١ - معنى «شهادة أن محمدًا رسول الله» هو الإقرار باللسان، والاعتقاد الجازم بالقلب بأن محمد بن عبد الله الهاشمي القرشي عبد الله ورسوله أرسله إلى جميع الخلق كافة: من الجن والإنس (١).
٢ - ومقتضى هذه الشهادة: طاعته فيما أمر، وتصديقُهُ فيما أخبر، واجتنابُ ما عنه نهى وزجر، وأن لا يُعبد الله إلا بما شرع (٢).
فيجب الإيمان بشريعته - ﷺ -، والانقياد لها: قولًا، وعملًا، واعتقادًا: من الإيمان بالله، وملائكته وكتبه ورسله، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، والقيام الكامل بأركان الإسلام: من شهادة، وصلاة، وزكاة، وصيام، وحج، وغير ذلك مما شرع الله على يده - ﷺ - كالإحسان بأنواعه (٣).
_________________
(١) الأصول الثلاثة وحاشيتها للعلامة محمد العثيمين ضمن فتاواه، ٦/ ٧١.
(٢) الأصول الثلاثة مع حاشيتها لابن القاسم، ص٥٧.
(٣) انظر: مجموع فتاوى العلامة ابن باز، ٤/ ١٢، و١٤.
[ ٤٢ ]
المبحث الثاني: وجوب معرفة النبي - ﷺ -
وهذا هو الأصل الثالث من الأصول الثلاثة التي يجب على كل مسلم معرفتها وهي: معرفة العبد ربه، ودينه، ونبيه محمد - ﷺ - (١). وهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، بن هاشم، وهاشم من قريش وقريش من العرب، والعرب من ذرية إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، وله من العمر ثلاث وستون سنة، منها أربعون قبل النبوة، وثلاث وعشرون نبيًا رسولًا، نبئ بـ (اقرأ) وأرسل بالمدثر، وبلده مكة وهاجر إلى المدينة، بعثه الله بالنذارة عن الشرك ويدعو إلى التوحيد، أخذ على هذا عشر سنين يدعو إلى التوحيد، وبعد العشر عُرِجَ به إلى السماء وفرضت عليه الصلوات الخمس، وصلى في مكة ثلاث سنين، وبعدها أُمِرَ بالهجرة إلى المدينة، فلما استقر بالمدينة أُمِرَ ببقية شرائع الإسلام مثل: الزكاة، والصلاة، والحج، والجهاد، والأذان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك أخذ على هذا عشر سنين وبعدها توفي صلوات الله وسلامه عليه، ودينه باق وهذا دينه، لا خير إلا دلّ أمته عليه، ولا شر إلا حذرها منه، وهو خاتم الأنبياء والمرسلين لا نبي بعده، وقد بعثه الله إلى الناس كافة، وافترض الله طاعته على الجن والإنس، فمن أطاعه دخل الجنة ومن عصاه دخل النار (٢).
وتحصل معرفته - ﷺ - بدراسة حياته، وما كان عليه من العبادة،
_________________
(١) الأصول الثلاثة لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهّاب.
(٢) الأصول الثلاثة، لمحمد بن عبد الوهّاب رحمه الله تعالى، ص٧٥، و٧٦.
[ ٤٣ ]
والأخلاق الجميلة، والدعوة إلى الله - ﷿ -، والجهاد في سبيل الله تعالى، وغير ذلك من جوانب حياته - ﷺ -، فينبغي لكل مسلم يريد أن يزداد معرفة بنبيه وإيمانًا به أن يطالع من سيرته ما تيسر: في حربه وسلمه، وشدته ورخائه، وسفره وإقامته، وجميع أحواله نسأل الله - ﷿ - أن يجعلنا من المتبعين لرسوله - ﷺ - باطنًا وظاهرًا، وأن يثبتنا على ذلك حتى نلقاه وهو راضٍ عنا (١).
_________________
(١) انظر: فتاوى العلامة محمد بن صالح العثيمين، ٦/ ٣٩.
[ ٤٤ ]
المبحث الثالث: الحُجَجُ والبراهين على صدقه - ﷺ -
تمهيد:
ظهر على يده - ﷺ - من الآيات والمعجزات الخارقة للعادات عند التحدي أكثر من سائر الأنبياء، والعهد بهذه المعجزات قريب، وناقلوها أصدق الخلق وأبرّهم، ونَقْلُها ثابت بالتَّواتُر قرنًا بعد قرن، وأعظمها مُعجزة: القرآن، لم يتغير ولم يتبدّل منه شيء، بل كأنه منزل الآن، وما أخبر به يقع كل وقت على الوجه الذي أخبر به، كأنه يُشاهدُه عيانًا، وقد عجز الأوّلون والآخرون عن الإتيان بمثله ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (١).
ولا يمكن ليهودي أن يؤمن بنبوة موسى - ﷺ - إن لم يؤمن بنبوة محمد - ﷺ -، ولا يمكن لنصراني أن يُقِرّ بنبوة المسيح - ﷺ - إلا بعد إقراره بنبوة محمد - ﷺ -؛ لأن من كفر بنبوة نبي واحد فقد كفر بالأنبياء كلهم، ولم ينفعه إيمانه ببعضهم دون بعض، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِالله وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ الله وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا * وَالَّذِينَ آمَنُواْ بِالله وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ الله غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (٢).
ولا ينفع أهل الكتاب شهادة المسلمين بنبوة موسى وعيسى عليهما
_________________
(١) سورة الإسراء، الآية: ٨٨.
(٢) سورة النساء، الآيات: ١٥٠ - ١٥٢.
[ ٤٥ ]
الصلاة والسلام؛ لأن المسلمين آمنوا بهما على يد محمد - ﷺ -، وكان إيمانهم بهما من الإيمان بمحمد - ﷺ -، وبما جاء به، فلولاه ما عرفنا نبوّتهما، ولا سيما وليس بأيدي أهل الكتاب عن أنبيائهم ما يُوجب الإيمان بهم؛ فلولا القرآن ومحمد - ﷺ - ما عرفنا شيئًا من آيات الأنبياء المتقدمين، فمحمد - ﷺ - وكتابه هو الذي قرّر نبوّة موسى وعيسى، لا اليهود والنصارى، بل نفس ظهوره، ومجيئه تصديقًا لنبوتهما؛ فإنهما أخبرا بظهوره، وبشّرا بظهوره:
﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (١)، فلما بُعث كان بعثه تصديقًا لهما، قال تعالى عن محمد - ﷺ -: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٢).
فمجيئه تصديق لهما من جهتين: من جهة إخبارهم بمجيئه ومبعثه، ومن جهة إخباره بمثل ما أخبروا به وشهادته بنبوتهم، ولو كان كاذبًا لم يصدق من قبله، كما يفعل أعداء الأنبياء (٣).
ومن أعظم الأدلة على صدقه - ﷺ - أنه قال لليهود لما بهتوه: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٤)، ولم يجسر أحد منهم على ذلك - مع اجتماعهم على تكذيبه وعداوته - لما أخبرهم بحلول الموت بهم إن أجابوه إلى ذلك، فلولا معرفتهم بحاله في كتبهم، وصدقه فيما يخبرهم به
_________________
(١) سورة الصف، الآية: ٦.
(٢) سورة الصافات، الآية: ٣٧.
(٣) انظر: درء تعارض العقل والنقل، ٥/ ٧٨ - ٨٣، ودقائق التفسير لابن تيمية، ٤/ ٣٤، وإغاثة اللهفان لابن القيم، ٢/ ٣٥٠، ٣٥١، وهداية الحيارى، ص٦٣٥.
(٤) سورة البقرة، الآية: ٩٤.
[ ٤٦ ]
لسألوا الله الموت لأي الفريقين أكذب، منهم أو من المسلمين على وجه المباهلة (١)، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لله مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَالله عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ (٢).
وغير ذلك من دلائل نبوته وصدقه (٣) - ﷺ - التي سأذكرها -إن شاء الله تعالى-.
_________________
(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية، ٧/ ٩٩، وتفسير ابن كثير، ١/ ١٢٨، ١٢٩، وتفسير السعدي، ١/ ١١٤.
(٢) سورة الجمعة، الآيتان: ٦ - ٧.
(٣) ومن دلائل نبوته - ﷺ - في هذا الزمن ما نُشر في صحيفة البلاد السعودية، في عددها رقم ٩٤٢٢، في ١٥/ ٨/١٤١٠هـ، الموافق ١٢ مارس ١٩٩٠م، ودخل في الإسلام بسبب ذلك أربع قُرى نيجيرية، وهذا نص المنشور: لقي أحد الضالين والمستهزئين بالإسلام حتفه أثر تشكيكه في الإسلام والقرآن وإعلانه أمام جمع من الناس قائلًا: إن كان القرآن والإسلام حقًا فإني أسأل الله ألا أرجع إلى بيتي حيًا. ويشاء الله أن يلقى هذا الكافر حتفه قبل أن يعود إلى منزله فعلًا!. هذا وقد وقعت هذه الحادثة في (بوب) في ولاية غونفولي بشمال نيجيريا وأسلم على أثرها أهل القرية وثلاث قرى مجاورة. ويقول شهود عيان رأوا الحادثة: إن المكذِّب ويُدعى عمر غيمو وهو قس في كنيسة باتيسي بقرية بوب وقف خطيبًا في الكنيسة وبدأ في التطاول على الإسلام والقرآن الكريم وردد العديد من الأكاذيب والأباطيل والافتراءات على الإسلام والقرآن الكريم. ثم قال في نهاية خطبته: «إن كان القرآن والدين الإسلامي حقًا فأسأل الرب ألا يرجعني إلى بيتي حيًا». وخرج القس من الكنيسة وهو على ثقة تامة بأنه لن يصيبه شيء وسيصل إلى منزله في صحة وعافية ليتخذ ذلك فيما بعد دليلًا يؤكد به للناس افتراءه وأكاذيبه. ويشاء الله - ﷿ - وعلى الرغم من أن الطريق إلى منزله لا توجد به أي أخطار تهدد حياة الإنسان، يشاء الله أن تعثر قدماه وهو يعبر جدول ماء صغير وسقط فيه حتى مات وسارع إليه جماعة من المسيحيين في دهشة وذهول ونقلوه إلى المستشفى والتي رفضت استلامه لوفاته، فذهبوا به إلى مستشفى آخر وثالث وكان التأكيد أنه قد لاقى حتفه ليسقط في أيديهم لحدوث الوفاة بهذه البساطة ودون حدوث أي إصابة أو جرح. والأعجب من ذلك أن أحد المارة كان قد حاول في البداية إنقاذ هذا المستهزئ عند تعثره فلقي مصرعه. تجدر الإشارة إلى أن هذا القس كان مسيحيًا، ثم أسلم، وعاش فترة بين المسلمين يتعامل معهم ويتعاملون معه إلا أنه نكص على عقبه وارتد عن الإسلام وأصبح حربًا على دين الله إلى أن لقي مصيره المحتوم.
