مظاهر الإيمان
ثماره
[ ٧٧ ]
مظاهر الإيمان
الإيمان بالله يمثل أكرم صلة بين الإنسان وخالقه .. ذلك أن أشرف ما فى الأرض الإنسان، وأشرف ما فى الإنسان قلبه، وأشرف ما فى القلب الإيمان.
ومن ثم كانت الهداية إلى الإيمان أجل نعمة، وأفضل آلاء الله على الإطلاق
﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ﴾ (١).
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ (٢).
وليس الإيمان هو مجرد النطق باللسان، واعتقاد بالجنان، إنما هو عقيدة تملأ القلب، وتصدر عنها آثارها، كما تصدر عن الشمس أشعتها، وكما يصدر عن الورد شذاه.
ومن آثاره أن يكون الله ورسوله أحب إلى المرء من كل شىء، وأن يظهر ذلك فى الأقوال، والأفعال، والتصرفات؛ فإن كان ثمة شىء أحب إلى المرء من الله ورسوله فالإيمان مدخول، والعقيدة مهزوزة.
﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ
_________________
(١) سورة الحجرات - الآية ١٧.
(٢) سورة الحجرات - الآية ٧، ٨.
[ ٧٩ ]
تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (١).
فالحياة بما فيها من الآباء، والأبناء، والأخوة، والأزواج، والعشيرة، والأموال، والتجارة، والمساكن .. إن كانت أحب إلى الإنسان من الله ورسوله، فلينتظر عقاب الله للذين شغلوا قلوبهم عنه بغيره.
إن الإيمان لا يكمل إلا بالحب الحقيقى: حب الله، وحب رسوله، وحب الشريعة التى أوحاها الله إليه.
ففى الحديث الصحيح: «ثلاث من كنّ فيه، وجد حلاوة الإيمان:
١ - أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.
٢ - وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله.
٣ - وأن يكره أن يعود فى الكفر، كما يكره أن يقذف فى النار».
وقال صلى الله علية وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده، وولده، ونفسه التى بين جنبيه، والناس أجمعين».
وجاء عمر ﵁ إلى رسول الله صلى الله علية وسلم، فقال: «يا رسول الله .. لأنت أحب إلىّ من كل شىء إلا من نفسى «، فقال صلى الله علية وسلم: «لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك» فقال عمر: «والذى بعثك بالحق لأنت أحب إلىّ من نفسى «فقال صلى الله علية وسلم: «الآن يا عمر (أى الآن تم إيمانك)».
وقال صلى الله علية وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به».
_________________
(١) سورة التوبة - الآية ٢٤.
[ ٨٠ ]
وكما يتمثل الإيمان فى الحب، يتمثل فى الجهاد من أجل إعلاء كلمة الله، والكفاح لرفع راية الحق، والنضال لمنع الظلم والفساد فى الأرض.
وكثيرًا ما يقترن الإيمان بالجهاد على أنه روحه ومظهره العملى:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ
الصَّادِقُونَ﴾ (١).
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٢).
ولقد برز هذا الكفاح فى الصفوة المؤمنة فى العهد الأول، حتى استحقوا ثناء الله عليهم.
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (٣).
وأثر الإيمان يبدو واضحًا فى خشية الله والخوف منه، فإن من عرف الله وعرف عظمته، واستشعر جلاله وكبرياءه، وعرف تقصيره فى حقه، خشيه وخاف منه.
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٤).
وهذه سمة أهل الحق القوامين على دين الله.
_________________
(١) سورة الحجرات - الآية ١٥.
(٢) سورة التوبة - الآية ١١١.
(٣) سورة الأحزاب - الآية ٢٣.
(٤) سورة فاطر - الآية ٢٨.
[ ٨١ ]
﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ (١).
وكلما كانت المعرفة أكمل، كانت الخشية أتم.
ويقول الرسول صلى الله علية وسلم: «إنى لأعلمكم بالله، وأخشاكم له».
وأعظم ما يبدو فيه الإيمان الاستمساك بالوحى، لأنه النبع الصافى الذى لم يختلط بشائبة الهوى، أو آفة الظنون.
والاستمساك بالوحى، إنما هو اتصال بالله، وأخذ عنه مباشرة بدون توسيط وسطاء، وهذا هو أسمى أنواع الاتصال.
والمؤمنون عامة يتجهون هذا الاتجاه، حتى لا يلتبس الحق الذين يؤمنون به بالباطل الذى صنعته عقول الناس وأفهامهم.
﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (٢)
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ (٣).
﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٤).
_________________
(١) سورة الأحزاب - الآية ٣٩.
(٢) سورة النور - الآية ٥١، ٥٢.
(٣) سورة الأحزاب - الآية ٣٦.
(٤) سورة النساء - الآية ٦٥.
