ولا تغلو في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرًا وضلوا عن سواء السبيل (١) ؟
عندما يصل الإنسان إلى مرحلة التكامل ويعلو على الملائكة فهو في غنى عن الخزعبلات والأوهام التي تنسج حوله وتشوِّه صورته الوضاءة.
_________________
(١) - المائدة ٧٧
[ ٧٩ ]
الغلو
الغلو النظري
الغلو العملي
الغلو النظري
هناك مظاهر كثيرة للغلو تبدأ بالغلو النظري وتنتهي بالغلو العملي، والغلو النظري بكل اختصار اعتقاد الإنسان في حق إنسان آخر أنه قادر على الإتيان بكرامات أو معجزات أو أمور خارقة وغير عادية لا يستطيع الإتيان بها عامة الناس، كما أن الإيمان بتأثير إنسان ما حيًا كان ذلك الإنسان أو ميتًا في حياة الآخرين خيرًا أو شرًا وفي الدنيا والآخرة هو مظهر كبير من مظاهر الغلو، والغلو النظري المسطور في كتب الروايات والأحاديث ونسبة الأمور العجيبة والخارقة إلى الأئمة والأولياء والمشايخ كانت السبب في تنمية الغلو العملي وما يصدر من عامة الناس في مقابر الأئمة والأولياء والمشايخ في إظهار العبودية وتقديم النذورات وطلب الحاجة المباشرة منهم وأمور أخرى لا تعد ولا تحصى.
وفكرة الغلو تحتل قلوب كثير من الناس حتى من غير المسلمين وتشارك الفرق الإسلامية الأخرى الشيعة في غلوهم بالنسبة للأئمة والأولياء نستثني منهم (السلفية) الذين استطاعوا أن يحطموا القيود التي قيدت عقول الناس وقلوبهم على السواء، غير أن الشيعة سبقت الفرق الإسلامية الأخرى في هذا المضمار كثيرًا ويعود هذا الإسراف في الغلو إلى كتب الروايات التي لم تهذب وموقف الفقهاء من تلك الروايات وعدم تفنيدهم لمحتواها، فقد ذكرت كتب الشيعة والتي تعتبر موثوقة قصصًا في معجزات الأئمة وفي كراماتهم هي لا تقل عن تلك التي نجدها في كتب روايات الفرق الإسلامية الأخرى عن المشايخ والأولياء وشيوخ الصوفية، ولا أريد أن أدخل في ذلك الجدل العقيم هل أن هذه الروايات صادقة أم أنها من نسج الخيال؟ وأنها حيكت في عصر كانت أذهان العامة لا ترتضي ولا
[ ٨٠ ]
تطمئن إلا أن تسمع قصصًا مثيرةً عن حياة كبرائهم، ولكن النقطة الأساسية والتي أرتكز عليها في هذا البحث هي أننا نحن كمسلمين وكأمة نعتقد بأن المعطيات العقلية هي أكثر المعطيات اتباعًا وقبولًا وهي التي تغنينا عن السير أشواطًا وراء السراب، ونحن معاشر الشيعة بالذات قد اتخذنا المذهب العقلي جزءًا من استنباط أحكامنا الفقهية وهناك رواية ذكرها الكليني في؟أصول الكافي؟ متواترًا عن الإمام "الصادق" جاء فيها:؟إن أول ما خلق الله العقل فقال له: أقبل فأقبل ثم قال له: أدبر فأدبر ثم قال: فبعزتي وجلالي بك أعاقب وبك أثيب؟ ومن هنا اتخذت الشيعة تلك القاعدة العقلية التي تقول:؟كل ما حكم به العقل حكم به الشرع؟ أي أن المستقبلات العقلية التي لا يجد العقل إلا بدًا من قبولها أو رفضها فالشرع يحكم بذلك وها أنا أسأل: أين موقف العقل من هذه الخزعبلات التي رواها الرواة بالنسبة لأئمتنا من المعجزات والكرامات؟ وأين العقل من هذا الغلو الجارف الذي يمنع المرء من ذكر الله والتوجه إليه؟ ثم لماذا ونحن الشيعة لا نعطي لأئمتنا حقهم
في المرتبة الرفيعة التي يحتلونها؟ وهي الوصول إلى مرتبة الإنسان الكامل الذي هو معجزة تفوق كل المعجزات الأخرى فقد جاء في الحديث عن الرسول الكريم؟ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: إن الله خلق الإنسان وركّب فيه العقل والشهوة وخلق الملائكة وركب فيها العقل وخلق البهائم وركب فيها الشهوة فمن غلب عقله على شهوته فهو أعلى من الملائكة ومن غلبت شهوته على عقله فهو أدنى من البهائم؟ إن هذه المرتبة الإنسانية الكبرى التي أنعم الله بها على الأئمة وعباده الصالحين حيث بلغوا مرتبة هي أعلى من الملائكة تغنيهم ورب الكعبة من أن تنسج حولهم الخزعبلات ما تضحك الثكلى ثم إن الغلو في بعض الأحيان يجتاز مرحلة المدح وينقلب ذمًّا فمثلًا: إن العصمة التي نسبت إلى الأئمة كما قلنا في فصول سابقة كان الغرض منها
[ ٨١ ]
تثبيت تلك الروايات الكاذبة التي تتنافى مع العقل والمنطق والتي نسبت إلى الإمام كي يُسَدّ باب النقاش في محتواها على العقلاء والأذكياء ويرغم الناس على قبولها لأنها صدرت من معصوم لا يخطئ، ولكن العصمة في حقيقة حالها إنما هي تنقيص من حق الإمام لا مدح فيه لأن تفسير العصمة بالمفهوم الشيعي تعني أن الأئمة منذ ولادتهم وحتى وفاتهم لم يرتكبوا معصية بإرادة الله وهذا يعني فقدانهم الإرادة في تفضيل الخير على الشر، ولست أدري أية فضيلة تكتب للمرء عند الله إذا لم يستطع القيام بعمل الشر بسبب إرادة خارجة عن ذاته، نعم إذا كانت العصمة تعني أن الأئمة مع القدرة على الإتيان بالمعاصي لن يأتوا بها لعلو في نفوسهم وملكة قوية في أخلاقهم وحاجز يحجزهم عن معصية الله فهذا كلام معقول يتلاءم مع المنطق والعقل ولكن في هذه الحالة لا نستطيع القول: إن هذه النفسية تخص أشخاصًا معدودين وأنها خاصة لأئمتنا فقط بل إناه صفة يستطيع كل إنسان أن يتصف بها إذا التزم حدود الله وأطاع أوامره وانتهى عن نواهيه وحسبنا كتاب الله الذي أعطى لنا مثلًا رائعًا وصورة بليغة
لهذه العناية الإلهية في سورة يوسف؟وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إن هلا يفلح الظالمون ولقد همت به وهمّ بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء من عبادنا المخلصين (١)؟ والعلم اللدني (٢) من هذا النوع أيضًا فما هي الفضيلة في اقتباس العلوم بلا جهد ومثابرة وسعي؟ وأدهى من ذلك أن بعض علمائنا ذهبوا إلى أبعد من ذلك وقالوا: إن الإمام يعلم كل شيء وله معرفة بكل العلوم والفنون ولست أدري أيضًا ما هي الفضيلة بالنسبة إليه أن يكون مهندسًا أو ميكانيكيًا أو عالمًا باللغة اليابانية إنما الفضيلة بالنسبة للإمام أن يكون فقيهًا ورعًا وعالمًا ربانيًا في شؤون الدين وفي هذا كل الفضل ثم إذا كان القرآن الكريم يقول في رسوله الذي أرسله للناس ضياءً ونورًا؟
_________________
(١) - يوسف ٢٢ - ٢٣
(٢) - يقصد بالعلم اللدني: العلم الذي يحصل للمرء بالإلهام وبدون جهد ومثابرة.
