الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على محمد المصطفى، نبي الهدى، والرحمة، وعلى آله، وأصحابه، الطاهرين، البررة.
وبعد فإنه شاع في هذا الزمان كلمة " الاتحاد والوحدة " من كل داع للشقاق والفرقة، وكثر استعمالها حتى كاد أن ينخدع بها السذج من المسلمين لو ما عرفوا ما ورائها من كيد ودس ودهاء.
فالقاديانية (١) عميلة الاستعمار الصليبي في القارة الهندية الباكستانية، ووصمة عار على جبهة المسلمين المشرقة، تستعمل هذه الكلمة هناك لكي يتسع لها طريق لنفث السموم في نفوس المسلمين.
والبهائية (٢) وليدة الروس، والانكيز، والنزغات الشيعية، تريد بنفس هذه الكلمة غزو الشيعة في إيرانها وعراقها.
والشيعة ربيبة اليهود، وفصيلتهم في بلاد الإسلام، يستعملون هذه
_________________
(١) للباحث أن يقرأ كتاب "القاديانية، دراسات وتحليل" للمؤلف لمعرفة هذه النحلة الجديدة
(٢) للمؤلف كتاب مستقل في هذا الموضوع "البهائية - أمام الحقائق والوقائع"
[ ٥ ]
الكلمة أيضًا عند افتضاح أمرها، واكتشاف حقيقتها، وإماطة اللثام عن وجهها.
فليست هذه الكلمة، إلا كلمة حق أريد بها الباطل، كما نقل عن علي ﵁، أنه لما سمع الخوارج قولهم "لا حكم إلا لله" فقال: كلمة حق أريد بها الباطل، نعم لا حكم إلا لله" (١).
وقال: سيأتي عليكم بعدي زمان ليس فيه شيء أخفى من الحق ولا أظهر من الباطل" (٢).
فهذا هو الزمان الذي أشار إليه علي في قوله، فما أكثر الكذب فيه وما أفظعه!
ولقد بدأ الشيعة منذ قريب ينشرون كتبًا ملفقة مزورة في بلاد الإسلام، يدعون فيها التقريب إلى أهل السنة، ولكن بتغيير صحيح يريدون بها تقريب السنة إليهم بترك عقائدهم، ومعتقداتهم في الله، وفي رسوله، وأصحابه الذين جاهدوا تحت رايته، وأزواجه الطاهرات الآتي صاحبنه في معروف، وفي الكتاب الذي أنزله الله عليه من اللوح المحفوظ، نعم يريدون أن يترك المسلمون كل هذا، ويعتنقوا ما نسجته أيدي اليهودية اللئيمة من الخرافات، والترهات، في الله، بأنه يحصل له "البدا" وفي كتاب الله، بأنه محرف، ومغير فيه، وفي رسول الله، بأن عليًا
_________________
(١) "نهج البلاغة" ص٨٢ ط دار الكتاب اللبناني - ١٣٨٧هـبيروت
(٢) "نهج البلاغة" ص٢٠٤
[ ٦ ]
وأولاده أفضل منه، وفي أصحابه حملة هذا الدين، أنهم كانوا خونة، مرتدين، مع من فيهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وأزواج النبي، أمهات المؤمنين، مع من فيهن الطيبة، الطاهرة، بشهادة من الله في كتابه، بأنهن خن الله ورسوله، وفي أئمة الدين، من مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، والبخاري، أنهم كانوا كفرة ملعونين - ﵃ ورحم عليهم أجمعين - نعم يريدون هذا، وما الله بغافل عما يعملون.
فكل من عرف هذا وقام على وجههم، ورد عليهم، جعلوا يتصيحون عليه ويتنادون باسم الوحدة والاتحاد، ويرددون قول الله ﷿: ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾ (١) - (٢).
_________________
(١) سورة الأنفال، الآية٤٦
(٢) وقد كتب أحد علمائهم من إيران، السيد لطف الله الصافي كتابًا عنونه بهذه الآية الكريمة نفاقًا وخداعًا عادة أسلافه بأنهم يتقنعون بمقنعة الزور لتغطية مقاصدهم الخبيثة، فهو على شاكلتهم لأنك إذا قلبت الغلاف رأيت مقدمة بسيطة دعا فيها إلى الوحدة والاتحاد، ولكن وبعد أوراق قليلة تفاجأ بكتاب آخر باسم "مع الخطيب في خطوطه العريضة" رد فيه على السيد محب الدين الخطيب ﵀ رحمة واسعة، فنافق في بداية الكتاب حسب المقرر لهم، وقال: لا ينبغي أن يكتب مثل هذه الكتب والردود في عصر تهتك فيه حرمات الله في فلسطين، وأحرق المسجد الأقصى المبارك. . . . فمن أجبرك على هذا أيها الصافي؟ ثم وفي نفس هذا الكتاب يهجم على عبقرية أسلام، والرجل الذي يعده علي ﵁ - الإمام المعصوم عندهم - أصل العرب، ونظامهم، وقطبهم الذي به تدور الرحى - ويأتي ذكره مفصلًا في باب "الشيعة والكذب" فهل تظن أنك تستطيع خداع المسلمين بمثل تلك الكلمات، الوحدة والاتحاد - أيها الصافي؟ فليخب ظنك ورأيك ..
[ ٧ ]
فبعدًا للوحدة التي تقام على حساب الإسلام، وسحقًا للاتحاد الذي يبنى على أعراض محمد النبي، وأصحابه، وأزواجه - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين-، فقد علّمنا الله ﷿ في كلامه الذي نعتقد فيه أن حرفًا منه لم يتغير ولم يتبدل، وما زيد عليه بكلمة، ولا نقص منه حرف، علّمنا فيه، أن كفار مكة طلبوا أيضًا من رسول الله، الصادق، الأمين، عدم الفرقة والاختلاف بدعوته إلى عبادة الله وحده، مخلصين له الدين، وإفضاحه آلهتهم، والرد عليهم، فأجابهم بأمر من الله: يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون، ولا أنتم عابدون ما أعبد، ولا أنا عابد ما عبدتم، ولا أنتم عابدون ما أعبد، لكم دينكم ولي دين (١).
وقال: هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين (٢).
وقال: ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون (٣).
_________________
(١) سورة الكافرون
(٢) سورة يوسف الآية ١٠٨
(٣) سورة البقرة الآية١٣٩
[ ٨ ]
وقال: وما يستوي الأعمى والبصير، ولا الظلمات ولا النور، ولا الظل ولا الحرور، وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور (١).
نعم يمكن الوحدة إن أرادوها، ويمكن الاتحاد إن يطلبونه، الوحدة والاتحاد، بالرجوع إلى الكتاب والسنة، والتمسك بهما، حسب قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر (٢).
نعم "إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، فتعالوا إلى هذه الكلمة، كلمة الوحدة، والاتحاد، إلى قول الله ﷿ وقول نبيه محمد.
فلنرفع الخلاف ولنقض على النزاع، فهيا بنا إلى الوحدة أيها القوم!
فاتركوا السباب لأصحاب رسول الله، خيار خلق الله، الذين بشرهم الله بالجنة في كتابه المجيد حيث قال: والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين
_________________
(١) سورة الفاطر الآية ١٩، ٢٠، ٢١، ٢٢
(٢) سورة النساء الآية٥٩
[ ٩ ]
فيها أبدًا، ذلك الفوز العظيم (١).
وقال: لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة (٢).
وقال: رسوله الناطق بالوحي: لا تمس النار مسلمًا رآني أو رأى من رآني (٣).
وقال ﵇: الله الله في أصحابه، لا تتخذوهم غرضًا من بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه (٤).
ويمكن الاتحاد بالاعتراف أن الكلام المجيد لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، وإن من قال فيه بتحريف وتغيير كان ضالًا مضلًا خارجًا عن الإسلام، تعالوا فلنتفق ونتحد.
وهلموا إلى الوحدة بالعهد على أن الكذب والتقية قد تركتموها كلية وقطعًا، وترون الكذب من الموبقات، التي تدخل الناس النار، كما قال الرسول ﵇: إن الصدق
_________________
(١) سورة التوبة الآية ١٠٠
(٢) سورة الفتح الآية١٨
(٣) رواه الترمذي وحسنه
(٤) رواه الترمذي
[ ١٠ ]
بر وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الكذب فجور، وإن الفجور يهدي إلى النار (١).
ولن يحصل الاتفاق والوحدة دون توبتكم عن العقائد اليهودية، والوثنية المجوسية من أن الأئمة يعلمون الغيب، ويعرفون متى يموتون، ويفعلون ما يشاؤون، لا يسأل عنهم وهم يسألون، وأنهم ليسوا من بشر.
نعم ويمكن الوحدة بترك الدس والكيد للمسلمين.
فها هي بغداد مضرجة بدمائهم بجريمة ابن العلقمي، وها هي الكعبة جريحة بجريمة طائفة منكم، وها هي باكستان الشرقية ذهب ضحية بخيانة أحد أبناء "تزلباش"، الشيعة "يحيى خان" في أيدي الهندوس.
وها هو التاريخ الإسلامي مليء بمآثمكم، وخذلانكم المسلمين كلما حدثت لهم حادثة، ووقعت لهم كارثة، وحلت بهم نائبة.
تعالوا نتعاون بيننا، ونتفق، ونتحد، لتكون كلمة الله هي العليا، وليس للعسكري ولد حتى يأتي ويخرج ويكشف عنا الهموم، ويفرج عنا الكروب.
فنحن الذين نستطيع إن اعتصمنا بكتاب ربنا، وسنة نبينا، أن نكشف عنا مصيبتنا، وندفع عنا كيد أعدائنا كما وعنا الله ﷿ ﴿إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا، ويوم
_________________
(١) رواه مسلم
[ ١١ ]
يقوم الأشهاد﴾ (١).
﴿وكان حقًا علينا نصر المؤمنين﴾ (٢).
﴿وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين﴾ (٣).
فلكم رأينا النصر وهو آت من السماء في زمن الصديق الأكبر أبي بكر، والفاروق الأعظم عمر، وذي النورين عثمان رضوان الله عليهم أجمعين، حتى هزموا الكفر في عقر داره، وأدوا رايات الظفر إلى آفاق لم يتصورها الأولون، فما أن غرست اليهودية غريستها، وولدت وليدتها في عهد أمير المؤمنين علي ﵁، حتى اضطرب الأمور، وانعكست الأحوال، واضطر هو إلى أن يقول: ابتليت بقتال أهل القبلة.
وقال متأسفًا: أوصيكم عباد الله بتقوى الله فإنها خير ما تواصى العباد به وخير عواقب الأمور عند الله، وقد فتح باب الحرب بينكم وبين أهل القبلة (٤).
وقال ﵁: ألا وإني قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلًا ونهارًا، وسرًا وعلنًا، وقلت لكم: اغزوهم قبل أن يغزوكم، فوالله ما غزى قوم قط في عقر دارهم إلا ذلوا، فتواكلتم وتخاذلتم حتى شنت عليكم الغارات، وملكت عليكم
_________________
(١) سورة المؤمن الآية٥١
(٢) سورة الروم الآية٤٧
(٣) سورة آل عمران اية١٣٩
(٤) "نهج البلاغة" ٢٤٨، خطبة علي ﵁
[ ١٢ ]
الأوطان. . . ثم انصرفوا (الأعداء) وافرين، ما نال رجلًا منهم كلم، ولا أريق لهم دم، فلو أن امرأً مسلمًا مات من بعد هذا أسفًا ما كان به ملومًا، بل كان به عندي جديرًا، فيا عجبًا! عجبًا - والله - يميت القلب ويجلب الهم من اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم، وتفرقكم عن حقكم، فقبحًا لكم وترحًا حين صرتم غرضًا يرمى، يغار عليكم ولا تغيرون، وتغزون ولا تغزون، ويعصى الله وترضون، فإذا أمرتكم بالسير إليهم في أيام الحر قلتم: هذه حمارة القيظ، أمهلنا يسبخ عنا الحر، وإذا أمرتكم بالسير إليهم في الشتاء، قلتم هذه صبارة القرة، أمهلنا ينسلخ عنا البردن كل هذا فرارًا من الحر والقر، فإذا كنتم من الحر والقر تفرون، فأنتم والله من السيف أفر - وقال -: قاتلكم الله لقد ملأتم قلبي قيحًا، وشحنتم صدري غيظًا، وجرعتموني نغب التهمام أنفاسًا (١) وأفسدتم على رأيي بالعصيان والخذلان، حتى لقد قالت قريش إن ابن أبي طالب رجل شجاع ولكن لا علم له بالحرب، لله أبوهم وهل أحد منهم أشد لها مراسًا، وأقدم فيها مقامًا مني، لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، وها أنا ذا قد ذرفت على الستين، ولكن لا رأي لمن لا يطاع (٢).
فها هو ذا علي بن أبي طالب الخليفة الراشد الرابع عندنا
_________________
(١) نغب التهمام أنفاسًا، أي جرعتموني جرع الهم جرعة جرعة
(٢) "نهج البلاغة" ص٦٩ و٧٠ و٧١
[ ١٣ ]
- والإمام المعصوم الأول عندكم - يشتكي منكم من يوم الذي وجدتم فيه - وقد أوردناه من كتابكم الذي تظنونه أصدق الكتب وأفضلها، والذي جمعه كبيركم الشريف أبو الحسن محمد الرضي.
فماذا بعد هذا أيها القوم.
وما ألفنا هذا الكتاب، وما جمعنا فيه النصوص إلا للتنبيه علي أنه لا ينبغي التصور بأن أهل السنة بلغوا من الجهل إلى حد حتى تلعب بهم، وبعقولهم، وقلوبهم، وعقائدهم وليدة اليهود وربيبة المجوس.
وقد أثبتنا في مختصرنا هذا أن الشيعة ليست إلا لعبة يهودية، ناقمة على الإسلام، وحاقدة على المسلمين، وعلى رأسهم أصحاب رسول الله ﷺ، حملة هذا الدين، والتابعين لهم بإحسان، ومن سلك مسلكهم إلى يوم الدين، ثم وقد بينا فيه عقيدتهم في القرآن، أساس الإسلام، وأصله، ورسالة الله التي جاء بها محمد النبي، الصادق، المصدوق ﵇، إلى الناس كافة، ببيان واضح، مستند، مفصل، لم أسبق عليه بفضل الله ومنّه.
