* النار.
* أهوال الجحيم.
* نسبة نار الدنيا إلى الآخرة.
* أهون الناس عذابًا.
* المؤمن لا يخلد فى النار.
* الشفاعة للعصاة.
* التخاطب بين أهل الجنة وأهل النار.
* آخر ما يدخل الجنة، وآخر من يخرج من النار.
* الجنة.
* أهلها.
* نعيمها.
* أعلى نعيم الجنة.
* الخلود.
[ ٢٨٩ ]
النار
إذا كان الله ﷿ يكافئ الأبرار بالنعيم، فإنه يجازى الفجار بالجحيم، عقابًا لهم على ما اقترفوا من كبائر الإثم والفواحش.
والجحيم هذه هى دار العذاب، وتُسمى الهاوية، والهاوية: هى المكان المنخفض كثيرًا الذى لا يرجع من يسقط فيه.
﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ *فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ *نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ (١).
وتُسمى السعير:
﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ (٢).
وتُسمى لظى:
﴿كَلاَّ إِنَّهَا لَظَى *نَزَّاعَةً لِلشَّوَى *تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى *وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾ (٣).
أى أنها شديدة نزع جلدة الرأس، وتجذب إليها من أعطى ظهره للحق، وتولى منصرفًا عن الطاعة، وجمع المال ووضعه فى وعاء، لشدة حرصه عليه وافتنانه بالدنيا.
وتُسمى سقر:
﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ *لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ *لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ *عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ (٤).
أى أنها لا تبقى على شىء ما يطرح فيها، بل تحرقه، ولا تتركه يخرج منها، وأنها تُسَوِّد الجسم وتشوهه.
_________________
(١) سورة القارعة - الآية ٨ - ١١.
(٢) سورة الملك - الآية ٥.
(٣) سورة المعارج - الآية ١٥ - ١٨.
(٤) سورة المدثر - الآية ٢٦ - ٣٠.
[ ٢٩١ ]
وتُسمى الحطمة:
﴿لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (١) *وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ *نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٢) *الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ *إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ (٣) *فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ (٤)﴾ (٥).
* أهوال الجحيم:
وقد وصف الله الجحيم وصفًا تشيب منه النواصى، وتنخلع منه القلوب، كى يرتدع الغاوون عن غيهم، فذكر أن وقودها الناس والحجارة.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٦).
وأنها لا تشبع مما يلقى فيها، بل تطلب المزيد دائمًا، حتى لا يبقى فيها مكان خال.
﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ (٧).
قال مجاهد: ليس هناك قول، وإنما جرى الكلام على سبيل تمثيل حال جهنم بأنها امتلأت حتى لم يبق فيها مكان خال.
وأن طعامهم الزقوم، وهى شجرة من أخبث أنواع الشجر المر المنتن الرائحة.
﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ *إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ (٨) *إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ *طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ *فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِؤُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ *ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِّنْ حَمِيمٍ﴾ (٩).
_________________
(١) الحطمة: كثير التحطيم والتكسير لما يلقى فيها.
(٢) الموقدة الملتهبة التهابًا شديدًا.
(٣) موصدة: أى مغلقة.
(٤) فى عمد ممددة: أى مغلقة بعمد طويلة فلا يخرج منها من يدخل فيها.
(٥) سورة الهمزة - الآية ٤ - ٩.
(٦) سورة التحريم - الآية ٦.
(٧) سورة ق - الآية ٣٠.
(٨) أى محنة للظالمين بإرغامهم على الأكل منها.
(٩) سورة الصافات - الآية ٦٢ - ٦٧.
[ ٢٩٢ ]
﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ (١).
وثيابهم من نار.
﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ *يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ *وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ *كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ (٢).
وقد جاء فى الحديث عن أبى هريرة ﵁، أن النبى ﷺ قال: «إن الجحيم ليصب على رءوسهم، فينفذ الحميم، حتى يخلص إلى جوفه، فيسلت ما فى جوفه، حتى يمرق من قدميه، وهو الصهر، ثم يعاد كما كان» (٣).
وجهنم تحيط بالمعذبين من كل جانب، فهى فراش وغطاء.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ *لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ (٤).
﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ (٥)
وأهل جهنم لا يموتون فيستريحون، ولا يحيون الحياة الهنيئة.
_________________
(١) سورة الكهف - الآية ٢٩.
(٢) سورة يونس - الآية ١٠١.
(٣) رواه الترمذى، وقال: حسن صحيح.