[ ٨٢ ]
قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا (١)؟ وينفي عنه العلم بالغيب بقوله:؟قل لم كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير (٢)؟ فكيف تسوغ لنا نفوسنا أن ننسب إلى أئمتنا صفات تعلو على صفات رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - أم المعاجز والكرامات التي كانت تصدر عن الأنبياء في حين وآخر ويشير إليها القرآن الكريم فإنها كانت تحدث في عهد التحديات الإنسانية لرسالات السماء وفي عهود كانت البشرية لا تستطيع درك المفاهيم العقلية والفضائل العليا بلغة المنطق والاستدلال وكان لا بد من حملها إلى طريق الإيمان فأنعم الله على أنبيائه وكرّمهم بالمعاجز ليكونوا حجة على الناس وأرسل الله رسوله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - بالمعجزة الخالدة وهو القرآن الكريم إنها المعجزة الأبدية التي تبقى ما شاء الله لها أن تبقى، وبمحمد ختمت الرسالة وختمت المعجزات وأكمل الدين وأتمت النعمة وجاء
قول الله صريحًا وجليًا:؟ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا (٣)؟ ومرةً أخرى ونحن نتحدث عن الغلو النظري عند الشيعة قبل الغلو العملي ونترك الباب مفتحًا لسائر الفرق الإسلامية الأخرى أن تحدث هي عن الغلو الحاكم في قلوب أبنائها وفي بطون كتبها.
إن المؤسف حقًا هو أن الغلو النظري مثل العملي دخل إلى أعماق القلوب عن طريق فقهاء المذهب والمجتهدين فالمسؤولية الأولى والأخيرة تقع على عاتقهم لأنهم هم الذين قادوا العوام على الطريق، فهناك أمور نَسَبَتْها كتب الشيعة إلى الأئمة وتبناها فقهاء المذهب وذكرتها كتب الروايات الموثوقة عندهم مثل " أصول الكافي " و" الوافي " و" الاستبصار " و" ومن لا يحضره الفقيه " و" وسائل الشيعة " وغيرها من أهم الكتب والمصادر الشيعية وفي كثير منها الغلو وفي كثير منها الحط من قدر الأئمة ولكن بصورة غير مباشرة، ومع أننا نستثني بعض علمائنا وبعض مراجعنا حيث اتخذوا موقفًا منصفًا ومعتدلًا من الغلو النظري والعملي غير أن الأكثرية منهم ساروا على درب الغلو من أَلِفِهِ إلى يائه ولعل من أهم مواضيع الغلو
_________________
(١) - الإسراء ٨٥
(٢) - الأعراف ١٨٨
(٣) - المائدة ٣
[ ٨٣ ]
ّ:
العصمة.
العلم اللدني.
الإلهام.
المعاجز.
الإخبار بالغيب.
الكرامات.
تقبيل الأضرحة وطلب الحاجات.
وهنا أود القول بكل صراحة ووضوح هو أنني عندما أطلب غربلة الكتب الشيعية وتهذيبها من الروايات التي تسيء إلى العقل الإنساني بدلًا من أن تصقله أطلب في الوقت نفسه من علماء الفرق الإسلامية الأخرى أن تهذب وتغربل بدورها كتبها من الروايات التي جاءت فيها وهي لا تقل عن الغرابة والسخف من الروايات التي دونت في كتب الشيعة.
الغلوّ العمليّ
إن الغلو العملي يتجسد في طلب الحاجات الدنيوية والأخروية من الأئمة والاستغاثة بهم بصورة مباشرة، كما أن تقبيل الأضرحة هو أمر شائع في مراقد الأئمة والأولياء معًا، حقًا لقد سئمت من المناقشة والمناظرة مع فقهائنا - سامحهم الله - حول تقبيل الأضرحة وطلب الحاجات من الأئمة وقراءة الزيارة (١) أمام قبورهم بدلًا من قراءة القرآن الكريم فلم أسمع منهم إلا تكرارًا لكلمات قيلت وقيلتن فقد أرادوا أن يجدوا العذر في تقبيل الأضرحة بتقبيل الرسول الكريم - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - الحجر الأسود في حين أن عمل الرسول - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - كان يعتبر سنة لموقع خاص ومقام خاص حتى أن الخليفة " عمر بن الخطاب " وقف أمام " الحجر " مخاطبًا له:؟إنك حجر لا تضر ولا تنفع ولكنني رأيت رسول الله يقبلك فأقبلك؟ وإن الرسول - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - لم يسمح أبدًا أن يقبل أحد يده بل كان يصافح زائريه والقادمين إليه كما أننا لم نسمع ولم نقرأ أن الإمام " عليًا " سمح لأحد أن يقبل
_________________
(١) - أفردنا فصلًا خاصًا لهذا الموضوع
[ ٨٤ ]
يده أو رداءه وهذا هو الإمام " الصادق " وقد أغضبه رجل عندما أراد أن يقبل عصاه التي يتوكأ عليها بذريعة أنها عصا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - فقال له غاضبًا:؟ ويحك - وهو يشير إلى يده - هذا لحم ودم رسول الله فلماذا تقبل ما لا يضرك ولا ينفعك؟ ومن الغريب في استدلال علمائنا بتقبيل النبي الكريم للحجر الأسود وجواز تقبيل الأضرحة بالقياس عليه هو أنهم من أشد الناس معارضة للقياس في استنباط الحكام الشرعية وكما نعرف جعلوا الدليل العقلي بدلًا من القياس في استنباط الأحكام ولكنهم أخذوا به عندما رأوا مصلحة في ذلك، لقد زرت مقابر الأولياء في كثير من البلاد الإسلامية فرأيت الزائرين فيها على النمط الذي نراه في مشاهد أئمتنا ودخلت كنائس المسيحيين في كثير من بلاد العالم فرأيت الناس فيها كما هي فهم يتبركون بتمثال
المسيح وبأقدام العذراء وقد تركوا الله جانبًا ويطلبون منهما العون في الدنيا والآخرة، ودخلت معابد البوذيين والشنتو ومعابد الهنود والسيخ فرأيت ما رأيته من قبل في مشاهد المسلمين والمسيحيين معًا في تقديم القربان وطلب الحاجة وتقبيل التماثيل والركوع والخضوع والخشوع أمامها.
