الرد على الشبهات في قضية عدم العذر بالجهل والتأويل في أصل الدين
وفيه أربعة فصول:
الفصل الأول: الرد على الشبه المستدل بها خطأ من القرآن الكريم.
الفصل الثاني: الرد على الشبه المستدل بها خطأ من السنة المطهرة.
الفصل الثالث: الرد على فرية بدعة تقسيم الدين إلى أصول وفروع.
الفصل الرابع: موقف ابن تيمية وابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب من تكفير المعين.
[ ٢٠٩ ]
الفصل الأول
الرد على الشبه المستدل بها خطأ من القرآن الكريم
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: تخصيص عموم رخصة الخطأ.
المبحث الثاني: شروط الاجتهاد.
المبحث الثالث: إثبات الضلال قبل البيان.
[ ٢١١ ]
الفصل الأول
الرد على الشبه المستدل بها خطأ من القرآن الكريم
الشبهة الأولى: الاستدلال بعموم رخصة الخطأ:
الشبهة الأولى -الاستدلال برخصة الخطأ وأن الجهل فرد من أفراده وهو مرفوع عن الأمة في التوحيد والأصول والفروع واستدل الأخوة الأفاضل في هذا بقوله تعالى: (رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) [البقرة: ٢٨٦] وبقوله تعالى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) [الأحزاب: ٥]. وبالحديث الصحيح معناه: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر". والحديث الآخر: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". وقالوا أن هذه رخصة عامة وهي تخصص عموم آيات الشرك.
أقول وبالله التوفيق: إن هذه الرخصة ليست على عمومها بالكتاب والسنة وإجماع الأمة وفهم الصحابة والأئمة من بعدهم.
المبحث الأول: تخصيص عموم رخصة الخطأ:
أما الكتاب:
الدليل الأول قوله تعالى: (أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ).
ووجه الدلالة: حبوط الأعمال مع عدم الشعور.
قال البخاري في كتاب التفسير وأنتم لا تشعرون: وأنتم لا تعلمون.
فهذا النص ينص على أن العبد المسلم قد يأتي من الأقوال أو الأعمال أو الأفعال ما يحبط عمله بهذا وهو لا يعلم ويراجع، نقل ابن تيمية في هذه الآية السابق نقله من الصارم والحبوط الكلي لا يكون: إلا بالكفر، كما أن غفران الذنوب جميعها لا يكون إلا بالتوبة وهذا من أصول أهل السنة.
فهذه الآية تنص على استثناء الكفر من عموم رخصة الخطأ.
الدليل الثاني: قوله تعالى: (وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ).
[ ٢١٣ ]
فهؤلاء القوم كما رجح ابن تيمية قد قالوا: هذا القول الذي قد علموا حرمته، ولم يقصدوا الكفر، وظنوا أن الخوض واللعب يدرأ الكفر عن صاحبه كالإكراه وأن الكفر لا يكون إلا مع العمد والجد ومع ذلك كفرهم الشرع ولم يقبل عذرهم فهؤلاء مع جهلهم بكفرهم لم يُعذروا برخصة الخطأ فهذا النص أيضًا يدل على استثناء الكفر من عموم رخصة الخطأ.
الدليل الثالث: يراجع الاحتجاج بدليل عموم آيات النفاق وقوله تعالى: (أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ) وقوله تعالى: (وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ) وقوله (وَمَا يَشْعُرُونَ).
وصف أهل القبلة:
أما الاحتجاج بالآيتين (رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا) وقوله تعالى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ).
فيقال: إن هذه رخصة لأهل القبلة ومعلوم أن وصف أهل القبلة لا يكون إلا لعبد موحد متحنف كفر بكل ما يعبد من دون الله وترك الشرك عن علم وقصد، ووحد الله الواحد القهار، فهذا هو الذي يترخص برخص أهل القبلة أما المشرك والكافر فليس من أهل القبلة (١) والدليل على ذلك أن رخصة الخطأ جاءت بعد سياق تحقيق الإيمان بقوله تعالى: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا). فمن السياق يُعلم أن رخصة الخطأ هي: فيما دون ذلك القدر من التوحيد والإيمان الذي هو أصل الدين وهذا كالحديث الذي في البخاري: "أن رسول الله، ﷺ، قال وحوله عصابة من أصحابه: "بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له .. ".
قال الحافظ: قال النووي: عموم هذا الحديث مخصوص بقوله تعالى: (إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ). فالمرتد إذا قتل على ارتداده لا يكون القتل له كفارة.
قلت: (أي الحافظ) وهذا بناء على أن قوله: "من ذلك شيئًا" يتناول جميع ما ذكره وهو ظاهر (٢). ا. هـ.
ثم أخذ الحافظ يذكر تأويلات العلماء في هذا ورجح كلام الإمام النووي.
_________________
(١) يراجع: المبحث الثالث من الفصل الثالث من الباب الثاني.
(٢) جـ: ١ ص: ٨١: ٨٣ - كتاب فتح الباري.
[ ٢١٤ ]
وهذا لأن عمومات تحريم الشرك وعدم غفرانه هذه العمومات المكية المحفوظة تخصص جميع الرخص لأهل القبلة لأنهم ما استحقوا هذا الوصف إلا بتحقيق التوحيد وخلع عبادة وتأله كل ما يعبد من دون الله.
قال الطبري إمام المفسرين في قوله تعالى: (رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا).
وهذا تعليم من الله -﷿- عباده المؤمنين دعاءه كيف يدعونه وما يقولون في دعائهم إياه. ومعناه: قولوا ربنا لا تؤاخذنا إن نسينًا شيئًا فرضت علينا عمله فلم نعمله أو أخطأنا في فعل شيء نهيتنا عن فعله ففعلناه على غير قصد منا إلى معصيتك ولكن على جهالة منا به وخطأ.
وساق بسنده عن ابن زيد في قوله تعالى: (رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا). إن نسينا شيئًا مما افترضته علينا أو أخطأنا شيئًا مما حرمته علينا
فأما الذي يكون من العبد على وجه التضييع منه والتفريط فهو ترك منه لما أمر بفعله.
فذلك الذي يرغب العبد إلى الله -﷿- في تركه مؤاخذته به وهو النسيان الذي عاقب الله -﷿- به آدم، ﷺ، فأخرجه من الجنة فقال في ذلك (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا) وهو النسيان الذي قال جل ثناؤه: (فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَذَا).
رخصة الخطأ فيما دون الكفر:
فرغبة العبد إلى الله -﷿- بقوله: (رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) فيما كان من نسيان منه لما أمر بفعله على هذا الوجه الذي وصفنا ما لم يكن تركه ما ترك من ذلك تفريطًا منه فيه وتضييعًا كفرًا بالله -﷿- فإن ذلك إذا كان كفرًا بالله، فإن الرغبة إلى الله في تركه المؤاخذة به غير جائزة، لأن الله -﷿- قد أخبر عباده أنه لا يغفر لهم الشرك به، فمسئلته فعل ما قد أعلمهم أنه لا يفعله خطأ. وإنما تكون مسألته المغفرة فيما كان من مثل: نسيانه القرآن بعد حفظه بتشاغله عنه وعن قراءته ومثل نسيانه صلاة أو صيامًا
وكذلك الخطأ وجهان: أحدهما: من وجه ما نهى عنه العبد فيأتيه بقصد منه وإرادة فذلك خطأ منه وهو به مأخوذ وهذا الوجه الذي يرغب العبد إلى ربه في صفح ما كان منه من إثم عنه إلا ما كان من ذلك كفرًا. ا. هـ.
[ ٢١٥ ]
قلت: فهذا تأويل إمام المفسرين لهذا النص وهذا التفسير الذي قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن صاحبه.
أما التفاسير التي في أيدي الناس فأصحها تفسير محمد بن جرير الطبري فإنه يذكر مقالات السلف بالأسانيد الثابتة وليس فيه بدعة ولا ينقل عن المتهمين
وقال فيه أيضًا: لكن تفسير ابن جرير أصح من هذه كلها (أي: البغوي والقرطبي وابن عطية والزمخشري وغيرهم (١). ا. هـ.
فقد نص إمام المفسرين على أن رخصة الخطأ والنسيان هي فيما هو دون الكفر وذلك لخبر الله لنا: (إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ).
وذلك لأنه كما قلت سابقًا: أن أهل القبلة هم الذين: تابوا من الشرك والتزموا الشرائع كما في قوله تعالى: (فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ). قال حبر الأمة ابن عباس -﵄- حرمت هذه الآية دماء أهل القبلة (٢).
فهذا وصف أهل القبلة: الانخلاع من الشرك والتزام الشرائع فهذا هو الذي يترخص برخص أهل القبلة، أما المشرك فقد بان عن وصف أهل القبلة فلا يتمتع برخصها.
قال ابن تيمية في قول النبي ﷺ: "إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت بها أنفسها ما لم تكلم به أو تعمل به". والعفو عن حديث النفس إنما وقع لأمة محمد، ﷺ، المؤمنين بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فعلم أن هذا العفو هو فيما يكون من الأمور التي لا تقدح في الإيمان. فأما ما نافى الإيمان فذلك لا يتناوله لفظ الحديث، لأنه إذا نافى الإيمان لم يكن صاحبه من أمة محمد، ﷺ، في الحقيقة ويكون بمنزلة المنافقين، فلا يجب أن يعفى عما في نفسه من كلامه أو عمله وهذا فرق بيّن يدل عليه الحديث وبه تأتلف الأدلة الشرعية. وهذا كما عفا الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان كما دل عليه الكتاب والسنة. فمن صح إيمانه عفى له عن الخطأ والنسيان وحديث النفس كما يخرجون من النار بخلاف من ليس معه الإيمان فإن هذا لم يتدل النصوص على ترك مؤاخذته بما في نفسه وخطأه ونسيانه (٣). ا. هـ.
_________________
(١) جـ: ١٣ ص: ٣٨٥: ٣٨٨ لمجموع الفتاوى.
(٢) راجع أحكام القرآن للقرطبي.
(٣) جـ: ١٠ ص: ٧٦٠ لمجموع الفتاوى.
[ ٢١٦ ]
فهذا نص ابن تيمية صريح في أن العبد الذي يتمتع برخص أهل القبلة هو من صح إيمانه وأن العفو يكون في الأمور التي لا تناقض الإيمان. أما الكافر والمشرك ومن فسد إيمانه من أهل القبلة فهؤلاء لم يتناولهم لفظ الحديث وبهذا التأويل تأتلف الأدلة الشرعية وبهذا انتهى الاستدلال من الكتاب.
أما الاستدلال من السنة.
الحديث الأول: حديث الخوارج: ويراجع بحثهم في هذا الكتاب ووجه الدلالة منه أنهم أحدثوا اعتقادًا ظنوا به أنهم صفوة الله من خلقه، وأنهم المقبولون به عند بارئهم، دون غيرهم بل كفّروا وكل من خالف معتقدهم وكانوا على عبادة عظيمة. ومع ذلك فقد اتفقت الأمة على ذمهم وتضليلهم واختلفوا في تكفيرهم هذا مع قول النبي، ﷺ، في شأنهم: "يقرءون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم". فمع تأويلهم وجهلهم اتفقت الأمة على إثمهم ولم يعذروهم برخصة الخطأ.
وأعيد في هذا المقام قول إمام المفسرين الإمام الطبري فيهم: ومن المعلوم أنهم لم يرتكبوا استحلال دماء المسلمين وأموالهم إلا بخطأ منهم فيما تأولوه من آي القرآن على غير المراد منه (١) اهـ.
فهذا الحديث نص في أن رخصة الخطأ ليست على عمومها فتثبت لها التخصيص.
وهذا إما أن يكون في الفروع أو في أصول الاعتقاد أو في أصل الدين الذي هو: التوحيد وترك الشرك فإن كان التخصيص للفروع فهو أيضًا للأصول الاعتقادية ومن باب أولى لأصل الدين-.
وإن ثبت للأصول الاعتقادية فهو من باب أولى يثبت لأصل الدين.
وإما أن يكون لأصل الدين وإن ثبت أن التخصيص له فلا يلزم من ذلك أن يكون للأصول الاعتقادية فضلًا عن فروع الشريعة ففي جميع الاحتمالات ثبت التخصيص لعموم رخصة الخطأ: للتوحيد وترك الشرك الذي هو: أصل الدين.
الحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه " وأما المنافق والكافر فيقال له ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول لا أدري كنت أقول ما يقوله الناس ".
_________________
(١) منقول من فتح الباري وقد مر سابقًا فليراجع.
[ ٢١٧ ]
قال الحافظ: وفيه ذم التقليد في الاعتقادات لمعاقبة من قال: كنت أسمع الناس يقولون شيئًا فقلته (١). ا. هـ.
قلت: ومن المعلوم أن المقلد جاهل مخطئ إلا أنه غير معذور بجهله بالتقليد في الاعتقادات الباطلة ولم يعذر بالخطأ.
الحديث الثالث: أخرج البخاري في صحيحه " وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالًا يهوي بها في جهنم". وفي رواية -وهي في الصحيحين- (ما يتبين ما فيها) ..
قال الحافظ: في قوله (يهوي) .. وأخرج الترمذي هذا الحديث من طريق محمد بن إسحاق بلفظ "لا يرى بها بأسًا يهوي بها في النار سبعين خريفًا" (٢). ا. هـ.
قلت: فهذا الحديث في الرجل يتكلم بالكلمة من سخط الله ما يتبين ما فيها من المعصية والتعدي يهوي بها في جهنم سبعين خريفًا ولم يعذر بالجهل والخطأ.
قال الشيخ العز بن عبد السلام: هي الكلمة التي: لا يعرف القائل حسنها من قبحها. قال: فيحرم على الإنسان أن يتكلم بما لا يعرف حسنه من قبحه.
قلت (أي الحافظ) وهذا الذي يجري على قاعدة مقدمة الواجب (٣). ا. هـ.
وخير بيان لهذا الحديث على سبيل الثال لا الحصر الخارجي المعترض على قسمة النبي ﷺ بقوله: "إن هذه القسمة لم يراد بها وجه الله" فهذا المأبون يريد أن ينكر منكرًا في ظنه فقال كلمة يرجوا ثوابها فكان كافرًا مرتدًا ولم يظن أنها تبلغ من سخط الله ما بلغت وما يتبين ما فيها من المروق ولا يرى بها بأسًا ومع هذا لم يعذر بالخطأ والجهل فثبت التخصيص لهذه الرخصة في الكفر الأكبر.
والأحاديث في هذا المقام كثيرة ولولا خشية الإطالة لآتيت بها وبتفسير السلف الصالح لها.
_________________
(١) جـ: ٣ ص: ٢٨٤ - فتح الباري "كتاب الجنائز".
(٢) جـ: ١١ ص: ٣١٤: ٣١٨ - فتح الباري.
(٣) المصدر السابق فليراجع.
[ ٢١٨ ]
وأما الإجماع:
قال القاضي عياض: وذهب عبيد الله بن الحسن العنبري إلى تصويب أقوال المجتهدين في أصول الدين فيما كان عرضة للتأويل وفارق في ذلك فرق الأمة إذ أجمعوا سواه على أن الحق في أصول الدين في واحد والمخطئ فيه آثم عاص فاسق وإنما الخلاف في تكفيره (١). ا. هـ.
فهذا إجماع على أن المخطئ في أصول الدين آثم عاص فاسق، والخلاف في تكفيره.
فالأمة اتفقت وأجمعت على أن رخصة الخطأ فيما دون أصول الدين والمقصود بأصول الدين هو: أصول اعتقاد أهل السنة مثل: الإيمان قول وعمل وأن الله في السماء ورؤية الله في الآخرة وأن القرآن كلام الله غير مخلوق
فهذا الذي يخالفهم فيه مخطئ آثم مختلف في تكفيره ويكون مبتدعًا لمخالفة أصول الاعتقاد عند أهل السنة التي وقع عليها الإجماع وليس المقصود بذلك (٢): التوحيد وترك الشرك. لذلك قيده القاضي بقوله: فيما كان عرضة للتأويل بخلاف التوحيد فهذا أصل الأصول وهو أصل الدين.
قال صاحب عون المعبود وقال عبد الرحمن أيضًا: سألت أبي وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين وما أدركنا السلف عليه وما يعتقدون من ذلك؟.
فقال: أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازًا وعراقًا ومصرًا وشامًا ويمنًا فكان مذهبهم: أن الإيمان: قول وعمل يزيد وينقص، والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته، والقدر خيره وشره من الله وأن الله -تعالى- على عرشه بائن من خلقه كما وصف نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله، ﷺ، بلا كيف أحاط بكل شيء علمًا (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) (٣). ا. هـ.
_________________
(١) الشفاء بشرح نور الدين القاري جـ: ٥ ص: ٣٩٣: ٣٩٤.
(٢) أي: الخلاف في تكفير صاحبه.
(٣) عون المعبود شرح سنن أبي داود جـ: ١٣ ص: ٤٨.
[ ٢١٩ ]
ترك تكفير المبتدعين بشرط الإقرار بالتوحيد والتزام الشرائع:
فهذه هي أصول الاعتقاد وأصول الدين التي اختلف السلف في تكفير من خالفها من أهل البدع بعضهم رجح التكفير والجمهور على عدم تكفيرهم بشرط أن يكونوا موحدين ملتزمين للشرائع.
قال الحافظ تعليقًا على حديث "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله".
قال: ويؤخذ منه ترك تكفير أهل البدع المقرين بالتوحيد الملتزمين للشرائع (١). ا. هـ.
قلت: فهذا ما اتفق عليه سلف الأمة أن المبتدع المختلف في تكفيره من هذه الأمة هو من كان موحدًا ملتزمًا للشرائع.
المبحث الثاني: شروط الاجتهاد:
وحديث "إذا اجتهد الحاكم فأصاب ".
فالاجتهاد يكون: في الفروع وليس في الأصول الاعتقادية فضلًا عن أصل الدين وأيضًا في الفروع التي ليس عليها قاطع من الشرع. فلا يجوز أن يُجتهد في عدد ركعات الصلاة وفرضها ولا في وجوب الحج والصيام وحرمة الفواحش التي عليها قاطع من الشرع.
فمحل الاجتهاد في جزء يسير في الشريعة فهو في: الفروع العملية التي ليست عليها قاطع من الشرع: وأما المجتهد فلا بد أن يكون جامعًا لآلة الاجتهاد فإن لم يكن جامعًا لآلة الاجتهاد فهو آثم لقول النبي ﷺ في الحديث القضاة ثلاثة: اثنان في النار منهم من قضى على جهل فهو في النار فهناك شرطان حتى يؤجر المجتهد المخطأ.
أولهما: أن يكون عالمًا جامعًا لآلة الاجتهاد. فالجاهل لم تأذن له الشريعة في الاجتهاد البتة.
الثاني: أن يجتهد في الفروع العملية الظنية التي ليس عليها قاطع من الشرع. فإن الشريعة قد أحكمت التوحيد وهو أصل الدين وكذلك أصول الاعتقاد وكذلك كثير من الفروع العملية كالفرائض وحرمة الفواحش فهذه ليس فيها اجتهاد ولا مأذون للاجتهاد فيها للمجتهد الجامع لآلة الاجتهاد، فضلًا عن الجاهل.
_________________
(١) جـ: ١ ص: ٩٧ - فتح الباري.
[ ٢٢٠ ]
فمن اجتهد فيها فهو آثم لا ريب كمن اجتهد فيما أذن الشرع فيه إلا أنه غير جامع لآلة الاجتهاد فهذا أيضًا آثم لا شك في ذلك. وهذا القدر متفق عليه بين سلف الأمة وأئمتها كما نقل القاضي عياض الإجماع عليه.
قال الإمام النووي تعليقًا على الحديث (إذا اجتهد الحاكم) فقال: قال لعلماء: أجمع المسلمون على أن هذا الحديث في حاكم عالم أهل للحكم فإن أصاب فله أجران أجر باجتهاده وأجر بإصابته، وإن أخطأ فله أجر باجتهاده، وفي الحديث محذوف تقديره إذا أراد الحاكم فاجتهد. قالوا: فأما من ليس بأهل للحكم فلا يحل له الحكم فإن حكم فلا أجر له بل هو آثم ولا ينفذ حكمه، سواء وافق الحق أم لا لأن إصابته اتفاقية ليست صادرة عن أصل شرعي فهو عاص في جميع أحكامه سواء وافق الصواب أم لا وهي مردودة كلها ولا يعذر في شيء من ذلك وقد جاء في الحديث في السنن: القضاة ثلاثة قاض في الجنة واثنان في النار .. وقاض قضى على جهل فهو في النار. (ثم أخذ يتكلم عن مسألة هل كل مجتهد مصيب أم المصيب واحد إلى أن قال).
وهذا الاختلاف إنما هو: في الاجتهاد في الفروع فأما أصول التوحيد فالمصيب فيها واحد بإجماع من يعتد به (١). ا. هـ.
وقال صاحب عون المعبود تعليقًا على الحديث قال: قال الخطابي: إنما يؤجر المخطئ على اجتهاده في طلب الحق. لأن اجتهاده عبادة ولا يؤجر على الخطأ بل يوضع عنه الإثم فقط.
وهذا فيمن كان جامعًا لآلة الاجتهاد عارفًا بالأصول عالمًا بوجوه القياس، فأما من لم يكن محلًا للاجتهاد فهو متكلف ولا يعذر بالخطأ بل يخاف عليه الوزر ويدل عليه قوله، ﷺ: "القضاة ثلاثة واحد في الجنة واثنان في النار".