[ ٤٧ ]
ولا شكَّ أن الآيات والبيّنات الدالّة على نبوته - ﷺ - وعموم رسالته كثيرة متنوعة، وهي أكثر وأعظم من آيات غيره من الأنبياء، وجميع الأنواع تنحصر في نوعين:
أ - منها: ما مضى وصار معلومًا بالخبر الصّادق كمعجزات موسى وعيسى.
ب - ومنها: ما هو باق إلى اليوم كالقرآن، والعلم والإيمان اللذين في أتباعه، فإن ذلك من أعلام نبوته، وكشريعته التي أتى بها، والآيات التي يظهرها الله وقتًا بعد وقتٍ من كرامات الصّالحين من أمته، وظهور دينه بالحجّة والبرهان، وصفاته الموجودة في كتب الأنبياء قبله وغير ذلك (١)، وهذا باب واسع لا أستطيع حصره؛ ولكن سأقتصر في إثبات نبوته - ﷺ - على مطلبين على النحو التالي:
المطلب الأول: معجزات القرآن العظيم:
المعجزة لغة: ما أُعجِزَ به الخصم عند التحدي (٢).
وهي أمر خارق للعادة يعجز البشر متفرقين ومجتمعين عن الإتيان
_________________
(١) انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، ٤/ ٦٧ - ٧١.
(٢) انظر: القاموس المحيط، باب الزاي، فصل العين، ص٦٦٣.
[ ٤٨ ]
بمثله، يجعله الله على يد من يختاره لنبوّته؛ ليدلّ على صدقه وصحّة رسالته (١).
والقرآن الكريم كلام الله المنزّل على محمد - ﷺ - هو المعجزة العظمى، الباقية على مرور الدّهور والأزمان، المعجز للأولين والآخرين إلى قيام الساعة (٢)، قال - ﷺ -: «ما من الأنبياء نبيّ إلا أُعطي من الآيات على ما مثله آمن البشر، وإنّما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة» (٣).
وليس المراد في هذا الحديث حصر معجزاته - ﷺ - في القرآن، ولا أنه لم يؤت من المعجزات الحسّيّة كمن تقدّمه، بل المراد أن القرآن المعجزة
_________________
(١) انظر: مناهل العرفان في علوم القرآن للزرقاني،١/ ٦٦، والمعجم الوسيط، مادة: عجز، ٢/ ٥٨٥، والإرشاد إلى صحيح الاعتقاد، للدكتور صالح الفوزان، ٢/ ١٥٧. والفرق بين المعجزة والكرامة: هو أن المعجزة أمر خارق للعادة مقرون بدعوة النبوَّة والتحدي للعباد. أما الكرامة: فهي أمر خارق للعادة غير مقرون بدعوى النبوة ولا التحدي، ولا تكون الكرامة إلا لعبد ظاهره الصلاح، مصحوبًا بصحة الاعتقاد والعمل الصالح. أما إذا ظهر الأمر الخارق على أيدي المنحرفين فهو من الأحوال الشيطانية. وإذا ظهر الأمر الخارق على يد إنسان مجهول الحال؛ فإن حاله يعرض على الكتاب والسنة كما قال الإمام الشافعي ﵀: «إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء ويطير في الهواء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة». انظر شرح العقيدة الطحاوية، ص٥١٠، وسير أعلام النبلاء، ١٠/ ٢٣، والأجوبة الأصولية على العقيدة الواسطية للسلمان، ص٣١١.
(٢) انظر: الداعي إلى الإسلام للأنباري، ص٣٩٣.
(٣) أخرجه البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب كيف نزل الوحي وأول ما نزل، برقم ٤٩٨١، ومسلم، كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد - ﷺ - إلى جميع الناس ونسخ الملل بملته، برقم ١٥٢.
[ ٤٩ ]
العظمى التي اختص بها دون غيره؛ لأن كل نبي أُعطِيَ معجزة خاصة به، تحدّى بها من أُرسِلَ إليهم، وكانت معجزة كل نبي تقع مناسبة لحال قومه؛ ولهذا لما كان السحر فاشيًا في قوم فرعون جاءه موسى بالعصا على صورة ما يصنع السّحرة، لكنها تلقف ما صنعوا، ولم يقع ذلك بعينه لغيره.
ولما كان الأطباء في غاية الظهور جاء عيسى بما حيّر الأطباء، من: إحياء الموتى، وإبراء الأكمه، والأبرص، وكل ذلك من جنس عملهم، ولكن لم تصل إليه قدرتهم.
ولما كانت العرب أرباب الفصاحة والبلاغة والخطابة جعل الله سبحانه معجزة نبينا محمد - ﷺ - القرآن الكريم الذي (١) ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (٢).
ولكن معجزة القرآن الكريم تتميز عن سائر المعجزات؛ لأنه حجة مستمرّة، باقية على مرّ العصور، والبراهين التي كانت للأنبياء انقرض زمانها في حياتهم ولم يبق منها إلا الخبر عنها، أما القرآن فلا يزال حجة قائمة كأنما يسمعها السّامع من فم رسول الله - ﷺ -، ولاستمرار هذه الحجة البالغة قال - ﷺ -: «فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يومَ القيامةِ» (٣).
والقرآن الكريم آية بيّنة، معجزة من وجوه متعدّدة، من جهة اللفظ،
_________________
(١) انظر: فتح الباري، ٩/ ٦، ٧، وشرح النووي على مسلم، ٢/ ١٨٨، وأعلام النبوة للماوردي، ص٥٣، وإظهار الحق، ٢/ ١٠١.
(٢) سورة فصلت، الآية: ٤٢.
(٣) انظر: البداية والنهاية، ٦/ ٦٩، وتقدم تخريج الحديث.
[ ٥٠ ]
ومن جهة النظم، والبلاغة في دلالة اللفظ على المعنى، ومن جهة معانيه التي أمر بها، ومعانيه التي أخبر بها عن الله تعالى وأسمائه وصفاته وملائكته، وغير ذلك من الوجوه الكثيرة التي ذكر كل عالم ما فتح الله عليه به منها (١)، وسأقتصر على أربعة وجوه من باب المثال لا الحصر بإيجاز كالآتي:
الوجه الأول: الإعجاز البياني والبلاغي:
من الإعجاز القرآني ما اشتمل عليه من البلاغة والبيان، والتركيب المعجز، الذي تحدّى به الإنس والجنّ أن يأتوا بمثله، فعجزوا عن ذلك، قال تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (٢)،وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لاّ يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ﴾ (٣).
وبعد هذا التحدّي انقطعوا فلم يتقدّم أحد، فمدّ لهم في الحبل وتحدّاهم بعشر سور مثله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ الله إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٤)،فعجزوا فأرخى لهم في الحبل فقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ
_________________
(١) انظر: الجواب الصحيح، ٤/ ٧٤، ٧٥، وأعلام النبوة للماوردي، ص٥٣ - ٧٠، والبداية والنهاية، ٦/ ٥٤، ٦٥،والبرهان في علوم القرآن للزركشي، ٢/ ٩٠ - ١٢٤، ومناهل العرفان للزرقاني، ٢/ ٢٧٧ - ٣٠٨.
(٢) سورة الإسراء، الآية: ٨٨.
(٣) سورة الطور، الآيتان: ٣٣ - ٣٤.
(٤) سورة يونس، الآية: ٣٨.
[ ٥١ ]
وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ الله إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (١)،ثم أعاد التحدي في المدينة بعد الهجرة، فقال تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ الله إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (٢).
فقوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ﴾ أي: فإن لم تفعلوا في الماضي، ولن تستطيعوا ذلك في المستقبل، فثبت التحدّي وأنهم لا يستطيعون أن يأتوا بسورة من مثله فيما يستقبل من الزمان، كما أخبر قبل ذلك، وأمر النبي وهو بمكة أن يقول: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (٣).
فعم بأمره له أن يخبر جميع الخلق معجزًا لهم، قاطعًا بأنهم إذا اجتمعوا لا يأتون بمثل هذا القرآن، ولو تظاهروا وتعاونوا على ذلك، وهذا التحدي لجميع الخلق، وقد سمعه كل من سمع القرآن، وعرفه الخاص والعام، وعلم مع ذلك أنهم لم يعارضوا، ولا أتوا بسورة مثله من حين بُعِثَ - ﷺ - إلى اليوم والأمر على ذلك (٤).
_________________
(١) سورة هود، الآية: ١٣.
(٢) سورة البقرة، الآيتان: ٢٣ - ٢٤.
(٣) سورة الإسراء، الآية: ٨٨.
(٤) انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، ٤/ ٧١ - ٧٧، والبداية والنهاية، ٦/ ٩٥.
[ ٥٢ ]
والقرآن يشتمل على آلاف المعجزات؛ لأنه مائة وأربع عشرة سورة، وقد وقع التحدي بسورة واحدة، وأقصر سورة في القرآن سورة الكوثر، وهي ثلاث آيات قصار، والقرآن يزيد بالاتفاق على ستة آلاف ومائتي آية، ومقدار سورة الكوثر من آيات أو آية طويلة على ترتيب كلماتها له حكم السورة الواحدة، ويقع بذلك التحدي والإعجاز (١)؛ ولهذا كان القرآن الكريم يغني عن جميع المعجزات الحسّيّة والمعنوية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
الوجه الثاني: الإخبار عن الغيوب:
من وجوه الإعجاز القرآني أنه اشتمل على أخبار كثيرة من الغيوب التي لا علم لمحمد - ﷺ - بها، ولا سبيل لبشر مثله أن يعلمها، وهذا مما يدلّ على أن القرآن كلام الله تعالى الذي لا تخفى عليه خافية: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ
مُّبِينٍ﴾ (٢).
والإخبار بالغيوب أنواع:
النوع الأول: غيوب الماضي: وتتمثل في القصص، الرائعة وجميع
ما أخبر الله به عن ماضي الأزمان.
_________________
(١) انظر: استخراج الجدال من القرآن الكريم لابن نجم، ص١٠٠، وفتح الباري، ٦/ ٥٨٢، ومناهل العرفان للزرقاني، ١/ ٣٣٦، ١/ ٢٣١، ٢٣٢.
(٢) سورة الأنعام، الآية: ٥٩.
[ ٥٣ ]
النوع الثاني: غيوب الحاضر:
النوع الثالث: غيوب المستقبل
النوع الثاني: غيوب الحاضر: أخبر الله رسوله - ﷺ - بغيوب حاضرة، ككشف أسرار المنافقين، والأخطاء التي وقع فيها بعض المسلمين، أو غير ذلك مما لا يعلمه إلا الله، وأطلع عليه رسوله - ﷺ -.
النوع الثالث: غيوب المستقبل: أخبر الله رسوله - ﷺ - بأمور لم تقع، ثم وقعت كما أخبر، فدلّ ذلك على أن القرآن كلام الله، وأن محمدًا - ﷺ - رسول الله (١).