وهكذا رأيت البشرية تعوم في سراب من الأوهام وحقًا أكبرت أولئك العلماء من المسلمين أمثال " ابن حزم الأندلسي " ومن حذا حذوه من الذين منحهم الله عقولًا جبارةً اتخذوها منارًا وهدايةً لهم وللآخرين فسبقوا عصورهم بقرون وقرون ووقفوا موقف الساخر الغاضب من هذه الأعمال، ولنقرأ معًا هذه الآيات البينات وقد عالجت هذه الأمور بصراحة ووضوح:
قل لا املك نفعًا ولا ضرًا إلا ما شاء الله ول كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا بشير ونذير لقوم يؤمنون (١)؟
ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك (٢)؟
قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب
_________________
(١) - الأعراف ١٨٨
(٢) - هود ٣١
[ ٨٥ ]
إلا الله (١)؟
وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعاني (٢) ؟
ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به ونحن أقرب إليه من حبل الوريد (٣) ؟
التصحيح
ومرةً أخرى نعود إلى الفكرة التصحيحية الكبرى وهي غربلة الكتب وتنقيحها وتهذيبها من الشوائب والأخبار غير الصحيحة التي جاءت فيها، وإذا ذكرنا أعلاه بعض أسماء الكتب التي يعتبرها فقهاء الشيعة كتبًا معتبرة والتي أُلِّفَت في عهد الصراع الأول بين الشيعة والتشيع ولكن من المهم أن نذكر أيضًا أن الكتب التي أُلِّفت في العهد الثاني من الصراع أي في عهد الدولة الصفوية لهي أدهي بكثير من تلك التي كتبت في وقت متقدم، فلقد جَمَعَت بعض هذه الكتب بين صفحاتها من عجائب الأمور والأقوال ما لا يرتضيه أي عاقل وأي محب لأهل بيت الرسالة ولعل من نافلة القول أن نذكر هنا علة وجه التحديد موسوعة " بحار الأنوار " الضخمة التي وضعها المولى " محمد باقر المجلسي " باللغة العربية وفي مجلدات تربو على العشرين، إن هذه الموسوعة هي بحق من أكثر الموسوعات نفعاَ وضررًا فهي في الوقت الذي تجمع في طياتها تراثًا علميًا غنيًا وتمد الباحثين والعلماء فهي تحتوي أيضًا على أقوال ضارة ومواضيع ركيكة أضرت بالشيعة والوحدة الإسلامية أعظم الضرر وأكبره، ومع أن المؤلف يعترف في مقدمة كتابه الذي سماه " بحارًا " لأنه كالبحر الذي يوجد فيه الصدف والخزف، فكتابه أيضًا يحتوي على الضار والنافع شأنه شأن البحر ولكن مع الأسف إن الخزف الموجود في كتاب البحار قد أضر الشيعة والوحدة الإسلامية أكثر من أي أثر آخر أُلِّفَ حتى الآن في التاريخ الشيعي.
لقد خصص المؤلف شطرًا كبيرًا من موسوعته في معاجز أئمة الشيعة وهي مليئة بالأفكار الغلوائية التي تحتوي على قصص في المعاجز والكرامات تنسب إلى أئمتنا حقًا إنها حكايات تصلح لتسلية الأطفال، والجانب الآخر الهدام في هذه الموسوعة هو التركيز على الطعن وتجريح الخلفاء الراشدين وبصورة مقذعة في بعض الأحيان الأمر الذي اتخذه تجار
_________________
(١) - النمل ٦٥
(٢) - البقرة ١٨٦
(٣) - ق ١٦
[ ٨٦ ]
الطائفية البغيضة فرصة مواتية لإثارة العداء بين الشيعة والسنة ولا زالت الكتب التي تؤلَّف ضد الشيعة تركز تركيزًا مباشرًا على كتب " المجلسي " و" المجلسي " ألَّف كتبًا باللغة الفارسية أيضًا وهي لا تقل في محتواها عن موسوعته العربية، ولا شك أن عصر " المجلسي " وتأييد النظام الحاكم للمذهب الشيعي ولعلماء المذهب كان من أهم عوامل تأليف موسوعة مثل " بحار الأنوار " الكتاب الذي كان يضمن الخلاف الأبدي بين الشيعة في إيران وبين الأكثرية الساحقة من المسلمين الذين كانت الخلافة الإسلامية المجاورة لإيران تحكمهم باسم " أمير المؤمنين " و"المجلسي " الذي ولد في عام / ١٠٧٣ / هجري وتوفي في عام / ١١١١ / هجري كان معاصرًا للشاه " سليمان " والسلطان " حسين " من الملوك الصفويين وعُيِّن برتبة " شيخ الإسلام " وأنيطت به الشؤون الدينية في إيران بأمر الشاهين الذين حكما إيران في أزهى عصور الدولة الصفوية، وقبل أكثر من ثلاثين عامًا عندما أرادت دار للنشر في إيران أن تجدد طبع موسوعة " البحار " في مئة مجلد أمر الإمام " الطباطبائي البروجردي " الزعيم الأعلى للطائفة الشيعية آنذاك أن يخضع الكتاب للتهذيب والتنقيح ويجرد من كل الروايات والقصص التي فيها تجريح للخلفاء الراشدين ولكن الناشر الذي كان من أكبر تجار الطائفية وبتعاون مع جهات مشبوهة بدأ بطباعة الموسوعة من المجلدات الضخمة التي لا تحتوي على تلك الروايات والقصص المضرّة متجاهلًا التسلسل الوارد في الموسوعة وتم طبع المجلدات الضارّة بعد وفاة الإمام " البروجردي "
وعرضت في المكتبات الإسلامية لتكون وقودًا جديدًا لإثارة الضغناء والشحناء بين المسلمين، ولقد أنبئت أخيرًا أن الموسوعة طبعت مرة أخرى في لبنان بمساعدة جهة لها اتصال عميق بالدوائر الاستعمارية التي كانت سياستها الدائمة فرق تسد.
