الراشد الرابع عندنا، والإمام المعصوم الأول عند القوم، الذي يدعون فيه أن من أنكر ولايته فقد كفر، كما قالوا: الموالي له ناج، والمعادي له كافر هالك، والمتخذ دونه
_________________
(١) "تلخيص الشافي" للطوسي ج٢ ص٣٧٢ ط النجف
(٢) هو علي بن الحسين بن موسى المشهور بالسيد المرتضى الملقب بعلم الهدى، ولد سنة ٣٥٥، ومات ٤٣٦، هو رن من أركان المذهب الشيعي ومؤسسيه، وقد بالغ الشيعة في مدح أخيه الشريف رضى صاحب نهج البلاغة مبالغة لا نهاية لها، قال فيه الخوانساري: كان شريف المرتضى أوحد عصره علمًا وفهمًا، كلامًا وشعرًا، وجاهًا وكرمًا .. وأما مؤلفات السيد فكلها أصول وتأسيسات غير مسبوقة بمقال منها "كتاب الشافي" في الإمامة، أقول: وهو كاسمه شاف واف" (روضات الجنات ج٤ ص٢٩٥ إلى ما بعد). وقال القمي: هو سيد علماء الأمة، ومحيي آثار الأئمة، ذو المجدين .. جمع من العلوم ما لم يجمعه أحد، فهذا من الفضائل تفرد به وتوحد، وأجمع على فضله المخالف والمؤالف .. له تصانيف مشهورة - "الشافي" في الإمامة، لم يصنف مثله في الإمامة .. قال آية الله العلامة: ومنه استفاد الإمامية وهو ركنهم ومؤلفهم" (الكنى والألقاب ج٢ ص٣٩، ٤٠
(٣) "الشافي" ص١٧١ ط النجف
(٤) "تلخيص الشافي" ج٢ ص٤٢٨
(٥) "الاحتجاج" للطبرسي
[ ٥٢ ]
وليجة ضال مشرك" (١).
وقد نقلوا من أئمتهم "أبى الله ﷿ أن يتولى قوم قومًا يخالفونهم في أعمالهم معهم يوم القيامة، كلا ورب الكعبة" (٢).
فالمفروض من القوم الذين يدعون موالاة علي وبنيه أن يتبعوه وأولاده في آرائهم ومعتقداتهم في أصحاب النبي ورفقائه، وخاصة في صاحبه في الغار، الذي نقلنا فيه كلام سيد أهل البيت أمير المؤمنين علي بن أبى طالب ﵁، ورأيه وعقيدته التي نقلوها في كتبهم هم، وبعباراتهم أنفسهم، التي ذكرناها آنفا، وكما نحن ذاكرين آراء بقية أهل البيت فيه إن شاء الله.
رأى أهل البيت النبي في الصديق
فإن ابن عباس هو ابن عم الرسول - ﷺ -، وابن عم علي، وكان أحد عماله الذي قال فيه الجعفر بن باقر: إن ابن عباس لما مات وأخرج خرج من كفنه طير أبيض يطير، ينظرون إليه يطير نحو السماء حتى غاب عنهم فقال (يعنى جعفر) وكان أبي يحبه حبًا شديدًا" (٣).
ويقول عنه المفيد (٤): كان أمير المؤمنين يتعشى ليلة عند الحسن، وليلة عند
_________________
(١) "فرق الشيعة للنوبختي" ص٤١ ط النجف ١٩٥١م، و"تفسير القمي" ج١ ١٥٦ نجف ط تحت آية ﴿إن الذين آمنوا ثم كفروا﴾
(٢) "كتاب الروضة من الكافي" للكليني ج٨ ص٢٥٤
(٣) "رجال الكشي" تحت عنوان عبد الله بن عباس ص٥٥ ط كربلاء
(٤) هو محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي، ولد سنة ٣٣٨، ومات في بغداد سنة ٤١٣، وصلى عليه السيد المرتضى، واشتهر بالمفيد، "لأن الغائب المهدي لقبه به" - كما يزعمون - (معالم العلماء ص١٠١). "وكان من أجلّ مشائخ الشيعة، ورئيسهم وأستاذهم، وكل من تأخر عنه استفاد منه، وفضله أشهر من أن يوصف في الفقه والكلام والرواية، أوثق أهل زمانه وأعلمهم، انتهت رياسة الإمامية في وقته .. له قريب من مائتي مصنف كبار وصغار" ("روضات الجنات" ج٦ ص١٥٣). ويقولون: إن إمام العصر (الغائب المزعوم) خاطبه في كتابه بالأخ السديد، والمولى الرشيد "أيها المولى المخلص في ودنا، الناصر لنا، وملهم الحق ودليله، العبد الصالح، الناصر للحق، الداعي إليه بكلمة الصدق" (مقدمة الإرشاد ص٤)
[ ٥٣ ]
الحسين، وليلة عند عبد الله بن العباس" (١).
فهذا ابن عباس يقول وهو يذكر الصديق: رحم الله أبا بكر، كان والله للفقراء رحيمًا، وللقرآن تاليًا، وعن المنكر ناهيًا، وبدينه عارفًا، ومن الله خائفًا، وعن المنهيات زاجرًا، وبالمعروف آمرًا. وبالليل قائمًا، وبالنهار صائمًا، فاق أصحابه ورعًا وكفافًا، وسادهم زهدًا وعفافًا" (٢).
هذا ويقول ابن أمير المؤمنين عليّ ألا وهو الحسن نعم! الحسن بن علي - الإمام المعصوم الثاني عند القوم، والذي أوجب الله اتباعه على القوم حسب زعمهم - يقول في الصديق، وينسبه إلى رسول الله ﵇ أنه قال: إن أبا بكر مني بمنزلة السمع" (٣).
وكان حسن بن علي ﵄ يؤقر أبا بكر وعمر إلى حد حتى جعل من إحدى الشروط على معاوية بن أبى سفيان ﵄ "إنه يعمل ويحكم في الناس بكتاب، وسنة رسول الله، وسيرة الخلفاء الراشدين، - وفي النسخة الأخرى - الخلفاء الصالحين" (٤).
وأما الإمام الرابع للقوم علي بن الحسن بن علي، فقد روى عنه أنه جاء إليه نفر من العراق، فقالوا في أبي بكر وعمر وعثمان ﵃، فلما فرغوا
_________________
(١) "الإرشاد" ص١٤
(٢) "ناسخ التواريخ" ج٥ كتاب٢ ص١٤٣، ١٤٤ ط طهران
(٣) "عيون الأخبار" ج١ ص٣١٣، أيضًا "كتاب معاني الأخبار" ص١١٠ ط إيران
(٤) "منتهى الآمال" ص٢١٢ ج٢ ط إيران
[ ٥٤ ]
من كلامهم قال لهم: ألا تخبروني أنتم ﴿المهاجرون الأولون الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا أولئك هم الصادقون﴾؟ قالوا: لا، قال: فأنتم ﴿الذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾؟ قالوا: لا، قال: أما أنتم قد تبرأتم أن تكونوا من أحد هذين الفريقين، وأنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله فيهم: ﴿يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا﴾، اخرجوا عني، فعل الله بكم" (١).
وأما ابن زين العابدين محمد بن على بن الحسين الملقب بالباقر - الإمام الخامس المعصوم عند الشيعة - فسئل عن حلية السيف كما رواه علي بن عيسى الأربلي (٢) في كتابه "كشف الغمة":
"عن أبى عبد الله الجعفي عن عروة بن عبد الله قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي ﵉ عن حلية السيف؟ فقال: لا بأس به، قد حلى
_________________
(١) "كشف الغمة" للأربلي ج٢ ص٧٨ ط تبريز إيران
(٢) الأربلي هو بهاء الدين أبو الحسن علي بن الحسين فخر الدين عيسى بن أبي الفتح الأربلي، ولد في أوائل القرن السابع من الهجرة ببلدة الأربل قرب الموصل، ومات ببغداد سنة ٦٩٣، قال عنه القمي: الأربلي من كبار العلماء الإمامية، العالم الفاضل، الشاعر الأديب، المنشى النحرير، المحدث الخبير، الثقة الجليل، أبو الفضائل والمحاسن، والحجة، صاحب "كشف الغمة في معرفة الأئمة"، فرغ من تصنيفه سنة ٦٨٧ .. وله شعر كثير في مدح الأئمة (ع) ذكر جملة منه في "كشف الغمة"، وكتابه كشف الغمة كتاب نفيس، جامع، حسن" (الكنى والألقاب ج٢ ص١٤، ١٥ ط قم إيران). وقال الخوانساري: كان من أكابر محدثي الشيعة، وأعاظم علماء المائة السابعة .. واتفق جميع الإمامية على أن علي بن عيسى من عظمائهم، والأوحدي النحرير، من جملة علمائهم، لا يشق غباره، وهو المعتمد المأمون في النقل" (روضات الجنات ج٤ ص٣٤١، ٣٤٢)
[ ٥٥ ]
أبو بكر الصديق سيفه، قال: قلت: وتقول الصديق؟ فوثب وثبة، واستقبل القبلة، فقال: نعم الصديق، فمن لم يقل له الصديق فلا صدق الله له قولًا في الدنيا والآخرة" (١).
ولم يقل هذا إلا لأن جده رسول الله - ﷺ - الناطق بالوحي سماه الصديق كما رواه البحراني الشيعي في تفسيره "البرهان" عن علي بن إبراهيم، قال: حدثني أبي عن بعض رجاله عن أبي عبد الله ﵇، قال: لما كان رسول الله - ﷺ - في الغار قال لأبي بكر: كأني أنظر إلى سفينة جعفر وأصحابه تعوم في البحر، وانظر إلى الأنصار محبتين (مخبتين خ) في أفنيتهم، فقال أبو بكر: وتراهم يا رسول الله؟ قال: نعم! قال: فأرنيهم، فمسح على عينيه فرآهم، فقال له رسول الله - ﷺ - أنت الصديق" (٢).
ويروي الطبرسي (٣) عن الباقر أنه قال: ولست بمنكر فضل أبى بكر، ولست بمنكر فضل عمر، ولكن أبا بكر أفضل من عمر" (٤).
ثم ابنه أبو عبد الله جعفر الملقب بالسادس - الإمام المعصوم السادس حسب
_________________
(١) "كشف الغمة" ج٢ ص١٤٧
(٢) "البرهان" ج٢ ص١٢٥
(٣) هو أبو المنصور أحمد بن علي بن أبي طالب من أهل الطبرستان "فهذا الرجل من أجلاء أصحابنا المتقدمين، وله كتاب "الاحتجاج" كتاب معروف معتبر بين الطائفة، وقد ذكره أيضًا في "أمل الآمل" وقال: عالم فاضل، محدث ثقة، له كتاب الاحتجاج حسن، كثير الفوائد" (روضات الجنات ج١ ص٦٥). الطبرسي "الشيخ العالم الفاضل الكامل النبيل، الفقيه، المحدث الثقة الجليل" (الكنى والألقاب ج٢ ص٤٠٤)
(٤) "الاحتجاج" للطبرسي ص٢٣٠ تحت عنوان "احتجاج أبي جعفر بن علي الثاني في الأنواع الشتى من العلوم الدينية" ط مشهد كربلاء
[ ٥٦ ]
زعم القوم - سئل عن أبى بكر وعمر كما رواه القاضي نور الله الشوشترى (١). الشيعي الغالي، الذي قتل سنة ١٠١٩ "إن رجلًا سأل عن الإمام الصادق ﵇، فقال: يا ابن رسول الله! ما تقول في حق أبى بكر وعمر؟ فقال ﵇: إمامان عادلان قاسطان، كانا على حق، وماتا عليه، فعليهما رحمة الله يوم القيامة" (٢).
وروى عنه الكليني في الفروع حديثًا طويلًا ذكر فيه "وقال أبو بكر عند موته حيث قيل له: أوصِ، فقال: أوصي بالخمس والخمس كثير، فإن الله تعالى قد رضي بالخمس، فأوصي بالخمس، وقد جعل الله ﷿ له الثلث عند موته، ولو علم أن الثلث خير له أوصى به، ثم من قد علمتم بعده في فضله وزهده سلمان وأبو ذر ﵄، فأما سلمان فكان إذا أخذ عطاه رفع منه قوته لسنته حتى يحضر عطاؤه من قابل. فقيل له: يا أبا عبد الله! أنت في زهدك تصنع هذا، وأنت لا تدرى لعلك تموت اليوم أو غدًا؟ فكان جوابه أن قال: مالكم لا ترجون لي بقاء كما خفتم على الفناء، أما علمتم يا جهلة أن النفس قد تلتاث على صاحبها إذا لم يكن لها من العيش ما يعتمد عليه، فإذا هي أحرزت معيشتها اطمأنت، وأما أبو ذر فكانت له نويقات وشويهات يحلبها
_________________
(١) هو نور الله بن شرف الدين الشوشتري من علماء الشيعة الأعلام في الهند، كان قاضيًا بلاهور في عهد جهانغير أحد سلاطين المغول. :كان محدثًا، متكلمًا، محققًا فاضلًا نبيلًا، علامة، له كتب في نصرة المذهب ورد المخالف، وقتل بتهمة الرفض في دولة جهانغي باكبر آباد - في القرن الحادي عشر - ويطلق عليه الشهيد الثالث" (روضات الجنات ج٨ ص١٦٠)
(٢) "إحقاق الحق" للشوشتري ج١ ص١٦ ط مصر
[ ٥٧ ]
ويذبح منها إذا اشتهى أهله اللحم، وأنزل به ضيف، أو رأى بأهل الماء الذين هم معه خصاصة، نحر لهم الجزور أو من الشياه على قدر ما يذهب عنهم بقرم اللحم، فيقسمه بينهم، ويأخذ هو كنصيب واحد منهم لا يتفضل عليهم، ومن أزهد من هؤلاء وقد قال فيهم رسول الله - ﷺ - ما قال" (١).
فأثبت أن منزلة الصديق في الزهد من بين الأمة المنزلة الأولى، وبعده يأتي أبو ذر وسلمان.
وروى عنه الأربلي أنه كان يقول: "لقد ولدنى أبو بكر مرتين" (٢).
لأن "أمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبى بكر وأمها (أي أم فروة) أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر" (٣).
ويروي السيد مرتضى في كتابه "الشاف" عن جعفر بن محمد أنه كان يتولاهما، ويأتي القبر فيسلم مع تسليمه على رسول الله - ﷺ - " (٤).
ويطول الكلام وما أروعه وأجمله، ولكن نحن نختصر الطريق، فنأتي إلى الإمام الأخير الموجود عند القوم وهو حسن بن على الملقب بالحسن العسكري - الإمام الحادي عشر المعصوم - فيقول وهو يسرد واقعة الهجرة أن رسول الله بعد أن سأل عليًا ﵁ عن النوم على فراشه قال لأبى بكر ﵁: أرضيت أن تكون معي يا أبا بكر تطلب كما أطلب، وتعرف بأنك أنت الذي تحملني على ما أدعيه فتحمل عني أنواع العذاب؟ قال أبو بكر: يا رسول الله! أما أنا لو
_________________
(١) كتاب المعيشة "الفروع من الكافي" ج٥ ص٦٨
(٢) "كشف الغمة" ج٢ ص١٦١
(٣) "فرق الشيعة" للنوبختي ص٧٨
(٤) "كتاب الشافي" ص٢٣٨، أيضًا "شرح نهج البلاغة" ج٤ ص١٤٠ ط بيروت
[ ٥٨ ]
عشت عمر الدنيا أعذب في جميعها أشد عذاب لا ينزل عليّ موت صريح ولا فرح ميخ وكان ذلك في محبتك لكان ذلك أحب إلى من أن أتنعم فيها وأنا مالك لجميع مماليك ملوكها في مخالفتك، وهل أنا ومالي وولدي إلا فداءك، فقال رسول الله - ﷺ -: لا جرم أن اطلع الله على قلبك، ووجد موافقًا لما جرى على لسانك جعلك مني بمنزلة السمع والبصر، والرأس من الجسد، والروح من البدن" (١).
هذا ولقد سردنا الروايات، ونقلناها من كتب القوم أنفسهم عن محمد رسول الله إمام الكونين ورسول الثقلين فداه أبواي وروحي - ﷺ -، وعن علي بن أبى طالب ﵁ - الإمام الأول المعصوم إلى الإمام الأخير الظاهر حسب زعمهم - وإكمالًا للبحث، وإتمامًا للفائدة نريد أن نروي ههنا روايتين آخرين نقلت من أهل بيت علي أيضًا ومن كتب القوم أنفسهم.
فالأولى من زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبى طالب شقيق محمد الباقر وعم جعفر الصادق الذي قيل فيه: كان حليف القرآن" (٢).
"واعتقد كثير من الشيعة فيه بالإمامة، وكان سبب اعتقادهم ذلك فيه خروجه بالسيف" (٣).
ويقول أبو الفرج الأصفهاني الشيعي (٤). نقلًا عن الأشناني عن عبد الله بن
_________________
(١) "تفسير الحسن العسكري" ص١٦٤، ١٦٥ ط إيران
(٢) "الإرشاد" للمفيد ص٢٦٨ تحت عنوان "ذكر أخوته" - أي الباقر -
(٣) "الإرشاد" للمفيد ص٢٦٨
(٤) هو أبو الفرج علي بن الحسين بن محمد ولد بأصفهان سنة ٢٨٤ ثم انتقل إلى بغداد، ونشأ فيها وترعرع، وبلغ المناصب، مات سنة ٣٥٦، وصار مقربًا محببًا إلى بني بويه، ولعل من أسباب تلك الحظوة اتفاقهم في التشيع، وله مصنفات كثيرة مشهورة في الأدب والشعر، ومن أشهرها "الأغاني" و"مقاتل الطالبين" ذكره محسن الأمين في طبقات الشعراء من الشيعة وفي طبقات المؤرخين. (أعيان الشيعة ج١ ص١٧٥)
[ ٥٩ ]
جرير أنه قال: رأيت جعفر بن محمد (أي الجعفر الصادق) يمسك لزيد بن علي بالركاب، ويسوى ثيابه على السرج (١).
فهذا هو زيد بن زين العابدين بن الحسين وقد سئل عن أبى بكر كما يذكر صاحب ناسخ التواريخ (٢) الشيعي "إن ناسًا من رؤساء الكوفة وأشرافها الذين بايعوا زيدًا حضروا يومًا عنده، وقالوا له: رحمك الله، ماذا تقول في حق أبي بكر وعمر؟ قال: ما أقول فيهما إلا خيرًا كما لم أسمع فيهما من أهل بيتي (بيت النبوة) إلا خيرًا، ما ظلمانا ولا أحد غيرنا، وعملًا بكتاب الله وسنة رسوله" (٣).
ويقول: لما سمع أهل الكوفة منه هذه المقالة رفضوه، ومالوا إلى الباقر، فقال زيد: رفضونا اليوم، ولذلك سموا هذه الجماعة بالرافضة" (٤).
والرواية الثانية، والرأي الثاني من شخص نسجت الشيعة حوله الأساطير أي سلمان الفارسي الذي قيل فيه: سلمان المحمدي، ذلك رجل منا أهل البيت و"إن سلمان من أهل البيت" (٥).
و"كان الناس أهل ردة بعد النبي - ﷺ - إلا ثلاثة، المقداد وأبو ذر وسلمان رحمة الله وبركاته عليهم" (٦).
وقال فيه علي: إن سلمان باب الله في الأرض، من عرفه كان مؤمنًا، ومن
_________________
(١) "مقاتل الطالبين" للأصفهاني ص١٢٩ ط دار المعرفة بيروت
(٢) "ناسخ التواريخ" للمرزا تقي خان سيبهر معاصر الشاه ناصر الدين وابنه مظفر الدين، له ناسخ التواريخ فارسي مطبوع لم يعمل مثله ("أعيان الشيعة" تحت عنوان طبقات المؤرخين قسم١ ج٢ ص١٣٢)
(٣) "ناسخ التواريخ" ج٢ ص٥٩٠ تحت عنوان "أحوال الإمام زين العابدين"
(٤) "ناسخ التواريخ" ج٢ ص٥٩٠
(٥) "رجال الكشي" ص١٨، ٢٠ ط الأعلمي كربلاء
(٦) "الروضة من الكافي" ج٨ ص٢٤٥
[ ٦٠ ]
أنكره كان كافرًا" (١).
فهذا السلمان يقول: إن رسول الله كان يقول في صحابته: ما سبقكم أبو بكر بصوم ولا صلاة، ولكن بشيء وقر في قلبه" (٢).
هذا وكان رسول الله - ﷺ - حريصًا عليه إلى هذا الحد بأن أبا بكر لما أراد مبارزة ابنه يوم بدر وهو فارس، مدجج، منعه رسول الله - ﷺ - عن ذلك بقوله: شم سيفك، وارجع إلى مكانك، ومتعنا بنفسك" (٣) وجعل بقاءه متعة له ﵊. فهذا آخر ما أردنا إدراجه في هذا الباب.
خلافة الصديق
وبعد ما ذكرنا أهل بيت النبي وموقفهم وآرائهم تجاه سيد الخلق بعد أنبياء الله ورسله أبي بكر الصديق ﵁ نريد أن نذكر أنه لم يكن خلاف بينه وبين أهل البيت في مسألة خلافة النبي وإمارة المؤمنين وإمامة المسلمين، وأن أهل البيت بايعوه كما بايعه غيرهم، وساروا في مركبه، ومشوا في موكبه، وقاسموه هموم المسلمين وآلامهم، وشاركوه في صلاح الأمة وفلاحها، وكان علي ﵁ أحد المستشارين المقربين إليه، يشترك في قضايا الدولة وأمور الناس، ويشير عليه بالأنفع والأصلح حسب فهمه ورأيه. ويتبادل به الأفكار والآراء، لا يمنعه مانع ولا يعوقه عائق، يصلي خلفه، ويعمل بأوامره، ويقضي بقضاياه، ويستدل بأحكامه ويستند، ثم ويسمي أبنائه بأسمائه حبًا له وتيمنًا باسمه وتوددًا إليه.
وفوق ذلك كله يصاهر أهل البيت به وبأولاده، ويتزوجون منهم ويزوجون بهم، ويتبادلون ما بينهم التحف والصلات، ويجري بينهم من المعاملات ما يجري بين الأقرباء المتحابين والأحباء المتقاربين، وكيف لا؟ وهم أغصان شجرة واحدة وثمرة نخل واحدة، لا كما يظنه أبناء اليهودية البغيضة، ومكايدين للأمة
_________________
(١) "رجال الكشي" ص٧٠
(٢) "مجالس المؤمنين" للشوشتري ص٨٩
(٣) "كشف الغمة" ج١ ص١٩٠
[ ٦١ ]
المحمدية المجيدة، والحاسدين الناقمين على حملة الإسلام ومعلني كلمته ورافعي رايته.
أما خلافة الصديق ﵁ فبصحتها وانعقادها وقيامها يستدل علي بن أبي طالب ﵁ على صحة خلافته وانعقادها كما يذكر وهو يردّ على معاوية بن أبي سفيان ﵄ أمير الشام "إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسموه إمامًا كان ذلك لله رضى، فإن خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى" (١).
وقال: إنكم بايعتموني على ما بويع عليه من كان قبلي، وإنما الخيار للناس قل أن يبايعوا، فإذا بايعوا فلا خيار" (٢).
وهذا النص واضح في معناه، لا غموض فيه ولا إشكال بأن الإمامة والخلافة تنعقد باتفاق المسلمين واجتماعهم على شخص، وخاصة في العصر الأول باجتماع الأنصار والمهاجرين، فإنهم اجتمعوا على أبي بكر وعمر، فلم يبق للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يرد، كما ذكرنا قريبًا روايتين عن علي بن أبى طالب في الغارات للثقفي (٣) بأن الناس انثالوا على أبي بكر، وأجفلوا إليه، فلم يكن إلا أن يقر ويعترف بخلافته وإمامته.
_________________
(١) "نهج البلاغة" ص٣٦٦، ٣٦٧ ط بيروت بتحقيق صبحي صالح
(٢) "ناسخ التواريخ" ج٣ الجزء٢
(٣) هو أبو إسحاق إبراهيم الثقفي الكوفي الأصبهاني الشيعي، ولد في حدود المائتين أو قبلها بسنين، ومات بأصبهان سنة ٢٨٣هـ، هو من أجلاء الرواة المؤلفين للشيعة كما ذكره النوري الطبرسي "وأما إبراهيم الثقفي المعروف الذي اعتمد عليه الأصحاب فهو من أجلاء الرواة المؤلفين كما يظهر من ترجمته، ويروي عنه الأجلاء" (المستدرك ج٣ ص٥٤٩، ٥٥٠). وسماه الخوانساري في روضات الجنات "الشيخ المحدث" المروج الصالح السديد أبو إسحاق إبراهيم الثقفي الأصفهاني صاحب كتاب "الغارات" الذي ينقل عنه في "البحار" كثيرًا (ص٤). "وله نحوًا من خمسين مؤلفًا لطيفًا" (أعيان الشيعة، القسم ٢ ص١٠٣)
[ ٦٢ ]
وهناك رواية أخرى في غير "الغارات" تقر بهذا عن علي أنه قال وهو يذكر أمر الخلافة والإمامة: رضينا عن الله قضائه، وسلمنا لله أمره . فنظرت في أمري فإذا طاعتي سبقت بيعتي إذ الميثاق في عنقي لغيري" (١).
ولما رأى ذلك تقدم إلى الصديق، وبايعه كما بايعه المهاجرون والأنصار، والكلام من فيه وهو يومئذ أمير المؤمنين وخليفة المسلمين، ولا يتقي الناس، ولا يظهر إلا ما يبطنه لعدم دواعي التقية حسب أوهام القوم، وهو يذكر الأحداث الماضية فيقول: فمشيت عند ذلك إلى أبي بكر، فبايعته، ونهضت في تلك الأحداث فتولى أبو بكر تلك الأمور وسدد ويسر وقارب واقتصد، فصحبته مناصحًا، وأطعته فيما أطاع الله جاهدًا" (٢).
ولأجل ذلك رد على بن أبي سفيان وعباس حينما عرضا عليه الخلافة لأنه لا حق له بعد ما انعقدت للصديق كما مر بيانه.
وفيما كتب إلى أمير الشام معاوية بن أبى سفيان أقرّ أيضًا بخلافة الخليفة الأول الصديق وأفضليته، ودعا له بعد موته بالمغفرة والإحسان، وتأسف على انتقاله إلى ربه كما يكتب "وذكرت أن الله اجتبى له من المسلمين أعوانًا أيّدهم به، فكانوا في منازلهم عنده على قدر فضائلهم في الإسلام كما زعمت وأنصحهم لله
_________________
(١) "نهج البلاغة" ص٨١ خطبة ٣٧ ط بيروت بتحقيق صبحي صالح
(٢) "منار الهدى" لعلي البحراني الشيعي ص٣٧٣، أيضًا "ناسخ التواريخ" ج٣ ص٥٣٢
[ ٦٣ ]
ولرسوله الخليفة الصديق وخليفة الخليفة الفاروق" ولعمري أن مكانهما في الإسلام لعظيم، وإن المصائب بهما لجرح في الإسلام شديد يرحمهما الله، وجزاهم الله بأحسن ما عملا" (١).
وروى الطوسي (٢) عن علي أنه لما اجتمع بالمهزومين في الجمل قال لهم:
فبايعتم أبا بكر، وعدلتم عني، فبايعت أبا بكر كما بايعتموه ..، فبايعت عمر كما بايعتموه فوفيت له بيعته .. فبايعتم عثمان فبايعته وأنا جالس في بيتي، ثم أتيتموني غير داع لكم ولا مستكره لأحد منكم [هل الخلافة منصوصة؟ وفيه دليل واضح أن علي بن أبي طالب لم يكن يعتقد بأن الخلافة والإمامة لا تنعقد إلا بنص و"إن الإمامة عهد من الله ﷿ معهود من واحد إلى واحد" (الأصول من الكافي، كتاب الحجة ج١ ص٢٧٧).
"وإنه عهد من رسول الله إلى رجل فرجل" (الأصول من الكافي ج١ ص٢٧٧).
وانظر لتفصيل ذلك كتب القوم "أصل الشيعة وأصولها" لمحمد حسين آل كاشف الغطاء، و"الاعتقادات" لابن بابويه القمي، و"الألفين" للحلي، و"بحار الأنوار" للمجلسي وغيره.
لأنه لو كان يعتقد هذا لما اعتقد لأبي بكر الخلافة، ولم يدخل في مستشاريه وفوق ذلك لم يقل لأهل الجمل هذه الجمل التي نقلناها منه "ثم أتيتموني غير داع لكم" ولأنه لو كان إمامًا من الله لم يزل دعوتهم إليه، ولم يقل لهم قبل ذلك حينما دعوه إلى البيعة له بعد قتل عثمان ذي النورين ﵁: دعوني والتمسوا غيري، فإنا مستقبلون أمرًا له وجوه وألوان، لا تقوم له القلوب، ولا تثبت عليه العقول - إلى أن قال - وإن تركتموني فأنا كأحدكم، ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم، وأنا لكم وزيرًا خير لكم مني أميرًا" (كلام علي لما أراده الناس على البيعة بعد قتل عثمان، نهج البلاغة خطبه ٩٢ ص١٣٦ ط بيروت).
وهل هناك دليل أصدق من كلامه بأنه لم يكن يريد الخلافة التي يعد الشيعة منكريها أكفر من اليهود والمجوس والنصارى والمشركين كما يقول مفيدهم: اتفقت إمامية على أن من أنكر إمامة أحد من الأئمة، وجحد ما أوجبه الله تعالى من فرض الطاعة فهو كافر، مستحق للخلود في النار" (٣).
ويقول الكليني محدثهم الأكبر: إن قول الله تعالى: "سأل سائل بعذاب واقع للكافرين (بولاية علي) ليس له دافع" هكذا والله نزل بها جبرئيل ﵇ على محمد - ﷺ - " (٤).
وقال منتسبًا كذبًا وزورًا إلى محمد الباقر أنه قال: إنما يعيد الله من يعرف الله، فأما من لا يعرف الله فإنما يعبده هكذا ضلالًا، قلت: جعلت فداك، فما معرفة الله؟ قال: تصديق الله ﷿ وتصديق رسوله - ﷺ -، وموالاة علي والائتمام به وبأئمة الهدى ﵈، والبراءة إلى الله ﷿ من عدوهم (٥).
وعلى ذلك يقول الصدوق ابن بابويه القمي مصرحًا: اعتقادنا فيمن جحد إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والأئمة من بعده أنه كمن جحد نبوة جميع الأنبياء، واعتقادنا فيمن أقر بأمير المؤمنين وأنكر واحدًا من بعده من الأئمة إنه بمنزلة من أقر بجميع الأنبياء، وأنكر نبوة نبينا محمد" (٦).
فما العمل حينما علي بن أبي طالب نفسه ينكر الإمامة، والنص من أقدس كتب القوم، الذين ينكرون القرآن، ويقولون بالتحريف والتغيير والتبديل فيه (كما بيناه بالأدلة الواضحة والبراهين القاطعة من كتب القوم أنفسهم في كتابنا "الشيعة والسنة" عملًا بقول القائل: من فمك أدينك).
نعم! من أقدس كتبهم ألا وهو "نهج البلاغة" حيث يقول على المرتضى ﵁ نفسه عن نفسه أن أكون مقتديًا خير لي من أن أكون إمامًا، فلنكرر قوله مرة ثانية: دعوني، والتمسوا غيري، فأنا كأحدكم، ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم، وأنا لكم وزيرًا خير لكم مني أميرًا" (٧).
ويؤيد ذلك أن عليًا لم يكن يرى الأمر كما يراه المتزعمون لولايته ما رواه ابن أبي الحديد عن عبد الله بن عباس أنه قال: خرج علي ﵇ على الناس من عند رسول الله - ﷺ - في مرضه، فقال له الناس: كيف أصبح رسول الله - ﷺ - يا أبا حسن؟ قال: أصبح بحمد الله بارئًا قال: فأخذ العباس بيد علي، ثم قال: يا علي! أنت عبد العصا بعد ثلاث أحلف لقد رأيت الموت في وجهه، وإني لأعرف الموت في وجوه بني عبد المطلب، فانطلق إلى رسول الله - ﷺ - فاذكر له هذا الأمر إن كان فينا أعلمنا، وإن كان فير غيرنا أوصى بنا، فقال: لا أفعل والله إن منعناه اليوم لا يؤتيناه الناس بعده، قال: فتوفي رسول الله - ﷺ - ذلك اليوم" (٨).
وقد نص ابن أبي الحديد بعد ذكر أخبار السقيفة وبيعة أبي بكر "واعلم أن الآثار والأخبار في هذا الباب كثيرة جدًا ومن تأملها وأنصف علم أنه أنه لم يكن هناك نص صريح ومقطوع لا تختلجه الشكوك، ولا يتطرق إليه الاحتمالات" (٩).
وقال أيضًا ﵁ مخاطبًا طلحة والزبير، والله ما كانت لي في الخلافة رغبة، ولا في الولاية إربة، ولكنكم دعوتموني إليها وحملتموني عليها" (١٠).
هذا ومثل ذلك روى نصر بن مزاحم (١١) الشيعي أن معاوية بن أبي سفيان ﵄ أرسل حبيب بن مسلمة الفهري وشرحبيل بن سمط ومعن بن يزيد ليطالبوه بقتلة عثمان ذي النورين ﵁، فرد عليهم علي بن أبي طالب ﵁ بعد الحمدلة والبسملة "أما بعد! فإن الله بعث النبي - ﷺ -، فأنقذ به من الضلالة وأنعش به من المهلكة وجمع به بعد الفرقة، ثم قبضه الله إليه وقد أدى ما عليه، ثم استخلف أبو بكر عمر وأحسنا السيرة، وعدلا في الأمة .. ثم ولي أمر الناس عثمان، فعلم بأشياء عابها الناس عليه، فسار إليه ناس فقتلوه، ثم أتاني الناس وأنا معتزل أمرهم، فقالوا لي: بايع، فأبيت عليهم، فقالوا لي: بايع، فإن الأمة لا ترضى إلا بك، وإنا نخاف إن لم تفعل أن يفترق الناس، فبايعتهم" (١٢) فبايعتموني كما بايعتم
_________________
(١) ابن ميثم شرح نهج البلاغة ط إيران ص٤٨٨
(٢) "هو محمد بن الحسن بن علي الطوسي ولد سنة ٣٨٥، ومات في ٤٦٠ بنجف، ويلقب بشيخ الطائفة" (تنقيح المقال ص١٠٥ ج٣). "هو عماد الشيعة، ورافع أعلام الشيعة، شيخ الطائفة على الإطلاق، ورئيسها الذي تلوى إليه الأعناق، صنف في جميع علوم الإسلام، وكان القدوة في ذلك والإمام، وقد ملأت تصانيفه الأسماع، تلمذ على الشيخ المفيد والسيد المرتضى وغيرهم" (الكنى والألقاب ج٢ ص٣٥٧). هو من مصنفي الكتابين من الصحاح الأربعة "التهذيب" و"الاستبصار". "وصنف في كل فنون الإسلام، وهو المهذب للعقائد والأصول والفروع، وجميع الفائل تنسب إليه" (روضات الجنات ج٦ ص٢١٦)
(٣) "بحار الأنوار" للمجلسي ج٢٣ ص٣٩٠ نقلًا عن "المفيد"
(٤) كتاب الحجة من الأصول في الكافي ج١ ص٤٢٢
(٥) باب معرفة الإمام والرد إليه من الأصول في الكافي ج١ ص١٨٠
(٦) "الاعتقادات" للقمي ص١٣٠
(٧) "نهج البلاغة" خطبه ٩٢ ص١٣٦ ط بيروت
(٨) "شرح نهج البلاغة" ج١ ص١٣٢
(٩) "شرح نهج البلاغة" ج١ ص١٣٥
(١٠) نهج البلاغة ص٣٢٢
(١١) هو أبو الفضل نصر بن مزاح التميمي الكوفي الملقب بالعطار "إنه من جملة الرواة المتقدمين، بل الواقعة في درجة التابعين وطبقة الثلاثة الأوائل من الأئمة الطاهرين" (روضات الجنات ج٨ ص١٦٦). وقال النجاشي: مستقيم الطريقة، صالح الأمر، صاحب كتاب "صفين" و"الجمل" و"مقتل الحسين" وغيرها من الكتب (النجاشي ص٣٠١ و٣٠٢)
(١٢) "كتاب صفين" ط إيران ص١٠٥]. ولقد ذكر المؤرخ الشيعي أن أبا بكر ﵁ لما أراد استخلاف عمر بعده اعترض عليه بعض من الناس. فقال علي لطلحة، واستخلف أبو بكر أحدًا غير عمر لما نطيعه ("تاريخ روضة الصفا" فارسي ص٢٠٦ ط بمبئي)
[ ٦٤ ]
أبا بكر وعمر وعثمان، فما جعلكم أحق أن تفوا لأبى بكر وعمر وعثمان ببيعتهم
[ ٦٥ ]
منكم ببيعتي" (١).
_________________
(١) "الأمالي" لشيخ الطائفة الطوسي ج٢ ص١٢١ ط نجف
[ ٦٦ ]
والطبرسي أيضًا ينقل عن محمد الباقر ما يقطع أن عليًا كان مقرًا بخلافته، ومعترفًا بإمامته، ومبايعًا له بإمارته كما يذكر أن أسامة بن زيد حب رسول الله لما أراد الخروج انتقل رسول الله إلى الملأ الأعلى فلما وردت الكتاب على أسامة انصرف بمن معه حتى دخل المدينة، فلما أرى اجتماع الخلق على أبي بكر
[ ٦٧ ]
انطلق إلى علي بن أبى طالب (ع) فقال: ما هذا؟ قال له علي (ع) هذا ما ترى، قال أسامة: فهل بايعته؟ فقال: نعم" (١).
ولقد أقر بذلك شيعي متأخر وإمام من أئمة القوم محمد حسين آل كاشف الغطاء بقوله: لما ارتحل الرسول من هذه الدار إلى دار القرار، ورأى جمع من الصحابة أن لا تكون الخلافة لعلي إما لصغر سنه أو لأن قريشًا كرهت أن تجتمع النبوة والخلافة لبني هاشم - إلى أن قال - وحين رأى أن الخليفة الأول والثاني بذلا أقصى الجهد في نشر كلمة التوحيد وتجهيز الجيوش وتوسيع الفتوح، ولم يستأثروا ولم يستبدوا بايع وسالم" (٢).
وبقي سؤال فلماذا تأخر عن البيعة أيامًا؟ يجيب عليه ابن أبي الحديد "ثم قام أبو بكر، فخطب الناس واعتذر إليهم وقال: إن بيعتي كانت فلتة وقى الله شرها وخشيت الفتنة، وأيم الله! ما حصرت عليها يوم قط، ولقد قلدت أمرًا عظيمًا مالي به طاقة ولا يدان، ولوددت أن أقوى الناس عليه مكاني، وجعل يعتذر إليهم، فقبل المهاجرون عذره، وقال علي والزبير: ما غضبنا إلا في المشورة وإنا لنرى أبا بكر أحق الناس بها، إنه لصاحب الغار، وإنا لنعرف له سنه، ولقد أمره رسول الله - ﷺ - بالصلاة بالناس وهو حي" (٣).
وأورد ابن أبي الحديد رواية أخرى في شرحه عن عبد الله بن أبي أوفى الخزاعي قال: كان خالد بن سعيد بن العاص من عمال رسول الله - ﷺ - على اليمين، فلما قبض رسول الله - ﷺ - جاء المدينة وقد بايع الناس أبا بكر، فاحتبس عن أبي بكر فلم يبايعه أيامًا وقد بايع الناس وأتى بنى هاشم الظهر والبطن والشعار دون الدثار والعصادون اللحا، فإذا رضيتم
_________________
(١) "الاحتجاج" للطبرسي ص٥٠ ط مشهد عراق
(٢) "أصل الشيعة وأصولها" ط دار البحار بيروت ١٩٦٠ ص٩١
(٣) "شرح نهج البلاغة" لأبي أبي الحديد ج١ ص١٣٢
[ ٦٨ ]
رضينا وإذا سخطتم سخطنا حدثوني إن كنتم قد بايعتم هذا الرجل قالوا: نعم! قال علي: برد ورضا من جماعتكم قالوا: نعم! قال: فأنا أرضى وأبايع إذا بايعتم أما والله! يا بني هاشم إنكم لطوال الشجر الطيب الثمر، ثم إنه بايع أبا بكر" (١).
إقتداء علي بالصديق في الصلوات وقبوله الهدايا منه
هذا ونذكر بعد ذلك أن عليًا ﵁ كان راضيًا بخلافة الصديق ومشاركًا له في معاملاته وقضاياه، قابلًا منه الهدايا، رافعًا إليه الشكاوى، مصليًا خلفه، عاملًا معه المحبة والأخوة، محبًا له، مبغضًا من يبغضه.
وشهد بذلك أكبر خصوم الخلفاء الراشدين وأصحاب النبي - ﷺ - ومن تبعهم بهديهم، وسلك بمسلكهم، ونهج بمنهجهم.
فالرواية الأولى التي سقناها قبل ذلك أن عليًا قال للقوم حينما أرادوه خليفة وأميرًا: وأنا لكم وزيرًا خير لكم منى أميرًا" (٢).
ويذكرهم بذلك أيام الصديق والفاروق حينما كان مستشارًا مسموعًا، ومشيرًا منفذًا كلمته كما يروي اليعقوبي (٣) الشيعي الغالي في تاريخه وهو يذكر أيام خلافة الصديق "وأراد أبو بكر أن يغزو الروم فشارو جماعة من أصحاب رسول الله، فقدموا وأخروا، فاستشار علي بن أبى طالب فأشار أن يفعل، فقال: إن
_________________
(١) "شرح نهج البلاغة" ج١ ص١٣٤، ١٣٥
(٢) "نهج البلاغة" ص١٣٦ تحقيق صبحي صالح
(٣) هو أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر الكاتب العباسي الشيعي، "كان جده من موالي أبي المنصور، وكان رحالة يحب الأسفار، ساح في بلاد الإسلام شرقًا وغربًا، ودخل أرمينية سنة ٢٦٠، ثم رحل إلى الرمنه وعاد إلى مصر وبلاد المغرب، فألف في سياحة البلاد "كتاب البلدان"، وله تاريخ معروف بالتاريخ اليعقوبي إلى غير ذلك، توفي سنة ٢٨٤" (الكنى والألقاب ج٣ ص٢٤٦). "وأما صاحب الأعيان فعده في طبقات المؤرخين من الشيعة" (أعيان الشيعة)
[ ٦٩ ]
فعلت ظفرت؟ فقال: بشرت بخير، فقام أبو بكر في الناس خطيبًا، وأمرهم أن يتجهزوا إلى الروم (١).
وفى رواية "سأل الصديق عليًا كيف ومن أين تبشر؟ قال: من النبي حيث سمعته يبشر بتلك البشارة، فقال أبو بكر: سررتني بما أسمعتني من رسول الله يا أبا الحسن! يسرّك الله" (٢).
ويقول اليعقوبي أيضًا: وكان ممن يؤخذ عنه الفقه في أيام أبى بكر علي بن أبى طالب وعمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل وأبى بن كعب وزيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود" (٣).
فقدم عليًا على جميع أصحابه، وهذا دليل واضح على تعاملهم مع بعضهم وتقديمهم عليًا في المشورة (٤) والقضاء.
ويؤيد ذلك الشيعي الغالي محمد بن النعمان العكبري الملقب بالشيخ المفيد حيث بوّب بابًا خاصًا في كتابه "الإرشاد" قضايا أمير المؤمنين ﵇ في إمارة أبي بكر.
ثم ذكر عدة روايات عن قضايا علي في خلافة أبي بكر، ومنها "إن رجلًا رفع إلى أبي بكر وقد شرب الخمر، فأراد أن يقيم عليه الحد فقال له: إني شربتها ولا علم لي بتحريمها لأني نشأت بين قوم يستحلونها ولم أعلم بتحريمها حتى الآن فارتج علي أبي بكر الأمر بالحكم عليه ولم يعلم وجه القضاء فيه، فأشار عليه بعض من
_________________
(١) "تاريخ اليعقوبي" ص١٣٢، ١٣٣ ج٢ ط بيروت ١٩٦٠م
(٢) "تاريخ التواريخ" ج٢ كتاب ٢ ص١٥٨ تحت عنوان "عزام أبي بكر"
(٣) "تاريخ اليعقوبي" ص١٣٨ ج٢
(٤) وفي هذا المعنى توجد روايات كثيرة عندنا أن أبا بكر استشار أصحابه في مسائل ومشاكل وفيمن استشارهم كان عليًا ﵁، فقدم رأيه على آرائهم، انظر لذلك البداية والنهاية لابن الكثير ورياض النضرة لمحب الطبري وكنز العمال وتاريخ الملوك والأمم للطبري وتاريخ ابن خلدون وغيرها من الكتب، ولكنا لما عاهدنا أن لا نذكر شيئًا إلا من كتب القوم أعرضنا عن سردها
[ ٧٠ ]
حضر أن يستخبر أمير المؤمنين ﵇ عن الحكم في ذلك، فأرسل إليه من سأله عنه، فقال أمير المؤمنين: مر رجلين ثقتين من المسلمين يطوفان به على مجالس المهاجرين والأنصار ويناشدانهم هل فيهم أحد تلا عليه آية التحريم أو أخبره بذلك عن رسول الله - ﷺ -؟ فإن شهد بذلك رجلان منهم فأقم الحد عليه، وإن لم يشهد أحد بذلك فاستتبه وخلّ سبيله، ففعل ذلك أبو بكر فلم يشهد أحد من المهاجرين والأنصار أنه تلا عليه آية التحريم، ولا أخبره عن رسول الله - ﷺ - بذلك، فاستتابه أبو بكر وخلى سبيله وسلم لعلي (﵇) في القضاء به" (١).
هذا وكان يتمثل أوامره كما حدث أن وفدًا من الكفار جاءوا إلى المدينة المنورة، ورأوا بالمسلمين ضعفًا وقلة لذهابهم إلى الجهات المختلفة للجهاد واستئصال شأفة المرتدين والبغاة الطغاة، فأحس منهم الصديق خطرًا على عاصمة الإسلام والمسلمين، فأمر الصديق بحراسة المدينة وجعل الحرس على أنقابها يبيتون بالجيوش، وأمر عليًا والزبير وطلحة وعبد الله بن مسعود أن يرأسوا هؤلاء الحراس، وبقوا ذلك حتى أمنوا منهم" (٢).
وللتعامل الموجود بينهم، وللتعاطف والتوادد والوئام الكامل كان علىّ وهو سيد أهل البيت ووالد سبطي الرسول صلوات الله وسلامه عليه يتقبل منه الهدايا دأب الأخوة المتشاورين ما بينهم والمتحابين كما قبل الصهباء الجارية التي سبيت في معركة عين التمر، وولدت له عمر ورقية "وأما عمر ورقية فإنهما من سبيئة من تغلب يقال لها الصهباء سبيت في خلافة أبى بكر وإمارة خالد بن الوليد بعين التمر" (٣).