(٤) سورة الأعراف - الآية ٤٠، ٤١.
(٥) سورة الزمر - الآية ١٦.
[ ٢٩٣ ]
﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى *الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى *ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَى﴾ (١).
وأهل النار محجوبون عن الله، وهذا هو أشد أنواع العذاب.
﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (٢).
وفى الآية الكريمة يقول الله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (٣).
ففى هذه الآية، أن النار كلما أكلت جلودهم بدلهم الله جلودًا غيرها، والسبب فى ذلك أن أعصاب الألم هى الطبقة الجلدية، أما الأنسجة والعضلات والأعضاء الداخلية، فالإحساس فيها ضعيف، ولذلك يعلم الطبيب أن الحرق البسيط الذى لا يتجاوز الجلد يحدث ألمًا شديدًا، بخلاف الحرق الشديد الذى يتجاوز الجلد إلى الأنسجة، لأنه - مع شدته وخطره - لا يحدث ألمًا كبيرًا.
فالله تعالى يقول لنا: إن النار كلما أكلت الجلد الذى فيه الأعصاب، يجدده كى يستمر الألم بلا انقطاع، ويذوقوا العذاب الأليم، وهنا تظهر حكمة الله قبل أن يعرفها الإنسان (٤)، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾.
ومن شدة الهول، وقسوة العذاب، يود المجرم أن يفدى نفسه بكل حبيب لديه وعزيز عليه، ولكن لا ينفع فداء، ولا يقبل رجاء.
﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ *وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ *وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ *وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ *كَلاَّ﴾ (٥).
_________________
(١) سورة الأعلى - الآية ١١ - ١٣.
(٢) سورة المطففين - الآية ١٥.
(٣) سورة النساء - الآية ٥٦.
(٤) انظر: كتاب الطب والإسلام للدكتور/ عبد العزيز إسماعيل.
(٥) سورة المعارج - الآية ١١ - ١٥.
[ ٢٩٤ ]
* نسبة نار الدنيا إلى نار الآخرة:
عن أبى هريرة ﵁، أن النبى ﷺ قال: «ناركم هذه الذي توقدون جزء من سبعين جزءًا من حر جهنم، قالوا: والله إن كانت لكافية يا رسول الله. قال: فإنها فضلت بتسعة وستين جزءًا كلهن مثل حرها»
* أهون الناس عذابًا:
عن النعمان بن بشير ﵁، أن النبى ﷺ قال: «أهون الناس عذابًا من له تعلان، وشراكان من نار، يغلى منهما دماغه كما يغلى المرجل، ما يرى أن أحدًا أشد منه عذابًا، وإنه لأهونهم عذابًا» (١).
* المؤمن لا يخلد فى النار:
جاء فى السنة الصحيحة أن المؤمن لا يخلد فى النار.
فإن كان قد ارتكب بعض الكبائر ولم تُكفّر بحد، أو توبة نصوح، أو مصيبة أو مرض، أو شىء من المكفرات، فهو محاسب على عمله، والله يوازن بين أعماله الصالحة وبين جميع معاصيه التى لم يتب منها، فإن رجحت حسناته فهو فى الجنة، وكذلك إذا تساوت حسناته وسيئاته.
﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (٢).
_________________
(١) رواه الطبرانى بسند ضعيف.
(٢) سورة الأنبياء - الآية ٤٧.
[ ٢٩٥ ]
الشفاعة للعاصاة
وإن رجحت سيئاته فإنه يدخل النار، فيعذب فيها بقدر ما ارتكب من إثم، ثم يخرج منها بعد أن يتطهر، وبعد أن يوفيه الله جزاءه بمقتضى عدله وحكمته.
فعن أبى سعيد الخدرى، أن النبى ﷺ قال: «يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ثم يقول الله تعالى: أخرجوا من كان فى قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فيخرجون منها قد اسودّوا، فيلقون فى نهر الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة فى جانب السيل (١)، ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية» (٢).
وعن أنس ﵁ أن النبى ﷺ قال: «يخرج من النار، من قال: لا إله إلا الله، وفى قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار، من قال: لا إله إلا الله، وفى قلبه وزن بُرّة من خير، ويخرج من النار، من قال: لا إله إلا الله، وفى قلبه وزن ذرّة من خير» (٣).
* الشفاعة للعاصى:
ثم يشفع الرسول ﷺ بعد أن يأذن الله له، وبعد انتهاء مدة العذاب، فى خروج العاصى من النار، فقد ثبت فى الأحاديث الصحيحة أن النبى ﷺ
_________________
(١) أى أنهم يخرجون بعد ما يغمسون فى نهر الحياة وأجسامهم نضرة فرحين بعودة الحياة.
