مؤسسة الرسالة
[ ٣ / ١ ]
العواصم والقواصم
في
الذب عن سنة أبي القاسم
٣
[ ٣ / ٢ ]
جميع الحقوق محفوظَة
لمؤسسَة الرسَالة
ولا يحق لأية جهة أن تطبع أو تعطي حق الطبع لأحد.
سَواء كان مؤسسَة رسميّة أو أفرادًا.
الطبعة الثالثة
١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م
مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع
مؤسسة الرسالة بَيْروت - شارع سُوريا - بناية صَمَدي وَصالحة
هاتف: ٦٠٣٢٤٣ - ٨١٥١١٢ - ص. ب: ٧٤٦٠ برقيًا، بيوشران
[ ٣ / ٣ ]
الكلام الذي صدر من السيد دعوى مجردة عن البينة، وادعى في هذه المسائل دعوتين
قال: واعلمَ -مَتَعَ اللهُ ببقائكَ- أنَّكم قَبِلْتم روايةَ فَسَقَةِ التَأويل المعارضَة لِروايةِ الهادي والقاسم وأشباهِهما من الأئَّمة المطهَّرين.
أقول: هذا الكلامُ الذي صَدَرَ من السيدَ -أيده اللهُ- دعوى مجرَّدة عن البَيِّنَةِ، وهو من القبيل الَّذِي شكوتُه منه -أيَّده اللهُ- في أوَّلِ جوابي هذا عليه، وقد ثَبَّتُ (١) هناك أنَّ النُّقَّادَ يَعيبون رَمْيَ (٢) الخصمِ بالأقوالِ من غير إيرادِ نصِّه وحِكاية لفظه. وللتَّعارُضِ شروطٌ غزيرةُ الوجود، وهي مُبيَّنَةٌ في الكتبِ الأُصوليَّة، فلا حاجة إلى التَّطويل بإيرإدِها، إذ لا تعْزُبُ عن معارِفِ السَّيِّد.
والجوابُ عن هذا لا يَتَّجِهُ حتَّى يُبيِّنَ السيدُ تلك الأحاديث التي رواها أهلُ البيت، وعارضَتْها (٣) روايةُ غيرهم ممَّنْ صَحَّ جَرْحُهُ، فمتى بيَّنَ ذلك، توجَّه الجوابُ عليه، وما أظنُه إلا توهَّمَ أنَّ مخالفَة بعضِهم في بعضِ المسائِلِ يقتضي ترجيحَ روايةِ أولئك المجاريحِ على روايتهم ﵈، وليس الأمرُ كذلك.
_________________
(١) في (ش): " في أول جوابي عليه هناك أن ".
(٢) في (ش): " قول "، وهو خطأ.
(٣) في (ش): " وعارضها ".
[ ٣ / ٥ ]
وقد ذكر السَّيَدُ مسائل أربعًا، قال السيد -أيَّده الله- قد اشتهر عنِّي المخالَفَةُ فيها. والكلامُ على تلك المسائلِ ينقسِمُ قسمين:
أحدُهما: في نُصرةِ مذهبي فيها (١)، وبيانِ أنِّي لم أُخالِفْ فيها إجماع العِترة وبيانِ الحُجج، ووجهِ التَّرجيح، وهذا ممَّا ليس بمُهمّ. وقد وعدتُ في خُطبة هذا الكتاب بالإضرابِ عن إجابة ما يَخُصُّنِي إلا ما تَخلَّلَ من ذلك في ضمن الكلام على هذه القواعد الكبارِ، وذلك لأنَّ الخَوْضَ في المسائل الظَنِّيَة الفروعية على جهة المنازَعةِ في بيانِ المحِقّ مِن المبطل لا يشتغِلُ به مُحَصِّلٌ، لأنَّ الأمرَ قريبٌ فيما كلُّ فيه مُسامحٌ أو مُصيب.
والقسم الثَّاني: قولُ السَّيِّد: إنِّي قد قَبِلْتُ روايةَ فَسَقَةِ التَّأويلِ المعارضَةِ لرواية الهادي والقاسم، وأشباهِهما مِنَ الأئمة المُطَهَّرِينَ، وقد خَتَمَ السيد الكلامَ في مسألة المتأوِّلين بهذه النُّكتةِ، وأَمَرَني أمرًا جازمًا أن أَعْلَمَها، وتَكُونَ على بالٍ منِّي، فأحببتُ أن أُبَرِّىء نفسي ممَّا ادعاه عليَّ مِنْ غيرِ تعرُّضٍ لترجيح مذهبي، ولا تصحيح اختياري (٢).
وأنا أَقتصِرُ على ذكر (٣) مسألةِ الجهرِ والإخفاتِ، لأنَّها أعظمُ مَا يُشَنّعُ (٤) بهِ المعترضون، ولأنَّ بعضَ أهلِ البيت -﵈- رَوَى فيها أحاديثَ تَدُلُّ على الجهرِ.
وأمَّا وضعُ اليمنى على اليُسرى والتَّأمين، فلم أعلم أنَّ أحدًا مِن أهل البيت -﵈- روى في المنع من ذلك حديثًا نَصًّا، ولا روى
_________________
(١) ساقطة من (ش).
(٢) في (ش): " لاختياري ".
(٣) ساقطة من (ش).
(٤) في (ش): "شنع".
[ ٣ / ٦ ]
السيدُ في كتابه شيئًا من ذلك، بل روى محمدُ بنُ منصور الكوفي (١) حديثَ وائل (٢) في ذلك في " علومِ آل محمد"، ولم يُضعفْهُ، ولا روى له
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ٢/ ٤٠٣.
(٢) أخرجه مسلم (٤٠١)، وأبو عوانة ٢/ ٩٧، وأحمد ٤/ ٣١٧، وأبو داوود (٧٢٣)، والبيهقي ٢/ ٢٨ من طريق محمد بن جحادة، عن عبد الجبار بن وائل، عن علقمة بن وائل (وقع في " سنن أبي داوود ": وائل بن علقمة، وهو خطأ، نبه عليه المزي في " تحفة الأشراف " ٩/ ٩٢) ومولى لهم أنهما حدثاه عن أبيه وائل بن حجر أنَّه رأى النبي - ﷺ - رفع يديه حين دخل في الصلاة كبر، ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى وأخرجه أحمد ٤/ ٣١٨، وأبو داوود (٧٢٧)، والنسائي ٢/ ١٢٦، والدارمي ١/ ٣١٤، وابن الجارود في " المنتقى " (٢٠٨)، والبيهقي ٢/ ٢٧ - ٢٨ و١٣٨ من طرق عن زائدة بن قدامة، عن عاصم بن كليب أخبرني أبي أن وائل بن حجر الحضرمي أخبره قال: قلت: لأنظرن إلى رسول الله - ﷺ - كيف يصلي، فنظرت إليه حين قام، فكبر ورفع يديه حتى حاذتا أذنيه، ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى، والرسغ، والساعد وهذا سند صحيح على شرط مسلم، وصححه ابن خزيمة (٤٨٠)، وابن حبان (٤٨٥). وانظر طرقًا أخرى له عن وائل بن حجر في " المسند " ٤/ ٣١٦ و٣١٨ و٣١٩، وابن خزيمة (٤٧٧) و(٤٧٨)، والدارقطني ١/ ٢٨٦، والبغوي (٥٦٩)، والبيهقي ٢/ ٢٨، وابن حبان (٤٤٧)، وابن ماجة (٨١٠)، وأبي داوود (٧٢٦)، والنسائي ٢/ ١٢٥ - ١٢٦، وابن الجارود (٢٠٢)، وابن أبي شيبة ١/ ٣٩٠. تنبيه: روى الحديث ابنُ خزيمة في " صحيحه " (٤٧٩)، وأبو الشيخ في " طبقات المحدثين بأصبهان " لوحة ١٢٥ من طريق مؤمل بن إسماعيل، عن سفيان، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر قال: صليت مع رسول الله - ﷺ -، ووضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره. فقوله: " على صدره " زيادة انفرد بها مؤمل بن إسماعيل من بين أصحاب الثوري، وهو سيىء الحفظ، وأصحاب عاصم الذين رووا هذا الحديث عنه لم يذكروا هذه اللفظة، فهي شاذة. وروى أبو داوود (٧٥٩) من طريق أبي توبة، عن الهيثم بن حميد، عن ثور، عن سليمان بن موسى، عن طاووس قال: كان رسول الله - ﷺ - يضع يده اليمنى على يده اليسرى، ثم يشد بينهما على صدره وهو في الصلاة. سليمان بن موسى: هو الدمشقي الأشدق، في حديثه بعض لين، وخلط قبل موته بقليل، ثم هو مرسل. وروى البيهقي ٢/ ٣٠ من طريق محمد بن حجر الحضرمي عن سعيد بن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه، عن أمه، عن وائل بن حجر قال: حضرت رسول الله - ﷺ - إذا أو حين نهض إلى المسجد، فدخل المحراب، ثم رفع يديه بالتكبير، ثم وضع يمناه على يسراه على صدره. فال ابن التركماني: محمد بن حجر بن عبد الجبار بن وائل، عن عمه سعيد له مناكير، قاله =
[ ٣ / ٧ ]
معارضًا، ذكره في حَقِّ الصَّلاة، والتَّغليس بالفجر في جُملة ما جمعه لِلعمل به على مذهبِ أهل البيت، وسمَّاه " علوم آل محمد "، وروى الأميرُ شَرَفُ الدين الحسينُ بنُ محمد الهادي (١) نسبًا ومذهبًا في ذلك حديثَ علي السلام (٢)،
_________________
(١) = الذهبي، وأم عبد الجبار هي أم يحيى لم أعرف حالها ولا اسمها. وقول الشيخ ناصر الألباني في " صفة الصلاة " ص ٧٩: " وضعهما على الصدر هو الذي ثبت في السنة " فيه ما فيه. قال الإمام ابن القيم في " بدائع الفوائد " ٣/ ٩١: واختلف في موضع الوضع، فعنه (أي: عن الإمام أحمد): فوق السرة، وعنه: تحتها، وعنه: أبو طالب سألت أحمد بن حنبل أين يضع يده إذا كان يصلي؟ قال: على السرة أو أسفل، وكل ذلك واسع عنده إن وضع فوق السرة، أو عليها، أو تحتها.
(٢) في (ش): " الهادوي "، وقد تقدمت ترجمته في الجزء الأول ص ٢٨٣.
(٣) أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد " المسند " ١/ ١١٠، وابن أبي شيبة ١/ ٣٩١، وأبو داوود (٧٥٦)، والدارقطني ١/ ٢٨٦، والبيهقي ٢/ ٣١ من طريق عبد الرحمن بن إسحاق أبو شيبة الواسطي، عن زياد بن زيد السوائي، عن أبي جحيفة، عن علي ﵁ قال: من السنة وضع الكف على الكف في الصلاة تحت السرة. وإسناده ضعيف لضعف عبد الرحمن بن إسحاق. ورواه أبو داوود (٧٥٧) من طريق ابن جرير الضبي، عن أبيه قال: رأيت عليًا ﵁ يمسك شماله بيمينه على الرسغ فوق السرة. ورواه البيهقي ٢/ ٢٩ - ٣٠ من طريق ابن جرير عن أبيه أنه كان شديد اللزوم لعلي بن أبي طالب ﵁ قال: كان علي ﵁ إذا قام إلى الصلاة فكبر، ضرب بيده اليمنى على رسغه الأيسر، فلا يزال كذلك حتى يركع إلا أن يحك جلدًا أو يصلح ثوبه، فإذا سلم سلم عن يمينه: سلام عليكم، ثم يلتفت عن شماله، فيحرك شفتيه، فلا ندري ما يقول، ثم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا نعبد إلا إياه، ثم يقبل على القوم بوجهه، فلا يبالي عن يمينه انصرف أو عن شماله. وحسَّن إسناده مع أن ابن جرير -واسمه غزوان- لم يوثقه غير ابن حبان، وكذا أبوه. ورواه ابن أبي شيبة ١/ ٣٩٠ من طريق ابن جرير، عن أبيه قال: كان عليّ إذا قام في الصلاة وضع يمينه على رسغ يساره، ولا يزال كذلك حتى يركع متى ما ركع إلا أن يصلح ثوبه أو يحك جسده. وعلقه البخاري ٣/ ٧١ في أول كتاب العمل في الصلاة، ولفظه: ووضع علي ﵁ كفه على رصغه الأيسر إلا أن يحك جلدًا أو يصلح ثوبًا. وروى الطبري ٣٠/ ٣٢٥، والحاكم ٢/ ٣٢٥، والبيهقي ٢/ ٢٩ و٣٠ - ٣١ من طريق حماد بن سلمة، عن عاصم الجحدري، عن عقبة بن ظبيان، عن علي ﵁ (فصل =
[ ٣ / ٨ ]
وحديث أبي هريرة (١) في وضع اليدِ على اليد تحتَ السُرَّة في الصلاة ولم يُضعِّفْهُما، ولا روى لهما مُعارِضًا، بل قال: إنَّ أحدَهما بلفظ الوضع، والآخر بلفظِ الَأخْذِ، والمتعارِضان إذا لم يُمكنِ التَّرجيحُ فيهما، سقطا، وقد نَبَّهَ على الجوابِ بقوله: إذا ثم يُمكنِ الترجيح، فإنَّه ممكن، وأيضًا فلا بُدَّ مِنْ تعذُّرِ الجمع بالتَّأويل، وهو أيضًا ممكن.
وأمَّا قولُه: يُمكن أنَّ المرادَ بهما التطبيقُ في الركوع فسَهْوٌ، وغفلةٌ عن روايته فيهما معًا أن ذلك تَحْت السُّرة.
وفي هذه السُّنَّةِ اثنان وعشرون حديثًا، حديثُ وائل واحدٌ منها.
وعن عليٍّ ﵇ ثلاثةٌ منها مرفوعة، وأثرٌ موقوف روى أحدَهما أحمدُ وأبو داود، وروى الآخرَ (٢) الحاكمُ والدَّارقطنيُّ والبيهقي والرَّافعي (٣)، وقال الحاكم -على تشيُّعهِ- إنَّه أحسنُ شيءٍ كل في الباب.
الثالث: عنه، يأتي ختامًا لها.
الرابعُ: عن طاووس (٤).
_________________
(١) = لربك وانحر) قال: هو وضع يمينك على شمالك في الصلاة. وعاصم الجحدري: هو ابن الحجاج أبو المجشر المقرىء، لم يوثقه غير ابن حبان، وكذا عقبة بن ظبيان. وقال التركماني ٢/ ٣٠: في سنده ومتنه اضطراب. ورواه ابن أبي شيبة ١/ ٣٩٠ من طريق عاصم الجحدري، به.
(٢) أخرجه أبو داوود (٧٥٦)، والدارقطني ١/ ٢٨٤ من طريقين عن عبد الواحد بن زياد، عن عبد الرحمن بن إسحاق الكوفي، عن سيار أبي الحكم، عن أبي وائل قال: قال أبو هريرة: وضع الكف على الكف في الصلاة من السنة. وإسناده ضعيف كسابقه.
(٣) سقطت من (ش).
(٤) انظر " فتح العزيز شرح الوجيز " ٣/ ٢٨١.
(٥) رواه أبو داوود (٧٥٩) من طريق أبي توبة، حدثنا الهيثم بن حميد، عن ثور بن يزيد، عن سليمان بن موسى الدمشقي، عن طاووس قال: كان رسول الله - ﷺ - يضع يده اليمنى على يده اليسرى، ثم يشد بينهما على صدره وهو في الصلاة. ورجاله ثقات غير سليمان بن موسى الدمشقي ففيه لين، وخلط قبل موته بقليل، ثم هو مرسل.
[ ٣ / ٩ ]
الخامسُ: عن قبِيصَةَ بنِ هُلْبٍ، عن أبيه (١).
السَّادسُ: عن جابرِ بنِ عبد اللهِ (٢).
السَّابعُ: عن الحارثِ بنِ غطيف (٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد ٥/ ٢٢٦ و٢٢٧، وابن أبي شيبة ١/ ٣٩٠، والترمذي (٢٥٢) وابن ماجه (٧٠٩)، والدارقطني ١/ ٢٨٥ من طرق عن سماك، عن قبيصة بن هُلْب، عن أبيه قال: كان رسول الله - ﷺ - يؤمنا، فيأخذ شماله بيمينه. وقال الترمذي: حديث حسن، وهو كما قال. وزاد أحمد في رواية " يضع هذه على صدره " وصف يحيى -وهو ابن سعيد القطان شيخ أحمد في هذا الحديث- اليمنى على اليسرى فوق المفصل. وهُلْب: ضبطه المحدثون بضم الهاء وسكون اللام، وضبطه اللغويون بفتح الهاء وكسر اللام بوزن كتف، وهو الذي نص عليه ابن دريد في " الاشتقاق " ص ٤٨٢، وعلله بأن " الهلب " بالضم هو الشعر، وقال: والهلب رجل كان أصلع، فسمح النبي - ﷺ - يده على رأسه، فنبت شعره، فسمي الهلب، ورجح صاحب القاموس قول أهل اللغة، وخالفه شارحه، فرجح قول المحدثين، وقال: لأنَّه من باب تسمية العادل بالعدل مبالغة خصوصًا وقد ثبت النقل، وهم العمدة.
(٢) أخرجه الدارقطني ١/ ٢٨٧ من طريق يحيى بن معين، عن محمد بن الحسن الواسطي، عن الحجاج بن أبي زينب، عن أبي سفيان، عن جابر قال: مَرَّ رسول الله - ﷺ - برجل وَضَعَ شمالَه على يمينِه، فأخذ يمينَه، فوضعها على شمالِه.
(٣) أخرجه أحمد ٤/ ١٠٥ و٥/ ٢٩٠، وابن أبي شيبة ١/ ٣٩٠ من طرق عن معاوية بن صالح، عن يونس بن سيف، عن الحارث بن غطيف أو غطيف بن الحارث: مهما رأيت ما نسيت من الأشياء لم أنس أني رأيت رسول الله - ﷺ - واضعًا يمينه على شماله في الصلاة وسنده قوي. وفي " الإصابة " ١/ ٢٨٧: الحارث بن غطيف -بالمعجمة مصغرًا- السكوني الشامي، روى حديثه معاوية بن صالح، عن يونس بن سيف عنه اختلف فيه، فقال أبو صالح، وحماد بن خالد، عن معاوية، به: لم أنسَ أني أخرجه البغوي وسمويه، وقال عبد الرحمن بن مهدي، وزيد بن الحباب، عن معاوية كذلك إلا أنهما قالا: غطيف بن الحارث أو الحارث بن غطيف على الشك. أخرجه ابن أبي شيبة، وابن السكن، ورواه ابن وهب ورشدين بن سعد، عن معاوية كرواية أبي صالح بلا شك، لكن زاد بين يونس والحارث أبا راشد الحبراني. أخرجه ابن مندة، والباوردي، وابن شاهين. قال ابن مندة: ذكر أبي راشد فيه زيادة.
[ ٣ / ١٠ ]
الثَّامنُ: عن شَدَّاد بنِ شُرَحْبِيل (١).
التَّاسعُ: عن ابنِ عباس (٢).
العاشر: عن يعلى بن مُرَّةَ (٣).
_________________
(١) أخرجه البزار (٥٢٢)، والطبراني في " الكبير " (٧١١١) من طريق حيوة بن شريح الحمصي، حدثنا بقية بن الوليد، حدثنا حبيب بن صالح، حدثنا عياش بن مؤنس، عن شداد بن شرحبيل الأنصاري قال: مهما نسيت، فإني لم أنسَ أني رأيتُ رسول الله - ﷺ - قائمًا يصلي ويده اليمنى على يده اليسرى قابضًا عليها. وعياش بن مؤنس: ذكره البخاري في " التاريخ الكبير " ٧/ ٤٧، وابن أبي حاتم ٧/ ٥، وكناه الثاني بأبي معاذ، وقال: روى عن شداد بن شرحبيل الأنصاري، وسمع منه نمران بن مخمر، وروى عنه حبيب بن صالح، سمعت أبي يقول ذلك، وذكره ابن حبان في " الثقات " ٥/ ٢٧١، وباقي رجاله ثقات. وشداد بن شرحبيل ذكره أبو القاسم عبد الصمد فيمن نزل حمص من الصحابة، قال ابن حبان: سكن الشام، له صحبة، وقال ابن مندة: حمصي له صحبة، وقال الحافظ في " الإصابة " ٢/ ١٣٩ بعد أن نسب الحديث إلى ابن أبي عاصم، وابن السكن، والطبراني، والإسماعيلي من طريق بقية، حدثنا حبيب بن صالح، به: رواه جماعة عن بقية، فأدخلوا بين عياش وشداد رجلًا، وفي رواية الإسماعيلي ومن وافقه عن عياش، عمن حدثه عن شداد.
(٢) أخرجه الطبراني في " الكبير " (١١٤٨٥)، وابن حبان (٨٨٥) من طريقين عن حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس أن رسول الله - ﷺ - قال: " إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن نؤخر سحورنا، ونعجل فطورنا، وأن نمسك أيماننا على شمائلنا في صلاتنا ". وهذا سند قوي على شرط مسلم، وصححه الضياء المقدسي في " المختارة " ٦٣/ ١٠/٢. وأخرجه الطبراني أيضًا (١٠٨٥١) من طريق محمد بن أبي يعقوب الكرماني، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاووس، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: " إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن نعجل الإفطار، وأن نؤخر السحور، وأن نضرب بأيماننا على شمائلنا ". وهذا سند صحيح على شرط البخاري. وأخرجه الطيالسي (٢٦٥٤)، والدارقطني ١/ ٢٨٤، والبيهقي ٤/ ٢٣٨ من طريق طلحة بن عمرو بن عثمان الحضرمي، عن عطاء، عن ابن عباس. وطلحة بن عمرو: ضعيف، لكن يتقوى بالطريقين السالفين.
(٣) أخرجه الطبراني في " الكبير " ٢٢/ (٦٧٦) من طريق عبد الرحمن بن مسلمة الرازي، حدثنا أبو زهير عبد الرحمن بن مغراء، عن عمر بن عبد الله بن يعلى، عن أبيه، عن =
[ ٣ / ١١ ]
الحادي عشر: عن أبي الدَّرداء مرفوعًا.
الثاني عشر: عنه موقوفًا (١).
الثالث عشر: عن عُقبة بنِ أبي عائشة موقوفًا (٢).
الرابع عشر: عن علي موقوفًا رواه البخاريُّ في أبواب قيامِ اللَّيل، وأبو داود والمِزِّي (٣).
الخامس عشر: عن ابنِ مسعود (٤).
_________________
(١) = جده قال: قال رسول الله - ﷺ -: " ثلاثة يحبها الله ﷿: تعجيل الفطر، وتأخير السحور، وضرب اليدين إحداهما بالأخرى في الصلاة ". وعمر بن عبد الله: ضعيف، وكذا أبوه. وذكره الهيثمي في " المجمع " ٢/ ١٠٥ و٤/ ١٥٥، ونسبه في الأول إلى الطبراني في " الكبير "، وفي الثاني إلى الطبراني في " الأوسط "، وأعلَّه بعمر بن عبد الله.
(٢) رواه الطبراني مرفوعًا وموقوفًا بلفط: " ثلاث من أخلاق النبوة: تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، ووضع اليمين على الشمال في الصلاة ". قال الهيثمي في " المجمع " ٢/ ١٠٥: والموقوف صحيح، والمرفوع في رجاله من لم أجد من ترجمه. قلت: ورواه موقوفًا ابن أبي شيبة ١/ ٣٩٠ من طريق وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الأعمش، عن مجاهد، عن مورق العجلي، عن أبي الدرداء قال: من أخلاق النبيين وضع اليمين على الشمال في الصلاة. وهذا سند صحيح. وهو في حكم المرفوع، لأن مثله لا يقال بالرأي.
(٣) عقبة بن أبي عائشة يروي ذلك عن الصحابي عبد الله بن جابر الأنصاري البياضي، فقد أخرج الطبراني في " الكبير "، وابن أبي عاصم من طريق هشام بن عمار، حدثنا عبد الله بن أبي سفيان من أهل المدينة وهو من ثقاتهم، قال: سمعت جدِّي عقبة بن أبي عائشة يقول: رأيت جابر بن عبد الله البياضي صاحب رسول الله - ﷺ - واضعًا إحدى يديه على الأخرى في الصلاة. انظر " أسد الغابة " ٣/ ١٩٢ و" الإصابة " ٢/ ٢٧٧. وعقبة بن أبي عائشة لم يرو عنه غير عبد الله بن أبي سفيان، ولم يوثقه أحد. انظر " الجرح والتعديل " ٦/ ٣١٥.
(٤) انظر الصفحة ٤ ت (٢).
(٥) أخرجه أبو داوود (٧٥٥)، والنسائي ٢/ ١٢٦، وابن ماجه (٨١١)، والدارقطني ١/ ٢٨٦، والبيهقي ٢/ ٢٨ من طرق عن هشيم بن بشير، أنبأنا الحجاج بن أبي زينب السلمي، عن أبي عثمان النهدي، عن عبد الله بن مسعود، قال: رآني النبي - ﷺ - وقد وضعتُ شمالي على =
[ ٣ / ١٢ ]
السادس عشر: عن ابنِ الزُّبير (١).
السابع عشر: عن سهل بنِ سعد (٢).
الثامن عشر: عن معاذ (٣).
التاسع عشر: عن أبي هريرة (٤).
_________________
(١) = يميني في الصلاة، فأخذ بيميني فوضعها على شمالي. وسنده حسن كما قال الحافظ في " الفتح ". وأخرج الدارقطني ١/ ٢٨٣ من طريق إسماعيل بن أبان الوراق، حدثني مندل، عن ابن أبي ليلى، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود أن النبي - ﷺ - كان يأخذ شماله بيمينه في الصلاة.
(٢) أخرجه أبو داوود (٧٥٤) من طريق نصر بن علي، أخبرنا أبو أحمد، عن العلاء بن صالح، عن زرعة بن عبد الرحمن قال: سمعت ابن الزبير يقول: صف القدمين، ووضع اليد على اليد من السنة. وسنده حسن في الشواهد. أبو أحمد: هو محمد بن عبد الله بن الزبير الأسدي مولاهم.
(٣) أخرجه مالك في " الموطأ " ١/ ١٥٩، ومن طريقة البخاري (٧٤٠)، والبغوي (٥٦٨)، والبيهقي ٢/ ٢٨ عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي أنَّه قال: كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة. قال أبو حازم: لا أعلمه إلا ينمي ذلك إلى النبي - ﷺ -. وقوله: كان الناس يؤمرون: هذا حكمه الرفع، لأنَّه محمول على الآمر لهم بذلك هو النبي - ﷺ -. ونقل الزرقاني في " شرح الموطأ " ١/ ٢٨٦ عن ابن عبد البر قوله: لم يأتِ عن النبي - ﷺ - فيه (أي: في وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة) خلاف، وهو قول جمهور الصحابة والتابعين، وهو الذي ذكره مالك في " الموطأ " ولم يحك ابن المنذر وغيره عن مالك غيره. قلت: وانظر التعليق رقم (٣) من الجزء الأول من هذا الكتاب ص ٢٧٥.
(٤) أخرجه الطبراني في " الكبير " ٢٠/ (١٣٩) من طريق الخصيب بن جحدر، عن النعمان بن نعيم، عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ بن جبل قال: كان النبي - ﷺ - إذا كان في صلاته رفع يديه قبالة أذنيه، فإذا كبر أرسلها ثم سكت، وربما رأيته يضع يمينه على يساره والخصيب بن جحدر: كذبه شعبة بن الحجاج، ويحى القطان، وبه أعلَّه الهيثمي في " المجمع " ٢/ ١٠٢ و١٣٥.
(٥) تقدم تخريجه في الصفحة (٥) ت (١).
[ ٣ / ١٣ ]
الموفي عشرين عن ابن عمر (١).
الحادي والعشرون: عن الحسن البصري مرسلًا (٢).
الثاني والعشرون: عن عليٍّ ﵇ في الصِّيام من مجموعِ زيد ابن عليٍّ (٣) ﵇، وجملتُها في " العلوم " و" الشفاء" و" الكتب الستة " و" مجمع الزوائد " (٤)، وما علمُت أنَّه روى أحدٌ مِنْ أهل البيتِ وشِيعَتهم حديثًا واحدًا في النَّهْي عن وضع الكفِّ على الكَفّ في الصَّلاةِ حَتَّى نكونَ قَدَّمْنَا (٥) عليه واحدا وعشرين حديثًا من روايتهم ورواية غيرهم، فلم يكُنِ العَمَلُ في هذهِ المسائلِ يقتضي ترجيحَ حديث المجاريح على حديثِ أهل البيت ﵈، لكن السَّيد ادَّعى في
_________________
(١) أخرجه الطبراني في " الصغير " (٦٧٩)، والبيهقي ٢/ ٢٩ من طريق يحيى بن سعيد بن سالم القداح، حدثنا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، عن أبيه، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي - ﷺ - قال: " إنا معشر الأنبياء أمرنا بثلاث: بتعجيل الفطر، وتأخير السحور، ووضع اليمنى على اليسرى في الصلاة ". وأورده الهيثمي في " المجمع " ٣/ ١٥٥، وزاد نسبته إلى الطبراني في " الأوسط " وقال: وفيه يحيى بن سعيد بن سالم القداح، وهو ضعيف. وقال البيهقي: تفرد به عبد المجيد، وإنما يعرف بطلحة بن عمرو، وليس بالقوي عن عطاء، عن ابن عباس، ومرة عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -، ولكن الصحيح عن محمد بن أبان الأنصاري، عن عائشة ﵂ قالت: ثلاث من النبوة ..، فذكرهن من قولها. قلت: محمد بن أبان: قال البخاري: لا يعرف سماعه من عائشة.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ٣٩٠ من طريق وكيع، عن يونس بن ميمون، عن الحسن قال: قال رسول الله - ﷺ -: " كأني أنظر إلى أحبار بني إسرائيل واضعي أيمانهم على شمائلهم في الصلاة ".
(٣) في الصفحة ١٨٣ ونصه: زيد بن علي، عى أبيه، عن جده، عن علي ﵁ قال: ثلاث من أخلاق الأنبياء صلاة الله وسلامه عليهم: تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، ووضع الكف على الكف تحت السرة.
(٤) انظر ٢/ ١٠٤ - ١٠٥ و٣/ ١٥٥.
(٥) في (ب): " تقدمنا ".
[ ٣ / ١٤ ]
الدعوى الأولى: ادعى أن أحاديث الفقهاء متعارضة في وضع اليد على اليد
الدعوى الثانية: ادعى أن العموم يعارض الخصوص إذا جهل التاريخ
هذه المسائل (١) دعوتين.
الدعوى الأُولى: ادَّعَى أنَّ أحاديثَ الفقهاءِ متعارضَة في وضع اليَدِ على اليد، ونصَّ السَّيِّد على ما يتحيَّرُ العاقل في صدوره مِن مثله (٢)، وذلك أنَّه ذكر في كتابه أنَّ وائل بن حُجْرٍ فاسِقٌ مجروحٌ، فلمَّا وصل السيد إلى مسألة وضعِ اليُمنى على اليُسرى، ذكر تعارُضَ الأخبارِ في ذلك، وأنَّ في حديث وائلٍ أنَّ الوضع يكونُ على الصُّدُورِ (٣)، وفي حديث عليٍّ، وأبي هريرة أنَّ الوضع تحت السُّرَّة، فعارضَ بينَ رواية أمير المؤمنين مع أبي هُريرة الحافِظ الأمينِ، وبَيْنَ روايةِ وائل الذي نصَّ على أنَّه عِنْدَهُ مِنَ المجروحين الفاسقين، فأينَ كانَ عقلُ السَّيِّدِ -أيده اللهُ- حتَّى اعتقَد أنَّ حديث وائل -مع اعتقاده فيه- يُعارِضُ حديثَ أمير المؤمنين ﵇، وأبي هريرة ﵁ حتَّى يجِبَ طَرْح حديثهمَا منْ أَجْلِ حديثِ وائلٍ؟ وهذا يَدُلُّ على أن السيد كتب رسالتَه وهو لا يدري ما يكتب إمَّا لتعصُّبٍ شديدٍ، أو غيرِ ذلك.
الدعوى الثانية: ادَّعى أنَّ العُمُومَ يعارِضُ الخصوصَ إذا جُهِلَ التاريخُ، كما ذهبت إليه. الحنفِيَّةُ، وهذه مسألةُ خلافٍ، الذي عليه جماهير العلماء، والذي عليه عَمَلُهُم هو تقديمُ الخَاصِّ عِنْدَ جَهْلِ التَّارِيخِ، وقد ذكر الشَّيْخُ أبو الحسين البصري أنَّه الَّذي عليه علماءُ الأمصار (٤)، ولا شكٌّ
_________________
(١) في (ش): " المسألة ".
(٢) في (ش): ما يتحير عقل العاقل في عقله عن مثله.
(٣) في (ش): الصدر.
(٤) " المعتمد " ١/ ٢٥٩، ونص كلامه: فأما إذا لم يعرف التاريخ بينهما (أي: بين الخاص والعام) فعند أصحاب الشافعي أن الخاص منهما يخص العام، وهذا سديد على أصولهم، لأنه ليس للخاص مع العام إلا أن يقارنه، أو يتأخر عنه، أو يتقدمه، وقد بان وجوب خروج ما تناوله الخاص من العام في الأحوال الثلاثة، وأيضًا، فإن فقهاء الأنصار في هذه الأعصار يخصون أعمَّ الخبرين بأخصهما مع فقد علمهم بالتاريخ.
[ ٣ / ١٥ ]
أنَّ العمل بالخاصِّ أَرْجح، أمَّا إنْ قُلنا: إنَّه خاصٌّ، وإنَّ الخاصَّ يُقدَّمُ (١)، فظاهر، وأما إن لم نَقُلْ بذلك، فلأنَّ الخصوصيةَ من وجوهِ التَّرجيح، فكانَ العملُ به أرجحَ، لأنه ُ أخصُّ بالحكم، وقوَّى هذا ابنُ رشد في " نهايته " (٢) في اشتراط النِّصاب في الحُبوب.
وبالجملة فَذكْرُ الحُججِ في هذه المسألَةِ على الاستقصاء يَطُولُ، لكنا نكتفي في ذلك بكلام مُخْتَصَرٍ، فنقول للسيدِ: هل تدَّعي التَّعارضَ في ذلك على سبيِلِ القطع، أوعلى سبيلِ الظن؟ إن قلتَ: على سبيلِ القطع، فَهَلُمَّ الدَّليل، وعلينا القَبُولُ أو الجوابُ، ولكِنَهُ يَلْزَمُك على الكُلِّ تأثيمُ الجِلَّة من علماء الإسلام الّذين قَضَوْا بتقديمِ الخاصِّ على العَامِّ، وإن قلت: إنَّهما متعارضانِ على سبيل الظَّنِّ، فما معنى المراسلة والمناظرة في مسألةٍ اجتهاديَّةٍ ظنِّيةٍ على سبيل الإنكار والتَعَسُّفِ، وما عَلِمْنَا أنَّ أحدًا أنكر على مَنْ قضى بتقديم الخاصِّ على العامِّ عند جَهْلِ التَّاريخ منذ صُنِّفَ أُصولُ الفقْهِ، وعُرِف الكلامُ في مسائل الخلاف. فلو سَكَتَ السَّيِّدُ عن النَكير في ذلك، لَوسِعَهُ مَا وَسِعَ أمَّةَ محمَّد - ﷺ - في مقدار سِتِّ مِئَةِ سنةٍ، وإنَّما ذَكَرَ هذه النُكْتَةَ في تقديم معارضة العامِّ للخاصِّ (٣) عِنْدَ جهل التَّاريخ، لأنَّه فَهِمَ أنَّهُ لا حُجَّةَ لَهُ في المنِع من وضع اليُمنى على اليُسرى، ومِنَ التأمين إلا ذلك، فإنه إنما عارض جميعُ ما تقدَّم بحديثِ " اسْكُنُوا في الصَّلاَةِ " (٤).
_________________
(١) في (ش): مقدم.
(٢) اسمه الكامل " بداية المجتهد ونهاية المقتصد ": ونصه فيه ١/ ٢٦٥: ولكن حمل الجمهور عندي الخصوص على العموم هو من باب ترجيح الخصوص على العموم في الجزء الذي تعارضا فيه، فإن العموم فيه ظاهر، والخصوص فيه نص.
(٣) في (ب): الخاص.
(٤) أخرجه مسلم (٤٣٠) في الصلاة: باب الأمر بالسكون في الصلاة، والنهي عن =
[ ٣ / ١٦ ]
والجوابُ عنه: أنَّ المرادَ ممَّا لم تُشْرَعْ فيه الحَرَكةُ، وإلا لَزِمَ تحريمُ الركوع والسُّجودِ فيها، وهو موافق على رفع المُسَبِّحةِ في التَّشهُّد إشارَة إلى التَّوحيد، وعلى الالتفاتِ عِنْدَ التَّسليم، لكونه مشروعًا، فكذلك (١) كل حَرَكَةٍ مشروعَةٍ، ومنه حَرَكَةُ اللِّسانِ والشفتين عِنْد القراءَةِ، والذكر الذي يجب بإجماعٍ أو خلافٍ، أو لا يجب بإجماعٍ أو خلافٍ.
وكذلك إنَّما يُعارَضُ أحاديثُ (٢) التأمين مع كثرتها بعموم النَّهْي عَنِ الكَلام في الصَّلاة، والمرادُ به أيضًا الكلامُ الَّذي لم يُشْرَع وفاقًا؛ لأنَ الصَّلاةَ على النَّبِيِّ - ﷺ - وآله وذكرَ اسْمِه - ﷺ - لا يُفْسِدُ؛ لأنهُ مشروع.
والأحاديثُ في التأمين كثيرةٌ، الذي حضرني الآن منها خمسةَ عَشَر حديثًا، أَكْتَفِي بالإشارةِ إلى مواضِعِها، منها " مجمعُ الزوائد "، و" اكتب السِّتةِ "، و" المنتقى " (٣)، وكتبُ أهلِ البيت "علوم آل
_________________
(١) = الإشارة باليد ورفعها عند السلام، والنسائي ٣/ ٤ في السهو، باب: السلام بالأيدي في الصلاة، وأحمد ٥/ ٨٦ و٩٣ من طرق عن جابر بن سمرة قال: خرج علينا رسول الله - ﷺ -، فقال: " ما لي أراكُم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شُمُس، اسكنوا في الصلاة ". وقوله: " رافعي أيديكم " أي: في السلام، كما جاء مبينًا في رواية: كنا إذا صلينا وراء رسول الله - ﷺ - قلنا: السلام عليكم بأيدينا يمينًا وشمالًا، فقال رسول الله - ﷺ -: ما بال أقوام يرمون بأيديهم كأنها أذناب الخيل الشُّمُس، لا يسكن أحدهم، ويشير بيده على فخذه، ثم يسلم على صاحبه عن يمينه وعن شماله.
(٢) في (ب): وكذلك.
(٣) في (ش): " حديث " وهو خطأ.
(٤) " منتقى الأخبار" تأليف شيخ الحنابلة علامة عصره أبو البركات عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد بن الخضر الحراني المعروف بابن تيمية جد شيخ الإسلام، المتوفى سنة ٦٥٢ هـ. وكتابه هذا يشتمل على جملة من الأحاديث النبوية التي يرجع أصول الأحكام إليها، ويعتمد علماء الإسلام عليها، انتقاها من صحيحي البخاري ومسلم، و" مسند " الإمام أحمد، و" جامع " أبي عيسى الترمذي، و" سنن " أبي داوود، والنسائي، وابن ماجة، واستغنى بالعزو إلى هذه المصادر عن الإطالة بذكر أسانيدها، وقد شرحه شرحًا =
[ ٣ / ١٧ ]
محمد"، و" مجموع زيد ".
فمنها عن علي ﵇ مرفوعًا، رواه ابن ماجه (١) بإسناد حسن.
ومنها عنه ﵇ موقوفًا، رواه محمد بنُ منصور في " علوم آل محمد " في باب الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وأحسِبُه في " مجموع زيد " في القُنوت وعن أبي هريرة ثلاثة أحاديث (٢)، وثلاثة عن وائل (٣)،
_________________
(١) = حافلًا الإمام المجتهد قاضي قضاة اليمن محمد بن علي بن محمد الشوكاني المتوفى سنة ١٢٥٥ هـ، وسماه " نيل الأوطار "، وهو مطبوع متداول.
(٢) في " سننه " برقم (٨٥٤) من طريق ابن أبي ليلى، عن سلمة بن كهيل، عن حُجَيَّة بن عدي، عن علي قال: سمعت رسول الله - ﷺ - إذا قال: " ولا الضالين " قال: " آمين ". قال البوصيري في " مصباح الزجاجة " ورقة ٥٦: ابن أبي ليلى: هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، ضعفه الجمهور، وقال أبو حاتم: محله الصدق، وباقي رجاله ثقات.
(٣) أخرج مالك ١/ ٨٧، ومن طريقه البخاري (٨٧٠)، ومسلم (٤١٠)، وأبو داوود (٩٣٥)، والترمذي (٢٥٠)، والنسائي ٢/ ١٤٤، والبيهقي ٢/ ٥٥، وأحمد ٢/ ٤٥٩ عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن أنهما أخبراه عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: " إذا أمن الإمام فأمنوا، فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه ". وله طرق أخرى عند البخاري (٦٤٠٢)، ومسلم (٤١٠) (٧٣) و(٧٤) و(٧٥) و(٧٦)، والدارمي ١/ ٢٨٤، وابن ماجه (٨٤٦) و(٨٥١) و(٨٥٢)، وأحمد ٢/ ٢٣٣ و٢٧٠ و٣١٢ و٤٤٠، وابن الجارود (١٩٠)، وابن حبان (١٧٩٥) بتحقيقنا. وأخرج الدارقطني ١/ ٣٣٥، والبيهقي ٨/ ٥٢ من طريق الزبيدي، عن الزهري، عن سعيد، وأبي سلمة، عن أبي هريرة قال: كان النبي - ﷺ - إذا فرغ من قراءة أم القرآن، رفع صوته، وقال: " آمين ". قال الدارقطني: إسناده حسن، وصححه ابن حبان (١٧٩٧) والحاكم ١/ ٢٢٣، ووافقه الذهبي. وأخرج النسائي ٢/ ١٣٤ من طريق عبد الله بن عبد الحكم، عن شعيب، عن الليث، عن خالد، عن أبي هلال، عن نعيم المجمر قال: صليت وراء أبي هريرة، فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن حتى إذا بلغ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقال: آمين، فقال الناس: آمين وإذا سلم قال: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله - ﷺ -. وإسناده صحيح، وصححه ابن خزيمة (٤٩٩)، وابن حبان (١٧٩٢).
(٤) أخرجه أحمد ٤/ ٣١٦ - ٣١٧، وأبو داوود (٩٣٢)، والترمذي (٢٤٨)، والدارمي =
[ ٣ / ١٨ ]
وبقيتها عن معاذ (١)، وسلمانَ (٢)،
_________________
(١) = ١/ ٢٨٤، والدارقطني ١/ ٣٣٤، وابن أبي شيبة ٢/ ٤٢٥، والبيهقي ٢/ ٥٧، والبغوي (٥٨٦) من طرق عن سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن حُجر بن العنبس، عن وائل بن حجر قال: سمعت النبي - ﷺ - قرأ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقال: " آمين " ومدَّ بها صوته. ولفظ أي داوود: ورفع بها صوته، وإسناده صحيح، وقد تابع سفيان على ذلك اثنان. وأخرجه الطيالسي (٤٠١)، وأحمد ٤/ ٣١٦، والبيهقي ٢/ ٥٧، والطبراني في " الكبير " ٢٢/ (١٠٩) و(١١٠) و(١١٢) من طريق شعبة به إلا أنَّه قال: وأخفي بها صوته. وقد خطأ النقاد رواية شعبة هذه، وجزموا بأن رواية سفيان أصح. وأخرجه ابن حبان في " صحيحه " (١٧٩٦) من طريقين عن شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن حجر أبي العنبس، عن علقمة بن وائل، عن وائل أنَّه صلى مع رسول الله - ﷺ -، فلما قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: آمين. وأخرجه أبو داوود (٩٣٣)، والترمذي (٢٤٩)، وابن أبي شيبة ١/ ٢٩٩، والطبراني ٢٢/ (١١٤) عن العلاء بن صالح (وأخطأ أبو داوود فسماه علي بن صالح) الأسدي، عن سلمة بن كهيل، عن حجر بن عنبس، عن وائل قال: صليت خلف رسول الله - ﷺ -، فجهر بآمين، وسلم عن يمينه، وعن شماله حتى رأيت بياض خده. وهذا سند صحيح، وصححه البيهقي في " معرفة السنن والآثار "، والحافظ في " تلخيص الحبير " ١/ ٢٣٦. وأخرجه أحمد ٤/ ٣١٨، والبيهقي ٢/ ٥٨ من طريقين عن زيد بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه وفيه: " فقال: آمين، يجهر بها ". وأخرجه ابن ماجه (٨٥٥) من طريق أبي إسحاق، به، ولفظه: " فلمَّا قال: (ولا الضالين) قال: " آمين "، فسمعناها. وأخرجه الدارقطني ١/ ٣٣٤ - ٣٣٥ أيضًا من طريقه بلفظ: " قال: آمين، مدَّ بها صوته ". وأخرجه النسائي ٢/ ١٤٥ من طريق يونس، عن أبي إسحاق به. وفيه: " ولما قرأ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: آمين، فسمعته وأنا خلفه ". وأخرجه أحمد ٤/ ٣١٥ من طريق عبد القدوس، أخبرنا الحجاج، عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه أنَّه سمع النبي - ﷺ - يقول: آمين.
(٢) ذكره الهيثمي في " المجمع " ٢/ ١١٢ - ١١٣ مطولًا، ونسبه للطبراني، وحسن إسناده، وفيه: " إن اليهود قوم سئموا دينهم وهم قوم حسد، ولم يحسدوا المسلمين على أفضل من ثلاث: رد السلام، وإقامة الصفوف، وقولهم خلف إمامهم في المكتوبة: " آمين ".
(٣) في الطبراني (٦١٣٦) من طريق سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن سلمان أن بلالًا قال للنبي - ﷺ -: " لا تسبقني بآمين ". قال الهيثمي في " المجمع " ٢/ ١١٣: ورجاله =
[ ٣ / ١٩ ]
وَسَمُرَة (١)، وعائِشَةَ (٢)، وأمَّ سَلمَة (٣)، وأمِّ الحُصَيْن (٤)، وعَنِ ابْنِ شِهابٍ مُرْسلٌ.
وذكر الحاكمُ أنَّه جَمَعَهُ في بابٍ مفردٍ، ولم يُعَارضْ بحديثٍ واحدٍ لا صحيح، ولا ضَعيفٍ، لا مِنْ رِوايَةِ أَهْلِ البيت، ولا شِيعَتِهِمْ، ولا أَهْلِ الحَدِيث.
ولَنَا أنْ نُجِيبَ على معارضَتِها بالعُموم (٥) بترجيح الخاصِّ كما
_________________
(١) = موثقون. ورواه أبو داوود (٩٣٧)، والبيهقي من حديث بلال أنَّه قال: يا رسول الله لا تسبقني بآمين. وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.
(٢) أخرجه الطبراني في " الكبير " (٦٨٩١) من طريق رواد بن الجراح، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله - ﷺ -: " إذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين، يجبكم الله ". وإسناده ضعيف رواد ابن الجراح، اختلط بأخرة، وسعيد بن بشير: ضعيف، لكن رواه مسلم (٤٠٤)، والنسائي ٣/ ٩٦ - ٩٧، وأبو داوود (٩٧٢) من حديث أبي موسى الأشعري ضمن حديث مطول. وفيه: " فإذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فقولوا: آمين، يجبكم الله ".
(٣) أخرجه ابن ماجه (٨٥٦) من طريق إسحاق بن منصور، أخبرنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا سهل بن أبي صالح، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي - ﷺ -: " ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على السلام والتأمين ". قال البوصيري في " مصباح الزجاجة " ورقة ٥٦: هذا إسناد صحيح احتج مسلم بجميع رواته. وأخرجه أحمد ٦/ ١٣٥، والبيهقي ٢/ ٥٦ من طريق آخر بأطول مما هنا، وصححه ابن خزيمة (١٥٨٥).
(٤) لم أقف عليه من حديثها.
(٥) أخرجه الطبراني في " الكبير " ٢٥/ (٣٨٣) من طريق إسماعيل بن مسلم المكي، عن أبي إسحاق، عن ابن أم الحصين، عن جدته أم الحصين بنت إسحاق الأحمسية أنها كانت تصلي خلف النبي - ﷺ - في صف من النساء، فسمعته يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ حتى بلغ ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: " آمين " حتى سمعته وأنا في صف النساء إسماعيل بن مسلم المكي: ضعيف. وأورده الزيلعي في " نصب الراية " ١/ ٣٧١ من مسند إسحاق بن راهويه، عن النضر بن شميل، عن هارون الأعور، عن إسماعيل بن مسلم المكي، به. ونسبه لإسحاق الحافظ في " المطالب العالية " ١/ ١٢٣.
(٦) أي: عموم النهي عن الكلام.
[ ٣ / ٢٠ ]
إن العامة تعتقد أني قد رجحت في مسألة الجهر والإخفات خبر المتأولين المختلف في جرحهم، وأنا أورد في دفع ذلك اثني عشر وجها
الوجه الأول: أني أجهر بالبسملة على مذهب زيد بن علي والهادي ﵉
تقدَّم، وبدعوى التَّأَخُّرِ، والاستدلالِ عليه بقول عليٍّ والصَّحابةِ بعدَ النَّبيِّ - ﷺ - وروايتهم وتعليمهم، ولم يكونوا يفعلون مِثْل ذَلكَ في المنسوخات مثل شرب الخمر، والصلاة إلى بيتِ المقدس، ونحو ذلك.
وأنا أقتصِر على هذا القدرِ في مسألة التَّأمين، ووضع اليُمنى على اليُسرى على سبيل الإيماءِ والإشارةِ الخَفِيَّة، وإنَّما اقتصرت على ذلك؛ لأنِّ بعضَ أَهْلِ البَيْتِ ﵈ يُخالفُ في ذلك، ويروي مثلَ أحاديثِ الفُقَهاءِ في (١) جوازهما، فلو رَجَّحْتُ تلكَ الأحاديثَ، لكُنْتُ عند العامَّةِ (٢) قد رَجَّحْتُ. (٣) خَبَر بعْضِ أهل البيتِ على بَعْضٍ، وهذا سهْلٌ، وأعني بالعامَةِ هنا أكثرَ (٤) القُراء، لا الحرَّاثينَ.
وأمَّا مسأَلَةُ الجَهْرِ والإِخفاتِ، فإنَّ العامَة تعتقِدُ أنَي قد رجَّحْت فيها خبرَ المتأوِّلينَ المُخْتَلَفِ في جَرْحِهِم على خَبَرِ العِتْرَةِ الطَّاهِرين بغَيْرِ شَكٍّ، فينبغي أن أبيِّن عَدَمَ ذلِكَ، وأنا أُوردُ في دفعِ ذلك اثني عشرَ وَجْهًا إنْ شاء الله تعالى.
الوجهُ الأوَّلُ: أنِّي أجْهَرُ بالبسملة على مذهب زيدِ بنِ علي، والهادي عليهما (٥) السَّلام، وغيرِهما من العِترة الكِرام، لأنّي (٦) أُسْمعُ
_________________
(١) زاد في (ش) بين في ومثل: " معهما "، وكتب بجانبها " ظ "، أي: ظاهر الكلام يستلزم هذه الزيادة.
(٢) جملة " عند العامة " سقطت من (ش).
(٣) " قد رجحت " ساقطة من (ب).
(٤) " هنا أكثر " ساقطة من (ب).
(٥) في (ب): " عليهم ".
(٦) في (ش): " فإني ".
[ ٣ / ٢١ ]
نفسي، وأُسْمِعُ منْ بِجَنْبِي، وقد قال زيدُ بن عليٍّ: مَنْ أسمع أُذُنَيْهِ فَلَمْ يُخَافِتْ (١).
ومذهبُ الهادي ﵇ أنَّ أقَلَّ الجَهْرِ أنْ يُسْمِعَ الإنسانُ مَنْ بِجَنْبِهِ، وذلك أيضًا أقل المخافتة، فمَنْ فَعَلَهُ، فقد أَخَذَ بالإجماعِ (٢) مِنْ أَهْلِ المذْهبِ وَمَنْ يُوافِقُهمُ على قولهِمْ هذا؛ لَأنَ القائِل بأنَّ السنَةَ المخافَتَة، يقول: هذه مخافتةٌ، والقائل بأنَّ الجَهْرَ السُّنَّةَ، يقول: هذا جهر.
فإنْ قُلْتَ: كيفَ يَصِح عند أهلِ المذهب أن يكونَ المتكلِّم جاهِرًَا مخافِتًَا في حالةٍ واحِدَةٍ.
قلت: لأنَّ الجهرَ والمُخافَتَةَ مِنَ الأُمورِ الإضَافِيَّةِ دونَ الحقيقَةِ، والأمورُ الإضافِيةُ يَجوز فيها ما صورَتُه صورةُ المناقَضَةِ، وليس في معناه مناقضةٌ، وذلك مثلُ القَبْلِيَّة والبَعْدِيَّةِ، فإنَّهما لما لَمْ يكونا مِنَ الأعراضِ الحقيقيَّة جازَ في الشَّيْءِ أنْ يكونَ قَبْلًا وبَعدًا بالنظرِ إلى زمانين أو مكانين، فاليومُ قَبْلُ بالنَّظَرِ إلى غدٍ، وبَعْدُ بالنظر إلى أمس، بخلاف السواد والبياض، فإنَّهما عَرضَان حقيقيَّان، فلا يجوز في الشَّيْء أن يكونَ أبيض بالنظر إلى أمرٍ، وأسودَ بالنظر إلى أمرٍ آخر.
فإذا عرفتَ هذا، فاعلم أنَّ الجَهْرَ والإخفات ليسا مِنَ الأمور الحقيقيةِ الثبوتيَّة، وإنما هما اسمانِ إضافيان، ونعتان لفظيَّان، كالصِّغَرِ والكِبَرِ، والكَثْرَة، والقِلَّةِ، فالمتكلِّمُ المُسْمِعُ مَنْ بِجَنْبِهِ جاهرٌ بالنظر إلى منْ لم يُسْمِعْ
_________________
(١) في (ب) و(ش): " ما خافت من أسمع أذنيه ".
(٢) في (ش): " الإجماع ".
[ ٣ / ٢٢ ]
الوجه الثاني: سلمنا تسليم جدل أنا نخافت، فإنه لا يلزم منه ترجيح غيرأهل البيت
من بِجَنْبِهِ، وهو أيضًا مُخافِت بالنظر إلى منْ رفعَ صوتَهُ رَفْعًا قويًا فوق هذا المقْدارِ. وهذا الجواب كافٍ، لو أحببتُ الاقتصارَ عليه، لأجزأني، لكنِّي أحِبُّ الزِّيادة عليه، لِيَتبَيَّنَ للنَّاظِر في هذا الكلامِ أنَّ وُجُوة المَحَامِلِ كثيرةٌ لمَنْ أحبَّها، وأبوابَ الظَّنِّ الجميل واسعةٌ لمَنْ يطلُبُها، لكن السيد -أيَّدَهُ الله- لم يَسْلُكْ هذا المسلكَ في رسالته، فإنه بلغني أنه يَنْسُبُنِي (١) إلى القولِ بترك البَسْملَةِ بالمرة، فليتَهُ اعْتَدَلَ، فترك الحَمْلَ على السلامَةِ، والقولَ بِمَا لَمْ يَكُنْ، وما أقول فيه إلا ما قالت عائِشةُ في ابن عمر: ما كَذَبَ ولكِنَّه وَهِل (٢).
الوجه الثاني: سلَّمنا تسليمَ جَدَلٍ أنَّا نُخَافِتُ، فإنَّه لا يلزَمُ منه ترجيحُ غير (٣) أهلِ البيتِ ﵈، فكيف يلزم مِنْهُ ترجيحُ الفَسَقةِ عليهم؟ وهذا يلزَمُ منه أنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أهْل البيت، فَهُوَ فاسِقٌ تصريح أو تأويلٍ، وهذا خلافُ إجتماعَيِ العتْرَةِ والُأمَّة، وخلافُ المعلومِ مِنَ الأدلة والخبرة، وبِكُلِّ تقدير، فإنَّ ما ذكرَهُ غيرُ لازم، وذلِكَ لأنَّ الأحاديثَ الَّتي رَواها بعضُ أهلِ البيت ﵈ يمْكِنُ أن تكونَ منسوخَةً، كما ذهب إليه بعضُ أهلِ العلم، وذلِكَ هو الظَّاهِرُ مِنْ حديث سعيد بنِ جُبَيْرٍ، ففيه أنَّ رسول الله - ﷺ -: كان يَجْهَرُ ببسم الله الرحمنِ الرحيم، وكان مُسَيْلِمَةُ يُدعى رحمانَ اليَمَامةِ، فقال أهلُ مكَّةَ: إنما يدعو لرحمان (٤) اليمامة، فأمر النَّبي - ﷺ - بإخفائها، فما جهر بها حتَّى مات.
_________________
(١) في (ب): " نسبني ".
(٢) أي: غلط ونَسِيَ، وحديثها عند مسلم (٩٣٢)، والنسائي ٤/ ١٧، وأبي داوود (٣١٢٩). وفي رواية: أما إنَّه لم يكذب، ولكنه نسي أو أخطأ. وانظر " الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة " ص ١٠٢ - ١٠٣ للزركشي.
(٣) سقطت من (ش).
(٤) في (ش): رحمان.
[ ٣ / ٢٣ ]
رواه أبو داود في " المراسيل " (١) عن سعيد بن جبير، والمرسلُ عندنا مقبولٌ، وقد أثنى يحيى بنُ معينٍ (٢) على مرسلاتِ سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وقال: هي أحبُّ إليَّ مِنْ مرسلاتِ عطاء، رواه الترمذيُّ. قال في كتاب " الغاية ": وقد رُوِيَ الحديثُ مسندًا أيضًا.
فإن قلت: قد زالت العلَّةُ، فيزول الحُكْمُ؟
قلت: قد زالَتِ العِلَّةُ في زمانه - ﷺ - بعد فتح مَكةَ، واستمرَّ الحُكْمُ كما استمر في غُسل يوم الجُمَعَةِ (٣)، والسَّعْي (٤)، والطَّوافِ (٥) بعدَ زوال
_________________
(١) رقم (٣٤) باب: الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، بتحقيقنا، وفي سنده شريك بن عبد الله، وهو سيىء الحفظ، فالحديث مع كونه مرسلًا سنده ضعيف. على أنَّه لم يرد في هذا المرسل أن ذلك كان في الصلاة. وقول صاحب الغاية: " وقد روي الحديث مسندًا " لم أقف عليه، ولا إخال ذلك يصح.
(٢) هذا وهم من المؤلف، فإن الذي أثنى عليها هو يحيى بن سعيد القطان، وليس يحيى بن معين. روى ذلك عنه علي بن عبد الله المديني كما في " علل الترمذي " الملحق بالجزء الخامس من جامعه ٥/ ٧٥٤ الذي نقل عنه المؤلف، و" شرح العلل " ١/ ٢٧٤ لابن رجب. وفي " التهذيب " ٤/ ١٤ من ترجمة سعيد بن جبير: وقال ابن أبي خيثمة: رأيتُ في كتاب علي -يعني ابن المديني-: قال يحيى بن سعيد: مرسلات سعيد بن جبير أحب إليَّ من مرسلات عطاء ومجاهد.
(٣) انظر " شرح السنة " ٢/ ١٦٠ - ١٦٥، و" سنن أبي داوود " (٣٥٢) و(٣٥٣).
(٤) أخرج البخاري (١٦٤٩)، والنسائي ٥/ ٢٤٢ من حديث ابن عباس ﵄ قال: إنما سعى رسول الله - ﷺ - بين الصفا والمروة ليري المشركين قوته. وانظر " جامع الأصول " ٣/ ١٨٦ - ١٨٩.
(٥) في " صحيح البخاري " (١٦٠٢) في الحج، باب: كيف كان بدء الرَّمَل من حديث ابن عباس ﵄ قال: قدم رسول الله - ﷺ - وأصحابه، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم وقد وهنهم حمى يثرب، فأمرهم النبي - ﷺ - أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا بين الركنين، ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم. والرمل: هو الإسراع، وهو شبيه بالهرولة. وانظر " جامع الأصول " ٣/ ١٦٢ - ١٦٣. =
[ ٣ / ٢٤ ]
العِلَّةِ، بل لعل العِلَّة زالت بَعْدَ الهِجْرَهَ مِنْ مَكةَ إلى المدينَةِ، فأمَّا بعد الفَتْح، فَبِغَيْر شَكٍّ.
وقد طُعِنَ في هذا الحديث بِأمْرٍ عقليٍّ، وهو أن الرحمنَ مذكورٌ في الفَاتِحَةِ، ولم يُخَافِتْ بها، فما تعني حينئذٍ المخافَتَةُ بالبسملَةِ؟ ويُمْكِنُ الجوابُ على ذلك بأنَّ (١) الرحمن في الفاتحة وقع صَِفَةً لِربِّ العالمين، وموصوفًا بِمَلِكِ يَوْمِ الدين، فكان أبعدَ منَ الشُبْهَةِ وأكثرَ تَمَيُّزًَا، وأقلَّ لَبْسًا، أو غيرَ ذلك، واللهُ أعْلَمُ، وأيضًا فالأنظارُ المحتَمَلَةُ لا تُرَدُّ بها الآثارُ كما لا تُرَدُّ بها الشرَائعُ. فإذا تقرَّر هذا، فَمِنَ الجائزِ أني أذهبُ إلى النسْخِ، وَمَن اعْتَقدَ في خبرٍ أنَّه منسوخ، لم يَصِح أنْ يُرَجِّحَ بَيْنَهُ وبين النَاسخ عند أهلِ المعرفة؛ لأني قد قَبِلْتُ الذي روى المنسوخَ، وصدقْتهُ، لكِنَّه ثبت لي مِنْ غير طريقِهِ أنَّ ما رواه منسوخٌ، فقبلتُ الرِّوايَتَيْنِ معًا (٢) إذ (٣) كانتا عَنْ ثَقتَيْنِ عَدْلَيْنِ، وعَمِلْتُ بمقتضى الأدلَّةِ في العمل بالناسخ وتركِ المنْسوخِ، وقد أجمع المحقِّقُونَ من الأمةِ والعِتْرَةِ على أنَّ المنسوخَ يُتْركُ، وإن كانَ الَّذِي رواه أفضلَ الأمَّةِ وأعلمَهَا متى كانت طريقة النَّاسِخِ صحيحةً، وإن كانت دونَ درجَةِ المنسوخِ في الصِّحَّة متى كانا ظنِّييْنِ معًا (٤).
_________________
(١) = وفي البخاري أيضًا (١٦٠٥) من حديث عمر قال للركن: أما والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي - ﷺ - استلمك، ما استلمتك، فاستلمه، ثم قال: مالنا وللرَّمَل، إنما كنا رائينا به المشركين وقد أهلكهم الله، ثم قال: شيء صنعه النبي - ﷺ -، فلا نحب أن نتركه.
(٢) من قوله: " الرحمن " إلى هنا سقط من (ب).
(٣) سقطت من (ش).
(٤) في (أ) و(ج): " إذا "، وفي (ب): " أن "، والمثبت من (ش).
(٥) سقطت من (ش).
[ ٣ / ٢٥ ]
وقال بعض أهل العلمِ: يُقدَّمُ النَّاسخُ وإن كان ظَنِّيَّا على المنسوخ، وإن كان قطعيًا، واحتجَّ على ذلك بأنَّ المنسوخَ من القطعي هو (١) أمرٌ مظنونٌ، وهو دوامُ العمل به واستمرارُه، والدَّليل على أنَّ دوامَهُ مظنونٌ بتجويزُ النَّسْخِ عليْه، وتحريمُ العملِ به على العالِمِ حتَّى يطلُبَ النَّاسِخَ، فلا يجِدُهُ، فلو كان الدَّوام معلومًا، لاستحال مع العِلْمِ به تجويزُ النَّسخِ، ولَكَان طَلَبُ النَّاسِخ عَبَثًا، وإنَّما المقطوعُ بهِ ثبوتُه فيما مضى لم يُنْسَخْ، فيحتاجُ إلى ناسخٍ قاطعٍ.
وبعدُ، فليسَ يَصْلُحُ أن يكونَ الأمرُ المنسوخُ بالناسِخِ القطعيِّ مقطوعًا به؛ لأنَّه لو كان كذلك، لأدَّى إلى تعارُضِ الأدِلَّةِ القاطِعَةِ، وهو محالٌ، فإذا ثبتَ أنَّ المنسوخَ هو الدوامُ والاستمرارُ، وأنَّ ذلِكَ القَدْرَ مظنونٌ في القطعيِّ وغيره، وثبتَ أنَّ النَّسْخَ عليه مُجَوَّز مُحتَملٌ قَبْلَ (٢) ورودِ الناسِخِ الظَّنِّيَ، فلا شَكَّ أنَّ النَّاسِخ الظَّنِّيِّ إذا ورد، اقتضى رُجحان النَسخِ ومرجوحية عَدَمِ النَّسْخِ، فكيف يقال في المرجوحِ الَّذي ليس بِمظْنونِ الثُّبوتِ: إِنَّهُ مقطوعٌ (٣) بثبوتهِ، وليس براجح ولا مساوٍ، بل مرجوحٌ موهومٌ، وبعد ثبوت كونهِ مرجوحًا موهومًا، كيف يَصِحُّ في النظَرِ التَمَسُّكُ به، وتركُ ناسخِهِ المظنون الثبوتِ الرَّاجِحِ الصِّحَّةِ، ولو صَحَّ قولُ القائل: إنَّ المنسوخَ القطعيَّ معلومُ الثُّبوتِ، وإنَّ الظنِّيِّ لا يعارِضُ العلم، لكانَ يَجِبُ أنْ يقطع على كَذِبِ مَنْ روى النَّاسِخَ، لأن مَنْ أخبر بأنَّ المعلومَ الثبوتِ غير ثابتٍ، وَجَب القطعُ بتكذيبِهِ، وهذا ما لم يَقُلْ به قائلٌ.
_________________
(١) في (ش): " وهو".
(٢) سقطت من (ش).
(٣) في (ش): " إنَّه ليس مقطوع ".
[ ٣ / ٢٦ ]
الوجه الثالث: سلمنا عدم النسخ، فإنا نجيز الأمرين معا، ونقول كمن قال: من شاء جهر ومن شاء خافت
فإذا عرفتَ أنَّ الخلافَ بَيْنَ العُلَماءِ قد وَقَعَ في تقديم النَّاسِخِ الظنيِّ على المنسوخ القطعيِّ، وأنَّ حُجَّتهُم في القوة كما ترى، فكيف بتقديم الناسِخِ الظَّني على المنسوخ الظنَيِّ؟ ولو أنَّا استفتينا يحيى بن الحسين ﵇ (١) وسائِرَ الأئمة الأعلامِ في تقديم الناسِخِ مِنْ رواية غيرهم مِن الثقات على المنْسوخِ من (٢) روايتهم مع صحَّة النَّاسخ على شرط الأئمة وأهلِ العلم، ما اختلفَ منهُمُ اثنانِ في تجويز هذا، بل وإيجابه، وأين هذا من باب التَّرجيح؟ ولعلَّ مَنْ له أدنى مَعْرِفَةٍ بالأصولِ، لا يَشُكُّ في أنَّ الأصوليِّينَ أفردوا للنَّسْخِ بابًا وللتَّرجيح (٣) بابًا، لأنَّهما أمرانِ مختلفانِ متغايرانِ، وبابانِ مفترقان متباعدان.
الوجه الثالث: سلمنا عدمَ النسْخِ، فإنَّا نُجِيزُ الأمرَيْن معًا، ونقول كما قال ابن أبي ليلى (٤)، وإسحاق، والحكم: مَنْ شَاءَ جَهَرَ، ومن شاء
_________________
(١) لعله السيد يحيى بن علي بن الحسين مصنف " الياقوتة " و" الجوهرة "، فقد جاء في هامش " البدر الطالع " ٢/ ٣٣١ ما نصه: في تاريخ المولى العلامة الحافظ أحمد بن عبد الله بن عبد الرحمن الجنداري -حفظه الله- ما لفظه: في سنة (٧٣٩) توفي السَّيِّد العلامة المجتهد يحيى بن الحسين بن يحيى بن علي صاحب " اللمع " ابن الحسين صاحب " الياقوتة " و" جوهرة آل محمد " و" اللباب " وغيرها من المؤلفات، وكان علامة وَرِعًا لا تأخذه في الله لومة لائم، ولم يقل بإمامة الإمام يحيى فيما يروى، وله تحصيلات وتقريرات في مذهب الهادي، عاش نيفًا وستين سنة، ودفن بجامع صنعاء بجنب الإمام أحمد بن المطهر.
(٢) من قوله: " رواية غيرهم " إلى هنا سقط من (ش).
(٣) من قوله: " ولعلَّ " إلى هنا ساقط من (ب).
(٤) هو مفتي الكوفة وقاضيها الإمام أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي المتوفى سنة ١٤٨ هـ، كان نظير الإمام أبي حنيفة في الفقه، إلا أنَّه في الحديث سيىء الحفظ، كثير الخطأ، خرج حديثه أصحابُ السنن. والحكم: هو الإمام الكبير، عالم أهل الكوفة، أبو محمد الحكم بن عتيبة الكندي مولاهم الكوفي المتوفى سنة ١١٥ هـ، ثقة، أخرج حديثه الشيخان وأصحاب السنن، وإسحاق: هو الإمام الكبير شيخ المشرق سيد الحفاظ أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي المروزي المعروف بابن راهويه المتوفى سنة ٢٣٨ هـ، وهو أحد أئمة =
[ ٣ / ٢٧ ]
خافت، وَكُلٌّ واسِعٌ.
وليس هذا بترجيحِ بعضِ الأحاديثِ على بعض، بل هذا استعمالٌ للجميع منها؛ لأنَّها لم تُعارض، والدَّليل على أنها لم تُعَارَضْ: أنَّ بعضَها ورد بأنه ﵇ جَهَرَ، وبعضَها ورد بأنَّه خافت، فجاز أن يكونَ ذلك واردًا على التَّخيير، كما أنَّه يجوز بالإجماعِ أن يقولَ ﵇: من شاء جهر، ومن شاء خافَتَ، فلمَّا جاز ذلك وأمكن (١)، جاز الاقتداءُ بكُلِّ واحدٍ من الفعلين الثُّبوتيَّيْن، إذ لا يتعيَّن أحدُهما إلا مَعَ المعارضَةِ المحْضة، والمعارضَةُ المَحْضَةُ لا تَصِحُّ بين الأفعالِ المتجرِّدةِ عَنِ الأقوالِ، وإنَّما تكونُ بَيْن الأقوالِ، أوْ بَيْن فعلٍ وقولٍ، وبيانُ ذلِكَ
_________________
(١) = المسلمين، وعلماء الدين، اجتمع له الحديث، والفقه، والصدق، والورع، والزهد، روى له الجماعة سوى ابن ماجة. وقال أحمد بن حفص شيخ ابن عدي: سمعت أحمد بن حنبل يقول: لم يعبر الجسر إلى خراسان مثل إسحاق، وإن كان يخالفنا في أشياء، فإن الناس لم يزل يخالف بعضهم بعضًا. قال شعيب: وهكذا يكون عظماء الرِّجال في اتساع صدورهم، وتقدير جهود غيرهم، والإشادة بفضلهم، فإن اختلاف الأئمة المجتهدين في فهم نصوص الكتاب والسنة وما تدل عليه ظاهرة طبيعية في شريعة الإسلام، لأن أكثر نصوصه ظنية الدلالة، وهذا الاختلاف مما أراده الله تعالى ورضيه، فهو رحمة وتوسعة ومجال للتنافس والإبداع. ولقد كان من أثره هذا التراث الضخم الذي تحفل به المكات الإسلامية من المؤلفات المتنوعة. واختلافهم في القرآن إنما هو في بعض ما استنبط منه من أحكام نتيجة للخلاف في فهمه، لخفاء في دلالته بسب من الأسباب، كالاشتراك في لفظه، والتخصيص في عامه، أو التقييد في مطلقه، أو ورود نسخ عليه، أو غير ذلك من الأسباب المبينة في مظانها. واختلافهم في السنة لا يقتصر على اختلافهم فيما تدل عليه الأحاديث وما يراد منها، كما هو الحال في آي القرآن، بل يتجاوز ذلك، فيختلفون في الحكم على الحديث صحة وضعفًا، فيرى بعضهم صحيحًا ما يراه الآخر ضعيفًا، إلى غير ذلك من أسباب الاختلاف الكثيرة التي بينها العلماء في مؤلفاتهم، وأما الآيات التي وردت في ذم الخلاف، والنهي عنه، والتحذير منه، فالمراد منه الخلاف المذموم الذي ينجم عنه التعصب والحقد وطعن الخصم في عرضه ودينه والافتئات عليه بما هو منه بريء.