_________________
(١) "الإرشاد" للمفيد ص١٠٧ ط إيران
(٢) "شرح نهج البلاغة" ج٤ ص٢٢٨ تبريز
(٣) "شرح نهج البلاغة" ج٢ ص٧١٨، أيضًا "عمدة الطالب" ط نجف ص٣٦١
[ ٧١ ]
"وكانت اسمها أم حبيب بنت ربيعة" (١).
وأيضًا منحه الصديق خولة بنت جعفر بن قيس التي أسرت مع من أسر في حرب اليمامة وولدت له أفضل أولاده بعد الحسنين محمد بن الحنفية.
"وهى من سبي أهل الردة وبها يعرف ابنها ونسب إليها محمد بن الحنفية" (٢).
كما وردت روايات عديدة في قبوله هو وأولاده الهدايا المالية والخمس وأموال الفيء من الصديق ﵃ أجمعين، وكان علي هو القاسم والمتولي في عهده على الخمس والفيء [ولقد ورد في أبي داؤد عن علي ﵁ أنه قال: اجتمعت أنا والعباس وفاطمة وزيد بن حارثة عند النبي - ﷺ -، فقلت يا رسول الله! إن رأيت أن توليني حقنًا من هذا الخمس في كتاب الله ﷿ فاقسمه حياتك كيلا ينازعني أحد بعدك فافعل، قال: ففعل ذلك قال: فقسمته حياة رسول الله - ﷺ -، ثم ولانيه أبو بكر حتى إذا كان آخر سنة من سني عمر ﵁ فإنه أتاه مال كثير، فعزل حقنا ثم أرسل إلي، فقلت: بنا عنه العام غنى وبالمسلمين إليه حاجة فأردده عليهم، فرده عليهم" (٣)، وكانت هذه الأموال بيد علي، ثم كانت بيد الحسن، ثم بيد الحسين، ثم الحسن بن الحسن، ثم زيد بن الحسن" (٤).
هذا وكان يؤدي الصلوات الخمس في المسجد خلف الصديق، راضيًا بإمامته، ومظهرًا للناس اتفاقه ووئامه معه" (٥).
وقال الطوسي في صلاة علي خلف أبى بكر: فذاك مسلم لأنه الظاهر" (٦).
_________________
(١) "الإرشاد" ص١٨٦
(٢) "عمدة الطالب" الفصل الثالث ص٣٥٢، أيضًا "حق اليقين" ص٢١٣
(٣) أبو داؤد كتاب الخراج، فمسند أحمد مسندات علي)
(٤) "شرح نهج البلاغة" لابن أبي الحدد ج٤ ص١١٨
(٥) "الاحتجاج" للطبرسي ٥٣، أيضًا كتاب سليم بن قيس ص٢٥٣، أيضًا "مرآة العقول" للمجلسي ص٣٨٨ ط إيران
(٦) "تلخيص الشافي" ص٣٥٤ ط إيران
[ ٧٢ ]
مساعدة الصديق في تزويج علي من فاطمة
وكان للصديق مَنّ على عليّ المرتضى ﵄ حيث توسط له في زواجه من فاطمة ﵂ وساعده فيه، كما كان هو أحد الشهود على نكاحه بطلب من رسول الله - ﷺ - مما يرويه أحد أعاظم القوم ويسمى بشيخ الطائفة أبي جعفر الطوسي عن الضحاك بن مزاحم أنه قال: سمعت علي بن أبى طالب يقول: أتاني أبو بكر وعمر، فقالا: لو أتيت رسول الله - ﷺ - فذكرت له فاطمة، قال: فأتيته، فلما رآني رسول الله - ﷺ - ضحك، ثم قال: ما جاء بك يا علي وما حاجتك؟ قال: فذكرت له قرابتي وقدمي في الإسلام ونصرتي له وجهادي، فقال يا علي! صدقت، فأنت أفضل مما تذكر، فقلت: يا رسول الله! فاطمة تزوجنيها" (١).
وأما المجلسي الذي لا يستطيع أن يذكر أصحاب النبي وخاصة الصديق والفاروق إلا ويسبق ذكرهم بالسباب القبيحة والشتائم الفضيحة والألقاب الخبيثة الرديئة مثل "الملاعين" و"مسودي الوجوه" و"الشياطين" - عياذًا بالله - كما سيأتي بيانها في محلها، فالمجلسي اللعان هذا يذكر هذه الواقعة ويزيدها بيانًا ووضوحًا حيث يقول: في يوم من الأيام كان أبو بكر وعمر وسعد بن معاذ جلوسًا في مسجد رسول الله - ﷺ -، وتذاكروا ما بينهم بزواج فاطمة (٢) ﵍.
فقال أبو بكر: أشراف قريش طلبوا زواجها عن النبي ولكن الرسول قال لهم بأن الأمر في ذلك إلى الله - ونظن أنها لعلي بن أبي طالب - وأما علي بن
_________________
(١) "الأمالي" للطوسي ج١ ص٣٨
(٢) كم كان أصحاب رسول الله الصادق الأمين ﵇ البررة يتفكرون في أمور النبي - ﷺ -، ويهمهم ما كان يهم الرسول صلوات الله وسلامه عليه لحبهم النبي، ووفائهم به، ما أجمل المطاع وما أحسن الاتباع
[ ٧٣ ]
أبي طالب فلم يتقدم بطلبها إلى رسول الله لأجل فقره وعدم ماله، ثم قال أبو بكر لعمر وسعد: هيا بنا إلى علي بن أبي طالب لنشجعه ونكلفه بأن يطلب ذلك من النبي، وإن مانعه الفقر نساعده في ذلك (١) فأجاب سعد ما أحسن ما فكرت به، فذهبوا إلى بيت أمير المؤمنين ﵇ فلما وصلوا إليه سألهم ما الذي أتى بكم في هذا الوقت؟ قال أبو بكر: يا أبا الحسن! ليس هناك خصلة خير إلا وأنت سابق بها فما الذي يمنعك أن تطلب من الرسول ابنته فاطمة، فلما سمع عليّ هذا الكلام من أبي بكر نزلت الدموع من عينيه وسكبت، وقال: قشرت جروحي ونبشت وهيجت الأماني والأحلام التي كتمتها (٢) منذ أمد، فمن الذي لا يريد الزواج منها؟، ولكن يمنعني من ذلك فقري (٣) واستحي منه بأن أقول له وأنا في هذا الحال الخ (٤).
_________________
(١) وكم كانوا رحماء بينهم، متوادين، متحابين، متعاطفين رغم أنوف القوم وزعمهم؟
(٢) وليس عند القوم حياء حتى يختلقون القصص كهذه قصصًا خرافية، وعبارت سافلة منحطة، وينسبونها إلى الشخصيات المباركة المقدسة؟ أهم منتهون؟
(٣) وما فقره؟ فروى الشيعة المغالون عنه كالقمي والمجلسي ما نصه: لما أراد رسول الله أن يزوج فاطمة من عليّ أسرّ إليها، فقالت: يا رسول الله! أنت أولى بما ترى غير أن نساء قريش تحدثني عنه أنه رجل دحداد البطن، طويل الذراعين، ضخ الكراديس، أنزع، عظيم العينين، لمنكبيه مشاشًا كمشاش البعير، ضاحك السن، لا مال له؟ - والرسول لم ينكر هذه الأوصاف فيه - بل قال - حسب رواية القوم -: يا فاطمة! أما علمت أن الله أشرف على الدنيا فاختارني على رجال العالمين، ثم اطلع فاختارك على نساء العالمين، يا فاطمة! إنه لما أسري بي إلى السماء وجدت مكتوبًا على صخرة بيت المقدس "لا إله إلا الله محمد رسول الله أيدته بوزيره، ونصرته بوزيره" فقلت: ومن وزيري؟ فقال: علي بن أبي طالب" ("تفسير القمي" ج١ ص٣٣٦، أيضًا "جلاء العيون" ج١ ص١٨٥)
(٤) "جلاء العيون" للملا مجلسي ج١ ص١٦٩ ط كتابفروشي إسلامية طهران، ترجمة من الفارسية
[ ٧٤ ]
ثم وأكثر من ذلك أن الصديق أبا بكر هو الذي حرض عليًا على زواج فاطمة ﵃، وهو الذي ساعده المساعدة الفعلية لذلك، وهو الذي هيأ له أسباب الزواج وأعدها بأمر من رسول الله إلى الخلق أجمعين - ﷺ - كما يروي الطوسي أن عليًا باع درعه وأتى بثمنه إلى الرسول.
"ثم قبضه رسول الله من الدراهم بكلتا يديه، فأعطاها أبا بكر وقال: ابتع لفاطمة ما يصلحها من ثياب وأثاث البيت، أردفه بعمار بن ياسر وبعدة من أصحابه، فحضروا السوق، فكانوا يعرضون الشيء مما يصلح فلا يشترونه حتى يعرضوه على أبي بكر، فإن استصلحه اشتروه حتى إذا استكمل الشراء حمل أبو بكر بعض المتاع، وحمل أصحاب رسول الله (- ﷺ -) الذين كانوا معه الباقي" (١).
هذا ولا هذا فحسب بل الصديق ورفاقه هم كانوا شهودًا على زواجه بنص الرسول - ﷺ - وطلب منه كما يذكر الخوارزمي (٢) الشيعي والمجلسي والأربلي أن الصديق والفاروق وسعد بن معاذ لما أرسلوا عليًا إلى النبي - ﷺ - انتظروه في المسجد ليسمعوا منه ما يثلج صدورهم من إجابة الرسول وقبوله ذلك الأمر، فكان كما كانوا يتوقعون، فيقول علي: فخرجت من عند رسول الله (- ﷺ -) وأنا لا أعقل فرحًا وسرورًا، فاستقبلني أبو بكر وعمر، وقالا لي: ما ورائك؟ فقلت: زوجني رسول الله (- ﷺ -) ابنته فاطمة ففرح بذلك فرحًا شديدًا ورجعا معي إلى المسجد فلما توسطناه حتى لحق بنا رسول الله، وإن وجهه يتهلل سرورًا وفرحًا، فقال: يا بلال! فأجابه فقال: لبيك يا رسول الله! قال: اجمع إلى المهاجرين
_________________
(١) "الأمالي" ج١ ص٣٩، أيضًا "مناقب" لابن شهر آشوب المازندراني ج٢ ص٢٠ ط الهند، أيضًا "جلاء العيون" فارسي ج١ ص١٧٦
(٢) هو أبو المؤيد الموفق بن أحمد الخوارزمي الشيعي "فقيه محدث خطيب شاعر، له كتاب في مناقب أهل البيت ﵈، توفي سنة ٥٦٨، وخوارزم اسم لناحية إحدى قرى الزمخشر" (الكنى والألقاب ج٢ ص١١، ١٢)
[ ٧٥ ]
والأنصار فجمعهم ثم رقي درجة من المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وقال: معاشر الناس إن جبرئيل أتاني آنفا وأخبرني عن ربي ﷿ أنه جمع ملائكته عند البيت المعمور، وكان أشهدهم جميعًا أنه زوج أمته فاطمة ابنة رسول الله من عبده علي بن أبى طالب، وأمرني أن أزوجه في الأرض وأشهدكم على ذلك" (١).
ويكشف النقاب عن الشهود الأربلي في كتابه "كشف الغمة" حيث يروي: "عن أنس أنه قال كنت عند النبي - ﷺ - فغشيه الوحى، فلما أفاق قال لي: يا أنس! أتدري ما جاءني به جبرئيل من عند صاحب العرش؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم.
قال: أمرني أن أزوج فاطمة من علي، فانطلق فادع لي أبا بكر وعمر وعثمان وعليًا وطلحة والزبير وبعددهم من الأنصار، قال: فانطلقت فدعوتهم له، فلما أن أخذوا مجالسهم قال رسول الله - ﷺ - بعد أن حمد الله وأثنى عليه ثم إني أشهدكم أني زوجت فاطمة من عليّ على أربعمائة مثقال فضة" (٢).
هذا ولما ولد لهما الحسن كان أبو بكر الصديق، الرفيق الجد الحسن في الغار والصديق لوالده علي، والمساعد القائم بأعباء زواجه كان يحمله على عاتقه، ويداعبه ويلاعبه ويقول: بأبي شبيه بالنبي غير شبيه بعلي" (٣):
وبنفس القول تمسكت فاطمة بنت الرسول ﵂ (٤).
وكانت العلاقات وطيدة إلى حد أن زوجة أبى بكر أسماء بنت عميس هي
_________________
(١) "المناقب" للخوارزمي ص٢٥١، ٢٥٢، أيضًا "كشف الغمة ج١ ص٣٥٨، أيضًا "بحار الأنوار" للمجلسي ج١٠ ص٣٨، ٣٩، أيضًا جلاء العيون" ج١ ص١٨٤
(٢) "كشف الغمة" ج١ ص٣٤٨، ٣٤٩ ط تبريز، "بحار الأنوار" ج١ ص٤٧، ٤٨
(٣) "تاريخ اليعقوبي" ج٢ ص١١٧
(٤) انظر لذلك "تاريخ اليعقوبي" ج٢ ص١١٧
[ ٧٦ ]
التي كانت تمرّض فاطمة بنت النبي ﵇ ورضي الله عنها في مرض موتها، وكانت معها حتى الأنفاس الأخيرة وشاركها في غسلها وترحيلها إلى مثواها "وكان (علي) يمرضها بنفسه، وتعينه على ذلك أسماء بنت عميس رحمها الله على استمرار بذلك" (١).
و"وصتها بوصايا في كفنها ودفنها وتشييع جنازتها فعمات أسماء بها" (٢).
و"هي التي كانت عندها حتى النفس الأخير، وهى التي نعت عليًا بوفاتها" (٣).
و"كانت شريكة في غسلها" (٤).
وكان الصديق دائم الاتصال بعلي من ناحية لتسأله عن أحواله بنت النبي - ﷺ - خلاف ما يزعمه القوم.
"فمرضت (أي فاطمة ﵂) وكان علي (ع) يصلي في المسجد الصلوات الخمس، فلما صلى قال له أبو بكر وعمر: كيف بنت رسول الله؟ " (٥).
ومن ناحية أخرى من زوجه أسماء حيث كانت هي المشرفة والممرضة الحقيقة لها.
و"لما قبضت فاطمة من يومها فارتجت المدينة بالبكاء من الرجال والنساء، ودهش الناس كيوم قبض فيه رسول الله، فأقبل أبو بكر وعمر يعزيان عليًا ويقولان: يا أبا الحسن! لا تسبقنا بالصلاة على ابنة رسول الله" (٦).
_________________
(١) "الأمالي" للطوسي ج١ ص١٠٧
(٢) "جلاء العيون" ص٢٣٥، ٢٤٢
(٣) "جلاء العيون" ص٢٣٧
(٤) "كشف الغمة" ج١ ص٥٠٤
(٥) "كتاب سليم بن قيس" ص٣٥٣
(٦) "كتاب سليم بن قيس" ص٢٥٥
[ ٧٧ ]
المصاهرات بين الصديق وآل البيت
وكانت العلاقات وثيقة أكيدة بين بيت النبوة وبيت الصديق لا يتصور معها التباعد والاختلاف مهما نسج المسامرون الأساطير والأباطيل، ﴿وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون﴾ (١).
فالصديقة عائشة بنت الصديق أبى بكر كانت زوجة النبي - ﷺ -، ومن أحب الناس إليها مهما احترق الحساد ونقم المخالفون، فإنها حقيقة ثابتة، وهى طاهرة مطهرة - بشهادة القرآن مهما جحدها المبطلون وأنكرها المنكرون.
ثم أسماء بنت عميس التي جاء ذكرها آنفا كانت زوجة لجعفر بن أبي طالب شقيق علي، فمات عنها وتزوجها الصديق وولدت له ولدًا سماه محمدًا الذي ولاه علي على مصر، ولما مات أبو بكر تزوجها علي بن أبى طالب فولدت له ولدًا سماه يحيى.
وحفيدة الصديق كانت متزوجة من محمد الباقر - الإمام الخامس عند القوم وحفيد علي ﵁ - كما يذكر الكليني في أصوله تحت عنوان مولد الجعفر: "ولد أبو عبد الله ﵇ سنة ثلاث وثمانين ومضى في شوال من سنة ثمان وأربعين ومائة وله خمس وستون سنة، ودفن بالبقيع في القبر الذي دفن فيه أبوه وجده والحسن بن علي ﵈ وأمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر وأمها أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر" (٢).
ويقول ابن عنبة (٣): أمه (أي جعفر) أم فروة بنت القاسم بن محمد بن
_________________
(١) سورة العنكبوت الآية٤١
(٢) "كتاب الحجة من الأصول في الكافي ج١ ص٤٧٢، ومثله في "الفرق" للنوبختي
(٣) هو جمال الدين أحمد بن علي بن الحسين الحسني صاحب كتاب "عمدة الطالب" قال عنه القمي: سيد جليل علامة نسابة، كان من علماء الإمامية، تلمذ علي السيد أبي معية اثنتى عشر سنة فقهًا وحديثًا ونسبًا، توفى بكرمان سنة ٨٢٨" (الكنى والألقاب ج١ ص٣٥٠ و"أعيان الشيعة" ص٣٥ القسم الأول الجزء الثاني ص١٣٥ تحت عنوان "النسابون من الشيعة"
[ ٧٨ ]
أبي بكر وأمها أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، ولهذا كان الصادق ﵇ يقول: ولدني أبو بكر مرتين.
كما أن القاسم بن محمد بن أبي بكر حفيد أبي بكر، وعلي بن الحسين بن علي بن أبي طالب حفيد علي كانا ابني خالة كما يذكر المفيد وهو يذكر علي بن الحسين بقوله: والإمام بعد الحسن بن علي (ع) ابنه أبو محمد علي بن الحسين زين العابدين ﵉، وكان يكنى أيضا أبا الحسن. وأمه شاه زنان بنت يزدجردبن شهريار بن كسرى ويقال: إن اسمها كان شهر بانويه وكان أمير المؤمنين (ع) ولي حريث بن جابر الحنفي جانبًا من المشرق، فبعث إليه بنتي يزدجردبن شهريار بن كسرى، فنحل ابنه الحسين (ع) شاه زنان منهما فأولدها زين العابدين (ع) ونحل الأخرى محمد بن أبي بكر، فولدت له القاسم بن محمد بن أبى بكر فهما ابنا خالة" (١).
وأما المجلسي فذكر ذلك في "جلاء العيون" ولكنه صحح الروايات التي جاء بها المفيد وابن بابويه بأن شهربانو لم تكن سبيت في عهده علي كما ذكره المفيد ولا في عهد عثمان كما ذكره ابن بابويه القمي، بل كانت من سبايا عمر كما رواه القطب الراوندي (٢)، ثم يقر بعد ذلك بأن قاسم بن محمد بن أبي بكر
_________________
(١) "الإرشاد" للمفيد ص٢٥٣ ومثله في "كشف الغمة" و"منتهى الآمال" للشيخ عباس القمي ج٢ ص٣
(٢) هو سعيد بن هبة الله بن الحسن، من مواليد القرن السادس من الهجرة، ومات سنة ٥٧٣ بقم، وقبر هناك "العالم المتبحر، الفقيه، المحدث، المفسر، المحقق، الثقة الجليل، صاحب "الخرائج والجرائح" و"قصص الأنبياء" و"شرح النهج"، كان من أعاظم محدثي الشيعة" (الكنى والألقاب ج٣ ص٥٨)
[ ٧٩ ]
وزين العابدين بن الحسين بن علي هما ابنا خالة (١).
وذكر أهل الأنساب والتاريخ قرابة أخرى وهى تزويج حفصة بنت عبد الرحمن بن الصديق من الحسين بن علي بن أبى طالب ﵃ بعد عبد الله بن الزبير أو قبله.
ثم وإن محمد بن أبي بكر من أسماء بنت عميس كان ربيب علىّ وحبيبه، وولاه إمرة مصر في عصره.
"وكان علي ﵇ يقول: محمد ابني من ظهر أبي بكر" (٢).
وكان من حب أهل البيت للصديق والتوادد ما بينهم أنهم سموا أبنائهم بأسماء أبي بكر ﵁، فأولهم علي بن أبي طالب حيث سمى أحد أبناءه بأبي بكر كما يذكر المفيد تحت عنوان "ذكر أولاد أمير المؤمنين (ع) وعددهم وأسماءهم ومختصر من أخبارهم".
"١٢ - محمد الأصغر المكنى بأبي بكر ١٣ - عبيد الله، الشهيدان مع أخيهما الحسين (ع) بألطف أمهما ليلى بنت مسعود الدارمية" (٣).
وقال اليعقوبي: وكان له من الولد الذكور أربعة عشر ذكر الحسن والحسين وعبيد الله وأبو بكر لا عقب لهما أمهما يعلى بنت مسعود الحنظلية من بني تيم" (٤).
وذكر الأصفهاني في "مقاتل الطالبيين" تحت عنوان "ذكر خبر الحسين بن علي بن أبي طالب ومقتله ومن قتل معه من أهله" وكان منهم "أبو بكر بن علي بن أبي طالب وأمه يعلى بنت مسعود .. ذكر أبو جعفر أن رجلًا من همدان
_________________
(١) "جلاء العيون" الفارسي ص٦٧٣، ٦٧٤
(٢) "الدرة النجفية" للدنبلي الشيعي شرح نهج البلاغة ص١١٣ ص إيران
(٣) "الإرشاد" ص١٨٦
(٤) "تاريخ اليعقوبي" ج٢ ص٢١٣
[ ٨٠ ]
قتله، وذكر المدائني أنه وجد في ساقيه مقتولًا، لا يدري من قتله" (١).
وهل هذا إلا دليل حب ومؤاخاة وإعظام وتقدير من عليّ للصديق ﵄.
والجدير بالذكر أنه ولد له هذا الولد بعد تولية الصديق الخلافة والإمامة، بل وبعد وفاته كما هو معروف بداهة.
وهل يوجد في الشيعة اليوم المتزعمين حب علي وأولاده رجل يسمى بهذا الاسم، وهل هم موالون له أم مخالفون؟
ونريد أن نلفت الأنظار أن عليًا لم يسم بهذا الاسم ابنه إلا متيمنًا بالصديق وإظهارًا له الولاء والوفاء وحتى بعد وفاته وإلا لا يوجد في بنى هاشم رجل قبل علي يسمي ابنه بهذا الاسم حسب علمنا ومطالعتنا كتب القوم فبمن سمى ابنه آنذاك؟
ثم ولم يقتصر عليّ بهذا التيمن والتبرك وإظهار المحبة والصداقة للصديق، بل بعده بنوه أيضًا مشوا مشيه ونهجوا منهجه.
فهذا هو أكبر أنجاله وابن فاطمة وسبط الرسول الحسن بن علي - الإمام المعصوم الثاني عند القوم - أيضا يسمي أحد أبنائه بهذا الاسم كما ذكره اليعقوبي.
"وكان للحسن من الولد ثمانية ذكور وهم الحسن بن الحسن وأمه خولة وأبو بكر وعبد الرحمن لأمهات أولاد شتى وطلحة وعبيد الله" (٢).
ويذكر الأصفهاني "إن أبا بكر بن الحسن بن علي بن أبي طالب أيضًا كان ممن قتل في كربلاء مع الحسين قتله عقبة الغنوي" (٣).
_________________
(١) "مقاتل الطالبين" لأبي الفرج الأصفهاني الشيعي ط دار المعرفة بيروت ص١٤٢، ومثله في "كشف الغمة" ج٢ ص٦٤، "جلاء العيون" للمجلسي ص٥٨٢
(٢) "تاريخ اليعقوبي" ج٢ ص٢٢٨، منتهى الآمال ج١ ص٢٤٠
(٣) "مقاتل الطالبين" ص٨٧
[ ٨١ ]
والحسين بن علي أيضًا سمى أحد أبنائه باسم الصديق كما يذكر المؤرخ الشيعي المشهور بالمسعودي في "التنبيه والإشراف" عند ذكر المقتولين مع الحسين في كربلاء.
"وممن قتلوا في كربلاء من ولد الحسين ثلاثة، علي الأكبر وعبد الله الصبي وأبو بكر بنوا الحسين بن علي" (١).
وقيل: "إن زين العابدين بن الحسن كان يكنى بأبي بكر أيضًا" (٢).
وأيضًا حسن بن الحسن بن علي، أي حفيد علي بن أبي طالب سمى أحد أبنائه أبا بكر كما رواه الأصفهاني عن محمد بن علي حمزة العلوي أن ممن قتل مع إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب كان أبو بكر بن الحسن بن الحسن.
والإمام السابع عند الشيعة موسى بن جعفر الملقب بالكاظم أيضًا سمى أحد أبنائه بأبي بكر.
وأما الأصفهاني فيقول: إن ابنه علي - الإمام الثامن عندهم - هو أيضًا كان يكنى بأبي بكر، ويروى عن عيسى بن مهران عن أبي الصلت الهروي أنه قال: سألني المأمون يومًا عن مسألة، فقلت: قال فيها أبو بكرنا، قال عيسى بن مهران: قلت لأبي الصلت: من أبو بكركم؟ فقال: علي بن موسى الرضا كان يكنى بها وأمه أم ولد" (٣).
والجدير بالذكر أن موسى الكاظم هذا سمى أحد بناته أيضًا باسم بنت
_________________
(١) "التنبيه والإشراف" ص٢٦٣
(٢) "كشف الغمة" ج٢ ص٧٤
(٣) "مقاتل الطالبين" ص٥٦١، ٥٦٢
[ ٨٢ ]
الصديق، الصديقة عائشة كما ذكر المفيد تحت عنوان "ذكر عدد أولاد موسى بن جعفر وطرف من أخبارهم".
وكان لأبي الحسن موسى ﵇ سبعة وثلاثون ولدًا ذكرًا وأنثى منهم علي بن موسى الرضا ﵉ وفاطمة وعائشة وأم سلمة" (١).
كما سمى جده علي بن الحسين إحدى بناته، عائشة" (٢).
وأيضًا - الإمام العاشر المعصوم حسب زعمهم - علي بن محمد الهادي أبو الحسن سمى أحد بناته بعائشة، يقول المفيد: وتوفي أبو الحسن ﵉ في رجب سنة أربع وخمسين ومائتين، ودفن في داره بسرّ من رأى، وخلف من الولد أبا محمد الحسن ابنه . وابنته عائشة" (٣).
وقبل أن ننهي نودّ أن نذكر بأن هناك في الهاشمية كثير من تسموا أنفسهم، أو سموا أبنائهم بأبي بكر نذكر منهم ابن الأخ لعلي بن أبي طالب وهو عبد الله بن جعفر الطيار بن أبي طالب فإنه سمى أحد أبنائه أيضًا باسم أبي بكر كما ذكره الأصفهاني في مقالته:
قتل أبو بكر بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب يوم الحرة في الوقعة بين مسرف بن عقبة وبين أهل المدينة.
وهذا من إحدى علائم الحب والود بين القوم خلاف ما يزعمه الشيعة اليوم من العداوة والبغضاء، والقتال الشديد والجدال الدائم بينهم.
_________________
(١) "الإرشاد" ص٣٠٢، ٣٠٣، "الفصول المهمة" ٢٤٢، "كشف الغمة" ج٢ ص٢٣٧
(٢) "كشف الغمة" ج٢ ص٩٠
(٣) "كشف الغمة" ص٣٣٤، و"الفصول المهمة" ص٢٨٣
[ ٨٣ ]
قضية فدك
وقبل أن ننتقل إلى الفاروق وعلاقته مع أهل البيت لا بد لنا أن نقف برهة غير يسيرة على سؤال يطرح حول اختلاف هؤلاء الأشراف الكرام البررة، ألا وهو إن كان حبهم وودادهم هكذا كما ذكر فماذا كانت قضية فدك؟ التي طالما نفخ إليها المنفخون المنافقون أعداء أمة محمد - ﷺ -، وكبروها، وفخموها لمقاصدهم الخبيثة، ومطاعمهم السيئة، وأرادوا منها إثبات التفرقة والخلاف الشديد بين أصحاب الرسول - ﷺ - وخاصة بين بيت النبوة وبين المسلمين عامة، فإن أهل البيت كانوا في جانب وكان السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار وبقية الأمة في جانب آخر.
حاشا وكلا أن يكون كذلك، والمسألة لم تكن كبيرة وذات أهمية وأبعاد مثلما جعلوها فقط للطعن واللعن، والقضية كلها كانت بأن رسول الله - ﷺ - لما توفي وبويع أبو بكر بخلافة رسول الله وإمارة المؤمنين أرسلت إليه بنت رسول الله فاطمة تسأله ميراثها من رسول الله ﵊ مما أفاء الله على نبيه من فدك (١) فأجابها أبو بكر أن رسول الله - ﷺ - قال: لا نورث، ما تركنا فهو صدقة، إنما يأكل آل محمد من هذا المال يعني مال الله .. وإني والله لا أغيّر شيئًا من صدقات النبي - ﷺ - التي كانت عليها في عهد النبي - ﷺ -، ولأعملن فيها بما عمل فيها رسول الله - ﷺ -، وقال: والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله - ﷺ - أحب إلي أن أصل من قرابتي.
ولما ذكر هذا الصديق لفاطمة ﵂ تراجعت عن ذلك ولم تتكلم فيها بعد حتى ماتت، بل وفى بعض الروايات الشيعية أنها رضيت على ذلك كما
_________________
(١) "فدك" قرية بخيبر، وقيل: بناحية الحجاز، فيها عين ونخل، أفاء الله على نبيه - ﷺ - (لسان العرب، ج١٠ ص٤٧٣)
[ ٨٤ ]
يرويه ابن الميثم (١) الشيعي في نهج البلاغة.
"إن أبا بكر قال لها: إن لك ما لأبيك، كان رسول الله - ﷺ - يأخذ من فدك قوتكم، ويقسم الباقي ويحمل منه في سبيل الله، ولك على الله أن أصنع بها كما كان يصنع، فرضيت بذلك وأخذت العهد عليه به" (٢).
ومثل ذلك ذكر الدنبلي في شرحه "الدرة النجفية" (٣).
ولكن الشيعة لم يعجبهم بأن ترضى فاطمة بهذا القضاء بتلك السهولة، فسودوا صفحات وأوراقًا كثيرة، وكتبوا بخصوص ذلك كتبًا عديدة ملئها الطعن والشتائم على أصحاب الرسول وتفكيرهم وتفسيقهم واتهامهم بالردة والخروج من الإسلام والظلم والجور على أهل البيت حيث أن أهل المعاملة والقضية لم يتكلموا، لا بقليل ولا بكثير كما نحن ذكرناه من الشيعة أنفسهم، بل وأكثر من ذلك نقل أئمة القوم
_________________
(١) هو كمال الدين مثيم بن على ميثم البحراني من مواليد القرن السابع من الهجرة "العالم الرباني، والفيلسوف، الحبر المحقق، والحكيم المتأله المدقق، جامع المعقول والمنقول، أستاذ الفضلاء الفحول، صاحب الشروح على نهج البلاغة، يروي عن المحقق الطوسي .. قيل: إن الخواجه نصير الدين الطوسي تلمذ على كمال الدين ميثم في الفقه، وتلمذ على الخواجه في الحكمة، توفي سنة ٦٧٩، وقبر في هلتا من قرى ماحوذ" (الكنى والألقاب ج١ ص٤١٩)، وهو الذي قال: طلبت فنون العلم أبغي بها العلى فقصر بي عما سموت به القل تبين لي أن المحاسن كلها فرع وأن المال فيها هو الأصل "وله من المصنفات البديعة ما لم يسمع بها الزمان، ولم يظفر بها أحد من الأعيان" (روضات الجنات ج٧ ص٢١٨ وما بعد)
(٢) "شرح نهج البلاغة" لابن ميثم البحراني ج٥ ص١٠٧ ط طهران
(٣) ص٣٣١، ٣٣٢ ط إيران
[ ٨٥ ]
أنفسهم بأن أبا بكر لم يكتف على الكلام فقط بل أعقبه بالعمل كما يروي ابن الميثم والدنبلي وابن أبي الحديد والشيعي المعاصر فيض الإسلام علي نقي.
"إن أبا بكر كان يأخذ غلتها (أي فدك) فيدفع إليهم (أهل البيت) منها ما يكفيهم، ويقسم الباقي، فكان عمر كذلك، ثم كان عثمان كذلك، ثم كان علي كذلك" (١).
ولكن القوم كيف يرضيهم هذا؟ فقال كبيرهم المجلسي (٢): إن من المصيبة العظمى والداهية الكبرى غصب أبى بكر وعمر فدك من أهل بيت الرسالة . وإن القضية الهائلة أن أبا بكر لما غصب الخلافة عن أمير المؤمنين، وأخذ البيعة جبرًا من المهاجرين والأنصار (؟) وأحكم أمره طمع في فدك خوفًا منه بأنها لو وقعت في أيديهم يميل الناس إليهم بالمال، ويتركون هؤلاء الظالمين (يعني أبا بكر ورفاقه) فأراد إفلاسهم حتى لا يبقى لهم شيء، ولا يطمع الناس فيهم وتبطل خلافتهم الباطلة، ولأجل ذلك وضعوا تلك الرواية الخبيثة المفتراة: نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة" (٣).
وقد سلك مسلكه كثيرون وكم هم؟ كي ينبشوا الضغائن التي لم يكن لها
_________________
(١) "شرح نهج البلاغة" لابن أبي الحديد ج٤، أيضًا "شرح نهج البلاغة" لابن ميثم البحراني ج٥ ص١٠٧، "الدرة النجفية" ص٣٣٢، "شرح النهج" فارسي لعلي تقي ج٥ ص٩٦٠ ط طهران
(٢) وقل من يوجد مثل المجلسي جريئًا في السباب والشتائم وهو لا يذكر صاحبًا من أصحاب النبي إلا ويلعنه ويفسقه ويكفره، وقد كتب في بحث فدك أن أبا بكر لما طلب الشهود من فاطمة على أن فدك لها قال له علي: أتطلب الشهود؟ هل الشهود كل شيء؟ قال: نعم، فقال له علي: إن شهد الشهود بأن فاطمة زنت ماذا تعمل؟ قال: أقيم عليها الحد كما أقيم على سائر الناس (عياذًا بالله) (حق اليقين للمجلسي ص١٩٣) فانظر جرأته وتسرعه كيف يتكلم، ولا يستحي؟
(٣) "حق اليقين" فارسي للملا مجلسي ص١٩١ تحت "مطاعن أبي بكر"
[ ٨٦ ]
وجود في العالم، ولكن بلهاء القوم لم يعرفوا أن البيت الذي نسجوه كان بيت العنكبوت ولا يبقى أمام عاصفة الحق.
فالرواية التي ردوها هذا حسدًا ونقمة على الصديق لم يعلموا أن إمامهم الخامس المعصوم رواها من رسول الله - ﷺ -، وفى كتابهم أنفسهم، نعم! في كتابهم "الكافي" الذي يعدونه من أصح الكتب ويقولون فيه: إنه كاف للشيعة، يروي الكليني في هذا الكافي عن حماد بن عيسى عن القداح عن أبي عبيد الله ﵇ قال:
قال رسول الله - ﷺ -: من سلك طريقًا يطلب فيه علمًا سلك الله به طريقًا إلى الجنة .. وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر، وإن العلماء ورثة الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، ولكن ورثوا العلم، فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر" (١).
ورواية أخرى أن جعفر أبا عبد الله قال: إن العلماء ورثة الأنبياء، وذاك أن الأنبياء لم يورثوا درهمًا ولا دينارًا، وإنما أورثوا أحاديث من أحاديثهم" (٢).
فماذا يقول المجلس ومن شاكله في هذا؟ وفي الفارسية بيت من الشعر إن كانت هذه جريمة ففي مدينتكم ترتكب أيضًا.
وهناك روايتان غير هذه الرواية رواهما صدوق القوم تؤيد هذه الرواية وتؤكدها وهي:
"عن إبراهيم بن علي الرافعي، عن أبيه، عن جدته بنت أبي رافع قالت: أتت فاطمة بنت رسول الله - ﷺ - بابنيها الحسن والحسين ﵉ إلى رسول الله - ﷺ - في شكواه الذي توفي فيه، فقالت:
_________________
(١) "الأصول من الكافي" كتاب فضل العلم، باب العالم والمتعلم ج١ ص٣٤
(٢) "الأصول من الكافي" باب صفة العلم وفضله وفضل العلماء ج١ ص٣٢
[ ٨٧ ]
يا رسول الله هذان ابناك فورّثهما شيئًا قال: أما الحسن فإن له هيبتي وسؤددي وأما الحسين فإن له جرأتي وجودي" (١).
والرواية الثانية "قالت فاطمة ﵍: يا رسول الله! هذان ابناك فانحلهما، فقال رسول الله - ﷺ -: أما الحسن فنحلته هيبتي وسؤددي وأما الحسين فنحلته سخائي وشجاعتي" (٢).
ثم وأراد المجلسي وغيره، وهم كثيرون من القوم أن يثبتوا أن أبا بكر ورفاقه لم يعملوا هذا إلا لأن يفلسوا عليًا وأهل البيت كيلا يجلب الناس إليهم بالمال والمنال، فيا عجبًا على القوم وعقولهم هل هم يظنون عليًا وأهل بيته أمثال طلاب الحكم والرئاسة في هذه العصور المتأخرة بأنهم يطلبونها بالمال والرشى، وإن كانت القضية هكذا فالمال كان متوفرًا عندهم لأن الكليني يذكر ويروي عن أبي الحسن - الإمام العاشر عند القوم - أن الحيطان السبعة كانت وقفت على فاطمة ﵍ وهي (١) الدلال (٢) والعوف (٣) والحسنى (٤) والصافية (٥) وما لام إبراهيم (٦) والمثيب (٧) والبرقة" (٣).
فهل من يملك العقارات السبعة ينقصه من المال شيء؟
ثم وهل يظنون النبي - ﷺ - أنه كان يجعل أموال الدولة أمواله وملكه؟ وهذا ما لا يرضاه العقل، وحتى هذا العصر، عصر السلب والنهب، وعصر اللامبالاة وعدم التمسك بالدين، ففي مثل هذا العصر إن الملوك والحكام لو استولوا على بقعة من بقاع الأرض، أو فتحوها لا يجعلونها ملكًا لهم دون غيرهم، بل يجعلونها ملكًا للدولة يتصرفون فيها في مصالح الرعية وشئون العامة والخاصة، فهل كان الرسول فداه أبواي وروحي - ﷺ - في نظر القوم ممن يؤثرون أنفسهم على الناس؟
_________________
(١) "كتاب الخصال" للقمي ص٧٧
(٢) "كتاب الخصال" للقمي ص٧٧
(٣) كتاب الوصايا "الفروع من الكافي" ج٧ ص٤٧، ٤٨
[ ٨٨ ]
سبحان الله ما هذا إلا إفك مفترى، والرسول العظيم الرؤوف الرحيم بريء ورفيع من هذا.
وهناك شيء آخر وهو إن كانت أرض فدك ميراث رسول الله - ﷺ - فلم تكن السيدة فاطمة ﵂ وريثة وحيدة لها، بل كانت ابنتا الصديق والفاروق وارثتين أيضًا فحرم الصديق والفاروق ابنتيهما كما حرما فاطمة، ثم وعباس عم النبي كان حيًا وهو من ورثته بلا شك.
وثالثًا - إن المعترضين من الشيعة لا يعرفون بأن في مذهبهم لا ترث المرأة من العقار والأرض شيئًا، فلقد بوّب بابًا مستقلة في هذا الخصوص، فانظر إلى الكليني، فإنه بوّب بابًا مستقلًا بعنوان "إن النساء لا يرثن من العقار شيئًا" ثم روى تحته روايات عديدة.
"عن أبي جعفر - الإمام الرابع المعصوم عند القوم - قال: النساء لا يرثن من الأرض ولا من العقار شيئًا" (١).
وروى الصدوق ابن بابويه القمي في صحيحه "من لا يحضره الفقيه" عن أبي عبد الله جعفر - الإمام الخامس عندهم - أم ميسرا قال: سألته (أي جعفر) عن النساء ما لهن من الميراث؟ فقال: فأما الأرض والعقارات فلا ميراث لهن فيه" (٢).
ومثل هذه فإنها لكثيرة، وقد ذكروا على عدم الميراث في العقارات والأراضي اتفاق علمائهم (٣). فما دامت المرأة لا ترث العقار والأرض فكيف كان لفاطمة أن تسأله فدك - حسب قولهم - وهي عقار لا ريب فيها، لا يختلف فيها اثنان، ولا يتناطح فيها كبشان.
_________________
(١) "الفروع من الكافي" كتاب المواريث ج٧ ص١٣٧
(٢) "الفروع من الكافي" كتاب الفرائض والميراث ج٤ ص٣٤٧
(٣) انظر لذلك كتب القوم في الفقه
[ ٨٩ ]
وأما إغضاب الصديق فاطمة والقول بأنها رجعت ولم تتكلمه حتى ماتت.
نعم! إنها رجعت عن القول بوراثة فدك، ولم تتكلمه في هذا الموضوع حتى آخر حياتها.
وأما غصب حقوقها فها هو المجلسي وهو على تعنّفه وتعنّته يضطر إلى أن يقول:
إن أبا بكر لما رأى غضب فاطمة قال لها: أنا لا أنكر فضلك وقرابتك من رسول الله ﵇، ولم أمنعك من فدك إلا امتثالًا بأمر رسول الله، وأشهد الله على أني سمعت رسول الله يقول: نحن معاشر الأنبياء لا نورث، وما تركنا إلا الكتاب والحكمة والعلم، وقد فعلت هذا باتفاق المسلمين ولست بمتفرد في هذا، وأما المال فإن تريدينها فخذي من مالي ما شئت لأنك سيدة أبيك وشجرة طيبة لأبنائك، ولا يستطيع أحد أن ينكر فضلك" (١).
فهل بعد هذا يمكن لأحد أن يقول: إن أبا بكر أغضبها، وغصب حقها، وأراد إيذائها، وأقلقها، وأفلسها لأغراضه وأهدافه؟
اللهم إلا من عمي قلبه، وتحجر عقله، وأفلس ذهنه، واختلت حواسه؟
فالعمارة التي أرادوا بنائها على هذا الأساس الواهي لإقامة المآتم ومجالس اللعن والطعن على غصب حقوق أهل البيت، وإثبات المنافرة والعداوة بين خلفاء النبي وأصحابه وبين أهل بيته كانت مهدمة يوم أرادوا بنائها، والقصة التي أرادوا أن ينسجوها من الوهم والخيال راحت على أدراج الرياح وكانت هباء منثورًا، وقبل ذلك أقام القيامة على السبئيين سيد أهل البيت وزوج فاطمة، عليّ بن أبي طالب ﵄ يوم تولى الأمر كما ذكره السيد مرتضى الملقب بعلم الهدى إمام الشيعة:
_________________
(١) "حق اليقين" ص٢٠١، ٢٠٢ - ترجمة من الفارسية
[ ٩٠ ]
"إن الأمر لما وصل إلى علي بن أبي طالب كلّم في رد فدك، فقال: إني لأستحيي من الله أن أرد شيئًا منع منه أبو بكر وأمضاه عمر" (١).
ولأجل ذلك لما سئل أبو جعفر محمد الباقر عن ذلك وقد سأله كثير النوال "جعلني الله فداك أرأيت أبا بكر وعمر هل ظلماكم من حقكم شيئًا أو قال: ذهبا من حقكم بشيء؟ فقال: لا والذي أنزل القرآن على عبده ليكون للعالمين نذيرًا ما ظلمانا من حقنا مثقال حبة من خردل، قلت: جعلت فداك أفأتولاهما؟
قال: نعم ويحك تولهما في الدنيا والآخرة، وما أصابك ففي عنقي" (٢).
وأخو الباقر زيد بن علي بن الحسين قال أيضًا في فدك مثل ما قاله جده الأول علي بن أبي طالب وأخوه محمد الباقر لما سأله البحتري بن حسان وهو يقول: قلت لزيد بن علي ﵇ وأنا أريد أن أهجن أمر أبي بكر: إن أبا بكر انتزع فدك من فاطمة ﵍، فقال: إن أبا بكر كان رجلًا رحيمًا، وكان يكره أن يغير شيئًا فعله رسول الله - ﷺ - فأتته فاطمة فقالت: إن رسول الله - ﷺ - أعطاني فدك، فقال لها: هل لك على هذا بينة، فجاءت بعلي ﵇ فشهد لها، ثم جاءت أم أيمن فقالت: ألستما تشهدان أني من أهل الجنة قالا: بلى، قال أبو زيد: يعني أنها قالت لأبي بكر وعمر: قالت: فأنا أشهد أن رسول الله - ﷺ - أعطاها فدك فقال أبو بكر: فرجل آخر أو امرأة أخرى لتستحقي بها القضية، ثم قال زيد: أيم الله! لو رجع الأمر إليّ لقضيت فيه بقضاء أبي بكر" (٣).
فهل بعد هذا يحتاج الأمر إلى الإيضاح أكثر من ذلك؟
_________________
(١) "الشافي" للمرتضى ص٢٣١، أيضًا "شرح نهج البلاغة" لابن أبي الحديد ج٤
(٢) "شرح نهج البلاغة" لابن أبي الحديد ج٤ ص٨٢
(٣) "شرح نهج البلاغة" لابن أبي الحديد ج٤ ص٨٢
[ ٩١ ]
وقبل أن نأتي إلى آخر الكلام نريد أن نثبت ههنا روايتين رواهما الكليني في هذا الخصوص، فأما الأولى فهي التي رواها عن أبي عبد الله جعفر أنه قال: الأنفال ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، أو قوم صالحوا، أو قوم أعطوا بأيديهم، وكل أرض خربة وبطون الأودية فهو لرسول الله - ﷺ - وهو للإمام من بعده يضعه حيث يشاء" (١).
وهذه صريحة في معناها بأن الإمام بعد النبي أحق الناس بالتصرف فيها.
والرواية الثانية التي نذكرها هي طريفة ومروية أيضًا في الأصول من الكافي أن أبا الحسن موسى - الإمام السابع للقوم - ورد على المهدي، ورآه يردّ المظالم فقال: يا أمير المؤمنين! ما بال مظلمتنا لا ترد؟
فقال له: وما ذاك يا أبا الحسن؟ قال: فدك، فقال له المهدي: يا أبا الحسن! حدّها لي، فقال: حد منها جبل أحد، وحد منها عريش مصر، وحد منها سيف البحر، وحد منها دومة الجندل" (٢).
يعني نصف العالم كله، انظر إلى القوم وأكاذيبهم، فأين قرية من خيبر من نصف الدنيا؟ فيا عجبًا للقوم ومبالغتهم، كيف يعظمون الحقير، وكيف يكبرون الصغير؟ وفي هذه دليل لمبالغات القوم وترهاتهم.