وفي معرض حديثنا عن غربلة كتب روايات الشيعة لا بد من أن نذكر هنا وبكل صراحة أن الدفاع الذي يقدمه بعض فقهائنا لصحة الروايات التي نريد غربلتها هو أن علم الدراية أو علم الرجال يساند صحة صدور تلك الروايات عن أئمة الشيعة وصدور بعض المعجزات والكرامات عنهم، وليت شعري أن أفهم أيهما أفضل للقبول والإتباع علم الدراية والرجال أم كتاب الله الكريم وسنة رسوله وبعدهما العقل والمنطق والبرهان، ورسول الله؟
[ ٨٧ ]
صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقول: كل ما وافق الكتاب فخذوه وما عارضه فانبذوه (١) ؟ وقبل أن أختم هذا الفصل لا بد من الإشارة إلى موضوع له من الأهمية بمكان فقد دأب كثير من فقهائنا والمعنيين بالشؤون الشيعية - في رفضهم لقبول غربلة الكتب المشار إليها من المواضيع التي تقصم ظهر الوحدة الإسلامية - أن يتذرعوا بالقول إن كتب السنة أيضًا مليئة بما يجرح الشيعة وترميهم بالزندقة والكفر والخروج عن الإسلام، لقد صارحنا فقهاءنا من الشيعة وقلنا لهم إن كتبكم طعنت وجرحت الخلفاء الراشدين الذين لهم مكانة كبرى في قلوب المسلمين وأزواج النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم -وصحابته، والسنة لا تقول مثل هذا الكلام في أئمة الشيعة بل تكرمهم وتذكر فضائلهم ولكن حينما يريد علماء السنة الدفاع عن أعز وأكرم فئة ترى فيها امتدادًا لرسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - وقد ذكرتها الكتب الشيعية بما لا يليق بمكانتها فلا بد وان توجه السهام نحو صدور أولئك الذين دونوا مثل تلك الأقوال في كتبهم، ومن هنا نستطيع القول أن وطأة الكتب الشيعية وما فيها من كلام جارح على
الخلفاء هي أقسى وأشد كثيرًا على السنة مما تقوله السنة في الشيعة نفسها، وبما أننا نريد بعون الله وإرادته أن ننهي هذا الخلاف إلى الأبد ونقدم حلولًا تصحيحية تضمن إنهاءها عاجلًا أو آجلًا فكان لا بد من سلوك طريق الصراحة ونحن هنا في موقف أمام الله والتاريخ والمسلمين جميعًا، فلذلك نقول أنه توجد في بعض الكتب التي ألفها كُتّاب السنة طعنًا أو جرحًا في حق بعض أئمة الشيعة ونقصد بأئمة الشيعة هنا أئمة آل البيت ووصفهم بعبارة أئمة الشيعة هو وصف مجازي دأب عليه الاصطلاح وإلا فإن أئمة آل البيت كالحسن والحسين وزين العابدين وغيرهم من آل البيت هم أئمة لأهل السنة أيضًا، ومن يجرح هؤلاء يعتبر مجروحًا في موازين أهل السنة أيضًا ومن الواضح أنني لا أقصد بأولئك الكتاب الخوارج الذين لهم موقف واضح وصريح من الإمام " علي " ومع أنني أعترف أن كتبًا من هذا النوع نادرة جدًا إلا أنها تؤخذ كرأس رمح يمنع القيام بالحركة التصحيحية ويستغلها المتاجرون بالطائفية الذين لا يريدون أن تتم الوحدة الإسلامية الكبرى فيستندون على
_________________
(١) - أجمعت رواة السنة والشيعة على صحة هذا الحديث
[ ٨٨ ]
مثل تلك الكتب النادرة التي لا تتداولها الأيدي كثيرًا ولكن وجودها يعتبر ذريعة، وإنني أدعو الله مخلصًا أن يوفق المصلحين من أمة محمد - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - بغربلة أمثال تلك الكتب أيضًا حتى تكون مهمتنا شاملة وعامّة.
[ ٨٩ ]
زيارة مراقد الأئمة
وحتى الآن لم أسمع جوابًا شافيًا من فقهائنا سامحهم الله في تفضيل كلام المخلوق على الخالق.
[ ٩٠ ]
زيارة مراقد الأئمة
لقد فصلنا في مبحث الغلو وجه الاشتراك بين الشيعة وسائر الفرق الإسلامية في زيارة مراقد الأئمة وقبور الأولياء نستثني منهم السلفية كما أشرنا وفي هذا الفصل نتحدث عن مورد الاختلاف بينهم وهو الذي تنفرد به الشيعة عما سواها في زيارتها لقبور أئمتها، لقد غيرت الشيعة مسار الزيارة لمراقد الأئمة التي يجب أن تكون لله إلى زيارة سياسية إعلامية تثقيفية ومذهبية، إنني وعندما أكتب هذه السطور هناك عشرات الآلاف من الشيعة تزور مراقد الأئمة في إيران والعراق والمدينة المنورة كل يوم وفي آناء الليل وأطراف النهار، وعلى ما أعتقد لا يوجد بين هذه الأكثرية الساحقة شيعي واحد يقرأ فاتحة الكتاب أو سورًا من القرآن الكريم عندما يدخل إلى العتبات ويقف أمام قبر من قبور الأئمة، إن العادة جرت للشيعة ومنذ قرون أن تقرأ أمام قبور أئمتها عبارات مطولات اسمها (الزيارة) التي تجمع بين طياتها مدحًا للأئمة والثناء عليهم والتنديد بأعدائهم ثم قليل من الدعاء، وقلما يوجد بيت للشيعة لا يتوفر فيه كتاب؟مفاتيح الجنان؟ وهو الكتاب الذي يحتوي على مئات من الزيارات للأئمة ولأولادهم وكلها على نمط مشابه وبفارق صغير في بعض الأحيان ولنقرأ معًا بعض المقاطع من؟الجامعة الكبيرة؟ وهي من أهم الزيارات شأنًا وتقرأ عند قبر كل إمام من الأئمة وهي من المطولات، فقد روى " الصدّوق " في كتابه " الفقيه " أن الإمام العاشر " علي بن محمد الجواد " علّم أحد خواصه وهو " موسى بن عبد الله النخعي " بهذه الزيارة:؟ السلام عليكم يا أهل بيت النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة ومهبط الوحي وأمناء الرحمن وسلالة رب العالمين أشهد أنكم الأئمة الراشدون المهديون المعصومون المكرمون المقربون المتقون
[ ٩١ ]
الصادقون الراغب عنكم مارق واللازم لكم لاحق والمعترض في حقكم زاهق والحق معكم وفيكم ومنكم وإليكم وأنتم أهله ومعدنه وميراث النبوة عندكم وآيات الخلق إليكم
وحسابهم عليكم وفضل الخطاب عندكم وعزائمه فيكم من والاكم فقد والى الله ومن عاداكم فقد عادى الله ومن أحبكم فقد أحب الله ومن أبغضكم فقد أبغض الله أشهد الله وأشهدكم أنني موال لكم ولأوليائكم، مبغض لأعدائكم ومعاد لهم سلم لمن سالمكم وحرب لمن حاربكم بكم يسلك إلى الرضوان وعلى من جحد ولايتكم غضب الرحمن (١)؟ وهكذا تستمر الزيارة بمثل هذه العبارات وتختم بعد ذلك بدعاء قصير.