[ ٨٢ ]
والإيمان ينشئ علاقات مختلفة:
فهو يربط بين المؤمنين وبين الله برباط المودة، والمحبة؛ ويقيم العلاقة بين المؤمنين بعضهم مع بعض، على أساس من الشفقة والرحمة.
ويقيم العلاقة بين المؤمنين وبين أعداء الله، الصادين عن الحق، على أساس من الغلظة والقسوة.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (١).
وقد تجلت هذه الصفات فى الرسول ﷺ وصحابته:
﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٢).
والعمل الصالح الذى تزكو به النفس، ويطهر به القلب، وتعمر به الحياة، أثر من آثار الإيمان.
ولهذا يأتى الإيمان فى الآيات القرآنية مقرونًا بالعمل الصالح؛ لأن
_________________
(١) سورة المائدة - الآية ٥٤.
(٢) سورة الفتح - الآية ٢٩.
[ ٨٣ ]
الإيمان إذا تجرد عن العمل كان إيمانًا عقيمًا، وكان كالشجرة التى لا تثمر ثمرًا، ولا تمد ظلًا؛ فهى بالقطع أولى منها بالبقاء.
والعمل إذا خلا عن الإيمان، كان رياء ونفاقًا؛ والنفاق والرياء هما شر ما يصاب به الإنسان.
﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (١).
إن الإيمان بهذا المعنى، هو الإيمان القرآنى، وهو الإيمان الذى أراده الله لعباده.
وإذا تحقق، فإنه يتحول إلى قوة إيجابية فى الحياة، وهو الذى يحول الضعف إلى قوة، والهزيمة إلى نصر، واليأس إلى أمل، والأمل إلى عمل.
﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ (٢).
﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣).
* ثمار الإيمان:
وإذا عرف الإنسان ربه عن طريق العقل والقلب .. أثمرت له هذه المعرفة ثمارًا يانعة، وتركت فى نفسه آثارًا طيبة، ووجهت سلوكه وجهة الخير والحق، والسموّ والجمال.
_________________
(١) سورة العصر.
(٢) سورة غافر - الآية ٥١.
(٣) سورة الروم - الآية ٤٧.
[ ٨٤ ]
وهذه الثمار نجمل بعضها فيما يلى:
١ - تحرر النفس من سيطرة الغير، وذلك أن الإيمان يقتضى الإقرار بأن الله هو المحى، المميت، الخافض، الرافع، الضار، النافع.
﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (١).
إن الذى عوق البشرية عن النهوض، وحال بينها وبين الرقى، هو الخضوع للاستبداد، سواء أكان هذا الاستبداد استبدادًا سياسيًا للحكام والرؤساء، أم استبدادًا كهنوتيًا لرجال الدين والكهنوت.
وبتقرير الإسلام لهذه الحقيقة، قضى على هذا الأسر، وأطلق حرية الإنسان من سيطرة هؤلاء المستبدين التى لازمته قرونًا طوالًا.
٢ - والإيمان يبعث فى النفس احتقار الموت والرغبة فى الاستشهاد من أجل الحق.
إذ الإيمان يوحى بأن واهب العمر هو الله، وأنه لا ينقص بالإقدام، ولا يزيد بالأحجام؛ فكم من إنسان يموت وهو على فراشه الوثير، وكم من إنسان ينجو وهو يخوض غمرات المعارك والحروب!
﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ (٢).
﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي
_________________
(١) سورة الأعراف - الآية ١٨٨.
(٢) سورة آل عمران - الآية ١٤٥.
[ ٨٥ ]
أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (١).
﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ (٢).
٣ - والإيمان يقتضى الاعتقاد بأن الله هو الرزاق، وأن الرزق لا يسوقه حرص حريص، ولا يرده كراهية كاره.
﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٣).
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٤).
﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٥).
وإذا سيطرت هذه العقيدة على النفس، تخلص الإنسان من رذيلة البخل والحرص والشره، والطمع، واتصف بفضيلة الجود، والبذل، والسخاء، والأنفة، والعفة، وكان إنسانًا مأمول الخير مأمون الشر.
٤ - والطمأنينة أثر من آثار الإيمان .. أى طمأنينة القلب، وسكينة النفس.
_________________
(١) سورة آل عمران - الآية ١٥٤.
(٢) سورة النساء - الآية ٤٨.
(٣) سورة هود - الآية ٦.
(٤) سورة العنكبوت - الآية ٦٠.
(٥) سورة العنكبوت - الآية ٦٢.
[ ٨٦ ]
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (١).
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ (٢).
وإذا اطمأن القلب، وسكنت النفس .. شعر الإنسان ببرد الراحة، وحلاوة اليقين، واحتل الأهوال بشجاعة، وثبت إزاء الخطوب مهما اشتدت، ورأى أن يد الله ممدودة إليه، وأنه القادر على فتح الأبواب المغلقة، فلا يتسرب إليه الجزع، ولا يعرف اليأس إلى قلبه سبيلًا.
﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٣).