كما أوضحنا أن الكذب (باسم التقية) هو شعار الشيعة قاطبة، ويعدونه من أطيب الأعمال، وأعظم القربات إلى الله.
وورد تحت هذه المواضيع الثلاثة مباحث ومواضيع كثيرة
[ ١٤ ]
أخرى مثل عقيدتهم في الله، وفي رسول الله، وأصحاب رسول الله، وأزواجه، أمهات المؤمنين، وعقيدتهم في أئمتهم، ورأي الأئمة فيهم، والأسس لهذا المذهب، والأصول التي قام عليها، وسبب الخلاف بينهم وبين السنة من المسلمين.
ونرى في ذلك المختصر كفاية لمن أراد أن يعرف حقيقتهم، وحقيقة معتقداتهم، وحتى للسذج من الشيعة الذين اغتروا بحب أهل البيت وولايتهم، إن أرادوا الحق والتبصر، لأن أكثرهم لا يعرفون حقيقة دينهم حيث أمر صناديدهم بكتمان المذهب كما هو المكذوب على جعفر الصادق أنه قال لأحد شيعته: يا سليمان إنكم على دين من كتمه أعزه الله ومن أذاعه أذله الله (١).
وقد التزمنا في هذا الكتاب أن لا نذكر شيئًا من الشيعة إلا من كتبهم، وبعباراتهم أنفسهم، مع ذكر الكتاب، والمجلد والصفحة، والطبعة، بحول الله وقوته، وكلما ذكرنا من كتب الشيعة في هذا الكتاب، هي الكتب المستندة، المشهورة والموثوقة عندهم (٢).
_________________
(١) "الكافي في الأصول" للكليني وسيأتي بيانه مفصلًا في باب "الشيعة والكذب"
(٢) فأنت أيها الصافي وأنت يا صاحب كتيب "السهم المصيب في الرد على الخطيب" وأنت. . . وأنت. . . لا يغرنك أن الخطيب قد انتقل إلى رحمة الله، ومن ثم تستطيع أن تطعن فيه، وتشتمه، فإن في السنة من يدافع عن الحق الذي كتب الخطيب عنه ووا أسفا على أنه ما رأينا هذه الكتب إلا منذ قريب حين سفره لزيارة البيت العتيق، وبلدة النبي، والصديق، في العام الماضي، وإلا قد قضينا الدين في حينه، وما تأخرنا، فلا يكون في التأخير غرة ولا اغترار
[ ١٥ ]
ونريد أن نتبع هذا المختصر مختصرًا آخر في حجمه حتى يحتوي ويشتمل على جميع الموضوعات الهامة، والمباحث المهمة، فيكون هذا كالجزء الأول وما يليه كالجزء الثاني، والله ولي التوفيق، وعليه أتوكل وإليه أنيب.
إحسان إلهي ظهير - لاهور
٢٢ مايو ١٩٧٣م ١٨ الربيع الثاني ١٣٩٣هـ
[ ١٦ ]
الباب الأوّل
منذ بزوغ شمس الرسالة المحمدية، ومن أول يوم قُلِّب فيه صفحة التاريخ الجديد، التاريخ الإسلامي المشرق، احترق قلوب الكفار وأفئدة المشركين، وخاصة اليهود في الجزيرة العربية وفي البلاد العربية المجاورة لها، والمجوس في إيران، والهندوس في شبه القارة الهندية الباكستانية، فبدؤوا يكيدون للإسلام كيدًا، ويمكرون بالمسلمين مكرًا، قاصدين أن يسدوا سيل هذا النور، ويطفئوا هذه الدعوة النيرة، فيأبى الله إلا أن يتم نوره، كما قال في كتابه المجيد: ﴿يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله مُتمّ نوره ولو كره الكافرون﴾ (١).
ولكنهم مع هزيماتهم واكساراتهم لم يتفلل فلول حقدهم وضغينتهم، فما زالوا داسين، دابرين.
وأوّل دسّ دسَّه أبناء اليهودية البغيضة، المردودة، يعد طلوع فجر الإسلام، دسّ في الشريعة الإسلامية باسم الإسلام،
_________________
(١) سورة الصف "الآية"٨
[ ١٧ ]
حتى يسهل اصطياد أبناء المسلمين، الجهلة عن عقائد الإسلام، ومعتقداتهم الصحيحة، الصافية، فكان على رأس هؤلاء المكرة المنافقين، المتظاهرين بالإسلام، والمبطنين الكفر أشد الكفر - والنفاق، والباغين عليه، عبد الله بن سبأ اليهودي، الخبيث، الذي أراد مزاحمة الإسلام، ومخالفته، والحيلولة دونه، وقطع الطريق عليه بعد دخول الجزيرة العربية بأكملها في حوزة الإسلام وقت النبي، وبعد ما انتشر الإسلام في آفاق الأرض وأطرافها، واكتسح مملكة الروم من جانب، وسلطنة الفرس من جهة أخرى، وبلغت فتوحاته من أقصى أفريقيا إلى أقصى آسيا، وبدأت تخفق راياته على سواحل أوربا وأبوابها، وتحقق قول الله ﷿ ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا﴾ (١).
وبدأ علي بن أبي طالب ﵁ يقول: أن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا قلة، وهو دين الله الذي أظهره، وجنده الذي أعده، وأمده، حتى بلغ ما بلغ، وطلع حيث طلع، ونحن على موعود من الله، والله منجز وعده، وناصر جنده" (٢)
_________________
(١) سورة النور، الآية٥٥
(٢) "نهج البلاغة" ص٢٠٣ ط دار الكتاب اللبناني بيروت، ١٣٨٧هـ- ١٩٦٧م، قول علي لعمر بن الخطاب ﵄ حينما استشاره في الشخوص لقتال الفرس بنفسه
[ ١٨ ]
وقال معلنًا الحق: فلما رأى الله صدقنا أنزل لعدونا الكبت، وأنزل علينا النصر، حتى استقر الإسلام ملقيًا جرانه، ومتبوءًا أوطانه" (١).
فأراد ابن سبأ هذا مزاحمة هذا لادين، بالنفاق والتظاهر بالإسلام، لأنه عرف هو وذووه أنه لا يمكن محاربته وجهًا لوجه، ولا الوقوف في سبيله جيشًا لجيش، ومعركة بعد معركة، فإن أسلافهم بني قريظة، بني النضير، وبني قينقاع جربوا هذا فما رجعوا إلا خاسرين، ومنكوبين، فخطط هو ويهودصنعاء خطة أرسل أثرها هو ورفقته إلى المدينة، مدينة النبي، وعاصمة الخلافة، في عصر كان يحكم فيه صهر رسول الله، وصاحبه، ورضيه، ذو النورين، عثمان بن عفان ﵁، فبدؤوا يبسطون حبائلهم، ويمدون أشواكهم، منتظرين الفرص المتواطئة، ومترقبين المواقع المتلائمة، وجعلوا عليًا ترسًا لهم يتولونه، ويتشيعون به، ويتظاهرون بحبه، وولائه، (وعلي منهم بريء) ويبثون في نفوس المسلمين سموم الفتنة، والفساد، محرضينهم على خليفة رسول الله، عثمان الغني ﵁، الذي ساعد الإسلام والمسلمين بماله إلى ما لم يساعدهم أحد، حتى قال له الرسول، الناطق بالوحي، ﵇، حين تجهيزه جيش العسرة "ما ضرّ عثمان، ما عمل بعد اليوم" (٢).
_________________
(١) "نهج البلاغة" ص٩٢
(٢) رواه أحمد والترمذي
[ ١٩ ]
وبشره بالجنة مرات، ومرات، وأخبره بالخلافة والشهادة.
وطفق هذه الفئة تنشر في المسلمين عقائد تنافي عقائد الإسلام، من أصلها، وأصولها، ولا تتفق مع دين محمد ﷺ في شيء. .
ومن هناك ويومئذ كونت طائفة، وفرقة في المسلمين للإضرار بالإسلام، والدس في تعليمه، والنقمة عليه، والانتقام منه، وسمت نفسها "الشيعة لعلي" ولا علاقة لها به، وقد تبرأ نمهم، وعذبهم أشد العذاب في حياتهم، وأبغضهم بنون وأولاده من بعده، ولعنوا عليهم، وأبعدوه عنهم، ولكن خفيت الحقيقة مع امتداد الزمن، وغابت عن المسلمين، وفازت اليهودية بعد ما وافقتها المجوسية من ناحية، والهندوسية من ناحية أخرى، فازت في مقاصدها الخبيثة، ومطامعها الرذيلة، وهي إبعاد أمة محمد عن رسالته التي جاء بها من الله ﷿، ونشر العقائد اليهودية والمجوسية وأفكارهما النجسة بينهم باسم العقائد الإسلامية (١).
وقد اعترف بهذا كبار الشيعة ومؤرخوهم، فهذا هو الكشي (٢) كبير علماء التراجم - المتقدمين - عندهم - الذي قالوا فيه: إنه
_________________
(١) ونتيجة ذلك لا يعتقد الشيعة بالقرآن الموجود، ويظنونه محرفًا ومغيرًا فيه كما سيأتي مفصلًا
(٢) هو أبو عمرو محمد بن عمر بن عبد العزيز الكشي - من علماء القرن الرابع للشيعة، وذكروا أن داره كان مرتعًا للشيعة
[ ٢٠ ]
ثقة، عين، بصير بالأخبار والرجال، كثير العلم، حسن الاعتقاد، مستقيم المذهب.
والذي قالوا في كتابه في التراجم: أهم الكتب في الرجال، هي أربعة كتب، عليها المعول، وهي الأصول الأربعة في هذا الباب، وأهمها، وأقدمها، هو "معرفة الناقلين عن الأئمة الصادقين المعروف برجال الكشي" (١).
يقول ذلك الكشي في هذا الكتاب: وذكر بعض أهل العلم أن عبد الله بن سبأ كان يهوديًا فأسلم، ووالى عليًا ﵇، وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون وصى موسى بالعلو، فقال في إسلامه بعد وفات رسول الله في علي مثل ذلك، وكان أول من أشهر بالقول بفرض إمامه علي، وأظهر البراءة من أعدائه وكاشف مخالفيه، وكفّرهم، ومن هنا قال من خالف الشيعة، إن أهل التشيع، والرفض، مأخوذ من اليهودية (٢).
ونقل المامقاني، إمام الجرح والتعديل، مثل هذا عن الكشي في كتابه "تنقيح المقال" (٣).
_________________
(١) فانظر مقدمة "الرجال"
(٢) "رجال الكشي" ص١٠١ ط مؤسسة الأعلمي بكربلا، عراق
(٣) "تنقيح المقال" للمامقاني، ص١٨٤ ج٢ ط طهران
[ ٢١ ]
ويقول النوبختي (١) الذي يقول فيه الرجالي الشيعي الشهير النجاشي: الحسن بن موسى أبو محمد النوبختي، المتكلم، المبرز علي نظرائه في زمانه، قبل الثلاثمائة وبعد" (٢).
وقال الطوسي: أبو محمد، متكلم، فيلسوف، وكان أماميًا (شيعيًا) حسن الاعتقاد ثقة. . . وهو من معالم العلماء (٣).
ويقول نور الله التستري: الحسن بن موسى من أكابر هذه الطائفة وعلماء هذه السلالة، وكان متكلمًا، فيلسوفًا، إمامي الاعتقاد (٤).
يقول هذا النوبختي: في كتابه "فرق الشيعة": عبد الله بن سبأ كان ممن أظهر الطعن على أبي بكر، وعمر، وعثمان، والصحابة، وتبرأ منهم، وقال إن عليًا ﵇ أمره بذلك، فأخذه علي، فسأله عن قوله هذا، فأقر به، فأمر بقتله (٥) فصاح
_________________
(١) هو أبو محمد الحسن بن موسى النوبختي من أعلام القرن الثالث للهجرة - عندهم - وورد ترجمته في جميع كتب الجرح والتعديل عند الشيعة، وكل منهم وثقة وأثنى عليه
(٢) "الفهرست للنجاشي" ص٤٧ ط الهند سنة ١٣١٧هـ
(٣) "فهرست الطوسي" ص٩٨ ط الهند ١٨٣٥م
(٤) "مجالس المؤمنين للتستري" ص١٧٧ ط إيران نقلًا عن مقدمة الكتاب
(٥) أرأيت أيها الصافي! كيف كان حب علي لأصحاب رسول الله ﷺ، ورفقائه الثلاثة - الصديق، والفاروق، وذي النورين حتى أراد أن يقتل من يطعن فيهم، أفبعد هذا مجال لقائل أن يقول: أن في الشيعة من يتحامل على بعض الصحابة ولا يرى بأسًا به بحسب اجتهاده، أيكون هذا مانعًا من التجاوب؟ " نعم يا أيها الصافي! هذا مانع من التقريب والتجاوب، فهل تتجاوبون وتتقربون إلى من يكفر عليًا (أعاذنا الله منه) وأولاده ويطعن فيهم، كن صادقًا أيها الصافي! ومن حذا حذوه، فالعدل، العدل، يا عباد الله! أنتم تكفرون معاوية ﵁ ويزيد ابنه لمخالفتهما عليًا وحسينًا ﵄، فكيف إن كان هناك تكفير وتفسيق - ولا سمح الله -
[ ٢٢ ]
الناس إليه، يا أمير المؤمنين! أتقتل رجلًا يدعو إلى حبكم، أهل البيت، وإلى ولايتكم، والبراءة من أعدائكم، فسيره (علي) إلى المدائن (عاصمة إيران آنذاك)، وحكى جماعة من أهل العلم من أصحاب علي ﵇، إن عبد الله بن سبأ كان يهوديًا فأسلم، ووالى عليًا ﵇، وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون بعد موسى ﵇ بهذه المقالة، فقال في إسلامه بعد وفاة النبي في علي ﵇ بمثل ذلك، وهو أول من أشهر القول بفرض إمامة علي ﵇، وأظهر البراءة من أعدائه، وكاشف مخالفيه، فمن هناك قال من خالف الشيعة: إن أصل الرفض مأخوذ من اليهودية: ولما بلغ عبد الله بن سبأ نعى علي بالمدائن، قال للذي نعاه: كذبت لو جئتنا بدماغه في سبعين صرة، وأقمت على قتله سبعين عدلًا، لعلمنا أنه لم يمت، ولم يقتل، ولا يموت حتى يملك الأرض" (١).