الوجه الثالث: الإعجاز التشريعي:
القرآن العظيم جاء بهدايات كاملة تامّة، تفي بحاجات جميع البشر في كل زمان ومكان؛ لأن الذي أنزله هو العليم بكل شيءٍ، خالق البشرية والخبير بما يُصلحها ويُفسدها، وما ينفعها ويضرّها، فإذا شرع أمرًا جاء في أعلى درجات الحكمة والخبرة: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (٢).
ويزداد الوضوح عند التأمل في أحوال الأنظمة والقوانين البشرية التي يظهر عجزها عن معالجة المشكلات البشرية ومسايرة الأوضاع والأزمنة والأحوال، مما يضطر أصحابها إلى الاستمرار في التعديل والزيادة والنقص، فَيُلْغُونَ غدًا ما وضعوه اليوم؛ لأن الإنسان محلّ النقص
_________________
(١) انظر: الداعي إلى الإسلام للأنباري، ص٤٢٤ - ٤٢٨، وإظهار الحق، ٦٥ - ١٠٧، ومناهل العرفان، ٢/ ٢٦٣، ومعالم الدعوة للديلمي، ١/ ٤٦٣. وقد أخبر - ﷺ - بأمور غيبية كثيرة جدًّا. انظر: جامع الأصول لابن الأثير، ١١/ ٣١١ - ٣٣١.
(٢) سورة الملك، الآية: ١٤.
[ ٥٤ ]
والخطأ، والجهل لأعماق النفس البشرية، والجهل بما يحدث غدًا في أوضاع الإنسان وأحواله وفيما يصلح البشرية في كل عصر ومصر.
وهذا دليل حسّي مُشاهد على عجز جميع البشر عن الإتيان بأنظمة تُصْلِحُ الخلق وتقوّمُ أخلاقهم، وعلى أن القرآن كلام الله سليم من كل عيب، كفيل برعاية مصالح العباد، وهدايتهم إلى كلِّ ما يُصلح أحوالهم في الدنيا والآخرة إذا تمسكوا به واهتدوا بهديه (١)، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ (٢).
وبالجملة فإن الشريعة التي جاء بها كتاب الله تعالى مدارها على ثلاث مصالح:
المصلحة الأولى: درء المفاسد عن ستة أشياء (٣):حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنّسب، والعرض، والمال.
المصلحة الثانية: جلب المصالح (٤): فقد فتح القرآن الأبواب لجلب المصالح في جميع الميادين، وسدّ كل ذريعة تؤدي إلى الضرر.
_________________
(١) انظر: مناهل العرفان للزرقاني، ٢/ ٢٤٧، وأثر تطبيق الحدود في المجتمع الإسلامي، من البحوث المقدمة لمؤتمر الفقه الإسلامي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ص١١٧، ومعالم الدعوة للديلمي، ١/ ٤٢٦.
(٢) سورة الإسراء، الآية: ٩.
(٣) درء المفاسد هو المعروف عند أهل الأصول بالضروريات. انظر: أضواء البيان، ٣/ ٤٤٨.
(٤) جلب المصالح يعرف عند أهل الأصول بالحاجيات. انظر: أضواء البيان،٣/ ٤٤٨.
[ ٥٥ ]
المصلحة الثالثة: الجري على مكارم الأخلاق ومحاسن العادات، فالقرآن الكريم حلَّ جميع المشكلات العالمية التي عجز عنها البشر، ولم يترك جانبًا من الجوانب التي يحتاجها البشر في الدنيا والآخرة إلا وضع لها القواعد، وهدى إليها بأقوم الطرق وأعدلها (١).
الوجه الرابع: الإعجاز العلمي الحديث:
يتصل بما ذكر من إعجاز القرآن في إخباره عن الأمور الغيبية المستقبلة نوع جديد كشف عنه العلم في العصر الحديث، مصداقًا لقوله تعالى:
﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (٢).
لقد تحقّق هذا الوعد من ربنا في الأزمنة المتأخرة، فرأى الناس آيات الله في آفاق المخلوقات بأدقّ الأجهزة والوسائل: كالطائرات، والغواصات، وغير ذلك من أدقِّ الأجهزة الحديثة التي لم يمتلكها الإنسان إلا في العصر الحديث فمن أخبر محمدًا - ﷺ - بهذه الأمور الغيبية قبل ألف وأربعمائة وخمس عشرة سنة؟ إن هذا يدلّ على أن القرآن كلام الله وأن محمدًا رسول الله - ﷺ - حقًّا.
وقد اكتُشِفَ هذا الإعجاز العلمي: في الأرض وفي السماء، وفي البحار والقفار، وفي الإنسان والحيوان، والنبات، والأشجار، والحشرات، وغير
_________________
(١) انظر: أضواء البيان، ٣/ ٤٠٩ - ٤٥٧، فقد أوضح هذا الجانب بالأدلة العقلية والنقلية جزاه الله خيرًا وغفر له.
(٢) سورة فصلت، الآية: ٥٣.
[ ٥٦ ]
ذلك، ولا يتّسع المقام لذكر الأمثلة العديدة على ذلك (١).
المطلب الثاني: معجزات النبي - ﷺ - الحسية:
معجزات النبي - ﷺ - الحسّيّة الخارقة للعادة كثيرة جدًّا (٢)،لا أستطيع حصرها، وسأقتصر بإيجاز على ذكر تسعة أنواع منها على سبيل المثال، كالآتي:
النوع الأول: المعجزات العلوية:
١ - من هذه المعجزات انشقاق القمر: وهذه من أمهات معجزاته - ﷺ - الدّالّة على صدقه، فقد سأل أهل مكة رسول الله - ﷺ - أن يُريهم آية، فأراهم القمر شقتين حتى رأوا جبل حِرَاء بينهما (٣)، قال الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ
مُّسْتَمِرٌّ ﴾ الآيات (٤).
٢ - صعوده - ﷺ - ليلة الإسراء والمعراج إلى ما فوق السموات: وهذا ما أخبر به القرآن الكريم، وتواترت به الأحاديث، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ
_________________
(١) انظر: أمثلة كثيرة في الإعجاز العلمي في القرآن الكريم في مناهل العرفان في علوم القرآن للزرقاني، ٢/ ٢٧٨ - ٢٨٤، وكتاب الإيمان، لعبد المجيد الزنداني، ص٥٥ - ٥٩، وكتاب التوحيد للزنداني أيضًا، ١/ ٧٤ - ٧٧.
(٢) قال ابن تيمية ﵀: «قد جمعت نحو ألف معجزة». انظر: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان لابن تيمية، ص١٥٨. ومعجزاته - ﷺ - تزيد على ألف ومائتين، وقيل: ثلاثة آلاف معجزة. انظر: فتح الباري، لابن حجر، ٦/ ٥٨٣.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب مناقب الأنصار، باب انشقاق القمر، برقم ٣٨٦٨، ومسلم، صفات المنافقين، باب انشقاق القمر، برقم٢٨٠٢.
(٤) سورة القمر، الآيات: ١ - ٢.
[ ٥٧ ]
الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِير﴾ (١).
وهذه الآية من أعظم معجزاته - ﷺ -، فإنّه أُسرِيَ به إلى بيت المقدس، وقطع المسافة في زمن قصير، ثم عُرِجَ به إلى السموات، ثم صعد إلى مكان يسمع فيه صريف الأقلام، ورأى الجنة، وفرضت عليه الصلوات، ورجع إلى مكة قبل أن يُصبح، فكذَّبته قريش، وطلبوا منه علامات تدلّ على صدقه، ومن ذلك علامات بيت المقدس؛ لعلمهم بأنه - ﷺ - لم يرَ بيت المقدس قبل ذلك، فجلَّى الله له بيت المقدس ينظر إليه ويخبرهم بعلاماته وما سألوا عنه (٢).
وغير ذلك من الآيات العلوية، كحراسة السماء بالشّهب عند بعثته - ﷺ -.
النوع الثاني: آيات الجوّ:
١ - من هذه المعجزات طاعةُ السَّحاب له - ﷺ -، بإذن الله تعالى في حصوله ونزول المطر وذهابه بدعائه - ﷺ - (٣).
٢ - ومن هذا النوع نصر الله للنبي - ﷺ - بالرِّيح التي قال تعالى عنها:
﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا﴾ (٤)، وهذه
_________________
(١) سورة الإسراء، الآية: ١.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب مناقب الأنصار، باب حديث الإسراء، برقم ٣٨٨٦، ومسلم في كتاب الإيمان، باب ذكر المسيح ابن مريم والمسيح الدجال، برقم ١٧٠.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الجمعة، باب الاستسقاء في الخطبة يوم الجمعة، برقم ٩٣٣، ومسلم في كتاب الاستسقاء، باب الدعاء في الاستسقاء، برقم ٨٩٧.
(٤) سورة الأحزاب، الآية: ٩.
[ ٥٨ ]
الرِّيحُ هي ريح الصَّبا، أرسلها على الأحزاب، قال - ﷺ -: «نُصِرْتُ بالصّبَا، وأُهْلِكَت عادٌ بالدَّبُور» (١)، وغير ذلك.
النوع الثالث: تصرّفه في الإنس والجن والبهائم:
وهذا باب واسع، منه على سبيل المثال:
أ - تصرفه في الإنس:
١ - كان علي بن أبي طالب - ﵁ - يشتكي عينيه من وجع بهما، فبصَقَ رسول الله - ﷺ - فيهما ودعا له فبرأ، كأن لم يكن به وجع (٢).
٢ - انكسرت ساق عبد الله بن عتيك - ﵁ - فمسحها رسول الله - ﷺ -، فكأنها لم تنكسر قطُّ (٣).
٣ - أُصِيبَ سلمة بن الأكوع بضربة في ساقه يوم خيبر، فنفث فيها رسول الله - ﷺ - ثلاث نفثات، فما اشتكاها سلمة بعد ذلك (٤).
ب - تصرفه في الجنّ والشياطين:
١ - كان - ﷺ - يُخرِج الجنّ من الإنس بمجرد المخاطبة. فيقول: «اخرج عدوّ الله أنا رسول الله» (٥).
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الاستسقاء، باب في ريح الصبا والدبور، برقم ٩٠٠.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد، باب فضل من أسلم على يديه رجل، برقم ٣٠٠٩، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل علي - ﵁ -، برقم ٢٤٠٦.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب قتل أبي رافع عبد الله بن أبي الحقيق، برقم ٤٠٣٩.
(٤) أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، برقم ٤٢٠٦.
(٥) أخرجه أحمد، ٤/ ١٧٠ - ١٧٢، ووكيع في الزهد، برقم ٥٠٨،وهناد في الزهد، برقم ١٣٣٨، والبيهقي في الدلائل،٦/ ٢١ - ٢٢، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ٩/ ٦: «رجال أحمد رجال الصحيح».
