عَقِيدَةُ الْإِيمَانِ بِاللهِ.
الْوُجُودُ وَالْقِدَمُ وَالْبَقَاءُ:
٣٥ - هُوَ الْمَوْجُودُ الْحَقُّ لِذَاتِهِ، الَّذِي لاَ يَقْبَلُ وُجُودُهُ الْعَدَمَ، فَهُوَ الْقَدِيمُ الَّذِي لاَ بِدَايَةَ لِوُجُودِهِ، وَهُوَ الْبَاقِي الَّذِي لاَ نِهَايَةَ لِوُجُودِهِ،
- لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ (١)﴾،
- وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ (٢) تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ
_________________
(١) المعنى: أنه لا ينبغي أن يشك في وجود الله، فإنه خلق كل شيء، وأظهره وبينه، فمن شك في وجوده تعالى، فلا ثقة عنده حتى في الأمور المحسوسة. وفاطر السموات والأرض خالقهما ومبدعهما لا على مثال سابق.
(٢) بغير عمد: بغير أعمدة وأساطين ترفعها، وهذا من بالغ القدرة الإلهية. والاستواء: استواء يليق بكماله وجلاله، وليس كاستواء الخلق الذي معناه التمكن. والعرش: مخلوق عظيم لله تعالى وهو أعلا المخلوقات وأولها، وهو سرير الملك: قال تعالى: (أَهَكَذَا عَرْشُكِ)، (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ). والرواسي: الجبال الثوابت الشوامخ الرواسخ. وثم لعطف الجُمَل لا غير، وليست للترتيب.
[ ٦٨ ]
تُوقِنُونَ، وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا، وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ، جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ، يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ. وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ، وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ، صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ، تُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ، وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكْلِ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١)﴾،
- وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٢)﴾،
- وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾،
- وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ. أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ؟ بَلْ، لَا يُوقِنُونَ. أَمْ عِنْدَهُمْ
_________________
(١) زوجين اثنين: صنفين اثنين كالأبيض والأسود، والحلو والمر، والذكورة والأنوثة. وصنوان: نابتة من أصل واحد، وغير صنوان: خارجة من أصول مختلفة. ومع تجاور الأرض، واتحاد المنبت والوقت، والسقي بماء واحد اختلفت الثمار والأزهار والحبوب في طعمها وحجمها ولونها، فتبارك الله أحسن الخالقين. ويغشى الليل النهار: ويجعل الليل لباسًا للنهار. والأكل بضم الهمزة: اسم لما يؤكل، وبفتحها: مصدر أكل يأكل.
(٢) خَلقَهُ: سواه وجمله، وهداه الى ما فيه المصلحة. والرب: هو الله الخالق المربى للمخلوقات جميعها.
[ ٦٩ ]
خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسيْطِرُونَ (١)﴾،
- وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
سَبَقَ وُجُودُهُ لِكُلِّ وُجُودٍ:
٣٦ - وَهُوَ الْمَوْجُودُ الَّذِي سَبَقَ وُجُودُهُ كُلَّ وُجُودٍ، فَكَانَ تَعَالَى وَحْدَهُ وَلاَ شَيْءَ مَعَهُ، ثُمَّ خَلَقَ مَا شَاءَ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ،
- لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ﴾،
- "خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾،
- "وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾،
- ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ (٢) ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾،
- ﴿قُلْ: أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ. ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ: ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا، قَالَتَا: أَتَيْنَا طَائِعِينَ. فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا (٣)،
_________________
(١) المسيطرون: الغالبون- والمعنى أم هم الغالبون على الأشياء يديرونها على حسب أهوائهم؟ والجواب: لا.
(٢) ستة أيام ليست الأيام كأيامنا، بل علمها عند ربي.
(٣) الند هو الشبيه والنظير، قال تعالى:" فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ=
[ ٧٠ ]
وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا (١)، ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾.
_________________
(١) = تعلمون ". وقال لبيد: الحمد لله فلا نِدَّ له. بيديه الخير ما شاء فعل. والرواسي: الجبال الثوابت. وبارك فيها: زاد في خيراتها التي منها الحيوانات والنباتات والمعادن. أقواتها: أرزاق أهلها. واستوى عمد وقصد، ودخان: قيل إنه أصل مادة الأرض. وقال علماء الطبيعة اليوم: إن مادة السماء كالدخان، وغاية ما وصلوا إليه بظنهم إذن، هو ما جاء به النبي الأمي الذي كفر به المعاندون الجاحدون. ائتيا طوعًا أو كرهًا أي شئتما أو أبيتما: وهذا تمثيل، لإطاعة السموات والأرض مع عظم جرمهما، وابن آدم يعصي على ضعفه!! فقضاهن: أي خلقهن وأتقنهن في يومين فتم بذلك خلق السموات والأرض في ستة أيام: يومين لخلق الأرض، ويومين لجعل الرواسي وتقدير الأرواح والأقوات، ويومين للسموات السبع. قالتا أتينا طائعين: يحتمل لسان الحال والمقال. وأوحى: كون ودبر.
(٢) المصابيح: الكواكب والنجوم التي تضيء ليلا وترشد السائرين .. وهي تحفظ وحي الله من استراق الشياطين للسمع، وإبلاغه الكهان كما كان سائرًا قبل مبعث الرسول - ﷺ -، فمنعت الشياطين من استراق السمع: " إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ " وهذا مما حبا الله به نبينا. فحفظًا مفعول مطلق: أي وحفظناها حفظا.
[ ٧١ ]
غَنَاؤُهُ عَنْ كُلِّ مَوْجُودٍ:
٣٧ - فَهُوَ الْغَنِيُّ بِذَاتِهِ عَنِ جمَيِعِ الْمَوْجُودَاتِ (١)، وَهِيَ الْمُفْتَقِرَةُ كُلُّهَا -ابِتِدَاءً وَدَوْمًا- إِلَيْهِ،
- لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ، وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ. إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ. وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾،
- ﴿قلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا (٢)﴾،
- ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ، وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ، وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ؟ فَسَيَقُولُونَ: اللَّهُ، فَقُلْ: أَفَلَا تَتَّقُونَ، فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ، فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ؟ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣)﴾،
- ﴿أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ﴾.
_________________
(١) أي أن كماله سبحانه وغناه من ذاته لا من غيره.
(٢) هذا رد على الذين قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم.
(٣) يخرج الحي من الميت: كخروج الإنسان من النطفة، والدجاجة من البيضة. ويخرج الميت من الحي: عكس ذلك كخروج البيضة من الدجاجة والنطفة من الإنسان وغير ذلك. وأنى تصرفون: كيف تتوجهون من الحق إلى الضلال؟
[ ٧٢ ]
الإِثْبَاتُ وَالتَّنْزِيهُ:
٣٨ - نُثْبِتُ لَهُ تَعَالَى مَا أَثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ، عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ، مِنْ ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ، وَأَسْمَائِهِ، وَأَفْعَالِهِ، وَنَنْتَهِي عِنْدَ ذَلِكَ وَلاَ نَزِيدُ عَلَيْهِ، وَنُنَزِّهُهُ فِي ذَلِكَ عَنْ مُمَاثَلَةِ أَوْ مُشَابَهَةِ شَيْءٍ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ.
وَنُثْبِتُ الاِسْتِوَاءَ وَالنُّزُولَ وَنَحْوَهُمَا، وَنُؤْمِنُ بِحَقِيقَتِهِمَا عَلَى مَا يَلِيقُ
_________________
(١) روينا البيتين التاليين عن أستاذنا الإمام وقت الدرس ولا ندريهما لمن؟ وهما: فنحن معشر فريق السنة السالكين في طريق الجنة نقول بالاثبات والتنزيه من غير تعطيل ولا تشبيه وزاد عليهما معلقا فقال: المعطلون: هم الذين ينفون الصفات الإلهية. والمشبهون: هم الذين يشبهونها بصفات المخلوقات، وكلاهما على ضلال. أما السنيون: فهم الذين يثبتونها له تعالى، وينزهونها عن التشبيه بالمخلوقات. والتعطيل تعطيل اللفظ عن دلالة معناه الحقيقي أو الخروج به الى معنى آخر. والتشبيه تشبيه الله بمخلوقاته، فنحن نثبت لله ما أثبته الله لنفسه من أقوال أو أفعال او صفات، ولا نشبهه في شيء من ذلك بالمخلوقات، ولا غرابة في إثبات شيء مع عدم تكييفه في الانسان يثبت أن بين جنبيه نفسًا ولكن لا يستطيع تكييفها كذلك نثبت صفات الله بلا كيف. ملحوظة: قوله: " ونثبت الاستواء والنزول الى قوله غير مراد " كان في الأصل بعد صفة الكلام رقم (٤٦) ومن غير استشهاد عليه بالآيات والأحاديث فرأيت إثباته هنا تحت هذا العنوان؛ ثم تأتي بقية الصفات كما رتبها الأستاذ الإمام مستدل عليها بالآيات والأحاديث. وأرجو ألا يكون هذا من التحكم وسوء التصرف.
[ ٧٣ ]
بِهِ تَعَالَى بِلاَ كَيْفٍ (١)، وَبِأَنَّ ظَاهِرَهَا الْمُتَعَارَفِ فيِ حَقِّنَا غَيْرُ مُرَادٍ،
- لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ (٢) اللهُ نَفْسَهُ﴾،
- ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾،
- وَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﵌ عَشَرَةً، مِنْهُمْ خُبَيْبٌ الْأَنْصَارِيُّ فَلَمَّا خَرَجُوا مِنَ الْحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ قَالَ:
وَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا عَلَى أَيِّ جَنْبٍ كَانَ فِي اللهِ مَصْرَعِي
وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ يُبَارِكُ عَلَى أَوْصَالِ شَلْوٍ مُمَزَّعِ (٣)
_________________
(١) بلا كيف: أي بلا هيئة محددة لأنه تعالى ليس كمثله شيء فنثبت الاستواء الوارد في قوله تعالى: " الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، والنزول في حديث: (إن الله ينزل الى سماء الدنيا آخر الليل ويقول: هل من سائل فأجيب له) والمجيء ونحوه مثل:" وَجَاءَ رَبُّكَ﴾، " وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾، " وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا " إلخ .. كل ذلك بلا هيئة محددة "لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ".
(٢) ويحذركم الله نفسه: أي ذاته فخافوه واخشوه، بل قدموا خشيته على خشية الناس فهو الأخذ بالنواصي، والمجازي يوم القيامة.
