الشّيعة والقرآن
من أهم الخلافات التي تقع بين السنة والشيعة هو اعتقاد أهل السنة كجميع طوائف المسلمين بأن القرآن المجيد الذي أنزله الله على نبينا محمد ﷺ هو الكتاب الأخير المنزل من عند الله إلى الناس كافة وأنه لم يتغير ولم يتبدل وليس هذا فحسب بل إنه لن يتغير ولن يتحرف إلى أن تقوم الساعة، وهو الموجود بين دفتي المصاحف لأن الله قد ضمن حفظه وصيانته نم أي تغيير وتحريف وحذف وزيادة على خلاف الكتب المنزلة القديمة، السالفة، من صحف إبراهيم وموسى، وزبور وإنجيل وغيرها، فإنها لم تسلم من الزيادة والنقصان بعد وفاة الرسل، ولكن القرآن حينما أنزله ﷾ قال: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ (١). وقال: ﴿إن علينا جمعه وقرآنه، فإذا قرأناه فاتبع قرآنه، ثم إن علينا بيانه﴾ (٢). وقال: ﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد﴾ (٣).
وإن عدم الإيمان بحفظ القرآن وصيانته يجر إلى إنكار القرآن وتعطيل الشريعة التي جاء بها رسول الله ﷺ،
_________________
(١) سورة الحجر الآية٩
(٢) سورة القيامة الآية ١٧، ١٨، ١٩
(٣) سورة حم السجدة الآية٤٢
[ ٧٧ ]
لأنه حينذاك يحتمل في كل آية من آيات الكتاب الحكيم أنه وقع فيها تبديل وتحريف، وحين تقع الاحتمالات تبطل الاعتقادات والإيمانيات، لأن الإيمان لا يكون إلا باليقينيات وأما بالظنيات والمحتملات فلا.
وأما الشيعة فإنهم لا يعتقدون بهذا القرآن الكريم الموجود بأيدي الناس، والمحفوظ من قبل الله العظيم، مخالفين جميع الفرق المسلمة، والمذاهب الإسلامية، ومنكرين لجميع النصوص الصحيحة الواردة في القرآن والسنة، ومعارضين كل ما يدل عليه العقل والمشاهدة، مكابرين للحق وتاركين للصواب.
فهذا هو الاختلاف الحقيقي الأساسي بين السنة والشيعة، أو بالتعبير الصحيح بين المسلمين والشيعة (١). لأنه لا يكون الإنسان
_________________
(١) ولقد كان الشيخ السيد محب الدين الخطيب صادقًا في رسالته "الخطوط العرفة" حين قال: وحتى القرآن الذي كان ينبغي أن يكون المرجع الجامع لنا ولهم على التقارب والوحدة، هم لا يعتقدون بذاك "ثم ذكر بعض الأمثلة من صفحة ٩ إلى ١٦ التي تدل على أن الشيعة لا يعتقدون القرآن الذي في أيدينا وأيدي الناس بل يظنونه محرفًا، مغيرًا وناقصًا. وقد رد عليه لطف الله الصافي في كتابه "مع الخطيب في خطوطه العريضة" من ص ٤٨ إلى ص ٨٢ بحماس وشدة وأنكر اعتقاد الشيعة بتحريف القرآن وتغييره إنكارًا لا يستند إلى دليل وبرهان. فأولًا:- ما استطاع الشيخ الشيعي "لطف الله الصافي" أن ينكر ما ذكره بالخطيب من نصوص الشيعة الدالة على التحريف والتغيير في القرآن، كما لم يستطع إنكار كتاب الحاج ميرزا حسين بن محمد تقي النوري الطبرسي ومرتبته وشأنه عند الشيعة، بل قد اعترف بتضلعه في الحديث وعلو مقامه عندهم. ثانيًا:- ذكر الصافي نفسه بعض العبارات في كتابه التي هي بمنزلة الاعتراف باعتقاد الشيعة بالتحريف في الكتاب المبين. ثالثًا:- التجأ الشيخ الشيعي أخيرًا إلى أنه لا ينبغي أن يثار مثل هذا الموضوع لأنه يعطى سلاحًا في أيدي المستشرقين للرد على المسلمين بأن القرآن الذي يدعونه محفوظًا مصونًا قد وقع فيه الخلاف أيضًا مثل التوراة والإنجيل - فقوله هذا، ليس إلا إقرارًا واعترافًا بالجريمة، وإلا فالمسألة واضحة كما سيجيء مفصلًا إن شاء الله رابعًا:- أن الصافي لم يورد في مبحثه حول القرآن رواية من الاثني عشر - المعصومين عندهم - تدل وتنص على اعتقادهم بعدم التحريف في القرآن بخلاف الخطيب فإنه ذكر روايتين عن الاثنين منهم، تصرح بأن القرآن وقع فيه التغيير والتحريف - وها نحن ذاكرون عديدًا من الأحاديث والروايات من كتبكم أنتم أيها الصافي! التي لا تقبل الشك في أن الشيعة اعتقادهم في القرآن هو كما ذكره الخطيب ﵀ ولا تنكرونه إلا تقية وخداعًا للمسلمين
[ ٧٨ ]
مسلمًا إلا باعتقاده أن القرآن هو الذي بلّغه رسول الله ﷺ إلى المسلمين بأمر من الله ﷿.
وإنكار القرآن ليس إلا تكذيبًا بالرسول.
وها هي النصوص التي تدل على عقيدة الشيعة بالقرآن، فيروي المحدث الشيعي الكبير الكليني الذي هو بمنزلة الإمام البخاري عند المسلمين. في "الكافي في الأصول": عن هشام بن سالم
[ ٧٩ ]
عن أبي عبد الله ﵇ قال: إن القرآن الذي جاء به جبرئيل ﵇ إلى محمد صلى الله عليه وآله سبعة عشر آلف آية" (١).
والمعروف أن آيات القرآن لا تتجاوز ستة آلاف آية إلا قليلًا، وقد ذكر المفسر الشيعي أبو علي الطبرسي في تفسيره تحت آية من سورة الدهر "جميع آيات القرآن ستة آلاف آية ومائتا آية وست وثلاثون آية" (٢).
ومعنى هذا أن الشيعة فقد عندهم ثلثا القرآن، وتنص على هذا رواية الكافي أيضًا "عن أبي بصير قال: دخلت على أبي عبد الله ﵇ فقلت: جعلت فداك إني أسألك عن مسألة، أهاهنا أحد يسمع كلامي؟ قال: فرفع أبو عبد الله سترًا بينه وبين بيت آخر، فاطلع فيه ثم قال: سل عما بدا لك، قال: قلت إن شيعتك يتحدثون أن رسول الله صلى الله عليه وآله علّم عليًا بابًا يفتح منه ألف باب؟ قال فقال: علّم رسول الله صلى الله عليه وآله عليًا ألف باب يفتح من كل باب ألف باب، قال قلت: هذا والله العلم، قال: فنكت ساعة في الأرض ثم قال: إنه لعلم وما هو بذاك، قال: يا أبا محمد وإن عندنا الجامعة، وما يدريهم ما الجامعة؟ قال قلت: جعلت فداك وما الجامعة؟ قال:
_________________
(١) "الكافي في الأصول" كتاب فضل القرآن، باب النوادر ص٦٣٤ ج٢ ط طهران ١٣٨١هـ
(٢) تفسير "مجمع البيان" للطبرسي ص٤٠٦ ج١٠ ط طهران ١٣٧٤هـ
[ ٨٠ ]
صحيفة طولها سبعون ذراعًا بذراع رسول الله صلى الله عليه وآله، وإملائه من فلق فيه، وخطّ علي بيمينه، فيها كل حلال وحرام وكل شيء يحتاج إليه الناس حتى الأرش في الخدس، وضرب بيده إلي، فقال لي: تأذن يا أبا محمد؟ قال قلت: جعلت فداك إنما أنا لك فاصنع ما شئت، قال: فغمزني بيده وقال: حتى أرش هذا، كأنه مغضب، قال قلت: هذا والله العلم، قال: إنه لعلم وليس بذاك، ثم سكت ساعة ثم قال: وإن عندنا الجفر، وما يدريهم ما الجفر؟ قال قلت: وما الجفر؟ قال وعاء من أدم فيه علم النبيين والوصيين وعلم العلماء الذي مضوا من بني إسرائيل، قال قلت: إن هذا هو العلم، قال إنه لعلم وليس بذاك، ثم سكت ساعة ثم قال: وإن عندنا لمصحف فاطمة ﵍ وما يدريهم ما مصحف فاطمة؟ قال قلت: وما مصحف فاطمة؟: قال: مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات، والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد" الخ (١).
فيصرف النظر عما فيها من السخافات والخرافات والأباطيل التي تبتني عليها عقائد الشيعة صرح في هذه الرواية أن ثلاثة أرباع القرآن قد حذف وأسقط من المصحف الموجود، المعتمد عليه عند المسلمين قاطبة سوى الشيعة. فماذا يقول الشيعة
_________________
(١) "الكافي في الأصول" كتاب الحجة، باب ذكر الصحيفة والجفر والجامعة ومصحف فاطمة، ص٢٣٩ و٢٤٠ و٢٤١ ج١ ط طهران
[ ٨١ ]
المتظاهرون بالإنكار على من قال بالتحريف في القرآن - تقية وخداعًا للمسلمين - ماذا يقولون في هاتين الروايتين اللتين يرويهما محمد بن يعقوب الكليني، الذي له لقاء مع سفراء صاحب الأمر "المهدي المزعوم" في كتابه "الكافي الذي عرض بوساطة السفراء على "صاحب الأمر" ونال رضاه، ووجد زمان الغيبوبة الصغرى؟
ماذا يقولون في هذا وماذا يقول فيه المنصفون من الناس؟
من المجرم أيها السادة العلماء والفضلاء! ومن صاحب الجريمة؟
الذي يرتكب الجريمة ويكتسب العار، أو الذي يدل على الجريمة أنها ارتكبت، وعلى الفضيحة بأنها اكتسبت؟ والرواية ليست واحدة واثنتين بل هناك روايات وأحاديث عن الشيعة تدل وتخبر بأن القرآن عندهم غير محفوظ من التغيير والتبديل، وليس هذا القرآن الموجود قرآن الشيعة، بل هذا القرآن عندهم مختلق بعضه ومحرف بعضه، فانظر ما يرويه الشيعة عن أبي جعفر فيقول صاحب "بصائر الدرجات" حدثنا علي بن محمد عن القاسم بن محمد بن سليمان بن داؤد عن يحيى بن أديم عن شريك عن جابر قال قال أبو جعفر: دعا رسول الله أصحابه بمنى فقال: يا أيها الناس إني تارك فيكم حرمات الله، كتاب الله وعترتي والكعبة، البيت الحرام، ثم قال أبو جعفر: أما كتاب الله فحرفوا، وأما الكعبة فهدموا، وأما العترة فاقتلوا، وكل ودايع الله فقد
[ ٨٢ ]
تبروا" (١).
وهل هناك أكثر من هذا؟ نعم هناك أكثر من هذا وأصرح وهو ما يرويه الكليني في الكافي "أن أبا الحسين موسى ﵇ كتب إلى علي بن سويد وهو في السجن: ولا تلتمس دين من ليس من شيعتك ولا تحبن دينهم فإنهم الخائنون الذين خانوا الله ورسوله وخانوا أماناتهم، وهل تدري ما خانوا أماناتهم؟ ائتمنوا على كتاب الله، فحرفوه وبدلوه" (٢).
ومثل هذه الرواية، رواية أبي بصير كما رواها الكليني "عن أبي بصير عن أبي عبد الله ﵇ قال قلت له: قول الله ﷿ ﴿هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق﴾ قال فقال: إن الكتاب لم ينطق ولن ينطق ولكن رسول الله هو الناطق بالكتاب قال الله جل ذكره "هذا كتابنا ينطق (بصيغة المجهول) عليكم بالحق، قال قلت جعلت فداك، إنا لا نقرأها هكذا، فقال: هكذا والله نزل به جبرئيل ﵇ على محمد صلى الله عليه وآله ولكنه فيما حرف من كتاب الله" (٣).
_________________
(١) "بصائر الدرجات" الجزء الثامن، الباب السابع عشر ط إيران ١٢٨٥هـ
(٢) "الكافي" "كتاب الروضة" ص١٢٥ ج٨ طهران وص٦١ ط الهند
(٣) كتاب "الروضة من الكافي" ص٥٠ ج٨ ط طهران وص٢٥ ج١ ط الهند
[ ٨٣ ]
ويروي صدوق الشيعة ابن بابويه القمي في كتابه "حدثنا محمد بن عمر الحافظ البغدادي قال حدثنا عبد الله بن بشر قال حدثنا الأجلح عن أبي الزبير عن جابر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: يجيء يوم القيامة ثلاثة يشكون، المصحف، والمسجد، والعترة، يقول المصحف: يا رب حرقوني ومزقوني" الخ (١).
وينقل المفسر الشيعي المعروف الشيخ محسن الكاشي عن المفسر الكبير الذي هو من مشائخ المفسرين عند الشيعة "أنه ذكر في تفسيره عن أبي جعفر ﵇ قال: لولا أنه زيد في كتاب الله ونقص ما خفي حقنا على ذي حجى - ولو قد قام قائمنا صدقه القرآن" (٢).
من حرّف القرآن وغيّره؟
وأصرح من ذلك كله ما رواه الطبرسي في كتابه "الاحتجاج" المعتمد عليه عند جميع الشيعة ما يدل على اعتقاد الشيعة حول القرآن وما يكنونه من الحقد على عظماء الصحابة من المهاجرين والأنصار الذين ﵃ وأرضاهم عنه، فيقول المحدث الشيعي: وفي رواية أبي ذر الغفاري أنه لما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله، جمع علي القرآن وجاء به إلى المهاجرين والأنصار، وعرضه عليهم
_________________
(١) كتاب "الخصال" لأن بابويه القمي ص٨٣ ط إيران ١٣٠٢هـ
(٢) تفسير "الصافي" للمحسن الكاشي، المقدمة السادسة ص١٠ ط طهران
[ ٨٤ ]
لما قد أوصاه بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما فتحه أبو بكر خرج في أول صفحة فتحها فضائح القوم، فوثب عمر وقال: يا علي! اردده فلا حاجة لنا فيه، فأخذه علي ﵇ وانصرف، ثم أحضر زيد بن ثابت وكان قارئًا للقرآن، فقال له عمر: إن عليًا جاءنا بالقرآن وفيه فضائح المهاجرين والأنصار، وقد رأينا أن نؤلف القرآن ونسقط منه ما كان فيه من فضيحة وهتك المهاجرين والأنصار، فجاء به زيد إلى ذلك، ثم قال: فإن أنا فرغت نم القرآن على ما سألتم وأظهر علي القرآن الذي ألفه أليس قد بطل كل ما عملتم؟ - قال عمر: فما الحيلة؟ قال زيد: أنتم أعلم بالحليلة، فقال عمر: ما حيلة دون أن نقتله ونستريح منه، فدبر في قتله على يد خالد بن الوليد فلم يقدر على ذلك - فلما استخلف عمر، سألوا عليًا ﵇ أن يرفع إليهم القرآن فيحرفوه فيما بينهم، فقال عمر: يا أبا الحسن! إن جئت بالقرآن الذي كنت جئت به إلى أبي بكر حتى نجتمع عليه، فقال: هيهات ليس إلى ذلك سبيل، إنما جئت به إلى أبي بكر لتقوم الحجة عليكم ولا تقولوا يوم القيامة ﴿إنا كنا عن هذا غافلين﴾ أو تقولوا ما جئتنا به، إن القرآن الذي عندي لا يمسه إلا المطهرون والأوصياء من ولدي، فقال عمر: فهل وقت لإظهاره معلوم؟ فقال ﵇: نعم إذا قام القائم من ولدي
[ ٨٥ ]
يظهره ويحمل الناس عليه" (١).