وعلى ذلك نتم هذا البحث في فدك وفضائل أمير المؤمنين وخليفة رسول الله الصادق الأمين وأفضليته وأحقيته بالخلافة والإمامة بعد النبي ﵊، وحبه لأهل بيت النبي في ضوء أقوال أهل البيت وأفعالهم، ومن كتب القوم أنفسهم، وثم ننتقل إلى الرجل الثاني الخليفة الراشد الفاروق، الفارق بين الحق والباطل، ﵁ وأرضاه.
_________________
(١) "الأصول من الكافي" كتاب الحجة، باب الفيء والأنفال ج١ ص٥٣٩
(٢) "الأصول من الكافي" باب الفيء والأنفال ج١ ص٥٤٣
[ ٩٢ ]
موقف أهل البيت من الفاروق
وأما عمر بن الخطاب، فارس الإسلام وأمير المؤمنين، عبقري الملة، وقطب رحى المسلمين، وباني مجدهم، ومؤسس شوكتهم، وفاتح القيصرية، وهازم الكسروية، ورافع راية الله، ومعلي كلمته، موصل الدين من قلب الجزيرة إلى أقصى العالم، وناشر العدل، ومنفذ الشريعة الغراء على كل قريب وبعيد، ومساو بين كل جبار عنيد ومحتقر حقير، غير خائف في الحق لومة لائم، ولا آبه من عذل عاذل، ماحي الشرك والبدعة والكفر والضلال، حامي الحق والشريعة، الفارق بين الحق والباطل، العادل بين الرعية خاصتهم وعامتهم أميرهم ومأمورهم، المعز لدين الله والحق، والمذل للطاغوت والكفر والأوثان، الأمين الراشد، المرشد المصلح رضي الله تعالى عنه كان محبوبًا إلى أهل بيت النبي كما كان حبيبًا إلى سيد ولد آدم محمد - ﷺ - الذي قال فيه صلوات الله وسلامه عليه وهو يمشي على الأرض ﵁: دخلت الجنة .. ورأيت قصرًا بفنائه جارية، فقلت: لمن هذا؟ فقالوا: لعمر بن الخطاب" (١).
وقال ﵇، والذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى: بينا أنا نائم رأيتني على قليب عليها دلو، فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبي قحافة (الصديق)، فنزع منها ذنوبًا (٢) أو ذنوبين وفى نزعه ضعف، والله يغفر له ضعفه، ثم استحالت غربًا (٣) فأخذها عمر بن الخطاب فلم أر عبقريًا ينزع نزع عمر حتى ضرب الناس بعطن (٤) - وفى رواية - حتى روى الناس
_________________
(١) متفق عليه
(٢) الذنوب: الدلو وفيها ماء
(٣) دلو عظيمة
(٤) أي حتى أرووا إبلهم فأبركوها، وضربوا لها عطنًا، وهو مبرك الإبل حول الماء (من تعليقات الشيخ الألباني على مشكاة المصابيح)
[ ٩٣ ]
وضربوا بعطن" (١).
وقال - ﷺ -: إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه" (٢).
فهذا هو عمر بن الخطاب ﵁ بلسان نبيه - ﷺ -، ولقد ذكرنا منه أحاديث ثلاثة من إمام الكونين ورسول الثقلين فداه أبواي وروحي - ﷺ - من كتب السنة المعتبرة خلاف عهدنا ودأبنا في هذا الكتاب بأننا لا ننقل شيئًا إلا من كتب القوم أنفسهم لأننا سوف نروي عن علي بن أبي طالب ﵁ - سيد أهل البيت، والإمام المعصوم الأول عند القوم - أنه يؤيد هذه الأحاديث الثلاثة بأقواله الواضحة، وتصريحاته المكشوفة، والمروية المذكورة المورودة في بطون كتب القوم وأوراقها وصفحاتها.
فلنرى ماذا يقول أهل البيت وسادتهم في هذا المصلح المحسن للأمة الإسلامية البيضاء.
فيقول علي بن أبي طالب ﵁ وهو يذكر الفاروق وولايته مصدقًا لرؤيا سيد ولد آدم - ﷺ - الذي رآه وبشر به عمر بن الخطاب ﵁.
"ووليهم وال، فأقام واستقام حتى ضرب الدين بجرانه" (٣).
وقال الميثم البحراني الشيعي، شارح نهج البلاغة، وكذلك الدنبلي شرحًا لهذا الكلام "أن الوالي عمر بن الخطاب، وضربه بجرانه كناية بالوصف المستعار عن استقراره وتمكنه كتمكن العير البارك من الأرض" (٤).
ويقول ابن أبي الحديد المعتزلي الشيعي تحت هذه الخطبة، ويذكرها من
_________________
(١) متفق عليه
(٢) رواه الترمذي
(٣) "نهج البلاغة" بتحقيق صبحي الصالح تحت عنوان "غريب كلامه المحتاج إلى التفسير" ص٥٥٧ ط دار الكتاب بيروت، أيضًا "نهج البلاغة بتحقيق الشيخ محمد عبده ج٤ ص١٠٧ ط دار المعرفة بيروت
(٤) "شرح نهج البلاغة" لابن الميثم ج٥ ص٤٦٣، أيضًا "الدرة النجفية" ص٣٩٤
[ ٩٤ ]
أولها "وهذا الوالي هو عمر بن الخطاب، وهذا الكلام من خطبة خطبها في أيام خلافته طويلة يذكر فيها قربه من النبي - ﷺ - واختصاصه له، وإفضائه بأسراره إليه حتى قال فيها: فاختار المسلمون بعده بآرائهم رجلًا منهم فقارب وسدد حسب استطاعته على ضعف وجد كانا فيه، ثم وليهم بعده وال، فأقام واستقام حتى ضرب الدين بجرانه" (١).
فانظر إلى عليّ وكيف يطبق هذا الأوصاف على أبي بكر وعمر ﵄ تصديقًا لرؤيا رسول الله - ﷺ - حرفًا بحرف، ويجعل الفاروق مصداقًا لبشارته ﵇، وكيف يقر ويعترف بأن الدين قد استقر في عهده المبارك، والإسلام قد تمكن في الأرض في أيام خلافته الميمونة، فهل لمتمسك أن يتمسك من الشيعة بقول علي بن أبي طالب - الإمام المعصوم عندهم الذي لا يخطئ -؟
ثم والخطبة التي مدح فيها عمر، وجعله مورد ومصداق بشرى الرسول هي خطبة ألقاها في أيام خلافته حيث لم يكن هناك ضرورة للتقية الشيعية التي ألصقوها تهمة بخيار الخلائق رضوان الله ورحمته عليهم.
وكم هناك من خطب لعليّ، المنقولة في نهج البلاغة، التي تدل على نفس المعنى بأن الفاروق كان سببًا لعز الدين، ورفعة الإسلام، وعظمة المسلمين، وتوسعة البلاد الإسلامية، وأنه أقام الناس على المحجة البيضاء، واستأصل الفتنة، وقوم العوج وأزهق الباطل، وأحيا السنة طائعًا لله خائفًا منه، فانظر إلى ابن عم رسول الله ووالد سبطيه وهو يبالغ في مدح الفاروق، ويقول:
لله بلاد فلان، فقد قوم الأود، وداوى العمد وخلف الفتنة، وأقام السنة، ذهب نقي الثوب، قليل العيب، أصاب خيرها وسبق شرها، أدى إلى الله طاعته، واتقاه بحقه، رحل وتركهم في طرق متشعبة لا يهتدي بها الضال، ولا المستيقن المهتدي" (٢).
_________________
(١) "شرح نهج البلاغة" لابن أبي الحديد ج٤ ص٥١٩
(٢) "نهج البلاغة" تحقيق صبحي صالح ص٣٥٠، "نهج البلاغة" تحقيق محمد عبده ج٢ ص٣٢٢
[ ٩٥ ]
ويقول ابن أبي الحديد: العرب تقول: لله بلاد فلان أي در فلان .. وفلان المكنى عنه عمر بن الخطاب، وقد وجدت النسخة التي بخط الرضى أبي الحسن جامع نهج البلاغة وتحت فلان عمر .. وسألت عنه النقيب أبا جعفر يحيى بن أبي زيد العلوي فقال لي: هو عمر، فقلت له: أثنى عليه أمير المؤمنين ﵇؟ فقال: نعم" (١).
ومثله ذكر ابن الميثم (٢) والدنبلي وعلي نقي في الدرة النجفية (٣) وشرح النهج الفارسي (٤).
هذا فلينظر كيف يعلن علي ﵁ على ملأ الشهود عن الفاروق ﵁ بصوته الرفيع أنه قوم العوج، وعالج المرض، وعامل بالطريقة النبوية، وسبق الفتنة وتركها خلفا، لم يدركها هو، ولا الفتنة أدركته، وانتقل إلى ربه وليس عليه ما يلام عليه، أصاب خير الولاية والخلافة، ولحق الرفيق الأعلى، ولم يلوث في القتل والقتال الذي حدث بين المسلمين طائعًا لله، غير عاص، واتقى الله في أداء حقه، ولم يقصر فيه ولم يظلم.
فهذا هو الذي يليق أن يضرب الدين في عصره العطن.
وكان عليّ وهو قائد أهل البيت يعد الفاروق ملجأ للإسلام، ومأوى للمسلمين ومرجعهم، فانظر كيف يصفه بهذه الأوصاف ولقد استشاره في الخروج إلى غزو الروم فقال له:
إنك متى تسر إلى هذا العدو بنفسك، فتلقهم فتنكب، لا تكن للمسلمين كانفة دون أقصى بلادهم. ليس بعدك مرجع يرجعون إليه، فابعث إليهم رجلًا
_________________
(١) "شرح نهج البلاغة" لابن أبي الحديد ج٣ ص٩٢ جزء١٢
(٢) انظر لذلك شرح نهج لابن الميثم ج٤ ص٩٦، ٩٧
(٣) ص٢٥٧
(٤) ج٤ ص٧١٢
[ ٩٦ ]
محربًا، واحفز معه أهل البلاء والنصيحة، فإن أظهر الله فذاك ما تحب، وإن تكن الأخرى، كنت ردأ للناس ومثابة للمسلمين" (١).
ويكتب ابن أبي الحديد تحته شرحًا لهذه الخطبة "فتنكب مجزوم لأنه عطف على تسر وكهفة أي كهف يلجأ إليه، ويروي كانفة أي جهة عاصمة ..، وحفزت الرجل أحفزه أي دفعته وسقته سوقًا شديدًا وردأ أي عونًا، ومثابة أي أمنا، ومنه قوله تعالى: ﴿مثابة للناس وأمنا﴾، أشار ﵇ أن لا يشخص بنفسه حذرًا أن يصاب فيذهب المسلمون كلهم لذهاب الرأس، بل يبعث أميرًا من جانبه على الناس ويقيم هو في المدينة، فإن هزموا كان مرجعهم إليه" (٢).
والقارئ حينما يقرأ هذه الخطبة يعرف الحب المتدفق من خلال الكلمات للفاروق والحرص على شخصه وحياته، والرجاء والتمني لبقائه في الحكم والخلافة ذخرا للإسلام والمسلمين رغم أنوف المبغضين والطاعنين فيه، ثم الجدير بالذكر أن الفاروق ﵁ كان مصممًا للمسير إلى المعركة بنفسه والمرتضى علي ﵁ كان يعرف ذلك، ومع ذلك أراد منعه قدر المستطاع لما كان يراه سببًا لعز الإسلام ومجده وشموخه، وأن لا يمسه سوء حتى لا تنقلب على الإسلام ودولته قالة ولا تدور عليه الدائرة، وأكثر من ذلك أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كان يريد أن ينيب عنه في العاصمة الإسلامية علي بن أبي طالب ﵄ (٣) وكانت له فرصة ذهبية لأخذه زمام الأمور واسترداد الحقوق الموهمة التي يظنها القوم بأنها سلبت، وقد ملئوا من ذكرها الكتب والصحف ولطالما بكوا عليها بكاء مرًا وبكاء إخوة يوسف حيث القضية بالعكس تمامًا، لأن الذي ينيبون عنه، ويصيرون وكلاءه ومحاميه ومدافعيه، بل ومحاربيه ومقاتليه يظهر الأمر منعكسًا
_________________
(١) "نهج البلاغة" تحقيق صبحي صالح ص١٩٣
(٢) "شرح نهج البلاغة" ج٢ جزء٨ ص٣٦٩، ٣٧٠
(٣) يأتي ذكره في محله مفصلًا
[ ٩٧ ]
تمامًا، وكان عليّ طوال مدة خلافته هكذا معه لا يريد أن يلقي نفسه في المخاطر فصار كالرقيب عليه، محافظًا على حياته، ساهرًا على مصالحه، راجيًا له البقاء والدوام، ناصحًا مناصحًا لله وفي الله وصلاح الأمة وفلاحها، ولذلك لما استشاره في الشخوص لقتال الفرس بنفسه منعه من ذلك وقال له:
إن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا بقلة. وهو دين الله الذي أظهره، وجنده الذي أعدّه وأمدّه، حتى بلغ ما بلغ، وطلع حيث طلع، ونحن على موعود من الله، والله منجز وعده، وناصر جنده، ومكان القيم بالأمر مكان النظام من الخرز يجمعه ويضمه: فإن انقطع النظام تفرق الخرز وذهب، ثم لم يجتمع بحذافيره أبدًا. والعرب اليوم، وإن كانوا قليلًا، فهم كثيرون بالإسلام، عزيزون بالاجتماع! فكن قطبًا واستدر الرحا بالعرب، وأصلهم دونك نار الحرب، فإنك إن شخصت من هذه الأرض انتقضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها، حتى يكون ما تدع وراءك من العورات أهم إليك مما بين يديك.
إن الأعاجم إن ينظروا إليك غدًا يقولوا: هذا أصل العرب، فإذا اقتطعتموه استرحتم، فيكون ذلك أشد لكلبهم عليك، وطمعهم فيك. فأما ما ذكرت من مسير القوم إلى قتال المسلمين، فإن الله سبحانه هو أكره لمسيرهم منك، وهو أقدر على تغيير ما يكره. وأما ما ذكرت من عددهم، فإنا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة وإنما كنا نقاتل بالنصر والمعونة" (١).
فهل بعد ذلك شك لشاك بأن عليًا ﵁ كان يعدّ الفاروق مصداقًا لرؤيا رسول الله - ﷺ - الذي أخبر عنه، وبشر به المسلمين بأن الإسلام يبلغ مداه في عصره وعهده، ولذلك يقول علي ﵁: ونحن على موعود من الله، والله منجز وعده، وناصر جنده الخ.
_________________
(١) "نهج البلاغة" بتحقيق صبحي ص٢٠٣، ٢٠٤ تحت عنوان "ومن كلام له (أي علي) ﵇ وقد استشاره عمر في الشخوص لقتال الفرس بنفسه"
[ ٩٨ ]
فإنه بذلك يشير إلى قوله - ﷺ -: ثم استحالت غربًا فأخذها عمر بن الخطاب، فلم أر عبقريًا ينزع نزع عمر حتى ضرب الناس بعطن".
صدق رسول الله - ﷺ -.
وأكثر من ذلك يلفت أنظار الناس بكلامه هذا إلى وعد الله ﷿ كما ورد في كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا﴾ " (١).
فالمقصود من انتباهه وتوجيهه بقوله: ونحن على موعود من الله: بأن الله وعد المؤمنين والعاملين الصالحات التمكن في الأرض والاستخلاف، فنحن المؤمنين وأنت أيها الفاروق أميرنا، والله ينجز وعده في عهدك وخلافتك، وينصر جنده الذين يقاتلون تحت رايتك وقيادتك الحكيمة وتوجيهاتك الرشيدة لأن دين الله لا بد له أن يظهر ويغلب - حتى يبلغ بجرانه، لأنك أنت القيم بأمره، ومدبر لقضاياه، وبك شأنه ومكانه، فإن أنت فقدت ضاع الأمر، وانتشر الجمع، وضعفت القوة، وانكسرت الشوكة، وافترق الناس حتى لن يرجى اجتماعهم واتحادهم بعد ذلك أبدًا (٢)، فإذا انقطع النظام تفرق الجزر وذهب، ثم لم يجتمع بحذافيره أبدًا.
وأيضًا أشار بذلك إلى دعاء النبي - ﷺ - "اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب - رواه المجلسي في "بحار الأنوار" عن محمد الباقر -" (٣) فإن دعاء الرسول لا بد له أن يقبل.
_________________
(١) سورة التوبة الآية٥٥
(٢) فكان كما قال، فتحت أبواب الفتن بعد شهادته ولم تغلق بعده حتى اليوم، وقد ورد في ذلك المعنى حديثًا أيضًا
(٣) "بحار الأنوار" ج٤ كتاب السماء والعالم
[ ٩٩ ]
ونبّه سيد أهل البيت الناس مع من فيهم الذين يدعون أنهم شيعته بأن الفاروق ليس كواحد من الناس، بل إنه قطب، وعليه يدور رحى الإسلام والعرب المسلمين، فلولا القطب ليس للرحى بأن تدور، وأنى لها ذلك؟ ولذلك يلح عليه بقوله: فإنك إن شخصت من هذه الأرض انتفضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها: لأنهم يعرفون أن الفاروق هو الأصل، وإن استؤصل لا يبقى للفرع أثر، وإنه هو القطب، وإن كسر تنكسر الرحى ولا تدور، وأيضا إنك أنت الحامي حمى القوم، وحافظ عوراتهم، فلا نتركك بأن تبرح عنا وتدخل نفسك في غمار الموت، لأننا لا نستغني عنك، ونستغني بك قومًا آخرين.
فما أحسن ما عبّر بهم علي بن أبي طالب ما يختلج في صدره، ويكنه في ضميره، ويعتقد به في معتقداته تجاه الفاروق عمر بن الخطاب ﵄ ورضيا عنه.
هذا وكان علي ﵁ يعتقد أن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه، وكان يرى بأنه محدث بأخبار الرسول، ولذلك لم يكن يخالف سيرته وعمله حتى وفي الأمور الصغيرة والتافهة، وقد نقل الدينوري (١) الشيعي أنه لما قدم الكوفة "قيل له: يا أمير المؤمنين! أتنزل القصر؟ قال: لا حاجة لي في نزوله، لأن عمر بن الخطاب كان يبغضه، ولكني نازل الرحبة، ثم أقبل حتى دخل المسجد الأعظم فصلى ركعتين، ثم نزل الرحبة" (٢).
_________________
(١) هو أبو حنيفة الدينوري أحمد بن داؤد من أهل الدينور، مدينة من أعمال الجبل من همدان. "ثقة فيما يرويه، معروف بالصدق كما وصفه كذلك ابن النديم، توفي سنة ٢٨١ أو ٢٨٢ أو سنة ٢٩٠، وإن أكثر أخذه من يعقوب بن إسحاق الليث النحوي لتشيعه، وهو من أبناء الفرس يستظهر إماميته" ("الذريعة إلى تصانيف الشيعة" لآقابزرك الطهراني ج١ ص٣٣٩ ط طهران)
(٢) "الأخبار الطوال" لأحمد بن داؤد الدينوري ص١٥٢
[ ١٠٠ ]
وكذلك لما تكلم في رد فدك أبى أن يعمل خلاف ما فعله عمر، فهذا هو السيد مرتضى يقول: فلما وصل الأمر إلى علي بن أبي طالب (ع) كلم في رد فدك، فقال: إني لأستحي من الله أن أردّ شيئًا منع منه أبو بكر، وأمضاه عمر" (١).
وننقل هنا روايات ثلاثة تأييدًا لهاتين الروايتين نقلناها من كتب القوم.
الأولى من حسن بن علي بن أبي طالب ﵄ أنه قال: لا أعلم عليًا خالف عمر، ولا غيّر شيئًا مما صنع حين قدم الكوفة" (٢).
والرواية الثانية "أن أهل نجران جاءوا إلى علي يشتكون ما فعل بهم عمر، فقال في جوابهم: إن عمر كان رشيد الأمر، فلا أغير شيئًا صنعه عمر" (٣).
والرواية الثالثة أن عليًا قال حين قدم الكوفة: ما كنت لأحل عقدة شدها عمر" (٤).
وما كان كل هذا إلا لأنه يراه رجلًا ملهمًا حسب إخبار الرسول - ﷺ -، ورجلًا مسددًا يدور معه الحق أينما دار.
وأما كون عمر رجلًا من أهل الجنة كما ورد في ذلك حديث عن رسول الله - ﷺ - الذي رويناه، فلقد شهد بذلك علي بن أبي طالب وابن عمه وأحد قواده من المعتمدين وأمرائه الموثوقين عبد الله بن عباس ﵃ أجمعين.
ولقد أورد هذه الرواية ابن أبي الحديد أن الفاروق لما طعن، وطعنه أبو لؤلؤة المجوسي الفارسي دخل عليه ابنا عم رسول الله - ﷺ - عبد بن عباس
_________________
(١) "كتاب الشافي في الإمامة" ص٢١٣، أيضًا "شرح نهج البلاغة" لابن أبي الحديد
(٢) "رياض النضرة" لمحب الطبري ج٢ ص٨٥
(٣) "البيهقي" ج١٠ ص١٣٠، "الكامل" لابن أثير ج٢ ص٢٠١ ط مصر، "التاريخ الكبير" للإمام البخاري ج٤ ص١٤٥ ط الهند، "كتاب الخراج" لابن آدم ص٢٣ ط مصر، "كتاب الأموال" ص٩٨، "فتوح البلدان" ص٧٤
(٤) "كتاب الخراج" لابن آدم ص٢٣، أيضًا "فتوح البلدان" للبلاذري ص٧٤ ط مصر
[ ١٠١ ]
وعلي بن أبي طالب ﵃ فيقول ابن عباس: فسمعنا صوت أم كلثوم (بنت علي ﵁) واعمراه، وكان معها نسوة يبكين فارتج البيت بكاء، فقال عمر: ويل أم عمر إن الله لم يغفر لهم، فقلت: والله! إني لأرجو أن لا تراها إلا مقدار ما قال الله تعالى: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾: إن كنت ما علمنا لأمير المؤمنين وسيد المسلمين تقضي بالكتاب وتقسم بالسوية، فأعجبه قولي، فاستوى جالسًا فقال: أتشهد لي بهدايا ابن عباس؟ فكعكعت أي جبنت، فضرب عليّ ﵇ بين كتفي وقال: اشهد، وفى رواية لم تجزع يا أمير المؤمنين؟ فوالله لقد كان إسلامك عزًا، وإمارتك فخرًا، ولقد ملأت الأرض عدلًا، فقال: أتشهد لي بذلك يا ابن عباس! قال: فكأنه كره الشهادة فتوقف، فقال له علي ﵇: قل: نعم، وأنا معك، فقال: نعم" (١).
وأكثر من هذا أن عليًا - وهو الإمام المعصوم الأول عند القوم - كان يؤمن بأنه من أهل الجنة لما سمعه من لسان خيرة خلق الله محمد المصطفى الصادق الأمين - ﷺ -، ولأجل ذلك كان يتمنى بأن يلقى الله بالأعمال التي عملها الفاروق عمر ﵁ في حياته، كما رواه كل من السيد مرتضى وأبو جعفر الطوسي وابن بابويه وابن أبي الحديد.
لما غسل عمر وكفن دخل علي ﵇ فقال: ﵌ ما على الأرض أحد أحب إلي أن ألقى الله بصحيفته من هذا المسجى (أي المكفون) بين أظهركم" (٢).
ووردت هذه الرواية في كتب السنة بتمامها في المستدرك للحاكم (٣)، مع "التلخيص" للذهبي "ومسند أحمد" مسندات علي "وطبقات ابن سعد" (٤)
_________________
(١) "ابن أبي الحديد" ج٣ ص١٤٦، ومثل هذا في "كتاب الآثار" ص٢٠٧، "سيرة عمر" لابن الجوزي ص١٩٣ ط مصر
(٢) "كتاب الشافي" لعلم الهدى ص١٧١، و"تلخيص الشافي" للطوسي ج٢ ص٤٢٨ ط إيران، و"معاني الأخبار" للصدوق ص١١٧ ط إيران
(٣) ج٣ ص٩٣
(٤) أحوال عمر ج٣ ص٢٦٩، ٢٧٠ ط ليدن
[ ١٠٢ ]
ومثله ورد في البخاري ومسلم.
وأما ابن أبي الحديد فيذكر "طعن أمير المؤمنين فانصرف الناس وهو في دمه مسجى لم يصل الفجر بعد، فقيل: يا أمير المؤمنين! الصلاة، فرفع رأسه وقال: لاها الله إذن، لا حظ لامرئ في الإسلام ضيع صلاته، ثم وثب ليقوم فانبعث جرحه دمًا فقال: هاتوا لي عمامة، فعصب جرحه، ثم صلى وذكر، ثم التفت إلى ابنه عبد الله وقال: ضع خدي إلى الأرض يا عبد الله! قال عبد الله: فلم أعج بها وظننت أنها إختلاس من عقله، فقالها مرة أخرى: ضع خدّي إلى الأرض يا بني، فلم أفعل، فقال الثالثة: ضع خدّي إلى الأرض لا أم لك، فعرفت أنه مجتمع العقل، ولم يمنعه أن يضعه هو إلا ما به من الغلبة، فوضعت خدّه إلى الأرض حتى نظرت إلى أطراف شعر لحيته خا رجة من أضعاف التراب وبكى حتى نظرت إلى الطين قد لصق بعينه، فأصغيت أذني لأسمع ما يقول فسمعته يقول: يا ويل عمر وويل أم عمر إن لم يتجاوز الله عنه، وقد جاء في رواية أن عليًا ﵇ جاء حتى وقف عليه فقال: ما أحد أحب إلي أن ألقى الله بصحيفته من هذا المسجى" (١).
فهل بعد ذلك مجال لقائل أن يقول بأن عليًا وهو سيد أهل البيت لم يكن يعدّ عمر رجلًا من أهل الجنة؟ فمن من الناس يرجى أن يكون عمله وصحيفته كصحيفته وعمله؟.
فهل هناك أكثر من ذلك؟ نعم! هناك أكثر وأكثر، فلقد شهد علي ﵁: "إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر" (٢).
وقال فيه وفي أبي بكر في رسالته: إنهما إماما الهدى، وشيخا الإسلام،
_________________
(١) "شرح النهج" لابن أبي الحديد ج٣ ص١٤٧
(٢) "كتاب الشافي" ج٢ ص٤٢٨
[ ١٠٣ ]
والمقتدى بهما بعد رسول الله، ومن اقتدى بهما عصم" (١).
وأيضا روى عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: إن أبا بكر مني بمنزلة السمع، وإن عمر مني بمنزلة البصر" (٢).
والجدير بالذكر أن هذه الرواية رواها عليّ عن الرسول الكريم - ﷺ -، وقد رواها عن علي ابنه الحسن ﵄.
مدح أهل البيت الفاروق
هذا ولقد مدحه ابن عباس ﵁ وهو أحد أعلام أهل بيت النبوة وسادتهم وابن عم النبي ﵇ بقوله: رحم الله أبا حفص كان والله حليف الإسلام، ومأوى الأيتام، ومنتهى الإحسان، ومحل الإيمان، وكهف الضعفاء، ومعقل الحنفاء، وقام بحق الله صابرًا محتسبًا حتى أوضح الدين، وفتح البلاد، وآمن العباد" (٣).
هذا وقد بالغ في مدحه سائر أهل البيت كما مر في ذكر الصديق ﵁ عن زين العابدين علي بن الحسين بن علي، وعن ابنه محمد الباقر، وزيد الشهيد، وعن ابن الباقر جعفر، الملقب بالصادق، وأنه كان يأتي إلى قبرهما ويسلم عليهما، وكان يتولاهما، كل شيء من ذلك في ضمن ذكر الصديق أبي بكر بن أبي قحافة ﵄.
وقبل أن ننتقل إلى شيء آخر نريد أن نضيف إلى ما ذكرنا رواية أخرى أوردها الكليني في كتاب "الروضة من الكافي".
إن جعفر بن محمد - الإمام السادس المعصوم لدى الشيعة - لم يكن
_________________
(١) "تلخيص الشافي" للطوسي ج٢ ص٤٢٨
(٢) "عيون أخبار الرضا" لابن بابويه القمي ج١ ص٣١٣، أيضًا "معاني الأخبار" للقمي ص١١٠، أيضًا "تفسير الحسن العسكري"
(٣) "مروج الذهب" للمسعودي الشيعي ج٣ ص٥١، "ناسخ التواريخ" ج٢ ص١٤٤ ط إيران
[ ١٠٤ ]
يتولاهما فحسب، بل كان يأمر أتباعه بولايتهما أيضًا، فيقول صاحبه المشهور لدى القوم أبو بصير: كنت جالسًا عند أبي عبد الله ﵇ إذ دخلت علينا أم خالد التي كان قطعها يوسف بن عمر تستأذن عليه. فقال أبو عبد الله ﵇: أيسرّك أن تسمع كلامها؟ قال: فقلت: نعم، قال: فأذن لها. قال: وأجلسني على الطنفسة، قال: ثم دخلت فتكلمت فإذا امرأة بليغة، فسألته عنهما (أي أبى بكر وعمر) فقال لها: توليهما، قالت: فأقول لربي إذا لقيته: إنك أمرتني بولايتهما؟ قال: نعم" (١).
فهذا هو الإمام السادس للقوم الذي جعلوا مذهبهم على اسمه، وشريعتهم على رسمه، حيث سموا أنفسهم جعفريين، ومذهبهم الجعفري، لا يتولى أبا بكر وعمر نفسه بل يأمر أتباعه أيضًا بتوليهما، فرحمة الله عليهم جميعًا، ورحمة ربنا على من يتمثل بأمره وأمر آبائه في ولاية أبى بكر الصديق وعمر الفاروق وغيرهما وأصحاب النبي صلوات الله وسلامه ورضوانه عليهم أجمعين.
تزويج المرتضى أم كلثوم من الفاروق
وعلى هذا زوج علي بن أبي طالب ﵁ ابنته التي ولدتها فاطمة بنت النبي - ﷺ - من الفاروق ﵁ حينما سأله زواجها منه رضي بما يطلب، وثقة فيه، واعتمادًا به، وإقرارًا بفضائله ومناقبه، واعترافًا بمحاسنه وجمال سيرته، وإظهارًا بأن بينهم من العلاقات الوطيدة الطيبة والصلات المحكمة المباركة ما يحرق قلوب الحساد من اليهود وأعداء الأمة المجيدة، ويرغم أنوفهم، ولقد أقر بهذا الزواج كافة أهل التاريخ والأنساب وجميع محدثي الشيعة وفقهائهم ومكابريهم ومجادليهم وأئمتهم المعصومين حسب زعمهم، ولقد أوردنا روايات بخصوص ذلك في كتابنا "الشيعة والسنة".
_________________
(١) "الروضة من الكافي" ج٨ ص١٠١ ط إيران تحت عنوان "حديث أبي بصير مع المرأة"
[ ١٠٥ ]
وإتمامًا للفائدة وإكمالا للبحث نورد ههنا بعض الروايات الأخرى التي لم نوردها هناك، فيقول المؤرخ الشيعي أحمد بن أبي يعقوب في تاريخه تحت ذكر حوادث سنة ١٧ من خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁:
"وفي هذه السنة خطب عمر إلى علي بن أبي طالب أم كلثوم بنت علي، وأمها فاطمة بنت رسول الله، فقال علي: إنها صغيرة! فقال: إني لم أرد حيث ذهبت. لكني سمعت رسول الله يقول: كل نسب وسبب ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي وصهري، فأردت أن يكون لي سبب وصهر برسول الله، فتزوجها وأمهرها عشرة آلاف دينار" (١).
وأيضًا ذكر ذلك الطبري في تاريخه "تاريخ الأمم والملوك" (٢) وابن كثير في "البداية والنهاية" (٣) وابن الأثير في "الكامل" (٤) وطبقات ابن سعد (٥) وأبو الفداء في تاريخه وغيرهم وهم كثيرون.
وأقر بذلك الزواج أصحاب الصحاح الأربعة الشيعية أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني في كافيه بأن عليًا زوج ابنته أم كلثوم من الفاروق ﵄.
_________________
(١) تاريخ اليعقوبي ج٢ ص١٤٩، ١٥٠
(٢) ج٥ ص١٦ ط مصر القديم
(٣) ج٧ ص١٣٩
(٤) ج٣ ص٢٩ ط دار الكتاب بيروت
(٥) ص٣٤٠ ط ليدن
[ ١٠٦ ]
وروى أيضًا عن سليمان بن خالد أنه قال:
سألت أبا عبد الله ﵇ - جعفر الصادق - عن امرأة توفي زوجها أين تعتد؟ في بيت زوجها أو حيث شاءت؟ قال: بلى حيث شاءت، ثم قال: إن عليًا لمّا مات عمر أتى أم كلثوم فأخذ بيدها فانطلق بها إلى بيته" (١).
وهنالك رواية أخرى رواه الطوسي عن جعفر - الإمام السادس عندهم - عن أبيه الباقر أنه قال:
ماتت أم كلثوم بنت علي وابنها زيد بن عمر بن الخطاب في ساعة واحدة لا يدرى أيهما هلك قبل، فلم يورث أحدهما من الآخرة وصلي عليهما جميعًا" (٢).
وذكر هذا الزواج من محدثي الشيعة وفقهائها السيد مرتضى علم الهدى في كتابه "الشافي" (٣) وفى كتابه "تنزيه الأنبياء" (٤)، وابن شهر آشوب (٥) في كتابه
_________________
(١) "الكافي في الفروع" كتاب الطلاق، باب المتوفى عنها زوجها ج٦ ص١١٥، ١١٦، وفي نفس الباب رواية أخرى عن ذلك، وأورد هذه الرواية شيخ الطائفة الطوسي في صحيحه "الاستبصار"، أبواب العدة، باب المتوفى عنها زوجها ج٣ ص٣٥٣، ورواية ثانية عن معاوية بن عمار، وأوردهما في "تهذيب الأحكام" باب في عدة النساء ج٨ ص١٦١
(٢) "تهذيب الأحكام" كتاب الميراث، باب ميراث الغرقى والمهدوم، ج٩ ص٢٦٢
(٣) ص١١٦
(٤) ص١٤١ ط إيران
(٥) هو رشيد الدين أبو جعفر محمد بن علي بن شهر آشوب السروي المازندراني "فخر الشيعة ومروج الشريعة، يحيي آثار المناقب والفضائل، والبحر المتلاطم الزخار، شيخ مشائخ الإمامية وصاحب كتاب "المناقب" وغيره، وكان إمام عصره، ووحيد دهره .. وهو عند الشيعة كالخطيب البغدادي لأهل السنة، مات سنة ٥٨٨ بحلب" (الكنى والألقاب ج١ ص٣٢١)
[ ١٠٧ ]
"مناقب آل أبي طالب" (١) والأربلي في "كشف الغمة في معرفة الأئمة" (٢) وابن أبي الحديد في "شرح نهج البلاغة" (٣) ومقدس الأردبيلي في "حديقة الشيعة" (٤) والقاضي نور الله الشوشتري الذى يسمونه بالشهيد الثالث في كتابه "مجالس المؤمنين" (٥).
ويقول وهو يذكر المقداد بن الأسود: إن النبي أعطى بنته لعثمان، وإن الولي زوج بنته من عمر" (٦).
وأيضًا ذكر هذا الزواج في كتابه "مصائب النواصب" (٧)، وأيضًا السيد نعمت الله الجزائري في كتابه "الأنوار النعمانية" والملا باقر المجلسي في كتابه "بحار الأنوار" (٨)، والمؤرخ الشيعي المرزه عباس علي القلي في تاريخه (٩)، ومحمد جواد الشري في كتابه (١٠)، والعباسي القمي في "منتهى الآمال" (١١) وغيرهم الذين بلغ عددهم حد التواتر، ولا ينكر ذلك إلا مكابر جاهل أو مجادل متنكر.
ولقد استدل بهذا الزواج فقهاء الشيعة على أنه يجوز نكاح الهاشمية من غير
_________________
(١) ج٣ ص١٦٢ ط بمبئى الهند
(٢) ص١٠ ط إيران القديم
(٣) ج٣ ص١٢٤
(٤) ص٢٧٧ ط طهران
(٥) ص٧٦ ط إيران القديم، أيضًا ص٨٢
(٦) "مجالس المؤمنين" ص٨٥
(٧) ص١٧٠ ط طهران
(٨) باب أحوال أولاده وأزواجه ص٦٢١ ط طهران
(٩) "تاريخ طراز مذهب مظفري" فارسي، باب حكاية تزويج أم كلثوم من عمر بن الخطاب
(١٠) "أمير المؤمنين" ص٢١٧ تحت عنوان "علي في عهد عمر" ط بيروت
(١١) ج١ ص١٨٦ فصل٦ تحت عنوان "ذكر أولاد أمير المؤمنين" ط إيران القديم
[ ١٠٨ ]
الهاشمي، فكتب الحلّي في شرائع الإسلام "ويجوز نكاح الحرة العبد، والعربية العجمي، والهاشمية غير الهاشمي" (١).
وكتب تحت هذا شارح الشرائع زين الدين العاملي الملقب بالشهيد الثاني "وزوج النبي ابنته عثمان، وزوج ابنته زينب بأبي العاص بن الربيع، وليسا من بني هاشم، وكذلك زوّج علي ابنته أم كلثوم من عمر، وتزوج عبد الله بن عمرو بن عثمان فاطمة بنت الحسين، وتزوج مصعب بن الزبير أختها سكينة، وكلهم من غير بني هاشم" (٢).
ونريد أن نختم الكلام في هذا الموضوع برواية ابن أبي الحديد المعتزلي الشيعي.
"إن عمر بن الخطاب وجه إلى ملك الروم بريدًا، فاشترت أم كلثوم امرأة عمر طيبًا بدنانير، وجعلته في قارورتين وأهدتهما إلى امرأة ملك الروم، فرجع البريد إليها ومعه ملء القارورتين جواهر، فدخل عليها عمر وقد صبت الجواهر في حجرها، فقال: من أين لك هذا؟ فأخبرته فقبض عليه وقال: هذا للمسلمين، قالت: كيف وهو عوض هديتي؟ قال: بيني وبينك، أبوك، فقال علي ﵇: لك منه بقيمة دينارك والباقي للمسلمين جملة لأن بريد المسلمين حمله" (٣).
ولقد ذكر هذا الزواج علماء الأنساب والراجم أيضًا مثل البلاذري في "أنساب الأشراف" (٤)، وابن حزم في "جمهرة أنساب العرب" (٥)، والبغدادي
_________________
(١) "شرائع الإسلام" في الفقه الجعفري للحلي، كتاب النكاح، المتوفى ٦٧٢
(٢) "مسالك الأفهام" شرح شرائع الإسلام، باب لواحق العقد ج١
(٣) "شرح نهج البلاغة" ج٤ ص٥٧٥ ط بيروت ١٣٧٥هـ
(٤) ج١ ص٤٢٨ ط مصر
(٥) ص٣٧، ٣٨ ط مصر
[ ١٠٩ ]
في كتابه "المحبر" (١)، والدينوري في "المعارف" (٢)، وغيرهم.
إكرام الفاروق أهل البيت واحترامه إياهم
ولم تكن هذه العلاقات من طرف واحد بل كل الأطراف كانوا معتنين بهذه العلاقات فكان الفاروق يجل أهل بيت النبي أكثر مما كان يجل أهل بيته هو، وكان يحترمهم ويقدمهم في الحقوق والعطاء على نفسه وأهل بيته، ولقد ذكر المؤرخون قاطبة أن الفاروق لما عيّن الوظائف المالية والعطاءات من بيت المال قدّم على الجميع بني هاشم لقرابتهم من رسول الله - ﷺ -، ولاحترامه أهل بيته ﵊.
فها هو اليعقوبي يذكر ذلك بقوله:
ودون عمر الدواوين، وفرض العطاء سنة ٢٠، وقال: قد كثرت الأموال فأشير عليه أن يجعل ديوانًا، فدعا عقيل بن أبي طالب، ومخرمة بن نوفل، وجبير بن مطعم بن نوفل بن عبد مناف (٣)، وقال اكتبوا الناس على منازلهم وابدءوا ببني عبد مناف، فكتب أول الناس علي بن أبي طالب في خمسة آلاف، والحسن بن علي في ثلاثة آلاف، والحسين بن علي في ثلاثة آلاف (٤) ..
_________________
(١) تحت عنوان أصهار علي ص٥٦ و٤٣٧ ط دكن
(٢) تحت عنوان بنات علي ص٩٢ ط مصر وأيضًا ص٧٩، ٨٠ تحت عنوان أولاد عمر بن الخطاب
(٣) وكلهم أقرباء علي أخوه وأبناء عمه، هكذا كان الفاروق، فالعدل - العدل
(٤) اللهم إلا أهل السنة، فإنهم ذكروا في كتبهم أن الفاروق "فرض لأبناء البدريين ألفين ألفين إلا حسنًا وحسينًا فإنه ألحقهما بفريضة أبيهما لقرابتهما من رسول الله - ﷺ -، ففرضت لكل واحد منهما خمسة آلاف درهم، وفرض للعباس خمسة آلاف درهم لقرابته من رسول الله - ﷺ - " (طبقات ابن سعد ج٣ ص٢١٣، ٢١٤، وكتاب الخراج لأبي يوسف ص٤٣، ٤٤ ط مصر، وفتوح البلدان ص٤٥٤، ٤٥٥، وكتاب الأموال لأبي عبيد بن سلام) ولقد روى البلاذري، ويحيى بن آدم، والطرابلسي وغيرهم عن جعفر بن محمد الباقر عن محمد الباقر وعن عبد الله بن الحسن وعن علي بن أبي طالب "إن عمر أقطع عليًا ينبع فأضاف إليها غيرها" (فتوح البلدان للبلاذري ص٢٠، وكتاب الخراج ليحيى بن آدم ص٧٨ ط مصر القديم والإسعاف في أحكام الأوقاف للطرابلسي ص٨ ط مصر)
[ ١١٠ ]
ولنفسه أربعة آلاف (١) .. وكان أول مال أعطاه مالًا قدم به أبو هريرة من البحرين (٢) مبلغه سبعمائة ألف درهم، قال (يعنى الفاروق): اكتبوا الناس على منازلهم، واكتبوا بني عبد مناف، ثم أتبعوهم أبا بكر وقومه، ثم أتبعوهم عمر بن الخطاب وقومه، فلما نظر عمر قال: وددت والله أني هكذا في القرابة برسول الله، ولكن ابدءوا برسول الله ثم الأقرب فالأقرب منه حتى تضعوا عمر بحيث وضعه الله" (٣).
وأما ابن أبي الحديد فقال: لا بل ابدأ برسول الله - ﷺ -، وبأهله، ثم الأقرب فالأقرب، فبدأ ببني هاشم، ثم ببني عبد المطلب ثم بعبد شمس ونوفل، ثم بسائر بطون قريش، فقسم عمر مروطًا بين نساء المدينة، فبقي منها مرط حسن، فقال بعض من عنده: أعط هذا يا أمير المؤمنين! ابنة رسول الله التي عندك يعنون أم كلثوم بنت علي ﵇، فقال: أم سليط أهديه فإنها ممن بايع رسول الله - ﷺ -، وكانت تزفر لنا يوم أحد قربًا" (٤).
_________________
(١) ومع هذا لا يتستحي من الله من يقول: إن عمر غصب حقوق أهل البيت، وهذا هو اليعقوبي يلطم على وجوههم لطمات من الحق الذي وفقه الله أن يقره ويعترف به، وعمر يومئذ أمير المؤمنين، وعلي دونه
(٢) نعم! أبو هريرة الذي يبغضه القوم أشد البغض، ليس إلا لأنه روى أحاديث سمعها من لسان رسول الله في مناقب أصحابه البررة، وخاصة الصديق والفاروق، نعم! ذلك أبو هريرة الذي جاء بالمال، فأخذ كلهم من مال الله الذي أتى به هو
(٣) "تاريخ اليعقوبي" ج٢ ص١٥٣ ط بيروت
(٤) "نهج البلاغة" لابن أبي الحديد ج٣ ص١١٣، ١١٤
[ ١١١ ]
هذا ولقد ثبت أن الفاروق كان يقدر ويكرم أهل البيت، ويكن لهم من الاحترام ما لم يكن للآخرين، وحتى وأهل بيته وخاصته.
وذكر أن ابنة يزدجرد كسرى إيران أكبر ملوك العالم آنذاك لما سبيت مع أسارى إيران أرسلت مع من أرسل إلى أمير المؤمنين وخليفة رسول الله - ﷺ - عمر الفاروق الأعظم ﵁، وتطلع الناس إليها وظنوا أنها تعطي وتنفل إلى ابن أمير المؤمنين والمجاهد الباسل الذي قاتل تحت لواء رسول الله - ﷺ - في غزوات عديدة، لأنه هو الذي كان لها كفو، ولكن الفاروق لم يخصها لنفسه ولابنه ولا لأحد من أهل بيته، بل رجح أهل بيت النبوة فأعطاها لحسين بن علي ﵄، وهى التي ولدت علي بن الحسين ﵁ الذي بقي وحيدًا من أبناء الحسين في كربلاء حيًا وأنجب وتسلسل منه نسله" (١).
ولقد ذكر ذلك نسابة شيعي مشهور ابن عنبة "إن اسمها شهربانو قيل: نهبت في فسخ المدائن فنفلها عمر بن الخطاب من الحسين ﵇" (٢).
كما ذكر ذلك محدث الشيعة المعروف في صحيحه الكافي في الأصول، عن محمد الباقر أنه قال:
لما قدمت بنت يزدجرد على عمر أشرف لها عذارى المدينة، وأشرق المسجد بضوئها لما دخلته، فلما نظر إليها عمر غطت وجهها وقالت: أف بيروج باداهرمز، فقال عمر: أتشتمنى هذه وهمّ بها، فقال له أمير المؤمنين ﵇:
_________________
(١) فليحذر الذين يدعون أنهم من نسل الحسين، ثم يسبون الفاروق، ويعدونه ظالمًا حق آل محمد، وغاصبًا لخلافتهم، لولاه لما كان لهم وجود، وإن كان غاصبًا فكيف رضي الحسين بأخذ الجارية منه التي سبيت في معركة من معاركه التي أقيمت تحت لوائه وحسب توجيهاته؟ فليتدبر، وهل من مفكر؟
(٢) "عمدة الطالب في أنساب أبي طالب" الفصل الثاني تحت عنوان عقب الحسين ص١٩٢
[ ١١٢ ]
ليس ذلك لك، خيرها رجلًا من المسلمين وأحسبها بفيئه، فخيرها فجاءت حتى وضعت يدها على رأس الحسين ﵇، فقال لها أمير المؤمنين: ما اسمك؟ فقالت: جهان شاه، فقال لها أمير المؤمنين: بل شهربانويه، ثم قال للحسين: يا أبا عبد الله! لتلدن لك منها خير أهل الأرض، فولدت على بن الحسين ﵇، وكان يقال لعلي بن الحسين ﵇: ابن الخيرتين، فخيرة الله من العرب هاشم ومن العجم فارس. وروي أن أبا الأسود الدائلي قال فيه:
وإن غلامًا بين كسرى وهاشم
لأكرم من نيطت عليه التمائم" (١).