(٢) جملة " ذلك وأمكن جاز " ساقطة من (ب).
[ ٣ / ٢٨ ]
مذكورٌ في الأصول.
وقد نَصَّ حيٌّ الفقيهُ العلامَّة عليُّ بنُ عبدِ اللهِ في تعليقهِ على " الجوهرة " على ثُبُوتِ الجَهْرِ والمخافَتَةِ معًا عَنِ النبِي - ﷺ -، وقال ما لفظه: " اعلم أنَّ الإنصافَ في هذه المسْألَةِ هو أن النبي - ﷺ - كان يجْهَرُ في البَعْضِ، ويُخافِتُ في البعض " (١). ذكره في الكلام فيما تَعُمُّ به البلوى مِنْ أخبار الآحاد، فإذا ثبتَ أن الأمْرَيْنِ كانا مِنْهُ ﵇ مِنْ غيرِ تعارُض، دَلَّ على جواز الأمرَيْنِ، ولا شكَّ أنهُ قد ورد في بعض الأقوال ما يقتضي المعارَضَةَ، ولكن لم يثبُتْ عندي صحَّةُ ذلك القولِ المرويِّ على ما أعْتَبِرُهُ في شروط خَبَرِ الواحدِ ممَّا اعْتَبرَهُ غيري من نُجوم الأئِمَّةِ، وعلماءِ الأمَّةِ.
فإن قيل (٢): في هذا ترجيحُ التَّسوِيَةِ بينَ الجَهْرِ وَبَيْنَ الإخْفاتِ على قوْلِ جماهير العِتْرةِ ﵈ أنَّ المشروعَ هُوَ الجَهْرُ دُونَ الإِخفاتِ (٣).
قلنا: الجوابُ من وجهين.
أَحَدُهُما: أن ذلك ليس بِخِلافٍ لإجْمَاعهِمْ، لأنهُ قد رُوي ذلِكَ عَنْ أميرِ المؤمنين ﵇، فإن رِوَايَةَ الجهرِ والإخفات مشهورةٌ عَنْهُ ﵇، وليسا قولين، فنقول: إن أحدَهُمَا قديمٌ، والآخَرَ جديدٌ (٤)، بل
_________________
(١) أحاديث الإسرار أولى بالتقديم لثبوتها وصحة سندها، وأما أحاديث الجهر فلا توازيها في الصحة والثبوت.
(٢) في (ب): " قلت ".
(٣) من قوله: " على قول جماهير " إلى هنا ساقط من (ب).
(٤) في (ب): " حديث ".
[ ٣ / ٢٩ ]
هُما فِعلانِ يَصِحُّ نسبَتُهما إليه ﵇ منْ غَيْرِ رجُوعٍ عن أحَدِهمَا، وهذا هو الظَّاهر، ومَنْ قَالَ: إِنَّهُ قد رَجَعَ عن أحَدِهِمَا، احتاجَ إلى دليلٍ على ما ادَّعاهُ.
وثانيهما: إنَّما كلامُنا في التَّرجيحِ في الرِّوايةِ الذي ادَّعاه السَّيدُ، وأمَّا التَّرجيحُ في المذهب، فقد تركنا الخَوْضَ فيه، لأنَّهم -﵈- مجمعون على جوازِهِ، وما زالوا عليه في قديمِ الزَمانِ وحديثه، هذا النَّاصِرُ ﵇ اشترط الخوفَ في جوازِ قَصْرِ الصَّلاة في السَفَرِ (١)، وخالف
_________________
(١) وعزاه النووي في " شرح مسلم " ٥/ ١٩٥ إلى بعض السلف، ونصه فيه: ثم مذهب الشافعي، ومالك، وأبي حنيفة، وأحمد، والجمهور أنَّه يجوز القصر في كل سفر مباح، وشرط بعض السلف كونه سفر خوف، وبعضهم كونه سفر حج أو عمرة أو غزو، وبعضهم كونه سفر طاعة. وليس في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ متمسك لمن شرط الخوف في القصر، لأن الآية وردت في قصر الصفة في صلاة الخوف، لا في قصر العدد، لما علم من تقدم شرعية قصر العدد، وكما يدل عليه آخر الآية. ولو سلم أنها في قصر العدد في صلاة السفر، فالقيد في قوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ اتفاقي لا احترازي، فعن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب: إنما قال الله ﷾: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فقد أمن الناس؟ قال عمر: عجبتُ مما عجبتَ منه، فسألت رسول الله - ﷺ - فقال: " صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ". أخرجه الشافعي في " مسنده " ١/ ٣١١، وأحمد (١٧٤) و(٢٤٤) و(٢٤٥)، ومسلم (٦٨٦)، والطبري (١٠٣١٠) و(١٠٣١٢)، والبيهقي ٣/ ١٣٤ و١٤٠. قال ابن القيم في " زاد المعاد " ١/ ٤٦٦ بتحقيقنا: والآية أشكلت على عمر وغيره، فسأل عنها رسول الله - ﷺ -، فأجابه بالشفاء، وأن هذا صدقة من الله، وشرع شرعه للأمة، وكان هذا بيان أن حكم المفهوم غير مراد، وأن الجناح مرتفع في قصر الصلاة عن الآمن والخائف، وغايته أنَّه نوع تخصيص للمفهوم أو رفع له. وقد يقال: إن الآية اقتضت قصرًا يتناول قصر الأركان بالتخفيف، وقصر العدد بنُقصان ركعتين، وقُيِّدَ ذلك بأمرين: الضرب في الأرض، والخوف، فإذا وُجِدَ الأمران، أُبيحَ القصران، فيصلون صلاة الخوف مقصورة عددُها وأركانها، وإن انتفي الأمران، فكانوا آمنين مقيمين، انتفي القصران، فيصلون صلاة تامة كاملة، وإن وُجِد أحدُ السببين، ترتب عليه قصره وحده، فإذا وُجِدَ الخوف والإقامة، قُصرت =
[ ٣ / ٣٠ ]
المشهورَ مِنْ مذاهبِ (١) آبائِهِ ﵈ لِدليل اقْتَضى ذلِكَ.
وقال القاسم ﵇: إنَّ الوُضوءَ واجبٌ على كل مَنْ قَامَ إلى الصَّلاة ِ، وإنْ كانَ على وضوءٍ (٢)، وخالفَ المشهورَ مِنْ مذاهبِ آبائهِ
_________________
(١) = الأركان، واستوفي العدد، وهذا نوع قصر، وليس بالقصر المطلق في الآية، فإن وجد السفر والأمن، قُصر العددُ واستوفي الأركان، وسميت صلاة أمن، وهذا نوع قَصرٍ، وليس بالقصر المطلق، وقد تُسمى هذه الصلاة مقصورة باعتبار نقصان العدد، وقد تُسمى تامة باعتبار إتمام أركانها، وأنها لم تدخل في قصر الآية.
(٢) في (ش): " مذهب ".
(٣) ومستنده في ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ..﴾ وللعلماء في المراد بهذه الآية قولان: أحدهما: إذا قمتم إلى الصلاة محدثين فاغسلوا، فصار " الحدث " مضمرًا في وجوب الوضوء، وهذا قول سعد بن أبي وقاص، وأبي موسى الأشعري، وابن عباس، والفقهاء. انظر الآثار في " جامع البيان " (١١٣٠٠) و(١١٣٠١) و(١١٣٠٢) و(١١٣٠٣) و(١١٣٠٤) وما بعدها. والثاني: أن الكلام على إطلاقه من غير إضمار، فيجب الوضوء على كل من يريد الصلاة محدثًا أو غير محدث. وهذا مروي عن علي ﵁، وعكرمة، وابن سيرين انظر الآثار في " جامع البيان " (١١٣٢٢) و(١١٣٢٣) و(١١٣٢٤) ونقل عنهم استمرار الوجوب. ونقل عن جماعة من العلماء أن ذلك كان واجبًا، ثم نسخ بالسنة، وهو ما روى بريدة بن الحصيب أن النبي - ﷺ - صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد، ومسح على خفيه، فقال له عمر: لقد صنعت اليوم شيئًا لم تكن تصنعه، فقال: " عمدًا صنعته يا عمر ". أخرجه أحمد ٥/ ٣٥٠، ومسلم (٢٧٧)، وأبو داوود (١٧٢)، والترمذي (٦١)، والنسائي ١/ ٨٦، وابن ماجة (٥١٠)، والطبري (١١٣٣٠)، والبيهقي ١/ ١٦٢ و٢٧١، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم أنَّه يصلي الصلوات بوضوء واحد ما لم يحدث، وكان بعضهم يتوضأ لكل صلاة استحبابًا وارادة الفضل. قلت: ويمكن حمل الآية على ظاهرها من غير نسخ، ويكون الأمر في حق المحدثين على الوجوب، وفي حق غيرهم على الندب. قال الإمام أبو جعفر الطري ١٠/ ١٩ بعد أن ذكر أقوال أهل التأويل في معنى الآية: وأول الأقوال في ذلك عندنا بالصواب قول من قال: إن الله عنى بقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ جميع أحوال قيام القائم إلى الصلاة غير أنَّه أمر فرض بغسل ما أمر الله بغسله القائم =
[ ٣ / ٣١ ]
﵈ في ذلك، كما ذكره الأميرُ الحسينُ في " الشفاء "، فإنَّه حكى قوْلَهُ هذا، وقال: إنَّهُ محجوجٌ بإجماعِ أهْلِهِ ﵈، أو كما قال.
ومن ذلك: قولُ السيدِ أبي العبَّاسِ ﵀: إِنَّ شرطَ صِحَّةِ الإمامَةِ أنْ يكونَ الإمام (١) معصومًا، وقولُه: إن قول الإمام حُجَّةٌ كقولِ النَّبِيِّ - ﷺ -، حكى ذلك عنه الإِمامُ يحيى بن حمزة في كتاب " الانتصار "،
_________________
(١) = إلى صلاته بعد حدث كان منه ناقض طهارته، وقبل إحداث الوضوء منه، وأمر ندب لمن كان على طهر قد تقدم منه، ولم يكن منه بعده حدث ينقض طهارته، ولذلك كان ﵇ يتوضأ لكل صلاة قبل فتح مكة، ثم صلى يومئذ الصلوات كلها بوضوء واحد ليعلم أمته أن ما كان يفعل ﵇ من تجديد الطهر لكل صلاة إنما كان منه أخذًا بالفضل، وإيثارًا منه لأحد الأمرين إلى الله، ومسارعة منه إلى ما ندبه إليه ربه، لا على أن ذلك كان عليه فرضًا واجبًا. قلت: وقوله: " كان ﵇ يتوضأ لكل صلاة قبل فتح مكة " محمول على غالب أحيانه، فربما صلى أكثر من صلاة بوضوء واحد، فقد أخرج البخاري (٢١٥) من حديث سويد بن النعمان قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - عام خيبر، حتى إذا كنا بالصهباء، صلى لنا رسول الله - ﷺ - العصر، فلمَّا صلى دعا بالأطعمة، فلم يؤت إلا بالسويق، فأكلنا وشربنا، ثم قام النبي - ﷺ - إلى المغرب، فمضمض، ثم صلى لنا المغرب ولم يتوضأ. وجمهور أهل العلم على استحباب الوضوء لكل صلاة لما روى أحمد ٢/ ٢٥٩ من طريق أبي عبيدة الحداد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم عند كل صلاة بوضوء، أو مع كل وضوء سواك، ولأخرت عشاء الآخرة إلى ثلث الليل" وإسناده حسن. وأخرج البخاري (٢١٤) وغيره عن عمرو بن عامر، عن أنس قال: كان النبي - ﷺ - يتوضأ عند كل صلاة، قلت (القائل عمرو بن عامر): كيف كنتم تصنعون؟ قال: يجزىء أحدنا الوضوء ما لم يحدث. ولفظ النسائي: عن عمرو أنَّه سأل أنسًا: أكان النبي - ﷺ - يتوضأ لكل صلاة؟ قال: نعم. ولابن ماجة: وكنا نحن نصلي الصلوات كلها بوضوء واحد. وروى أحمد ٥/ ٢٢٥، وأبو داوود (٤٨) بسند حسن عن عبد الله بن حنظلة بن الغسيل أن رسول الله - ﷺ - كان أُمِرَ بالوضوء لكُلِّ صلاة طاهرًا كان أو غير طاهر، فلمَّا شقَّ ذلك عليه، أمر بالسواك عند كل صلاة، ووضع عنه الوضوء إلا من حدث.
(٢) ساقطة من (ب).
[ ٣ / ٣٢ ]
وعبدُ اللهِ بنُ زيدٍ (١) في كتاب " المَحَجَّة البَيْضَاء " (٢)، والفقيهُ يوسفُ بنُ أحمد بن عثمانَ (٣) في كتاب " نورُ الأبصار ".
وَمِنْ ذلك: قولُ السّيِّد الإمامِ المؤيَّدِ باللهِ ﵇: إِنَّ العَقْدَ والاختيارَ هو طريقُ الإمامَةِ دُوْنَ الدَّعْوة، والخُروجِ. حكاهُ عنهُ الإِمامُ في " الانتصار ".
ومن ذلك: قولُ المؤيَّدِ باللهِ ﵇: إنَّ التَّقليدَ في معرفَةِ اللهِ تعالى جائزٌ، والعلمَ بالدَّلِيلِ غيرُ واجبٍ. نصَّ عليه المؤيَّدُ في موضعين من كتابِ " الزِّيادَاتِ " (٤)، واحتجَّ عليه، وصرَّح به تصريحًا يَستحيلُ تأويلُهُ إلَّا على مُقتَضَى مذاهب الباطنيَّةِ في التَّأويل، وحكى ذلك القاضي شرفُ الدين حسن بن محمد النَّحوي عن المؤيَّدِ باللهِ في تعليقه على " الزِّيادات "، ولم يتأوَّلْه، وحكى ذلك الإمام يحيى في " الانتصار " عن
_________________
(١) ترجمه صاحب " العقود اللؤلؤية " ١/ ٧١، فقال: هو الفقيه العالم أبو محمد عبد الله بن زيد بن مهدي العريقي كان فقيهًا، دقيق النظر، ثاقب الفطنة، اتضح له في بعض المسائل ما لم يتضح لغيره، فلم يقلد فيها إمامه، فأنكر عليه علماء وقته، إذ لم يُطيقوا الإنكار على غيره ممن يقول بقوله كأحمد وداود ..، وكانوا يعظمونه، ويُثنون عليه، وكان مشهورًا بالعلم والصلاح، ومصنفاته تدل على غزارة علمه، وجودة نقله، وله عدة مصنفات في الفقه والأصول، وكان جيد الفقه. توفي سنة ٦٤٠ هـ معتكفًا. وفي " هدية العارفين " ٥/ ٤٦٠: عبد الله بن زيد بن مهدي حسام الدين العريقي، من علماء الزيدية توفي سنة ٦٤٠، قال صاحب " قلادة النحر ": كان محدثًا فقيهًا، له تصانيف في الفقه والأصول.
(٢) " البيضاء " ساقطة من (ش).
(٣) هو يوسف بن أحمد بن محمد بن عثمان اليمني الزيدي صاحب التصانيف الشهيرة، قال الشوكاني في " البدر الطالع " ٢/ ٣٥٠: كان مستقرًا بهجرة العين من ثلا، والطلبة يرحلون إليه من جميع أقطار اليمن، فيأخذون عنه في جميع العلوم الشرعية توفي في جمادى الآخرة سنة ٨٣٢ هـ.
(٤) منه نسخة مخطوطة بالجامع الكبير بصنعاء. انظر " الفهرس " ص ٢٥٩.
[ ٣ / ٣٣ ]
المؤيَّد ِ بالله ﵇، ولم يتأوَّلْهُ، ولم يَزَلْ قدماءُ العِتْرَةِ ﵈ يُخَالِفُونَ الجماهير من آبائِهِمْ متَى أوجبَ الدَّليلُ ذلِكَ.
وقد قال المؤيَّدُ بالله ﵇ في غيرِ مسألةٍ: وأخافُ أنْ يكونَ قولُ يحيى في هذِهِ المسألةِ مخالِفًَا للإجماعِ.
وقال م (١) في قولِ القاسم ﵇ بتقديمِ التَّوَجُّه قبل التكبير: إنَّه أوَّلُ من قال به، وإنَّ مَنْ قَبْلَهُ مِن العِترة وغيرهم خالفوه في ذلك.
وكذلك استمرَّ عَمَلُ المتأخِّرينَ مِنْ أهلِ البيتِ ﵈ ُ على ما ذكرته مِن مخالفةِ الجماهيرِ، فقال الأميرُ الحسينُ بن مُحَمَدٍ في كتاب " الشفاء ": إِنَّ صلاة الجُمُعَةِ خَلْفَ الفاسِقِ جَائِزَةٌ، واحتجَّ على ذلك، وقال: إنَّه لا يُحْفَظُ عن أحدٍ من أهلِ البيت أنَّه يقولُ به، ولكنَّه لا يُعْلَم أنَّهمْ أجمعوا على تحريم ذلك، أو كما قال، وتابعه على هذا الاختيار الإمامُ محمَّدُ بنُ المطهرِ.
وكذلك الإِمامُ المهديُّ علي بنُ مُحَمَّد ﵇ قد ذهبَ إلى جوازِ لباسِ الحريرِ (٢) للمُجَاهِدِينَ في غير وقتِ الحربِ، وكان الجُنْدُ
_________________
(١) في (ش): المؤيد.
(٢) أي: البلدي، لا النباتي، فإن الأول هو المحرم لبسه بالنسبة للذكور إلا عند الحاجة، فقد روي البخاري (٢٩١٩) و(٥٨٣٩)، ومسلم (٢٠٧٦) (٢٥) من طريق قتادة عن أنس أن النبي - ﷺ - رخص لعبد الرحمن بن عوف، والزبير في قميص من حرير من حِكَّة كانت بهما. وفي رواية: شكوا إلى النبي -يعني: القمل- فأرخص لهما في الحرير، فرأيته عليهما في غزاة. قال الطبري فيما نقله عنه الحافظ في " الفتح " ١٠/ ٢٩٥: فيه دلالة على أن النهي عن لبس الحرير لا يدخل فيه من كانت به علة يخففها لبس الحرير. قال الحافظ: ويلحق بذلك ما يقي من الحر والبرد حيث لا يوجد غيره. وقال الإمام الشوكاني في " نيل الأوطار " ٢/ ٨١: والحديث يدل على جواز لبس الحرير =
[ ٣ / ٣٤ ]
يَلْبَسونه عِنْدَهُ ﵇ في مُدَّةِ أيَّامِهِ المباركَةِ، فلمْ يُنْكِرْ ذلك عليهم.
وذهب ﵇ أيضًا إلى جوازِ رَمْي البُغَاةِ مِنْ أهلِ الإِسلامِ بالمَنْجَنِيقِ.
وكُلُّ ذلك خِلَافُ المشهورِ مِنْ مذاهبِ آبائهِ ﵈، وكذلك الإمامُ النَّاصر ﵇ قد استجازَ ذلِكَ كُلَّه، وذهبَ إليه، وزادَ عليه جوازَ المِزْمَارِ مَعَ الطُّبُولِ لِمَصْلَحَةِ الجِهَادِ والتَّرْغِيب فيه. وهذا القبيلُ كثيرٌ لا سبيل إلى استقصائِهِ، فلم يَزَلْ أهلُ العلمِ مِنَ الخَلَفِ والسَّلَفِ يَشِذُّون بمذاهبَ تُخَالِفُ مذاهِبَ الجَمَاهيرِ، ولهذا ذهبَ العلماءُ أنَّ الإجماعَ لا ينعقدُ إذا لم يبقَ مِنَ العُلَمَاءِ إلا واحِدٌ، ومنْهُمْ مَنْ قَالَ: يكون إجماعًا ظَنِّيًَّا عُرْفِيًّا، لا حقيقيًّا، وقيل (١): يكونُ حُجَّةً، ولا يكون إجماعًا، فلولا جوازُ
_________________
(١) = لعذر الحكة والقمل عند الجمهور، وقد خالف في ذلك مالك، والحديث حجة عليه، ويقاس غيرهما من الحاجات عليهما. وبوب البخاري عليه في الجهاد، باب: الحرير في الحرب، قال الحافظ في " الفتح " ٦/ ١٠١: وأما تقييده بالحرب، فكأنه أخذه من قوله في رواية همام " فرأيته عليهما في غزاة "، ووقع في رواية أبي داود: " في السفر من حكة "، وقد ترجم (أي: البخاري) له في اللباس، ما يرخص للرجال من الحرير للحكة. وجعل الطبري جوازه في الغزو مستنبطًا من جوازه للحكة. فقال: دلت الرخصة في لبسه بسبب الحكة أن من قصد بلبسه ما هو أعظم من أذى الحكة كدفع سلاح العدو ونحو ذلك، فإنه يجوز، وقد تبع الترمذي البخاري فترجم له: باب ما جاء في لبس الحرير في الحرب. ثم المشهور عن القائلين بالجواز أنَّه لا يختص بالسفر، وقد اختلف السلف في لباسه، فمنع مالك وأبو حنيفة مطلقًا، وقال الشافعي، وأبو يوسف بالجواز للضرورة، وحكى ابن حبيب عن ابن الماجشون أنَّه يستحب في الحرب، وقال المهلب: لباسه في الحرب لإرهاب العدو، وهو مثل الرخصة في الاختيال في الحرب. قلت: وفي " الدر المختار " وحاشيته ٦/ ٣٥١ و٣٥٧: وقال الصاحبان أبو يوسف ومحمد: يحل لبس الحرير في الحرب. قال ابن عابدين: وظاهر التقييد بحالة الحرب أن المراد وقت الاشتغال بها، لكن في القهستاني: وعن محمد: لا بأس للجندي إذا تأهب للحرب بلبس الحرير وإن لم يحضره العدو، ولكن لا يصلي فيه إلا أن يخاف العدو.
(٢) في (ش): " وقد ".
[ ٣ / ٣٥ ]
شذوذِ العالِمِ بالاختيار، ما رَسَمْتُ هذِهِ المسألَةَ، وقد تقدَّم ذِكْرُ تَفَرُّدِ عَلِيٍّ ﵇ بجواز بيع أمِّ الوَلَدِ (١)، وقد ذَكَرَ الأميرُ شمسُ الدِّينِ أنَّ لِعَلِيٍّ ﵇ ما لو يُفْتي بهِ غَيْرُهُ مِنْ أهلِ الأعصارِ المتأخِّرَةِ لنُسِبَ إلى الجَهْلَ.
وقد ذكر السُّبْكي (٢) في " طبقاته " ما شذَّ بِهِ كلُّ عالِم مِمَّنْ ذكره، فصارَ جواز الشُّذوذِ مُجْمعًَا عليه لِشُهْرَتِهِ، وَعَدَمِ الِإنكارِ، فَمُحَرِّمُهُ أقربُ إلى مُخَالَفَةِ الإجماعِ منه إلى مُتَابِعِهِ (٣)، وَمَنْ عقَدَ الإجماعَ مع مخَالَفَةِ الوَاحدِ، لم يجْعلْهُ إجماعًا قطعيًا، ولا أثَّمَ ذلِكَ الواحِدَ.
فإن قُلْتَ: وما المُوجِبُ للشُّذوذ وموافقة الجماهير أولى؟
قلتُ: الموجبُ دليلٌ هو عند المخالِفِ أرجحُ من مُوَافَقَتِهِمْ، وموافَقَتُهُمْ حسَنَةٌ، لكنْ إذا حصل ما هو أحْسَنُ مِنْهَا، كانَ أوْلَى، مثلُ ما إِنَّ العَمَلَ بالحديثِ حَسَن، لكِنْ إذا حصل (٤) العَمَلُ بالقرآنِ، وَلَمْ يُمْكِنِ الجَمْعُ، كان أحْسَن.
فإنْ قلْتُ: فكيف يَجُوزُ للعالِمِ مِنْ أهلِ البيتِ ﵈ أنْ يُخَالِفَ إجماعَ أهْلِهِ، أو يُخَالِفَ إجماعَ الأمَّةِ؟
_________________
(١) انظر ١/ ٢٩٢.
(٢) هو قاضي القضاة تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي الشافعي ولد سنة ٧٢٧ هـ، وتوفي سنة ٧٧١ هـ وكتابه " الطبقات " ترجم فيه لأعلام الشافعية، رتبه على سبع طبقات، عقد لأهل كل مئة سنة طبقة، ويتخلل الترجمة فوائد حديثية وفقهية وتاريخية وأدبية، وكثيرًا ما يذكر في الترجمة الآراء التي ينفرد بها صاحب الترجمة. وقد طبع الكتاب طبعة متقنة محررة بتحقيق الأستاذين الفاضلين: محمود محمد الطناحي، وعبد الفتاح حلو في عشرة أجزاء، سنة ١٩٦٤ م بمطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه بمصر.
(٣) في (ب): متابعته.
(٤) من قوله "ما هو" إلى هنا ساقط من (ش).
[ ٣ / ٣٦ ]
قلت: الجوابُ عن هذا بعْدَ تسليم كَوْنهِ إجماعًا واضحٌ عنْدَ مَنْ لَهُ أدنى تمييزٍ، وذلك لأنَّ هذِهِ الإجماعاتُ التي في المسائِلِ إجماعاتٌ ظَنيَّةٌ، والدَّليلُ الظَّنِّي يجوز مُخَالَفَتُهُ لأِرْجحَ منه، وإنْ كانَ ذلك الدَّليلُ مِنَ الكِتابِ والسُنَّةِ، مع أنَّ مَنْ أنكر أنَّهما حُجَّةٌ كَفَرَ، فكيف بإجماعَيِ الُأمَّةِ والعِتْرَةِ اللَذَيْنِ منْ أَنْكَرَ كوْنَهمَا حُجَّةً، لم يُكَفرْ، وَلَمْ يُفَسَّقْ؛ هذا في مَنْ أنكر القَطْعِيَّ مِنْهُما والظَّنِّيَّ، وإنَّما فَسَّقُوا مَنْ خَالَفَ إجماع الُأمَّةِ القَطْعِيَّ، لا مَنْ قال: إنَّه (١) لَيْسَ بِحُجَّةٍ، فلا يقَعُ في هذا وَهْمٌ، فأمَّا الإجْمَاعُ الظَّنِّيُّ، فلم يَقُلْ أحدُ: إنَّ مُخَالِفَهُ يَفْسُقُ، دع عنك مُنْكِرَهُ، بل قال بعض العُلماء: إنَّ الإجْمَاع الظنِّيَّ: ليس بحُجَّةٍ البَتَّةَ، وَلَمْ أعلمْ أنَّ في أهل العلم مَنْ خَرَجَ على المُخَالفِ في الإجماع الظَّنِّيِّ.
وقد نصَّ الإمام يحيى في "المعيار" أنَّ الخبَرَ الظَّنِّيَّ يُقَدَّمُ على الإِجماعِ إذا لم يثبُتْ أنَّ أهل الإجماعِ قد عَلِمُوا بِهِ، وَخَالفُوهُ بعد العلْمِ به (٢)، فإنْ خالَفُوهُ بعدَ العِلْمِ بهِ، قُدِّمَ الإجماعُ.
فإذا عَرَفْت هذِه الجُمْلَةَ، تَبَيَّنَ لك سُهُولَةُ أمْرِ المخالفة في الفروعِ، وأنَّ المُخَالِف لو خالف الإجماعُيْنِ -إجماعَ الأمَّةِ والعِتْرَةِ- على (٣) هذه الصِّفَةِ، لم يستَحِقَّ الِإنكار والتَّأثيم، سواءٌ قال: إنَّهما إذا كانا ظَنِّيَّيْن، فلا حُجَّةَ فيهما، أو قال: بأنَّهما حُجَّةٌ، ولكن حَصَلَ ما هو أرْجَحُ مِنْهمَا، فكيفَ بِمنْ لم يُخَالِفْ إجماعًا البتَّة؟
وبعدُ، فالخلاف لأهلِ البيتِ ﵈ في هذه المسألة يَسِيرٌ
_________________
(١) في (ب): إن.
(٢) ساقطة من (ب).
(٣) في (ش): مع.
[ ٣ / ٣٧ ]
الوجه الرابع: سلمنا أنا لم نقل بجواز الجهر والإخفات معا
جدًا؛ لأنَّه خلافٌ لجماهيرِهِمْ في أمرٍ غيرِ واجبٍ عِنْدَهمْ، وذلك لأنَّ مذهبَ جماهيرِ العِترة مِنَ المُتَقَدِّمينَ والمتأخِّرين أنَّ الجهر بالبسملة (١) والفاتِحَةِ في الصَّلَاةِ غَيْرُ واجبٍ. وقد ذكر ذلك الأمير الحسينُ في "الشِّفاء".
فالمخافِتُ (٢) تاركٌ لِسُنَّةٍ عندَ جماميرِ العِترة، ولا إثمَ عليه، ولا حرجَ، ومَنْ كانَ عِنْدَ جماهيرِهِمْ غيرَ عاصي (٣)، فالإنكارُ عليهِ عِنْدَهمْ مِنَ المعاصي.
هذا كُلُّهُ على تسليمِ ما ادَّعاهُ الخَصْمُ مِنَ المُخَافَتَةِ، وَلَسْتُ -بِحَمْدِ اللهِ- أُخَافِتُ، بَلْ أجْهَرُ عَلَى مَذْهَبِ زَيْدٍ والهادي ﵉ كما تَقَدَّمَ ذلِكَ، فهذا الكَلَامُ انسَحَبَ عليَّ مِنَ الكلاَمِ على جوازِ الأمرين: الجَهرِ والإِخفاتِ، وقد طال، وهو مُفيدٌ إن شاء الله تعالى.
الوجه الرابع: سلَّمنا أنا لَمْ نقلْ بجوازِ الجَهْرِ والإخفات معًا، وأنَّا (٤) قلنا بأنَّ السُّنَّةَ الإِخفاتُ، فإنَّه يُمْكِن أنْ نَحْمِلَ أحاديثَ الجَهْرِ على معنى صحيحٍ، ونَجْمَع بَيْنَ الأحاديث، ولا نطرحَ أحاديثَ أهلِ البيتِ ﵈، فإنَّ طرحَ أَحَدِ الحديثين لا يجوزُ إلاَّ بعد تَعَذُّرِ الجَمْعِ بينهما؛ لأنَّ الجمْعَ أولى بالاتِّفاقِ إنْ كان إليه سَبيل.
وقد ذكَرَ مَنْ تَقدَّمَ مِنْ أهلِ العلم الجمعَ بينَ الأحاديثِ في هذه المسألَةِ، وقال: إنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - جهر بها لِيُعْلِمَ الناسَ أنها تُقرأ سرًَّا،
_________________
(١) في (ب): في البسملة.
(٢) في (ب) و(ش): فالمخالف.
(٣) كذا الأصول بإثبات الياء، والجادة حذفها، وما هنا له وجه.
(٤) في (ش): وإن.
[ ٣ / ٣٨ ]
كما ثبت في " الصَّحيحين " (١) أنَّه كان يُسْمعُهُم الآيَةَ أَحْيَانًا في صَلاةِ النَّهارِ، وكما ثبتَ عَنْ عُمَرَ أنَّهُ جَهَرَ بالتَّوَجُّهِ للتَّعْليمِ (٢) معَ الإجماعِ علَى أنَّ التَّوَجُّهَ ممَّا لا يُجْهَرُ بِهِ.
وقد يَحْتَمِلُ أنَّه جَهَرَ بِها لبيانِ جوازِ الجَهْرِ، لا لبيان استحبابهِ، كما جَهَرَ في صلاة النَّهارِ، وإذا كان هذا محتَملًا، لم تُعَارَضِ الأحاديث، وإذا لم تُعارَضْ، لَمْ يَحِلَّ التَّرجيحُ والعملُ بالبَعْضِ دونَ البَعْضِ.
فإنْ قُلْتَ: فهلاَّ جَعَلْت التَأويلَ للإخفاتِ؟ وقلتَ كما قال أهلُ الجَهْرِ: إنَّه يَحْتَمِلُ أنْ يكونَ رسولُ الله - ﷺ - جَهَر (٣)، ولكِنْ لَمْ يَسْمَعُوهُ لما يُعتادُ مِنْ رَفْع المأمومينَ لأصواتِهِمْ بعد تكبيرةِ الإِحرام، وذلكَ وقتُ البَسْمَلَةِ.
قلت: الجَوَابُ مِنْ وَجْهيْنِ.
الأول: أنَّ هذا الاحتمال يضعف في الرَّكْعَة الثانِيَةِ، وعِنْدَ قراءةِ السُّورَة بعد الفَاتِحَةِ، ويلزمُ منهُ التباسُ أوَّلِ الفاتِحَةِ.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٥٩) و(٧٦٢) و(٧٧٦) و(٧٧٨) و(٧٧٩)، ومسلم (٤٥١) من طرق عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبي قتادة قال: كان رسول الله - ﷺ - يصلي بنا، فيقَرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين، وفي الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب، ويسمعنا الآية أحيانًا، وكان يطول الركعة الأولى من الظهر، ويقصر الثانية، وكذلك في الصبح. وللنسائي من حديث البراء: كنا نصلي خلف النبي - ﷺ - الظهر، فنسمع منه الآية بعد الآية من سورة لقمان والذاريات. ولابن خزيمة (٥١٢) من حديث أنس نحوه، لكن قال بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾.
(٢) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٣٩٩) (٥٢) من طريق محمد بن مهران الرازي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، عن عبدة أن عمر بن الخطاب كان يجهر بهؤلاء الكلمات يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدُّك، ولا إله غيرك.
(٣) في (ب): " جهرا "، وفي (ج): " جهره "، وهو خطأ.
[ ٣ / ٣٩ ]
الوجه الخامس: أنه لا يلزم القول بالترجيح إلا بعد أن يدعي كل واحد من الفريقين أن حديثه صحيح، أو يدل عليه دليل
والثَّاني: أنَّ فيه حُكمًَا على الرُّواة بالكذِب والوَهْم (١) مِنْ غيرِ تَعَمُّدٍ، فإنَّهم قالواْ لَمْ يَكُنْ يجهَرُ في بعضِ الطُّرُقِ الصِّحاحِ، ولو كان الأمر كما ذكَرْتَ، لكان الواجبُ عليهم أنْ يُورِدُوا لفظًا يصدُق ويدُلُّ على الشَّكِّ، مثل أن يقولوا: إنَّ أصواتَ المُكَبِّرين كانت تمنَعُنا من تَحَقُّقِ جَهْرِهِ بالبَسْمَلةِ، فلا ندري هل جَهَرَ أم لا؟ وبهذا تَعْرِفُ أنَّ تأويلَ الجَهْرِ أولى؛ لأنَّ فيه تصديق جميعِ الرُّواةِ، وحملَهُمُ الجَميع عَلى عدم الوَهْمِ، فكان أقوى، لأنَّ الوَهْمَ خلافُ الظَّاهر، وهو آخِرُ مراتبِ التَّأويل كما سيأتي، وليسَ بعدَ الحُكْم بِه إلَّا الحكمُ بتَعَمُّدِ الكَذِبِ، بل لا يصحُّ (٢) القطع (٣) بالوهْمِ إلا في المسائل القطعيَّةِ بعد انسدادِ بابِ التَّأويل، وسوف يأتي ما في ذلِكَ مِنَ الشَّرائِطِ العزيزة.
الوجه الخامس: أنَّهُ لا يلزَمُ القول بالتَّرجيح إلاَّ بعدَ أنْ يدَّعيَ كُلُّ واحدٍ مِنَ الفريقين أنَّ حديثَه صحيح، أو يدُلُّ دليلٌ على أنَّهُ يَدَّعِي ذلِكَ ويعتقدُه، وإنْ لم يُصَرِّحْ بذلك، لكنَّا لَمْ نعلمْ ذلِكَ في أحاديثِ أَهْلِ البَيْتِ ﵈، فإنَّ كثيرًا مِنْ أحاديثِ الجَهْرِ المَرْوِيةِ لَمْ تَثْبُتْ مِنْ طريقٍ أهلِ البيت ﵈، وبعضُها ثَبَتَ من طريقهم (٤) لكنَّهُمْ لَمْ يحتجُّوا به منفردًا، وُيصَرِّحُوا بأنَّه مُسْتَندُهمْ في العَمَلِ، بَلِ احْتَجُّوا على ذلك ببعضِ تلك (٥) الأحاديث وبالقياس وبالاجتهاد، وهذا النَّوْعُ شبيهٌ بالنَّوْعِ المُسمَّى بالمتابَعَاتِ والشَّواهِدِ (٦)، وهو أحدُ أنواع علوم الحديث،
_________________
(١) في (ب): بالوهم والكذب.
(٢) في (أ) و(ج): " بل يصح " وهو خطأ.
(٣) في (ب): الحكم.
(٤) في (ب): طريق.
(٥) ساقطة من (ب).
(٦) انظر التعليق رقم (١) من الجزء الثاني ص ٩٥ من هذا الكتاب.
[ ٣ / ٤٠ ]
وَلَمْ أعلم بأنَّ أحدًَا قال: بأنَّها حُجَّةٌ، والدَّليلُ على أنها ليست بِحجةٍ أنَّهُ يجوزُ أنْ يكونَ العالِمُ اعتمد العُمُومَ، أَوِ (١) القياسَ، أو الاجْتِهَاد، ثُمَّ تقَوَّى بِالخَبرِ على جِهَةِ الاستئناس والزِّيادة في الظَّن، وَلَوْ لَمْ يَكنْ معه إلا الخَبرُ، لم يَعْتمِد عليه، وقد يُصَرِّحُ (٢) بهذا كثيرٌ مِنْ أَهْل العلم في احتجاجِهِمْ لمذاهِبِهِم.
وكذلِكَ العَكْسُ مِن هذا قد يَحتجُّ العالِمُ بالخَبَرِ والقياسِ، ويكونُ مُعْتَمدَه الخَبرُ، وإيرادُه للقياسِ على سبيل إلاستظهار، ونظير ذلكَ أنَّ الحاكم إذا حَكَمَ بشهادَةِ رَجُلَيْنِ، كان الحُكْم تعديلًا لَهُمَا، ولو حكَم بشهادَةِ ثلاثة، كان تعديلًا لاثنينِ مِنْهُم، لجواز أَنْ يكونَ لَمْ يَعْلَمْ عدالَةَ الثالث، ولكِنْ تَقَوى بِهَا، وكذلِكَ العَالِمُ (٣) إذا قال قولًا، واحتجَّ بِحجةٍ مُنْفَرِدَةٍ دلَّ على صِحتِها عِنْدَهُ، وإذا احتجَّ بحُجَّتين، احتمل (٤) أنْ تكونا صَحِيحَتَيْنِ مَعًَا، وأَنْ تكون إحداهُمَا صَحِيحَةً، والأخرى ضَعِيفَةً عنده، لكن تقوَّى بها. فإذا لم يَثْبُتْ عَن الهادي أنَّه قال بِصحَّةِ الحديث، لم يَصِحَّ أنْ يعْمَلَ بِهِ، وإن لم يُعارضه حديث آخر، فكيفَ إذا عَارَضَهُ حديث صَحِيحٌ على شروطِ الأئمة، فَعَمِلْنَا بِهِ، كيف يجوز أَنْ يُقَالَ: إنَّا قد ذهَبْنَا إلى ترجيح فُسَّاقِ التَّأويلِ علَى الهَادِي ﵇؟ وَمَتَى صحَّحَ الهادي الخَبَرَ بنصٍّ أو ظاهِرٍ مِنْ كلامِه عليه الكلام حتى يَثْبتَ ما هُوَ فَرْعٌ على هذا مِنَ التَّرجِيح؟
الوجه السادس: أنَّ الهادي ﵇ لما ذكر المسألة، احتجَّ
_________________
(١) في (ب): " والقياس ".
(٢) في (ش): صرح.
(٣) ساقطة من (ب).
(٤) ساقطة من (ب).
[ ٣ / ٤١ ]
فيها بأنَّ " بسم اللهِ الرَّحمن الرحيم " مِنَ القرآن، والقرآنُ يُجْهَرُ بِه، وجعل هذه الحُجَّة عُمدتهُ، وصدَّرها في احتجاجِهِ في المسألة، ثمَّ روى بعدَها حديثين لم يَدُلَّ ﵇ على صِحَّةِ واحد مِنْهُما عندَه بنصٍّ، ولا عموم، ولا منطوقٍ، ولا مَفْهُومٍ، ولا تَبَيَّن لنا ذلك مِنْ غيره ﵇ كما نُبيِّنُ ذلك، أمَّا أحدُهما: فإنَّه رواهُ بلفظ التمريض والبلوغِ دونَ لفظِ القطْعِ والثبات، فقال: بلغَنَا عنْ رسول الله - ﷺ -، ولم يَقُلْ: قالَ رسول الله - ﷺ -، ولا قال: صَحَّ لنَا عنْ رسُولِ اللهِ - ﷺ -، وهذا أيضًا نوعٌ من أنواع الحديثِ يُسَمَّى البلاغات، وليس يُحكمُ بصحته؛ لأن عبارة البُلُوغِ تَصْدُقُ، سواءٌ كانَ الحديث (١) صحيحًا أو ضعيفًا؛ لأنَّ الصحيحَ قد بُلِّغَ، والضعيف قَدْ بُلغَ.
ولهذا كان القول الصحيحُ المختارُ مِنَ الثَّلاثَةِ الأقْوالِ في تعاليقِ البُخاري (٢) أن ما رواهُ بصيغَةِ التمريض لم يُقْبلْ، وما رواه بصيغة الجَزْمِ قُبِلَ (٣).
_________________
(١) سقطت من (ش).
(٢) الحديث المعلق له صور: منها أن يحذف الراوي جميع السند، فيقول مثلًا: قال رسول الله - ﷺ -، ومنها أن يحذف إلا الصحابي، أو إلا الصحابي والتابعي، ومنها أن يحذف من حدَّثه، ويضيفه إلى من فوقَه. والأحاديث المعلقة في " صحيح البخاري " كثيرة جدًا تجاوزت ١٣٠٠ تعليقًا، وأكثرها مخرج في أصول متونه، وما لم يخرجه فقد قام الحافظ ابن حجر بوصله.
(٣) هذه القاعده أغلبية لا كلية، فقد علق البخاري حديث عائشة: " كان النبي - ﷺ - يذكر الله على كل أحيانه " بصيغة الجزم، مع أنَّه لا يصح على شرطه، بل على شرط غيره، فخبر عائشة هذا أخرجه مسلم في " صحيحه ". وذكر أيضًا بصيغة الجزم حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، عن النبي - ﷺ -: " الله أحق أن يستحيى منه من الناس "، وهو ليس من شرطه قطعًا، ولهذا لما علق في النكاح شيئًا من حديث جد بهز لم يجزم به، بل قال: ويُذكر عن معاوية بن حيدة. وقال في (باب: العرض في الزكاة): وقال طاووس: قال معاذ ﵁ لأهل =
[ ٣ / ٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = اليمن: ائتوني بعرض ثياب خميس أو ليس في الصدقة مكان الشعير والذرة أهون عليكم، وخيرٌ لأصحاب النبي - ﷺ - بالمدينة. رجاله ثقات إلا أن طاووسًا لم يسمع من معاذ، فهو منقطع. وعلق حديث جابر في كتاب العلم بصيغة الجزم، فقال: ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في حديث واحد. وعلقه في كتاب التوحيد بصيغة التمريض، فقال: ويُذكر عن جابر، عن عبد الله بن أنيس قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: " يحشر الله العباد، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان ". وقد قال الحافظ: جزم به حيث ذكر الارتحال فقط، لأن الإسناد حسن وقد اعتضد، وحيث ذكر طرفًا من المتن لم يجزم به، لأن لفظ الصوت مما يتوقف في إطلاق نسبته إلى الرب، فإنه يحتاج إلى تأمل، فلا يكفي فيه مجيء الحديث من طرق مختلف فيها ولو اعتضد. وما علق بصيغة التمريض، منها ما هو صحيح على شرطه، وقد أورده في موضع آخر من " جامعه "، ففيه ١/ ٤٤ في المواقيت، باب: ذكر العشاء والعتمة ومن رآه واسعًا: ويذكر عن أبي موسى قال: كنا نتناوب النبي - ﷺ - عند صلاة العشاء فأعتم بها، وقد رواه موصولًا (٥٦٧) في باب: فضل العشاء ..، ولفظه فيه: فكان يتناوب رسول الله - ﷺ - عند صلاة العشاء كل ليلة نفر منهم. وقال في كتاب الطب ١٠/ ٧٦، باب: الرقي بفاتحة الكتاب: ويذكر عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - ثم أسنده (٥٧٣٧) في الباب الذي بعده من حديث ابن أبي مليكة عن ابن عباس في قصة، وفيه قوله ﷺ: " إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله ". ومما أورده بصيغة التمريض، ولم يورده في موضع آخر من كتابه، وهو صحيح، ما جاء في كتاب الأذان من " صحيحه " ٢/ ٢٠٤: ويُذكر عن النبي - ﷺ -: " ائتموا بي وليأتم بكم من بعدكم " وهو حديث صحيح أخرجه مسلم في " صحيحه " (٤٣٨) من طريق أبي نضرة العبدي، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله - ﷺ - رأي في أصحابه تأخرًا، فقال لهم: " تقدموا فأتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم ". وجاء في كتاب الصلاة ٢/ ٢٥٥: ويذكر عن عبد الله بن السائب قرأ النبي - ﷺ - (المؤمنون) في الصبح، حتى إذا جاء ذكر موسى أو هارون أو ذكر عيسى أخذته سعلة، فركع. وهو حديث صحيح أخرجه مسلم (٤٥٥) في الصلاة، باب: القراءة في الصبح، من طرق عن عبد الله بن السائب. وبهذا يتبين لك أن ما صححه المؤلف في هذه المسألة غير صحيح، وأن تعاليق البخاري لا يتم الحكمُ على المروي منها بشيء من الصحة ولا الحسن ولا الضعف إلا بعد الكشف والفحص عن حال ما علقه. =
[ ٣ / ٤٣ ]
وليس هذا النَّوعُ يدخُلُ في المراسيلِ، ولا يرتقي إلى مرتَبَتِهَا، فإنَّ كثيرًا مِنْ عُلماءِ الأصولِ نَصُّوا على أن المُرْسَلَ هُوَ قَوْلُ مَنْ لَمْ يُدْرِكِ النَّبِيَّ - ﷺ -: قال رسول الله - ﷺ -، نصَّ عليه المنصور بالله ﵇ في موضعين من " صفوته " (١) وكذلِكَ أبو الحسين في " معتمده " (٢)، ونص عليه في " الجوهرة "، وأَقرَّهُ الفقيهُ العلاَّمة عليُّ بنُ عَبْدِ اللهِ، ولمْ يعترِضْهُ في تعليقه، بل أقَرَّهُ، وقال: الكلام كما ذكر (٣)، واختلفوا في العنعنة.
وأمَّا البُلوغُ والرِّوايَةُ بلفظِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، فَلَمْ أَعْلَمْ أنَّ أحدًا ذكرهما في المراسيلِ، ولا فيما يَجِبُ قَبُولُه مِنْ أخبارِ الثِّقات، وإنْ ذَكَرَ ذلكَ ذاكرٌ مِنْ غَيْر دليلٍ، لمْ يُقْبَلْ منهُ تقليدًا حتى يَدلَّ عليهِ، وهذا الكلام مُتَّجِهُ إلا أَنْ يُعْرَف مِنْ بعضِ العلماءِ أنَّهُ لا يقولُ ذلكَ إلا فيما صحَّ لَهُ، ولا يقولُه في حديثٍ ضعيفٍ ألبتة عمل به، ولكِنا لمْ نَعْلَمْ هذا مِنَ الهادي عليه
_________________
(١) = وهذه الأمثلة وغيرها أيضًا تدلُّ على أن استعمال صيغة ما لم يسم فاعله قد يكون لمعنى غير التمريض، كاختصار السند، أو الاقتصار على بعضه، أو إيراد الحديث بالمعنى، وغير ذلك من الوجوه، وهذا شائع ذائع في كتب المتقدمين من الأئمة كالشافعي في " الأم "، فإنه يذكر في أحاديث كثيرة بصيغة التمريض، وهي في الصحيحين أو أحدهما، وكذلك البغوي في " شرح السنة " حين يطوي السند، يورد الحديث بصيغة التمريض، وكثير مما جاء كذلك صحيح، ولم يتنبه لهذا بعض من ينتحل الحديث في عصرنا، فضعف حديث عمر في التراويح الذي فيه أنَّه صلاها عشرين، لأن الشافعي صدره بقوله: " ورُوِيَ "، وفي النص الذي نقله عن الإمام الشافعي من طريق المزني ما ينبه الغافل، فقد جاء بإثره كما نقله هو: " وهو أحبُّ إليَّ "، فكيف يكون هذا العدد الذي جاء في حديث عمر أحبَّ إليه، وهو ضعيف في نظره كما زعم هذا القائل، وغير خافٍ على صغار الطلبة أن الشافعي ﵀ لا يعتد بالحديث الضعيف.
(٢) ألفه في أصول الفقه، وسماه " صفوة الاختيار "، والمنصور بالله -واسمه عبد الله ابن حمزة- تقدم التعريف به في ١/ ٢٨٦.
(٣) لم أجده في المطبوع من " معتمد أبي الحسين ".
(٤) في (ب): " ذكروا ".
[ ٣ / ٤٤ ]
السلامُ، ولا من غيرهِ مِنْ علماءِ الإسلام.
إذا تقرَّرَ هذا، فلا شَكَّ أنَّ أَرْفَعَ المراتِبِ في رفع الالتباسِ أنْ يقولَ العالِمُ: صح لنا عَنْ رسولِ اللهِ - ﷺ -، ثم يُبَينُ طريقَ الحصةِ.
المرتبة الثانيةُ: أن يقول: صَحَّ لنا، ولا يُبَين طريقَ الصحةِ.
المرتبة الثالثَةُ: أن يقول: قال رسول الله - ﷺ -، هكذا على الجزم منْ دونِ تصريحٍ بِالصِّحةِ.
المرتبةُ الرابِعَةُ: أنْ يقول: مذهبي كذا وكذا، وحُجَّتي على ذلك قولُ النَّبِيِّ - ﷺ -، أو ما بَلَغَنِي في ذلك عَنِ النبِي - ﷺ -، ثمَّ يَذْكُرُ الحديثَ مُصَرحًا أنَّه حُجَّتُهُ ومُعْتمدُه.
فَهذِهِ مراتبُ أربع، وفيها خلاف كُلُّها، لكنِ المرتبةُ الأولى لم يُخَالِفْ فيها إلَّا البَغْدَادِيَّةُ، وكلامُهم مهجورٌ مدفوعٌ بالإجماعِ قبلَ خلافِهم، ولكن لا يَتَّجِة الإنكارُ على من خالفَ الحديث الصَّحيحَ؛ لجوازِ أن يكونَ خالَفَهُ لِما هُوَ أَرْجحُ منهُ.
وأمَا المراتِبُ الثلاث المتأخِّرةُ، فلا سبيل إلى الإنكار على مَنْ لم يَقْبلْها، والخلافُ فيها شائِعٌ بين العُلَمَاءِ، فأمَّا إذا نَزَلَت الرواية عن هذِهِ المراتب الأربع، مثل أن (١) يَحْكِي العالِم مَذْهَبَهُ وحجتَهُ عليه، ثم يقولُ بعد ذلك: وبلغنا عنْ رسولِ الله - ﷺ -، فلا أعلمُ أن أحدًا يقول: إنَّ هذا طريقٌ للمجتهد إلى معرفَةِ صِحةِ الحَديثِ.
قال الإِمامُ يحيى بنُ حَمْزَة في " المعيار" في طرق (٢) صِحةِ
_________________
(١) ساقطة من (ب).
(٢) في (ب): طريق.
[ ٣ / ٤٥ ]
الحديثِ: وأمَّا رابعًا، فالعَمَلُ علَى خَبَرِه، فإنَّه يكون تعديلًا إذا كان لا مُحْتَمَلَ لهُ إلا العَمَل عليه، فإنِ احتملَ غيره لم يكن تعديلًا. انتهى كلامُه ﵇.
وهو مثل الذي ذكرتُه، فلِله الحَمْد، ولهذا لم يَقُلْ (١) أَحَد مِنْ أهل النقل: إن كُتُبَ المسانِيدِ صحيحة عِنْد مصنِّفيها، مثل مَسانيد الشافِعِيِّ، وأبي حنيفةَ، وأحْمَدَ بنِ حَنْبَل وغيرهم، لمَّا كانت عبارتُهم (٢) لا تقتضي دعْوى الصِّحة عِنْدَهم، ولكن أَخْبَرُوا بما سَمعُوا، وَبَلَغَهُم عَنْ ثِقَةٍ وغيره، ولهذا أَعْرَضَ أربابُ الصِّحاح، ونُقَّادُ الحَدِيثِ عَنْ بلاغات " الموطَّأ "، ولم يقولوا بصحَّتِها على جلالَةِ مَالكٍ عندهم، وإجماعهم على أمانَتِهِ وتقدُّمِه في الحِفْظِ والاحتياط في الحديثِ والرِّجالِ، فإنهُمْ لا يختلفون أنه رأسُ أئمةِ الحديثِ، وأوثقُ نَقَلَةِ (٣) الأخْبَارِ وحملَةِ الآثارِ، وَهُو الَّذي أَقَلَّ مِن الرواية، وأَطَابَ، وَبَلَغَ الغايَةَ القُصوى في تَحَري الصدْقِ والصوابِ، فلَمْ يقْبَلُوا بَلاَغَاتِه، ولا التفتوا إلى ما مَرَّضَهُ مِنْ رواياتِهِ.
خاتِمَةُ أقصى ما في البابِ أنْ يثبُتَ عِنْدَك (٤) أنَّ بلاغاتِ بَعْضِ الأئِمَّة حجةٌ مِنْ غَيْرِ أنْ ينُصَ ذلِكَ الإمامُ على ذلك، ولا يَدُلَّ عَلَيْهِ بظاهرٍ، ولا مفهومٍ، ولا يُبَيّنُ أنَّه حُجَّتُه، لكن هذا يكون مذهبًا لَكَ، لا لذلكَ الإمامِ، ولا لِغيْرِهِ، ولو أَنَّ بعضَ المتأخِّرين خالفَ بعضَ الأئِمَّةِ في صحَّةِ حديث، لم يستحقَّ الإنكار، فكيف إذا (٥) خَالَفَ بعضَ أَهْلَ عَصْرِه؟
_________________
(١) في (ش): ينقل.
(٢) في (ش): عباراتهم.
(٣) في (ب): أئمة.
(٤) جملة " أن يثبت عندك " ساقطة من (ش).
(٥) في (أ) و(ج): إلا إذا.
[ ٣ / ٤٦ ]
وقُصارى الأمْر أن يثبُتَ عَنْ بَعْضِ الأئمَّةِ أنَّ هذهِ طَريق إلى صحة الحديث، فهذا مما لا يقطَعُ الخلاف، كما نَصوا أنَّ الإرسال طريق إلى ذلِكَ، ولم يمنَعْ ذلكَ مِنْ تحريم رَد المراسيل على المُجْتَهدين، فَهذا هُوَ الكلامُ على الحديث الأوَّلِ، وقد تَبَيَّن بِهِ أن الهادي ﵇ لم يدَّعِ صحَّتَه ألبتَّةَ.
وأمَّا الحديث الثاني، فإنه ﵇ رواه عن أبيه، عن جَده، عن أبي بكر بنِ أبي أُوَيسٍ، عنِ الحُسين بنِ عبد الله بن ضُمَيرة، عن أبيه، عن جَدِّه، عن عليٍّ ﵇، وفيه وجهان:
الوجهُ الأوَّلُ: أنَّا لا نعْرِفُ عَدالَةَ الحسينِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ ضُميْرةَ، ولا عدالَةَ أبيه، ولا جَدِّه.
فإنْ قُلْتَ: روايةُ الهادي ﵇ تقتضي عدالتَهُم.
قلتُ: روايةُ العالِمِ لا تدُلُّ على توْثيقِ مَنْ زوَى عَنْهُ على الأصَح المشْهورِ، خلافًا لبعض أصحاب الشافعي، ذكره ابنُ الصَّلاح في كتابه " العلوم " (١)، والإمامُ يحيى بنُ حمزةَ في كتابه " المعيار "، فقد روى الثَّقاتُ العُدولُ مِنَ الصَّحابَةِ والتَّابعينَ عَنْ معاوية، والمغيرةَ، وعمرو بن العاص، وروى عليٌّ بنَ الحسينِ ﵇ عَنْ مَرْوَان بنِ الحَكَمِ، ولم يكن ذلك مِنْهم تعديلًا لِهؤلاءِ، وسيأتي بيانُ من رُوِيَ عنهم في المسألة الثانية إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) ص ١٢٠، ونص كلامه: إذا روى العدل عن رجل وسماه، لم يجعل روايته عنه تعديلًا منه له عند أكثر العلماء من أهل الحديث وغيرهم. وقال بعض أهل الحديث وبعض أصحاب الشافعي: يجعل ذلك تعديلًا منه له، لأن ذلك يتضمن التعديل .. والصحيح هو الأول، لأنَّه يجوز أن يروي عن غير عدل، فلم يتضمن روايته عنه تعديله، وانظر "تنقيح الأنظار" للمؤلف مع " توضيحه " للصنعاني ١/ ٣١٩ - ٣٢٣.
[ ٣ / ٤٧ ]
الوجه الثاني: أنَّ أهْلَ الحديثِ الذين (١) نَصَّ أئمةُ العِترةِ على قبُولهم قدَحُوا في الحُسينِ بنِ عبدِ الله بن ضمَيْرَةَ هذا، وضعَّفُوه في كُتُبِ الجَرْحِ والتعديل، ولم يذكروا له تعديلًا قطُّ، وهذِه ألفاظهم في ذلك:
قالوا: هو أبو ضَمْرَة الحسينُ بنُ [عبد الله] أبي ضميرة (٢) الحِمْيَري المدَني، كذَّبه مالك، وقال أبو حاتِم: متروكُ الحديثِ، كَذَّاب، وقال أحمد: لا يساوي شيئًا، وقال ابن معين: ليس بثقة، ولا مأمون، وقال البخاري: منْكَرُ الحَدِيثِ، ضعيف، وقال أبو زُرعة: ليس بشيء، اضْرِبْ على حدِيثه (٣).
فهذا الرجُل مجروحٌ بِمَرَّةِ، مَقْدُوحٌ فيه كما ترى، وجرحُ مالكٍ لَهُ قويٌ لاختصاصه به، فإنَّ بَلَدَهُما واحدةٌ، وزمنَهُما واحد، فهما مَدَنِيَّانِ معًا، وابن أبي ضُميرة شيخُ أبي بكر بنِ أبي أُويس، وأبو بكر هذا: هو ابنُ أختِ مالكٍ. فهذا يدُلُّ على أنَّهم مختلطون، وأهلُ بلدٍ واحدٍ، وزمانٍ واحد. والقاسِمُ ﵇ لم يدْرِكِ ابْنَ أبي ضميرة، ولا صَحِبَه، ولا جاوَرَهُ، وإنَّما رَوَى عَمَّن روى عنه، فلا يكون في هذا تعديل لَهُ، ولو فرضنا أنَّه تعديلٌ عِنْدَ بعضِ الشَّافِعيَةِ، لم يلزَمْنا مذهبُ بعضِ (٤) الشافِعِيةِ.
_________________
(١) في (ش): الذي.
(٢) " الحسين بن أبي ضميرة " ساقط من (ش).
(٣) نقل المؤلف هذه الترجمة من " ميزان الاعتدال " ١/ ٥٣٨. وانظر ترجمته في " تاريخ البخاري " ٢/ ٣٨٨ - ٣٨٩، و" الضعفاء الصغير " ص ٣٣، و" الجرح والتعديل " ٣/ ٥٧ - ٥٨، و" المجروحين والضعفاء " ١/ ٢٤٤ لابن حبان، و" الضعفاء " ١/ ٢٤٦ - ٢٤٧ للعقيلي، و" لسان الميزان " ٢/ ٢٨٩ - ٢٩٠.
(٤) ساقطة من (ب).
[ ٣ / ٤٨ ]
وعلى تقدير صحة مذهبِهِم، فالجَرْحُ المعَيَنُ (١) مُقَدَّم على التَعْدِيل، والمعدِّل محمولٌ على عَدَمِ الاطِّلاع على ذلك، وعلى العَمَلِ بالظَّاهِرِ، كما هُوَ مَذْهَبُ أَهْل البَيْتِ وغيرهم، بَل الظَاهرُ أنَّ الجَرْح المطلق مُقَدَّمٌ عندهم ﵈، أو عند كثيرٍ منهُم، فكيف الجَرْحُ المُعَيَّنُ؟ وأمَّا أبو بكر بن أبي أويس (٢) الذي يروي عنه القاسِمُ ﵇ (٣)، وهو الراوي عن ابن أبي ضميرة، فهو ثِقَة حُجَّة (٤) عِنْدَ الجماهيرِ، ولا أَعْلَمُ فيه مقالًا إلاَّ ما قالَهُ الأزدي، فإنَّه قال: كان يَضَعُ الحديث، قال الذَّهبي (٥) في قول الأزدي هذا: وهذِهِ زَلَّةٌ قبِيحَةٌ. انتهى.
فمن كان يُقَدِّم الجرح مُطلقًا، لَزِمَه جرْحُه، وهذا مقتضى اختيارِ السَّيدِ في رسالته، فيزدادُ الحديث ضعْفًَا على ضَعْفِهِ، لكن السيدَ قَدِ التزَمَ ما يوجبُ عليه التَّشكيك في ثُبوتِ هذا الجَرْحِ والتَّعديلِ، بل ما يُوجب عليه التَّشكيك في كونِ الهادي ﵇ روى هذا الحديث في الأحكام، بل ما يوجب عليه التشكيكَ في كونِ ابن أبي أويس، وابنِ أبي
_________________
(١) أي: المفسر كما في ترجمة ابن أبي ضميرة. وانظر التفصيل في هذه المسألة في " تنقيح الأنظار " للمؤلف، وشرحه للصنعاني ٢/ ١٥٨ - ١٦٧.
(٢) تقدمت ترجمته في ٢/ ٣٣٩.
(٣) من قوله: " أو عند " إلى هنا ساقط من (ب).
(٤) ساقطة من (ب).
(٥) في " ميزان الاعتدال " ٢/ ٥٣٨. والأزدي: هو الحافظ أبو الفتح محمد بن الحسين بن أحمد بن عبد الله بن بريدة الأزدي الموصلي، نزيل بغداد، المتوفى سنة ٣٧٤ هـ. قال الخطيب: في حديثه غرائب ومناكير، وكان حافظًا، صنف كتبًا في علوم الحديث، وسألت البرقاني عنه، فضعفه، حدثني النجيب عبد الغفار الأرموي قال: رأيت أهل الموصل يوهنونه، ولا يعدونه شيئًا. قلت: وله مصنف كبير في الضعفاء. قال الإمام الذهبي: وعليه فيه مؤاخذات، فإنه ضعف جماعة بلا دليل، بل قد يكون غيره قد وثقهم. مترجم في " سير أعلام النبلاء " ١٦/ ٣٤٧ - ٣٥٠.
[ ٣ / ٤٩ ]
الوجه السابع: أن الخبر إذا ورد في شيء ظهر في الأصل ظهورا عاما
ضَمْيَرَةَ مخلوقين أو غيْر مخلوقين، كما مر تقريرُ ذلك في المسألة الأولى.
الوجه السابع: أنَّ الخبَرَ إذا وَرَدَ في شَيْءٍ، ظهر في الأصل ظُهورًا عامًَّا، وقضتِ العادَةُ في ذلك الأمْرِ أنْ يُنْقَل نقلًا عامًَّا، ثُمَّ ورَدَ ذلك الخَبَر وُرُودًَا خاصًَّا، فإنه لا يُقْبَلُ، وقد ذكر هذا عدَد كثير من علماءِ الأصول وأهلِ علم النظرِ، منهم المنصورُ بالله ﵇، فإنه قال في كتاب " الصَّفْوَة " ما لفظه: قال شيخُنا ﵀: فأمَّا إذا ورد الخَبَرُ بشيْءٍ ظهر في الأصل ظهورًا عامًا، والعادةُ جارية فيما ظهر ذلك الظُّهور (١) أن يُنقل نقلًا عامًا، ثم ورد ذلك خاصًَّا، فإنه لا يُقْبَل. قال ﵇: وهو الذي نختارُه، وقد خالف ذلك أبو علي (٢)، وقال: إنَّه يُقْبَلُ.
قال ﵇: ومثَال المَسْأَلَةِ: الجَهْرُ بـ (بِسْمِ اللهِ الرحمنِ الرحيم).
قال ﵇: والدَّليلُ على ما ذهبنا إليه، أن كُلَّ أَمْرَيْنِ استويا في الظُّهور، وكان الدَّاعي إلى نقل أَحَدِهِما كالداعي إلى نقل الآخر، فإنهُ يجبُ أن يستويَ نقلهما، لأنَّ ما دعا إلى نقل أَحَدهِمَا هو بِعَيْنِهِ يدعو إلى نقلِ الآخر، لولا ذلك، لجوَّزْنَا أن يكون امرؤ القيس قد عُورِضَ بقصائدَ تَبْرزُ على شعره في الفصاحَةِ والجَزَالَةِ (٣)، ولم يُنْقَلْ إلينا، ولجَوَّزْنَا أن تكون قد عُورِضتَ مُعْجزاتُه - يعني النبي - ﷺ - بما هو أَبْهَرُ مِنْها، وإنَّما لم يُنْقَل إلينا، وكذلك القرآن الكريم، كُنا نُجَوِّز معارضتَه على هذا القول على ما هو مُساوٍ لَهُ في النظْمِ والفصاحة، أو مُبَرِّزُ عليه، وإن لم يُنْقل على
_________________
(١) في (ب): لظهور.
(٢) هو الجبائي محمد بن عبد الوهاب البصري شيخ المعتزلة، تقدم التعريف به في ٢/ ٣١٨.
(٣) تحرفت في (ش) إلى: " الحوالة ".
[ ٣ / ٥٠ ]
حَدِّ نقله، وكلُّ ذلِك لا يجوز؛ لأن كل ما دعا إلى نقل أَحَدِهِمَا بعينه يدعو إلى نقلِ الآخرِ، ولا وَجْهَ يُوجِبُ نقلَ أحدهما دون الآخر مع الاستواء، فوجب أن يُقتضى بفساده -إلى قوله ﵇-: فإذا لم يُنْقَلْ إلينا أَحَدٌ الأمرين مع استوائِهمَا في باب الدَواعي إلى نقلهما، علِمْنَا بذلك أنهُما لم يَسْتَوِيَا في الظهور في الأصل. انتهى كلامُه ﵇.
ولما عَرَفَ المنصور بالله (١) أنَّهُ يلزَمُ مِنْ هذا القطْع بأنَّ رسولَ الله - ﷺ - لمْ يَكُنْ يجهر بالتَسْمِيَة (٢) مثلَ جَهْرِه بالفاتحة، إذن لاستوى نقلُهما، فلمَّا نُقِل الجَهْرُ بالفاتِحَة تواتُرًا و(٣) إجماعًا، والجهْر بالبسملة ظنًَّا وآحادًا، علمنا بذلك عدم استوائهِما في زمانه ﵇، فيجبُ رد حديثِ مَنْ نَقَل ما يقتضي (٤) استمرارُه ﵇ على حالَة واحِدَة، فَحينَ رأى المنصور (٥) ﵇ هذا السؤال واردًا -ولم يكنِ القَوْلُ بإخفاء البَسْمَلةِ مذهبَهُ- أشار إلى الجواب، فقال ﵇: فأما الجهر بالتَسمية والفاتِحَةِ، فقد عللَ شيخُنا ﵀ تعذُّر استوائِهِمَا في ظهورِ النقل بِعلةٍ ظاهِرَة، وهي أنهما لم يستويا في الأصل، لأن النبِي - ﷺ - كان يجهر بالتَّسمية حالَ اشتغال المسلمين بالتكبيرة، فبعضُهم يسْمَعُه يجهر، وبعضُهم لا يسمعُه مِنْ رَهَجِ (٦) التكْبيرِ، وليس كذلك الفاتِحَةُ. انتهى
_________________
(١) جملة " ولما عرف المنصور بالله " ساقطة من (ب).
(٢) في (ش): بالبسملة.
(٣) الواو ساقطة من (ب).
(٤) في (ب): يقضي.
(٥) في (ش): المنصور بالله.
(٦) أي: انتشار أصواتهم بالتكبير، وارتفاعها، وأصل الرهج: الغبار، وأرهج الغبار: أثاره، ومن المجاز: ولَه بالشر لهج، وله فيه رهج، وأرهجوا في الكلام والصخب. وفي (ج) و(ش): وهج.
[ ٣ / ٥١ ]
كلامُه ﵇.
وقد اخْتَلَفَ العلماءُ في هذا الجواب الذي ذكره ﵇، فهو جوابٌ معروفٌ مُتَداوَلُ بين الأصوليِّين، فمنهم من قوَّاه، وهؤلاء نظروا إلى الجَهْر بعد التَكبيرة الأولى، ومنهم مَنِ اسْتضعفه، وهؤلاء نظروا إلى الجهر أوَّلَ الرَّكعة الثَّانية، وفي أول السورة بعد الفاتحة.
وَقَدِ اعتذر الشيخُ أبو الحُسين عن هذا بأن القارىء يبتدىء القراءَةَ بصوتٍ ضعيف، وفيه نَظَرٌ لوجهين.
أحدهما: أنَّه كان يلزمُ التّواتُر في التسمية عند قراءة السورة بعد الفاتحة، لأنها تكون بعد قوة صوت القارىء.
وثانيهما: كان يلزمُه أن لا يتواتَرَ الجهرُ بأولِ الفاتِحَة، لأنَّه يكون عند ضعفِ صوته، وأيضًا فقد اشتركا في الجهر الذي يسمعهُ من بعده من المؤتمِّين سيَّما في الركعة الثانية، والحامِلُ على التَّبليغِ هو السماع، لا شدَّةُ الصَوتِ وخِفَّتُه، وقوَّتُه وضعفُه، بحيث لو كان ضعفُ صوته مستمرًا، لنُقلَ أنَّه جَهَرَ.
وقد ذكر عن الفقيه علي بنِ عبد الله هذين الوجهين في الجواب في تعليقه على " الجوهرة "، وضعَّفَهُما.
إذا تقرر هذا، فهذه عِلةٌ مانعة مِنْ صِحَّة أحاديثِ الجهر، فَمَنْ ترك العمَلَ بها لهذه العِلة، لم يستحِق الإنكارَ عندَ أحدٍ من الأئِمَّة الأطهار، ولا عندَ غيرهم من عُلماءِ الأقطار، ولا يُنْسَبُ إلى تقديم الفُسَّاق على إمامي الأئِمَّة: الهادي والقاسم ﵉.