فأين المنصفون؟ وأين العادلون؟ وأين القائلون بالحق والصدق؟ فإن كان عمر هكذا كما يزعمه الشيعة، فمن يكون أمينًا، صادقًا، محافظًا على القرآن والسنة من صحابة الرسول ﵇.
فماذا يقول فيه دعاة التقريب من الشيعة في بلاد السنة؟
وماذا يقول فيه المتشدقون بوحدة الأمة واتحادها؟ أتكون الوحدة على حساب عمر وأصحاب رسول الله البررة، الأمناء على تبليغ الرسالة، رسالة رسول الله، الأمين، والناشرين لدعوته، والرافعين لكلمته، والمجاهدين في سبيل الله، والعاملين لأجليه؟
وهل من أهل السنة واحد يعتقد ويظن في علي ﵁ وأولاده ما يعتقده الشيعة في زعماء الملة، الحنيفية، البيضاء، وخلفائه الراشدين الثلاثة، أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ أجمعين ومن والاهم وتبعهم إلى يوم الدين، فما معنى لهذا الشعار "أيها المسلمون! ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾.
هل يقصد به أن نترك عقائدنا ونغمض عن أعراض أسلافنا التي تنتهك من قبل "إخواننا" الشيعة، ونصفح عن جراحات أكلت قلوبنا وأقلقت مضاجعنا.
أهذه هي دعوة التقريب بين الشيعة وأهل السنة بأن نكرمكم
_________________
(١) "الاحتجاج" للطبرسي ص٧٦ و٧٧ ط إيران ١٣٠٢هـ
[ ٨٦ ]
وتهينونا، ونعظمكم وتذلونا، ونسكت عنكم وتسبونا، ونحترم أسلافكم وتحتقروا أسلافنا، ونحتاط في أكابركم وتخوضوا في أكابرنا، ونجتنب الكلام في علي وأولاده وتشتموا أبا بكر وعمر وعثمان وأولادهم، فوربك تلك إذًا قسمة ضيزى.
ومثل تلك الرواية المكذوبة على الأئمة التي رواها الطبرسي في "الاحتجاج" توجد رواية أخرى في بخاريهم "الكافي" عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: رفع إليّ أبو الحسن ﵇ مصحفًا وقال: لا تنظر فيه، ففتحته وقرأت فيه ﴿لم يكن الذين كفروا﴾ فوجدت فيها اسم سبعين رجلًا من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم، قال: فبعث إلي ابعث إليّ بالمصحف" (١).
وذكر كمال الدين ميسم البحراني في شرح نهج البلاغة مطاعن الشيعة على ذي النورين، عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، وفيها "أنه جمع الناس على قراءة زيد بن ثابت خاصة وأحرق المصاحف، وأبطل ما لا شك أنه من القرآن المنزل" (٢).
وقال السيد نعمة الله الحسيني في كتابه "الأنوار": قد استفاض في الأخبار أن القرآن كما أنزل لم يؤلفه إلا أمير
_________________
(١) "الكافي في الأصول" كتاب فضل القرآن ص٦٣١ ج٢ ط طهران ص٦٢ ط الهند
(٢) "شرح نهج البلاغة لميسم البحراني" ص١ ج١١ ط طهران
[ ٨٧ ]
المؤمنين" (١).
ويؤيد هذه الرواية ذلك الحديث الشيعي المشهور، الذي رواه محمد بن يعقوب الكليني عن جابر الجعفي قال: سمعت أبا جعفر ﵇ يقول: ما ادعى أحد من الناس أنه جمع القرآن كله كما أنزل إلا كذاب، وما جمعه وحفظه كما أنزل إلا علي بن أبي طالب والأئمة بعده" (٢).
من عنده المصحف؟
فأين ذلك المصحف الذي أنزله الله على محمد والذي جمعه وحفظه علي بن أبي طالب؟ - يجيب على ذلك الحديث الشيعي الذي يرويه أيضًا الكليني "عن سالم بن سلمة قال: قرأ رجل على أبي عبد الله - ﵇ وأنا أسمع حروفًا من القرآن ليس على ما يقرأه الناس، فقال أبو عبد الله ﵇: كف عن هذه القراءة اقرأ كما يقرأه الناس حتى يقوم القائم، فإذا قام القائم قرأ كتاب الله ﷿ على حدة، وأخرج المصحف الذي كتبه علي ﵇، وقال: أخرجه علي ﵇ إلى الناس حين فرغ منه وكتبه، فقال لهم: هذا كتاب الله ﷿ كما
_________________
(١) "الأنوار النعمانية في بيان معرفة النشأة الإنسانية" للسيد نعمة الله الجزائري
(٢) "الكافي في الأصول" كتاب الحجة، باب أنه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة، ص٢٢٨ ج١ ط طهران
[ ٨٨ ]
أنزله الله على محمد صلى الله عليه وآله، قد جمعته من اللوحين، فقالوا: هو ذا عندنا مصحف جامع فيه القرآن، لا حاجة لنا فيه، فقال: أما والله لا ترونه بعد يومكم هذا أبدًا إنما كان عليّ أن أخبركم حين جمعته لتقرؤوه" (١).
فلأجل ذلك يعتقد الشيعة أن مهديهم المزعوم الذي دخل في السرداب ولم يزل هناك، دخل ومعه ذلك المصحف ويخرجه عند خروجه من ذلك السرداب الموهوم كما يذكر شيخ الشيعة أبو منصور أحمد بن أبي طالب الطبرسي المتوفي سنة ٥٨٨هـفي كتابه "الاحتجاج على أهل اللجاج" الذي قال عنه في مقدمته معرفًا للروايات التي سرد فيه "ولا نأتي في أكثر ما نورده من الأخبار بإسناده إما لوجود الإجماع عليه أو موافقته لما دلّت العقول إليه، أو لاشتهاره في السير والكتاب بين المخالف والموالف" (٢).
يذكر في هذا الكتاب "أن الإمام المهدي المزعوم حينما يظهر: يكون عنده سلاح رسول الله، وسيفه ذو الفقار ---- ولا أدري ماذا يفعل بهذا السلاح في زمن الصواريخ والقنابل الذرية --- بالله خبروا؟ --- وتكون عنده صحيفة فيها أسماء شيعته إلى يوم القيامة، ويكون عنده الجامعة وهي صحيفة طولها سبعون ذراعًا، فيها جميع ما يحتاج إليه ولد آدم، ويكون عنده
_________________
(١) "الكافي في الأصول" ص٥٣٣ ج٢ ط طهران
(٢) "الاحتجاج للطبرسي" مقدمة الكتاب
[ ٨٩ ]
الجفر الأكبر والأصغر، وهو إهاب كبش فيه جميع العلوم حتى أرش الخدش وحتى الجلدة ونصف الجلدة وثلث الجلدة، ويكون عنده مصحف فاطمة ﵍" (١).
وقد مر ذكره قبل ذلك أيضًا حيث قال علي فيما يزعمون "إذا قام القائم من ولدي".
وورد أيضًا في الكافي ما رواه الكليني بسنده "عن عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد عن محمد بن سليمان عن بعض أصحابه عن أبي الحسن ﵇ قال قلت له: جعلت فداك إنا نسمع الآيات في القرآن ليس هي عندنا كما نسمعها ولا نحسن أن نقرأها كما بلغنا عنكم، فهل نأثم؟ فقال: لا أقرؤها كما تعلمتم فيجيئكم من يعلمكم" (٢).
ومثل هذه الرواية يذكرها السيد نعمت الله الحسيني الجزائري المحدث الشيعي وهو تلميذ لعلامة الشيعة محسن الكاشي مؤلف التفسير الشيعي المعروف بالصافي، يذكرها في كتابه "الأنوار النعمانية في بيان معرفة نشأة الإنسانية" الذي أكمل تسويده في شهر رمضان سنة ١٠٨٩هـوالذي قال عنه في مقدمته "وقد التزمنا أن لا نذكر فيه إلا ما أخذنا عن أرباب العصمة الطاهرين ﵈، وما صح عندنا من كتب الناقلين، فإن كتب التاريخ
_________________
(١) "الاحتجاج على أهل اللجاج" ص٢٢٣ ط إيران ١٣٠٢هـ
(٢) "الكافي في الأصول" باب أن القرآن يرفع كما أنزل ص٦١٩ ج٢ ط طهران ص٦٦٤ ط الهند
[ ٩٠ ]
أكثرها قد نقله الجمهور من تواريخ اليهود ولهذا كان أكثر فيها الأكاذيب الفاسدة والحكايات الباردة" (١).
فيقول المحدث الشيعي الجزائري في هذا الكتاب قد ورد في الأخبار أنهم (أي الأئمة) أمروا شيعتهم بقراءة هذا الموجود من القرآن في الصلاة وغيرها والعمل بأحكامه حتى يظهر مولانا صاحب الزمان، فيرتفع هذا القرآن من أيدي الناس إلى السماء، ويخرج القرآن الذي ألفه أمير المؤمنين، فيقرأ ويعمل بأحكامه" (٢).
فهذه هي عقيدة الشيعة كاد أن يتفق عليها أسلافهم سوى رجال معدودين لا عبرة بهم، وهم ما أنكروا هذه العقيدة إلا لأهداف سنذكرها فيما بعد.
وأيضًا إنكارهم ليس بقائم على دليل وبرهان لأنهم لم يستطيعوا أن يردوا هذه الأخبار والأحاديث المستفيضة عند الشيعة كما يذكر العلامة الشيعي حسين بن محمد تقي النوري الطبرسي في كتابه المشهور "فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب" ناقلًا عن السيد نعمة الله الجزائري" أن الأخبار الدالة على ذلك (أي على التحريف في الكتاب الحكيم) تزيد على ألفي حديث، وادعى استفاضتها جماعة كالمفيد، والمحقق الدماد، والعلامة المجلسي وغيرهم" (٣).
ونقل أيضًا عن الجزائري "أن الأصحاب قد أطبقوا على صحة الأخبار المستفيضة بل المتواترة الدالة بصريحها على وقوع التحريف في القرآن" (٤).
وذكر مثل هذا المفسر الشيعي المعروف محسن الكاشي حيث قال: المستفاد من مجموع هذه الأخبار وغيرهم من الروايات من طريق أهل البيت ﵈ أن القرآن الذي بين أظهرنا ليس بتمامه كما أنزل على محمد صلى الله عليه وآله بل منه ما هو خلاف ما أنزل الله، ومنه ما هو مغير، محرف، وأنه قد حذف عنه أشياء كثيرة. . . . وأنه ليس أيضًا على الترتيب المرضي عند الله وعند رسوله" (٥).
ويقول علي بن إبراهيم القمي أقدم المفسرين للشيعة، وقد قال فيه النجاشي (الرجالي المعروف): ثقة في الحديث ثبت، معتمد، صحيح المذهب "--- وقد قيل في تفسيره "أنه في الحقيقة تفسير الصادقين ﵉" "قال هذا المفسر الشيعي في مقدمة تفسيره: فالقرآن منه ناسخ ومنسوخ، ومنه محكم ومنه متشابه. . .
_________________
(١) "الأنوار للجزائري" مقدمة الكتاب
(٢) الأنوار للجزائري
(٣) "فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب" للنوري الطبرسي ص٢٢٧ ط إيران ١٢٩٨هـ
(٤) "فصل الخطاب" ص٣٠
(٥) "تفسير الصافي"، المقدمة السادسة
[ ٩١ ]
ومنه على خلاف ما أنزل الله (١).
وقال عالم شيعي الذي علق على تفسير القمي ذاكرًا أقوال العلماء في تحريف القرآن "ولكن الظاهر من كلمات غيرهم من العلماء والمحدثين، المتقدمين منهم والمتأخرين، القول بالنقيصة كالكليني، والبرقي، والعياشي، والنعماني، وفرات بن إبراهيم، وأحمد بن أبي طالب الطبرسي، والمجلسي، والسيد الجزائري، والحر العاملي، والعلامة
_________________
(١) "تفسير القمي" مقدمة الكتاب ص٥ ج١ ط نجف ١٣٨٦هـ
[ ٩٢ ]
الفتوني، والسيد البحراني، وقد تمسكوا في إثبات مذهبهم بالآيات والروايات التي لا يمكن الإغماض عليها" (١).
فتلك بعض الروايات والأحاديث المروية من أئمة الشيعة المنسوبة إلى المعصومين عندهم، الصحيحة النسبة والرواية حسب قولهم، المروية في صحاحهم، المعتمدة عندهم، وهذه بعض الآراء لأكابريهم في هذه المسألة، وهناك روايات لا تعد ولا تحصى حتى زادت على ألفي حديث ورواية كما ذكره الميرزا نوري الطبرسي --- وبعد هذا لا يبقى مجال للشك بأن الشيعة يعتقدون التحريف في القرآن الحكيم الذي أنزله الله هدى ورحمة للمؤمنين، وللتفكر والتدبر للناس كافة، والذي قال فيه: ﴿ذلك الكتاب لا ريب فيه﴾ (٢). و﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه
_________________
(١) "مقدمة تفسير القمي" للسيد طيب الموسوي ص٢٣ و٢٤
(٢) سورة البقرة الآية١
[ ٩٣ ]
تنزيل من حكيم حميد﴾ (١) و﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ (٢) و﴿إنا علينا جمعه وقرآنه فإذا قرآناه فاتبع قرآنه، ثم إن علينا بيانه﴾ (٣) و﴿أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير﴾ (٤) و﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل عليك من ربك﴾ (٥) و﴿وما هو على الغيب بضنين﴾ (٦) و﴿وقرآنًا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلًا﴾ (٧) و﴿إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار﴾ (٨) و﴿أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها﴾ (٩).
وصدق الله العظيم ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم﴾ (١٠).
أمثلة التحريف
بعد ما أثبتنا من كتب الشيعة المعتمدة عندهم أنهم يعتقدون أن القرآن المبين محرّف، مغير فيه، نسرد للقارئ والباحث أمثلة من الكتب
_________________
(١) سورة حم السجدة" الآية٤٢
(٢) سورة الحجر الآية٩
(٣) سورة القيامة الآية ١٧ و١٨ و١٩
(٤) سورة هود الآية١
(٥) سورة المائدة الآية٦٧
(٦) سورة التكوير الاية٢٤
(٧) سورة بني إسرائيل الآية١٠٦
(٨) سورة آل عمران الآية١٣
(٩) سورة محمد٢٤
(١٠) سورة بني إسرائيل الآية٩
[ ٩٤ ]
الشيعية، المعتبرة لديهم، في الحديث، والتفسير، والفقه، والعقائد، التي تنص على أن التحريف والتغيير قد وقع في القرآن المجيد، والروايات عن هذا أيضًا مروية عن الأئمة المعصومين حسب زعمهم، الواجب اتباعهم وإطاعتهم على كل شيعي، والتي لا غبار عليها من حيث الجرح والتعديل، فمنها ما رواه الشيعي علي بن إبراهيم القمي عن أبيه عن الحسين بن خالد في آية الكرسي "أن أبا الحسن موسى الرضا (أحد الأئمة الاثني عشر) قرأ آية الكرسي هكذا: ﴿الم، الله لا إله إلا هو الحي القيوم، لا تأخذه سنة ولا نوم، له ما في السماوات وما في الأرض، وما بينهما وما تحت الثرى، عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم﴾ (١).