وقبل ذلك ساعد أباه عليًا في زواجه من فاطمة ﵄ كما مر سابقًا.
وإن الفاروق كان يبدأ الخمس والفيء بأهل بيت النبوة كما كان الرسول ﵇ يعمل به، وبعده أبو بكر، ولقد ذكرنا هذا سابقًا عند ذكر الصديق وفدك "وكان أبو بكر يأخذ غلتها ويدفع إليهم منها ما يكفيهم، ويقسم الباقي، وكان عمر كذلك، وكان عثمان كذلك، ثم كان عليّ (على شاكلتهم وطريقتهم) كذلك" (٢).
ومن إكرامه وتقديره لأهل البيت ما ذكره ابن أبي الحديد عن يحيى بن سعيد أنه قال: أمر عمر الحسين بن علي عل أن يأتيه في بعض الحاجة فلقي الحسين ﵇ عبد الله بن عمر فسأله من أين جاء؟ قال: استأذنت على أبي فلم يأذن لي فرجع الحسين ولقيه عمر من الغد، فقال: ما منعك أن تأتيني؟
_________________
(١) "الأصول من الكافي" ج١ ص٤٦٧، ناسخ التواريخ ج١٠ ص٣، ٤
(٢) "شرح نهج البلاغة" لابن ميثم ج٥ ص١٠٧، أيضًا "الدرة النجفية" ص٣٣٢، وابن أبي الحديد أيضًا
[ ١١٣ ]
قال: قد أتيتك، ولكن أخبرني ابنك عبد الله أنه لم يؤذن له عليك فرجعت، فقال عمر: وأنت عندي مثله؟ وهل أنبت الشعر على الرأس غيركم" (١).
هذا وكان يقول في عامة بني هاشم ما رواه علي بن الحسن عن أبيه حسين بن علي أنه قال: قال عمر بن الخطاب: عيادة بني هاشم سنة، وزيارتهم نافلة" (٢).
ونقل الطوسي هذا والصدوق أيضًا أن عمر لم يكن يستمع إلى أحد بطعن في علي بن أبي طالب ولم يكن يتحمله، ومرة "وقع رجل في علىّ ﵇ بمحضر من عمر، فقال: تعرف صاحب هذا القبر؟ .. لا تذكر عليًا إلا بخير، فإنك إن آذيته آذيت هذا في قبره" (٣).
حب آل البيت ومبايعتهم إياه
وكان أهل بيت النبوة يتبادلون معه هذا الحب والتقدير والاحترام، ولم يستمعوا ولم يصغوا إلى من يتكلم فيه، أو يطعنه بطعنة، أو يعرّضه بتعريض، بل تبرؤا ممن فعل به هذا، وأنكروا عليه كما سيأتي مفصلًا إن شاء الله تعالى.
وأكثر من ذلك كافئوه على احترامه لهم وتقديره بهم حتى أعطوه ثمرة من ثمار النبوة، وزوّجها منه، وأطاعوه، وأخلصوا له الوفاء والطاعة، وناصحوه، وشاوروه بأحسن ما رأوه، واستوزرهم وتوزروه، وأنابهم فقبلوا نيابته، وجاهدوا تحت رايته، ولم يتأخروا في تقديم النصيحة له وما يطلب منهم وفق الكتاب والسنة، وبذلوا له كل غال وثمين.
_________________
(١) "شرح نهج البلاغة" لابن أبي الحديد ج٣ ص١١٠
(٢) "الآمالي" للطوسي ج٢ ص٣٤٥ ط نجف
(٣) "الآمالي" للطوسي ج٢ ص٤٦، أيضًا "الآمالي" للصدوق ص٣٢٤، ومثله ورد في مناقب لابن شهر آشوب ج٢ ص١٥٤ ط الهند
[ ١١٤ ]
فها هو علي بن أبي طالب يقر بذلك في رسالته التي أرسلها إلى أصحابه بمصر بعد مقتل محمد بن أبي بكر عامله على مصر، فيقول بعد ذكر الأحداث التي وقعت عقب وفاة الرسول العظيم صلوات الله وسلامه عليه:
"فتولى أبو بكر تلك الأمور. . . . فلما احتضر بعث إلى عمر، فولاّه فسمعنا وأطعنا وناصحنا (*) - ثم يمدحه حسب عادته أنه لا يذكره
_________________
(١) (*) تعليق: [وهذا رغم أنف كل من يأبى وينكر، ورغم أنف المتستر بنقاب س-خ، والملتجئ إلى الكذب، القائل في كتابه ردًا علينا - وفي رده يثبت ما قلناه ويقر ما أثبتناه - وهو يظن بأنه يكذبنا ويكذب الحقائق الدامغة التي لا مفر عنها، فيقول بعد ما ينقل فضائل أبي بكر وعمر التي أوردناها يقول: لو كنت حاضرًا تحت منبر علي حينما بكى، وخطب هذه الخطبة المفصلة في الثناء عليهما لقلت له: ما جرّأنا على مخالفتهما وانتقاصهما إلا أنت يا علي! لامتناعك أنت وأهل بيت رسول الله والخلّص من أصحاب رسول الله عن البيعة لهما مما اضطررتم عمر أن يحمل الحطب، ويأتي لدارك يريد حرقها بمن فيها. وفيها ابنة رسول الله ويقال له: إن فيها ابنة رسول الله. ويقول: وإن .. حتى أخرجاك قهرًا. ولم تبايع أنت إلا بعد ستة أشهر وبعد موت زوجتك غاضبة عليهما على فعلتهما معك ومعها، حتى أوصتك أن تدفنها ليلًا - وقد فعلت - احتجاجًا على فعلهما معكما؟. فإذا كنت تعلم - يا علي - أن هذه منزلتهما عند رسول الله فلماذا فعلت - أنت وأصحابك وزوجك - هذا الفعل وجرأتمونا على نقدهما على ارتكابهما ذلك الفعل؟. ثم ولم تكتف - يا علي - حتى تدعي في خطابك مع معاوية بن أبي سفيان الذي عيرك هذه الحادثة وذكر أنهم أخرجاك كالجمل المخشوش، فقلت له مفتخرًا: وأوجب لي رسول الله فيكم ولايته غداة غدير خم ثم وكيف تدعي يا علي (أن رسول الله لا يرى كرأيهما رأيًا، ولا يحب كحبهما حبًا) وإنا نقرأ في التاريخ عدة قضايا رغب فيها عمر وخالفه رسول الله. فقد رأى =
[ ١١٥ ]
إلا ويبالغ في مدحه - وتولى عمر الأمر، وكان مرضي السيرة،
_________________
(١) = عمر بعد وقعة بدر، أن يقدم رسول الله عمه العباس ويضرب عنقه، وتقدم أنت أخاك عقيلًا وتضرب عنقه، وخالفه رسول الله لأنه أخذ الدية وأطلقهما. وهكذا رأى عمر يوم فتح مكة أن يأمره رسول الله بضرب عنق أبي سفيان فامتنع رسول الله وأطلق سراحه وجعل بيته مأمنًا للخائفين. وأخيرًا وليس آخرًا. قول رسول الله عند موته: آتوني بكتف وقرطاس لأكتب لكم كتابًا لن تضلوا بعده. فخالف عمر في ذلك وقال: عندنا كتاب الله ما فرط فيه من شيء مما أوجد رسول الله وأغضبه فطرده. وقال: قوموا فقاموا. إلى كثير من أمثال هذه المخالفات فلماذا لا تقول الصحيح يا علي؟ ثم هبك - يا علي - علمت أنه في حياته لم يتجاوزوا أمره ورأيه، ولكن كيف علمت ذلك بعد وفاة رسول الله. وهل أعلمك رسول الله بذلك. وحينما وقعت بينهما - بين أبو بكر وعمر - مشادة في قضية خالد بن الوليد، كان رأي رسول الله مع من منهما. ولا شك أن عليًا سيقول: لعن الله الكاذب المفتري" (كتاب الشيعة والسنة في الميزان لصاحب قناع س - خ ص٨٨، ٨٩، ٩٠ ط بيروت). نعم وأنا أيضًا أقول: لعن الله الكاذب المفتري سواء كان صاحب برقع س-خ أو الصافي. فشركما لخيركما الفداء ولقد كذّبه علي بن أبي طالب حيث يقول: أيها السائل الكاذب المفتري الجريء على الجلوس تحت منبر لا أراك إلا من سلالة ابن ملجم حيث تسب وتشتم صهري زوج بنتي من فاطمة الزهراء بنت الرسول صلوات الله وسلامه عليه، وتنسب إليّ ما لم أقله وما لم أفعله، وتكذب الفاروق وتكذبني، ثم تدعي حبي وولائي، وتقول بأنني أنا جرأتك عليهما، لست إلا من سلالة ابن سبأ الذي تنكر وجوده خوفًا ووجلًا من أفعاله وأعماله وأقواله التي تطابق أقوالك وآرائك حتى لا تفضح، ولا يطلع الناس على سريرتك وفضائحك. وأنت تعلم أنني أنا الذي قتلته وحرقته لما أراد فتنة في الدين. وفسادًا في الشريعة واضطرابًا في المسلمين، وقد ذكره أسلافك وقومك، فتأتي أنت في القرن الرابع عشر وتنكر وتتنكر، وقبلك كلهم اعترفوا =
[ ١١٦ ]
ميمون النقيبة (١).
ــ
= بوجوده وأعماله القبيحة الشنيعة فلعنة الله على الكاذب والمنكر والمفتري.
﴿لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم﴾.
فمن الكاذب والمفتري، أنت أو صاحبك؟
وأما سيد أهل البيت فمعاذ الله أن يناله سوء سريرتك وسلاطة لسانك، ثم وكم من خطب علي تنكرها؟، وأي عدد من العبارات تنكر عليها، وها قد ذكرنا خطبة علي وتدعي موالاته من كتابك أنت، نعم أنت وقومك، فأنتم جعتموه، وأنتم علقتم عليه وحققتموه، وأنتم طبعتموه أنتم، ثم وأنتم قدمتموه إلى العالم بقولكم: ولأجل ذلك صار كتابه (أي الغارات) هذا، وسائر كتبه مرتعًا للشيعة، ومشرعًا لهم، فقلما تجد كتابًا معروفًا للشيعة يخلو من ذكره وروايته فالأولى أن نشير إلى جماعة ممن يروي عنه أو عن كتبه بلا واسطة أو معها" (مقدمة "الغارات" للثقفي ص ع).
ومعنى هذا أن هذا الكتاب من أهم مراجع الشيعة، ومنها سرقوا كثيرًا، فبفضل الله ومنّه فقد أثبتنا مرغمين أنوف المنكرين بأن عليًا بايع الصديق والفاروق، وأخلص لهما الوفاء، ويقر بذلك نفسه وهذا بعد وفاتهما، فماذا يقول المنصفون؟ ألا يقولون:
لعن الله الكاذب والمفتري.
عبد الله بن سبأ
وأما إنكار عبد الله بن سبأ اليهودي فليس إلا إنكار للحقيقة الساطعة كالشمس الطالعة في منتصف نهارها، ولم يوجد في المتقدمين أحد من أنكر وجوده، وما أدري أيهم أكثر علمًا وإلمامًا بالحقائق؟ المتقدمون أو المتأخرون، الخائفين المذعورين من والد ولدهم، ومؤسس أوجدهم، فنحن ندعو القوم ونتحداهم أن يثبتوا واحدًا من المتقدمين منهم، لا منّا، من ينكر وجوده، ويعده من الخيال والوهم =
_________________
(١) "الغارات" للثقفي ج١ ص٣٠٧، والنقيبة هي النفس، وقيل: الطبيعة "رجل ميمون النقيبة مبارك النفس، مظفر بما يحاول" كما قال ابن منظور الأفريقي، وقال ابن السكيت: إذا كان ميمون الأمر ينجح فيما حاول ويظفر، وقال ثعلب: إذا كان ميمون المشورة، وفي حديث مجدي بن عمرو: إنه ميمون النقيبة أي متنجح الفعال، مظفر المطالب" (لسان العرب لابن منظور الأفريقي ج١ ص٧٦٨)
[ ١١٧ ]
أي لم نتأخر في بيعته، ولم نبخل بالسمع والطاعة والمناصحة، لأن سيرته
ــ
=فهؤلاء وكم هم؟ ومنهم صاحبنا الذي أعجبه أن يرد علينا فيا ليت استطاع الرد، ولكم اشتقت حينما سمعت بأن واحدًا اجترأ على الرد حتى أراه وأعرفه بماذا ردّ عليّ؟ إن كان صادقًا فأعترف بخطأي، وأقر بقصوري وغلطتي، ولكم تمنيت أن شيئًا مما نقلت رد عليه بأن النقل من كتب القوم غير صحيح، أو المصدر غير موثوق، أو عبارة منسوبة غير صحيحة إلى من نسبت إليه، أو استنتجت فأخطأت الاستنتاج والاستدلال؟ وما أبرئ نفسي من الخطأ والزلل، وأين أنا وقد اعترف بإمكان صدوره علي بن أبي طالب المتهم بالعصمة كذبًا وافتراء، وها هو يقول: لا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل، فإني لست آمن أن أخطئ" (١).
فتمنيت هذا، ولكن ولله الحمد والمنة بأن كل هذه المهاترات، والسباب والشتائم والتعريضات، والتنابز بالألقاب، والكذبات المتكررة لم تجعلني إلا ثقة واعتمادًا بأنه وفقني ﷾ بالدفاع عن أصحاب محمد - ﷺ - ورفاقه الكرام البررة، واكتشاف القوم ونواياهم وخباياهم بالواقع والحقيقة، ومن كتبهم أنفسهم، وما استطاعوا، ولن يستطيعوا أن يكذبوا شيئًا مما ذكرت اللهم إلا أن ينكروا كتبهم، ويكذبوا محدثيهم، وفقهائهم، وأئمتهم.
والجدير بالذكر أننا لم نذكر عبد الله بن سبأ نجل اليهودي عند ما ذكرناه في كتابنا "الشيعة والسنة" نقلًا عن ابن حجر العسقلاني، ولا الذهبي، ولا ابن حبان، ولا ابن ماكولا، ولا البخاري، ولا، ولا، بل ذكرناه من الكشي إمامهم في الرجال، والنوبختي إمامهم في الفرق، ومؤرخ شيعي في الروضة الصفا: وكل من الكتب الثلاثة من كتبهم هم، ألفها كبارهم، ثم، من تحقيقهم أنفسهم حتى لا يتوهم بأنه أدرج فيها من المحقق والمعلق، ثم وكيف يحق له أن يقول مسفهًا العقلاء، ومبلدًا العلماء العارفين: ولكن من هو ابن سبأ هذا؟ ومن أي جاءته هذه القدرة العجيبة؟ التي جعلتنا نشاهده مرة في مصر ومرة في العراق. مرة في البصرة ومرة في الكوفة =
_________________
(١) "الكافي في الأصول" نقلًا عن "أعيان الشيعة" ج١ ص١٣٦، إن كان احتمال الخطأ منافيًا للخلافة والإمامة فإنه حاصل لأئمتكم أنتم، فباعترافهم هم أنفسهم، وفي أقدس كتاب عندكم، فما معنى إذًا؟
[ ١١٨ ]
كانت طيبة، ونفسه كان ميمونًا مباركًا، ناجحًا في أفعاله، مظفرًا في مطالبه.
ــ
= وهو حاضر في كل وقعة، مطلع على كل حادثة، ومن أين جاءته هذه الاستطاعة التي مكنته من أن يفعل ما يشاء متى شاء، ولماذا أهمل ذكره المؤرخون الأولون، ولماذا لم يتشك منه الخليفة عثمان الذي تشكى من أبي ذر وعمار وعبد الرحمن. وفعل بهم ما فعل وهم أصحاب رسول الله والمقدرون بين المسلمين، فلماذا لم يفعل بهذا اليهودي الطارئ ما فعل بهم بل ولماذا لم يذكره في أحاديثه وشكاياته؟
إن هذا اليهودي ابن السوداء العربي السبئي الذي جمع المتناقضات، والذي لا وجود له إلا في مخيلة من أراد الاعتذار عن عثمان بن عفان لهو شيء عجيب والأعجب منه الإصرار على وجوده الخارجي مع قيام الأدلة على تكذيبه" (١).
فمن تسأل يا من لا يسفه إلا رأيه ولا يحجر إلا عقله؟ ممن تسأل، منا أو من كشيك ونوبختيك؟
فيا لضياع الحق خذلانه وظهور الباطل ونصرته والغضب له! ويا للكذب والإصرار به والخداع والتمادي به! أيضن الظانون بأنهم يستطيعون بمثل هذه الكلمات النابية الرنانة أن يرعبوا الآخرين ويبهروا الكاشفين أسرارهم، المظهرين فضائحهم وقبائحهم، ثم أعد النظرة إلى كلماته كم التمادي في الباطل والإصرار في الكذب؟ فيا لمهزلة العقل! والتطاول في التزييف والتضليل، ليقرأ المخدوع والجاهل أو غير العارف بأصل القصة والقضية فينخدع، كم هؤلاء مساكين، مهتمين بأشياء لا أصل لها ولا جذر ولا بذر ولكن من للقوم أن ينجيهم من بطش الحق وقبضة العارفين؟
ثم ويقول في محل آخر:
ونحن الشيعة غربلنا التاريخ في قضية ابن سبأ فعرفنا أن هذه الشخصية من خلق الرابع الهجري" (٢). =
_________________
(١) "كتاب الشيعة والسنة في الميزان" ص٣١، ٣٢ ط بيروت
(٢) ملخص ما قاله ص٨٣، ٨٤
[ ١١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ
= فنحن نقول: وكيف غربت التاريخ؟ مقلبًا الحقائق، ومغمضًا عينيك التي قلما ترى الحقيقة والصدق، مغلفًا قلبك وخاتمًا عليه.
وإن لم تكن هكذا ما تلفظت بهذا القول، وما كتبت هذه الكتابة وأنت تعرف أنك لا تجد أحدًا ينصرك في هذا من قومك وقبيلتك قبل القرن الرابع عشر من الهجرة، نعم! وإلا فأتوا برهانكم إن كنتم صادقين.
وأنت لم تقلد في هذا القول إلا رجالًا مثلك، لهم قلوب لا يفقهون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها، وهذا مع دعواك في مبحث التحريف "أما غيرنا وهنا الليلة فلم يقل بعدم التحريف إلا تقليدًا لمن جمع القرآن، وهذا التقليد هو الذي يسمى بالتقليد الأعمى، والذي نرفضه في الأصول والفروع، والذي ذمه الله ﷾ حينما ذم اليهود والنصارى باتباعهم الرهبان والأحبار، وأخذهم بأقوالهم من غير تمحيص. فعبر عنهم الله بالعبادة والتعبد. وهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنهم أحلوا لهم حلالًا، وحرموا عليهم حرامًا، فأخذوا بما أمروهم من دون مجوز شرعي بل تقليدًا فعبدوهم وهم لا يشعرون" (١).
فانظر التناقض والتعارض والتخالف، وهذا كله من لوازم الكذاب الأفاك المفتري، تنكر شيئًا ثم تأتيه؟
عار عليك إذا فعلت عظيم
تنكر على السنة بأنهم قالوا بعدم التحريف في كتاب الله تقليدًا لمن جمع القرآن أي الصديق والفاروق وذي النورين، وتقلد أنت سيد حيدر، ومحمد جوار مغنية، والوردي، والشيبي، وطه حسين أو بعض المستشرقين، وكلهم أولاد هذا القرن، ولم يستندوا إلى دليل وبرهان في إنكاره، ولو استندوا ما اضطررت إلى أن تقول: إن هذه الشخصية من خلق القرن الرابع الهجري: لأن كلمة القرن الرابع نفسها تكذبك وتسفه رأيك، وتبله قولك، ولو فكرت قليلًا لما أطلقتها لأن المصدر الذي نقلنا منه حكايات ونشاطات عبد الله بن سبأ نجل اليهود هو المصدر الموثوق المعتمد الشيعي المشهور، قد ألف وأوجد في الوجود قبله بقرن أي القرن الثالث من =
_________________
(١) ص٤٩، ٥٠
[ ١٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ
= الهجرة، ألا وهو كتاب "فرق الشيعة" للنوبختي لأبي محمد الحسن بن موسى النوبختي المكتوب تحته بخط أسود مثل سواد قلوب الجاحدين المنكرين المكابرين - من علماء القرن الثالث للهجرة -.
وما أدري كيف استطاع الأستاذ أسد حيدر وقد أراد في إنكار شخصية عبد الله بن سبأ أن يستند إلى دليل غير الكلام الفارغ والأقول اللاطائلة، المبنية على الوهم والخيال مثل تفوه الوردي والشيبي ومغنية طه حسين وغيرهم، فقال: قلما يصدر كتاب يتناول البحث عن تاريخ الإسلام (١) إلا وعبد الله بن سبأ يحتل مكانًا في البحث (٢) ويشغل صحائف الكتب - إلى أن قال - لقد حان الوقت لأن نلتفت إلى الوراء فنكشف حقيقة نشأة هذه الأسطورة - فلم لم يكشف أحد من القدامى يا أستاذ! أو تركوك أنت وأهل عصرك تتعب ويتعبون؟ ونقف على عوامل تلك الأباطيل التي طالما ظلت أيد سوداء ممتدة فوقها في سكون وصمت (٣).
فلنحن ننظر كيف يكشف، وبماذا يكشف؟ ولكنه يريد أن يمهد المسألة أكثر مما مهد فيقول:
يخطئ من يقول: بأن بحث قضية ابن سبأ من الأمور التي لا مندوحة في بحثها الآن وإثارتها في هذا العصر، فالزمن قد تغير، وهذه من دفائن الماضي، وليس من الصحيح نبش تلك الدفائن ونشر صحائف مطوية، أكل الدهر عليها وشرب.
وإننا نقول: إن هذه القضية ليست كما يتوهمه المتوهمون بأنها من الصحائف المطوية، والآثار المنسية، بل هي في كل وقت غضة جديدة لا تغيرها الأيام مهما طال زمانها، فهي تنشر في كل وقت وتجعل من الأسس التي يستند إليها أكثر كتاب عصرنا الحاضر كوسيلة للطعن على الشيعة (٤).
_________________
(١) بل تاريخ الشيعة بتعبير صحيح
(٢) وهذا هو الذي يقلق مضاجعهم، ويجعلهم إلى إنكار وجوده
(٣) "الإمام الصادق والمذاهب الأربعة" ج٦ ص٤٥٦ ط بيروت
(٤) "الإمام الصادق والمذاهب الأربعة" ص٤٥٧
[ ١٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ
= نعم! إن هذه القضية ليست كما يتوهم المتوهمون بأنها من الصحائف مطوية، بل هي غضة جديدة في كل وقت من الأوقات عند ما يبحث تاريخ الشيعة، وجذور معتقداتهم، والأسس التي قام عليها مذهبهم، لأنها حقيقة ثابتة لا تغيرها الأيام مهما كثرت الأكاذيب، وعلت أصوات الإنكار الغير المستندة إلى دليل، ومهما طال الزمن، لأنها وسيلة لاكتشاف أصل الشيعة وأصولها، ومؤسسيها، وبناتها، والذين نسجوا حبائلها وحبائكها لاصطياد الأمة الإسلامية المجيدة، نعم! إنها هي كما قال، ثم ماذا؟
ثم بعد تسويد صفحات ستة يقول:
إن قضية ابن سبأ قد لاقت هوى في قلوب كثير من الكتّاب المستشرقين وغيرهم فأحاطوها بعناية خاصة، ومنحوها مزيدًا من البيان فأسبغوا عليها ألفاظًا براقة خلابة دبجتها أقلامهم وصاروا يكررونها ويرددونها ترديد المؤمن بصحتها، الواثق بوقوعها، وكأنها من الحقائق التي لا تقبل التشكيك" (١).
نعم إنها من الحقائق التي لا تقبل التشكيك، ولكنه يريد أن يبني عمارته على الرمال ومثلها لا تقوم، وبعد الكلام الطويل يقول: ربما يظن أن لهذه القضية مصدرًا موثوقًا به نظرًا لشهرتها وانتشارها، في عدة كتب من كتب التاريخ والأدب، ولكن كل ذلك لم يكن، وليس لها أي مصدر يمكن الركون إليه كما سنبينه إن شاء الله" (٢).
ونحن لا نملك إلا أن نمشي معه قائلًا: يا أستاذ! اترك كل هذا وبيّن؟
ولكنه لا يريد أن يترك، ثم يمشي في الهواء ويطير في القضاء إلى أن يضيع صفحات أربعة أخرى حتى يعنون بعنوان "المصدر" فيكتب: "نرى أنفسنا ملزمين بأن نستعرض مصدر هذه القصة، ونقف على المنبع الذي استقى منه الكتّاب معلوماتهم عنها، لأنا قد وجدنا بعض الكتّاب ممن يميل إلى التشكيك في صحتها، ولكنهم لا يستطيعون أن يقولوا ذلك بصراحة لأنهم يظنون أنها متعددة الروايات متواترة عن =
_________________
(١) "الإمام الصادق والمذاهب الأربعة" ص٤٦٣
(٢) "الإمام الصادق والمذاهب الأربعة" ص٤٦٤
[ ١٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ
= الثقات، من المؤرخين، الأمر الذي يعو إلى عدم طرحها ولكنه ينفي المبالغات التي فيها" (١).
ثم وبعد تمهيد آخر أخذ فيه صفحة كاملة (٢) يقول:
نعم! المصدر الأول لهذه القضية ولم يسبقه أحد (٣) إلى ذكرها هو أبو جعفر محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة ٣١٠ صاحب التفسير الكبير، ومؤلف تاريخ الأمم والملوك المعروف بتاريخ الطبري. وهو المصدر الوحيد لهذه القصة وجميع ما يتعلق بأخبار عبد الله بن سبأ.
وأخذ عن ابن جرير كل من ابن الأثير المتوفى سنة ٦٣٠ وابن كثير المتوفى سنة ٧٧٤ وابن خلدون المتوفى سنة ٨٠٨ وغيرهم (٤).
وبعد هذا أراد الأستاذ أسد أن يحمل مشقة البحث والنقد في ثقاهة الطبري ومن نقل عنهم الشهادة في كتابه في ٢٤ صفحة تقريبًا بعد ما ضيع في التمهيد ١٤ صفحة.
فنحن نقول له: يا من نهجت منهج الاستقامة والإنصاف والتدبر في النقد والاتزان" (٥).
لا نكلفك كل هذا العناء، ولا نحملك كل هذا الثقل، ونغنيك عن المشقة =
_________________
(١) "الإمام الصادق والمذاهب الأربعة" ص٤٦٨
(٢) قصدًا ذكرنا هذه الصفحات وهذه الأرقام حتى يعرف نفسية القائل، فعلماء النفس يقولون: إن الضعيف والكاذب لا يستطيع أن يأتي رأسًا إلى المقصود لأنه يعرف الضعف والكذب الذي يحاول أن يكتمه، ففي كتمانه يلف يمينًا ويسارًا حتى يطمّن نفسه أولًا بأنه استطاع إبعاد الضعف بهذا اللف والدوران، وأما الصادق والقوي فلا يحتاج إلى ذلك، بل يباشر المقصود بلا تردد والتفاتة يمينًا ويسارًا
(٣) ينبغي الانتباه والمراعاة لهذه الكلمة لأنها مقصودة، وهي أساس البناء، ولينظر بأنه كيف تحكم بالقول وتجبر
(٤) ص٤٦٩
(٥) انظر صفحة ٤٩٢ من هذا الكتاب حيث يختم البحث
[ ١٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ
= والتعب من النظر في كتب الرجال والإسناد (١)، ونختصر عليك الطريق ومن سبقك في هذا القول وتبعك، فنقول له ما قلناه سابقًا للسيد صاحب نقاب س-خ ومن معه: بأننا نحن حينما ننقل لا ننقل من الطبري، وغير الطبري، ابن الأثير وابن الكثير بل ننقل عن النوبختي، وإن النوبختي قطعًا لا ينقل عن الطبري، ولا أحد من الشيعة اتهمه بذلك، وهو وإن لم يتقدم عنه فليس بمتأخر عنه وهو معاصر لثابت بن قرة المتوفى سنة ٢٨٨هـ (٢) وهو المدار والمحور لجميع من كتب من الشيعة في الفرق، وثم ننقل أيضًا عن الرجالي الشيعي المتعصب السباب اللعان على المخالفين، المشهور بالكشي المعاصر لابن فولديه المتوفى ٣٦٩، وكتابه أهم الكتب وأولها في الرجال "ومن الأصول الأربعة التي عليها المعول في هذا الباب" (٣).
ولقد تبعهما في ذكر عبد الله بن سبأ بدون إنكار ولا ترديد كل من الطوسي الملقب بشيخ الطائفة في رجاله، وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة، والحلي في خلاصته، والقمي في تحفة الأحباب، والخوانساري في روضات الجنات، والمامقاني في تنقيح المقال، والمرزه في ناسخ التواريخ، والتستري في قاموس الرجال، والعباسي القمي في الكنى والألقاب، وغيرهم الكثيرون الكثيرون وكلهم أخذوا من غير الطبري، فلم يكلف الأستاذ نفسه؟ ولم يتكلف بأن يبحث في الطبري =
_________________
(١) وإن أنصف الأستاذ وأمعن نظره في كتب الرجال مذهب ثلاثة أرباع مذهبه على أدراج الرياح لأنه ما قام إلا على الأساطير والقصص والأوهام والأفكار المستوردة، ولم ينقله إلا الكذابون الأفاكون الذين اشتكى عنهم أئمتهم وصلحاء أهل البيت وسادتهم، وإليك رواية واحدة منهم، ينقل الكشي عن أبي الحسن الرضا - الإمام -"كان بنان يكذب على علي بن الحسين (ع) فأذاقه الله حر الحديد، وكان مغيرة بن سعيد يكذب على أبي جعفر (ع) فأذاقه الله حر الحديد، وكان محمد بن بشير يكذب على أبي الحسن موسى (ع) فأذاقه الله حر الحديد، والذي يكذب على محمد بن فرات، قال أبو يحيى: وكان محمد بن فرات من الكتاب فقتله إبراهيم بن شكلة" (رجال الكشي ص٢٥٦ ط كربلاء)
(٢) مقدمة "فرق الشيعة" للنوبختي ص١٤ ط نجف
(٣) مقدمة رجال الكشي ص٤
[ ١٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ
= وعقيدته، وسنده؟
ولنسهل على الأستاذ ومن والاه في هذا الزمان، الزمان الذي أخبر عنه المرتضى علي بن أبي طالب ﵁ "سيأتي عليكم بعدي زمان ليس فيه شيء أخفى من الحق ولا أظهر من الباطل" (١).
نعم! نسهل عليهم وعلى غيرهم أن عبد الله بن سبأ ذكر وقبل أن يذكره الطبري في تاريخه.
فها هو الثقفي أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الثقفي الكوفي الشيعي المتعصب الذي صنف أكثر من خمسين كتابًا لرواج مذهبه وترويج مسلكه يذكر في كتابه "الغارات" الذي يعدّ من أهم مراجع القوم، وقد أكثر الرواية منه ابن أبي الحديد، والحلي، والمجلسي، والحر العاملي، والنوري، والقمي، والشيرازي، والخوئي، والمرزه محمد تقي المامقاني وغيرهم (٢).
يذكر في كتابه هذا "عن عبد الرحمن بن جندب عن أبيه جندب قال: دخل عمرو بن الحمد وحجر بن عدي وحبة العوفي والحارث الأعور وعبد الله بن سبأ (٣) على أمير المؤمنين ﵇ بعد ما افتتحت مصر وهو مغموم فقالوا له: بيّن ما قولك في أبي بكر وعمر؟ فقال علي ﵇: وهل فرغتم لهذا، وهذه مصر قد افتتحت، وشيعتي بها قد قتلت؟ أنا مخرج إليكم كتابًا أخبركم فيه عما سألتم وأسألكم أن تحفظوا من حقي ما ضيعتم، فاقرؤوه على شيعتي، وكونوا على الحق أعوانًا" (٤).
والمعروف أن الطبري ألف تاريخه وجمعه بعد الثلاثمائة من الهجرة، وأما =
_________________
(١) "نهج البلاغة" ص٨٢ ط دار الكتاب بيروت
(٢) انظر مقدمة "الغارات" ص خط
(٣) كلهم قتلة الإمام المظلوم عثمان بن عفان ﵁
(٤) "الغارات" للثقفي ص٣٠٢، ٣٠٣ ج١ ط انجمن آثار ملى إيران
[ ١٢٥ ]
ولقد أثبت هذا الطوسي شيخ الطائفة لدى القوم في أماليه حيث يروى عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: فبايعت عمر كما بايعتموه، فوفيت له بيعته حتى لما قتل جعلني سادس ستة، ودخلت حيث أدخلني" (١).
ــ
= الثقفي فقد ألف كتابه هذا قريبًا من الخمسينات بعد المأتين من الهجرة وكانت وفاته سنة ٢٨٣هـتقريبًا، وهو شيعي متعصب مشهور، روى القوم عن تشيعه وتصلبه روايات وحكايات عديدة (٢).
فالكتاب كتابكم والمحقق هو المحدث الشيعي المعاصر المشهور، والطابع مطبعة شيعية، ونشرته لجنة شيعية المكونة لنشر كتب القوم.
فهل بعد هذا يحتاج ذاك إلى الرد بأن المصدر الأول لهذه القضية ولم يسبقه أحد إلى ذكرها هو أبو جعفر الطبر وهو المصدر الوحيد لهذه القصة، وههنا أحب أن أتمثل بعجز الشعر الفارسي، وأثبته أصلًا.
اين كناهيست كه در شهر شما نيز كنند
إن كانت هذه جريمة فمرتكبوها من بلدتكم أنتم، ولنعم ما قيل.
وأخيرًا نقول للأساتذة أصحاب الغيرة والنخوة من الشيعة الذين يرون أن هذا العار قد لحقهم، وهذه الوقاحة والشتيمة لزمتهم فكلما يذكر مذهبهم يذكر بأن مؤسسها عبد الله بن سبأ نقول لهم: ننشدكم بالله ألا تنكرون وجوده وشخصيته تقية (٣) خوفًا من الفضيحة وكشف الحقيقة؟ لأنكم "على دين من كتمه أعزه الله، ومن اذاعه أذله الله" (٤).
ونسبتم إلى محمد الباقر - الإمام الخامس المعصوم لديكم - أنه قال: التقية =
_________________
(١) "الأمالي" للطوسي ج٢ ص١٢١ ط نجف
(٢) من أاراد الاطلاع عليها فلينظر إلى ترجمته في كتاب رجال القوم، أو مقدمة الكتاب
(٣) ومن أراد الاستزادة في ذلك فليراجع كتابنا "الشيعة والسنة" فإن فيه ما يكفي للباحث ويروي الغليل، ويشفي العليل، ولا جواب عليه بفضل الله ومنه وكرمه
(٤) "الكافي في الأصول" باب التقية ج٢ ص٢٢٢ ط إيران
[ ١٢٦ ]
فبايعه علي بن أبي طالب، وسمعه، وأطاعه، وناصحه، ورضي بما أمر به،
ــ
= في كل ضرورة (١) وصاحبها أعلم بها حين تنزل به" (٢)
وإلا هل هنالك شك لشاك وريب لمرتاب أنه كان، وعقائده لا زالت كائنة =
_________________
(١) ثم وكيف يجترئ من جعل نفسه محاكمًا في كتابه "كتاب الشيعة والسنة في الميزان" بقوله: والتقية التي دل عليها العقل والنقل، هي من الوضوح بحيث لا تحتاج إلى الشرح والتوضيح. وأي عقل يقول لإنسان يواجه ذئبًا كاسرًا ثم يقول له: تقدم لهذا الذئب الكاسر واعرض نفسك أمامه وأنت أعزل لا سلاح لديك، أترى أن مثل هذا لو فعل مثل هذه الفعلة، أتراهم لا يقولون إنه انتحر وأهلك نفسه من دون غاية شريفة يقره عليها العقل ويرتضيها الشرع والعرف" (ص٤٣). وأيضًا "إن هذا الباكستاني وأمثاله ممن شتموا الشيعة لقولهم بالتقية، لو أنصفوا لنزلوا باللائمة على من ألجأهم إلى التقية، وعلى تلك المظالم التي أيدوها في كثير من العصور الإسلامية. إنهم لو فعلوا ذلك لكانوا بفعلهم أقرب إلى شريعة الإسلام المليئة بالعطف والإحسان والرحمة. ولكن كيف يفعلون ذلك ويلومونهم على ظلمهم وهم ما زالوا يرقصون على نغمهم، وينتشون من بقايا أسلافهم، ويتمرغون أمام رغباتهم، بالرغم من ذهابهم وذهاب مظالمهم. ولم يأسف هذا الباكستاني وأمثال إلا بكونه لم يشترك في تلك المظالم التي سبح بها خلفاؤه الجلادون وغاصوا بها إلى الآذان وهم في كل ذلك يعيشون في القرن العشرين، قرن الحريات والمساواة ولكن أرواحهم ما زالت منغمسة في قرن الجهالات والضلالات (ومن أحب عمل قوم حشر معهم). رحم الله صديقنا المرحوم العلامة الشيخ محمد رضا المظفر حيث قال في كتابه القيم (عقائد الإمامية) الذي رجونا أن يقرأه المسلمون في أقطار الأرض ويعرفوا الشيعة وعقائدهم ومبانيهم وإخلاصهم الديني وحبهم للإسلام والمسلمين. يقول ﵀: إن عقيدتنا في التقية قد استغلها من أراد التشنيع على الإمامية فجعلوها من جملة المطاعن فيهم، وكأنهم كان لا يشفي غليلهم إلا أتقدم رقابهم إلى السيوف لاستئصالها عن آخرهم في تلك العصور التي يكفي فيها أن يقال هذا رجل شيعي ليلاقي حتفه على يد أعداء آل البيت من الأمويين والعباسيين بله العثمانيين" (ص٤٥، ٤٦). فيا ليت كيف يعرف من الصادق منهما؟ التابع أو المتبوع، الإمام المعصوم أم المؤتم الأثيم؟
(٢) "الكافي في الأصول" باب التقية ج٢
[ ١٢٧ ]
ودخل اللجنة التي جعلها لانتخاب الخليفة منها، وكان وزيره ومشيره وقاضيه، ولقد ذكرنا مواقع عديدة استشار فيها الفاروق من مستشاريه، وكان من بينهم عل بن أبي طالب ﵁، وعمل بمشورة فيها دون غيره كما ذكر اليعقوبي المؤرخ الشيعي:
"إن عمر شاور أصحاب رسول الله في سواد الكوفة، فقال له بعضهم: تقسمها بيننا، فشاور عليًا، فقال: إن قسمتها اليوم لم يكن لمن يجيء بعدنا شيء! ولكن تقرها في أيديهم يعملونها، فتكون لنا ولمن بعدنا. فقال: وفقك الله! هذا الرأي" (١).
وكذلك وردت الروايات الكثيرة في المسائل القضائية أن عليًا كان في طرف والباقين في جانب آخر فرجح الفاروق قضاء عليّ ورأيه، ولقد بوب المفيد الملقب بالشيخ بابًا مستقلًا بعنوان "ذكر ما جاء من قضاياه في إمرة عمر بن الخطاب" وأورد تحته قضايا مختلفة كثيرة حكم فيها عمر بقضاء علي ﵄، ومنها:
"إن عمر أتى بحامل قد زنت فأمر برجمها فقال له أمير المؤمنين ﵇: هب أن لك سبيلًا عليها أي سبيل لك على ما في بطنها والله تعالى يقول: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ فقال عمر: لا عشت لمعضلة لا يكون لها أبو الحسن ثم قال: فما أصنع بها؟ قال: احتط عليها حتى تلد، فإذا ولدت ووجدت لولدها من
ــ
= موجودة عند القوم يحفظونها ويتشبثون بها ويعتقدونها ويعملون بها، فالله الهادي إلى سواء السبيل، ولقد أردنا أن نفرد لعبد الله بن سبأ مختصرًا إن شاء الله ويسّر، فبيده التوفيق
_________________
(١) "تاريخ اليعقوبي" ج٢ ص١٥١، ١٥٢
[ ١٢٨ ]
يكفله فأقم عليها الحد، فسرى بذلك عن عمر وعول الحكم به على أمير المؤمنين ﵇" (١).
وأيضا ذكر المفيد:
إنه استدعى امرأة كانت تتحدث عندها الرجال، فلما جاءها رسله فزعت وارتاعت وخرجت معهم فأملصت ووقع إلى الأرض ولدها يستهل ثم مات فبلغ عمر ذلك فجمع أصحاب رسول الله ﷺ وسألهم عن الحكم في ذلك فقالوا بأجمعهم: نراك مؤدبًا، ولم ترد إلا خيرًا، ولا شيء عليك في ذلك وأمير المؤمنين ﵇ جالس لا يتكلم في ذلك، فقال له عمر: ما عندك في هذا يا أبا الحسن؟ فقال: قد سمعت ما قالوا: قال: فما عندك؟ قال: قد قال القوم ما سمعت، قال: أقسمت عليك لتقولن ما عندك، قال: إن كان القوم قاربوك فقد غشوك وإن كانوا ارتاؤا فقد قصروا الدية على عاقلتك لأن قتل الصبى خطأ تعلق بك فقال: أنت والله نصحتني من بينهم والله لا تبرح حتى تجري الدية على بني عدي ففعل ذلك أمير المؤمنين ﵇ (٢).
وأيضًا "عن يونس عن الحسن أن عمر أتى بامرأة قد ولدت لستة أشهر فهم برجمها، فقال له أمير المؤمنين ﵇: إن خاصمتك بكتاب الله خصمتك إن الله تعالى يقول: ﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهرًا﴾ ويقول جل قائلًا: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾ فإذا تمت المرأة، الرضاعة سنتين، وكان حمله وفصاله ثلاثين شهرًا، كان الحمل منها ستة أشهر، فخلى عمر سبيل المرأة وثبت الحكم بذلك فعمل به الصحابة والتابعون ومن أخذ عنه إلى يومنا هذا" (٣).
_________________
(١) "الإرشاد" ص١٠٩
(٢) "الإرشاد" ص١١٠
(٣) "الإرشاد" ص١١٠
[ ١٢٩ ]
وأيضًا "إن امرأة شهد عليها الشهود أنهم وجدوها في بعض مياه العرب مع رجل يطأها ليس ببعل لها، فأمر عمر برجمها وكانت ذات بعل، فقالت: اللهم إنك تعلم أني بريئة، فغضب عمر وقال: وتجرح الشهود أيضًا، فقال أمير المؤمنين ﵇: ردوها واسألوها فلعل لها عذرًا، فردت وسئلت عن حالها فقالت: كان لأهلي إبل فخرجت في إبل أهلي وحملت معي ماء ولم يكن في إبل أهلي لبن وخرج خليطنا وكان في إبله لبن، فنفذ مائي فاستسقيته فأبى أن يسقيني حتى أمكنه من نفسي فأبيت، فلما كادت نفسي تخرج أمكنته من نفسي كرها، فقال أمير المؤمنين ﵇: الله أكبر ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه﴾ فلما سمع ذلك عمر خلى سبيلها.
وعمل الفاروق في جميع هذه القضايا بقضاء عليّ، ونفّذ ما قاله لأنه كان يقول حسب رواية شيعية: علي أقضانا" (١).
فهذه قضاءاته، وتلك مشوراته، أفبعد هذا يمكن القول بأن عليًا كان يخالف عمر ﵄، أو كان بينهما شيء؟، حتى ويقال إنه لم يبايعه هو وذووه.
فهل يتصور أن شخصًا لا يعترف ولا يقرّ بولاية أحد وخلافته ثم يشترك في الشورى في المسائل المهمة والنوائب الملمة، ويبدي رأيه الصائب، ويؤخذ بقوله ويقضى بين الناس، وينفذ قضاؤه؟.
وأكثر من ذلك وأصرح ما ورد أنه لم يكن قاضيًا ومشيرًا ووزيرًا لصهره ونائب رسول الله - ﷺ - وأمير المؤمنين وخليفة المسلمين عمر بن الخطاب فحسب، بل كان نائبًا له في الحكم والحكومة فأنابه عمر سنة ١٥ من الهجرة لما استمد أهل الشام عمر على أهل فلسطين وشاور أصحابه فمنعه علي، وقال له: لا تخرج
_________________
(١) "الأمالي" للطوسي ج١ ص٢٥٦ ط نجف
[ ١٣٠ ]
بنفسك، إنك تريد عدوًا كلبًا، فقال عمر: إنص أبادر بجهاز العدو موت العباس ابن عبد المطلب إنكم لو فقدتم العباس لينقض بكم الشر - فانظر حب الفاروق لأهل بيت النبي وخاصة لعمه - كما ينتقض الحبل" (١).
فشخص عمر إلى الشام.
"وإن عليًا ﵇ هو كان المستخلف على المدينة" (٢).
هذا ولقد ذكر المؤرخون أن الفاروق ﵁ أناب المرتضى ﵁ ثلاث مرات في الحكم وعلى عاصمة المؤمنين سنة ١٤ من الهجرة عندما أراد غزو العراق بنفسه. وسنة ١٥ عند شخوصه لقتال الروم" (٣).
وعند خروجه إلى أيلة سنة ١٧ من الهجرة" (٤).
ولأجل ذلك قال علي ﵁ لما عزموا على بيعته: أنا لكم وزيرًا خير لكم مني أميرًا" (٥).
يشير بذلك إلى وزارته أيام الصديق وخاصة عصر الفاروق ﵃.
ولأجل ذلك كان يقاتل هو وبنوه وأهله وذووه تحت رايته، ويقبلون منه الغنائم والهدايا والجواري والسبايا، ولو لم يكن خلافته حقًا لما كان القتال تحت رايته جهادًا، ولم يكن الجواري والإماء جواريًا وإماءً، ولم يجز قبولها والتمتع بها، وقد ثبت هذا كله كما ذكرناه سابقًا، وكما روى الشيعة أن حسن بن علي سبط رسول الله ﵊ قاتل تحت لواء الفاروق، وجاهد أيام خلافته وتحت توجيهاته وإرشاداته في الجيش الذي أرسل إلى غزو إيران
_________________
(١) "شرح نهج البلاغة" لابن أبي الحديد ج٢ جزء ٨ ص٣٧٠
(٢) "شرح نهج البلاغة" لابن أبي الحديد ج٢ جزء ٨ ص٣٧٠
(٣) البداية والنهاية لابن كثي ج٧ ص٣٥ وص٥٥ ط بيروت، أيضًا "الطبري" ج٤ ص٨٣، وص١٥٩ ط بيروت
(٤) الطبري
(٥) نهج البلاغة ص١٣٦ تحقيق صبحي
[ ١٣١ ]
ويقولون: إن في أصفهان مسجدًا يعرف بلسان الأرض! ولقد سمي بهذا الاسم لأن حضرة الإمام الحسن المجتبى ﵇ لما جاء إلى أصفهان أيام خلافة عمر بن الخطاب مجاهدًا في سبيل الله غازيًا وفاتحًا لهذه البلاد مع عساكر الإسلام نزل في موضع هذا المسجد فكلمت معه الأرض فسميت هذه البقعة لسان الأرض لتكملها معه" (١).