_________________
(١) "فرق الشيعة" للنوبختي ص٤٣ و٤٤ ط المطبعة الحيدرية بالنجف، عراق، سنة ١٣٧٩هـ- ١٩٥٩م
[ ٢٣ ]
وذكر مثل هذا مؤرخ شيعي في "روضة الصفا" أن عبد الله بن سبا توجه إلى مصر حينما علم أن مخالفيه (عثمان بن عفان) كثيرون هناك، فتظاهر بالعلم والتقوى، حتى افتتن الناس به، وبعد رسوخه فيهم بدأ يروج مذهبه ومسلكه، ومنه أن لكل نبي وصي وخليفة، فوصى رسول الله وخليفته ليس غلا علي، المتحلي بالعلم، والفتوى، والمتزين بالكرم، والشجاعة، والمتصف بالأمانة، والتقى، وقال: أن الأمة ظلمت عليًا، وغصبت حقه، حق الخلافة، والولاية، ويلزم الآن على الجميع مناصرته ومعاضدته، وخلع طاعة عثمان وبيعته، فتأثر كثير من المصريين بأقواله وآرائه، وخرجوا على الخليفة عثمان" (١).
فهذه هي الشهادات الشيعية أنفسهم، يشهدون بها عليهم، ويتلخص منها أشياء.
أولًا:- تكوين اليهود فئة باسم الإسلام تحت قيادة عبد الله بن سبأ، يتظاهرون بالإسلام ويبطنون الكفر، وينشرون بين المسلمين عقائد وآراء يهودية، كافرة.
ثانيًا:- دس الفتنة بين المسلمين، والتآمر على الخليفة الثالث، الراشد، الإمام المظلوم، أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، وشق عصا الطاعة له، حتى يقع الهرج والمرج،
_________________
(١) تاريخ شيعي "روضة الصفا" في اللغة الفارسية ص٢٩٢ ج٢ ط إيران
[ ٢٤ ]
فينقطع فتوحات الإسلام، وتقف راياته النيرة المشرقة، الرفرافة على بلاد الكفر، والمجوسية، واليهودية، ويتغلل سيوف المسلمين ما بينهم، ويذهب حدها حتى لا يبرق وميضها ولمعانها على رؤوس الكفرة، والملحدين.
فهذه كانت حصيلة المؤامرة، وقد حصلت فعلًا - ووا أسفا - فوقع القتال بين المسلمين، وسل السيف واستل ما بينهم، وذهب ضحيتاه، الإمام عثمان بن عفان ﵁، وعشرات الألوف من خيرة الرجال، ووقع الشقاق بين فئتين عظيمتين من المسلمين إلى ما وقع، وبقي أثره إلى يومنا هذا بعد ما انقضى عليه أكثر من ثلاثة عشر قرنًا، وانقبضت أشعة النور بعد ما انبسطت على بقاع الأرض كلها.
ثالثًا:- غرس الحقد والضغينة في قلوب الناس ضد أبي بكر، وعمر، وباقي الصحابة من العشرة والمبشّر لهم بالجنة، إلى صغيرهم وكبيرهم، حملة هذا الدين، وورثة النبي الكريم، المبلغين رسالته، والناشرين دعوته، والرافعين رايته، والمجاهدين في سبيل الله، والممدوحين في كلام الله، حتى لا يبق للمسلمين تاريخ يمجدونه، ورجال يفتخرون بهم، والمثل العليا يقتدون بهم، وقدوة يهتدون بها، فيقعون في خيار الأمة حتى ينجروا إلى الخوض في سيد الخلق، ورسول رب العالمين، محمد بن عبد الله، ويبتعدوا عن القرآن ويشكوا فيه، القرآن الذي أنزله الله على نبيه، وفيه مدح
[ ٢٥ ]
لهؤلاء، والرضاء عليهم، والمباهاة بهم.
رابعًا:- تكفير الصحابة كلهم - سوى المعدودين منهم - حتى لا يبقى الاعتماد والعمدة على شيء حيث أن أصحاب النبي الذين سمعوا من رسول الله القرآن، وحملوه منه، ورأوا رسول الله يشرحه، ويفسره، ويبينه بقوله وعمله، كانوا كفرة مرتدين، فمن ينقل ويروي القرآن وتفسيره المعنى بالسنة؟
ثم وأي إنتاج أنتجه رسول الله، وأي دعوة ورسالة أداها إلى الناس، وأي فوج دخل في دين الله حيث يقول الله ﷿: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجًا، فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابًا﴾ (١).
ومن هنا يقف الموكب الزاخر، موكب النور والرحمة إلى الكون، موكب السلام والأمن إلى الدنيا قاطبة، فهذا هو المقصود الذي أرادوه، ومن هنا جاء عدم الإيمان بالقرآن الموجود بأيدي الناس، والقول بأن القرآن المنزل على النبي هو عند المهدي المنتظر وصله بطريق الوحي، لأن "الخونة" (عياذًا بالله) من أصحاب النبي، غيروه وبدلوه، ونقصوا منه وزادوا فيه، كما سيأتي بيانه مفصلًا إن شاء الله.
وإذا لم يكن الرسالة موجودة فإلى أي شيء الدعوة، وعلى أي شيء العمل؟
_________________
(١) سورة النصر
[ ٢٦ ]
فالتوقف والانتظار إلى أن يخرج القائم الذي لن يخرج أبد الدهر.
خامسًا:- ترويج العقيدة اليهودية بين المسلمين، ألا وهي عقيدة الوصاية والولاية التي لم يأت بها القرآن ولا السنة الصحيحة، الثابتة، بل اختلقها اليهود من وصاية يوشع بن نون لموسى ونشروها بين المسلمين باسم وصاية علي لرسول الله كذبًا وزورًا، كي يتمكنوا من زرع بذور الفساد فيهم، وشب نيران الحروب والفتنة ما بينهم حتى ينقلب مساعيهم عن الجهاد في سبيل الله ضد الكفرة والمشركين من اليهود والمجوس إلى القتال بين أنفسهم، فانظر عبارة الكشي، فيقول: وكان أول من أشهر القول بفرض إمامة علي وأظهر البراءة من أعدائه.
ويقول النوبختي: إن عبد الله بن سبأ كان يهوديًا فأسلم ووالى عليًا وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون بعد موسى ﵇ بهذه المقالة، فقال في إسلامه بعد وفاة النبي بمثل ذلك.
سادسًا:- نشر الأفكار اليهودية كالرجعة، وعدم الموت، وملك الأرض، والقدرة على أشياء لا يقدر عليها أحد من الخلق، والعلم بما لا يعلم أحد، وإثبات "البداء" والنسيان لله ﷿ وغير ذلك من الخرافات والترهات.
هذا ما اقترفته اليهودية وزرعته، وعلي والطّيّبون من أهل
[ ٢٧ ]
بيته منهم براء، لأنه قد ثبت عن علي ﵁، أنه أنكر عليهم القول واستنكرهم، كما ذكره النوبختي في ما مر، ويؤيد هذا ما رواه يحيى بن حمزة الزيدي في كتابه "طوق الحمامة في مباحث الإمامة" عن سويد بن غفلة أنه قال: مررت بقوم ينتقصون أبا بكر وعمر ﵄، فأخبرت عليًا كرم الله وجهه وقلت: لولا أنهم يرون أنك تضمر ما أعلنوا، ما اجترؤوا على ذلك، منهم عبد الله بن سبأ، فقال علي ﵁: نعوذ بالله، رحمنا الله، ثم نهض وأخذ بيدي وأدخلني المسجد، فصعد المنبر ثم قبض على لحيته وهي بيضاء، فجعلت دموعه تتحادر عليها، وجعل ينظر للقاع حتى اجتمع الناس، ثم خطبفقال: ما بال أقوام يذكرون أخوي رسول الله ووزيريه، وصاحبيه وسيدي قريش، وأبوي المسلمين، وأنا بريء مما يذكرون، وعليه معاقب، صحبا رسول الله بالحب، والوفاء، والجد في أمر الله، يأمران وينهيان، ويغضبان ويعاقبان، ولا يرى رسول الله كرأيهما رأيًا، ولا يحب كحبهما حبًا، لما يرى من عزمهما في أمر الله، فقبض وهو منهما راض، والمسلمون راضون، فما تجاوزا في أمرهما وسيرتهما رأيه وأمره في حياته وبعد موته، فقبضا على ذلك رحمهما الله، فوالذي فلق الحبة وبرا النسمة لا يحبهما إلا مؤمن فاضل، ولا يبغضهما إلا شقي مارق، وحبهما قربة وبغضهما مروق "- وفي رواية - لعن الله من أضمر لهما إلا الحسن
[ ٢٨ ]
الجميل" (١).
ومثل هذا روى في الصحاح الستة عندنا، ونهج البلاغة وغيره عندهم.
وأما دين الإمامية ومذهب الإثنى عشرية ليس إلا مبنيًا على تلك الأسس التي وضعتها اليهودية الأثيمة بوساطة عبد الله بن سبأ الصنعاني، اليمني، الشهير بابن السوداء _والسوداء أمه) مع إنكارهم انتسابهم إلى اليهودية، وابن السوداء هذا - لكنه مجرد الإنكار فحسب لا غيره، لأن إنكارهم وحده لا يكفي لتبرئتهم عن هذه الفصيلة، وخروجهم عن هذه الشرذمة، الطاغية، الباغية، إلا أن يثبتوا مخالفتهم ومعارضتهم للأفكار التي دسوها، والعقائد التي بثوها في الإسلام والمسلمين.
ولكن حينما نرى بعين التفصح والتبصر لا نجد القوم إلا وهم يمتضغون اللقمة التي رماها إليهم هؤلاء المنافقون، المتظاهرون بالإسلام، والمبطنون أشد الكفر والعنه، فلنضع النقاط على الحروف، ولنأخذ أولًا فأولًا.
عبد الله بن سبأ
أولًا نحن قلنا أن عبد الله بن سبأ كان يهوديًا متظاهرًا بالإسلام منافقًا وقد ذكرنا النصوص على ذلك من الكشي والنوبختي وغيرهما، فلا يحتاج إلى إثبات ذلك أكثر مما ذكرنا، ولكن
_________________
(١) "طوق الحمامة في مباحث الإمامة" نقلًا عن مختصر التحفة للشيخ محمود الألوسي ص١٦ ط مصر ١٣٨٧هـ
[ ٢٩ ]
إتمامًا للفائدة وزيادة للعلم نذكر بعض ما ذكره الكشي أيضًا عن زين العابدين علي بن الحسين - الإمام الرابع المعصوم عندهم - أنه قال: لعن الله من كذب علينا، أني ذكرت عبد الله بن سبأ فقامت كل شعرة في جسدي، لقد ادعى أمرًا عظيمًا ما له لعنه الله، كان علي ﵇ والله عبد الله صالحًا أخًا رسول الله، ما نال الكرامة من الله إلا بطاعته لله ولرسوله، وما نال رسول الله صلى الله عليه وآله الكرامة من الله إلا بطاعته لله" (١).
ويذكر الكشي أيضًا رواية عن عبد الله بن سنان قال قال أبو عبد الله (جعفر) ﵇: أنا أهل بيت صديقون لا نخلو من كذاب يكذب علينا ويسقط صدقنا بكذبه علينا عند الناس، كان رسول الله صلى الله عليه وآله أصدق الناس لهجة وأصدق البرية كلها، وكان مسيلمة يكذب عليه وكان أمير المؤمنين ﵇ أصدق من برءا لله بعد رسول الله وكان الذي يكذب عليه ويعمل في تكذيب صدقه، ويفتري على الله الكذب عبد الله بن سبأ" (٢).
وذكر الطبري في تاريخه "أن عبد الله بن سبأ لما ورد الشام لقي أبا ذر وحرضه على معاوية بقوله: أن معاوية يقول: المال مال الله، ألا إن كل شيء لله، ويريد به اجتماعه وادخاره دون المسلمين، ثم أتى عبد الله هذا أبا الدرداء فقال له أبو الدرداء:
_________________
(١) "رجال الكشي" ص١٠٠
(٢) "رجال الكشي" ص١٠١
[ ٣٠ ]
من أنت؟ أظنك والله يهوديًا" (١).
سعيه بالفتنه والفساد
ثانيًا:- أجمع المؤرخون قاطبة، شيعة كانوا أم أهل السنة، أن الذي أضرم نار الفتنة والفساد، ومشى بين المدن والقرى بالتحريض والإغراء على أمير المؤمنين، وخليفة المسلمين عثمان بن عفان، ذي النورين ﵁، كان هذا اللعين وشرذمته اليهودية، وهم الذين أوقدوا نار العصيان، وأشعلوها كلما خمدت نيرانها، وكان يتجول من بلدة إلى بلدة، ويتنقل من قرية إلى قرية، فها هو الطبري وغيره من المؤرخين يذكرون تنقله من المدينة إلى مصر وإلى البصرة، فنزوله على حكيم بن جبلة، ثم إخراجه عنها ووروده في الكوفة، وإتيانه الفسطاط ينفث فيهم سمومه، ويوقعهم في حبائل الفتنة" (٢).
فهذا هو نجل اليهودي الذي يمشي ويجري بين المسلمين بالإفساد والانتشار والافتراق، ويمزق وحدة المسلمين، ويفرق جمعهم وراء ستار التشيع لعلي ﵁، ويشتت شملهم حسب خطة خططها هو واليهود من ورائه.