السطر الأخير لا يوجد في القرآن المجيد غير أن الشيعة يعتقدون أنه جزء لآية الكرسي.
وذكر القمي آية ﴿له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله﴾ فقال: فإنها قرأت عند أبي عبد الله صلوات الله عليه فقال لقاريها: ألستم عربًا؟ فكيف تكون المعقبات من بين يديه؟ وإنما العقب من خلفه، فقال الرجل: جعلت فداك كيف هذا؟ فقال نزلت ﴿له معقبات من خلفه ورقيب من بين يديه يحفظونه بأمر الله﴾ (٢).
_________________
(١) "تفسير القمي" ص٨٤ ج١ تحت آية الكرسي
(٢) "تفسير القمي" ص٣٦٠ ج١ ومثله في تفسير العياشي، والصافي
[ ٩٥ ]
فها هنا شنع أبو عبد الله جعفر الإمام السادس لهم على من يقرأ له معقبات من بين يديه ومن خلفه "ومن أمر الله" بدل بأمر الله، حتى قال: ألستم عربًا؟ --- وهذا إن دلّ على شيء دلّ على أن أبا جعفر لا يعرف لغة العرب حسب رواية القمي، ومعناه أنه نفسه ليس بعربي حيث لم يفهم أن العرب يستعملون "المعقب" في معنيي "للذي يجيء عقب الآخر"، و"للذي يكرر المجيء"، ولم يستعمل العقب ها هنا إلا في المعنى الأخير كما قال لبيد:
حتى تهجر في الرواح، وهاجه
طلب المعقب حقه المظلوم
أي كرر ورجع، وكما قال سلامة بن جندل:
إذا لم يصب في أول الغزو عقبا
أي غزا غزوة أخرى (١).
وأيضًا لم يعلم بأن "من" في "من أمر الله" استعمل بمعنى "بأمر الله" حيث أن "من" يستعمل في معاني، منها معنى الباء، وهذا كثير في لغة العرب.
ونقل القمي أيضًا تحت قوله تعالى: ﴿واجعلنا للمتقين إمامًا﴾ أنه قرئ عند أبي عبد الله ﵇ "واجعلنا للمتقين إمامًا" فقال: قد سألوا الله عظيمًا أن يجعلهم للمتقين أئمة، فقيل
_________________
(١) "لسان العرب" ص٦١٤ و٦١٥ ج١ ط بيروت ١٩٦٨م
[ ٩٦ ]
له: كيف هذا يا ابن رسول الله؟ قال: إنما أنزل الله "واجعل لنا من المتقين إمامًا" (١) وزاد الكاشي بعد ذكر هذه الرواية "وفي الجوامع ما يقرب منه" (تفسير الصافي) وذكر أحمد بن أبي طالب الطبرسي في كتابه "الاحتجاج" ونقل عنه الكاشي أيضًا "أن رجلًا من الزنادقة سأل عن علي بن أبي طالب أسئلة فقال في جوابه مفسرًا بعض الآيات "أنهم أثبتوا في الكتاب ما لم يقله الله ليلبسوا على الخليفة --- وزادوا فيه ما ظهر تناكره وتنفره" ثم قال: وأما ظهورك على تناكر قوله ﴿فإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء. . . . فهو مما قدمت ذكره من إسقاط المنافقين من القرآن، وبين القول في اليتامى وبين نكاح النساء من الخطاب والقصص أكثر من ثلث القرآن" (٢).
وذكر الكليني في صحيحه الكافي "عن أبي بصير عن أبي عبد الله ﵇ في قول الله ﷿ "ومن يطع الله ورسوله في ولاية علي والأئمة بعده فقد فاز فوزًا عظيمًا، هكذا نزلت" (٣).
ويعرف الجميع أن "في ولاية علي والأئمة بعده" ليس من القرآن.
وذكر الكاشي في تفسيره تحت آية "يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين" وفي المجمع في قراءة أهل البيت - يا أيها النبي جاهد
_________________
(١) "تفسير القمي" ص١١٧ ج٢ سورة الفرقان
(٢) "الاحتجاج" ص١١٩ و"الصافي" ص١١
(٣) "الكافي الحجة ص ٤١٤ ج١ ط طهران
[ ٩٧ ]
الكفار بالمنافقين" (١).
وهناك رواية أغرب من هذه الروايات كلها وهي "عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله ﵇ في قوله: ولقد عهدنا إلى آدم من قبل كلمات في محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من ذريتهم فنسي، هكذا والله نزلت على محمد صلى الله عليه وآله" -كذب ورب الكعبة- (٢).
ويذكر القمي تحت آية "أن تكون أمة هي أربى من أمة" قال فقال جعفر بن محمد ﵉ "أن تكون أثمة هي أزكى من أثمتكم" فقيل يا ابن رسول الله: نحن نقرؤها هي أربى من أمة، قال: ويحك ما أربى؟ وأومأ بيده بطرحها" (٣).
وهنالك روايات كثيرة غير تلك في صحاح الشيعة وغيرها من الكتب، سنذكر بعضها قريبًا إن شاء الله في هذا المعنى تحت عنوان آخر.
_________________
(١) "تفسير الصافي" تحت آية يا أيها النبي الخ ص٢١٤ ج١ ط طهران
(٢) "الكافي في الأصول" كتاب الحجة، باب فيه نكت وتنف من التنزيل في الولاية، ص٤١٦ ج١ ط طهران
(٣) "تفسير القمي ص٣٨٩ ج١، وذكر هذه الرواية الكاشي في تفسير "الصافي" عن الكافي أيضًا
[ ٩٨ ]
لِمَ قالوا بالتّحريف؟
اعتقد الشيعة التحريف في القرآن لأغراض، منها:
أهمية الإمامة عندهم
أولًا: - أن الشيعة يعتقدون أن مسألة الإمامة داخلة في المعتقدات الأساسية، يكفر منكرها ويسلم معتقدها، فتتعلق بالإيمانيات كالإيمان بالله وبالرسول كما يروي الكليني في "الكافي" عن أبي الحسن العطار قال: سمعت أبا عبد الله ﵇ يقول: أشرك بين الأوصياء والرسل في الطاعة" (١).
وأصرح من هذا وأشد ما رواه الكليني أيضًا "عن أبي عبد الله ﵇ سمعته يقول: نحن الذين فرض الله طاعتنا لا يسع الناس إلا معرفتنا لا يعذر الناس بجهالتنا، من عرفنا كان مؤمنًا، ومن أنكر كان كافرًا، ومن لم يعرفنا ولم ينكرنا كان ضالًا حتى يرجع إلى الهدى الذي افترض الله عليه من طاعتنا الواجبة" (٢).
وروي عن جابر قال: سمعت أبا جعفر ﵇ يقول: إنما يعرف الله ﷿ ويعبده من عرف الله وعرف إمامه منا أهل البيت، ومن لم يعرف الله ﷿ ولا يعرف الإمام منا
_________________
(١) "كتاب الحجة من الكافي" باب فرض طاعة الأئمة، ص١٨٦ ج١ ط طهران
(٢) "كتاب الحجة من الكافي" ص١٨٧ ج١ ط طهران
[ ٩٩ ]
أهل البيت، فإنما يعرف ويعبد غير الله هكذا، والله ضلالًا" (١).
وجعلوها كالصلاة والزكاة والصوم والحج فهذا محدثهم الكليني يروي في صحيحه "الكافي" عن أبي حمزة عن أبي جعفر ﵇، قال: بني الإسلام على خمس، الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والولاية، ولم يناد بشيء ما نودي بالولاية يوم الغدير" (٢).
فانظر إلى كلمة "ولم يناد بشيء ما نودي بالولاية يوم الغدير" ومعناها أن الولاية أهم من الأربع الأول، وقد صرح في رواية أخرى عند الكليني أيضًا كما ذكر "عن زرارة عن أبي جعفر ﵇ قال: بني الإسلام على خمسة أشياء، على الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، والولاية، قال زرارة قلت وأي شيء من ذلك أفضل؟ فقال: الولاية أفضل" (٣).
فينشأ هنالك سؤال في الذهن إذا كانت الولاية هكذا وبهذه المرتبة فكيف يمكن أن يكون للصلاة والزكاة ذكر في القرآن ولا يكون للولاية أي أثر فيه، والولاية ليست فقط ركنًا من أركان الإسلام وبناء من بناءاته بل هي مدار للإسلام وهذه هي المقصود
_________________
(١) "كتاب الحجة من الكافي"، باب معرفة الإمام ص١٨١ ج١ ط طهران
(٢) "الكافي في الأصول" كتاب الإيمان والكفر، باب دعائم الإسلام ص١٨ ج٢ ط طهران ص٣٦٩ ط الهند
(٣) "الكافي في الأصول" ص١٨ ج٢ ط طهران ص٣٦٨ ج١ ط الهند
[ ١٠٠ ]
من الميثاق الذي أخذ من النبيين كما يروي صاحب البصائر "حدثنا الحسن بن علي بن النعمان عن يحيى بن أبي زكريا بن عمرو الزيات قال: سمعت من أبي ومحمد بن سماعة عن فيض بن أبي شيبة عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر يقول: إن الله ﵎ أخذ ميثاق النبيين على ولاية علي وأخذ عهد النبيين بولاية علي" (١).
فيا ترى! كيف يمكن عدم الذكر لهذا الميثاق والعهد في القرآن المجيد والفرقان الحميد؟ وليس هذا فحسب - بل هناك أكاذيب أكثر من هذا، فيقولون إن الولاية ليست فقط عهد النبيين وميثاقهم بل هي الأمانة التي عرضت على السماوات والأرض، فروى أيضًا في البصائر مسندًا "قال أمير المؤمنين: إن الله عرض ولايتي على أهل السماوات وعلى أهل الأرض، أقرّ بها من أقرّ، وأنكرها من أنكر، - وفرية كبيرة، نسأل الله الاستعاذة منها - أنكرها يونس فحبسه الله في بطن الحوت حتى أقرّ بها" (٢).
فهذه هي الأمانة وقد اهتم بها الله ﷾ فما بعث الله نبيًا إلا بها كما يرويه صاحب البصائر أيضًا - عن محمد بن عبد الرحمن عن أبي عبد الله أنه قال: ولايتنا ولاية الله التي لم
_________________
(١) "بصائر الدرجات" باب٩ ج٢ ط إيران ١٢٨٥هـ
(٢) "بصائر الدرجات" للصاف باب١٠ ج٢ ط إيران
[ ١٠١ ]
يبعث نبيًا قط إلا بها" (١).
ولم كان هذا الاهتمام فما كان إلا أن يؤمن بها كل مؤمن وحتى الملائكة في السماء، فقد آمنوا فعلًا كما يدعون ويزعمون "قال صاحب البصائر: حدثنا أحمد بن محمد عن الحسن بن علي بن فضال عن محمد بن الفضيل عن أبي الصباح الكناني عن أبي جعفر قال قال: والله إن في السماء لسبعين صنفًا من الملائكة، لو اجتمع أهل الأرض أن يعدوا عدد صنف منهم ما عدوهم، وإنهم ليدينون بولايتنا" (٢).
فهل من المعقول أن يكون الشيء بهذه الأهمية والحيثية ولا يذكرها الله في كلامه وخاصة حين لا يصح شيء من العبادات والاعتقادات إلا بالاعتقاد بها، فها هو الكليني يروي عن جعفر الصادق أنه قال: أثافي الإسلام" (٣) ثلاثة، الصلاة والزكاة، والولاية لا تصح الواحدة منهن إلا بصاحبتها" (٤).
وروي أيضًا عن محمد بن الفضل عن أبي الحسن ﵇ قال ولاية علي ﵇ مكتوبة في جميع صحف - الأنبياء - فضلًا عن القرآن - ولن يبعث الله رسولًا إلا بنبوة محمد
_________________
(١) "بصائر الدرجات" باب٩ ج٢ ط إيران
(٢) "بصائر الدرجات" باب٦ ج٢ ط إيران
(٣) "أثافي جمع الأثفية وهي الأحجار التي توضع عليها القدور، وأقلها ثلاثًا
(٤) "الكافي في الأصول" ص١٨ ج٢ ط طهران
[ ١٠٢ ]
صلى الله عليه وآله ووصية علي ﵇" (١).
فلما وقعت هذه المشكلة لجأوا لحلها فزعموا أن القرآن محرف، مغير فيه، حذف عنه آيات كثيرة، وأسقطت منه كلما غير قليلة، حذفها أجلة الصحابة وأكابر الأمة الإسلامية حقدًا على علي، وعنادًا لأولاده، وضياعًا لتراث رسول الله صلى الله عليه وآله.
أمثلة لذلك
فمثلًا يروي محمد بن يعقوب الكليني عن جابر عن أبي جعفر ﵇ قال: قلت له: لم سمي علي بن أبي طالب أمير المؤمنين؟ قال: الله سماه، وهكذا أنزل في كتابه "وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم وأن محمدًا رسولي وأن عليًا أمير المؤمنين" (٢).
ويعلم الجميع "أن محمدًا رسولي وأن عليًا أمير المؤمنين" ليس من كلام رب العالمين، وقد سوغ الشيعة هذه الفرية كذبًا على الله إثباتًا لعقيدتهم الزائفة، الزائغة،
وروي أيضًا عن جابر قال: نزل جبرئيل ﵇ بهذه الآية على محمد هكذا "وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا في
_________________
(١) "كتاب الحجة من الكافي" باب فيه نتف وجوامع من الرواية في الولاية ص٤٣٧ ج١ ط طهران
(٢) "كتاب الحجة من الكافي" باب النوادر ص٤١٢ ج١ ط طهران وص٢٦١ ط الهند
[ ١٠٣ ]
علي فأتوا بسورة من مثله" (١).
وروي عن أبي بصير عن أبي عبد الله ﵇ في قوله تعالى "سأل سائل بعذاب واقع للكافرين بولاية علي ليس له دافع، ثم قال: هكذا والله نزل بها جبرئيل ﵇ على محمد صلى الله عليه وآله" (٢).
وروي عن أبي حمزة عن أبي جعفر ﵇ قال: نزل جبرئيل ﵇ بهذه الآية هكذا "فأبى أكثر الناس - بولاية علي إلا كفورًا، قال: ونزل جبرئيل ﵇ بهذه الآية هكذا" وقل الحق من ربكم في ولاية علي فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين آل محمد نارًا" (٣).
وعن جابر عن أبي جعفر ﵇ قال هكذا نزلت هذه الآية "ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به في علي لكان خيرًا لهم" (٤).
_________________
(١) "كتاب الحجة من الكافي" باب فيه نكت ونتف من التنزيل، ص٤١٧ ج١ ط طهران ص٢٦٣ ط الهند
(٢) "كتاب الحجة من الكافي" باب فيه نكت .. ص٤٢٢ ج١ ط طهران ص٢٦٦ ط الهند
(٣) "كتاب الحجة من الكافي" أيضًا ص٤٢٥ ج١ ط طهران ص٢٦٨ ط الهند
(٤) "كتاب الحجة من الكافي" أيضًا ص٤٢٤ ج١ ط طهران ص٢٦٨ ط الهند
[ ١٠٤ ]
وعن منخل عن أبي عبد الله ﵇ قال: نزل جبرئيل ﵇ على محمد صلى الله عليه وآله بهذه الآية هكذا: يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا في علي نورًا مبينًا" (١).
وعن جابر عن أبي جعفر ﵇ قال: نزل جبرئيل ﵇ بهذه الآية على محمد صلى الله عليه وآله هكذا "بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله في علي بغيًا" (٢).