(٣) أوصال شلو ممزع: أجزاء جسد مقطع، والأوصال جمع وصل، كل عضو على حدة. والشلو والشلاء هو الجسد من شيء. والممزع المفرق الموزع روى أن خبيبًا قبل أن ينشد هذين البيتين طلب منهم أن يدعوه يصلي=
[ ٧٤ ]
فَلَمَّا قُتِلَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﵌ أَصْحَابَهُ خَبَرَهُمْ يَوْمَ أُصِيبُوا (١)» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ،
- وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٢)﴾،
- ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾،
- ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى، وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى، وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى، فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (٣)﴾،
- ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾،
- ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا
_________________
(١) = فتركوه، فصلى ركعتين ثم قال: اللهم احصهم عددًا، واقتلهم بددًا، ولا تبق منهم أحدًا، ثم قال البيتين - ﵁ -، وهو أول من سن هذه الصلاة فله أجرها وأجر من عمل بها. وخبيب الأنصارى - ﵁ - هو خبيب بن عدي بن مالك الأنصاري الأوسي شهد بدرًا واستشهد في هذه الحادثة التي وقعت له في غزوة الرجيع، في صفر سنة أربع للهجرة والرجيع: اسم موضع من بلاد هذيل بين عسفان ومكة، فرجعوا به إليه ليبعدوا عن الحرم ويقتلوه في الحل.
(٢) ومحل الشاهد من هذا هو قوله: في ذات الإله.
(٣) الأسماء الحسنى: الصفات الكريمة، وأي اسم من أسمائه الحسنى حسن فلا ينهي عن الدعاء بأيها.
(٤) الغثاء: ما يلقيه السيل من القش والورق والعشب اليابس الميت والأحوى: الأسود، والحوة سواد في خضرة أو في حمرة أو في أي لون داكن. ومعنى الغثاء الأحوى الشيء التافه لا وزن له ولا قيمة، فاسودَّ مِن قِدَمِه وإهماله واحتراقه.
[ ٧٥ ]
وَلَا يَسْتَطِيعُونَ، فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ (١) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾،
- ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ (٢) بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾،
- ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
لاَ تُحِيطُ الْعُقُولُ بِذَاتِهِ:
٣٩ - وَلاَ تُحِيطُ الْعُقُولُ بِذَاتِهِ وَلاَ بِصِفَاتِهِ وَلاَ بِأَسْمَائِهِ،
- لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾،
- وَلِقَوْلِهِ - ﵌ - " لاَ أُحْصِى ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ﴾،
- وَلِقَوْلِهِ - ﵌ - فيِ دُعَاءِ الْكَرْبِ (٣): "اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ بْنُ عَبْدِكَ بْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ
_________________
(١) لا تمثلوه بالسلطان ونحوه فليس كمثله شيء.
(٢) الضمير في يأمركم للشيطان. والسوء: الشر والفساد الذي يسوء صاحبه ويشمل جميع المعاصي. والفحش ما تناهى قبحه من الذنوب والآثام كالفسق والسكر والتقول على الله بغير علم: كالكذب على الله، والتكلم في شرعه ووصفه بما لم يرد في كتابه أو على لسان نبيه. وهكذا يتدرج الشيطان مع الإنسان من الأدنى كالسوء والفحشاء الى الأعلى كالكفر والكذب على الله وهو أدهى وأمر.
(٣) الكرب: الحزن والمشقة والهم. الناصية: شعر مقدم الرأس. ماض: نافذ. استأثرت به: انفردت به وتخصصت الغيب ما غاب عن الحواس ولا يمكن التوصل إليه بالنظر. وأوفى الجميع بمعنى الواو.
[ ٧٦ ]
اِسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اِسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجَلاَءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي وَغَمِّي".
الْحَيَاةُ:
٤٠ - فَمِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى: الْحَيَاةُ،
- لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾،
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ (١)﴾،
- ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾.
الْقُدْرَةُ:
٤١ - وَمِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى: الْقُدْرَةُ (٢) عَلَى إِيجَادِ كُلِّ مُمْكِنٍ وَإِعْدَامِهِ،
- لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾،
- ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾،
- ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾.
الْإِرَادَةُ:
٤٢ - وَمِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى: الْإِرَادَةُ (٣) وَالْمَشِيئَةُ الْمُطْلَقَةُ فِي جَمِيعِ الْمُمْكِنَاتِ فَيُخَصِّصُ مَا شَاءَ بِمَا شَاءَ.
_________________
(١) عنت الوجوه: ذلت وخضعت واستكانت.
(٢) صفة القدرة هذه صفة تأثير.
(٣) وهذه صفة تخصيص.
[ ٧٧ ]
- لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾،
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ﴾.
الْعِلْمُ:
٤٣ - وَمِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى: الْعِلْمُ (١) الَّذِي تَنْكَشِفُ لَهُ جَمِيعُ الْمَعْلُومَاتِ مِنَ الْوَاجِبَاتِ وَالْجَائِزَاتِ وَالْمُسْتَحِيلاَتِ فَيَعْلَمُهَا عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَالاَتِ؛ وَتَسْتَوِي عِنْدَهُ الْجَلِيَّاتِ وَالْخَفِيَّاتِ،
- لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾،
- ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾،
- ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾.
السَّمْعُ وَالْبَصَرُ:
٤٤ - وَمِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى: السَّمْعُ الَّذِي تَنْكَشِفُ بِهِ جَمِيعُ الْمَسْمُوعَاتِ.
٤٥ - وَمِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى: الْبَصَرُ الَّذِي تَنْكَشِفُ بِهِ جَمِيعُ الْمُبْصِرَاتِ (٢).
- لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾،
- ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾،
_________________
(١) وهذه صفة انكثساف.
(٢) صفتا السمع والبصر صفتا انكشاف أيضا.
[ ٧٨ ]
- وَلِحَدِيثِ أَبيِ مُوسَى الأَشْعَرِي (١) ﵁ قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ فيِ سَفَرٍ فَكُنَّا إِذَا عَلَوْنَا كَبَّرْنَا فَقَالَ أَرْبِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَإِنَّكُمْ لاَ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلاَ غَائِبًا، تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا قَرِيبًا (٢) " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
الْكَلاَمُ:
٤٦ - وَمِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى: الْكَلاَمُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى جَمِيعِ الْمَعْلُومَاتِ،
- لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾.
الْوَحْدَانِيَّةُ:
٤٧ - وَهُوَ الْوَاحِدُ فيِ ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ (٣):
فَلاَ ثَانِيَ لَهُ، وَلاَ نَظِيرَ لَهُ، وَلاَ شَرِيكَ لَهُ فيِ ذَاتِهِ،
وَلاَ ثَانِيَ لَهُ، وَلاَ نَظِيرَ لَهُ، وَلاَ شَرِيكَ لَهُ فيِ أَسْمَائِهِ،
وَلاَ ثَانِيَ لَهُ، وَلاَ نَظِيرَ لَهُ، وَلاَ شَرِيكَ لَهُ فيِ صِفَاتِهِ،
وَلاَ ثَانِيَ لَهُ، وَلاَ نَظِيرَ لَهُ، وَلاَ شَرِيكَ لَهُ فيِ أَفْعَالِهِ،
- لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ
_________________
(١) أبو موسى الأشعري: صحابي جليل ورع. روى الحديث عن النبي ﵊ وأحد الحكمين في نزاع علي ومعاوية.
(٢) علونا: ارتفعنا أي على ربوة أو غيرها. أربعوا: أشفقوا وخففوا على أنفسكم.
(٣) صفة دلالة.
[ ٧٩ ]
اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (١)﴾،
- ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾،
- ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾،
- ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٢)﴾،
- ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ (٣) شَيْءٌ﴾،
- ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾.
التَّوْحِيدُ الْعِلْمِيُّ وَالْعَمَلِيُّ:
٤٨ - التَّوْحِيدُ هُوَ اعْتِقَادُ وَحْدَانِيَّةُ اللهِ، وَإِفْرَادُهُ بِالْعِبَادَةِ،
_________________
(١) الآلهة: جمع إله، وهو المعبود مطلقًا. والله هو الإله المعبود بحق. والضمير في فسدتا للسموات والأرض. والمعنى لو تعددت الآلهة في السموات والأرض لفسد نظامهما واختل سيرهما الدقيق لأن التمانع والتعارض والاختلاف أمور ضرورية في تعدد الحاكمين كما قال تعالى: " إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ".
(٢) سميا: نظيرًا وشبيها مساميًا أو مسمى بأسمائه. والاستفهام للنفي أي لاتعلم له سميا.
(٣) من المعبودات الباطلة كالأشجار والأحجار وغيرها من الأصنام والأوثان.
(٤) الصمد: السيد المصمود المقصود الذي يصمد إليه في قضاء الحوائج على الدوام ولا يقضي أمر دونه وقيل هو المستغني عن سواه، لأنه صمد بمعنى=
[ ٨٠ ]
وَالْأَوَّلُ هُوَ التَّوْحِيدُ الْعِلْمِيُّ وَالثَّانيِ هُوَ التَّوْحِيدُ الْعَمَلِيُّ وَلاَ يَكُونُ الْمُسْلِمُ مُسْلِمًا إِلاَّ بِهِمَا،
- لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾،
- ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ، وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (١)﴾.
تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ:
٤٩ - وَمِنْ تَوْحِيدِهِ تَعَالَى: تَوْحِيدُهُ فيِ رُبُوبِيَّتِهِ (٢) وَهُوَ الْعِلْمُ بَأَنْ لاَ خَالِقَ غَيْرُهُ وَلاَ مُدَبِّرَ لِلْكَوْنِ وَلاَ مُتَصَرِّفَ فِيهِ سِوَاهُ،
_________________
(١) = لا جوف له. أي هو المستغنى بذاته عن الأكل والشرب ونحوهما. والكفؤ المماثل والمشابه أي ليس له مكافىء. وتوحيد هذه السورة علمي إلا قوله تعالى (الصَّمَدُ).
(٢) أي لكم أصنامكم التي تعبدونها بغير حق، ولي إلهي المعبود بجق، ولكم دينكم الذي أنتم عليه، ولي ديني الذي أنا عليه وهو الحق، والمعنى: لكم شرككم وأصنامكم، ولى عبادتي وتوحيدي وإخلاصي لله رب العالين. ولا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي. وتوحيد هذه السورة كله عملي.
(٣) الرب هو المربي لجميع المخلوقات من طور الى طور كتطور الانسان من النطفة إلى العلقة الى أن يصير بشرا سويا.
[ ٨١ ]
- لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾،
- ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾،
- ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾،
- وَلِقَوْلِهِ - ﵌ -: "لاَ مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلاَ مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلاَ يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ (١) " رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
تَوْحِيدُهُ فيِ أُلُوهِيَّتِهِ:
٥٠ - وَمِنْ تَوْحِيدِهِ تَعَالَى: تَوْحِيدُهُ فيِ أُلُوهِيَّتِهِ وَهُوَ الْعِلْمُ بِأَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ وَحْدَهُ دُونَ سِوَاهُ وَالْقَصْدُ وَالتَّوْجِيهُ وَالْقِيَامُ بِالْعِبَادَاتِ كَلِّهَا إِلَيْهِ،
- لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾،
- ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا (٢) وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾،
- ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (٣)﴾،
_________________
(١) الجد: الحظ أي لا ينفع الجد المجد إلا إذا أعنته.