الوجه الثامن: أنَّ هذِهِ الأحاديثَ الواردَةَ في هذه المسأَلَةِ هِيَ مِنَ
[ ٣ / ٥٢ ]
الأحاديث الوارِدَةِ فيما تَعُمُّ به البلوى، مثل أحاديث الوضوءِ ممَّا مسَّتِ النَّار (١)،
_________________
(١) أخرج مسلم (٣٥٢)، وأبو داود (١٩٤)، والترمذي (٧٩)، والنسائي ١/ ١٠٥ - ١٠٦ من حديث أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: " توضؤوا مما مست النار "، وفي رواية الترمذي: فقال له ابن عباس: يا أبا هريرة، أنتوضأ من الدهن، أنتوضأ من الحميم؟ فقال أبو هريرة: يا ابن أخي، إذا سمعت حديثًا عن رسول الله - ﷺ -، فلا تضرب له مثلًا. وانظر تعليق الشيخ أحمد شاكر، رحمة الله عليه. وأخرجه مسلم أيضًا (٣٥٣) من حديث عائشة. وأخرجه أبو داود (١٩٥)، والنسائي ١/ ١٠٧ من حديث أم حبيبة. وأخرجه النسائي ١/ ١٠٦ - ١٠٧ من حديث أبي أيوب الأنصاري، ومن حديث أبي طلحة، ومن حديث زيد بن ثابت. قال الحازمي في " الناسخ والمنسوخ " ص ٤٧: وقد اختلف أهل العلم في هذا الباب، فبعضهم ذهب إلى الوضوء مما مست النار، وممن ذهب إلى ذلك ابن عمر، وأبو طلحة وأنس بن مالك، وأبو موسى، وعائشة، وزيد بن ثابت، وأبو هريرة، وأبو عزة الهذلي، وعمر بن عبد العزيز، وأبو مجلز لاحق بن حميد، وأبو قلابة، ويحيى بن يعمر، والحسن البصري، والزهري. وذهب أكثر أهل العلم وفقهاء الأمصار إلى ترك الوضوء مما مست النار، وراوه آخر الأمرين من فعل رسول الله - ﷺ -، وممن لم ير منه وضوءًا: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وعامر بن ربيعة، وأُبي بن كعب، وأبو أمامة، وأبو الدرداء، والمغيرة بن شعبة، وجابر بن عبد الله رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، ومن التابعين عبيدة السلماني، وسالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، ومن معهما من فقهاء أهل المدينة، ومالك بن أنس، والشافعي، وأصحابه، وأهل الحجاز عامتهم، وسفيان الثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه، وأهل الكوفة، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق. والدليل على النسخ حديث جابر بن عبد الله: كان آخر الأمرين من رسول الله - ﷺ - ترك الوضوء مما غيرت النار. أخرجه أبو داود (١٩٢)، والنسائي ١/ ١٠٨، وابن الجارود في " المنتقى " (٢٤)، والبيهقي ١/ ١٥٥ - ١٥٦، وإسناده صحيح. وصححه ابن خزيمة، وابن حبان وغيرهما. ورواه أحمد ٣/ ٣٧٤ - ٣٧٥ من حديث جابر مطولًا، وفيه أن النبي - ﷺ - أكل وأكل القوم معه، ثم نهض، فصلى بنا العصر، وما مس ماء، ولا أحد من القوم. وحديث عمرو بن أمية الضمري أنَّه رأي رسول الله - ﷺ - تخير من كتف شاة، فأكل منها، فدعي إلى الصلاة، فقام وطرح السكين، وصلى ولم يتوضأ. أخرجه البخاري (٢٠٨) و(٦٧٥) و(٢٩٢٣) و(٥٤٠٨) و(٥٤٢٢) و(٥٤٦٢)، ومسلم (٣٥٥)، والترمذي (١٨٣٧). وحديث ميمونة أن النبيض - ﷺ - أكل عندها كتفًا، ثم صلى ولم يتوضأ. أخرجه البخاري (٢١٠)، ومسلم (٣٥٦). =
[ ٣ / ٥٣ ]
والغُسُلِ مِن التقاءِ الخِتَانَيْنِ (١) ونحوهما، وَقَدِ اختلف العلَمَاءُ كثيرًا في خَبَرِ الواحد إذا كان فيما تَعُمُّ به البَلْوى هل يُقْبَلُ أم لا (٢)؟، ولم
_________________
(١) = وحديث ابن عباس أن رسول الله - ﷺ - أكل كتف شاة، وصلى ولم يتوضأ. أخرجه مالك ١/ ٢٥، والبخاري (٢٠٧) و(٥٤٠٤) و(٥٤٠٥)، ومسلم (٤٣٥)، وأبو داود (١٨٧)، والنسائي ١/ ١٠٨. وأخرج أحمد ١/ ٣٦٦ من طريقين عن ابن جريج قال: أخبرني محمد بن يوسف أن سليمان بن يسار أخبره أنَّه سمع ابن عباس - ورأي أبا هريرة يتوضأ، فقال: أتدري مما أتوضأ؟ قال: لا، قال: من أثوار أقط أكلُتها، قال ابن عباس: ما أبالي مما توضأت، أشهد لرأيت رسوِل الله - ﷺ - أكل كتف لحم، ثم قام إلى الصلاة وما توضأ. قال: وسليمان حاضر ذلك منهما جميعًا. وسنده صحيح. وقال الإمام النووي: كان الخلاف فيه معروفًا بين الصحابة والتابعين، ثم استقر الإجماع على أنَّه لا وضوء مما مسَّت النار. وجمع الإمام الخطابي بين الأحاديث بأن أحاديث الأمر محمولة على الاستحباب، لا على الوجوب.
(٢) انظر حديث أبي موسى في وجوب الاغتسال من التقاء الختانين في مسلم (٣٤٩)، و" الموطأ " ١/ ٤٦، والترمذي (١٠٨) و(١٠٩). وحديث أبي هريرة في البخاري (٢٩١)، ومسلم (٣٤٨)، وأبي داود (٢١٦)، والنسائي ١/ ١١٠ و١١١، والطحاوي ١/ ٥٦، والطيالسي (٢٤٤٩)، وأحمد ٢/ ٢٣٤ و٣٤٧ و٣٩٣ و٤٧٠ - ٤٧١ و٥٢٠، وانظر " فتح الباري " ١/ ٣٩٦ - ٣٩٨.
(٣) خبر الواحد فيما تعم به البلوى، أي: يحتاج إليه الناس حاجة متأكدة مع كثرة تكرره لا يثبت به وجوب إلا إذا اشتهر أو تلقته الأمة بالقبول عند عامة الحنفية، وقالوا: إن عدم انتشاره وذيوعه يورث شكلًا، ولهذا لما سلم الرسول - ﷺ - على رأس الركعتين ساهيًا، وقال له ذو اليدين -دون سائر الحاضرين-: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ توقف في قبول خبره، وظن أنه مخطىء، فلمَّا وافقه الحاضرون، عمل بقوله. والأكثرون على قبول خبر الواحد فيما تعم به البلوى إِذا صح إسناده دونما اشتراط اشتهاره وتلقي الأمة له بالقبول لإطلاق النصوص الدالة على وجوب العمل بالخبر، واتفاق الصحابة على العمل به في ذلك، ولأن شروط البيوع، والأنكحة، وما يعرض في الصلاة، والوضوء من الخارج من السبيلين، والمشي مع الجنازة، وبيع رباع مكة وإجارتها ووجوب الوتر ونحوه أثبته المخالف بخبر الواحد، وهو مما تعم به البلوى. وانظر التفصيل في " المعتمد" ٢/ ١٦٧ - ١٦٩، و" المحصول " ٢/ ١/٦٣٢ - ٦٣٦، و" العدة في أصول الفقه " لأبي يعلى ٣/ ٨٥٥ و" فواتح الرحموت " ٢/ ١٢٨ - ١٣١، و" سلم الوصول لشرح نهاية السول " ٣/ ١٧٠ - ١٧٣، و" تيسير التحرير " ٣/ ١١٢ - ١١٥.
[ ٣ / ٥٤ ]
يتكلَّمْ في هذه المسأَلَةِ القاسم والهادي ﵉ وأمثالهما من مُتَقَدمي الأئِمة، وأكثَرُ مَنْ تكلم فيها ووسع القولَ علماءُ الأصول، منهمُ السيدُ أبو طالب في كتاب " المجزىء "، فإنَّه تكلم في المسألة، ووسعَ القول، وذكر حُجَجَ الفَريقَيْنِ، ثُمَّ قال: وفيما ذكرناه تنبيه على طريق النَّظَرِ في المسألَة، فأشار ﵇ إلى جواز الأمْريْنِ. وقال في أوَّل المسألة: ذهب بعضهم إلى أنَّ خبرَ الواحِدِ لا يُقْبَلُ فيه -يعني فيما تعُمُّ به البَلْوى- وإنَّما يُقْبَلُ مَا يَشيعُ نَقْلُه، ويجبُ العلمُ (١) به، وهو قول أكثَرِ أصحابِ أبي حنيفَة، وإليه ذهب شيخُنا أبو عبد الله، وحكاه عن أبي الحسنِ الكرْخي (٢). وطريقُ نصْرَةِ القول الأولِ ما ذكره شيخُنا أبو عبد الله واعتمده، فإنه بَلَغَ في نصْرَةِ هذه المسألة نهاية ما في الوُسْع، فغايةُ أمرِ غَيْرِه مِمنْ ينْصُر هذه المسألة أنْ يفهم كلامَه، وما رواه فيها (٣) استدلالًا وانفصالًا عَنِ الأسئلة والمُعارَضَاتِ. انتهى كلامه ﵇.
والقصد بإيرادِهِ بيانُ أنهُ كلامُ مَنْ يجوز للمختارِ أن يختارَ ذلِكَ، ولا يَحْرَجُ فيه. فإذا ثبت هذا، كانَ منَ الجائِز أنْ يترك العمَلَ بخبر الواحد في هذِهِ المسأَلَةِ، لأنَّها مِمَّا تعُمُّ به البلوى، لا لأنَّ الفُساقَ أرجَحُ عنْذنَا مِنْ أَئِمَّةِ التقْوَى، فيجبُ على هذا أن لو كان الجَهْرُ بالبَسْمَلَةِ واجبًا، أن يتواتر
_________________
(١) في (ب): " العمل "، وهو خطأ.
(٢) هو الشيخ الإمام الزاهد مفتي العراق، شيخ الحنفية، أبو الحسن، عبيد الله بن الحسين بن دلال البغدادي الكرخي الفقيه، انتهت إليه رئاسة الحنفية بعد أبي خازم، وانتشرت تلامذته في البلاد، واشتهر اسمه، وبعد صيته، وكان من العلماء العباد ذا تهجد، وتأله، وزهد تام، ووقع في النفوس. من كبار تلامذته أبو بكر الرازي صاحب " أحكام القرآن ". صنف " المختصر"، وشرح " الجامع الصغير " وشرح " الجامع الكبير". وكان مولده سنة ٢٦٠ هـ، ومات سنة ٣٤٠ هـ. مترجم في " السير " ١٥/ ٤٢٧.
(٣) ساقطة من (ب).
[ ٣ / ٥٥ ]
ذلِكَ، وهذا إنما يَرِدُ على الأحاديث التي أوردها السَّيِّدُ، فأمَّا الأحاديثُ التي فيها أنَّه ﵇ كان يجْهَرُ، أو كان يُخَافتُ، فلا يَرِدُ هذا عليه، لأنهُ لا يَمْتَنِعُ تواتُرُ الجَهْرِ والإِخفاتِ عنه ﵇ فِعْلًا لا قَوْلًا، فقد صنف علماءُ الأثر في ذلك كتبًا منفردهَ، وادعَوُا التواتُر في الجانِبَيْنِ.
أما مَنْ ذَهَبَ إلى الإِخفات، فَقَدِ ادَّعى تواتُرَ ذَلِكَ في مَسْجِد رسول الله - ﷺ -، وإتصال عَمَل الأئمةِ والمصلين فيه منْذُ تُوُفَيَ ﵇ إلى زَمَنِ مالك، فإنَ مالكا أدْركَ الناسَ على ذلك، ولم يُنْقَلْ أنَّ أحدًا أكْرهَ الناسَ على تغيير شَيْءٍ في الصَّلاةِ، ولا نهاهُمْ عَنِ الجَهْرِ بعد أنْ كانوا عليه، مع ما رُويَ في ذَلِكَ مِنَ الأحاديث (١) الصَّحيحَةِ الكَثِيرَةِ التي أجْمَعَ علَمَاءُ النَقْلِ على صِحَّتِهَا وَقُوَّتها (٢)،
_________________
(١) في (ب): الأخبار.
(٢) روى أنس بن مالك ﵁ أن النبي - ﷺ -، وأبا بكر، وعمر ﵃ كانوا يفتتحون الصلاة بـ (الحمد لله رب العالمين). أخرجه البخاري (٧٤٣) في صفة الصلاة، باب: ما يقول بعد التكبير، وأخرجه الترمذي (٢٤٦) وعنده " القراءة " بدل " الصلاة " وزاد: عثمان، وأخرجه مسلم (٣٩٩) بلفظ: " صليت مع رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وعمر وعثمان، فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم "، وأخرجه أحمد ٣/ ٢٦٤، والطحاوي ١/ ٢٠٢، والدارقطني ١/ ٣١٥، وقالوا فيه: " فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم "، وأخرجه ابن حبان في " صحيحه " (١٧٩٤) بتحقيقنا، وزاد: " ويجهرون بالحمد لله رب العالمين "، وفي لفظ النسائي ٢/ ١٣٥، وابن حبان (١٧٩٠)، والبغوي (٥٨٢): " فلم أسمع أحدًا منهم يَجْهَرُ ببسم الله الرحمن الرحيم "، وفي لفظ لأبي يعلى الموصلي في " مسنده ": (٢٨٨١): " فكانوا يستفتحون القراءة فيما يجهر به بالحمد لله رب العالمين "، وفي لفظ للطبراني في " معجمه الكبير" (٧٣٩)، وابن خزيمة (٤٩٨)، والطحاوي ١/ ٢٠٣: " وكانوا يسرون ببسم الله الرحمن الرحيم " ورجال هذه الروايات كلهم ثقات مخرج لهم في الصحيح كما قال الزيلعي في " نصب الراية " ١/ ٣٢٦ - ٣٢٧. ولأحمد ٤/ ٨٥، والترمذي (٢٤٤)، والنسائي ٢/ ١٣٥ من طريق قيس بن عَبايَة، عن ابن عبد الله بن مفضل (واسمه يزيد كما جاء مصرحًا به في رواية أحمد ٤/ ٨٥) قال: سمعني أبي وأنا في الصلاة أقول: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال لي: أي بني، مُحْدَث، إياك =
[ ٣ / ٥٦ ]
مع ما يَشْهَدُ (١) لِذَلِكَ مِنْ وُجُوبِ التَوَاترِ في الجَهْرِ لو (٢) كان صحيحًا مستمرًا كما قررَهُ المنصور وأبو طالب، واختارَتْه (٣) الحنَفيَّةُ.
_________________
(١) = والحدث، قد صليتُ مع النبي - ﷺ -، ومع أبي بكر، ومع عمر، ومع عثمان، فلم أسمع أحدًا منهم يقولها، فلا تقلها، إذا أنت صليت، فقل: (الحمد لله رب العالمين). وحسنه الترمذي، وقد حقق القول فيه الزيلعي في " نصب الراية " ١/ ٢٣٢ - ٢٣٣، وأيد تحسين الترمذي له. وأخرج مسلم (٤٩٨) من طريق بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء، عن عائشة قال: كان رسول الله - ﷺ - يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بـ (الحمد لله رب العالمين). قال الزيلعي: وهذا ظاهر في عدم الجهر بالبسملة، وتأويله على إرادة اسم السورة يتوقف على أن السورة كانت تسمى عندهم بهذه الجملة، فلا يعدل عن حقيقة اللفظ وظاهره إلى مجازه إلا بدليل. ثم قال ١/ ٣٣٤ - ٣٣٥: ومما يدل على أن البسملة ليست آية من السورة، فلا يجهر بها: ما رواه البخاري في " صحيحه " (٤٤٧٤) من حديث أبي سعيد بن المعلى قال: " كنت أصلِّي في المسجد، فدعاني رسولُ الله - ﷺ -، فلم أُجبه، فقلت: يا رسول الله إني كنت أصلي، فقال: ألم يَقُل الله: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ ثم قال لي: لأعلمنَّك سورةً هي أعظم السُّوَر في القرآن قبل أن تخرج من المسجد، ثم أخذ بيدي، فلمَّا أراد أن يخرج، قلت له: ألم تقل: لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن؟ قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته ". قال الزيلعي: فأخبر أنها السبع المثاني، ولو كانت البسملة آية منها لكانت ثمانيًا، لأنها سبع آيات بدون البسملة، ومن جعل البسملة منها إما أن يقول: هي بعض آية، أو يجعل قوله ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ إلى آخرها آية واحدة. ومما يدل أيضًا على أن البسملة ليست من السورة ما أخرجه أصحاب السنن الأربعة عن شعبة، عن قتادة، عن عباس الجشمي، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: إن سورة من القرآن شفعت لرجل حتى غفر له وهي ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ انتهى. قال الترمذي: حديث حسن، ورواه أحمد في " مسنده "، وابن حبان في " صحيحه "، والحاكم في " مستدركه "، وصححه، وعباس الجشمي، يقال: إنَّه عباس بن عبد الله، ذكره ابن حبان في " الثقات "، ولم يتكلم فيه أحد فيما علمنا، ووجه الحجة منه أن هذه السورة ثلاثون آية بدون البسملة بلا خلاف بين العادين، وأيضًا فافتتاحه بقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ دليل على أن البسملة ليست منها.
(٢) في (ب): شهد.
(٣) في (ش): ولو.
(٤) في (ب): واختاره.
[ ٣ / ٥٧ ]
وأما الجَهْرُ بِالبَسْمَلَة، فقد رُوَيتْ فيه أحاديث كثيرة، وصَنَّفَ في ذلِكَ غَيْرُ واحدٍ مِنَ الحُفَّاط تصانِيفَ مُفْرَدةً، وقد جَمَعَ الحافظ الكبير أبو بكر بنِ الخطيبِ (١) أحاديثَ الجَهْرِ في ثلاثةِ أجزاء (٢).
إذا عرفت هذا، فدعوى التَّواتُر في ثُبوتِ الجَهْرِ والإِخفات غيرُ مُسْتَنْكَرٍ عَقْلًا ولا نَقْلًا، أما العَقْلُ فلأنَه تَواتُر فيما تَعُمُّ بِه البَلْوى، ويجب في العادَة ظُهورُه وشُهْرَتُه، وأما النقْل فلأنَ الرُّوَاة (٣) في الجانِبَيْنِ عددٌ
_________________
(١) هو الحافظ الكبير العلامة الناقد أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي البغدادي، صاحب التصانيف الكثيرة النافعة المتوفى سنة ٤٦٣ هـ. قال ابن ماكولا: كان أبو بكر آخر الأعيان ممن شاهدناه معرفة، وحفظًا، وإتقانًا، وضبطًا لحديث رسول الله - ﷺ -، وتفننًا في علله وأسانيده، وعلمًا بصحيحه وغريبه، وفرده ومنكره ومطروحه، ولم يكن للبغداديين بعد أبي الحسن الدارقطني مثله. مرجم في " السير " ١٨/ ٢٧٠ - ٢٩٧.
(٢) أوردها الإمام الحافظ الزيلعي في " نصب الراية " ١/ ٣٤١ - ٣٥٨، وتكلم على كل حديث منها، وأبان عن درجته بما تقتضيه الصناعة الحديثية، ثم لخص كلامه بقوله: وبالجملة فهذه الأحاديث كلها ليس فيها صريح صحيح، بل فيها عدمهما أو عدم أحدهما، وكيف تكون صحيحة، وليست مخرجة في شيء من الصحيح، ولا المسانيد ولا السنن المشهورة، وفي روايتها الكذابون والضعفاء والمجاهيل الذين لا يوجدون في التواريخ، ولا في كتب الجرح والتعديل كعمر بن شمر، وجابر الجعفي، وحصين بن علي الأصبهاني الملقب بجراب الكذب، وعمر بن هارون البلخي، وعيسى بن ميمون المدني وآخرون أضربنا عن ذكرهم ثم نقل عن صاحب " التنقيح " قوله: وهذه الأحاديث التي استدل بها على الجهر بالبسملة في الجملة لا يحسن بمن له علم بالنقل أن يعارض بها الأحاديث الصحيحة، ولولا أن يعرض للمتفقه شبهة عند سماعها، فيظنها صحيحة، لكان الإضراب عن ذكرها أولى، ويكفي في ضعفها إعراض المصنفين للمسانيد والسنن عن جمهورها، وقد ذكر الدارقطني منها طرفًا في " سننه " فبين ضعف بعضها، وسكت عن بعضها، وقد حكى لنا مشايخنا أن الدارقطني لما ورد مصر، سأله بعض أهلها تصنيف شيء في الجهر، فصنف فيه جزءًا، فأتاه بعض المالكية، فأقسم عليه أن يخبره بالصحيح من ذلك، فقال: كل ما روي عن النبي - ﷺ - في الجهر فليس بصحيح، وأما عن الصحابة، فمنه صحيح وضعيف، ثم تجرد الإمام أبو بكر الخطيب لجمع أحاديث الجهر، فأزرى على علمه بتغطية ما ظن أنَّه لا ينكشف، وقد بينا عللها وخللها. وانظر " شرح السنة " ٢/ ٥٣ - ٥٧ للبغوي، و" الناسخ والمنسوخ " ص ٧٩ - ٨٢ للحازمي.
(٣) في (ب): الرواية.
[ ٣ / ٥٨ ]
الوجه التاسع: سلمنا سلامة هذا الحديث من جميع هذه المطاعن، فإنه حديث مرسل
كثيرٌ، وجمٌ غَفِير.
الوجه التاسع: سلَّمنا سلامَةَ هذا الحديثِ منْ جميعِ هذِهِ المَطَاعِنِ، فإنَّه حديث مُرْسَل، وكَذلِكَ أكْثَرُ ما يرويه الأصحاب في هذا البابِ هُوَ مِنْ قبيل المراسيلِ، لكِنْ لنَا أنْ نُنَازعَ في قبولِ المراسِيلِ، وفي المسْأَلَةِ خلافٌ ظاهرٌ، قديمٌ وحديثٌ، ولا أَعْرِف كتابًا في الأصول الفِقْهِيَّةِ إلاَّ وفيه ذِكْرُ الخلافِ في هذِهِ المَسْأَلَة، وَلَمْ يَزَلِ الفَريقان منْ القابلين للمِرَاسِيلِ والرَّادِّينَ يَسْتَعْملونَ ما ذهبوا إليه مِنْ قَبولٍ ورَدٍّ من غير نَكيرٍ.
فالإِنكارُ عَلى مَنْ ذهبَ إلى أَحَدِ المَذْهَبَيْن خلافٌ (١) لِمَا عليه علماءُ الإسْلامِ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ.
فإذا جازَ أَنْ نَكونَ مِمنْ يَردُّ المَرَاسِيل، لَمْ يَكُنْ في (٢) عَمَلِنَا (٣) بالمسْنَدِ تقديمٌ لِرِوايَة فُسَّاقِ (٤) التأْويلِ على الهادي والقاسم ﵉، وإنما فيهِ تقديمٌ لِرِوَايَةِ الثِّقاتِ مِنَ المتَأَوِّلينَ وغيرِهِم على رِوَايَةِ المجاهيلِ الذين بَيْنَ الهادي والقاسم، وبَيْنَ رسولِ الله - ﷺ - مِمن لم يعْلَم مَنْ هوَ، ولا ما حَالُهُ، وهذا وَجْهٌ ظاهِرٌ.
فإنْ قيل في عَدَمِ القَبولِ لمرْسَلِ الهادي ﵇ سوءُ ظَنٍّ بِهِ وتُهْمَةٌ لَهُ بالتَّقْصِيرِ والتَّسَاهُلِ.
قلنا: حاشى يحيى بنِ الحسَيْنِ مِنْ سُوءِ الظنَ والتُّهْمَةِ بالتَقْصِيرِ، ولكِنَّه غيرُ خافٍ على أهل العلم أنَّ المجتهدَ قد يبني قَبُولَ الحديثِ على
_________________
(١) في (ش): خلافًا.
(٢) ساقطة من (ب).
(٣) تحرفت في (ش) إلى: علمنا.
(٤) في (ش): رواية فاسق.
[ ٣ / ٥٩ ]
مَذْهَبٍ لَهُ مُخْتَلَفٍ فيه، فيكون العالِمُ الرَّاوي للحديث (١) غيرَ مُقَصِّرٍ؛ لأنَّه بنى روايَتَهُ على ما هو عندَهُ حَقٌّ وصوابٌ، بَلِ العَمَلُ بذلِكَ الحديثِ هُوَ الواجِبُ علَيْهِ بإجماعِ الأمَّةِ، فكيف يكون مُقَصِّرًا أو مَلُومًا (٢) بأَدَاءِ ما أَوْجَبَه اللهُ عليه وكَلَّفَهُ بِهِ؟ وأمَّا غَيْرُهُ مِنَ المُجْتَهِدِينَ، فلا يجوزُ له تقليدُه في قَبُولِ الحَدِيث إذا كان قَبُوله ينْبَنِي على قاعِدَةٍ مُخْتلَفٍ في صحَّتِها حتى يتَّفِقَ مذهَبُهُما في تلك القَاعِدةِ.
فمثالُ (٣) ذلكَ: أنَّ العُلَمَاءَ مختلفونَ في قَبُولِ المَجَاهِيلِ كما قدَّمْنَا ذلِك (٤) وقد قال عبدُ الله بنُ زَيْدٍ: هو مَذْهَبُنَا، وتوقَّفَ فيه السيدُ أبو طالب ﵇، وذهبت إليها الحنفِيَةُ بأَسْرِهَا (٥)، وليس القولُ بِهِ مِنَ القَبَائِح التي تنَزَّهَ عَنْهَا الهادي والقاسمُ ﵉، فليس يمْنَعُ أن يَذْهَبَا إلى جوازه، فَيُرْسِلان بَعْضَ الأحاديثِ عَنْ مَجْهُولٍ، وهذا جائِزٌ لهما ولغَيْرِهِمَا لا مانِعَ مِنْهُ، لا عَقْلًا ولا سَمْعًَا، لكِنْ مَنْ كان لا يَقْبَل المجْهُولَ، كانَ لَهُ أَنْ يَمْتَنِع مِنْ قَبُولِ المُرْسَلِ إذا أَرْسَلَهُ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ مَذْهَبَه في هذِهِ المَسْأَلةِ، وكذلِكَ غيرُ هذِهِ المَسْأَلَةِ مِنْ مَسَائِلِ الخِلاَفِ في هذا البَابِ، مثلُ حديث المُدَلِّسِ، فإنه مقبولٌ عِنْدنَا، لا أَعْلَم فيه خِلافًا عندَ أَصْحَابِنَا، وفيه خلاف (٦)، فَلَوْ ذهبَ ذَاهِبٌ إلى أنهُ غَيْرُ مقبولٍ، كانَ لَهُ أنْ
_________________
(١) في (ج): المحدث.
(٢) في (ش): وملومًا.
(٣) في (ج): ومثال.
(٤) انظر ١/ ٣٧٢ وما بعدها.
(٥) فيه نظر، بينته في التعليق في ١/ ٣١٩، فارجع إليه.
(٦) الذي رجحه علماء الحديث أن الموصوف بالتدليس إذا صرح بالسماع ممن روى عنه يقبل حديثه، وما رواه بلفظ محتمل لم يصرح فيه بالسماع لا يقبل. انظر التفصيل في " تنقيح الأنظار " للمؤلف وشرحه للصنعاني ١/ ٣٤٦ - ٣٧٦، وفي بيان المدلسين وطبقاتهم تواليف، =
[ ٣ / ٦٠ ]
الوجه العاشر: سلمنا أن المرسل حجة إذا لم يعارضه المسند، أما مع المعارضة فلنا أن نرجح المسند
لا يَقْبَلَ المُرْسَل مِمَّنْ يَقْبَلُ المُدَلِّسَ، واللهُ سبحانهُ أَعْلمُ.
الوجه العاشر: سلَّمنا أنَّ المُرْسَلَ حجَّةٌ إذا لَمْ يُعَارِضْهُ المُسْنَدُ، أمَّا مَعْ مُعارَضَةُ المُسْنَدِ (١) لَهُ، فَلَنَا أَنْ نُرَجِّحَ المسْنَدَ على المُرْسَلِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ جماعةٍ وافِرَة مِنْ أهلِ العلْمِ.
وقد نصَ الإِمامُ يحيى بنُ حمزة ﵇ في كتابِ " المعيار " على تَرجيحِ المُسْنَدِ على المُرْسَلِ، واحتجَّ على ذلكَ بأنَ المُسند مُجْمَعٌ على قَبُولهِ، والمُرْسلُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ.
وقد أشار الشَّيخُ الحسنُ بن مُحَمد الرصاص في كتابِهِ " الفائق "، وحفيدُه أحمدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ في كتابهِ " الغُرر " إلى تفصيل حَسَن في ذلِكَ، وهو تفصيل المُسْندِ المَعْروفِ رجالُ إسنادِه الذي ادعى مُسْنِدُهُ عَدَالَةَ رُوَاتِهِ، وَوَثَّقَهم. وقال في "الجوهرة" ما لفظه: والصَحِيحُ أنَّ الخَبرَيْن فيما بَعْدَ التَّابِعين، أو في زَمَانِنَا هذا مَتَى وَرَدَ أو كان المُسْندُ معْلُومًَا، ورِجَاله غيْرَ مغمورين، ولا مُلْتَبِسي العَدَالَةِ والضبْطِ، فإن المُسْنَدَ أوْلى بِلا مِرْيَةٍ، لأنَّ المُرْسِلَ حيثُ أَرْسَلَ لا بُدَّ لَهُ مِنْ سَنَدٍ إنْ لَمْ يُشَاهِدْ رَسولَ اللهُ - ﷺ -، ولا سَمِعَ مِنْهُ، ولكِنْ يَتَطَرقُ (٢) إلى المُرْسِلِ مِن السهْوِ والذهُول عَنْ حالِ ما يَروي عَنْهُ ما لَمْ يَتَطَرقْ إلى المُسْنِدِ الَّذي قَدْ أبدى صفحَتَهُ، فكان أولى، وحسن الظنِّ بِمَنْ أَرْسلَ، وإنْ كانَ يُوجِبُ قبُولَ رِوَايَتهِ، إلاَّ أنَّ الظَّن في المسندِ صارَ أقوى لما ذكرنا، فكان أرجَحَ، والعلماءُ مُجْمِعُون على
_________________
(١) = منها " التبيين في أسماء المدلسين " لابن العجمي، و" طبقات المدلسين " لابن حجر، و" التأنيس بشرح منظومة التدليس " للغماري، و" أسماء المدلسين " للسيوطي، و" جامع التحصيل "، وكلها مطبوعة.
(٢) جملة " أما مع معارضة المسند " ساقطة من (ج).
(٣) في (ج): ينظر.
[ ٣ / ٦١ ]
قَبُولِ المُسْنَدِ، وكثيرٌ دَفَعَ المُرْسَلَ، والظُّن يَقْوَى لأقَلّ (١) مِنْ هذِهِ الوجُوه. انتهى كلام صاحبِ " الجوهرة ".
وقد قرَّره الفقيهُ علي بنُ عبدِ الله في تعليقه غايةَ التَّقرير، وَلَمْ يَزِدْ في شرحه على أن قال: إنَّه كما ذكر، فالذي يختار هذا، لم يَأْتِ ببديعٍ، ولا ذَهَبَ إلى غريبٍ، بلِ اختارَ القَوْلَ المَنْصُورَ في مَدْرَسِ الزيْدِيَّةِ في أُصُولِ الفِقْهِ في هذِهِ الأعْصَارِ.
وقد ردَّ المنصورُ باللهِ ﵇ على مَنْ رَجَّح المُرْسَلَ على المُسْنَدِ، ذكر ذلك في " الصَّفْوَةِ ".
وكذلِكَ الشَيخ أبو الحسَيْنِ في " المعتمد " (٢)، والحاكم في " شرح العيون ".
فأين تقديمُنا لِرِوَاية فُسَّاقِ التَّأْويل على رِوَايَةِ الهَادي، والتقديمُ إنَّمَا يصحُّ لو كانت روايةُ الهادي ﵇ مسْنَدَةً، وهو ﵇ مُدَّعٍ لصحَّتِها، مُعَدِّلٌ لروَاتِها، فحينَئِذٍ إذا عَمِلْنَا (٣) بِرِواية غَيْرِهِ، كنَّا قَدْ رَجَّحْنا تصحيحَ غَيْرِهِ على تصحيحه، وأمَّا إذا رجَّحْنا حَدِيثَ غَيْرِهِ عَلَى (٤) ما أرْسَلَهُ لأجْلِ مَنْ بيْنَه وبينَ النبِي - ﷺ - ممَّنْ لَمْ يَنُصَّ ﵇ على عَدَالَتهِ، ولا يلزَمُنا العَمَل بِرِوَايته، فإنَّا لا نكونُ قد رجَّحْنَا قَبولَ الفسَّاقِ على قَبولهِ، والفرقُ بينَ هذا الوَجْهِ والذي قَبْله أنَّ الَّذي قَبْلَهُ في رَدِّ المُرْسَلِ منْ أصلِهِ، وهذا في ردِّه إذا عارَضَهُ المُسْنَدُ على تسليم أنَّهُ حجَّةٌ لو لم يُعارَضْ.
_________________
(١) في (ج): " لأقوى "، وهو خطأ.
(٢) ٢/ ١٨٠ - ١٨١.
(٣) في (ب) و(ش): " علمنا "، وهو خطأ.
(٤) من " تصحيحه " إلى هنا ساقط من (ج).
[ ٣ / ٦٢ ]
الوجه الحادي عشر: أن هذا كله بناء على أنا ما تمسكنا في المسألة إلا بحديث فاسق التأويل
الوجه الحادي عشر: أنَّ هذا كُلهُ بناءٌ على أنَّا ما تَمَسَّكْنَا في المسأَلَةِ إلأَ بحديثِ فاسِقِ التَّأْويلِ، وهذا غَيْرُ مُسَلَّمٍ، فإن أحاديث الإخْفَاتِ قد رواها أَهْلُ العَدْلِ والتَّوْحيدِ منْ أَهْل البَيْت وغيرُهم، كالأميرِ الحُسَيْنِ، والقاضي زيدٍ، وَلَمْ يَطْعَنُوا فيها، وإنَّما تعرَّضُوا للجواب عَنْها بالتَرجيح والتأويل، وقد ذكر روايتَها المنصورُ باللهِ ﵇، ولهذا تَعَرَّض لتأويلِهَا، ولو لم تكن ثابتةً عندَهُ، لم يتأوَّلْها، وقد ذكرنا قول الفقيه علي بنِ عبد الله في تعليق " الجوهرة " إنَّ الإِنصاف، أنَّ المخافتة كانت مِنْ رسولِ الله - ﷺ - كما كان الجَهْرُ منْهُ، فَهذِهِ روايةٌ مِنْ عالِمٍ مِنْ (١) أهْلِ العَدْلِ والتَّوْحِيدِ، بل مِن رؤوس شِيعَةِ البَيْتِ ﵈، بلْ هذِهِ دَعْوى لِلْعِلْم بِثُبوت المخافَتَةِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -.
وبالجُمْلَة فإنَّ رِوَايَةَ أحاديثِ الإخفات في كُتُبنَا مشهورَةٌ على حَدِّ شُهْرةِ أحاديثِ الجَهْرِ، لأنَّ مَنْ تَكَلَّمَ في هذِهِ المسألة تكَلَّمَ بأَدِلَّةِ الفريقين مِنَ الشِّيعَةِ، والشَّافِعيةِ، والمعتزلةِ وغيرهم، فَمنْ أينَ للسيدِ أنَّ أحاديث الإخفات ما وَرَدَتْ إلَّا مِنْ طريقِ فُسَّاقِ التَأويلِ وكفَارِه حَتَّى يقطع عَلَيْنَا حِينَ تَوَهَّمَ أنَّا عَملْنَا (٢) بِهَا أنَّا قَدْ قدَّمنا رِوَايَةَ فُسَّاقِ التَّأويلِ على رِوايةِ (٣) أئِمَّةِ الهُدى؟ وأكثَرُ ما في البابِ أنْ يَكونَ السيدُ لَمْ يَعْرفْ لأحاديث الإخفات طريقًا عَنْ أهْلِ العَدْلِ، فإذا لم يَعْرِفِ الطَّريقَ في نَفْسِهِ، انتفتِ الطَّريقُ في نَفْسِ الأمر.
الوجه الثَّاني عشر: أنَّ السيدَ نَصَّ على أنَّا نُرَجِّحُ فُسَّاق التَّأويلِ عَلَى
_________________
(١) " عالم من " ساقط من (ب)، وفي (ج): عالم.
(٢) في (ب): علمنا.
(٣) ساقطة من (ب).
[ ٣ / ٦٣ ]
الهادي والقاسمِ ﵉، وأقصى ما في البابِ أنهما -﵉- ادَّعَيَا صِحَّةَ حديثٍ مُسْنَد، وتَعْدِيلَ رُوَاتِهِ، ثُمَّ إنَّا قَدَّمْنَا بعضَ الأحاديث عَلَى ذلِكَ الحَديثِ لأمْرٍ يتعلَّقُ بغيرِهِما منْ رجالِ إسنادِه، فهذا يكونُ ترجيحًا على مَنْ رَوَيَا عَنْهُ، لا ترجيحًا عَلَيْهمَا. فَمِنْ أين للسَّيِّد أنَّا رجَّحْنَا عليهما، لولا مَحبَّةُ التَّشنيعِ، وذكرُ ما يَخْبُث سماعه، ويفحُشُ ذِكْرُهُ مِنَ العبارات المهُولةِ، وإنَّما يصدُق كلامُه لو كانا -﵉- سَمِعَا منْ رسولِ اللهِ - ﷺ - بغير واسِطَةٍ، وعارَضَهما فاسقُ تَأْويلٍ (١)، وكنَّا أيضًا سَمعْنَا عَنْهُما وَعَنْ فَاسِقِ التأْوِيلِ بغير واسطة (٢)، ثُمَّ رجَّحْنا فاسِقَ التَّأْوِيلِ، فحينئذٍ يصدق كلام السَّيِّدِ لكِنْ " لوْ " غيرُ مُثْمِرَةٍ للصِّدْقِ، واللهُ أَعْلَمُ.
وبعدُ، فإنَّا قَدْ ذكرنا فيما تقدَّمَ كلامَ المنصورِ باللهِ ﵇ في تقديمِ رِوايةِ الخارجِيِّ، وترجيح حديثه لاعتقادِهِ أنَّ الكَذِبَ [كفر (٣)] على رِوَايَةِ العَدْلِ الصَّحيحِ الاعتقادِ، وقد نَصَّ ذلِكَ المنصورُ باللهِ ﵇، والحاكم في " شرح العيون " حكايةً عَنْ غَيْرِه، وصاحبُ " الجوهرة "، ولم يُنْكِرْ ذلِكَ أَحَدٌ.
وقد ذكرنا قولَ المؤيَّد بالله في " الزِّيادات " إنَّ تقليدَ غَيْرِ الأئِمَّةِ ﵈ أرجح مِنْ تقليدهم، وبيَّنَّا ما في ذلِكَ مِنْ دَعْوَى الإجماع، وفرَّقنا بين الترجيحِ والتَّفصيلِ بِمَا لا (٤) مَزِيدَ عَلَيْهِ، فتأمَّلْهُ في مَكَانهِ (٥)
_________________
(١) في (ش): التأويل.
(٢) من قوله: " وعارضهما فاسق " إلى هنا سقط من (ب)
(٣) زيادة لا بد منها أخلت بها الأصول، وانظر ٢/ ٤٠٩.
(٤) في (ب): " بالا "، وهو خطأ.
(٥) في (ب): " حكاية "، وهو خطأ.
[ ٣ / ٦٤ ]
قوله: قال: المسألة الثانية: إن قيل: الصحيح من حديث رسول الله - ﷺ - ما أخرج البخاري ومسلم وأبو داود وأصحاب الصحاح
تَعْرِفْ أنه لَوْ كان منَّا ما لَمْ يَكُنْ منْ دعْوى السيد لمْ يَكُنْ في ذلكَ ما يُوجِبُ الإنْكارَ، ولا كان ذلِكَ خروجًا عَنْ مذاهبِ الأئِمَّة الأطهار، وليس القَصْد بِهذا الوَجْهِ الاعترافَ بتقديمِ رِوايَةِ غَيْرِ الأئِمةِ (١) عَلَى رِوايَتهمْ، ولكن فيه إلزامُ السَّيِّد تَخْطِئَة منْ جوَّز ذلِكَ منْهُم كالمنصور باللهِ وغَيْرِهِ.
فإنْ قُلْتَ: فَهذا الكلَامُ إنَّما هو فيما رَوَى الهادي ﵇ مِنْ ذَيْنِك الحديثين في الجَهْر، فَهلاَّ تكلَّمْتَ على سائِرِ الأحاديث التي ذكرها القاضي زيد في ذلك؟
قلتُ: خشيتُ (٢) التَّطويل والإملالَ، ففي تلك الأحاديثِ كلامٌ طويلٌ، وهذِهِ الوُجُوهُ تعُمُّ تلكَ الأحاديثَ أيضًا، ولو بسطتُ القوْلَ، لذكرتُ ما يَخُصُّ تلكَ الأحاديثِ على انفرادها، وفي هذا كفايةٌ وتعريفٌ لكثرة المحَامِل (٣) على السَّلامَةِ لِمنْ أرادَها، وسَعَةِ الطُّرُقِ إلى الظَّنِّ الجميل لِمنْ أحبَّها، وبتمام هذا الكلامِ تَمَّ الجواب (٤) على المسألة الثَّالِثَة، ولله الحَمْدُ والمنَّةُ.
قال: المسألةُ الثانِيةُ: إنْ قيلَ: الصَحيح منْ حديثِ رَسُولِ الله - ﷺ - ما أخرج البخاريُّ، ومسلمٌ، وأبو داوود، وكذلك أصحابُ الصِّحاح، وهي معروفَةٌ عِنْدَ المُحَدِّثين والفقهاء، وفي بعضها خلافٌ، فأمَّا ما رُوي في غَيْرِ تِلْكَ الكُتُبِ، فَلَيْسَ بصحيحٍ، إلى قوله: أمَّا هذا الفصل، فزعم القائِلُ به أنَّ مُؤلِّفَ (٥) الصِّحاح أعرفُ الناسِ به، وقد تعرَّضُوا لحَصْرِ
_________________
(١) في (ب): رواية.
(٢) في (ش): خشية.
(٣) في (ب): الحامل.
(٤) في (ش): الكلام.
(٥) في (ش): مؤلفة.
[ ٣ / ٦٥ ]
قوله: أقول: كلام السيد في هذه المسألة قد تقدم الجواب على أكثره، أذكر ما تمس الحاجة إلى ذكره، ولكن لابد من ذكر إشكالات يسيرة على ما ذكره
الإشكال الأول: أن المحدثين قد نصوا على عكس ما ذكره السيد
الصَّحيحِ، فما لم يذكُرُوه فهو غَيرُ صَحِيحٍ عندَهُم، وما كان غيرَ صحيحٍ عندَهم، وَجَبَ أن نَحْكُمَ بأنَّه غيرُ صَحيح، وذلِكَ لمعرفتهم (١) واطِّلاعِهم. وهذا القولُ في غاية الفَسَادِ، والسيِّد عِزُّ الدِّين -مَتَعَ اللهُ ببقائِهِ المسلمينَ- لا يقولُ بِهِ في غَالِبِ ظَنِّي، وإلاَّ لَزِمَهُ نَفْي " حَيَّ عَلَى خَيْرِ العَمَلِ " في الأذان، وإنَّما حَكيته، لأنِّي كنت أَفْهَمُه مِنْ حيّ الفقيهِ الصَّالحِ المُحَدِّث أحمد بنِ سليمان الأوزريّ ﵀ فَهْمًَا لا نصًَّا مِنْهُ، وأن ما يَذْهَبُ إليه هذا المفهومُ حكايةً عنْ مَشَايخِهِ مِنْ مُحَدِّثي الفُقَهاءِ.
أقول: كلام السَيِّد جمال الدين في هذه المسألة قد (٢) تقدَّم الجوابُ على أكثَرِهِ، وقد رَأيْتُ أَنْ أذكُرَ مِنْهُ ما تَمَسُّ الحَاجَة إلى ذِكْرِهِ مِنْ دونِ استقصاءٍ، فإنَّ التَّكْرَارَ غَيْرُ مُفيدٍ ولا مَقْصُودٍ، وقد ذَكَرَ السَّيدُ عن المُحَدِّثين ما لم يَذْهَبُوا إِلَيْهِ مِنَ القوْلِ بِضَعْفِ ما ليس في الصِّحاح، وفي الحقيقَةِ أنَّهُ لا يلزَمُ جوابُ كَلَامِ السَّيِّدِ هذا، لَأنَّهُ اعتراضٌ بِمَا لَمْ يَكُنْ، واحتجاجٌ على غَيْرِ خَصْمٍ، ولكنْ لا بدَّ مِنْ ذكرِ إشكالاتٍ يَسِيرَةٍ عَلَى ما ذَكَرَهُ.
الإِشكال الأول: أنَّ المحدِّثينَ قد نصُّوا على عَكْسِ ما ذَكَرَهُ السيد، وظَهَر ذلِكَ عَنْهُم ظُهورًَا لا يكادُ يَخْفى على مَنْ لَهُ أَدْنَى مَعْرِفَةٍ بِعِلْم الحديثِ، ومِنَ المشهُورِ المستفيضِ عَنِ البُخارِيِّ أنَّه قال: إنَّه اختارَ حدِيثَه مِنْ مِئَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ صحيحٍ، مَعْ أنَّ صَحيحَه لا يَشْتمِلُ إلاَّ عَلَى قَدْرِ سِتَّة آلافِ حَدِيثٍ (٣)، فَمَنْ نَصَّ على أنَّه أَخْرَجَ سِتَّةَ آلافِ حَدِيثٍ مِنْ مِئَةِ
_________________
(١) في (ب): لمعرفته.
(٢) في (ب): وقد.
(٣) كذا قال هنا، وقال في " تنقيح الأنظار " نقلًا عن الحافظ العراقي ١/ ٥٦: إن عدد أحاديثه بالمكرر سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا، والصواب أن عددها بالمكرر (٧٥٦٣) حديثًا، كما في فتح الباري الطبعة السلفية، بترقيم المرحوم الأستاذ فؤاد عبد الباقي.
[ ٣ / ٦٦ ]
أَلْفِ حَدِيثٍ صحيحٍ، كيف يذهبُ إلى أنَّ ما ليس في كتابه، فليس بصحيحٍ، أو يقال: إنَّه تعرَّض لِحَصْرِ الصَّحِيحِ (١)؟
وقد روى النَّواوي في " شرح مسلم " (٢) عن الحافظ الكبير أبي زُرْعَةَ الرازي (٣) أنَّه ذكر " صحيح مسلم "، وأنكر عليه، وقال: يُطرِّقُ (٤) لأهْلِ البِدَعِ علينا، فيَجِدُونَ السبيلَ بأنْ يقولُوا إذا احتجَّ عَلَيْهِمْ بحديثٍ: ليس هذا في الصَّحيحِ.
قال سعيد بن عمرو (٥): فلمَّا رَجَعْتُ إلى نَيْسابورَ، ذكرتُ لمسلمٍ
_________________
(١) قال أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري: كنا عند إسحاق بن راهويه، فقال: لو جمعتم كتابًا مختصرًا لصحيح سنة رسول الله - ﷺ -، قال: فوقع ذلك في قلبي، فأخذت في جمع " الجامع الصحيح ". وروى الإسماعيلي عنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر. قال الإسماعيلي: لأنَّه لو أخرج كل صحيح عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعة من الصحابة، ولذكر طريق كل واحد منهم إذا صحت، فيصير كتابًا كبيرًا جدًا. وقال أبو أحمد بن عدي: سمعت الحسن بن حسين البزار يقول: سمعت إبراهيم بن معقل النسفي يقول: سمعت البخاري يقول: ما أدخلت في كتاب " الجامع " إلا ما صح، وتركت من الصحيح حتى لا يطول. " هدي الساري " ص ٧.
(٢) ١/ ٢٥ - ٢٦.
(٣) هو الإمام الحافظ محدث الري أبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد القرشي المخزومي المتوفى سنة ٢٦٤ هـ. كان من أفراد الدهر حفظًا وذكاء ودينًا وإخلاصًا وعملًا. قال إسحاق بن راهويه: كل حديث لا يعرفه أبو زرعة الرازي ليس له أصل، وشهد له بالإمامة صاحبه أبو حاتم الرازي، وكان يحدث عنه فيقول: حدثني أبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم ابن يزيد القرشي، وما خلَّف بعده مثلَه علمًا وفهْمًا وصيانة وحذقًا، وهذا ما لا يرتاب فيه، ولا أعلم من المشرق والمغرب من كان يفهم في هذا الشأن مثله، ولقد كان من هذا الأمر بسبيل. قال الإمام الذهبي: يعجبني كثيرًا كلام أبي زرعة في الجرح والتعديل، يبين عليه الورع والمخبرة، بخلاف رفيقه أبي حاتم فإنه جراح. مترجم في " السير " ١٣/ ٦٥ - ٨٥. قلت: وكلامه الذي نقله المصنف عنه من " شرح مسلم " للنووي، موجود في كتابه " الضعفاء " ٢/ ٦٧٥ - ٦٧٧.
(٤) في (ج): وقد تطرق.
(٥) هو الإمام الحافظ الجوال، أبو عثمان سعيد بن عمرو بن عمار الأزدي البرذعي، =
[ ٣ / ٦٧ ]
إنكارَ أبي زرْعَةَ، فقال: إنَّما قلت: صحيحٌ (١).
قال سعيدٌ: وقَدِمَ مُسْلِمٌ بَعْدَ ذلِكَ الرَّيَ، فبلغني أنَّه خَرَجَ إلى الحافِظِ أبي عَبْدِ اللهِ [محمد بن] مُسْلم بنِ وارَة (٢)، فجفاه وعاتَبَهُ على هذا الكتابِ، وقال له نحوًا مِمَّا قال لي أبو زُرْعَةَ مِنْ تطريقِهِ للمبتدِعَةِ عَلَيْنَا أن يقولوا ما تقدَّمَ، فأجاب، فقال (٣): إنَّما أخرجتُ هذا الكتابَ، وقلت: هو صحيحٌ، وَلَمْ أَقُلْ إنَّ ما لَمْ أُخَرِّجْهُ في هذا الكتاب فَهو ضَعيفٌ، فَقبِلَ عُذْرَهُ وحدَّثَهُ. انتهى.
قلتُ: فانظر إلى هذيْنِ الحَافِظَيْن الكبيرين: أبي زُرْعَةَ، وابنِ وارة كيف اشتدَّ نكيرُهُما على مُسْلمٍ لما توَهَّمَا أنَّه ادَّعى حَصْر الحديث الصَّحِيح حَتَى صرَّح بالبراءَةِ مِنْ ذلِكَ، حَتَّى إنَّ ابنَ وارَة جفاهُ، وامتنَعَ مِنْ تحديثِهِ، حَتَّى بَيَّنَ أَمْرَ ذلِكَ، ثُمَّ حدَّثَهُ بَعْدَ المَعْرِفَةِ ببراءَتِهِ مِنْ ذلِكَ (٤).
فكيفَ يُنْسَبُ إلى هُؤلاءِ القَوْلُ بانحصار الصَّحِيح (٥) في هذِه
_________________
(١) = المتوفى سنة ٢٩٢ هـ. وصنف كتابًا ضمنه أجوبة شيخه أبي زرعة مع أجوبة قليلة لبعض الأئمة الذين كانوا في مجلس أبي زرعة، وضم إليه كتاب " الضعفاء " لأبي زرعة، وقد طبع بتحقيق الدكتور سعدي الهاشمي مع دراسة مستفيضة عن أبي زرعة وجهوده في السنة النبوية في ثلاثة أجزاء. مترجم في " السير " ١٤/ ٧٧ - ٧٨.
(٢) في هامش (ش): " أي: ولم أنف الصحة عن غيره ".
(٣) هو الإمام الحافظ المجود، أبو عبد الله، محمد بن مسلم بن عثمان بن عبد الله بن وارة الرازي، ارتحل إلى الآفاق، وحدث عن خلق كثير، وكان يضرب به المثل في الحفظ. قال الإمام أبو جعفر الطحاوي: ثلاثة من علماء الزمان بالحديث اتفقوا بالري لم يكن في الأرض مثلهم في وقتهم، فذكر ابن وارة، وأبا حاتم، وابا زرعة. توفي سنة ٢٧٠ هـ. مترجم في " السير " ١٣/ ٢٨.
(٤) في (ب): وقال.
(٥) من قوله: " ثم حدثه " إلى هنا ساقط من (ب).
(٦) في (ب) و(ج): الحديث الصحيح.
[ ٣ / ٦٨ ]
الكُتُب، وقد ذكَروا ذلك في عُلُومِ الحَدِيثِ، مِمَّنْ ذَكَرَهُ منهم: ابنُ الصَّلاحِ (١)، و(٢) زين الدِّين العِراقي في كتابه " التَّبْصِرَة " (٣)، والحاكم أبو عبد الله في " علوم الحديث " (٤) له، وفي " المستدرك " قال في خطبة " المستدرك " (٥): ولم يدَّعِ ذلك البخارِيُّ ولا مُسْلِمٌ، ونقل عنه أبو السَّعادات في مقدِّمة " جامِعِه " (٦) أنَّ الصَّحيحَ عَشْرَةُ أقسامٍ، حديثُ البخاري ومسلم قِسْمٌ واحِدٌ منها، ونَصَّ على أنَّهما لم يجمعاه، وعدَّه ابنُ الصلاحِ، وزينُ الدِّين سبعةَ أقسام، حديث البخاري ومسلم منها ثلاثة (٧).
وبعدُ، فالتَّطويلُ في هذا لا يليقُ، فأهل الجبْرَةِ يَعْلَمُون (٨) بالضَّرُورَةِ أنَّ هذا ليس مذهبًا لأهْلِ الحَدِيثِ، فلَمْ يَزَلْ علماءُ الحديثِ يُصَنِّفُونَ ويصحِّحُونَ ويستدركُونَ عَلَى صاحِبَي الصَّحِيحِ ما تركاهُ، وهُو على شَرْطِهِمَا.
_________________
(١) في " مقدمته " ص ١٥ - ١٦.
(٢) سقطت الواو من (ب).
(٣) ١/ ٤٣.
(٤) لم أجد في المطبوع من " علوم الحديث " ما قاله المصنف، وأغلب الظن أنَّه وهم، وهو موجود في كتاب " المدخل إلى الإكليل " ص ٣٣ - ٥٠ للحاكم، ونقله عنه أبو السعادات في " جامع الأصول ".
(٥) " المستدرك " ١/ ٢.
(٦) انظر " جامع الأصول " ١/ ١٦٠ - ١٧٤ الطبعة الشامية تحقيق صاحبنا المحدث الشيخ عبد القادر الأرنؤوط.
(٧) الأول: ما اتفقا على إخراجه، والثاني: ما انفرد به البخاري، والثالث: ما انفرد به مسلم، والرابع: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه، والخامس: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجه، والسادس: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجه، والسابع: صحيح عند غيرهما وليس على شرط واحد منهما. انظر " مقدمةُ ابن الصلاح " ص ٢٣ - ٢٤، و" التبصرة والتذكرة " ١/ ٦٤ - ٦٨.
(٨) في (ب): " يعملون "، وهو خطأ.
[ ٣ / ٦٩ ]
وقد صنَّف في هذا المعنى غير واحدٍ منِ الحُفَّاظ، مِنْهم الحافظ أبو عبد الله الحاكمِ الشِّيعيُّ (١) مَذْهَبًَا، فإنَّه صنَفَ كتابَ " المستدرك على الصَّحِيحَيْنِ "، وَهو كتابٌ كَبِيرٌ، وقد ذكره ابنُ الصَلاح في كتابه " العلوم " (٢)، وذكر أنَّه اشتمل على صحيحٍ كثير.
وذكر الذَّهبِيُّ في " النُّبلاء " (٣) أنَّ فيه قدر الثُّلُثِ على شَرْطِ البُخَّارِيِّ ومسلمٍ، وقدر الرُّبعِ صحيحٌ، ولكِنْ على غير شرطهما، والباقي (٤) مما فيه نظر، وفيه قَدْر مئةِ حديثٍ باطلة، أو كما قال.
والمصنِّفونَ للصِّحَاحِ مِنَ المحدِّثينَ عَدَدٌ كثير، وليسَ همْ هؤلاء
_________________
(١) انظر لزامًا " طبقات الشافعية " للسبكي ٤/ ١٦١ - ١٧١.
(٢) ص ١٦ و١٨.
(٣) ١٧/ ١٧٥ بتحقيقنا مع صاحبنا الأستاذ نعيم العرقسوسي، وقد رواه المصنف عنه بالمعنى، ونصه بعد أن نقل عن أبي سعد الماليني قوله: طالعت " المستدرك " على الشيخين الذي صنفه الحاكم من أوله إلى آخره، فلم أرَ فيه حديثًا على شرطهما: قلت: هذه مكابرة وغلو، وليست رتبة أبي سعد أن يحكم بهذا، بل في " المستدرك " شيء كثير على شرط أحدهما، ولعل مجموع ذلك ثلث الكتاب، بل أقل، فإن في كثير من ذلك أحاديث في الظاهر على شرط أحدهما أو كليهما، وفي الباطن لها علل خفية مؤثرة، وقطعة من الكتاب إسنادها صالح وحسن وجيد، وذلك نحو ربعه، وباقي الكتاب مناكير وعجائب، وفي غضون ذلك أحاديث نحو المئة يشهد القلب ببطلانها، كنت قد أفردت منها جزءًا، وحديث الطير بالنسبة إِليها سماء، وبكل حال فهو كتاب مفيد قد اختصرتُهُ ويعوز عملًا وتحريرًا. قلت: وبين من مقالة الذهبي هذه أنَّه ﵀ لم يعتن بالمختصر اعتناءً تامًا، فلم يتفحص الأسانيد تفحصًا دقيقًا، وإنما تكلم عليها بحسب ما تيسر له، ولذا فاته أن يتكلم على عدد غير قليل من الأحاديث صححها الحاكم وهي غير صحيحة، أو ذكر أنها على شرط الشيخين أو على شرط أحدهما، وهي ليست كذلك كما يتحقق ذلك من له خبرة بأسانيد الحاكم، وممارسة لها، ونظر فيها، ولذا لا بد من دراسة الأسانيد جميعها، والحكم عليها بما يليق بحال كل إسناد المأخوذ من صفات رواته من الصحة، أو الحسن، أو الضعف، أو الوضع، وهذا النهج ينبغي أن يتبع في كتب السنن، والمسانيد، والمعاجم، والمصنفات، و" صحيح ابن خزيمة "، و" صحيح ابن حبان " و" منتقى ابن الجارود".
(٤) تحرف في (ش) إلى: والثاني.
[ ٣ / ٧٠ ]
السِّتَّة (١)، ولا هُؤلاءِ نصفُهم ولا رُبعهم ولا ما يُقارِبُ هذا القَدر، وفيهم مَنْ لم يَسْمَعْ أكثرُ النَّاس باسمِه، وَمَنْ أحبَّ مَعْرِفَةَ ذلِكَ، فلْيُطالِعْ كُتُبَ الرِّجَالَ. وقد استفاضَ بينَ عُلَمَاء الحَدِيثِ قديمًا وحديثًا الاحتجاجُ بمَا صحَّحَهُ غيرُ هؤلاء، كالحافِظِ البرقاني (٢)، وإمامِ الأئِمَّةِ ابنِ خُزيْمَة (٣)، والحافظِ الكبيرِ ابنِ حِبَّان (٤)،
_________________
(١) هذا صحيح بالنسبة للشيخين البخاري ومسلم رحمهما الله، أما بالنسبة لأصحاب السنن الأربعة فلا، لأنهم لم يلتزموا الصحة في كل حديث دونوه في كتبهم، ففيها الصحيح والحسن، وهو كثير، والضعيف والمنكر، وهو قليل، فلا يمكن إدراجهم في جملة من صنف في الصحاح، وليس هذا مما يخفي على المصنف ﵀، وقد بين ذلك بيانًا شافيًا في كتابه العظيم " تنقيح الأنظار ".
(٢) هو الإمام العلامة الحافظ الثبت، شيخ الفقهاء والمحدثين، أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب البرقاني الشافعي، قال عنه الخطيب البغدادي: كان ثقة، ورعًا، ثبتًا، فهمًا، لم نرَ في شيوخنا أثبت منه، عارفًا بالفقه، له حظ من علم العربية، كثير الحديث، صنف مسندًا ضمنه ما اشتمل عليه صحيح البخاري ومسلم، وجمع حديث سفيان الثوري، وأيوب، وشعبة، وعبيد الله بن عمر، وعبد الملك بن عمير، وبيان بن بشر، ومطر الوراق وغيرهم، ولم يقطع التصنيف إلى حين وفاته. مات سنة ٤٢٥ هـ. انظر ترجمته في " السير " ١٧/ ٤٦٤ - ٤٦٨.
(٣) هو الحافظ الحجة الفقيه شيخ الإسلام، إمام الأئمة، أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة النيسابوري الشافعي صاحب التصانيف المتوفى سنة ٣١١ هـ، وُلد سنة ثلاث وعشرين ومئتين، وعُني في حداثته بالحديث والفقه، حتى صار يُضرب به المثل في سعة العلم والإتقان. قال أبو علي: كان ابن خزيمة يحفظ الفقهيات من حديثه كما يحفظ القارىء السورة، له مصنفات كثيرة، من أعظمها " صحيحه "، وقد طبع منه الموجود -وهو الربع الأول من الكتاب- في أربعة أجزاء بتحقيق محمد مصطفي الأعظمي. انظر ترجمته في " السير " ١٤/ ٣٦٥ - ٣٨٢.
(٤) هو الحافظ الإمام العلامة المجود شيخ خراسان أبي حاتم محمد بن حبان البستي المتوفى سنة ٣٥٤ هـ. كان مكثرًا من الحديث والرحلة والشيوخ عالمًا بالمتون والأسانيد، إمام عصره في معرفة الحديث رواية ودراية، صنف تصانيف لم يسبق إليها، من أعظمها وأجودها " التقاسيم والأنواع "، وهو كتاب جليل القدر، عظيم الفائدة، حرره أدق تحرير، وحقق أسانيده ورجاله، وعلل ما احتاج إلى تعليل من نصوص الأحاديث وأسانيدها، وتوثق من صحة كل حديث اختاره على شرطه الذي التزمه. وقد رتَّبَه على أبوابِ الفقه الأمير علاء الدين علي بن =
[ ٣ / ٧١ ]
والحاكِم ابن البَيِّع (١)، والدَّارقُطني (٢)، والبيهقي (٣)،
_________________
(١) = بلبان الفارسي المتوفى سنة ٧٣٩ هـ، وقد توليتُ بتوفيقِ اللهِ وعونه تحقيقه، وضبطه وتخريج أحاديثه، والحكم عليها، ونجز منه خمسة مجلدات كبار، وهي توازي ثلث الكتاب طبع مؤسسة الرسالة، يسر الله لي إكمالَه وإتمامَه.
(٢) ضبطه السمعاني في " الأنساب " ٢/ ٣٧٠: بفتح الباء الموحدة، وكسر الياء المشددة آخر الحروف، وفي آخرها العين المهملة، هذه اللفظة لمن يتولى البياعة والتوسط في الخانات بين البائع والمشتري من التجار للأمتعة. قلت: واسم الحاكم محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم بن الحكم الضبي النيسابوري، ولد سنة ٣٢١ هـ، وتوفي سنة ٤٠٥ هـ. وكتابه " المستدرك " بحاجة إلى تحقيق جديد متقن. انظر ترجمته في " السير " ١٧/ ١٦٢ - ١٧٧.
(٣) هو الإمام الحافظ المجود أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي البغدادي المقرىء المحدِّث، من أهل محلة دار القطن ببغداد. وُلد سنة ٣٠٦ هـ، وتوفي سنة ٣٨٥ هـ. قال الإمام الذهبي: كان من بحور العلم، ومن أئمة الدنيا، انتهى إليه الحفظ ومعرفة علل الحديث ورجاله مع التقدم في القراءات وطرقها، وقوة المشاركة في الفقه والاختلاف والمغازي وأيام الناس وغير ذلك. انظر ترجمته في " السير " ١٦/ ٤٤٩ - ٤٦١. وله مؤلفات كثيرة في علوم الحديث والقراءات، منها كتاب " السنن " طبع في الهند، وفي مصر مع تعليقات حافلة عليه للمحدث الجليل أبي الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي وكتاب " العلل " وهو كتاب عظيم في بابه لم يسبق إليه، طبع منه ثلاثة أجزاء بتحقيق الدكتور محفوظ عبد الرحمن، نشر دار طيبة في الرياض، ومما طبع من تآليفه " أحاديث الصفات "، و" أحاديث النزول "، و" الإلزامات والتتبع "، و" الضعفاء والمتروكون "، و" سؤالات الحاكم النيسابوري "، وسؤالات حمزة بن يوسف السهمي وغيره من المشايخ.
(٤) هو الحافظ العلامة الثبت الفقيه أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن موسى البيهقي، وُلد سنة ٣٨٤، وتوفي سنة ٤٥٨ هـ. كان من كبار أصحاب الحاكم، ويزيد عليه بأنواع من العلوم، كتب الحديث وحفظه من صباه، وتفقه، وبرع، وارتحل إلى العراق والجبال والحجاز، ثم صنف، وتواليفه تقارب ألف جزء مما لم يسبقه إليه أحد، جمع بين علم الحديث والفقه، وبيان علل الحديث، ووجه الجمع بين الأحاديث. قال الإمام الذهبي: وبورك له في علمه، وصنف التصانيف النافعة، ولم يكن عنده " سنن النسائي "، ولا " سنن ابن ماجة "، ولا " جامع مع أبي عيسى "، وكان عنده عن الحاكم وقر بعير أو نحو ذلك. مترجم في " السير " ١٨/ ١٦٣ - ١٧٠. وقال أيضًا: تصانيف البيهقي عظيمة القدر، غزيرة الفوائد، قل مَنْ جَوَّد تواليفه مثله، فينبغي للعالم أن يعتني بها لاسيما كتابه " السنن الكبير ". قلت: وقد طبع في الهند بمطبعة دائرة المعارف النظامية في حيدر آباد سنة ١٣٤٤ هـ - =
[ ٣ / ٧٢ ]
وعبدِ الحَقِّ (١)، وعبدِ الغَنِيِّ المقْدِسِي (٢)، والشَّيخ تَقِيِّ الدِّين (٣)، وابن سيدِ النَّاس (٤)
_________________
(١) = ١٣٥٥ هـ في عشر مجلدات كبار، وبأسفله " الجوهر النقي " للحافظ علاء الدين بن علي بن عثمان المارديني الشهير بابن التركماني المتوفى سنة ٧٤٥ هـ. وقد طبع " الجوهر النقي ". بمجلد ضخم مفردًا، وهو كتاب نفيس، ينبىء عن جلالة قدر مؤلفه، وبراعة نقده، وسعة اطلاعه، ورسوخ قدمه في هذا الفن.
(٢) هو الإمام الحافظ البارع المجود العلامة أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد الله الأزدي الأندلسي الإشبيلي صاحب " الأحكام الكبرى " المتوفى سنة ٥٨١ هـ. مترجم في " السير " ٢١/ ١٩٨ - ٢٠٢.
(٣) هو الإمام العالم الحافظ الكبير تقي الدين أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي، ثم الدمشقي المنشأ، الصالحي الحنبلي، صاحب التصانيف الكثيرة، المتوفى سنة ٦٠٠ هـ. قال ضياء الدين المقدسي: كان شيخنا الحافظ لا يكاد يسأل عن حديث إلا ذكره وبينه، وذكر صحته أو سقمه، ولا يسألُ عن رجل إلا قال: هو فلان بن فلان الفلاني، ويذكر نسبه، فكان أمير المؤمنين في الحديث، وقال له رجل من أصحابه: إن رجلًا حلف بالطلاق أنك تحفظ مئة ألف حديث، فقال: لو أكثر لصدق. وقد صنف عدة مصنفات، منها " الكمال في أسماء الرِّجال " أول مصنف جمع فيه رجال الكتب الستة: البخاري، ومسلم، والترمذي، وأبي داود، والنسائي، وابن ماجه. وهو الأصل الذي بنى عليه الحافظ المتقن جمال الدين أبي الحجاج يوسف المزي، المتوفى سنة ٧٤٢ هـ كتابه العظيم " تهذيب الكمال في أسماء الرجال "، وزاد عليه زيادات كبيرة بحيث غدا التهذيب يوازي ثلاثة أضعاف كتاب " الكمال "، وقد باشرت مؤسسة الرسالة بطبعه، وقد نجز منه عشرة مجلدات، يسر الله إكماله وإتمامه. مترجم في " السير " ٢١/ ٤٤٣ - ٤٧١.
(٤) في (أ) و(ب) و(ج): " تقي الناس "، وفي (ش): " تقي الدين الناس "، والصواب ما أثبتنا. وهو الإمام المحدث الفقيه محمد بن علي بن وهب المعروف بابن دقيق العيد المتوفى سنة ٧٠٢ هـ. وقد تقدمت ترجمته في ١/ ٢٠٩.
(٥) هو الإمام الحافظ فتح الدين أبو الفتح محمد بن محمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن يحيى بن سيد الناس الشافعي اليعمري الأندلسي الإشبيلي المصري، المتوفى سنة ٧٣٤ هـ. قال الحافظ ابن كثير: اشتغل بالعلم، فبرع وساد أقرانه في علوم شتى من الحديث، والفقه، والنحو، وعلم السير، والتاريخ وغير ذلك، وقد جمع سيرة حسنة في مجلدين، وقد حرَّر، وحبر، وأجاد، ولم يسلم من بعض الانتقاد، وله الشعر والنثر الفائق، وحسن التصنيف والترصيف، والتعبير وجودة البديهة، وحسن الطوية، والعقيدة السلفية، والاقتداء بالأحاديث النبوية، وتُذكر عنه شؤون أُخر، الله يتولاه فيها، ولم يكن بمصر في مجموعه مثلُه في حفظ =
[ ٣ / ٧٣ ]
والنواوي (١)، ومنْ لا يأتي عليه العَدُّ، ولا أعلمُ عَنْ أحدٍ منهم شيئًا من هذا إلاَّ روايةً شاذّة لَمْ تَصحَّ فيما أعلمُ عَنْ أبي داوود، فقال: في " سننه " شيئًا من هذا، ولو صَحَّ هذا عنه، لاحتمَلَ أن مُرَادَهُ أنَّه حَصَرَ الحديثَ الصَّحيح الذي يعرِفُهُ، ويدُلُّ على ذلك أنَّه قَدِ اشتهر عنه من غير وجه أنَّه قال: إنَّه يذكر في كل باب أصَحَّ ما يعرفه في ذَلكَ البابِ، هكذا رواه الحافظُ الحازميُّ (٢) بهذا اللفْظِ، وهو (٣) واضحٌ في بيانِ مَقْصِدِهِ، فَالمُقَيَّد يُفَسِّرُ
_________________
(١) = الأسانيد، والمتون، والعلل، والفقه، والملح، والأشعار، والحكايات. انظر " شذرات الذهب " ٦/ ١٠٨ - ١٠٩.
(٢) هو الإمام الحافظ الفقيه الزاهد القدوة، محيي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري الحزامي الحوراني الدمشقي، صاحب التصانيف النافعة. ولد في نوى من قرى حوران سنة ٦٣١ هـ، وقدم دمشق سنة ٦٤٩ هـ لطلب العلم، فنزل بالمدرسة الرواحية، وكان يقرأ كل يوم اثني عشر درسًا على مشايخه في الحديث، والفقه، والعربية، والأصول، وتاريخ الرجال شرحًا وتصحيحًا، ودام على ذلك نحو عشر سنين حتى فاق الأقران، وتقدم على جميع الطلبة، وحاز قصب السبق في العلم والعمل، ثم أخذ في التصنيف في حدود الستين وست مئة، وإلى أن مات ﵀ بنوى عند أهلة سنة ٦٧٦ هـ. قال الإمام الذهبي: كان مع تبحره في العلم وسعة معرفته بالحديث، والفقه، واللغة وغير ذلك بما قد سارت به الركبان رأسًا في الزهد، وقدوة في الورع، عديم المثل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قانعًا باليسير، راضيًا عن الله، والله عنه راضٍ. مترجم في " تذكرة الحفاظ " ٤/ ١٤٧٠ - ١٤٧٤.
(٣) هو الإمام الحافظ، الحجة الناقد، النسابة البارع، أبو بكر محمد بن موسى بن عثمان بن موسى الحازمي الهَمَذاني، وُلد سنة ٥٤٨ هـ، وتوفي سنة ٥٨٤ هـ وله ست وثلاثون سنة. قال ابن النجار في " تاريخه ": كان الحازمي من الأئمة الحفاظ العالمين بفقه الحديث ومعانيه ورجاله، ألف كتاب " الناسخ والمنسوخ "، وكتاب " عجالة المبتدىء في النسب "، وكتاب " المؤتلف والمختلف " في أسماء البلدان، وأسند أحاديث " المهذب "، وكان ثقة، حجة، نبيلًا، زاهدًا، عابدًا، ورعًا، ملازمًا للخلوة والتصنيف، وبث العلم. قلت: وكتابه " الاعتبار في بيان الناسخ والمنسوخ من الآثار " كتاب عظيم في بابه، لم يؤلف مثله، وهو دال على إمامة مؤلفه في الفقه والحديث. مترجم في " السير " ٢١/ ١٦٧ - ١٧٢.
(٤) في (ب): وهذا.
[ ٣ / ٧٤ ]
المُطْلق في الحقيقة اللُّغَوِيَّةِ، والحقيقةِ العُرْفِيَّةِ، فوجبَ المصيرُ إلى ذَلِكَ، وارتفع الإِشكالُ.
وقال النَّواوي: إنَّ أبا داوود لم يَسْتَوْعِبِ الصَّحيح مِنْ أحاديثِ الأحكامِ ولا مُعْظَمَهُ، وذلك ظاهر، بل معرفتُه ضَرُورِيَّةٌ لِمن لَهُ أدنى اطِّلاعٍ. انتهى.