ويذكر علي بن إبراهيم القمي في مقدمة تفسيره "أنه طرأ على القرآن تغيير وتحريف ويقول: وأما ما كان خلاف ما أنزل الله فهو قوله تعالى كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله" فقال أبو عبد الله ﵇ لقارئ هذه الآية: خير أمة تقتلون أمير المؤمنين والحسين بن علي؟ فقيل له: فكيف نزلت يا ابن رسول الله؟ فقال: نزلت أنتم خير أئمة أخرجت للناس". - وقال -: وأما ما هو محذوف عنه فهو قوله: لكن الله - يشهد بما أنزل إليك في علي "كذا نلزت، وقوله: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك في علي" (٣).
_________________
(١) "كتاب الحجة من الكافي" ٤١٧ ج١ ط طهران ص٢٦٤ ط الهند
(٢) "كتاب الحجة من الكافي" ٤١٧ ج١ ط طهران ص٢٦٢ ط الهند
(٣) "تفسير القمي" مقدمة المؤلف ص١٠ ج١ ط نجف
[ ١٠٥ ]
وروى الكاشي في تفسيره الصافي عن العياشي في تفسيره "عن أبي عبد الله ﵇ لو قرئ القرآن كما أنزل ألفينا فيه مسمين" (١).
وروى الكليني عن الحسين بن مياح عمن أخبره قال قرأ رجل عند أبي عبد الله ﵇ "وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون" فقال: ليس هكذا إنما هي والمأمونون "فنحن المأمونون" (٢).
وروي أيضًا عن أبي جعفر ﵇ قال: نزل جبرئيل ﵇ بهذه الآية هكذا "يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم في ولاية علي، فآمنوا خيرًا لكم وإن تكفروا بولاية علي فإن لله ما في السماوات والأرض" (٣).
فهذه هي الروايات في الولاية ومثلها كثيرة وكثيرة في كتب حديثهم وتفسيرهم وغيرهما، وأما الرواية في الوصاية فهي كما يرويها الكليني "عن معلى رفعه في قول الله ﷿ فبأي آلاء ربكما تكذبان أبالنبي أم بالوصي" نزلت في الرحمن" (٤).
_________________
(١) "تفسير الصافي" مقدمة الكتاب ص١١ ط إيران
(٢) "كتاب الحجة من الكافي" ص٤٢٤ ج١ ط طهران ص٢٦٨ ط الهند
(٣) "كتاب الحجة من الكافيط ٤٢٤ ج١ ط طهران ص٢٦٧ ط الهند
(٤) "الكافي في الصول" باب أن النعمة التي ذكرها الله ص٢١٧ ج١ ط طهران
[ ١٠٦ ]
وهناك روايات أخرى في هذا المعنى.
فالمقصود أنهم يقولون بالتحريف في القرآن لأغراض منها إثبات مسألة الإمامة والولاية التي جعلوها أساس الدين وأصله كما نقلوا عن الرضا أنه قام خطيبًا وقال: إن الإمامة أس الإسلام النامي وفرعه السامي، بالإمام تمام الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج" (١).
وهذا لا يستقيم إلا بادعاء التغيير والتبديل في القرآن حتى يتمكنوا من بناء هذه العقيدة الزائفة عليه.
ثانيًا: - إن الشيعة اعتقدوا التحريف في القرآن لغرض آخر ألا وهو إنكار فضل أصحاب رسول الله الكريم حيث يشهد القرآن على مقامهم السامي وشأنهم العالي، ومرتبهم الراقية، ودرجاتهم الرفيعة، إذ ذكر الله ﷿ المهاجرين والأنصار مادحًا أخلاقهم الكريمة، وسيرتهم الطيبة، ومبشرًا لهم بالجنة التي تجري تحتها الأنهار، وواعدًا لهم وخاصة خلفاء رسول الله الراشدين أبا بكر وعمر وعثمان وعليًا - ﵃ - بالتمكن في الأرض، والخلافة، الربانية، الإلهية في عباده، ونشر الدين الإسلامي الصحيح الحنيف على أيديهم، المباركة، الميمونة في أقطار الأرض وأطرافها، ورفع راية الإسلام والمسلمين، وإعلاء
_________________
(١) "كتاب الحجة من الكافي" باب النوادر ص٢٠٠ ج١ ط طهران
[ ١٠٧ ]
كلمته، وتشريفه بعضهم بذكره مع رسول الله ﷺ، وإنزال السكينة على رسوله وعليه في كلامه، الخالد، المخلد إلى الأبد، كما قال الله ﷿ في القرآن المجيد الذي أنزله على محمد ﷺ، وأعطاه ضمان حفظه إلى يوم الدين، قال فيه مادحًا المهاجرين والأنصار، وعلى رأسهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وغيرهم: والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه، وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا، ذلك الفوز العظيم" (١).
وقال: والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله، والذين آووا ونصروا، أولئك هم المؤمنون حقًا، لهم مغفرة ورزق كريم" (٢).
وقال: لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل، أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا، وكلًا وعد الله الحسنى، والله بما تعملون خبير" (٣).
وقال: فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه، أولئك هم المفلحون" (٤).
_________________
(١) سورة التوبة الآية١٠٠
(٢) سورة الأنفال الآية٧٤
(٣) سورة الحديد الآية١٠
(٤) سورة الأعراف الآية١٥٧
[ ١٠٨ ]
وقال في أصحابه ﷺ الذين كانوا معه في الحديبية وبايعوه على الموت: إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله، يد الله فوق أيديهم" (١).
وقال مبشرًا لهم بالجنة: لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة، فعلمما في قلوبهم وأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبًا" (٢).
وقال الله في صحابته البررة: محمد رسول الله، والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم، تراهم ركعًا سجدًا يبتغون فضلًا من الله ورضوانه، سيماهم في وجوههم من أثر السجود - إلى أن قال - وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجرًا عظيمًا" (٣).
وقال: للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا، وينصرون الله ورسوله، أولئك هم الصادقون. والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون" (٤).
_________________
(١) سورة الفتح الآية١٠
(٢) سورة الفتح الآية١٨
(٣) سورة الفتح الآية٢٩
(٤) سورة الحشر الاية٨ و٩
[ ١٠٩ ]
وقال: ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزيّنه في قلوبكم، وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان، أولئك هم الراشدون، فضلًا من الله ونعمة، والله عليم حكيم" (١).
وقال في الخلفاء الراشدين: وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنًا" (٢).
وقال في صاحبه: إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا، فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وعذب الذين كفروا، وذلك جزاء الكافرين" (٣).
وغير ذلك من الآيات الكثيرة الكثيرة.
فهذه الآيات الكريمة هي قنابل ذرية على الشيعة ومن والاهم، ولا يمكن لهم أما هذه النصوص الدامعة الصريحة أن يكفروا أبا بكر وعمر وعثمان وإخوانهم أصحاب الرسول ﵇، رضوان الله عليهم أجمعين، فيتخلصون من هذا المارق بالقول بتحريف القرآن وتغييره، أو بالتأويل الباطل الذي تنفر منه القلوب، وتشمئز منه العقول، والمعروف أن عقيدتهم لا تبنى
_________________
(١) سورة الحجرات الآية٧ و٨
(٢) سورة النور الآية٥٥
(٣) سورة التوبة الآية٤٠
[ ١١٠ ]
ولا تستقيم إلا على تكفير الصحابة عامة، والخلفاء الراشدين الثلاثة ومن رافقهم وساعدهم وشاركهم في الحكم خاصة، ولأجل ذلك يقولون: "كان الناس أله الردة بعد النبي إلا ثلاثة - قاله أبو جعفر - أحد الأئمة الاثني عشر - وذكره كبير مؤرخي الشيعة الكشي في رجاله" (١).
وروى الكشي أيضًا عن حمدويه قال: حدثنا أيوب بن نوح عن محمد بن الفضل وصفوان عن أبي خالد القماط عن حمران قال قلت لأبي جعفر "ع" ما أقلنا لو اجتمعنا على شاة ما أفنيناها؟ قال فقال: ألا أخبرك بأعجب من ذلك قال فقلت بلى قال: المهاجرون والأنصار ذهبوا. . . إلا ثلاثة" (٢).
وغير ذلك من الأكاذيب والافتراءات والأباطيل.
فأين هذا من ذاك؟ فما كان لهم جواب ذلك إلا الإنكار والتأويل، فقالوا إن هؤلاء الناس زادوا في كلام الله في مدحهم ما ليس منه، كما أنهم أسقطوا ما أنزل في مذمتهم وتكفيرهم وإنذارهم بالنار، كما يروي الكليني عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: دفع إلي أبو الحسن ﵇ مصحفًا فقال: لا تنظر فيه ففتحته وقرأت فيه "لم يكن الذين كفروا" فوجدت اسم سبعين رجلًا من
_________________
(١) "رجال الكشي" ص١٢ تحت عنوان سلمان الفارسي ط كربلاء عراق
(٢) "رجال الكشي" ص١٣ أيضًا
[ ١١١ ]
قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم" (١).
وقد مر سالفًا عن رواية شيعية "أن عليًا عرض القرآن على المهاجرين والأنصار، ولما فتحه أبو بكر خرج في أول صفحة فتحها فضائح المهاجرين والأنصار فردوه إلى علي وقالوا لا حاجة لنا فيه" (٢).
ويقول عالم شيعي ملا محمد تقي الكاشاني في كتابه الفارسي "هداية الطالبين" ما ترجمته حرفيًا "أن عثمان أمر زيد بن ثابت الذي كان من أصدقائه هو، وعدوًا لعلي، أن يجمع القرآن ويحذف منه مناقب آل البيت وذم أعدائهم، والقرآن الموجود حاليًا في أيدي الناس والمعروف بمصحف عثمان هو نفس القرآن الذي جمع بأمر عثمان" (٣).
ويكتب أحد أعلام الشيعة الذي يلقبونه بشيخ الإسلام وخاتمة المجتهدين الملا محمد باقر المجلسي "أن المنافقين غصبوا خلافة علي، وفعلوا بالخليفة هكذا، والخليفة الثاني أي كتاب الله فمزقوه" (٤).
_________________
(١) "الكافي في الأصول" كتاب فضل القرآن، باب النوادر ص٦٣١ ج٢ ط طهران ص٦٧٠ ج١ ط الهند
(٢) "انظر أول المقال" برواية الطبرسي في الاحتجاج ص٨٦ و٨٨
(٣) "هداية الطالبين" ص٣٦٨ ط إيران ١٢٨٢هـ
(٤) "حيات القلوب" باب حجة الوداع نمرة٤٩ ص٦٨١ ج٢ - فارسي- ط نولكشور الهند
[ ١١٢ ]
ويصرح في كتاب آخر "أن عثمان حذف عن هذا القرآن ثلاثة أشياء، مناقب أمير المؤمنين علي، وأهل البيت، وذم قريش والخلفاء الثلاثة مثل آية" يا ليتني لم أتخذ أبا بكر خليلًا" (١).
ثالثًا: - لما أراد الشيعة أن ينكروا مقام أصحاب الرسول ﵇ الذين مدحهم الله ﵎ في كلامه المجيد كان عليهم أن لا يقبلوا ذلك الكلام المبين لشيء آخر وهو كونه محفوظًا بمجهودات الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين وخاصة أبا بكر وعمر وعثمان حيث لم يجمع بين الدفتين إلا بأمر من الصديق وإشارة الفاروق وما كانت نهايته إلا في العهد العثماني، الميمون، المبارك، فقد اكتسبوا بهذا فضلًا عظيمًا، وأسأل الله أن يجازيهم عليه أحسن الجزاء، فلما رأى الشيعة أن الله حفظ القرآن الكريم بأيدي الخلفاء الراشدين الثلاثة رضوان الله عليهم، وهو الأساس الحقيقي للإسلام، والله قد خصهم بهذا الفضل نقموا عليهم وجرهم الحقد الذي أكل قلوبهم والبغض الذي أقلق مضاجعهم إلى هدم ذلك الأساس والأصل، فقالوا بالتغيير والتحريف، وقد ذكر الميسم البحراني في المطاعن العشرة على ذي النورين التي يطعن بها الشيعة في ذلك الخليفة الراشد: السابع من المطاعن - أنه جمع الناس على قراءة زيد بن ثابت خاصة وأحرق المصاحف، وأبطل ما لا شك أنه من القرآن المنزل" (٢).
_________________
(١) "تذكرة الأئمة" ص٩ قلمي
(٢) "شرح نهج البلاغة" ص١ ج١١ ط إيران
[ ١١٣ ]
وأيضًا كان المقصود من هذا تشنيعًا عليهم وتعريضًا بأن مثل هؤلاء الذين اغتصبوا حق علي وأولاده في الخلافة والإمامة لما وجدوا نصوصًا صريحة في القرآن تطعن في حقهم أسقطوها من القرآن وحذفوها لأن الآيات الكثيرة كانت تدل على حق علي وأولاده في الخلافة - كما زعموا - لأنهم ما كانوا يريدون أن يبقى في القرآن آية تنبئ عن شنيعتهم، ومثلوا لذلك بآيات اختلقوها من عند أنفسهم، فروى الكليني في الكافي "عن أبي حمزة عن أبي جعفر ﵇ قال: نزل جبرئيل بهذه الآية هكذا "إن الذين كفروا وظلموا آل محمد حقهم لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقًا إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدًا وكان ذلك على الله يسيرًا" (١).
وروي أيضًا "عن أبي حمزة عن أبي جعفر ﵇ قال: نزل جبرئيل بهذه الآية على محمد صلى الله عليه وآله هكذا "فبدل الذين ظلموا آل محمد حقهم قولًا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا آل محمد حقهم رجزًا من السماء بما كانوا يفسقون" (٢).
وذكر القمي تحت قوله "ولو ترى إذ الظالمون آل محمد حقهم
_________________
(١) "كتاب الحجة من الكافي" باب فيه نكت ونتف ص٤٢٤ ج١ ط طهران، ص٢٦٨ ط الهند
(٢) "كتاب الحجة من الكافي" أيضًا ص٤٢٤ ج١ ط طهران ص٢٦٧ ط الهند
[ ١١٤ ]
في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم، أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون" فقال: عن أبي عبد الله ﵇ أنه قال: نزلت هذه الآية في معاوية وبني أمية وشركائهم وأئمتهم" (١).
وقال في آخر سورة الشعراء "ثم ذكر الله آل محمد ﵈ وشيعتهم المهتدين فقال: إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرًا وانتصروا من بعد ما ظلموا" ثم ذكر أعدائهم ومن ظلمهم فقال: وسيعلم الذين ظلموا آل محمد حقهم أي منقلب ينقلبون" هكذا والله نزلت" (٢).