(٢) حنيفا: مستقيما أي مائلا عن العقائد الزائفة الى ملة الإسلام، والحنيفية ديانة سيدنا إبراهيم ﵇ ويقال إنما سمي إبراهيم حنيفا لأنه كان يحنف عما كان يعبد قومه من الآلهة الباطلة الى عبادة الله الواحد الأحد.
(٣) صلاتي ونسكي: عبادتي وذبائحي، وواحدة النسك نسيكة. ومحياي ومماتي. حياتي وموتي. أول المسلمين: ينبغي أن تكون هذه الآية شعار كل مسلم في الأمور والمصالح العامة كما قدمنا قولا وعملا ليتحتق فينا الوازع الإسلامي.
[ ٨٢ ]
- وَلِقَوْلِهِ - ﵌ -:" إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ، وإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ باللهِ" رَوَاهُ التَّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ (١).
إِسْتِلْزَامٌ:
٥١ - وَوَحْدَانِيَّتُهُ تَعَالَى فِي رُبُوبِيَّتِهِ تَسْتَلْزِمُ وَحْدَانِيَّتَهُ تَعَالَى فِي أُلُوهِيَّتِهِ فَالْمُنْفَرِدُ بِالْخَلْقِ (٢) وَالرِّزْقِ وَالْعَطَاءِ وَالْمَنْعِ وَدَفْعِ الضَّرِّ وَجَلْبِ النَّفْعِ هُوَ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُفْرَدَ بِالْعِبَادَةِ الَّتِي هِيَ غَايَةُ الْخُضُوعِ وَالذُّلِّ مَعَ الْفَقْرِ وَالْحَاجَةِ لِلْعَزِيزِ الْغَنِيِّ الْقَادِرِ الْمُنْعِمِ،
- لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا (٣) وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾،
_________________
(١) الترمذي أحد رجال الصحاح، وهو الحافظ المشهور ابو عيسى محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك السلمي الضرير البوغي الترمذي. أحد الأئمة الذين يقتدى بهم في علم الحديث، صنف كتاب الجامع والعلل تصنيفًا متقنًا وبه كان يضرب المثل، وهو تلميذ أبي عبد الله محمد بن اسماعيل البخاري - ﵁ -. توفي لثلاث عشرة ليلة خلت من رجب سنة تسع وسبعين ومائتين بترمذ.
(٢) الخلق: الإيجاد. والرَّزق بالفتح: إعطاء الرِّزق بكسرها: وهو كل ما ينتفع به.
(٣) أندادًا: جمع ند وهو الشبيه والمثيل والنظير في المستوى والسن.
[ ٨٣ ]
- ولِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى (١) آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ؟﴾،
- ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ؟ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ؟ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٢). أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ؟ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ. أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ؟ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ. أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ؟ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ؟ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ؟ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ،
_________________
(١) اصطفى: اختار، والمصطفون هم الأنبياء والمرسلون- وهذه الآيات مبدوءة بالحمد والسلام كالخطبة.
(٢) أإله مع الله: استفهام إنكاري بمعنى النفي أي لا إله مع الله. ويعدلون: أي يميلون الى الباطل كأن يميلوا عن توحيده في العبادة الى الاشراك به سواه فيها.
[ ٨٤ ]
أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ؟ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ؟ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١)﴾.
تَوْحِيدُهُ فيِ شَرْعِهِ:
٥٢ - وَمِنْ تَوْحِيدِهِ تَعَالَى: تَوْحِيدُهُ فيِ شَرْعِهِ فَلَا حَاكِمَ وَلَا مُحَلِّلَ وَلَا مُحَرِّمَ سِوَاهُ،
- لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾،
- ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾،
- ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ (٢)﴾،
_________________
(١) حاجزًا: أي جعل مانعًا من الأرض يمنع بين الماء الملح والماء العذب حتى لا تفوت المنفعة المقصودة من كل منهما. والقرار: المقر من الأرض الثابت المطمئن. والقرار والمستقر بمعنى واحد. وخلفاء: أمة تخلف أمة الى أجل معلوم. قليلا ما تذكرون: أي قليل ذكركم لنعمة الله. وَنُشُرًا: النَّشْرُ مصدر الريح الطيبة أو الريح عمومًا، ولم يأت لفظ الريح في القرآن مفردًا إلا في الشر، والرياح بالجمع إلا في الخير ولذا جاء في الدعاء: اللهم اجعلها رياحًا لا ريحًا. ويبدأ الخلق ثم يعيده: كالمطر مثلا، فإن أصله ماء، ثم يصير بخارًا، وقد يجمد فيصبح ثلجًا ثم يذوب فيعود ماء، وبرهانكم: أي دليلكم على ادعائكم.
(٢) وصف ألسنتهم بالكذب مبالغة في وصف كلامهم بالكذب، فألسنتهم كأنها هي الكذب بذاته مجدا فيها. والافتراء تعمد الكذب.
[ ٨٥ ]
- وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾،
- وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا (١) بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾،
- ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾،
- ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾،
- وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٢)﴾.
لاَ يَخْلُقُ الْعَبْدُ أَفْعَالَ نَفْسِهِ:
٥٣ - وَمِنْ تَوْحِيدِهِ تَعَالَى فِي رُبُوبِيَّتِهِ: اِعْتِقَادُ أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَخْلُقُ أَفْعَالَ نَفْسِهِ، فَهُوَ مَا لَمْ يَخْلُقْ ذَاتَهُ وَلَمْ يَخْلُقْ صِفَاتَ ذَاتِهِ، كَذَلِكَ لَمْ يَخْلُقْ أَفْعَالَهُ، فَهُوَ كُلُّهُ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ ذَاتُهُ وَصِفَاتُهُ وَأَفْعَالُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ لَهُ مُبَاشَرَةً لِأَفْعَالِهِ بِاخْتِيَارِهِ فَبِذَلِكَ كَانَتْ
_________________
(١) سفها: جهلا.
(٢) وأحسن تأويلا: لأن حكم الله ورسوله أحسن الأحكام وأعدلها وأصلحها للناس في دينهم ودنياهم. والتأويل: التقدير من تأول الكلام إذا فسره وقدره.
[ ٨٦ ]
أَعْمَالًا لَهُ وَكَانَ مَسْؤُلًا عَنْهَا وَمُجَازًى عَلَيْهَا وَتِلْكَ الْمُبَاشَرَةِ هِيَ كَسْبُهُ وَاكْتِسَابُهُ (١).
فَيُسَمَّى الْعَبْدُ عَامِلًا وَكَاسِبًا وَمُكْتَسِبًا وَلَا يُسَمَّى خَالِقًا،
- لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾،
- ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ (٢)﴾،
- ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾.
لِلْعَبْدِ اخْتِيَارٌ:
٥٤ - وَمِنْ تَوْحِيدِهِ تَعَالَى فِي رُبُوبِيَّتِهِ: اعْتِقَادُ أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَخْرُجُ فِي جَمِيعِ تَصَرُّفَاتِهِ عَن مَّشِيئَةِ اللَّهِ، غَيْرَ أَنَّ لَهُ اخْتِيَارًا يَجِدُهُ بِالضَّرُورَةِ مِن نَّفْسِهِ، وَمَشِيئَةٍ يَجِدُهَا كَذَلِكَ فِيمَا يُمَكِّنُهُ مِنْ أَفْعَالِهِ كَانَ بِهِمَا مُكَلَّفًا، ثُمَّ هُوَ لَا يَخْرُجُ بِهَا عَن مَّشِيئَةِ اللَّهِ،
- لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ
_________________
(١) كسبه واكتسابه: الأول في الخير والثاني في الشر. والكسب والاكتساب في اللغة: الطلب والجمع مطلقًا.
(٢) الضمير فمالها وعليها للنفس.
(٣) مثقال ذرة: مقدارها وميزانها، والذرة: واحدة الذر، وهو الهباء والغبار الدقيق المنتشر في الهواء. وهذا من تمام العدل والانصاف للانسان أن يجازى على كل ما يعمل من خير أو شر.
[ ٨٧ ]
عَلِيمًا حَكِيمًا﴾،
- ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾،
- وقوله تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾،
- "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾،
- ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾،
- ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾.
عِلْمُ الْغَيْبِ عِنْدَ اللهِ:
٥٥ - وَمِنْ تَوْحِيدِهِ تَعَالَى فِي رُبُوبِيَّتِهِ: اعْتِقَادُ أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ وَهُوَ مَا غَابَ عَنِ الْحَوَاسِّ، وَلَا يُوصَلُ إِلَيْهِ بِصَحِيحِ النَّظَرِ، فَلَا يَعْلَمُ مِنْهُ إِلَّا مَا جَاءَ فِي صَحِيحِ الْخَبَرِ.
_________________
(١) أي لو نزلنا إليهم الملائكة، وكلمهم الموتى، وجمعنا لهم كل شيء ما كانوا ليؤمنوا إلا بمشيئة الله، ولكن أكثرهم يجهلون فيظنون أن إيمانهم يتوقف على ظهور معجزة. وقبلا: أصنافًا متعددة جمع قبيل وقبيل، أي صنف صنف أو مقابلة. وأما قوله تعالى: "لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا" فمعناه لا طاقة لهم بها.
(٢) ظاهره أمر وباطنه زجر وتهديد كقوله تعالى:"اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ" وهو من سنن العرب: [إذا لم تستح فاصنع ما شئت]،. ففيه تهديد ووعيد على الفعل.
[ ٨٨ ]
فَيَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ حِينَئِذٍ كَمَا جَاءَ بِدُونِ زِيَادَةٍ وَلَا تَنْقِيصٍ (١)،
- لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا. إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا. لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (٢)﴾،
- ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾،
- ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾،
- ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾،
- ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾،
- ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣)﴾.
_________________
(١) لأن من صفات المؤمن الإيمان بالغيب. ومن المغيبات التي نؤمن بها ولا ندركها بحواسنا: الملائكة، والجن، والجنة، والنار، والعرش، والصراط، والميزان .. إلخ وصحيح الخبر هو الكتاب والسنة.
(٢) رصدا: حراسًا من الملائكة، وقوله تعالى: " إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ " يخرج بهذا دجاجلة الغيب، والمبالغات والتهاويل في شأن الأولياء، وافتراءات أهل الديوان ومن ينسب إليهم من الأقطاب والأغواث والأوتاد، وسماسرة الغيب الآخرين من ضاربي الرمل والودع، وقارئي الكف والطالع وغير ذلك من مختلف الوسائل التي تلبس على العامة والدهماء وضعاف العقول.
(٣) لا تقف: لا تتبع، وكل عضو مسئول عنه صاحبه أي عما فعل به. والفؤاد هنا: العقل.