(٢) رواه البخارى ومسلم والنسائى.
(٣) رواه البخارى ومسلم والترمذى.
[ ٢٩٦ ]
يشفع لأهل الكبائر بعد دخولهم النار، فيقبل الله شفاعته فيهم، ويخرجهم منها، وتكون الشفاعة إظهارًا لكرامة الشافع عند الله، وإظهار فضله.
فعن أبى هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لكل نبى دعوة مستجابة يدعو بها، وأريد أن أختبئ دعوتى شفاعة لأمتى فى الآخرة» (١).
وعن عمران بن حصين ﵁ أن النبى ﷺ قال: «يخرج قوم من النار بشفاعة محمد فيدخلون الجنة، يسمون الجهنميين» (٢).
* التخاطب بين أهل الجنة وأهل النار:
وبعد أن يستقر أهل الجنة فى الجنة، وأهل النار فى النار، يدور بينهم حوار ومناقشة، فيذكر كل واحد ما كان منه من عمل فى الدنيا، وما ناله من جزاء فى الآخرة.
ولا يُقال كيف يتم التخاطب بين الفريقين مع البعد بين الجنة والنار، ومع التفاوت الكبير بينهما، فإن ذلك شأن من شئون الآخرة التى لا اطلاع لنا عليها، ولا علم لنا بها، والله ﷿ سيطوِّر خلق الإنسان ويجعله على صورة أخرى غير الصورة المعهودة، ويعطيه حواس أخرى أقوى من حواسه التى أعطاها إياه فى
_________________
(١) رواه البخارى ومسلم، وزاد مسلم: «فهى نائلة إن شاء الله تعالى من مات من أمتى لا يشرك بالله شيئًا».
(٢) رواه البخارى وأبو داود والترمذى وابن ماجه، وسُمّوا بهذا الاسم ليذكروا ما كانوا فيه من عذاب وما أدركوه من نعيم، فيزدادوا فرحًا وسرورًا.
[ ٢٩٧ ]
الدنيا، وقد استُحدث أخيرًا ما يقرِّب هذا من أمثال أجهزة التليفزيون، فالناس مع بعد بعضهم عن بعضهم، يتمكنون بواسطتها من المشاهدة والسماع.
﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ *عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (١).
وفى القرآن الكريم إخبار عما يدور بين أهل الجنة وأهل النار من خطاب، مع وجود سور فاصل بينهما، فهو من جهة أهل الجنة فيه الرحمة، ومن جهة أهل النار فيه العذاب؛ فنؤمن بذلك ونكل علم حقيقته إلى علاّم الغيوب.
﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ *يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ *يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاء أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ *فَالْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلاَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاَكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٢).
وفى مشهد آخر يعرض القرآن لونًا من ألوان الخطاب بين أهل الجنة وأهل النار.
_________________
(١) سورة الواقعة - الآية ٦٠، ٦١.
(٢) سورة الحديد - الآية ١٢ - ١٥.
[ ٢٩٨ ]
﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ *الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ﴾ (١).
ثم بعد ذلك يقول القرآن الكريم:
﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ *الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ (٢).
* آخر من يدخل الجنة، وآخر من يخرج من النار:
عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلٌ فَهُوَ يَمْشِى مَرَّةً وَيَكْبُو مَرَّةً وتَسْفَعُهُ (٣) النَّارُ مَرَّةً فَإِذَا مَا جَاوَزَهَا الْتَفَتَ إِلَيْهَا فَقَالَ تَبَارَكَ الَّذِى نَجَّانِى مِنْكِ لَقَدْ أَعْطَانِىَ اللَّهُ شَيْئًا مَا أَعْطَاهُ أَحَدًا مِنَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ. فَتُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ فَيَقُولُ أَىْ رَبِّ أَدْنِنِى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا. فَيَقُولُ اللَّهُ ﷿ يَا ابْنَ آدَمَ لَعَلِّى إِنْ أَعْطَيْتُكَهَا سَأَلْتَنِى غَيْرَهَا. فَيَقُولُ لاَ يَا رَبِّ. وَيُعَاهِدُهُ أَنْ لاَ يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ لأَنَّهُ يَرَى مَا لاَ صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ فَيُدْنِيهِ مِنْهَا فَيَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا وَيَشْرَبُ مِنْ
_________________
(١) سورة الأعراف - الآية ٤٤، ٤٥.