والمعروف "أن (آل محمد حقهم) في هذه الروايات ليس إلا بهتانًا عظيمًا وفرية من فريات الشيعة على الخالق المتعال. وأخيرًا نذكر رواية طويلة ذكرها الطبرسي في "الاحتجاج" تبين هذه الوجوه كلها حسب زعم الشيعة، فيذكر الطبرسي أن رجلًا من الزنادقة سأل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أسئلة فقال في جوابه "ولم يكن عن أسماء الأنبياء تجردًا وتعززًا بل تعريضًا لأهل الاستبصار أن الكناية فيه عن أصحاب الجرائر العظيمة من المنافقين في القرآن ليست من فعله تعالى وأنها من فعل المغيرين والمبدلين الذين جعلوا القرآن عضين، واعتاضوا الدنيا من الدين، وقد بين الله
_________________
(١) "تفسير القمي ص٢١١ ج١ ط نجف
(٢) "تفسير القمي" ص١٢٥ ج٢ آخر سورة الشعراء
[ ١١٥ ]
قصص المغيرين بقوله: الذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنًا قليلًا، وبقوله: وإن منهم لفريقًا يلوون ألسنتهم بالكتاب، وبقوله: إذ يبيتون ما لا يرضى من القول بعد فقد الرسول مما يقيمون به باطلهم حسب ما فعلته اليهود والنصارى بعد فقد موسى وعيسى من تغيير التوراة والإنجيل وتحريف الكلم عن مواضعه، وبقوله: يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره، يعني أنهم أثبتوا في الكتاب ما لم يقله الله ليلبسوا على الخليفة فأعمى الله قلوبهم حتى تركوا فيه ما دلّ على ما أحدثوا فيه وحرفوا فيه، وبين إفكهم وتلبيسهم وكتمان ما علموه منه ولذلك قال لهم: لم تلبسون الحق بالباطل" وضرب مثلهم بقوله: فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض" فالزبد في هذا الموضع كلام الملحدين الذين أثبتوه في القرآن فهو يضمحل ويبطل ويتلاشى عند التحصيل والذي ينفع الناس منه فالتنزيل الحقيقي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه والقلوب تقبله، والأرض في هذا الموضع هي محل العلم وقراره، ولا يجوز مع عموم التقية التصريح بأسماء المبدلين ولا الزيادة في آياته على ما أثبتوه من تلقائهم في الكتاب لما في ذلك من تقوية حجج أهل التعطيل والملل المنحرفة عن قبلتنا.
وأما ظهورك على تناكر قوله "فإن خفتم أن لا تقسطوا
[ ١١٦ ]
في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء" وليس يشبه القسط في اليتامى نكاح النساء ولا كل النساء أيتامًا فهو مما قدمت ذكره من إسقاط المنافقين من القرآن بين القول في اليتامى وبين نكاح النساء من الخطاب والقصص أكثر من ثلث القرآن، وهذا وما أشبهه مما ظهرت حوادث المنافقين فيه لأهل النظر والتأمل، ووجد المعطلون وأهل الملل المخالفة للإسلام مساغًا إلى القدح في القرآن، ولو شرحت لك كل ما أسقط وحرف وبدل مما يجري هذا المجرى لطال وظهر ما تحظر التقية إظهاره من مناقب الأولياء ومثالب الأعداء. وأما ما ذكر له من الخطاب الدال على نهجين النبي صلى الله عليه وآله والإزراء به والتأنيب له مع ما أظهره الله تعالى من تفضيله إياه على سائر أنبيائه فإن الله ﷿ جعل لكل نبي عدوًا من المشركين كما قال في كتابه، وبحسب جلالة نبينا صلى الله عليه وآله عند ربه كذلك محنته بعدوه الذي عاد منه إليه في شقائه ونفاقه كل أذى ومشقة لدفع نبوته وتكذيبه إياه وسعيه في مكارهه وقصده لنقض كل ما أبرمه واجتهاده ومن والاه على كفره وعناده ونفاقه وإلحاده في إبطال دعواه وتغيير ملته ومخالفة سنته، ولم ير شيئًا أبلغ في تمام كيده من تنفيرهم عن موالاة وصيه وإيحاشهم منه، وصدهم عنه، وإغرائهم بعداوته، والقصد لتغيير الكتاب الذي جاء به، وإسقاط ما فيه من فضل ذوي الفضل، وكفر ذوي الكفر منه، وممن وافقه على ظلمه وبغيه
[ ١١٧ ]
وشركه، ولقد علم الله ذلك منهم فقال: إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا"وقال: يريدون أن يبدلوا كلام الله "فلما وقفوا على ما بينه الله من أسماء أهل الحق والباطل وأن ذلك يظهر نقض ما عقدوه قالوا: لا حاجة لنا فيه، نحن مستغنون عنه بما عندنا وكذلك قال: فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلًا فبئس ما يشترون، ثم دفعهم الاضطرار لورود المسائل عليهم مما لا يعلمون تأويله إلى جمعه وتأليفه وتضمينه من تلقائهم ما يقيمون دعائم كفرهم، فصرخ مناديهم من كان عنده شيء من القرآن فليأتنا به، ووكلوا تأليفه ونظمه إلى بعض من وافقهم على معاداة أولياء الله ﵈، فألفه على اختيارهم، وما يدل على اختلال تميزهم وافترائهم أنهم تركوا منه ما قد رأوا أنه لهم وهو عليهم، وزادوا فيه ما ظهر تناكره وتنافره، وعلم الله أن ذلك يظهر ويبين فقال: ذلك مبلغهم من العلم" وانكشف لأهل الاستبصار عوارهم وافترائهم، والذي بدأ في الكتاب من الازدراء على النبي صلى الله عليه وآله من فرية الملحدين - ولذلك قال: يقولون منكرًا من القول وزورًا" (١).
رابعًا: - اعتقد الشيعة التحريف في القرآن للأغراض المذكورة ولغرض آخر وهو الإباحية وعدم التقيد بأحكامه - والعمل على حدود الله حيث أنه ما دام ثبت في القرآن التحريف
_________________
(١) "الاحتجاج" للطبرسي من ص١١٩ إلى منتهاه
[ ١١٨ ]
والتغيير فكيف يمكن العمل به، والتقيد بأحكامه، والتمسك بأوامره، والاجتناب عن نواهيه، لأنه محتمل في كل آية من آياته، وكلمة من كلماته، وحرف من حروفه أن يكون محرفًا مغيرًا فهكذا يسهل الخروج من حدود الشرع، والبقاء تحت كفه، والتمتع بمنافعه، ولأجل ذلك لا يعتقد أكثر الشيعة أنهم يعاقبون بالمعاصي والفسوق والفجور ما داموا داخلين في مذهب الشيعة وأقاموا المآتم على الحسين بن علي ﵄ وسبوا أصحاب جده رسول الله، فليس الدين عندهم إلا حب لعلي وأولاده فقد وضعوا لذلك روايات وأحاديث منها ما رواه الكليني في "الكافي" عن يزيد بن معاوية (١) قال قال أبو جعفر ﵇: وهل الدين إلا الحب" وقال: إن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله أحب المصلين ولا أصلي، وأحب الصوامين ولا أصوم فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله أنت مع من أحببت" (٢).
فهذه هي الأسباب التي جرتهم إلى القول بمثل هذه الأباطيل. . .
أدلة عدم التحريف وإيرادات الشيعة عليها.
والمعروف أن كل هذا ليس إلا فرية افتروها وأكذوبة
_________________
(١) يزيد بن معاوية هذا ليس حفيد أبي سفيان بل هو حفيد العباس صاحب العلم
(٢) كتاب الروضة من الكافي في الفروع ج٨
[ ١١٩ ]
تفوهوا بها وبهتانًا اخترعوه لأن المسلمين قاطبة سوى الشيعة يعتقدون أن حرفًا من حروف القرآن لم يتغير، وكلمة من كلماته لم تتبدل، ونقطة من نقاطه لم تحذف، وحركة من حركاته لم تسقط والذي ينكر هذا ما ينكر إلا الشمس وهي طالعة فيقول إن الشمس لم تطلع، وإن الظلام لم يطو، فلا يقال له إلا أن يعالج عيونه ويشفى ذهنه، لأن أدلة الحفظ والصيانة للقرآن الكريم من أي تغيير وتحريف، والحذف منه والزيادة عليه، أدلة العقل والنقل، تتضافر وتتواتر حتى لا يمكن الكلام عليها.
والدليل القطعي الذي لا غبار عليه هو قوله ﷾: لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه "وقوله تعالى: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون" هاتان الآيتان صريحتان لا غموض فيهما ولا إشكال، ولكنك تجد الشيعة يروون هذه النصوص ويؤولونها تأويلًا باطلًا واضح البطلان (١) فيقول عالم شيعي: وأما الأدلة التي تبين عدم وقوع التحريف والنقصان فقوله تعالى: لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه "فإنه دلالة على ما ادعوا - وقوله تعالى: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون" لا يدل على عدم التغيير في القرآن الذي هو بأيدينا، والمحفوظ هو القرآن عند الأئمة مع احتمال كون "الحافظون"
_________________
(١) ولا أدري كيف يقول لطف الله الصافي: أن الشيعة لا يعتقدون التحريف في القرآن وهم الذين قالوا ما هو الآتي
[ ١٢٠ ]
بمعنى "العاملون، وما قيل أن القرآن الذي هو بأيدينا أيضًا محفوظ من أن يتطرق إليه نقص أو زيادة فهو ليس مصداق الآية كما لا يخفى" (١).
وبنفس هذا الكلام تكلم عالم إيراني شيعي "علي أصغر البرجردي" في كتابه الذي ألفه في عهد محمد شاه القاجار بطلب من الشيعة ليبين مهمات عقائد الشيعة فقال فيه: والواجب أن نعتقد أن القرآن الأصلي لم يقع فيه تغيير وتبديل مع أنه وقع التحريف والحذف في القرآن الذي ألفه بعض المنافقين، والقرآن الأصلي الحقيقي موجود عند إمام العصر - (المهدي المزعوم) عجل الله فرجه" (٢).
وقال عالم شيعي هندي آخر "أن معنى حفظ القرآن في قوله ليس إلا حفظه في اللوح المحفوظ كما قال في كلامه: بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ" (٣).
وهناك نصوص كثيرة في هذا المعنى.
_________________
(١) "منبع الحياة" للعلامة الشيعي، نعمة الله الجزائري المنقول من "الإسعاف" لعالم شيعي أبي الحسن علي النقي ص١١٥ ط مطبع اثنا عشري سنة ١٣١٢هـالهند
(٢) "عقائد الشيعة" ص٢٧ ط إيران
(٣) "موعظة تحريف القرآن" للسيد على الحائري اللاهوري بترتيب السيد محمد رضى القمي -اردو- ص٤٨ ط لاهور ١٩٢٣م
[ ١٢١ ]
ويعرف ركاكة هذه التأويلات الفاسدة والأجوبة الكاسدة كل من له أدنى إلمام بالقرآن المجيد.
أولًا: - لأنه لو يقال أن المحفوظ هو ما عند الإمام، فما الفائدة من حفظه وصيانته إذ عند عدم وجود الإمام يبقى القرآن غير محفوظ من التغيير والتحريف، ومثل هذا لا يكون هاديًا وذكرًا للمؤمنين، فلا يعتمد عليه في الاعتقادات، والعبادات، والمعاملات، والأحكام الأخرى، وأيضًا هو أساس الإسلام وبناؤه فيبقى الإسلام بلا أساس يقوم عليه، ويبقى الناس غير مسؤولين عما يعملون لعدم وجود ما يهديهم إلى سبيل الرشاد، وتبقى الشريعة معطلة ما دام لا يوجد دستورها، ولا يكون القرآن ذكرًا للعالمين بعد بعثة محمد بل يكون ذكرًا بعد خروج المهدي المزعوم الذي لا يعرف خروجه وظهوره أين يكون ومتى يكون؟.
وثانيًا: - هذا هو الجواب لمن قال أنه محفوظ في اللوح المحفوظ.
وأيضًا فأي الميزة تبقى حينئذ فيه حيث أن التوراة والإنجيل وغيرهما من الصحف محفوظة عند الله وفي اللوح المحفوظ.
ثالثًا: - أن الآية تصرح بأن الحفظ لا يكون إلا بعد النزول حيث قال الله ﷿: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون" ولا يقع التحريف إلا في المنزل لا قبل النزول وهذا من البديهيات، ولكن الشيعة لحقدهم على الإسلام وزعمائه والمسلمين لا يبالون
[ ١٢٢ ]
بها حتى يلتجئون إلى أقويل يمجها العقل ويزدريها الفهم.
وكما أن هنالك أدلة نقلية كثيرة من القرآن والسنة تدل على عدم وجود أي تغيير وتحريف في القرآن فهناك أدلة عقلية متوافرة متظافرة تفرض على الإنسان ذي العقل والشعور أنه لا يقول بالتحريف في القرآن، لأنه نقله جيل عن جيل من السطور والصدور، ففي مثل هذا الزمان زمان الفساد والإلحاد يوجد ملايين من البشر الذين يحملون القرآن الكريم بكامله في صدورهم ويحفظونه عن ظهر قلب، وتشاهد في رمضان في التراويح أن حفظة القرآن وقرائه يصلون بالناس ويقرؤون القرآن ولا يخطئون بكلمة أو بحرف وحتى نقطة وشوكة إلا ويبادر من خلفه بتلقينه بلا تأخير، وقال الشاطبي: وأما القرآن الكريم فقد قيض الله له حفظة بحيث لو زيد فيه حرف واحد لأخرجه آلاف من الأطفال الأصاغر فضلًا عن القراء الأكابر" (١).
ومن الجدير بالذكر أن في مقاطعة بنجاب باكستان الويتان "كجرات" و"جهلم" لا يوجد في قراها ومدنها شخص من الرجال والنساء إلا ويحفظ القرآن عن ظهر قلب، ويتجاوز عدد سكانه أربعمائة ألف نسمة - وهذا في هذا الزمان وكيف ذاك الزمان المشهود له بالخير.
_________________
(١) "الموافقات" للشاطبي ص٥٩ ج٢ ط مصر
[ ١٢٣ ]
لِمَ أنكروا التحريف
أفبعد هذا يمكن لأحد أن يقول بأن الشيعة لا يعتقدون التحريف والتغيير في الكلام المبين، نعم هنالك بعض الأعيان من الشيعة الذين أظهروا أنهم يعتقدون أن القرآن غير محرف ومغير فيه، ومحذوف منه، ومنهم محمد بن علي بن بابويه القمي، الملقب بالصدوق عندهم المتوفى سنة ٣٨١هـمؤلف كتاب "من لا يحضره الفقيه" وهو في القرون الأولى الأربعة أول من قال من الشيعة بعدم التحريف في القرآن، وإلا لا يوجد في الشيعة المتقدمين منهم إلى القرن الرابع وحتى بعد ما مضى نصفه الأول أيضًا رجل واحد وفيهم أئمتهم الإثنا عشر، لم ينقل من أي واحد منهم ولم ينسب إليهم بأنهم قالوا أو أشاروا إلى عدم التحريف وبعكس ذلك يوجد مئات من النصوص الواضحة الصريحة على أن الحذف والنقص في القرآن، والزيادة عليه، قد وقع.
وهل في الدنيا نعم في الدنيا كلها واحد من علماء الشيعة وأعلامها من يستطيع أن يقبل هذا التحدي ويثبت من كتبه هو أن واحدًا منهم في القرون الأربعة الأولى قال بعدم التحريف وأظهره. لا ولن يوجد واحد يقبل هذا التحدي (١).
_________________
(١) وحتى الصافي في رسالته "مع الخطيب" لم يبد الإظهار أنهم يعتقدون بهذا القرآن إلا بنقل عبارة بن بابويه القمي ولم يجد لإثبات دعواه وللرد على الخطيب أن يتمسك بقول أحد قبله وحتى من أئمته المعصومين
[ ١٢٤ ]
فالمقصود أن عقيدة الشيعة التي بناها مصطنعوها لم تكن قائمة إلا على أساس تلك الفرية لأنه كما ذكر مقدمًا هم مضطرون لرواج عقائدهم الواهية على أن لا يعتقدوا بهذا القرآن الذي يهدم أساس مذهبهم المنهار وإلا تروح معتقداتهم المدسوسة في الإسلام أدراج الرياح.