[ ٨٩ ]
الْقَدَرُ:
٥٦ - الْقَدَرُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْإِحَاطَةُ بِمِقْدَارِ الشَّيْءِ. تَقُولُ: قَدَّرْتُ الشَّيْءَ أُقَدِّرُهُ قَدَرًا إِذَا أَحَطْتَ بِمِقْدَارِهِ.
وَقَدَرُ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ تَعَلُّقُ عِلْمِهِ وَإِرَادَتِهِ أَزَلًا بِالْكَائِنَاتِ كُلِّهَا قَبْلَ وُجُودِهَا، فَلَا حَادِثَ إِلَّا وَقَدْ قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى، أَيْ سَبَقَ بِهِ عِلْمُهُ وَتَقَدَّمَتْ بِهِ إِرَادَتُهُ، فَكُلُّ حَادِثٍ فَهُوَ عَلَى وِفْقِ مَا سَبَقَ بِهِ عِلْمُ اللَّهِ وَمَضَتْ بِهِ إِرَادَتُهُ (١)،
- لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾،
- ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (٢)﴾،
_________________
(١) ليت دجاجلة علم الغيب وسماسرة الذين يفترون على الله ما لا يعلمون ويوهمون بالحروز ونحوها يتدبرون هذا. والوفق مصدر: الموافقة والمطابقة بين الشيئين. ومضت إرادته: نفذت إرادته. وكم يعجبني قول الامام الشافعي - ﵁ - في القضاء والقدر: مَا شِئْتَ كَانَ وَإنْ لَمْ أَشَأْ وَمَا شِئْتُ إِن لَّمْ تَشأْ لَمْ يَكُنْ خَلقْتَ الْعِبَادَ لِمَا قَدْ عَلِمْتَ فَفِي الْعِلْمِ يُجْزَى الْفَتَى وَالْمُسِنْ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَمِنْهُمْ سَعِيدٌ وَمِنْهُمْ قَبِيحٌ وَمِنْهُمْ حَسَنْ عَلَى ذَا مَنَنْتَ وَهَذَا خَذَلْتَ، وَذَاكَ أَعَنْتَ وَذَا لَمْ تُعِنْ
(٢) يعني أن التقدير سبق به علم الله وإرادته.
[ ٩٠ ]
- وَلِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ سُؤَالِ جِبْرِيلَ ﵇:" وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وِشِرِّهِ، حُلْوِهِ وَمُرِّهِ".
الْقَدَرُ مَكْتُوبٌ فيِ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ:
٥٧ - وَكَمَا سَبَقَ قَدَرُ اللَّهِ لِلْأَشْيَاءِ قَبْلَ أَن يَّخْلُقَهَا كَذَلِكَ كَتَبَهَا فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ قَبْلَ خَلْقِهَا،
- لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ، لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾،
- وَلِحَدِيثِ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ - يَقُولُ:" كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ
_________________
(١) تقدم الحديث بتمامه في تعليق بيان معنى الاسلام رقم (١٨) رواه مسلم من غير زيادة (حلوه ومره).
(٢) يعني أمر القلم فكتبها في اللوح. والقلم واللوح من الأمور الغيبية نؤمن بها ولا ندركها بحواسنا.
(٣) المصيبة كل ما يصيب الإنسان من خير او شر وقد تطلق على ما يناله من مكروه فقط: والكتاب هنا هو اللوح المحفوظ وهو من الأمور الطبيعية التي نؤمن بها ونكل الى الله وصفه وما هيته. نبرأها: نخلقها. تفرحوا: فرح البطر والعجب وهذا ممنوع. والمختال الفخور: المتكبر المعجب بنفسه وهذا أيضا ممنوع.
[ ٩١ ]
الْخَلَائِقَ قَبْلَ أَن يَّخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ (١) " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
الْعَمَلُ بِالشَّرْعِ وَالْجِدِّ فيِ السَّعْيِ مَعَ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ.
كُلٌ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ:
٥٨ - الشَّرْعُ مَعْلُومٌ لَنَا، وَضَعَهُ اللَّهُ لِنُسَيِّرَ عَلَيْهِ أَعْمَالَنَا.
وَالْقَدَرُ مَغِيبٌ عَنَّا، أَمَرَنَا اللَّهُ بِالْإِيمَانِ بِهِ لِأَنَّهُ مِنْ مُقْتَضَى كَمَالُ الْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ مِنْ صِفَاتِ رَبِّنَا.
فَالْقَدَرُ فِي دَائِرَةِ الاِعْتِقَادِ، وَالشَّرْعُ فِي دَائِرَةِ الْعَمَلِ (٢).
وَعَلَيْنَا أَن نَّعْمَلَ بِشَرْعِ اللَّهِ وَنَتَوَسَّلَ إِلَى الْمُسَبِّبَاتِ الْمَشْرُوعَةِ
_________________
(١) الخمسين ألف سنة: ليست كالسنين المعروفة عندنا فعلمها عند الله والأعداد في القرآن كثيرًا لا مفهوم لها وإنما المقصود التقريب والمثل. والعرش: مخلوق عظيم لله تعالى وهو أول المخلوقات وهو في اللغة: سرير الملك وكرسي الحكم. وعبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل السهمي أسلم قبل أبيه ومن طريف أحواله أنه لَيْس بينه وبين أبيه إلا إحدى عشرة او اثنتا عشرة سنة مات ليلة الحرة سنة ثلاث وستين، وهو ابن ثلاث وسبعين سنة.
(٢) لا بد من الإيمان بالقدر والعمل بالشرع ولا منافاة بينهما: قال ﵇ (وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ) يعني في شئون الدنيا. أما في الآخرة فمعلوم أن أهل الإيمان في الجنة وغيرهم في النار.
[ ٩٢ ]
بِأَسْبَابِهَا (١)، وَنُؤْمِنُ بِسَبْقِ قَدَرِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَكُونُ إِلَّا مَا قَدَّرَهُ مِنْهَا، فَمَنْ سَبَقَتْ لَهُ السَّعَادَةُ يُسِّرَ لِأَسْبَابِهَا، وَمَنْ سَبَقَتْ لَهُ الشَّقَاوَةُ يُسِّرَ لِأَسْبَابِهَا،
- لِحَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ:" كُنَّا فِي جَنَازَةٍ، فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ (٢) فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ (٣)، فَنَكَسَ، فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ ثُمَّ قَالَ: مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ (٤) إِلاَّ كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِلاَّ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً.
_________________
(١) كتوسلنا للنسل بالزواج وللزرع بالحرث، والعلم بالتعلم وهكذا مع الإيمان بالقدر. ولا يجوز أبدًا ترك العمل الممكن المعلوم الذي أمر به الشرع اتكالًا على القدر المغيب المجهول عندنا مع إيماننا به.
(٢) بقيع الغرقد: اسم مقبرة بالمدينة المنورة ضمت رفات عدد كبير من الصحابة والتابعين - ﵃ أجمعين -.
(٣) المخصرة: عصا رقيقة يتوكأ عليها ونكس رأسه: حناه وطأطأه للتفكير والتدبر. ينكت: ينقط الأرض بالمخصرة شأن المفكر المتدبر لأن الحركة العقلية مرتبطة بالحركة البدنية غالبًا. يقال للشيء الغامض (فيه نكتة) أي مسألة تحتاج الى التروي واستعمال الفكر وفي هذه الحال يبدأ الإنسان يعبث بأصابعه أو بما في يده بلا شعور- فينكت الأرض أو ينقر رأسه أو غير ذلك كأنما يبحث عن شيء فقده.
(٤) منفوسة: مخلوقة.
[ ٩٣ ]
فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ (١)، فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى السَّعَادَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى الشَّقَاوَةِ؟
فَقَالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ: أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَسَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَسَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ (٢)، ثُمَّ قَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٣) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى .. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى. وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى .. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى" رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ (٤)،
- وَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ
_________________
(١) أي على ما كتب لنا وقدر.
(٢) القدر مغيب عنا والشرع معلوم لنا فيجب الإيمان بالأول والامتثال للثاني، ولا يرتبط الإنسان بالغيب ويدع المعلوم، ولايحتج بالقدر وحده دون الشرع، كأن يعمل محرمًا ويقول قدره الله بل فعلته شهوته وامتثل لما سولته له نفسه، وترك الامتثال للشرع فكلامه مردود. وحجته باطلة لأنه لا يعلم قدر الله المغيب عنه متى يحتج به.
(٣) أعطى ما وجب عليه من زكاة وغيرها، واتقى أي امتنع عما نهى عنه كالمحرمات والمكروهات. والحسنى الشهادة. واليسرى هي الجنة، والعسرى هي النار، فمن سار في طريق الخير سهله الله له ووجد خاتمة مطافه الجنة. ومن سار في طريق الشر واستمر فيه وجد خاتمة مطافه جهنم.
(٤) هذه رواية مسلم، أما البخاري فقد رواه بلفظ آخر.
[ ٩٤ ]
عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - الْمُؤْمِنُ الْقَوِىُّ خَيْرٌ وأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ. احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلاَ تَعْجَزْ. وَإِنْ أَصَابَكَ شَىْءٌ فَلاَ تَقُلْ: لَوْ أَنِّى فَعَلْتُ .. كَانَ كَذَا وَكَذَا. وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ؛ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ (١). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
الاِحْتِجَاجُ بِالْقَدَرِ.
لاَ يُحْتَجُّ بِالْقَدَرِ فيِ الذُّنُوبِ:
٥٩ - لاَ يُحْتَجُّ بِالْقَدَرِ فيِ الذُّنُوبِ (٢) لِأَنَّ حُجَّةَ اللَّهِ قَائِمَةٌ عَلَى الْخَلْقِ
_________________
(١) من مقتضى الإيمان القوة والحركة والعمل فليتحرك الإنسان وليعمل بما يقوى عقله وقلبه وبدنه؛ فيقوى العقل بالعلم والتفكير، والقلب بالإيمان واليقين، والبدن بالنظافة والرياضة، ومن كان كذلك فهو أحب الى الله والناس من المؤمن الضعيف. قال عمر بن الخطاب يومًا لجماعة القراء وهم يمشون الهوينا: (لا تميتوا علينا ديننا أماتكم الله). وقالت عائشة - ﵂ - تخاطب القراء أيضًا: (كان عمر إذا ضرب أوجع وإذا مشى أسرع واذا تكلم أسمع). ولا تعجز: معناه لا تيأس، وعمل الشيطان وساوسه ومداخله وأوهامه للافساد وفي الحديث علاج ضعف الإيمان من أول قوله: احرص الى آخره.
(٢) بمعنى لا يلقى الانسان التبعة على القدر ويقول أنا مسير لا مخير. وكثيرًا ما يقول الانسان الشر في ذلك فعوقه عن النهوض وتنمية الإرادة والعزيمة والقدرة.
[ ٩٥ ]
بِالتَّمَكُّنِ وَالاِخْتِيَارِ وَالدَّلَالَةِ الْفِطْرِيَّةِ وَالدَّلَالَةِ الشَّرْعِيَّةِ (١)،
- لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢)﴾.
