كيف تستطيع أمة تحترم شرف الأمهات اللواتي جعل الله الجنة تحت أقدامهن وهي تبيح المتعة أو تعمل بها.
[ ١٠٧ ]
الزواج المؤقت
يقصد بالمتعة الزواج المؤقت الذي تعمل به الشيعة في إيران وقد يعمل به في مناطق أخرى حيثما توجد فيها لو استطاعت إليه سبيلًا وهنا أريد أن أقول: إن الدخول في الجدل الفقهي العقيم الذي مرت عليه قرون عديدة وحفظته بطون الكتب الفقهية والتفاسير وسواها لا فائدة ترتجى من روائه، ولكنني مع كل هذا أود أن أضع صورة مختصرة أمام القراء عن هذا النزاع الفقهي وأُعَرِّج بعد ذلك على الأخطار الهائلة التي تحدق بالشيعة اجتماعيًا وأخلاقيًا وإنسانيًا إذا لم تنبذ هذه الفكرة السيئة من أساسها وأنا أحمّل الفقهاء المسؤولية الأولى والأخيرة في سَوْقِ الشباب من أبناء الشيعة إلى هذا الدرب الشائك المشين وعلى عاتقهم تقع المسؤولية كل المسؤولية.
يقول فقهاء الشيعة - سامحهم الله - إن المتعة كانت مباحة في عهد الرسول الكريم - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - وفي عهد الخليفة " أبي بكر " وفي شطر من عهد الخليفة " عمر بن الخطاب " حتى أن حرمها وأمر المسلمين بالكف عنها وهم يستدلون على ذلك بروايات عديدة رويت في كتب الشيعة وبعض كتب السنة، أما الفرق الإسلامية الأخرى فتقول: إنها كانت عادة جاهلية عمل الناس بها في السنوات الأولى من عصر الرسالة حتى أمر النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - بتحريمها يوم " خيبر " أو في حجة الوداع شأنها شأن الخمر الذي حُرِّم بعد سنوات من بعثة النبي الكريم ونزلت فيه آيات التحريم.
هذه هي خلاصة النزاع الفقهي والجدل الذي يدور حول المتعة منذ أكثر من ألف عام ومن المؤسف حقًا أن بعض أعلام الشيعة انبرى للدفاع عن الزواج المؤقت وألفوا في ذلك الكتب وهم بذلك فخورون ورافعون الرؤوس ولا أعتقد أنني أحتاج إلى عناء كثير لتوضيح الصورة الحقيقية لهذه البدعة المخلة بالذوق والكرامة ولكنني قبل ذلك أود أن أفنّد النظرية الفقهية التي تقول بالجواز ثم أعرّج على أكثر من ذلك لترى الشيعة فداحة الخطب وعظمة المصيبة.
إن الزواج المؤقت أو المتعة حسب العرف الشيعي وحسبما يجوزه فقهاؤنا هو ليس أكثر من إباحة الجنس بشرط واحد فقط وهو أن لا تكون المرأة في
[ ١٠٨ ]
عصمة رجل وحينئذ يجوز نكاحها بعد أداء صيغة الزواج التي يستطيع الرجل أن يؤديها في كلمتين ولا تحتاج إلى شهود أو إنفاق عليها وللمدة التي يشاؤها مع الاحتفاظ بسلطة مطلقة لنفسه وهو الجمع بين ألف زوجة بالمتعة تحت سقف واحد، إن النظرية الفقهية القائلة بأن المتعة حرمت بأمر من الخليفة " عمر بن الخطاب " يفندها عمل الإمام " علي " الذي أقر التحريم في مدة خلافته ولم يأمر بالجواز وفي العرف الشيعي وحسب رأي فقهائنا عمل الإمام حجة لا سيما عندما يكون مبسوط اليد ويستطيع إظهار الرأي وبيان أوامر الله ونواهيه والإمام " علي " كما نعلم اعتذر عن قبول الخلافة واشترط في قبولها أن يكون له اجتهاده في إدارة الدولة، فإذن إقرار الإمام " علي " للتحريم يعني أنها كانت محرمة منذ عهد الرسول - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - ولولا ذلك لكان يعارضها ويبين حكم الله فيها وعمل الإمام حجة على الشيعة ولست أدري كيف يستطيع فقهاؤنا أن يضربوا بها عرض الحائط، وكما قلنا قبل قليل سأترك الجدل الفقهي جانبًا لنلقي نظرة فاحصة على المتعة من زوايا أخرى بالغة الأهمية ثم أضع الصورة أمام الطبقة المثقفة الواعية المنصفة من أبناء الشيعة الإمامية الذين عليهم أتوكأ في تطبيق التصحيح وفيهم الأمل وعليهم الرجاء في قيادة مسيرة التصحيح والإصلاح، إن الإسلام الذي جاء لتكريم الإنسان كما تقول الآية:؟ ولقد كرمنا بني آدم (١) ؟ ويقول رسول الإسلام:؟ إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ؟ هل يقضي بقانون في همن إباحة الجنس والحط من كرامة المرأة ما لا نجده حتى لدى المجتمعات الإباحية في التاريخ القديم والحديث؟ وحتى " لويس الرابع عشر " في فصره بفرساي وسلاطين الأتراك وملوك الفرس في قصورهم لم يجسروا عليها، وبني آدم في
الآية الكريمة يشمل الرجل والمرأة على السواء والأخلاق التي جاء رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - ليتم مكارمها للجنسين على السواء، فأين يكون موقع المرأة وكرامتها والاحتفاظ بأخلاقها من قانون المتعة؟ إن موقعها من هذا القانون هو الذل والهوان وشأنها كالسلعة التي يستطيع الرجل أن يكدسها واحدة فوق الأخرى وبلا عد ولا حد، إن المرأة التي شرفها الله أن تكون أمًا
_________________
(١) - الإسراء ٧٠
[ ١٠٩ ]
تنجب أعظم الرجال والنساء على السواء ومنحها مرتبة لم يمنحها لغيرها حيث جعل الجنة تحت أقدامها كما قال الرسول الكريم؟صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: الجنة تحت أقدام الأمهات؟ هل يليق بها أن تقضي أوقاتها بين أحضان الرجال واحدًا بعد الآخر باسم شريعة محمد؟
لقد أراد بعض فقهائنا - سامحهم الله - أن يصوروا المتعة وكأنها فضل من الله حيث شرّع قانونًا شرعيًا يمنع الرجل من الوقوع في البغاء ولكن غَرُبَ عن بالهم أن الإسلام ليس دين الرجال فحسب بل أنزل للناس كافة بما فيها النساء وإن القوانين الإلهية والشرائع السماوية لم تنزل لإرضاء شهوات الناس وإشباع غرائزهم تحت غطاء الشرعية والقانون، إن الإسلام جاء ليخرج الناس من إباحية الجاهلية ويقيدهم بالفضيلة والأخلاق لا أن يمنح الجاهلية ومظاهرها قداسة التشريع والقانون الإلهي.
إن الإسلام الذي حرم الجمع بين أكثر من أربعة أزواج وجعل في تعدد الزوجات شرطًا من أقسى الشروط كما تصرح به الآية الكريمة:؟ وإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة (١) ؟ والعمل بالعدالة بين الأزواج أمر صعب ويكاد يكون عسيرًا في بعض الأحيان وقد يتفاد من وضع شرط كهذا هو تقييد الرجل كي لا يسلك طريق التعدد ويسير في وادي الشهوات أكثر مما تقتضيه الطبيعة الإنسانية والحاجة البشرية وتنظيم الأسرة والنسل ومصلحة الأمة ومن هنا جاء التشديد في الكره من الطلاق كما قال رسول الله؟ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: إن أبغض الحلال عند الله الطلاق؟ وقيّد الطلاق بشروط وقيود عسيرة منها حضور شاهدين عادلين حتى يقع الطلاق، إن دينًا سماويًا هذا هو موقفه الصريح والثابت من الزواج وشروطه هل يعقل أن يناقض قانونه هذا بوضع قانون آخر فيه من الإباحية المطلقة ما تزلزل السموات والأرض ويجعل للناس الخيار فيهما؟ وهنا أضع أمام القارئ صورتين للزواج أحدهما متفق عليه عند المسلمين جميعًا بما فيهم الشيعة وهو الزواج الدائم والثاني هو الزواج المؤقت أو المتعة والذي يفتي بجوازه فقهاء الشيعة الإمامية فقط وأطلب من الشيعة أن يقولوا كلمتهم فيه:
_________________
(١) - النساء ٣
[ ١١٠ ]
شروط الزواج الدائم المتفق عليه لدى المسلمين كافة:
يتم الزواج بين الزوجين بتلفظ صيغ العقد أمام شاهدين.