ونحن نفصل القول في هذا حتى يعرف الباحث والقارئ السر في تغيير منهج بعض الشيعة بعدما مضى القرن الثالث ومنتصف الرابع، وقد عرف مما سبق من الأحاديث والروايات الصحيحة الثابتة عندهم، وأقوال المفسرين وأعلامهم وأئمتهم أنهم يعتقدون أن القرآن الموجود في أيدي الناس لم يسلم من الزيادة والنقصان، والقرآن الصحيح المحفوظ ليس إلا عند "مهديهم المزعوم" --- فيولد في لاقرن الرابع نم الهجرة محمد بن علي بن بابويه القمي ويرى أن الناس يبغضون الشيعة وينفرون منهم لقولهم بعدم صيانة القرآن، ويشنعون عليهم لأنه لو سلم قولهم كيف يكون العمل على الإسلام، والدعوة إليه، وأيضًا كيف يمكن التمسك بمذهب الشيعة حيث يقولون أن الرسول ﵇ أمر بالتمسك بالثقلين، القرآن وأهل البيت حسب زعمهم (١) وحينما لا يثبت الثقل الأكبر وهو القرآن، كيف يثبت الثقل الأصغر والتمسك به.
ولما رأى هذا لجأ إلى القول "اعتقدنا أن القرآن الذي
_________________
(١) ذكرنا معنى هذا الحديث ومرتبته في موضع آخر بالتفصيل
[ ١٢٥ ]
أنزل الله تعالى على نبيه محمد هو ما بين الدفتين، وهو ما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك - إلى أن قال --: ومن نسب إلينا أنا نقول أكثر من ذلك فهو كاذب" (١).
وتبعه في ذلك السيد المرتضى، الملقب بعلم الهدى المتوفى سنة ٤٣٦هـفقد نقل عنه مفسر شيعي أبو علي الطبرسي وقال: أما الزيادة فمجمع على بطلانه وأما النقصان فقد روى جماعة من أصحابنا وقوم من حشوية العامة أن في القرآن تغييرًا ونقصانًا، والصحيح من مذهب أصحابنا خلافه وهو الذي نصره المرتضى" (٢).
ثم حذا حذوهما أبو جعفر الطوسي المتوفى سنة ٤٦٠ فقال في تفسيره "التبيان": أما الكلام في زيادته ونقصانه فمما لا يليق به -- إلى أن قال --: وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله رواية لا يدفعها أحد أنه قال: إني مخلف فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا، كتاب الله وعترتي، أهل بيتي. . . وهذا يدل على أنه موجود في كل عصر لأنه لا يجوز أن يأمرنا بالتمسك بما لا يقدر التمسك به" (٣).
ورابعهم هو أبو علي الطبرسي المفسر الشيعي المتوفى سنة ٥٤٨هـوقد مر كلامه في تفسير "مجتمع البيان".
_________________
(١) "اعتقادات لابن بابويه القمي باب الأعقاد في مبلغ القرآن ط إيران ١٢٢٤
(٢) "تفسير مجمع البيان" ص٥ ج١ ط إيران ١٢٨٤هـ
(٣) "التبيان" ص٣ ج١ ط نجف، وتفسير الصافي ص١٥
[ ١٢٦ ]
فهؤلاء هم الأربعة من القرن الرابع إلى القرن السادس لا خامس لهم الذين قالوا بعدم التحريف في القرآن.
ولا يستطيع عالم من علماء الشيعة أن يثبت في القرون الثلاثة هذه خامسًا لهؤلاء الأربعة من يقول بقولهم بل وفي القرون الثلاثة الأولى أيضًا لا يوجد موافقهم كما ذكرنا سابقًا،- وعلى ذلك يقول العالم الشيعي الميرزا حسين تقي النوري الطبرسي المتوفى سنة ١٣٢٥هـ: الثاني عدم وقوع التغيير والنقصان فيه وأن جميع ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله هو الموجود بأيدي الناس فيما بين الدفتين، وإليه ذهب الصدوق ي عقائده، والسيد المرتضى، وشيخ الطائفة (الطوسي) في التبيان ولم يعرف من القدماء موافق لهم --- إلى أن قال --- وإلى طبقته --- أي أبي علي الطبرسي --- لم يعرف الخلاف صريحًا إلا من هذه المشائخ الأربعة" (١).
فهؤلاء الأربعة أيضًا ما أنكروا التحريف في القرآن وأظهروا الاعتقاد به إلا تحرزًا من طعن الطاعنين، وتخلصًا من إيرادات المعترضين كما ذكرناه قبل ذلك، وكان ذلك مبنيًا على التقية والنفاق الذي جعلوه أساسًا لدينهم (٢) أيضًا، وإلا ما كان لهم أن ينكروا ما لو أنكر لانهدم مذهب الشيعة وذهب
_________________
(١) "فصل الخطاب" ص٣٤ ط إيران
(٢) ولهذه المسألة بحث مستقل في محل آخر
[ ١٢٧ ]
هباءً منثورًا.
أولًا: - لأن الروايات التي تنبئ وتخبر عن التحريف روايات متواترة عند الشيعة كما يقول السيد نعمة الله الجزائري المحدث الشيعي في كتابه "الأنوار" ونقل عنه السيد تقي النوري فقال: قال السيد المحدث الجزائري في الأنوار ما معناه: أن الأصحاب قد أطبقوا على صحة الأخبار المستفيضة بل المتواترة الدالة بصريحها على وقوع التحريف في القرآن" (١).
ونقل عنه أيضًا: أن الأخبار الدالة على ذلك تزيد على ألفي حديث، وادعى استفاضتها جماعة كالمفيد، والمحقق الداماد، والعلامة المجلسي، وغيرهم، بل الشيخ (أبو جعفر الطوسي) أيضًا صرح في "التبيان" بكثرتها، بل ادعى تواترها جماعة --- إلى أن قال --- واعلم أن تلك الأخبار منقولة من الكتب المعتبرة التي عليها معول أصحابنا في إثبات الأحكام الشرعية، والآثار النبوية" (٢).
وإنكار هذه الروايات يستلزم إنكار تلك الروايات التي تثبت مسألة الإمامة والخلافة بلا فصل لعلي ﵁ وأولاده بعده عندهم، لأن الروايات عنها ليست بأكثر من روايات التحريف، وقد صرح بهذا علامة الشيعة الملا محمد باقر الملجس حيث قال: وعندي أن الأخبار في هذا الباب متواترة
_________________
(١) "فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب الأرباب" للنوري الطبرسي، ص٣٠ ط إيران
(٢) "فصل الخطاب" ص٢٢٧
[ ١٢٨ ]
معنى، وطرح جميعها يوجب رفع الاعتماد عن الأخبار رأسًا بل ظني أن الأخبار في هذا الباب لا يقصر عن أخبار الإمامة فكيف يثبتونها بالخبر" (١).
ثانيًا: - مذهب الشيعة قائم على أقوال الأئمة وآرائهم فقد أثبتنا آرائهم وأقوالهم مقدمًا أنهم لا يرون القرآن الموجود في أيدي الناس قرآنًا، كاملًا، محفوظًا باستثناء هؤلاء الأربعة الذين أظهروا إنكار التحريف ولم يستندوا إلى قول من الأئمة المعصومين (حسب قولهم) ولم يأتوا بشاهد منهم، وأما القائلون بالتحريف فإنهم أسسوا عقيدتهم على الأحاديث المروية من الأئمة الاثني عشر، الأحاديث الصحيحة، الثابتة، المعتمدة عليها.
ثالثًا: - لم يدرك واحد من هؤلاء الأربعة القائلين بعدم التحريف زمن الأئمة الاثني عشر "المعصومين" - حسب زعمهم - بخلاف متقدميهم القائلين بالتحريف والمعتقدين به، فإنهم أدركوا زمن الأئمة، وجالسوهم، وتشرفوا برفقتهم، واستفادوا من صحبتهم، وصلوا خلفهم، وسمعوا وتعلموا منهم بلا واسطة، وتحدثوا معهم مشافهة.
رابعًا: - الكتب التي رويت فيها أخبار وأحاديث عن التحريف والتغيير كتب معتبرة، معتمد عليها عند الشيعة، وقد عرضت بعض هذه الكتب على الأئمة المعصومين، ونالت رضاهم
_________________
(١) نقلًا عن كتاب "فصل الخطاب"
[ ١٢٩ ]
مثل الكافي للكليني، وتفسير القمي، وغيرهما.
خامسًا: - ومن العجائب أن هؤلاء الأربعة الذين تظاهروا إنكار التحريف يروون في كتبهم أنفسها - أحاديث وروايات عن الأئمة وغيرهم تدل وتنص على التحريف بدون تعرض لها ولسندها ورواتها.
فمثلًا ابن بابويه القمي القائل بأنه "من نسب إلينا القول بالتحريف فهو كاذب" هو الذي يروي نفسه في كتابه "الخصال" حديثًا مسندًا متصلًا "حدثنا محمد بن عمر الحافظ البغدادي المعروف بالجصاني قال: حدثنا عبد الله بن بشر قال: حدثنا الحسن بن زبرقان المرادي قال: حدثنا أبو بكر بن عياش الأجلح عن أبي الزبير عن جابر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: يجيء يوم القيامة ثلاثة يشكون، المصحف، والمسجد، والعترة، يقول المصحف يا رب حرقوني ومزقوني "الحديث" (١).
وأبو علي الطبرسي الذي ينكر التحريف بشدة هو نفسه يروي في تفسيره أحاديث يعتمد عليها تدل على أن التحريف قد وقع، فمثلًا يعتمد في سورة النساء على رواية تضمنت نقصان كلمة "إلى أجل مسمى" من آية النكاح فيقول: وقد روى عن جماعة من الصحابة منهم أبي بن كعب، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود أنهم قرأوا فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فاتوهن أجورهن،
_________________
(١) "الخصال" لابن بابويه القمي، ص٨٣ ط إيران ١٣٠٢هـ
[ ١٣٠ ]
وفي ذلك تصريح بأنالمراد به عند المتعة" (١).
ومثل هذا كثير عندهم وهذا يدل دلالة واضحة أنه ما أنكر بعضهم التحريف إلا نفاقًا وتقية ليخدعوا به المسلمين، والمعروف في مذهب الشيعة أنهم يرون التقية أي التظاهر بالكذب أصلًا من أصول الدين (٢) كما يذكر ابن بابويه القمي هذا في رسالته "الاعتقادات": التقية واجبة من تركهاكان بمنزلة من ترك الصلوات - إلى أن قال -: والتقية واجبة لا يجوز رفعها إلى أن يخرج القائم فمن تركها قبل خروجه فقد خرج عن دين الله تعالى وعن دين الإمامية، وخالف الله ورسوله والأئمة، وسئل الصادق ﵇ عن قول الله ﷿ ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ قال: أعملكم بالتقية" (٣).
فما كان ذاك إلا لهذا وإلا كيف كان ذلك؟
سادسًا: - لو سلم قول الأربعة لبطلت الروايات التي تنص على أن القرآن لم يجمعه إلا علي بن بي طالب رضي الله وأنه عرضه على الصحابة فردوه إليه وقالوا لا حاجة لنا به، فقال: لا ترونه بعد هذا إلا أن يقوم القائم من ولدي" وهناك رواية في "الكافي" عن جابر عن أبي جعفر ﵇ أنه قال: ما يستطيع أحد أن يدعي أن
_________________
(١) "مجمع البيان" للطبرسي، ص٣٢ ج٣ ط طهران ١٣٧٤هـ
(٢) فانظر لهذا بحثنا المستقل "الشيعة والكذب"
(٣) "الاعتقادات للصدوق" باب التقية، ص إيران ١٢٧٤
[ ١٣١ ]
عنده جميع القرآن، ظاهره وباطنه غير الأوصياء" (١).
وأيضًا تبطل الأراجيف التي تقول أن الصحابة وخاصة الخلفاء الثلاثة منهم رضوان الله عليهم أجمعين أدرجوا فيه ما ليس منه وأخرجوا منه ما كان داخلًا فيه، - ويعترف بمجهودات الصحابة وفضلهم الذين جمعوا القرآن وتسببوا في حفظه بتوفيق من الله، وعنايته، ومنّه، وكرمه.
وفسد أيضًا الاعتقاد أنه لا تقبل عقيدة ولا يعتمد على شيء لم تصل إلينا من طريق الأئمة الاثنى عشر، والثابت أن القرآن الموجود في الأيدي لم ينقل إلا من مصحف الإمام عثمان ذي النورين ﵁، وأن جمع القرآن كان بدايته من الصديق ونهايته من ذي النورين ﵄.
ولأجل ذلك لم يقل هذا المتقدمون منهم ولم يقبله المتأخرون بل ردوا عليهم -. فهذا مفسر شيعي معروف محسن الكاشي يقول في تفسيره الصافي بعد ذكر أدلة السيد المرتضى: أقول لقائل أن يقول كما أن الدواعي كانت متوفرة على نقل القرآن وحراسته من المؤمنين كذلك كانت متوفرة على تغييره من المنافقين، المبدلين للوصية، المغيرين للخلافة، لتضمنه ما يضاد رأيهم وهواهم - إلى أن قال -: وأما كونه مجموعًا في عهد النبي على ما هو عليه الآن
_________________
(١) "كتاب الحجة من الكافي" باب أنه لم يجمع القرآن كله غير أمير المؤمنين، ص٢١٨ ج١ ط طهران
[ ١٣٢ ]
فلم يثبت، وكيف كان مجموعًا وإنما كان ينزل نجومًا وكان لا يتم لا بتمام عمره" (١).
وقال أحد أعلام الشيعة في الهند ردًا على كلام السيد المرتضى: فإن الحق أحق بالاتباع، ولم يكن السيد علم الهدى (المرتضى) معصومًا حتى يجب أن يطاع، فلو ثبت أنه يقول بعدم النقيصة مطلقًا لم يلزمنا اتباعه ولا خير فيه" (٢).
وقال الكاشي ردًا على الطوسي بعد ما نقل عبارته فقال: أقول يكفي في وجوده في كل عصر وجوده جميعًا كما أنزل الله محفوظًا عند أهله، ووجود ما احتجنا إليه عندنا وإن لم نقدر على الباقي كما أن الإمام كذلك" (٣).
سابعًا: - قد ذكرنا سابقًا أن عقيدة الشيعة كلها في القرآن هو أن القرآن محرف ومغير فيه غير هؤلاء الأربعة فهم ما أنكروا التحريف إلا لأغراض.
منها سد باب الطعن لأنهم رأوا أن لا جواب عندهم لأعداء الإسلام حيث يعترضون على المسلمين "إلى أي شيء تدعون وليس عندكم ما تدعون إليه؟ وكان أهل السنة يطعنون عليهم "أين ذهب حديث الثقلين عند عدم وجود الثقل الأكبر؟ وكيف تدعون الإسلام بعد إنكار شريعة الإسلام"؟
_________________
(١) "تفسير الصافي" ص١٤ ج١ مقدمة الكتاب
(٢) "ضربة حيدرية" ص٨١ ج٢ ط الهند
(٣) "تفسير الصافي" ص١٤ ج١
[ ١٣٣ ]
فما وجدوا منه مخلصًا إلا بإظهار الرجوع عن العقيدة المتفقة عليها عند الشيعة الإمامية كافة، ونقول ظاهرًا لأنهم يبطنون نفس العقيدة وإلا ما يبقى لهم مجال للبقاء على تلك المهزلة التي سميت بمذهب الشيعة، وقد تخلصوا منه أيضًا بالتحريف في المعنى حيث يؤولون القرآن بتأويل لا يقبله العقل، ولا يؤيده النقل، وقد اعترف بهذا السيد الجزائري حيث قال بعد ذكر اتفاق الشيعة على التحريف: نعم قد خالف فيها المرتضى، والصدوق، والشيخ الطبرسي، وحكموا بأن ما بين دفتي هذا المصحف هو القرآن المنزل لا غير، ولم يقع فيه تحريف ولا تبديل. . . والظاهر أن هذا القول إنما صدر منهم لأجل مصالح كثيرة، منها سد باب الطعن عليه - ثم يبين أنه لم يكن إلا لهذه المصالح بقوله -: كيف هؤلاء الأعلام رووا في مؤلفاتهم أخبارًا كثيرة تشتمل على وقوع تلك الأمور في القرآن وأن الآية هكذا ثم غيرت إلى هذا" (١).