وهذا وذلك دليل صدق على ما قلناه.
وأخيرًا نريد أن نختم هذا البحث على مظهر يدل دلالة واضحة على حب أهل البيت الفاروق الأعظم رضوان الله عليهم أجمعين، وذلك المظهر هو تسمية أهل البيت أبنائهم باسم الفاروق عمر، حبًا وإعجابًا بشخصيته، وتقديرًا لما أتى به من الأفعال الطيبة والمكارم العظيمة، ولما قدم إلى الإسلام من الخدمات الجليلة، وإقرارًا بالصلات الودية الوطيدة والتي تربطه بأهل بيت النبوة، والرحم، والصهر القائم بينه وبينهم.
فأول من سمى ابنه باسمه الإمام الأول المعصوم الذي لا يخطئ حسب معتقد القوم، ولقد سمى ابنه من أم حبيب بنت ربيعة البكرية التي منحها الصديق أبو بكر ﵁، عمر كما ذكر المفيد واليعقوبي والمجلسي والأصفهاني وصاحب الفصول، فيقول المفيد في باب "ذكر أولاد أمير المؤمنين وعددهم وأسماءهم": فأولاد أمير المؤمنين سبعة وعشرون ولدًا ذكرًا وأنثى (١) الحسن (٢) الحسين . (٦) عمر (٧) رقية كانا توأمين أمهما أم حبيب بنت ربيعة" (٢).
ويقول اليعقوبي: وكان له من الولد الذكور أربعة عشر ذكرًا الحسن والحسين ومحسن مات صغيرًا، أمهم فاطمة بنت رسول الله .. وعمر، أمه
_________________
(١) "تتمة المنتهى" للعباس القمي ص٣٩٠ ط إيران
(٢) "الإرشاد" للمفيد ص١٧٦
[ ١٣٢ ]
أم حبيب بنت ربيعة البكرية" (١).
وأما المجلسي فيذكر "عمر بن علي من الذين قتلوا مع الحسين في كربلاء، وأمه أم البنين بنت الحزام الكلابية" (٢).
وصاحب الفصول يقول تحت ذكر أولاد علي بن أبي طالب: وعمر من التغلبية، وهى الصهباء بنت ربيعة من السبي الذي أغار عليه خالد بن الوليد بعين التمر، وعمّر عمر هذا حتى بلغ خمسة وثمانين سنة فحاز نصف ميراث علي ﵇، وذلك أن جميع إخوته وأشقائه وهم عبد الله وجعفر وعثمان قتلوا جميعهم قبله مع الحسين (ع) - يعني أنه لم يقتل معهم - بالطف فورثهم" (٣).
هذا وتبعه الحسن في ذلك الحب لعمر بن الخطاب ﵃، فسمى أحد أبنائه عمر أيضًا.
يكتب المفيد في باب "ذكر ولد الحسن بن علي ﵉ وعددهم وأسماؤهم".
"أولاد الحسن بن علي (ع) خمسة عشر ولدًا ذكرًا وأنثى (١) زيد . (٥) عمر (٦) قاسم (٧) عبد الله أمهم أم ولد" (٤).
ويقول المجلسي:
_________________
(١) "تاريخ اليعقوبي" ج٢ ص٢١٣، كذلك "مقاتل الطالبين" ص٨٤ ط بيروت
(٢) "جلاء العيون" فارسي، ذكر من قتل مع الحسين بكربلاء ص٥٧٠
(٣) "الفصول المهمة" منشورات الأعلمي طهران ص١٤٣، "عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب" ص٣٦١ ط نجف، "تحفة الإهاب" ص٢٥١، ٢٥٢، "كشف الغمة" ج١ ص٥٧٥
(٤) "الإرشاد" ص١٩٤، "تاريخ اليعقوبي" ج٢ ص٢٢٨، "عمدة الطالب" ص٨١، "منتهى الآمال" ج١ ص٢٤٠ "الفصول المهمة" ص١٦٦
[ ١٣٣ ]
كان عمر بن الحسن ممن استشهد مع الحسين بكربلاء" (١).
ولكن الأصفهاني يرى أنه لم يقتل، بل كان ممن أسر فيقول:
وحمل أهله (الحسين بعد قتله) أسرى وفيهم عمر، وزيد، والحسن بنو الحسن بن علي بن أبي طالب" (٢).
وابنه الثاني من فاطمة بنت رسول الله - ﷺ - الحسين ﵁ أيضًا سمى أحد أبنائه باسم عمر، كما ذكر المجلسي تحت ذكر من قتل من البيت مع الحسين بكربلاء "قتل من أبنائه الحسين كما هو المشهور على الأكبر، وعبد الله الذي استشهد في حجره، وبعضهم قالوا: أيضًا قتل من أبنائه هو عمر وزيد" (٣).
هذا ومن بعد الحسين ابنه علي الملقب بزين العابدين سمى أحد أبنائه أيضًا باسم عمه وزوجة عمته وصديق جده، عمر، كما ذكر المفيد في باب "ذكر ولد علي ﵇" قال: ولد علي بن الحسين ﵉ خمسة عشر ولدًا (١) محمد المكنى بأبي جعفر الباقر (ع) أمه أم عبد الله بنت الحسن (٦) عمر لام ولد" (٤).
وأما الأصفهاني فيذكر أن عمر هذا كان من أشقاء زيد بن على من أمه وأبيه كما يقول تحت ترجمة زيد بن على: وزيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب . وأمه أم ولد أهداها المختار بن أبي عبيدة لعلي بن الحسين فولدت له زيدًا وعمر وعليًا وخديجة . اشترى المختار جارية بثلاثين
_________________
(١) "جلاء العيون" ص٥٨٢
(٢) "مقاتل الطالبين" ص١١٩
(٣) "جلاء العيون" للمجلسي ص٥٨٢
(٤) "الإرشاد" ص٢٦١، "كشف الغمة" ج٢ ص١٠٥، "عمدة الطالب" ص١٩٤، "منتهى الآمال" ج٢ ص٤٣، "الفصول المهمة" ص٢٠٩
[ ١٣٤ ]
ألفًا، فقال لها: أدبري فأدبرت، ثم قال لها: أقبلي فأقبلت، ثم قال: ما أدري أحدًا أحق بها من علي بن الحسين فبعث بها إليه وهى أم زيد بن على" (١).
والجدير بالذكر أن كثيرًا من أولاد عمر هذا خرجوا على العباسيين مع من خرج من أبناء عمومتهم (٢).
وكذلك موسى بن جعفر الملقب بالكاظم - الإمام السابع لدى القوم - سمى أحد أبنائه باسم عمر كما ذكر الأربلي تحت عنوان أولاده (٣).
فهؤلاء الأئمة الخمسة المعصومون لدى القوم يظهرون لعمر الفاروق ما يكنونه في صدورهم من حبهم وولائهم له وبعد وفاته بمدة.
أوَ هناك مظهر أكبر من هذا المظهر على ودهم وإخلاصهم لشخصية إسلامية فذة، وعبقري لم يفر أحد فريه، عمر بن الخطاب ﵁.
وبعد هؤلاء الوجوه جرى هذا الاسم في أولادهم كما ورد ذكر أولئك في كتب الأنساب والتاريخ والسير، وأورد بعضًا منها الأصفهاني في "المقاتل" والأربلي في "كشف الغمة" يقول الأصفهاني:
فمن الذين خرجوا طلبًا للحكم والحكومة من الطالبيين مثل يحيى بن عمر بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الذي خرج أيام المستعين.
وعمر بن إسحاق بن الحسن بن علي بن الحسين "الذي خرج مع الحسين المعروف بصاحب فخ أيام موسى الهادي" (٤).
_________________
(١) "مقاتل الطالبين" ص١٢٧
(٢) "وتفاصيلهم موجودة في "المقاتل" وغيره من كتب هذا النوع
(٣) "كشف الغمة" ص٢١٦
(٤) "مقاتل الطالبين" للأصفهاني ص٤٥٦ ط بيروت
[ ١٣٥ ]
و"عمر بن الحسن بن علي بن الحسن بن الحسين بن الحسن" (١).
إلى يومنا هذا غير هذا الشيعة منهم.
ولكننا اكتفينا بالخمسة الأول لما لهم حجة على القوم لقولهم بعصمتهم وإمامتهم، فهذا هو موقف أهل البيت من صاحب رسول الله - ﷺ -، عمر الفاروق الأعظم، ﵃ أجمعين، مثل الصديق ﵁ كانوا يجلونه، ويوقرونه، ويعظمونه، ويتولونه، ويخلصون له الوفاء والطاعة، ويحيون اسمه بعده بتسمية أبنائهم باسمه، ويصاهرونه، ويتقربون إليه.
موقف أهل البيت من ذي النورين
وأما ذو النورين ثالث الخلفاء الراشدين، وصاحب الجود والحياء، حب رسول الله وزوج ابنتيه رقية وأم كلثوم، وعديم النظير في هذا الشرف الذي لم ينله الأولون ولا الآخرون في أمة من الأمم، وعديل علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم أجمعين، وأول مهاجر بعد خليل الله ﵇، الذي حمل راية الإسلام وأداها إلى آفاق لم تبلغ إليها من قبل، وفتح على المسلمين مدنًا جديدة وبلادًا واسعة شاسعة، وأمد المسلمين من جيبه الخاص بإمدادات كثيرة، وشرى لهم بئر رومة حينما لم يكن لهم بئر يستقون منها الماء بعد هجرتهم إلى طيبة التي طيبها الله بقدوم صاحب الرسالة صلوات الله وسلامه عليه، كما اشترى لهم أرضًا يبنون عليها المسجد الذي هو آخر مساجد الأنبياء.
ولم يكن إمداداته هذه ومساعداته لعامة المسلمين ومصالحهم الاجتماعية مثل تجهيز جيش العسرة وغيرها فحسب بل كان خيرًا، جوادًا، كريمًا، منفقًا الأموال وناثرها وحتى على الخاصة كما كان على العامة.
وهو الذي ساعد - الإمام المعصوم الأول الذي يعدونه أفضل من الأنبياء
_________________
(١) "مقاتل الطالبين" أيضًا ص٤٤٦
[ ١٣٦ ]
والمرسلين، وملائكة الله المقربين - (١) علي بن أبي طالب - ﵁ في زواجه، وأعطاه جميع النفقات كما يقر بذلك علي بن أبي طالب ﵁ بنفسه أني لما تقدمت إلى رسول الله - ﷺ - طالبًا منه زواج فاطمة قال لي: بع درعك وائتني بثمنها حتى أهيئ لك ولابنتي فاطمة ما يصلحكما، قال علي: فأخذت درعي فانطلقت به إلى السوق فبعته بأربع مائة درهم سود هجرية من عثمان بن عفان، فلما قبضت الدراهم منه وقبض الدرع مني قال: يا أبا الحسن! ألست أولى بالدرع
_________________
(١) يقول محمد بن الحسن الصفار في بصائر الدرجات عن عبد الله بن الوليد السمان قال: قال لي أبو الجعفر ﵇: يا عبد الله! ما تقول الشيعة في علي وموسى وعيسى؟ قلت: جعلت فداك، وعن أي حالات تسألني؟ قال: أسألك عن العلم، قال: هو والله أعلم منهما، قال: يا عبد الله! أليس يقولون إن لعلي ما لرسول الله (- ﷺ -) من العلم قلت: نعم! قال: فخاصمهم فيه أن الله قال لموسى: ﴿وكتبنا له في الألواح من كل شيء﴾ فأعلمنا أنه لم يبين له الأمر كله، وقال الله ﵎ لمحمد (- ﷺ -): ﴿وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا * وأنزلنا عليك القرآن تبيانًا لكل شيء﴾: وعن علي بن إسماعيل عن محمد بن عمر الزيات قال: قال أبو عبد الله "ع": أي شيء تقول الشيعة في موسى وعيسى وأمير المؤمنين ﵈؟ قلت: يزعمون أن موسى وعيسى أفضل من أمير المؤمنين قال: أيزعمون أن أمير المؤمنين علم ما علم رسول الله (- ﷺ -)؟ قلت: نعم، ولكن لا يقدمون على أولي العزم من الرسل أحدًا، قال: قال أبو عبد الله "ع" فخاصمهم بكتاب الله قلت: في أي موضع منه؟ قال: قال الله لموسى: ﴿وكتبنا له في الألواح من كل شيء﴾، وقال الله لعيسى: ﴿ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه﴾: وقال ﵎ لمحمد - ﷺ -: ﴿وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء﴾، وعن علي بن محمد. . . . . قال أبو عبد الله "ع": إن الله خلق أولي العزم من الرسل، وفضلهم بالعلم، وأورثنا علمهم، وفضلنا عليهم في علمهم، وعلم رسول الله ما لم يعلموا، وعلمنا علم الرسول وعلمهم" (نقلًا عن "الفصول المهمة" للحر العاملي ص١٥١، ١٥٢). وأيضًا يروي ابن بابويه القمي في كتابه عيون أخبار الرضا "عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا عن أبيه عن آبائه عن علي ﵈ أن جبريل هبط على رسول الله - ﷺ - فقال: يا محمد! إن الله ﷻ يقول: لو لم أخلق عليًا ﵇ لما كان لفاطمة ابنتك كفؤ على وجه الأرض آدم فمن دونه" (عيون أخبار الرضا ج١ ص٢٢٥). وعلق عليه السيد لاجوردي بقوله: وقد استدل بعض المحققين بهذه الفقرة من الحديث على أفضليتهما ﵉ على جميع الأنبياء" (أيضًا). وقد أدرج الحر العاملي هذه الرواية عن الطوسي في التهذيب تحت باب عنوانه "باب أن النبي والأئمة الاثنى عشر أفضل من سائر المخلوقات من الأنبياء والأوصياء والملائكة وغيرهم" (انظر الفصول المهمة ص١٥١ط قم إيران). وذكر تحت ذلك رواية أخرى عن الرضا أيضًا "قال رسول الله (- ﷺ -): ما خلق الله خلقًا أفضل مني ولا أكرم عليه مني قال علي: فقلت: يا رسول الله! فأنت أفضل أم جبرئيل؟ قال: إن الله فضل أنبيائه لامرسلين على ملائكته المقربين، وفضلني على جميع النبيين والمرسلين، والفضل بعدي لك يا علي والأئمة بعدك، وإن الملائكة لخدمنا وخدام محبينا - إلى أن قال -: فكيف لا نكون أفضل من الملائكة وقد سبقناهم إلى معرفة ربنا وتسبيحه وتهليله وتقديسه - إلى أن قال -: ثم إن الله ﵎ خلق آدم، فأودعنا صلبه، وأمر الملائكة بالسجود له تعظيمًا لنا وإكرامًا، وكان سجودهم لله ﷿ عبودية، ولآدم إكرامًا وطاعة لكوننا في صلبه، فكيف لا نكون أفضل من الملائكة وقد سجدوا لآدم كلهم أجمعون" (الفصول ص١٥٣، أيضًا عيون أخبار الرضا ج١ ص٢٦٢ تحت عنوان "أفضلية النبي والأئمة على جميع الملائكة والأنبياء ﵈")
[ ١٣٧ ]
منك وأنت أولى بالدراهم مني؟ فقلت: نعم، قال: فإن هذا الدرع هدية مني إليك، فأخذت الدرع والدراهم وأقبلت إلى رسول الله فطرحت الدرع والدراهم بين يديه، وأخبرته بما كان من أمر عثمان فدعا له النبي بخير" (١).
_________________
(١) "المناقب" للخوارزمي ص٢٥٢، ٢٥٣ ط نجف، "كشف الغمة" للأربلي ج١ ص٣٥٩، و"بحار الأنوار" للمجلسي ص٣٩، ٤٠ ط إيران
[ ١٣٨ ]
وعلى ذلك كان ابن عم رسول الله - ﷺ - عبد الله بن عباس يقول: رحم الله أبا عمرو (عثمان بن عفان) كان والله أكرم الحفدة وأفضل البررة، هجادًا بالأسحار، كثير الدموع عند ذكر النار، نهاضًا عند كل مكرمة، سباقًا إلى كل منحة، حبيبًا، أبيًا، وفيًا: صاحب جيش العسرة، ختن رسول الله - ﷺ - " (١).
هذا وقد أشهده رسول الله - ﷺ - فيمن أشهده على زواج علي من فاطمة كما يروون عن أنس أنه قال ﵊: انطلق فادع لي أبا بكر وعمر وعثمان .. وبعددهم من الأنصار، قال: فانطلقت فدعوتهم له، فلما أن أخذوا مجالسهم قال .. إني أشهدكم أنى قد زوجت فاطمة من علي على أربعمائة مثقال من فضة (٢).
وكفى لعلي فخرًا بأن رسول الله - ﷺ - زوجه إحدى بناته فاطمة، وأدخله بذلك في أصهاره وأرحامه، وهذا الذي جعل الشيعة يقولون بأفضلية علي وإمامته وخلافته بعده، فكيف إذا زوج ابنتين لرسول الله - ﷺ - الذي زوجه بنتًا بعد بنت؟.
وكفى لعثمان فخرًا بأنه كان هو المنفق على هذا الزواج، والمهيئ له الأسباب، وأحد الشهود عليه، كما أنه يكفيه فخرًا بأنه لم ينل في الدنيا أحد مثل ما ناله هو من الشرف والمكانة حيث تزوج من إبنتي نبي - ﷺ -، ولم يوجد له شبيه ونظير في مثل ذلك، لأن عثمان تزوج بنته رقية بمكة، وأيضًا بأمر من الله سبحانه تعالى لأنه ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.
وبعد وفاتها زوجه رسول الله - ﷺ - ابنته الثانية أم كلثوم ﵂ كما يقر ويعترف بذلك علماء الشيعة أيضًا، فها هو المجلسي - وهو الشيعي المتعصب
_________________
(١) "تاريخ المسعودي" ج٣ ص٥١ ط مصر، أيضًا "ناسخ التواريخ" للمرزه محمد تقي ج٥ ص١٤٤ ط طهران
(٢) "كشف الغمة" ج١ ص٣٥٨، أيضًا "المناقب" للخوارزمي ص٢٥٢، و"بحار الأنوار" للمجلسي ج١٠ ص٣٨
[ ١٣٩ ]
المشهور اللعان السباب المعروف - يذكر ذلك في كتابه "حياة القلوب" نقلًا عن ابن بابويه القمي بسنده الصحيح المعتمد عليه بقوله:
إن رسول الله - ﷺ - ولد له من خديجة القاسم، وعبد الله الملقب بالطاهر، وأم كلثوم، ورقية، وزينب، وفاطمة، وتزوج علي من فاطمة، وأبو العاص بن ربيعة من زينب، وكان رجلًا من بني أمية (*) كما تزوج
ــ
(*) [تعليق]
المصاهرات بين بني أمية وبني هاشم:
وهذا يدل على أنه لم يكن بين بني هاشم وبني أمية من المباغضة والمنافرة والعداوة التي اخترعها وابتكرها أعداء الإسلام والمسلمين، ونسجوا الأساطير والقصص حولها، ولقد رأينا بني أمية مع بني هاشم بالعكس أنهم أبناء أعمام وإخوان، وخلان، بل هم أقرب الناس ما بينهم يتبادلون الحب والأفكار، ويتقاسمون الهموم والآلام، ويمشون ويتماشون جنبًا إلى جنب وحتى نقل علماء الشيعة ومؤرخوها أن أبا سفيان وهو رئيس بني أمية وسيد قومه أيامه كان من كبار أنصار علي، ومؤيدي بني هاشم يوم السقيفة، ولقد ذكر اليعقوبي كان ممن تخلف عن بيعة أبي بكر أبو سفيان بن حرب، وقال: أرضيتم يا بني عبد مناف أن يلي هذا الأمر عليكم غيركم؟ وقال لعلي بن أبي طالب: امدد يدك أبايعك، وعلي معه قصي، وقال:
بني هاشم لا تطمعوا الناس فيكم ولا سيما تيم بن مرة أو عدي
فما الأمر إلا فيكم وإليكم وليس لها إلا أبو حسن علي
أبا حسن، فاشدد بها كف حازم فإنك بالأمر الذي يرتجى ملي
وإن امرأ يرمي قصي وراءه عزيز الحمى، والناس من غالب قصي (١).
ويذكر ابن بابويه القمي أن الأنصار المخلصين لعلي كانوا اثنى عشر رجلًا من المهاجرين والأنصار، وكان واحد من هؤلاء خالد بن سعيد بن العاص الأموي، وادعى هو أمام الملأ. =
_________________
(١) "تاريخ اليعقوبي" ج٢ ص١٢٦، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد أيضًا
[ ١٤٠ ]
عثمان بن عفان أم كلثوم وماتت قبل أن يدخل بها، ثم لما أراد الرسول خروجه
ــ
= "والله إن قريشًا تعلم أني أعلاها حسبًا وأقواها أدبًا وأجملها ذكرًا وأقلها غنى من الله ورسوله" (١).
وكان بين أبي سفيان وبين العباس عم رسول الله وسيد بني هاشم من صداقة يضرب بها الأمثال.
كما كانت بينهم المصاهرات قبل الإسلام وبعده، فلقد زوج رسول الله - ﷺ - بناته الثلاثة من الأربعة من بني أمية من أبي العاص بن الربيع وهو من بني أمية كما مر سابقًا، ومن عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية، وهو مع ذلك ابن بنت عمة رسول الله - ﷺ - التي ولدت مع والد رسول الله ﵊ عبد الله بن عبد المطلب توأمين "أروى بنت كريز بن حبيب بن عبد شمس وهي أم عثمان ﵁ وأمها أم حكيم وهي البيضاء بنت عبد المطلب عمة النبي - ﷺ - " (٢).
هذا ولقد تزوج بعد عثمان بن عفان ﵁ من بني هاشم ابنه أبان بن عثمان "وكانت عنده أم كلثوم بنت عبد الله بن جعفر (الطيار) بن أبي طالب شقيق علي" (٣).
وحفيدة علي وبنت الحسين سكينة كانت متزوجة من حفيد عثمان زيد بن عمرو بن عثمان ﵃ أجمعين "وزيد بن عمرو بن عثمان بن عفان هذا هو الذي كانت عنده سكينة بنت حسين، فهلك عنها فورثته" (٤). =
_________________
(١) "كتاب الخصال" ص٣٦١
(٢) كتب الأنساب مثل "أنساب الأشراف" للبلاذري ج٥ ص١ ط بغداد، "المحبر" للبغدادي ص٤٠٧ ط دكن، "طبقات ابن سعد" ج٨ ص١٦٦ ط ليدن، "أسد الغابة" ج٥ ص١٩١، "المستدرك" للحاكم ج٣ ص٩٦ واللفظ له، و"منتهى الآمال" ج١ الفصل التاسع
(٣) "المعارف" للدينوري ص٨٦
(٤) "نسب قريش" للزبيري ج٤ ص١٢٠، و"المعارف" لابن قتيبة ص٩٤، و"جمهرة أنساب العرب" لابن حزم ج١ ص٨٦، طبقات ابن سعد ج٦ ص٣٤٩
[ ١٤١ ]
إلى بدر زوّجه من رقية" (١).
ــ
= وحفيدة علي الثانية وابنة الحسين فاطمة كانت متزوجة من حفيد عثمان الآخر "محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان. . . . وأمه فاطمة بنت الحسين كان عبد الله بن عمرو تزوجها بعد وفاة الحسن بن الحس بن علي بن أبي طالب" (٢).
ثم تزوجت حفيدة ابن علي، حسن بن علي من حفيد عثمان، مروان بن أبان "وكانت أم القاسم بنت الحسن (المثنى) بن الحسن عند مروان بن أبان بن عثان بن عفان (٣) فولدت له محمد بن مروان" (٤).
هذا وكانت أم حبيبة بنت أبي سفيان سيد بني أمية متزوجة من سيد بني هاشم وسيد ولد آدم رسول الله الصادق الأمين كما هو معروف لا نحتاج إلى إثباته من كتاب.
ثم "هند بنت أبي سفيان كانت متزوجة من الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم فولدت له ابنه محمدًا" (٥).
وأيضًا "تزوجت لبابة بنت عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب، العباس بن علي بن أبي طالب، ثم خلف عليها الوليد بن عتبة (ابن أخ معاوية) بن أبي =
_________________
(١) "حياة القلوب" للمجلسي ج٢ ص٥٨٨ باب ٥١
(٢) "مقاتل الطالبين" للأصفهاني ص٢٠٢، "ناسخ التواريخ" ج٦ ص٥٣٤، "نسب قريش" ج٤ ص١١٤، "المعارف" ص٩٣، "طبقات" ج٨ ص٣٤٨
(٣) وهل هناك دليل أصرح وأكبر من هذا بأن عثمان انتقل إلى جوار رحمة ربه وكان أهل البيت راضين عنه وعن أهل بيته وإلا لم تكن هذه المصاهرات والقرابات والأرحام، فهل من متفكر يتفكر، ومنصف ينصف، ومتدبر يتدبر، أم على قلوب أقفالها؟
(٤) "نسب قريش" ج٢ ص٥٣، "جمهرة أنساب العرب" ج١ ص٨٥، "المحبر" للبغدادي ص٤٣٨
(٥) "الإصابة" ج٣ ص٥٨، ٥٩، "طبقات ابن سعد" ج٥ ص١٥
[ ١٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= سفيان" (١).
وبعدها "تزوجت رملة بنت محمد بن جعفر - الطيار - بن أبي طالب سليمان بن هشام بن عبد الملك (الأموي) ثم أبا القاسم بن وليد بن عتبة بن أبي سفيان" (٢).
وكذلك تزوجت ابنة علي بن أبي طالب رملة من ابن مروان بن الحكم (٣) ابن أبي العاص بن أمية معاوية بن عمران "ورملة بنت علي أنها أم سعيد بنت عروة بن مسعود الثقفي" (٤).
"وكانت رملة بنت علي عند أبي الهياج. . . . . ثم خلف عليها معاوية بن مروان بن الحكم بن أبي العاص" (٥).
وكذلك زينب بنت الحسن المثنى أمها فاطمة بنت الحسن نجيبة الطرفين "وكانت زينب بنت حسن بن حسن بن علي عند الوليد بن عبد الملك بن مروان (الأموي) " (٦).
وكذلك تزوجت حفيدة علي بن أبي طالب من حفيد مروان الحكم "ونفسيسة بنت زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب تزوجها وليد بن عبد الملك بن مروان فتوفيت عنده، وأمها لبابة بنت عبد الله بن عباس" (٧).
_________________
(١) "المحبر" ص٤٤١، نسب قريش ص١٣٣، "عمدة الطالب" هامش ص٤٣
(٢) "كتاب المحبر" ص٤٤٩
(٣) نعم! مروان بن الحكم الذي جعله الشيعة غرضًا لطعنهم في الإمام المظلوم الشهيد عثمان بن عفان ﵁، فهذا هو المروان الذي يتزوج ابنه من ابنة علي المرتضى رضي الله عه - الإمام المعصوم الأول حسب زعمهم -
(٤) "الإرشاد" للمفيد ص١٨٦
(٥) "نسب قريش" ص٤٥، "جمهرة أنساب العرب" ص٨٧
(٦) "نسب قريش" ص٥٢ تحت ذكر أولاد الحسن المثنى، و"جمهرة أنساب العرب" ص١٠٨ تحت ذكر أولاد مروان بن الحكم
(٧) "طبقات ابن سعد" ج٥ ص٢٣٤، "عمدة الطالب" في أنساب آل أبي طالب ص٧٠
[ ١٤٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هذا ومثل هذه المصاهرات لكثيرة جدًا بين بني أمية وبني هاشم، وقد اكتفينا ببيان بعض منها، وفيها كفاية لمن أراد الحق والتبصر، ولكن من يضلل الله فلا هادي له.
وعلى ذلك كتب علي المرتضى ﵁ في كتاب له إلى معاوية بن أبي سفيان ﵄ "لم يمنعنا قديم عزنا ولا عادي طولنا على قومك، أن خلطناكم بأنفسنا، فنكحنا وأنكحنا فعل الأكفاء" (١).
أو بعد هذا يبقى مجال لقائل أن يقول بأن بين بني أمية وبني هاشم كانت المنافرة والمعاداة والتحاسد والتباغض؟ وهذه الأشياء هي التي تشكلت بعد ذلك بصورة قتال ومشاجرات بين علي وابنه الحسن ومعاوية وابنه يزيد والحسن إلى آخر الكلام مع أن هذا القول لا أصل له ولا أساس.
والمعروف أن بني أمية وبني هاشم كلهم أبناء أب واحد، وأحفاد جد واحد، وأغصان شجرة واحدة قبل الإسلام وبعد الإسلام، كلهم استقوا من عين واحدة ومنبع صاف واحد، وأخذوا الثمار من دين الله الحنيف الذي جاء به محمد رسول الله الصادق الأمين، المعلم، القائل أن لا فرق بين عربي وعجمي، ولا بين أسود وأحمر، ولا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى، فليس الفخر بحسب دون حسب ونسب دون نسب من تعليمات رسول الله - ﷺ - ولا من إرشاداته وتوجيهاته، ولا من شأنه ودأبه، وهو القائل في خطبة حجة الوداع حسب رواية شيعية.
"الناس في الإسلام سواء، الناس طف الصاع لآدم وحواء، لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي إلا بتقوى الله، ألا هل بلغت؟ قالوا نعم! قال: اللهم اشهد، ثم قال: لا تأتوني بأنسابكم، وأتوني بأعمالكم. . . . ثم قال: إن المسلم أخو المسلم لا يغشه، ولا يخونه ولا يغتابه، ولا يحل له دمه، ولا شيء من ماله إلا بطيبة نفسه، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم، قال: اللهم اشهد" (٢)
_________________
(١) "نهج البلاغة" تحقيق صبحي صالح ص٣٨٦، ٣٧٨ وتحقيق محمد عبده ج٣ ص٣٢
(٢) "تاريخ اليعقوبي" ج٢ ص١١٠، ١١١ تحت عنوان حجة الوداع
[ ١٤٤ ]
وأورد الحميري رواية عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: لرسول الله - ﷺ - من خديجة. القاسم والطاهر وأم كلثوم ورقية وفاطمة وزينب، فتزوج علي ﵇ فاطمة ﵍، وتزوج أبو العاص بن ربيعة وهو من بني أمية زينبًا، وتزوج عثمان بن عفان أم كلثوم ولم يدخل بها حتى هلكت، وزوجه رسول الله - ﷺ - مكانها رقية" (١).
وروى بمثل هذه الرواية العباس القمي في "منتهى الآمال" عن جعفر الصادق، والمامقاني في "تنقيح الرجال" (٢).
وأقر بذلك الشري حيث كتب:
"وما كان عثمان دون الشيخين صحبة ولا سابقة، فهو من المسلمين الموقرين، وهو صهر الرسول مرتين، تزوج ابنة الرسول رقية، وولد له منها ولد، عبد الله توفي وعمره ست سنين وكانت أمه توفيت قبل وفاته، وزوجه النبي بنته الثانية أم كلثوم، فلم تلبث أم كلثوم معه طويلًا وتوفيت في أيام أبيها" (٣).
ولقد ذكر المسعودي تحت ذكر أولاده - ﷺ -:
"وكل أولاده من خديجة خلا إبراهيم وولد له - ﷺ - القاسم، وبه كان يكنى وكان أكبر بنيه سنًا، ورقية وأم كلثوم، زكانتا تحت عتبة وعتيبة ابني أبى لهب (عمه) فطلقاهما لخبر يطول ذكره فتزوجهما عثمان بن عفان واحدة بعد واحد" (٤).
ورداّ على من ينكرون رقية وأم كلثوم بنات النبي نذكر رواية من الكليني والعروسي الحويزي تحت باب مولد النبي:
_________________
(١) "قرب الإسناد" ص٦، ٧
(٢) "المنتهى" ج١ ص١٠٨، "التنقيح" ج٣ ص٧٣
(٣) كتاب "أمير المؤمنين" لمحمد جواد الشيعي تحت عنوان على في عهد عثمان ص٢٥٦
(٤) "مروج الذهب" ج٢ ص٢٩٨ ط مصر
[ ١٤٥ ]
"وتزوج خديجة وهو ابن بضع وعشرين سنة، فولد له منها قبل مبعثه ﵇ القاسم، ورقية، وزينب، وأم كلثوم، وولد له بعد المبعث الطيب والطاهر وفاطمة ﵍" (١).
هذا ولقد شهد بذلك علي بن أبي طالب أيضًا كما شهد لعثمان الإيمان والصحبة وعلمًا مثل علمه، ومعرفة مثل معرفته، وسبقًا في الإسلام مثل سبقه، وهذا كله في كلامه الذي قال لعثمان حينما سأله الناس مخاطبته إياه:
"فدخل عليه فقال: إن الناس ورائي وقد استفسروني بينك وبينهم، ووالله ما أدري ما أقول لك! ما أعرف شيئًا تجهله: ولا أدلك على أمر لا تعرفه، إنك لتعلم ما نعلم. ما سبقناك إلى شيء فنخبرك عنه، ولا خلونا بشيء فنبلغكه. وقد رأيت كما رأينا، وسمعت كما سمعنا، وصحبت رسول الله - ﷺ - كما صحبنا. وما ابن أبي قحافة ولا ابن الخطاب بأولى بالعمل منك، وأنت أقرب إلى أبي رسول الله - ﷺ - وشيجة رحم منهما، وقد نلت من صهره ما لم ينالا. فالله الله في نفسك! فإنك - والله - ما تبصر من عمى، ولا تعلم من جهل" (٢).
فانظر ماذا يقول الخليفة الراشد الرابع عندنا والإمام المعصوم الأول عندهم؟ فهل بعد هذا شك لشاك وريب لمرتاب بأن عليًا أفضل منه وأعلم وأعرف بخفايا الأمور التي جهلها ذو النورين، أو هو أقرب إلى رسول الله - ﷺ - وشيجة وصلة رحم، أو هو يعلم من جهل ويبصر من عمي؟، وهذا بعد إقرار واعتراف من علي بن أبي طالب وشهادة منه ﵄.
هذا وقد أنزله رسول الله - ﷺ - بمنزلة الفؤاد كما رووا عنه أنه قال إن أبا بكر مني بمنزلة السمع، وإن عمر مني بمنزلة البصر، وإن عثمان مني بمنزلة الفؤاد" (٣).
_________________
(١) "الأصول من الكافي" ج١ ص٤٣٩، ٤٤٠، "نور الثقلين" للعروسي ج٣ ص٣٠٣
(٢) "نهج البلاغة" تحقيق صبحي صالح ص٢٣٤
(٣) "عيون أخبار الرضا" ج١ ص٣٠٣ ط طهران
[ ١٤٦ ]
وهينئًا له أن يجعله رسول الله - ﷺ - بمنزلة فؤاده، ويروي عنه سبطه وابن سيدة نساء أهل الجنة فاطمة، حسين بن علي ﵃ أجمعين" (١).
وحسن بن علي أيضًا" (٢).
ولقد مدحه من أهل البيت غير الحسن والحسين وأبيهما علي بن أبي طالب ﵃ كما أورد الكليني عن جعفر بن الباقر - الإمام السادس المعصوم عندهم - أنه قال في مدحه، ومبشرًا إياه هو وأتباعه بالجنة قائلًا: ينادي مناد من السماء أول النهار ألا إن عليًا صلوات الله عليه وشيعته هم الفائزون، قال: وينادي مناد آخر النهار ألا إن عثمان وشيعته هم الفائزون" (٣).
ويبين جعفر أيضًا مقام عثمان بن عفان عند رسول الله - ﷺ -، وثقته فيه، ونيابته عنه، وإخلاص عثمان للنبي ﵇ والوفاء والاتباع لا نظير له كما يبين إحدى الميزات التي امتاز بها عثمان دون غيره، وهو جعل رسول الله - ﷺ - إحدى يديه لعثمان، وبيعته بنفسه عنه، وكل ذلك في قصة صلح الحديبية حيث يقول:
فأرسل إليه رسول الله - ﷺ - (عثمان بن عفان) فقال: انطلق إلى قومك من المؤمنين فبشرهم بما وعدني ربي من فتح مكة، فلما انطلق عثمان لقي أبان بن سعد فتأخر عن السرح فحمل عثمان بين يديه ودخل عثمان فأعلمهم وكانت المناوشة، فجلس سهيل بن عمرو عند رسول الله - ﷺ - وجلس عثمان في عسكر المشركين وبايع رسول الله - ﷺ - المسلمين، وضرب بإحدى يديه على الأخرى لعثمان، وقال المسلمون: طوبى لعثمان قد طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة وأحل، فقال رسول الله - صلى الله
_________________
(١) "عيون أخبار الرضا" ج١ ص٣٠٣
(٢) "تفسير الحسن العسكري" و"معاني الأخبار" ص١١٠
(٣) "الكافي في الفروع" ج٨ ص٢٠٩
[ ١٤٧ ]
عليه وسلم -: ما كان ليفعل، فلما جاء عثمان قال له رسول الله - ﷺ -: أطفت بالبيت؟ فقال: ما كنت لأطوف بالبيت ورسول الله - ﷺ - لم يطف به، ثم ذكر القصة وما فيها" (١).
وهل هناك إطاعة فوق هذه الطاعة بأن شخصًا يدخل الحرم ولا يطوف بالبيت لأن سيده ومولاه رسول الله ﵊ لم يطف به.
وذكر مثل ذلك المجلسي في كتابه "حياة القلوب" قال: لما وصل الخبر إلى رسول الله بأن عثمان قتله المشركون. قال الرسول: لا أتحرك من ههنا إلا بعد قتال من قتلوا عثمان فاتكأ بالشجرة، وأخذ البيعة (٢) لعثمان، ثم ذكر القصة بتمامها" (٣).
فهذا هو الإمام الشهيد المظلوم الثالث ﵁ وأرضاه.
مبايعة علي له
وكان علي يرى صحة إمامته وخلافته لاجتماع المهاجرين والأنصار عليه، وكان يعد خلافته من الله رضى، ولم يكن لأحد الخيار أن يرد بيعته بعد ذلك، أو ينكر إمامته حاضرًا كان أم غائبًا كما قال في إحدى خطاباته ردًا على معاوية بن أبي سفيان ﵄: إنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسموه إمامًا كان لله رضى، فإن خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى" (٤).
_________________
(١) "كتاب الروضة من الكافي" ج٨ ص٣٢٥، ٣٢٦
(٢) هنالك وآنذاك نزلت الآية ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحًا مبينًا﴾ (السورة التح الآية١٨) وأيضًا ﴿إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم﴾ (الآية١٠)
(٣) "حياة القلوب" ج٢ ص٤٢٤ ط طهران
(٤) "نهج البلاغة" ص٣٦٨ تحقيق صبحي
[ ١٤٨ ]
وكان هو أحد الستة الذين عينهم الفاروق ليختار منهم خليفة المسلمين وأمير المؤمنين، ولما بايعه عبد الرحمن بن عوف ﵁ بعد ما استشار أهل الحل والعقد من المهاجرين والأنصار، ورأى بأنهم لا يريدون غير عثمان بن عفان ﵁ بايعه أول من بايعه، ثم تبعه علي بن أبي طالب ﵁:
"فأول من بايع عثمان عبد الرحمن بن عوف ثم علي بن أبي طالب" (١).
ويذكر ذلك على المرتضى ﵁ بقوله: لما قتل (يعني الفاروق) جعلني سادس ستة، فدخلت حيث أدخلني، وكرهت أن أفرق جماعة المسلمين وأشق عصاهم فبايعتم عثمان فبايعته" (٢).
وقال: لقد علمتم أني أحق الناس بها من غيري، والله لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين، ولم يكن فيها جور إلا على خاصة التماسًا لأجر ذلك وفضله" (٣).
وكتب تحته ابن أبي الحديد المعتزلي الشيعي في شرحه أن عبد الرحمن بن عوف قال لعلي:
بايع إذًا وإلا كنت متبعًا غير سبيل المؤمنين .. فقال: لقد علمتم أني أحق بها من غيري .. ثم مد يده فبايع" (٤).
وكان من المخلصين الأوفياء له، مناصحًا: مستشارًا، أو قاضيًا كما كان في خلافة الصديق والفاروق، ولقد بوب محدثو الشيعة ومؤرخوها أبوابًا مستقلة ذكروا فيها أقضيته في خلافة ذي النورين ﵃ أجمعين.
_________________
(١) "طبقات ابن سعد" ج٣ ص٤٢ ط ليدن، أيضًا "البخاري" باب قصة البيعة والاتفاق على عثمان بن عفان
(٢) "الأمالي" للطوسي ج٢ الجزء١٨ ص١٢١ ط نجف
(٣) "نهج البلاغة" تحقيق صبحي صالح ص١٠٢
(٤) ابن أبي الحديد، أيضًا "ناسخ التواريخ" ج٢ كتاب ٢ ص٤٤٩ ط إيران
[ ١٤٩ ]
ولقد ذكر المفيد في "الإرشاد" تحت عنوان "قضايا علي في زمن إمارة عثمان" ذكر فيها عدة قضايا حكم بها علي ونفذها عثمان ﵁ فيقول:
إن امرأة نكحها شيخ كبير فحملت، فزعم الشيخ أنه لم يصل إليها وأنكر حملها، فالتبس الأمر على عثمان، وسأل المرأة هل افتضك الشيخ؟ وكانت بكرًا قالت: لا، فقال عثمان: أقيموا عليها الحد، فقال له أمير المؤمنين ﵇: إن للمرأة سمين سم للمحيض وسم للبول، فلعل الشيخ كان ينال منها فسال ماؤه في سم المحيض، فحملت منه، فاسأل الرجل عن ذلك؟ فسئل، فقال: قد كنت أنزل الماء في قبلها من غير وصول إليها بالافتضاض فقال أمير المؤمنين ﵇: الحمل له والولد ولده، ورأى عقوبته على الإنكار فصار عثمان إلى قضائه بذلك وتعجب منه" (١).
وأيضا "إن رجلًا كانت له سرية فأولدها ثم اعتزلها وأنكحها عبدًا له ثم توفي السيد فعتقت بملك ابنها لها وورث ولدها زوجها، ثم توفي الابن فورثت من ولدها زوجها فارتفعا إلى عثمان يختصمان تقول: هذا عبدي ويقول: هي امرأتي، ولست مفرجًا عنها، فقال عثمان: هذه مشكلة وأمير المؤمنين حاضر فقال ﵇: سلوها هل جامعها بعد ميراثها له؟ فقالت: لا، فقال: لو أعلم أنه فعل ذلك لعذبته، اذهبي فإنه عبدك، ليس له عليك سبيل، إن شئت أن تسترقيه أو تعتقيه أو تبيعه فذلك لك" (٢).
وروى الكليني في صحيحه عن أبي جعفر محمد الباقر أنه قال:
إن الوليد بن عقبة حين شهد عليه بشرب الخمر قال عثمان لعلي ﵇: اقض بينه وبين هؤلاء الذين زعموا أنه شرب الخمر فأمر علي ﵇ فجلد بسوط له شعبتان أربعين جلدة" (٣).
_________________
(١) "الإرشاد" ص١٢٢، ١١٣ ط مكتبة بصيرتي قم، إيران
(٢) "الإرشاد" ص١١٣
(٣) "الكافي في الفروع" ج٧ ص٢١٥ باب ما يجب فيه الحد من الشراب
[ ١٥٠ ]
وقد ذكر اليعقوبي "إن الوليد لما قدم على عثمان، قال: من يضربه؟ فاحجم الناس لقرابته وكان أخا عثمان لأمه، فقام عليّ فضربه" (١).
ولا يكون هذا الفعل والعمل إلا ممن يقرّ ويصحّح خلافة الخليفة، ويتمثّل أوامر الأمير، ويشارك الحاكم في حكمه، وكان علي بن أبي طالب وأولاده، وبنو هاشم معه، يطاوعون الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان ﵁.
ويدل على ذلك قول علي ﵁ لما أراده الناس على البيعة بعد شهادة الإمام المظلوم ذي النورين ﵁، المنقول في أقدس كتب القوم "دعوني والتمسوا غيري وإن تركتموني فأنا كأحدكم، ولعلّي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم" (٢).
ذو النورين وعلاقاته مع أهل البيت
كما يدل على ذلك قبول الهاشميين المناصب في خلافته ومنه كقبول المغيرة بن نوفل بن حارث بن عبد المطلب القضاء (٣).
والحارث بن نوفل أيضًا (٤).
وقبول عبد الله بن عباس الأمارة على الحج سنة ٣٥ (٥).
وجهادهم تحت رايته، وفى العساكر والجيوش التي يكونها ويسيرها ويجهزها إلى محاربة الكفار وأعداء الأمة الإسلامية، فاشترك في المعارك الإسلامية سنة ٢٦ من الهجرة إلى أفريقية ابن عم النبي - ﷺ - عبد الله بن عباس ﵄ (٦).
_________________
(١) "تاريخ اليعقوبي" الشيعي ج٢ ص١٦٥
(٢) "نهج البلاغة" تحقيق صبحي صالح ص١٣٦
(٣) "الاستيعاب"، "أسد الغابة" "الإصابة" وغيرها
(٤) "طبقات"، و"الإصابة"
(٥) "تاريخ اليعقوبي" ج٢ ص١٧٦
(٦) "الكامل لابن الأثير" ج٣ ص٤٥
[ ١٥١ ]
وإلى برقة وطرابلس وأفريقية كل من الحسن والحسين ابني علي بن أبي طالب وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب وعمهم ابن عم نبيهم عبد الله بن عباس ﵃ أجمعين تحت قيادة عبد الله بن أبى سرح (١).
واشترك كل من الحسن والحسين وعبد الله بن عباس تحت راية سعيد بن العاص الأموي في غزوات خراسان وطبرستان وجرجان (٢).
وغير ذلك من الغزوات والمعارك.
وكان يهدي إليهم الغنائم والهدايا كما كان يبعث إليهم الجواري والخدام.
ولقد نقل المامقاني عن الرضا - الإمام الثامن المعصوم عندهم - أنه قال: إن عبد الله بن عامر بن كريز لما افتتح خراسان أصاب ابنتين ليزدجرد ابن شهريار ملك الأعاجم، فبعث بهما إلى عثمان بن عفان فوهب إحداهما للحسن والأخرى للحسين فماتتا عندهما نفساوين" (٣).
فكان عثمان بن عفان يكرم الحسن والحسين ويحبهما، ولذلك لما حوصر من قبل البغاة، أرسل عليّ ابنيه الحسن والحسين وقال لهما: اذهبا بسيفكما حتى تقوما على باب عثمان فلا تدعا أحدًا يصل إليه" (٤).