الْحَذَرُ وَالْقَدَرُ.
وُجُوبُ الْحَذَرِ:
٦٠ - مَعَ الِإيمَانِ بِالْقَدَرِ يَجِبُ الْأَخْذَ بِالْحَذَرِ،
- لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾،
- وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾.
الْحِكْمَةُ وَالْعَدْلُ فيِ الْقَدَرِ.
الْقَدَرُ كُلُّهُ عَدْلٌ:
٦١ - الْقَدَرُ كُلُّهُ عَدْلٌ وَحِكْمَةٌ، فَمَا يُصِيبُ الْعِبَادَ فَهُوَ جَزَاءُ أَعْمَالِهِمْ.
_________________
(١) الدلالة الفطرية: هي ما يدركه الإنسان بفطرته وخلقته من ضار ومن نافع. وحتى الحيوانات تعرف ذلك والدلالة الشرعية: هي ما جاء في شرع الله عن الحرام وعن الحلال. وقدرة التمكن والاختيار: لايمكن إنكارهما.
(٢) يخرصون: يقولون غير الحق لأنهم لا يعلمون أن الله شاء لهم أو لم يشأ فكيف يحتجون بالقدر وهو مغيب عنهم. ولهؤلاء المشركين حجة أخرى عرجاء في عكوفهم على معبوداتهم الباطلة إذ قالوا: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ) وهم بهذا كالقردة يقلدون بدون فقه وبلا تدبر وهم بذلك أيضًا يلغون وجودهم الإنساني، وميزة التفكير والعقل، فيرتدون عن الإنسانية الرشيدة الى الطفولة والبشرية البدائية.
[ ٩٦ ]
وَقَدْ تُدْرَكُ حِكْمَةُ الْقَدَرِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ، لِأَنَّ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى: الْحَكِيمُ، وَرَدَ فِي الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ الْكَثِيرَةِ.
وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى: الْعَدْلُ، وَرَدَ فِي حَدِيثِ الْأَسْمَاءِ عِنْدَ التَّرْمِذِي،
- لِقَوْلِهِ - ﷺ - فِي حَدِيثِ الْكَرْبِ «عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ» (١)،
- ولِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾.
_________________
(١) تقدم حديث الكرب بتمامه في درس (٣٩) في (عقيدة الاثبات والتنزيه).
[ ٩٧ ]
الْمَلاَئِكَةُ:
٦٢ - الْمَلَائِكَةُ مَخْلُوقُونَ مِنَ النُّورِ، لَا يُوصَفُونَ بِذُكُورَةٍ وَلَا بِأُنُوثَةٍ. مُيَسَّرُونَ لِلطَّاعَاتِ، مَعْصُومُونَ مِنَ الْمَعَاصِي مُسَخَّرُونَ بِإِذْنِ اللَّهِ فِي شُؤُونِ الْخَلْقِ وَتَدْبِيرِ الْكَوْنِ، وَحِفْظِ الْعِبَادِ، وَكِتَابَةِ أَعْمَالِهِمْ، أُمَنَاءُ عَلَى الْوَحْيِ فِي حِفْظِهِ وَتَبْلِيغِهِ،
- لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - "خُلِقَتِ الْمَلاَئِكَةُ مِنْ نُورٍ وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ (١) مِنْ نَارٍ وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ،
- وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا؟! أَأُشَهِدُوا؟ خَلْقُهُمْ!! سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾،
- وَمَنْ
_________________
(١) المارج: الشعلة ذات اللهب الشديد، وهو من قولك مرج الشيء اذا اقترب ولم يستقر وكذلك اللهب مضطرب. فقوله من مارج من نار: أي من نار لا دخان لها. (وخلق آدم مما وصف لكم) أي من صلصال كالفخار، والصلصال هو الطين اليابس اذا نقرت عليه صلَّ وصوت، والفخار طين ولكنه مطبوخ وصل وصلصل بمعنى واحد مثل صر الباب وصرصر عند الإغلاق. بمعنى أحدث صوتًا.
[ ٩٨ ]
عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ. يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (١)﴾،
- ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ. وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (٢)﴾،
- ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ. يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٣)﴾،
- ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٤)﴾،
- ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٥)﴾،
- ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾،
- ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾،
- ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ (٦) مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾،
- ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ، كِرَامًا كَاتِبِينَ، يَعْلَمُونَ
_________________
(١) ولا يستحسرون: لا يكلون ولا يسأمون لشدة محبتهم وقوتهم فهم لا يعيون ولا يتعبون. لا يفترون: لا يسكنون عن نشاطهم في العبادة.
(٢) الصافون أقدامهم في العبادة والجهاد وكل الطاعات والعبادات هم فيها صفوف صفوف مثل الناس في الصلاة.
(٣) مشفقون: أي خائفون.
(٤) من فوقهم: الفوقية معنوية، فالله سبحانه لا يحد بزمان ولا مكان.
(٥) المقسمات أمرًا: هم الملائكة يقسمون المقدرات التي قدرها الله تعالى.
(٦) معقبات: ملائكة يعقب بعضهم بعضا في الليل والنهار.
[ ٩٩ ]
مَا تَفْعَلُونَ﴾،
- ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ، مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١)﴾،
- ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ، مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ، بِأَيْدِي سَفَرَةٍ، كِرَامٍ بَرَرَةٍ (٢)﴾،
- ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ، لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٣)﴾،
- ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا، عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾،
- ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾.
_________________
(١) رقيب عتيد: الرقيب: هو الحافظ لأعماله، والعتيد: هو المعد الحاضر، قيل هما ملكان من ملائكة الله يسجلان على الانسان حسناته وسيئاته وقعيد ملك قاعد مثل جليس وجالس.
(٢) سفرة: ملائكة يسفرون بين الله وبين أنبيائه واحدهم سافر من سفرت بين القوم اذا مشيت بينهم بالصلح فجعلت الملائكة اذا نزلت بالوحي لهداية ولتربية الناس وتأديبهم كالسفير الذي يصلح بين القوم. وقيل سفر كتب أي ينسخونها من الصحف.
(٣) مكنون محفوظ ومصون من الخلط والزيادة والتنقيص. ومكنون من كن الشيء وأكنه اذا ستره وأخفاه في كنه والكن وقاء كل شيء وستره. " إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ".
[ ١٠٠ ]
الْإِيمَانُ بِكُتُبِ اللهِ تَعَالَى.
٦٣ - نُؤْمِنُ بِجَمِيعِ كُتُبِ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى رُسُلِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَمِنْهَا التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ وَالزَّبُورُ وَالْقُرْآنُ (١). وَمِنْهَا غَيْرُهَا مِمَّا لَمْ نَعْلَمْهُ عَلَى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ فَكُلُّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكُلُّ مَا فِيهَا حَقٌّ،
- لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾،
- ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ، وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾،
- ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾.
حِفْظُ اللهِ الْقُرْآنَ دُونَ غَيْرِهِ:
٦٤ - حَفِظَ اللَّهُ الْقُرْآنَ مِنَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصِ وَالتَّحْرِيفِ وَالتَّبْدِيلِ، فَبَقِيَ كَمَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَهُوَ كُلُّهُ حَقٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَلَمْ
_________________
(١) التوراة كتاب موسى ﵇. والإنجيل كتاب عيسى ﵇ والزبور كتاب داود ﵇ والقرآن كتاب محمد ﵇ ويسمى أيضًا الفرقان لأنه يفرق بين االحق والباطل.
[ ١٠١ ]
يَحْفَظْ غَيْرَهُ مِنَ الْكُتُبِ فَدَخَلَتْ عَلَيْهَا الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصُ وَالتَّحْرِيفُ وَالتَّبْدِيلُ فَفِيهَا حَقٌّ وَفِيهَا بَاطِلٌ،
- لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾،
- ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا (١) عَلَيْهِ﴾.
الْقُرْآنُ هُوَ الْهِدَايَةُ الْعَامَّةُ لِلْبَشَرِ.
وَظِيفَةُ الْقُرْآنِ:
٦٥ - نُؤْمِنُ بِأَنَّ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى هِدَايَةً عَامَّةً لِجَمِيعِ الْبَشَرِ لِمَا فِيهِ سَعَادَتَهُمْ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ بِتَنْوِيرِ الْعُقُولِ، وَتَزْكِيَّةِ النُّفُوسِ، وَتَقْوِيمِ الْأَعْمَالِ، وَإِصْلَاحِ الْأَحْوَالِ، وَتَنْظِيمِ الاِجْتِمَاعِ الْبَشَرِيِّ عَلَى أَكْمَلِ نِظَامٍ، وَأَنَّ كُلَّ مَا خَالَفَهُ فَهُوَ ضَالٌّ (٢)،
- لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
_________________
(١) مهيمنا عليه: شاهدًا ومؤتمنا ورقيبًا على كل كتاب قبله لأنه يشهد بصحة الصحيح وسقم السقيم من الكتب السوالف فما وافقه فذلك هو الحق. وما خالفه فهو الباطل
(٢) التزكية بمعنى التطهير. وخليق بنا إذن أن نقف عند وظيفة القرآن الكريم، فلا نكره آياته على ما لا تتحمله، ولا نفسرها ونطوعها قهرًا لما نريده، لأن ذلك ليس من مهمته فلا نحمله عليه.
[ ١٠٢ ]
- ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾،
- ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١)﴾،
- ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾،
- وَلِقَوْلِهِ فِي خُطْبَتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنْ اعْتَصَمْتُمْ (٢) بِهِ: كِتَابَ اللَّهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
الْإِيمَانُ بِالسُّنَّةِ إِيمَانٌ بِالْقُرْآنِ.
حُجِّيَّةُ السُّنَّةِ:
٦٦ - وَمِنَ الْإِيمَانِ بِكِتَابِ اللَّهِ أَنْ نُؤْمِنَ بِأَنَّ كُلَّ مَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ (٣) - ﵌ - فَهُوَ حَقٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَبَيَانٌ
_________________
(١) عزروه: نصروه وأيدوه وكانوا معه.
(٢) اعتصمتم به: تمسكتم به وعملتم بما فيه، ومما نزل من الوحي في حجة الوداع بعرفة قوله تعالى" الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا" إلخ فقد أتم الله بها التشريع، وأكمل الفرائض والأحكام حتى صار القرآن دستورًا كاملا للإسلام.
(٣) السنة النبوية هي كل ما ثبت عن النبي - ﷺ - من قول وفعل وحكم وتقرير وهي حجة في دين الله بالإجماع.
[ ١٠٣ ]
لِكِتَابِ اللَّهِ، وَأَنَّ الْأَخْذَ بِهِ أَخْذٌ بِالْقُرْآنِ، وَأَنَّ التَّرْكَ لَهُ تَرْكٌ لِلْقُرْآنِ،
- لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (١)﴾،
- ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾،
- ولِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ، وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٢)﴾،
- ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ
_________________
(١) السنة بيان وشرح وتفسير لما انبهم من القرآن بدليل هذه الآية وغيرها من الآيات البينات الكثيرات مثل: " وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ".