[ ٥٩ ]
٢ - أخرج الشيطانَ من صدر عثمان بن أبي العاص، عندما ضرب صدر عثمان بيده ثلاث مرات وتفل في فمه وقال: «اخرج عدوّ الله» فعل ذلك ثلاث مرات، فلم يُخالط عثمانَ الشيطانُ بعد ذلك (١).
جـ - تصرّفه في البهائم:
وقد حصل له مرارًا، ومن ذلك أنه جاء بعير فسجد للنبي - ﷺ -، فقال أصحابه: يا رسول الله! تسجد لك البهائم، والشّجر، فنحن أحقّ أن نسجد لك، فقال - ﷺ -: «اعبُدُوا ربَّكمُ، وأكرِمُوا أخَاكُم، ولو كنتُ آمرًا أحدًا أن يَسجُدَ لأحدٍ لأمرتُ المرأةَ أن تسجُدَ لِزَوجِها ..» (٢).
النوع الرابع: تأثيره في الأشجار والثمار والخشب
أ - تأثيره في الأشجار:
١ - جاء أعرابي إلى رسول الله - ﷺ - وهو في سفر. فدعاه رسول الله - ﷺ - إلى الإسلام، فقال الأعرابي: ومن يشهد لك على ما تقول؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «هذه السَّلَمَة» (٣)، فدعاها رسول الله - ﷺ - وهي بشاطئ الوادي، فأقبلت تخدّ (٤) الأرض خَدًّا حتى قامَتْ بين يديه، فأشهدها ثلاثًا،
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه، كتاب الطب، باب الفزع والأرق وما يتعوذ منه، بسند حسن، برقم ٣٥٤٨، وانظر: صحيح ابن ماجه، للألباني، ٢/ ٢٧٣.
(٢) أخرجه أحمد، ٦/ ٧٦، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ٩/ ٩: «إسناده جيد»، وانظر معجزات من هذا النوع: مسند الإمام أحمد، ٤/ ١٧٠ - ١٧٢، ومجمع الزوائد للهيثمي، ٩/ ٣ - ١٢.
(٣) السلمة: شجرة من شجر البادية، انظر: المصباح المنير، مادة «سلم»، ١/ ٢٨٦، ومختار الصّحاح، مادة «سلم»، ص١٣١.
(٤) تخدّ الأرض: أي تشقها أخدودًا. وانظر: المصباح المنير، مادة (خدّ)، ١/ ١٦٥، ومختار الصّحاح، مادة (خدّ)، ص٧٢.
[ ٦٠ ]
فشهدت ثلاثًا أنه كما قال، ثم رجعَتْ إلى مَنْبَتِهَا (١).
٢ - أراد رسول الله - ﷺ - أن يقضي حاجته وهو في سفر، فلم يجد
ما يستتر به، فأخذ بغصن شجرة وقال: «انقادي عليَّ بإذنِ الله» فانقادت معه كالبعير المخشوم (٢) حتى أتى الشجرةَ الأخرى ففعل وقال كذلك، ثم أمرهما أن تلتئما عليه فالتأمتا، ثم بعد قضاء الحاجة رجعت كل شجرة، وقامت كل واحدة منهما على ساق (٣).
ب - تأثيره في الثّمار:
جاء أعرابي إلى رسول الله - ﷺ - فقال: بم أعرف أنك نبي؟ قال: «إن دعوت هذا العِذق من هذه النخلة أتشهد أنّي رسول الله»؟ فدعاه رسول الله - ﷺ - فجعل ينزل من النخلة حتى سقط إلى النبي - ﷺ -، ثم قال: «ارجع»، فعاد، فأسلم الأعرابي (٤).
جـ - تأثيره في الخشب:
كان - ﷺ - يخطب في المدينة يوم الجمعة على جذع نخل، فلما صُنع له المنبر
_________________
(١) أخرجه الدارمي، في المقدمة، باب ما أكرم الله نبيه من إيمان الشجر به والبهائم والجن، برقم ١٦، وإسناده صحيح، وانظر: مشكاة المصابيح، برقم ٥٩٢٥، ٣/ ١٦٦٦.
(٢) البعير المختوم: الذي جُعل في أنفه عود، ويشد فيه حبل ليذلّ وينقاد إذا كان صعبًا. انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ١٨/ ١٤٦.
(٣) أخرجه مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب حديث جابر الطويل وقصة أبي اليسر، برقم ٣٠١٢.
(٤) أخرجه الترمذي في كتاب المناقب، باب حدثنا عباد، برقم ٣٦٢٨، وقال أبو عيسى: «هذا حديث حسن غريب صحيح»، وأحمد، ١/ ١٢٣، والحاكم وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، ٢/ ٦٢٠، وقال الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٣/ ٤٩٠: «صحيح دون قوله: فأسلم الأعرابي»، وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة له، رقم ٣٣١٥.
[ ٦١ ]
ورَقِيَ عليه صاحَ الجذعُ صياحَ الصَّبي، [وخارَ كما تَخُورُ البقرة، جزعًا على رسول الله - ﷺ - فالتزمه رسول الله - ﷺ - وضمَّه إليه - وهو يئنّ - ومسحه حتى سكن] (١).
النوع الخامس: تأثيره في الجبال والأحجار وتسخيرها له:
أ - تأثيره في الجبال:
صعد النبي - ﷺ - أُحدًا، ومعه أبو بكر، وعمر، وعثمان، فرجف بهم، فضربه - ﷺ - برجله، وقال: «اثبت أحد، فإنما عليك نبي، وصِدّيق، وشهيدان» (٢).
ب - تأثيره في الحجارة:
وقال - ﷺ -: «إني لأعرف حجرًا بمكة كان يُسلِّم عليّ قبل أن أُبعثَ، إنِّي لأعرفه الآن» (٣).
جـ - تأثيره في تراب الأرض:
عندما كان رسول الله - ﷺ - في معركة حنين، واشتدّ القتال، نزل عن بغلته وقبض قبضة من تراب الأرض، واستقبل به وجوه القوم، فقال: «شَاهَتِ الوجوهُ»، فما خلق الله إنسانًا منهم إلا ملأ عينيه من تلك القبضة، فهزمهم الله وقسم غنائمهم بين المسلمين (٤).
النوع السادس: تفجير الماء، وزيادة الطعام والشراب والثمار:
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، برقم ٣٥٨٤، وما بين المعقوفين عند أحمد في المسند، ٢/ ١٠٩.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب فضائل الصحابة، باب قوله - ﷺ -: (لو كنت متخذًا خليلًا )،برقم ٣٦٧٥.
(٣) أخرجه مسلم في كتاب الفضائل، باب فضل نسب النبي - ﷺ - وتسليم الحجر عليه قبل النبوة، برقم ٢٢٧٧.
(٤) أخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب غزوة حنين، برقم ١٧٧٧. وحصل له مثل ذلك في معركة بدر.
[ ٦٢ ]
أ - نبع الماء وزيادة الشراب:
هذا النوع حصل لرسول الله - ﷺ - مراتٍ كثيرة جدًّا (١)، ومن ذلك:
١ - عَطشَ الناسُ في الحديبية، فوضع يده - ﷺ - في الركوة فجعل الماء يثور بين أصابعه كالعيون، فشربُوا وتوضّؤوا، قيل لجابر: كم كنتم؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة (٢).
٢ - قدم - ﷺ - تبوك، فوجد عينها كشراك النّعل، فَغُرِفَ له منها قليلًا قليلًا، حتى اجتمع له شيء قليل، فغسل فيه يديه ووجهه، ثم أعاده فيها فجرت العين بماء منهمر، وبقيت العين إلى الآن (٣).
٣ - قصة أبي هريرة - ﵁ - وقدح اللّبن، وزيادة القدح حتى شرب منه أضياف الإسلام (٤).
ب - زيادة الطعام وتكثيره لما جعل الله فيه - ﷺ - من البركة:
١ - كان النبي - ﷺ - في ألف وأربعمائة من أصحابه في غزوة، فأصابهم مشقة، فأمر - ﷺ - أن يجمعوا ما معهم من طعام وبسطوا سفرة، وكان الطعام
_________________
(١) انظر: البخاري مع الفتح، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، رقم ٣٥٧١ - ٣٥٧٧، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها، برقم ٦٨١ - ٦٨٢، وجامع الأصول لابن الأثير، ١١/ ٣٣٤ - ٣٥١.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب المناقب، باب علامة النبوة، برقم ٣٥٧٦، ومسلم في كتاب الإمارة، باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال، برقم ١٨٥٦/ ٧٣.
(٣) أخرجه مسلم في كتاب الفضائل، باب معجزات النبي - ﷺ -، برقم ٧٠٦.
(٤) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب كيف كان يعيش النبي - ﷺ - وأصحابه وتخليهم عن الدنيا، برقم ٦٤٥٢.
[ ٦٣ ]
شيئًا يسيرًا فبارك فيه، وأكلوا، وحَشوا أوعيتهم من ذلك الطعام (١).
٢ - بقي الصّحابة والنبي - ﷺ - في غزوة الخندق ثلاثة أيام لا يذوقون طعامًا، فذبح جابر بن عبد الله - ﵁ - عناقًا، وطحنت زوجته صاعًا من شعير، ثم دعا النبي - ﷺ -،فصاح النبي - ﷺ - بأهل الخندق يدعوهم على هذا الطعام اليسير، ثم جاء النبي - ﷺ - وبصقَ في العجين وبارك، وبصقَ في البرمة وبارك، قال جابر ﵄: وهم ألف، فأقسم بالله لقد أكلوا حتى تركوه وانحرفوا، وإن برمتنا لتغطّ كما هي (٢)،وإن عجيننا ليخبز كما هو (٣).وهذا باب واسع لا يمكن حصره.
جـ - زيادة الثمار والحبوب:
١ - جاء رجل يستطعم النبي - ﷺ - فأطعمه شطْرَ وَسْقِ شعيرٍ، فما زال الرجل يأكل منه وأهله حتى كاله، فأتى النبي - ﷺ - فقال: «لو لم تكله لأكلتم منه ولقام لكم» (٤).
٢ - كان على والد جابر دين، وما في نخله لا يقضي ما عليه سنين، فجاء جابر إلى رسول الله - ﷺ - ليحضر الكيل، فحضر، ومشى حول الجرن، ثم أمر جابرًا أن يكيل فكال لهم حتى أوفاهم، قال جابر - ﵁ -:
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد، باب حمل الزاد في الغزو، برقم ٢٩٨٢،ومسلم في كتاب اللقطة، باب استحباب خلط الأزواد إذا قلّت، والمواساة فيها، برقم ١٧٢٩.
(٢) تغط: أي تغلي ويسمع غليانها. انظر: الفتح، ٧/ ٣٩٩.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب غزوة الخندق، برقم ٤١٠٢، ومسلم، كتاب الأشربة، باب جواز استتباع غيره إلى دار من يثق برضاه بذلك، برقم ٢٠٣٩.