إن الزيارة التي ذكرنا مقاطعًا صغيرةً منها هي أكثر الزيارات اعتدالًا ومضمونًا إلا أن هناك زياراتٍ أخرى وكثيرةً فيها عنف ٌ وشدّةٌ وفي بعضها تجريح للخلفاء للراشدين لكن الطابع العام في هذه الزيارات هو التنديد بظالمي آل محمد والاعتراف بفضل " علي " وأولاده وأحقيتهم بالإمامة، وهناك زيارات كثيرةٌ أيضًا تخص الإمام " الحسين " تحتوي على التنديد بالأمويين مع السب الصريح في حق كثير منهم بسبب قتلهم " الحسين " ولاشك أن مقتل الإمام "الحسين " في واقعة " كربلاء " وسب الإمام " عليًا " على المنابر الذي بدأ به " معاوية بن أبي سفيان " واستمر حتى خلافة " عمر بن عبد العزيز " عام / ٩٩ / هجري الذي رفع السب يعتبر من أهم الأسباب التي أدت إلى ظهور رد فعل عنيف من قبل الشيعة وهو إعطاء السب والشتم صفة دينية وقانونية أدخلت في الزيارات التي تُقرأ أمام قبور الأئمة وأولادهم وحتى هذا اليوم، ومن خلال تفحصي للزيارات التي ذكرتها كتب الزيارات مثل؟ مزار البحار؟ و؟مفتاح الجنان؟ و؟ ضياء الصالحين؟ و؟ مفاتيح الجنان؟ وغيرها يبدو لي واضحًا أن أسماء الخلفاء الراشدين دخلت في بعض هذه الزيارات صراحةً أو تلميحًا في وقت متأخر عن العصر الذي كتبت فيه هذه الزيارات فلذلك لا نجد لهم ذكرًا إلا في قليل منها.
_________________
(١) - مفاتيح الجنان - القمّيّ ص ١٠٠٨
[ ٩٢ ]
إن من يفكر مليًا بالأسباب الكامنة وراء وضع هذه الزيارات وشيوع قراءتها أمام قبور الأئمة والانصراف عن قراءة القرآن الكريم الذي هو كلام الله وله الشرف كل الشرف على كلام المخلوق ليعلم بوضوح أن الغرض منها إنما هو نشر الثقافة المذهبية والتركيز على أهم مبادئها وهو أحقيّة الأئمة بالخلافة من سواهم، ويجب علينا أن نذكر أيضًا أن زيارة قبر الإمام " الحسين " بدأت بعد مقتله بأربعين يومًا حيث وصلت إلى " كربلاء " أول قافلة تضم أهل بيته وبعض صحابته للسلام عليه واستمرت تلك القوافل بالوفود إلى " كربلاء " عامًا بعد عام وحتى هذا اليوم، وعندما نعود إلى الأسباب الكامنة التي كانت وراء تلك الاجتماعات التي كانت تحصل عند قبر الإمام " الحسين " من أقاصي البلاد لكسب الثواب ولنشر المذهب الشيعي والتنديد بالخلافة التي تجسدت في الأمويين في بادئ الأمر ثم في العباسيين بعدهم وأنها في نفس الوقت كانت تظاهرات شيعية لتوحيد الصفوف ونشر أهداف المذهب الشيعي، ولهذا فإنني لا أستغرب أبدًا عندما أقرأ في كتب الروايات التي هي بين أيدينا روايات تنسب إلى أئمة الشيعة تحث الناس على زيارة الإمام " الحسين " وقد جاء في بعضها:؟ لكل خطوة يخطوها الزائر في سبيل زيارة الحسين له قصر في الجنة؟ وحتى أنهم جعلوا لكربلاء مقامًا أعلى من الكعبة وقد قال أحد شعراء الشيعة:
وفي حديث كربلاء والكعبة لكربلاء بان علوّ الرتبة
كما أن روايات أخرى قالت:؟ إن من بكى على الحسين أو تباكى غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ إن مثل هذه الروايات وانتسابها إلى الأئمة أعطت حيوية خارقة في السعي للوصول إلى " كربلاء " مع صعوبة الأسفار ومشاقّها وخطورتها في تلك العهود ولذلك كانت كربلاء في عهد الخلافة الأموية والعباسية تشهد المظاهرات
[ ٩٣ ]
الشيعية الكبرى في شهر محرم وصفر ولا سيما العاشر من محرم وهو اليوم الذي قتل فيه " الحسين " وكان المجتمعون يحتشدون بصمت أمام القبر ويوحدون صفوفهم في قراءة الزيارات التي كانت عملية تثقيفية وراءها حكماء وعلماء أحكموا فيها وضع الخطة التي تجمع الشيعة على خط واحد لا تنفصم عراه، وحقًا كان المخططون في وضع تلك الزيارات عباقرة استطاعوا تفهم النفسية الشيعية في عهد الأمويين والعباسيين تفهمًا مطلقًا فجاءت تلك الزيارات وتداولها تداولًا عامًا في المواسم الخاصة بمثابة استمرار منظم في مقاومة الخلافة، وهكذا أصبح التثقيف المذهبي عن طريق تلك الزيارات عامًا وشائعًا وشاملًا رغمًا عن إرادة السلطة الحاكمة، لقد حدث كل ذلك في عهد لم تعرف فيه الصحافة ولا المدارس العامة ولا الإعلام الشامل ولا وسائل الطباعة ولا التنظيمات الحزبية، ولذلك لا نجد غرابة عندما نعلم أن " المتوكل " العباسي منع الناس من زيارة الإمام " الحسين " وأمر بحرث قبره حتى يخفي معالمه عن الناس، واليوم وبعد أن انتهى كل شيء ولا يوجد للأمويين ولا للعباسيين وخلافتهم أثر في العالم الإسلامي ولا لذلك التطاحن الفكري حول الخلافة والخلفاء فهل نحن معاشر الشيعة نرغب أن نسير في الطريق نفسه الذي سرنا عليه ثلاثة عشر قرنًا ونقف أمام قبور الأئمة ونردد كلامًا رددناه قرونًا وقرونًا لا فائدة ترجى من ورائه ولا أثر يترتب عليه؟ اللهم إلا بعض المقاطع من الدعوات الخالصة التي تشكل جزءًا صغيرًا من الزيارة فحسب، ثم إلى متى سنفضل كلام المخلوق على الخالق؟ وما هي الفائدة
التي يجنيها الأئمة أنفسهم من قراءة هذه الخطب الرنانة أمام قبورهم؟ أليس من الأفضل حقًا أن نأخذ بسنة النبي الكريم - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - ونتلو آيات من الذكر الحكيم أمام قبور أئمتنا؟ فإن فيها الثواب والرحمة وفيها النور والهدى ليس للزائر فحسب بل حتى للمزور وإن كان نبيًا أو إمامًا.