(٢) أمر بطاعة الله والرسول، وأولى الأمر منا، وذلك بامتثال الأوامر واجتناب النواهي، واتباع السنة. وجاء في الأثر: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق). وأحسن تأويلا: لأن حكمه تعالى من أحسن الأحكام- والتأويل هو التفسير والتقدير وما يؤول إليه الكلام من معنى وعاقبة. يقال: تأول فلان الآية أي نظر الى ما يؤول معناها.
[ ١٠٤ ]
يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (١)﴾،
- ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٢)﴾.
_________________
(١) الخيرة: الاختيار، وقضى بين الخصمين: حكم بينهما وفصل. ومعنى الآية ليس لأحد من المؤمنين أن يختار بعد حكم الله ورسوله. وما على المؤمن الحق إلا السمع والطاعة والامتثال لله ورسوله والإسراع إلى مرضاتهما.
(٢) التشاجر: التنازع والتخالف. يقال: (شجر ما بينهم) أي تنازعوا. والحرج الضيق والإثم أو الاعتراض. يقال: (حدّث عن البحر ولا حرج) أي ولا اعتراض عليك. ويسلموا: بمعنى ينزلوا على حكمه ويرضوا بقضائه، ويذعنوا لأحكامه.
[ ١٠٥ ]
عَقَائِدُ الْإِيمَانِ بِالرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ.
الرُّسُلُ:
٦٧ - إِنَّ الرَّبَّ الْحَكِيمَ ﷻ خَلَقَنَا لِعِبَادَتِهِ، وَفِي عِبَادَتِهِ كَمَالُنَا وَسَعَادَتُنَا، وَعِبَادَتَهُ بِطَاعَتِهِ فِيمَا أَمَرَنَا وَنَهَانَا وَأَبَاحَ لَنَا.
وَلَا يُمْكِنُنَا أَنْ نَعْرِفَ ذَلِكَ إِلَّا إِذَا بَيَّنَهُ لَنَا، فَاخْتَارَ مِنَّا - تَفَضُّلًا مِنْهُ وَرَحْمَةً - قَوْمًا فَطَرَهُمْ (١) عَلَى الْفَضَائِلِ وَالْكَمَالَاتِ، وَعَصَمَهُمْ مِنَ الرَّذَائِلِ وَالنَّقَائِصِ وَهَيَّأَهُمْ لِمُلَاقَاةِ الْمَلَائِكَةِ الْأَطْهَارِ، لِيَتَلَقُّوا مِنْهُمْ وَحْيَ اللَّهِ (٢) وَبَيَانَهُ لِلْعِبَادِ، فَيُبَلِّغُوهُ إِلَيْهِمْ، وَيَكُونُوا قُدْوَةً لَهُمْ فِي تَنْفِيذِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ.
وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْأَنْبِيَاءُ وَالْمُرْسَلُونَ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الَّذِينَ نُؤْمِنُ بِهِمْ كُلُّهُمْ. مَنْ عَرَفْنَا مِنْهُمْ بِتَعْرِيفِ اللَّهِ وَمَنْ لَمْ نَعْرِفْ،
- لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾،
_________________
(١) فطرهم على الفضائل: أنشأهم وطبعهم عليها. وعصمهم من الرذائل: حفظهم ووقاهم منها.
(٢) وحي الله ما يلقيه إلى أنبيائه ورسله ليعلمهم شرائعه وأحكامه.
[ ١٠٦ ]
- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ (١)﴾،
- ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾،
- ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾،
- ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾،
- ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ (٢) عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾،
- ﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ، رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾،
- ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾،
- ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ (٣)﴾،
- ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾،
وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا، لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ (٤)﴾،
- ﴿فَبِهُدَاهُمُ
_________________
(١) لما يحييكم لما فيه حياتكم وسعادتكم في الدنيا والآخرة.
(٢) يمن: ينعم ويتفضل.
(٣) من حكمة الله البالغة أن يختار من البشر من يصلح لتحمل أعباء رسالاته ممن يتصفون بكل كمال.
(٤) رصدا: حرسا من الملائكة ليحفظوه من اختطاف الشياطين الذين يسترقون السمع، وسبقت الإشارة إلى ذلك في التعليق على الآية في توحيد الله تعالى في ربوبيته درس (٥٥)، وفيها إشارة إلى دجاجلة الغبب وسماسرة الإفك.
[ ١٠٧ ]
اقْتَدِهْ (١)﴾،
- وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ (٢)﴾،
- ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ (٣)﴾.
الرُّسُلُ حُجَّةٌ:
٦٨ - هُمْ حُجَّةُ اللَّهِ وَشُهُودُهُ، أَنْبَأَهُمُ اللَّهُ بِوَحْيِهِ، وَأَرْسَلَهُمْ لِتَبْلِيغِهِ لِخَلْقِهِ، لِيُعَرِّفُوهُمْ بِهِ وَبِشَرْعِهِ، وَيُنَبِّهُوهُمْ إِلَى آيَاتِهِ، وَيُذَكِّرُوهُمْ بِإِنْعَامَاتِهِ، وَيُبَشِّرُوهُمْ بِالسَّعَادَةِ وَالنَّجَاةِ إِذَا اتَّبَعُوهُمْ، وَيُخَوِّفُوهُمْ مِنَ الشَّقَاوَةِ وَالْهَلَاكِ إِذَا خَالَفُوهُمْ، فَقَامَتْ بِهِمْ - لَمَّا بَلَّغُوا الرِّسَالَةَ وَأَدَّوُا الْأَمَانَةَ - حُجَّةَ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ وَكَانُوا - وَهُمُ الْعُدُولُ الْأُمَنَاءُ الصَّادِقُونَ - شُهَدَاءَهُ عَلَيْهِمْ يَوْمَ لِقَائِهِ،
- لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ
_________________
(١) اقتده: اتبع يا محمد هؤلاء الأنبياء الأخيار واتبع ملتهم الصيححة، وبذلك اجتمعت له كل الكمالات.
(٢) لا نفرق بين أحد من رسله: نحن قوم نؤمن بجميع الانبياء والمرسلين عملا بما جاء في القرآن وبهذا ننال رضى الله ورضى جميع أنبيائه، بخلاف من يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض.
(٣) قصصنا عليك: ذكرنا لك وحدثناك عنهم، وعدد المذكورين في القرآن خمسة وعشرون نعرفهم بأسمائهم جمعهم الناظم في هذين البيتين: فِي " تِلْكَ حُجَّتُنَا " مِنْهُمْ ثَمَانِيَةٌ مِنْ بَعْدِ عَشْرٍ وَيَبْقَى سَبْعَةٌ وَهُمُو: إِدْرِيسُ هُودٌ شُعَيْبٌ صَالِحٌ وَكَذَا ذُو الْكِفْلِ آدَمُ بِالْمُخْتَارِ قَدْ خُتِمُوا
[ ١٠٨ ]
مِنْ بَعْدِهِ، وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ (١) وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا، وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا، رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ (٢) بَعْدَ الرُّسُلِ، وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾،
- وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾.
تَأْييِدُ اللهِ لَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَالْآيَاتِ.
مُعْجِزَاتُ الرُّسُلِ:
٦٩ - لَمَّا أَرْسَلَ اللَّهُ الرُّسُلَ لِهِدَايَةِ خَلْقِهِ، وَإِقَامَةِ حُجَّتِهِ، أَيَّدَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ، وَهِيَ كُلُّ مَا تَبَيَّنَ بِهِ الْحَقُّ، مِنْ كَمَالِ سِيرَتِهِمْ فِي َقْومِهِمْ،
_________________
(١) الأسباط في اليهود كالقبائل في العرب، وهم اثنا عشر سبطًا من اثنى عشر ولدا ليعقوب ﵇ وسمي هؤلاء بالأسباط، وهؤلاء بالقبائل للفصل بين أبناء الأخوين إسماعيل ويعقوب ابني إبراهيم ﵈. والسبط أيضًا ولد البنت مقابل الحفيد الذي هو ولد الابن.
(٢) حجة: تعلة واعتذار.
[ ١٠٩ ]
وَوُضُوحِ بَيَانِهِمْ. وَقُوَّةِ حُجَّتِهِمْ، وَأَيَّدَهُمْ بِالْآيَاتِ الْمُعْجِزَاتِ (١) الْخَارِقَةِ لِلْعَادَةِ الْمَعْجُوزِ عَنْ مُعَارَضَتِهَا (٢)، فَكَانُوا يَدْعُونَ الْخَلْقَ بِالْحِجَجِ وَالْبَرَاهِينِ.
فَإِذَا سَأَلُوهُمْ آيَةً رَدُّوا الْأَمْرَ إِلَى اللَّهِ وَتَبَرَّأُوا مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ مَعَهُ تَصَرُّفٌ فِي الْكَوْنِ حَتَّى يَأْتُوا بِالْآيَاتِ، فَيُعْطِيهِمُ اللَّهَ الْآيَاتِ تَأْيِيدًا لَهُمْ، وَتَخْوِيفًا لِقَوْمِهِمْ: فَيَخْضَعَ قَوْمٌ فَيُؤْمِنُونَ، وَيَسْتَمِرَّ الْأَكْثَرُونَ عَلَى الْعَنَادِ (٣)، فَتَحِقَّ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ،
_________________
(١) الآيات: العلامات والعبر والعجائب من القول المعجز أو غيره مما فيه العبرة والعظة والتبكيت. والآية من القرآن: جملة كلمات بليغة محكمة.
(٢) تحدى الرسول العرب وهم أرباب البلاغة وزعماء البيان أن يأتوا بشيء من مثل القرآن فعجزوا وباءوا بالفشل الذريع. فكانت هذه هي آيته الكبرى، وهي آية علمية عقلية باقية لها صفة الديمومة بخلاف معجزات الأنبياء السابقين فمرهونة بوقتها. والخارقة للعادة أي المتجاوزة لحدود المألوف المعروف، المحطمة المهدمة لما اعتاده الناس من عادات بحيث لا يمكن لأحد مهما أوتي من علم ومن فهم ومن براعة وحذق أن يحاكيها أو يقلدها، وبذلك يثبت فشله وعجزه، هذه هى المعجزات الخارقة للعادة. ومن ينكر المعجزات في الحقيقة ينكر نفسه وعقله، ولو طالبناه بإثبات ماهية عقله الذي يحكم به على الأشياء لعجز!!
(٣) العناد: التمادي على الضلال ومخالفة الحق مع معرفته.=
[ ١١٠ ]
- لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾،
- ﴿قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا (١) قَبْلَ هَذَا﴾،
- ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾،
- ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾،
- وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ، وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ، جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ، وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ، قَالَتْ رُسُلُهُمْ: أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى (٢)
_________________
(١) = وتحق عليهم كلمة العذاب: مثل:" حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ" و" حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ": أي وجبت وثبتت عليهم الحجة وقام عليهم الدليل فوجب العذاب وحق العقاب.
