مؤسسة الرسالة
[ ١ / ١ ]
العواصم والقواصم
في
الذب عن سنة أبي القاسم
١
[ ١ / ٢ ]
جميع الحقوق محفوظَة
لمؤسسَة الرسَالة
ولا يحق لأية جهة أن تطبع أو تعطي حق الطبع لأحد.
سَواء كان مؤسسَة رسميّة أو أفرادًا.
الطبعة الثالثة
١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م
مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع
مؤسسة الرسالة بَيْروت - شارع سُوريا - بناية صَمَدي وَصالحة
هاتف: ٦٠٣٢٤٣ - ٨١٥١١٢ - ص. ب: ٧٤٦٠ برقيًا، بيوشران
[ ١ / ٣ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
[ ١ / ٤ ]
قالوا في «العواصم» ومصنفه:
١ - «كان مقبلًا على الاشتغال بالحديث، شديد الميل إلى السُّنَّة». الحافظ ابن حجر «إنباء الغمر» ٧/ ٣٧٢
٢ - «إن العواصم والقواصم يشتمل على فوائد في أنواع من العلوم، لا توجد في شيء من الكتب، ولو خرج هذا الكتاب إلى غير الديار اليمنية لكان من مفاخر اليمن وأهله». الشوكاني «البدر الطالع» ٢/ ٩١
٣ - «والذي يغلب على الظن أنّ شيوخه لو جمعوا جميعًا في ذاتٍ واحدةٍ لم يبلغ علمهم إلى مقدار علمه، وناهيك بهذا، ولو قلت: إن اليمن لم تنجب مثله، لم أبعد عن الصواب». الشوكاني «البدر الطالع» ٢/ ٩٢
٤ - «كان فريد العصر، ونادرة الدهر، خاتمة النُّقاد، وحامل لواء الإسناد، وبقية أهل الاجتهاد، بلا خلاف وعناد، رأسًا في المعقول والمنقول، إمامًا في الفروع والأصول». صدّيق حسن خان «أبجد العلوم» ٣/ ١٩٠
[ ١ / ٥ ]
الإمام محمد بن إبراهيم الوزير
وكتابه العواصم والقواصم
بقلم
القاضي الفاضل الأستاذ إسماعيل الأكوع
رئيس الهيئة العامة للآثار ودور الكتب باليمن الشمالي
[ ١ / ٧ ]
كلمة القاضي إسماعيل الأكوع في التعريف بالمؤلف وبكتابه
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله نحمُده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ باللهِ من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهدِ الله، فهو المهتدي، ومن يُضلِل، فلا هادِيَ له ونصلي ونسلِّم على رسول الله الهادي إلى أقوم طريق، وأوضح سبيل، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، فإني لا أجد -وأنا أتحدثُ عن الإمام الجليل محمد بن إبراهيم الوزير، ﵀- عبارةً تصفُ علماء السنة المجتهدين في اليمن وهو في مقدمتهم أدق وأشمل من كلمة شيخ الإسلام الشوكاني ﵀ وهو يترجم للإمام تفسه في كتابه " البدر الطالع " مشيرًا إلى جهل علماء المسلميين خارج اليمن بمكانة علماء السنة في اليمن، وعُلُوِّ منازلهم، وطول باعهم، ورسوخ أقدامهم في ميادين الاجتهاد وهذا نصُّها:
"ولا ريب أن علماء الطوائف لا يُكثرُون العناية بأهل هذه الديار (اليمن) لاعتقادهم في الزيدية ما لا مقتضى له إلا مجرد التقليد لمن لم يطَّلِع على الأحوال، فإن في ديار الزيدية من أئمة الكتاب والسنة عددًا
[ ١ / ٩ ]
يُجاوِز الوصف، يتقيِّدونَ بالعمل بنصوص الأدلة، ويعتمدون على ما صحَّ في الأمهات الحديثية، وما يلتحق بها مِن دواوين الإسلام المشتملة على سنة سيد الأنام، ولا يرفعون إلى التقليد رأسًا، لا يشوبون دينَهم بشيء من البدع التي لا يخلو أهلُ مذهب من المذاهب من شيء منها. بل هُم على نمط السلف الصالح في العمل بما يدل عليه كتابُ الله، وما صحَّ من سنة رسول الله مع كثرة اشتغالهم بالعلوم التي هي آلات علم الكتاب والسنة من نحوٍ وصرفٍ وبيانٍ وأصولٍ ولغةٍ، وعدم إخلالهم بما عدا ذلك من العلوم العقلية. ولو لم يكن لهم مِن المزية إلا التقيدُ بنصوصِ الكتاب والسنة، وطرح التقليد، فإن هذه خصيصة خصَّ اللهُ بها أهل هذه الديار في هذه الأزمنة الأخيرة، ولا تُوجد في غيرهم إلا نادرًا" (١).
أما سببُ تفرد اليمن بظهور علماء مجتهدين ملتزمين بالعملِ بكتاب الله وسنة رسوله ﵌ غير ميِّالين إلى أيِّ مذهب من المذاهب الإسلامية المعروفة، فيرجِعُ إلى أن المذهب الزيدي في أصل عقيدته يدعو إلى الاجتهاد، فلم يَحجُرْ على أتباعه حريةَ التفكير، ولا قيَّدهم بالتزام نصوصه وآرائه، ولكنه أطلق لهم العِنَانَ، وترك لهم الخِيار بعد أن جعل بات الاجتهاد مفتوحًا لمن حذق علومه واستوفى شروطه؛ فكان هذا حافزًا لمن وهبه اللهُ ذكاءً وفِطنة، ورزقه فهمًا وبصيرة أن يعملَ بما أوصله إليه اجتهادُه من أدلة الكتاب والسنة، فكان الإمام محمد بن إبراهيم الوزير أبرزَ منْ بلغ أقصى درجاتِ الاجتهاد المطلق، وكذلك الحسن بن أحمد الجلال (١٠١٤ - ١٠٨٤) وصالح بن مهدي المَقْبلي (١٠٣٨ - ١١٠٨) ومحمد بن إسماعيل الأمير (١٠٩٩ - ١١٨٢) ومحمد
_________________
(١) البدر الطالع ٢/ ٨٣.
[ ١ / ١٠ ]
ابن علي الشوكاني (١١٧٣ - ١٢٥٠)، ﵏ جميعًا على تفاوتٍ فيما بينهم.
ولم أخص هؤلاء بالذكر إلا لأنهم نَعَوْا على العلماء المقلدين جمودَهم، وحثُّوا المسلمين على العمل بالكتاب والسنة، فهذا شيخ الإسلام الشوكاني يستطردُ في ترجمته للإمام الوزير استنكاره على العلماء المقلدين، فيقول: " وإني لأكثر التعجب من جماعة من أكابر العلماء المتأخرين الموجودين في القرن الرابع وما بَعده، كيف يقفونَ على تقليد عالم من العلماء، ويُقدمونه على كتاب الله وسنة رسوله مع كونهم قد عرفوا من علم اللسان ما يكفي فيم فهم الكتاب والسنة بعضه؟ فإن الرجل إذا عرف من لغة العرب ما يكون به فاهمًا لما يسمعه منها، صار كأحد الصحابة الذين كانوا في زمنه ﵌، ومن صار كذلك، وجب علبه التمسكُ بما جاء به رسولُ الله ععلى الله عليه وآله وسلم، وترك التعويل على محض الآراء. فكيف بمنْ وقف على دقائق اللغة وجلائلها إفرادًا وتركيبًا وإعرابًا وبناء؟، وصار في الدقائق النحوية والصرفية والأسرار البيانية، والحقائق الأصولية بمقام لا يخفى عليه مِن لسان العرب خافية، ولا يَشذُّ عنه منها شاذة ولا فاذة، وصار عارفًا بما صحَّ عن رسول الله ﵌ في تفسير كتاب الله، وما صحَّ عن علماء الصحابة والتابعين، ومنْ بعدهم إلى زمنه، وأتعب نفسه في سماع دواوين السنة التي صنفتها أئمة هذا الشأن في قديم الأزمان وفيما بعده فمن كان بهذه المثابة فكيف يسوغ له أن يعدل عن آية صريحةٍ، أو حديث صحيحٍ إلى رأي رآه أحدُ المجتهدين؟ حتى كأنه أحدُ الأغتام الذين لا يعرفون من رسوم الشريعة رسمًا. فيالله العجب، إذا كانت نهايةُ العالم كبدايته؛ وآخر أمره كأوله، فقل لي: أيُّ فائدةٍ لتضييع الأوقات في المعارف العلمية؟ فإن قول
[ ١ / ١١ ]
إمامه الذي يُقلِّده هو ما كان يفهمه قبل أن يشتغل بشيء من العلوم سواه كما نُشاهده في المقتصرين على علم الفقه، فإنهم يفهمونه، بل يصيرون فيه من التحقيق إلى غاية لا يخفى عليه منه شيء، ويدرسون فيه، ويُفتون به وهم لا يعرفون سواه، بل لا يُميزون بينَ الفاعل والمفعول (١).
ثم خَلَصَ شيخ الإسلام إلى هذه النصيحة: " والذي أدينُ الله به أنه لا رُخصةَ لمن علِمَ من لغة العرب ما يفهم به كتاب الله بعد أن يُقيم لسانه بشيء من علم النحو والصرف وشطرٍ من مهمات كليات أصول الفقه في ترك العمل بما يفهمه من آيات الكتاب العزيز، ثم إذا انضم إلى ذلك الاطلاعُ على كتب السنة المطهرة التي جمعها الأئمة المعتبرون، وعملَ بها المتقدمون والمتأخرون، كالصحيحين وما يلتحقُ بهما مما التزم فيه مصنفوه الصحة، أو جمعوا فيه بينَ الصحيح وغيره مع البيانِ لما هو صحيح، ولما هو حسن، ولما هو ضعيف، وجب العملُ بما كان كذلك من السنة، ولا يَحِل التمسكُ بما يُخالفه من الرأي، سواء كان قائله واحدًا أو جماعة أو الجمهور، فلم يأت في هذه الشريعة الغراء ما يدل على وجوب التمسك بالآراء المتجردة عن معارضة الكتاب والسنة فكيف بما كان منها كذلك، بل الذي جاءنا في كتاب الله على لسان رسول الله ﵌ "وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا". إلى آخر ما أورده في الحث على العمل بكتاب الله وسنة رسوله ﵌ وحدهما (٢) ".
مولد الإمام الوزير:
وُلِدَ على المشهور الصحيح في رجب سنة ٧٧٥ بهجرة الظَهْرَاوين
_________________
(١) المصدر نفسه ٢/ ٨٤.
(٢) المصدر نفسه ٢/ ٨٥.
[ ١ / ١٢ ]
من شَظب (١) بيد أن المؤرخ عبد الوهاب بن عبد الرحمن البُرَيهي ذكر في تاريخه -وهو يترجم له- ما لفظه: " قلت: قرأتُ تاريخ مولده منقولًا من خطه، قال: مولدي سنة ست وسبعين وسبعمائة " وبمثل هذا روى الإمام شرف الدين في شرح مقدمة كتابه "الأثمار في فقه الأئمة الأطهار" حينما تعرض لذكر محمد بن إبراهيم الوزير استطرادًا (٢) فقال: " ورأيتُ لابن أخيه وأنا أدركتُ آخر مدته في أول وقت طلبي، رأيت له ترجمة لهذا بخطِّه؛ قال فيها: ولِدَ ﵀ في شهر رجب الفرد -كما وجدته بخطه- في سنة ست وسبعين وسبعمائة بهجرة الظهْرَاويْن بشَظَب، وهو جبل عالٍ باليمن ".
قلت: وإذا كانت هذه الترجمة التي اعتمد عليها الإمامُ شرف الدين هي التي بين أيدينا اليوم، فهي ليست لابن أخيه؛ وإنما هي لابن ابن أخيه محمد بن عبد الله بن الهادي بن إبراهيم الوزير وقد ورد فيها ما لفظه: " مولده -﵁ ورحمه- في شهر رجب الأصب مِن سنة خمس وسبعين وسبعمائة بهجرة الظَهْرَاوين من شَظَب، وهو جبل عالٍ باليمن، هكذا نقلتُه من خطه ﵁، وحفظتُه من غيره من الأهل ".
_________________
(١) شظب: جبل من بلد بني حجاج من ناحية السُودَة شمال غرب صنعاء على مسافة (١٠٠) كيلو متر تقديرًا وقد خربت هجرة الظهراوين ولم يبق إلا اطلالُها، وانظر في ذلك كتابنا "هجر العلم ومعاقله في اليمن".
(٢) ذكره الإمام شرف الدين بعد أن ذكر أبا محمد الحسن بن أحمد الهَمْداني صاحب "الإكليل" ونشوان بن سعيد الحميرى صاحب "شمس العلوم" وشنع عليهم فقدح فيهم للتحذير من الانخداع بكلامهم، وعدم الالتفات إلى ما يدعون إليه، ونسب إلى الإمام محمد بن إبراهيم الوزير أشياء لم يذكرها سواه من علماء اليمن حتى خصومه الذين اختلفوا معه، وانتقدوه، واعترضوا عليه. والسبب في ذلك أنه كان -كأخيه العلامة الهادي بن ابراهيم- مؤيدًا للإمام المنصور علي ابن الإمام صلاح الدين الذي تغلب على الإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى جد الإمام شرف الدين، وألف فيه كتابًا أسماه " الحسام المشهور في الذب عن سيرة الإمام المنصور ".
[ ١ / ١٣ ]
أما ما ذكره السخاوي في " الضوء اللامع " بأنه وُلدَ تقريبًا سنة ٧٦٥ فلا صحةَ لذلك، وقد فَنَّد هذا الوهم شيخ الإسلام الإمام الشوكاني في " البدر الطالع " في ترجمته حيث قال: " وهذا التقريب بعيد والصواب الأول " (أي سنة ٧٧٥).
نشأته ودراسته وشيوخه:
نشأ في هجرة الظهراوين بين أهله الذين آثروا طلبَ العلم على ما سواه، وانقطعوا له، واشتغلوا به درسًا وتدريسًا وتأليفًا، فأخذ يسيرُ على منهجهم، ويقتفي أثرَ من سبقه منهم، متبعًا خطاهم، وملتزمًا بمسلكهم، فحفظ القرآن الكريم وجوده واستظهره، وحقظ متون كتب الطلب من نحوٍ وصرفٍ ومعانٍ وبيان وفقه وأصول، ثم أخذ في قراءة شروَحها المختصرة، ورحل إلى صعدة.
فأخذ عن أخيه الأكبر العلامة الهادي بن إبراهيم الوزير في جميع الفنون تحقيقًا، واستفاد منه كثيرًا حتى في علم الأدب.
وأخذ عن القاضي العلامة محمد بن حمزة بن مظفر، وكان المشارَ إليه في علوم العربية واللغة والتفسير.
وقرأ علم الأصول على القاضي العلامة عبد الله بن حسن الدَّوَّاري.
ثم رحل إلى صنعاء، فأخذ عن القاضي علي بن أبي الخير " شرح الأصول " وهو معتمد الزيدية في اليمن، " والخلاصة " للرصاص، "والغياصة الجامعة لمعاني الخلاصة" للقاضي محمد بن يحيى بن حنش، وتذكرة الشيخ ابن متَّويه، وسمع عليه " مختصر المنتهى " في علم الأصول لابن الحاجب، كما قرأ هذا المختصر على السيد جمال الدين علي بن محمد بن أبي القاسم، ولما سمِعَه عليه، بهَرَهُ ما رأى من صفاء ذهنه، وحُسن نظره وألمعيته وبلاغته وفطنته وبراعته، وكان يُطنِبُ في الثناء عليه، ويرشد طلبة العلم إليه.
[ ١ / ١٤ ]
وأخذ أيضًا عن شيوخ آخرين.
أما ما قرأه لنفسه من سائر العلوم، فشيء كثير لا يأتي عليه الحصرُ.
وكان عمدة قراءته التي أفنى فيها عنفوان شبابه -كما ذكر أحمد بن عبد الله الوزير في كتابه الفضائل- علم أصول الفقه وعلم أصول الدين (علم لطيف الكلام) فقد جود فيهما غايةَ التجويد؛ وفحص وحقق وبحث، وبلغ الغاية القصوى، واطَّلع من أقوال أهل الفنين على ما لا يكادُ يعرفه إلا مثلُه، كما يُحدثنا هو نفسه في كتابه " العواصم والقواصم " الذي نقدم له بقوله: " وقد وهبتُ أيام شبابي وزمانَ اكتسابي لكدوره علم الكلام والجدال والنظر في مقالات أهل الضلال حتى عرفتُ قولَ من قال:
لقد طُفتُ في تلك المعاهد كلها وسيَّرتُ طرفي بَيْن تلك المعالِمِ
وسبب إيثاري لذلك، وسلوكي تلك المسالك أن أول ما قرع سمعي، ورسخ في طبعي وجوب النظر والقول بأن من قلد في الاعتقاد كفر، فاستغرقتُ في ذلك حدة نظري وباكورة عمري. وما زلت أرى كل فرقة من المتكلمين تداوي أقوالًا مريضة؛ وتقوي أجنحة مهيضة، فلم أحصلْ على طائل، وتمثلت فيهم بقول القائل:
كل يداوي سقيمًا من معايبه فمن لنا بصحيحٍ ما به سقم
تحوُّله إلى علوم الكتاب والسنة:
فرجعت إلى كتاب الله وسنة رسوله، وقلت: " لا بد أن تكون فيهما براهين وردود على مخالفي الإسلام، وتعليم وإرشاد لمن اتبع الرسول ﵊، فتدبرت ذلك، وانشرح صدري، وصلح أمري وزال ما كنتُ به مبتلى ".
[ ١ / ١٥ ]
ثم يقول: " هذا وإني لما رَتَبْتُ رُتوب (١) الكعب في مجالسة العلماء السادة، وثبت ثبوتَ القُطب في مجالس العلم والإفادة، ولم أزل منذ عرفت شمالي من يميني مشمرًا في طلب معرفة ديني أتنقل في رتبة الشيوخ من قُدوة إلى قُدوة وأتوقَّل (٢) في مدارس العلوم من ربوة إلى ربوة ولم يزل يَرَاعي للطائف الفوائد نواطف (٣) وبناني للطف المعارف قواطف لم يكن حتمًا أن يرجعَ طرف نظري عن المعارف خاسئًا حسيرًا، ولم يجب قطعًا أن يعودَ جناحُ طلبي للفوائد مهيضًا كسيرًا، ولم يكن بِدْعًا أن تنسمتُ من أعطارها روائح، وتبصرتُ من أنوارها لوائح أشربت قلبي محبةَ الحديث النبوي، والعلم المصطفوي، فكنتُ ممن يرى الحظ الأسنى في خدمة علومه، وتمهيدِ ما تعفى من رسومه، ورأيتُ أولى ما اشتغلتُ به ما تعيَّن فرض كفايته بعدَ الارتفاع، وتضيّق وقت القيام به بعدَ الاتساعِ من الذب عنه، والمحاماة عليه، والحثَّ على اتباعه، والدعاء إليه، فإنه علْمُ الصدر الأول، والذي عليه بعدَ القرآن المُعوِّلُ، وهو لعلوم الإسلام أصل وأساس، وهو المفسر للقرآن بشهادة ﴿لتبين للناس﴾ وهو الذي قال الله فيه تصريحًا ﴿إنْ هُو إلا وَحْي يوحى﴾ وهو الذي وصفه الصادق الأمين بمماثلة القرآن المبين، حيث قال في التوبيخ لكل مترف إمَّعة " إنِّي أُوتيتُ القُرآنَ ومِثلَه مَعه " (٤).
لذلك فقد رسخ هذا الإمامُ في علوم القرآن والسنة حتى فاق أقرانه، وزاحم شيوخَه وتخطاهم، وبلغ مِن علوم الاجتهادِ ما لم يبلُغْه أحدٌ منهم.
_________________
(١) في القاموس رتب رتوبًا ثبت ولم يتحرك.
(٢) في القاموس: وقل في الجبل: صعد.
(٣) أي أن أقلامة لم تزل سائلة بلطائف الفوائد.
(٤) الروض الباسم ٥.
[ ١ / ١٦ ]
اجتهاده:
كان -﵀- من أبرز علماء اليمن المجتهدين على الإطلاق، وقد وصف العلامة أحمد بن عبد الله الوزير في كتابه "الفضائل" مكانة اجتهاده وعلو منزلته بقوله: " وله في علوم الاجتهاد المَحلُّ الأعلى، والقدح المُعَلى، وبلغ مبلغ الأوائل، بل زاد، واستدرك، واختار وصنف، وألف وأفادَ وجمع وقيد، وبنا وشيد، وكان اجتهادُه اجتهادًا كاملًا مطلقًا، لا كاجتهاد بعض المتأخرين، فإن ذلك إنما يُسمَّى ترجيحًا لأدلة بعض الأئمة المستنبطين على بعض، لا ابتداء اجتهاد واستخراج للحكم عما عُرفَ من غير معترف انتهاض ذلك الدليل عليه بعدَ معرفته للحكم نفسه وللدليل، ولكيفية الدلالة، وانتفاء المعارض، وشروط الاستدلال في العقليات والسمعيات، والتبحر في علم الرواية، ومعرفة الرجال وأحوالهم في النقد (١) والاعتدال والوفيات والأنساب والشيوخ، والتعمق في علم الأصولين والعربية، والتوغل في معرفة الكتاب العزيز، والاطلاع السديد على تفسيره، وكلام المفسرين. ولم يكن بهذه الصفة بغير شك ولا مِرية غيرُ هذا السيد الإمام الأكبر النقيد في هذا الشأن الذي شَهِدَ له بذلك جميعُ أهل الزمان من الأقارب والأباعد، والمخالف له في الاعتقاد والمساعد، ولقد كان آية في زمانه لم يأت الزمانُ بمثلها.
وأما تلك المقاماتُ العالية، والاستخراجاتُ الأصلية من الأدلة الكلية مثل ما صنعه في استخراجاته واختياراته في مسائل الاجتهاد، فهم عن ذلك بمراحل؛ وكيف يكون ذلك؟ وهم يغلطونَ في أسماء الرجال المشهورين، وتلتبِسُ عليهم أزمانُهم، ويُصحِّفُون من أسماء كبارهم، ومن
_________________
(١) في الأصل التقيد.
[ ١ / ١٧ ]
جَهلَ الاسم كيف يعرف الحال؟ وكثيرًا ما يضبِطون ألفاظًا في متون الحديث (١) مصحفة تصحيفًا يُفسد المعنى، ولا يُعرف منه المراد، ولا يَصِح معه ظن، ولا يصدق عنده اعتقاد. وهو الخبيرُ الخِرِّيتُ الماهِر من (٢) ذلك المقصد، وبما تدورُ عليه من معرفة التخصيص والنسخ أعرفُ وأقعد، والترجيح عند التعارض وغير ذلك من الأحكام المترتبة على ذلك وله القوة والمَلَكَةُ في تقوية بعض الأدلة بالطريق التي يقويها على اختلاف أنواع ذلك بوجه صريحٍ، وتصرفٍ صحيح، ولفظ فصيح، وحجة لازمة وأدلة جازمة عقلية ونقلية، وفي تضعيف بعض الأدلة مثل ذلك لا يتبع في ذلك إلا محض الدليل، ولا يكتفي فيه بمجرد أنه قيل كما عليه أكثر الناس تساهلًا وعدم تمكن واقتدار.
وأمره في التفسير لكلام رب العزة كذلك في معرفته نفسه، ثم معرفته قراءته، ومعرفة المفسرين والنقلة عنهم، ومعرفة أحوال الجميع، ومعرفة أسباب النزول وزمانه ومكانه، ومعرفة الألفاظ، وكثيرًا مما يتعلق بالتفسير وآيات الأحكام، وتنبني عليه قواعد شرع الإسلام مما يطولُ ذكرُه.
ثم قال: "وإنما الغرض التعريفُ أن حال هذا الرجل -﵀- ليس كحالِ غيره، وأن اجتهادَه كاجتهاد أئمة المذاهب، لا كالمخرجين (٣) ومجتهدي المذاهب، ولا كالمرجحين الذين لا يُرجِّحون بغير المعقول، ويشق عليهم معرفة الآثار النقلية، والاطلاعُ على الإسنادات، ومعرفة الرجال، وَيعْسرُ عليهم الأخذُ من لطائف أدلةِ الكتاب والسنة ومعرفتها ومعرفة أنواع الحديث ومراتبه وأقسامه من الصحة والحسن ونحوها التي
_________________
(١) في نسخة الأحاديث.
(٢) في نسخة في.
(٣) كأبي طالب والمؤيد بالله الهارونيين.
[ ١ / ١٨ ]
عليها مدارُ الاجتهاد والترجيح والانتقاد، وليس لِغيره مثلُ هذه الأهلية، ولا أعطاهم الله -سبحانه- مثل هذه العطية" (١).
وما أصدق ما قاله شيخ الإسلام الشوكاني ﵀ فيه حيث يقول: " والذي يَغْلِبُ على الظن أن شيوخه لو جُمِعُوا في ذاتٍ واحدة، لم يَبْلُغْ علمُهم إلى مقدار علمه، وناهيك بهذا، ثم يقول: بعدَ كلام طويل: " ولو قلتُ: إن اليمنَ لم تُنْجِبْ مثلَه لم أُبعِدْ عن الصواب " (٢).
ولما بلغ من العلم هذه الدرجة العليا، وبخاصة في علوم القرآنِ والسنة التي بَرزَ فيها، وأقبل على العمل بكتاب الله، وما صَح من سنة رسول الله ﷺ داعيًا إلى الاجتهاد، ومندِّدًا بعلماء عصره الذين التزموا بالتقليد، لم يرُق لهم خروجُه على ما أَلفوهُ من التقليد ودعوته لهم إلى نبذه، والرجوع إلى العمل بكتاب الله وسنةِ رسوله ﷺ، فناصبوه العداء، وشنعوا عليه، وشكَّكوا في دعوته، وصدُّوا الناسَ عن سلوكِ هذا المنهج القويم، والذي تَصَدَّرَ هذه المعارضة هو شيخُه العلامة جمالُ الدين علي (٣) بن محمد بن أبي القاسم، فقد جرت بينَه وبينَ تلميذه منازعة في مسائل كما ذكر صاحب " الفضائل " وقال: " وكان مِن شيخه طَرَفٌ من الحَيف في السؤالات، وتحويلٌ لما يرويه الإمام محمد بن إبراهيم على صفة أنه يأخذ من كلامه مفهومًا لم يقصده، أو قد صرَّح بنفيه والإجماعُ منعقد على عدم اعتبار مفهومٍ وقع التصريحُ بخلافه، وما كان ذلك إلا لمكان دعوى الاجتهاد ".
_________________
(١) الفضائل.
(٢) البدر الطالع ٢/ ٩٢.
(٣) هو مؤلف تجريد الكشاف، ويقال: إن له تفسيرًا حافلًا في ثمان مجلدات. مولده سنة ٧٦٩ ووفاته سنة ٨٣٧.
[ ١ / ١٩ ]
ثم قال: "وترسَّل السيدُ جمال برسالةٍ حكى فيها كلام الإمام محمد بن إبراهيم، وأجابه على حسب ما حكاه وطلح في موضع التطليح، وساقه مساقَ العلماء، وعلى منهاح الاستدلال والجدل الكامل في أحسن مساق وأوفى عبارة".
وقال محمد (١) بن عبد الله بن الهادي في ترجمته للإمام محمد بن إبراهيم: " وقد نسب -أي جمالُ الدين علي بن محمد بن القاسم في رسالته إلى محمد بن إبراهيم- القول بالرؤية، وبقدَمِ القرآن، ولمخالفته أهل البيت، وقد بناها على مجرَّد التوهمات الواهية والتخيلات الباردة ". وقال شيخ الإسلام الشوكاني في " البدر الطالع " في ترجمة علي بن محمد بن أبي القاسم المذكور: " ولكنه لما اجتهد السيد محمد بن إبراهيم، ورفض التقليد، وتبحر في المعارف، قام عليه صاحبُ الترجمة في جملة القائمين عليه، وترسل عليه برسالة تَدُلُّ على عدم إنصافه، ومزيد تعصبه سامحه الله ".
مع أن جمال الدين علي بن محمد بن أبي القاسم كان من المعجبين بتلميذه الإمام محمد بن إبراهيم، وكان يحُثُّ طلبة العلم على الأخذ عنه، وُيثني على علمه ونبوغه كما وصف ذلك أحمد بن عبد الله الوزير في كتابه " الفضائل " بقوله: ولقد حكى لنا السيدُ الإمام علي بن أبي القاسم -وكان من أجل مشايخه سئل عنه- وكان في نفسه عليه ما يقع في نفوس العلماء فقال: "هو أذكى الناس قلبًا، وأزكاهم لُبًا كأنَّ فؤاده جذوةُ نار تتوقد ذكاءًا، وغيرُه أكبرُ منه سنًا ومثله وأصغر من علماء زمانه المصنفين لم يبلغوا هذا المحل، إنما غايةُ اجتهادهم أن يقولوا: هذا أولى، لأنه حاظر، والحظر أقدم من
_________________
(١) هو محمد بن عبد الله بن الهادي بن إبراهيم الوزير كان عالمًا مبرزًا في علوم العربية، وله معرفة قوية بالأنساب وله خط جميل. مولده بصعدة في شعبان سنة ٨١٠ ووفاته في حدة سنة ٨٩٧.
[ ١ / ٢٠ ]
الإباحة، أو عام ومعارِضُه خاص، أو مطلق ومعارضه مُقَيَّد ونحو ذلك" (١).
ورغم هذا الثناء والتقدير من شيخه، فإنه قد تحوَّل من مادح إلى قادح، ومن صديق إلى كاشح، ومن مُعجبٍ به وبعلمه ونبوغه إلى مسفِّهٍ له، ومنفرٍ للناس عنه مما آلم الإمام الوزير وأحزنه، فقال معاتبًا شيخه:
عَرَفْتَ قدْرِي ثُم أنكَرتَهُ فما عدا بالله مما بدا؟
في كل يوم لك بي موقف أَسرَفْتَ بالقَوْل بسُوء البَدَا
أمْسِ الثنَا واليومَ سوءُ الأذى! يا لَيْتَ شِعري كيف تضحي غدَا؟
يَا شيْبة العتْرةِ في وَقْتهِ ومَنْصِبَ التعْلِيمِ والاقْتدَا
قَد خلَعَ العِلْمُ رداء الهُدَى علَيْكَ، والشيْبُ رِداءَ الرَّدَى
فَصُنْ رِدَائَيكَ وطَهرْهُما عَنَ دنسِ الإسْراف والإعتدَا
وقد ردَّ الإمام محمد بن إبراهيم الوزير على رسالة شيخه بكتابه " العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم " الذي يُعد ذخيرةً نفيسةً في عالم المؤلفات الإسلامية لم يَسْبِقْ لأحد في المتقدمين، ولا في المتأخرين أن ألف في موضوعه مثله.
وقد وصف ما حدث له مِن علماء زمانه المتمسكين بالمذهب، والمجاهرين بمعاداته لتمسكه بالسنة النبوية بقوله " وإني لما تمسكتُ بعروة السنن الوثيقة، وسلكتُ سنَن الطريقة العتيقة، تناولتني الألسنةُ البذيئة من أعداء السنة النبوية، ونسبوني إلى دعوى في العلم كبيرة، وأمورٍ غير ذلك كثيرة حرصًا على ألا يُتَبَّع (٢) ما دعوتُ إليه من العمل بسنة سيد المرسلين،
_________________
(١) الفضائل.
(٢) وهذا هو ما جرى للإمام المقبلي، فقد حُورب حتى اضطر إلى بيع بيته وماله، وهاجر بأهله إلى مكة المكرمة. وجرت وقائع مماثلة للبدر محمد بن إسماعيل الأمير، ولشيخ الإسلام الشوكاني، وقد ذكر ما حدث له في كتابه " أدب الطلب ".
[ ١ / ٢١ ]
والخلفاء الراشدين، والسلف الصالحين، فصبرت على الأذى، وعلمتُ أن الناس ما زالوا هكذا:
ما سَلِمَ اللهُ من بريَّته ولا نبيُّ الهُدى فَكيف أنا! (١)
وقد اعترض عليه شيخُه المذكور برسالة وصفها الإمام ابنُ الوزير بقوله: " إلاّ أنه لما كثر الكلامُ وطال، واتسع مجال القيل والقال جاءتني رسالة محبَّرة، واعتراضات محررة، مشتملة على الزواجر والعظات، والتنبيه بالكلم المُوقِظَات، زعم صاحبها أنه من الناصحين المحبين، وأنه أدَّى بها ما عليه لي من حق الأقربين، وأَهلًا بمن أبدى النصيحة، فقد جاء الترغيب إلى ذلك في الأحاديث الصحيحة، وليس بضائرٍ إن شاء الله ما يَعْرِضُ في ذلك من الجدال مهما وُزِنَ بميزان الاعتدال، لأنه حينئذ يدخل في السنن، ويتناوله أمر ﴿وَجَادِلهُم بالتِي هِيَ أحْسَنُ﴾ (٢) وقد أجاد من قال، وأحسن:
وجدالُ أَهلِ العِلْمِ لَيْس بِضائِرٍ مَا بَيْنَ غَالبِهِم إلى المَغْلُوبِ
وعقب الإمام ابن الوزير على ما ورد في هذه الرسالة بقوله: بيد أنها لم تَضعْ تاجَ المرح والاختيال، وتستعملْ ميزان العدل في الاستدلال، بل خُلِطَت مِن سِيما المختالين بشوب، ومالت من التعنت في الحجاج إلى صوب، فجاءتني تمشي الخطَرَا، وتميس في محافِل الخطَرا، مفضوضةً لم تُختم، مشهورةً لم تكتم، متبرجةً قد كشفت حجابَها، وطرحت نِقابها، وطافت على الأكابر، وطاشت إلى الأصاغر حتى مضت أيدي الابتذال
_________________
(١) قبله: ولَيس يَخْلُو الزمانُ مِنْ شُغلٍ فيه ولا مِنْ خيانةٍ وَخنَا
(٢) النحل ١٢٥.
[ ١ / ٢٢ ]
نضارتَها، وافتضت أفكارُ الرجال بكارتها، وخيرُ النصائح الخفي وخيرُ النُّصاح الحفى، وخيرُ الكتاب المختوم، وخير العتاب المكتوم.
ثم إني تأملت فصولها، وتدبرت أصولها، فوجدتها مشتملة على القدحِ تارةً فيما نُقِلَ عني من الكلام، وتارةً في كثير من قواعد العلماء الأعلام، وتارة في سنة رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام فرأيتُ ما يَخُصُّنِي غير جديرٍ بصرف العناية إليه، ولا كثير يستحق الإقبال بالجواب عليه.
وأما ما يختصُّ بالسنن النبوية، والقواعِد الإسلامية مثلَ قدحه في صحة الرجوع إلى الآيات القرآنية، والأخبار النبوية، والآثار الصحابية، ونحو ذلك من القواعد الأصولية، فإني رأيتُ القدحَ فيها ليس أمرًا هيّنًا، والذب عنها لازمًا متعينًا، فتعرضتُ لجواب ما اشتملت عليه من نقض تلك القواعد الكبار التي قال بها الجِلَّةُ من العلماء الأخيار (١).
وقد قصدتُ وجه اللهِ تعالى في الذب عن السنن النبوية، والقواعد الدينية، وليس يضرني وقوفُ أهل المعرفة على ما لي من التقصير، ومعرفتهم أن باعي في هذا الميدان قصير، لاعترافي بأني لست من نُقَّاد هذا الشأن، ولا مِن فرسان هذا الميدان، لكني لم أجد من الأصحاب من تصدَّى لجواب هذه الرسالة لما يجُرُّ إليه ذلك من سوء القالة، فتصديتُ لذلك من غير إحسان ولا إعجاب، وَمَنْ عَدِمَ الماءَ تيممَ بالتراب، عالمًا بأني لو كنت باريَ قوسها ونبالِها، وعنترةَ فوارسها ونزالها، فلن يخلو كلامي من الخطأ عند الانتقاد، ولا يصفو جوابي من الكدر عند النقاد. فالكلامُ الذي لا يأتيه
_________________
(١) الروض الباسم ١/ ٩ و١٠.
[ ١ / ٢٣ ]
الباطل من بين يديه ولا من خلفه هو كلامُ الله الحكيم، وكلامُ من شهد بعصمتِهِ القرآن الكريم؛ وكُلُّ كلام بعدَ ذلك، فله خطأ وصواب، وقِشر ولُباب. ولو أن العلماء ﵃ تركوا الذبَّ عن الحق خوفًا من كلام الخلق، لكانوا قد أضاعوا كثيرًا، وخافوا حقيرًا، وأكثر ما يخافُ الخائفُ في ذلك أن يَكِلَّ حسامُهُ في معْتَرَكِ المناظرة، وينبو ويعثر جوادُهُ في مجال المحاجة ويكبو، فالأمر في ذلك قريب إن أخطأ فمن الذي عُصِمَ؟ وإن خُطِّىء فمن الذي ما وُصِمَ؟ والقاصد لوجه الله تعالى لا يخافُ أن يُنقد عليه خللٌ في كلامه، ولا يهابُ أن يُدل على بطلان قوله، بل يُحِبُّ الحقَّ من حيث أتاه، ويقبل الهُدى ممن أهداه، بل المخاشنةُ بالحق والنصيحة أحبُّ إليه من المداهنة على الأقوال القبيحة، وصديقك مَنْ صَدَقَكَ لا من صدَّقك. وفي نوابغ الحكمة: عليك بمن ينذر الإبسال والإبلاس، واياك ومن يقولُ: لا بَاسَ وَلا تَاس.
ثم إن الجواب لما تم -بحمد الله تعالى- اشتمل على علوم كثيرة، وفوائد غزيرة أثرية ونظرية، ودقيقة وجلية، وجدلية وأدبية، وكلُّها رياض للعارفين نضِرة، وفراديسُ عند المحققين مُزْهِرَة، لكني وضعته وأنا قوي النشاط، متوفر الداعية، ثائر الغَيرة، فاستكثرتُ من الاحتجاج رغبةً في
قطع اللجاج، فربما كانت المسألة في كتب العلماء ﵃ مذكورة غيرَ محتج عليها بأكثر من حجة واحدة، فأحتج عليها بعشر حُجج؛ وتارة بعشرينَ حُجة، وتارة بثلاثين حُجة، وكذلك قد يتعنَّت صاحبُ الرسالة، ويُظهِرُ العُجْبَ مما قاله فأحبُّ أن يظهر به ضعفُ اختياره، وعظيم اغتراره، فاستكثر من إيراد الإشكالات عليه حتى يتضِحَ له خروج الحق من يديه، فربما أوردتُ عليه في بعض المسائل أكثر من
[ ١ / ٢٤ ]
مئتي إشكال على مقدار نصف ورقة" (١).
وهذا هو ما أشار إليه شيخ الإسلام الشوكاني في معْرِضِ كلامه عن " العواصم والقواصم " في أثناء ترجمته لمؤلفه، فإنه قال: " ومن أراد أن يعرف حالَه -أي حال الإمام محمد بن إبراهيم الوزير- ومقدار علمه، فعليه بمطالعة مصنفاته، فإنها شاهدُ عدلٍ على علو طبقته، فإنه يسرد في المسألة الواحدة من الوجوه ما يبْهَرُ لُبَّ مطالعه، ويعرف بقصر باعه بالنسبة إلى علم هذا الإمام كما يفعله في " العواصم والقواصم " فإنه يورد كلامَ شيخه السيد العلامة علي بن محمد بن أبي القاسم في رسالته التي اعترض بها عليه، ثم ينسفه نسفًا بإيراد ما يُزَيِّفُهُ من الحجج الكثيرة التي لا يجد العالم الكبير في قوته استخراج البعض منها" (٢).
رحلته إلى تعز
رحل الإمام ابن الوزير إلى تعز إلى الإمام نفيس الدين سليمان بن إبراهيم العلوي الحنفي، وبعث أخوه العلامة الهادي بن إبراهيم الوزير رسالة منه إلى الإمام نفيس الدين يصف علم أخيه جاء فيها ما يلي:
" وأما محمد أخي، فإنه لما أخذ من علم الحديث، جذب إليه القلوب ورقَّقها، ودعا إلى طائفةٍ من العلماء (٣) وشوّقها، وهو بحمد الله ممن جَوَّد في علم الكلام وصنف، وبرَّز فيه وشنَّف، وجالس في نقله الأفاضل، ومارس في العلم فأفحم كل مناضل إلاّ أنه نزل إليكم، ففاضت
_________________
(١) الروض الباسم ١/ ١١ و١٢.
(٢) البدر الطالع ٢/ ٩٠.
(٣) لم تظهر الكلمة في الأصل.
[ ١ / ٢٥ ]
بركاتُكُم على أحواله وأقواله، وصار في هذا الفن لا يُجارى، وكأنَّه لقنه هذا العلمَ شيخُ بخارى (١) مع إجادته في الفنين العظيمين: علمِ الكلام وعلمِ الأصول: فاعترضه بعضُ الأصحابِ الأكابر، وهي من ذوي الدفاتر والمحابر، فصنف كتابه الكبير في الرد على المعترض. ولما صنفه تراشقته الألسنُ، وتغامزت به الأعين، وتوغَّرت عليه الصدور، وقال الناسُ فيه مقالًا، وأغضب فيه رجال رجالًا، فتصفحتُ كتابَه الكبير، فلم أره أتى بما فيه ضرًا (٢) الله هجرًا، ولكنه سلك عندهم طريقًا وعرًا، وأظهر مِن خلافهم أمرًا إمرا، وجاء فيه مما لا يعتاد في جهتهم من الذبِّ عن علم الحديث وحملته ومن سلك مسلكه كان بين الناس غريبًا، ووجب أن يتخذ من الصبر مجنًا صليبًا ". انتهى.
وقد أخذ الإمام الوزير عن الإمام نفيس الدين العلوي وأجازه بما لفظه:
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله حمدًا يُوافي نعمه، ويُكافىء مزيده، لا نحصي ثناء عليه، والصلاة والسلامُ على رسوله سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذرياته وأصهاره وأنصاره كلما ذكرهم الذاكرون، وَغَفَلَ عن ذكرهم الغافلون.
وبعد، فإنه شرفني الله تعالى، ورحل إلي، وقدِمَ على إلى بلدي مدينة تعز المحروس مستقر المملكة اليمنية الرسولية عَمَرَهَا الله بالعلم الشريف سَيِّدُنَا الإمام حقًا، والمجتهدُ صدقًا، الفائقُ على أقرانه من
_________________
(١) الإمام محمد بن إسماعيل البخارى ﵀.
(٢) أكلت الأرَضة مكان الفراغ.
[ ١ / ٢٦ ]
الأغصان النبوية، والأفنان المصطفوية، المؤيَّد بالتأييد الإلهي، المختارُ لله تعالى، والموفِّق في اجتهاده، جمال العترة النبوية محمدُ بنُ إبراهيم بن علي ابن المرتضى بن المفضل بن منصور بن محمد العفيف، بن المفضل الحسني السني بحمد الله تعالى وسمع من لفظي، وقرأ علي ثُلُثَ كتاب "الجمع بين الصحيحين" صحيحي البخاري ومسلم رحمة الله عليهما جَمْع الإمام الحافظ أبي عبد الله محمد بن أبي نصر فتوح بن حُميد الأزدي الحُميدي الأندلسي الظاهري المذهب من كبار تلامذة ابن حزم، مولده في سنة عشرين وأربعمائة. أجمع العلماء أنه لم يكن في العلماء له نظير في براهينه وعفته وورعه. وتوفي سابع عشر من ذي الحجة سنة ٤٨٨. وأجزته باقي الكتاب لأهليته لذلك ودينه وأمانته وعلمه وبراعته، وسمع معه ما ذكرتُهُ الفقيهُ الصالحُ النبيه صالحُ بن قاسم بن سليمان بن محمد الحنبلي ثم المَعمري القادم معه، وآخرون من بلادنا.
وأخبرتُهُم أني قرأته على شيخي الإمام الحافظ المحقق المجتهد المقدم على مقرئي كتاب الله تعالى أبي الحسن موفق بن علي بن أبي بكر ابن محمد بن شداد المقري الهَمْدَاني، ومولده سنة ٦٩٤، ووفاته في شهر شوال سنة ٧٧١، قال: أنا الشيخُ الإمامُ الحافظ المجتهد أبو العباس شهابُ الدين أحمد بن أبي الخير بن منصور بن أبي الخير الشماخي السعدي، ومولده في سنة ٦٥٧، ووفاته سنة ٧٢٩ قال: أنا والدي الإمام الحافظ المجتهد أبو الخير، مولده في سنة ٦١١، ووفاته في ٦٧٣، قال: أخبرنا الحافظ أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن علي بن عبد العزيز الفَشَلي، قال: أنا الإمام برهان الدين أبو الفرج نصر بن علي الحصري البغدادي عرف بالبرهان بروايته عن أبي الفتح عبد الباقي بن أحمد الحنفي عرف بابن البطيّ بروايته عن الحميدي.
[ ١ / ٢٧ ]
وأرويه عن والدي الإمام الحافظ أبي اسحاق برهان الدين إبراهيم بن عمر العلوي الحنفي إجازة منه لي في سنة ٧٥٢ قال: أنا الإمام أحمد بن أبي الخير بسنده قال والدي ﵀. وأخبرنا الإمام الحافظ أبو الحجاج يوسف بن عبد الرحمن المِزي، والشيخ الإمام شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي وغيرهما، قالا: أخبرنا الشيخُ المسندُ علي بن أحمد البخاري، عن الإمام أبي محمد بن أبي بكر بن أبي القاسم بروايته عن الإمام الحافظ أبي القاسم إسماعيل بن أحمد بن عمر السمرقندي بروايته عن المصنف الحميدي.
وأرويه عن والدي، عن الذهبي قال: قرأته على أبي الفهم بن أحمد السلمي قال: أنا أبو محمد بن قُدَامَة (ح) قال الذهبي: وقرأت على أبي سعيد الحلبي، عن عبد اللطيف بن يوسف قالا: أنا أبو الفتح محمد ابن عبد الباقي عن الحميدي. وأجزته وصاحبَه جميعَ رواية صحيح الإمام الحافظ، المجتهد المقلِّد، المتبع لكتاب الله وسنة رسول الله ﵌ بالجامع الصحيح المسند من أمور سيدنا رسول الله ﷺ وأيامه ومغازيه أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه البخاري الجُعْفي رحمه الله تعالى، وأخبرته أني قرأته جميعًا على الشيخ الصالح العابد الناسك شرف الدين أبي عمران موسى بن مُرّ بن رماح الغزولي الحنفي الدمشقي الزُبَيْدي منسوب إلى القبيلة المعروفة ﵀، وقد قَدِمَ علينا ديارنا إلى تعز المحروس من البلاد اليمنية في خامس ربيع الأول سنة ٧٩٥ وتم ذلك في ثلاثة وعشرين مجلسًا آخرُها يوم الخميس ثاني وعشرين شهر ربيع الأول من السنة المذكورة، ومولده في سنة ٧٤١ وتوفي عندنا في تعز المحروس في المدرسة المجاهدية في ليلة الأحد من شهر جمادى الأولى سنة ٧٩٥ وكأنه لم يصل إلينا إلا لنأخذ طريقَ
[ ١ / ٢٨ ]
الحجاز عنه محققة فلله الحمد. ووالدي ﵀ وآخرون قالوا: أخبرنا بالجامع الصحيح المذكور الذي هو أصح الكُتُبِ بعدَ القرآن العزيز عند جماهير العلماء الشيخ الصالحُ الكبيرُ ملحق الأصاغر بالأكابر والأحفاد بالأجداد بعد أن استدعي به إلى مدينة دمشق المحروسة أبو العباس أحمد ابن أبي طالب نعمة بن أبي النِعَم بن علي بن حسن بن بيان عُرف بابن الشِّحِنة الحجار وهو المُعَمّرُ الذي أجمع علماءُ مصر والشام على الأخذ عنه لقرب سنده، وعلوِّ مشايخه، ومولده سنة ٦٢٤، وفاته في خامس وعشرين صفر من سنة ٧٣٠ وبلغ عمره ١٠٦ رحمه الله تعالى، قال: أنا الشيخ الصالح الحسين بن المبارك بن عمران بن المُسلم الزَبيدي بفتح الزاي، ومات في صفر سنة ٦٣١، ومولده في سنة ٥٤٥، قال: أنا الشيخ الصالح أبو الوقت عبد الأول بن علي بن شعيب الصوفي الهروي السِّجزي ولد في سابع ذي القعدة في سنة ٤٥٨ وماتت في ذي القعدة سنة ٥٥٣ قال: أنا الشيخ الفقيه أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر بن محمد بن داود بن أحمد بن معاذ بن سهل بن الحكم الداوودي الشافعي، ولد في شهر ربيع الآخر سنة ٣٦٤. ومات في شوال سنة ٤٦٩ قال: أخبرنا الشيخ أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حمويه الحموي السرخَسِي، ومولده في سنة ٢٩٣ ومات في ذي القعدة (١) لليلتين بقيتا منه سنة ٣٨١ قال: أنا الشيخ الصالح محمد بن يوسف بن مطر الفربري بفَربرْ، وولد في سنة ٢٣١ ومات سنة ٣٢٠ قال: أنا الشيخ الإمامُ الحافظُ أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه البخاري الجُعفي مولاهم، ومولده بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة خلت من شوال سنة ١٩٤، وتوفي
_________________
(١) كذا الأصل وفي سير أعلام النبلاء ١٦/ ٤٩٣: ذي الحجة.
[ ١ / ٢٩ ]
في ليلة السبت هي ليلة الفطر بعدَ صلاة العشاء وذلك سنة ٢٥٦.
قلت: فبيني وبين البخاري سبعة رجال وللمجاز له ثمانية رجال، وهذا غايةُ العلو في وقتنا، قال مشايخنا: ليس على وجه الأرض أعلى من هذا السند، وإنما كان كذلك، لأن كلًا من المشايخ عُمر مائة أو قريبًا منها أو زيادة عليها.
قلتُ (١): هو كما قال النفيسُ العلوي فإني قد وقفت على إجازه الفقيه العالم المحدث شهاب الدين أحمد بن سليمان الأوزري الصَعدي للإمام الأعظم أمير المؤمنين الناصر لدين الله محمد بن علي بن محمد بن علي ابن منصور بن يحيى بن منصور بن المفضَّل كتب الحديث فوجدتُ هذه الإجازة أعلى إسنادًا وأقدم ميلادًا، فإن بينَ الفقيه الأوزري وبين البخاري أحدَ عشرَ رجلًا، وللمجاز له اثنى عشر رجلًا، وطريق الفقيه أحمد الأوزري -نفع الله به- طريق الفقهاء بني مُطَيْر، وقد حققتُ ذلك، فوجدته كذلك، وكذلك وقفت على إجازة الأوزري -﵀- لحي السيد العلامة جمال الدين علي بن محمد بن أبي القاسم الهادوي رحمه الله تعالى، فوجدتُ بينَ الفقيه الأوزري وبين البخاري أحد عشر رجلًا، وبين المجاز له وبين البخاري اثني عشر رجلًا وهذا سندٌ صحيح منه إلى البخاري والله أعلم.
قال: ولي في الحجاز مشايخ كثيرون.
وأجزته أيضًا رواية صحيح مسلم بن الحجّاج بن مسلم بن الورد ابن شاهنشاه القشيري، ورواية سنن الإمام أبي داود سليمان بن الأشعث السِّجستاني، ورواية جامع الإمام أبي عيسى بن محمد بن عيسى بن سورة
_________________
(١) القائل هو محمد بن عبد الله بن الهادي الوزير.
[ ١ / ٣٠ ]
ابن سلمة من الضحاك الترمذي، وكتابه الشمائل، ورواية سنن الإمام أبي عبد الرحمن النسائي، وصحيح أبي حاتِم بن حبان، وابن خُزيمة، ومسند الشافعي، وأبي حنيفة، وغير ذلك. وسمع من لفظي " الأربعين " للإمام الحافظ القطب أبي زكريا يحيى بن شرف النووي في مجلس واحد وأجزته بحق سماعه لذلك من لفظه هو وصاحبه صالح المذكور بروايتي لها قراءة على شيخي الإمام موفق الدين علي بن أبي بكر بن محمد بن شداد بروايته عن جبريل عن الحريري عن المؤلف، وأجزت الشريف المذكور رواية جميع ما أرويه من سائر العلوم الدينية، فليروِ ذلك عني موفقًا مسددًا بتاريخ يوم الثلاثاء ثامن شهر ذي القعدة سنة ٨٠٦ وكان ذلك في منزلي من مدينة تعز المحروس حرسها الله تعالى.
وكتب العبد الفقير إلى الله تعالى سليمان بن إبراهيم بن عمر بن علي العلوي الحنفي خادم السنة النبوية، لطف الله به وغفر له وتاب عليه وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وحسبُنا اللهُ ونعم الوكيلُ.
رحلته إلى مكة المشرفة
كما رحل إلى مكة المكرمة مرتين، إحداهما سنة ٨٠٧ هـ، فأخذ فيها على قاضي القضاة محمد بن عبد الله بن ظهيرة الشافعي، فلما رأى مكانته العلمية وجلال قدره، وعِظَمَ محله، قال له: ما أحسن يا مولانا لو انتسبت إلى الإمام الشافعي، فأجاب عليه: وقال: سبحان الله أيها القاضي إنه لو كان يجوز لي التقليد، لم أعدل عن تقليد الإمام القاسم بن إبراهيم أو حفيده الهادي.
وأخذ في مكة عن الشيخ نجم الدين محمد بن أبي الخير القُرَشي
[ ١ / ٣١ ]
الشافعي، والشيخ زين الدين محمد بن أحمد الطبري، والشيخ محمد بن أحمد بن إبراهيم المعروف بأبي اليُمن الشافعي، والشيخ علي بن مسعود ابن علي بن عبد المعطي الأنصاري المالكي، والشيخ المُعمَّر أبي الخير بن الحسين بن الزين بن محمد بن محمد القطب القسطلاني المكي، والشيخ علي بن أحمد بن سلامة السلمي المكي الشافعي، وجار الله بن صالح الشيباني، والشريف أحمد بن علي الحُسَيني الشهير بالفاسي، فهؤلاء الثمانية وعلى رأسها ابن ظهيرة كانوا أشهر علماء مكة في ذلك الوقت، وقد أجازوا للسيد محمد كل ما يجوز لهم روايتُهُ من كتب الفقه والحديث والتفسير والسير واللغة والعربية والمعاني والبيان والأصول الفقهية، وكتب الكلام على اختلاف مذاهبهم وعقائدهم وذلك بشروط الإجازات المعروفة المشهورة (١) وكانت هذه الإجازات في مكة المشرفة في أيام الحج المفضلة سنة ٨٠٧ هـ.
ولما انقطع الإمام محمد بنُ إبراهيم الوزير للكتاب والسنة، واشتغل بعلومهما، وامتلأت جوانِحُه بحُبِّهما أنشأ سنة ٨٠٨ قصيدة دالية طويلة يفخر ويعتز بتمسكه بهما وحدَهما، وبحبه لرسول الله ﷺ فقال:
ظَلت عَواذِلُه تَروح وَتَغْتدي وَتعيد تعنِيفَ المُحِبِّ وتَبْتَدِي
واللوْمُ لَا يَثني المحِبَّ عَنِ الهَوَى ويَزيدُ تَوليعَ الفُؤَادِ المُعمَدِ
إنَّ المُحِبَّ عن المَلامَةِ في الهوَى في شَاغِل لولا اللوائِمُ يَغْتَدي
ألهى المُحِبَّ عن الملام وَصَدِّه بينَ الجوَانِحِ لوعَةٌ لم تَبْردِ
وَخُفوقُ قلْبٍ لا يقرُّ قَرَارُه وسُفُوحُ دمعٍ صَوْبُه لَمْ يَجْمَدِ
_________________
(١) طبقات الزيدية الكبرى، ترجمته الخاصة بقلم محمد بن عبد الله بن الهادي الوزير.
[ ١ / ٣٢ ]
قُلْ للعذُولِ: أفِقْ فلسْت بمُنتَهٍ عَنْ حُبِّ أكمَل مَنْ تحلى فابعَدِ
لو لُمتنِي في الغَوْر لَمْ أشتقْ إلى شطيهِ أو في نَجْدِهِمْ لَم أُنجِدِ
أوْ كان لَوْمُكَ في التصَابِي مَا صَبا قَلبي، ولا غلبَ الغَرَام تجلدِي
أو لمْتَنِي في اللهو لَم أطْرب إلى نغمِ الغناءِ مِن الغَرِيضِ ومَعْبدِ
أوْ لُمْتني في المَال لَم يَسْتَهْوني نظَرُ اللُّجَيْنِ ؤلاَ نُضَار العسْجَد
أوْ لُمْتنِي فِي غَيْرِ حُبَّ مُحَمدٍ لَحَسبْتَ أنكَ بالنصِيحَة مُرْشِدِي
أو لَو أريت مَحَبة مثلًا لَهُ لِلمُهتدِي والمُرْتَجي والمُجْتدي
يهْديه أوْ يُجْديه أو يُغنِيه عَنْ نُور الرسُولِ الصادعِ المُتوقدِ
هَيهات ما ابْتهج الوُجودُ بِمثلِهِ فَدعِ اللجاجَ فَمِثلُه لمْ يُوجَدِ
يَا صَاحبى على الصبابَة في الهَوى منْ مِنْكُمَا في حُب أحْمد مُسْعِدِي؟
حَسبِي بأني قدْ شُهِرتُ بحُبِّهِ شَرَفًا بِبُرْدَتِه الجَميلة أرتدِي
لِي باسْمِه وَبِحُبهِ وبقُرْبِهِ ذِمَمٌ عظَامٌ قَدْ شَدَدْتُ بها يدي
وَمحمد أوْفى الخَلائقِ ذمةً فلْتَبْلُغَنَّ بِي الأمانِي في غَدِ
يا قلْبُ لا تَسْتبعِدَنَّ لقَاءَه ثِقْ باللقَاءِ وبالْوَفَا فكَأنْ قدِ
يا حَبذَا يَوْمُ القيامَة شُهْرتي بيْنَ الخلائق في المَقَام الأحْمَدِ
بِمَحَبتي سُنَنَ الرسُولِ وإنَّني فيهَا عَصَيْتُ مُعَنِّفِي ومُفَندي
وَتركْت فيهَا جِيرَتِي وَعشيرَتي ومَحَل أترَابِي وَموضِع مولدِي
فَلأَشكُوَن علَيه شكوى موجِعٍ مُتَظلًمٍ مُتَجرم مسْتنْجِدِ
مما لقيتُ مِنَ المتاعِبِ والأذَى في حبه من ظَالِمِي وحُسَّدي
وأقولُ: أنْجدْ صادِقًا في حُبه منْ يُنجِدُ المَظلُومَ إن لم يُنجدِ؟
إني أحِب محَمدًا فَوْق الورى وَبِهِ كَمَا فَعلَ الأوائِلُ أقتَدِي
فقَدْ انْقَضَتْ خَيْرُ القُرونِ وَلمْ يَكنْ فِيهِم بغَيْرِ مُحَمد منْ يهْتدي
وأُحِب آلَ مُحَمدٍ نَفسي الفِدى لهُم فما أحدٌ كآل مُحمَّدِ
[ ١ / ٣٣ ]
همْ بابُ حِطة والسفِينَةُ والهُدَى فِيهم، وهم للظالِمِينَ بِمَرْصدِ
وَهم النجومُ لِخير مُتعبدِ وهُمُ الرجُومُ لكل مَنْ لم يعبُدِ
وهمُ الأمانُ لِكُل مَنْ تَحْت السمَا وَجزَاءُ أحْمدَ ودهُمْ فتوددِ
والقَوْم والقرآنُ فاعرِفْ فضْلَهم ثَقَلانِ للثَّقلين نصُّ مُحَمدِ
وَلَهُم فَضائلُ لست أُحصِي عَدهَا منْ رَام عدَّ الشُّهبِ لم تَتعَدد
وَكَفى لَهُم شَرَفًا وَمَجْدًَا باذِخًَا شرعُ الصلاةِ لَهُم بكلِّ تشُّهدِ
سَنوا متَاَبعةَ النَّبي، وَلم يَكنْ لَهُمُ غرَام بِالمَذاهِبِ عَنْ يَدِ
قَدْ خَالَفُوا آباءهُمْ جهَرًا وَلم يتقَيَّدُوا إلا بسنة أحْمَد
أو لَم يَشِعْ مَا بَين آلِ مُحمدٍ ذكرُ الخِلاف لِمُغْوِرِين ومُنْجِدِ
قَدْ خَالَفَ الهادي بنوهُ لصلْبهِ مَع قربهم كمُحَمدٍ وكأحمَد
والسيدَانِ على اتباعِ نصُوصِهِ قدْ خَالَفا ما نصَّه بتعَمدِ
بَلْ حرم الجُمْهُورُ مِنْ سادَاتهمْ تَقلِيد موْتَاهُم بِغَيْر تَردُّد
ذَا مَذْهَبُ الجمْهور فيما قَالَه يَحيى بنُ حَمزة وهوَ أوثقُ مُسندِ
وكذا ابن زيدٍ قال ذَاك وغيْره وهُو اختِيارُ الناطق المُتَشَددِ
واسْأل كتاب العِقدِ (١) عما قُلت والـ ـمجزي (٢) وسائِلْ منْ بَدَا لَكَ وَانشُدِ
وانظُرْ إلى إنصَاف أهل البَيتِ لَم يَغْلُوا وَلَم يتعَصبُوا في مَقصدِ
بَلْ خالَفُوا آباءَهُمْ وَتَبَينوا وَجْه الصوابِ تَحَريًا لِلأرشَدِ
وَأنا اقتَدَيتُ بهم فأنكر قُدْوتِي من طُغمة (٣) الغوغاءِ كُل مُبلَّد
قَالوا: نقَلدُهمْ وإنْ مَاتُوا عَلَى رأي المؤيدِ ذِي العُلُوم الأوحدِ
قلنا لهم: لَسنا نَعيبُ عَلَيْكُمُ مَنْ قلَّدَ الأموَاتَ فَهْوَ مؤَيَّدُ
_________________
(١) هو ليحيى القرشي.
(٢) هو للسيد أبي طالب يحيى بن الحسين الهاروني.
(٣) هكذا وردت الكلمة في الأصل وفي نسخة ضمخة.
[ ١ / ٣٤ ]
همْ قَلدُوهمْ واقتَديتُ بهِمْ وَكَمْ بَينَ المُقَلد فِي الهَوَى والمُقتدِي؟
مَنْ قَلَّدَ النُّعمانَ أمْسَى شَاربًا لمُثَلَّثٍ نَجِسٍ خَبِيثٍ مُزبِدِ
وَلَوِ اقْتَدَى بأبي حنيفَةَ لَم يكُن إلاَّ إمامًا خاشعًا في المَسْجِدِ
ومَنِ اهتدَى فَقدِ اهْتدَى نصًا وإجـ ـماعًا وليسَ كذاك من لم يَقْتَدِ
والكُل مُخْتَارٌ لأِقوَم منهَجٍ فِيمَا تَحراة وأعذب مورِد
والكُلُّ إخْوانٌ وَدِينٌ وَاحِدٌ كُلٌّ مُصِيب في الفُرُوع وَمُهتَدِي
هذي الفرُوع وفي الأصُولِ عَقِيدتي مَا لا يُخَالِفُ فيهِ كُلُّ مُوَحِّدِ
دِيني كأهلِ البيت دينًا قيمًا متَنَزَّهًا عَنْ كلِّ مُعتَقدٍ رَدِي
لكننِي أرضى العتِيقَ (١) وأحتمي مِن كلِّ قولٍ حَادِثٍ متَجَددِ
إنَّ السَّلامةَ في العَتِيقِ وإنَّهُ كَالشمسِ واضِحةً لِعَينِ المُهتدِي
وَيشُكُّ فيه ذوو الجهالَةِ والعَمَى والشمسُ لا تَبدُو لِعَينِ الأرمَدِ
ويصد عَنهُ منْ يصعد (٢) فِكرَهُ في الغَامِضاتِ وعِلمِ كُلِّ مُسوَّدِ
ما كان للإسلام وقت مُحَمدٍ دَرْس سِوَى القُرآن لِلمُتَعَبِّدِ
وَدَعَائِمُ الإسلام كانَت وَقته خَمسًا يُعَدِّدُها لِكُلِّ مُشهدِ
فَلأيِّ شيءٍ كان من لم يَعْتَمِدْ دَرْسَ الأدِلَّة كافِرًا كَالمُلحِدِ
مَا عِندهمْ فِي كلِّ برٍ عَابِدٍ مُتألِّهٍ متَفَرِّدٍ متجَرِّدِ
لا يعرفُ الأعرَاض لا لَفظًا ولا مَعنى يُكفِّرُ كالذي لَم يسْجُدِ؟
كلاَّ، وَرَبِّ مُحمد مَا دِينهُ يَقْضِي بِكُفْر التائِب المتَهجِّدِ
إلا الذي تَركَ الشرَائِع جَاحِدًا لِلدِّينِ كالمُرْتَدِّ والمُتَهَوِّدِ
قَالوا: الأدِلَّة لَيس تخْفَى جُمْلَةً قُلْنَا لَهُم: ذا قَوْل مَنْ لَم يَنْقُدِ
_________________
(١) المراد بالعتيق هنا أقوال أهل البيت المتقدمة على ما تضمنه (الجامع الكافي) والله أعلم. طبقات الزيدية ليحيى بن الحسين.
(٢) هكذا وردت الكلمة وفي نسخة يضغد.
[ ١ / ٣٥ ]
إنْ كانَ لِلإسْلام عَشرُ دَعَائِمٍ فانقُصْ مِنَ العَشرِ الدَّعَائِم أوْ زدِ
تَجِدِ الزِّيَادَة في الدَّلِيلِ مُحَالَةً والنَّقص لِلبُرهَانِ أعظمُ مُفسِدِ
يا لائِمي في مذْهَبي باللهِ قُلْ لِم زِدتَ فِي الإسلام مَا لَم يُعهَدِ
ما لِلسنينَ قَضَت ولَم ينْطِق بِذَا خيرُ البَرِيِّةِ مَرةً فَي مَشهَدِ؟
أوَ لَم يكنْ أوْلَى بِتَبيينِ الهُدَى وَالمُشكِلاتِ ِلأَحْمَرٍ ولأسْودِ
مَا كان أحْمَدُ في المِرا مُتَدَرِّبًا كلاَّ، وَلا للمُشكِلاتِ بِمُورِدِ
بَلْ كَان يَأمُرُ بِالجِهَادِ لكُلِّ مَنْ جَحَدَ الدليل وكُلِّ بَاغٍ مُعْتدِ
حتى اسْتَقَامَ الدِّينُ وانتعَشَ الهُدَى بالمَشْرَفِيةِ والقَنَا المتَقَصدِ
قَامَت شَرِيعَتُهُ لِكلِّ مُجَرّبٍ ماضِي المَضارِب لا يَكِلُّ مُجَلّدِ
وكذَاكَ أهلُ البيت مَا زَالُوا علَى منهَاجِه مِنْ قَائِمٍ أوْ سيِّدِ
واقْرَ المُهَذبَ تَلْقَ ما أطْلَقتُهُ قَدْ نَصَّهُ المَنصُورُ (١) غَيْرَ مُقَيَّدِ
وَاقْرَأ كِتَابَ الجَامع الكَافِي (٢) عَلَى نَهْجِ الأوائِل إنَّه يُروِي الصَّدِي
إذ لَم يَكنْ سَلفٌ سِوَى أرْبابِهِ لِلمُدَّعِي لِولاَءِ عِتْرةِ أحْمَدِ
وَكذلِكَ الرسِيُّ دَانَ وإنَّهُ هُو فِي نُجُومِ الآل مِثلُ الفَرْقَدِ
وَكذَا المُؤَيَّدُ (٣) قال ذَاك مُصَرِّحًا وَأرى ابْنَ حمْزَةَ فيهِ لَمْ يَتَردَّدِ
وَكذاكَ يحيى (٤) نَجْمُ آلِ مُفَضَّلِ أعني ابْنَ منْضورٍ كَرِيم المَحْتدِ
قدْ قَال ذاكَ ولمْ يَزلْ بلزُومهِ يُوصِي، وَمِن شِعْرٍ لَهُ في المَقْصِدِ
يَكْفِيكَ مِنْ جِهَةِ العقِيدَةِ مُسْلِمٌ وَمن الإضافةِ حَيْدَرِيٌّ أحْمَدِي
وكَذاكَ شَيَّدَ ذَا سُلالَةُ قَاسِمِ يحيى الأخير الحِبْرُ أي مُشَيّدِ
وكذا إبنُ زيدٍ (٥) في المَحَجَّةِ نَصُّه رأسُ التشيعِ قدوةُ المسترشِدِ
_________________
(١) هو عبد الله بن حمزة.
(٢) هو لمحمد بن علي العلوي.
(٣) المؤيد الهاروني.
(٤) يحيى بن منصور من اعلام آل الوزير.
(٥) القاضي عبد الله بن زيد العنسي المتوفي سنة ٦٦٧.
[ ١ / ٣٦ ]
وإمام (١) بغداد تَوَدَّدَ أَنَّهُ لَم يَعرِفِ التدقِيقَ أيَّ تَوَدُّدِ
وابنُ الخَطِيب (٢) وَحُجَّة الإسلامِ (٣) قَدْ خَمَدَا وَنَارُ ذَكاهُمَا لَمْ تَخْمُدِ
تَابَا وَلكنْ بَعدَ أَن سَلاَّ عَلَى الـ إسلامِ سيفًا مَا أرَاهُ يُغْمَدِ
وَبِذَا اكْتَفَى آلُ الرسُولِ ومَنْ ثَوَى عنْد الحَجونِ وفي بقِيعِ الغَرْقَدِ
وَكذَا الصحَابَةُ والذِينَ يَلُونَهُمْ سَلْ كُل تارِيخٍ بذَاكَ وَمُسْنَدِ
وَكذَلِكَ الفقَهَاءُ قالوا وَامتحِنْ قَوْلي وسَل كُتُبَ الترَاجِمِ وانْقُدِ
مَا كنْتُ بِدْعًا في الذِي قَدْ قُلتُهُ يا لائمي فَدَعِ الغَوَاية تَرْشُدِ
وإذَا أبَيْتَ وكُنتَ لا تَدري فقُمْ عنْ مَجْلِسِ العُلَمَا وَقِفْ بِالمِربَدِ
فَلأجْهَرَنَّ بِما عَلِمتُ فإنْ أعِشْ أنصَحْ وإن أقضِي فغَيرُ مُخَلَّدِ
هذَا ومَا اختَرْت العتيق لِحيرتي في الغَامِضَاتِ، ولا لِفَرْطِ تَبلُّدِ
فأنَا الذِي أفْنَيتُ شرْخَ شَبيبَتِي في بَحثِ كُلِّ مُحَقق وَمُجَوِّدِ
والإفتِخَارُ مَذَمَّةٌ منِّي فسَلْ عَنِي المَشَايخَ فَالمَشَايِخُ شُهَّدِي
وإذَا أتتْكَ مَذمتِي مِنْ نَاقِصٍ فَافهم فَتِلكَ كنَايَةُ عَنْ سُؤدُدي
وإذَا شككتَ بأنَّ تِلك فَضِيلةٌ فاسْتَقْرِ -وَيْحَكَ- وَصفَ كُلِّ مُحَسَّدِ
فلِحُسَّدِي مَا في الضَّمَائِر مِنهُمُ أبَدًا وَلي مَا هُمْ عَلَيهِ حُسَّدِي
وقد انتقده شيخُه علي بن محمد بن أبي القاسم على ما ورد فيها متحاملًا عليه، ومشنِّعًا به، فَرَدَّ عليه الهادي بن إبراهيم الوزير مدافعًا ومحتملًا ومتأولًا لأخيه، ومصححًا لشيخه أوهامه وظنونَه في أخيه، وسمى رده " الجواب الناطق بالحق اليقين الشافي لصدور المتقين " وقال بعدَ الخطبة: وبعد: فإني لما وقفتُ على ما ذكره السيدُ الإمام العلامة جمالُ
_________________
(١) أبو القاسم البلخي.
(٢) الإمام الرازي.
(٣) الإمام الغزالي.
[ ١ / ٣٧ ]
الإسلام، رباني العِترة الكرام، وسلالة الأئمة الأعلام عليُّ بن محمد بن أبي القاسم، أبقاه الله غُرَّةً شادِخة في الأنام، وذِروة باذِخَةً على مرور الأيام في جوابه على تلميذه وولدِه الصَّنو محمد بنِ إبراهيم (الوزير) في نقضه لما انتزعه مِن قصيدته التي أشار فيها إلى عقيدته، وجدته -أيده الله- قد نسب إلى محمد في بعض ما ذكره ما لم يَقُلْه، وَفَهِمَ من أبياته ما لم يقصده، وقد أطلق المحققون من الأصوليين أن الفهم شرطُ التكليف، وإليه ذهب بعضُ القائلين بجواز التكليف بالمستحيل، وقد نصَّ على ذلك ابن الحاجب في " منتهى السول " فكيف لا يشترط ذلك في جواز كمال التكليف، ومن حق الجواب أن يكون لِما ورد عليه مطابقًا، ولما سيق من أجله موافقًا، وأن لا يؤاخذ بمفهوم الخطاب، ولا يقطع بوهمٍ يُخالِفُ الصواب، فإن مِن حق الناقض لكلام غيرِه أن يفهمه أولًا، ويعرف ما قصد به ثانيًا، ويتحقق معنى مقالته، ويتبين فحوى عبارته، فأما لو جمَعَ لخصمه بَيْنَ عدم الفهم لقصده، والمؤاخذة له بظاهر قوله، كان كمن رمى فأشوى، وخَبَطَ خَبْطَ عشوا. ثم إن نَسَب إليه قولًا لم يعرفه، وحمَّله ذنبًا لم يقترِفْه، كان ذلك زيادةً في الإقصا، وخلافًا لِما بِهِ الله تعالى وَصَّى، قال تعالى: ﴿وَإذَا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ أمَرَ ربِّي بالقِسْطِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلاَ يَجْرِمِنكُم شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أنْ لاَ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أقْرَبُ لِلتَّقوى﴾ إلى أمثالها من الآيات.
وكانت قصيدة محمد قد اشتملت على أشياء أجبتها، وكلامات نقضتها بكلام جُمْلي (١) لأن الشعر لا يحتمل أكثر من ذلك. ولما عدل السيد أيده الله إلى نقضها بكلامه، وأفاض عليها سَجْلا من علمه، وكان
_________________
(١) سيأتي جواب الهادي في قصيدته عقب هذا.
[ ١ / ٣٨ ]
في شيء من ذلك ما ذكرته، رأيت أن أذكر ما ذكره السيد العلامة جمال الدين من الأبيات وأعقبها بما نقضها به أيده الله من الإشارات، ثم أذكر من كلام محمد ما يشهد له بالنزاهة عن القول الباطل، وأرسم من الوساطة بالحق ما يميز بين الحالي والعاطل، وأحمل كلام السيد جمال الدين أيَّده الله على السلامة في جميع أحواله وأنظم ما صدر منه في سلك الفوائد المنتزعة من علومه وأقواله غير أن الأوهام قد تقع، وماء اليقين لصداء النفوس ينقع، والله الهادي إلى الصواب، والموفق لإصابة الحق في المبتدأ والجواب.
ومن أمثلة اعتراضات علي بن محمد بن أبي القاسم على الإمام محمد بن إبراهيم الوزير ما رواه الهادي بن إبراهيم بقوله: قال السيد جمال الدين: ثم إنه قال -يعني محمدًا- هو على دين أهل البيت، وأهل البيت ينزهون الله تعالى من شُبه المحدثات ومن قبائح العباد ومن إخلاف الوعيد ويرون أن من خالفهم في هذه المسائل ضال مخطىء، ثم اختلفوا في كفره فأكثرهم كَفَّره، ومنهم من توقف في كفره، وقطع بخطئه فإذا كان هذا اعتقادَهم وصاحبُ هذا الشعر يزعم أنه يُوافقهم، فكيف يقدم رواية هؤلاء الذين هم فساقُ تأويل، أو كفار تأويل على رواية أهل التوحيد والعدل (١)، ولم يقل أحد من هذه الأمة بهذا، والمخالف لنا منهم يقول: إنهم أهلُ الحق، ونحن على الباطل فلذلك قدم روايتهم. واعلم أنه لا بد من أحد أمرين: إما أن تُرَد رواية هؤلاء المبتدعين القائلين بالجبر والتشبيه عند معارضة أهل التوحيد والعدل، وإما أن نقول: بأن الحق معهم، والنافي للتشبيه والجبر هو المبتدع.
الجواب: أن هذه الجملة التي أوردها السيد جمال الدين مفتقرة إلى
_________________
(١) التعديل في نسخة أخرى.
[ ١ / ٣٩ ]
إقامة البرهان، وإلا كانت دعوى بغير بيان، لأنه نسب إلى محمدٍ جميع أقاويل الجبرية، وعزا إليه القول بمذاهبهم الفرية، وعدد منها ما أعتقد براءة محمد منه جملة وتفصيلًا وتحقيقًا وتأويلًا، فحال السيد في هذه المقالات التي ذكرها وإلى محمد نسبها، إما أن يكون علمها من محمد علمًا يقينًا، أو يكون وهمها فيها ظنًا وتخمينًا، فإن كان الأول أظهر ما عنده في ذلك حتى يعرف الصحيح من السقيم، ويتضح المعوج من المستقيم.
فأما مجرد البهت الصراح، فلا يليق بذوي الصلاح.
وقول السيد: وصاحب هذا الشعر يزعم أنه يُوافقهم، فكيف يقدم رواية فساق التأويل وكفار التأويل على رواية أهل التوحيد والتعديل؟ قد تقدم الكلام في جواز رواية فاسق التأويل وكافره بما لا فائدة في إعادته، وأما أن محمدًا يقدمها على رواية أهل التوحيد والعدل، فليس الأمر كما ذكره السيد جمال الدين، بل ما من مسألة أخذ بها محمد في الفروع إلاَّ ولها قائل من أهل البيت ﵈، وجملتها فيما علمت ست مسائل:
أولها: التوجه بعد التكبير قال به المؤيد في جماعة من أهل البيت، وفيهم يحيى بن حمزة.
وثانيها: تربيع التكبير في أول الأذان قال به طائفة من أئمة العترة، وهم زيد بن علي، والنفس الزكية، والباقر، والصادق في رواية، وأحمد بن عيسى، والناصر الكبير، والمؤيد بالله، ويحيى بن حمزة.
وثالثها: الإسرار ببسم الله الرحمن الرحيم في الجهريات، فعند الناصر والمؤيد بالله أن الجهر والمخافتة هيئة لا تفسد الصلاة، وقال زيد ابن علي وأبو عبد الله الداعي: إن الجهر سنة يوجب تركه سجود السَّهو،
[ ١ / ٤٠ ]
وبه قال المنصور بالله في من ترك الجهر في الصلاة في القراءة المجهور بها قال: أكثر ما يجب عندنا سجود السهو. قال المؤيد بالله: يجب الجهر ببسم الله الرَّحمن الرحيم في الصلاه الجهرية فإن ترك الجهر، لم تبطل صلاته.
ورابعها: التشهد المروي عن النبي ﵌ وهو " التحيات لله والصلوات الطيبات " الخ. وهي رواية المنتخب، وبه قال المؤيد بالله وغيره من أهل البيت ﵈، وقال القاسم والمؤيد بالله: أي تشهد يتشهد به المصلي مما ورد به الأثر، فهو جائز، وهي تشهدات أربعة كلها مأثورة.
وخامسها: القنوت بعد القراءة وقبل الركوع، وبهذا قال زيد بن علي، وأحمد بن عيسى والباقّر وغيرهم وهو اختيار الإمام يحيى بن حمزه.
وسادسها: وضع اليد على اليد قوق السُّرَة، ومذهب الشافعي على الصدر.
فهذه جملة المسائل التي ذكر أن محمدًا خالف بها إجماع أهل البيت ﵈، وأنه قدم فيها رواية أهل التشبيه والجبر على رواية أهل التوحيد والعدل، وما من مسألة من هذه المسائل إلاَّ وقد قال بها من ذكرناه من عيون أئمه الزيدية والعترة النبوية.
وأما غيرها من مسائل الاعتقاد فما علمت أن محمدًا خالف فيها مذهب الزيدية وأئمة العترة النبوية.
كما أجاب على أخيه محمد بقصيدة مماثلة في الوزن والروي يثني عليه، ويحثه على الرجوع إلى المذهب الزيدي والتمسك به وهذا نصها:
عَجِلَتْ عَوَاذِلُه وَلَم تَتَأيِّد وَجَنَتْ عَلَيْهِ جِنَايَة المُتَعَمِّدِ
[ ١ / ٤١ ]
ما سُرْعَةُ العَذْلِ المُعوَّج نَهْجُه مِنْ سُنة العدْلِ القَوِيم الموْرِد
شيآن ما أعيا الأنام سواهما لوم البري وتهمة المتودد
وأخُو الهُدَى مسْدُودَةٌ أسْماعُهُ لا يَرْعوي لمقامِ كلِّ مُسَددِ
سدِّدْ كلامك في إصابةِ رَأيِهِ أو لا يقع في مَسْمَع مُتَبَدِّد
يا عاذلي فِي حُبِّ آل مُحَمَّدٍ دَعْ ما تَقولُ فأنت غيْرُ مُحمدِ
لو كُنْتَ تعْذلُ في مَحَبَّةِ غَيْرهِمْ لَعَلِمْتُ أنكَ بالنصيحَةِ مُرْشِدِي
أأحبهم وأُحِبَّ غَيْرَ طَرِيقهِم هذا المُحالُ منَ المقَالِ الأبعد
منْ مال عنْهُم لم يَكن مِنْهُم، وسلْ أَهل المعَارف والطريقِ الأرشَد
أَنَا منْهُم في فِعْلِهمْ وَمقالِهِمْ يَا شَاهدَ اللهِ المُهيْمِن فَاشْهدِ
حبي لَهُم فَرْضٌ وحُبي جدّهُم مَجْد وَصَلْتُ فريضَتي بِتَهجْدِ
لا رَيْبَ في حُبِّ النبي لِمُسْلِمٍ إذْ كانَ ذلِك أصْل دين محَمدِ
فاخصص بحبك آله متقربا بهم إليه وحبهم فتزود
لم يسأل الرحمن إلا وِدَّهم أجرًا على الإبلاغ منه لأحمد
ما ذاكَ إلا أن حُبَّ مُحَمَّدِ شرْع لَه في الناسكِ المُتعبدِ
جَمَعَ الطوائِفَ حُبه وَتَفرَّقوا في حُبِّ عتْرته بِغيْر تَرَددِ
فاجْعَل وِدادَك حُبَّ ما افترقُوا تُصِبْ نَهْجًا مُعَبدةً بغيرِ مُعبدِ
ومُحَمَّد وافي إليَّ نظَامَهُ كالدْرِ في عُنُق الغَزَال الأغْيَدِ
رتب محاسنه بِرِقَّه شوقِ منْ أهداه في طَلَب الحدِيث المُسْندِ
وأفادَ عين كماله وجمالِه مَرْهى، ولما تكتحل بالإثمد
ما كانَ أحوج ذا الكمال إلى الذي فيه من العيب اتقاء الحُسَّدِ
لما تَنَحَّى عن محجَّة أهلِه ومشى على الطُّرقات مشي الأصْيدِ
أأخي وقُوَّة ناظرِي ومُشارِكي في أصله ومحله والمَولِد
أَخَوَانِ إلا أنَّ هذا قد عَتَا كبرًا وهذا في الشباب الأمْلَدِ
[ ١ / ٤٢ ]
ولد صغيرٌ في حَدَاثَةِ سِنِّه وأخ كبيرٌ في العلا والسؤْدُدِ
أربَى عليَّ براعةً وبلاغةً وأكل مِذودُه المفوَّه مذودي
قد زادني علمًا فتلكَ وسِيلَةٌ لِلرَّاغبين فإنْ تَجِدهَا فَاْزدد
وأفادني مِنْ علمه وبيانه حُسنَ الإفادةِ فاستفدْه وأسنِدِ
أبنيَّ إن ناديتُه لِتلطفٍ وأخَيَّ إن ناجيتُه لِتَجَلُّدِ
مالي أراك وأنتَ صفوةُ سادةٍ طابت شمائلهم لطيب المحْتدِ
تمتازُ عنهم في مآخذ علمهم وهُمُ الذين علومُهم تُروي الصَّدي
اخذُوا مباني علمهم وأصولَه عَنْ أهلهم مِن سيدٍ عن سيِّد
سند عن الهادي وعن آبائه لا عن كلام مُسَدَّدٍ بنِ مُسَرهد
سند عن الآباء والأجدداد في أحكامهم وفنونهم والمفرد
وكذاك في التجريد والتحرير والتـ ـعليق والمجموع ثُم المرشدِ
لهم من التصنيف ألفُ مصنّفٍ ما ببنَ علم سابق ومجدّد
قد قلتَ في الأبيات قولًا صادقا ولقد صدقتَ وكنت غيرَ مُفَندِ
هُمْ باب حطةَ والسفينةُ والهدى فيهم وهُمْ للظالمين بمرصدِ
وهم الأمان لكلِّ من تحت السما وجزاء أحمد ودُهُم فَتَوَدَّدِ
والقوم والقرآن فاعْرِفْ قدرهُم ثقلانِ للثقلين نص محمد
وَكَفَى لَهُم شرفًا ومجدًا باذِخًا فرضُ الصلاة لهم بكل تَشهدِ
هذا مقالُك في القصيدِ وإنَّه محْضُ الصوابِ وعِصمة المسترشِد
فأتِم قولَك بالمصيرِ إليهم في كُلِّ قولٍ يا محمد تهتدي
فهُم الأمان كما ذكرت ونهجُهم نهحُ البُلوغِ إلى تمام المَقصِدِ
مالي أراك تقولُ فيهم هكذا وبغيرِ مذهبهم تدينُ وتقتدي
أو ليس هم حجج الإله على الورى والفلك في بحر الضلالِ المزبد
ما كان أحسن حسن فهمك ترتقي درجاتِ علمهم إلى المتصعِّد
[ ١ / ٤٣ ]
حتى إذا استوريت زندَ علومِهم وأردتَ تزند ما بدا لكَ فازند
بَعْدَ النهاية في العلوم ودرسها وإحاطةِ المتوغل المتجرد
ولأنت فرع باسق مِن دوحةٍ شَرُفَتْ بحيدرة الوصيِّ وأحمد
متردد بينَ النبوة والهدى مِن أهله ناهيك من متردد
فأعِد هداك اللهُ نظرة وامقٍ في علمهم تلقَ الرشادَ لمرشد
وتوسَّمِ العلمَ الذي في كتبهم تجدِ الدراية والهدايةَ عن يد
وذكرت سنة أحمد وحديثه يا حبّذا سننُ النبي محمد
أورد مسائلها ورد في مائها يا حبذاك لِوارد ولمُورِد
لسنا نقولُ: بأن سنة أحمدٍ متروكةٌ وحديثه لم يُوجَدِ
بلْ سُنَّةُ المختار معمول بها وحديثه شف النضار المسجدِ
ومقالُهم في سنة وجماعة قول رديء ليس بالمتمخد
سبوا الوصي وأظهروها سنةً لبني الدُنا من مغورين ومنجد
وكذاك سموْا حين صالح شَبَّرَ ابنَ التي عُرِفَت بأكل الأكبُدِ
عامَ الجماعة واستمروا هكذا حتى تملك عصره المستنجد
أعني به عمرًا فأنكر بدعةً ونظيرُه في عدله لم يُوجَدِ
ونقول في كتب الحديث محاسن مِن سنة المختار لما نقصد
لكن نُرَجِّح ما رواه أهلُنا سفنُ النجاة وأهلُ ذاك المسجد
ونقول: مذهبهم أصحُّ رواية وأمتّ في متن الحديث المسند
فبِهِم على كُل الأكابر نبتدي وإليهم أبدًا نروح ونغتدي
وَبهديهم في كل سمتٍ نهتدي وبقولهم في كل أمرٍ نقتدي
وبفعلهم في كل مجد نحتذي وبعلمهم في كُل وقت نجتدي
وإذا تعارض عندنا قولٌ لهم ولغيرهم قول وإن هو واحدي
مِلنا إلى القول الذي قالوا به لتوثق في حفظهم وتشدد
[ ١ / ٤٤ ]
وتصلّب في دينهم وتنزه وتورع في كسبهم وتزهد
ولما روينا فيهم عن أحمد حسبي به للمقتدي والمهتدي
فاليوم عِصمتنا بهم وبحبهم وهم الأئمة والأدلة في غد
نشروا العلومَ وأيدوا دينَ الهدى علمًا بهادٍ فيهم ومؤيد
وَمَضوْا على سنن الجهاد وَرسمه ما بين مقتول وبين مشرد
ومخلد في حبسه ومطرد عن أهله ومصلب ومقيد
من في البرية يا محمد مثلهم في فضلهم وجهادهم والسؤدُد
وذكرتَ تصحيح الخلاف وأنهم قد خالفوا آباءهم بتعمد
فصدقتَ فيما قلتَه وحكيتَه وقع الخلافُ وليس ذاك بمفسِدِ
إنَّ الصحابة ماج فيما بينَهم شرعُ الخلاف وهم صحابةُ أحمد
وكذا الأئمة بعدَهم لما تزَلْ آراؤهم في العلمِ ذات تبدُّدِ
والحقُّ تصويبُ الخلاف وما ترى الـ إجماع إلا في نوادر شرد
وذكرتَ أن الموت يقطع في الهدى تقليدَ صاحبه لكل مقلد
وحكيتَ ذلك مذهبَ الجمهور عن علمائهم بينت كالمستشهدِ
فخلاف ذلك ظاهرٌ متعارف في كتبنا وبكتبهم فاستورد
قد نصَّ بيضاويهم في شرحه تجويز تقليد الإمام المُلْحَد
وكذاكَ في المعيار جوزه وقد أفتى به حسنٌ سليلُ محمد
قالوا جميعًا للضرورة: إنه لم يبق مجتهد فطُفْ وتفقد
قالوا: والا أي فائدة لنا في درس علم الشافعي وأحمد
وكذاك درس علومِ آل محمد كم دارس لعلومهم متفرد؟
فاذا تبين أن تقليدَ الورى حق لمهدي وهادٍ قد هُدِي
وأصبتَ فيما قلت من تصويب أهـ ـلِ العلم في فنِّ الخلاف الأمجد
فن الفروع فإنه لا بأس في سَعةِ الخلاف به لكل مجرد
[ ١ / ٤٥ ]
وذكرت قولك في الكلام ومالهم فيه من القول الغريبِ الموجد
فلقد ذكرت من العلوم أجلَّها قدرًا وأعظمها لكل مُوَحِّدِ
فن به شَهدَ الكتاب وصحة الـ ألباب ليس لِفَضْلِهِ من مَجْحَدِ
راضته أفكار الأفاضلِ واغتدى كالدُّرِّ بين زبرجد وزُمرد
ما فيه مِن عيب سوى أن دققوا لِدفاع قولِ الفيلسوفِ المُلْحِد
لولا صناعتُهم وحسنُ كلامهم نزعت يدُ الحربا لسان الأسود
وصدقت أن محمدًا في صحبه لم يعرفوا تلك العبادة عن يد
ماذا أرادَ محمد منها وجِبْـ ـريلٌ لديه كل حينٍ في الندي؟
حمَّاد عجْرَد لم يكن في وقته ابدًا، ولا سمعوا هناك بعجرد
وابن الروندي وابن سينا أحدثا بعدَ النبوة في الزمان الأقرد
ما كان في وقت النبي مدقق منهم فيحتاجُ البيان لملحد
لكن علي قد أبان بنهجه هذي الدقائق فاستبنها واقصدِ
هُوَ أوَّل المتكلمين وقولُه قبس كنارِ القابس المستوقد
فاتبع مقالتَه فإن شيوخَنَا اتباعُه فيها أصبها تُرْشَد
ماذا أردتَ بانتقاصِ مشايِخ هم أصلتوا في العلم كل مهند
لولا سيوفُ كلامهم وعلومهم لم ينتقض تاج الغواة الجحد
نقضوا به شبه الفلاسفة الأولى دانُوا تأفلاك وقول أنكد
فنريهم القمر المنير من الهدى ويروننا وجهَ السُّها والفرقد
فهناك أمسينا بأحسن ليلة وهناك قد باتوا بليلة أنقد
وأدلة التوحيد ليسَ شعاعُها يخفي على مَنْ لم يكن بالأرمد
ولهم مسالك في العبارة بعضها يُشفي به قلبُ العليل المعمد
والبعضُ منها ليس بالمرضي في قولِ الهُداة من النصاب الأحمد
ولنا مِن الماء السلاسل صفوه والآجن المنبوذُ للمستورد
[ ١ / ٤٦ ]
فاشرب مِن الماء الزلال ألذَّه ودعِ الكُدورة في شواطي المورد
وشكوتَ من ألم البُغاة ولم تَجِدْ ذا سؤدُد الا أصيب بحسد
لا زلتَ باسبطَ الكرام محسَّدا فالناقصُ المسكين غير محسد
قال السيد جمال الدين: ومن مخالفة إجماعهم ترك " بسم الله الرحمن الرحيم " في الفاتحة، ومن مخالفة إجماعهم القولُ بالرؤية، ومن مخالفة إجماعهم تركُ " حي على خير العمل ".
الجواب على هذه الثلاث المسائل، أما ترك بسم الله الرحمن الرحيم، فلم يقل محمد بتركها، وأكثر ما سمعته يذكر في البسملة الإسرار بها، قال: وهو يحتاط في ذلك فيجعل الإسرار بها بحيث يسمع من بجنبه، وذلك أقل الجهر، وقد قال زيد بن علي: ما خافت من أسمع أذنيه، فأما الترك رأسًا، فليس من القبيل الذي نسبه إلى محمد، إذ لم يقل به محمد. ومثله أبقاه الله لا يعجل بنسبة شيء إلى أحد إلا بعد معرفته وتحقيقه وإلا كان خلافَ الصواب، وهو لا يليقُ بمثله، وإنما يليق بالعالم المتقي التثبت في الرواية، وحسن الرد من بعد الهداية، ومسألة الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم غير مسألة الترك، ولكل واحدة منهما كلام لا يحتمِلُهُ الموضع.
وأما مسألة مخالفة إجماع العترة بالقول بالرؤية، فهذا شيء لم أعرفه، ولم أسمعه من محمد لا في قول ولا في كتاب وأنا أنزهه عن هذه المقالة ومعي خطه بأن إعتقاده في العقائد الكلامية والمسائل الإلهية اعتقاد أهل البيت ﵈ وأنه غيرُ مخالف في واحدة من هذه المسائل، ويدل على ذلك من شعره قوله من جملة أبياته: -
هذي الفروع وفي العقيدة مذهبي ما لا يخالِفُ فيه كُلُّ موحد
[ ١ / ٤٧ ]
ديني كأهلِ البيت دينًا قيمًا متنزهًا عن كل معتقد ردي
وكيف يقول بالرؤية بعد هذه المقالة، أو يضاف إليه ذلك، ومذهبُ أهل البيت واعتقادهم أن الرؤية على الله تعالى غيرُ جائزة معقولة ولا غير معقولة وكيف يصرح محمد ها هنا بأنه يتنزه في عقيدته عن كل معتقد ردي؟، ويُضاف إليه اعتقاد مخالفة العترة بالقول بالرؤية وهذه هي المصادمة بنفسها.
وأما مخالفة إجماعهم بترك حي على خير العمل، فهذا من الطراز الأول، وهو التقول على محمد ما لم يقله، والنسبة إليه ما لم يصدر عنه ولم يكن منه، وقد سمعتُهُ يؤذنُ غير مرة، ويذكر (حي على خير العمل)، وأكثر ما يصنعه في الأذان التربيع في أوله كما هو مذهب طائفة من العترة وساداتهم، وذكر محمد أنه وجد في سنن البيهقي وهي السنن الكبيرة رواية حي على خير العمل أثبتها البيهقي، وصححها، وذكر هذا في معرض التصحيح للأذان بـ (حي على خير العمل) وهو على ذلك قبل أن يقف على سنن البيهقي، فكيفَ نَسب إليه السيد جمال الدين ما لم يصح عنه، وأكثر ما يتمسك به السيد في إضافة هذه الأقاويل رواية أحادية لم تبلغ حد التواتر، فيحصل له طريق موصلة إلى العلم. وقد روى القاضي محمد ابن عبد الله بن أبي النجم في كتاب الفصول ما لفظه: وعن القاسم ﵇ أنه قال الأذان بغير (حي على خير العمل) معناه جائز، وهذه رواية شاذة لم تسمع عن غيره، وهي رواية غريبة، ولو صدر مثل هذه الرواية عن غيره، لأنكرناها ولكن رواية العدل مقبولة.
[ ١ / ٤٨ ]
بين الوزير والمهدي
حينما تُوفِّي الإمام الناصر صلاحُ الدين محمد بن علي بن محمد في ذي القعدة سنة (٧٩٣) سارع ابنُهُ الإمامُ المنصور علي بن صلاح، فدعا إلى نفسه بالإمامة، ودعا في ذات الوقت إلى نفسه الإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى، فانحاز الإمام محمدُ بنُ إبراهيم الوزير، وأخوه العلامة الهادي بن إبراهيم وغيرهما من علماء صَعْدَة إلى جانب الإمام علي بن صلاح مما أضعف جانبَ الإمام المهدي الذي خسر المعركة في حربه مع علي بن صلاح، وانتهي به الأمر إلى أن اعتُقِلَ وسُجِن في صنعاء، فبقي في نفس المهدي شيء على الإمام محمد بن إبراهيم الوزير لم تْمْحُهُ السِّنون:
وَقَدْ يَنْبُتُ المَرْعى عَلَى دِمن الثَّرى وَتَبْقَى حَزازاتُ النُّفُوس كَمَا هيا
وقد انتقل ما في نفس المهدي من كرهٍ للإمام الوزير إلى حفيده الإمام شرف الدين الذي شنع على الإمام الوزير، ونسب إليه أشياء لم يقل بها أحدٌ غيره كما تقدم بيانُ ذلك في بداية هذه الترجمة.
ولما فَرَّ المهدي مِن السجنِ ذهب إلى ثُلاء وأقام هنالك فترةً طويلة، فرحل إليه الإمامُ محمد بن إبراهيم الوزير، ووقف معه مدةَ يُسائله ويُراجعه ويُباحثه كما ذكر أحمد بن عبد الله الوزير في (تاريخ آل الوزير) ومن جملة ذلك أنَّه وجه إليه خمسة وعشرين سؤالًا في مسألة الإمامة، وأن المهدي لم يجب عليها، فكتب إليه محمد بن إبراهيم الوزير هذه القصيدة:
أعالِمَنَا هَلْ لِلسُّؤَالِ جوَابُ وهَلْ يَرْوِيَ الظمآنَ منك عُبَابُ (١)
_________________
(١) في نسخة: وهل ينهل العطشان منك عباب؟
[ ١ / ٤٩ ]
وَهَلْ يكشفُ الظلْماء منْكَ بَصَائِرٌ يَدُلُّ عليها سُنَّةٌ وكِتَابُ
وَهلْ حَسنٌ مِنِّي إذَا كنْتُ سائِلًا أمِ البَحْثُ يَا بَحْرَ العُلُومِ يُعابُ
وَهلْ جَاء في شَرْعِ التنَاصُف أنَّه يُكَدِّرُ مِن صافي الوِدادِ شَرابُ
وَهَلْ قَدْ سعَى بَينِي وبَيْنَكَ جَاهِلٌ ظَنينٌ يُريكَ الماءَ وهوَ سَرابُ
وَهلْ غَرَّكُمْ في الخُمُولُ فَإنَّمَا أنَا السَّيْفُ خُبْرًا والخُمُول قِرابُ
وَهَلْ يُزْدَرَى بِالسَّيْف مِنْ أجْل غِمْدِه ويُحْقَرُ من وهنِ المَحَلِّ عُقَابُ
وَهَل لِكَثيرِ الشَّوْقِ وَالوجد رَاحِمٌ وهَلْ للمساكينِ الضِّعافِ صَحابُ
وَهلْ عَائِدٌ في الدَّهر ودُّكَ عامِرًا فها هُوَ ذَا يابْنَ الكِرامِ خَرَابُ
وَهلْ مُثمِرٌ حَوْكي مُلاءَ رقَائِقٍ تَهُزُّ صِلابَ الصَّخْرِ وَهِيَ صِلاَبُ
وَهلْ عَاطِفٌ لِلودِّ مِنكَ تَلَطُّفٌ وَهَلْ قَاطِعٌ للهَجْرِ مِنْكَ عِتابٌ
وهلْ لِمَجَلاَّتي إذَا لَم تُجِلَّهَا رُجُوعٌ إلى مَنْ خَطَّها وإيابُ
وَهَلْ لِسَلامِي مِنْكَ رَدٌّ فإنَّه يَخُصُّكَ مِني ما اسْتَهَلَّ سَحَابٌ
ولما صنف الإمام محمد بن إبراهيم الوزير كتابه "قبول البشرى في تيسير اليُسرى" ضمنه ما يجوز من الرُّخَص وما لا يجوز، وما يكره وما يستحب، وأقوال أهل العلم في ذلك، فرد عليه الإمامُ المهدي بكتابه " القمر النوار في الرد على المرخصين في الملاهي والمزمار " وكان الإمام المهدي كثير التحامل على الإمام ابن الوزير على غير ذنب سوى أنه كان يأخذ بكتاب الله ورسوله ويعتصم بهما ويفهمها على طريقة السلف الصالح، ولا يعتد بقول من يخالفهما كائنًا من كان ذلك القائل حتى قال فيه المهدي من قصيدة:
هذي مقالة من زلَّت به القدم عن منهج الحق أو في قلبه مرض
وقال أحمد بن عبد الله الوزير يَصِفُ ما جرى بينَ العالِميْنِ
[ ١ / ٥٠ ]
المذكورين: " ولما ظهر لحي الإمام المهدي من سيدي عز الدين الانعزال، وسرى الأمرُ في المراجعة إلى بعض مسائل الكلام، انجرت بينهما المراسلةُ، ووقعت بينهما المراماةُ والمناضلةُ في المنثور والمنظوم، وكُلُّ ذلك موجودٌ في كتبه، وأشعاره حتى أزِف التّرحالُ، ودنا الانتقالُ، وتحول الحال، فاعتذر كُلُّ من صاحِبه، وقبل أعذاره، وأوضح اعتذارَه، وكان ذلك في سنة ٨٣٩ " أي قبل وفاتهما بسنة واحدة.
بين الوزير والمؤيَّد
ذكر أحمد بنُ عبد الله الوزير في الفضائل في ترجمة محمد بن إبراهيم الوزير ما لفظه: " ووقف -﵁- في فَللَّة (١) مدة مع حي الإمام علي بن المؤيد على جهة الاختبار، ورافقه إلى بعض بلاد الأهنوم، ولم يكن بينَه وبينَه شيء من المصنفات إلا شيء يسير وقع فيه عتابٌ سهل، وكتب فيه حي سيدي عز الدين أبياتًا حسنة رقيقة من محاسن الشعر وأجودِهِ قافية منصوبةَ الروي وهي:
وَلَوْ شِئْتُ أبكيتُ العُيُونَ مُعاتبًا وَألْهَبْتُ نِيران القُلُوبِ دَقَائِقَا
وَلَكنني أصْبَحتُ ِللهِ طَالبًا وأصْبَحْنَ مِنِّي التُّرُّهَاتُ طَوَالِقَا
فإن أنْصفَ الأصْحَابُ لَم أُلْفَ فَارِحًا وإنْ أعتَبُوا لَمْ يُصْبِحِ الصَّدْرُ ضَائِقَا
وَمَنْ كَمُلَتْ فِيهِ النُّهي لا يَسُرُّهُ سُرُورٌ ولا خَافَ الحُتُوفَ الطَّوَارِقَا
فَصِلْنِي أو اقْطَعْنِي فَعِنْدِي خلِيقَةٌ يَضِيعُ رديًّا مِن صَدِيقي وَرَانِقَا (٢)
_________________
(١) فللَّة: هجرة مشهورة في جُمَاعة من أعمال صَعْدة نكتب بلامين وتنطق بلام واحدة مشدَّدة.
(٢) في نسخة تضيع رديًّا من صديقي ورائقًا.
[ ١ / ٥١ ]
ولي نَفْسُ حُرٍّ لَيس أكثرُ هَمِّهَا مُلاطَفَةً تُرضي عَلَيَّ الخلاَئقَا
وَلولا الرَّجَا أنْ أرضِيَ اللهَ لَم أكُنْ عَلى أرْضِ منْ يجْفُو أشيمُ البَوارِقا
ولكِن ذُلِّي في رضَى اللهِ عِزَّةٌ وإنْ كُنْتُ فيهِ لِلسْلُوِّ مفَارِقا
وَما لِي إلا الصَّبرُ في الدَّهرِ جُنَّة وإن شّيَّبَ الصَّبْرُ الشَّوى والمفَارِقَا
وما نَحْن إلا في مجازٍ فلا ترِدْ مَجازًا إذا مَا كُنْت تَبْغِي الحَقَائِقا
وَقائِلةٍ عشْ بالسُّلُوِّ مُمَتَّعًَا وَنل بِكتسابِ الأصْدِقاءِ مُرافِقا
فقلْتُ لها: لا عَيْشَ لي في سِوى التُّقى ولا صَاحِب في النَّاس إلا مُخَالِفَا
وَأينَ الصَّفا هيهات مِنْ عَيشٍ طالبٍ؟ غَدَا لأهاويل المَماتِ مُرَاهِقَا
وللخِزي في يوْم الجَزَا مُتَرقِّبًا وللصَّبْرِ في دار الفناءِ مُعَانِقَا
فَلُوْمِى رُوَيدًا إنني غَيرُ جَازِعٍ وعَزْمِي سِواي إنَّنِي لسْتُ مَائِقا
بينه وَبَيْنَ أخيه
لم تنقطع الصلةُ القويَّةُ بَيْنَ الأخوينِ الشقيقين الإمام محمد بن إبراهيم الوزير، والعلامة الهادي بن إبراهيم الوزير على ما بينَهُمَا مِن خلاف في العقيدة، فالهادي كان عالمًا جليلًا مبرزًا في علوم كثيرة لا سيما علم أصول الدين، ملتزمًا بالمذهب الزيدي، وكان يريد لأخيه محمد أن يسلك مسلكه، لكنه مشى في طريق آخر، فقد مال إلى علوم السنة، وجرى بينَه وبين علماء عصره المتمذهبين صراعٌ كبير سبق ايضاحُهُ فيما تقدم.
وتفرقت الديارُ بَيْنَ الأخوين إلا أنهُما كانا يتبادلان الرسائلَ، ويتطارحان الشعر، فمن ذلك قصيدةٌ قالها الهادي بن إبراهيم الوزير مهنئًا أخاه بعودته سالمًا بعدَ أن حُصِرَ عن الحج للمرة الثالثة سنة ٨١٨ ورجع من (حَلْي ابن يعقوب) بعد أن بلغه وقوعُ خلافٍ بين الأشراف -أشرافِ مكة-
[ ١ / ٥٢ ]
وقيام الأتراك بعزل الحسن بن عجلان، وتولية بعضِ أهله، فكر حاجٌّ اليمن راجعًا إلى بلاده، ولم نعثر من هذه القصيدة إلا على مطلعها وهو قولُه:
إذا فاتَ حَج البَيْتِ في ذلك المجْرَى فَقَدْ كتبَ اللهُ المَثُوبةَ وَالأجْرا
فأجاب عليه محمد بن إبراهيم بقصيدة منها:
تبَارَكَ مَنْ أعْطَى مُحَمدًا الاسْرَا وَاحْصَرَه في عام عُمْرَتهِ قَسْرَا
فسُرَّ بذاكَ المُشْركونَ لِجَهلهمْ وعزَّ علَى قَوْمٍ وقَدْ شَهِدُوا بَدْرَا
ومنها:
فَلِلهِ مَنْ أهْدَى إلَيَّ نِظامهُ لِيبردَ مِنِّي وَعظُهُ كبِدًَا حَرًا
أشَارَ إلى زُهْرِ المَوَاعظِ ناظِمًا لَها نظْمَ أَفْلاكِ السما الأنْجُمَ الزُّهْرَا
فَلَم أرَ شِعرًا في الشعَائِر قَبْلَهُ وَلا مِثْلَه شِعْرًا يَتِيهُ عَلَى الشِّعْرَى
وَلوْ لم يَكُنْ فِيهَا سِوَى بيتَها الَّذِي أرَى مَلَكًا ألْقاهُ في سِرِّهِ سِرَّا
أذاقكمُ فَقرًا إلَيْه لِتعْلمُوا بأنَّ الغِنَا المَقْصُودَ أنْ تَطْعَمُوا الفَقْرَا
فَمَن لَمْ يَذُقْ هذا الغِنَا في حيَاتِهِ فَقَدْ عَاشَ مِسْكِينًا وإن مَلَكَ الأمْرَا
[ ١ / ٥٣ ]
ومنها:
وَمَا امتَحَن اللهُ الكلِيمَ بفِعْلِهِ وَخِدْمتِهِ للشَّاءِ في مَدينٍ عَشْرَا
لِيَقضِيَ مِنْ مَهْرِ الزَّوَاجَة حَقَّه وَلكِنْ لِيَقْضِي لِلمُكاَلَمَة المهْرَا
وَمَا (١) كان إبْرَاهِيمُ في المَنْجنِيقِ والـ ـلظَى عَادِمًا لُطْفًا وَلا نَاقِصًَا قَدْرًَا
وَلَا ظَمِئَتْ في الوادِ هَاجرُ وابْنُهَا هوَانًَا على منْ يَمْلِك السُّحْبَ والقَطْرَا
وَلَا بِيعَ بالبَخْسِ المُكَرْم يُوسُفُ لِيُمْلَكَ لَكِن حُكْمُهُ لِيَلِي مِصْرَا
وفِيمَا رَأَى يَعْقُوبُ مِنْ فَقْدِ يُوسُفٍ مَواعِظُ تَشْفِي مِنْ مُلاحِظِهَا الصَّدْرَا
وكتب الإمام محمدُ بنُ إبراهيم الوزير إلى أخيه هذه القصيدة يحثُّه على الابتعاد مِن مجالسة الحكام.
يَا سِبْطَ إبْرَاهِيمَ لا تَنْسَ ما كَانَ عَليْهِ بالتَّحَلِّي أبُوكْ
فَإنَّ آباءك لوْ شَاهَدُوا بَعْضَ الَّذي تَفْعَلُهُ أنَّبُوكْ
مَا لك لا تَسْلُكُ نَهْجًَا وقَدْ سَنَّ لنَا فِيهِ أَبُوكْ السُّلُوكْ
وَأهْلُنَا من قبْلِنَا طالَمَا عَاشُوا وهُمْ فِيهِ لِحَرْبٍ سلوكْ
فانْهَضْ إلى أوْطَانهِمْ شاخِصًَا وَارْمُكْ بِهَا إمَّا أَردْتَ الرُّمُوكْ (٢)
_________________
(١) في نسخة: ولا كان.
(٢) الرموك: الإقامة الدائمة.
[ ١ / ٥٤ ]
فَوَقْفَةُ في مَسْجدٍ سَاعَةً خَيرٌ لنَا منْ مُلْكِ ملْكِ المُلوكْ
هذَا وإنْ كُنْتَ آمْرءًا عَاشِقًَا لِلمُلْكِ لا تَنْفَع لَدَيكَ الصُّكُوكْ
وإنَّمَا تنفعُ مَنْ قَلْبُهُ لا يعْتَرِيهِ في المُلُوك الشُّكوكْ
واعْلَم بأن العِزَّ والزُّهدَ والفَضْلَ وَأهْلَ المُلُوكِ طُرًَّا هَلُوكْ
وابعَدْ عن المُلْكِ وَأرْبَابهِ وإن هُمُ يَوْمًَا لهُ أَهَّلُوكْ
ولا تُطِعْهُمْ يا شقِيقي وَلَوْ وليتهم في أمْرِهِمْ أوْ وَلُوكْ
وَلا تُضِعْ يَا سَيِّدِي حُلَّةً وحِليَةً قَدْ صَاغهَا أَوَّلُوكْ
لا تنْظُرَنْ يَومًا إلى قَائِمٍ وَانْظُرْ إلى مَا قَالَه نَاصِحُوكْ
وعَاصهِمْ إنْ كُنْت ذَا هِمةٍ لَهُم وطاوعْهُمْ إذَا نَاصَحُوكْ
وقد أجاب عليه الهادي مؤيدًا رأي أخيه الأصغر، وممتثلًا نصيحته مع أنه أكبرُ منه بسبعة عشرَ عامًا.
فَارِقْ بني الدُّنيا وإنْ أكْرَمُوك وارفُضْ بني المُلْكِ وَإنْ قَرَّبُوكْ
يومًا إذَا ما أنْتَ أرْضَيْتهُمْ مَلُّوك أو أسْخَطتَهُمْ عَاتبُوكْ
ومِثْلُ خَطَّ فوْقَ ماءٍ إذَا عَاتبْتَهُمْ، والويْلُ إن عاتَبُوكْ
وإنْ هُمُ أعْلَوْكَ في رُتْبةٍ فَإنَّما في هوَّةٍ كَبْكبوكْ
إنْ قَطَعُوا عَنْك عطَايَاهُمْ أوْ قَطَعُوا أملاكَهُمْ عَذَّبُوكْ
لَهُم علَيْكَ الحَقُّ فِيهَا سَوا أعْتبْتهُمْ في الأمرِ أوْ أعْتَبُوكْ
وَلَا يغُرَّنْكَ أنْ ثَوَّبوكْ وإنما فيما أرى ثَيبوكْ
فابعَدْ عَنِ القَوْم فَلوْ جِئْتَهُمْ طِفْلًا وَخَالطتهم شَيَّبُوكْ
ولا تَحَملْ لهُم رَايةً في الحَرْب لوْ أنَّهُمْ حَاربُوكْ
فإنمَا تحْمِلُ في مثلِ ما أمَّ بها المختارُ غزوةْ تَبُوكْ
وَاقْنَعْ من الدُّنْيا بِمَرْقُوعَةٍ لَوْ أنهَا مَوْضُوعَةٌ في مُسُوكْ
فارْغَبْ عَنِ المُلْكِ وأرْبَابِهِ وَإنْ هُم في شَأنهِ رَغَّبُوكْ
[ ١ / ٥٥ ]
وَكلْ حَلالًا خَشِنًَا وَاتَّدِمْ شُكرًا، وَكُنْ لِلدهر مِمن يَلُوك
وَجَالِسِ الزُّهَّاد وَانْهدْ إلى الـ ـعبادِ واقْصِدْهُمْ وإن جَانَبُوكْ
فَإنَّ بَعْضَ الفُضلا كَان في جَزيرَةٍ يَعْبدُ رَبَّ المُلُوكْ
وَكَانَ لا يأكُلُ في عُمرهِ الـ ـمَحمُود إلاَّ مِن لُحُوم السَّموكْ
وَلَيستِ الدُّنيا بمحمودَةٍ هيهَاتَ مَا فيها لَنا منْ سُلُوكْ
والزُّهْدُ منها ثوْبُ عزٍ لمَن يلْبسُهُ جوَّده مَنْ يَحُوكْ
لكَِّنه عزُّ فتىً لابسٍ في ذلِكَ الثوب الشَّريف المحُوكْ
وقَدْ أتَى يَا وَلدِي منْك لي نظْمٌ هُوَ الدُّرُّ الَّذي في السُّلُوكْ
كَأنَّهُ الشَّمْسُ ولكِنَّهَا طَالِعةٌ ما إنْ لها مِن دُلُوكْ
هُوَ اليقينُ الحقُّ مَا خالطتْ قلْبِي فِيما قُلْت فيه الشْكُوك
ما أوْضحَ النَّهْجَ الذي جئتَه وأوْضَح المَسْلَك لا فُضَّ فُوكْ
واعْلمْ بأنِّي يابْن أمِّي عَلى النـ ـهجِ الَّذِي نَوَّرَهُ سَابقُوكْ
وكلُّ حَالٍ غير هذَا وإن قِيلَ بِه لا يَرْتضيهِ أخُوكْ
وَلَسْتُ بالراضي بهَا حَاجَةٌ أحسن فيها رفضها والتُّروكْ
تِلْكَ التي من وصف أصحابِها حماقةُ الروم وكِبرُ التُروكْ
ولما مَرِضَ الإمام محمد بن إبراهيم الوزير في الأقهوم من جبل عيال يزيد، طلب منه الهادي بن إبرإهيم أن يكتُبَ له بخطِّ يده ما يُطمئنه على تماثله للشقاء فكتب إليه:
طَلَبتَ تقرِير خطِّي كي تَقَرَّ بهِ قلْبًا وَعَيْنًَا وأحشاءًا وَأشْجَانا
وفي الأنامِل ضَعْفُ غيرُ مكتبة وَرَعْشَةٌ لمْ تَدَعْ لِلخَطِّ تبيانَا
أضْحَتْ عَوَامِلُ خَطَّي بَعْدَ قُوَّتِهَا وهُنَّ أضْعَفُ خَلْقِ اللهِ أرْكَانا
وَقدْ كَتَبْتُ عَلَى عجْزٍ وَتعْتَعةٍ هذي القَوافيَ لِلمطلُوبِ عُنوانا
[ ١ / ٥٦ ]
وَلَوْ غَدَا ابنُ هلالٍ والعميدُ وَمَنْ زان الجزيرة تجويدًا وإتقانا
مترجمين لما في القَلْبِ مَا وَجَدُوا إلى بَيَانِ الَّذِي في القلب إمكانا
وَقَدْ وَقَفْتُ على الأبياتِ جامعَةً وَدًا ولُطْفًَا وإعجازًا وإحسانا
وَلَيسَ في قُدرتي وَصفٌ لِمَوْقعِهَا وَلَو تَحَوَّلْتُ في الإحْسَانِ حَسَّانا
وقد أجابه الهادي بن إبراهيم الوزير مهنئًا له بشفائه فقال: -
بُشرى بعافية العُلُوم كلامِها وحديثِهَا وحلالِها وحرامِها
وأصولهَا وفروعِها وبيانِها وبديعهَا وغريبها ونظامِها
لمحمدٍ شفيت وزالَ سقامُها وبهِ شفاء الداء من أسقامها
لما ألمَّ بجسمه ألمٌ سَرَى مِنْه إلى الأرواحِ في أجسامِها
وشفاه مِن آلامه ربُّ السما فشفى عُلُومَ الدِّينِ مِن آلامها
حمدًا لمن أولاك بَرْدَ سَلاَمة وَحَباكَ مِن تُحَفِ الهُدَى بسلامِها
اللهَ أحْمَدُ قَدْ شَفَى لِي مُهْجَةً هَامَتْ وَحُقَّ لَهَا عظيمُ هُيَامِهَا
لِمحمد عِزِّ الهُدى وهو الَّذي قَدْ حَلَّ في العَلْيَاءِ فَوْقَ سَنامِهَا
هذا الَّذِي أحيا العُلُومَ وَذَا الذِي أحيا التِّلاوَة فَهوَ بدرُ ظَلامِهَا
الله قلَّدني بذلك نِعْمَة عُظْمَى ينوءُ الشُّكرُ تَحْتَ مَصَامها
لا يهتدي الدُّعْموص طرقَ رمالِهَا أبدًا ولا التِّسماحُ في قمقامِهَا
لو أن عدنانًا حبتني كُلُّها بِبيَانِ منطقها وحسْنِ كلامِهَا
ما كُنْتُ أبلُغُ شكرَهَا مِن نِعْمَةٍ لوْ كانَتِ الأشجارُ مِن أقلامِهَا
فاللهُ يُوزِعُنا جَمِيعًا شُكرَها ويزيدُنا حَمدًَا على إتمامهَا
إني أقولُ مقالَةً قَدْ قالَهَا عُمَرٌ بِبَطْحا مَكَّةٍ وَإكَامِهَا
مَعَ حُسْنِ خَاتِمَةٍ أفُضُّ خِتَامَهَا وَرِضَاه عَنِّي يا لَطِيبِ خِتَامِها
[ ١ / ٥٧ ]
بينه وبين المقري
ولما اطلع الإمامُ العلامة شرفُ الدين إسماعيل بن أبي بكر المقري الشافعي على " الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم " مختصر " العواصم والقواصم " كتب إلى مؤلفه ﵀ ما يلي: ولقد وقف المملوكُ على " الروض الباسم " فما هو إلا الحسامُ القاصم، لقد وقع من القلوب موقع الماءِ من الصادي والنَّجح من الغادي، والراحة من المعمور، والصلة من المجهور (١) ولقد نصرتَ الحديثَ على الكلام، والحلالَ على الحرام، وأوضحت الصراطَ المستقيم، وأشرت إلى النَّهْجِ السليم (٢)، ولم تترك شبهة إلا فضحتها، ولا حُجَّةً إلا أوضحتها، ولا زائِغًا إلا قومته، ولا جاهلًا إلا علمته، ولا ركنًا للباطِل إلا خفضته، ولا عقدًا لمبتدع إلا نقضته، ولقد صدقت الله في النية (٣) في الرغبة إليه، ووهبت نفسك لله، وتوكلتَ عليه، فالحمد للهِ الذي أقر عين السنة بمكانه، وأدالها على البدع وأهلها ببرهانه (٤)، فلقد أظهر مِن الحق ما ودَّ كثير من الناس أن يكتمه، وأيد دين الأمة الأمية (٥) بما علمه الله وألهمه فعض على الجذل، وسيجعل الله لك بعد عسر يسرًا، وإنا لا ندري لعل الله يُحدث بعد ذلك أمرًا، وإذا أراد الله أمرًا هيأ أسبابه، وفتح لمن أراد له الدخول بابه.
إذا الله سَنَّى حَلَّ عَقْدٍ تَيَسَّرا.
_________________
(١) في نسخة من المخمور والصلد من المهجور.
(٢) في نسخة وبينت المنهج السليم.
(٣) في نسخة في الرغبة إليه.
(٤) في نسخة وأذالها على المبتدع وأهله.
(٥) في نسخة الحنفية.
[ ١ / ٥٨ ]
ومن وقف على ما أفحمتَ به ذلك المعتدي (١) من الحق الذي استحلفت فيه بالإعجاز والتحدي علم أن بينه وبينَ النفثات النبوية أسبابًا (٢) شريفة لا تُحل عقودها، ولا تُضاع حقوقها، ورحمًا بلها ببلالها، وبادر إلى صلتها ووصالها، لقد أبقى نورًا في وجه الزمان، وسرورًا في قلوب أهل الإيمان، وقلدت جيدَ السنة منة وأي منة، أصبح شخصُك ملموحًا بأعين البصائر، وحديثُك (٣) ملتقطًا بأسماع الضمائر والمنة. في ذلك المصنف على عامة أهل الملة وخاصة أعيان هذه النحلة، فحق على الكل أن يعرفوا حقه إن كانت لهم أفهام تقدره حق قدره، وأن يستضيئوا بنوره إن كانت لهم أبصار تثبت للنور فجره، وأرى لهم أن يكتبوا (٤) أنفاسه إن كانت الأنفاس مما يكتب سمع الدعاء (٥) إلى الفلاح فوثب، وقلب الله قلبه إلى الحق فانقلب من غير ترهيب استفزه، ولا ترغيب هزه، ولا محاسدة اعترته ولا مناظرة غيرته بل توفيق مِن الله (٦) إلهي، وإلهام سماوي سهل عليه مفارقةَ العادة وما نشأ عليه بدءًا وإعادة، وإن أمرًا هذا أوله، فعواقبه عن النجاح مسفرة، وقصدًا هذا مبتلؤه، فمغارسُه مثمرة.
وإني لأرجو الله حَتَّى كأَنَّنِي أَرى بجميلِ الظَّنِّ ما اللهُ صانِعُ
ومن جواب محمد بن إبراهيم الوزير عليه: -
ومِنْ عَجَبٍ لم أقضِه مِنه أنَّه توهَّمني في العلم سامي المراتب
_________________
(١) في نسخة المتعدي.
(٢) في نسخة أنسابًا.
(٣) في نسخة ودرك.
(٤) في نسخة وأن يكبتوا أنفاسه إن كانت الأنفاس مما يكبت.
(٥) في نسخة النداء.
(٦) في نسخة توفيق الهي.
[ ١ / ٥٩ ]
أغرك أنَّي قد ذُكرتُ وإنَّما ذكرتُ لأني مِن جبال المغارب
وقد عَدِمَت فيها البصائرُ والنهي فطيَّب ذِكري (١) موْتُ كُلِّ الأطايِبِ
ولَو عدمت وُرْقُ الحَمَائِم لم يَكُنْ بمستبعَدٍ تشبيبنا (٢) بالنَّواعِبِ
وألبست تأليفي العَواصِمَ بالثنا جمالًا أطاب الشكر مِن آل طالِب
وما فيه منْ حُسن سوى أنه شجا روافِض صحبِ المصطفي والنواصِب
وما كان تأليفي له عن تضلُّع مِن العلم يشفي الصدرَ من كُلِّ طالب
ولكنني والحمدُ لله منصف أذُبُّ بجهدي عن صحاح مذاهبي
فلا تَتَوهَّمني بِعِلْمٍ مُحققًا فإنَّك ما جربت كُلَّ التَّجارِب
توهمت نارًا بالتخيُّل حينما (٣) دجا الليلُ وامتدت ذيولُ الغياهِب
رويدًا خليلي لا يَغُرَّك إنَّما رأيت التي تُدعى بنار الحُباحِبِ
وما كُلُّ نار نارُ موسى لِمهتدٍ ولا كُلُّ بَرقٍ في الثقال الهَوَاضِبِ
نصحتُك لا أني تواضعْتُ فَانْتَفعْ بِنُصْحي فما أرضى خِداعًا لِصاحب
ولا زِلْتَ يا خيْر الأفاضِل باقيًا رضيع لبان للعُلا والمَناقِب
مرحلة التدريس
ولما تَصَدَّرَ للتدريسِ، أقبل عليه طلبةُ العلمِ مِن كل مكانٍ، لينهلوا مِن علومه الواسعة، ومعارفه المتنوعة، وقد سأله بعضُ إخوانه القراءَة عليه في بعض كتبَ المنطق فأجاب عليه بقوله كما في " تاريخ الوجيه العطاب ":
يا طَالِبَ العِلْم والتَّحْقِيقِ في الدِّين والبَحْثِ عنْ كُلِّ مكْنُونٍ ومخْزونِ
_________________
(١) في نسخة فطبت بذكري.
(٢) في نسخة تشبيهنا.
(٣) في نسخة حيثما.
[ ١ / ٦٠ ]
أهلًا وَسَهْلًا عَسَى مَنْ رَامَ تبْصِرةً منِّي وهديًا إلى الخَيراتِ تهديني
لكِنْ أطعْنِي وأنْصِفْ في الدَّلِيلِ مَعِي فَمنْ يُقلِّدُ فيهِ لا يُوَاتيني
أمرتَ أن تطلُبَ الدِّين الحَنيفَ وَلوْ بالصِّين أو بالأقاصي مِن فِلِسْطينِ
والعِلْمُ عَقلٌ وَنقْلٌ ليسَ غَيرهما والعقلُ فيكَ وَليسَ العَقْلُ في الصِّينِ
أُمرت أن أطلبَ العِلمَ الشريفَ وَلَو بالصِّين إن كان عِلمُ الدِّين في الصِّينِ
إلى أن يقول ناصحًا له أن ينصرف عنه إلى ما هو أنفع وأجدى:
إن البَصَائِرَ كالأبصارِ لَيسَ تَرَى الـ ـخَفِيَّ جدًّا سِوى رجْمٍ وَتَظْنينِ
لِذا تَخالف أهْلُ العَقْلِ واضَّطربُوا فيهِ كَعَادَتِهِمْ في كل مظنونِ
قَليتُ في العلم مِن بعد الرُّسوخ به واعتضْتُ بالذِّكرِ منه غيرَ مغْبُونِ
مَا فِيهِ إلا عِباراتٌ مُزخْرفةٌ أتى بِهِنَّ ابنُ حَزْمٍ بالتَّبايينِ
كمْ منْ فتىً منطقي الذِّهن ما خطَرتْ بالبالِ منه اصْطلاحاتُ القَوانينِ
وَكمْ فَتىً منطِقي كافِر نَجِس كالكلْبِ بلْ هُوَ شَرُّ منه في الهُونِ
يرى وَساوِسَ أهلِ الكفْرِ منقبةً فهمًا ويسْخرُ من طه وياسِينِ
كذلِكَ الرُّسلُ لم يُعْنَوا بذاك إلى الـ ـمحمد مِن سليلِ الماء والطِّينِ
بَلِ اكتفوا بالذي في العقْلِ مَعْ نظرٍ سَهْلٍ بغيرِ شيوخ كالأسَاطينِ
معَ اعتراضِ شَياطينِ الخُصُومِ لَهُم وَشُهرة الطِّين في كُلِّ الأحايينِ
وَرُبَّمَا كانَ في التدقيق مَفْسَدَةٌ لِلقلب أو لافتراق الناسِ في الدِّينِ
مثل الغلو بأفعالِ الخوارجِ كالـ ـوِصَالِ والاختصا خوفًا من العَيْنِ
[ ١ / ٦١ ]
واللهُ أعلمُ والرسلُ الأكارم من شيوخ جبة (١) قطعًا غير تخمين (٢)
ولا شك أنَّه قد حصر اهتمامه في المقام الأول بنشر علوم الكتاب والسنة، وتدريسها لطلبة العلم، ولكنه لما ظهر أمره، وبَعُدَ صيتُهُ واشتهر علمُه بين الناس، خاف على نفسه من فتنة الشهرة، وحُبِّ الدنيا، فعزف عن المضي في هذا الطريق، ورجع لمحاسبة نفسه على ما أسلف:
ولما عُوتِبَ على انقطاعه من مجالس التدريس أجاب عليهم بقوله:
لامني الأهلُ والأحِبَّةُ طُرًّا في اعتزالي مَجَالِس التَّدريسِ
قُلْتُ لا تَعذُِلُوا فَمَا ذَاكَ مِنِّي رغبةً عَنْ علُومِ تِلك الدُّرُوسِ
غَيْرَ أنَّ الرِّيَاضَ تأوي الأفاعي وجِوَارُ الحَيَّاتِ غيرُ أنيسِ
غَيْرَ أني خَبَرْتُ كُلَّ جليسٍ فَوَجدْتُ الكتَابَ خَيْرَ جَلِيسِ
هي رِيَاضُ الجِنَانِ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَسَنَاهَا يُزْرِي بنُورِ الشُّمُوسِ
حَبَّذَا العِلْمُ لَوْ أمِنْتَ وَصَاحَبـ ـتَ إمامًا في العِلْمِ كالقَامُوسِ
فَدَعُوني فَقَد رَضِيتُ كِتَابِي عِوَضًا لي عَنْ أنْس كُلِّ أنيسِ (٣)
وقد وصف محمد بن عبد الله بن الهادي الوزير حاله قائلًا: ثم إنه بعد ذلك انتصب لنشر هذه العلوم، وتصدر برهةً من الزمان، وهُرِع إليه الطلبة من كل مكان، فاستناروا بمعارفه، واقتبسوا من فوائده، فظهر أمره، وَبعُد صيته. فلما رأى أن في هذا طرفًا من الدنيا والرئاسة قدع نفسَه وقمعها، ومنعها مما تشوَّفت إليه وردعها، ثم أقبلَ على الله بكليته، فلزم العبادَة والأذكار،
_________________
(١) شيوخ جُبَّه المراد بهم المعتزليان أبو علي، وأبو هاشم الجبائي نسبة إلى جُبّة بضم الجيم وتشديد الموحدة قرية بالعراق.
(٢) ترجيح أساليب القرآن ٤٠ - ٤٢.
(٣) ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان ٤٠.
[ ١ / ٦٢ ]
وقيامَ الليل وصيام النهار، وتأديب النفس وإذلالَها للملك الجبار، فألجمها بلجامِ الزُهد، وجرها بعِنان التقوى، وأخزاها (١) في ميدان الورع، وساقها بسوط الصبر، وأدخلها اصطبل الخلوة، وربطها إلى جدار التوكل، وعلفها الجوعَ، وسقاها الدموعَ، وألبسها سرابيلَ الذل والخضوع، وتوّجها بتاج التبتل والخشوع، ولم يبق نوع من أنواع الرياضة، ولا طريق من طرق السلوك إلاّ سلك بها مسلكه، وشرع بها في جناحه، وكلفها تحمل أعبائه.
ولقد كان يخصِفُ نَعلَه، ويكتسِبُ لأهله، وربما تظاهر بأنواع التصرفات والحرف كحرف الفدادين والجفاة، ويلبَسُ الصُّوفَ الخشن، ويُفطِرُ على قرص الشعير بلا إدام، ويقصِدُ بذلك رياضة نفسه وتحقيرها وتصغيرها، وردعها، وتعريفها بمنزلتها عنده، ثم يقول: ومِن رقائق أشعاره في بُعْده من الناس وانقطاعه أبيات كان كتب بها إلى المهدي أحمد بن يحيى بن المرتضى في عقب دعوته: -
أعَاذِل دَعْني أُرِي مُهْجَتِي أزُوفَ الرَّحيل ولُبْسَ الكَفَنْ
وأدْفِنُ نَفْسِي قَبْلَ المَماتِ في البَيْتِ أو في كُهُوفِ القِنَنْ
فإنْ كُنْتَ مقتديًا بالحُسَيْنِ فَلِي قُدْوةٌ بأخيهِ الحَسَنْ
فَقدْ حَمِدَ المصطَفي فِعْلَهُ لإطْفَائِهِ لِنيَارِ المِحنْ
وَلَوْ كانَ في فِعْلِه مُخْطِئًا لَمَا كانَ لِلمَدْحِ مَعْنىً حَسَنْ
وأقبل ما في حَدِيث الرَّسُولِ من ذِكْرِ مَوْجِ بِحَارِ الفِتَنْ
فإنَّ السَّلامَةَ في الاعتِزَالِ جَاءت بِذَا، مُسْنَداتُ السُّنَنْ
_________________
(١) في نسخة وأجراها.