(٤) أخرجه مسلم في كتاب الفضائل، باب معجزات النبي - ﷺ -، برقم ٢٢٨١.
[ ٦٤ ]
«وبقي تمري وكأنه لم ينقص منه شيء» (١).
النوع السابع: تأييد الله له بالملائكة:
أَيَّد الله رسوله بالملائكة في عدة مواضع، نُصرةً له ولدينه، منها على سبيل المثال:
١ - في الهجرة، قال المولى جل وعلا: ﴿فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ الله هِيَ الْعُلْيَا﴾ (٢).
٢ - في بدر، قال الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (٣).
٣ - في أُحدٍ، قاتل جبريل وميكائيل ﵉ عن يمين النبي - ﷺ - ويساره (٤).
٤ - في الخندق قال الله - ﷿ -: ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا﴾ (٥).
٥ - في غزوة بني قُرَيْظَةَ: جاء جبريل إلى النبي - ﷺ - بعد أن وضع السلاح من غزوة الخندق واغتسل، فقال له جبريل: قد وضعت السلاح؟ والله ما وضعناه فاخرج إليهم، فسأله النبي - ﷺ -: «إلى أين»؟
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب البيوع، باب الكيل على البائع والمعطي، برقم ٢١٢٧.
(٢) سورة التوبة، الآية: ٤٠.
(٣) سورة الأنفال، الآية: ٩.
(٤) أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب: إذ همت طائفتان، برقم ٤٠٤٥، ومسلم في كتاب الفضائل، باب قتال جبريل وميكائيل عن النبي - ﷺ - يوم أحد، برقم ٢٣٠٦.
(٥) سورة الأنفال، الآية: ٩.
[ ٦٥ ]
فأشار إلى بني قريظة، فخرج - ﷺ -، ونصره الله عليهم (١).
٦ - في حنين، قال الله - ﷾ -: ﴿ثُمَّ أَنَزلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ (٢).
النوع الثامن: كفاية الله له أعداءه وعصمته من الناس:
هذا النوع من أعظم الآيات الدالّة على صدق رسالة محمد - ﷺ -،ومن ذلك:
١ - كفاه الله تعالى المشركين والمستهزئين، فلم يصلوا إليه بسوء، قال تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ (٣).
٢ - كفاه الله تعالى أهل الكتاب، قال تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ الله وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٤).
٣ - وعصمه تعالى من جميع الناس بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَالله يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (٥).
وهذا خبر عام بأن الله يعصمه من جميع الناس، فكلُّ من هذه الأخبار
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب مرجع النبي - ﷺ - من الأحزاب، ٤١١٧، ومسلم في كتاب الجهاد، باب جواز قتال من نقض العهد، برقم ١٧٦٩.
(٢) سورة التوبة، الآية: ٢٦.
(٣) سورة الحجر، الآيتان: ٩٤ - ٩٥.
(٤) سورة البقرة، الآية: ١٣٧.
(٥) سورة المائدة، الآية: ٦٧.
[ ٦٦ ]
الثلاثة قد وقعت كما أخبر الله تعالى، فقد كفاه أعداءه بأنواع عجيبة خارجة عن العادة المعروفة، ونصره مع كثرة أعدائه وقوتهم وغلبتهم، وانتقم ممن عاداه.
ومن ذلك أن رجلًا نصرانيًّا أسلم، وقرأ البقرة وآل عمران، وكان يكتب للنبي - ﷺ - ثم ارتدّ وعاد نصرانيًّا، فكان يقول: ما يَدْرِي محمد إلا
ما كتبت له، فأماته الله، فدفنه قومه، فأصبح وقد أخرجته الأرض من بطنها، فأعادوا دفنه، وأعمقوا قبره، فأصبح وقد أخرجته الأرض منبوذًا على ظهرها فأعادوا دفنه وأعمقوا له فأصبح وقد لفظته الأرض، فعلموا أن هذا ليس من الناس فتركوه منبوذًا (١).
النوع التاسع: إجابة دعواته - ﷺ -:
الأدعية التي دعا بها النبي - ﷺ - وشُوهدت إجابتها كالشمس في رابعة النهار كثيرة جدًّا، لا تُحصر ولا يتّسع المقام لذكر أكثرها، ولكن منها على سبيل المثال:
١ - قال - ﷺ - لأنس - ﵁ -: «اللهم أكثر ماله، وولده، وبارك له فيما أعطيته» (٢)، [وأطل حياته، واغفر له] (٣)، قال أنس: فوالله إنّ مالي لكثير،
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب المناقب، باب علامات النبوة، برقم ٣٦١٧، ومسلم، كتاب صفات المنافقين، برقم ٢٧٨١.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الصيام، باب من زار قومًا فلم يفطر عندهم، برقم ١٩٨٢، ومسلم، في فضائل الصحابة، باب فضل أنس برقم ٢٤٨٠.
(٣) أخرجه البخاري في الأدب المفرد، برقم ٦٥٣، وانظر: فتح الباري، ١١/ ١٤٥، وسير أعلام النبلاء، ٢/ ٢١٩.
[ ٦٧ ]
وإن ولدي وولد ولدي ليتعادُّون على نحو المائة اليوم (١)، [وحدثتني ابنتي أمينة أنه دُفِنَ لصلبي مقدم الحجاج البصرة بضع وعشرون ومائة] (٢).
وكان له - ﵁ - بستان يحمل في السنة الفاكهة مرتين، وكان فيها ريحان يجيء منها ريح المسك (٣).
٢ - ودعا - ﷺ - لأم أبي هريرة بالهداية فهداها الله فورًا، وأسلمت (٤).
٣ - وقال - ﷺ - لعروة بن أبي الجعد البارقي: «اللهم بارك له في صفقة يمينه»، فكان يقف في الكوفة ويربح أربعين ألفًا قبل أن يرجع إلى أهله (٥)، [وكان لو اشترى التراب لربح فيه] (٦).
٤ - ودعاؤه - ﷺ - على بعض أعدائه، فلم تتخلّف الإجابة، كأبي جهل، وأميّة، وعقبة، وعتبة (٧).
٥ – ودعاؤه - ﷺ - يوم بدر، ويوم حنين، وعلى سراقة بن مالك - ﵁ -،
_________________
(١) أخرجه مسلم في فضائل الصحابة، باب فضل أنس، برقم ٢٤٨١/ ١٤٣.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الصوم، باب من زار قومًا فلم يفطر عندهم، برقم ١٩٨٢.
(٣) أخرجه الترمذي، كتاب المناقب، باب مناقب أنس، برقم ٣٨٣٣، وانظر: صحيح سنن الترمذي، للألباني، ٣/ ٣٣٤.
(٤) أخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب فضل أبي هريرة، برقم ٢٤٩١.
(٥) أخرجه أحمد في المسند، ٤/ ٣٧٦.
(٦) أخرجه البخاري في كتاب المناقب، باب حدثنا محمد بن المثنى، برقم ٣٦٤٢.
(٧) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب إذا ألقي على ظهر المصلي قذر أو جيفة، برقم ٢٤٠، ومسلم في كتاب الجهاد والسير، باب ما لقي النبي - ﷺ - من أذى المشركين والمنافقين، برقم ١٧٩٤.
[ ٦٨ ]
وغير ذلك كثير (١).
والحقيقة أن العاقل المنصف يقف أمام هذه الدلائل والبينات مذعورًا، ولا يسعه إلا أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله - ﷺ -.
_________________
(١) انظر: دعاء يوم بدر في صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر، برقم ١٧٦٣، ويوم حنين في مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب غزوة حنين، برقم ١٧٧٥، وقصة سراقة في البخاري مع الفتح، كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبي - ﷺ - وأصحابه إلى المدينة، برقم ٣٩٠٨.
[ ٦٩ ]
١ - الإيمان الصادق به - ﷺ -
٢ - وجوب طاعته - ﷺ - والحذر من معصيته
المبحث الرابع: حقوقه على أمته - ﷺ -
١ - الإيمان الصادق به - ﷺ - وتصديقه فيما أتى به قال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِالله وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (١)، ﴿فَآمِنُواْ بِالله وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِالله وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٢)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَالله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (٣)، ﴿وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بِالله وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا﴾ (٤)،وقال - ﷺ -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به» (٥).
والإيمان به - ﷺ - هو تصديق نبوته، وأن الله أرسله للجن والإنس، وتصديقه في جميع ما جاء به وقاله، ومطابقة تصديق القلب بذلك شهادة اللسان، بأنه رسول الله، فإذا اجتمع التصديق به بالقلب والنطق بالشهادة باللسان ثم تطبيق ذلك بالعمل بما جاء به تمَّ الإيمان به - ﷺ - (٦).
٢ - وجوب طاعته - ﷺ - والحذر من معصيته، فإذا وجب الإيمان به وتصديقه فيما جاء به وجبت طاعته؛ لأن ذلك مما أتى به، قال تعالى:
_________________
(١) سورة التغابن، الآية: ٨.
(٢) سورة الأعراف، الآية: ١٥٨.
(٣) سورة الحديد، الآية: ٢٨.
(٤) سورة الفتح، الآية: ١٣.
(٥) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، برقم ٢٠/ ٣٤.
(٦) انظر: الشفا بتعريف حقوق المصطفى - ﷺ - للقاضي عياض، ٢/ ٥٣٩.
[ ٧٠ ]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ
تَسْمَعُونَ﴾ (١)، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ (٢)، ﴿قُلْ أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ (٣)، ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٤)، ﴿وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٥)، ﴿وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا
مُّبِينًا﴾ (٦)، ﴿وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ (٧).
وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله» (٨)، وعنه - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «كل الناس يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا يا رسول الله! ومن يأبى؟
_________________
(١) سورة الأنفال، الآية: ٢٠.
(٢) سورة الحشر، الآية: ٧.
(٣) سورة النور، الآية: ٥٤.
(٤) سورة النور، الآية: ٦٣.
(٥) سورة الأحزاب، الآية: ٧١.
(٦) سورة الأحزاب، الآية: ٣٦.
(٧) سورة النساء، الآيتان: ١٣ - ١٤.
(٨) أخرجه البخاري في كتاب الأحكام، باب قول الله تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾، برقم ٧١٣٧، ومسلم في كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية، برقم ١٨٣٥.
[ ٧١ ]
٣ - اتباعه - ﷺ - واتخاذه قدوة
قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى» (١).
وعن ابن عمر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يُعبد الله وحده لا شريك له، وجُعِلَ رِزقي تحت ظلِّ رمحي، وجُعِلَ الذِّلُّ والصَّغارُ على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم» (٢).