(٢) مرجوَّا: أي كنا نرجو منك الخير والعقل، وإذا بك تخيب آمالنا ورجاءنا فيك وهذا من عنادهم ومكابرتهم.
(٣) مريب: موقع في الريبة، موجب للاضطراب وهذا منهم محض كذب. وفاطر السموات والأرض: خالقهما ومبدعهما لا على مثال سابق. وأجل مسمى: وقت معلوم معين.
[ ١١١ ]
قَالُوا: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ، قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ: إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ، وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا، وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (١)﴾،
- ولِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾.
تَمَامُ عُبُودِيَّتِهِمْ مَعَ عُلُوِّ مَرْتَبَتِهِمْ:
٧٠ - هُمْ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى عُلُوِّ مَنْزِلَتِهِمْ لَا يَمْتَازُونَ عَنِ الْخَلْقِ فِي تَمَامِ عُبُودِيَّتِهِمْ، بِافْتِقَارِهِمْ إِلَى اللَّهِ، وَجَرَيَانِ قَدَرِهِ عَلَيْهِمْ وَعَدَمِ مُلْكِهِمْ شَيْئًا مَعَهُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي مُلْكِهِ، وَعَدَمِ عِلْمِهِمُ الْغَيْبَ إِلَّا مَا عَلَّمَهُمُ
_________________
(١) بسلطان مبين: بحجة بينة ومعجزة ظاهرة يقترحونها، ومعلوم أن الرسل جاءتهم بالبينات ولكن مع وضوح الحق لج الكافرون في طغيانهم يعمهون. وتصدونا معناه: تصرفونا وتمنعونا. وهدانا سبلنا: دلنا على طرق الحق والاستقامة.
[ ١١٢ ]
اللَّهَ، وَجَرَيَانِ شَرْعِهِ عَلَيْهِمْ وَقِيَامِهِمْ بِمَا كُلِّفُوا بِهِ خَاضِعِينَ لِلَّهِ رَاجِينَ خَائِفِينَ،
- لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ (١)﴾،
- ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢)﴾،
- ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ (٣) وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾،
- ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ (٤) وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ (٥)﴾،
- ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ (٦)﴾،
- ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾،
_________________
(١) لا يأنف ولا يمتنع المسيح عن أن يكون عبدًا لله ولا الملائكة كذلك.
(٢) الضمير لسيدنا موسى ﵇.
(٣) و(٤) الضميرلسيدنا محمد ﵊.
(٤) الله هو النافع وهو الضار، وليس للرسول من العلم إلا ما علمه الله، ولو كان يعلم الغيب لاستكثر من أسباب الخير ولما لحقه الأذى واذا كان الرسول لا يعلم الغيب فكيف بغيره؟
(٥) الضمير لسيدنا شعيب ﵇.
[ ١١٣ ]
- وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ (١) إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾.
تَأَدُّبُنَا مَعَهُمْ فِيمَا عُوتِبُوا عَلَيْهِ وَاسْتَغْفَرُوا مِنْهُ:
٧١ - هُمْ عِبَادُ اللَّهِ يُخَاطِبُهُمْ بِمَا شَاءَ، وَيُعَاتِبُهُمْ بِمَا أَرَادَ، فَيَعْتَرِفُونَ وَيَسْتَغْفِرُونَ، وَلَيْسَ لَنَا فِيمَا عُوتِبُوا عَلَيْهِ (٢) وَاسْتَغْفَرُوا مِنْهُ إِلَّا حِكَايَةَ لَفْظِهِ كَمَا ثَبَتَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، مَعَ اعْتِقَادِ احْتِرَامِهِمْ وَإِكْبَارِهِمْ.
_________________
(١) يبتغون: خَبَر الَّذِين يدعون- والضمير عائد على الملائكة ﵈. والوسيلة: الطاعة والعبادة التي يتوسلون بها للتقرب إلى الله. والمعنى: أن الملائكة والأنبياء وصالحي المؤمنين يعبدون الله ويتنافسون في التقرب إليه بالأعمال الصالحة رجاء رحمته وخوف عذابه. والخوف والرجاء والمحبة أصل كل خير، ووصف الله بها المقربين من عباده الصالحلين.
(٢) كقوله تعالى:" وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ " وفي حق إبراهيم: " وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ". وغير ذلك مما نتلوه ونؤمن به وليس لنا أن نخوض فيه بموازيننا، بل نكتفي بذكر الخبر كما جاء في القرآن أو في الحديث دون زيادة أو نقصان، لما ثبت للأنبياء من الفضل والمقام الكريم عند الله. قال تعالى:" وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ". والقول المأثور: (حسنات الأبرار سيئات المقربين)، من خير ما يتمثل به في هذا الباب.
[ ١١٤ ]
وَأَنَّ اللَّهَ يُعَاتِبُهُمْ عَلَى قَدَرِ عُلُوِّ مَنْزِلَتِهِمْ. وَأَنَّهُمْ لِكَمَالِ مَعْرِفَتِهِمْ بِرَبِّهِمْ وَعَظِيمِ حَقِّهِ عَلَيْهِمْ يَرَوْنَ مَا لَا يُعَدُّ تَقْصِيرًا بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِهِمْ تَقْصِيرًا بِالنِّسْبَةِ لَهُمْ،
- لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾.
[ ١١٥ ]
خَتْمُ الرِّسَالَةِ وَعُمُومُهَا.
الرِّسَالَةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ:
٧٢ - خَتَمَ اللَّهُ الرِّسَالَةَ بِمُحَمَّدٍ - ﵌ -.
وَجَعَلَ رِسَالَتَهُ الرِّسَالَةَ الْعَامَّةَ لِلْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْمَلَائِكَةِ (١).
وَجَعَلَ شَرِيعَتَهُ الشَّرِيعَةَ (٢) الْجَامِعَةَ لِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْبَشَرُ فِيمَا بَقِيَ آخِرُ أَطْوَارِهِمْ فِي وُجُودِهِمْ، وَهُوَ طَوْرُ رُقِيِّهِمْ الْعَقْلِيِّ وَالْعَمَلِيِّ وَالْعِمْرَانِيِّ، فَأَغْنَتْ عَمَّا قَبْلَهَا مِنَ الشَّرَائِعِ فَكَانَتْ نَاسِخَةً (٣) لَهَا.
وَلِهَذَا جَعَلَ آيَتَهُ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ آيَةً عَقْلِيَّةً خَالِدَةً، يَخْضَعُ لَهَا وَيَهْتَدِي بِهَا كُلُّ مَنْ سَمِعَهَا وَفَهِمَهَا،
-لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾،
- ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾،
- ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ
_________________
(١) جاءت الرسالة للثقلين: الإنس والجن وأما الملائكة فللتشريف لا للتكليف لأنهم ﵈ معصومون من المعاصي، منزهون عن النقائص: " لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ".
(٢) الشريعة ما شرعه الله للناس من أحكام فيتبعونها كما يتبعون الطريق.
(٣) النسخ: التغيير والتبديل والاستغناء. فرسالة محمد ﵊ لما جمعت من فضائل الرسالات السابقة، ولما احتوت عليه من خير كامل ونفع عام للبشرية كانت ناسخة لما قبلها من الشرائع أي مبطلة لها.
[ ١١٦ ]
بَلَغَ (١)﴾،
- ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ (٢)﴾،
- ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا (٣)﴾،
- ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾،
- وَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -:" مَا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلَّا أُعْطِيَ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ (٤) " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
_________________
(١) المعنى والله أعلم: لأنذركم بالقرآن، وأنذر من بلغه القرآن.
(٢) صرفنا: أملنا ووجهنا نحوك. والنفر: الجماعة من الثلاثة إلى العشرة، ويطلق أيضا على الواحد يقال: ثلاثة أنفار أي ثلاثة أشخاص.
(٣) قيل: إن هذه هي آخر ما نزل من القرآن. والصواب أنها من آخر ما نزل من القرآن: فقد نزلت في عرفة في حجة الوداع، ونزل بعدها غيرها. وظاهر معناها: إكمال جميع الفرائض والأحكام قبلها. وأما إتمام النعمة فقد كان باستقرار المسلمين في البلد الحرام الذي كان محرمًا عليهم، وبجلاء المشركين عنه مرة وحدة، وأصبح المسلمون يحجون إلى البيت الحرام وحدهم لا يشاركهم فيه أحد من المشركين.
(٤) كانت آيات ومعجزات الأنبياء والرسل السابقين معجزات حية قوية، وكثيرًا ما تكون صارخة حتى آمن بها من آمن ممن شاهدوها. ولكنها ذهبت بذهاب وقتها وموت أنبيائها ولم يبق لها مفعول.=
[ ١١٧ ]
عَقَائِدُ الْإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الآخِرِ.
إِنْتِهَاءُ الْوُجُودِ الدُّنْيَوِيِّ وَحُدُوثُ الْوُجُودِ الأُخْرَوِيِّ (١):
٧٣ - نُؤْمِنُ بِانْتِهَاءِ وُجُودِ هَذَا الْعَالَمِ الدُّنْيَوِيِّ، عِنْدَ انْتِهَاءِ أَجَلِ وُجُودِهِ فِي عِلْمِ اللَّهِ: فَيَنْحَلُّ نِظَامَ هَذَا الْكَوْنِ، فَيَخْرَبُ الْكَوْنُ الْعُلْوِيِّ، كَمَا يَخْرَبُ الْكَوْنُ السُّفْلِيِّ، لِيَكُونَ وُجُودَ الْعَالَمِ الْأُخْرَوِيِّ فِي كَوْنٍ آخَرَ، وَنِظَامٍ آخَرَ، إِذِ الَّذِي قَدَرَ عَلَى خَلْقِهِ وَنِظَامِهِ، قَادِرٌ عَلَى إِعْدَامِهِ وَإِبْطَالِ نِظَامِهِ، وَعَلَى خَلْقِ مِثْلِهِ وَنِظَامِهِ (٢).
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (٣) وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾،
_________________
(١) = أما آية محمد ﵊ فعقلية معنوية باقية ما بقيت العقول والأفهام، وهي هذا الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ولذلك فالرسول يرجو كثرة الأتباع بقدر الاقتناع في كل الأزمنة وجميع البقاع. فالقرآن معجزة رسولنا الكبرى.
(٢) اليوم الآخر هو يوم القيامة، ويسمى يوم الفصل ويوم الدين،. ويوم الحساب، ويوم الجزاء وله أسماء كثيرة.
(٣) الكون العلوي: عالم السموات، والكون السفلي: عالم الأرضين.
(٤) مشهود: منظور.
[ ١١٨ ]
- ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ (١)﴾،
- ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (٢) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾،
- ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ، وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ، وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (٣)﴾،
- ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا، وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا، فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٤)﴾،
- ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ ﴾،
_________________
(١) الساعة: يوم القيامة. وأيان مرساها. متى وقوعها؟ وكلمة أيان بمعنى أي حين، فهي سؤال عن الزمان مثل متى.