(٢) سورة الأعراف - الآية ٥٠، ٥١.
(٣) تسفعه النار: أى تلفحه لفحًا يغير بشرته.
[ ٢٩٩ ]
مَائِهَا ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ هِىَ أَحْسَنُ مِنَ الأُولَى فَيَقُولُ أَىْ رَبِّ أَدْنِنِى مِنْ هَذِهِ لأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا وَأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا لاَ أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا. فَيَقُولُ يَا ابْنَ آدَمَ أَلَمْ تُعَاهِدْنِى أَنْ لاَ تَسْأَلَنِى غَيْرَهَا فَيَقُولُ لَعَلِّى إِنْ أَدْنَيْتُكَ مِنْهَا تَسْأَلُنِى غَيْرَهَا. فَيُعَاهِدُهُ أَنْ لاَ يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ لأَنَّهُ يَرَى مَا لاَ صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ فَيُدْنِيهِ مِنْهَا فَيَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا. ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ هِىَ أَحْسَنُ مِنَ الأُولَيَيْنِ. فَيَقُولُ أَىْ رَبِّ أَدْنِنِى مِنْ هَذِهِ لأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا لاَ أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا.
فَيَقُولُ يَا ابْنَ آدَمَ أَلَمْ تُعَاهِدْنِى أَنْ لاَ تَسْأَلَنِى غَيْرَهَا قَالَ بَلَى يَا رَبِّ هَذِهِ لاَ أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا. وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ لأَنَّهُ يَرَى مَا لاَ صَبْرَ لَهُ عَلَيْهَا فَيُدْنِيهِ مِنْهَا فَإِذَا أَدْنَاهُ مِنْهَا فَيَسْمَعُ أَصْوَاتَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَقُولُ أَىْ رَبِّ أَدْخِلْنِيهَا. فَيَقُولُ يَا ابْنَ آدَمَ مَا يَصْرِينِى (١) مِنْكَ أَيُرْضِيكَ أَنْ أُعْطِيَكَ الدُّنْيَا وَمِثْلَهَا مَعَهَا قَالَ يَا رَبِّ أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّى وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ». فَضَحِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ أَلاَ تَسْأَلُونِّى مِمَّ أَضْحَكُ فَقَالُوا مِمَّ تَضْحَكُ قَالَ هَكَذَا ضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. فَقَالُوا مِمَّ تَضْحَكُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «مِنْ ضِحْكِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حِينَ قَالَ أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّى وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ فَيَقُولُ إِنِّى لاَ أَسْتَهْزِئُ مِنْكَ وَلَكِنِّى عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ» (٢).
* الجنة:
الجنة فى الأصل: البستان من النخل أو الشجر.
وهى مأخوذة من جَنَّ إذا ستر، وسميت بذلك لأن نخيلها الباسقات وأشجارها المورقة تلتف أغصانها بعضها ببعض، فتكون كالظلة تستر ما تحتها.
_________________
(١) ما يصرينى منك: أى ما الذى يرضيك ويقطع مسألتك.
(٢) رواه مسلم.
[ ٣٠٠ ]
أهلها
والمقصود بالجنة هنا، الدار التى أعدّها الله للمتقين جزاء لهم على إيمانهم الصادق، وعملهم الصالح.
وقد أطلق عليها القرآن عدة أسماء فهى: جنة المأوى، وجنة عدن (إقامة وخلود)، ودار الخلود، والفردوس، ودار السلام، ودار المقامة، وجنات النعيم والمقام الأمين .. وجاء فى القرآن الكريم أن عرضها السماوات والأرض.
وقد روى أن النبى ﷺ سئل عن مكان النار إذا كانت الجنة عرضها السماوات والأرض؟ فأجاب ﷺ: «سبحان الله، فـ أين الليل إذا جاء النهار؟».
* أهل الجنة:
والجنة لا يدخلها إلا من قام بجلائل الأعمال، واتصف بكرائم الصفات.
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ *التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١).
_________________
(١) سورة التوبة - الآية ١١١، ١١٢.
[ ٣٠١ ]
نعيمها
* نعيم الجنة:
وصف الله الجنة بأن نعيمها دائم، وسرورها لا ينفد، وكل ما فيها بغير حساب، فأنهارها كثيرة ثَرَّة، ففيها أنهار من ماء غير آسن (١)، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى؛ وهذه الأنهار تجرى من تحت القصور، وفيها الفواكه، ولحوم الطيور، وكلما رُزق أهلها من ثمرة رزقًا قالوا هذا الذى رُزقنا من قبل وأتوا بها متشابهًا يماثل بعضه بعضًا فى الحسن والجودة.
﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٢).
وأن الرزق الذى يقدم لهم من الطعام والشراب، يطوف به خدم من الولدان، إذا رأيتهم حسبتهم - لفرط جمالهم - لؤلؤًا منثورًا، وهؤلاء الولدان يحملون صحافًا وأوانى وأكواب من ذهب، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتَلَذّ الأعين.
ولباسهم فيها حرير من سندس وإستبرق، وحليتهم الذهب، ومساكنهم طيبة، وهى غرف من فوقها غرف مبنية تجرى من تحتها الأنهار.
وأصحاب الجنة هم وأزواجهم فى ظلال على الأرائك يتكئون، وهؤلاء الزوجات ينشئهن الله إنشاء، عربًا أترابًا، كما ينشىء معهم الحور العين، كأنهن بيض مكنون، وهن مطهرات من عيوب النساء الدنيا، فلا حيض، ولا نفاس، ولا دمامة خَلْق، ولا سوء خُلُق.
_________________
(١) آسن: متغير الطعم والرائحة.
(٢) سورة البقرة - الآية ٢٥.
[ ٣٠٢ ]
وأهل الجنة نزع الله من صدورهم الغِلّ إخوانًا على سرر متقابلين، لا يمسهم فيها نصب، وما هم منها بمخرجين.
والجنة لا يسمع فيها اللغو، ولا التأثيم، وإنما يسمع فيها تقديس الله، وإجلاله، وسلام الله على المؤمنين، وسلام بعضهم على بعض.
﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ *سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (١).
وقد جاء فى الحديث الذى رواه البخارى ومسلم والترمذى، أن النبى ﷺ قال: «إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى أَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرِّىٍّ فِى السَّمَاءِ إِضَاءَةً، لاَ يَبُولُونَ وَلاَ يَتَغَوَّطُونَ وَلاَ يَتْفِلُونَ وَلاَ يَمْتَخِطُونَ، أَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ، وَرَشْحُهُمُ (٢) الْمِسْكُ، وَمَجَامِرُهُمُ (٣) الأَلُوَّةُ (٤) الأَنْجُوجُ عُودُ الطِّيبِ، وَأَزْوَاجُهُمُ الْحُورُ الْعِينُ، عَلَى خَلْقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ، سِتُّونَ ذِرَاعًا فِى السَّمَاءِ».
وعن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ ذات يوم لأصحابه: «ألا مشمِّر للجنة؟ فإن الجنة لا خطر لها، هى ورب الكعبة نور يتلألأ، وريحانة تهتز، وقصر مشيد ونهر مطرد، وفاكهة كثيرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة، ومقام أبدًا فى حبرة (٥) ونضرة (٦)، فى دور عالية سليمة بهية» قالوا: نحن المشمرون لها يا رسول الله، قال: «قولوا: إن شاء الله»، ثم ذكر الجهاد وحض عليه (٧).
_________________
(١) سورة الرعد - الآية ٢٣، ٢٤.
(٢) الرشح: العرق.
(٣) المجامر: مواضع البخو.
(٤) الألوة: العود.
(٥) الحبرة: النعمة وسعة العيش.
(٦) نضرة البهجة والحسن.
(٧) رواه ابن ماجه.
[ ٣٠٣ ]
* نعيم الجنة فوق ما يتصوره العقل:
وهذا النعيم المذكور جاء على مثال ما هو معروف فى هذا العالم الأرضى، وإن كان أرقى منه نوعًا وشكلًا وطعمًا، وحقيقته فوق ما يتصوره البشر.
روى البخارى عن أبى هريرة ﵁ أن النبى ﷺ قال: «أعددت لعبادى الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، اقرءوا إن شئتم: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ (١)»
فنعيم الآخرة لا يشبهه شىء من نعيم الدنيا، فهو - وإن شابهه فى الاسم - مختلف عنه فى الصفة.
قال ابن عباس ﵁ فى تفسير قوله ﷿: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٢): لا يشبه شىء مما فى الجنة ما فى الدنيا إلا فى الأسماء.
* أعلى نعيم الجنة:
وأعلى نعيم أهل الجنة هو رؤية الله ﷿، ومناجاته، والفوز برضاه.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ *إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٣).
﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ *هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ
_________________
(١) سورة السجدة - الآية ١٧؛ وقرة العين: كناية عن السرور.