وهذا إنما هو: في الفروع المحتملة للوجوه المختلفة دون الأصول التي هي أركان الشريعة وأمهات الأحكام التي لا تحتمل الوجوه ولا مدخل فيها للتأويل، فإن من أخطأ فيها كان غير معذور في الخطأ وكان حكمه في ذلك مردودًا (٢). ا. هـ.
قلت: ويراجع أيضًا فتح الباري وغيرها من كتب الحديث.
_________________
(١) صحيح مسلم شرح النووي جـ: ١٢ ص: ١٣.
(٢) عون المعبود شرح سنن أبي داود جـ: ٩ ص: ٤٨٨: ٤٨٩.
[ ٢٢١ ]
لا اجتهاد في القطعيات:
قال الإمام الشوكاني نقلًا عن الغزالي: في تعريف الاجتهاد قال فهو: استفراغ الوسع في النظر فيما لا يلحقه فيه لوم مع استفراغ الوسع فيه وهو: سبيل مسائل الفروع ولهذا تسمى هذه المسائل: مسائل الاجتهاد والناظر فيها مجتهدًا وليس هكذا حال الأصول. انتهى
ومنهم من قال: هو استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن بحكم شرعي فزاد قيد الظن لأنه لا اجتهاد في القطعيات ..
وإذا عرفت هذا (كلام الإمام الشوكاني) فالمجتهد: هو الفقيه المستفرغ لوسعه لتحصيل ظن بحكم شرعي.
وإذا عرفت معنى الاجتهاد والمجتهد فاعلم أن المجتهد فيه: هو الحكم الشرعي العملي.
قال في المحصول: المجتهد فيه: هو كل حكم شرعي ليس فيه دليل قاطع واحترزنا بالشرعي عن العقليات ومسائل الكلام، وبقولنا ليس فيه دليل قاطع عن وجوب الصلوات الخمس والزكاة وما اتفقت عليه الأمة من جليات الشريعة
المسألة السابعة: اختلفوا في المسائل التي كل مجتهد فيها مصيب، والمسائل التي الحق فيها مع واحد من المجتهدين وتلخيص الكلام في ذلك يحصل في فرعين:
الفرع الأول: العقليات وهي على أنواع:
النوع الأول: ما يكون الغلط فيه مانعًا من معرفة الله ورسوله كما في إثبات العلم بالصانع والتوحيد والعدل. قالوا فهذه الحق فيها واحد فمن أصابه أصاب الحق ومن أخطأه فهو كافر.
النوع الثاني: مثل مسألة الرؤية وخلق القرآن وخروج الموحدين من النار وما يشابه ذلك فالحق فيها واحد فمن أصابه فقد أصاب، ومن أخطأه فقيل: يكفر، ومن القائلين بذلك الشافعي فمن أصحابه من حمله على ظاهره ومنهم من حمله على كفران النعمة (١). ا. هـ.
قلت: فهذا المعنى مستقر في كتب شروح السنة وكتب أصول الفقه.
_________________
(١) إرشاد الفحول ص: ٢٥٠: ٢٥٩ - باب الاجتهاد.
[ ٢٢٢ ]
أن المجتهد لا بد أن يكون جامعًا لآلة الاجتهاد، والمُجْتهد فيه الفروع العملية التي ليس عليها قاطع فكيف يستقيم هذا مع من يقول بأن المشرك المجتهد معذور لحديث "إذا اجتهد الحاكم" ولقوله تعالى: (رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا).
وذلك لأسباب:
(١) أن المشرك ليس من أهل القبلة.
(٢) أنه ليس بجامع لآلة الاجتهاد.
(٣) أنه اجتهد فيما لم يأذن الشرع له فيه أن يجتهد.
أما أقوال الصحابة والأئمة من بعدهم في هذه القضية فمنها:
(١) موقف الصحابة من مانعي الزكاة ولم يعتبروا تأويلهم وخطأهم باحتجاجهم خطأ يقول الله -تعالى-: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا). بل قاتلوهم قتال مرتدين (يراجع ما جاء في هذا المقام بالنسبة لمانعي الزكاة) (١).
(٢) موقف عبد الله بن عمر -﵄- من القدرية الأول ولم يعتبر الاشتباه الذي قد وقعوا فيه وإرادتهم تنزيه الله عن الظلم فوقعوا في التنقص به من حيث لا يشعرون وبراءته منهم بمجرد سماع مقالتهم (يراجع النقل فيها) (٢).
(٣) موقف الأئمة من أصحاب البدع المغلظة ولم يعتبروا تأويلهم وجهلهم وخطاهم على سبيل المثال لا الحصر -الجهمية.
قال ابن تيمية: قال: وأما تعيين الفرق الهالكة فأقدم من بلغنا عنه أنه تكلم في تضليلهم: يوسف بن أسباط ثم عبد الله بن المبارك وهما إمامان جليلان من أجلاء أئمة المسلمين قالا: أصول البدع أربعة: الروافض والخوارج والقدرية والمرجئة. فقيل: لابن المبارك والجهمية؟ فأجاب: بأن أولئك ليسوا من أمة محمد، ﷺ، وكان يقول: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية (٣). ا. هـ.
وقال أيضًا: قال البخاري: وأقول: في المصحف قرآن وفي صدور الرجال قرآن فمن
_________________
(١) يراجع الفصل الثاني من الباب الثالث -مسألة: ردة مانعي الزكاة.
(٢) يراجع المبحث الرابع من الفصل الثاني من الباب الثالث -فرق القدرية وحكمها.
(٣) جـ: ٣ ص: ٣٥٠ لمجموع الفتاوى.
[ ٢٢٣ ]
قال غير هذا: يستتاب فإن تاب وإلا فسبيله سبيل الكفر (١). ا. هـ.
وقال صاحب عون المعبود وقال الإمام أحمد في رواية الفضل بن زياد: قال سمعته وبلغه عن رجل أنه قال إن الله لا يرى في الآخرة فغضب غضبًا شديدًا ثم قال: من قال: إن الله لا يرى في الآخرة فقد كفر فعليه لعنة الله وغضبه من كان من الناس أليس الله -﷿- يقول: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ). وقال: (كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ). فهذا دليل على أن المؤمنين يرون الله
وقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل وقد ذكر عنده شيء في الرؤية فغضب وقال: من قال: إن الله لا يرى فهو كافر (٢). ا. هـ.
قلت: وفي هذا القدر الكفاية بفضل الله للرد على هذا الاشتباه وبيان أن رخصة الخطأ هي فيما دون أصل الدين أي: التوحيد وترك الشرك وهذا ثابت بالكتاب والسنة والإجماع وعليه سلف الأمة وأئمتها.
وقد استفضت في الرد على هذا الاشتباه (لأنه من جهة الأمانة العلمية أقوى دليل يُستدل به خطأ في هذه القضية وبمشيئة الله هذا لن يكون دأبي في بقية الشبه فمنها بمشيئة الله ما سوف أمر عليه مر الكرام إما لوهنه الشديد في الاشتباه وإما لأنه أجنبي عن الاستدلال في المسألة وبالله التوفيق.
حادثة الحواريين:
الشبهة الثانية: الاستدلال بقول الله -تعالى-: (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُواْ اللهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ، قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ) [المائدة: ١١٢: ١١٣].
قالوا: فهؤلاء القوم شكوا في قدرة الله وفي صدق نبوة نبيه، ﷺ، وعذروا بجهلهم والجواب:
_________________
(١) جـ: ٤ ص: ١٨٢ لمجموع الفتاوى.
(٢) عون المعبود شرح سنن أبي داود جـ: ١٣ ص: ٥٤: ٥٥.
[ ٢٢٤ ]
الحواريين أعلم بالله من أن يشكوا فيه:
حمل جمهور العلماء من المفسرين: قراءة يستطيع ربك على قراءة تستطيع ربك بنصب ربك بمعنى: هل تستطيع أنت أن تسأل ربك نزول المائدة. وقالوا: إن القوم أعلم من أن يشكوا في قدرة الله. وقراءة يستطيع قالوا عنها: يستطيع بمعنى: يُجيبك ربك ويطيع لك في هذا. وهذا مشهور في كلام العرب.
قال ابن تيمية: وكذلك قول الحواريين: (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ). إنما استفهموا عن هذه القدرة (١) وكذلك ظن يونس أن لن نقدر عليه أي فسر بالقدرة كما يقال للرجل هل تقدر أن تفعل كذا؟ أي: هل تفعله؟ وهو مشهور في كلام الناس (٢). ا. هـ.
وقال بعض أهل العلم: إنهم شكوا في قدرة الله وفي صحة رسالة نبيه، ﷺ، وأنهم وقعوا في هذا قبل أن تستحكم المعرفة في قلوبهم وحملوا المعنى على هذا وقالوا إن القوم كفروا بهذا القول واستتابهم نبيهم، ﷺ، من هذا القول بقوله: (اتَّقُواْ اللهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ).
وهذا ترجيح الإمام الطبري وكذلك قولهم (وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا).
قال الإمام الطبري أنهم شكوا في رسالته لذلك هو رجح كفرهم وجمهور المفسرين قالوا: أي نزداد يقينا وتصديقًا في رسالته، وأن القوم لم يشكوا بل طلبوا آية حسية يزدادون بها يقينًا وصدقًا خالصًا من الخواطر والهواجس النفسية.
فهل بعد هذا التفصيل -بفضل الله تعالى- لكلام المفسرين من شبهة بقيت للاحتجاج بها على قضية العذر بالجهل؟.
فالعلماء منهم من رجح الشك فكفروهم ولم يعذروهم.
والجمهور على أن القوم لم يشكوا وأنهم أعلم بالله من هذا وهو الراجح من القول وهو قول علي وعائشة وابن عباس ومجاهد (٣) وأنهم طلبوا آية حسية يزدادون بها يقينًا وصدقًا.
ولم يقل أحد من العلماء: أنهم شكوا في قدرة الله وصحة الرسالة وعُذروا بهذا.
_________________
(١) أي القدرة المقارنة للمقدور أي: هل قدر هذا -وليست القدرة على الفعل.
(٢) جـ: ٨ ص: ٣٧٤ لمجموع الفتاوى.
(٣) يراجع تفسير الإمام البغوي.
[ ٢٢٥ ]
وقوله تعالى: (وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا). أي: نرى آية حسية والعرب تضع الرؤية مكان العلم والعلم مكان الرؤية.
قال القرطبي في قوله تعالى في تحويل القبلة (إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ) [البقرة: ١٤٣]. قال علي -﵁-: معنى "لنعلم" لنرى. والعرب تضع العلم مكان الرؤية، والرؤية مكان العلم كقوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ). بمعنى: ألم تعلم. ا. هـ.
فالمقصود من العلم هنا: -والله أعلم- رؤية حسية تطمئن قلوبهم بها كقوله تعالى (بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي). عن إبراهيم الخليل، ﷺ، عندما سأل ربه آية حسية يزداد قلبه بها طمأنينة.
قال -البغوي- قرأ الكسائي: (هل تستطيع) بالتاء (ربك) بنصب الباء وهو قراءة علي وعائشة وابن عباس ومجاهد. أي: هل تستطيع أن تدعو وتسأل ربك. وقرأ الآخرون (يستطيع) بالياء و(ربك) برفع الباء. ولم يكونوا شاكين في قدرة الله -﷿- ولكن معناه: هل ينزل ربك أم لا؟ كما يقول الرجل لصاحبه: هل تستطيع أن تنهض معي وهو يعلم أنه يستطيع وإنما يريد هل يفعل ذلك أم لا ..
(وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا) بأنك رسول الله أي: نزداد إيمانًا ويقينا ا. هـ.
وقال ابن كثير: (.. هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ) هذه قراءة كثيرين وقرأ آخرون (هل تستطيع ربك) أي: هل نستطيع أن تسأل ربك .. (وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا) أي ونزداد إيمانًا بك وعلمًا برسالتك).ا. هـ.
وقال القرطبي: فقال السدي: المعنى: هل يطيعك ربك إن سألته (أن ينزل) فيستطيع بمعنى: يطيع كما قالوا: استجاب بمعنى: أجاب وكذلك استطاع بمعنى: أطاع. وقبل المعنى: هل يقدر ربك؟ وكان هذا السؤال في ابتداء أمرهم قبل استحكام معرفتهم بالله -﷿. ولهذا قال عيسى في الجواب عند غلطهم وتجويزهم على الله ما لا يجوز: (اتَّقُواْ اللهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) أي: لا تشكوا في قدرة الله -تعالى-.
قلت: وفي هذا نظر لأن الحواريين خلصان الأنبياء ودخلاؤهم وأنصارهم كما قال: (مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللهِ) [الصف: ١٤]. وقال ﵇
[ ٢٢٦ ]
"لكل نبي حواري وحواري الزبير". ومعلوم أن الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم، جاءوا بمعرفة الله -تعالى- وما يجب له وما يجوز وما يستحيل عليه وأن يبلغوا ذلك أممهم، فكيف يخفي ذلك على من باطنهم واختص بهم حتى يجهلوا قدرة الله -تعالى-؟
وقيل: إن القوم لم يشكوا في استطاعة الباري سبحانه لأنهم كانوا مؤمنين عارفين عالمين، وإنما هو كقولك للرجل: هل يستطيع فلان أن يأتي، وقد علمت أنه يستطيع فالمعنى: هل يفعل ذلك؟ وهل يجيبني إلى ذلك أم لا؟ وقد كانوا عالمين باستطاعة الله -تعالى- لذلك ولغيره علم دلالة وخبر ونظر فأرادوا علم معاينة كذلك كما قال إبراهيم، ﷺ، (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى). على ما تقدم وقد كان إبراهيم علم لذلك علم خبر ونظر ولكن أراد المعاينة التي لا يدخلها ريب ولا شبهة.
قلت وهذا تأويل حسن، وأحسن منه أن ذلك كان من قول: من كان مع الحواريين ..
قال ابن الحصار: وقوله سبحانه مخبرًا عن الحواريين لعيسى (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ) ليس يشك في الاستطاعة، وإنما هو تلطف في السؤال وأدب مع الله -تعالى- إذ ليس كل ممكن سبق في علمه وقوعه لكل أحد والحواريون هم كانوا خيرة من آمن بعيسى فكيف يظن بهم الجهل باقتدار الله -تعالى- على كل شيء ممكن؟ وأما قراءة التاء فقيل المعنى: هل تستطيع أن تسأل ربك. هذا قول عائشة ومجاهد -﵄قالت عائشة﵂- كان القوم أعلم بالله -﷿- من أن يقولوا "" [قالت] ولكن "هل تستطيع ربك" وروى عنها أيضًا أنها قالت: كان الحواريون لا يشكون أن الله يقدر على إنزال مائدة ولكن قالوا: "هل تستطيع ربك" وعن معاذ بن جبل قال: "أقرأنا النبي، ﷺ، "هل تستطيع ربك" قال معاذ: وسمعت النبي، ﷺ، مرارًا يقرأ بالتاء "هل تستطيع ربك". ا. هـ.
وقال الطبري: فقرأ ذلك جماعة من الصحابة والتابعين "هل تستطيع" بالتاء "ربك" بالنصب بمعنى: هل تستطيع أن تسأل ربك؟ أو هل تستطيع أن تدعو ربك؟ أو هل تستطيع وترى أن تدعوه؟ وقالوا: لم يكن الحواريون شاكين أن الله -تعالى ذكره- قادر أن ينزل عليهم ذلك وإنما قالوا لعيسى: هل تستطيع أنت ذلك (ثم أخذ يتكلم عن قراءة يستطيع ويرجحها فقال): إن الله -تعالى ذكره- قد كره منهم ما قالوا من ذلك واستعظمه وأمرهم بالتوبة ومراجعة الإيمان من قبلهم ذلك والإقرار لله بالقدرة على كل شيء وتصديق
[ ٢٢٧ ]
رسوله، ﷺ، فبما أخبرهم عن ربهم من الأخبار، وقد قال عيسى لهم عند قيلهم ذلك له استعظامًا منه لما قالوا: (اتَّقُواْ اللهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ).
ففي استتابة الله إياهم ودعائه لهم إلى الإيمان به وبرسوله، ﷺ، عند قيلهم ما قالوا من ذلك واستعظام نبي الله، ﷺ، كلمتهم الدلالة الكافية من غيرها على صحة القراءة في ذلك بالياء ورفع "الربُ"
وأما قوله: "قَالَ اتَّقُواْ اللهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ" فإنه يعني: قال عيسى للحواريين القائلين له: " هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ " راقبوا الله أيها القوم وخافوا أن ينزل بكم من الله عقوبة على قولكم هذا، فإن الله لا يعجزه شيء أراده.
وفي شككم في قدرة الله على إنزال مائدة من السماءكفر به فاتقوا الله أن ينزل بكم نقمته إن كنتم مؤمنين. ا. هـ.
قلت: فهل بعد سرد كلام العلماء في هذه الآية تبقى شبهة في الاحتجاج بها في قضية العذر بالجهل في أصل الدين؟ اترك للقارئ الفاضل الإجابة على هذا السؤال.
الشبهة الثالثة:
الاستدلال بقوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ) [التوبة: ١١٥]. وقالوا: الضلال لا يكون إلا بعد بيان وهذا النص يعم الشرك وما دونه ولفظ الضلال في هذا لا يقع إلا بعد البيان -والجواب.
منهج أهل السنة في الاستنباط:
إن أهل السنة عندما يريدون أن يستنبطوا حكمًا معينًا ينظرون إلى الأدلة على أنها مجتمعة لا متفرقة وعلى أن القرآن يصدق بعضه بعضًا لا يكذب بعضه بعضًا لقوله تعالى: (كِتَابًا مُّتَشَابِهًا). أي: يشبه بعضه بعضًا لا اختلاف فيه، ولقوله تعالى: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا). فعند الجمع بين أطراف الأدلة وتنزيل كل دليل على مناطه يتضح الحكم ويظهر بقوة وبيان وجلاء، أما أهل البدع والعياذ بالله فينظرون بنظرة متشابه وعلى آحاد الأدلة ويقتطعون الشرع ويضربون بعضه ببعض.
ففي هذه الآية ينفي القرآن فيها الضلال إلا بعد البيان ولكن هذا فيما دون الشرك والكفر لأن القرآن أثبت الضلال قبل البيان في مواضع كثيرة كقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي
[ ٢٢٨ ]
الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ -إلى قوله- وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ). وقوله تعالى: (وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ). [البقرة، الآية: ١٩٨].
قال القرطبي: أي: ما كنتم من قبل إنزاله (أي القرآن) إلا ضالين. ا. هـ.
وقول النبي، ﷺ، في الحديث (ألم أجدكم ضلالًا فهداكم الله بي وعالة فأغناكم الله بي (١».
وهذا عندما وجد بعض الأنصار من قسمته، ﷺ، فهذه نصوص الكتاب والسنة أن المشركين قبل البيان كانوا من الضالين وكذلك قوله تعالى: (فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ) [الأعراف: ٣٠].
قال ابن كثير: قال ابن جرير الطبري: وهذا من أبين الدلالة على خطأ من زعم أن الله لا يعذب أحدًا على معصية ركبها أو ضلالة اعتقدها، إلا أن يأتيها بعد علم منه بصواب وجهها فيركبها عنادًا منه لربه فيها. لأن ذلك لو كان كذلك، لم يكن بين فريق الضلالة الذي ضل وهو يحسب أنه هاد وفريق الهدى فرق. وقد فرق الله -تعالى- بين أسمائهما وأحكامهما في هذه الآية. ا. هـ.
وقال البغوي: فيه دليل على أن الكافر الذي يظن أنه في دينه على الحق والجاحد والمعاند سواء. ا. هـ.
قلت: فهذان إمامان جليلان من أئمة السنة ابن جرير الطبري وابن كثير وكذلك الإمام البغوي على أن هذه الآية التي بين أيدينا تنص على أن الكافر الذي يظن أنه على الحق والصراط المستقيم بيد أنه في حقيقة الأمر على سبيل من السبل بسبب الجهل والتأويل أنه عير معذور فثبت بهذا النص أن الكفر والشرك مستثنى من قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ).
قال ابن تيمية ولفظ "الضلال" إذا أطلق تناول من ضل عن الهدي سواء كان عمدًا أو جهلًا ولزم أن يكون معذبًا كقوله: (إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءهُمْ ضَالِّينَ، فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ). وقوله: (رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا، رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ
_________________
(١) راجع صحيح مسلم بشرح النووي جـ: ٧ ص: ١٥٧.
[ ٢٢٩ ]
لَعْنًا كَبِيرًا). وقوله (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى) (١). ا. هـ.
المبحث الثالث: إثبات الضلال قبل البيان:
قلت: وكذلك قوله تعالى: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ). وقوله تعالى: (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلاَدَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ اللهُ افْتِرَاء عَلَى اللهِ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ) [الأنعام: ١٤٠].
قال ابن كثير: يقول تعالى: قد خسر الذين فعلوا هذه الأفاعيل في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فخسروا أولادهم بقتلهم وضيقوا عليهم في أموالهم فحرموا أشياء ابتدعوها من تلقاء أنفسهم، وأما في الآخرة فيصيرون إلى شر المنازل بكذبهم على الله وافترائهم
. . . عن سعيد بن جبير عن ابن عباس -﵄- قال إذا سرك أن تعلم جهل العرب فقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من سورة الأنعام (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلاَدَهُمْ -إلى قوله- قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ). وهكذا رواه البخاري منفردًا في كتاب مناقب قريش من صحيحه. ا. هـ.