وبعث عدة من أصحاب النبي - ﷺ - أبناءهم ليمنعوا الناس الدخول على عثمان، وكان فيمن ذهب للدفاع عنه ولزم الباب ابن عم عليّ عبد الله بن عباس، ولما أمّره ذو النورين في تلك الأيام الهالكة السوداء على الحج قال: والله يا أمير المؤمنين! لجهاد هؤلاء أحب إلي من الحج، فأقسم عليه لينطلقن" (٥).
_________________
(١) "تاريخ ابن خلدون" ج٢ ص١٠٣
(٢) "تاريخ الطبري"، "الكامل لابن الأثير"، "البداية والنهاية"، "تاريخ ابن خلدون"
(٣) "تنقيح المقال في علم الرجال" للمقامقاني ج٣ ص٨٠ ط طهران
(٤) "أنساب الأشراف" للبلاذري ج٥ ص٦٨، ٦٩ ط مصر
(٥) "تاريخ الأمم والملوك" أحوال سنة ٣٥
[ ١٥٢ ]
وكما اشترك على المرتضى ﵁ أول الأمر بنفسه في الدفاع عنه "فقد حضر هو بنفسه مرارًا، وطرد الناس عنه، وأنفذ إليه ولديه وابن أخيه عبد الله بن جعفر" (١).
"وانعزل عنه بعد أن دافع عنه طويلًا بيده ولسانه فلم يمكن الدفع" (٢).
"نابذهم بيده ولسانه وبأولاده فلم يغن شيئًا" (٣).
وقد ذكر ذلك نفسه حيث قال: والله لقد دفعت عنه حتى حسبت أن أكون آثما" (٤).
لأن ذا النورين منعهم عن الدفاع وقال: اعزم عليكم لما رجعتم فدفعتم أسلحتكم، ولزمتم بيوتكم" (٥).
"ومانعهم الحسن بن علي وعبد الله بن الزبير ومحمد بن طلحة .. وجماعة معهم من أبناء الأنصار فزجرهم عثمان، وقال: أنتم في حل من نصرتي" (٦).
وجرح فيمن جرح من أهل البيت وأبناء الصحابة حسن بن علي ﵄ وقنبر مولاه" (٧).
ولما منع البغاة الطغاة عنه الماء خاطبهم عليّ بقوله:
أيها الناس! إن الذي تفعلون لا يشبه أمر المؤمنين ولا أمر الكافرين، إن الفارس والروم لتؤسر فتطعم فتسقي، فوالله لا تقطعوا الماء عن الرجل، وبعث
_________________
(١) "شرح نهج البلاغة" لابن أبي الحديد ج١٠ ص٥٨١ ط قديم إيران
(٢) "شرح ابن ميثم البحراني" ج٤ ص٣٥٤ ط طهران
(٣) "شرح ابن أبي الحديد" تحت "بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر"
(٤) "شرح نهج البلاغة" لابن أبي الحديد ج٣ ص٢٨٦
(٥) "تاريخ خليفة بن خياط" ج١ ص١٥١، ١٥٢ ط عراق
(٦) "شرح النهج" تحت عنوان محاصرة عثمان ومنعه الماء
(٧) "الأنساب" للبلاذي ج٥ ج٩٥، "البداية" تحت "قتلة عثمان"
[ ١٥٣ ]
إليه بثلاث قرب مملوءة ماء مع فتية من بني هاشم" (١).
وأخيرًا نريد أن نقتل من المسعودي (٢) طرفًا من الفاجعة التي نزلت، والكارثة التي ألمت "فلما بلغ عليًا أنهم يريدون قتله بعث بابنيه الحسن والحسين مع مواليه بالسلاح إلى بابه لنصرته، وأمرهم أن يمنعوه منهم، وبعث الزبير ابنه عبد الله، وطلحة ابنه محمدًا، وأكثر أبناء الصحابة أرسلهم آباؤهم اقتداء بما ذكرنا، فصدوهم عن الدار، فرمى من وصفنا بالسهام، واشتبك القوم، وجرح الحسن، وشج قنبر، وجرح محمد بن طلحة، فخشي القوم أن يتعصب بنو هاشم وبنو أمية، فتركوا القوم في القتال على الباب، ومضى نفر منهم إلى دار قوم من الأنصار فتسوروا عليها، وكان ممن وصل إليه محمد بن أبي بكر ورجلان
_________________
(١) "ناسخ التواريخ" ج٢ ص٥٣١، ومثله في "أنساب الأشراف"، للبلاذري ج٥ ص٦٩
(٢) هو أبو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي، ولد ببغداد في الثلث الأخير من القرن الثالث، وتجول في البلدان الكثيرة من الشرقية والأفريقية، ومات سنة ٣٤٢ أو٣٤٦. ذكره محسن الأمين في طبقات المؤرخين من الشيعة حيث قال: المسعودي إمام في التاريخ، صاحب كتاب "مروج الذهب" و"أخبار الزمان" (أعيان الشيعة القسم الثاني ج١ ص١٣٠). وقال القمي: هو شيخ المؤرخين وعمادهم، وله كتاب في الإمامة وغيرها منها كتاب "إثبات الوصية لعلي بن أبي طالب"، وهو صاحب "مروج الذهب" وعده النجاشي في فهرسته من رواة الشيعة" (الكنى والألقاب ج٣ ص١٥٣). وذكر الخوانساري أقوال عدد من علماء الرجال الشيعة أنهم يمدحونه، ويثنون عليه، ويوصفونه بأوصاف حميدة كثيرة مثل "الشيخ الجليل"، "الثقة"، "الثبت"، "مأمون الحديث"، و"الشيخ المتقدم من أصحابنا الإمامية"، المعاصر للصدوق، ومن أجلة علماء الإمامية ومن قدماء الفضلاء الاثنى عشرية" (روضات الجنات ج٤ ص٢٨١ وما بعد)
[ ١٥٤ ]
آخران، وعند عثمان زوجته، وأهله ومواليه مشاغل بالقتال، فأخذ محمد بن أبي بكر بلحيته، فقال: يا محمد! والله لو رآك أبوك لساءه مكانك، فتراخت يده، وخرج عنه إلى الدار، ودخل رجلان فوجداه فقتلاه، وكان المصحف بين يديه يقرأ فيه، فصعدت امرأته فصرخت وقالت: قد قتل أمير المؤمنين، فدخل الحسن والحسين ومن كان معهما من بني أمية، فوجدوه قد فاضت نفسه ﵁، فبكوا، فبلغ ذلك عليًا وطلحة والزبير وسعدًا وغيرهم من المهاجرين والأنصار، فاسترجع القوم، ودخل على الدار، وهو كالواله الحزين وقال لابنيه: كيف قتل أمير المؤمنين وأنتما على الباب؟ ولطم الحسن وضرب صدر الحسين، وشتم محمد بن طلحة، ولعن عبد الله بن الزبير" (١).
ثم كان هو وأهله ممن دفنوه ليلًا، وصلوا عليه كما يذكر ابن أبي الحديد المعتزلي الشيعي:
"فخرج به ناس يسير من أهله ومعهم الحسن بن علي وابن الزبير وأبو جهم بن حذيفة بين المغرب والعشاء، فأتوا به حائطًا من حيطان المدينة يعرف بحش كوكب وهو خارج البقيع فصلوا عليه" (٢).
وكان من حب أهل البيت إياه أنهم زوجوا بناتهم من أبنائه وإياه، ولقد وجه خير خلق الله ابنتيه، وسموا أسماء أبنائهم باسمه كما ذكر المفيد أن واحدًا من أبناء علي بن أبي طالب ﵁ كان اسمه عثمان:
"فأولاد أمير المؤمنين سبعة وعشرون ولدًا ذكرًا وأنثى (١) الحسن (٢) الحسين (١٠) عثمان أمه أم البنين بنت حزام بن خالد بن ورام" (٣).
وذكر الأصفهاني أنه قتل مع أخيه الحسين بكربلاء.
_________________
(١) "مروج الذهب" للمسعودي ج٢ ص٣٤٤ ط بيروت
(٢) شرح النهج لابن أبي الحديد الشيعي ج١ ص٩٧ ط قديم إيران وج١ ص١٩٨ ط بيروت
(٣) "الإرشاد" للمفيد ص١٨٦ تحت عنوان "ذكر أولاد أمير المؤمنين"
[ ١٥٥ ]
"قتل عثمان بن علي وهو ابن إحدى وعشرين سنة، وقال الضاحك: إن خولى بن يزيد رمى عثمان بن علي بسهم فأوهطه (أي أضعفه) وشد عليه رجل من بني أبان بن دارم فقتله وأخذ رأسه" (١).
فهذا هو ذو النورين عثمان بن عفان ﵁ صهر رسول الله وحبيبه في الدنيا والآخرة، وحبيب أهل البيت وابن عمهم وعمتهم، وقريبهم، يحبهم ويحبونه مثل الصديق والفاروق:
"وأقرب إلى رسول الله - ﷺ - وشيجة رحم منها، ونال من صهره ما لم ينالا" (٢) كما قاله المرتضى علي بن أبي طالب ﵁.
وهذا هو موقفهم تجاهه وتجاه الصديق والفاروق الخلفاء الراشدين المهديين الثلاثة، بينّاه من كتب القوم أنفسهم، ومن المصادر الأصلية الموثوقة المعتمدة لديهم بذكر الصفحات والمجلدات.
موقف الشيعة من الخلفاء الراشدين الثلاثة
وأما الشيعة الذين يتزعمون حب أهل البيت وولاءهم، وينسبون مذهبهم إليهم، ويدّعون اتباعهم واقتدائهم، فإنهم عكس ذلك تمامًا، يخالفون الصديق والفاروق وذا النورين ويبغضونهم أشد البغض، ويعاندونهم، ويسبونهم، ويشتمونهم، بل ويفسقونهم ويكفرونهم، ويعدون هذه الأسباب والشتيمة واللعان من أقرب القربات إلى الله، ومن أعظم الثواب والأجر لديه، فلا يخلو كتاب من كتبهم ولا رسالة من رسائلهم إلا وهى مليئة من الشتائم والمطاعن في أخلص المخلصين لرسول الله فداه أبواي وروحي، وأحسن الناس طرًا، وأتقاهم لله، وأحبهم إليه، حملة شريعته، ومبلغي ناموسه ورسالته، ونوّاب نبيه المختار
_________________
(١) "مقاتل الطالبين" ص٨٣، "عمدة الطالب" ص٣٥٦ ط نجف، و"تاريخ اليعقوبي" ج٢ ص٢١٣
(٢) "نهج البلاغة" تحقيق صبحي صالح ص٢٣٤
[ ١٥٦ ]
وتلامذته الأبرار، وهداة أمته الأخيار، عليهم رضوان الله الستار الغفار ﷻ وعمّ نواله.
فروى الملا محمد كاظم في كتابه:
"عن أبي حمزة الثمالي - وهو يكذب على زين العابدين - قال - من لعن الجبت (أي الصديق) والطاغوت (أي الفاروق) لعنة واحدة كتب الله له سبعين ألف ألف حسنة، ومحى عنه ألف ألف سيئة، ورفع له سبعين ألف ألف درجة، ومن أمسى يلعنهما لعنة واحدة كتب مثل ذلك، قال مولانا علي بن الحسين: فدخلت على مولانا أبي جعفر محمد الباقر، فقلت: يا مولاي حديث سمعته من أبيك؟ قال: هات يا ثمالي، فأعدت عليه الحديث قال: نعم يا ثمالي! أتحب أن أزيدك؟ فقلت: بلى يا مولاي، فقال: من لعنهما لعنة واحدة في كل غداة لم يكتب عليه ذنب في ذلك اليوم حتى يمسي، ومن أمسى لعنهما لعنة واحدة لم يكتب عليه ذنب في ليلة حتى يصبح، قال: فمضى أبو جعفر، فدخلت على مولانا الصادق، فقلت: حديث سمعته من أبيك وجدك؟ فقال: هات يا أبا حمزة! فأعدت عليه الحديث، فقال حقًا يا أبا حمزة، ثم قال ﵇: ويرفع ألف ألف درجة، ثم قال: إن الله واسع كريم" (١).
ثم وهم يؤمرون على أن يعملوا بذلك: "ونحن معاشر بني هاشم نأمر كبارنا وصغارنا بسبهما والبراءة منهما" (٢).
فلا يوجد شتيمة إلا وهم يطلقونها على هؤلاء الأخيار البررة.
فها هو عياشيهم يكتب في تفسيره في سورة البراءة عن أبي حمزة الثمالي أنه قال: قلت (للإمام): ومن أعداء الله؟ قال: الأوثان الأربعة، قال: قلت: من هم؟ قال: أبو الفصيل ورمع ونعثل ومعاوية، ومن دان بدينهم، فمن
_________________
(١) "أجمع الفضائح" للملا كاظم، و"ضياء الصالحين" ص٥١٣
(٢) "رجال الكشي" ص١٨٠
[ ١٥٧ ]
عادى هؤلاء فقد عادى أعداء الله" (١).
ثم فسّر المعلق على هذه المصطلحات الثلاثة حاكيًا عن الجزري أنه قال:
كانوا يكنون بأبي الفيصل عن أبي بكر لقرب البكر بالفصيل ويعني بالبكر، الفتى من الإبل. والفصيل: ولد الناقة إذا فصل عن أمه، وفي كلام بعض أنه كان يرعى الفصيل في بعض الأزمنة فكني بأبي الفصيل، وقال بعض أهل اللغة: أبو بكر بن أبي قحافة ولد عام الفيل بثلاث سنين، وكان اسمه عبد العزى - اسم صنم - وكنيته في الجاهلية أبو الفصيل، فإذا أسلم سمي عبد الله وكني بأبي بكر - وأما كلمة رمع فهي مقلوبة من عمر، وفى الحديث أول من رد شهادة المملوك رمع، وأول من أعال الفرائض رمع.
وأما نعثل فهو اسم رجل كان طويل اللحية قال الجوهر: وكان عثمان إذا نيل منه وعيب شبه بذلك" (٢).
انظر إلى هؤلاء القوم لا يستحيون من إطلاق لفظه الأوثان على هؤلاء الأخيار الأبرار.
وهل لسائل أن يسأل أين هذا من قول محمد الباقر - الإمام الخامس المعصوم عندهم - في جواب سائل سأله هل ظلماكم من حقكم شيئًا؟
قال: لا والذي أنزل القرآن على عبده ليكون للعالمين نذيرًا ما ظلمنا من حقنا مثقال حبة من خردل" ["شرح نهج البلاغة" لابن أبي الحديد.
ثم ولماذا أعطى علي ﵁ ابنته لعمر بن الخطاب ﵁، وزوج رسول الله - ﷺ - ابنتيه من ذي النورين عثمان بن عفان ﵁ إن كان كافرًا؟ وثم لماذا مدحه عليّ وأهل البيت وغيرهم، ولماذا دافع عنه هو وأبناءه، وجرح أحدهما وهو الإمام المعصوم لدى القوم أيضًا؟ فهل من مجيب؟
_________________
(١) "تفسير العياشي" ج٢ ص١١٦، أيضًا "بحار الأنوار" للمجلسي ج٧ ص٣٧
(٢) "تفسير العياشي" ج٢ ص١١٦ ط طهران
[ ١٥٨ ]
هذا وإن كان عثمان كافرًا فلماذا يمنع علي ﵁ ابن أخيه من تزويج ابنته من ابن عثمان أبان، ولماذا لم تمتنع سكينة بنت الحسن من زواجها من حفيده زيد وغير ذلك، ولماذا سمّي عليّ ابنه باسمه؟.
ويمشي العياشي في غلوائه وبغضه للخلفاء الراشدين، فيخرع الخرافات والأكاذيب والقصص ويقول:
فلما قبض نبي الله - ﷺ - كان الذي كان لما قد قضى من الاختلاف، وعمد عمر فبايع أبا بكر ولم يدفن رسول الله - ﷺ - بعد، فلما رأى ذلك علي ﵇ ورأى الناس قد بايعوا أبا بكر خشي أن يفتتن الناس ففرغ إلى كتاب الله وأخذ يجمعه في مصحف، فأرسل أبو بكر إليه أن تعال فبايع، فقال علي: لا أخرج حتى أجمع القرآن، فأرسل إليه مرة أخرى فقال: لا أخرج حتى أفرغ، فأرسل إليه الثالثة ابن عم له يقال قنفذ، فقامت فاطمة بنت رسول الله - ﷺ - عليها تحول بينه وبين عليّ ﵇ فضربها فانطلق قنفذ وليس معه علي، فخشي أن يجمع عليّ الناس فأمر بحطب فجعل حوالي بيته، ثم انطلق عمر بنار فأراد أن يحرق على عليّ بيته وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم، فلما رأى علي ذلك خرج فبايع كارهًا غير طائع" (١).
شجاعة علي
وهذا مع قول علي: إني والله لو لقيتهم واحدًا وهو طلاع الأرض كلها ما باليت ولا استوحشت" (٢).
وهو الذي يحكون عنه أن أبا وائلة يقول: كنت أماشي فلانًا - أي عمر كما صرح باسمه المجلسي في حياة القلوب - إذ سمعت منه همهمة، فقلت له: مه،
_________________
(١) "تفسير العياشي" ج٢ ص٣٠٧، ٣٠٨، أيضًا "البحار" ج٨ ص٤٧
(٢) "نهج البلاغة" ص٤٥٢ تحقيق صبحي
[ ١٥٩ ]
ماذا يا فلان؟ فقال: ويحك أما ترى الهزبر القضم ابن القضم، والضارب بالبهم، الشديد على من طغى وبغى، بالسيفين والراية، فالتفت فإذا هو علي ابن أبي طالب، فقلت له: يا هذا هو علي بن أبي طالب، فقال: ادن مني أحدثك عن شجاعته وبطولته، بايعنا النبي يوم أحد على أن لا نفرّ، ومن فرّ منا فهو ضال ومن قتل منا فهو شهيد والنبي زعيمه، إذ حمل علينا مائة صنديد تحت كل صنديد مائة رجل أو يزيدون، فأزعجونا عن طحونتنا، فرأيت عليًا كالليث يتقي الذر وإذ قد حمل كفًا من حصى فرمى به في وجوهنا ثم قال: شاهدت الوجوه وقطت وبطت ولطت، إلى اين تفرون؟ إلى النار، فلم نرجع، ثم كرّ علينا الثانية وبيده صفيحة يقطر منها الموت، فقال: بايعتم ثم نكثتم، فوالله لأنتم أولى بالقتل ممن قتل، فنظرت إلى عينيه كأنهما سليطان يتوقدان نارًا، أو كالقدحين المملوءين دمًا، فما ظننت إلا ويأتي علينا كلنا، فبادرت أنا إليه من بين أصحابي فقلت: يا أبا الحسن! الله الله، فإن العرب تكرّ وتفرّ وإن الكرة تنفي الفرة، فكأنه ﵇ استحيى فولى بوجهه عني، فما زلت أسكن روعة فؤادي، فوالله ما خرج ذلك الرعب من قلبي حتى الساعة" (١).
ورووا في شجاعة عليّ قصصًا كثيرة، ومنها ما رواه القطب الراوندي: "إن عليًا بلغه عن عمر ذكره شيعته فاستقبله في بعض طرق البساتين وفى يد علي (ع) قوس فقال: يا عمر! بلغني عنك ذكرك شيعتي فقال: اربع على ظلعك فقال ﵇: إنك لههنا، ثم رمى بالقوس على الأرض فإذا هو ثعبان كالبعير فاغرًا فاه وقد أقبل نحو عمر ليبتلعه فصاح عمر الله الله يا أبا الحسن! لا عدت بعدها في شيء، وجعل يتضرع إليه فضرب بيده إلى الثعبان فعادت القوس كما كانت فمضى عمر إلى بيته مرعوبًا" (٢).
_________________
(١) "تفسير القمي" ج١ ص١١٤، ١١٥
(٢) "كتاب الخرائج والجرائح" ص٢٠، ٢١ ط بمبئي ١٣٠١هـ
[ ١٦٠ ]
وأيضًا ما ذكره سليم بن قيس العامري الشيعي اللعان السباب الخبيث أن عليًا شتم عمر وهدده بقوله: والله لو رمت ذلك يا ابن صهاك لأرجعت إليك يمينك، لئن سللت سيفي لأغمدته دون إزهاق نفسك فرمّ ذلك، فانكسر عمر وسكت وعلم أن عليًا إذا حلف صدق، ثم قال على (ع): يا عمر! ألست الذي هم بك رسول الله وأرسل إلي فجئت متقلدًا بسيفي، ثم أقبلت نحوك لأقتلك فأنزل الله ﷿: ﴿فلا تعجل عليهم إنما نعدّ لهم عدا﴾ قال ابن عباس: ثم إنهم تآمروا وتذاكروا فقالوا: لا يستقيم لنا أمر مادام هذا الرجل حيًا، فقال أبو بكر: من لنا بقتله؟ فقال عمر: خالد بن الوليد، فأرسلا إليه، فقالا: يا خالد! ما رأيك في أمر نحملك عليه؟ قال: احملاني على ما شئتما، فوالله! إن حملتماني على قتل ابن أبي طالب لفعلت، فقالا: والله ما نريد غيره قال: فأنى لها، فقال أبو بكر: إذا قمنا في الصلاة، صلاة الفجر، فقم إلى جانبه ومعك السيف، فإذا سلمت فاضرب عنقه، قال: نعم! فافترقوا على ذلك، ثم إن أبا بكر تفكر فيما أمر به من قتل علي (ع) وعرف إن فعل ذلك وقعت حرب شديدة وبلاء طويل، فندم على أمره فلم ينم ليلته تلك حتى أتى المسجد وقد أقيمت الصلاة فتقدم فصلى بالناس مفكرًا لا يدري ما يقول، وأقبل خالد بن الوليد متقلدًا بالسيف حتى قام إلى جانب عليّ وقد فطن عليّ ببعض ذلك، فلما فرغ أبو بكر من تشهده صاح قبل أن يسلم يا خالد! لا تفعل ما أمرتك، فإن فعلت قتلتك، ثم سلم عن يمينه وشماله، فوثب علي ﵇ فأخذ بتلابيب خالد وانتزع السيف من يده ثم صرعه وجلس على صدره وأخذ سيفه ليقتله واجتمع عليه أهل المسجد ليخلصوا خالدًا فما قدروا عليه، فقال العباس حلفوه بحق القبر لما كففت فحلفوه بالقبر فتركه وقام فانطلق إلى منزله" (١).
هذا ولقد بالغوا وأكثروا في شجاعته وقالوا: كان يملك من القوة حتى "إن عليًا ركض برجله الأرض يومًا فتزلزلت الأرض" (٢).
_________________
(١) كتاب سليم بن قيس العامري ص٢٥٦،٢٥٧
(٢) "تفسير البرهان مقدمة ص٧٤
[ ١٦١ ]
وتزلزلت يومًا فركضها حتى سكنت كما يكذب الصافي:
"عن فاطمة ﵍ قالت: أصاب الناس زلزلة على عهد أبي بكر وفزع الناس إلى أبي بكر وعمر فوجدوهما قد خرجا فزعين إلى علي ﵇، فتبعهما الناس إلى أن انتهوا إلى باب علي ﵇ فخرج عليهم غير مكترث لما هم فيه، فمضى واتبعه الناس حتى انتهوا إلى تلعة فقعد عليها وقعدوا حوله وهم ينظرون إلى حيطان المدينة ترتج جائية وذاهبة، فقال لهم علي: كأنكم قد هالكم ما ترون؟ قالوا: وكيف لا يهولنا ولم نر مثلها قط؟ فحرّك شفتيه وضرب بيده الشريفة، ثم قال: مالك اسكني، فسكنت بإذن الله، فتعجبوا من ذلك أكثر من تعجبهم الأول حيث خرج إليهم، قال لهم: فإنكم تعجبتم من صنعي؟ قالوا: نعم! قال أنا الرجل الذي قال الله: ﴿إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها وقال الإنسان مالها﴾: فأنا الإنسان الذي يقول لها: مالك، ﴿يومئذ تحدث أخبارها﴾ إياي تحدث" (١).
وأكثر من ذلك، أنه صرع إبليس يومًا بقوته الجبارة كما رواه ابن بابويه القمي في "عيون أخبار الرضا" (٢).
هذا ومثل هذا كثير.
وما دمنا بدأنا في هذا نريد أن نكمل البحث بإيراد حكاية باطلة غريبة تدل على أكاذيب القوم وأساطيرهم التي نسجوها، وبنوا عليها مذهبهم، وأسسوا عليها عقائدهم، وهي منقولة من "كتاب الأنوار النعمانية" للسيد نعمة الله الجزائري (٣) فإنه يقول:
_________________
(١) "الصافي" ص٥٧١
(٢) ج٢ ص٧٢
(٣) هو نعمة الله بن عبد الله الحسيني الجزائري "كان من أعاظم علمائنا المتأخرين، وأفاخم فضلائنا المتبحرين، صاحب قلب سليم ووجه وسيم وطبع مستقيم، وله الكتاب "الأنوار النعمانية" المشتمل على ما كان من ثمر عمر جيدًا .. وقال الحر العاملي: فاضل، عالم، محقق، علامة، جليل القدر، مات سنة ١١١٢هـوه من تلاميذ المجلسي" (روضات الجنات للخوانساري ج٨ ص١٥٠ وما بعد)
[ ١٦٢ ]
روى البرسي في كتابه لمّا وصف وقعة خيبر "وإن الفتح فيها كان على يد علي (ع) وإن جبريل (ع) جاء إلى رسول الله (- ﷺ -) مستبشرًا بعد قتل مرحب، فسأله النبي (- ﷺ -) عن استبشاره فقال: يا رسول الله! إن عليًا لما رفع السيف ليضرب به مرحبًا أمر الله سبحانه إسرافيل وميكائيل أن يقبضا عضده في الهواء حتى لا يضرب بكل قوته ومع هذا قسمه نصفين وكذا ما عليه من الحديد وكذا فرسه ووصل السيف إلى طبقات الأرض، فقال لي الله سبحانه: يا جبرئيل بادر إلى تحت الأرض وامنع سيف علي عن الوصول إلى ثور الأرض حتى لا تنقلب الأرض، فمضيت فأمسكته فكان على جناحي أثقل من مدائن قوم لوط وهى سبع مدائن قلعتها من الأرض السابعة ورفعتها فوق ريشة واحدة من جناحي إلى قرب السماء وبقيت منتظرًا لأمر إلى وقت السحر حتى أمرني الله بقلبها، فما وجدت لها ثقلًا كثقل سيف عليّ فسأله النبي (- ﷺ -): لم لا قلّبتها من ساعة رفعتها؟ فقال: يا رسول الله! إنه قد كان فيهم شيخ كافر نائم على قفاه، وشيبته إلى السماء، فاستحى الله سبحانه أن يعذبهم، فلما كان وقت السحر انقلب ذلك الشائب عن قفاه فأمرني بعذابها، وفى ذلك اليوم أيضًا لما فتح الحصن وأسروا نسائهم فكان فيهم صفية بنت ملك الحصن، فأتت النبي (- ﷺ -) وفى وجهها أثر شجة، فسأله النبي (- ﷺ -) عنها فقالت: إن عليًا لما أتى الحصن وتعسر عليه أخذه أتى إلى برج من بروجه، فهزّه فاهتز الحصن كله، وكل من كان فوق مرتفع سقط منه وأنا كنت جالسة فوق سريري فهويت من عليه، فأصابني السرير فقال لها النبي (- ﷺ -): يا صفية! إن عليًا لما غضب وهزّ الحصن غضب الله لغضب علي (ع) فزلزل السماوات كلها حتى خافت الملائكة ووقعوا على وجوههم وكفى به شجاعة ربانية، وأما باب خيبر فقد كان أربعون رجلًا يتعاونون على سدّه وقت الليل، ولما دخل الحصن طار ترسه من يده من كثرة الضرب فقلع الباب وكان في يده بمنزلة الترس يقاتل فهو في يده حتى فتح الله عليه" (١).
_________________
(١) "الأنوار النعمانية" لنعمة الله الجزائري
[ ١٦٣ ]
وهذا مع رواية اليعقوبي الشيعي "وبلغ أبا بكر وعمر أن جماعة من المهاجرين والأنصار قد اجتمعوا مع علي بن أبي طالب في منزل فاطمة بنت رسول الله، فأتوا في جماعة حتى هجموا الدار، وخرج علي ومعه السيف، فلقيه عمر، فصارعه عمر فصرعه، وكسر سيفه، ودخلوا الدار فخرجت فاطمة فقالت: والله لتخرجن أو لأكشفن شعري ولأعجن إلى الله! فخرجوا وخرج من كان في الدار وأقام القوم أيامًا ثم جعل الواحد بعد الواحد يبايع" (١).
ولا ندري، من الصادق من القوم؟ نعمة الله الجزائري وسليم بن قيس العامري (٢) والقطب الراوندي والقمي والمجلسي أو العياشي واليعقوبي؟
لا ندري، أم كلهم كذبة يكذبون ويحكون، ولا يدرون أن أهل البيت لم يقولوا، ولم يكونوا هكذا، ولو كانوا أو قالوا لما قالوا في أبي بكر، هو الصديق، وفى عمر، أنه ميمون النقيبة ومرضي السيرة، ولم يسموا أبناءهم بأسمائهم، ولم يناكحوهم ويعاشروهم ويمدحوهم بعد موتهم، فلا نستطيع أن نقول بعد رواية هذه الأشياء كلها: اللهم إلا أن أهل البيت كانوا صادقين في أفعالهم وأعمالهم،
_________________
(١) "تاريخ اليعقوبي" ج٢ ص١٢٦
(٢) هو سليم بن قيس العامري الهلالي الكوفي، مات سنة ٩٠ تقريبًا، يقولون عنه: إنه من أصحاب علي بن أبي طالب، فيكتب الخوانساري "صاحب أمير المؤمنين ﵇ ومصنف كتاب مشهور الذي ينقل عنه في البحار وغيره .. وقد كان من قدماء علماء أهل البيت ﵈، وإنه أدرك خمسة من الأئمة المعصومين ﵈، هم أمير المؤمنين، والحسنان، وزين العابدين، والباقر" (روضات الجنات ج٤ ص٦٦). ويقول القمي: له كتاب معروف وهو أصل من الأصول التي رواها أهل العلم وحملة حديث أهل البيت (ع) وهو أول كتاب ظهر للشيعة معروف بين المحدثين، اعتمد عليه الشيخ الكليني والصدوق وغيرهما من القدماء" (الكنى والألقاب ج٣ ص٢٤٨)
[ ١٦٤ ]
ومصيبين في أقوالهم وأحوالهم، والشيعة يكذبون عليهم، ويخالفونهم في معتقداتهم، ويعادون أحباءهم ورحمائهم وأقاربهم وقادتهم وأمرائهم وحكامهم، الذين أخلصوا لهم الطاعة والمناصحة والولاء والمشورة كما بينّاه سابقًا بالتفصيل.
وإلا فهل يعقل من مثل ذلك الرجل الشجاع الباسل، البطل الكمّي أن يجبره أبو بكر على بيعته، وعمر على تزويجه من بنته، وعثمان على رضائه بتقديمه، وتسمية أبنائه بأسمائهم رضوان الله عليهم أجمعين، ومعه من أهل بيته وأنصاره من معه؟.
والظاهر أن القوم مع إظهارهم ولاء أهل البيت يخالفونهم في بغضهم الخلفاء الراشدين وأصحاب نبي الله المختارين النجباء، الذين قال فيهم رسول الله - ﷺ - وفداه أبوي وروحي: طوبى لمن رآني وآمن بي" (١).
وعلى كل وإننا لنذكر مخالفة القوم أهل البيت في عدائهم لأرحام رسول الله - ﷺ - وأصهاره.
فبقول العياشي أيضًا في ذي النورين ﵁ أن الآية ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمنّ والأذى﴾ نزلت في عثمان" (٢).
وأما القمي فليس أقل من العياشي في اللعن والطعن والتفسيق والتكفير، فيذكر تحت قول الله ﷿: ﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًا شياطين الجن والإنس يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا﴾ ما بعث الله نبيًا إلا وفي أمته شيطانان يؤذيانه .. وأما صاحبا محمد فحبتر وزريق" (٣).
_________________
(١) "كتاب الخصال" ج٢ ص٣٤٢
(٢) "تفسير العياشي" ج١ ص١٤٧، "البحار" ج٨ ص٢١٧
(٣) "تفسير القمي" ج٢ ص٢٤٢
[ ١٦٥ ]
ولقد نقلنا عنه روايات عديدة في كتابنا "الشيعة والسنة".
وأما البحراني فهو على شاكلتهما، فيكتب تحت قول الله ﷿ ﴿ثاني اثنين إذ هما في الغار﴾ محترقا من معيّة الصديق النبي ﵊ في سفره من مكة إلى المدينة، مهاجرًا إلى الله، مصاحبًا أبا بكر بأمر من الله وثقة في الصديق، ورغبة في صحبته، يقول: أمر رسول الله عليًا فنام على فراشه، وخشي من أبي بكر أن يدلّهم عليه فأخذه معه إلى الغار" (١).
ويكذب على أبي جعفر حيث يقول: إنه قال: إن رسول الله أقبل يقول لأبي بكر في الغار: اسكن، فإن الله معنا - إلى أن قال - تريد أن أريك أصحابي من الأنصار في مجالسهم يتحدثون، وأريك جعفر وأصحابه في البحر يعومون، فقال: نعم، فمسح رسول الله - ﷺ - بيده على وجهه، فنظر الأنصار جالسين في مجالسهم، ونظر إلى جعفر وأصحابه في البحر يغوصون، فأضمر تلك الساعة أنه ساحر" (٢).
وأما الفاروق، المطفئ نار المجوسية، والمكسر أصنام الكسروية وشوكتها، والهادم مجد اليهودية وعزها، المحبوب إلى حبيب الرب، والمبغوض إلى أعدائه وأعداء أمته، أبناء اليهود والمجوس، يقول فيه البحراني تحت قول الله ﷿: ﴿وكان الشيطان للإنسان خذولًا﴾ وكان الشيطان هو الثاني، ﴿يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانًا خليلًا﴾ يعنى الثاني ﴿لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني﴾ يعني الولاية" (٣).
ويمتد في غلوائه، ويتجاهر بالفحش والبذاءة حيث يقول: إبليس وما بمعناه كالمبلسين سيأتي في الشيطان تأويله بالثاني، ومنه يمكن استفادة تأويل إبليس به أيضًا لاتحاد المسمى بهما، وفي بعض الأخبار عن الأصبغ بن نباتة
_________________
(١) "البرهان" ج٢ ص١٢٧
(٢) "البرهان" ص١٢٥، و"الروضة من الكافي" ج٨ ص٢٦٢
(٣) "البرهان" ج٣ ص١٦٦
[ ١٦٦ ]
أن عليًا ﵇ أخرجه مع جمع فيهم حذيفة بن اليمان إلى الجبانة، وذكر معجزة عنه ﵇ إلى أن قال: فقال علي ﵇: يا ملائكة ربي ايتوني الساعة بإبليس الأبالسة، وفرعون الفراعنة، فوالله! ما كان بأسرع من طرفة عين حتى أحضروه عنده فلما جرّوه بين يديه قام وقال: واويلاه من ظلم آل محمد، واويلاه من اجترائي عليهم، ثم قال: يا سيدي ارحمني، فإني لا أحتمل هذا العذاب، فقال ﵇: لا رحمك الله ولا غفر لك أيها الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان، ثم التفت إلينا، فقال: سلوه حتى يخبركم من هو؟ فقلنا له: من أنت؟ فقال أنا إبليس الأبالسة وفرعون هذه الأمة، أنا الذي جحدت سيدي ومولاي أمير المؤمنين وخليفة رب العالمين، وأنكرت آياته ومعجزاته الخبر، والظاهر أن المراد به الثاني حيث كان هو رأس المفسدين، وهو الذي أوّل به الشيطان في القرآن" (١).
وأما محسن المسلمين والإسلام عثمان بن عفان فقد كتب فيه رسول الله - ﷺ - قال له: قد أقلتك إسلامك فاذهب فأنزل الله تعالى: ﴿يمنون عليك أن أسلموا﴾ الخ" (٢).
ويظهر بغضه وحقده للجميع فيقول تحت قول الله ﷿: ﴿ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم﴾ المراد هم الذين سموا أنفسهم (٣) بالصديق والفاروق
_________________
(١) "البرهان، مقدمة" ص٩٨
(٢) "البرهان" ج٤ ص٢١٥
(٣) وقد أعماه الحسد والحقد والجهل حتى لم يدر بأن واحدًا من هؤلاء الثلاثة لم يسم نفسه بهذه الأسماء، ولم ترد رواية في ذلك، بل سماهم رسول الله - ﷺ - وأهل بيته بهذه الأسماء والألقاب كما مر سابقًا، والبغيض اللعان لم يدر أيضًا بأن الثابت في الروايات وكتب القوم أن عليًا ﵁ هو الذي سمى نفسه بهذه الأسماء، وأطلقها بنفسه على نفسه "أنا الصديق وأنا الفاروق" ("الاحتجاج" للطبرسي ج١ ص٩٥) فافهم وتدبر
[ ١٦٧ ]
وذي النورين" (١).
ويحكم ويتحكم أن المراد ﴿بمن ثقلت موازينه﴾ عليّ وشيعته، والمراد ﴿بمن خفت موازينه﴾ الثلاثة وأتباعهم (٢).
ويتقدم في تحكمه واستهزائه لأصحاب الرسول ﵊ وأزواجه حيث يقول: ﴿إن الذين جاءوا بالإفك﴾ نزلت في عائشة وحفصة وأبي بكر وعمر لما قذفوا مارية القبطية وجريحاُ" (٣).
ومفسرهم الرابع الكاشاني ليس أقل لومًا ولا خبثًا من الآخرين من بني قومه، وهو الذي كتب تحت قول الله ﷿: ﴿إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرًا﴾ نزلت في الأول والثاني والثالث والرابع (يعني معاوية) وعبد الرحمن وطلحة" (٤).
وكتب تحت قول الله ﷿: ﴿ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم﴾ لما أقام الرسول ﴿عليًا يوم غدير خم كان بحذائه سبعة نفر من المنافقين، وهم أبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبى وقاص وأبو عبيدة وسالم مولى أبي حذيفة والمغيرة بن شعبة، قال عمر: "ألا ترون عينيه كأنهما عينا مجنون - يعني النبي -، يقوم ويقول: قال لي ربي" - أستغفر الله من نقل هذه الخرافة وهذا الكفر، ولعنة الله على الكاذبين - (٥).
وشاتمهم الخامس المسمي نفسه بالمفسر، العروسي الحويزي، فيقول تحت قول
_________________
(١) "البرهان، مقدمة" ص١٧٢
(٢) "مقدمة" ص٣٣٣
(٣) "البرهان" ج٣ ص١٢٧
(٤) "تفسير صافي" للكاشاني ص١٣٦ ط إيران بالحجم الكبير
(٥) "الصافي" ص٢٣٦ الحجم الكبير وص٧١٥ ج١ الحجم الصغير
[ ١٦٨ ]
الله تعالى: ﴿لها سبعة أبواب﴾ عن أبي بصير قال: يؤتى بجهنم لها سبعة أبواب بابها الأول للظالم وهو زريق وبابها الثانى لحبتر والباب الثالث للثالث والرابع لمعاوية والخامس لعبد الملك والسادس لعكر بن هوسر والسابع لأبي سلامة، فهم باب لمن اتبعهم" (١).
وعلق المحشي اللعين على هذه الأسماء بقوله: قال المجلسي: زريق كناية عن الأول لأن العرب يتشاءم بزرقة العين، والحبتر هو الثعلب ولعله إنما كنى عنه لحيلته ومكره، وفى غيره من الأخبار وقع بالعكس وهو أظهر إذا الحبتر بالأول أنسب، ويمكن أن يكون هنا أيضًا المراد ذلك، وإنما قدم الثاني لأنه أشقى وأفظ وأغلظ، وعسكر بن هوسر كناية عن بعض خلفاء بنى أمية أو بني العباس. وكذا أبي سلامة كناية عن أبي جعفر الدوانيقي، ويحتمل أن يكون عسكر كناية عن عائشة وسائر أهل الجمل، إذ كان اسم جمل عائشة عسكرًا وروى أنه كان شيطانًا" (٢).
وكتب تحت قول الله ﷿: ﴿الذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئًا أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون﴾ قال: الذين يدعون من دون الله الأول والثاني والثالث، كذبوا رسول الله - ﷺ - بقوله: والوا عليًا واتبعوه، فعادوا عليًا ولم يوالوه، ودعوا الناس إلى ولاية أنفسهم فذلك قول الله: والذين يدعون من دون الله "أموات غير أحياء" كفار غير مؤمنين "وهم مستكبرون" يعني عن ولاية علي" (٣).
محدثوا الشيعة وفقهاؤهم
فهؤلاء هم مفسروا الشيعة اللعانون السبابون الشتامون، المكفرون أصحاب
_________________
(١) "نور الثقلين" ج٣ ص١٨
(٢) "نور الثقلين" ج٣ ص١٨ ط قم - إيران
(٣) "نور الثقلين" ج٣ ص٤٧
[ ١٦٩ ]
محمد - ﷺ - والأخيار منهم، الخلفاء الراشدين المهديين من بعده، وها هي كتبهم في التفسير، كتب الشتائم والسباب، واللعائن والمطاعن، كتب القذائف والتهم، وعلى من؟ على الذين شهد الله بطهارتهم ونقائهم وصفائهم، وبشرهم بالفوز والفلاح والجنة والرضى، أصحاب رسول الله ورفاقه، تلامذته ومريديه الذين عاشروا الرسول، وبايعوه، ناصروه وأيدوه. هاجروا معه وتركوا لأجله أقاربهم وعشائرهم، أولادهم وأموالهم، ديارهم وأوطانهم، واتبعوا النور الذي أنزل معه، وجاهدوا تحت رايته، وبذلوا كل غال وثمين بإشاراته. وحملوا رايته بعده وأعلوها على شواهق الجبال، وأوصلوها إلى ما وراء الأبحر، الصديق والفاروق وذي النورين ﵃ أجمعين، الذين قدّرهم أهل البيت حق التقدير، وعظموهم ومجدوهم، وبالغوا في إكرامهم، وأثنوا عليهم في حياتهم وبعد وفاتهم ثناء عاطرًا، وقدموا لهم ثمار قلوبهم وأفذاذ أكبادهم، وجعلوا هديهم هدف العين، وانتهجوا منهجهم واقتدوا بمسلكهم.
وأما الشيعة المتزعمين حبهم واتباعهم فعلوا عكس ذلك، وخالفوهم مخالفة صريحة، ظاهرة باهرة، حيث لا يخلو كتاب من كتبهم إلا وهو مليء من أردأ القول وأفحش الكلام كما نقلناه من الذين يدعون بأنهم مفسرو القوم، وعلم التفسير منهم بريء، وحاشا لله أن يكون المفسرون كهؤلاء.
وأما محدثو الشيعة وفقهائهم فهم على شاكلتهم، فلا يخلوا كتاب من كتبهم عن مثل هذه الترهات والافتراءات، مخالفين تمامًا أهل بيت النبي - ﷺ - وأهل بيت علي ﵁، مبغضين محبي رسول الله ومحبوبيه، لاعنين أرحام رسول الله وأصهاره وأزواجه أمهات المؤمنين.
فلنلق نظرة عابرة على موقف محدثي الشيعة وفقهائهم. فها هو الكليني كبير القوم ومحدثهم يبيّن عقيدته ويظهر سريرة نفسه، ويكشف عن قرارة قلبه عندما يكتب تحت قول الله ﷿: حبّب إليكم الإيمان وزيّنه في قلوبكم - يعني
[ ١٧٠ ]
أمير المؤمنين - أي علي - و﴿كره إليكم الكفر والفسوق والعصيان﴾ الأول والثاني والثالث" (١).
ويصرح أكثر حيث يقول: لما رأى رسول الله تيمًا وعديًا وبني أمية (٢) يركبون منبره أفزعه، فأنزل الله ﵎ قرآنًا يتأسى به ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس، أبى﴾ ثم أوحى إليه يا محمد! إني أمرت فلم أطع فلا تجزع أنت إذا أمرت فلم تطع في وصيك أيضًا" (٣).
ويكتب تحت قول الله ﵎: ﴿إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى﴾ فلان وفلان وفلان، ارتدوا عن الإيمان في ترك ولاية أمير المؤمنين ﵇، ﴿ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر﴾ قال: نزلت والله فيهما وفي أتباعهما، وهو قول الله ﷿ الذي نزل به جبرئيل ﵇ على محمد - ﷺ -: ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله (في علي ﵇) سنطيعكم في بعض الأمر" (٤).
ويروي عن عبد الملك بن أعين أنه قال: قلت لأبي عبد الله: خبرني عن الرجلين؟ قال: ظلمانا حقنا في كتاب الله ﷿، ومنعا فاطمة صلوات الله عليها ميراثها من أبيها، وجرى ظلمهما إلى اليوم قال - وأشار إلى خلفه - ونبذا كتاب الله وراء ظهورهما" (٥).
كما روي عن الكميت الأسدي أنه قال: قلت: خبرني عن الرجلين؟ قال:
_________________
(١) "الأصول من الكافي" ج١ ص٤٢٦
(٢) يقصد به أبا بكر الصديق الذي كان من تيم، والفاروق الذي كان من عدي، وذا النورين الذي كان من بني أمية
(٣) "الأصول من الكافي"، كتاب الحجة ج١ ص٤٢٦ ط طهران
(٤) "كتاب الحجة من الكافي" ج١ ص٤٢٠
(٥) "كتاب الروضة من الكافي" ج٨ ص١٠٢
[ ١٧١ ]
فأخذ الوسادة فكسرها في صدره ثم قال: والله يا كميت! ما أهريق محجمة من دم، ولا أخذ مال من غير حله، ولا قلب حجر عن حجر إلا ذاك في أعناقهما" (١).
ويكذب أيضًا أن حنان بن سويد روى عن أبيه أنه قال: سألت أبا جعفر عنهما فقال: يا أبا الفضل! ما تسألني عنهما فوالله ما مات منا ميت قط إلا ساخطًا عليهما يوصي بذلك الكبير منا الصغير، إنهما ظلمانا حقنا، ومنعانا فيئنا، وكانا أول من ركب أعناقنا وبثقا علينا بثقا في الإسلام، لا يسكر أبدًا حتى يقوم قائمنا أو يتكلم متكلمنا" (٢).
ويقول مصرحًا: أصبح رسول الله - ﷺ - يومًا كئيبًا حزينًا، فقال له علي ﵇: ما لي أراك يا رسول الله كئيبًا حزينًا؟ قال: وكيف لا أكون كذلك وقد رأيت في ليلتي هذه أن بني تيم وبني عدى وبني أمية يصعدون منبري هذا يردون الناس عن الإسلام قهقرى" (٣).