[ ١ / ٦٣ ]
وفي دَرْسِ آي الكِتَابِ العَزِيزِ وَتَرجيعِهَا لِيهِيجَ الحَزَنْ
وَدَرْسِ الصَّحيح من المُسْنَدَات إلى المُرْسَلِ العَاقِبِ المُؤْتَمَنْ
ومحو الذُّنوبِ بِدَمْع يَصُوب على مَا مضَى في قَدِيم الزَّمَنْ
وأمسِ الرسوم مَحتْها الغيُومُ وأنسى الحبيبَ وأنسى الوَطَنْ
وَأنْسَى الدِّيارَ وسُكَّانَهَا ومَا كَانَ لي فيهمُ مِنْ شَجَنْ
وأبكي بِشَجْوٍ عَلَى مُهْجَتِي بُكاءَ الحَمَائِم فَوْقَ الفَننْ
فإنِّي رَأيْتُ الوَرَى ظَاعِنيـ ـنَ نَحْوَ البِلَى ما لَهُمْ مِنْ سَكنْ
فأيْقَنْتُ أني بِلا مِرْيَةٍ غدًا ظَاعِنٌ مِثْل مَنْ قَدْ ظَعَنْ
سَأجْعل ذِكْر البِلَى في القُنُوت مَكانَ ادِّكار اللِّوا والدِّمَنْ
وأورد من كلامه في الزهد قوله:
أيّها السائر إلى ديار الموتى قد سارتِ الدُّنيا وما تدري والراكب لسفينة البقاء، أما علمت أنَّها إلى الفناء تجري؟ أنتَ المغتر بمدة العُمُر وهي قصيرة، والمُفتن في أنواع الهوى بغير بصيرة، عجبًا من اختلاف أحوالك وأطوارك، وتقلباتك وأسفارك، أما أسفار دنياك، فتشفق فيها من عبدٍ عاجز أن يَنْهَب طِمرك، وأما سفرك إلى أُخراك، فتأمن فيه مِن ربِّ قادرٍ أن يقصِفَ عمرك، ما أخوفك في موضع السلامة، وآمنك في موضع المخافة، أما خوفك، فحيث ينجو الغني بفلوسه، والفقير ببؤسه، والمترفِّق برفقائه، والقوي بقوته، وأما أمنُك، فحيث ارتعدت فرائصُ الملوك القواهر، ولم يدفع عنهم الحصون ولا العساكر ضَلَّةً لرأيك، فأستيقظ، وضيعةً لعمرك فاستحفظ.
يَا مُولَعًا بوِصَالِ عَيْشٍ نَاعِمِ سَتُصَدُّ عَنْهُ رَاضِيًا أوْ كارِهَا
إن المَنِيَّة تُزْعِجُ الأحْرَارَ عَنْ أوْطَانِهمْ والطَّيْرَ عنْ أوْكَارِهَا
[ ١ / ٦٤ ]
فقطع حبائل الأمل ورجاه. واعلم أنك إن لم تمت فجأة مرضت فجأة، فاستعن على ترقيق قلبك وخشوعه، واحتسب (١) طرفَكَ ودموعه بتصور حال خروج الروح من الجسد، والمفارقة للأهل والولد، والسَّفَر الذي ليس بعدَهُ إياب إلى المنزل الذي وساده الحجرُ، وفراشُهُ التراب حيث لا أهل ولا أصحاب، ولا أنس ولا أتراب، هيهاتَ ما في الترابِ من تِرب، ولا في الشراب من شَرب. إن آخر قضاء الإخوان لحقوقكَ، وأول قطيعتهم لك وعقوقك هيلُهُم للتراب على قبرك عند الدفن، وإدرارهم من الدمع ما سحَّ به الجفن، ثم كلما رَمَّ جسمُكَ في لحدك، وأكل الترابُ من جلدك، رمَّت عندهم حبائلُ ودِّك، وامّحت رسومُ عهدك. وإلى هذا أشار من يقول في بعض الفصول: صدق المثل: (لا صَدِيقَ لميت لو كان يصدق مات حين يموتُ) فما اشتغالُكَ بما لا ينفعك في معاشك، ولا معادك، ولا يُبصرك (٢) في اقترابك ولا ابتعادك، اصْحَبْ صاحبًا لا تحتاج معه إلى سواه، وهُمّ عملًا واحدًا لا تكلف نفسك إلا اياه، لعل قلبَكَ بذلك الصاحب يأنس، ونفسَكَ من غير ذلك العمل تيأس، إنَّكَ إن جلوت بالخلوة فؤادك، وقصرت على الخير مرادَكَ، وكحلت عينيك سُهَادَكَ، واتخذت الله في كل أمر عمادَك، وشفعت بالدموع لمردود وجهك الذي لا حياء في ديباجته، ورفعت إلى الله يديك مرتعشًا من هيبته وجلالته، وشفعت ذلك بإطالة السجود والناس هُجود، وبالإلحاحِ في طلب القبول والناس غفول، رَجَعتْ لك رعاية تأخذ بضبُعَيْك عند السقطات، وتُنقذك من ورطتك عند الورطات، لعلهم إن عَلِمُوا بحبه، يرعون حق ودِّهِ لقلبه، ويسمحون طول بُعده منهم بحسن وصله وقربه، فييأس الحساد من حنينه، ويستريحُ من عظيم كربه بإراحة
_________________
(١) في نسخة: واستحلب شؤون طرفك.
(٢) في نسخة: ولا ينصرك.
[ ١ / ٦٥ ]
القلب وسلوانه، إن لم يُفِدْ مودة من ربه. ومن كلام له ﵁: إخواني قَطِّعُوا مراثر الآمال، فإن الأمر قريب، واستكثروا من صالح الأعمال، فإن السفر بعيد، وسرحوا أبصاركم في مواطن الأهوال، فإن الأمر جليل، وقلِّبوا أفكاركم في عواقب الأحوال، فإن اللُّبث قليل، واهتدوا بنور القرآن في ظلمة الحيرات، وانتفعوا بقول الرحمن (فاستبقوا الخيرات) ألا أدلكم على طبيب هذه النفوس ومطلقكلم من هذه الحبوس، عليكم بالقرآن، فإنه الطبيب الآسي، عليكم بالقرآن فإنه الكريم المواسي، ارتعوا في رياض حواميمه، انتفعوا ببيان طواسيمه، اقتدوا بأعلام مصابيحه، استقوا بغمام مجاديحه إلى قوله:
"انظروا إلى معجز لا ينالُهُ طاقاتُ العباد، وجديدٍ لا يَخْلَقُ على الترداد، وأسلوبٍ يتعالى عن الإِقواء والسِّناد، وغريبٍ لا يُمَاثلُهُ ما في الأنجاد، وعربي جاء به أفصح من نطق بالضاد، تحدّى به مَهَرَةَ الكلام فأسكتهم، وأردى به فرسانَ البيان، فكبتهم أظهر به عجزهم، وأبطل به عُزَّاهُم وعِزَّهُم، وتلاه في مجامع محافلهم المشهودة بمسالفهم، وأوحاه في مسامع جحافلهم المرفودة بمصاقعهم، فقالوا مرة: ساحر كذاب، وتارة شاعر مرتاب، تَاللهِ لهم أكذب وأشعر، وأعرفُ بأساليب الكلام وأسحر، راضوا فنون البلاغة وملكوها، وارتضعوا أضاريب البلاغة ولاكوها، وخاضوا أودية الشعر وغماره، ومارسوا أعمارهم كهولة وأغماره فما بالهم وهذه الفرية على من لا يُحسن إقامة بيت من أوزانه، ولا يدري بأفنانهم في ميدان عروضه وميزانه، وأعجب من هذه رميهم له بالخيانة وهو في ألسنتهم يُدعى الأمين وبهتهم له بالخيانة وهو في بيوتهم مُصاصة المُصاصة في النسب العربي المبين، معروف البشارة في باديتهم ومَكَّتِهم،
[ ١ / ٦٦ ]
مشهور العدالة في بطحائهم وبَكَّتهم .. إلى كلام طويل حذفناه اختصارًا (١).
وقد ابتعد الإمام الوزير عن الناس حتى عن أهله؛ ومال إلى الزهد والورع، واشتغل بالذكر والعبادة كما ذكر أحمد بن عبد الله الوزير في كتابه " الفضائل " وملازمة الخلوات والأماكن الخالية، كمسجد وهب (٢)، ومسجد نُقُم، ومسجد الروية، ومسجد الأخضر، وفي المنازل العالية على سطح الجامع ينقطِعُ في بعض هذه الأماكن ثلاثة أشهر: رجب وشعبان ورمضان، ويعتذِرُ عن موافقة أهله وأرحامه، ويسألهم إسقاط الحق من الزيارة وعن غيره.
كما كان يذهب إلى المفاوز، وشِعاف الجبال، وبطون الأودية،
وأقام بعضَ الوقت في رأس قُلة بني مسلم (٣) (جبل سَحَمَّر) ووصف حاله بقوله:
فَحِينًا بِطَوْدٍ تُمْطِرُ السُّحْبُ دُونهُ أشمَّ منيفٍ بالغَمامِ مُؤَزَّرُ
وَحِينًا بشعْبِ بَطْنِ وَادٍ كأنَّهُ حَشَا قلم تُمْسِي به الطَّيْرُ تصفرُ
أُجَاورُ في أرَجائِهِ البُومَ وَالقَطَا فَجِيراتُها لِلمَرْء أولى وأجْدَرُ
هُنَالِكَ يصْفُو لي مِن العيشِ وِرْدُهُ وإلا فَوِرْدُ العَيْشِ رَنْقُ مُكَدَّرُ
فإن يَبِسَتْ ثَمَّ المراعي وأجْدَبَتْ فروضُ العُلاَ والعلم والدين أخْضَرُ
ولا عَار أن ينجو كريمٌ بنفسه ولَكِنَّ عارًا عجزُهُ حين يُنصر
فَقَدْ هَاجَرَ المختارُ قبلي وَصحْبُهُ وفرَّ إلى أرض النجاشيّ جَعفَرُ
_________________
(١) ليت المترجم أثبتها كاملة.
(٢) مسجد وهب بن منبه في العرضي الأعلى جنوب باب اليمن.
(٣) جبل مشهور في عزلة بني مِسْلِم من أعمال يريم وما يزال في أعلى هذا الجبل بقية مسجد يدعى مدرسة ابن الوزير نسبة إليه.
[ ١ / ٦٧ ]
شعره
له شعر كثير في أغراض شتى وأكثره في مدح علم الحديث ومدح أهله، وقد تقدم شيء من ذلك ومن شعره قوله:
إن كان حبي حديثَ المصطفي زللًا مني فما الذنبُ إلا من مصنفه
وإن يَكُنْ حبه دينًا لِمعترف فذاك هَمِّي وديني في تعرفه
ومذهبي مذهبُ الحَقِّ اليَقين فمَا يُحَوِّل الحال إلا من تشوفه
وذاك مذهبُ أهلِ البيت إنَّهم نَصُّوا بتصويبِ كُلٍّ في تَصَرُّفِهِ
نَصُّوا بتصويبِ كُلٍّ في الفروعِ فما لَوْمُ الذي لام إلا مِن تعَسُّفهِ
فما قفوتُ سوى أعلام منهجه ولا تلوتُ سوى آياتِ مصحفه
أما الأصولُ فقولي فيه قولُهم لا يبتغي القلب حيفًا عن تحنفه
ففي المَجَازاتِ أمضي نحو معلمه وفي المجازَات أبقى وسطَ موقفه
فإن سعيتُ فسعيي حَوْلَ كعبتِه وإن وقفتُ ففي وَادِي مُعرّفه
وحقِّ حبي له أنِّي به كَلِفٌ يُغنيني الطبعُ فيه عن تكلُّفه
هذا الذىِ كَثُرَ العُذُّالُ فيه فما تّعَجَّبَ القَلْبُ إلا مِن معنفه
ما الذنب إلاَّ وقوفي بين أظهرهم كالماء ما الأجن إلاَّ من تفوقه
والمندلُ الرطب في أوطانِه حَطَبٌ واستقر صرفَ الليالي في تصرفه
يستأهِلُ القَلْبُ ما يلقاه ما بَقِيَتْ لَهُ عَلاقَةُ توليعٍ بمألفِهِ (١)
وله أيضا:
إذَا فُتِّحَتْ أبوابُ رحمةِ رَبِّنا صَغُرْن لديها موبقات الجرائِمِ
وإنْ هي لم تُفْتَحْ ولم يَسْمَحِ الخطا فَعدّ مِن الهُلاَّك أهل العزائم
_________________
(١) في نسخة: تأهل القلبُ ما يلقاه ما بقيت له علائق تغريه بمألفه
[ ١ / ٦٨ ]
وما الربحُ والخُسران إلا لِحكمة بها جَفَّت الأقلامُ قبلَ الخواتم
كما حجب الأبصارَ عن كُنْهِ ذاته لِذَا حَجَب الأسرارَ عن كل عَالِم
فَقُلْ لِجميع الخائضينَ رُويدَكم فليسَ بسرِّ الرَّبِّ فيكم بِعالمِ
فهذا مرامٌ شَطَّ مَرْمَى العُقُولِ في مداه فما في سُبْلِهِ غيرُ نادِم
بعض ما مدح به الإمام ابن الوزير من نثر وشعر:
أثنى بعض العلماء على الإمام ابن الوزير فقد وصفه الأديب البارع وجيه الدين عبد الرحمن بن أبي بكر العطاب في تاريخه بقوله: الإمام الحافظ أبو عبد الله شيخ العلوم وإمامها ومن في يديه زمامها قُلِّد فيها وما قلَّد، وألفي جيد الزمان عاطلًا فطوقه بالمحاسن وقلد، صَنَّف في سائر فنونها وألف كتبًا تقدم فيها وما تخلف، وله في حديث النبي - ﷺ - الباع المديد والشأو البعيد الذي ما عليه مزيد، وله شعر تحسده زهر النجوم، وتود لو أنها في سلكه المنظوم.
وقال القاضي أحمد بن صالح بن أبي الرحال في كتابه (مطلع البدور) في وصفه: المحيط بالعلوم من خلفها وأمامها والحري بأن يُدعى إمامها وابن إمامها كان سبَّاق غايات وصاحب آيات وعنايات بلغ من العلوم الأقاصي، واقتداها بالنواصي فما أجد على قصوري عبارة عن طوله ولا أجد في قولي سعة لذكر فعله وقوله " وقد تقدم ما أثنى به عليه أحمد بن عبد الله الوزير في تاريخ آل الوزير والإمام الشوكاني في البدر الطالع.
ومدحه الشاعر شهاب الدين أحمد بن قاسم الشامي بقوله:
ألمَّ بمحمودِ السجايا محمد يُعنك وإن ضاقت عليكَ المسالِكُ
فتقتبس الأنوارُ مِن روض علمه وتُلتمَسُ الأزهارُ وهي ضواحك
[ ١ / ٦٩ ]
هو البحرُ علمًا بل هو البدرُ طلعةً هو القطرُ جودًا وهو للمجد مالك
كفاه كتابُ اللهِ والسنة التي أتانا بها مَنْ صدقته الملائكُ
ففاضت له مِن حضرة القدس نُكتة من العلم سرًا فيضُها متدَاركُ
فأشرق منها طورُ سنين بهجةً ونورًا تعاطته النجومُ السوامِكُ
فما شاطىء الوادي المقدسِ مِن طُوى ولا نوره إلا عليه يباركُ
ولم يَتَّبِعْ نعمانَهم وابنَ حنبل ولا ما يقولُ الشافعي ومالكُ
وأعلامَ أهلِ البيتِ ردَّ علومَهم وما زالَ يحكي ضعفَها وهو ضاحِكُ
وما ذاك إنكار لِمشهورِ فُضلهم ولكنَّه في منهجِ الحَقِّ سَالِكُ
وأما رجَالُ الاعتزالِ فإنَّه لِما صنفوه في الأصولين تَارِكُ
إذا كانَ ذاك العلمُ منهم فعقلُه لتلك العقول العالمات مشارِكُ
هنيئًا لقوم قلَّدوه لأنَّه أنار المعالي وهي سُودٌ حوالِكُ
كأني بهم في جّنَّةِ الخُلد حولَه لهم سُرُرٌ مرفوعةٌ وأرائِكُ
فهذا الذي أحيا شَرِيعةَ جَدِّه وأحيا به من في الضَّلالَةِ هالِكُ
فَلَوْ قَلَّدُوه الأمر كَانَ خليفةً وقلتَ له الدنيا وتلك الممالِكُ
وقصَّر كسرى عن مداه وقيصرٌ وهرموزهم، والنردَسَين (١) وبابكُ
وسار وتاجُ المُلك مِن فوق رأسه كذا سارَ عيسى وهو لله ناسِكُ
وحوليه مِن آل النبيِّ عِصابةٌ ترق للقياها الجبالُ البوارِك
يدورُ عليها من جديد سحائب بوارِقُها تلك السيوفُ البوائِكُ
فيا لك مِن أقمار ليلٍ تقلنسَت كواكِب إلا أنَّهن برائِكُ
يشُقُّون قَلْبَ الجيشِ والموتُ شاهد فيمضون قسرًا والقنا متشابِكُ
غُيوث ولكِنْ حين لا يسمَحُ الحيا ليوث ولكِن حينَ تحمى المعارِكُ
_________________
(١) في نسخة: والنردشير.
[ ١ / ٧٠ ]
أولئك أهلُ البيت أثنى بمدحهم وتطهيرهم مَن للسَّمواتِ سامِك
فيابن رسولِ الله لستُ ببالغ ثناءَكَ إلاَّ أنَّني متبارِكُ
فَخُذْها بعفوٍ منك واسْتُرْ عيوبَها ولا يهتِكنْ تلك الستارة هاتِكُ (١)
وهذه أبيات كتبها العلامة العارف البارع يحيى بن رويك الطويلي، وكان مقيمًا في تعز، يمدح الإمام محمد بن إبراهيم الوزير:
أَراك تَلُوم ولا أَرْعَوي فَخَلِّ الهديرَ وخَلِّ الدوي
كلامُك في الحق لم تعدُه (٢) فيدخل في سَمْعِ صّبٍّ جَوِي
وأنتَ الحكيمُ وأنتَ الرشيد فدَعْ عنك لَومَ السفيهِ الغوي
تملَّك قلبي حُبُّ الحبيب وصارَ على عرشه مستوي
وما زالَ ينشرُ فيَّ السَّقَام غرامٌ عليه فؤادي طوي
وما ضَحِكَ البرقُ إلا بكَيتُ بُكًا ما شَفَى لي قَلبًا دوِي
يلوحُ فيمطر مِن أعيني دموعًا كَوَبْل السحابِ الروي
وأتبعه مِن حنيني ومن زفيري رعدًا شديدَ الدوي
وُيوقد في الغيم نارًا بها يذوبُ فؤاديَ أو ينشَوِي
لَهَا لهباتٌ يبيت الظلام يجفَل عنهن أو ينزَوي
وقد طَارَ عَنْ وكر جفني الكَرَا فَلَيسَ إليه لَه مِن أوي
وساهرني البرق حتّى الصباح كما ساهَر الخِلِّ خِلٌّ نوي
ويظهر لي كلما شمته تَضَرُّب من جُنَّ أو من حَوِي
كأن الذي بي من لوعة به فهو يقلق أو يلتوي
تَصَوَّب مِن صَوبِ صنعاء لي فَشَبَّ الهوى مِن فؤادي الهوي
_________________
(١) من ترجمته لمحمد بن عبد الله بن الهادي الوزير.
(٢) في نسخة: ملامك في الجو لم يَعُدُه.
[ ١ / ٧١ ]
وذكرني مَن ثوى ثم من أناس لهم في فؤادي ثوي
مهماتُ قلبي ادِّكارهم يؤلفها البارقُ الأسنوي
أحن إليهم حنينَ النياق وأثغوا غرامًا ثُغاء الشوي
ولا سيما عزِّ دينِ الهدى وقطبِ رحا الشرفِ الهادوي
محمد المرتدي بالكمال وسالك كل صراط سوي
وإنسان عين بني المرتضى ودُرَّة عقدهم اللؤلؤي
وبحر المعارف ذاك الذي غدا البحر في جنبه كالطوي
ورافع أعلام علم الحديث وناصب عرش الهدى المنهوي
وناشر سنة خيرِ الأنام وقد كان منثسورها منطوي
ومُحييها وبإحيائها جلا ذهب المذهب اليحيوي
تجرد في بعث مقبورها وإنقاذ ما كان فيها ثوي
وما زال يفتي بها في أزال ويخدمها خدمةَ المقتوي
ويسفك في نصر أعلامها بصُمِّ اليراع دِمَاء الدوي
فروضتُها الآن مخضرَّةٌ تَرِفُّ من الرِّيِّ بعد الذُّوي
ومرتعها قد غدا مُعْشِبًَا ومن بعد صفرته قد حوي
فلِلهِ دَرُّكَ من سَيِّدٍ على كُلِّ مكرمة محتوي
ودَرُّ جحا حجةٍ أشبهُوك مِن هادويٍ وَمِن مهدوي
هُمُ مثلُ أحرفِ بيت القصيد وأنتَ لهم مثلُ حرف الروي
إليكم أحِنُّ حنينًا إذا ظما كَادَ ضلعي به يَشْتَوِي
وأذكركم فيكادُ الفؤاد يذوبُ مِن الشَّوقِ أو ينشوِي
فقلبي كليمُ بموسى الفِراق وحُبِّي برؤيتكم موسوي
أحبُّكم يا بني أحمدٍ وَحُبُّكم أسُّ ديني القوي
أًحِبُّكم مثل حُبِّ المسيـ ـح دان به الراهب العيسوي
[ ١ / ٧٢ ]
أوفيكم حَقَّ حبي ولا أُدنِّسُه بغُلُو الغَوِي
وأهوى على البُعدِ لُقياكم ولُقياكم خَيْرُ شيء هوي
وأعلم أنكم كالوُكور ونحنُ طيورٌ إليها أوي
عَطِشْتُ إلى لَثْمِ أقدامِكُم فيا ليتَ شعري متى أرتوي
فلا زلتُم يا بني أحمد كهوفًا إليها اللحاق الضوي
مؤلفاته
اشتغل بالتأليف منذ سِن مبكرة، فهو قد صنف " العواصم والقواصم " ولما يَبْلُغ الثلاثينَ سنة، ولم ينقطع عن التأليف حتى قرب وفاته:
١ - إيثار الحق على الخلق في معرفة الله تعالى ومعرفة صفاته على مناهج الرسل والسلف. صنفه سنة ٨٣٧ هـ وهو آخر مؤلفائه.
٢ - البرهان القاطع في معرفة الصانع وجميع ما جاءت به الشرائع فرغ من تأليفه في رجب سنة ٨٠١ هـ وقد طبع، وقال يحيى بن الحسين: وله كتاب البرهان في أصول الأديان قرر فيه الاستدلال بالظنيات في الأصول وهو خلافُ الجمهور ولعلَّه هو البرهان القاطع.
٣ - التأديب الملكوتي وهو مختصر، وفيه عجائب وغرائب، قال صلاح ابن أحمد بن عبد الله الوزير: لم أجد هذا الكتاب في الخزانة، وإنما وجدتُ منه وريقاتٍ يسيرة من مُسَوَّدَتِهِ زادت الأسف عليه.
٤ - تحرير الكلام في مسألة الرؤية وما دار بَيْنَ المعتزلة والأشعرية.
٥ - التحفة الصفية في شرح الأبيات الصوفية لأخيه الهادي بن إبراهيم الوزير.
[ ١ / ٧٣ ]
٦ - ترجيحُ أساليب القرآن على أساليب اليونان في أصول الأديان وقد طبع.
٧ - تنقيح الأنظار في علوم الآثار وهو كتاب جليلُ القدر، جمع فيه علومَ الحديث وزاد فيه ما يحتاج إليه طالبُ الحديث مِن علم أصول الفقه، وأفاد فيه التعريف لمذهب الزيدية، وهو يُغني عن كتاب العلوم للحاكم، صنفه سنة ٨١٣ هـ وشرحه البدر محمد بن إسماعيل الأمير، وسماه " توضيح الأفكار على تنقيح الأنظار " في مجلدين وقد طبع.
٨ - الحسام المشهور في الذب عن دولة الإمام المنصور.
٩ - حصر آيات الأحكام، وقال يحيى بن الحسين في " طبقاته ": وكتاب في آيات الأحكام قدر مائتين وست وثلاثين آية.
١٠ - العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم في أربع مجلدات، وهو الذي تقوم مؤسسة الرسالة بنشره وقد اختصره في مجلد وسماه " الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم " وقد فرغ من تأليف المختصر يوم الأربعاء الثالث من شهر شعبان سنة ٨١٧ هـ. وقد طبع مرتين.
١١ - قبولُ البشرى في تيسير اليُسرى، مجلد لطيف ضمنه ما يجوزُ من الرخص وما لا يجوز، وما يكره وما يستحب، وأقوالُ أهل العلم في ذلك.
١٢ - كتاب في التفسير من الكلام النبوي ذكره في " إيثار الحق على الخلق " وقال: جمع فيه ما في جامع الأصول، ومجمع الزوائد، والمستدرك للحاكم. وقال صلاح ابن أحمد بن عبد الله الوزير: ولم يُوجد هذا الكتاب.
[ ١ / ٧٤ ]
١٣ - نصر الأعيان على شر العميان كتبه ردًا على أبي العلاء المعري وقال فيه ما لفظه: وقد ولع بعض أهل الجهل والغرة بإنشاد الأبيات المنسوبة إلى ضرير المعرة، وهي أحقر من أن تسطَّر، وأهون من أن تُذكر، ولم يشعر هذا المسكينُ أن قائلها أراد بها القدحَ في الإسلام من الرأس، وهدم الفروع بهدم الرأس، وليس فيها أثارَةٌ من علم، فيستفاد بيانُها، ولا إشارة إلى شبهة فيوضح بطلانها، وإنما سلك قائلها مسلك سفهاء الفاسقين والزنادقة المارقين وما لا يَعْجِزُ عن مثله إلا الأراذلُ مِن ذم الأفاضل بتقبيح ما لهم من الحسنات، وتسميتها بالأسماء المستقبحات، تارة ببعض الشبهات، وتارة بمجرد التهويل في العبارات، كما فعل صاحب الأبيات. وصدَّر الكتابَ المذكور بهذه الأبيات:
مَا شَأْنُ مَنْ لمْ يدْرِ بالإسْلامِ والخَوْضِ في مُتشابِه الأحْكامِ
لَوْ كُنْتَ تدْرِي مَا دروْا مَا فَاهَ بِالْـ ـعَوْرَاءِ فُوكَ، ولا صَمَمْت صَمَام
لَكِنْ جَمَعْتَ إلى عَمَاكَ تَعَامِيًا وَعُمُومَةً فَجمعْتَ كُلَّ ظَلامِ
فَاخْسَأ فَمَالك بالعُلوم دِرَايَةً القَوْلُ فِيهَا ما تقُول حَذَام
ما أذْكَرَ العُمْيَانَ للأعْيَانِ بَلْ ما أذْكر الأنعَامَ للأعلامِ
وإذَا سَخِرْتَ بِهمْ فلَيْسَ بِضَائِرٍ إنْ هَرَّ كَلْبٌ في بُدُورِ تَمَامِ
مَنْ لَمْ يَكُنْ لِلأنبياءِ مُعَظمًا لَمْ يَدْرِ قَدْرَ أَئِمَّةِ الإسْلامِ
لَمْ تَدْرِ تَغْلِبُ وَائل أَهجَوْتَهَا؟ أمْ بُلْتَ تحْت المَوْجِ وهي طَوامِي
وقال محمد بن عبد الله بن الهادي: وقد أحببتُ ذكر هذه الأبيات لما فيها مِن الذب عن أئمة الاسلام.
١٤ - كتاب الأمر بالعزلة في آخر الزمان.
[ ١ / ٧٥ ]
١٥ - مجمع الحقائق والرقائق في ممادح رب الخلائق وقال فيه بيتين:
ولي فيك دِيوان سَقَيْتُ فنونَه دُموعي فأضحى رَوْضُه مُتفنّنا
وكنتُ امرءًا أهوى البَرَاهِينَ في الثَّنا فرصعتُه فِيها فَجَاء مُبرْهَنَا
١٦ - مختصر في علم المعاني والبيان.
١٧ - رسالة في عدم اشتراط الإمام الأعظم في صلاة الجمعة.
١٨ - كتاب في علم المعاملة.
١٩ - ديوان شعره.
٢٠ - رياض الأبصار في ذكر الأئمة الأقمار والعلماء الأبرار (١).
وأما المسائل والردود على أصحاب الأفكار المُبَدَّعة، فلا يأتي عليها العد ولا يُستطاع على ما تضمنه الرد.
وفاته
توفي ﵀ يوم الثلاثاء الرابع والعشرين من المحرم غرة سنة (٨٤٠) (٢) وقد بلغ من العمر أربعة وستين سنة ونصف السنة بمرض الطاعون الذي انتشر في اليمن في سنة (٨٣٩) وسنة (٨٤٠ هـ) وقد دفن في الرويات (مسجد الروية) المعروف اليوم بمسجد فروة بن مسيك قبلي مصلى العيد
_________________
(١) ذكره إسماعيل باشا البغدادي في هدية العارفين ٢/ ١٩١ وقال: إنه يوجد منه نسختان في مكتبة المدرسة السابقة بطهران.
(٢) وتوفي في اليوم نفسه الإمام المنصور علي بن صلاح الدين، كما توفي الإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى في اليوم الثاني عشر من صفر من السنة نفسها، أي: بعد نصف شهر من وفاتهما فقط، وكانت ولادة المهدي والإمام محمد بن إبراهيم الوزير في سنة ٧٧٥ هـ.
[ ١ / ٧٦ ]
بجوار جدار المسجد. ولشمس الحور بنت أخيه الهادي بن إبراهيم الوزير فيه قولها من أبياتِ:
رَحِمَ اللهُ أعظمًا دفنُوها بالرّويات عن يمين المُصَلَّى
وقال يحيى بن الحسين في طبقاته: وروي أن الوزير حسن باشا (الوالي العثماني في اليمن من غرة ذي الحِجة سنة ٩٨٨ - ١٠١٣) لما عمر المسجد الذي بفروة وجدده، وعمر قبة أكيدة البناء الباقي إلى الآن، وجد قبر السيد جنب المواثر على حاله فأبقاه مكانه (١).
خلاصة القول
يتضح مما سبق أن الإمام محمد بن إبراهيم الوزير قد التزم بالعمل بنصوصِ الكتاب، وصحيح السنة في كل أمرٍ من أمور الدين، ودافع عن السُّنة وأهلها دفاعًا مشهودًا، وأبلى في ذلك بلاء حسنًا، وله أقوالٌ كثيرة في ذلك منها قولُه من قصيدة دالية سبق ذكرها:
يا حَبَّذا يَوْمُ القيَامَةِ شُهْرَتي بَينَ الخلائقِ في المَقام الأحمدِ
لِمحبتي سُنَنَ الرَّسولِ وأنَّني فيها عَصَيْتُ مُعَنِفِّي ومُفَنِّدي
وتركتُ فِيهَا جيرتي وعَشيرتَي وَمَحل أتْرَابي وَمَوْضِعَ مَولدِي
إلى أن يقول:
إني أُحِبُّ محمدًا فَوْقَ الوَرى وبه كما فَعَلَ الأوائِلُ أقتدي
فقد انقضت خيرُ القرون ولم يكن فيهم بِغيرِ محمد مَن يهتدي
_________________
(١) قبره معروف إلى اليوم في المكان نفسه في مقصورة ملحقة بالمسجد المذكور، وبجواره قبر رئيس العلماء أحمد بن محمد بن محمد بن عبد الله الكبسي المتوفي سنة ١٣١٦.
[ ١ / ٧٧ ]
إلا أنه هناك بعضَ قضايا أصولية تردد في تحديدِ موقفه منها؛ وكان يجنح أحيانًا في بداية أمره إلى معتقدات الزيدية، كما جاء في قوله من القصيدة السابقة إذا لم تكن مقحمة على صاحبها:
هذي الفروع وفي الأصول عقيدتي ما لا يُخالف فيه كُلُّ مُوحِّدِ
ديني كأهل البيت دِينًا قيمًا متنزهًا عن كل معتقدٍ ردي
لكنني أرضي العتيقَ وأحتمي من كل قولٍ حادث متجدِّدِ
والعتيق أقوال أهلِ البيت المتقدمة على ما تضمنه " الجامع الكافي " كما جاء في ترجمته في طبقات الزيدية ليحيى بن الحسين بن القاسم، ويقول في أهل البيت:
وأُحِبُّ آل محمد نفسي الفِدا لَهُمُ فما أحدٌ كآل محمدِ
هُمْ بَابُ حِطَّة والسفينة والهدى فِيهم، وهُمْ للظالمين بمَرْصَدِ
وهُمُ النجومُ لِخير متعبِّد وهُمُ الرجومُ لِكل من لم يعبد
وهُم الأمانُ لِكل من تحت السما وجزاءُ أحمد ودُّهم فتودَّدِ
والقوم والقرآن فاعرف فضلَهم ثقلانِ للثقلين نَصُّ محمدِ
ولهم فضائلُ لستُ أُحصي عدَّها من رام عدَّ الشهب لم تتعدد
وكفي لهم شرفًا ومجدًا باذخا شرعُ الصلاة لهم بكل تَشَهُّدِ
وذكر في مقدمة " الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم " (١) ما لفظه: "وأصلي وأسلم صلاة دائمة النما، تملأ، ما بين الأرض والسما وما بينهما عليه وعلى آله الكرما الثقل المذكور مع القرآن (٢) أئمة الإسلام،
_________________
(١) صفحة ٣.
(٢) إشارة إلى ما ورد في كتب الشيعة " إني تركت فيكم ثقلين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وعترتي أهل بيتي " كما جاء في تعليق الأستاذ محب الدين الخطيب على الروض الباسم، أما عند أهل السنة فهو كتاب الله وسنتى.
[ ١ / ٧٨ ]
وأركان الإيمان المتوجين بتاج: ﴿قُلْ لا أَسْاَلُكُم عَلَيْهِ أَجْرًا إلاَّ المَودَّةَ في القُرْبَى﴾ (١) الشاهد بمناقبهم كتاب " ذخائر العقبى " (٢).
فهو هنا قد التزم بمقولات الزيدية، وسلك في ذلك مسلك علمائها، وقصد بأهلِ البيت ما يقصِدونه من أنهم علي بن أبي طالب ﵁ وأولاده في اليمن (٣) ناسيًا أن كثيرًا من أولاده قد سكنوا في غير اليمن مِن ديار المسلمين، وتمذهبوا بمذاهب تلك الديار، ففيهم الحنبلي والحنفي والمالكي، والشافعي، كما أن منهم أيضًا من اعتنق مذهب الإمامية الاثني عشرية، وكذلك فإن الإسماعيلية بفرقتيها المستعلية والنزارية تَدَّعي أنها تسير على منهج أهلِ البيت وإن مؤسسيها هُم من أعيان أهل البيت، وهؤلاء جميعًا يختلفون كثيرًا في عقائدهم عن عقائد الزيدية.
كذلك فإن الإمام الوزير التزم ببعض شعائر الزيدية كالقول بـ: حي على خير العمل في الآذان، وقد تفرد بهذه الرواية أخوه العلامة الهادي بن إبراهيم الوزير حينما رد على جمال الدين علي بن محمد بن أبي القاسم لإنكاره على أخيه بأنه خالف الزيدية، وأنكر صحة القول بـ: حي على خير العمل.
_________________
(١) سورة الشورى آية ٢٣ وقال سعيد بن جبير: قربى آل محمد ﷺ فقال ابن عباس: عجلت أن النبي ﷺ لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة فقال: " إلا أن تصلوا ما بيني وما بينكم من القرابة ". تعليق الأستاذ الخطيب.
(٢) كتاب (ذخائر العقبي في مناقب ذوي القربى) لمحب الدين أحمد بن عبد الله الطبري المتوفي ٦٩٤ هـ تعليق الأستاذ الخطيب.
(٣) هذا مع التسليم بأن الآية خاصة بهم وإلا فنساء النبي داخلات فيها بدليل موقعها من الآيات التي تبدأ بقوله تعالى: ﴿يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرًا﴾ وتنتهي بقوله: ﴿واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفًا خبيرًا﴾ فقد جاء ذكر أهل البيت في سياق مخاطبة الله لهن.
[ ١ / ٧٩ ]
وأنا في شك مما نسب إليه من تمسكه بعقائد الزيدية أصولًا وفروعًا إذ لو كان الأمر كذلك لما كان هناك مسوغ لمحاربته حربًا لا هوادة فيها في زمانه وبعد زمانه من بعض علماء المذهب الزيدي. حتى من أقرب الناس إليه. وإذا كان قد ورد شيء يدل على انتمائه إلى الزيدية في كلامه على فرض صحة ثبوته فإنما كان ذلك في بداية أمره.
ومهما يكن مما نسب إليه، فإنه كان ملتزمًا بالسنة أصولًا وفروعًا كما هو معروف عنه في مؤلفاته كلها، فهو يقول في مقدمة الروض الباسم (١):
" ولم يكن بدعًا أن تنسمت من أعطارها روائح، وتبصرت من أنوارها لوائح، أشربت قلبي محبةَ الحديث النبوي، والعلم المصطفوي، فكنت ممن يرى الحظ الأسنى في خدمة علومه، وتمهيد ما تعفَّى من رسومه، ورأيتُ أولى ما اشتغلت به ما تعين فرض كفايته بعد الارتفاع وتضيق وقت القيام به بعد الاتساع من الذب عنه، والمحاماة عليه، والحث على إتباعه والدعاء إليه، فإنه علم الصدر الأول، والذى عليه بعدَ القرآن المُعَوَّل، وهو لعلوم الإسلام أصل وأساس، وهو المفسر للقرآن بشهادة ﴿لتبين للناس﴾.
وهو الذي قال الله فيه تصريحًا ﴿إن هُو الا وحي يوحى﴾، وهو الذي وصفه الصادق الأمين بمماثلة القرآن المبين؛ حيث قال في التوبيخ لكل مترف إمَّعة: " إني أوتيتُ القرآنَ ومثلَه معه " (٢). وهو العلم الذي لم يشارك القرآن سواه في الإجماع على كفر جاحدِ المعلوم من لفظه ومعناه، وهو العلم الذي إذا تجاثت الخصوم للركب، وتفاوتت العلوم في الرتب أصمت مرنان نوافله كل مناضل، وأصمت برهان معارفه كُل فاضل، وهو العلم الذي
_________________
(١) ص ٥.
(٢) وهذا الحديث يؤكد أن الرواية الصحيحة لحديث: " إني تركت فيكم ثقلين إنما هي بلفظ كتابي وسنتي ".
[ ١ / ٨٠ ]
ورثه المصطفي المختار والصحابة الأبرار، والتابعون الأخيار، وهو العلم الفائضة بركاته على جميع أقاليم الإسلام، الباقية حسناته في أمة الرسول ﵇، وهو العلم الذي صانه الله عن عبارة الفلاسفة، وتقيدت عن سلوك مناهجه، فهي راسفة في الأغلال آسفة، وهو العلم الذي جلّى الإسلام به في ميدان الحجة وصلّى، وتجمل بديباج ملابسه من صام لله وصلى، وهو العلم الفاصل حين تلجلَجُ الألسنةُ بالخطاب، الشاهد له بالفضل رجوع عمر بن الخطاب، وهو العلم الذي تفجرت منه بحارُ العلوم الفقهية، والأحكام الشرعية، وتزينت بجواهره التفاسيرُ القرآنية، والشواهدُ النحوية، والدقائق الوعظية. وهو العلم الذي يُميز اللهُ به الخبيثَ من الطيب، ولا يرغم إلا المبتدع المتريب، وهو العلم الذي يسلك بصاحبه نهج السلامة، ويوصله إلى دار الكرامة، والسارب في رياض حدائقه، الشارب من حِياض حقائقه، عالم بالسنة، ولابس من كل صوف جُنَّة، وسالك منهاج الحق إلى الجَنة، وهو العلم الذي يرجع إليه الأصولي وإن برز في علمه، والفقيه وإن برز في ذكائه وفهمه، والنحوي وإن برز في تجويد لفظه، واللغوي وإن اتسع في حفظه، والواعظ المبصر، والصوفي والمفسر، كلهم إليه راجعون ولرياضه منتجعون" (١).
وإذا تأملنا هذا الكلام، وأمعنا فيه فإننا نراه قد نقض ما سبقه، بل نسفه نسفًا.
ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم. سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم.
_________________
(١) ص ٥، ٦.
[ ١ / ٨١ ]
التعريف بالعواصم والقواصم
هذا هو الكتاب العظيم الذي تقوم دار البشير بنشره، ويتولى تحقيقه وتخريج نصوصه والتعليق عليه الأخ الأستاذ العلامة شعيب الأرنؤوط، قد اعتمدت في التعريف به، وبما اشتمل عليه من أبحاث على ما كتبه محمد ابن عبد الله بن الهادي بن إبراهيم الوزير في ترجمته له، وقد أوجز ما اشتمل عليه من أبحاث فيما يلي:
ذكر في المجلد الأول الخطبة، وفيها الإشارة إلى سنة الله في إقامة الحجج، ومقام الرفق، ومقام الشدة في ذلك، وفيها شيء من مناقب النبي ﵌، ثم مناقب أهل بيته، ثم مناقب أصحابه ﵃، ثم مناقب أمته، ثم ترجيح عدم التكفير لأهل التأويل منهم، وذكر كثير مما جاء في ذلك كتابًا وسنة.
ثم الإشارة إلى أقربِ الطُّرقِ إلى معرفة الله تعالى والاكتفاء بالجُمَل وكيفية التعلم لذلك من كتاب الله تعالى، وذكر أقرب الأشياء إلى قطع الوسواس والشكوك، ثم في ذكر النهي عن التفكير (١) والاختلاف والفرق
_________________
(١) في نسخة التفكر.
[ ١ / ٨٢ ]
بينَ المراء المنهي عنه، والجدال بالتي هي أحسن، والحث على الصلح بين المسلمين والتأليف حسب الإمكان، ثم ذكر الموجب لتأليف هذا الكتاب والعذر في التصدي، ثم في الشروع في الجواب.
والذي اشتمل عليه من المسائل العلمية هذا المجلد مسألتان:
المسألة الأولى: الكلامُ في صعوبة الاجتهاد في العلم أو سهولته وذكر شرائط الاجتهاد عند الفريقين المعسرين والميسرين، والرد على من زعم أنه قد صار متعذرًا على الإطلاق، وفي ذلك عشرون تنبيهًا تشتمل على بيان غلط من أوهم تعذره، أو شكك في ذلك، ودعا الناس إلى الإعراض عن طلبه.
ثم الكلام فيما يكفي المجتهدين من معرفة الأخبار النبوبة، ومعرفة طرق التصحيح والجرح والتعديل .. وما يؤدي إليه القول بتعذر الاجتهاد، وخلو دار الإسلام ممن يعرف معنى كلام الله تعالى، وكلام رسوله ﵌، وصحيح حديثه من عموم الضلالات وأنواع الجهالات، وتعذر معرفة جواز التقليد حينئذ، وارتفاع التكليف بتفاصيل الشريعة المطهرة المحفوظة صانها الله عن ذلك. وفي آخر ذلك تمام الكلام في الجرح والتعديل وفي أئمة الحديث الذين أخذ ذلك عنهم، واتصلت الروايةُ بهم، ثم الكلام في معرفة الصحابة ﵃، وحكم المجهول منهم، ومعرفة ما يكون المسلم به صحابيًا.
ثم القول في معرفة ما يحتاج إليه المجتهدُ من التفسير، ثم معرفة الناسخ والمنسوخ، وحصر المنسوخات وذكرها بأعيانها مع تمييز ما أجمع على نسخه مما اختلف فيه بأوجز عبارة، ثم ذكر اجتهاد الصحابة، وعدد منْ عُرِف بالاجتهاد منهم وفيه الذَبّ عن أبي هريرة (﵁) وعن
[ ١ / ٨٣ ]
أمثاله من السلف وبيان صدقهم والردِّ على من اتهمهم بتعمد الكذب. ثم ذكر الحسن البصري، وأبي حنيفة ﵄ مناقبهما، واجتهادهما والرد على من قدح فيه، ثم الرد على من قال: إنه لا مجتهد بعدَ الإمامِ الشافعي ﵁، وما يُؤدي ذلك إليه من تجهيل كبار الأئمة وأحبار الأمة في مقدار ستمائة سنة، وذكر خلائق من المجتهدين في هذه القرون وتسمية كثير منهم.
المسألة الثانية: القول في قبول أهل التأويل في الرواية من أنواع المبتدعة إذا عُرِفَ صدقُهم وحفظهم، وذكر الاختلاف في ذلك، وتقصي الأدلة فيه، وفي ذلك فصلان:
الفصل الأول في ذكر من قال: إن قبولهم باطل قطعًا لا ظنًا، وذكر أدلته وإبطالها، وذكر ما يلزمه من دعوى القطع في ذلك من اللوازم الصعبة، والإشكالات الجمّة التي بلغت مئتي إشكال أو أكثر، وفي آخر ذلك ذكر ما يَخُصُّ المرجئة ثم الجبرية من ذلك وما يؤدي إليه القولُ بأن المسألة قطعية.
الفصل الثاني في ذكر الأدلة على قبول المتأولين، وفيه مسألتان:
المسألة الأولى قبولُ فاسق التأويل، وفيها ذكر الاجماع على قبولهم من اثني عشر طريقًا فمن الأئمة المنصور بالله عبد الله بن حمزة، والإمام المؤيد بالله أحمد بن الحسين، وأخوه يحيى بن الحسين الحسنيين الهارونيين، والإمام المؤيَّد بالله يحيى بن حمزة، والأمير الحسين بن محمد بن أحمد بن يحيى الهادي إلى الحق، والقاضي زيد بن محمد، والفقيه العلامة عبد الله بن زيد صاحب الإرشاد، والحاكم المعتزلي صاحب العيون والسفينة والتفسير، والشيخ أحمد بن محمد الرصاص،
[ ١ / ٨٤ ]
وجده الشيخ العلامة المتكلم الحسن بن محمد الرصاص، والشيخ الإمام أبو عمر عثمان بن عمر بن أبي بكر المعروف بابن الحاجب.
ثم ألحق -﵀- تعالى ما يدل على صحة رواية هؤلاء للإجماع، وما اعترضت به هذه الرواية والجواب عنه، ثم شهرة خلاف المتأخرين في ذلك على تقدير التسليم أن إجماع القدماء لم يصح، وذكر نصوص أهل البيت خاصة على قبول فسّاق التأويل، ونقل ذلك من تصانيفهم المشهورة الموجودة المتداولة، ثم ذكر الحجج العقلية في ذلك ومن ذكرها منهم وتأييدها بالأدلة السمعية إلى أن تمت اثنتان وثلاثون حجة.
ثم ذكر خمسة عشر مرجحًا لقبولهم على ردهم وما فيه من الاحتياط والورع.
ثم ذكر المسألة الثانية من هذا الفصل الثاني، وهي قبولُ كفار التأويل عند مَنْ يقول به، ورواية الإجماع فيه من خمس طرق عن المنصور بالله، والمؤيَّد بالله يحيى بن حمزة، والفقيه عبد الله بن زيد، والقاضي زيد بن محمد، والإحالة بأكثر الأدلة إلى الأدلة على المسألة الأولى، وبيان أن هذه المسألة محل نظر واجتهاد.
ثم ذكر -رحمه الله تعالى- فائدة في حكم حديث فسَّاق أهل التأويل إذا عارض رواية أهل العدل وماهية شرط التعارض.
ثم ذكر -﵀- خصيصتين: أولهما في فضل أهل البيت، والثانية في تقديم أهلِ كُلِّ فن في فنهم ومعرفة حَقِّ تجويدهم فيه، وعنايتهم فيه، ثم بيان التنزه عن تقديم فساق التأويل على أئمة الإسلام وأن ذلك لم يكن منه -﵀- قط، وأن الخصم قد وقع فيه من حيث لم يشعر.
[ ١ / ٨٥ ]
ثم بيان القول في العموم والخصوص إذا تعارضا، وطرف من الكلام في مسألة الجهر بالبسملة والإخفات، ثم بيان أن البخاري ومسلمًا وأهل السنن الأربع لم يتعرَّضوا لحصر الحديث الصحيح، ولا ادَّعوا ذلك، بل صَرَّحُوا بنقيضه، ثم بيان حكم ما ادعى من الإجماع الظني على صحته من حديث البخاري ومسلم، وما خرج عن دعوى الاجماع الظني من حديثهما ومن لم يقل بهذا الإجماع من جماهير العلماء والمحدثين. ثم ذكر ترجيح الذي ليس بمجتهد لبعض مذاهب العلماء لموافقتهما للأخبار الصحاح، وما يرد على ذلك، والرد على من منعه.
ثم ذكر التزام مذهب معين في التقَليد، وهل يجب ذلك، وما المختار فيه؟.
ثم الكلام في حديث المحاربين لأمير المؤمنين علي ﵇ وإفراد الكلام عليهم من دون أهل التأويل.
ثم ذكر -﵀- أربعة عشر وَهْمًا من سبعة وعشرين وهْمًَا:
الأول منها قولُ المحدثين بعصمة الصحابة وأن كبائرهم صغائر.
الثاني: أنهم يُجيزون الكبائر على الأنبياء صلوات الله عليهم.
الثالث: أن مروان بن الحكم ليس هو طريدَ رسول الله ﷺ بل طريدُه الحكم.
الرابع: في حكم مروان.
الخامس: أن الزنا صح من المُغيرة بن شعبة.
السادس: في تعيين جَرْحه بذلك أو جرْح الشهود عليه به.
[ ١ / ٨٦ ]
السابع: أن الشهود الثلاثة إن لم يكونوا قاذفين، وجب جرحُ المغيرة بالزنا الذي أخبروا به.
الثامن: في مناقضته في الثناء على أبي بكر، وذم من قعد عن نصرة علي ﵇، لأنه كان من القاعدين عن نصرته.
ثم إنه ذكر -﵀- كلامًا في الوليد بن عقبة، وفيه الرد على من زعم أنه من رواة الكتب الصحاح.
ثم ذكر كلامًا في عبد الله بن عَمْرو بن العاص وأبي موسى، وجوَّد الكلام على الأحاديث التي فيها ذكر القوم الذين يُؤتى بهم يومَ القيامة إلى رسول الله ﵌، فيذهب بهم إلى النار فيقول رسول الله ﵌: أصحابي فيقال له: إِنك لا تدري ما أحدثوه بعدك.
فهذا ما تضمنه المجلد الأول من العواصم.
وأما المجلد الثاني، ففيه تنزيه إمام السنة أبي عبد الله أحمد بن حنبل عن القول بالتشبيه والتجسيم، وتنزيه أئمة الحديث مطلقًا، وذكر بعض من روى عنه أئمة أهل البيت، وأئمة الحديث ممن يختلف في قبوله وفي توثيقه، وبيان نزاهة الإمام أحمد عن التشبيه، وبيان مذهبه ومذهب أهل الأثر في ذلك في فصل طويل أودعه ﵀ كتاب الوظائف في ذلك، وزاد عليه زيادة في آخره مفيدة.
ثم إنه ﵀ ألحقه بما يُناسبه من مقالات أهل الجُمَل من أهل البيت، ثم بيان كيفية الاحتجاج على التوحيد والنبوات وسائر ما يحتاج إليه من أصول الدين، وأخذ ذلك من كتاب الله ﷿، وكلام علماء
[ ١ / ٨٧ ]
الإسلام من جميع الفرق، وكيفية التعلم لذلك من كتاب الله تعالى وأخذه منه.
ثم ذكر -﵀- مباحث في دليل الأكوان، وأورد عليهم فيه معارضات ومناقضات لم يسبق إلى مثلها وذكر أبياتًا له صادية (١) وشرح شيئًا منها.
ثم الرد على من نسب الإمام مالكًا -﵀- وأمثالَه من أئمة الفقه والحديث إلى البَلَه والجمود لعدم محارستهم علم الكلام والمعقولات، وجَوَّد الرد على من زعم ذلك في نحو أربعة عشر وجهًا، وبين ما يرجع إليه التارك لعلم الكلام في مقامين: أحدُهما: مقام النظر في معرفة الله لتحصل قوة اليقين بذلك، وثانيهما: مقام الرد على الفلاسفة والمبتدعة عند الحاجة إلى ذلك.
ثم ذكر رحمه الله تعالى مذهب الفرقة الثانية من أهل الأثر وهم الجامعون بين الآثر والنظر وعلوم المعقولات والمنقولات، وأورد مختصرًا لابن تَيمية في ذلك وذكر أدلة الفِرَق في التكفير وعدمه لأهل التأويل، وضمنه أيضًا كلام الإمام المنصور بالله في تعذر معرفة إجماع أهل البيت بعد تفرقهم في البلاد الشاسعة، وذكر جماعة لا يعرفون، ولا تُعرف مذاهبهم من خلفاء ودعاة وغيرهم ممن في بلاد الغرب الأقصى وبلاد اليمامة وغيرهما.
ثم أورد بعد هذا ترجمة الإمام أحمد بن حنبل مستوفاة من كتاب النبلاء للذهبي الشافعي.
_________________
(١) في نسخة هادية.
[ ١ / ٨٨ ]
ثم الكلام على مسألة القرآن وتجويدها، والدلالة على عدم تكفير المختلفين فيها، وذكر قول من قال من قدماء أهل البيت: إن القرآن ليس بمخلوق، كقول جمهور أهلِ الحديث، وما ذكره محمد بن منصور الكوفي الزيدي في ذلك، وفي الجُمَل وترك التكفير، ونقله لذلك من جملة أهل البيت وقدماء المعتزلة.
ثم تكلَّم -﵀- في مسألة الرؤية وفي عرض ذلك الذب عن الإمام الشافعي، والرد على من قدح في اعتقاده، وضمن مسألة الرؤية قواعد كبارًا كلامية، وبسط القول في معنى الجسم والكلام على تضعيف أدلة المتكلمين في تماثل الأجسام، وتضعيف القول بأن المعدوم شيء وما يلزم من قال بذلك.
ثم تكلم -﵀- بعد هذه المقدمات في فصلين في الرؤية أحدهما في إمكانها وإحالتها، وثانيهما فيما ورد من السَمع في أنها تقع في الآخرة عند أهل السنة، وذكر أدلة الفريقين مستوفاة بألفاظهم، ثم الذب عن البخاري محمد بن إسماعيل صاحب الصحيح، والرد على من ألزمه الجَبر ببعض ما في كتابه الصحيح.
ثم ذكر ستة أوهام تتعلق بمن اعتقد الإيمانَ، ولم ينطِقْ به، وهل التلفظُ بالشهادتين بعدَ الاعتقاد شرط في صحة إلإسلام أو واجب مستقل متأخر مثل الصوم والصلاة والحج؟ ثم الرد على من زعم أن المخالفين كفار تصريح، ثم بيان القدر الضروري في وجوب شكر المنعم، وطرف من الكلام في التحسين والتقبيح بالعقل، وذكر حجة من لا يقول به على أن الله تعالى واجب الصدق محال عليه أن يتصف بصفة النقص عند جميع أهل الإسلام.
[ ١ / ٨٩ ]
ثم ذكر -﵀- في المجلد الثالث من هذا الكتاب الرد على من زعم أن أئمة السنة الأثبات ينكرون أن لنا أفعالًا وتصرفات، واستخرج من ذلك أنهم كفارُ تصريح لإنكارهم في زعمهم العلومَ الضروريات، وأن هذا مجرد دعوى عليهم من غير بينة، وأنهم مجمعون على إثبات الاختيار ونفي الإجبار، وأن بيان ذلك يظهر من طريقين: أحدهما: النقل لذلك عن المعتزلة والشيعة، فإنه يوجد في كلامهم عند حاجتهم إليه في إلزام الأشعرية لبعض المناقضات، والطريق الثانية: النقل عن أئمة أهل السنة ومتكلميهم، وذكر نصوصهم المتواترة الصريحة من كتبهم الشهيرة. وذكر الفرق بين المحبة والإرادة والرضى والمشيئة، وإن الفرق بينهما في اللغة واضح، فالمحبة والرضى نقيض الكراهة، والإرادة والمشيئة معناهما واحد، وهو ما يقع الفعل به على وجه دون وجه على تفصيل قد ذكره واستدل عليه، وأطِال الحجة فيه وأدلة الفريقين من المعتزلة والأشعرية مستوفاة العقلية والسمعية.
ثم أورد تأويل المعتزلة لآيات المشيئة، وهو قولهم: إن الله لو شاء أن يكره العصاة على الطاعة لفعل، لأنه لو كان يعلم لهم لطفًا إذا فعله لهم أطاعوه، لوجب عليه فعل ذلك، لأنه تعالى لا يخل بالواجب، وقد ألزمهم علماءُ الإسلام تعجيز الرب سبحانه عن هداية عاصٍ واحد على وجه الاختيار وهم يلتزمونه في المعنى، لأنه صريح مذهبهم إلا أنهم يقولون: إنه لا يستلزم اسم العجز، لأن اللطف بهم محال، والمحال ليس بشيء، والقادر لا يوصف بالقدرة على لا شيء.
وأجاب -﵁- عن هذا السؤال بأن الإحالة ممنوعة، ومع تقدير تسليمها، فيلزمهم قبحُ التكليف لأن إزاحة أعذار المكلفين عندهم
[ ١ / ٩٠ ]
واجبة، ولذلك أوجبوا اللطف على الله تعالى، وخالفهم في ذلك قدماء أهلِ البيت ﵈، كما نقله في أوائل هذا الجزء عنهم، وعن غيرهم، وجلة من المتأخرين منهم السيد العلامة الإمام أبو عبد الله مصنف " الجامع الكافي " والإمام يحيى بن حمزة وغيرهم.
ثم ذكر الكلام على القضاء والقدر، وما ورد من النهي في الخوض فيه، وبيان مرتبة ذلك من الصحة، وبيان معناه، وأن الوارد في ذلك عموم وخصوص، فالعموم مثل قوله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ وغير هذه الآية، والخصوص عشرة أحاديث عن أبي هريرة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وثوبان، وأبي الدرداء، وعن ثوبان أيضًا، وعن ابن مسعود، وأنس، وأبي هريرة، وعن ابن عباس أيضًا، وأبي رجاء العطاردي (١)، وليس فيها شيء متفق على صحته، ولا خرَّج البخاري ومسلم منهما شيئًا، لكن خرَّج أحمد بن حنبل منها حديثًا من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وهي طريق مختلف فيها اختلافًا كبيرًا، وهي تصلح مع الشواهد، وخرَّج الترمذي منها حديثًا عن أبي هريرة وقال: غريب لكن خرَّج البزار له إسنادين آخرين. قال الهيثمي: رجال أحدهما رجال الصحيح غيرَ رجل واحد، وخرج الطبراني في المعجمين الأوسط والكبير حديثَ ابن عباس في ذلك، وقال الحاكم: صحيح على شرطيهما، وهذا عارض، والعود أحمد.
ثم ذكر -﵀- ما قاله العلماء وأهل اللغة في تفسير القضاء والقدر على اختلاف مذاهبهم وأدلتهم وأفهامهم، وغلط من زعم أن معنى القدر
_________________
(١) في نسخة العطاري. وهي تحريف.
[ ١ / ٩١ ]
والقضاء معنى الإجبار والقهر للعبد على ما قضاه، وليس كذلك وذكر أن كثيرًا من أهل السنة فسروا القضاء والقدر بعلم الغيب السابق، منهم القاضي عياض في شرحه لمسلم، والنووي في شرحه له، وابن بطال في شرح البخاري وغيرهم.
ثم ذكر -رحمه الله تعالى- أن الأحاديثَ التي وردت في وجوب الإيمان به أكثر من سبعين حديثًا، وأنها قد كثرت كثرة توجبُ التواتر، وذكر أيضًا بعدها نحو مائة وخمسين حديثًا، في صحة ذلك فيما ليس فيه ذكرُ وجوب الإيمان به، وكل رواتها رجال الصحيح، وتكلم على حديث " القدرية مجوس هذه الأمة " وأنه ضعيف عند المؤيَّد بالله من أئمة الزيدية وعند المحدثين. قال ﵀: وأما قول الحاكم أبي عبد الله: إنه صحيح على شرط الشيخين إن صح سماع أبي حازم عن ابن عمر فشره منه بالتصحيح، فإنه لم يصح ذلك، وتصحيح كل ضعيف على شروط معدومة غير ممكن، فإن فسر القدر بالعلم، فالمذموم منْ نفاه، وإن فسر بالجبر والإكراه، فالمذموم من أثبته، ثم ذكر فائدة العمل مع القدر جوابًا على من قدح في أحاديث الأقدار من المبتدعة، وأن الفائدة في العمل مع القدر مثل الفائدة في العمل مع سبق العلم، إذ كل منهما غيرُ مزيل للقدرة، ولا مؤثر فيها، ولو كان شيء من ذلك يؤثر فيها، لما تعلق جميع ذلك بأفعال الله، وجوَّد الكلام في ذلك، وشنَّع الكلام على من وعر إليه المسالك.
ثم ذكر أفعال العباد، وأنه لا خلاف بينَ المسلمين أن للعباد أفعالًا مضافة إليهم يسمون بها مطيعين وعصاة، ويثابون على حسنها، ويستحقون العقاب على قُبحها، وأن الله تعالى قد أقام الحجة عليهم، وأن له سبحانه الحجة البالغة لا عليه، وأن عقابَه لمن عاقبه منهم عدل منه
[ ١ / ٩٢ ]
لا جور فيه ولا ظلم، وأن ذلك معلوم ضرورة من الدين، وأن الإجماع منعقد على أن أفعال العباد اختيارية لا اضطرارية، وأن الفرق بين حركة المختار وحركة المفلوج والمسحوب ضروري إلا من لا يُعتد به في الإجماع من سقط المتاع (١) الذين لم يرجعوا إلى تحقيق في النظر، ولا إلى حسن في الاتباع، ولا لهم في ذلك سلف ماض ولا خلف باق، وهم الجبرية الخالصة الذين لا يثبتون للعبد قدرة أصلًا.
ثم ذكر أن فِرَق المعتزلة عشرون، وفرق الأشعرية أربع فرق، وأن الفرقة الثالثة من الأشعرية أهل الكسب وهم الجمهورُ منهم. قال ﵀: وقد طال اللجاجُ بينهم وبينَ المعتزلة وبعض الأشعرية أيضًا: هل الكسبُ معقول أو غيرُ معقول؟، وذكر أن المشنعين على أهل الكسب من الأشعرية هم إمام الحرمين وأصحابه، ومن المعتزلة أبو هاشم وأصحابه. قال: والإنصاف يقتضي أنه معقول كما عقله الشيخُ مختار المعتزلي في كتابه "المجتبى" وغيره، فإن معنى قول المشنعين: إنه غيرُ معقول أنه مستحيل تصورُهُ في الذهن وتفهمه، فإذا استحال ذلك استحالَ الحكْم عليه بالبُطلان أو الصحة. قال: وهذا غلو في العصبية وليس كذلك، ولا في معناه شيء من الغموض والدقة، فإن الكسب هو فِعلُ العبد بعينه الذي هو فعلُ الطاعات والمعاصي والمباحات وسائر التصرفات، وإنما اختاروا تسميةَ فعل العبد بالكسب دونَ الفعل، ومعناهما واحد عندهم، لأن الكسب يختصُّ بفعل العبد دونَ فعل الرب سبحانه ولا يجوزُ أن يُسمَّى الربُّ تعالى كاسبًا بخلاف الفعل، فإنه مشترك إلى آخر كلامه. وهو كلامٌ طويل مفيد.
ثم الرد على من نسب إلى أهل السنة إنهم يقولون بتكليف ما لا
_________________
(١) كجهم بن صفوان وأتباعه من نفاة الاختيار.
[ ١ / ٩٣ ]
يُطاق، وإنه لم يذهب إلى هذا المذهب إلا الأقل من أهل الكلام منهم كالرازى والسُبكي صاحب " جمع الجوامع " دون حملة العلم الشريف النبوى الذي كلامه -﵀- فيهم وذبُّه عنهم، ثم الرد على من زعم أنهم يخالفون في القدر الضروري من القول بجواز التعذيب بغير ذنب أو الإيلام لغير حكمة، وأن المحققين منهم لا يجوزون ذلك، وتكلم في ذلك عمومًا وخصوصًا، فأما الخصوص، ففي مسألتين: الأولى: مسألة الأطفال، وأن المعتزلة والشيعة ينسبون إليهم القول بأن أطفال المشركين في النار بذنوب آبائهم، ويجزمون بذلك هكذا من غير استثناء قال: وهذا تقصيرٌ كبير في معرفة مذاهبهم، ولهم في ذلك أقوالٌ ذكرها في هذا المجلد.
المسألة الثانية: مما يتوهم مخالفتهم فيه تعذيبُ الميت ببكاء أهله عليه، وأن البخارى في الصحيح والخطابي فيما رواه عنه ابن الأثير والنووي تأوَّلوا ذلك على أن الميت أوصى بالبكاء عليه كما كانت عادة العرب في ذلك، وذكر تأويلين آخرين حذفتهما اختصارًا.
وأما العموم، فقال ﵀: إنها كلمة إجماع من أهل السنة ونقله عن نص الإمام الشافعي والزنجاني والذهبي، فهذا ما تضمنه المجلد الثالث من العواصم وهو ميدان الصراع بين الفريقين فمن أراد معرفة المذهبين معرفة تامةً وهو من أهل النظر والفهم والإنصاف فليقف عليه، وإنما طولت في ذلك -وإن كان كالخارج عن المقصود- رجاء أن يقف على هذه الترجمة من لا يشتفي بها، فيدعوه النشاط والرغبة إلى الوقوف على الكتاب، ولم آت على ترتيب ما اشتمل عليه هذا المجلد ما أتيت على ما اشتمل عليه أخواه فليعرف ذلك الواقف عليه.
وأما المجلدُ الرابع من الكتاب، فجملة ما فيه سبعةُ أوهام بعدَ ثلاثين
[ ١ / ٩٤ ]
وهمًا فيما قبلَه. ثم بعد السبعة الأوهام القدح على المحدثين برواية ما يُوهم التجسيمَ، وما يُوهم الجبر، وما يُوهم الإرجاء، وما يُوهم نسبة ما لا يجوز إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ثم الجواب عن المحدثين.
فأما الوهم الأول فتقدم، والثاني فيه تحقيق الخلاف في التحسين والتقبيح العقليين، وفيه تفصيل غريب جيد، والوهم الثالث والثلاثون في الكلام على إمامة الجائر مطولًا مجردًا، وفيه فصول:
الفصل الأول في بيان أن الباغي هو الخارج على أئمة العدل دون الخارج على أئمة الجور، في مذهب الفقهاء وسائر علماء الإسلام، وذكر في الوجه الرابع منه الإجماع على أن المقاتلين لأمير المؤمنين ﵇ في صِفِّين والجمل بُغاة عليه ظالمون له، ونص أهل الحديث على ذلك وسائر فقهاء الإسلام، وفيه حكم قاتل علي ﵇، ونقل البيهقي أن قتل قاتله كان لكفره عند الشافعية، وما ورد في قاتله من حديث، وكلام أهل السنة وكذا ما ورد عنهم في أمثاله، وحكم الفاسق الصدوق، ثم القول في حكم قاتل الحسين، ثم ذكر يزيد الشقي وما ورد في ذمه من الحديث ومن كلام السلف، ودعوى الإجماع على الإنكار عليه، والإغلاظ في ذمه والإجماع على التصويب لمن حاربه.
ثم ذكر -﵀- تعالى فصلًا ثانيًا في بيان أن من جوَّز إمامة الجائر للضرورة كأكل الميتة، فإنه استثنى من ذلك من فَحُشَ جورُه كالحجاج بن يوسف، ويزيدَ بن معاوية، ثم عاد إلى ذكر قتل الحسين ﵇ والإجماع على تحريمه وتعظيمه، وذكر ما روي عن الغزالي من تحريم لعن كل كافر أو فاسق معين. والجواب على ذلك مستقصى في ذكر كلام الشيعة، وأهل الحديث في ذلك مطولًا مجودًا، وفيه فوائد ونكت وأحاديث في قدر ثلاث
[ ١ / ٩٥ ]
كراريس، ثم عاد إلى الموضع الثالث وذكر موضع الخلاف بيننا وبين الفقهاء في شروط الإمامة وأنهم لم يُخالفونا إلا في النسب، فمذهبهم فيه كمذهب المعتزلة، وإنما خالفوا في مسألة ثانية تعلق بالنظر في المصالح كما بسطه من موضعه من هذا الجزء الرابع، ثم ذكر -رحمه الله تعالى- ثمرة الخلاف وما تنتجه الضرورات، ثم ما ورد من طاعة أولي الأمر وإن جاروا، وأخذ الولاية عن بعضهم، وذكر من عقد له ثم جار، وبين من تغلب من غير عقد وكان جائرًا.
ثم ذكر محمد بن شهاب الزهري: وإن بعض الأصحاب من أهل المذهب ادعى أنه ما روى أحد من أهل البيت حديثه وهو غلط، وقد روى عنه الإمام أحمد بن سليمان وغيره من أئمة أهل البيت كما قد ذكروه في موضعه، وعقبه بذكر من خالط الملوك من أهل العلم وما حُكم الموالاة؟ وما هي الموالاة المجمع عليها؟ وما يجوز من المخالطة لهم وما شرط الجواز. وفي ضمن ذلك بيان القدر المحرم من ذكر الدنيا وما يستثنى من ذلك وما يدخل منه في المستحب، ثم القول في إعانة الظلمة والعصاة، وما يسمى إعانة قطعًا أو ظنًا وما لا يسمى إعانة. ثم ذكر ترجمة الزهري مستوعبة، وما قدح به عليه، وعدد جميعَ ما روي من الحديث وما الذي تفرَّد بروايته، ثم قصة يحيى بن عبد الله بن الحسن ﵈، ومن شَهِدَ عليه بالرق، وأنه ليس فيهم أحد من الثقات، ولا ثبت أنهم شهدوا بذلك مختارين من غير إكراه. ثم ذكر أبا البختري وهب بن وهب، وأنه مجمع على جرحه، ثم إبطال قياس أهل التأويل على الخطابية، ثم الجواب على من قدح على المحدثين برواية ما يُوهِمُ التجسيم والجبر والإرجاء ونسبة ما لا يجوز على الأنبياء، وفيه المنعُ من العلم بكذب ما رواه أهل الصحاح، وبيان المرجحات للمنع من ذلك، ثم بيان شواهد ما
[ ١ / ٩٦ ]
فيها من القرآن الكريم، ثم بيان مراتب التأويل وعالم المثال، وتأثير السحر في الرؤية، والجواب الجُملي في ذلك.
ثم بين معارضات بذكر تأويلات بعيدة قبلها الأصحاب، ولم يقطعوا بكذب ما أولت به مع ركتها وانحطاطها عن رتبة الصواب عند النظار من العلماء، ثم ذكر الأحاديث التي عينها المعترض، وقطع بكذبها، والجواب عنها بورود مثلها أو نحوها في القرآن ومثل تأويلها في تأويل المعتزلة للقرآن، وجملتها ستة أحاديث الأول: الحديث الذي فيه ذكر مجىء الله تعالى يوم القيامة، والثاني: فيه ذكر الكشف عن الساق ووضع القدم والضحك وتأويل ذلك، الثالث: حديث جرير في الرؤية، الرابع: محاجة آدم وموسى، الخامس: قصة موسى مع ملك الموت، السادس: خروج الموحدين من النار. والجواب عن ذلك مطولًا مجردًا، وذكر فيه فوائد أصولية وقرآنية وحديثية قدر نصف المجلد المذكور، وذكر -﵀- أن أحاديث الرجاء بلغت قدر أربع مائة حديث وثمانين حديثًا وذكر كثيرًا من آيات الوعد والوعيد، وختم ذلك بقدر ثلاثين حديثًا في الوعيد بعد ذكر نيف وعشرين آية من القرآن الكريم. أعاد اللهُ علينا مِن بركته وفضله العميم ثم إنه رحمه الله تعالى ختم كتابه بهذه الأبيات:
جمعتُ كتابي رَاجيًا لِقَبُولهِ مِنَ اللهِ فالمرجوُّ منه قريبُ
رجوتُ بِنَصْرِ المصطفي وحَدِيثِه تُكَفِّرُ لي يومَ الحِسَابِ ذُنوبُ
ومَنْ يتشَفَّعْ بالحبيبِ مُحَمَّدٍ إلى اللهِ في أمر فَلَيْسَ يخِيبُ
فيا حافظي علم الحَديثِ ليَ اشْفعُوا إلى اللهِ فالرَّبُ الكَرِيمُ يُجيبُ
لَعَلَّ كِتابي أنْ يكونَ مُذَكِّرًا لَكُمْ بالدُّعا لِلعَبْد حِين يَغِيبُ
ولا سَيَّما بعدَ المماتِ عَسَى به يُبَلُّ غَلِيلٌ أوْ يُكَفِّرُ حوبُ
[ ١ / ٩٧ ]
ولا تُغْفِلُوني إن بَلِيتُ بودِّكم وإن بَلِيت مني العظام تشيب
ومهما رأيتُم من كتابي قُصُوَرَه فسترًا وغفرًا فالقُصُورُ مَعِيبُ
وَلكِنَّ عُذْرِي واضِحٌ وهو أنَّنِي مِن الخلْقِ أُخْطِي تَارَةً وأُصِيبُ
وقد ينْثنِي الصَمْصَامُ وهُو مُجرَّدٌ وينكسِرُ المُرَّان وهو صَليبُ
وَلكِنَّنِي أْرْجُو إذا حَّل دارَكُم حَلَى منه وِرْدٌ بالأجاجِ مَشُوبُ
يكون أُجَاجًا دُونَكُم فإذَا انتهَى إلَيكُم تلَقَّى طيبَكُم فيَطِيبُ
ولما أكمل الإمام محمد بن إبراهيم الوزير كتابه " العواصم والقواصم " ختمه بقصيدته اللامية المشهورة والتي ختم بها أيضًا " الروض الباسم ".
عليكَ بأصحابِ الحَديثِ الأفاضِلِ تجِدْ عِنْدَهُم كُلَّ الهُدَى والفَضائِلِ
أَحِنُّ إليهِمْ كُلَّمَا هَبَّتِ الصَّبَا وأَدعُو إلَيْهِمْ في الضُّحى والأصائِلِ
ولما وقف أخوه العلامة الهادي بن إبراهيم الوزير ﵀ على هذا الكتاب وعلى هذه الأبيات تلقى ذلك بالقبول، وقال مجيبًا لأخيه، فما أحسن ما يقول:
وقفتُ على سِمْطٍ من الدُّرٍ فَاضِل تَرقُّ له شوقًا قلوبُ الأفاضِلِ
لِمُتَّبعٍ منهاجَ أحمدَ جَدَّه وحامي حِمَى أقوالِهِ غير ناكل
بديعِ المعاني في بديع نظامِهِ وثِيقِ المَبَانِي في فُنُونِ المَسائِلِ
إذا لَزِمَتْ يُمناه نَصْلَ يَراعِهِ سَجَدْنَ لهُ طَوعًا جباه المناصلِ
وإن خَاضَ في بَحْرِ الكَلام تَزَيَّنتْ بِجَوْهَرِهِ عنق الرِّقابِ العَوَاطِلِ
تَبَارَى وقوم في الجدال فأصبحوا وإن لجَّجوا من علمهم في جداول
أسمتُ عيونَ الفكرِ في رَوْضِ قَوْلهِ فأنشدتُ بيتَ الأبطحي المُواصِل
أعوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مِنْ كُلِّ طاعِنِ عَلَينَا بِشَكٍّ أوْ مُلِحٍ بِبَاطِلِ
[ ١ / ٩٨ ]
وثنَيَّتُ لمّا أن تَصفَّحْتُ نظْمَهُ بِقَوْلِ فَصيحٍ نَابِهِ القَوْلِ فَاضِل
يَرُومُ أنَاسٌ يَلْحَقُونَ بِشأوِهِ وَأيْن الثُّريا مِن يدِ المُتَطَاوِلِ؟
وثلَّثت بالبيتِ الشهير وإنه لدُرَّةُ عقد المفردات الكوَاملِ
وقد زادني حبًا لِنَفْسِي أنَّنِي بَغِيضٌ إلى كُلِّ امرىءٍ غَيْرِ طَائِلِ
علامَ افتراقُ النَّاسِ في الدِّين إنَّه لأمْرٌ جلي ظَاهِرٌ غَيْرُ خَامِلِ
عليكَ بمَا كَان النَّبِيُّ مُحمَّدٌ علَيه وَدَع مَا شِئتَ مِنْ قَولِ قَائِلِ
هُو المَسلكُ المَرضِي والمَذهَبُ الَّذِي عَليْهِ مَضَى خَيْرُ القُرُونِ الأوائِلِ
فَدِنْ بالذِي دَانَ النَّبِيُ وَصحبُهُ مِن الدِّينِ، واترُك غيرَهُم في بَلابلِ
هُمُ الشَّامَة الغَرَّا وهُم سَادَة الوَرَى وَهُمْ بَهجَةُ الدُنيا ونُورُ القَبائلِ
وأرفَعُ مَا تدلي به مِنْ فضَائِلٍ على الخَلقِ أدنَى مَا لَهُم مِنْ فَوَاضِلِ
إذَا أنت لم تسلُك مسالك رُشدِهم وَتُمسِكُ مِنْ أقوَالهِم بِالوَصائلِ
فَقَدْ فَاتك الحَظُّ السِّنِيُّ وَلم تكُنْ إلى الحَقِّ فِي نَهْج السَّبِيلِ بِوَاصلِ
رَضيتَ بِدينِ المُصطفي ووصِيِّه وأصحابِهِ أهْل النُّهي والفَوَاضَلِ
همُ قادةُ القاداتِ بَعْدَ نَبِيِّهِم إلى مَشرَعِ الحَقِّ الرّوِي (١) السلاسِل
إلى السُّنَّةِ البيضَاءِ والمِلَّةِ التي عَليها مَثارُ النَّقعِ مِنْ كُلِّ صَائِلِ
وَلَكنَّها عَزَّت بِدَعوَةِ أحمَد وَقَامَتْ بِبُرْهانٍ مِن الحَقِّ فاضِلِ
مؤيَّدة في حَربِهَا بِمَلائِكٍ مُشَيَّدَةٍ في أمْرِها بِعَواسِل
عِصَابَة جِبرِيل الأمينِ جُنُودُها تَحُفُّ بِهَا في خَيلِهَا في قنابِلِ (٢)
أقَامَت مَعَ الرَّايَات حَتَّى كَأنَّهَا مِنَ الجَيشِ إلا أنَّها لَم تُقَاتِلِ
ولَم يعْجِزِ الصِّدِّيقُ بَعَدَ وَفَاتِهِ عَنِ الحَرْبِ بَلْ شَادَ الهُدَى بِجَحَافِل
_________________
(١) في نسخة السوي.
(٢) القنابل جمع القنبل أو القنبلة: طائفة من الناس ومن الخيل.
[ ١ / ٩٩ ]
وتَابَعَهُ الفارُوقُ فَاشْتَدَّ رُكْنُهُ وسَار بِهِم في الحقِّ سِيرَة عَادِلِ
وتمَّم ذو النُّورَينِ سَعْيًا مُبَارَكاَ وَعَمَّ جَمِيعَ المُسْلِمِينَ بِنَائِلِ
وَقامَ بِأعْبَاءِ الخلافَةِ بَعدَهُم عَلِيٌّ فأمسَى الدِّينُ رَاسِي الكَلاكلِ
عَلَيكَ بهَدْي القَوم تنْجُ مِنَ الرَّدَى وتَعلُو بِهِم في الفَوزِ أعلى المنَازِلِ
وختم الهادي بن إبراهيم الوزير ﵀ هذه القصيدة العظيمة بما يلي: كتب هذه الأسطر الفقيرُ إلى رحمة الله ورضوانه الهادي بن إبراهيم ابن علي بن المرتضى أرضاه الله بعفوه حامدًا له، ومصليًا على نبيه ومسلمًا ومُرَضيًا على آله وصحبه " ربنا اغفر لنا ولإخواننا الَّذين سبقونا بالإيمان ولا تجعلْ في قلوبنا غلًا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم ".
صنعاء في ١٩ رجب سنة ١٤٠٤
الموافق ١٩ نيسان سنة ١٩٨٤
إسماعيل بن علي الأكوع
غفر الله له ولوالديه
[ ١ / ١٠٠ ]
ترجمة المؤلف بقلم الأستاذ إبراهيم الوزير
المجدّد الإسلامي، المصلح المجتهد المطلق، الحجّة الإمام
محمد بن إبراهيم الوزير
(٧٧٥ - ٨٤٠ هـ)
" تبَحَّرَ في جميع العلوم، وفاق الأقرانَ، واشتهر صيتُه، وبَعُدَ ذِكْرُه، وطار عِلْمُه في الأقطار.
لو قُلْتُ: إنَّ اليمنَ لم تُنْجبْ مثله لا أبعد عن الصواب وفي هذا الوصف ما لا يحتاج معه إلى غيره "
الإمام: محمد بن علي الشوكاني.
نسبه:
هو الإمامُ المجتهد المطلَق، المفَسِّرُ الحافِظُ، المُحَدِّثُ العلامة المُتْقِنُ الأصوليُّ الفقيه المُتَكَلِّمُ الحُجَّةُ، " محمد بن إبراهيم بن علي بن المرتَضى، بن المفضَّل، بن منصور، بن محمد العفيف، بن المفضَّل، ابن الحجاج، بن علي بن يحيى، بن القاسم، بن يوسف، بن يحيى المنصور، بن أحمد الناصر، بن يحيى، بن الحُسين بن القاسم، بن إبراهيم، بن إسماعيل، بن إبراهيم، بن الحسن، بن الحسن السِّبْط، ابن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب " اشتهر بابن الوزير " اليمني " الصنعاني.
[ ١ / ١٠١ ]
مولده .. ووفاته:
وُلِدَ في شهر رجب عام ٧٧٥ هـ " بهجر الظهراوين من شظب " وتوفي في ٢٧ محرم عام ٨٤٠ هـ عن ٦٥ عامًا.
أساتذته:
في اللغة العربية: الهادي بنُ إبراهيم الوزير، ومحمدُ بنُ حمزة بن مظفر.
في علم الكلام: عليُّ بنُ عبد الله بن أبي الخير اليمني.
في علم أصولِ الفقه: عليُّ بن محمد بن أبي القاسم.
في علم التفسيرِ: عليُّ بنُ محمد بن أبي القاسم.
في علم الفروع: عبدُ اللهِ بن حسن الدواري وغيره من مشايخ صعدة.
في علم الحديث: عليُّ بنُ عبد الله بن ظهيرة بمكة المكرمة وفي غيرها نفيس الدين العلوي، ومن شيوخه: الناصرُ بنُ الإمام المطهر الحسني، ودرس على جماعة عدة.
تلامذته:
وقد تلمذ له الكثيرون مِن العلماء، وتسابقوا على ورود مَشْرَعِهِ الصافي، والمَوْرِدُ العذبُ كثيرُ الزِّحام، ونذكر من مشهوري تلاميذه:
محمدُ بن عبد الله بن الهادي الوزير، والإمام الناصر صلاح الدين محمد بن علي بن محمد، وعبدَ الله بن محمد بن المُطَهّر، وعبدَ الله بن محمد بن سليمان الحمزي.
[ ١ / ١٠٢ ]
مؤلفاته:
١ - العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم، وهو أعظم كتبه، وأفضلها، تقوم بنشره دار البشير لأول مرة.
٢ - البرهان القاطع في إثبات الصانع وجميع ما جاءت به الشرائع .. مطبوع
٣ - التأديب الملكوتي .. مخطوط
٤ - التحفة الصفية في شرح الأبيات الصوفية .. مخطوط
٥ - الأمر بالعزلة في آخر الزمان .. مخطوط
٦ - إيثار الحق على الخلق .. مطبوع
٧ - ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان .. مطبوع
٨ - تنقيح الأنظار في علوم الآثار .. مطبوع
٩ - الحسام المشهور .. مخطوط
١٠ - واضحة المناهج وفاضحة الفوالج .. مخطوط
١١ - حصر آيات الأحكام الشرعية .. مخطوط
١٢ - الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم .. مطبوع
١٣ - قبول البُشرى بالتيسير لليُسرى .. مخطوط
١٤ - القواعد .. مخطوط
١٥ - مجمع الحقائق والرقائق في ممادح رب الخلائق .. طبع مختارات منه
١٦ - نصر الأعيان .. طبع مختارات منه
١٧ - التفسير النبوي .. مخطوط
ثناء العلماء عليه:
ترجم له الإمام الشوكاني، والسخاوي، والحافظ ابن حجر
[ ١ / ١٠٣ ]
العسقلاني، وصاحب مطالع البدور، والوجيه العطاب اليمني، والشريف الفاسي المالكي في كتابه " العقد الثمين ".
يقول عنه الشوكاني: " هو الإمامُ الكبيرُ، المجتهد المطلق، المعروف بابن الوزير .. قرأ على أكابرِ مشايخ "صنعاء"، "وصعدة"، وسائر المدن اليمنية و"مكة"، وتبحر في جميع العلوم، وفاق الأقرانَ، واشتهر صيتُه، وبَعُدَ ذكرُه، وطار علمُه في الأقطار " ..
ويصل الشوكاني إلى تلخيص رأيه فيه، فيقول:
" والحاصل أنه رجل عرفه الأكابرُ، وَجَهِلَه الأصاغرُ، وليس ذلك مختصًا بعصره، بل هو كايْن فيما بعدَه مِن العصور إلى عصرنا هذا، ولو قلتُ: إن اليمن لم تُنجِبْ مثلَه، لم أُبْعِدْ عن الصواب، وفي هذا الوصف ما لا يحتاح معه إلى غيره ".
وقال صاحب " مطالع البدور": " ترجم له الطوائفُ، وأقر له الموالف والمخالف ".
مكانته العلمية:
يقول عنه الشوكاني: " إن صاحب الترجمة لما ارتحل إلى " مكة "، وقرأ علمَ الحديث على شيخه " ابن ظهيرة " قال له: أي ابن ظهيرة:
" ما أحسن يا مولانا لو انتسبت إلى الإمام الشافعي، أو أبي حنيفة.
فَغضِبَ " ابنُ الوزير " وقال: " لو احتجتُ إلى هذه النسب، أو التقليدات ما اخترتُ غيرَ الإمام القاسم بن إبراهيم، أو حفيده الهادي ".
ثم قال الشوكاني: "إنه ممن يَقْصُرُ القلمُ عن التعريف بحاله وكيف
[ ١ / ١٠٤ ]
يُمْكِنُ شرحُ حال من يُزاحم أئمة المذاهب الأربعة فمن بعدهم من الأئمة المجتهدين في اجتهاداتهم .. ويُضايق أئمة الأشعرية والمعتزلة في مقالاتهم، ويتكلَّم في الحديث بكلام أئمته المعتبرين مع إحاطته بحفظ غالب المتون، ومعرفة رجال الأسانيد شخصًا وحالًا، وزمانًا ومكانًا .. وتبحره في جميع العلوم العقلية والنقلية على حد يَقْصُرُ عنه الوصفُ. ومن رام أن يَعْرِفَ حاله ومقدارَ علمه، فعليه بمطالعة مصنفاتِه، فإنها شاهد عدلٍ على علو طبقته، فإنه يسْرُدُ في المسألة الواحدةِ من الوجوه ما يبهر لُبِّ مطالِعه، وُيعَرِّفه بقصر باعه بالنسبة إلى علم هذا " الإمام " كما يفعله " في العواصم والقواصم "، فإنه يورد كلامَ شيخه السيد العلامة علي بن محمد بن أبي القاسم في رسالته التي اعترض بها عليه، ثم ينسفه نسفًا بإيراد ما يُزيفه به من الحجج الكثيرة التي لا يجد العالمُ الكبيرُ في قوته استخراج البعض منها، وهو في أربعة مجلدات يشتمِلُ على فوائد في أنواعٍ من العلوم لا توجد في شيء من الكتب. ولو خرج هذا الكتاب إلى غير الديار اليمنية لكان من مفاخر اليمن وأهله ولكن أبى ذلك لهم ما جبلوا عليه من غمط محاسن بعضهم لبعض ودفن مناقب أفاضلهم" ..
وقال عن مكانته العلمية أيضًا: " إنه إذا تكلَّم في مسألة لا يحتاج بعدَه الناظر إلى النظر في غيره من أي علم كان " ..
نثره وشعره:
يقول الإمام الشوكاني عنه: " كلامه لا يُشبه كلامَ أهلِ عصره ولا كلام مَنْ بعده، بل هو من نمط كلامِ ابن حزم، وابن تيمية، وقد يأتي في كثير من المباحث بفوائدَ لم يأت بها غيرُه كائنًا مَنْ كان ".
[ ١ / ١٠٥ ]
وديوان شعره مجلد، وشعره غالبه في التوسلات والرقائق، وتقييد الشوارد العلمية والمجاوبة لمن امتحن به من أهل عصره، فإن له معهم قلاقلَ وزلازلَ، وكانوا يثورون عليه ثورةً بعدَ ثورة، وينظمون في الاعتراض عليه القصائدَ، وأفضى ذلك إلى أن اعترض عليه شيخُه المتقدم ذكرُه برسالة مستقلَّةٍ فأجابه بما تقدم، " فكان يُجاوبهم ويصاولُهم، ويُحاولهم فيقهرهم بالحجة، ولم يكن في زمنه مَنْ يقوم له لِكونه في طبقة ليس فيها أحدُ من شيوخه فضلًا عن معارضيه .. والذي يغلب على الظن أن شيوخَه لو جُمِعُوا جميعًا في ذاتٍ واحدة لم يبلغ علمهم إلى مقدار علمه، وناهيك بهذا " ..
صور من نثره:
قال يصف الرسولَ والرسالة في مقدمة كتابه " الروض الباسم ":
" أما بعد، فإن الله لما اختار محمدًا ﵌ رسولًا أمينًا، ومعلمًا مبينًا، واختار له دينًا قويمًا، وهداه صراطًا مستقيمًا ارتضاه لجميع البشر إمامًا، وجعله للشرائع النبوية ختامًا، وأقسم في كتابه الكريم تبجيلًا له وتعظيمًا، فقال عز قائلًا كريمًا: ﴿فلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حرَجًَا مِمَّا قَضَيْت وَيسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ .. ثم إنَّه ﷿ أثار أشواقَ العارفين إلى الاقتداء برسوله بكثرة الثناءِ عليهم في تنزيله مثل قوله في التعظيم لهم والتبجيل: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يجِدُونَه مكتُوبًا عِنْدَهُم في التَّورَاةِ والإنْجِيلِ﴾ .. إلى غير ذلك من الآيات الكريمة .. الشاهدة لمتبعيه بالطريقةِ القويمة. فلما وعت هذه الآياتُ آذان العارفين وتأملتها قلوبُ الصادقين، حَرَصُوا على الاقتداء به في أفعاله، والاستماع منه في أقواله،
[ ١ / ١٠٦ ]
فكانوا له أتبعَ من الظَّل، وأطوعَ من النعل، فعلمهم أركانَ الإسلام وشرائعَه وفرائضَه ونوافله، وكان بهم رؤوفًا رحيمًا، وعلى تعليمهم حريصًا أمينًا. كلما وصفه ربُّ العالمين حيث قال في كتابه المبين: ﴿لَقَدْ جَاءكم رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُم عَزِيزٌ عَليِهِ ما عَنتُّم حَرِيصٌ عَليْكُم بِالمُؤْمِنينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ فلم يزل ﵊ يُرشدهم إلى أفضل الأعمال، ويهديهم إلى أحسنِ الأخلاق، ويلزمهم ما في النجاةَ والفوزَ في الآخرة، والسلامة والغبطة في الدنيا من لزوم الواجب والمسنون، ومجانبة المكروه وترك الفضول، فلم يترك خيرًا قَطُّ إلا أمرهم به ففعلوه، ودعاهم إليه فأجابوه، حتى لم يكن في زمأنه شيء مِن أعمال البر متروكًا، ولا منهج من مناهج الخير إلا مسلوكًا .. فلما تَمَّ ما أراد اللهُ تعالى برسوله من هداية أهلِ الإسلام، وبلغ إلى الأنام جميعًا ما عنده من الأحكام من العقائد والآداب والحلال والحرام، أنزل الله في ذلك تنصيصًا وتبيينًا: ﴿اليوْمَ أَكمَلْتُ لَكُم دِينَكُم وَأَتمَمْتُ عَلَيْكُم نِعْمَتِي وَرضِيتُ لَكُمُ الإسلامَ دِينا﴾ .. فكمل الدينُ في ذلك الزمان، ووضحت الحجةُ والبرهان، ودحضت وساوس المشتبهين، وانحسمت قوادِمُ المبطلين، إذ لا حجة على الله بعدَ الرسل لأحدٍ من العالمين بنصِّ كتابه المبين.
وقال يَصِفُ أحاديثَ الرسول ﵌:
" فإنَّه علمُ الصدرِ الأوّل، والذي عليه بعد القرآن المعوَّل، وهو لعلوم الإسلام أصل وأساس، وهو المفسر للقرآن بشهادة لتبين للناس.
وهو الذي قال الله فيه تصريحًا: ﴿إنْ هُو إلا وَحْيٌ يُوحى﴾ وهو الذي وصفه الصادق الأمين بمماثلة القرآن المبين حيث قال في التوبيخ لِكُلِّ مترف إمَّعه: " إنِّي أوتيتُ القُرآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ " وهو العلم الذي لم يشارك القرآن
[ ١ / ١٠٧ ]
سواه في الإجماع على كفر جاحد المعلوم من لفظه ومعناه، وهو العلمُ الذي إذا تجاثت الخصومُ للركب، وتفاوتت العلومُ في الرتب، أصْمَتْ مرنانُ نوافله كُلِّ مناضل، وأصمت برهانُ معارفة كُلِّ فاضل وهو العلم الذي ورثه المصطفي المختار، والصحابة الأبرار، والتابعون الأخيار. وهو العلمُ الفائضة بركاته على جميع أقاليم الإسلام، الباقية حسناتُه في أمة الرسولِ ﵇، وهو العلم الذي صانه اللهُ عن عبارات الفلاسفة، وتقيدت عن سلوك مناهجه، فهي راسفة في الفلا آسفة، وهو العلم الذي جلّى الإسلامُ به في ميدانِ الحجة، وصلَّى، وتجمل بديباج ملابسه من صام لله وصَلى، وهو العلمُ الفاصل حين تلجلج الألسنةُ بالخطاب، الشاهد له بالفضل رجوعَ عمر بن الخطاب، وهو العلمُ الذي تفجَّرت منه بحارُ العلوم الفقهية، والأحكام الشرعية، وتزينت بجواهره التفاسيرُ القرآنية، والشواهد النحوية، والدقائقُ الوعظية، وهو العلم الذي يميزُ اللهُ به الخبيثَ من الطيب، ولا يرغم إلا المبتدع المتريِّب، وهو العلمُ الذي يسلك بصاحبه نهج السلامة ويوصله إلى دار الكرامة. والسارب في رياض حدائقه، الشارب من حياض حقائقه، عالم بالسنة ولابس من كل صوف جُنة، وسالك منهاح الحق إلى الجَنة، وهو العلم الذي يَرْجِعُ إليه الأصولي، وإن برز في علمه، والفقيه وإن برز في ذكائه وفهمه، والنحوي وإن برز في تجويد لفظه. واللغوي وإن اتسع في حفظه، والواعظ المبصر، والصوفي والمفسر كلهم إليه راجعون، ولرياضه منتجعون " ..
إن أسلوب محمد بن إبراهيم الوزير في الكتابة وإن كان يهتم بأناقة الجملة إلا أنها غنية بالمعاني، فسجعه غيرُ متكلف يسيرُ في سُهولة ويُسر، ممتلئًا بالمعاني العظيمة، معبرًا عما يُريد دون حشو أو تكلف ..
[ ١ / ١٠٨ ]
إن أسلوب الكتابة في القرن الثامن الهجري كان يرزح تحتَ المحسنات البديعية، والحلى اللفظية حى إن أغلب الإنتاج الفكري كان حينذاك خِلْوًا من المعاني، متكلفًا لا يدل إلا على خواء الأفكارِ ..
ولقد أدرك الإمام الشوكاني في القرن الثالث عشر الهجري بحاسته المرهفة مدى تَرَدِّي الأسلوب الكتابي في المحسنات اللفظية، وما تَجُرُّه على المضمون والمحتوى من فراغ معنوي متكلِّف حين قال عبارته الناقدة البصيرة ببلاغة التعبير عن التكلف في الشعر ولا نرى التكلف في النثر إلا موثرًا على روعة الأسلوب الكتابي تمامًا كما هو الحال في الشعر: " وإنَّ من لا يَعْرفُ محاسنَ الشعر إلا بالنكات البديعية المتكلفة خلاف ما ذكرنا، فهو غيرُ مصيب، فإن غالب أشعارِ المتأخرين إنما صارت بمكان من السماجة لتكلُّفِهِم ذلك ". كما أنه أدرك عمق أسلوب محمد بن إبراهيم الوزير: فعلى الركم من اعتماده السجع إلا أنه غَيرُ متكلف، ويتميَّزُ بوضوح المعنى، وموافقة المضمون للشكل في سهولة ويسر، ولذلك رأينا الإمام الشوكاني يقول في ترجمته عن أسلوب محمد بن إبراهيم الكلامي بأن " كلامه لا يُشبه كلام أهلِ عصره، ولا كلام مَن بعده ".
صورة من شعره:
قال:
العِلمُ ميراثُ النَّبيِّ كذا أَتَى في النَّصِّ والعلماءُ هُمْ وُرَّاثُهُ
فإذَا أَرَدْتَ حقيقَةً تَدْري لِمن وراثه فكرتَ ما مِيرَاثُهُ
ما وَرَّثَ المُخْتَارُ غَيْرَ حَديثِهِ فِينَا وَذاكَ متاعُه وأثَاثُه
فَلَنا الحَديثُ وِرَاثَةً نَبَوِيَّة وَلِكُلِّ مُحدِث بدعة إحداثُه
[ ١ / ١٠٩ ]
وقال:
فحينًا بِطَوْدٍ تُمْطِرُ السُّحْبُ دُونَه أَشَمَّ مُنيفٍ بالغَمامِ مُؤَزَّرُ
وَحينًا بِشِعْب بَطْنِ وَادٍ كَأَنَّهُ حَشَا قَلَمٍ تُمْسِي به الطَّيرُ تَصْفِرُ
إذا التفَتَ السَّارِي به نَحْوَ قُلَّةٍ تَوَهَّمَهَا مِنْ طُولِهَا تَتَأخَّرُ
أجَاوِرُ في أَرْجَائِه البُومَ وَالقطا فَجِيرتها للمرء أَوْلَى وَأَجْدَرُ
هُنَالِكَ يَصْفُو لِي مِن العَيْش وِرْدَهُ وإلا فَوِرْدُ العيشِ رَنْقٌ مُكدَّرُ
فإنْ يَبسَت ثَمَّ المَرَاعِي وَأَجْدَبَتْ فَرَوْضُ العُلا والعِلم والدِّين أَخْضَرُ
ولا عَارَ أن يَنْجُو كرِيمٌ بنَفْسِه وَلكِنَّ عَارًا عجزُه حِينَ يُبْصِرُ
فَقَدْ هَاجَرَ المُخْتَارُ قَبْلِي وَصَحْبُه وَفرَّ إلى أرض النجاشيِّ جَعْفَرُ
معالم شخصيته وتفكيره:
إنَّ محمدَ بن إبراهيم الوزير يُمَثِّلُ الشخصيةَ المسلمة التي تلقت معالِمَ تفكيرها عن القرآن والسنة النبوية، فهو تَلميذ لكتاب الله وسنة رسوله لا لشيء سواهما ..
لقد اتجه مباشرة إلى النبيع الصافي ليستضيء بالنور الإلهي، ويضيء للأمة الطريق.
لقد وجد محمدُ بنُ إبراهيم الوزير الأمة الإسلامية دولًا ممزقة، وفرقًا متناحرة، وشيعًا ومذاهب، يُكفِّرُ بعضُها بعضًا، فاتجه أولَّ ما اتجه إلى تفكير الأمة ليرى هل يحمِلُ وحدة أم فرقة ..؟
وفي بحثه الواسع رأى أن في قمة التفكير الذي أدى إلى الفرقة والانقسام يأتي دورُ التفكير الفلسفي الذي صاغته أهواءُ البشر بعيدًا عن الاهتداء لفظًا ومعنى بالنور الإلهي الذي لا يّضِلُّ من اهتدى به ولا يشقى ..
[ ١ / ١١٠ ]
لقد رأى محمد بنُ إبراهيم في "علم الكلام" الذي نشأ كأثرٍ مباشر وقوي للفكر اليوناني بحوثًا لا طائِلَ تحتَهَا وخروجًا بالأداة العقلية عن قدراتها.
إن علم الكلام هو مضيعة للوقت، وليست أساليبُه ومناهجُهُ بالطريق الموصلة إلى الأدلة الحاسمة في الشعاب الفكرية المتعددة التي سلكها علمُ الكلام .. لقد كان أحدَ الأسباب لتمزُّق الأمَّة الواحدة وتناحرها، وتكفير بعضها بعضا .. !
إن التيه الفلسفيَّ الذي سلكه من قبل فلاسفةُ اليونان قد أوضح بصفة حاسمة عدم استطاعته الإفضاء إلى أدلةٍ حاسمة لا سبيل إلى الشك فيها، وليس في قدراته بما لا يشك فيه ذو تفكير سليم الإحاطة بما هو أكبرُ منه، وأجلُ وأعظمُ.
بل إنه زاد السر غموضًا، وأتى له الانطلاق إلى ما وراء قدراته المحدودة إِلا ما شاء الله .. ﴿وما أُوتِيتُم من العِلْمِ إلا قَلِيلًا﴾ ..
ولكن أساليب القرآن أساليبُ رسل الله وأنبيائه قد أخذت بيدِ الإنسان إلى الإيمانِ، وأخرجته من ظلمات الشك، ولم تدعه يمضي إلى ما هو خارج عن حدوده، فيضيع نفسه ووقته عبثًا، وقد يترتب على أشياء لم يهضم فهمها تَمامًا أحكام متناقضة تُمَزِّقُ وحدته إلى فرق وأحزاب وشيع .. بل على العكس من ذلك أخذت بيده ليتجه إلى فهم سنن الله، والاستفادة منها.
إن المهم هو معرفة واجب الوجود ذو الكمال المطلق عن طريق معرفة آثار قدرته اللامتناهية في عالم الغيب والشهادة، ومعرفة سننه التي تسير وفق
[ ١ / ١١١ ]
قوانينها الكون للاستفادة منها، وزيادة المعرفة بها، إذ لا يمكن لأي أداة أن تستخدم فوق طاقتها، ولكن المجال الأجدى هو في اكتشاف سنن الله، والسير بمقتضاها في طريق الحق والخير ..
إن العلم الحديث، وتقدم الإنسان الفكري قد جعل حدًا للضياع الفلسفي التائه، فقد نقل الفلسفة من الميتافيزيقيا -علم ما وراء الطبيعة- إلى الطبيعة نفسها -عالم الشهادة- تفسير وفهم أسبابها ومسبباتها والاستفادة منها إنها الاستجابة للصوت القرآني:
﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَا فِي السَّموَاتِ ومَا في الأرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إنَّ في ذلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١) ..
وعلى رأسِ الأزمِنَةِ الحديثة جاء بيكون -الأول والثاني- أبو الفلسفة الحديثة يقرران ما توصل إليه الفكر الإسلامي الخالص المتتلمذ على القرآن ذلك الاتجاه الذي يقود الفكر الإنساني إلى الطبيعة -عالم الشهادة- والتفكير في سنن الله في مخلوقاته لاستخلاص حقائقِ السنن التي تسير وفقها الكائناتُ، ولقد وضع بيكون منهجَ الفهم اليقيني على أسس ثلاثة:
* الشك .. ويعني به " عدمَ الحكم ".
* التجربة .. ويعني بها " منهج الاختبار ".
* استخلاص النتائج .. ويعني به " الحكم على الشيء ".
وهكذا ارتبط التأمل الفكري بالمجال العملى والتطبيقي، واستفاد
الإنسانُ بهذه النقلة المنجزات الرائعة في التقدم الهائل السريع في كل
_________________
(١) الجاثية: ١٣.
[ ١ / ١١٢ ]
مجالات الاستفادة مما سَخَّرَ الله للإنسان هذا الكائن المكرم ..
ووجد الانسان في:
* انظروا ماذا في السموات والأرض.
* أفلا تعقلون ..
* أفلا تتفكرون ..
* يا أولي الألباب ..
* لآيات لأولي النُّهى ..
* ﴿وهو الذي خلَقَ لَكُمْ ما فِي الأرْضِ جميعًا﴾ .. ﴿وسَخَّرَ لَكُم مَا فِي السَّموَات وَمَا فِي الأَرْضِ جَميعًا منه﴾ ..
وجد الإنسان في ذلك آفاقًا لا نهائية لمجالات التقدم الرائع المذهل. إن الفلسفة التائهة لا يُمكن أن تصل إلا إلى متناقضات متعددة أما معرفة الحق سبحانه، فيستطيع العقل السليم أن يصل إليها عن طريق آياته المعجزة في هذا الكون، فإذا أرادت العقول أن تُقحم أداتَها المحدودة في اللامحدود، فلن تربح إلا عَنَاءَ السفر على حد تعبير " ابن ابي الحديد " ..
إن أسلوبَ الإنسان يرْسُفُ في الضعف والهوى، ولم يترك الله الإنسان لضعفه وهواه، فبعث إليه الأنبياء معهم الهدى والنور، لذلك فإن الأسلوب الإلهي هو الحجةُ البالغة، والدليل الحاسم المُتَّسِق مع نظرة الإنسان التي لا يبتعد الإنسانُ عنها إلا مكابرة أو عنادًا.
هكذا رأى محمد بن إبراهيم الوزير أن كتاب ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان هو الصيحةُ في وجه الأفكار الفلسفية التي لم يكن من نتيجتها:
[ ١ / ١١٣ ]
إلا الفرق المتعددة، المكفرة بعضها بعضا.
وإلا ضياع الوقت فيما ليس له علاقة بسلوك الفرد والجماعة في الحياة ..
وبكتابه " إيثار الحق على الخلق " أراد أن يسلك بالأمة الطريق الواحد .. الذي لا تتعدد عنده السبل. وبكتبه كلها كان يهدف إلى مقاصد الإسلام:
* وحدة الأمة الفكرية وترك ما لا يُجدي.
* وحدة الأمة على كتاب الله، واعتصامها به، وإبعادها عن مواطن الفرقة والاختلاف، وتيه الأفكار فيما لا طائل تحته ..
ويبين لها مدى الابتعاد عن منطق الحق عندما تعمد إلى التكفير والتفسيق باللازم.
وينهاها عن التحجُّر والغلو والتقليد وتصعيبِ الاجتهاد، فعلوم الاجتهاد ليست مقصودة لذاتها، وليست بحاجة إلى جعلها علومًا بذاتها تتبارى العقول في توسيعها وإيجاد أسرار وألغاز شكلية ولفظية لا فائدة من ورائها.
إن هذِه العلوم وسيلة لاستقامة الفهم الصحيح وليست بحاجة إلى تطويل وتعقيد لفظي ومعنوي، بل إلى تيسير وتوضيح، وبيان وتبسيط، ووضوح تام.
وهذا العقل نورُ من الله ليتجه مباشرة إلى نبع الهداية الإلهية في كتاب الله الذي لا يأتيه الباطلُ مِن بين يديه ولا من خلفه، وإلى الصحيح من سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله الصلاة والسلام.
وسيجد صراطًا مستقيمًا
[ ١ / ١١٤ ]
وسيجد هدى وبيانًا ونورًا
وسيجد طمأنينةً في الحياة، وسلامًا في الضمير، وخيرًا في دنياه وأخراه ..
وفي هذا الصدد، فإنه قد قَلَّلَ مِن شأن المعتزلة التي أرادت أحيانًا رغم إخلاصها وإيمانها العميق المستنير، أن تجعل العقلَ أكبر من طاقته في عالم الغيب، فإذا كان العقلُ يستطيع أن يتبين بدليلٍ قاطع وحاسم معرفة خالقه، فإنه لا يستطيع تجاوزَ ذلك، فالمحدود لا يُحيط باللامحدود، والمعتزلة والفرق الكلامية قد خاضت آفاقًا أكبر مِن طاقتها وليست ذات نفع عملي للإنسان في دنياه وأخراه، وقد حاوَلَ الإمام، التوفيق بين الفرق الإسلامية فبين لها أن خلافَهَا في الغالب خلاف مصطلحات، ويتعلق بالألفاظ أكثر من تعلقه بالمعاني، ودعا إلى تحريم كل ما من شأنه تمزيق وحدة الأمة فيما لا طائل تحته. كما أن الإمام " محمد بن إبراهيم " في كتابه العظيم " العواصم والقواصم " قد دافع عن السنة دفاعًا لم يُؤلِّف مثلُهُ في بابه وهو على حق في ذلك، لأن السنة النبوية وهي قول الرسول ﷺ وفعله وإقراره مبينة وموضحة لما جاء في كتاب الله الكريم من النصوص العامة والمطلقة والمجملة بمقتضى النص القرآني ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ الذي أوكل إليه ذلك، دالة على معاني القرآن، هادية إلى طرق تطبيقه. وهي والقرآن شيئآن متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر، والمسلم الذي رضي بالله ربًا وبمحمد ﷺ رسولًا والإسلام دينًا لا يسعه إلا الأخذ بالسنة الصحيحة الثابتة، والرجوع إليها عند الخلاف، والرضى بها، والتسليم لها، وطرح ما سواها، وعدم الاعتداد بقول أحد كائنًا من كان إذا كان يخالفها أو يتأولها على غير وجهها.
[ ١ / ١١٥ ]
وقد أبدع المؤلف -﵀- في هذا المجال، وأتى فيه بما يعجز عنه غيره من أهل العلم إلا أنه ﵀ قد ترخَّص في الأخذ ببعض معايير النقد، وهي مؤوفة، وغيرها أصح منها وأسد، ولا يضيره ذلك أو بعض من شأنه، فإنه ﵀ من أهل الاجتهاد، وخطؤه مأجور عليه إن شاء الله، وما منا إلا مَنْ رَدَّ أو رُدَّ عليه إلا صاحب العظمة ﷺ. فلا بد من تمحيص تلك المعايير، وإخضاعها للموازين العلمية الدقيقة التي وضعها الجهابذة النقاد من أهل العلم -وهي مقاييس شهد بصحتها الأعداء قبل الأصدقاء- ويحكم عليها بما يليق بحالها.
وخلاصة هذه الدراسة أن محمد بنَ إبراهيم الوزير قد نَهَجَ في طريق الحق والوضوح وبين:
أولًا: أن كل ما لا مجالَ للعقل فيه من الغيبيات، فلا ينبغي أن يتكلف العقل الخوض فيه، أو اعتساف تأويله حتى يكونَ لديه إمكانية ذلك، لأنه إما أن يخطىء الحقيقة، أو يتيه عنها، وهو مع ذلك لا فائدة تُرجى من الجدال النظري البحت الذي لا صلة له بمجالات الحياة العملية.
إن موضوع علم الكلام ومتاهاته لا تُفِيدُ يقينًا، بل إنها تجعلهم يدورون فيما لا طائل تحته في بعد عن التفكير السليم.
ثانيًا: وَقد عَمِلَ على توجيه الأمة إلى منطق القرآن، وإلى العمل الذي رسم منهجه القرآن، وبين للأمة أسبابَ الاختلاف، ومن أبرز النتائج، والمعالم التى وضحها ما يلي:
أ- لا تكفير ولا تفسيق باللازم، فقد كانوا يكفرون ويفسقون بعضَهم بعضًا بلازم كلامِهِم ولو لم يقولوه.
[ ١ / ١١٦ ]
ب- دافع عن أئمة السنة، وبين خدماتهم الجليلة للحديث، والمقاييس العلمية التي وضعوها وبحوثهم وتراجمهم وتواريخهم في خدمة السنة، وهممهم العالية، ونفي عنهم ما يتهمون به بسبب ما يثبته فيه البعض من مدلول آرائهم في حرية الاختيار والعدل والخروج على الظلمة، فهم لا يقولون بالجبر ولا بمهادنة الظلمة، بل إنهم على منهج الكتاب والسنة في هداية الإنسان إلى النجدين، ومن ثم منحه القدرة على المضي فيما يختاره، وما يترتب على ذلك من مسؤولية عادلة أمام المحيط بكل شيء علمًا وكذلك وضح رأيهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتقييد مبدأ السمع والطاعة فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ..
جـ- بَيّن وأكد أن النبعَ الصافي للإسلام هو الكتابُ وصحيحُ السنة وما عدا ذلك، فمضيعة للعقل ومتاهات تخبط غير مجدية سبب خلافات ومنازعات لأنها أهواء لا نتيجةَ لها غير ذلك.
إذ المطلوبُ مِن المسلم هو الإيمان، وعملُ الصالحات، والتزام الحق، والصبر على تنفيذ هذا المنهج الإلهي بالدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتفهم سنن الله، والتفكير في السماوات والأرض وما بينهما وما فيهما تفكير المستكشف لآيات اللهِ المُتَبين لها، وبالاختصار المضي على الصراط المستقيم لخير الإنسان نفسه في الدنيا والآخرة ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثوَابَ الدُّنيا فَعِنْدَ اللهِ ثَوَابُ الدُّنيا والآخِرَةِ﴾ .. ﴿رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنيا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ .. لا أن يذهب الفكر فيما من شأنه مضيعة الوقت، وما لا طائلَ تحته في لعبة فكرية صبيانية تنتهي بصرخة في واد.
[ ١ / ١١٧ ]
د- ولم يجد محمد بنُ إبراهيم الوزير وهو يعمل لِما يراه وُيؤمِنُ به طريقًا لتوحيد الأهواء المتفرقة، والصفوف المتناحرة الطريقَ ممهدًا وسهلًا، بل لقد حاربه النفعيون ممن يجد في أفكاره خطرًا على امتيازاتهم على الناس، وحاربه من يَخْشَوْنَ الدعوةَ الجامعة غير المفرقة، فقال في وجههم صائحًا:
يا لاَئمِي كُفَّ عَنْ لَوْمِي فَمُعْتقَدِي قَوْلُ النبِيِّ وَهَمِّي في تَعَرُّفِهِ
فَمَا قَفَوْتُ سِوَى آياتِ مَنْهَجِهِ وَلا تَلَوْتُ سِوَى آيَاتِ مُصْحفِهِ
وعاتب أخاه من قصيدةٍ حزينة:
ظَلَّت عَوَاذِلُهُ تَرُوحُ وَتَغْتَدِي وتُعِيدُ تعْنِيفَ المُحِبِّ وَتَبْتَدِي
يَا صَاحِبيَّ على الصَّبابَةِ والهَوَى مَنْ مِنكُمَا في حُبِّ " أَحْمَدَ " مُسعِدِي
حَسْبِي بَأنّي قَدْ سَهِرْتُ بحُبِّهِ شَرَفًَا ببُردَتِهِ الجميلةِ أَرْتَدِي
لي باسْمِهِ وبِحُبِهِ وَبقُرْبهِ ذِمَمٌ عظَامٌ قدْ شَدَدْتُ بهَا يَدِي
وَمُحَمَّدٌ أوفي الخَلائِقِ ذِمَّةً فَلَيَبْلُغْنَّ بي الأمَاني في غَدِي
يَا قَلبُ لا تَسْتَبْعِدَنَّ لِقَاءَهُ ثِقْ بِاللِّقَاءِ وبالوَفَا فَكَأنْ قدِ
يَا حَبَّذا يوْمُ القِيَامَةِ شُهْرَتي بَيْنَ الخلائِقِ في المَقَامِ الأحْمَدِي
بِمَحَبَّتِي سُنَنَ الشَّفِيعِ وَأنَّنِي فِيهَا عَصّيتُ مُعَنِّفِي وَمُفَنِّدِي
وترَكْتُ فِيهَا جيرَتِي وَعَشِيرَتي وَمكانَ أَترَابِي وَموْضِعَ مَوْلدِي
فَلأشكُوَنَّ عَلَيْهِ شَكوَى مُوجَعٍ مُتَظَلِّم مُتجَرِّم مُسْتنِجدِ
وأقُولُ أنْجِدْ صَادِقًَا في حُبِّه منْ يُنْجِدِ المظلومَ إن لم تُنْجِدِ
إنِّي أحِبُّ مُحَمَّدًا فَوْقَ الوَرَى وبهِ كَمَا فَعَلَ الأوائِلُ أقْتَدِي
فَقدِ انْقضَتْ خَيْرُ القُرونِ ولَمْ يكنْ فِيهِمْ لِغَيرِ مُحَمَّدٍ مَنْ يَهتَدِي
[ ١ / ١١٨ ]
ويصف حالته هائمًا في جبال عالية، وبواد خالية وعلى الرغم من ذلك أمسك بقلمه يُدافع عن الحق منشدًا في حزن وألم وتوجع:
فحينًا بِطَوْدٍ تُمْطِرُ السُّحْبُ دُونَه إلى آخر الأبيات الحزينة ..
انقطاعه عن الناس:
يقول الشوكاني: " إنه بعدَ هذا أقبل على العبادة، وتمشيخ وتوحش في الفلوات، وانقطع عن الناس، ولم يبق له شغلة بغير ذلك، وتأسَّف على ما مضى من عمره في تلك المعارك التي جرت بينَه وبينَ معاصريه مع أنه في جميعها مشغول بالتصنيف، والتدريس، والذب عن السنة والدفع عن أعراض أكابر العلماء، وأفاضل الأمة، والمناضلة لأهل البدع، ونشر علم الحديث وسائر العلوم الشرعية في أرض لم يألف أهلُها ذلك لا سيما في تلك الأيام، فله أجرُ العلماء العاملين، وأجرُ المجاهدين المجتهدين " ربنا لا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا، ربنا إنك غفور رحيم.
[ ١ / ١١٩ ]
مقَدمَة التَحقيق
بقلم
الأستاذ شعيب الأرنؤوط
[ ١ / ١٢١ ]
مقدمة التحقيق
بسم الله الرحمن الرحيم
إنَّ الحمدَ للهِ، نحمدُه، ونستعينُه ونستغفِرُه، ونعوذُ بِهِ من شُرورِ أنفُسِنا وَمِن سَيِّئاتِ أعمالنا، من يَهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضْلِل، فلا هاديَ لَه.
وأَشهَدُ أنْ لا إله إلاَّ اللهُ وحْدَه لا شريكَ لَهُ، وأشهَدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١].
[ ١ / ١٢٣ ]
وبعد: فالحمدُ لله حَمْدًا كثيرًا طيبًا مُبارَكًا فيه كمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيرضَى، على ما وفقنا إليه مِن تحقيق هذا السِّفْرِ النفِيسِ، وضَبْطِ نُصُوصِهِ، وتَخْرِيجِ أَحَادِيثِه، والتَّعْليقِ عَليْهِ على نحوٍ نَرْجُو أَنْ نَكُونَ قَدْ وُفِّقنَا إلَيْه، ويحوزَ إعْجابَ القُرَّاء الأكَارِمِ، ويَحْظَى بِتَقْدِيرهِمْ.
فَهُوَ كتَابٌ عَظيمٌ في بَابِه، لم يُؤلِّفْ مثْلُهُ فِيمَا نعْلَمُ، ضَمَّنَهُ المُؤَلِّفُ ﵀ بحوثًا قَيِّمة في عُلومٍ مختلِفَةٍ تُنْبيء عَنْ صِحَّة ذِهْن، وحَافِظةٍ واعيةٍ، واطِّلاعٍ وَاسِعٍ، وقُدْرَةٍ فائِقةٍ على تقريرِ الأدِلَّةِ، والبَرَاهِينِ المُسْتَنْبَطةِ مِنْ كتابِ الله وسُنَّة رسولِه - ﷺ - بأُسلُوبٍ يَتَّسِمُ بالوضوحِ والجَزالَةِ، وتبحُّرٍ في جَميعِ العُلُومِ العقلِيَّةِ والنَّقلِيَّة على حدٍّ يَقْصُرُ عنه الوَصْفُ، وتَجَرُّدٍ كَاملٍ من العَصبية والهوى والتقليد.
ألَّفه ﵀ بَعْدَ أن انقَطَع للكتَاب والسُّنةِ، واستَغل بِعُلُومهما، وامتلأت جَوانِحُه بجبهما، وتضلع من مختلف العلوم حتى فاق أقرانَه، وزاحَمَ شُيوخَه، وتَخطَّاهُم، وبلغ درجة الاجتهاد المطلق.
فهُو -كما يقول الإمامُ الشوكاني ﵀-: " مِمن يَقْصُرُ القلمُ عن التعريفِ بحاله، وكيْفَ يُمْكنُ شَرْحُ حالِ منْ يُزَاحِمُ أئمةَ المذاهِبِ الأربعة فَمَنْ بَعْدَهُم منَ الأئمة المجتهدين في اجتهاداتهم، ويُضَايقُ أَئِمَّة الأشعَرِيَّة والمُعتَزِلَةِ في مقالاتهم، ويَتَكَلَّمُ في الحديث بكلامِ أَئِمَّتِه المعتبرين، مَعَ إحاطةٍ بحفظِ غَالِبِ المُتُونِ، ومعرفةِ رجال الأسانيد شخصًا وحالًا وزمانًا ومكانًا ".
وَيَلْمَحُ القارىءُ في كتابه هذا حُبَّهُ لِلحديثِ النَّبوي الشريفِ، وَمُنَاصَرة أهله، والاعتداد بِهِ، وأنه هُو والقرآنَ الكريمَ الطريقُ الأمثلُ
[ ١ / ١٢٤ ]
لِمعرفة الحق مِنْ بَيْنِ أقوالِ المختلفينَ، ولا بِدْعَ في ذلِكَ، فإنه قدْ صَرَّحَ في مختصره أنَّه قَدْ أُشرِبَ قَلْبُه مَحَبَّة الحديثِ النبويِّ والعِلْم المُصطفوي، وأنه يرى الحَظَّ الأسنى في خدمة علومِه، وإحياءِ ما دَرَسَ مِن آثارِه، وأنَّ أولى ما يُشتَغَلُ به هو الذبُّ عنه، والمحاماةُ عليه والحَثُّ على اتباعِه، والدُّعاء إليه، لأنَّه عِلْمُ الصَّدْرِ الأوَّل، والَّذي عليه بَعْدَ القرآن المُعَوَّلُ، وهُو لِعلوم القُرآن أصْلٌ وأسَاسٌ، وهُو المُفَسِّرُ لِلقُرآنِ بشهادَة ﴿لِتُبَيِّنَ للنَّاسِ﴾.
وإن القارىء لِهذا السِّفْرِ النَّفيسِ سيرى فيه:
١ - أصالَة المَنْهَجِ المُتَمثِّل في الكتَابِ والسُّنَّةِ، وفَهْمِهما على النَّحوِ الَّذي فَهمَهُ السَّلفُ الصَّالِحُ المَشْهُودُ لهم بالفضْل والخيريَّةِ على لِسَانِ خَيْرِ البَرِيَّةِ.
٢ - وُضُوحَ الفِكرة وجزالَةَ الأسلُوبِ والقُدْرَةَ على الإبَانَةِ، وقُوَّةَ العَارِضَةِ، والاستيفاءَ في الاستدلالِ بما لا يَخطُرُ على بالٍ، فإنَّه يَسْرُدُ في المسألةِ الواحِدَةِ من الوُجُوه ما يَبْهَرُ لُبِّ مُطالِعِه، ويُعَرِّفُه بِقِصَرِ باعِه بالنِّسبة لِعِلمِ هذا الإمَام، فهو يُوردُ كَلامَ شيخه في رسَالته التي اعْترضَ بها عليه بنَصِّهِ وفَصَّه، ثم يَنْسِفُه نسْفًا، بإيراد ما يُزَيِّفُه بهِ مِن الحُجَجِ الكثيرةِ، التي لا يجِدُ العالِمُ الكبِيرُ في قُوَّته استخراجَ البعضِ منها.
٣ - البصَرَ التَّامَّ بأقاويلِ أهلِ العلْم من الطَّوائف الإسلامية واختلافِهم في أمَهَات المسائِل، وعرض أدِلَّتهم بدِقة وأمانَةٍ، وترجيح ما اسْتَبَانَ لَهُ صَوابُه بالحجة والبُرهان، مشفوعة بلسانٍ عفٍّ، وأسلوبٍ مُهَذَّبٍ، وقَولٍ لَيِّنٍ.
٤ - الحافِظَةَ النَّادِرَةَ المُواتية التي تُمِدُّهُ بما يَشَاءُ مِن نصوصِ الكِتَاب والسُّنَّةِ
[ ١ / ١٢٥ ]
وأَقاويلِ أهْلِ العلْمِ في المسألةِ التي يَعْرِضَ لها، ويَبْحثُ فيها بما لا يَكادُ يَظْفرُ بِه البَاحِث عندَ غيْرِهِ مِنْ أهْلِ العِلْم.
٥ - الجمعَ بَيْنَ الرِّوايَةِ والدِّراية، وقلما تجتمعانِ لأحدٍ، وبَصَرًَا تامًَّا في مُخْتَلِف الفنوفِ بحيث يُعَدُّ إمامًا في كل فَنٍّ مِنْها.
فهو يُعَُّد بحقٍّ في زُمرة أولئك المُفكِّرينَ المُصلِحِينَ الذِين استنارَتْ بأَفْكارِهِمْ المبثوثةِ في تَفاريقِ مُؤلَّفَاتِهم عُقُولُ مُعاصِريهم، ومَنْ أتى بَعْدَهُم إلى يَوْمِنَا هذا، وتنَوَّرتْ قلوبُهم، وانجلَى ما لَصِقَ بمرآتها مِنْ صدَإ الشَّكِّ والجُمُود، وانحَلَّ ما انعَقدَ في أذهانِهِم منْ شُبَهِ الزَّيغِ والارتياب.
وبَعْد، فقد كنت رأيت أن أكتب مقدمة مطولة، أعرف فيها بالمؤلف وما تضمنه كتابه مِنْ بحوثٍ وآراء لَوْلا أن قامَ فضيلة القَاضي إسماعيلُ الأكوعُ مشكورًا بتزويدِنا بمقدمته الضَّافِيَة الماتِعة التي أوفت على الغايَةِ ولم تدَعْ زيادةً لمستزيد، وأَهْلُ مَكَّة أَدْرَى بِشِعَابِهَا، فاقتصرتُ في كلمتي هذه على وصف الأصولِ المعتمدة، وعملي في الكتاب.
وصف النسخ المعتمدة في التحقيق:
لقد تحصَّلَ لنا وقت الشروع في التحقيق أكثرُ مِنْ نسخةٍ، وهاك وصفَها:
١ - نسخة نفيسَةٌ متقنَةٌ، جيدةُ الضبط، حسنةُ الخط، وهي مقابَلَةُ، ومُحَلاَّةٌ بحواشٍ قيِّمة تُنبىء عن كون ناسخها مِن أهل العلم والفضل. وهي المرموز لها بـ (أ).
الموجودُ منها الأولُ والثاني والثالثُ، وتَنْقُصُ المجلدَ الرابع
[ ١ / ١٢٦ ]
والأخيرَ، وقد كُتِبَ الأولُ منها بعدَ وفاةِ المصنف ﵀ بقليل.
المجلد الأول: عددُ صفحاته (٥٣٢) صفحة، في كل صفحة أربعة وعشرون سطرًا، كل سطر فيه ثلاث عشرة كلمة تقريبًاَ، ينتهي بالوهم الرابع عشر الذي ختمه بقول الشاعر:
أقِلُّوا عَلَيْهِمْ لا أبَا لأبِيكُمُ مِنَ الَّلؤم أِوْ سّدُّوا المَكَانَ الَّذِي سَدُّوا
وجاء في الصفحة الأخيرة منه ما نصه: بلغ قِصاصةً وسماعًا ومقابلةً حسبَ الطاقة والإمكانِ في مواقِفَ آخرُها يوم السبت سابعَ شهر صفر أحد شهور سنة (٨٥٤) ولله الحمدُ والمنة، وكتب ذلك العبدُ الفقير لله محمد ابن عبد الله بن المنادي، عفا الله عنه.
وقوله: بلغ قِصاصة. من اقتص الحديث: إذا رواه على وجهه، كأنه تتبع أثره فأورده على قصة.
وقد ألحق به فهرس جامع مفصل بخط مغاير للأصل.
المجلد الثاني: ويبدأ بالكلام على الوهم الخامس عشر، وينتهي بالكلام على الوهم السابع والعشرين.
وعدد صفحاته (٤٤٤) صفحة، ولم يَرِدْ فيه شيء عن الناسخ، ولا تاريخ النسخ، ويغلب على الظن أن ناسخ المجلد الأول هو ناسخ هذا المجلد، فهما يجريان في كل شيء على نسق واحد، وألحق به فهرس مفصل كالأول.
المجلد الثالث: ويبدأ بالكلام على الوهم الثامن والعشرين، وهو فيما ينسب إلى أئمة السنة من الإنكار منهم لأفعال العباد وتصرفاتهم،
[ ١ / ١٢٧ ]
والجواب عن ذلك وينتهي بالكلام على التحسين والتقبيح، وقول الأشعرية فيه.
وعدد صفحاته (٥٢٧) صفحة.
وجاء في آخره ما نصه: انتهي تحريرُ هذا الجزء الثالثِ من العواصم بحمد الله ومَنِّه في يوم الخميس لعلَّه سابع شهر ذي الحجة الحرام سنة ثمانية عشر وثلاث مئة وألف، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
وقْد أُلحِقَ به فهرس مُفَصْلٌ أيضًاَ.
٢ - نسخة ثانية، والموجود منها مجلدان، ورمزنا لها بـ (ب)،
وهي نسخة جيدة مضبوطة ومنقوطة، ومقابلة يغلب عليها الصّحة، ووقع فيها قليل من الخطأ نبهنا عليه في غير ما مَوْضِعٍ من الكتاب.
وعددُ صفحات الأول منها (٤٧٦) صفحة، في كل صفحة (٢٩) سطرًا، في كل سطر ١٤ كلمة تقريبًا، ينتهي بانتهاء الكلام على الوهم الرابع عشر.
وفي صفحة العنوان عدة تمليكات إحداها مؤرخة سنة ١١٣١ هـ والثانية سنة ١١٣٣ هـ والثالثة ١١٩٣ هـ، والرابعة ١٢١٠ هـ.
وهذا المجلد مصور عن الأصل الموجود في مكتبة محمد بن عبد الرحمن العُبيكان الخاصة بالرياض ٤١٣ م/٤٢ قام بتصويره وإرساله إلينا قسم المخطوطات بجامعة محمد بن سعود الإسلامية بالرياض.
وجاء في آخره ما نصه: تم بعون الله وحسن توفيقه نهارَ الإثنين،
[ ١ / ١٢٨ ]
ليلة أحد وعشرين من شهر شعبان سنة تسع وستين وألف، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وعدد صفحات الثاني منها (٣٢٠) صفحة، ويبدأ بالوهم الخامس عشر، قال: إن التشبيه مستفيض، وينتهي بانتهاء الكلام على الوهم السابع والعشرين في شكر المنعم هل يجب عقلًا أو سمعًا، وهو كسابقه في عدد الأسطر والكلمات والخط، فهما من بابة واحدة، إلا أنه غفل من تاريخ النسخ.
وجاء في آخره ما نصه: كمل المجلد الثاني، وهو النصف الأول من العواصم والقواصم بحمد الله ومنِّه وإعانته، ويتلوه في أول النصف الآخر الوهم الثامن والعشرون وهذا المجلد قد تفضَّل بإرساله الأستاذُ المِفضال إبراهيم الوزير فورَ علمه بأن مؤسسة الرسالة عازمة على تحقيقه ونشره.
٣ - نسخة ثالثة، ومنها مجلدان الأول والثاني، وهي نسخة مجوَّدة ومنقوطة ومضبوطة بالشكل، وقد رمزنا لها بـ (ج) إلا أنها لا ترقى إلى نسخة (أ) و(ب) ففيها غيرُ ما خطأ وتحريف.
وعدد صفحات الأول منها (٣٧٨) صفحة في كل صفحة (٢٩) سطرًا، وفي كل سطر (١٨) كلمة تقريبًا.
وينتهي هدا المجلد بانتهاء الوهم الرابع عشر.
وجاء في آخره: تم الجزء الأول من العواصم بحمد الله ومنِّه، وتيسيره، فله الحمد على ذلك كثيرًا كما ينبغي له، وكما هو له أهل، وذلك غرةَ شهر جُمادى الآخر الذي هو مِن سنة أربع بعدَ ألفٍ بيد أفقرِ عباد الله وأحوجِهم إليه عبدِ الرحمن بن محمد بن بسمان الشمسي الحراري
[ ١ / ١٢٩ ]
عامله الله بلطفه ورأفته، وذلك في محروس مدينة صنعاء تقبَّل الله ذلك غفر الله لمالكه وكاتبه وعفا عنهم، وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وعدد صفحات المجلد الثاني (٣٠٨) صفحات، وأسطر صفحاته كالأول، ويبدأ بالوهم الخامس عشر، وينتهي بانتهاء الكلام على الوهم السابع والعشرين.
وقد كتبه كاتب المجلد الأول، فقد جاء في آخره: تم الجزءُ الثاني بحمد الله ومنِّه وطوله، فله الحمد كثيرًا حمدًا يبلغ رضاه ويزيد، وينيلنا من فضله الإلهام إلى طاعته، فقد وعد مع حمده وشكره بالمزيد، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم أنبيائه وأصفيائه من العبيد وسلم، عليه وعلى آله وصحبه أجمعين صلاة دائمة لا تفنى ولا تبيد، وسلم كثيرًا.
وكان تمام زبر هذا الكتاب المبارك في سلخ شهر رجب الأصم، الذي هو من شهور سنة أربع بعد ألف من الهجرة الطاهرة على صاحبها أفضل السلام، بيد من استؤجر في الكتابة المعرّض باسمه رجاء دعوة مستجابة أفقر عباد الله وأحوجهم إليه عبد الرحمن بن محمد بن بسمان ابن بن أحمد بن علي بن عمران العبشمي نسبًا، الشافعي مذهبًا، عفا الله عنه، وعن والديه، وغفر لهم ولمن دعا لهم بالمغفرة والرضوان، وألهمنا لما يرضي، غفر لمالكه، وتقبل منا ومنه.