قلت: فهذه الآية التي تتحدث عن قريش قبل البعثة أنهم مع جهلهم وافترائهم وقبل البيان من الله كانوا ضالين لأن ذلك كان في التشريع وهو من أخطر أنواع الشرك بل هو أساس كل شرك التشريع من دون الله لأن العبيد لو وقفوا على تشريع الله ولم يتعدوا حدوده لما وجدت شركًا ولا بدعة.
وكذلك قوله تعالى: (لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ). [النحل: ٢٥].
الجهل أساس الضلال:
قال القرطبي: (وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ) قال مجاهد: يحملون وزر من أضلوه ولا ينقص من إثم المضل شيء. وفي الخير "أيما داع إلى ضلالة فاتبع فإن عليه مثل أوزار من اتبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شيء وأيما داع إلى هدى فاتبع فله مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيء". أخرجه مسلم بمعناه و"من" للجنس لا للتبعيض.
فدعاة الضلالة عليهم مثل أوزار من اتبعهم. وقوله "بغير علم" أي: يضلون الخلق
_________________
(١) جـ: ٧ ص: ١٦٦ لمجموع الفتاوى.
[ ٢٣٠ ]
جهلًا منهم بما يلزمهم من الآثام إذ لو علموا لما أضلوا. ا. هـ.
قلت: ويراجع تفسيري ابن جرير وابن كثير فهما في نفس المعنى تماما.
فهذا النص ينص على إثم من ضل بغير علم وهو في الشرك والبدع العقائدية ويراجع بحث الاجتهاد السابق ذكره للعلماء الذين تحدثوا عن الاجتهاد الخطأ وضوابطه ومجاله.
وهذه الآية تتفق تماما مع الحديث الذي في البخاري.
كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة باب ما يذكر من ذم الرأي وتكلف القياس (ولا تقف) لا تقل (ما ليس لك به علم) "إن الله لا ينزع العلم بعد أن أعطاكموه انتزاعا ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم. فيبقى ناس جهال يستفتون فيفتون برأيهم فيضلون ويضلون"
وفي رواية حرملة: "يفتونهم بغير علم فيضلون ويضلون".
قال الحافظ: وفي حديث أبي أمامة من الفائدة الزائدة: "أن بقاء الكتب بعد رفع العلم بموت العلماء لا يغني من ليس بعالم شيئًا" فإن في بقيته "فسأله أعرابي فقال: يا نبي الله كيف يرفع العلم منا وبين أظهرنا المصاحف وقد تعلمنا ما فيها وعلمناها أبناءنا ونساءنا وخدمنا فرفع إليه رأسه وهو مغضب فقال: وهذه اليهود والنصارى بين أظهرهم المصاحف لم يتعلقوا منها بحرف فيما جاءهم به أنبياؤهم" (١) ولهذه الزيادة شواهد من حديث عوف بن مالك وابن عمرو وصفوان بن عسال وغيرهم وهي عند الترمذي والطبراني والدارمي والبزار بألفاظ مختلفة وفي جميعها هذا المعنى (٢). ا. هـ.
قلت: فهذا الحديث ينص في صراحة بوقوع لفظ الضلال مع الجهل للتابع والمتبوع فالآية والحديث يدلان بوضوح بوقوع لفظ الضلال والوزر مع الجهل والتأويل وهذا يكون في الشرك والابتداع ولهذا بوب البخاري بابًا في نفس هذا الكتاب (أي الاعتصام بالكتاب والسنة).
باب إثم من دعا إلى ضلالة أو سن سنة سيئة لقول الله تعالى: (وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ). الآية.
_________________
(١) وهذه الزيادة أيضًا في سنن ابن ماجة وصححها الشيخ الألباني -صحيح سنن ابن ماجة جـ: ٢ ص: ٣٧٧.
(٢) فتح الباري جـ: ١٢ ص: ٢٩٥: ٢٩٩.
[ ٢٣١ ]
قال الحافظ فأما حديث "من دعا إلى ضلالة" فأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا"
قال: المهلب هذا الباب والذي قبله في معنى التحذير من الضلال واجتناب البدع ومحدثات الأمور في الدين، والنهي عن مخالفة سبيل المؤمنين. انتهى. ووجه التحذير: أن الذي يحدث البدعة قد يتهاون بها لخفة أمرها في أول الأمر ولا يشعر بما يترتب عليها من المفسدة وهو أن يلحقه إثم من عمل بها من بعده ولو لم يكن هو عمل بها بل لكونه كان الأصل في إحداثها (١). ا. هـ.
قلت: فمن النص القرآني والأحاديث الصحيحة بعلم: أن الضلال والوزر يقعان مع الجهل والتقليد المحض في الشرك والبدع ومحدثات الأمور وهذا يخصص عموم قوله -تعالى- (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ).
قال ابن كثير وقال ابن جرير: يقول الله -تعالى-: وما كان الله ليقضي عليكم في استغفاركم لموتاكم المشركين بالضلال بعد إذ رزقكم الهداية ووفقكم للإيمان به وبرسوله حتى يتقدم إليكم بالنهي عنه فتتركوا، فأما قبل أن يبين لكم كراهيته ذلك بالنهي عنه ثم تتعدوا نهيه إلى ما نهاكم عنه، فإنه لا يحكم عليكم بالضلال فإن الطاعة والمعصية إنما يكونان من المأمور والمنهي، وأما من لم يؤمر ولم ينه فغير كائن مطيعًا أو عاصيًا فيما لم يؤمر به ولم ينه عنه. ا. هـ.
قلت: انظر رحمك الله قول الإمامين ابن كثير وابن جرير في هذه الآية وفي آية "فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ". صريح بالمؤاخذة في الاعتقاد وبغير المؤاخذة في الأوامر والنواهي في قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا). وهذا أكبر دليل على أن مناط الآية الأولى غير مناط الآية الثانية ولا تعارض بينهما لعدم اتحاد مناطهما.
_________________
(١) فتح الباري جـ: ١٣ ص: ٣١٥.
[ ٢٣٢ ]
العذاب لا يقع إلا بعد البيان:
وقال الإمام البغوي: (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ) الآية معناه: ما كان الله ليحكم عليكم بالضلالة بترك الأوامر باستغفاركم للمشركين (حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ). يريد: حتى يتقدم إليكم بالنهي فإذا تبين ولم تأخذوا به فعند ذلك تستحقون الضلال.
قال مجاهد: بيان الله للمؤمنين في ترك الاستغفار للمشركين خاصة وبيانه لهم في معصيته وطاعته عامة فافعلوا أو ذروا.
وقال الضحاك: ما كان الله ليعذب قومًا حتى يبين لهم ما يأتون وما يذرون. ا. هـ.
قلت: فهذه أقوال المفسرين في هذه الآية أنها نزلت بسبب استغفار المسلمين لآبائهم المشركين تأسيًا بإبراهيم الخليل، ﷺ، في استغفاره لأبيه. وهذه معصية لم يسبق النهي عنها في حقهم بنص فخاف المسلمون من الإثم بعد نزول النهي عنها، فنزل قول الله -تعالى-: (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا). وقال العلماء: إنها عامة في جميع الأوامر والنواهي دون الشرك والابتداع وبهذا تأتلف النصوص والأدلة الشرعية بفضل الله وحده.
الضلال المستوجب للعقوبة لا يكون إلا بعد البلاغ:
والضلال المنفي في الآية هو الضلال المستوجب للعقوبة كما قال الضحاك وهذا (أي العقاب) مرفوع في الأصول والفروع والكليات والجزئيات حتى يأتي الشرع لقوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا). ولا حظر ولا أمر إلا بشرع ولا يلزم العباد التكليف إلا بالبلوغ منع انتفاء المعارض من التمكن من العلم فهذا هو الضلال المستوجب للعقوبة في الدارين:
وأما الضلال الذي هو الغياب عن سنن الهدى فهذا متحقق قبل النص لأنه لا خروج من الضلال إلا بنص من الله جل ثناؤه ومن هذا يعلم قول النبي، ﷺ، في الحديث الصحيح "يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم" (١) فلا خروج من الضلال إلا بالنص والبلاغ عن الله. لذلك من وقع في الشرك قبل البعثة فهو مشرك ضال ولو لم يأته بيان من الله لنقضه العهد والميثاق والفطرة وحجية الآيات لكونية لذلك وصف القرآن المشركين قبل البعثة بالضلال كقوله تعالى: (وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ). وقوله تعالى:
_________________
(١) صحيح مسلم -كتاب البر والصلة والآداب وابن ماجه في الزهد والترمذي -باب صفة القيامة.
[ ٢٣٣ ]
(وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ). والحديث الصحيح -ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي-.
فالشرك قبل البعثة قبح وضلال وغياب عن سنن الهدى وسبب للعذاب إلا أنه متوقف على شرط وهو البعثة الرسالية لذلك كما قال ابن تيمية سابقا (واسم المشرك ثبت قبل الرسالة لأنه يشرك بربه) وابن القيم. أن الحجة في الشرك العقل وأما الحجة الرسالية فهي حجة في العذاب.
وبهذا يعلم أن الضلال قبل البيان خروج عن الصراط المستقيم وأصحابه قطعا إن كانوا واقعين في الشرك فليسوا بمسلمين بيد أنهم لا يعذبون في الدارين هذا على المذهب الراجح -إلا بعد البلاغ والحجة الرسالية.
وعلى هذا يفهم قول الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ). فالمقصود بالضلال الذي يكون بعد البعثة: هو الضلال الذي يستوجب صاحبه العذاب في الدارين بعد قيام الحجة عليه وإلا فالقوم قبلها في ضلال مبين لأن الأنبياء يُرسلون إلى أقوامهم المشركين يدعونهم إلى الفطرة الصحيحة والإسلام والعبادة التي خلقوا من أجلها فهم قبلهم في ضلال مبين وجور عن الصراط المستقيم وليسوا بمهتدين لذلك قال الله -﷿-: (فَيُضِلُّ اللهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ) لأنهم لم يكونوا قبل البعثة على الهدى والصراط المستقيم ولهذا أثبت القرآن الضلال قبل البيان والبعثة كما ذكرت من قبل وهذا في الكثير الكثير من الآيات على سبيل المثال لا الحصر إضافة إلى الآيات السابقة.
قوله تعالى: (يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ) أي: لئلا تضلوا وكراهية أن تضلوا.
فالمشركون قبل البعثة ضلّال لا ريب في ذلك ولكن بعد الحجة الرسالية إن أصروا على شركهم وغيهم فقد استوجبوا العذاب في الدارين قال الله -﷿-: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) [إبراهيم: ١].
قال الإمام الشوكاني: (لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ). لتخرجهم من ظلمات الكفر والجهل والضلالة إلى نور العلم والإيمان والهداية. ا. هـ.
[ ٢٣٤ ]
فبنص القرآن الناس قبل الحجة الرسالية وقبل البيان في ظلمات الكفر والشرك والضلال ولكن هذا الضلال موجب للعذاب بعد الحجة الرسالية.
وقال الشوكاني أيضًا في قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ) وتقديم الإضلال على الهداية لأنه متقدم عليها إذ هو إبقاء على الأصل، والهداية إنشاء ما لم يكن. ا. هـ.
انظر -رحمك الله- أن الضلال ثابت قبل البعثة وهو متقدم على الهداية لذلك هو بقاء على الأصل والهداية إنشاء ما لم يكن.
نخرج من هذا البحث في هذه الآية:
(١) أن الشرك قبل البعثة والحجة الرسالية ضلال مبين وصاحبه مشرك ليس بمسلم -وأنه موعد بالعذاب على شركه إن أصر عليه بعد الحجة (على الراجح عند أهل السنة).
(٢) بعد بلوغ الشرائع لا يقع الضلال إلا بعد البيان في الأوامر والنواهي.
(٣) يأثم القوم ويقع عليهم الضلال والوزر مع الجهل والتقليد في الابتداع والإحداث.
فبعد بلوغ الرسالة قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا). على عمومه في الأوامر والنواهي دون الشرك والابتداع وقوله تعالى: (لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ). وحديث: (وأيما داع إلى ضلالة كان عليه من الوزر ومن أوزار من اتبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شيئًا". عام في العقائد مع الإعراض واتباع غير الله ورسوله، ﷺ، وسبيل المؤمنين.
وبهذا تأتلف الأدلة وتستقيم بلا تعارض بينها ولله الفضل والمنة والله -تعالى- أعلم.
وبهذا انتهى بفضل الله الرد على أهم الشبه المستدل بها خطأ من القرآن الكريم.
* * *
[ ٢٣٥ ]
الفصل الثاني
الرد على الشبه المستدل بها خطأ من السنة المطهرة
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
المبحث الثاني: الفرق بين الطلب من المخلوق والطلب به.
المبحث الثالث: التأويل دليل على مخالفة النص الجزئي لقاعة كلية.
[ ٢٣٧ ]
الفصل الثاني
الرد على الشبه المستدل بها خطأ من السنة المطهرة
حديث أمنا عائشة في العلم:
الشبهة الأولى: الاستدلال خطأ بحديث عائشة -﵂- في العلم.
أخرج مسلم في صحيحه "قالت عائشة ألا أحدثكم عني وعن رسول الله، ﷺ، قلنا بلى قال (١) قالت لما كانت ليلتي التي كان النبي، ﷺ، فيها عندي اتقلب فوضع رداءه وخلع نعليه فوضعها عند رجليه وبسط طرف إزاره على فراشه فاضطجع فلم يلبث إلا ريثما ظن أن قد رقدت فأخذ رداءه رويدًا وانتعل رويدًا وفتح الباب فخرج ثم أجافه رويدًا فجعلت درعي في رأسي واختمرت وتقنعت إزاري ثم انطلقت على إثره حتى حاء البقيع فقام فأطال القيام ثم رفع يديه ثلاث مرات ثم انحرف فانحرفت فأسرع فأسرعت فهرول فهرولت فأحضر فأحضرت فسبقته فدخلت فليس إلا أن اضطجعت فدخل فقال يا عائش حشيا رابية قالت قلت لا شيء قال فلتخبريني أو ليخبرني اللطيف الخبير قالت قلت يا رسول الله، ﷺ، بأبي أنت وأمي فأخبرته قال فأنت السواد الذي رأيت أمامي قلت نعم فلهدني في صدري لهدة أوجعتني ثم قال أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله قلت مهما يكتم الناس يعلمه الله نعم.
قال فإن جبريل أتاني حين رأيت فناداني فأخفاه منك فأجبته فأخفيته منك ولم يكن يدخل عليك وقد وضعت ثيابك وظننت أن قد رقدت فكرهت أن أوقظك وخشيت أن تستوحشي فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم قالت: قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله قال قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون".
قال النووي: (قالت مهما يكتم الناس يعلمه الله نعم) هكذا هو في الأصول وهو صحيح وكأنها لما قالت: مهما يكتم الناس يعلمه الله، صدقت نفسها فقالت: نعم (٢). ا. هـ.
_________________
(١) أي راوي الحديث عن عائشة ﵂.
(٢) صحيح مسلم بشرح النووي جـ:: ٧ ص: ٤٤.
[ ٢٣٩ ]
لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة:
قلت: فهذا الحديث من أوله إلى آخره أين الشك من أمنا عائشة -﵂-؟.
فقولها (مهما يكتم الناس يعلمه الله نعم) تقرير للعلم، وهو في الأصول كما قال النووي.
وهل لو كانت عائشة والعياذ بالله تشك في هذه الصورة الدقيقة فلم لم ينكر عليها النبي -ﷺ-؟
فإن قيل: هذا لجهلها فالجواب:
أن النبي، ﷺ، أنكر على من هم حدثاء عهد بإسلام إنكارًا شديدًا في حديث ذات أنواط وشبّههم ببني إسرائيل في قولهم اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة، وأنكر على من قال له (ما شاء الله وشئت فقال أجعلتني لله ندًا قل ما شاء الله وحده) أو كما قال، ﷺ، وما كان آفتهم التي أوقعتهم في هذا إلا الجهل.
فلم لم ينكر النبي، ﷺ، على عائشة؟ وهي من تربت في بيت النبوة التي كان بيتها يتلى فيه آيات الكتاب والحكمة وهي مسلمة بفضل الله منذ العهد المكي وليست حديثة عهد بإسلام.
فالحديث ليس فيه أدنى لوم عليها مترتب على مقالتها التي صدقت فيها نفسها.
ومن المعلوم أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة بلا خلاف بين العلماء.
المبحث الأول: لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة:
قال ابن قدامة: ولا خلاف في أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة (١). ا. هـ.
وقال الشوكاني في تأخير البيان عن وقت الحاجة.
اعلم أن كل ما يحتاج إلى البيان من مجمل وعام ومجاز ومشترك وفعل متردد ومطلق إذا تأخر بيانه فذلك على وجهين: الأول: أن يتأخر عن وقت الحاجة، وهو: الوقت الذي إذا تأخر البيان عنه لم يتمكن المكلف من المعرفة لما تضمنه الخطاب وذلك في الواجبات الفورية لم يجز. لأن الاتيان بالشيء مع عدم العلم به ممتنع عند جميع القائلين بالمنع من تكليف ما لا
_________________
(١) روضة الناظر وجنة المناظر ص: ٩٦.
[ ٢٤٠ ]
يطاق، وأما من جوز التكليف بما لا يطاق فهو يقول: بجوازه فقط لا بوقوعه: فكان عدم الوقوع متفقًا عليه بين الطائفتين. ولهذا نقل أبو بكر الباقلاني: اجماع أرباب الشرائع على امتناعه.
قال ابن السمعاني: لا خلاف في امتناع تأخير البيان عن وقت الحاجة إلى الفعل ولا خلاف في جوازه إلى وقت الفعل (١). ا. هـ.
الفرق بين وقت الحاجة ووقت الخطاب:
قلت: فهذا اتفاق العلماء على أنه: لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة أي: وقت امتثال التكليف الشرعي. وأما تأخير البيان في الواجبات التي ليست بفورية عن وقت الخطاب إلى وقت الفعل والامتثال فقد جوزه: كثير من العلماء فانتبه للفرق.
ومن المعلوم بيقين أن العقائد البيان يكون فيها على الفور لأنها واجبة الاعتقاد وشرط في الإيمان منذ اللحظة الأولى للدخول في هذا الدين وليس في الحديث الذي بين أيدينا لومًا من النبي، ﷺ، للسيدة عائشة على ما قالت فدل هذا بيقين أنها لم تقع في محذور شرعي.
لأن عدم البيان في موضع البيان دليل على العدم.
سجود معاذ ﵁:
الشبهة الثانية: حديث سجود معاذ -﵁- روى ابن ماجه في سننه والبستي في صحيحه عن أبي واقد قال: لما قدم معاذ بن جبل من الشام سجد لرسول الله، ﷺ، فقال رسول الله، ﷺ، "ما هذا". فقال: يا رسول الله، ﷺ، قدمت الشام فرأيتهم يسجدون لبطارقتهم وأساقفتهم فأردت أن أفعل ذلك بك، قال: "فلا تفعل فإني لو أمرت شيئًا أن يسجد لشيء لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها حتى لو سألها نفسها وهل على قتب لم تمنعه". لفظ البستي (٢). ا. هـ.
الفرق بين سجود التحية وسجود العبادة:
قلت: والذي عليه جمهور أهل العلم بلا خلاف ولا نزاع بينهم أن هذا السجود من معاذ -﵁- كان سجود تحية لا عبادة إذ كيف يجهل هذا الصحابي الجليل أن سجود
_________________
(١) ارشاد الفحول ص: ١٧٣.
(٢) راجع تفسير القرطبي جـ:: ١ ص: ٢٥٠ عند قوله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ).
[ ٢٤١ ]
العبادة لا ينبغي إلا لله، سبحانك هذا ظلم وافتراء عظيم على هذا الصحابي الجليل الذي اصطفاه النبي، ﷺ، من الصحابة جميعًا لمناظرة أهل الكتاب وتبليغهم التوحيد وأصل الدين وقال له، ﷺ: "إنك ستقدم قومًا أهل كتاب".
قال الحافظ في الفتح تعليقًا على هذه اللفظة. قوله (سنأتي قومًا أهل كتاب).
هي كالتوطئة للوصية لتستجمع همته عليها لكون أهل الكتاب أهل علم في الجملة فلا تكون العناية في مخاطبتهم كمخاطبة الجهال من عبدة الأوثان (١). ا. هـ.
نسخ سجود التحية بحديث معاذ ﵁:
فهل يصطفي النبي، ﷺ، من أصحابه من يجهل أصل التوحيد ليناظر أهل علم ومجادلة على ما لا يعلمه؟
وقد استشهد القرطبي في تفسيره بهذا الحديث على أن سجود التحية كان جائزًا إلى عصر الرسول، ﷺ،.
وقال ابن كثير في قوله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ). فكانت الطاعة لله والسجدة لآدم أكرم الله آدم أن أسجد له ملائكته. وقال بعض الناس: كان هذا سجود تحية وسلام وإكرام كما قال تعالى: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا ..). وقد كان هذا مشروعًا في الأمم الماضية ولكنه نسخ في ملتنا (ثم ذكر حديث معاذ) -﵁-. ا. هـ.
وقال أيضًا في قوله تعالى في سورة يوسف: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا ..).
قال: وقد كان هذا سائغًا في شرائعهم إذا سلموا على الكبير يسجدون له، ولم يزل هذا جائزًا من لدن آدم إلى شريعة عيسى -﵇- فحرم هذا في هذه الملة وجعل السجود مختصًا بجناب الرب -﷾- هذا مضمون قول قتادة وغيره (ثم ذكر حديث معاذ). ا. هـ.