التصحيح
من كل ما أسلفناه يظهر بوضوح أن هذه الزيارات التي ملأت كتب الزيارة ويحتفظ بها كل شيعي في بيته ويقر﴾ ها عندما يدخل مشهدًا من مشاهد أهل
[ ٩٤ ]
البيت زيارات تثقيفية وضعت في عهدٍ كانت الشيعة فيه بحاجة إلى التثقيف المذهبي، وإني لا أشك أن الإمام " عليًا " إذا كان يستمع إلى بعض الفقرات التي جاءت في تلك الزيارات وفيها إعطاء الأئمة صفات تفوق صفات البشر وتكون قريبة من صفات الله أو شريكة معه فقد كان يجري الحد على قارئها وواضعها على السواء، وهنا أود أن أطلب من الشيعة في كل الأرض أن تفكر مليًا في زيارتها لقبور الأئمة بهذه العبارات التي لا تجدي خيرًا لهم ولا للأئمة كما أود أن أُحَمِّل المسؤولية مرةً أخرى على الزعامات المذهبية التي عودت الشيعة على هذا الطريق فحتى هذا اليوم لم أصادف مرجعًا من مراجع الشيعة وهو يدخل مشهدًا من مشاهد الأئمة يفضل قراءة القرآن الكريم على تلك الزيارات عندما يقف أمام المشهد ولست أدري لماذا نحن معاشر الشيعة نترك كلام الله ونكن إلى كلام المخلوق وحتى على فرض صحة صدروها من الإمام فلماذا نفضل كلامه على كلام الله؟ وإذا كان الغرض من الزيارة الحصول على ثواب الآخرة فقراءة القرآن الكريم تضمن ذلك الثواب وإذا كان الغرض منها إكرام الإمام فقراءة القرآن تضمن له ذلك أيضًا، وإنني لعلى علم ويقين أن هذه النظرة التصحيحية ستواجه ذلك الجواب التقليدي الذي طالما سمعناه من فقهائنا - سامحهم الله - وهو أن هذه الزيارات وردت من أئمتنا فلا بد أنهم كانوا أعرف منا بالأمر، ومع أنني هنا لا أستطيع أن أناقش أئمتنا
وبيننا وبينهم حاجز الحياة والموت ولكنني لو كنت في زمن الإمام " علي بن محمد " وكنت داخلًا معه إلى مشهد الإمام " الحسين " وسمعته يقرأ زيارة الوارث والجامعة وهو أمام القبر لأجريت معه هذا لحوار:
أنا" يا ابن رسول الله هل هذه الزيارة هي كلام الله أم كلام المخلوق؟.
الإمام: كلام مخلوق.
لسألت ثانيةً: هل كلام المخلوق أفضل من كلام الله؟
الإمام: كلام الله.
ولسألت مرةً أخرى: فلماذا فضلت كلام المخلوق على كلام الله ولم تقرأ القرآن الكريم؟
ولست أدري ماذا كان يجيب الإمام عند الوصول إلى هذه النقطة،
[ ٩٥ ]
إن تصور مثل هذا الحوار لا يعني أنني أعتقد صدور هذه الزيارات من أئمة الشيعة ولكنني ذهبت إلى أبعد الاحتمالات لكي أسد الطريق على الذين يتذرعون بعمل الإمام في كل شيء.
وأختم هذا الفصل بحديث روته كتب الصحاح عن رسول الله؟صلى الله تعالى عليه وآله وسلم؟ الذي قال:؟ تركت فيكم الثقلين كتاب الله وسنتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا من بعدي أبدًا؟ أما الشيعة فتروي (١):؟ تركت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا من بعدي أبدًا؟ فم أحسن وأفضل وأجمل للشيعة أن تأتمر بأمر رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - وتجمع بين كتاب الله والعترة في مكان واحد حسب الرواية التي ترويها عن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم -.
_________________
(١) - ذكر بعض كتب الصحاح أيضًا مثل الترمذي ما روته كتب الشيعة.
[ ٩٦ ]
ضرب القامات في يوم عاشوراء
لم تشوه ثورة مقدسة في التاريخ كما شوهت الشيعة ثورة " الحسين " بذريعة حب " الحسين ".