كما روي عن أبي جعفر أنه قال: ما كان ولد يعقوب أنبياء لكنهم كانوا أسباط أولاد الأنبياء، ولم يكن يفارقوا الدنيا إلا السعداء، تابوا وتذكروا ما صنعوا، وإن الشيخين فارقا الدنيا ولم يتوبا ولم يتذكرا ما صنعا بأمير المؤمنين ﵇ فعليهما لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" (٤).
وأما ابن بابويه القمي أحد كتّاب الصحاح الأربعة الشيعية والملقب بالصدوق يكتب طاعنا في الصديق الأكبر والفاروق الأعظم ﵄ "أن أبا بكر لما بُويع ذهب أنصار علي إليه، فتكلموا في الأمر، فقال لهم علي ﵁: وقد اتفقت عليه الأمة التاركة لقول نبيها والكاذبة على ربها، ولقد شاورت في
_________________
(١) "كتاب الروضة" ص١٠٣
(٢) "كتاب الروضة من الكافي" ج٨ ص١٠٢
(٣) "كتاب الروضة من الكافي" ص٣٤٥
(٤) "كتاب الروضة من الكافي" ص٢٤٦
[ ١٧٢ ]
ذلك أهل بيتي، فأبوا إلا السكوت لما تعلمون من وغر صدور القوم وبغضهم لله ﷿ ولأهل بيت نبيه ﵇، وإنهم ليطالبون بثأرات الجاهلية، والله! لو فعلتم ذلك لشهروا سيوفهم مستعدين للحرب والقتال كما فعلوا ذلك حتى قهروني وغلبوني على نفسي .. ولكن ايتوا الرجل فأخبروه بما سمعتم من نبيكم، ولا تجعلوه في شبهة من أمره ليكون ذلك أعظم للحجة عليه وأزيد وأبلغ في عقوبته إذ عتا ربه، وقد عصا نبيه وخالفا أمره، قال: فانطلقوا حتى حفوا بمنبر رسول الله يوم جمعة .. وكان أول من بدا وقام خالد بن سعيد بن العاص بإدلاله ببني أمية - إلى أن قال - فقال له عمر بن الخطاب: اسكت يا خالد فلست من أهل المشورة، ولا ممن يرضى بقوله، فقال خالد: بل اسكت أنت يا ابن الخطاب فوالله! إنك لتعلم أنك تنطق بغير لسانك، وتعتصم بغير أركانك، والله! إن قريشًا لتعلم أني أعلاها حسبًا وأقواها أدبًا وأجملها ذكرًا وأقلها غنى من الله ورسوله وإنك لجبان عند الحرب، بخيل في الجدب، لئيم العنصر، مالك في قريش مفخر" (١).
هذا ويقول في ذي النورين ﵁:
إن في التابوت الأسفل ستة من الأولين وستة من الآخرين .. والستة من الآخرين فنعثل ومعاوية وعمرو بن العاص وأبو موسى الأشعري، ونسي المحدث اثنين" (٢).
وذكر في موضع آخر من كتاب الخصال:
"شر الأولين والآخرين اثنا عشر، ستة من الأولين وستة من الآخرين، ثم سمى الستة من الأولين، ابن آدم الذى قتل أخاه، وفرعون وهامان وقارون
_________________
(١) "كتاب الخصال" ص٤٦٣ ط مكتبة الصدوق طهران
(٢) "كتاب الخصال" ص٤٨٥
[ ١٧٣ ]
والسامري والدجال اسمه في الأولين ويخرج في الآخرين، وأما الستة من الآخرين فالعجل وهو نعثل، وفرعون وهو معاوية، وهامان هذه الأمة وهو زياد، وقارونها وهو سعيد والسامري وهو أبو موسى عبد الله بن قيس لأنه قال كما قال سامري قوم موسى: لا مساس أي لا قتال، والأبتر وهو عمرو بن العاص" (١).
ويقول: وحب أولياء الله والولاية لهم واجبة، والبراءة من أعدائهم واجبة، من الذين ظلموا آل محمد ﵈. وهتكوا حجابه فأخذوا من فاطمة ﵍ فدك (٢) ومنعوها ميراثها، وغصبوها وزوجها حقوقها، وهموا بإحراق بيتها (٣). وأسسوا الظلم وغيروا سنة رسول الله، والبراءة من الناكثين والقاسطين والمارقين واجبة. والبراءة من الأنصاب والأزلام أئمة الضلال وقادة الجور كلهم أولهم وآخرهم واجبة" (٤).
ويكذب على النبي - ﷺ - والصديق والصديقة ﵄، ويكبّ عليهما ما يكنّه من البغض والحقد والحسد والضغينة، وينسج هذه الحكاية الباطلة الخبيثة فيقول: قال رسول الله - ﷺ - لعلي:
يا علي! من أحبك ووالاك سبقت له الرحمة، ومن أبغضك وعاداك سبقت له اللعنة، فقالت عائشة: يا رسول الله! ادع الله لي ولأبي لا نكون ممن يبغضه ويعاديه، فقال - ﷺ -: اسكتي إن كنت أنت وأبوك ممن يتولاه ويحبه فقد سبقت لكما الرحمة، وإن كنتما ممن يبغضه ويعاديه فقد سبقت لكما
_________________
(١) "كتاب الخصال" ص٤٥٨، ٤٥٩
(٢) انظر كيف يتهجم على الصديق في معاملة رضيت فيها فاطمة بنت الرسول ﵊، فإنها رضيت ولكن من يرضي قوم عبد الله بن سبأ النجل اليهودي الذي يسعى بين الأمة لتفريق كلمتها وتمزيق وحدتها وتشتيت شملها؟
(٣) قصة باطلة، موضوعة، مختلقة، اختلقوها للطعن على الفاروق الأعظم
(٤) "كتاب الخصال" ج٢ ص٦٠٧ ط مطبعة الحيدري طهران
[ ١٧٤ ]
اللعنة، ولقد جئت أنت وأبوك إن كان أبوك أول من يظلمه وأنت أول من يقاتله غيري؟ " (١).
ويقول: إن جعفرًا سئل "ما بال أمير المؤمنين (ع) لم يقاتل فلانًا وفلانًا وفلانًا؟ قال: لآية في كتاب الله ﷿ ﴿لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما﴾، قبل: وما يعني بتزايلهم؟ قال: ودائع مؤمنين في أصلاب قوم كافرين" (٢).
وزاد "لم لم يجاهد أعدائه خمسًا وعشرين سنة بعد رسول الله (- ﷺ -) ثم جاهد في أيام ولايته؟ لأنه اقتدى برسول الله (- ﷺ -) في تركه جهاد المشركين بمكة ثلاثة عشرة سنة بعد النبوة وبالمدينة تسعة عشر شهرًا، وذلك لقلة أعوانه عليهم، وكذلك علي ﵇ (٣) ترك مجاهدة أعدائه لقلة أعوانه عليهم" (٤).
فانظر إلى الأساطير كيف نسجت، والقصص كيف اخترعت، ولا يشبع من تسميتهم بأئمة الضلالة والجور والدعاة إلى النار، بل يزداد في غلوائه وتعديه على الخلفاء الراشدين، ويشبههم بمشركي مكة أعداء رسول الله وخصوم دينه.
نعم! يشبه هؤلاء البررة الأخيار، حملة راية الله، مبلغي كلمة الله، وناشري دين الله، أحباء رسول الله ومحبيه، الذين في عصورهم وعهودهم وأيامهم تحققت مبشرات رسول الله ونبوءاته التي جعلها آية صدق على نبوة نبيه ورسوله
_________________
(١) "كتاب الخصال" ج٢ ص٥٥٦
(٢) "علل الشرائع" لابن بابويه ص١٤٧ ط نجف
(٣) ومن الغرائب أن القوم لا يذكرون أسماء واحد من أئمتهم إلا ويعقبونها بالكلمة الكاملة "﵇ أو ﵈" في وقت يجردون اسم النبي - ﷺ - أحيانًا، وأحيانًا يكتفون بذكر حرف "ص" فقط، وهذا يدل على معتقد القوم تجاه أئمتهم وتجاه النبي ﵊
(٤) "علل الشرائع" ص١٤٧
[ ١٧٥ ]
المصطفى، روحي له ولأحبائه الفداء - ﷺ -، البشائر التي ذكرها هذا الجريء المفتري نفسه في كتابه عن البراء بن عازب أنه قال:
لما أمر رسول الله - ﷺ - بحفر الخندق عرضت له صخرة عظيمة شديدة في عرض الخندق لا تأخذ فيها المعاول فجاء رسول الله - ﷺ - فلما رآها وضع ثوبه فأخذ المعول، وقال: بسم الله وضرب ضربة فكسر ثلثها، فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر الساعة، ثم ضرب الثانية فقال: بسم الله، ففلق ثلثًا آخر، فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض، ثم ضرب الثالثة ففلق بقية الحجر، فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا" (١).
فمن الذي تحققت في خلافته هده النبوءات؟ ومن الذي عبر عنه الناطق بالوحي "أعطيت مفاتيح الشام، وأعطيت مفاتيح فارس، وأعطيت مفاتيح اليمن"؟.
ومن جعله قائم مقام نفسه حتى عبر عن إعطاء المفاتيح إياه كإعطائها لنفسه، وهل من مجيب؟
فهذا هو صدوقهم الذي جعلوا كتبه أصح الكتب، ولا بعد كتاب الله، لأن كتاب الله محرف مغير فيه حسب اعتقادهم، وقصدًا حاولنا التركيز في كتاب واحد من كتبه - وكلها على شاكلته - لكي يعرف القارئ والباحث حشده وملأه من الحنق والحقد على خيار خلق الله بعد الأنبياء والرسل ﵈ ورضوان الله عليهم.
وأما محدثهم الأقدام - كما يسمونه - الذي استفاد منه الكليني والصدوق
_________________
(١) "كتاب الخصال" ج١ ص١٦٢
[ ١٧٦ ]
وغيرهما ورووا عنه في كتبهم، وهو سليم بن قيس فلم يجد سبًا قبيحًا ولا شتيمة خبيثة إلا وقد استعملها فيهم حتى بلغت جرأته إلى أن قال كذبًا على عليّ أنه قال:
تدري من أول من بايع "أبا بكر" حين صعد المنبر؟
قلت: لا ولكن رأيت شيخًا كبيرًا يتوكأ على عصاه بين عينيه سجادة شديدة التشمير صعد المنبر أول من صعد وهو يبكي ويقول: الحمد لله الذي لم يمتني حتى رأيتك في هذا المكان، ابسط يدك، فبسط يده فبايعه، ثم قال: يوم كيوم آدم، ثم نزل فخرج من المسجد. فقال علي ﵇: يا سلمان! أتدري من؟
قلت: لا، ولكن ساءتني مقالته كأنه شامت بموت رسول الله (- ﷺ -) قال علي ﵇: فإن ذلك إبليس .. - إلى أن قال - ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقًا من المؤمنين" (١).
واخترع في ذم الخلفاء الراشدين، وسادة أصحاب الرسول، وقادة الأمة قصة يضحك منها حتى السفهاء والأطفال ولكن قيل قديمًا: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت.
فانظر إليه كيف ينسج ويخترع قصة طويلة ملؤها سب وشتم:
"فلما رأى علي ﵇ خذلان الناس إياه وتركهم نصرته واجتماع كلمتهم مع أبي بكر وتعظيمهم إياه لزم بيته، فقال عمر لأبي بكر: ما يمنعك أن تبعث إليه فيبايع فإنه لم يبق أحد إلا قد بايع غيره وغير هؤلاء الأربعة، وكان أبو بكر أرق الرجلين وأرفقهما وأدهاهما وأبعدهما غورًا، والآخر أفظهما وأغلظهما وأجفاهما، فقال له أبو بكر من نرسل إليه: فقال عمر: نرسل إليه قتفذًا وهو رجل فظ غليظ جاف من الطلقاء أحد بني عدي بن كعب، فأرسله وأرسل معه أعوانًا وانطلق
_________________
(١) "كتاب سليم بن قيس" ص٨٠، ٨١
[ ١٧٧ ]
فاستأذن على عليّ ﵇ فأبى أن يأذن لهم فرجع أصحاب قنفذ إلى أبي بكر وعمر وهما جالسان في المسجد والناس حولهما فقالوا: لم يؤذن لنا، فقال عمر: اذهبوا فإن أذن لكم وإلا فادخلوا بغير إذن، فانطلقوا فاستأذنوا فقالت فاطمة ﵍: أحرج عليكم أن تدخلوا على بيتي بغير إذن فرجعوا وثبت قنفذ الملعون فقالوا: إن فاطمة قالت كذا وكذا فتحرجنا أن ندخل بيتها بغير إذن فغضب عمر وقال: مالنا وللنساء ثم أمر أناسًا حوله أن يحملوا الحطب، فحملوا الحطب وحمل معهم عمر فجعلوه حول منزل عليّ وفاطمة وابناها ثم نادى عمر حتى أسمع عليًا ﵇ وفاطمة والله لتخرجن يا علي! ولتبايعن خليفة رسول الله إلا أضرمت عليك النار، فقالت فاطمة ﵍: يا عمر! مالنا ولك؟ فقال: افتحي الباب وإلا أحرقنا عليكم بيتكم فقالت: يا عمر! أما تتقي الله تدخل على بيتي فأبى أن ينصرف، ودعا عمر بالنار فأضرمها في الباب ثم دفعه فدخل استقبلته فاطمة ﵍ وصاحت يا أبتاه فرفع السوط فضرب به ذراعها فنادت يا رسول الله! لبئس ما خلفك أبو بكر وعمر فوثب علي ﵇ فأخذ بتلابيبه ثم نتره فصرعه ووجأ أنفه ورقبته وهمّ بقتله فذكر قول رسول الله - ﷺ - وما أوصاه به، فقال: والذي كرم محمدًا بالنبوة يا ابن صهاك! لولا كتاب من الله سبق وعهد عهده إليّ رسول الله لعلمت أنك لا تدخل بيتي فأرسل عمر يستغيث فأقبل الناس حتى دخلوا الدار وثار علي ﵇ إلى سيفه فرجع قنفذ إلى أبي بكر وهو يتخوف أن يخرج على (ع) بسيفه لما قد عرف من بأسه وشدته فقال أبو بكر لقنفذ ارجع فإن خرج وإلا فاقتحم عليه بيته فإن امتنع فأضرم عليهم بيتهم النار فانطلق قنفذ الملعون فاقتحم هو أصحابه بغير إذن وثار علي ﵇ إلى سيفه فسبقوه إليه وكاثروه وهم كثيرون، فتناول بعض سيوفهم فكاثروه فألقوا في عنقه حبلًا وحالت بينهم وبينه فاطمة ﵍ عند باب البيت فضربها قنفذ الملعون بالسوط فماتت حين وإن في عضدها
[ ١٧٨ ]
كمثل الدملج من ضربته لعنه الله ثم انطلق بعلي ﵇ يعتل عتلًا حتى انتهى به إلى أبي بكر، وعمر قائم بالسيف على رأسه، وخالد بن الوليد وأبو عبيدة بن الجراح وسالم مولى أبي حذيفة ومعاذ بن جبل والمغيرة بن شعبة وأسيد بن حضير وبشير بن سعد وسائر الناس حول أبي بكر عليهم السلاح، قال قلت لسلمان: أدخلوا على فاطمة (ع) بغير إذن؟ قال: إي والله وما عليها خمار فنادت يا أبتاه يا رسول الله فلبئس ما خلفك أبو بكر وعمر وعيناك لم تتفتأ في قبرك، تنادي بأعلى صوتها، فلقد رأيت أبا بكر ومن حوله يبكون ما فيهم إلا باك غير عمر
وخالد والمغيرة بن شعبة وعمر يقول: إنا لسنا من النساء ورأيهن في شيء قال فانتهوا بعلي ﵇ إلى أبي بكر وهو يقول، أما والله لو وقع سيفي في يدي لعلمتم أنكم لم تصلوا إلى هذا أبدًا، أما والله ما ألوم نفسي في جهادكم، ولو كنت استمكنت من الأربعين رجلًا لفرقت جماعتكم ولكن لعن الله أقوامًا بايعوني ثم خذلوني، ولما أن بصر به أبو بكر صاح خلوا سبيله، فقال علي ﵇ يا أبا بكر ما أسرع ما توثبتم على رسول الله (- ﷺ -) بأي حق وبأي منزلة دعوت الناس إلى بيعتك ألم تبايعني بالأمس بأمر الله وأمر رسول الله (- ﷺ -) وقد كان قنفذ لعنه الله حين ضرب فاطمة (ع) بالسوط حين حالت بينه وبين زوجها وأرسل إليه عمر إن حالت بينك وبينه فاطمة فاضربها فألجأها قنفذ إلى عضادة لبيتها ودفعها فكسر ضلعها من جنبها فألقت جنينًا من بطنها فلم تزل صاحبة فراش حتى ماتت صلى الله عليها من ذلك شهيدة، قال ولما انتهى بعلي ﵇ إلى أبي بكر انتهره عمر وقال له: بايع ودع عنك هذه الأباطيل فقال له علي (ع) فإن لم أفعل فما أنتم صانعون؟ قالوا: نقتلك ذلًا وصغاراّ، فقال: إذًا تقتلون عبدًا لله وأخا رسوله، قال أبو بكر أما عبد الله فنعم وأما أخا رسول الله فما نقر بهذا قال: أتجحدون أم رسول الله (- ﷺ -) آخى بيني وبينه، قال: نعم، فأعاد ذلك عليه ثلاث مرات ثم أقبل عليهم علي ﵇ فقال: يا معشر المسلمين والمهاجرين والأنصار وأنشدكم الله أسمعتم رسول الله (- ﷺ -) يقول يوم غدير خم
[ ١٧٩ ]
كذ وكذا، فلم يدع ﵇ شيئًا قاله فيه رسول الله - ﷺ - علانية للعامة إلا ذكرهم إياه قالوا: نعم! فلما تخوف أبو بكر أن ينصره الناس وأن يمنعوه، بادرهم فقال كلما قلت حق قد سمعناه بآذاننا ووعته قلوبنا ولكن قد سمعت رسول الله يقول بعد هذا إنا أهل بيت اصطفانا الله وأكرمنا واختار لنا الآخرة على الدنيا وإن الله لم يكن ليجمع لنا أهل البيت النبوة والخلافة فقال علي (ع) هل أحد من أصحاب رسول الله (- ﷺ -) شهد هذا معك، فقال عمر: صدق خليفة رسول الله قد سمعته منه كما قال، وقال أبو عبيدة وسالم مولى أبي حذيفة ومعاذ بن جبل: قد سمعنا ذلك من رسول الله فقال علي ﵇ لقد وفيتم بصحيفتكم التي تعاقدتم عليها في الكعبة إن قتل الله محمدًا أو مات لتزون هذا الأمر عنا أهل البيت، فقال أبو بكر: فما علمك بذلك؟ ما أطعناك عليها فقال ﵇: أنت يا زبير وأنت يا سلمان وأنت يا أبا ذر وأنت يا مقداد أسألكم بالله وبالإسلام أما سمعتم رسول الله (- ﷺ -) يقول ذلك وأنتم تسمعون أن فلانًا وفلانًا حتى عدهم هؤلاء الخمسة قد كتبوا بينهم كتابًا وتعاهدوا فيه وتعاقدوا على ما صنعوا، فقالوا: اللهم نعم قد سمعنا رسول الله - ﷺ - يقول ذلك لك إنهم قد تعاهدوا وتعاقدوا على ما صنعوا وكتبوا بينهم كتابًا إن قتلت أو مت أن يزووا عنك هذا يا علي، قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله فما تأمرني إذا كان ذلك أن أفعل، فقال: لك إن وجدت عليهم أعوانًا فجاهدهم ونابذهم وإن
أنت لم تجد أعوانًا فبايع واحقن دمك، فقال علي ﵇: أما والله لو أن أولئك الأربعين رجلًا الذين بايعوني وفوا لي لجاهدتكم في الله ولكن أما والله لا ينالها أحد من عقبكما إلى يوم القيامة وفيما يكذب قولكم على رسول الله - ﷺ - قوله تعالى: أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكًا عظيمًا فالكتاب النبوة، والحكمة السنة والملك الخلافة ونحن
[ ١٨٠ ]
آل إبراهيم، فقام المقداد فقال: يا علي! بما تأمرني؟ والله إن أمرتني لأضربن بسيفي وإن أمرتني كففت فقال على (ع) كف يا مقداد واذكر عهد رسول الله (- ﷺ -) وما أوصاك به فقمت وقلت: والذي نفسي بيده لو أني أعلم أنى أدفع ضيمًا وأعز لله دينًا لوضعت سيفي على عنقي ثم ضربت به قدما قدما، أتثبون على أخي رسول الله - ﷺ - ووصيه وخليفته في أمته وأبي ولده فأبشروا بالبلاء واقنطوا من الرخاء، وقام أبو ذر فقال: أيتها الأمة المتحيرة بعد نبيها المخذوله بعصيانها إن الله يقول: (إن الله اصطفى آدم ونوحًا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم) وآل محمد الأخلاف من نوح وآل إبراهيم من إبراهيم والصفوة والسلالة من إسماعيل وعترة النبي محمد وأهل بيت النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة وهم كالسماء المرفوعة والجبال المنصوبة والكعبة المستورة والعين الصافية والنجوم الهادية والشجرة المباركة أضاء نورها وبورك زيتها محمد خاتم الأنبياء وسيد ولد آدم وعلي وصي الأوصياء وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين وهو الصديق الأكبر والفاروق الأعظم ووصي محمد ووارث علمه وأولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم كما قال الله: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾ فقدموا من قدم الله، وأخروا من أخر الله، واجعلوا الولاية والوراثة لمن جعل الله، فقام عمر فقال لأبي بكر وهو جالس فوق المنبر، ما يجلسك فوق المنبر وهذا جالس محارب لا يقوم فيبايعك أو تأمر به فتضرب عنقه والحسن والحسين ﵈ قائمان فلما سمعا مقالة عمر بكيا فضمهما ﵇ إلى صدره فقال: لا تبكيا فوالله ما يقدران على قتل أبيكما، وأقبلت أم أيمن حاضنة رسول الله - ﷺ - فقالت: يا أبا بكر ما أسرع ما أبديتم حسدكم ونفاقكم، فأمر بها عمر، فأخرجت من المسجد وقال: ما لنا وللنساء؟ (وقام بريدة الأسلمي) وقال: أتثب يا عمر على
[ ١٨١ ]
أخي رسول الله (- ﷺ -) وأبي ولده وأنت الذي نعرفك في قريش بما نعرفك ألستما اللذين قال لكما رسول الله (- ﷺ -) انطلقا إلى علي وسلما عليه بامرة المؤمنين فقلتما أعن أمر الله وأمر رسوله قال: نعم، فقال أبو بكر: قد كان ذلك ولكن رسول الله قال بعد ذلك: لا يجتمع لأهل بيتي النبوة والخلافة، فقال والله ما قال هذا رسول الله (- ﷺ -) والله لا سكنت في بلدة أنت فيها أمير، فأمر به عمر فضرب وطرد، ثم قال: قم يا ابن أبي طالب فبايع فقال: فإن لم أفعل قال: إذًا والله نضرب عنقك، فاحتج عليهم ثلاث مرات، ثم مد
يده من غير أن يفتح كفه فضرب عليها أبو بكر ورضي بذلك منه، فنادى علي ﵇ قبل أن يبايع والحبل في عنقه (يا ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلوني) " (١).
ولم يشبع بهذه القذارة وهذه الترهات إلا وزادها بأكاذيب أخرى حيث قال: قال الزبير لما بايع أبا بكر لعمر بن الخطاب يا ابن الصهاك! أما والله لولا هؤلاء الطغاة الذين عانوك لما كنت تقدم علي ومعي سيفي لما أعرف من جبنك (٢) ولومك، ولكن وجدت طغاة تقوى بهم وتصول، فغضب عمر وقال: أتذكر صهاك؟
قال: ومن صهاك؟ وما يمنعني من ذكرها؟ وقد كانت صهاك زانية، أو تنكر ذلك، أوليس كانت أمة حبشية لجدي عبد المطلب فزنى بها جدك نفيل، فولدت أباك الخطاب فوهبها عبد المطلب لجدك بعد ما زنى بها فولدته وإنه لعبد جدي ولد زنا" (٣).
_________________
(١) "كتاب سليم بن قيس" ص٨٣ إلى ٨٩
(٢) فانظر إلى الكذب الذي يكذب صاحبه ويفضحه. أشجاع مثل الفاروق يحتاج لإثبات شجاعته إلى مثل هذا النباح الذي ينبح؟ وألد خصومه لا يتهمه بمثل ما اتهمه هذا الكذاب الأشر، إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور
(٣) "كتاب سليم بن قيس" ص٨٩، ٩٠
[ ١٨٢ ]
ولا هذا فحسب، بل يتقدم أكثر وأكثر في لومه ونجاسته، وخبثه ويهوديته ويقول: قلت لسلمان: أفبايعت أبا بكر يا سلمان! ولم تقل شيئًا، قال قد قلت بعد ما بايعت تبًا لكم سائر الدهر أو تدرون ما صنعتم بأنفسكم أصبتم وأخطأتم ثم أصبتم سنة من كان قبلكم من الفرقة والاختلاف وأخطأتم سنة نبيكم حتى أخرجتموها من معدنها وأهلها، فقال عمر: يا سلمان أما إذ بايع صاحبك وبايعت فقل ما شئت وافعل ما بدا لك وليقل صاحبك ما بدا له قال سلمان: فقلت سمعت رسول الله (- ﷺ -) يقول: إن عليك وعلى صاحبك الذي بايعته مثل ذنوب أمته إلى يوم القيامة ومثل عذابهم جميعًا، فقال له: قل ما شئت أليس قد بايعت ولم يقر الله عينيك بأن يليها صاحبك، فقلت: أشهد أني قد قرأت في بعض كتب الله المنزلة أنك باسمك ونسبك وصفتك باب من أبواب جهنم فقال لي: قل ما شئت أليس قد أزالها الله عن أهل البيت الذين اتخذتموهم أربابًا من دون الله، فقلت له: أشهد أني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول وسألته عن هذه الآية ﴿يومئذ لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد﴾ فأخبرني أنك أنت هو، فقال لي عمر: اسكت أسكت الله نامتك أيها العبد ابن اللخناء فقال لي ﵇: أقسمت عليك يا سلمان! لما سكت فقال سلمان والله! لو لم يأمرني علي (ع) بالسكوت لخبرته بكل شيء نزل فيه وكل شيء سمعته من رسول الله (- ﷺ -) فيه وفي صاحبه. فلما رآني عمر قد سكت قال إنك له لمطيع مسلم، فلما أن بايع أبو ذر والمقداد ولم يقولا شيئًا قال عمر: يا سلمان ألا تكف كما كف صاحبك والله! ما أنت بأشد حبًا لأهل هذا البيت منهما ولا أشد تعظيمًا لحقهم منهما وقد كفا كما نرى وبايعا، وقال أبو ذر: يا عمر! أفتعيرنا بحب آل محمد وتعظيمهم، لعن الله - وقد فعل - من أبغضهم وافترى عليهم وظلمهم حقهم وحمل الناس على رقابهم ورد هذه الأمة القهقهرى على أدبارها، فقال عمر: آمين لعن الله من ظلمهم حقهم لا والله ما لهم فيها حق وما هم فيها وعرض الناس إلا سواء قال أبو ذر فلم خاصمتم الأنصار بحقهم وحجتهم قال علي ﵇ لعمر: يا ابن صهاك فليس لنا فيها حق وهي لك
[ ١٨٣ ]
ولابن آكلة الذباب، قال عمر: كفّ الآن يا أبا الحسن إذ بايعت فإن العامة رضوا بصاحبي ولم يرضوا بك فما ذنبي؟ قال علي ﵇: ولكن الله ﷿ ورسوله لم يرضيا إلا بي فابشر أنت وصاحبك ومن اتبعكما ووازركما بسخط من الله وعذابه وخزيه ويلك يا ابن الخطاب لو تدري ما منه خرجت وفيما دخلت وماذا جنيت على نفسك وعلى صاحبك" (١).
وأيضًا "إن تابوتًا من نار فيها اثنا عشر رجلًا ستة من الأولين وستة من الآخرين في جب، في قعر جهنم، في تابوت مقفل، على ذلك الجب صخرة، فإذا أراد الله أن يسعر جهنم كشف تلك الصخرة عن ذلك الجب فاستعرّت جهنم من وهج ذلك الجب ومن حره، . أما الأولون .. والآخرين، الدجال وهؤلاء الخمسة، أصحاب الصحيفة والكتاب وجبتهم وطاغوتهم الذي تعاهدوا عليه .. وقال علي ﵇ لعثمان - وعلي منه بريء. ورب الكعبة! -: سمعت رسول الله (- ﷺ -) يلعنك ثم لم يستغفر الله لك بعد ما لعنك .. وقال: إن الناس كلهم ارتدوا بعد رسول الله (- ﷺ -) غير أربعة، إن الناس صاروا بعد رسول الله بمنزلة هارون ومن تبعه، ومنزلة العجل ومن تبعه، فعلى في شبه هارون، وعتيق في شبه العجل، وعمر في شبه السامري - عفوك يا رباه من نقل هذا الهذيان والكفريات - (٢).
ويقول زورًا وبهتانًا وكذبًا على رسول الله - ﷺ - أنه أمر الناس:
"سلموا على أخي ووزيري ووارثي وخليفتي في أمتي وولي كل مؤمن بعدي، بإمرة المؤمنين (٣) فإنه زر الأرض الذي تسكن إليه، ولو قد فقد تموه أنكرتم
_________________
(١) "كتاب سليم بن قيس" ص٩٠، ٩١
(٢) "كتاب سليم بن قيس" ص٩١، ٩٢ ط بيروت
(٣) وهل يعقل أن الرسول ﵇ يجعل أحدًا أمير المؤمنين وهو حي موجود ثم ولا يعلمه أحد ولا يخبر بذلك في السقيفة عندما جرى هنالك ما جرى بين الأنصار والمهاجرين، ولكن القوم ليس لهم قلوب يفقهون بها، ولا أعين يبصرون بها، أولئك كالأنعام بل هم أضل
[ ١٨٤ ]
الأرض وأهلها، فرأيت عجل هذه الأمة وسامريها راجعًا لرسول الله - ﷺ - فقالا: حق من الله ورسوله؟ فغضب رسول الله ثم قال: حق من الله ورسوله، .. فقالا: ما بال هذا الرجل ما زال يرفع خصيصة ابن عمه" (١).
وتجرأ هذا اللعين إن كان هو القاتل، أو من نسب إليه هذا واخترعه باسمه، وافترى على أهل بيت النبي - ﷺ -، زوجته، أم المؤمنين - بما فيهم علي وعائلته لأنهم من المؤمنين، وأزواجه أمهاتهم - على الصديقة الطيبة الطاهرة بشهادة القرآن، فقال:
دخل علي ﵇ على رسول الله - ﷺ - وعائشة قاعدة خلفه . فقعد بين رسول الله (- ﷺ -) وبين عائشة فغضبت وقالت: ما وجدت لإستك موضعًا غير حجري، فغضب رسول الله (- ﷺ -) وقال: يا حميراء لا تؤذيني في أخي عليّ فإنه أمير المؤمنين وخليفة المسلمين وصاحب الغر المحجلين يجعله الله على صراط فيقاسم النار ويدخل أولياءه الجنة ويدخل أعداءه النار" (٢).
وأخيرًا ننقل عنه ما أورده في الخلفاء الراشدين الثلاثة حيث يذكر.
أن علي بن أبي طالب ﵁ كتب إلى معاوية بن أبي سفيان (٣) ﵄ فيما كتب:
"إن رسول الله - ﷺ - رأى اثنى عشر إمامًا من أئمة الضلالة على منبره يردون الناس على أدبارهم القهقهرى، رجلان من قريش، وعشرة من بني أمية، أول العشرة صاحبك الذي تطلب بدمه - أي عثمان - (٤).
_________________
(١) "كتاب سليم بن قيس" ص١٦٧
(٢) "كتاب سليم بن قيس" ص١٧٩
(٣) الذي آمن عام الفتح وقال رسول الله - ﷺ -: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن (كتاب الخصال لابن بابويه القمي ج١ ص٢٧٦)
(٤) "كتاب سليم بن قيس" ص١٩٦
[ ١٨٥ ]
هذا وما أكثر مثل هذا الكتاب الذي كتب على غلافه:
"من لم يكن عنده من شيعتنا ومحبينا كتاب سليم بن قيس العامري فليس عنده من أمرنا شيء، وهو سر من أسرار محمد - ﷺ -، الإمام الصادق".
والذي قال فيه المجلسي: والحق أنه من الأصول المعتبرة" (١).
وقال فيه ابن النديم الشيعي في الفهرست: وكان قيس شيخًا له نور يعلوه وأول كتاب ظهر للشيعة كتاب سليم بن قيس" (٢).
وقال الشيخ الجليل للقوم محمد بن إبراهيم الكاتب النعماني في كتاب الغيبة المطبوع بإيران: وليس بين جميع الشيعة ممن حمل العلم ورواه عن الأئمة ﵈ خلاف في أن كتاب سليم بن قيس الهلالي أصل من أكبر كتب الأصول التي رواها أهل العلم وحملة حديث أهل البيت ﵈ وأقدمها لأن جميع ما اشتمل عليه هذا الأصل، إنما هو عن رسول الله - ﷺ -، وأمير المؤمنين (ع) والمقداد وسلمان الفارسي وأبي ذر ومن جرى مجراهم ممن شهد رسول الله (- ﷺ -) وأمير المؤمنين (ع) وسمع منها، وهو من الأصول التي ترجع الشيعة إليها وتعول عليها" (٣).
أو بعد هذا مجال لقائل مخادع أن يقول:
إن فكرة اتهام الشيعة بسب الصحابة وتفكيرهم - كونتها السياسة الغاشمة، وتعاهد تركيزها أناس مرتزقة باعوا ضمائرهم بثمن بخس وتمرغوا على أعتاب الظلمة، يتقربون إليهم بذم الشيعة وقد استغل أعداء الدين هذه الفرصة فوسعوا دائرة الانشقاق لينالوا أغراضهم، ويشفوا صدورهم من الإسلام وأهله، وراح المهرجون يتحمسون لإثارة الفتن وإيقاد نار البغضاء بين المسلمين بدون
_________________
(١) مقدمة الكتاب ص١٣
(٢) مقدمة الكتاب ص١٣
(٣) مقدمة الكتاب ص١٢
[ ١٨٦ ]
تدبر وتثبت، وقد ملئت قلوبهم غيظًا.
وبحكم السياسة وتحكمها أصبحت الشيعة وهى ترمي بكل عظيمة وتهاجم بهجمات عنيفة، واندفع ذووا الأطماع يعرضون ولاءهم للدولة في تأييد ذلك النظام والاعتراف به، وأنه قد أصبح جزءًا من حياة الأمة العقلية وهم يخادعون أنفسهم.
ولم يفتحوا باب النقاش العلمي، وحرموا الناس حرية القول، وأرغموهم على الاعتراف بفكر الشيعة والابتعاد عن مذهب أهل البيت (ع) ولو سألهم سائل عن الحقيقة وطلب منهم أن يوضحوا لهم ذلك، فليس له جواب إلا شمول ذلك النظام له، ونحن نسائلهم:
١ـ أين هذه الأمة التي تكفر جميع الصحابة ويتبرءون منهم؟
٢ـ أين هذه الأمة التي تدعي لائمة أهل البيت (ع) منزلة الربوبية؟
٣ـ أين هذه الأمة التي أخذت تعاليمها من المجوس فمزجتها في عقائدها؟
٤ـ أين هذه الأمة التي حرفت القرآن وادعت نقصه؟
٥ـ أين هذه الأمة التي ابتدعت مذاهب خارجة عن الإسلام؟
إنهم لا يستطيعون الجواب على ذلك، لأن الدولة قررت هذه الاتهامات فلا يمكنهم محالفتها. ولا يمكن إقناعهم بلغة العلم. وما أقرب الطريق إلى معرفة الحقيقة لو كان هناك صبابة من تفكير وبقايا من حب الاستطلاع وخوف من الله وحماية للدين" (١).
فنقول له: يا أستاذ! فكرة اتهام الشيعة بسب الصحابة وتفكيرهم - كونتها السياسة الغاشمة: أو إنها حقيقة واسعة واضحة بينة ثابتة مرة؟
وقد أثبتها كتبكم أنتم مهما حاولتم تغطيتها، وطالما قصدتم إخفاءها.
_________________
(١) الإمام الصادق" لأسد حيدر الشيعي ج٢ ص٦١٧، ٦١٨ ط بيروت
[ ١٨٧ ]
فهل بعد نشر مثل هذه الكتب الخبيثة الجريحة تريدون أن تخدعوا المسلمين بأنكم لستم إلا طائفة من طوائف الإسلام وفئة من فئات المسلمين ولو منحرفة؟
فلا والله! لن ينخدع بهذه الأباطيل إلا من يريد أن يخدع نفسه لينال غرضًا من أغراضه، وطامع يعرض ولائه لهذا أم ذاك، أو جاهل غافل لا يدري عن الحق والحقيقة شيئًا.
وهناك كم من المرتزقة وقفوا أقلامهم للطغاة والأشرار الشاتمين لأصحاب رسول الله، والطاعنين لحملة الإسلام وناشري الرسالة، يدافعون عن أولئك الطغاة، ويؤولون أقوالهم وكتاباتهم بتأويلات وتبريرات يمجها العقل ويزدريها الحجى، بائعين ضمائرهم بثمن بخس دراهم معدودة، هاتفين شعار وحدة الأمة واتفاقها واتحادها، وهل يمكن الاتحاد على أعراض الخلفاء الراشدين وهي تنتهك، وحرمات أزواج النبي، أمهات المؤمنين وهي تنتهب وتستلب؟
وهل يمكن أن تجتمع كلمة المسلمين ومثل هذه الكتب تطبع وتنشر؟
ومثل هذه العقائد فإنها تعلن بها وتجهر؟
أو يقال للجريح: لا تتأوه وللمضروب لا تتأفف فلا ولا، تلك إذًا قسمة ضيزى.
فأين دعاة التقريب من مغفلي السنة، أو من باع دينه بدنياه؟
أين هؤلاء! ألا ينظرون إلى مثل هذه الكتب، وما أكثرها، وعقائد القوم وما أعمقها؟
فلا يخلوا كتاب من كتب القوم الأصلية إلا وهو مليء من السباب والشتائم، واللعن والطعن مثل كتاب سليم بن قيس" (١).
_________________
(١) ونحن نعرف بأن بعضًا منهم لم يقرءوا من كتب القوم إلا ما كتب تقية لخداع العامة من السنة مثل "أصل الشيعة وأصولها" لمحمد حسين آل كاشف الغطاء، وككتاب أسد حيدر "الإمام الصادق والمذاهب الأربعة"
[ ١٨٨ ]
ولقد ذكرنا بعض العبارات من بعضها، وها نحن نلقي نظرة عابرة على البعض الآخر.
فمن كتب الشيعة في الحديث والرجال كتاب هام وقديم باسم "معرفة الناقلين عن الأئمة الصادقين" لأبي عمرو محمد بن عمر بن عبد العزيز الكشي (١) والذي يعرف برجال الكشي، وهذا الكتاب له ميزة أخرى حيث ذكروا أن شيخ الطائفة أبا جعفر الطوسي الذي أدرج كتاباه "الاستبصار" و"التهذيب" في الصحاح الأربعة الشيعية هو الذي لخصه ورتبه، وبهذا يصير هذا الكتاب لشخصين، لمحدثهم وكبيرهم في الرجال ومعولهم وسندهم وحجتهم الكشي، ولإمامهم وشيخهم شيخ الطائفة الطوسي.
فمن هذا الكتاب نورد بعض الروايات التي تنبئ عن خرافات القوم وسخافاتهم، وعن حسدهم وبغضهم هؤلاء الأخيار، صحابة النبي المختار - ﷺ -، خلفاءه الراشدين، ونوابه المهديين، رضوان الله عليهم أجمعين.
يكتبون فيه:
"إن محمد بن أبي بكر بايع عليًا ﵇ من البراءة من أبيه" (٢).
وأيضًا أنه قال لعلي: أشهد أنك إمام مفترض طاعتك وإن أبي في النار" (٣).
_________________
(١) قال عنه القمي: هو الشيخ الجليل المتقدم أبو عمرو، قال الشيخ طوسي: إنه ثقة، بصير بالأخبار والرجال، حسن الاعتقاد صحب العياشي وأخذ عنه وتخرج عليه، وداره كان مرتعًا للشيعة وأهل العلم. . . . ويظهر من معالم العلماء أن اسم كتابه "معرفة الناقلين عن الأئمة الصادقين" (ع) واختصره شيخ الطائفة وسماه ابختيار الرجال وصرح جماعة من أئمة الفن أن الموجود المتداول من عصر العلامة إلى وقتنا هذا هو اختيار الشيخ، والكشي نسبة إلى الكش من بلاد ما وراه النهر" (الكنى والألقاب) ج٣ ص٩٤، ٩٥. وكان من مواليد القرن الرابع من الهجرة وتوفي فيه
(٢) "رجال الكشي" تحت ترجمة محمد بن أبي بكر ص٦١ ص كربلاء
(٣) "رجال الكشي" تحت ترجمة محمد بن أبي بكر ص٦١ ط كربلاء
[ ١٨٩ ]
و"كان صهيب عبد سوء يبكي على عمر" (١).
ويقول فيهما: ما أهريق دم، ولا حكم بحكم غير موافق لحكم الله وحكم رسوله - ﷺ - وحكم علي إلا وهو في أعناقهما" (٢).
وأيضًا: "ما أهريق في الإسلام محجمة من دم، ولا اكتسب مال من غير حله، ولا نكح فرج حرام إلا ذلك في أعناقهما إلى يوم يقوم قائمنا، ونحن معاشر بني هاشم نأمر كبارنا وصغارنا بسبهما والبراءة منهما" (٣).
ويقول في ذي النورين (٤): إن الآية ﴿يمنون عليك أن أسلموا﴾.
_________________
(١) "رجال الكشي" ص٤١ تحت ترجمة بلا وصهيب
(٢) "رجال الكشي" ص١٧٩، ١٨٠
(٣) "رجال الكشي" ص١٨٠
(٤) من الأفضل، علي أم نبي؟ ولا ندري أن الأصل في الفضل هو النبي صلوات الله وسلامه عليه أم علي ﵁ عند القوم لأنه إن كان الفضل والشرف لعلي بسبب النبي - ﷺ - بأنه صهره، زوج بنته وقريبه ومطيعه فلم حرم الآخرون المنتسبون إلى الرسول العظيم ﵊، فكل من انتسب إليه وصدقه وآمن به وأطاعه وأحبه وقدمه على والديه وولده، وصاهره فهو عظيم يعظم، وكبير يؤقر، ومحترم يحترم حسب منزلته ومقامه، فعلي زوج ابنته فاطمة فيكر، وجدير به أن يكون، وذو النورين زوج ابنتيه زوجهما رسول الله الناطق بالوحي واحدة بعد واحدة عن رضى القلب وطيب النفس، وأنزله منزلة الفؤاد كما رواه علي، فلم لا يحترم ويعظم ويؤقر وهو مع ذلك ابن بنت عمته الحقيقية، وأول مهاجر في سبيل الله من المؤمنين بإيمانه وإسلامه؟ فعدلًا يا عباد الله. وإننا لنرى بأن القوم لا يجعلون النبي أصلًا وجذرًا يعظم ويحترم علي لأجله ونسبته إليه، بل هم يعظمونه ويحترمونه لعلي لأنه أخذ ابنته، وجعله قريبه وحبيبه. لذلك كل من اقترب من علي وناصره وساعده وأيده ودخل في شيعته هو الأفضل والأعلى لا غير، وعلى ذلك اخترعوا تلك الرواية الغريبة العجيبة المكذوبة والموضوعة الباطلة: "إن الصدوق طاب ثراه يروي عن النبي (- ﷺ -) قال: أعطيت ثلاثًا، وعلي مشاركي فيها، وأعطي علي (ع) ثلاثة ولم أشاركه فيها، فقيل: يا رسول الله وما الثلاث التي شاركك علي؟ قال: لواء الحمد لي وعلى حامله، والكوثر لي وعلي (ع) ساقيه، واجلنة والنار لي وعلي قسيمها، وأما الثلاث التي أعطي علي ولم أشاركه فيها، فإنه أعطي شجاعة ولم أعط مثله، وأعطي فاطمة الزهراء زوجة ولم أعط مثلها، وأعطي ولديه الحسن والحسين ولم أعط مثلها، وأعطي ولديه الحسن والحسين ولم أعط مثلهما" (الأنوار النعمانية لنعمة الله الجزائري). والمجلسي لم يقتنع بهذا فزاد أن رسول الله - ﷺ - قال له فيما قال: وخديجة كنتك (أم الزوجة) ولم أعط كنة مثلها، ومثلي رحيمك ولا رحيم لي مثل رحيمك (أب الزوج)، وجعفر شقيقك وليس لي شقيق مثله، وفاطمة الهاشمية أمك وأنى لي مثلها" (بحار الأنوار للمجلسي ص٥١١ ط قديم الهند). وهذه الروايات إن دلت - ومثلها كثيرة كثيرة - دلت على حقيقة معتقدات القوم بأنهم يعدون عليًا الأصل ونبينا - ﷺ - الفرع، كما أنهم يصرحون بأفضليته على رسول الله سيد الخلق - ﷺ -، وهذا ظاهر بيّن، لا شك فيه
[ ١٩٠ ]
نزلت في عثمان" (١).
فهذا هو كشيهم وطوسيهم.
وأما العاملي النباتي (٢) فلقد خصص جزءً مستقلًا من كتابه للطعن واللعن، وبوب الباب بعنوان "باب في الطعن فيمن تقدمه (أي علي) بظلمه وعدوانه، وما أحدث كل واحد في زمانه من طغيانه" - ويكتب تحته - "وهذا الباب
_________________
(١) "رجال الكشي" ص٣٤
(٢) هو أبو محمد زين الدين علي بن يونس العاملي، ولد في أوليات القرن التاسع ومات ٨٧٧ "فقيه محدث مفسر" (معجم المؤلفين ج٧ ص٢٦٦). "من فقهاء جبل العامل، ومن أفذاذ العلماء وجهابذة الكلام وأساطين الشريعة وأفاضل الرجال" (مقدمة للصراط ج٢ ص١٩). وأما كتاب "الصراط المستقيم" هو أجلّ آثار المؤلف وأعظم مصنفاته
[ ١٩١ ]
ينوع إلى ثلاثة بحسب المشائخ الثلاثة" (١).
فكتب فيما كتب في النوع الأول على لسان رافضي مثله:
قالوا أبا بكر خليفة أحمد كذبوا عليه ومنزل القرآن
ما كان تيمي له بخليفة بل كان ذاك خليفة الشيطان (٢).