وقال الشوكاني في قوله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ). مرجحًا أن السجود كان لآدم على وجه التحية والإكرام -فإن السجود للبشر قد يكون جائزًا في بعض الشرائع بحسب ما تقتضيه المصالح وقد دلت هذه الآية على أن السجود لآدم، وكذلك الآية الأخرى
_________________
(١) جـ: ٣ ص:: ٤١٩ فتح الباري.
[ ٢٤٢ ]
أعني قوله -فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين -وقال تعالى: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا). فلا يستلزم تحريمه لغير الله في شريعة نبينا، ﷺ، أن يكون كذلك في سائر الشرائع. ا. هـ.
وقال ابن تيمية: ولا يجوز أن يتنقل على طريق العبادة إلا لله وحده لا لشمس ولا لقمر ولا لملك ولا لنبي ولا لصالح ولا لقبر نبي ولا صالح.
هذا في جميع الملل (ملل الأنبياء) وقد ذكر ذلك في شريعتنا حتى نهى: أن يتنقل على وجه التحية والإكرام للمخلوقات ولهذا نهى النبي -ﷺ- معاذًا أن يسجد له وقال: "لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها". ونهى عن الإنحاء في التحية ونهاهم أن يقوموا خلفه في الصلاة وهو قاعد (١). ا. هـ.
قلت: فهذه أقوال العلماء شاهدة بأن هذا السجود كان: سجود تحية وكان مباحًا في الشرائع السابقة إلى أن نسخ في شريعتنا.
ومن المعلوم أن السجود لغير الله على وجه العبادة لم يكن مباحًا في أية شريعة فكل الأنبياء نهوا عن ذلك وبلغوا أقوامهم (اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ).
وأكبر دليل على هذا (٢) هو قول النبي، ﷺ، في آخر الحديث (لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها).
فهذا نص في أن هذا السجود سجود تحية وإكرام وإلا تعارض مع قوله تعالى (والعياذ بالله من ذلك) (وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ).
وفي هذا القدر الكفاية لبيان فساد هذا الاستدلال ولله الفضل والمنة وحده.
_________________
(١) جـ: ١ ص:: ٧٤: ٧٥ لمجموع الفتاوى.
(٢) أي أن: سجود معاذ -﵁- كان على وجه التحية.
[ ٢٤٣ ]
حادثة ذات أنواط:
الشبه الثالثة: الاستدلال خطأ بحديث ذات أنواط عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله، ﷺ، إلى حنين ونحن حديثو عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عليها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال النبي، ﷺ،: "الله أكبر قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل: (اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) لتركبن سنن من كان قبلكم". أخرجه الترمذي وصححه.
المبحث الثاني: الفرق بين الطلب من المخلوق وبين الطلب به:
أقول وبالله التوفيق: إن الذين طلبوا كانوا حدثاء عهد بالكفر، وطلبوا ولم يفعلوا، وقد نص العلماء على أنهم طلبوا مجرد المشابهة في أن تكون لهم شجرة ينوطون بها السلاح يستمدون بها وليس منها النصر بسبب ما ينزل من البركة عليها من قبل الله. ولذلك سألوا النبي، ﷺ، ذلك فقالوا: اجعل لنا ذات أنواط. فهم لم يدّعوا فيها هذا من قبل نفوسهم ولكن أرادوا أن يكون ذلك من الله عن طريق نبيه ومصطفاه، ﷺ، وكما قلت من قبل: يستمدون بها النصر وليس منها كما في الحديث الصحيح "مطرنا بنوء كذا". أي: بسبب الكوكب لا به.
لأن القول مطرنا بسبب الكوكب فهذا يكون ابتداع وشرك أصغر.
ومن قال: إن الكوكب هو الذي أنزل المطر فهذا شرك بالله في ربوبيته.
فهم طلبوا النصر بها ولكن المحذور الذي وقعوا فيه هو مشابهتهم للمشركين فقطع النبي، ﷺ، مادة المشابهة من جذرها، وقال: قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل (اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة).
ومن المعلوم أن المشبه يشبه المشبه به في وجه أو في بعض الأوجه دون بقيتها لا يماثله تمامًا وإلا كان فردًا من جنسه وهذا كقول النبي، ﷺ،: "مدمن الخمر كعابد وثن" (١). وقوله ﷺ: "إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته" (٢).
_________________
(١) سنن ابن ماجه وحسنه الألباني -راجع صحيح سنن ابن ماجه جـ: ٢ "كتاب الأشربة".
(٢) صحيح البخاري -كتاب التوحيد- باب قول الله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ).
[ ٢٤٤ ]
ومن المعلوم أن التشبيه هنا في الرؤية والوضوح لا في الشكل والاستدارة (والعياذ بالله من ذلك) وكذلك هنا أن بني إسرائيل طلبوا مشابهة المشركين ولكن في الشرك الأكبر وأنتم طلبتم مشابهة المشركين إلا أنه في الشرك الأصغر، أو أن طلبهم هذا قد يؤول إلى الشرك الأكبر مع طول الزمان لأن البدع يريد الشرك الأكبر، فأول شرك وقع على وجه الأرض كان بدايته تصوير الأصنام على صور الصالحين، ثم لما تنسخ العلم عبدت، فكان تصوير الأصنام ذريعة إلى الشرك فيما بعد مع أن مجرد الوقوف عليه ليس بشرك، وكما حرم في شريعتنا بناء المساجد على القبور أيضًا لهذا المعنى: لأنها تؤول بأصحابها إلى الشرك الأكبر.
فإن قيل فإن كان سؤالهم مجرد المشابهة فلم قال ﷺ: "قلتم كما قالت بنو إسرائيل"؟ قيل: هذا من باب ما يؤول إليه الأمر ومن باب التغليظ كما غلظ النبي -ﷺ- على من قال له "ما شاء الله وشئت، فقال أجعلتني لله ندًا".
قال الشاطبي: - في معرض اتباع الأمم السابقة خاصة أهل الكتاب في بدعهم -قال فقوله، ﷺ: "حتى تأخذ أمتي بما أخذ القرون من قبلها". يدل على أنها تأخذ بمثل ما أخذوا به إلا أنه لا يتعين في الاتباع لهم أعيان بدعهم، بل قد تتبعها في أعيانها وتتبعها في أشباهها، فالذي يدل على الأول قوله "لتتبعن سنن من كان قبلكم". الحديث فإنه قال فيه: "حتى لو دخلوا في جحر ضب حرب لاتبعتموهم". والذي يدل على الثاني قوله: "فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط، فقال ﵇ هذا كما قالت بنو إسرائيل: اجعل لنا إلها" الحديث.
فإن اتخاذ ذات أنواط يشبه اتخاذ الآلهة من دون الله لا أنه هو بنفسه، فلذلك لا يلزم الاعتبار بالمنصوص عليه ما لم ينص عليه مثله من كل وجه والله أعلم (١). ا. هـ.
طلب القوم مجرد المشابهة:
فهذا النص من الإمام الأصولي يدل على أن: القوم لم يطلبوا الشرك الأكبر بل مجرد المشابهة وأنه يشبه طلب بني إسرائيل لا أنه هو بنفسه، وأنه لا يلزم التشابه بينهما من كل وجه فلذلك لا يلزم الاعتبار بالمنصوص عليه، ما لم ينص عليه من كل وجه.
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب بعد أن ساق الحديث في باب من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما -فيه مسائل-.
_________________
(١) الاعتصام جـ: ٢ ص:: ٢٤٥: ٢٤٦.
[ ٢٤٥ ]
المسألة الثالثة -كونهم لم يفعلوا -المسألة الحادية عشر- أن الشرك فيه: أكبر، وأصغر لأنهم لم يرتدوا بهذا" (١). ا. هـ.
قلت: فهذا نص من الشيخ أن القوم طلبوا الشرك الأصغر.
وقال ابن تيمية: ولما كان للمشركين شجرة يعلقون عليها أسلحتهم ويسمونها ذات أنواط فقال بعض الناس: يا رسول الله: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال: الله أكبر قلتم كما قال قوم موسى لموسى: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة إنها السنن لتركبن سنن من كان قبلكم".
فأنكر النبي، ﷺ، مجرد مشابهتهم الكفار في اتخاذ شجرة يعكفون عليها معلقين عليها سلاحهم. فكيف بما هو أطم من ذلك من مشابهتهم المشركين أو هو الشرك بعينه؟
فمن قصد بقعة يرجو الخير بقصدها ولم تستحب الشريعة ذلك فهو من المنكرات وبعضه أشد من بعض. سواء كانت البقعة شجرة أو غيرها أو قتاة جارية أو جبلًا أو مغارة وسواء قصدها ليصلي عندها، أو ليدعو عندها، أو ليقرأ عندها، أو ليذكر الله -سبحانه- عندها، أو لينسك عندها. بحيث يخص تلك البقعة بنوع من العبادة التي لم يشرع تخصيص تلك البقعة به لا عينًا ولا نوعًا (٢). ا. هـ.
الفرق بين التوحيد والبدعة والشرك:
وهذا كلام شيخ الإسلام ينص على أن: القوم طلبوا مجرد المشابهة للمشركين لا عين الشرك ثم انظر إلى الأمثلة التي ذكرها بعد ذلك فهي كلها في البدع وليست في الشرك الأكبر وهو أن يخص العبد بقعة أو شجرة أو قناة بنوع من البركة بغير برهان من الله، ويعبد الله عندها رجاء عظم الثواب وهذا هو عين البدعة لأن التوحيد هو: عبادة الله وحده بما شرع على ألسن رسله ﵈ والشرك عبادة غير الله معه.
والبدعة (٣) هي: عبادة الله وحده بغير ما شرع على التعيين دون الإجمال.
_________________
(١) كتاب التوحيد -باب من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما-.
(٢) اقتضاء الصراط المستقيم ص: ٣١٤: ٣١٥.
(٣) هذا تعريف البدعة الغير مكفرة -أي: البدع التي وقع فيها أهل القبلة ولم يخرجوا بها من الإسلام. وقولي على التعيين دون الإجمال أي: أصاب متابعة الشرع على الإجمال دون التعيين في المتابعة لهذه الجزئية من العبادات، وإلا فترك المتابعة كفر لا ريب فيه. وبهذا يظهر الفرق بين الكافر والمبتدع. فالأول ترك الاتباع إجمالًا فضلًا عن التفضيل والثاني متابعته على الإجمال تشفع له خطأه في التفصيل.
[ ٢٤٦ ]
فالذي يعبد الله وحده عند البيت الحرام يجو عظم الثواب فهذا موحد على السنة لأن الله فضل هذا المكان على غيره.
وأما من يعبد الأموات. فهو مشرك لصرفه العبادة لغير الله.
وأما من يعبد الله وحده لا شريك له عند القبور فهذا موحد لم يشرك بالله غيره إلا أنه مبتدع لأنه فضل مكانًا بغير برهان من الشرع، فخرج من السنة إلى البدعة بهذا.
العبد منذ أسلم مكلف بالتوحيد على الفور:
والقوم لم يطلبوا الشرك الأكبر يقينًا لأنه كما ذكرت من قبل أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة بلا نزاع بين العلماء ومن المعلوم أن العبد منذ دخل في الإسلام وهو مطالب بالتوحيد والنهي عن الشرك فكيف يجوز تأخير هذا الأمر؟
فهل يظن ظان أن النبي، ﷺ، لم يحدث أمته عن الشرك ويبينه لهم وينهاهم عنه، وينتظر حتى يقع في الأمة شرك في النسك فيقول عندها: هذا شرك بالله، ثم يقع شرك في الحاكمية فعندها يخبر الأمة: أن هذا شرك بالله، ثم يقع شرك في الولاية فيخبر ساعتها أن هذا شرك ولا تعودوا إليه ولو لم يقع لا ينهى، ﷺ، عنه.
أقول: سبحانك هذا بهتان عظيم وطعن في نبي الله ومصطفاه، ﷺ، إذ كيف يأمر معاذًا عند قدومه لأهل الكتاب أن يدعوهم إلى التوحيد، ولا ينتقل منه إلى الشرائع حتى يعرفوا الله المعرفة التي تفرق بين التوحيد والشرك وأن يعرفهم إلههم الذي يجهلونه، ولا يفعل هو، ﷺ، ذلك -والعياذ بالله- فإنا نبرأ بنينا، ﷺ، من هذا النقص والازدراء ويلزم من هذا القول الخبيث أن كثيرًا من الصحابة ماتوا قبل أن يعلموا ويستكملوا حقيقة التوحيد والشرك.
فعلى من يظن هذا أن يراجع إيمانه ويتقي الله في نفسه قبل أن يسأل في القبر عن نبيه، ﷺ، فلا يستطيع الإجابة ويقول: هاه هاه لا أدري سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته.
فإني على يقين من أنه لا يدخل عبد في الإسلام إلا ويعلمه النبي، ﷺ، التوحيد وحسنه والشرك وقبحه في ساعتها وإلا فالأمة مجمعة على أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة في فروع الشريعة فكيف الحال بأصل الأصول وهو التوحيد والنهي عن الشرك فهل هذا يجوز تأخير بيانه؟.
[ ٢٤٧ ]
علم قوم النبي ﷺ باللسان العربي:
وقوم النبي، ﷺ، كانوا علماء باللسان العربي الذي نزل به القرآن وهذا بنص التنزيل قال تعالى: (كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ). [فصلت: ٣].
قال الإمام البغوي (قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ). اللسان العربي، ولو كان بغير لسانهم ما علموه. ا. هـ.
وقال الشوكاني: (لقوم يعلمون) أي: يعلمون معانيه ويفهمونها وهم أهل اللسان العربي. اهـ.
فهم يعلمون ويفقهون ما دعوا إليهم لأنهم أهل اللسان العربي.
فكان من يكفر منهم يكفر على علم بدعوة القرآن لإفراد الله -جل ثناؤه- بالتأله والكفر بما يعبد من دونه لذلك قالوا: (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا). ومن آمن منهم آمن على علم.
فالكفار علموا مراد النبي، ﷺ، من دعوته إليهم فكيف لا يعلم من آمن منهم مراد نبيه، ﷺ،؟!
فمن هذا يعلم أن السؤال منهم لم يكن في الشرك الأكبر ولكن هو مجرد المشابهة للمشركين.
حديث القدرة:
الشبهة الرابعة: الاستدلال خطأ بحديث القدرة وهو في الصحيحين أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أن رسول الله، ﷺ، قال "قال رجل لم يعمل حسنة قط لأهله إذا مات فحرقوه ثم اذروا نصفه في البر ونصفه في البحر فو الله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين فلما مات الرجل فعلوا ما أمرهم فأمر الله البر فجمع ما فيه وأمر البحر فجمع ما فيه ثم قال لم فعلت هذا قال من خشيتك يا رب وأنت أعلم فغفر الله له".
قال النووي: اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث، فقالت طائفة: لا يصح حمل هذا على أنه أراد نفي قدرة الله فإن الشاك في قدرة الله -تعالى- كافر، وقد قال في آخر الحديث: إنه إنما فعل هذا من خشية الله -تعالى- والكافر لا يخشى الله -تعالى- ولا يغفر له، قال هؤلاء فيكون له تأويلان أحدهما: أن معناه لئن قدر على العذاب أي: قضاه يقال عنه قدر بالتخفيف وقدر بالتشديد بمعنى واحد.
[ ٢٤٨ ]
والثاني: أن قدر هنا بمعنى ضيق عليّ. قال الله -تعالى- (فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ) وهو أحد الأقوال في قوله تعالى (فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ).
وقالت طائفة: اللفظ على ظاهره ولكن قاله هذا الرجل وهو غير ضابط لكلامه ولا قاصد لحقيقة معناه ومعتقد لها بل قاله في حالة غلب عليه فيها الدهش والخوف وشدة الجزع بحيث ذهب تيقظه وتدبر ما يقوله فصار في معنى الغافل والناسي وهذه الحالة لا يؤاخذ فيها وهو نحو قول القائل الآخر الذي غلب عليه الفرح حين وجد راحلته "أنت عبدي وأنا ربك" فلم يكفر بذلك الدهش والغلبة والسهو.
وقد جاء في هذا الحديث في غير مسلم "فلعى أضل الله" أي: أغيب عنه وهذا يدل على أن قوله لئن قدر الله على ظاهره.
وقالت طائفة: هذا من مجاز كلام العرب وبديع استعمالها يسمونه مزج الشك باليقين كقوله تعالى: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى). فصورته صورة الشك والمراد به اليقين.
وقالت طائفة: هذا الرجل جهل صفة من صفات الله -تعالى- وقد اختلف العلماء في تكفير جاهل الصفة.
قال القاضي: وممن كفره بذلك ابن جرير الطبري وقاله: أبو الحسن الأشعري أولًا.
وقال آخرون: لا يكفر بجهل الصفة ولا يخرج به عن اسم الإيمان بخلاف جحدها وإليه رجع: أبو الحسن الأشعري وعليه استقر قوله لأنه لم يعتقد ذلك اعتقادًا يقطع بصوابه ويراه دينًا وشرعًا، وإنما يكفر من اعتقد أن مقالته حق. قال هؤلاء: ولو سئل الناس عن الصفات لوجد العالم بها قليلًا.
وقالت طائفة: كان هذا الرجل في زمن فترة حين ينفع مجرد التوحيد ولا تكليف قبل ورود الشرع على المذهب الصحيح لقوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا).
وقالت طائفة: يجوز أنه كان في زمن شرعهم فيه جواز العفو عن الكافر بخلاف شرعنا وذلك من مجوزات العقول عند أهل السنة وإنما منعناه في شرعنا بالشرع وهو قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ). وغير ذلك من الأدلة والله أعلم (١). ا. هـ.
_________________
(١) صحيح مسلم بشرح النووي جـ: ٧ ص: ٧٠: ٧٤.
[ ٢٤٩ ]
ظاهر الحديث مشكل:
وقال الحافظ قال الخطابي: قد يستشكل هذا فيقال: كيف يغفر له وهو منكر للبعث والقدرة على إحياء الموتى؟ والجواب:
إنه لم ينكر البعث وإنما جهل فظن أنه إذا فعل به ذلك لا يعاد فلا يعذب. وقد ظهر إيمانه باعترافه بأنه إنما فعل ذلك من خشية الله.
قال ابن قتيبة: قد يغلط في بعض الصفات قوم من المسلمين فلا يكفرون بذلك. ورده ابن الجوزي وقال: جحده صفة القدرة كفر اتفاقًا وإنما قيل: إن معنى قوله: (لئن قدر الله عليّ). أي: ضيق وهي كقوله (وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ). أي: ضيق.
وأما قوله (لعلي أضل الله) فمعناه: لعلي أفوته يقال: ضل الشيء إذا فات وذهب وهو كقوله (لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى). ولعل هذا الرجل قال ذلك من شدة جزعه وخوفه كما غلط ذلك الآخر فقال: "أنت عبدي وأنا ربك" أو يكون قوله "لئن قدّر علي" بتشديد الدال أي: قدر علي أن يعذبني ليعذبني أو على أنه كان مثبتا للصانع وكان في زمن الفترة فلم تبلغه شرائط الإيمان.
وأظهر الأقوال أنه قال ذلك: في حال دهشته وغلبة الخوف عليه حتى ذهب بعقله لما يقول ولم يقله قاصدًا لحقيقة معناه بل في حالة كان فيها كالغافل والذاهل والناسي الذي لا يؤاخذ بما يصدر منه وأبعد الأقوال قول من قال: إنه كان في شرعهم جواز المغفرة للكافر (١). ا. هـ.
قيام هذا الرجل بالتوحيد:
قلت: فهذه أقوال العلماء في تأويل هذا الحديث هل قال أحد منهم أنه جهل قدرة الله بالكلية في الإجمال والتفصيل وكان جاهلًا فعذر بجهله؟ هذه واحدة-.
الثانية أن هذا الحديث ليس في التوحيد وترك الشرك الذي هو أصل الدين ولكن في جهل الصفات لذلك أخرج الإمام أحمد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ وغير واحد عن الحسن وابن سيرين عن النبي ﷺ قال: كان رجل ممن قبلكم لم يعمل خيرًا قط إلا التوحيد فلما احتضر
_________________
(١) فتح الباري -كتاب أحاديث الأنبياء- جـ: ٦ ص: ٦٠٤.
[ ٢٥٠ ]
قال لأهله انظروا إذا أنا مت أن يحرقوه حتى يدعوه حمما ثم اطحنوه ثم أذروه في يوم ريح فلما مات فعلوا ذلك به فإذا هو في قبضة الله فقال الله ﷿ يا ابن دم ما حملك على ما فعلت قال: أي ربي من مخافتك قال فغفر له بها ولم يعمل خيرًا قط إلا التوحيد (١).
قال صاحب الأحاديث القدسية نقلًا عن القسطلاني في شرح الصحيح لم (يقدم عند الله خيرًا) ليس: المراد نفي كل خير على العموم، بل نفي ما عدا: التوحيد ولذلك غفر له، وإلا فلو كان التوحيد منتفيًا عنه، لتحتم عقابه سمعًا ولم يغفر له وليس ذلك شكًا منه في قدرة الله على إحيائه ولا إنكارًا للبعث وإلا لم يكن موقنًا، وقد أظهر إيمانه بأنه إنما فعل ذلك من خشية الله -تعالى (٢) -. ا. هـ.