٥ - والإيمان يرفع من قوى الإنسان المعنوية، ويربطه بمثل أعلى، وهو الله مصدر الخير، والبر، والكمال.
وبهذا يسمو الإنسان عن الماديات، ويرتفع عن الشهوات، ويستكبر على لذائذ الدنيا، ويرى أن الخير والسعادة فى النزاهة والشرف، وتحقيق القيم الصالحة .. ومن ثم يتجه المرء اتجاهًا تلقائيًا لخير نفسه، ولخير أمته، ولخير الناس جميعًا.
وهذا هو السر فى اقتران العمل الصالح - بجميع شعبه وفروعه - بالإيمان، إذ أنه الأصل الذى تصدر عنه، وتتفرع منه.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ (٤).
_________________
(١) سورة الرعد - الآية ٢٨.
(٢) سورة الفتح - الآية ٤.
(٣) سورة البقرة - الآية ٢٥٧.
(٤) سورة يونس - الآية ٩.
[ ٨٧ ]
﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١).
﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (٢).
وإذا اهتدى القلب، فأى شىء من الخير يفوته؟!
٦ - والحياة الطيبة يعجل الله بها للمؤمنين فى الدنيا قبل الآخرة.
وتتمثل هذه الحياة فى ولاية الله للمؤمن، وهدايته له، ونصره على أعدائه، وحفظه مما يبيّت له، وأخذه بيده كلما عثر أو زلت به قدم؛ فضلًا عما يفيضه عليه من متاع مادى، يكون عونًا له على قطع مرحلة الحياة فى يسر.
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣).
﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ (٤).
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ (٥).
﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ (٦).
_________________
(١) سورة الحج - الآية ٥٤.
(٢) سورة التغابن - الآية ١١.
(٣) سورة النحل - الآية ٩٧.
(٤) سورة النحل - الآية ٣٠.
(٥) سورة النور - الآية ٥٥.
(٦) سورة غافر - الآية ٥١.
[ ٨٨ ]
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ (١).
﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ (٢).
وقد انتهى العالم إلى هذه الحقائق الإيمانية؛ ولا يتسع المجال لإثبات شهادات كبار العلماء، وتسجيل ما
شاهدوه.
ونكتفى هنا بتسجيل ما نشر بجريدة الجمهورية، يوم السبت ٢٩/ ١١/١٩٦٢م فقد قالت الصحيفة تحت عنوان (العلماء يلجأون إلى الدين لعلاج مرضى الأمراض العقلية):
عزاء وسلوان لأولئك الذين تشبثوا بدينهم، ولم يتزعزع إيمانهم فى أحلك لحظات المدنية وأنصعها، أقصد تلك اللحظات التى يتشدق فيها دعاة النظريات العتيدة، وفى مقدمتها نظرية النشوء والارتقاء لـ (داروين)، ويتشدقون فيها بأن الدين بدعة، وبأن الإنسان يقف وحده فى هذا الكون كما زعم (جوليان هاكسلى) جد الكاتب الفيلسوف البريطانى الكبير (الدوسى هاكسلى).
إن علماء الأمراض العقلية، لا يجدون اليوم سلاحًا أمضى وأبعد فاعلية لعلاج مرضاهم، من الدين والإيمان بالله .. والتطلع إلى رحمة السماء .. والتشبث بالرعاية الإلهية .. والالتجاء إلى قوة الخالق الهائلة عندما يتضح عجز كل قوة سواه!
لقد بدأت التجربة فى مستشفى بولاية نيويورك، وهو مستشفى خاص بمرتكبى الجرائم من المصابين بالأمراض العقلية.
_________________
(١) سورة الأعراف - الآية ٩٦.
(٢) سورة يونس - الآية ٩٨.
[ ٨٩ ]
بدأت التجربة بإدخال الدين كوسيلة جديدة للعلاج بجانب الصدمات الكهربائية لخلايا المخ، والعقاقير المسكنة والمهدئة للأعصاب.
وكانت النتيجة رائعة .. إن أولئك الذين تعذر شفاؤهم، بل فقدوا الأمل فيه، انتقلوا من عالم المجانين إلى عالم العقلاء .. أولئك الذين ارتكبوا أفظع الجرائم، وهم مسلوبو الإرادة، باتوا يسيطرون على إرادتهم وتفكيرهم وتصرفاتهم، ويذرفون الدمع ندمًا، وكلهم أمل فى رحمة السماء ومغفرة الله.
واستسلم العلماء، ورفعوا أيديهم إلى السماء، يعترفون بضعفهم، ويعلنون للدنيا: أن العلم يدعو إلى الإيمان، وليس أبدًا إلى الإلحاد.
وأنت طبعًا لست فى حاجة لأكثر من الإلمام بالقراءة، وحتى إذا كان قد فاتك قطار التعليم، فأمامك بيوت الله، وفيها السلوى .. وفيها العزاء.
[ ٩٠ ]