ويكتب ما في جعبته من الحقد والبغض لصاحب رسول الله - ﷺ - وثاني اثنين إذ هما في الغار حيث يفتري على محمد بن أبي بكر أنه قال:
كنت عند أبي أنا وعمر وعائشة وأخي، فدعا بالويل ثلثًا وقال: هذا رسول الله - ﷺ - يبشرني بالنار، وبيده الصحيفة التي تعاقدنا عليها، فخرجوا دوني وقالوا: يهجر، فقلت: تهذي؟ قال: لا والله! لعن الله ابن الصهاك، فهو الذي صدني عن الذكر بعد إذ جاءني.
فما زال يدعو بالثبور حتى غمضْته، ثم أوصوني لا أتكلم حذرًا من الشماتة" (٣).
هذا ما كتبه هذا الشاتم حشره الله مع مبغضي رسول الله وأصحابه.
وأما ما افتراه علي عبقري الإسلام، فاتح قيصر، وهازم شوكة الكسروية، ومخرج اليهودية عن جزيرة العرب، وصهر علي بن أبي طالب زوج أم كلثوم أنه قال عند احتضاره:
ليتني كنت كبشًا لأهلي، فأكلوا لحمي ومزقوا عظمي، ولم أرتكب إثمي" (٤).
ويكتب هذا اللعان اللعين تحت عنوان "كلام في خساسته وخبث سريرته" ما يستحيي منه الفسقة الفجرة أن قوله تعالى: ﴿لا يستوى الخبيث والطيب﴾
_________________
(١) "الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم" للعين النباتي ج٢ ص٢٧٩ ط مطبعة الحيدري ونشر المكتبة المرتضوية
(٢) "الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم" ج٢ ص٢٩٩
(٣) "الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم" جص ص٣٠٠
(٤) "الصراط المستقيم ج٣ ص٢٥ تحت النوع الثاني
[ ١٩٢ ]
و﴿الخبيثات للخبيثين﴾ نزلتا فيه" (١).
وتجرأ أكثر، وبلغ إلى الدرك الأسفل من النار حيث كتب:-
إذا نسبت عديًا في بني مضر فقدم الدال قبل العين في النسب
وقدم السوء والفحشاء في رجل وغد زنيم عتل خائن النسب (٢)
وقال فيهما أعني في الصديق والفاروق:-
وكل ما كان من جور ومن فتن ففي رقابهما في النار طوقان (٣)
وكتب في صاحب الجود والحياء، زوج ابنتي رسول الله - ﷺ -، وذي النورين عثمان بن عفان ﵁.
كتب في النوع الثالث:
"إنه سمي نعثلًا تشبيها بذكر الضباع، فإنه نعثل لكثرة شعره .. ويقال: النعثل، التيس الكبير العظيم اللحية، وقال الكلبي في "كتاب المثالب". كان عثمان ممن يلعب به ويتخنث، وكان يضرب بالدف" (٤).
وكتب "ما كان لعثمان اسم على أفواه الناس إلا الكافر" (٥).
وأخيرًا ننقل من هذا الكلب العقور ما قاله في الخلفاء الراشدين الثلاثة ﵃ وأرضاهم أن قول الله ﷿: ﴿أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم﴾ نزلت في الثلاثة" (٦).
_________________
(١) الصراط المستقيم ج٣ ص٢٨
(٢) الصراط المستقيم ج٣ ص٢٩
(٣) الصراط المستقيم ج٣ ص١٣
(٤) "الصراط المستقيم" ج٣ ص٣٠
(٥) الصراط المستقيم ج٣ ص٣٦
(٦) الصراط المستقيم ج٣ ص٤٠
[ ١٩٣ ]
وأيضًا - والسم من فيه وقلبه يتدفق -.
فكن من عتيق ومن غندر أبيًا بريئًا ومن نعثل
كلاب الجحيم خنازيرها أعادي بني أحمد المرسل (١)
فهذه هي العقائد الشيعية في أصحاب رسول الله عامة، وفى الخلفاء الراشدين الثلاثة خاصة، ولا يقول قائل: كان هذا قديمًا، وأما المتأخرون فلا يقولون مثل هذا.
ولا ينخدع مخدوع، ولا يغتر جاهل بقول البعض:
"وعمدة ما ينقمه غير الشيعة عليهم دعوى القدح في السلف أو أحد ممن يطلق عليه اسم الصحابي. والشيعة يقولون: إن احترام أصحاب نبينا "ص" من احترام نبينا، فنحن نحترمهم جميعًا لاحترامه" (٢).
أما الأول، فلا يهذي بمثل هذه الهذيانات القدامى فقط، بل المتأخرون على شاكلتهم ومنوالهم كما نحن نقلنا من المتقدمين والمتأخرين من المفسرين والمحدثين والفقهاء، وكما سننقله أيضًا.
وحتى هذه الكتب ألفها متقدموهم فلم يطبعها إلا المتأخرون، وقد علقوا عليها وحققوها، ومجدوها وبالغوا في مدحها والثناء عليها، ولو لم يكن ترضيهم هذه الكتب وما فيها من الشتائم والسخافات لم يقوموا بنشرها وتمجيدها، وهل يمكن لأهل السنة أن يطبعوا كتابًا يكون فيه تكفير وتفسيق، وطعن ولعن لعلي ﵁ وسبطي رسول الله الحسن والحسين ﵄؟ - معاذ الله -.
وليس الطبع والنشر فحسب، بل الثناء العاطر والمدح البالغ.
فانظر مثالًا لذلك هذا الكتاب بعينه، فالقوم لم يكتفوا بطبعه ونشره وتوزيعه في المسلمين، بل جعلوه "أنفس الأسفار وأحسن ما كتب في مبحث الإمامة،
_________________
(١) الصراط المستقيم ج٣ ص٤٠
(٢) "أعيان الشيعة" ج١ ص٦٩ ط بيروت
[ ١٩٤ ]
وأشبعها بحثًا وتحقيقًا، وأحكمها بالأدلة النقلية والعقلية والبراهين القاطعة، والأخبار الصحيحة، والآيات الصريحة التي لا تقبل التأويل والتفسير بغير ما هي له وفيه" (١).
ويقول آخر: لعمري! إنه الكتاب العجيب في موضوعه، قال العلامة صاحب الروضات، لم أر بعد كتاب الشافي لسيدنا المرتضى علم الهدى مثله، بل راجح عليه لوجوه شتى" (٢).
ورووا مثل ذلك عن الكحالة (٣).
والقمي (٤)، والخوانساري (٥)، والأصفهاني (٦)، والحر العاملي (٧) وغيرهم. وهؤلاء كلهم من المتأخرين.
وأما الثاني أي قول بعض الشيعة بأنهم لا يقدحون في الصحابة ويرون احترامهم لاحترام النبي فليس إلا خدعة يريدون أن يخدعوا بها السذج من السنة، وتقية يظهرون خلاف ما يبطنون ويعتقدون.
وأصدق دليل على ذلك تلك القصيدة المدحية التي قرضها السيد محسن الأمين في تعريف هذا الكتاب الخبيث وتمجيده، وقد أوردها في كتابه الكبير عند ذكر هذا الكتاب وتحت ترجمة مؤلفه وهذا مع دعواه أن احترام الصحابة من احترام النبي.
_________________
(١) نصر ما كتبه "سماحة الحجة الكبير آية الله الإمام الشيخ آغا بزرك الطهراني"، أحد الأعلام المجتهدين في النجف الأشرف، صاحب تصنيف الذريعة وغيره" (انظر مقدمة ج٢ ص٢٤)
(٢) مقدمة "الصراط المستقيم" ج١ ص٩ لشهاب الدين المرعشي النجفي
(٣) "معجم المؤلفين" ج٧ ص٢٦٦
(٤) "الكنى والألقاب" ج٢ ص١٠١
(٥) "روضات الجنات" ج١ ص٤٠٠
(٦) "رياض العلماء" ص٥٨٦
(٧) "أمل الآمل" ص٢٣
[ ١٩٥ ]
فانظر إليه ماذا يقول:
هذا الكتاب مبشر برشاد من يسلك طرائقه بغير خلاف
فكأنه المبعوث أحمد إذا أتى في آخر الأديان بالإنصاف
وكأنه من بين كتب الشيعة المقدمين كسورة الأعراف
ينبيك عن حال الرجال وما رووا بعبارة تغني وقول شاف
فهو الصراط المستقيم ومنهج الد ين القويم لسالكيه كافي
تأليفه من شهدت له آراؤه بكماله في سائر الأوصاف
للشيخ زين الدين قطب زمانه رب المكارم عبد آل مناف
فلقد أنار منار شيعة حيدر وأباد من هو للنصوص منافي
فجزاءه من أحمد ووصيه أهل السماحة معدن الأشراف (١).
لعل هذا يكون تذكرة للمغفلين، وعبرة للمخدوعين، ونصيحة للمغترين، كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره.
هذا وكان في ما ذكرنا كفاية لمعرفة القوم وبغضهم لأسلاف هذه الأمة ومحسنيها، ولكن لتتميم البحث، وتكميل الموضوع نذكر روايات يسيرة من كتب أخرى، ومن علمائهم وفقهائهم.
ومنهم الأردبيلي (٢) فإنه أيضًا خصص قسمًا من كتابه للطعن واللعن،
_________________
(١) "أعيان الشيعة" ج٤٢ ص٣٢ نقلًا عن ترجمة النباتي للطهراني
(٢) هو أحمد بن محمد الأردبيلي والأردبيل مدينة بأذربيجان، من مواليد القرن العاشر من الهجرة ومات سنة ٩٩٣ "كان متكلمًا فقيهًا عظيم الشان جليل القدر، رفيع المنزلة، وإنه ممن رأى الإمام صاحب الزمان. . . . له مصنفات جيدة منها "آيات الأحكام" و"حديثة الشيعة" (الكنى والألقاب للقمي ج٣ ص١٦٧). "وإنه كان يراجع في الليل ضريح الإمام في ما اشتبه عليه من المسائل ويسمع الجواب، وربما يحيله في المسائل مولانا صاحب الدار ﵇ إذا كان في مسجد الكوفة" (روضات الجنات ج١ ص٨٤)
[ ١٩٦ ]
والتفسيق والتكفير لأصحاب الرسول - ﷺ - عامة، وللخلفاء الراشدين الثلاثة خاصة، فيكتب تحت باب مطاعن الخلفاء الثلاثة:
"إن الخلفاء الثلاثة تخلفوا عن جيش أسامة وخالفوا أمر النبي في متابعته فكفروا، واستحقوا بكفرهم اللعن" (١).
ويكتب في الصديق والفاروق:-
فالله يعلم أن الحق حقهم لا حق تيم ولا عديين
لا تظلمن أخا تيم أبا حسن إذ خصه الله من بين الوصيين
خص النبي عليًا يوم كفركم بالعلم والحلم والقرآن والدين (٢).
ويكتب تحت عنوان مطاعن عمر خاصة:
"إن لعمر مطاعن لا تنحصر في التقرير ولا التحرير" (٣).
وكتب عن عثمان بن عفان ﵁ تحت عنوان مطاعن عثمان خاصة "أن المسلمين لما هزموا في وقعة أحد أراد عثمان أن يفر إلى الشام، ويستجير هناك عند صديق يهودي، وأراد طلحة أن يستجير هناك عند صديق نصراني، فأراد أحدهما أن يتهود، والآخر أن يتنصر" (٤).
وكتب " إن عثمان كان على الباطل ملعونًا" (٥).
_________________
(١) "حديقة الشيعة" ص٢٣٣ ط طهران
(٢) "حديثة الشيعة" ص٢٣٣ ط طهران
(٣) "حديقة الشيعة" ص٢٦٦
(٤) "حديقة الشيعة" ص٣٠٢
(٥) "حديقة الشيعة" ص٢٧٥
[ ١٩٧ ]
وأما ابن الطاؤس الحسني (١) الذي قبل النقابة من قبل هلاكو، قاتل المسلمين ومبيدهم، ولم يقبلها عن العباسيين، فقد أظهر حقده للصديق الأكبر ﵁ بقوله: كيف استجازوا استخلاف أبي بكر، وتركوا العباس وعليًا وغيرهما من بني هاشم، وبنو هاشم أقرب إلى نبيهم من بني تيم وعدي .. فكيف صار الأقرب الأفضل أقل منزلة من الأبعد الأرذل" (٢).
وأيضًا "أمر رسول الله عليًا ﵇ فنام على فراشه، وخشي من ابن أبي قحافة أن يدل القوم عليه فأخذه معه إلى الغار" (٣).
ويكتب في عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان قبل الإسلام نخاس الحمير، ويتقدم ويقول:
إن جدته الصهاك الحبشية ولدته من سفاح يعني من زنا، ثم يروون أن ولد الزنا لا ينجب، ثم مع هذا التناقض يدعون أنه أنجب، ويكذبون أنفسهم، ولو عقلوا لاستقبحوا أن يولوا خليفة، ثم شهدوا أنه ولد الزنا" (٤).
_________________
(١) هو علي بن موسى بن الطاؤس، ولد في الحلة سنة ٥٨٩، ونشأ بها ثم أقام بغداد خمسة عشر عامًا في زمن العباسيين، ثم رجع إلى الحلة، وأخيرًا عاد إلى بغداد باقتضاء المصالح في دولة مغول، وولع نقابة الطالبين بالعراق في ثلاث سنين وأحد عشر شهرًا من قبل هولاكو في سنة ٦٦ مع امتناعه الشديد عن ولاية النقابة في زمان "المستنصر"، وتوفي سنة ٦٦٤ (مقدمة الكتاب نقلًا عن "البحار" ٤٤/ ١٠٧). وقال التفرشي: إنه من أجلاء هذه الطائفة وثقاتها، جليل القدر" (نقد الرجال ص١٤٤)، وسمى المؤلف نفسه في هذا الكتاب بعبد المحمود تقية عن الخلفاء الذين كان في بلادهم (ص١٤)
(٢) "الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف" لابن طاؤس ص٤٠١ ط مطبعة الخيام قم ١٤٠٠هـ
(٣) "الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف" ص٤١٠
(٤) "الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف" ص٤٦٨ ٤٦٩
[ ١٩٨ ]
وانظر إلى تعبيره السيئ وعبارته الخبيثة.
"واختاروا عمر وهذه حاله على ما شهدوا به عليه، ثم انظر كيف كان خلاص عمر من حمل الحطب وعري الجسد ونخس الحمير بطريق نبيهم محمد (- ﷺ -) بعد وفاته، ثم تفكر فيما كان يجابهه في حياته من سوء المعاملة وقبح الصحبة، وما جاز به أهل بيت نبيهم بعد وفاته" (١).
وكتب عن عثمان ﵁ ثالث الخلفاء الراشدين.
"وقام الثالث كالغراب همته بطنه، ويله لو قُصّ جناحه وقطع رأسه لكان خيرًا له" (٢).
وأما حجة القوم ومجددهم، فقييهم ومحدثهم الملا باقر المجلسي الذي يسمونه خاتم المحدثين وإمام الأخباريين، فهو إمامهم في الدجل والكذب، واللعن والطعن، وإنه لفاق الأولين في الإفك والبهتان، والافتراء والهذيان، وجاوز جميع الحدود الأخلاقية واللاأخلاقية، فلقد بوّب في كتابه "حق اليقين" بابًا مستقلًا بعنوان "بيان كفر أبي بكر وعمر" وكتب تحته:
"ومن المعلوم أن حضرة فاطمة وحضرة الأمير ﵉ كانا يعدان أبا بكر وعمر منافقين، ظالمين، غاصبين، كما كانا يعدانهما كاذبين، ومدعين خلاف الحق، وعاقين للإمام".
والمعلوم أن من فارق الجماعة وترك الطاعة للإمام ومات، مات ميتة الجاهلية، ومروي أيضًا أنه من مات وليس في عنقه ربقة من طاعة الإمام، أو فارق الجماعة شبرًا فإنه مات ميتة جاهلية، والمعلوم أيضًا أن الصديقة الطاهرة
_________________
(١) "الطرائف في معرفة مذهب الطوائف" ص٤١٧
(٢) "الطرائف في معرفة مذهب الطوائف" ص٤١٧
[ ١٩٩ ]
(فاطمة) ماتت غير راضية عن أبي بكر [كذب عدو الله ولم يتذكر أنه روى نفسه أن فاطمة رضيت عن أبي بكر قبل وفاتها كما رضيت عن عمر كما مر بيانه وسيأتي -
غضب فاطمة على عليّ ﵄
وذلك مع أن رضاها وعدم رضاها ليس سببًا للإسلام والكفر فإنها ﵂ غضبت على عليّ بن أبي طالب ﵁ ولم يقل أحد بأنه خرج بذلك عن الإسلام.
وقد روى ذلك الشيعة أنفسهم في كتبهم.
فمنها ما رواه ابن بابويه القمي الملقب بالصدوق في كتابه عن أبي عبد الله (جعفر) - الإمام السادس المعصوم عند القوم - أنه سئل:
"هل تشيع الجنازة بنار ويمشي معها بمجمرة أو قنديل أو غير ذلك مما يضاء به؟
قال: فتغير لون أبي عبد الله "ع" من ذلك واستوى جالسًا ثم قال:
إنه جاء شقي من الأشقياء إلى فاطمة بنت رسول الله (- ﷺ -) فقال لها: أما علمت أن عليًا قد خطب بنت أبي جهل فقالت: حقًا ما تقول؟ فقال: حقًا ما أقول ثلاث مرات فدخلها من الغيرة ما لا تملك نفسها وذلك أن الله ﵎ كتب على النساء غيرة وكتب على الرجال جهادًا وجعل للمحتسبة الصابرة منهن من الأجر ما جعل للمرابط المهاجر في سبيل الله، قال: فاشتد غم فاطمة من ذلك وبقيت متفكرة هي حتى أمست وجاء الليل حملت الحسن على عاتقها الأيمن والحسين على عاتقها الأيسر وأخذت بيد أم كلثوم اليسرى بيدها اليمنى، ثم تحولت إلى حجرة أبيها فجاء عليّ فدخل حجرته فلم ير فاطمة فاشتد لذلك غمه وعظم عليه ولم يعلم القصة ما هي، فاستحى أن يدعوها من منزل أبيها فخرج إلى المسجد يصلي فيه ما شاء الله، ثم جمع شيئًا من كثيب المسجد واتكئ عليه، فلما رأى النبي (- ﷺ -) ما بفاطمة من الحزن أفاض عليها الماء ثم لبس ثوبه ودخل المسجد فلم يزل يصلي بين راكع وساجد، وكلما صلى ركعتين دعا الله أن يذهب ما بفاطمة من الحز والغم، وذلك أنه خرج من عندها وهي تتقلب وتتنفس الصعداء فلماء رآها النبي (- ﷺ -) أنها لا يهنيها النوم وليس لها قرار قال لها: قومي يا بنية فقامت، فحمل النبي (- ﷺ -) الحسن وحملت فاطمة الحسين وأخذت بيد أم كلثوم فانتهى إلى علي "ع" وهو نائم فوضع النبي (- ﷺ -) رجله على رجل عليّ فغمزه وقال: قم يا أبا تراب! فكم ساكن أزعجته ادع لي أبا بكر من داره، وعمر من مجلسه، وطلحة، فخرج علي فاستخرجهما من منزلهما واجتمعوا عند رسول الله (- ﷺ -) فقال رسول الله (- ﷺ -) يا علي! أما علمت أن فاطمة بضعة مني وأنا منها، فمن آذاها فقد آذاني (١)، من آذاني فقد آذى الله، ومن آذاها بعد موتي كان كمن آذاها في حياتي، ومن آذاها في حياتي كان كمن آذاها بعد موتي" (علل الشرائع للقمي ص١٨٥، ١٨٦ ط نجف، أيضًا أورد هذه الرواية المجلسي في كتابه "جلاء العيون" الفارسي).
وغضبت عليه أيضًا مرة أخرى حينما رأت رأس عليّ في حجر جارية أهديت له من قبل أخيه، وها هو النص:
يروي القمي والمجلسي عن أبي ذر أنه قال:
كنت أنا وجعفر بن أبي طالب مهاجرين إلى بلاد الحبشة، فاهديت لجعفر جارية قيمتها أربعة آلاف درهم، فلما قدمنا المدينة أهداها لعلي (ع) تخدمه، فجعلها علي (ع) في منزل فاطمة، فدخلت فاطمة ﵇ يومًا فنظرت إلى رأي علي ﵇ في حجر الجارية، فقالت: يا أبا الحسن! فعلتها؟ (٢)، وكانت تراه على الضلالة والبطلان،
_________________
(١) ومن الغرائب أن هذا الحديث لم يرد إلى بخصوص علي ﵁ حسب رواية القوم ولكنهم يحولونها إلى الصديق ﵁، وعلى ذلك قال ابن تيمية رحمة الله عليه: فإن كان هذا وعيدًا لاحقًا بفاعله لزم أن يلحق هذا الوعيد علي بن أبي طالب، وإن لم يكن وعيدًا لاحقًا بفاعله كان أبو بكر أبعد عن الوعيد من علي (المنتقى للذهبي)
(٢) انظر إلى ركاكة التعبير وسخافة القوم. والبهتان والافتراء على أهل بيت النبوة - ﷺ - من قبل القوم الذين يدّعون محبة أهل البيت وولاءهم، وأهل البيت من مثل هذه السخافات براء] فقال: والله يا بنت محمد! ما فعلت شيئًا، فما الذي تريدين؟ قالت: تأذن لي في المسير إلى منزل أبي رسول الله (- ﷺ -)، فقال لها: قد أذنت لك، فتجلببت بجلبابها، وأرادت النبي (- ﷺ -) " (علل الشرائع ص١٦٣ ط نجف وأيضًا "بحار الأنوار" ص٤٣، ٤٤، باب كيفية معاشرتها مع علي) وغضب عليه مرة ثالثة كما يرويه القوم. "إن فاطمة ﵂ لما طالبت فدك من أبي بكر امتنع أبو بكر أن يعطيها إياها فرجعت فاطمة ﵍ وقد جرعها من الغيظ ما لم يوصف ومرضت، وغضبت على عليّ لامتناعه عن مناصرته ومساعدته إياها وقالت: يا ابن أبي طالب! اشتملت مشيئمة الجنين وقعدت حجرة الظنين بعد ما أهلكت شجعان الدهر وقاتلتهم، والآن غلبت من هؤلاء المخنثين، فهذا هو ابن أبي قحافة يأخذ مني فدك التي وهبها لي أبي جبرًا وظلمًا ويخاصمني ويحاجني، ولا ينصرني أحد فليس لي ناصر ولا معين وليس لي شافع ولا وكيل، ذهبت غاضبة ورجعت حزينة، أدللت نفيس، تأتي الذئاب وتذهب ولا تتحرك، يا ليتني متّ قبل هذا وكنت نسيًا منسيًا، إنما أشكو إلى أبي وأختصم إلى ربي" ("حق اليقين" للمجلسي بحث فدك ص٢٠٣، ٢٠٤، ومثله في "الاحتجاج" للطبرسي و"الأمالي" ص٢٩٥ ط نجف). وهناك وقائع أخرى ذكرها كل من المجلسي والطوسي والأربلي وغيرهم وقعت بين علي ﵁ وبين فاطمة رضي الله عها - التي سببت إيذاءها ثم غضبها على عليّ. ولا ندري بماذا يجيب عليها القوم، وبماذا يحكم المنصفون منهم؟ فنحن نرضاهم حكمًا ومجيبين، فما هو جوابهم عن علي فهو جوابنا عن الصديق والفاروق ﵃ أجمعين. فإن قالوا إنها رضيت عن عليّ بعدما غضبت عليه فنقول: إنها رضيت أيضًا عن الشيخين بعدما غضبت "فمشى إليها أبو بكر بعد ذلك وشفع لعمر وطلب إليها فرضيت عنه" (شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج١ ص٥٧ ط بيروت، حق اليقين ص١٨٠ ط طهران، أيضًا شرح النهج لابن ميثم ج٥ ص٥٠٧ ط طهران، و"شرح النهج" للدنبلي ص٣٣١ ط طهران)
[ ٢٠٠ ]
وليس هذا فحسب، بل كل من اعتقد بإمامة أبي بكر وقال بها فإنه أيضًا مات
[ ٢٠١ ]
ميتة جاهلية وكفر وضلالة .. وعمر كذلك" (١).
ويكتب متماديًا في غلوائه وعدائه للرسول في أصحابه:
"إن أبا بكر مرة سئل عن الكلالة فأجاب، ثم قال: إن كان حقًا فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، ولنعم ما قاله أبو بكر حيث جعل نفسه
_________________
(١) "حق اليقين" للمجلسي ص٢٠٤، ٢٠٥ ط إيران
[ ٢٠٢ ]
قرينًا للشيطان وسيكون قرينه في جهنم أيضًا ويمكن أن يكون مراده من الشيطان عمر" (١).
وبوب هذا اللعين بابًا مستقلًا بعنوان "بيان قليل من البدع والأعمال القبيحة والأفعال الشنيعة التي ارتكبها عمر الخليفة الثاني للسنة" (٢).
ثم يقول: إن المطاعن والمثالب لمنبع الفتن هذا زائدة وكثيرة لا تسعها كتب مبسوطة ومفصلة، فكيف يسعه هذا الكتاب؟ فقد كان شريكًا لأبي بكر في جميع مثالبه ومعايبه، بل كانت خلافته من إحدى جرائمه" (٣).
و"عمر كان يعرف بأنه كافر ومنافق، وعدو لأهل البيت (عياذًا بالله من هذا المهاتر المهرج الخبيث)، وفي عنقه وزر جميع الشهداء" (٤).
فشركما لخيركم الفداء
وينتهي أخيرًا في السب والشتم والطعن في الفاروق الأعظم بكلمته:
"وأما ما ذكر في الكتب المبسوطة من دنائة نسب عمر وحسبه، وكونه ولد الزنا فلا يسعه هذا المختصر" (٥).
_________________
(١) "حق اليقين" ص٢٠٦ وهل هناك أحد من دعاة التقريب المنخدع من بعض قول القوم، أو الجاهل المخدوع، أو المتجاهل البائع الضمير يتحرك غيرته من هذا الكلام الشنيع والسب القبيح؟ أم لم يبق فيهم ولا رمق من الحمية الإسلامية والنخوة الأصيلة الشرعية، فمن لا يغير لأم المؤمنين بنص القرآن فلا يغير لأمه، ومن لا يغير لأحب الناس إلى الرسول لا يغير لأحب الناس إليه نفسه
(٢) ومن يخبر هذا النابح أالذي يلقبه بخليفة للسنة فقد كان خليفة لعلي بن أبي طالب وأولاده وأعمامه وإخوانه وبني إخوته وأخواته وأسرته كلها، وهو كان واحدًا من وزرائه ومستشاريه وقضاته، كما أعطاه ابنته، وغبطه بأعماله كما مرّ سابقًا بالتفصيل ويذكر المصادر والمراجع
(٣) "حق اليقين" للمجلسي ص٢١٩ ط إيران
(٤) "حق اليقين" للمجلسي ص٢٢٣
(٥) "حق اليقين" للمجلسي ص٢٥٩
[ ٢٠٣ ]
ثم ويقول في ذي النورين ﵁ مثل ما قاله في الصديق والفاروق ﵄:
إن كبار الصحابة اتفقوا على تفسيقه وتكفيره - كذبت يا عدو الله وابن اليهودية والمجوسية - وشهدوا عليه بالكفر .. وكان حذيفة يقول: الحمد لله، لا أشك في كفر عثمان، أما الذي أشك فيه هو هل كان قاتله من الكفار قتل كافرًا، أم كان مؤمنًا قد زاد إيمانه من جميع المؤمنين، وأيضًا إن الذي يعتقد في عثمان بأنه قتل مظلومًا يكون ذنبه أشد من ذنب الذين عبدوا العجل" (١).
"والدليل الناطق على كفر عثمان أن أمير المؤمنين (علي ﵁) كان يبيح قتله، ولم يكن يرى فيه بأسًا" (٢).
و"إن الدليل على أن عثمان كان يعدّه أمير المؤمنين كافرًا أنه تركه ونعشه يأكله الكلاب، وقد ذهبت بإحدى رجليه (انظر العداوة والبغضاء اليهودية كيف تتدفق من الكلمات اللاذعة التي تظهر ما في القلوب من الضغائن ضد حملة الإسلام في قناع حب عليّ وأهله، وعلي وأهله منهم براء) وبقي جسده ثلاثة أيام مرميًا كالكلاب في المزبلة تأكله الكلاب (نعم! كلاب مثلك) ولم
_________________
(١) "حق اليقين" ص٢٧٠
(٢) "حق اليقين ص٢٧١
[ ٢٠٤ ]
يصلّ علي عليه" (١).
هذا ومثل هذا لا تعدّ ولا تحصى، ولا أستطيع حتى وأن أنقلها، ثم وهذا الكلب العقور لا يذكر الصديق والفاروق وذا النورين وحتى أمهات المؤمنين، الصديقة، وحفصة اللاتي هن أمهات لعليّ، وسائر المؤمنين من بني هاشم بنص القرآن، لا يذكرهم المجلسي هذا إلا ويذكرهم ويذكرهن موصوفون وموصوفات باللعن، وقلّ أن يذكرهن خاصة بدون هذه الشتيمة.
وقبل أن ننقل عبارة لتمثيل هذا نسأل جميع من لهم قلوب يفقهون بها من الشيعة، هل يمكن لابن الحلال أن يسبّ ويشتم أمه، ويلعنها؟
فكيف استطاع أن يلعن أم جميع المؤمنين وأهل البيت أيضًا؟
فهل اللاعن علي أم أهل البيت مؤمن ومسلم؟ فعدلًا يا عباد الله.
أو منكر ولاية علي بن أبي طالب كافر؟ وهو منكر المعنى الذي يقرّها الشيعة.
ومنكر أمه وشاتمها، ولاعنها ومكفرها، ماذا تقولون فيه؟
وإليك قصة بديعة لم يكن أن يختلقها إلا مثل المجلسي الأفاك الكذاب الأثيم بعبارته والترجمة، فيقول:
إن العياشي روى بسند معتبر عن الصادق (ع) أن عائشة وحفصة لعنة الله عليهما وعلى أبويهما - يا رباه! إلى متى هؤلاء يأكلون أجساد الأتقياء البررة، وإلى متى تمهلهم من شديد عذابك، وبطشك؟ - قتلتا رسول الله بالسم دبرتاه" (٢).
هذه خرافة واحدة من الكثيرة الكثيرة التي كتب القوم منها مليئة، ولا يخلوا كتاب من كتبهم إلا وفيه ما ذكرناه من شتم صريح وسب قبيح، وتفسيق
_________________
(١) "حق اليقين" للمجلسي ص٢٧٣، ٢٧٤ ط طهران إيران
(٢) "حياة القلوب" للمجلسي ج٢ ص٧٠٠ ط جديد طهران
[ ٢٠٥ ]
باهر وكفر ظاهر للخلفاء الراشدين الثلاثة وأمهات المؤمنين (١) رضوان الله عليهم أجمعين.
اللهم إلا ما كتب نفاقًا وتقية وخداعًا للمسلمين، وإظهار للود والتقرب إليهم،
فلم أر ودهم إلا خداعًا - ولم أر دينهم إلا نفاقًا.
فهذا هو دينهم الذي يدينون به، وهذه هي معتقداتهم التي يعتقدونها، وهذا هو موقفهم تجاه الصديق والفاروق وذي النورين خلفاء النبي الراشدين المهديين، المخالف لكتاب الله، الثقل الأكبر عندهم، والمعارض لتعاليم أهل البيت الثقل الأصغر عندهم، فهم الذين يقال لهم كما يروون في كتبهم.
أما الأكبر فهجرتموه وأعرضتم عنه لقولكم: إنه محرف ومغير فيه، قد نقص منه كثير وحذف منه غير قليل، ولا يوجد النسخة الأصلية منه إلا عند الغائب الذي لم يخرج من ألف عام ولن يخرج أبد الدهر كما أثبتناه بالدلائل التي لا تقبل الشك ولا أحد يستطيع أن يردها في كتابنا "الشيعة والسنة" (٢).
وأما الأصغر فكذبتموه وخالفتموه حيث أنهم يحبون الخلفاء الثلاثة ويمدحونهم وأنتم تبغضونهم وتشتمونهم، وأهل البيت يتولونهم ويتوددون إليهم وأنتم تعادونهم وتبرؤون عنهم، وهم يثنون عليهم وعلى إسلامهم وأنتم تكفّرونهم وتنكرون إسلامهم، وهم يبايعونهم وينوبون عنهم ويعدونهم أئمة حق
_________________
(١) ولقد كذب القمي مفسرهم أن الآية ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾ نزلت في عائشة (تفسير القمي ج٢ ص٣١٩) والأكاذيب كهذه والهفوات ما أكثرها
(٢) وقد قال الصدوق أحد الأربعة الذين يقولون عنه بأنه ينكر التحريف من الأولين قاطبة والذي قلنا عنه إن لا ينكره هو أيضًا اللهم إلا تقية، فهو الصدوق يقول وقد صدق ما قلناه عنه آنذاك، يقول: نزلت في علي ﵇ ثمانون آية صفوا في كتاب الله ﷿ ما شركه فيها أحد من هذه الأمة" ("كتاب الخصال" للقمي الملقب بالصدوق ٢ ص٥٩٢). فأين هذه الآيات؟
[ ٢٠٦ ]
وعدل وأنتم تعدّونهم غاصبين، غادرين وخائنين، وهم يزوجونهم بناتهم ويسمون أبنائهم بأسمائهم وأنتم تتهمونهم بتهم لا يتهم بها عامة الناس فضلًا عن الخاصة، وتكرهون أسمائهم والنسبة إليهم، فأنتم في جانب، وأهل البيت في جانب آخر.
وليس هذا فحسب، بل هم ينكرون على من أنكرهم وفضلهم، ويشددون على من يبغضهم ويتكلم عليهم ويطعن فيهم.
موقف أهل البيت من أعداء الخلفاء الراشدين
فلقد روى علم الهدى الشيعي في كتابه "الشافي" في الحديث:
"إن عليًا ﵇ قال في خطبته: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر. وفى بعض الأخبار أنه ﵇ خطب بذلك بعد ما أنهى عليه أن رجلًا تناول أبا بكر وعمر بالشتيمة، فدعى به وتقدم بعقوبة بعد أن شهدوا عليه بذلك" (١).
هكذا كان حب علي ﵁ لأمير المؤمنين وخليفة المسلمين أبي بكر الصديق ولعبقري الإسلام ومحسن الملة المجيدة عمر الفاروق ﵄ وأرضاهما عنه، وهذا كان موقفه تجاههما وتجاه المعادي لهما.
وعلى ذلك لما جاءه أبو سفيان ﵁ بعد بيعة أبي بكر الصديق ﵁ واجتماع الناس عليه يحرضه على معرضته حسب روايتهم قال ردًا عليه: ويحك يا أب سفيان هذه من دواهيك وقد اجتمع الناس على أبي بكر، مازلت تبغي الإسلام عوجًا في الجاهلية" (٢).
وأما عثمان فهو الذي أرسل ابنيه للدفاع عنه بعد ما دافع عنه بنفسه المفسدين كما مرّ بيانه تفصيلًا.
_________________
(١) "كتاب الشافي" لعلم الهدى، المطبوع مع التلخيص ص٤٢٨
(٢) "كتاب الشافي" لعلم الهدى، المطبوع مع التلخيص ص٤٢٨
[ ٢٠٧ ]
وابن عمه وتلميذه الذي علمه من علمه "عليّ علّمني، وكان علمه من رسول الله .. وعلم عليّ من النبي، وعلمي من علم عليّ" (١).
يقول في مبغضي الصديق بعد ما يبالغ في مدحه "فغضب الله على من ينقصه ويطعن فيه" (٢).
وفى مبغضي الفاروق بعد الثناء العاطر عليه: وأعقب الله من ينقصه اللعنة إلى يوم الدين" (٣).
وفي مبغضي ذي النورين بعد ما ذكر أوصافه الجميلة وأخلاقه الحميدة: فأعقب الله من يلعنه لعنة اللاعنين" (٤).
وحفيد علي المرتضى ﵁ وسميّه علي بن الحسين - الإمام الرابع المعصوم لدى القوم - على سنة آبائه يحارب من حاربهم، ويعادي من عاداهم، يبغض من قلاهم، ويخرج من يتبرأ منهم ويتكلم فيهم.
فلقد روى الأربلي الشيعي أن نفرًا من أهل العراق قدموا عليه فقالوا في أبي بكر وعمر وعثمان ﵃:
"فلما فرغوا من كلامهم، قال لهم: ألا تخبروني أنتم "المهاجرون الأولون الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون"؟ قالوا: لا، قال: فأنتم ﴿الذين تبؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا
_________________
(١) "الأمالي" للطوسي ج١ ص١ ط نجف
(٢) "ناسخ التواريخ" للمرزه محمد تقي لسان الملك الشيعي ج٥ ص١٤٣، "مروج الذهب" ج٣ ص٦٠
(٣) "ناسخ التواريخ ج٣ ص٦٠
(٤) "ناسخ التواريخ" ج٣ ص٦٠
[ ٢٠٨ ]
ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾؟ قالوا: لا، قال: أما أنتم قد تبرأتم أن تكونوا من أحد هذين الفريقين وأنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله فيهم: ﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا﴾ اخرجوا عني فعل الله بكم" (١).
وزيد ابنه على شاكلته، نعم زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم ورحمته، الذي بالغ القوم في مدحه، وخصصوا أبوابًا كثيرة للثناء العاطر عليه في كتبهم، فسلك نفس المسلك الذي خططه أبوه علي بن الحسين وجده علي بن أبي طالب ومن قبلهما محمد رسول الله - ﷺ - القائل: دعوا لي أصحابي" (٢).
ولقد روى الشيعة "وكان أصحاب زيد لما خرج سألوه في أبي بكر وعمر؟ فقال:
ما أقول فيهما إلا الخير، وما سمعته من أهلي فيهما إلا الخير فقالوا: لست بصاحبنا، وتفرقوا عنه ورفضوه، فقال: رفضونا اليوم فسمعوا من ذلك اليوم الرافضة" (٣).
ويضيف المرزة تقي على ذلك:
إن زيدًا منعهم عن الطعن في أصحاب النبي (﵊ ورضوان الله عليهم أجمعين) فلما عرفوا منه بأنه لا يتبرأ عن الشيخين (أبي بكر وعمر) رفضوه وتفرقوا عنه، وبعد ذلك استعمل هذه الكلمة في كل من يغلو في المذهب، ويجوّز الطعن في الأصحاب" (٤).
_________________
(١) "كشف الغمة" للأربلي ج٢ ص٧٨
(٢) "عيون أخبار الرضا" للقمي ج٢ ص٨٧
(٣) "ناسخ التواريخ" ج٣ ص٥٩٠ تحت أقوال زين العابدين، أيضًا "عمدة الطالب" تحت أخبار زيد بن علي
(٤) "ناسخ التواريخ" ج٣ ص٥٩٠ تحت أقوال زين العابدين
[ ٢٠٩ ]
ثم ومحمد الباقر ابن علي بن الحسين - الإمام الخامس عند القوم - أيضًا يقول بقولهم ويرى رأيهم، ولأجل ذلك يثب على من يتنكر لقب الصديق على أبي بكر ﵁ ويشدد عليه النكير بقوله: نعم الصديق، فمن لم يقل له الصديق فلا صدق الله له قولًا في الدنيا والآخرة" (١).
ثم وهل يعقل من عليّ وأولاده عليهم الرحمة والرضوان بأنه أو أنهم يكفّرون الصديق والفاروق وذا النورين وقد بايعهم وصلى خلفهم، وعاشرهم أحسن المعاشرة، ورافقهم وصاهرهم، ولم يقاتلهم ولم يجادلهم، وهو، وهو لم يكفّر حتى ولا من جادله وقاتله وقتل من رفاقه وصحبه.
وها هو نهج البلاغة مليء من منعه أصحابه من السب والشتم، والتكفير والتفسيق، وحتى ومقاتليه في حرب صفين، وعنوان الخطبة "ومن كلام له ﵇ وقد سمع قومًا من أصحابه يسبون أهل الشام أيام حربهم صفين".
"إني أكره لكم أن تكونوا سبابين ولكنكم لو وصفتم أعمالهم، وذكرتم حالهم، كان أصوب في القول، وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبكم إياهم: اللهم احقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم، واهدهم من ضلالتهم، حتى يعرف الحق من جهله، ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به" (٢).
وذكر مثل ذلك الدينوري الشيعي وصرح بأن الشاتمين كانوا من الذين قتلوا الإمام المظلوم عثمان ذا النورين ﵁، كما صرح بأنهم لعنوا معاوية وأصحابه، وكان بينهم وبين عليّ سؤال وجواب.
وها هو يذكر القصة بتمامها:
"بلغ عليًا (ع) أن حجر بن عدي وعمرو بن الحمق يظهران شتم معاوية ولعن أهل الشام، فأرسل إليهما أن كفا عما يبلغني عنكما، فأتياه فقالا:
_________________
(١) "كشف الغمة" ج٢ ص١٤٧ ط تبريز إيران
(٢) "نهج البلاغة" تحقيق صبحي ص٣٢٣
[ ٢١٠ ]
يا أمير المؤمنين! ألسنا على الحق، وهم على الباطل؟، قال: بلى ورب الكعبة المسدنة! قالوا: فلم تمنعنا من شتمهم ولعنهم؟
قال: كرهت لكم أن تكونوا شتامين، لعانين، ولكن قولوا: اللهم احقن دمائنا ودمائهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم" الخ (١).
وهذا هو علي بن أبي طالب الذي لا يرضى أن يشتم أهل الشام، ومحاربه معاوية بن أبي سفيان، ويمنعهم عن ذلك، هل يتوقع منه أنه يرضى بلعن أهل المدينة، مدينة النبي، وشتم أصحاب النبي ورحمائه وأصهاره؟
ثم ولقد صرح بإسلامهم وإيمانهم مع محاربتهم إياه، ومقالته إياهم بأنهم ليسوا بكفره، مرتدين، خارجين عن الإسلام والدين.
كما رواه جعفر عن أبيه "أن عليًا ﵇ كان يقول لأهل حربه إنا لم نقاتلهم على التكفير لهم، ولم نقاتلهم على التكفير لنا، ولكنا رأينا أنا على حق، ورأوا أنهم على حق" (٢).
ويقول في خطبته أمام أنصاره ومخالفيه:
فلقد كنا مع رسول الله - ﷺ -، وإن القتل ليدور على الآباء والأبناء، والأخوان والقرابات، فما نزداد على كل مصيبة وشدة إلا إيمانًا، ومضيًا على الحق، وتسليمًا للأمر، وصبرًا على مضض الجراح. ولكنا إنما أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام على ما دخل فيه من الزيغ والاعوجاج والشبه والتأويل" (٣).
وأصرح من ذلك:
"أوصيكم عباد الله بتقوى الله، فأنها خير ما تواصى العباد به، وخير عواقب
_________________
(١) "الأخبار الطوال" ص١٦٥ تحت وقعة الصفين ط القاهرة
(٢) "قرب الأسناد" للحمير ص٤٥ ط مكتبة نينوى طهران
(٣) "نهج البلاغة" تحقيق صبحي صالح ص١٧٩
[ ٢١١ ]
الأمور عند الله، وقد فتح باب الحرب بينكم وبين أهل القبلة" (١).
بل وأكثر من ذلك يجعلهم مساوين له في الإيمان بالله والتصديق بالرسول، وأيضًا يعلن براءته من دم عثمان بن عفان ﵁ فيكتب إلى أهل الأمصار يقصّ فيه ما جرى بينه وبين أهل صفين:
وكان بدأ أمرنا أنا التقينا والقوم من أهل الشام، والظاهر أن ربنا واحد، ونبينا واحد، ودعوتنا في الإسلام واحدة، ولا نستزيدهم في الإيمان بالله والتصديق برسوله ولا يستزيدوننا، الأمر واحد إلا ما اختلفنا فيه من دم عثمان، ونحن منه براء (٢)، فقلنا: تعالوا الخ (٣).
فانظر إلى علي ﵁ كم كان عادلًا ومنصفًا،
وانظر إلى القوم كم بعدوا عنه وعن الحق في القول والعمل؟
فهذا هو علي رضي الله تعالى عنه وموقفه من أعدى أعداء الناس بالنسبة له.
فكيف يكون موقفه وموقف أهل بيته من أحب الناس إليه وإليهم خلفاء رسول الله - ﷺ - ورفاقه، الذين أحبوا أهل البيت، وأهل البيت بادلوهم الكيل بالكيلين والصاع بالصاعين، وتجاه أمهات المؤمنين اللاتي هن أمهاتهم هم أولًا وأصلًا.
ونختم القول في هذا الباب بأن عليًا وأهل بيته هل كانوا مؤمنين أم لا؟
فإن كانوا مؤمنين ولا شك في ذلك - فهم داخلون في قول الله ﷿:
_________________
(١) "نهج البلاغة" ص٢٤٨
(٢) وما أدري مع هذا كيف اجترأ المجلسي وهو يدعي موالاة أهل البيت واتباع مذهبهم أن يقول: إن أمير المؤمنين عليًا يبيح قتله، ولم يكن يرى منه بأسًا مع قول عليّ هذا؟ ثم وأكثر من ذلك أن "نهج البلاغة" مليء من أقوال إمامه المعصوم الأول الذي يعده بأنه لا يخطئ - من أقواله هو بأنه بريء من قتل عثمان وقتلته، ومن طالع نهج البلاغة أو قرأه يشهد على ذلك، ولكن من للقوم؟ فإن الحسد أكل قلوبهم، وأعمى أبصارهم، ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور
(٣) "نهج البلاغة" تحقيق صبحي صالح ص٤٤٨
[ ٢١٢ ]
﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم﴾ " (١).
فصارت الصديقة الطاهرة أمهم أي أهل البيت جميعًا بنص القرآن وبحكم خالق الكون والمكان وقضائه.
وعلى هذا يمكن أن يتصور رجل يدعي حب أهل بيت ثم ويسبّ أمهم؟
وهل يقال إنه موال لهم ومحب، ومطاوع لهم ومطيع أم غير ذلك؟
وأما الذي ندريه نحن فإن الشريف والكريم يمكن أن يتغاضى أن يسب ويشتم، ولكنه لا يتغاضى عن أن يمس أحد أمه بسوء خاصة.
وهل شاتمون أمّ عليّ وأهله واللاعنون يظنون أنهم يحسنون صنعًا؟
فذلك كان موقف الشيعة من الصحابة عامة والخلفاء الراشدين خاصة، وهذا هو موقف أهل البيت منهم ومن عاداهم مخالفًا تمام المخالفة من موقف قوم ينسبون أنفسهم إليهم كذبًا وزورًا، وخداعًا ونفاقًا.
فالشيعة ليسوا بمحبي أهل البيت ومطاوعين لهم، بل هم معادون لهم ومخالفون، وهذا ما أردنا إثباته في هذا الباب من كتب القوم وعباراتهم هم كي يعرف الحقيقة من لا يعرفه قبل، ويهتدي إلى سواء السبيل.
_________________
(١) سورة الأحزاب الآية٦
[ ٢١٣ ]