(٢) انفطرت: انشقت وتصدعت واختل نظامها. وانتثرت: تساقطت متفرقة منتثرة. فجرت: فاضت أو فتح بعضها إلى بعض. بعثرت: قلب ترابها وأخرج موتاها. وكل ذلك من علامات الساعة. علمت نفس ما قدمت وأخرت: أي من الطاعات والأعمال الصالحة.
(٣) طمست: محقت وذهب ضوؤها كما يطمس الأثر. فرجت: شقت وصدعت. نسفت: قلعت وأتلفت.
(٤) رجت رجا: زلزت زلزالًا شديدا. بست بسا: فتتت تفتيتا كالدقيق المبسوس. والهباء المنبث: الغبار المنتشر المتطاير في الفضاء.
[ ١١٩ ]
- ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ؟ بَلَى، وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾.
الْبَعْثُ:
٧٤ - نُؤْمِنُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحْيِينَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَيُعِيدُنَا بَأَرْوَاحِنَا وَأَجْسَادِنَا (١): فَيَبْعَثَنَا مِنْ قُبُورِنَا وَمِنْ حَيْثُ كُنَّا، إِلَى الْمَوْقِفِ الْأَعْظَمِ، لِلْمُحَاسَبَةِ عَلَى الْأَعْمَالِ وَالْجَزَاءِ عَلَيْهَا، إِذْ ذَاكَ جَائِزٌ فِي قُدْرَتِهِ، وَوَاجِبٌ فِي عَدْلِهِ وِحِكْمَتِهِ،
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾،
- ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾،
- ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ (٢)﴾،
- ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾،
- ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾،
- ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ
_________________
(١) خلافًا لبعض المتفلسفين الذين لا يعقلون ويحكمون خبطهم العقلي في كل أمر ولو كان مغيبًا اختص به الله بعلمه، مع علمهم بأن عقلهم قاصر ومتخبط في حكمه تارة يخطىء، وتارة يصيب. يقولون: إن البعث للأرواح دون الأجساد!!
(٢) المعاد: المرجع قيل: مرجعه مكة. وقيل مرجعه الجنة.
[ ١٢٠ ]
الْأَجْدَاثِ (١) ﴾،
- ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ (٢) ﴾،
- ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾،
- ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً، كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا، الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣)، هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ، إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ (٤) مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾،
- ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ، وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا، ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ، وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ (٥) الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ
_________________
(١) الأجداث: القبور.
(٢) يوم الجمع: يوم تجمع الناس للحساب والجزاء.
(٣) جاثية: مجتمعة من الجثوة وهي الجماعة. أو جاثية بمعنى باركة أي جالسة على الركب وأطراف الأصابع هلعًا وخوفا. والكتاب: صحيفة الأعمال أو الكتاب المنزل على نبينا.
(٤) نستنسخ: نستكتب. أي نأمر الملائكة بكتابة ما كنتم تفعلون.
(٥) من تراب: أي أول مرة عند خلق آدم ﵇ أو من أصل النبات والغذاء حين اختلاطه بغيره. النطفة: المني من النطف وهو الصب. علقة: قطعة من اللحم بقدر ما يمضغ. مخلقة: مسواة، تامة الخلقة. وغير مخلقة: غير=
[ ١٢١ ]
شَيْئًا، وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً (١) فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ، وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى، وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ، فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾،
- ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا (٢) وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ، فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾.
_________________
(١) = تامة الخلق تقذفها الأرحام جمع رحم وهو مستودع الجنين في بطن المرأة. أشدكم: كمالكم الجسمي والعقلي. وأرذل العمر: أخسه وأسوأه وهو سن التخريف والضعف النهائي لجميع القوى الكامنة في الإنسان، بحيث يعود الى مثل الطفولة التي لا تعي ولا تدرك كثيرًا، لكيلا يعلم من بعد علم شيئًا فسبحان المدبر والمقدر ومن يقول لِلشيءِ كن فيكون.
(٢) هامدة: ميتة خاشعة جامدة اهتزت: تحركت بالنبات. ربت: انتفخت وعلت. الزوج: الصنف والنوع من النبات. بهيج: حسن رائق يبهج الناظرين.
(٣) عبثًا: سدى وباطلا تتمتعون تمتع الأنعام ولا تكليف ولا حساب.
[ ١٢٢ ]
وَزْنُ الْأَعْمَالِ وَالْجَزَاءُ عَلَيْهَا.
الْمِيزَانُ:
٧٥ - نُؤْمِنُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَنْصِبُ الْمِيزَانَ (١) يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَتُوزَنُ أَعْمَالُ الْعِبَادِ لِيُجَازُوا عَلَيْهَا، وَيُقْتَصُّ مِنْ بَعْضِهِمْ الْبَعْضُ، فَمَنْ رَجَحَتْ حَسَنَاتُهُ نَجَا، وَمَنْ رَجَحَتْ سَيِّئَاتُهُ عُذِّبَ، إِذْ ذَاكَ وَاجِبٌ فِي عَدْلِ اللَّهِ،
- لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٢)﴾،
- ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾،
- ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ، فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ، وَأَمَّا
_________________
(١) الميزان: مخلوق من مخلوقات الله تعالى لا نعرف شكله ولا كيفيته، فهو مما نؤمن به بلا كيف. ووهم من يفسره بكفتين ولسان، لأن ذلك من البدائية في التفكير والتشبيه.
(٢) الموازين: يحتمل الجمع والإفراد. ومثقال حبة من خردل: أي مقدارها من الخير أو الشر. وهو مثل يضرب للقلة والتفاهة. وبرغم ذلك فالإنسان يجازى عليه، وهذا منتهى العدل والإنصاف.
[ ١٢٣ ]
مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ، فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (١)﴾،
- ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ؟ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ، وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢)﴾،
- وَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -:" أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ. فَقَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسُ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي وَقَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ (٣) هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ
_________________
(١) أمه هاوية: مأواه جهنم يأوي إليها راغما كما يأوي الطفل إلى أمه، ومسكنه جهنم يتردى فيها. وراضية مرضية: أي بحيث يرضى بها صاحبها، فوصفت بالرضى والراضي صاحبها.
(٢) اجترحوا: اكتسبوا بجوارحهم.
(٣) القذف: رمى العرض بالاتهامات والريب وهو من الكبائر وذلك من الموبقات التي يقع فيها كثير من السفهاء وضعاف العقول والإيمان وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ" فواجب المؤمن أن يتحرز عن ذلك، وأصله الرمي بالحجارة ونحوها، ثم استعمل مجازا في الرمي بالمكاره. سفك الدم أو سفحه: صبه وأراقه.
[ ١٢٤ ]
هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
الصِّرَاطُ:
٧٦ - وَنُؤْمِنُ بِأَنَّ اللَّهَ يَضْرِبُ الصِّرَاطَ (١) عَلَى ظَهْرِ جَهَنَّمَ فَيَمُرُّ عَلَيْهِ النَّاسُ أَجْمَعُونَ فَيَنْتَهِي أَهْلُ الْجَنَّةِ إِلَى الْجَنَّةِ وَيَسْقُطُ مِنْهُ فِي النَّارِ أَهْلُ النَّارِ،
- لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا، ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا، وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٢)﴾.
دَارُ الْعَذَابِ:
٧٧ - وَنُؤْمِنُ بِأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ النَّارَ دَارَ عَذَابٍ وَخُلُودٍ لِمَنْ كَفَرَ، وَدَارَ عَذَابٍ إِلَى أَجَلٍ لِمَنْ رَجَحَتْ سَيِّئَاتُهُمْ عَلَى حَسَنَاتِهِمْ فَاسْتَحَقُّوا الْعَذَابَ.
وَأَنَّ الْعَذَابَ فِيهَا لِلْأَرْوَاحِ وَالْأَجْسَادِ،
_________________
(١) يضرب الصراط: يضعه وينصبه.
(٢) جثيًا: جاثين على الركب جمع جاث أي بارك على ركبتيه.
[ ١٢٥ ]
- لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾،
- وَلِحَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ -:"يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنْ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةً، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنْ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ بُرَّةً، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنْ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ ذَرَّةً (٢) " رَوَاهُ مُسْلِمٌ،
- وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا
_________________
(١) الزفير: إخراج النفس والشهيق رده. فالزفير من الصدر، والشهيق من الحلق. قال ابن عباس في الزفير والشهيق: صوت شديد وصوت ضعيف. وقال الثعالبي في فقه اللغة في فصل ترتيب الأصوات: فإذا أزفر به- أي الصوت- وقبح الأنين فهو الزفير. فإذا مد النفس ثم رمى به فهو الشهيق.
(٢) شعيرة: حبة شعير. برة: حبة بر وهو القمح. ذرة: واحدة الذر وهو الهباء الدقيق المنتشر في الفضاء لخفته وتناهيه في الصغر، تضرب به الأمثال في الدقة والتفاهة، ومع ذلك هو معتبر في الحساب والعقاب والثواب، إذ ذلك مقتضى العدل الإلهي.
[ ١٢٦ ]
لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ (١)﴾.
دَارُ النَّعِيمِ:
٧٨ - نُؤْمِنُ بِأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْجَنَّةَ دَارَ نَعِيمٍ وخُلُودٍ لِلْمُؤْمِنِينَ وَأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ
وَأَنَّ النَّعِيمَ فِيهَا لِلْأَرْوَاحِ وَالْأَجْسَادِ.
وَأَنَّ أَعْظَمَ نَعِيمِهَا هُوَ رِضْوَانُ (٢) اللَّهِ،
- لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (٣)﴾،
- ولِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا (٤) عَلَى الْكَافِرِينَ﴾،
_________________
(١) أي كلما احترقت جلودهم بدلناهم جلودًا غيرها حية ليستمر ألمهم وعذابهم وخص الجلود لأنها أماكن الحساسية والاستشعار وشدة الألم.
(٢) الرضوان: مصدر رضي يرضى رضى ومرضاة ضد السخط ومعناه رضوان الله، ورضاء الله أكبر من الجنة ونعيمها.
(٣) غير مجذوذ: دائم غير منقطع. يقال: جذذت الشيء وجذذته أي قطعته فنعيمهم باق مستمر لا ينتهي في الجنة إلا ما شاء الله.
(٤) أي الماء والرزق المذكوران في أول الآية:" وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ.
[ ١٢٧ ]
- وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾،
- وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ اهـ
سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيَرا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
_________________
(١) أي أعظم من كل نعيم آخر، فلا فضل ولا نعيم ولا سعادة أتم وأعظم من مرضاة الله على الإنسان. اللهم إرض عنا ولا تجعلنا من المغضوب عليهم ولا الضالين آمين يارب العالمين.
[ ١٢٨ ]