(١) فهذا الحديث خرج عن محل النزاع فهو ليس في قضية التوحيد التي هي أصل الأصول.
(٢) تأويل العلماء لهذا الحديث وصرفه عن معناه الظاهري لخير بيان أن ظاهر هذا الحديث غير مراد وأنه معارض لأصولهم الكلية، وهم ينزلون قضايا الأعيان على مقتضى القواعد الكلية.
فإن كان من أصوالهم: إعذار الجاهل لقالوا جميعًا: أن هذا الرجل جهل قدرة الله وكان جاهلًا وعذر بجهله وكفوا أنفسهم مؤنة التأويل! لأن التأويل عندهم شر لا يذهبون له إلا في حالة الضرورة عندما تصطدم قضية من قضايا الأعيان أو دليل جزئي مع القواعد والأصول الكلية.
المبحث الثالث: التأويل دليل على مخالفة النص الجزئي لقاعدة كلية:
قال الشاطبي: فإذا ثبت بالاستقراء قاعدة كلية ثم أتى النص على جزئي يخالف القاعدة بوجه من وجوه المخالفة فلا بد من الجمع في النظر بينهما، لأن الشارع لم ينص على ذلك الجزئي إلا مع الخلط على تلك القواعد. إذ كلية هذا معلومة ضرورة بعد الإحاطة بمقاصد الشريعة فلا يمكن والحالة هذه أن تحرم القواعد بإلغاء ما اعتبره الشارع، وإذا ثبت هذا لم يمكن أن يعتبر الكلي ويلغى الجزئي (٣). ا. هـ.
_________________
(١) مسند الإمام أحمد جـ: ٢ ص: ٣٠٤ طبعة مؤسسة قرطبة.
(٢) الأحاديث القدسية جـ: ١ ص: ٩٠.
(٣) الموافقات جـ: ٣ ص: ١٠٩.
[ ٢٥١ ]
وقال أيضًا: إذا ثبت قاعدة عامة أو مطلقة فلا تؤثر فيها معارضة قضايا الأعيان ولا حكايات الأحوال والدليل على ذلك أمور
(الثالث) أن قضايا الأعيان جزئية، والقواعد المطردة كليات ولا تنهض الجزئيات أن تنقض الكليات. ولذلك تبقى أحكام الكليات جارية في الجزئيات وإن لم يظهر فيها معنى الكليات على الخصوص (١). ا. هـ.
وقال أبو زهرة: التأويل شروطه
ثانيها أن يكون: ثمة موجب للتأويل بأن يكون ظاهر النص مخالفًا لقاعدة مقررة معلومة من الدين بالضرورة أو مخالفًا لنص أقوى منه سندًا (٢). ا. هـ.
وقال النووي: باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا فلا يخلد في النار أحد مات على التوحيد ولو عمل من المعاصي ما عمل كما أنه لا يدخل الجنة أحد مات على الكفر ولو عمل من أعمال البر ما عمل.
هذا مختصر جامع لمذهب أهل الحق في هذه المسألة وقد تظاهرت أدلة الكتاب والسنة وإجماع من يعتد به من الأمة على هذه القاعدة وتواترت بذلك نصوص تحصل العلم القطعي فإذا تقررت هذه القاعدة حمل عليها جميع ما ورد من أحاديث الباب وغيره فإذا ورد حديث في ظاهره مخالفة وجب تأويله عليها ليجمع بين نصوص الشرع (٣). ا. هـ.
قلت: فهذه نقول العلماء قاضية بأنه إذا: تقررت قاعدة كلية وجاء ما يصادمها في الظاهر من قضايا الأعيان أو الأدلة الجزئية يجب حملها على مقتضى القواعد الشرعية وتأويلها عليها لتأتلف النصوص وليجمع بينها.
فتأويل جمهور العلماء لظاهر حديث القدرة أكبر دليل على أن ظاهره يضاد أصلًا كليًا عندهم أو دليلًا أقوى منه دلالة فلهذا فروا إلى التأويل.
(٣) هل هذا الرجل جهل قدرة الله والبعث؟
_________________
(١) الموافقات جـ: ٣ ص: ٢٦١: ٢٦٢.
(٢) أصول الفقه لأبي زهرة ص: ١٠٦: ١٠٧.
(٣) صحيح مسلم بشرح النووي جـ: ١ ص: ٢١٧.
[ ٢٥٢ ]
الجواب: أنه لم يجهل هذا بدليل أنه أمر نبيه أن يفعلوا به ما وصاهم به. وإلا لقال لهم: إذا مت فاقبروني بهيئتي لئن قدر الله علي ليعذبني.
ولكن هو كما قال العلماء: أنه ظن أنه إن فعل أولاده فيه ما أوصى به أن يكون جمعه والحال هذه من الممتنعات، والممتنعات خارجة عن نطاق القدرة وهذا لا يعلم إلا بشرع.
قال الإمام الدهلوي: فهذا الرجل استيقن بأن الله متصف بالقدرة التامة لكن القدرة إنما هي في الممكنات لا في الممتنعات. وكان يظن أن جمع الرماد المتفرق نصفه في البر ونصفه في البحر ممتنع، فلم يجعل ذلك نقصًا فأخذ بقدر ما عنده من العلم ولم يعد كافرًا (١). ا. هـ.
إيمان الرجل بقدرة الله على البعث:
والدليل على أنه كان مؤمنًا بقدرة الله الرواية التي في صحيح مسلم "فإني لم أبتهر عند الله خيرًا وإن الله يقدر على أن يعذبني".
قال النووي: (وإن الله يقدر على أن يعذبني) هكذا هو في معظم النسخ ببلادنا ونقل اتفاق الرواة والنسخ عليه هكذا بتكرير "إن" وسقطت لفظة "أن" الثانية في بعض النسخ المعتمدة فعلى هذا تكون: إن الأولى شرطية وتقديره: إن قدر الله علي عذبني وهو موافق للرواية السابقة، وأما على رواية الجمهور وهي إثبات أن الثانية مع الأولى فاختلف في تقديره
ويجوز أن يكون على ظاهره كما ذكر هذا القائل لكن يكون قوله هنا معناه: إن الله قادر على أن يعذبني إن دفنتموني بهيئتي، فأما إن سحقتموني وذريتموني في البر والبحر فلا يقدر علي، ويكون جوابه كما سبق وبهذا تجتمع الروايات والله أعلم (٢). ا. هـ.
قلت: فهذه الرواية التي عليها جمهور الرواة تدل بجلاء على أن الرجل كان مؤمنًا بقدرة الله عليه في الجملة وجهل وشك في هذه الصورة الدقيقة.
ومعلوم أن جهل هذه الصورة الدقيقة لا يطعن في ألوهية الله لذلك جاءت الرواية عنه (لم يعمل خيرًا شيئًا قط إلا التوحيد).
بخلاف من شك في أصل قدرة الله فهذا طعن في ألوهيته إذ كيف يكون الإله عاجزًا أو جاهلًا أو ميتًا أو أصم أو لا يخلق فهذه تطعن طعنًا مباشرًا في ألوهية الله.
_________________
(١) حجة الله البالغة جـ: ١ ص: ٦٠.
(٢) صحيح مسلم بشرح النووي جـ: ١٧ ص: ٨٣: ٨٤.
[ ٢٥٣ ]
لذلك لم يكن الجهل بالصفات جهلًا بالذات إلا أن تكون هذه الصفة لا تتصور الذات بدونها ويكون مفهوم التأله قائم عليها فهذه الجهل بها جهل بالذات. ويراجع هذا في شرح حديث معاذ لأهل الكتاب.
فهذه هي أقوال العلماء في تأويل هذا الحديث فهل بعد سردها بقيت شبهة في عدم جواز الاستدلال بها؟!.
وأختم الحديث في هذا الحديث بقول الإمام أبي بطين عليه قال: واحتج: من يجادل عن المشركين بقصة الذي أوصى أهله أن يحرقوه بعد موته على أن: من ارتكب الكفر جاهلًا لا يكفر ولا يكفر إلا المعاند.
والجواب: عن ذلك كله أن الله -﷾- أرسل رسله مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وأعظم ما أرسلوا به ودعوا إليه عبادة الله وحده لا شريك له، والنهي عن الشرك الذي هو: عبادة غيره.
فإن كان مرتكب الشرك الأكبر معذورًا لجهله فمن هو الذي لا يعذر؟ ولازم هذه الدعوى أنه ليس لله حجة على أحد إلا المعاند مع أن أصحاب هذه الدعوى لا يمكنه طرد أصله بل لا بد أن يتناقض.
فإنه لا يمكنه أن يتوقف في تكفير من شك في رسالة محمد، ﷺ، أو شك في البعث أو غير ذلك من أصول الدين، والشاك جاهل.
والفقهاء -﵏- يذكرون في كتب الفقه حكم المرتد وأنه: المسلم الذي يكفر بعد إسلامه نطقًا أو فعلًا أو اعتقادًا أو شكًا.
وسبب الشك: الجهل ولازم هذا لا يكفر جهلة اليهود والنصارى ولا الذين يسجدون للشمس والقمر والأصنام لجهلهم، ولا الذين حرقهم علي بن أبي طالب -﵁- بالنار لأننا نقطع أنهم جهال وقد أجمع العلماء -﵏- على كفر من لم يكفر اليهود والنصارى أو يشك في كفرهم، ونحن نتيقن أن أكثرهم جهال
فالمدعي: أن مرتكب الكفر متأولًا أو مجتهدًا أو مخطئًا أو مقلدًا أو جاهلًا معذور مخالف للكتاب والسنة والإجماع بلا شك مع أنه لا بد أن ينقض أصله فلو اطرد أصله كفر بلا ريب، كما لو توقف في تكفير: من شك في رسالة محمد، ﷺ،.
[ ٢٥٤ ]
وأما الرجل الذي أوصى أهله أن يحرقوه وأن الله غفر له مع شكه في صفة من صفات الرب -سبحانه- فإنما غفر له لعدم بلوغ الرسالة له كذا قال غير واحد من العلماء، ولهذا قال الشيخ تقي الدين -رحمه الله تعالى-: من شك في صفة من صفات الرب ومثله لا يجهلها كفر، وإن كان مثله بجهلها لم يكفر قال: ولهذا لم يكفر النبي، ﷺ، الرجل الشاك في قدرة الله -تعالى- لأنه لا يكون إلا بعد بلوغ الرسالة.
وكذا قال ابن عقيل وحمله على أنه لم تبلغه الدعوة واختبار الشيخ تقي الدين في الصفات أنه لا يكفر الجاهل، وأما في الشرك ونحوه فلا كما ستقف على بعض كلامه إن شاء الله -تعالى- وقد قدمنا بعض كلامه في الاتحادية وغيرهم وتكفيره من شك في كفرهم. قال: صاحب اختياراته: والمرتد من أشرك بالله وكان مبغضًا لرسوله أو لما جاء به أو ترك إنكار كل منكر بقلبه أو جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم كفر إجماعًا. ومن شك في صفة من صفات الله (الكلام لشيخ الإسلام ابن تيمية) ومثله لا يجهلها فمرتد، وإن كان مثله يجهلها فليس بمرتد، ولهذا لم يكفر النبي، ﷺ، الرجل الشاك: في قدرة الله تعالى.
فأطلق فيما تقدم من المكفرات، وفرق في الصفة بين الجاهل وغيره، مع أن رأي الشيخ ﵀ في التوقف عن تكفير الجهمية ونحوهم خلاف نصوص الإمام أحمد وغيره من أئمة الإسلام.
قال المجد رحمه الله تعالى: كل بدعة كفرنا فيها الداعية فإنا نفسق المقلد فيها كمن يقول: بخلق القرآن أو أن علم الله مخلوق أو أن أسماءه مخلوقة أو أنه لا يرى في الآخرة أو يسب الصحابة تدينًا أو أن الإيمان: مجرد اعتقاد وما أشبه ذلك.
فمن كان عالمًا بشيء من هذه البدع يدعو إليه ويناظر عليه فهو محكوم بكفره نص أحمد على ذلك في مواضع انتهى.
فانظروا كيف حكموا بكفرهم مع جهلهم (١) ا. هـ.
_________________
(١) الانتصار لحزب الله الموحدين ص: ١٦، ١٨.
[ ٢٥٥ ]
الفصل الثالث
تقسيم الدين إلى أصول وفروع
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: أصول الدين المزعومة عند أهل البدع.
المبحث الثاني: إحكام أصول الدين وبيانها بيانًا شافيًا قاطعًا للعذر.
[ ٢٥٧ ]
الفصل الثالث
تقسيم الدين إلى أصول وفروع
ردد كثير من الإخوة الذين ينافحون عن أسلمة الشركين بأية طريقة وسبيل عبارة مقطوعة لشيخ الإسلام ابن تيمية أن تقسيم الدين إلى أصول وفروع بدعة، ورموا من يقول: بأن للدين أصول وفروع بالبدعة -أقول وبالله التوفيق:
ألم يأن للذين يرددون هذه المقالة أن يتقوا ربهم فإن هذا الأمر تقشعر منه الجلود وتنقطع له القلوب -ألم يسمعوا قول الله: (إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ). وقوله تعالى: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ، بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ). وقوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ). مع تفسير النبي، ﷺ، للظلم بأنه الشرك الأكبر مُذكرًا بقوله تعالى: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ). ألم يسمعوا قول النبي، ﷺ،: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله". وقوله: "من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله. ولم يقل أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن الزنا حرام وأن النكاح حلال أو أن الربا حرام وأن البيع حلال؟.
فلو جاء مشرك إلى النبي، ﷺ، وقال أشهد أن الخمر حرام فقط هل كان يحكم بإسلامه؟
هل يريدون منا أن نقول أن التوحيد كإماطة الأذى عن الطريق وأن الشرك كالمعصية لا فرق بينهما؟ سبحانك هذا افتراء عظيم فإن القرآن والسنة من أولهما إلى آخرهما يردان على هذا الزعم المفترى.
المبحث الأول: أصول الدين المزعومة عند أهل البدع:
أما كلام الشيخ -﵀- فإنه يتحدث عن الأصول التي أصلها أهل البدع المخالفة لأصول الدين التي جاء بها الرسول ﷺ من المسائل والدلائل، والتي وقّفوا إسلام العبد على الإتيان بها ولا عذر في تركها. وما دونها فهي: الفروع وتحتمل العذر بالجهل والتأويل.
وما من فرقة من الفرق إلا ولها أصول تدعي أنها أصول الدين وهي مخالفة لأصول
[ ٢٥٩ ]
الدين التي جاء بها الرسول صلى الله عليه ولسم وتكفر من لم يأت بها وتعذر فيما هو من دونها كأمثال الجهمية والمعتزلة والرافضة وغيرهم.
قال الشيخ: واسم التوحيد اسم معظم جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب، فإذا جعل تلك المعاني التي نفاها من التوحيد ظن من لم يعرف مخالفة مراده لمراد الرسول، ﷺ، أنه يقول بالتوحيد الذي جاءت به الرسل ويسمى طائفته الموحدين، كما يفعل ذلك: الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم على نفي شيء من الصفات ويسمون ذلك: توحيدًا وطائفتهم: الموحدين، ويسمون علمهم: علم التوحيد كما تسمى المعتزلة ومن وافقهم نفي القدر: عدلًا، ويسمون أنفسهم: العدلية وأهل العدل ومثل هذه البدع كثير جدًا يعبر بألفاظ الكتاب والسنة عن معان مخالفة لما أراده الله ورسوله بتلك الألفاظ، ولا يكون أصحاب تلك الأقوال تلقوها ابتداء عن الله -﷿- ورسوله، ﷺ، بل عن شبهة حصلت لهم وأئمة لهم وجعلوا التعبير عنها بألفاظ الكتاب والسنة حجة لهم وعمدة لهم ليُظهر بذلك أنهم متابعون للرسول، ﷺ، لا مخالفون له.
وكثير منهم لا يعرفون أن ما ذكروه مخالف للرسول، ﷺ، بل يظن أن هذا المعنى الذي أراده هو المعنى الذي أراده الرسول، ﷺ، وأصحابه ..
(إلى أن قال) والقرآن مملوء من ذكر وصف الله بأنه أحد وواحد ومن ذكر أن إلهكم واحد ومن ذكر أنه: لا إله إلا الله ونحو ذلك.
فلا بد أن يكون الصحابة يعرفون ذلك فإن معرفته أصل الدين وهو أول ما دعا الرسول، ﷺ، إليه الخلق وهو أول ما يقاتلهم عليه وهو أول ما أمر رسله أن يأمروا الناس به وقد تواتر عنه أنه أول ما دعا الخلق إلى أن يقولوا لا إله إلا الله (١). ا. هـ.
المبحث الثاني: أحكام أصول الدين وبيانها بيانًا شافيًا قاطعا للعذر:
وقال: (ردًا على سؤال جاءه): هل يجوز الخوض فيما تكلم الناس فيه من مسائل في أصول الدين لم ينقل عن سيدنا محمد، ﷺ، فيها كلام أم لا؟
فإن قيل بالجواز: فما وجهه؟ فأجاب:
الحمد لله رب العالمين (أما المسألة الأولى) فقول السائل هل يجوز الخوض فيما تكلم
_________________
(١) جـ: ١٧ ص: ٣٥٢ لمجموع الفتاوى.
[ ٢٦٠ ]
الناس فيه من مسائل في أصول الدين لم ينقل عن سيدنا محمد فيها كلام أم لا؟ سؤال ورد بحسب ما عهد عن الأوضاع المبتدعة الباطلة.
فإن المسائل التي هي من أصول الدين التي تستحق أن تسمى: أصول الدين أعني: الدين الذي أرسل الله به رسوله وأنزل به كتابه لا يجوز أن يقال: لم ينقل عن النبي، ﷺ، فيها كلام، بل هذا كلام متناقض في نفسه إذ كونها من أصول الدين يوجب أن تكون من أهم أمور الدين، وأنها مما يحتاج إليه الدين.
ثم نفى نقل الكلام فيها عن الرسول يوجب أحد أمرين:
إما أن الرسول أهمل الأمور المهمة: التي يحتاج الدين إليها فلم يبينها أو أنه بينها فلم تنقلها الأمة.
وكلا هذين باطل قطعًا، وهو من أعظم مطاعن المنافقين في الدين، وإنما يظن هذا وأمثاله من هو جاهل بحقائق ما جاء به الرسول، أو جاهل بما يعقله الناس بقلوبهم، أو جاهل بهما جميعًا.
فإن جهله بالأول يوجب عدم علمه بما اشتمل عليه ذلك من أصول الدين وفروعه.
وجهله بالثاني يوجب أن يدخل في الحقائق المعقولة ما يسميه هو وأشكاله عقليات وإنما هي: جهليات، وجهله بالأمرين يوجب أن يظن من أصول الدين ما ليس منها من المسائل والوسائل الباطلة، وأن يظن عدم بيان الرسول لما ينبغي أن يعتقد في ذلك كما هو الواقع لطوائف من أصناف الناس حذاقهم فضلًا عن عامتهم
فكل ما يحتاج الناس إلى معرفته واعتقاده والتصديق به من هذه المسائل فقد بينه الله ورسوله بيانًا شافيًا قاطعًا للعذر. إذ هذا من أعظم ما بلغه الرسول البلاغ المبين، وبينه للناس وهو من أعظم ما أقام الله به الحجة على عباده فيه بالرسل الذي بينوه وبلغوه
وإنما الغرض التنبيه على أن في القرآن والحكمة النبوية عامة أصول الدين من المسائل والدلائل: التي تستحق أن تكون أصول الدين.
وأما ما يدخله بعض الناس في هذا المسمى من الباطل فليس ذلك من أصول الدين، وإن أدخله فيه مثل المسائل والدلائل الفاسدة مثل: نفي الصفات والقدر ونحو ذلك من المسائل (١). ا. هـ.
_________________
(١) جـ: ٣ ص: ٢٩٣: ٣٠٣ لمجموع الفتاوى.
[ ٢٦١ ]
أصل الدين التلقي من الله وحده:
وقال الشيخ ﵀ معرفًا أصل الدين: وأصل الدين: أنه لا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله ولا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله ولا مكروه إلا ما كره الله ورسوله ولا حلال إلا ما أحله الله ورسوله ولا مستحب إلا ما أحبه الله ورسوله.
فالحلال ما حلله الله ورسوله والحرام ما حرمه الله ورسوله والدين ما شرعه الله ورسوله ولهذا أنكر الله على المشركين وغيرهم ما حللوه أو حرموه أو شرعوه من الدين بغير إذن من الله (١). ا. هـ.
أصل الدين: عبادة الله وحده والإيمان به:
وقال: وأن يعلم المسلمون كلهم أنما عليه المبتدعون المراؤون ليس من الدين ولا من فعل عباد الله الصالحين، بل من فعل أهل الجهل والضلال والإشراك بالله -تعالى- الذين يخرجون عن توحيده وإخلاص الدين له وعن طاعة رسله.
وأصل الإسلام: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فمن طلب بعبادته الرياء والسمعة فلم يحقق شهادة أن لا إله إلا الله ومن خرج عما أمر به الرسول من الشريعة وتعبد بالبدعة فلم يحقق شهادة أن محمدًا رسول الله.
وإنما يحقق هذين الأصلين من لم يعبد إلا الله ولم يخرج عن شريعة رسول الله، ﷺ، التي بلغها عن الله (٢) ا. هـ.