فانظر إلى النَّواوي كيف ادَّعى العلم الضَّرُورِيً لِمنْ لَهُ أدنى اطِّلاعٍ، على أنَّ السُّنَنَ غيرُ جامِعَةٍ لأحاديثِ الأحكام الصَّحيحَةِ ولا لمُعْظَمِها أيضًا، وقد ذكرَ أهلُ الحديث أنَّهم إذا قالوا: هذا حديثٌ ضعيفٌ، فمرادُهُم: إسنادُه ضعيفٌ، لجوازِ أن يكونَ هذا الحديثُ في نَفْسِهِ صحيحًا بغيرِ ذلِكَ الإسنادِ، لكِنْ لَمْ يَعْرِفُوا الإسنادَ الصَّحيحَ، وهذا أَوْضَحُ دليل على عَدَمِ دَعْواهُم لحَصْر الصَّحيحِ، ثمَّ إنَّ حديث رسول الله - ﷺ - أَوْسَعُ مِنْ أنْ يَحْصُرَهُ عالِمٌ بحيث يقطع على أنَّه لم يبْقَ حديثٌ إلاَّ وقد عَلِمَهُ، وقد قدَّمنا عَنْ أمير المؤمنين عليٍّ ﵇ أنَّه كان يَسْتَحْلِفُ بَعْضَ الرُّواةِ، فإذا حلَفَ لَهُ صدَّقه (١)، فهذا دليلٌ عَلَى أنَّه -﵇- لَمْ يَعْتقِدْ أنَّه قدْ أحاطَ بالحديث، فهذا، وهو عند طوائفِ الشِّيعَةِ وكثيرٍ مِنَ المعتزلَةِ، أوْ أكثرهم أَعْلَمُ الأمَّةِ بدليلِ أنَّه أقضاهم بالنَّصِّ، فكيفَ بغَيْرِه؟!.
وقد رُوي عن الشَّافعِي أنَّه قال: عِلْمانِ لا يَجْمَعُهُما أَحَدٌ، ولا يُحِيطُ بِهِما أَحَدٌ (٢): عِلْمُ الحديثِ، وعِلْمُ اللُّغَة.
وفي هذا القدرِ كفايَةٌ في التَّعريف ببراءَةِ أهْلِ الحديث مِمَّا رَماهُمْ بهِ
_________________
(١) تقدم تخريجه ١/ ٢٨٤.
(٢) جملة " ولا يحيط بهما أحد " ساقطة من (ب).
[ ٣ / ٧٥ ]
الإشكال الثاني: أن السيد قال: إنما حكي هذا القول، لأنه كان يفهمه من الأوزري
الإشكال الثالث: سلمنا للسيد أن ذلك مذهب الأوزري
السَّيدُ أيَّدَهُ اللهُ.
الإِشكال الثاني: أنَّ السيدَ -أيدَهُ اللهُ- قال: إنَّما حكى هذا القوْلَ، لأنَهُ كان يَفْهَمُهُ مِنَ الأوزري، فنقول: نَقْلُ المَذْهَبِ بِمُجَرَّد الفَهْم والحَدْسِ لا يصِحُّ، وَلنَقْل المَذَاهِبِ شُروط معْتَبَرَةٌ عِنْدَ العُلماءِ، لَمْ يذكُرِ السَّيِّدُ منها شيئًا.
الإشكال الثالث: سلَّمنا للسيدِ أنَّ ذلكَ مَذْهَبُ الأوزريِّ، فمِنْ أين لَهُ أنه (١) مذهبُ مشايِخِهِ، وقد أجمعَ العُلَمَاءُ والعُقَلاءُ على أنَّه لا يُنْسَبُ مذهبُ التِّلميذِ إلى الشَّيخِ، وقد عَدَّ العلماءُ طُرُق نَقْلِ المذاهبِ، فلم يذكروا فيها أن ما ذهبَ إليه التَلميذُ، فَهُوَ مذهبُ شَيْخِهِ، وقد قرأ كثيرٌ مِنْ أَهْلِ العَدْلِ والتَّوحيدِ على المخالِفِينَ في العقائد، ولم يَلْزَم اتّفاقهم فيها، وقد قرأ غيرُ واحدٍ من أَئِمَّة العِتْرَةِ ﵈ على من يُخالِفُهمْ في العقيدة، منْ أعظمهم الإِمام (٢) المنصورُ بالله علمِه السّلامُ، فقد أَخَذَ عَنِ الحافِظِ أبي الحُسينِ يحيى بنِ الحسنِ الأسدِيَ الحَلَبِي (٣)، وقرأ السَّيِّد أبو طالب على الحافِظِ ابنِ عديٍ، وروى عنه " أماليه "، وعامَّةُ أحاديثِ المؤيَّد في " شرح التَّجريد " عن الحافِظ ابن المقرىء (٤). وابنُ عَدِيٍّ مِنْ كبار أَئِمَّةِ الحَدِيثِ حِفْظًَا وَمَذْهَبًَا.
_________________
(١) في (ج): أن ذلك.
(٢) ساقط من (ج).
(٣) هو يحيى بن الحسن بن الحسين بن علي بن محمد، المعروف بابن البطريق، من فقهاء الإمامية من أهل الحلة (في العراق)، سكن بغداد، ونزل بواسط، وكان في حلب سنة ٥٩٦ هـ، له عدة تصانيف. توفي سنة ٦٠٠ هـ. مترجم في " لسان الميزان " ٦/ ٢٤٧، و" روضات الجنات " ص ٧٣٩.
(٤) هو الشيخ الحافظ، الجَوَّال، الصدوق، مسند الوقت، أبو بكر محمد بن إبراهيم بن علي بن عاصم بن زاذان الأصبهاني ابن المقرىء، صاحب المعجم والرحلة الواسعة، المتوفى سنة ٣٨١ هـ. مترجم في " سير أعلام النبلاء " ١٦/ ٣٩٨ - ٤٠٢.
[ ٣ / ٧٦ ]
الإشكال الرابع: أن هذا المفهوم من الأوزري إن كان حسنا فلا معنى لإبطاله وإن وإن قبيحا فنسبته إليه لمجرد الفهم والحدس من قبيل سوء الظن المحرم
الإشكال الخامس: سلمنا أن هذا مذهب شيخ الأوزري، فكيف ينسبه إلى طائفة من المحدثين
الأشكال السادس: سلمنا أنه يلزمهم
وبعدُ، فالأوزَرِيُّ كان زَيْدِيَّ العَقِيدَةِ، صَحِيحَ المَذْهَبِ، فلو كان بينَ اعتقادِه واعتقادِ مشايخِه مُلازَمَةٌ، لوجَبَ أن نُحْسِنَ الظَّنَّ بهم في العَقِيدَةِ.
الإِشكال الرابع: أنَّ هذا المفهومَ مِن الأوْزَري إنْ كان حَسنًا، فلا معنى لإبطالِهِ، وإنْ كان قبيحًا، فَنِسْبتُهُ إليه لِمُجَرَّدِ الفَهْمِ والحَدْسِ مِنْ قبِيلِ سوءِ الظَّنِّ المُحَرَّم.
الإِشكال الخامسُ: سلمْنَا أنَّ هذا مَذْهَبُ شيخ الأوزريِّ ابنِ مطير، فكيف يَنْسُبه السَّيِّدُ إلى طائِفَةِ المُحَدِّثين؟ وما الرابِطَةُ بين مذهب رَجُلٍ منْ بيت حسين، وبين مَذْهَبِ مَشَايخِ الحديث في جميع أقطارِ الإسلام؟
الإشكال السَّادسُ: سلَّمنا أنه يلزمُهُم، فَقَد صرَّح السَّيِّدُ في كتابه أنَّه يغْلِبُ على ظَنِّهِ أنَّ مُحمَّدَ بنِ إبراهيم لا يَذْهَبُ إلى ذلك، فما معنى التَرسُّل عليه في مذْهَبٍ لم يَذْهَبْ إليه؟ وهل هذا إلا تَوسيعٌ لدَائِرَةِ الجِدَالِ، وتَمَحُّل في المِرَاء واللَّجَاجِ، وكان اللائِقُ أنَّ السيدَ يترسلُ في هذا على الأوزري الذي فَهِمَهُ مِنْه، فقد عاصَرهُ، وقرأ عليه. لكِنَّه لم تتَوفَّرِ الدَّواعي إلا على مُحمدِ بنِ إبراهيم، وإنْ كان الذَّنْبُ (١) لغيرِه، وما أحسنَ قَوْلَ بعضهم (٢):
وحمَّلْتَني ذنبَ (٣) امرىءٍ وتَرَكْتَه كَذِي العُرِّ يُكْوَى غَيْرُهُ وهو رَاتِعُ
_________________
(١) في (ش): الدائرة.
(٢) هو النابغة الذبياني زياد بن معاوية، وهو في " ديوانه " ص ٤٨، و" اللسان ": (عرر).
(٣) في (أ) و(ج): " داء "، ورواية الديوان: حملت عليَّ ذنبه وتركته =
[ ٣ / ٧٧ ]
الإشكال السابع: أن السيد إنما نقل هذا المذهب بالفهم والحدس
الإشكال الثامن: أن السيد مدح الأوزري بأنه المحدث الضابط، فكيف استحق المدح بهذه الكتب وهي عند السيد من رواية الكفار والفساق المصرحين
قوله: قال: وأما الفصل الأول، وهو أن كل ما في هذه الكتب من حديث فصحيح ففيه موضعان: حكاية المذهب، والدليل
الإِشكال السابع: قال السيدُ: أمَّا هذا الفَصْلُ، فزعَمَ القائِل بِهِ أنَّ مُؤلِّفَ الصِّحَاحِ أَعْرَفُ النَّاسِ بهِ، وهذا (١) عجيبٌ، فإنَّ السيِّدَ قد أَقَرَّ أنَّهُ لمْ ينقُلْ هذا المذهبَ بالنصِّ، وإنَّما نقله بالفهْمِ والحدْسِ، فكيف نَسَبَ إليهم الاحتجاجَ عَلَى ذلكَ بِهذِهِ الحُجَّةَ الَّتي ذكرها، وزعم أنَّهم زعموها كما ذكر؟
الإشكال الثامن: أنَّ السَّيِّدَ وصف الأوزريَّ، ومدحه بأنَّه المُحَدِّثَ الضابِطَ، فكيف استحقَّ المدحَ على التَّحديِث (٢) بهذِه الكُتُبِ والضبْطِ لَهَا، وهِي عند السيدِ مِنْ رِوايَة الكُفَّارِ والفُسَّاقِ المُصَرِّحِينَ، والمُحَدِّثُ بِهَا عنده رَاكنٌ إلى الظَّالمين، مُتَبعٌ سَبِيلَ المُفْسِدِين؟ ثُم إنَّ السيد قال: لا نُسَلِّم أنَّ أصحابَ الحديثِ أرادوا حَصْرَ الحديثِ الصَّحيحِ، وهذا عجيبٌ، فإنْ كانوا ما أرادوا ذلِكَ وكُنْتَ تَظُنُّ أنِّي لَمْ أَقُلْ بِهِ، فما ذَنبي حَتَّى تَرسَّلَ عليَّ في هذا؟ واللهُ المستعان.
قال: وأمَّا الفَصْلُ الأوَّلُ، وهو أن كل ما في هذه الكُتُبِ مِنْ حديث رسول الله - ﷺ -، فَهُو صحيح، ففيه مَوْضِعَان.
الأوَّل: في حِكَايَةِ المَذْهَبِ.
والثاني: في الدَليلَ.
أمَا الأوَّلُ، فقد ذَهَبَ قومٌ إلى أنَّ كُلَّ ما في هذه الكتُبِ مِنْ حديثِ
رسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَهُوَ صَحِيحٌ، وزَعَمُوا أنه إجماعُ، وهذا عِنْدَنا غيرُ
_________________
(١) = والعُر -بضم العين-: القروح، قال ابن دريد: من رواه بالفتح فقط غلط، لأن الجرب لا يكوى منه.
(٢) في (ش): وهو.
(٣) في (ش): البحث.
[ ٣ / ٧٨ ]
الوجه الأول: أنه حكى الخلاف هي هذه المسألة
الوجه الثاني: أن السيد غلط على ابن الصلاح، ولم ينقل عنه مذهبه
لازِم، ومِمَّن قال به: ابنُ الصَّلاَحِ، وحكى عن إجماع الفُقَهاءِ أنَّهم أفتوا مَنْ حَلَفَ بِطَلاَقِ امْرَأتهِ إنْ لم يَكُنْ ما بَيْن دَفَتَيْ " صحيح البخاري " قاله رسولُ الله - ﷺ - أنَّ امْرَأتهُ لا تَطْلُق (١).
أقول: الجواب عَنِ السيِّدِ في هذا مِنْ وُجُوهٍ.
الوجه الأول: أنَّهُ حَكى الخلاَف في هذِهِ المَسْألَةِ عَنِ ابْنِ الصَّلاحِ، وعَنْ بَعْضِ النَاسِ، ولم يحْكِ عَنِّي أنِّي خَالَفْتُ فيها، فما ذَنْبي حَتَّى يَتَرَسَّل عَلَيَّ في هذِهِ المسأَلَةِ؟ وَلَوْ أنَّه سلكَ في رسالته مسالكِ العلَمَاءِ، تصَبَرَ حتَّى يَقِفَ لي على نَصٍّ، فينقلُ نَصِّي في ذلِكَ، ثم يَنقُضُه بَعْدَ معرِفَتهِ.
الوجه الثاني: أنَّ السيدَ غَلِطَ على ابنِ الصَّلاحِ، ولم يَنْقُلْ عنه مَذْهَبَه، ولا قرِيبًَا منهُ، فإنَّ السيِّدَ جَزَم بِكَلامِهِ عَنِ ابنِ الصَّلاح أنَّه يقولُ بِصِحَّةِ ما في هذِهِ الكتُبِ السَتَّةِ، وأنَّه يدَّعي إجماعَ الأمَّة على ذلِك، ولم يَقُلِ الرَّجُلُ بِذلِكَ، وقد نَصَّ في كتابه " علوم الحديث " على عكس ذلِك، فقال في كتابه " علوم الحديث ": إنَّ في " البخاري " ما ليس بصحيحٍ، بل قال: إنَّ كَوْنَ ذلِكَ فيه معلومٌ قطعًا بهذا الَّلفْظِ، وذكر مِن ذلك: حديث " الفَخِذَ عَوْرَةٌ " (٢)، وحديث "الله أَحَقُ أَنْ يُسْتحيى
_________________
(١) انظر " مقدمة ابن الصلاح " ص ٢٢ - ٢٣.
(٢) حديث " الفخذ عورة " علقه البخاري في " صحيحه " ١/ ٤٧٨ في الصلاة، باب (١٢) ما يُذكر في الفخذ، ولفظه: باب ما يذكر في الفخذ: ويروى عن ابن عباس، وجرهد، ومحمد بن جحش، عن النبي - ﷺ -: " الفخذ عورة ". قلت: وحديث ابن عباس وصله الترمذي (٢٧٩٨) و(٢٧٩٩)، والحاكم ٤/ ١٨١، وفي سنده أبو يحيى القتات، وهو ضعيف. وحديث جرهد وصله الترمذي (٢٧٩٩)، وحسنه، وصححه ابن حبان (٣٥٣)، والحاكم ٤/ ١٠٨ مع أن في سنده مجهولًا. =
[ ٣ / ٧٩ ]
مِنْه " (١)، فإنَّ هذا قَطْعًَا ليْسَ مِنْ شرْطِهِ، ولهذا لم يُوردْه (٢) الحُمَيْدِيُّ في " جمعه بين الصَّحيحين "، فاعلم ذلكَ، فإنَّهُ مُهِمٌ خافٍ (٣). هذا لَفْظُ ابنِ الصلاحِ، وقد تَأَوَّل ابنُ الصَّلاح كلامَ مَنْ قالَ بصِحَّةِ جَمِيعِ ما في " البخاري " على المُراد بمقاصِدِ الكتَابِ وموضوعِهِ ومُتُونِ الأبواب بهذا اللفْظ. فالسيدُ نَصَّ على رجُلٍ واحدٍ مِنَ المحدِّثين، فانكشَفَ أنَّه يقولُ بعكس ما قالَ السيدُ، فكيف بمَنْ لَمْ يَنُصَّ عليه السيِّدُ؟
قال (٤): وليت شعري، كيف كان هذا الإجماعُ؟ أكان بِأَنْ طافَ
_________________
(١) = وحديث محمد بن جحش وصله أحمد ٥/ ٢٩٠، والبخاري في " التاريخ " ١/ ١٣، والحاكم في " المستدرك " ٤/ ١٨٠ من طريق إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبي كثير مولى محمد بن جحش عنه. قال الحافظ: رجاله رجال الصحيح غير أبي كثير مولى محمد بن جحش، روى عنه جماعة، لكن لم أجد فيه تصريحًا بتعديل. قلت: فمثله يكون حسن الحديث بنفسه، فكيف في الشواهد كما هنا. وفي الباب عن علي ﵁ عند أبي داود (٣١٤٠)، وابن ماجه (١٤٦٠)، والحاكم ٤/ ١٨٠. وسنده ضعيف، وهذه الأحاديث يشد بعضها بعضًا، فتقوى وتصلح للاحتجاج.
(٢) علقه البخاري ١/ ٣٨٥ باب: من اغتسل عُريانًا وحده في الخلوة، ومن تستر، فالتستر أفضل: وقال بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، عن النبي - ﷺ -: " الله أحق أن يستحيى من الناس ". وقد وصله أحمد في " مسنده " ٣/ ٥، وأبو داود (٤٠١٧)، والترمذي (٢٧٩٦)، والنسائي في عشرة النساء كما في " التحفة " ٨/ ٤٢٨، وابن ماجه (١٩٢٠) من طرق عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده قال: قلت: يا رسول الله، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: " احفظ عورتك إِلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك "، قلت: يا نبيَّ الله، أرأيت إذا كان القوم بعضهم في بعض، قال: " إن استطعت أن لا يرينها أحد فلا يرينها "، قلت: يا رسول الله أرأيت إذا كان أحدنا خاليًا، قال: " فاللهُ أحق أنْ يُستحيى منه من الناسِ ". وحسنه الترمذي، وهو كما قال، فإن بهز بن حكيم صدوق مشهور، وثقه غير واحد، ولينه بعضهم، وقال ابن عدي: أرجو أنَّه لا بأس به، ولم أر له حديثًا منكرًا. وصححه الحاكم ٤/ ١٧٩ - ١٨٠، ووافقه الذهبي.
(٣) في (ش): يروه.
(٤) انظر " علوم الحديث " ص ٢٢ - ٢٣.
(٥) في (ش): قال السيد.
[ ٣ / ٨٠ ]
البحث الأول: أنه أثبت في كلامه أن سائلا سأل الأمة، والرجل إنما قال: لو أن رجلا سأل الفقهاء
البحث الثاني: أن كلام السيد هذا يلزمه زيادة شروط في رواية الإجماع لا نعلم أن أحدا اشترطها
هذا السائِلُ جميع البِقَاعِ، أَمْ بِأَنْ جُمِع لَهُ علماءُ (١) الأمَّةِ في صَعِيدٍ واحِدٍ وأذَّنَ فيهم بِهذا السُّؤالِ، وأجابُوهُ جميعًا بأنَّ أمرأَتَهُ له حَلاَلٌ؟ وأيُّ إجماع صحيح بِغَيْرِ عُلماءِ أَهْلِ البَيْتِ الأطهار، وشِيعَتهِم الأخيارِ؟
أقول: في كلامِ السيدِ هذا مباحثُ.
البحث الأول: أنَّهُ أثبت في كلامِهِ أنَّ سائِلًا سأَلَ الأمَّة، والرجُلُ لَمْ يقْلْ: إن أَحَدًَا سألَ الأمَةَ، وإنَّما قال: لو أنَّ رَجُلًا سَأَل الفُقهَاءَ، فَلَوْ كان يلزمُهُ ثبوتُ ما بَعْدَ "لو" مِنَ الكَلامِ المُقَيَّدِ، لَلَزِمَ ثُبوتُ الشرَكَاء لله تعالى عنْ ذلِكَ عُلُوًَّا كبيرًَا لِقَوْلهِ تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] فَكما أن مَعْنَى الآية لكنهما (٢) لم يَفْسدا، فلم يَكُنْ مَعَهُ آلهةٌ، فكذا معنى ذاك الكلامِ، لكِنَّه لم يَسْألِ الفُقَهَاءَ، فَلَمْ يُفْتُوهُ.
وبعدُ، فغيرُ خافٍ على السيدِ أنَّ "لو" تفيدُ امتناعَ الشيْءِ لامتناع غيرِه، فكيف رَكَّبَ هذا السؤالَ علَى هذا الكلامِ؟
البحث الثاني: أنَّ كلامَ السَّيد هذا يلزمه زيادةَ شروطٍ في روايةِ الإجماع لم نَعْلَمْ أنَّ أحدًا اشترطها.
أحدها: أنَّه يحبُّ في راوي الإجماعِ أنْ يَطُوفَ جميعُ البِقَاعِ، أو يُجْمَعَ لَهُ علماءُ الأمَّةِ في صَعِيدٍ واحِدٍ.
الثَّاني: أن يُؤذِّن فيهم بالحادثَةِ.
الثالثُ: أن يُجِيبُونَ جَميعًَا، ولا يكونُ فيهمْ مَنْ سَكَتَ في تِلْك الحَالِ، وأجاب فيما بعد، أو روى مَذْهبَه بواسطة، وهذا كُلُّهُ مُجَرَّدُ
_________________
(١) كذا في جميع النسخ، وفي (أ): " جميع "، وكتب فوقها " علماء "، وكُتب في الهامش: " تبديل " جميع " بـ " علماء " غلط ظاهر، وإنما هو جميع الأمَّة كما يدلُّ عليه الجواب، سيَّما البحث الرابع ".
(٢) في (ب): إنهما.
[ ٣ / ٨١ ]
البحث الثالث: أن السيد ادعى في كتابه إجماعات كثيرة، ولم يحصل فيها شيء من هذه الشرائط
البحث الرابع: أن السيد ادعى على الرجل في أول كلامه أنه ادعى إجماع الفقهاء ثم ألزمه هنا أن يجمع له الأمة في صعيد واحد
البحث الخامس: وأي إجماع صحيح بغير علماء أهل البيت وشيعتهم
البحث السادس: أنه ادعى إجماع العلماء
تَشْنِيعٍ مِن السيدِ وتهويلٌ في العبَارَهَ لا (١) طائِلَ تحْتَهُ.
البحثُ الثَّالِثُ: أن السَّيِّدَ قدِ ادَّعَى في كتابه إجماعاتٍ كثيرةً، ولم يحْصُلْ فيها شيْءٌ مِنْ هذِهِ الشَّرائِطِ (٢).
البحثُ الرَّابعُ: أنَّ السيد ادَّعى على الرجُلِ في أَوَّلِ كلامِهِ أنَّه ادَّعى إجماعَ الفقهاءِ، ثُم ألزَمَهُ هُنا أنْ يَجْمَع لَهُ الأمَّةَ في صَعِيدٍ واحِدٍ، وكم بَيْنَ الفُقَهَاء والأمَّةِ، فلَعلَّ الفقهاءَ لا يكونون جزءًا مِنْ أَلْفِ جُزْءٍ مِن الأمَّةِ، ولا ما يُقارِبُ ذلِكَ، فَلو اسْتَمَرَّ السيِّدُ في التَّشنيعِ عَلى حالٍ واحِدَةٍ، لألْزَمَ الرَّجُلَ أنْ يَجْمَعَ لُهُ الفُقَهَاءَ في صعيدٍ واحدٍ.
البحث الخامس: وأيُّ إجماعٍ صحيحٍ بغير علماء (٣) أهلِ البيتِ وشِيعتهِم؟ ومِنْ أينَ يلزَمُه (٤) هذا، وأَنْتَ إنَّما رَويتَ عَنْهُ أنَّه إنَّما ادَّعى إجماعَ الفقَهاءِ؟
البحثُ السَّادِسُ: أنَّه ادَّعى إجماع العُلمَاءِ، فقال ما لفظه: أجمعَ أَهْلُ العِلْمِ الفقهاءُ وغيرُهُم أنَّ رَجُلًا لو حَلف بالطَّلاقِ أنَّ جميعَ ما في " البخاري " مِمَّا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَدْ صح عنه: أنَّه لا يحنَثُ، والمرأةُ بِحَالهَا في حِبَالَتِهِ، وهذا خِلَاف ما نَقَلَهُ السيدُ عنه، فإنهُ إنَّما نقَلَ عنه إجماعَ الفقهَاءِ فقط، ولا شَك أنَّ كلامَ أبي نَصْرٍ هذا يقتضي أنَّه ادعى إجماعَ أَهْلِ البَيْتِ ﵈ على ذلِك، ولكنه لا يستَحِقُّ الإنكارَ والتَّكْذِيبَ، لَأنَّهُ يجوزُ عَليْكَ أَنْ لا تعْرِفَ بَعْضَ إجماعَاتِهِمْ ﵈،
_________________
(١) في (ش): ولا.
(٢) في (ش): الشروط.
(٣) ساقطة من (ش).
(٤) في (ش): لزمه.
[ ٣ / ٨٢ ]
البحث السابع: أنك إما أن تنكر الإجماع السكوتي أم لا
وَيعْرِفُهَا غَيْرُك (١)، ألَا تَرى أنَّ المنصورَ بالله، والإمامَ يحيى بن حَمْزةَ، والقاضي زيدًا (٢)، وعبدَ اللهِ بن زيدٍ وغيرهم مِمَّنْ قَدَّمنا قَدِ ادَّعَوُا الإجْمَاع على قَبُول (٣) المُتَأَوِّلين، ولم تَعْلَمْهُ أنت، ولم يلزم تكذيبُهم في دعواهم لعدَمِ عِلْمِك بِصِحَّة ما ادَّعَوا، وكذلِك هذا.
البحث السابع: أنَّك إمَّا أنْ تُنْكِر الإجماعَ السُّكُوتيَّ أم لا، إنْ أنكرْتَهُ، لَزِمَكَ تأثيمُ أكثَرِ الأمَّة والأئِمَّةِ، فإنَّهم يقولون بصِحَّةِ الاحتجاج بِهِ (٤)، وقد ذكره المنصورُ بالله ﵇ في " الصَّفوة " وغيرُه من العلماء، وأَكثرُ الإجماعات المروِيةِ، أو كُلُّها لا تكون إلاَّ بِهِ، وإنْ لم تُنْكِرِ الإجماعَ السُّكُوتيَّ، فالظَّاهرُ مِنْ إجماعِ أَهْلِ البَيْتِ وشيعَتِهِمُ القَوْلُ بمَا قالَهُ الفُقَهاءْ مِنْ صِحَّةِ هذِهِ الكُتُب إلاَّ ما ظهرَ القدْحُ فيه، ولا بُدَّ مِنْ هذا الاستثناء عندهم (٥) كما سوف نُبَيِّنُ ذلِك، وإنَّما قال: إنَّ الظَاهِرَ إجماعُهم عَلَى ذلِكَ، لَأنَّ الاحتجاج بصحيحِ هذِهِ الكُتُبِ ظاهِر في مُصَنَّفاتِهِم، شائعٌ في بِلَادِهِم.
_________________
(١) " ويعرفها غيرك " ساقطة من (ش).
(٢) في الأصول: " زيد "، و" القاضي زيد " ساقطة من (ش).
(٣) ساقطة من (ب).
(٤) الإجماع السكوتي: هو أن يقول بعض أهل الاجتهاد بقولٍ وينتشر ذلك في المجتهدين من أهل ذلك العصر، فيسكتون ولا يظهر منهم اعتراف ولا إنكار. وفيه مذاهب، أحدها: أنَّه ليس بإجماع، ولا حجة، والثاني: أنَّه إجماع وحجة بعد انقراض عصرهم. والثالث: أنَّه ليس بإجماع، ولكنه حجة. انطر تفصيل المسألة في " المستصفي " ١/ ١٩١ - ١٩٢، و" المحصول " ٢/ ١/٢١٥ - ٢٢٢، و" كشف الأسرار " ٣/ ٢٢٨، و" شرح مسلم الثبوت " ٢/ ٢٣٢ - ٢٣٥، و" تيسير التحرير " ٣/ ٢٤٦ - ٢٥٠، و" التقرير والتحبير " ٣/ ١٠١ - ١٠٦، و" نهاية السول " ٣/ ٢٩٤ - ٢٩٧، و" إرشاد الفحول " ص ٨٤ - ٨٦، و" حاشية العطار على جمع الجوامع " ٢/ ٢٢١ - ٢٢٨.
(٥) في (ش): " عندهم وعند غيرهم ".
[ ٣ / ٨٣ ]
البحث الثامن: أقصى ما في الباب أنه ظهر للسيد غلط هذا الرجل الذي ادعى الإجماع
وقد رَوَى عنهمُ الإِمامُ أحمد بن سُليمانَ في " أصول الأحكام "، والمنصورُ بالله في كثيرٍ مِنْ مُصَنَّفَاتهِ، والأمير الحسين، وصاحِبُ " الكشَّافِ " وغيرُهم (١)، وشاع ذلِكَ وتكرَّرَ، فلم يُنْكَرْ على طول المُدَّةِ، فلا نعلمُ كَذِبَ منِ ادَّعى الإجماعَ السُّكُوتيَّ على ذلِكَ. وأقصى ما في الباب أَنْ يُنْقَلَ إنكارٌ لِذلِك مِنْ بعضِ العُلماءِ في بَعْض الأعصارِ، فذلِكَ النَّقْلُ في نَفْسِهِ ظَنِّيٌّ نادِرٌ، واعتبارُ القدحِ بالنَّادِرِ الظَّنيِّ في عصرٍ مخصوصٍ لا يقدَحُ في إجماعِ أَهْل عصرٍ آخر، فلا يُؤمنُ صِدْقُ مُدَّعي هذا الإجماعَ على اعتبارِ كثيرٍ مِنْ أهلِ العلم في الطَّريق إلى مَعْرِفَةِ الإجماعِ، وقد رأينا العُلمَاءَ والأئِمَّة يثْبِتونَ الإجماعَ السُّكُوتيَّ بِمِثْلِ هذا، وبِأَقَلَّ منْ هذا.
البحث الثامن: أقصى ما في الباب أنَّه ظهر للسَّيِّد غَلَطُ هذا (٢) الرَّجُلِ الَّذي ادَّعى الإجماعَ، فقد يغلَطُ كثيرٌ مِنَ العْلماءِ في مِثْل ذلِكَ، ولا يكادُ يسْلمُ أحمدٌ مِمَّنْ يتعرَّضُ لدعوى الإجماعِ مِنْ مِثْلِ ذلِكَ غالبًا إلاَّ في الأمورِ المعلومَةِ المتواترَةِ، وقد تطابق علماءُ الاعتزالِ وكثيرٌ مِنَ الفُقهاءِ على دعوى القطع بأنَّ الصَّحابَةَ أجمعت على تقديم أبي بكرٍ في الخِلَافَةِ، وادَّعوُا القَطْعَ بأنَّ عليًَّا ﵇ قال بذلك، فردَّ عليهمُ العُلماءُ ذلِكَ بالعبارات الحَسنةِ، ولم يُلْزِمُوهُم أنْ يكونوا (٣) الصَّحابَةُ قد جُمِعُوا لهم في صعيد واحدٍ ونحو ذلك.
_________________
(١) في (ب): وغيرهم من.
(٢) ساقط من (ب).
(٣) كذا الأصل، وهو جار على حد قول الشاعر: يلومونني في حُبِّ سالم إخوتي وجلدة بين العين والأنف سالم والمطرد في مثل هذا حذف الواو.
[ ٣ / ٨٤ ]
البحث التاسع: يتفضل السيد ويخبرنا من الذي يقول من أهل البيت بطلاق زوجة هذا الحالف
البحث العاشر: أن الظاهر إجماعهم ﵈ على ذلك
البحث التاسع: يتفضَّلُ السَّيِّدُ ويخبرُنا مَنِ الذي يقولُ مِنْ أهلِ البَيْتِ بطلاقِ زوجة هذا الحَالفِ بصحَّةِ حدِيثِ البُخَارِيِّ، وينقلُ ألفاظَ أَهْلِ البيتِ ونصوصَهُمْ في ذلِكَ، فإنْ لَمْ يجِدْ نصًَّا، ولكِنِ ادَّعى عليهم أن زوجة هذا الحالف تَطْلُق، فليس تصديقُه مِنْ غيرِ دليلٍ أولى منْ تصديق هذا الَّذي ادَّعى الإجماعَ.
البحث العاشر: أنَّ الظَّاهِرَ إجماعُهم ﵈ على ذلِكَ، وإجماعُ غيرهم، لأنَّ المعروفَ في كتب الفِقْهِ أنَّ مَنْ حلف بالطَّلاقِ على صِحَّة أَمْرٍ، وهو يظُنَّ صِحَّتهُ، ولم يَنْكشِفْ بُطلانُهْ، لم يَحْنثْ، لأنَّ الأصلَ بَقاءُ الزَّوجيَّة، ولا تَطْلُق الزَّوجَةُ بِمُجَرَّدِ الاحتمال المرجُوحِ، كما لو ظَنَّ في طائِرٍ أنَّه غُرابٌ، فحلف بالطَّلاق أنَّه غرابٌ، ثمَّ غابَ عَنْ بصرِهِ، ولم يتَمَكَّنْ مِنْ أخذِ اليقين في ذلِكَ، فإنَّ زوجته لا تَطْلُق، وكذا لو علَّق الطَّلاق بدُخول امرأتِهِ الدَّارَ، وجُوِّز أنَّها قد دخلت، وهُوَ يَظنُّ أنها لم تدخلْ، فإن زوجته لا تطلُق، بل لا يَبْعُدُ أن هذا إجماعُ في مَنْ حَلَف على ما لا يَظُنُّ صِحَّتَهُ، ولهذا تأوَّلَ النَّواوي (١) هذا الكلام بأنَّه لا يُستَحَبُّ الاحتياطُ لِمَنْ حَلَفَ بِطَلاقِ زوجَتِهِ أنَّ حديثَ كتابِ البخاريِّ صحيحٌ، ولا يحنَثُ ظاهرًا ولا باطنًا، لأن الأمَّةَ تَلَقتْهُ بالقبول، فَهُوَ معلومُ الصِّحَّة بطريقٍ نَظَرِيٍّ. انتهى كلام النواوي.
قلتُ: وكذلِكَ حديثُ غَيْرِ البخَارِيِّ، وغير هذِهِ الصِّحاحِ مِنْ أحاديثِ الثِّقات، فإنَّ الحالفَ عَلَى صِحَّتِه لا يحنَثُ، ولا يستَحبُّ أن يحتاطَ، لَأنَّ ظاهِرَهُ الصِّحَّةُ، وإنَّما يُسْتَحبُّ الاحتياطُ مَعَ الشَّكِّ المتساوي الطَّرَفَيْنِ أوِ الرُّجحانِ الضَّعيفِ الذي يَمْرَضُ مَعَهُ القلبُ، ألا تَرَى أنَّ
_________________
(١) في " شرح مسلم " ١/ ٢١.
[ ٣ / ٨٥ ]
البحث الحادي عشر: أن بين دفتي البخاري ما ليس من كلام رسول الله قطعا
البحث الثاني عشر: قول النووي: إن بعض الحفاظ قد استدركوا على البخاري ومسلم
الإِنسانَ لا يحتاط في غسْلِ ثَوْبِهِ إلاَّ مَعَ ذلِكَ؟ وكذلِكَ في إسلام زوجَتِهِ، وحِلِّ طَعَامِهِ، وما لا يأتي عَلَيْهِ العَدُّ.
البحث الحادي عشر: أنَّ بين دَفَّتي " البُخَارِيِّ " ما ليس مِنْ كَلَامِ رَسُولِ الله - ﷺ - قطْعًَا، وذلِكَ مثل (١) كلامِ العُلماءَ والأبوابِ والأسَانِيدِ، وحكايةِ أفعالِهِ ﵇ بلفظِ الصَّحابِيِّ أو غيرهِ، فإنْ كانَ الحَالِفُ مُمَيِّزًَا، حُمِلَتْ يمينُه على العُرْفِ في ذلك، ولم تَطْلُقْ زوجته، وإنْ كان الحالف يُمَيِّزُ (٢) وأراد ظاهِرَ كلامِه، ولم يُرِدْ ما فِيهِ الحديث، طَلُقَتْ زَوْجَتُهُ، والله أَعْلَمُ.
البحث الثاني عشر: ما (٣) ذكره النَّواوي في " شرح مسلم " (٤)، فإنَّه قال: إنَّ بعضَ الحُفَّاظِ قَدِ استدركوا علَى البُخَارِيِّ ومسلمٍ في مواضِعَ أخَلاَّ بشرطِهِمَا (٥) فيها، ونزلَتْ عَنْ دَرَجَةِ ما الْتَزَمَاهُ.
وقد ألَّفَ الإِمامُ الحافِظُ أبو الحسن عليُّ بن عمر الدَّارقطني في بيان ذلِكَ كتابَهُ المسمَّى " بالاستدراكات والتَّتُّبع " (٦)، وذلك في مائتي حديثٍ
_________________
(١) في (ب): ومثل ذلك.
(٢) في (ش): غير مميز.
(٣) في (ب): ممَّا.
(٤) ١/ ٢٧.
(٥) في (ب): بشرطيهما.
(٦) طبع الكتاب بتحقيق مقبل بن هادي الوادعي، بمطبعة المدني بمصر، وتوزعه دار الخلفاء للكتاب الإسلامي بالكويت. وجاء عدد الأحاديث المنتقدة ٢١٨ حديثًا، وقد أورد الحافظ ابن حجر في كتابه " هدي الساري " الأحاديث التي انتقدها الدارقطني حديثًا حديثًا، ثم ساق ما حضره من الجواب عن ذلك، وقد انتهى إلى أن تلك الانتقادات ليست كلها قادحة، بل أكثرها الجوابُ عنه ظاهر، والقدح فيه مندفع، وبعضها الجواب عنه محتمل، واليسير منه في الجواب عنه تعسف.
[ ٣ / ٨٦ ]
مِمَّا في الكتابين، ولأبي مسعود الدِّمشقيِّ (١) أيضًا عليهما استدراك، ولأبي علي الغسَّاني الجَيَّاني (٢) في ذلِكَ كتابُه " تقييد المُهْمَلِ " في جُزْءِ العِلَلِ مِنْهُ استدراكٌ أكثَرُهُ على الرُّواة عَنْهُما، وفيه ما يلزَمُهُمَا.
قال النواوي: وقد أُجيبَ (٣) عَنْ كل ذلكَ أو أكثَرِهِ، وستراهُ في موضعه إنْ شاء الله إلى قوله وما قدح فيه بعضُ الحُفَّاظِ، فَهُوَ مستثْنَى مِمَّا ذكرناه لِعَدَم الإجماعِ على تلَقِّيهِ بالقَبُولِ، وما ذلِك إلاَّ في مواضِعَ قليلةٍ سَنُنَبِّهُ (٤) على ما وقع منها في هذا الكتابِ إن شاء الله تعالى (٥).
وكلام النَّواوي هذا لازمٌ فيما في " الصَّحيحين " مِنَ الأحاديث التي لا يَقْبَلُ أهلُ البيتِ ﵈ رُوَاتِها متى تَبيَّنَ وتحقَّقَ ذلكَ، مَعْ أنَّا لا نُنْكِرُ بعضَ ذلِكَ، وكذلِكَ ما تعارض معارضَةً مَحْضَةً، ولم يُمْكِنْ تَأْوِيلُهُ، وكذلِكَ ما أخرجه البُخاريُّ تعليقًا بصيغَةِ التَّمريضِ، أو بصيغَةِ الجَزْمِ،
_________________
(١) هو الحافظ المجود البارع أبو مسعود إبراهيم بن محمد بن عبيد الدمشقي، مصنف كتاب " أطراف الصحيحين "، وأحد من برز في العلم، سافر الكثير، وروى قليلًا على سبيل المذاكرة، لأنَّه مات كهلًا في رجب سنة أربع مئة. قال الإمام الذهبي: وقفت على جزء فيه أحاديث معللة لأبي مسعود يقضي بإمامته. مترجم في " السير " ١٧/ ٢٢٧ - ٢٣١.
(٢) هو الإمام الحافظ، الحجة الناقد، أبو علي الحسين بن محمد بن أحمد الغساني الأندلسي الجياني، شيخ الأندلس في وقته، وصاحب رحلتهم، وأضبط الناس لكتاب، وأتقنهم لرواية مع الحظ الوافر من الأدب، والنسب، ومعرفة الرجال، ولد سنة ٤٢٧ هـ وتوفي سنة ٤٩٨ هـ، مترجم في " السير " ١٩/ ١٤٨ - ١٥١. وكتابه " تقييد المهمل وتمييز المشكل " جيد في بابه، كثير الفائدة، يقع في عشرة أجزاء بمجلدين، لم يطبع بعد، وعندنا منه نسخة مصورة عن أصل جيد عليه سماع تاريخه سنة ٥٤٨ هـ.
(٣) في (ج) و(ش): " أجبت "، والمثبت هو الموافق للمطبوع من " شرح مسلم " ١/ ٢٦.
(٤) في (ج): سنبيِّنُه.
(٥) " شرح مسلم " ١/ ٢٠.
[ ٣ / ٨٧ ]
البحث الثالث عشر: أنه لا طريق إلى العلم بأن الحديث المتلقى بالقبول هو بنفسه لفظ رسول الله - ﷺ -
وإنْ كانَ الصَّحيحُ أنَّ المجزومَ بِهِ مِنْ ذلِكَ (١) مقبول، لكِنْ لا يرتقي بِهِ إلى مَرْتبة الصَحيح مِنَ المُسْنَدِ المُجْمعِ على تَلَقَيه بالقَبُول.
وقد ذكر هذا الاستثناءَ لِهذهِ الأشياء الحافظ ابن حجر في شرح كتابه " المختصر " (٢) في عُلومِ الحَديثِ، وفي مُقَدِّمَةِ شَرح " صحيح البُخَارِيِّ " (٣)، وأوضحَ ذلِكَ غايَةَ الإِيضاحِ، وكل هذا يجوز فيهِ أَنْ يحنَثَ باطِنًَا لا ظاهِرًَا، وَيُسْتَحَبُّ فيه الاحتياط لِمَنْ شَكَّ أو ضَعُفَ ظَنُّ الصحة عنده، وليس في هذا قَدْحٌ على راوي الإجماعِ كما زَعَمَ السَّيِّدُ، لَأنَّ ذلِكَ لم يَدَّعِ أنَّ الحالِفَ لا يحنَثُ باطِنًَا ولا يحتاطُ، وإنَّما ادَّعَى أنَّ زوجتَهُ لا تطْلُقُ، وهذا صحيحٌ لم يعْتَرَضْ.
البحث الثالث عشر: أنَّه لا طريقَ إلى العِلْمِ بِأنَّ الحديثَ المُتَلَقَّى بالقَبُول هوَ بِنَفْسِهِ لفظُ رسولِ الله - ﷺ -، وإنَّما يقْطَعُ على أنَّه (٤) مَعْنَىً لفظه عِنْدَ مَنْ يقولُ: إنَّ التَلقّي بالقَبُولِ يوجِبُ القَطْعَ بالصِّحَّةِ، وإنَّما قلت
بذلِك، لَأنَّه يجوزُ أن يكون الصَّحابِيُّ أو غيرُه قد روى الحديث بالمعنى، ولا وَجْهَ للقطعِ بارتفاعِ هذا الاحتمالِ، فإنْ كان الحالِفُ قَصَدَ أنَّ الحديثَ لفظُ رسولِ الله - ﷺ - استُحِبَّ لَهُ الاحتياطُ، ولم يَرْتَقِ إلى تلك المَرْتَبَةِ، وإنْ (٥) قصدَ أنه حديثُه، أو معنى حَدِيثِه (٦)، كان كما ذكره العلماءُ.
_________________
(١) " من ذلك " ساقطة من (ب).
(٢) انظر " نزهة النظر شرح نخبة الفكر " ص ٢٦ - ٢٧.
(٣) انظر " هدي الساري " ص ٣٤٦.
(٤) في (ب): يقطع بأنه.
(٥) في (ب): فإن.
(٦) " أو معنى حديثه " سقطت من (ش).
[ ٣ / ٨٨ ]
قوله: قال: والذي يذهب إليه علماؤنا أن في أخبار هذه الكتب الصحيح والمعلول
الجواب: ما مرادك بأن ذلك فيها، هل كثير مساو للصحيح
البحث الرابع عشر: أنَّ السيدَ أَنْكرَ طَرِيقَ (١)، مَعْرِفَة إجماع الفقَهاءِ على ذلِكَ، وقسمها قسميْنِ، لم يَجْعَلْ لهُمَا ثالِثًا.
أحدهما: أنْ يَطُوفَ المُدَّعي لَهُما جميعَ البقَاع.
وثانيهما: أنْ تُجْمَعَ لَهُ الأمَّةُ في صعيدٍ واحدٍ.
فأحببتُ أن أُرِيَ السيد طريقًا ثالِثَةً، وهي أنَّه قد ثبت عَنْ كثير مِنْ أَهْلِ البيتِ وغيرهم جوازُ نِسْبَةِ المذْهبِ إلى العُلماء بالتَخريج، فما المانعُ مِنْ أنَّ الرجُل يعرف مِنْ قواعدِ الفُقهاء ما يقتضي ذلك؟
قال: والذي يذهبُ إليه عُلماؤنا، ونجري على أُصولهِمْ أن في أخبار هذِهِ الكُتُبِ الصحيحَ والمعلولَ والمردود والمقبولَ.
أقول: الجوابُ على ما ذَكَرَهُ في هذا أنْ نقولَ: ما مُرادُك بأنَّ ذلِكَ فيها؟ هل (٢) كثيرٌ مساوٍ للصحيح، أو أكثرُ منه، أو قريبٌ منه، أو مرادُك أنه نادر؟.
فإنْ أردتَ أنُّه كثيرٌ، فأرِنَا الدَّليلَ على دعواك حتى نُرِيَكَ الجوابَ عليها، فإنَّ الجوابَ لا يَصْلُحُ إلَّا بعدَ الابتداءِ، والانتصافُ لا يليقُ إلا بَعْدَ الاعتداء، ومُجَرَّدُ الدَّعوى مقدورٌ لِكُلِّ مُحقٍّ ومُبْطلٍ.
وإِنْ أردت أنَّ ذلِكَ فيها نادرٌ قليلٌ بالنَّظَرِ إلى ما فيها مِن الصَّحيحِ، فذلِكَ صحيحٌ عِنْدَ أهْلِ البَيْتِ ﵈، وعِنْدَ المُحَقِّقِين منْ أهلِ الحديث أيضًا، وقد تقدَّم كلامُ النَّواوي في " شرح مسلم " وفيه النَّصُّ على
_________________
(١) ساقطة من (ب).
(٢) ساقطة من (ب).
[ ٣ / ٨٩ ]
ذلِكَ، فإنَّه ذَكَرَ أنَّهَا قد صُنِّفَتْ (١) في الاعتراضِ على الصَّحيحينِ مصنَّفات، منها كتابُ " الاستدراكات والتَّتَبُّع " للدَّارقطني، وكتابُ أبي مسعودٍ الدِّمشقِى، وكتابُ أبي علي (٢) الغسانِيِّ الجَيَّاني.
وقد رَوى البخاريُّ حديث الأسود عن عائِشَةَ أنَّ بَرِيرة عَتَقَتْ، وكان زوجُها حُرًَّا، فخيَّرها رَسُولُ اللهِ - ﷺ - (٣).
قال البخاري: وقولُ ابنِ عباس: " رأيتُه عبدًا " أصحُّ، فبيَّن بهذا ضعفَ الحديث الذي روي في الصحيح.
وكذا قد ضعَّفَ هذا البيهَقِيُّ، فقال: إِنَّ قَوْلَهُ: " وكان حُرًَّا " مدرجٌ،
_________________
(١) في (ب): أن قد صنفت.
(٢) ساقطة من (ب).
(٣) أخرجه البخاري (٦٧٥١) من طريق شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: اشتريتُ بريرةَ، فقال النبي - ﷺ -: " اشتريها، فإنَّ الولاء لمن أعتَقَ " واهدي لها شاة، فقال: هو لها صدقة ولنا هدية " قال الحكم: وكان زوجها حرًا. وقول الحكم مرسل، وقال ابن عباس: رأيته عبدًا. قال الحافظ: وقوله: " قال الحكم: وكان زوجها حرًا ": هو موصول إلى الحكم بالإسناد المذكور، ووقع في رواية الإسماعيلي من رواية أبي الوليد، عن شعبة مدرجًا في الحديث، ولم يقل الحكم ذلك من قبل نفسه، فسيأتي في الباب الذي يليه من طريق منصور، عن إبراهيم أن الأسود قاله أيضًا، فهو سلف الحكم فيه. وقوله: " وقول الحكم مرسل " أي: ليس بمسند إلى عائشة راوية الخبر، فيكون في حكم المتصل المرفوع. وقوله: " وقال ابن عباس: رأيته عبدًا ": زاد في الباب الذي يليه (٦٧٥٤): وقول الأسود منقطع، أي: لم يصله بذكر عائشة فيه، وقول ابن عباس أصح، لأنَّه ذكر أنَّه رآه، وقد صح أنَّه حضر القصة وشاهدها، فيترجح قوله على قول من لم يشهدها، فإن الأسود لم يدخل المدينة في عهد رسول الله - ﷺ -، وأما الحكم (وهو ابن عتيبة) فولد بعد ذلك بدهر طويل. وقول ابن عباس: رأيت زوج بريرة عبدًا: أخرجه البخاري (٥٢٨٠) و(٥٢٨١) و(٥٢٨٢) و(٥٢٨٣) من طرق عن عكرمة، عن ابن عباس.
[ ٣ / ٩٠ ]
أدرجه سفيان في الحديثِ، فأوهم أنه عنْ عائِشَةَ، وإنَّما هُو مِنْ قولِ الأسودِ نفسه، كما فصَّلَهُ أبو عَوَانة، وقد روى القاسمُ، وعُرْوةُ، ومجاهدُ، وعمرةُ (١) عَنْهَا أنَّه كانَ عبدًا (٢).
وكذلِكَ أبو البركات ابنُ تيمية ضعَّف ما رواهُ البخاريُّ، وكذلِكَ ابنُ الجوزي. ذكره ابن تيمية في " المنتقى " (٣)، وابن الجوزي في " التحقيق " (٤).
وكذلِكَ ضَعَّفوا ما رَوَاهُ البُخاريُّ ومسلم عَنِ ابنِ عبَاس أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - تزوَّجَ ميمُونَة وهو مُحْرِم (٥)، ورجَّحوا ما رواه التّرمذِيُّ عن أبي رافعٍ، وأبو داوود، ومسلم عن ميمونةَ أنَّه كان حَلالًا (٦).
_________________
(١) تحرف في الأصول إلى " عمر "، والتصويب من " سنن البيهقي ".
(٢) انظر " سنن البيهقي " ٧/ ٢٢٣ - ٢٢٥.
(٣) انظر " المنتقى " مع شرحه " نيل الأوطار " ٦/ ٢٩٢ - ٢٩٣.
(٤) نص كلامه في النسخة المصورة عندنا، بعد أن أخرج حديث عروة، عن عائشة: كان زوج بريرة عبدًا وحديث الأسود عنها: كان زوج بريرة حرًا: الحديثان صحيحان، ولكن قد قال البخاري: قول الأسود منقطع، ثم إن رواية عروة عن عائشة -وهي خالته- والقاسم عنها -وهي عمته- أولى من البعيد. وهذه النسخة نفيسة بخط أحمد بن عبد الدائم بن نعمة المقدسي، وقد فرغ من كتابتها سنة ٦٢٤ هـ، وعندنا أيضًا تنقيحه للإمام الذهبي بخطه ﵀.
(٥) أخرجه البخاري (١٨٣٧) و(٤٢٥٨) و(٤٢٥٩) و(٥١١٤)، ومسلم (١٤١٠). وفي الباب عن عائشة عند الطحاوي في " شرح معاني الآثار " ٢/ ٢٦٩، وصححه ابن حبان (١٢٧١). وعن أبي هريرة عند الطحاوي أيضًا ٢/ ٢٧٠، وسنده حسن.
(٦) حديث أبي رافع أخرجه الترمذي (٨٤١) من طريق قتيبة، عن حماد بن زيد، عن مطر الوراق، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سليمان بن يسار، عن أبي رافع قال: تزوج رسول الله - ﷺ - ميمونة وهو حلال، وبنى بها وهو حلال، وكنت أنا الرسول بينهما. قال الترمذي: هذا حديث حسن ولا نعلم أحدًا أسنده غير حماد بن زيد، عن مطر الوراق، عن ربيعة. =
[ ٣ / ٩١ ]
وكذلك ضعَّفوا ما رواهُ مسلمٌ عن أسامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أنَّه دخل البيتَ، ولَمْ يُصَلِّ فيه (١)، ورجَّحُوا عليه ما رواه البخاريُّ، ومسلمٌ عن بلال أنَّه صلَّى فيه (٢).
_________________
(١) = وقد رواه مالك ١/ ٣٨٤ - وهو أضبط عن مطر الوراق وأحفظ- عن ربيعة، عن سليمان بن يسار أن النبي - ﷺ - مرسلًا. وحديث ميمونة أخرجه أبو داود (١٨٤٣)، ومسلم (١٤١١) من طريقين عن يزيد بن الأصم بن أخي ميمونة، عن ميمونة قالت: تزوجني رسول الله - ﷺ - ونحن حلالان بسرف. وانظر لزامًا " شرح معاني الآثار " ٢/ ٢٧٠ - ٢٧٣، والتعليق على " نصب الراية " ٣/ ١٧٢.
(٢) هو في " صحيح مسلم " (١٣٣٠) في الحج، باب: استحباب دخول الكعبة للحاج وغيره، والصلاة فيها، والدعاء في نواحيها كلها، من طريق ابن جريج قال: قلت لعطاء: أسمعت ابن عباس يقول: إنما أمرتم بالطواف، ولم تؤمروا بدخوله، قال: لم يكن ينهي عن دخوله، ولكني سمعته يقول: أخبرني أسامة بن زيد أن النبي - ﷺ - لما دخل البيت، دعا في نواحيه كلها، ولم يصلِّ فيه حتى خرج، فلمَّا خرج ركع في قبُل البيت ركعتين، وقال: هذه القبلة. قلت له: ما نواحيها؟ أفي زواياها؟ قال: بل في كل قبلة من البيت. ورواه مسلم أيضًا (١٣٣١) من طريق همام، حدثنا عطاء، عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - دخل الكعبة وفيها ست سَوَارٍ، فقام عند ساريةٍ، فدعا ولم يُصَلِّ. وأخرجه البخاري (١٦٠١) من طريق أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس وفيه: فدخل البيت، وكبر في نواحيه، ولم يصل فيه.
(٣) أخرجه البخاري (٥٠٤) و(٥٠٥) و(١٥٩٩)، ومسلم (١٣٢٩)، ومالك ١/ ٣٩٨ عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - دخل الكعبة هو، وأسامة، وبلال، وعثمان بن طلحة الحجَبي، فأغلقها عليه، ثم مكث فيها. قال ابن عمر: فسألت بلالًا حين خرج: ما صنع رسول الله - ﷺ -؟ قال: جعل عمودين عن يساره، وعمودًا عن يمينه، وثلاث أعمدة وراءه، وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة، ثم صلى. قال الحافظ في " الفتح " ٣/ ٤٦٨: وقد يقدم إثبات بلال على نفي غيره لأمرين: أحدهما: أنَّه لم يكن (أي: ابن عباس) مع النبي - ﷺ - يومئذ، وإنما أسند نفيه تارة لأسامة، وتارة لأخيه الفضل مع أنَّه لم يثبت أن الفضل كان معهم إلا في رواية شاذة. وقد روى أحمد ١/ ٢١٠ من طريق ابن عباس، عن أخيه الفضل نفي الصلاة فيها، فيحتمل أن يكون تلقاه عن أسامة، فإنه كان معه كما تقدم وابن عباس روى عن أسامة نفي الصلاة فيها عند مسلم (١٣٣٠)، وقد وقع إثبات صلاته فيها عن أسامة من رواية ابن عمر، عن أسامة عند أحمد =
[ ٣ / ٩٢ ]
وكذلك ضعَّفُوا ما روى مسلمٌ (١) منْ طريقِ عِكْرِمَةَ بنِ عَمَّار أنَّ أبا سفيان طلب مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ - بعد إسلامه أَنْ يُزَوِّجَهُ أُمَّ حبيبةَ، حَتَّى قال ابنُ
_________________
(١) = ٥/ ٢٠٤ وغيره، فتعارضت الرواية في ذلك عنه، فتترجح رواية بلال من جهة أنَّه مثبت وغيره ناف، ومن جهة أنَّه لم يختلف عليه في الإثبات، واختلف على من نفي. وقال النووي وغيره: يجمع بين إثبات بلال ونفي أسامة بأنهم لما دخلوا الكلعبة، اشتغلوا بالدعاء، فرأي أسامة النبي - ﷺ - يدعو، فاشتغل أسامة بالدعاء في ناحية، والنبي - ﷺ - في ناحية، ثم صلى النبي - ﷺ -، فرآه بلال لقربه منه، ولم يره أسامة لبعده عنه واشتغاله، ولأن بإغلاق الباب تكون الظلمة مع احتمال أن يحجبه عنه بعض الأعمدة، فنفاها عملًا بظنه.
(٢) رقم (٢٥٠١) في فضائل الصحابة، باب: من فضائل أبي سفيان بن حرب ﵁ من طريق النضر بن محمد اليمامي، حدثنا عكرمة، حدثنا أبو زميل، حدثني ابن عباس قال: كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان، ولا يقاعدونه، فقال للنبي - ﷺ -: يا نبي الله، ثلاثًا أعْطِنيهنَّ، قال: " نعم "، قال: عندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجُكها، قال: " نعم " قال: ومعاوية تجعله كاتبًا بين يديك، قال: " نعم "، قال: وتؤمِّرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين، قال: " نعم ". قال أبو زميل: ولولا أنه طلب ذلك من النبي - ﷺ -، ما أعطاه ذلك، لأنَّه لم يكن يسأل شيئًا إلا قال: نعم. قلت: قد انتقد أهل العلم هذا الحديث من جهة متنه، ومن جهة إسناده، أما جهة متنه فقد اتفق أهل العلم على أن أم حبيبة -واسمها رملة بنت صخر- كانت تحت عبيد الله بن جحش، وولدت له، وهاجر بها وهما مسلمان إلى أرض الحبشة، ثم تنصر، وثبتت أم حبيبة على دينها، فبعث الرسول - ﷺ - إلى النجاشي يخطبها عليه، فزوجه إياها وأصدقها عن رسول الله - ﷺ - أربعة آلاف درهم، وذلك في سنة سبع من الهجرة، وجاء أبو سفيان سنة ثمان إلى المدينة، فدخل عليها، فثنت بساط رسول الله - ﷺ - حتى لا يجلس عليه، ولا خلاف أن أبا سفيان ومعاوية أسلما عام الفتح، وبين الهجرة والفتح عدة سنين، وأما إمارة أبي سفيان، فلم يثبت أنه - ﷺ - ولاّه على شيء. وأما من جهة السند، فإن عكرمة -وهو ابن عمار العجلي- مختلف فيه، ضعفه يحيى بن سعيد الأنصاري، قال: ليست أحاديثه بصحاح، وقال الإمام أحمد: عكرمة مضطرب الحديث عن غير إياس بن سلمة، وقال أبو حاتم: عكرمة هذا صدوق، وربما وهم، وربما دلس، ووثقه ابن معين، وأبو داوود، وقال النسائي: ليس به بأس إلا في حديث يحيى بن أبي كثير، ووصفه ابن معين بأنه أمي. وقال الذهبي في " ميزان الاعتدال " ٣/ ٩٣: وفي " صحيح مسلم " قد ساق له أصلًا منكرًا عن أبي زميل سماك الحنفي، عن ابن عباس في الثلاثة التي =
[ ٣ / ٩٣ ]
حزم: إنَّه حديث موضوعٌ، وضعه عكرمة، لأنَّ المعلومَ أنَّه - ﷺ - تزَوَّجَها قبل إسلامِ أبي سفيان.
وردَّ عليه ابنُ كثير بأشياءَ جَمَعَها في جُزْءٍ مُفْرَدٍ، وصَحَّح أنَّ أبا سفيان سأل النَّبِيَّ - ﷺ - أنْ يزَوِّجَه عَزَّةَ أُخت أمِّ حبيبة، واستعان بأُم (١) حبيبة، فقد ثبَتَ (٢) في " صحيح البُخاري " و" مسلم " (٣) أنها عرضت أختها على النَّبيِّ - ﷺ -، فقال: " إنَّهَا لا تَحِلُّ لِي "، ولكِنْ غَلِطَ الرَّاوي في اسمَ عَزَّةَ (٤).
وأمثالُ هذا كثيرَةٌ ظاهِرَةٌ عنهم، ولكِنْ لا بُدَّ مِنْ ذكر فائِدَة تشتمل على التَّعريف بِمَا قُدِحَ بهِ على البخاريِّ ومسلمٍ على سبيلِ الجُمْلَةِ، لئَلاَّ يتوهَّمَ مَنْ لا خِبْرَةَ لَهُ أنَّ في رُواةِ كتابَيْهِما المعتَمدَيْنِ مَنْ هُوَ مَجروحٌ يتعمَّدُ المعاصي، أو ضعيفٌ بمَرَّة لا يَحِلُّ الاعتماد عليه في التَّحليل والتَّحريم.
فأقول: المضعَّف عليهما نوعان.
_________________
(١) = طلبها أبو سفيان وقال الحافظ في " التقريب ": صدوق يغلط، وفي روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب، ولم يكن له كتاب.
(٢) في (ب): أم.
(٣) في (ش): صح.
(٤) هو في البخاري (٥١٠٧) في النكاح، باب: وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف، ومسلم (١٤٤٩) (١٦) في الرضاع، باب: تحريم الربيبة وأخت المرأة، من طريق ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم حبيبة.
(٥) لكن يرد هذا أن النبي - ﷺ - قال: نعم، وأجابه إلى ما سأل، فلو كان المسؤول أن يزوجه أختها، لقال: إنها لا تحل لي، كما قال ذلك لأم حبيبة. قال ابن القيم في " جلاء الأفهام " ص ١٢٩: ولولا هذا لكان هذا التأويل من أحسن التأويلات. وقد ذكر ابن القيم -﵀- في " جلاء الأفهام " ما أجاب به غير واحد من أهل العلم عن الإشكال الموجود في هذا الحديث، ولم يرتضها كلها، وقال: الصواب أن الحديث غير محفوظ، بل وقع فيه تخليط.
[ ٣ / ٩٤ ]
النوع الأول: المعلول
النوع الأول: المعلولُ، ومثالُه: أن يرفَعَ الحديثَ بعضُ الثِّقات، ويقفَهُ الباقون، أو يُسْنِدَه ويُرْسِلُوه، أو نحو ذلك مِن العِلَل، وهذا النَّوع ممَّا يقدَحُ في الصحةِ عند المحدِّثين، ولا يقدَحُ في الرَّاوي، ولا يقدَحُ عند الأصوليّين في الصحة ولا في الرَّاوي، والذي في كُتُبِ أهل البيتِ ﵈ أنَّه لا يقدح بهذا النَّوعِ.
مثالُ ذلك، حديثُ البخاريِّ عَنِ الشِّعبي، عن جابرٍ أنَّ النبي - ﷺ - قال: " لا تُنْكحُ المَرْأَةُ عَلَى عَمَّتهَا " (١). هذا الحديث رواه ثِقَات، لكِنِ المشهورُ أنَّ الشِّعْبِيَّ رواهُ عَنْ أبي هُريرة، لا عن جابرٍ، فرِوَايَةُ البُخاري له مِنْ طريقِ جابرٍ غيرُ صحِيحَةٍ عندهم لهذِهِ العلَّةِ، لأنَّ الذي يَغْلِبُ عَلَى الظن أن الشِّعبيّ لو كان يحفَظُه عن أبي هريرةَ وجابرٍ معًا، ما رواه الحُفَّاظُ الثِّقَاتُ عن أبي هريرة وَحْدَهُ.
فهذا وأمثالُه مِمَّا يقدحون بِهِ أَمْرُهُ قريب (٢) عندنا، لأنَّه إنَّما يدُلُّ علَى أنَّ الثِّقَةَ وَهم في رِوَايَته، والوَهْمُ جائِزٌ على الثِّقات، ولا يقدح بِمُطْلَقِهِ إجماعًا، بل إذا كان حِفْظُه أكثرَ قُبِلَ إجماعًا، ذكره عبد الله بن زيد في " الدُّرر "، لأن ارتفاعَهُ عَنِ البَشَير غَيْرُ مقدورٍ لهم، وإنَّما اختلف العُلماء فيما يقدَحُ به منه.
فقال جمهورُ الأصوليّين: إذا غلب الوَهْمُ على حديثه، وكان أكْثَرَ مِنَ الصَّواب أوِ اسْتَوَيَا حتَّى يَبْطُلُ ظَنُّ إصابَتِه، ولا يُمْكِنُ ترجيحُها، فهُنا يَبْطلُ الاحتجاجُ به إجماعًا.
_________________
(١) تقدم تخريجه في ٢/ ٥٤ - ٥٥.
(٢) في (ش): " قريبًا "، هو خطأ.
[ ٣ / ٩٥ ]
وقال بعضُهم: لا بُدَّ مِنْ كثرة وَهْمِهِ وزيادَتِه على صَوَابِهِ، وَإِنِ استويا (١) قُبِلَ لِعُمُوم الَأدِلَّة الموجِبَةِ لقبُوله، وعَدَمِ انتهاض الاستواءِ لتخصيصِ العُموماتِ، واختاره الإمامُ المنصور بالله في " الصفوة "، وعبد الله بن زيد في " الدرر ".
وأمَّا المحدِّثُون، فالظاهِرُ منهم أنَّ المُحَدِّثَ متى كَثُرَ وهمُه، ودخل في حيِّزِ الكثْرَة، بطل الاحتجاجُ به، وإنْ كان صوابُه أكثر، وإنَّما يحتجُّون بِمَنْ قلَّ وَهْمُه وَنَدَرَ، فافْهمْ ذلِكَ.
ومِنْهُمْ مَنْ يغلو غُلُوًَّا منكرًا، فيُضَعِّفُ الرَّاوي بالوهم النَّادِرِ، وهذا مخالِفٌ للإجماع، غيرُ مُمْكِنٌ اعتبارُه، ولا ملتفت إلى قائِلهِ، ومثل هذا لا يُعَدَّ مذهبًا، وإنَّما هُوَ جَهْلٌ مَحْضٌ، والله أعلمُ.
النوع الثاني: مما يقدح (٢) عليهما بِهِ الرِّوايةُ عَنْ بعضِ مَنِ اختلف في جَرْحِهِ وتعديلِهِ.
وقد ذكر النَّواوي ذلِكَ، وذكر الجوابَ عليه، وأنا أورِدُ كلامهُ بلفظه. قال في " شرح مسلم " (٣): فصل: عابَ عائِبونَ مُسْلمًَا بِرِوايَتِه في " صحيحِه " عنْ جماعَةٍ مِنَ الضُّعَفَاءِ والمُتَوَسِّطين الواقعين في الدرجةِ الثانية الذين ليسوا من شرط الصحيح، ولا عيبَ عليه في ذلك، بل جوابُه من أوجُهٍ، ذكرها الشَّيخُ أبو عمرو بنِ الصَّلاحِ (٤).
_________________
(١) من قوله: " حتى يبطل " إلى هنا ساقط من (ش).
(٢) في (ش): قدح.
(٣) ١/ ٢٥.
(٤) في كتابه " صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط وحمايته من الإسقاط والسقط " انظر ص ٩٤.
[ ٣ / ٩٦ ]
أحدها: أن يكونَ ذلِكَ في مَنْ هُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ غَيْرِهِ، ثقَةٌ عِنْدَهُ، ولا يقال: الجرحُ مُقَدَّمٌ على التَّعديلِ، لأنَّ ذلِكَ فيما إذا كان الجرحُ ثابِتًَا مُفَسَّرًا، وإلاَّ فلا يقْبَلُ الجَرْحُ إذا لم يكنْ كذلِكَ.
وقد قال الإمامُ الحافظُ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي وغيره: ما احتجَّ البُخاريُّ، ومسلمٌ، وأبو داوود [به] منْ جماعةٍ عُلِمَ الطَّعْنُ فيهم منْ غيرهم مَحْمُولٌ عَلَى أنَّه لم يثبتِ الطَّعْن المؤثِّر مفسَّر السَّببِ. انتهى كلام النواوي.
قال شيخ الإِسلامُ عُمَرُ بنُ رسلان البُلْقيني في كتابه " علوم الحديث " (١): ولا يلزمُ ذلِكَ لجوازِ أنْ يكونَ لم يثبُت عِنْدَهُمُ الجَرْحُ، وإن فُسِّرَ هذا هو الأقربُ، فإنَّ المذكورين ما مِنْ شَخْصٍ منهم إلا وَنُسِبَ إلى (٢) أشياءَ مفَسَّرَة مِنْ كَذِبٍ وغيره، يَعْرِفُ ذلِكَ مَنْ راجَعَ كُتُبَ القَوْمِ، ولكِنَّها لَمْ تثبُتْ عند مَنْ أَخَذَ بحديثهِمْ، ووثَّقَهم، وروى عنهم. انتهى.
قلتُ: وهذا بَيّنٌ وقد بسطتُ الدَّليل عليه في علوم الحديث (٣).
رجعنا إلى كلام النَّواوي ﵀.
الثَّاني: أنْ يكونَ ذَلِكَ واقعًا في المُتَابَعَاتِ، والشَّواهد، وقد اعتذر الحاكِمُ أبو عبد الله بالمتابعة والاستشهاد في إخراجِهِ عَنْ جماعةٍ ليسُوا مِنْ شَرْطِ الصَّحيح، منهم مَطَرُ بن الوَرَّاق (٤)،
_________________
(١) المسمى بـ " محاسن الاصطلاح وتضمين كتاب ابن الصلاح " وقد تقدم التعريف به ١/ ٣١٠ وكلامه هذا في الصفحة ٢٢١ منه.
(٢) في (ب): إليه.
(٣) انظر " توضيح الأفكار " ٢/ ١٣٣ - ١٦١.
(٤) هو مطر بن طهمان الوراق أبو رجاء الخراساني السلمي. قال يحيى بن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم: صالح، وقال البزار: ليس به بأس، وقال العجلي: بصري صدوق، وقال مرة: لا بأس به وذكره ابن حبان في " الثقات "، وقال: ربما أخطأ، وقال النسائي: =
[ ٣ / ٩٧ ]
وبقيَّةُ (١) بن الوليد (٢)، ومحمَّد بنُ إسحاق بنِ يسار (٣)، وعبدُ الله
_________________
(١) = ليس بالقوي، وقال ابن سعد: كان فيه ضعف في الحديث، وضعفه غير واحد في عطاء خاصة، وذكره الذهبي في " من تكلم فيه وهو موثق " ص ١٧٥، وقال: صدوق مشهور، ضعف في عطاء، وقال في " الميزان " بعد أن نقل قول عثمان بن دحية في مطر: لا يساوي دستجة بقل: فهذا غلو من عثمان، فمطر من رجال مسلم، حسن الحديث، وقال الحافظ في " التقريب ": صدوق كثير الخطأ، وحديثه عن عطاء ضعيف.
(٢) تحرفت في (ش) إلى: وثقه.
(٣) هو بقية بن الوليد بن صائد بن كعب الكلاعي الحميري، قال الذهبي في " أسماء من تكلم فيه وهو موثق " ص ٥٤: من وعاة العلم، مختلف في الاحتجاج به، وبعضهم قبله على كثرة مناكيره عن الثقات، وقال النسائي: إذا قال: حدثنا أو أخبرنا، فهو ثقة، وإذا قال: عن فلان، فلا يؤخذ عنه، لأنَّه لا يدري عمن أخذه، خرج له مسلم في الشواهد. قلت: وروى له البخاري تعليقًا، وقال ابن عدي: يخالف في بعض روايته الثقات، وإذا روى عن أهل الشام، فهو ثبت، وإذا روى عن غيرهم خلط، وإذا روى عن المجهولين، فالعهدة منهم لا منه. وقال الذهبي في " الميزان ": قال أبو الحسن بن القطان: بقية يدلس عن الضعفاء، ويستبيح ذلك، وهذا -إن صح- مفسد لعدالته. قلت (القائل الذهبي): نعم والله صح هذا عنه أنَّه يفعله، وصح عن الوليد بن مسلم، وعن جماعة كبار فعله، وهذه بلية منهم، ولكنهم فعلوا ذلك باجتهاد، وما جوزوا على ذلك الشخص الذي يسقطون ذكره بالتدليس أنَّه تعمد الكذب، وهذا أمثل ما يُعتذر به عنهم. وانظر " جامع التحصيل " ص ١١٤.
(٤) العلامة، الحافظ، الأخباري، صاحب السيرة النبوية. قال الذهبي في " السير " ٧/ ٣٩: قد أمسك عن الاحتجاج بروايات ابن إسحاق غير واحد من العلماء لأشياء، منها تشيعه ونسب إلى القدر، ويدلس في حديثه، فأما الصدق فليس بمدفوع عنه، وقال في " ميزان الاعتدال " ٣/ ٤٧٥: فالذي يظهر لي أن ابن إسحاق حسن الحديث صالح الحال صدوق، وما انفرد به ففيه نكارة، فإن في حفظه شيئًا، وقد احتج به أئمة. وقال البخاري: رأيت علي بن عبد الله يحتج بحديث ابن إسحاق، وذكر عن سفيان أنَّه ما رأي أحدًا يتهمه، وقال يونس بن بكير: سمعت شعبة يقول: محمد بن إسحاق أمير المحدثين لحفظه. وقال أبو زرعة الدمشقي: ابن إسحاق رجل قد اجتمع الكبراء من أهل العلم على الأخد عنه، منهم سفيان، وشعبة، وابن عيينة، والحمادان، وابن المبارك، وإبراهيم بن سعد، وروى عنه القدماء يزيد بن أبي حبيب، وقد اختبره أهل الحديث، فرأوا صدقًا وخيرًا مع مدح ابن شهاب له، وقد ذاكرت دحيمًا قول مالك، فرأي أن ذلك ليس للحديث، وإنما هو لأنَّه اتّهم بالقدر. قلت: الذي عليه المحققون من الأئمة في هذا الفن تقوية حديث ابن إسحاق والاحتجاج به إذا صرح فيه بالسماع دون ما رواه بالعنعنة.