٤ - نسخة رابعة: الموجود منها المجلد الرابع، وبه تكمل النسخة الأولى التي تقدم وصفها، فهو يبدأ بالوهم الثاني والثلاثين، وينتهي بانتهاء
[ ١ / ١٣٠ ]
الكتاب، وقد رمزنا له بـ (د).
وعدد صفحاته (١٥٣) صفحة، عدد أسطر صفحاته تتراوح ما بين (٢٨) سطرًا و(٥٦) سطرًا، وكلمات السطر ما بين (٢٠) كلمة و(٢٥) كلمة، وخطه نسخي معتاد يجري على نسق مطرد، وجاء في آخره: وكان الفراغ من رقمه يوم الثلاثاء تاسع شهر رجب سنة ألف من الهجرة النبوية على مهجرها أفضل الصلاة والتسليم.
٥ - نسخة خامسة: خزائنية نفيسة الموجود منها المجلد الثاني وقد رمزنا لها بـ (هـ) وعدد أوراقه ١٧٧ ورقة، في كل صفحة منها ٢٥ سطرًا، وعدد الكلمات في كل سطر ١٧ كلمة تقريبًا.
وقد جاء في صفحة الغلاف ما نصه:
الجزء الثاني من العواصم والقواصم تصنيف السيد السند الإمام العلامة المحدث الأصولي النحوى المفسر المتكلم البليغ الحجة السني الصوفي فريد العصر ونادرة الدهر، وخاتمة النقاد، وحامل لواء الإسناد، وبقية أهل الاجتهاد عز الدين محيي سنة سيد المرسلين أبي عبد الله محمد ابن إبراهيم بن علي بن المرتضى بن المفضل الحسني القاسمي الهادوي رحمه الله تعالى رحمة الأبرار وأسكنه دار القرار.
حرر هذا الكتاب المعظم برسم المجلس السامي المكرم الملحوظ بعين السعادة المخصوص بمحبة العلم والعلماء السادة عمر آغا بن محمد زاده خازندار الحضرة العالية الوزيرية الحسينية حرس الله مهجته بالإيمان ونور قلبه بشموس العرفان.
ويبدأ هذا المجلد بالوهم الخامس عشر، وأوله: قال: إن التشبيه مستفيض عن أحمد بن حنبل وقصد بذلك القدح في كتب الحديث لكونه
[ ١ / ١٣١ ]
من رجالهم وينتهي بنهاية الوهم السادس والعشرين.
وجاء في آخره ما نصه: تم المجلد الثاني من كتاب العواصم بحمد الله تعالى يوم الثلاثاء سادس عشر شهر رجب الأصب من شهور سنة ثلاث بعد الألف من الهجرة النبوية على مهجرها أفضل الصلاة والسلام، والحمد لله رب العالمين أتم الحمد وأكمله وأفضله، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
وصف النسخ الموجودة في اليمن بقلم العلامة الفاضل القاضي إسماعيل الأكوع.
توجدُ في خزانتي الجامعِ الكبيرِ بصنعاء عددٌ من نسخِ العواصمِ والقواصمِ، ولكنه لا توجدُ فيها نسخةٌ كاملةٌ بقلم كاتبًٍ واحدٍ من أولها إلى آخرِها، وهي كلُّها مكتوبةٌ بعدَ الألفِ، ففي الخزانةِ الغربيةِ.
الجزءُ الأولُ، أوله " رب عونك يا كريم الحمد لله الحي القيوم إنصافًا .. الخ وآخرُه: ومن العجائبِ أنَّ من ذمَّ الحديث وأهلَه من المعتزلةِ وأهلِ الكلام لم يستغن عنهم، وإن حادَ عن التصريحِ بالروايةِ عنهم.
مكتوبةً بخطٍّ جميلٍ بتاريخ يوم السبت ٢٤ شهر ربيع سنة ١٠٨٢ هـ.
المداخل الرئيسية بالمدادِ الأسود بالقلمِ العريضِ المقوى بالمدادِ الأحمر، والصفحاتُ محجوبةٌ بالمدادِ الأحمر خطًا واحدًا.
١٥٥ ورقة ٣٢ س ٣٠×٢٠ سم.
على صفحةِ العنوانِ تمليكاتٌ ليحيى بن إسحاق، ويحيى بن علي ابن عبد الله الردمي، كما يوجدُ عليها تمليكُ الإمامِ يحيى حميد الدين بتاريخ سنة ١٣٤٠ هـ.
[ ١ / ١٣٢ ]
رقم النسخة ١٢٩ علم الكلام.
الجزءُ الثالثُ:
أولُهُ بعدَ البسملةِ: " الفائدةُ الخامسةُ من الكلامِ على القضاءِ والقدرِ، بيانُ وجوب العمل مع القدرِ وفائدتُهُ ".
آخرُه من أهلِ التأويلِ، فكذلك يلزمُهُ مثل ذلك في الأشعرية، وإلا كان كما قيل:
فعين الرِّضا عن كلِّ ذنبٍ كليلةٌ ولكِن عَيْن السُّخط تبدي المساوِيَا
واللهُ ﷾ أعلم. تمَّ الجزءُ الثالثُ من العواصمِ.
بخطٍّ نسخي جيدٍ تاريخهُ يوم ٢٧ محرم الحرام سنة ١١٢٣ هـ.
٢٢٢ ورقة ٣٥ س ٢٩×٢٠ سم.
الجزءُ الرابعُ:
فيه سقطٌ من أولِهِ، ويبدأُ من الورقة ٧١، وينتهي في الورقةِ ٢٢٢
بقولِهِ: "إذا عرفت ذلك فغيرُ بعيدٍ أن يتحتمَ على عمر بن عبدِ العزيز ما كان منه من تولي الأمر".
بخط محمد بنِ محمد بن عبد الله بن عامر.
وفي نهايَتهِ قصيدةُ محمد بنِ إبراهيم الوزير.
ظلت عواذله تروح وتغتدي
ثمَّ قصيدةُ الهادي بنِ إبراهيمَ الوزيرِ:
عجلت عواذله ولم تتأيد
في ثلاثِ ورقاتٍ علم الكلام ١٣٠.
كما يوجدُ في الخزانةِ الشرقية:
[ ١ / ١٣٣ ]
الجزءُ الأولُ والثاني مِنَ العواصِمِ والقواصِمِ بخطٍّ مجودٍ مضبوطٍ في ٣٣٣ ورقة ٢٧ س ٣٠×٢١ تاريخُ نسخهَا في ١٢ رجب سنة ١٠٠٢.
وتوجد نسخةٌ أخرى الجزء الأول والثاني مكرر بخطٍّ نسخيٍّ معتادٍ حديثٍ، غيرِ مؤرخٍ نسخها. ٢٨٣ ورقة ٢٨ س ٣٧×٢٣.
نسخةٌ أخرى من الجزء الأول.
آخره: من اللوم أو سُدُّوا المكان الذي سَدُّوا.
بخطٍّ نسخيٍّ معتادٍ غيرِ مؤرخٍ.
٦٧ - ٢٣٥ ٣٠ س ٢٩×٢١.
في أولِ الكتابِ ترجمةُ الصاحبِ بنِ عباد، ثم رسالةٌ تتعلقُ بالعواصم والقواصِمِ.
نسخةٌ أخرى من الجزءِ الأول مكرر:
آخر المخطوط ولهذا قالَ حاتم:
وإنك إن أعطيت بطنك سؤله
الخطُّ نسخيٌّ معتادٌ. مداخلُ البحوثِ بالمدادِ الأسودِ والقلم الكبيرِ، محجوب بالمدادِ الأحمرِ، خطين من وقف الإمامِ يحيى حميدِ الدينِ.
١٠٤ ق ٣٠ س ٣١×٢٢.
الجزءُ الثالثُ:
أولُه. الوهمُ الثامنُ والعشرون. وفقه الله، إنَّ أئمة السنة الأثبات
وآخره: على أنَّ الجزاء يخصُّ الكافرينَ لقولّهِ تعالى: ﴿إنَّ الخِزيَ اليَوْمَ والسُوءَ عَلَى الكَافِرِينَ﴾.
٢٢ - ٣٨٧ ق ٣٢ س ٣٢×٢١.
[ ١ / ١٣٤ ]
في أولِهِ ترجمةُ المؤلفِ من ص ١ - ٢٠ مبتور من آخره.
الجزء الثالث مكرر:
أوله: إن المخالفين بأسرهم قالوا: بقدرة العبدِ. لكن الفلاسفة زعموا أن القدرة .. الخ.
وآخرُهُ: وأبياتُ الرازي المشهورةُ تقضي له، أنه مات من التائبينَ
مِنْ جميع مذاهبِ المُبْطلينَ والحمد للهِ ربِ العالمين.
بخط نسخي حديثٍ، الآيات مكتوبة بالمدادِ الأحمرِ، وكذلك مداخلُ البحوث. تاريخُ الفراغِ منه يوم الخميسِ ١٩ شعبان سنة ١٣٤٦، ١٩١ ورقة، ٢٨ س، ٣٥×٢٣.
ولا شكَّ أنه توجدُ من هذا الكتابِ نسخٌ متفرقةٌ في الخزائنِ الخاصةِ:
ففي خزانةِ الوالدِ العلامةِ المعمرِ القاضي أحمدَ بنِ أحمدَ بنِ محمدٍ الجرافي نسخةٌ: الجزءُ الأولُ منها قديمُ النسخِ، وأعتقدُ أنه من أواخر عصرِ المؤلفِ، ففيه في آخره ما لفظُه: فرغ مقابلةً وقراءةً على الوالِدِ صارِمِ الدينِ إبراهيمَ بنِ محمدِ بن عبدِ الله بطريقه، عن والدِهِ سيدي عزِ الدينِ، شيخِ العترةِ الأكرمينَ، وبركةِ أهلِ البيتِ المطهرين، ﵀ عن المصنفِ ختام المجتهدينَ، وإمامِ المحققين، وحامي حِمى سنة سيد المرسلين أبي عبدِ الله محمدِ بني إبراهيمَ بنِ عليٍّ بني المرتضى، ﵁ وأرضاه وأكرم نزلَه لديه ومثواه.
وكتبهُ العبد الفقير إلى ربه الكريم الهادي بن إبراهيم، وفقه اللهُ ولطفَ به، وكان ذلك في شهرِ الحجةِ الحرامِ أحد شهورِ سنة ٨٩٧، وللهِ الحمدُ.
[ ١ / ١٣٥ ]
قلتُ: هذا الهادي هو الهادي الصغيرُ بنُ إبراهيمَ بنِ محمدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الهادي الكبيرِ أخي المؤلف، وكان هذا الجزءُ من خزانة آل الوزيرِ، ففي صفحةِ العنوانِ تمليك بخطّ عبدِ الله بنِ عليٍّ الوزير، هذا لفظه: هذا الكتاب من خزانة الآباءِ ﵃ قد كانَ خَرَجَ عنها، ثم عادَ إِليها بحمدِ الله تعالى بتاريخِ شهر شوال سنة ١١٠٨ وكتبه عبده بنُ عليٍّ عفا اللهُ عنهُ.
وفوقَ العنوانِ صورة مكتوب في الورقة الأولى ما لفظه: من أراد النظر في هذا الكتاب المباركِ، فهو محجور أن يعلق عليه شيئًا من أنظاره، حسبما أراده المصنفُ يعلم ذلك.
كتبه عثمان بن علي بن محمد بن عبد الله بن أحمدَ بنِ عبدِ اللهِ (الوزيرُ).
ثم صارَ من ممتلكات العلماء آل المجاهِدِ. وعليه تمليك هذا نصه: الحمدُ للهِ، من كتبِ سيدي الوالدِ العلاّمة عزّ الإسلامِ صفي الإمام أحمدَ بن عبد الرحمن بن عبد الله المجاهد -حفظه الله- ذي القعدة الحرامِ سنة ١٢٨٠ هـ.
ثم تحول إلى العلماءِ آل الجرافي. وهذا التمليكُ: الحمد للهِ مِن كتبِ سيدي الوالدِ المالكِ عزِّ الإسلام القاضي محمد بن أحمد الجرافي عافاه الله تعالى -وصلى اللهُ على سيدنا محمدٍ وآله، كتبه الفقير أحمد بن محمد الجرافي.
كما يوجد في خزانته أيضًا مجلد من العواصِمِ والقواصمِ يحتوي على الجزءِ الثاني والثالثِ، إلا أنه قُدِّم عند التجليدِ الجزء الثالث على الثاني.
[ ١ / ١٣٦ ]
وهذا المجلد، خطه جيد، وتاريخ نسخه يوم الثلاثاء خامس عشر شهر شوال سنة ١٠٠٤ هـ، بقلم العلامةِ سعدِ الدين المسوري كتبهُ برسمِ الأديب جارِ اللهِ محمدِ بنِ عبد اللهِ بنِ أميرِ المؤمنينَ، وقد طالعهُ السيدُ العلامةُ محسنُ بنُ عبدِ الكريم بن إسحاق. وفرغَ من مطالعتهِ في شهر صفر سنة ١٢٣٧ هـ. وقد استعارَهُ من القاضي عبدِ الرحمنِ المجاهدِ. ثم صارَ هذا المجلدُ من خزانةِ الإمامِ المنصورِ القاسمِ بنِ محمد، وانتقلت ملكيته بالإرثِ إلى ابنه الإمامِ المؤيدِ محمد بن القاسم. ثم تحول إلى أخيه الإمام المتوكلِ إسماعيل بنِ القاسمِ.
ثمَّ صارَ في ملكِ أحدِ العلماءِ الاعلام. وتاريخُ ملكيته في شهر ربيع الآخر سنة ١٢٣٥ هـ، ولكنَّ اسمَ المالِكِ طمس. ثم انتقلت ملكليتُهُ إلى القاضي العلامةِ عبدِ الرحمنِ المجاهِدِ، ثم انتقلَ إلى ملكيةِ القاضي أحمدَ ابن لطف الباري الزبيري بتاريخ شوال سنة ١٢٨٤ هـ. وملكه أيضًا القاضي إسماعيل بن محمد بن أحمد حنش. وقد انتقلت ملكيته إلى القاضي العلامةِ محمدِ بنِ أحمد الجرافي. صفحات الجزءِ الثاني ١٦٩ ص، وعدد السطور يتراوحُ ما بين ٢٤ إلى ٢٥ سطرًا. وصفحات المجلدِ الثالثِ ٢٤٧ صفحة وعددُ السطور في كلِّ صفحةٍ ما بين ٢٤ إلى ٢٥ سطرًا. وأما الجزءُ الرابع من العواصمِ والقواصمِ فهو حديثُ الخطِّ.
انتهي كلام القاضي إسماعيل الأكوع.
عملنا في الكتاب:
١ - لقد اتَّخذنا النسخةَ المصوَّرة عن الأصلِ المحفوظ باستانبول وهي الموموزُ لها بـ (أ) أصلًا لتحقيق الكتابِ، لأنها أكملُ النسخ التي وقعت إلينا وأصحُّها، وَيَنْدُرُ وقُوُع الخطأ فيها، وهو مما لا يخلو منه كتاب مهما
[ ١ / ١٣٧ ]
تَنوقَ به الناسخُ في تجويده، فقمنا بنسخه، ثم تمت المقابلةُ على الأصل المنسوخ عنه، وعلى بقيةِ الأصول التي في حوزتنا، وأثبتنا الاختلافات الهامة.
٢ - ثُمَّ شرعنا في ترقيم النَّصِّ وتفصيله، وتوزيعه، وضبطِ الكلمات الملبسة وأسماء البلدان والأعلام بالشكل كما فعلنا في تحقيقنا لسير أعلام النبلاء، وعُنِينَا بمراجعة الآياتِ المستدل بها وضبطِها بالشَّكْلِ الكامل، وجعلنا رقمَ الآية والسورة بين حاصرتين عند الانتهاء منها في صلب الكتاب، وإذا كانَ في الأصل قراءةٌ لغيرِ حَفْصٍ نسبناها إلى صاحبها مِن القُرَّاء العشر، وذكرنا المصادر المأخوذ عنها.
٣ - ثم خرجنا أحاديثَ الكتاب من مصادر السنة المعتمدة، كالصحاح والمسانيد والسنن والمعاجم مما هو متيسّرٌ لنا، وتكلمنا على الأحاديثِ التي لم تَرِدْ في " الصحيحين " أو في أحدهما، فحكمنا على كُلِّ حديث بما يليق بحالهِ المأخوذة من صفات رواته من الصحة أو الحسن أو الضعف، مسترشدين بالمعايير الدقيقة التي وضعها جهابذة هذا الفن وأئمته، وفي الغالب نَذْكُر ما انتهي إلينا من حكمهم على الحديث الذي نحن بصدد تخريجه، وربما يقع بينَنا وبينهم خلاف في الحكم على بعض الأحاديث، فنذكر أحيانًا السببَ الحامل على ذلك كما مو مبين في التعليقات.
٤ - اقتصرنا على التعريف بالأعلام غيرِ المشاهير، والكتبِ المنقول عنها مما هو غيرُ مطبوع، أو مطبوع، ولكن تداولُه بين الطلبة قليل.
٥ - ربما عرض المؤلف مسائل تتعلق بعلم الأصول أو المصطلح أو غيرهما، فلا يبسط القول فيها، ولا يبتُّ فيها برأي، فنذكر القول المختار
[ ١ / ١٣٨ ]
الذي هو أقرب إلى الصواب، وأبلغ في الحجة، وقد نقوي بعض الآراء في أمهات المسائل التي يعرضها بأدلة لم ترد عنده.
٦ - وقد نخالف المؤلف، ﵀ في بعض ما ذهب إليه من آراء، وما انتهي إليه من أحكام، فنرد قولَه برفق معتمدين على نصوص الكتاب والسنة اللذين هما أصلُ الدين وملاكه، وإليهما المرجع في فصل النزاع في جميع مسائل الخلاف، وذلك مما يسرُّ المصنف إن شاء الله ويرضيه، فإنه ﵀ كان يدعو إِلى إمعان النظر في الأمور المختلف فيها بين الأئمة، واستعراضها، والاطلاع على حججهم ودلائلهم، والأخذ في كل باب بما هو أقوى دليلًا، وأبلغ في الحجة من غير تعصب لمذهب أو عليه.
٧ - وسنقوم عند نهاية الكتاب إن شاء الله بصنع فهارس مفصلة للآيات والأحاديث والشعر والأعلام والكتب مما ييسر الاستفادة من هذا السفر العظيم، والانتفاع به.
٨ - ولا بد من الإشادة والتنويه بكل من كانت له يد مشكورة في تيسير إخراج هذا الكتاب بالقول أو بالفعل، نخص منهم بالذكر الأستاذ الفاضل الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي مدير جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية على ما يقدمه لنا من الأصول المصورة لأي كتاب نتولى تحقيقه مما هو موجود في مكتبة الجامعة، وعلى ما يمدنا به من توجيهاته القيمة وآرائه المسددة، والأستاذ الفاضل الدكتور عبد الرحمن العثيمين رئيس مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي بجامعة أم القرى بمكة المكرمة الذي بعث إلينا بالأصول المصورة (أ) و(ج) و(د) و(هـ) فور علمه بأننا عازمون على تحقيقه ونشره، والأستاذ الفاضل إبراهيم الوزير الذي كتب كلمة تعريف بالمصنف الذي امتلأ قلبه حبًا به -وهو أحد
[ ١ / ١٣٩ ]
أجداده- وقناعةً بطريقته المثلى في الأخذ بكتاب الله تعالى، وسنة رسوله الصحيحة، والاعتصام بهما، ونبذ التعصب، وطرح التقليد. والقاضي الفاضل إِسماعيل بن علي الأكوع الذي كتب مقدمة ضافية عرف فيها بالمؤلف وبكتابه العظيم هذا. والأستاذ الفاضل رضوان دعبول صاحب مؤسسة الوسالة الذي آلى على نفسه أن يقوم بنشر الكتب الموسوعية المتخيّرة في العلوم الإسلامية، وإخراجها على نحو يروق ويعجب، ويرضي ويسر. والأستاذ الشاب علي حسن علي الحلبي وغيره ممن يعمل بإشرافي في قسم التحقيق في مؤسسة الرسالة، في هذا الكتاب وغيره.
فإلى هؤلاء جميعًا أزجي خالص شكري وعظيم امتناني، وأرجو الله سبحانه أن يجزل لهم المثوبة والأجر، وأن يتولاني وإياهم برعايته وتأييده وتوفيقه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
١/ ١/١٤٠٥ هـ
٢٦/ ٩/١٩٨٤ م
شعَيب الأرنؤوط
[ ١ / ١٤٠ ]
العواصم والقواصم
في
الذَّبِ عن سنة أبي القاسم
تصنيف
الإمام العلامة النظار المجتهد محمد بن إبراهيم الوزير اليماني
المتوفى سنة ٨٤٠ هـ
[ ١ / ١٦٧ ]
خطبة الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم
رب عونك يا كريم
الحمدُ لِله الحيِّ القيوم إنصافًا وعدلًا، الكريم العظيم أسماءً وفضلًا، الذي أرشد إلى العدلِ ابتداءً في دار الدنيا بصوادع آياته، وانتهاءً في دار الآخرة بإحضار بيِّناته.
لم يكتفِ هُنالك بعلمه الحقِّ، وعلمِ جميع عبيده، عن إحضارِ كتبه وموازينه وشهودِه، بل لم يكتف -وكفي به شهيدًا- بأعدلِ شهود، عن شهادة الأيدي والأرجل والجلود، كما لم يكتفِ في دار التكليف بما فطر لخلقهِ من نورِ العُقولِ، حتى عَضَدَ ذلك النورَ بنورِ الكتاب، ونورِ الرسول، فكان ذلك نورًا على نور، كما وصفه سبحانه في سورة النور (١)، قطعًا لبواطل أعذارِ المُبطلين، وصدعًا لِقواطع (٢) شُبهِ المعطَّلين، وفي ذلك يقول سبحانه تنبيهًا على ذلك وتعليلًا: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].
_________________
(١) في قوله تعالى: ﴿.. نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [٣٥].
(٢) في (ب): بقواطع.
[ ١ / ١٦٩ ]
ولهذا قال رسولُ اللهُ -﵌-: " ما أحدٌ أحبَّ إليه العُذْرُ مِن الله، من أجلِ ذلك أنزل الكتابَ، وأرسل الرُّسُلَ " (١).
ومن الدليل على ذلك: قولُهُ ﷿ في كتابه المبين، في حق من يعلمُ أنه من الكاذبين: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١، والنمل: ٦٤].
ومن ألطف ما أمر بهِ رسولَه الأمين؛ أن يقولَ في خطاب المبطلينَ: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤].
وقد شَحَنَ اللهُ تعالى كتبَه الكريمةَ المطهَّرةَ بكثير من شُبَهِ أعدائه الكفرةِ الفجوة، وأورد شنِيعَ ألفاظِهم وصريحَها، ومنكرَها وقبيحَها، ليردَّ عليهم مقالتهم، ويُعَلِّم المؤمنين معاملتَهم، كما قال في مُحْكَم الآيات: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود: ١٣]، ولم يمنعْهُ علمُه بعنادِهم، من الاحتجاجِ عليهم، وإرسال (٢) خيرِ كتاب ورسول إليهم، بل قال مستنكرًا الإضرابَ (٣) عن أعدائه من (٤) الكافرين: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ [الزخرف: ٥].
ومِن أعظمِ ما أنزل الله تعالى في ذلك، قولُه تعالى: ﴿فقُولا لَهُ
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٤١٦) ومسلم (١٤٩٩) وأحمد ٤/ ٢٤٨ والدارمي ٢/ ١٤٩ والبغوي (٤٣٧٢) كلهم من طريق عبد الملك بن عمير عن ورّاد كاتب المغيرة بن شعبة عن سعد ابن عبادة مرفوعًا. وفي الباب: عن ابن مسعود عند مسلم (٢٧٦٠) (٣٥). وعن الأسود بن سريع عند الطبراني في " الكبير " (٨٣٦).
(٢) في (أ): وإنزال.
(٣) في (أ): للإضراب.
(٤) ساقطة من (أ).
[ ١ / ١٧٠ ]
قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤]، إذ (١) كان هذا بالرفق (٢) بفرعونَ الذىِ نصَّ اللهُ تعالى على أنه طغى، وعلى أنه أراه آياتِهِ كُلَّها، فكذب وأبى، ومِنْ ثَمَّ كان اسمُهُ اللطيف الأسنى، ومن (٣) أخصَّ أسمائه الحسنى، هذا ما لم يشتدَّ غضبُهُ، نَعوذُ بوجهه الكريم مِن غضبه، ومن مُقَارَفه مُوجبِهِ وسببهِ، ففي مثل تلك الحال يقول ذو العزةِ والجلال: ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة: ١٢٣].
وفي الحال الأخرى -وهي الغالبة-: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ١٤]، ﴿وإذا خَاطبَهُمُ الجاهلُون قالوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]، ﴿وأن تعفُوا أقْربُ للتقوى﴾ [البقرة: ٢٣٧]، ﴿ويَدْرَؤنَ بالحَسَنَةِ السَّيِّئةَ﴾ [الرعد: ٢٢]، ﴿ادْفَعْ بالَّتِي هِيَ أحْسَنُ﴾ ﴿المؤمنون: ٩٦، وفصلت: ٣٤]، ﴿وإذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص: ٥٥]، ﴿والَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٣]، ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣].
ولا دليل على نسخ ذلك وأمثالهِ، مما وردت به السُّنَّة النبوية، وَوُصِفَتْ به الأخلاقُ المصطفوية، إلا توهمُ التعارض، ممن خَفِيَ عليه حُسْنُ اختلافِ الأمرين، عند اختلاف الحالين، كما نصره الإمامُ المهدي (٤) في " عقود العِقيان في النَّاسخ والمنسوخِ مِن القرآن " (٥).
_________________
(١) في (أ): إذا.
(٢) في (أ) في الرفق.
(٣) سقطت الواو من (أ).
(٤) في هامش (أ): محمد بن المطهر بن يحيى، وهو من أئمة اليمن، بويع بالخلافة عند موت والده سنة (٦٩٠) هـ، وافتتح مواضع، منها: عدن، وله علم واسع غزير، مات في ذي مرمر سنة (٧٢٨) هـ، انظر البدر الطالع ٢/ ٢٧١.
(٥) ويقع في جزئين، ومنه نسخة خطية نفيسة في خزانة الجامع الكبير بصنعاء، برقم: (٥٨: تفسير).
[ ١ / ١٧١ ]
وذلك مِن مقتضى البلاغة عند علماء البيان، حيث يختلِف الحالان، ويفترِق المقامانِ.
ومِنْ ثَمَّ مدح الله تعالى المؤمنين بالعزَّةِ والذِّلة في آيةٍ واحدة (١)، وَقَرنَ الوعدَ بالوعيد، وأنزل الكتابَ والحديدَ، وكان رسول الله -﵌- نبيَّ المَرْحَمَةِ والمَلْحَمَة (٢)، وقال الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: ٨ - ٩].
ولا شكَّ أن صفة اللُّطف والرفق والرحمة هي الغالبةُ القوية في الكُتب السماوية، والأحوالِ النَّبوية، ومن ثمُّ تمدَّح اللهُ تعالى بأنه وَسِع كُلَّ شيءٍ رحمةً وعلمًا، وبأن رحمة الله سبحانه وسعت كُلَّ شيء، وليس في وَعْده لأهل الصلاح بكتابتها؛ التي هي بمعنى إيجابِها لهم ما ينفي سعَتها لِغيرهم، بل هي لهم واجبة، ولغيرهم واسعة، وليس بين أوَّلِ الآية وآخرِها معارضَةٌ، ولم يَرِدْ مثلُ ذلك في الغضب ولا قريبٌ منه، وصحَّ عن رسول الله -﵌- أنه قال: "إنَّ الله تعالى كَتبَ كِتَابًا
_________________
(١) وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤].
(٢) كما ثبت عنه - ﷺ - من حديث أبي موسى الأشعري عند مسلم (٢٣٥٥) وأحمد ٤/ ٣٩٥ و٤٠٤ و٤٠٧، والطبراني في " الصغير " ١/ ٨٠ ومن حديث حذيفة عند أحمد ٥/ ٤٠٥، والترمذي في " الشمائل " (٣٦٠)، والبغوي في " شرح السنة " (٣٦٣١) وانظر " مجمع الزوائد " ٨/ ٢٨٤.
[ ١ / ١٧٢ ]
ووَضَعَه عِنْدَهُ، فيه: إنَّها غلَبَتْ رَحمتي غضبي، وسبَقتْ رحمتي غضبي " (١). وقال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقال رسولُ الله ﵌: " بَشِّروا ولا تُنَفِّروا " (٢)؛ وقال في معرض الزجر والذم: " إنَّ منكم منفِّرين " (٣).
والأحاديثُ والآثارُ في ذلك لا تُحصى، ويأتي لذلك تمامٌ في ذكر الداعي إِلى الترغيب والترهيب، في الكلام على سهولة الاجتهاد وتعسُّرِه، وهو يسير، وفي آخرِ الكلام في القدر، في تقدير الشرور، وبيان الحكمة والرحمة فيها وهو كثير مستوفى.
والقصدُ تنبيهُ ذوي الأفهامِ الذين يُغنيهم القليلُ عن التكثير والتطويل. فَزِنِ الأشياء بميزان الاعتدال، وجادِلْهم بالتي هي أحسن كما علَّم ذو الجلال.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٤٠٤) في التوحيد ومسلم (٢٧٥١) في التوبة، وأحمد ٢/ ٢٥٨ و٢٦٠ و٣١٣ و٣٥٨ و٣٨١ و٣٩٧ و٤٣٣ و٤٦٦، وابن ماجه (٤٢٩٥) في الزهد، والبغوي في " شرح السنة " (٤١٧٧) و(٤١٧٨) من طرق عن أبي هريرة، ولفظ مسلم: " لما قضى الله الخلق، كتب في كتابه على نفسه، فهو موضوع عنده: إن رحمتي تغلب غضبي ".
(٢) أخرجه البخاري (٦٩) ومسلم (١٧٣٤) من حديث أنس، وأخرجه من حديث أبي موسى الأشعرى أحمد ٤/ ٣٩٩ و٤١٢، والبخاري (٣٠٣٨) ومسلم (١٧٣٢) و(١٧٣٣) وأبو داود (٤٨٣٥) والبغوي (٢٤٧٥).
(٣) قطعة من حديث مُطوَّل رواه البخاري (٧٠٢) في الأذان، و(٦١١٠) في الأدب، و(٧١٥٩) في الأحكام، ومسلم (٤٦٦)، وأحمد ٤/ ١١٨ و١١٩ و٥/ ٢٧٣، والدارمي ١/ ٢٨٨، وابن ماجه (٩٨٤)، والبغوي (٨٨٤) كلهم من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن أبي مسعود الأنصاري، قال: جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - فقال: إني لأتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان، مما يطيل بنا، فما رأيت النبى - ﷺ - غضب في موعظة قط أشدُ مما غضب يومئذ، ثم قال: " إن منكم منفرين، فأيكم أمَّ الناس فليوجز، فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة ".
[ ١ / ١٧٣ ]
الثناء على النبي ومدحه، وذكر شيء من خصائصه
واعلم أن مِن لطائف الأنظار لذوي الأذهان، أنَّ الله سبحانه لما وضع الميزانَ، وهو ميزانُ المقادير على الصحيح، لا ميزانُ البُرهان، حرَّم الإخسارَ فيه والطُّغيان، فقال سبحانه في سورة الرحمن: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرَّحمن: ٧ - ٩]. وإذا كان هذا في ميزانِ الدِّرهم والدِّينار، اللذيْنِ هما من جنس الأحجار، وكانِزُهما المانِعُ حقوقَهما متوعَّدٌ بالنار، فما ظنَّك بالإخسار والطُّغيان في ميزان البُرهان، الذي يُعْرَفُ به الدَّيَّان، وتُحفظ به الأديان.
والصَّلاة والسَّلام الأتَمَّانِ الأكملانِ على نبيِّهِ ورسوله وحبيبِه وخليلِه، الذي مدحه الله العظيمُ، ووصفه في الذكر الحكيم بالخُلُق العظيم، وأنَّه بالمؤمنين رؤوف رحيم، المخصوصِ مِن بين الأنبياء بالخمسِ الفضائل (١)، المسموحِ له -يومَ قابَ قوسين أو أدنى- ما زاد على الخمس الفواضِلِ: سَيِّدِ ولدِ آدمَ يوم القيامة في المقامِ المحمود، وحاملِ لواء الحمد في اليوم الموعود، صاحِبِ السَّبع المثاني والكوثرِ (٢)، والشفاعةِ
_________________
(١) روى البخاري (٣٣٥) فىِ التيمم، ومسلم (٥٢١) في أول المساجد من حديث جابر بن عبد الله مرفوعًا: " أُعطيت خمسًا لم يُعطهن أحدٌ قبلي: نصرت بالرعب من مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي المغانم، ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة ".
(٢) مقتبس من قوله ﷾: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] وقوله: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١]، وقد فسر النبيُّ - ﷺ - الكوثرَ بأنه نهر في الجنة، حافتاه: الذهب، ومجراه: الدر والياقوت ..، رواه عن أنسٍ البخاريُّ (٦٥٨١) وأحمد ٣/ ١٠٣ و١١٥، والترمذي (٣٣٥٧)، وعن ابن عمر أحمدُ ٢/ ١١٢، والدارمي ٢/ ٣٣٧، والترمذي (٣٣٥٨) وابن ماجه (٤٣٣٤) وإسناده صحيح.
[ ١ / ١٧٤ ]
العُظمى يومَ المحشر، المبعوثِ بالحنيفية السَّمحة (١) إلى الأسودِ والأحمرِ (٢)، المنعوتِ بأنَّه خيرُ الناس نِصابًا، الموعودِ -مَنْ أعْرَضَ عن سنته- بالصَّغار عقابًا (٣)، الذي لا يُفتح لأحدٍ قبلَه أبوابُ الجنان، ولا ينامُ قلبُه وإن نامت منه العينانِ (٤)، الذي وجبت له النبوةُ وآدمُ بين الجسدِ
_________________
(١) أخرج أحمد بسند قوى ٦/ ١١٦ و٢٣٣ من حديث عائشة مرفوعًا: " أني أرسلت بحنيفية سمحة" وله شاهد من حديث ابن عباس عند أحمد ١/ ٢٣٦ بلفظ: قيل لرسول الله - ﷺ -: أي الأديان أحب إلى الله؟ قال: " الحنيفية السمحة " ورجاله ثقات، وعلقه البخاري في " صحيحه " ١/ ٩٣ في الإيمان، باب الدين يسر، ووصله في " الأدب المفرد " (٢٨٧) وحَسَّن إسناده الحافظ في " الفتح "، وآخر عن أبي أمامة عند أحمد ٥/ ٢٢٦ والطبراني (٧٨٦٨) ولا بأس بإسناده في الشواهد، وثالث عن جابر عند الخطيب في " تاريخه " ٧/ ٢٠٩ وابن النجار في " ذيل تاريخ بغداد " ٣/ ٥ من المطبوع وسنده ضعيف، ورابع عن حبيب بن أبي ثابت مرسلًا عند ابن سعد في. الطبقات " ١/ ٢٩٢، فالحديث صحيح بها، ولقد ضعفه الشيخ الألباني في " غاية المرام " (٢٠ و٢١ و٢٢) فأخطأ.
(٢) بهامش (أ) ما نصه: رواه البخاري في ترجمة باب من حديث ابن عمر، وذكره ابن الأثير في الفضائل من حرف الفاء، ويشهد له من كتاب الله تعالى: ﴿سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا﴾ وقوله تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ تمت من خط المصنف رحمه الله تعالى. وقوله: رواه البخاري في ترجمة باب من حديث ابن عمر. لم نقف عليه في صحيحه، ويغلب على الظن أنه وهم، نعم أورده ابن الأثير في جامع الأصول ٨/ ٥٢٨ - ٥٢٩ الطبعة الشامية من حديث جابر بن عبد الله، ونسبه إلى البخارى والنسائي ومسلم، وهو عند مسلم (٥٢١) في المساجد فقط باللفظ الذي ذكره المصنف، ولفظ البخاري (٣٣٥) والنسائي ١/ ٢١٠: وكان كل يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة. ولفظ مسلم أخرجه أحمد ١/ ٢٥٠ و٣٠١ من حديث ابن عباس، وأخرجه الدارمي ٢/ ٢٢٤، وأحمد ٥/ ١٤٥ و١٤٨ و١٦١ من حديث أبي ذر، وهو في " المسند " ٤/ ٤١٦ أيضًا من حديث أبي موسى الأشعري.
(٣) اقتباس من قوله - ﷺ -: " بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد اللهُ وحده لا شريك له، وجُعل رزقي تحت ظل رمحي، وجُعل الذلةُ والصِّغَار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم " رواه أحمد ٢/ ٥٠ و٩٢، وسنده حسن، وجّوَّد إسناده شيخ الإسلام ابن تيمية في " الاقتضاء " (ص ٣٩)، وصححه الحافظ العراقي في " تخريج الإحياء " وحسنه الحافظ في " الفتح " ١٠/ ٣٢.
(٤) في البخاري (١١٤٧) ومسلم (٧٣٨) و" الموطأ " ١/ ١٢٠، و" المسند " =
[ ١ / ١٧٥ ]
والرُّوح (١)، ووعده ربُّه سبحانه أن يُرضِيَه في أمَّته حين فاض لِرحمتهم دَمْعُهُ المسفوح، الذي استخرح لنا شفيعٌ ﴿وأمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ من كنوز فضائله، ونفيسِ خصائصه: قولَه ﵊ من حديث ابن عباس: " أنَا حبيبُ اللهِ ولا فخر، وأنا حامِلُ لِوَاءِ الحمدِ يَوْمَ القِيَامَةِ ولا فخر، وأنا أول شَافِع وأوَّل مُشفَّع يومَ القيامة ولا فخر، وأنا أوَّل مَنْ يُحَرِّكُ حِلَقَ الجنةِ، فيفتح الله لي فيُدخلنيها، ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر" (٢). وحديث. " ولكنَّ صاحبَكم خليلُ الله " (٣). وفي حديثِ الخُدْرِي: " أنَا سيِّد وَلَدِ آدمَ وَلا فخر، وبيدي لِواءُ الحمدِ ولا فخر، وما مِن نبيٍّ -آدمَ فمن سِواه- إلا تحتَ لوائي، وأنا أوَّلُ من تنشق عنه الأرضُ ولا فخر " (٤). وفي حديث أنس: "أنَا أوَّلُ النَّاسِ خروجًا إذا بُعِثُوا، وأنَا
_________________
(١) = ٦/ ٣٦ و٧٣ و١٠٤، وسنن أبي داود (١٣٤١)، والترمذي (٤٣٩) والنسائي ٣/ ٢٣٤، عن عائشة ﵂ مرفوعًا: " إن عينيَّ تنام ولا ينام قلبي "، وفي الباب عن ابن عباس عند أحمد ١/ ٢٢٠، وعن أبي هريرة ٢/ ٢٥١ و٤٣٨، وعن أبي بكرة ٥/ ٤٠ و٥٠.
(٢) أخرج أحمد ٥/ ٥٩ وأبو نعيم في " الحلية " ٩/ ٥٣ وابن الأثير في "أسد الغابة" ٥/ ٢٨٥ من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن منصور بن سعد عن بُديل عن عبد الله بن شقيق عن ميسرة الفجر، قال: قلت: يا رسول الله، متى كتبت نبيًا؟ قال: " وآدم بين الروح والجسد " وهذا إسناد صحيح، ورواه ابن سعد في " الطبقات " ٧/ ٦٠ من طريق معاذ بن هانىء عن إبراهيم بن طهمان عن بُديل به، وله شاهد عن ابن عباس عند الطبراني (١٢٥٧١) و(١٢٦٤٦) والبزار (٢٣٦٤) (زوائده) وانظر " المجمع " ٨/ ٢٢٣.
(٣) أخرجه الترمذي (٣٦١٦) والدارمي ١/ ٢٦ في المقدمة، وفي سنده زمعة بن صالح الجندي، وهو ضعيف، وباقي رجاله ثقات، ولِعُظْمِهِ شواهد ستأتي عند المصنف.
(٤) هو قطعة من حديث عند مسلم (٢٣٨٣) والترمذي (٣٦٥٥) وابن ماجه (٩٣) وأحمد ١/ ٣٧٧ و٣٨٩ و٤٠٩ و٤٣٣ والبغوى في " شرح السنة " (٣٨٦٧) كلهم من طريق أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود.
(٥) أخرجه أحمد ٣/ ٢ والترمذي (٣٦١٨) وابن ماجه (٤٣٠٨) من حديث أبي سعيد، وهو في " المسند " ١/ ٢٨١ و٢٨٢ و٢٩٥ و٢٩٦ من حديث ابن عباس، وفي سندهما علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف، لكنْ له شاهد صحيح يتقوى به من حديث =
[ ١ / ١٧٦ ]
ذكر آل النبي - ﷺ - والأمر بمحبتهم، وبيان شيء من فضائلهم
خطيبُهم إذا وَفَدوا، وأنا مُبَشِّرُهم إذا يَئِسُوا، ولِوَاءُ الحمدِ يومئذٍ بيدي، وأنا أكرمُ ولدِ آدمَ على ربِّي ولا فخر" (١). وفي حديث أُبي بنِ كعب: " إذا كَاَن يوم القيامة كنتُ إمامَ النبيين، وخطيبَهم، وصاحبَ شفاعتهم، غيرَ فخر " (٢). وفي حديث أبي هُريرة: " أنا سيِّدُ ولدِ آدَمَ، وأوَّلُ شافعٍ، وأوَّلُ مُشَفع، وأوَّلُ مَنْ تنشقُّ عنه الأرضُ، فأُكسى حُلَّةً من حُلَلِ الجَنَّةِ، ثم أقومُ عن يمين العرش، فليس من الخلائق يقومُ ذلك المقامَ غيري " (٣). فعليه أفضلُ الصَّلاةِ والسلامِ، على الدَّوام.
وعلى آلهِ الذين أمرَ بمحبتهم، واختصَّهم للمُباهلةِ (٤) بهم، وتلا آية التطهير (٥) بسببهم، وبشَّر مُحبِّيهم أن يكونوا معه، في درجته يومَ القيامة، وأنذز محاربيهم بالحرب، وبشَّر مسالميهم بالسَّلامة، وشرع الصلاةَ عليهم
_________________
(١) = أنس بن مالك عند أحمد ٣/ ١٤٤، وآخر من حديث عبد الله بن سلام عند ابن حبان (٢١٢٧).
(٢) أخرجه الترمذي (٣٦١٠) والدارمي ١/ ٢٦ و٢٧، وحسنه الترمذي مع أن فيه ليث ابن أبي سليم وهو ضعيف لسوء حفظه، فلعله حسنه لشواهده.
(٣) أخرجه الترمذي (٣٦١٣) في المناقب، وابن ماجه (٤٣١٤) في الزهد، وأحمد ٥/ ١٣٧ و١٣٨، وسنده حسن.
(٤) أخرجه إلى قوله: " .. وأول من تنشق عنه الأرض .. " مسلم (٢٢٧٨) في الفضائل، وأبو داود (٤٦٧٣) في السنة، وأحمد ٢/ ٥٤٠، وأخرجَ القطعة الأخيرة منه الترمذيُّ (٣٦١١) المناقب، وحسنه، مع أن في سنده أبا خالد الدالاني، واسمه يزيد، وهو كثير الخطأ.
(٥) قال ابن الأثير في " النهاية ": والمباهلة: الملاعنة، وهو أن يجتمع القوم إذا اختلفوا في شيء فيقولوا: لعنة الله على الظالم منَّا. وانظر مباهلةَ النبيِّ - ﷺ - لوفد نصارى نجران في " تفسير ابن كثير " ٢/ ٤٠ - ٤٥ في تفسير الآية (٦١) من سورة آل عمران.
(٦) وهي قوله تعالى: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرًا﴾ وانظر الأحاديث الواردة في ذلك في " تفسير ابن كثير " ٦/ ٤٠٧ - ٤١١ طبعة الشعب.
[ ١ / ١٧٧ ]
معه في كُلِّ صلاة، وقَرَنَهُمْ في حديث الثقلين (١) بكتاب الله، ووصى فيهم، وأكَّدَ الوصاة، بقوله: " الله، الله ". خرَّجه مسلم فيما رواه، وزاد الترمذي وسِواه: بشراه لذوي قُرباه، إنهما لن يفترقا حتى يلقياه.
ولمَّا أهَبَّ اللهُ سبحانَه لهم أرْوَاحَ الذِّكرِ المحمود في جميعِ الوجود، بذكرهم في الصلواتِ الإلهية، ومع الصلواتِ النبوية، فلازم ذكرهم الصلوات الخمس، والصلاة على خيرِ مَنْ طلعت عليه الشَمس. كان ذلك إعلانًا ممن له الخلقُ والأمرُ، وإعلامًا مِمن لا يُقَدِّرُ لجلاله قَدْرٌ، أنَّهُ أراد أن يَهُبَّ ذكرُهم مَهَبِّ الجَنُوب والقَبُولِ (٢)، وأن لا يُنسى فيهم عظيمُ حق الرسول، لا سِيَّما وقد سبق في علمه سبحانه: أن
_________________
(١) وهو قوله - ﷺ - حديث طويل: " وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما: كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به" فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: " وأهل بيتي، أُذَكَّركم الله في أهل بيتي " ثلاثًا، رواه مسلم (٢٤٠٨) وأحمد ٤/ ٣٦٦ و٣٧١، والدارمي ٢/ ٤٣٢، والفسوي في " تاريخه " ١/ ٥٣٧، والطبراني في " الكبير " (٥٠٢٨) و(٥٠٤٠) عن زيد بن أرقم، وعنه قال: قال - ﷺ -: " إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي: أهل بيتي، وإنهما لن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض " رواه الحاكم ٣/ ١٤٨ وصححه ووافقه الذهبي، والطبراني في " الكببر " (٤٩٨٠) والفسوي في " المعرفة والتاريخ " ١/ ٥٣٦، وهو صحيح، ورواه الترمذي (٣٧٨٨) وقال: حسن غريب، أي بشواهده، فإن في سنده عطية العوفي، وهو ضعيف، وفي الباب عن زيد بن ثابت عند أحمد ٥/ ١٨١ و١٩٩ والطبراني في " الكبير " (٤٩٢١) و(٤٩٢٢) و(٤٩٢٣) وعن أبي سعيد الخدري عند أحمد ٣/ ١٤ و١٧ و٢٦ و٥٩، وسنده حسن بالشواهد، وعن جابر عند الترمذي (٣٧٨٦) والطبراني (٢٦٧٨ - ٢٦٨٠) وفيه زيد بن الحسن الأنماطي وهو ضعيف، لكنه يتقوى بشواهده، وانظر " مجمع الزوائد " ٩/ ١٦٥، وعن حذيفة بن أسيد عند الطبراني في " الكبير" (٢٦٨٣) و(٣٠٥٢) قال الهيمثي في " المجمع " ٩/ ١٦٥: وفيه زيد بن الحسن الأنماطي، قال أبو حاتم: منكر الحديث، ووثقه ابن جان، وبقية رجال أحد الإسنادين ثقات، وانظر " المجمع " ١٠/ ٣٦٣.
(٢) في (أ): القَبُول والجَنُوب، والقبُول من الرياح: الصَّبا، لأنها تستدبر الدَّبُور، وتستقبل باب الكعبة، والجَنُوب: ريح تخالف الشمال تأتي عن يمين القبلة.
[ ١ / ١٧٨ ]
وصف أصحابه الذين آمنوا بدعوته، وصبروا معه
الأشراف لا يزالون مُحَسَّدين (١)، وأن الاختلاف والمعاداة فتنةُ هذه الأمة إلى يوم الدين.
وكذلك، فإنه لمَّا علم ما سيكون من استحلال حُرمَتِهِمُ العظيمة، وسفكِ دمائهم الكريمة، أذِنَ بأنَّه حرب لمن حاربهم، وسِلمٌ (٢) لمن سالمهم، وقَرنهم بالكتاب المجيد، ووصَّى فيهم من كان له قلبٌ أو ألقى السمعَ وهو شهيد.
وهذا الكتاب لا يّتَّسِعُ لذكر فضائل ذوي القربى، فعليك أبها السُّنِّي بمطالعتها في كتاب " ذخائر العُقبى " (٣)، وأمثالِه من الكتب المجرَّدةِ لذكر فضائلهم المشهورة، ومناقبهم المأثورة، وكراماتِهم المشهودة، وسِيَرِهم المحمودة، وفي تراجم أئِمتَّهِم السَّابقين، في كتب أئِمة الحديث العارفين.
وعلى أصحابِه أجمعين مِن الفقراء المهاجرين ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ٨ - ١٠].
_________________
(١) اقتباس من قول الشاعر أنشده الزمخشري في أساس البلاغة إن العَرانِينَ تلقاها مُحَسَّدَةً ولا ترى لِلئام الناسِ حُسَّادا
(٢) الواو ساقطة من (أ).
(٣) هو للشيخ العلامة أحمد بن عبد الله بن محمد، محب الدين الطبري، المتوفى سنة (٦٩٤) هـ، وقد طبع في دار الكتب العراقية في بغداد سنة (١٩٦٧) م.
[ ١ / ١٧٩ ]
﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا (١) الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠].
﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩].
و" مِنْ " ها هنا لِبيان الجنس، لأن لفظةَ "بعضٍ" لا تَصلُحُ مكانَها. فما أكرمَ قومًا ذُكِروا في التَّوراة والإنجيل والقرآن، وَوُصفوا بالسَّبق والهجرة والنُّصْرَة والإيمان، أولئك أصحابُ رسول الله ﵌، الذين صَدَعتْ مَمادحُ الوحي قرآنًا وسُنَّةً، بأنَّهم خيرُ الناس وخيرُ القرون، وخيرُ أُمَّة. ولو لم يَرد من فضائلهم الشريفة، إلا حديثُ " ما بلغَ مُدِّ أحدهم ولا نصيفه " (٢).
_________________
(١) هي قراءة عبد الله بن كثير المكي، المتوفى سنة (١٢٠) هـ وكذلك هي في مصحف أهل مكة وقرأ الباقون: ﴿تَحْتَها﴾ بحذف " مِنْ " ونصب " التاء "، وكذلك هي في جميع المصاحف غير مصحف أهل مكة، انظر " حجة القراءات " (ص: ٣٢٢) لابن زنجلة، و" زاد المسير " ٣/ ٤٩١، و" الكشف عن وجوه القراءات " ١/ ٥٠٥.
(٢) حَذَفَ المُصنفَ الجوابَ للعلم به، أي: لكفاهم بذلك فخرًا، وهو من بابة قوله تعالى في سورة الرعد، الآية: ٣٢: ﴿ولو أنَّ قرآنا سُيرت به الجبالُ أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعًا﴾، انظر " زاد المسير " ٤/ ٣٣٠ بتحقيقنا. والحديث بتمامه: " لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده، لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه " أخرجه البخاري (٣٦٧٤) ومسلم (٢٥٤٠) والترمذي (٣٨٦٠) وأبو داود (٤٦٥٨) وأحمد ٣/ ٥١١، وابن أبي عاصم (٩٨٨) والبغوي (٣٨٥٩) كلهم =
[ ١ / ١٨٠ ]
ولَمَّا علم رسول الله ﵌أنْ سوف تُجهلُ حقوقهم، ويُستحلُّ عقوقُهم- حذَّرَ من ذلك وأنذر، وبالغ ﵌ في ذلك وأكثر. ولو لم يَرد في ذلك إلاَّ قولهُ ﵌: " الله، الله في أصحابي، لا تتَّخِذُوهُمْ غرَضًَا بَعْدي منْ أحبَّهم فَبِحُبي أحبَّهم، ومَنْ أبَغَضهم فَببُغضي أبغضهم، ومَنْ آذاهُم، فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى اللهَ، فَيُوشِكُ أن يأخذه " (١).
وقولهُ ﵌: " إذا رأيْتُمُ الَّذِينَ يَسُبُّونَ أصحابي، فَقُولُوا: لعنةُ اللهِ على شَرِّكم " (٢).
فيا لَه مِن قصاص ما أنصَفَهُ، وجزاءٍ ما أعدله، فخذها أيها السُّنّي ممن أُوتي الكلم الجوامع، والحجج القواطع.
فَرَضِيَ اللهُ عَن السابقين منهم واللاَّحقين، والمتبوعينَ منهم والتابعين، من أهلِ الحرمين، والهِجْرَتيْنِ، والمسجدَيْنِ، والقبلتين، والكِتابين، والبيعتين (٣)، والأربعةِ والعشرة، وأهلِ بدرٍ البررة، والذين
_________________
(١) = من حديث أبي سعيد الخدري، ورواه من حديث أبي هريرة مسلمٌ (٢٥٤١) وابن ماجه (١٦١).
(٢) أخرجه أحمد ٤/ ٨٧ و٥/ ٥٤ و٥٧ والترمذي (٣٨٦١) في المناقب؛ والبغوي (٣٨٦٠) وأحمد في " فضائل الصحابة " (١) و(٢) و(٣) و(٤) والبخاري في " التاريخ الكبير " ٣/ ١/١٣١ والخطيب في " تاريخه " ٩/ ١٢٣ وأبو نعيم في الحلية ٨/ ٢٨٧ وابن أبي عاصم (٩٩٢) من حديث عند الله بن مُغَفَّل المزني، وفيه عبد الرحمن بن زياد، لم يوثقه غير ابن حبان على عادته في توثيق المجاهيل، ومع ذلك فقد حَسَّنه الترمذي، وصححه ابن حبان (٢٢٨٤).
(٣) أخرجه الترمذي (٣٨٦٦) في المناقب، من طريق النضر بن حماد عن سيف بن عمر عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، والنضر بن حماد ضعيف وكذا شيخه، وقال الترمذي: هذا حديث منكر لا نعرفه من حديث عبيد الله بن عمر إلا من هذا الوجه.
(٤) الحرمان: مكة والمدينة، والهجرتان، هجرة الحبشة وهجرة المدينة، =
[ ١ / ١٨١ ]
تبوَّؤا الدار والإيمان، وأهلِ العشرين الغزوة والثمان (١). وعن البعوثِ والجنودِ، وأهلِ حِجَّةِ الودَاع والوفود.
وعن الذين جاؤوا منْ بعدهم يقولون: ربَّنا اغْفِرْ لنا ولإخواننا الَّذينَ سبقونا بالإيمان ولا تَجْعَلْ في قلوبنا غِلًاّ للذين آمنوا ربَّنا إنك رؤوف رحيم.
فعليك أيُّها السُّنِّي بمطالعة " الرياض النضرة في فضائل العشرة " (٢) وأمثاله. ومِنْ أحسنِ ما صُنِّفَ في هذا: كتاب الدارقطني " في ثناء الصحابة على القرابة، وثناءِ القرابة على الصحابة " (٣).
وذكرَ الحافظُ العلامةُ ابنُ تيمية: أنَّ الذي روى ما يُناقِض (٤) ذلك " يهودي "، أظهر الإسلامَ لتُقْبَلَ أكاذيبُه، ثم وضع تلك الأكاذيبَ، وبثَّها في النَّاس.
فيا غوثاه ممن يَقْبَلُ مجاهيلَ الرواة في انتقاص خَيْرِ أمَّةٍ بنصِّ كتاب الله (٥)، وخيرِ القرون بنصِّ رسول الله (٦)! فحسبُنا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
_________________
(١) = والمسجدان: مسجد مكة ومسجد المدينة، والقبلتان: الكعبة والمسجد الأقصى، والبيعتان: بيعة العقبة وبيعة الرضوان والكتابين: الإنجيل والقرآن.
(٢) انظر في التعريف بهذه الغزوات " جوامع السيرة " لابن حزم تحقيق إحسان عباس وناصر الدين الأسد ومراجعة الأستاذ العلامة المحدث الشيخ أحمد محمد شاكر ﵀.
(٣) وهو مطبوع في مصر بعناية جمعية نشر الكتب العربية، سنة (١٩٢٣) م.
(٤) في ظاهرية دمشق قطعة من كتاب للدارقطني موسوم بـ " فضائل الصحابة ومناقبهم " كُتب سنة (٦١٤) هـ، انظر " فهرس مخطوطات الظاهرية " علم التاريخ ١٧٠.
(٥) في (أ): ناقض.
(٦) وهو قوله تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله﴾ [آل عمران: ١١٠].
(٧) وهو ما رواه البخاري (٢٦٥١) في الشهادات، ومسلم (٢٥٣٥) والترمذي =
[ ١ / ١٨٢ ]
من فضائل الأمة المحمدية
ولعلَّ كتابَ الدارقطني هذا مِن أَنفس المصنفات، فإنَّهُ لا يجتمع حُبُّ الأصحاب والآل، إلا في قلوب عقلاء الرجال.
ورضي اللهُ عن هذه الأُمةِ الكريمة، السَّابقةِ على تأَخُّرِها (١)، المرحومةِ الشهداء العُدول، المُشَبَّهين بالملائكة في الشهادة والقبول، الغُرِّ المُحَجَّلين، الشفعاءِ المشفَّعين، الذين أوتوا من الأجر في المُدَّةِ القليلة، مِثْلَ ما أوتيَ منْ قبلهم في الأعمارِ الطويلة، الذين أوجب اللهُ بشهادتهم (٢) إحدى الدارين (٣) واسْتُحِقَّت الجنةُ خاصةً بشهادة أربعةٍ منهم أو ثلاثةٍ أو اثنين (٤)، المرفوع عنهم الخطأُ والإكراهُ والنسيانُ. واستقر بشراهم في
_________________
(١) = (٢٢٢١) وابن حبان (٢٢٨٥) وأحمد ٤/ ٤٢٦ من حديث عمران بن حصين مرفوعًا: " خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم .. " وفي الباب عن عبد الله بن مسعود عند البخاري (٢٦٥٢) ومسلم (٢٥٣٣) وابن ماجه (٢٣٦٢) وأحمد ١/ ٣٧٥ و٤١٧ والخطيب في " تاريخه " ١٢/ ٥٣، وعن أبي هريرة عند مسلم (٢٥٣٤).
(٢) اقتباس من قوله - ﷺ -: " نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب مِن قبلنا " أخرجه من حديث أبي هريرة البخاريّ (٨٧٦) ومسلم (٨٥٥).
(٣) في (ب): شهادتهم.
(٤) في (أ) فوق كلمة " الدارين ": الجنة أو النار. وأخرج البخاري (١٣٦٧) و(٢٦٤٢) ومسلم (٩٤٩) من حديث أنس بن مالك قال: مَرُّوا بجنازة فأثنوا عليها خيرًا، فقال النبي - ﷺ -: " وجبت " ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرًا، فقال: " وجبت " فقال عمر بن الخطاب: ما وجبت؟ قال: هذا أثنيتم عليه خيرًا فوجبت له الجنة، وهدا أثنيتم عليه شرًا، فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض " قال الحافظ: أي المخَاطَبون بذلك من الصحابة ومن كان على صفتهم من الإيمان، وحكى ابن التين أن ذلك مخصوص بالصحابة لأنهم كانوا ينطقون بالحكمة بخلاف مَن بعدهم، وأخرجه أيضًا الترمذي (١٠٥٨) والنسائي ٤/ ٤٩ وابن ماجه (١٤٩١) وأحمد ٣/ ١٨٦ و١٩٧ و٢٤٥ و٢٨١، وفي الباب عن أبي هريرة عند أحمد ٢/ ٢٦١ و٤٩٨ و٤٩٩ و٥٢٨ وابن ماجه (١٤٩٢).
(٥) أخرج البخاري في " صحيحه " (٢٦٤٣) في الشهادات من حديث عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله - ﷺ -: " أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة "، قلنا: وثلاثة؟ قال: " وثلاثة " قلت: واثنان؟ قال: " واثنان " ثم لم نسأله عن الواحد.
[ ١ / ١٨٣ ]
نصوص السُّنةِ والقُرآن بتكفيرِ ذنوبهم بما جرى بينهم في دنياهم من الفتنة (١) والقتال، وسائر المصائب والأوجال، بمشيئة ذي الطول والإفضال بشهادة آية التخوف، ومقبول الأحاديث عند فرسان الاستدلال، المعصومةِ (٢) من الاجتماع على الضَّلال (٣)، فلا تزالُ طائفةٌ منهم على الحق، حتى يُقاتِل آخِرهُم الدَّجال (٤). الموعودين في الكتاب المسطورِ، بالإخراج من الظُّلماتِ إلى النور، المسْتغْفِرِ لهم ملائكةُ الرحمن، بنصوص السُّنة والقرآن، الشاهد لهم بحُبِّ الله مطلق الاتباع، وادخار الدعوة المقبولة، وخير شفيع مطاع، المُنْعَمِ عليهم بلزوم خوفه، المبلِّغ لهم بعدَ الموت إلى الأمان، لشهادته بالإيمان، بدليل تعليقه في القرآن بخوف الرحمن، المبشرين بكونهم نصفَ أهلِ الجنة (٥)، بل ثُلُثيهم (٦)، مع كثرة من تقدم
_________________
(١) في (أ): من القتل والقتال.
(٢) في (أ): المعصومين.
(٣) أخرج الترمذى (٢١٦٨) في الفتن: باب في لزوم الجماعة، من حديث ابن عمر مرفوعًا: " إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة " وفيه سليمان بن سفيان وهو ضعيف، لكنْ له شاهد عند الحاكم ١/ ١١٦ بسند صحيح من حديث ابن عباس، وآخر عن أبي مالك الأشعري عند أبي داود (٤٢٥٣) وإسناده منقطع، وعند ابن أبي عاصم (٨٢) وفيه عنعنة الحسن، وسعيد بن زربي منكر الحديث، وثالث عن أنس بن مالك عند ابن أبي عاصم (٨٣) و(٨٤) وإسناده حسن في الشواهد، ورابع عن أبي مسعود موقوفًا عند ابن أبي عاصم (٨٥) بإسناد جيد، ورواه الطبراني أيضًا من طريقين إحداهما رجالها ثقات، كما قال الهيثمي في " المجمع " ٥/ ٢١٩، وانظر ما قاله السخاوي في " المقاصد " (٤٦٠) فإنه مهم.
(٤) أخرج أبو داود (٢٤٨٤) وأحمد ٤/ ٤٣٤ و٤٣٧ والحاكم ٤/ ٤٥٠ بإسناد صحيح عن عمران بن حصين مرفوعًا: " لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق، ظاهرين على من ناوأهم، حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال ".
(٥) أخرج البخاري (٦٥٢٨) ومسلم (٣٧٧) (٢٢١) من حديث عبد الله بن مسعود أنه قال: كنا مع النبي - ﷺ - في قبة فقال: " أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة "؟ قلنا: نعم، قال: " أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة "؟، قلنا: نعم، قال: " أترضون أن تكونوا شطر أهل الجنة "؟ قلنا: نعم، قال: " والذي نفس محمد بيده، إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة ".
(٦) أخرجه أبو نعيم في " الحلية " ٧/ ١٠١، وفي سنده ضعف، لكن الحديث الآتي بعده يشهد له.
[ ١ / ١٨٤ ]
من الأُمم عليهم، وقلَّتهم بالنظر اليهم. فأتقن طرق النقاد في حديث: " أمتي منهم ثمانون صَفًَّا " (١)، وحديث: " الثلاث الحَثَيَات، بعد السبعين ألفًا مع كُلِّ ألفٍ سبعون ألفًا " (٢). وحديث: " إنَّ ما بين مِصْرَاعينِ مِن باب واحد -من ثمانية أبواب- مِثْلُ ما بَيْنَ مكَّةَ وبُصرى " (٣).
عطاءً بغير حساب، ثم إنَّهم يتضاغطون عليه، حتى تكادُ مناكبُهم تزول، فتدبَّر هذا بالمعقول، إن كنت من أهل القبولِ، لِما صحَّ عن الرسول.
فابذلْ جهدَك في نُصحهم، والتأليف بين قلوبهم، وجمع كلمتهم، ولو بينَ اثنينِ منهم.
وتأمل قول الله تعالى حيثُ يقول: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى
_________________
(١) أخرج الترمذي (٢٥٤٦) وابن ماجه (٤٢٨٩) والدارمي ٢/ ٣٧٧ وأحمد ٥/ ٣٤٧ من حديث بريدة الأسلمي قال: قال رسول الله - ﷺ -: " أهل الجنة عشرون ومئة صف، ثمانون منها من هذه الأمة، وأربعون من سائر الأمم " وإسناده صحيح، ورواه أحمد ١/ ٤٥٣ وأبو يعلى ٢٤٩/ ٢ والبزار ١/ ٣٠٥ كالطبراني في " الكبير " (١٠٣٩٨) وفي " الصغير " ١/ ٣٤ وفي " الأوسط " (٤٨١) عن ابن مسعود، وله شواهد منها: عن أبي موسى عند الطبراني في " الأوسط " و" الكبير " وفي سنده سويد بن عبد العزيز، وآخر عن ابن عباس عند الطبراني في " الكبير " (١٠٦٨٢) وفيه خالد بن يزيد الدمشقي، وثالث من حديث معاوية بن حيدة عند الطبراني، وفيه حماد بن عيسى الجهني، وانظر " مجمع الزوائد " ١٠/ ٤٠٣.
(٢) لفظ الحديث بتمامه: " وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفًا لا حساب عليهم، ولا عذاب، مع كل ألفٍ سبعون ألفًا، وثلاث حثيات من حثيات ربي " أخرجه أحمد ٥/ ٢٦٨ والترمذي (٢٤٣٩) وابن ماجه (٤٢٨٦) وابن أبي عاصم (٥٨٩) عن أبي أمامة، وفي سنده إسماعيل بن عياش، وهو صدوق في روايته عن أهل بلده، وهذا منها، فهو صحيح، وله طريق آخر عند ابن أبي عاصم (٥٨٨) وأحمد ٥/ ٢٥٠ بسند صحيح، وفي الباب عن أبي هريرة عند أحمد ٢/ ٣٥٩ وعن أبي بكر عند أحمد أيضًا (٢٢) وفي سنده مجهول، وعن ثوبان عنده أيضًا ٥/ ٢٨٠ و٢٨١ والطبراني في " الكبير " (١٤١٣) وسنده حسن، وانظر " مجمع الزوائد " ١/ ٤٠٧ و٤١٠.
(٣) هو قطعة من حديث الشفاعة الطويل، رواه البخاري (٤٧١٢) ومسلم (١٩٤) وأحمد ٢/ ٤٣٥ والترمذي (٢٤٣٦) والبغوي (٤٣٣٢) من حديث أبي هريرة.
[ ١ / ١٨٥ ]
حديث افتراق الأمة والكلام عليه
بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]. وأمثالَها مِن كتاب الله تعالى، كما يأتي قريبًا. وقولَه في حَقِّ البُغاة: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠] وقولَ رسول الله - ﷺ - في حقِّهم أيضًا: " إنَّ ابْنِي هذَا سَيِّدٌَ، وَأرْجُو أنْ يُصْلحَ اللهُ بهِ بَيْنَ فِئَتيْنِ عَظِيمَتيْنِ مِنَ المُسْلِمِيْنَ " (١).
وإذا نقلتَ مذاهبَهم، فاتَّق الله في الغَلَطِ عليهم، ونسبةِ ما لم يقولوه إليهم، واستحضر عندَ كتابتك ما يبقى بعدَك: قولَه ﷿: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢].
وَلا تَكتُبْ بِكفِّكَ غَيْرَ شَيءٍ يَسُرُّك في القِيَامَةِ أنْ تَرَاهُ
واطَّرِحْ قوْلَ مَنْ كفَّرهم بغيرِ دليل شرعي متواترٍ قطعي، إن كنتَ ممن يسمع ويَعي، وحَقِّقِ النظر في شروطِ هذه الصورة، تَعْلَمْ أنها لا تكونُ إلا في المعلوم مِن الدين بالضرورة، كما سيأتي تحقيقُ ذلك، عند سلوكِ هذه المسالك، وإيَّاكَ والْاغَتِرَارَ بـ " كُلُّهَا هَالِكَةٌ، إلاَّ وَاحِدَةً " (٢) فإنها زيادةٌ فاسدة، غيرُ صحيحةِ القاعدة لا يُؤْمَنُ أن تكونَ مِن دسيسِ الملاحَدِة.
وعن ابن حزم (٣): أنها موضوعة، غير موقوفة ولا مرفوعة، وكذلك جميعُ ما ورد في ذم القَدَرِية والمرجئة والأشعرية، فإنها أحاديث ضعيفةٌ غيرُ
_________________
(١) رواه البخاري (٢٧٠٤) والترمذي (٣٧٧٥) وأبو داود (٤٦٦٢) والنسائي ٣/ ١٠٧ والبغوي (٣٩٣٤) وأحمد في " المسند " ٥/ ٣٧ و٤٩ وفي " فضائل الصحابة " (١٣٥٤) وعبد الرزاق في " المصنف " (٢٠٩٨١) والطبراني في " الكبير " (٢٥٨٨) من حديث أبي بكرة.
(٢) وللعلامة المقبلي ﵀ تنقيدٌ على كلام المؤلف هذا في كتابه " العَلَم الشامخ في إيثار الحق على الآباء والمشايخ " ص ٤١٤ فارجع إليه.
(٣) هو أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد الأندلسي المتوفى سنة (٤٥٦) هـ وهو صاحب " المحلى " و" الفِصَل " و" الأحكام " وغيرها من التواليف الجيدة.
[ ١ / ١٨٦ ]
تعمد الخطأ والقول فيه
قوية. ذكر ذلك الحافظُ زينُ الدين، أبو حفص، عُمَرُ بنُ بَدر المَوْصِلي (١) في كتابه: " المغني عن الحفظ من الكتاب، بقولهم: لم يصح شيء في هذا الباب " (٢). ونقل عنه الإمام الحافظ العلامة: ابن النحوي (٣) الشافعي، في كتاب له، اختصرَ فيه -كتاب الحافظ زين الدين- وفي كليهما نقلٌ عن المحدثين، حيث قالا بقولهم: " لم يصح شيءٌ في هذا الباب ". فالضمير في " قولهم " راجع إلى أهل الفن -بغير شك- وهما من أئِمَّة هذا الشأن، وفرسان هذا الميدان.
وأين هذه الأحاديث من الدليل الذي شرطناه، وأين هو من مُلاءمَةِ كتاب الله، وسنةِ رسول الله، عليه أفضلُ السلام والصلاة: قال الله سبحانه: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] وقال: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥] وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
وصح في تفسيرها: أن الله تعالى قال: " قد فعلت " من حديث
_________________
(١) المولود بالموصل سنة (٥٥٧) هـ، وله في الحديث والرجال مؤلفات تنبىء عن كونه عالمًا بهدا الفن منها: " الجمع بين الصحيحين " و" استنباط المعين في العلل والتاريخ لابن معين " وغيرهما، توفي بدمشق سنة (٦٢٢) هـ، " شذرات الذهب " ٥/ ١٠١.
(٢) ص ١٩، وقد طُبع في القاهرة سنة (١٣٤٢) هـ، بتعليق العلامة المتفنن الشيخ محمد الخضر حسين ﵀، وهو ملخص من " موضوعات " ابن الجوزي، وللعلماء عليه وعلى أصله الذي أخذه منه مؤاخذات وتنقيدات، وقد تعقبه السيد حسام الدين القدسي، في كتاب سماه " انتقاد المغني وبيان أنْ لا غنى عن الحفظ والكتاب " طبع في مطبعة الترقي وقدم له العلامة الشيخ الكوثري ﵀ بدمشق سنة (١٣٤٣) هـ.
(٣) هو عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي، المعروف بابن الملقن، من أكابر العلماء، توفي سنة (٨٠٤) هـ، " ذيل تذكرة الحفاظ " (١٩٧ و٣٦٩) و" الضوء اللامع " ٦/ ١٠٠.
[ ١ / ١٨٧ ]
ابن عباس (١)، ومِن حديث أبي هريرة (٢)؛ ولفظ أبي هريرة قال: " نعم "، والأول: لفظ ابن عباس. خَرَّجهما مسلم، وخرج الترمذي: حديثَ ابنِ عباس، وأشار إلى حديثِ أبي هريرة. وسيأتي الكلامُ على طرقهما -إن شاء الله تعالى- في مسألة الأفعال.
وقال في قتل المؤمن، مع التغليظ فيه: ﴿وَما كَانَ لِمؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًَا إلا خَطَئًا ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ يقْتُلْ مُؤْمِنًَا مُتَعَمِّدًا ﴾ [النساء: ٩٢ - ٩٣] وقال تعالى في قتلِ الصيد: ﴿فَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا ﴾ [المائدة: ٩٥].
وممَّا يُقارِبُ هذه الآياتِ، ويشهد لمعناها: قولُه تعالى: ﴿لا يُكلِّفُ اللهُ نفْسًَا إلا وُسْعَها ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وفي آية: ﴿لا نُكَلِّف نفسًا ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، بالنون. وفي آية: ﴿إلا ما آتاها﴾ [الطلاق: ٧]، وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقوله: ﴿وَمَا جَعَل عَلَيْكُم في الدِّين مِن حَرَجٍ ﴾ [الحج: ٧٨]. وإلاحتراز مما دَقَّ وتَعَسَّر، ليس في وُسْعِ أكثرِ البشر.
وأما قولُه تعالى: ﴿أن تَحْبَطَ أعمالُكم وأنتُم لا تشْعُرُون﴾ [الحجرات: ٢] فالظاهر أن التقدير: لا تشعرون بإحباطها، لا بالذَّنْب
_________________
(١) رواه مسلم (١٢٦) وأحمد ١/ ٢٣٣ والحاكم ٢/ ٢٨٦ والترمذي (٢٩٩٢) وابن جرير (٦٤٥٧) وذكره السيوطي في " الدر المنثور " ١/ ٣٧٤ وزاد نسبته للنسائي وابن المنذر والبيهقي في " الأسماء والصفات ".
(٢) رواه مسلم (١٢٥) وأحمد ٢/ ٤١٢ وابن جرير (٦٤٥٦) والبيهقي في " الشعب " ١/ ٢٢١ وذكره السيوطي في الدر ١/ ٣٧٤ وزاد نسبته لأبي داود في " ناسخه " وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
[ ١ / ١٨٨ ]
في فِعكلم، لأن المفعولَ إذا حُذف، قُدِّر من جنس الفعل المذكور، والفعل المذكور -هنا- قولُه: أن تحبط. فافهم ذلك.
وأما رسولُ الله، عليه أَفْضُلُ السَّلام والصلاة، فإنَّه شرع بينَ المسلمين المؤاخاة، وغلَّظ في المهاجرة والمنافاة، والتكفير والمعاداة، فَكَفَّرَ مَنْ كَفَّرَ أخاه.
فرحم اللهُ من اعتبر، وأَنصف في النظر، والرحمةُ -إن شاء الله- إلى مَنْ بذل الجهْدَ حين تعثَّر، فيما وجب من دقائق النظر أقربُ منها إلى مَنْ أفطر أو قَصَّر، لمشقة السَّفر.
فَمِنَ البعيدِ أَن يُسمح لهذا أَمر مقدور، ويكون ذاك فيما يقدر عليه غيرَ معذور. وقد بشر (١) رسولُ الله - ﷺ -، فيما ثبت في " الصحيحين " (٢) بالمغفرة في كل خميس واثنين لجميع أهل الشهادثين، إلا المتهاجِرين.
وقالَ: " بِحَسْبِ امْرىءٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَحْقِرَ أخَاهُ " (٣). حيث كان لا يعلم ما أَخفي قلبُه من تقواه، فإن التفاوت العظيم هو في تقوى القلب الذي لا يراه.
وأَيَّدَ ما ورد من العفو عن المخطىء منهم: ما صححه غيرُ واحد مِن أَئمةِ الرواة.
_________________
(١) في (أ): نبه.
(٢) أخرجه من حديث أبي هريرة مسلمٌ (٢٥٦٥) والترمذي (٢٠٢٣) وأحمد ٢/ ٣٢٩ وابن ماجه (١٧٤٠) ومالك ٢/ ٩٠٨، ولم يخرجه البخاري في " صحيحه " إنما أخرجه في " الأدب المفرد " (٤١١).
(٣) رواه مسلم (٢٥٦٤) وأبو داود (٤٨٨٢) والترمذي (١٩٢٧) وابن ماجه (٤٢١٣) من حديث أبي هريرة.
[ ١ / ١٨٩ ]
الكذب على النبي - ﷺ - متعمدا، وجزاؤه
فمِن المتواترات في ذلك، حديثُ: "منْ كذَبَ عَليَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتبؤَّأْ مَقْعدهُ من النَّارِ" (١). فشَرَط التعمد في الكذب عليه، الذي هو أعظمُ المفاسد، وإحدى الكبائر.
وهذا الحديثُ - قال زينُ الدين في كتابه في " علوم الحديث " (٢):
رواه بعضُ المحدثين، عن نيف وأربعين مِن الصحابة، فيهم العشرةُ ﵃. وبعضُهم عن نيف وستين، وصَنَّف المزِّي (٣) في طُرُقهِ: جزئين، فرواه عن مئة صحابي واثنين. وروي عن بعض المحدثين: أنَّه رواه مئتان من الصحابة.
وعلى الجملة إنه متواتر، وبعدَ التواتر يستوي كَثْرَة العدد وقِلَّتُه، إذ
_________________
(١) رواه البخاري (١٠٨) ومسلم (٥) عن أنس، ورواه غيرهما عن الجم الغفير من الصحابة رضوان الله عليهم، وليراجع تخريجه في " الجامع الصغير " للسيوطي و" نظم المتناثر " ومقدمة " الموضوعات الكبرى " لعلي القاري.
(٢) الموسوم بـ " شرح الألفيه " ٢/ ٢٧٥ - ٢٧٧، وزاد بعد قوله: رواه مئتان من الصحابة قوله: وأنا أستبعد وقوع ذلك، وزين الدين لقبٌ للحافظ العراقي، واسمه: عبد الرحيم بن الحسين، توفي سنة ٨٠٦ هـ، وله في المصطلح أيضًا " التقييد والإيضاح لما أطلق وأغلق من مقدمة ابن الصلاح "، وهو صاحب " المغني " في تخريج أحاديث " إحياء علوم الدين " ويجب على كل من يقرأ كتاب " الإحياء " أن ينظر في تخريج الحافظ العراقي هذا، فإن في الإحياء كثيرًا من الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وما لا أصل له.
(٣) هو الإمام الحافظ النقاد جمال الدين أبو الحجاج يوسف بن الزكي عبد الرحمن بن يوسف القضاعي ثم الكلبي الدمشقي المزي صاحب التواليف العظيمة في الرجال والحديث المتوفى سنة (٧٤٢) هـ، وقد باشرت مؤسسة الرسالة بطبع كتابه الموعب في تراجم رجال الكتب الستة المسمى بـ " تهذيب الكمال " وقد صدر منه أربعة مجلدات، بتحقيق الدكتور بشار عواد، وبمراجعتي وتخريج أحاديثه والنية متجهة إلى إخراج بقية الأجزاء تباعًا بأسرع وقت، يَسَّر الله الأسباب وأزال العوائق، وكتابه العظيم " تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف " قد تمَّ طبعُه بثلاثة عشر مجلدًا بإشراف الأستاذ الفاضل عبد الصمد شرف الدين، وقد جوده غاية التجويد، ويسره للباحثين وطلبة العلم، فجزاه الله خيرًا.
[ ١ / ١٩٠ ]
العلمُ الضروري لا تتفاوت قوته (١).
وَمِن ذلك حديثُ زيدِ بن ثابت (٢) مرفوعًا: " اللهُمَّ ما صلَّيتُ منْ صلاة، فعلى مَنْ صَلَّيْتُ، وما لَعنْتُ مِنْ لعْنةٍ، فَعلى منْ لعَنْتُ " (٣). مختصر من حديث فيه طول رواه أَحمد والحاكم. وهذا يَدُلّ على قبولِ هذه النية، ممن نواها فأخطأ، والله أَعلم.
وَمِن أَحسن ما يُحتج به في ذلك: حديثُ الذي أوصى أن يُحْرَقَ، ثم يُسْحَقَ، ثم يُذرى في البحر والبَرِّ، فإن الله إن قدَر عليه، عَذبَه عذابًا لا يُعذِّبُه أحدًا من العالمين. والحديث متواتر (٤)، وقد أدركته الرحمةُ مع جهله بقدرة اللهِ، وشكِّهِ في المعاد بخوفه (٥) وتأويله.
_________________
(١) الفقرة من قوله: وعلى الجملة .. إلى قوله: لا تتفاوت قوته. كانت في الأصل بعد قوله: والله أعلم. فنقلناها إلى هنا، لأنها ذات صلة بحديث: " من كذب عليَّ متعمدًا " المتواتر.
(٢) في (أ) و(ب): زيد بن أرقم، وهو خطأ، والصواب ما أثبتنا.
(٣) أخرجه أحمد ٥/ ١٩١ والحاكم ١/ ٥١٧ والطبراني في " الكبير " (٤٨٠٣) من طريق أبي المغيرة عن أبي بكر بن أبي مريم عن ضمرة بن حبيب عن أبي الدرداء عن زيد بن ثابت، وصححه الحاكم فتعقبه الذهبي بقوله: أبو بكر ضعيف، فأين الصحة؟ وفي " التقريب ": ضعيف، كان قد سرق بيته فاختلط، ورواه الطبراني في " الكبير " (٤٩٣٢) من طريق عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح به، وعبد الله بن صالح هو كاتب الليث، سيىء الحفظ، وباقي رجاله ثقات.
(٤) رواه من حديث أبي سعيد الخدريِّ البخاريِّ (٣٤٧٨) و(٦٤٨١) و(٧٥٠٨) ومسلم (٢٧٥٧) وأحمد ٣/ ١٣ و١٧ و٦٩ و٧٧، ورواه من حديث حذيفة البخاريُّ (٣٤٥١) و(٦٤٨٠) وأحمد ٥/ ٣٩٥، ورواه من حديث أبي هريرة أحمدُ ٢/ ٢٦٩ و٣٤٠ ومالك ١/ ٢٤٠ ومسلم (٢٧٥٦) والنسائي ٤/ ١١٢، ١١٣ وابن ماجه (٤٢٥٥) والبغوي (٤١٨٣) و(٤١٨٤)، وأخرجه من حديث ابن مسعود أحمد ١/ ٣٩٨ وأخرجه من حديث أبي مسعود الأنصاري أحمدُ ٤/ ١١٨ و٥/ ٣٨٣، وهو في " المسند " ٥/ ٤٠٧ من حديث حذيفة وأبي مسعود معًا، وأخرجه من حديث معاوية بن حيدة أحمدُ ٤/ ٤٤٧ و٥/ ٣، ٤ والدارمي ٢/ ٣٣٠.
(٥) في (أ): لخوفه.
[ ١ / ١٩١ ]
بحث في تخريج حديث العفو عن الخطأ والنسيان، وإيراد وتحرير ألفاظه
واتفقوا على تصحيح: " إنَّ الله تجاوزَ لُأمتي ما حدَّثت به أَنْفُسَها، ما لم يعملوا به، أَو يتكلَّمُوا " من حديث أبي هريرة، وعائشة (١). فما لم يعلموه، ولم يتعمَّدُوه أولى.
وكذلك اتفقوا على صحة حديث: " فلم يعنف أَحدًا مِنَ الطائفتين " وقد أَخطأت إحداهُما في صلاة العصر -التي مَنْ فاتته حَبطَ عملُه- رواه البخاري (٢).
ومن المشهور في ذلك: قولُه - ﷺ -: " إنَّ الله تجاوزَ لي عن أُمَّتِي الخطأَ والنسيانَ وما استُكرِهُوا عليه ". وله طرقٌ كثيرة، عرفتُ منها سَبعًا:
الطريقُ الأولى: عن ابن عباس ﵄. رواه ابن حبان في " صحيحه " والحاكم في " مستدركه " وقال: على شرط الشيخين،
_________________
(١) رواه من حديث أبي هريرة البخاريُّ (٢٥٢٨) و(٥٢٦٩) و(٦٦٦٤) ومسلم (١٢٧) والترمذي (١١٨٣) وأبو داود (٢٢٠٩) والنسائي ٦/ ١٥٦، ١٥٧ وابن ماجه (٢٠٤٤) وأحمد ٢/ ٤٢٥ و٤٧٤ و٤٨١ و٤٩١ و٢٥٥ و٣٩٣، ورواه من حديث عائشةَ العقيليُّ في " الضعفاء " كما في " الجامع الكبير " (١/ ١٦٤)، ورواه الطبراني في " الكبير " عن عمران بن حصين ١٨/ ٣١٦ وأورده الهيثمي في " المجمع " ٦/ ٢٥٠ ونسبه للطبراني وقال: فيه المسعودي، وقد اختلط وبقية رجاله رجال الصحيح.
(٢) رواه البخاري (٩٦٤) و(٤١١٩) وهو في صحيح مسلم " (١٧٧٠) ولفظه عند البخاري عن ابن عمر قال: قال النبي - ﷺ - لنا لما رجع من الأحزاب: " لا يصلين أحدٌ العصر إلا في بني قريظة " فأدرك بعضَهم العصرُ في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلى حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي، لم يُرَد منا ذلك. فَذُكر للنبي - ﷺ - فلم يعنف واحدًا منهم، وقوله: " لا يصلين أحدٌ العصر " في رواية مسلم: " الظهر " ورجَّح الحافظُ في " الفتح " ٧/ ٤٠٨ و٤٠٩ روايةَ البخاري. والجملة المعترضة التي ذكرها المصنف ضمن الحديث، وهي " من فاتته حبط عمله " هي جزء من حديث رواه البخاري (٥٥٣) و(٥٩٤) وأحمد ٥/ ٣٤٩ و٣٥٠ و٣٥٧ و٣٦٠ والنسائي ١/ ٢٣٦ والبغوي (٣٦٩) والبيهقي ١/ ٤٤٤ من حديث بريدة مرفوعًا: " من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله ".
[ ١ / ١٩٢ ]
وابن ماجه في " سننه "، والدارقطني، والبيهقي، والطبراني (١).
قال البيهقي: جود إسناده بِشرُ بنُ بكر، وهو من الثقات ولفظها: " إن اللهَ تجاوزَ عن أُمَّتي، الخطأَ والنسيانَ .. " الحديث - لا رفع ولا وضع، فاعرف ذلك.
وهذه روايةُ بشر بن بكر عن الأوزاعي، وروايةُ الوليد بن مسلم عنه بلفظ: " الوضع "، وقد رجح البيهقي والطبراني: رواية بشر.
الطريق الثانية: عن عبد اللهِ بن عمر ﵄ بمثله، رواه العُقيلي، والبيهقي، وقال الحاكم: صحيح غريب (٢).
الطريق الثالثة: عن عُقبة بنِ عامرٍ، وفي إسناده: ابنُ لَهيعة، وهو ممن يُسْتَشْهَدُ بحديثه (٣).
_________________
(١) رواه ابن ماجة (٢٠٤٥) من طريق الوليد بن مسلم: حدثنا الأوزاعي، عن عطاء، عن ابن عباس، قال البوصيري في " الزوائد " ورقة ١٣١: هذا إسناده صحيح إن سلم من الانقطاع، والظاهر أنه منقطع، قال المزي في " الأطراف " رواه بشر بن بكر التنيسي عن الأوزاعي عن عطاء عن عبيد بن عمير عن ابن عباس، وليس ببعيد أن يكون السقط من صنعة الوليد بن مسلم فإنه كان يدلس تدليس التسوية، ورواية بشر بن بكر التنسيي المتصلة أخرجها بن حبان في "صحيحه" (١٤٩٨) والحاكم في "المستدرك " ٢/ ١٩٨ وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي " ورواه البيهقي ٧/ ٣٥٦ والطبراني في " الصغير " ١/ ٢٧ والدارقطني ص ٤٩٧، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٢/ ٥٦.
(٢) هو في الضعفاء للعقيلي، في ترجمة محمد بن المصفي لوحة: ٤٠٢، وفي الحلية لأبي نعيم: ٦/ ٣٥٢، وأعله غير واحد بمحمد بن المصفي، وفي " التقريب ": صدوق له أوهام، وكان يدلس.
(٣) رواه البيهقي ٧/ ٣٥٧ من طريق يعقوب بن سفيان: حدثنا محمد بن المصفي، حدثنا الوليد، حدثنا ابن لهيعة، عن موسى بن وردان، عن عقبة بن عامر، وانظر " تلخيص الحبير " ١/ ٢٨٢ وقول المصنف في ابن لهيعة: وهو ممن يستشهد بحديثه. أي: أنه لين إذا انفرد، وذلك أنه احترقت كتبه، فَسَاءَ حفظُه فضعف بسبب ذلك، وإذا روى عنه أحد العبادلة وهم: =
[ ١ / ١٩٣ ]
الطريق الرابعة: عن أبي ذر (١)، وليس في إسنادِه إلا شهرُ بن حَوْشَبه. والصحيح: توثيقُه.
وقال ابنُ النحوى في " البدر المنير " (٢): " تركوه " فأخطأ، بل قوَّى أمرَهُ: البخاري، وابن معين، ويعقوب بن شيبة، وأحمد بن حنبل، وأحمد بن عبد الله العِجلي، والفسوي (٣)، وأبو حاتِم، وأبو زُرعة. ولم يحتجَّ من جَرحَه بما يقوم بمثله حُجَّةٌ، وأكثر ما قيل فيه: شيء مستند إلى رواية " عبَّاد بن منصور " (٤) وهو متكلَّم فيه أكثر من شهر، ومخالف لشهر في الاعتقاد، وذلك مِن موجبات العداوة والتُّهمة، فلا تُقْبلُ عليه خصوصًا في حقِّ القدماء، وحَدُّهم: رأس ثلاث مئة سنة. وهو من رجال السنن الأربع، ومسلم متابعة.
_________________
(١) = عبد الله بن وهب، وعبد الله بن يزيد المقرىء، وعبد الله بن المبارك، فحديثه صحيح، لأنهم رووا عنه قبل احتراق كتبه.
(٢) رواه ابن ماجه (٢٠٤٣) من طريق أيوب بن سويد حدثنا أبو بكر الهذلي عن شهر بن حوشب عن أبي ذر، وأبو بكر الهذلي متروك الحديث كما في " التقريب "، وقال البوصيري في " زوائده " ورقة ١٣١: هذا إسناد ضعيف لاتِّفَاقِهم على ضعف أبي بكر الهذلي، فقول المصنف: وليس في إسناده إلا شهر بن حوشب. فيه ما فيه، على أن شهرًا لا يرقى إلى درجة التوثيق، وإنما يصلح حديثه للاستشهاد والاعتضاد.
(٣) وهو كتاب كبير يقع في سبع مجلدات، خرَّج فيه أحاديث كتاب " فتح العزيز شرح الوجيز " للإمام أبي القاسم الرافعي، وقد لخصه الحافظ ابن حجر في قدر ثلث حجمه مع الالتزام بتحصيل مقاصده، وأضاف إليه فوائد وزوائد من كتب أخرى، وأسماه " التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير " وقد طبع هذا التلخيص في مجلد واحد في الهند، ثم طبع في المدينة المنورة بعناية عبد الله هاشم اليماني المدني سنة ١٩٦٤ هـ، وهو بحاجة إلى تحقيق جديد متين يناسب مكانة المؤلف وقيمة الكتاب.
(٤) هو يعقوب في سفيان، ونص كلامه في تاريخه ٢/ ٤٢٦: وشهر بن حوشب وإن قال ابن عون: إن شهرًا قد تركوه، فهو ثقة.
(٥) في " ميزان الذهبي " ٢/ ٢٨٤ و" تهذيب ابن حجر " ٤/ ٣٧٢: قال يحيى القطان عن عباد بن منصور: حججت مع شهر بن حوشب فسرق عيبتي.
[ ١ / ١٩٤ ]
وقد ضعفه النَّسائي، وشُعبة، بألفاظ تقتضي أنه حسنُ الحديث، ولم يَقُل: إنهم تركوه، إلا ابنُ عون وحده، وذلك مردودٌ عليه. فإذا كان مثلُ أحمدَ والبخاري وسائر مَنْ ذكرنا يُقوونه، فَمَنِ النَّاسُ في هذا العلم بَعْدَهُم؟! ومن الذين (١) يعودُ الضميرُ في " تركوه " إليهم؟!
الطريق الخامسة: عن أم الدرداء [عن أبي الدرداء] (٢)، وفيها شهرٌ أيضًا (٣).
الطريق السادسة: عن ثوبان، رواه الطبراني (٤) وفيها " يزيد بن ربيعة الرَّحبي الدمشقي " قال البخاري: أحاديثه مناكير، وقال النسائي: متروك، لكن قال ابن عدي: أَرجو أنه لا بأْسَ به.
وقال أَبو مُسْهِر، كان فقيها لا يُتهم، ولكن أَخشى عليه سوءَ الحفظِ والوهم، فحديثُ مِثْلِ هذا مما يُسْتَشْهَدُ به، ويقوى مع غيره، وإن لم يُحْتَجُّ به منفردًا.
وقد اقتصر في " البدر المنير " على ذِكر جَرْحِه، فما أَنْضفَ.
الطريق السابعة: عن الحسن البصري مرسلًا، ومسندًا (٥).
_________________
(١) في (ب): الذي.
(٢) سقطت من (أ) و(ب).
(٣) رواه الطبراني من طريق إسماعيل بن عياش عن أبي بكر الهذلي عن شهر بن حوشب عن أم الدرداء عن أبي الدرداء، وأبو بكر الهذلي متروك كما تقدم.
(٤) رقم (١٤٣٠).
(٥) رواه ابن عدي في " الكامل " ٢/ ٥٧٣ من طريق جعفر بن جسر بن فرقد: حدثني أبي عن الحسن عن أبي بكرة مرفوعًا، رفع الله عن هذه الأمة ثلاثًا: الخطأ والنسيان والأمر يُكرهون عليه، وعده ابن عدي من منكرات جعفر هذا، قال: ولم أر للمتكلمين في الرجال فيه قولًا، ولا أدري لم غفلوا عنه، ولعله إنما هو من قِبَل أبيه، فإن أباه =
[ ١ / ١٩٥ ]
فالمرسل: صحيح عنه، رواه أَحمد بن حنبل، وسعيد بن منصور، وابن الجوزي في " تحقيقه ".
واستنكر أحمد رَفْعه في هذا الطريق، حتى قال: كَأنَّهُ موضوع.
قلت: كأَنَّهُ عنى بالرفع هنا الإسناد، وهو خلاف عُرْف المحدثين.
ورواه عن الحسن، مسندًا موصولًا بأبي بكرة، مرفوعًا إلى النبي - ﷺ -: جعفرُ بن جسر بن فَرْقَد عن أبيه، وهما ضعيفان. قال ابنُ عدي: البلاءُ فيه منْ جعفر، لا مِنْ جسر.
وجاءَ في هذه الطريق " لفظُ الرفع "، وهي ضعيفة، وتقدَّم أَن رواية " الوضع " أيضًا مُعَلَّة مَرْجُوحة.
وإنما الصحيحُ ما تقدم، وهو لفظ " التجاوز " دونَهما، كما مضى على ذلك ابن النحوي لِكثرةِ غلط الأكثرين في ذلك. وذَكر أَن النواويَّ حسَّنه في " الروضة " (١) في الطلاق بهذا اللفظ. وليس كذلك (٢). قلت: وكذلك الأُصوليون، قد رووه بلفظ: " رُفع عن أُمتي ". وبَنَوْا على هذه اللفظة خلافًا: المرفوعُ ما يكون تقديره؟ لأن نفس الخطأ والنسيان والإكراه غيرُ مرفوع بالضرورة.
_________________
(١) = قد تكلم فيه بعض من تقدم لأني لم أر جعفرًا يروي عن غير ابيه. وانظر، " التلخيص الحبير " ١/ ٢٢٨.
(٢) " روضة الطالبين " ٨/ ١٩٣، بتحقيقي مع الزميل الشيخ عبد القادر الأرنؤوط، طبع المكتب الإسلامي.
(٣) " الروضة " كتاب الطلاق، ٨/ ١٩٣ ونصه: " قلت: قد رجح الرافعي في كتابه " المحرر " أيضًا عدم الحنث في الطلاق واليمين جميعًا، وهو المختار، للحديث الحسن: " رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه ".
[ ١ / ١٩٦ ]
فمنهم من قال: يكون مجملًا.
ومنهم من قال: يقدر أعم الأشياء، لأن تقدير غيره تخصيص بلا دليل، وذلك تحَكُّم، فيقدر: أن المرفوعَ حُكمُ هذه الأشياء، فَيَعُمُّ أحكامَ الدنيا والآخرة، إلا ما خصه الدليل.
ومنهم: مَنْ خَصَّه بأحكام الآخرة لِكثرة مخصّصاته في أحكامِ الدنيا في الجِنايات ونحوِها. وهو الصحيح في نظير هذه المسألة عندهم، وهما متقاربان. ولكنَّهم فرقوا بينهما في الكلام عليهما: بأنه إن ثبت عُرْفٌ يسْبِقُ الفهمُ إليه، تَعَين، مثل: تحريم الميتة والأمهات والحرير، فإن الفهم يسبِقُ إلى أن المحرَّم من الميتة: أَكْلُها، ومِنَ الأُم: نكاحُها، ومن الحرير: لباسُه، ونحو ذلك، وإن لم يَثْبُت عُرْفٌ، لزم التعميمُ، لأنه السابق إلى الأفهام حينئذ. والله أعلم.
ويقوي صحة هذا الحديث -مع ما تقدم من مفهومات كتاب الله، وصحيح السُّنن- ما رواه الحاكمُ، في تفسير سورة التكاثر، من " المستدرك "، فقال: " حدثنا أبو العباس محمدُ بنُ يعقوب، حدثنا محمد بنُ سِنان القزَّاز، حدثنا محمد بن بكر البرساني، حدثنا جعفرُ بن برْقان، قال: سمعتُ يزيدَ بن الأصم، يُحَدِّث عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: " ما أخشى عليكم الفقْرَ، ولكن أخشى عليكم التَّكَاثُرَ، وما أخشى عليكم الخطأَ، ولكن أخشى عليكم التعمد " (١). ثم قال: وهذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه.
_________________
(١) رواه الحاكم ٢/ ٥٣٤، وأحمد ٢/ ٣٠٨ و٥٣٩ وصححه ابن حبان (٢٤٨٩) وذكره الهيثمي في " المجمع " ٣/ ١٢١ و١٠/ ٢٣٦ وقال في الموضعين: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. وإسناده صحيح.
[ ١ / ١٩٧ ]
الكلام على الخوارج وما ورد فيهم
قلت: ولم يذكر المزي في ترجمة: يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة، أحدًا من الستة أخرجه.
وروى أحمد في " المسند "، من حديث مَعْقِل بنِ يسار، قال: أمرني النبي - ﷺ - أَن أقضيَ بين قوم، فقلتُ: ما أحْسِنُ أن أقضِيَ يا رسولَ الله، قال: " الله مع القاضي ما لم يَحِفْ عمدًا " (١). إسناده عندي حسن. والله أعلم.
وينبني على هذا مسألة، وهي أنه قد ثبت بالتواتر الأمْرُ بحَرْبِ " الخوارج " وذمِّهم، وتأثيمهم، وتسميتهم: موارق من الإسلام (٢).
فَمَن أخرجهم مِن الإسلام، ومِن الأُمة؛ لم يحتج إلى كلام، ولم يتعارض عنده الأمران، وكذلك: من لم يسلِّم أنهم مِن أَهل الخطأ، وجوز أنهم عاندوا، ولو في بعض الأوقات، واعْتَقَدَ أن تنْزِيهَهُم من ذلك، دعوى لعلم الغيب، وبناء على تصديقهم فيما أظهروه، وهو مُحَرَّمٌ ممنوعٌ شرعًا. فكل كافر يَدَّعي ذلك، وعلام الغيوب يُكذِّبهُم. وهذا قوي جدًا.
وَمنْ أدخلهم في الأُمة، وكفَّرَهم، خَصَّصَ رواية الرفع في الحديث -قطعًا- في الدنيا والآخرة، لكنَّها لم تصح، لكونها معللة مَرْجُوحة -كما تقدم في طريق ابن عباس- ولا شكَّ أن رواية التجاوز: أَصَحُّها، لأنها من (٣) طريق بِشر بنِ بكر، عن ابن عباس. وإسناد حديثه أَصَحُّها، ثم هي مطابقة للقرآن في الدلالة على أن المراد أحكامُ الآخِرة،
_________________
(١) رواه أحمد في " مسنده " ٥/ ٢٦، وإسناده حسن كما قال المصنف.
(٢) انظر هذه الصفات كلها في " صحيح مسلم " ٢/ ٧٤٦ - ٧٥٠.
(٣) في (أ) و(ب): في.
[ ١ / ١٩٨ ]
وذلك أَن لفظ كتاب الله تعالى: ﴿لا جُنَاحَ عليكم﴾ [البقرة: ٢٣٦] كما تقدم بيانه. والجُناح: هو الإثم في اللغة. وكذا قوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] في كون شرط التعمد، حيث ورد. وإنما وَرد قيدًا في الوعيد، وهذه أصرحُ الآيات، وبقية الآيات كالشواهد لها، ثم هو القَدَرُ المتحقق.
وتخصيصُ -هؤلاء الخوارج- بعدم العفو في الآخرة، مثلُ تخصيص المخطىء من اليهود والنصارى.
والوجه فيه أن الله تعالى أقام عليهم الحُجَّة، وعَلِمَ منهم التعمد -ولو في بعض الأوقات-: إما في الابتداء، ثم عاقبهم، وسلبهم الطاقة، كقوله: ﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠]، وإما في أثناء المناظرة والنظر، يدُلُّ على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآَيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: ١٩]. وقوله: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة: ١٤ - ١٥] وقوله -في بعضهم، بعد ذكر الآيات-: ﴿جَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]. وقوله -في آخرين-: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]. قُرِىءَ: " يكذبونك " بالتشديد والتخفيف معًا (١).
_________________
(١) قرأ نافع والكسائي: ﴿يكْذبُونك﴾ بالتخفيف وتسكين الكاف، والمعنى: لا يُلْفُونَكَ كاذبًا، أو لا يُكَذِّبون الشيء الذي جئت به، إنما يجحدون آيات الله ويتعرضون لعقوباته، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة وابن عامر: ﴿يُكذِّبُونَكَ﴾ بالتشديد وفتح الكاف، قال ابن عباس: لا يسمونك كذابًا، ولكنهم ينكرون آيات الله بألسنتهم، وقلوبهم موقنة أنها من عند الله، انظر " حجة القراءات " ٢٤٦ - ٢٤٩ و" زاد المسير " ٣/ ٢٨ - ٣٠.
[ ١ / ١٩٩ ]
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ١٤٤].
وأما مفهومُ قوله تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٧٥]. فلأن التحريفَ شأنُ بعضهم -بغير شك-، ولَيْس كلُّ متعمدٍ للكفر -من العوام والبُلداء- يُحسنُ (١) ما يخفي من ذلك، وخصوصًاَ وذنب الخوارج قَتْلُ المؤمنين، واستحلالهم وتكفيرُهم. وكل ذلك مغَلَّظ في الشرع، ولا (٢) يُقاس عليه غيرُه، كما يأتي بيانهُ، في مسألة الوعيد، في آخر الكتاب.
وأما قوله في أهل الكتاب: ﴿بل أكثرُهم لا يؤمنون﴾ [البقرة: ١٠٠] وقوله تعالى: ﴿نبذ فريقٌ من الذين أُوتوا الكتاب كتاب اللهِ وراءَ ظهورِهم كأنَّهم لا يعلمون﴾ [البقرة: ١٠١]، ونحوها فلأنه قد آمن منهم أمة، كما قال تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الكتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ [آل عمران: ١١٣].
وإما (٣) بإعراضهم عن الرجوع إلى كتاب الله، وتدبره -كما أمر سبحانه-.
وبالجملة: فقد قال الله تعالى: ﴿ومن يَعْشُ عنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ
_________________
(١) في (ب): يُحِسُّ.
(٢) سقطت " لا " من: " ب " ..
(٣) في هامش (أ) ما نصه: هذا عطف على قوله: إما في الابتداء وإما في أثناء المناظرة. من خط المصنف ﵀.
[ ١ / ٢٠٠ ]
كلام المصنف عن نفسه
نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فهُوَ لهُ قرينٌ﴾ [الزُخرف: ٣٦] فنعوذ بالله من اتخاذه ظِهريًا، وتركه نَسْيًا مَنْسيًا.
والجواب: على مَنْ سأَلَ هذا السؤالَ (١) كجواب موسى على فرعون، حيث قال: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥١ - ٥٢].
وسيأتي في الكتاب شروطُ القطع بالتكفير والتفسيق. وإنما ذكرتُ هذه النُّبذةَ اليسيرة في المقدمة، لأنها معظمُ مقاصد الكتاب.
وبَعْدُ: فإني ما زِلْتُ مشغوفًا بِدرْك الحقائق مشغولًا بطلب المعارف، مُؤثِرًا الطلب لملازمة الأكابر، ومطالعةِ الدَّفاتر، والبحثِ عن حقائق مذاهب المخالفين، والتَّفتيشِ عن تلخيص أَعذارِ الغالطين، مُحسِّنًا في ذلك للنِّيَّة، متحرِّيًا فيه لطريق الإنصاف السَّوية، متضرعًا إلى اللهِ تَضَرُّعَ مضطرٍ محتار (٢)، غريقٍ في بحار الأَنْظار، طريح في مهاوي الأفكار، قد وهبتُ أيامَ شبابي وَلَذَّاتي، وزمان اكتسابي ونشاطي، لِكُدُورةِ علمِ الكلام والجِدال، والنَّظرِ فىِ مقالاتِ أهل الضَّلال، حتى عرفتُ صحةَ قولِ مَنْ قَالَ:
لَقَدْ طُفْتُ في تِلْكَ المعَاهِدِ كُلِّها وسيَّرْتُ طَرْفي بينَ تِلْكَ المعالم
فلم أرَ إلّا وَاضِعَا كفَّ حَائِرٍ على ذَقَنٍ أو قارِعًا سِنَّ نادم (٣)
_________________
(١) في هامش (أ) ما نصه: يعني مَن قال: ما الوجه في تخصيص بعض المبتدعة بتواتر عدم العفو عنهم، كالخوارج، فقد تواتر النص عليهم. من خط المؤلف ﵀.
(٢) الجادة أن يقال: حائر، إلا أن السجع هو الذي حمل المصنف على ارتكاب هذا الخطأ.
(٣) في ترجمة ابن سينا من " وفيات الأعيان " ٢/ ١٦١: وينسب إليه البيتان اللذان =
[ ١ / ٢٠١ ]
وبسبب إيثاري لذلك، وسلوكي تلك المسالك، أنَّ أولَ ما قرعَ سمعي، ورسخَ في طَبْعِي: وجوبُ النظرِ والقول بأن من قلَّدَ في الاعتقاد، فقد كفر، فاستغرقت في ذلك حدَّةَ نظري، وباكورةَ عمري، وما زلت أرى كُل فرقة من المتكلمين تُداوي أقوالًا مريضة، وتُقَوِّي أجنحة مهيضة، فلَمْ أحْصِّل على طائل، وَتَمَثلْت فيهم بقول القائل:
كُل يُدَاوِي سَقِيمًا مِن مَقَالَتِهِ فَمنْ لَنَا بِصَحِيحِ مَا بِهِ سَقَمُ
فرجعت إلى كتاب الله، وسُنةِ رسول الله - ﷺ -. وقلت: لا بد أن يكون فيها بَراهِينُ، وردُود على مخالفي الإسلام، وتعليم وإرشاد لمن اتَّبَعَ الرسولَ -عليه أفضلُ الصلاة والسلام-.
فتدبرتُ ذلك، فوجدت الشِّفاءَ كُله: دِقه وجِله، وانشرحَ صدري، وَصَلُحَ أمري، وزال ما كنت به مُبتلى، وانشدتُ مُتمَثِّلًا:
فألْقَتْ عَصَاهَا واسْتقَرتْ بها النَّوى كما قَرَّ عينًا بالإيَاب المُسَافِرُ (١)
وعرفتُ بالتجربة (٢): صحةَ ما رواه علي -﵇- عن
_________________
(١) = ذكرهما الشهرستاني في أول كتابه " نهاية الإقدام " وفي ٤/ ٢٧٥ في ترجمة الشهرستاني: وذكر في أول كتاب " نهاية الإقدام " بيتين وهما: لقد طفت الخ ولم يذكر لمن هذان البيتان، وقال غيره: هما لأبي بكر محمد بن باجه المعروف بابن الصائغ الأندلسي.
(٢) في " اللسان ": عصا، يضرب البيت مثلًا لكل من وافقه شيء فأقام عليه، وأصله أن امرأة كانت لا تستقر على زوج، فكانت كلما تزوجها رجل لم تواته، ولم تكشف عن رأسها، ولم تلق خمارها، وكان ذلك علامة إبائها وأنها لا تريده، ثم تزوجها رجل فرضيت به، وألقت خمارها، وكشفت قناعها. والبيت في " البيان والتبيين " ٣/ ٤٠ منسوب لمُضرِّس بن ربعي في لقيط الأسدي، كان معاصرًا للفرزدق، ونسبه الآمدي لمُعقِّر بن حمار البارقي، وقال ابن بري: هو لعبد ربه السُّلمي، ويقال: لسليم بن ثمامة الحنفي.
(٣) كأنه يريد صحة معنى ما رواه علي وتطابقه في الواقع، وهذا حق لا ريب فيه، ولا =
[ ١ / ٢٠٢ ]
ذكر شيء من إعجاز القرآن
رسول الله - ﷺ -: أنهُ قال في كتاب الله تعالى: " من التمسَ الهُدَى من غيره، ضَلَّ " (١).
فأمَّا كتابُ اللهِ تعالى، فإن نظرتَ في إعجازه، في بلاغته وأسلوبه، أو فيما اشتمل عليه من أخبار غيوبه، عرفت بالضرورة (٢) العادية (٣) عَجْز جميعِ المخلوقين -من الجن والإنس أجمعين- عن الإتيان بمثله، أو سورةٍ من مثلِهِ. وما أوضحَ قولَه تعالى في ذلك: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣].
وإن نظرتَ فيما اشتمل عليه، من المنع عن المفاسد، والأمر بالمصالح، والأخبار الصادقة، والأحكام العادلة، علمتَ بالبرهان -إن كنتَ مِن عارفيه-، وبالقرآن -إن كنت مِن متدبِّريه- صِدْقَ قولِ من أنزله سبحانه: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠ - ٢١٢].
_________________
(١) = يعني أن الحديث ثبتت صحته بالتجربة، فإن التجربة لا تثبت بها صحة الحديث، فكم من كلام صحيح ومطابق للواقع ولا تصح نسبت إلى رسول الله - ﷺ -، فباب الرواية يعتمد على اتصال السند، وثقة الرواة، وانتفاء الشذوذ والعلة، وهذا الحديث لم يستوف الشروط الآنفة الذكر، فإن راويه عن علي ﵁ ضعيف لا يحتج به كما ستعرف من التعليق الآتي.
(٢) رواه الترمذي (٢٩٠٨) والدارمي ٢/ ٤٣٥ والبغوي ٤/ ٤٣٩ وفي سنده الحارث بن عبد الله الأعور، والجمهور على توهينه، قال الحافظ ابن كثير في " فضائل القرآن " ١٥: وقصارى هذا الحديث أن يكون من كلام أمير المؤمنين علي ﵁، وقد وهم بعضهم في رفعه، وهو كلام حسن صحيح.
(٣) في (ب): بالضرورية.
(٤) الجادة أن يقال: المعتادة، لأن العادي في اللغة هو: القديم، قال ابن الأثير: وفي حديث قس: " وإذا شجرة عادية " أي: قديمة، كأنها نسبت إلى عاد، وهم قوم هود النبي - ﷺ -، وكل قديم ينسبونه إلى عاد، وإن لم يدركهم، ومنه كتاب علي إلى معاوية: لم يمنعنا قديم عزنا وعادي طولنا أن خلطناكم بأنفسنا.
[ ١ / ٢٠٣ ]
العلم الضروري وأحواله
وقد جمع -سبحانه- في هذه الآية الشريفة -لمن تأملها-: بينَ الوجوه الثلاثة المتقدمة، فأشار إلى الأول، وهو العجز عن مثله، بقوله: ﴿وما يستطيعون﴾، وإلى الثاني، وهو جهلُهُم بالغيب الذي فيه، بقوله: ﴿إنهم عن السمع لمعزولون﴾، وإلى الثالث، وهو أنَّهُ لا يصدر منهم ما فيه الإرشاد إلى الخير، والمنع عن الشر، بقوله: ﴿وما يَنْبغي لهم﴾.
وهذا الوجهُ الثالث، لم يتعرَّضْ أحدٌ لذكره -فيما علمتُ- وقد نبَّهَ الله -سبحانه- عليه، في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ [الأنعام: ٩١]. لأن كتاب موسى -﵇- غيرُ معجز، من جهة البلاغة، ولا يَعْرفُ المخاطبون -المحتجُّ عليهم ذلك- ما فيه من العيوب، معرفةً ضرورية بالتواترت لبُعْدهِمْ عن المعرفة الظنيَّة؛ كيف الضرورية؟!، ولكنَّهم يعلمون جملةً بالتواتر: أنه مُشْتَملٌ على المنع من المفاسد، والأمْرِ بالمصالح، وهذا لا يكون من شيطان، لأنه نقيضٌ قصده، ولا سيما وفيه: سبٌّ الشياطين، ولعنهم، ووعيدُهُم، ولا يكون من ملكٍ ولا من صالح، لأن الكذِبَ على العالم، وإلزامهم المشاقِّ العظيمة، من غير ثواب، مما يُناقِضُ معنى المُلْكِ، ومعنى الصلاح.
فمنْ فعَل مثل ذلك، فهو شيطان، فكيف نفرِضُ أنه ملك أو صالحٌ؟! هذا خلافٌ، والضرورة المانعةُ عن صدور هذا عن الشياطين عاديةٌ لا أوليةٌ.
وكثيرٌ مِنَ النُّظار لا يعرف الضروريَّ العادي، ويغلَطُ فيه لإمكان خلافه بالنظَرِ إلى مجرد الإمكان. ولم يَعْلم أن العلمَ فيه إنما يتعلق بعدم وقوع الممكن، لا بعدم إمكانِه، كما أنَّا نعلم عند دخول منازلنا: أن الله
[ ١ / ٢٠٤ ]
تعالى لم يقلِبِ الأرض ياقوتةً خضراء، مع قُدرته -سبحانه- على ذلك، ولا حوَّل قوة الحديد إلى الزجاج، وضعفَ الزجاج إلى الحديد، وحلاوة العسل إلى الصبِرِ، ومرارة الصَّبِر إلى العسل.
ومن جَوَّزَ مثل هذَا، أو شكَّ فيه؛ فقَد شكَّ في أحد العلوم الضروريات، وخرج إلى المقالات السُّوفسطائيات (١). وهذا لا ينبني على معرفةِ عدلِ الله وحكمته، لاشتراك مَن يعرفُ ذلك ومَنْ يجهله فيه، وقد احتج الله تعالى في القرآن الكريم بالعلم العَادي، في قوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ [المائدة: ١٨] فإن تعذيبَ الحبيب بذنبه -مع حُبِّه- ممن لا يتألم بذنبه؛ لا يقع عادةً ضرورة، وإن كان مقدورًا، وهي حجة في مسألة الداعي، وحجة مفحمة للأشعرية، في نفي الدواعي والأسباب عن أفعال الله تعالى (٢). ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿لَفَسَدَتَا﴾ (٣) [الأنبياء: ٢٢] ونحو ذلك كثير في كتاب الله تعالى.
وربما توقف العلمُ الضروريُّ على تذكُّر وتفكُّرٍ في مقدمات ضرورية؛ مثل: علم الحساب، فإنَك متى أردت أنْ تَعْرِف نصف خمسة وسبعة مضاعفة سبعة أضعاف؛ احتجت إلى فكرة، تضطرُّ بعدَها إلى معرفة الصواب. ويختلفُ الناسُ في ذلك اختلافًا كثيرًا، ويكون فيهم منْ
_________________
(١) الكلمة يونانية، تعني المغالطة واستخدام القياس المركب من الوهميات. والسوفسطائية: فرقة تنكر الحسيات والبدهيات وغيرها، الواحد سوفسطائي.
(٢) لفد فصل القول في هذه المسألة شيخ الإسلام، ابن تيمية ﵀ في كتابه " أقوم ما قيل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل " الموجود ضمن " مجموع الفتاوى " (٨/ ٨١ - ١٥٨) فراجعه فإنه غاية في النفاسة والتحقيق.
(٣) انظر لزامًا في تفسير هذه الآية " منهاج السنة " ٢/ ٧٣ لشيخ الإسلام، و" شرح العقيدة الطحاوية " لابن أبي العز ص ١٩ بتحقيقنا.
[ ١ / ٢٠٥ ]
يَفْهَمُهُ من غير فكرة؛ كما يفهم كلُّ أحد نصفَ العشرة، إما لفرط ذكائه، وإما لشدة رياضته في علم الحساب، وكذلك سائرُ المعارف، على ما يأتي تحقيقه (١)، إن شاء الله تعالى. فتأمل هذه النكتة.
وان رجعت إلى ما أرشد إليه كتابُ الله تعالى مِن البراهين القاطعة، والأنوارِ الساطعة، وجدْتَهُ مشحونًا من ذلك بأشفاهُ وأكفاهُ وأوفاه. وذلك ما اختارهُ لخليلهِ إبراهيم -صلى الله عليه- حين طلب أن يَطْمَئنَ قلبُهُ، ولكليمه موسى حين أراد أن يُفْحِمَ خصمَه، وهو النَظرُ في المعجزات المعلومة، والتواتر فيها يقومُ مقامَ المشاهدة، والآيةُ في قصةِ إبراهيمَ معروفة. وفي قصة موسى -﵇- قولهُ تعالى، في حكاية موسى لفرعون، لَما اشتدَّ كُفْرُ فرعون وتفاقمَ، ولم يُسَلِّم له ما أشار إليه من الاحتجاج بخلق المخلوقات، فرجع موسى بعد ذلك إلى أفحمِ الحُجَحِ، وأقطعها للشَّغَب، فقال: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ [الشعراء: ٣٠ - ٣٤].
فالنظرُ في المعجزات الواضحات، والخوارق الباهرات، كان إيمان عامةِ أهلِ الأسلام، في زمن الرَّسُول ﵇، وبه كان إيمان السَّحَرة في زمن موسى ﵇، الذين حصل لَهم مِن اليقين في ساعةٍ واحدةٍ، حتى صبَرُوا على مرارةِ القَتْل، وفراق الحياة ما لم يحصل لكثيرٍ من النُّظارِ في الكلام، في عِدَّة أعوام.
فمن أحَبَّ برْد اليقين، وثلَج الصُّدور، تدبر ما في كتاب الله تعالى
_________________
(١) في (ب): بيانه.
[ ١ / ٢٠٦ ]
من ذلك، وَمِن ردود الأنبياء على الكفار، فإِنْ أحَبَّ الزيادَةَ؛ ضمَّ إلى ذلك النظر في المصنفات في ذلك: "كالشفاء" (١) للقاضي عياض، و" أعلام النبوة " من كتاب " البداية والنهاية " لابن كثير وأمثالهما.
وكذلك قراءةُ سيرة النبي - ﷺ -، ومعرفة أوصافِه، وقرائنِ أحوالِهِ، فإِنَّها تُفيدُ العلم الضروري العادِيَّ وَحْدَها، فإذا انْضمَّت إلى المُعْجِزِ؛ مَحَت الوسواسَ وأطفأته؛ كما يُطفىء الماءُ النارَ.
وممنْ ذكر ذلكَ، واقتصر عليه، وما قصَّرَ فيه الرازي في كتابِهِ " الأربعين في أصول الدين ". وقد أخذتُ كلامَهُ وزدتُ عليه أكثر منه، وجعلتُهُ مُصَنفًا مُسْتَقلًا، سميتُهُ: " البرهان القاطع في معرفة الصانع، وجميع ما جاءت به الشرائع " (٢)، وهذه طريقُ المحدثين، بل طريقُ السابقين الأولين، وجميعِ التابعين، وسائرِ عوام المسلمين.
ولمَّا كتبَ رسولُ الله - ﷺ - إلى هرَقْل، جمع من وَجَد من العرب، وكان فيهم أبو سفيان، فسألَهُ عن القرائن التي تَدلُّ على صِدقِ رسول الله - ﷺ - مما كان عليه جميعُ الأنبياء، من أصالةِ النسب، وصدقِ اللهجة، والوفاء بالعهد، وعدمِ الغَدْرِ، ونحو ذلك. وقطع بنبوته وظهوره، لأجل ذلك. وهو حديث عظيم؛ ينفعُ في التصديق لرسول الله - ﷺ -. رواه
_________________
(١) هو كتاب جيد في بابه لا نظير له فيما أعلم في التعريف بحقوق المصطفي - ﷺ -، إلا أن مؤلفه ﵀ لم يتحرَّ فيه الصحة من الأخبار، فأدرج فيه غير قليل من الأحاديث الضعيفة، فينبغي التنبه لها، والتحرز منها، ولا سيما المذكور منها في معجزاته - ﷺ -، ويحسن الرجوع إلى " تخريج " أحاديثه للجلال السيوطي، و" شرح " العلامة القاري، و" شرح " الشهاب الخفاجي.
(٢) وقد طبع في مصر بالمطبعه السلفية سنة ١٣٤٩ هـ، ومنه نسخة خطية في خزانة الجامع الكبير بصنعاء برقم (مجموع ٩٦ - ٥٢ - ٦٢).
[ ١ / ٢٠٧ ]
البخاري (١)، من حديث ابن عباس. وليس فيه ذكرُ المعجزات، ولا سأل عنها قيصر. وقد بسطْتُ الحُجَّة في هذا؛ في غير هذا الموضع.
وليت المبطلينَ لهذه الطريقة، والْمُكَفِّرين لِمَنْ تَمسَك بهذه العروةِ الوثيقة؛ أتَوْا بما يجْبُر الكُلومَ، ويُحَيِّرُ الخُصُوم، وإنما أثاروا غُبار اللَّجاج، وشَبُّوا نيرانَ الحِجاج. فأتوا بما يُمْكنُ الخصمُ أن يُعَارِضَهُ بنحوه، أو يُنْكِرَ الحجةَ فيه. فَدَوَّنوا وسواسَ الشيطانِ، وما يُورِثُ الحيرةَ على أهْل الإيمانِ، وراموا الاحتجاجَ على مبادىءِ الأدلةِ القوية الفطرية بما هو أدقُّ منها؛ مِن الأساليب النظرية الخفية. حتى ذهب كثير من المعتزلةِ إلى أن بعد العلم بالله، وأنَّهُ صانع العالم، وأنَّه مُتَّصف بصفات الكمال؛ نحتاج إلى دليل آخر يدلُّ على أنه موجود، وأنا قبل ذلك، نجَوِّزُ أنَهُ -مع إيجاده للعالم وكماله في صفاته وأسمائه- معدوم. ثم لا بد لهم من الانتهاء إلى دعوى الضرورةِ، أو سكون النفس في أمور لا تزيدُ في الوضوح على مبادىء الأدلة؛ التي أشار إليها السمعُ، واكتفى بها السَّلَفُ.
وتحصُل بكثرة الإصغاء إلى الشُّبهِ شُكُوكٌ تشْبهُ شُكُوكَ المُوسْوَسين في الطَّهارة. ويمكن فيما انْتَهوْا إليه ما يمكن في مبادىء الأدلة مِن الشَّك، أو دعوى الضرورة. وهذا يقوِّي كلامَ أهل المعارف، وطرائق السلف، كما يأتي مبسوطًا، إنْ شاء الله تعالى.
وربما أنكرَ هذا؛ مَنْ شَرَعَ في تعَلُّمِ الكلامِ، ولم يُحقِّقْ، ولم يَعْرف مقاصدَهُم فَيُصَدِّق.
_________________
(١) أخرجه بطوله في " صحيحه " برقم (٦) في بدء الوحي، وانظر أطرافه في: (٥١) و(٢٦٨١) و(٢٨٠٤) و(٢٩٤١) و(٢٩٧٨) و(٣١٧٤) و(٤٥٥٣) و(٥٩٨٠) و(٦٢٦٠) و(٧١٩٦) و(٧٥٤١) منه.
[ ١ / ٢٠٨ ]
وعلى الجُملَة، إنهم جَعلوا ميزان عِلْمهم الذي يتميزُ به عن الجهل، واعتقاد التقليد، وعن الضروريات التي لا تستحق أن تُطلب بالنظر و(١) التَعَلمِ، هو جوازُ ورود الشكِ، وطُرؤ الشُبْهة عليه في الحال، وفي الاستقبال. وأنتَ إذَا حققت النظر، وجدتَ ما كان على هذه الصِّفةِ، خارجًا عن العلم المتميز عن غيره بالجزم والقطع، لأنَّ كل ما جوزت أن ينكشف بطلانُه في وقت من الأوقات، جوزت أن ينكشف بطلانه (٢) الآن، إذ لا أثر للأوقات في البطلان. وكلما جوزت أن ينكشِفَ بطلانُهُ الآن، لم يكن علمًا جازمًا، ولا كان بينَه وبينَ الظن الغالب الراجح فَرقٌ ألبتة.
إنهم يُسمُّون الوساوِس -في حقِّ المحدثين، ومَنْ لم يعرف الكلام من سَائر علماء المسلمين، وعامةِ المؤمنين-: شَكًا وجهالة، ويجعلونه في حق أنفسهم فارقًا بين الضرورة والدِّلالة (٣).
وقد ذكر الشيخُ تقي الدين (٤)، في " شرح العمدة ". أن في الفرق بينهما إشكالًا. ولما يَزد على هذه الإشارة، وقد أوجز وأبلغ.
وَقَوْلُهُم: إنْ قدِحَ في أركان الدليل؛ فهو شك يجبُ إزالتُهُ وإلا فهو وسواس مُطَّرح، زخرفةٌ لا تحقيق فيها، فإن الشك في الشيء إنما ينشأُ من
_________________
(١) في (ب): أو.
(٢) من قوله: " في وقت " إلى هنا، لم يرد في (ب).
(٣) في (ب): الدلالة والضرورة.
(٤) هو الإمام المحدث الفقيه محمد بن علي بن وهب بن مطيع، المعروف بابن دقيق العيد، صاحب المصنفات النافعة الماتعة التي تنبىء عن كونه بلغ رتبة الاجتهاد في العلوم الشرعية، وقد طبع منها " شرح العمدة " و" الاقتراح " و" الإلمام " وغيرها. توفي سنة اثنتين وسبع مئة، انظر ترجمته في " تذكرة الحفاظ " (١٤٨١) و" طبقات السبكي " ٩/ ٢٠٧ - ٢٤٩ و" فوات الوفيات " ٣/ ٤٤٢.
[ ١ / ٢٠٩ ]
الشك في أحد أركان الدليل. والطمأنية بجميع أركان الدليل تستلزم بالضرورة الطُمأنينة بالنتيجة. وكيف يحصل الشك في أن الدراهم في الصندوق، وهو النتيجة المعتقدة، مع الطمأنينة بركني الدليل ومقدمتيه، وهما القطعُ بكون الدراهم في الصُّرة، وكل صُرَّة في الصُّنْدوق. وهذا خَلْفٌ (١) مِن الكلام، وغلاط (٢) مِن أهلِ الكلام.
ولكنَّ هذا شيء لم يُكلف الله المسلمين بإتقانه؛ بإجماع المتكلمينَ والمحدثين وجميع المسلمين، لخروجه عن مقدوراتهم بالضرورة، وكل أحد يجدُ ذلك من نفسه، ولم يسلم منه الأنبياء! صلوات الله عليهم وقد يكون امتحانًا من الله تعالى وقد يكون عقوبةً -والعياذ بالله من ذلك- وقد يكون سببُه من الشيْطَان -نعوذ بالله منه-. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١] ولذلك وَردَ في الصحيح من غير طريق -كما يأتي- الأمْرُ عند ذلك بالاستعاذة من الشيطان الرجيم، أعاذنا الله منه.
وهذا لا يخرُجُ من الإيمان -كما يأتي تحقيقُهُ- بل ولا يخْرجُ مِن مطلق العلم اللغوي، فإنَّ الظن الراجح المطابق يُسمَّى علمًا في كتاب اللهِ، وسنة رسول الله - ﷺ -. وهو مذهبُ أبي القاسم البلخي الكعبي (٣)،
_________________
(١) الخلْفُ: الرديء من القول، يقال: هذا خلْف من القول: أي: رديء، وفي المثل: سكت ألفًا ونطق خَلْفًا، يقال للرجل يطيل الصمت، فإذا تكلم تكلم بالخطأ.
(٢) الجادة أن يقال في جمع الغلط: أغلاط، وقال ابن سيده: وقد رأيت ابن جني قد جمعه على غلاط ولا أدري وجه ذلك.
(٣) هو شيخ المعتزلة الأستاذ أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن محمود البلخي الكعبي الخراساني، صاحب التصانيف، المتوفى سنة (٣٢٧) هـ، انظر ترجمته في " سير أعلام النبلاء " ١٥/ ٢٥٥.
[ ١ / ٢١٠ ]
ومن تابعه على ذلك. رواه عنه: الإمامُ المؤَيد بالله (١)، في آخر كتاب " الزيادات " واختاره -﵇-.
والمختار عندهم: كفاية الجُمل، وأوائل الأدلة لعامة المسلمين، مع السلامة من الشك والشبهة والحيرة، وذلك وسطٌ بين المذهبين، وخيرُ الأمور أوساطُها، لا تفريطُها، ولا إفراطُها.
وسيأتي هذا مبسوطًا بأدلة الفريقين، وإنَّما قدمتُ هذا؛ لأنَّ من الناس منْ يكتفي بالنظر في مقدمة الكتاب.
ومن حُجَّة " المؤيد بالله " ومن قال بقوله: إنه قد وَرَدَ في الحديث: زيادة الإيمان ونقصانه، حتى ينتهي إلى أدنى أدنى من مثقال ذَرَّة (٢)، وذلك متواترٌ، ومجمع عليه عند أهل السُّنة.
والعلمُ الاصطلاحي، لا يصِحُّ فيه التَّفاوت، وقِسْمتُهم له إلى ضروري واستدلالي، مختَلَفٌ فيه، والصحيح أنه لا يكون حيث يَثبُتُ إلا ضروريًا، وحين تزولُ عنه الضرورَةُ، تزول عنه صِفةُ العلم الاصطلاحي.
والوجه في ذلك؛ أنهُ لا بد من انتهائه إلى مقدمتين ضرورتين، ومتى انتهي إلى ذلك، فنتيجةُ كل مُقدمتين ضروريتين، ضرورية مثلُهما. وهذا
_________________
(١) هو أحممد بن الحسين بن هارون الأقطع من أبناء زيد بن الحسن إمام من أئمة الزيدية مولده في آمل بطبرستان، ودعوته الأولى سنة ٣٨٠ هـ بويع له بالديلم، ولقب بالسيد المؤيد بالله، ومدة ملكه عشرون سنة توفي سنة ٤٢١ هـ. ومن " الزيادات " نسخة بالجامع الكبير في صنعاء انظر الفهرس ص ٢٥٩.
(٢) في حديث أنس الذي أخرجه البخاري (٧٥١٠) في التوحيد، ومسلم (١٩٣) (٣٢٦) في الإيمان، وفيه: " انطلق، فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى مثقال حبة خردل من إيمان، فأخرجه من النار ".
[ ١ / ٢١١ ]
شرح حديث " نحن أحق بالشك من إبراهيم "
يُوجب أنْ تكونَ المقدمات كلها ضرورية، وكونُ المقدمات كذلك، يوجب أنْ تكون النتائج كذلك.
والله تعالى له حكمةٌ بالغةٌ في عدم وضوح أمور (١) الآخرة لكل أحد إلى حدِّ الضرورة، على جهة الاستمرار، لِما فيه من بطلان الامتحان؛ الذي أخبر سبحانه أنه له مراد، قال الله تعالى في الساعة: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ [طه: ١٥]، وقال ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢]، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ الآية [الحج: ٥٢]. وأمثال هذا لا يُحصى، وسيأتي لهذا مزيدُ بَيان، والمُقَدمةُ لا تتسع لأكثرَ من هذا.
واليقينُ التام، وانتفاءُ الوسواس؛ هو الغالبُ على أنبياء الله -سبحانه- وأوليائِه، وحصولُه مَوْهِبَةٌ من الله تعالى، تقف على أسباب يُوفَّقُون لعملها، كالثواب المتوقف على العمل سواء. ويَندُرُ خلافُ ذلك منهم، لحكمة الله تعالى، لو لم يكن إلا لتأسي المؤمنين بهم، وعدم انكسارِ نفوسهم، كما ورد في الصحيح: " نحنُ أحقُّ بالشَّكِ مِن إبراهيم " (٢).
_________________
(١) في (ب): الأمور.