وقال فالدعوة إلى الله تكون: بدعوة العبد إلى دينه. وأصل ذلك عبادته وحده لا شريك له كما بعث الله بذلك رسله وأنزل كتبه
فالرسل متفقون في الدين الجامع للأصول الاعتقادية والعملية، فالاعتقادية: كالإيمان بالله وبرسله وباليوم الآخر والعملية كالأعمال العامة المذكورة في الأنعام والأعراف
ولهذا كان الخطاب في السور المكية "يا أيها الناس" لعموم الدعوة إلى الأصول، إذ لا يدعى إلى الفرع من لا يقر بالأصل (٣). ا. هـ.
_________________
(١) جـ: ٢٩ ص: ٣٤٥ لمجموع الفتاوى.
(٢) جـ: ١١ ص: ٦١٧ لمجموع الفتاوى.
(٣) جـ: ٦٥ ص: ١٥٨: ١٦٠ لمجموع الفتاوى.
[ ٢٦٢ ]
وقال: اسم الإيمان قد تكرر ذكره في القرآن والحديث أكثر من ذكر سائر الألفاظ وهو أصل الدين وبه يخرج الناس من الظلمات إلى النور، ويفرق بين السعداء والأشقياء (١). ا. هـ. وقال والدين القائم بالقلب من الإيمان علمًا وحالًا هو الأصل، والأعمال الظاهرة هي الفروع وهي كمال الإيمان. فالدين أول ما يبنى من أصول ويكمل بفروعه كما أنزل الله بمكة أصوله من التوحيد والأمثال التي هي المقاييس العقلية والقصص والوعد والعيد ثم أنزل بالمدينة لما صار له قوة فروعه الظاهرة من الجمعة والجماعة ..
فأصوله تمد فروعه وتثبتها وفروعه تكمل أصوله وتحفظها (٢) ا. هـ.
وقال وأيضًا فإن التوحيد أصل الإيمان، وهو الكلام الفارق بين أهل الجنة وأهل النار وهو ثمن الجنة ولا يصح إسلام أحد إلا به (٣). ا. هـ.
قلت: بعد هذه النقول عن الشيخ -﵀- ولولا خشية الإطالة لجئت منها بالكثير أسأل الله -تعالى- أن كل عبد يعتقد أن الدين ليس له أصولًا وفروعًا وأن التوحيد والطاعات والشرك والمعاصي على رتبة واحدة لا فرق بينهم أن يتقي الله في نفسه ويفيء إلى الحق الذي ليس بعده إلا الضلال اللهم بلغت اللهم فاشهد.
* * *
_________________
(١) جـ: ٧ ص: ٢٨٩ لمجموع الفتاوى.
(٢) جـ: ١٠ ص: ٣٥٥ لمجموع الفتاوى.
(٣) جـ: ٢٤ ص: ٢٣٥ لمجموع الفتاوى.
[ ٢٦٣ ]
الفصل الرابع
موقف ابن تيمية وابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب من تكفير المعين
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: المشرك ليس من عداد المسلمين.
المبحث الثاني: الجهل سبب غلبة الشرك على النفوس.
المبحث الثالث: الاسم الواحد يثبت وينفي بحسب ما يتعلق به من أحكام.
المبحث الرابع: تعريف الكفر الذي ينفيه هؤلاء الأئمة.
[ ٢٦٥ ]
الفصل الرابع
موقف ابن تيمية وابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب من تكفير المعين
وفي هذا الفصل أعرض فيه بمشيئة الله وعونه موقف ابن تيمية وابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب من هذه القضية التي نحن بصددها وهي هل يعذر المشرك بجهله أم لا؟
أقول وبالله التوفيق: إن هؤلاء الأئمة لا يعذرون بالجهل في أصل الأصول وهو التوحيد وترك الشرك خاصة دون غيره من الشرائع وهذا لما يلي:
المبحث الأول: المشرك ليس من عداد المسلمين:
(١) تعريفهم وتوصيفهم للإسلام يوضح بجلاء إخراج المشرك عن مسمى المسلمين ويراجع ما نقلته عنهم. في هذا الشأن واكتفي بذكر بعض النقول هنا عنهم.
قال ابن تيمية: وأيضًا فإن التوحيد أصل الإيمان وهو الكلام الفارق بين أهل الجنة وأهل النار وهو ثمن الجنة ولا يصح إسلام أحد إلا به-.
وقال أيضًا ودين الإسلام الذي ارتضاه الله وبعث به رسله هو الاستسلام لله وحده فأصله في القلب وهو الخضوع لله وحده بعبادته وحده دون سواه. فمن عبده وعبد معه إلهًا آخر لم يكن مسلمًا ومن لم يعبده بل واستكبر عن عبادته لم يكن مسلمًا والإسلام هو الاستسلام لله وحده.
وقال ابن القيم: إن الإسلام: ليس هو المعرفة فقط ولا المعرفة والإقرار فقط بل المعرفة والإقرار والانقياد والتزام طاعته ودينه ظاهرًا وباطنًا.
وقال: والإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له والإيمان برسوله واتباعه فيما جاء به فما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم وإن لم يكن كافرا معاندًا فهو كافر جاهل.
وقال محمد بن عبد الوهاب: اعلم -رحمك الله- أن هذه الكلمة هي الفارقة بين الكفر والإسلام وهي كلمة التقوى وهي العروة الوثقى وهي التي جعلها إبراهيم (كلمة باقية في عقبه
[ ٢٦٧ ]
لعلهم يرجعون).
وليس المراد قولها باللسان مع الجهل بمعناها فإن المنافقين يقولونها -وهم تحت الكفار في الدرك الأسفل من النار مع كونهم يصلون ويتصدقون.
ولكن المراد قولها مع معرفتها بالقلب ومحبتها ومحبة أهلها وبغض ما خالفها ومعاداته كما قال النبي، ﷺ،: "من قال لا إله إلا الله مخلصا". وفي رواية "خالصًا من قلبه" وفي رواية "صادقًا من قلبه" وفي حديث آخر "من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله" إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على جهالة أكثر الناس بهذه الشهادة.
وقال تعليقًا على حديث "من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله" وهذا من أعظم ما يبين معنى: لا إله إلا الله فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصمًا للدم والمال بل ولا معرفة معناها مع لفظها بل ولا الإقرار بذلك بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له بل لا يحرم دمه وماله حتى يضيف بذلك الكفر بما يعبد من دون الله فإن شك أو توقف لم يحرم ماله ودمه فيالها من مسألة ما أعظمها وأجلها ويا له من بيان ما أوضحه وحجة ما أقطعها للمنازع.
وقد سبق نقل هذه النقول من مصادرها ولقد أعدت ذكرها مرة أخرى ليتبين لك أخي القاري. بيقين أن عباد القبور والمشركين غير داخلين في مسمى المسلمين عند هؤلاء الأئمة فهذه واحدة:
لا يخرج العباد عن الشرك أو التوحيد:
(٢) فقد نص هؤلاء العلماء أن الناس صنفان لا ثالث لهما إما موحد لا يعبد إلا الله وحده لا شريك له وإما مشرك يعبد غير الله.
ومن المعلوم أن عباد القبور وكل من قدم شيئًا لغير الله مما لا يكون إلا لله من خصائص الإلهية ليسوا ممن عبدوا الله مخلصين له الدين وإذا كان ذلك كذلك فهؤلاء ليسوا بموحدين وبالتالي فهم مشركون إذ لا ثالث لهما.
قال ابن تيمية: ولهذا كان كل من لم يعبد الله وحده، فلا بد أن يكون عابدًا لغيره. يعبد غيره فيكون مشركًا. وليس في بني آدم قسم ثالث.
بل إما موحد أو مشرك أو من خلط هذا بهذا كالمبدلين من أهل الملل: النصارى ومن أشبههم من الضلال المنتسبين إلى الإسلام.
[ ٢٦٨ ]
فكل من لم يعبد الله مخلصًا له الدين فلا بد أن يكون مشركًا عابدًا لغير الله. وهو في الحقيقة عابد للشيطان.
فكل واحد من بني آدم إما عابد للرحمن وإما عابد للشيطان. قال تعالى: (وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ، وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ، حَتَّى إِذَا جَاءنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ، وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ) (١). ا. هـ.
وقال ابن القيم كما أن من غمر قلبه بمحبة الله -تعالى- وذكره وخشيته والتوكل عليه والإنابة إليه أغناه ذلك عن محبة غيره وخشيته والتوكل عليه، وأغناه أيضًا عن عشق الصور. وإذا خلا من ذلك صار عبد هواه أي شيء استحسنه ملكه واستعبده. فالمعرض عن التوحيد مشرك شاء أم أبى، والمعرض عن السنة مبتدع ضال شاء أم أبى (٢). ا. هـ.
وقال: (وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ). فقسم -سبحانه- الخلائق قسمين: سفيها لا أسفه منه، ورشيدًا.
فالسفيه: من رغب عن ملته إلى الشرك. والرشيد: من تبرأ من الشرك قولًا وعملًا وحالًا فكان قوله توحيدًا وعمله توحيدًا وحاله توحيدًا ودعوته إلى التوحيد (٣). ا. هـ وهذه الثانية
العبادة وشروطها وفساد الشرك لها:
(٣) تقرير هؤلاء الأئمة أن العبادة لله وحده لا تقع مع الشرك به، وأن من شروط تحقق العبادة العلم بالمعبود، والمشرك جاهل بالله -﷿-.
فإن الله هو الرب المالك الخالق لكل شيء وبهذا استحق العبادة والتأله ووجب له الشكر وحده لا شريك له والمشرك لا علم له بهذا وأيضًا من شروط العبادة أن تكون: خالصة لله وحده لا شريك له، وأن يكون المتوجه له مسلمًا حال التوجه لا تقع إلا بهذا.
قال تعالى: (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن
_________________
(١) جـ: ١٤ ص: ٢٨٢: ٢٨٥.
(٢) إغاثة اللهفان جـ: ١ ص: ٢١٤.
(٣) مدارج السالكين جـ: ٣ ص: ٤٤٦.
[ ٢٦٩ ]
بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ).
فالمولى ﵎ لم يكن قط إلا إلهًا واحدًا ولم يأذن في أي وقت بتعدد الآلهة فهو واحد في تألهه وهذا وصف لازم له لا ينفك عنه ولا يعبد إلا به ولا يكفي هذا في العبادة، بل يجب على المتوجه لله أن يكون مسلمًا له أي: خاضعًا مستسلمًا له وحده لا شريك له ظاهرًا وباطنًا ساعة التوجه لا تقع العبادة إلا بهذا.
وهذا ملخص تفسير شيخ الإسلام ابن تيمية لقوله تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ). ومن المعلوم أن المشرك جاهل بهذا كله.
قال ابن تيمية: وأهل النظر والكلام وأهل العقائد من أهل الحديث وغيرهم يتكلمون في العلم والمعرفة والتصديق الذي هو أصل الإرادة: ويقولون: العبادة لا بد فيها من القصد، والقصد لا يصح إلا بعد العلم بالمقصود المعبود، وهذا صحيح فلا بد من معرفة المعبود وما يعبد به.
فالضالون من المشركين والنصارى وأشباههم لهم عبادات وزهادات لكن لغير الله أو بغير أمر الله، وإنما القصد والإرادة النافعة هو إرادة عبادة الله وحده، وهو إنما يعبد بما شرع لا بالبدع وعلى هذين الأصلين يدور دين الإسلام: على أن يعبد الله وحده وأن يعبد بما شرع ولا يعبد بالبدع (١). ا. هـ.
وقال ابن القيم وهل تمكن عبادة الله التي هي حقه على العباد كلهم إلا بالعلم وهل ينال العلم إلا بطلبه (٢) اهـ.
وقال ابن تيمية عند تفسير سورة (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) فقوله (وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ) يتناول شركهم فإذا أشركوا به لم يكونوا عابدين له وإن دعوه وصلوا له وقال: فكل من عبد الله مخلصًا له الدين فهو مسلم في كل وقت.
قلت: وقرر الشيخ أنه لا يعبد إله إبراهيم إلا من كان على ملته. والمشرك ليس على ملة إبراهيم لأن ملته، ﷺ، التوحيد والطاعة لله وحده لا شريك له وترك الشرك عن قصد وعلم كما قال يوسف (إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ، وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ
_________________
(١) جـ: ١٩ ص: ١٧٢: ١٧٣ لمجموع الفتاوى.
(٢) هذه النقول قد مرت من قبل فلتراجع مصادرها.
[ ٢٧٠ ]
آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللهِ مِن شَيْءٍ). الآية.
وقال: فالمشرك الذي جعل مع الله إلهًا آخر لا يدخل في مسمى الإيمان عند الإطلاق
وقال: فمن عبد إلهين لم يكن عابدًا لإلهه (أي يعقوب ﵇) وإله آبائه وإنما يعبد إلهه من عبد إلهًا واحدًا.
ولو كان من عبد الله وعبد معه غيره عابدًا له لكانت عبادته نوعين -عبادة إشراك وعبادة إخلاص.
وقال: فمن عبد معه غيره فما عبده إلهًا واحدًا ومن أشرك به فما عبده وهو لا يكون إلا إلهًا واحدًا فإذا لم يعبده في الحال اللازمة له لم تكن له حال أخرى يعبده فيها فما عبده (١). اهـ. فهذه الثالثة.
ثبوت وصف الشرك قبل الرسالة والحجة عليه العقل والفطرة:
(٤) إثبات هؤلاء الأئمة أن وصف الشرك ثابت قبل الرسالة والحجة عليه العقل والفطرة ولا يحتاج ذلك إلى رسول إلا أن العذاب لا يكون إلا بعد الحجة الرسالية لقوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا).
قال ابن تيمية (وقد مر في بحث التحسين والتقبيح) والجمهور من السلف والخلف على أن: ما كانوا فيه قبل مجيء الرسول من الشرك والجاهلية كان سيئًا قبيحًا لكن لا يستحقون العذاب إلا بعد مجيء الرسول.
وقال أيضًا فهذا كله يبين قبح ما كانوا عليه قبل النهي وقبل إنكاره عليهم.
وقال أيضًا -فلولا أن حسن التوحيد وعبادة الله -تعالى- وحده لا شريك له وقبح الشرك ثابت في نفس الأمر معلوم بالعقل لم يخاطبهم بهذا.
وقال -﵀-: فاسم المشرك ثبت قبل الرسالة فإنه يشرك بربه ويعدل به ويجعل معه آلهة أخرى ويجعل له أندادًا قبل الرسول.
وقال ابن القيم تعليقًا على آية الميثاق: وهذا يقتضي أن نفس العقل الذي به يعرفون التوحيد حجة في بطلان الشرك لا يحتاج ذلك إلى رسول فإنه جعل ما تقدم حجة
_________________
(١) هذه النقول قد مرت من قبل فلتراجع مصادرها.
[ ٢٧١ ]
عليهم بدون هذا وهذا لا يناقض قوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا).
وقال أيضًا فكون ذلك فاحشة وإثمًا وبغيًا بمنزلة كون: الشرك شركًا فهو شرك في نفسه قبل النهي وبعده.
فمن قال: إن الفاحشة والقبائح والآثام إنما صارت كذلك بعد النهي فهو بمنزلة من يقول: الشرك إنما صار شركًا بعد النهي وليس شركًا قبل ذلك. ا. هـ.
قلت: فاسم المشرك ثابت قبل الرسالة والحجة على ذلك العقل والفطرة فما الحكم إذًا بعد الرسالة؟ فهذه الرابعة.
المبحث الثاني: الجهل سبب غلبة الشرك على النفوس:
(٥) إثبات الشرك مع الجهل. وأن الجهل سبب غلبة الشرك على النفوس وأن هذا الحكم عام في كل مشرك سواء من أهل ملتنا أو من غيرها من الملل:
قال ابن تيمية: وأعظم من ذلك أن يقول: اغفر لي وتب علي كما يفعله طائفة من الجهال المشركين.
وأعظم من ذلك: أن يسجد لقبره ويصلي إليه ويرى الصلاة أفضل من استقبال القبلة، حتى يقول بعضهم: هذه قبلة الخواص والكعبة قبلة العوام (١). ا. هـ.
وقال: "اتباع الهوى" درجات: فمنهم المشركون والذين يعبدون من دون الله ما يستحسنون بلا علم ولا برهان (٢). ا. هـ.
وقال وهو يخاطب بعض جماعات التصوف الواقعين في الشرك قال: قال بعضهم: نحن نتوب الناس. فقلت: مماذا تتوبونهم؟
قال: من قطع الطريق والسرقة ونحو ذلك، فقلت: حالهم قبل تتويبكم خير من حالهم بعد تتويبكم، فإنهم كانوا فساقًا يعتقدون تحريم ما هم عليه، ويرجون رحمة الله ويتوبون إليه أو ينوون التوبة فجعلتموهم بتتويبكم ضالين مشركين خارجين عن شريعة الإسلام (٣). ا. هـ.
_________________
(١) جـ: ١ ص: ٣٥١ لمجموع الفتاوى.
(٢) جـ: ١٠ ص: ٥٩٢ لمجموع الفتاوى.
(٣) جـ: ١١ ص: ٤٧٢ لمجموع الفتاوى.
[ ٢٧٢ ]
وقال: فإن قلت: قد يفعل بعض الناس عند قبره مثل هذا (أي الشرك). قلت لك: أما عند القبر فلا يقدر أحد على ذلك، فإن الله أجاب دعوته حيث قال "اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد". وأما في مسجده فإنما يفعل ذلك بعض الناس الجهال، وأما من يعلم شرع الإسلام فإنما يفعل ما شرع، وهؤلاء ينهون أولئك بحسب الإمكان.
فلا يجتمع الزوار على الضلال، وأما قبر غيره فالمسافرون إليهم كلهم جهال ضالون مشركون ويصيرون عند نفس القبر ولا أحد هناك ينكر عليهم (١). ا. هـ.
وقال ابن القيم: وتلاعب الشيطان بالمشركين في عبادة الأصنام له أسباب عديدة تلاعب بكل قوم على قدر عقولهم.
فطائفة دعاهم إلى عبادتها من جهة تعظيم الموتى الذين صوروا تلك الأصنام على صورهم كما تقدم عن قوم نوح -﵇- ولهذا لعن النبي، ﷺ، المتخذين على القبور المساجد والسرج، ونهى عن الصلاة إلى القبور وسأل ربه سبحانه أن لا يجعل قبره وثنًا يعبد ونهى أمته أن يتخذوا قبره عبدًا وقال "اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". وأمر بتسوية القبور وطمس التماثيل.
فأبى المشركون إلا خلافه في ذلك كله إما جهلًا، وإما عنادًا لأهل التوحيد ولم يضرهم ذلك شيئًا وهذا هو السبب الغالب على عوام المشركين (٢). ا. هـ.
وقال أيضًا -﵀-: وأما "القول على الله بغير علم" فليس في أجناس المحرمات أعظم عند الله منه، ولا أشد إثمًا، وهو أصل الشرك والكفر، وعليه أسست البدع والضلالات فكل بدعة مضلة في الدين أساسها القول على الله بلا علم
وأصل الشرك والكفر: هو القول على الله بلا علم، فإن المشرك يزعم أن من اتخذه معبودًا من دون الله يقربه إلى الله ويشفع له عنده، ويقضي حاجته بواسطته كما تكون الوسائط عند الملوك فكل مشرك قائل على الله بلا علم دون العكس إذ القول على الله بلا علم قد يتضمن التعطيل والابتداع في دين الله فهو أعم من الشرك، والشرك فرد من أفراده (٣). ا. هـ.
_________________
(١) جـ: ٢٧ ص: ٢٦٩ لمجموع الفتاوى.
(٢) إغاثة اللهفان جـ: ٢ ص: ٢٢٢.
(٣) مدارج السالكين جـ: ١ ص: ٣٧٨.
[ ٢٧٣ ]
وقال: أنه لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها وإبطالها يومًا واحدًا فإنها شعائر الكفر والشرك، وهي أعظم المنكرات فلا يجوز الإقرار عليها مع القدرة البتة.
وهذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور التي اتخذت أوثانًا وطواغيت تعبد من دون الله والأحجار التي تقصد للتعظيم والتبرك والنذر والتقبيل لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض مع القدرة على إزالته، وكثير منها بمنزلة اللات والعزى ومنات الثالثة الأخرى أو أعظم شركًا عندها وبها والله المستعان.
ولم يكن أحد من أرباب هذه الطواغيت يعتقد أنها تخلق وترزق وتميت وتحيى، وإنما كانوا يفعلون عندها وبها ما يفعله إخوانهم من المشركين عند طواغيتهم، فاتبع هؤلاء سنن من كان قبلهم وسلكوا سبيلهم حذو القذة بالقذة وأخذوا مأخذهم شبرًا بشبر وذراعًا بذارع وغلب الشرك على أكثر النفوس لظهور الجهل، وخفاء العلم فصار المعروف: منكرًا والمنكر: معروفًا والسنة: بدعة والبدعة: سنة ونشأ في ذلك الصغير وهرم عليه الكبير وطمست الأعلام واشتدت غربة الإسلام وقل العلماء وغلب السفهاء وتفاقم الأمر واشتد البأس وظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، ولكن لا تزال طائفة من العصابة المحمدية بالحق قائمين ولأهل الشرك والبدع مجاهدين إلى أن يرث الله سبحانه الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين (١). ا. هـ.
قلت: فهذه نقول هؤلاء الأئمة أن الشرك ما غلب على النفوس إلا بالجهل والقول على الله بغير علم فهل بعد هذا يصح أن نقول أن المشرك معذور بجهله؟ هذه الخامسة.