[ ٣ / ٩٨ ]
بنُ عمر العمري (١)، والنُّعمان بن راشد (٢)، وأخرج مسلمٌ عنهم في الشَّواهد في أشباه لهم كثيرين.
الثالِثُ: أن يكونَ ضَعْفُ الضَّعِيفِ الَّذي احتجَّ بِهِ طَرَأَ بَعْدَ أخذهِ عَنْهُ باختلاطٍ حَدَثَ عليه، غيرِ قادحٍ فيما رواه مِنْ قَبْلُ في زمنِ استقامته كما في أحمد بن عبد الرحمان بن وهب (٣) ابن أخي عبدِ الله بن وهب، فذكر
_________________
(١) هو عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري، أخو عبيد الله، ضعيف لسوء حفظه، يكتب حديثه ولا يحتج به، فهو يصلح للمتابعات والشواهد.
(٢) هو الجزري الرقي مولى بني أمية، ضعفه يحيى القطان، وابن معين، وأبو داود، والنسائي، والعقيلي، وقال أحمد: مضطرب الحديث، وقال البخاري، وأبو حاتم: في حديثه وهم كثير، وهو في الأصل صدوق، وقال ابن عدي: احتمله الناس، وفي رواية عن ابن معين: ثقة، ومع ذلك فقد ذكره الذهبي في " من تكلم فيه وهو موثق " ص ١٨٤، وقال: حسن الحديث، وقال الحافظ في " التقريب ": صدوق سيئ الحفظ.
(٣) هو الحافظ العالم المحدث أبو عبيد الله أحمد بن عبد الرحمن بن وهب بن مسلم القرشي مولاهم المصري، الملقب ببحشل ابن أخي عالم مصر عبد الله بن وهب المتوفى سنة ٢٦٤ هـ. وثقه محمد بن عبد الله بن الحكم، وعبد الملك بن شعب بن الليث، وكان أبو الطاهر ابن السرح يحسن القول فيه، وسأل أصحاب الحديث عنه هارون بن سعيد الأيلي، فقال لهم: إنما يسأل أبو عبيد الله عنا، ليس نحن نسأل عنه، وهو الذي كان يستملي لنا عند عمه، وهو الذي كان يقرأ لنا على عمه. قال ابن أبي حاتم ٢/ ٦٠: سمعت أبي يقول: حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي ابن وهب، ثم قال: كتبنا عنه، وأمره يستقيم، ثم خلط بعد، ثم جاءني خبره أنَّه رجع عن التخليط، قال: وسئل أبي عنه بعد ذلك، فقال: كان صدوقًا. وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبا زرعة -وأتاه بعض رفقائي فحكى عن عبيد الله بن وهب أنه رجع عن تلك الأحاديث- فقال أبو زرعة: إن رجوعه مما يحسن حاله، ولا يبلغ به المنزلة التي كان قبل ذلك. وقيل لابن خزيمة: لم رويت عنه وتركت سفيان بن وكيع، فقال: لأن أحمد بن عبد الرحمن لما أنكروا عليه تلك الأحاديث رجع عنها عن آخرها، إلا حديث مالك، عن الزهري، عن أنس: " إذا حضر العشاء "، فإنه ذكر أنه وجده في درج من كتب عمه في قرطاس، وأما سفيان بن وكيع، فإن وراقه أدخل عليه أحاديث فرواها، وكلمناه، فلم يرجع عنها، فاستخرت الله، وتركت الرواية عنه. وقال: ابن عدي: ومن ضعفه أنكر عليه أحاديث وكثرة روايته عن =
[ ٣ / ٩٩ ]
الحاكم أبو عبد الله (١) أنَّه اختُلِطَ بَعْدَ الخمسين ومئتين بعدَ خروجِ مسلم مِنْ مِصْر، وهو في ذلك كسعيد بن أبي عروبة (٢)،
_________________
(١) = عمه، وحرملة أكثر رواية عن عمه منه، وكل ما أنكروه عليه فمحتمل، وإن لم يروه عن عمه غيره، لعله خصه به. وقال الإمام الذهبي في " السير " ١٢/ ٣٢٣: قلت: كان من أبناء التسعين ﵀، وقد روى ألوفًا من الحديث على الصحة، فخمسة أحاديث منكرة في جنب ذلك ليست بموجبة لتركه. نعم، ولا هو في القوة كيونس بن عبد الأعلى، وبندار. وقال الحافظ ابن حجر: وقد صح رجوع أحمد عن هذه الأحاديث التي أنكرت عليه، لأجل ذلك اعتمده ابن خزيمة من المتقدمين، وابن القطان من المتأخرين.
(٢) نص كلام الحاكم عند مغلطاي في كتابه " إكمال تهذيب الكمال " ١/الورقة ١٨ قال أبو عبد الله الحاكم: قلت لأبي عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ: إن مسلمًا حدث عن ابن أخي ابن وهب، فقال: إن ابن أخي ابن وهب ابتلي بعد خروج مسلم من مصر، ونحن لا نشك في اختلاطه بعد الخمسين، وذلك بعد خروج مسلم، والدليل عليه أحاديث جمعت عليه بمصر لا يكاد يقبلها العقل، وأهل الصنعة من تأملها منهم، علم أنها مختلقة أدخلت عليه، فقبلها، فما يُشبه حال مسلم معه إلا حال المتقدمين من أصحاب ابن أبي عروبة، إنهم أخذوا عنه قبل الاختلاط، وكانوا فيه على أصلهم الصحيح، فكذلك مسلم أخذ عنه قبل تغيره واختلاطه. فهذا النقل يبين أن الحاكم لم يقل ذلك، وإنما نقله عن محمد بن يعقوب الحافظ الثقة أبو العباس الأصم النيسابوري، المترجم في " تذكرة الحفاظ " ٣/ ٨٦٠ - ٨٦٣.
(٣) تحرف في الأصول كلها إلى " عروة ". وسعيد بن أبي عروبة -واسم أبي عروبة مِهران- العدوي مولى بني يشكر أبو النضر البصري، من كبار الأئمة، وثقه الأئمة كلهم، واحتج به الشيخان، وكان قد اختلط سنة خمس وأربعين ومئة، ومات سنة ١٥٦، وقيل: سنة ١٥٧. وممن سمع منه قبل اختلاطه: عبد الله بن المبارك، ويزيد بن زريع، وشعيب بن إسحاق، ويزيد بن هارون، وعبدة بن سليمان، وشعيب بن إسحاق، وعبد الأعلى السامي، وعبد الوهاب بن عطاء الخفاف، وخالد بن الحارث، ويحيى بن سعيد القطان، ومحمد بن بشر، ومحمد بن بكر البرساني، وعيسى بن يونس، وعبد الله بن بكر بن حبيب السهمي، وروح بن عبادة، وأسباط بن محمد، وسفيان بن حبيب، وسرَّار بن مجشر، ومصعب بن ماهان، وحماد بن سلمة، وإسماعيل بن علية، والثوري، وشعبة، وأبو أسامة، والأعمش. وممن سمع منه بعد الاختلاط: الفضل بن دكين، ووكيع، والمعافى بن عمران، ومحمد بن جعفر الملقب بغندر، ومحمد بن عبد الله الأنصاري، ومحمد بن أبي عدي، وعبد =
[ ٣ / ١٠٠ ]
وعبد الرزَّاق (١)، وغيرهما مِمَّنِ اختُلِط آخرًا، ولم يمنع ذَلِكَ مِنْ صِحَّة
_________________
(١) = الرحمن بن مهدي، وعمرو بن الهيثم أبو قطن. انظر " الكواكب النيرات " مع تعليق المحقق ص ١٩٠ - ٢١٢. قال الحافظ في " هدي الساري " ص ٤٠٦: لم يخرج له البخاري عن غير قتادة سوى حديث واحد أورده في كتاب اللباس، من طريق عبد الأعلى عنه، قال: سمعت النضر بن أنس يحدث عن قتادة، عن ابن عباس، فذكر حديث: " من صور صورة "، وقد وافقه على إخراج مسلم، ورواه أيضًا من حديث هشام، عن قتادة، عن النضر، وأمَّا ما أخرجه البخاري من حديثه عن قتادة، فأكثره من رواية من سمع منه قبل الاختلاط. وأخرج عمن سمع منه بعد الاختلاط قليلًا كمحمد بن عبد الله الأنصاري، وروح بن عبادة، وابن أبي عدي، فإذا أخرج من حديث هؤلاء انتقى منه ما توافقوا عليه واحتج به الباقون.
(٢) قال أحمد: أتيناه قبل المئتين، وهو صحيح البصر، ومن سمع منه بعدما ذهب بصره، فهو ضعيف السماع، وقال أيضًا: من سمع منه بعدما عمي، فليس بشيء، وما كان في كتبه، فهو صحيح، وما ليس في كتبه، فإنه كان يُلقن فيتلقن. وقال النسائي: فيه نظر لمن كتب عنه بأخرة، كتبوا عنه أحاديث مناكير. قلت: وممن سَمِعَ منه بأخرة: إبراهيم بن منصور الرمادي، وأحمد بن محمد بن شبويه، وإسحاق بن إبراهيم الدبري، ومحمد بن حماد الطِّهراني. قال إبراهيم الحربي: مات عبد الرزاق وللدبري ست أو سبع سنين، وكذا قال الذهبي: اعتنى به أبوه، فأسمعه من عبد الرزاق تصانيفه وله سبع سنين، ونحوه قول ابن عدي: إنه استصغر فيه، وقال ابن الصلاح: وقد وجدت فيما روي عن الطبراني، عن الدبري، عن عبد الرزاق أحاديث استنكرتها جدًا، فأحلت أمرها على ذلك، فإن سماع الدبري متأخر جدًا. ومع ذلك فقد احتج به وأبو عوانة في " صحيحه ". قلت: حديث عبد الرزاق عند الشيخين من جهة إسحاق بن راهويه، وإسحاق بن منصور الكوسج، ومحمود بن غيلان، عنه. وعند البخاري فقط من جهة علي بن المديني، وإسحاق بن إبراهيم بن نصر السعدي، وعبد الله بن محمد المسندي، ومحمد بن يحيى الذهلي، ويحيى بن جعفر البيكندي، ويحيى بن موسى البلخي الملقب خت عنه. وعند مسلم فقط من جهة أحمد بن حنبل، وأحمد بن يوسف السلمي، وحجاج بن يوسف الشاعر، والحسن بن علي الخلال، وسلمة بن شبيب، وعبد بن حميد، وعمرو بن محمد الناقد، ومحمد بن رافع، ومحمد بن مهران، ومحمد بن يحيى بن أبي عمر العَدَني، وعبد الرحمن بن بشر بن الحكم. انظر " التقييد والإيضاح " ص ٤٠٧ - ٤٠٨، و" التبصرة والتذكرة " ٣/ ٢٧٠، و" الباعث الحثيث " ص ١٥٢، و" فتح المغيث " ٣/ ٣٧٦ - ٣٧٧، و" هدي الساري " ص ٤١٩ - ٤٢٠، و" الكواكب النيرات " ص ٢٨١. =
[ ٣ / ١٠١ ]
الاحتجاج في الصَّحيحَيْن بما أُخِذَ عنهم قَبْلَ ذلِكَ.
الرابع: أن يعلو (١) بالشَّخْصِ الضَّعيفِ إسنادُه، وهو عِنْدَهُ مِنْ
رواية الثِّقَات [نازِل]، فيقتصِرُ على العالي، ولا يُطَوِّل (٢) بإضافةِ النَّازل
مُكْتَفِيًَا بمعرِفَةِ أَهْلِ الشَّأْنِ [في] ذلك، وهذا العُذْر (٣) قد رَوينَاهُ عنه
تَنْصِيصًَا، وَهُوَ خلافُ حالِهِ فيما رواه عَنِ الثِّقاتِ أوَّلًا، ثُمَّ أتبعهم بِمَنْ (٤)
دونَهُم متابَعَةً، وكأنَّ ذلِكَ وَقَعَ منه بحسبِ حُصولِ باعثِ النَّشاط وغيبته،
روينا عَنْ سعيد بن عمرو أنَّه حضر أبا زرعة، وذكر " صحيح مسلم "
_________________
(١) = وكذا كان العقيلي يصحح روايته، وأدخلها في الصحيح الذي ألفه، وأكثر عنه الطبراني، وقال الحاكم: قلت للدارقطني: أيدخل في الصحيح؟ قال: أي والله. قال الحافظ العراقي وغيره: وكأن من احتج به لم يبالِ بتغير عبد الرزاق لكونه إنما حدثه من كتبه لا من حفظه. ونحوه قول ابن كثير: من يكون اعتماده في حديثه على حفظه وضبطه ينبغي الاحتراز من اختلاطه إذا طعن في السن، وأما إذا كان الاعتماد على كتابه وضبطه، فلا. وقال الحافظ ابن حجر: المناكير الواقعة في حديث الدبري إنما سببها أنَّه سمع من عبد الرزاق بعد اختلاطه، فما يوجد من حديث الدبري عن عبد الرزاق في مصنفات عبد الرزاق، فلا يلحق الدبري منه تبعة إلا إن صحف وحرَّف، وقد جمع القاضي محمد بن أحمد بن مفرج القرطبي الحروف التي أخطأ فيها الدبري، وصحفها في " مصنف عبد الرزاق "، وإنما الكلام في الأحاديث التي عند الدبري في غير التصانيف، فهي التي فيها المناكير، وذلك لأجل سماعه منه في حال اختلاطه. فهذه النقول تدل دلالة واضحة على أن تغير عبد الرزاق بعد العمى لا يؤثر في مصنفاته، لأنها دونت قبل أن يتغير، وسماع الدبري اعتماده على الكتاب لا على الحفظ. وقد ذهل عن هذا من ينتحل صناعة الحديث في عصرنا، فضعف حديثًا أخرجه عبد الرزاق في " مصنفه "، وحجته في ذلك أنَّه لا يدري هل حدَّث به عبد الرزاق قبل التغير أم لا!!
(٢) تحرفت في الأصول إلى: " يعلق "، والتصويب من " شرح مسلم " للنووي، و" صيانة صحيح مسلم " لابن الصلاح.
(٣) في الأصول: " يكون "، والتصويب من " شرح مسلم " و" صيانة صحيح مسلم ".
(٤) في (ج): " القدر "، وليس بشيء.
(٥) في (أ) و(ج): " لمن "، ولفظ ابن الصلاح: وهو على خلاف حاله فيما رواه أولًا عن الثقات، ثم أتبعه بالمتابعة عمن هو دونهم.
[ ٣ / ١٠٢ ]
وإنكار (١) أبي زُرعة عليه روايَتَهُ عَنْ أسباط بن (٢) نَصْر، وقطنُ بن نُسَيْر (٣)، وأحمد بن عيسى المصري (٤) إلى قوله، فقال: إنَّما أدخلتُ من حديث أسباطَ وقَطنٍ وأحمد ما قد رواه الثِّقَاتُ عَنْ شُيوخهم، إلاَّ أنَّه رُبَّما وَقعَ (٥) إليَّ عنهم (٦) بارتَفاعٍ، ويكون عندي برِوَايةٍ أوثقَ منهم بنُزُولٍ، فأَقْتصِرُ عَلَى ذلِكَ، وأصلُ الحديث معروف مِنْ رِوَايَة الثِّقَاتِ إلى قوله: فَهذا مَقامٌ وَعِرٌ، وقد مهدتُهُ بواضحٍ مِنَ القَوْل لم أَرَهُ مجتمعًا في مؤلَّفٍ وللهِ الحَمْدُ، انتهى كلام النَّواوي.
وفيه ما يَدُلُّ على أنَّهُ لا يعترض على حُفَّاظ الحديث إذا رَوَوْا حديثًا
_________________
(١) في (ب): و" أنكر"، وليس بشيء.
(٢) ساقطة من (ب). وأسباط بن نصر هو أبو يوسف الهَمْدَاني، ويقال: أبو نصر، قال الحافظ: صدوق، كثير الخطأ، يُغرب، روى له البخاري في " الأدب المفرد "، ومسلم في " صحيحه "، وأصحاب السنن الأربعة. وانظر " تهذيب الكمال " ٢/ ٣٥٧ - ٣٥٩ طبع مؤسسة الرسالة.
(٣) " نُسَير " بضم النون، وفتح السين، وسكون الباء، وقد تحرف في الأصول إلى "بشر". قال الحافظ في " التقريب ": قطن بن نُسير أبو عباد البصري العُبَري الذراع: صدوق يخطىء (م د س).
(٤) قال الحافظ في " هدى الساري " ص ٣٨٧: أحمد بن عيسى التستري المصري: عاب أبو زرعة على مسلم تخريج حديثه، ولم يبين سبب ذلك، وقد احتج به النسائي مع تعنته، وقال الخطيب: لم أر لمن تكلم فيه حجة توجب ترك الاحتجاج بحديثه. قلت (القائل ابن حجر): وقع التصريح به في " صحيح البخاري " في رواية أبي ذر الهروي، وذلك في ثلاثة مواضع: أحدها: حديثه عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة: إن أول شيء بدأ به النبي - ﷺ - الطواف. وقد تابعه عليه عنده أصبغ، عن ابن وهب. ثانيها: حديثه عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه في المواقيت مقرونًا بسفيان بن عيينة، عن الزهري. وثالثها: هذا الإسناد في الإهلال من ذي الحليفة بمتابعة ابن المبارك، عن يونس. وقد أخرج مسلم الحديثين الأخيرين عن حرملة، عن ابن وهب، فما أخرج له البخاري شيئًا تفرد به. ووقع في البخاري عدة مواضع غير هذه يقول فيها: حدثنا أحمد عن ابن وهب، ولا ينسبه
(٥) في (أ) و(ب) و(ج): " رفع "، وهو خطأ.
(٦) في (ب): منهم.
[ ٣ / ١٠٣ ]
عَنْ بعض الضُّعفاء، وادَّعَوا صِحتَهُ حَتَّى يُعْلَمَ أنَّه لا جابرَ لِذلكَ الضَّعْفِ مِن الشَّواهد والمتَابَعَاتِ، ومعرِفَة هذا عزيزةٌ لا تَحْصُلُ إلاَّ للمَهَرةِ مِنَ الحُفَّاطِ، وأهْلِ الدِّرْيَةِ التَّامَّةِ بهذا الفَنِّ.
وقد رُئيَ عِنْدَ بَعْضِ (١) الحُفَّاظِ الجزءُ النَّيِّفُ والعشرون من مسند أبي بكر، فقيل له: ما هذا، وأحاديثُ أبي بكرٍ الصِّحاحُ لا تزيد على خمسين، أو لا تكون خمسين حديثًا؟ فقال: إنَّ الحديث يكونُ معي مِنْ مئَةِ طريقٍ، أو كما قال.
ولقد صنَّف الحافظُ العلامةُ محمد بنُ جريرٍ الطبري (٢) كتابًا في طرق حديث الطير (٣) في فضائل علي ﵇ لمَّا سمع رجلًا يقول: إنه
_________________
(١) ساقطه من (ش).
(٢) هو الإمام العلم الحافظ المجتهد المتفنن أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن كثير الطبري من أهل آمل طبرستان، صاحب التصانيف البديعة السائرة، المتوفى سنة ٣١٠ هـ. قال الخطيب البغدادي: كان أحد أئمة العلماء، يُحكم بقوله، ويُرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، فكان حافظًا لكتاب الله، عارفًا بالقراءات، بصيرًا بالمعاني، فقيهًا في أحكام القرآن، عالمًا بالسنن وطرقها، صحيحها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، عارفًا بأقوال الصحابة والتابعين، عارفًا بأيام الناس وأخبارهم، وله الكتاب المشهور في أخبار الأمم وتاريخهم، وله كتاب التفسير لم يصنف مثله، وكتاب سماه " تهذيب الآثار " لم أر سواه في معناه، ولكنه لم يتمه، وله في أصول الفقه وفروعه كتب كثيرة، واختيار من أقاويل الفقهاء، وتفرد بمسائل حفظت عنه. قلت: وكتاب " تهذيب الآثار " طبع منه ثلاثة أجزاء بتحقيق الأستاذ الكبير شيخ العربية في هذا العصر محمود محمد شاكر، حفظه الله ورعاه، وأمدَّ في حياته ليتم تحقيق ما تبقى من أجزاء من " جامع البيان " للإمام الطبري، وهو -كما يقول أخوه العلامة المحدث أحمد شاكر ﵀ في مقدمة الجزء الأول- فيما أعلم خيرُ من يستطيع أن يحمل هذا العبءَ، وأن يقوم بهذا العمل حقَّ القيام أو قريبًا من ذلك، لا أعرف أحدًا غيره له أهلًا. وانظر ترجمة الطبري في " السير " ١٤/ ٢٦٧ - ٢٨٢.
(٣) هذا وهم من المؤلف -﵀- والصواب: حديث غديرخم، وفيه قول النبي - ﷺ - لعلي ﵁: " من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه " =
[ ٣ / ١٠٤ ]
ضعيف. قال الذَّهبيُّ: وقفتُ علَى هذا الكتاب، فاندهشتُ لكثرَةِ ما فيه مِنَ الطُّرُقِ.
ومِن الغَرَائِب (١) في هذا المعنى أنَّ كثيرًا منْ أهلِ الحديث يعتقد في حديث " الأعمالُ بالنِّيَّاتِ " (٢) أنَّهُ حديث غريبٌ ما رواه إلاَّ عمر بن الخطاب، مِمَّن نصَّ على ذلك: الحافظ أبو بكر أحمدُ بنُ عمرو (٣) البزَّار (٤) في " مسنده "، فإنَّه ذكر أنه لا يَصِحُّ إلا مِنْ حديث عُمرَ.
قال حافظُ العصر ابنُ حجر: وكأنَّه أراد بهذا اللَّفظِ والسَياقِ، وإلا
_________________
(١) = كما في " تذكرة الحفاظ " ٢/ ٧١٣، و" السير " ١٤/ ٢٧٧، ولفظ الأخير: قلت: جمع طرق حديث غديرخم في أربعة أجزاء، رأيت شطره، فبهرني سعة رواياته، وجزمت بوقوع ذلك. وقد تقدم تخريج الحديث في ١/ ٣٦٩ - ٣٧٠. وأما حديث الطير فلا يصح. روى الذهبي في " السير " في ترجمة الحاكم ١٧/ ١٦٨ من طريق أبي نعيم الحداد، سمعت الحسن بن أحمد السمرقندي الحافظ، سمعت أبا عبد الرحمن الشاذياخي الحاكم يقول: كنا في مجلس السَّيِّد أبي الحسن، فسئل أبو عبد الله الحاكم عن حديث الطير، فقال: لا يصح، ولو صح لما كان أحد أفضل من علي بعد النبي - ﷺ - قال الذهبي: فهذه حكاية قوية، فما باله (يعني الحاكم) أخرج حديث الطير في " المستدرك ".
(٢) في (ش): الغرب.
(٣) متفق عليه من حديث عمر، وقد خرجته في أكثر من موضع.
(٤) تحرف في (أ) و(ج) و(ش) إلى " عمر "، وجاء في (ب): عبد.
(٥) هو الشيخ الإمام الحافظ الكبير أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البصري البزار، صاحب " المسند " الكبير الذي تكلم على أسانيده، المتوفى سنة ٢٩٢ هـ في الرملة، ولم يطبع مسنده، ومنه أجزاء في المكتبات العامة، وقد نشرت مؤسسة الرسالة " زوائده على الكتب الستة " للحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي المتوفى سنة ٨٠٧ هـ في أربعة مجلدات، بتحقيق الشيخ العلامة حبيب الرحمن الأعظمي. انظر ترجمة البزار في " السير " ١٣/ ٥٥٤ - ٥٥٧، وانظر آثاره في " تاريخ التراث " لسزكين ١/ ٣١٦. فائدة حديثية: قال الحافظ ابن حجر في " النكت " ٢/ ٧٠٨: من مظان الأحاديث الأفراد مسند أي بكر البزار، فإنه أكثر فيه من إيراد ذلك وبيانه، وتبعه أبو القاسم الطبراني في " المعجم الأوسط "، ثم الدارقطني في كتاب الأفراد، وهو ينبىء عن اطلاع بالغ، ويقع عليهم التعقبُ فيه كثيرًا بحسب اتساع الباع وضيقه، أو الاستحضار وعدمه. وأعجب من ذلك أن يكون المتابع عند ذلك الحافظ نفسه، فقد تتبع العلامة مغلطاي =
[ ٣ / ١٠٥ ]
فقد روينا معناهُ من حديثِ أنسٍ، وعُبَادةَ بنِ الصَّامِتِ، وأبي ذَرٍّ، وأبي الدَرْداء، وأبي أُمَامَة، وصُهَيْب، وسهل بنِ سعدٍ، والنَّوَّاس بن سمعان، وغيرهم، وروينا بلفظِ حديثِ عُمَرَ مِنْ حديثِ عليِّ بن أبي طالب، وأبي سعيد الخُدري، وأبي هريرة، وأنس، وابن مسعود. انتهى، لكن مِن وجوهٍ ضعيفةٍ، قاله ابن حجر في " علوم الحديث " (١).
_________________
(١) = على الطبراني ذلك في جزء مفرد. وإنما يحسن الجزم بالإيراد عليهم حيث لا يختلف السياق، أو حيث يكون المتابع ممن يعتبر به لاحتمال أن يريدوا شيئًا من ذلك لإطلاقهم، والذي يرد على الطبراني، ثم الدارقطني من ذلك أقوى مما يرد على البزار، لأن البزار حيث يحكم بالتفرد إنما ينفي علمه، فيقول: لا نعلمه يروى عن فلان إلا من حديث فلان، وأما غيره، فيعبر بقوله: لم يروه عن فلان إلا فلان، وهو وإن كان يلحق بعبارة البزار على تأويل، فالظاهر من الإطلاق خلافه.
(٢) لم أجد هذا الذي نقله عن الحافظ، لا في " النكت "، ولا في " شرح النخبة "، وإليك نصه في " الفتح " ١/ ١١: ثم إن هذا الحديث متفق على صحته، أخرجه الأئمة المشهورون إلا الموطأ، ووهم من زعم أنَّه في " الموطأ " مغترًا بتخريج الشيخين له والنسائي من طريق مالك (قلت: وهم الحافظ ﵀ في هذا التوهيم، فقد أخرجه مالك في " الموطأ " برقم (٩٨٣) برواية محمد بن الحسن، وهو فيه أيضًا برواية القعنبي، رواه عنه البغوي في (شرح السنة (١» وقال أبو جعفر الطبري: قد يكون هذا الحديث على طريقة بعض الناس مردودًا لكونه فردًا، لأنَّه لا يروى عن عمر إلا من رواية علقمة، ولا عن علقمة إلا من رواية محمد بن إبراهيم، ولا عن محمد بن إبراهيم إلا من رواية يحيى بن سعيد، وهو كما قال، فإنه إنما اشتهر عن يحيى بن سعيد، وتفرد به من فوقه، وبذلك جزم الترمذي، والنسائي، والبزار، وابن السكن، وحمزة بن محمد الكتاني، وأطلق الخطابي نفي الخلاف بين أهل الحديث في أنَّه لا يعرف إلا بهذا الإسناد، وهو كما قال، لكن بقيدين، أحدهما: الصحة، لأنَّه ورد من طرق معلولة ذكرها الدارقطني، وأبو القاسم ابن مندة، وغيرهما. ثانيهما: السياق، لأنَّه ورد في معناه عدة أحاديث صحت في مطلق النية، كحديث عائشة، وأم سلمة عند مسلم: " يبعثون على نياتهم "، وحديث ابن عباس: " ولكن جهاد ونية "، وحديث أبي موسى: " من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله " متفق عليهما، وحديث ابن مسعود: " رب قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته " أخرجه أحمد، وحديث عبادة: "من غزا وهو لا ينوي إلا عقالًا فله ما نوى" أخرجه النسائي، إلى غير ذلك مما يتعسر حصره. وعرف بهذا التقرير غلط من زعم أن حديث عمر متواتر إلا إن حمل على التواتر المعنوي فيحتمل، نعم قد تواتر عن يحيى بن سعيد
[ ٣ / ١٠٦ ]
فبهذا لا يقطعُ على راوي الحديثِ أنَّه يعتقدُ عَدَالَةَ بعضِ الضُّعفاء إذا صحَّحَ حديثَ بعضِهم، ولكن لا نقول أيضًا بِصحَّة الحديثِ قطعًا إذا علمنا بجِرْحِ الرَّاوي له، وَلَمْ نعلمْ ما يَجْبُرُهُ مِنَ المتابعاتِ، بل نقول: إنَّ هذه المسألة مَحَلُّ نَظَرٍ، والذي يقوى عندي وجوبُ العَمَلِ بذلِكَ، لأنَّ القَدْحَ بذلِكَ مُحْتَمَلٌ، والثِّقَةُ العَارِفُ إذا قال: إنَّ الحديثَ صحيحٌ عنده، وجَزَمَ بذلِكَ، وَجَبَ قَبولُهُ بالَأدِلَّةِ العقليَّة والسَّمْعِيَّة الدالَّةِ على قَبُولِ خَبَر الوَاحِدِ، ولم يَكُنْ ذلِك تقليدًا له، إلاَّ أَنْ يَظُنَّ أو يجوز أنَّه بنى دعواه لذلكَ على اجتهادٍ، ولو كان مُجَرَّدُ الاحتمال المرجوح يَقْدَحُ، لطرحنا جميعَ أحاديثِ الثِّقات لاحتمالِ الوَهْمِ والخطأ في الرواية بالمعنى، بلِ احْتِمال تَعَمُّدِ الكَذِبِ.
نعم، الظَّاهِرُ أنَّ البخاري ومسلمًا بَنَيَا على شروط الحديث المعتبَرَة عند جُمهورِ أَهْلِ هذا الشَّأنِ إلاَّ في المواضِعِ التي استثناها الحُفَّاظُ، وهي ما انْتُقِدَ عليهما.
قلت: ومجموعُه يكونُ في موضعين.
الأول: ما ثَبَتَ عن بعض الحُفَّاط أنه خالفهما، أو أحدَهُما في صِحَّتِه.
والثاني: ما كان متعارضًَا، لا بُدَّ مِنْ ضَعْفِ إحدى الرِّوايتين، ويدخل في الَأوَّلِ ما اختلفا فيه، وما جاءَ بِغَيْرِ صريحِ السَّماعِ منْ رِوَايَةِ المدلِّسين، وإنَّما أخرجا هذا الجنس بحسب اجتهادهما وتحرِّيهما، لأنَّ تَرْكَهُ كُلَّهُ مفسدهٌ بينَةٌ، إذ كان الغالبُ علَى الظنِّ صِحة أكثرِهِ، ورُبمَا اطلعنا على شواهِدَ وتوابعَ تُوجبُ تخريج ما أخرجا منه، لكِنَّ ذلِكَ على طريقَةِ الاجتهاد منهما، ولا يَجِبُ، بَلْ لا يجوزُ للمجتهدِ أنْ يُقَلِّدَ أحدًا فيما
[ ٣ / ١٠٧ ]
قوله: قال: والضابط في ذلك أن ما صححه أئمتنا هو صحيح
الجواب على هذا من وجهين
يجتَهِدُ فيه، وانْ كانا أهلًا للتَّقلِيدِ رحمهما الله، فطلبُ العِلْمِ غيرُ طَلَبِ التَّقليدِ، ولكُلِّ مَقامٍ مَقَالٌ.
وقد ذكر ابن حجر في مقدمة " شرح البخاري " مما انتقد عليه مئة حديث وعشرة أحاديث غير عنعنة مَنْ يُدَلِّسُ، ولم يستقْصِ ذلك (١).
قال: والضَّابِطُ في ذلِكَ أنَّ ما صححهُ أئِمَّتُنا، فهو صحيحُ، وما رَدُّوه أو طَعَنوا في رُواته مردود (٢)، مثل خَبَرِ الرُّؤية عَنْ قيسِ بن أبي حازم، عن جريرِ بن عبد الله (٣)، وإنَّما كان ما ردُّوه وجرَّحوا رُوَاتِهِ مردُودًَا، ومن (٤) جرَّحُوه مجْرُوحًا لوجهين:
أحدهما: أنَّ أئِمَّتنَا عُدُولٌ لِصِحةِ اعتقادِهِم، واستقامَةِ أعمالهمْ، والقطعُ أنَّهُ إذا جرَحَ الراويَ جَمَاعةٌ عُدُولٌ، فإن جَرْحَهُم مقبولٌ، لأنَّ الجارجَ يُقَدَّم (٥) علَى المُعَدِّل.
_________________
(١) انظر " المقدمة " ص ٣٤٨ - ٣٨٣.
(٢) " مردود " سقطت من (أ) و(ب) و(ج)، وقد ألحقت في (ش)، وكتب بجانبها: " صح ".
(٣) أخرجه أحمد ٤/ ٣٦٠ و٣٦٢ و٣٦٥، والبخاري (٥٥٤) و(٥٧٣) و(٤٨٥١) و(٧٤٣٤) و(٧٤٣٥) و(٧٤٣٦)، ومسلم (٦٣٣)، وأبو داود (٤٧٢٩)، والترمذي (٢٦٧٥)، وابن ماجه (١٧٧)، والحميدي (٧٩٩)، والطبراني (٢٢٢٤) و(٢٢٢٥) و(٢٢٢٦) و(٢٢٢٧) و(٢٢٢٨) و(٢٢٢٩) و(٢٢٣٢) و(٢٢٣٣) و(٢٢٣٤) و(٢٢٣٥) و(٢٢٣٦) و(٢٢٣٧) و(٢٢٨٨) و(٢٢٩٢)، وابن مندة في " الإيمان " (٧٩١) و(٧٩٢) و(٧٩٣) و(٧٩٤) و(٧٩٥) و(٧٩٦) و(٧٩٧) و(٧٩٨) و(٧٩٩) و(٨٠٠) و(٨٠١) و(٨١٥)، وابن خزيمة في " التوحيد " ص ١٦٨ و١٦٩، واللالكائي (٨٢٥) و(٨٢٦) و(٨٢٧) و(٨٢٩)، وابن أبي عاصم في " السنة " (٤٤٣) و(٤٤٤) و(٤٤٥) و(٤٤٦) و(٤٤٧) و(٤٤٨) و(٤٤٩) و(٤٥٠) و(٤٥١)، والآجري ص ٢٥٧ - ٢٥٩.
(٤) في (ب): أو من.
(٥) في (ش): مقدَّم.
[ ٣ / ١٠٨ ]
الأول: إما أن يريد ما أجمعوا على رده إجماعا معلوما فهو مردود، وهذا مسلم، لأن إجماعهم المعلوم عندنا حجة
الثاني: أنَّها إذا تعارَضَتْ رِوَايةُ العَدْل الَّذي لَيْسَ على بِدْعةٍ، وروايةُ المبتدعِ، قُدِّمَتْ رِوَايَة العَدْلِ الذي ليس على بِدْعةٍ، وهذا مُجْمَعٌ عليه.
أقول: الجوابُ عَلَى هذا مِنْ وَجْهَيْن.
الأوَّلُ: إمَّا أنْ يريدَ ما أَجْمَعُوا على رَدِّهِ إجماعًا مَعْلُومًا، فهو مردودٌ مثل خبَرِ الفَاسِقِ والكَافِرِ المُصَرِّحين، أو يريدَ أنَّ ما اختلفوا فيه فهُوَ مردودُ، مِثْلُ خبَرِ أهْلِ التَّأويلِ على تسليم أنَّهُمْ لَمْ يُجْمعُوا على قَبُولهِم.
القسم الأول: مسلمٌ؛ لأنَّ إجماعهمُ المعلومَ ﵈ عندنا حجَّةٌ، وقولَهم إلى الحق أوضحُ مَحجةٍ، ولكنَّا لم نخالِفْ في هذا، فإنَّا نَرُدُّ منْ رَدُّوا، و(١) نُجَرِّحُ منْ جَرَّحُوا، وتحت هذا الجنس نوعان:
أحدُهما: ما قطعوا بَرِدِّهِ لثُبوت جَرْحِ التَّصريح في راويه (٢).
وثانيهما: ما قطعوا بردِّهِ أو تأويلِه لمخالَفَةِ دلالةِ العُقولِ الضَّرورِيَّة، أوِ القاطِعةِ المُجْمَعِ عليهما إن صحَّ الإجماعُ القاطِعُ، وصحَّ القطعُ في غير الضَّروريات ونتائجها، وكلا النَّوعين عندي مردودٌ مرذولٌ غيرُ صحيح ولا مقبولٍ، وقد بيَّنتُ هذا في كتابي " المبتدا " الذي أجابه السيد بنَصٍّ لا يحتملُ التَّأويل، ولم أَزَلْ بِحمدِ اللهِ مُتمسَّكًا بأهلِ البَيْتِ ﵈ سرًَّا وجهرًا، مُفْتَنًَّا في إظهار عقيدتي في ذلِكَ نظمًا ونثرًا، فَمِنْ قولي قديمًا في ذلِكَ:
إنْ كانَ حُبِّي (٣) حَدِيثَ المُصْطفي زَلَلًا مِنِّي فما الذَّنْبُ إلاَّ مِنْ مُصَنِّفِهِ
_________________
(١) الواو ساقطة من (ب).
(٢) في (ش): رواته.
(٣) في (ش): حب.
[ ٣ / ١٠٩ ]
وَإِنْ يكُنْ حبهُ دِينًا (١) لمعْتَرِفٍ فَذاكَ هَمِّي وديني (٢) في تعَرُّفهِ
وَمَذْهَبِي مذْهَبُ الحق اليقينِ، فَمَا تَحَوَّلَ الحَالُ إلا مِنْ تَشَوُّفِهِ
وذاكَ مذْهَبُ أَهْلِ البَيْتِ إنَّهُمُ نَصُّوا بِتَصْوِيبِ كُلٍّ في تَصَرُّفهِ
نصُّوا بتصويبِ كُلٍّ في الفُروع، فَمَا لوْمُ الذي لامَ إلاَّ مِنْ تَعَسُّفِهِ
فَمَا قَفَوْتُ سِوَى أعْلامِ مَنْهَجِه ولا تَلَوْتُ سِوَى آياتِ مُصْحَفِهِ
أمَّا الأصولُ، فَقَوْلي فيه قوْلُهُمُ لا يبْتَغِي القلْبُ حَيْفًا عنْ (٣) تَحَنُّفِهِ
ففِي المَجَازاتِ أَمْضي نَحْوَ مَعْلَمِهِ وفي المَحَارَاتِ أَبْقَى وَسْط مَوْقِفهِ
فإنْ سَعيتُ فسعْيي حَوْلَ (٤) كَعْبَتِه وإنْ وَقَفْتُ، فَفِي وَادي مُعَرَّفِهِ
وحقِّ حُبي لهُ إني به (٥) كَلِفٌ يُغنيني الطَّبعُ فيه عن تكلُّفِهِ
هذا الَّذي كَثُرَ العُذَّال فيه فما تعجَّبَ القَلْبُ إلاَّ مِنْ معنِّفِهِ
ما الذَّنْبُ إلاَّ وقوفي بين أظهرهِمْ كالماءِ مَا الَأجْنُ إلاَّ مِنْ تَوَقُفِهِ
والمنْدلُ الرَّطبُ في أوطانه حَطَبٌ واستقْر صرفَ اللَّيالي في تصَرُّفهِ
يستأْهِلُ القلبُ ما يلقاه ما بَقِيَتْ له علائِقُ تُغريه (٦) بمألفِهِ (٧)
وَمِنْ قولي في هذا المعنى:
لامَنِي الأهْلُ والأحِبّةُ طُرًَّا لاعتزالي مَجَالِسَ التَّدْرِيسِ
أَشْفَقُوا أَنْ أكونَ فَارَقْتُهَا مِنْ رغْبَةٍ عنْ دُرُوسِ عِلْمِ الرُّسُوسِ
قلت: لا تَعْذِلُوا، فَمَا ذاكَ مِنِّي رَغْبَةً عَنْ عُلُومِ تِلْك الدُّرُوسِ
_________________
(١) في (ش): ذنبًا.
(٢) في (ش): ذنبي.
(٣) في (ش): من.
(٤) في (ب): نحو.
(٥) في (ب): له.
(٦) في (ش): توليع.
(٧) تقدمت هذه الأبيات في مقدمة العلامة الأكوع ١/ ٦٨.
[ ٣ / ١١٠ ]
هِيْ ريَاضُ الجِنَانِ مِنْ غيْرِ شَكٍّ وسَنَاها يُزْري بِنُورِ الشُّمُوسِ
غيرَ أنَّ الريَاضَ مَأوَى الَأفاعِي وجِوارُ الحيَّات غَيْرُ أَنِيسِ
حَبَّذا العِلْمُ لو أَمنْتُ وصاحَبْـ ـتُ إمَامًا في العلْمِ كالْقَامُوسِ
غيرَ أنِّي خبرْتُ كلَّ جَلِيسٍ فوجَدْتُ الكتَابَ خَيْرَ جليسِ
فَدَعُوني فَقَدْ رضِيتُ كِتابي عِوَضًَا لي عنْ أُنْسِ كُلِّ أَنِيسِ
ولمَّا لَمْ أَسْلمْ مِنَ القيلِ والقال بعدَ الفِرَارِ والاعتزال، أعجبني أن أَصلَ هذهِ الأبيات بقولِ مَنْ قال:
لِوْ تُرِكْنَا وذاك كُنّا ظَفِرْنا مِنْ أمانيِّنا بِعِلْقِ نفِيسِ
غيرَ أنَّ الزَّمَانَ -أَعْني بَنيهِ- حَسَدُونا على حيَاةِ النُّفُوسِ (١)
وَمِنْ قولي في ذلِكَ وَهُو في الكتابِ الذي تعرض السيدُ أيَّدهُ اللهُ لجوابه:
وأُحِبُّ (٢) آلَ محَمَّدٍ نفسي الفِدَا لَهُمُ فما آحَدٌ كآل مُحَمَّدِ
هُمْ بابُ حطَّةَ والسَّفِينَةُ والهُدى فِيهِم وَهُمْ للظَّالِمينَ بِمَرْصَدِ
وَهُمُ النُّجُومُ لخيِّرٍ مُتعبِّدٍ وهُمُ الرُّجُوم لِكُلِّ مَنْ لمْ يَعْبُدِ (٣)
_________________
(١) الأبيات في " ترجيح أساليب القرآن " ص ٥٤ للمؤلف، وزاد فيه: وهذان البيتان زادهما قائلهما على قول بعض العارفين: إن صحبنا الملوك تاهُوا علينا واستَبدُّوا بالرأيِ دونَ الجليسِ أَوْ صحبنا التِّجَار عُدْنا إلى اللو مِ وصِرنا إلى حسابِ الفُلوس فَلَزمْنا البيوتَ نستعملُ الحِبـ ـر ونطلي به وجوه الطُّروس ونناجي العلوم في كل فنِّ عِوضًا عن منادمات الكؤوس وقنعنا بما به قَسمَ الـ ـهُ ولم نكترث بهمٍّ وبوسي
(٢) في (ج): " وحب "، وهو خطأ.
(٣) البيت ساقط من (ب).
[ ٣ / ١١١ ]
وَهُمُ الَأمَانُ لِكل مَنْ تَحْت السمَا وجزاءُ أَحْمَد وُدُّهُمْ فَتَوَدَّدِ
والقومُ والفرقانُ فاعرف قَدْرَهُم ثقلانِ للثَقَلَيْن نصُّ مُحَمد
وكفَى لَهُمْ شَرَفًَا ومجْدًا باذِخًَا شرعُ الصَلاَةِ لهُمْ بِكُلِّ تَشَهدِ
وَلَهُمْ فضَائِلُ لَسْتُ أُحْصِي عَدهَا منْ رامَ عد الشُهْبِ لَمْ تَتَعَددِ
ديني كأهلِ البيْتِ دِينًَا قيمًَا مُتَنَزِّهًَا عَنْ كُلِّ مُعْتَقَدٍ رَدِي (١)
ولي في ذلك أبياتٌ قد فاتتني، لكِنِّي أحفظُ منها قولي:
ها إنَّها حَدَّثَتْ أُمُو رٌ عُمِّيَتْ فيها المَعالِمْ
فالجَاهِلُ السَّفْسَافُ في أَمْشاجِها بالظَّن راجمْ
لكِنني لا أَرْتضِي إلَّا مَقالات الفَوَاطِمْ
لا سِيَّما عَلاَّمَتَيْ ساداتنَا يحيى وقاسمْ
ولي في هذا المنظومُ والمنثورُ (٢) ما لا يتَّسِعُ لهُ هذا المسطورُ، ولكنَّهُ قد فاتني؛ لَأنَي لَمْ أتوهَّمْ أنَّني أحتاج إلى الاستشهادِ بِهِ، ولا ظَنَنْتُ أَنِّي أُتَّهَمُ بِبُغض المذهب وأهلِه، لأنِّي في جميع أحوالي أعطرُ بذكرِهم صُدُورَ المحافِل، وأُزَيَنُ بالَثَّناء عليهم وُجُوهَ الرسائل، فالعجب منْ توجيهِ السيِّد إليَّ التَّعريف بأنَّ ما رَدُّوه فهو مَرْدودٌ، كأنِّي خرجتُ مِنْ وَرَاءِ السَّدِّ المسدودِ، يا هذا، إنَّ النَّاسَ قَدْ عَرَفُوا ما عَرَفْت، فخلِّ الِإفراطَ في التَّشْنِيع، وحُلَّ رِبَاطَ التَّسْمِيعِ:
_________________
(١) تقدمت الأبيات ضمن قصيدة مطولة في مقدمة العلامة الأكوع ص ٣٢ - ٣٧. وفيها يقول بعد البيت " وكفى لهم شرفًا ": سَنُّوا مُتابعة النبيَّ ولم يكنْ لهم غرامٌ بالمذاهبِ عن يدِ قد خالَفُوا آباءهم جهْرًا ولم يتقَيَّدوا إلا بسُنَّةِ أحمدِ
(٢) في (ب): المنظوم المنثور.
[ ٣ / ١١٢ ]
أو أن يريد أن ما اختلفوا فيه فهو مردود، وهذا خلاف إجماعهم على كل تقدير
جَاءَ شَقِيقٌ عَارِضًَا رُمْحَهُ إنَّ بني عَمِّك فيهم رِمَاح (١)
القسم الثاني: المتشابه: ما اختلفوا في ردِّه، مثل خبرِ المتأوِّلين على تسليم عَدَمِ إجماعهم على قَبُولهم، فَهذا مِمَّا ليس للسَيدِ أنْ يقول: إنَّه مردود؛ لأنَّ هذا خلافُ إجماعهم على كُلِّ تقدير، أمَّا إنْ قَدَّرنا أنَّهم أجمعوا على قَبُوله، فلا شَكَّ أنَّ المردودَ هُوَ قَوْلُ منْ رَدَّ عليهم، وشذَّ عنهم، ولم يَرْجِعْ إليهم، وأما إن قدَّرنا أنَّه لم يصحَّ لَهُمْ إجماعُ في ذلِكَ، فلا شَكَّ أنَّ المخالفَ في ذلِكَ غَيْرُ مُنْكرٍ على القائل، ولا مُجَرِّحٍ في رَدِّ تلك الأحاديث على من اعتقد صِحتَها، وقد روى في تفسيره مِنْ ذلِكَ أحاديثَ، وحكم بصحَّتها، وجزمَ بنسبتها إلى رسولِ الله - ﷺ -، فقال في آخر تفسير (٢) سورة الزمر في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] ما لفظه: جاء في الحَدِيثِ الصَّحِيح ما يُوافِقُ الآية، مِنْ ذلكَ؛ ما أخرجه البُخارِي ومسلمٌ منْ حديث أبي هريرة " يَقْبِضُ اللهُ الَأرْضَ يَوْم القِيَامةِ، ويَطْوِي السمَاءَ بِيَمِينهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أنَّا الملِكُ، أَيْن مُلُوكُ الَأرْضِ " (٣).
_________________
(١) البيت لِحجْلِ بن نضلة أحد بني عمرو، بن عبد قيس، بن معن بن أعصر، في " البيان والتبيين " ٣/ ٣٤٠. و" المؤتلف والمختلف " ص ٨٢، و" دلائل الإعجاز " ص ٣٢٦. وقد استشهد به أهل البلاغة لتنزيل غير المنكر للشيء منزلة المنكر له إذا ظهر عليه شيء من أمارات الإنكار.
(٢) في (ب): في تفسير آخر.
(٣) أخرجه البخاري (٧٣٨٢)، ومسلم (٢١٤٨)، وابن خزيمة في " التوحيد " ص ٧١ من طريق يونس بن يزيد الأيلي، عن ابن شهاب الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة. وأخرجه البخاري (٤٨١٢)، وابن خزيمة ص ٧١ من طريق عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. وفيه " السماوات ". وأخرجه البخاري (٧٤١٣)، والدارمي ٢/ ٣٢٥، وابن خزيمة ص ٧١، وابن أبي عاصم (٥٤٩) من طريق أبي اليمان الحكم بن نافع، عن شعيب بن أبي حمزة، عن =
[ ٣ / ١١٣ ]
وأخرجا مِنْ حديثِ ابنِ عُمَرَ: قال رسول الله - ﷺ -: " يَطْوِي الله ﷿ السَماواتِ يَوْمَ القيامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَ بِيَدِه اليُمْنَى " (١). وهذا مثلُ الآية على التَّمثيل والتَّخييل. انتهى.
وقال قبلَ هذا: وقال ابن عباس: الَأرْضُ والسماوات كلُّها بِيَمِينِهِ.
وقال سعيد بن جبير: السَّماوات قَبْضَة، والأرْض قَبْضَةٌ. انتهى بحروفه. وفيه التَّصْريحُ بتصحيحِ البخاريِّ ومسلمٍ، إذ لا طريقَ لَهُ إلى تَصْحِيحِ هذِهِ الأخبار إلاَّ ذلِكَ، لتصريحه (٢) بتعذُّر معرفة (٣) ذلِكَ في عَصْرِه، وفيه الرِّواية عَنْ أبي هريرة، وتصحيحه حديثَه، وفيه تصحيحُ مثل هذا منَ المتشابه، وقد وَهِمَ في إيهامِهِ أنَّ الرِّوايَةَ " يطْوِي السمَاءَ " مِنْ دون جَمعٍ، فإنَّ الرِّوايَة " السماوات " رواه البخاري في التفسير، وفي التَّوحيد (٤)، ذكره المزِّيُّ في ترجمة عبد الرحمان بن خالد، عنِ الزُّهري،
_________________
(١) = الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. وأخرجه البخاري (٦٥١٩) من طريق محمد بن مقاتل، عن عبد الله بن المبارك، عن يونس، عن أبي سلمة، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة. ونقل ابن خزيمة في " التوحيد " ص ٧١ عن محمد بن يحيى الذهلي أن الحديثين محفوظان يعني عن سعيد وأبي سلمة. قال الحافظ في " الفتح " ١٣/ ٣٦٧: وصنيع البخاري يقتضي ذلك، وإن كان الذي تقتضيه القواعد ترجيح رواية شعيب لكثرة من تابعه، لكن يونس كان من خواص الزهري الملازمين له.
(٢) أخرجه بهذا اللفظ مسلم (٣٧٨٨)، وأبو داود (٤٧٣٢)، وابن أبي عاصم (٥٤٧) من طرق عن عمر بن حمزة، عن سالم بن عبد الله، عن ابن عمر. وأخرجه البخاري (٧٤١٢) من طريق عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، بلفظ: " إن الله يقبض يوم القيامة الأرض وتكون السماوات بيمينه " وانظر " الفتح " ١٣/ ٣٩٧ - ٣٩٨.
(٣) في (ش): للتصريح.
(٤) ساقطة من (ب).
(٥) في الأصول: " ومالك في التوحيد "، وهو خطأ، فالحديث لم يروه مالك، =
[ ٣ / ١١٤ ]
عن أبي سلمة، عن أبي هُريرةَ، وابنِ الأثير في " جامعه " (١)، وقصَّر في ترك رِوَايَةِ ابنِ مسعود، وابنِ عباس، ورواية ابن مسعودِ في البخاري ومسلم (٢)، وابن عباس في " الترمذي " (٣)، وقال: حسنٌ غريبٌ
_________________
(١) = والصواب حذف " مالك " كما في " تحفة الأشراف " للمزي ١١/ ٣٤ الذي نقل عنه المؤلف ﵀، ونصه فيه: حديث " ويقبض الله الأرض يوم القيامة، ويطوي السماوات بيمينه " الحديث البخاري في التفسير (٤٨١٢) عن سعيد بن عفير، عن الليث، عن عبد الرحمن بن خالد، به، وفي التوحيد (٧٤١٣) تعليقًا عقيب حديث يونس بن يزيد، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة.
(٢) ٢/ ٣٤٢، لكن جاء فيه " السماء " على الإفراد، وهو خطأ من الناسخ، فإن الحديث باللفظ الذي ذكره ابن الأثير، ونسبه للبخاري في " جامع الأصول " جاء في البخاري بلفظ الجمع كما قال المؤلف. وابن الأثير هذا: هو الإمام مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري ثم الموصلي المتوفى سنة ٦٠٦ هـ، وكتابه " جامع الأصول " كتاب فذ في بابه، جمع فيه أحاديث الأصول الستة المعتمدة عند الفقهاء والمحدثين: " موطأ مالك "، و" صحيح البخاري "، و" صحيح مسلم "، و" سنن أبي داود "، و" جامع الترمذي "، و" سنن النسائي ". واعتمد في النقل من كتابي البخاري ومسلم على " الجمع بين الصحيحين " لأبي عبد الله الحميدي، وأما باقي الكتب الأربعة، فقد نقلها من الأصول التي قرأها وسمعها، وعلى نسخ أخرى غير مسموعة له. وقد عوَّل في المحافظة على ألفاظ البخاري ومسلم أكثر من غيرهما من باقي الأئمة، اللهم إلا أن يكون في غيرهما زيادة أو بيان أو بسط، فإنه يذكرها كما يتتبع الزيادات من جميع الأمهات، ويضيفها إلى مواطنها. وقد طبع في مصر والشام، والطبعة الشامية تمتاز عن الطبعة المصرية بتحقيق النص وتخريج الأحاديث وصنع الفهارس.
(٣) أخرجه البخاري (٤٨١١) و(٧٤١٤) و(٧٤١٥) و(٧٤٥١) و(٧٥١٣)، ومسلم (٢٧٨٦). وهو في " مسند أحمد " ١/ ٤٢٩ و٤٥٧، و" سنن الترمذي " (٣٢٣٨) و(٣٢٣٩)، وفي " السنة " لابن أبي عاصم (٥٤٩)، و" التوحيد " لابن خزيمة ص ٧٦ - ٧٧، و" الشريعة " للآجري ص ٣١٨، و" جامع البيان " للطبري ٢٤/ ٢٧، و" الأسماء والصفات " للبيهقي ص ٣٣٤.
(٤) أخرجه الترمذي (٣٢٤٠) من حديث محمد بن الصلت، عن أبي كدينة، عن عطاء ابن السائب، عن أبي الضحى، عن ابن عباس. وفي قوله: " حسن غريب صحيح " نظر، فإن عطاء بن السائب كان قد اختلط، وراويه عنه -وهو أبو كدينة يحيى بن المهلب البجلي- لم =
[ ٣ / ١١٥ ]
الوجه الثاني: أن كلام السيد حجة عليه لا له
صحيحٌ، والمعنى متقاربٌ، ورواية البخاري " السماوات " في التفسير أولى من رواية " السَّماء " في التوحيد، لأنها زيادةٌ ومطابقة للقرآن ولسائِرِ الأحاديث الصَّحيحَة.
ونسب المِزِّي رواية " السماوات " بالجمع في حديث أبي هريرة إلى البخاري ومسلم معًا في ترجمة يونس، عن الزهري، عن ابن المُسيِّبِ، عن أبي هريرة، من " الأطراف " (١) وفيه تسامح، والذي في " البخاري ": " السماوات " في التفسير، وهي روايةُ عبد الرحمان بن خالد عن الزُّهري، والأخرى روايةُ يونس بن يزيد عنه في التوحيد والرِّقاق معًا، وليونس منكراتٌ دونَ عبدِ الرحمان، ويدلُّ على وهم يونس عن الزُّهري في هذا الحديث، أنَّه رواه عنه عن (٢) ابن المسيب عن أبي هريرة، وعبد الرحمان بن خالد بن مسافر رواه عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة، قال البخارِيُّ: وكذلك رواه شعيب، والزبيدي، وإسحاق بن يحيى.
وقد كان يونُس يَغْلَطُ فيما يرويه مِن حفظه فدلَّ على أنَّ رِوَايَةَ عبد الرحمان: " السماوات " أصحُّ؛ لموافقَةِ القُرْآن وسائرِ الأخبارِ، ولظُهُورِ عدمِ حفظِ يونس هذا الحديث خُصُوصًا.
الوجه الثاني: مِنَ الجواب أنَّ كَلامَ السيدِ حُجَّةٌ عليه لا له؛ لأنَّا قد
_________________
(١) = يذكروه فيمن روى عنه قبل الاختلاط. وأخرجه الطبري ٢٤/ ١٨، وابن خزيمة ص ٧٨، وابن أبي عاصم (٥٤٥) من طريق محمد بن الصلت، به.
(٢) ١٠/ ٦١ - ٦٢.
(٣) ساقطة من (ش).
[ ٣ / ١١٦ ]
فهذا قصر للعدالة على الأئمة ﵈، وهذا غلو
بيَّنَّا فيما تقدم أنهم قد أجمعوا على صِحة الرجُوعِ إلى هذِهِ الكُتب، وأن ذلك قد شاع فيما بينهم منْ غيْر نكيرٍ، وهذا إجماعُ ظَنَيٌّ سكوتي، وقد كنتُ علَّقْتُ إشكالاتٍ ترد على السَّيِّد في كلامهِ في هذا الموضِع وغيره في هذه المسألة، ثم إنَّي ترجَّح لي الاختصارُ وذكْر ما تَمسُّ إليه الحاجة.
قال: لأن روايتهم لا تخلو مِنْ ضعفٍ، وإنما تُقْبل عنْد عدم المعارِضِ (١).
أقول: هذا قَصْرٌ للعدالَةِ على الأئِمَّة ﵈، وهذا غُلُوٌّ لم يُسْبَقِ السَيِّدُ إليه (٢)، ولو كان ما ذكره صحيحًا، لوجَبَ في الشُّهودِ أن يكونوا أئمةً، وهذا يؤدِّي إلى وجوب أربَعَةِ أئِمَّة في شهادة الزِّنى (٣)، وإمامَيْنِ في الشهادة على الأموال.
فإن قال: هذا تشنيعٌ لم يَقْصِدْه.
قلت: فلْيحْفَظْ لِسَانَه عمَّا يقتضي ذلِكَ، ويتنكَّبْ عن هذِهِ المسالِكِ، فإنَّ الواجبَ على العاقلِ أن يَزُمَّ لِسَانه، وَيزِنَ كلامَهُ، وقَدِ اشتمل كلامُه على ثلاثِ دعاوي:
إحداها: ما تقدَّمَ منْ قصر العدالَةِ على الأئمَّةِ.
الدعوى الثَّانية: أنَّ الضَّعْفَ لا يَدْخُلُ في حديث الأئِمَّة، والجوابُ عليه أنَّ حديث الأئِمَّة مشحونٌ بحديثِ مَنْ ضعفتَ (٤)، فلَزِمَ أن يدْخُلَه الضَّعيف بالضَّرورة والمقدِّمتان (٥) ضرورِيَّتان عنْدَ البَحْث.
_________________
(١) في (ش): التعارض.
(٢) ساقطة من (ب).
(٣) في (ش): في الشهادة على الزنى.
(٤) في (ش): ضعف.
(٥) في (ب): " المقدمتان " بدون واو.
[ ٣ / ١١٧ ]
فهذه دعوى على الأمة بالجهل بذلك، وهي غير مقبولة
قوله: قال: هذا إذا كان الناظر في الحديث مجتهدا
فهذا مجرد دعوى لا تفتقر إلى جواب
قوله: قال: ولأنه لا يرجح بالخبر حتى يعلم أله عير منسوخ
فهذا الذي ذكره لا يجب على المجتهد عند أحد من أهل البيت ولا عند أحد من جماهير أهل الإسلام
الدعوى الثالثة: أنَّ الضعيفَ مقبولٌ عنْدَ عَدَمِ المعارِض، وهذا مُجرَّدُ دَعوى مِنْ غيرِ دليل، وهو مكثرٍ مِنْ أمثال هذا، حتى كِدتُ لا أستنكرُهُ منه.
قال: لأنَّها روايةٌ عَمَّنْ لا تُعْلَمُ عدالَتُه ولا نزاهَتُه عَنْ فِسْقِ التَّأويلِ.
أقول: هذه دعوى على الأمَّةِ بالجهلِ بذلكَ، وهي غيرُ مقبولَةٍ، فإن ادَّعى أنَّهُ جاهِلٌ بذلِكَ، ولم يَدَّعِ ذلكَ على غيرِه، فهذا مُسَلمٌ ولا يَضُرُّ تسليمُه، وقد تقدَّم منه مثلُ هذا في المسأَلَه الأولى، وتقدَّم الجوابُ عليه، فخذهُ مِن هناك.
قال: هذا إذا كان النَّاظِرُ في الحديث مجتهدًا، أمَّا إذا كان غير بالِغٍ رُتْبَةَ الاجتهاد، فليس له أن يُرَجِّح بهذا الحديثِ قولًا، ويجعَلَهُ مختارَهُ، وإنْ كان الخبرُ نَصًَّا في ظاهِرِ الحال، لأنَّ التَّرجيحَ بالخبر إنَّما يكونُ بعد معْرِفَةِ كَوْنهِ صحيحًاعنِ الرَّسُولِ، ولا يكونُ صحيحًا حتى يكونَ رَاوِيهِ عَدْلًا، والعدالَةُ غيرُ حاصلَةٍ كما سنذكره.
أقول: هذا الكلام كلُه (١) قِشْرٌ ليس فيه لُبابٌ، ومجرَّدُ دعوى لا تفْتَقِرُ إلى جوابٍ، لأنَّه بناه على دعْوى عدَمِ العدالةِ وجعل الاستدلالَ عليها حَوَالَة، فالواجبُ (٢) تأخيرُ الجوَابِ حتَّى يأتيَ ما وعد به منَ الدّلالَةِ.
قال: ولأنه لا يُرجّحُ بالخَبرِ حتَّى يعلمَ أنَّه غيرُ (٣) منسوخ، ولا مُخَصص، ولا مُعارَضٍ بمَا هُوَ أقوى مِنْ إجماعٍ أو غَيْرِهِ.
أقول: هذا الذي ذكره لا يجبُ على المجتهدِ عنْدَ أحدٍ مِن أهلِ
_________________
(١) ساقطة من (ب).
(٢) في (ش): فالجواب.
(٣) ساقطة من (ب).
[ ٣ / ١١٨ ]
البيت ﵈، ولا عِنْدَ أحدٍ من جماهيرِ أهل (١) الإسلام، وهو مذهبٌ شاذٌّ مهجورٌ، قَدْ رَدَّ عليه العلماء الجمهور، وقد مَرَّ تقريرُ الدليل على بُطلانه، وأنه لا سبيلَ إلى العلم بعدم الناسخ والمُعارِض والمُخَصص، وإنما اختلَفَ العُلَماءُ في وُجُوب الظن لعدم تِلْك الأمور في حقِّ المجتهدِ فقط، ولا أعلمُ أن أحدًا شرط ذلِكَ فيٍ ترجيح المُقَلِّدِ، ولا سبق السَّيِّد أحد إلى ذِكْر هذا، وإنما اختلفَ العُلَمَاءُ، هل يجب الترجيح على المقلدِ فيما يفيد الظَّن؟ ولم يختلفوا في جوازِ ذلِك وحسنه، وإنما اختلفوا في وجوبه معَ اتِّفاقهم على أنَّه زيادَةُ في التحري، فلا يخلو السيد إما أنْ يُقِرَّ بأن (٢) الترجيح به يفيد الظن. أو لا إنْ قال: إنَّه لا يفيد الظن فذلك مدفوع، لأنَّ الظنَ يحْصُلُ بخبر الثقةِ منْ غيرِ تَوَقُّفٍ على العِلم بفقدِ المعارِض والنَاسخ والمخَصَصِ، ووجودُ (٣) الظنّ عِنْد خَبَرِ الثِّقَةِ ضَرُورِي، ولو كان ظن مدلولِ الخبَر النبَوي يتوقفُ على ذلكَ، لتوقف (٤) الظَنُّ على ذلِكَ في سائر الأخبار، فكانَ يجبُ إذا أَخْبَرَنَا ثقة بوقوعِ مَطرٍ، أو قُدُومِ غائِب، أو نفْعِ دَوَاءٍ، أَلاَّ نَظنَ صِحتهُ حَتَّى نَطْلُب المعَارِضَ والمُخَصِّصَ، بل يلزمُ إذا أفتى المفتي، ألاَّ تُقْبَلَ فتواهُ حتَّى نَطْلب معارِضَها مِنْ غَيْرِه، وكذلِكَ إذا سمعنا المؤذِّنَ أنا لا نَظُنُّ صدقَهُ، ولا نأْخُذ بخبَرِه حَتَّى نطلبَ المُعارِضَ، وكذلِكَ إذا شَهِدَ الشَّاهدانِ.
وإما أنْ يُسَلِّمَ السيِّدُ أن الظنُّ يحصُلُ بالخَبرِ الصحيح، فالدليل على وُجوبِ الترجيح به وجهان:
_________________
(١) ساقطة من (ب).
(٢) في (ب): أن.
(٣) في (ج): ووجوب.
(٤) في (ب): لتوقف على.
[ ٣ / ١١٩ ]
قوله: قال: ولأن الترجيح بالأخبار اجتهاد
فهذا الاحتجاج ضعيف بمرة
الوجهُ الأولُ: أنَّ مخالَفتَهُ قبل طَلبَ المعارِض وغيرِه تقتضي المضرَّة المظنونَة، ودفْعُها واجِبٌ، والطلَب يحتاجُ إلى مُهْلةٍ، ففي تلك المهلَةِ إمَّا أنْ يُوجبَ مخالفَتَهُ، أو يُوجبَ العَمَلَ به، الثاني: هُو المطلوبُ، والأول يقتضي تحريمَ دفعِ المضَرةِ المظنُونَةِ (١) عَنِ النَفْسِ، وهذا عكسُ المعقول، وقبيح بالضَّرُورة.
وبعد، فإن الدليل على وُجُوبِ العمل بخبرِ الواحد قائِم قَبْلَ الطلبِ لهذِه الأمور، وقبل الظنِّ لعدمها، كما هو قائِمٌ بَعْدَ ذلِكَ.
فإنْ قلتَ: فَهذا يقتضي عَدمَ إيجابِ البَحْثِ عَنِ المُعَارِضِ والنَّاسخِ والمخصِّصِ في حقِّ المجتهدِ.
قلت: هو كذلِكَ، وفي المسأَلةِ خلافٌ مشهورٌ، وظاهرُ حديثِ معاذٍ يقتضي عدَم إيجابِ الطَّلَبِ، وقد مَرَّ كلام الشيخ أبي الحسين في ذلك حين ذكرتُ حديث معاذٍ (٢)، والاستدلال به على أنَّ الإحاطَةَ بالأخبار لا تجبُ على المجتهد، وذلِك في المسألة الأولى، فإنْ دل الدليل على تخصيص المجتَهِدِ بِوُجُوبِ الطلَبِ، فهو خاصٌّ به، وإن لَمْ يدُل دليل على ذلِكَ، فالمسألَةُ نَظَريَّةٌ ولا اعتراضَ فيها على مَنِ (٣) اختارَ أحدَ المذهَبَيْنِ.
قال: ولأن الترجيح بالأخبار اجتهاد؛ لَأنَّه يَفْتقِرُ إلى أصعبِ عُلُومِ الاجتهادِ، وهو معرِفَةُ الناسخِ والمنسوخ وغيرِ ذلِكَ، والفَرْضُ أنَّ هذا الناظِرَ مقلدٌ.
أقول: هذا الاحتجاج ضعيف بمَرَّةٍ، لأنَّه لا رابطَةَ عقلية بَيْنَ
_________________
(١) " المظنونة " ساقطة من (ب).
(٢) انظر ١/ ٢٥٨.
(٣) في (ب): ما.
[ ٣ / ١٢٠ ]
الاجتهاد وبيْنَ بعض علومِهِ، سواءٌ كان أصعبَها أو أيسرَها، فليسَ بعضُ شرائط الشيْء إذا تَصَعبَ، كان ذلك الشيْءُ المشروطُ، ألا تَرى أنه لا يُقال: إن الطهور في الماء الشديدٍ البَرْدِ هوَ الصَّلاةُ، لأنَّه أصعبُ شروطِها، ولا يُقالُ: المشي إلى مَكة المشرفَةِ هوَ الحَجُ، وكَذلِك مَعْرِفَةُ الأخبار لا يقال فيها: إنَّها اجتهاد، لأنَّها أصعبُ علومِ الاجتهاد (١)؟ وهذِهِ الحُجَّةُ غلطية أو غِلاطية؛ لَأنَّ الاجتهادَ المذكورَ في الدَّعوى إمَّا أَنْ يرادَ بِه الاجتهادُ في العِلْم العرْفي، فذلِكَ غلَطٌ واضِحٌ، والدَّليل على ذلِكَ أنَّ مُجَرَّدَ التَّرجيحِ بالأخبار (٢) معْ فَرْضِ التَقليد، إما أنْ يكونَ صحيحًا كما نَصَّ عليه المُؤَيَّدُ بالله، فلا شُبْهَة في (٣) أنه لَيْسَ باجتهاد، لَأن الفرضَ وقُوعُه مِنْ غيرِ مجتهدٍ، والاجتهادُ لا يَقعُ منْ غيرِ مجتهدٍ.
وأما إنْ كان الترجيحُ بالأخبار باطلًا مِنْ غير المجتهدٍ كما زعمَ السَّيدُ، فإن الترجيح حينئذٍ يكونُ اجتهادًا حقيقيًّا، لكنَ الترجيح الصحيح إذا لم يَكُنِ اجْتِهادًا، فالترجيح الباطِلُ أولى وأحرى أن لا يكونَ اجتهادًا.
وأمَّا إنْ أرادَ بالاجتهاد المذكور في الدعوى الاجتهادَ اللغَوِيٌ، فمُسَلمٌ أنَّ الترجيحَ بالأخبارِ اجتهادٌ لُغَوِيٌّ، كما أن الصَّلاةَ اجتهادٌ لُغوي، لكن الاستدلال به في هذه المسألة يوهِم أن المُتَكلمَ به أراد الاجتهادَ الاصطلاحِي، وهذه مغالطَةٌ ظاهِرَة.
قال: فهل يستنتج العَقِيمُ، ويُسْتَفْتَى مَنْ ليس بعليمٍ؟
أقول: الجواب على هذا مِنْ وجوهٍ.
_________________
(١) من قوله: " لأنها " إلى هنا سقط من (ب).
(٢) من قوله: " لا يقال فيها " إلى هنا ساقط من (ج).
(٣) " في " ساقطة من (ج).
[ ٣ / ١٢١ ]
الوجه الأول: أن كلام السيد في المسألة الأولى دال دلالة واضحة على أنه يدعي أنه غير مجتهد، بل يدعي أنه لا مجتهد في الزمان
الوجه الثاني: أن نقول: ما مرادك بهذا الإنتاج
الوجه الأول: أن كلامَ السيد في المسألة الأولى دالٌّ دِلَالَة واضِحَة على أنَّه يَدَّعِي أنَّه غير مجتهِدٍ، بل يدعي أنَّه لا مجتهدَ في الزَّمان، ثُمَّ إنَّهُ لما بلغَ في كتابه إلى الجَهْرِ والإِخفات بالتسْمِيَةِ إلى (١) التَّأمين، ووضع اليمنى على اليُسرى، أَخذ يُرَجِّحُ بالأخبار، ويسبحُ في بحرِها الزَّخَّارِ، مع اعترافِهِ أنه منَ المقلِّدين، وغُلُوِّه في القَوْلِ بعدمِ المجتهدين، فما بَالُهُ -أيَّدَهُ اللهُ- أنتج وهو عقيمٌ، وأفتى وليس بعليم، وقد قال الحكيم (٢):
لا تَنْهَ عَنْ خُلُق وتَأْتِيَ مِثْلَهُ عارٌ عليْكَ إذا فَعَلْتَ عَظِيمُ
الوجه الثاني: أن نَقول: ما مُرَادك بهذا الإنتاج، هل إنتاجُ الاستدلال الذي لا يَصِحُّ إلا مِنَ المجتهدين، أو ادعاءُ الترجيحِ الذي ادعى خَصْمُك أنَّه يَصحُ مِنَ المقلدين إنْ كانَ الأول، فليسَ فيه نزاع، وإنْ كان الثاني، فليس يَبْطل بِمُجَرد الإسجاع، فَهَلُمَّ الدليل، وتَنَحَّ عَن (٣) التَّعويلِ على مُجَرَّدِ التَّهويلِ.