[ ٩٧ ]
ضرب القامات في يوم عاشوراء
الضرورة تملي أن نفرد فصلًا خاصًا في ضرب السلاسل على الأكتاف وشج الرؤوس بالسيوف والقامات في يوم العاشر من " محرم " حدادًا على الإمام " الحسين " وبما أن هذه العملية البشعة لا زالت جزءًا من مراسيم الاحتفال باستشهاد الإمام " الحسين " وتجري في " إيران " و" باكستان " و" الهند " وفي " النبطية " بلبنان في كل عام وتكون السبب في حدوث صراع دموي بين الشيعة والسنة في أجزاء من " الباكستان " تذهب ضحيته المئات من الأرواح البريئة من الفريقين كان لا بد من الإسهاب حولها بصورة مستقلة، كما قلنا في فصل سابق إن الشيعة تحتفل بيوم عاشوراء منذ قرون عديدة وما عدا قراءة الزيارات التي أسهبنا في ذكرها كان الشعراء ينشدون قصائد أمام القبر حتى أن الشاعر العربي " الشريف الرضي " عندما ألقى قصيدته العصماء أمام قبر لاحسين والتي جاء في مطلعها:
كربلاء لا زلت كربًا وبلا
ووصل إلى هذا البيت:
كم على تربك لما صرعوا من دم سال ومن قتل جرى
بكى وبكى حتى أغمي عليه، والثابت أن أئمة الشيعة كانوا يحتفلون بيوم العاشر من محرم فيجلسون في بيوتهم يقبلون التعازي من المعزين ويطعمون الطعام في ذلك اليوم وكانت تلقى أمامهم خطب أو قصائد في ذكرى شهادة " الحسين " وأهل بيت رسول - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - وفضائلهم.
وفي كربلاء وحول قبر " الحسين " كان الزوار يمرون على هيئة مواكب وآحاد وهم يقرؤون الزيارات التي أشرنا إليها مع بكاء ونحيب كجزء مكمل للاحتفال والزيارة، إنها العادة التي لا زالت جارية في المجالس التي تقام للإمام " الحسين " في العالم الشيعي فلا بد من ختمها بالبكاء لأن:
[ ٩٨ ]
" من بكى أو تباكى على الحسين وجبت عليه الجنة " كما جاء في بعض الروايات التي تنسب إلى الأئمة ومعاذ الله أن يصدر من الإمام كلامًا كهذا، كما أن الشيعة كانت تلبس السواد في شهر محرم وصفر حدادًا على الحسين وهذه العادة أخذت بالتوسع في عهد الصراع الأول بين الشيعة والتشيع وعندما أخذت تظهر الشيعة على مسرح الأحداث السياسي والإسلامي كقوة تريد الإطاحة بالخلافة الحاكمة وكان للبويهيين الذين حكموا إيران والعراق باسم حُماة الخلافة العباسية دورًا بارزًا في تنمية الاحتفالات في أيام عاشوراء ولكن هذه الاحتفالات أخذت طابعًا عامًا وأصبحت جزءًا من الكيان الشيعي عندما استلم السلطة الشاه " إسماعيل الصفوي " وأدخل إيران في التشيع وخلق فيها تماسكًا مذهبيًا للوقوف أمام أطماع الخلافة العثمانية المجاورة لإيران كما أشرنا إليه وكان البلاط الصفوي يعلن الحداد في العشر الأول من محرم من كل عام ويستقبل الشاه المعزين في يوم عاشوراء وكانت تقام في البلاط احتفالات خاصة لهذا الغرض تجتمع فيها الجماهير ويحضرها لاشاه بنفسه، كما أن الشاه عباس الأول الصفوي الذي دام حكمه خمسين عامًا وهو أكبر الملوك الصفويين دهاءً وقوةً وبطشًا كان يلبس السواد في يوم عاشوراء ويلطخ جبينه بالوحل حدادًا على الإمام " الحسين " وكان يتقدم المواكب التي كانت تسير في الشوارع مرددة الأناشيد في مدح الإمام ثم التنديد بقتلته، ولا ندري على وجه الدقة متى ظهر ضرب السلاسل على الأكتاف في يوم عاشوراء وانتشر في أجزاء المناطق الشيعية مثل إيران والعراق وغيرهما ولكن الذي لا شك فيه أن ضرب السيوف على
الرؤوس وشج الرأس حدادًا على " الحسين " في يوم العاشر من محرم تسرب إلى إيران والعراق من الهند وفي إبان الاحتلال الإنجليزي لتلك البلاد وكان الإنجليز هم الذين استغلوا جهل الشيعة وسذاجتهم وحبهم الجارف للإمام " الحسين " فعلموهم ضرب القامات على الرؤوس، وحتى إلى عهد قريب كانت السفارات البريطانية في طهران وبغداد تمول المواكب الحسينية التي كانت تظهر بذلك المظهر البشع في الشوارع والأزقة وكان الغرض وراء السياسة الاستعمارية الإنجليزية في تنميتها لهذه العملية البشعة واستغلالها أبشع الاستغلال هو إعطاء مبرر معقول للشعب البريطاني وللصحف الحرة التي كانت تعارض بريطانيا في استعمارها للهند ولبلاد
[ ٩٩ ]
إسلامية أخرى وإظهار شعوب تلك البلاد بمظهر المتوحشين الذين يحتاجون إلى قيِّم ينقذهم من مهامه الجهل والتوحش فكانت صور المواكب التي تسير في الشوارع في يوم عاشوراء وفيها الآلاف من الناس يضربون بالسلاسل على ظهورهم ويدمونها بالقامات والسيوف على رؤوسهم ويشجونها تنشر في الصحف الإنجليزية والأوربية وكان الساسة الاستعماريون يتذرعون بالواجب الإنساني في استعمار بلادٍ تلك هي ثقافة شعوبها ولحمل تلك الشعوب على جادة المدنية والتقدم، وقد قيل إن " ياسين الهاشمي " رئيس الوزراء العراقي في عهد الاحتلال الإنجليزي للعراق عندما زار لندن للتفاوض مع الإنجليز لإنهاء عهد الانتداب قال له الإنجليز: نحن في العراق لمساعدة الشعب العراقي كي ينهض بالسعادة وينعم بالخروج من الهمجية، ولقد أثار هذا الكلام " ياسين الهاشمي " فخرج من غرفة المفاوضات غاضبًا غير أن الإنجليز اعتذروا منه بلباقة ثم طلبوا منه بكل احترام أن يشاهد فيلمًا وثائقيًا عن العراق فإذا به فيلم عن المواكب الحسينية في شوارع النجف وكربلاء والكاظمية تصور مشاهد مروعة ومقززة عن ضرب القامات والسلاسل وكأن الإنجليز قد أرادوا أن يقولوا له: هل إن شعبًا مثقفًا لم من المدنية حظ قليل يعمل بنفسه هكذا؟
وهنا أذكر كلامًا طريفًا مليئًا بالحكمة والأفكار النيٍّرة سمعته من أحد أعلام الشيعة ومشايخهم قبل ثلاثين عامًا لقد كان ذلك الشيخ الوقور الطاعن في السن واقفًا بجواري وكان اليوم هو العاشر من محرم والساعة اثنتي عشرة ظهرًا والمكان هو روضة الإمام " الحسين " في كربلاء وإذا بموكب المطبرين الذين يضربون بالسيوف على رؤوسهم ويشجونها حدادًا وحزنًا على " الحسين " دخلوا الروضة في أعداد غفيرة والدماء تسيل على جباههم وجنوبهم بشكل مقزز تقشعر من رؤيته الأبدان ثم أعقب الموكب موكب آخر وفي أعداد غفيرة أيضًا وهم يضربون بالسلاسل على ظهورهم وقد أدموها وهنا سألني الشيخ العجوز والعالم الحرّ: ما بال هؤلاء الناس وقد انزلوا بأنفسهم هذه المصائب والآلام؟ قلت: كأنك لا تسمع ما يقولون إنهم يقولون: (واحسيناه) أي لحزنهم على " الحسين " ثم سألني الشيخ من جديد: أليس الحسين الآن في مقعد صدق عند مليك
[ ١٠٠ ]
مقتدر؟ قلت: نعم ثم سألني مرةً أخرى: أليس الحسين الآن في هذه اللحظة في الجنة التي عرضها كعرض السموات والأرض أعدت للمتقين؟ قلت: نعم وهنا تنفس الشيخ الصعداء وقال بلهجة كلها حزن وألم: ويلهم من جهلة أغبياء لماذا يفعلون بأنفسهم هذه الأفاعيل لأجل إمام هو الآن في جنة ونعيم ويطوف عليه ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من نعيم.