_________________
(١) "تاريخ الملوك والأمم" للطبري ص٩٠ ج٥ ط مصر
(٢) انظر تاريخ الطبري ص٦٦ ج٥ ط مصر، وذكر هذه الوقائع غيره من المؤرخين
[ ٣١ ]
الطعن في أصحاب النبي ﷺ
ثالثًا:- ذكر النوبختي أن عبد الله بن سبأ كان أول من أظهر الطعن في أبي بكر وعمر وعثمان، صهر رسول الله وأرحامه ومن اليوم إلى يومنا هذا تناول الشيعة بهذه العقيدة وتمسكوا بها، والتفوا حولها، فليس بشيعي الذي لا يبغض خلفاء رسول الله الثلاثة، ووزرائه، ومحبيه، ولا يطعن فيهم.
أبي بكر
فهذا هو الكشي كبيرهم في الجرح والتعديل يذكر عقيدة الشيعة في الصديق الذي سماه رسول الله الصديق، فيروي عن حمزة بن محمد الطيار أنه قال: ذكرنا محمد بن أبي بكر عند أبي عبد الله "ع" فقال أبو عبد الله ﵇: ﵀ وصلى عليه، قال (محمد بن أبي بكر) لأمير المؤمنين (علي) ﵇ يومًا من الأيام، أبسط يدك أبايعك، فقال: أو ما فعلت؟ قال: بلى، فبسط يده فقال: أشهدك أنك إمام مفترض طاعتك، وإن أبي في النار (معاذ الله) فقال أبو عبد الله "ع" كان النجابة فيه من قبل أمه، أسماء بنت عميس رحمة الله عليها لا من قبل أبيه" (١).
فهذا عن جعفر وأما عن أبيه الباقر، فيروي الكشي أيضًا عنه، عن زرارة بن أعين عن أبي جعفر "ع" أن محمد بن أبي بكر بايع عليًا ﵇ على البراءة من أبيه" (٢).
_________________
(١) "رجال الكشي" ص٦٠ و٦١
(٢) "رجال الكشي" ص٦١
[ ٣٢ ]
وعن شعيب عن أبي عبد الله "ع" قال: سمعت ما من أهل بيت إلا وفيهم نجيب من أنفسهم، وأنجب النجباء من أهل بيت سوء محمد بن أبي بكر" (١).
فانظر الحقد اليهودي والضغينة اليهودية كيف تتدفق من عباراتهم المكذوبة على أولاد علي، وعلى محمد بن أبي بكر، ولكنها تعطي فكرة عما تكتمه الصدور الخبيثة، المنطوية على الكفر.
الفاروق الأعظم
وإليك ما تكنه الشيعة لرجل الإسلام وعبقريته الذي قال فيه الرسول ﵊: "لم أر عبقريًا يفري فريه، حتى روى الناس وضربوا بعطن" (٢).
يقولون فيه: أن سلمان الفارسي خطب إلى عمر، فرده ثم ندم، فعاد إليه (سلمان) فقال (سلمان) إنما أردت أن أعلم ذهبت حمية الجاهلية عن قلبك أم هي كما هي" (٣).
ويروي الكشي أيضًا عن هشام بن أبي عبد الله ﵇ "كان صهيب عبد سوء يبكي على عمر" (٤).
_________________
(١) أيضًا ص٦١ تحت ترجمة محمد بن أبي بكر
(٢) متفق عليه
(٣) "رجال الكشي" ص٢٠ ترجمة سلمان الفارسي
(٤) "رجال الكشي" ص٤٠ ترجمة بلال وصهيب
[ ٣٣ ]
وعن أبيه الباقر أنه قال: "بايع محمد بن أبي بكر على البراءة من الثاني" (١).
ويكذب ابن بابويه القمي الشيعي على الفاروق ويقول: قال عمر حين حضره الموت: "أتوب إلى الله من ثلاث، اغتصابي هذا الأمر أنا وأبي بكر من دون الناس، واستخلافه عليهم، وتفضيل المسلمين بعضهم على بعض" (٢).
ويسب علي بن إبراهيم القمي الذي هو "ثقة في الحديث ثبت، معتمد، صحيح المذهب" - عندهم - في تفسيره (٣).
تحت قول الله ﷿: يوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلًا "عن أبي حمزة الثمالى عن أبي جعفر "ع" قال: يبعث الله يوم القيام قومًا بين أيديهم نور كالقباطي، ثم يقال له كن هبأ منثورًا، ثم قال: أما والله يا أبا حمزة كانوا ليعرفون ويعلمون ولكن كانوا إذا عرض لهم شيء من الحرام أخذوه وإذا عرض لهم شيء من فضل أمير المؤمنين أنكروه - وقوله يوم يعض الظالم على يديه، قال، (أبو جعفر)
_________________
(١) رجال الكشي ص٦١
(٢) "كتاب الخصال" لابن بابويه القمي ص٨١ ط طهران
(٣) الذي قالوا فيه: هو من أقدم التفاسير التي كشفت القناع عن الآيات النازلة في أهل البيت، وإن هذا التفسير أصل أصول التفاسير الكثيرة وأنه في الحقيقة تفسير الصادقين (جعفر والباقر)، وإن مؤلفه كان في زمن الإمام العسكري و. . والخ - انظر مقدمة التفسير ص١٩
[ ٣٤ ]
الأول (يعني به أبا بكر) يقول: "يا ليتني اتخذت مع الرسول عليًا وليًا - يا ليتني لم أتخذ فلانًا خليلًا - يعني الثاني (عمر) " (١).
وروى تحت قوله: "وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا "عن أبي عبد الله "ع" قال: ما بعث نبيًا إلا وفي أمته شيطانان يؤذيانه ويضلان الناس بعده، فأما صاحبا نوح. . . وأما صاحبا محمد فجبتر وزريق" (٢).
وقد فسر "الجبتر" والزريق لعينهم الهندي الملا مقبول بقوله "روى أن الزريق مصغر لأزرق، والجبتر معناه الثعلب، فالمراد من الأول، الأول (أبو بكر) لأنه كان زرقاء العيون، والمراد من الثاني، الثاني (عمر) كناية عن دهائه ومكره" (٣).
ويذكر القمي أيضًا عن جعفر "أن رسول الله صلى الله عليه وآله أصابه خصاصة فجاء إلى رجل من الأنصار، فقال له: هل عندك من طعام؟ فقال نعم يا رسول الله، وذبح له عناقًا وشواه فلما أدناه منه تمنى رسول الله صلى الله عليه وآله أن يكون معه علي، وفاطمة، والحسن، والحسين ﵈، فجاء منافقان ثم جاء علي بعدهما، فأنزل الله في ذلك ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث - زيادة من الملعونين - إلا إذا
_________________
(١) تفسير القمي ص١١٣ ج٢ ط طبعة النجف عراق، ١٣٨٦هـ
(٢) أيضًا ص ٢١٤ ج١
(٣) مقبول قرآن الشيعي في الأردية ص٢٨١ ط الهند
[ ٣٥ ]
تمنى ألقى الشيطان في أمنيته، يعني منافقين - فينسخ الله ما يلقى الشيطان - يعني لما جاء علي بعدهما" (١).
ويذكر القمي هذا أيضًا تحت قوله تعالى: فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم، يعني نقض عهد أمير المؤمنين، وجعلنا قلوبهم قاسية، يحرفون الكلم عن مواضعه قال: من نحى أمير المؤمنين عن موضعه، والدليل على ذلك أن الكلمة أمير المؤمنين "ع" قوله "وجعلها كلمة باقية - يعني به الإمامة" (٢).
ويذكر تحت قوله: ﴿ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم﴾ قال: يحملون آثامهم يعني الذين غضبوا أمير المؤمنين وآثام كل من اقتدى بهم، وهو قول الصادق (جعفر): والله ما أهريقت من دم ولا قرع عصا بعصا، ولا غصب فرج حرام، ولا أخذ من غير علم إلا ووزر ذلك في أعناقهما من غير أن ينقص من أوزار العاملين بشيء - وقال علي - فاقسم ثم اقسم ليحملنها بنو أمية من بعدي، وليعرفنها في دار غيرهم عما قليل. . . وعلى البادي، الأول (أبو بكر) ما سهل لهم من سبيل الخطايا مثل أوزار كل من عمل بوزرهم إلى يوم القيامة" (٣).
ويروي الكشي عن الورد بن زيد قال: قلت لأبي جعفر
_________________
(١) "تفسير القمي" ص٨٦ ج٢
(٢) تفسير القمي ص١٦٤ ج١
(٣) تفسير القمي ص٣٨٣ و٣٨٤ ج١
[ ٣٦ ]
"ع" جعلني الله فداك، قدم الكميت، فقال: أدخله، فسأله الكميت عن الشيخين، فقال له أبو جعفر "ع" ما أهريق دم ولا حكم بحكم غير موافق لحكم الله، وحكم رسوله صلى الله عليه وآله، وحكم علي، إلا وهو في أعناقهما، فقال الكميت، الله أكبر حسبي، حسبي" (١).
وفي رواية أخرى عن داود بن النعمان قال (الباقر) يا كميت بن زيد! ما أهريق في الإسلام محجة من دم، ولا اكتسب مال من غير حله، ولا نكح فرج حرام، إلا وذلك في أعناقهما إلى يوم يقوم قائمنا، ونحن معاشر بني هاشم نأمر كبارنا وصغارنا بسبهما والبراءة منهما" (٢).
عثمان بن عفان
وأما صاحب الجود والحياء، صهر رسول الله وزوج ابنتيه، عثمان بن عفان، ذو النورين ﵁، فيعتقد فيه الشيعة طبق ما أملت عليهم اليهودية اللئيمة، فيروي الكشي عن أبي عبد الله "ع" قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي وعمار يعملون مسجدًا، فمر عثمان في بزة له يخطر، فقال له أمير المؤمنين "ع" ارجز به فقال عمار:
لا يستوي من يعمر المساجدا
يظل فيها راكعًا وساجدا
_________________
(١) "رجال الكشي" ص١٧٩ و١٨٠
(٢) "رجال الشكي" ص١٨٠ تحت ترجمة الكميت بن زيد الأسدي
[ ٣٧ ]
ومن تراه عاندًا معاندا
عن الغبار لا يزال حائدًا
قال: فأتى النبي صلى الله عليه وآله فقال: ما أسلمنا لتشتم أعراضنا وأنفسنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أفتحب أن يقال بذلك، فنزلت آيتان ﴿يمنون عليك أن أسلموا﴾ الآية، ثم قال النبي صلى الله عليه وآله لعلي "ع" اكتب هذا في صاحبك" (١).
وأيضًا عن صالح الحذاء قال: لما أمر النبي صلى الله عليه وآله ببناء المسجد، قسم عليهم المواضع وضم إلى كل رجل رجلًا، فضم عمارًا إلى علي ﵇، قال: فبينا هم في علاج البناء إذ خرج عثمان من داره وارتفع الغبار فتمتع بثوبه، وأعرض بوجهه، قال: فقال علي ﵇ لعمار: إذا قلت شيا فرد علي، فقال علي ﵇:
لا يستوي من يعمر المساجدا
يظل فيها راكعًا وساجدا
كمن يرى عن الطريق حائدا
قال: فأجابه عمار كما قال، فغضب عثمان من ذلك فلم يستطع أن يقول لعلي شيًا، فقال لعمار: يا عبد، يا لكع، فقال
_________________
(١) "رجال الكشي" ص٣٣ و٣٤
[ ٣٨ ]
علي ﵇ لعمار: أرضيت بما قال لك: ألا نأتي النبي صلى الله عليه وآله فتخبره، قال: فأتاه فأخبره، فقال: يا نبي الله إن عثمان قال لي يا عبد - يا لكع، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: من يعلم ذلك؟ فقال علي: قال: فدعاه وسأله، فقال له كما قال عمار، فقال لعلي "ع" اذهب فقل له حيث ما كان، يا عبد، يا لكع، أنت القائل لعمار يا عبد، يا لكع، فذهب علي "ع" فقال له ذلك فانصرف" (١).
ويذكر القمي تحت قوله تعالى: "يوم تبيض وجوه وتسود وجوه" رواية مكذوبة على النبي، المحب لأصحابه، وخاصة رفقائه الثلاثة، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يرد على أمتي يوم القيامة على خمس رايات، فراية مع عجل هذه الأمة فأسألهم ما فعلتم بالثقلين من بعدي، فيقولون أما الأكبر فحرفناه ونبذناه وراء ظهورنا، وأما الأصغر فعاديناه وأبغضناه وظلمناه، فأقول ردوا النار ظمآء مظمئين مسودة وجوهكم، ثم ترد على راية فرعون هذه الأمة، فأقول لهم ما فعلتم بالثقلين من بعدي فيقولون أما الأكبر فحرفناه ومزقناه وخالفناه، وأما الأصغر فعاديناه وقاتلناه، فأقول ردوا النار - ظمآء مظمئين مسودة وجوهكم، ثم ترد على راية مع سامري هذه الأمة فأقول لهم ما فعلتم بالثقلين من بعدي، فيقولون أما الأكبر فعصيناه وتركناه، وأما الأصغر
_________________
(١) "رجال الكشي" ص٣٤
[ ٣٩ ]
فخذلناه وضيعناه، فأقول ردوا النار ظمآء مظمئين مسودة وجوهكم، ثم ترد على راية ذي الثلمة مع أول الخوارج وآخرهم فأسألهم ما فعلتم بالثقلين من بعدي، فيقولون أما الأكبر ففرقناه وبرئنا منه وأما الأصغر فقاتلناه وقتلناه، فأقول ردوا النار ظمآء مظمئين مسودة وجوهكم، ثم ترد على راية مع إمام المتقين وسيد المسلمين، وقائد الغر المحجلين، ووصى رسول رب العالمين، فأقول لهم ما فعلتم بالثقلين من بعدي، فيقولون أما الأكبر فاتبعناه وأطعناه وأما الأصغر فأحببناه وواليناه ووازرناه ونصرناه حتى أهرقت فيهم دماؤنا، فأقول ردوا الجنة رواء مرويين ميبضة وجوهكم ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وآله ﴿يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون، وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون﴾ " (١).
أرأيت خبث القوم وقبحهم كيف يسبون أصحاب رسول الله، ويغيرون أسمائهم، ويطعنون فيهم، ويكذبون على النبي ﵇.