وفعلًا فقد أورد هؤلاء الذين أظهروا الموافقة لأهل السنة في القرآن، أورد هؤلاء أنفسهم روايات في كتبهم تدل صراحة على التحريف والتغيير في القرآن، فنحن ذكرنا قبل ذلك أن ابن بابويه القمي الملقب بالصدوق أحد الأربعة أنكر التحريف في "الاعتقادات" وأثبته في كتاب آخر، وهكذا أبو علي الطبرسي يتظاهر
_________________
(١) الأنوار للسيد نعمة الله الجزائري
[ ١٣٤ ]
بالاعتقاد بعدم التحريف ولكن في تفسيره يعتمد على أحاديث وروايات تدل على التحريف.
وأما الشيخ الطوسي الملقب بشيخ الطائفة، فقد قال الشيعة أنفسهم في تفسيره: ثم لا يخفى على المتأمل في كتاب "التبيان" أن طريقته فيه على نهاية المداراة والمماشاة مع المخالفين. . . ومما يؤكد وضع هذا الكتاب على التقية ما ذكره السيد الجليل علي بن طاوس في (كتابه) "سعد السعود" (١).
ثامنًا: - أن الأربعة سالفي الذكر لم يكن قولهم مستندًا إلى المتقدمين أو المعصومين عندهم، وهكذا لم يقبله المتأخرون، فهؤلاء أعلام الشيعة وزعمائهم وأكابرهم ينكرون أشد الإنكار قول من يقول بأن القرآن لم يتغير ولم يتبدل، فيقول الملا خليل القزويني، شارح "الصحيح الكافي" المتوفى سنة ١٠٨٩هـتحت حديث "إن للقرآن سبعة عشر ألف آية، يقول: وأحاديث الصحاح التي تدل على أن كثيرًا من القرآن قد حذف، قد بلغ عددها إلى حد لا يمكن إنكاره،. . . . وليس من السهل أن يدعي بأن القرآن الموجود هو القرآن المنزل بعد الأحاديث التي مر ذكرها، والاستدلال باهتمام الصحابة والمسلمين بضبط القرآن وحفظه ليس إلا استدلال ضعيف جدًا بعد الاطلاع على
_________________
(١) "فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب" للنوري الطبرسي، ص٣٤
[ ١٣٥ ]
أعمال أبي بكر وعمر وعثمان" (١).
ويقول المفسر الشيعي الكاشي في مقدمة تفسيره: المستفاد من مجموع هذه الأخبار وغيرها من الروايات من طريق أهل البيت ﵈ أن القرآن الذي بين أظهرنا ليس بتمامه كما أنزل على محمد صلى الله عليه وآله، بل منه ما هو خلاف ما أنزل الله، ومنه ما هو مغير محرف، وأنه قد حذف عنه أشياء كثيرة، منها اسم علي في كثير من المواضع، ومنها لفظة آل محمد غير مرة، ومنها أسماء المنافقين في مواضعه، ومنها غير ذلك، وأنه ليس على الترتيب المرضى عند الله وبه قال إبراهيم" (٢).
ويقول: أما اعتقاد مشائخنا ﵏ في ذلك فالظاهر من ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني طاب ثراه أنه كان يعتقد التحريف والنقصان في القرآن لأنه روى روايات في هذا المعنى في كتابه "الكافي" ولم يتعرض لقدح فيها مع أنه ذكر يف أول الكتاب أنه يثق بما رواه فيه، وكذلك أستاذه علي بن إبراهيم القمي فإن تفسيره مملوء وله غلو فيه، وكذلك الشيخ أحمد بن أبي طالب الطبرسي قدس سره أيضًا نسج على منوالهما في كتابه "الاحتجاج" (٣).
_________________
(١) "الصافي شرح الكافي في الأصول" كتاب فضل القرآن ص٧٥ ج٨ نولكشور الهند - الفارسي -
(٢) "مقدمة تفسير الصافي" ص١٤
(٣) "مقدمة تفسير الصافي" ص١٤
[ ١٣٦ ]
وقال المقدس الادبيلي العالم الشيعي الكبير ما معناه: إن عثمان (الخليفة الراشد ﵁) قتل عبد الله بن مسعود بعد أن أجبره على ترك المصحف الذي كان عنده وأكرهه على قراءة ذلك المصحف الذي ألفه ورتبه زيد بن ثابت بأمره، وقال البعض أن عثمان (﵁) أمر مروان بن الحكم، وزياد بن سمرة، الكاتبين له أن ينقلا من مصحف عبد الله ما يرضيهم ويحذفا منه ما ليس بمرضى عندهم ويغسلا الباقي" (١).
وذكر خاتمة مجتهديهم الملا محمد باقر المجلسي في كتابه: أن الله أنزل في القرآن سورة النورين (٢) وهذا نصها بسم الله الرحمن الرحيم، يا أيها الذين آمنوا بالنورين أنزلناهما عليكم آياتي ويحذرانكم عذاب يوم عظيم، نوران بعضهما من بعض وأنا السميع العليم، الذين يوفون بعهد الله ورسوله في
_________________
(١) "حديقة الشيعة" للاردبيلي ص١١٨ وص١١٩ إيران - الفارسي
(٢) "وقد ثبت بهذا أن سورة النورين التي ذكرها الخطيب نقلًا عن كتاب شيعي "دبستان مذاهب" لم ينفرد بذكرها ملا محسن الكشميري بل وافقه علامة الشيعة المجلسي أيضًا حيث ذكرها في كتابه، فماذا يقول - لطف الله الصافي الذي أنكر نسبة الكتاب إلى الشيعة؟ فهل "تذكرة الأئمة" كتاب شيعي أم كتاب سني؟ وهل المجلسي من أعيان الشيعة أم لا؟ فلم التحمس إلى هذا الحد؟ وقد طبعت هذه السورة في الهند أكثر من مرة وأقرئه علماء الشيعة في القارة الهندية الباكستانية مثل السيد علي الحائري وغيره
[ ١٣٧ ]
آيات لهم جنات النعيم، والذين كفروا من بعد آمنوا بنقضهم ميثاقهم وما عاهدهم الرسول عليه يقذفون في الجحيم، ظلموا أنفسهم وعصوا لوصي الرسول أولئك يسقون من حميم. . . - إلى أن ذكر عدة آيات ثم قال -: لما أسقط أولئك الفجرة حروف آيات القرآن وقرؤوها كما شاءوا" (١).
وكتب الميرزا محمد باقر الموسوي: أن عثمان ضرب عبد الله بن مسعود ليطلب منه مصحفه حتى يغيره ويبدله مثل ما اصطنع لنفسه حتى لا يبقى قرآن محفوظ صحيح" (٢).
ويقول الحاج كريم خان الكرماني الملقب "بمرشد الأنام" في كتابه: إن الإمام المهدي بعد ظهوره يتلو القرآن، فيقول - المسلمون هذا والله هو القرآن الحقيقي الذي أنزله الله على محمد، والذي حرف وبدل" (٣).
ويقول المجتهد الشيعي الهندي السيد دلدار علي الملقب "بآية الله في العالمين" يقول: ومقتضى تلك الأخبار أن التحريف في الجملة في هذا القرآن الذي بين أيدينا بحسب زيادة الحروف ونقصانه بل بحسب بعض الألفاظ وبحسب الترتيب في بعض
_________________
(١) تذكرة الأئمة "للمجلسي نقلًا من "تحفة الشيعة" لبرفسور نور بخش التوكلي ص٣١٨ ج١ ط لاهور
(٢) "بحر الجواهر" للموسوي ص٣٤٧ ط إيران
(٣) "إرشاد العلوم" ص١٢١ ج٣ - الفارسي - ط إيران
[ ١٣٨ ]
المواقع قد وقع بحيث مما لا يشك مع تسليم تلك الأخبار (١).
ويصرح عالم شيعي آخر: أن القرآن هو من ترتيب الخليفة الثالث ولذلك لا يحتج به على الشيعة" (٢).
وقد ألف عالم شيعي الميرزا النوري الطبرسي في ذلك كتابًا مستقلًا كبيرًا سماه فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب "وقد ذكرنا عدة عبارات قبل ذلك منه، وقال في مقام آخر" ونقصان السورة وهو جائز كسورة الحقد وسورة الخلع (٣) وسورة الولاية" (٤).
_________________
(١) "استقصاء الأفحام" ص١١ ج١ ط إيران
(٢) "ضربة حيدرية" ص٧٥ ج٢ ط مطبع نشان مرتضوي الهندي - الفارسي
(٣) وقد ذكر السيد الخطيب ﵀ في "الخطوط العريضة" أن الشيعة يعتقدون بسورة "الولاية" في القرآن وأنها أسقطت، فيرد عليه الصافي في كتيبه "مع الخطيب" بشدة وحماس بقوله: فانظر ما في كلامه هذا من الكذب الفاحش والافتراء البين - ليس في فصل الخطاب "لا في ص١٨٠ ولا في غيرها من أول الكتاب إلى آخره ذكر من هذه السورة المكذوبة على الله. فنقول في جوابه وفي أسلوبه، أيها الصافي! ألا تستحي من الله؟ ولا تتفكر بأن في الناس من يظهرون كذبك؟ اتق الله يا أيها الصافي! ما مات العلم بموت الخطيب وإن في أهل السنة من يستطيعون أن يبينوا عواركم وكذبكم فهذا هو الطبرسي يمثل لنقصان في القرآن بسورة الولاية
(٤) "فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب" ص٣٣ ط إيران
[ ١٣٩ ]
وقد ذكرنا عبارات المتقدمين منهم والمتأخرين قبل ذلك فلا فائدة لتكرارها.
والحاصل أن متقدمي الشيعة ومتأخريهم تقريبًا جميعهم متفقون على أن القرآن محرف، مغير فيه، محذوف عنه حسب - روايات "الأئمة المعصومين"- كما يزعمون - فها هو المحدث الشيعي يقول وهو يذكر القراءات المتعددة" الثالث أن تسليم تواترها عن الوحي الإلهي، وكون الكل قد نزل به الروح الأمين يفضي إلى طرح الأخبار المستفيضة بل المتواترة الدالة بصريحها على وقوع التحريف في القرآن كلامًا ومادة وإعرابًا مع أن أصحابنا قد أطبقوا على صحتها والتصديق بها" (١).
فهذه حقيقة ما يدندنون حوله، ويطبلون ويزمرون.
أفبعد هذا يمكن لأحد أن يقول أن الشيعة يعتقدون بالقرآن ويقولون أنه لا زائد على ما بين الدفتين ولا ناقص منه؟
ثم ما عذر من اعتذر منهم أنها روايات ضعيفة وقليلة لا غير كما يوجد بعض الروايات عند أهل الستة.
فهل هناك مسألة بعض الروايات أم مسألة الاعتقاد والإيمان، فإن كان بعض الروايات فلم التصريح من أئمة الشيعة وأكابرها بوقوع التحريف والنقصان في القرآن؟ ولم الرد على
_________________
(١) "الأنوار النعمانية في بيان معرفة النشأة الإنسانية" للسيد الجزائري
[ ١٤٠ ]
من قال بعدم وقوع التحريف ولو نفاقًا، وتقية، وخداعًا للمسلمين.
وأيضًا ليس الروايات قليلة أو ضعيفة عند الشيعة بل الروايات في هذا بلغت حد التواتر عند الشيعة وتزيد على ألفي رواية في قول، وأكثرها في صحاحهم الأربعة.
عقيدة أهل السنة في القرآن؟
وأما القول بأن مثل هذه الروايات توجد عند السنة فليس إلا تحكم وتجبر، والحق أنه لا يوجد في كتب أهل السنة المعتمدة عليها عندهم رواية واحدة صحيحة تدل على أن القرآن الذي تركه رسول الله ﷺ عند وفاته نقص منه أو زيد فيه بل صرح أكابر المسلمين بأن من يعتقد مثل هذا فقد خرج عن الملة الحنيفية، البيضاء، كما أنهم نصوا بأن الشيعة هم القائلون بهذا القول الخبيث.
فهذا الإمام ابن حزم الظاهري يقول في كتابه العظيم "الفصل في الملل والنحل" ما نصه: ومن قول الإمامية كلها قديمًا وحديثًا أن القرآن مبدل زيد فيه ما ليس منه ونقص منه كثير وبدل منه كثير" - ثم يقول: القول بأن بين اللوحين تبديلًا كفر صريح وتكذيب لرسول الله ﷺ" (١).
وقال أيضًا ردًا على قول الشيعة بأن القرآن محرف ومغير فيه فقال: واعلموا أنه لو رام اليوم أحد أن يزيد في شعر النابغة
_________________
(١) "الفصل في الملل والنحل" للإمام ابن حزم الظاهري، ص١٨٢ ج٤ ط بغداد
[ ١٤١ ]
أو شعر زهير كلمة أو ينقص أخرى ما قدر لأنه كان يفتضح في الوقت، وتخالفه النسخ المثبتة، فكيف القرآن في المصاحف وهي من آخر الأندلس، وبلاد البربر، وبلاد السودان إلى آخر السند، وكابل، وخراسان، والترك، والصقالية، وبلاد الهند فما بين ذلك - فظهر حمق الرافضة - وقال قبل ذلك بأسطر -: وإن لم يكن عند المسلمين إذ مات عمر ألف مصحف من مصر إلى العراق، إلى الشام، إلى اليمن فما بين ذلك، فلم يكن أقل، ثم ولى عثمان فزادت الفتوح واتسع الأمر فلو رام أحد إحصاء مصاحف أهل الإسلام ما قدر" (١).
وهو الذي قال في كتابه "الأحكام": ولما تبين بالبراهين والمعجزات أن القرآن هو عهد الله إلينا، والذي ألزمنا الإقرار به والعمل بما فيه، وصح بنقل الكافة الذي لا مجال للشك فيهم أن هذا القرآن هو المكتوب في المصاحف، المشهور في الآفاق كلها وجب الانقياد لما فيه، فكان هو الأصل المرجوع إليه لأننا وجدنا فيه "ما فرطنا في الكتاب من شيء" (٢).
وقال الأصولي الشافعي المعروف: الأول في الكتاب أي
_________________
(١) "الفصل في الملل والنحل لابن حزم الظاهري، ص٨٠ ج٢ ط بغداد
(٢) "الأحكام في أصول الأحكام" للحافظ ابن حزم الأندلسي الظاهري، ص٩٥ ج١ ط مصر الباب العاشر
[ ١٤٢ ]
القرآن وهو ما نقل إلينا بين دفتي المصاحف تواترًا" (١).
وقال الشارح على هذا: والمصنف اقتصر على ذكر النقل في المصاحف تواترًا لحصول الاحتراز بذلك عن جميع ما عدا القرآن، لأن سائر الكتب السماوية وغيرها الأحاديث الإلهية والنبوية ومنسوخ التلاوة لم ينقل شيء منها بين دفتي المصاحف لأنه اسم لهذا المعهود المعلوم عند جميع الناس حتى الصبيان" (٢).