العلم ركن من أركان الإيمان:
(٦) نص هؤلاء الأئمة على أن العلم ركن من أركان الإيمان لا يكون العبد مؤمنًا إلا بتوفر العلم الصحيح لديه المطابق للمعلوم على ما هو عليه.
ومن المعلوم أن الإيمان هو أصل الدين وشرط في وجود وتحقق الإسلام، إذ لا إسلام لمن لا إيمان له ولا إيمان لمن لا إسلام له وساعة نطق العبد بالشهادتين يحكم له بالإسلام مع افتراض وجود الإيمان في الباطن الذي يصححه -ما لم يلتبس بشرك حال النطق-.
_________________
(١) زاد المعاد جـ: ٢ ص: ٢٠٠، دار الفكر.
[ ٢٧٤ ]
فإذا ظهر من العبد بعد هذا ناقض من نواقض الشهادتين علمنا فساد الإيمان لديه إما بسبب فساد العلم الذي هو قول القلب وهو ركن الإيمان الأول، وإما بسبب فساد الانقياد الذي هو عمل القلب وهو ركنه الثاني وعند هذا نقطع بفساد الإيمان والإسلام لدى هذا العبد.
قال ابن تيمية: فالإيمان في القلب لا يكون إيمانًا بمجرد تصديق ليس معه عمل وموجبه من محبة الله ورسوله ونحو ذلك، كما أنه لا يكون إيمانًا بمجرد ظن وهوى بل لا بد في أصل الإيمان من قول القلب وعمل القلب. ا. هـ.
وقال أيضًا: وكانوا يقولون الإيمان: معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالإركان. ا. هـ.
وقال: وقوله تعالى: (وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء) وقوله: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ). الآية.
فجعل هذه الأمور شرطًا في ثبوت حكم الإيمان فثبت أن الإيمان المعرفة بشرائط لا يكون معتدًا به دونها (١). ا. هـ.
وقال ابن القيم: قالوا: والقلب عليه واجبان لا يكون مؤمنًا إلا بهما جميعًا واجب المعرفة والعلم وواجب الحب والانقياد والاستسلام فكما لا يكون مؤمنًا إذا لم يأت بواجب العلم والاعتقاد لا يكون مؤمنًا إذا لم يأت بواجب الحب والانقياد والاستسلام بل إذا ترك الواجب من علمه ومعرفته به كان أعظم كفرًا وأبعد عن الإيمان من الكافر جهلًا (٢). ا. هـ.
وقال أيضًا -﵀-: فإن الإيمان فرض على كل أحد وهو ماهية مركبة من علم وعمل فلا يتصور وجود الإيمان إلا بالعلم والعمل (٣). ا. هـ.
قلت: ومن هذا يعلم أن العبد إذا فعل الشرك بجهل قطعنا بتخلف العلم لديه الذي هو ركن من أركان الإيمان وبالتالي فساده وفساد الإسلام لدى هذا العبد. وهذه السادسة.
ومن هذه النقاط الست وغيرها الكثير يعلم أن هؤلاء الأئمة لا يعذرون المشرك بجهله ولا يدخلونه في مسمى المسلمين.
وأما فتاوى هؤلاء العلماء في أنهم لا يكفرون أحدًا ممن وقع في الشرك والكفر إلا بعد إقامة الحجة وذلك لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة كقول ابن تيمية -﵀-
_________________
(١) قد مرت هذه النقول من قبل فلتراجع مصادرها.
(٢) قد مرت هذه النقول من قبل فلتراجع مصادرها.
(٣) قد مرت هذه النقول من قبل فلتراجع مصادرها.
[ ٢٧٥ ]
بعد أن ذكر بعضًا من أعلام الشرك الأكبر فقال: وهؤلاء الأجناس وإن كانوا قد كثروا في هذا الزمان، فلقلة دعاة العلم والإيمان، وفتور آثار الرسالة في أكثر البلدان. وأكثر هؤلاء ليس عندهم من آثار الرسالة وميراث النبوة ما يعرفون به الهدى ..
وأصل ذلك أن المقالة التي هي كفر بالكتاب والسنة والإجماع يقال: هي كفر قولًا يطلق كما دل على ذلك الدلائل الشرعية. فإن "الإيمان" من الأحكام المتلقاة عن الله ورسوله. ليس ذلك مما يحكم فيه الناس بظنونهم وأهوائهم ولا يجب أن يحكم في كل شخص قال ذلك بأنه كافر حتى يثبت في حقه شروط التكفير وتنتفي موانعه (١). ا. هـ.
المبحث الثالث: الإسم الواحد يثبت وينفى بحسب ما يتعلق به من أحكام:
أقول وبالله التوفيق:
أن هؤلاء العلماء يستخدمون لفظ الكفر بعدة اعتبارات وبحسب ما يتعلق به من الأحكام وأن الاسم الواحد يُنفي ويُثبت بحسب الأحكام المتعلقة به، فلا يجب إذا ثبت أو نفي في حكم أن يكون كذلك في بقية الأحكام وهذا مشهور في كلام العرب-.
فالكفر قبل قيام الحجة له حد وأحكام تختلف عنه بعد قيام الحجة فتارة ينفون الكفر إلا بعد الحجة بحسب ما يتعلق به من أحكام وهذا لا ينفي الكفر الآخر الثابت لأصحابه قبل قيام الحجة وبلوغ الرسالة.
قال شيخ الإسلام في هذا المعنى: وجماع الأمر أن الاسم الواحد ينفي ويثبت بحسب الأحكام المتعلقة به، فلا يجب إذا ثبت أو نفي في حكم أن يكون كذلك في سائر الأحكام، وهذا في كلام العرب وسائر الأمم، لأن المعنى مفهوم، مثل ذلك: المنافقون قد يجعلون من المؤمنين في موضع وفي موضع آخر يقال: ما هم منهم.
قال تعالى: (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا ).
فهنالك جعل هؤلاء المنافقين الخائفين من العدو .. الناكلين عن الجهاد، الناهين لغيرهم، الذامين للمؤمنين: منهم. وقال في آية أخرى: (وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ
_________________
(١) جـ: ٣٥ ص: ١٦٤: ١٦٥ لمجموع الفتاوى.
[ ٢٧٦ ]
وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ ). وهؤلاء: ذنبهم أخف، فإنهم لم يؤذوا المؤمنين لا بنهي ولا سلق بألسنة حداد ولكن حلفوا بالله أنهم من المؤمنين في الباطن بقلوبهم، وإلا فقد علم المؤمنون أنهم منهم في الظاهر فكذبهم الله وقال (وما هم منكم) وهناك قال: (قد يعلم الله المعوقين منكم). فالخطاب: لمن كان في الظاهر مسلمًا مؤمنًا وليس مؤمنًا بأن منكم من هو بهذه الصفة، وليس مؤمنًا بل أحبط الله عمله فهو منكم في الظاهر لا الباطن.
ولهذا لما استؤذن النبي في قتل بعض المنافقين قال: (لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه) فإنهم من أصحابه في الظاهر عند من لا يعرف حقائق الأمور، وأصحابه الذين هم أصحابه ليس فيهم نفاق
وكذلك: الأنساب مثل كون الإنسان أبًا لآخر أو أخاه يثبت في بعض الأحكام دون بعض فإنه قد ثبت في الصحيحين أنه لما اختصم إلى النبي ﷺ سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة بن الأسود في ابن وليدة زمعة، وكان عتبة بن أبي وقاص قد فجر بها في الجاهلية، وولدت منه ولدًا فقال عتبه لأخيه سعد: إذا قدمت مكة فانظر ابن وليدة زمعة فإنه ابني. فاختصم فيه وهو وعبد بن زمعة إلى النبي ﷺ فقال سعد: يا رسول الله ابن أخي عتبة، عهد إلى أخي عتبة فيه إذا قدمت مكة انظر إلى ابن وليدة زمعة فإنه ابني، ألا ترى يا رسول الله شبهه بعتبة؟
فقال عبد: يا رسول الله أخي وابن ووليدة أبي ولد على فراش أبي.
فرأى النبي شبهًا بينًا بعتبة فقال: "هو لك يا عبد بن زمعة الولد للفرش وللعاهر الحجر، واحتجبي منه يا سودة". لما رأى من شبهه البين بعتبة ..
فتبين أن الاسم الواحد ينفي في حكم، ويثب في حكم. فهو أخ في الميراث وليس بأخ في المحرمية ..
ولفظ النكاح وغيره في الأمر يتناول الكامل وهو العقد والوطء كما في قوله: (فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء). وقوله (حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ). وفي النهي يعم الناقص والكامل، فينهي عن العقد مفردًا وإن لم يكن وطء كقوله: (وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء) (١). ا. هـ.
_________________
(١) جـ: ٧ ص: ٤١٨: ٤١٩ لمجموع الفتاوى.
[ ٢٧٧ ]
قلت: فالكفر الذي ينفيه ابن تيمية وابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب -رحمهم الله تعالى- هو الكفر الذي يستحق صاحبه العقوبة في الدارين القتل في الدنيا والخلود في النيران في الآخرة وهذا لا يكون إلا بعد الحجة الرسالية لأن العقوبة والعذاب متوقفة على بلاغ الرسالة لقوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) وهذا الكفر أصحابه إن كانوا واقعين في الشرك فهم مشركون وليسوا بمسلمين، وكفار لكن الكفر الغير معذب عليه وبرهان هذا ما يلي:
أولًا: النقاط الستة السابقة.
المبحث الرابع: تعريف الكفر الذي ينفيه هؤلاء الأئمة:
ثانيًا: قال ابن تيمية: فإن حال: الكافر لا تخلو من أن يتصور الرسالة أولا فإن لم يتصور فهو في غفلة عنها، وعدم إيمان كما قال تعالى: (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا). وقال: (فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ).
لكن الغفلة المحضة لا تكون إلا لمن لم تبلغه الرسالة، والكفر المعذب عليه لا يكون إلا بعد بلوغ الرسالة
فكل مكذب لما جاءت به الرسل فهو كافر. وليس كل كافر مكذبًا. بل قد يكون مرتابًا إن كان ناظرًا فيه، أو معرضًا عنه بعد أن لم يكن ناظرًا فيه وقد يكون غافلًا عنه لم يتصوره بحال. لكن عقوبة هذا موقوفة على تبليغ المرسل إليه (١). ا. هـ.
فانظر -رحمك الله- إلى قول الإمام في أول النقل فإن حال الكافر: لا تخلو من أن يتصور الرسالة أو لا ثم قال وأما الكفر المعذب عليه لا يكون إلا بعد بلوغ الرسالة وقوله العقوبة متوقفة على تبليغ المرسل إليه.
وقال -﵀- منكرًا على من يقول أن حسن التوحيد وقبح الشرك وإمكان المعاد لا يعلم بالعقل فقال:
وكثير من هؤلاء يعتقدون أن في ذلك ما لا يجوز أن يعلم بالعقل: كالمعاد؛ وحسن التوحيد، والعدل، والصدق، وقبح الشرك، والظلم، والكذب. والقرآن يبين: الأدلة العقلية
_________________
(١) جـ: ٢ ص: ٧٨: ٧٩ لمجموع الفتاوى.
[ ٢٧٨ ]
الدالة على ذلك، وينكر على من لم يستدل بها، ويبين أنه بالعقل يعرف المعاد وحسن عبادته وحده وحسن شكره وقبح الشرك وكفر نعمه كما قد بسطت الكلام على ذلك في مواضع ..
فتارك الواجب وفاعل القبيح وإن لم يعذب بالآلام كالنار فيسلب من النعم وأسبابه ما يكون جزاءه. وهذا جزاء من لم يشكر النعمة بل كفرها -أن يسلبها فالشكر قيد النعم، وهو موجب للمزيد، والكفر بعد قيام الحجة موجب للعذاب وقبل ذلك ينقص النعمة ولا يزيد مع أنه لا بد من إرسال رسول يستحق معه النعيم أو العذاب، فإنه ما ثم دار إلا الجنة أو النار (١). ا. هـ.
انظر إلى قول الشيخ أن العقل يعلم به حسن التوحيد والمعاد وقبح الشرك. ولذلك فالكفر ثابت قبل الحجة لمخالفة حجية العقل والفطرة وهذا الكفر ينقص النعمة ولا يزيد والكفر بعد الحجة موجب للعذاب.
ولذلك قال: قالوا- أي: أهل السنة-: ولما كان العلم بالله إيمانًا، والجهل به كفرًا وكان العمل بالفرائض إيمانًا، والجهل بها قبل نزولها ليس بكفر لأن أصحاب رسول الله، ﷺ، قد أقروا بالله أول ما بعث الله رسوله، ﷺ، إليهم، ولم يعلموا الفرائض التي افترضت عليهم بعد ذلك فلم يكن جهلهم بذلك كفرًا، ثم أنزل الله عليهم الفرائض فكان إقرارهم بها والقيام بها إيمانًا، وإنما يكفر من جحدها لتكذيبه خبر الله، ولو لم يأت خبر من الله ما كان بجهلها كافرًا وبعد مجيء الخبر، من لم يسمع بالخبر من المسلمين لم يكن بجهلها كافرًا.
والجهل بالله في كل حال كفر قبل الخبر وبعد الخبر (٢). ا. هـ.
انظر لهذا النقل أن الجهل بالله كفر قبل الخبر وبعد الخبر والمقصود الجهل بتوحيده والدليل على ذلك: قوله أن أصحاب رسول الله، ﷺ، قد أقروا بالله أول ما بعث رسوله، ﷺ، إليهم ومن المعلوم بيقين أن الإقرار هنا هو الإقرار بتوحيد الإلهية لا بتوحيد الربوبية الذي لا يفرق بين الموحدين والمشركين بل هو متوفر لديهم جميعًا- إذًا فالجهل بالله كفر قبل الخبر وبعد الخبر، لكن قبل الخبر ينقص النعمة ولا يزيد ومحرم على أصحابه دخول
_________________
(١) جـ: ١٦ ص: ٢٥٢: ٢٥٣ لمجموع الفتاوى.
(٢) جـ: ٧ ص: ٣٢٥ لمجموع الفتاوى.
[ ٢٧٩ ]
الجنة وإن ماتوا على ذلك لا يصلي عليهم ولا يستغفر لهم ولا يدفنون في مقابر المسلمين لأنهم مشركون وليسوا بمسلمين، إلا أنهم لا يعذبون في الدارين إلا بعد إقامة الحجة. وهذا هو الكفر بعد الخبر وهو الكفر المعذب عليه وكما أنهم لا يعذبون فهم أيضًا لا ينعمون.
قال الشيخ: فلا ينجون من عذاب الله إلا من أخلص لله دينه وعبادته ودعاه مخلصًا له الدين، ومن لم يشرك به ولم يعبده فهو معطل عن عبادته وعبادة غيره: كفرعون وأمثاله، فهو أسوأ حالًا من المشرك، فلا بد من عبادة الله وحده، وهذا واجب على كل أحد، فلا يسقط عن أحد البتة، وهو الإسلام العام الذي لا يقبل الله دينًا غيره.
ولكن لا يعذب الله أحدًا حتى يبعث إليه رسولا وكما أنه لا يعذبه فلا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة مؤمنة ولا يدخلها مشرك ولا مستكبر عن عبادة ربه فمن لم تبلغه الدعوة في الدنيا امتحن في الآخرة ولا يدخل النار إلا من اتبع الشيطان، فمن لا ذنب له لا يدخل النار، ولا يعذب الله بالنار أحدًا إلا بعد أن يبعث إليه رسولًا (١). ا. هـ.
فمن هذه النقول للشيخ يتبين أنه لا يحكم بالإسلام للمشرك الجاهل البتة إلا أنه لا يحكم عليه بالعذاب في الدارين إلا بعد إقامة الحجة وهم قبلها مشركون وليسوا بمسلمين.
وقال الشيخ: نعم قد يشكل على كثير من الناس نصوص لا يفهمونها فتكون مشكلة بالنسبة إليهم لعجز فهمهم عن معانيها، ولا يجوز أن يكون في القرآن ما يخالف صريح العقل والحس إلا وفي القرآن بيان معناه، فإن القرآن جعله الله شفاءًا لما في الصدور وبيانًا للناس فلا يجوز أن يكون بخلاف ذلك، لكن قد تخفى آثار الرسالة في بعض الأمكنة والأزمنة حتى لا يعرفون ما جاء به الرسول، ﷺ، إما ألا يعرفوا اللفظ وإما أن يعرفوا اللفظ ولا يعرفوا معناه، فحينئذ يصيرون في جاهلية بسبب عدم نور النبوة، ومن ههنا يقع الشرك وتفريق الدين شيعًا كالفتن التي تحدث السيف.
فالفتن القولية والعملية هي من الجاهلية بسبب خفاء نور النبوة عنهم كما قال مالك بن أنس: إذا قل العلم ظهر الجفاء، وإذا قلت الآثار ظهرت الأهواء. ولهذا شبهت الفتن بقطع الليل المظلم ولهذا قال أحمد في خطبته:
_________________
(١) جـ: ١٤ ص: ٤٧٦: ٤٧٧ لمجموع الفتاوى.
[ ٢٨٠ ]
الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة بقايا من أهل العلم.
فالهدى الحاصل لأهل الأرض إنما هو من نور النبوة كما قال تعالى: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى).
فأهل الهدى والفلاح هم: المتبعون للأنبياء وهم المسلمون المؤمنون في كل زمان ومكان. وأهل العذاب والضلال هم: المكذبون للأنبياء، يبقى أهل الجاهلية الذين لم يصل إليهم ما جاءت به الأنبياء. فهؤلاء في: ضلال وجهل وشرك وشر لكن الله يقول: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا). وقال: (رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ). وقال: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ).
فهؤلاء لا يهلكهم الله ويعذبهم حتى يرسل إليهم رسولًا. وقد رويت آثار متعددة في أن من لم تبلغه الرسالة في الدنيا فإنه يبعث إليه رسول يوم القيامة في عرصات القيامة (١). ا. هـ.
ففي هذا النقل يبرهن فيه شيخ الإسلام على أن أهل الهدى والفلاح هم: المتبعون للأنبياء وهم المسلمون المؤمنون.
وأهل العذاب والضلال هم: المكذبون للأنبياء وهذا هو الكفر المعذب عليه.
يبقى أهل الجاهلية الذين لم يصل إليهم ما جاءت به الأنبياء إذًا فهم لم يكذبوا فلم يقعوا في الكفر المعذب عليه بيد أنهم لم يتبعوهم أيضًا ووقعوا في الإشراك بالله.
فهؤلاء في ضلال وجهل وشرك وشر إلا إنهم لا يعذبون إلا بعد الحجة الرسالية. وهذا هو الكفر قبل الحجة وبلوغ الخبر.
ويلاحظ أن هذا النقل في الأمة المحمدية ولا يجرؤ أحد أن يقول إنهم مشركون على الإطلاق دون التعيين لأنه لو كان كذلك لما قال عنهم الشيخ: إنهم يمتحنون في العرصات لأنهم لو كانوا مسلمين لدخلوا الجنة دون امتحان. فثبوت الامتحان لهم دل على أنهم مشركون على التعيين.
_________________
(١) جـ: ١٧ ص: ٣٠٧ لمجموع الفتاوى.
[ ٢٨١ ]
وقال -﵀-: وأصل الإيمان والتقوى: الإيمان برسل الله وجماع ذلك: الإيمان بخاتم الرسل محمد، ﷺ، فالإيمان به يتضمن: الإيمان بجميع كتب الله ورسله.
وأصل الكفر والنفاق هو: الكفر بالرسل وبما جاءوا به، فإن هذا هو الكفر الذي يستحق صاحبه العذاب في الآخرة فإن الله -تعالى- أخبر في كتابه أنه لا يعذب أحدًا إلا بعد بلوغ الرسالة (١). اهـ.
قلت: فهذا هو الكفر الذي ينفيه ابن تيمية في الكليات والجزئيات والأصول والفروع وهو الكفر المعذب عليه لأنه لا تكليف إلا بشرع والشرع يلزم بالبلاغ مع انتفاء المعارض حتى في أصل الأصول وهو التوحيد وأهله قبل الحجة ليسوا بمسلمين. إلا كفر التنقص والاستهزاء فأهله معذبون عليه بإطلاق لأنه لا يتصور جهله ولا التعبد به.
سئل الشيخ -﵀ (٢) - عن قوم داوموا على الرياضة مرة فرأوا أنهم قد تجوهروا فقالوا: لا نبالي الآن ما عملنا، وإنما الأوامر والنواهي رسوم العوام، ولو تجوهروا لسقطت عنهم، وحاصل النبوة يرجع إلى الحكمة والمصلحة والمراد منها ضبط العوام، ولسنا نحن من العوام فندخل في حجر التكليف لأنا قد تجوهرنا وعرفنا الحكمة.
فهل هذا القول كفر من قائله؟ أم يبدع من غير تكفير؟ وهل يصير ذلك عمن في قلبه خضوع للنبي، ﷺ،؟
فأجاب: لا ريب عند أهل العلم والإيمان أن هذا القول من أعظم الكفر وأغلظه. وهو شر من قول اليهود والنصارى ..
والمقصود أن المتمسكين بجملة منسوخة فيها تبديل خير من هؤلاء الذين يزعمون سقوط الأمر والنهي عنهم بالكلية، فإن هؤلاء خارجون في هذه الحال عن جميع الكتب والشرائع والملل، لا يلتزمون لله أمرًا ولا نهيًا بحال، بل هؤلاء شر من المشركين المستمسكين ببقايا من الملل: كمشركي العرب الذين كانوا مستمسكين ببقايا من دين إبراهيم -﵇-
_________________
(١) جـ: ١١ ص: ١٨٦ لمجموع الفتاوى.