ويذكر الكشي أن جعفرًا أنشد شعرًا:
فالناس يوم البعث راياتهم خمس فمنها هالك أربع
قائدها العجل وفرعونها وسامري الأمة المفظع
_________________
(١) "تفسير القمي" ص١٠٩ ج١
[ ٤٠ ]
وراية قائدها حيدر كالشمس إذا تطلع
ومخدع عن دينه مارق جد عبد لكع أوكع
قال (جعفر) من قال هذا الشعر؟ قلت (الراوي): السيد محمد الحميري، فقال ﵀، قلت: أني رأيته يشرب نبيذ الرستاق، قال تعني الخمر؟ قلت نعم، قال ﵀ وما ذلك على الله أن يغفر لمحب علي" (١).
ويذكر الكليني كبير محدثيهم وإمامهم الذي يعد كتابه "الكافي" من الأصول الأربعة - عندهم -، عن علي ﵁ أنه قال:
"قد عملت الولاة قبلي أعمالًا خالفوا فيها رسول الله، متعمدين لخلافه، ناقضين لعهده، مغيرين لسنته" (٢).
وروى الكليني أيضًا عن أبي عبد الله ﵇ في قوله ﷿: ﴿إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرًا لن تقبل توبتهم﴾، قال: نزلت في فلان وفلان آمنوا بالنبي صلى الله عليه وآله في أول الأمر وكفروا حيث عرضت عليهم - الولاية - حين قال النبي صلى الله عليه وآله: من كنت مولاه فعلى مولاه، ثم آمنوا بالبيعة لأمير المؤمنين ﵇ ثم كفروا حيث مضى رسول الله صلى الله عليه وآله
_________________
(١) "رجال الكشي" ص١٤٢ و١٤٣
(٢) "كتاب الروضة للكليني" ص٥٩ ص إيران
[ ٤١ ]
فلم يقروا بالبيعة، ثم ازدادوا كفرًا بأخذهم نم بايعه بالبيعة لهم فهؤلاء لم يبق فيهم من الإيمان شيء" (١).
وبين شارح الكافي "أن المراد من فلان وفلان أبو بكر وعمر وعثمان" (٢).
بقية أصحاب النبي ﵇ وأزواجه أمهات المؤمنين
ولم يكتف الشيعة بالطعن والتعريض في وزراء رسول الله ﷺ ورحمائه بل تطرق الملاعنة إلى أعراض آل النبي ورفقته الكبار، خاصة الذين هاجروا في سبيل الله وجاهدوا في الله حق جهاده، ونشروا دينه الذي ارتضى لهم، ناقمين وحاسدين جهودهم المشكورة.
عم النبي وأولاده
فها هم يسبون وحتى عم النبي الكريم الذين جعله صنو أبيه.
فيذكر الكشي عن محمد الباقر أنه قال: "أتى رجل إلى أبي (زين العابدين) فقال: أن فلانًا يعني عبد الله بن عباس - يزعم أنه يعلم كل آية نزلت في القرآن، في أي يوم نزلت وفيم نزلت، قال: (زين العابدين) فاسأله فيمن نزلت ﴿ومن كان في هذه أعمى
_________________
(١) "الكافي في الأصول" كتاب الحجة ص٤٢٠ ج١ ط إيران
(٢) "الصافي شرح الكافي" في اللغة الفارسية ط إيران
[ ٤٢ ]
فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلًا﴾ وفيم نزلت ﴿ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم﴾ وفيم نزلت ﴿يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا﴾ فأتاه الرجل وقال وددت الذي أمرك بهذا واجهني به فأسأله، ولكنه سله ما العرش ومتى خلق وكيف هو؟ فانصرف الرجل إلى أبي فقال له ما قال، فقال (زين العابدين) وهل أجابك في الآيات، قال لا، قال ولكني أجيبك فيها بنور وعلم غير المدعى والمنتحل، أما الأوليان فنزلتا في أبيه (العباس عم النبي) وأما الآخرة فنزلت في أبي وفينا" (١).
ويذكر الكشي عن زين العابدين أيضًا أنه قال لابن العباس: "فأما أنت يا بن عباس ففيمن نزلت هذه الآية ﴿فلبئس المولى ولبئس العشير﴾ في أبي أوفى أبيك، ثم قال: أما والله لولا ما تعلم لأعلمتك عاقبة أمرك ما هو وستعلمه. . . . ولو أذن لي في القول لقلت ما لو سمع عامة هذا الخلق لجحدوه وأنكروه" (٢).
ويروي الملا باقر عن الكليني عن محمد الباقر أنه قال: قال علي ﵁: "ومن كان بقي من بني هاشم إنما كان جعفر وحمزة، فمضيا وبقي معه رجلان، ضعيفان، ذليلان، حديثا عهد بالإسلام عباس وعقيل" (٣).
هذا ما قالوا في عم النبي، وأما ابنه عبد الله ابن عباس،
_________________
(١) "رجال الكشي" ص٥٣ تحت ترجمة عبد الله بن عباس
(٢) "رجال الكشي" ص٥٤
(٣) "حياة القلوب" للملا باقر المجاسي ص ٧٥٦ ج٢ ط الهند
[ ٤٣ ]
حبر الأمة، وترجمان القرآن، وصاحب رسول الله ﷺ، فاتهموه بتهمة الخيانة فقالوا: استعمل على صلوات الله عليه على البصرة عبد الله بن عباس، فحمل كل مال في بيت المال بالبصرة ولحق بمكة وترك عليًا ﵇، فكان مبلغه ألفي ألف درهم، فصعد على المنبر حين بلغه فبكى فقال: هذا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وأنه في علمه وقدره يفعل مثل هذا فكيف يؤمن من كان دونه، اللهم إني قد مللتهم فأرحني منهم واقبضني إليك غير عاجز ولا ملول" (١).
وبوب الكشي هذا، بابًا مستقلًا باسم دعاء علي على عبد الله وعبيد الله ابني عباس، ثم يروي عقيدته بهذه الرواية الكاذبة "عن أبي جعفر ﵇ قال: قال أمير المؤمنين (علي) ﵇: اللهم العن ابني فلان - يعني عبد الله وعبيد الله ابني عباس - واعم أبصارهم كما أعميت قلوبهما الأجلين في رقبتي واجعل عمى أبصارهما دليلًا على قلوبهما" (٢).
ومقل هذه الروايات الكاذبة الخبيثة كثيرة عندهم في الكافي "وفي تفسيرهم" القمي "والعياشي" والصافي.
خالد بن الوليد
وطعنوا في سيف الله الخالد، خالد بن الوليد ﵁،
_________________
(١) "رجال الكشي" ص٥٧ و٥٨
(٢) "رجال الكشي" ص٥٢
[ ٤٤ ]
فارس الإسلام وقائد جيوشه الظافرة المباركة، طعنوا فيه، فيذكر القمي وغيره "أن خالدًا ما هجم على مالك بن النويره إلا للتزوج من زوجه مالك".
وحكوا أيضًا قصة باطلة مختلقة، فيذكرها القمي: وقع الخلاف بين أبي بكر ولعي وتشاجرا، فرجع أبو بكر إلى منزله "وبعث إلى عمر فدعاه ثم قال: أما رأيت مجلس علي منا اليوم والله لأن قعد مقعدًا مثله ليفسدن أمرنا فما الرأي؟ قال عمر: الرأي أن نأمر بقتله، قال: فمن يقتله؟ قال خالد بن الوليد فبعثا إلى خالد فأتاهما فقالا نريد أن نحملك على أمر عظيم، قال حملاني ما شئتما ولو قتل علي بن أبي طالب، قالا فهو ذاك، فقال خالد متى أقتله؟ قال أبو بكر إذا حضر المسجد فقم بجنبه في الصلاة فإذا أنا سلمت فقم إليه واضرب عنقه، قال: نعم، فسمعت أسماء بنت عميس ذلك وكانت تحت أبي بكر، فقالت لجاريتها اذهبي إلى منزل علي وفاطمة، فاقرئيهما السلام، وقولي لعلي إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين، فجاءت الجارية إليهما فقالت لعلي ﵇: إن أسماء بنت عميس تقرأ عليكما السلام وتقول إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين، فقال علي ﵇: قولي لها إن الله يحيل بينهم وبين ما يريدون.
ثم قام وتهيأ للصلاة وحضر المسجد ووقف خلف أبي بكر وصلى لنفسه وخالد بن الوليد إلى جنبه ومعه السيف، فلما جلس
[ ٤٥ ]
أبو بكر في التشهد ندم على ما قال وخاف الفتنة وشدة علي وبأسه، فلم يزل متفكرًا لا يجسر أن يسلم حتى ظن الناس أنه قد سها، ثم التفت إلى خالد فقال يا خالد لا تفعل ما أمرتك به السلام عليكم ورحمته وبركاته، فقال أمير المؤمنين ﵇: يا خالد ما الذي أمرك به؟ قال أمرني بضرب عنقك، قال وكنت تفعل؟ قال أي والله لولا أنه قال لي لا تفعل لقتلتك بعد التسليم، قال فأخذه علي فضرب به الأرض واجتمع الناس عليه فقال عمر يقتله ورب الكعبة، فقال الناس - يا أبا الحسن الله الله بحق صاحب هذا القبر فخلى عنه، قال فالتفت إلى عمر وأخذ بتلابيبه وقال يا فلان لولا عهد من رسول الله صلى الله عليه وآله وكتاب من الله سبق لعلمت أينا أضعف ناصرًا وأقل عددًا ثم دخل منزله" (١).
عبد الله بن عمر ومحمد بن مسلمة
وعبد الله بن عمر ومحمد بن مسلمة ﵄ قالوا فيهما: "محمد بن مسلمة وابن عمر مات منكوثًا" (٢).
طلحة والزبير
وطلحة صاحب رسول الله من العشرة المبشرة لهم بالجنة الذي قال فيه رسول الله يوم أحد: أوجب طلحة - الجنة" (٣).
_________________
(١) "تفسير القمي" ص١٥٨ و١٥٩ ج٢
(٢) "رجال الكشي" ص٤١
(٣) رواه الترمذي وأحمد في مسنده
[ ٤٦ ]
والزبير الذي هو من العشرة أيضًا والذي قال فيه النبي الصادق الناطق بالوحي: "إن لكل نبي حواريًا وحواري الزبير" (١).
روى القمي في هذين العظيمين "أن أبا جعفر (الباقر) قال: نزلت هذه الآية في طلحة والزبير، والجمل جملهم ﴿إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط" (٢).
أنس بن مالك والبراء بن عازب
وأما أنس بن مالك والبراء بن عازب ﵄ فقالوا فيهما: أن عليًا قال لهما: ما منعكما أن تقوما فتشهدا، فقد سمعتما ما سمع القوم ثم قال: اللهم إن كانا كتمهما معاندة فابتلهما، فعمى البراء بن عازب وبرص قدما أنس بن مالك" (٣).
أزواج النبي ﵇
والخبث لم ينته بعد، واللوم لم يبلغ مداه، حتى تطرقوا إلى أمل بيت النبي، ورووا هذه الرواية الخبيثة، الباطلة، متعرضين للصديقة بنت الصديق، أم المؤمنين عائشة الطاهرة ﵂، فقال الكشي: لما هزم علي بن أبي طالب صلوات الله عليه أصحاب الجمل بعث أمير المؤمنين ﵇ عبد الله بن عباس إلى عائشة
_________________
(١) متفق عليه
(٢) "تفسير القمي" ص٢٣٠ ج١
(٣) "رجال الكشي" ص٤٦
[ ٤٧ ]
يأمرها بتعجيل الرحيل وقلة العرجة، قال ابن عباس: فأتيتها وهي في قصر بني خلف في جانب البصرة، قال فطلبت الإذن عليها فلم تأذن، فدخلت عليها من غير إذنها، فإذا بيت فقار لم يعد لي فيه مجلس، فإذا هي من وراء سترين، قال فضربت ببصري فإذا في جانب البيت رحل عليه طنفسة، قال: فمددت الطنفسة فجلست عليها فقالت من وراء الستر: يا ابن عباس أخطأت السنة - دخلت بيتنا بغير إذننا وجلست على متاعنا بغير إذننا - فقال لها ابن عباس: نحن أولى بالسنة منك ونحن علمناك السنة، وإنما بيتك، الذي خلفك فيه رسول الله صلى الله عليه وآله، فخرجت منه ظالمة لنفسك، غاشية لدينك، عاتبة على ربك، عاصية لرسول الله صلى الله عليه وآله، فإذا رجعت إلى بيتك لم ندخله إلا بإذنك ولم نجلس على متاعك إلا بأمرك. . . إلى أن قال. . . وما أنت إلا حشية من تسع حشايا خلفهن بعده، لست بأبيضهن لونًا ولا بأحسنهن وجهًا ولا بأرشحهن عرقًا ولا بأنضرهن ورقًا ولا بأطرأهن أصلًا. . . . . قال (ابن عباس): ثم نهضت وأتيت أمير المؤمنين ﵇ فأخبرته بمقالتها وما رددت عليها فقال (علي): أنا كنت أعلم بك حيث بعثتك" (١).
فهل رأيت الخبث أكبر من هذا ولكن القوم بلغوا في الخبث ما لم يبلغه الآخرون، فيروي واحد من صناديدهم - الطبرسي
_________________
(١) "رجال الكشي" ص٥٥ و٥٦ و٥٧
[ ٤٨ ]
في كتابه عن الباقر أنه قال: لما كان يوم الجمل وقد رشق هودج عائشة بالنبل، قال أمير المؤمنين (علي) ﵇: والله ما أراني إلا مطلقها، فأنشد الله رجلًا سمع من رسول الله يقول: يا علي أمر نسائي بيدك من بعدي (عياذًا بالله) ولما قام فشهد، فقام ثلاثة عشر رجلًا، فيهم بدريان، فشهدوا أنهم سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وآله يقول لعلي بن أبي طالب، يا علي أمر نسائي بيدك من بعدي، قال فبكت عائشة عند ذلك حتى سمعوا بكائها" (١).