_________________
(١) في (ب): وإلى.
(٢) المشهور أن هذا البيت لأبي الأسود الدؤلي ظالم بن عمرو العلامة الفاضل قاضي البصرة، المتوفى سنة تسع وستين هـ. انظر ملحقات "ديوانه" ١٣٠. جزم بذلك اللخمي في " شرح أبيات الجمل ". ونسبه سيبويه ٣/ ٤١ - ٤٢، وتبعه ابن يعيش ٧/ ٢٤ للأخطل، وليس هو في ديوانه. ونسبه أبو عبيد القاسم بن سلام في " أمثاله " ص ٩٣، والآمدي في " المؤتلف والمختلف " ص ٢٧٣، والأصبهاني في " الأغاني " ١٢/ ١٥٦، والبحتري في " حماسته " ص ١٧٤، والزمخشري في " المستقصى " ٢/ ٢٦٠ إلى المتوكل بن عبد الله الليثي من شعراء الإسلام، من أهل الكوفة، وكان في عصر معاوية ويزيد، ومدحهما. ونسبه الحاتمي لسابق البربري، ونقل السيوطي عن " تاريخ ابن عساكر" إنَّه للطرماح، وهو غير منسوب في الطبري ١/ ٥٦٩، و" المقتضب " ٢/ ٢٦. وانظر " خزانة الأدب " ٨/ ٥٦٤ الشاهد (٦٧١).
(٣) في (ب): على.
[ ٣ / ١٢٢ ]
الوجه الثالث: أن نقول: ما قصدك " ويستفتى من ليس بعليم
الوجه الثالث: أنْ نقولَ: ما قصدُك " ويُستفتى مَنْ ليْس بعَلِيم "؟ هل قصدُكَ السجْعُ في الكلام، أو (١) الإفحامُ للخصمِ والإلْزَامُ؟ إنْ كانَ الأول، فالبُلَغَاءُ لا يستطيبون مِنَ الأسجاع مواردَها إذا كانت تنْقُضُ مِن المذاهب قواعِدَها، فهي تصلُحُ زينَةً للحُجَجِ الصحيحة، فمتى أفسدَتْها، كانت عِنْدَ البُلغاء قبيحةً، لكن سَجْعَ السيِّدِ هذا يهْدِمُ قواعدَه، ويخالِفُ مقاصِدَه، لأنَّه هُوَ الذي أجاز للْمُقَلِّدِ العقيمِ أنْ يُفْتِىِ وليس بعليم، وفي نُصْرَةِ هذا المَذْهبِ أنشأ هذِهِ الرِّسَالَة، وأعادَ وأبدا في نُصْرَةِ هذِهِ المقالَةِ وإنْ كان السَّيِّدُ قال ذلِكَ الكَلاَمُ عَلَى سبيلِ الإفحام لِخَصْمه والإلزام، فقد عادَ الإلزامُ أيضًَا إِلَيْه، وخَرَجَ الاحتجاجُ مِنْ يديه؛ لأنَّه الَّذي قضى بفقد المُجْتَهِدِينَ، وحَكَمَ بمرتَبَةِ الفتْيَا للمُقلِّدِينَ، واقتبس النَّارَ مِنَ الماءِ، والأنوارَ مِنَ الظَّلْمَاءِ، وأنتج العقيمَ، واستغنى عنِ العُلماءِ بمَنْ ليس بعليمٍ، وخَبَطَ مِنَ المناقَضَةِ في ليلٍ بهيم، وسَلَكَ مِنَ المماراة في صراط غير مستقيم، فبطلت حُجَّتُهُ واضْمَحَلَّتْ، وجاء المثَلُ: " رَمَتْني بِدَائِهَا وانْسَلَّتْ " (٢)، وقد أجمعَ العلماءُ قديمًا وحديثًا أنَّ التَّقليدَ ليس بِعِلْم، والمقلِّد ليس بعالِمٍ، فكيف تصدَّرَ السَّيِّدُ للتَّدريس والفتوى والمناظَرَةِ والتَّصنيف، وأنْكر على محمد بن إبراهيم التَّرجيح بالأخبار؟ زاعمًا أنَّ ذلِكَ يؤدِّي إلى أنْ ينتجَ العقيم، ويُفتي مَنْ ليس بعلمٍ، مُصَدِّرًَا
_________________
(١) في (ب): و.
(٢) وأصل المثل أن سعد بن زيد بن مناة بن تميم كان تزوج رهم بنت الخزرج بن تيم الله بن رفيدة بن كلب بن وبرة، وكانت من أجمل النساء، فولدت له مالك بن سعد، وكان ضرائرها إذا سابَبْنَها، يَقُلْنَ لها يا عفلاءُ، فشكتْ ذلك إلى أمها، فقالت لها: إذا ساببنك، فابدئيهن بعَفال سُبيت، فأرسلتها مثلًا، فسابتها بعد ذلك امرأة من ضرائرها، فقالت لها رهم: يا عفلاء، فقالت ضرتها: رمتني بدائها وانسَلَّت، فأرسلتها مثلًا، وبنو مالك بن سعد يقال لهم بنو العفيلى لهذا السبب. يضرب لمن يعير بعيبه غيره. انظر " أمثال أبي عبيد " ص ٩٢، و" المستقصى " ٢/ ١٠٣، و" اللسان ": عفل.
[ ٣ / ١٢٣ ]
قوله: قال: وأنا أضرب لهذا مثالا
النظر الأول: أنه تعرض لتفسير كلام المؤيد بالله من غير غرابة في ألفاظه
لكلامه بـ " كيف " الإنكارية، مُصَوِّرًا لِذلِك في أبعد المجالاتِ العادِيَّةِ، وهو وِلادَة العقيم الذي لا تَصِحُ ولا تستقيمُ، وهذا يقتضي أنَّه هُوَ العَقِيمُ الولود والظِّئْرُ الودود، فليت هذا المجالَ صَدَرَ مِنْهُ في نادرٍ مِنَ الأحوالِ، وما ذاك إلاَّ أنَّه لما غفَلَ أن هذا منْ عُيوبِهِ، وتوهَّم أنَّ هذا مِنْ عُيوبِ صديقِه، أكثَرَ عليه مِنَ الصِّياح، وناحَ بِهِ أشَدَّ النُّواح، وزَيَّنَ الكلامَ في عيْبِ الصَّدِيقِ وَسَجَعَهُ، وما أدري ما جرَّأةُ على ذَلِكَ وَشَجَّعه:
وَلمْ تَزَلْ قِلَّةُ الإنْصَافِ قَاطِعَةً بَيْنَ الرِّجَال (١) وَلَوْ كَانُوا ذَوِي رِحمِ
قال: وأنَا أضْرِبُ لهذا مثالًا بعَوْنِ اللهِ تعالى، فأقول: أمَّا كلامُ المؤيد بالله، فمرادُه: إذا قدَّرنا مقلدًا عارِفًَا بالتَّرجيح في خبرين صحيحَيْنِ قد ظهر عدالَةُ رُوَاتِهِمَا واستواؤهم، أو في آيتين، فيرجَّحُ بينهما، إلى آخر كلامه.
أقول: في كلام السيدِ هذا أنظار.
النظر الأول: أنه تعرَّض لتفسير كلامِ المؤيَّد باللهِ مِنْ غيرِ غَرَابَةٍ في ألفاظِهِ ولا تَجَوُّز ولا اشتراك، ولا قصورٍ في عبارته، فنقول للسيِّدِ: ما مرادُك بتفسير كلام المؤّيدِ؟ هل تقريره أو تأويله؟ إنْ كان الَأوَّلُ، فحبَّذا، ومَنْ لَنَا بِذَا؟ وإنْ كانَ الثَّاني، فَلِكلامِ المؤيّدِ دُهورٌ طويلَةٌ، وقرونٌ عديدَةٌ، وقد مَرَّ عليه مَنْ هُوَ أَغضُّ مِنَ السيِّد بالنواجِذِ على الحقائق، وأغوصُ منْهُ على جواهِرِ اللَّطائف في بحار الدَّقائق، فلم يُنْقَلْ عَنْ أحدٍ أنَّه تعرَّض لذلِك، وأقربُ من فيه للسَّيِّدِ قدوَة، وَلَهُ بِهِ أُسْوَة القاضي شرفُ الدِّين، فإنَّه ذكر كلامَ المؤيّدِ في تعليقه على الزِّيادات، وقرَّره على
_________________
(١) في (ش): الأنام.
[ ٣ / ١٢٤ ]
ظاهِرِهِ، وقال: هذا مذهبُ المؤيد بالله ﵇، مع أنَّه -﵀- كان في هذا الفَنِّ أرسخَ قَدَمًا، وأَشْمخَ عِلْمًَا، وأنا أورِدُ كلامَ المُؤيَّد بالله في الزِّيادات، لِتَعْلَمَ أنَّه ظاهرٌ، ولا يحتاج إلى شرحٍ وتأويلٍ صحيحٍ لا يفتقر إلى تمريض وتعليل. قال ﵇ ما لفظه: فصل فيما يجبُ على العامي المستفتي، وما يكون الاشتغال به أولى مِنَ العلوم عندي أنَّ التَّنقير والبحث واجبٌ على العاميِّ، فإنْ كانَ مِمَّنْ لهُ رُشْد، وثبت له وجهُ القُوَّة بين المسألَتَيْنِ، أَخَذَ بأقواهما عنده، وإن لم يكن له رشد، فلا بُدَّ أنْ يَنْظُرَ في الترجيج بين العُلماء، ويطلُبَ ذلِكَ، إلى آخرِ كلامِهِ ﵇ في هذا الفصل، وهذا (١) هُوَ الَّذي ذهبتُ إليه قد نَصَّ المؤيَّد بالله ﵇، وكذلِكَ نصَّ عليه الإمامُ الدَّاعي يحيى بنُ المُحْسِنِ (٢)، فقال ما لفظه: مَن انتهى في العلْمِ إلى حالةٍ (٣) تُمَكِّنُهُ الترجيحَ بين الأقوال، وجبَ عليه استعمالَ نَظَرِهِ في التَرجيح، وإنْ لَمْ يبْلُغْ دَرَجَةَ الاجتهاد. تمَّ كلامُ الإمامَ الدَّاعي بلفظِهِ.
والعجبُ مِنَ السيدِ أنَّه يحتالُ على مُخَالَفَتي للَأئِمَّة، وإن وافَقْتُ النُّصوصَ، ويتمحَّلُ ما يُخرجُني إلى أطراف العامَّة، وإن توسطتُ في عقد الخُصوص، وقد ظهر أنِّي موافِقٌ للمؤيَّد بالله والداعي إلى الله في مذهَبِهِمَا، وكفى بِهِمَا سلفًا صالحًا، مع أنه قد وافَقَهُما على ذَلِكَ غيرُهما
_________________
(١) " هذا " لم ترد في (ب).
(٢) في " أعلام الزركلي " نقلًا عن " أنباء الزمن في تاريخ اليمن " حوادث سنة ٦١٤ و٦٣٦، و" إتحاف المرشدين " ٥٨: يحيى بن المحسن بن محفوظ بن محمد بن يحيى من ذرية الهادي كان قيامه بصعدة سنة ٦١٤ بعد وفاة الإمام عبد الله بن حمزة، وتلقب بالمعتضد بالله، ولم يتم أمره، لأن القوة كانت للأشراف بني حمزة، وكان من العلماء، صنف المقنع في أصول الفقه، توفي سنة ٦٣٦ هـ.
(٣) في (ش): حال.
[ ٣ / ١٢٥ ]
النظر الثاني: أن السيد في كلامه هذا قد أجاز الترجيح بالأخبار لبعض المقلدين
النظر الثالث: أني لم أوجب الترجيح بالأخبار على جميع المكلفين من العامة
مِنَ العُلماءِ، منهم النَّواوي، وابن الصلاح وغَيْرُهما، وقد ذكر ذلك النواوي في " شرح المهذب " (١)، وذكره شيخ النواوي العلامةُ عِزُّ الدينِ بنِ عَبْدِ السَلام في كتابه " قواعد الأحكام في مصالح الأنام " (٢)، وتعجَّبَ مِنْ مُنْكِرِهِ مِنْ أهل التَّقليد بكلِّ عَجَبٍ، ولا حاجة إلى نقل كلامِهِم مع وُجودِ كلامِ المؤيَّد والدَّاعي ﵉. والسيِّدُ مُدَّعٍ في ظاهرِ حالِهِ أنَّه موافِقٌ للجمهورِ، وأنَّ مذهبَ خَصْمِهِ شاذٌ مهجورٌ، فيجبُ منه أن يُرِيَنَا مَنْ وافَقَه على قوله بتحريمِ الترجيح بالأخبار (٣)، وَلَوْ مِنَ الجُمهورِ واحدًا، ومن العالَم (٤) عالِمًَا.
النظر الثاني: أنَّ السيدَ في كلامه هذا قد أجاز التَّرجيح بالأخبار لبعضِ المُقَلِّدين بعد أنْ كان قال: إنَّ ذلِكَ يُوجِبُ كونَ المُرَجِّح بها مِن المجتهدين، وهذِه مناقَضَةٌ ظاهِرَة.
النَّظر الثالث: أنِّي لَمْ أُوجِبِ الترجيح بالأخبار على جميع المكلَّفين مِنَ العامَة مِنَ العبيد والنِّساء والزُّراع والصُّنَّاع والبُلَدَاءِ، وإنَّما أصل (٥) كلامي في كتابي الذي أجابَه السَّيِّدُ أنَّه يِجوز لي العملُ بالحديث الَّذي
_________________
(١) انظر " شرح المهذب " ١/ ٤٢ - ٤٥.
(٢) ٢/ ١٣٥ - ١٣٦، والعز بن عبد السلام هو شيخ الإسلام، وسلطان العلماء، وأحد الأئمة الأعلام، عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن حسن بن محمد بن مهذب السلمي الدمشقي، المتوفى سنة ٦٦٠ هـ. قال الذهبي في " العبر " ٣/ ٢٩٩: برع في الفقه، والأصول، والعربية، ودرس وأفتى، وصنف، وبلغ رتبة الاجتهاد، وانتهت إليه رئاسة المذهب مع الزهد والورع، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصلابة في الدين. له ترجمة حافلة في " طبقات ابن السبكي " ٨/ ٢٠٩ - ٢٥٥.
(٣) " بالأخبار " ساقطة من (ب).
(٤) في (ش): العلماء.
(٥) في (ب): وصل.
[ ٣ / ١٢٦ ]
الئظر الرابع: أن نقول للسيد: أخبرنا عن هذه المسألة، هل هي عندك قطعية أو ظنية
عرفتُ صِحَّتهُ، وغَلَبَ عَلَى ظَنِّي قوَّةُ المذهبِ الذي هو نصَّ فيه، ثم أتبعتُه بِذِكْرِ التَّرجيح في المذاهب، وأنَّ مذهبنا جوازه، وذكرتٌ ما فيه منَ الاحتياط للإجماعِ على حُسْنِ فِعْلِهِ، والاختلافِ في حُسْنِ تَرْكهِ، وهذا يدُلُّ على أنَّ مُرادي بالترجيح بالأخبار الترجيحُ مِنَ المميِّزين الذين يُمْكِنُهم ذلك، لأنَّ السَّامِعَ للحديث بعد معْرفَةِ الاختلاف بين العُلماء في الحادِثَةِ، إمَّا أنْ يفيدَه سماعُ الحديث ظنًَّا لقوَّة أحدِ (١) المذاهب أو لا، إنْ لم يحصل لَهُ ظَنٌّ، فليس سماعُه للحديث ترجيحًا بالإجماعِ، ولا عمَلُه (٢) بمقتضاه مِنْ غَيْرِ ظَنٍّ لقوَّته ترجيح، وكلامي إنَّما هو في التَّرجيح بالحديث، لا في العمل عِنْدَ سماعِهِ على جهة الاتِّفاقِ والشَّهْوة.
وأمَّا إنْ حصل له عند سماعه ظنٌّ قويٌّ يفيدُهُ أنَّ بعضُ المذاهب قويٌّ وبعضُها ضعيفٌ، فإنَّ ذلكَ يُوجِبُ التَّرجيح لمَا تقَدَّمَ.
النَّظر الرابع: أنْ نَقُولَ للسيد: أخبرنا عَنْ هذه المسأَلَةِ، هل هِيَ عندك قطعيّة أو ظنِّيَّةٌ؟ وإن كانت ظنِّيَةً، فما معنى التَّرسُّلِ على من قال بها، والتَّشنيع في ذلك؟ وإنْ كانت قطعيَّةً، فأين الأدلَّة ُ القاطِعَةُ، والبراهين السَّاطِعةُ؟ وما بالكَ تُورِدُ الكلامَ مكشوفَ العَوْرَةِ من لِبَاسِ الأدلة ِ، عاطِلَ العُنُقِ مِنْ حِلْيَةِ الحُجَّةِ؟ ثُمَّ إنَّها إنْ كانت عنذك قطعيَّةً، لَزِمَكَ تأثيمُ المؤيَّدِ باللهِ، وتأثيمُ المخالِفين لكَ من سائِرِ عُلماءِ الإسلام.
النظر الخامس: أنَّه وعد بضربِ مَثَلٍ، ولم يأتِ بما يَصْلُحُ أن يُسَمَّى مثلًا مضروبًا عِنْدَ البُلغاءِ، والله أعلمُ.
_________________
(١) " أحد " ساقطة من (ب).
(٢) في (ش): علمه.
[ ٣ / ١٢٧ ]
قوله: قال: فأما أن يكون له في كل مسألة أن يرجح ويخرج عن مذهب من كان قلده فالصحيح أن عليه التزام مذهب إمام معين، واحتج بوجوه: أحدها: بالإجماع
النظر الاول: أنه منع من جواز الترجيح للمقلد في كل مسألة
قال: فأمَّا (١) أن يكون لَهُ في كُل مسأَلَةٍ أن يُرَجَّحَ ويخْرُجَ عَنْ مَذْهَبِ مَنْ كان قلَّده، فالصَّحيحُ أنَّ عليه التزامَ مذهبِ إمامٍ مُعَيَّنٍ، ذَكرَهُ المنصورُ بالله، والشيخ الحسن، والشيخُ أحمد بن محمد، واحتجَّ لهم بوجوه.
أحدُها: بالإجماع وهو أنَّه لا يُعْلَمُ أحد مِنَ المقلِّدين يَتَردَّدُ بَيْنَ مذاهِبِ عُلمَاءِ الإِسلام المتقدِّمين منهُم والمتأخِّرين، ففي مسألة يقلِّدُ أبا بكرٍ، وفي أُخرى عمر، وفي ثالِثَةٍ ابنَ عبَّاس، وفي رابعة ابنَ مسعودٍ، وهَلُمَّ جَرًَّا، ولا منْ يكون مقلِّدًا لطاووس، وعطاء، وللحَسَن، والشّعبي، ولابن المسيِّب، ولغيرهم مِمَّن وراءَهم، فقلَّد في كُلِّ مسألة إمامًا في أبوابِ الفقهِ ومسائِلِهِ جميعًا، ولا مَنْ يكون حَنَفِيًَّا في مسألة، شافِعِيًَّا في أخرى، مالكيًَّا حنبليًَّا هادويًَّا ناصرِيًَّا في مسألة مسألة هذا ما وَقعَ ولا عُلِمَ به، ولو وقع في زماننا، لأنكرَهُ النَّاسُ.
أقول: ضَعْفُ كلامِ السيِّدِ في هذا يتبيَّنُ بأنظار.
النظر الأول: أنَّه مَنَعَ مِنْ جوازِ التَّرجيح للمقلِّدِ في كُلِّ مسألة، وظنَّ أن المنصور، والشَّيخ الحَسَنَ منعا مِنْ ذلك لإيجابِهِمَا التزامَ مذهبِ إمامٍ مُعَيَّنٍ، وليس كما توهَّم السيدُ، فبينَ المسألتيْنِ فرقٌ واضحٌ، لَأنَّ المنصور ﵇ إنَّما أوجب التزامَ مذهبِ الأعلمِ الأفضلِ، لَأنَّ الظَّنَّ بِصِحَّةِ قولهِ أقوى، قال المنصور (٢) ﵇ ما لفظه: ومتى اتَّفق أهل العلمِ والاجتهادِ في الفتوى، وَجَبَ على المستفتي قَبُولها بلا خلافٍ في ذلِكَ، وَإِن اختلفوا، وجبَ عليه عندَنا الاجتهادُ في أعلمِهِم وأديَنِهِمْ، وطلبُ الأمارَاتِ على ذلِكَ، لأنَّ ذلِكَ يُمْكِنُه وَهُو مُقَوٍّ لظنِّه، وقد تقرَّر وجوبُ
_________________
(١) في (ش): وإما.
(٢) في (ب): المنصور بالله.
[ ٣ / ١٢٨ ]
النظر الثاني: أنا نبين أن مذهب المنصور هو ما ذكرنا
طَلَبِ الظن الأقوى لِمَنْ يمكنُهُ العلمُ، وأنَّه لا يجوز العدولُ عنه إلى الظن الأضعفِ مع التَّمَكُّنِ منَ الظن الأقوى، إلى آخِرِ كلامِه ﵇.
ومَنْ نَظرَ في كلامِهِ هذا، ظهرَ لَه أنَّه أكثرُ مناسبةً لكلامي؛ لَأني تمسَّكْتُ بما نصَّ على وُجوبه من اتِّباع الظَّنُّ الأقوى، وتحريم العمل بالظن الضَّعيفِ، وأنا وافقتُ المنصورَ ﵇ في المعنى، والسَّيِّدُ وافقه في الصُّورَةِ، وتوهَّم أنَّ الموافقَةَ في الصُّورَةِ أرجحُ مِنَ الموافَقَةِ في المعنى، وهذا غلط واضِحٌ، فإنَّ المُوافَقةَ الصُّوريَّة لم يَردِ التَّعبُّدُ بها إلا مُتابَعَةً للموافقةِ المعنَويَّة، والموافَقةُ المعنويَّةُ هي المقصودَةُ، ومثالُ ذلِك أنَّ الواحِدَ مِنَّا لو تزوَّج تِسْعَ نساءٍ على الجمع، لكانَ مُوافِقًَا للنَّبِيِّ - ﷺ - في الصُّورة، ولكنَّه لمَّا كانَ مُخالِفًَا في المعنى، حَرُمَ ذلِكَ، وكذلكَ المرأةُ لو سترت مِنَ السُّرَّةِ إلى الرُّكْبَة، وكَشَفَتْ ما عدا ذلك، لكانت موافقةً للنَّبِي ﵇ في الصُورَة؛ لكِنها مخالِفَةٌ له في المعنى، وأمثالُ هذا كثيرةٌ (١)، وقد يغترُّ كثيرٌ مِنَ المقلِّدين بالصُّورة.
النَّظر الثاني: أنَّا نُبَيِّنُ أنَّ مذهبَ المنصُورِ بالله ﵇ هوَ مَا ذكرنا بطريقة التَّخريج (٢) الصَّحيحَةِ الواضِحَةِ التي نَصَّ على صِحَّتِها الأئِمَّةُ.
فنقول: قَدْ بَيَنَّا الدَّليلَ فيما تقدَّم، على أنَّ السَّامِعَ للحديثِ الصَّحيح مِنَ الثِّقة المُرْضِيِّ إنْ لم يَحْصُلْ لَهُ به ظَنٌ، لم يجب عليه التَّرجيحُ به، وإنْ حَصَلَ لَهُ مِنْه (٣) ظَنٌّ راجِحٌ، وجب عليه العمَلُ به. وقد
_________________
(١) في (ش): كثير.
(٢) في (ش): الترجيح.
(٣) " منه " ساقطة من (ش).
[ ٣ / ١٢٩ ]
النظر الثاني: أني أذهب إلى ما ذهب إليه المنصور من وجوب التزام مذهب
نَصَّ المنصورُ بالله ﵇ على أن العَمَلَ بالظن الرَّاجِحِ واجبٌ، والعمل بالظن الضَّعيفِ حرامٌ، فدلَّ على ما قلناهُ بعُمومِ قوله وظاهرِ لفظِه، والتَّخريج مِن العموم هو أرفَعُ درجاتِ التَّخريج وأصحُّها.
فإن قلتَ: عمومُ كلامِه يقتضىِ وُجوبَ الالتزام (١) أيضًا.
قُلْتُ: هذا لا يَصِحُّ لوجهين.
أحَدُهما: أنه مُعَلَّلٌ بعلَّةٍ تقتضي تخصيصَه في هذه المسألة، وتُوجبُ فسادَ التَّمسُّكِ به في هذه الصُّورة، والتخريجُ على هذه الصورَةِ لا يجوز.
الثاني: أنَّا لو سلَّمنا أنَّه عمومٌ سالِمٌ مِنْ هذه السَّائِبَةِ، لم يصحّ التَّخريج (٢) منه مع وُجودِ العُموم الذي تمسكنا به، لأنَّهما تعارضا، وأحدُهما معلَّلٌ بِمَا يقتضي عدمَ التَّخصيص، والثاني غيرُ مُعَلَّلٍ، والمعلَّلُ أرجحُ، ومَع الرُّجحانِ لا يبقى ظَنٌ لمذهب العالِمِ، فلا يَحِلُّ نسبةُ المذهب إليه مِنْ غيرِ عِلْمٍ ولا ظَنٍّ، والله أعلمُ.
النظر الثالث: أنِّي أذهبُ إلى ما ذهب إليه المنصُورُ بالله ﵇ مِنْ وُجوب التزامِ مذهبِ إمامٍ مُعَيَّنٍ في مسائِلِ الخلافِ متى غَلَبَ على ظَنِّ المقلِّدِ أنَّه أعلمُ وأورَعُ، ولا أرى خلافَ ذلِكَ، وليس قولي يناقِضُ هذِهِ الجُمْلَةَ؛ لَأنَّهَا عمومٌ معلَّلٌ بالرُّجحان، وخصِّصَت منها صورَة حَتَّى يظلَّ ذلِكَ الرُّجْحَان، بل حين انعكس، فصارَ الرَّاجِحُ مِنْ ذلِكَ
مرجوحًا، والقويُّ ضعيفًا، وتخصيصُ العموم ليس بمناقَضَةٍ، فبانَ لكَ بهذا أنِّي قد وافقتُ المنصورَ والجمهورَ أوَّلًا وآخِرًا، ودُرْت مع الحق
_________________
(١) في (ب): التزام.
(٢) في (ب): " التحريم "، وهو خطأ.
[ ٣ / ١٣٠ ]
النظر الرابع: أن السيد أراد أن ينصر الإمام المنصور، فاحتج له بما يتنزه المنصور من بناء مذهبه عليه. وقد وهم السيد في ثلاثة أوهام
الوهم الأول: أنه عول علي إجماع العامة المقلدين
كيفما (١) دار، وعملتُ بما يُوافِق نُصوصَ الأئمَّة الأطهار، وأدلَّةِ النُّقَّاد مِنَ النُّظَّارِ.
النَّظر الرابع: أن السيد أراد أن يَنْصُرَ الإِمامَ المنصور بالله ﵇ ويحتجَّ لَهُ، فاحتجَّ له بما يتنزَّهُ المنصورُعليه السلامُ منْ بناءِ مذهَبهِ عليه، واستنادِ أخبارِهِ (٢) إليه، واتِّهامُ السَّيِّدِ أنَّ ذلِك هُوَ حُجَّةُ المنصور كالجناية على عُلومهِ الزَّاخِرَةِ، وأنظارِه الثَّاقِبَةِ، ولو أنَّ السيدَ أورد حُجَّةَ المنصور بنفسه التي ارتضاها لدليله، واختارها لمذهبه، كان أليقَ
بالَأدَبِ، وأوفقَ عِنْدَ ذَوي الَأرَبِ، والمنصورُ ﵇ غَنِيٌّ عنِ احتجاج الغَيْرِ لمذهبه بالحجَجِ الواهِيَةِ وبيانُ هذِهِ الجُمْلَةِ (٣) يحصلُ بإيراد كلامِ السَّيِّد وبيانِ جوابه.
قال السَّيَد أيَّده الله في الاحتجاج للمنصُورِ على وجوبِ الالتزامِ، ويحتجُّ لهم بوجوهٍ أحدها: بالإجماعِ، وهُو أنَّه لا يعلم أحدًا مِنَ المقلِّدين يتردَّدُ بين علماءِ الإِسلام المتقدِّمين منهم والمتأخِّرين.
فأقولُ: الاغترارُ بهذِه الشُّبْهَةِ، وادِّعاءُ الإِجماع في هذِهِ الصُّورة هَفْوَةٌ عظيمَةٌ، وزلَّة كبيرةٌ، وقد وَهِمَ السيد فيها ثلاثَةَ أوهامٍ.
الوهم الأول: أنَّه عَوَّلَ على إجماعِ العامَّة المقلِّدين، وليس يُعْتَبَرُ بهم مع المجتهدين، فكيف بهم منفردين؟ وفي الحديث الصحيح المتَّفَقِ عليه أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: "إنَّ اللهَ لا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًَا يَنْتَزِعُهُ،
_________________
(١) في (ب): كما.
(٢) في (ش): اختياره.
(٣) في (ش): المسألة.
[ ٣ / ١٣١ ]
الوهم الثاني: أنا لو سلمنا أن إجماعهم صحيح لما دل على مذهبه
ولكِنْ يَقْبضُ العلْمَ بِقَبْضِ (١) العُلَمَاءِ، حَتَّى إذا لَمْ يُبْقِ عَالِمًَا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤوسًَا جُهَّالًا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا" (٢)، فهذا الحديثُ يقضي (٣) بأنَّ العامَّة قَدْ يجتمعونَ على الضَّلالَةِ والإضلالِ.
الوهم الثاني: أنا لو سلَّمنا أنَّ إجماعُهم صحيحٌ، لما دلَّ على مذهبه بفحوى ولا تصريحٍ، فإنَّ فِعْلَ الأمة دليلٌ على الجواز، لا على الوجوب (٤)، وإنَّما يُسْتدَلُّ على الوجوب بأقوالهم، وكذلِك فِعْلُ النَّبِيِّ ﵇ على القول المنصور في الأصول، وإنَّما وقع فيه خلافٌ لمَّا أَمَرَ اللهُ تعالى بالتَّأسِّي به واتَّباعِه في مُحْكَمِ القرآن، فأمَّا الأمة، فلا قائلَ بأنَّ إجماعَها على الفِعْلِ يَدُلُّ على وُجوبه، ومَنْ قال بذلك، احتاجَ إلى دليلٍ، وإنَّما جاء الدَّليلُ بعصمة الأمة عَنْ فِعْلِ الحرام، لا بعصمتها مِنْ فعلِ المُباح، فَمَا المانِعُ مِنْ إباحة ما فَعَلَتْ، كما أنَّ تركَها للشَّيْءِ لا يَدُلُّ على تحريمه، ولا يمنع مِنْ إباحَة ما تَرَكَتْ.
الوهم الثالث: وَهم أنَّ المقَلِّدِينَ مُجمعون على الالتزام، وذلِكَ
_________________
(١) جملة " العلم يقبض " ساقطة من (ب).
(٢) أخرجه البخاري (١٠٠) و(٧٣٠٧)، ومسلم (٢٦٧٣) من طرق عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول وقوله: " لم يُبْقِ عالمًا ": بضم الياء، وكسر القاف، هي رواية الأصيلي، وضبط بفتح الياء والقاف، و" عالم " بالرفع. وفي رواية مسلم: " حتى إذا لم يترك عالمًا ". وهو في " المسند " ٢/ ١٦٢ و١٩٠، والترمذي (٢٦٥٢)، وابن ماجه (٥٢). وكان تحديث النبي - ﷺ - بذلك في حجة الوداع، كما رواه أحمد ٥/ ٢٦٦، والطبراني (٧٨٦٧) و(٧٨٧٥) و(٧٩٠٦) من حديث أبي أمامة قال: لما كان في حجة الوداع قال: " خذوا العلم قبل أن يقبض أو يرفع "، فقال أعرابي: كيف يرفع؟ فقال: " ألا إن ذهاب العلم ذهاب حملته " ثلاث مرات.
(٣) في (ب) و(ش): يقتضي.
(٤) في (ب): الواجب.
[ ٣ / ١٣٢ ]
النظر الخامس: أن السيد ادعى أن التنقل في المذاهب ما وقع ألبتة
غَيْرُ صحيحٍ، بَلِ الأكثرُ منهم غيرُ ملتزم (١)، إن لم يكونوا كلُّهم غيرَ ملتزمين، وسيأتي بيانُ هذا قريبًا.
تنبيه: فلو أنَّ السيدَ احتجَّ بتقريرِ عُلماءِ الأمَّةِ للمقلِّدين على ذلِك، لَكَانَ أقرب، وإنْ كان لا يَسْلَمُ من هذين الوهمين الأخيرين، فوهمانِ خيرٌ مِنْ ثلاثَةٍ، وبعضُ الشرِّ أهونُ مِنْ بعض، وحينئذٍ يتبيَّنُ ضعْفُ ما توهَّمَ السَّيِّدُ مِنَ الاحتجاجِ بِهذا الإجماعِ على وجوبِ الالتزام.
النظر الخامس: أنَّ السيدَ ادَّعى أنَّ التَّنَقُّلَ في المذاهب (٢) ما وقع البتَّة (٣)، ولا عَلِمَ بِهِ، وأنَّ أحدًا مِنَ المقلِّدينَ ما عَلِمَ أنَّه كان هادويًّا في مسألة، ناصريًّا في مسألة، ولا شافعيًَّا في مسألةٍ، حنفيًَّا في مسألة، وهذا منَ السَّيِّدِ إمَّا غفلَة كبيرَة، وإمَّا جَحْدٌ للضَّرُورةِ، فإنَّ أكثرَ أَهْلِ الزَمَانِ غيْرُ ملتزمِينَ لمذهب إمامٍ مُعيَّنٍ، وَقَدِ اشْتهر مذهبُ النَّاصِرِ في طلاقِ البِدْعةِ في بلاد الزَّيْدِيَّة اليمنيَّة، مع اشتهارهم بعدم التزامِ مذهبِ النَّاصِر، والعملُ بهذا ظاهِرٌ مِنْ كثيرٍ من المفتين والمستفتين، وكذلك العَمَلُ بمذهَبِ المؤيَّدِ بالله في كثيرٍ من البُيوع مشهورٌ عِنْدَ كثيرٍ مِنْ أَهْلِ التَّمييزِ
ليس بِمُلْتَزِمٍ لمذهب المؤيَّد ِ.
والشَّافِعيَّةُ كذلِكَ لا يَقِفُونَ على مذهبِ الشَّافعيِّ في كثيرٍ من المسائلِ، حتَّى إنَّهم على غير مذهبه في الَأذان المتكرِّرِ كُلَّ يومٍ، فإنَّ مذهَبَهُ الجديد أنَّه لا يقال (٤) فيه: الصَّلاة ُ خير مِن النَّوْمِ، والقولُ القديمُ
_________________
(١) في (ب): الملتزم.
(٢) في (ش): المذهب.
(٣) في (ب): ما وقع في المذاهب البتة.
(٤) في (ش): " أن يقال " وهو خطأ.
[ ٣ / ١٣٣ ]
عندهُم لا يجوز العملُ به (١)، وإنَّما عَمِلُوا في هذه المسألة بقول غيرهِ، ترجيحًا لمذهَبِ غيره لموافقة الحديث الوارد في ذلِكَ (٢)، وهكذا عَمِلَتِ الشَّافِعِيَّةُ في مسائِلَ كثيرَةٍ خالف الشَّافِعِيُّ فيها (٣) النصوص النبوية (٤)، وقد
_________________
(١) واستثنى جماعة من الشافعية نحو عشرين مسألة أو أكثر، فقالوا: يفتى فيها بالقديم. انظرها في " المجموع " ١/ ٦٦ - ٦٧.
(٢) هو حديث صحيح أخرجه من حديث أبي محذورة: أحمد ٣/ ٤٠٨ - ٤٠٩، وأبو داود (٥٠٠) و(٥٠١) و(٥٠٤)، والنسائي ٢/ ٣ - ٤ و٧، وعبد الرزاق (١٧٧٩)، والطحاوي في " شرح معاني الآثار " ١/ ١٣٤، والبيهقي ١/ ٣٩٤ و٤١٧، والدارقطني ١/ ٢٣٤ و٢٣٥، وصححه ابن خزيمة (٣٨٥). وفي الباب عن أنس عند الدارقطني ١/ ٢٤٣، والبيهقي ١/ ٤٢٣، وصححه ابن خزيمة (٣٨٦). وعن ابن عمر عند الدارقطني ١/ ٢٤٣، والبيهقي ١/ ٤٢٣، وسنده حسن كما قال الحافظ في " تلخيص الحبير" ١/ ٢٠١. ونقل السبكي في رسالته " معنى قول المطلبي " ص ١٠٠ عن إمام الحرمين قوله في النهاية عن الصيدلاني، عن بعض أصحابنا المحققين: القطع باستحباب التثويب (أي: قول المؤذن في الفجر: الصلاة خير من النوم)، وقال: نحن نعلمُ على قطع أنَّه لو بلغه -يعني الشافعي- الحديث على خلاف ما اعتقده، وصحَّ على شرطه، لرجع إلى موافقة الحديث.
(٣) في (ب): فيها الشافعي فيها.
(٤) في " رسالة قول المطلبي: إذا صح الحديث فهو مذهبي " ص ١٠٠: وفي " المهذب ": في الغسل من غسل الميت أن الشافعي قال في البويطي: أن صح الحديث، قُلنا به. وفي " البحر " في الاشتراط عن الشافعي في الجديد: إن صح حديث ضباعة، قلت به. ورجح جماعة من أصحابنا أن وقت المغرب موسع والصوم عن الميت كذلك، ولأجله قال الماوردي: إن الصلاة الوسطى العصر مع نص الشافعي على أنها الصبح، وقال في وطء الحائض: فيه وجوب دينار أو نصف دينار. روى هذا الحديثَ الشافعي، وكان إسناده ضعيفًا، فقال: إن صح، قلت به. وقال الربيع بن سليمان: سمعت الشافعي يقول: ما من أحد إلا ويذهب عليه سنة لرسول الله - ﷺ -، وتعرف عنه، فمهما قلت من قول، أو أصلت من أصل فيه عن رسول الله - ﷺ - وعلى آله خلاف ما قلت، فالقول ما قال رسول الله - ﷺ -، وهو قولي، وجعل يردد هذا الكلام. وفي " شرح السنة " ٩/ ١٢٧ قال الشافعي: فإن كان يثبت حديث بروع بنت واشق، فلا حجة في قول أحد دون النبي - ﷺ -
[ ٣ / ١٣٤ ]
النظر السادس: قول السيد: إن هذا لو وقع في زماننا لأنكره الناس، عجيب أيضا
ذكر ذلك النَّواوي في " شرح المهذب " وغيره.
وقد يَعْملُونَ بغيرِ مَذْهبهِ لغيرِ ترجيحٍ، فيُصلُّونَ الجُمُعَةِ قبل بُلوغِ عددهم إلى الأربعين، ذكر هذا المعنى أبو بكر بن الخياط في فتاويه التي سأله عنها حيُّ الفقيهُ علي بن عبد الله ﵀.
وكذلك الحنفيةُ لا يقفون على مذهب أبي حنيفة في المياه، ولا يكادُ يتهيَّأُ ذلك لهم في أسفارهم وكثير من أحوالهم، ولم نعلمْ أحدًا في هذه الأعصار محافظًا على مذهب الهادي ﵇، ملتزمًَا له في جميع رُخَصه وشدائده.
وبعدُ، فالقطعُ بأنَّ ذلك ما كان مِنْ قبيل دعوى علمِ الغيب، فليس يعلم جميع أفعال (١) العامة مِنَ الأمَة إلاَّ الله، ثمَّ إن فيهم مَنْ يفعلُ الكبائر، فَمِنْ أينَ عَلِمَ نزاهَتهم عن ذلك؟
فقولُ السَّيِّدِ: إنَّه ما وقع التَّنقُّل في المذاهب مِنْ أحدٍ مِنَ المقلِّدين، هكذا على الإِطلاق من غير استثناء لأحدٍ مِنَ العامَّة، ولا منْ أهل التَّساهد، ولا مِن المتقدِّمين، ولا منَ المتأخِّرين، خَلْعٌ لعُرْوَة (٢) المراعاة كعادات أهل العناد، وغلوٌّ لم (٣) يبلغه أحدٌ مِنْ أهل اللَّجاج.
النظر السادس: قول السَّيِّد: إنَّ هذا لو وقع في زماننا، لأنكره النَّاس، عجيب أيضًا، لأنَّه إمَّا أن (٤) يريدَ أنَّ هذه حُجَّة إجماعيَّةٌ، وهو الظَّاهر مِنْ كلامه، فهذا لا يصحُّ لأمور.
_________________
(١) في (ش): أفعال جميع.
(٢) في (ب): " العروة "، وهو خطأ.
(٣) تحرف في (ب) إلى: علوم.
(٤) " أن " ساقطة من (ب).
[ ٣ / ١٣٥ ]
النظر السابع: أن السيد جاوز حد العادة في الغلو
أحدها: أنَّ المعلومَ أنَّه واقعٌ، وما أنكره النَّاس، بل هُو الذي عليه الناس.
وثانيها: أنَّه لو كان غيرَ واقع، لكان قوله: " لو وقع (١)، لأنكره النَّاسُ " دعوى على النَّاس.
وثالثها: أنَّه في عُلالةٍ مِنْ كيفيَّة العلم بإجماعِ العُلماء، فكيف بإجماع الناس؟
ورابعها: أنَّه ادَّعى جهْل أهلِ زمانِنَا، ثم احتجَّ بإجماعهم، وإنَّما يحتج بإجماعِ المجتهدين.
النظر السابع: أنَّ السيِّدَ جاوزَ حدَّ العادة في الغُلُوِّ، حتَّى ادَّعى على الإجماعِ على ما المعلومُ انعقادُ الإجماع على نقيضه، وذلك أنَّه ادَّعى الإجماعَ على الالتزام في زمن الصحابة والتَّابعين، واحتجَّ على ذلك بأنَّه لم يعلم أنَّ أحدًا كان يقلد أبا (٢) بكر في مسألةٍ، وعُمَرَ في مسألة، وابنَ عبَّس في مسألة، وابنَ مسعود في مسألة.
فأقول: بَلِ المعلومُ بالضرورة أنه ما كانت العامة في زمن الصَّحابة متحزِّبَةً أحزابًا، متفرِّقةً فرقًا عَلَوِيَّة، وبكريَّة، وعمريَّة (٣)، وعثمانيَّة، وعمَّارية ومُعاذية، نسبة إلى عليٍّ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعمار، ومعاذ، ونقول للسيِّد: أخْبِرْنَا عَنِ العامة وقت الصحابة، هل كانوا ملتزمين لمذهبِ إمام واحد لا يستفتون سواه، ولا يَرْجِعُونَ إلى غيره؟ فهذا يقتضي أنَّه ما كان في الصَّحابة إلا مفتٍ واحد.
_________________
(١) جملة: " لكان قوله لو وقع " ساقطة من (ب).
(٢) في (ب): " أبي "، وهو خطأ.
(٣) في (ب): وعمرية وبكرية.
[ ٣ / ١٣٦ ]
قوله: قال: الوجه الثاني: أنه لا يتميز على هذا الوجه المجتهد من المقلد
فهذا الوجه أضعف مما قبله، وهو لا يؤدي إلى ما ذكره
فإن قلت: إنَّ العامَّة كانوا متفرِّقين فِرَقًَا، مثل افتراق النَّاس في هذه الأعصار الأخيرة، فأيُّ البواطل تَرْتَكبُ على هذا؟ أتقول (١) بأنَّ كُلَّ مفتٍ مِنَ الصحابة كان له أتباعٌ؟ فهذا يُفْضي في تشعُّب مذاهبهم إلى غاية الاتِّساع، فقد نُقِلَتِ الفُتيا عن أكثرَ من مئة نفسٍ من الصحابة قد ذكرهم غيرُ واحدٍ من العلماء، ولولا خشيةُ الإطالة لذكرتهم بأسمائهم على الاستقصاء، أو ترتكِبُ القولَ بالتزام العامة لمذهب جماعة مخصوصين بغير دليل على التخصيص، وكل هذا لا مُلْجِىءَ إليه ولا حامِلَ عليه، وقد عُلِمَ بالضرورة أنَّ العامِّيّ في زمنهم كان يَفْزَعُ في الفتوى إلى مَنْ أَحَبَّ منهم مِن غير نكيرِ في ذلك، وهذا من الأمورِ المعلومة، وقد احتج الشَّيخُ أبو الحسين بهذا على أنه لا يجب الالتزامُ، وادَّعى أنَّه إجماعُ مِنَ الصحابة، ذكر ذلك المنصورُ بالله في كتاب " الصفوة "، وكذلك ذكره ابنُ عبدِ السلام في " قواعده " (٢)، واحتجَّ به على جواز تقليدِ المفضولِ، وجوَّد تحريرَه، وليس يُناقضُ ما ذهبتُ إليه من إيجاب الترجيح عند اختلاف العلماء، وقوَّة الظنِّ أن قولَ أحدِهم أصحُّ، لأنه لم يظهرِ الإجماع على (٣) هذه الصورة الخاصة.
قال: الوجه الثاني: أنَّه لا يتميَّزُ على هذا الوجهِ المجتهدُ مِنَ المقلِّدِ، فإنَّه إذا رجح في كل مسألة، وعمل بما (٤) يترجح له، فهذا شأن المجتهدين، وكونُه قد قال به قائل شرطٌ في حقِّ المجتهد أيضًا.
أقول: هذا الوجه أضعفُ مِما قبله، وهو لا يؤدِّي إلى ما ذكره،
_________________
(١) في (ب): القول.
(٢) ٢/ ١٣٥.
(٣) في (ب): على الإجماع على.
(٤) في (ب): ما.
[ ٣ / ١٣٧ ]
والفرق بينهما واضحٌ، وهو أنَّ المقلِّدَ ليس له أن (١) يستقلَّ بالقول، وإنَّما هو تبَعٌ لغيره، فلو لم يكن لغيره قولٌ البتَّة، لم يعمل بما (٢) ترجح (٣) له، وقد رام السَّيدُ أنْ يُبْطِلَ هذا الفرقَ، فركب الصعبَ والذَّلولَ، وخالف المنقول والمقبول، والتزم أنَّه لا يَحِلُّ الاجتهادُ لمجتهدٍ حتى يسبقَه غيرُه إلى اجتهاده، وهذا معلومُ البطلان لوجوه.
أحدها: أنَّه يلزمه ألاَّ يصحَّ اجتهادُ خير الأمَّةِ مِنَ الصَّدر الأوَّلِ الذين ابتكروا الكلام في الحوادث، وسبقوا إلى الاجتهاد في المسائل.
وثانيها: أنَّ الأمَّة مجمعةُ قديمًا وحديثًا على عدم اشتراط هذا، وإنَّما الشرط أنْ لا يكونَ في المسألة إجماعٌ ثابتٌ مِنْ طريقٍ صحيحةٍ قطعيَّةٍ أو ظنية غيرِ معارضة بما هو أرجحُ منها، ومِنَ العلماء من لم يقبل الإجماع حتى تكونَ طريقُ نقله معلومةً متواترةً، فأمَا إذا لم يكن في المسألة إجماعٌ ولا خلافٌ، فلا قائلَ بتحريمِ الاجتهاد فيها.
وثالثها: أنَّه يلزم السيِّدُ أنَّ الحادثة إذا حدثت، وليس فيها نصٌّ لمن تقدم سقط (٤) عَنِ الأُمَّة التَّكليف فيها، ولم يجب عليهم في ذلك اجتهادٌ ولا تقليدٌ، لأنَّه لا نصَّ لمن تقدَّم، فيجوزُ تقَليدُه عند من يستجيزُ ذلك، ولا يجوز الاجتهادُ أيضًا على رأي السيد، فلزم من ذلك العملُ بالإِباحة من غير اجتهادٍ ولا تقليدٍ، وتكليفُ ما لا يُطاقُ مِن معرفة مرادِ الله من غير اجتهادٍ ولا تقليد، وكلُّ هذا خلافُ الإجماع، فهذه هي الحُجَّةُ الثَّانية التي
_________________
(١) " أن " ساقطة من (ب).
(٢) في (ب): لما.
(٣) في (ش): يترجح.
(٤) في (ش): أن يسقط.
[ ٣ / ١٣٨ ]
قوله: قال: الثالثة: أنه لا يلزم من ذلك التناقض.
الجواب عليه في هذا يتم بذكر أنظار
النظر الأول: أن السيد استدل، ثم استثنى
أَنتصرُ بها لمذهب المنصورِ بالله ﵇.
قال: الثالثة أنَّه يلزم مِنْ ذلك التَّناقض كما لو كان مجتهدٌ يحملُ الأمر على الوجوب، فيُوجب العمرة بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ويوجب ركعتي المَقَام بقوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] وكان مجتهدٌ آخر يَحْملُ الأمرَ على النَّدب، ويقضي في هاتين المسألتين بالنَّدب وعدم الوجوب، فيأتي مقلِّدٌ فيقولُ: أنا أرجِّح (١) مذهبَ أحدهما في مسألة وأختاره، وأرجِّحُ مذهبَ الآخر في الأخرى وأختاره، فيكون هذا قائلًا: إنَّ الأمر يقتضي الوجوب، وإنَّ الأمر لا يقتضي الوجوبَ، اللهُمَّ إلاَّ أنْ يحصُلَ مرجِّح ظاهرُ القوَّة يُصْرَفُ به الأمرُ من (٢) حقيقته إلى مجازه، وهذا يحتاج إلى اطِّلاعٍ في العلوم، وعضٍّ عليها بالنَّواجذِ، وركوبِ أخطارٍ، وارتحالٍ، وتنقُّلٍ في الأقطار.
أقول: الجوابُ عليه في هذا يَتمُّ إن شاء الله تعالى بذكر أنظار.
النَّظر الأول: أنَّ السيدَ استدلَّ، ثم استثنى، والاستثناءُ لا يصح في البرهانِ والإسلام، وكلُّ ما لا يتجزَّأ ولا ينقسم، ولا خلافَ في هذا بين العُقلاء، وإنَّما يصحُّ الاستثناءُ في ذواتِ الأجزاء، كقول القائل: عليَّ لفلانٍ عشرةٌ إلا درهمًا، وقام القومُ إلا زيدًا، وأمَّا القول بأنَّ الأمر صحيحٌ أو باطلٌ بدليل كذا وكذا، إلا أن يكونَ كذا وكذا، فهذا فاسدٌ قطعًا، لأنَّه بمنزلة أن يقول: هو صحيحٌ إلاَّ أنْ لا يصحَّ، وباطلُ إلاَّ أن لا يبْطُل، بدليلِ أنَّ الاستثناءَ ممَّا لا جُزْءَ له لا يكون معناه إلا التردُّدَ والاحتمال، ولا
_________________
(١) في (ب): " رجح " وهو خطأ.
(٢) في (ب): عن.
[ ٣ / ١٣٩ ]
النظر الثاني: أن ما جاز في ذلك على المقلد جاز على المجتهد
النظر الثالث: أنه جعل القرينة الدالة على صرف الأمر من الحقيقة إلى المجاز مما يحتاج إلى اطلاع في العلوم
شكَّ أنَّ الاحتمال يمنع الاحتجاجَ والاستدلالَ، ولهذا قال العلماء: لا يصحُّ استثناءُ الكُلِّ من الكُلِّ، كقولك: له عليَّ عشرةٌ إلاَّ عشرة؛ لأنَّه مناقضةٌ، فكذلك الاستثناء في البُرهان مناقضة.
النظر الثاني: أنَّ ما جاز في ذلك على المقلِّدِ جاز على المجتهد؛ لأنَّهما مكلّفان عاقلان، والمناقَضَةُ لا تَحِلُّ لمكلف، مجتهدًا كان أو مقلدًا، ولا يُعْصَمُ منها مكلَّفٌ أيضًا، فهي محرَمة عليهما، مجوزة فيهما، فما الفرقُ بينهما.
النظرُ الثالثُ: أنَّه (١) جعلَ القرينةَ الدَّالة على صرف الأمرِ مِنَ الحقيقةِ إلى المجاز ممَّا يحتاج إلى اطِّلاع في العلوم، وعضٍّ عليها بالنَّواجذ، والأمرُ أهون ممَّا ذكره؛ وذلك لأنَّ النَّاظر في المسألة الَّتي ذكرها السيدُ إنْ كان ليس له معرفة بأنَّ الأمر يقتضي الوجوبَ أو النَّدبَ، ولا مذهبَ له في ذلك، لم يكن لَهُ أن يرجِّحَ بذلك، وكيف يرجِّحُ بما لا يَعْرِفُ، وإن كانَ مِمَّنْ يعرف هذه المسألة، ويختار فيها أحد القولين، فالعدولُ عَنِ الظَّاهر في الأمر إلى المجاز أمرٌ قريب تُغني فيه الإشارة عَنِ التَّهويل بتلك العبارة، وإنَّما هو معرفة القرينة الدالَّة على الوجوب أو الندب، فقرينةُ الوجوبِ الوعيدُ على ترك المأمور به، وقرينةُ النَّدبِ الإذنُ في تركه، ونحو ذلك مِنْ خصائصِ الوجوب والنَّدْبِ الواضحة. فما هذا (٢) التَّهويلُ بذكر الأخطار، والتِّجوال في الأقطار!!
_________________
(١) في (ش): أن.
(٢) في (أ): " مما في هذا "، وكذلك كانت في (ش)، ثم أصلحت " مما " إلى " فما "، ودمجت " في "، ويغلب على الظن أن الإمام الشوكاني ﵀ هو الذي صحح ذلك.
[ ٣ / ١٤٠ ]
النظر الرابع: أن كلامه في هذا الفصل يستلزم اشتراط السفر والخطر في صحة الاجتهاد
النظر الخامس: أن السيد إما أن يكون يعرف هذه القرينة التي هول معرفتها أو لا
النَّظر الرابع: أنَّ كلامَه في هذا الفصل يستلزِمُ اشتراطَ السَّفرِ والخطرِ في صِحَّة الاجتهاد؛ لَأنَّه إذا وجب ذلك في معرفة القرينة الصَّارِفةِ للأمر مِن الحقيقة إِلى المجاز، فكيف بالاجتهادِ في جميع العُلوم كُلِّها (١) دِقِّها وجِلِّها؟ بل كلامُه يستلزمُ أنَّ كُلَّ مسألة اجتهادِيةً تحتاج إلى السَّفر، وتفتقر إلى الخَطرِ، وهذا يُفْضِي (٢) إلى أن يشترط في الاجتهادِ منْ طَيِّ المراحل والمجاهل، والتَّطوافِ على المفاوزِ والمناهل ما لا يكادُ يُمكِنُ إلا مع القدرة على الطَّيران، أوِ (٣) الركوب على بساطِ سليمان، وما زال أهلُ العلم يذكرون شروطَ الاجتهاد، فما ذكر أحدٌ (٤) مِنْهُمْ تطوافَ البلاد، ولا ركوبَ الأخطار في تَقَحُّمِ الأغوار والأنجاد، كيفَ إلا مسألة ظنِّيَّة وأمَارة فروعية، فما الحاملُ على هذا الغلوِّ (٥) الفظيع والتَّحامل الشَّنيع؟
النظر الخامس: أنَّ السَّيِّد أيَّده الله إما أنْ يكونَ يَعْرِفُ هذه القرينةَ الَّتي هَوَّلَ معرفتها أوْ لا، إن لم يكن يعرِفها، فكيف يحكم على ما لا يَعْرِفُ؟! والحكمُ على الشَّيْء بالسُّهولة أو الصُّعوبة فرعٌ على معرفته، وإن كان يعرف هذه القرينة، فكلامُه يدلُّ على أنَّه مِنْ أهلِ الاطِّلاع على العلوم، والعضِّ عليها بالنواجذ، لأنَّه قد نصَّ على أن معرفة هذه القرينة يحتاجُ إلى ذلك، لكِنِ السَّيِّدُ قدْ وَعَّرَ مسالِكَ العلوم (٦)، وبعَّدَها، وتوقَّف في إمكانها، ومَنْ كان مِنْ أهل العلوم والعضِّ عليها بالنَّواجذ، فهو مجتهدٌ
_________________
(١) " كلها " ساقطة من (ب).
(٢) في (ش): " يقتضي ".
(٣) في (ب) و(ش): و.
(٤) تحرف في (ج) إلى " أحدًا ".
(٥) في (ش): الأمر.
(٦) من قوله: " والعض عليها " إلى هنا ساقط من (ب).
[ ٣ / ١٤١ ]
قوله: قال: الموضع الثاني في الدليل على أن في أخبار هذه الكتب المسماة بالصحاح ما هو غير صحيح
بغير شَكٍّ وأيضًا فما علمنا -مع المجاورة- أنَّه قَدِ ارتكب الأخطار، ولا طاف الأقطار. وبالجملة، فقد قدَّمْتُ قريبًا أنَّ البُلغاء لا يسترحون إلى الأسجاع إلاَّ إذا حَلَّوْا بجواهرها لباتِ الحقائقِ وصدورَها، وسيَّرُوا في أفلاكِ قوارعها شموسَ الدَّلائل وبُدورَها، فأمَّا إذا لم تُصاحِبْ صِدْقًَا ولا حقًَّا، فما هي إلا كبقلة الحمقا (١)، لا تُثْمِرُ ولا تَبقى، ولا تستَحِقُّ أن تُزْرَعَ، ولا أن تُسقى.
قال: الموضع الثَّاني في الدَّليلِ (٢) على أنَّ في أخبار هذه الكتب المسمَّاة بالصِّحاح ما هو غيرُ صحيحٍ إلى آخر كلامه في هذا الفصل، وهو مشتمل على الطَّعن في كتب الحديث بذكر ما فيها من حديث المحاربين أميرَ المؤمنين عليًَّا ﵇، وإنَّما لم أُورِدْهُ كلَّه هنا؛ لأنَّه قد تقدَّم جوابُ أكثرِه في مسألة قبول أنواعِ أهل التَّأويل، وتقدَّم هُناك نصوصُ كثيرٍ مِنْ أهلِ البيت على قَبُولهِمْ، بل على دعوى الإجماع منهم، ومِنْ غيرهم على ذلك، ولم أعلم أحدًا قبلي بَسَطَ في هذه المسألة ما (٣) بسطتُ، فراجعه فيما تقدَّم، ولم يبقَ هنا إلا تَتِمَّةً يسيرة، وأنا أتتبَّعُ ما لم يتقدَّم
جوابُه وأبيَنُه إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) في " مجمع الأمثال " للميداني ص ٢٢٦: أحمق من رِجْلَة، وهي البقلة التي تسميها العامة الحمقاء، وإنما حمَّقوها، لأنها تنبت في مجاري السيول، فيمر السيلُ بها، فيقتلعها. وفي " المستقصى " ١/ ٨١: أحمق من رِجْلَة: هي البقلة الحمقاء، وهي تنبت في مسيل الماء، فيقلعها السيل. والرِّجلة: المسيل، فسميت باسمه. وفي " زهر الأكم " ٢/ ١٣٤: أحمقُ من رِجْلَة: الرِّجلة -بكسر الراء وسكون الجيم-: ضرب من النبات معروف ينبت في حميل السيل، فيقتلعه، فيوصف لذلك بالحمق. ويقال له: بقلة الحمقاء، والبقلة اللينة، والبقلة المباركة. وقيل: إن البقلة المباركة هي الهندباء. وقولهم: " بقلة الحمقاء " أضيف فيه الموصوف إلى الصفة في الظاهر، كقولهم: مسجد الجامع، وصلاة الأولى.
(٢) في " الدليل " ساقطة من (ب).
(٣) في (ش): مثل ما.
[ ٣ / ١٤٢ ]
الوجه الأول: أنا قد بينا من نص أهل البيت على قبول الخوارج
فأقولُ: الجواب على ما ذكره من وجوه:
الوجه الأول: أنَّا قد بيَّنَّا مِنْ نَصِّ أهل البيت ﵈ على قبولِ الخوارج، بل مَنِ ادعى معرفة الإجماع على ذلك مِنَ العِترة والأمَّة مِمَّن لا سبيل إلى تكذبيه، كالإمامِ المنصور بالله، والمؤيَّد ِ بالله، ويحيى بنِ حمزة، والأميرِ الحسين بنِ محمدٍ، وغيرهم منْ عُلماء الشِّيعة.
والخوارج شَرُّ من عادى أمير المؤمنين ﵇؛ لأنَّهم كفَّرُوه وأخرجوه من الإسلام، صانه اللهُ عن ذلكَ، فينبغي أن يعلم أنَّهم إنما قدَحُوا في أحاديث جماعةٍ قليلةٍ منَ البُغاة عليه (١) لأمرٍ آخرَ غيرِ بغيهم المعلوم الذي شاركهم فيه الخوارج، وذلك أجنبي (٢) مِن القدحِ بالأمر المشتَرك بينهم وبين الخوارِج، فافهمه، وافْهَمْ أنَّ المخالفين لعليٍّ ﵇ ثلاثةِ أصناف كما ورد في وصفه ﵇ بقتال (٣) المارقين والنَّاكثينَ والقاسِطين، فقد صرَّح أئمةُ الزَّيديَّةَ بقَبولِ المارقينَ والنَّاكثين، بَلِ ادعوا الإجماع على ذلك، وصرَّح الأميرُ الحسين في " شفاء الأوام " بدعوى الإجماع على قبول البُغاة على عليٍّ ﵇ وَهُمْ عبارةٌ عَنِ القاسطينَ معاوية وأصحابه، والَّذي ذكره الأميرُ الحسين عن أهل البيت هو مذهبُ المحدِّثين، لكنِ الزَّيديَّةُ استثنَوْا مِنْ هذا الإطلاقِ قدرَ أربعةٍ أو خمسةٍ لا سوى، لأمرٍ وَقَعَ النِّزاعُ فيه بينَهم وبَيْن المحدِّثين، وهو قرائِنُ رُوِيتْ عنهم مِنَ الأقوالِ والأفعال تُعارِضُ ما ادَّعوْهُ وأظهروه منَ التَّأويل في البغي، ويدلُّ على تعمُّد البغي مع العلم بقُبْحِهِ وتحريمه، وهذا القدرُ ممَّا
_________________
(١) " عليه " ساقطة من (ب).
(٢) في (ش): آخر.
(٣) تحرف في (ج): فقال.
[ ٣ / ١٤٣ ]
يمكِنُ وقوعُ اختلاف الظُّنون فيه، وفي أنَّ صاحِبَه مظنونُ الصدق أو مظنونُ الكَذِبِ، أو أنَّا متعبِّدون بردِّه وإن لم نظنَّ كَذِبَهُ، أو بقبوله وإن لم نَظُنَّ صدقه.
وقد اعترف أهلُ الحديث بأجمعهم أنَّ المحاربين لعليٍّ ﵇ معاويةَ وجميع مَنْ تَبِعهُ بُغَاةٌ عليه، وأنَّه صاحبُ الحَقِّ، نقل ذلك عنهم غيرُ واحد منهم مثل القرطبي (١) في " تذكرته " (٢) كما سيأتي في الوهم الثالثِ والثلاثين مِنَ المجلَّدِ الرَّابعِ، ولم يَبْقَ الخلافُ بينهم وبَيْنَ غيرهم إلاَّ في أمرين.
أحدهما: أنَّ مدار الرِّواية على ظنِّ الصِّدق، لا على الموافقة في العقائد ونحوها، أو على الموافقة في العقائد (٣)، وإن لم يحصل ظَنُّ الصِّدق، وهذا الأمرُ قد تقدَّم مستوفى في مسألة المتأوِّلين.
وثانيهما: في أيِّ الأمرين أرجح: العملُ بظاهرِ دعوى التَّأويل، أو الحكمُ بالتعمُّد للقرائن الخاصة؟ وفي تراجم معاوية، وعمرو، والمغيرة من " النبلاء " (٤) شيءٌ كثير، موضعُه معروف، فلا حاجةَ إلى نقله، وإنَّما ذكَرْتُ تراجمهم في " النبلاء "، لأنَّه مِن تصانيف أهل السُّنَّةِ، وهم لا يُتَّهمون في ذلك، وَمِنْ أعظمه أحاديثُ " تَقْتُلُكَ يا عَمَّارُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ " (٥)
_________________
(١) هو الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرْح الأنصاري الخزرجي القرطبي، صاحب التفسير العظيم المتداول، المتوفى سنة ٦٧١ هـ. مترجم في " شذرات الذهب " ٥/ ٣٣٥.
(٢) ص ٥٥٥ - ٥٥٧.
(٣) جملة " أو على الموافقة في العقائد " ساقطة من (ب).
(٤) انظر " سير أعلام النبلاء " ٣/ ١١٩ و٣/ ٥٤ و٣/ ٢١٥ بتحقيقنا.
(٥) تقدم تخريجه ٢/ ١٧٠.
[ ٣ / ١٤٤ ]
فإنَّه حديثٌ متَّفقٌ على صحَّته وشهرته في ذلك العصر، وإنَّه ما قدح فيه مِنَ القُدماء أحدٌ، بل قال الذَّهبي في ترجمة عمار مِنَ " النُّبلاء " (١): إنَّه حديثٌ متواتر، فأمَّا معاويَةُ، فتأوّله بتأويلِ باطلٍ أنَّ عليًا وأصحابه هُمُ الَّذين قتلوه وجاءوا به حتى ألقَوهُ بين رماحنا، رواه أحمد في مسند عمرو بن العاص (٢)، وقد أجاب عبدُ الله بنُ عمرو بأنَّه يلزمُ أنَّ رسول الله - ﷺ - قاتلُ عمِّه حَمْزَةَ، وشهداء بَدْرٍ وأحد، فَأَفْحَمَهُ (٣).
وأمَّا عمرو، فلم يتأوَّلْهُ، وفزِعَ فزعًا شديدًا كما فَزِعَ عندَ موته (٤).
فمَن نظر إلى القرائن الخاصَّة المقوِّية لِعدم التَّأويل رجَّحها، وأقواها
_________________
(١) ١/ ٤٢١.
(٢) أخرجه أحمد ٤/ ١٩٩ من طريق عبد الرزاق، وهو في " مصنفه " (٢٠٤٢٧) عن معمر، عن ابن طاووس، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، قال: لما قتل عمار، دخل عمرو بن حزم على عمرو بن العاص فقال: قتل عمار، وقد قال رسول الله - ﷺ -: " تقتله الفئة الباغية " فقام عمرو بن العاص فزعًا يرجع حتى دخل على معاوية، فقال له معاوية: ما شأنك؟ قال: قُتل عمار، فقال معاوية. قد قُتل عمار، فماذا؟ قال عمرو: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: " تقتله الفئة الباغية " فقال له معاوية: دحضت في بولك، أو نحنُ قتلناه؟ إنما قتله علي وأصحابه، جاؤوا به حتى ألقوه بين رماحنا، أو قال: بين سيوفنا. قلت: وإسناده صحيح. وقوله: " دحضت في بولك " أي: زللت وزلقت. وأخرج أحمد ٢/ ١٦٤ و٢٠٦، وابن سعد في " الطبقات " ٣/ ٢٥٣ من طريق يزيد بن هارون، عن العوام بن حوشب، حدثني أسود بن مسعود، عن حنظلة بن خويلد العنبري قال: بينما نحن عند معاوية إذ جاءه رجلان يختصمان في رأس عمار، يقول كل واحد منهما: أنا قتلته، فقال عبد الله بن عمرو: ليطب به أحدكما نفسًا لصاحبه، فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: " تقتله الفئة الباغية "، قال: فقال معاوية: ألا تغني عنا مجنونك يا عمرو، فما بالك معنا؟ قال: إن أبي شكاني إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: " أطعْ أباك حيًّا ولا تعصه " فأنا معكم ولست أقاتل. وإسناده صحيح. و" تغني ": من الإغناء، يريد ألاَّ تصرفه عنا وتكفه.
(٣) نقل المناوي في " فيض القدير " ٦/ ٣٦٦ عن القرطبي: أن الذي أجاب معاوية هو علي، وقال ابن دحية: وهذا من علي إلزام مفحم لا جواب عنه، ولا اعتراضَ عليه.
(٤) انظر " صحيح مسلم " (١٢١) كتاب الإيمان، باب: كون الإسلام يهدم ما قبله، وفيه يقول عمرو: ثم ولينا أشياء ما أدري ما حالي فيها.
[ ٣ / ١٤٥ ]
قتلُ عمار، وتَقَوَّى بِمَا اشتهر عَنِ الصحابة وغيرهم مِنَ الرَّدِّ عند أدنى ريبة.
فَمنْ ذَلك (١) أن أبا بكر وعمرَ ﵄ لم يقبلا حديثي المغيرة في سهم الجَدَّة، ودِيَة الجنين (٢) حتى شهد له محمد بن مسلمة فيهما معًا، وذلك أيضًا قبل إحداث المغيرة، ولم ينكر أحدٌ عليهما.
وأمَّا عُمَرُ ﵁، فقد أكثر مِنْ ذلك، حتى توقَّف في حديثِ عمَّار بنِ ياسر في التَّيَمُّم (٣)، ولم يعمل بهِ لنسيانِهِ لهُ، وكان حاضرًا، وقلّتِ الرِّواية في أيَّامه خوفًا من عقوبته (٤).
_________________
(١) " فمن ذلك " سقط من (ش).
(٢) تقدم تخريجهما في ١/ ٢٩٤ - ٢٩٥.
(٣) تقدم تخريجه في ١/ ٤٥٠.
(٤) في " تذكرة الحفاظ " ١/ ٧ في ترجمة عمر ﵁: وقد روى شعبة وغيره، عن بيان، عن الشعبي، عن قرظة بن كعب، قال: لما سيَّرنا عمرُ إلى العراقِ مشى معنا عمر، وقال: أتدرون لم شيّعتكم؟ قالوا: نعم تكرمة لنا، قال: ومع ذلك إنكم تأتون أهل قرية لهم دوي بالقرآن كدوي النحل، فلا تصدوهم بالأحاديث، فتشفرهم، جردوا القرآن، وأقلوا الرواية عن رسول الله وأنا شريككم، فلمَّا قدم قرظة بن كعب، قالوا: حدثنا، فقال: نهانا عمر ﵁. وروى الدراوردي عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وقلت له: أكنت تحدث في زمان عمر هكذا، فقال: لو كنتُ أحدثُ في زمان عمر مثل ما أحدثكم، لضربني بمخفقته. وروى معن بن عيسى، عن مالك، عن عبد الله بن إدريس، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه أن عمر حبس ثلاثة: ابن مسعود، وأبا الدرداء، وأبا مسعود الأنصاري، فقال: قد أكثرتم الحديث عن رسول الله - ﷺ -. وأخرج أبو زرعة في " تاريخ دمشق " ١/ ٥٤٤ من طريق محمد بن زرعة الرعيني، حدثنا مروان بن محمد، حدثنا سعيد بن عبد العزيز، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن السائب بن يزيد قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول لأبي هريرة: لتتركَنَّ الحديثَ عن رسول الله - ﷺ -، أو لألحقنك بأرض دوس. وقال لكعب: لتتركن الأحاديث أو لألحقنك بأرض القردة. وهذا سند صحيح.
[ ٣ / ١٤٦ ]
ومن نظر في سيرةِ أميرِ المؤمنين علي ﵇، عَلِمَ أنَّه لم يَسِرْ فيهم سِيرَةَ الكُفَّار، ولولا تأويلُهم عنده لكفَّرهم حين كذَّبوا ما عَلِموا منَ الدين، وهي مِنْ أقوى ما تمسَّكوا به، وهي من أقوى أدلَّة الزَيديَّة على من قال: إن النَّصَّ جليٌّ في إمامة عليٍّ ﵇، فتأمل ذلك.
وكذا مَنْ نظر إلى ظواهر من الأحاديث النَّبوية في لزوم الظَّاهر وترك العمل بالظَّنِّ فيما يتعلَّق بالسَّرائر، رجح القبول في بعضِ الأحاديث، مثل حديث أبي سعيد الخدري، قال بَعَثَ عليٌّ ﵇ بِذُهَيْبَةٍ مِنَ اليمنِ إلى رسولِ الله - ﷺ -، فقسمها بَيْنَ أربعةٍ، فقال رجلٌ: يا رسول الله اتَّقِ اللهَ، فقال: " ويلك، أَو (١) لَسْتُ أَحَقَّ أَهْلِ الأرْضِ أنْ يتَّقِي الله؟ " ثم ولَّى الرَّجُلُ، فقال خالدُ بنُ الوليد: ألا أضرِبُ عنقه يا رسولَ الله؟ قال: لا، لَعَلَّهُ أَنْ يَكونَ يُصَلِّي "، قال خالدٌ: وكم من مصلٍ يقولُ بلسانه ما ليسَ في قلبه، فقال رسول الله - ﷺ -: " إنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أُنَقِّبَ عَنْ (٢) قُلُوبِ النَّاسِ، ولا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ " (٣). رواه البخاري ومسلمٌ وله شواهدُ كثيرةٌ في معناه.