في عام / ١٣٥٢ / هجري وعندما أعلن كبير علماء الشيعة في سوريا السيد " محسن الأمين " العاملي تحريم مثل هذه الأعمال وأبدى جرأةً منقطعة النظير في الإفصاح عن رأيه وطلب من الشيعة أن يكفوا عنها لاقى معارضة قوية م داخل صفوف العلماء ورجال الدين الذين ناهضوه ووراءهم " الهمج والرعاع " على حد تعبير الإمام " علي " وكادت خطواته الإصلاحية تفشل لولا أن تبنى جدنا السيد " أبو الحسن " وبصفته الزعيم الأعلى للطائفة الشيعية موقف العلامة الأمين ورأيه في تلك الأعمال معلنًا تأييده المطلق له ولفتواه، ولقد أعطى موقف جدنا بعدًا كبيرًا للحركة الإصلاحية التي نادى بها السيد " الأمين " ومع أن كثيرًا من الفقهاء والمجتهدين وقفوا موقفًا معارضًا للسيد " أبو الحسن " كما وقفوا " للأمين " من قبل إلا أن السيد " أبو الحسن " تغلب على الجميع في آخر المطاف بسبب مقامه الرفيع وصموده، وأخذت الجماهير تطيع فتوى الزعيم الأكبر وبدأت تلك العمال تقل رويدًا رويدًا وتختفي من على الساحة الشيعية إلا أنها لم تندثر تمامًا حيث بقيت لها مظاهر ضعيفة وهزيلة حتى أن توفي جدنا ﵀ في عام / ١٣٦٥ / هجري وأخذت بعض الزعامات الشيعية الجديدة تحث الناس على تلك العمال من جديد فبدأت تنمو مرةً أخرى في العالم الشيعي ولكنها لم تصل إلى ما كانت عليه قبل عام / ١٣٥٢ / هجري، وبعد أن أعلنت في إيران الجمهورية الإسلامية وتولت ولاية الفقيه السلطة صدرت الأوامر بإحياء تلك الأعمال كجزء من السياسة المذهبية وأخذت الجمهورية الإسلامية الفتية تساعد الفئات الشيعية في كل الأرض وتحثهم
[ ١٠١ ]
ماليًا ومعنويًا لإحياء هذه البدعة التي أدخلتها السياسة الاستعمارية الإنجليزية إلى العالم الإسلامي الشيعي قبل مائتي عام وذلك لتظهر وجه الإسلام والمسلمين بالمظهر الكالح وتبرر استعمارها لبلاد الإسلام كما قلنا من قبل، وعندما أكتب هذه السطور تشاهد المدن الإيرانية والباكستانية والهندية
واللبنانية مع الأسف الشديد في يوم العاشر من محرم من كل عام مواكبًا تسير في شوارعها بالصورة التي رسمناها، وقبل أن تنتهي ساعات ذلك اليوم فإن صورًا من تلك الهمجية الإنسانية والجنون المفزع تعرض على شاشات التلفزة في شرق الأرض وغربها لتعطي قوة لأعداء الإسلام والمتربصين بالإسلام والمسلمين معًا.
التصحيح
إن على الطبقة المثقفة من الشيعة الإمامية أن تبذل قصارى الجهد لمتع الجهلة من القيام بمثل هذه الأعمال التي مسخت وشوهت ثورة الإمام " الحسين " وعلى الوعاظ والمبلغين أن يقوموا بدور أكثر وضوحًا ورؤية والحقيقة التي أود أن أذكرها بكل صراحة ووضوح هي أن السبب الذي حدا بالحسين للاستشهاد في يوم عاشوراء كان أعلى وأجل بكثير من الصورة التي ترسمها الشيعة عن ذلك، فالحسين لم يستشهد لتبكي الناس عليه وتلطم الخدود وتصوره بالبائس المسكين وإنما أراد الإمام أن يعطي درسًا بليغًا في الإيثار عن النفس والحزم والعزم والشجاعة في مقارعة الظلم والاستبداد، فلذلك إن الاحتفال في شهادة الإمام " الحسين " ينبغي أن يكون احتفالًا يتناسب مع مقام " الحسين " بعيدًا عن الغوغاء والجهلة والأعمال التي تضحك وتبكي في آن واحد وما أجمل الاحتفالات التثقيفية التي فيها تلقى الخطب والقصائد البليغة وسيرة الرسول وأهل بيته وصحابته في الجهاد والتضحية في سبيل الله.
وهكذا يجب أن نبني أنفسنا في ذكرى " الحسين " لا أن نهدمها ويجب أن نعطي للحسين حقه في ساحة النضال لا أن نشوهه ونسيء إليه هذا إن كنا حقًا من أنصار الحسين ومحبيه.
[ ١٠٢ ]