تفكير الصحابة عامة
فهذه هي عقيدة القوم من أولهم إلى آخرهم كما رسمها اليهود لهم حتى صار دينهم الذي يدينون به، دين الشتائم والسباب ولكنهم لم يكتفوا بالسباب والشتائم على عدد كبير من أصحاب رسول الله بل هوت بهم هاوية حتى كفّروا جميع أصحاب رسول الله ﵇ إلا النادر منهم، فهذا هو الكشي أحد صناديدهم يروي عن أبي جعفر أنه قال: كان الناس أهل الردة بعد النبي إلا ثلاثة، فقلت ومن الثلاثة؟ فقال: المقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي،. . . وذلك قول الله ﷿ ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم﴾ (٢).
_________________
(١) "الاجتجاج للطبرسي" ص٨٢ ط إيران ١٣٠٢هـ
(٢) "رجال لاكشي" ص١٢ و١٣
[ ٤٩ ]
ويروى عن أبي جعفر أيضًا أنه قال: المهاجرون والأنصار ذهبوا إلا وأشار بيده - إلا ثلاثة" (١).
ويروى عن موسى بن جعفر - الإمام المعصوم السابع عندهم - أنه قال: إذا كان يوم القيامة نادى مناد أين حواري محمد بن عبد الله - رسول الله الذي لم ينقضوا عليه؟ فيقوم سلمان، والمقداد، وأبو ذر" (٢).
والعجب كل العجب أين ذهب علي والحسن والحسين وبقية أهل البيت، وعمار، وحذيفة، وعمرو بن الحمق وغيرهم.
فانظر ماذا تريد اليهودية من وراء ذلك.
وهذا مع أن عليًا ﵁ لم يكفر حتى ومن حاربه من أهل الشام وغيرهم، فقد قال صراحة في "كتابه إلى أهل الأمصار يقص فيه ما جرى بينه ويبن أهل الصفين"، الذي رواه إمام الشيعة محمد الرضى في "نهج الباغة" وكان بدء أمرنا أنا التقينا القوم من أهل الشام، والظاهر أن ربنا واحد، ودعوتنا في الإسلام واحدة، ولا نستزيدهم في الإيمان بالله، والتصديق برسوله، ولا يستزيدوننا، الأمر واحد إلا ما اختلفنا في دم عثمان، ونحن منه براء" (٣).
وأنكر على من يسب معاوية ﵁ وعساكره، فقال
_________________
(١) "رجلا الكشي" ص١٣
(٢) "رجال الكشي" ص١٥
(٣) "نهج البلاغة" ص٤٤٨ ط بيروت
[ ٥٠ ]
وقد رواه الرضي أيضًا: أني أكره لكم أن تكونوا سبابين ولكنكم لو وصفتم أعمالهم وذكرتم حالهم، كان أصوب في القول، وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبكم إياهم، اللهم احقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم. ." (١).
فابن علي من ربيبة اليهود الشاتمين أعاظم أصحاب رسول الله اللعانين، المكفرين، الخبثاء، قاتلهم الله أنى يؤفكون.
الصحابة عند السنة
ذاك ما يعتقده الشيعة في كبار أصحاب رسول الله الذين بلغوا رسالة إلى الكون، وحملوها على أكتافهم وأدوها كما سمعوا، وقد فتح الله بهم بلاد الروم والشام، وبلاد هؤلاء الملاعنة، الخبثاء، بلاد يمن، وفارس، ولولاهم لما كان للإسلام دولة وسلطنة كما كانت وصارت، وكانوا مصداق قول الله ﷿: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنًا﴾ (٢).
وقال رسول الله ﵇ فيهم: لا تسبوا أصحابي فلو أن أحكم أنفق مثل أحذ ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" (٣).
وقال ﵇: النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم
_________________
(١) "نهج البلاغة" ص٣٢٣
(٢) سورة النور الآية ٥٥
(٣) متفق عليه
[ ٥١ ]
أتى المساء ما يوعد، وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أنا أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون" (١).
وبين ﵇ فضلهم وشرفهم حيث قال: ما من أحد من أصحابي يموت بأرض إلا بعث قائدًا ونورًا لهم يوم القيامة" (٢).
وقال: "إذا رأيتم الذين يسبون أصحابي فقولوا لعنة الله على شركم" (٣).
وقال ﵇ في أبي بكر ﵁: "إن من أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر" (٤).
وقال ﷺ في عمر ﵁: "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه" (٥).
وقال فيهما: "أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين" (٦).
وقال ﵇ في عثمان ﵁: "لكل نبي
_________________
(١) رواه مسلم
(٢) رواه الترمذي
(٣) رواه الترمذي
(٤) متفق عليه
(٥) رواه الترمذي
(٦) رواه الترمذي ورواه ابن ماجة عن علي ﵁
[ ٥٢ ]
رفيق ورفيقي يعني في الجنة عثمان" (١).
وعن عبد المطلب بن ربيعة "أن العباس دخل على رسول الله مغضبًا وأنا عنده، فقال ما أغضبك؟ قال يا رسول الله ما لنا ولقريش، إذا تلاقوا بينهم تلاقوا بوجوه مبشرة، وإذا لقونا لقونا بغير ذلك، فغضب رسول الله حتى احمر وجهه ثم قال: أيها الناس من آذى عمي فقد آذاني، فإنما عم الرجل صنو أبيه" (٢).
ودعا ﵇ له ولابنه فقال: "اللهم اغفر للعباس وولده مغفرة ظاهرة وباطنة لا تغادر ذنبًا، اللهم احفظه في ولده" (٣).
وعنه أنه سئل ﵇ "من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة، قلت: من الرجال؟ قال: أبوها" (٤).
وقال ﷺ في خالد بن الوليد ﵁: "خالد سيف من سيوف الله ﷿، ونعم فتى العشيرة" (٥).
وقال في محمد بن مسلمة، ما أحد من الناس تدركه الفتنة إلا أنا أخافها عليه إلا محمد بن مسلمة. . . وقال: لا تضرك الفتنة" (٦).
_________________
(١) رواه الترمذي
(٢) رواه الترمذي
(٣) رواه الترمذي
(٤) متفق عليه
(٥) رواه أحمد ومثله في الترمذي
(٦) رواه أبو داود
[ ٥٣ ]
وقال في معاوية ﵁: "اللهم اجعله هاديًا مهديًا واهديه" (١).
وقال ﵇ في البراء بن عازب: "كما من أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره، منهم البراء بن عازب" (٢).
وقال ﵇ في عبد الله بن عمر: "إن عبد الله رجل صالح" (٣).
فهؤلاء هم وغيرهم أصحاب رسول الله الذين مدحهم الله في كتابه، ومدحهم وأثنى عليهم ودعا لهم بالمغفرة الناطق بالوحي الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، واحدًا واحدًا وجماعة، ويمدحهم ويثني عليهم كل من سلك مسلكه، واتبع سبيله من المؤمنين غير المنافقين أبناء اليهود والمجوس الذين أكلت قلوبهم البغضاء والشحناء والحسد عليهم لأعمالهم الجبارة في سبيل الله وفي سبيل نشر هذا الدين الميمون المبارك، وكان هذا هو السبب الحقيقي لحنق الكفرة على هؤلاء المجاهدين، العاملين بالكتاب والسنة، وخاصة على أبي بكر، وعمر، وعثمان، الذين قادوا جيوش الظفر، وجهزوا عساكر النصر، وكان سبب احتراق اليهود على المسلمين خاصة أنهم هدموا أساسهم، وقطعوا جذورهم، واستأصلوهم استيصالًا تحت راية النبي ﵇
_________________
(١) رواه الترمذي
(٢) رواه الترمذي
(٣) متفق عليه
[ ٥٤ ]
حين كان أسلافهم من بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة يقطنون المدينة، ومن بعد النبي الكريم ﵇ في زمن عمر الفاروق ﵁، حيث نفذ فيهم وصية رسول الله: "أخرجوا اليهود من جزيرة العرب" (١).
وطهر جزيرة العرب من نجاستهم ودسائسهم ولم يترك لأحد من اليهود أن يسكن في الجزيرة طبقًا لأمر رسول الله ﵇.
سبب انتشار التشيع في إيران وبغضهم الصحابة
ولما افتتح إيران على يد الفاروق الأعظم، ومزق جموعها، وكسر شوكتها، وهدم ملوكيتها نقم أهل إيران على الفاروق، ورفقته، وجنوده، لما جبلوا على الملوكية وأشربوا حبها، فوجد اليهود الفارس مزرعة خصبة لغرس بذور الفتنة فيها، وكان من الاتفاقات أن ابنة يزدجرد ملك إيران "شهربانو" زوجت من حسين بن علي ﵄ بعد ما جاءت مع الأسارى الإيرانيين، فلما دبر اليهود لأمير المؤمنين وخليفة المسلمين عثمان بن عفان ﵁ وتترسوا بعلي ﵁ بدون إذن منه ومعرفة، وادعوا الولاية والخلافة لعلي وأولاده، تعاونهم أهل إيران نقمة على الفاروق، ورفقته، وأصحاب الرسول الذين فتحوا إيران، وعثمان الذي وسع نطاق الفتوحات الإسلامية،
_________________
(١) رواه البخاري
[ ٥٥ ]
وأقام اعوجاجهم، ونفى بغاتهم، فأبدى أهل إيران الاستعداد لمعاونة تلك الطائفة اليهودية، والفئة الباغية، وخاصة بعد ما رأوا أن الدم الذي يجري في عروق علي بن الحسين الملقب بزين العابدين وفي أولاده دم إيراني من قبل أمه "شهربانو" ابنة "يزدجرد" ملك إيران من سلالة الساسانيين، المقدسين عندهم.
فلأجل هذا دخل أكثر أهل فارس في الشيعية لما يجدون فيها التسلية بالسباب على الصحابة، وعمر، وعثمان، فاتحي إيران، ومطفئ نار المجوسية فيها، ومن هناك اتفقوا مع اليهودية الماكرة، ولأجل هذا اتحدوا معهم، وسلكوا مسلكهم، ونهجوا منهجهم، فها هو المستشرق الإنكليزي الذي سكن إيران مدة طويلة ودرس تاريخها دراسة وافية، ضافية، يقول صراحة: من أهم أسباب عداوة أهل إيران للخليفة الراشد، الثاني، عمر، هو أنه فتح العجم، وكسر شوكته، غير أنهم (أي أهل إيران) أعطوا لعدائهم صبغة دينية، مذهبية، وليس هذا من الحقيقة بشيء" (١).
ووضح في مقام آخر أكثر من هذا وقال: ليس عداوة إيران وأهلها لعمر بن الخطاب بأنه (عمر) غصب حقوق علي وفاطمة بل لأنه فتح إيران وقضى على الأسرة الساسانية - ثم يذكر أبياتًا فارسية لشاعر إيراني ما نصها في اللغة الفارسية -.
_________________
(١) "تاريخ أدبيات إيران، للدكتور براؤن ص٢١٧ ج١ ط الهند بالأردية مترجمًا
[ ٥٦ ]
بشكست عمر بشت هزبران اجم را
برباد فنا داد رك وريشة جم را
اين عربده بر غصب خلافت ز على نيست
با آل عمر كينه قديم است عجم را
يعني أن عمر كسر ظهور أسود العرنين المفترسة، واستأصل جذور آل جمشيد (ملك من أعاظم ملوك فارس).
ليس الجدال على أنه غصب الخلافة من علي، بل أن المسألة قديمة يوم فتح إيران" (١).
ويقول: "إن أهل إيران وجدوا في أولاد علي بن الحسين تسلية وطمأنينة بما كانوا يعرفون أن أم علي بن الحسين هي ابنة ملكهم "يزدجرد" فرأوا في أولادها حقوق الملك قد اجتمعت مع حقوق الدين، فمن هنا نشأ بينهم علاقة سياسية، ولأجل أنهم (أهل إيران) كانوا يقدسون ملوكهم لاعتقادهم أنهم ما وجدوا الملك إلا من السماء ومن الله، فازدادوا في التمسك بهم" (٢).
الولاية والوصاية
خامسًا: - ولقد ذكرنا فيما سبق أن اليهودية دست عقائد جديدة في الإسلام بوساطة ابنها البار بها، عبد الله بن سبأ، لبناء مذهب
_________________
(١) فانظر "تاريخ أدبيات إيران" للمستشرق الإنكليزي براؤن ص٤٩ ج٤
(٢) "تاريخ أدبيات إيران" ص٢١٥ ج١ ط الهند. . . .
[ ٥٧ ]
جديد وإنشاء نحلة جديدة باسم الإسلام ولا يكون للإسلام علاقة بها، فمن تلك العقائد التي جعلتها أصل الأصول هي عقيدة الولاية والوصاية، ولقد أوردنا النصوص عن الشيعة بأن أول نم نادى بها هو ابن السوداء، هذا اليهودي، الماكر، مع إنكار الشيعة بعلاقتها معه ومع اليهودية، فإنهم لا يبنون عقائدهم إلا على أقواله وآرائها، فها هي الولاية ما جعلوها أساسًا لدينهم إلا كما علمهم اليهود وقرروها لهم، فيذكر محمد بن يعقوب الكليني، محدثهم الكبير الذي عرض كتابه على الإمام، وصدقه إمامهم المزعوم الموهوم، يذكر الكليني هذا "عن فضيل عن أبي جعفر ﵇ قال: بنى الإسلام على خمس، الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والولاية، ولم يناد بشيء ما نودي بالولاية يوم الغدير" (١).
فانظر كيف يختلف القوم مع المسلمين حيث يقول المسلمون: بني الإسلام على خمس، أوله شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله: ولكن هؤلاء لا يعدون شهادة التوحيد والرسالة شيئًا، ويفضلون الولاية والوصاية على الصلاة والزكاة والصوم والحج كي يجلب القوم إلى دين جديد طبق الخطة المرسومة.
وقد صرح الشيعة بأكثر من هذا حيث قالوا: عن زرارة عن أبي جعفر ﵇ قال: بني الإسلام على خمسة أشياء على
_________________
(١) "الكافي في الأصول" باب دعائم الإسلام ص٢٠ ج٢ ط إيران
[ ٥٨ ]
الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، والولاية، قال زرارة: فقلت: وأي شيء من ذلك أفضل، فقال الولاية أفضل" (١).