(٢) رواه الخاري (٣٣٧٢) و(٣٣٧٥) و(٣٣٨٧) و(٤٥٣٧) و(٤٦٩٤) و(٦٩٩٢) ومسلم (١٥١) في الإيمان وفي الفضائل، وابن ماجة (٤٠٢٦) والبغوي (٦٣) وأحمد ٢/ ٣٢٦ والطبري (٥٩٧٣) من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: " نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ ويرحم الله لوطًا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن ما لبث يوسُف لأجبت الداعي " وتفسير الشك بالمعنى الذي قاله المصنف هو مذهب الإمام أبي جعفر الطبري في " تفسيره " ٥/ ٤١٩، واستدل بذلك لما أخرجه هو وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والحاكم من طريق عبد العزيز الماجشون عن محمد بن المنكدر عن ابن عباس، =
[ ١ / ٢١٢ ]
ومعنى الشكِّ هنا: هو الوسواسُ الذي لا يدخل دفعه تحت القدرة، وليس معناه الشك المستويَ الطرفين قطعًا. وقد جاء مثل ذلك؛ في موسى الكليم -﵇-، في قوله تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ [طه: ٦٧ - ٦٨]. فيا من جَرحُ وَسْوَاسهِ لا يُؤسى، أما يُعزِّيك: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾؟! ويا مَن يُداوي بالكلام قلبَه الكلِيم، لا تعدِلْ عن المرهم الذي صنعه الحكيم، لخليله إبراهيم، وهو النظرُ في المعجزات، المعلومُ حُدُوثها، وأنَّه لا بُدَّ لها من مُحْدث مختار؛ بالعلوم الضروريات، عند النظر بالفطرة الأولى (١)، والإخبات، والخلوصِ من شوائب العادات. فإن تعَذَّرَ ذلك -
_________________
(١) = قال: أرجى آية في القرآن هذه الآية: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ قال ابن عباس: هذا لما يعرض في الصدور، ويوسوس به الشيطان، فرضي الله من إبراهيم ﵇ بأن قال: بلى، ومن طريق معمر عن قتادة عن ابن عباس: نحوه، ومن طريق علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن ابن عباس نحوه، وهذه طرق يشد بعضها بعضًا، وإلى ذلك جنح عطاء، فروى ابنُ أبي حاتم وابن جرير من طريق ابن جريج قال: سألت عطاء عن هذه الآية، قال: دخل قلب إبراهيم بعضُ ما يدخل قلوب الناس، فقال ذلك. وقال ابن عطية: ومحمل قول ابن عباس: إنها أرجى آية، لما فيها من الإدلال على الله، وسؤال الإحياء في الدنيا، أو لأن الإيمان يكفي فيه الإجمال ولا يحتاج إلى تنقير وبحث، قال: ومحمل قول عطاء: دخل قلب إبراهيم بعض ما يدخل قلوب الناس، أي: من طلب المعاينة، قال: وأما الحديث، فمبني على نفي الشك، والمراد بالشك فيه: الخواطر التي لا تثبت، وأما الشك المصطلح عليه -وهو التوقف بين الأمرين من غير مزية لأحد عن الآخر- فهو منفي عن الخليل قطعًا؛ لأنه يبعد وقوعه ممن رسخ الإيمان في قلبه، فكيف بمن آتاه اللهُ النبوة، قال: وأيضًا فإن السؤال لما وقع بكيف، دل على حالِ شيءٍ موجود مقرر عند السائل والمسؤول، كما تقول: كيف علم فلان؟، فكيف -في الآية- سؤالٌ عن هيئة الإحياء، لا عن نفس الإحياء، فإنه ثابت مقرر. وقال ابن الجوزي: إنما صار أحق من إبراهيم لما عانى من تكذيب قومه وردهم عليه وتعجبهم من أمر البعث، فقال: أنا أحق أن أسال ما سأل إبراهيم ما جرى لي مع قومي المنكرين لإحياء الموتى، ولمعرفتي بتفضيل الله لي، ولكن لا أسأل في ذلك.
(٢) في (أ): " الأولة ".
[ ١ / ٢١٣ ]
تفصيل أهم أمور الدين
بهذه الطريقة، وما قدمناه من النظر في كتاب الله، وقرائن أحوال أنبياء الله -فليس لليقين- بعدَ ذلك- إلا اللجوءُ (١) والتضرُّعُ إلى الله أن يَهَبَه مِنْ عِنده، ويشرح له صدْرَ عبدِهِ. وإن طال في ذلك الطلبُ، وقُوسيَ النَّصَبُ، فإن مرامًا طلبَه الكليمُ والخليلُ، لجديرٌ بالطَّلَب الطويل:
مَرامٌ شَطَّ مَرْمَى العَقْلِ فيه فَدُونَ مَداهُ بيْدٌ لا تَبِيدُ
بل الدعاءُ، والتضرع، والخضوعُ مُقَدَّم: على النظر في المعجزات، وقرائِنِ الأحوالِ والأمارات. وكفي في ذلك إمامًا بالخليل - ﵇- فإنَّه حين طلب الطمأنينة؛ رجع إلى مولاه وتضرع إليه ودعاه. وقد أفردتُ في ذلك مصنفًا، سميته: " ترجيحُ دلائلِ القرآن على دلائل اليونان " (٢).
وكما أن ذلك سببُ اليقين، فسببُ الشَّكِّ والكفر: هو النظرُ في المتشابهات، التي لم يُحِطِ البشرُ بها عِلمًا، ولا عرفوا تأويلَها، كما أشار إليه القرآن العظيم، في قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ [يونس: ٣٩]. وما أعظم نفْعها للمتأملين، وما يعقِلُها إلا العالمون، هي أثقابُ الدُّر دقاق، وفهْمُك حبل؛ فما يصحُّ النظمُ.
ثم إني بعدَ الفراغ من ذلك الاضطراب بمعرفة الصواب، والاهتداء بنور السُنَّة والكتاب نظرتُ في أهمِّ أمور الدين، فإذا هو بذلُ الجهد في نصيحة المسلمين كما جاء في " الصحيح ": " الدِّينُ النَصيحة " (٣) الحديثَ.
_________________
(١) في (أ): " اللجأ ".
(٢) وهو مطبوع، ومنه نسخة خطية في خزانة الجامع الكبير في صنعاء، ضمن مجموع (١١٩) تقع في ثلاث وأربعين ورقة، انظر " فهرس مخطوطات المكتبة الغربية " ٧٧٠.
(٣) رواه مسلم (٥٥) وأبو داود (٤٩٤٤) والنسائي ٧/ ١٥٦ وأحمد ٤/ ١٠٢ و١٠٣ =
[ ١ / ٢١٤ ]
ومِن أهمَ ما ورد: تحذيرُهم من التباغض والاختلاف وأسبابِ ذلك، وأن تُحِبَّ لهم ما تُحِبُّ لنفسك، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦]، وقال: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]، وقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣١ - ٣٢] وقال تعالى: في آل عِمران: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٢ - ١٠٣]. وقال تعالى -بعدها بآيةٍ واحدة-: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: ١٠٥].
ونَقَمَ على مَنْ قَبلنا عدم رجوعِهم إلى ما أنْزِلَ إليهم من الكتب، والعلم الذي فيها، فقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ١١٣]. ومثلُه قوله: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩]. يعْني الكتابَ، ولذلك
_________________
(١) = والحميدي (٨٣٧) والبغوي (٣٥١٤) وأبو عوانة ١/ ٣٧ والخطيب في " تاريخه " ١٤/ ٢٠٧ والطبراني في " الكبير " (١٢٦٠ - ١٢٦٨) كلهم من حديث تميم الداري، ورواه النسائي ٧/ ١٥٧ والترمذي (١٩٢٦) وأحمد ٢/ ٢٩٧ وأبو نعيم ٦/ ٢٤٢ و٧/ ١٤٢ عن أبي هريرة، ورواه عن ابن عمر الدارميُّ ٢/ ٣١١ والبزار (٦٢) وعن ابن عباس أحمدُ ١/ ٣٥١ والبزار ٦١ كما في " زوائده " وعلقه البخاري (١/ ١٣٧) ولفظه عند مسلم: " الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة لله ولكتابه ولنبيه ولأئمة المسلمين وعامتهم ".
[ ١ / ٢١٥ ]
وَصَفَهُ بالمجيء. وقال بعدَه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآَيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: ١٩] إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٢٠].
وعن جُنْدُب قال: قال رسُولُ الله - ﷺ -: " اقْرَؤُوا القرآنَ ما ائْتَلَفت عَليْهِ قلُوبُكمْ، فإذا اخْتَلَفْتُمْ فقُوموا عَنْهُ " رواهُ البخاري ومسلم والنسائي (١).
وروى البخاري والنسَائي من حديث ابنِ مسعود قالَ: سَمِعْتُ رجلًا قرأ آيةً، وسَمعْتُ النبي - ﷺ - يقرأ خلافَها، فَجِئْتُ به النبي - ﷺ - فأخبرتُهُ؛ فعرفت في وجهه الكراهيَة. فقال: " كِلاكُما مُحْسِن، ولا تختلِفوا فإنَّ مَنْ قبلَكم اختلفوا فهلَكُوا ". انفردَ به البخاريُّ دونَ مسلم (٢)، وللجماعةِ معناه
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٠٦٠) و(٥٠٦١) و(٧٣٦٤) و(٧٣٦٥) ومسلم (٢٦٦٧) وهو في " سنن النسائي الكبرى " في فضائل القرآن، كما في " تحفة الأشراف " ٢/ ٤٤٤ وأخرجه الإمام أحمد في " المسند " ٤/ ٣١٣ والبغوي في " شرح السنة " (١٢٢٤) وأبو يعلى في " مسنده " ٨٧/ ٢ والطبراني في " الكبير " (١٦٧٣) و(١٦٧٤) و(١٦٧٥) والخطيب في " تاريخه " ٤/ ٢٢٨، ومعنى الحديث: اقرؤوا القرآن ما اجتمعت عليه قلوبكم، فإدا اختلفتم في فهم معانيه، فتفرقوا لئلا يتمادى بكم الاختلاف إلى الشر، قال القاضي عياض: يحتمل أن يكون النهي خاصًا بزمنه - ﷺ - لئلا يكون ذلك سببًا لنزول ما يسوؤهم، كما في قوله تعالى: ﴿لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ ويحتمل أن يكون المعنى: اقرؤوا والزموا الائتلاف على ما دل عليه، وقاد إليه، فإذا وقع الاختلاف أو عرض عارض شبهة يقتضي المنازعة الداعية للافتراق، فاتركوا القراءة، وتمسكوا بالمحكم الموجب للألفة، وأعرضوا عن المتشابه المؤدي للفرقة، وهي كقوله - ﷺ -: " فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فاحذروهم ".
(٢) رواه البخاري (٢٤١٠) و(٣٤٠٨) و(٣٤١٤) و(٣٤٧٦) و(٤٨١٣) و(٥٠٦٣) و(٦٥١٧) و(٦٥١٨) و(٧٤٢٨) و(٧٤٧٧) وأحمد ١/ ٣٩٣ و٤٠٥ و٤١٢ والبغوي (١٢٢٩) والنسائي في فضائل القرآن من " الكبرى " كما في " تحفة الأشراف " ٧/ ١٥٢.
[ ١ / ٢١٦ ]
مِن حديث عمرَ بنِ الخطاب في قصته مع هِشام بن حكيم (١). وله طرق عن ثمانيةَ عشر صحابيًا (٢).
وفيه حجة واضحة على أن الاختلاف في الأفعال مع التصويب ليس هو الاختلافَ المنهيُّ عنه. ألا تراهُ صوَّبهما في اختلافهما في القراءة، وقالَ: " كلاكُما محسن " وإنما حرَّم عليهم المماراة في ذلك، على وجه تقبيح كل واحدٍ منهما لقراءة الآخر؛ لأن ذلك مفضٍ إلى العداوة، وافتراق كلمة الإسلام. وإلى هذا أشار القرآن الكريم، حيث قال: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦] أي قُوَّتكم.
فثبتَ تحريمُ ذلك، وما يؤدي إليه، بالكتاب والسُّنةِ. وما يَعْقلُها إلا العالمون.
ويُوَضحُ ذلكَ من كتاب الله، ما حكاهُ اللهُ تعالى: من اختلاف سليمان وداود -﵉- مع الثناء عليهما، حيث قال: ﴿ففهَّمناها
_________________
(١) رواه البخاري (٢٤١٩) و(٤٩٩٢) و(٥٠٤١) و(٦٩٣٦) و(٧٥٥٠) ومسلم (٨١٨) وأبو داود (١٤٥٧) والنسائي (٢/ ١٥٠) والترمذي (٢٩٤٣)، ومالك ١/ ٢٠١ وأحمد ١/ ٤٠ و٤٢ - ٤٣ والطبري (١٥) والبغوي (١٢٢٦) والشافعي في " الرسالة " (٢٧٣) والطيالسي (٩) من طرق عن عبد الرحمن بن عبد القارىء أنه قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرؤها، وكان رسول الله - ﷺ - أقرأنيها، فكدت أن أعجل عليه، ثم أمهلت حتى انصرف ثم لبَّبته بردائه، فجئت به رسوله الله - ﷺ -، فقلت: إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأتنيها، فقال له رسول الله - ﷺ - " أقرأ " فقرأ القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول الله - ﷺ -: " هكذا أنزلت " ثم قال لي: " اقرأ " فقرأت، فقال: " هكذا أنزلت، إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا ما تيسر منه " وزاد السيوطي في " الدر المنثور" ٥/ ٦٢ نسبته لابن حبان والبيهقي.
(٢) انظر " فتح البارى " ٩/ ٢٦.
[ ١ / ٢١٧ ]
سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩]. وكذلك اختلافُ موسى وهارون، وموسى والخضِر (١)، ومخالفةُ علم كُلِّ واحدٍ منهما لِعِلْم الآخر، وموسى وآدم؛ في حديث أبي هريرة (٢). متفق عليه. بل قال الله: ﴿لو كان فِيهما آلِهة إلا اللهُ لَفَسدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، وأمثالها؛ مما يَدُلُّ على لزوم الاختلاف.
بل جاء اختصامُ الملإِ الأعلى في القرآن، في " ص " (٣)، وتفسيره في الحديث (٤)، ومنه خصومتُهم في الذي قتلَ مئةً، ثم
_________________
(١) رواه البخاري (١٢٢) و(٣٤٠١) و(٤٧٢٥) و(٤٧٢٦) ومسلم (٢٣٨٠) والترمذي (٣١٤٩) وأحمد ٥/ ١١٧ و١١٨ و١٢٠ عن ابن عباس، وهو حديث طويل.
(٢) ونصه: " احتج آدم وموسى، فقال موسى: يا آدم أنت أبونا، وأخرجتنا من الجنة، فقال آدم: يا موسى اصطفاك اللهُ بكلامه، وخط لك التوراة بيده، تلومني على أمرٍ قدره الله عليِّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة، فحج آدمُ موسى، فحج آدم موسى ". رواه البخاري (٣٤٠٩) و(٤٧٣٦) و(٤٧٣٨) و(٦٦١٤) و(٧٥١٥) ومسلم (٢٦٥٢) وأبو داود (٤٧٠١) والترمذي (٢١٣٤) وابن ماجه (٨٠) وأحمد ٢/ ٢٤٨ و٢٦٤ و٢٦٨ و٢٨٧ و٣١٤ و٣٩٢ و٤٤٨ و٤٦٤ والبغوي (٦٨) وعبد الرزاق (٢٠٠٦٨) والآجري في " الشريعة " (١٨ و٣٠١ و٣٢٤) والدولابي في " الأسماء والكنى " ١/ ١٤٤ والخطيب في " تاريخه " ٤/ ٣٤٩ و٥/ ١٠٣ و٧/ ١٠٤ والبيهقي في " الأسماء والصفات " ١٩٠ والنسائي في " الكبرى " كما في " تحفة الأشراف " ١٠/ ١٢٢، وذكره السيوطي في " الدر المنثور" ١/ ٥٤ وزاد نسبته لابن أبي حاتم.
(٣) في الآية: ٦٩، وهي قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾.
(٤) هو قطعة من حديث مطول رواه البغوي في " شرح السنة " (٩٢٤) بطوله، وأخرجه الدارمي مختصرًا ٢/ ١٣٦ كلاهما من حديث عبد الرحمن بن عائش، وعبد الرحمن بن عائش مختلفٌ في صحبته، ويقوي صحبته أنه صرح في رواية الدارمي بسماعه هذا الحديث من رسول الله - ﷺ - وأخرجه أحمد ٤/ ٦٦ من حديث عبد الرحمن بن عائش عن بعض أصحاب رسول الله - ﷺ -، وأخرجه أحمد أيضًا ٥/ ٢٤٣ والترمذي (٣٢٣٣) عن عبد الرحمن بن عائش عن مالك بن يُخامر، عن معاذ بن جبل، وإسناده صحيح، وأخرجه الترمذي (٣٢٣٢) وأبو يعلى =
[ ١ / ٢١٨ ]
بيان منهج المؤلف في كتابه
تابَ (١)، وخصومتهم في الدرجات والكفارات، ورجع الضمير إليهم في قوله: ﴿قُضِيَ بينهم بالحق﴾ [الزمر: ٧٥] على الظاهر (٢) والله أعلم.
وَخَرَّجَا معًا من حديث أبي هريرة عنه - ﷺ -: " إنَّما هلك مَنْ كان قبلكم كثرةُ مسائِلهم، واختلافُهم على أنبيائهم " (٣). وقد نَبَّهَ الله -سبحانه- على ذلك، في كتابه الكريم، حيث ذَمَّهم به في قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ١١٣].
ولم أبذلْ جهدي فيما جمعت في (٤) كتابي هذا طَمعًا فيما لم يحصل بكتب الله المُنزلة على المرسلين من اجتَماع كلمةِ المُنْصِفين والمعاندين على الحق اليقين، وقد قال تعالى في كتابه المبين لسَيِّد ولد آدم أجمعين:
_________________
(١) = (٦٧٧) و(٦٧٨). وأحمد ١/ ٣٦٨ من طريق معمر عن أيوب عن أبي قلابة عن ابن عباس، ورواه البغوي (٩٢٥) عن ثوبان، ورواه الطبراني في " الكبير " (٩٣٨) عن أبي رافع مولى رسول الله وانظر " المجمع " ١/ ٢٣٧، وأخرجه الخطيب في " تاريخه " ٨/ ١٥٢ عن أبي عبيدة بن الجراح.
(٢) هو في " صحيح البخاري " (٣٤٧٠) وسلم (٢٧٦٦) من حديث أبي سعيد الخدري.
(٣) اختلف المفسرون في عود الضمير في قوله تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ هل هو للملائكة أو إلى العباد؟ فأكثرهم على عوده للعباد، والمعنى: وقضي بين العباد كلهم، بإدخال بعضهم الجنة وبعضهم النار، وقال بعضهم -واستظهره أبو حيان وهو ما ذهب إليه المؤلف هنا-: إنه يعود إلى الملائكة، وثوابهم -وإن كانوا كلهم معصومين- يكون على حسب تفاضل أعمالهم، فيختلف تفاضل مراتبهم، فإقامة كل في منزلته حسب عمله هو القضاء بينهم بالحق. وانظر " روح المعاني " ٢٤/ ٣٧ للآلوسي.
(٤) رواه البخاري (٧٢٨٨) ومسلم (١٣٣٧) والترمذي (٢٦٧٩) والنسائي ٥/ ١١٠ وأحمد ٢/ ٢٤٧ و٢٥٨ و٣١٣ و٤٢٨ و٤٤٧ - ٤٤٨ و٤٥٧ و٤٦٧ و٤٨٢ و٤٩٥ و٥٠٣ و٥٠٨ و٥١٧ وابن ماجه (٢) والبغوي (٩٨).
(٥) في (ب): من.
[ ١ / ٢١٩ ]
الكلام على المبتدعة، وأقسام المراء
﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [النمل: ٨١] ﴿وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآَيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ (٥٨) كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٥٩) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: ٥٨ - ٦٠]. بل حكى الله -تعالى- أنَّ آيات كتابه المُسَمَّى: شفاءً ونورًا، يزيدُهم عمى ونفورًا، بَلْ حصرَهم في ذلك، وَقَصَرهم عليه حيثُ قالَ، تَذكيرًا وتحذيرًا: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ [الإسراء: ٤١].
فإنْ قيلَ: هل السُّكُوتُ عن المُبتدعة لازم؛ خوفًا من التفرق، والزيادة في أسبابه، لحديث جُنْدُب المقدم " اقْرَؤُوا القُرآنَ ما ائْتلَفَتْ علَيْهِ قلُوبُكُمْ فإذا اخْتَلَفْتمْ فَقُومُوا عَنْه " خرَّجاه كما مضى (١).
قلْنا: أمَّا بيانُ بِدَعِهِم، وَكَفُّ شَرِّهم على الوجهِ المَشْروع؛ فواجبٌ، أو مستحبٌ، لِما ثَبتَ مِن النصوصِ الصحيحةِ، في تصويبِ عليٍّ -﵇- في حربِ الخوارج (٢). وأجمعت الأُمةُ على ذلك، مع ظهور التأويلِ منهم، والإجماعِ عليه.
وأما المِراء -الذي يظنُّ فيه المفسدة، دون المصلحة- فلا خير فيه، وقد فرَّق القرآن بينَه وبين الجدال، بالتي هي أحسنُ، فقال: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، وقال ﴿ولَا تكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: ٦٠] والله سبحانه أعلم.
_________________
(١) انظر صفحة (٢١٦).
(٢) انظر " فتح الباري " ١٢/ ٢٨٣ - ٢٩٠ في استتابة المرتدين و" شرح النووي على مسلم " ٧/ ١٦٦ - ١٦٨ و" المغني ٨/ ١٠٤ - ١٠٧ لابن قدامة.
[ ١ / ٢٢٠ ]
الباعث على تصنيف هذا الكتاب ورود رسالة مشتملة على زواجر وعظات ومدح ولوم وعتاب موجهة من شيخه إليه
هذا وإني لَمَّا نشأتُ بيْنَ كَراسي العُلماء الأكابر، وتربيتُ بَيْنَ عيون أهل البصائر، وَرَتَبْتُ رُتُوبَ الكَعْب في مجالسةِ فُضلاءِ السادة، وثبتُّ ثبوتَ القُطب في مجالس العلم والإفادة، ولم أزل منذ عرفتُ شِمالي من يميني، مشمرًا في طلبِ معرفةِ ديني، أتنقَّل (١) في تربية الشيوخ من قُدوة إلى قُدوة، وأتوقل (٢) في مدارس العلوم من ربْوَةٍ إلى ربْوَة، وَأمُتُّ إِلى الأصول النبوية بعروق مباركة، وآمُلُ في دعواتهم لِذُرِّيَّاتهِم أن تَشمَلَني منها بَرَكة.
ولم يَزَل يَرَاعِي بلطائف الفوائد نواطِفَ، وبناني للطف المعارف قَواطف. لم يكن -حتمًا- أن يرجِعَ طرف نظري عن المعارف خاسئًا حسِيرًا، ولم يجب -قطعًا- أن يعودَ جناحُ طلبي للفوائد مهيضًا كَسِيرًا، ولم يكن بِدْعًا أن أتَنسَّم من أعطارها روائح، وأتَبصَّرَ من أنوارها لوائح.
وإنَّ جماعةً نَسبوني إلى دعوى كبيرةٍ، وأُمور كثيرةٍ، فاعْتَذَرْتُهم فما عذروا، بل لاموا وعذَلوا، وجاروا وما عَدَلُوا، فصبرْت على الأذى، وعلمتُ أن الناس ما زالوا هكذا.
إلا أنَّه لمَّا كَثُرَ الكلامُ وطالَ، واتَّسعَ القيلُ والقال، جاءتني "رسالة " مُحبَّرة، واعتراضاتٌ مُحرَّرة، مشتملة على الزواجر والعظات، والتنبيه بالكلم المُوقظات، وأهلًا بمنْ أهدى النصيحَةَ، فقد جاء الترغيبُ إلى ذلك في الأحاديث الصحيحة (٣)، وليس بضائرٍ -إن شاء الله- ما
_________________
(١) في (ب): انتقل.
(٢) يقال: توقل في الجبل إذا صَعْد فيه.
(٣) أي: الترغيب في النصيحة، وهو قوله - ﷺ -: " الدين النصيحة " وقد تقدم تخريجه ص (٢١٤ - ٢١٥).
[ ١ / ٢٢١ ]
يَعْرِضُ في ذلك من الجدال، مهما وُزنَ بميزان الاعتدال.
وجِدالُ أهلِ العلْم لَيْسَ بضَائِرٍ مَا بَيْنَ غالِبِهِمْ إلى المَغْلُوبِ
بَيْد أنَّها لم تضع تاجَ المَرَحِ والاختيال، وتستعمِلُ ميزان العدل في الاستدلال، بل خالطها من سيما المُحْتالين شَوْبٌ، ومالت من التَّعَنُّتِ في الجدَال إلى صوبٍ، فجاءتني تمشي الخطرى (١) وتميس في محافل الخطَرا (٢)، مفضوضة لم تُغتم، مشهورة لم تكتم، متبرجة قد كشفت حجابَها، وَمَزَّقت نِقَابَها، وطافت على الأكابر، وطاشت إلى الأصاغر، وَتَرَقَّت إلى قصير الإمامة، ومحل الزَّعامة، حتى مصَّتْ أيدي الابتذال نضارَتَها، واقتضَّت أفكار الرجالِ بكارتَها، وإن خيرَ النصائح الخفي، وخير النُّصَّاح الحَفِي.
ثُم إني تَأملْتُ فُصُولَها، وتَدبَّرْتُ أصولَها، فوجدتُها مشتملة على القدحِ تارةً فيما نقل عني مِن الكلام، وتارة في كثير من قواعد أهلِ البيت - ﵈- وغيرهم من علماء الإسلام. فرأيتُ ما يَخصني غيرَ جدير بصرف العناية إِليه، ولا كبير يستحق الإقبال بالجواب عليه، إذ كان ذلك مما يتعلق بالمسائل الفرعية، والمسالك الفقهية.
وأما ما يختص بالقواعد الإسلامية -التي أجمعت على صِحَّتها العِتْرةُ الزَّكية، مثل تصحيح الرجوع إلى الآيات القرآنية، والأخبار النبوية، والآثار الصحابية، ونحو ذلك منَ القواعد الأصولية -فرأيتُ القدحَ فيها
_________________
(١) أي: تمشي مشية المعجب بنفسه، من قولهم: خطر في مشيته: إذا رفع يديه ووضعهما.
(٢) الخطرا جمح خطير كأمير: الشريف من الرجال، العظيم القدر والمنزلة.
[ ١ / ٢٢٢ ]
الجواب عما اشتملت عليه تلك الرسالة من أخطاء علمية، وآراء فاسدة ومنهج غير سوي، ينم عن تعصب مقيت ومجانبة لمنهج السلف
ليس أمرًا هَيِّنًا، والذبِّ عنها لازمًا متعينًا، فتعرضتُ لجواب ما اشتملت عليه مِنْ نقضِ تلكَ القواعد الكبار، التي قالَ بها الجِلَّةُ مِنَ الأئمة الأطهار، والعلماءِ الأخيار، مضمنًا له النداء الصريح ببراءتي عن مخالفة أهل البيت -﵈- في تلك القواعد العظام، غير متعرضٍ لجواب ما يَخُصُّني في هذه الرسالة المذكورة، إلا أنْ يتخلل شيءٌ مِنْ ذلك؛ -في معْرِضِ الكلام- على هذه القواعد المشهورة.
وقد قَصَدْت وجهَ الله تعالى في الذبِّ عن السنن النبوية، والقواعد الدينية، وليس يَضُرُّني وقوفُ أهل المعرفة على ما لي منَ التقصير، ومعرفتهُم أنّ باعيَ في [هذا] الميدان قصير، لاعترافي أني لستُ مِنْ نُقَّاد هذا الشَّان، وإقراري أني لستُ مِنْ فُرْسَان هذا الميدان، لكنِّي لم أجد من الأصحاب مَنْ يتصدَّى لجواب هذه الرسالة، لمَا يَجُرُّ إليه ذلك منَ القالة.
فتصدَّيتُ لذلك مِن غيرِ إحسان، ولا إعجاب، ومنْ عدمَ الماء تيمم التراب، عالمًا بأني لو كنت باريَ قوسهَا ونبالها، وعنترة فوارسها ونزالها.
فلا يخلو كلامي مِنَ الخطأ عند الانتقاد، ولا يصفو جوابي منَ الغلط عند النُّقاد، فالكلامُ الذي لا يأتيه الباطل مِنْ بين يديه، ولا مِنْ خَلْفِهِ؛ هو كلامُ الله في كتابه العزيز الكريم، وكلامُ مَنْ شهد بعصمته الذِّكرُ الحكيم. وكُلُّ كلام بعد ذلك، فله خطأٌ وصواب، وقِشْرٌ ولُباب.
ولو أن العلماء -﵃- تركوا الذَّبَّ عن الحق؛ خوفًا مِنْ كلام الخلق، لكانوا قد أضاعُوا كثيرًا، وخافوا حقيرًا.
ومن قَصدَ وَجهَ الله -تعالى- في عملٍ من أعمال البِرِّ والتُّقى، لم يَحْسُنْ منه أن يترُكه، لِمَا يجوزُ عليه في ذلك مِنَ الخطا، وأقصى ما يخاف أن يَكِلَّ حُسامُهُ في معترك المناظرة، وَينْبُوَ، ويعْثُر جوادُهُ في مجال
[ ١ / ٢٢٣ ]
طريقته في الكتاب، وبيان أنه لم يرد التوسع فيه
المجادلة ويَكبُو، فالأمر في ذلك قريب؛ إنْ أخطأ، فَمَن الذي عُصمَ، وإن خُطىءَ فمَن الذي ما وُصِم. والقاصد لوجه الله لا يخافُ أن يُنقد عليه خَلَلٌ في كلامه، ولا يهاب أن يُدلَّ على بطلان قوله، بل يحب الحق من حيث أتاه، ويقبل الهُدى ممن أهداه، بل المخاشنة بالحق والنصيحة، أحبُّ إليه من المداهنة على الأقوال القبيحة، وصديقك من أصْدَقَكَ لا من صَدَّقَك، وفي نوابغ الكلِمِ، وبدائع الحكَم، عليك بمن يُنذر الإبسالَ والإبلاس، وإياك ومَنْ يقول: لا باسَ ولا تاس.
فإن وقف على كلامي ذكي لا يسْتقويه، أو جافٍ يَسْخرُ منه وَيسْتَزْريه، فالأولى بالذكي أن يحفظ لي جنَاحَ الذُّلِّ من الرحمة، ويشكرَ اللهَ على أن فَضَّلهُ عليَّ بالحكمة، وأما الآخر الزَّاري، وزَنْد الجهالةِ الواري؛ فإن العلاج لِترقيق طبعه الجامد، هو الضرب في الحديد البارد، ولذلك أمَرَ اللهُ بالإعراض عن الجاهلين، وَمدَح به عبادَهُ الصالحين.
ثم إني ترددتُ في كيفية الجواب منَ الإيجاز والإطناب، إذ كان في كلٍّ منهما محامد، ولكلٍ فيهما مقاصد، ففي الإيجاز تأليفُ النفوس الأوابد، وفي الإطناب توسيعُ دائرة الفوائد.
وصَدَّني عن التوسيع والتكثير خشية التنفير والتأخير. أما التنفير، فلأنه يُمِلُّ الكاتبَ والمكتوبَ إليه، والمتطلع إلى رؤية الجواب، والوقوف عليه، مع أنَّ القليل يكفي المنصفَ، والكثير لا يكفي المُتعَسِّف، وضوء البرق المنير يدُلُ على النور الغزير.
وأما التأخير: فلأن التوسيع يحتاج إلى تمهيل عرائس الأفكار، حتى يستكمل الزينة، ومطالعة نفائس الأسْفار الحافلة بالأنظار الرصينة، والآثار
[ ١ / ٢٢٤ ]
تخريج حديث " إن هذا الدين بدأ غريبا "
المتينة. فهذا البحر -وهو الزَّخّار- يحتاجُ مِنَ السُّحبِ إلى مدَدٍ، والبدرُ -وهو النَّوَّار- يفتقر مِنَ الشمسِ إلى يَد. ومِنْ أين يتأتَّى ذلك، أو يتهيأ لي، وأنا في بَوادٍ خَوالي، وجبالٍ عوالي (١)، فَتَمَصَّصْتُ مِنْ بلل أفكاري بَرَضا، وما أكفي ذلك وأرضى، إذا كان طيبًا محضًا.
سامحًا بالقَليلِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ رُبَّمَا أقْنَعَ القَلِيلُ وأرْضى
ولكن هيهات لذاك، لا محيص لي عن أوفر نصيب من طَف الصَّاع، ولا يد لي منَ الانخداع بداعيةِ الطِّباع.
وقد سَلكتُ -في هذا الجواب- مسَالكَ (٢) الجدليِّينَ، فيما يُلْزِمُ الخصم على أصوله، ولم أتَعَرَّض في بعضه لبيان المختار عندي، وذلك لأجل التقية من ذوي الجهل والعصبية، فليتنبه الواقفُ عليه على ذلك، فلا يجْعلْ ما أجَبْتُ به الخصم مذهبًا لي، ثم إني قد اختصرتُ هذا الكتاب في كتاب لطيف سَمَيْتهُ: " الروضَ الباسم " (٣). وهو أقلُّ تَقِيَّة مِن هذا، ولن يخلو، فالله تعالى المستعان.
" إنَّ هذا الدينَ بَدأ غريبًا، وَسيعُودُ غريبًا كما بدأ، فطُوبى للغرباء "
رواهُ مسلم، من حديث ابن عمر، ومِن حديث أبي هريرة معًا، وصححه الترمذيُّ من حديث ابن مسعود، وَحسَّنه مِنْ حديث عمرو بن عوف بنحوه، ورواه ابنُ ماجة مِنْ حديث أنس، ونحوه مِنْ حديث معاذ (٤).
_________________
(١) في هامش (أ) ما نصه: لأن الرسالة التي أجابها بهذا الكتاب، جاءته وهو مقيم ببادية خالية عن الكتب التي يحتاج المجيب إلى مطالعتها.
(٢) في (أ): مسلك.
(٣) وهو في مجلد لطيف، طبع بالمطبعة المنيرية، ثم صورته دار المعرفة سنة ١٣٩٩ هـ.
(٤) رواه من حديث أبي هريرة مسلمٌ (١٤٥) وابن ماجه (٣٩٨٦) وأحمد ٢/ ٣٨٩ =
[ ١ / ٢٢٥ ]
ثم وَجدتُ شيخَ الإسلام الأنصاري (١): قد روى مِنْ طريق أهل البيت عن عليٍّ -﵇- عن النبي - ﷺ -: " طلبُ الحق غُربة " (٢)
_________________
(١) = بلفظ: " بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود كما بدأ غريبًا، فطوبى للغرباء " ورواه مسلمُ (١٤٦) عن ابن عمر بلفظ: " إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، وهو يأرزُ بين المسجدين كما تأرز الحية في جحرها " ورواه الترمذي (٢٦٢٩) عن عبد الله بن مسعود وقال: هذا صحيح غريب، ورواه أيضًا (٢٦٣٠) والطبراني في " الكبير " (١٠٠٨١) والبغوي (٦٤) وابن ماجه (٣٩٨٨) والدارمي ٢/ ٣١١ و٣١٢ وأحمد ١/ ٣٩٨ من حديث عمرو بن عوف، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، كذا قال، مع أن في إسناده كثير بن عبد الله وهو ضعيف، لكنه قوي بشواهده، ورواه ابن ماجه (٣٩٨٧) عن أنس بن مالك وإسناده حسن، ورواه أحمد ١/ ١٨٤ عن سعد بن أبي وقاص وإسناده صحيح، ورواه أحمد ٢/ ١٧٧ و٢٢٢ عن عبد الله بن عمرو بن العاص بلفظ آخر انظر " مجمع الزوائد " ٧/ ٢٧٨ و١٠/ ٢٥٨، ورواه أحمد ٤/ ٧٣ عن عبد الرحمن بن سنة. ورواه الطبراني في " الكبير " (٥٨٦٦) وفي " الصغير " ١/ ١٠٤ والدولابي في " الكنى " ١/ ١٩٢ و١٩٣ عن سهل بن سعد الساعدي، وقال الهيثمي في " المجمع " ٧/ ٢٧٨: ورجاله رجال الصحيح غير بكر بن سليم وهو ثقة، ورواه الطبراني في " الكبير " (١١٠٧٤) عن ابن عباس، وأورده الهيثمي في " المجمع " ٧/ ٣٠٩ ونسبه للطبراني في " الأوسط " و" الكبير " وقال: وفيه ليث بن أبي سليم وهو مدلس، كذا قال ولا نعلم أحدًا من الأئمة المتقدمين وصفه بالتدليس سواه وإنما ضعفوه لسوء حفظه، ويغلب على الطن أنه وهم في ذلك ثم رأيت الحافظ ابن حجر تعقب الهيثمي في زوائده على مسند البزار ورقة ٢٩٧ تعليقًا على قوله في المجمع ٣/ ٢٧ و٥/ ١٨٩ على ليث: ثقة ولكن مدلس، فقال: ما علمت أحدًا صرح بأنه ثقة ولا وصفه بالتدليس، وانظر " نظم المتناثر " للكتاني ص ٣٤ و٣٥، وقد شرح هذا الحديث شرحًا موسعًا ثلاثة من الأئمة الأعلام: شيخ الإسلام ابن تيمية، والإمام الأصولي النظار أبو إسحاق الشاطبي " صاحب " الموافقات "، والحافظ الفقيه ابن رجب الحنبلي، ولكل واحدٍ مشربٌ في شرحه، وهي جديرة بأن تنشر في كتاب واحد، ولعلنا فاعلون إن شاء الله.
(٢) هو أبو إسماعيل عبد الله بن محمد بن علي الهروي الحنبلي الصوفي، المتوفى سنة (٤٨١) هـ، وهو صاحب كتاب " منازل السائرين " الذي شرحه الإمام ابن القيم في ثلاث مجلدات ضخام، وقد تعقبه ﵀ في غير ما موضع، ونقده في أكثر من مسألة جانب فيها الصواب.
(٣) هذا الحديث رواه الهروي في " ذم الكلام " وهو غير مطبوع، ورواه ابن عساكر في " التاريخ " ٥/ ١٦١، في ترجمة حمزة بن محمد الجعفري، ففال: أخبرنا أبو القاسم عبد الواحد بن أحمد الهاشمي الصوفي، حدثنا أحمد بن منصور بن يوسف الواعظ الصوفي قال: =
[ ١ / ٢٢٦ ]
ابتداء الرد، وذكر المسالة الأولى التي عرض لها في الرد على دعوى شيخه في صعوبة الاجتهاد، وتعذره، وبيان سهولة ترقيه لطالبيه، والشروط التي لا بد منها في من يسمى مجتهدا
الكلام في المحاضرات والمراسلات والمناظرات والمحاورات، ومسالكه الأربعة
وهذه كلمة حق، وحكمة جاءت من مَعْدِنِها. فنسألُ الله أن يَجْبُرَ غُرْبَتنا فيه بسطوع أنواره، وظهور خوافيه، إنه جَوَاد كريم. وهذا حينَ أشرع في الجواب، والله الهادي إلى الصواب.
قال: " أما المسألة الأولى، وهي: سهولةُ تَرقِّي مَرْتبَة الاجتهاد.
فأقولُ: الاجتهاد مبني على أصول:
منها: معرفةُ صحيح الأخبارِ.
ومنها: معرفةُ التفسير المحتاج إليه من الكتاب والسُّنة.
ومنها: معرفةُ الناسخ والمنسوخِ.
ومنها: رسوخ في علوم الاجتهاد أيُّ رُسُوخٍ، وكُلٌّ منها صعبٌ شديد، مدركُهُ بعيد ".
أقول: الكلام في المحاضرات والمراسلات والمناظرات والمحاورات وإن تفاوتت مراتبُهُ، وطالت مساحبُهُ، وتباينت تراكيبُهُ، وتنوَّعت أساليبُهُ، واستنَّت فرسانُهُ في ميادينه الرحيبة، وافتنَّت نُقادُهُ في أساليبهِ العجيبَةِ، فمسالِكُهُ المستجادة: أربعةُ مسالك، ولا يليق التعدي إلى وراء ذلك.
_________________
(١) = سمعت أبا محمد جعفر بن محمد الصوفي يقول: سمعت الجنيد بن محمد الصوفي يقول: سمعت السري بن المغلس السقطي الصوفي عن معروف الكرخي الصوفي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب مرفوعًا وفي إسناده من لا يعرف وأورده السيوطي في " الجامع الكبير " ١/ ٥٦٧ وزاد نسبته إلى الديلمي والرافعي في " تاريخه "، وذكره الذهبي في " ميزانه " ٣/ ١٠٧ وحكم عليه بالوضع، وأقره الحافظ في " اللسان " ٤/ ١٨٧ والمناوي في " الفيض " ٤/ ٢٦٩.
[ ١ / ٢٢٧ ]
المسلك الأول: الدعاء الى الحق بالحكمة البرهانية والأدلة القطعية
المسلك الثاني: الجدلية
المسلك الثالث: الخطابية
المسلك الرابع: الوعظية، وهي نوعان:
المسلك الأوَّل: الدعاءُ إلى الحق بالحِكمة البُرْهانية، والأدلة القطعية، وهي أجلُّ المراتب، وأرفعُها، وأقطعُها للتشغيب، وأنفعُها، وعليها المدارُ في القطعي من علم المعقول، وعلم المنقول.
المسلك الثاني: الجدلية: وهي عبارة عن أقْيِسَةٍ مؤلَّفةٍ مِنْ مقدمات مشهورة؛ غير يقينية. وهي قضايا يُحْكَم بها لاعتراف الناس لمصلحةٍ عامة، أو رِقَّةٍ، أو حَمِيُّة، أو عادات، أو آداب. ولو خُلِّيَ الإِنسانُ ونفسُهُ -مع قطع النظر عمّا وراء العقل- لم يحكم بها، مثل قول البرَهْمي (١): " كشفُ العورة مذموم ". وقول الفلسفي: " تعذيب العاصي قبيح ". مستندين في ذلك إلى مجرد العادة، والرِّقَّة، وقد تصْدُقُ وتَكْذِبُ، والغرض منَ الجدل إقْنَاعُ القاصر عن درْكِ البُرهان، وإلزام الخَصم، هكذا ذكَرَهُ علماءُ هذا الفنِّ.
المَسْلك الثالث: الخطابية. قال المنطقيون: وهي قياساتٌ مؤَلَّفَةٌ مِنْ مقدماتٍ مقبولةٍ مِنْ شخص معتقد، أو مظنونة، وهي قضايا تُؤْخذ ممن يُعْتَقَد فيه مزيد عقل أو دين، كالموجودات من أهل العلم والزهد، أو مظنونات منْ سائر القرائن، مثل: فلان يطوف بالليل فهو سارق. والغرض مِن الخطابية، ترغيبُ السامع فيما ينفعه مِن تهذيب الأخلاق، وأمر الدين.
المسلك الرابع: الوعظية، وهي نوعان: التأليف والترغيب، والتخويف والترهيب، ولكلٍّ منهما مكانٌ يليق به، وحال يَصْلُح له، وَمِنْ ثَمَّ اختلَف السمعُ في ذلك؛ ففي موضعٍ يقولُ: ﴿وقُولا لَهُ قَولًا لَيِّنًا﴾
_________________
(١) البرهمي واحد البراهمة: وهم طائفة من مجوس الهند لا يجوزون على الله تعالى بعث الأنبياء، ويحرمون لحوم الحيوان.
[ ١ / ٢٢٨ ]
النوع الأول: نوع الأليف والترغيب
النوع الثاني: نوع التخويف والترهيب
[طه: ٤٤]، ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ منَ اللهِ ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وفي موضع: ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة: ١٢٣]، ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: ٦٣]، ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٨]. ومنْ ثمَّ مدح المؤمنين بالذِّلة في موضع، وبالعزَّةِ في موضع.
أما النوعُ الأول: وهو نوعُ التأليف والترغيب، فهو الدعاء إلى الحقِّ بالملاطفة، وَضرْبِ الأمثالِ، وحُسْن الخُلُقِ، ولِين القولِ، وحسنِ التَّصَرُّفِ في جَذب القلوب، وتَمييل النفوس. وهذا النوع أشهرُ مِنْ أن يُبَيَّنَ بِمثَال، وسوف يأتي في التنبيه السابع ذِكْرُ طرَفٍ يسيرٍ منْ أخلاق رسول الله - ﷺ - المَرْويَّة في هذا المعنى.
وأما النوع الثاني: وهو نوع التخويف والترهيب؛ وهو الدعاء إلى الحق بذكر الزواجر، وكشفِ غطاء المداهنة مع المخاطَب. وقد وردَ ذلك ورودًا كثيرًا، في السُّنةِ النبوية، والآثارِ الصحابية، وأخبار العِتْرةِ الزكية.
بل ورَد في كتاب الله تعالى، قال اللهُ -سبحانه- حاكيًا عن كليمه موسى -﵇-: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٨].
ومنْ ذلكَ قولُ يوسف لإخوته: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾ [يوسف: ٧٧] لَمَّا نسَبُوهُ إلى السَّرقة.
ومنَ الأحاديث الواردة في ذلك قولُ رسول الله - ﷺ - لأبي ذَر -﵁-: " إنَّك امرءٌ فيكَ جاهلية " (١) رواهُ البخاريُّ. ومنه:
_________________
(١) أخرج البخاري في صحيحه (٣٠) و(٢٥٤٥) و(٦٠٥٠)، ومسلم (١٦٦١) =
[ ١ / ٢٢٩ ]
حديثُ سَلَمة بن الأكوع، الثابت في صحيح مسلم أنَّ رجلًا أكَلَ بشِمالِهِ عند رسولِ الله - ﷺ - فَقَال: " كُلْ بيمينك " فقالَ: لا أستطيعُ. فقالَ: " لا استَطعْتَ " مَا مَنعهُ إلا الكبْرُ، قالَ: فما رَفعَها إلى فِيه (١). وهذا الرجلُ صحابيٌّ منْ أهلِ الإسلام، وهو بُسْر بن راعي العِير الأشجعي. ذكره النووي (٢). ومِنْ ذلكَ الحديث: " مَنْ سمعَ رجلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً في المسجدِ، فليقُلْ: لا رَدَّهَا الله علَيْكَ، فإنَّ المساجدَ لم تُبْنَ لِهَذا ". رواهُ مسلمٌ (٣) عن أبي هريرة. وروى مسلمٌ أيضًا عن بُريدة: أنَّ رَجلًا نشد في المسجد، فقال له النبيُّ - ﷺ -: " لَا وَجَدْتَ " (٤). ومنه الحديث: " إذَا رَأيْتُمْ مَنْ يبِيعُ أو يبْتَاعُ في المَسْجِدِ، فَقولُوا: لَا أرْبَحَ الله تجارتك " (٥)
_________________
(١) = من طريق المعرور بن سويد، قال: لقيت أبا ذر بالرَّبذَة وعليه حُلة وعلى غلامه حُلَّة، فسألته عن ذلك، فقال: إني ساببت رجلًا، فعيّرته بأمه، فقال لي النبي - ﷺ -: " يا أبا ذر أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتوهم فأعينوهم عليه " ورواه أحمد ٥/ ١٥٨ و١٦١، وأبو داود (٥١٥٧) والترمذي (١٩٤٥) والبغوي (٢٤٠٢).
(٢) هو في صحيح مسلم (٢٠٢١) في الأشربة: باب آداب الطعام والشراب.
(٣) في كتابه الأذكار ص ٢٦٢، وقد ورد اسمه مصرحًا به في رواية الدارمي ٢/ ٩٧، وعبد بن حميد، وابن حبان، والطبراني (٦٢٣٥) من طريق عكرمة بن عمار، عن إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه أن النبي - ﷺ - أبصر بسر بن راعي العير يأكل بشماله قال الحافظ في الإصابة ١/ ١٤٨ تعليقًا على قوله " ما منعه إلا الكبر ": واستدل عياض في شرح مسلم على أنه كان منافقًا، وزيفه النووي في شرحه متمسكًا بأن ابن منده وأبا نعيم وابن ماكولا وغيرهم ذكروه في الصحابة. وفي هذا الاستدلال نظر، لأن كل من ذكره لم يذكر له مستندًا إلا هذا الحديث، فالاحتمال قائم، ويمكن الجمع أنه كان في تلك الحالة لم يسلم ثم أسلم بعد ذلك.
(٤) (٥٦٨) في المساجد: باب النهي عن نشد الضالة في المسجد، ورواه أبو داود (٤٧٣) وأحمد ٢/ ٣٤٩ و٤٢٠، وابن ماجه (٧٦٧) وابن خزيمة (١٣٠٢).
(٥) رواه مسلم (٥٦٩) وابن ماجه (٧٦٥) والطيالسي (٨٠٤) وابن خزيمة (١٣٠١).
(٦) رواه الترمذي (١٣٢١) والدارمي ١/ ٣٢٦، وابن الجارود (٥٦٢) وابن السني (٥٥١) والبيهقي ٢/ ٤٤٧ وإسناده قوي، وصححه ابن خزيمة (١٣٠٧) وابن حبان (٣١٢) والحاكم ٢/ ٥٦، ووافقه الذهبي.
[ ١ / ٢٣٠ ]
من أحكام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
رواهُ الترمذيُّ عن أبي هريرة، وقال: حديث حسن. وهذه الأخبارُ عامةٌ في ناشدٍ الضَّالَّةِ، والبائع، والمبتاع، كائنًا مَنْ كان.
وقد ذكرَ النواويُّ فصلًا في كتاب " الأذكار " (١)، في أنه يجوز للآمرِ بالمعروفِ والناهي عن المنكرِ، وكُل مُؤَدِّب، أن يقول لمن يُخاطبه في ذلك: ويلك، ويا ضَعِيفَ الحال، ويا قليلَ النظر لنفسه، أو يا ظالِمَ نفسه، وأورد في ذلك أحاديثَ.
منها: حديثُ عَديِّ بنِ حاتِم، الثابت في صحيح مسلم (٢): أنَّ رجلًا خطب عند رسول الله - ﷺ - فقال: مَنْ يُطع اللهَ ورسولَه، فَقد رشد، ومَنْ يَعْصهِما، فَقد غَوى. فقال رسول الله - ﷺ -: " بِئْسَ الخَطِيبُ أنْت؛ قُلْ: ومَنْ يعْصِ الله ورسوله " (٣).
وروى فيه حديثَ جابرِ بنِ عبد الله: أن عبْدًا لحاطِبٍ جاء يشكو حَاطِبًا، فقال: يا رسُولَ الله ليدخلنَّ حَاطِبٌ النَّارَ. فقال رسول الله - ﷺ -: " كذبْتَ، لا يدْخُلها فإنَّهُ شهِد بدرًا والحُديبية " رواهُ مسلمٌ في الصحيح (٤).
_________________
(١) ص (٣٠٤).
(٢) (٨٧٠) وأخرجه أبو داود (٤٩٦٠) والنسائي ٦/ ٨٠، وأحمد ٤/ ٢٥٦ و٣٧٩ والطبراني ١٧/ ٩٨، والطيالسي (١٠٢٦) والبيهقي ٣/ ٢١٦.
(٣) وهذا النهي موجه لغير النبي - ﷺ -، فقد ورد عنه - ﷺ - هذا القول كما في حديث ابن مسعود في خطبة النكاح: " ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه " رواه أبو داود، وفي حديث أنس " ومن يعصهما فقد غوى " وهما صحيحان، وقال السندي في حاشية النسائي: قال الشيخ عز الدين: من خصائصه - ﷺ - أنه كان يجوز له الجمع في الضمير بينه وبين ربه تعالى، وذلك ممتنع على غيره، قال: وإنما يمتنع من غيره دونه، لأن غيره إذا جمع أوهم إطلاق التسوية، بخلافه هو، فإن منصبه لا يتطرق إليه إيهام ذلك.
(٤) رقم (٢١٩٥)، ورواه أحمد ٣/ ٣٢٥، وعبد الرزاق (٢٠٤١٨) والترمذي (٣٩٥٦) والطبراني (٣٠٦٤).
[ ١ / ٢٣١ ]
وذَكَرَ فيه قولَه -﵇- لِصاحب البَدنةِ: " ويلَك ارْكَبْها " (١).
وقوله -﵇- لذي الخُويصرة: " ويلك فَمنْ يَعْدلُ إنْ لَمْ أَعْدِلْ " (٢).
ومِنَ الآثار في ذلك: ما روي من قولِ علي -﵇-: " قَبَّحَ اللهُ مَصقلة، فعَلَ فِعْلَ السادة، وَفرَّ فِرارَ العبيد. فما أنطقَ مادحه حتى أسكته، وما صدق واصفه حتى بكَّتَهُ ". ذكره في " النَّهْجِ " (٣). وما رُوي من قوله -﵇-: لابن عباس -﵄-: إنك امرؤ تائِه. -حين راجعه في المُتْعَة-، وكلامُ عليٍّ -﵇-: لأصحابه، في " النَّهْج " مشهور، وفيه من هذا القبيلِ شيءٌ كثير.
وَمِنَ الأثارِ في ذلك: أَثرُ عبد الرحمن بن أبي بكر. وفيه: أن أباه
_________________
(١) رواه البخاري (١٦٨٩) و(١٧٠٦) و(٢٧٥٥) و(٦١٦٠) ومالك ١/ ٣٧٧، ومسلم (١٣٢٢) وأحمد ٢/ ٣١٢ و٤٧٤ و٤٨٧ و٥٠٥، والنسائي ٥/ ١٧٦، والبغوي (١٩٥٤).
(٢) رواه من حديث أبي سعيد الخدري البخاري (٦١٦٣) و(٣٣٤٤) و(٣٦١٠) و(٤٣٥١) و(٤٦٦٧) و(٥٠٥٨) و(٦٩٣١) و(٦٩٣٣) و(٧٤٣٢) و(٧٥٦٢) ومسلم (١٠٦٤) وعبد الرزاق (١٨٦٤٩) والبغوي (٢٥٥٢) وابن ماجه (١٧٢) وأحمد ٣/ ٦٨ و٧٣، وابن أبي عاصم في السنة (٩١٠) وأبو داود (٤٧٦٤).
(٣) أي نهج البلاغة، قال الإمام الذهبي في " ميزان الاعتدال " ٣/ ١٢٤ في ترجمة الشريف المرتضى علي بن الحسين العلوي الحسني: وهو المتهم بوضع كتاب " نهج البلاغة " وله مشاركة قوية في العلوم، ومن طالع كتابه نهج البلاغة، جزم بأنه مكذوب على أمير المؤمنين علي ﵁، ففبه السبُّ الصراح، والحط على السيدين: أبي بكر وعمر ﵄، وفيه من التناقض والأشياء الركيكة، والعبارات التي من له معرفة بنَفس القرشيين الصحابة وبنفسِ غيرهم ممن بعدهم من المتأخرين جزم بأن الكتاب أكثره باطل. ومصقلَةُ هذا: هو مصقلة بن هبيرة بن شبل الثعلبي الشيباني من بكر بن وائل، قائد من الولاة، كان من رجال علي بن أبي طالب، وإقامه علي عاملًا له في بعض كور الأهواز، وتحول إلى معاوية بن أبي سفيان في خبر أورده المسعودي، فكان معه في صفين انظر الأعلام ٧/ ٢٤٩.
[ ١ / ٢٣٢ ]
ضَيَّف جماعةً، وأجلسهم في منزله، وانصرف إلى رسول الله - ﷺ - فتأخر رجوعُهُ. فقالَ: أَعَشَّيتُموهم؟ قالوا: لا. فأقبل على ابنه عبد الرحمن، فقال: يا غُنثَرُ، فجدَّع وسبَّ (١). وفي هذا المعنى أخبارٌ كثيرةٌ، وآثارٌ واسعةٌ لا سبيلَ إلى استقصائِها.
وهذا النوعُ أقسامٌ: منه ما يقع مع أهل المعاصي، ويتضمَّنُ الذَّمَّ لهم، والدعاء عليهم. وهذا القسم لا يكون في هذا الجواب منه شيءٌ - إن شاء الله تعالى-، لأن هذا الجواب خطاب لأهل العلم والمراتب الشريفة.
ومنه ما يكونُ مع أهل العلم والفضل، ولكن على سبيلِ التأديبِ، مثل قوله - ﷺ - لأبي ذَر: " إنَّك امرؤٌ فيك جَاهِلِيةٌ " (٢). وقول عليٍّ -﵇- لابنِ عباس: إنكَ امرؤٌ تائه (٣). فهذا أيضًا لا يكون -في هذا الجواب- منه شيءٌ؛ لأنَّ المُجيبَ أحقرُ مِنْ أن يؤدِّبَ مَنْ هو أجلُّ مِنهُ وأكبر، بل هو بأن يُؤدَّبَ أحقُّ وأجدرُ.
ومنه ما يكونُ على جهة التنبيه -لأهل الفضل والعلم- بقوارعِ الكلام
_________________
(١) رواه البخاري (٦٠٢) و(٣٥٨١) و(٦١٤٠) و(٦١٤١) ومسلم (٢٠٥٧) وأحمد ١/ ١٩٨. وقوله: يا غنثر، ضبطه النووي بغين معجمة مضمومة ثم نون ساكنة، ثم ثاء مثلثة مفتوحة ومضمومة: وهو الثقيل الوخم، وقيل: هو الجاهل، مأخوذ من الغثارة بفتح الغين المعجمة وهي الجهل والنون زائدة، وقوله: فجدَّع أي، دعا عليه بالجدع وهو قطع الأنف وغيره من الأعضاء.
(٢) تقدم تخريجه ص (٢٢٩ - ٢٣٠).
(٣) رواه النسائي ٦/ ١٢٥ - ١٢٦ من طريق عمرو بن علي، عن يحيى، عن عبيد الله بن عمر، قال، حدثني الزهري، عن الحسن وعبد الله ابني محمد بن علي، عن أبيهما أن عليًا بلغه أن رجلًا (هو ابن عباس) لا يرى بالمتعة بأسًا، فقال: إنك تائه، إنه " نهي رسول الله - ﷺ - عنها وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر ". وهذا إسناد صحيح، والتائه: الحائر الذاهب عن الصراط المستقيم.
[ ١ / ٢٣٣ ]
شروط الزجر بالألفاظ القاسية
الموقظة -على سبيل الحِدَّة في المَوْجدَه والموعظة- وهذا قد يدخلُ منه شيءٌ في الجواب، لأنه لا أحد بأحقر من أن يقول لغيره: اتق الله، ولا أحد بأكبر من أن يقال له: اتَّقِ الله.
واعلم أن للزجر والتخويف بالألفاظ الغليظة شروطًا أربعة:
شرطين في الإباحة، وهما: أن لا يكون المزجور مُحِقًَّا في قوله أو فعله، وأن لا يكون الزاجرُ كاذبًا في قولهِ، فلا يقول لِمن ارتكب مكروهًا: يا عاصي، ولا لِمَن ارتكب ذنبًا لا يعلم كِبْرَهُ (١): لا فاسق، ولا لصاحب الفسق -مِنَ المسلمين-: يا كافر. ونحو ذلك.
وشرطين في النَّدب، وهما: أن يظنَّ المتكلمُ أنَّ الشدَّة أقربُ إلى قبولِ الخَصْمِ للحقِّ، أو إلى وضوحِ الدليلِ عليه، وأن يفعلَ ذلك بنيَّةٍ صحيحةٍ، ولا يفْعَلُهُ لمجردِ داعيةِ الطبيعة.
فإن قلتَ: فكيف تكونُ الشِّدةُ أَقربَ إلى القبول؟ قلت: قد يكونُ كذلك -في بعض المواضع- مثل أن يقع مع الصالح الخاشع المتواضع، وذلك قليل.
إذا عرفَت هذا، فاعلم أنه لَمَّا كان الكلام في المراسلات لا يكاد يخلو مِنْ هذه المسالك الأربعة، أحببتُ التعريف بها، خوفًا مِمَنْ لا يعرف هذا الشأن، وممَّن لم يتدرَّبْ في هذا الميدان يحْسِبُ أنِّي حين أذكر الطريقة الخطابية، والأمثال الوعظية، قد اكتفيتُ بها عن إيرادِ الأدلةِ
_________________
(١) كبر الشيء بكسر الكاف: معظمه، ومنه قول قيس بن الخطيم: تنامُ عَنْ كِبْرِ شأنها فإذا قامت رويدًا تكاد تنغرِفُ وفي كتاب الله ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ قال ثعلب: يعني معظم الإفك.
[ ١ / ٢٣٤ ]
الرد على كلام السيد في تفنيده الاجتهاد، ومنع القول بسهولته، والجواب عليه من أحد وعشرين تنبيها
التنبيه الأول: بقول مستغرب في تسهيل الاجتهاد في عبارة السيد المردود عليه رمي للمؤلف
العلمية، والبراهينِ القطعية، واهمًا أني لا أسبحُ إلا في شريعة هذا الفرات، ولا أجري إلا في ميادين هذه العبارات، ولا يدري أني قد أصَبتُ مَحَزَّ (١) الإصابة، ووضعتُ الهِناء (٢) مواضِع النُّقْبِ. ولكل مقام مقالٌ، لا يَلِيقُ سواه بمقتضى الحال. وإنما المجيب يقفو آثارَ مَنِ ابتداه، ويتكلَّم على كلامه (٣) بمقتضاه. فحين يتكلم المبتدىءُ في المواضع الخطابية، والمسالك الجدلية، أغزو مغزاه، وأسْتنُ في مجراه، وحين يتكلَمُ في الأدلة القطعية، والبراهين القوية، أقفو على آثاره، وأعشُو (٤) إلى ضوءِ ناره، وهذا هو حكمُ المجيب. فليس بملومٍ على ذلك، ولا معيب.
وإذْ قدْ عرفت هذه المقدَمة، فلنشرعْ في الجواب على ما تقدم - من كلام السيِّد -أيَّده الله- في تفسير الاجتهاد، ومنع القول بسهولته.
والجواب على ما تقدَّم مِنْ كلامه يَتمُّ بذكر أحدٍ وعشرين تنبيهًا.
التنبيه الأول: في عبارة " السيد " -أيده الله- رَمي لي بقولٍ مستغرَب في تسهيل الاجتهاد، ورأي مستطرَف يُجانِبُ مذاهب النقاد، ولم أعلم لي في ذلك مذهبًا غريبًا، ولا رأْيأ حديثًا، وأنا أَشْترطُ في الاجتهاد ما يَشْتَرطُهُ غيري من أهلِ المذهبِ (٥) وغيرهِم -كما سيأتي بيان ذلك-. ولا
_________________
(١) المحز: هو موضع الحز، يقال: تكلم فأصاب المحَز: إذا تكلم فأقنع.
(٢) الهناء: القطران، والنُّقْب والنُّقَبُ: القطع المتفرقة من الجرب، الواحدة نقبة، وفي شعر دريد بالخنساء: مُتَبَذِّلًا تبدُو محاسِنُه يضعُ الهناءَ مواضِعَ النُّقْب وفلان يضع الهناء مواضع النقب: إذا كان ماهرًا مصيبًا.
(٣) في (ب): على آثاره.
(٤) يقال: عشا إلى النار: إذا رآها ليلًا علي بعد فقصدها مستضيئًا بها، قال الحطيئة: متى تأتِه تعشُو إلى ضوءِ نَارِهِ تجدْ خيرَ نارٍ عندَها خيرُ مُوقِد
(٥) أي: المذهب الزيدي.
[ ١ / ٢٣٥ ]
بيان إخلال السيد بقاعدة كبيرة هي أساس المناظرة، وهي: إيراد كلام الخصم، بلفظه أولا، ثم التعرض لنقضه ثانيا، ولأهل العلم في ذلك مذهبان:
المذهب الأول: أن يورد كلام الخصم بنصه فيتخلص من التهمة بتغييره ونقضه
معنى لِمراسَلتي ومناظرتي في ذلك، لأنَّ المراسلةَ فرعُ المخالفةِ، ولمْ يكن الأصل مني -وهو المخالفة- فيكونُ الفرعُ من " السَّيدِ "؛ وهو المراسلةُ والمناظرةُ.
وقد أَخلَّ " السيِّدُ " -أَيَّدَهُ الله- بقاعدَةٍ كبيرةٍ؛ هي أساسُ المناظرة، وأصلُ المراسلة، وهي: إيرادُ كلام الخصْم " بلفظه " أوَّلًا، ثم التَّعَرُضُ لِنَقْضِه ثانيًا. وهذا شيء لا يَغْفُلُ عنه أحدٌ من أهل الدِّرْيةِ (١) بالعلوم، والخوض في الحقائق، والممارسة للدَّقائق، وإنما تختلِف مذاهبُ النُّقادِ في ذلك، ولهم فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن يُورِدَ كلامَ الخصْمِ " بنَصِّه "، ويتخلَّص من التُّهمة بتَغْييره وَنقصهِ. وهذا هو المذهبُ المرتضى عند أمراءِ الفنونِ النظريةِ، وأَئِمةِ الأساليبِ الجدَلية.
وقد عاب عبد الحميد بن أبي الحديد (٢) على قاضي القضاة (٣)؛ أنه
_________________
(١) الدرية كالدراية، يقال: درى الشيء دَريًا ودِريًا، ودِرية، ودرْيانًا ودِراية: علمه.
(٢) هو عبد الحميد بن هبة الله بن محمد بن محمد بن أبي الحديد المدائني صاحب شرح نهج البلاغة الغالي في التشيع، ولد بالمدائن سنة ست وثمانين وخمس مئة، ثم صار إلى بغداد، فكان أحد الكتاب والشعراء في الديوان الخليفي، وكان حظيًا عند الوزير ابن العلقمي لما بينهما من المناسبة والمقاربة والمشابهة في المشرب والمذهب والأدب. توفي ببغداد سنة ٦٥٥ هـ. انظر " فوات الوفيات " ٢/ ٢٥٩، والبداية لابن كثير ١٣/ ١٩٩.
(٣) هو عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمذاني الأسدابادي، شيخ المعتزلة في عصره، وهم يلقبونه قاضي القضاة، ولا يطلقون هذا اللقب على غيره، قال الخطيب في تاريخه ١١/ ١١٣: كان ينتحل مذهب الشافعي في الفروع ومذاهب المعتزلة في الأصول، وله في ذلك مصنفات، وولي قضاء القضاة بالري، وورد بغداد حاجًا وحدث بها. وقال الإمام الذهبي: صنف في مذهبه -أي: الاعتزال- وذب عنه، ودعا إليه، وله مقالة محكية في كتب الأصول، وصنف دلائل النبوة، فأجاد فيه وبرز، أرخ وفاته السبكي في " طبقات " ٥/ ٩٧ سنة خمس عشرة وأربع مئة.
[ ١ / ٢٣٦ ]
المذهب الثاني: في نقض كلام الخصوم: أن ينقلوا مذاهبهم بالمعنى
ينْقُضُ كلامَ السيِّدِ المرتضى (١) في مراسلات دارت بينهما، ولا يُورِدُ لفظَهُ ولا يَنُصُّ.
واعلم: أن تركَ كلام الخَصْمِ ظلٌم لَه ظاهرٌ وحَيْفٌ عليهِ واضح، لأنَّهُ إنَّما تكلَّم، ليكونَ كلامُه موازنًا لكلام خصْمِهِ في كفَّةِ المِيزان الذهني، وموازيًا له في جولة الميدان الجَدَلي، لأنَّ المُنْفَرِدَ يرجحُ في الميزانِ، وإن كان خفيفًا، ويسبِقُ في الميدان، وإن كان ضعيفًا. وهذا كُلُّهُ إذا كان للخصمِ كلامٌ يُحْفَظُ، واختيارٌ يصِحُّ أنْ يُنقَض، فمِنَ العدلِ بيانُ قوله، وحكايةُ لفظهِ، وأما إذا لم يكن له مذهبٌ ألبَتَّة، وإنما وُهِمَ عليه في مَذْهبهِ، ورُميَ بما لم يَقُلْ به، فهذا ظُلم على ظُلْمٍ، وظلماتٌ بعْضُها فوق بعض.
المذهب الثاني: من مذاهب النُّقاد في نقضِ كلامِ الخُصُوم: أن يحكوا مذاهبَهم بالمعنى، وفي هذا المذهب شَوبٌ مِن الظلم، لأن الخصمَ قد اختار له لفظًا، وحرَّرَ لدَليلهِ عبارةً ارتضاها لبيان مقصدِهِ، وانتقاها لكيفيةِ استدلاله، وتراكيبُ الكلامِ متفاوتة، ومراتبُ الصِّيغ متباينة، والألفاظُ معاني المعاني، والتراكيبُ مراكيبُ المتناظرين، وما يرْضى المبارزُ لِلطِّرادِ بغير جواده، ولا يرضى الرافعُ للبناء بغيرِ أساسه، مع أن قطعَ الأعذارِ من أعظمِ مقاصدِ النُّظَار.
وهذه الأمور لم تكن مظالم شرعيَّة، وحقائق حِسِّيَّة، فهي آدابُ بينَ المتناظرين رائقة، ولطائفُ بين المتأدبينَ لائِقة، ومراقٍ إلى العدل
_________________
(١) هو علي بن الحسين بن موسى العلوي أخو الشريف الرضي، كان يلقب ذا المجدين، وكانت إليه نقابة الطالبيين، وكان شاعرًا مكثرًا له تصانيف على مذاهب الشيعة. توفي سنة ست وثلاثين وأربع مئة.
[ ١ / ٢٣٧ ]
والتناصف، وَدَواعٍ إلى الرفقِ والتعاطف. وكل ما خالَفَها من الأساليبِ فارقَ حظَّهُ من هذه الآدابِ الحسان، وكلُّ منْ جانبها من المتناظرين علقته رائحة من قول حسَّان:
إنَّ الخَلَائقَ فَاعْلَمْ شرُّهَا البِدَعُ (١)
استدراك: ما كان من أقوال الخصومِ معلومًا بالضرورة، لا تفاوت العبارات في إعطاءِ معناه؛ كبعض مذاهب المعتزلة والأشاعرة، وسائر الطوائف، فإنها معلومةٌ بالتواترِ، مأمون من منازعةِ أربابها فيها، فلا شين على الخصمِ إذا ذهبَ هذا المذهب في حكايتِها -بالمعنى- إذ لم يكن في معناها غُموضٌ تفاوتُ -في الكشف عنه- العبارات.
والعجبُ أن السيِّد -أَيَّدَه الله- مع ما لَه من جلالةِ القدر والخطر، ومع قطعِ عُمُرهِ في علومِ الجَدَلِ والنظر، أَهْملَ هذا المهمَّ الجليل، وغَفَلَ عن هذا الأصلِ العظيم، فظلمني حظي، ولم يأت بلفظي؛ حتى أُحاميَ عنه، وأُبيِّنَ فسادَ ما أَخَذهُ منه. وإنما تُقَرَّرُ الأُمور على مبانيها، وتُفَرَّعُ العلوم على مباديها، والفرعُ من غير أصل كالبناء من غير أساس، والجواب من غير مبتدأٍ كالطُّنْبِ (٢) من غيرِ عمود.
أيها السَّيِّد: كم جمعتَ عليَّ في هذه الدعوى مظالم، وادعيت عليَّ وأنا (٣) غائب، ولم تأت ببينة، وحكمت لنفسك، ولم تَنْصِبْ لي وكيلًا،
_________________
(١) عجز بيت، وصدره: سجية تلْك منهم غيْرُ مُحْدَثه. وهو في ديوان حسان ص (١٤٥) من قصيدة مطلعها. إن الذَّوائب منْ فهرٍ وإخوتهم قدْ بيَّنُوا سُنَّة للنَّاس تُتَّبَعُ
(٢) الطُّنْبُ والطُّنُبُ: جل طويل يُشد به البيت والسُّرادق بين الأرض والطرائق، وقيل: هو الوتد، والجمع أطناب وطِنَبَة.
(٣) في ب: وأنت.
[ ١ / ٢٣٨ ]
التنبيه الثاني: في الاجتهاد: هل هو متعسر أو متيسر، وبيان أنه للذكي متيسر ومن فقد الخصائص متعسر، والاستدلال بالآثار.
ولم تجعل بيني وبينكَ حكمًا. فضربت خَيمةَ الدَّعوى على غير عمودٍ ولا طُنُبٍ، ورفعتَ سقفَ الحكومة على غيرِ أساسٍ ولا خُشُب.
التنبيه الثاني: المراجعةُ في أنَّ الاجتهادَ مُتَعَسَرٌ أو مُتيَسِّر من غرائب الأساليب المُتَعَسِّفَة، لأن مقاديرَ التَّسَهُّلِ والتَّعَسُّر غيرُ مُنْضَبِطَةٍ بحَدٍّ، ولا واقفةٌ على مِقْدار، ولا جاريةٌ على قِياس، ولا يصحُّ في معرفة مقاديرها برهانُ العقل ولا نصُّ الشرع، ولا يعرف مقاديرُها بكيلٍ ولا وزن، ولا مساحةٍ ولا خَرْصٍ، فإن من قال: إن حفظ القرآنِ علَيَّ متعسِّرٌ أو متيسِّرٌ، أو حفظَ الفقه، أو طلبَ الحديث، أو الحجَّ، أو الجهاد، أو غيرَ ذلك، كلُّ من ادعى سهولةَ شيءٍ منها -عليه- أو مشقته، لم يعقد له مجلسُ المناظرة، ويُطالب بالبراهين المنطقية، لأن الذي ادَّعاه أمرٌ ممكن، وهو يختلِفُ باختلاف الأشخاص والأحوال، فقد يكون متسهِّلًا على بعض الناس، متعسِّرًا على غيره.
فطلبُ العلم متسهلٌ على ذَكيِّ القلبِ، صادقِ الرَّغبةِ، خَليِّ البالِ عن الشواغلِ، الواجدِ للكتب المفيدة، والشيوخ المُبَرِّزِين، والكفايةِ فيما يحتاج إليه، ونحو ذلك من كثرة الدواعي، وَقِلَّةِ الصوارف.
وطلبُ العلمِ متعسِّرٌ على مَنْ فقد هذهِ الأشياءَ كلَّها، وابتُلِيَ بأضدادها، وبينهما في التَّيسُّرِ والتَّعسُّر درجاتٌ غيرُ منحصِرَةٍ، ومراتبُ غيرُ منضبطةٍ، وبينَ النَّاس من التفاوت ما لا يُمْكنُ ضَبْطُهُ ولا يَتَهَيَّأ، وأين الثَّرى من الثُّريَّا!.
وجامدُ الطبع، بليد الذِّهْنِ؛ إذا سَمِعَ من يدَّعي سهولَة ارتجال القصائد والخُطَب، وتحبير الرسائلِ والكتُب، توهم أنه بمنزلةِ من يدعي
[ ١ / ٢٣٩ ]
إحياءَ الموتى، وإبراءَ الأكمه والأبْرَص، وكذلك الضَّعيفُ الزَّمِن إذا سمعَ من يدَّعي سهولةَ حملِ الأشياءِ الثَّقيلة، وعمل الأعمالِ الشاقَّة. وكذلك الجَبان الفشل (١)؛ إذا سمع من يدعي سهولَة مقارعةِ الأقران، ومنازلة الشُّجْعان.
ولم نعْلَمْ أنَّ أحدًا سَنَّ المناظرةَ في دعوى سهولة شيءٍ أو تَعسُّره؛ وسواء كان ذلك الشيء من قِبل العلمِ أو العمل، أو الفضائل أو (٢) الصناعات، مهما كان ذلك الشيء المدعى من جِنْسِ المقدورات. وليت شعري! كيف يكون تركيب المقدمات على أن غيبَ القرآن، أو قراءَة الحديث، أو نحو ذلك: مُتَسَهِّلٌ أو مُتَعسِّرٌ؟! فإن قيل: لم يَزلِ العلماءُ يختبرون الأئمة في الاجتهاد، ويُناظرونهم؟ قُلنا: وأين هذا مما نحن فيه، إنما كلامنا فيمن ادعى أن طلب الاجتهاد سهلٌ على من أراده، ولم يَدَّعِ أنَّه مجتهد. وكذا مَن ادَّعى: أن غيب القرآن سهلٌ، ولم يَدَّعِ أنه مُتَغيِّب. فإنا ما علمنا أن أَحدًا ترسَّل على من ادعى شيئًا من ذلك حتى يكشِف ما ادعاه من الجهالة، ويهديه إلى الحقِ، ويصدَّهُ عن الضَّلالة، ويطوِّفَ في الرد عليه في المحافل، وُيسيِّر الجواب عليه إلى المدارس.
ومثل هذا لا يحتاج إلى تطويل العبارة، بل ولا يحتاجُ إلى الإيماءِ والإشارة، لكن أحْوَج إليه كثرةُ التَّعسُّف.
وإذا عرفتَ هذا، فنقولُ للسيِّد -أيَّده الله-: ما مرادُك بتعسُّرِ الاجتهادِ، أو تعَذُّرِه، وتصدير الرسالة بالإنكار لسهولته، والاحتجاج
_________________
(١) الفشل: هو الضعيف الجبان، يقال: فَشِلَ الرجل فَشَلًا، فهو فَشِلٌ: كَسِلَ وضعف، وتراخى وجبن.
(٢) في ب: و.
[ ١ / ٢٤٠ ]
الكلام على حديث علي: " ما أسر إلي رسول الله - ﷺ - شيئا كتمه عن الناس "
الطويل على ذلك؟ هل تريدُ أنه متعسِّرٌ على الخصم الذي كتبتَ إليه، وأوردتَ الأدلةَ عليه؟ فَلسْتُ أُنكرُ عليك هذا، فربما رأيتَ من قصورِ هِمَّتي، وعدم صلاحيتي؛ ما يقضي بذلك، فتكلمت بِما علمت، ولا لوْمَ عليك في ذلك، ولا حَرَجَ، ولكن ما هذا ممّا يحتمل إنشاءَ الرسائلِ، ولا يليقُ في مثله طَلبُ البرهان والدلائل، وإن كنت تريد أن ذلك عسيرٌ على الناسِ كلهم -كما هو ظاهرُ كلامِك، ومفهومُ خطابك- فذلك لا ينبغي صدُوره منْ مِثلِكَ، ولا يَليقُ بفهمك وفضلِك، فإنَّكَ قد عرفتَ أحوالَ الناسِ وتفاوتَها إلى غير حدٍّ، وتباينها إلى غيرِ مقدار، واعْتبِر أحوال الناسِ في قديمِ الزمان وحديثهِ، وبعيدهِ وقريبه.
هذا أميرُ المؤمنين -﵇- اخْتُصَّ مِنْ بَيْنِ الصحابة والقرابة بالعلم الذي لم يُمَاثَلْ فيه، ولم يُشارك ولم يُشابَه فيه، ولم يُقارَبْ، بحيث إنه لم يُعْلَمْ -بعدَ الأنبياء ﵈- نَظيرٌ لهُ في عِلْمِهِ؛ الذي حَيَّرَ العقول، وأسكت الواصفين، فما كأنَّه نشأ في جزيرة العرب العرباء، ولا كأنَّهُ إلا مَلَكٌ نَزَل من السماء، على من درس علوم الأذكياء، وتَلْمَذ في مغاصات الفطناء؟! إنما هي مِنحٌ ربانية، ومواهبُ لَدُنِّيَّة. ولكثرة علمه -﵇- اتُّهِم أن رسولَ الله - ﷺ - أخبره مِن الشريعة بما أَخفاه عن الناس، فسأله رجلٌ: ما الذي أسرَّ إليك رسولُ الله - ﷺ -؟ فغَضِبَ وقال: واللهِ ما أسرَّ إليَّ رسولُ الله - ﷺ - شيئًا كَتَمَهُ عنِ الناسِ، وإنما عندنا كتابُ الله، وشيء من السُّنَّة ذكره ﵇، أو فهم أُوتيهِ رَجُلٌ (١).
_________________
(١) رواه البخاري (١١١) و(٣٠٤٧) و(٦٩٠٧) و(٦٩١٥) وأحمد ١/ ٧٩، والطيالسي (٩١)، والدارمي ٢/ ١٩٠، والنسائي ٨/ ٢٣، وابن الجارود (٧٩٤) وابن ماجه (٢٦٥٨) والبيهقي ٨/ ٢٨ من طريق أبي جحيفة -وهب بن عبد الله السوائي- قال: =
[ ١ / ٢٤١ ]
وهذا مع صحة إسناده؛ صحيح المعنى، فإنه ليس يجوزُ على النبي - ﷺ - أن يُسِرَّ شيئًا من أمرِ الشريعة، فإنه بُعِثَ مبينًا للناس، وإنما كان يسرُّ إليه شيئًا من الملاحم والفِتن، ونحو ذلك مما لا يتعلق بالحلالِ والحرامِ، وشرائع الإسلام، فقد أوضحَ أميرُ المؤمنين -﵇- في كلامه هذا: أن فَضْلَهُ في ذلك على القرابة والصحابة ومَنْ عدا الأنبياء والمرسلين من الناس أجمعين، إنما كان بالفهمِ الذي آتاه الله. وأما القرآن الذي كان معه -﵇- والأخبارُ النبوية، فإنه يُمْكِنُ غيْرُهُ معرفةَ ذلك، ولكن ما
_________________
(١) = قلت لعلي: هل عندكم شيء من الوحي إلا ما في كتاب الله؟ قال: لا والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة ما أعلمه إلا فهمًا يُعطيه الله رجلًا في القرآن، وما في هذه الصحيفة، قلت: وما في الصحيفة؟ قال: " العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر ". قال الحافظ ابن حجر في " الفتح " ١/ ٢٠٤: وإنما سأله أبو جحيفة عن ذلك، لأن جماعة من الشيعة كانوا يزعمون أن عند أهل البيت -لا سيما عليًا- أشياء من الوحي خصهم النبي - ﷺ - بها لم يطلع غيرهم عليها. وقد سأل عليًا عن هذه المسألة أيضًا قيس بن عُبَادَ والأشتر النخعي، وحديثهما في مسند النسائي. وروى البخاري (١٨٧٠) و(٣١٧٢) و(٣١٧٩) و(٦٧٥٥) و(٧٣٠٠) من طريق إبراهيم التيمي، عن أبيه، قال: خطبنا علي ﵁ على منبر من آجر وعليه سيف فيه صحيفة معلقة، فقال: والله ما عندنا من كتاب يقرأ إلا كتاب الله وما في هذه الصحيفة فنشرها، فإذا فيها أسنان الإبل، وإذا فيها: " المدينة حرم من عير إلى كذا، فمن أحدث فيها حدثا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا، وإذا فيه: ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلمًا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا، وإذا فيها: من تولى قومًا بغير إذن مواليه، فعليه لعنة الله، والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا ". وأخرج أحمد ١/ ١١٨ و١٥٢، ومسلم (١٩٧٨) في الأضاحي من حديث أبي الطفيل عامر بن واثلة، قال: سئل علي: أخصكم رسول الله - ﷺ - بشيء؟، فقال: ما خصنا رسول الله - ﷺ - بشيء لم يعم الناس كافة إلا ما كان في قراب سيفي، قال: فأخرج صحيفة مكتوب فيها: " لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من غير منار الأرض، ولعن الله من لعن والده، ولعن الله من آوى محدثا " وأخرج عبد الله بن أحمد ١/ ١٥١ بإسناد صحيح بل هو من أصح الأسانيد عن الحارث بن سويد، قال: قيل لعلي: إن رسولكم كان يخصكم بشيء دون الناس عامة؟ قال: ما خصنا رسول الله - ﷺ - بشيء لم يخص به الناس إلا بشيء في قراب سيفي
[ ١ / ٢٤٢ ]
يُمْكِنُ غيرُهُ أن يفهمَ مِن ذلك مثلَ فهمه، ولا يستنبط منه مثلَ استنباطه (١)، وكذلك سائرُ الصحابة كانوا في ذاتِ بينهم متفاضلين، فلم يكن أبو هريرة في الفقه مثلَ معاذ، ولا كان معاذ في الرواية نظيرَ أبي هريرة، وكان زيدٌ أَفْرضهم، وأُبيٌّ أقرأهم، ومعاذ أفَقهَهُم (٢)، وكذلك أَحوالُ الخلق منْ بعدهم من السَّلفِ والخَلَفِ.
وكم عاصرَ أئمة العترة -﵈- من طلاب للعلم، مجتهد في تحصيله فلم يبلغ مَبْلَغهُم، ولا قارب شأوَهم. وكذلك عاصرَ أئِمةَ الحديث والفقهِ والعربيةِ، وسائرِ العلوم: من لا يأتي عليه العدُّ، فلم يبلغ المقصود، ويتميز عن (٣) الأقران إلا أفراد من الخلق، وخَواص مَنحهم اللهُ -تعالى- الفهمَ والفِطْنَة، وآتاهم الفقهَ والحِكْمَةَ، ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩].
وقد فاضلَ اللهُ -تعالى- بينَ الأنبياء -﵈-: قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]. وقال
_________________
(١) ألفاظ الأثر تعم ولا تخص أمير المؤمنين ﵁: " ما أعلمه إلا فهمًا يعطيه الله رجلًا في القرآن " " ما علمته إلا فهمًا يعطيه الله رجلًا في القرآن " " إلا أن يرزق الله عبدًا فهمًا في كتابه " " أو فهم أعطيه رجل مسلم " " إلا فهمًا يعطى رجل في كتابه ".
(٢) بشهادة الصادق المصدوق - ﷺ - في الحديث الصحيح الذي رواه عنه أنس بن مالك ولفظه بتمامه: " أرحم أمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأفرضهم زيد، وأقرؤهم أُبيّ، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، ولكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح " أخرجه أحمد ٣/ ١٨٤ و٢٨١، والترمذي (٣٧٩٣) وابن ماجة (١٥٤) والطحاوي في " مشكل الآثار " ١/ ٣٥، والطيالسي (٢٠٩٦) وابن سعد ٣/ ٢/٦٠، وأبو نعيم ٣/ ٢٢٢، والبغوي (٣٩٣٠) وصححه ابن حبان (٢٢١٨)، (٢٢١٩) والحاكم ٣/ ٤٢٢ ووافقه الذهبي.
(٣) في أ: على.
[ ١ / ٢٤٣ ]
تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩]
فهذا تفضيلٌ في الفهم بَيْنَ سليمان وداود -﵉-، مع الاشتراكِ في النبوة، والتفاوت ما بيْنَ الأُبوة والبنوة.
وكذلك قد فَاضَلَ اللهُ بينَهم فيما دُونَ هذه المرتبة، وهي مرتبةُ البيان، ووضوحِ العبارة، مثلَ ما نصَّ عليه من إيتاءِ داود فصلَ الخطاب، ومثل قول موسى في أخيه -﵉- ﴿هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ [القص
ص: ٣٤].
وعمودُ التفاوتِ الذي يدورُ عليه، وميزانُهُ الذي يُعتبر به في أغلب الأحوال هو: التفاوت في صِحَّة الفَهْمِ، وصفاء الذِّهن، واعتدالِ المِزَاج، وسلامةِ الذوق، ورُجحانِ العقل، واستعمالِ الِإنصاف. فهذه الأشياء هي مبادىء المعارف، ومباني الفضائل ولأجلها يكون الرجلُ جوادًا من غير إسراف، وشجاعًا من غير تَهوُّر، وغنيًا من غير مال، وعزيزًا من غير عشيرة، إلى غير ذلكَ من الصفات الحميدة، وعكسها مِن الرذائل الخسيسة.
ومِنْ ها هنا حَصَلَ التفاوتُ الزائد، حتى عُدَّ ألفُ بواحد، وقد أنشد الزَّمخشريُّ (١) -﵀- في ذلك:
_________________
(١) هو أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد بن عمر الخوارزمي الزمخشري الإمام الكبير في التفسير والنحو واللغة وعلم البيان كان إمام عصره غير مدافع، تُشد إليه الرحال في فنون، له التصانيف البديعة، إلا أنه غفر -الله له- كان داعية إلى الاعتزال، وقد أودع في تفسيره المسمى بـ " الكشاف " كثيرًا من آراء أهل الاعتزال، وقد أولع الناس به، وبحثوا عليه، وبينوا أغاليطه، وأفردوها بالتأليف، ومن رسخت قدمه في السنة وقرأ طرفًا من اختلاف المقالات، انتقع بتفسيره، ولم يضره ما يخشى من أخطائه. كانت وفاته ﵀ سنة ثمان وثلاثين وخمس مئة. =
[ ١ / ٢٤٤ ]
ولم أرَ أمْثَالَ الرِّجَالِ تفاوتًا لَدَى المجْدِ حَتَّى عُدَّ ألفٌ بِوَاحِدِ
وقال ابنُ دُريْدٍ (١) في المعنى:
والنَّاسُ ألفٌ منْهُمُ كواحِدٍ وَوَاجدٌ كالألْفِ إنْ أمْرٌ عَنى
وأنشدوا في هذا المعنى:
يا بني البُعْد في الطِّبَا عِ مَعَ القُرْب في الصُّوَر
وفي الآثار: " النَّاسُ كإبل مئة لا تَجدُ فيها راحِلَة " (٢) وقالت العربُ
_________________
(١) = وفيات الأعيان ٥/ ١٦٨، و" ميزان الاعتدال " ٤/ ٧٨، و" لسان الميزان " ٦/ ٤ والجواهر المضية ٢/ ١٦٠.
(٢) هو أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي من أزد عمان من قحطان، إمام عصره في اللغة والآداب والشعر الفائق، صاحب المؤلفات المعتبرة كالجمهرة في اللغة والاشتقاق في الأسماء، وكلاهما مطبوع متداول، توفي سنة ٣٢١ هـ وهذا البيت من مقصورته الشهيرة التي مدح بها آل ميكال ومطلعها: يا ظبية أشبه شيء بالمها ترعى الخزامى بين أشجار النقا
(٣) هو حديث صحيح رواه من حديث ابن عمر البخاريُّ (٦٤٩٨)، ومسلم (٢٥٤٧) وأحمد ٢/ ٧ و٤٤ و٧٠ و٨٨ و١٠٩ و١٢١ و١٢٣ و١٣٩، والترمذي (٢٨٧٢) وابن ماجه (٣٩٩٠) والطبراني في " الصغير" ١/ ١٤٧، وأبو نعيم في " الحلية " ٩/ ٢٣ و٢٣١، والبغوي (٤١٩٥) ورواه عن أنس وأبي هريرة أبو نعيم في " الحلية " ٦/ ٣٣٤ و٧/ ١٤١. قال الخطابي: العرب تقول للمئة من الإبل: إبل، يقولون: لفلان إبل، أي: مئة بعير، ولفلان إبلان أي: مئتان، فقوله: مئة تفسير للإبل. الراحلة قال ابن الأثير: الراحلة من الإبل: البعير القوي على الأسفار والأحمال، والذكر والأنثى فيه سواء، والهاء فيها للمبالغة، وهي التي يختارها الرجل لمركبه ورحله على النجابة، وتمام الخلق، وحسن المنظر، فإذا كانت في جماعة من الإبل، عرفت، وقال أيضًا: يعني أن المرضي المنتخب من الناس في عِزَّةِ وجوده كالنجيب من الإبل القوي على الأحمال والأسفار الذي لا يوجد في كثير من الإبل. وقال الحافظ في " الفتح ": قال القرطبي: الذي يناسب التمثيل أن الرجل الجواد الذي يحمل أثقال الناس والحمالات عنهم، ويكشف كربهم، عزيز الوجود، كالراحلة في الإبل الكثيرة. وقال ابن بطال: معنى الحديث: أن الناس كثير، والمرضي منهم قليل.
[ ١ / ٢٤٥ ]
في أمثالها: المَرْءُ بأصْغَرَيْه: قَلْبِهِ ولسَانِهِ. وفي الحديث عن النبيِّ - ﷺ -: " رُبَّ حامِلِ فِقْهٍ غيرُ فقيهٍ، ورُبَّ حَاملِ فِقهٍ إلى مَنْ هُوَ أفقهُ مِنْهُ " (١).
_________________
(١) ورد هذا الحديث عن عدة من الصحابة، فأخرجه من حديث ابن مسعود الترمذيُّ (٢٦٥٧) وابن ماجه ١/ ٨٥، وأحمد (٤١٥٧) والحميدي ١/ ٤٧، وابن حبان ١/ ٢٢٧، والشافعي في " الرسالة " ص ٤١١ والمسند ١/ ١٤، والرامهرمزي في " المحدث الفاصل " ص ١٦٥ - ١٦٦، وأبو نعيم في " الحلية " ٧/ ٣٣١، " وأخبار أصبهان " ٢/ ٩٠، والخطيب في " الكفاية " ص ٢٩ و١٧٣، و" شرف أصحاب الحديث " ص ١٠، والحاكم في " معرفة علوم الحديث " ص ٢٢ والبغوي في " شرح السنة " ١/ ٢٣٥، وابن عبد البر في " جامع بيان العلم " ١/ ٤٠، والبيهقي في " معرفة السنن والآثار" ١/ ١٥، وابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ١/ ٩. وأخرجه من حديث زيد بن ثابت أحمد ٥/ ١٨٣، والدارمي ١/ ٧٥، وأبو داود (٣٦٦٠) والترمذي (٢٧٩٤) وابن حبان (٧٢) و(٧٣) والرامهرمزي ص ١٦٤، وابن عبد البر ١/ ٣٨ و٣٩، والخطيب في " الفقيه والمتففه " ٢/ ٧١، وشرف أصحاب الحديث ص ١٠، وابن ماجه (٢٣٠)، والطحاوي في " مشكل الآثار " ٢/ ٢٣٢، والطبراني في " الكبير " (٤٨٩١) و(٤٩٢٤) و(٤٩٢٥) وابن أبي عاصم (٩٤). وأخرجه من حديث جبير بن مطعم أحمد ٤/ ٧٢ و٨٠ و٨٢، والدارمي ١/ ٧٤ و٧٥، وابن ماجه (٢٣١) والطحاوي في " مشكل الآثار " ٢/ ٢٣٢، والحاكم ١/ ٨٧، وابن عبد البر ١/ ٤١، والخطيب في " شرف أصحاب الحديث " ص ١٠، والطبراني في " الكبير " (١٥٤١) وابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل ١/ ١٠، ١١، وأبو يعلى في " مسنده " ٣٤٩/ ١. وأخرجه من حديث أنس بن مالك أحمد ٣/ ٢٢٥، وابن ماجه (٢٣٦) وابن عبد البر ١/ ٤٢. وأخرجه من حديث النعمان بن بشير الحاكم في " المستدرك " ١/ ٨٨، والرامهرمزي ص ١٦٨. وأخرجه من حديث أبي سعيد الخدري الرامهرمزي ص ١٦٥، وأبو نعيم في " الحلية " ٥/ ١٠٥. وأخرجه من حديث عبد الله بن عمر الخطيبُ في " الكفاية " ص ١٩٠، ومن حديث بشير بن سعد الطبراني في " الكبير" (١٢٢٥)، ومن حديث معاذ بن جبل أبو نعيم في " الحلية " ٩/ ٣٠٨، ومن حديث أبي هريرة الخطيبُ في " تاريخه " ٤/ ٣٣٧، ومن حديث أبي الدرداء الدارمي ١/ ٧٦، ومن حديث ابن عباس الرامهرمزي ص ١٦٦، ومن حديث أبي قرصافة الطبراني في " الصغير " ١/ ١٠٩، ومن حديث ربيعة بن عثمان ابن منده كما في =
[ ١ / ٢٤٦ ]
التنبيه الثالث: التعرض لمقادير المشاق التي في أنواع التكاليف والعبادات. يعد من السيد تنفيرا من الاجتهاد، وحثا على التقليد.
وليس كُلُّ مَن قَرأ النحو والأدب، صنَّف مثلَ " الكشاف "، ولا كُلُّ مَنْ قَرأ الأُصولَ والجدلَ، ركب بحر الدقائق الرَّجَّاف.
ومَا كُلُّ دَارٍ أقْفَرتْ دَارُ عَزَّةٍ وَلا كُلُّ بَيْضَاءِ التَّرائِب زَيْنَبُ
فإذا تقرر أن المواهب الربانيّة لا تنتهي إلى حد، والعطايا اللَّدُنيَّة لا تَقِفُ على مقدار، لم يَحْسُنْ من العاقل أن يقطع على الخلق بتعسيرِ ما اللهُ قادِرٌ على تيسيره، بل لم يلِقْ منه أن يِقطعَ بتعسير ما لم يَزَلِ الله -سبحانه- يُيسره لِكثير من خلقه، فيُقَنِّطُ لكلامه طامعًا، ويتحجَّرُ من فضل الله واسعًا، ويُفتَّرُ بتخذيله همةً ناشِطة، ويَفُلُّ بتقنيطه عزيمةً قاطعة، بل يخلِّي بينَ الناسِ وهمَمِهم وطمعِهم في فضل الله عليهم، حتى يَصِلَ كلُّ أحدٍ إلى ما قسَمَهُ الله له من الحظِّ في الفهم والعلم، وسائر أفعال الخير. وهذا مما لا يحتاج إلى حِجاج، ولا يفتقِرُ إلى لَجاج.
التنبيه الثالثُ: التعرضُ لمقادير المَشَاقِّ التي في أنواعِ التكاليف والعبادات من الصلاة والزكاة والتلاوة والصيام والحج والجهادِ والعلم والفُتيا، وسائِرِ الأعمال الصالحة، ومتاجر الخير الرابحة، مما لم تجرِ عادة الأنبياءِ -﵈-، ولا الأئِمَةِ، ولا العلماءِ، ولا الوعاظِ، ولا سائرِ الدعاة إلى الله تعالى -بالحكمة والموعظة الحسنة- أن يُهوِّلوها، ويُعظِّموا التعرضَ لفعلها، وُيعسِّروا الإحاطة بشرائطها؛ من الإخلاص، وعدم العُجْب، والتحرز من الإحباط؛ فإن في الجهاد التعرضَ لفواتِ
_________________
(١) = " الإصابة " ومن حديث جابر بن عبد الله الطبراني في " الأوسط " كما في " المجمع " ١/ ١٣٨، ومن حديث زيد بن خالد الجهني ابن عساكر في تاريخه كما في "الجامع الكبير" ص ٨٥٣ ومن حديث عائشة الخطيب في " المتفق والمفترق " كما في " الجامع الكبير " ص ٨٥٣، ومن حديث سعد بن أبي وقاص الطبراني في " الأوسط " كما في " المجمع " ١/ ١٣٨.
[ ١ / ٢٤٧ ]
الروح، مع ما يصحَبُ المجاهد من حُبِّ الثناء. وفي الورع مِن الشُّبهات، ومحاسبة النفس في كل وقت، وذمها عن الشَّهوات، إلى غير ذلك من التكاليف المحبوبة (١) والمفروضة -مشاق كثيرة- قلَّ مَنْ يَصْبِرُ عليها.
وللسيِّد -أيَّدهُ الله- قدوةٌ في الأنبياء والأئِمّة والعلماء: أما الأنبياء، فَدَعُوا الناس إلى محابِّ الأعمال، ومعالي الأمور، ورَغَّبُوا في الفضائل، وهَوَّنوا ما فيها من المشاق؛ بذكر الثواب في فعلها، والعقاب الحاصِل في ترك الواجب منها، ولم يعلم منهم أنَّهم خَذَّلوا طالبًا لشيءٍ من الأعمال المحبوبات، ولا قصروا أحدًا عن التطلع إلى رفيع الدرجات. وأما الأئمة والعلماء، فصنفوا العلمَ، وبيَّنُوا الواجبات، وذكروا شروطها؛ فذكروا شروط الصلاة، وما يجب من الطهارة وسائر الفروض والشروط، ولم يلحقوا بهذه -فصلًا- مُنَفِّرًا عن العزم على أداء الصلوات في أوقاتها بخشوعها، وجميع شروطها، وسننها وهيئاتها، وحضورِ القلب فيها، وَحِل ثياب المصلي، وعدم دخول الحرام والشبهة في أثمانها، وعدم مطالبته بحقٍّ من حُقوق المخلوقين في حال تأديتها. ولا علمنا أنهم قالوا: فعل الصلاة على أفضل الوجوه وأكمل الأحوال متعسرٌ أو متعذر، فلا ينبغي من أحد أن يهتمَّ بذلك. وكذلك في الحَج والجهاد، لم يزيدوا على ذكر الشروط، فمن أحبَّ تأديةَ ذلك الفعلِ الشَّاقِّ بتلك الشروط الشاقة، فالله -تعالى- يُعينه ويَلْطُفُ به مِن دُونِ أن تُوضع رسالة إلى منْ حَدَّثَ نفسَه بالحَجِّ، يُذكر له فيها مشاق الحجَ، ويُنَفَّر عن الحجّ. وأخصُّ من هذه الأمثلة البعيدة ذكر مسألتنا بعينها، وذلك أن العلماءَ ما زالوا يذكرون شروط
_________________
(١) في أفوق هذه الكلمة: المستحبة.
[ ١ / ٢٤٨ ]
التنبيه الرابع: كان اللائق بالسيد أن يذكر الشرط الذي خالف فيه المصنف العلماء
الاجتهاد في مصنفاتهم وتآليفهم مجردةً عن التَّعسير له، والتَّنفير عنه، واستبعادِ إدراكه، والحثِّ على العكوف على التقليد، والإضراب عن الاجتهاد بالمرَّة، وهذه تصانيفُ العلماء -أرنَا أيُّها السَّيِّد أيَّدَك الله- مَنْ سَبقك إلى التنفير من الاجتهاد، والحث على التقليد؟!. وذلك لأن العُسْرَ واليسر أمرُهُما إلى الله تعالى، واللهُ -سبحانه- إنما أخذ على العلماء أن يُبَيِّنُوا ولا يَكتُمُوا، ولم يَأخُذْ عليهم أن يُعسِّرُوا ولا يُسَهِّلُوا، فلو أن السَّيِّد -أيَّدهُ الله- ذكرَ شروط الاجتهاد، وأودعها مُصَنفًا، أو أوقفني على ذكرها مُبيَّنةً بأدِلتِها، وحثَّ عليها، أو سكت مَن الحثِّ على الخير والتنفيرِ عنه، لكان له فيهم أُسْوَةٌ حسنة، ولكان ذلك أشبة بطرائق المتهادين للنَّصائح، وأقربَ إلى فعل السَّلَف الصَّالح.
التنبيهُ الرَّابعُ: كان اللائقُ بالسَّيِّد -أيَّده الله تعالى- أن يذكر الشرط الذي خالفتُ فيه العلماءَ، فيقول: أنت قلت: إن علم العربية ليس بشرط، أو معرفةَ الأصول، أو معرفةَ الحديث، أو غيرَ ذلك، أن كان عَلِم بخلافٍ لي في ذلك، حتى يُبين لي أني قد خالفت الإجماعَ، وخرجتُ إلى حَدٍّ أسْتحِقُّ بِه الإنكار.
أما إذا قلت: إن تحصيل شرائطِه المعروفة متيسرة على أهل الذَّكاء والهِمَمِ، فما وجهُ التَّرسُّلِ في هذا، والتطويل والتكثير فيه، والتهويل، وطلب البراهين القاطعات والتعرض للمعارضات والمناقضات؟! الأمرُ أهونُ مِن أنْ تلتقيَ الشفتانِ بذكره، وتجريَ الأقْلَامُ بِسطْرهِ. والذي يليق من الحليم تهوينُ العظائم، لا تعظيمُ العظائم؛ على تسليم أنَّ ذلك شرط عظيم، وعوائد الحكماء جارية بهذا، وكتبهم ناطقة به، ولهذا قيل:
إذا ضيَّقْتَ أمرًا زاد ضِيقًا وإنْ هوَّنتَ ما قَد عَزَّ هانا
[ ١ / ٢٤٩ ]
التنبيه الخامس: لو حذر من الاجتهاد لتعفت رسوم العلم قبل هذا الزمان، وتعطلت منازله، والجواب على الاجتهاد من كتب أهل الحديث من وجهين
والسيِّد -أيَّده الله- قد رقيَ إلى مرتبة الدعاء إلى الله -تعالى- بالحكمة والموعظةِ الحسنة، فلهذا عِبْتُ عليه ما خالفَ طرائق الفضلاء، وباينَ عادات العلماء، وإلا فلي مُدَّةٌ طويلة صابر (١) على الأذى والفُحْش، الذي يتَنَزَّه -أيَّده الله- عن سماعه، دع عنك النُّطْقَ به. فلم أتكلم إلى أولئكَ، ولم أجاوبْهم بشيء؛ علمًا بما في الإعراض عن الجاهلين مِن خير الدنيا والآخرة، مع التمكن مِن المجازاة في الأقوال، والمجازاة في الأفعال، لكني آثرتُ الحِلْمَ، وصبرت على الظُّلْم، وجعلت الصبرَ والكَظْمَ مكانَ النثر والنظم. فأما السيِّد -أيَّده الله- فلم أعُدَّه من الجاهلين فَأعرِضَ عنه، بل عَدَدْتُهُ من أهل الذكر، فرغِبْتُ في الجواب عليه، وبسطت إلى التصدير بما عينتُهُ إليه.
التنبيه الخامس: فرعٌ مِن فروعِ الشَّجرة النبوية، وغُصْنٌ مِن أفنان الدَّوحةِ العَلَوِيَّةِ، وَنَشءٌ مِن أهل البيت -﵈- ومِن أولاد العِترة (٢) الكِرام، ومِن أهل الذكر وبيوت العلم، تشَوَّفَ إلى الاجتهاد في العلم، وتشوَّقَ إلى مراتب الفضل، فلمَّا شِمتم بارقة جهدِهِ صَيِّبة، وَشَمِمْتُم رائحةَ سعيه طَيِّبَة، وتوسمتُم فيه للفائدة سِماتٍ، وحسِبْتُم أنَّهُ قارَب وهيهات؛ تواترت عليه الرسائل، وتواردت عليه الدلائِلُ، تُفتِّرُهُ عن عمله، وتقنِّطُه مِنْ أمَلِهِ: مَن قد سَبَقكم إلى هذا -من الأئمة الهادين-، أو العلماء الراشدين؟! وإنما بَلَغَنا أنَّ أهل العلم يفرحون بِمَن عَلَتْ هِمَّتُهُ، وَظَهرت فِطْنَتُهُ، وُيرَغِّبُونَهم بأنواع الترغيب، ويجعلون التصويبَ لهم مكانَ التثريب. وانظر أيَّدَكَ اللهُ في سِيرة الإمام " المنصور بالله " -﵇-
_________________
(١) في أ: صابرًا.
(٢) العِترة بكسر العين: نسل الرجل ورهطه وعشيرته.
[ ١ / ٢٥٠ ]
التنبيه السادس: طلب الاجتهاد من فروض الكفايات ومن جملة الواجبات، ولم يجعل الله علينا في الدين من حرج، وقول الرسول: " بعثت بالحنيفية السمحة "
وكيف كانت سياستُهُ لِطلَبَةِ العلم، وكذلك سائرُ الأئمة﵈-.
وأرنَا -أيدكَ الله- مَنْ صَنَّف منهم رسالةً إلى المتعلمين في زمانه، يُحَذِّرهم مِنَ الاجتهاد، ويُلزمهم العكوفَ على التقليدِ. ولو أنَ العلماء فعلوا كما فعلت -أيدكَ اللهُ تعالى- لتَعفَّتْ رسومُ العلمِ قبلَ هذا الزمان، وتعطَّلَتْ منازلُهُ قبل هذا الأوانِ، لأنَّ الناسَ أتباعٌ لهم، خاصةً إذا دَعَوْهُمْ إلى ما هو أسْهَلُ عليهم.
فإن قلتَ: إنك إنَّما نَهيتَني عن طلب الاجتهاد من كُتُبِ أهل الحديث؛ دونَ كُتُب أهلِ البيت.
فالجواب مِن وجهين:
أحدُهما: أني لم أترُكْ أحاديث أهلِ البيتِ -كما سيأتي بيانُهُ في موضعه- إن شاء الله تعالى.
الثاني: لم تأمرْني بالاجتهاد من كتب أهل البيت قطُّ، بل صَرَفت عنه هِمَّتي على كل حال، وَصَدَّرت رسالتَكَ بالاستدلال على تَعْسيره، وتوقفتَ في إمكانه وتجويزه، وقلت تارةً: إنه كالمتعذِّر، فشبَّهت الجائز بالمُحال، وتارة: إنه متعسِّرٌ أو متعذِّرٌ، فَشكَّكْتَ في دخوله في الإمكان -كما سيأتي بيانُ ذلك-. فسَدَدت عليَّ أبوابَ المعارف، وقطعتَ عليَّ طريق الاتصال بجميع الطوائف، وَفَتَّرْت هِمَّتي جُهدَك، وبذلتَ في صَرفي عن العلم وُسْعك.
التنبيه السادس: طلبُ الاجتهاد مِن فروض الكفايات، ومن جملة الواجبات، وقد أخبر اللهُ في كتابه المبين، وهو أصدقُ القائلينَ أنه: ما جعل علينا في الدين من حرج، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا
[ ١ / ٢٥١ ]
يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
وقال " السَّيِّدُ " في تفسيره لها: وليس معنى الوُسع: بذل المجهودِ، وأقصى الطاقةِ، والمعنى: أنَّ الذي كلَّفناهم سهْلٌ مُتَيَسِّرٌ، فلا عُذرَ لهم في تركه، وأن لا يكتسبوا به أبلغَ ما يكونُ من الخيرات، انتهى بحروفه. وهو في الردِّ عليه كافٍ شافٍ، ولكنْ عند ذوي الإنصافِ.
وقال رسول الله - ﷺ -: " بُعثْتُ بالحنيفية السَّمحة " (١)، " والسَّيِّد " -أيَّدَهُ الله- مُقِرٌّ بأنَّ الله تعالى يريدُ منا اليُسرَ ولا يريد منا العُسْرَ، وَمُقِرٌّ أنه مريدٌ منا الاجتهاد. فقولُهُ: إنه مُتَعسِّرٌ، يُفيد أن الله يريدُ مِنَّا التَّعَسُّرَ، بل لم يقنع -أيَّدهُ الله- بقوله: إنه متعسِّر؛ حتى قال: إنَّهُ مُتعسِّر أو مُتَعَذِّر.
فاستلزمَ أن اللهَ -تعالى- يريدُ المتعسِّرَ والمتعذِّرَ. فإن أرَادَ -أيَّدَهُ اللهُ- في ذلك مشقةً، فمجردُ المشقةِ لا تُسَمَّى عُسرًا في العُرف العرَبي، فإنَّ المشقةَ مُلازِمَةٌ لأكثرِ الأعمال الدنيويةِ والأُخرويةِ، وقد يَشُقُّ على الإنسان قيامُهُ من مجلسه إلى بيته، وخروجُهُ من بيتِهِ لقضاءِ حاجتِهِ. والعُسْرُ في عُرْف اللِّسان العربي يُستعملُ في الأمورِ العِظام، لا في كل أمر فيه مشقةٌ؛ فإذا قيل: فلانٌ في عُسْر؛ أفادَ أنَّهُ في شِدَّةٍ عظيمةٍ مِن مرَضٍ أو خوفٍ أو فَقرٍ شديدٍ، أو غَيْر ذلك. وقد يُطلَقُ على ما هو دونَ ذلك -مع القرينة- فأما إذا تجرُّد الكلامُ عن القرينة وقيل: إن فلانًا في عُسْرٍ، وأريدَ العُسْرُ المعروفُ السابق إلى الأفْهَام، لم يَسْبِق إلى الفهم أن معنى قولنا: فلانٌ في عسْر؛ أنَّهُ في قراءةٍ دارَّةٍ، ورغبةٍ في العلمِ عظيمةٍ، ومطالعةٍ للكتُب، وتعليقٍ للفوائدِ، ولا أحدَ يسمِّي هذا عُسْرًا.
_________________
(١) تقدم تخريجه في الصفحة (١٧٥).
[ ١ / ٢٥٢ ]
ولو كان هذا عُسرًا في العُرف العربي، لكان الجهادُ عُسْرًا، والصلاة عُسْرًا، والورعُ الشَّحيح عُسْرَيْنِ اثنين، وعبادة اللهِ كأنَّك تراه، والصلاةُ كأنَّها صلاة مُوَدِّعٍ أعْسَرَ وأعْسَر، ولكانت الشريعةُ أو كثير منها تشديدًا وتعسيرًا وتحريجًا وتغليظًا.
وما بهذا نَطَق القرآنُ، ولا به جاء صاحبُ بيعةِ الرضوان، بل نفى اللهُ الحرجَ، ووصفَ رسولُ الله - ﷺ - شريعته: بالسماحةِ والسهولةِ. وإنما الحرجُ في الصدور، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥].
وانظُرْ في أحوال الناس، تجدْ قاطِع الصلاةِ في غايةِ الاسْتِعسار لها؛ وليسَ كذلك المؤمنُ، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِين﴾ [البقرة: ٤٥] فنصَّ اللهُ تعالى على هذا المعنى الذي ذَكرتُ لك هو أن الشيءَ المُعيَّنَ يكونُ عسِيرًَا عَلى هذا، سَهْلًا على هذا، فَلَوْ كانَ عَسِيرًَا في نَفْسِهِ، لَكَانَ عَسيرًا عليهما، ولكنه يسيرٌ في نفسه، وإنما يتعسَّرُ بحرجِ الصُّدور، والكسَلِ، وقلَّةِ الدَّواعي، وَيَتَسهَّلُ بنقيض ذلك.
ولهذا لو وُهِبَ لقاطِعِ الصلاةِ دِرْهمٌ -في عمل أشقَّ من الصلاة- لقامَ إليه سريعًا، ووثبَ إليه نَشيطًا. وكذلك سائرُ التكاليفِ الشرعية؛ إنما العُسرُ فيها من قبيل قِلَّةِ اليقين، وعدم الرياضة، وقساوةِ القلب، وكثرةِ الذنوب، ألا ترى إلى ما في قيامِ الليل مِن المشقة على النفوس متى طلبت لإحيائه بالصلاة والقراءة، وهو يَتَسهَّلُ عليها سَهرُةُ في كثيرٍ من الأحوال من العُرُسَاتِ والأسمار، والسَّرَوات في الأسفار.
فإذا عَرَفت هذا فاعلم أن من النَّاس من يحصل له من شِدَّةِ الرغبةِ إلى
[ ١ / ٢٥٣ ]
أعمال الآخرةِ، ونيل الفضائل ما يُسَهِّلُ عليه عزيزَها، وَيُقرِّب إليه بَعيدَها.
فلا معنى للمبالغةِ في تعسير الشيء الشرعي في نفسه، لأنَّ ذلك يخالف كلامَ الله تعالى، وكلامَ رسول الله - ﷺ -.
واعلم أنَّ من العُقوقِ لومَ الخليِّ المَشُوق، وفي هذا يقول أبو الطيب:
لا تَعْذُلِ المُشْتاقَ عن أشْواقِهِ حتَّى يَكُونَ حشَاكَ في أحْشَائهِ (١)
واعلم أن حُبَّ المعالي يُرخِصُ الأمور الغَوالي، ويقوِّي ضعف الصُّدُور على الصبرِ للعوالي، وربما بُذِلَتِ الأرواحُ لما هو أنفسُ منها من الأرباح، قال:
بذلتُ لهُ رُوحِي لرَاحَة قُرْبِهِ وغيْرُ عَجِيبٍ بذْليَ الغالِ بالغَالِ (٢)
وفي كلام العلاَّمة (٣) -﵀-: عِزَّةُ النفسِ وبُعْدُ الهِمَّة: الموتُ الأحمر، والخطوبُ المُدْلَهمَّة، ولكن مَنْ عرَفَ منهل الذُّلِّ فعافهُ، استعذبَ نقيعَ العِزِّ وَزُعَافَهُ (٤).
وقد أجادَ وأبدعَ منْ قال - في هذا المعنى:
_________________
(١) ديوانه (٣٤٣).
(٢) البيت لابن القارض المتوفى سنة ٦٣٢ هـ من قصيدة مطلعها: أرى البُعْدَ لَم يُخْطِر سِوَاكُم علُى بَالِي وإن قرَّب الأخطار من جسدي البَالِي انظر ديوانه ص ١٧٤ - ١٧٦. وفي شعره مؤاخذات عقيدية نبه عليها العلماء الثقات الأعلام، وقد نقلها عنهم البرهان البقاعي في كتابه " تنبيه الغبي .. " وهو مطبوع فراجعه.
(٣) هو الزمخشري في " أطواق الذهب " ص ٢٢.
(٤) يقال: أنقع السم: عتقه، وسم ناقع ونقيع ومنقوع، أي: بالغ قاتل، وسم زعاف: قاتل.
[ ١ / ٢٥٤ ]
التنبيه السابع: لو فرضنا المتعسر في الواجبات لم يحسن من العامة أن يتصدروا لتعسيره
صَحِبَ اللهُ راكِبينَ إلى العزِّ طريقًا مِن المَخَافة وَعْرا
شَرِبُوا المَوْتَ في الكرِيهَةِ حُلوًا خوفَ أن يشْرَبُوا من الضيمِ مُرَّا
هذا وإنَّ الدواعي تُحرِّك القُوى، وإن القلوب ليست بِسَوا (١). إن الإبلَ إذا كَلَّت قُواها، وَنَفخَتْ في بُراها (٢)، أطربها السائقُ بحُداها، فَنَفَختْ (٣) في سُراها، فعلَّلُوها بحديث حاجِرٍ (٤)، وَلتصنع الفلاةُ ما بدا لها. هذا وهي غليظةُ الطبعِ بهيميةٌ، فكيف بأهلِ القلوبِ الروحانية.
فإياك والاستبعادَ لِكل ما غزَّ عليك، والاستنكارَ لما خَرَجَ من يديك، طالبُ المعالى لا يعنو كَمَدًا، ولا يهدأ أبدًا، وكلما قيل له: قِفْ تسْترِحْ، جُزتَ المَدَا، قال: وهل نِلْتُ المدا؟!
التنبيهُ السابع: لو فَرَضنا أن في الواجبات والأعمال الصالحاتِ ما هو متعسّرٌ في نفسه، لم يَحْسُنْ من أحدٍ من العامَّة، فضلًا عن الخاصة أن يتصدَّر لتعسيره، وتخذيلِ الراغب فيهِ عن نهوضه في طلبه وتشميره بذكر ما فيه من الحَرَجِ، وتهويلِ ما في طلبه من النَّصَبِ، بل السُّنةُ النبوية تيسِيرُ الأمورِ على من عَسُرَتْ عليه، وتذكيرُ القلوبِ الغافلةِ، وتنشيطُ النفوس الفاتِرة. ولهذا شُرِعتِ الخطب، وصنَّفَ الوعاظُ كُتُبَ المواعظ، وَدَوَّن
_________________
(١) أي بسواء، فحذف الهمزة للسجع.
(٢) البُرى: وهي الحلقة في أنف البعير للتذليل.
(٣) يقال: نفحت الدابة تَنفَحُ نفحًا وهي نفوح: رمحت برجلها، ورمت بحد حافرها ودفعت وهذا ينبىء عن نشاطها، والسُّرى: السير بالليل.
(٤) في " الصحاح " الحاجر: ما يمسك الماء من شفة الوادي، وزاد ابن سيده: ويحيط به وفي التهذيب: والحاجر من مسايل المياه ومنابت العشب: ما استدار به سند أو نهر مرتفع، ومن هذا قيل للمنزل الذي في طريق مكة: حاجر، وفي الأساس: وفلان من أهل الحاجر وهو مكان بطريق مكة.
[ ١ / ٢٥٥ ]
الإنكار والاختلاف وحقيقتهما
الحفاظُ أحاديثَ الرقائق، لتسهيل ما يصْعُبُ على النفوس، وتقريبِ ما تباعد على أهلِ القُصور.
وقد تكاثرتِ الأحاديثُ النبوية في الحثِّ على ذلك، فكان -﵇- إذا بَعَثَ سرِّيةً قال: " يَسِّرُوا ولا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّروا ولا تُنَفِّروا " (١). وقال -﵇-: " قارِبُوا وَسَدِّدُوا وأبْشِرُوا ". هكذا في الصحيح (٢).
ولَمَّا أخبروه: أن عمرَو بن العاص صلَّى بهم وهو جنابة، ولم يغتسل من شدَّة بردِ الماء. سأله -﵇- عن ذلك. فقال: إني سمعتُ الله يقول: ﴿لا تَقْتلُوا أنْفسَكُم﴾ [النساء: ٢٩]. فضحك النبيُّ - ﷺ - (٣). وهذا اجتهادٌ من عمروٍ، وعملٌ بالعموم. فلم يُعَنِّفْهُ -﵇-
_________________
(١) تقدم تخريجه ص ١٧٣.
(٢) رواه بهذا اللفظ مسلم (٢٨١٦) من حديث أبي هريرة، وقد ورد بألفاظ أخرى عن غير واحد من الصحابة.
(٣) عن عمرو بن العاص قال: احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت إن أهْلِكَ، فتيممتُ ثم صليتُ بأصحابي الصبحَ، فذكروا ذلك للنبي - ﷺ -، فقال: " يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟ " فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إني سمعت الله يقول: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا﴾ فضحك رسول الله - ﷺ - ولم يقل شيئًا. أخرجه أحمد ٤/ ٢٠٣، ٢٠٤، وأبو داود (٣٣٤) والدارقطني ١/ ١٧٨، والحاكم ١/ ١٧٧، والبيهقي ١/ ٢٢٦ من طريق يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير المصري، عن عمرو بن العاص. وهذا إسناد رجاله ثقات إلا أن عبد الرحمن بن جبير لم يسمعه من عمرو فيما قاله البيهقي، وقد رواه موصولًا بذكر أبي قيس مولى عمرو بن العاص عن عمرو الدارقطني ١/ ١٧٩، وابن حبان (٢٠٢) والحاكم ١/ ١٧٧، وإسناده صحيح على شرط مسلم، لكن ليس في هذه الرواية ذكر التيمم، بل فيها أنه غسل مغابنه، وتوضأ وضوءه للصلاة، وقاله أبو داود عقب الرواية الأولى: روى هذه القصة عن الأوزاعي عن حسان بن عطية، قال فيه: فتيمم، وعلق البخاري في صحيحه ١/ ٤٥٤ الرواية =
[ ١ / ٢٥٦ ]
ويقل له: إنه لا يحِلُّ لكَ العملُ بالعموم، حتى يظنَّ أنه لا مخصِّصَ له.
وليس يَحْصُلُ هذا الظنُّ إلا لِمن اجتهد في حفظ النصوص، وأمعنَ النظرَ في العموم والخصوص. وأيضًا لا بُدَّ لكَ من معرفة عدمِ المعارض، وأعسرُ مِن هذا معرفتُك لِعدم الناسخ.
وكذلك: لما جاء الأعرابيان وأخبراه أنهما تيمما، ثم وَجدا الماءَ -في الوقت-، فتوضأ أحدُهُما وأعادَ الصَّلاة، واجتزأ أحدُهما بتيممه وصلاتِهِ الأولى. فقال -للذي لم يُعِدْ-: " أصبت السُّنة، واجزأتْكَ صلَاتُك " وقال للذي أعاد: " لكَ الأجرُ مرتين " (١). فهذا اجتهاد منهما،
_________________
(١) = التي فيها التيمم وانظر الكلام عليه باستيفاء للحافظ ابن حجر في كتابه " تغليق التعليق " ١/ ١٨١ - ١٩١ بتحقيق الأستاذ الفاضل سعيد بن عبد الرحمن بن موسى القزقي.
(٢) أخرجه أبو داود (٣٣٧)، والدا رمي ١/ ١٩٠، والنسائي ١/ ٢١٣، والدارقطني ١/ ١٨٩ من طرق عن عبد الله بن نافع الصائغ المخزومي مولاهم، عن الليث بن سعد، عن بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري. وعبد الله بن نافع قال الحافظ في " التقريب ": ثقة صحيح الكتاب في حفظه لين، ورواه النسائي من طريق عبد الله بن المبارك عن الليث بن سعد، حدثني عميرة وغيره، عن بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار مرسلًا. وقال أبو داود: وغير ابن نافع يرويه عن الليث، عن عميرة بن أبي ناجية، عن بكر بن سوادة، عن عطاء عن النبي - ﷺ - مرسلًا، وذكر أبي سعيد في هذا الحديث ليس بمحفوظ، وهو مرسل، وقال الدارقطني: تفرد به عبد الله بن نافع عن الليث بهذا الإسناد متصلًا، وخالفه ابن المبارك وغيره. قال ابن القطان في " الوهم والإيهام " فيما نقله الزيلعي في " نصب الراية " ١/ ١٦٠: فالذي أسنده أسقط من الإسناد رجلًا وهو عميرة، فيصير منقطعًا، والذي يرسله فيه مع الإرسال عميرة وهو مجهول الحال، قال: لكن رواه أبو علي بن السكن في " صحيحه ": حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد الواسطي، حدثنا عباس بن محمد، حدثنا أبو الوليد الطيالسي، حدثنا الليث بن سعد، عن عمرو بن الحارث وعميرة بن أبي ناجية، عن بكر بن سوادة، عن عطاء عن أبي سعيد أن رجلين خرجا في سفر .. الحديث قال: فوصله ما بين الليث وبكر بعمرو بن الحارث وهو ثقة، وقرنه بعميرة، وأسنده بذكر أبي سعيد. وقول ابن القطان في عميرة بن أبي ناجية: مجهول الحال مردود، فقد وثقه النسائي ويحيى بن بكير وابن حبان وأثنى عليه أحمد بن صالح وابن يونس وأحمد بن سعد بن أبي مريم كما في " التلخيص " ١/ ١٥٦.
[ ١ / ٢٥٧ ]
ولما أخبراه به، لم يُعَنِّفْهُما ويُلزمهما الاحتياطَ حتى يستيقنا.
وكذلك لَمَّا أمَرَ -﵇-: جماعةً من أصحابه أن لا يُصلوا العصرَ إلا في بني قرَيْظَةَ (١) -وكادت الشمس تَغيبُ- اختلفوا في مراده -﵇- بقوله: " لا تصلوا العصر إلا في بني قُريظة " فمنهم من قال: إنما أراد أن يكونَ وقتُ الصلاة ونحنُ معه، فنُصليها في وقتها معه، فصلى قبلَ الغروب، وقيَّد إطلاقَه -﵇- بالقرينة، ومنهم من بقيَ على الظاهر، وأخرها إلى بعدِ العشاء، وصلاها في بني قُريظة بعدَ خروج وقتها، وَعَلِمَ - ﷺ - فلم يُعنِّفِ أحدًا من الطائفتين.
ولمَّا أخبره معاذٌ أنه يحكم في اليمن باجتهاده، قال -﵇-: " الحمدُ لله الذي وفَّقَ رسُولَ رسولِ الله " (٢) ولم يُشدِّد عليه، ويعقِدْ له مجلسًا للاختبار والمناظرة.
_________________
(١) تقدم تخريجه في الصفحة ١٩٢.
(٢) في أزيادة: لما وفق له رسوله، وهي عند أكثر من خرج هذا الحديث بلفظ: لما يرضي رسوله. والحديث أخرجه أحمد ٥/ ٢٣٦ و٢٤٢، وأبو داود (٣٥٩٢) والترمذي (١٣٢٧) والطيالسي ١/ ٢٨٦، وابن سعد ٢/ ٣٤٧، ٣٤٨، والخطيب في " الفقيه والمتفقه ": ١٨٨، ١٨٩ والبيهقي ١٠/ ١١٤ وابن عبد البر في " جامع بيان العلم " ٢/ ٥٥ كلهم من طريق شعبة عن أبي عون الثقفي، عن الحارث بن عمرو بن أخي المغيرة بن شعبة، عن أناس من أهل حمص من أصحاب معاذ أن رسول الله - ﷺ - لما أراد أن يبعث معاذًا إلى اليمن قال: " كيف تقضي إذا عرض لك قضاء "؟ قال: أقضي بكتاب الله، قال: " فإن لم تجد في كتاب الله "؟ قال: فبسنة رسول الله - ﷺ -، قال: " فإن لم تجد في سنة رسول الله - ﷺ -، ولا في كتاب الله "؟ قال: اجتهد رأيي، ولا آلو، فضرب رسول الله - ﷺ - صدره وقال: " الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله ". وقد ضعفه بعضهم بجهالة الحارث بن عمرو، وبجهالة شيوخه، وغير واحد من الأئمة المحققين يصححه، ويقول به، منهم أبو بكر الرازي، وأبو بكر بن العربي، والخطيب البغدادي، وابن قيم الجوزية، وقالوا: إن الحارث بن عمرو ليس بمجهول العين، لأن شعبة بن الحجاج يقول عنه: إنه ابن أخي المغيرة بن شعبة، ولا بمجهول الوصف، لأنه من كبار التابعين في طبقة =
[ ١ / ٢٥٨ ]
وكذلك أبو موسى الأشعري، بَعَثهُ -﵇- إلى اليمن واليًا وقاضيًا (١). وسيأتي -لهذه الجملةِ- مزيدُ بيان، إن شاء الله تعالى؛ عند ذكر بعض شروط الاجتهاد، فإن ذلكَ موضعها. وإنما ذكرت ها هنا لبيان تيسيره -﵇- في الأمور -صغيرِها وكبيرِها- مِن غير ترخيصٍ في حرامٍ، ولا تضييعٍ لواجب.
ومن ذلك: أنه -﵇- نهي أصحابَهُ عن انتهار الأعرابي الذي بال في طائفةِ المسجد، وقال: " إنَّ منكم مُنَفِّرين " (٢). وتَغيَّظَ -﵇- على معاذٍ واشْتَدَّ تغيُّظه عليه، وقال: " أفَتَّانٌ أنتَ يا معاذ " (٣)؟ لَمَّا طوَّلَ الصلاة بقومهِ حتى شكى عليه رجلٌ منهم.
_________________
(١) = شيوخ أبي عون الثقفي المتوفى سنة ١١٦ هـ، ولم ينقل أهل الشأن جرحًا مفسرًا في حقه، ولا حاجة في الحكم بصحة خبر التابعي الكبير إلى أن ينقل توثيقه عن أهل طبقته، بل يكفي في عدالته وقبول روايته أن لا يثبت فيه جرح مفسر عن أهل الشأن لما ثبت من بالغ الفحص على المجروحين من رجال تلك الطبقة، فمن لم يثبت فيه جرح مؤثر منهم، فهو مقبول الرواية، والشيوخ الذين روى عنهم هم من أصحاب معاذ، وليس أحد من إصحاب معاذ مجهولًا ويجوز أن يكون في الخبر إسقاط الأسماء عن جماعة، ولا يدخله ذلك في حيز الجهالة، وإنما يدخل في المجهولات إذا كان واحدًا، فيقال: حدثني رجل أو إنسان، وشهرة أصحاب معاذ بالعلم والدين والفضل وبالصدق بالمحل الذي لا يخفى، وقد خرج الإمام البخاري (٣٦٤٢) الذي شرط الصحة حديث عروة البارقي: سمعت الحي يتحدثون عن عروة، ولم يكن ذلك الحديث في جملة المجهولات، وقال مالك في القسامة ٢/ ٨٧٧: أخبرني رجال من كبراء قومه، وفي صحيح مسلم (٩٤٥) عن الزهري: حدثني رجال، عن أبي هريرة " من صلى على جنازة فله قيراط ".
(٢) أخرجه البخاري (٤٣٤١) و(٤٣٤٢) و(٤٣٤٥) ومسلم (١٧٣٣) وأحمد ٤/ ٣١٢ و٤١٧، والطيالسي (٤٩٦) والبغوي (٢٤٧٦) عن أبي موسى الأشعري، وفيه أنه بعث معاذًا معه.
(٣) تقدم تخريجه في الصفحة ١٧٣.
(٤) أخرجه البخاري (٧٠١) و(٧٠٥)، ومسلم (٤٦٥)، والشافعي ١/ ١٣٢ وأحمد ٣/ ٢٩٩ و٣٠٨ و٣٦٩، وأبو عوانة ٢/ ١٥٨، والطيالسي (١٧٢٨) وابن الجارود (١٦٥) و(١٦٦) والبغوي (٥٩٩) من طرق عن جابر بن عبد الله.
[ ١ / ٢٥٩ ]
ولَمَّا وَقعَ الأعرابيُّ على زوجته في رمضانَ، شدَّدَ عليه قومُهُ وعَنَّفُوه، وعَظَّموا الأمر ولاموه، فَقَدِمَ على رسول الله - ﷺ -، فلم يزِدْ رسولُ الله - ﷺ - على أن أخبره بما يجبُ عليه (١)، من غير لومٍ ولا تعنيفٍ ولا شراسةٍ، ولا تعبيس ولا تجريح ولا تشديد، مع أنه قد ارتكب عظيمًا.
وكذلك الرجلُ الذي قالَ لهُ: يا رسولَ اللهِ، إني وجدتُ أمرأةً ما تركتُ منها شيئًا -مما يفعلُه الرجالُ بالنساء- إلا فعلتُهُ، إلا أني ما جامعتُها (٢).
وكذلك المُقِرونَ بالزِّنى؛ الذين حدَّهُمْ رسولُ اللهِ - ﷺ - مِن رجالٍ ونساءٍ (٣)،
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٩٣٦) و(١٩٣٧) و(٢٦٠٠) و(٥٣٦٨) و(٦٠٨٧) و(٦١٦٤) و(٦٧٠٩) و(٦٧١٠) و(٦٧١١) و(٦٨٢١) ومسلم (١١١)، وأبو داود (٢٣٩٠)، والترمذي (٧٢٤) والدارمي ٢/ ١١، وابن ماجة (١٦٧١)، والبغوي (١٧٥٢) والبيهقي ٤/ ٢٢١ و٢٢٢ و٢٢٤ و٢٢٦، وابن الجارود (٣٨٤)، وأحمد ٢/ ٢٠٨ و٢٤١ و٢٨١ من طرق عن أبي هريرة.
(٢) رواه من حديث ابن مسعود البخاري (٥٢٦) و(٤٦٨٧) ومسلم (٢٧٦٣) والترمذي (٣١١١) وأبو داود (٤٤٦٨) وأحمد ١/ ٤٤٥ و٤٤٩، والطيالسي ٢/ ٢٠، والطبري (١٨٦٦٨) و(١٨٦٦٩) و(١٨٦٧٠) و(١٨٦٧١) و(١٨٦٧٢) وابن ماجه (١٣٩٨) و(٤٢٥٤) وأورده السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٥٢، وزاد نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن حبان، وعبد الرزاق، وابن مردويه، والبيهقي في " الشعب " والطبراني. ورواه بنحوه الترمذي (٣١١٥) والطبري (١٨٦٨٤) و(١٨٦٨٥) والبخاري في " التاريخ الكبير " ٧/ ٢٢١ من حديث أبي اليسر، وفي سنده قيس بن الربيع وهو ضعيف. ورواه الترمذي (٣١١٣) والطبرى (١٥٦٧٨) عن معاذ بن جبل، وإسناده منقطع.
(٣) انظر في هذا حديث أبي سعيد الخدري عند مسلم (١٦٩٤) وأبي داود (٤٤٣٢) و(٤٤٣٣)، وحديث بريدة عند مسلم (١٦٩٥) وأبي داود (٤٤٣٣) و(٤٤٣٤) و(٤٤٤١)، وحديث أبي هريرة عند البخاري (٦٨١٥) ومسلم (١٦٩١) والترمذي (١٤٢٨) وأبي داود (٤٤٢٨)، وحديث نعيم بن هزال عند أبي داود (٤٤١٩) وحديث جابر بن عبد الله عند البخاري (٦٨٢٠) ومسلم (١٧٠١) وأبي داود (٤٤٢٠) و(٤٤٣٠) =
[ ١ / ٢٦٠ ]
ولم يلْعَنْ أحدًا ولا شَتَمَهُ (١) ولا عبس عليه، ولا انتهره، إيناسًا للقلوب وتأليفًا، وتنشيطًا للنفوسِ وترغيبًا.