٣ - اتباعه - ﷺ - واتخاذه قدوة في جميع الأمور والاقتداء بهديه، قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَالله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (٣)، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو الله وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ الله كَثِيرًا﴾ (٤)،وقال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٥) فيجب السير على هديه والتزام سنته والحذر من مخالفته، قال - ﷺ -: «فمن رغب عن سنتي فليس مني» (٦).
٤ - محبته - ﷺ - أكثر من الأهل والولد والوالد والناس أجمعين، قال الله
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام، باب الاقتداء بسنن رسول الله - ﷺ -،برقم ٧٢٨٠.
(٢) أخرجه أحمد في المسند، ٢/ ٥٠، وأخرج بعضه البخاري معلقًا في كتاب الجهاد، باب ما قيل في الرماح، ص ٥٦٠، ط بيت الأفكار الدولية، وأخرج الجزء الأخير منه أبو داود في كتاب اللباس، باب في لبس الشهرة، برقم ٤٠٣١، وحسنه العلامة ابن باز ﵀.
(٣) سورة آل عمران، الآية: ٣١.
(٤) سورة الأحزاب، الآية: ٢١.
(٥) سورة الأعراف، الآية: ١٥٨.
(٦) أخرجه البخاري في كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح، برقم ٥٠٦٣،ومسلم في كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤنة، برقم ١٤٠١.
[ ٧٢ ]
تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ الله وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ الله بِأَمْرِهِ وَالله لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (١)،وعن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» (٢). وقد ثبت في الحديث أن من ثواب محبته الاجتماع معه في الجنة وذلك عندما سأله رجل عن الساعة فقال: «ما أعددت لها»؟ قال: يا رسول الله ما أعددت لها كبير صيام، ولا صلاة، ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله. قال: «فأنت مع من أحببت» (٣).قال أنس فما فرحنا بعد الإسلام فرحًا أشد من قول النبي - ﷺ -: «فإنك مع من أحببت»،فأنا أحب الله ورسوله، وأبا بكر، وعمر. فأرجو أن أكون معهم وإن لم أعمل بأعمالهم (٤).
ولما قال عمر بن الخطاب - ﵁ -: يا رسول الله لأنت أحب إليَّ من كل شيء إلا من نفسي فقال النبي - ﷺ -: «لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك»، فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إليّ من نفسي فقال النبي - ﷺ -: «الآن يا عمر» (٥)، وعن ابن مسعود - ﵁ - قال:
_________________
(١) سورة التوبة، الآية: ٢٤.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب حب الرسول - ﷺ - من الإيمان، برقم ١٥، ومسلم في كتاب الإيمان، باب وجوب محبة رسول الله - ﷺ - أكثر من الأهل والولد والناس أجمعين، برقم ٤٤.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عمر بن الخطاب، برقم ٣٦٨٨، ومسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب المرء مع من أحب، برقم ٢٦٣٩.
(٤) مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب المرء مع من أحب، برقم ٢٦٣٩/ ١٦٣.
(٥) أخرجه البخاري في كتاب الأيمان والنذور، باب كيف كانت يمين النبي - ﷺ -، برقم ٦٦٣٢.
[ ٧٣ ]
جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله كيف تقول في رجل أحب قومًا ولم يلحق بهم؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «المرء مع من أحب» (١).
وعن العباس بن عبد المطلب - ﵁ - أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا» (٢).
وقال - ﷺ -: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسولُهُ أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحبَّ المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار» (٣).
ولا شك أن من وفَّقه الله تعالى لذلك ذاق طعم الإيمان ووجد حلاوته، فيستلذ الطاعة ويتحمل المشاق في رضى الله - ﷿ - ورسوله - ﷺ -، ولا يسلك إلا ما يوافق شريعة محمد - ﷺ -؛ لأنه رضي به رسولًا، وأحبه، ومن أحبه من قلبه صدقًا أطاعه - ﷺ -؛ ولهذا قال القائل:
تعصي الإله وأنت تُظهر حُبَّهُ هذا لعمري في القياسِ بديعُ
لو كان حُبَّكَ صادقًا لأطعته إن المحُبَّ لمن يُحبُّ مُطيعُ (٤)
وعلامات محبته - ﷺ - تظهر في الاقتداء به - ﷺ -، واتباع سنته، وامتثال
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عمر بن الخطاب، برقم ٣٦٨٨،ومسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب المرء مع من أحب، برقم ٢٦٣٩.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا، وبمحمد - ﷺ - رسولًا فهو مؤمن وإن ارتكب المعاصي الكبائر، برقم ٣٤.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب حلاوة الإيمان، برقم ١٦، ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان، برقم ٤٣.
(٤) الشفا بتعريف حقوق المصطفى - ﷺ -، ٢/ ٥٤٩، و٢/ ٥٦٣.
[ ٧٤ ]
٥ - احترامه وتوقيره ونصرته
أوامره، واجتناب نواهيه، والتأدب بآدابه، في الشدة والرخاء، وفي العسر واليسر، ولا شك أن من أحب شيئًا آثره، وآثر موافقته، وإلا لم يكن صادقًا في حبه ويكون مدّعيًا (١).
ولا شك أن من علامات محبته: النصيحة له؛ لقوله - ﷺ -: «الدين النصيحة» قلنا لمن؟ قال: «لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم» (٢)، والنصيحة لرسوله - ﷺ -: التصديق بنبوته، وطاعته فيما أمر به، واجتناب ما نهى عنه، ومُؤازرته، ونصرته وحمايته حيًا وميتًا، وإحياء سنته والعمل بها وتعلمها، وتعليمها والذب عنها، ونشرها، والتخلق بأخلاقه الكريمة، وآدابه الجميلة (٣).
٥ - احترامه وتوقيره ونصرته كما قال تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِالله وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ (٤)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ الله وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا الله إِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٥)، ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا﴾ (٦).
وحرمة النبي - ﷺ - بعد موته، وتوقيره لازم كحال حياته وذلك عند ذكر حديثه، وسنته، وسماع اسمه وسيرته، وتعلم سنته، والدعوة إليها،
_________________
(١) انظر: الشفا بتعريف حقوق المصطفى - ﷺ -، ٢/ ٥٧١ - ٥٨٢.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب بيان أن الدين النصيحة، برقم ٥٥.
(٣) الشفا بتعريف حقوق المصطفى - ﷺ - للقاضي عياض، ٢/ ٥٨٢ - ٥٨٤.
(٤) سورة الفتح، الآية: ٩.
(٥) سورة الحجرات، الآية: ١.
(٦) سورة النور، الآية: ٦٣.
[ ٧٥ ]
٦ - الصلاة عليه - ﷺ -
ونصرتها (١).
٦ - الصلاة عليه - ﷺ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الله وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٢)، وقال - ﷺ -: «.. من صلّى عليّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا» (٣)، وقال - ﷺ -: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا وصلّوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» (٤)، وقال - ﷺ -: «البخيل من ذكرت عنده فلم يصلِّ عليّ» (٥)، وقال - ﷺ -: «ما جلس قوم مجلسًا لم يذكروا الله فيه، ولم يصلّوا على نبيهم إلا كان عليهم ترة، فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم» (٦)، وقال - ﷺ -: «إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني من أمتي السلام» (٧)، وقال جبريل
_________________
(١) الشفا بتعريف حقوق المصطفى - ﷺ -، ٢/ ٥٩٥، و٦١٢.
(٢) سورة الأحزاب، الآية: ٥٦.
(٣) أخرجه مسلم في كتاب الصلاة، باب استحباب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه ثم يصلي على النبي - ﷺ - ثم يسأل الله له الوسيلة، برقم ٣٨٤.
(٤) أخرجه أبو داود في كتاب المناسك، باب زيارة القبور، برقم ٢٠٤٢،وأحمد في المسند،٢/ ٣٦٧، والطبراني في المعجم الأوسط، برقم ٨٠٢٦،وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود،١/ ٥٧١.
(٥) أخرجه الترمذي في كتاب الدعوات، باب قول رسول الله - ﷺ -: رغم أنف رجل، برقم ٣٥٤٦، وأحمد، ١/ ٢٠١، والحاكم، ١/ ٥٤٩، وأبو يعلى، برقم ٦٧٧٦، وابن حبان كما في الموارد، برقم ٢٣٨٨. وقال أبو عيسى: «هذا حديث حسن صحيح غريب»، وقال الحاكم: «صحيح»، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم ٢٨٧٨.
(٦) أخرجه الترمذي في كتاب الدعوات، باب في القوم يجلسون ولا يذكرون الله، برقم ٣٣٨٠، وأحمد بن حنبل في المسند، ٢/ ٤٤٦، ٤٥٣، ٤٨١، ٤٨٤، ٤٩٥، وقال أبو عيسى: «هذا حديث حسن صحيح»، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، برقم ٧٤.
(٧) أخرجه أحمد في المسند، ١/ ٤٤١، والنسائي في كتاب السهو، باب السلام على النبي - ﷺ -، برقم ١٢٨٠، وابن حبان في صحيحه، برقم ٩١٤، والحاكم في المستدرك، ٢/ ٤٢١، وقال: «صحيح ولم يخرجاه»، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم ٢١٧٤.
[ ٧٦ ]
- ﵇ - للنبي - ﷺ -: «رغم أنف عبد - أو بَعُد - ذُكِرتَ عنده فلم يصلّ عليك» فقال - ﷺ -: «آمين» (١)، وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما من أحد يسلم عليَّ إلا رد الله عليّ روحي حتى أرد ﵇» (٢).
* وللصلاة على النبي - ﷺ - مواطن كثيرة ذكر منها الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى واحدًا وأربعين موطنًا، منها على سبيل المثال: الصلاة عليه - ﷺ - عند دخول المسجد، وعند الخروج منه، وبعد إجابة المؤذن، وعند الإقامة، وعند الدعاء، وفي التشهد في الصلاة، وفي صلاة الجنازة، وفي الصباح والمساء، وفي يوم الجمعة، وعند اجتماع القوم قبل تفرقهم، وفي الخطب: كخطبتي صلاة الجمعة، وعند كتابة اسمه، وفي أثناء صلاة العيدين بين التكبيرات، وآخر دعاء القنوت، وعلى الصفا والمروة، وعند الوقوف على قبره، وعند الهم والشدائد وطلب المغفرة، وعقب الذنب إذا أراد أن يكفر عنه، وغير ذلك من المواطن التي ذكرها ﵀ في كتابه (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد، برقم ٦٤٦، وابن خزيمة في صحيحه، برقم ١٨٨٨، وأحمد، ٢/ ٢٥٤، والترمذي في كتاب الدعوات، باب قول رسول الله - ﷺ -: «رغم أنف رجل»،برقم ٣٥٤٥، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم ٣٥١٠.
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب المناسك، باب زيارة القبور، برقم ٢٠٤١، وأحمد، ٢/ ٥٢٧، والبيهقي في سننه الكبرى، ٥/ ٢٤٥، والطبراني في الأوسط، برقم ٣١١٦، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة، برقم ٢٢٦٦.