ثم حذفوا الصوم والحج فقالوا: عن الصادق (جعفر) ﵇ قال: أثافي الإسلام ثلاثة، الصلاة، والزكاة، والولاية، لا تصح واحدة منها إلا بصاحبتها" (٢).
ومن ثم تطرقوا إلى حذف الجميع وإبقاء الولاية وحدها فرووا عن أبي عبد الله أنه قال: ولايتنا ولاية الله التي لم يبعث نبيًا قط إلا بها" (٣).
وليس هذا فحسب بل "عن حبة العوفي أنه قال، قال أمير المؤمنين (علي) أن الله عرض ولايتي على أهل السماوات وعلى أهل الأرض، أقربها من أقر، وأنكر من أنكر، أنكرها يونس (﵇) فحبسه الله في بطن الحوت حتى أقر بها" (٤).
وعن أبي الحسن "ع" قال: ولاية على مكتوبة في جميع صحف الأنبياء ولن يبعث الله رسولًا غلا بنبوة محمد صلى الله عليه وآله ووصية علي ﵇" (٥).
_________________
(١) "الكافي في الأصول" ص١٨ ج٢ ط إيران
(٢) "الكافي في الأصول" ص١٨ ج٢ ط إيران
(٣) "بصائر الدرجات" باب٩ ج٢ ط إيران سنة ١٢٨٥هـوأيضًا "كتاب الحجة من الكافي للكليني" ص٤٣٨ ج١ ط إيران
(٤) "بصائر الدرجات" ص١٠ ج٢ ط إيران
(٥) "كتاب الحجة من الكافي" ٤٣٨ ج١ ط إيران
[ ٥٩ ]
وأيضًا "عن محمد بن مسلم قال سمعت أبا جعفر يقول: إن الله أخذ ميثاق النبيين على ولاية علي وأخذ عن النبيين بولاية علي" (١).
ويروي القمي تحت قوله تعالى: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين: عن أبي عبد الله قال: ما بعث الله نبيًا من ولد آدم فهلم جرًا إلا ويرجع إلى الدنيا وينصر أمير المؤمنين (علي) وهو قوله لتؤمنن به يعني رسول الله "ولتنصرنه" يعني أمير المؤمنين - علي - (٢).
فانظر إلى اليهودية كيف تتسلل بين المسلمين وتتسرب إليهم لتشويه عقائدهم.
وأخيرًا فلنرجع إلى ما قاله النوبختي والكشي، فيقول النوبختي: وهو (أي عبد الله بن سبأ) أول من أشهر القول بفرض إمامة علي ﵇" (٣).
والكشي يقول: وكان (ابن سبأ) أول من أشهر بالقول بفرض إمامة علي" (٤).
تعطيل الشريعة
فهل بعد ذلك شك لشاك وريب لمرتاب أن القوم ولدته اليهودية لأغراضها المشوهة، وهم ينكرون الانتساب إليها بعد
_________________
(١) "بصائر الدرجات" باب٩ ج٢ ط إيران
(٢) تفسير القمي ص ١٠٦ ج١ ط عراق
(٣) "فرق الشيعة" ص٤٤
(٤) "رجال الكشي" ١٠١
[ ٦٠ ]
ما يقرون بآرائها ومعتقداتها التي روجت ودست في الإسلام، ويتولونها ويؤسسون عليها بناية دينهم، وما القصد منها إلا إبعاد المسلمين عن تعاليم محمد ﷺ وروحها، روح الإسلام الحقيقي، وأيضًا تعطيل الشريعة الإسلامية فقد عطلوها فعلًا حيث قالوا: إن النجاة ليس مدارها على العمل بالكتاب والسنة، بل مدارها على التبني والتمسك بأقوال هؤلاء الملاحدة، ولو خالفوا صريح الكتاب والسنة لا يؤاخذون عليها.
فقد مر قبل ذلك في هذا الباب أن شارب الخمر ذكر عند جعفر بن الباقر - الإمام المعصوم عندهم - فقال: وما ذلك على الله أن يغفر لمحب علي" (١).
وذكر القمي أكثر من هذا فقال: عن أبي عبد الله قال إذا كان يوم القيامة يدعى محمد صلى الله عليه وآله فيكسى حلة وردية. . . ثم يدعى بعلي أمير المؤمنين ﵇. . . ثم يدعى بالأئمة. . . ثم يدعى بالشيعة فيقومون أمامهم ثم يدعى بفاطمة ونسائها من ذريتها وشيعتها فيدخلون الجنة بغير حساب" (٢).
وروى الكشي عن أبي عبد الله أنه دخل عليه جعفر بن عفان، فقال له: بلغني أنك تقول الشعر في الحسين وتجيد، فقال له: نعم جعلني الله فداك. فقال، قل: فأنشد، فبكى "ع" ومن حوله حتى صارت الدموع على وجهه ولحيته، ثم قال: يا جعفر
_________________
(١) "رجال الكشي" ص١٤٣
(٢) "تفسير القمي" ص١٢٨ ج١
[ ٦١ ]
(بن عفان) والله لقد شهدك ملائكة الله المقربون ها هنا يسمعون قولك في الحسين ولقد بكوا كما بكينا أو أكثر، ولقد أوجب الله تعالى لك يا جعفر ساعتك الجنة بأسرها، وغفر الله لك، فقال (أبو عبد الله): يا جعفر ألا أزيدك؟ قال: نعم يا سيدي، قال: ما من أحد قال في الحسين شعرًا فبكى وأبكى إلا أوجب الله له الجنة وغفر له" (١).
فانظر كيف تعطل الشريعة المحمدية، البيضاء، وكيف يلغي أحكامها وأوامرها، فهذا هو المطلوب والمقصود، ولأجل هذا كونت هذه الفئة، وأنشئت هذه الطائفة، وكتبهم مليئة من مثل هذه الدسائس، وعليها يتكلون، وبها يعتقدون، ولكن الشريعة التي جاء بها محمد الأمين ﵇ ما تخبرنا إلا بأن النجاة مدارها ليس إلا على العمل الصالح كما قال الله ﷿ في كتابه: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم﴾ (٢).
وقال ﷾: ﴿إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله، الله غفور رحيم﴾ (٣).
_________________
(١) "رجال الكشي" ص ٢٤٦
(٢) سورة يونس الآية٩
(٣) سورة البقرة الآية ٢١٨
[ ٦٢ ]
مسألة البداء
سادسًا: - وكانت من الأفكار التي روجها اليهود وعبد الله بن سبأ "إن الله يحصل له البداء" أي النسيان والجهل، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.
فالكليني محدث الشيعة بوب بابًا مستقلًا في الكافي بعنوان "البداء" وروى تحت هذا الباب عدة روايات عن أئمته "المعصومين" كما يزعم، ومنها.
عن الريان بن الصلت قال: سمعت الرضا (علي بن موسى - الإمام الثامن عندهم -) يقول: ما بعث الله نبيًا قط إلا بتحريم الخمر وأن يقر لله بالبداء" (١).
وما هو "البداء"؟ تفسره رواية أخرى يرويها أيضًا "عن أبي هاشم الجعفري قال: كنت عند أبي الحسن ﵇ بعد ما مضى ابنه أبو جعفر وأني لا فكر في نفسي أريد أن أقول كأنهما أعني أبا جعفر وأبا محمد في هذا الوقت كأبي الحسن موسى وإسماعيل بن جعفر بن محمد، وأن قصتهما كقصتهما إذ كان أبو محمد المرجأ بعد أبي جعفر فأقبل على أبو الحسن ﵇ قبل أن أنطق فقال: نعم يا أبا هاشم بد الله في أبي محمد بعد أبي جعفر ما لم يكن يعرف له، كما بدا له في موسى بعد مضي إسماعيل ما كشف
_________________
(١) "الكافي في الأصول" كتاب التوحيد، باب البداء ص١٤٨ ج١ ط إيران
[ ٦٣ ]
به عن حاله، وهو كما حدثتك نفسك وإن كره المبطلون، وأبو محمد ابني الخلف من بعدي وعنده علم ما يحتاج إليه، ومعه آلة الإمامة" (١).
وذكر النوبختي "أن جعفر بن محمد الباقر نص على إمامة إسماعيل ابنه وأشار إليه في حياته، ثم أن إسماعيل مات وهو حي فقال: ما بدا لله في شيء كما بدا له في إسماعيل ابني" (٢).
فقد تثبت هذه الروايات معنى "البداء" بأنه علم ما لم يكن يعلمه الله قبله، وهذا ما يعتقده الشيعة في الله حيث أن الله يبين عن علمه بقوله على لسان موسى ﵇ ﴿لا يضل ربي ولا ينسى﴾ (٣).
ووصف نفسه بقوله: ﴿هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة﴾ (٤).
وبقوله: ﴿قد أحاط بكل شيء علمًا﴾ (٥).
ولكن الشيعة بعكس ذلك لا يعتقدون في الله ذاك فحسب بل ويمجدون من يعتقد في الله معتقدهم الباطل - فيروي الكليني عن جعفر أنه قال: يبعث عبد المطلب أمة وحده، عليه
_________________
(١) أيضًا كتاب الحجة ص٣٢٧ ج١
(٢) "فرق الشيعة للنوبختي" ص٨٤ ط النجف
(٣) سورة طه الآية ٥٢
(٤) سورة الحشر الآية ٢٢
(٥) سورة التحريم الآية ١٢
[ ٦٤ ]
بهاء الملوك، وسيماء الأنبياء، وذلك أنه أول من قال بالبداء" (١).
عقيدة الرجعة
ومنها - أي من العقائد المدسوسة عقيدة الرجعة، فالشيعة من بكرة أبيهم يعتنقون بها، فكل من قرأ كتبهم وعرف مذهبهم يعرف ويعلم هذا عنهم فإنهم ما قالوا بإمامة أحد من علي إلى ابن الحسن العسكري الموهوم إلا واعتقدوا رجوعه بعد موته.
معتقدهم في أئمتهم
ومنها - جعلهم أئمتهم فوق البشر، وفوق الأنبياء والرسل، بل آلهة يعلمون أعمار الناس وآجالهم، ولا يخفى عليهم خافية، ويملكون الدنيا كله، ويغلبون على جميع الخلق، ويرتعد الكون من هيبتهم وشدة بأسهم، يدين لهم الملائكة كما دان لهم الأنبياء والرسل، ولا يضاهيهم أحد، فلنذكر بعض النصوص للقاري كي يعرف عقيدة القوم من كتبهم هم.
الأئمة يعلمون الغيب
فيروي الكليني كبير الشيعة ومحدثهم في صحيحه "الكافي" تحت باب "إن الأئمة إذا شاء أن يعلموا علموا" عن جعفر أنه
_________________
(١) "الكافي في الأصول" كتاب الحجة ص٢٨٣ ج١ ط الهند
[ ٦٥ ]
قال: إن الإمام إذا شاء أن يعلم علم" (١).
وروى تحت باب "إن الأئمة يعلمون متى يموتون وأنهم لا يموتون إلا باختيار منهم" عن أبي بصير عن جعفر بن الباقر أنه قال: - أي إمام لا يعلم ما يغيبه (٢) وإلى ما يصير فليس ذلك بحجة الله على خلقه" (٣).
الغلو في الأئمة
ورفعوا أئمتهم فوق الأنبياء والرسل، وجعلوهم كسيد المرسلين وحتى فضلوهم عليه حيث رووا هذه الرواية المكذوبة على علي ﵁، عن المفضل بن عمر عن أبي عبد الله: كان أمير المؤمنين صلوات الله عليه كثيرًا ما يقول أنا قسيم الله بين الجنة والنار. . . .ولقد أقرت لي جميع الملائكة والروح والرسل - عياذًا بالله - بمثل ما أقروا لمحمد صلى الله عليه وآله. . . .
_________________
(١) "الكافي في الأصول" كتاب الحجة ص٢٥٨ ج١ ط إيران
(٢) أفبعد هذا تقول أيها الصافي! أن الخطيب افترى علىالشيعة بأنهم يثبتون لأئمتهم علم الغيب، فمن هو المفتري، أنت أو الخطيب؟ فلتكن منصفًا وعادلًا، أما كان الخطيب صادقًا في قوله: أن الشيعة يدعون لأئمتهم الاثني عشر ما لا يدعيه هؤلاء الأئمة لأنفسهم من علم الغيب وأنهم فوق البشرية. وأيضًا "قد سجل الكليني نعوتًا وأوصافًا للأئمة الاثني عشر، رفعهم من منزلة البشر إلى منازل معبودات اليونان في العصور الوثنية - الخطوط العريضة ص١٥ ط٦
(٣) "الكافي في الأصول" كتاب الحجة ص٢٨٥ ج١ إيران
[ ٦٦ ]
ولقد حملت مثل حمولته وهي حمولة الرب، وأن رسول الله يدعى فيكسي وادعى فاكسي. . .ولقد أعطيت خصالًا ما سبقني إليها أحد قبلي، علمت المنايا والبلايا والأنساب وفصل الخطاب، فلم يفتني ما سبقني، ولم يعزب عني ما غاب عني، أبشر بإذن الله وأودي عنه" (١).
وثم هذه الخصال ليست بخاصة لعلي ﵁ فقط بل يزعمون أن الأئمة الاثني عشر كلًا منهم متصف بمثل هذه الأوصاف.
فيروي الكليني عن عبد الله بن جندب أنه كتب إليه علي بن موسى - الإمام الثامن عندهم - أما بعد. . . فنحن أمناء الله في أرضه، عندنا علم البلايا والمنايا وأنساب العرب ومولد الإسلام، وإنا لنعرف الرجل إذا رأيناه بحقيقة الإيمان وحقيقة النفاق، وأن شيعتنا لمكتوبون بأسمائهم وأسماء آبائهم، أخذ الله علينا وعليهم الميثاق" (٢).