وما زال -﵇- آمرًا بتركِ الغُلُو والتَّشْدِيد. وقالت عائشة:
" ما خُيِّر رسولُ الله - ﷺ - بين أمريْنِ إلا اختارَ أيْسَرَهما؛ ما لم يَكن فِيهِ إثمٌ أو قَطِيعَةُ رَحِمٍ " (٢).
وَلَمَّا جاءَ اليهودُ فقالوا له -﵇-: السَّام عليكم -والسَّامُ: هو الموت- قال: " وعليكم ". هكذا -بالواو- في أكثر الروايات. فسمعتهم عائشة، فقالت: السَّام واللَّعْنةُ يا إخوان القردة والخنازير. فلَمَّا خرجوا منْ عنده -﵇- قال لها: لمَ قُلْتِ لهم ما قُلْتِ؟! قالت: أَلم تَسْمَعْ إلى ما قالوا؟ قال: " بلى، وقد قلتُ: وعليكم ". ثم قال لها: " إن الرِّفْقَ مَا دَخَلَ في شيءٍ إلا زَانَهُ " (٣).
_________________
(١) = وحديث ابن عباس عند البخاري (٦٨٢٤) ومسلم (١٦٩٣) والترمذي (١٤٢٧) وأبي داود (٤٤٢١) و(٤٤٢٦) و(٤٤٢٧) وحديث عمران بن حصين عند مسلم (١٦٩٦) والترمذي (١٤٣٥) وأبي داود (٤٤٤٠) و(٤٤٤١).
(٢) بل نهي عن شتمهم، وزجر أصحابه عن ذلك، فقد صح عنه - ﷺ - أنه أمر برجم الغامدية، فرجمت، فأقبل خالد بن الوليد بحجر، فرمى رأسها، فنضح الدم على وجهه فسبها، فسمع نبي الله - ﷺ - سبَّه إياها، فنهاه وقاله له: مهلًا يا خالد، فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له " أخرجه مسلم (١٦٩٥) وأبو داود (٤٤٣٣) و(٤٤٣٤) و(٤٤٤٦) والدارمي ٢/ ١٧٩، ١٨٠، وأحمد ٥/ ٣٤٨.
(٣) أخرجه أحمد ٦/ ٨٥ و١٤٤ و١١٦ و١٦٢ و١٨٢ و١٨٩ و١٩١ و٢٠٩ و٢٢٣ و٢٦٣، ومالك ٢/ ٩٠٣، والبخاري (٣٥٦٠) و(٦١٢٦) و(٦٧٨٦) و(٦٨٥٣)، ومسلم (٢٣٢٧) وأبو داود (٤٧٨٥).
(٤) أخرجه من حديث عائشة أحمد ٦/ ٣٧ و١٩٩، والبخاري (٦٠٢٤) و(٦٠٣٠) و(٢٩٣٥) و(٦٢٥٦) و(٦٣٩٥) و(٦٤٠١) و(٦٩٢٧) ومسلم (٢١٦٥) والترمذي (٢٧٠١) والبغوي (٣٣١٤).
[ ١ / ٢٦١ ]
التنبيه الثامن: أن السيد يعلم أن الاجتهاد من فروض الكفايات ، فلم اختار الصد عنه؟
وكذلك كانت اليهُودُ يتعاطَسُونَ عند رَسولِ الله - ﷺ -، لعلَّه يقول: يَرْحَمُكمُ اللهُ. فيقول: " يَهْدِيكُمُ الله ويُصْلحُ بَالَكُم " (١). وهذا منه -﵇- حِرْصٌ على رِعايةِ ما آتاهُ اللهُ من الخُلُقِ العظيمِ، لَما حُرِّمَ عليه لفظُ التَّشميت المعتاد، وكان الدعاء للعاطس معتادًا، لم يستحسِنْ ترك الدُّعاء لهم في الموضعِ الذي يُعْتَادُ فيه الدُّعاء. فاحتال -﵇- فَعَدَل إلى دعاء آخر يَجْبُرُ بذلك قلوبَ أشدَّ النَّاس عداوةً له وللمؤمنين، ويُخالِقُ مَنْ يَكتُمُ ما عنده في التوراة من ذكره، ومن يَسْخَرُ منه ويستهزيءُ به. هذا -والله- هو الخُلُقُ العظيم، فنسألُ الله أن يهدينا لاتباعه، والتأسي به في أحواله.
فجديرٌ بمَنِ انتصب في مَنْصِب الفُتيا، أو تَرَقَّى إلى مرتبة التدريس، وتَمكَّن في دَسْت التَّعليم، وتهيأ للرد على الجاهلين، والدُّعاء إلى سبيل ربِّ العالمين: أن يكون مقتفيًا لِرسول الله - ﷺ -، عامِلًا بما قال الله -تعالى- من الدُّعاء إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة.
وكان يُمْكِنُ للسَّيِّد -أيَّدهُ الله- أن يجعل عوَضَ التنفير عن الاجتهاد غاية التنفير، والتعسير لمناهجه والتَّوعير: أن يحُثَّ على الصبر على طلب فوائدِه، وتَقْييدِ شواردِهِ.
التنبيه الثامن: أن " السَّيِّد " -أيَّده الله- يعلمُ أن الاجتهاد مِن فروض الكفايات، وأن الفَرض لا بُدَّ أن يكون من المقدورات، وأن الصدَّ عن
_________________
(١) أخرجه من حديث أبي موسى الأشعري البخاريُّ في " الأدب المفرد " (٩٤٠) وأبو داود (٥٠٣٨) والترمذي (٢٧٣٩) والطحاوي في شرح معاني الآثار ٤/ ٣٠٢، وابن السني في " عمل اليوم واللية " (٤٥٦) وإسناده صحيح، وصححه الترمذي، والحاكم ٤/ ٢٦٨، ووافقه الذهبي.
[ ١ / ٢٦٢ ]
التنبيه التاسع: أن السيد بالغ في استبعاد وجود الاجتهاد في هذه الأزمان حتى شك في إمكانه
التبيه العاشر: أفرط السيد في تعسير الاجتهاد، وقد ثبت أنه من الفروض
أدائه مِن أعظم المكروهات المحرمات، وأن الأمرَ بهِ، والترغيب فيه من أعظم الطاعات. فليتَ شِعري، لمَ اختارَ الصَّدَّ عنه والتنفير على الحث عليه والترغيب؟!
التنبيه التاسع: أن السَّيِّد -أيَّده الله- بالغ في الاستبعاد لوجود الاجتهاد في هذِهِ الأزمان حتى شكَّ في إمكانه، وقال: إنَّهُ مُتَعذِّر، أو مُتَعَسِّر. وهذا يقتضي أنه يعتقد خُلوَّ الزَّمانِ عن المجتهدين، لأنَّه لو كان في الزمان مجتهد، لزال الشكُّ في التعذر، ووجبَ القطعُ بالإمكان.
وكلماتُهُ -أيَّده الله- بائحةٌ بخُلُوِّ الزمان من المجتهدين، وقد غَفَل -أيَّده الله- عما يلزم من هذا، فإنه يلْزمُ مِن هذا: أن يكونَ طلبُ الاجتهاد فرضَ عَينٍ عليه، وعلينا مَعًا، لأن هذا حكمُ فرضِ الكفاية إذا لم يقم به.
فكان الواجبُ من السَّيِّد -أيَّده الله تعالى- على مقتضى تعسيره أن يقول: إن الزَّمان خالٍ عن الاجتهاد، وإنه يَتعيَّنُ علينا القيامُ لما يجب مِن فريضته، فنتعاون على ذلك. هذا كلامُ العلماءِ العاملين بمقتضى ما علمهم اللهُ تعالى.
وأمَّا أنا نقِرُّ أنَّا لا نعلم مجتهدًا، وَنُقِرُّ أنَّه فَرض كفاية، ونتركُ القيامَ بما أوجبَ اللهُ علينا من طلبهِ، بل نَترَسَّل على منِ اتهمنا أنه يَهِمُ بأداءِ ما افترض الله علينا من القيام به. فهذا ما لا أرضاه للسَّيد -أيَّده الله تعالى-.
التنبيه العاشر: أفْرطَ السيد -أيَّده الله- في تعسير الاجتهاد؛ حتى قال في غير موضع: إنه مُتعَذِّر أو متعسِّر -على الشك- ولم يمكنْهُ القطعُ بأنَّه متعسِّر!
[ ١ / ٢٦٣ ]
التنبيه الحادي عشر: أن السيد كان يقول بإمامة الناصر، وقد ذكر في رسالته: أن الاجتهاد شرط في صحة الإمامة، فوقع في التناقض، وقد نسب إلى كثير من الأئمة مخالفة جماهيرهم فيما انفردوا به
وقد ثبت أنه من الفروض، فيجب أن لا يكون متعذرًا على القطع، لأن المتعذر غيرُ مطاق، والاجتهاد مفروض، فلو أوجبهُ الله -وهو مُتعَذِّر- لكان هذا يستلزِمُ القولَ بجواز تكليف ما لا يطاق، تعالى الله عن ذلك عُلوًّا كبيرًا.
فانظر إلى هذا الغلو العظيم في التَّعسير، والبلوغِ إلى الغايةِ التي لا وراءها. حتى ما رضي -أيَّده الله- أن يقطع بدخوله في جملة المقدورات البشرية، تهويلًا لشأنِهِ، وتبعيدًا لِشَأوه، والغلوُّ لا يأتي بخير، وخيرُ الأمور أوساطُها، لا تَفْرِيطُها ولا إفراطُها.
التنبيه الحادى عشر: أن السَيِّد -أيَّده الله- كان يقول بإمامة الإمام النَّاصر -﵇-، وقد ذكر في رسالته: أن الاجتهادَ شَرْطٌ في صحة الإمامة. فأين هذا التشكيك العظيمُ في استحالة الاجتهاد وَتَعذُّره، فإنما كان ممكنًا في زمان الإمام الناصر -﵇-، كيف جَوَّزْتَ أن ينقلِبَ مُتَعذِّرًا بعد بضعةَ عشر عامًا من تاريخ وفاته -سلام الله عليه-.
وقد قال السُّيد -أيَّدهُ الله- بإمامةِ الإمام الناصر وتولَّى منه، وأجرى في ولايته أحكامًا عِظامًا لا تجوزُ إلا بولايةٍ صحيحة. وهو -أيَّده الله تعالى- محمولٌ على السَّلامة في جميعِ ذلك؛ ولكن ما علمنا أنه نَصَح الإمامَ النَّاصر مثل ما نَصَحَنَا. وفي الحديث الصحيح عن رسول الله - ﷺ - أنَّه قال: " الدين النصيحة " (١). قالوا: لمن يا رسولَ الله، قال: " لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئَّمَّةِ المُسْلمين، ولِعامَّتِهم " (٢).
_________________
(١) في ب: نصحناه.
(٢) تقدم تخريجه ص ٢١٤ - ٢١٥.
[ ١ / ٢٦٤ ]
وعانت العنايةُ بنصيحة الإمام -﵇- أحقَّ وأولى، لِما في الإمامة من الأخطار، ولِما كان في ولاية السَّيِّد -أيَّده الله- من ذلك.
وأما اجتهادي، فهو في وضع اليمنى على اليسرى، والتأمين. ولم يقل أحدٌ من خلق الله أجمعين: إنَّ ذلك يُوجب العذاب الأُخروي، ويُخافُ منه العقابُ السَّرمدي.
وكذلك لم يبْلُغْنَا أن السَّيِّد -أيده الله تعالى- تشدَّد في اختيارِ الإمام النَّاصر مثل ما تشدَّدَ في رسالته، فسأله عن طُرُقِ الجرح والتعديل، وسلك معه مثلَ مسلكِه مع محمد بن إبراهيم (١)؛ من التفصيل والتعليل، وسأل الإمامَ من أينَ حَصَلتْ له عدالةُ الرواة؟ ومَن عَدَّلهم له؟ ومَن عَدَّل المُعَدِّل؟ حتى ينتهي إلى وقته، ولا أوجبَ عليه في الاجتهاد أن يحفظ علومه عن ظهرِ قلبه مثل ما نصَّ على ذلك في رسالة محمد بن إبراهيم.
وكذلك لم يحذر الإمام عن القراءة في كتب الحديث النبوي التي صنفها الفقهاء، فإنه -﵇- هو الذي نشر محاسنها، وجمع نفائِسها، وعَرفَ غرائبها، ولم يشتهر الدرسُ فيها والتدريسُ في ديار الزيدية اليمنية مثل ما اشتهر في زمانه -﵇-.
وأيضًا فاختيارُ الإمام واجب، والإمامة من المسائل القطعيات، واختيار محمد بن إبراهيم غيرُ واجب، فأين رسالة السَّيِّد -أيده الله- إلى الإمام الناصر وما بال اجتهاده كان ميسرًا، غير متعذر ولا متعسر. مع كثرة اشتغاله بأُمور العامة، وسَدَّ الثُّغُور، وتجنيد الجنود، وتجهيز الغزوات. ولو لم يكن إلا مواجهة الناس، واستماع كلامهم، وجواب مكاتباتهم.
_________________
(١) أي: المصنف نفسه.
[ ١ / ٢٦٥ ]
تفسير قوله تعالى: ﴿قل لا أسالكم عليه أجرا إلا المودة في القربى﴾
وقد رأينا طالب العلم يتكدر بأدنى مُكدِّر، فكيف يَسْهُلُ الاجتهادُ عليه، ثُمَّ يَعْسُرُ على الناسِ أجمعين.
وكذلك قد بالغ السَّيِّد -أيده الله- في التسميع بمحمد بن إبراهيم، وأنه قد خالف جماهيرَ العِترة، وأن هذا عملُ مَنْ ليس بمعظمٍ لهم. قال -أَيَّده الله تعالى-: لأن المعظِّمَ لهم لا يُخالِف قولَ جماهيرِهم.
فنقول له: ما أنكرت على الإمام الناصِر المِزْمارَ ولا لباسَ المجاهدين للحرير في غيرِ وقت الحرب، وهذان يُخالفان مذاهبَ جماهيرِ العِترة، فلم يُعاتبه السيد -أَيده الله- ويستخرج له أنه غيرُ معظم للعِترة -﵇- كما استخرج ذلك في حق محمد بن إبراهيم.
والإمام الناصر -﵇- محمولٌ على السلامة في جميعِ ذلك، وإنما الكلامُ في اختصاص محمد بن إبراهيم بالإنكار والتعنت، والتعسير والتَّعسف في أمرٍ هَيِّن لم يقع مِن السَّيِّد -أيده الله- العنايةُ بأهمَّ منه، ولا بما هو أخصُّ منه، وليس تُعابُ هذه الأمورُ إلا على مَنْ مِثْل السَّيِّد -أيده الله- لأنه من عيون السادة، وعلماء العِترة، فينبغي منه حِراسةُ نفسه مما لا يَليق بمنصبه الشريف، ومحلِّه المنيف.
وقد نُسِبَ إلى كثير من الأئمة -﵈- مخالفةُ جماهيرهم فيما انفردُوا به، ولم يُستنبط لهم من ذلك كراهةُ مَن خالفوه، بل قد ذكر السيد في تجريده للكشاف المزيد فيه النكت اللطاف أقوالًا مخالفةً لإجماع العِترة، أو لجماهيرهم، مقررًا لها، غيرَ منكرٍ على قائلها؛ مع أنها متضمنة للقدح، وفي أدلة أهلِ البيت، وذلك أنه قال في تفسير قوله: ﴿قل لا أسئلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إلا المَودَّةَ في القُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣]:
[ ١ / ٢٦٦ ]
" اختُلِفَ في معنى الآية على أقوال (١): أحدها: أن المراد أن تَوَدُّوني لقرابتي منكم، قاله ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وغيرهم.
قال ابنُ عباس: لم يكن بطنٌ مِن بطون قريش إلا ولرسول الله - ﷺ - فيهم قرابة (٢).
الثاني: إلا أن تودوا قرابتي، قاله علي بن الحسين، وسعيد بن جُبير، والسُّدي، وغيرهم.
ثم بالمراد بقرابته - ﷺ - قولان:
أحدهما: أنهم عليٌّ وفاطمةٌ والحسنُ والحسينُ، وقد رويَ مرفوعًا (٣) إلى النبي - ﷺ -.
_________________
(١) انظر هذه الأقوال في " زاد المسير " لابن الجوزي ٧/ ٢٨٤ - ٢٨٥ بتحقيقنا.
(٢) أخرجه البخاري برقم (٤٨١٨) وتمامه فقال: إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة وهو الصحيح في تفسير الآية كما سيأتي مبينًا في التعليق الآتي.
(٣) ضعيف جدًا أخرجه الطبراني في " الكبير " (١٢٢٥٩) من طريق حسين الأشقر، عن قيس بن الربيع، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما نزلت (قل لا أسألكم عليه أجرًا إلا المودة في القربى) قالوا: يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟ قال: " علي وفاطمة وابناهما ﵃ " وأورده السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٧، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وحسين الأشقر قال البخاري: فيه نظر، وقال مرة: عنده مناكير، وقال أبو زرعة: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: ليس بقوي، وقال الجوزجاني: غالٍ شتام للخيرة، وقال ابن معمر الهذلي: كذاب، وقال الدارقطني والنسائي: ليس بالقوي، وقال الحافط ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف: ضعيف ساقط، وقيس بن الربيع لما كبر تغير، فأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه، فحدث به، وأيضًا فإن سورة الشورى مكية، وفاطمة ﵂ لم يكن لها إذ ذاك أولاد بالكلية، فإنها لم تتزوج بأمير المؤمنين علي إلا بعد بدر من السنة الثانية للهجرة، وقد عارض هذا الحديث ما هو أولى منه، ففي البخاري (٤٨١٨) من رواية طاووس عن ابن عباس أنه سئل عن هذه الآية، فقال سعيد بن جبير: فربى آل محمد - ﷺ -، فقال ابن عباس: عجلت، إن النبي - ﷺ - لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال: إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة. =
[ ١ / ٢٦٧ ]
وثانيها: أنهم الذين تحرم عليهم الصَّدقة.
والثالث: أن المعنى: إلا أن توددوا إلى الله فيما يُقرِّبُكم إليه من العمل الصالح، قاله الحسن وقتادة.
الرابع: إلا أن تودوا قرابتكم، وتَصِلُوا أرحامكم. حكاه الماوردي.
ثم حكى عن ابن عباس: أن الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُم﴾ [سبأ: ٤٧]، وعن الثعلبي والواحدي: أن القول بالنسخ غلط مبني على أن الاستثناء متصل، وهو منقطع (١) ". انتهى ما حكاه وفي آخره اختصار.
فالعجبُ كيف لم يَنْصُرْ لفظَ العِتره بلفظةٍ واحدة في مثل هذا الأصل
_________________
(١) = وقال الحافظ ابن كثير في التفسير: ٧/ ١٨٩ والحق تفسير الآية بما فسرها به الإمام حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس كما رواه عنه البخاري، ولا تنكر الوصاة بأهل البيت، والأمر بالإحسان إليهم، واحترامهم وإكرامهم، فإنهم من ذرية طاهرة، من أشرف بيت وجد على وجه الأرض فخرًا وحسبًا ونسبًا، ولا سيما إذا كانوا متبعين للسنة النبوية الصحيحة الواضحة الجلية كما كان عليه سلفهم كالعباس وبنيه وعلي وأهل بيته وذريته ﵃ أجمعين.
(٢) قال ابن الجوزي في " زاد المسير " ٧/ ٢٨٤: وفي الاستثناء ها هنا قولان: أحدهما: إنه من الجنس، فعلى هذا يكون سائلًا أجرًا، وقد أشار ابن عباس في رواية الضحاك إلى هذا المعنى، ثم قال: نسخت هذه بقوله: ﴿قل ما سألتكم من أجر فهو لكم﴾ وإلى هذا المعنى ذهب مقاتل. والثاني: إنه استثناء من غير الأول، لأن الأنبياء لا يسألون على تبليغهم أجرًا، وإنما المعنى: لكني أذكركم المودة والقربى، وقد روى هذا المعنى جماعة عن ابن عباس، منهم العوفي وهذا اختيار المحققين، وهو الصحيح، فلا يتوجه النسخ أصلًا. وقال ابن جرير الطبري: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب وأشبهها بظاهر التنزيل قول من قال: معناه: قل لا أسألكم عليه أجرًا يا معشر قريش إلا أن تودُّوني في قرابتي منكم وتصلوا الرحم التي بيني وبينكم.
[ ١ / ٢٦٨ ]
التنبيه الثاني عشر: أن جماعة من أهل البيت قد ادعوا الاجتهاد في زمن المؤلف، وطلبوا المناظرة لمن أراد الانتقاد
التنبيه الثالث عشر: إنكار السيد على المؤلف الاجتهاد في مسائل يسيرة فروعية، عملية، ظنية في مسائل الصلاة، مع أن السيد يدعي أكبر منها
الكبير، ولا بدأ به (١)، مع احتجاجهم بالآية على الناس في دعواتِهم ومراسلاتِهم ومخاطباتهم. وقد بالغ في رسالته في توعيرِ التفسير وتعسيره، وتعظيم خطره، وفي تحريمِ مخالفة أهل البيت، فكيف حَسُنَ منه مخالفةُ ما أَمَرَ به في هذين الأمرين. ووجد لنفسه محملًا حسنًا ولم يجد لغيره محملًا حسنًا فيما هو دونَ ذلك!! وليس القصدُ إساءةَ الظَّنِّ به مِني، إنما القصدُ حُسْنُ الظنِ بي منه، لكني توصلتُ إلى ذلك بما يُوقظه من الغفلة.
جعلنا الله جميعًا ممن تنفعُه الذَكرى، وجمع كلمتَنا على ما يُحمد في الأخرى.
التنبيه الثاني عشر: أن في زماننا جماعةً من أهل البيت قد ادَّعوا الاجتهادَ، وطلبوا المناظرةَ لمن أراد الانتقاد، وكلُّ منهم قد ادَّعى الإمامة الكبرى، ودعى إلى الاختيار جهرًا، ولم يُعْلَمْ أن السَّيِّدَ -أيده الله- تَرسَّلَ على أحد منهم، ومَحَضَه النُّصْحَ، وقال له مِثْلَ ما قال لمحمد بن إبراهيم: إن الاجتهاد متعذِّر أو متعسِّر، وأورد عليه تلك الفصولَ، وبَعَّدَ عليه البلوغَ إلى تلك المرتبة والوصول. وهم كانُوا أحقَّ بالنُّصحِ مني وأولى، لِما تعرَّضوا له مِن سفكِ الدِّماء، وأخذِ الأموال، وسائرِ ما يتعلَّق بالإمامة من الأعمال.
فينبغي أن السَّيِّد -أيَّده الله- يُساوي بيننا في نصيحته، وَيَعُمُّنا بشفقته، ويترسَّلُ على هؤلاء السادة كما ترسَّلَ على محمد بن إبراهيم.
فهداية جماعة أفضلُ من هداية واحدٍ، كما لا يخفي على السَّيِّد -أيده الله-.
التنبيه الثالث عشر: أني ادعيتُ الاجتهاد في مسائلَ يسيرة فروعية،
_________________
(١) على هامش " أ " تفسير جملة ما بدأ به، ونصه: أي: ما صدره.
[ ١ / ٢٦٩ ]
عملية، ظنية من مسائل الصلاة. فأنكرتُم هذا وأنتم مدَّعون لأكبر منه.
فإنَّكم متصدِّرُونَ للتدريس في العلوم عَقْلِيها وَسَمْعِيِّها، وكثيرٌ منها لا يَصِحُّ التدريس فيه على جهة التقليدِ كالعربية، والأصولَيْن (١)، والمَنْطقِ، والمعاني، والبيان. فدرسُكم في هذه الفنون فرعٌ على دعوى المعرفة لها، فما علمنا أن أحدًا أنكرَ عليكم دعوى العلم بالعربية، وهي تشتمل على معرفة أُلوف من المسائل. وكذلك ما علمنا أنكم أنكرتم على أحدٍ دعوى يدَّعيها في المعرفة بمسألة نحوية، أو معنوية (٢)، أو أُصولية، أو منطقية، بل ما أنكرتُم على من ادعى معرفة فنٍّ مِن هذه الفنون اشتمل على أُلوفٍ من المسائل، ولا مَن ادعى معرفة فَنين، ولا أكثر، حتى جاء محمد ابن إبراهيم فادعى أنه عرف دليلَ وضعِ اليُمنى على اليُسرى (٣)، فتقحَّمْتم
_________________
(١) قال العلامة محمد أمين بن فضل الله المحبي في كتابه " جنى الجنتين في تمييز نوعي المثنيين " ص ٢٠: الأصلان يقعان في عبارة المؤرخين كثيرًا يريدون بهما أصل الدين وأصل الفقه.
(٢) أي تتعلق بعلم المعاني أحد أنواع فن البلاغة.
(٣) جاء في كتاب " هيئة الناسك في أن القبض في الصلاة هو مذهب الإمام مالك " للإمام محمد بن عزوز المالكي التونسي ما نصه: والأحاديث الواردة في ذلك (أي: في وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة) نحو عشرين حديثًا عن نحو ثمانية عشر صحابيًا، أكثرها صحاح وحسان، وما قصر عن تلك الدرجة يرتفع بشواهده ومتابعاته كما يعرفه أهل فنه، والعمدة على صحاحها، وحديث واحد يثبت به الحكم، فمن الصحابة الذين حفظت عنهم هذه السنة عن النبي - ﷺ - أبو بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عباس، وحذيفة، وعائشة، وأبو هريرة، وأبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، ووائل بن حجر، وجابر بن عبد الله، وابن الزبير، وسهل بن سعد وابن عمر، وغيرهم ﵃، ودواوين السنة الحافظة لرواية الصحابة المذكورين وغيرهم بأسانيدها هي الكتب الستة وكتب الأئمة الأربعة وصحيح ابن حبان، وصحيح ابن خزيمة، وصحيح ابن السكن، وسنن الدارقطني، والبيهقي ومسند البزار، وغيرها " فالعشرة التي يقال لها أصول الإسلام، وهي الكتب الستة وكتب الأئمة الأربعة كلها روت وضع اليدين سنة قائمة، وليس فيها ولا في غيرها من كتب الحديث ما يدل على السدل في الصلاة.
[ ١ / ٢٧٠ ]
التنبيه الرابع عشر: أنكم أوجبتم على كل مكلف معرفة الله والصفات
في الإنكار عليه الطريقة العُسرى، كأنما اغتصبَ أموالَكم قَسْرًا، أو ادعى نظير معجزة الإسرا.
التنبيه الرابع عشر: أنكم أوجبتم على كلِّ مكلف -من حر وعبد وذكر وأُنثى، وبليد وفطين، وقاريءٍ وأُمي- أن يَعْرِف الله، وصفاتِه، وسائرَ مسائل الاعتقادِ المعروفة بالدليل الصحيح المحرَّر معناه في علم الكلام مِن غير تقليد للمتكلمين في ذلك الدليل، وإن لم يَعْرفْ عبارتهم بعد أن عرف معناها. ولسنا نُنْكِرُ إيجابَ المعرفة لله -تعالى- فنحن نقول به، ولكن نكرر عليك أنك اعتقدت أن معرفة تلك الأدلة مُتَسَهِّلة على العامَّةِ، والنساء والإماء والعبيد، والفلاحين، وجميع أهل البَلادَة والغباوة، وَقطَعْت أن ذلك غيرُ متعذِّر عليهم.
وأما معرفة محمد بن إبراهيم لمسائل يسيرة فروعية؛ فلم يُمكنك القطعُ بأنها متعسرة، بل شَكَكْت أنها متعذرة أو متعسِّرة، مع أن تلك المسائل التي لم يُرخَّصْ لأحدٍ التقليدُ فيها، هي (١) محارَاتُ الأذكياء، ومواقفُ الفُطنَاء، ومداحِضُ الأقدام، ومهاوي الأفهام، وفيها مسائلُ الوعدِ والوعيد، والولاءِ والبَراء والأسماء والإمامات، وهذه هي سمعيات محضة، ولا يسْلَمُ الخائضُ فيها من التقليد ما لم يعرف ما يتعلَّق بها من العربية، وعدم المُعارض والمُخَصِّصِ، وفي الولاء والبراء والإمامات.
ولا بُدَّ مع ذلك مِن معرفة عدم النسخ، وذلك لا يَصِحُّ إلا بَعْدَ البحث الكثير. فما بالُ هذا أمكنَ جميع المكلفين، ولم يتعذَّرْ عليهم، وأما محمد بن إبراهيم، فتعذَّرَ عليه ما هو أهونُ مِن هذا مع اشتغاله بالعلم منذ عَرَف يمينَهُ من شمالِهِ.
_________________
(١) في ب: وهي.
[ ١ / ٢٧١ ]
التنبيه الخامس عشر: القول بسهولة الاجتهاد وقد قال به كثير من المتقدمين والمتأخرين من أهل المذهب الزيدي وغيرهم
فإنه قلت: لأن تلكَ مسائل علمية عليها أدلة قطعية.
قلت: وليس كُلُّ علمٍ تحصيلُه أسهلُ من تحصيل الظَّنِّ، فإن كلامَنا في السُّهولة والصعوبة؛ ولعله لا يَخفي عليك أن تحصيل أدلة التأْمين، ووضع اليمنى على اليُسرى أسهل من معرفة أدلة العلم الكلامي على الوجهِ الصحيح من غيرِ تقليد ألبتة، ولو كان الظن أعسَر مِن العلم مطلقًا؛ كان ظنُّ إصابة جهةِ القبلة أعسرَ مِن العلم بدليل الأكوان، بل أعسرَ مِن علم المنطق والكلام، وهذا ما لا يليق التطويلُ فيه.
التنبيه الخامس عشر: القول بسهولة الاجتهاد قد قال به كثير من المتقدمين والمتأخرين من أهل المذهب، وغيرهم من أهل العصر، ومن تَقَدَّمهم.
حدثني حي الفقيه العلامة علي بن عبد الله بن أبي الخير (١) أن الشيخ أبا الحسين لم يكن يشترط في الاجتهاد إلا أُصولَ الفقه -يعني بعدَ معرفةِ الكتاب والسُّنة-، قال: ولم يُرِدْ إن العربيةَ ليست بشرطٍ، وإنما أراد أن المحتاج إليه منها قد صار في أُصول الفقه، وبقيتُها إنما يتعلَّق بإعراب الألفاظ.
وهذا القولُ لستُ أقولُ به، ولا أرتضيه، وإنما القصدُ الحكايةُ عن العارف الثقة.
وقد تكلَّم الفقيهُ عبد الله بن زيد (٢) في الاجتهاد، ورخَّص فيه،
_________________
(١) من مؤلفاته " الدرة الفاخرة في كشف أسرار الخلاصة الزاهرة " والفوائد الجامعة في الخلاصة النافعة " و" واسطة النظام في التقليد والاستفتاء والنقل والالتزام " انظر فهرس مخطوطات المكتبة الغربية بالجامع الكبير بصنعاء " ص ١٦٠ و١٩٧ و٣١٨.
(٢) له في المكتبة الغربية بالجامع الكبير " شمس المشرقين والمغربين في دليل الجمع بين الصلاتين " ضمن مجموع (١٢٠).
[ ١ / ٢٧٢ ]
وكذلك القاضي العلامة عبد الله بن حسن الدَّواري (١) -﵀- كان يُقَرِّبُهُ كثيرًا. وكذلك حي الفقيه العلامة علي بن عبد الله -﵀- قال لي: إن الاجتهاد عنده أسهلُ مِن معرفة الفروعِ. والسَّيِّد -أيده الله- قد حكى ذلك عن الغزالي (٢) وغيره. قال السَّيِّد -أيده الله-، في رسالته: إن الغزالي وغيرَه ذكروا أنه يكفي المجتهدَ أن يَعْرِفَ في كلِّ فَنٍّ مختصرًا، ولا يلزمُه حِفظُه عن ظهر قلبه، بل يكفيه معرفتُه نظرًا. هذا لفظ السَّيِّد -أيده الله-، لكنه تأوَّل كلامَ الغزالي وغيرِه بما لا يُوجبُ التأويل، كما سيأتي في موضعه -إن شاء الله تعالى-.
وكذلك تاجُ الدِّين السُّبكي قد وسَّطَ الأمرَ فيه ونصَّ: على أنه لا يجبُ عليه حفظُ المتون، ذكره في كتابه " جمع الجوامع " (٣). ولم يذكر فيه خلافًا مع توسُّعِهِ في النقل.
وأنا -بحمد الله- لم أَقلْ كما قالوا، وأعوذ بالله من أن أعتقِدَ أنه يكفي في كل فَنٍّ مختصرُه -هكذا على الإطلاق-، هذا قولٌ نازلٌ جدًّا وسيأتي الكلامُ على فساده لا على تأويله -إن شاء الله تعالى-، وإنما القصدُ بيانُ أن تسهيلَ الاجتهاد قولُ لم يزل في الناس مَنْ يقولُه في قديم الزمان وحديثه، ولم يُعلم أن أَحدًا ترسَّلَ على أحد في ذلك. وقد أشار
_________________
(١) ترجمه الشوكاني في " البدر الطالع " ١/ ٣٨١، فقال: عبد الله بن الحسن اليماني الصعدي الزيدي الملقب بالدواري باسم أحد أجداده وهو دوار بن أحمد، والمعروف بسلطان العلماء، ولد سنة ٧١٥ هـ، وقرأ على علماء عصره، وتبحر في غالب العلوم، وصنف التصانيف الحافلة في الأصول والفروع، وكان الطلبة للفنون العلمية يرحلون إليه، ويتنافسون في الأخذ عنه، وليس لأحد من علماء عصره ما له من تلامدة، وقبول الكلمة، وارتفاع الذكر، وعظم الجاه. توفي سنة ٨٠٠ هـ.
(٢) انظر كلام الغزالي في " المستصفي " ٢/ ٣٥٠ - ٣٥١.
(٣) انظر ص ٤٢٢ - ٤٢٤ من الجزء الثاني من شرح الجلال المحلى على جمع الجوامع، وحاشية العطار عليه.
[ ١ / ٢٧٣ ]
التنبيه السادس عشر: أن السيد يملي على تلاميذه الخلاف في الفروع، ويروي عن كثير ممن لا يعلم أنه مجتهد
إلى سهولته غيرُ واحدٍ؛ كالإمام يحيي بن حمزة (١)، والفقيه علي بن يحيى الوشلي (٢) -﵀-، وغيرهم. وسيأتي لهذا مزيدُ بيان - إن شاء الله تعالى.
التنبيه السادس عشر: أنَّ السَّيِّد -أيَّده الله- يُملي على تلاميذه الخلاف في الفروع، ويروي عن كثير ممن لا يعلم أنه مجتهد بنقل ثقة معلوم العدالة بتعديل ثقة، وذلك الثقة الذي عدَّلَه مُعدِّل، وَهَلُمَّ جرًا حتى ينتهي إلى زمانه. ولا السَّيِّد -أيَّده الله- يعلمُ نزاهتهم عن معاصي التَّأويل بمثل هذه الطريقة التي ألزمنيها، فهو على شك في اجتهادهم، وفي عدالتهم.
أما الاجتهاد، فلأنه قد نَسَبَ مالكَ بن أنس إلى البَلَهِ، وحكى أن أبا حنيفة لا يَعْرِفُ العربية ولا الحديث.
أما الاعتقاد، فلأنه قد قَطَعَ بكُفْرِ أحمد بنِ حنبل، وشكَّكَ في إسلامِ الشافعي، ومالك، أمَّا الشافعي، فقال: قد رُويت عنه الرُّؤية، وهذا يحتمل أن يكون بِكَيفٍ وهذا تجسيم، وأما مالك؛ فإنه توقف في تفسير الاستواء، وهذا يحتمل أنه تجويز للتجسيم.
فإذا كان هذا في الأئمةِ الأربعة الذين طُرِّزَت بأقاويلهم كُتُبُ
_________________
(١) ستأتي ترجمته ص ٢٨٧.
(٢) ترجمه زيارة في ملحق البدر الطالع ص ١٨٣، فقال: الفقيه العلامة المحقق علي ابن يحيى بن حسن بن راشد الوشلي اليمني ينتهي نسبه إلى سلمان الفارسي، ولد سنة ٦٦٢ هـ، وأخذ عن السيد محمد بن عبد الله الحسيني الموسوي وغيره، وكان عالمًا محققًا حجة في كل مطلب نقح الفروع، وبين التأويل والتعليل، وأتى بالفرق والجمع بين المسائل بما لما يأت به غيره. مات بصعدة سنة ٧٧٧ هـ.
[ ١ / ٢٧٤ ]
التنبيه السابع عشر: الظاهر من أحوال السيد أنه لا يقطع بتضليل الأئمة المتأخرين .. فإن كلام السيد يجوز أنهم اجتهدوا، فليترك الناس يطلبون ما طلبوا
الزيدية، ورسَخَتْ بمذاهبهم تصانيفُ العِترةِ الزكيةِ، وعُطِّرَتْ بذكرهم حِلَقُ الذِّكر بُكرةً وعشية؛ فما ظنُّك بالليثِ بنِ سعد المصري، وأشهب، والمُزَنِي، والإصطَخْرِي، وأبي ثورٍ، وداودَ، والقفالِ، والشَّاشِي، والمروزي، والقاشاني، وبعض أصحاب الشافعي، هكذا على الإجمال من غير تعيين. فروايةُ الخلافِ فرعٌ على معرفة الإسلام أولًا، ثم معرفةِ العدالة التامة من جهة التصريح إجماعًا، ومن جهةِ التأويل على قولك -أيَّدك اللهُ- في ذلك بطريق صحيحةٍ، متسلسلة بالعُدولِ المعروفين منهم إلى " السَّيِّد ". مثل ما ألزمني في معرفة عدالتهم، وقال: لا تَحِلُّ الرواية عنهم إلا بعدَ معرفة العدالة في التصريح والتأويل، ومعرفةُ العدالة متَعسِّرةٌ أو متعذِّرة. فكذلك أنتَ لا يَحِلُّ لك رواية خلافهم إلا بعد ذلك. فمِن أين حصل لك، وتيسَّر، وتَسَهَّل أنهم عدولُ، بل أنهم مجتهدون في العلم مع العدالة؟! وأما أنا، فما تيسَّر لي معرفةُ العدالة وحدَها مِن دون معرفة الاجتهاد، مع أن التحري في النقل عنهم مما يلزمُكَ ويخُصُّك، وليس اجتهادي مما عليك فيه تكليفٌ. فتركت التَّحري فيما يخُصُّك، وتفرغت لتسيير الرسائلِ إليَّ مِن غير مُوجب مني لِذلك.
التنبيه السابع عشر: الظاهر من أحوال السَّيِّد -أيده الله- أنه لا يقطعُ بتضليل الأئمة المتأخرين مِن بعد الإمام أحمد بن الحسين -﵇-، كالإمام المنصور الحسن بن محمد (١)، والإمام إبراهيم بن تاج الدين، والإمام المطهر بن يحيى (٢)، وولده محمد بن المطهر (٣)،
_________________
(١) المتوفى سنة ٦٧٠ هـ مترجم في " بلوغ المرام " ٤٠٩.
(٢) المتوفى سنة ٦٩٧ هـ مترجم في بلوغ المرام ص ٥٠ و٤٠٦.
(٣) المتوفى سنة ٧٢٨ هـ مترجم في " البدر الطالع " ٢/ ٢٧١.
[ ١ / ٢٧٥ ]
التنبيه الثامن عشر: أن السيد ذكر أن الاجتهاد ينبني على معرفة تفسير المحتاج إليه من القرآن، وذكر أنه صعب شديد، ثم صنف تفسيرا وتعرض لذلك الذي عسره بعينه .. فإن تيسر هذا له، فلعله يتيسر لغيره
وحفيده الواثق (١)، والإمام يحيي بن حمزة (٢)، والإمام علي بن محمد (٣)، والإمام علي بن صلاح بن تاج الدين، والإمام أحمد بن علي بن أبي الفتح -﵈- وحي والدك السَّيِّد العلامة محمد بن أبي القاسم -﵀-، وهؤلاء الأئمة قد ادَّعَوا الاجتهادَ، وطريقهم في تصحيح الأخبار لم تُرفع ولم تعذر، لأنه ليس بيننَا وبينَهم قرونٌ عديدة، ولا أعصارٌ بعيدة. فإن كان السَّيِّد يجوِّزُ أنهم اجتهدوا، فَخَلِّ الناس يطلبون ما طلبوا، ولعلَّ الذي فَتَحَ على أُولئك يفْتَحُ على غيرهم، فإنه -سبحانه- باقٍ، وقدرتُ باقية، ولا معنى للتخذيل من طَلَب المقدورات. وليس المرادُ أني مثلُهم، ولا مِثل الإمام النَّاصر (٤)، لأن كلامي ليس هو في نفسي، إنما هو في الاجتهاد، فإنَّ السَّيِّد بَعَّدَه وعَسَّره، وشَكَّ في دخوله في جملة المقدورات، ولم يُفرق في ذلك بيني وبينَ غيري.
والقصد الكلام أن الاجتهاد إذا كان ممكنًا في زمان هؤلاء الأئمة، وإليه طريق معروفة، فالعهد قريب. والظاهر أن تلك الطريق ما تَعَفَّت في هذه المدة اليسيرة. والله أعلم.
التنبيه الثامن عشر: أنَّ السَّيِّد -أيده الله- ذكر أن الاجتهاد ينبني على معرفةِ تفسير المحتاج إليه من القرآن، وذكر أن ذلك صعبٌ شديدٌ، مَدركُه بعيد. ثم إنّا رأينا السَّيِّد -أيده الله- صَنَّف تفسيرًا للقرآن الكريم، محكمِه ومتشابِهه من أوَّلِه إلى آخره، وذكر جميع ما فيه من دقيق وجليل،
_________________
(١) المتوفى بعد سنة ٧٦٥ هـ مترجم في بلوغ المرام: ٥١.
(٢) المتوفى سنة ٧٠٥ هـ مترجم في البدر الطالع ٢/ ٣٣٣.
(٣) المتوفى سنة ٧٧٣ هـ مترجم في البدر الطالع ١/ ٤٨٥.
(٤) على هامش أما نصه: هذا محض التواضع، وإلا فآثارك تقضي بأنك فوق الكل.
[ ١ / ٢٧٦ ]
التنبيه التاسع عشر: أن السيد ألزمنا معرفة معنى الآيات، ولم يرخص لنا في التوقف في التأويل
فعسَّر علينا معرفة تفسير المحتاج إليه، وهو شيءٌ يسير، وتعرض لذلك الذي عَسَّره بعينه، ولِأكثرَ منه بأضعافٍ مضاعَفةٍ. فإن كان ذلك تيسر للسَّيِّد -أيده الله- فلعل الله يُيسرهُ لغيره، وإن كان لم يتيسر له فهو أجلُّ من أن يقولَ على الله في كتابه بما لا يعلم، وقد روي في التفسير وعيدٌ شديدٌ. وسيأتي -إن شاء الله- لهذا مزيدُ بيان.
ومن العجب أنه أكثر في تفسيره " تجريد الكشاف " مع زيادة " النُّكت اللِّطاف " من الرواية لتفسير كتاب الله -تعالى- من طريق الرازي، وابن الجوزي -من مشاهير المخالفين- الذين (١) يأتي تصريح السيد أنهم عنده كفَّارُ عمدٍ وتصريحٍ لا خطأ وتأويل. وكيف جاز له مثلُ ذلك؛ مع قَدحه على المحدثين بالرواية عن مالك والشافعي وأحمد بن حنبل والبخاري، فكيف تجاسر -مع المنع عن الرواية عن مثل هؤلاء- على رواية فضائل السُّور الموضوعة باتفاق العارفين بعلوم الأثر مع معرفته لدلك في كتاب ابن الصلاح في " علوم الحديث ". وهلاَّ تورَّعَ من ذلك للخروج من الاختلاف، وكيف تجاسرَ على ذلك مع منعه من رواية الحديث المتفق على صحته بين علماء الأثر، فالله المستعان.
التنبيه التاسعَ عشَرَ: أن السَّيد -أيده الله- ألزمنا معرفةَ معنى الآيات المتشابهة على التفصيل؛ سواء كُنّا مجتهدين أو مقلدين. ولم يُرَخص لنا في التوقف في التأويل، وجعل معرفة المتشابه مما يمكن كلَّ مكلف مِن عالم وعامِّي، وقارىء وأمِّي على مقتضى كلامه -كما سيأتي- إن شاء الله تعالى. ثم عَسرَ علينا معرفةَ الآياتِ المحكمةِ النازلةِ في تحريم الرِّبا،
_________________
(١) في ب: الذي.
[ ١ / ٢٧٧ ]
التنبيه العشرون: إما أن يكون يعتقد في نفسه أنه مجتهد أو لا
والزِّني، وإفطار رمضان، وإتيانِ الحائض، وفي مواريث الأولاد مثل قوله تعالى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيض﴾ [البقرة: ٢٢٢] وقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢]، ومثلُ قوله: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِد﴾ [البقرة: ١٨٧]. وأمثال ذلك من الآيات الكريمةِ في تحريم الفواحش، وإقامة الحدود، وجواز البيع، وتعليم النَّاس معالم الخير، وإرشادهم إلى أعمال البِرِّ من الخشوع في الصلوات، والمسابقة إلى الخيرات، وإخبات القُلُوب، والوَجَل من الذنوب. فما أصعبَ ما سَهَّلَ السَّيِّد -أيده الله- من معرفة المتشابه جميعِه، وما أقربَ ما عسَّرَه من معرفة بعضِ آيات الأحكام.
فإن قلت: إنما عسرت آيات الأحكام لتوقُّف العمل بها على فقد النَّسْخ، والمعارضة، والتخصيص.
قلت: ذلك أمرٌ آخر أفردتُ الكلامَ فيه كما سيأتي كلامُك، وجوابُهُ: بل عَسَّرْتَ مجرَّدَ التعسيرِ (١) المتعلِّق بالنحو واللغة، وفي تفسير معرفة معنى المحكم، وتسهيلُ معرفة معنى المتشابه تَعَسُّفٌ كثير، فالله المستعان.
التنبيه العشرون: أنَّهُ -أيده الله- إما أن يكون يعتقِدُ في نفسه أنه مجتهد، أو لا، أن كان يعتقِدُ ذلك في نفسه، فقد زالَ تعذُّرُ الاجتهاد،
_________________
(١) في أ: التيسير.
[ ١ / ٢٧٨ ]
التنبيه الحادي والعشرون: أن السيد عظم الكلام في معرفة الجرح والتعديل، ولم ينبه على أن فيه خلافا ألبتة
دعوى السيد أن معرفة صحيح الأخبار متوقفة على معرفة عدالة الرواة، والمعرفة في هذا الزمان كالمتعذر
ونُفِيَ تعسُّره، ولعلَّ الذي يَسَّره له، أو صَبَّرَهُ على طلبه حتى ناله يَهَبُ لِغيره ما وَهَبَ ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: ٢٠]. وإن لم يكن مجتهدًا فهو لا يَعْرِفُ الاجتهادَ، فلا يَصِحُّ منه الحكمُ عليه بتعذرٍ ولا تعسُّر، ولا سُهولةٍ ولا تيسُّر، ولا نفيٍ ولا إثبات. وفي هذا مباحثُ طويلة، قد جمعتُها في رسالةٍ مفردَةٍ، وبعضُها أو كلُّها لا يخفي على الذكِيِّ مع التَّأمُّلِ.
التنبيه الحادي والعِشرين: أنَّ السَّيِّد -أيَّده الله- عَظَّمَ الكلام في معرفة الجرح والتعديل، وعَوَّل عليه في التَّعسير كُلَّ التعويل، وهو عمودُ تعسيره الدي يدور عليه، وأصلُه الذي يعود عليه، ولم يُنبِّهِ السَّيِّد -أيده الله- على أن فيه خلافًا ألبتة، كأنه لا يَعْرِفُ فيه لأحدٍ قولًا، والقولُ بتركِ البحث عنه، وبأنَّه غيرُ واجب، هو القولُ المشهور المستفيض بينَ علماء الزَّيدية والمعتزلة، وهو قولُ المالكية، والحنفية. وادعى ابن جرير الطَّبري. أنه إجماعُ التابعين، وهو قول الشافعي في بعض المراسيل، وهو الذي عليه عَمَلُ النَّاسِ في بلاد الزَّيدية، وليس يُوجد في خزائنِ الأئمة كتاب في الجرح والتعديل بخلاف سائر العلوم.
فليت شعري ما سببُ الإضراب عن ذكرِ هذا؟! ومن أين للسَّيِّد -أيده الله- أني أشترط معرفة الجرح والتعديل؟ وما أمِنَهُ أني أقبلُ المرسل من الثقة، فإن كان يُنْكِرُ على مَنْ لم يشترط ذلك، فليُنْكِرْ على غيري من جماهير العلماء، وما خَصَّني بالنكير، وإن كان لا يُنكرُ ذلك؛ فما باله عَسَّر وشدد، وهَوَّلَ وحَرَّجَ في أمرٍ الخلافُ فيه أظهرُ من الشمس عند مَنْ لَهُ أدنى معرفة بالأصول، وَهَلاَّ وقف التَّعسير على القول بإيجابِ معرفة ذلك، ولكنَّ كتابه -أيَّده الله- مبنيٌّ على الميلِ إلى التغليظ في الأمور والتحريج،
[ ١ / ٢٧٩ ]
تعسير معرفة صحيح الأخبار، والجواب عليه من وجوه:
الوجه الأول: ظاهر كلام السيد يقتضي ايجاب الإحاطة بمعرفة الصحيح من الأخبار، ولم أعلم أحدا اشترطه وعلى هذا فوائد:
وترك ما لا يَخفي -على مثله- من التسهيل، بحيث إنه لا يترك شيئًا من الأمور المعسرة، ولا يخفي عليه وإن دقَّ، ولا يلتفت إلى شيءٍ مما فيه شهولة ويُسر، وان جلَّ وتجلى وما هذا عملَ الإنصاف.
وقد اقتصرتُ على هذه التنبيهات الإحدى والعشرين وإن كان يُمكن الزيادة فيها، لكن مما أخاف أن ذِكْرَه يُوحِش السَّيِّد -أيَّده الله-.
قال " أما معرفةُ صحيح الأخبار، فمبنيٌّ على معرفةِ عدالة الرواة، ومعرفةُ عدالَتهم في هذا الزمان مع كثرة الوسائط كالمتعذر. ذكرَ هذا كثيرٌ مِن العلماء، ومنهم الغزالي والرَّازي. فإذا كان ذلك في زمانهم؛ فهو في زماننا أصْعبُ، وعلى طالبهِ أتعبُ، لازدياد الوسائط كثرةً، والعلوم دروسًا وفَتْرَة ".
أقول: قد تقدَّم الكلام على تعسير الاجتهاد على الإطلاق. وقد شرع السَّيِّد يتكلم على تعسيرِ (١) كلِّ شرط من شروط الاجتهاد. فبدأ بمعرفة صحيح الأخبار فتكلم على تعسيرها، والجوابُ عليه مِن وجوه:
الوجه الأولُ: أنَّ ظاهر كلامِهِ يقتضي إيجابَ الإحاطةِ بمعرفة الصحيح مِن الأخبار، وهذا الشرطُ لم أعلم أحدًا اشترطَهُ، ولا دليلَ على اشتراطه، وإنَّما اختلفوا في الأخبار الآحادية الصِّحاح، هل يجبُ العلمُ بشيء منها؟ بل هل يجوزُ العملُ بشيء منها؟، فالجمهور على الوجوب.
وقال السَّيِّد أبو طالب -﵇- ما لفظه: وذهب كثيرٌ من شيوخ
_________________
(١) لم ترد في أكلمة تعسير.
[ ١ / ٢٨٠ ]
الفائدة الأولى: لا يشترط الإحاطة بالأخبار، والدليل من وجوه.
الحجة الأولى: لو وجب معرفة جميع الأخبار الصحاح، لبطل التكليف بالاجتهاد
الحجة الثانية: حديث معاذ: " اجتهدت رأيي " وقد طعن فيه، وأجيب عنه بوجوه:
المتكلمين، من البصريين، والبغداديين: إلى أن التعبد بخبر الواحد لا يجوز عقلًا، ثمَّ قال بعد هذه المسألة: قد بَيَّنا فسادَ قول مَنْ منع منه مِن جهة العقل. فأما القائلون بجواز العمل بمقتضاه، فقد ذهب بعضُهم إلى المنع مِن العمل به، لأن العادة لم تَرِدْ بذلك. قالوا: وقد ورد السمعُ أيضًا بالمنع، وهو قولُ نفرٍ من المتكلمين، وبعضُ أصحاب الظاهر كالقاشاني وغيره.
فإذا عرفت هذا، فلنتكلم على فوائد:
الفائدة الأولى: أنه لا يشترط الإحاطة بالأخبار، والدليل عليه وجوه:
الحجة الأولى: إنه لو وجبَ معرفةُ جميع الأخبار الصِّحاح، لبطل التكليف بالاجتهاد، لكنَّ التكليفَ به معلوم، فما أدى إلى بطلانه، فهو باطل. وبيانُ الملازمة أنه لا طريق للمكلف إلا بالعلم بأنَّه لم يبق حديثُ واحد عند أحد من أهل العلم في جميع أقطار الإسلام إلا وقد أحاط به علمًا، والذي يدلُّ عليه أنه لا طريق له إلى العلم بذلك أن نهاية الأمر أن يطلبَ فلا يَجِدُ، ولكن ليس عدم الوُجدانِ يدُلُّ على عدمِ الوجود.
الحجة الثانية: حديثُ معاذ -﵁- وفيه: أن رسول الله -﵌- لَمَّا أراد بَعْثَهُ إلى اليمن واليًا وقاضيًا -قال له﵇-: " بمَ تحكم؟ " قال: بكتاب اللهِ. قال: " فإن لم تجد؟ " قال: فَبسُنَّةِ رسولِ اللهِ. قال: " فإن لم تجد؟ " قال: اجتهدت رَأَيي. فقال -﵇-: " الحمد لله الذي وَفَّقَ رسولَ رسول الله لما وَفَّقَ له رسوله " (١).
_________________
(١) تقدم تخريجه والكلام عليه ص ٢٥٨.
[ ١ / ٢٨١ ]
الأول: له شواهد كثيرة من طرق متعددة
الثاني: أن كونهم جماعة يقويه
الثالث: أن كتب الأئمة والأصوليين وأهل العدل متضمنة للاحتجاج به
وهو حديث مَشهور مُتَلقّى بالقبول، وقد خالف بعضُ أهلِ الحديث في صحَّتهِ على وفق شروطهم، وَطَعنَ فيه بأنه مَرويٌّ عن ناسٍ من أهلِ حِمْص من أصحاب معاذ عن معاذ -﵁-.
وأجيبُ عن هذا بوجوه:
الأول: أن له شواهد كثيرة من طُرقٍ متعددة، فقد قال الحافظ ابنُ كثير البصروي (١): هو حديثٌ حسنٌ مشهورٌ اعتمد عليه أئمةُ الإسلام في إثباتِ أصل القياسِ، وقد ذكرتُ له طرُقًا وشواهدَ في " جزءٍ مفرد " فلله الحمد. انتهى.
الثاني: أنَّ كونَهم جماعة، يُقَوِّيهِ، وكونهم مِن أصحاب معاذ يُعَرِّفُهم بعض التَّعريف، فالظاهر مِن أصحاب معاذ أنَّهم من أهلِ الخير.
الثالث: أنَّ كتب الأئمةِ والأصوليين وأهل العدل متضمنةٌ للاحتجاج به، قاضية بصحته، فقد احتج به السَّيِّد الإمام أبو طالب في آخر كتاب " المجزىء " فقال -ما لفظه-: وهذا الخبرُ قَد تلقَّاه العلماءُ بالقبُولِ، وقد احتجَّ به الشيخُ أبو الحسين (٢) في " المعتمد "، ورواه الترمذي وأبو داود
_________________
(١) يغلب على الظن أن كلامه هذا في الكتاب الذي خرج فيه أحاديث مختصر ابن الحاجب في الأصول، واسمه " تذكرة المحتاج في تخريج أحاديث المنهاج " ومنه نسخة في فيض الله (٢٨٣) باستنبول.
(٢) هو أبو الحسن محمد بن علي بن الطيب البصري المتكلم شيخ المعتزلة في عصره، والمنافح عن آرائهم بالتصانيف الكثيرة، وكتابه " المعتمد " في أصول الفقه، وهو شرح لكتاب " العهد " للقاضي عبد الجبار، وهو أحد الكتب الأربعة التي عول عليها الفخر الرازي في كتابه المحصول، واستمد منها. توفي سنة ٤٣٢ هـ في بغداد، وصلى عليه القاضي أبو عبد الله الصيمري، ودفن في مقبرة الشونيزي. انظر " وفيات الأعيان " ٤/ ٢٧١.
[ ١ / ٢٨٢ ]
في " سُنَنِهما " وقال الأمير الحسينُ بنُ محمد في كتاب " شفاء الأوام " (١): إنَّهُ حديث معلوم.
وأمَّا قولُ الترمذي (٢): لا نعرفُهُ إلا من هذا الوجه، وليس إسنادُه عندي بمُتَّصل. فلا يُعتَرَضُ به على ما ذكرناه، لأنَّ غيرَ الترمذي قد عرفه مِن غير ذلك الوجه، وَمن عرف حجةٌ على مَنْ لم يَعْرِفْ.
ووجهُ الدلالة في الحديث -على ما ذكرناه-: أنَّ رسول الله - ﷺ - قرَّرَه على الاجتهاد عند أن لا يجد النَّصَّ، لا عند عدمِ النَّص. ولا شكَّ أن الفرقَ بينهما ظاهر وقد نَصَّ الله تعالى على جواز التيمم عند أن لا يجدَ الماء قال اللهُ تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣]، وفَهِمَ أهلُ اللغةِ: أن المعتبرَ في ذلك أن لا يَظُنَّ وجودَ الماء في الأماكنِ القريبة، وأجمعَ العلماءُ على ذلك، فإنَّ الماء موجودٌ في البحار معلوم أنه لم يَخْلُ من جميع الأقطار، وكذلكَ قولُ النبي - ﷺ - لمعاذ: " فإن لم تجد " فإنَّهُ يقتضي أن المعتبرَ الظَّنُّ، وأنَّهُ لا يجب على المجتهد الطلبُ للنَّصِ إلا في بلدهِ.
أما أنَّ المعتبر الظَّنُّ، فلأن عدم الوجدانِ لا يدلًّ على عدم الوجود -كما تقدم- وقد يتذكرُ الإنسانُ الشيء، ويتطَّلبُهُ فلا يجده، ولا يهتدي إليه، ثمَّ يَذْكرُهُ بعدَ ذلك، وهذا معلوم.
_________________
(١) في التمييز بين الحلال والحرام، ومنه عدة نسخ في المكتبة الغربية بالجامع الكبير بصنعاء انظر وصفها في الفهرس ٨٥ - ٨٩ ومؤلفه: هو الحسين بن محمد بن أحمد بن يحيى من نسل الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين من علماء الزيدية وفقهائهم. توفي سنة ٦٦٢ هـ. تاريخ اليمن للواسعي: ٣٢.
(٢) في " سننه " ٣/ ٦١٧.
[ ١ / ٢٨٣ ]
الحجة الثالثة: أنه ثبت عن أمير المؤمنين علي قبول حديث رواه له أبو بكر﵁، وهو دليل على أنه لم يعلم أنه أحاط بالنصوص
وأما أن المجتهد لا يَلْزمُهُ طلبُ النَّص بغير بلده، فلأنَّهُ -﵇- لم يُلْزمْ معاذًا أن يَطْلُبَ النَّصَّ منه -﵇- من المدينة، مع العلم بأنَّه -﵇- لو سئلَ عن الحكم، لَنَصَّ على الجواب، فكيف يجب على المجتهدِ الطلبُ مع تجويزه أن لا يجدَ النَّصَّ؟ وهذا معاذٌ لم يَجبْ عليهِ الطَّلبُ مع علمهِ بأنه يجدُ النَّصَّ، وقد رويَ هذا القولُ عن أبي الحسين، والله أعلم.
الحجة الثالثة: أنَّهُ قد ثبت عن أميرِ المؤمنين علي -﵇- أنه قالَ: كنْتُ إذا سَمِعتُ مِن رسول الله -﵌- حديثًا نفعني اللهُ بما شاءَ أن ينفعني منه، فإذا حدثني عنه غيرُهُ حَلَّفتُهُ، فإن حلف صَدَّقتُهُ، وحَدَّثني أبو بكر، وصدقَ أبو بكر (١). رواه الإمام المنصور بالله في كتاب " الصفوة " بهذا اللفظ، ورواه أيضًا الإمام أبو طالب -﵇-، ورواه الحافظ ابن الذهبي في " تذكرته " (٢) وقال: هو حديثٌ حسن، رواه مِسْعَرُ، وشريكُ، وسفيانُ، وأبو عَوانةَ، وقيسٌ، كُلُّهم عن عثمانَ بنِ المغيرة الثَّقفي، عن علي بن ربيعةَ، عن أسماء بنِ الحكم الفزاري: أنه سَمعَ عَليًا يقول وساقَ الحديث، وفيه بعدَ قولهِ: وصدق أبو بكر. قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: " مَا منْ عَبْدٍ يُذْنِبُ ذنبًا ثُمَّ يَتَوَضَّأ ويُصَلِّي ركْعَتَيْن، ثُمَّ يسْتَغْفِرُ اللهَ إلا غَفَرَ اللهُ لَهُ " (٣).
_________________
(١) سيأتي تخريجه قريبًا.
(٢) ١/ ١٠ - ١١.
(٣) رواه أحمد (٢) و(٤٧) و(٥٦) وأبو بكر المروزي في مسند أبي بكر (١) وأبو يعلى في " مسنده " (١) والطيالسي (١)، والترمذي (٤٠٦) و(٣٠٠٩) والبغوي (١٠١٥) وابن جرير (٧٨٥٣) و(٧٨٥٤)، والحميدي (١) وابن ماجه (١٣٩٥) وإسناده صحيح، وصححه ابن حبان (٢٤٥٤) وأورده السيوطي في " الدر المنثور " ٢/ ٧٧ وزاد نسبته لابن أبي شيبة، =
[ ١ / ٢٨٤ ]
الحجة الرابعة: ما ثبت في (الصحيحين) من الأحاديث الدالة على أن الصحابة رضوان الله عليهم
ووجهُ الدِّلالةِ من هذا الحديث: أنَّ قَبُولَه -﵇- لِحديث غيره دليلٌ على أنَّهُ لم يعلم أنه قد أحاط بالنصوص، وإذا كان -﵇- غيرَ محيطٍ بالنصوص حتى احتاج إلى حديث من يُتَّهَمُ، ولا تطيبُ النفسُ بحديثه إلا بعدَ اليمينِ، مع الإجماع على أنه -﵇- مجتهد قبل أن يعلم بذلكَ الحديثِ الذي سَمِعَهُ، بل كان مجتهدًا في زمن الرسول -﵌- فلا شَكَّ أن ذلك يدلُّ على أنَّ المجتهدَ لا يجب عليه أن يُحيطَ بالنصوص، لأنه -﵇- أعلمُ هذِهِ الأمةِ على الإطلاق.
وقد نصَّ المؤيد بالله (١) في " شرح التَّجريد " على: أنَّهُ لا يجب أن يكون عليٌّ -﵇- قد عرَفَ جميعَ النصوص وأنه يجوز أن يعْرِفَ النَّصَّ، وَيشْتَبِهُ عليهِ المرادُ. ذكره في بيع أُمِّ الولد.
الحجة الرابعة: ما ثبت في " الصحيحين " عن البراء بن عازب قال: خرجَ رسولُ الله - ﷺيعني مِن مكة-، فَتبِعَتْهُمُ ابْنَة حمزة، تنادي: يا عمّ، يا عمَ فتناولَها عليٌّ، فأخذها بيدها، فاختصم فيها عليٌّ وزيدُ وجعفرٌ، فقال عليٌّ: أنا أحقُّ بها، وهي ابنةُ عَمِّي، وقال جعفر: ابنةُ عَمِّي، وخالتُها تحتي، وقال زيدٌ: ابنةُ أَخي. فقضى بها النبيُّ - ﷺ - لخالتها، وقال: " الخالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ " (٢).
_________________
(١) = وعبد بن حميد، والنسائي، والدارقطني، والبزار، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في " الشعب ".
(٢) هو أحمد بن الحسين بن هارون بن الأقطع، وقد تقدمت ترجمته في ص ١٩١ رقم (١)، وشرح التجريد هو في عدة مجلدات، انظر وصفها في فهرس مخطوطات الجامع الكبير بصنعاء ص ٢٦٢ - ٢٦٤.
(٣) رواه البخاري (٢٦٩٩) و(٤٢٥١) وهو من أفراده وليس في صحيح مسلم كما توهم =
[ ١ / ٢٨٥ ]
الحجة الخامسة: أن العلم بجميع النصوص؟ / لوجب لترجيح القول بأن العمل بالظن حرام
الفائدة الثانية: في بيان ألفاظ العلماء، ونصوصهم الدالة على ما قلنا
فَدَلَّ هذا الحديثُ على ما قلناه أوضحَ دلالةٍ، لأنَّهم اجتهدوا مع فقد النَّص في حضرة الرسول - ﷺ -، وقرَّرَهم، ولم يُخْبرهم بتحريمِ ِذلك في حضرته، ولا في غيرها، فَدَلَّ على الجوازِ، والله أعلم.
الحجة الخامسة: أنَّ العلمَ بجميع النصوص إنَّما يجب لو وجب، لترجيح القول: بأنَّ العَمَلَ بالظنِّ حرامٌ، ولو حَرُمَ العملُ بالظن، لحرم العملُ بخير الواحد، وحينئذ لا يجبُ العلمُ (١) بشيءٍ من أخبار الآحاد، فكان في تصحيح هذا القولِ إبطالُهُ، وفي هذا بحثٌ تركتُهُ اختصارًا، والأدلَّةُ على هذا كثيرة فلا نُطَوِّلُ بذكرها.
الفائدة الثانية: في بيان ألفاظِ العلماء، ونصوصهم الدالة على ما قلنا، وذلك ظاهر شائع، والتعرُّضُ لنقل ألفاظهم في ذلك يُفضي بنا إلى باب واسع، ولكن نُشير إلى نُبْذةٍ يسيرة مِنْ كلامِ بعض الأئمة والعلماء، فَمِن ذلك قولُ الإمام المنصور بالله (٢) -﵇- في " صفوة الاختيار " في صفة المجتهد: ويجب أن يكونَ عارفًا بطرَفٍ مِن الأخبار المرويِّة عن
_________________
(١) = المصنف رحمه، وأخرجه أحمد ١/ ٩٨ و٩٩، و١١٥، وأبو داود (٢٢٨٠) والترمذي (١٩٠٤) والطحاوي في " مشكل الآثار " ٤/ ١٧٣، ١٧٤، والبيهقي ٨/ ٦ والحاكم ٣/ ١٢٠، والخطيب في " تاريخه " ٤/ ١٤٠، ورواه الطبراني عن أبي مسعود البدري كما في " المجمع " ٤/ ٣٢٣، ورواه العقيلي في " الضعفاء " لوحة ٤٧٢ عن أبي هريرة وضعفه يوسف ابن خالد السمتي، ورواه ابن سعد في " الطبقات ٤/ ٣٥ - ٣٦ عن محمد بن علي مرسلًا ورجاله ثقات.
(٢) في (ب) لا يجب العمل العلم.
(٣) هو عبد الله بن حمزة بن سليمان بن حمزة أحد أئمة الزيدية في اليمن ومن علمائهم وشعرائهم بويع له سنة ٥٩٣ هـ وتوفي سنة ٦١٤ هـ وله عدة مصنفات انظر وصفها في فهرس الجامع الكبير بصنعاء ص ١١١ و١٢٩ و٢١٧ و١٤٥ و١٢٩ و٧٥ و٧٦ و٥٩٠ و٥٩١ و٢٥٦ و١٦٧ و٢٥٧ و١٦٨ و٣٦٦ و١٧٣ - ١٧٦ و١٧٩ و١٨٠ و٢٠٩ و٢٩٠ و٢٠٥ و١٢٤.
[ ١ / ٢٨٦ ]
النبي - ﷺ -. فهذا نَصُّهُ -﵇- كما ترى مفصحًا بأنه لا يجب إلا معرفةُ طرَفٍ مِنَ الأخبار، والمعلوم أنَّ كل الأخبار لا تُسمى طرفًا لها، بل الظاهرُ أنَّ نِصفَ الشيء لا يُسمى طرفًا له.
وكذلك قال صاحب " الجوهرة " (١) التي هي مِدْرَسُ الزيدية في الأصول: إنه يجب أن يكونَ عارفًا بطرف من الأخبار الفقهية -بهذا اللفظ- ولم نعلم أن أحدًا اعترضه في ذلك، مع كثرة الدرسِ والتدريس في هذا الكتاب، واعتناءِ النُّقاد من علماء الزيدية بتحقيقه.
وقال الإمام يحيى بنُ حمزة (٢) -﵇- في كتاب " المعيار " في صفة المجتهد -ما لفظه- وأما السُّنَّة، فلا يلزم أن يكون حافظًا لها من ظاهر قلبه، بل لا بد أن يكون معتمدًا على كتاب منها يكونُ مُسْتَنَدًا له في فتواه.
_________________
(١) هو أحمد بن محمد الرصاص كما صرح به المؤلف فيما بعد، ترجمه الجنداري في تراجم الرجال ص ٥، وأرخ وفاته سنة ٦٥٦ هـ، واسم كتابه " جوهرة الأصول وتذكرة الفحول " ومنه نسخة خطية بالجامع الكبير بصنعاء كما في الفهرس ص ٣٢٨ كتبت سنة ٧٨٩ هـ. وقد كرر صاحب معجم المؤلفين ترجمته فنسبه في الأولى ١/ ١٩١ إلى جده الحسن، ونسبه في الثانية ٢/ ٩٠ إلى أبيه.
(٢) هو يحيى بن حمزة بن علي بن إبراهيم الحسيني العلوي الطالبي من أكابر أئمة الزيدية وعلمائهم في اليمن، صنف التصانيف الكثيرة الحافلة في جميع الفنون، وكان - كما قال الشوكاني في البدر الطالع ٢/ ٣٣٢: له ميل إلى الإنصاف مع طهارة لسان، وسلامة صدر، وعدم إقدام على التكفير والتفسيق بالتأويل، ومبالغة في الحمل على السلامة على وجه حسن، وهو كثير الذب عن أعراض الصحابة المصونة ﵃، وعن أكابر علماء الطوائف ﵏. قلت: وهو صاحب كتاب " الطراز المضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الاعجاز " المطبوع في ثلاث مجلدات في مصر سنة ١٩١٤ بتصحيح سيد بن علي المرصفي.
[ ١ / ٢٨٧ ]
وقال الشيخ أبو الحسين في كتاب " المعتمد " (١) فيمن يجوز له أن يقضي بظاهر الخِطاب وعمومه: والواجبُ أن يقال: إنَّ منْ كان مِن أهل الاجتهاد، إذا لم يجد ما يَعْدِلُ بالحكم عن ظاهره، فالواجب أن يحمِلَه على ظاهره في تلك الحال، لأنه قد كُلِّفَ الاستدلالَ به، إما ليُفتيَ غيرَه وإما لِيُفتي نفسَه وغيرَه، فلا يجوز أنْ لا يُجْعَلَ له طريقُ إلى ما كُلِّفَ، سواء انتشرت السنن أو لم تنْتَشِرْ، إلا أنَّه إن لم تنتَشِرِ السُّنن، قطع المكلَّفُ أنه فرضهُ في الحال، وفرضُ مَنْ يستفتيه العملُ بظاهر ذلك الخطابِ. وجُوَّز أن يكونَ في السنن ما يعْدِلُ بالخطاب عن ظاهره، وإذا بلغه تلك السنة تغيَّر فرضُهُ. ولهذا يجبُ أن يجوز منْ عاصر النبي - ﷺ - ممَّن غاب عنه، أن يكونَ ما يلزمُهُ مِن العبادات قد نسخه النبي - ﷺ -. وإن لم يبلغ النسخ بعدُ، وأنَّه إذا بلغه النسخ، تغيَّر فرضُه، وتغيَّر فرضُ القياس عليه. انتهى.
فإن قلت: إن كلام الشيخ أبي الحسين هذا إنما هو في الحُكم قبلَ انتشار السُّنَنِ، فما الحكمُ عنده بعد انتشارها؟
قلتُ: قال أبو الحسين في " المعتمد "، قبل هذا الكلام ما لفظه: فإن كانَتْ قدِ انتشرت كعصرنا هذا، فالواجبُ أن يقضِيَ بعموم الخطاب، وثبوتِ حُكمه، لأن السنن ظهرت ظهورًا لا يخفي معه على من التمسها.
ولم يختلِفْ قول أبي الحسين -أن هذا حكم المجتهد بعد انتشارِ السنن- وإنما اختلف قولُهُ في حكمه قبل الانتشار، فقال مرة: لا يجوز له أن يقضيَ بالظاهر والعموم، لِعدم معرفته بالسنن، ثم رجع عن هذا القول إلى ما قدمنا من كلامه، واحتج بحديث معاذ، إِذ هو واضح الدَّلالة في
_________________
(١) ٢/ ٩٢٦.
[ ١ / ٢٨٨ ]
المسألة، واحتج بالنظر المقدَّم، وكلامهُ هذا في من لم يلزمه التكليفُ بما ينظُر فيه، ولا تناوله الخِطابُ، كالرجل ينظر في أحكام الحيض ونحوه مما لا يتعلق به. وأما إذا تناوله التكليفُ مثل من ينظر في أمرٍ، يختصُّ به، فإن أبا الحسين قطع القولَ فيه على أنه يجوز له العمل بالعموم والظاهر بعد أن يطلب فلا يجد. وقال في الاحتجاج على هذا ما لفظه: لأنه لا يجوزُ أن يسمعه الله خطابًا عامًا، وُيريد منه فهمَ مراده، ولا يُمكنه مِن العلم بمراده بنصب دلالةٍ يتمكَّن من الظَّفَرِ بها، فإذا فَحَصَ، فلم يُصب الدّلالة، قطع على أَن الله لم يرد الخصوص. انتهى.
وقال الفقيه علي بن يحيى الوشلي (١) -﵀- في شرح قوله في " اللمع ": وقال أبو العباس: لا تكون عالمًا بما تقضي حتى تكونَ عالمًا بكتاب الله وسنة رسولِ الله - ﷺ -. قاله في كتاب " أدب القاضي ".
قال الفقيه -﵀- ما لفظه: قال الغزاليُّ: وحَدُّ ذلك أن يعلمَ من الكتاب مما يتعلَّق بالأحكام الشرعية، وهو قدر خمس مئة آية، ويكونَ بظهر الغيب بحيث إذا عرضت الحادثة، أمكنه الرجوعُ إلى موضعها.
قلت: قوله " بظهر الغيب " فيه تسامح في العبارة، لأنه أراد أن يكون قريبًا مِن الغيب لكثرة درسها، وأنه لا يجب غيبُها بدليل قوله: بحيث إذا عرضت الحادثة أمكنه الرجوع إلى موضعها. وبدليل أنه حاكٍ لِكلام الغزَّالي وكلام الغَّزَّالي مشهور نصّ فيه على أنه لا يجبُ الغَيْبُ، وقد حكاه " السَّيِّد " عن الغزالي في كتابه على الصَّواب.
قال الفقيه علي بن يحيى الوشلي: وَمِن السُّنّة " المُوطَّأ " أو
_________________
(١) تقدمت ترجمته في الصفحة ٢٧٤.
[ ١ / ٢٨٩ ]
ذكر (القرآن) وبيان أن فيه تحقيقين:
" سنن أبي داود " ومِن الفروع الإجماع، وأن يكون قد قال في المسألة قائل، ومِن أصولِ الدين أن يعرفَ الله تعالى، وما يجوزُ عليه وما لا يجوز، ومِن أصولِ الفقه ما يُمكنه أن يردَّ الفروعَ إلى الأصول، وَيعْرِف المجمَلَ، والمبيَّن، والعامَّ والخاصَّ، والناسخَ والمنسوخَ، وأن يكونَ معه طرفٌ مِن النحو ليعرف الأوامرَ والنواهي، وطرفٌ من اللُّغَةِ. هذا كلام الفقيه علي بن يحيى في تعليقه على " اللمع "، الذي هو مِدْرَسُ أفاضل علماء الزيدية.
فلم يزَلِ الأفاضِلُ يتدارَسُونَ هذا الكتاب، وهذا التعليقَ، ويُملون ما فيه على طلبة العلمِ في مساجد الزيدية، وحلق الذكر، ولم يُعْلَمْ أن أحدًا من علماء الزيدية أنكر هذا التمثيل لسنن أبي داود، وقال: إنها لا تُحيط بالحديِث، ولا قال: إنها كتاب كافر تصريح، وإن راويها غيرُ مقبول.
وقال القاضي العلاَّمة عبدُ الله بن حسن الدوّاري -﵀- في " تعليق الخلاصة " (١) في صفة المجتهد: والعلم بأخبارِ النبيّ - ﷺ - يكفي في ذلك كتابٌ مما يشْمَلُ الأحاديثَ المتعلِّقة بالأحكام، كأصولِ الأحكام، أو أحد الكتب الصحيحة المشهورة. انتهى. وفيه ما ترى مِن نصِّ هذا العالِم الجليلِ على ما بالغ السَّيِّد في إنكاره من صِحّة هذه الكتُب، وعلى خلاف ظاهر كلامه في وجوب الإحاطة بصحيح الأخبار.
وقال الفقيه العلامة عليُّ بن عبد الله بن أبي الخير -﵀- في تعليقه على " الجوهرة " ما لفظُه: أما الكتابُ، ففيه تحقيقان:
_________________
(١) واسمه " جوهرة الغواص وشريدة القناص " منه نسخة في المكتبة الغربية بجامع صنعاء انظر الفهرس ص ١٥٣ - ١٥٤. توفي مؤلفه سنة ٨٠٠ هـ مترجم في " البدر الطالع " ١/ ٣٨١ - ٣٨٢.
[ ١ / ٢٩٠ ]
الأول: أنه لا يجب على المجتهد أن يعلم جميع ما يتعلق بالكتاب، وإنما الواجب أن يعلم آيات الأحكام الشرعية
الثاني: أنه لا يجب علمها إذا علم بمواضعها. فينظر فيها عند المحادثة
ما يكفي المجتهد من السنة والاجماع
أحدهما: أنه لا يجب أن يُعلم جميعُ ما يتعلق بالكتاب، وإنما الواجبُ مقدار خمس مئة آية، وهي التي تتعلَّقُ بالأحكام الشرعية.
الثاني: أنه لا يجبُ علمُها، بل إذا علم بمواضعها، وتمكَّن مِن النَّظَرِ فيها عند الحادثة كفي ذلك.
وأما السُّنَّة، فيكفيه منها كتاب جامع لأكثر الأخبار الشرعية كسنن أبي داود وغيره، ولا يجب أن يعلمه بالغيب -كما تقدَّم في الكتاب-.
وأما الإجماع، فلا يلزمه أن يعلم جميعَ مسائله غيبًا، بل يكفيه إذا وردت الحادثة أن يطلب وينظر في حكمها، فإن وجد فيها إجماعًا لم يُخالفه، وإن لم يجد فيها إجماعًا، حكم بما أدَّاه إليه اجتهادُهُ. انتهى كلامُهُ رحمه الله تعالى.
وفيه ما ترى من التمثيل بسنن أبي داود، وهذا فرع على صحتها.
فهؤلاء علماءُ الزيدية، وأهلُ التدريس في مساجدها، متطابقون (١) على خلاف ما ذكره السَّيِّد من تحريم الرجوع إلى كتب الحديث، وتحريم الاجتزاء بها، وأما غيرُهُم، فإنه أكثر ترخيصًا منهما، وقد اشتهر عن شيوخ المعتزلة البغدادية تحريمُ التقليد على العامة، وتسهيلُ الاجتهاد لهم، فإنهم زعموا أن العامي متى سَمِعَ من العالم الدليلَ في المسألة، وفهَّمَهُ الدليل مثلَ ما يُفَهِّمُهُ الفتوى، صار مجتهدًا في المسألة، فجعلوا الاجتهادَ ممكنًا للبُلدَاءِ من الحرّاثينَ والعبيد، والنساءِ وجميعِ المكلفينَ، كما جعلتِ المعتزلةُ كُلُّها معرفةَ الله -﷿- بالبراهين الصحيحةِ واجبةً ممكنةٌ لأولئك أجمعين.
_________________
(١) في " أ " و" ب ": متطابقين، والوجه ما أثبتنا.
[ ١ / ٢٩١ ]
أخبار عن رجوع بعض الصحابة عن شيء مما ثبت لهم عكس ما قالوه
وبهذا يظهر أن الاجتهاد أمرٌ خفي، غيرُ ضروري ولا قطعيٌّ، وأنَّ كُلٍّ مجتهدٍ في تفسيره واعتبارِ شروطه مصيب لِعدم النص الجليِّ المتواتر في تفسيره ولله الحمد.
وقد ذكر العلماءُ قديمًا وحديثًا حُكْمَ القاضي والمجتهد إِذا خالفا النَّص، ثم وجداه، وهذه مسألة مشهورة.
وقد رَجَع كثيرُ من العلماء عن أقوالهم، ورجع عليٌّ -﵇- عن قولِه في أمِّ الولد، وكان يقول: إنَّ بيعها حرام، ورَجَعَ إلى القول بجواز بيعها، وقال لَهُ عَبيدَة السَّلماني: رأيُك مع الجماعة أحبُّ إلينا من رأيك وحدَك (١).
وقد يكونُ رجوعُ العالِم للوقوفِ على النص، ولغير ذلك من انكشاف ضعف دليله المتقدم.
وقد رجع عُمَرُ بنُ الخطاب -﵁- عن رأيه في دِيَةِ الأصابِعِ، وعن المنعِ من توريث المرأةِ مِن دِيَةِ زوجها (٢). واحتجَّ بذلِكَ الإمامُ المنصورُ بالله -﵇- في " الصفوة " فقال -ما لفظه-: وما كان يذهبُ إليه من التفضيل في دية الأصابع فإنه كان يجعل في الإِبهام خَمْسَ عشرةَ، وفي البِنصِر تسعًا، وفي الخِنْصَر ستًا، وفي الباقيتين في كُلِّ
_________________
(١) في " المصنف " (١٣٢٢٤) عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة السلماني، قال: سمعت عليًا يقول: اجتمع رأيي ورأي عمر في أمهات الأولاد أن لا يبعن، قال: ثم رأيت أن يبعن. قال عَبيدة، فقلت له: فرأيك ورأي عمر في الجماعة أحبُّ إلي من رأيك وحدك في الفرقة، أو قال: في الفتنة - قال: فضحك علي. وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، وأخرجه البيهقي ١٠/ ٣٤٨ من طريق هشام بن حسان عن ابن سيرين به.
(٢) سيأتي تخريجه قريبًا.
[ ١ / ٢٩٢ ]
واحدةٍ عشرًا، فرجع عن ذلك لكتاب عمرو بن حزم (١).
وكان لا يُورِّثُ المرأةَ مِن دِية زوجِها، فورَّثها لرواية الضَّحّاكِ بنِ سفيان عنِ النبي - ﷺ - توريثَهَا (٢).
_________________
(١) أخرج عبد الرزاق في " المصنف " (١٧٦٩٨) من طريق الثوري، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب أن عمر جعل في الإبهام خمس عشرة، وفي السبابة عشرًا، وفي الوسطى عشرًا، وفي البنصر تسعًا وفي الخنصر ستًا حتى وجدنا كتابًا عند آل حزم عن رسول الله - ﷺ - أن الأصابع كلها سواء، فأخذ به. رجاله ثقات، وأخرجه البيهقي ٨/ ٩٣ من طريق جعفر ابن عون، عن يحيى بن سعيد به. وَجَعْلُ دية الأصابع سواء، وأنها عشر من الإبل لكل إصبع ثابتٌ عنه - ﷺ - من حديث ابن عباس عند البخاري (٦٨٩٥) في الديات، وأبي داود (٤٥٥٩) و(٤٥٦١) و(١٣٩١) وابن حبان (١٥٢٨) ومن حديث أبي موسى الأشعري عند أبي داود (٤٥٥٧) والنسائي ٨/ ٥٦، وابن ماجه (٢٦٥٤) والدارقطني ٣/ ٢١١، ومن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند أبي داود (٤٥٦٢) و(٤٥٦٣) و(٤٥٦٦) وأما كتاب عمرو بن حزم، فأخرجه مالك في " الموطأ " ٢/ ٨٤٩ في أول كتاب العقول عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه .. مرسلًا، ووصله النسائي ٨/ ٥٧، ٥٨ في القسامة، والدارقطني ٣٧٦، وابن حبان (٧٩٣) والبيهقي ٤/ ٨٩، والحاكم ١/ ٣٩٧ من طريق الحكم بن موسى، عن يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود، قال: حدثني الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه عن جده .. وقد غلط الحكم بن موسى على يحيى بن حمزة في قوله: سليمان بن داود، والصواب قول محمد بن بكار عنه: سليمان بن أرقم كما رواه النسائي وهو في أصل يحيى كذلك، نبَّه عليه غير واحد من الحذاق. وسليمان بن أرقم متروك الحديث فسند الموصول لا يصح وانظر التفصيل في " الجوهر النقي " ٤/ ٨٦ - ٨٩.
(٢) أخرجه الشافعي ٢/ ٢٢٩، وأحمد ٣/ ٤٥٢، وأبو داود (٢٩٢٧) والترمذي (٢١١١)، وابن ماجة (٢٦٤٢) وعبد الرزاق (١٧٧٦٤)، والطبراني (٨١٣٩) و(٨١٤٠) و(٨١٤١) و(٨١٤٢) من طرق عن الزهري، عن سعيد بن المسيِّب أن عمر بن الخطاب كان يقول: الدية للعاقلة، ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئًا حتى أخبره الضحاك بن سفيان أن النبي - ﷺ - كتب إليه أن يورِّث امرأة أشيم الضبابي من ديته، فرجع إليه عمر. وهذا إسناد رجاله ثقات إلا أن في سماع سعيد بن المسيب من عمر خلافًا، وله شاهد يتقوى به من حديث المغيرة بن شعبة عند الدارقطني ص ٤٥٧، وفي سنده زفر بن وثيمة البصري وهو مجهول الحال، وأخرج الدارقطني من حديث ابن المبارك عن مالك، عن الزهري، عن أنس ابن مالك أن قتل أسلم كان خطأ، ورواه الطبراني (٨١٤٣) من طريق عبد الله بن أحمد، حدثني عبد الله بن عمر بن أبان، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن مالك به وهو في " الموطأ " =
[ ١ / ٢٩٣ ]
وكاد يُهْدِرُ الجنينَ لولا خبرُ حمَلِ بني مالكٍ أن رسولَ الله - ﷺ - أوجبَ فيه الغُرَّة عبدًا أو أمة (١).
وقال -﵇- قبلَ هذا -ما لفظُه-: وطلب أبو بكر حُكْمَ الجَدَّةِ وكان يرى فيه برأيه حتى أخبره المُغيرةُ ومحمدُ بنُ مسلمة أن رسولَ اللهِ - ﷺ - فَرَضَ لها السُّدُسَ (٢).
_________________
(١) = ٢/ ٨٦٧ عن الزهري بغير ذكر أنس، قال الدارقطني في " غرائب مالك " فيما نقله عنه الحافظ في " الإصابة " في ترجمة الضحاك: وهو المحفوظ.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في " المصنف " (١٨٣٤٣) ومن طريقه الحاكم ٣/ ٥٧٥، والطبراني (٣٤٨٢) عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاووس، عن ابن عباس، قال: قام عمر على المنبر، فقال: اذكِّرُ الله امرءًا سمع رسول الله - ﷺ - قضى في الجنين، فقام حمل بن مالك بن النابغة الهذلي، فقال: يا أمير المؤمنين كنت بين جاريتين -يعني ضرتين- فجرحت أو ضربت إحداهما الأخرى بالمسطح بعمود ظلتها، فقتلتها وقتلت ما في بطنها، فقضى النبي - ﷺ - بغُرَّةٍ: عبدٍ أو أمة. فقال عمر: الله أكبر لو لم نسمع بهذا ما قضينا بغيره. وهذا إسناد صحيح، وأخرجه أبو داود (٤٥٧٣) من طريق عبد الله بن محمد الزهري عن سفيان بن عيينة به، وأخرجه أبو داود (٤٥٧٢)، وأحمد ٤/ ٧٩، وابن ماجه (٢٦٤١) من طرق عن ابن جريج، حدثني عمرو بن دينار، عن طاووس، عن ابن عباس. وفي الباب عن أبي هريرة عند أحمد ٢/ ٢٣٦ و٢٧٤ و٤٣٨ و٤٩٨ و٥٣٥ و٥٣٩ والبخاري (٦٩٠٤) و(٦٩٠٩) و(٦٩١٠) ومسلم (١٦٨١) وأبو داود (٤٥٧٦) والنسائي ٨/ ٤٧ و٤٨، والترمذي (١٤١٠) والدارمي ٢/ ١٩٧، والطيالسي، (٢٣٠١) و(٢٣٤٦) ومالك ٢/ ٨٥٤، وابن الجارود في المنتقى (٧٧٦) والطحاوي في شرح معاني الآثار ٣/ ٢٠٥، والبيهقي ٨/ ٧٠ و١٠٥ و١١٢. وعن المغيرة بن شعبة عند أحمد ٤/ ٢٤٥ و٢٤٦ و٢٤٩، والبخاري (٦٩٠٥) و(٦٩٠٨) ومسلم (١٦٨٢) والترمذي (١٤١١) وأبي داود (٤٥٦٨) و(٤٥٦٩) و(٤٥٧١) والدارمي ٢/ ١٩٦، والطحاوي ٣/ ٢٠٥ - ٢٠٦، وابن الجارود (٧٧٨) والطيالسي (٦٩٦) والنسائي ٨/ ٤٩ والبيهقي ٨/ ١٠٦ و١٠٩ و١١٤.
(٣) أخرجه مالك في " الموطأ " ٢/ ٥١٣، ومن طريقه أخرجه أبو داود (٢٨٩٤) والترمذي (٢١٠٢) وابن الجارود (٩٥٩) والدارقطني ص ٤٦٥، والبيهقي ٦/ ٢٣٤، وابن حبان (١٢٢٤) والحاكم ٤/ ٣٣٨ عن ابن شهاب الزهري، عن عثمان بن إسحاق بن خرشة، عن قبيصة بن ذؤيب أنه قال: جاءت الجدة إلى أبي بكر الصديق تسأله ميراثها، فقال لها أبو بكر: مالك في كتاب الله شيء وما علمت لك في سنة رسول الله - ﷺ - شيئًا، فارجعي حتى =
[ ١ / ٢٩٤ ]
ورجع عن قضيته بخبر رواه له بلال (١) انتهي كلامُهُ ﵇.
وروى أبو داود في السنن عن ابنِ مسعودٍ أنه أفتى في مسألة بالرأي، ثم وَجَدَ النَّصَّ (٢).
وأفتى ابنُ عباس أنه لا رِبا إلاَّ في النَّسِيئَة، ثم وجَدَ النَّصَّ، كما ذلك مشهورٌ عنه (٣).
_________________
(١) = أسال الناس، فسأل الناس، فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله - ﷺ - فأعطاها السدس فقال أبو بكر: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة الأنصاري، فقال مثل ما قال المغيرة، فأنفذه لها أبو بكر الصديق وصححه ابن حبان والحاكم والذهبي وغيرهم وقال الحافظ ابن حجر في " التلخيص " ٣/ ٨٢: إسناده صحيح لثقة رجاله إلا أن صورته مرسل، فإن قبيصة لا يصح له سماع من الصديق ولا يمكن شهوده للقصة.
(٢) وثمت أشياء لم يكن يعلمها ﵁، فأخبره غير واحد من الصحابة بما سمعه من رسول الله - ﷺ - فيها، فيرجع إليها، ويأخذ بها انظر مسألة " رفع الملام عن الأئمة الأعلام " لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهي موجودة في الجزء العشرين من " مجموع الفتاوى " ص ٢٣٤ - ٢٣٨.
(٣) أخرجه أبو داود (٢١١٤) و(٢١١٥) و(٢١١٦) وأحمد ١/ ٤٣١ و٤٤٧ و٤/ ٢٨٩ و٢٨٠، والنسائي ٦/ ١٢١، ١٢٣، والترمذي (١١٤٥)، والدارمي ٢/ ١٥٥، وابن الجارود (٧١٨) وابن ماجه (١٨٩١) والبيهقي ٧/ ٢٤٥ عن ابن مسعود أنه سئل عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقًا، ولم يدخل بها حتى مات، فقال ابن مسعود: لها صداق نسائها لا وكس ولا شطط، وعليها العدة ولها الميراث، فإن يك صوابًا، فمن الله، وإن يكن خطأً فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان، فقام معقِل بن سنان الأشجعي، فقال: قضى رسول الله - ﷺ - في بَرْوَع بنت واشق -امرأة منا- مثل ما قضيته، ففرح ابن مسعود فرحًا شديدًا حين وافق قضاؤه قضاء رسول الله - ﷺ - وصححه الترمذي، وابن حبان (١٢٦٣) و(١٢٦٤)، والحاكم ٢/ ١٨٠، ووافقه الذهبي، وهو كما قالوا.
(٤) في صحيح مسلم (١٢١٨) عن عطاء بن أبي رباح أن أبا سعيد الخدري لقي ابن عباس، فقال له: أرأيت قولك في الصرف، أشيئًا سمعته من رسول الله - ﷺ -، أم شيئًا وجدته في كتاب الله ﷿؟ فقال ابن عباس: كلا، لا أقول، أما رسول الله - ﷺ - فأنتم أعلم به، وأما كتاب الله فلا أعلمه، ولكن حدثني أسامة بن زيد أن رسول الله - ﷺ - قال: " ألا إنما الربا في النسيئة " وانظر لزامًا الأحاديث من رقم (٤٢٨) إلى (٤٥٩) في " المعجم الكبير " للطبراني.
[ ١ / ٢٩٥ ]
نص المنصور على أنه قد يخفى على المجتهد بعض النصوص، وقد توقف الشافعي في أحاديث كثيرة
وقد نص المنصورُ على أنه قد يخفي على المجتهد بعضُ النُّصوصِ، ولا يَقْدَحُ ذلك في الاجتهاد، وكذلك أبو الحسين وغيرُهُما مِن الأصوليين.
وقد نصَّ الهادي -﵇- في غير حديثٍ في الأحكام أنه لا يدري: أهو صحيحٌ عن النبيِّ - ﷺ - أم لا؟ وذلك يقتضي اعترافَهُ بأنه لم يُحِطْ بمعرفةِ الصَّحيحِ، ولو كان محيطًا به، لقطع بأنَّ ذلك الحديثَ غيرُ صحيح، مستدلًا بأنه لو كان صحيحًا، لوجب أن يكونَ فيما قد عرفه.
وكذلك الشافعيُّ قد توقَّف في أحاديثَ كثيرة، ووقَّف القولَ على صحةِ بعضِ الأخبار، وقد اشتهر عن البغدادية القولُ بوجوب الاجتهادِ على كُلِّ مكلَّف. حكاه عنهم الحاكم (١) في " شرح العيون ".
وقال المنصور (٢) في " الصفوة ": هو مذهب الجعفريين ومن طابقهما مِن متعلمِّي البغدادية.
وقال أبو الحسين في " المعتمد " (٣) ما لفظه: منع قومٌ من شيوخنا البغدايين -﵏- من تقَليد العامي في فروع الشريعة.
وقال الإمام أبو طالب في كتاب " المجزى ": ذهب جعفرُ بنُ
_________________
(١) هو الإمام أبو سعد المُحسن بن محمد بن كرامة الجشمي البيهقي مفسر عالم بالأصول والكلام، حنفي، ثم معتزلى فزيدي، وهو شيخ الزمخشري، قرأ بنيسابور وغيرها واشتهر بصنعاء اليمن، وتوفي شهيدًا مقتولًا بمكة سنة ٤٩٤ هـ " أعلام الزركلي " ٥/ ٢٨٩، وكتابه شرح عيون المسائل منه نسخة خطية في جزئين في المكتبة الغربية بالجامع الكبير بصنعاء، كتبت سنة ٨٠٧ هـ. انظر الفهرس ص ١٨٤.
(٢) هو عبد الله بن حمزة بن سليمان المتوفى سنة ٦١٤ هـ.
(٣) ٢/ ٩٣٤.
[ ١ / ٢٩٦ ]
حرب، وجعفر بن مبشِّر ومن تابعهما مِن أصحابنا البغداديين إلى أن العاميَّ لا يجوزُ له تقليدُ العالم، وإنما يلزمه الرجوعُ إليه، لِيعرفَه طريقة النظرِ فيها، وينُبهه على أصولها، فيعمل بما يُوجِبُه نظرُه فيها.
وفي مذهب البغدادية هذا غايةُ التسهيل في الاجتهاد، إذ جعلوه ممكنًا لِكُلِّ مكلَّفٍ من النساء والإماء والزُّرَّاع، وسائرِ أهل الغَبَاوةِ والبَلادة، ولم يزلِ العُلماءُ يذكرون مذهبَ البغدادية، ولا يذكرون في الرد عليهم تعذر الاجتهاد ولا استحالته.
وقد فسَّر البغدادية كيفية اجتهاد العامي، وقالوا: إنه إذا سأل العالم عنِ الدليل، وأخبره به، جازَ له أن يعملَ به من غير طلبٍ لما يُعارضه، أو ينسخه، أو يَخُصُّه من غير ذلك العالم.
ولهذا أُوجبوا على المفتي أن يبين للعاميِّ الدليلَ، لِيكون العاميُّ مجتهدًا خارجًا بذلك عن التقليد، فهذا غاية الترخيص، ولم نعلم أن أحدًا من العلماء أثَّمهم في ذلك، بل ولا ردَّ عليهم بأن ذلك لا يفيد العامي الاجتهاد، وإنما رد العلماء عليهم القول بوجوب الاجتهاد لا القول بتسهيله، وهذا ما وعدناه مِن الزيادة في ذكر سُهُولَةِ الاجتهاد في التنبيه الخامس عشر والمتقدِّم، وإنَّا لو قدَّرنا أنا رخَُّصنا في الاجتهاد، فإنا لم نَشِذَّ بذلك، على أنا بحمد الله لم نذهبْ إلى هذا، وإنما منعنا القولَ بتعذره باستحالته (١)، بل من التَّشديدِ في صعوبته وتعسُّره، لأنه من جملة التكاليفِ الشرعية.
وقد أخبرنا -﷾- أنه ما جعل علينا في الدين مِن حرج،
_________________
(١) في ب: واستحالته.
[ ١ / ٢٩٧ ]
الفائدة الثالثة: مذهب المؤلف المختار عدم اشتراط الإحاطة في الأخبار وأنه لم يأت غريبا أو بديعا ليستحق الإنكار
وأنه يُريد بنا اليُسْر ولا يُرِيدُ بنا العُسْر، وامتثالًا لأمر الرسول - ﷺ - حيث قال: " يسِّروا ولا تعسِّروا وبَشِّرُوا ولا تُنفِّرُوا " (١)، وقد جمعتُ هذا المعنى في كتاب مفرد سميته: " قبولُ البُشرى بتيسير اليُسرى " (٢).
ثم إنا لا نحتاجُ إلى الاجتهاد الكاملِ في الانتفاع بمعرفة الحديثِ النبوي، بل يكفينا الاجتهادُ فيما تَمَسُّ إليه الحاجةُ في بعض المسائل، وذلك ينبني على القول بتجزي الاجتهاد، وهو مسلكٌ ظنيُّ اجتهاديٌ صحيح، قال به كثير من أهل العلم كما أوضحته في مصنف مفرد في ذلك، فليُرَاجَعْ فيه، على أن من لم يتمكَّن من ذلك، أو لم يذهب إليه يكون بقراءة الحديث مقلِّدًا مرجحًا بالحديث، فتقليدُ عالمٍ محتج بحديثٍ صحيحٍ مشهورٍ أقوى عندَ أهلِ التميبز من المقلدينَ من تقليد عالمٍ محتج بقياسٍ، أو حديثٍ مشهور بالضعف عند أهل هذا الشأن. وسوف يأتي في هذا الكتاب -إن شاء اللهُ تعالى- ما أورد " السَّيِّد " على هذا والجواب عليه.
الفائدة الثالثة: قد تبيَّن للناظِر في هذا أن مذهبيَ المختارَ في عدمِ اشتراط الإحاطة بالأخبار، هو مذهبُ الأئمة الأطهار، والعلماء الأخيار، وأني لم آتِ غريبًا ولا قلت بديعًا، وأني لا أستحقُّ النهيَ والإنكار، لأنَّ الإنكار على منْ قال بهذا القولِ خلافُ إجماع الأئمة والأمة والخاصة والعامة.
أما ما رُوي عن أحمد من التَّشديد في الإحاطَةِ بالجمِّ الكثير من
_________________
(١) تقدم تخريجه ص ١٧٣.
(٢) منه ثلاث نسخ بالمكتبة الغربية بالجامع الكبير بصنعاء ضمن المجاميع (٩٦) و(١١٩) و(٢٠٦).
[ ١ / ٢٩٨ ]
الحديث، فلم يثبت ذلك عنه، وإنما رواه الحاكم قال: حدثنا أبو علي الحافظ، قال: سمعتُ محمدَ بنَ المسيَّب، سمعتُ زكربا بن يحيى الضرير يقول: قلت لأحمد بن حنبل: كم يكفي الرجلُ من الحديث حتَّى يكونَ مفتيًا؟ يكفيه مئة ألف؟ فقال لي: لا. إلى أن قال: فيكفيه خمس مئة ألف؟ قال: أرجوه. حكاها الذهبيُّ في " النبلاء ".
ولا أدري مَنْ هذا زكريا بن يحيى، ولا الراوي عنه. وفي المجروحين جماعة ممن اسمه زكريا بن يحيى، وبالجملة فهذا لا يصح القولُ به قطعًا، لأنه ليس في الموجود من أحاديث الأحكام الصحاح إلا اليسير. وقد قال الذهبي: " وقد ذُكِرَ أن محفوظَ أحمد بن حنبل كان ألفَ ألفِ حديث - ما لفظُه وكانوا يعدُّون في ذلك المكرَّر، والأثرَ، وفتوى التابعي، وما فسَّر ونحو ذلك، وإلا فالمتونُ المرفوعة القوية لا تبلُغ عشر معشار ذلك " (١) انتهى.
وعُشر المعشارِ من ذلك عشرةُ آلاف حديث، وهذا فيما يتعلق بالأحكام، وما لا يتعلق بها مما لا يلزم المجتهدُ معرفته، ومما هو مختلَفٌ في صحته.
فالذي يتعلق بالأحكامِ خاصةً، مما اتفق على صحته خمس مئة حديث مع خلاف في بعضها.
وفي ترجمة مسلم من " النبلاء " (٢)، قال ابن مندة: سمعتُ محمدَ
_________________
(١) " سير أعلام النبلاء " ١١/ ١٨٧.
(٢) ١٢/ ٥٦٥، ٥٦٦.
[ ١ / ٢٩٩ ]
الوجه الثاني (من الجواب على كلام السيد): أنه أبطل صحة كتب المحدثين وأهل البدع بما لا زيادة عليه وعسر على المجتهد معرفة الحديث، وهذا يتناقض فإن كلامه يقتضي السهولة، فيجوز الاجتهاد من غير معرفة الأخبار الآحادية
ابنَ يعقوبَ الأخرمِ يقول -ما معناه-: قلَّما يفوتُ البخاري ومسلمًا مِن الحديث.
ولما ذكر الذهبي قول أحمد بن سلمة -أن صحيح مسلم اثنا عشر ألف حديثٍ- قال: يعني بالمُكَرَّرِ بحيث إنه إذا قال: حدثنا قتيبةُ، وأخبرنا ابن رُمح يعدَّانِ حديثين اتفق لفظُهما، أو اختلفَ في كلمةٍ.
قلتُ ذكر زينُ الدين في " علوم الحديث " (١) له عن النَّواوي: أن حديثه نحو أربعة آلاف (٢).
قلتُ: والَّذي يتعلَّق بالأحكام من ذلك يسير، فالذي اتفقا عليه فيها كتاب " العُمدة " (٣) خمس مئة حديث.
الوجه الثاني: من الجواب على كلام " السَّيِّد " -أيده الله-: أنه أبطل صحة كتب المحدثين، وأهلِ البِدَعِ بما لا زيادةَ عليه -كما سيأتي مفصلًا مواضعه- ثم إنه عسَّر على المجتهد معرفة الحديث، وهذا يتناقض. فإن كلامَه يقتضي السهولة، لأنه إما أن يمنعَ مِن معرفة حديثِ أهل البيت -﵈- كما هو ظاهرُ كلامه، فإنه قد منع قبولَ المراسيلِ، وأوجب معرفةَ عدالة رجالِ الأسانيد، وهذا غيرُ موجودٍ في حديثِ أهل البيت -﵈- لِقبولهم للمرسل، لا لقصورهم في العلم، فحينئذٍ تحصل السهولة العظيمة، لأن ما لا يُمْكِنُ معرفةُ صحته لا يتعلَّق التكليفُ به، فيجوز الاجتهادُ حينئذ من غير معرفة لشيءٍ من الأخبار
_________________
(١) ص ٢٧.
(٢) عدة ما في صحيح مسلم في طبعة محمد فؤاد عبد الباقي (٣٠٣٣) بحذف المكرر.
(٣) لعبد الغني المقدسي المتوفى سنة (٦٠٠ هـ).
[ ١ / ٣٠٠ ]
الوجه الثالث: قول السيد: ذكر هذا كثير من العلماء، ولم يذكر حجة
الوجه الرابع: استئناسه بموافقة الغزالي والرازي مع أن مقصدهما نقيض مذهبه (في أخبار الآحاد)
الآحادية، كما حكى أبو طالب -﵇- أنه مذهبُ كثيرٍ من شيوخِ البغدادية والبصرية.
وإمَّا أن لا يمنعَ مِن معرفة حديثِ أهلِ البيت -﵈- ويُخالف هذا ظاهرَ كلامه، فحينئذٍ يسْهُلُ الأمرُ أيضًا، لأنه لا يجب علينا إلا معرفة كتابٍ واحدٍ من كُتبهم -﵈-: كـ " شفاء الأوام " (١) أو " أصول الأحكام " (٢)، وإنما يزدادُ الأمرُ مشقةً، متى وجبت معرفة كتب المحدثين مع معرفة كُتُبِ أهلِ البيت المُطَهَّرِين -﵈-.
فقد أراد السَّيِّد -أيَّده الله- أن يستدِلَّ على الصُّعُوبة فدلَّ على السُّهُولَة.
الوجه الثالثُ: قال السَّيِّد -أيَّده اللهُ-: ذكر هذا كثيرٌ من العُلماء، ولم يذكر حُجَّةً، فلا يخلو إمَّا أن يُريدَ أن قولَ كثير من العلماء حجَّةٌ أم لا؟
إن أراد أنه حجة، فهو -أيده الله- ممَّن لا يخفى عليه فسادُ ذلك عند جميعِ الفِرَقِ، وإن لم يرِدْ أنه حجةٌ، فقد أورد الدعوى مِن غيرِ بيِّنَةٍ، وادعى الحقَّ من غير دِلالة، وليس هذا مِن عادة أهل العلم.
الوجه الرابع: أنه قال: ذكر هذا كثيرٌ من العلماء منهم الغزاليُّ والرازيُّ مستأنِسًا بموافقتهما، محتجًا على خصمه بذلك، وليس له ذلك، لأنه مذهبُ الرجلين، ومقصدُهما نقيضُ مذهبك ومقصدك، وإنما قصدا سُقوطَ البحثِ عن الإسناد مع بقاء التعبد بأخبار الآحاد، وأنت قصدتَ
_________________
(١) تأليف الحسين بن محمد بن أحمد بن يحيى بن الهادي المتوفى ٦٦٣ هـ انظر" الفهرس " ٨٥ - ٨٩.
(٢) اسمه الكامل: أصول الأحكام في الحلال والحرام وما يتبعها من الأحكام، تأليف شمس الدين أحمد بن سليمان بن محمد بن المطهر المتوفى سنة ٥٦٦ هـ ومنه عدة نسخ في الجامع الكبير بصنعاء انظر الفهرس ص ٥٠ - ٥٢.
[ ١ / ٣٠١ ]
تعسيره للسنة وكتب الحديث من وجوه خمسة
الوجه الأول: دعوى التعذر والتعسر في صحة كتب الحديث عن أهلها
تحريمَ العمل بالأخبارِ، والمنعَ مِن التمسك بالسنن والآثار، فكلًاّ منهما عليك لا لك، وهما لألسنتهما منْ مِثْلِ مقالتك أزمُّ (١) وأملك. مع أنك بعد هذا رويتَ عن الغزاليِّ أنه قال: يُكتفي بتعديلِ أئمة الحديثِ (٢)، فناقضتَ قولَك، وأكذبتَ نفسَك.
قال: " فإن قيل: نحن نقول بما قال الغزاليُّ: إنا نكتفي بتعديل أئمة الحديث كأحمد بن حنبل، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعليِّ بنِ المديني، ويحيى بنِ معينٍ، ومحمد بن إسماعيل البخاريِّ، فإن هؤلاء قد تكلَّمُوا في الرواة، وبيَّنوا العدلَ مِن سِواه.
قلنا: هذا لا يصِحُّ لِوجوه؛ أحدها: أنَّا إن قبِلْنَا تعديلَهم في مَنْ كان متقدمًا، فما يكون فيمن بعدَهم من الرُّواة فإن اتصالَ رواية الحديثِ من وقتنا إلى مصنفي الكتب الصِّحاح كالبخاري ومسلم على وجه الصحة متعسِّر أو متعذِّر لأجل العدالة، فإن من بيننا وبينَهم المشبهة والمجبرةُ والمرجئة ونحوهم مما يجرح به، وأقَلُّ الأحوال أن يكونوا مجهولين في هذا الاعتلال ".
أقول: قد شرع السَّيِّدُ -أيَّده اللهُ- يُبيِّنُ وجوهَ التعسُّرِ في معرفة السُّنة، وأخذ يفْتَنُّ في أساليب التنفير عن قراءة كُتُب الحديث، وقد تمسَّك في ذلك بوجوه خمسة:
الوجه الأولُ: دعوى التعذُّرِ أو التعسُّرِ في صحةِ كتبِ الحديثِ عن أهلها - دع عنكَ صحتَها عن رسولِ الله - ﷺ - بل أراد السَّيِّد -أيَّده الله- أن
_________________
(١) أزم بالزاي من: زمَّ الشيءَ يزمُّه زمًا فانْزَم: شدّه.
(٢) على هامش (أ) ما نصه: وبمثل كلام الغزالي قال الرازي في " المحصول " والإما م- يحيى بن حمزة في " الحاوي ".
[ ١ / ٣٠٢ ]
الجواب عيه من وجوه
الأول: لا فرق بين كتب الحديث وغيرها
يُحرِّم نسبةَ ما في هذه الكتب إلى أربابها، والجواب عليه في ذلك مِن وجوه:
الأول: أنه لا فرقَ بين كتبِ الحديثِ وبينَ غيرها من سائر (مصنفاتِ) علماء الإسلام، بل كتبُ الحديثِ مختصَّة بصرفِ العنايةِ مِن العلماء إلى سماعها وضبطِها وتصحيحِها، وكِتابة خطوطِهم عليها شاهدٌ لمن قرأها بالسَّماع، ناطقة لمن سمِعَها بالإذن في روايتها، ولا يُوجد في شيء منْ كُتُبِ الإسلامِ مثلُ ما يُوجد فيها مِن العِنايةِ الكثيرة في هذا الشأن حتى صار كأن هذا خصيصةٌ لها دونَ غيرِها مِن العلماء -﵃- وتعظيمٌ لِشعارها، ورفعٌ لمنارها، ومعرفة أنها أساس العلوم الإسلامية، وركن الفنون الدينية. فلا يخلو السَّيِّد -أيَّده الله- إما أن يخُصَّها بتعفي رسومِ الإسناد إلى أربابها دونَ سائرِ المصنفات، فهذا عكسُ المعقول، لأنَّا بيَّنا أنها أقوى العلومِ أثرًا في هذا الشأن، وإمَّا أن يُورِدَ هذا الإشكال على العلوم السمعية كلُّها، فهذا إشكالٌ على أهل الإسلام لأنه يلزم منه القدحُ في إسناد فقه الأئمة إليهم، وكذلك مصنفاتُ أتباعِهم، فيتعذَّرُ إسنادُ " اللمع " (١) إلى صاحبه وسائر مصنفات الفقهاء وحينئذٍ يتعذَّرُ الاجتهادُ والتقليد، أو يتعسَّران، وإذا كان كذلك، فما خصَّ علمَ الحديث بالترسُّلِ على مَنْ أراد معرفتَه، والتعسير لها، والتنفير عنها. وهلاَّ وضع السَّيِّد -أيده الله- رسالةً ثانيةً إلى مَنْ أراد قِراءة فِقه العلماء من الأئمة وغيرهم، وأخبر أنه لا يَصِحُّ معرفةُ قولهم، ونسبتُها إليهم حتى تعرف عدالة الرُّواةِ بينَنا وبينَهم، وأن ذلك متعسِّر أو متعذِّر.
_________________
(١) هو في فقه آل البيت، وصاحبه: علي بن الحسين بن يحيى بن الهادي، وفي الجامع الكبير بصنعاء الجزء الرابع منه انظر الفهرس ص ٢٨٤.
[ ١ / ٣٠٣ ]
الثاني: أجمعت الأمة على جواز إسناد ما في كتب الحديث إلى أهلها والدليل قولهم: رواه البخاري أو مسلم
فإن قلتَ: إنك إنَّما خَصَصْتَ كُتُبَ الحديثِ لما ذكرتَ مِن أن بينَنا وبينَهم المجبرة والمشبهة والمرجئة.
قلنا: سوف يأتي عند الكلامِ على هذه المسألة أنها مسألةُ خلاف بَيْنَ الخَلَف وأن قبولَهم إجماعُ السَّلَفِ، وأن الإنكارَ على المخالف فيها إجماعُ الخلف والسَّلَف، فأنت إمَّا أن تذهب إلى ما ذهبنا إليه من قبولهم أو سكت عن المنعِ مِن ذلك، ويسعُك في السُّكوتِ ما وَسَعِ أمَّة النبي - ﷺ - منذ تُوفي -﵇- إلى سنةِ تسعٍ وثماني مئة فإنه ما عُلم أحَدٌ أنكر على مَنْ ذَهَب إلى أحد المذهبين، وسيأتي الكلامُ على هذه المسألة.
الجواب الثاني: أجمعت الأمَّة على جواز إسناد ما في كتب الحديث إلى أهلها بعدَ قراءة مَنْ يُوثَقُ به من الشيوخ، والدليلُ على ذلك أن العلماءَ ما زالوا يقولُون في كتبهم: هذا الحديث رواه البخاري، أو رواه مسلم، أو غيرُهما من أهل الحديث مِن غير نكير في هذا على الرَّاوي مع كثرة وقوع هذا منذ صنفت هذه الكتبُ إلى هذا التَّاريخ وذلك قريبٌ مِن خمس مئة سنةٍ ما علمنا أنَّ أحدًا من المسلمين حرَّم على مَنْ قرأها على العلماء أن يَنْسُبَ ما وَجَدَ فيها إلى مُصنِّفيها ولا حَرَّجَ في هذا حتى السَّيِّد -أيَّده الله- فإنه مع تحريمه لهذا روى عن البخاري ما زعم أنه يدلُّ على أنه مِن الجبرية كما سيأتي بيانُه في موضعه، وبيان الغلطِ على البخاري في ذلك المأخذ، فالاحتجاج على كفره بما يُوجد في كتابه فرعٌ على صحة كتابه عنه.
والسيِّد -أيَّده الله- لا يزالُ يقرأ فيها، وَينْسُبُ الحديثَ الذي فيها إلى أربابها، ويقول في تفسيره في بعض الأحاديث: رواه مسلم، وفي بعضها: رواه البخاري بهذا اللفظ. فثبتَ بذلك انعقادُ الإجماع على جواز روايتها عن أربابها، والإجماعُ حجة مقدمة على اختيارِ السَّيِّد، وقاطعة
[ ١ / ٣٠٤ ]
الثالث: أن العترة أجمعت على جواز نسبة مذاهب الفقهاء إليهم من غير ذكر إسناد وذكر عدالة رجاله
الرابع: أن كلام السيد مبني على أن المرسل غير مقبول. والظاهر من كلام الجماهير من العترة أنه مقبول
للتشغيب الذي ذكره، ومزيلة للتشويش الذي أورده.
الجواب الثالث: أن العِتْرة -﵈- أجمعت على جواز نسبة مذاهبِ الفقهاءِ إليهم مِن غيرِ ذكر إسنادٍ، وذكْرِ عدالةِ رجاله، ومن عدل المعدل مع أن بينَنا وبيْنَ الفقهاء وغيرهم مثل ما بيننا وبين المحدثين من غير فرق، فكما يجوز إسنادُ فقه الفقهاء إليهم ولم يكنْ ذلك الاحتمالُ مانعًا منه، فكذلك يجوزُ نسبةُ ما في كتب المحدثين إليهم، ولا يكونُ الاحتمالُ مانعًا.
الجواب الرابع: أن كلام السَّيِّد -أيَّده الله- مبنيٌّ على أن المرسل غيرُ مقبولٍ، وما أدري لمَ بنى كلامَه على هذا! فالظاهرُ مِن كلام الجماهير من العِترة أنه مقبولٌ، وهو الذي نصَّ عليه المنصورُ بالله في " الصَّفوة " والسَّيِّد أبو طالب في " المجزي " والإمام يحيى في " المعيار " وجميع المصنفين من شِيعهم، وهو قولُ المالكية، وروى أبو عمر بنُ عبد البرِّ في كتاب " التمهيد " (١) عن ابن جرير الطبري العلاَّمة أنه إجماع التابعين، وهو المختارُ على تفصيل فيه، وهو قبولُ مراسيلِ الصحابة وبعضِ التابعين والأئمةِ المعروفين بالتحرِّي في الرواية، والعلة معرفة شرط المرسل في التصحيح، أو ظهور شرطه بالنص كأئمة الحديث، وهو قوي، أو بالقرائن كمراسيل الصحابة -﵃- (٢).
_________________
(١) في ١/ ٤ طبع المغرب ولفظه: إن التابعين أجمعوا بأسرهم على قبول المراسيل ولم يأت عنهم إنكاره، ولا عن أحد من الأئمة بعدهم إلى رأس المئتين وقال ابن عبد البر: كان ابن جرير يعني أنَّ الشافعي أول من أبى قبول المراسيل. وفيه أنه قد نقل عدم الاحتجاج عن سعيد ابن المسيب وابن سيرين، فأين الإجماع؟ فلو قيل: باتفاق جمهور التابعين، لكان صحيحًا، وقال أبو داود في رسالته إلى أهل مكة: وأما المراسيل، فقد كان يحتج بها العلماء فيما مضى مثل سفيان الثوري ومالك والأوزاعي حتى جاء الشافعي، فتكلم فيه، وتابعه على ذلك أحمد ابن حنبل.
(٢) انظر تفصيل المسألة في " توضيح الأفكار" ١/ ٢٨٧ - ٣١٥.
[ ١ / ٣٠٥ ]
إرسال الراوي لسماع هذه الكتب المصنفة أقوى المراسيل لوجوه:
أحدها: أن الكتاب معلوم بالضرورة
ثانيها: أن أهل الكذب والتحريف قد يئسوا من الكذب في هذه الكتب المسموعة
ثالثها: أن النسخ المختلفة كالرواة المختلفين، واتفاقها يدل على صحة ما فيها
وكذلك إرسالُ الرَّاوي لسماع هذه الكتب المصنفة، بل هو أقوى المراسيل لوجوه:
أحدها: أن الكتابَ معلومٌ بالضرورة على سبيل الإجمال أنه تأليف لصاحبه، فإنَّا نعلم بالضرورة أن محمدَ بن إسماعيل البخاري صنَّف كتابًا في الحديث، وأنه هذا المقروء المسموع المتداول بينَ الناس.
وثانيها: أن أهلَ الكذب والتحريف قد يئسُوا من الكذب في هذه الكتب المسموعة، فكما أنه لا يُمْكِنُ أحدًا أن يُدْخِلَ في " اللمع " مسألة في جواز المسح على الخُفين ويقول: إنه مذهب الهادي -﵇- ويخفي ذلك على حُفَّاظ مذهبه -﵇- فكذلك لا يُمْكِنُ أحدًا أن يزيدَ في صحيح البخاري حديثَ " القُرآنُ كلامُ الله غيرُ مخلوق " (١)، ولا حديثَ " أبو بكر خليفتي على أمتي " (٢) ونحو ذلك من الموضوعات.
وثالثها: أن النُّسَخ المختلفة كالرواة المختلفين، واتفاقُها يدل على صحة ما فيها عن البخاري قطعًا، أو ظاهرًا، فإنك إذا وجدتَ الحديثَ في نسخة منه نُسِخَتْ باليمنِ، ووجدتَه في نسخةٍ نسخت بالمغرب، وفي نسخةٍ نُسِخَتْ بالشام، ونحو ذلك، ووجدتَه في شرحه الذي شرحه عالم في بعض أقطار الإسلام، ووجدتَه في الكتب المستخرجة من الصَّحاح الجامعة لما فيها، والمختصرة منها فتجده في " جامع الأصول " (٣) لأبي
_________________
(١) انظر " اللآلىء المصنوعة " ١/ ٤ - ٩ للحافظ السيوطي.
(٢) انظر " الفوائد المجموعة " ص ٣٣٢ للإمام الشوكاني.
(٣) طبع في مصر باعتناء الشيخ محمد حامد الفقي، ثم طبع في دمشق طبعة محررة متقنة مفهرسة، خرج أحاديثه وضبط نصه وعلق عليه صاحبنا الشيخ: عبد القادر الأرنؤوط وأخي السيد إبراهيم، وكنت قد شاركتهما في تحقيق المجلدين الأول والثاني.
[ ١ / ٣٠٦ ]
الخامس: أن المختار القوي هو أن كل حامل علم معروف بالعناية فيه، فإنه مقبول في علمه
السعادات ابن الأثير، وتجده في كتاب " المنتقى في الأحكام " (١) لعبد السَّلام ابن تيميَّة، وتجدهُ في كتاب " الإلمام " (٢) للشيخ تقي الدِّين محمد بن علي القُشيري، وتجده في كتاب " الجمع بين الصحيحين " (٣) للحافظ الحُمَيْدِيّ. وتجده في كتب الفقه البسيطة التي يُشرح فيها مذاهبُ العلماء ويذكر فيها حُجَجُهُمْ.
وهذه الكتبُ قد تُوجدُ كُلُّها وقد يُوجد منها كثيرٌ، ولا شكَّ أن الناظر فيها إن لم يستفِدِ العلمَ الضَّروري باستحالة تواطؤ مصنِّفيها على محضِ الكذب والمباهتة، لأنه يستحيلُ اجتماعُهم واتفاقُهم على ذلك، لِتباعد أزمانِهم وبُلدانهم، واختلافِ أغراضهم ومذاهبهم، وأقلُّ الأحوال أن ذلك يُفيدُ الظَّنَّ الغالِبَ المقارِبَ للعلم، فإذا كان الأئمةُ قد نصُّوا على قَبولِ المرسل مع خُلوِّه من هذه القرائن فكيف ينكر على من قَبِلَهُ مع هذه القرائن الكثيرة، فإذا كان المعتمد في الاجتهاد هو الظن المطلَق، فكيف يُنكر على من استند إلى مثل هذا الظنِّ القوي.
الجواب الخامس: أن المختار القوي ما ذهب إليه أبو عُمَرَ بنُ عبدِ البَرِّ، وأبو عبد الله بن الموَّاق (٤) وهو أنَّ كُلَّ حاملِ علمٍ معروفٍ بالعناية فيه، فإنه مقبول في علمه، محمول أبدًا على السَّلامة حتى يَظْهَرَ ما
_________________
(١) طبع في مصر على حدة بتحقيق وتعليق الشيخ الفقي، وطبع أيضًا مع شرحه الحافل الموسوم بـ " نيل الأوطار " للإمام الشوكاني.
(٢) طبع في دمشق بعناية الأستاذ سعيد المولوي.
(٣) لم يطبع بعد.
(٤) واسمه عبد الله توفي سنة ٨٩٧ هـ، وقد ذكر ذلك في كتابه " بغية النقاد " في مصطلح الحديث، فقال فيما نقله عنه الحافظ العراقي في " الإيضاح " ص ١٣٩: أهل العلم محمولون على العدالة حتى يظهر منهم خلاف ذلك.
[ ١ / ٣٠٧ ]
والدليل على ما ذكرنا الأثر والنظر، أما الأثر:
الأثر الأول: قول النبي - ﷺ -: " يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله " واستيفاء الكلام عليه
يجرحه. وقد ذهب المنصورُ بالله -﵇- إلى مثل كلام ابنِ عبدِ البر، بل إلى أوسعَ منه، فإنه قضى بقبولِ مَنْ ظاهِرُه السلامة. ذكرَ ما يقتضي ذلك في كتابه " هداية المسترشدين "، وكذلك عبدُ الله بنُ زيدٍ ذكَرَ مِثلَ ذلك في " الدرر المنظومة " وهو الذي أشار السيد أبو طالب إليه في كتاب " جوامع الأدلة " في الأصول، وتوقف فيه في " المجزي " وذكر أنه محل نظر، وحكاه المنصورُ باللهِ في " الصفوة " عن الشافعي، وهو مذهبُ الحنفية بأسرهم. والدليلُ على ما ذكرنا الأثَرُ والنَّظَرُ، أما الأثر، فقد وردت في ذلك آثار:
الأثرُ الأول: ما احتج به ابنُ عبد البرِّ في هذه المسألة، وهو قولُ النبيِّ - ﷺ -: " يَحْمِلُ هذَا العِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ " (١) وهو حديث مشهور صححه ابنُ عبد البرّ، ورُوي عن أحمد بن حنبل أنه قال: هو حديثٌ صحيح. قال زينُ الدِّين (٢): وفي كتاب " العلل " للخلاَّل أن أحمد سُئِلَ عنه، فقيل له: كأنه كلامُ موضوع؟ فقال: لا، هو صحيح. فقيل له: ممَّن سمعتَه؟. فقال: مِنْ غيرِ واحدٍ، فقيل له: من هم؟ قال: قد حدثني به مسكين إلا أنه يقول عن [مُعان عن] (٣) القاسم بنِ عبد الرحمن.
_________________
(١) وتمامه " ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين " والتحريف: التغيير، والغالي: من غلا في الأمر غلوًا: جاوز حدُهُ، والانتحال من قولهم: انتحل الشيء، أي: ادعاه لنفسه وهو لغيره، والمبطل من أبطل: إذا أتى بغير الحق. ومعنى الحديث: يُبعدون عنه تغيير من يُفسره بما يتجاوز فيه الحدَّ، فيخرج به عن قوانين الشرع، وادعاء من يدعي فيه شيئًا يكون باطلًا لا يُوافق الواقع، وكأنه يثير بالجملة الأولى إلى من يغير تفسير الأحاديث النبوية تعمدًا أو تلبيسًا، وبالثانية إلى من يكذب على النبي - ﷺ -، فإنه بادعائه لحديث لم يحدث به ولا سمعه ينتحل باطلًا.
(٢) في التقييد والإيضاح: ١٣٩.
(٣) ما بين حاصرتين سقطت من الأصل ومن تنقيح الأنظار للمؤلف، وهي موجودة في =
[ ١ / ٣٠٨ ]
قال أحمد: ومُعان لا بأس به، ووثَّقَهُ ابن المَديني أيضًا.
قلت: قولُه " حدثني به مسكين " غير أنه يقول: القاسمُ بنُ عبد الرحمن - يعني أن مسكينًا تَابَعَ مُعَانَ بنَ رِفاعة إلا أنه وهم في اسم إبراهيم ابن عبد الرحمن فقال القاسم مكان إبراهيم (١).
قال زين الدِّين: وقد ورد هذا الحديثُ مرفوعًا مسندًا مِن حديث أبي هُريرة، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عمر، وأبي أمامة، وجابر بن سمرة، وكُلُّها ضعيفة (٢).
_________________
(١) = الإيضاح المنقول عنه، ورواه الخطيب في " شرف أصحاب الحديث " ص ٢٩ من طريق الخلال، قال: قرأت على زهير بن صالح بن أحمد، حدثني مهنا بن يحيى " قال: سألت أحمد بن حنبل عن حديث معان بن رفاعة، عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري " قال: قال رسول الله - ﷺ -: ، وأخرجه ابن وضاح في البدع والنهي عنها ص ١ من طريق محمد بن سعيد بن أبي مريم، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن معان (تحرف فيه إلى معاذ) بن رفاعة السلمي، عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري، قال: قال رسول الله - ﷺ -: " يحمل هذا العلم " وأخرجه ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٢/ ١٧ من طريق الحسن بن عرفة، عن إسماعيل بن عياش بهذا الإسناد. وانظر " مفتاح دار السعادة " ١/ ١٦٣ - ١٦٤ للعلامة الحافظ ابن قيِّم الجوزية ﵀.
(٢) هذا صحيح بالنسبة إلى وهم مسكين في اسم إبراهيم، وأما أنه تابع معان بن رفاعة، فلا، لأن مسكينًا رواه عن معان، فهو شيخُه فيه كما في الأصل الذي نقل عنه المؤلف، وليس متابعًا له.
(٣) حديث أبي هريرة رواه ابن عدي في " الكامل " ١/ ١٥٢ - ١٥٣، ومن طريقه الخطيب في " شرف أصحاب الحديث " ص ٢٨ حدثنا أبو قُصي إسماعيل بن محمد بن إسحاق العذري، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، حدثنا مسلمة بن علي، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد السلمي، عن علي بن مسلم البكري، عن أبي صالح الأشعري، عن أبي هريرة. وأخرجه العقيلي في " الضعفاء" ١/ ٩، والبزار (١٤٣) من طريقين عن خالد بن عمرو، عن ليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي قبيل، عن عبد الله بن عمرو، وأبي هريرة. وحديث علي رواه ابن عدي عن موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن جده جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي ، وحديث عبد الله بن عمرو تقدم، وحديث ابن عمر رواه ابن عدي من حديث الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن =
[ ١ / ٣٠٩ ]
قال: وقال ابنُ عديٍّ: رواه الثقات عن الوليد بن مسلم، عن إبراهيم بن عبد الرحمن حدثنا الثقة من أصحابنا: أن رسول الله - ﷺ - قال. وساقه.
ومن علوم الحديث (١) للبُلقيني: قال الدَّراقطني: لا يَصِح مرفوعًا -
_________________
(١) = سالم، عن ابن عمر وحديث أبي أمامة أخرجه العقيلي ١/ ٩ من طريق محمد بن داود بن خزيمة الرملي، حدثنا محمد بن عبد العزيز الرملي ويعرف بالواسطي، حدثنا بقية عن رُزيق أبي عبد الله الألهاني، عن القاسم أبي عبد الرحمن عن أبي أمامة. وفي الباب عن أسامة بن زيد عند الخطيب في " شرف أصحاب الحديث " ص ٢٨ من طريق محمد بن جرير الطبري، حدثني عثمان بن يحيى، حدثني عمرو بن هاشم البيروتي، عن محمد بن سلمان بن أبي كريمة، عن معان بن رفاعة السلامي، عن أبي عثمان النهدي، عن أسامة بن زيد. وعن ابن مسعود عنده أيضًا ص ٢٨ من طريق محمد بن المظفر الحافظ، حدثنا أحمد بن يحيى بن زكريا، حدثنا محمد بن ميمون به كامل الحمراوي. حدثنا أبو صالح، حدثنا الليث ابن سعد، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن مسعود. وعن معاذ بن جبل فيه أيضًا ص ١١ من طريق محمد بن الحسن بن أحمد الأهوازي، حدثنا الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري، حدثنا عبدان: عبد الله بن أحمد بن موسى، حدثنا زيد بن الحريش، حدثنا عبد الله بن خراش، عن العوام بن حوشب، عن شهر بن حوشب، عن معاذ بن جبل وانظر " الجامع الكبير " ص ٩٩٥.
(٢) وهو المسمى بـ " محاسن الاصطلاح وتضمين كتاب ابن الصلاح " تتبع فيه مقدمة ابن الصلاح فقرة فقرة " فأعاد صياغتها تضمينًا، ثم عقب عليها بفوائد وزيادات تفصل ما أجمل ابن الصلاح، وتستدرك ما فاته، وتناقش ما يرد على كلامه حيثما بدا وجه اعتراض، وأضاف في نهاية المقدمة خمسة أنواع من علوم الحديث لم يتكلم عليها ابن الصلاح في مقدمته، وقد طبع محاسن الاصطلاح، مع مقدمة ابن الصلاح في مطبعة دار الكتب سنة ١٩٧٤ بمصر، بتحقيق الدكتورة عائشة عبد الرحمن -بنت الشاطىء-. والنص الذي نقله المؤلف عنه في الصفحة ٢١٩. والبلقيني: هو الإمام العلامة قاضي القضاة، شيخ الإسلام، حافظ مصر والشام، سراج الدين عمر بن رسلان بن نصير البلقيني الشافعي المتوفى سنة ٨٠٥ هـ، أذن له بالفتيا وهو ابن خمس عشرة سنة، ثم انتهت إليه رياسة العلم، فقيل: إنه مجدد القرن التاسع وكان نادرة زمانه حفظًا واستظهارًا وفقهًا، وممن أخذ عنه حافظ دمشق ابن ناصر الدين والحافظ ابن حجر.
[ ١ / ٣١٠ ]
يعني مُسندًا- إنما هو عن إبراهيم بنِ عبد الرحمن، عنه - ﷺ -.
وقال ابن عبدِ البَرِّ: رُوي عن أسامة بن زيد، وأبي هريرةَ بأسانيدَ كُلُّها مُضطرِبة غيرُ مستقيمة.