يجب على الزوج نفقة الزوجة بما فيها المسكن والملبس.
لا يجوز للرجل أن يجمع أكثر من أربعة أزواج وبشروط صعبة.
الزوجة ترث الزوج في حالة الوفاة.
موافقة الأب شرط في صحة زواج الباكر.
مدة الزواج الدائم ديمومة الزوجين على قيد الحياة.
شروط الفسخ:
يقع الطلاق بحضور شاهدين عدلين وبتلفظ صيغة الطلاق.
عدة الطلاق بالنسبة للمرأة ثلاثة شهور وعشرة أيام.
الطلاق لا يقع إذا كانت المرأة في حالة قرء.
يجب على الزوج نفقة الزوجة المطلقة في مدة عدتها.
الزواج المؤقت المتفق عليه عند الشيعة الإمامية فقط:
يتم الزواج بتلفظ صيغة العقد بدون شاهد.
الرجل في حل من نفقة الزوجة.
يجوز للرجل الجمع بين أعداد لا تحصى وبلا شرط.
الزوجة لا ترث الزوج.
موافقة الأب ليس شرطًا في كل الأحوال.
مدة الزواج المؤقت قد تكون لربع ساعة وقد تكون ليوم وقد تكون لتسعين عامًا وحسب ما يقترحه الرجل وتقبله المرأة.
شروط الفسخ:
يقع الطلاق واسمه فسخ العقد بدون حضور شاهدين وبكلمة فسخت أو وهبت المدة.
عدة فسخ المدة بالنسبة للمرأة هو عدة الجارية بعد عتقها أي نصف عدة الحرة.
الفسخ يقع في كل الأحوال.
الرجل في حِلٍّ من نفقة الزوجة في عدة الفسخ.
[ ١١١ ]
إن نظرة فاحصة على هذا الجدول الذي رسمناه تغنينا عن الإسهاب في المتعة من المفاسد والمخاطر الاجتماعية وأعتقد جازمًا أن نداء التصحيح سيجمع حوله من أبناء الشيعة كل من كان له قلب أو عقل يستطيع أن يدرك بهما فداحة الخطب والهوان والسخرية في أمر هو أظهر من ظهور الشمس في منتصف النهار.
التصحيح
المسألة هنا أخطر بكثير من التصحيح إنها حالة مذهلة من السوء دخلت إلى الفكر الشيعي وحتى الروايات التي تقول بالحلية سواء أن ذكرتها كتب الشيعة أو غيرها وحتى التي تقول إنها كانت مباحة حتى أن حرمها الخليفة " عمر بن الخطاب " أعتبرها كلها روايات تشوه صورة الإسلام المضيئة، وقد أدركت الفرق الإسلامية الأخرى خطورة الفكرة ومفاسدها الاجتماعية والأخلاقية الكبيرة فوقفت منها موقفًا يتسم بالحق والعدل والفضيلة، أما فقهاؤنا فلم يدركوا خطورة الفكرة أو أدركوها ولكن حرصًا منهما على مخالفة جمهور المسلمين التي وضعت في فضلها رواية نسبت إلى الإمام " الصادق " زورًا وبهتانًا والتي تقول:؟ الرشد في خلافهم؟ أي الرشد في خلاف رأي السنة والجماعة أحلوا المتعة اللعينة المقيتة وأجازوها، وإضافة إلى هذه العقدة المستعصية لدى فقهائنا في استنتاجاتهم الفقهية فإن فكرة الزواج المؤقت على ما يبدو لي استخدمت في حث الشيعة ولا سيما الشباب منهم للالتفاف حول المذهب لما فيها من امتيازات خاصة لا تقرها المذاهب الإسلامية الأخرى، ولا شك أن الإغراء الجنسي المباح باسم الدين يستقطب الشباب وأصحاب النفوس الضعيفة في كل عصر ومصر، ولذلك فإني أستغرب أبدًا عندما أقرأ في كتب رواياتنا روايات تنسب إلى أئمتنا في فضل المتعة وثوابها وحث الناس على العمل بها وموقفي من هذه الروايات واضح وصريح أشرت إليه في مواطن عديدة من الكتاب.