(٣) راجع كتاب جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام - ﷺ - للإمام ابن القيم رحمه الله تعالى.
[ ٧٧ ]
٧ - وجوب التحاكم إليه والرضى بحكمه - ﷺ -
٨ - إنزاله مكانته - ﷺ - بلا غلو ولا تقصير
ولو لم يرد في فضل الصلاة على النبي - ﷺ - إلا حديث أنس - ﵁ - لكفى «من صلى عليَّ صلاةً واحدة صلى الله عليه عشر صلوات (١)، [كتب الله له بها عشر حسنات] (٢) وحط عنه بها عشر سيئات، ورفعه بها عشر درجات» (٣).
٧ - وجوب التحاكم إليه والرضى بحكمه - ﷺ -، قال الله تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٤)، ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ (٥) ويكون التحاكم إلى سنته وشريعته بعده - ﷺ -.
٨ - إنزاله مكانته - ﷺ - بلا غلو ولا تقصير، فهو عبد الله ورسوله، وهو أفضل الأنبياء والمرسلين، وهو سيد الأولين والآخرين، وهو صاحب المقام المحمود والحوض المورود، ولكنه مع ذلك بشر لا يملك لنفسه ولا لغيره ضرًا ولا نفعًا إلا ما شاء الله كما قال تعالى: ﴿قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ الله وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا
_________________
(١) السياق يقتضي «و».
(٢) هذه الزيادة من حديث طلحة في مسند أحمد، ٤/ ٢٩.
(٣) أخرجه أحمد، ٣/ ٢٦١، وابن حبان، برقم ٢٣٩٠ (موارد)، والحاكم، ١/ ٥٥١، وصححه الأرنؤوط في تحقيقه لجلاء الأفهام، ص٦٥.
(٤) سورة النساء، الآية: ٥٩.
(٥) سورة النساء، الآية: ٦٥.
(٦) سورة الأنعام، الآية: ٥٠.
[ ٧٨ ]
شَاءَ الله وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (١)، ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا * قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ الله أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ (٢)، وقد مات - ﷺ - كغيره من الأنبياء ولكن دينه باقٍ إلى يوم القيامة ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ (٣)، ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (٤)، وبهذا يعلم أنه لا يستحق العبادة إلا الله وحده لا شريك له ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لله رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٥).
_________________
(١) سورة الأعراف، الآية: ١٨٨.
(٢) سورة الجن، الآيتان: ٢١ - ٢٢.
(٣) سورة الزمر، الآية: ٣٠.
(٤) سورة الأنبياء، الآيتان: ٣٤ - ٣٥.
(٥) سورة الأنعام، الآيتان: ١٦٢ - ١٦٣.
[ ٧٩ ]
المبحث الخامس: عموم رسالته - ﷺ - وختمها لجميع النبوات
إنّ أصل الأصول هو تحقيق الإيمان بما جاء به محمد - ﷺ -، وأنه رسول الله إلى جميع الخلق: إنسهم وجنّهم، عربهم وعجمهم، كتابيِّهم ومجوسيِّهم، رئيسهم ومرؤوسهم، وأنه لا طريق إلى الله - ﷿ - لأحد من الخلق إلا بمتابعته - ﷺ - باطنًا وظاهرًا، حتى لو أدركه موسى وعيسى، وغيرهم من الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام؛ لوجب عليهم اتباعه، كما قال تعالى:
﴿وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ * فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١).
قال ابن عباس ﵄: «ما بعث الله نبيًا إلا أخذ عليه الميثاق: لئن بعث محمد وهو حيٌّ ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ على أمته الميثاق لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به، ولينصرنه» (٢)؛ ولهذا جاء في الحديث: «لو كان موسى حيًّا بين أظهركم ما حلّ له إلا أن يتبعني» (٣).
_________________
(١) سورة آل عمران، الآيتان: ٨١ - ٨٢.
(٢) انظر: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان لابن تيمية، ص٧٧، ١٩١ - ٢٠٠، وفتاوى ابن تيمية، ١٩/ ٩ - ٦٥، بعنوان: إيضاح الدلالة في عموم الرسالة للثقلين، والجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، ١/ ٣١ - ١٧٦، وتفسير ابن كثير، ١/ ٣٧٨، وأضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، ٢/ ٣٣٤، ومعالم الدعوة للديلمي، ١/ ٤٥٤ - ٤٥٦، والمناظرة بين الإسلام والنصرانية، ص٣٠٣ - ٣٠٩.
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده، ٣/ ٣٣٨، وله شواهد وطرق كثيرة ذكرها الهيثمي في مجمع الزوائد، ١/ ١٧٣ - ١٧٤، وانظر: مشكاة المصابيح بتحقيق الألباني، ١/ ٦٣، ٦٨.
[ ٨٠ ]
ومن خالف عموم رسالة النبي - ﷺ - لا يخلو من أحد أمرين:
١ - إما أن يكون المخالِفُ مؤمنًا بأنه مرسل من عند الله؛ ولكنه يقول رسالته خاصة بالعرب.
٢ - وإما أن يكون المخالف منكرًا للرسالة جملةً وتفصيلًا.
فأما المعترف له بالرسالة؛ ولكنه يجعلها خاصة بالعرب فإنه يلزمه أن يصدقه في كل ما جاء به عن الله تعالى، ومن ذلك عموم رسالته، ونسخها للشرائع قبلها، فقد بيّن - ﷺ - أنه رسول الله إلى الناس أجمعين، وأرسل رسله، وبعث كتبه في أقطار الأرض إلى كسرى، وقيصر، والنجاشي، وسائر ملوك الأرض يدعوهم إلى الإسلام، ثم قاتل من لم يدخل في الإسلام من المشركين، وقاتل أهل الكتاب، وسبى ذراريهم، وضرب الجزية عليهم، وذلك كلّه بعد امتناعهم عن الدخول في الإسلام، أما كونه يؤمن برسول ولا يصدّقه في جميع ما جاء به فهذا تناقض ومكابرة.
* وأما المنكر لرسالة نبينا محمد - ﷺ - مطلقًا، فقد قام البرهان القاطع على صدق صاحب الرسالة - ﷺ -، ولا تزال معجزات القرآن تتحدى الإنس والجنّ، فإمَّا أن يأتي بما يُناقض المعجزة القائمة وإلا لزمه الاعتراف بمدلولها، فإن اعترف بالرسالة لزمه التّصديق بكل ما أخبر به الرسول - ﷺ -، وإن ذهب يُكابر ويُعاند ليأتي بقرآن مثل ما جاء به محمد - ﷺ - وقع في العجز وفضح نفسه لا محالة؛ لأن أصحاب الفصاحة والبلاغة قد عجزوا عن ذلك، ولا شك أن غيرهم أعجز عن هذا؛ لأن القرآن
[ ٨١ ]
معجزة قائمة مستمرة خالدة (١).
وحينئذ يلزم جميع الخلق العمل بما فيه، والتحاكم إليه.
وقد صرح القرآن الكريم بأن محمدًا - ﷺ - رسول إلى جميع الناس، وخاتم النبيين، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِالله وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِالله وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (٣)،
﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ (٤).
وهذا تصريح بعموم رسالته لكل من بلغه القرآن.
وصرح تعالى بشمول رسالة النبي - ﷺ - لأهل الكتاب، فقال: ﴿وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَالله بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (٥)، ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ الله وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٦)، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً
_________________
(١) انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، ١/ ١٤٤، ١٦٦، ومناهج الجدل في القرآن الكريم، ص٣٠٣، والإرشاد إلى صحيح الاعتقاد للدكتور/ صالح بن فوزان، ٢/ ١٨٢.
(٢) سورة الأعراف، الآية: ١٥٨.
(٣) سورة الفرقان، الآية: ١.
(٤) سورة الأنعام، الآية: ١٩.
(٥) سورة آل عمران، الآية: ٢٠.
(٦) سورة الأحزاب، الآية: ٤٠.
[ ٨٢ ]
لِّلْعَالَمِينَ﴾ (١)، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٢).
وبلغ - ﷺ - الناس جميعًا أنه خاتم الأنبياء، وأن رسالته عامّة، قال - ﷺ -: «أعطيت خمسًا لم يُعطَهُنَّ أحد من الأنبياء قبلي»، وذكر منها: «وكان النبي يُبعث إلى قومه خاصّة، وبُعثت إلى الناس كافّةً» الحديث (٣).
وقال - ﷺ -: «مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتًا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلاّ وُضِعت هذه اللبنة»؟ قال: «فأنا اللّبِنةُ، وأنا خاتم النبيين» (٤).
وعموم رسالته - ﷺ - لجميع الإنس والجنّ في كل زمان ومكان من بعثته إلى يوم القيامة، وكونها خاتمة الرسالات، يقضي ويدلّ دلالة قاطعة على أن النبوة قد انقطعت بانقطاع الوحي بعده، وأنه لا مصدر للتشريع والتعبد إلا كتاب الله تعالى وسنة رسوله - ﷺ -،وهذا يقتضي وجوب الإيمان بعموم رسالته، واتباع ما جاء به، فقد قال - ﷺ -: «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلت به إلا كان من أصحاب النار» (٥).وبهذا تقوم الحجة وتثبت
_________________
(١) سورة الأنبياء، الآية: ١٠٧.
(٢) سورة سبأ، الآية: ٢٨.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب قول النبي - ﷺ -: جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، برقم ٤٣٨، ومسلم، كتاب المساجد، برقم ٥٢١.
(٤) أخرجه البخاري في كتاب المناقب، باب خاتم النبيين، برقم ٣٥٣٥، ومسلم، كتاب الفضائل، باب ذكر كونه - ﷺ - خاتم النبيين، برقم ٢٢٨٦.
(٥) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد - ﷺ - إلى جميع الناس، ونسخ الملل بملته، برقم ١٥٣.
[ ٨٣ ]
رسالة النبي - ﷺ - وعمومها وشمولها لجميع الثقلين: الإنس والجنّ، في كل زمان ومكان إلى قيام الساعة: ﴿قَدْ جَاءَكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾ (١)، ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾ (٢).
_________________
(١) سورة الأنعام، الآية: ١٠٤.
(٢) سورة الكهف، الآية: ٢٩.
[ ٨٤ ]
١ - الغلو في الصالحين هو سبب الشرك بالله تعالى
المبحث السادس: تحريم الغلو فيه - ﷺ -
١ - الغلو في الصالحين هو سبب الشرك بالله تعالى، فقد كان الناس منذ أُهبِطَ آدم - ﷺ - إلى الأرض على الإسلام، قال ابن عباس ﵄: «كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام» (١).
وبعد ذلك تعلَّق الناس بالصالحين، ودبَّ الشرك في الأرض، فبعث الله نوحًا - ﷺ - يدعو إلى عبادة الله وحده، وينهى عن عبادة ما سواه (٢)، وردّ عليه قومه: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ (٣).
وهذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، ولم تُعبد حتى إذا هلك أولئك ونُسِيَ العلم عُبِدت» (٤).
وهذا سببه الغلو في الصالحين؛ فإن الشيطان يدعو إلى الغلو في الصالحين وإلى عبادة القبور، ويُلقي في قلوب الناس أن البناء والعكوف عليها من محبة أهلها من الأنبياء والصالحين، وأن الدعاء عندها مستجاب، ثم ينقلهم من هذه المرتبة إلى الدعاء بها والإقسام على الله بها،
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب التاريخ، ٢/ ٥٤٦، وقال: «هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه»، ووافقه الذهبي، وذكره ابن كثير في البداية والنهاية، ١/ ١٠١، وعزاه إلى البخاري، وانظر: فتح الباري، ٦/ ٣٧٢.
(٢) انظر: البداية والنهاية لابن كثير، ١/ ١٠٦.
(٣) سورة نوح، الآية: ٢٣.
(٤) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، سورة نوح، برقم ٤٩٢٠.
[ ٨٥ ]
٢ - وحذر - ﷺ - عن اتخاذ المساجد على القبور
وشأن الله أعظم من أن يُسأل بأحد من خلقه، فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم إلى دعاء صاحب القبر وعبادته وسؤاله الشفاعة من دون الله، واتخاذ قبره وثنًا تُعلّق عليه الستور، ويطاف به، ويستلم ويقبل، ويذبح عنده، ثم ينقلهم من ذلك إلى مرتبة رابعة: وهي دعاء الناس إلى عبادته واتخاذه عيدًا، ثم ينقلهم إلى أن من نهى عن ذلك فقد تَنقَّصَ أهل هذه الرتب العالية من الأنبياء والصالحين، وعند ذلك يغضبون (١).
ولهذا حذّر الله عباده من الغلو في الدين، والإفراط بالتعظيم بالقول أو الفعل أو الاعتقاد، ورفع المخلوق عن منزلته التي أنزله الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ الله وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ (٢)؛ ولهذا حذّر رسول الله عن الإطراء فقال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله» (٣)، وقال: «إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» (٤).
٢ - وحذَّر - ﷺ - عن اتخاذ المساجد على القبور؛ لأن عبادة الله عند قبور الصالحين وسيلة إلى عبادتهم؛ ولهذا لما ذكرت أم حبيبة وأم سلمة رضي الله
_________________
(١) انظر: تفسير الطبري، ٢٩/ ٦٢، وفتح المجيد شرح كتاب التوحيد، ص٢٤٦.
(٢) سورة النساء، الآية: ١٧١.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ ..﴾، برقم ٣٤٤٥.
(٤) أخرجه النسائي في كتاب مناسك الحج، باب التقاط الحصى، برقم ٣٠٥٥، وابن ماجه في كتاب المناسك، باب قدر حصى الرمي، برقم ٣٠٢٨، وأحمد، ١/ ٣٤٧، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ٢/ ٣٥٦.
[ ٨٦ ]
٣ - وحذر - ﷺ - أمته عن اتخاذ قبره وثنا يعبد من دون الله
عنهما لرسول الله - ﷺ - كنيسة في الحبشة فيها تصاوير قال: «إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة» (١).
ومن حرص النبي - ﷺ - على أمته أنه عندما نزل به الموت قال: «لَعْنَةُ الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». قالت عائشة ﵂: يحذر ما صنعوا (٢).
وقال قبل أن يموت بخمس: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك» (٣).
٣ - وحذّر - ﷺ - أمته عن اتخاذ قبره وثنًا يُعبد من دون الله، ومن باب أولى غيره من الخلق، فقال: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة الحبشة، برقم ٣٨٧٣،ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور واتخاذ الصور فيها، برقم ٥٢٨.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب حدثنا أبو اليمان، برقم ٤٣٥،و٤٣٦،ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور واتخاذ الصور فيها، برقم ٥٣١.
(٣) أخرجه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور، برقم ٥٣٢.
(٤) الموطأ للإمام مالك، كتاب قصر الصلاة في السفر، باب جامع الصلاة، ١/ ١٧٢، وهو عنده مرسل، ولفظ أحمد، ٢/ ٢٤٦: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا، ولعن الله قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، وأبو نعيم في الحلية ٧/ ٣١٧، وانظر: فتح المجيد، ص١٥٠، ولفظ الإمام أحمد في المسند عن أبي هريرة - ﵁ -، ١٢/ ٣١٤، برقم ٧٣٥٨: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا، لعن الله قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، وقال محققو المسند، ١٢/ ٣١٤: «إسناده قوي». .
[ ٨٧ ]
ولعن - ﷺ - من اتخذ المساجد على القبور؛ لينفِّر عن هذا الفعل، فعن ابن عباس ﵄ قال: «لعن رسول الله - ﷺ - زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج» (١).
ولم يترك - ﷺ - بابًا من أبواب الشرك التي تُوصل إليه إلا سدّه (٢)،قال - ﷺ -: «لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها» (٣).
وقد بيّن - ﷺ - أن القبور ليست مواضع للصلاة، وأن من صلى عليه وسلم فستبلغه صلاته سواء كان بعيدًا عن قبره أو قريبًا، فلا حاجة لاتخاذ قبره عيدًا: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» (٤).
وقال - ﷺ -: «إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلّغوني من أمتي السلام» (٥).
_________________
(١) أخرجه النسائي، كتاب الجنائز، باب التغليظ في اتخاذ السرج على القبور، برقم ٢٠٤١، وأبو داود، كتاب الجنائز، باب في زيارة النساء القبور، برقم ٣٢٣٦، والترمذي، كتاب الصلاة، باب كراهية أن يتخذ على القبر مسجدًا، برقم ٣٢٠،وابن ماجه في الجنائز، باب النهي عن زيارة النساء للقبور، برقم ١٥٧٥،وأحمد، ١/ ٢٢٩، ٢٨٧، ٣٢٤، و٢/ ٣٣٧، و٣/ ٤٤٢، ٤٤٣، والحاكم، ١/ ٣٧٤، وانظر ما نقله صاحب فتح المجيد في تصحيح الحديث عن ابن تيمية، ص٢٧٦.
(٢) انظر: فتح المجيد، ص٢٨١.
(٣) أخرجه مسلم، كتاب الجنائز، باب النهي عن الجلوس على القبر والصلاة عليه، برقم ٩٧٢.
(٤) أخرجه أبو داود في كتاب المناسك، باب زيارة القبور، برقم ٢٠٤٢بإسناد حسن، وأحمد، ٢/ ٣٥٧، وانظر: صحيح سنن أبي داود، ١/ ٣٨٣.
(٥) أخرجه النسائي في السهو، باب السلام على النبي - ﷺ -، برقم ١٢٨٠، وأحمد، ١/ ٤٥٢، وإسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي - ﷺ -، برقم ٢١، ص٢٤، وسنده صحيح، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٤١٠.
[ ٨٨ ]
٤ - وكما سد - ﷺ - كل باب يوصل إلى الشرك فقد حمى التوحيد عما يقرب منه ويخالطه من الشرك وأسبابه
وإذا كان قبر النبي - ﷺ - أفضل قبر على وجه الأرض وقد نهى عن اتخاذه عيدًا، فغيره أولى بالنهي كائنًا من كان (١).
وقد كان - ﷺ - يطهر الأرض من وسائل الشرك، فيبعث بعض أصحابه إلى هدم القباب المشرفة على القبور، وطمس الصور، فعن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله - ﷺ -؟ «أن لا تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته» (٢).
٤ - وكما سد - ﷺ - كل باب يوصّل إلى الشرك فقد حمى التوحيد عما يقرب منه ويخالطه من الشرك وأسبابه، فقال - ﷺ -: «لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى» (٣).
فدخل في هذا النهي شدّ الرحال لزيارة القبور والمشاهد، وهو الذي فهمه الصحابة - ﵃ - من قول النبي - ﷺ -؛ ولهذا عندما ذهب أبو هريرة - ﵁ - إلى الطور، فلقيه بصرة بن أبي بصرة الغفاري، فقال: من أين جئت؟ قال: من الطور. فقال: لو أدركتك قبل أن تخرج إليه ما خرجت إليه، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد » (٤).
_________________
(١) انظر: الدرر السنية في الأجوبة النجدية لعبد الرحمن بن قاسم، ٦/ ١٦٥ - ١٧٤.
(٢) أخرجه مسلم، كتاب الجنائز، الأمر بتسوية القبر، برقم ٩٦٩.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، برقم ١١٨٩، ومسلم بلفظه، كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره، برقم ٨٢٧.
(٤) أخرجه النسائي في كتاب الجمعة، باب الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة، ٣/ ١١٤، برقم ١٤٢٨، ومالك في الموطأ، كتاب الجمعة، باب الساعة التي في يوم الجمعة، ١/ ١٠٩، وأحمد في المسند، ٦/ ٧، ٣٩٧، وانظر: فتح المجيد، ص٢٨٩، وصحيح النسائي، للألباني، ١/ ٣٠٩.
[ ٨٩ ]
- النوع الأول: زيارة شرعية
ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وقد اتفق الأئمة على أنه لو نذر أن يسافر إلى قبره - ﷺ - أو غيره من الأنبياء والصالحين لم يكن عليه أن يوفي بنذره، بل ينهى عن ذلك» (١).
٥ - أنواع زيارة القبور: زيارة القبور نوعان:
النوع الأول: زيارة شرعية يقصد بها السلام عليهم والدعاء لهم، كما يقصد الصلاة على أحدهم إذا مات صلاة الجنازة، ولتذكر الموت - بشرط عدم شدِّ الرِّحال - ولاتباع سنة النبي - ﷺ -.
النوع الثاني: زيارة شركية وبدعية (٢)، وهذا النوع ثلاثة أنواع:
١ - من يسأل الميت حاجته، وهؤلاء من جنس عُبَّاد الأصنام.
٢ - من يسأل الله تعالى بالميت، كمن يقول: أتوسل إليك بنبيك، أو بحق الشيخ فلان، وهذا من البدع المحدثة في الإسلام، ولا يصل إلى الشرك الأكبر، فهو لا يُخرِجُ عن الإسلام كما يُخرِج الأول.
٣ - من يظنّ أن الدعاء عند القبور مُستجاب، أو أنه أفضل من الدعاء في المسجد، وهذا من المنكرات بالإجماع (٣).
_________________
(١) انظر: فتاوى ابن تيمية، ١/ ٢٣٤.
(٢) انظر: فتاوى ابن تيمية، ١/ ٢٣٣، والبداية والنهاية، ١٤/ ١٢٣.
(٣) انظر: الدرر السنية في الأجوبة النجدية، ٦/ ١٦٥ - ١٧٤.
[ ٩٠ ]