قال البُلقينيّ: وقد رُوي من حديث أسامة، وأبي هريرة، وابنِ مسعود، وغيرِهم، وفي كُلِّها ضعف.
وهو صحيحٌ على أصولِ أصحابنا، لأنه لم يُطعن فيه إلا بالإرسال على أنه مختلف في إرساله وإسناده، فأسنده العُقيليُّ (١) عن أبي هريرة، وعن عبد الله بن عمرو، وقال: الإسنادُ أولى. ونازعَهُ في ذلك ابن القَطَّان (٢)، وقال: الإرْسالُ أولى. وتوقَّف في ذلك الحافظُ ابنُ النحويّ في كتابه " البدر المنير ". ورواه الأكثرون عن مُعان بن رِفاعة، عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري التّابعيِّ، ومعان وثقه ابنُ المديني وليَّنه يحيى بنُ معين،
_________________
(١) هو الإمام الحافظ أبو جعفر محمد بن عمرو بن موسى بن حماد العُقيلي صاحب كتاب الضعفاء الكبير ومنه نسخة نفيسة بظاهرية دمشق المحروسة، كان ثقة جليل القدر عالمًا بالحديث، مقدمًا في الحفظ إلا أنه قد يتشدد فيجرح الراوي بما ليس بجرح في كتابه الضعفاء، وقد جرح غير واحد من رجال الصحيحين بسبب ذلك، توفي سنة ٣٢٢ هـ.
(٢) هو الحافظ العلامة الناقد قاضي الجماعة أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الملك ابن يحيى الفاسي، الشهير بابن القطان. قال الأبارفي ترجمته: كان من أبصر الناس بصناعة الحديث، وأحفظهم لأسماء رجاله، وأشدهم عناية بالرواية، رأس طلبة العلم بمراكش، ونال بخدمة السلطان دنيا عظمة، وله تواليف، حدث ودرس مات وهو على قضاء سجلماسة سنة ثمان وعشرين وست مئة. قال الإمام الذهبي في " تذكرة الحفاظ " ٤/ ١٤٠٧: طالعت كتابه المسمى بـ " الوهم وإلإيهام " الذي وضعه على الأحكام الكبرى لعبد الحق يدل على حفظه وقوة فهمه، لكنه تعنت في أحوال رجال، فما أنصف بحيث أخذ يلين هشام بن عروة ونحوه. وقال في " الميزان " ٤/ ٣٠١، ٣٠٢ في ترجمة هشام بعد ذكر توثيقه: لا عبرة بما قاله أبو الحسن بن القطان، فدع عنك الخبط، وذر خلط الأئمة الأثبات بالضعفاء والمخلطين فهو شيخ الإسلام، ولكن أحسن الله عزاءنا فيك يا ابن القطان.
[ ١ / ٣١١ ]
ولم يتكلَّم فيه إلا بما يقتضي أن في حفظه بَعْضَ الضعف، وقد عضَّدَه الحديثُ المُسْنَدُ الذي رواه العُقيليُّ مع أن بعض الضعف في الحفظ لا يُرَدُّ بهِ حديثُ الثقة ولكن يُرجَّحُ عليه حديثُ منْ هُوَ أوثق منه عند التَّعَارُضِ.
وأما إبراهيم بنُ عبدِ الرحمن العُذريُّ الذي أرسلَ هذا الحديثَ، فقال فيه الذهبي (١). تابعيٌّ مُقِلٌّ وما علمتُه واهيًا، أرسل: " يَحْمِلُ هذَا العلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ " رواه غيرُ واحد عن مُعان.
وذكر ابنُ الأثير في كتاب " أسد الغابة " أنه كان من الصحابة (٢) -والله أعلم-.
وقد رُويَتْ له شَواهدُ كثيرةٌ كما قدَّمتُه مِن حكاية زينِ الدين، وضعفُها لا يَضُرُّ، لأن القصدَ التقوِّي بها، لا الاعتماد عليها مع أن الضعفَ يُعْتَبَرُ بِهِ إذا لم يكن ضعيفًا بمرة أو باطلًا، أو مردودًا، أو نحو ذلك، فهذه الوجوهُ مَعَ تصحيحِ أحمد وابنِ عبد البر، وترجيح العقيليِّ لإسناده مع أمانتهم واطلاعهم يقتضي بصحته أو حسنه -إِن شاء الله تعالى- وهو دالٌّ على المقصود من تعديل حملةِ العلم المعروفين بالعناية حتى يتبيَّن جَرْحُهم، واعترض هذه الحُجَّة زينُ الدِّين بأنَّه لو كان خبرًا لما وُجِدَ في حَمَلَةِ العِلم
_________________
(١) في " ميزان الاعتدال " ١/ ٤٥.
(٢) نص ما قاله ابن الأثير في " أسد الغابة " ١/ ٥٢: ذكره الحسن بن عرفة عن إسماعيل ابن عياش، عن معان، عن إبراهيم وقال: كان من الصحابة، ولم يُتابع عليه، وقال الحافظ في " الإصابة " ١/ ١١٧: إبراهيم بن عبد الرحمن العُذري تابعي أرسل حديثًا، فذكره ابن مندة وغيره في الصحابة، قال: وروى الحسن بن عرفة، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن معاذ بن رفاعة، حدثني إبراهيم بن عبد الرحمن العُذري وكان من الصحابة عن النبي - ﷺ - يحمل هذا العلم من كل خلف عدولُه قال ابن مَنْدَه: ولم يتابع ابن عرفة على قوله: " وكان من الصحابة " فتبين من هذا النقل أن الحسن بن عرفة هو القائل: كان من الصحابة لا ابن الأثير، كما توهمه عبارة المصنف.
[ ١ / ٣١٢ ]
الأثر الثاني: قول النبي - ﷺ -: " من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين "
منْ لَيسَ بعدلٍ، فوجب حملُه على الأمر (١).
قلتُ: تخصيصُ الخبر جائز، والتخصيصُ أكثرُ مِن ورود الخبر بمعنى الأمر، وترجيحُه لما في بعض طُرُق أبي حاتم مردودٌ بضعفها وإعلالِها بمخالفةِ جميعِ الرُّواة.
الأثر الثاني: قولُ رسولِ اللهِ -﵌-: " مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ " (٢) رواه ابنُ عباس، وأبو هُريرة، ومعاويةُ
_________________
(١) نص كلامه في " التقييد والإيضاح " ص ١٣٨: فقوله " يحمل " حكي فيه الرفع على الخبر، والجزم على إرادة لام الأمر، وعلى تقدير كونه مرفوعًا، فهو خبر أريد به الأمر بدليل ما رواه أبو محمد بن أبي حاتم في مقدمة كتاب " الجرح والتعديل " ٢/ ١٧ في بعض طرق هذا الحديث: " ليحمل هذا العلم " بلام الأمر، على أنه ولو لم يرد ما يخلصه للأمر، لما جاز حمله على الخبر لوجود جماعة من أهل العلم غير ثقات، فلا يجوز الخلف في خبر الصادق، فيتعين حمله على الأمر على تقدير صحته، وهذا مما يوهن استدلال ابن عبد البر به، لأنه إذا كان للأمر، فلا حجة فيه، ومع هذا فالحديث أيضًا غير صحيح .. ثم قال الحافظ العراقي: ومما يستغرب في ضبط هذا الحديث أن ابن الصلاح حكى في فوائد الرحلة له إنه وجد بنيسابور في كتاب يشتمل على مناقب ابن كرَّام جمع محمد بن الهيصم قال فيه: سمعت الشيخ أبا جعفر محمد بن أحمد بن جعفر يقول: سمعت أبا عمرو محمد بن أحمد التميمي يروي هذا الحديث بإسناده، فيضم الياء من قوله: " يحمل " على أنه فعل لم يسم فاعله، ويرفع الميم من " العلم " ويقول: " من كل خلف عدولة " مفتوح العين واللام وبالتاء ومعناه: أن الخلف هو العدولة بمعنى أنه عادل كما يقال شكور بمعى شاكر، وتكون الهاء للمبالغة، كما يقال: رجل صرورة، والمعنى: أن العلم يُحمل عن كل خلف كامل في عدالته.
(٢) أخرجه من حديث ابن عباس الترمذي (٢٦٤٥) والدارمي ١/ ٧٤، والبغوي في شرح السنة (١٣٢). وأخرجه من حديث أبي هريرة ابن ماجه (٢٢٠) والطحاوي في " مشكل الآثار" ٢/ ٢٨٠، وابن عبد البر في " جامع بيان العلم " ١/ ١٩، والخطيب في " الفقيه والمتفقه " ١/ ٣. وأخرجه من حديث معاوية البخاري (٧١) و(٣١١٦) و(٣٦٤١) و(٧٣١٢) و(٧٤٦٠) ومسلم (١٠٣٧) وأحمد ٤/ ١٠١، والدارمي ١/ ٧٥، ٧٦، والطحاوي ٢/ ٢٧٨، وابن عبد البر ١/ ٢٠، والخطيب ١/ ٥، وابن حبان (٨٩) وأبو نعيم في " الحلية " ٥/ ١٣٢ و١٧٦ و٩/ ٣٠٦ و١٠/ ٣٦٦. =
[ ١ / ٣١٣ ]
الأثر الثالث: قصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين
الأثر الرابع: أنه لما قال الله تعالى لموسى: إن لنا عبدا هو أعلم منك
كلهم عن رسول الله - ﷺ -. وحديثُ ابن عباس أخرجه الترمذي، وقال: حديثٌ صحيح. وحديثُ أبي هريرة ذكره الترمذي تعليقًا، وحديث معاوية أخرجه البخاري وإنما ذكرتُه هنا، لئلا يَظُنَّ من وقف عليه في " صحيح البخاريِّ " أنه لم يرو الحديثَ أحدٌ سِواه. وزاد الخطيب في كتاب " الفقيهِ والمتفقه " (١) أنه رواه عمر، وابنهُ عبد الله، وابن مسعود، وأنس.
فهذا الحديثُ دالٌّ على أن الله قد أراد بالفقهاء في الدين الخيرَ، والظاهر فيمن أراد اللهُ به الخيرَ أنه من أهله وهو مُقَوٍّ للدليل، لا معتمدٌ عليه على انفراده، وفيه بحث يتشعَّبُ تركناه اختصارًا.
الأثرُ الثَّالِثُ: قصةُ الرجل الذي قَتَلَ تسعة وتسعين، وسأل عن أعبدِ أهل الأرض، فَدُلَّ عليه، فسأله فأفتاه أن لا توبة له فقتله، ثم سأل عن أعلم أهلِ الأرضِ فدُلَّ عليه، فسأله، فأفتاه بأن توبته مقبولة إلى آخر الحديث وفيه أنه من أهل الخير، وفي قصته بعدَ المعرفة بالعلم أنه لم يسألْ عن العدالة. والحديث متفق عليه (٢).
الأثر الرابع: أنه لما قال الله تعالى لموسى ﵇: إن لنا عبدًا هو أعلمُ منك -يعني الخضر ﵇- فسأل موسى لقاءه من الله تعالى ليتعلَّمَ منه، وسافر للقائه (٣) ولم يَرِدْ أنه سأل عن عدالته بَعْدَ أن أعلمه
_________________
(١) = وأخرجه من حديث عمر بن الخطاب الطحاوي في " مشكل الآثار " ٢/ ٢٨١، وابن عبد البر ١/ ١٩، والخطيب ١/ ٤.
(٢) ١/ ٢، ٣، وحديث ابن مسعود أخرجه أيضًا أبو نعيم في " الحلية " ٤/ ١٠٧.
(٣) رواه البخاري (٣٤٧٠) ومسلم (٢٧٦٦) وأحمد ٣/ ٢٠ و٧٢ وابن ماجة (٢٦٢٢)، وابن حبان رقم (٦٠١) من حديث أبي سعيد الخدري.
(٤) تقدم تخريجه ص ٢١٨.
[ ١ / ٣١٤ ]
أما الاستدلال من جهة النظر فهو:
النظر الأول: أن الظاهر من حملة العلم أنهم مقيمون لأركان الإسلام الخمسة مجتنبون للكبائر
النظر الثاني: أن الأمة أجمعت على الصلاة على من هذه صفته
اللهُ تعالى بعلمه، مع أنَّ من الجائز أن يكون العالمُ غيرَ عامل كَبَلْعَمَ (١) وغيرِه، ولكن تجويز بعيد، قليلُ الاتفاق، نادرُ الوقوع، فلم يجب الاحترازُ منه. وفي بعض هذه الآثار أثرٌ مِن ضعف وهو ينجبِرُ باجتماعها وشهادةِ القُرآن لها، وهي الحجة الثانية وهي قولُه تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] فأمر اللهُ تعالى بسؤالهم، وهو لا يأمر بقبيح، فَدَلَّ إطلاقُه على جواز سؤال العُلماء على العموم إلا مَنْ عُرِفَ بقلة الدِّين.
وأما الاستدلالُ على ذلك مِن جهة النَّظرِ، فهو يتبيَّنُ بإيراد أنظارٍ:
النَّظر الأول: أن الظاهِرَ من حملة العلم أنهم مقيمون لأركان الإسلام الخمسة، مجتنُبون للكبائر والمعاصي الدَّالة على الخِسَّة، معظِّمون لِحرمة الإسلام، لا يجترئون على الله بتعمُّدِ الكذب عليه، ولا على رسولِ الله - ﷺ -، والظاهر أيضًا فيهم قِلَّةُ الوهم بغير الاعتماد على الكِتابة، وظهور العناية بالفَن.
فالمحدِّث وإن كان يَغْلطُ في العربية، والفقيهُ وإن كان يَغْلَطُ في الحديث، فليس ذلك الذي عَنيناه بالقبولِ وإنما أردنا أن المحدِّث يقبل في فنِّه، وأن الظاهر عدمُ غلطه ووهمه، وهذه الأشياءُ هي أمارة (٢)، العدالة.
النظرُ الثاني: أن الأمة أجمعت على الصلاة على مَنْ هذه صفتُه، وخلْفَ منْ هذه صفتُه، وعلى الاعتداد بأذانِه، وعلى جواز الترحم عليه،
_________________
(١) بلعم هذا، رجل من علماء بني اسرائيل انظر قصته في تفسير الطبري ١٣/ ٢٥٧ - ٢٦٨ وابن كثير ٣/ ٥٠٧ - ٥١٢ في تفسير قوله تعالى ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٥].
(٢) أي: علامة، يقال: أمار ما بيني وبينك كذا، وأمارة ما بيني وبينك بالهاء وغير الهاء.
[ ١ / ٣١٥ ]
النظر الثالث: أنه قد ثبت أن العامي من .. إذا احتاج إلى فتوى ودخل مصرا فإنه يسأل من يراه منتصبا للفتوى وإن لم يتقدم له خبرة بحاله
يغلب ظن المستفتي أن من يستفتيه من أهل الاجتهاد والعلم، ويحصل هذا الظن بوجوه:
أحدها: أن يراه منتصبا للفتوى بمشهد من أعيان الناس، وأن يراه من أهل الدين وسؤال الناس له، والأخذ عنه، والفزع إليه
والترضية، والاستغفار، والتعظيم، وسائر حقوق المسلمين. وأجمع على ذلك مَنْ يشترِطُ العدالةَ في هذه الأمور ومن لا يشترِط، وإنما قلنا: إنهم أجمعوا على ذلك، لأن العمل عليه في جميع أقطار الإسلام في قديم الزمان من غير نكير من أحدٍ من المسلمين.
النَّظر الثالث: أنَّه قد ثبت أنَّ العاميَّ من الزُّرَّاع وغيرهم إذا احتاج إلى فتوى، ودخل مِصرًا من أمصار المسلمين لِيستفتي، فإنه يسأل مَنْ يراه منتصبًا للفتوى، ويرى الناسَ يأخذون عنه وإن لم يتقدم له خِبْرةٌ بحاله، ولا طولُ صحبة إلا مجرد ظنِّ عدالته المستندِ إلى كونه من أهل العلم، وأنَّ أهل العلم من أهل الدِّيانة في ظاهر الأحوالِ وغالبها، وكون الناس يستفتونه، ولو كان مِن أهل الفسوق والمعاصي ما كان بهذه المنزلة عند الناس، وهذا كافٍ للعاميِّ في معرفة عدالة المفتي. ولو أوجبنا على العاميِّ أن يُلازم المفتي أولًا، ويختبره في حَضَرِه وسفرِه ورضاه وغضبه، لخالفنا إجماعَ الأمة.
قال الإمامُ المنصورُ بالله -﵇- في " الصفوة ": اعلم أن شروط الاستفتاء ترجِعُ إلى أصل واحدٍ: وهو أن يغلِبَ ظنُّ المستفتي أنَّ من يستفتيه من أهل الاجتهاد والعلم، ويحصل له هذا الظنُّ بوجوه:
أحدُها: أن يراه منتصبًا للفتوى بمشهدٍ من أعيان الناس، وأخذِ الناس عنه، وأن يراه مِن أهل الدِّين بأن يرى سِمَاتِ الخير عليه ظاهرة، ويرى الجماعة مطبقةً على سؤاله، والأخذِ عنه، والفَزَع إليه، أو يعلمه أو يظنه من أهل الدِّين، ولكن صَرفَ الجماعةَ عن سؤاله بعضُ الصَّوارف.
وكذلك الشيخُ أبو الحسين، فإنه قال في" المعتمد " (١): شروطُ
_________________
(١) ٢/ ٣٦٣ - ٣٦٤.
[ ١ / ٣١٦ ]
الاستفتاء: أن يَغْلِبَ على ظنِّ المستفتي أنَّ من يستفتيه من أهل الاجتهاد بما يراه من انتصابه للفتوى إلى قوله: وأن يظنَّه من أهل الدِّيِن بما يراه من اجتماعِ الجماعات على سؤاله واستفتائه، وبما يراه من سِمات السِّتر والدين انتهى.
وحديثُ معاذٍ (١) أوضح دليلٍ على ذلك، فإن رسولَ الله - ﷺ - بعثه إلى اليمن مفتيًا ومعلمًا وقاضيًا، ولا شكَّ أنه مجهولُ الحال عندَ أهل اليمن، أو عند الأكثر منهم، لكنهم يظنُّون مِن قرائنِ الأحوال أنه من أهل العلم والدِّيانة.
وقد ذكر المنصور بالله -﵇- ما هو أكثرُ ترخيصًا من هذا فقال -﵇- في المستفتي: وذهب قوم أنه لا يجب عليه ذلك، بل له أن يَقْبلَ قَوْلَ المفتي مِن غير نظرٍ في حاله. قال -﵇-: وما ذكرنا هو الذي كان شيخُنا -﵀- يذهبُ إليه وهو الذي يختارُهُ -يعني ﵇- أنه لا يَحِلُّ الرُّجُوعُ إلى المفتي من غير نظر، بل لا بُدَّ من الظنِّ لأهليته لذلك - وهذا هو المختارُ الذي عليه الجماهيرُ، فإذا تقرَّر في العامي المستفتي أنه يجوزُ له العملُ بقول المفتي عند ظنِّ عدالته بأخف الأماراتِ الحاصلةِ في ساعةٍ واحدة من غير سابق خِبرة ولا طول صُحبة.
وعلى هذا عملُ المسلمين في جميع الأقطار والأمصار من غير نهي للعامّة عن ذلك ولا إنكار، فغيرُ خافٍ على المنصف أن جميعَ المدرسين
_________________
(١) تقدم تخريجه ص ٢٥٨.
[ ١ / ٣١٧ ]
النظر الرابع: أن طلبة العلم يدخلون أمصار الإسلام للقراءة وطلب العلم، فإذا دخلوا سألوا عن العالم في الفن
النظر الخامس: أجمعت الأمة على قبول علوم الأدب من اللغة والمعاني بنقل علماء الأدب من غير تعرض إلى جرح وتعديل غالبا
في علم الحديث المأخوذِ عنهم الإجازاتِ على صفة المفتين للعامة وفي الديانة وفي معرفة ما يدرسون فيه.
النظر الرابع: أن طلبة العلم ما زالوا يدخلونَ أمصارَ الإسلام للقراءة، وطلب العلم، فإذا دخلُوا سألُوا عن العالم في الفن، فإذا أُخْبِرُوا بالعالم قرؤوا عليه، وأخذوا عنه العلمَ مِن غير سابقِ خِبرةٍ ولا طُولِ صُحبة متقدمة إلا لِظنِّ علمه وديانته وتحريه للصدق بغيرِ سببٍ لذلك الظنِّ أكثر مِن كونه من أهل العِلم والانتصاب للتدريس.
وهذا إجماعُ من المسلمين، لأن منهم من يفعلُهُ كالطالب للعلم، ومنهم من يسكت عنه كالعالم المفيد للطَّالب، وسائر من يعلم ذلك من العلماء، وهذا غيرُ خافٍ على العلماء ولا يخافون مِن طلبة العلم بمضرةٍ تلحقُهُم إن نصَحُوهم في ذلك، كما رُبَّما خافوا مِن جبابرة الملوك، وأهلِ التَّكَبُّرِ في الأرض إذا نصحوهم. فثبت بهذا أنَّ ظَاهِرَ العلماء العدالةُ والدِّيانةُ ما لم يظهر ما يجْرَحُهُمْ، وَيمْنَعُ العَمَلَ بالظاهر.
فإذا ثبت هذا، ثبتَ أنه لا قَدْحَ في كُتُبِ الحديثِ المسموعة، فإنَّ الظاهِرَ أنَّ منْ بيننا وبَيْنَ مصنفيها كُلُّهم مِن أهل العلم، ويغلِب على ظنِّ كُلِّ منصفٍ أنَّه ليس فيهم أحدٌ مِن أهل الفسق والفواحش والتظاهر بارتكاب الكبائر، وما فيهم منْ يَتعَمَّدُ الكذبَ على رسول الله - ﷺ -، وما فيهم بحمدِ اللهِ إلا من يُظَنُّ صِدْقُه وأمانتُهُ، ومنْ لم يحْصُلْ له هذا الظنُّ، حَرُمَتْ عليه الروايةُ، وحَرُمَ عليه النَّكيرُ، وكلُّ متعبِّد بِظنِّه.
النظر الخامس: أجمعت الأمةُ على قبولِ علومِ الأدب مِن اللغة والمعاني والعربية بنقل علماء الأدب من غير تعرُّضٍ إلى جرح وتعديل غالبًا، وفي هذا ما يدل على صحة كلام ابن عبد البرِّ مِن قبول العلماء في
[ ١ / ٣١٨ ]
فنونهم التي ظهرت عنايتُهُم فيها حتى يتبيَّنَ جرحُهُم.
فهذه الوجوهُ مما يُمْكِنُ أن يَقْوَى بها قولُ أبي عُمَرَ بن عبد البَرِّ. وقد قال ابنُ الصَّلاَح: إن في قوله اتِّساعًا غيرَ مرضيٍّ (١).
ولا شكَّ أن المسألة محتملةٌ للنظر، وأن في أدلَّتِه قُوَّةً.
فإن قلتَ: نِسبةُ هذا القولِ إلى ابنِ عبد البَرِّ وحدَهُ تدلُّ على شُذُوذه وإصْفَاقِ (٢) العلماء على مخالفته.
قلتُ: ليس كذلِكَ، فقد ذهب جماعة من العلماء إلى قبول المجهول مطلقًا، سواءً كان مِن أهل العِلْمِ أو لم يكن منهم، وهو أحَدُ قَوْلي المنصور بالله -﵇-، وجزم الفقيهُ عبدُ الله بن زيد به، وقال: هو مذهبُنا، حكاه في " الدرر المنظومة " وحكاه الإمامُ المنصورُ بالله عن الشافعيِّ (٣) في كتاب " الصفوة " وهو مذهبُ الحنفيةِ بأسرهم (٤).
_________________
(١) مقدمة ابن الصلاح ص ١٣٨.
(٢) إصفاق مصدر أصفق، يفال: أصفقوا على كذا، أي: أطبقوا عليه قال يزيد بن الطثرية: أثيبي أخَا ضَارُورَةٍ أصْفَق العِدَى عَلَيْه وَقَلَّتْ في الصِّدِيق أوَاصِره
(٣) هذا المحكي عن الشافعي لا يصح، ففي الرسالة ص ٣٧٠: ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أمورًا منها: أن يكون من حدَّث به ثقة في دينه، معروفًا بالصدق في حديثه، عاقلًا لما يحدث به، عالمًا بما يحيل معاني الحديث من اللفظ وفي اختلاف الحديث ص: والظاهر في المجهول: هو من لا تعرف عدالته عن خبرة أو عينه. وقال الإسنوي في " نهاية السول " ٣/ ١٣٨: إن الشخص إذا علمنا بلوغه وإسلامه، وجهلنا عدالته، فإن روايته لا تقبل كما نقله الإمام وغيره عن الشافعي، واختاره هو والآمدي وأتباعهما. وقال السبكي في " جمع الجوامع " ٢/ ١٥٠، ١٥١، بشرح المحلي وحاشية البناني: فلا يقبل المجهول باطنًا وهو المستور خلافًا لأبي حنيفة وابن فورك وسليم، وقال إمام الحرمين: يوقف ويجب الانكفاف إذا روى التحريم، أما المجهول ظاهرًا وباطنًا فمردود إجماعًا.
(٤) قال في " مسلم الثبوت وشرحه " ٢/ ١٤٦: مجهول الحال من العدالة والفسق، وهو =
[ ١ / ٣١٩ ]
وتوقَّف السَّيِّدُ أبو طالب في قبوله في كتاب " المُجزي " ولم يقطع بردِّة، وقال: المسألة محتمِلة للنظر، ورجح السيد أبو طالب قبولَهُ في " جوامع الأدلة ". وأشار قاضي القضاة (١) في " العهد " إلى قبولِه. فالذاهبُ إلى ما قَالَهُ ابنُ عبد البَرِّ، لم يأت ببديعٍ، بل قولُهُ أقوى مِنْ قولِ من يقبل المجاهيلَ على الإطلاق.
واعْلَمْ أني مكمِّل للكلام في هذه المسألة بذكرِ سؤالٍ وجواب:
_________________
(١) = المستور في الاصطلاح غير مقبول عند الجمهور، وروي عن أبي حنيفة ﵁ في غير رواية الظاهر قبوله، واختاره ابن حبان نقله عنه في الحاشية. قال ابن الصلاح: يشبه أن يكون العمل في كثير من كتب الحديث المشهورة بهذا الرأي، والأصل أن الفسق مانع من القبول بالاتفاق كالكفر، فلا بد من ظن عدمه، فإن اليقين متعسر، لكن اختلف في أن الأصل العدالة، فتظن ما لم يطرأ ضدها، أو الأصل الفسق فلا تظن العدالة، ولك أن تقول: العدالة شرط اتفاقًا، لكن اختلف في أن أيهما أصل، ثم إن المعتبر في حجية الخبر ظن قوي، فلا يكتفي بالظن الضعيف، فإنه لا يغني عن الحق شيئًا ألا ترى أنه قد يحصل الظن بخبر الفاسق إذا جرب مرارًا عدم الكذب منه، لكن لا يقبل قوله شهادة ورواية، فكذا ظن العدالة من الأصالة لا يكفي ها هنا، كيف وقبول الخير من الدين ولا بد فيه من الاحتياط، فمبنى ظاهر الرواية هو هذا لا ما ذكروه، وإلى ما ذكرنا أشار الإمام فخر الإسلام بقوله: وهي نوعان: قاصر وكامل، أما القاصر، فما ثبت بظاهر الإسلام واعتدال العقل، لأن أصل حاله الاستقامة، لكن الأصل لا يفارقه هوى يضله ويصده عن الاستقامة، ثم قال بعد هذا: والمطلق ينصرف إلى كمال الوجهين، ولهذا لم يجعل خبر الفاسق والمستور حجة. انتهي. وبهذا تعلم أن ظاهر مذهب الحنفية عدم قبول رواية المستور كغيرهم، وأن ما جعله بعضهم قول أبي حنيفة إنما هو رواية عنه على خلاف ظاهر المذهب.
(٢) هو عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمذاني الأسدأباذي كان شيخ المعتزلة في عصره وهم يلقبونه قاضي القضاة، ولا يطلقون هذا اللقب على غيره توفي سنة ٤١٥ هـ. وكتابه العهد هو من أهم الكتب التي ألفت في أصول الفقه، وقد شرحه أبو الحسين محمد بن علي بن الطيب البصري المتكلم على مذهب المعتزلة المتوفى سنة ٤٣٦ بشرح كبير سماه " العمدة " ثم اختصر هذا الشرح وسماه المعتمد وهو مطبوع، وكتاب المحصول للفخر الرازي مستمد من كتابين لا يكاد يخرج عنهما غالبًا، أحدهما هذا، والثاني المستصفي للغزالي فيما قاله الإسنوي في " نهاية السول " ١/ ٤.
[ ١ / ٣٢٠ ]
سؤال: هده الحجج على تحسين الظن بحملة العلم والقول بأن المجروح نادر فيها والجواب عن ذلك
أمَّا السُّؤال: فيُقال: هذه الحججُ مبنية على تحسينِ الظَّن بِحَمَلةِ العِلْمِ، والقولِ بأن المجروح نادِرٌ فيهم، وأنه إذا كان نادرًا، فالحكم بالنادِرِ تقديمُ للمرجوح على الغالب الراجح، وتقديمُ المرجوح على الراجح ضروريُّ القُبْح، والتوقف أيضًا مساواة بين الراجح والمرجوح، والمساواة بينَهما على الإطلاق قبيحةٌ بالضرورة، لكن كونُ المجروحِ نادرًا فيهم غيرُ مُسَلَّم، فإن وقوع الغيبة والحَسَدِ والمنافسة في الدنيا كثير فيما بينهم، والسَّالم من هذه الأشياء عَزِيْزٌ.
والجواب عن ذلك: أمَّا قوله: إن المجروحَ غيرُ نادرٍ فيهم، فهو بناء على أن كُلَّ مَنْ صَدَر منه فِعلٌ قبيح، فهو مجروحٌ، ومتى سُلِّمَ له أن العدالةَ هي تركُ جميع الذنوب والمعاصي، فالسؤالُ واقع، ولكن متى فسرنا العدالَةَ بهذه عزَّ وجودُهَا في جميع المواضع التي تُشْترَطُ فيها كعقدِ النكاح، والطَّلاقِ على السُّنَّة، والشهاداتِ في البيوع والحقوقِ والحدودِ، وقد دل الشرعُ على ما تبيَّن أن العدالة مرتبةٌ دونَ هذه المرتبة. وفي الحديث عن أبي هُريرة عن النبي - ﷺ - أنه قال: " مَنْ طلبَ قَضاء المُسْلِمِينَ حَتَّى يَنَالَهُ، ثُمَّ غلبَ عَدْلُهُ جَوْرَهُ، فلَهُ الجَنَّةُ، ومَنْ غَلَبَ جَوْرُهُ عَدْلَهُ، فَلَهُ النَّارُ " رواه أبو داود (١)، وقال الحافظ ابن كثير: إسناده حسن (٢).
ولأنهم يُسَمَّوْنَ مسلمينَ ومؤمنين، وقد دَلَّ السمْعُ على قبولهم كما تقدَّمَ، وقد قال بذلك أبو الحسين، لأنَّه قال في " المعتمد " (٣) في تفسير لفظة العدْلِ -ما هذا لفظه- وتُعُورِفَ أيضًا فيمن تُقْبَلُ روايتُهُ عن النبي - ﷺ -،
_________________
(١) برقم (٣٥٧٥) ومن طريقه البيهقي في " سننه " ١٠/ ٨٨.
(٢) كيف وفي سنده موسى بن نجدة الحنفي اليمامي وهو مجهول كما في " التقريب ".
(٣) ٢/ ٦٢١.
[ ١ / ٣٢١ ]
وهو من اجتنب الكبائرَ والكذبَ والمُسَتَخفَّاتِ من المعاصي والمباحات، ومَثلَ للمستخفاتِ بالتطفيف بحبة، وللمباحات بالأكل على الطريق. ومما يُقَوِّيَ هذا ما ورَدَ في الحديث، وأجمعتِ عليه الأُمَّةُ من أنه لا تقبل (١) مَنْ بيْنَه وبينَ أخيه إحْنَةٌ (٢) مع أنه مقبولٌ على مَنْ ليس بينَهُ وبينَه إحنة. فلم يُجْرَحِ المُسْلِمُ الثقةُ بالإحْنَة التي بينَه وبين أخيه ما لم يُسْرِفْ في العداوة إلى حدٍّ لا يتجاوزُ إليه أهلُ الدِّين، وأمَّا مجرد الإحنة، فوقوعها كثيرٌ بين أهل الخير قال الله تعالى: في صفة أهل الجنة ﴿وَنَزَعْنَا مَا في صُدُورهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ [الأعراف: ٤٣] وقد حكى الله تعالى وقوعَ بعضِ المعاصي مِن أنبيائه الكرام -عليهم أفضل الصلاة رالسلام- وقد جوَّز المنصور -﵇- شهادة الفسقة المصرِّحين عند الضرورة، ونظرًا إلى مصلحة العامة، فكيف بقبولِ مَنْ هو مِن القائمين بأركان الإسلام، والمجتنبين للكبائر، ولمعاصي الخِسّة، ولِمَا لَمْ تَشتدَّ المِحْنَةُ بملابسته من المعاصي؟! وإنك متى تركت شهادةَ هؤلاء ورِوايَتَهُم، واعتبرتَ قولَ المنصور بالله -﵇- في العدالة: إنها الخروج مِن كل شبهة، ومحاسبةُ النفس في كل طرفةٍ ونحو هذا من التشديدات، تعطَّلت المصالحُ والأحكام، وتضرَّر جميعُ أهلِ الإسلام، ولم يَكَدِ الإنسانُ يجد مَنْ يشْهَدُ
_________________
(١) أي: الشهادة.
(٢) الإحنة: الحقد والضغينة، وقد أخرج الإمام أحمد ٢/ ٢٠٤ و٢٠٨ و٢٢٥، وأبو داود (٣٦٠٠) و(٣٦٠١) وعبد الرزاق في " المصنف " (١٥٣٦٤) والدارقطني ٤/ ٢٤٣، والبيهقي ١٠/ ٢٠٠ والبغوي في شرح السنة (٢٥١١) من طريق سليمان بن موسى، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله ﷺ رد شهادة الخائن والخائنة وذي الغِمْرِ على أخيه، ورد شهادة القانع لأهل البيت، وأجازها لغيرهم " وهذا سند حسن، وقواه الحافظ في " التلخيص " ٤/ ١٩٨. وذو الغمر: الذي بينه وبين المشهود عليه عداوة ظاهرة، والغمر: الضغن. والقانع: الخادم والتابع.
[ ١ / ٣٢٢ ]
قول الشافعي: لو كان العدل من لم يذنب لم تجد عدلا
على النكاح، ولا يجدُ القاضي مَنْ يَشْهَدُ في الحقوق، ولا يجد العاميُّ مَن يُفْتيه، ولا القارىء من يُقرئه، سواءً كان طالبًا للاجتهاد أو للتقليد، فإن المقلد أيضًا يحتاج إلى عدالة من يُقَلِّدُهُ، وعدالة من يروي له مذهبَ العلم، وأهْلُ التَّحَرُّزِ من الغِيبة، ومِن سماعها والقائمين بما يجبُ على الحدِّ المشروعِ من إنكارها، والمتنزهين من الشُّبهَات أجْمَعَ؛ أعزُّ من الكبريت الأحمر، وإذا وجدتَهم، فلا تكادُ تجدهم إلا أهلَ العِبَادَةِ والزُّهد والاعتزال دونَ أهل التدريس والفتوى.
فلو اشترطنا هذا في المفتي والمدرِّس، والشَّاهد في الحقوق، والشَّاهِدِ في النكاح، لعَظمَتِ المضَرَّةُ من غيرِ شك، وتعطَّلَتِ المصالِحُ بلا ريب.
وقد قال الشافعي في العدالة قولًا استحسنه كثيرٌ من العقلاء مِن بعده، قال: لو كان العَدْلُ مَنْ لم يُذْنِبْ لم تَجِدْ عدلًا، ولو كان كُلُّ ذَنبٍ لا يمنع من العدالة لم تَجِدْ مجروحًا، ولكن مَنْ تَرَكَ الكَبَائِرَ، وكانت محاسنُهُ أكثرَ من مساوئه، فهو عَدْل. حكى معنى هذا عنه النواويُّ في " الروضة " (١).
وقال عبدُ الله بنُ زيد في " الدُّرر" في تفسير لفظ العدل: ومعنى كونه عدلًا: أن يكون مؤديًا للواجباتِ، ومجتنبًا للكبائِرِ من المستقبحات، وحديث أبي هريرة الذي قدّمناه في من غلب عدلُهُ جورَه يشهد لهذا. وما زال أهلُ الوَرَعِ الشَّحيح، والخوفِ العظيم يُقِرُّونَ بذنوبهم ويذمُّون أنفسَهم بذلك. وقد روى الأعمش عن إبراهيم التَّيميِّ، عن أبيه، قال:
_________________
(١) " روضة الطالبين " ١١/ ٢٢٥ بتحقيقنا مع صاحبنا الشيخ عبد القادر الأرنؤوط نفع الله به.
[ ١ / ٣٢٣ ]
قال عبد الله -يعني ابن مسعود-: لوْ تعْلَمُونَ ذُنُوبِي مَا وَطِىءَ عَقِبي اثْنَانِ، ولَحَثَيْتُم على رأسِي التُّرَاب، ولَوَدِدْتُ أنَّ اللهَ غَفَرَ في ذنبًا من ذنوبي، وأني دُعيتُ عبدَ الله بنَ رَوْثةَ (١).
وروى الأعمشُ، عن إبراهيم التَّيميِّ، عن الحارثِ بنِ سُوَيْدٍ، قال: أكثرُوا على عبدِ الله يَوْمًا، فقال: والله الذي لا إلهَ غَيْرُهُ لوْ تعلمون عِلْمِي، لَحَثيْتُمُ التُّرابَ على رأسي (٢). قال الذهبي (٣): رُوِيَ هذا مِن غير وجه عن ابن مسعود -﵁-.
وقد روى علقمةُ عن أبي الدَّرداءِ أنه قال: إنَّ الله أجارَ ابن مَسعودٍ من الشيطان على لسان نبيِّه (٤). وجاء مِنْ غير وجهٍ عن النبي - ﷺ -: "لَوْ كنْتُ
_________________
(١) رجاله ثقات أخرجه الحاكم في " المستدرك " ٣/ ٣٢٦ من طريق عبد الله بن وهب، عن سفيان الثوري، عن الأعمش به وصححه ووافقه الذهبي وإبراهيم التيمي: هو إبراهيم بن يزيد بن شريك التيمي تيم الرباب، هو وأبوه ثقتان من رجال الستة، وأخرجه الفسوي في تاريخه ٢/ ٥٤٨ من طريق سعيد بن منصور، عن أبي معاوية الضرير، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن الحارث بن سويد قال: قال عبد الله ورجاله ثقات أيضًا.
(٢) رجاله ثقات، أخرجه الفسوي ٢/ ٥٤٩، وأبو نعيم في " الحلية " ١/ ١٣٣.
(٣) انظر سير أعلام النبلاء ١/ ٤٩٥ طبع مؤسسة الرسالة.
(٤) هذا وهم من المصنف ﵀، فالذي رواه علقمة عن أبي الدرداء أن الذي أجاره الشيطان على لسان نبيه هو عمار بن ياسر وليس ابن مسعود، فقد أخرج البخاري في " صحيحه " (٣٧٤٢) في فضائل الصحابة من طريق إبراهيم، عن علقمة، قال: قدمت الشام فصليت ركعتين، ثم قلت: اللَّهم يسر لي جليسًا صالحًا، فأتيتُ قومًا فجلست إليهم، فإذا شيخ جاء حتى جلس إلى جنبي، قلت: من هذا؟ قالوا: أبو الدرداء، فقلت: إني دعوت الله أن ييسر لي جليسًا صالحًا فيسرك لي، قال: ممن أنت؟ قلت: من أهل الكوفة، قال: أو ليس عندكم ابن أم عبد صاحب النعلبين والوساد والمطهرة، أفيكم الذي أجاره الله من الشيطان يعني على لسان نبيه - ﷺ -؟ أو ليس فيكم صاحب سر النبي - ﷺ - الذي لا يعلم أحد غيره؟ واستدركه الحاكم ٣/ ٣٢٦ على البخاري فأخطأ. وأخرجه أحمد ٦/ ٤٤٩ و٤٥١ وفي آخر الرواية الأولى: صاحب الوساد: ابن مسعود، وصاحب السر: حذيفة، والذي أجير =
[ ١ / ٣٢٤ ]
مُؤَمِّرًَا أحَدًَا مِنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ لأمَّرْتُ ابنَ أمِّ عَبْدٍ" (١)
وقال -﵇-: " رضِيتُ لأُمَّتِي مَا رَضِيَ لَهَا ابنُ أمِّ عَبْدٍ " (٢) وجاء عنه -﵇- أنه قال: " اهْتَدُوا بهَدْي عَمَّار، وتَمَسكوا بعَهْدِ ابنِ أُمِّ عَبْدٍ " (٣).
_________________
(١) = من الشيطان: عمار، وفي الرواية الثانية: أليس فيكم صاحب الوساد والسواك يعني عبد الله ابن مسعود، أليس فيكم الذي أجاره الله على لسان نبيه من الشيطان يعني عمار بن ياسر، أليس فيكم الذي يعلم السر ولا يعلمه غيره يعي حذيفة .. وهو في تاريخ الفسوي ٢/ ٥٣٤، ٥٣٥ بنحو الرواية الثانية. وأخرج الترمذي (٣٨١١) من طريق معاذ بن هشام عن أبيه، عن قتادة، عن خيثمة بن أبي سبرة قال: أتيت المدينة، فسألت الله أن ييسر لي جليسًا صالحًا فيسر لي أبا هريرة، فجلست إليه، فقلت له: إني سألت الله أن ييسر لي جليسًا صالحًا فوفقت لي، فقال لي: ممن أنت؟ قلت: من أهل الكوفة، جئت ألتمس الخير وأطلبه، قال: أليس فيكم سعد ابن مالك مجاب الدعوة، وابن مسعود صاحب طهور رسول الله - ﷺ - وبغلته، وحذيفة صاحب سر رسول الله - ﷺ -، وعمار الذي أجاره الله من الشيطان على لسان نبيه، وسلمان صاحب الكتابين؟ قال قتادة: والكتابان: الإنجيل والفرقان. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب.
(٢) أخرجه أحمد ١/ ٧٦ و٩٥ و١٠٧ و١٠٨، والترمذي (٣٨٠٨) و(٣٨٠٩) والخطيب في " تاريخ بغداد " ١/ ١٤٨ وابن ماجة (١٣٧) والفسوي في تاريخه ٢/ ٥٣٤، وابن سعد في " الطبقات " ٣/ ١٥٤ من طرق عن أبي إسحاق السبيعي، عن الحارث الأعور، عن علي والحارث ضعيف، لكن تابعه عاصم بن ضمرة وهو حسن الحديث عند الحاكم ٣/ ٣١٨ فيتقوى ويعتضد.
(٣) أخرجه الحاكم ٣/ ٣١٩ من حديث عبد الله، وصححه، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا، وله شاهد من حديث أبي الدرداء بلفظ: " رضيت بما رضي الله تعالى لي ولأمتي وابن أم عبد " أخرجه الطبراني كما في " المجمع " ٩/ ٢٩٠، قال الهيثمي: ورجاله ثقات إلا أن عبيد الله بن عثمان بن خيثم لم يسمع من أبي الدرداء.
(٤) حديث صحيح رواه الترمذي (٣٨٠٥) والحاكم ٣/ ٧٥ من طريق إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل، حدثني أبي، عن أبيه، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الزعراء عمرو بن عمرو، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ -: " اقتدوا باللذين من بعدي من أصحابي أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمار، وتمسكوا بعهد ابن مسعود " وهذا إسناد ضعيف، إبراهيم وأبوه وجده ضعفاء، وصححه الحاكم ورده عليه الذهبي. =
[ ١ / ٣٢٥ ]
فإذا كان مثلُ هذا الصاحِب الجليل يُقسِمُ بالله الَّذي لا إلهَ إلا هو لَوْ يَعْلَمُ الناسُ ذنوبَهُ، لَحَثَوْا على رأسه الترابَ، فكيف بمن هو دونَه من سائر المؤمنين؟!.
والكلامُ في هذه الجملةِ يحتملُ التطويلَ، لتعلُّقه بالمصالح المرسلةِ وما يجوزُ منها، وما لا يجوز، وبالأقوالِ والحُجج في ذلك، وما يَرِدُ عليها، وما يُجَابُ به. وهذا بابٌ واسع، وبحر عميق، وليس القصدُ الاستيفاءَ، وإنما القصدُ التنبيهُ على مثارات الأنظار، وللناظر نظرة في مثل هذا. فهذه من المسائل الظنية، والأمرُ فيها قريبٌ إن شاء الله تعالى.
فهذه مُقَوِّمَاتٌ لاعتمادنا في رواية الحديث على مرسل الثقة، وإنما يعتمد عليها في إسناد الحديث وتسميته مسندًا وترجيحِهِ على المرسل، لأن رجال المسند من أهل العلم الَّذِين دلَّت هذه الوجوهُ على قبولهم. فأما قبولُه ومعرفةُ صحته، فاعتمادُنَا فيه على قبول المرسل على الشروط التي قدمناها، كما ذلك مذهبُ الجماهير من الأئمة -﵈-، وإن قدَّرنا عدمَ صحةِ الطريق المسندة.
_________________
(١) = ورواه الطحاوي في " مشكل الآثار " ٢/ ٨٣، وأحمد ٥/ ٣٨٥ و٤٠٢ والحميدى في " مسنده " (٤٤٩) والخطيب في " تاريخه " ١٢/ ٢٠، والحاكم ٣/ ٧٥ من طرق عن عبد الملك بن عمير، عن مولى لربعي بن حراش، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة ورجاله ثقات غير مولى ربعي -وسمي في بعض الروايات هلالًا- فإنه لم يوثقه غير ابن حبان، وقد تابعه عمرو بن هرم، عن ربعي بن حراش به عند أحمد ٥/ ٣٩٩ والترمذي (٣٦٦٣) وابن حبان (٢١٩٣) والطحاوى ٢/ ٨٥، وسنده حسن في الشواهد. ورواه ابن عدي في " الكامل " ٢/ ٦٦٦ من طريق حماد بن دليل، عن عمر بن نافع، عن عمرو بن هرم، قال دخلت أنا وجابر بن زيد على أنس بن مالك فقال: قال رسول الله - ﷺ - وهذا سند حسن.
[ ١ / ٣٢٦ ]
السادس: أن كلام السيد مما يجب عليه النظر في نقضه .. هو تشكيك في القواعد الإسلامية .. فإنه شكك في صحة الأخبار النبوية .. ثم إنه شكك في قبول النحويين واللغويين على صحة الرواية عنهم
الجواب السادس: أن كلام السَّيِّد -أيَّده الله- مما يجب عليه النظر في نقضه، لأنَّه ليس مما يختصُ بمحمدِ بنِ إبراهيم، بل هو تشكيكٌ في القواعد الإسلامية، وتشكيكٌ على أهل الملَّة المحمّدية، وذلك أًنَّهم أجمعوا على حُسْنِ الرجوعِ إلى الكِتاب والسُّنة في جميع الأحوال على الإطلاق، وأجمعوا على وجوبِ ذلك على جميع المكلفين في بعض الأحوال.
والسَّيِّد -أيَّده الله- بالغ في التشكيك على مَنْ أراد الرجوع إلى الكتاب والسُّنَّة، بحيث لو تصدَّى بعضُ الفلاسفة للتَّشكيكِ على المسلمين في الرجوع إلى كتاب ربِّهم الذي أُنزِل عليهم، والاعتمادِ على سُنَّة نبيهم الذي أُرْسِل إليهم، ما زاد على ما ذكر السَّيِّدُ، فإنه شكك في صحة الأخبار النبوية، وطعن في جميع طُرُقِها، وطرَّقَ الشك في إسلام رُواتها، وفي إسلام من استطاعَ أن يُشكِّكَ في إسلامه، حتى شَكَّكَ في إسلامِ الإمامين الكبيرين مالكٍ والشافعيِّ، فمنع من معرفة حديثِ الفقهاء، وأوجب معرفةَ رجال الأسانيد، ومعرفةَ عدالتهم وعدالة مَن عدَّلهم، وعدالة من عدَّل المعدل، وهذا غيرُ موجودٍ في حديث أهلِ البيت -﵈- لِقبولهم للمرسل، ولهذا لم يصنفوا في الجَرحِ والتعديلِ، ومعرفةِ الرجال، واختصرُوا ذِكْرَ الأسانيد، فإن ذُكِرَتْ في بعض كتبهم البسيطة التي لا تُوجد في هذه الأرض، فذكرها لا ينفع، بل ذكُرها يَضرُّ، وذلك لأن المُرْسَلَ مقبولٌ عند كثير من أهل العلم.
وأما المسند فإنْ كان رجالُه معروفينَ بالعدالة، فمقبول بالإجماع، وإن كانوا غير معروفين، فمردودٌ عند من يقبل المرسلَ وعند من يشترط العدالةَ، والأسانيدُ الموجودة في كتب أهل المذهب مِن هذا القيد
[ ١ / ٣٢٧ ]
بالضرورة، لأنه لا يُعرف أحوالُ رجالها إلا بالرجوع إلى كتب الفقهاء في معرفة الرجال.
وأيضًا كثيرٌ من أهل البيت يقبل فُسَّاق التأويل، وقال المنصور بالله: هو الظاهِرُ مِنْ مذهبِ أصحابنا. وكثيرٌ منهم ادَّعى أن قَبولهم إجماع، ومن لا يقبلُهم، فإنه يَقْبَلُ مُرْسَلَ العدل الذي يقبلهم والذي لا يؤمن أنه يقبلهم، لأنهم نَصُّوا على قبول مرسل الثقة، ولم يشترطوا أن يكون الثقة ممن لا يقبلهم، فتطرَّف احتمالُ فسق التأويل إلى مُرْسَلِ أهلِ البيت - ﵈- من يقبل المتأول ومن لا يقبل، وقد منع السَّيِّد مِن قبول كُلِّ حديث احتمل أن في رواتِه فاسِقَ تأويلٍ بمجرد الاحتمال، وقال: لا بُد من تبرِئةٍ صحيحة.
وسيأتي تحقيقُ هذه النكتة في الإشكال الرابع؛ آخر الفصل الثاني من الكلام في المتأولين.
فثبت بهذا أن السَّيِّد -أيَّده الله- سدَّ طريقَ معرفة السنَّة النبوية المروية مِن طريق العِترة، والمروية من طريق أهلِ الحديث، لأنَّه منع مِن قبول المرسل الذي مدارُ حديثٍ العِترة عليه، ومنع من معرفة عدالة أهل الأسانيدِ الَّتي مدارُ معرفة أهل الحديث عليها، ثم إنه شكَّك في معرفة معنى الحديث على تسليم صحته. وذكرَ صعوبةَ معرفةِ الناسخِ والمنسوخ، والخاصِّ والعامِّ، وغيرِ ذلك مما يأتي لفظُه ونَقْضُه، إن شاء الله تعالى.
ثم إِنه سلك ذلك المسلكَ في معرفة تفسير القُرآن بما فيه من الناسخ والمنسوخ، والعام والخاص، ووقوفِ العمل بالعام، والظاهر على معرفة
[ ١ / ٣٢٨ ]
ما في السنة مما يُوجب تأويلَ الظاهر، وتخصيصَ العام مع تشكيكِهِ في معرفة السنة، فأشكل حينئذٍ معرفةُ معنى القرآن، ثم شكك في معرفة اللُّغة والعربية اللَّتيْنِ هما عمودُ تفسيرِ الكتاب والسنة، ثم منع صحتهما عن اللغويين والنحويّين، وصرَّح بأن اتِّصال الرواية الصحيحة بهم متعذِّرٌ.
هكذا أطلق القول بهذا، وجزم به، وقطعه عن الشك والتردد، ولم يُبال بما يلزم منه مِن سدِّ باب رجوعِ المسلمين إلى كتاب ربِّهم -﷾- الذي أنزله عليهم نورًا وهدىً وعِصْمَةً للمتمسك به أبدًا، والقرآن الكريمُ هو عِصمةُ الأمة عند مَوْر بِحَارِ الضَّلالات إلى يوم القيامة، وليس عصمةً للقرن الأول من هذه الأمة، ولا لِلقَرن الثاني والثالث، بل هو حُجَّةُ الله العُظْمى على جميع عباده إلى يومِ يلْقَوْنَهُ.
ثم إن السَّيِّد شَكَّكَ في قبول النحويِّين واللغويِّين على تسليمِ صحة الرواية عنهم، وثبوتِ اتِّصالها بهم، فقال: إن قَبولَها منهم على سبيلِ التقليدِ لهم. ومنع من التفسير بهذا الوجه، وهذا ما لم يَقُلْ به أحد. وليت شعري!! كيف الاجتهادُ في ثبوت لغة العرب؟ وهل ثَمَّة طريقٌ إليها إلا بقولِ الثقات، مثل ما أنه لا معنى للاجتهاد في ثبوت الأحاديث النبوية إلا قبول الثقات، ومتى كان قبول الثقات تقليدًا عند السَّيِّد، فهل يُوجب على المجتهدين أن يُحيوا الموتى مِن العرب، ثم يسألوهم عن العربية فيأخذوها عنهم مشافهةً مِن غير تقليد؟! أو كيف السبيلُ عنده إلى معرفة اللغة العربية بعد منعه من قبول الرواة، وتعليله لذلك بكونه تقليدًا لهم لا بكونهم مجروحين ولا مجهولين؟! فأما المتواتراتُ الضرورياتُ، فلا تكفي المجتهد، ولا تُسمَّى معرفتُها فقهًا ولا اجتهادًا. وقد أجمع العلماءُ مِن جميع طوائف الإسلام قديمًا وحديثًا على قبول الثقات فيما لا يدخله النظر
[ ١ / ٣٢٩ ]
السابع: قال تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى﴾ وقال: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾
والاجتهاد إلا مَنْ شَذٍّ مِن متكلمة البغدادية، وانطبق إجماع السَّلَفِ الصالح على ذلك قَبل حدوث هؤلاء المخالفين، وأصفق فضلاءُ الأمة، ونجوم الأئمة بعدَهم على ذلك، ودانوا به قَرْنًا بعدَ قرنٍ ما أنْكرَ ذلك أحَدٌ، ولا شَكٍّ فيه مسلم.
وقد أورد ابن الخطيب الرازي (١) في " محصوله " (٢) هذه الشُّبهة بأطول من كلام السَّيِّد وأوسعَ، وهي إحدى دواهي كتابه، ولكنَّه هذَّبها على أسلوبٍ دقيقٍ يصعب على كثير من الناظِرين فيه كيفية الانفصالِ منه، لكنَّه أجاب عنها، ولم يسْكُتْ عليها كما فعل السَّيِّد -أيده الله-، والسيد منزَّه عن قصد التشكيك في الإسلام، ولكنه لما وَلِعَ بالتعنُّتِ في رسالته، لَزِمَه ذلك من غيرِ قصد، والتعنتُ والغُلُوُّ في الأمور يجر الإنسان إلى ما لم يقصد، ويجرُّ إليه ما يكره، ولهذا جاءت السنة بالاعتدال في جميع الأمور.
الجواب السَّابعُ: قال الله تعالى في حقِّ رسول الله - ﷺ -: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤] وقال اللهُ تعالى فيما أوحاه إلى رسول الله - ﷺ - ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].
وهذا يقتضي أن شريعة رسول الله - ﷺ - لا تزالُ محفوظةً، وسُنَّتُه لا تبرح محروسةٌ، فكيف يكثر السَّيِّد -أيَّده الله- في تشويش قلوبِ الراغبين
_________________
(١) هو الإمام الأصولي النظار المفسر فخر الدين محمد بن عمر بن الحسين الرازي المتوفى سنة ٦٠٦ هـ.
(٢) انطر الجزء الأول ق ١ ص ٢٧٥ - ٢٩٧ بتحقيق الدكتور طه جابر فياض العلواني.
[ ١ / ٣٣٠ ]
الثامن: وإن الصحابة عولوا على مجرد الخط العمل بما في الكتب التي كتب عليها العلماء الثقات خطوطهم بالصحة والسماع متى عرفنا أنها خطوطهم، وهي إحدى طرق الرواية وهي المسماة بالوجادة
في حفظها، ويوعِّرُ الطريق إلى معرفة معناها ولفظها.
الجواب الثامنُ: أنَّ كتب الحديث وغيرَها مِن كُتُبِ الإسلام موجودةٌ بحمد الله في خزائن الأئمة والعلماء -﵃-، فلو قَدَّرْنا موتَ أهلِ العلم والعدالة، لجاز لنا أن نعمل بما في الكتب التي كتبت العلماءُ الثقاتُ عليها خُطُوطَهم بالصِّحة والسَّماع متى عرفنا أنها خطوطُهم، أو غلب صحةُ ذلك على ظنوننا بِالقرائن، أو أخبرنا بذلك من نثق به، وهذه إحدى طرائقِ (١) الرِّواية وهي المسمَّاة بالوِجَادَة (٢)، وقد ذكرها الأصوليُّون والمحدِّثون.
وقال الإمام المنصورُ بالله -﵇- في " صفوة الاختيار ":
فإن غلب على ظنِّه سماعُه، وعرف خطَّ شيخِه، أو خطَّ نفسه فيما يغلِبُ على ظنه أنها لا تقع إلا فيما سَمِعَه، فقد اختلفوا في ذلك، فحكى شيخُنا -﵀- عن أبي حنيفة: أنه لا يجوز له أن يرويه إلى قوله: وحكى عن أبي يوسفَ ومحمدٍ والشافعيِّ جوازَ روايته، ووجوبَ قبولِ خبره، والعمل به، وهذا غيرُ بعيد على أصلنا، بل هو الذي نختارُه، لأن أكثرّ الأخبار والشرائع منتهاها على غالب الظنِّ، والدليلُ على
_________________
(١) في أ: طرق.
(٢) الوِجادة ليست من باب الرواية، وإنما هي حكاية عما وجده، والقول بوجوب العمل بها هو الذي لا يتجه غيره في الأعصار المتأخرة، فإنه لو توقف العمل فيها على الرواية لانسد باب العمل بالمنقول لتعذر شرط الرواية فيها، فإذا اطمأن طالب العلم إلى صحة نسبة الكتاب إلى مؤلفه وكان ثقة مأمونًا وجب أن يعمل بما فيه من الأحاديث بعد التأكد من صحة أسانيدها، وسلامتها من الشذوذ والعلة. انظر " مقدمة ابن الصلاح " ص ٢٠٠ - ٢٠٢، " وتوضيح الأفكار "٢/ ٣٤٣ - ٣٥٢، وتدريب الراوي ٢/ ٦٠ - ٦٤، ومقدمة جامع الأصول ١/ ٨٧ - ٨٨، و" الباعث الحثيث " ص ١٢٧.
[ ١ / ٣٣١ ]
صحته أن الصحابة اتَّفقوا على العمل بما هذا حالُه، وأجمعوا على ذلك، وإجماعُهم حجَّةَ، ولهذا فإنهم رجعُوا إلى كتاب عمرو بن حزم الذي كتبه إليه النبي - ﷺ - (١)، وأخذوا كثيرًا من الشريعة منه، وعوَّلُوا على مجرَّدِ الخَطِّ لما غلب على ظنهم صحتُه، وأنه بإملاء النبي - ﷺ -.
وقال الإمام المنصورُ باللهِ -﵇- في " المجموع المنصوريِّ "، في الرسالة المعروفة " بالأجوبَة الرَّافِعة للإشكال الفاتحة للأقفال "، وقد أكثر من الاحتجاج بأشياء من سيرة الهادي -﵇- ما لفظُه: فإن قيل: من أين لهم صحةُ ذلك؟
قلنا: هو مذكورٌ في سيرته، والرواية من الكتب المشهورة عندنا جائز وإن تعذَّرَ توصيلُ سماعها. فإن قيل: وَمِنْ أين يجوزُ ذلك؟ قلنا: دليلُه كتابُ عمرو بن حزم، فإنّ المسلمين رجعوا إليه وفصَّلُوا به الأحكام وبَعَّضوا القضايا، وليس معهم منه إلا مجرَّدُ الخطِّ والنِّسْبَةِ، وأجمعوا على ذلك، فلذلك قلنا: تجوز رواية الكتب المشهورة التي هي مضافة إليه وإن لم تكن سماعًا مفصَّلًا، فَتَفهَّمْ ذلِك موفَّقًا. انتهي بحروفه.
وفيه ما ترى مِن التصريح بأن الصحابة عَوَّلُوا على مُجرَّدِ الخطِّ لما غَلَبَ على ظنهم صِحته.
وقد احتجَ -﵇- في كلاميه هذين بحجتين:
إحداهُما: أن كثيرًا من الأخبار والشرائع مبناها على الظَّنِّ. وسيأتي
_________________
(١) تقدم تخريجه ص ٢٩٣.
[ ١ / ٣٣٢ ]
ثانيهما: كتاب عمرو بن حزم، وهو كتاب مشهور تلقاه أهل العلم بالقبول
تقريرُ هذا الدليلِ في الجواب التاسِعِ -إن شاء اللهُ تعالى-.
وثانيهما: كتابُ عمرو بنِ حزم، وهو كتابٌ مشهورٌ مستفيض، وفيه كلامٌ كثير ذكره الحافظ ابنُ كثير (١)، البُصرويُّ، وقد اختصرتُه لِطوله، ولكنِّي أشيرُ إلى بعضه، فأقول: قال ابنُ كثير: قد رُوِيَ هذا الحديثُ مسندًا ومرسلًا، أمَّا المسند: فرواه جماعةٌ مِن الحفاظ، وأئمة الأثر، فرواه النسائي في " سننه "، والإمام أحمد في " مسنده " وأبو داود في كتاب " المراسيل " (٢)، وأبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدَّارميّ، وأبو يعلى المَوْصلي، ويعقوب بن سفيان في " مسانيدهم "، ورواه الحسنُ بنُ سفيان الفَسوي، وعثمان بنُ سعيد الدارميُّ، وعبدُ الله بن عبدِ العزيز البغوي، وأبو زرعة الدمشقيُّ، وأحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصُّوفي الكبير، وحامد بنُ محمد بن شُعيب البلخيُّ، والحافظ الطبرانيُّ، وأبو
_________________
(١) هو أبو الفداء عماد الدين إسماعيل بن الشيخ أبي حفص شهاب الدين عمر القرشي البصروي الأصل الدمشقي النشأة والتربية والتعليم صاحب التفسير العظيم الذي لم يؤلف على نمطه مثله والبصروي: نسبة إلى بُصرى: مدينة تقع جنوب شرق دمشق، تبعد عنها ٧٠ ميلًا تقريبًا وقد ولد ﵀ في قرية مجدل من أعمال بصرى سنة ٧٠١، ثم انتقل إلى دمشق سنة ٧٠٦، في الخامسة من عمره، وتفقه بابن الفركاح ت ٧٢٩، وسمع من عيسى بن المطعم، ومن أحمد بن أبي طالب الحجار ٧٣٠، ومن القاسم بن عساكر ت ٧٢٣، وإسحاق بن يحيى الآمدي ت ٧٢٥، ولازم الحافظ أبا الحجاج المزي ت ٧٤٢ صاحب " تهذيب الكمال " و" تحفة الأشراف " وبه انتفع وتخرج وتزوج بابته، وقرأ على شيخ الإسلام ابن تيمية ت ٧٢٨ كثيرًا ولازمه وأحبه، وانتفع بعلومه، وعلى مؤرخ الإسلام الحافظ الذهبي ت ٧٤٨، وأجاز له غير واحد من أهل مصر. برع في الفقه والتفسير والحديث والعربية، وجمع وصنف، ودَرَّس وحدَّث وألف، وكان كثير الاستحضار، قليل النسيان، جيد الفهم، حسن المفاكهة، سارت تصانيفه في حياته، وانتفع الناس بها بعد وفاته. توفي سنة ٧٧٤ هـ.
(٢) هو فيه، ورقة ١٧/أمرسل، وليس بمسند.
[ ١ / ٣٣٣ ]
حاتم بنُ حِبان البُستي في " صحيحه " من طريق سليمانَ بنِ داود (١) الخَولانيُّ مِن أهل دمشق، وقال: هو ثقة مأمون.
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أثنى عليه أبو زرعة وأبو حاتِم الرَّازِيَّان، وعثمانُ بنُ سعيد الدَّارميّ وجماعة من الحفاظ، ورأوا هذا الحديثَ موصولَ الإسناد حسنًا.
وأمَّا المرسلُ، فقال ابنُ كثيرِ: وقد رُوِي مرسلًا من وجوه أُخر، كما رواه يونسُ بنُ يزيد، رواه عنه النسائي وأبو داود. وكذا رواه سعيد بن عبد العزيز رواه عنه النسائي. ورواه الشافعيُّ عن مالك، عن عبدِ الله بنِ أبي بكر بنِ محمد بنِ عمرو بنِ حزم عن أبيه مرسلًا، وكذا رواه الشافعي أيضًا، عن مسلم بن خالد، عن ابن جُريج، عن عبد الله بن أبي بكر مرسلًا.
قال ابن جريج: فقلت لعبد الله بن أبي بكر: أفي شك أنت أنه كتابُ النبي - ﷺ -؟ قال: لا. ورواه عثمانُ بنُ سعيد الدَّارِميُّ، فقال: حدثنا نُعيمُ بنُ حماد، عن ابن المبارك، عن مَعْمَرٍ، عن عبدِ الله بن أبي بكر بن عمرو بنِ حزم، عن أبيه، عن جدِّه، فذكره بطوله، وقد أشار إلى نحوِ هذا الطريق أبو أحمد بنُ عديّ.
قلت: وذكر ابنُ كثير اختلافًا في صِحة الطريق الأوَّلِ من طُرق هذا الحديثِ وطوَّل الكلامَ في ذلك، ثم قال:
وعلى كل تقدير، فهذا الكتابُ متداولٌ بَيْن أئمة الإسلام قديمًا
_________________
(١) تقدم في الصفحة ٢٩٣ في التعليق أن الحكم بن موسى غلط على يحيى بن حمزة في قوله: سليمان بن داود، وأن الصواب قول محمد بن بكار: سليمان بن أرقم كما رواه النسائي، وهو في أصل يحيى كذلك، وسليمان بن أرقم متروك الحديث، فسند الموصول ضعيف لا يصح.
[ ١ / ٣٣٤ ]
وحديثًا، يعتمدُون عليه، ويفزعون في مُهِمَّات هذا الباب إليه، كما قال الحافظ يعقوبُ بنُ سفيان (١): ولا أعلم في جميعِ الكُتُبِ كتابًا أصحَّ مِن كتابِ عمرو بنِ حزمٍ، كان أصحاب رسولِ الله - ﷺ - والتَّابعونَ يرجعُون إليه وَيَدَعونَ آراءهم.
وقال سعيدُ بنُ المسيِّب: قضى عُمَرُ بنُ الخطَّاب في الإبهام بخمس عشرة، وفي التي تليها بعشرٍ، وفي الوَسَطٍ بعشرة، وفي التي تلي الخِنصر بتسع، وفي الخِنصر بستٍّ، فلما وُجِدَ كتابُ عمرو بن حزم وفيه: أن رسولَ الله - ﷺ - قال: " وفي كُلِّ أصْبُعٍ مما هنالك عَشْرٌ من الإبل " صاروا إليه. رواه الشافعيُّ والنسائيُّ (٢)، وهو صحيح إلى سعيد بن المسيِّب. فهذه هي الطريقُ الثانية المرسلة.
واعلم: أنَّ المنصورَ بالله -﵇- قد احتجَّ بهذا الحديثٍ، وأشار في الاحتجاج به إلى الاعتماد على الإجماع على العمل به، وذلك واضح في كلامه، وقد طابقه على ذلك الحافظُ يعقوبُ بنُ سفيان، ونسب العملَ بِهِ إلى الصحابة والتابعين، وكذلك الحافظ ابنُ كثير البُصْرويِّ، فإنه ذكر ما هو في معنى دعوى الإجماع، كما تقدم. وقد خالف جماعةٌ من الحُفَّاظِ في بعض طُرُقِ هذا الحديثِ، وذلك لا يضُرُّ بعدَ ثبوتِ الإجماع على العمل به، ولعلَّهم لم يَعْرِفُوا هذا الإجماعَ، ومن عرف حجةٌ على من لم يعرف، إلا أن يكون خِلافُهم مخصوصًا بتلك الطريق مع الاعتراف بصحة الحديث من غيرها، فلا إشكالَ حينئذٍ. فهذا الكلام انسحب مِن
_________________
(١) في كتابه " المعرفة والتاريخ " ٢/ ٢١٦.
(٢) مسند الشافعي ٢/ ٢٧١، والنسائي ٨/ ٥٦.
[ ١ / ٣٣٥ ]
أقوال العلماء في الرجوع إلى الخط
كلام المنصورِ باللهِ -﵇- لبيانِ صِحَّةِ الحديثِ الذي احتج به -﵇-.
ثم لِنَعُدْ إلى حكاية أقوالِ الأئمة والعُلماء في الرجوع إلى الخطِّ، فمن ذلك كلامُ الإمام يحيى بن حمزة -﵇-، فإنه ذكر في كتاب " المعيار " طُرُقَ الرِّواية إلى أن قال: ورابعُها أن لا يكون متذكرًا لسماعه ولا لقراءته لما في الكتاب، لكنه يَظُنُّ ذلك، لما يرى مِن خَطِّه أو قرينة غير ذلك، فهذا مما قد وقع فيه خلافٌ بَيْن العلماءِ، فذهب بعضُ أئمة الزيدية أن ذلك لا يجوز، وهو رأي الحنفية، وذهب الشافعيُّ إلى جوازه، وهو رأي أبي يوسف، ومحمد، واختاره ابنُ الخطيب الرازيُّ. والمختارُ عندنا: هو جوازُ العمل على ذلك، دون الرِّواية، لأن العمل إنَّما مستنده غلبةُ الظَّنِّ، وهذا حاصل ها هنا، فأمَّا الرِّواية، فلا بد فيها من أمر وراء ذلك، وهو القطع بمستندٍ يجوز معه الرِّواية. انتهى.
فانظر إلى تصريحه -﵇- بأن العمل إنما مستندُه الظنُّ، وإتيانه بـ " إنما " المفيدة للحصر على سبيل المبالغة، لما كان هذا هو الغالبَ، وإلا فالعلم مستند للعمل صحيح، ولكن على سبيلِ الاتفاق، لا على سبيلِ الوجوب المتحتم، فلا يُشترط لذلك إلا الظَّنُّ، وانظر إلى قوله -﵇- لما يرى من خطِّه أو قرينة غير ذلك، فأجاز العمل بأي قرينةٍ حصل معه الظَّنُّ، فانظر إلى تعليله بجواز العمل، وعدم جواز الرِّواية، فإنه واضح في بيان مقصده أنه يجوز العمل بالظَّنِّ الذي لا تَحِلُّ معه الرواية.
وقال الإمامُ المهدي محمدُ بن المطهر -﵇- في كتابه
[ ١ / ٣٣٦ ]
أحد الطرق عند بعضهم: يجوز أن يروي عن الخط من غير قراءة
ثانيها: أنه إذا علم في الجملة أن ما في كتابه سمعه ولا يذكر متي سمع ولا كيف .. فإنه يجوز له أن يروي ويقبل عنه
" عقود العِقيان " في تفسير قوله -﵇- في القصيدة:
رَوَيْنَا سَمَاعًا عَنْ عَلِيمٍ مُحقِّقٍ أبي القَاسِمِ الحَبْرِ المُفَسِّرِ بالفضل
قال -﵇- ما لفظه: إن قيل: وهل يجوز أن يروى عن الخطِّ مِن غير قراءةٍ؟. قلتُ: هو أحدُ الطُّرُقِ عند بعضهم، وهو الذي اختاره حي سيِّدي ووالدي أميرُ المؤمنين -قدَّس الله رُوحَه ونوَّر ضريحَه- والوجه في ذلك أن كتابَ عمرو بنِ حزم روى عنه الجماعةُ مِن أرباب المواهب، وليس إلا أنه أخرجه من غيرِ سندٍ. فإذا صحَّ أن الكتابَ مسموع، وعليه خطوطُ الشيوخ، صحَّ للراوي أن يرويَ عنه، كان طريقًا للسَّماع، وقد أشار إلى ذلك الإمامُ المتوكلُ على الله أحمد بنُ سليمان -سلامُ الله عليه ورضوانُه- ونحوه عن الإمام المنصور بالله -﵇- ذكرها في " الصفوة " وغيرها. انتهي كلامُه -﵇- منقولًا من خطِّ يده المباركة.
فهؤلاء خمسة من نجوم أئمة العِترة -﵈- أحمد بن سليمان، والإمامُ المنصور بالله -﵇-، والإمامُ يحيى بنُ حمزة، والإمام المطهر بن يحيى، والإمام محمد بن المطهر -﵈- أجازوا ما ذكرناه.
وقال الحاكم (١) في " شرح العيون ": إذا وجد في كتابه بخطِّه، وعلم أنه سمعه على الجملة، ولا يعلم أنه سمعه مفصَّلًا معينًا، فإنه يجوز له أن يَرْوِيَه، وهو قولُ أبي يوسفَ، ومحمدٍ، والشافعي، وأكثر العلماء.
وثانيها: أنه إذا علم في الجملة أن ما في كتابه سَمِعَهُ، ولا يذكُرُ متى
_________________
(١) هو الحاكم الجشمي، وقد تقدمت ترجمته ص ٢٩٦.
[ ١ / ٣٣٧ ]
ثالثها: إذا رأى في كتابه بخطه وظن أنه سمعه، غير أنه لا يتيقن
سَمعَ، ولا كيف سَمِعَ، فإنه يجوزُ له أن يرويَ ويقبل عنه. قال القاضي: ويجب أن لا يقعَ فيه خلافٌ بينَ العلماء.
وثالثها: إذا رأى في كتابه بخطه، وظن أنه سمعه، غير أنه لا يتيقن، غير أنه يظن أنه لم يثبته بخطِّه إلا وقد سمعه مع تجويز خلافه، فعند أبي حنيفة لا يجوز أن يروي وهو اختيار القاضي وأكثر المتكلمين، وعند جماعة من أصحاب الحديث يجوز أن يروي إلى قوله في الاحتجاج على العمل على الكتابة، لأنَّ الصحابة والتَّابعين كانوا يَرْوُون مِن الكتب مِن غيرِ نكير، مع علمنا أنهم كانوا لا يتذكَّرون تفصيلَ ما فيه، ولأن الصحابة كان بعضهم يعْمَلُ على كتاب بعض. ألا ترى أن عُمَرَ كان يكتُبُ إلى عُمالِه وقُضاتِه، فيعملون بذلك (١). وكذلك كتب النبي - ﷺ -.
وقال الشيخ أبو الحسين في كتاب " المعتمد " (٢): وقد ذكرنا ما يفعل إذا علم سماعَه، وإذا لم يعلم ولا يظنُّ، ثم قال: ومنها أن لا يذكُرَ سماعَه لما في الكتاب، ولا قراءتَه له، ولكنه يَغْلِبُ على ظنه سماعُه له، أو قراءتُه، لما يراه من خطِّه، فهذا هو الذي ينبغي أن يكونَ الناسُ اختلفوا فيه، فعند أبي حنيفة أنه لا يجوز له أن يرويه، ولا أن يَعْمَل به، وعند أبي يوسف ومحمد والشافعيِّ يجوز له الروايةُ، ويجب العملُ عليها، لأن الصحابة كانت تعمل على كتب النبي - ﷺ - نحو عملها على كتابه إلى عمرو
_________________
(١) من ذلك كتابه إلى أبي موسى الأشعري، وهو كتاب جليل حافل تلقاه العلماء بالقبول، وبنوا عليه أصول الحكم والشهادة، والحاكم والمفتي أحوج ما يكونان إليه، وإلى تأمله، والتفقه فيه، وقد شرحه العلامة ابن قيم الجوزية شرحًا موسعًا استوعب ٤٨٠ صفحة من كتابه القيم " أعلام الموقعين عن رب العالمين ".
(٢) ٢/ ٦٢٧ و٦٢٨.
[ ١ / ٣٣٨ ]
إذا ظن أنه خطه أو خط أستاذه تقبل روايته واحتج بوجهين:
الأول: كان - ﷺ - يكتب إلى الآفاق
الثاني: أن الصحابة أجمعت على ذلك
ابن حزم من غير أن يَرْوِيه لها راوٍ، بل عَمِلُوا لأجل الخطِّ، وأنه منسوبٌ إلى رسول الله - ﷺ -.
وقال عبدُ الله بنُ زيد في كتاب " الدرر المنظومة ": لا خلاف أنه متى عَرَفَ خطَّه أو خطَّ أستاذه، وعلم أنه لا يكتُبُ إلا ما سَمعه، قُبلَتْ روايتُه، وإنما اختلفوا إذا ظَنَّ أنه خطُّه أو خطُّ أُستاذه، فمذهبُنا أنها تُقبل روايتُه، وهو مذهبُ طائفة من العلماء، واحتج بوجهين:
الأول: أن من بحث عن الأخبار، علم أنه -﵌- كان يكتُبُ إلى الآفاق، ويعمل على ما يأتيه مِن الكتب بالإسلامِ وغيره.
الثاني: أن الصحابة أجمعت على ذلك، فإن من عرف الأخبار، عَلِمَ ذلك عنهم، ولهذا عَمِلُوا على كتاب عمرو بن حزم مع ما فيه من الأحكام الكثِيرَة من النُّصُب والدِّياتِ وغيرِ ذلك.
وقال الرازي في " المحصول ": (١) ورابعها: أن لا يتذكَّر سماعَه، ولا قراءَته لما فيه، لكن يَظُنُّ ذلك لما يرى مِن خطه، ثم حكى الخلاف كما تقدَّم. ثم قال: لنا الإجماع والمعقول، أمَّا الإجماع، فهو أن الصحابة كانت تعمل على كُتُبِ رسولِ الله - ﷺ - نحو كتابه لِعمرو بنِ حَزْمٍ مِن غير أن يقال: إن راويًا رويَ ذلك الكتابَ لهم، وإنَّما عملوا لأجل الخطِّ، وأنه منسوبٌ إلى الرسول، فجاز مثله في سائر الرواة، وأما المعقولُ، فلأن الظنَّ هنا حاصل، والعمل بالظن واجب انتهى.
قلتُ: أكثرُ ما احتجَّ به من تقدَّم ذكرُه حديثَ عمرو بن حزم ويمكن
_________________
(١) الجزء الثاني القسم الأول ٥٩٦ - ٥٩٧.
[ ١ / ٣٣٩ ]
الاحتجاجُ ها هنا بغيره، من ذلك الحجةُ العقلية في العمل بالظنِّ، وتقريرها معروف وهي قويِّة جدًا.
ومنها حديثُ ابن عمر مرفوعًا: " ما حَقُّ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ لَه شَيءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْن إلا وَوَصِيَّتُه مَكتُوبَةٌ عِنْدَهُ " متفق على صحته (١).
قال ابن تيميَّة عبد السلام (٢): رواه الجماعة، واحتج به منْ يَعْمَلُ بالخَطِّ إذا عُرِفَ.
قلتُ: العلة في المعرفة ظن الصحة، فالتعليلُ به أولى من المعرفة.
ومنها عن ابن عباسٍ لما نزلت ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧] قال: كان قومٌ بمكة قد أسلموا، وكانوا مستخفين بالإسلام، فلما خرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - إلى بدر وخرج المشركون، أخرجوهم معهم مكرهين، فأصيب بعضُهم يومَ بدرٍ مع المشركين، فقال المسلمون: أصحابنا هؤلاء كانوا مسلمين، أخرجوهم مكرهين، فاستغفِروا لهم، فنزلت، كتبوها إلى منْ بَقِيَ منهم بمكة، فخرجوا حتَّى إذا كانوا ببعض الطَّرِيقِ ظهر عليهم المشركون وعلى خروجهم، فلحقوهم، فردُّوهم، فرجعوا معهم فنزلت ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠]. فكتب المسلمون إليهم بذلك فنزلت: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٧٣٨) ومسلم (١٦٢٧) ومالك ٢/ ١٣، والترمذي (٩٨١) والنسائي ٦/ ٢٣٨ - ٢٣٩، وابن ماجة (٢٦٩٩)، وأبو داود (٢٨٦٢)، والطبراني في " الكبير" (١٣١٨٩) والبغوي في شرح السنة (١٤٥٧).
(٢) هو الإمام أبو البركات شيخ الحنابلة مجد الدين عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الحراني المعروف بابن تيمية جد شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم المتوفى سنة ٦٢١ هـ. وكلامه هذا في " المنتقى " ٦/ ١٤٢ مع شرحه نيل الأوطار في أوله كتاب الوصايا.
[ ١ / ٣٤٠ ]
الوجادة وحكمها
رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيم﴾ [النحل: ١١٠] فكتبوا إليهم بذلك. رواه البزَّار برجال الصحيح غير محمد بن شريك وهو ثقة. وروى البخاري بعضَه، قاله الهيثمي (١).
وفيه عملُهم الجميع بالخطِّ بالفطرة، كما عَمِلُوا بخبر الثقة بالفطرة، وظهور ذلك من غير نكير يقتضي إجماعهم، وهو حجة شرعية.
وقال الشيخُ الحافظُ ابنُ الصلاح في كتابه " علوم الحديث " (٢) -ما لفظه-: القسم الثامِنُ: الوِجَادة، وهو مصدر أوجد يجِدُ مُوَلَّدٌ غيرُ مسموعٍ من العَرب. وروينا عن المعافى بن زكريا النَّهرواني العلاَّمة في العلوم: أن المولَّدِين فرَّعُوا قولَهم وِجَادَة فيما أُخِذَ من العلم مِن صحيفة، من غير سماع ولا إجازة ولا مناولة من تفريق العرب بين مصادرِ وجَد للتمييز بين المعاني المختلفة، يعني قولَهم: وجَدَ ضالَّته وُجْدَانًا، ومطلوبه وُجودًا، وفي الغضب مَوْجِدَةً، وفي الغنى وُجْدًا، وفي الحبِّ وَجْدًا.
_________________
(١) في " مجمع الزوائد " ٧/ ٩ - ١٠، وأخرجه ابن جرير (١٠٢٦٠) من طريق أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا محمد بن شريك، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، وهذا إسناد صحيح، أبو أحمد الزبيري: هو محمد بن عبد الله بن الزبير وذكره السيوطي في " الدر المنثور " ٢/ ٢٠٥، وزاد نسبته لابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه. ورواية البخاري المختصرة هي في صحيحه (٤٥٩٦) من طريق حيوة بن شريح وغيره، قالا: حدثنا محمد بن عبد الرحمن أبو الأسود الأسدي، قال: قُطِعَ على أهل المدينة بعث، فاكتُتِبْت فيه، فلقيت عكرمة مولى ابن عباس، فأخبرته، فنهاني عن ذلك أشد النهي، ثم قال: أخبرني ابن عباس أن ناسًا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على رسول الله ﷺ يأتي السهم يُرمى به فيصيب أحَدَهم فيقتله، أو يضربُ فيقتل، فأنزل الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية.
(٢) ص ١٥٧ - ١٥٩.
[ ١ / ٣٤١ ]
مِثالُ الوِجادَة: أن تَقِف على كتاب شخص فيه أحاديثُ يرويها بخطِّه، ولم يلقه أوتقِيه، ولكن لم يسمع منه ذلك الذي وجده بخطِّه، ولا له منه إجازة ولا نحوها، فله أن يقول: وجدتُ بخطِّ فلان أو قرأتُ بخط فلان، أو في كتاب فلان بخطه أخبرنا فلانُ بنُ فلان، ويذكر شيخه، ويسوق سائر الإسناد والمتن. هذا الذي استمر عليه العملُ قديمًا وحديثًا، وهو مِن باب المنقطع والمرسلِ غير أنه أخذ شوبًا من الاتِّصال بقوله: وجدتُ بخط فلان.
وإذا وجد حديثًا في تأليفِ شخص، وليس بخطِّه، فله أن يقول: ذكر فلان، أو قال فلان، وهذا منقطع لم يأخذ شوبًا من الاتصال. وهذا كُلُّه إذا وَثِق بأنه خطُّ المذكور وكتابُه، فإن لم يكن كذلك، قال: بلغني عن فلان، أو وجدت عن فلان أو نحو ذلك من العبارات، ولْيُفْصِحْ في المستند فيه بأن يقول ما قاله بعضُ من تقدَّم: قرأتُ في كتاب فلان بخطه، وأخبرني فلان أنه بخطه، أو يقول: وجدت في كتاب ظننت أنه بخط فلان، أو في كتاب ذكر كاتبه أنه فلانُ بن فلان، وفي كتاب قيل: إنه بخطِّ فلانٍ، فإذا أراد أن يَنْقُلَ مِن كتابٍ منسوبٍ إلى مصنف، فلا يقل: قال فلان كذا وكذا، إلا إذا وَثِقَ بصحةِ النُّسخةِ بأن قابلها هو، أو ثقة غيره على أصول متعدِّدَةٍ، كما نبَّهنا عليه في آخِرِ النوع الأول.
قلت: قال النواوي في " شرح مسلم " (١) -وقد ذكر قول ابنِ الصَّلاح هذا-: بل يكفيه أن يُقابِلَ الكتابَ على أصْلٍ واحدٍ صحيحٍ ولا يجبُ أن يُقابل على أصولٍ متعدِّدة.
_________________
(١) ١/ ١٤.
[ ١ / ٣٤٢ ]
قلتُ: صدق النَّواوي، فإن الظَّنَّ يحصلُ بالمقابلة على أصلٍ صحيح، وإن كان واحدًا.
قال ابنُ الصلاح: فإذا لم يُوجَدْ ذلك ولا نَحْوُه، فليَقُلْ: بلغني عن فلان، أو وجدتُ في نسخة من الكتاب الفلاني، وما أشبه هذا من العبارات. وقد تسامَحَ أكثرُ النَّاس في هذه الأزمان بإطلاق اللفظ الجازم في ذلك من غير تحدٍّ وتثبتٍ، فيطالع أحدهم كتابًا منسوبًا إلى مصنف معيَّن، وينقل منه عنه مِن غير أن يَثِقَ بصحة النسخة قائلًا: قال فلان كذا وكذا، أو ذكر فلانٌ كذا وكذا. والصواب ما قدَّمناه، فإن كان المطالعُ عالمًا فَطِنًا بحيث لا يخفي عليه في الغالب مواضِعُ الإسقاط، وما اختلَّ عن جهته رجونا أن يجوزَ له إطلاقُ اللفظ الجازم فيما يحكيه مِن ذلك.
وإلى هذا فيما أحْسِبُ استروح كثيرٌ من المصنفين فيما نقلوه من كُتُبِ الناس، والعِلْمُ عندَ اللهِ تعالى. هذا كُلُّه كلامٌ في كيفية النقل بطريق الوِجادة.
وأما جوازُ العمل اعتمادًا على ما يُوثَقُ به منها، فقد روينا عن بعض المالكيَّة: أن مُعظم المحدِّثين والفقهاء من المالكيِّين وغيرهم لا يَرَوْن العَمل بذلك. وحُكيَ عن الشَّافعي وطائِفةٍ من نُظَّارِ أصحابه [جواز العملِ به، قلت: قَطع بعضُ المحققين من أصحابه] (١) في أصول الفقه بوجوبِ العملِ به عند حصولِ الثِّقة به. وقال: لو عرض ما ذكرناه على جملة
_________________
(١) ما بين حاصرتين سقط من الأصول كلها، واستدرك من المقدمة، ونص المؤلف في " تنقيح الأنظار " ٢/ ٣٤٨: وحكي عن الشافعي جواز العمل به، وقالت به طائفة من نظار أصحابه، وهو الذي نصره الجويني، واختاره غيره من أرباب التحقيق، قال ابن الصلاح: قطع بعض المحققين من أصحابه في أصول الفقه بوجوب العمل به عند حصول الثقة.
[ ١ / ٣٤٣ ]
المحدثين لأبَوْهُ، وما قطع به هُوَ الذي لا يَتَّجِه غيرُه في الأعصارِ المتأخرةِ، فإنه لو توقَّف العملُ فيها على الرِّواية، لا نسدَّ بابُ العمل بالمنقول، لتعذَّر شرطُ الرواية فيها على ما تقدَّم في النوع الأول -والله أعلم-. انتهي كلامُ ابن الصلاح.
وفي كتاب " المعتمد " (١) لأبي الحسين عن قاضي القُضاة ما يشهد لقوله: إنه يجوزُ لِلعالم الفَطِنِ بمواضع الأغلاطِ أن يقول فيما يَنْقُلُ: قال فلان، متى ظنَّ الصدق في ذلك، جازمًا بنسبة القول إلى المصنف -وهذا لفظه في " المعتمد "- قال: وأمَّا ترجيحُ المُرْسَلِ على المسندِ، فلم يذهب إليه أكثرُ النَّاسِ، وذهب عيسى ابنُ أبان إلى الترجيح بهِ، لأن الثقة لا يُرسِلُ الحديثَ، ويقول: قال النَّبي - ﷺ -، إلا وقد وَثِقَ أن النَّبِيَّ - ﷺ - قاله.
قال قاضي القُضاة: هذا الكلامُ إنما يتوجَّهُ إذا قال الرَّاوي: قال النبي - ﷺ -، وأما إذا قال: عن النبيِّ، فإنه لا يتوجَّه، وأيضًا فإن قولَ الراوي: قال النبي -﵇- يَحْسُنُ مع الظن، لكونه قائلًا لذلك كما يَحْسُنُ مع العِلْمِ، فَمِنْ أين أنه لم يقل: قال النبيُّ، إلا وظنُّه آكد مِن الظن الحاصِل برواية المسند المعارض. انتهى.
وقد اختلف العلماءُ في جواز عمل القاضي بكتاب قاضٍ آخرَ إليه في حقوق المخلوقين مع ما فيها من التشديد الذي لم يَرِدْ في الرواية، فحكى الرَّيْمِي (٢) في " المعاني البديعة " عن الإمام مالكٍ، والحسنِ البصري،
_________________
(١) ٢/ ١٨٠ - ١٨١.
(٢) هو محمد بن عبد الله بن أبي بكر الحثيثي اليمني الريمي بفتح الراء بعدها ياء ساكنة =
[ ١ / ٣٤٤ ]
التاسع: لو قدرنا صحة ما ذكره السيد من اختلال طريق المعرفة لهذه الشريعة لم يسقط وجوب العمل بالمظنون
العاشر: لو صح ما ذكره من تعفي رسوم الهدى إلا تقليد الموتى، للزم من ذلك أن تبطل الطريق إلى جواز تقليد الموتى!
وسوَّارٍ القاضي، وعبد الله بنِ الحسن العنبري، وأبي يوسف: إذا عرف المكتوبُ إليه خطَّ الكاتب، وختْمه، جاز له قبولُه والعملُ به، وبه قال أبو سعيد الإصطخري من الشافعية، وعند أبي ثورٍ يجوزُ العَمَلُ بموجبه وقبولِهِ مِن غير شهادة عليه، ونسب مرةً ذلك إلى مالك وقال: في إحدى الروايتَيْنِ عنه.
الجواب التاسعُ: لو قدَّرنا صحةَ ما ذكره السَّيِّد من اختلال طريقٍ المعرفة لهذه الشريعة -وصانها الله تعالى عن ذلك- لم يَسْقُطْ وجوبُ العمل بالمظنون، وذلك لأن الأخبارَ الواردةَ في الواجبات والمحرَّمات، إمَّا أن نَظُنَّ صِدقَها أو لا؛ إن لم نَظُنَّ صدقَها، لم نخالف السَّيِّد في عدمِ وجوب العمل بها، وإن ظننَّا صدقها، ففي مخالفتها مضرَّةٌ مظنونةٌ وهي مضرَّةُ العِقاب على ترك الواجب وارتكابِ الحرام، ودفعُ المضرةِ المظنونة عن النفس واجب عقلًا. وهذا الدليلُ عوَّل عليه السيدُ الإمام أبو طالب، والإمام المنصورُ بالله - ﵉، وكذلك الشيخُ أبو الحسين -﵀- وسيأتي تحقيقُه، وهو قائم في كل خَبَرٍ من أخبار المتأوِّلين، والمجاهيل، والمجروحين بجرحٍ مختلفٍ فيه أو بجرح مطلقٍ غيرِ مفسَّر، وفيما يُوجد بخطوط العلماءِ في الكتب وغيرِ ذلك متى أفاد الظنَّ، إلا ما أجمعت الأمةُ على ردِّه من أخبار الكفَّار المصرِّحين، والفساقِ المصرِّحين.
الجواب العاشر: أنَّه لو صحَّ ما ذكره السَّيِّد -والعياذُ بالله- من
_________________
(١) = نسبة إلى ريمة ناحية باليمن. ولد سنة ٧١٠، وتفقه بمذهب الشافعي على جماعة من مشايخ اليمن، وسمع الحديث من الفقيه إبراهيم بن عمر العلوي، وشرح التنبيه في نحو عشرين سفرًا، ودرس وأفتى، وكثرت طلبته ببلاد اليمن، واشتهر ذكره، وبعد صيته، وكانت وفاته سنة ٧٩١ هـ. " الدرر الكامنة " ٣/ ٤٨٦، و" شذرات الذهب " ٦/ ٣٢٥.
[ ١ / ٣٤٥ ]
الاستدلال بالإجماع على تقليد الموتى لا يصح بوجهين:
أحدهما: أنه قد ادعي الإجماع على تحريمه، قالوا " لا يجوز تقليد الميت "
الثاني: .. لا شك أن قول الجماهير من المعتزلة والزيدية تحريمه
قوله تعالى: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ فيه أمران
أحدهما: معرفة أنها غير منسوخة ولا مخصصة ولا معارضة
ثانيهما: معرفة معنى الآية
انطماسِ معالم العلم، وتعفي رسوم الهُدى إلا تقليد الموتى، للزِم من ذلك أن تبطل الطريق إلى جواز تقليد الموتى، لأن التقليد لهم لا يجوز إلا بدليل يستند إلى معرفة الكتاب والسنة، والاستدلالُ بالإجماع على تقليد الموتى لا يصح بوجهين: أحدُهما: أنه قد ادُّعي الإجماعُ على تحريمه.
رواه المؤيَّد بالله -﵇- في " الإفادة " في باب كيفية إزالة المنكر -ولفظُه-: وكثير من العلماء قالوا: إنه لا يجوز تقليدُ الميِّت، وادَّعوا الإجماعَ في ذلك. انتهي بحروفه. فالرجوع إلى الإجماع يُوجِبُ المنع منه.
الثاني: سلَّمنا أنه لم يَصِحَّ الإجماعُ على تحريمه، فلا شك أن قولَ الجماهيرِ من المعتزلة والزيدية تحريمُه، فأمَّا إجماعُ العامَّة عليه في الأعصار المتأخرة، فلا يُعتبر، إذ لا عِبرة في الإجماع بالعامة منفردين بالاتفاق، وانعقادُ الإجماع بعد الخلاف الكثير الشائع متعذِّر عادة، ولو سلمنا هذا الإجماع، فهو إجماع ظنيٌّ لا تثبت صحتُه إلا اجتهادًا بالاتِّفاق، وذلك لا يصح إلا معَ صحة الرجوعِ إلى الكتاب والسُّنَّةِ والقياس، والاستدلالُ بقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُون﴾ [النحل: ٤٣] يحتاج إلى معرفة أنها غيرُ منسوخةٍ ولا مخصَّصة ولا معارَضة، ويحتاج إلى معرفة معناها، فهذان أمرانِ:
أحدهما: معرفة أنها غيرُ منسوخةٍ ولا مخصَّصَةٍ ولا معارَضة، والمعرفة لهذا تنبني على أن هنا سنة معروفة، وإلى معرفة ما فيها طريق مسلوكة بها يعرف أن فيها ناسخًا ومخصصًا ومعارضًا، أو وأنه ليس فيها شيءٌ من ذلك. والاستدلال بالأخبار يحتاج أيضًا إلى بقاء طريق الأخبار.
وثانيهما: معرفةُ معناها، ولا بُدَّ فيه من النظر، إذ ليسَ معلومًا
[ ١ / ٣٤٦ ]
بالضرورة، فاحتاج الناظرُ فيه إلى أن يكون من أهل الاجتهاد.
فإن قلت: إن دلالتَها على التقليد جليةٌ لا تحتاج إلى اجتهاد.
قلتُ: ليس كذلك، فإن في معناها غموضًا واختلافًا. والذي يدلُّ على ذلك: أنَّ السؤال من الأفعال التي تتعدَّى إلى مفعولين، تارةً بواسطة حرف جر مثل: سألت العالم عن الدَّليل، وتارة بغير واسطة مثل: سألت الأمير مالًا، وسألت العالمَ دليلًا. إذا عرفت هذا، فاعلم أنه لا بُدَّ من مسؤول ومسؤول عنه، فالمسؤول في الآية مذكورٌ وهم أهلُ الذكر، والمسؤول عنه محذوف، فالقولُ بأن المسؤولَ عنه هو أقوالُ المجتهدين مِن هذه الأمة دعوى مجردة عن الأدلة مما لا يدل عليه دليل. وهذا المحذوف يحتمل أن يكون هو الأدلة، ويحتمل أن يكونَ هو المذاهبَ من غير أدلة. وقد قال بعضُ العلماءِ وهو السُّؤال عمَّا أنزل الله لقوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٣] فلما أُمرنا بسُؤالِ أهلِ الذِّكر، وكان الظاهرُ أنه أُمرنا بسؤالهم عما أُمرنا باتباعه مما أنزله علينا من الشرائع، وهذه الأقوال كُلُّها ضعيفة فيما يَظْهَرُ على اعتبارِ قواعد العربية، والمختار: أن المرادَ السؤالُ عن الرُّسُلِ: هل كانوا بشرًا أم لا؟ لأن ذلك هو المذكورُ في أوَّل الآية، والعرفُ العربي يقضي بأنَّ ذلك هو المرادُ، والقرائن تسُوقُ الفهم إليه.
فإنه تعالى لما قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي (١) إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْر﴾ [النحل: ٤٣] كان السابقَ إلى الأفهام: فاسألوهم عن كوننا ما أرسلنا إلا رجالًا، كما لو قال القائل: واجهتُ اليومَ الخليفةَ
_________________
(١) هي قراءة حفص بالنون وكسر الحاء، وقرأ الباقون: (يُوحى) بضم الياء على ما لم يسم فاعله. انظر " حجة القراءات " ص ٣٩٠.
[ ١ / ٣٤٧ ]
وسأل وزراءَه، كان المفهوم: وسألهم عن كوني واجهته، وهذا الذي ذكرت أنه المحذوفُ هو الذي اختاره العلامةُ الزمخشري (١) -﵀- لم يَذْكُرْ سواه، ولكن لم يذكرِ الوجهَ في ذلك لجلائه.
وأيضًا فقوله: ﴿إن كنتُم لا تَعْلمونَ﴾ يفهم منه: أن الحكمة في سؤالهم الخروجُ مِن الجهل إلى العلم، أو يحتملُ ذلك، وهذا مانع مِن الاستدلال بها في التقليد. والذي يَدُلُّ على ذلك أن مَنْ قال: اشرب إن كنتَ ظامئًا، فُهِمَ منه أن المرادَ شربُ ما يُزيلُ الظمأ، فلو أن المأمورَ شَرِبَ سمنًا أو عسلًا، وزعم أنه أراد امتثالَ ما أمر به، لعُدَّ أعجميَّ اللسان، أو بهيميَّ الجنان، وكذلك قولُه تعالى، ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] فإنَّه يُفِيدُ سؤالًا يُخْرِجُ من الجهل إلى العلم، ولا شَكَّ أن التقليدَ لا يُفيدُ العلمَ بالإجماع، ولهذا لم يَحِلَّ التقليدُ في المسائل التي يجبُ العلمُ بها، ويمكن أن يقال: إنما فهم ذلك في قوله: اشرب إن كنت ظامئًا بالقرينة، ولذا يفهم عكسُه بالقرينة في قوله: سَلِ الأغنياءَ إن كنتَ فقيرًا، فلا يفهم سؤالًا يُغني ويُخرج من الفقر. وقد يتجرد الشرط عن القرائن في الجنبتين، فلا يُفيد شيئًا، كقوله: صَلِّ إن شئت، ولكن في الآية مجرد احتمال، وهو مما يمنع القطعَ في الاستدلال.
فإن قيل: إنها مما ورد على سببٍ، ولا يُقصر عليه.
قلنا: ليسَ كذلك، لأن شَرطَ ذلك عمومُ لفظه ومعناه، ولفظ هذه الآية فيه حذف، فهو غيرُ ظاهرٍ، ومعناها خاصٌّ غيرُ عام، والعجب أن الأصوليين استدلوا بهذه الآية على جواز التقليد، من غير بيان لوجه
_________________
(١) الكشاف ٢٠/ ٤١٠ و٤١١.
[ ١ / ٣٤٨ ]
الدَّلالة، ولا ذكر لهذا الإشكال مع جلائه.
وأما الاستدلال بالإجماع على جواز التقليد، فإنه يحتاجُ أيضًا إلى معرفةِ الكتابِ والسنةِ، لأنهما هما اللذان دلاّ على أن الإجماعَ حُجَّة، والأدلة من الكتاب على أن الإجماع حجَّة هيَ من الظواهر، ولا بدَّ من معرفة عدم النسخ والمعارض والمخصص. وأيضًا قد منع السَّيِّد من معرفة اللغة، وقطعَ القولَ وجزمه بتعذُّرِ معرفتها، ومعاني الكتاب والسنةِ المستنبطِ منها جوازُ التقليد، وكونُ الإجماع حجَّةً مما يفتقِرُ إلى معرفة اللغة فإذا بَطَلَ معرفة تفسير القرآن، وبطلت طريق معرفة الأخبار، بطل أيضًا ما هو فرعُ معرفة ذلك مِن جواز التقليد، فيلزم بطلانُ التكليف تقليدًا واجتهادًا.
فإن قلتَ: هلا جوَّزتَ أن تُقَلِّد في كون التقليد جائزًا.
قلت: هذا لا يجوزُ على القول بأن أصل التقليد القبحُ إلا ما خصَّه الدليلُ، وهو قولُ المعتزلة والزيدية، وأكثرِ المتكلمين، ولا أعلم أحدًا من أهل المذهب نصَّ على جوازه. ودليلُهم على أنه لا يجوز: أن العموماتِ قد دَلَّت على تحريمه، والتقليد إنَّما جاز في المسائل التي أفتى فيها الصحابةُ، ولم يذكروا الدليلَ كما قرَّره السَّيِّدُ الإمامُ أبو طالب -﵇-، والصحابة إنما أفْتَوْا بمسائل الفروعِ دونَ مسائل أصولِ الفقه، وهذا الحكم مما نَظُنُّ أن السَّيِّد لا يُنازِعُ فيه، فلا حاجة إلى التطويل فيه.
فثبت بهذا أنه لا بُدُّ مِن صحة الرجوعِ إلى القرآن العظيم، والسنة الشريفة، وأن الطريقَ إلى معرفتهما متى تعذَّرت، تعذَّرَ الاجتهادُ والتقليدُ.
[ ١ / ٣٤٩ ]
الحادي عشر: أنه لو تعذر الاجتهاد في جميع المسائل لتعسر شروطه، لتعذر التقليد في جميع المسائل
وأما قول السَّيِّد: إنه يجوز التقليدُ في القطعيَّات والعمليَّاتِ لمن وافق الأدِلَّة القطعيَّة عملًا لا اعتقادًا دون من خالفَهَا، فهذا يحتاج إلى تمييز المقلد بين القطعيَّات والظنيّاتِ وحصرها، وهو يؤدي إلى إيجابِ الاجتهادِ عليه. وقد فَهِمَ هذا السَّيِّدُ، فأجاب بأنه مكلَّفٌ بالسؤال والبحث عن القطعيات حتى يتواتَرَ ذلك، وبعد تواترِ القطعياتَ، لا يَحِلُّ له تَقليدُ منْ خالَفَهَا، ذكره في آخر جوابه على ابن عثمان.
والجواب: أن هذه غفلة عظيمة، فإن شرط المعلوم بالتواتر أن يستند في الطَّرَفِ الأول إلى الضرورة المحسوسة وهذا إجماع، ولولا ذلك لتواتر للعامة أن الله ربُّهم، واسْتغْنوْا بذلك عن غيره، فاعلم ذلك على أن في القطعيات ما يختلِفُ العلماءُ: هل هو قطعي كالقياسِ الجليِّ والتأثيم به والتفسيق والتكفير، على أن ابن الحاجب وغيرَه من المحققين منعوا مِن وجودِ القطعيِّ الشرعي غيرِ الضروري، وحكموا بأنَّه لا واسطةَ بين الظَّنِّ والضرورة في فهم المعاني، كما أنَّه لا واسِطَة بينهما في تواتر الألفاظ بالاتقاق، والحجة على إثبات هذا القطعي المتوسط بينهما غير واضحة، وإثباته مِن غير حجة ممنوعٌ، والأصلُ عَدَمُ القطعيِّ غير الضروري، والمدِّعي له مثبت، وعليه الدِّلالةُ، والله سبحانه أعلم.
فإن أراد أن يتواتر الإجماعُ القاطعُ للعوام، لم يُغنهم حتى يعلموا أنَّه حُجَّةٌ، وقد تِقدَّم ما في ذلك، ثم حصولُهُ بعدَ انتشار الإسلام لمثلهم خصوصًا متعذِّر.
الجواب الحادي عشر: أنه لو تعذَّرَ الاجتهادُ في جميع المسائلِ لأجل تعسُّرِ شروطه، لتعذَّرَ التقليد في جميعِ المسائل لمثل ذلك، فإن معرفةَ جميعِ نصوصِ المقلِّدِ بإسنادٍ صحيح إليه مثلُ معرفة جميعِ ما يتعلَّق
[ ١ / ٣٥٠ ]
الثاني عشر: أن بطلان الاجتهاد لا يجوز أن يثبت بالضرورة العقلية ولا الشرعية ولا بالدلالة العقلية
الوجه الثاني (من الوجوه الخمسة): أن أولئك المعدلين معلولون بمثل هذا، أو مجهولة براءتهم منه
بالأحكام مِن الحديث، بل هِيَ أكثرُ مِن الحديث في هذا المعنى، والنسخُ يُوجد فيها نظيرُهُ، وهو الرجوعُ عن القولِ القديمِ، والتعارضُ موجودٌ في القولين إذا لم يُؤرخا، والتخصيصُ موجودٌ في كلام العلماء وكلامُهُم عربيٌّ غيرُ ملحون يحتاج إلى العربيّة، وجوازُ تقليدهم ينبني على معرفةِ اللهِ، وصدقِ الرسول، وزيادة معرفة أدلة جوازِ التقليد من نصٍّ أو إجماعٍ، ومعرفةُ ذلك الدليل توقفُ على أمورٍ قد مرَّت الإشارةُ إليها.
فإن قلتَ: التقليدُ يتجزأ دونَ الاجتهاد.
قلنا: كلامُنا في أنَّكَ حكمتَ بتعذُّرِ الاجتهادِ العام، ولم تحكم بتعذُّر التقليدِ العام، فإن أكثرَ أهلِ الفتوى والقضاء يدَّعيه، على أن تجزي الاجتهاد هو الصحيحُ عند الجمهورِ.
الجواب الثاني عشر: أن بطلانَ الاجتهادِ لا يجوزُ أن يثبت بالضَّرورة العقلية ولا الشرعية ولا بالدِّلالة العقلية، وهذا مما لا يحتاج إلى ذكر البرهان لجلائه، وبقي أن يثبت بالدلالة الشرعيَّة وهي التي زعم السَّيِّد أنها قد بطلت، فبقي أن السَّيِّد ادَّعى بطلانَ الاجتهاد لدلالة مجرَّدِ الاستبعاد وهذا لا يصلُح مستندًا -والله أعلم-.
وفي هذا القدرِ كفايةٌ في الجواب على قوله المتقدم في التنفير عن الاجتهاد، والتوعير لمسالك العلم، والتشكيك في دخوله في حيِّزِ الإمكان والتشويش على من أراده مِن أهل الإسلام.
قال: الثاني: أن أولئك المعدّلين معلولون بمثل هذا، أو مجهولةٌ براءتُهُم منه.
أقول: قد تعرض السَّيِّدُ -أيَّده الله- تعالى في هذا الكلام للتشكيك
[ ١ / ٣٥١ ]
وفيه أربع مسائل:
المسألة الثانية: أن يكون حالهم مجهولة له
القول في المسألتين الأوليين
في أحوال المعدِّلين لِحملة العلم النبويِّ -على صاحبه أفضلُ الصلاة والسلام- فلا يخلو إما أن يُريدَ أن جميعُ المتكلمين في الجرح والتعديل من أئمة العلم وأعلام الهدى مشكوك في إسلامهم، أو يريد أن الأئمة الذين أسلف ذكرهم كذلك دونَ من عداهم من أئمة هذا الشأن، ثم أيضًا إما أن يُريد أن حالهم في ذلك مجهولة له (١) -أيَّده الله- فقط، أو مجهولةٌ لجميع أهلِ العلم، فهذه أربعُ مسائل:
المسألة الأولى: أن يكونَ حالُ أولئك الذين ذكرهم مجهولةً فقط دون سائرِ أهلِ العلم، ودونَ سائر أئمة هذا الشَّأْنِ.
الثانية: أن يكون حالُهُم مجهولةً له، ولجميع أهلِ العلم.
الثالثة: أن يكونَ جميعُ أئمة علم الرجال مجهولين له دونَ سائرِ أهلِ العلم.
الرابعة: أن يكونوا مجهولين له، ولأهل العلم.
فأما المسألتان الثالثة والرابعة، فلم يتعرض لذكرهما حتى يلزمَ الجوابُ عليه، وإنما نذكر ما تعرَّض له فقط خوفًا للتطويل، ولئلا نلزمه أمرأ قبيحًا مِن غير موجبٍ لذلك من قوله.
فلنتكلَّم على المسألتين الأولَيَيْنِ، فنقول: إما إن يدَّعيَ " السَّيِّد " الجهلَ بأحوال أولئك على جميع أهل العلم أو لا؛ إن ادَّعى ذلك، فهي دعوى باطلة، لأنَّه لا طريق إليها إلا أحد وجهين وكل واحدٍ من الوجهين باطل، وما لا طريقَ إليه إلا الباطل، فهو باطل، وكل هذه المقدِّمات
_________________
(١) في ب: عنده.
[ ١ / ٣٥٢ ]
واضحة إلا انحصارَ الطريق إلى تجهيل جميع أهل العلم في وجهين، فيجب بيانها، والدليل على أنه لا طريق للسَّيِّد إلى تجهيل جميعِ العلماء بأحوال أولئك الحفاظ المشاهير: أن معرفةَ العلماء بأحوالهم وجهلهم لها مِن مكنونات الضمائر، وخفياتِ السَّرائر، وذلك مما لا طريقَ إليه إلا بالخبر، أو القياس، ولا طريقَ سِوى هذين إلى ذلك إلا علم الغيب الذي استأثر اللهُ تعالى به، وكُلُّ واحدٍ منها لا يَصِحُّ.
أمّا القياسُ، فلا يصح هنا، لأنك إما أن تقيسَ على نفسك، أو على غيرك، وكلاهما لا يجوز، لأنَّه قياس على مجرد الوجود، وهو ممنوع.
وأما الخبر، فلا يصح، لأنَّه لم يُوجد خبرٌ صادِقٌ عن الله، ولا عَنْ رسولِ الله يقضي بجهالَةِ العلماء لأحوال الرُّواة، فضلًا عن أحوالِ معدِّليهم، وكذلكَ أهلُ العلم لم يُخبروا عن أنفسهم بالجهل بذلك، فثبت أنه لا طريق للسَّيِّد -أيَّدَه الله- إلى القطعِ على أن جميعَ العلماء لا يعرفُونَ أحوال أولئك الَّذِينَ ذكر من معدِّلي الرّواة.
وبقي القسم الثاني، وهو أن يدَّعي السَّيِّد -أيده الله- أنه يجهل أحوالَهم، فهذه دعوى صحيحة مقبولة بإجماع الأمة، لأنَّ إقرارَ المسلم على نفسه بما يدخل عليه النقضَ، ولا يكون له فيه حظ، ولا على غيره منه مضرَّةٌ إقرارٌ صحيحٌ مقبول، ولكن ليس يَحْصُلُ منه منعُ جميع طلبة العلم مِن تعرُّفِ أحوال معدِّلي الرُّواة، فربّما وجدوا إلى ذلك سبيلًا، فقد قيل: من طلب شيئًا وجدَّ، وجَدَ، ومن دَق بابًا وَلَجَّ، وَلَجَ.
ثم إنا لو سلمنا للسَّيِّد -أيَّدَهُ اللهُ- جهلَ جميعِ أهل العلم بأولئك الذين ذكرهم، فإن ذلك لا يَسُدُّ بابَ الرِّوايةِ، فإنَّ اللهَ لو لم يخلق أولئك
[ ١ / ٣٥٣ ]
المذكورين، ما ضاع الدِّينُ، ولا بَطَلَتْ سُنَّةُ سيدِ المرسلين وأئمة الجرح والتعديل قدرَ ألفي إمامٍ، لو شئتُ لذكرتُهُم بأسمائهم، وفيهم مَنْ هو مِن الشيعة المعتدلين في صحة الاعتقاد وَمِن غيرهم مِن أهل العدلِ والتوحيد.
وقد ذكر أهلُ هذا الشأنِ في كتب الرِّجال خلقًا كثيرًا من علماء الشيعة والاعتزال، وعدُّوهُمْ مِن عيون علماء الأثر، ونُقَّاد الرجال، ونسبُوا إلى كثير منهم الكلامَ في الجرح والتعديل، وعوَّلوا على كلامهم كُلَّ التعويل، وكتُب علم الرِّجال طافحةٌ بهذا.
وقد روى الحاكمُ في " شرح العيون " فصلًا في من روى عنه العدلُ مِن رواة الأخبار، وقال: نذكر منهم من اشتهر بذلك. وذكر المخالفين، فذكر من أهل المدينة اثنين وعشرين رجلًا، ومن أهل مكة عشرة، ومن أهل اليمن أربعة، ومن أهل الشام سبعةَ عَشَرَ، ومن أهل البصرة اثنين وسبعين، ومن أهل الكوفة ثمانية.
فهؤلاء مائةُ رجل وثلاثة وثلاثون، ذكرهم الحاكم أو أكثر منهم بيسير. وذكر أنه ذكر ما فيه كفاية، وأن استقصاء ذلك مما يطول به الكتابُ.
وكان فيمن ذكر من أهل المدينة: ابنُ أبي ذئب، ومحمدُ بن عجلان، وشريكٌ القاضي، وثورُ بنُ زيد، وابنُ أبي يحيى: هو إبراهيم ابن محمد (١) صاحب الموطأ الكبير وشيخ الشافعي، والوليدُ بنُ كثير،
_________________
(١) هو إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي أبو إسحاق المدني، وهو متروك عندهم وبعضهم كذبه، وقد اعتذر ابن حبان للشافعي في روايته عنه بأنه كان يجالسه في حداثته ويحفظ عنه، فلما دخل مصر في آخر عمره، وأخذ يصنف الكتب احتاج إلى الأخبار، ولم تكن كتبه معه، فأكثر ما أودع الكتب من حفظه، وربما كنى عن اسمه. وانظر ترجمته في " التهذيب " و" ميزان الاعتدال ".
[ ١ / ٣٥٤ ]
وصالحُ بنُ كَيْسَان، ومحمَّدُ بنُ إسحاق صاحب السيرة وغيرها، ومحمدُ بنُ عبد الله بن مسلم الزُّهري (١). قال: وكان ممن خرج مع زيد بن علي، وجعفرِ بنِ محمد الصادق، ومحمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسين -﵈-.
ومن أهل مكة: عمرو بنُ دينار، وعبدُ الله بنُ أبي نُجيح، ومسلمُ ابن خالد الزنجي (٢) شيخ الشافعي، وسفيانُ بنُ عيينة، وعبدُ الله بن طاووس، وعطاءُ بنُ يسار.
ومِنْ أهل اليمن: وهبُ بنُ منبِّه، وأخوه همَّام.
ومن أهلِ الشام: مكحولٌ، والأوزاعيُّ، وعبدُ الرحمن بن واسع.
[ومن أهل البصرة]: إياسُ بن معاوية، والمباركُ بن فَضَالَةَ، وسعيدُ بن أبي عَرُوبَة، وهشامٌ الدستوائي، ومعاذ بن هشام، وأبان بن يزيد، ويحيى بن أبي كثير، وغندر، وعبد الرحمن بن مهدي، والأشعث ابن سعيد السمَّان، ومعمر، وأبو العوَّام عمران القطّان. ومُسَدَّدُ بنُ مُسَرْهَد، ومحمدُ بن سلام.
_________________
(١) هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الإمام العلم حافظ زمانه أبو بكر القرشي الزهري المدني نزيل الشام المتوفى سنة ١٤٤ هـ. له ترجمة حافلة في تاريخ دمشق لابن عساكر، وقد استلت منه، وطبعت بعناية شكر الله بن نعمة الله قوجاني في مؤسسة الرسالة سنة ١٩٨٢، وله ترجمة موسعة أيضًا في سير أعلام النبلاء ٥/ ٣٢٦.
(٢) هو مسلم بن خالد المخزومي مولاهم المكي المتوفى سنة ١٧٩ أو ما بعدها، وهو فقيه صدوق إلا أنه سيىء الحفظ لا يحتج به، ولكن يصلح للمتابعة، ولقب بالزنجي مع أنه كان أشقر لمحبته التمر، قالت له جاريته: ما أنت إلا زنجي لأكل التمر، فبقي عليه هذا اللقب.
[ ١ / ٣٥٥ ]
الكلام في علي ابن المديني
ومن أهل الكوفة: الشَّعبِيُّ (١)، وداودُ ابن أبي هِندٍ، وسلاَّم بنُ مطيع، وأبَو شهاب الَحنَّاط (٢)، وعمرو بن مرَّة، ومسْعَرُ بنُ كِدام، ومحمد ابنُ شُجاع، وعلي بنُ المديني. قال: أخذ المذهبٌ عن ابن أبي دُواد (٣) -هكذا ذكره الحاكم- وبهذا نَقَمَّوا عليه في كتب الرِّجال، ومن العجائب أن " السَّيِّد " ذكر خمسةُ معينين بأسمائهم من أئمة الجرح والتعديل فما سلموا له، بل غَلِطَ على أعرفهم بهذا الشأن، وفارِسِهم في هذا الميدانِ، وهو الحافظُ الجليل علي بنُ المديني المسمَّى عند رجال هذا العلم " حَيَّة الوادي " (٤) لتميُّزه عن الحفَّاظ بفرطِ الذَّكاءِ، وشِدَّةِ الحفظ والتَّيقُّظِ للاستدراكات الخفِيَّة، والمعارف اللطيفة، وهو شيخُ البخاري، وشيخُ شيخِ البخاري الذُّهلي (٥)، وشيخُ أبي داود صاحب السنن، وشيخُ البغويِّ (٦).
قال أبو حاتِم: كان ابنُ المديني علمًا في الناس في معرفة الحديث
_________________
(١) هو عامر بن شراحيل الشعبي ثقة فقيه فاضل مشهور روى له الستة.
(٢) في الأصل: الخياط وهو تصحيف، وهو موسى بن نافع الأسدي، ويقال: المدني، ويقال: البصري أخرج حديثه الشيخان.
(٣) قال الإمام الذهبي في " ميزان الاعتدال " ٣/ ١٣٨: ذكره العقيلي في " الضعفاء " (لوحة ٢٦٧) فبئس ما صنع، فقال جنح إلى ابن أبي دُواد، وحديثه مستقيم إن شاء الله. وابن أبي دواد: هو أحمد بن أبي دُواد فرج بن جرير بن مالك قاضي القضاة أبو عبد الله الإيادي كان فصيحًا مفوَّهًا شاعرًا جوادًا ممدَّحًا رأسًا في الاعتزال، وهو الذي شغب على الإمام أحمد وأفتى بقتله، وبسببه وفتياه امتحن الإمام أحمد وأهل السنة بالضرب والهوان على القول بخلق القرآن. توفي سنة ٢٤٠ هـ.
(٤) يقال: فلان حية الوادي: إذا كان نهاية في الدهاء والعقل.
(٥) هو محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس بن ذؤيب الذهلي ثقة حافظ جليل، وقد وقع بينه وبين البخاري جفوة بسبب مسألة اللفظ. انظر التفصيل في مقدمة الفتح ٤٩٠ - ٤٩١.
(٦) هو الحافظ الثقة الكبير مسند العالم أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز بن المرزبان البغوي الأصل البغدادي المتوفى سنة ٣١٧ هـ. مترجم في " تذكرة الحفاظ " ٢/ ٧٣٧ - ٧٤٠.
[ ١ / ٣٥٦ ]
والعلل، وما سمعتُ أحمدَ بنَ حنبل سمَّاه قطُّ، ولكنه كان يُكنيه تَبجيلًا له.
وعن ابن عُيينة قال: يلومونني على حُبِّ عليِّ بن المديني، واللهِ لما أتعلَّمُ مِنه أكثرُ مما يتعلَّمُ مني.
وقال أحمد بن سِنان: كان سفيانُ بن عُيينة يسمي علي بن المديني " حية الوادِي ".
وقال رَوْحُ بنُ عبد المؤمن: سمعتُ عبد الرحمن بنَ مهدي يقول: عليٌّ ابن المدينيِّ أعلمُ الناس بحديثِ رسولِ الله - ﷺ -، وخاصة بحديث سفيان بن عُيينة.
وقال القواريري (١): سمعتُ يحيى القطَّان يقول: أنا أتعلَّمُ مِن عليٍّ أكثرُ مما يتعلَّم مني.
وقال النَّسائي: كأن عليَّ بنَ المديني خُلِقَ لهذا الشأن.
وقال إبراهيمُ بن مَعْقِل: سمعت البخاريَّ يقول: ما استصغرتُ نفسي عندَ أحدٍ إلا عند علي بن المديني.
وقال أبو داود: ابن المديني أعلم من أحمد بن حنبل باختلاف الحديث.
وقال النواوي: لابن المديني نحو من ثمانين مصنفًا، وقال الذهبي: علي بن المديني (٢) حافظُ العصرِ، وقدوةُ أرباب هذا الشأن، وقال فيه: مناقب هذا الإمام جمَّة (٣).
_________________
(١) هو عبيد الله بن عمر بن ميسرة القواريري ثقة ثبت من رجال الشيخين.
(٢) من قوله: وقال أبو داود إلى هنا سقط من (أ) وهو بهامش ب، وقد ذكر في نهايته: صح.
(٣) ذكر ذلك في " تذكرة الحفاظ " ٢/ ٤٢٨، ووصفه في " سير أعلام النبلاء " ١١/ ٤١ =
[ ١ / ٣٥٧ ]
أقصى ما في الباب أن يصح ما توهمه السيد من القدح في جميع معدلي حملة العلم النبوي .. فذلك لا يقدح إلا على من قال بمسألتين:
وأقول: إني لو شئتُ، لذكرتُ تراجمَ أئمة الجرح والتعديل مِن أهل العدلِ والتوحيد في أجزاء كثيرة، ولو أورد إلا تراجم هؤلاء الذين اختصرتهُما ممّن ذكر الحاكم لطال الكلامُ، فكيف لو نذكر جميعَ من ذكر الحاكمُ بتراجمهم المطوَّلَة في كتب الرجال، فكيف لو نَضُمُّ إليهم من لم يذْكرْهُ الحاكِمُ -﵀- من علماء التشيُّعِ والاعتزال، ألم يكن يتَّسعُ المجالُ، ويطول المقالُ؟ ولكن ذلك -بحمد الله تعالى- معروفٌ في مواضعه، فلا حاجة إلى نقله. وكان من اللائق أن نذكر ها هنا تراجمَ هؤلاءِ الحفاظِ الخمسة الذين ذكرهم " السِّيِّد " وشكك في إسلامهم، ونذكر جملًا مختصرةً من أخبارهم، ولكنه يطول ولا نُحِبُّ، إذ المقصودُ هو بيانُ إمكانِ معرفة السُّنَّة، وأن ذلك لم يدخل في حيِّزِ اُلمحالات، وقد حصل بيانُ ذلك من غير ذكر حالِ هؤلاء الحفاظ.
وأما القدحُ على بعضهم بالتأويل في بعض المسائل، فسوف يأتي الكلامَ عليه في موضعه -إن شاء الله تعالى-.
أقصى ما في الباب أن يَصِحَّ ما توهَّمَهُ السَّيِّد من القدحِ في جميع معدِّلي حملةِ العلم النبويِّ، أو تُهمتُهم بذلك، فذلك مما لا يَقْدَحُ على الإطلاق، وإنما يَقْدَحُ على من قال بمسألتين:
إحداهما: ردُّ المرسل، والثانية: الجرحُ بالتأويل.
لكنَّا قد قدَّمنا أن المرسَل مقبول عند الزيدية والمعتزلة والحنفية
_________________
(١) = بقوله: الشيخ الإمام الحجة أمير المؤمنين في الحديث، وقال في " الميزان " ٣/ ١٤١: وأما علي بن المديني، فإليه المنتهي في معرفة علل الحديث النبوي مع كمال المعرفة بنقد الرجال، وسعة الحفظ، والتبحر في هذا الشأن، بل لعله فرد زمانه في معناه.
[ ١ / ٣٥٨ ]
الوجه الثالث (من الوجوه الخمسة): أن اتصال الرواية بكتب الجرح والتعديل متعسرة أو متعذرة
الجواب على ما ذكره السيد من وجوه
الأول: أن كتب الجرح والتعديل مثل سائر المصنفات
والمالكية، وأنه قد ادُّعي إجماعُ التابعين على قبوله، وكذلك سوف يأتي إثبات إجماع الصحابة على قبول المتأولين من عشرِ طرق.
قال: الثالثُ أن اتَّصالَ الرواية بكتب الجرح والتعديل متعسِّرةٌ أو متعذِّرة على وجه العدالة الصحيحة.
أقول: السَّيِّد -أيَّده الله- متردِّدٌ متحيِّرٌ ما درى، أهذه الأمور مُتعسِّرةٌ أو مُتعذِّرة؟ فلا يزالُ يكرِّرُ الشكُّ في ذلك، والشاكُّ لا ينبغي له أن يعترض على من ادعى إمكان ما هو شاكٌّ في إمكانه، لأنَّ مِن شَرْطِ مَن جَوَّزَ شيئًا وشكَّ فيه أنْ لا يُكذِّبَ من ادَّعاه، فإنْ قَطَعَ السَّيدُ - أيَّده اللهُ- بتعذُّرِ ذلك سقط التكليفُ به، لأن التكليفَ لا يتعلَّق بما لا يُطاق، وإن جوَّز أنه مقدورٌ، فلا معنى لذكر تعسُّرِ المقدور متى كان واجبًا أو مندوبًا، كما قدَّمنا ذلك في التنبيهات المتقدمة. والجواب على ما ذكره السَّيِّد من وجوه:
الأول: أن كتب الجرحِ والتعديل مثلُ سائرِ المصنَّفات، فكما إنه يُمْكِنُ سماعُ سائر المصنفات في جميع العلوم، فكذلك يُمكن سماعُ كتب الجرح والتعديل، وليس إضرابُ منْ ليس له رغبة فيها عن سماعها يَدُلُّ على ما توهمه السَّيِّدُ، فإن طلبة علم الحديث في أقطار الإسلام محافظون على سماعها ملازمون لقراءتها، وشيوخُها موجودون في اليمن ومكة ومصر والشام والعراق والغرب، وسائر الأمصار الكبار في المملكة الإسلامية، والناس لا يزالون يخنلفون إلى هذه الأقطار والأمصار لأدنى الأغراض الدنيوية، ومن كان محبًّا للعلم طلبه حيث كان وارتحل في تحصيله إلى أبعد مكان. وقد روى الحاكم في " المستدرك " (١) عن جابر بن عبد الله الصحابي -﵁-: أنه سافر
_________________
(١) ٢/ ٤٢٧ - ٤٢٨ و٤/ ٤٣٧ - ٤٣٨، وصححه في الموضعين، ووافقه الذهبي مع =
[ ١ / ٣٥٩ ]
من شرف العلم
شهرًا كاملًا لطلب حديث واحدٍ، وهو حديثُ القِصَاصِ بلغه عن عبدِ الله بن أنيْس فسافر إليه إلى مصر حتَّى سمعَه مِنْهُ.
وقد ورد في صحيح مسلم عن النبيِّ - ﷺ - أنه قال: " ومَنْ سَلكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهَا عِلْمًا سَلَكَ اللهُ بِهِ طَرِيقًا إلى الجنَّة " (١) وقد ذكر العلماء فضل الرحلة، ومن أعظم ما يستدل به على فضلها قصة موسى -﵇- في طلب الخضر (٢) -﵇- فإنه لما قال الله له: إن لنا عبدًا هو أعلمُ مِنْكَ، ارتحل في طلبه، وسأل اللهَ لُقياه، وقال لفتاه: ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف: ٦٠]. والحقب: الدهر، وقيل: إنه ثمانون سنةً. هذا مع أنه كليمُ الرحمن، ومعلوم أنه لا يحتاج إلى الَخضِر -﵇- في معرفة شيء من الحلال والحرام. فهذه رحلة في طلب الزائد على الكفاية من العلمِ وفيها دليلٌ للمستكثرينَ مِن طلب المعارف، وقد قال الله تعالى لنبيِّه -﵇-: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] مع ما آتاه الله تعالى من العلم العظيم. فإذا كان الأمرُ كذلك، فلا معنى للتَّخذيل من طلبِ فنٍّ من علومِ الدين وإيهام الضعفاءِ أنه مِن جملة
_________________
(١) = أن في سنده عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب الهاشمي وهو صدوق إلا أن بعض أهل العلم تكلم فيه من قبل حفظه، فهو حسن الحديث، وأخرجه البخاري في " الأدب المفرد " (٩٧٠) وعلقه في موضعين من صحيحه من ١/ ١٧٣ في العلم: باب الخروج في طلب العلم و١٣/ ٤٥٣ في التوحيد وأحمد ٣/ ٤٩٥، والطبراني في " المعجم الكبير " والخطيب في الرحلة في طلب الحديث (٣١) وحسنه الحافظ في " الفتح "، ولعبد الله بن محمد بن عقيل متابع عند الطبراني في " مسند الشاميين " كما في " تغليق التعليق " ص ١٨٩٠ و١٨٩١ من طريق الحجاج بن دينار، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، وقال في " الفتح " ١/ ١٧٤: إسناده صالح.
(٢) هو في صحيح مسلم (٢٦٩٩) في الذكر والدعاء: باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر من حديث أبي هريرة.
(٣) تقدم تخريجه في الصفحة ٢١٨.
[ ١ / ٣٦٠ ]
الثاني: أن معرفة كتب الجرح والتعديل غير مشترطة في الاجتهاد عند جماهير العترة و
المحالات، فإن طلبة العلم إذا وقَفُوا على مِثْلِ كلام " السَّيِّد " مع جلالة قدره، ومع قُصور هِمَمهِمْ، كان ذلك مُفَتِّرًا لعزائمهم، مضعفًا لِهِمَمهِمْ.
الثاني: أن معرفة كتبِ الجرح والتعديل غيُر مشترطة في الاجتهاد عند جماهير العِترة ومنْ لا يحُصى من العلماءِ كثرة، لأنَّ أهلَ كُتُبِ الحديثِ من أهل البيت والمحدِّثين قد صَحَّحوا ما صنفوا، والعُهْدَةُ عليهم في ذلك، وهو المختارُ متى حصل الاتفاق في شروط التصحيح بين القابلِ له والمقبولِ منه، وإنما يحتاج إلى كُتُبِ الرجال عند الاختلاف في ذلك، أو في معرفة أحاديثِ المسانيد، كمسَند أحمد بن حنبل، ومسند الدَّارمي، ومسند بقي بن مَخْلَدٍ (١) وهو " المسند الكبير "، والمسند الكبير للحافظ الماسَرْجِسِي (٢)، وهمُا من أكبر دواوين الإسلام، فمسند الماسرجسي فرغ في ثلاثة آلاف جُزءٍ مهذَّبًا معللًا يأتي في مقدار ثلاث مئة مجلد كبار على أعظم ما يكون من التعليل، ومسند بَقِي قريبٌ منه، وغير هذه من كتب المسانيد ما لا يُحصى كثرة، وكُلُّها تحتاج إلى كُتُبِ الرجال، لأن شرط أهلِ المسانيد أن يرووا الصحيحَ والضعيف،
_________________
(١) هو الإمام شيخ الإسلام أبو عبد الرحمن بقي بن مخلد بن يزيد القرطبي الحافظ المتوفى سنة ٢٧٦ هـ. قال ابن حزم: كان إمامًا زاهدًا صوامًا صادقًا، كثير التهجد، مجاب الدعوة، قليل المثل، مجتهدًا، لا يقلد أحدًا، بل يفتي بالأثر، روى في مسنده عن ألف وثلاث مئة صاحب ونيف، ورتب حديث كل صاحب على أبواب الفقه، فهو مسند ومصنف، وما أعلم هذه الرتبة لأحد قبله مع ثقته وضبطه وإتقانه واحتفاله في الحديث. بغية الملتمس ص ٢٤٥، وتاريخ علماء الأندلس ١/ ٩١ - ٩٣، و" سير أعلام النبلاء " ١٣/ ٢٨٥ - ٢٩٦.
(٢) هو الحافظ البارع أبو علي الحسين بن محمد بن أحمد بن أحمد بن محمد بن الحسين بن عيسى النيسابوري المتوفى سنة ٣٦٥ هـ. قال الحاكم: هو سفينة عصره في كثرة الكتابة ارتحل إلى العراق في سنة إحدى وعشرين، وأكثر المقام بمصر، وصنف المسند الكبير مهذبًا معللًا في ألف جزء وثلاث مئة جزء، وجمع حديث الزهري جمعًا لم يسبقه أحد، وكان يحفظه مثل الماء، وصنف الأبواب والشيوخ والمغازي والقبائل وخرج على صحيح البخاري كتابًا، وعلى صحيح مسلم، وأدركته المنية قبل الحاجة إلى إسناده، ودفن علم كثير بدفنه تذكرة الحفاظ ٣/ ٩٥٦.