منها أنَّ مَنْ أقرَّ بالزِّنى، ثم أنكر، قُبِلَ منه (٤)، وفي كثيرٍ مِن
_________________
(١) في (ب): و.
(٢) سقطت من (ب).
(٣) أخرجه البخاري (٤٣٥١) في المغازي، باب: بعث علي بن أبي طالب ﵇ وخالد بن الوليد إلى اليمن قبل حجة الوداع، وسلم (١٠٦٤) في الزكاة، باب: ذكر الخوارج وصفتهم. وقوله: " بذهيبة ": هو تصغير ذهبة، وكأنه أنثها على معنى الطائفة أو الجملة، وقال الخطابي: على معنى القطعة، وفيه نظر، لأنها كانت تبرًا، وقد يؤنث الذهب في بعض اللغات، وفي معظم النسخ من مسلم " بذهبة " بفتحتين بغير تصغير. " فتح الباري " ٨/ ٦٨.
(٤) انظر " شرح السنة " الحديث (٢٥٨٤) و١٠/ ٢٩١.
[ ٣ / ١٤٧ ]
الأخبار لا يُقْبَلُ إقرارُه حَتَّى يُقِرَّ أربعَ مَرَّات (١).
ومنها سؤال النبي - ﷺ - عن ماعزٍ، هَلْ بِهِ جنونٌ لرفعِ الاحتمال البعيد (٢).
ومنها حُكْمُ اللهِ تعالى على القَذَفَةِ، وإنْ كثُروا (٣) بالفسقِ وجرح العدالة (٤).
ومنها حُكْمُ عُمَرَ بذلك، وتقريرُ الصَّحابة على قَذَفةِ المغيرة مع قوَّة الظن بصدقهم (٥)، وقَبِل دعواه لِنِكَاحِ السِّرِّ.
فَمَنْ قَبلهُمْ، نَظَرَ إلى هذه الأمور وإلى أنَّ التَّعمُّدَ والتأويل مِنْ أعمالِ القلوب وخفِّيات السَّرائر، فَعَمِلَ بما ظهر منهم من دعوى التَّأويلِ، وإنْ لم يَصدُقوا في الباطنِ، كما هو ظاهرُ سيرةِ عليٍّ ﵇ فيهم، وتقوَّى على ذلك في الرواية أنَّ مدارَها على ظَنِّ الصِّدق، وتقوّى على ظَنِّ
_________________
(١) أخرجه من حديث أبي هريرة البخاري (٦٨٢٥) في المحاربين، باب: سؤال الإمام المقر: هل أحصنت، ومسلم ٣/ ١٣١٨ رقم الحديث الخاص (١٦). وأخرجه من حديث جابر بن سمرة مسلم (١٢٩٢). وأخرجه من حديث ابن عباس مسلم (١٦٩٣). وأخرجه من حديث بريدة مسلم (١٦٩٥). وأخرجه من حديث جابر بن عبد الله البخاري (٦٨٢٠)، ومسلم ٣/ ١٣١٨. وأبو داوود (٤٤٣٠). وفي الباب عن يزيد بن نعيم بن هزال، عن أبيه، عند أبي داوود (٤٣٧٧)، و(٤٤١٩)، والنسائي في الرجم من " الكبرى " كما في " تحفة الأشراف " ٩/ ٣٤، وأحمد ٥/ ٢١٧.
(٢) انظر التعليق السابق.
(٣) في (ب): أكثروا.
(٤) انظر الآية (٢٣) من سورة النور.
(٥) انظر " مصنف ابن أبي شيبة " ١٠/ ٩٢ - ٩٣، و" شرح معاني الآثار " للطحاوي ٤/ ١٥٣، و" سنن البيهقي " ٨/ ٣٣٤، و" مستدرك الحاكم " ٣/ ٤٤٨ - ٤٤٩.
[ ٣ / ١٤٨ ]
الصِّدق فيهم بأنَّهم لم يَرْووا حديثًا منكرًا حتى ما رُوِيَ أنَّ أحدًا منهم روى (١) شيئًا من أحاديث الرَّجاء (٢)، ولم ينفردوا بشيءٍ، وأقلُّوا الرِّوايةَ، ولم يُكثروا مع طولِ مُدَّتهم ومخالطتهم وتمكُّنهم، ولم يرووا حديثًا واحدًا فيه نَصٌّ نبويٌّ على إصابتهم في حربهم، وفي دعاويهم، ولا على خطأ عليٍّ ﵇ في شيءٍ من الأشياء، مع توفُّر الدواعي إلى ذلك، وطول المدَّة.
فأمَّا ما رواهُ بعضُ البغدادية مِنَ المعتزلة عنهم، وعن أبي هُريرة، وأنسٍ وغيرِهما مِنَ الكِبار والتَّابعين منْ تعمد الكذب، فذلك ما لم يَصِحَّ ولا يُقارِبُ الصحة، ولا يَشْتَغِلُ بمثله أهلُ التَّحصيلِ مِنْ أئِمَّة النَّقل، هذا مع ما رَوَوْهُ مِنْ عموماتِ الثَّناء على أهلِ ذلك العصرِ من الكِتاب والسُّنَّة وقبولِ النَّبيِّ - ﷺ - لِمَنْ أسلم في عصره قَبْلَ اختباره، ولم يكتفوا بهذا غيرَ ناظرين إلى قرائنِ الصِّدقِ الخاصة (٣)، ولذلك قال أبو داود في " سننه " (٤) وقد روى حديثًا عن معاوية، ثم قال: ولم يكن معاويةُ يُتَّهَم في الحديث، ولم يُنْكِرْ هذا القولَ عليه أحدٌ مِنْ أئمة الحديث، ولا رفعوه عن مثل هذا
_________________
(١) في (ش): حتى إن أحدًا منهم ما روى.
(٢) في (ب): " الرِّجال "، وهو خطأ.
(٣) في (ش): والخاصة.
(٤) (٤١٢٩) من طريق هناد بن السري، عن وكيع، عن أبي المعتمر، عن ابن سيرين، عن معاوية قال: قال رسول الله - ﷺ -: " لا تركبوا الخزَّ ولا النِّمار ". قال: وكان معاوية لا يتهم في الحديث عن رسول الله - ﷺ -. والخز: الحرير الخالص، والنمار جمع نمر، والمشهور في جمعه النمور، وفي " القاموس " تصريح بأن النمار في معنى النمور صحيح، والمراد جلود النمار. وقوله: " قال ": فاعل " قال " إما أن يكون ابن سيرين راويه عن معاوية، أو إلى أبي داوود. والنهي عن ركوب جلد النمور إما لأنَّه لا يطهر بالدباغ، وإما لما فيه من الزينة والخيلاء.
[ ٣ / ١٤٩ ]
القول، بل حكم أهلُ الحديث بالتَّتبُّع التّام، والبحثِ الطويل، والنَّظرِ في الشَّواهد والتوابع والقرائن، وجمعِ الطرق أنَّ أهلَ العصرِ النَّبويِّ وتابعيهم وتابعي تابعيهم لم يكن فيهم من تَعَمَّد وَضْعَ الحديثِ زورًا إلى أيَّام بني العَبَّاس، وظهر ذلِكَ وظهر أهلُه، وقد نصَّ المنصورُ بالله ﵇ على مثل كلامهم في أنَّه لا يُسألُ عن عدالة الثَّلاثَة القُرونِ الأُوَل، وأنَّ ذلك معلومٌ عندَ العلماء، بل صحَّت الأحاديثُ الكثيرةُ في ذلك بلفظ: " خَيْرُكُم القَرْنُ الَّذينَ بُعِثْتُ فيهِمْ، ثُم الذين يَلُونَهُمْ، ثمَّ الذين يَلُونهُمْ، ثُمَّ يَفْشُو الكذِبُ مِنْ بَعْدُ " (١)، واعتضَدَ هذا بِخِبْرة أهلِ الحديث لذلك وتتبُّعِهم (٢) لِمَا صحت روايتهُ عَنْ أهلِ ذلك العصرِ محقِّهم ومبطِلِهم، والنظر فيما رَووْهُ وفي شواهده، وكُلُّ أهلِ فنٍّ أعرفُ بفنِّهم كما ذكرته فيما تقدَّم منْ هذا الكتاب.
ولهذه الأمورُ ترى كثيرًا مِنْ أئمَّة العِترة وشيعتهم والسَّلَفِ يروون أحاديث هؤلاء كما يرويها أهلُ الحديث، منهم أبو عبد الرحمان النسائي في " سُننه " مع بغضه لمعاوية (٣)، وكلامه عليه، حتَّى قُتِلَ في دمشق بسبب كلامهِ عليه، ومع ذلِكَ روى عنه في " سننه " غيْرَ حديثٍ، وكذا
_________________
(١) تقدم تخريجه في ١/ ١٨٢ - ١٨٣ و٣٧٦ - ٣٧٧.
(٢) في (ب): وتبعتهم.
(٣) ليس ثمت نص عن النسائي يدل على بغضه لمعاوية، والذي أثر عنه أنَّه لما فارق مصر وخرج إلى دمشق، سئل بها عن معاوية بن أبي سفيان، وما روي من فضائله، فقال: ألا يرضى معاوية رأسًا برأس حتى يفضّلَ قال مؤرخ الشام الحافظ أبو القاسم بن عساكر: وهذه الحكاية لا تدُلُّ على سوء اعتقاد أبي عبد الرحمن في معاوية بن أبي سفيان، وإنما تدل على الكف بذكره بكل حال. ثم روى ابن عساكر بإسناده عن أبي الحسن علي بن محمد القابسي، قال: سمعت أبا علي الحسن بن أبي هلال يقول: سئل أبو عبد الرحمن النسائي عن معاوية بن أبي سفيان صاحب رسول الله - ﷺ -، فقال: الإسلام كدار لها باب، فباب الإسلام الصحابة، فمن آذى =
[ ٣ / ١٥٠ ]
الحاكمُ، وابنُ منده وغيرهم مِنَ الشِّيعة، وأظهرُ مِنْ ذلِك روايةُ الأميرِ (١) الحسينِ بن محمد الحسني الهادوي إمامِ الزَّيْدِيَّة في علم الحديث فإنَّه افتتح كتابه " شفاء الأوام " بحديثين من رواية المغيرة، ولم يَرْوِ أوَّلَ منهما، ولم يذكر لهما شاهدًا مِنْ غير طريق المغيرة، وصرَّح بأنَّهما من رواية المغيرة، ولم يعتَذِرْ عن ذلِكَ، ولا أنكره عليه أحدٌ من أهله، ولا أهلَ مذهبه.
وروى محمدُ بن منصورٍ الكوفيُّ محبُّ أهل البيتِ، ومصنِّفُ علومِهم في كتابه " علوم آل محمد " وتُعْرَفُ بأمالي أحمد بن عيسى بن زيد ﵈ حديثَ وائلِ بنِ حُجر في وضعِ الأكُفِّ على الأكُفِّ (٢).
ذكره في حق الصلاة، والتَّغليس بالفجر بَعْدَ أوقات الصلاة، ولم يضَعِّفْه، ولا تأوَّلَهُ، ولا ذكر له معارضًا، ولا أنَّه حُجَّةُ منْ لا خلاَقَ (٣) لَهُ مِنْ أعداءِ العِترة، بل أدخله في كتابه الذي سَمَّاه " علوم آل محمد "، ولم يُدْخِلْ فيه إلاَّ أدلَّتهم الصَّحيحة عندَهم وعلى أصولهم، ولذلك قال الأميرُ الحسين في كتاب الوصايا من " شفاء الأوام " ما لفظه: فأمَّا الفاسق من جهة التأويل، فلسنا نُبْطِلُ كفاءتَه في النكاح كما تقدَّم، ونقْبَلُ خَبَرهُ الذي نجعلُه أصلًا في الأحكام الشرعيَّة لإجماع الصَّحابة ﵃ على قبول البُغاة على أمير المؤمنين وإجماعهم حجة. انتهي بحروفه.
_________________
(١) = الصحابة إنما أراد الإسلام، كمن نقر الباب إنما يريد الدخول، قال: فمن أراد معاوية، فإنما أراد الصحابة. وقد أفصح عن السبب الذي حفزه إلى تأليفه كتاب " خصائص علي " بقوله: دخلت إلى دمشق، والمنحرف عن علي بها كثير، فصنفتُ كتابَ " الخصائص " رجاء أن يهديهم الله.
(٢) لفظة " الأمير " ساقطة من (ب).
(٣) تقدم تخريجه في هذا الجزء ص ٣ - ٥.
(٤) في (ب): " خلاف "، وهو خطأ.
[ ٣ / ١٥١ ]
وقد روى الإمامانِ المنصورُ بالله، والمؤيَّد (١) يحيى بن حمزة حديث معاوية في " الأربعين الودعانية " (٢)، وشرحاه، وهو (٣٢) منها، وقبلا الودعاني مصنِّف الأربعين مع تخريجه (٣) لحديث معاوية فيما اختاره للأُمَّة في خُطَبِها ومواعِظها، ولم يستخرجا له من روايته حديثَ معاوية أنَّه ناصِبِيُّ منافق، بَلِ اعتمدا (٤) عليه في قبولِ الخطب الأربعين.
_________________
(١) في (ب): المؤيد بالله.
(٢) جمع قاضي المَوْصل أبي نصر محمد بن علي بن عبيد الله بن أحمد بن صالح بن سليمان بن ودعان الموصلي، المتوفى سنة ٤٩٤ هـ. قال السلفي فيما نقله عنه الذهبي في " السير " ١٩/ ١٦٦ و١٦٧: قرأت عليه " الأربعين " جمعه، ثم تبين لي حينَ تصفحتُ كتابَه تخليطٌ عظيمٌ يدلُّ على كذبه، وتركيبه الأسانيد على المتون. وقال ابن ناصر: رأيته ولم أسمع منه، لأنَّه كان متهمًا بالكذب، وكتابه في " الأربعين " سرقه من زيد بن رفاعة، وزيد وضعه أيضًا، وكان كذابًا، ألف بين كلمات قد قالها النبي - ﷺ -، وبين كلمات من كلام لقمان والحكماء وغيرهم، وطول الأحاديث. وقال ابن الجوزي في " المنتظم " ٩/ ١٢٧: قدم بغداد في سنة ثلاث وسبعين ومعه جزء فيه أربعون حديثًا عن عمه أبي الفتح، وهي التي وضعها زيد بن رفاعة الهاشمي، وجعل لها خطبة، فسرقها أبو الفتح بن ودعان عم أبي نصر هذا، وحذف خطبتها، وركب على كل حديث شيخًا إلى شيخ الذي روى عنه ابن رفاعة. وقال الذهبي في " الميزان " ٣/ ٦٥٧: محمد بن علي بن ودعان القاضي صاحب تلك الأربعين الودعانية الموضوعة، ذمه أبو طاهر السلفي، وأدركه وسمع منه، وقال: هالك متهم بالكذب. وقال ابن حجر في " لسان الميزان " ٥/ ٣٠٦: وقد سئل المزي عن " الأربعين الودعانية "، فأجاب بما ملخصه: لا يصح منها على هذا النسق بهذه الأسانيد شيء، وإنما يصح منها ألفاط يسيرة بأسانيد معروفة يحتاج في تتبعها إلى فراغ، وهي مع ذلك مسروقة، سرقها ابن ودعان من زيد بن رفاعة، وقيل: زيد بن عبد الله بن مسعود بن رفاعة الهاشمي، وهو الذي وضع رسائل إخوان الصفا فيما يقال، وكان جاهلًا بالحديث، وسرقها منه ابن ودعان، فركبها بأسانيد، فتارة يروي عن رجل، عن شيخ ابن رفاعة، وتارة يدخل اثنين وعامتهم مجهولون، ومنهم من يشك بوجوده، والحاصل أنها فضيحة مُفْتعَلَةٌ، وكذبة مؤتفكة.
(٣) في (ب): " تحريمه "، وهو تحريف.
(٤) في (ب): اعتمد.
[ ٣ / ١٥٢ ]
فأما الإمامُ (١) يحيى بنُ حمزة فنص (٢) على صِحَّتها في خطبةِ شرحه لها، ولم يستثنِ حديثَ معاوية في خطبة شرحه (٣)، ولا في شرح حديث معاوية، وذكر -مع مبالغته في تصحيحها- أنَّه اعتمد في ذلك على مصنِّفها، فهذا أكثرُ تساهلًا في التصحيح من المحدثين بالضرورة التي يعلمها أهلُ هذا الشَّأْنِ.
ومنَ المشهور في كتب الحديث أنَّ عليَّ بن الحسين ﵇ روى عن مروانِ بنِ الحكم، وابنُ عباسٍ، وأبو سعيدٍ، وابنُ المسيِّب رَوَوْا عن معاويةَ وأمثالهم، ولو لم يرْوُوا عنهم، لم يتَّصِل السَّندُ إليهم.
وكذلك روى الهادي يحيى بن الحسين ﵇ (٤) في كتابه " المنتخب " حديثَ عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جَدِّه، وهو عمرو بنُ شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، وقد اختلف في الضمير في " جَدِّهِ " على من يعود (٥).
وقد قال أحمد في " المسند ": حدثنا يزيد، حدثنا همَّامٌ، عن قتادة، أو عن ابن سيرين، عن عبد الله بن عمرو بنِ العاص، قال: كنتُ مع رسولِ الله - ﷺ -، فجاء أبو بكر، فقال: " بَشِّرْهُ (٦) بالجنة "، ثمَّ عمر، ثمَّ، عثمان كذلك، فقلت: وأَيْنَ أنا؟ قال: " مَعَ أبِيكَ " (٧)،
_________________
(١) في (ب): فالإمام.
(٢) في (ب): نص.
(٣) سقط من (ب).
(٤) في (ب): ﵇ يحيى بن الحسين.
(٥) والصحيح أنَّه يعود إلى جده الأعلى عبد الله بن عمرو، وقد تقدم بيان ذلك في ٢/ ٣٤٠ - ٣٤١.
(٦) في (ب): بشرًا.
(٧) هو في " المسند " ٢/ ١٦٥، وذكره الهيثمي في " مجمع الزوائد " ٩/ ٥٦ مطولًا، =
[ ٣ / ١٥٣ ]
الوجه الثاني: أن حفاظ الحديث وأئمة النقل لم يقتصروا على تدوين الصحيح المجمع على صحته عند جميع الفرق
رجالُه رجال البخاريِّ ومسلم لولا أنّ قتادة مُدَلِّسٌ، ويُرجى لعمرو التَّوبة، لقوله عند موته كما نُوَضِّحهُ.
الوجهُ الثاني من الجواب: وذلكَ أنَّ حُفَّاظ الحديث، وأَئِمَّةَ النَّقل لم يقتصِروا على تدوينِ الصحيح المُجْمعِ على صحته عند جميع فِرَق الإسلام بحيث يقطعون على تخطئة المخالف فيه، بل قصدوا إلى تدوين القسمين معًا، أحدهما: المقطوعُ بصحَّته، وثانيهما: الصَّحيحُ المبنيُّ على اجتهادهم الذي يُمْكِنُ الخلافُ فيه، بل دوَّنوا قسمين آخرين أضعف مِنْ هذا القسم المختَلَفِ في صِحَّته.
أحدهما: الأحاديثُ الحسانُ التي تَقْوى بكثرةِ رواتِها، ولا تقوى ما انفرد به أحدُهم.
وثانيها: الشَّواذُ، والمنكراتُ، وأحاديثُ المجاهيل والضُّعفاء، ليستفادَ مِن روايتها إمَّا تواترٌ أو ظنٌّ فيما لم يُعَارِضْه حديثٌ صحيحٌ، ثمَّ اعتبروا في الجميع ظنَّ الصِّدق حتَّى كان الحافظ الرَّقيقُ الدِّين المُجرَّب الصِّدق أقوى عندَهم مِنَ العابِدِ الزَّاهد السَّيئ الحفظِ المجرَّب الوهم، الفاحشِ الخطأ، الكثيرِ الغفلة، حتى ذكروا أنَّ الكَذِبَ في الحديث أكثرُ قدحًا في الرِّواية من الكُفر، ولذلك وَثِقَ رسولُ الله - ﷺ - بدليله الدِّيلي يَوْمَ هاجَرَ، وكان دليلُه كافرًا (١).
_________________
(١) = وقال: رواه الطبراني، واللفظ له، وأحمد باختصار بأسانيد، وبعض رجال الطبراني، وأحمد رجال الصحيح.
(٢) أخرج البخاري (٢٢٦٣) في الإجازة، باب: استئجار المشركين عند الضرورة أو إذا لم يوجد أهل الإسلام، من طريق إبراهيم بن موسى، عن هشام، عن معمر، عن ابنِ شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂: واستأجَرَ رسول الله - ﷺ - وأبو بكر رجلًا من بني الدِّيل، ثم من بني عبد بن عدي هاديًا خِرِّيتًا -والخِرِّيتُ: الماهر بالهداية- قد =
[ ٣ / ١٥٤ ]
ووثِقَ بعهدِ سُراقة الذي لَحِقَهُ يومَ هاجر، فدعا عليه حتَّى أعطاه عهدَه ألاَّ أخبر بِهِ (١)، وقد مضى من هذا طرفٌ صالح، وسيأتي مستوفى في الوهم الثالث والثلاثين.
وإنَّما قَصَدُوا ما ذكرناه في جمع الحديث وحفظه، لأنَّه أعدلُ الأمور في اجتهادهم، فإنَّهم لو اقتصروا على حفظ المجمع على صحّته وتدوينه للمسلمين دون ما عداه، خافوا أن يضيعَ جمهورُ الحديثِ النَّبويّ، وهذا تساهلٌ في جسيمِ أمرِ الإسلام، ومعظم قواعدِ الدِّينِ، وإن دوَّنوا حديثَ الكذَّابين، وخلطوا الصَّحيحَ بالسَّقيم، أدخلوا في السُّنَّة النبوية ما هي عنه بَرِيَّة، فسلكوا مناهِجَ التَّحرِّي في التَّوسُّط والتَّقَوِّي بالنَّظر في حديث الرَّاوي، وما يَنْفَرِدُ به، وما يُتَابَعُ عليه، وما يُنْكَرُ مِن حديثه، وتتَّبعوا ذلك وأمعنوا فيه، وهو المُسمَّى بالاعتبار في عُلومهم، وبلغوا في ذلِكَ مبلغًا عظيمًا أعْجَزَ مَنْ قبلهم مِنَ الأُمَم حتَّى عُدَّ في معجزاتِ رسولِ الله - ﷺ - ومِن آياته، كما ذكره (٢) السيد الإمامُ المؤيَّد بالله في كتابه في النبوات، وذكره الجاحظُ (٣) قبلَه.
_________________
(١) = غمَسَ يمينَ حلف في آل العاص بن وائل، وهو على دين كفار قريش، فأمِنَاه، فدفَعَا إليه راحلتيهما، وواعداه غارَ ثور بعد ثلاثِ ليال، فأتاهُما براحلتيهما صبيحةَ ليالٍ ثلاثٍ، فارتحلا، وانطلَقَ معهما عامرُ بنُ فُهيرة، والدليلُ الدَّيليُّ، فأخذَ بهم أسفلَ مكة وهو طريقُ الساحل. وأخرجه البخاري (٢٢٦٤) و(٣٩٠٥) من طريق يحيى بن بكير، عن الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، بهذا الإسناد.
(٢) خبر سراقة أخرجه البخاري (٣٩٠٦)، ومسلم (٢٠٠٩)، وأحمد ١/ ٢ - ٣، ويعقوب بن سفيان في " المعرفة والتاريخ " ١/ ٢٣٩ - ٢٤١، والبيهقي في " دلائل النبوة " ٢/ ٤٨٣ - ٤٨٤.
(٣) في (ب): ذكر.
(٤) هو أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء الليثي، الملقب بالجاحظ، كبير أئمة الأدب، ورئيس الفرقة الجاحظية من المعتزلة، وصاحب التصانيف في كل فن، =
[ ٣ / ١٥٥ ]
وقد رُويَ عن أبي حنيفة قبولُ الفاسِقِ المتعمِّد إذا كان معروفًا بالصِّدق.
وقال الإمام المنصور بالله بذلِك في الشَّهادة، وهي أقوى مِنَ الرِّواية حيث لا يُوجَدُ العدولُ، وعلَّل ذلِك بأنَّ اعتبارَ العدول حيث لا يوجدون يُؤدِّي إلى ضَياع الأموالِ، والعدالةُ الكاملةُ إنَّما شُرِعتْ لحفظها، فيجبُ أن نعتبرَ ما كان أقربَ إلى حفظها الَّذي هُوَ المقصودُ الأوَّلُ، فاعتبر أهل الصدق واحتجَّ بقوله تعالى: ﴿أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْض﴾ [المائدة: ١٠٦]. وهذا عارضٌ، القصدُ به التَّعريفُ بمذاهب أهل الرواية، وعُرفِهِم فيها، وأنَّهم قصدوا أن يُدَوِّنوا لأهلِ الإِسلام ما يقبلونه كلُّهم أو يقبلُه بعضُهم، وإن شذَّ، ولذلك روى المحدِّثون المراسيلَ في كتبٍ مفردَةٍ (١) لمن يقبلها، وإن كانوا لا يقبلونها، وروى من يقبل المراسيلَ مثل مالكٍ الأحاديثَ المسنَدَةَ بأسانيدها لمن يشترطُ الإسناد، ونحو ذلك.
_________________
(١) = مولده بالبصرة سنة ١٦٣ هـ، ووفاته فيها سنة ٢٥٥ هـ. قال الأزهري في مقدمة " تهذيب اللغة ": وممن تكلم في اللغات بما حضره لسانُه، وروى عن الثقات ما ليس من كلامهم الجاحظ، وكان أوتي بسطة في القول وبيانًا عذبًا في الخطاب، ومجالًا في الفنون، غير أن أهل العلم كذبوه، وعن الصدق دفعوه. وقال ابن حزم في " الفصل ": كان أحد المجان الضلال، غلب عليه الهزل، ومع ذلك فإنا ما رأينا له في كتبه تعمد كذبة يوردها مثبتًا لها، وإن كان كثير الإيراد لكذب غيره. وقال الإمام الذهبي: كفانا الجاحظُ المؤونة، فما روى من الحديث إلا النزر اليسير، ولا هو بمتهم في الحديث، بلى في النفس من حكاياته ولهجته، فربما جازف، وتلطخُه بغير بدعة أمرٌ واضح، ولكنه أخباري علامة، صاحب فنون، وأدب باهر، وذكاء بين، عفا الله عنه. مترجم في " السير " ١١/ ٥٢٦ - ٥٣٠.
(٢) من ذلك كتاب " المراسيل " لأبي داود السجستاني صاحب " السنن "، وقد حققته ودفعته إلى الطبع، وسيصدر قريبًا إن شاء الله تعالى.
[ ٣ / ١٥٦ ]
الوجه الثالث: أن المحدثين حين رأوا اختلاف الناس في من يقبل ولا يقبل أوجبوا بيان الإسناد
قالوا: وأمَّا توقُّفُ مَنْ تَوَقَّفَ منَ الصَّحابة في بعض الأحاديث، فلقرائنَ أوجبت الرِّيبةَ بالتَّفَرُّد، وذلك هُوَ المُسَمَّى بالإعلال في علوم الحديث، كحديث عمَّار في التيمُّم، فإنَّه ذكر فيه أنَّ عمر كان معه في الواقعة، فلم يذكر ذلكَ عُمرُ معه، مع أنَّها واقعة لا يكاد يُنسى مثلُها، فتعارضَ عليه نسيانُه وغفلَتُه عمَّا لا يكادُ ينسى، وصِدقُ عَمَّارٍ وأمانتُه، فوقف في حقِّ نفسه، وأذن لعمَّار في روايةِ ذلك لِغيره ليعلموا به.
وقد روى النَّسائي (١) حديثًا في التَّخيير بين رأي عمرو ورأي الجماعة في ذلك، يعني في التيمُّم للجُنُبِ عِنْدَ عدمِ الماء، أو تعذُّرِ استعماله.
الوجه الثالث: أنَّ المحدثين حين رَأَوُا اختلاف الناس في مَنْ يُقْبَلُ ولا يُقبل مع اختلافهم فيما يُجْرَحُ به، وما لا يُجْرَحُ به، أوجبوا بيانَ الإِسناد والتَّصريحَ بأسماءِ الرُّواة، وترك التَّدليس والإِرسال في كُلِّ ما ادَّعَوْا صِحَّتهُ، ليتمكَّنَ كُلُّ أحدٍ مِن الأمَّة مِنَ النَّظر في الحديث، وفي صِحَّته، حتَّى يكونَ على بصيرةٍ في الموافقة على التَّصحيح أو المخالفة، أو الموافقة على التَّضعيف أو المخالفة فيه، فزال المحذورُ مِنْ روايتهم عمَّن حارب أميرَ المؤمنين ﵇، لأنّهم قد بيَّنوا ما روَوْهُ عنهم، وصرَّحوا بأسمائهم، ولم يقولوا: صحَّ لنا حديث كذا عمَّن نَثِقُ به، بل نصُّوا على
_________________
(١) في " سننه " ١/ ١٧٠ - ١٧١ من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن شقيق قال: كنت جالسًا مع عبد الله، وأبي موسى، فقال أبو موسى: أولم تسمع قول عمار لعمر بعثني وفيه: فقال عبد الله: أولم تر عمرَ لم يقنع بقول عمار. قال السندي تعليقًا على قوله: " أولم تر عمر .. ": قيل: لأنَّه أخبر عن شيء حضره معه ولم يذكره، فجوز عليه الوهم كما جوز عليه النسيان. قلت: فتبع ابن مسعود عمر في ذلك، فلعلَّ مَنْ ترك الأخذَ بظاهر حديث عمار تَبعَ ابن مسعود، وبناؤهم على تجويز الوهم عليه لا على التكذيب، والله تعالى أعلم.
[ ٣ / ١٥٧ ]
أنَّ من قال: حدَّثني الثِّقة، ولم يسَمِّه أنَّه لا يقبل، لجواز أن يكون ذلِكَ الثِّقَةُ عنده مِمَّن لو صرَّح باسمه لخولِفَ في توثيقه (١)؛ لأنَّه صح وثبت أنَّ التَّوثيق مِمَّا يقع فيه الاختلافُ الكثير، والخصمُ مسلِّم أنَّ أئِمَّة الزَّيديَّة، والحنفيّة، والمالكية، وكثير مِن التَّابعين يروون الأحاديث المرسلة، ويقولون بوجوب قبولهم فيما أرسلوه، ولا شَكَّ أنَّ المرسِلَ على تسليم أنَّه لا يُرسِلُ إلاَّ ما صحَّ عنده إنَّما يبني (٢) صحَّة الحديث عنده على اجتهاده، وأنه لم يبين طريقَهُ في اجتهاده في تصحيح ذلِكَ الحديث المرسل، حتى يتمكّن المخالِفُ لَهُ مِنْ موافقته على بصيرة، أو مخالفته كذلك، فالاعتراض على مَنْ فعل ذلك مِنَ المُرْسِلِيْنَ، أَو مَنْ قَبِلَه منهم أصعبُ وألزمُ للخصم مِنَ الاعتراضِ على من بيَّن مستَنَدَهُ لمَنْ يقبله، ولمن لا يقبلُه، وأبعد مِنَ الرِّيبة ومِنْ كُلِّ وسيلة إليها، حَتَّى تركوا لذلك المراسيل، والمقاطيع، والتَّعاليق إلاَّ ما دلَّ الدَّليل على صِحَّته مِنْ ذلك، بل أوضحُ من هذا أنَّهم بيَّنُوا في كتب الرِّجال جميعَ ما صَحَّ مِنْ مناقم الشِّيعة على أولئك، وحكموا بصحَّة الصحيح منه، فانظر ذلك في " النبلاء " وغيره، وما غرَّك منْ أَوْضَح لك مستندَهُ، وأبدى لك صفحتَه، ولا ضرَّك مَنْ مكَّنك
_________________
(١) قال ابن الصلاح في " مقدمته " ص ١٢٠: لا يجزىء التعديل على الإبهام من غير تسمية المعدل، فإذا قال: حدثني الثقة أو نحو ذلك مقتصرًا عليه لم يكتف به فيما ذكره الخطيب الحافظ، والصيرفي الفقيه وغيرهما خلافًا لمن اكتفي بذلك، وذلك لأنَّه قد يكونُ ثقةً عنده وغيرُه قد اطَّلَعَ على جَرْحِهِ بما هو جارحٌ عنده، أو بالإجماع، فيحتاج إلى أن يسميَه حتى يعرف، بل إضرابُهُ عن تسميته مريبٌ يوقعُ في القلوب فيه تَرَدُّدًا. فإن كان القائلُ لذلك عالمًا، أجزأ ذلك في حقِّ مَن يوافقُهُ في مذهَبِهِ على ما اختارَهُ بعضُ المحققين. وذكر الخطيبُ الحافظُ أن العالم إذا قال: كل مَنْ رويتُ عنه، فهو ثقةٌ وإن لم أُسمِّه، ثم روَى عمَّن لم يسمِّه، فإنه يكون مزكيًا له غيرُ أنا لا نعمل بتزكيته هذه، وهذا على ما قدَّمناه، والله أعلم. وانظر " توضيحَ الأفكار " ٢/ ١٦٧ - ١٧٢.
(٢) في (ب) و(ج): ينبني.
[ ٣ / ١٥٨ ]
الوجه الرابع: أن اعتراض كتب الحديث الصحاح بأن فيها ما ليس بصحيح عند غيرهم عمل من لم يعرف ما معنى الصحيح عند أهله
مِن النظر فيما ادَّعى صحَّته لتُوافِقَه على بصيرة، أو تخالفه على بصيرة (١)، ولو أرادوا خديعةَ المسلمين في ذلك، لجرَّدوا دعوى صِحَّة الحديث عن بيان الرُّواة وتسميتهم، وتركوا الناس بذلك في عمياء لا دليل بها، وظلماءَ لا نُورَ فيها، ولم يشحنوا الصَّحاح بأحاديث: "إنَّهُمْ ما زَالوا بعْدَكَ مُرْتَدِّينَ علَى أدْبارِهِمْ فأقولُ: سُحْقًَا لمَنْ بَدَّل بعدي، وأقول كما قال العَبْد الصَّالحُ" (٢).
فالحمدُ لله الَّذي بيَّن بِهِمُ الطريق إلى حُسْن الاختيار، ومكَّن بحميدِ سعيهم أهلَ الاجتهاد مِنَ الاستبصار، ولولاهم لكانَتِ الأحاديثُ كلُّها مرسلَةً، ولجوَّزنا أنها عمَّن لا يُرتضى مِنَ المختلف فيهم، ومن محاربي أميرِ المؤمنين، ومِن المجاهيل، وسيأتي في الوهم الثالث والثلاثين أَوَّل المجلد الرابع إن شاء الله تعالى بيانُ مذاهبهما في هؤلاء المُشَارِ إليهم على التفصيل إن شاء الله تعالى، وزيادة البيان لاعتمادهم على قُوة الظنِّ للصِّدق في باب الرِّواية وتقويتها بما لها من الشَّواهد والتَّوابع، وتمييزهم لذلك مِنَ المنكرات، والغرائِب، والشَّواذِّ.
الوجه الرابع: أنَّ اعتراضَ كتبِ الحديث الصَّحاح بأنَّ فيها ما ليس بصحيح عندَ غيرهم، عمَلُ منْ لم يعْرِفْ ما معنى الصحيح عند أهله، وذلك أنَّ أكثر الصَّحيحِ عندهم ممَّا يَصِحُّ الاختلافُ فيه، بل ما زال علماءُ
_________________
(١) عبارة "أو تخالفه على بصيرة" ساقطة من (ب).
(٢) انظر حديث سهل بن سعد عند البخاري (٧٠٥٠)، ومسلم (٢٢٩٠) و(٢٢٩١)، و" مسند أحمد" ٥/ ٣٣٣. وحديث أبي هريرة عند مالك ١/ ٢٨ - ٢٩؛ ومسلم (٢٤٩). وحديث ابن عباس عند البخاري (٣٣٤٩) و(٣٤٤٧) و(٤٦٢٦) و(٦٥٢٦)، ومسلم (٢٨٦٠) (٥٨)، والطيالسي (٢٦٣٨).
[ ٣ / ١٥٩ ]
النَّقل يختلفون في التصحيح، فهو مثلُ مذاهب العلماء في الفُروع الاجتهاديَّة والمضطربات الظنية، ألا ترى أنَّ حُكْمَهمْ بأنّ الرجُل حافظٌ، أو سيىءُ الحفظ، أو صدوقٌ، لا يصحُّ أن يُبنى إلاَّ على الظَّنِّ والاجتهاد؟ ولذلِكَ كان قبُولُ المرسل مِمَّنِ أرسله ضعيفًا عندهم، لأنَّه على الحقيقة تقليدٌ له في تصحيح ما ظن صحته، وتقليدُ العلماء بعضهم لبعض مما (١) يبنى عليه الاجتهادُ لا يجوز كما أوضحته في علوم الحديث (٢).
وقد مرَّ الجوابُ على السيد حين زعم أنَّ جميعَ ما في الصَّحيح مُجْمَعٌ على صحته عندَ المحدِّثين، وكيفَ يصحُ ذلك والبخاري يخالِفُ مسلمًا في تصحيح ما اكتفي فيه بالمُعَاصرَةِ (٣)، وفي كثيرٍ من رجاله، ومسلم كذلك يُخَالِفُ البخاريَّ في بعض رجاله؟
وقد ذكر ابن حجر في مقدمة "شرح البخاري" ما اعترض على البخاري، وخُولفَ في تصحيحه مِمَّا في صحيحه، فذكر أكثَرَ مِنْ مئة حديثٍ، وذكر أيضًا مَنْ خُولِفَ البخاريُّ في توثيقه من رجاله، فذكر خلقًا كثيرًا، وذكر ما يسوغُ مخالفتُه فيه من قواعده، كمخالفته في تصحيح حديث عِكرِمَة، فقد خالفه في ذلك مالِكٌ، ومسلمٌ صاحبُه، وجِلَّة مِنْ أئمَّة التَّابعين لا يأتي عليهمُ العَدُّ. وكذلِكَ قبولُ العَنْعنَةِ عَنْ بعضِ المدلِّسين في بعض المواضع، وهذا معلومٌ من مذاهب المحدِّثين بالضرورة لمَنْ بحث، ولذلك ترى الحاكم ابنَ البَيِّع أحدٌ أئِمَّة الشيعة، وأئمة الحديث يُنَاقِشُ الشيخين في كتابه "المستدرك"، ويذكر علَّتهما في ترك
_________________
(١) في (ش): فيما.
(٢) انظر "التنقيح" مع "التوضيح" ١/ ٣٠٤ و٣٠٩.
(٣) والخلاف بين البخاري ومسلم في هذا إنما هو في الحديث المروي بالعنعنة، أما ما كان بنحو حدثنا، فهو ومسلم سواء فيه.
[ ٣ / ١٦٠ ]
بعض الأحاديث، وُيبَيِّنُ أنَّها علَّةٌ ضعيفةٌ أو منقوضةٌ.
والاختلافُ في تصحيح الأحاديث بين أئمَّة الحديث سُنَّةٌ ماضيةٌ، كاختلاف الفُقهاء في الفُروع، بل هي (١) سُنَّةُ أصحاب رسول الله - ﷺ - حتَّى في مرويَّات الصحابة، فقد توقَّف عُمرُ ﵁ في حديث أبي موسى في الاستئذان حتى شهد له أبو سعيد (٢)، وفي حديث عمار لنسيانه له مع حضوره للقصَّة، وهي من أدلَّة المحدِّثين على الردِّ بالإعلال.
وقال أميرُ المؤمنين ﵇: ومن اتَّهَمْتُهْ استحلفتُه (٣)، فأجاز التُّهمةَ للبعض في ذلك العصر، وقبول المتهم بعد التقوِّي بيمينِه، وهو حُجة على مدارِ الرواية على ظَن الصدق، لا على البراءة مِنَ التهمة، وهو حديثٌ ثابتٌ عنه ﵇.
وكذلك الاختلافُ في تعديل الشُّهود، والرُّواة، وما يُجَرَّحون به، وما لا يُجَرَّحُون ممَّا اشتملت عليه كُتُبُ هذا الفَنِّ يستلزم بالضَّرورة الاختلافَ الكثير (٤) في التَّصحيح، وتلخيصُ هذا الوجه أنْ نقول: قولُك
_________________
(١) في (ب): هو.
(٢) أخرجه مالك في "الموطأ" ٢/ ٩٦٣ - ٩٦٤، والبخاري (٢٠٦٢) و(٦٢٤٥) و(٧٣٥٣)، ومسلم (٢١٥٣)، والترمذي (٢٦٩١)، وأبو داود (٥١٨٠) و(٥١٨١) و(٥١٨٢) و(٥١٨٣) و(٥١٨٤) أن أبا موسى الأشعري استأذن على عُمَر بنِ الخطاب ﵁، فلم يؤذن له -وكأنه كان مشغولًا- فرجع أبو موسى، ففرَغَ عمر فقال: ألم أسْمَعْ صوتَ عبدِ اللهِ بن قيسٍ؟ ائذنوا له، قيل: قد رَجَعَ، فدعاه، فقال: كنَّا نُؤمر بذلك، فقال: تأتيني على ذلك بالبيِّنة، فانطلَقَ إلى مجالس الأنصار، فسألهم، فقالوا: لا يَشهَد لك على هذا إلا أصغُرنا أبو سعيد الخُدْري، فذهبَ بأبي سعيدٍ الخُدْري، فقال عمر: خفي عليَّ هذا من أمر رسول الله - ﷺ -؟ ألهاني الصَّفْقُ بالأسواقِ، يعني الخروج إلى التجارة. وانظر "فتح الباري" ١١/ ٢٧ - ٣٠.
(٣) تقدم تخريجه في ١/ ٢٨٤.
(٤) في (ش): الكبير.
[ ٣ / ١٦١ ]
فيها غير صحيحٍ، تعني عندهم أو عندَ غيرهم الأول ممنوع، والثَّاني مُسَلَّمٌ ولا يضُرُّ تسليمُه، فإذا كان الخلافُ بين أئمَّةِ الحديث في التَّصحيح شائعًا كثيرًا، فما ينكر منَ اختلافهم هم والشِّيعة في بعض الأحاديث الظِّنِّيّة؟ وأنتم أيُّها المتكلِّمون لا تزالون مختلفينَ في العقليّات القطعيّة، ويزعم كُلٌّ منكم أنَّه بنى خلافَه على البراهين اليقينيّة، فذلك هو الَّذي يستلزم التَّكاذبَ الصَّريح، وأمَّا مواضِعُ الظُّنون مِنَ الرِّواية والفروع، فمجالُ الخلاف فيها مُتَّسِعٌ، ومنهجُه متَّضِحٌ، والأمرُ في ذلك قريبٌ، وكُلُّ مجتهدٍ هنالك مصيبٌ أو آخِذٌ مِنَ الأجرِ بنصيبٍ، بل الاختلافُ في هذا المقام مِنْ ضرورات الطَّبائع الذي استمرَّت به العوائد والشَّرائع (١) حتَّى حكاه الله، فقال عَنِ الملائكة المقرَّبين والأنبياء المعصومين، أمَّا الملائكة، فقد قال تعالى حاكيًا عن رسوله - ﷺ -: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ (٢) [ص: ٦٩]، وصَحَّ في الحديث اختصامُهم في حُكْمِ الذي قتل مئةَ نفسٍ، ثمَّ سأل أعلمَ أَهْلِ الأرضِ، فأمره بالتَّوبة والهجرة عن أرضه، الحديث (٣)، وغير ذلك.
واختلف أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَينَهُم بِالحَقِّ﴾
[الزمر: ٦٩] هَلْ هُمُ الملائكةُ؟ لأنهم أقربُ مذكور (٤). ونزل: ﴿لَوْ
يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ [الحجرات: ٧] في خيرِ النَّاسِ.
وأمَّا الأنبياءُ، فحكى الله تعالى الخلافَ بَيْنَ داود وسليمانَ في حكم
_________________
(١) في (ش): في الشرائع.
(٢) تقدم تخريجه في ١/ ٢١٨.
(٣) تقدم تخريجه في ١/ ٢١٩ و٣١٤ و٢/ ٢٧٥.
(٤) تقدم الكلام فيه في ١/ ٢١٩.
[ ٣ / ١٦٢ ]
ذكر بيان أحاديث معاوية في الكتب الستة، لتعرف عدم انفراده، وقلة ذلك، وعدم نكارته وفيه خمسة أقسام
القسم الأول: ما يتعلق بأحكام التحليل والتحريم المشهورة من رواية الثقات
الغَنَمِ الَّتي نفشت في الحرث (١)، وبيْنَ موسى والخَضِرِ في سورة الكهف [٦٠ - ٨٢]، وصحَّ في الحديث ذكر الاختلاف بين موسى وآدم ﵉ (٢)، وذلك اختلافٌ مِنْ غيرِ تعادٍ، ولا تكاذُبٌ، بل مثل اختلاف أهلِ البيت ﵈، وكذلك اختلافُ علماء الحديث فيما بينَهم، واختلافُهُم هم وغيرهم في أنّ هذا الحديثَ صحيح أم لا، أو (٣) هذا الرَّجُلُ ثقةٌ أو حافظٌ أم لا.
وبَعْدَ هذه القواعدِ أذكرُ لك ما يُصدِّقُها مِنْ بيانِ أحاديثِ معاوية الَّتي في الكتب السِّتَّة لِتَعْرِفَ ثلاثة أشياء: عَدَمَ انفراده فيما روى، وقلَّةَ ذلِك، وَعَدَم نكارته.
فأقول: جملةُ ما في الجامعين " البخاري " و" مسلم " من حديثه ثلاثةَ عشرَ حديثًا، اتَّفقا منها على أربعةٍ، وانفرد البخاريُّ بأربعةٍ، ومسلمٌ بخمسةٍ، وجملةُ ما رُوِيَ فيهما (٤) وفي السُّنَنِ الأربع من حديثه خمسةُ أقسام.
القسمُ الأول: ما يتعلَّقُ بأحكامِ التَّحليل والتَّحريم المشهورة مِنْ روايةِ الثِّقات، ومذاهبِ (٥) الجماهيرِ، وفي هذا القِسْم أحاديث.
الحديث الأول: تحريمُ الوَصْلِ في شعور النِّساء (٦)، رواه عنه
_________________
(١) في الآية ٧٨ و٧٩ من سورة الأنبياء.
(٢) تقدم تخريجه في ١/ ٢١٨.
(٣) في (ب): و.
(٤) في (ب): "فيها"، وهو خطأ.
(٥) في (ش): "ورواية".
(٦) هو في البخاري برقم (٣٤٦٨) و(٣٤٨٨) و(٥٩٣٢) و(٥٩٣٨)، ومسلم (٢١٢٧) أن حميد بن عبد الرحمن بن عوف سمع معاوية بن أبي سفيان عامَ حجَّ وهو على المنبر، وتناولَ قُصَّةً من شعَرٍ كانت في يد حَرَسِىٍّ، يقول: يا أهلَ المدينة، أين علماؤكم؟ سَمعْتُ رسول الله =
[ ٣ / ١٦٣ ]
الحديث الثاني: " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق "
البخاريُّ ومسلم وغيرهُما، وهو مشهورٌ من روايةِ الثقات، رواه مسلمٌ عن جابر، ورواه البخاريُّ ومسلمٌ عن أسماءَ بنتِ أبي بكر، ورَوَوْهُ كلُّهم عن عاثِشَة، وهو مذهبُ جماهيرِ العلماء.
الحديث الثاني: "لا تَزَالُ طائفَةٌ منْ أُمَّتِي ظَاهِرينَ عَلى الحَقِّ" (١) رواه البخاريُّ ومسلمٌ عنه، وهو حديثٌ مشهورٌ عَنِ الثِّقات، رواه مسلم عن
_________________
(١) = - ﷺ - ينهي عن مثل هذه، ويقول: "إنما هَكلَتْ بنو إسرائيل حين اتَّخَذ هذه نِساؤُهم". وأخرجه أحمد ٤/ ٩٧ - ٩٨، وأبو داود (٤١٦٧)، والترمذي (٢٧٨١)، والنسائي ٨/ ١٤٤ - ١٤٥. وحديث جابر عند مسلم (٢١٢٦)، وأخرجه أحمد ٣/ ٢٩٦ و٣٨٧. وحديث أسماء بنت أبي بكر عند البخاري (٥٩٣٥) و(٥٩٣٦) و(٥٩٤١)، ومسلم (٢١٢٢). وأخرجه النسائي ٨/ ١٤٥، وابن ماجه (١٩٨٨)، وأحمد ٦/ ٣٤٥ و٣٤٦ و٣٥٣. وحديث عائشة عند البخاري (٥٢٠٥) و(٥٩٣٤)، ومسلم (٢١٢٣)، وأحمد ٦/ ١١١، والنسائي ٨/ ١٤٦.
(٢) هو في البخاري (٣٦٤١) و(٧٣١٢) و(٧٤٦٠)، ومسلم ٣/ ١٥٢٤. وأخرجه أحمد ٤/ ١٠١، والطبراني ١٩/ (٨٠١) و(٨٤٠) و(٨٦٩) و(٨٧٠) و(٨٩٣) و(٨٩٩) و(٩٠٥) و(٩٠٦) و(٩١٧). وحديث سعد عند مسلم (١٩٢٥)، ولفظه: "لا يزال أهلُ الغرْبِ ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة". وحديث ثوبان عند مسلم (١٩٢٠)، والترمذي (٢٢٣٠)، وابن ماجه (١٠)، وليس في "سنن أبي داود". وحديث معاوية بن قُرة، عن أبيه عند الترمذي (٢١٩٢)، وأخرجه ابن ماجه (٦)، وأحمد ٣/ ٤٣٦ و٥/ ٣٤ و٣٥، وابن حبان (٦١). وحديث عمران عند أبي داود (٢٤٨٤). وأخرجه أحمد ٤/ ٤٣٧، والحاكم ٤/ ٤٥٠. وصححه ووافقه الذهبي. وفي الباب عن المغيرة بن شعبة عند البخاري (٣٦٤٠) و(٧٣١١) و(٧٤٥٩)، ومسلم (١٩٢١)، وعن جابر بن سمرة عند مسلم (١٧٤)، وعن جابر بن عبد الله عند مسلم (١٩٢٣)، وعن عقبة بن عامر عند مسلم أيضًا (١٩٢٤)، وعن أبي هريرة عند ابن ماجه (٧)، وعن عمر بن الخطاب عند الحاكم ٤/ ٤٤٩ وصححه، والدارمي ٢/ ٢١٣.
[ ٣ / ١٦٤ ]
الحديث الثالث: النهي عن الركعتين بعد العصر
سعد بنِ أبي وقَّاص، ومسلم، وأبو داوود، والترمذي عن ثوبان، والترمذيُّ عن معاوية بن قُرَّة، وأبو داوود عن عِمْرانَ بنِ حُصين، ومعناه مجمعٌ عليه.
الحديثُ الثالث: النَّهي عن الركعتين بَعْدَ العصر (١)، رواه البخاريُّ عنه، والنَّهي عن التنَفُّلِ بَعْدَ العصرِ مشهورٌ عَنِ الثقات، رواه البخاري، ومسلم وأبو داوود، والنسائيُّ عن أم سلمة في النَّهي عَنِ الرَّكعتين بعد العصر (٢)، وفي مسلم عن عُمَرَ أنَّه كان يضرب على ذلِكَ، وهو مذهبُ جماعةِ العلماء.
_________________
(١) هو في البخاري برقم (٥٨٧) و(٣٧٦٦)، ولفظه: إنكم لتصلُّون صلاة لقد صحبنا رسول الله - ﷺ -، فما رأيناه يُصليها، ولقد نهي عنهما، يعني الركعتين بعد العصر. وأخرجه أحمد ٤/ ٩٩، والطبراني في "الكبير" ١٩/ (٧١٤) و(٧٦٠) و(٧٦٦) و(٨١٨).
(٢) أخرجه البخاري (١٢٣٣) و(٤٣٧٠)، ومسلم (٨٣٤)، والدارمي ١/ ٣٣٤، وأبو داود (١٢٧٣)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" ١/ ٣٠٢ - ٣٠٣ من طرق عن عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، عن كريب مولى ابن عباس أن عبد الله بن عباس، وعبد الرحمن بن أزهر، والمسور بن مخرمة أرسلوه إلى عائشة زوج النبي - ﷺ -، فقالوا: اقرأ ﵍ منا جميعًا، وسلها عن الركعتين بعد العصر، وقل: إنَّا أُخبرنا أنك تصلينهما، وقد بلغنا أن رسول الله - ﷺ - نهي عنهما. قال ابن عباس: وكنت أضرب مع عمر بن الخطاب الناس عليها. قال كريب: فدخلت عليها وبلّغتها ما أرسلوني به، فقالت: سل أمَّ سلمة، فخرجتُ إليهم، فأخبرتُهم بقولها، فردُّوني إلى أُمِّ سلمة بمثل ما أرسلوني به إلى عائشة، فقالَتْ أُمُّ سلمة: سمِعْتُ رسولَ الله - ﷺ - ينهى عنهما، ثم رأيته يصليهما، أما حين صلاّهما، فإنَّه صَلَّى العصر، ثم دخل وعندي نسوة من بني حرام من الأنصار، فصلاهما، فأرسلت إليه الجارية، فقلت: قومي بجنبه، فقولي له: تقول أم سلمة: يا رسول الله، إني أسمعك تنهي عن هاتين الركعتين وأراك تصليهما؟ فإن أشار بيده فاستأخري عنه. قال: ففعلتِ الجاريةُ، فأشار بيده، فاستأخرت عنه، فلمَّا انصرف قال: "يا بنت أبي أمية، سألت عن الركعتين بعد العصر، إنَّه أتاني ناس من عبد القيس بالإسلام من قومهم، فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر، فهما هاتان". وفي رواية عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أم سلمة عند الطحاوي من الزيادة: "فقلت أمرت بهما؟ فقال: لا ولكن كنت أصليهما بعد الظهر، فشغلت عنهما، فصليتهما الآن" وله من وجه آخر عنها: لم أره صلاهما قبل ولا بعد. =
[ ٣ / ١٦٥ ]
الحديث الرابع: النهي عن الإلحاق في المسألة
الحديثُ الرابع: النَّهي عن الإلحافِ في المسألة (١)، رواه مسلم
_________________
(١) = والنهي عن الصلاة بعد العصر ثابت من حديث أبي سعيد الخدري، وابن عباس، وأبي هريرة، وأبي ذر، وأبي بصرة الغفاري. انظرها مخرجة في "جامع الأصول" ٥/ ٢٥٩ - ٢٦٤. تنبيه: عزا المصنف حديث أم سلمة إلى النسائي، ولم أجده بعد البحث الشديد فيه، ولم ينسبه المزي في "تحفة الأشراف" ١٣/ ٢٩ - ٣٠ إليه، فيغلب على الظن أنَّه وهم في ذلك.
(٢) هو في "صحيح مسلم" (١٠٣٨). وأخرجه أيضًا النسائي ٥/ ٩٧ - ٩٨، وأحمد ٤/ ٩٨، والطبراني في "المعجم الكبير" ١٩/ (٨٠٨)، والحميدي (٦٠٤)، والبيهقي ٤/ ١٩٦. ولفظه: " لا تُلْحِفُوا في المسألة، فوالله لا يسألني أحدٌ منكم شيئًا، فتخرجُ له مسألتُه منِّي شيئًا، وأنا له كارهٌ، فيُبارَكَ له فيما أَعطيتُه". وحديث ابن عمر عند البخاري (١٤٧٤)، ومسلم (١٠٤٠)، والنسائي ٥/ ٩٤، وأحمد ٢/ ١٥ و٨٨. ولفظه: "لا تزالُ المسألة بأحدكم حتى يلقى الله، وليس في وجهه مزعة لحم". وحديث سمرة عند الترمذي (٦٨١)، وأبي داود (١٦٣٩)، والنسائي ٥/ ١٠٠، وأحمد ٥/ ١٠ و٢٢. ولفظه: "المسائل كدوح يكدح بها الرجلُ وجهَه، فمن شاءَ أبقى على وجهِه، ومن شاءَ تركَ، إلا أن يسألَ الرجلُ ذا سلطانٍ، أو في أمرٍ لا يَجِدُ منه بدًّا" قال الترمذي: حسن صحيح. وحديث عائذ بن عمرو عند النسائي ٥/ ٩٤ - ٩٥، وعند أحمد ٥/ ٦٥، ولفظه: "لو تعلمون ما في المسألة ما مشى أحدٌ إلى أحدٍ يسألُه شيئًا". وحديث الزبير عند البخاري (١٤٧١) و(٢٠٧٥) و(٢٣٧٣). وهو عند ابن ماجه أيضًا (١٨٣٦). ولفظه: "لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة الحطب على ظهره فيبيعها فيكفُ الله بها وجهه، خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه". وحديث أبي هريرة عند البخاري (١٤٧٠) و(١٤٨٠) و(٢٠٧٤) و(٢٣٧٤)، ومسلم (١٠٤٢)، ومالك ٢/ ٩٩٨ - ٩٩٩، والترمذي (٦٨٠)، والنسائي ٥/ ٩٣. ولفظه بمعنى لفظ حديث الزبير. وحديث ثوبان عند أبي داود (١٦٤٣)، والنسائي ٥/ ٩٦، وهو عند ابن ماجه أيضًا (١٨٣٧)، وأحمد ٥/ ٢٨١. ولفظه: "من تكفَّل لي أن لا يسأل الناسَ شيئًا وأتكفل له الجنة" فقال ثوبان: أنا. وحديث عبد الله بن أبي بكر (عن أبيه) مرسلًا عند مالك ٢/ ١٠٠، ولفظه: "إن الرجلَ ليسألُني ما لا يصلح لي، ولا له، فإن منعته، كرهتُ المنع، وإن أعطيتُه، أعطيتُه ما لا =
[ ٣ / ١٦٦ ]
عنه، وهو مشهورٌ مِنْ رواية الثِّقات مُجْمَعٌ على صحة (١) معناه، رواه مسلم، والبخاري والنَّسائيُّ عَنِ ابنِ عُمَرَ، وأبو داوود، والنَّسائيُّ، والتّرمذيُّ عَنْ سَمُرَه، والنَّسائي عن عائذِ بنِ عمرو، والبخاريُّ عن الزبير، والبخاريُّ، ومسلمٌ ومالكٌ، والتّرمذي، والنَّسائي عن أبي هريرة، وأبو داوود، والنّسائي عن ثوبان، ومالك في "الموطَّأ" عن عبد الله بن أبي بكر، والبخاريُّ، ومسلمٌ والتِّرمذىُ، والنَّسائيُّ عن حكيمِ بنِ حزام، وأبو داوود، والنّسائيُّ عن ابن الفراسي، عن أبيه.
الحديثُ الخامس: "إنَّ هذا الأمْرَ لا يزالُ في قُرَيْشٍ" (٢) رواه
_________________
(١) = يصلح لي ولا له". وحديث حكيم بن حزام عبد البخاري (١٤٧٢) و(٢٧٥٠) و(٣١٤٣) و(٦٤٤١)، ومسلم (١٠٣٥)، والترمذي (٢٤٦٣)، والنسائي ٥/ ٦٠ و١٠١ و١٠٢. وهو عند أحمد ٣/ ٤٠٢ ولفظه: "يا حكيم، إنَّ هذا المالَ خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بُورِكَ له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه كالذي يأكل ولا يشبع، اليد العيا خيرٌ من اليد السفلى". وحديث ابن الفراسي عن أبيه عند أبي داود (١٦٤٦)، والنسائي ٥/ ٩٥، وهو كذلك عند أحمد ٤/ ٣٣٤: أن الفراسي قال لرسول الله - ﷺ -: أسأل يا رسول الله؟ فقال النبي - ﷺ -: "لا، وإن كنت سائلًا لا بدَّ، فاسألِ الصالحين".
(٢) "صحة" ساقطة من (ش).
(٣) البخاري (٣٥٠٠) و(٧١٣٩) ولفظه: "إن هذا الأمر في قريش، لا يعاديهم أحد إلا كبَّه اللهُ على وجهه، ما أقاموا الدين". وهو عند أحمد ٤/ ٩٤، والنسائي في السير من "الكبرى" كما في "التحفة" ٨/ ٤٤٧، والطبراني ١٩/ (٧٧٩) و(٧٨٠) و(٧٨١) و(٨٤٧). وحديث ابن عمر عند البخاري (٣٥٠١) و(٧١٤٠)، ومسلم (١٨٢٠)، ولفظه: "لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي اثنان"، وهو في "المسند" لأحمد ٢/ ٢٩ و٩٣ و١٢٨. وحديث جابر في مسلم (١٨١٩) ولفظه: "الناس تبع لقريس في الخير والشر". وحديث أبي هريرة عند البخاري (٣٤٩٥)، ومسلم (١٨١٨)، ولفظه: "الناس تبع لقريش في هذا الشأن: مسلمُهم تبعٌ لمسلمهم، وكافرهم تبعٌ لكافرهم". وهو عند أحمد ٢/ ٢٤٣ و٢٦١ و٣١٩ و٣٩٥ و٤٣٣.
[ ٣ / ١٦٧ ]
الحديث السادس: حد شارب الخمر
البخاري عنه، ومعناه ثابتٌ من رواية الثِّقات، ومعناه صحيحٌ، فَعَنِ ابنِ عمر مثل ذلك رواه البخاريُّ، ومسلم، وعن جابرٍ، وأبي هريرة نحوه، رواه مسلم عن جابر، والبخاري، ومسلم عن أبي هُريرة.
الحديثُ السادس: حدُّ شارب الخمر (١) وهو ظاهِرٌ مِنْ رواية غيره، مُجْمَعٌ عليه عند الجماهيرِ، لكِنْ فيه زيادة قتله في الرَّابعة، رواه أبو داوود والتِّرمذي، وابن ماجة، وهذه الزِّيادة معروفةٌ مشهورةٌ، وقد رواها (٢)
_________________
(١) أبو داود (٤٤٨٢)، والترمذي (١٤٤٤)، وابن ماجه (٢٥٧٣). ولفظه: "إذا شربوا الخمر فاجلدوهم، ثم إن شربوا فاجلدوهم، ثم إن شربوا فاجلدوهم، ثم إن شربوا فاقتلوهم". وأخرجه كذلك أحمد ٤/ ٩٥ و٩٦ و١٠١، وعبد الرزاق (١٨٥٨٧)، وابن حبان (في الموارد) (١٥١٩)، والحاكم ٤/ ٣٧٢، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" ٣/ ١٥٩، وأبو يعلى (٣٤٦/ ٢ - ٣٤٧/ ١)، والبيهقي ٨/ ٣١٣، والنسائي في الحدود من "الكبرى" كما في "التحفة" ٨/ ٤٣٩، والطبراني ١٩/ (٧٦٧) و(٧٦٨) و(٨٤٣) و(٨٤٤) و(٨٤٥) و(٨٤٦). وحديث أبي هريرة عند أحمد ٢/ ٢٨٠، وأبي داود (٤٤٨٤)، والنسائي ٨/ ٣١٤، وابن ماجه (٢٥٧٢)، وذكره الترمذي ٤/ ٤٩ تعليقًا. وصححه ابن حبان (١٥١٧)، والبيهقي ٨/ ٣١٣، والحاكم ٤/ ٣٧١، ووافقه الذهبي. وحديث ابن عمر عند أحمد ٢/ ١٣٦، وأبي داود (٤٤٨٣)، وأخرجه النسائي ٨/ ٣١٢، والبيهقي ٨/ ٣١٣، وصححه الحاكم ٤/ ٣٧١، ووافقه الذهبي. وحديث قبيصة -مرسل- عند أبي داود (٤٤٨٥)، وذكره الترمذي ٤/ ٤٩ تعليقًا. وحديث جابر عند النسائي في الحدود من "الكبرى" كما في "التحفة" ٢/ ٣٧٣. وقد ذكره الترمذي ٤/ ٤٩ تعليقًا. وحديث عبد الله بن عمرو عند أحمد ٢/ ١٦٦ و١٩١ و٢١١ و٢١٤، والطحاوي ٣/ ١٥٩، والحاكم ٤/ ٣٧٢. وحديث شرحبيل عند أحمد ٤/ ٢٣٤، والحاكم ٤/ ٣٧٢ و٣٧٣. وحديث عمرو بن الشريد (عن أبيه) عند أحمد ٤/ ٣٨٨ - ٣٨٩، والدارمي ٢/ ١٧٥ - ١٧٦، والحاكم ٤/ ٣٧٢، وصححه، ووافقه الذهبي. وقد توسع العلامة المحدث أحمد شاكر ﵀ في الكلام على أسانيد هذه الأحاديث وتنقيدها في تعليقه على حديث ابن عمر من "المسند" (٦١٩٧)، وانتهى إلى أن أكثر هذه الأسانيد صحيحة، وفي بعضها ضعف محتمل مما لا يدع شكًا عند أهل العلم بالحديث في صحة هذا المعنى وثبوته عنه - ﷺ -. فراجعه فإنه نفيس.
(٢) في (ب): رواه.
[ ٣ / ١٦٨ ]
الحديث السابع: النهي عن لباس الحرير والذهب وجلود السباع
الهادي ﵇ في كتابه "الأحكام"، وممَّن روى ذلك غيرُ معاوية: أبو هريرة، وعَبْدُ الله بنُ عُمَرَ بن الخطاب، وقَبيصَةُ بنُ ذُؤيب، وجابرُ بنُ عبد الله، وعبدُ الله بنُ عمرو بنِ العاص، وشُرحْبيلِ بنُ أوس، وعمرو بنُ الشَّريد مِمَّن سَرَدَهُمُ ابنُ كثيرِ البَصْروِي (١) في "إرشاده" في حدِّ الخمر، وقال: كُلُّها عندَ الإِمام أحمد إلاَّ حديث قَبيصَة، وجابرِ.
قلت: وحديثُ قَبِيصَةَ عند أبي داوود، وحديثُ جابرٍ عند الترمذي، وحديثُ أبي هريرة عند أبي داوود، والترمذي، وابن ماجة، وأحمد، وحكمه منسوخٌ عند الأكثرِ (٢).
الحديث السابع: النَّهي عن لباس الحرير، والذَّهب، وجلودِ السِّباع (٣) وله شواهدُ، منها ما رواه النَّسائيُّ في هذا الحديثِ، أنَّه قال
_________________
(١) نسبة إلى بُصرى، مدينة تقع شرق جنوبي دمشق، تبعد عنها ٧٠ ميلًا تقريبًا، وبها ولد سنة ٧٠١ هـ، ثم انتقل إلى دمشق سنة ٧٠٦ هـ وهو في الخامسة من عمره. وقد مرَّت ترجمته ١/ ٣٣٣.
(٢) انظر "سنن الترمذي" ٤/ ٤٨ - ٤٩، و"شرح معاني الآثار" ٣/ ١٦٠ - ١٦١، و"شرح مسلم" للنووي ٥/ ٢١٨، و"تهذيب السنن" لابن القيم ٦/ ٣٦٦ - ٢٣٨، و"فتح الباري" ١٢/ ٧٨ - ٨١.
(٣) أخرجه أبو داود (٤١٣١)، وفيه النهي عنٍ هذه الثلاثة مجتمعة، وفيه أن المقدام أشهده على النهي عنها، فأقره معاوية. ورواه مختصرًا النسائي ٧/ ١٧٦ - ١٧٧. وانظر أبا داود (٤٢٣٩)، والنسائي ٨/ ١٦١ و١٦٢ و١٦٣، وأحمد ٤/ ٩٢ و٩٦ و٩٨ و٩٩ و١٠١، والطبراني ١٩/ (٨٢٤) و(٨٢٥) و(٨٢٦) و(٨٢٧) و(٨٢٨) و(٨٢٩) و(٨٣٠) و(٨٣١) و(٨٣٢) و(٨٣٧) و(٨٣٨) و(٨٧٦) و(٨٧٧) و(٨٧٨). وحديث علي عند مسلم (٢٠٧١)، وانظر أبا داود (٤٠٤٣)، وانظر النسائي ٢/ ١٨٨ و٨/ ١٦٦، ١٦٧ و١٦٩، ففيه لفظ الحرير. وحديث البراء في البخاري (١٢٣٩) و(٥٦٣٥) و(٥٦٥٠) و(٥٨٤٩) و(٥٨٦٣) و(٦٢٢٢) و(٦٢٣٥)، ومسلم (٢٠٦٦)، والنسائي ٤/ ٥٤ و٨/ ٢١٠، والترمذي (٢٨٠٩)، وابن ماجه (٣٥٩٠)، ولفظه: "أمرنا النبي - ﷺ - بسبع، ونهانا عن سبع ، ونهانا عن آنية الفضة و والحرير". =
[ ٣ / ١٦٩ ]
الحديث الثامن: حديث افتراق الأمة إلى نيف وسبعين فرقة
وعنده جمعٌ مِنْ أصحابِ رسولِ الله - ﷺ -: أتعلمونَ أنَّ نَبِيَّ الله - ﷺ - نَهَى عَنْ لُبْسِ الذَّهب إلا مقطَّعًَا (١)؟ قالوا: اللَّهُمَّ نَعَم، وفي أخرى أنَّه جمعهم، فقال: أَنْشُدُكُم (٢)، هل نَهى رسولُ الله - ﷺ - عن لُبْسِ الذَّهب؟ قالوا: نَعَمْ، قال: وأنا أشهدُ، وفي روايةٍ أنَّه جمع نفرًا مِنَ الأنصارِ، وفي رواية: منَ المهاجرين والأنصارِ، وكُلُّها عند النَّسائي.
وأمَّا النَّهْيُ عَنِ الحرير، فله شواهدُ كثيرةٌ، منها: عن علي ﵇، ومنها: عن البراءِ، وهما في الصَّحيح، ومنها عن عِمْرَانَ عند أبي داوود، وعن أبي هريرة عند النسائي (٣)، والمُرادُ بهذه الشَّواهد في النَّهي عَنِ الذَّهب والحرير مُطلقًا مِنْ غير تقييد بالرِّجال، أمَّا تحريمُه على الرجالِ دُونَ النِّساء، ففيه أحاديثُ أُخَرُ، وبقيَّة حديثه في جلود السِّباع، وله شاهِدٌ في جلودِ السِّباعِ عن أبي (٤) المَلِيحِ رواه أبو داوود، والترمذي والنسائيُّ، وفي بعضِه بغيرِ لفظه.
الحديثُ الثامن: حديثُ افتراق الأمَّةِ إلى نَيِّفٍ وسبعين فِرقة، كلُّها في النَّار إلا فِرْقَة واحدة (٥)، وفي سنده أيضًا ناصِبِيٌّ، فلم يَصِحَّ عنه.
_________________
(١) = وحديث عمران عند أبي داود (٤٠٤٨) والنسائي ٨/ ١٧٠. وحديث أبي هريرة أخرجه النسائي ٨/ ١٧٠ بلفظ "نهاني رسول الله - ﷺ - عن التختم بالذهب"، وأخرجه أيضًا ٨/ ١٩٢ بلفظ "نهى عن خاتم الذهب". وحديث أبي المليح عند أبي داود (٤١٣٢)، والترمذي (١٧٧٠) و(١٧٧١)، والنسائي ٧/ ١٧٦.
(٢) تحرف في (ب) إلى: "منقطعًا".
(٣) في (ب): أنشدكم الله تعالى.
(٤) من قوله: "وأما النهي" إلى هنا ساقط من (ش).
(٥) تحرفت في (ج) إلى: "ابن".