وزيادة على هذا افتروا على محمد الباقر أنه قال: قال علي ﵁: ولقد أعطيت الست، علم المنايا والبلايا والوصايا وفصل الخطاب، وإني لصاحب الكبرات (٣) ودولة الدول،
_________________
(١) أيضًا ص١٩٦ و١٩٧ ج١ ط إيران
(٢) "الكافي في الأصول" كتاب الحجة ص٢٢٣ ج١ ط إيران
(٣) "أي الرجعات إلى الدنيا" كما فسره علي أكبر الغفاري محشي الكافي الشيعي
[ ٦٧ ]
وإني لصاحب العصا والمبسم، والدابة التي تكلم الناس" (١).
هذا مع أن الله ﷿ قال في محكم كتابه: ﴿قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله﴾ (٢).
وقال جل مجده: ﴿وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو﴾ (٣).
وأمر رسوله الكريم بأن يقر ويعترف ويعلن أنه لا يعلم الغيب بقوله: ﴿قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم أني ملك" (٤).
وبقوله: ﴿قل لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًا إلا ما شاء الله، ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء، إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون﴾ (٥).
وقال جل وعلا: ﴿إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدًا وما تدري نفس بأي أرض تموت، إن الله عليم خبير﴾ (٦).
وقال الرب ﵎ في المنافقين مخاطبًا نبيه سلام الله
_________________
(١) "الكافي في الأصول" ص١٩٨ ج١ ط إيران
(٢) سورة النمل الآية ٦٥
(٣) سورة الأنعام الآية ٥٩
(٤) سورة الأنعام الآية ٥٠
(٥) سورة الأعراف الآية ١٨٨
(٦) سورة لقمان الآية ٣٤
[ ٦٨ ]
وصلواته عليه: ﴿وممن حولكم من الأعراب منافقون، ومن أهل المدينة مردوا على النفاق، لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم﴾ (١).
وقال النبي ﷺ في المنافقين الذين استأذنوه في القعود عن غزوة تبوك: عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين﴾ (٢).
فهذا ما قال الله ﷿ وتلك ما اختلقتها اليهودية وروجتها، فإن الله يصرح في كتابه المجيد أن أحدًا من الخلق حتى الرسل وسيد المرسلين لا يعلم الغيب، والقوم يقول أن الأئمة لا تخفى عليهم خافية.
والله ينفي عن إمام النبيين أنه لا يملك حتى لنفسه نفعًا ولا ضرًا إلا ما شاء الله، وهم يجعلون عليًا قسيم الجنة والنار، ويرفعون الشيعة على منزلة حتى أخذ لهم الميثاق من النبيين والمرسلين.
وأن الرب ﵎ خص لنفسه علم الساعة، ونزول الغيث، ووقت الموت، ومحله، لكن الشيعة أعطوا هذه الخصائص لأئمتهم، كما أن الله نفى عن سيد الخلق أنه لا يعرف ولا يعلم المنافقين من المؤمنين، ولكنهم يقولون أن الأئمة يعرفون حقيقة الرجل من حيث إيمانه ونفاقه.
_________________
(١) سورة التوبة الآية ١٠١
(٢) سورة التوبة الآية ٤٢
[ ٦٩ ]
فانظر إلى دين الله الذي أنزله على نبيه محمد المصطفى ﷺ، ودين القوم الذين آمنوا بما أوحت وأوعزت إليهم اليهودية والمجوسية، وانظر الفرق والتباعد بينهما.
ثم الشيعة لم يكتفوا بهذا فحسب بل صرحوا بإهانة الأنبياء والمرسلين، وتمجيد الأئمة، ورفعهم هؤلاء على أولئك.
فيروي الكليني عن يوسف التمار أنه قال: كنا مع أبي عبد الله ﵇ جماعة من الشيعة في الحجر فقال (أبو عبد الله): علينا عين (جاسوس) فالتفتنا يمنة ويسرة فلم نر أحدًا، فقلنا: ليس علينا عين، فقال: ورب الكعبة ورب البنية - ثلاث مرات - لو كنت بين موسى والخضر ﵍ لأخبرتهما أني أعلم منهما، ولأنبئتهما بما ليس في أيديهما لأن موسى والخضر ﵉ أعطيا علم ما كان، ولم يعطيا علم ما يكون وما هو كائن حتى تقوم الساعة" (١).
وعنه أنه قال: "إني لأعلم ما في السماوات وما في الأرض، وأعلم ما في الجنة وما في النار، وأعلم ما كان وما يكون" (٢).
فهل رأيت الكذب والإهانة الصريحة أكبر من هذا، نعم هناك الكذب والإهانات أكبر وأكبر منها بكثير، فهم وضعوا روايات كاذبة في الغلو لأئمتهم، وفضلوهم على أنبياء الله ورسله،
_________________
(١) "الكافي في الأصول" ص٢٦١ ج١ ط إيران
(٢) "الكافي في الأصول" باب أن الأئمة يعلمون علم ما كان وأنه لا يخفى عليهم الشيء، ص٢٦١ ج١ ط إيران
[ ٧٠ ]
كما نقل عن جعفر أنه كان يفضل نفسه على الخضر وعلى موسى ﵉، فقد ورد عنهم أيضًا أنهم كانوا يفضلون أئمتهم حتى وعلى خاتم النبيين وإمام المرسلين.
فيروي صاحب البصائر عن أبي حمزة أنه قال: سمعت أبا عبد الله يقول: إن منا لمن ينكت في أذنه، وإن منا لمن يؤتى في منامه، وإن منا لمن يسمع الصوت مثل صوت السلسلة يقع في الطست، وإن منا لمن يأتيه صورة أعظم من جبرئيل وميكائيل" (١).
ورووا عن أبي رافع وهو يحدث عن فتح خيبر - إلى أن قال: فمضى علي وأنا معه، فلما أصبح افتتح ووقف بين الناس وأطال الوقوف، فقال الناس: إن عليًا يناجي ربه" فلما مكث ساعة أمر بانتهاب المدينة التي فتحها، قال أبو رافع: فأتيت النبي صلى الله عليه وآله، فقلت إن عليًا وقف بين الناس كما أمرته، قال: منهم من يقول إن الله ناجاه، فقال: نعم يا أبا رافع إن الله ناجاه يوم الطائف، ويوم عقبة تبوك، ويوم حنين" (٢).
وأيضًا عن أبي عبد الله قال: قال رسول الله لأهل الطائف: لأبعثن إليكم رجلًا كنفسي يفتح الله به الخيبر، سيفه سوطه، فشرف الناس له، فلما أصبح ودعا عليًا فقال اذهب بالطائف، ثم أرم الله النبي أن يرحل إليها بعد أن رحل علي، فلما صار إليها كان
_________________
(١) "بصائر الدرجات" باب٧ ج٥ ط إيران
(٢) أيضًا باب ١٦ ج٨
[ ٧١ ]
علي على رأس الجبل، فقال له رسول الله اثبت فسمعنا مثل صرير الزجل، فقيل يا رسول الله ما هذا؟ قال: إن الله يناجي عليًا" (١).
فعجبًا عجبًا على القوم، كيف وقعوا في الضلالة حتى تدرجوا إلى إنكار ختم النبوة على محمد ﷺ بانقطاع الوحي الإلهي عن الأرض حيث يثبتون نزول الملائكة أكبر من جبرئيل وميكائيل على أئمتهم، ولأجل ذلك صرحوا بتفضيل الأئمة على الأنبياء.
فها هو السيد نعمة الله الجزائري يذكر في كتابه: اعلم أنه لا خلاف بين أصحابنا ﵃ في أشرفية نبينا على سائر الأنبياء للأخبار المتواترة، وإنما الخلاف بينهم في أفضلية أمير المؤمنين (علي) والأئمة الطاهرين على الأنبياء ما عدا جدهم، فذهب جماعة إلى أنهم أفضل باقي الأنبياء ما خلا أولي العزم، فهم أفضل من الأئمة، وبعضهم إلى مساواتهم، وأكثر المتأخرين إلى أفضلية الأئمة على أولي العزم وغيرهم، وهو الصواب" (٢).
وأما القول "ما خلا جدهم" فليس إلا تكلفًا محضًا وإلا فهم يعدونهم حمى وأفضل منه، كما نقلنا من كتبهم وكما ذكر الملا محمد باقر الملجسي في كتابه "بحار الأنوار" كذبًا على النبي
_________________
(١) أيضًا باب١٦ ج٨
(٢) "الأنوار النعمانية" للسيد نعمة الله الجزائري
[ ٧٢ ]
﵇ بأنه قال لعلي: يا علي أنت تملك ما لا أملك، ففاطمة زوجك وليس لي زوج مثلها، ولك منها ابنان ليس لي مثلاهما، وخديجة أم زوجك وليس لي رحيمة مثلها، وأنا رحيمك فليس لي رحيم مثل رحيمك، وجعفر أخوك من النسب وليس مثل جعفر أخي، وفاطمة، الهاشمية، المهاجرة أمك، وأنى لي أم مثلها" (١).
وروى شيخهم المفيد (٢) عن حذيفة قال قال النبي: أما رأيت الشخص الذي اعترض لي: قلت: بلى يا رسول الله، قال: ذاك ملك لم يهبط قط إلى الأرض قبل الساعة، استأذن الله ﷿ في السلام على علي، فأذن له فسلم عليه" (٣).
فانظر أكاذيب القوم وغلوهم في أئمتهم حتى لا يبالون بتصغير شأن النبي، سيد الكونين، ورفعهم أئمتهم عليه.
وهناك رواية موضوعة أخرى رواها المفيد أيضًا "عن أبي غسحاق عن أبيه قال: بينما رسول الله جالس في جماعة من أصحابه غذ أقبل علي بن أبي طالب (ع) نحوه، فقال رسول الله نم أراد أن ينظر إلى أدم في خلقه.
_________________
(١) "بحار الأنوار" كتاب الشهادة ص٥١١ ج٥ ط إيران
(٢) هو محمد بن محمد بن النعمان بن عبد السلام البغدادي الملقب بالمفيد من أعيان الشيعة في القرن الخامس
(٣) "الأمالي" للمفيد، المجلس الثالث ص٢١، الطبعة الثالثة بمطبعة الحيديرية، النجف، العراق
[ ٧٣ ]
وإلى نوح في حكمته، وإلى إبراهيم في حلمه فلينظر إلى علي بن أبي طالب" (١).
وحينما كان علي وأولاده على هذه المنزلة كما أوحى إليهم الشيطان فما كان لهم ألا يجعلوهم ملاك الأرض والآخرة أيضًا. وفعلًا جعلوا لهم هذا كما روى الكليني في صحيحه تحت باب "إن الأرض كلها للإمام" عن أبي عبد الله أنه قال: إن الدنيا والآخرة للإمام يضعها حيث يشاء ويدفعها إلى من يشأ" (٢).
وروى أيضًا عن عبد الرحمن بن كثير عن جعفر بن الباقر أنه قال: نحن ولاة أمر الله، وخزنة علم الله، وعيبة وحي الله" (٣).
وعن الباقر أنه قال: نحن خزان علم الله، ونحن تراجمة وحي الله، ونحن الحجة البالغة على من دون السماء من فوق الأرض" (٤).
ولرفعهم فوق البشرية اختلقوا فيهم روايات باطلة، وقصصًا كاذبة، وأساطيرًا مضحكة، حتى لا يبقى بينهم وبين الألوهية أي فرق، ومنها ما رواها الجزائري عن البرسي بقوله: روى البرسي في كتابه لما وصف وقعة خيبر، وأن الفتح فيها كان على يد علي
_________________
(١) "الأمالي" للشيخ المفيد، المجلس الثاني ص١٥ و١٦ ط النجف
(٢) "الكافي في الأصول" ص٤٠٩ ج١ ط إيران
(٣) "الكافي في الأصول" ص١٩٢ ج١ ط إيران
(٤) "الكافي في الأصول" ص١٩٢ ج١ ط إيران
[ ٧٤ ]
﵁، إن جبرئيل جاء إلى رسول الله مستبشرًا بعد قتل مرحب، فسأله النبي عن استبشاره، فقال: يا رسول الله إن عليًا لما رفع السيف ليضرب به مرحبًا، أمر الله سبحانه إسرافيل وميكائيل أن يقبضا عضده في الهواء حتى لا يضرب بكل قوته، ومع هذا قسمه نصفين وكذا ما عليه من الحديد وكذا فرسه ووصل السيف إلى طبقات الأرض، فقال لي الله سبحانه يا جبرئيل بادر إلى تحت الأرض، وامنع سيف علي عن الوصول إلى ثور الأرض حتى لا تقلب الأرض، فمضيت فأمسكته، فكان على جناحي أثقل من مدائن قوم لوط، وهي سبع مدائن، قلعتها من الأرض السابعة، ورفعتها فوق ريشة واحدة من جناحي إلى قرب السماء، وبقيت منتظرًا الأمر إلى وقت السحر حتى أمرني الله بقلبها، فما وجدت لها ثقلًا كثقل سيف علي،. . . وفي ذلك اليوم أيضًا لما فتح الحصن وأسروا نسائهم كانت فيهم صفية بنت ملك الحصن فأتت النبي وفي وجهها أثر شجة، فسألها النبي عنها، فقالت أن عليًا لما أتى الحصن وتعسر عليه أخذه، أتى إلى برج من بروجه، فنهزه فاهتز الحصن كله وكل من كان فوق مرتفع سقط منه، وأنا كنت جالسة فوق سريري فهويت من عليه فأصابني السرير، فقال لها النبي يا صفية إن عليًا لما غضب وهز الحصن غضب الله لغضب علي فزلزل السماوات كلها حتى خافت الملائكة ووقعوا على وجوههم، وكفى به
[ ٧٥ ]
شجاعة ربانية، وأما باب خيبر فقد كان أربعون رجلًا يتعاونون على سده وقت الليل ولما دخل (علي) الحصن طار ترسه من يده من كثرة الضرب، فقلع الباب وكان في يده بمنزلة الترس يتقاتل فهو في يده حتى فتح الله عليه" (١).
وهل يا ترى أينقصه بعد ذلك شيء من الألوهية، فهذا هو القوم، وهذه عقائدهم، أعاذنا الله منها ومنهم، وصدق الله ﷿ حيث قال: ﴿يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون﴾.
_________________
(١) "الأنوار النعمانية" للسيد نعمة الله الجزائري
[ ٧٦ ]