[ ١ / ٣٦١ ]
الوجه الرابع (من الوجوه الخمسة): أن تعديل هؤلاء الأئمة يقع على سبيل الإجمال غالبا
وُيبيِّنُو رجالَ الإسناد، ويُبدو صفحتَه، وعلى مَنْ أحب أن يعرف حكمه أن يَنْظُرَ في كتب الرجال، وأما أهلُ الصحاح والسنن (١) وكتب الأحكام، فإنهم يُبيِّنُونَ الصحيحَ وشروطَه عندهم، وكذلك الضعيف والحسن والمنكر والغريب والمعل والناسخ والمنسوخ وغير ذلك.
وقد بيَّنا نصوصَ العلماء على أن كتابًا مِن هذه الكتب يكفي منْ أرادَ الاجتهادَ (٢)، فما الموجبُ لمعرفة كتب الجرح والتعديل على كل تقدير.
ثم إنَّ السَّيِّد -أيَّده الله- نسيَ طريق أهل البيت -﵈- بالمرة. فنقول له: هَبْ أن كُتبَ الجرحِ والتعديل، وجميع تواليف مَنْ ليس بعدلٍ في التأويل قد تعسَّرَتْ وتعذَّرَتْ، وهَبْ أني ممن لا يقبل أهلَ التأويل، فما لك ولتعسير الاجتهاد، والتنفير عن طلب العلم؟! وهلاَّ أمرتني بطلب الاجتهاد من كتب أهل البيت -﵈- وتركْت التخذيل عن طلب الاجتهاد الذي هو أساسُ قواعدِ الإسلام.
قال: الرابع: أنَّ تعديلَ هؤلاء الأئمة مَنْ بينَهم وبينَ الرسولِ إنما يَقَعُ على سبيلِ الإجمال غالبًا، والتعديلُ الإجمالي إنما يَصِحُّ مِن موافقٍ في المذهب بعد كونِه عارفًا بوجوه الجرح والتعديل، عدلًا مَرْضِيًاّ. وقيل: لا يصح وإن كان المُعدِّلُ كذلك، بل لا بد من التفصيل، وقيل: يَصِحُّ الإجمال مطلقًا وهو ضعيف.
_________________
(١) فيه نظر، فإن أهل السنن يشاركون أصحاب المسانيد في إيراد الأحاديث الضعيفة في مصنفاتهم دون أن يبينوا درجتها إلا أن ذلك يعد قليلًا بالنسبة للمسانيد.
(٢) الصواب أنه لا بد من النظر في كتب الأحاديث التي يتاح له الوقوف عليها، ويتيسر له النظر فيها، والبحث في أسانيدها، والحكم عليها حسب القواعد المرسومة في كُتُبِ المصطلح ليتسنى له الإفادة من صحاحها وحسانها، واطراح ما لا يصح منها، ولا يغني الباحث المجتهد في هذا الباب اعتماد كتاب من كتب السنة وحده، والاقتصار عليه.
[ ١ / ٣٦٢ ]
الجواب عليه من وجوه:
الأول: أن هذه مسالة خلاف بين الأصوليين والمحدثين، فيها خمسة أقوال
أقولُ: ما أدري ما حمَلَ السَّيِّد -أيده الله- على حكايةِ المذاهب في هذه المسألة من غير ذكر شيء من الأدلة، وهو ممن لا يخفي عليه ما في هذا من الشين عند أهل هذا الشأن، وإنما يجب الإيمانُ بكلام الله تعالى، وكلامِ رسول الله - ﷺ -، فلو أنِّي عاملت السَّيِّدَ بمثلِ ما جاء به، لقلتُ: إن الذي ضعفه قويٌّ، وإنَّ ذلك ظاهر جليٌّ، فمجردُ الدعوى لا يَعْجِزُ عنها أحد، ولكن لا بد من الإشارِة إلى الدليل على قوة ما استضعفه -أيده الله- على سبيل الاختصار.
فأقول: الجوابُ على ما أورده مِن وجوه:
الوجه الأول: أن هذه مسألة خلاف بين الأصوليين والمحدِّثين، فقد حُكِيَ فيها خمسةُ أقوالٍ لأهل العلم:
منهم مَنْ قَبِلَ الإطلاقَ في الجرح والتعديل معًا.
ومنهم منْ منع ذلك فيهما معًا.
ومنهم منْ فصَّلَ.
واختلفوا على ثلاثة أقوال:
منهم مَنْ قَبِل الإجمال في التعديل دونَ الجرح، وهو اختيارُ الشافعي وجماعة، ومنهم من عكس هذا، وقال بعضهم: إنْ كان الجارحُ أو المعدِّلُ مِن أهلِ العلمِ، قُبِلَ، وإلا لم يُقْبَل، وأفاد السَّيِّد -أيَّده اللهُ- قولًا سادسًا: وهو أنه إن كان موافقًا في الاعتقاد، وكان مِن أهل العلم قُبِلَ وإلا لم يُقبل.
فإذا ثبتَ هذا الخلافُ الكثيرُ في هذه المسألة، فلا معنى للترسُّل
[ ١ / ٣٦٣ ]
الثاني: المختار الصحيح هو الاكتفاء في التعديل بالإطلاق، والدليل عليه من وجوه:
أحدها: أنا متى فوضنا أن المعدل ثقة مأمون .. فإنه يجب قبول قوله
ثانيها: أنه إما أن يترجح صدقه على كذبه أو لا
ثالثها: أن رد قوله تهمة له بالكذب والخيانة
خامسها: أن اشتراط التفصيل في التعديل يؤدي إلى ذكر اجتناب المعدل لجميع المحرمات
على مَنْ ذهب إلى أحد هذه الأقوال، فمن قويَ عنده بعضُها، فله العَمَلُ به، إذ ليس فيها ما هو مخالفٌ للإجماع القطعيِّ، ولا للنَّصِّ المتواترِ اللفظ، المعلومِ المعنى، فتعَرُّض السَّيِّد -أيده الله- للتشغيب بالكلام في هذه المسألة من جملة التَّعنتِ المنكر في كتابه، إذ لم يعهد من أهل هذا العلم إنشاءُ الرسائل إلى بعض منْ يخالِفُ في بعض مسائل أصولٍ الفقه مما الخلافُ فيه شائع بينَ الخلفِ والسَّلَفِ، لا سيما وقد أنكر السَّيِّد القولَ المشهور المعمولَ عليه عند الجمهور.
الثاني -وهو المعتمد في الجواب-: أن المختارَ الصحيحَ الَّذي قامت عليه الأدلة، ومضى عليه عملُ السَّلَفِ والخلف من هذه الأمة هو الاكتفاءُ في التعديل بالإطلاق، والدليلُ عليه وجوه:
أحدُها: أنَّا متى فرضنا أن المعدِّل ثقةٌ مأمون، وأخبرنا خبرًا جازمًا بتعديل رجلٍ آخر، فإنه يجب قبولُ قوله، لأنَّه خبر ثقة معروف بالعدالة والأمانة، فوجب قبولُ قولِه، كسائر أخبار الثقات.
وثانيها، أنه إمَّا أن يترجَّحَ صدقه على كذبه، أو لا، إن لم يترجَّحْ، لم يُقبل، لكن هذا التقدير لا يقع إلا مع معارضة غيره، وكلامُنا فيه إذا تجرَّدَ عن المعارض، وإن ترجَّح صدقُه، وجَبَ الحكمُ به، وإلا لزم المساواة بين الراجح والمرجوح، وهو باطل بالضرورة.
وثالثها: أن رَدَّ قَولِه تُهمة له بالكذب والخيانة، أو بالتقصير والإقدام على ما لم يَعْلَمْ، والفرض أنَّه عَدْلٌ مأمون، وتُهمةُ العدلِ المأمونِ بذلك محرَّمةٌ إلا لموجب، وما لا يَتِمُّ إلا بالمحرَّم لا يكون مشروعًا.
ورابعها: أن الله -تعالى- إنما شرط في الشاهد أن يكون ذا عدلٍ،
[ ١ / ٣٦٤ ]
وكذلك الراوي لم يُشترط فيه أكثرُ من العدالة، وليس حالُ المعدّل بأعظمَ مِن حال الشاهد والراوي، لأن عدالَة الراوي هي الأصلُ في اشتراط عدالة المُعدِّل، وعدالة المعدَّل هي فرع عليها، فكما أن العَدْل لا يجب عليه التفصيلُ فيما تحمَّله كذلك المعدِّل.
فإن قلت: فكيف التفصيلُ في الشهادة؟ قلتُ: إذا شَهِدَ بأن المال لزيدٍ، سُئِلَ عن سبب اعتقاده بكون المال لزيد، فربَّما أسند ذلك إلى ما لا يَدُلُّ على ذلك من خبر ثقةٍ، أو غير ذلك، وهذا يجوزُ على الثقة الذي ليس من أهل الثقة والمعرفة، وكذا الشهادةُ بالزوجية، وأمثال ذلك. يزيدُه وضوحًا أنَّ كُلَّ دليل دلَّ على وجوب قبول العدول بمجرد عدالتهم، فَهُوَ بعمومه يدل على قبولهم في جميع الأحوال، هل (١) أخبروا بِجرحٍ أو تعديل أو بغيرهما.
وخامِسُها -وهو الوجهُ المعتمدُ، وإنما هذه الوجوه المتقدمة شواهدُ له ومقوِّيات-: وهو أن اشتراطَ التفصيل في التعديل يؤدِّي إلى ذكر اجتناب المعدَّل لجميع المحرُّمات، وتأديته لجميع الواجبات على حسب مذهب المعدِّل في تفسير العدالة، فإن كان ممَّن يتشدَّدُ ذكر ذلك كُلَّه، وإن كان ممن يترخَّص ذكر اجتنابَه لجميع الكبائر، معددًا لها، ولجميع معاصي الأدنياء الدَّالة على الخِسَّة وقِلة الحياء، وقلة المبالاة بالدين، فيقول المعدِّل مثلًا: إن فلانًا ثقة عندي، لأني شاهدتُه يُقيم الصلواتِ الخمسَ، ويُحافظ عليها، ويصومُ رمضانَ، وُيؤدِّي الزَّكاةَ، ويؤدِّي فريضةَ الحجِّ إن كان ممَّن يلزمُه هاتان الفريضتان، ويذكر أنه يشهدُ أن لا إله إلا الله، وأن
_________________
(١) في هامش (أ) فوق كلمة هل ما نصه: أي: سواء أخبروا
[ ١ / ٣٦٥ ]
محمدًا رسولُ الله، وأن الله عالم قادر، ويُعدِّدُ سائر الصفات الذاتية والمقتضاة، وأنه يستحقها لذانه لا لمعنىً، ويذكر جميعَ ما يتعلَّقُ باعتقاده مِن مسائل الوعدِ والوعيد والإمامة والولاء والبراء (١) ثم يذكر محافظته على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأمثال ذلك من الواجبات مما يطولُ تعدادُه، ثم يذكرُ اجتنابَه للمقبِّحاتِ فيقول: إنه لا يقتُلُ النفس المحرَّمة، ولا يستحِلُّه، ولا يزني، ولا يلوطُ، ولا يشربُ كثيرَ الخمر ولا قليلَها، ولا يسرقُ، ولا يقذِفُ، ولا يَشْهَدُ الزُّور، ولا يَغْصِبُ أموالَ الناس، ولا يُربي، ولا يَفِرُّ من الزحف، ولا يأكُلُ الرِّبا، ولا أموالَ اليتامى، ولا يعُقُّ والديه، ولا يكذِبُ على اللهِ، ولا على رسوله، ولا على أحد، ولا يَكتُمُ الشهادَةَ بلا عذرٍ، ولا يُطفِّفُ في المكيال، ولا يبخس الميزانَ، ولا يؤخر الصلاة عن وقتها لغير عذر، ولا يضرِبُ مسلمًا بغير حق، ولا يُبْغِضُ أميرَ المؤمنين -﵇- ولا أحدًا مِن العِترة، ولا يَسُبُّ الصحابة، ولا يُبغِضُهم، ولا يأخُذُ الرشْوةَ، ولا يسعى إلى السلطان، ولا يُحرِّق الحيوان، ولا يتَّخِذُهُ غرضًا، ولا يقع في أهلِ العلم، وحَمَلَةِ القرآن، ولا يلعب بالنَّردِ، ولا بالحَمَام، ولا يكشِفُ عورَتَه في الحمَّام، ولا يتساهلُ في أكل الشبهات والحرام، ولا يَسْخَرُ، ولا يسْحَرُ، ولا ينِمُّ، ولا يُخاصِمُ بالباطل، ولا يتكبَّر من قول الحق، ولا يُرائي، ولا يُعْجَبُ بعمله، ولا يضحك في الصلاة، ولا يبولُ ويتغوَّط مستقبلَ القبلة ولا مستدبرَها، ولا يشربُ المثلث، ولا يفعل شيئًا من المختلَفِ فيه وهو يعتقدُ تحريمه، ولا يُباشر الأجنبية بغير جماع، ولا يُجامع زوجته في الحيض والنفاس -وإن كانت امرأة (٢): أنها لا تمتنع من زوجها بغير عذر، ولا تُسافر مِن غير
_________________
(١) في ب: والبراءة.
(٢) أي: المعدلة كما في هامش (أ).
[ ١ / ٣٦٦ ]
سادسها: أن العدل في نفسه ليس يجب أن يكون قد اختبر من عدله في جميع هذه الأمور
مَحْرَمٍ- ولا يحتكِرُ، ولا يبيع على بيع أخيه (١)، ولا يسوم على سومته (٢)، ولا يخطُب على خطبته (٣)، ولا يبيعُ لبادٍ وهو حاضر، ولا يتلَّقى الرُّكبان (٤)، ولا يُصَرِّي (٥)، ولا يبيعُ المعيبَ بغير بيان، ولا يدخل في شيءٍ من أنواعِ الغرر، ولا يستعملُ النجاسة في بدنه لغير حاجة، ولا يستعملُ اللهوَ بالغناء والمعازف، ونحو ذلك مما لا يكاد الإنسان يُحصيه مع التأمل الكثير.
وما زال المسلمون يعدِّلُون الشهود عند القضاة، ويُعدِّلون حملَة العلم والرواة من أول الإسلام إلى يوم النَّاسِ هذا، ما نَعْلَمُ أن أحدًا منهم عَدَلَ عن هذه الصَّفة، ولا ما يُقاربها، ولا ما يُدانيها، ولا نعلمُ أن أحدًا طلب من المعدِّلين، ولا مقدارَ نصفه، ولا ثُلثِه ولا رُبُعِه، وعملُ القضاةِ مستمر إلى يومِ النَّاس هذا على الاكتفاء بالتعديل الإجمالي.
وسادسها: أن المعدِّل في نفسه ليس يجب أن يكونَ قد اختبر من
_________________
(١) هو أن يشتري رجل شيئًا، وهما في مجلس العقد لم يتفرقا وخيارهما باق، فيأتي الرجل، ويعرض على المشتري سلعة مثل ما اشترى أو أجود بمثل ثمنها أو أرخص، أو يجيء إلى البائع فيطلب ما باعه بأكثر من ثمنه الذي باعه من الأول حتى يندم، ويفسخ العقد، فيكون البيع بمعنى الاشتراء.
(٢) صورته: أن يأخذ الرجل شيئًا ليشتريه بثمن رضي به مالكه، فيجيء آخر، ويزيد عليه يريد شراءه، فأما إذا لم يكن قد رضي به المالك، أو كان الشيء يطاف به فيمن يزيد، وبعض الناس يزيد في ثمنه على بعض، فذلك غير داخل في النهي.
(٣) وهو أن يخطب الرجل امرأة، فتجيبه أو يجيبه وليها إذا لم تكن المرأة ممن يعتبر إذنها، فليس للغير أن يخطب على خطبته.
(٤) صورته: أن يقع الخبر بقدوم عير تحمل المتاع، فيتلقاها رجل يشتري منهم شيئًا قبل أن يقدموا السوق، ويعرفوا سعر البلد بأرخص، فهذا منهي عنه لما فيه من الخديعة.
(٥) من التصرية: وهو أن يربط أخلاف الناقة أو الشاة ويترك حلبها اليومين والثلاثة حتى يجتمح اللبن في ضرعها، ثم تباع، فيظنها المشتري كثيرة اللبن، فيزيد في ثمنها.
[ ١ / ٣٦٧ ]
عدَّله في جميع هذه الأمور، فربَّما أن الإنسان يَصْحَبُ غيرَه السنين العديدة، ولا يَعْرِضُ له ما يُوجب خبرتَه في بعض هذه الأشياء، فإنه لا يختبره في أنه لا يكشِفُ عورَتَه في الحمام على التعيين، إلا إذا اتَّفق أنهما دخلا معًا الحمام، ورأى محافظته على ذلك، وظهرت قرائنُ أنه فعل ذلك لأجل الوجوب، لا بمجرد الحياء. وكذلك لا يختبرُه أنه يأكل أموالَ الأيتام إلا إذا وَجَدَ مال أيتامٍ، واحتاج إليه، وتركه مع الحاجة إليه وهو يُشاهد ذلك ونحوه مما يكثر تعدادُه، وَكُلُّ ذلك ليس بشرط في الاختبار، وإنما يشترط أن يرى مِن محافظته في أمور الدين ما يغلب على ظنِّه معه إنه ممن يُعَظِّمُ شعائرَ الدِّين وتَسُرُّه حسنتُه، وتسوؤه سيئته، ولا يُصرُّ على القبائح وإهمالِ الفرائض.
فإن قلت: أقلُّ من هذا التفصيل يكفي؟ قلنا: إما أن يكفي الإجمال، كفى قوله: إنه ثقة، وإما أن يجبَ التفصيلُ، فلا يجوزُ الاكتفاءُ بالإجمال في كل مكان، وأمَّا أن الإجمال يجوز في موضع ويمتنع في موضع فهذا تحكم. فإن قلتَ: إنَّما اشترطنا التفصيلَ مِن فاسق التأويلِ وكافرِه، لأنه لا يُؤمن أن يعدِّل من يعتقد عدالته وهو غيرُ عدل عند مَن لا يقبلُ المتأولين.
قلنا: لا معنى لهذا، لأنَّكم لا تقبلونه، سواء عدل على جهة الإجمال، أو على جهة التفصيل، ومن يقبله، فإنه لا يفرق بينَه وبينَ غيره في التعديل، لأنَّه إنما يخاف منه أن يُعدِّل المتأولين، فيجب ممَّن يقبلهم أن يقبَله، فإذًا إنما الخلاف في قبوله، وسيأتي أن القولَ بقبوله، وهو قولُ جماهيرِ أهلِ البيت، وجماهيرِ العلماء.
وأما الجرحُ، فالقولُ باشتراط التعيين فيه ممكن، لأن الجارح إذا
[ ١ / ٣٦٨ ]
الوجه الخامس: أن هؤلاء الأئمة في الحديث يرون عدالة الصحابة، ويرى أكثرهم أن الصحابي من رأى النبي وإن لم تطل رؤيته
قال: فلانٌ ليس بثقة، لأنَّه يتشربُ الخمر، أو يتعمد الكذبَ، كفى ذلك، ولم يلزم تعديدُ جميع المعاصي فظهر الفرق -والله سبحانه أعلم-.
قال: الخامسُ: أنَّ هؤلاء الأئمةِ في الحديث يَرَوْنَ عدالةَ الصحابة جميعًا، ويرى أكثرهُم أن الصحابيَّ مَنْ رأى النبيَّ - ﷺ - مؤمنًا به وإن لم تطُلْ ولا يُلازم. وهذان المذهبان باطلان، وببطلانهما يَبْطُلُ كثيرٌ من الأخبار المخرجة في الصحاح. أمّا المذهب الأول، فلأن مَنْ حارب عليًا مجروحٌ، ومَنْ قَعَدَ عن نصرته كذلك، لأن النبي - ﷺ - قد قال: " اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ، وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ، وانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ، واخْذُلْ مَنْ خذَلَهُ " (١).
_________________
(١) حديث صحيح رواه عن النبي - ﷺ - غير واحد من الصحابة، فأخرجه من حديث بريدة أحمد في "المسند" ٥/ ٣٤٧ و٣٥٠ و٣٥٨ و٣٦١، و" الفضائل " (٩٤٧) وابن حبان رقم (٢٢٠٤) بلفظ: "من كنت مولاه فعلي مولاه". وأخرجه من حديث البراء بن عازب أحمد في " المسند " ١/ ٢٨١، والفضائل (١٠٤٢) وابن أبي عاصم في السنة (١٣٦٣) وفيه زيادة " اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه ". وأخرجه من حديث زيد بن أرقم أحمد في " المسند " ٤/ ٣٦٨ و٣٧٠ و٣٧٢، والفضائل (٩٥٩) و(١٠٤٨) وابن أبي عاصم (١٣٦٢) و(١٣٦٤) و(١٣٦٥) و(١٣٦٧) و(١٣٦٩) و(١٣٧١) و(١٣٧٥)، والترمذي (٣٧١٣) والطبراني (٤٩٧١) و(٤٩٨٣) و(٤٩٩٦) و(٥٠٥٩) و(٥٠٦٥) و(٥٠٦٦) و(٥٠٦٩) و(٥٠٧١) و(٥٠٩٢) والحاكم ٣/ ١١٠، والدولابي في " الأسماء والكنى " ٢/ ٦١. وأخرجه من حديث علي أحمد ١/ ٨٤ و١١٨ و١١٩ و١٥٢ و٥/ ٣٦٦ و٤١٩، وابن أبي عاصم (١٣٦١) و(١٣٦٧) و(١٣٧٠). وفي الباب عن أبي أيوب الأنصاري، وجابر بن عبد الله، وابن عمر، وطلحة، وحبشي ابن جنادة، وسعد بن أبي وقاص عند ابن أبي عاصم (١٣٥٥) و(١٣٥٦) و(١٣٥٧) و(١٣٥٨) و(١٣٦٠) و(١٣٧٦). وعن اثني عشر رجلًا من الصحابة عند ابن أبي عاصم (١٣٧٣) وأحمد ١/ ١١٩. وانظر " مجمع الزوائد " ٩/ ١٠٣ - ١٠٩. وقال الحافظ ابن حجر في " الفتح " ٧/ ٧٤، ونقله عنه المُناوى في " فيض القدير " =
[ ١ / ٣٦٩ ]
وقال: " لا يُبْغِضُكَ يا عَلِيٌّ إلا مُنَافِقٌ " (١) وأقلُّ أحوالِ هذا أن لا تُقْبَلَ روايتُه. وأمَّا الثاني، فيلزمُهم أن يكونَ الأعرابيُّ الَّذي بالَ في مسجدِ رسول الله - ﷺ - (٢) عدلًا بتعديل الله، ولا يحتاجُ إلى تعديل أحد، وكذلك كثيرٌ من رواتهم الذين هم أعرابٌ، أو يَفِدُون عليه مرةً واحدةً، كما جاء في حديث وفد تميم (٣)، وأُنْزِلَ فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ
_________________
(١) = ٦/ ٢١٨: حديث كثير الطرق جدًا وقد استوعبها ابن عقدة في كتاب مفرد، وكثير من أسانيدها صحاح حسان. وفي بعضها قال ذلك يوم غدير خم، وزاد البزار في رواية (أي على قوله: من كنت مولاه فعلي مولاه): " اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وأحب من أحبه، وأبغض من أبغضه، وانصر من نصره واخذل من خذله ".
(٢) رواه مسلم (٧٨) والترمذي (٣٧٣٧) والنسائي ٨/ ١١٧، وأحمد في " المسند " ١/ ٨٤ و٩٥ و١٢٨، والفضائل (٩٤٨) و(٩٦١) وابن أبي عاصم في " السنة " (١٣٢٥)، وابن ماجة (١١٤) وأبو نعيم في " الحلية " ٤/ ١٨٥، والخطيب في تاريخه ١٤/ ٤٢٦ من طرق عن عدى بن ثابت، عن زِرِّ بن حبيش، عن علي قال: إنه لعهد النبي الأمي إلي: " إنه لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق " وفي الباب عن أبي سعيد الخدري عند الترمذي (٣٧١٨) وإسناده حسن في الشواهد، وعن أم سلمة عنده أيضًا (٣٧١٩) وأحمد ٦/ ٢٩٢ وسنده حسن أيضًا في الشواهد.
(٣) أخرجه البخاري (٢١٩) و(٢٢١) و(٦٠٢٥) ومسلم (٢٨٤) والنسائي ١/ ٤٨، وأحمد ٣/ ٢٢٦ من حديث أنس أن النبي - ﷺ - رأى أعرابيًا يبول في المسجد، فقال: دعوه حتى إذا فرغ دعا بماء، فصبه عليه، وفي رواية لمسلم: بينا نحن في المسجد مع رسول الله - ﷺ - إذ جاء أعرابي، فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله - ﷺ -: مه مه، قال: قال رسول الله - ﷺ -: " لا تزرِمُوه دعوه " فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله - ﷺ - دعاه، فقال له: " إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله ﷿ والصلاة وقراءة القرآن ثم دعا رسول الله - ﷺ - بدلو من ماء فشنَّه عليه. ورواه البخاري (٢٢٠) من حديث أبي هريرة قال: قام أعرابي، فبال في المسجد فتناوله الناس " فقال لهم النبي - ﷺ -: " دعوه وهريقوا على بوله سجلًا من ماء أو ذنوبًا من ماء، فإنما بعثتم ميسِّرين ولم تبعثوا معسِّرين ".
(٤) انظر " زاد المسير " ٧/ ٤٥٨، والواحدي في " أسباب النزول " ٢٢٠، ففيهما خبر الوفد من حديث جابر بن عبد الله، وفي سنده معلى بن عبد الرحمن الواسطي ضعفه الدارقطني وغيره، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به.
[ ١ / ٣٧٠ ]
اشتمال كلام السيد على مسائل:
المسألة الأولى: القدح على المحدثين بقبول المجهول حاله من الصحابة .. وهذا لا يقتضي القدح في صحة كتب الحديث لوجوه
الوجه الأول: أن القاريء فيها إن كان ممن يرى رأيهم
الوجه الثاني: أن هذا المذهب لا يختص به المحدثون .. بل هو مذهب مشهور
الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُون﴾ [الحجرات: ٤] وكحديث وفد عبد القيس (١).
أقولُ: قد اشتملَ كلامُه -أيَّده الله- على مسائل: الأُولى: القدحُ على المحدِّثين بقَبولِ المجهول حالُه مِن الصحابة، وقولهم: إن المجهول حالُه مقبولٌ لا يحتاجُ إلى تعديلِ مُعدِّل، وهذا لا يقتضي القدحَ في صحة كُتُبِ الحديث لوجوه:
الوجه الأوَّلُ: أن القارىء فيها أن كان ممن يرى رأيَهم، جاز له أن يعمل بذلك، لأنَّها مسألة ظنية، وللمجتهد أن يَعْمَلَ فيها برأيه، وإنما قلنا: إنها ظنية، لأن أدلتها مِن العمومات، وأخبارِ الآحاد والقياسِ ظنيَّةً، وللمجتهد أن يعمل فيها برأيه وليس فيها دليلٌ قاطِعٌ من براهين العقل، ومن ادَّعى شيئًا غيرَ ذلك، فليَدُلَّ عليه.
الوجهُ الثاني: أن هذا المذهب لا يختصُّ به المحدِّثونُ، فيرميهم به، بل هو مذهب منشور مشهور، منسوب إلى أكثر طوائف الإسلام، وقد نُسب إلى الزيدية والشافعية والحنفية والمعتزلة وغيرهم من أكابر العلماء. أمَّا الزيديةُ، فنسبه إليهم علاَّمتُهُم بغير منازعةٍ الفقيهُ عبدُ اللهِ بنُ زيد في كتاب " الدُّرر ".
_________________
(١) هم من ربيعة وخبرهم مطول عند البخاري (٥٣) و(٨٧) ومسلم (١٧) وأبو داود (٣٦٩٢) من حديث ابن عباس. وكانت مساكنهم بالبحرين وما والاها من أطراف العراق، وقد سبقوا جميع القرى إلى الإسلام، ففي البخاري (٨٩٢) من حديث ابن عباس أنه قال: إن أول جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد رسول الله - ﷺ - في مسجد عبد القيس بجُواثى من البحرين. وأخرجه أبو داود (١٠٦٨) ولفظه " إن أول جمعة جمعت في الإسلام بعد جمعة جمعت في مسجد رسول الله - ﷺ - بالمدينة لجمعة جمعت بجواثى قرية من قرى البحرين ". قال عثمان بن أبي شيبة -وهو شيخ أبي داود في هذا الحديث-: قرية من قرى عبد القيس.
[ ١ / ٣٧١ ]
وأمَّا الشافعيةُ، فنسبه إليهم المنصورُ بالله -﵇- في كتاب " الصَّفوَة " وغيره.
وأمَّا الحنفية، فمشهور عنهم.
وأما المعتزلة، فذكره الحاكم، وأبو الحسين، وابنُ الحاجب.
وسيأتي بيان هذه الجملة وقد مضى طرفٌ منها أيضًا.
قال الفقيه عبد الله بن زيد في كتاب " الدُّرَرِ المنظومة في أصول الفقه ": إنَّ مذهبنا قبولُ المجهول. قلتُ: هكذا على الإطلاق، سواءً كان صحابيًا أو غيرَ صحابي، وهذا أكثرُ تسامحًا مِن قول المحدِّثين. قال الفقيه عبد الله بن زيد في " الدُّرر" في بيان معنى المجهول: إنه قد يُذكر، ويُراد به مجهولَ العدالةِ، وقد يُراد به مجهولَ الضبط، وقد يُراد به مَنْ لَا يُعْرَفُ بمخالطة العلماء، والأخذِ عنهم، ومجالسةِ المحدِّثين، وقد يُراد به مَنْ لا يُعرف نسبُه ولا اسمُه.
قال: ومذهبنا أنه يُقْبَلُ خبرُ من هذه حالُه إلا مجهولَ الضَّبطِ، فسيأتي الكلامُ عليه، واحتج بقبول النبيِّ - ﷺ - للأعرابيين في رؤية الهلال (١)
_________________
(١) رواه ابن عباس قال: جاه أعرابي إلى النبي - ﷺ - فقال: " إني رأيت الهلال، فقال: أتشهد أن لا إله إلا الله، أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ قال: نعم، قال: يا بلال أذَّن في الناس أن يصوموا غدًا " رواه الترمذي (٦٩١) وأبو داود (٢٣٤٠)، والنسائي ٤/ ١٣١ - ١٣٢، وابن ماجة (١٦٥٢)، وابن حبان (٨٧٠)، والحاكم ١/ ٤٥٤، والدارمي ٢/ ٥، وابن الجارود في " المنتقى " (٣٧٩) و(٣٨٠) والطحاوي في " مشكل الآثار " ١/ ٢٠١ - ٢٠٢، والبيهقي في سننه ٤/ ٢١١ - ٢١٢، وفي سنده عندهم سماك بن حرب، وروايته عن عكرمة مضطربة، وهذا الحديث منها، وقد اختلفوا عليه فيه، فتارة رواه موصولًا، وتارة مرسلًا، انظر " نصب الراية " ٢/ ٤٤٣. لكن له شاهد من حديث ابن عمر ولفظه: " تراءى الناسُ الهلال، فأخبرت رسول الله - ﷺ - أني رأيته فصامه وأمر الناس بصيامه " أخرجه أبو داود =
[ ١ / ٣٧٢ ]
وبغير ذلك. فأما مجهولُ الضَّبطِ، فذكر أنه إن عُرِفَ أن ضبطَه أكثرُ قبِلَ بالاتفاق، أو أقلُّ ردَّ بالاتفاق، وإن استويا، فحكى الخلافَ، وقال: مذهبُنا قبولُه إذا لم يعلم من حاله شيء من ذلك، كذا نصَّ عليه، فدلَّ على أنه مقبولُ أيضًا، وإنما استثنيناه، لأنَّ الكلامَ عليه سيأتي منفردًا في موضع يشتمِلُ على حكاية الخلافِ، وذكر الدليل، ولأنه جهالة صفة معتبرة في الرَّاوي، فلا فرق بينَها وبينَ سائِر الصِّفات، واحتجاجُه بقبول الأعرابيين يدلُّ على ذلك -والله أعلم-.
وقال: ويقبل مَن ظاهره العدالة من غير اختبار لعدالته. ومعنى كونه عدلًا: أن يكونَ مؤديًا للواجبات، مجتنبًا للكبائر مِن المستقبحات. وقد ذكر المنصورُ باللهِ في أحدِ قوليه -ما لفظه-: ولسنا نعتبِرُ العدالة إلا في أربعةٍ: في الحاكم، والشَّاهِدِ، والإمامِ الأعظم، وإمامِ الصلاة. أو قال في الرابع: المفتي -الشك من قِبلي- ذكره في " هداية المسترشدين " من فتاويه -﵇- في الاحتجاج على وِلاية الفَسَقَةِ ومَنْ ليس بمأمون.
وهذا يقتضي مثلَ كلامِ عبدِ الله بن زيد، وقد ذكرتُ فيما تقدم أن ذلك أحدُ احتمالي أبي طالب في " المجزي "، وأرجحُ احتماليه في " جوامع الأدلة "، ولم أعْرِفْ للهادي والقاسم -﵉- نصًا في هذه المسألة، ولا ثبت أنهم نصُّوا على خِلاف كلام المنصورِ بالله، وأبي طالب والمحدِّثين، لأن كلامَهم في فاسق التأويل معروف، وليس لهم نصٌّ في مجهول الصحابة ولا مجهول غيرهم، ولا إجماعَ يقتضي وجوب النكير على مَنْ خالفه، ولم يزل الأصوليون يذكرون الخِلَاف في هذه المسألة من
_________________
(١) = (٢٣٤٢) وابن حبان (٨٧١) والحاكم ١/ ٤٢٣، وسنده قوي، وسيأتي كلام المصِنف عليه ص ٢٧٧.
[ ١ / ٣٧٣ ]
فائدتان في كلام الشيخ أبي الحسين البصري صاحب المعتمد
أحدهما: أنه روى مذهب المحدثين عن الصحابة، وقبولهم أحاديث الأعراب
ثانيهما: روايته أن الفقهاء ذهبوا إلى ما ذهب إليه المحدثون
غير نكير، ولا قدح على من اختار ذلك، فما خصَّ المحدِّثين بالنكير؟ وقد صرَّح الشيخُ أبو الحسين في " المعتمد" (١) باختيار مذهب المحدِّثين، فقال -ما لفظه-: واعلم أنه إذا ثبت اعتبارُ العدالة وغيرِها مِن الشروط التي ذكرناها، وجب إن كان لها ظاهرٌ أن نعتمِدَ عليه، وإلا لَزِمَ اختبارُها. ولا شُبهة أن في بعض الأزمان كَزَمَنِ النبي - ﷺ - قد كانت العدالةُ منوطة بالإسلام، وكان الظاهرُ من المسلم كونَه عدلًا. ولهذا اقتصر النبيُّ - ﷺ - في قبولِ خبرِ الأعرابيِّ عن رؤيةِ الهِلال على ظاهر إسلامه، واقتصرت الصحابةُ على إسلامِ مَنْ كان يروي الأخبار من الأعراب. فأمَّا الأزمانُ التي كثرت فيها الخياناتُ ممن يعتقد الإسلام، فليس الظاهرُ من إسلامِ الإنسان كونه عدلًا، فلا بد من اختباره. وقد ذكر الفقهاء هذا التفصيل. انتهى كلامُ الشيخ. وفيه فائدتان:
أحدهُما: أنه روى مذهب المحدِّثين عن الصحابة وأنهم كانوا يقبلون أحاديثَ الأعراب، بل هذا أوسع من مذهب المحدِّثين لأنهم اقتصروا على من رأى النبي مِن الأعراب.
وثانيهما: روايته أن الفقهاء ذهبوا إلى ما ذهب إليه المحدثون، بل إلى قبول جميع المسلمين في وقته -﵇- وإن لم يكونوا أصحابه.
وقال الحاكم في " شرح العيون، -ما لفظه-: واحتجُّوا بأن النبيَّ - ﷺ - قبل خبر الأعرابيِّ لما أظهر الشهادتين ولم يعتبِرْ شيئًا آخر.
والجواب: وَلِمَ قلتَ: إنَّه لم يعْرِفْ مِن أحواله ما اقتضى العدالة.
_________________
(١) ٢/ ١٣٦.
[ ١ / ٣٧٤ ]
وأيضًا، فإن أحوال المسلمين كانت أيامَ رسول اللهِ - ﷺ - معلومةً، وكانت مستقيمة مستغنية عن اعتبارها، فلم يحتجْ إلى استئناف نظرٍ، وحديثُ الأعرابيِّ الذي احتجَّ به الشيخ أبو الحسين والحاكم معروف عند أهل الحديث. قال ابن حجر في كتاب الصيام من " تلخيصه ": رواه أصحابُ السُّنن الأربعة، وابن خزيمة وابن حبَّان، والدارقُطني، والبيهقي، والحاكم من حديث سماك عن عكرمة، عن ابن عباس، وروي مرسلًا عن عكرمة من غير ذكر ابن عباس، ورجحه النسائي (١).
وذكر ابن الحاجب في " المنتهي " عن المعتزلة مثل قول المحدِّثين، إلا في من حارب عليًا، ولفظه: وقالت المعتزلة: عدولٌ إلا من حارب عليًا. وهذا هو الذي أنكره السَّيِّد على المحدثين، فأمَّا حربُ علي -﵇- فهو فسقٌ بغيرِ شَكٍّ، ولكن ليس يجرح به في الرواية متى وقع على وجه التأويل كما يأتي بيانُه. وعن معمر البَصري عن أبي العوَّام البصريِّ قال: كتب عُمَرُ إلى أبي موسى، وساق كتابَه الطويل في القضاء، وفيه من كلام عمر: والمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُم عَلى بَعْضٍ في الشَّهَادَاتِ إلاَّ مَجْلُودًا في حَدٍّ، أو مُجرَّبًا عَلَيْهِ شَهَادَةُ الزُّور، أو ظَنِينًا في وَلاء أوْ نَسَبٍ، فإنَّ الله تَوَلَّى مِن العِبَادِ السَّرَائِرَ، وَسَترَ عليهم الحُدُودَ إلا بالبينات والأيمانِ، وساق بقيةَ كتابه. رواه البيهقي (٢) هكذا، ثم قال: وهو
_________________
(١) " التلخيص الحبير " ٢/ ١٨٧، وتمامه فيه: وسماك إذا تفرد بأصل لم يكن حجة.
(٢) هو في " سننه " ١٠/ ١٥٠ من طريق جعفر بن برقان، عن معمر البصري، عن أبي العوام البصري قال: كتب عمر إلى أبي موسى وأخرجه أبو عبيد من طريق كثير بن هشام عن جعفر بن برقان، عن معمر البصري، عن أبي العوام وقال سفيان بن عينية: حدثنا إدريس أبو عبد الله بن إدريس قال: أتيت سعيد بن أبي بردة، فسألته عن رسل عمر بن الخطاب التي كان يكتب بها إلى أبي موسى الأشعري، وكان أبو موسى قد أوصى إلى أبي بردة، فأخرج إليه كتبًا، فرأيت في كتاب منها رجعنا إلى حديث أبي العوام قال: كتب عمر إلى أبي موسى
[ ١ / ٣٧٥ ]
الوجه الثالث: أن الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة والإجماع آثار من السنة
الأثر الأول: حديث "أوصيكم بأصحابي ثم الذين يلونهم "
كتابٌ معروف مشهور لا بُدَّ للقضاة مِن معرفته والعملِ به. انتهي كلام البيهقي.
وفيه ما يَدُلُّ على مثلِ مذهب المحدِّثين من عدالة المجاهيل في ذلك العصر، وأنَّ مذهَبَهم هذا مشهور في السَّلَف والخَلَفِ غير محدث، ولا مستبعد، ولا مستنكر. وعن شقيقِ بنِ سَلَمَةَ قال: أتانا كتابُ عمر: أن الأهِلَّة بعضُها أكبرُ من بعض فإذا رأيتُم الهلالَ نهارًا، فلا تُفْطِرُوا حتى يشهدَ رجلانِ مسلمانِ أنهما أهلاه بالأمس، وفي رواية: يشهد شاهدان أنهما رأياه بالأمسِ، رواه الدارقطني والبيهقي (١) باللفظين المذكورين قال: وهو أثر صحيح ذكره ابنُ النحويِّ في " خلاصة البدرِ المنير ".
الوجه الثالثُ: أن الأدلةَ قد دلَّت على ذلك من الكتاب والسنة والإجماع، أمَّا الكتابُ، فذلك كثيرٌ في غيرِ آيةٍ مثل قَولهِ تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
وأما السُّنة، ففي ذلك آثارٌ كثيرة نذكر منها نُبذةً يسيرة:
الأثر الأول: ما روى ابنُ عمر عن عُمَرَ أنَّ النبي - ﷺ - قام فيهم فقال: " أُوصِيكُمْ بِأصْحَابِي ثُمَّ الَّذِين يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِين يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَفْشُوا الكَذِبُ حَتَّى يَحْلِفَ الرَّجُلُ ولا يُسْتحْلَفُ، ويَشْهَدُ الشَّاهِدُ ولا يُسْتشْهَدُ " الحديث (٢) رواه أحمد والترمذي، وقد رواه عن شعبةَ أبو داود الطيالسيُّ
_________________
(١) هو في سنن الدارقطني ٢/ ١٦٨ من طريقين عن سفيان حدثني منصور، عن أبي وائل، وأخرجه البيهقي ٤/ ٢١٢ - ٢١٣ من طريق سفيان به، وأخرجه أيضًا من طريق روح عن شعبة، عن سليمان الأعمش، عن أبي وائل
(٢) هو في مسند أحمد ١/ ١٨ و٢٦، والترمذي (٢١٦٥) وقال: حسن صحيح، وأخرجه الشافعي في " الرسالة " (١٣١٥) والطيالسي (٣٤)، وصححه الحاكم ١/ ١١٣ - ١١٤، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا.
[ ١ / ٣٧٦ ]
الأثر الثاني: حديث: " .. يا بلال أذن في الناس أن يصوموا غدا "
عن عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة عن عمر، وله طرق أخرى وهو حديث مشهور جيِّد، قال ذلك الحافظُ ابنُ كثير في " إرشاده ".
وذكر أبو عمر بنُ عبد البرِّ في أول كتاب " الاستيعاب " له شواهدَ كثيرة بلفظ: " خَيْرُكُم القرْنُ الَّذين بُعِثْتُ فِيهِم، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُوَنهُم ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ " (١) عن ابن مسعود، وعِمران بن حُصين، والنُّعمان بنِ بشير، وبُريدة الأسلميِّ، وجعدة بنِ هبيرة. وذكر المنصور بالله في " المجموع المنصوري " أنه لا يُسأل عن عدالةِ ثلاثة قُرون وأن ذلك معلوم، أو معروف لأهل الفقه.
قلتُ: وفيه ما يدلُّ على أنَّ المراد بأصحابه أهلُ زمانه، بدليل قولِه: ثُمَّ الذينَ يلونهم.
الأثرُ الثاني: عن ابنِ عباس -﵄- قال: جاء أعرابيٌّ إلى النبيِّ - ﷺ - فقال: إني رأيتُ الهِلَال -يعني رمضانَ- فقال: أتشْهَدُ أنْ لا إله إلا اللهُ، وأنَّ محمدًا رَسُولُ اللهِ؟ قال: نعم. فقال: يا بلالُ أذِّنْ في الناسِ أن يصُومُوا غدًا (٢). رواه أهلُ السُّنَنِ، وابنُ حِبَّان صاحب الصحيح (٣)، والحاكم أبو عبد الله الشِّيعيُّ العلامة، وقال: هو حديثٌ
_________________
(١) تقدم تخريجه في الصفحة ١٤٤ من حديث عمران بن حصين، وعبد الله بن مسعود وأبي هريرة، وحديث النعمان بن بشير أخرجه أحمد ٤/ ٢٦٧، والطبراني، وابن أبي شيبة كما في الجامع الكبير، وحديث جعدة بن هبيرة أخرجه الطبراني في " الكبير " (٢١٨٧)، وقال الحافظ في " الفتح ": ورجاله ثقات إلا أن جعدة مختلف في صحبته. وقالا في " المجمع " ١٠/ ٢٠: ورجاله رجال الصحيح إلا أن أدريس بن يزيد الأودي لم يسمع من جعدة.
(٢) تقدم تخريجه ص ٣٧٢.
(٣) طبع الجزء الأول منه بمؤسسة الرسالة بتحقيقنا، والثاني قيد الطبع، وسيصدر قريبًا إن شاء الله.
[ ١ / ٣٧٧ ]
الأثر الثالث: حديث أبي محذورة، فإن الرسول - ﷺ - علمه الأذان عقيب إسلامه واتخذه مؤذنا
الأثر الرابع: أن رسول الله - ﷺ - أرسل عليا ومعاذا قاضيين أو مفتيين
صحيح، وذكره الحاكم أبو سعد في " شرح العيون "، واحتجَّ به أبو الحسين في " المعتمد "، واحتج به الفقيه عبدُ الله بن زيد.
الأثرُ الثالثُ: حديثُ أبي محذورةَ، فإنَّ رسول الله - ﷺ - علَّمه الأذانَ عقيبَ إسلامه واتَّخذه مؤذِّنًا (١)، وذلك يدلُّ على عدالته مِن قِبَلِ الخِبرة، لأنَّ العدالةَ معتبرة في المؤذِّن، إذ هو مخبرٌ بدخول وقت الصلاة، معتمد عليه في تأدية الفرائض وفي إجزائها.
الأثرُ الرابعُ: وهو أثرٌ صحيح ثابت في جميع دواوين الإسلام، بل متواترُ النقلِ، معلومٌ بالضرورة، وهو عندىِ حُجَّة قويةٌ صالحةٌ للاعتماد عليها، وذلك أنَّ رسول الله - ﷺ - أرسل عليًّا -﵇- ومعاذًا -﵁- قاضيين أو مفتيين ومعلمين (٢)، ولا شكَّ أن القضاءَ متركب على
_________________
(١) أخرجه مسلم (٣٧٩) وأحمد ٣/ ٤٠٩، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ١٣٠، وأبو داود (٥٠٥).
(٢) أخرج البخاري (٤٣٤٩) من طريق أبي إسحاق، سمعت البراء ﵁: بعثنا رسول الله - ﷺ - مع خالد بن الوليد إلى اليمن، قال: ثم بعث عليًا بعد ذلك مكانه، فقال: مر أصحاب خالد من شاء منهم أن يعقب معك فليُعقب، ومن شاء فليقبل، فكنت فيمن عقب معه، قال: فغنمت أواقي ذواتِ عدد. وأخرج أحمد ١/ ١١١، وأبو داود (٣٥٨٢) من طريقين، عن شريك بن عبد الله القاضي، عن سماك بن حرب، عن حنش بن المعتمر، عن علي قال: بعثني رسول الله - ﷺ - إلى اليمن، قال، فقلت: يا رسول الله تبعثني إلى قوم أسن مني، وأنا حديث السن لا أبصر القضاء قال: فوضع يده على صدري، وقال: اللهم ثبت لسانه، واهد قلبه، يا علي إذا جلس إليك الخصمان، فلا تقض بينهما حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول، فإنك إذا فعلت ذلك تبين لك القضاء، قال: فما اختلف علي قضاء بعد، أو ما أشكل علي قضاء بعد. وأخرجه مختصرًا أحمد ١/ ٩٠، والترمذي (١٣٣١) من طريق حسين بن علي الجعفي، عن زائدة، عن سماك به. وحديث معاذ أنه لما أراد أن يبعثه إلى اليمن قال له: كيف تقضي قد تقدم تخريجه ص ٢٥٨. =
[ ١ / ٣٧٨ ]
الأثر الخامس: أن عليا كان يستحلف بعض الرواة، فإن حلف صدقه
الأثر السادس: حديث الجارية السوداء
الشهادة، والشهادة مبنيَّة على العدالة، وهما لا يعرفانِ أهلَ اليمن، ولا يخبُرانِ عدالَتَهم، وهم بغيرِ شكٍّ لا يَجِدُونَ شهودًا على ما يجري بينَهم من الخصوماتِ إلا منهم، فلولا أنَّ الظاهِرَ العدالةُ في أهلِ الإسلام ذلك الزَّمان، وإلا ما كان إلى حكمهما بَيْنَ أهلِ اليمن على الإطلاق سبيل.
الأثر الخامسُ: ما ثبت عن عليٍّ -﵇- أنه كان يستحلِف بعضَ الرُّواة، فإن حلف صدَّقه (١). وقد قدَّمنا أنه رواه المنصورُ بالله محتجًا به، وكذلك الإمامُ أبو طالب. وقال الحافظ ابنُ الذهبي: وهو حديثٌ حسنٌ.
والتحليفُ ليس يكون للمخبورين المأمونين، وإنما يكون لمن يُجْهَلُ حالُه، ويجب قبولُه فيقوى -﵇- بيمينه طيبةً لنفسه، وزيادةً في قوة ظنه. ولو كان المستحلَفُ ممن يَحْرُمُ قبولُهُ، لم يحلَّ قبولُه بعدَ يمينه.
وفي هذا أعظمُ دليل على أنه -﵇- إنما اعتبر الظَّنَّ في الأخبار.
الأثرُ السادسُ: حديثُ الجارية السَّوداءِ راعيةِ الغنم التي أراد -﵇- أن يتعرَّفَ إيمانَها، ويختبِرَ إسلامها، فقال لها: منْ رَبُّكِ؟ فأشارت، أي: ربها الله، وسألها: من أنا؟ فقالت: رسولُ الله، فقال -﵇-: " هي مؤمنة ". والمؤمن مقبول. وقد وصف الله رسول الله - ﷺ - بتصديقه للمؤمنين في قوله تعالى في صفته: ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦١] فهذه الجارية حكم -﵇- بإسلامها مِن غير اختبار، بل لم يَكنْ يَعْرِفُ أنَّها مسلمة إلا حينئذٍ، وحديثُها هذا حديثُ
_________________
(١) = وفي البخاري (٤٣٤١) و(٤٣٤٥) ومسلم (١٧٣٣) أن النبي - ﷺ - بعث أبا موسى الأشعري ومعاذًا إلى اليمن، فقال: " يَسِّرا ولا تعسِّرا وبشِّرا ولا تنفِّرا وتطاوعا ".
(٢) تقدم تخريجه ص ٢٨٤.
[ ١ / ٣٧٩ ]
ثابتٌ خرَّجه مسلم في الصحيح (١)، ورواه الشافعي عن مالك. ذكره ابنُ النَّحويِّ في " البدر المنير" وله طُرُق جَمَّةٌ ذكرها ابنُ حجرٍ في " تلخيصه " (٢) ويأتي ذكرُها في مسألة الوعيد.
_________________
(١) أخرج مسلم (٣٥٧)، وأبو عوانه ٢/ ١٤١، وأبو داود (٩٣٠) و(٩٣١)، وابن أبي شيبة (٨٤) في الإيمان، والنسائي ٣/ ١٤، والدارمي ١/ ٣٥٣، وابن الجارود في المنتقى ص ١١٣ - ١١٤، والطيالسي (١١٠٥) وأحمد ٥/ ٤٤٧ - ٤٤٨. والبيهقي في " سننه " ٢/ ٢٤٩ - ٢٥٠ و٧/ ٣٨٧، وفي الأسماء والصفات ص ٤٢١ - ٤٢٢. وابن حبان (١٦٥)، وابن خزيمة في " التوحيد " ١٢٢، وعثمان بن سعيد في " الرد على الجهمية " ٢١، ٢٢، والطبراني في " الكبير " ١٩/ ٩٨ و٣٩٨، وابن أبي عاصم في " السنة " (٤٨٩)، وابن عبد البر في " التمهيد " ٧/ ١٣٥ كلهم من طريق يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار، عن معاوية بن الحكم السلمي قال: قلت: يا رسول الله إنه كانت لي جارية ترعى قبلَ أحد والجوانية، فاطلعت ذات يوم، فوجدتُ الذئب قد ذهب بشاة من غنمها وأنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون، فصككتُها صكة، فعظم ذلك على النبي - ﷺ -، فقلت: يا رسول الله أعتقها؟ قال: ائتني بها، فأتيته بها، فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة. وأخرجه مالك في " الموطأ " ٢/ ٧٧٦ - ٧٧٧، ومن طريقه الشافعي في " الرسالة " (٢٤٢) عن هلال بن أسامة، عن عطاء بن يسار، عن عمر بن الحكم قال: أتيت رسول الله بجارية، فقلت: يا رسول الله، علي رقبة أفأعتقها؟ فقال لها رسول الله - ﷺ -: " أين الله؟ قالت: في السماء، فقال: ومن أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: فأعتقها ". قال الإمام السيوطي في " تنوير الحوالك " ٣/ ٥: قال النسائي: كذا يقول مالك: عمر ابن الحكم، وغيره يقول: معاوية بن الحكم السلمي، وقال ابن عبد البر: هكذا قال مالك: عمر بن الحكم، وهو وهم عند جميع أهل العلم بالحديث، وليس في الصحابة رجل يقال له: عمر بن الحكم، وإنما هو معاوية بن الحكم، كذا قال فيه كل من روى هذا الحديث عن هلال أو غيره ومعاوية بن الحكم معروف في الصحابة، وحديثه هذا معروف له، وممن نص على أن مالكًا وهم في ذلك البزار وغيره. وأما رواية المؤلف -وقد رواها بالمعني- فهي في " المسند " ٢/ ٢٩١، وسنن البيهقي ٧/ ٣٨٨ وفي سنده عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة المسعودي -وكان قد اختلط- وراويه عنه وهو يزيد بن هارون قد سمع منه أحاديث مختلطة. وانظر لزامًا سنن البيهقي ٧/ ٣٨٧، والأسماء والصفات ص ٤٢٢ - ٤٢٣، والتمهيد ٧/ ١٣٥.
(٢) ٣/ ٢٢٢ - ٢٢٣.
[ ١ / ٣٨٠ ]
الأثر السابع: حديث يسلم الكافر فيرسله - ﷺ - إلى قومه داعيا لهم إلى الإسلام
الأثر الثامن: حديث عقبة، وفيه اعتبار خبر هذه الأمة السوداء
الأثر السابع: أن الأعرابيَّ الكافِرَ كان يأتي النبيَّ - ﷺ - فَيُسْلِمُ، فيأمرُه -﵇- إلى قومه داعيًا لهم إلى الإسلام، ومعلمًا لهم ما علمه النبيُّ - ﷺ - من شرائعه فلولا عدالتُه ما أقرَّه على ذلك، ولا أمره به، ولقال له: إنَّه لا يَحِلُّ لقومك أن يعملوا بشيءٍ مما علمتهم مِن شرائع الإسلام حتى يختبروك بعدَ إسلامك، وهذا كثير في السيرة النبوية، وكتب السُّنة مثل خبرِ الطُّفيل بنِ عمرو (١) وغيره.
الأثر الثامن: حديثُ عقبة بن الحارث المتفق على صحته (٢) وفيه أنَّه تزوَّجَ أمَّ يحيى بنت أبي إهاب، فجاءت أمةٌ سوداء، فقالت: قد أرْضَعْتُكُما، فَذَكَرْتُ ذلك لِلنبيِّ - ﷺ - فأعرضَ عَنِّي، قالت: فتنحيتُ، فذكرتُ ذلك له. قال: وكيفَ قد زَعَمَتْ أنْ قَدْ أرْضعَتْكُمَا؟ -هذا لفظُ
_________________
(١) في الأصل: عامر، والتصحيح من " أسد الغابة " ٣/ ٧٨، والاستيعاب ٢/ ٢٣٠، والإصابة ٢/ ٢٥٥، قال ابن عبد البر: هو الطفيل بن عمرو بن طريف بن العاص بن ثعلبة بن سليم بن فهر بن غنم بن دوس الدوسي من دوس، أسلم وصدق النبي - ﷺ - بمكة، ثم رجع إلى بلاد قومه من أرض دوس، فلم يزل مقيمًا بها حتى هاجر رسول الله - ﷺ -، ثم قدم على رسول الله - ﷺ - وهو بخيبر بمن تبعه من قومه، فلم يزل مقيمًا مع رسول الله - ﷺ - حتى قبض - ﷺ -، ثم كان مع المسلمين حتى قتل باليمامة شهيدًا، وانظر خبر إسلامه مطولًا في " أسد الغابة " ٣/ ٦٨ - ٨١، وشرح المواهب ٤/ ٣٧ - ٤١، و" زاد المعاد " ٣/ ٦٢٤ - ٦٢٨ بتحقيقنا، وفي البخاري (٢٩٣٧) و(٤٣٩٢) (٦٣٩٧) ومسلم (٢٥٢٤) وأحمد ٢/ ٢٤٣ و٤٤٨ و٥٠٢، والحميدي (١٠٥٠) عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء الطفيل بن عمرو إلى النبي - ﷺ -، فقال: إن دوسًا قد هلكت، عصت وأبت، فادع الله عليهم، فقال: " اللهم اهْدِ دوسًا وائت بهم ".
(٢) هو في البخاري (٨٨) و(٢٠٥٢) و(٢٦٤٠) و(٢٦٥٩) و(٢٦٦٠) و(٥١٠٤) وليس هو في مسلم كلما توهم المؤلف كما في " تحفة الأشراف " ٧/ ٢٩٩ - ٣٠٠، وأخرجه الترمذي (١١٦١) وأبو داود (٣٥٨٦) و(٣٥٨٧) وأحمد ٤/ ٧ و٨ و٣٨٣ و٣٨٤، وعبد الرزاق (١٣٩٦٧) و(١٥٤٣٦) والطبراني في " الكبير " ١٧/ ٣٥١ - ٣٥٤، والنسائي كما في " التحفة ".
[ ١ / ٣٨١ ]
الأثر التاسع: حديث المسور بن مخرمة " .. فارجعوا حتى يرفع عرفاؤكم أمركم " الحديث
البخاري ومسلم (١) - وفيه اعتبارٌ خبرِ هذه الأمَةِ السوداءِ، والفرقُ بَيْنَ زوجين بكلامهما، ولم يأمره بطلاقٍ، ولا أخبره أنَّ ذلك يُكره مَع الجواز. وفي رواية الترمذي (٢): أنه زعم أنها كاذبة، وأن النبيَّ - ﷺ - نهاه عنها. وهو حديث حسن صحيح.
وقال ابنُ عباس: تُقْبَلُ المرأةُ الواحِدة في مِثْلِ ذلك مع يمينها. وبه قال أحمد وإسحاق.
قلتُ: إنما اعتبر اليمين من أجل حقِّ المخلوقين، وكذا من خالف من أهل العِلم في هذه المسألة، فأما حقوقُ الله -تعالى- فخبرُ المرأة الواحدة فيه مقبول اتفاقًا.
الأثر التاسعُ: ما رواه المِسْوَرُ بن مَخرَمَةَ: أن رسول الله - ﷺ - قام في المسلمين، فأثنى على الله، ثم قال: " أمَّا بَعْد، فإنَّ إخْوَانَكُم -يعني هَوازِنَ- قد جاؤوا تائِبينَ، وإنِّي قد رأيتُ أن أرُدَّ إلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُم أن يُطَيِّبَ ذلِكَ، فَلْيفْعَلْ " إلى قوله: فقال الناسُ: قد طيَّبْنَا ذلِكَ فقال: " إنا لا نَدْرِى مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ، فَارْجِعُوا حتَّى يَرْفَعَ عُرَفَاؤُكُم أمرَكُم " الحَدِيثَ. رواه البخاري (٣).
_________________
(١) تقدم التنبيه على أن الحديث من أفراد البخاري، ولم يخرجه مسلم.
(٢) بل هي في إحدى روايات البخاري (٥١٠٤) في النكاح: باب شهادة المرضعة.
(٣) برقم (٤٣١٨) في المغازي: باب قول الله: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ﴾ ولفظه بتمامه: أن رسول الله - ﷺ - قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين فسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم، فقال لهم رسول الله - ﷺ -: معي من ترون، وأحب الحديث إلي أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين: إما السبي، وإما المال، وقد كنت استأنيت بكم -وكان أنظرهم رسول الله - ﷺ - بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف- فلما تبين لهم أن رسول الله - ﷺ - غير رادٍّ إليهم إلا إحدى الطائفتين، قالوا: فإنا نختار سبينا، فقام رسول الله - ﷺ - في المسلمين، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فإن إخوانكم قد جاؤونا تائبين،
[ ١ / ٣٨٢ ]
فالظاهر عدمُ معرفةِ حالِ العُرَفَاء في العدالةِ، فهذا من الأثر.
ومِنَ النَّظَرِ أن صِدقَهم مظنونٌ، وفي مخالفته مضرَّةٌ مظنونةٌ، والعملُ بالظَّنِّ من غير خوفٍ مضرَّةٍ حسنٌ عقلًا. ومع خوف المضرَّة المظنونة واجبٌ عقلًا، وإنما خصصناهم بذلك، لما علمنا من صدقهم وأمانتهم في غالب الأحوال، والنادِرُ غيرُ معتبر، إذ قد يجوزُ أن يَكْذِبَ الثِّقَةُ، ولكن ذلك تجويزٌ مرجوحٌ نادر الوقوع فلم يعتبر، والذي يدلُّ على صِحَّة ما ذكرنا: أن أخسَّ طبقات أهل الإسلامِ من يتجاسرُ على الإقدامِ على الفواحش من الزنى وغيره من الكبائر لا سيّما فاحشة الزنى، وقد علمنا أن جماعة مِن أهلِ الإسلام في زمان رسولِ الله - ﷺ - وقعوا في ذلك من رجالٍ ونساءٍ، فَهُمْ فيما يظهرُ لنا أقلُّ الصحابة دِيانةً، وأخفُّهم أمانةً، ولكنهم مع ذلك فعلوا ما لا يكادُ يفعلُه أورعُ المتأخرين، ومن يَحِقُّ له منصِبُ الأمانةِ في زُمرة الأولياء والمتقين، ومَنْ بَذَلَ الروح في مرضاة اللهِ، أو المسارعة بغير إكراهٍ إلى حُكْمِ اللهِ، مثلَ المرأةِ التي زنت، فجاءت إلى رسولِ الله - ﷺ - تُقِرُّ بذنبِها، وتسألُه أن يُقِيمَ عليها الحَدَّ، فجعل -﵇- يستثبتُ في ذلك، فقالت: يا رسولَ الله إنِّي حُبلى به، فأمرها أن تُمهل حتَّى تَضَعَ، فلمَّا وَضَعَتْ، جاءت بالمولود فقالت: يا رسولَ اللهِ هو هذا قد ولدتُه. فقال: " أرضِعِيه حتى يَتِمَّ رضاعُه ". فأرضعتْهُ حتَّى أتمت مُدَّةَ الرَضاعِ، ثم جاءت به في يده كِسْرَةٌ مِن خُبْزٍ، فقالت: يا رسولَ اللهِ ها
_________________
(١) = وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم، فمن أحب منكم أن يُطَيِّبَ ذلك، فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نُعطيَه إياه من أول ما يُفيء الله علينا فليفعل، فقال الناس: قد طيبنا ذلك يا رسول الله، فقال رسول الله - ﷺ -: إنا لا ندري من أذِنَ منكم في ذلك ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم، فرجع الناس، فكلمهم عرفاؤهم، ثم رجعوا إلى رسول الله - ﷺ -، فأخبروه أنهم قد طيّبوا وأذنوا.
[ ١ / ٣٨٣ ]
هو هذا يأكُلُ الخُبْز، فأمر بها فَرُجِمَتْ (١). فانظر إلى عزمها هذه المدَّة الطويلة على الموت في طلب رضا الله تعالى.
وكذلك الرجلُ الذي سرق، فأتى النبي - ﷺ - فطلبه أن يُقيم عليه الحدَّ، فأمر -﵇- بقطع يده، فلمَّا قطعوها، قال السارِقُ: الحمدُ لله الذي أبعَدِك عني، أَرَدْتِ أن تُدْخِلِيني النَّارَ (٢).
ومثل ما رُوِي في حديثِ الذي وقع بأمرأته في رمضان (٣).
وحديثُ الذي أتى النبيَّ - ﷺ - فقال: يا رسولَ الله إنِّي أتيْتُ امرأةً، فَلَمْ أتْرُكْ شيئًا مما يفعَلُه الرِّجالُ بالنِّساءِ إلا فعلتُه، إلا أنِّي لم أُجَامِعْها (٤). وغير ذلك مما لا (٥) أعرفه.
فأخبرني على الإنصاف: مَنْ (٦) في زماننا من الأبْدَالِ قد سار إلى
_________________
(١) نقدم تخريجه ص ٢٦٠ تعليق (٣).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٢٥٨٨) والطبراني في " الكبير " (١٣٨٥) من طريق سعيد بن أبي مريم، عن عبد الله بن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن ثعلبة الأنصاري، عن أبيه أن عمرو بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس جاء إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسول الله إني سرقت جملًا لبني فلان، فطهرني، فأرسل إليهم النبي - ﷺ -، فقالوا: إنا افتقدنا جملًا لنا فأمر به النبي - ﷺ -، فقطعت يده، قال ثعلبة أنا أنظر إليه حين وقعت يده وهو يقول: الحمد لله الذي طهرني منك، أردت أن تدخلي جسدي النار، وهذا سند ضعيف لضعف ابن لهيعة كما قال البوصيري في " الزوائد " ورقة ١٦٥/ ٢/١٦٦/ ١ وعبد الرحمن بن ثعلبة مجهول.
(٣) أخرجه من حديث أبي هريرة أحمد ٢/ ٢٠٨ و٢٤١ و٢٨١، والبخاري (١٩٣٦) و(١٩٣٧) و(٢٦٠٠) و(٥٣٦٨) و(٦٠٨٧) و(٦١٦٤) و(٦٧٠٩) و(٦٧١٠) و(٦٧١١) و(٦٨٢١) ومسلم (١١١)، والترمذي (٧٢٤) والبغوي (١٧٥٢) وأبو داود (٢٣٩٠) والدارمي ٢/ ١١، وابن ماجه (١٦٧١) وابن الجارود (٣٨٤) والبيهقي ٤/ ٢٢١ و٢٢٢ و٢٢٤.
(٤) تقدم تخريجه ص ٢٦٠.
(٥) في (أ) و(ج): لم.
(٦) لم ترد في (ج).
[ ١ / ٣٨٤ ]
الموت نشيطًا كما فعل هؤلاءِ؟ وهل علم أنَّ أحدًا في غيرِ تلك الأعصار أتى إلى أهلِ الوِلايةِ ليقتلُوه؟ وهذه الأشياءُ مما تُنبِّه الغافل، وتُقوي بصيرةَ العاقل، وإلا ففي قولِه تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] كِفايةٌ مع ما عضَدَها من شهادةِ المصطفي -﵇- بأنهم خيرُ القرونِ (١)، وبأن غيرَهم لو أنْفَقَ مِثْلَ أُحدٍ ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَه (٢).
وقد ذكر ابنُ عبد البر في ديباجة كتاب " الاستيعاب " جملةً شافيةً مما يدُلُّ على فضل أهلِ ذلك الزمان، وأن ظاهِرَهم العدالةُ كُلّهم إلا مَنْ عُلِمَ جَرْحُهُ بطريق صحيحٍ؛ والجرْحُ جرحانِ: جرحٌ في الدِّيانة، وجرح في الرواية، فأما الجرحُ في الدِّيانة، فيثبتُ بفعل الحرام المقطوعِ بتحريمه سواءً كان فاعلُه متأولًا، أو غيرَ ذلك، مثل حربِ أميرِ المؤمنين -﵇- وغيره مِن الفتن، وقد قبلت الزيديّةُ مَنْ حارب عليًّا وكفَّره من الخوارِج، صانه الله مِن ذكرِ (٣) ذلك -كما سيأتي بيانُه- فكيف يُنْكَرُ على المحدِّثينَ قبُولُ مَنْ حاربه ولم يكفِّره، وعُذْرُ الزيديَّة في قبول الخوارجِ من كونهم متأوِّلين هو بعينه عذرُ أهلِ السنة، ومدركُ العمدِ والخطأ خفيٌّ، بل محجوبٌ لا يَعْلَمُهُ إلاَّ اللهُ، ولذلك جاء في الحديث: " إنِّي لَمْ أُومَرْ أنْ أفَتِّشَ عنْ قُلُوبِ النَّاس " (٤) فلذلك رَجَعَ أهلُ السُّنَّة فيه إلى ما ظهر من
_________________
(١) تقدم تخريجه ص ١٨٢.
(٢) تقدم تخريجه ص ١٨٠.
(٣) كلمة ذكر لم ترد في (ج).
(٤) أخرجه أحمد ٣/ ٤، والبخاري (٤٣٥١) ومسلم (١٠٦٤) (١٤٤) من حديث أبي سعيد الخدري، ولفظ البخاري " إني لم أومر إن أَنْقُبَ قلوب الناس، ولا أشق بطونهم " ولفظ أحمد ومسلم " إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس، ولا أشق بطونهم ".
[ ١ / ٣٨٥ ]
الوجه الرابع: إن الصحاح لم تصنف لمعرفة الحديث المجمع عليه لا سوى، بل وضعت لهذا ولغيره
الشخصِ، ووكلوا باطِنَه إلى اللهِ -تعالى- إلا مَنْ ظَهر نِفاقُه، أو رِدَّتُهُ، أو قامتِ القرائن الضرورية على فجوره، وتعمُّدِه وجُرأتِه. وسيأتي تحقيقُ الكلام في هذه المسألة إن شاء الله تعالى في الفصل الثاني، وفي الوهم الثالث والثلاثين.
وأما الجرحُ في الرواية، فلا يثبت الجرحُ فيه بارتكاب بعضِ الحرام الذي يُمكن تأويلُه مع دعوى التأويلِ، وظهورِ الصدق. وسيأتي تفصيلُ هذه الجملة عند الكلام على المتأولين إن شاء الله، ونبينُ هناك أنَّ الذي ذهبنا إليه في هذه المسألة هو الذي ذهب إليه جمهورُ العِترة -﵈- وإنَّا لا نقبل منْ لم يقبلوا ممن ظهر منه عدمُ التأويل، كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.
فقد تبيَّن بهذا أنَّ السَّيِّد اعترض المحدِّثين بقبول مجهولِ الصَّحابة أو العاصي منهم على جهة التأويل.
فأما المجهول، فقد بينَّا أن قبوله مذهبٌ شائعٌ بينَ العلماء من أهل البيت وأشياعهم، والمعتزلة والفقهاء، وسائر من خاض في العلم من المتقدمين والمتأخرين، وأنَّ كتب الأصوليين مشحونةٌ بذكره، والخلاف فيه.
وأما المتأول، فسوف نبيِّن فيه ما يشفي ويكفي -إن شاء الله تعالى- فلا معنى لِقدح السَّيِّد على المحدِّثين بذلك، ولا عَيْبَ على من قرأ كُتُبَ الحديث في ذلك، وهذا مما كنتُ أتوهَّمُ أنَّه لا يقع فيه إنكارٌ، ولا يَمُرُّ القدح به على خاطر.
الوجه الرابع: أنّ قوله: إنه يَبْطُلُ بذلك كثير مما في الصحاح، كلامُ مَنْ لم يعرف ما معنى الصحاح: فإنَّ الصَّحاح لم تُصَنَّفْ لمعرفةِ الحديث المجمع عليه لا سوى، بل وُضِعَتْ لذلك، وللقسم الآخر
[ ١ / ٣٨٦ ]
المسألة الثانية التي أنكرها السيد: أن الصحابي هو من رأى النبي - ﷺ - مؤمنا به مصدقا له، وقد تحامل السيد على المحدثين
المختلف فيه، وسيأتي بسطُ ذلك، وبيانُ اختلاف المحدِّثين في التصحيح وشروطه وأنه ظنيٌّ، وأنَّ اختلافهم فيه كاختلاف الفقهاء في الفروع.
وتلخيص هذا الجواب: أن يقول ما يعني بأنّه يبطل بذلك كثير، هل عند جميع الأمَّة أو عندك وعند بعض الأمَّة؟ الأول ممنوع، والثاني مُسلَّم (١) كما سيأتي مبسوطًا مبرهنًا.
المسألة الثانية التي أنكرها السَّيِّد، وزعم أنَّه يبطل ببطلانها كثير من حديثهم، هي قولهم: إنَّ الصحابي هو من رأى النبي - ﷺ - مؤمنًا به مصدقًا له، وقد تحامل السَّيِّد على المحدِّثين في هذه المسألة فأطلق عليها اسمَ الباطل الَّذي لا يُطلق على أمثالها من المسائل المحتملة، وهذه المسألة مشهورة في الأصول متداولة بين أهل العلم، وقد ذكر ابنُ الحاجب أنها لفظيَّة يعني أنَّ النزاعَ فيها راجعٌ إلى إطلاق لفظيٍّ، وهو مدرك ظنيٌّ لغويٌّ (٢) أو عرفيٌّ. وقد قال السَّيِّد أبو طالب في كتاب " المُجزي ": إنَّ الذي ذكره المحدثون يُسمَّى صحبةً في اللغة، قال -﵇- ما معناه، ولكنَّه لا يسمَّى صحبةً في العُرف السابقِ إلى الأفهامِ. ولا شكَّ أنَّ المقرَّرَ عند المحققِّين تقديمُ الحقيقة العرفيَّة على الحقيقة اللغوية الوضعيَّة. وكلامه -﵇- هذا جيِّد قويٌّ.
وقد (٣) خالف الفقيهُ عبدُ الله بن زيد، فقال في " الدُّرَر المنظومة ": إنَّ من رأى النبي -﵌- وأخذ عنه مرةً واحدة يُسمَّى صحابيًَّا في العُرف، ولا يُسمَّى بذلك لغةً وفي الحديث ما يَدُلُّ على صحة
_________________
(١) في (ب) زيادة هنا: ولا يقر تسلمه.
(٢) في (ج): لغوي ظني.
(٣) "قد" لم ترد في (ج).
[ ١ / ٣٨٧ ]
الفصل الأول: في بيان ظهور ما استغربه السيد
كلام أبي طالب، من ذلك ما خرَّجه البخاريُّ، ومسلم، وأبو داود، والترمذيُّ من حديث أبي سعيد الخدري أنه كان بَيْنَ خَالِدِ بنِ الوليد، وعبدِ الرحمن بن عوف شيءٌ، فسبَّهُ خالدٌ، فقال رسولُ الله - ﷺ -: " لا تَسُبُّوا أصْحابِي، فإنَّ أَحَدَكُمْ لَوْ أَنْفَق مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًَا ما بَلَغَ مُدَّ أحدِهِمْ ولا نَصِيفَهُ " (١) والحجةُ منه في قوله في خِطاب خالد: " فإنَّ أحدَكم " وهذا محمول على أنَّه قبلَ طولِ صحبة خالد.
ومن ذلك ما رواه أحمدُ بنُ حنبل في " مسنده " عن معاوية بن قرَّة، عن أبيه قال: مَسَحَ رسول الله - ﷺ - على رأسي، وفي رواية: سمعتُ أبي وكان قد أدرك النبي - ﷺ - فمسح رأسَه واستغفر له، وفي رواية: قلنا: أصحبه؟ قال: لا، ولكنَّه كان على عهده قد حلب وصر. قال الهيثمي في " مجمع الزوائد " (٢) في مناقب قُرَّة المزنيِّ: رواه كُلَّه أحمد بأسانيدَ والبزَّار ببعضه، وأحد أسانيدهما رجالُه رجال الصحيح غَيْرَ معاوية بن قرَّة وهو ثقة.
ولا بُد من الكلام في فصلين في هذه المسألة:
الفصل الأول: في بيان ظهور ما استغربه السَّيِّد -أيَّدَه الله- من تسمية ذلك الذي ذكره المحدِّثون صحبة في الكتاب والسنة والإجماع.
_________________
(١) تقدم تخريجه في الصفحة ١٨٠.
(٢) ٣/ ٤٣٦، وانظر " المسند " ٤/ ١٩ و" زوائد البزار " رقم (٢٧٤٩) وقوله: قد حلب وصر، يقال: صر الناقة يصر صرًا: شد ضرعها بالصرار -ككتاب- وهو خيط يشد فوق الخلف لئلا يرضعها ولدها. وفي " الإصابة " ١/ ٢٣٢: قرة بن إياس بن هلال بن رباب المزني جد إياس بن معاوية القاضي .. قال البخاري وابن السكن: له صحبة ..، وذكره ابن سعد في طبقة من شهد الخندق، وقال أبو عمر: قتل في حرب الأزارقة في زمن معاوية، وأرخه خليفة سنة أربع وستين.
[ ١ / ٣٨٨ ]
القول في الصاحب من القرآن والسنة والإجماع
ولنُقَدِّمْ قبلَ ذلك مقدِّمةً: وهي أنَّ الصحبة تُطْلَقُ كثيرًا في الشيئين إذا كان بينَهُما ملابسة، سواءً كانت كثيرةً أو قليلة، حقيقيةً أو مجازيةً، وهذه المقدمة تُبَيِّن بما (١) ترى من ذلك في كلامِ الله ورسوله، وما أجمع العلماءُ عليه من العبارات في هذا المعنى.
أمَّا القرآن، فقال (٢) الله تعالى: ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ [الكهف: ٣٤] فقضى بالصحبة مع الاختلاف في الإسلام الموجب للعداوة لما جرى بينهما من ملابسة الخطاب للتقدم (٣)، وقد أجمعت الأمَّة على اعتبار الإسلام في اسم الصحابي، فلا يُسمَّى من لم يُسلم صحابيًَّا إجماعًا، وقد ثبت بالقرآن أنَّ الله سمَّى الكافر صاحبًا للمسلم، فيجب أن يكون اسمُ الصحابيِّ عُرفيًَّا، وإذا كان عُرْفيًا اصطلاحيًّا كان لكل طائفة إن تصطلح على اسمٍ -كما سيأتي تحقيقُه- قال تعالى: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء: ٣٦] وهو المرافق في السَّفَرِ، ولا شك أنَّه يدخل في هذه الآية الملازم وغيره، ولو صَحِبَ الإنسان رجلًا ساعة من نهار وسايره في بعض الأسفارِ، لدخل في ذلك، لأنَّه يَصْدُق أن يقول: صحبتُ فلانًا في سفري ساعة من النَّهار، ولأن من قال ذلك لم يرد عليه أهل اللغة، ويستهجنوا كلامه.
وأمَّا السنَّة، فكثير غيرُ قليل، وَمِنْ أوضحها ما ورد في الحديثِ الصحيحِ مِن قوله -﵇- لِعائشة ﵂: "إنَّكُنَّ
_________________
(١) في (ج): ما.
(٢) في (ب): فقد قال.
(٣) في (ب): للمتقدم.
[ ١ / ٣٨٩ ]
صَواحِبُ يُوسُف" (١) فانظر أيُّها المنصف ما أبعدَ هذا السبب الذي سمَّيت به النَّساء صواحب يوسف، وكيف يستنكر مع هذا أن يُسمّى من آمن برسول الله ووصل إليه وتشرَّف برؤية غُرّته الكريمة صاحبًا له، ومن أنكر على من سمَّى (٢) هذا صاحبًا لرسول الله - ﷺ -، فليُنْكِرْ على رسول الله حين سمَّى النساء كُلَّهُنَّ صواحبَ يوسف.
ومن ذلك الحديثُ الذي أُشيرَ فيه على النبيِّ - ﷺ - أن يقتل عبدَ الله بن أُبيٍّ رأسَ المنافقين فقال -﵇-: " إنِّي أَكْرَهُ أَنْ يُقَال: إنَّ مُحَمَّدًا يقْتُلُ أَصْحَابَه " (٣) فسمَّاه صاحبًا مع العلم بالنِّفاق للملابسة الظاهرة مع العلم بكُفرِه الذي يقتضي العداوةَ، ويمحو اسم الصحبة (٤) في الحقيقة العرفية.
ومما يَدُلُّ على التوسع الكثير في اسم الصحبة إطلاقها بين العقلاء وبين الجمادات كقوله تعالى: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ [يوسف: ٣٩] ومثل تسمية ابنِ مسعود صاحب السِواد (٥) وصاحب النعلين والوِسادة.
وأمَّا الإجماع، فلا خلاف بينَ الناسِ أنَّه كان رسولُ الله - ﷺ - إذا لاقى المشركين في الحرب فقُتِل من عسكر النبيِّ - ﷺ - جماعةٌ، ومِن المشركين
_________________
(١) أخرجه أحمد ٦/ ٩٦ و١٠٩ و٢٠٢ و٢١٠، والبخاري (٣٣٨٤) ومسلم (٤٢٠)، ومالك ١/ ١٧٠، والدارمي ١/ ٣٩.
(٢) في (ب): يسمي.
(٣) أخرجه البخاري (٣٥١٨) و(٤٩٠٥) و(٤٩٠٧) ومسلم (٢٥٨٤) (٦٣)، والترمذي، (٣٣١٥) وأحمد ٣/ ٣٩٣ من حديث جابر بن عبد الله.
(٤) في (ج): الصحابة.
(٥) السَّواد: السرار، انظر " سير أعلام النبلاء " ١/ ٤٦٨ - ٤٦٩ بتحقيقنا طبع مؤسسة الرسالة.
[ ١ / ٣٩٠ ]
جماعة أن يُقال: قُتِلَ مِن أصحابِ النبيِّ - ﷺ - كذا وكذا، ومن المشركين كذا وكذا، وبذا جرى عَمَلُ المؤرِّخين والإخباريِّين، يقولون في أيَّام صِفِّين: قُتِلَ من أصحاب عليٍّ كذا، ومن أصحاب معاوية كذا، ولا يَعْنُونَ بأصحابِ عليٍّ من لازمه، وأطال صحبتَه، بل من قائل معه شهرًا، أو يومًا، أوَ ساعة. وهذا شيء ظاهر لا يستحق مَنْ قال بمثله الإنكار.
ومن ذلك أصحابُ الشافعي، وأصحابُ أبي حنيفة، وأصحاب النَّصِّ، وأصحابُ الحديثِ والفقه، وأصحابُ الظاهر، يُقال هذا لمن لم ير الشافعيَّ، ولا يصحبُه قليلًا ولا كثيرًا لملابسة ملازمة المذهب، ولو دخل في مذهب الشافعيِّ في وقتٍ، لقيل له في ذلك الوقت: قد صار مِن أصحابه، من غير إطالة ولا ملازمة للقول بمذهبه، وكذا (١) تسميتُه -﵇- صاحبَ الشفاعةِ قبل أن يَشْفَعَ هذه ملابسة بعيدة، وكذا أصحابُ الجنة قبلَ دخولها، وأمثال ذلك. وكذلك سائرُ هذه الأشياء مما أُجْمعَ على صحته. كُلُّ هذا دليل على أنَّ اسمَ الصحبة يُطلق كثيرًا مع أدنى ملابسة، والأمرُ في هذا واسع، وهي لفظة لغوية، والاختلاف فيها على أُصولنا أهونُ من الاختلاف في الفروعِ الظنيَّة التي كُلُّ مجتهدٍ فيها مُصيب (٢)، لأنَّ
_________________
(١) في (ج): وكذلك.
(٢) اختلف العلماء في الواقعة التي لا نص فيها على قولين، أحدهما: أنه ليس لله تعالى فيها قبل الاجتهاد حكم معين، بل حكم الله تعالى فيها تابع لظن المجتهد، وهؤلاء هم القائلون بأن كل مجتهد مصيب، وهم أبو الحسن الأشعري، والقاضي أبو بكر الباقلاني، وجمهور المتكلمين من الأشاعرة والمعتزلة، قال في " جمع الجوامع " وشرحه: والصحيح وفاقًا للجمهور أن المصيب فيها واحد، ولله تعالى فيها حكم قبل الاجتهاد، قيل: لا دليل عليه، بل هو كدفين يصادفه من شاء الله، والصحيح أن عليه أمارة، وأنه، أي: المجتهد مكلف بإصابته، أي: الحكم لإمكانها، وقيل: لا لغموضه، وإن مخطئه لا يأثم، بل يؤجر لبذله وسعه في طلبه. =
[ ١ / ٣٩١ ]
الفروع الظَّنيَّة مشتملة على التحليل والتحريم، هذه لفظة لغوية ليس تحتها ثمرة.
فأمَّا عدالةُ الصحابة وعدمها، فهي مسألة ثانية بدليل منفصلٍ عن التسمية.
وأما الاحتجاجُ بقول الصحابيِّ، وجواز تقليد المجتهد، فليس بصحيح عندنا حتى نُفرِّعه على هذه المسألة.
وأما ترتيبُ معرفة إجماعهم على هذا، فغلط، وهَّمه عبد الله بن زيد -﵀-، لأنَّه لا يكون إجماعًا حتى يُصْفِقَ عليه أهلُ ذلك العصر: من رأى النبي - ﷺ - ومَنْ لم يره، ومن رآه مرةً أو أكثر، لأن الحجَّة هي إجماعُ المؤمنين، لا إجماعُ مَن صَحِبَ النبيَّ - ﷺ - منهم، وهذا واضح -والله سبحانه أعلم-.
فبان لك أنَّ الأمرَ قريبٌ في هذه التسمية، وأنَّ قول السَّيِّد: إنَّ قول المحدثين باطل قول بديع، وأن المسألة أهونُ من ذلك.
وقد قال غيرُ واحدٍ من العلماء بجواز إثبات اللغة بالقياس، واختاره المنصورُ بالله في " الصفوة " ولم يُنْكِرْ ذلك أحدٌ عليهم، وهو أعزبُ من
_________________
(١) = وفي " التحرير والتقرير ": والمختار أن حكم الواقعة المجتهد فيها حكم معين أوجب طلبه، فمن أصابه " فهو المصيب، ومن لا يصيبه، فهو المخطىء ونقل هذا عن الأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، وذكر السبكي أن هذا هو الصحيح عنهم، بل نقله الكرخي عن أصحابنا جميعًا، ولم يذكر القرافي عن مالك غيره، وذكر السبكي أنه هو الذي حرره أصحاب الشافعي عنه، وقال ابن السمعاني: ومن قال عنه غيره، فقد أخطأ عليه. ومن أراد التوسع في هذه المسألة، فليراجع " المحصول " للفخر الرازي ج/٢/ق/٣/ ٤٧ - ٩١ من مطبوعات جامعة الإمام محمد بن سعود.
[ ١ / ٣٩٢ ]
قول المحدثين، وأكثرُ ما في الباب أن يُضَعَّف دليلُهُم، فما شأنُ الإنكارِ على من اتّهم بدعوى الاجتهاد، والسَّيِّد ذكر ذلك في الاستدلال على الشكِّ في تعذُّرِ الاجتهاد والقطع بتعسُّره، وأين ذلك الذي قصد من اسم من رأى النبي - ﷺ - في اللغة وما بيْنَ هذين من الملابسة.
الفصل الثاني: في بيان المختار.
والمختار أنَّ ذلك أمرٌ عرفيٌّ اصطلاحيُّ يختلفُ باختلاف الأزمانِ والبُلدان، وقد يُوضَعُ في بعضِ الأزمان اصطلاح لم يكن قبلَ ذلك الزمان، مثل اسم النَّحو، فإنَّهُ اسمٌ مُوَلَّدٌ غيرُ عربي (١) وقد يصطَلِحُ بعضُ أهلِ الفنون في فَنِّهم ما لم يصطلح عليه غيرُهُم مثلَ الكلام، فإنَّه عند النحاة المفيد، وعند المتكلمين: ما تركَّبَ مِن حرفين فصاعدًا، فإذا ثبت ذلك، لم يمتنِعْ أن يصطَلِحَ المحدِّثون على أمرٍ في تسمية الصحابة، ويصطَلِحَ الأصوليُّون على خلافه، ويكونَ المفهوم من اصطلاحِ كل فريق ما اصطَلَحُوا عليه، مثل ما يفهم من النحاة متى أطلقوا اسم الكلام أنَّه المفيد، وأنَّ الكلمة الواحدة لا تُسمَّى كلامًا. ويُفهم من المتكلمين متى أطلقوا ذلك خلافَ ما فهمنا من النحاة، ومثل هذا لا حَجْرَ فيه، ولا تضييق -والحمد لله-.
ومدارُ كلام السَّيِّد في هذه الأمور كلها على إنكار مخالفة المحدِّثين لاختياره -أيده الله- في التصحيح وشرائطه، وهذه غفلة عظيمة، لأن تصحيحَ الحديثِ ظنيٌّ اجتهادي، ولذلك اشتدَّ الخلافُ في شرائطه، ألا ترى أنَّ شرط البخاري غيرُ شرطِ مسلم في الرجال والاتصال، وكذلك
_________________
(١) انظر " اللسان " ١٥/ ٣٠٩.
[ ١ / ٣٩٣ ]
الاختلافُ في قبول المتأولين، والفرق بينَ الداعية وغيره، وبين من بلغ الكفرَ، ومن لم يبلغه، ومع ذلك، فالخلافُ في تصحيح الحديث، كالخلاف في فروع الفقه لا يستحق النكيرَ، وقد ذكر ابنُ حجر في مقدمة شرح البخاري (١) مما خُولِفَ البخاريُّ في تصحيحه أكثرَ مِن مئة حديث بأعيانها غيرَ ما خُولِفَ فيه من القواعد، مثل حديث عكرمة (٢) وقبول عنعنة المدلسين (٣) في بعض المواضع.
فالمحدثون قصدوا تدوينَ السنن على ما اختاروه في مواضع الخلاف والسَّيِّد ظن أنُّهم ادَّعوا الإجماع أو الضرورة في التصحيح، فبنى على غير أساس- وسيأتي زيادة بيان لهذا. وبقية ما ذكره السَّيِّد -أيَّده الله تعالى- يشتمل على مسألتين:
أحدهما: من قاتل عليًا -﵇- من البُغاة والخوارج
_________________
(١) ص ٣٤٦ - ٣٨٣.
(٢) هو عكرمة البربري أبو عبد الله المدني مولى ابن عباس، أصله من البربر، كان لحصين بن أبي الحر العنبري، فوهبه لابن عباس لما ولي البصرة لعلي، احتج به البخاري وأصحاب السنن، وتركه مسلم فلم يخرج له سوى حديث واحد في الحج مقرونًا بسعيد بن جبير، وإنما تركه مسلم لكلام مالك فيه، وقد تعقب جماعة من الأئمة ذلك، وصنفوا في الذب عن عكرمة، منهم أبو جعفر بن جرير الطبري، ومحمد بن نصر المروزي، وأبو عبد الله بن مندة، وأبو حاتم بن حبان، وأبو عمر بن عبد البر وغيرهم. له ترجمة حافلة في " سير أعلام النبلاء " ٥/ ١٢ - ٣٦.
(٣) في " توضيح الأفكار" ١/ ٣٥٥ ما نصه: وفي أسئلة الإمام تقي الدين السبكي للحافظ أبي الحجاج المزي: وسألت عما وقع في " الصحيحين " من حديث المدلس معنعنًا، هل نقول: إنهما اطلعا على اتصالها. قال: كذا يقولون، وما فيه إلا تحسين الظن بهما، وإلا ففيهما أحاديث من رواية المدلسين ما يوجد من غير تلك الطريق التي في الصحيح. قال الحافظ ابن حجر: وليست الأحاديث التي في " الصحيحين " بالعنعنة عن المدلسين كلها في الاحتجاج، فيحمل كلامهم هنا على ما كان منها في الاحتجاج فقط، وإما ما كان في المتابعات فيحتمل التسامح في تخريجها كغيرها.
[ ١ / ٣٩٤ ]
المسألة الثانية: قبول الأعراب
ثلاث حجج احتج بها السيد على بطلان كثير من أخبار الصحاح
الحجة الأولى: خبر الأعرابي الذي بال في المسجد والجواب من وجوه:
الوجه الأول: من أين صح للسيد أنه كان في عصره - ﷺ - أعرابي بال في المسجد؟ فثبوت هذا مبني على صحة طرق الحديث
الوجه الثاني: أنا قد ذكرنا أن كل مسلم ممن عاصر النبي - ﷺ - ممن لا يعلم جرحه فإنه عدل
والموارق، والسَّيِّد ذكر هذه المسألة في هذا الموضع ذكرًا مختصرًا، وأعادها فيما يأتي بأطول من ذلك، فنؤخرها إلى حيث بسط القولَ فيها.
والمسألة الثانية: قبولُ الأعراب، والسَّيِّد قد أعادها حيثُ بسط القولَ في هذا المعنى، وقد ذكر في هذا الموضع الأعرابي الذي بال في المسجد (١) ووفد بني تميم (٢)، وما نزل فيهم، ووفد عبد القيس (٣) ولم يُعِدْ هذه الأشياء في غيرِ الموضع فنذكرها ها هنا، فهي ثلاثُ حُجج احتج بها السَّيِّد على بُطْلانِ كثير من أخبار الصحاح.
الحجة الأولى: خبرُ الأعرابيِّ الذي بال في مسجد رسولِ الله - ﷺ -.
قال السَّيِّد أيَّدَه الله: إنَّهُ يلزم أنَّه عدل. قلنا: الجوابُ من وجوه:
الوجه الأول: أن نقول من أين صح للسَّيِّد أنه كان في عصره -﵇- أعرابيٌّ بال في المسجد، فثبوتُ هذا مبنيٌّ على صحة طرق الحديث وقد شكَّ في تعذرها، إن صحَّت طريق هذا، بطل الشَّكُّ، إذ من البعيدِ أن يصح طريقُ هذا دون غيرهِ.
الوجه الثاني: أنَّا قد ذكرنا أنَّ كل مسلم ممن عاصر النَّبيَّ - ﷺ - ممن لا يُعْلَمُ جرحُهُ، فإنَّه عدلٌ عند الجِلَّة من علماء الإسلامِ من الزيدية، والمعتزلة، والفقهاء، والمحدثين، وأن هذه المسألة مما لا ينكر. وهذا الأعرابيُّ مِن جملة من دخلَ تحت هذا العموم فنسأل السَّيِّد: ما الموجب
_________________
(١) تقدم تخريجه ص ٣٧٠.
(٢) أخرجه أحمد ٤/ ٤٢٦ و٤٣١ و٤٣٣ و٤٣٦، والبخاري (٣١٩٠) و(٤٣٦٥) و(٤٣٨٦) والترمذي (٣٩٥١).
(٣) تقدم تخريجه ص ٣٧١.
[ ١ / ٣٩٥ ]
لتخصيصه بالذكر؟ فإن الخصم ملتزم لعدالته، ومطالب بإبداء المانع منها، فإن قال السَّيِّد: إنَّ بولَه في المسجد يمنع من العدالَة، لأنَّه محرَّم.
فالجواب عليه: أن الجرحَ بذلك غيرُ صحيح، لأنَّه لا دليلَ على أنَّه فعله وهو يعلمُ بالتحريم، ويقوِّي هذا أنَّ النبي - ﷺ - منع مِن قَطْعِ درَّتِهِ، ونهي من نهاه، وقال: " إنَّ منْكمْ مُنَفِّرينَ " (١) ولو كان في فعله متعمدًا لارتكاب ما حرَّمه اللهُ -تعالى- مجترئًا معاندًا لم يستحق هذا الرفق العظيم، ولكان الأشبه أن يُزجر عن الجرأة، وهذا مقوٍّ فقط.
والمعتمد أنَّ الأصل جهله بالتحريم، لكنِّا تقوينا بأنه -﵇- رَفَقَ به، ولان له لجهله بذلك -والله أعلم-.
فإن قال السَّيِّد -أيده الله-: إنَّ ذلك يقدح في العدالة من أجل دِلالته على الخِسَّة وقلة الحياءِ والمروءة، إذ البولُ في حضرة الناس يَدُلُّ على ذلك، كما يقدح بأمثال ذلك من المباحات، كالأكل في الأسواق.
قلنا: الجواب أنَّ هذا مما يختلِفُ بحسب العُرف، وقد كانت الأعرابُ في ذلك الزمان وفي غيره لا تستنكِرُ مثلَ ذلك في باديتها، فكل ما كان يعتادُهُ أهلُ الصيانة من المباحات في بلدٍ أو زمانٍ لم يقدح في عدالة أحدٍ من أهل ذلك الزمان، ولا مِن أهل ذلك المكان. وقد كان رسولُ الله - ﷺ - يمشي في المدينة بغير ردَاءٍ، ولا نعلٍ، ولا قَلنْسُوَةٍ يعود المرضى كذلك في أقصى المدينة. ومثل هذا في غير ذلك الزمان، وفي بعضِ البُلدان مما يتكلم بعضُ أهلِ الفقه في قبولِ فاعله لعرف يختصُّ بتلك البلدة، وبذلك الزمان، ولم يكن هذا مستنكرًا في زمانه -﵇-
_________________
(١) تقدم تخريجه ص ١٧٣.
[ ١ / ٣٩٦ ]
فقد كانوا أقربَ إلى عرف أهل البادية.
وكذلك فقد ورد عنه -﵇- أنه أخذ قِطْعَةً من لحم، وجعل يلُوكُها في فيه وهو يمشي في الناس، ذكر معناه أبو داود (١).
وقد أردت -﵇- أمرأةً خلفه في بعض الغزوات وهي أجنبية على بعيره (٢) وربَّما كان هذا مما يتجنَّبُه أهلُ الحياء في بعض الأزمان وبعض الأمكنة، وقد ثبت أنَّ رسولَ الله - ﷺ - لم يتجنَّبه، وقد ثبت أنَّه -﵇- كان أشدَّ حَيَاءً مِن العذْرَاءِ في خِدْرِهَا (٣) وأنَّه كان لا يُثْبِتُ بصرَه في أحدٍ حياءً منه. فلولا اختلاف العرف لم يفعل -﵇- ما يُستَحيي منه في غير زمانه -﵇-.
وقد غَلِطَ من جرح الصُّوفيَّة بما يرتاضون عليه من هذه المباحات، مغترًا بعموم تمثيلِ الفقهاءِ، والوجهُ في الغلط في ذلك أنَّه ليس بجرح في
_________________
(١) لم نجده في سنن أبي داود، وفي " المطالب العالية " ٢/ ٣١٩ من طريق عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله - ﷺ - يأكل قائمًا وقاعدًا. وفيه ابن أبي ليلى وهو ضعيف، وفي سنن الترمذي (١٨٨٠) وصححه عن ابن عمر قال: كنا نأكل على عهد رسول الله - ﷺ - ونحن نمشي ونشرب ونحن قيام.
(٢) المحفوظ عنه - ﷺ - أنه أردف خلفه صفية زوجته كما في البخاري (٦١٨٥) ومسلم (١٣٤٥) ولم نقف فيما بين أيدينا من مصادر على هذا الذي ذكره المصنف. وفي سنن ابن ماجه (٢١٣١) عن ميمونة بنت كردم اليسارية أن أباها لقي النبي - ﷺ - وهي رديفة له، فقال: إني نذرت أن أنحر ببوانة، فقال رسول الله - ﷺ -: هل بها وثن؟ قال: لا، قال: أوف بنذرك، وإسناده قوي وصححه البوصيري في الزوائد. فميمونةُ في هذا الحديث كانت ردف أبيها لا ردف النبي - ﷺ -، وانظر " مسند أحمد " ٦/ ٣٣٦.
(٣) أخرجه من حديث أنس بن مالك البخاري (٣٥٦٢) و(٦١٠٢) و(٦١١٩) ومسلم (٢٣٢٠) وابن ماجه (٤١٨٠)، والترمذي في " الشمائل " (٣٥١) وأحمد ٣/ ٧٧ و٧٩ و٨٨ و٩١ و٩٢، وفي الباب عن أنس عند البزار، وعن عمران بن حصين عند الطبراني كما في " المجمع " ٩/ ١٧. والخدر: سِترٌ يُمُد للجارية في ناحية البيت.
[ ١ / ٣٩٧ ]
الوجه الثالث: لو قدرنا أن هذا مما يجرح به، لكان مما يحتمل النظر والاختلاف
الوجه الرابع: سلمنا أنه مجروح، فيجب على السيد أن يبين ومن أين له أن أهل الصحاح رووا عنه؟
الوجه الخامس: سلمنا أنهم رووا عنه، وأنه مجروح، فما وجه الاحتجاج على الشك بتعذر الاجتهاد بهذا؟
نفسه بالاتفاق، لأنَّه مباح لا إثم فيه، وإنَّما عد جرحًا لمن هو في حقَّه دلالة على الاستهانة بالدِّين، وعدمِ المبالاة والخَلاعة، وقِلَّةِ الحياء، فحين صدر على وجهٍ يُعرف معه أنَّه لا يدل على ذلك، بل ربَّما عرف معه أنَّ صاحبه على العكس من ذلك، فأين دلالته على الجرح؟.
الوجه الثالث: لو قدرنا أنَّ هذا مما يجرح به، لكان مما يحتمل النظر والاختلاف، ولا يُعاب على من جرح به ولا على من لم يجرح به.
الوجه الرابع: سلَّمنا أنه مجروح، فيجبُ من السَّيِّد -أيَّدَه اللهُ- أن يُبيِّن كم روى هذا الأعرابيُّ مِن الحديث في كتب الصحاح، ومن أين له أنَّ أهلَ الصحاح رَوَوْا عنه؟.
الوجه الخامسُ: سلَّمنا أنَّهم رَووْا عنه، وأنه مجروح، فما وجهُ الاحتجاج على الشَّكِّ بتعذُّرِ (١) الاجتهاد بهذا، وليس يمنع هذا من إمكان الاجتهاد، بل كُلَّما كَثُرَ المجروحون، سَهُلَ الاجتهادُ، لأنه يَسْقُطُ التكليفُ بحديثهم، فَيقِلُّ التكليفُ بحفظه وبالعملِ به. والكلامُ مِن أصله إنّما هو في الاجتهاد، وأنّه متعسِّر أو متعذِّر.
الحجة الثانية: وفدُ بني تميم.
قال السَّيِّد -أيَّده الله-: إنَّه يلزم قبول حديثهم، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُون﴾ [الحجرات: ٤].
والجوابُ من وجوه:
_________________
(١) في (أ) و(ج): تعذر.
[ ١ / ٣٩٨ ]
الوجه الأول: من أين صح أن الآية ﴿إن الذين ينادونك من وراء الحجرات﴾ نزلت في بني تميم
الوجه الثاني: إن نداءهم له - ﷺ - من وراء الحجرات كان قبل إسلامهم
الأول: من أينَ صَحَّ (١) أنَّها نزلت في بني تميم، وأنَّها نزلت في المسلين، والطريق إلى صِحة ذلك عندك مشكوك في إمكانها وتعذرها كما في سائرِ الأخبار.
الثاني: أنَّ نِدَاءهم له -﵇- مِن وراء الحُجُرَاتِ كان قبل إسلامِهم، وإنَّما قال الله: ﴿أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُون﴾، لأجل ندائهم، هذا هو السابقُ إلى الأفهام كما إذا قلت: إنَّ الذين يكفرون بالله لهم عذاب أليم. فإنَّ العذابَ الأليمَ مستحقٌّ بسبب الكفر، وهو تنبيه ظاهر على العلة، وقد ذكره أهلُ الأصول. قالوا: لو قال -﵇- من أحدث فليتَوضَّأ، كان ذلك تنبيهًا على أنَّ الحدث هو الموجبُ للوضوء، فإذا ثبت ذلك، لم يتوجَّه عليهم بَعْدَ الإسلام الذمُّ الذي صدر على فعلهم قَبْلَه، وإنّما أنزَلَهُ اللهُ بعد إسلامهم تأديبًا لهم ولغيرهم أن لا يعودوا لمثله، كما أنزل بعدَ توبةِ آدم -﵇-: ﴿وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١] تأديبًا لِغيره من الأنبياء﵈- ولِحكمة يستأثِرُ اللهُ تعالى بعلمها، وكما قال في طائفة من الصحابة يوم أحد: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنيا﴾ مع وقوله: ﴿وَلقَدْ عَفَى عَنْكمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢].
_________________
(١) في (ج): يصح. وكون الآية نزلت في بني تميم رواه الواحدي في " أسباب النزول " من طريق معلى بن عبد الرحمن، عن عبد الحميد بن جعفر، عن عمر بن الحكم، عن جابر بن عبد الله. ومعلى بن عبد الرحمن ضعفه الدارقطني وغيره. وأخرج الطبري والبغوي وابن أبي عاصم من طريق موسى بن عقبة، عن أبي سلمة، قال: حدثني الأقرع بن حابس التميمي أنه أتى النبي - ﷺ -، فقال: يا محمد اخرج إلينا، فنزلت ﴿إن الذين ينادونك من وراء الحجرات﴾ قال ابن مندة: الصحيح عن أبي سلمة أن الأقرع مرسل، وكذا أخرجه أحمد في " المسند " ٣/ ٤٨٨ و٦/ ٣٩٣، ٣٩٤، وقد ساق ابن إسحاق -كما في سيرة ابن هشام ٤/ ٥٦٠ - قصة وفد بني تميم في ذلك مطولة بانقطاع. وانظر " الدر المنثور " ٦/ ٨٦، ٨٧.
[ ١ / ٣٩٩ ]
الثاني: أنه (سبحانه) أجل من أن يذم ما لا يعقل
الوجه الرابع: أن صدور مثل هذه القوارع، على جهة التأديب للجاهلين .. تدل على جرح من نزلت فيه
الوجه الثالث: أنَّ قوله: ﴿لا يعقِلون﴾ ليس على ظاهره لِوجهين:
أحدهُما: أنهم مكلفون، وشرط التكليف العقلُ.
الثاني: أنَّه -سبحانه- أجلُّ من أن يَذُمَّ ما لا يَعْقِلُ، كما لا يَصِحُّ نزولُ آيةٍ في ذَمِّ الأنعامِ بعدم العقل، إذ من لا عقلَ له، فلا ذنب له في عدم العقل. إذا ثبت ذلك، فالمراد ذمُّهم بالجفاوة، وعدم التمييز للعوائد الحميدة، وآداب أهل الحياءِ والمروءة وهذا ليس من الجرح في شيء، فإنَّ لطفَ الأخلاق، والكيْسَ في الأمور، ليس مِن شرط الراوي. ومبنى الرِّواية على ظنِّ الصِّدق كما قَدّمناه، وأولئك الأعرابُ -لا سيَّما ذلك الزمان- كانوا من أبعدِ النَّاسِ عن الكذب، والظنُّ لصدقهم قويٌّ، لا سيَّما في الحديث عن رسول الله - ﷺ -، ولا بُدَّ -إِن شاء الله- من الإشارة إلى أنه لا داعي للمسلم إلى الكذب على الله وعلى رسوله - ﷺ - في غالب الأحوال، وقد قدمنا الأدلة على أنهم عدول بدخولهم في الإسلام ما لم يَدُلَّ دليل على الجرح.
الوجه الرابع: أنَّ صدور مثلِ هذه القوارع، على جهة التأديب للجاهلين والإيقاظ للغافلين من الله تعالى، أو من رسوله -﵇- لا تدُلُّ على جرح منْ نزلت فيه، أو بسببه ما لم يكن فيها ما يَدُلُّ على فسقه وخروجه من ولاية الله، فقد ينزل شيءٌ من القرآن العظيم، وفيه تقريع لبعض الأنبياء -﵈- وتأديبٌ لبعض الرسل الكرام، وقد قدَّمنا كلامًا في العدالة، ودللنا عليه، وقد قال الله تعالى لخيار المهاجرين والأنصار: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٨] وأنزل اللهُ أولَ سورة الممتحنة في شأن حَاطِبِ بنِ أبي
[ ١ / ٤٠٠ ]
بَلْتَعَه، وَشَدَّدَ على مَنْ والى أعداءَ اللهِ ولم يكن ذلك جرحًا في حاطب، فقد عَذرَهُ رسولُ الله - ﷺ - ونهي عمر عنه، وقال له: " إنَّك لا تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ اطَّلَعَ على أهلِ بَدْرٍ، فقَالَ لَهُمْ: اعْملُوا ما شِئْتُمْ، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ " (١).
وقد ثبت في صحيح مسلم (٢) عن رسول الله - ﷺ -: أنَّ حاطبًا يَدْخُلُ الجنة -﵁-.
وقد نزل الوعيدُ في رفع الأصواتِ عند رسولِ الله، فأشفق (٣) بعضُ الصحابة (٤) من ذلك وكان جهوريَّ الصوتِ (٥). ولم يكن ذلك جرحًا في أولئك.
_________________
(١) أخرجه من حديث علي بن أبي طالب البخاري (٣٠٠٧) و(٣٠٨١) و(٣٩٨٣) و(٤٢٧٤) و(٤٨٩٠) و(٦٢٥٩) و(٦٩٣٩) ومسلم (٢٤٩٤) وأبو داود (٢٦٥٠) و(٢٦٥١) والترمذي (٣٣٠٢).
(٢) رقم (٢١٩٥) من حديث جابر، وأخرجه أحمد ٣/ ٣٢٥ و٣٤٩، والترمذي (٣٩٥٦)، وعبد الرزاق في " المصنف " (٢٠٤١٨) والطبراني في الكبير (٣٠٦٤).
(٣) في (أ) و(ج): وأشفق.
(٤) هو ثابت بن قيس خطيب الأنصار كما في هاش الأصول الثلاثة.
(٥) أخرج البخاري (٤٨٤٦) من حديث موسى بن أنس، عن أنس بن مالك أن النبي - ﷺ - افتقد ثابت بن قيس، فقال رجل: يا رسول الله أنا أعلم لك علمه، فأتاه، فوجده في بيته منكسًا رأسه، فقال له: ما شأنك؟ فقال: شر، كان يرفع صوته فوق صوت النبي - ﷺ -، فقد حبط عمله، فهو من أهل النار، فأتى الرجل النبي - ﷺ -، فأخبره أنه قال كذا وكذا، قال موسى: فرجع إليه المرة الآخرة ببشارة عظيمة، فقال: اذهب اليه، فقل له: إنك لست من أهل النار، ولكنك من أهل الجنة. وأخرجه مسلم (١١٩) من طريق ثابت البناني عن أنس قال: لما نزلت هذه الآية ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ﴾ إلى آخر الآية جلس ثابت في بيته وأخرجه أحمد ٣/ ١٣٧ بنحوه وفي آخره: قال أنس: وكنا نراه يمشي بين أظهرنا ونحن نعلم أنه من أهل الجنة، فلما كان يوم اليمامة، كان فينا بعض الانكشاف، فجاء ثابت بن قيس بن شماس وقد تحنَّط ولبس كفنه، ففال: بئسما تعودون أقرانكم، فقاتلهم حتى قتل.
[ ١ / ٤٠١ ]
الوجه السادس: أن هذا يؤدي إلى جرح بني تميم كلهم
وقد أنزل اللهُ فيه -﵇- سورة عَبَسَ، ونزل في آدم: ﴿وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١].
وقال -﵇- لأبي ذر -وهو الذي ما أظلَّتِ (١) السَّمَاءُ أصدَقَ منه-: " إنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جاهلِيَّة " رواه البخاري (٢) قاله -﵇- وقد سبَّ امرأة، وقال لمن زَكَّى بعضَ الأمواتِ: " وما يُدْرِيكَ لَعَلهُ تَكَلَّمَ بِمَا لا يَعْنِيهِ أوْ بَخِلَ بِمَا لا يُغْنِيهِ " (٣)، كما سيأتي في آخر الكتاب في أحاديث التخويف.
وعن عليٍّ -﵇- لابن عباس لمّا راجعه في المتعة: إنَّكَ امْرُؤٌ تَائِه (٤).
الوجه الخامسُ: سلَّمنا أنه جرح فيهم، فنحن نترُكُ حديثَهُم، فأين تعذُّرُ الاجتهادِ وتعسُّره إذا تركنا حديثَ بني تميم؟.
الوجهُ السادِسُ: أنَّ هذا يُودِّي إلى جرح بني تميم كُلِّهم، وهذا
_________________
(١) حديث قوي بشواهده أخرجه من حديث عبد الله بن عمرو الترمذي (٣٨٠١) وابنُ سعد ٤/ ٢٢٨ والحاكم ٣/ ٣٤٢، وابن ماجه (١٥٦) بلفظ: "ما أقلت الغبراء، ولا أظلت الخضراء من رجل أصدق لهجة من أبي ذر". وأخرجه من حديث أبي الدرداء عويمِر بنُ سعد ٤/ ٢٢٨، والحاكم ٣/ ٣٤٢، وأحمد ٥/ ١٩٧ و٦/ ٤٤٢ وأخرجه من حديث أبي هريرة ابن سعد ٤/ ٢٢٨، وأخرجه من حديث أبي ذر الترمذي (٣٨٠٢) وانظر السير ٢/ ٥٩.
(٢) تقدم تخريجه ص ٢٣٣.
(٣) أخرجه الترمذي (٢٣١٦) من طريق عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي، عن الأعمش، عن أنس وهذا سند رجاله ثقات إلا أن الأعمش لم يسمع من أنس. ولفظ الترمذي: " أولا تدري، فلعله تكلَّمَ فيما لا يعنيه أو بخل بما لا ينقصه ".
(٤) تقدم تخريجه ص ٢٣٣.
[ ١ / ٤٠٢ ]
الأول: أن إسلامهم يقتضي قبول حديثهم ما داموا مسلمين
الثاني: إما أن يكون السيد أنكر قبولهم، لأن من أسلم لا يقبل حتى يختبر أو لأنهم ارتدوا بعد الإسلام
بعيد لم يُعْهَدْ مِثْلُه، إنَّما يُجرح رجل معيَّنٌ بشيء معيَّن، وأمَّا جرح قبيلة من المسلمين فلم يُعهد مثل هذا، ولا نُقِلَ عن أحدٍ من أهل العلم.
الحجة الثالثة: وفدُ عبدِ القيس، ولم أعلم ما وجهُ تخصيصِهم بالذكر، فإنَّهم من جملة الأعراب إلاَّ أنَّه ارتدَّ منهم من ارتدَّ بعد الإسلام.
والجواب على ما ذكره من وجوه:
الأول: أنّ إسلامهم يقتضي قبولَ حديثهم ما داموا مسلمين، وردَّتُهم تقتضي ردَّ حديثهم من بعد أن ارتدوا، ولا مانع مِن ورود التعبُّد بهذا في العقل، ولا في الشرع المنقول بالتواتر المعلومِ معناه، بل قد بيَّنا فيما تقدم قبولَ رسول الله - ﷺ - لمن أسلم عقيبَ إسلامه، والدليلُ عامٌ لوفد عبدِ القيس ولغيرهم.
الثاني: إمَّا أن يكون السَّيِّد أنكر قبولَهم، لأن من أسلم لا يُقْبَلُ حتى يُختبر، أو لأنهم ارتدُّوا بعد الإسلام، إن كان الأوّل، فقد بيَّنا أنَّ قبولهم مشهور منسوب إلى طوائف الإسلام من الزيدية والمعتزلة والشافعية والحنفية، وسائر الفرق، وبينا الأدلةَ على ذلك وبيَّنا أنَّ أقصى ما في الباب أن لا يترجَّح للعالم موافقة الجماهير على هذا، لكن لا يَحِلُّ له الإنكارُ عليهم وإن كان السَّيِّد يُوافق أنَّ قبولَ المسلمين في ذلك الزمان قبل الاختبار غيرُ منكر، وإنّما أنكر قبول المسلم الذي يريد أن يرتدَّ بعد إسلامه، فهذا لا يصح لأمرين:
أحدهما: أنَّ العلم بأنَّه يُريد أن يرتدَّ من قِبَل علم الغيب الذي استأثر الله به، وقد حكم أميرُ المؤمنين -﵇- بشهادة شاهدين، ثم انكشف أنهما شهدا من غير علم فلم يلزمه من ذلك محذور.
[ ١ / ٤٠٣ ]
الثالث: سلمنا أن وفد عبد القيس مجاهيل ومجاريح فما للاجتهاد؟ والتعذر أو التعسر؟
وثانيهما: أنَّ العدل المخبور إذا فَسَقَ بعد العدالة، لم يقدح ذلك في شهادته وروايته قبلَ الفسق، ولا أعلم في ذلك خلافًا. وقد ثبت أنَّ المسلمين كانوا عدولًا في زمانه -﵇- عقيب إسلامهم، فإذا كفروا بعدَ العدالة، لم يقدح كفرُهُم فيهم قبل أن يكفروا، ولا قال أحد: إنَّ الكفر يقدح في الراوي قبل أن يكفر.
الثالث: سلمنا أنَّ وفد عبدِ القيس مجاهيل ومجاريح فما للاجتهادِ، والتعذُّر أو التَعَسُّرِ، ولا نعلم لوفد عبد القيس حديثًا إلا حديثًا واحدًا في دعوة نبويَّة وذلك ما رواه الإمام أحمد (١) عن وفد عبد القيس أنَّهم سَمِعُوا رسولَ الله - ﷺ - يقول: " اللهمَّ اجعلنا من عِبادك المنتجبين (٢) الغُرِّ المُحَجَّلِينَ، الوفدِ المتقبّلين ". قالوا: يا رسولَ الله: وما الوفدُ المتقبلون؟ قال: " وفد يَقْدَمُونَ من هذه الأمة مع نبيهم إلى ربهم -﵎- " أخرجه الهيثمي " في مجمع الزوائد " (٣) وقال: فيه من لم أعرفهم.
وأحاديثُ الصحابةِ الكبار هي المتداولة في كتب الحديث والفقه والتفسير، وأحاديثُ الأعراب الجُفاة غيرُ معروفة، ورجال السُّنَّة قد صنَّفوا كتبًا كبارًا في معرفة الصحابة، فبينوا فيها من هو معروفُ العدالة من الأصحاب، ومن لا يُعرف إلا بظاهر إسلامه من الأعراب، ومن له رواية عنه -﵇- ومَنْ ليس له رواية، ومن أطال الصحبة، ومن لم يُطِلْها، والناظر
_________________
(١) في " مسنده " ٣/ ٤٣١ و٤/ ٢٠٧، وفيه محمد بن عبد الله العمري، وهو مجهول، وباقي رجاله ثقات.
(٢) المنتجب: هو المختار من كل شيء، وفي " المسند ": المنتخبين: وقد جاء تفسيره في المسند أنهم عباد الله الصالحون.
(٣) ١٠/ ١٧٤.
[ ١ / ٤٠٤ ]
ذكر جلة الرواة من الصحابة، رأى المؤلف أن يذكر أسماءهم ليعرف أن حديثهم هو الذي يدور عليه الفقه
في كتب الحديث متمكن من تمييز أحاديث الصحابة المعدلين وأحاديثِ الأعراب المجهولين على ندورِها وقلتها، وإنَّما يلزم الجهل لو كان أهلُ الحديث يُرسِلُون الأحاديثَ، فأين تعذُّر الاجتهاد؟ وما معنى التشويش في جميع الحديث بأنَّ بعض وفدِ عبد القيس ارتدُّوا وإذا ارتدّ وفدُ عبدِ القيس فمَهْ (١) أتبطُلُ السُّنَّة، ويضيعُ العلمُ، ويلزم أن لا يَصِحَّ حديثُ الثقات من أصحاب رسول الله - ﷺ - هذا الكلامُ المعتلُّ؟! والاستدلال المختل؟!
وهذا ذكر جُلةِ الرواة من الصحابة رأيتُ أن أذكر أسماءهم لِيُعْرَفَ أنَّ حديثهم هو الذي يدور عليه الفقه، وينبني عليه العلم، وأنَّ حديث جُفاة الأعرابِ المجاهيل شيءٌ يسيرٌ نادرٌ على تقدير وقوعه، ويُعْلَمَ أنَّه لم يُبْنَ على حديث جفُاة الأعراب حكمٌ شرعيٌّ، فإن اتفق ذلك على سبيل الشذوذ، ففي نادر الأحوال ممن يستجيزُ ذلك من العلماء من غير ضرورة إلى ذلك، فإنه لو لم يستجز الرواية عنهم، كان له في القرآن وما صحَّ من السُّنَّة غُنيةٌ وكفاية.
وإذا أردتَ أن تعرِفَ صدق هذا الكلام، فَأرِنَا مسألة احتج عليها المُحَدِّثون والفقهاءُ بأحاديثِ الأعراب الجُفاة، وأخبرنا بمسألة واحدة تمسَّكوا فيها بأحاديث أولئك الأعراب. وكذلك حديثُ معاوية بن أبي سفيان، فإني ما أعلم أنه قد مرَّ لي في فقه الفُقهاء، ولا مذاهب المحدثين في التحليلِ والتحريم مسألةً ليس لهم فيها حُجَّةٌ إلا حديثَ معاوية وروايتَه، وفي عدمِ ذلك، أو نُدرته ما يدّلُّكَ على ما ذكرنا من أن جلَّة الرواة هُمْ عيونُ الصحابةِ المشاهير لا جُفاةُ الأعراب المجاهيل، فدع عنك هذه الشبَه
_________________
(١) أي: فماذا؟، وفي حديث طلاق ابن عمر: قلت: فَمَه أرأيت إن عجز واستحمق؟!.
[ ١ / ٤٠٥ ]
الضعيفة والمسالِكَ الوعرة. وإما أن يكون من أهل العلم المجدِّدين لما دَرَسَ من آثاره، المجتهدين في الرَّد على من أراد خفضَ ما رفع الله مِن مناره، وإلا فباللهِ أرحنا من تعفيتك لِرسومه، وتغييرك لوجهه، فحديثُ رسولِ الله - ﷺ - ركنُ الشريعة المطهرة المحروسة إلى يوم القيامة وليس يَضُرُّ أهلَ الإسلام جهالةُ بعضِ الأعراب، فلنا عن حديثهم غُنيةٌ بما رواه عليٌّ بن أبي طالب، وأبو بكر، وعثمان، وعَمَرُ، وطلحة، والزبيرُ، وسعدُ بن أبي وقاص، وأبو عبيدة بنُ الجراح، وعبدُ الرحمن بنُ عوف، وسعيدُ بنُ زيد، هؤلاء العشرةُ المشهود لهم بالجنة -﵃- وبعدَهم من لا يُحصى كثرةً من نبلاء المهاجرين والأنصار، والذين اتَّبَعوهم بإحْسَانٍ مثل الإماميْن الكبيريْنِ سيِّدَيْ شبابِ أهلِ الجنة الحسنِ والحسينِ -﵉- وأمَّهما سيدةِ نساء العالمين -﵂-، وعمّارُ بنُ ياسر، وسلمانُ الفارسي، وخزيمةُ بنُ ثابت ذو الشهادتين، وأنسُ بن مالك خادمُ رسول الله - ﷺ -، وعائشةُ أُمُّ المؤمنين -﵂-، وحَبْرُ الأمَّةِ عبد اللهِ بن العباس، ووالدُه العباس عمُّ رسول الله - ﷺ -، وأخوه الفضلُ -﵃-، وجابرُ بنُ عبد الله، وأبو سعيد الخدريُّ، وصاحبُ السِّواد (١) عبدُ الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، والبراءُ بن عازب، وأمُّ سلمة أمُّ المؤمنين، وأبو ذر الغِفاريُّ الذي نصّ -﵇- أنّه لم تُظِلَّ السَّماءُ أصْدَقَ لهجةً منه، وعبدُ الله بن عمرو الذي أَذِنَ له -﵇- في كتابة حديثه الشريف، فكتب ما لم يكتبْه غيرُه (٢)
_________________
(١) السواد، بكسر السين، وقال أبو عبيد: يجوز الضم: السِّرار.
(٢) أخرج أحمد ٢/ ٢٠٧ و٢١٥، والرامهرمزي في " المحدث الفاصل " (٣١٦) والخطيب في " تقييد العلم " ٧٧، وابن عبد البر في جامع بيان العلم ٨٩، وأبو زرعة في تاريخ دمشق (١٥١٦)، وابن عساكر ٢٣١ - ٢٣٢ من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، =
[ ١ / ٤٠٦ ]
فاستكثر من طَيِّب، وأبو أمامة الباهليُّ، وحُذَيَفْةُ بنُ اليمان، والحافظُ الكبير أبو هريرة الدَّوسيُّ الذي قرأ له رسولُ الله - ﷺ - في نمِرتِه (١)، ثمَّ أمره، فلفَّها فلم ينسَ شيئًا مما سَمِعَه (٢)، وأبو أيوب الأنصاريُّ، وجابرُ بن سَمُرةَ الأنصاري، وأبو بَكْرَةَ مولى النبيِّ - ﷺ - وأسامةُ بنُ زيد مولاه -﵇-، وسمرةُ بن جُنْدُبٍ، وأبو مسعود (٣) الأنصاريُّ البدري، وعبدُ الله ابن أبي أوفى، وزيدُ بن ثابت، وزيدُ بن خالد، وأسماءُ بنتُ يزيد بنِ السكن، وكعبُ بنُ مالك، ورافعُ بن خدِيج، وسلمةُ بنُ الأكوع، وميمونةُ أمُّ المؤمنين، وزيدُ بنُ أرقم، وأبو رافع مولى النبي - ﷺ -، وعوفُ بن مالك، وعديُّ بنُ حاتِم، وأمُّ حبيبة أمُّ المؤمنين، وحفصةُ أمُّ المؤمنين، وأسماءُ بنتُ عميس، وجُبيرُ بن مطعم، وأسماءُ بنتُ أبي بكر الصِّديق ذاتُ النِّطاقين، وواثِلَةُ بنُ الأسقع، وعقبةُ بن عامر الجُهني، وشَدَّادُ بنُ أوس
_________________
(١) = قال: قلت: يا رسوله الله أكتب ما أسمع منك؟ قال: " نعم " قلتُ: في الرضى والغضب؟، قال: " نعم، فإني لا أقول إلا حقًا ". وسنده حسن، وأخرجه أحمد ٢/ ١٦١ و١٩٢، وأبو داود (٣٦٤٦) والدارمي ١/ ١٢٥، والحاكم ١/ ١٠٥ - ١٠٦ كلهم من طريق يحيى بن سعيد القطان، عن عُبيد الله بن الأخنس، عن الوليد بن عند الله بن أبي مغيث عن يوسف بن ماهك، عن عبد الله بن عمرو وهذا إسناد صحيح، وهو في تقييد العلم ٧٤، وجامع بيان العلم: ٨٩ - ٩٠، والإلماع ١٤٦. وأخرج البخاري في " صحيحه " (١١٣) والرامهرمزي، برقم (٣٢٨)، والخطب في " تقييد العلم " ٨٣ من طريق همام بن منبه، عن أبي هريرة قال: ما من أصحاب النبي - ﷺ - أحدٌ أكثر حديثًا عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب.
(٢) النمرة: إزار مخطط من صوف، والجمع نمار، قال ابن الأثير: كأنها أخذت من لون النمر، لما فيها من السواد والبياض.
(٣) أخرجه البخاري (١١٩) و(٢٣٥٠) و(٧٣٥٤) ومسلم (٢٢٩٤) من حديث أبي هريرة قال: قلت: يا رسول الله إني أسمع منك حديثًا كثيرًا أنساه، قال: ابسُط رداءك فبسطته، قال: فغرف ثم قال: ضمه، فضممته، فما نسيت شيئًا بعده.
(٤) في (ج): سعيد، وهو تحريف.
[ ١ / ٤٠٧ ]
الأنصاريُّ، وعبدُ الله بنُ زيد، والمِقدامُ أبو كريمة، وكعبُ بن عُجْرَة، وأمُّ هانىءٍ بنتُ أبي طالب، وأبو بَرْزة، وأبو جُحيفة، وبلالٌ المؤذن، وجُنْدُبُ بنُ عبد الله بن سفيان، وعبدُ الله بن مُغَفَّل، والمِقدادُ، ومعاويةُ بن حَيْدَةَ، وسهلُ بن حُنيف، وحكيم بنُ حِزام، وأبو ثعلبة الخُشَني، وأمُّ عطيَّة، وَمَعْقِلُ بنُ يسار، وفاطمةُ بنتُ قَيْسٍ، وخَبَّابُ بنُ الأرت، ومعاذُ بنُ أنس، وصُهَيبٌ، وأمُّ الفضلِ بنتُ الحارث، وعثمانُ بنُ أبي العاصي الثقفي، ويعلى بن أُميَّة، وعُتبة بن عبدٍ، وأبو أُسَيْدٍ السَّاعِديُّ، ومالكُ بنُ عبد الله بن بُحينةَ، وأبو مالك الأشعريُّ، وأبو حُميدٍ السَّاعديُّ، ويعلى ابنُ مُرّة، وعبدُ الله بن جعفر، وأبو طلحة الأنصاريُّ، وعبدُ الله بن سلَام، وسهلُ بن أبي حَثْمَة، وأبو المَليح الهُذَلِيُّ، وأبو واقدٍ الليثيُّ، ورِفاعةُ بن رافع، وعبدُ لله بن أُنيس، وأوسُ بنُ أوسٍ، وأمُّ قيس بنت مِحْصَنٍ، وعامرُ بنُ ربيعة، وقُرَّةُ (١)، والسّائبُ (٢)، وسعدُ بنُ عُبَادَةَ، والرُّبَيِّعُ بنت مُعَوِّذٍ، وأبو بُردة (٣)، وأبو شريح (٤)، والمِسْوَرُ بنُ مَخْرَمَة، وصفوانُ
_________________
(١) هو قرة بن إياس بن هلال بن رياب المزني له في الكتب الستة ثمانية أحاديث كما في " تحفة الأشراف "، ٨/ ٢٨١ - ٢٨٣، وحديثه في مسند أحمد ٤/ ١٩ و٥/ ٣٤ - ٣٥. وثمت صحابي آخر يقال له: قرة بن دعموص النميري، وحديثه في " المسند " ٥/ ٧٢. وانظر " الإصابة " ٣/ ٢٣٢ - ٢٣٤.
(٢) يغلب على الظن أنه السائب بن يزيد الكندي، له في الكتب الستة ستة عشر حديثًا كما في " تحفة الأشراف " ٣/ ٢٥٧ - ٢٦٤، وله خمسة عشر حديثًا في " مسند أحمد " ٣/ ٤٤٩. وهناك عدد من الصحابة يسمون السائب، منهم: السائب بن الأقرع، والسائب بن الحارث بن صبرة، والسائب بن الحارث بن قيس، والسائب بن أبي حبيش، والسائب بن حزن، والسائب بن خباب، والسائب بن خلاد، والسائب بن أبي السائب، والسائب بن عبيد، والسائب بن عثمان، والسائب بن العوام، وغيرهم انظر " الإصابة " ٢/ ٨ - ١٣.
(٣) هو أبو بردة بن نبار بن عمرو بن عبيد الأوسي، واسمه هانىء، وهو خال البراء بن عازب، له أربعة أحاديث في الكتب الستة، وحديثه في " المسند " ٣/ ٤٦٦ و٤/ ٤٤.
(٤) هو أبو شريح الخزاعي وقد اختلف في اسمه، فقيل: كعب بن عمرو، وقيل: =
[ ١ / ٤٠٨ ]
ابن عسَّال، وسُراقة بن مالك، وتميمٌ الدَّاريُّ، وعمرو بنُ حُريث بن خولة الأزديُّ، وأسيدُ بنُ الحُضير، والنَّواسُ بنُ سمعان الكِلابيُّ، وعبدُ الله بن سَرْجِس، وعبدُ الله بن الحارث بن جَزْءٍ، والصَّعْبُ بن جثَّامة، وقيس بنُ سعد بن عبادة، ومحمد بن مَسْلَمة، ومالك بنُ الحويرث الليثيُّ، وأبو لُبابة بنُ عبد المنذر، وسليمانُ بنُ صُرَدٍ، وخَوْلَةُ بنتُ حكيم، وعبد الرَّحمن بن شِبْل، وثابتُ بن الضحاك، وطلقُ بن عليٍّ، وعبدُ الرحمن بن سَمُرة، والحكمُ بن عمير، وسفينة مولى رسول الله - ﷺ -، وكعبُ بن مرَّةَ، وأبو محذورة، وعروة بن مُضرِّس، ومجمّع بن جارية، ووابصة بنُ معبد الأسديّ، وأبو اليَسَرِ، وأبو ليلى الأنصاريُّ، ومعاوية بنُ الحكم، وحُذيفةُ ابن أسيد الغِفاري، وسلمانُ بن عامر، وعُروَةُ البَارِقي، وأبو بَصْرَة الغِفاريُّ، وعبدُ الرحمن بن أبزى، وعُمَرُ بنُ أبي سلمة، وسُبَيْعَةُ الأسلميَّة، وزينبُ بنتُ جحش أمُّ المؤمنين، وضُباعَةُ بنتُ الزبير بن عبد المطلب، وبُسْرَةُ بنتُ صفوان، وصفيَّةُ أمُّ المؤمنين، وأمُّ هاشم بنتُ حارثة الأنصارية، وأمُّ كلثوم، وأمُّ كُرْزٍ، وأم سُلَيْمٍ بنتُ ملحان، وأمُّ معقل الأسدِية.
وضِعفُ هؤلاء، بل أكثرُ من ضعفهم ممَّن لو ذكرناهم على الاستقصاء لطال ذِكْرُهُمْ، وطاب، فطالعهم إن شئت في كتاب " الاستيعاب " (١) وغيرِه من كتب معرفة الأصحاب، فمعرفتُهم أحدٌ أنواعِ
_________________
(١) = هانىء بن عمرو، وقيل: عمرو بن خويلد، وقيل: خويلد بن عمرو، وقيل: عبد الرحمن بن عمرو بن صخر بن عبد العزى بن معاوية بن المحترش بن عمرو بن مازن بن عدي بن عمرو بن ربيعة، أسلم يوم الفتح. له في الكتب الستة ستة أحاديث، وحديثه في " المسند " ٤/ ٣١، و٦/ ٣٨٤ انظر " الإصابة " ٤/ ١٠٢، و" أسد الغابة " ٢/ ١٥٢.
(٢) ألفه المحدث الفقيه الأديب المؤرخ أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عاصم =
[ ١ / ٤٠٩ ]
علوم (١) الحديث كما ذكره المصنِّفون في علم الحديث كابن الصَّلاح، وزين الدِّين، وغير واحد.