وقال الأصولي الحنفي: "أما الكتاب فالقرآن المنزل على الرسول ﵇، المكتوب في المصاحف، المنقول عنه نقلًا متواترًا بلا شبهة" (٣).
وقال الآمدي: وأما حقيقة الكتاب هو ما نقل إلينا بين دفتي المصاحف نقلًا متواترًا" (٤).
وقال السيوطي بعد ما ذكر الأقوال بأن القرآن جمعه وترتيبه ليس إلا توقيفًا، قال: قال القاضي أبو بكر في الانتصار -: الذي نذهب إليه أن جميع القرآن الذي أنزله الله وأمر بإثبات رسمه، ولم ينسخه ولا رفع تلاوته بعد نزوله، هو هذا الذي بين الدفتين الذي حواه مصحف عثمان، وأنه لم ينقص منه شيء ولا زيد فيه" - وقال البغوي في شرح السنة: إن الصحابة ﵃
_________________
(١) "التوضيح في الأصول" ص٢٦ ج١ ط مصر
(٢) "التلويح ص٢٧ ج١ ط مصر
(٣) "المنار في الأصول" ص٩ ط الهند
(٤) "الأحكام للآمدي" ص٢٢٨ ج١ ط مصر
[ ١٤٣ ]
جمعوا بين الدفتين القرآن الذي أنزله الله على رسوله من غير أن زادوا أو نقصوا منه شيئًا" (١).
وقال الخازن في مقدمة تفسيره: وثبت بالدليل الصحيح أن الصحابة إنما جمعوا القرآن بين الدفتين كما أنزله الله ﷿ على رسول الله من غير أن زادوا فيه أو نقصوا منه شيئًا. فكتبوه كما سمعوه من رسول الله من غير أن قدموا أو أخروا شيئًا، أو وضعوا له ترتيبًا لم يأخذوه من رسول الله. . . فإن القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ على النحو الذي هو في مصاحفنا الآن" (٢).
وقال القاضي في الشفاء: اعلم أن من استخف بالقرآن أو المصحف بشيء منه، أو سبهما، أو كذب به، أو جحده، أو جزءًا منه، أو آية، أو كذب به، أو بشيء منه، أو كذب بشيء مما صرح به فيه من حكم أو خبر، أو اثبت ما نفاه، أو نفى ما أثبته على علم منه بذلك، أو شك في شيء من ذلك، فهو كافر عند أهل العلم بإجماع، قال الله تعالى: وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد" (٣).
_________________
(١) "الاتقان للسيوطي" ص٦٣ ج١ ط مطبع حجازي بالقاهرة سنة ١٣٦٨هـ
(٢) "تفسير الخازن" ص٧ و٨ المقدمة ج١ ط مطبعة الاستقامة بالقاهرة سنة ١٩٥٥هـ
(٣) "الشفاء" للقاضي عياض
[ ١٤٤ ]
هذا وقد بوب الإمام البخاري بابًا في صحيحه بعنوان "باب من قال لم يترك النبي إلا ما بين الدفتين" ثم ذكر تحت ذلك حديثًا: أن ابن عباس قال في جواب من سأل: أترك النبي من شيء؟ قال: ما ترك إلا ما بين الدفتين، وهكذا قاله محمد بن علي بن أبي طالب المعروف بابن الحنفية" (١).
فهذا ما رواه بخارينا وذاك ما رواه بخاريهم، وهذا ما قاله أئمة أهل السنة وذلك ما قاله أئمتهم.
وهناك نصوص أخرى في هذا المعنى، فيقول الإمام الزركشي في كتابه "البرهان" بعد ذكر قول القاضي في "الانتصار" وذلك دليل على صحة نقل القرآن وحفظه وصيانته من التغيير، ونقض مطاعن الرافضة فيه من دعوى الزيادة والنقص، كيف وقد قال تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ وقوله: ﴿إن علينا جمعه وقرآنه﴾ وأجمعت الأمة أن المراد بذلك حفظه على المكلفين للعمل به، وحراسته من وجود الغلط والتخليط، وذلك يوجب القطع على صحة نقل مصحف الجماعة وسلامته" (٢).
وقد ذكر مفسرو أهل السنة تحت آية ﴿وإنا له لحافظون﴾ بأن القرآن محفوظ عن أي تغيير وتبديل وتحريف، وكان أن يتفق على هذا كلهم وشذّ من ندر، فمثلًا يقول الخازن في تفسيره:
_________________
(١) "صحيح البخاري" كتاب فضائل القرآن
(٢) "البرهان في علوم القرآن" ص١٢٧ ج٢ ط أولى ١٩٥٧م
[ ١٤٥ ]
وإنا للذكر الذي أنزلناه على محمد لحافظون، يعني من الزيادة فيه والنقص والتغيير والتبديل والتحريف، فالقرآن العظيم محفوظ من هذه الأشياء كلها لا يقدر أحد من جميع الخلق من الجن والإنس أن يزيد فيه أو ينقص منه حرفًا واحدًا، أو كلمة واحدة، وهذا مختص بالقرآن العظيم بخلاف سائر الكتب المنزلة فإنه قد دخل على بعضها التحريف، والتبديل، والزيادة، والنقصان، ولما تولى الله ﷿ حفظ هذا الكتاب بقي مصونًا على الأبد، محروسًا من الزيادة والنقصان" (١).
وقال النسفي في تفسيره تحت هذه الآية "إنا نحن": فأكد عليهم أنه هو المنزل على القطع وأنه هو نزله محفوظًا من الشياطين، وهو حافظه في كل وقت من الزيادة والنقصان والتحريف والتبديل بخلاف الكتب المتقدمة، فإنه لم يتول حفظها وإنما استحفظها الربانيون والأحبار فيما بينهم بغيًا فوقع التحريف ولم يكل القرآن إلى غير حفظه" (٢).
وقال الإمام ابن كثير: ثم قرر تعالى أنه هو الذي أنزل عليه الذكر وهو القرآن، وهو الحافظ له من التغيير والتبديل" (٣).
وقال الفخر الرازي: وإنا نحفظ ذلك الذكر من التحريف والزيادة، والنقصان، ونظيره قوله تعالى في صفة القرآن: لا يأتيه
_________________
(١) "تفسير الخازن" ص٨٩ ج٣
(٢) "تفسير المدارك" للنسفي، ص١٨٩ هامش الخازن ج٣
(٣) تفسير ابن كثير ص٥٤٧ ج٢ ط القاهرة
[ ١٤٦ ]
الباطل من بين يديه ولا من خلفه" وقال: ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا: فإن قيل: فلم اشتغلت الصحابة بجمع القرآن في المصحف وقد وعد الله تعالى بحفظه، وما حفظه الله فلا خوف عليه، والجواب أن جمعهم القرآن كان من أسباب حفظ الله تعالى إياه فإنه قال لما أن حفظه قيضهم لذلك - إلى أن قال -: إن أحدًا لو حاول تغييره بحرف أو نقطة لقال له أهل الدنيا هذا كذب وتغيير لكلام الله تعالى حتى أن الشيخ المهيب لو اتفق له لحن أو هفوة في حرف من كتاب الله تعالى لقال له الصبيان: أخطأت أيها الشيخ وصوابه كذا وكذا، فهذا هو المراد من قوله: وإنا له لحافظون: واعلم أنه لم يتفق بشيء من الكتب مثل هذا الحفظ فإنه لا كتاب إلا وقد دخله التصحيف والتحريف والتغيير إما في الكثير منه أو في القليل، وبقاء هذا الكتاب مصونًا عن جميع جهات التحريف مع أن دواعي الملاحدة واليهود والنصارى متوفرة على إبطاله وإفساده من أعظم المعجزات" (١).
كتب الشيعة لإثبات التحريف
فهذه عقيدة السنة في القرآن وهذه هي الأقوال لعلمائهم وأكابرهم، وبعكس ذلك أن الشيعة ما اقتصروا على سرد الروايات والأحاديث خلاف ذلك من أئمتهم ومعصوميهم فحسب
_________________
(١) "تفسير مفاتيح الغيب للرازي" ص٣٨٠ ج٥ ط مصر القديم
[ ١٤٧ ]
بل وقد صنفوا بخصوص هذا في كل عصر من العصور كتبًا مستقلة تحت عنوان "التغيير والتحريف في القرآن" وأفردوها لنقل هذه العقيدة الخبيثة وإثباتها بالأدلة والبراهين حسب زعمهم.
فقد صنف في ذلك شيخ الشيعة الثقة عندهم "أحمد بن محمد بن خالد البرقي" كتاب التحريف "كما ذكره الرجالي الشيعي المشهور الطوسي في كتاب "الفهرسة" والنجاشي في كتبه.
وأبوه محمد بن خالد البرقي صنف أيضًا "كتاب التنزيل والتغيير" كما ذكره النجاشي.
والشيخ الثقة الذي لم يعثروا له زلة في الحديث حسب قولهم "علي بن الحسن بن فضال" فقد أفرد في هذا الباب "كتاب التنزيل من القرآن والتحريف".
ومحمد بن الحسن الصيرفي صنف في هذا "كتاب التحريف والتبديل" كما ذكر الطوسي في الفهرست.
وأحمد بن محمد بن سيار "كتاب القراءات" وهو أستاذ لمفسر شيعي معروف ابن الماهيار - كما ذكر في "الفهرست" و"الرجال" للنجاشي.
وحسن بن سليمان الحلي "التنزيل والتحريف".
والمفسر الشيعي المشهور محمد بن علي بن مروان الماهيار المعروف بابن الحجام له "كتاب قراءة أمير المؤمنين وقراءة أهل البيت.
[ ١٤٨ ]
وأبو طاهر عبد الواحد بن عمر القمي له كتاب "قراءة أمير المؤمنين" - ذكره ابن شهر آشوب في معالم العلماء.
وذكر علي بن طاؤس "الشيخ الجليل لهم" في كتابه "سعد السعود" كتبًا أخرى في هذا الموضوع، فمنها "كتاب تفسير القرآن وتأويله وتنزيله" ومنها كتاب "قراءة الرسول وأهل البيت" ومنها "كتاب الرد على أهل التبديل" كما ذكره ابن شهر آشوب في مناقبه، "ومنها كتاب السياري" (١).
وكما صنف المتقدمون في هذا الموضوع صنف أيضًا المتأخرون منهم، فمنها الكتاب المعروف المشهور "فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب "للميرزا حسين بن محمد تقي النوري الطبرسي المتوفي ١٣٢٠هـوهو كتاب شامل مفصل بحث فيه المحدث الشيعي بحثًا وافيًا في إثبات التحريف في القرآن ورد على من أنكر أو أظهر التناكر من الشيعة ثم أردفه بكتاب آخر "لرد بعض الشبهات عن فصل الخطاب" (٢).
_________________
(١) "نقلًا من كتاب "فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب" ص٢٩
(٢) أفبعد هذا مجال لأحد أن يقول: بأن النوري الطبرسي لم يقل في هذا الكتاب عن التحريف بل بعكس ذلك أثبت أنه لا تحريف في الكتاب ولا تبديل" فمن الذي يريد الصافي أن يخدعه بهذا الكلام؟ أيظن أنه لا يوجد عند غيره "فصل الخطاب" أم يريد أن يكذب بجرأة حتى يظنه المستمعون أنه صدق، لا يا أيها الصافي! لا يمكن أن يكون ما تريده ففي الناس من يبينون كذبكم وعواركم ما دمتم تكذبون، فاسمعوا وعوا لن ولن يمكن أن تقلبوا الحقائق فيخدع بها سليم القلب. إن كتاب النوري الطبرسي ليس إلا وثيقة مهمة مشتملة على عقيدة الشيعة من أولهم إلى آخرهم بأنهم لا يؤمنون بهذا القرآن الموجود بين الدفتين، وقد ذكرنا عدة عبارات منه في بحثنا هذا وتركنا الباقي وفيه أكثر وأفظع بكثير مما ذكرناه
[ ١٤٩ ]
وفي القارة الهندية أيضًا صنف الشيعة كتبًا عديدة في إثبات وإظهار هذه العقيدة الباطلة، فقد ألف أحد علمائها من الشيعة كتابًا سماه "تصحيف كاتبين، ونقص آيات كتاب مبين" واسمه ميرزا سلطان أحمد الدهلوي.
"وضربة حيدرية" للسيد محمد مجتهد اللكنوي، وغير ذلك من الكتب الكثيرة التي ألفت في اللغة الفارسية، والعربية، والأردية.
وهناك كثيرون منهم، الذين بوبوا لبيان هذه العقيدة المتفقة عليها عندهم، فمنهم أستاذ الكليني علي بن إبراهيم القمي، والثاني شيخهم الأكبر في الحديث محمد بن يعقوب الكليني، والسيد محمد الكاظمي في "شرح الوافية" وسماه "باب أنه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة"، والشيخ الصفار في كتابه "البصائر، باب في الأئمة أن عندهم جميع القرآن الذي أنزل على رسول الله"، وسعد بن عبد الله في كتابه "ناسخ القرآن ومنسوخه" بابًا باسم
[ ١٥٠ ]
"باب التحريف في الآيات"، وهلم جرًا.
ولا يخلو كتاب من كتبهم في الحديث والتفسير، والعقائد، والفقه، والأصول، لا يخلو من قدح بالقرآن العظيم - ونحن ندعو الذين ينكرون هذا الاعتقاد من الشيعة ونسألهم: ما دمتم ادعيتم أنه لم يزد على كتاب الله ولم ينقص منه فماذا تقولون في من يعتقد مثل هذا الاعتقاد؟
هل تكفرونه؟ لأنه مما يوجب التفكير، وهل تفتون أنه خرج عن الملة الحنيفية البيضاء؟ كما أفتى به أئمة أهل السنة وعلمائها وزعمائها، فلننظر إلى أي حد تستعملون التقية والخداع للمسلمين.
وهذا مما لا شك فيه كما أثبتنا في بحثنا الطويل أن الشيعة قاطبة، وفي كل عصر من عصور الإسلام قد اعتقدوا بهذا الاعتقاد ويعتقدونه إلى الآن، وليس إنكارهم مبنيًا على الصدق والحقيقة ولكنه ليس إلا الشرود والفرار من إيرادات المسلمين وطعن الطاعنين، أو شعورهم بكشف السر المكنون، وافتضاح الأمر المستور (١)
_________________
(١) وإلا لم المدح لميرزا حسين بن محمد تقي النوري الطبرسي من قبل السيد لطف الله الصافي الذي يتكلف الحماس لرفع هذه "التهمة" عن الشيعة بأنهم لا يعتقدون التحريف في الكتاب، فما رأينا المنافاة في القول مثل هذا فإن الصافي يدفع هذا الاعتراض في مرة ويرد عليه ثم يمدح في نفس المبحث الرجل الذي يعتقد بهذه العقيدة الخبيثة ولا يعتقد فحسب بل يثبتها بالأدلة الصحيحة الصريحة الواضحة الدامغة عند الشيعة ويؤلف فيه كتابًا ضخمًا وافيًا كاملًا شاملًا لإحاطة جميع النواحي لهذا المبحث، ولم المدح للعلماء المتقدمين الأكابر عند الشيعة مع تصريحهم بوقوع التحريف في القرآن؟ ولم تمجيدهم والاحترام لهم؟ والمعروف أن من ينكر أساسًا من أسس الدين لا يحترم ولا يعظم، لأن المنكر لضرورة من ضروريات الدين مهان مصغر ومحتقر بإجماع المسلمين لا العكس. . .
[ ١٥١ ]
وإلا الحق قد انجلى، والحقيقة قد انكشفت، والله ولي التوفيق والحمد لله رب العالمين. . . .
[ ١٥٢ ]