(٢) جـ: ١١ ص: ٤٠١: ٤١٣ لمجموع الفتاوى.
[ ٢٨٢ ]
فمن كان من قوله هو أنه أو طائفة غيره قد خرجت عن كل أمر ونهي بحيث لا يجب عليها شيء، ولا يحرم عليها شيء، فهؤلاء أكفر أهل الأرض وهم من جنس فرعون وذويه
وكثير (١) من الناس قد ينشأ في الأمكنة والأزمنة الذي يندرس فيها كثير من علوم النبوات حتى لا يبقى من يبلغ ما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة، فلا يعلم كثيرا مما يبعث الله به رسوله ولا يكون هناك من يبلغه ذلك، ومثل هذا لا يكفر (وأخذ يدلل على هذا) ..
فقد تبين: أن هذا القول كفر ولكن تكفير قائله لا يحكم به حتى يكون قد بلغه من العلم ما تقوم به عليه الحجة التي يكفر تاركها، ودلائل فساد هذا القول كثيرة في الكتاب والسنة واتفاق سلف الأمة وأئمتها ومشائخها، لا يحتاج إلى بسطها بل قد علم بالاضطرار من دين الإسلام: أن الأمر والنهي ثابت في حق العباد إلى الموت.
وأما قول القائل: هل يصدر ذلك عمن في قلبه خضوع للنبي، ﷺ،؟
فيقال: هذا لا يصدر عمن هو مقر بالنبوات مطلقًا. بل قائل ذلك كافر بجميع الأنبياء والمرسلين، لأنهم جميعًا أتوا بالأمر والنهي للعباد إلى حين الموت بل لا يصدر هذا القول ممن في قلبه خضوع لله وإقرار بأنه إله العالم، فإن هذا الإقرار يستلزم، أن يكون الإنسان عبدًا لله خاضعًا له، ومن سوغ الإنسان أن يفعل ما يشاء من غير تعبد بعبادة الله، فقد أنكر أن يكون الله إلهه (٢). ا. هـ.
انظر -رحمك الله- إلى هذه الفتوى فإنه قرر في أولها أنهم أكفر أهل الأرض وأكفر من اليهود والنصارى وأنهم أخبث من المشركين، ثم ينفي الكفر عنهم بعد ذلك لقلة العلم وغلبة الجهل وهذا هو الكفر المعذب عليه، ثم يثبت بعد هذا أنهم كفار بجميع الكتب والرسل وكفار بإلهية الله وهذا هو الكفر قبل الخبر وقيام الحجة.
وقال ابن القيم -﵀- (في الرد على الإمام ابن عبد البر في إنكاره أحاديث الامتحان لأهل الفترات مستشهدًا بقوله) ولا يخلو من مات في الفترة من أن يكون كافرًا أو غير كافر ..
_________________
(١) في ص: ٤٠٧.
(٢) جـ: ١١ ص: ٤٠١: ٤١٣ لمجموع الفتاوى.
[ ٢٨٣ ]
جوابه من وجوه: أحدها أن يقال: هؤلاء لا يحكم لهم بكفر ولا إيمان فإن الكفر هو: جحود ما جاء به الرسول فشرط تحققه بلوغ الرسالة، والإيمان هو: تصديق الرسول فيما أخبر، وطاعته فيما أمر وهذا أيضًا مشروط ببلوغ الرسالة، ولا يلزم من انتفاء أحدهما وجود الآخر إلا بعد قيام سببه. فلما لم يكن هؤلاء في الدنيا كفارًا ولا مؤمنين كان لهم في الآخرة حكم آخر غير حكم الفريقين.
فإن قيل: فأنتم تحكمون لهم بأحكام الكفار في الدنيا من: التوارث والولاية والمناكحة.
قيل: إنما نحكم لهم بذلك في أحكام الدنيا لا في الثواب والعقاب كما تقدم بيانه.
الوجه الثاني: سلمنا أنهم كفار لكن انتفاء العذاب عنهم لانتفاء شرطه، وهو قيام الحجة عليهم، فإن الله لا يعذب إلا من قامت عليه حجته (١). ا. هـ.
فهذا النص من الإمام ينص على انتفاء الكفر المعذب عليه إلا بعد الحجة وأصحابه كفار في أحكام الدنيا لا في أحكام الثواب والعقاب هذا مع قوله قبل ذلك أن الشرك ثابت لأصحابه لا يحتاج إلى رسول فالحجة عليه العقل والفطرة.
وقال -﵀- في كتاب طريق الهجرتين الطبقة (الرابعة عشر) قوم: لا طاعة لهم ولا معصية ولا كفر ولا إيمان، وهؤلاء أصناف: منهم من لم تبلغه الدعوة بحال ولا سمع لها بخير، ومنهم المجنون الذي لا يعقل شيئًا ولا يميز، ومنهم الأصم الذي لا يسمع شيئًا أبدًا، ومنهم أطفال المشركين الذين ماتوا قبل أن يميزوا شيئًا-.
ثم قال في الطبقة (السابعة عشر) ص: ٤١١ فأطفال الكفار ومجانينهم كفار في أحكام الدنيا لهم حكم أوليائهم (٢). ا. هـ.
قلت: فعندما نفي ابن القيم الكفر عن أطفال المشركين نفاه باعتبار ما يترتب عليه من العقوبة في الدارين وعندما أثبته لنفس الطائفة أثبته باعتبار ما يجري عليهم من أحكام الكفر في الدنيا.
_________________
(١) أحكام أهل الذمة جـ: ٢ ص: ٦٥٦/ ٥.
(٢) طريق الهجرتين ص: ٣٨٧.
[ ٢٨٤ ]
وعلى هذا التفصيل نراجع قراءة الطبقة السابعة عشر لابن القيم في كتابه طريق الهجرتين: طبقة المقلدين وجهال الكفرة وأتباعهم وحميرهم الذين هم معهم تبعًا لهم يقولون: إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على أسوة بهم ..
وقد اتفقت الأمة: على أن هذه الطبقة كفار وإن كانوا جهالًا مقلدين لرؤسائهم وأئمتهم ..
وقد صح عنه أنه قال، ﷺ،: "إن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة". وهذا المقلد ليس بمسلم، وهو عاقل مكلف، والعاقل المكلف لا يخرج عن الإسلام أو الكفر. وأما من لم تبلغه الدعوة فليس بمكلف في تلك الحال وهو بمنزلة الأطفال والمجانين وقد تقدم الكلام عليه.
والإسلام: هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له والإيمان بالله برسوله واتباعه فيما جاء به فما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم وإن لم يكن كافرًا معاندًا فهو كافر جاهل.
فغاية هذه الطبقة أنهم كفار جهال غير معاندين، وعدم عنادهم لا يخرجهم عن كونهم كفارًا .. (ثم تحدث الشيخ عن الجاهل المعرض والجاهل العاجز عن إدراك الهدى والاثنان كافران إلا أن الأول معذب لإعراضه والثاني غير معذب ويمتحن في الآخرة) ..
بل الواجب على العبد: أن يعتقد أن كل من دان بدين غير دين الإسلام فهو كافر، وأن الله ﷾ لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه بالرسول. هذا في الجملة والتعيين موكول إلى علم الله وحكمه. هذا في أحكام الثواب والعقاب، وأما في أحكام الدنيا: فهي جارية على ظاهر الأمر فأطفال الكفار ومجانينهم كفار في أحكام الدنيا لهم حكم أولياؤهم.
وبهذا التفصيل يزول الإشكال في المسألة وهو مبني على أربعة أصول:
(أحدها) أن الله ﷾ لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه.
(الأصل الثاني) أن العذاب يستحق بسببين: أحدهما: الإعراض عن الحجة
الثاني: العناد لها بعد قيامها
وأما كفر الجهل مع عدم قيام الحجة وعدم التمكن من معرفتها فهذا الذي نفي الله التعذيب عنه حتى تقوم حجة الرسل-.
[ ٢٨٥ ]
(الأصل الثالث) أن قيام الحجة يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص، فقد تقوم حجة الله على الكفار في زمان دون زمان وفي بقعة وناحية دون أخرى ..
الأصل الرابع: أن أفعال الله تابعة لحكمته (١). ا. هـ.
نخرج من هذا النقل بما يلي:
١ - المشرك الجاهل المقلد كافر.
٢ - الجنة لا تدخلها إلا نفس مسلمة وهذا المشرك المقلد ليس بمسلم.
٣ - المسلم هو من عبد الله وحده لا شريك له وآمن برسوله واتبعه فيما جاء به.
٤ - العبد المكلف لا يخرج عن الإسلام أو الكفر.
٥ - كفر الجهل مع عدم قيام الحجة أصحابه كفار في أحكام الدنيا لا في أحكام الثواب والعقاب أي: الكفر المعذب عليه.
٦ - كفر الجهل بعد قيام الحجة أصحابه كفار في أحكام الدنيا وفي أحكام الثواب والعقاب.
٧ - المشرك الجاهل المقلد لرئيسه وإمامه ليس بمسلم سواء بلغته الحجة أم لا لأن الإسلام هو ترك الشرك والاستسلام لله وحده والإيمان به وبرسوله واتباعه فيما جاء به.
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في رسالته إلى الأخ أحمد التويجري:
بل نشهد الله على ما يعلمه من قلوبنا بأن من عمل بالتوحيد وتبرأ من الشرك وأهله فهو المسلم في أي زمان وأي مكان، وإنما نكفر من أشرك بالله في إلهيته بعد ما تبين له الحجة على بطلان الشرك (٢). ا. هـ.
انظر إلى قوله -﵀- أنه يكفر من أشرك بالله بعد إقامة الحجة وهذا هو الكفر المعذب عليه ومن المعلوم بيقين أن هذا المشرك ليس عند الشيخ مسلمًا بدليل أنه قال في نفس الرسالة أن من عمل بالتوحيد وتبرأ من الشرك وأهله فهو المسلم فوقف الحكم بالإسلام على هذا القدر وهو غير متوفر لدى المشرك.
ولهذا قال الشيخ: وأما المسائل الأخر وهي أني أقول: لا يتم إسلام الإنسان حتى يعرف معنى لا إله إلا الله، ومنها أني أعرف من يأتيني بمعناها، ومنها أني أقول أن الإله هو الذي فيه
_________________
(١) طريق الهجرتين ص: ٤١١: ٤١٤.
(٢) مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، القسم الخامس -الرسائل الشخصية ص: ٦٠.
[ ٢٨٦ ]
السر (لفظة عند العامة مرادفة للفظة الإله) ومنه تكفير الناذر إذا أراد به التقرب لغير الله وأخذ النذر كذلك، ومنها أن الذبح للجن كفر والذبيحة حرام ولو سمى الله عليهم إذا ذبحها للجن.
فهذه خمس مسائل كلها حق وأنا قائلها ونبدأ بالكلام عليها لأنها أم المسائل وقبل ذلك أذكر معنى لا إله إلا الله فنقول:
التوحيد نوعان توحيد الربوبية وهو: أن الله -سبحانه- متفرد بالخلق والتدبير عن الملائكة والأنبياء وغيرهم، وهذا حق لا بد منه لكن لا يدخل الرجل في الإسلام لأن أكثر الناس مفرون به قال الله -تعالى-: (قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ -إلى قوله- أَفَلاَ تَتَّقُونَ) [يونس: ٣١]. وأن الذي يدخل الرجل في الإسلام: هو توحيد الألوهية وهو: أن لا يعبد إلا الله لا ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلًا.
وذلك أن النبي، ﷺ، بعث وأهل الجاهلية يعبدون أشياء مع الله فمنهم من يدعوا الأصنام، ومنهم من يدعو عيسى، ومنهم من يدعو الملائكة فنهاهم عن هذا، وأخبرهم أن الله أرسله ليوحد ولا يُدعى أحد من دونه لا الملائكة ولا الأنبياء، فمن تبعه ووحد الله فهو الذي شهد: أن لا إله إلا الله، ومن عصاه ودعا عيسى والملائكة واستنصرهم، والتجأ إليهم فهو الذي: جحد أن لا إله إلا الله مع إقراره أنه لا يخلق ولا يرزق إلا الله وهذه جملة لها بسط طويل، لكن الحاصل أن هذا مجمع عليه بين العلماء (١). ا. هـ.
انظر إلى قوله -رحمك الله- لا يتم إسلام الإنسان حتى يعرف معنى: لا إله إلا الله. وأنه يعرف من يأتيه بمعناها، وأن الذي يدخل الرجل في الإسلام هو: توحيد الألوهية وهو: أن لا يعبد إلا الله. وأن من تبع النبي، ﷺ، ووحد الله فهو الذي شهد أن: لا إله إلا الله. ومن أشرك فهو الذي جحدها وأن ما سبق مجمع عليه بين العلماء.
فهذه النقول السالفة لهؤلاء الأئمة العلماء تبرهن وتوضح -بفضل الله وعونه- موقفهم من هذه القضية الحاسمة وهي أن المشرك الجاهل غير معذور بجهله وليس بمسلم على الإطلاق، وتجري عليه أحكام الكفر في الدنيا فإن كان في وقت أو زمن فترة ولم تقم عليه الحجة فلا يكفر الكفر المعذب عليه، وكذلك لا ينعم في الآخرة حتى يُختبر في العرصات.
_________________
(١) المصدر السابق ص: ٦٤.
[ ٢٨٧ ]
لأن الحجة لا تدخلها إلا نفس مسلمة والإسلام هو: إفراد الله بالعبادة وحده لا شريك له والإيمان بنبيه صلى الله عليهم وسلم واتباعه فيما جاء به.
والمشرك لم يأت بهذا القدر وبعد قيام الحجة عليه فهو كافر في أحكام الدنيا وفي أحكام الثواب والعقاب.
وهذا بفضل الله فصل الخطاب في هذه المسألة العظيمة التي خلق الله الخلق من أجلها لها أخذ الميثاق وعليها فطر العباد ومن أجلها أرسلت الرسل وأنزلت الكتب وأعدت الجنة والنار. وهي: عبادة الله وحده لا شريك له والكفر بما يعبد من دونه.
وقد نص على هذا المعنى الجلي البين الواضح الشيخ العلامة المحدث: إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ في رسالته حكم تكفير المعين والفرق بين قيام الحجة وفهم الحجة الرسالة السادسة من كتاب عقيدة الموحدين والرد على الضلال المبتدعين. ص: ١٤٩: ١٦٣.
عباد القبور لا يدخلون في مسمى المسلمين:
قال في ص: ١٥٠: ١٥١: ومسألتنا هذه وهي: عبادة الله وحده لا شريك له، والبراءة من عبادة ما سواه وأن من عبد مع الله غيره فقد أشرك الشرك الأكبر الذي ينقل عن الملة هي: أصل الأصول وبها أرسل الله الرسل وأنزل الكتب، وقامت على الناس الحجة بالرسول وبالقرآن وهكذا تجد الجواب من أئمة الدين في ذلك الأصل عند تكفير من أشرك بالله فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل لا يذكرون التعريف في مسائل الأصول، إنما يذكرون التعريف في المسائل الخفية التي قد يخفي دليلها على بعض المسلمين كمسائل نازع بها بعض أهل البدع كالقدرية والمرجئة أو في مسألة خفية كالصرف والعطف.
وكيف يعرفون عباد القبور وهم ليسوا بمسلمين، ولا يدخلون في مسمى الإسلام وهل يبقى مع الشرك عمل؟!
والله -تعالى- يقول: (وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ) (وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) (وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ). إلى غير ذلك من الآيات.
ولكن هذا المعتقد يلزم منه معتقد قبيح وهو أن الحجة لم تقم على هذه الأمة بالرسول
[ ٢٨٨ ]
والقرآن نعوذ بالله من سوء الفهم الذي أوجب لهم نسيان الكتاب والرسول بل أهل الفترة الذين لم تبلغهم الرسالة والقرآن وماتوا على الجاهلية لا يسمون مسلمين بالإجماع، ولا يستغفر لهم، وإنما اختلف أهل العلم في تعذيبهم في الآخرة
- إلى أن قال في ص: ١٥٩ - مع أن العلامة ابن القيم﵀- جزم بكفر المقلدين لمشايخهم في المسائل المكفرة إذا تمكنوا من طلب الحق ومعرفته وتأهلوا لذلك وأعرضوا ولم يلتفتوا ومن لم يتمكن ولم يتأهل لمعرفة ما جاءت به الرسل فهو عنده من جنس أهل الفترة ممن لم تبلغه دعوة الرسول من الرسل، وكلا النوعين لا يحكم بإسلامهم ولا يدخلون في مسمى المسلمين حتى عند من لم يكفر بعضهم وسيأتيك كلامه، وأما الشرك فهو يصدق عليهم واسمه يتناولهم وأي إسلام يبقى مع مناقضة أصله وقاعدته الكبرى شهادة أن لا إله إلا الله وبقاء الإسلام ومسماه ..
- إلى أن قال في ص: ١٦٠ - وتفطن أيضًا فيما قال الشيخ عبد اللطيف: فيما نقله عن ابن القيم أن أقل أحوالهم (أي من فعل الشرك جاهلًا) أن يكونوا: مثل أهل الفترة الذين هلكوا قبل البعثة ومن لم تبلغه دعوة نبي من الأنبياء إلى أن قال وكلا النوعين لا يحكم بإسلامهم ولا يدخلون في مسمى المسلمين حتى عند من لم يكفر بعضهم وأما الشرك فهو يصدق عليهم واسمه يتناولهم وأي إسلام يبقى مع مناقضة أصله وقاعدته الكبرى شهادة أن لا إله إلا الله؟.
(ثم قال في ص: ١٦٣ بعد أن سرد كلام العلامة ابن القيم في أهل الفترات من كتابه طريق الهجرتين السابق نقله) ثم قال الشيخ -﵀-.
[ ٢٨٩ ]
فقف هنا وتأمل هذا التفصيل البديع فإنه -﵀- لم يستثن إلا من عجز عن إدراك الحق مع شدة طلبه وإرادته له فهذا الصنف هو المراد في كلام شيخ الإسلام وابن القيم وأمثالهما من المحققين. وأما العراقي وإخوانه المبطلون فشبّهوا بأن الشيخ لا يكفر الجاهل وأنه يقول هو معذور وأجملوا القول، ولم يفصلوا وجعلوا هذه الشبهة ترسًا يدفعون به الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وصاحوا على عباد الله الموحدين كما جرى لأسلافهم من عباد القبور والمشركين. وإلى الله المصير وهو الحاكم بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون إلى آخر ما ذكر الشيخ -﵀-.
فتأمل إن كنت ممن يطلب الحق بدليله وإن كنت ممن صمم على الباطل وأراد أن يستدل عليه بما أجمل من كلام العلماء فلا عجب. وصلى الله على محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين (١). ا. هـ.
قلت: أختم هذا البحث بآية من كتاب الله وبقول عالم معاصر وهو: فضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز.
صفة النبي، ﷺ، وأتباعه:
أما الآية فقوله تعالى: في سورة آل عمران: (فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ). [آل عمران: ٢٠].
فقد وصفت الآية النبي، ﷺ، وأتباعه بصفة لا تنفك عنهم قد فارقوا بها سائر ملل الكفر وهي: إسلام الوجه لله.
وباتفاق المفسرين بلا خلاف بينهم أن إسلام الوجه لله هو: إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له والبراءة من كل ما يعبد من دون الله.
وهنا سؤال: هل من عبد غير الله أخلص لله وجهه أم لا؟ فإن قيل: بلى. فهذا تسويغ للشرك ومروق من الدين.
وإن قيل: لا -فهل هذا المشرك الذي لم يخلص لله وجهه من أتباع نبيه، ﷺ، أم لا؟
وقال سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز في مقدمته على كتاب عقيدة الموحدين والرد على الضلال المبتدعين-.
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد:
فقد تقدم إلى الأخ في الله فضيلة الشيخ /عبد الله بن سعد الغامدي وهو معروف بصدقه وأمانته وغيرته الدينية ووقوفه ضد الخرافات والأعمال الشركية والبدع ونحوها وذبه عن العقيدة الإسلامية والدعوة إليها ومكافحة ما يخالفها وذكر لي أنه قد عزم على جمع بعض
_________________
(١) عقيدة الموحدين والرد على الضلال المبتدعين -الرسالة السادسة ص: ١٤٩: ١٦٣.
[ ٢٩٠ ]
الرسائل النافعة من مؤلفات أئمة الدعوة وبعض علماء نجد وطبعها، في حكم تكفير المعين وعدم العذر بالجهل في مسائل التوحيد والشرك وطلب مني أن أضع مقدمة لها.
وقد اطلعت على هذه الرسائل فألفيتها رسائل قيمة جديرة بالنشر ألفها أئمة أجلاء وعلماء فضلاء قضوا حياتهم في تدريس العلم النافع من كتاب الله -تعالى- وسنة رسوله -﵊- والعمل بهما والدعوة إلى الله، وصانوا العقيدة ودافعوا عنها وبينوا زيغ الزائغين وضلال الضالين مع اشتمال هذه الرسائل على بيان التوحيد وما جاءت به الرسل ونزلت به الكتب وبيان ما يجب لله -تعالى- على عباده من العبودية لله وحده وإخلاص العبادة له بجميع أنواعها قولًا وعملًا واعتقادًا فلا يدعي إلا هو وحده ولا يرجى إلا هو وحده ولا يستغاث ولا يستعان إلا به وحده
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والافتاء والدعوة والإرشاد
[ ٢٩١ ]