وقد ألفوا في معرفة الصحابة كتبًا كثيرةٌ منها " الصحابة " لابن حِبَّان (٢) مختصر في مجلد، و" معرفة الصحابة " لابن منده (٣) كتابُ جليل، ولأبي موسى المَدِيني (٤) عليه ذيل كبير، ومنها " الصحابة " لأبي نُعيم الأصبَهاني (٥) جليلُ القدر، ومنها " معرفة الصحابة " للعسكريِّ (٦)،
_________________
(١) = النمري القرطبي المتوفى سنة ٤٦٣. قال الحافظ ابن حجر في مقدمة " الإصابة " ١/ ٣: وسمى كتابه " الاستيعاب " لظنه أنه استوعب ما في كتب من قبله، ومع ذلك، ففاته شيء كثير، فذيل عليه أبو بكر بن فتحون ذيلًا حافلًا، وذيل عليه جماعة في تصانيف لطيفة. وقد استدرك عليه تلميذ أبي عمر الحافظ أبو علي الحسين بن محمد الجياني الأندلسي المتوفى سنة ٤٩٨، وقد ذكر السهيلي في " الروض الأنف " ٢/ ١٩٨ أن أبا علي قد ألحق استدراكه بالاستيعاب، وأن أبا عمر أوصى أبا علي بقوله: أمانة الله في عنقك متى عثرت على اسم من أسماء الصحابة إلا ألحقته في كتابي الذي في الصحابة. وفي " الإعلان بالتوبيخ " ص ٥٤١: وذيل عليه جماعة كأبي إسحاق بن الأمين، وأبي بكر بن فتحون، وهما متعاصران، وثانيهما أحسنهما.
(٢) في (ب): كتب. وليس بشيء.
(٣) في " معجم ياقوت " بست ١/ ٤١٧ وهو بصدد تعداد مصنفات ابن حبان: فمن ذلك كتاب الصحابة خمسة أجزاء، وفي تاريخ التراث العربي لسزكين ١/ ٣٠٩: أسماء الصحابة لمحمد بن حبان البستي. والجزء الثالث من كتابه الحافل " الثقات " قد تضمن تراجم للصحابة الذين رويت عنهم الأخبار وهو مطبوع لأول مرة في مطبعة دائرة المعارف العثمانية في حيدر آباد بالهند سنة ١٣٩٧ هـ.
(٤) هو الحافظ الإمام الرحال الثقة أبو عبد الله محمد بن يحيى بن منده المتوفى سنة ٣٠١. مترجم في " تذكرة الحفاظ " ٢/ ٧٤١.
(٥) هو الحافظ الكبير شيخ الإسلام أبو موسى المديني محمد بن أبي بكر بن عمر الأصبهاني صاحب التصانيف المتوفى سنة ٥٨١ هـ قال ابن الأثير: استدرك على ابن منده ما فاته في كتابه، فجاء تصنيفه كبيرًا نحو ثلثي كتاب ابن منده، مترجم في " تذكرة الحفاظ " ٤/ ١٣٣٤ - ١٣٣٧.
(٦) هو أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني المتوفى سنة ٤٣٠، قال الإمام الذهبي في " العبر " ٣/ ١٧٠: تفرد في الدنيا بعلو الإسناد مع الحفظ والاستبحار من الحديث وفنونه.
(٧) في " الإعلان بالتوبيخ " للسخاوي ص ٥٤٢: ولأبي أحمد العسكري (الحسن بن =
[ ١ / ٤١٠ ]
ومنها كتابُ أبي الحسن عَلِيِّ بنِ محمد بنِ الأثيرِ الجَزَرِيِّ (١) المسمّى بـ " أُسْدِ الغابة في معرفة الصّحابة " وهو أجمعُ كتابٍ في هذا المعنى جمع فيه بَيْنَ كتاب ابن مَندَه، وذيْلَ أبي موسى عليه، وكتاب أبي نُعيم و" الاستيعاب " وزاد مِن غيرها أسماءٌ (٢).
واختصره جماعة، منهم الحافظُ أبو عبد الله الذَّهبيُّ في مختصر لطيف (٣)، وذيَّل عليه زينُ الدِّين بعدَّةِ أسماءٍ لم تقع له ومنهم الكاشغري (٤). وقد ذكروهم أيضًا في تواريخ الإسلام، وكتب رجالِ
_________________
(١) = عبد الله المتوفى سنة ٣٨٢ هـ) فيه (أي: في الصحابة) كتاب رتبه على القبائل. وانظر " تاريخ بروكلمان " الملحق ١/ ١٩٣.
(٢) المتوفى سنة ٦٣٠ هـ، وهو مطبوع متداول، وأجود طبعاته طبعة الشعب في مصر، فإنها محققة تحقيقًا جيدًا.
(٣) قال الحافظ ابن حجر في تأليف ابن الجزري هذا: جمع فيه كثيرًا من التصانيف المتقدمة إلا أنه تبع من قبله، فخلط من ليس صحابيًا بهم، وأغفل كثيرًا من التنبيه على كثير من الأوهام الواقعة في كتبهم.
(٤) فسماه " تجريد أسماء الصحابة " وهو مطبوع في جزأين في حيدر آباد الدكن بالهند، ثم صورته دار المعرفة في بيروت. قال الحافظ: وعلم لمن ذكر غلطًا، ولمن لا تصح صحته، ولم يستوعب ذلك ولا قارب. وقد وقع لي بالتتبع كثير من الأسماء التي ليست في كتابه، ولا أصله على شرطهما. وقد ألف الحافظ ابن حجر كتابًا سماه " الإصابة في تمييز الصحابة " وهو جامع لما تفرق في الكتب التي ألفت قبله مع تحقيق وإضافات كثيرة لم ترد عند غيره، وقد استغرق في تأليفه أربعين سنة، ولكنه لم يكمل، فقد بقي عليه قسم المبهمات، ومع كل هذا الاستيعاب والتتبع لم يحصل له -كما قال في مقدمته- من ذلك جميعًا الوقوف على العشر من أسامي الصحابة بالنسبة لما جاء عن أبي زرعة الرازي، قال: توفي النبي - ﷺ - ومن رآه وسمع منه زيادة على مئة ألف إنسان من رجل وامرأة، كلهم قد روى عنه سماعًا أو رؤية. وقد طبع هذا الكتاب ست طبعات آخرها سنة ١٩٧٠ - ١٩٧٢ م بتحقيق علي محمد البجاوي، وهي أجود من سابقاتها إلا أنه وقع له فيها تحريف وسقط غير قليل، ولو اطلع المؤلف ابن الوزير على كتاب ابن حجر هذا لنوه به، ورفع من شأنه، وقدمه على غيره من المؤلفات التي هي من بابته.
(٥) هو محمد بن محمد بن علي الكَاشْغَرِي النحوي اللغوي المتوفى سنة خمس وسبع =
[ ١ / ٤١١ ]
تقسيم الصحابة إلى اثنتي عشرة طبقة:
الكُتب الستة، مثل كتاب عزِّ الدين بن الأثير (١)، وكتب الحافظ أبي عبد الله الذهبي (٢)، وكتب الحافظ المِزِّيِّ وغيرها من المصنفات الحافلة في هذا المعنى (٣).
فانظر فيها يتميَّز لك الصحابيُّ من الأعرابيِّ، والفاضل من المفضول، والمخبور من المجهول.
فقد بيَّنَ علماءُ الحديث في علوم الحديث في كتب معرفة الصحابة أن الصحابة ينقسِمون إلى اثنتي عشرة طبقة:
الأولى: قُدَمَاءُ السابقين الذين أسلموا بمكة، كالخلفاءِ الأربعة.
والثانية: أصحابُ دارِ النَّدوة.
والثالثة: مهاجِرَةُ الحبشة.
والرابعة: أصحاب العقبة الأولى.
والخامسة: أصحابُ العقبة الثانية، وأكثرُهم من الأنصار.
_________________
(١) = مئة. أصله من كاشغر في وسط بلاد الترك، جاور بمكة، ودخل اليمن، فأقام بتعز، ومات في ساحل موزع. قال الجندي في " تاريخ اليمن ": كان ماهرًا في النحو واللغة والتفسير والوعظ صوفيًا أقام بمكة أربع عشرة سنة، وصنف، فجمع الغرائب، واختصر أسد الغابة، وقدم اليمن .. وكتابه مختصر " أسد الغابة " منه نسخة خطية في شستر بتي (٣٢١٣) " العقود اللؤلؤية " ١/ ٣٦٨ - ٣٦٩، " بغية الوعاة " ١/ ٢٣٠، وأعلام الزركلي ٧/ ٣٢.
(٢) في القسم الذي لم يطبع بعد من جامع الأصول وهو قسم التراجم، وكانت النية متجهة لنشره بتحقيق صاحبنا الشيخ عبد القارر الأرنؤوط، وعسى أن يكون صدوره قريبًا.
(٣) منها كتاب " سير أعلام النبلاء " الذي نشرته مؤسسة الرسالة " ترجم فيه لـ ٣١٧ صحابيًا، استوعبت تراجمهم الأول والثاني ومعظم الثالث.
(٤) وممن ألف في فضائل الصحابة الإمام أحمد بن حنبل، وقد طبع كتابه في مجلدين بتحقيق وصي الله بن محمد عباس سنة ١٩٨٣. نشرته جامعة أم القرى.
[ ١ / ٤١٢ ]
والسادسة: أوَّلُ المهاجرين الذين وصلوا إليه إلى قباء قبل أن يدخلَ المدينة.
والسابعة: أهل بدر.
والثامنة: الَّذِينَ هاجروا بينَ بدرٍ والحُدَيْبِبَة.
والتاسعة: أهلُ بيعةِ الرضوان.
والعاشرة: من هاجر بَيْنَ الحديبية وفتح مكة.
والحادية عشرة: مُسْلِمَةُ الفتح.
والثانية عشرة: صبيانُ وأطفال رَأَوْا رَسُولَ الله - ﷺ - يومَ الفتح، وفي حجة الوداع وغيرهما (١).
قال ابن الصّلاح (٢): ومنهم من زاد على ذلك، وأمَّا ابنُ سعد، فجعلهم خَمْسَ طبقاتٍ فقط (٣).
فخذ من حديث هؤلاء الأعلامِ ما صفى وطاب، وأجمعَ على الاعتماد عليه ذوو الألباب، ودَعْ عنك التَّشكيك في السنن والارتياب، وخلطَ نبلاءِ الصحابة بجُفَاةِ الأعراب، والتحيُّر في ثبوت الآثار والاضطراب، وليأمن خوفُك من ضَياع السنّة والكتاب، فلتَطِبْ نفسك بحفظ ما ضَمِنَ بحفظه ربُّ الأرباب.
_________________
(١) ذكر ذلك الحاكم أبو عبد الله النيسابوري صاحب المستدرك في كتابه " معرفة علوم الحديث " ص ٢٢ - ٢٤.
(٢) في " مقدمته " الشهيرة ص ٣٠٧.
(٣) وقد استوعب تراجمهم المجلد الثالث والرابع من " الطبقات الكبرى ".
[ ١ / ٤١٣ ]
وأما الأصل الثاني وهو ادعاؤه أن معرفة تفسير ما يحتاج اليه صعب جدا، مع أنه صنف تفسيرا، اعتمد فيه على الفخر الرازي مع أنه في نظره معاند غير متأول
قال: وأما الأصلُ الثاني -وهو معرفةُ تفسيرِ ما يحتاج إليه- فصعبٌ جدًا حصولُه على الوجه المعتبر.
أقول: قد صنَّف السَّيِّد أيَّده الله تفسيرًا للقرآن وتوسَّع في النقل حتى روى عن المخالفين عمومًا، وعن الرَّازي (١) خصوصًا، واعتمد تفسيره " مفاتيح الغيب " مع نصه على أنه معانِد غيرُ متأول، وعلى أنه غيرُ مُوَفَّقٍ ولا
_________________
(١) هو أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن بن علي التميمي البكري الطبرستاني الرازي الملقب بفخر الدين، والمعروف بابن الخطيب الشافعي المتوفى سنة ٦٠٦ هـ. كان إمامًا في التفسير والعلوم العقلية، وعلوم اللغة، وكان العلماء يقصدونه من مختلف البلاد، ويشدون إليه الرحال من أقطار بعيدة، وله مجموعة كبيرة من التصانيف في فنون مختلفة تنبىء عن صحة ذهن، واطلاع واسع، وحافظة واعية، وقدرة فائقة على تقرير الأدلة والبراهين. وتفسيره المسمى بـ " مفاتيح الغيب " يقع في ثماني مجلدات، وهو مطبوع متداول، حظي بشهرة واسعة بين أهل العلم لما تضمنه من أبحاث واسعة مستفيضة في نواح شتى من العلم إلا أنه يعاب بإيراد الشبهة الشديدة، ويقصر عن حلها. وشيء هام لا بد من ذكره هنا هو أن الفخر ﵀ يميل في تفسيره في مسألة الصفات إلى طريقة المتكلمين المؤولة النفاة، المناقضة لما كان عليه سلف الأمة المشهود لهم بالخيرية والمعرفة إلا أنه ﵀ قد رجع عن ذلك في آخر عمره وتمنى أنه لم يشتغل بعلم الكلام، فقد جاء في طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٢/ ٨٢ ما نصه: وروي عنه أنه قال: لقد اختبرت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فلم أجدها تروي غليلًا ولا تشفي عليلًا، ورأيت أصح الطرق طريقة القرآن، اقرأ في التنزيه ﴿والله الغنيُّ وأنتم الفقراء﴾ وقوله تعالى ﴿ليس كمثله شيء﴾ و﴿قل هو الله أحد﴾ واقرأ في الإثبات ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ ﴿يخافون ربَّهم من فوقهم﴾ و﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ واقرأ أن الكل من الله قوله ﴿قل كل من عند الله﴾ ثم قال: وأقول من صميم القلب من داخل الروح: إني مقر بأن كل ما هو الأكمل والأفضل الأعظم الأجل، فهو لك، وكل ما هو عيب ونقص فأنت منزه عنه. ومع أن الرازي بلغ في تفسيره إلى سورة الأنبياء ولم يكمله، وإنما أكمله من بعده أحمد بن محمد القمولي المتوفى سنة ٧٢٧ هـ، كما في طبقات السبكي ٩/ ٣٠، فلا يكاد القارىء يلحظ فيه تفاوتًا في المنهج والمسلك بل يجري الكتاب من أوله إلى آخره على نمط واحد بحيث يتعذر على القارىء التمييز بين الأصل والتكملة. انظر ترجمة الرازي في " طبقات الشافعية " للسبكي ٨/ ٨١ - ٩٦، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٢/ ٨١ - ٨٤.
[ ١ / ٤١٤ ]
افتراض من المؤلف أن يجيب السيد عن ذلك بأنه لم يفسر وإنما روى تفسير العلماء، والجواب عليه من وجوه
الأول: إنه لا معنى للتقليد في التفسير على أصل السيد،
الثاني: أنه قد قال إن اتصال الرواية لهم على وجه الصحة صعب أو متعذر
الثالث: إن لم تكن الرواية مفيدة للتفسير، فالتصنيف عبث وكذا القراءة فيه والاستماع له
محقق. فالله المستعان. فإمَّا أن يكونَ على الوجه المعتبر أو لا، إن كان على الوجه المعتبر، فما الفرقُ بَيْنَ السَّيِّد وغيرِه مِن طلبة العلم؟ فإنَّهم يطلبُون ما طَلَب، ويفهمون ما فهم، وإن كان تفسيرُه على غير الوجه المعتبر، فهو أجلُّ مِن ذلك.
فإن قال: إنه لم يُفسِّر، إنّما روى تفسيرَ العلماء. قلنا: الجوابُ من وجوه:
الأول: أنه لا معنى للتقليد في التفسير على أصل السَّيِّد، لأن التفسير، إمَّا أن يكون ممَّا تُعبَّدنا فيه بالعمل، فليس لأحد أن يَعْمَل به، ولا يعتقده إلا المجتهد، وإن كان التفسيرُ مما تُعُبِّدْنا فيه بالاعتقاد دونَ العمل، فذلك أبعدُ على أصول أهل المذهب، لأن المقرر عندهم أنّه لا يجوزُ أن يتعبدنا اللهُ بالظَّنِّ في باب الاعتقادات ولم يبق إلا تفسيرُ ما هو معلومُ المعنى لكل مكلفٍ مثل تفسيرِ لا إله إلا الله، ونحْوُ ذلكَ مستغنٍ عن التفسير.
الثاني: أنّه قد قال: إن اتِّصال الرواية لهم على وجه الصِّحةِ صعبٌ أو متعذِّر، فشك في تعذُّرها، فدلَّ على أنَّه لم يحصل له روايةٌ صحيحة عنهم، لأنها لو حَصَلَتْ له، لوجب القطعُ، وزال الشَّكُّ في التعذُّرِ.
الثالث: إمّا أن تكون الرِّواية تفيد التفسير أوْ لا؟ إن لم تكن مفيدة، فالتصنيف عبثٌ، والقراءةُ فيه عبث، والاستماعُ له كذلك. وإن كانت تُفيد، لزم السؤال. ثم إن السَّيِّد في هذا الكلام لم يَزِدْ على أنَّه صعَّب، ولم يقطع بأنَّه محال، فأخبرنا إذا كان العلمُ بمعاني كتاب الله صعبًا هل هو من الدِّين أم لا؟ إن قلتَ: ليس من الدِّين، خالفتَ الإجماع، وإن
[ ١ / ٤١٥ ]
قول السيد: "نقل التفسير عن الرسول لا يكاد يوجد إلا في مواضع قليلة"، ويرد هنا أسئلة:
قلتَ: هو من الدِّين، فأخبرنا: كيف أمر الله فيما يَصْعُبُ (١) من الدِّين، هل أوصى بالصبر، أو أوصى بالترك، وكيف مدح الله المؤمنين؟ هل مدحهم بالتَّواصي بالصَّبْرِ حيث قال: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣]. أو مدحهم بالترك بإجابة داعي الدَّعةِ، فقال: وتواصوا بالسَّهل وتواصَوْا بالترك، أو قال ما هو في معنى هذا. فكان اللائق أنَّ السَّيِّد يُوصينا بالصبر على هذا (٢) الأمر الشاق، ويقوِّي عزائِمنَا على ذلك بما ورد في القرآن الكريم في نحو قَولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِين﴾ [البقرة: ١٥٣]. وقد ذكر بعضُ العارفين أن الله تعالى ذكر الصبرَ في نيِّفٍ وتسعين موضعًا، فلولا حُسْنُ التعرض للمشاق الدِّينية ووجوبُ ذلك في كثير من المواضع، ما ذكَرَ اللهُ الصبرَ، ولا أثنى على الصَّابرين.
قال: " لأن التفسيرَ إمَّا أن يكونَ مِن الرسول، أو من آحاد المفسِّرين: كابن عبَّاسٍ ومقاتلٍ ومجاهدٍ وقتادة، أو يرجع فيه العالِمُ إلى أئمة اللغَةِ والنحوِ: كأبي عُبيدة، والخليل، والأخفش، والمبرِّد (٣)، فيأخذ معنى اللفظِ منهم ويفسر على (٤) ما يُوافِقُ علومَ الاجتهاد التي قد أحرزها.
أمَّا الأوَّلُ وهو نقلُ التفسير عن الرسول، فهو لا يكاد يُوجَدُ إلا في مواضعَ قليلة لا تفي بما يحتاج إليه مِن آياتِ الأحكام ".
أقول: يَرِدُ على كلام السَّيِّد ها هنا (٥) أسئلة:
_________________
(١) في (أ) تصعب.
(٢) " هذا " لم ترد في: (ب).
(٣) أبو عبيدة: هو معمر بن المثنى المتوفى سنه ٢٠٩ هـ، والخليل: هو ابن أحمد الفراهيدي المتوفى سنة ١٧٠ هـ، والأخفش: هو سعيد بن مسعدة المجاشعي البصري المتوفى سنة ٢١٥ هـ، والمبرد: هو محمد بن يزيد المتوفى سنة ٢٨٦ هـ.
(٤) سقطت " على " من (ب).
(٥) في (أ) و(ج): هنا.
[ ١ / ٤١٦ ]
السؤال الأول: أنه ادعى أن حصوله التفسير صعب، والمفهوم من هذه العبارة أنه ممكن
السؤال الثاني: أن هذا تشكيك على أهل الاسلام في الرجوع الى كتاب ربهم
السؤال الثالث: قد امتن الله تعالى على هذه الأمة بحفظ كتابها السؤال الرابع: أن السيد قد شنع على من توقف في معاني المتشابه
السؤال الأول: أنَّه ادَّعى أن حصول التفسير صعبٌ، والمفهوم مِن هذه العبارة أنَّه ممكن، لأنه لم يَجْرِ عرفُ البلغاء ولا غيرُهم أن يَصِفُوا المحالَ بالصُّعوبة. ثم إن السَّيِّد احتج على ذلك بما يُوجب أنَّه متعذِّر محال، وذلك ظاهر في احتجاجه لمن تأمَّلَه، فإنه لم يَتْرُكْ إلى معرفة التفسير المحتاج إليه سبيلًا ألبتة.
السؤال الثاني: أنَّ هذا تشكيك على أهل الإسلامِ في الرجوع إلى كتاب ربِّهم الذي أنزله عليهم نورًا وهدىً، وعصمةً لِلمتمَسِّكِ به من الرَّدى. وقد مرَّ أنَّ مثلَ هذا التشكيكِ لا يصْلُحُ إلا مِن الملاحدة والزنادقة، وسائرِ أعداء الإسلام خَذلَهُمُ اللهُ تعالى. والسَّيِّد -أيده الله- من أعيان العِترة النبوية، وأغصانِ الشجرة العلَوِيَّة، وجدير به التَّنَزُّهُ عن ذلك، والتنكبُ عن هذه المسالك.
السؤال الثالث: قد امتنَّ اللهُ تعالى على هذه الأمة بحفظ كتابها، فقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] ولا هدايةَ لنا في حفظ الذكر إذا سدَّ الله علينا طُرُقَ معرفة معانيه.
السؤال الرابع: أنَّ السَّيِّدَ قد شنَّعَ على مَنْ توقَّف في معاني المتشابه، وقال: إنَّ هذا يؤدِّي إلى أن يكون خِطَابُ الله تعالى لنا عبثًا، وكلام السَّيِّد يؤدِّي إلى التوقُّفِ في المُحْكمُ والمُتشابِه معًا، فجاء بأطمِّ مما جاؤوا به، وفي أشعار الحكماء:
لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأتِيَ مِثْلَهُ عَارٌ عَلَيْكَ إذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ (١)
_________________
(١) نسبه سيبويه في الكتاب ٣/ ٤٢ إلى الأخطل، والمشهور أنه لأبي الأسود الدؤلي ظالم بن عمرو المتوفى ٦٩ هـ، وهو في ملحقات ديوانه ١٣٠، ونسب أيضًا لسابق البربري =
[ ١ / ٤١٧ ]
السؤال الخامس: قول السيد: إن نقل التفسير عن النبي - ﷺ - قليل، تنبني على معرفته بالأخبار، وقد عسرها
السؤال السادس: أنه لم يقل أحد من خلق الله أن شرط التفسير أن يكون منقولا عن الرسول - ﷺ -
قول السيد: التفسير من آحاد المفسرين
السؤال الخامس: قول السَّيِّد: إنَّ نقل التفسير عن النبي - ﷺ - لا يكاد يُوجَدُ إلا في مواضع قليلة تنبني على معرفته بالأخبار، وقد عسَّرها وهوَّلها، أو منعها وأحالها، فلا ينبغي منه أن يدَّعي بعدَ ذلك أنه يعرفها.
السؤال السادس: أنَّه لم يقل أحدٌ من خلق الله أجمعين لا العلماءِ ولا المتعلمين ولا القدماءِ ولا المتأخرين أنَّ شرط التفسير في جميع أقسامه التي أحدُها التأويلُ أن يكونَ منقولًا عن الرسول -﵇-، فَقِلَّةُ نقلِ التأويل عنه -﵇- غيرُ ضارٍّ قطعًا إجماعًا ضروريًا من الخَلَفِ والسَّلّفِ، يَعْرِفُ الإجماع على ذلك كُلُّ مَنْ له أدنى شمَّةٍ في العلم، دع عنك السَّيِّد -أيَّده اللهُ- وإن كان بعضُهم يُخالِفُ في التسمية، فيُسمِّي تفسيرَ غير النبي - ﷺ - تأويلًا، فهو خلافٌ لفظيٌّ.
قال: " وأمَّا الرجوعُ إلى آحاد المفسرين، فهو لا ينبني عليه الاجتهادُ، لأنَّه تقليدٌ لهم ".
أقول: هذا الإطلاقُ غيرُ صحيح، فإنَّه يختلِفُ، فمنه ما قالوه اجتهادًا منهم، فلا ينبني عليه الاجتهادُ، ومنه ما قالوه رواية عن العرب من الصحابة وغيرهم مما يتعلَّق باللغة، فيجب قبولُه منهم كما مرَّ الدليل عليه، وكما يأتي إن شاء الله تعالى. وكذلك ما فَسَّروه مما لا طريقَ إلى العلم به بالرأي والاجتهاد، ولا يُعلم إلا بالسمع. فَمِنَ العلماء منْ ذهب إلى أنَّه في معنى المرفوع إلى النَّبيِّ - ﷺ - ولِلنَّاظر في هذا نظره، ولا نكارَة على منْ ذهب إلى هذا، فقد أجاز العلماء التخريجَ وهو أضعفُ من هذا، فإذا جاز
_________________
(١) = والطرماح والمتوكل الليثي انظر " خزانة الأدب " ٣/ ٦١٧ للبغدادي، وفيها: قال اللخمي في شرح أبيات الجمل: الصحيح أنه، لأبي الأسود وقد ساق البغدادي القصيدة برمتها لجودتها، فانظرها فيه.
[ ١ / ٤١٨ ]
قول السيد الرجوع في التفسير إلى أئمة اللغة، وقد أبطل السيد هذه الطريق بوجوه أربعة:
العمل بما يظن أنَّ العالِمَ يقولُه وإن سكتَ عنه حملًا له على السَّلامة، وقد نصَّ كثيرٌ من العلماء على ذلك في غير موضع، فلا يَبْعُدُ أن يجوزَ العملُ على ما يظن أن العالِمَ يرفعُه إلى النبي - ﷺ - وحملًا له على السلامة، وإن لم ينص على الرفع ويصرح به -والله سبحانه أعلم-.
قال: ولأنَّا نحتاجُ إلى معرفة عدالتهم وعلمهم ولأن اتِّصال الرواية بهم على وجه الصِّحة من العدالة صعبٌ أو متعذِّر.
أقول: قد مرَّ الجوابُ على هذا حيث بَيَّنا الطريقَ إلى معرفة الأخبار، فالكلامُ فيهما سواء. ونزيد هنا أن السَّيِّد شَحَنَ تفسيرَه بالرَّواية عنهم، فإما أن تكون صحيحةً أو باطِلةً، إن كانت صحيحةً، فما بالُ الصِّحةِ مقصورةً عليه؟! وإن كانت باطلةً، فهو أجلُّ مِن أنْ يرويَ البَواطِلَ، ويخصَّ بها شهرَ رمضان الكريم، وقد قال -﵇-: " مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ، فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ في أنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ " (١).
قال: " وأمَّا الثالثُ -وهو الرجوعُ إلى أهل اللغة- فهو أضعفُ من هذا، لأن عدالة كثيرٍ منهم غيرُ ثابتة، ولأن اتِّصال الروايةِ الصحيحةِ بهم متعذِّر، ولأن في ذلك تقليدَهم، والاجتهاد لا يَصِحُّ بناؤه على التقليد، ولأن المفسِّر بهذا الوجه يحتاج إلى علوم الاجتهاد، ومنها معرفة التفسير فيلزم الدَّورُ ".
أقول: هذا الوجهُ الثالث الذي تعرض السَّيِّد لإبطاله هي الطريقُ المسلوكة إلى تفسيرِ عامة القرآن. لا يخرج منه إلا النَّادِرُ القليل مما لا
_________________
(١) أخرجه من حديث أبي هريرة البخاري (١٩٠٣) و(٦٠٥٧) وأبو داود (٢٣٦٢) والترمذي (٧٧) وابن ماجه (٦٨٩) والبغوي في " شرح السنة " (١٧٤٦).
[ ١ / ٤١٩ ]
الوجه الأول: عدالة كثير منهم غير ثابتة
يتعلَّق به حكمٌ، مثل قولهِ تعالى: ﴿كهيعص﴾ أو المجملات التي لم يعرف المجتهد أنها من الألفاظ المشتركة فيسقطُ تكليفُه بالعمل بها، وما يرد في ذلك من التفسير النبويِّ فإنَّما هو زيادةٌ في البيان، ولو لم يَرِدْ، لم يبْطُلْ فَهْمُ معاني الظَّواهِر والنصوص، فإن البيان غيرُ محتاج إليه إلا في المجمل. ومتى طلبه المجتهد ولم يجده، سَقَطَ تكليفُه في ذلك الحكم بالرجوع إلى ذلك المجمل. والدليل على ذلك ما تقدَّم في حديثِ معاذٍ وغيرِه من الأدلة القاضية بأنه لا يجبُ على المجتهد العِلمُ بِكُلِّ حديث، وأنَّه إذا لم يجد الحُكْمَ في الكتاب والسُّنَّة، جاز له أن يجتهِدَ رأيه، وإن كان يجوز أن فيهما نصًا لم يقف عليه. والعجبُ من السَّيِّد -أيَّده الله- أنّه جعل هذا الوجه الثالث أضعفَ مما قبله مع أنه لا طريقَ إلى تفسير القرآن على العموم سواه. فأمَّا الأولان قبلَه، فلا قائلَ باشتراطهما في التفسير، فكيف يكونُ ما لا قائل بخلافه أضعفَ مما لا قائل باشتراطه، وهذا عجب وقد تعرض السَّيِّد لإبطال هذه الطريق بوجوه أربعة:
الوجه الأوَّل: أن عدالة كثير منهم غيرُ ثابتة. وأقول: إنَّ صدور هدا الكلامِ من مثل السَّيِّد من العجائب ومَن عاش أراه الدَّهْرُ عجبًا، لأن فساد كثير منهم لا يَمْنَعُ من الرجوع إلى الثقات منهم، كما لا يلزمُ مِن فساد كثيرٍ من الناس فسادُ جميعِ الناس، ومن تحريمِ كثيرٍ من النساء، تحريمُ نكاحِ جميع النساء، ومن نجاسَة كثيرٍ من المياه تحريمُ جميع المياه، ونحو ذلك مما لا يُحصى كثرةُ.
ومن العجب أن السَّيِّد -أيَّده الله- يُقرىء في المنطق، ويَعْرفُ ما يُشترط في الإتتاج من كونِ المقدمتين كليتين، فأين ثمرةُ تلك المعارف، وأين أثَرُ ذلك التحقيق.
[ ١ / ٤٢٠ ]
الوجه الثاني: اتصال الرواية بهم متعذر، وأضاف المؤلف إلى ذلك أشياء
أحدها: ما السبب في قطع السيد بتعذر الطريق إلى الرواية ها هنا؟ وكان مترددا فيما تقدم
ثانيها: قد شحن تفسيره للقرآن بذلك، فكيف يقطع بأنه متردد؟
ثالثها: أن الأمة أجمعت على أنه لا يجب الإسناد في علم اللغة
الثاني: أنَّ اتِّصال الرواية بهم متعذِّرٌ. هكذا على القطع مِن غير شك.
فأقولُ: قد تقدَّم الجوابُ على هذا حيث بيَّنا فيما سلَفَ إمكانُ رواية الأخبار، وبيان طرقها ونزيد هُنا أشياء:
أحدها: ما السببُ في قطع السَّيِّد بتعذُّرِ الطريق إلى الرواية ها هنا وكان مترددًا فيما تقدَّم، وما أظنُّ السببَ في ذلك إلا توفُّرُ داعيةِ التنفير عن طلب العلم، فإن الغالب على الشارع في التنفير عن الشيءِ لا يزال يزدادُ ولو عابه حتى يتجاوز الحدّ.
وثانيها: أنَّه -أيَّده اللهُ- قد شحن تفسيرَه للقرآن الكريم بذلك، فكيف يقطعُ هنا بأنه متعذِّر، وهذا توهم عليه أنَّه واهِمٌ لا محالة في أحد الموضعين -والله أعلم-.
وثالثها: أنَّ الأمة أجمعت على أنَّه لا يجب الإسناد في علم اللغة، فإنهم ما زالو ينقلُون اللغة عن أئمتها مِن غير مطالبة لأئمتها بالإسناد إلى العرب، فإذا جاز قبول المرسَلِ من أئمة العربية في ذلك الزمان، جاز قبولُه عنهم في هذا الزَّمان، لأنَّ الأزمان لا تأثيرَ لها في وجوب الواجبات، وقبحِ المقبحات. وقد أجاز المحقِّقونَ من الأئمة -﵈- قبولَ المرسل في الأحاديث النبوية، فأولى وأحرى في اللغة العربية. وقد قدَّمنا كلام الأئمة في الوِجادة وما يجوزُ منها، وهو عام في جميعِ العلوم النقلية، فيدخل فيها علمُ العربية.
الثالث: قال: ولأن في ذلك تقليدَهم.
أقول: تقدم أنَّه لا سبيلَ إلى معرفة اللغة والأخبار وسائرِ ما لا يُدْرَكُ
[ ١ / ٤٢١ ]
الوجه الرابع: لزوم الدور، وهذا أعجب مما تقدم لوجهين:
أحدهما: أن الدور محال عند جميع العقلاء
الوجه الثاني: أن الدور غير لازم من ذلك
بالنَّظر إلا قبولُ الرُّواةِ الثقات، وأن ذلك إجماعُ المسلمين، وأن كلام السَّيِّدِ هذا يُوجبُ على الله تعالى أن يبعثَ الموتى من العربِ للمجتهد حتى يُشافِهوه بلغتهم أو نحو ذلك من المعجزات، أو خوارقِ العادات والسَّيِّد في هذا الموضع جاوز حدَّ العُرف في التَّعنُّت، وخَلَغ عرْوَةَ المُراعاةِ لِطريق أهلِ العلم، وأتى بما لا يُوافِقُه عليه أحدٌ من العلماء والمتعلمين، ولا سبقه إليه سابقٌ مِن السَّلَفِ الصالحين.
الرابع: لُزُومُ الدَّورِ وهو أعجبُ مما تَقَدَّم وأغرب، وذلك لوجهين:
أحدهما: أنَّ الدَّوْرَ محالٌ عند جميع العقلاء وما أدَّى إلى الدور، لم يصح في زمان دونَ زمان، ولا مِن أحد دونَ أحد، فهذا يؤدي إلى أنَّ الرجوعَ إلى اللغة العربية لا يصح بناءُ التفسيرِ عليه، لا مِن المتقدمين، ولا مِن المتأخرين، ولا مِن المدركين للعرب، ولا مِن غير المدركين، ولا مِن الراسخين في العلم، ولا مِن غير الراسخين. ولعل أدنى مَنْ له تمييز يستحي من نسبةِ هذا القولِ إلى أحد من المتعصبين، وهذه هفوةٌ مِن السَّيِّد -أيَّده الله- لا تليقُ بمحلِّه الشريف، ومنصبِه المنيفِ.
الوجه الثاني: أنَّ الدَّورَ غيرُ لازمٍ من ذلك، لأنَّه يَصِحُّ من المجتهد أن يعرِفَ علومَ الاجتهاد التي يحتاج إليها في معرفة تفسير القُرآن إلا لغة العرب. فإذا احتاج إلى معرفة معنى الآية بحث عن المعنى اللغوي، فمتى وجده فسَّر القُرآن به. ولا دَوْرَ هنا، ولا ما يُشْبِهُ الدَّور، وإنَّما الدورُ يلزمُ حيث لا يَصِحُّ أحدُ الأمرينِ إلا بَعْدَ الآخَر، ويكون كُلُّ واحد منهما مؤثرًا في صاحبه. ومن ثم كان دور المعيَّة صحيحًا عند نُقَّاد هذا العلم، فأين التمانع في مسألتنا؟ وهل يقولُ عاقل: إنه لا يَصِحُّ معرفةُ شيءٍ من علوم الاجتهاد حتى يَعْرِفَ اللغة، ولا تصح معرفة اللغة حتى يعرف علومَ
[ ١ / ٤٢٢ ]
الجواب عن قول السيد: إنه يحتاج إلى معرفة علوم الاجتهاد ومنها معرفة التفسير فيلزم الدور، والجواب عليه، إن كان مراد السيد أنه يحتاج إليها كلها حتى التفسير، فلا يصح هذا لوجهين:
الوجه الثاني: إذا سلمنا أنه محتاج إلى المعرفة باللغة مع سائر علوم الاجتهاد صح عند كل عاقل أن يتعرف اللغة ثم سائر علوم الاجتهاد من غير تمانع ولا دور
(قال): وأما الأصل الثالث -وهو معرفة الناسخ والمنسوخ- ففيه صعوبة كلية. والجواب على ذلك
الاجتهاد، وهذا يؤدي إلى أنَّ الاجتهاد محالٌ أبدًا في قديم الزمان وحديثه، لأن المحال لا يَصِحُّ في وقت الصحابة، ولا يُمْكِنُ في عصر التابعين، ولا يتيَسَّرُ لأحدٍ من العالمين.
وأمَّا قولُه: إنَّه يحتاج إلى معرفة علوم الاجتهاد ومنها معرفة التفسير، فيلزم الدور، فهذه زخرفة عظيمة، ولا يمضي مثلُها إلا على الأغمار، ولا تَنْفَقُ بضاعتها في سوق النُّظَّار. وبيان أنها مجردُ زخرفة أنا نقول: ما مرادُك بأنَّه يحتاجُ إلى علوم الاجتهادِ -ومنها معرفة التفسير-؟ هل مرادُك يحتاج إليها كُلِّها إلا تفسيرَ القُرآن باللغة فلا دورَ في هذا، لأنَّ الفرض أنه قد عَرَف اللغةَ، واحتاج إلى سائرِ الفنون، فيجبُ أن يتعلَّمَ سائرَ الفنون، فإذا تعلَّمها، وأضاف معرفتَه لها إلى معرفته باللغة فسَّر القرآن، ولا إشكال ولا دَوْرَ؟ أو مرادُك يحتاج إليها كُلِّها حتى التفسيرِ باللغة؟ فلا يصح هذا لوجهين:
أحدهما: أنَّ كلامَنا فيمن عَرفَ اللغة، واحتاج إلى ما عداها، فلا يَصِحُّ أن يُجْعَلَ العارفُ للشيء محتاجًا إلى معرفته غيرَ متمكِّنٍ منها.
الوجه الثاني: إذا سلَّمنا أنَّه محتاج إلى المعرفة باللغة مع سائِر علُومِ الاجتهادِ صحَّ عند كُلِّ عاقل أن يتعرَّف اللغة، ثم يتعرَّف سائرَ علوم الاجتهاد من غير تمانعٍ ولا دور. ولو جاز أن يُقَال في مثل هذا: إنَّه دور، لقلنا بمثل ذلك في معرفة السُّنَّةِ وما يتعلق بها من اللغة، وفي سائر المعارف الاجتهادية. وهذا كلامٌ نازل جدًا، واستدلالٌ لا يتماسَكُ ضَعفًا، واحتجاجٌ لا تقبله الأذهانُ، ولا تُصغي إليه الآذانُ.
قال: "وأمَّا الأصلُ الثالث -وهو معرفة الناسخ والمنسوخ- ففيه صعوبةٌ كلية، لأنَّا نحتاج في ذلك إلى قولِ الرسول: هذا ناسخ وهذا
[ ١ / ٤٢٣ ]
منسوخ، أو ما في معنى ذلك، أو إلى إجماع أو إلى معرفة التاريخ. وهذه الأمورُ قليلٌ اتفاقها بنقل العدل عن العدل، وأمَّا قولُ الراوي: هذا ناسخ أو منسوخ، فقد ضَعَّفوه، وهو أكثرُ ما يتفق".
أقول: السَّيِّدُ في هذا الأصل لَيَّن من عريكة شِدَّته، وفتَّر من سوْرَةِ حِدَّتِه، فلم يدَّعِ أنَّ معرفةَ المنسوخ متعذِّرة، ولا تشكَّكَ في ذلك، واكتفي بمجرد التعسيرِ، ودعوى الصعوبة.
والجواب عليه: أنَّا نصبر على تلك الصُعوبة، ونتواصى بالصَّبر كما وصف اللهُ المؤمنين، ونسأل السَّيِّد أن يصْبِرَ على كتم ما في نفسه من التألُّم العظيمِ لنا حين تعرضَّنا لذلك، فإنَّ مِثْلَ هذا الكلام لا يُجاب إلا بمثل هذا الجواب، إذ كان الاحتجاجُ بمجرَّد الصعوبة مما أسلفنا القول في بعده عن أساليب العلماء، وخروجِه عن عادات الحكماء، ولا بُدَّ من الإشارة إلى نكتة لطيفة في الجواب، وهي أنَّ عمود الاحتجاج في هذا الفصل هو قولُه: وهذه الأمورُ قليل اتفاقُها.
والجواب: أنَّه يسْهُلُ بهذا الاجتهادِ، لأنَّ طُرُق النسخ بِقلَّتها يَقلُّ النسخُ، وإذا قلَّ، سهُلَ العلم به، لأنَّ معرفة القليل أسهلُ من معرفة الكثير بالضرورة، وإنَّما قلنا: إنَّه يَقلُّ، لأن ما لا طريق إلى معرفته من المنسوخ وسائِر الأحكام لا يقع التكليفُ به. وقد قدَّمنا أنَّ تكليف المجتهد هو الطلبُ حتى لا يجد، وليس تكليفُه العلم بأنَّه لا نصَّ إلا ما أحاط به عِلْمُه، ووعاه قلبُه.
ثم إنَّا نقول قد قدَّم السَّيِّد تعسيرَ النقل عن العدول بكلام عامٍّ يدخل تحته المنسوخ، ولم يكن محتاجًا إلى إعادة الكلام في المنسوخ على انفراده، وكذلك قد قدَّمنا الجوابَ عليه هنالك بما يدخل تحتَه الجوابُ
[ ١ / ٤٢٤ ]
رسالة السيد مبنية على استبعاد الاجتهاد، وهذا لا ينبغي منه لوجوه:
ثانيها: أن هذه المسألة من مسائل الخلاف الظنية
ثالثها: أن هذا موضع إظهار الأدلة، فلا مخبأ بعد بوس ولا عطر بعد عروس
على هذا، فلا حاجة إلى إعادته هنا.
ثم إنَّا نقولُ قد بيَّن السَّيِّد المنسوخ مِن القرآن العظيم في تفسيره، فإمَّا أن يكون بنقل العدل عن العدل، فالذي سهَّل ذلك له يُسَهِّلُه لِغيره، أو يكون على غير تلك الصفة، فالسَّيِّدُ أجلُّ من ذلك، ثمَّ إن السَّيِّد ختم كلامَه بقوله: وأمَّا قول الراوي: هذا ناسخ أو منسوخ ونحو ذلك، فقد ضعُّفوه وهو أكثرُ ما يتفق.
والجواب عليه: أنَّ هذه الطريق التي ذكرها مما اختلف أهلُ العلمِ فيه، فمنهم من ذهب إلى النسخ بها كالشيخ أبي عبد الله البصريِّ، وأبي الحسن الكرخيِّ (١)، حكاه عنهما السَّيِّدُ أبو طالب في كتابه " المجزي " وقوَّى ذلك، وأطال في الانتصار له، ومنهم من منع ذلك. فقول السَّيِّد: إنَّهم ضعَّفوه، هكذا من غير احتجاجٍ مع أنَّها مسألةُ خلاف مما لا يرتضيه أهلُ البصر بعلم المناظرة والنظر، لأنَّا نقولُ: هل قال السَّيِّد ذلك، على سبيل التقليدِ لأولئك الذين ضعَّفوه كما هو ظاهر كلامه في خلوِّ الزمان عن المجتهدين، فليس له أن يحتَجَّ بتقليده، ولا هذه المسألة من مسائل التقليد، أو قال ذلك على سبيل الاجتهاد على بعد ذلك من ملاءمة رسالته، فإنها مبنيّة على استبعاد الاجتهاد، فهذا لا ينبغي منه لوجوه:
أحدها: مناقضته الكلامَ القاضيَ بعدمِ المجتهدين.
وثانيها: أنَّ هذه المسألة من مسائل الخلاف الظَّنِّية ولا معنى للترسُّلِ على من ذهب فيها إلى مذهبٍ قد سبقه إليه غيرُه من أهل العلم.
وثالثها: أنَّ هذا موضع إظهار الأدِلَّة، فلا مخبأ بعدَ بوس، ولا عِطر
_________________
(١) انظر المحصول ١/ ٣/٥٦٦ - ٥٦٧، و" نهاية السول " ٢/ ٦٠٧ - ٦٠٩.
[ ١ / ٤٢٥ ]
بعْدَ عروس (١)، فإذا لم تستهلَّ وجوهُ الأدِلَّة في هذا المكان، فمتى يكون طلوعُ هذا البيان؟!
ثم إنُّا نبيِّنُ حُجَّة من ذهب إلى هذا المذهب الذي استضعفه السَّيِّد -أيَّده الله- ليعرف الناظرُ فيه أنَّه محتمل، غيرُ مقطوع ببطلانه فنقول: لا يَخلو إمَّا أَنْ يُريدَ أنَّ ذلكَ ضَعِيفٌ، لأنَّه لا يُفيدُ العِلمَ، أَوْ لأنَّهُ لا يُفيد الظَّنَّ، الأول ممنوع (٢)، والثاني مُسلَّم، ولا يضرُّ تسليمُه.
بيانُ منع الأول أنَّه يلزم أن لا يُقبل لو أسندَ النسخَ إلى النبيِّ - ﷺ -، لأنَّ الطريق إلى النبيِّ - ﷺ - قال ذلك طريقٌ ظنيّةٌ، فلم يحْصُلِ العلمُ لكن السَّيِّد مُقِرٌّ بصحة هذه الطريق الظنيَّة، فدلَّ على أنَّ العلم غيرُ مشترط إلا في نسخ المتواتر على خلافٍ في ذلك شديد، وسيأتي ذكرُه -إن شاء الله تعالى- وذكرُ أدلةِ الفريقين فيه.
وبيانُ أن تسليم الثاني لا يَضُرُّ أنَّا نقول: إنَّ خبر الثقة المأمون بأنَّ هذا الحكم منسوخ، إمَّا أن لا يُفيد الظَّنَّ بصدقه لكثرة وهمه في ذلك، وحينئذٍ لا يجوز قبولُه، كمن كَثُرَ وهمُه في الحديث المرفوع، وذلك لأنَّ
_________________
(١) قال الزمخشري في " المستقصى " ٢/ ٢٦٣: لا عطر بعد عروس، ويروى لا مخبأ لعطر بعد عروس، وأصله أن رجلًا هُديت إليه امرأة، فوجدها تَفِلَة، فقال لها: أين الطيب؟ فقالت: خبأته، فقال ذلك. وقيل: عروس اسم رجل مات، فحملت امراته أواني العطر، فكسرتها على قبره، وصبت العطر على قبره، فوبخها بعض معارفها، فقالت ذلك. يضرب على الأول في ذمِّ ادِّخار الشيء وقت الحاجة إليه، وعلى الثاني في الاستغناء عن ادخار الشيء لعدم من يدخر له. وانظر " فصل المقال " ص ٤٢٦ - ٤٢٧، و" مجمع الأمثال " ٢١١ - ٢١٢، و" تاج العروس " ١٦/ ٢٤٣ - ٢٤٤ طبعة الكويت.
(٢) في (أ) فوق كلمة ممنوع بخط دقيق ما نصه: تضعيفه، لأنه لا يفيد العلم، لأن الظن كاف هنا ما لم ينسخ معلومًا.
[ ١ / ٤٢٦ ]
ذلك يقتضي الشَّكَّ المتساوي الطرفين، فالحكمُ بأحدهما ترجيحٌ لما ليس براجح من غير مرجَّح، وذلك قبيحٌ عقلًا، وإمَّا أن يُفيد الظَّنَّ الراجحَ لِصدقه، وحينئذٍ يكون القولُ بالنسخ راجحًا، والقولُ بعدمه مرجوحًا، فوجب العملُ بالراجح، لأنَّا لو لم نعمل به، لكُنَّا إمَّا أن نتوقَّفَ، أو نعمل على عدمِ النسخ، وفي الأوَّلِ المساواة بين الراجح والمرجوح، وفي الثاني ترجيحُ المرجوحِ على الراجع، وكلاهما قبيحٌ في العقل.
فإن قلتَ: إنَّه يجوز أن ينبني النسخُ على الظَّنِّ والاجتهاد.
فالجواب: ما ذكر أبو طالب في " المجزي " من أنَّ ذلك خلاف الظاهر، فإن ظاهر (١) قوله: هذا منسوخ، الخبرُ، ولهذا فإنَّه لو بيَّن مستندَه في ذلك، لم يجُزِ الرجوعُ إلى قوله: هو منسوخ، لأنَّه حين بيَّن المستندَ قد وكَل الناظرَ إلى النظر فيما أبداه من حجته، وحين أطلق القول بالنسخ ولم يُضف ذلك إلى اختياره وظنه، ولا إلى دليل معيَّن كان ظاهره الخبر.
قال: وكذا إذا قال الصحابيُّ في الشيء: إنَّه حرام، ولم يُضفْ ذلك إلى نظره، ولا استدل عليه، فإنَّ ظاهره الخبرُ في طريقة شيخنا يعني أبي عبد الله البصريِّ.
فإن قلت: إن خبر الثقة بأنَّ هذا منسوخ يجوز أن يبنيه على الوهم، فلا يجوزُ تقليدُه فيه، مثالُ ذلك أنَّ العالم قد يعتقِدُ أنَّ النَّصينِ متعارضان وليسا كذلك، ثم إنَّه يَطَّلعُ على أنَّ أحدهما متأخرٌ، وأحدهما متقدم، فيقضي بنسخ المتقدم لاعتقاده لتعارضهمما، وهذا هو حجة لمن ردَّ ذلك.
والجواب على ذلك: أنَّه لا يلزم ذلك إلا في من كَثُرَ وَهْمُهُ حتَّى كان
_________________
(١) في (جـ) ظاهر خلاف.
[ ١ / ٤٢٧ ]
جواز الوهم على الراوي في تأديته للفظ الحديث النبوي، والدليل على ذلك وجهان:
أحدهما: قوله - ﷺ -: "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار"
وَهمُهُ وصدقُه متساويين في الرُّجحان، أو كان وهمُه راجحًا على صِدقه، وهذا مردودٌ بلا شكٍّ، سواءً كان رافعًا للنسخ إلى النبي - ﷺ -، أو كان واقفًا له دونَ النبيِّ - ﷺ - وإنما الكلامُ في مَنْ قوِيَ في الظن، ورجح في العقل أنه صادق في قوله.
فإن قلت: فرقٌ بينَ ما رفعه إلى النبي - ﷺ -، وبين ما وقفه على نفسه، أو على غيره، وذلك لأن ما رفعه إلى النبي - ﷺ - لا يحتمل أنَّه بناه على الوهم، وإنَّما يحتمل أنَّه كَذَبَ على النبي - ﷺ - أو صدق فيه، لكن احتمال الكذب بعيدٌ عن الثقات، أمَّا الوهم فكثير.
قلت: ليس الأمرُ كما توهمتَ، بل قد نصَّ العلماء على جواز الوهم على الراوي في تأديته للفظ الحديث النبوي، والدليل على ذلك وجهان:
أحدُهما: قوله -﵇- في الأحاديث الصحيحة: " مَنْ كذَبَ علَيَّ مُتَعَمِّدًا فلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّار " (١) فقوله " متعمِّدًا " يَدُلُّ على أنَّه يجوز على الراوي أن يُخطِىء في النقل، لكِنَّه تجويزٌ بعيدٌ مرجوح، فلم يُعتبر، فلذلك قالت عائشة لمّا سَمِعَت ابنَ عمر يروي حديث: " إنَّ الميِّتَ ليعذَّبُ بِبُكَاءِ أهْلِهِ علَيْهِ " (٢): ما كذب ولكنَّه وَهم (٣).
_________________
(١) تقدم كلام المؤلف عليه وانظر التعليق عليه هناك ص ١٩٠.
(٢) أخرجه من حديث ابن عمر البخاري (١٢٨٨) و(١٢٨٩) و(٣٩٧٨) ومسلم (٩٢٨) (٩٣٠) وانظر " الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة " ص ٧٧، وشرح السنة ٥/ ٤٤١ - ٢٤٢، وتلخيص الحبير ٢/ ١٤١. و" فتح الباري " ٣/ ١٥٠.
(٣) في (أ) و(ج) فوق كلمة " وهم " ما نصه: وَهِل خ، أي: نسخة، وهي كذلك عند مسلم (٩٣٢) والنسائي ٤/ ١٧، وأبي داود (٣١٢٩). وهما بمعنى يقال: وهِمَ وَوَهِلَ، أي غَلِطَ. وفي " الموطأ " ١/ ٢٢٤ ومسلم (٩٣١) " يغفر الله لأبي عبد الرحمن أما إنه لم يكذب، ولكنه نسي أو أخطأ ".
[ ١ / ٤٢٨ ]
الوجه الثاني: أن الجماهير من العلماء قد اجازوا الرواية بالمعنى
الوجه الثاني: أنَّ الجماهير من العلماء قد أجازوا الرواية بالمعنى، فمن الجائز أن يعتقدَ هذا الراوي في الحديث النَّبويِّ معنىً، فيعبرَ عنه قاطعًا على أنَّ المعنى واحد، وليس كذلك مثل ما جاز عليه ذلك في قوله: هذا منسوخ، أن يعتقد تعارُضَ النصوصِ فيقضي بنسخ المتقدِّم قاطعًا على تعارضها. ومِنْ ها هنا رجَّحُوا روايةَ من لا يستجيزُ الرِّواية بالمعنى على رواية مَن يروي بالمعنى، فلو كان الراوي بالمعنى لا يغْلَطُ قطعًا، لم تكن رواية من يُوجِبُ نقلَ اللفظ النبويِّ أرجحَ منه.
فإن قلتَ: إنَّه يجوز أنَّ القائل بأنَّ هذا منسوخ قال ذلك اجتهادًا، واحتمالُ الاجتهاد يقدَح بخلاف احتمال الوهم.
قلتُ: هذا خلافُ الظاهر، لأنَّ الاجتهادُ الصادِرَ عن القياس، والأمارات الضعيفة، ليس مِن طُرُقِ النسخ، فحملُ الراوي عليه بمنزلةِ حمل الراوي للحديث المرفوع على أنَّه بَنَى الروايةَ للحديث على اجتهاده في أنَّ ذلك هو معنى الحديث النبويِّ، فكما أن ذلك مردودٌ غيرُ مسموع مِن قائله لِبعده، فكذلك هذا.
فإذا عرفت هذا، فكيف ينبغي مِن السَّيِّد إطلاقُ القولِ بضعف هذه المسألة المحتملة مِن غير استدلال، ولا توقُّفٍ، ولا نَظَرٍ، ولا تأمُّل. ولو ذهب ذاهب إلى هذا المذهب، لم يكن خارقًا لإجماع الأُمة، ولا مستحقًا للنَّكِير عند الأئمة.
ثم نقول للسَّيِّد -أيَّده الله-: ما زال أهلُ العلم يتعرَّضُونَ لمعرفة المنسوخ، ويذكرون المجمعَ عليه من ذلك، والمختلفَ فيه، وقد صنَّف غيرُ واحد في معرفة المنسوخ من الأئمة وغيرهم، وحَصَرُوا ما صَحَّ نَسْخُه، وبيَّنوا الدَّلِيلَ على صحة النسخ، والدليلَ على بُطلانِ النسخ في بعض ما
[ ١ / ٤٢٩ ]
جملة ما صح من النسخ وما ادعي فيه
وقع الوَهْمُ في دعوى نسخه، وانحصرَ ذلك في شيءٍ يسيرٍ، لا سيما ما يتعلَّق بالأحكام، ولعلَّ الجميعَ من المنسوخ في ذلك لا يأتي في أربع ورقاتٍ مجردًا عن الاستدلال على صحة النسخ وعدمه. فما هذا التهويلُ العظيمُ، والتعسيرُ الشديد؟!! وقد ذكر أهل العلم أنَّ النسخ في الشريعة قليلٌ جدًا. وجُلُّ ما صح نسخه بالإجماع نَيِّف وعشرون حُكمًا، وادُّعِي النسخ في أكثر من ذلك.
وهذا جملة ما صحَّ وما ادُّعي فيه النسخ:
أجمعوا على نسخ استقبالِ بيت المقدس، والكلام في الصلاة (١)، وحكم المسبوق (٢)، وتركِ الصلاة في الخوف، والجمعة قبل الخطبة (٣)، والصلاة على المنافقين، وتحريمِ زيارة القبور، وجواز الاستغفار للكفار بعد موتهم، ووجوب عاشوراء، وقيام الليل على الأمة، (٤) والسحور بعدَ
_________________
(١) أخرج البخاري (١٢٠٠) و(٤٥٣٤) ومسلم (٥٣٩) والترمذي (٤٠٥) من حديث زيد بن أرقم، قال: كنا نتكلم خلف رسول الله - ﷺ - في الصلاة، يكلِّمُ الرجل منا صاحبه إلى جنبه حتى نزلت ﴿وقوموا لله قانتين﴾ [البقرة: ٢٣٨] فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام. وانظر " شرح السنة " للبغوي ٣/ ٢٣٣ - ٢٤٢.
(٢) كان الناس على عهد رسول الله - ﷺ - إذا سبق أحدهم بشيء من الصلاة سأل المصلين، فأشاروا إليه بالذي سبق به، فيصلي ما سبق به، ثم يدخل معهم في صلاتهم، فنسخ ذلك بقوله - ﷺ -: " إذا جاء أحدكم وقد سبق بشيء من الصلاة، فليصل مع الإمام بصلاته، فإذا فرغ الإمام، فليقض ما سبقه به " انظر " الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار " ص ١٠٤ - ١٠٦ للحازمي.
(٣) انظر " الاعتبار " ص ١١٨ - ١١٩ للحازمي.
(٤) وذلك في قوله تعالى في سورة المزمل: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ =
[ ١ / ٤٣٠ ]
طُلوعِ الفجر إلى شروقِ الشمس على خلاف في تفسير الفجر (١)، ورجعة المطلقة أبدًا، واعتدادِ المتوفَّى عنها حولًا، وجوازِ شرب خمر العنب، وتحريمِ الأكلِ والنكاحِ ليلًا في رمضان، والتخييرِ في صومه، أو الكفارة من غير حَبَلٍ ولا كبَرٍ، ولا رَضَاعٍ، وتحريمِ الجهاد بالسيف ولو لآمِّ البيت، والعشرِ الرضعات، وتحريم كتابةِ غير القرآن، ووجوبِ الوصيَّة للأقربين، وفرضِ الصلاة ركعتين ركعتين على القول بأن الزيادة نسخ، وتركِ الحجابِ، والتوارثِ بغيرِ القرابة، وحبسِ الزانيينِ حتَّى يموتا، وقتالِ الواحدٍ لِعشرة ولم يذكر إجماع، ولا خلاف في نسخ الأمر بالفَرَعِ (٢)، وقتلِ الشَّارِبِ (٣) في الرابعة، وتحريمِ الكنز بعدَ الزكاة،
_________________
(١) = إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المزمل: ٢٠] قال ابن كثير في تفسير. وقوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ أي: أقيموا صلاتكم الواجبة عليكم، وآتوا الزكاة المفروضة، قال: وهذا يدل لمن قال: إن فرض الزكاة نزل بمكة، لكن مقادير النُّصُب والمخرج لم تبين إلا بالمدينة والله أعلم، قال: وقد قال ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، والحسن وقتادة وغير واحد من السلف: إن هذه الآية نسخت الذي كان الله أوجبه على المسلمين أولًا من قيام الليل، واختلفوا في المدة التي بينهما على أقوال، وقد ثبت في " الصحيحين " أن رسول الله - ﷺ - قال لذلك الرجل الذي سأل: ماذا فرض الله عليه من الصلوات: " خمس صلوات في اليوم والليلة " قال: هل علي غيرها؟ قال: " لا إلا أن تطوع ".
(٢) انظر تفصيل المسألة في " الاعتبار " ص ١٤٤ - ١٤٥، و" أحكام القرآن " ١/ ٢٢٦ - ٢٣٠ لأبي بكر الجصاص.
(٣) قال ابن الأثير في " النهاية ": الفرع: أول ما تلده الناقة كانوا يذبحونه لآلهتهم، فنهي المسلمون عنه، وقيل: كان الرجل في الجاهلية إذا تمت إبله مئة، قدم بكرًا فنحره لصنمه، وهو الفرع وقد كان المسلمون يفعلونه في صدر الإسلام ثم نسخ، وأخرح البخاري (٥٤٧٤) ومسلم (١٩٧٦) وأبو داود (٢٨٣١) و(٢٨٣٢) والترمذي (١٥١٢) والنسائي ٧/ ١٦٧ من حديث أبي هريرة مرفوعًا " لا فرع ولا عتيرة " قال (القائل الزهري): والفَرَعُ أوَّلُ النتاج كانوا يذبحونه لطواغيتهم، والعتيرة في رجب. وانظر " جامع الأصول " ٧/ ٥٠٦ - ٥١١.
(٤) أي: شارب الخمر، وللمحدث العلامة الشيخ أحمد شاكر ﵀ رسالة في هذه المسألة سماها " القول الفصل في قتل مدمني الخمر " ذهب فيها إلى عدم النسخ وهي مستلُّة من =
[ ١ / ٤٣١ ]
ووجوبِ التنفيل قبل القسْمِ، ولبسِ خواتيم الذهب (١)، والأمر بقتلِ الكلاب إلا الأسودَ، والمُثْلَة، والأمرِ بأذى الزَّاني.
وشذَّ المخالفُ في نسخ تحريم القتال في الأشهرِ الحرم، ونسخِ الماء من الماء (٢)، والوضوء مما مسَّتِ النَّارُ، وجوازِ لحوم الحمر الأهلية، وضرب النِّساءِ (٣)، والتطبيقِ في الركوع، وموقفِ الإمامِ بين اثنين، وتحريمِ القتال في مكَّة، وقصرِ تحريم الربا على النسيئة، ووجوبِ الصدقات بالزكاة، والأمرِ بالعتيرة (٤)، ومُتْعَةِ النكاح (٥)، وتحريم الضحيَّة
_________________
(١) = شرح حديث ابن عمر من المسند ورقمه فيه (٦١٩٧) وانظر " الاعتبار " ص ١٩٩ - ٢٠٠، و" شرح السنة " ١٠/ ٣٣٤ - ٣٣٦.
(٢) أي: لبس خواتيم الذهب للرجال، ففي البخاري (٥٨٦٥) من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله اتخذ خاتمًا من ذهب وجعل فصه مما يلي كفه، فاتخذه الناس، فرمى به، واتخذ خاتمًا من ورق أو فضة. وقد ورد النهي عن لبس خاتم الذهب للرجال من حديث البراء بن عازب وحديث أبي هريرة، وكلاهما في الصحيح، وانظر " الاعتبار " ص ٢٣١.
(٣) أي: وجوب الغسل من الإنزال، فقد أخرح أحمد ٥/ ١١٥ و١١٦، وأبو داود (٢١٤) والترمذي (١١٠) من طريق الزهري عن سهل بن سعد، عن أبي بن كعب، قال: الماء من الماء في أول الإسلام " ثم أمر بالاغتسال بعد رخصة رخصها رسول الله - ﷺ -. وقال الترمذي: حسن صحيح، وجاء من طريق آخر صحيح عند أبي داود (٢١٥) والدارمي ١/ ١٩٤ عن أبي بن كعب أن الفتيا التي كانوا يفتون أن الماء من الماء كانت رخصة رخصها رسول الله - ﷺ - في بدء الإسلام، ثم أمر بالاغتسال بعد. وصححه ابن خزيمة (٢٢٥)، وابن حبان (٢٢٨) و(٢٢٩) والدارقطني في سننه ص ٤٦، والبيهقي ١/ ١٦٥.
(٤) انظر " فتح الباري " ٩/ ٣٠٢ - ٣٠٤، وشرح السنة ٩/ ١٨١ - ١٨٧.
(٥) العتيرة في اللغة: هي النسيكة التي تُعتر، أي: تذبح، كانوا يذبحون في رجب تعظيمًا له " لأنَّه أول شهر من الأشهر الحرم. وانظر شرح السنة ٤/ ٣٤٩ - ٣٥٣.
(٦) قال الإمام البغوي في " شرح السنة " ٩/ ٩٩: نكاح المتعة كان مباحًا في أول الإسلام، وهو أن ينكح الرجل المرأة إلى مدة، فإذا انفضت، بانت منه، ثم نهي عنه رسول الله - ﷺ -: فقد روى الربيع بن سبرة، عن أبيه أنَّه كان مع رسول الله - ﷺ - فقال: " يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة " أخرجه =
[ ١ / ٤٣٢ ]
ما اختلف فيه
بعدَ ثلاث، وجوازِ الحرير للرجال، والرَّضاع بعدَ الحولين، وعدمِ وجوب الشياه في زكاة البقر على تفصيل فيه.
واختلفوا في مُتْعَةِ الحج (١)، وتحرِيم استقبالِ القِبلة بالبوْل والغائِط، وفي تركِ الوضوء من مسَّ الذكر، وفي طهارةِ جلودِ الميتة بالدبغ، وابتداء الكفار بالقتال في الحرم، وفي التيمّم إلى المناكبِ، والصحيح النسخ، وفي مسحِ القدمين، وفي المسحِ على الخُفَّيْنِ، والالتفاتِ في الصلاة، وفي جواز إقامة غير المؤذن، وفي قطعِ المار للصلاة، وفي الصلاة إلى التصاوير، ووضعِ اليديْن قَبْل الركبتين، والجهرِ بالتسمية، والقنوتِ والقراءةِ خلفَ الإمام، وأفضليةِ الإسفارِ بالصبح، وصلاةِ المأموم جالسًا إذا صلَّى الإمامُ جالسًا (٢)، وسجودِ السَّهوِ بعدَ السَّلام، والقيام للجنائزِ، وتكبير الجِنازة أربعًا، والنَّهي عن الجلوسِ حتى تُوضَعَ الجِنازَةُ، وفسادِ
_________________
(١) = مسلم في صحيحه (١٤٠٦) (٢١) في النكاح. واتفق العلماء على تحريم نكاح المتعة، وهو كالإجماع بين المسلمين. وانظر " فتح الباري " ٩/ ١٤٨ الطبعة البولاقية.
(٢) انظر " زاد المعاد " ٢/ ١٧٨ - ٢٢٣ بتحقيقنا، فقد فصل القول في هذه المسألة بما لا مزيد عليه.
(٣) قال الإمام البغوي في " شرح السنة " ٣/ ٤٢٢ بعد أن ساق حديث أبي هريرة " وإذا صلى الإمام جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعين " وهو متفق عليه: اختلف أهل العلم فيما إذا صلى الإمام قاعدًا بعذر هل يقعد القوم خلفه؟ فذهب جماعة إلى أنهم يقعدون خلفه وبه قال من الصحابة جابر بن عبد الله، وأسيد بن حضير، وأبو هريرة وغيرهم، وهو قول أحمد وإسحاق وقال مالك: لا ينبغي لأحد أن يؤم الناس قاعدًا. وذهب جماعة إلى أن القوم يصلون خلفه قيامًا وهو قول سفيان الثوري، وابن المبارك والشافعي، وأصحاب الرأي، وقالوا: حديث أبي هريرة منسوخ بما روي أن النبي - ﷺ - صلى في مرضه الذي مات فيه قاعدًا، والناس خلفه قيام، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من فعل النبي - ﷺ - وانظر " الاعتبار " ص ١٠٨ - ١٠٩، والمغني لابن قدامة ٢/ ٢٢٢.
[ ١ / ٤٣٣ ]
صومِ المصبح جنبًا (١)، والحجامةِ للصائم، وإباحة الفطر في السفر بالوجوب، والانتباذ في الآنية المسرعة بالتخمير كالدُّباء والمطليِّ، والنَّهْيِ عن الرُّقى، وعن القِرانِ في التَّمر، وعن قول: ما شاء الله وشاءَ فلان، والاشتراط في الحج، وتحريم لحومِ الخيل، والمزارعة، والإذن للمتوفّى عنها في النُّقلة أيامَ عِدتها، وقتل المسلم بالذِّميِّ، والتحريقِ بالنَّار في غيرِ الحرب، واستيفاءِ القِصاص قبل اندمالِ الجرح، وجلدِ المُحْصَنِ قبلَ الرَّجْمِ، وحُكمِ الزاني بأمة أمرأته، والهجرةِ، والدعوةِ قبل القتال، وقتلِ النساء والوِلدان، والنَّهي عن الاستعانة بالمشركين، وأخذ السَّلب بغيرِ بيِّنة، والحَلفِ بغير الله، وقبولِ هدايا الكفار، والنَّهيِ عن البول قائمًا، ووجوب الغسل يومَ الجمعة، وشهادةِ الكِتابيِّ للضرورة (٢).
الجملة ستَّة وتسعون حكمًا، منها ستة وعشرون مجمعٌ عليها،
_________________
(١) انظر المسألة في " شرح السنة " ٦/ ٢٧٩ - ٢٨١ وتعليقنا عليها.
(٢) جاء في شرح المفردات ص ٣٣٣ ما نصه: إذا كان مسلم مع رفقة كفار مسافرين ولم يوجد غيرهم من المسلمين، فوصّى وشهد بوصيته اثنان منهم قبلت شهادتهما، ويستحلفان بعد العصر لا نشتري به ثمنًا ولو كان ذا قربى، ولا نكتم شهادة الله وأنها وصية الرجل بعينه، فإن عثر على أنهما استحقا إثمًا قام آخران من أولياء الموصي، فحلفا بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما، ولقد خانا وكتما ويقضى لهم. قال ابن المنذر: وبهذا قال أكابر العلماء، وممن قاله شريح، والنخعي، والأوزاعي، ويحيى بن حمزة، وقضى بذلك عبد الله بن مسعود في زمن عثمان، رواه أبو عبيد، وقضى به أبو موسى الأشعري رواه أبو داود، والخلال. وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي: لا تقبل، لأن من لا تقبل شهادته على غير الوصية لا تقبل في الوصية كالفاسق وأولى (ولنا) قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم﴾ الآية. وهذا نص الكتاب، وقد قضى به رسول الله - ﷺ - كما في حديث ابن عباس، رواه أبو داود، وقضى به بعده أبو موسى، وابن مسعود كما تقدم، وحمل الآية على أنَّه أراد من غير عشيرتكم، لا يصح، لأن الآية نزلت في قصة عدي وتميم بلا خلاف بين المفسرين، ودلت عليه الأحاديث، ولأنه لو صح ما ذكروه لم تجب الأيمان لأن الشاهدين من المسلمين لا قسامة عليهما.
[ ١ / ٤٣٤ ]
وثمانية لم يُذكر فيها إجماع ولا خلاف، وستةَ عَشرَ شذَّ فيها الخلافُ، والبقيةُ ستة وأربعون، وقد يختلِفُ الاجتهاد فيما هو شاذٌّ أو غير شاذّ -والله أعلم-.
وقد يُوجد غيرُ هذه مما ادُّعي نَسْخُهُ بغيرِ حُجَّةٍ، وفي نسخ كَثِيرٍ من هذه ضعف، فليُرَاجَعْ لها مبسوطاتُها، ومِن أحسنها كتابُ الحازِميِّ (١).
وبالجملة فجميعُ المنسوخ مِن الكتاب والسُّنة المجمعِ عليه والمختَلف فيه إذا جُمِعَ كُلُّهُ على الاستقصاء لا يكونُ في كثرة الأحاديثِ مثل " الشِّهاب " (٢) للقُضَاعيِّ ولا يُقارِبُه وإذا أحببتَ معرفة ذلك، فلا تَلْتفِتْ إلى كلامي، ولا إلى كلام السَّيِّد -أيَّده الله- وانظُرْ إلى كتب العلماء المُصَنَّفة في معرفة ذلك، وكم في المُصَنَّف منها عدة أحاديث منسوخة، أو آيات
_________________
(١) المسمى بـ " الاعتبار في بيان الناسخ والمنسوخ من الآثار " ومؤلفه هو الإمام الحافظ البارع النسابة أبو بكر محمد بن موسى بن عثمان بن حازم الهمذاني المتوفى سنة ٥٨٤. قال ابن النجار: كان من الأئمة الحفاظ، العالمين بفقه الحديث ومعانيه ورجاله، ثقة نبيلًا حجة زاهدًا ورعًا عابدًا، ملازمًا للخلوة والتصنيف، أدركه أجله شابًا. مترجم في " تذكرة الحفاظ " ٤/ ١٣٦٣. وكتاب الاعتبار طبع بدائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن سنة ١٣٥٩، وهو مطبوع أيضًا في مصر بالمطبقة المنيرية. وليطالع القارىء أيضًا للتوسع في المسائل التي عرضها المصنف ﵀ في أمهات الكتب التي تعنى بمسائل الخلاف كالمغني لابن قدامة، والمجموع للنووي، وفتح القدير للكمال بن الهمام، ونيل الأوطار للشوكاني، وفتح الباري لابن حجر وعمدة القاري للعيني، وأحكام القرآن للجصاص وابن العربي وإلكيا الهراسي، وشرح السنة للبغوي.
(٢) عدة ما فيه من الأحاديث ١٥٠٠ على وجه التقريب، ومؤلفه: هو القاضي أبو عبد الله محمد بن سلامة القضاعي المتوفى سنة ٤٥٤ هـ. قال أبو طاهر السَّلفي: كان من الثقات الأثبات، شافعي المذهب والاعتقاد، مرضي الجملة. وله عدة تآليف. وغالب الأحاديث التي في مسنده ضعاف، وبعضها موضوع، وقد قام الشيخ الفاضل حمدي عبد المجيد السَّلفي بتحقيقه وتخريج أحاديثه تخريجًا موسعًا، وقد نجز طبعه في مجلدين، طبع مؤسسة الرسالة.
[ ١ / ٤٣٥ ]
منسوخة، وكم بين معرفة الناسخ والمنسوخ، ومعرفة معاني كُتُب العربية من مقدِّمتي ابنِ الحاجب الإعرابية والتصريفية (١) ومعرفة معاني تذكرة ابن مَتَّويْهِ، ومعرفة معاني مختصر منتهي السُّولِ (٢) وما تَضمَّنُ من المنطق والجدل وكلام المنطقيين في عكس النقيض، وكلامِ ابن الحاجب في الاستدلال وغيرِ ذلك من العلوم العويصةِ، والعباراتِ الدقيقة التي السَّيِّد مُدَّعٍ لمعرفتها، والتبريزِ فيها، إمَّا بلسان المقال، وإمَّا بلسان الحال، فإن التَّصدر للتدريس فيها قاضٍ بدعوى معرفنها، ومنادٍ بذلك نداءٌ صريحًا.
فما بال السَّيِّد يدَّعي معرفةَ الغوامضِ المتعسِّرة، وَيمْنَعُ غيرَه مِن معرفة الجليَّاتِ المتسهلة!
فإن قلتَ: قد طوَّل بعضُ العلماء في التصنيف في ذلك، ووسَّع
_________________
(١) الأولى تسمى الكافية والثانية الشافية، وقد شرح الكتابين شرحًا حافلًا نفيسًا رضي الدين محمد بن الحسن الاستراباذي المتوفى سنة ٦٨٤ أو ٦٨٦ هـ، وخرج شواهد الكتابين، وشرحها شرحًا موسعًا عبد القادر بن عمر البغدادى المتوفى سنة ١٠٩٣ هـ. وابن الحاجب: هو أبو عمرو عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس الكردي المالكي، كان أبوه حاجبًا للأمير عز الدين موسك الصلاحي فعرف به، اشتغل في صغره بالقرآن الكريم، ثم بالفقه على مذهب الإمام مالك ثم بالعربية والقراءات، وبرع في علومه، وأتقنها غاية الإتقان، ثم انتقل إلى دمشق، ودرَّس بجامعها في زاوية المالكية، وأكب الخلق على الاشتغال عليه، والتزم لهم الدروس، وتبحر في الفنون، وصنف مختصرًا في مذهبه، وفي أصول الفقه، وفي العربية وخالف النحاة في مواضع، وأورد عليهم إشكالات وإلزامات ثم عاد إلى القاهرة، وأقام بها والناس ملازمون للاشتغال عليه، ثم انتقل إلى الاسكندرية للإقامة بها، وتوفي بها سنة ٦٤٦ هـ. " وفيات الأعيان " ٣/ ٢٤٨ - ٢٥٠.
(٢) هو من تأليف أبي عمر ابن الحاجب المتقدم، اختصره من كتاب " منتهي السول والأمل في علمي الأصول والجدل " وهذا الثاني مختصر من كتاب الآمدي المسمى بـ " الإحكام في أصول الأحكام " فهو إذن مختصر المختصر، وقد شرحه غير واحد من العلماء، وأهم شروحه " رفع الحاجب عن ابن الحاجب " لتاج الدين السبكي المتوفى سنة ٧٧١ هـ، ولم يطبع، وقد نُمي إلينا أن أحد طلبة العلم قد استنسخه، وهو بصدد تحقيقه.
[ ١ / ٤٣٦ ]
الأصل الرابع: أن يكون ماهرا فى علوم الاجتهاد، حافظا لأقوال الله ورسوله ومسائل الإجماع والجواب على ذلك
مثل الإمام محمد بن المطهر في كتابه " عقود العِقيان ".
قُلتُ: ذلك التطويلُ إنَّما هو فيما لا يتعلق بعلمِ الناسخ والمنسوخ، فالتوسيعُ بذكرِ ما لا يُشترط معرفته، وبالخروج إلى غير المقصود، فنٌّ آخر، وقد صنَّف الرَّازي تفسيرَ الفاتحة في مجلَّدٍ، وصنَّف الطبريُّ كتاب الطهارة في ثلاثة آلاف ورقة (١) وأمثال ذلك كثيرة.
قال: وأمَّا الأصلُ الرابعُ وهو أن يكون ماهرًا في علوم الاجتهاد، حافظًا لأقوال اللهِ، وأقوالِ رسوله، ومسائلِ الإجماع، ففيه صعوبةٌ شديدة.
أقول: قد اشتمل كلامُه هذا على اشتراط أمرين، أحدهما: أن يكون ماهرًا فقط.
_________________
(١) الذي في " تذكرة الحفاظ " ٢/ ٧١٣ في ترجمة ابن جرير: وابتدأ بكتاب البسيط فعمل منه كتاب الطهارة في نحو ألف وخمس مئة ورقة. وقال ياقوت في " معجم الأدباء " ١٨/ ٧٥ - ٧٦: ومن كتبه الفاضلة: كتابه المسمى بكتاب بسيط القول في أحكام شرائع الإسلام، وهذا الكتاب قدّم له كتابًا سماه كتاب مرات العلماء، حسنًا في معناه، ذكر فيه خطبة الكتاب، وحض فيه على طلب العلم والتفقه، وغمز فيه من اقتصر من أصحابه على نقله دون التفقه بما فيه. ثم ذكر فيه العلماء ممن تفقه على مذهبه من أصحاب رسول الله - ﷺ - ومن أخذ عنهم، ثم من أخذ عنهم، ثم من أخذ عمن أخذ عنهم من فقهاء الأمصار. بدأ بالمدينة لأنها مُهاجر النبي - ﷺ - ومن خلفه أبو بكر وعمر وعثمان ومن بعدهم، ثم بمكة لأنها الحرم الشريف، ثم العراقين الكوفة والبصرة ثم الشام وخراسان، ثم خرج إلى كتاب الصلاة بعد ذكر الطهارة، وذكر في هذا الكتاب اختلاف المختلفين واتفاقهم فيما تكلموا فيه على الاستقصاء والتبيين في ذلك والدلالة لكل قائل منهم، والصواب من القول في ذلك، وخرّج منه نحو ألفي ورقة. وأخرج من هذا الكتاب كتاب آداب القضاة وهو أحد الكتب المعدودة له المشهورة بالتجويد والتفضيل، لأنَّه ذكر فيه بعد خطبة الكتاب الكلام في مدح القضاة وكتابهم، وما ينبغي للقاضي إذا وُلِّي أن يعمل به وتسليمه له ونظره فيه، ثم ما ينقض فيه أحكام من تقدمه، والكلام في السجلات والشهادات والدعاوى والبينات وسيأتي ذكر ما يحتاج إليه الحاكم من جميع الفقه إلى أن فرغ منه وهو في ألف ورقة وكان يجتهد بأصحابه أن يأخذوا البسيط والتهذيب، ويجدّوا في قراءتهما، ويشتغلوا بهما دون غيرهما من الكتب.
[ ١ / ٤٣٧ ]
وثانيهما: أن يكون حافظًا لثلاثة أشياء: وهي أقوالُ اللهِ، وأقوالُ رسوله، ومسائلُ الإجماع.
فأقولُ: أمَّا الأمرُ الأولُ وهو كونُ المجتهد ماهرًا - فهذا شرطٌ غريبُ ما سمعتُ به، ولا عرفتُ ما مرادُ السَّيِّد به، وهذا يحتمل أن يكون لِغرابته في نفس الأمر، ويحتمِلُ أن يكونَ لغرابته بالنظر إليَّ فقط، فأُحِبُّ من السَّيِّد بيانَ المرادِ به، والدليلَ على اشتراطه، فهذا السؤالُ مما يُقْبَلُ مِثْلُه وهو الاستفسارُ عند علماءِ الجدل.
فإن قلتَ: هذا السؤالُ لا يُقبَلُ حتَّى تُبيَنَ أنَّ في اللفظ غرابةً، أو احتمالًا، أو إجمالًا، أو اشتراكًا فبيِّن لنا ما في لفظ المهارةِ من ذلك، فإنه ليس بغريبٍ حَوْشِيٍّ، لا يُعْرَفُ معناه في اللغة، ولا هو لفظٌ مشترك.
قلتُ: فيه احتمال، لأن المهارة في أصل الوضعِ اللغويِّ هي الحِذْقُ. قال في " الضياء " (١) يُقال: مَهَرَ بالشيء مَهَارَةً، فهو ماهِرٌ: إذا كان حاذِقًا. وقد يكونُ في حفظ اللفظ، وشِدَّة الضبط، ومنه الحديثُ:
" المَاهِرُ بالقُرْآنِ مَعَ الكِرَامِ البرَرَةِ " (٢) وقد يكون في فهمِ المعاني، والغوصِ على الدقائق. وعلى كلِّ تقدير، فما الدَّليلُ على اشتراط المهارةِ في الاجتهادِ، وهَلِ المهارةُ مقدورة للبشر مكتسبة، أم مخلوقةٌ لله تعالى لا يَقْدِرُ عليها سِواه؟ فإن كانت غيرَ مقدورة للبشر، لم يَحْسُنْ ذِكْرُها في
_________________
(١) واسمه الكامل: " ضياء الحلوم المختصر من شمس العلوم " تأليف محمد بن نشوان الحميري اليمني المتوفى ٦١٠ هـ اختصره من كتاب أبيه نشوان بن سعيد المسمى شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم المطبوع منه الأول والثاني. وفي المكتبة الغربية بالجامع الكبير الجزء الرابع من المختصر وهو الآخير. انظر الفهرس ص ٤٤٢.
(٢) أخرجه من حديث عائشة ﵂ البخاري (٤٩٣٧) ومسلم (٧٩٨) والترمذي (٥٩٠٦) وأبو داود (١٤٥٤).
[ ١ / ٤٣٨ ]
الجواب على قوله (حافظا لأقوال الله ورسوله) يتم بفصلين
الفصل الأول: أنه لا تجب الإحاطة
الفصل الثاني: أنه لم يجب حفظ ما يجب معرفته، وفيه فائدتان:
إحداهما: في ذكر من نص من العلماء على أن ذلك لا يجب
مَعْرِضِ التفسير للاجتهاد، لأنَّ مَن خلقها اللهُ له، ومنحه إيَّاها، فقد حصلت له بسهولة، ومن لم يخلُقْها له، فقد أراحه باليأس مِن نيلها وسقوطِ التكليف بالاجتهاد المنوطِ بحصولها، وإن كانت مقدورةً للعباد، فلا معنى للصَّدِّ عن التعرُّض للمقدوراتِ من الأعمال الصالحات، وقد قدَّمنا تقريرَه، ولا وجهَ لِذلك، بل هُوَ من جملة المحرَّمات أو المكروهات.
وأمَّا الأمر الثاني -وهو حفظُ أقوالِ الله وحفظُ أقوالِ رسول الله، وحفظُ مسائل الإجماع- فالجواب عليه يتم بفصلين:
الفصلُ الأوَّل: في أنَّه لا يجب الإحاطة بجميع ذلك على سبيلِ القطع، وأنّ المعتبر في ذلك هو الطلبُ حتى لا يَجِدَ، ولا يَظُنَّ وجودَ النصِّ والظاهرِ، ثم يجوز الحكم بالرأي والاجتهاد بعدَ ذلك. وقد مرَّ الدليل على ذلك فيما تقدَّم، وبيان القدر الواجب منه، وبيان نصوص العلماء في ذلك والدليل عليه.
الفصل الثاني: في أنَّه لا يجب حفظُ ما تجبُ معرفته من ذلك عن ظهر القلب، وفيه فائدتان:
إحداهما: في ذكر مَنْ نصَّ من العلماء على أنَّ ذلك لا يجب، وأنّا ما علمنا أنَّ أحدًا من العلماء سبق السَّيِّد إلى النَّصِّ على وجوب ذلك من السَّلَف ولا الخلف، ولا أنكر على من نصَّ على عدم وجوبه.
أمَّا مَنْ نصَّ على ذلك، فغيرُ واحد مثل الإمام يحيى بن حمزة من أئمة العترة -﵈- ذكره في " المعيار "، وممَّن ذكر أنَّ ذلك لا يجب: القاضي العلامةُ فخرُ الدِّين عبد الله بن حسن الدّواري -قدَّسَ الله روحه- ذكر هذه المسألة في كتبه وتعاليقه الكلاميّة والأصوليّة والفقهية وكان
[ ١ / ٤٣٩ ]
يذكُرُ ذلك في إملائه على التلامذة، ويُصرِّح بأنَّه لا يجب على المجتهد حفظُ العلوم غيبًا والغزاليُّ مِن علماء الفقهاء، والفقيهُ عليُّ بنُ يحيى الوشليُّ، والفقيهُ عليُّ بن عبد الله بن أبي الخير ممن ذلك ذلك (١).
ومنهم العلامةُ أبو نصر تاج الدين السبكي ذكره في كتاب " جمع الجوامع " (٢) ولم يذكر فيه خلافًا مع تعرُّضِه لاستيعاب الخلاف، وذكر الشواذ، هؤلاء اتَّفقَ لي الوقوفُ على كلاماتهم والظاهر من بقية العلماء المتكلمين في شروط الاجتهاد أنَّهم لا يرون وجوبَ ما ذكره السَّيِّد. والَّذي يدل على أنّ ذلك الذي قاله غيرُهم هو ظاهرُ مذهبهم، أنَّهم تعرضوا لذكر شرائط الاجتهاد، وحصر جميع ما يجب على المجتهد، ولم يذكروا ما ذكر السَّيِّد من وجوب غيب العلوم، فدلَّ على أنَّ ذلك ليس بشرطٍ عندهم، لأنه لو كان شرطًا، لكانوا غيرَ صادقين في قولهم: إن ذلك الذي ذكروه هو مجموع شرائط (٣) الاجتهاد وهم أبرُّ وأصدَقُ. وبهذا الوجه يجوز أن يُنسب إليهم القوله بأن ذلك لا يجب، ونجعله مذهبًا لهم تخريجًا، لأنَّ الأخذ من العموم المطلق أقوى طرق التخريج. وما زال العلماء من الأئمة -﵈- وسائر الأصوليين وغيرهم يذكرون ما يجب على المجتهد، ما نعلمُ أحدًا سبق السَّيِّد إِلى التنصيص على وجوب غيب العلوم، وإنّما نصَّ بعضُهم على عكس ذلك، ودلَّ كلام بقيتهم أيضًا على عكسه كما قدَّمنا. ومن أحب معرفة صدق كلامي، فليطالع مصنفاتِ العلماء في الأصول وغيره -والله سبحانه أعلم-.
_________________
(١) وفي هامش (أ) ما نصه: وجميع من شرح الجوهرة يذكرون ذلك.
(٢) جمع الجوامع بشرح المحلي، ٢/ ٣٨٢ - ٣٨٦.
(٣) في (ب) في قولهم الذي ذكروه وهو مجموع الشرائط.
[ ١ / ٤٤٠ ]
الفائدة الثانية: الدليل على عدم وجوب ذلك من إحدى عشرة حجة:
أحدهما: الحافظ لأدلة الاجتهاد وإن علم أنه حافظ لها فثبوتها عن النبي - ﷺ - مظنون
ثانيهما: أمنة الخطأ أكثري لا دائم
الفائدة الثانية: وهي الدليل على عدم وجوب ذلك، فالدليل عليه إحدى عشرة حجة:
الحجة الأولى: أنَّ الرجوع إلى الكتاب يُفيد ما يفيده الحفظ مِن ظن صحة الدليل المعوَّل عليه في الاجتهاديّات.
فإن قلتَ: إنَّ الحِفظَ يُفيدُ العلمَ، فيأمنُ الحافظ بحفظه مِن الخطأ، والرجوعُ إلى الكتاب يُفيد الظن.
قلت: هذا ممنوع لوجهين:
أحدهما: أن الحافظ لأدلة الاجتهاد، وإن علم أنَّه حافظ لها، فثبوتُها عن النبيِّ - ﷺ - مظنونٌ، وثبوت معاني الظواهر من القرآن وسائر المتواترات مظنون. أمَّا ما كان لفظُهُ معلومًا ومعناه معلومًا، فليس من الاجتهاد في شيء، ذاك بابٌ آخر لم يتكلم فيه، فإذا كان الأصلُ مظنونًا، فلا معنى لاشتراط العلم في صفة نقله، فإنَّ وجوب حفظه فرعٌ على كونه من كلام النبي -﵇- ولم يجب العلم في الأصل، فإيجابه في الفرع يُؤدي إلى أن يكون الفرعُ أقوى من أصله، وهذا ظاهر السقوط.
وثانيهما: أن نقول: ما مُرادُك بأنَّ الحافظ يأمنُ الخطأ بحفظه؟ هل مُرَادك أن أمانه للخطأ دائم أو أكثري؟ الأول ممنوع، والثاني مسلَّم ولا يضر تسليمُهُ، إنّما كان الأول ممنوعًا، لأنَّا نعلم بالضرورة التجريبية أنَّ الحافظ قد يَغْلَطُ في حفظه، وقد صَحَّ أنَّ رسول الله - ﷺ - سمع رجلًا يتلو آية فقال﵇-: " رَحِمَكَ اللهُ لَقَدْ أذكَرْتَنِي آيةً كُنْتُ أُنْسِيتُهَا " (١).
_________________
(١) أخرجه من حديث عائشة ﵂ البخاري (٥٠٣٨)، ومسلم (٧٨٨)، وأبو داود (١٣٣١) وأحمد ٦/ ١٢٨.
[ ١ / ٤٤١ ]
فهذا رسولُ الله - ﷺ - فكيف بغيرِهِ؟!.
وصح عنه -﵇- أنَّه نهي أن يقول الرجل: نَسِيتُ آيةَ كَذَا وَلْيَقُلْ: أُنْسِيتُ (١) وروي عن عليٍّ -﵇- أنَّه شكى على رسول الله - ﷺ - تَفَلُّت القرآن عليه، فَعَلَّمه أنْ يَدْعُو بدُعَاءٍ. ذكره الترمذي (٢).
وروى أبو العباس الحسنيُّ -﵇- في كتاب " التلفيق ": أنّ القاسم -﵇- أفتى رجلًا في مسألة، فلمَّا ذهب قال: عليَّ بالرجل، فلما أقبل، قال له: سبحانَ مَنْ لا يَسهو، إنِّي سهوتُ، وإن الصوابَ كذا وكذا.
وروى المؤيَّد بالله في " الزيادات ": أنَّ أبا يوسف أفتى في مسألة، ثم تبيَّن له خلافُ ما أفتى، فبذل مالًا كثيرًا في استدراك السائل.
_________________
(١) أخرجه من حديث ابن مسعود البخاري (٥٠٣٢) و(٥٠٣٩)، ومسلم (٧٩٠) والترمذي (٢٩٤٣) والنسائي ٢/ ١٥٤، والبغوي (١٢٢٢).
(٢) رقم (٣٥٧٠) من طريق سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح وعكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث الوليد بن مسلم، وأخرجه الحاكم في " المستدرك " ١/ ٣١٦ - ٣١٧ وصححه على شرط الشيخين فتعقبه الإمام الذهبي في تلخيصه، فقال: هذا حديث منكر شاذ، أخاف أن يكون موضوعًا وقد حيرني والله جودة سنده، وقال في ترجمة سليمان بن عبد الرحمن من " الميزان " ٢/ ٢١٣: وهو -مع نظافة سنده- حديث منكر جدًا في نفسي منه شيء، فالله أعلم " فلعل سليمان شبه له " وأدخل عليه كما قال فيه أبو حاتم: لو أن رجلًا وضع له حديثًا لم يفهم. قلت: وفيه عنعنة ابن جريج وهو مدلس والوليد بن مسلم مدلس تدليس التسوية، فلعل ابن جريج رواه عن رجل عن عطاء وعكرمة، فأسقط الوليدُ الرجل، وجعله عن عطاء وعكرمة، فتكون البلية من ذاك الرجل. وأورده الحافظ المنذري في " الترغيب والترهيب " ٢/ ٢١٤ من رواية الترمذي والحاكم، وقال: طرق أسانيد هذا الحديث جيدة، ومتنه غريب جدًا وانظر " اللالىء المصنوعة " ٣/ ٦٧، " وتنزيه الشريعة " ٢/ ١١٢، و" الفوائد المجموعة ". ص ٤٢، ٤٣.
[ ١ / ٤٤٢ ]
فائدة نحوية في قوله تعالى ﴿وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم﴾
ولمَّا قال المؤَيَّد باللهِ: إنَّ الواجبَ على مَن معه عشرةُ أثواب فيها ثوبٌ نجس ملتبس أن يُصّلِّي عشرَ صلواتٍ في كُلِّ ثوب صلاة، حملوه على السهو، وأنَّهُ توهَّم أنَّ فيها ثوبًا طاهرًا والباقي نجس.
ولمَّا قال الزمخشريُّ (١) في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤]: إنَّ الجملة وصفيّة، وإن الواو دخلت فيها، لشبهها بالحال، أنكر ذلك السَّكَاكيُّ (٢) وقال: وأمّا نحوُ قولِهِ عزَّ اسمُه: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ فالوجه فيه عندي: هو أنَّ " ولها كتاب معلوم " حالٌ لقرية، لكونها في حكم الموصوفة نازلة منزلة: وما أهلكنا من قرية من القرى، لا وصفٌ، وحملهُ على الوصف سهو لا خطأ. ولا عيب في السَّهو للإنسان، والسَّهْوُ ما يتنبه صاحبُهُ بأدنى تنبيه، والخطأُ ما لا يتنبَّه صاحبُهُ أو يتنبه، ولكن بعدَ إتعاب. انتهى.
ولا يحتاح إلى توجيه السَّكَاكيِّ أنَّ " قرية " في حكم الموصوفة، لأنَّ ابنَ مالك ذكر من المواضع التي يكثر فيها تنكيرُ صاحب الحال مقدّمًا أن يكونَ الحالُ جملةً مقرونة بالواو، ومثَّل ذلك أبو حيّان بهذه الآية، وبقول الشاعر:
مَضَى زَمَنٌ والنَّاسُ يسْتَشْفِعُونَ بِي فَهَلْ لِي إلَى لَيْلَى الغَدَاةَ شفِيعُ (٣)
_________________
(١) في تفسيره ٢/ ٣١٠.
(٢) هو أبو يعقوب يوسف بن أبي بكر بن محمد بن علي السكاكي الخوارزمي الحنفي عالم بالعربية والبلاغة والأدب توفي بخوارزم سنة ٦٢٦ من تآليفه " مفتاح العلوم " والنص الذي نقله المؤلف عنه موجود في الصفحة ٢٥١ منه. مترجم في " الجواهر المضية " ٢/ ٢٢٥.
(٣) هو آخر بيت من أبيات ثمانية أوردها ابن الشجري في " حماسته " ١/ ٥٣٩ - ٥٤٠ لقيس بن ذريح. وانظر " سمط اللآلي " ١/ ١٣٣.
[ ١ / ٤٤٣ ]
الحجة الثانية: الرجوع إلى الكتاب أقوى من الحفظ .. وذلك من وجهين
الحجة الثالثة: أنه قد ثبت أن أمير المؤمنين عليا (﵇) أعلم هذه الأمة وثبت أنه كان معه صحيفة
وأمَّا أن تسليم الثاني لا يضرُّ، فلأنَّ الأمان الأكثريَّ حاصل بالرجوع إلى الكتاب.
الحجة الثانية: أنَّ الرجوعَ إلى الكتاب أقوى من الحفظ، فوجب أن يكون معتبرًا كافيًا، وإنَّما قلنا: إنَّه اقوى من الحفظ لوجهين:
أحدهما: أنَّه يجوزُ أن يكون الكتابُ أصل الحفظ، فإن الحافظ يجوزُ له أن يحفظَ مِن الكتاب وهذا هو الأكثرُ، وقَل مَنْ يَحْفظ القرآنَ والسُّنَّة وغيرهما من العلوم مِن أفواه الرجال، على أنَّ الحفظ من أفواه الرجال، ليس يُفيدُ العِلْمَ، فكان الحفظُ مِن الكتاب مساويًا للحفظ من أفواه الرِّجال في إفادة الظن: فإذا ثبت أنَّ الكِتَابَ أصلُ الحفظ في كثير من الأحوال، وأنه يجوز أن يكون أصلُه في جميع الأحوال، ثبت أنّه أقوى منه، لأن الأصل أقوى مِن الفرع، ولأن غاية الحافِظ أن يحفظ كما قرأ في الكتاب.
وثانيهما: أنّا رأينا الحُفّاظ يرْجِعُونَ فيما يحفظونه إلى الكتب عند الاشتباه.
الحجة الثالثة: أنَّه قد ثبت أنّ أميرَ المؤمنين عليًّا -﵇- أعلمُ هذه الأمة بعدَ رسول الله - ﷺ - (١) وثبت أنَّه كان معه صحيفة معلّقة في
_________________
(١) لعل مستند المؤلف في ذلك ما رواه الإمام أحمد في مسنده ٥/ ١٢٦، والطبراني في " معجمه الكبير " ٢٠/ ٢٢٩ من طريقين عن خالد بن طهمان، عن نافع بن أبي نافع، عن معقل بن يسار وفيه أن النبي - ﷺ - قال لفاطمة: " أو ما ترضين أني زوجتك أقدم أمتي سلمًا، وأكثرهم علمًا، وأعظمهم حلمًا " وخالد بن طهمان صدوق إلا أنه اختلط وباقي رجاله ثقات. وانظر " مجمع الزوائد " ٩/ ١٠١. وكان كبار الصحابة رضوان الله عليهم يستشيرونه ﵁ في القضايا الكبرى، =
[ ١ / ٤٤٤ ]
سيفه كتبها عن رسول الله - ﷺ - فيها أسنانُ الإبلِ وأنصبتها ومقَادِيرُ الدِّيات؛ رواها سفيانُ، عن الأعمش، عن إبراهيمَ التيّميِّ، عن أبيه، عن عليّ -﵇ (١) -.
وهذا دليلٌ على جواز الرجوعِ إلى الكتُبِ والصحائفِ، وسواءٌ
_________________
(١) = ويفزعون إليه في حل المشكلات، وكشف المعضلات، ويقتدون برأيه. وكان عمر ﵁ إذا أشكل عليه أمر، فلم يتبينه يقول: " قضية ولا أبا حسن لها " وروى عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة، عن النبي - ﷺ - مرسلًا " أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأقضاهم علي " قال الحافظ في " الفتح " ٨/ ١٦٧: وقد رويناه موصولًا في فوائد أبي بكر محمد بن العباس بن نجيح من حديث أبي سعيد الخدري مثله. وروى البخاري في " صحيحه " (٤٤٨١) و(٥٠٠٥) من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال عمر ﵁: أقرؤنا أبي وأقضانا علي. والقضاء يستلزم العلم والإحاطة بالمشكلة التي يقضي فيها، ومعرفة النصوص التي يستنبط منها الحكم، وفهمها على الوجه الصحيح، وتنزيلها على المسألة المتنازع فيها. وما أثر عنه من فتاوي واجتهادات وحكم يقوي ما قاله المصنف ﵀.
(٢) قد تقدم تخريجه، ونزيد هنا أن البخاري رواه (١١١) من طريق أبي جحيفة عن علي وفيه أن فيها " العقل وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر " وللبخاري (٦٧٥٥) ومسلم (١٣٧٠) من طريق يزيد التيمي عن علي فإذا فيها أسنان الإبل وأشياء من الجراحات، وفيها قال النبي - ﷺ -: " المدينة حرم ما بين عير إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثًا، أو آوى محدثًا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفًا ولا عدلًا، وذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم، ومن ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفًاْ ولا عدلًا ". ولمسلم (١٩٨٧) (٤٥) عن أبي الطفيل عن علي فأخرج صحيفة فيها: " لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من غير منار الأرض، ولعن الله من لعن والده، ولعن الله من آوى محدثًا ". وللنسائي ٨/ ٢٤ من طريق الاشتر وغيره عن علي فإذا فيها " المؤمنون تتكافؤ دماؤهم يسعى بذمتهم أدناهم، لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد بعهده ". ولأحمد (٧٨٢) من طريق طارق من شهاب فيها فرائض الصدقة. والجمع بين هذه الأحاديث أن الصحيفة كانت واحدة وهي متضمنة لجميع ذلك، فنقل كل واحد من الرواة ما حفظ عنه.
[ ١ / ٤٤٥ ]
الحجة الرابعة: ما قدمنا ذكره من دعوى المنصور بالله
الحجة الخامسة: أن الصحابة أجمعت أنه لا يجب حفظ النص على المجتهد
قلنا: إنَّه كان حافظًا لذلك عن ظهر قلبه أو لا، أمّا إن لم يكن حافظًا لذلك، فظاهر، وأمّا إن كان حافظًا له، فلأنَّه إنَّما كتبها، وعلَّقها مع سيفِه ليرجِعَ إليها عند الالتباس، لأن ذِكْر أسنانِ الإبل، ونصابَ زكاتها، ومقادِيرَ الدِّيات لا يصْلُحُ أن يكون تعلَّقه تميمة، ولا اتخذه عُوذةً، فلا وجه لإيجاب الحفظِ.
الحجة الرابعة: ما قَدَّمنا ذكرَه مِن دعوى المنصور بالله، والحافِظِ يعقوب بن سفيان، والحافظ ابن كثير للإجماع على رجوعِ الصحابة إلى كتاب عمرو بن حزم، ورجوع عمر إليه في دية الأصابع، وكذلك كتابُ النبيِّ - ﷺ - الذي كتبه في الصدقات لأبي بكر وكذلك سائرُ الكتب النبوية التي كتبها -﵇- للمسلمين إلى سائر آفاق الإسلام، لم يُنْقَلْ أنّه -﵇- أمر أحدًا ممَّن كتبت له بحفظها عن ظهر قلبه، وأوجب ذلك على من أراد العملَ بها وهو -﵇- المُبَيِّن للأمة، الناصح للخلق، الأمينُ على الوحي، فلا هُدَى أوضحُ من هداه، ولا اقتداء بأحدٍ أفضلُ مِمَّن اختاره اللهُ واصطفاه.
الحجة الخامسة: أن الصحابة أجمعت أنَّه لا يجب حفظُ النَّصِّ على المجتهد، وإنَّما يجب عليه البحثُ عند حدوث الحادثة، وذلِكَ ظاهر، فإن أبا بكر حين سألته الجَدَّةُ نصيبَها قال لها: ما لَكِ في كتابِ اللهِ من شيءٍ وما علمتُ لَكِ في سُنَّة رسولِ الله من شيء، ثم سأل الناسَ، فأخبره المغيرةُ، ومحمدُ بن مسلمة أنَّ رسول الله - ﷺ - فرض لها السُّدُسَ فأمضاه لها (١). فلم يكن حافظًا للنص قبلَ حدوث هذه
_________________
(١) تقدم تخريجه ص ٢٩٤.
[ ١ / ٤٤٦ ]
المسألة. وكذلك قِصَّةُ عُمَرَ في حُكْم المجوسِ (١) وسؤاله للناس عند احتياجه إلى ذلك، وكذلك قصَّتُهُ في حديثٍ الطَّاعونِ (٢).
وكذلك أميرُ المؤمنين -﵇- قد صحَّ عنه أنَّه كان يغتسِلُ من المذي، ولا يدري ما حُكمُهُ، وأنَّهُ استحى مِنْ رسولِ الله - ﷺ - عن ذلك لمكان ابنته منه، وما زال يغتسِلُ منه حتَّى تشَقَّقَ ظهرُهُ، ثم أمر المِقْدَادِ بنَ الأسود يسأل له النبيَّ - ﷺ - عن ذلك (٣). والظاهر أنَّ عليًا -﵇- كان مجتهدًا في العلم حين لم يكن يحْفَظُ ذلك الحكمَ، فلو وجبَ في حق المجتهد حفظُ النصوص على الحوادث، لدَلَّ ذلك على أنَّه في تلك الحال يُسمَّى عامِّيًا غيرَ مجتهد.
وأيضًا فإنَّه قد ثبت عنه -﵇- أنَّه احتاج إلى حديث غيره، وكان يستحلفُ بعضَ الرُّواة ويُصدِّق منْ حلف له، كما رواه المنصور بالله، وأبو طالب -﵇- ولو كان حافظًا للنُّصُوص عن ظهر قلبه لم يَحْتَج إلى ذلك. ففي هذا أنَّهم لم يتعرَّضوا لجمع النصوص
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٣١٥٦) والشافعي ٢/ ١٢٦، وأبو عبيد في " الأموال " ٣٢ - ٣٣، والبغوي في شرح السنة (٢٧٥٠) من طريق عمرو بن دينار، سَمِعَ بَجَالَة بن عبدة يقول: لم يكن عمر بن الخطاب ﵁ أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن النبي - ﷺ - أخذها من مجوس هجر.
(٢) هو حديث مطول أخرجه من حديث عبد الله بن عباس البخاري (٥٧٢٩) و(٦٩٧٣) ومسلم (٢٢١٩) وأبو داود (٣١٠٣) وفيه أن عبد الرحمن بن عوف حدث عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: " إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها، فلا تخرجوا فرارًا منه ".
(٣) أخرجه من حديث علي أحمد ١/ ١٠٨ - ١٠٩، وأبو داود (٢٠٦) وإسناده صحيح، وأخرجه دون ذكر تشقق الظهر البخاري (١٣٢) (١٧٨) و(٢٦٩) ومسلم (٣٠٣) وأحمد (٦١٨) و(٦٦٢) و(٨١١) و(٨٦٩) و(٨٢٣) و(٨٤٧) و(٨٥٦) وفيه أنه يغسل ذكره ويتوضأ.
[ ١ / ٤٤٧ ]
أحدهما: أن محفوظ الواحد منهم كان لا يكفيه في الاجتهاد
وحفظها، بل كانوا لا يبحثون عن المسألة حتى تُعْرضَ، فإن عَرضت وهم يحفظون فيها شيئًا، حكموا به، وإن لم يكونوا يحفظون فيها شيئًا، سألوا عنه.
وتلخيص هذه الحجة أنْ نقول: إنّا نعلم بالضرورة من أحوال الصحابة -﵃- أنّهم ما كانوا يعتنونَ بجمعِ الحديث النبويِّ وحفظه ودرسه عن ظُهورِ قلوبهم، فإذا لم يجب حفطُهُ ودرسُه قبلَ تقييده بالكتابة، فكيف يجبُ بَعْدَ تقييده في الكتب، والأمان من ضيَاعه، والثقة بوجوده، وإنَّما كانوا يحفظون بعضَ القرآن، ويَدْرسونَه، والقليلُ منهم يحفظه كُلَّه.
فإن قلتَ: إنَّهم كانوا إذا سَمِعُوا من رسول الله - ﷺ - شيئًا حفظوه بالمعنى.
فالجوابُ عن هذا من وجهين:
أحدهما: أنَّ محفوظ الواحد منهم كان لا يكفيه في الاجتهاد بحيثِ لا يجبُ عليه طلبُ غيره، وهذا القدرُ محفوظ لِكل مجتهد بعدَهم، وإنما كلامُنا في حفظ كتابٍ حافلٍ في أحاديثِ الأحكامِ يَغْلِبُ على ظنِّ الحافظ له أنَّه لا يُوجَدُ نصٌّ صحيح إلا وقد أحاطَ به، بحيث إذا وَرَدَتْ عليه الحادثة لم يجبْ عليه أن يَطْلُبَ مِن غيره المعارضَ ولا الناسخَ ولا المخصِّصَ، وإنَّمَا قلنا: إنّ الواحد منهم كان لا يحفظُ ما يكفيه، لأنّ ذلك هو الظاهرُ مِن أحوالهم، فإنَّهم كانوا يفزعونَ إلى السُّؤال عند حدوثِ الحوادِثِ مثل ما قَدَّمنا مِن قِصَّة أبي بكر مع الجَدَّةِ، وقصة عمر مع المجوس وأمثال ذلك، فإذا كان هذا أمير المؤمنين -﵇- احتاجَ إلى حديثِ غيره، بل احتاج إلى حديث المتَّهَمِينَ الذين
[ ١ / ٤٤٨ ]
ثانيهما: كانوا يسمعون النبي - ﷺ - ثم ينسونه، وذلك ظاهر لوجهين
أحدهما: أن مثل ذلك معلوم من أحوال البشر
ثانيهما: أنه قد ثبت عنهم ذلك
لا يُصدقهم إلا بعدَ الاستحلاف، فما حالُ غيره؟ وأمَّا معاذ، فإنَّما لم يلزمه سؤالُ غيرِهِ حيث لم يَجِد النُّصوصَ لبُعْده عنهم، وغيبتهم عنه، كما لم يلزمه الرجوع إلى النبيِّ - ﷺ - لذلك، فلا شك أنّ الحكم بالرأي في بلدِ النبيِّ - ﷺ - مِن غير سؤال لا يجوزُ، لأنَّ الحاكم به واجد للنصِّ كالمتيمِّم، والماءُ معه في البلد لا يجزيه، لأن الماءَ معه.
وثانيهما: أنَّهم كانوا يسمعون من النبي - ﷺ - الشيءَ ثم ينسونه، وذلك ظاهر لوجهين:
أحدهما: أنَّ مثل ذلك معلوم من أحوال البشر، فإنَّ منْ سَمِعَ الشيءَ، ولم يُلَاحِظْهُ بالدرس والمعاهدة يَعْرِضُ له النسيانُ، وتَطَرَّق إليه الشَّكُّ.
وثانيهما: أنَّه قد ثبت عنهم ذلك، فعن طلحة أنَّه سُئل عن السبب في قِلة روايته، فقال ما معناه: إنّي قد جالستُ رسولَ الله - ﷺ - كما جالسوه، وسمعتُ منه كما سمعوا منه، ولكنِّي سمعتُهُ يقول: " منْ كَذبَ عَلَيَّ مُتعَمِّدًا فَلْيتَبوَّأ مقْعَدَهُ منَ النَّارِ " (١).
وعن أبي عمرو الشَّيباني، قال: كنتُ أجلِسُ إلى ابن مسعود حولًا لا يقولُ: قال رسول الله - ﷺ - فإذا قال: قال رسول الله - ﷺ - استقلَّته الرِّعدةُ، وقال: هكذا، أو نحو ذا، أو قريب من ذا، أو قلت. يعني
_________________
(١) أورد المرفوع من حديث طلحة الهيثمي في " المجمع " ١/ ١٤٣، ونسبه إلى أبي يعلى والطبراني، وقال: إسناده حسن، وهو في " المعجم الكبير " برقم (٢٠٤). وقال الإمام الذهبي في " السير " ١/ ٢٤: لطلحة عدة أحاديث عن النبي - ﷺ -، وله في مسند بقي بن مخلد بالمكرر ثمانية وثلاثون حديثًا. له حديثان متفق عليهما، وانفرد له البخاري بحديثين، ومسلم بثلاثة أحاديث. وانظر " السير " ١/ ٣٧ و٦٠٥ - ٦٠٦.
[ ١ / ٤٤٩ ]
يتحرَّجُ مِن أجل حفظ اللفظ مع طُول العهدِ، فإذا روى بعبارة تُوهِمُ أنَّه حكى لفظ النبيِّ - ﷺ - استقلَّته الرِّعدة، وإنَّما كان عامّة روايته بلفظٍ يفهم منه السامعُ أنّه روى بالمعنى، ولهذا قال أبو هريرة: ما غلبني أحدٌ إلا عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولم أكتب (١).
وأعجبُ مِنْ هذا كله نسيانُ عُمَرَ لِحَدِيثِ التَّيَمُّمِ الذي رواه عمَّارٌ مع أنَّه من الوقائع التي لا يُنسى مثلُها في العادة، فإنّ عَمّارًا روى أنّه أصابته وعُمَرَ جنابَةٌ. قال: فأمَّا أنا فتمرَّغتُ في التراب كما تمرَّغُ الدَّابَّةُ، وأما عُمَرُ، فترك الصَّلاة، فلما أتينا النبي - ﷺ - سألناه فقال: " إنَّما كانَ يَكْفيك " وساق الحدِيثَ في صِفَةِ التيمُّمِ. فلما سمع عُمرُ هذا مِن عمَّار، أنكره وقال: اتَّقِ الله يا عمَّار، فقال عمَّار: إن أحببتَ، لم أذكره فقال عمر: بل قد وليناك ما توليت (٢). أو كما قالا.
وأمثالُ هذا كثيرة.
فإذا لم يَجِبْ على الصحابة التعرُّضُ لمعرفة ما في الحوادث المقدرة من النصوص، وذلك قبلَ حفظِ السُّنن وتدوينها، فأولى وأحرى أن لا يَجِبَ ذلك بعدَ حفظها وتدوينها، والأمانِ من ضَيَاعها، والمعرفةِ بموضعها عند الحاجة إلى البحث عنها، وهي حُجَّةٌ قَوِيَّة إجماعية.
الحجة السادسة: أنها قد اشتهرت الفُتيا في عصر الصحابة عمَّن
_________________
(١) أخرجه البخاري (١١٣) وهو في تاريخ ابن عساكر ١٩/ ١١٧/١، وانظر السير ٢/ ٥٩٩.
(٢) أخرجه البخاري (٣٣٨) و(٣٤١) و(٣٤٥) و(٣٤٧) ومسلم (٣٦٨) (١١٢) وأحمد ٤/ ٢٦٥، والدارقطني ١/ ١٨٠، والنسائي ١/ ١٦٥ - ١٦٦، والبيهقي ١/ ٢١١ و٢٢٦.
[ ١ / ٤٥٠ ]
الحجة السابعة: في الآية في الدين والشهادة .. فبين أن الكتابة هى الغاية القصوى في الاحتراز من الشك والبعد من الريب
ليس بحافظٍ لأقوال الله، دَعْ عنك أقوالَ رسول الله - ﷺ -، ولم يُنْكِرْ ذلك أحدٌ من أصحابِ رسول الله - ﷺ - على المفتي ولا على المستفتي، فقد نقلت الفتيا عن خلقٍ كثير من الصَّحابة عدتهم مئة واثنان وأربعون رجلًا وعشرون امرأة وهم معروفون بأسمائهم لولا خشيةُ التطويل، لذكرتُهُم بأسمائهم (١)، ولم يكن يحفظُ القُرآن منهم إلاَّ أربعةُ رجال فيما قاله بعضُ الصَّحابة (٢)، أو قريبٌ من ذلك.
وقد أفتى أبو بكرٍ وعُمَرُ؛ ولم يكن منهما منْ يَحْفَظُ أقوال اللهِ عن ظهر قلبه كما ذكره السَّيِّد، ولم يُنْكِرْ عليهم أخذ من الصَّحابة، ولا أنكر على من استفتاهم، ولا علم أنَّ أحدًا منهم جمع آيات الأحكام مفردةً، كما فعله بعضُ المتأخرين وحفظها، ولا توقَّفُوا في العمل باجتهاد الخليفة، والقاضي، والمفتي على البحث عن ذلك واختياره فيه، فدلَّ على أنَّه لا يجب.
الحجة السابعة: أنَّ الله تعالى قال في الدِّين والشهادة عليه: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] فالله -سبحانه
_________________
(١) لأبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم المتوفى سنة ٤٥٦ هـ رسالة في أصحاب الفتيا من الصحابة ومن بعدهم سرد فيها أسماءهم، وهي مطبوعة في جملة رسائل له مع جوامع السيرة بتحقيق د. إحسان عباس ود. ناصر الدين الأسد، ومراجعة العلامة أحمد شاكر انظر ص ٣١٩ - ٣٢٣.
(٢) في صحيح البخاري (٥٠٠٤) عن أنس قال: مات النبي - ﷺ - ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد. وقول أنس هذا لا مفهوم له فقد جمع القرآن غير هؤلاء، انظر تفصيل ذلك في " فضائل القرآن " ٢٨ - ٢٩ لابن كثير، وفتح الباري ٩/ ٥١ - ٥٣.
[ ١ / ٤٥١ ]
الحجة الثامنة: أن الجماهير قد أجازوا رواية لفظ النبي - ﷺ - بالمعنى
وتعالى- في هذه الآية رفع الإشكال، وبيَّن أنّ الكتابة هي الغايةُ القصوى في الاحتراز من الشَّكِّ والبعد من الرَّيْب، ونصَّ على أنَّها أقسطُ وأقومُ، وجاء بأفعلِ التفضيل، وحذف المفضَّل عليه تعميمًا لتفضيل الكتابة على سائر الوجوه المبعدة من الريب، المقربة من اليقين، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥] وفي قول المصلي.
وهذا في الشَّهادة المبنيَّة على العلم، فكيف في الاجتهاد المبنيِّ على الظنِّ، وهذا في حقوق المخلوقين المبنيَّةِ على المبالغة في الاحتراز بحيث إنَّه لا يُقبل فيها قولُ العدلِ الواحد، ولا قولُ جماعةِ العدولِ فيما يدَّعونَهُ لنفوسهم ونحو ذلك من الخصائص، فكيف في حقوق الله التي لم يُشترط فيها شيءٌ مِن ذلك. وهذه الآية حجة لمن يُجِيز الشهادة على الخطِّ المعروفِ، وهي على أصله أظهرُ في المقصود هنا، وإن كانت حُجَّة على كلا المذهبين، لأن مَنْ لا يُجِيزُ الشهادة على الخطِّ يتأوَّلُها بأنَّ الخط مذكِّرٌ لمن نسي تذكيرًا يعودُ معه العلمُ الضروريُّ، فثبت أنَّ الشاهدَ لا يجب أن يكونَ حافظًا حتَّى يشهدَ، ويجوزُ أن ينسى، ثم يتذكرَ، فالمجتهدُ أولى بذلك.
الحجة الثامنة: أنَّ الجماهير قد أجازوا روايةَ لفظ النبي - ﷺ - بالمعنى، ولم يُوجِبُوا حفظَه بلفظه، واحتجُّوا على ذلك بحجج أقواها رواية الحديث للعجم بلسان العجم، ومنها إجماعُ الصَّحابة على جوازِه حيثُ يروون الحديثَ الواحِد في الواقعة الواحدة بألفاظ مختلفة من غير مناكرة بينهم. فإذا تقرر هذا الذي ذهب إليه الجمهورُ، والذي قامت عليه الأدِلَّةُ أنَّه لا يجبُ حِفْظُ لفظِ حديث رسولِ الله - ﷺ - على من سمعه منه -﵇- بغير واسطة، فكيف يجب على من بلغه حديث
[ ١ / ٤٥٢ ]
الحجة التاسعة: أجمعت جماهير العترة على اختيار الإمام في الاجتهاد .. فلم نعلم أحدا منهم اختبر أحدا من الأئمة في الحفظ
الحجة العاشرة: ثبت عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: (أن الله فرض فرائض فلا تضيعوها ..) الحديث
بوسائط كثيرة أن يحفظ ألفاظَهم التي لا يدري: أهي لفظُ النبي - ﷺ - أم (١) معنى لفظه؟
الحجة التاسعة: أجمعت جماهيرُ العِترة الطاهرة -﵈- على اختيار الإمام في الاجتهاد ولم يزل الأعيان من سادات أهلِ البيتِ والعلماء من شيعتهم يختبرون كُلَّ مَنْ دعا إلى الإمامة منذ عصورٍ كثيرة، وقرونٍ عديدة، فلم نعلم أنَّ أحدًا منهم اختبر أحدًا من الأئمة في حِفْظِ أقوالِ اللهِ وأقوالِ رسوله ومسائلِ الإجماع عن ظهر قلبه مع تعرُّضهم لامتحان الأئمة في جميع شرائط الاجتهاد ومع تعنُّتِ كثيرٍ منهم في الاختبار. وكذلك الأئمةُ لم يختبروا القضاةَ في ذلك، وكذلك من اعتقد اجتهاد عالم من المتقدِّمين، وأراد تقليده، وكان ممن يستجيز ذلك، فإنه لم ينقل عن أحد أنَّه يلزمه أن يبحثَ حتَّى يظن أنَّه كان يحفظ أقوال اللهِ، وأقوالَ رسوله، ومسائلَ الإجماع عن ظهر قلبه، وهذا يُفيد ظهور الإجماع على عدم وجوب ذلك.
الحجة العاشرة: ثبت عن رسولِ الله - ﷺ - أنَّه قال: "إنَّ اللهَ فَرَضَ فَرَائِضَ، فلا تُضَيِّعُوهَا، وَحدَّ حُدُودًا فَلا تعْتَدُوهَا، وَسكَتَ عنْ أشْيَاءَ رَحْمَةً بِكُمْ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ فلا تَتَعرَّضُوا لَهَا" رواه النَّواوي في " الأربعين " (٢) المسمّاة بـ " مباني الإسلام " وقال: هو حديث حسن،
_________________
(١) في (أ) و(ج): أو.
(٢) ص ٢٦١ بشرح الحافظ ابن رجب الحنبلي المسمى (جامع العلوم والحكم) وهو حديث حسن بشواهده رواه الدارقطني: ٥٠٢، والحاكم ٤/ ١١٥، والبيهقي ١٠/ ١٢ - ١٣ من طرق عن داود بن أبي هند، عن مكحول، عن أبي ثعلبة الخشني، وهذا سند رجاله ثقات إلا أن مكحولًا لا يصح له سماع من أبي ثعلبة، وله شاهد من حديث أبي الدرداء بلفظ " ما أحلَّ الله في كتابه، فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه، فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئًا، ثم تلا هذه الآية ﴿وما كان ربك نسيا﴾ أخرجه الحاكم =
[ ١ / ٤٥٣ ]
ويشهد له ما ثبت في " الصحيحين " عن رسول الله - ﷺ - أنَّه قال: " ما نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ ومَا أمَرْتُكُم بِهِ فأتُوا مِنْه ما اسْتَطَعْتُمْ، فَإنَّما أهْلَكَ: مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَثْرَةُ مَسَائِلِهمْ واختلافُهُم على أنْبِيَائِهِمْ " (١).
وهذا مِن جملةِ ما سَكَتَ الله عنه ورسولُه، ولم يَحْصُلْ فيه قياسٌ صحيحٌ يقْوَى على تخصيصِ هذه العموماتِ، وَقَدْ أذِنَ رسولُ الله - ﷺ - لجماعةٍ منْ أصْحَابِهِ بالقضاءِ والفُتيا، وَسَكَتَ عن هذَا ولم يُبَيِّن لهم أنَّه شرطٌ في ذلك.
وقد ثبت بالإجماع أنَّ علينا أن نَقْضِيَ بكتاب اللهِ، ثم بِسُنَّة رسولِ الله - ﷺ -، وهذه سنةُ رسولِ اللهِ - ﷺ - دلَّت على أن الله سَكَتَ عن إيجابِ حفظِ أقوالِهِ وأقوالِ رسولِهِ رحمةٌ لنا مِنْ غيرِ نسْيَانِ، فَقَبِلْنَا رحمَة اللهِ تعالى لنا، وَشَكَرْنَا نعمته سبحانَه علينا، ولم نَتعَرَّضْ لِمَا لم نُؤْمرْ به في كتابِ ربِّنا ولا في سُنَّةِ نَبِيِّنا، ولم نَكُنْ مِن الَّذِينَ قَال الله تعالى فيهم: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ (٢) [النساء: ٦٦].
_________________
(١) = ٢/ ٣٧٥ وصححه، والبيهقي ١/ ١٢، وقال الهيثمي في " المجمع " ٧/ ٧٥ بعد أن عزاه للبزار: ورجاله ثقات، وفي الباب عن سلمان الفارسي قال: " سئل رسول الله - ﷺ - عن السمن والجبن والفراء، فقال: الحلال ما أحل الله في كتابه، وما سكت عنه، فهو مما عفا عنه " وسنده ضعيف. وانظر " مجمع الزوائد " ١/ ١٧١ - ١٧٢.
(٢) أخرجه من حديث أبي هريرة البخاري (٧٢٨٨) ومسلم (١٣٣٧) والنسائي ٥/ ١١٠، وابن ماجة (٢) والبغوي (٩٩) وابن حبان (١٩) بتحقيقنا، والترمذي (٢٦٨١) وأحمد ٢/ ٢٤٧ و٢٥٨ و٤٢٨ و٤٤٧ و٤٤٨ و٤٥٧ و٤٦٧ و٥٠٨ و٥١٧.
(٣) قال أبو جعفر الطبري في " جامع البيان " ٨/ ٥٢٨: يعني -جل ثناؤه- بذلك: ولو أن هؤلاء المنافقين الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أُنْزِلَ اليك، وهم يتحاكمون إلى الطاغوت، ويصدون عنك صدودًا - ﴿فعلوا ما يوعظون﴾ يعني ما يذكرون به من طاعة الله، والانتهاء الى أمره ﴿لكان خيرًا لهم﴾ في عاجل دنياهم وآجل معادهم، و﴿أشد تثبيتًا﴾: وأثبت لهم في أمورهم =
[ ١ / ٤٥٤ ]
الحجة الحادية عشر: نقل الإجماع على أن حفظ شيء من القرآن واجب، وعلى أن من حفظ الفاتحة مع البسملة، وسورة أخرى معها، فقد أدى فرض الحفظ وأنه لا يلزمه حفظ أكثر من ذلك
الحُجَّة الحادية عشرة: قالَ صاحبُ كتابِ " الإجماع " في آخره: أجْمَعوا على أنَّ حِفْظ شيء مِن القرآن واجبٌ، وعلى أنَّ من حَفِظَ الفاتحَةَ مع البسملَةِ قَبْلَهَا، وسورةً أخرى معها، فقد أدَّى فرضَ الحفظ، وأنَّه لا يلزمُهُ حِفظٌ أكثرُ من ذلك (٢). انتهي من كتاب الرَّيمِيِّ (٣) الجامِعِ لكتب ابن حزم وابن المنذر (١) وابنِ هُبيْرَةَ (٢) في الإجماعِ.
وفي هذه الحُجَجِ كفايةٌ إن شاء اللهُ تعالى، ثُمَّ بعدَها نذكر حُجَجَ
_________________
(١) = وأقوم لهم عليها، وذلك أنَّ المنافق يعمل علي شك، فعمله يذْهَب باطلًا، وعناؤه يضمحلُّ، فيصير هباء، وهو بشكله يعمل على وفاء وَضَعف، ولوعمل على بصيرة، لاكتسب بعمله أجرًا، ولكان له عند الله ذخرًا، وكان على عمله الذي يعمل أدرى، ولنفسه أشد تثبيتًا، لإيمانه بوعد الله على طاعته، وعمله الذي يعمله.
(٢) النص في " مراتب الإجماع " ص ١٥٦ لابن حزم، لكن فيه لفظ " اتفقوا " بدل " أجمعوا "!!
(٣) هو الإمام الفقيه العلامة جمالُ الدين محمد بن عبد الله الحثيثي الرَّيْمي اليمني الشافعي المتوفى سنة ٧٩٢ هـ. من مؤلفاته " شرح التنبيه " في أربعة وعشرين سفرًا، و" اتفاق العلماء "، و" المعاني البديعة في اختلاف علماء الشريعة " وغير ذلك. مترجم في " الدرر الكامنة " ٣/ ٤٨٦ و" العقود اللؤلؤية " ٢/ ٢١٨، و" شذرات الذهب " ٦/ ٣٢٥، و" كشف الظنون " ٤٩، و" إيضاح المكنون " ١/ ٢١ و٤٣٥ و٢/ ٥٠٥.
(٤) هو الإمام الحافظ الفقيه أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري المتوفى سنة ٣١٨ هـ صاحب التآليف المهمة النافعة في الإجماع والخلاف وبيان مذاهب العلماء، ترجمه الإمام الذهبي في " سير أعلام النبلاء " ١٤/ ٤٩٠ - ٤٩٣، ونقل فيه قولَ الإمام النووي: له مِن التحقيق في كتبه ما لا يُقاربه فيه أحد، وهو في نهايةٍ من التمكن من معرفة الحديث، وله اختيار، فلا يتقيد في الاختيار بمذهب بعينه، بل يدور مع ظهور الدليل. وعلق الإمامُ الذهبي على كلام النووي، فقال: ما يتقيد بمذهب واحد إلا من هُوَ قَاصِرٌ في التمكن من العلم، كأكثرِ علماء زماننا، أو مَنْ هو متعصب، وهذا الإمام، فهو من حملة الحُجَّةِ، جارٍ في مضمار ابن جرير وابنِ سُريج، وتلك الحَلَبَة - ﵏. قلت: وكتاب الإجماع نشر في دار طيبة بالرياض سنة ١٩٨٢ م بتحقيق أحمد بن محمد حنيف.
(٥) هو أبو المظفر الوزير يحيى بن محمد بن هبيرة بن سعيد بن المحسن بن أحمد بن =
[ ١ / ٤٥٥ ]
الرد على السيد حيث استدل ببيت من الشعر على نقض قول الإمام الغزالي أن المجتهد يكفيه حفظ متن مختصر في كل فن، ولا يلزمه حفظه عن ظهر قلبه بل يكفيه أن يعرفه نظرا
" السَّيِّدِ " التي احتَجَّ بها على أنَّه يجبُ حفظ أقوالِ اللهِ، وأقوالِ رسوله، وأقوالِ الأمَّةِ عن ظهرِ قَلْبٍ.
قال: ولا يغرَّنَّكَ قولُ الغزاليِّ (٣) أو غيرِه: يكفيهِ أن يحْفَظَ في كُلِّ فَنٍّ مختصرًا، ولا يلزَمُهُ حفظُهُ عن ظهرِ قلبِهِ، بل يكفيهِ أن يعْرِفَه نَظَرًا، فإنَّ ذلِكَ غيرُ صحيحٍ ألا ترى إلى قولِه:
مَا العِلْمُ إِلاَّ مَا حَوَاهُ الصَّدْرُ لَيْسَ بِعلْمٍ مَا يَعِي القِمطْرُ (٤)
أقولُ: قد احتَجَّ " السَّيِّد " بثلاثِ حُجَجٍ هذه أُولاها وما أدري مما عُذْرُ " السَّيِّدِ " في تصديرِ الاحتِجَاجِ بقولِ الشاعر في مسألة مِن قوعِدِ الدِّين التي يَنْبنِي عليها كثيرٌ مِن مسائل الإسلامِ من الإمامَةِ العُظْمَى، ومرتبتي
_________________
(١) = الحسن الشيباني الدوري البغدادي الحنبلي المتوفى سنة ٥٦٠ هـ. مترجم في " سير أعلام النبلاء " ١٨/. قال ابن الجوزي في " المنتظم " ١٠/ ٢١٤: كانت له معرفة حسنة بالنحو واللغة والعروض، وتفقه وصنف في تلك العلوم وكان متشددًا في اتباع السنة، وسير السلف. وقال ابن رجب في " ذيل الطبقات " ١/ ٢٥٢: صنف الوزير أبو المظفر كتاب " الإفصاح عن معاني الصحاح " في عدة مجلدات، وهو شرحُ صحيحي البخاري ومسلم، ولما بلغ فيه إلى حديث " من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين " شرح الحديث، وتكلم على معنى الفقه، وآل به الكلامُ إلى أن ذكر مسائل الفقه المتفقَ عليها والمختلفَ فيها بين الأئمة الأربعة المشهورين، وقد أفرده الناسُ من الكتاب، وجعلوه مجلدةً مفردة، وسَمَّوه بكتاب " الإفصاح " وهو قطعة منه. قلت: وقد طبع هذا الجزء بعناية علامة حلب الشيخ راغب الطباخ، مصدرًا بترجمة حافلة للمؤلف.
(٢) في " المستصفي " ٢/ ٣٥٠ - ٣٥١.
(٣) القِمَطْر: ما يُصان فيه الكتب، وهو شبه سَفَطٍ يُسَفُّ من قَصَبٍ، والبيت غيرُ منسوب في " الصحاح " و" اللسان " و" العُباب " و" تاج العروس " وروايته عندهم: لَيْسَ بِعِلْم ما يَعِي القِمَطرُ ما العِلْمُ إلاَّ مَا حَوَاهُ الصَّدْرُ
[ ١ / ٤٥٦ ]
القضاءِ والفتيا، وهذه الأمور هي التي تَدُورُ عليها رَحَا المصالِحِ الإسلاميةِ وَترْجِعُ إليها أمهاتُ القواعِد الدينيّةِ، وهذا شيءٌ لم يَسْبِقْ إليهِ أحدٌ من العلماءِ، ولو كان قولُ الشاعِرِ حُجَّةً في الحلالِ والحرام، ومهمَّات قواعِدِ الإسلام، لم يَعْجِزْ أحدٌ عن الاحتجاجِ على كُلِّ ما أراد، فإنَّ في كُلِّ طائفةٍ شعرَاءَ، وفي كُلِّ فرقةٍ بُلغاءَ، يُجيدُونَ الأشعارَ وُيحَبِّرون القصائدَ.
تم بعونه تعالى الجزء الأول
من
العواصم والقواصم
ويليه الجزء الثاني وأوله
قال: ويروى عن الشافعي أنه
[ ١ / ٤٥٧ ]
العواصم والقواصم
في الذب عن سنة أبي القاسم
تصنيف الإمام العلامة النظار المجتهد محمد بن إبراهيم الوزير اليماني
المتوفى سنة ٨٤٠ هـ
حققه وضبط نصه، وخرج أحاديثه، وعلّق عليه
شعيب الأرنؤوط