(٢) سورة البقرة - الآية ٢٥.
(٣) سورة القيامة - الآية ٢٢، ٢٣.
[ ٣٠٤ ]
عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ *لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ *سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ (١).
﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ (٢).
﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (٣).
وعن صهيب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، يقول الله تعالى: تريدون شيئًا أزيدكم؟ يقولون: ألم تُبيّض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة؟ ألم تنجنا من النار؟» قال: «فيكشف (٤) الحجاب، فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم»، ثم تلا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى (٥) وَزِيَادَةٌ﴾ (٦).
عن جرير بن عبد الله ﵁ قال: نظر رسول الله ﷺ إلى القمر ليلة البدر فقال: «إنكم سترون ربكم عيانًا كما ترون هذا القمر، لا تضامون (٧) فى رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها، فافعلوا» ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ (٨).
وأما رؤية الله فى الدنيا، فلم تقع لأحد قط؛ وقد سأل موسى ﵇ ربه
_________________
(١) سورة يس - الآية ٥٥ - ٥٨.
(٢) سورة التوبة - الآية ٧٢.
(٣) سورة آل عمران - الآية ١٥.
(٤) فيكشف الحجاب عن أهل الجنة.
(٥) رواه مسلم وغيره؛ والحسنى: الجنة، والزيادة: هى الرؤية.
(٦) سورة يونس - الآية ٢٦.
(٧) رواه البخارى ومسلم وأبو داود والترمذى؛ وتضامون: تشكون.
(٨) سورة طه - الآية ١٣٠.
[ ٣٠٥ ]
قال:
﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١).
وذهب ابن عباس ﵁ - وكثير من أهل العلم - إلى أن سيدنا محمد رأى ربه ليلة أُسْرى به.
قال ابن عباس فى قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ) (الاسراء: من الآية٦٠)﴾ (٢) هى رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ أُسْرى به (٣).
وكان الحسن يحلف أن رسول الله ﷺ رأى ربه، وأنكرت السيدة عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ رأى ربه.
فعن مسروق قال: قلت لعائشة عائشة ﵂: يا أمتاه، هل رأى محمد ﷺ ربه؟ فقالت: لقد قَّفَّ شعرى مما قلت، أين أنت من ثلاث من حدّثكهن فقد كذب: من حدثك أن محمدًا ﷺ رأى ربه فقد كذب، ثم قرأت: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ (٤)،
_________________
(١) سورة الأعراف - الآية ١٤٣.
(٢) سورة الإسراء - الآية ٦٠.
(٣) رواه البخارى.
(٤) سورة الأنعام - الآية ١٠٣.
[ ٣٠٦ ]
ومن حدثك أنه يعلم ما فى غد فقد كذب، ثم قرأت: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ (١) ومن حدثك أنه كتم شيئًا من الوحى فقد كذب، ثم قرأت: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (٢)، ولكنه رأى جبريل ﵇ فى صورته مرتين (٣).
* الخلود:
والجنة خالدة لا تفنى، وكذلك النار، وأهل كل منهما مخلدون، لا يدركهم الموت ولا يلحقهم الفناء.
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ *خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ *وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ (٤).
وسر خلود أهل الجنة فى الجنة، وأهل النار فى النار، أن كلا من الفريقين كان مصرًا على ما هو عليه، فأهل الجنة كانوا مريدين الإيمان والطاعة مهما طالت بهم
_________________
(١) سورة لقمان - الآية ٣٤.
(٢) سورة المائدة - الآية ٦٧.
(٣) رواه البخارى ومسلم والترمذى.
(٤) سورة هود - الآية ١٠٦ - ١٠٨.
[ ٣٠٧ ]
الحياة وامتد بهم العمر، وأهل النار كانوا مصرين على الكفر والعصيان ولو عاشوا ملايين السنين، فكان الجزاء للفريقين على الإرادة والنية، وبمقتضى هذه الإرادة والتصميم، كان الخلود، إذ أن الإيمان والكفر وما يستتبعانه من أعمال، قد تمكن من النفس تمكنًا لا يزول.
ولقد صور القرآن هذا التمكن، فذكر أن الكفار لو رجعوا إلى الدنيا بعد معاينتهم العذاب لعادوا إلى ما كانوا عليه من الكفر وسوء العمل.
﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ *بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (١)
والأصل فى كون الجزاء على الإرادة والنية، قول الرسول ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى».
_________________
(١) سورة الأنعام - الآية ٢٧، ٢٨.
[ ٣٠٨ ]