وهمنا كله يتجه إلى خلاص الأمة الشيعية منها بإذن الله وإرادته وإنني عندما أكتب هذه السطور لا ينتابني اليأس ولو للحظة واحدة بالنسبة لمستقبل الشيعة وموقفها من التصحيح والركون المطلق إلى مبادئه،
[ ١١٢ ]
نعم قد يلاقي التصحيح صعوبات في بادئ الأمر ولكن كلمة الحق تشق طريقها في آخر الأمر وان التفاف الطبقة الواعية المثقفة التي تستطيع أن تجرد نفسها من الرواسب الفكرية التي لقنتها بها الآباء والأمهات والفقهاء والمشايخ يكون خير ضمان لمستقبل الشيعة في العالم، وأعود مرةً أخرى إلى الزواج المؤقت وأسأل الفقهاء الذين يفتون بجواز المتعة واستحباب العمل بها هل إنهم يرضون شيئًا كهذا بالنسبة لبناتهم وأخواتهم وقريباتهم أم أنهم إذا سمعوها اسوَدَّت وجوههم وانتفخت أوداجهم ولم يكظموا لذلك غيظًا؟
لقد أراد العالم الكبير السيد " محسن الأمين العاملي " أن يدافع عن كلام قريب لما ذهبت إليه بقوله:؟ إذا كانت المتعة مباحًا فلا يلزم أن يفعلها كل أحد فكم من مباح ترك تنزهًا ترفعًا. (١).؟
ولكنني أقول: إن من الواضح أن المسألة ليست بهذه الصورة أي الذين لا يرتضونها لبناتهم وأخواتهم وقريباتهم ليس في حدود التنزه والترفع بل لأنهم يرون فيها أمرًا مهينًا مشينًا يتنافى وكرامة العائلة وشرف الأسرة وقد تسيل الدماء في بعض المناطق الشيعية إذا ما سأل المرء شيئًا كهذا من فقيه هو سيد قومه وحتى في إيران حيث تكون العملية جارية في بعض مدنها توجد مناطق لا يستطيع المرء أن ينبس بكلمة حول المتعة، أما في غير إيران ولا سيما في البلاد العربية التي تقطنها الشيعة فالحديث عن المتعة مهلك ويؤدي إلى إسالة الدماء ولست أدري تفاصيل الأمر في " باكستان " و" الهند " و" أفريقيا " ولكن في كل هذه المناطق لا يغير الفقيه فتواه فهو يجوزها إذا ما سئل عنها ولكنه يخضع للبيئة الاجتماعية التي يعيش فيها فتثور ثورته ويقيم الدنيا ويقعدها إذا ما طلب منه يد ابنته بالزواج المؤقت وهكذا نرى بوضوح إن المسؤولية الأولى والأخيرة في العمل بهذا الأمر المقيت تقع على عاتق الذي أباحوا أعراض المسلمات ولكنهم أحصنوا أعراضهم وأهدروا شرف المؤمنات ولكنهم صانوا شرف بناتهم وفي كل هذا عبرة لمن كان له قلب.
_________________
(١) - الشيعة بين الحقيقة والأوهام ص ٣٥٧
[ ١١٣ ]