(٦) هو في "سنن أبي داود" برقم (٤٥٩٧) من طريقين عن أزهر بن عبد الله الحرازي، =
[ ٣ / ١٧٠ ]
وروى التِّرمذيُّ مثلَه من حديث عبد الله بنِ عمرو بن العاص وقال: حديثٌ غريب، ذكره في الإيمان من طريق الإفريقي، واسمُه عبد الرحمن بن زياد عن (١) عبد الله بن يزيد عنه، وروى ابنُ ماجةَ مثله عن عوفِ بنِ مالكٍ، وأنس، وليس فيها شيْءٌ على شرطِ الصَّحيح، ولذلك
_________________
(١) = عن أبي عامر الهوزي، عن معاوية بن أبي سفيان أنَّه قام فينا، فقال: ألا إن رسول الله - ﷺ - قام فينا، فقال: "ألا إنَّ من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة". وأخرجه أحمد ٤/ ١٠٢، والدارمي (٢٥٢١)، والآجري في "الشريعة" ص ١٨، والحاكم ١/ ١٢٨، والطبراني ١٩/ (٨٨٤) و(٨٨٥)، واللالكائي (١٥٠)، وابن أبي عاصم في "السنة" (٢) و(٦٥) من طريق أزهر بن عبد الله، بهذا الإسناد. وأزهر بن عبد الله لم يوثقه غير ابن حبان، والعجلي. وحسن حديثه الذهبي في "الميزان"، إلا أنه قال عنه: ناصبي، ينال من علي ﵁. وانظر "تهذيب الكمال" ٢/ ٣٢٨ والتعليق عليه. قال الإمام الخطابي في "معالم السنن" ٤/ ٢٩٥: فيه دلالة علي أن هذه الفرق كلها غير خارجة من الدين، إذ قد جعلهم النبي - ﷺ - كلهم من أمته. وفيه أن المتأول لا يخرج من الملة وإن أخطأ في تأوله. وحديث عبد الله بن عمرو عند الترمذي (٢٦٤١). وحديث عوف بن مالك عند ابن ماجه (٣٩٩٢)، وابن أبي عاصم (٦٣) من طريق عباد ابن يوسف، حدثني صفوان بن عمرو، عن راشد بن سعد، عن عوف بن مالك يذكره. وهذا سند قوي. وحديث أنس عند ابن ماجه (٣٩٩٣)، وأحمد ٣/ ١٢٠ و١٤٥، والآجري في "الشريعة" ص ١٥ و١٧ من طرق عنه، وكلها ضعيفة، لكنها تتقوى ببعضها وتشتد. وهذه الأحاديث فيها زيادة: "كلها في النار إلا فرقة واحدة" أو بمعناها. وقد تقدم قول المؤلف في كتابه هذا ١/ ١٨٦ الطعن في هذه الزيادة. وحديث أبي هريرة أخرجه الترمذي برقم (٢٦٤٠). وهو عند أبي داود (٤٥٩٦)، وابن ماجه (٣٩٩١)، وأحمد ٢/ ٣٣٢، والآجري في "الشريعة" ص ١٥. ولفظه: "افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة". وسنده حسن، وقال الترمذي: حسن صحيح، وصححه ابن حبان (١٨٣٤)، والحاكم ١/ ١٢٨.
(٢) تحرفت في (ب) إلى "ابن".
[ ٣ / ١٧١ ]
الحديث التاسع: النهي عن سبق الإمام بالركوع والسجود
لم يخرِّجِ الشيخان شيئًا (١) منها، وصحَّح الترمذيُّ منها حديثَ أبي هريرة من طريق محمد بن عمرو بن علقمة، وليس فيه (٢) "كلُّها في النَّار إلا فِرْقَةً واحدةً"، وعن ابن حزمٍ أنَّ هذه الزِّيادة موضوعة، ذكر ذلك صاحبُ "البدر المنير".
الحديث التَّاسع: النَّهي عن سبق الإمام بالرُّكوع والسُّجود (٣) رواه عنه أبو داوود، وابن ماجة وهو مُجْمَعٌ عليه، مشهورٌ عَنِ الثِّقات، رواه البخاري ومسلم، وأبو داوود، والترمذي، والنسائي عن أبي هريرة، ورواه مالك في "الموطأ" عنه أيضًا، ورواه مسلم، والنسائي عن أنس.
الحديث العاشر: النَّهي عن نِكَاح الشِّغارِ (٤) رواه عنه أبو داوود
_________________
(١) "شيئًا" ساقطة من (ب).
(٢) في (ب) و(ش): فيها.
(٣) أخرجه أبو داود (٦١٩)، وابن ماجه (٩٦٣)، وأحمد ٤/ ٩٢ و٩٨ والدارمي (١٣٢١)، وابن الجارود (٣٢٤)، وابن خزيمة (١٥٩٤)، والبيهقي ٢/ ٩٢، والبغوي في "شرح السنة" (٨٤٨)، والطبراني (٨٦٢) و(٨٦٣)، من طرق عن محمد بن عجلان، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن ابن محيريز، عن معاوية بن أبي سفيان قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا تُبادروني بالركوعِ ولا بالسجودِ، فمهما أسبقكُم به إذا ركعتُ، تُدْركوني به إذا رفعتُ، ومهما أسبقْكم به إذا سجَدْتُ، تدركوني به إذا رفعتُ، إني قد بَدَّنْتُ". وهذا سند قوي. وحديث أبي هريرة عند البخاري (٦٩١)، ومسلم (٤٢٧)، وأبي داود (٦٢٣)، والترمذي (٥٨٢)، والنسائي ٢/ ٩٦، وابن ماجه (٩٦١) ولفظه: "أما يخشى أحدُكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يجعلَ اللهُ رأسَه رأس حمار، أو يجعل الله صورته صورة حمار". وأخرجه مالك في "الموطأ" ١/ ٩٢ عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن مليح بن عبد الله السعدي عن أبي هريرة قوله ولفظه "الذي يرفع رأسه ويخفضه قبل الإمام، فإنما ناصيته بيد شيطان". وأخرجه البزار (٤٧٥) من طريق عبد العزيز بن محمد، عن محمد بن عمرو به مرفوعًا. وهو عند ابن ماجه (٩٦٠) من حديث أبي هريرة قال: كان النبي - ﷺ - يعلمنا أن لا نُبادرَ الإمامَ بالركوع والسجود، وإذا كبَّرَ فكبِّروا، وإذا سجد فاسجدوا. وفي مسلم (٤١٥) بلفظ: "لا تبادروا الإمامَ، إذا كبَّر فكبِّروا، وإذا قال: ﴿ولا الضالين﴾ فقولوا: آمين، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد".
(٤) أخرجه أبو داود (٢٠٧٥)، وأحمد ٤/ ٩٤، والطبراني ١٩/ (٨٠٣). =
[ ٣ / ١٧٢ ]
الحديث الحادي عشر: أنه توضأ وضوء النبي - ﷺ -، ووصفه
وهو مشهورٌ متَّفَقٌ على صِحَّته من حديث ابن عمر، وهو عن غيرِ واحدٍ، وهو قولُ الجمهور.
الحديث الحادي عشر: أنَّه توضَّأَ وَضُوءَ النَّبيِّ - ﷺ -، ووصف الوضوءَ المعروفَ، وفيه زيادةُ صَبِّ الماءِ على النَّاصِيَةِ. رواه أبو داوود (١)، وقد رواه أبو داوود من حديث أميرِ المؤمنين عليٍّ ﵇.
الحديث الثاني عشر: حُكْمُ مَنْ سَهَا في الصلاة (٢). رواه النَّسائي
_________________
(١) = وحديث ابن عمر أخرجه البخاري (٥١١٢) و(٦٩٦٠)، ومسلم (١٤١٥)، والترمذي (١١٢٤)، وأبو داود (٢٠٧٤)، وابن ماجه (١١٨٣)، والنسائي ٦/ ١١٠ و١١٢. ولفظه: "نهي عن الشغار" والشغار: أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته ليس بينهما صداق. وفي الباب عن أبي هريرة عند مسلم (١٤١٦)، والنسائي ٦/ ١١٢. وعن جابر عند مسلم (١٤١٧).
(٢) (١٢٤) من طريقين عن الوليد بن مسلم، حدثنا عبد الله بن العلاء، حدثنا أبو الأزهر المغيرة بن فروة، ويزيد بن أبي مالك أن معاوية توضأ للناس كما رأى رسول الله - ﷺ - يتوضأ، فلمَّا بلغ رأسه، غَرَق غرْفةً من ماء فتلقاها بشماله حتى وضعها على وسط رأسه حتى قَطَرَ الماء أو كاد يقطرُ، ثم مسح من مقدَّمه إلى مُؤخره، ومن مُؤخره إلى مُقدَّمه. وأخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" ١/ ٣٠، والطبراني (٨٨٦) و(٨٨٧) و(٩٠٠)، والبيهقي ١/ ٥٩. وحديث علي أخرجه أبو داود (١١١) و(١١٢)، وإسناده صحيح.
(٣) أخرجه النسائي ٣/ ٣٣، وأحمد ٤/ ١٠٠، والحازمي في "الاعتبار" ص ١١٣ - ١١٤، والدارقطني ١/ ٣٧٥، والطبراني ١٩/ (٧٧٢) و(٧٧٣) و(٧٧٤) و(٧٧٦) و(٧٧٧) و(٧٧٨) و(٨٥١)، والبيهقي ٢/ ٣٣٤ - ٣٣٥. ولفظه: أن معاوية صلَّى أمامَهم، فقامَ في الصلاة وعليه جلوس، فسبَّحَ الناسُ، فتمَّ على قيامِه، ثُمَّ سَجَد سَجدتين وهو جالس بعد أن أتمَّ الصلاة، ثم قعد على المنبر، فقال: إني سمعت رسول اللهِ - ﷺ - يقول: "من نسِيَ شيئًا من صلاته فليسجد مثل هاتين السَّجْدَتين". وسنده حسن. وحديث ثوبان أخرجه أبو داود (١٠٣٨)، وابن ماجه (١٢١٩)، وأحمد ٥/ ٢٨٠، وعبد الرزاق (٣٥٣٣)، والطبراني (١٤١٢)، والبيهقي ٢/ ٣٣٧. وهو حسن في الشواهد. وفي الباب عن ابن مسعود عند مسلم (٥٧٢) (٩٢)، وأحمد ١/ ٤٢٤ و٤٣٨، وأبي داود (١٠٢٠) و(١٠٢١) و(١٠٢٢)، وابن الجارود (٢٤٤)، وابن ماجه (١٢٠٣)، والبيهقي ٢/ ٣٤٢، والنسائي ٣/ ٢٨.
[ ٣ / ١٧٣ ]
الحديث الثالث عشر: النهي عن النياحة
الحديث الرابع عشر: النهي عن التمادح
عنه، وقد رواه أبو داوود مِن حديث ثوبانَ.
الحديث الثالثَ عشر. النَّهيُ عَنِ النِّيَاحة (١). رواه عنه ابن ماجه وهو أشهر من أن تُعَدَّ شواهِدُه.
الحديث الرابعَ عشر: النَّهي عَنِ التَّمادح (٢). رواه عنه ابنُ ماجة أيضًا، وهو مشهورٌ، رواه البخاريُّ، ومسلم، وأبو داوود عن أبي بكرة، والبخاريُّ، ومسلم عن أبي موسى، والبخاريُّ، ومسلمٌ، وأبو داوود، والترمذيُّ عن المقداد.
_________________
(١) أخرجه أحمد ٤/ ١٠١، وابن ماجه (١٥٨٠)، والطبراني (٨٧٦) و(٨٧٧) و(٨٧٨)، ولفظه: " خطبَ معاوية بحمص، فذكرَ في خُطبتِه أنَّ رسول اللهِ - ﷺ - نهى عن النَّوْح ". وفي سنده حريز مولى معاوية وهو مجهول. وله شاهد من حديث علي عند النسائي ٨/ ١٤٧، وأحمد ١/ ٨٧ و١٠٧ و١٢١ و١٣٣ و١٥٠ و١٥٩، وفي سنده الحارث الأعور، وهو ضعيف. وآخر من حديث أم عطية عند مسلم (١٩٣٦)، وأبي داود (٣١٢٧). وثالث من حديث أبي مالك الأشعري عند مسلم (٩٣٤)، والبيهقي ٤/ ٦٣. ورابع من حديث أبي هريرة عند مسلم (٦٧)، والبيهقي ٤/ ٦٣.
(٢) أخرجه ابن ماجه (٣٧٤٣)، وأحمد ٤/ ٩٢ و٩٣، وابن أبي شيبة ٩/ ٥ - ٦، والطبراني ١٩/ (٨١٥) و(٨١٧) من طريق شعبة، عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن معبد الجهني، عن معاوية قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: " إياكم والتمادح فإنه الذَّبْحُ ". وأخرجه أحمد ٤/ ٩٨ - ٩٩ من طريق إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن معبد الجهني، عن معاوية. قال البوصيري في " مصباح الزجاجة " ورقة ٢٣٢: هذا إسناد حسن، معبد مختلف فيه، وباقي رجال الإسناد ثقات. وحديث أبي بكرة أخرجه البخاري (٢٦٦٢) و(٦٠٦١) و(٦١٦٢)، ومسلم (٣٠٠)، وأبو داود (٤٨٠٥)، وابن ماجه (٣٧٤٤). وحديث أبي موسى رواه البخاري (٢٦٦٣)، ومسلم (٣٠٠١). وحديث المقداد في مسلم (٣٠٠٢)، وأبي داود (٤٨٠٤)، والترمذي (٢٣٩٣)، وابن ماجه (٣٧٤٢)، وأحمد ٦/ ٥، وابن أبي شيبة ٩/ ٥. وعزوُه إلى البخاري خطأ من المصنف -﵀- فإنه لم يخرجه. انظر " التحفة " ٨/ ٥٠١.
[ ٣ / ١٧٤ ]
الحديث الخامسَ عشر: النَّهي عن كُلِّ مسكر (١). رواه عنه ابنُ
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه (٣٣٨٩) من طريق علي بن ميمون الرقي عن خالد بن حيان، عن سليمان بن عبد الله بن الزبرقان، عن يعلى بن شداد بن أوس، سمعتُ معاوية يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " كل مسكر حرام على كل مؤمن ". قال البوصيري في " مصباح الزجاجة " ورقة ٢١٠: وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات، كذا قال مع أن سليمان بن عبد الله بن الزبرقان لم يوثقه غير ابن حبان، وقال الحافظ في " التقريب ": لين الحديث. وأخرجه الطبراني ١٩/ (٩٠٩) من طريقين عن خالد بن حيان، به. وفي الباب عن عائشة عند أحمد ٦/ ١٣١، وفي " الأشربة " (١) و(٢) و(٤٢) والبخاري (٢٤٢) و(٥٥٨٥) و(٥٥٨٦)، ومسلم (٢٠٠١)، ومالك ٢/ ٨٤٥، وأبي داود (٣٦٨٢) و(٣٦٨٧)، والترمذي (١٨٦٣) و(١٨٦٦)، والنسائي ٨/ ٢٩٨، وابن الجارود (٨٥٥)، والطحاوي ٤/ ٢١٦ و٢١٧، والدارقطني ٤/ ٢٥٠ و٢٥١. وعن أبي موسى عند البخاري (٤٣٤٣) و(٤٣٤٥)، ومسلم (١٨٣٣)، وأبي داود (٣٦٨٤)، والنسائي ٨/ ٢٩٨ و٢٩٩ و٣٠٠، وابن ماجه (٣٣٩١)، والطحاوي ٤/ ٢١٧، وأحمد ٤/ ٤١٠ و٤١٦ و٤١٧، وفي " الأشربة " (٨) و(١١). وعن ابن عباس عند البخاري (٥٥٩٨)، والنسائي ٨/ ٣٠٠، وأحمد ١/ ٢٧٤ و٢٨٩ و٣٥٠ وفي "الأشربة" (١٤) و(١٤٦) و(١٩٤)، والطحاوي ٤/ ٢١٦، والبزار (٢٩١٣). وعن أبي هريرة عند أحمد ٢/ ٤٢٩ وفي " الأشربة " (١١٦) و(١٩٧)، والترمذي (١٨٦٤)، والنسائي ٨/ ٢٩٧، وابن الجارود (٨٥٨). وعن عبد الله بن عمر عند مسلم (٢٠٠٣)، والنسائي ٨/ ٢٩٦ و٢٩٧ و٣٠٠ و٣٢٤، وأبي داود (٣٦٧٩)، والترمذي (١٨٦١)، والطحاوي ٤/ ٢١٥ و٢١٦، وابن الجارود (٨٥٧) و(٨٥٩)، والدارقطني ٤/ ٢٤٨ و٢٤٩ و٢٥٠، والطبراني في " الصغير " (١٤٣) و(٥٤٦) و(٩٢٢)، والبيهقي ٨/ ٢٩٣، وأحمد ٢/ ١٦ و٣١ و٩٨ و١٠٥ و١٣٤ و١٣٧، وفي " الأشربة " (٧) و(٢٦) و(٧٤) و(١٠٢) و(١٠٣) و(١٧٤) و(١٨٩) و(١٩٥)، والبزار (٢٩١٥) و(٢٩١٦) و(٢٩١٧) و(٢٩١٨) و(٢٩١٩). وعن ابن مسعود عند ابن ماجه (٣٣٨٨) و(٢٩١٩)، والدارقطني ٤/ ٢٥٠ - ٢٥١، وأحمد في " الأشربة " (١٢). وعن أنس بن مالك عند أحمد ٣/ ١١٢ و١١٩، والبزار (٢٩١١) و(٢٩١٢) و(٢٩٢٠). وعن عمر بن الخطاب عند أبي يعلى (٢٤٨)، والطحاوي ٤/ ٢١٥. وعن بريدة بن الحصيب عند أحمد ٥/ ٣٥٦. وعن خوات بن جبير عند الطبراني في " الكبير " (٤١٤٩)، والدارقطني ٤/ ٢٥٤. وعن علي بن أبي طالب عند الدارقطني ٤/ ٢٥٠. =
[ ٣ / ١٧٥ ]
الحديث السادس عشر: كراهة رضى الداخل على القوم بقيامهم له
ماجة، وهو متواتِرٌ، لا معنى لِذكر شواهده.
الحديثُ السادسَ عشر: كراهةُ رضى الدَّاخِل على القوم بقيامهم له (١). رواه عنه الترمذي، وأبو داوود، وله شواهد عن أنسٍ عندَ
_________________
(١) = وعن ميمونة عند أحمد في " المسند " ٦/ ٣٣٣، وفي " الأشربة " (١٠)، والطبراني ٢٣/ (١٠٦٣). وعن زيد بن ثابت عند الطبراني (٤٨٨٠). وعن قرة بن إياس عند البزار (٢٩١٤). وعن قيس بن سعد عند أحمد ٣/ ٤٢٢، والطبراني ١٨/ (٨٩٨)، والطحاوي ٤/ ٢١٧. وعن أم مغيث عند الطبراني ٢٥/ ١٧٧ (٤٣٣). وعن أبي سعيد الخدري عند مالك ٢/ ٤٨٥، وأحمد ٣/ ٦٣ و٦٦. وعن جابر بن عبد الله عند أحمد ٣/ ٣٤٣ و٣٦١ وفي " الأشربة " (٢٣١)، وأبي داود (٣٦٨١)، والترمذي (١٨٦٥)، والطحاوي ٤/ ٢١٧، وابن ماجه (٣٣٩٣)، وابن الجارود (٨٦٠). وسنده حسن. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص عند أحمد ٢/ ١٥٨ و١٦٧ و١٧٩ و١٨٥، وفي " الأشربة " (٢٠٨)، والنسائي ٨/ ٣٠٠، والطحاوي ٤/ ٢١٧، والدارقطني ٤/ ٢٥٤، والبيهقي ٨/ ٢٩٦، والطبراني في " الصغير " (٩٨٣)، وسنده حسن. وعن سعد بن أبي وقاص عند الدارمي ٢/ ١١٣، والطحاوي ٤/ ٢١٦، والدارقطني ٤/ ٢٥١، وابن الجارود (٨٦٢)، والنسائي ٨/ ٣٠١. وصححه ابن حبان (١٣٨٦). وعن النعمان بن بشير عند الطحاوي ٤/ ٢١٧. وعن أم سلمة عند الطحاوي ٤/ ٢١٦، وأحمد ٦/ ٣١٤ وفي " الأشربة " (٤).
(٢) أخرجه أحمد ٤/ ٩١ و٩٣ و١٠٠، والبخاري في " الأدب المفرد " (٩٧٧)، وابن أبي شيبة ٨/ ٥٨٦، والترمذي (٢٧٥٥)، وأبو داود (٥٢٢٩)، والطحاوي في " مشكل الآثار " ٢/ ٤٠، والدولابي في " الكنى " ١/ ٩٥، وأبو نعيم في أخبار أصبهان ١/ ٢١٩، والطبراني ١٩/ (٨١٩) و(٨٢٠) و(٨٢١) و(٨٢٢) من طرق عن حبيب بن الشهيد، عن أبي مجلز لاحق ابن حميد، عن معاوية قال: سمعتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - يقول: " من أحب أن يتمثل له الناس قيامًا فليتبوَّأ مقعده من النار ". بإسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين. وله طريق آخر بإسناد صحيح عند المخلص في " الفوائد المنتقاة " ورقة ١٩٦، والطحاوي ٢/ ٣٨ - ٣٩، والخطيب في " تاريخه " ١٣/ ١٩٣. وحديث أنس رواه الترمذي في " سننه " (٢٧٥٤)، وفي " الشمائل " (٣٢٨)، وهو في " المسند " ٣/ ١٢٣، و" مصنف ابن أبي شيبة " ٨/ ٥٨٦، و" الأدب المفرد " للبخاري (٩٤٦)، وأبو الشيخ في " أخلاق النبي " ص ٦٣، و" مشكل الآثار " ٢/ ٣٩، وأبو يعلى =
[ ٣ / ١٧٦ ]
الترمذي، وعن أبي أمامَةَ عند أبي داوود، وعن أبي بكرةَ، ذكرهن النَّواوي في كتابه " الترخيص في القيام " (١)، فحديث أنس صحيح وفيه كفاية، وحديثُ أبي أمامة في سنده أبو العنبس فيه جهالةٌ، وأبو غالب مُخْتلَفٌ فيه (٢)، وحديثُ أبي بكرةَ في سنده مولى آل أبي بُردة، قال
_________________
(١) = (٣٧٨٤) وإسناده صحيح على شرط مسلم، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، ولفظه: لم يكن شيءٌ: أحب إليهم من رسول الله - ﷺ -، قال: وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له لما يعلمون من كراهيته لذلك. وحديث أبي أمامة أخرجه ابن أبي شيبة ٨/ ٥٨٥، ومن طريقه أبو داود (٥٢٣٠)، وأحمد ٥/ ٢٥٣ عن عبد الله بن نمير، عن مسعر، عن أبي العنبس سعيد بن كثير، عن أبي العَدَبَّس، عن أبي مرزوق، عن أبي غالب، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله - ﷺ -: " لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يُعَظِّمُ بعضُهم بعضًا ". وأخرجه ابن ماجه (٣٨٣٦) من طريق وكيع، عن مسعر، عن أبي مرزوق، عن أبي وائل، عن أبي أمامة وهو وهم، والصواب رواية ابن أبي شيبة. وأخرج مسلم في " صحيحه " (٤١٣) من حديث أبي الزبير عن جابر أنهم لمَّا صَلُّوا خلفه قعودًا قال: فلمَّا سلم، قال: " إن كدتم آنفًا لتفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود، فلا تفعلوا ". وحديث أبي بكرة قال النووي في " الترخيص في القيام " ص ٦٦ - ٦٧ رواه أبو موسى الأصبهاني بإسناده بلفظ: " لا يقوم الرجل للرجل من مجلسه ". وأخرجه أبو داود (٤٨٢٧)، وابن أبي شيبة ٨/ ٥٨٤، وأحمد ٥/ ٤٤ و٤٨ بنحوه. وفي سنده أبو عبد الله مولى آل أبي بردة وهو مجهول. وأخطأ المعلق على " المصنف " فنسبه إلى مسلم، وليس فيه.
(٢) ص ٦٤ - ٧٣ طبع دار الفكر، وقد تولى تحقيقه من ليس له بهذا العلم أدنى نصيب، فحق لأهل العلم أن ينشدوا فيه وفي أمثاله: أوردها سعد وسعد مشتمل ما هكذا يا سعد تورد الإبل ومن طرائف تخليطاته أنَّه يأتي إلى لفظ (ح) الموجودة في الأصول التي اعتمدها، والتي يذكرها الرواة دلالة على تحويل السند، فيحذفها، ويكتب مكانها " الحديث "، ثم يتعالم ويكتب في أسفل الصفحة: في الأصول: (ح)!!. وليس في تعليقاته أية فائدة لطالب العلم، فإنه ينقل تخريج الحديث بالواسطة، ولا يرجع إلى الأصول، مع أنَّه ادَّعى في مقدمته أنَّه نقل عن كتب السنة المعتمدة، وبين مواطن ورود الحديث في مصادره المعتمدة!!
(٣) والصواب أنَّه حسن الحديث كما يتبين من " التهذيب ".
[ ٣ / ١٧٧ ]
الحديث السابع عشر: النهي عن تتبع عورات الناس
النواوي: هو مجهول.
الحديث السابعَ عشر: النهي عن تتبع عوراتِ الناس (١). رواه أبو داوود ويشهد لمعناه النهي عن التَّجسُّس، وهو في كتاب الله ﷿، ومعناه مُجْمَعٌ عليه، وله شواهدُ في التِّرمذي حسنًا غريبًا، وفي " سُنن أبي داوود " عن أبي بَرْزَةَ الَأسلمي، وعُقْبةَ بن عامر، وزيدٍ بن وهبٍ، وفي " مسلم " عن أبي هريرة.
الحديث الثامنَ عشر: النَّهي عَنِ القِران بَيْنَ الحجِّ والعُمرة (٢) رواه
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٤٨٨٨) من طريقين عن محمد بن يوسف الفريابي، عن سفيان الثوري، عن ثور بن يزيد الكلاعي، عن راشد بن سعد، عن معاوية قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "إنك إن اتَّبَعْتَ عوراتِ الناسِ، أفسدتَهُم أو كِدْتَ أن تُفْسِدَهُم". وسنده قوي، وصححه ابن حبان (١٤٩٥). وهو في " الطبراني " ١٩/ (٨٩٠) من طريق عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم، حدثنا محمد بن يوسف الفريابي، بهذا الإسناد. وأخرجه الطبراني ١٩/ (٨٥٩) من طريقين عن عبد الله بن سالم، عن الزبيدي، حدثنا يحيى بن جابر أن عبد الرحمن بن جبير بن نفير حدثه أن أباه حدث أنَّه سمع معاوية بن أبي سفيان يقول: إني سمعت من رسول الله - ﷺ - كلامًا نفعني الله به، سمعته يقول: " أعرضوا عن الناس، ألم تر أنك إن اتبعت الريبة في الناس أفسدتهم أو كدت تفسدهم ". وحديث أبي برزة عند أبي داود (٤٨٨٠). وحديث عقبة بن عامر عند أبي داود (٤٨٩١) و(٤٨٩٢). وحديث زيد بن وهب عند أبي داود أيضًا (٤٨٩٠). وحديث أبي هريرة عند مسلم (٢٥٦٣)، وهو في " الموطأ " ٢/ ١٩٨٥، والبخاري (٦٠٦٦). وفيه: " ولا تحسسوا ولا تجسسوا ". وفي الباب عن أبي أمامة عند أحمد ٦/ ٤، وأبي داود (٤٨٨٩)، والحاكم ٤/ ٣٧٨، وسنده حسن. وعن ابن عمر عبد الترمذي (٢٠٣٣).
(٢) أخرجه أبو داود (١٧٩٤)، وأحمد ٤/ ٩٢ و٩٥ و٩٩، والطبراني ١٩/ (٨٢٤) و(٨٢٧) و(٨٢٨) من طرق عن قتادة، عن أبي شيخ الهنائي خيوان بن خلدة، عن معاوية بن أبي سفيان قال لأصحاب النبي - ﷺ -: هل تعلمون أن رسول الله - ﷺ - نهى عن كذا وكذا، وعن =
[ ٣ / ١٧٨ ]
عنه أبو داوود، وأحمدُ، ومَدَارُه على أبي شيخ الهُنائي، وفيه اضطراب كثيرٌ في متنه، وسندُه أوضَحَهُ النَّسائي في " سننه "، لأنَّه روى طرفًا من الحديثِ -وهو النَّهي عن لباس الذهب إلا مُقَطَّعًَا- ومنهم من قال: عن أبي شيخ، عن مُعاوية، ومنهم من قال: عنه، عن أبي حيَّان، عن معاوية، وقيل عنه، عن حيَّان، عن معاوية، وقيل فيه: عن ابن عمر بدلًا مِن (١) معاوية ذكره النسائي في " سُننه " (٢)، والمِزي في " أطرافه " (٣)، وله شواهِدُ عن ابن عمر رواه مالك في " الموطأ " مرفوعًا (٤)، وعن عمر، وعثمان رواه مسلم موقوفًا عليهما (٥).
_________________
(١) = ركوب جلود النمور؟ قالوا: نعم، قال: فتعلمون أنَّه نهى أن يُقْرَنَ بين الحجِّ والعُمرةِ؟ فقالوا: أما هذا، فلا، فقال: أما إنها معهن، ولكنكم نسيتُم. ورجاله ثقات. وأخرجه الطبراني ١٩/ (٨٢٩) من طريق بيهس بن فهدان، عن أبي شيخ الهنائي، قال: كنت عند معاوية
(٢) في (ش): " عن ". ورواية أي شيخ عن ابن عمر نسبها المزي في الأطراف ٦/ ٢٧٢ إلى النسائي في الزينة من " الكبرى " (٦٥: ٧).
(٣) ٨/ ١٦١ و١٦٢ و١٦٣.
(٤) ٨/ ٤٥٣.
(٥) لم أجده في " الموطأ "، ويغلب على الظن أنَّه سبق قلم من المؤلف ﵀، فإن الواردَ عنه ﵁ خلافُ ذلك، فقد أخرج الترمذي (٨٢٤) من طريق عبد بن حُميد، أخبرني يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثنا أبي، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب أن سالم بن عبد الله حدَّثه أنَّه سمع رجلًا من أهل الشام وهو يسألُ عبد الله بن عمر عن التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال عبد الله بن عمر: هي حلال، فقال الشامي: إن أباك قد نهى عنها، فقال عبد الله بن عُمر: أرأيتَ إن كان أبي نَهَى عنها، وصنعها رسولُ الله - ﷺ -، أأمْر أبي نَتَّبعُ أم أمْرَ رسولِ اللهِ - ﷺ -؟ فقال الرجُلُ: بل أمرَ رسول الله - ﷺ -، فقال: لقد صنعها رسول الله - ﷺ -.
(٦) انظر " صحيح مسلم " (١٢٢٢) و(١٢٢٣) و(١٢٢٦). وانظر " زاد المعاد " ٢/ ٢٠٦ - ٢١١.
[ ٣ / ١٧٩ ]
الحديث التاسع عشر: أنه قصر من شعر النبي - ﷺ - بمشقص بعد عمرته
الحديث التاسعَ عشر: من رواية ابن عباس عنه (١) -ليس له عنه في الكُتُبِ السِّتَّة سواه-: أنَّه قَصَّرَ مِنْ شَعْرِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِمِشْقَصٍ بَعْدَ عُمرته - ﷺ -، وقيل: حجَّه (٢)، رواه الجماعة إلا التِّرمذي وابن ماجة وهو مشهور.
_________________
(١) البخاري (١٧٣٠)، ومسلم (١٢٤٦)، وأبو داود (١٨٠٢) و(١٨٠٣)، والنسائي ٥/ ١٥٤ و٢٤٤ - ٢٤٥، وأحمد ٤/ ٩٥ و٩٦ و٩٧ و٩٨ و١٠٢، والحميدي (٦٠٥)، والطبراني (٦٩٢) و(٦٩٣) و(٦٩٤) و(٦٩٥) و(٦٩٦) و(٦٩٨) من طرق عن ابن عباس، عن معاوية ﵃ قال: " قَصَّرْتُ عن رسول الله - ﷺ - بمشقص ". وأخرجه أحمد ٤/ ٩٢ من طريق حماد بن سلمة، أخبرنا قيس، عن عطاء، أن معاوية
(٢) قال الحافظ في " الفتح " ٣/ ٥٦٥: قوله: " قصرت " أي: أخذت من شعر رأسه، وهو يشعر بأن ذلك كان في نسك، إما في جع أو عمرة، وقد ثبت أنَّه حلق في حجته، فتعين أن يكون عمرة، ولا سيما وقد روى مسلم في هذا الحديث أن ذلك كان بالمروة. ولفظه: " قصرت عن رسول الله - ﷺ - بمشقص وهو على المروة " أو" رأيتُهُ يقصر عنه بمشقص وهو على المروة ". وهذا يحتمل أن يكون في عمرة القضية أو الجعرانة، لكن وقع عند مسلم من طريق أخرى عن طاوس بلفظ: " أما علمت أني قصرت عن رسول الله - ﷺ - بمشقص وهو على المروة؟ " فقلت له: " لا أعلم هذه إلا حجة عليك " وبين المراد من ذلك في رواية النسائي فقال بدل قوله: " فقلت له لا " يقول ابن عباس: " وهذه على معاوية أن ينهى الناس عن المتعة، وقد تمتع رسول الله - ﷺ - "، ولأحمد من وجه آخر عن طاوس، عن ابن عباس قال: " تمتع رسول الله - ﷺ - حتى مات " الحديث. وقال: " وأول من نهى عنها معاوية. قال ابن عباس: فعجبت منه، وقد حدثني أنَّه قصر عن رسول الله - ﷺ - بمشقص " انتهى. وهذا يدل على أن ابن عباس حمل ذلك على وقوعه في حجة الوداع لقوله لمعاوية: " إن هذه حجة عليك "، إذ لو كان في العمرة، لما كان فيه على معاوية حجة. وأصرح منه ما وقع عند أحمد من طريق قيس بن سعد، عن عطاء: " أنَّ معاوية حدث أنَّه أخذ من أطراف شعر رسول الله - ﷺ - في أيام العشر بمشقص معي وهو محرم "، وفي كونه في حجة الوداع نظر، لأن النبي - ﷺ - لم يحل حتى بلغ الهدي محلَّه، فكيف يقصر عنه على المروة. وقد بالغ النووي هنا في الرد على من زعم أن ذلك كان في حجة الوداع، فقال: هذا الحديث محمول على أن معاوية قَصَّرَ عن النبي - ﷺ - في عمرة الجعرانة، لأن النبي - ﷺ - في حجة الوداع كان قارنًا، وثبت أنَّه حلق بمنى، وفرق أبو طلحة شعره بين الناس، فلا يصح حمل تقصير معاوية على حجة الوداع، ولا يصح حمله أيضًا على عمرة القضاء الواقعة سنة سبع، لأن معاوية لم يكن يومئذ مسلمًا، إنما أسلم يوم الفتح سنة ثمانٍ، هذا هو الصحيح. ولا يصح قول من حمله على حجة الوداع، وزعم أن النبي - ﷺ - كان متمتعًا، لأن هذا غلط فاحش، فقد تظاهرت الأحاديث في مسلم وغيره أن =
[ ٣ / ١٨٠ ]
ومعناه: جوازُ مُتعة الحجِّ، وهو مُعارِضٌ للحديثِ الأوَّلِ أعني الذي قبله كما يأتي عن ابن عباس، وأيضًا هو سالِمٌ مِنْ عِلَّهَ الاضطراب. وقد رُوِيَ عن عليٍّ ﵇ ُ نحوُه (١) رواه مسلمٌ، وعن عثمان في " مسلم، أيضًا، وعن سعدِ بنِ أبي وقاص رواه مالك في " الموطأ "، والنّسائي، والترمذي وصحّحه، وعن ابن عباسٍ عن عُمَر رواه النّسائي، وعن ابنِ عمر رواه التِّرمذيُّ، وعن عِمران بنِ حُصين رواه البخاريُّ ومسلم (٢).
ولمَّا روى معاويةُ هذا الحديثَ قال ابنُ عباس: هذه على معاوية، يعني: لأنَّه كان ينهى عن مُتْعةِ الحَجِّ، كذا في " سنن التِّرمذي "، و" النسائي " (٣).
الحديث الموفي عشرين: روى عن أخته أمِّ حبيبةَ أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كان يُصَلِّي في الثَّوب الذي يُجَامِعُها فيه ما لم يَرَ فيه أذىً (٤). رواه أبو داوود،
_________________
(١) = النبي - ﷺ - قيل له: ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحل أنت من عمرتك؟ فقال: " إني لبدت رأسي، وقلدتُ هديي، فلا أحل حتى أنحر ".
(٢) في (ب): مثله.
(٣) حديث علي وعثمان عند مسلم (١٢٢٣). وحديث سعد بن أبي وقاص عند مسلم (١٢٢٥)، ومالك في " الموطأ " ١/ ٣٤٤، والنسائي ٥/ ١٥٢ - ١٥٣، والترمذي (٨٢٣)، وصححه. وحديث ابن عباس عن عمر عند النسائي ٥/ ١٥٣. وحديث ابن عمر عند الترمذي (٨٢٤). وحديث عمران بن حصين رواه البخاري (١٥٧١) و(٤٥١٨)، ومسلم (١٢٢٦)، والنسائي ٥/ ١٥٥.
(٤) انظر " سنن النسائي " ٥/ ١٥٤، و" المسند " ١/ ٢٩٢.
(٥) رواه أبو داود (٣٦٦)، والنسائي ١/ ١٥٥، وابن ماجه (٥٤٠)، والدارمي ١/ ٣١٩، وأحمد ٦/ ٣٢٥، والطبراني ٢٣/ (٤٠٥) و(٤٠٦) و(٤٠٨)، وابن خزيمة (٧٧٦)، وابن حبان (٢٣٧) من طرق عن يزيد بن أبي حبيب، عن سويد بن قيس، عن معاوية بن حُديج، عن معاوية بن أبي سفيان أنَّه سأل أخته أم حبيبة زوج النبي - ﷺ -: هل كان رسول الله - ﷺ - يُصلِّي في الثوب الذي يجامع فيه؟ قالت: نعم، إذا لم يكن فيه أذى. وإسناده صحيح =
[ ٣ / ١٨١ ]
والنسائي، وهذا من مسند أخته أم حبيبة، لا مِن مسنده، ويشهدُ له أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كان يصلِّي في نعليه ما لم يَرَ فيهما (١) أذىً. رواه أبو داوود عن أبي سعيدٍ الخدري، ورواه البخاري، ومسلم عن سعيد بن يزيد (٢)، وحديث " لا يَنْصَرِف منْ صَلاَتِه حَتَّى يَسْمَعَ صوْتًَا أو يَجِدَ رِيحًَا " متَّفق عليه من حديث أبي هريرة، وهو مذهبُ الهادي ﵇ أنَّ الطَّهارة المتيقَّنةَ لا تزولُ إلاَّ بحدَثٍ متيقَّنٍ، ولا تزول بالظَّنِّ القويِّ المقاربِ للعلم.
الحديث الحادي والعشرون: روى عن أبيهِ (٣) النَّهي لمن أكل الثُّومَ والبَصَلَ عن دخولِ مسجِدِ النَّبِيِّ - ﷺ -، وشواهِدُه أكثر وأشهر مِنْ أن تُذْكَرَ (٤).
_________________
(١) = وله شاهد من حديث جابر بن سمرة عند أحمد ١/ ٨٩ و٩٧. وحديث أبي سعيد الخدري رواه أبو داود (٦٥٠). وحديث سعيد بن يزيد، سألت أنس بن مالك: أكان النبي - ﷺ - يصلي في نعليه؟ قال: نعم. رواه البخاري (٣٨٦) و(٥٨٥٠)، والنسائي ٢/ ٧٤. وحديث: " لا ينصرف من صلاته حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا ". أخرجه مسلم (٣٦٢)، والترمذي (٧٥)، وأبو داود (١٧٧)، وابن ماجه (٥١٥)، والنسائي ١/ ٩٩، وأحمد ٢/ ٣٣٠ و٤١٤. وله شاهد من حديث عبد الله بن زيد عند البخاري (١٣٧) و(١٧٧) و(٢٠٥٦)، ومسلم (٣٦١)، وأبو داود (١٧٦)، وابن ماجه (٥١٣)، وأحمد ٤/ ٣٩ و٤٠. وآخر من حديث أبي سعيد الخدري عند أحمد ٣/ ١٢ و٣٧ و٥١ و٥٣ و٥٤ و٩٦، وابن ماجه (٥١٤).
(٢) في (ب): فيها.
(٣) تحرف في الأصول إلى " زيد "، وهو أبو مسلمة سعيد بن يزيد بن مسلمة الأزدي، ويقال الطاحي البصري، ثقة روى له الستة.
(٤) هذا وهم من المصنف -﵀- فمعاوية في هذا الحديث معاوية بن قرة، وليس معاوية بن أبي سفيان، وأبوه قرة بن إياس بن هلال المزني صحابي، نزل البصرة، وهو جد إياس القاضي.
(٥) حديثه هذا أخرجه أبو داود (٣٨٢٧) من طريق عباس العنبري، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن خالد بن ميسرة العطار، عن معاوية بن قرة، عن أبيه أن =
[ ٣ / ١٨٢ ]
الحديث الثاني والعشرون: " هذا يوم عاشوراء لم يكتب عليكم صومه "
القسم الثاني: ما ورد في الفضائل المشهورة عن غيره
الحديثُ الثَّاني والعشرون: حديث: " هذا يَوْمُ عاشُورَاء لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكُمْ صَوْمُهُ "، وفي " البخاري "، و" مسلم " عن ابنِ عباس ما يَشْهَدُ لمعناه، حيث قال النَّبيُّ - ﷺ -: " فَنَحْنُ نَصُومُهُ تَعْظِيمًا لَهُ "، وقال: " فَأَنا أحَقُّ بمُوسى " بَعد سؤال اليهودِ عن سبب صومِهم له (١).
القسم الثاني: من أحاديثه ما ورد في الفضائل المشهورة عن غَيْرِهِ، وفيه أحاديث.
الحديثُ الأول: فَضْل إجابة المُؤَذِّنِ، والقولُ كما يقول (٢)، رواه
_________________
(١) = النبي - ﷺ - نهى عن هاتين الشجرتين، وقال: " من أكلهما، فلا يقربن مسجدنا" وقال: " إن كنتم لا بد آكليها فأميتوهما طبخًا ". وسنده قوي. وأخرجه أحمد ٤/ ١٩ من طريق أبي عامر عبد الملك العقدي، بهذا الإسناد. وأخرجه النسائي في "الكبرى" كما في " التحفة " ٨/ ٢٨١ عن هارون بن زيد بن أبي الزرقاء، عن أبيه، عن خالد بن ميسرة نحوه. وفي الباب عن جابر بن عبد الله عبد البخاري (٨٥٤) و(٨٥٥) و(٥٤٥٢) و(٧٣٥٩). وعن أبي هريرة عند مسلم (٥٦٣). وعن أنس بن مالك عبد البخاري (٨٥٦) و(٥٤٥١)، ومسلم (٥٦٢). وعن ابن عمر عند البخاري (٨٥٣) و(٤٢١٥) و(٤٢١٧) و(٤٢١٨) و(٥٥٢١) و(٥٥٢٢) ومسلم (٥٦١). وعن أبي سعيد الخدري عند مسلم (٥٦٥). وعن علي عند الترمذي (١٨٠٨) و(١٨٠٩)، وأبي داود (٣٨٢٨).
(٢) رواه البخاري (٢٠٠٣)، ومسلم (١١٢٩)، ومالك في " الموطأ " ١/ ٢٩٩، وعبد الرزاق (٧٨٣٤)، وأحمد ٤/ ٩٥ و٩٦ و٩٧ - ٩٨، والحميدي (٦٠١)، والطبراني ١٩/ (٧٠٨) و(٧١٦) و(٧٤٨) و(٧٤٩) و(٧٥٠) و(٧٥١) و(٧٥٢) و(٧٥٣) و(٧٥٤) و(٨٠٦) و(٩٠٢) من طرق، ولفظه في " الموطأ ": سمعت رسول الله - ﷺ - يقولُ لهذا اليوم: " هذا يومُ عاشوراءَ، ولم يُكتبْ عليكم صيامُهُ، وإنا صائمٌ، فمن شاءَ فليَصُمْ، ومن شاء فليُفْطِرْ ". وحديث ابن عباس رواه البخاري (٢٠٠٤)، ومسلم (١١٣٠)، وأبو داود (٢٤٤٤)، وابن ماجه (١٧٣٤)، والترمذي (٧٥٤)، والدارمي ٢/ ٢٢.
(٣) رواه البخاري (٦١٢) و(٩١٤)، والنسائي ٢/ ٢٤ - ٢٥، وفي " عمل اليوم والليلة " (٣٤٩) و(٣٥٠) و(٣٥١) و(٣٥٢) و(٣٥٣)، وأحمد ٤/ ٩٢ و٩٣ و٩٥ و٩٨ و١٠٠، والدارمي =
[ ٣ / ١٨٣ ]
الحديث الثاني: " من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين "
عنه البخاري وهو مشهور، رواه مسلم عن عُمَرَ بنِ الخطاب، والبخاري، ومسلم، ومالك في " الموطأ "، وأبو داوود، والترمذي، والنسائي عن أبي سعيد الخدري، ومسلم، وأبو داوود، والترمذي، والنسائي عن عبد الله بن عمرو.
الحديثُ الثاني: " مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًَا يُفَقِّهْهُ في الذينِ " (١). رواه عنه البخاري ومسلم، وهو حديث مشهور رواه الترمذي عن ابن عباس بسند صحيح، ورواه أبو هريرة فيما ذكره الترمذي، ورواه عمر بن الخطاب، وابنُه عبد الله، وعبد الله بن مسعود، وأنس. ذكره عنهم
_________________
(١) = ١/ ٢٧٢ - ٢٧٣، وعبد الرزاق (١٨٤٥) والطبراني (٧١٩) و(٧٢٠) و(٧٢١) و(٧٢٢) و(٧٣٠) و(٧٣١) و(٧٣٧) و(٧٧٠) و(٧٧١) و(٧٧٥) و(٧٩٣) و(٨٠٢) و(٨٠٤) و(٨٧٤) و(٩٢٧). وحديث عمر بن الخطاب ﵁ أخرجه مسلم (٣٨٥)، وأبو داود (٥٢٧)، والنسائي في " اليوم والليلة " (٤٠). وحديث أبي سعيد الخدري رواه البخاري (٦١١)، ومسلم (٣٨٣)، ومالك في " الموطأ " ١/ ٦٧، وأبو داود (٥٢٤)، والترمذي (٢٠٨) وقال: حسن صحيح، والنسائي ٢/ ٢٣، والدارمي ١/ ٢٧٢، وأحمد ٣/ ٥ و٥٣ و٧٨ و٩٠. وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص رواه مسلم (٣٤٨)، وأبو داود (٥٢٣)، والترمذي (٣٦١٤)، والنسائي ٢/ ٢٥.
(٢) رواه البخاري (٧١) و(٣١١٦) و(٣٦٤١) و(٧٣١٢) و(٧٤٦٠)، ومسلم (١٠٣٧) و(١٠٣٨)، وأحمد ٤/ ٩٢ و٩٣ و٩٥ و٩٦ و٩٨ و٩٩ و١٠١، والدارمي ١/ ٧٤، وابن ماجه (٢٢١)، والطحاوي في " مشكل الآثار" ٢/ ٢٧٨ و٢٧٩ و٢٨٠. وذكره الترمذي بإثر حديث ابن عباس (٢٦٤٥). وحديث ابن عباس رواه الترمذي (٢٦٤٥)، وأحمد ١/ ٣٠٦، والدارمي ١/ ٧٤ و٢/ ٢٩٧. وحديث أبي هريرة ذكره الترمذي بإثر حديث ابن عباس (٢٦٤٥) بلا سند. وأخرجه مسندًا أحمد ٢/ ٢٣٤، وابن ماجه (٢٢٠)، والدارمي ٢/ ٢٨٠. وحديث عمر، وابنه عبد الله، وعبد الله بن مسعود، وأنس رواها الخطيب البغدادي في " الفقيه والمتفقه " ١/ ٢ - ٨.
[ ٣ / ١٨٤ ]
الحديث الثالث: في فضل حلق الذكر والاجتماع عليه
الخطيب البغدادي في كتاب " الفقيه والمتفقه " (١).
الحديث الثالث: في فضل حِلَقِ الذِّكر والاجتماعِ عليه (٢). رواه مسلم، ومعناه مشهورٌ، وفيه: وما كان أحد بمنزلي من رسول الله - ﷺ - أقلَّ حديثًا مِنِّي. وهو في " البخاري " و" مسلم " عن أبي هُريرة، وفي " مسلم، و" الترمذي " عن أبي سعيد الخدري، وأبي هُريرة.
الحديث الرابع: النَّهي عن الغَلوطات (٣). رواه عنه أبو داوود.
_________________
(١) وهو كتاب جمع فيه مصنفُه نصوص الشارع في الحث على تعلم أحكام القرآن، والسنة، وفي التفقه في نصوصهما، وأن السنة لا تفارق الكتاب، واستنباط الأحكام، وأصول الفقه، وكيفية الاجتهاد، والآداب التي ينبغي للفقيه والمتفقه التخلق بها، والكلام على التقليد وما يسوغ منه، وأدب الجدل وقد طبع الكتاب في جزأين بتصحيح الشيخ الفاضل إسماعيل الأنصاري.
(٢) رواه مسلم (٢٧٠١)، وأحمد ٤/ ٩٢، والترمذي (٣٣٧٩)، والنسائي ٨/ ٢٤٩، من طريق مرحوم بن عبد العزيز، عن أبي نعامة السعدي، عن أبي عثمان النهدي، عن أبي سعيد الخُدْري قال: خَرَجَ معاويةُ على حلقة في المسجد، فقال: ما أجلسَكم؟ قالوا: جلسنا نذكُرُ اللهَ، قال: آللهِ! ما أجلسَكم إلا ذاك؟ قالوا: واللهِ ما أجلسَنا إلا ذاك. قال: أما إني لم أستحلِفْكم تُهمةً لكم، وما كان أحدٌ بمنزلتي من رسول الله - ﷺ - أقلَّ عنه حديثًا منِّي، وإنَّ رسول الله - ﷺ - خَرَجَ على حَلْقَةٍ من أصحابه، فقال: " ما أجلسَكم؟ " قالوا: جلسنا نذكرُ الله ونَحْمَدُهُ على ما هدانا للإسلام، وَمَنَّ به علينا، قال: " آللهِ ما أجلسكم إلا ذاك "، قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك. قالَ: " أما إني لم أستحلفكم تُهمة لكم، ولكنه أتاني جبريلُ، فأخبرني أنَّ الله ﷿ يُباهي بكم الملائكة ". ورواه من حديث أبي هريرة: مسلم (٢٦٩٩)، وأبو داود (٤٩٤٦)، وابن ماجه (٢٢٥)، والترمذي (٢٩٤٥)، ولم يروه البخاريُّ كما توهَّم المؤلف. ورواه من حديث أبي هريره، وأبي سعيد الخدري: مسلم (٢٧٠٠)، والترمذي (٣٣٧٨).
(٣) رواه أبو داود (٣٦٥٦)، وأحمد ٥/ ٤٣٥. وحديث أنس رواه البخاري (٧٢٩٣) في الاعتصام بالكتاب والسنة، باب: ما يكره من كثرة السؤال ومن تكلف ما لا يفيد، من طريق حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس قال: كنا عند عمر، فقال: نهينا عن التكلف. والقائل هو عمر، وليس أنسًا كما ظن المؤلف. وقول الصحابي: " نهينا أو أمرنا " هو في حكم المرفوع، ولو لم يُضفه إلى النبي - ﷺ -. =
[ ٣ / ١٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قال الحافظ في الفتح ١٣/ ٢٧٠: هكذا أورده مختصرًا. وذكر الحميدي أنَّه جاء في رواية أخرى عن ثابت. عن أنس أن عمر قرأ ﴿فَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ فقال: ما الأبُّ؟ ثم قال: ما كُلِّفنا، أو قال: ما أُمرنا بهذا. قلت: هو عند الإسماعيلي من رواية هشام، عن ثابت. وأخرجه من طريق يونس بن عبيد، عن ثابت بلفظ: أنَّ رجلًا سأل عمر بن الخطاب عن قوله: ﴿فَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ ما الأبُّ؟ فقال عمر: نُهينا عن التعمقِ والتكلفِ، وهذا أولى أن يكملَ به الحديث الذي أخرجه البخاري، وأولى منه ما أخرجه أبو نعيم في " المستخرج " من طريق أبي مسلم الكجي، عن سليمان بن حرب شيخ البخاري فيه، ولفظه عن أنس: كنا عند عمر وعليه قميص في ظهره أربع رقاع، فقرأ ﴿فَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ فقال: هذه الفاكهةُ قد عرفناها، فما الأبُّ؟ ثم قال: مَهْ نُهينا عن التكلفِ!. وقد أخرجه عبدُ بن حميد في " تفسيره " عن سليمان بن حرب، بهذا السند مثله سواء. وأخرجه أيضًا عن سُلَيمانَ بنِ حرب، عن حمادِ بنِ سلمة بدل حماد بن زيد، وقال بعد قوله: فما الأبُّ؟ ثم قال: يا ابن أُمِّ عمر، إنَّ هذا لهو التكلف، وما عليك أن لا تدريَ ما الأب. وحديث " هَلَكَ المتنطعونَ " رواه مسلم (٢٦٧٠)، وأبو داود (٤٦٠٨)، وأحمد ١/ ٣٨٦ من حديث عبد الله بن مسعود، وهو من أفرادِ مسلم، ولم يُخرجه البخاري، فقولُ المصنفِ -﵀- متفقٌ عليه، فيه ما فيه. قال ابنُ الأثير: " المتنطعون " هم المتعمقون المغالون في الكلام المتكلمون بأقصى حلوقِهم، مأخوذٌ من النَّطع، وهو الغار الأعلى من الفم، ثم استُعمل في كُلِّ تعمق قولًا وفعلًا. وقال النوويُّ: فيه كراهةُ التقعرِ في الكلام بالتشدق، وتكلف الفصاحة، واستعمال وحشي اللغة، ودقائق الإعراب في مخاطبة العوامِّ ونحوهم. وقال غيره: المرادُ بالحديثِ: الغالون في خوضِهم فيما لا يعنيهم، وقيلَ: المتعنتون في السؤال عن عويصِ المسائل التي ينذُرُ وقوعُها. وقيل: الغالون في عبادتهم بحيثُ تخرجُ عن قوانين الشريعة، ويسترسلُ مع الشيطانِ في الوسوسة. وقال الحافظُ في " الفتح " ١٣/ ٢٦٧ نقلًا عن بعضِ الأئمة: إن البحثَ عما لا يوجدُ فيه نصُّ على قسمين: أحدهما: أن يبحثَ عن دخوله في دلالة النص على اختلاف وجوهها، فهذا مطلوبٌ، لا مكروه، بل رُبَّما كانَ فَرْضًا على من تَعَيَّنَ عليه منَ المجتهدين. ثانيهما: أن يدققَ النَّظرُ في وجوه الفروق، فيفرق بين متماثيلها بفرقٍ ليس له أثرٌ في الشرع مع وجودِ وصف الجمع، أو بالعكس بأن يجمعَ بين متفرقين بوصف طردي مثلًا، فهذا الذي ذمَّه السلفُ، وعليه ينطبق حديثُ ابنِ مسعود رفعه: " هَلَكَ المُتنطِّعون " فرأوا أن فيه تضييعَ الزمان بما لا طائلَ تحتَه. ومثله الإكثار من التفريع على مسألة لا أصلَ لها في الكتابِ، ولا السنةِ، ولا الإجماعِ =
[ ٣ / ١٨٦ ]
وقال الخطّابي (١): صوابه الأغلوطات، ولا يصِحُّ عنه، في إسناده مجهول، وله شاهدٌ عن أبي هريرة، رواه ابن الأثير في كتاب " جامع الأصول ".
وفي " صحيح البخاري " عن أنس: نُهينَا عَنِ التَّكَلُّف، وهو يشهد لمعناه، وكذلك حديث " هَلَكَ المُتنَطَّعُونَ " يشهد لمعناه (٢)، وهو متّفق عليه، وقد كره ذلِكَ أهلُ العلم، بَلْ ثَبَتَ عن كثيرٍ مِنَ الصَّحابة، والسَّلف كراهية الفتوى في المسألة قبل وقوعها، وكان زيدُ بنُ ثابت لا يُفتي حتَّى يحلِف السَّائلُ بالله تعالى أنَّ ما سأل عنه قد وقع، وممَّن ذكر ما ورد من كراهية ذلك، وتقصَّى الآثار: ابنُ السُّني (٣) في كتابه.
_________________
(١) = وهي نادرةُ الوقوع جدًا، فيصرف فيها زمانًا كان صرفه في غيرها أولى، ولا سيَّما إن لزمَ من ذلك إغفالُ التوسع في بيانِ ما يكثر وقوعه. وأشدُّ من ذلك في كثرة السؤال البحثُ عن أمورٍ غيبيةٍ وَرَدَ الشرعُ بالإيمان بها مع تركِ كيفيتها، ومنها ما لا يكونُ له شاهد في عالم الحسِّ كالسؤالِ من وقت الساعة، وعن الروح، وعن مدةِ هذه الأمة إلى أمثال ذلك مما لا يُعْرَفُ إلا بالنقلِ الصَّرف، والكثيرٌ منه لم يثبت فيه شيءٌ، فيجبُ الإِيمان به من غير بحث
(٢) نص كلام الخطابي في " معالم السنن " ٤/ ١٨٦: والأُغلوطات: واحدها أغلوطة وزنها أُفعولة، من الغلط، كالأُحموقة من الحمق، والأسطورة من السطر، فأما الغُلوطات، فواحدُها غَلوطةٌ، اسم مبني من الغلط كالحَلُوبة، والرَّكُوبة من الحَلْب والرُّكوب. والمعنى: أنه نهى أن يُعترضَ العلماء بصِعَابِ المسائل التي يكثُرُ فيها الغلطُ ليستزلُّوا بها، ويستسقط رأيهم فيها.
(٣) من قوله: " وكذلك " إلى هنا سقط من (ب).
(٤) هو الحافظُ الثقة أبو بكر أحمد بن محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن أسباط الدينوري المعروف بابن السني صاحب كتاب " عمل اليوم والليلة "، وراوي " سنن النسائي " ومختصره، المتوفى سنة ٣٦٤ هـ. ولم يذكر المؤلف -﵀- اسم الكتاب الذي ذكر فيه ما ورد من كراهية الفتيا وتقصي الآثار في ذلك، وليس شيء من ذلك في كتابيه " عمل اليوم والليلة " و" المجتبى " مختصر سنن النسائي، ويغلب على الظن أنَّه وهم من المؤلف، وأن الذي ذكر ذلك هو الإِمام الكبير الحافظ أبو محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي المتوفى =
[ ٣ / ١٨٧ ]
الحديث الخامس: " ليلة القدر ليلة سبعة وعشرين من رمضان "
الحديث السادس: فضل حب الأنصار
الحديث السابع: " اشفعوا تؤجروا "
الحديث الخامس: حديث " لَيْلةُ القدْرِ لَيْلةُ سَبْعَةٍ وعِشْرِينَ منْ رَمَضَان " (١) رواه عنه أبو داوود، وهو معروفٌ عن غيره، رواه أبو داوود ومسلمٌ، والترمذي عن أُبَيِّ بنِ كعب.
الحديث السادس: فضل حُبِّ الأنصار (٢) رواه عنه النسائيُّ، وفضلُهم مشهور بل قُرآني معلوم.
الحديث السابع: حديث " اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا " (٣)، وله شاهدٌ في
_________________
(١) = سنة ٢٥٥ هـ في كتابه " السنن "، فقد أوردَ جُملةً كبيرة من الآثار في الأولِ من كتاب " السننِ " ص ٥٢ - ٦٤ تحت باب مَنْ هابَ الفُتيا وكَرِهَ التنطعَ والبدعَ.
(٢) رواه أبو داود (١٣٨٦) من طريق عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي، أخبرنا شعبة، عن قتادة أنَّه سمع مُطَرِّفًا، عن معاوية بن أبي سفيان، عن النبي - ﷺ - في ليلة القدر قال: " ليلة القدر ليلة سبع وعشرين " وهذا سند صحيح. وحديث أُبي بن كعب رواه مسلم (٧٦٢)، وأبو داود (١٣٧٨)، والترمذي (٧٩٣) وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(٣) أخرجه أحمد ٤/ ٩٦ و١٠٠، والنسائي في " الكبرى " كما في " التحفة " ٨/ ٤٥٠ من طريق يزيد بن هارون قال: حدثنا يحيى بن سعيد أن سعد بن إبراهيم أخبره عن الحكم بن ميناء أن يزيد بن جارية الأنصاري أخبره أنَّه كان جالسًا في نفر من الأنصار فخرج عليهم معاوية، فسألهم عن حديثهم فقالوا: كنا في حديث من حديث الأنصار، فقال معاوية: ألا أزيدكم حديثًا سمعتُه من رسول الله - ﷺ -، قالوا: بلى يا أميرَ المؤمنينَ، قال: سمعتُ رسولَ الله - ﷺ - يقول: " مَنْ أحَبَّ الأنصار، أحَبَّهُ اللهُ ﷿، ومَنْ أبغَضَ الأنصار، أبغَضَه اللهُ ﷿ ". وفي الباب عن أبي هريرة عند أحمد ٢/ ٥٠١ و٥٢٧. وعن البراء بن عازب عند البخاري (٣٧٨٣)، ومسلم (٧٥)، والترمذي (٣٩٠٠)، وابن ماجه (١٦٣). وعن أنس بن مالك عند البخاري (٣٧٨٤)، ومسلم (٧٤)، والنسائي ٨/ ١١٦. وعنه أيضًا عند البخاري (٣٧٨٥)، ومسلم (٢٥٠٨). وعن ابن عباس عند الترمذي (٣٩٠٦). وعن أبي سعيد الخدري عند مسلم (٧٧). وعن أبي هريرة عند مسلم أيضًا (٧٦).
(٤) رواه أبو داود (٥١٣٢)، والنسائي ٥/ ٧٨ من ثلاثة طرق عن سفيان بن عيينة، عن =
[ ٣ / ١٨٨ ]
الحديث الثامن: " المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة "
الحديث التاسع: " من التمس رضا الله بسخط الناس "
" البخاري " ومسلم عن أبي موسى، وهو مجمع عليه، ومعناه في القرآن الكريم.
الحديث الثامن: " المؤذِّنُونَ أطْولُ النَّاسِ أعنَاقًَا يوْمَ القيامَةِ " (١) رواه عنه مسلم، وهو مرويٌّ عن عليٍّ ﵇، وعن بلالٍ، وأنسٍ، وزيدِ بنِ أرقم، وعُقبةَ بنِ عامر، وأبي هريرة، وابنِ الزبير، وكُلُّهم عند الهيثمي في " مجمع الزَّوائد " إلاَّ حديثَ علي ﵇، فذكره أبو خالد في " مجموع زيد بن علي " ﵇.
الحديث التاسع: حديث " مَنِ الْتَمَسَ رِضَا الله بِسَخط النَّاسِ " (٢)
_________________
(١) = عمرو بن دينار، عن وهب بن منبه، عن أخيه، عن معاوية: اشفعوا تؤجروا، فإني لأريد الأمر فأُؤخرُه كيما تَشْفَعوا فتؤجروا، فإنَّ رسولَ الله - ﷺ - قال: "اشفعُوا تُؤْجَرُوا". وحديث أبي موسى رواه البخاري (١٤٣٢) و(٦٠٢٧) و(٦٠٢٨) و(٧٤٢٧)، ومسلم (٢٦٢٧)، وأحمد ٤/ ٤٠٠ و٤٠٩ و٤١٣، وأبو داود (٥١٣٣)، والنسائي ٥/ ٧٧ - ٧٨، والترمذي (٢٦٧٢)، والقضاعي في " مسند الشهاب " (٦١٩) و(٦٢٠) و(٦٢١). وانظر الآية (٨٥) من سورة النساء.
(٢) أخرجه مسلم (٣٨٧)، وابن ماجه (٧٢٥). وحديث بلال عند الطبراني في " الكبير " (١٠٨٠)، والبزار (٣٥٣). وحديث أنس عند أحمد ٣/ ٢٦٤، والبزار (٣٥٤). وحديث زيد بن أرقم عند الطبراني (٥١١٨) و(٥١١٩). وحديث عقبة بن عامر عند الطبراني أيضًا ١٧/ ٢٨٢ (٧٧٧). وحديث أبي هريرة عند الطبراني في " الأوسط ". وحديث عبد الله بن الزبير عند الطبراني في " الكبير ". وانظر " مجمع الزوائد " ١/ ٣٢٦ - ٣٢٧. وحديث علي رواه الإمام زيد في " مسنده " ص ٨٦.
(٣) حديث صحيح أخرجه ابن المبارك في " الزُّهد " (١٩٩)، ومن طريقه الترمذي (٢٤١٤)، والبغوي (٤٢١٣)، عن عبد الوهاب بن الورد عن رجل من أهل المدينة، قال: كتبَ معاويةُ إلى عائشة أن اكتبي إليَّ بكتابٍ توصيني فيه، ولا تكثري عليَّ، فكتبت: من عائشة إلى معاوية، سلامٌ عليك، أمَّا بعد، فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: " مَن التمس رِضَا اللهِ بسُخْط النّاس، كفاهُ الله مؤنةَ النّاس، ومَنِ التَمَسَ سُخْطَ اللهِ برِضا النّاس، وكله اللهُ =
[ ٣ / ١٨٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = إلى النّاس "، والسَّلام. وهذا سند ضعيف لجهالة الرّجل الذي لم يسم. وأخرجه ابنُ حبان (٢٧٧) من طريق الحسن بن سفيان، حدثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، قال: حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا شعبة، عن واقد بن محمد، عن ابن أبي مليكة، عن القاسم، عن عائشة، أن رسول الله - ﷺ - قال: " منْ أرْضى اللهَ بسُخْط النّاسِ، كفاهُ اللهُ، ومَنْ اسخط اللهَ برضَا الناس، وَكَلَهُ اللهُ إلى الناس ". وهذا سند صحيح. إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني ثقة، ومن فوقه مِنْ رجال الشَّيخين. وأخرجه القضاعي في " مسند الشهاب " (٥٠١) من طريق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، والبيهقي في " الزهد الكبير " (٨٨٥)، ووكيع في " أخبار القضاة " ١/ ٣٨ من طريق الحسن بن مُكرَّم، كلاهما عن عثمان بن عمر بهذا الإسناد. وأخرجه ابن حبان (٢٧٦) من طريق الحسن بن سفيان، حدثا عبد الله بن عمر الجعفي، حدثنا عبد الرحمن المحاربي، عن عثمان بن واقد العمري، عن أبيه، عن محمد بن المنكدر، عن عروة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله - ﷺ -: " مَنِ التمسَ رضا اللهِ بسُخطِ الناس، ﵁ وأرضَى الناسَ عنه، ومنِ التمسَ رِضَا الناس بسُخْط اللهِ، سَخِطَ اللهُ عليه وأسْخط عليه الناس ". وهذا سند حسن. عثمان بن واقد صدوق ربما وهم، وباقي رجاله ثقات. وأخرجه القضاعي في " مسند الشهاب " (٤٩٩) و(٥٠٠) وابن عساكر في " تاريخ دمشق " ١٥/ ٢٧٨/١ من طريق عثمان بن واقد، به. وأخرجه البيهقي (٨٨٧) من طريق محمد بن حمدون النيسابوري، حدثنا إبراهيم بن أبي طالب، حدثنا محمد بن عبد العزيز بن أبي رِزمة، حدثنا النضر بن شُميل، حدثنا شعبة، عن واقد، عن ابن أبي مليكة، عن القاسم، عن عائشة، رفعه. وهذا سند صحيح، رجاله كلُّهم ثقات. وأخرجه البيهقي (٨٨٤) من طريق إبراهيم بن سليمان الخزاز الكوفي، حدثنا خلاد بن عيسى، حدثنا أسباط عن السدي، عن أبي مالك، عن عائشة ﵂، قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: " من آثر محامد اللهِ على محامد الناس كفاهُ اللهُ مؤونة الناسِ ". وأخرجه أبو نعيم في " الحلية " ٨/ ١٨٨ من طريق سهل بن عبد ربه، حدثنا ابن المبارك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قال رسول الله - ﷺ -: " مَنْ أرْضى الناسَ بسُخْط اللهِ، وكَلَهُ الله إلى الناس، ومنْ أرضى الناسَ برضا اللهِ، كفاه اللهُ ". قال أبو نعيم: غريب من حديث هشام بهذا اللَّفظ. وأخرجه الترمذي بإثر الحديث المرفوع (٢٤١٤) من طريق محمد بن يحيى، حدثنا محمد بن يوسف عن سفيان الثوري، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها كتبت إلى معاوية، فذكر الحديث بمعناه، ولم يرفعه، وسنده صحيح. وأخرجه البيهقي (٨٨٦) من طريق محمد بن إسحاق، ثنا عثمان بن عمر، عن شعبة، =
[ ٣ / ١٩٠ ]
الحديث، رواه الترمذي، وليس من حديثه، لكِنَّه رواه عن عائِشَة، كذا وجدتُه فيمَا علَّقت، وطلبتُ روايةَ معاوية (١) عن عائشة في " أطراف "
_________________
(١) = عن واقد، عن ابن أبي مليكة، عن القاسم، عن عائشة موقوفًا. وأخرجه الحميدي في " مسنده " (٢٦٦) ومن طريقه البيهقي (٨٨١) عن سفيان، عن زكريا بن أبي زائدة، عن عبَّاس بن ذريح، عن الشعبي، قال: كتب معاوية بن أبي سفيان إلى عائشة أن اكتبي إليَّ بِشيءٍ سمعتِه من رسول الله - ﷺ -، قال: فكتبت إليه: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: " إنَّه منْ يعملُ بغير طاعةِ اللهِ، يعودُ حامده من الناس ذامًّا ". وهذا سند رجاله ثقات. وأخرجه وكيع في " أخبار القضاة " ١/ ٣٨ من طريق السَّريِّ بن عاصم، حدثنا عبد الله بن إدريس الأودي، عن زكريا بن أبي زائدة، عن العباس بن ذريح، عن الشعبي، قال: كتبت عائشة إلى معاوية: أمَّا بعد، فإنه من التمسَ محامدَ الناسِ بمعاصي الله، رَجَعَ حامده من النّاس ذامًّا، والسَّلام. وأخرجه وكيع في " الزهد " (٥٢٣)، ومن طريقه أحمد في " الزهد " ص ١٦٥ عن زكريا ابن أبي زائدة، عن عامر الشعبي، قال: كتبت عائشة إلى معاوية: أمّا بعدُ، فإنّ العبدَ إذا عمل بمعصيةِ اللهِ، عادَ حامدُه مِنَ النّاسِ ذامًّا. وأخرجه ابنُ المبارك في " الزهد " (٢٠٠) عن عنبسة بن سعيد، عن عباس بن ذريح، قال: كتبتْ عائشةُ إلى معاوية وأخرجه ابن أبي شيبة في " المُصَنَّف " ١٤/ ٦١ من طريقِ محمدِ بنِ عبد الله الأسدي، عن سفيان، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، أنّها كتبت إلى معاوية: أوصيك بتقوى الله، فأنَّك إن اتَّقيت الله، كفاكَ النّاسَ، وإن اتّقيت النّاس، لم يُغنوا عنك من الله شيئًا، فعليكَ بتقوى الله. وأخرجه القضاعي في " مسند الشهاب " (٤٩٨)، وابن الأعرابي في " معجمه " ٨٢/ ١، والبيهقي (٨٨٣) من طريق قطبة بن العلاء الغنوي، ثنا أبي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أنّ النيي - ﷺ - قال: " منْ طلبَ محامدَ النّاسِ بمعاصيِ اللهِ، عادَ حامدُه من الناس ذامًّا ". وأخرجه البيهقي (٨٨٢)، والخرائطي في " مساوىء الأخلاق " ٢/ ٥/٢/، والعقيلي في " الضعفاء " ٣/ ٣٤٣، وابن عدي في " الكامل، ٦/ ٢٠٧٦، ووكيع في " أخبار القضاة " ١/ ٣٨ بلفظ: " من التمس محامدَ الناسِ بمعاصي الله، عادَ حامدُه من الناس ذامًّا ". وقطبة بن العلاء، قال البخاري: ليس بالقوي، وقال العقيلي. لا يتابع على حديثه، وقال ابنُ حبّان: كانَ يخطىء، فعدل عن مسلك الاحتجاج به، وأبوه. قال العقيلي: لا يُتابع عليه، ولا يُعرف إلاّ به.
(٢) في (ب): رواة الحديث.
[ ٣ / ١٩١ ]
الحديث العاشر: تحريم وصل الشعر على النساء
الحديث الحادي عشر: " العينان وكاء السه "
الحديث الأول: " لا تنقطع الهجرة "
المزِّيِّ، فلم أَجِدْهَا فيه، ولعلَّ ما كتبته مِنْ ذلك وَهْمٌ، والله أعلم، وهو معنى صحيحٌ، مجمعٌ عليه، لا يحتاجُ إلى روايةٍ ولا شاهدٍ.
الحديث العاشر: تحريم وصل الشعر على النساء، وشواهده مشهورة، ولا أعلمُ فيه خِلاَفًَا على سبيلِ الجُمْلَةِ (١).
الحديث الحادي عشر: " العَيْنَانِ وِكاءُ السَّه " (٢)، وهو مروِيٌّ عن عليٍّ ﵇، رواه أبو داوود عن عليٍّ ﵇، والَّذي عن معاوية هو مذهبٌ معروف عَنِ العُلماء.
القسم الثالث: ما يُوَافِقُ مذهبَ المعترِضِ من حديثه، وفيه أحاديثُ.
الحديثُ الأول: حديث " لا تَنْقَطعُ الهِجْرَةُ " (٣) رواه عنه أبو داوود،
_________________
(١) تقدم تخريجه في ص ١٦٣ - ١٦٤.
(٢) رواه أحمد ٤/ ٩٧ من طريق بكر بن يزيد، والدارمي ١/ ١٨٤، والبيهقي ١/ ١١٨ من طريق بقية، والدارقطني ١/ ١٩٠ من طريق الوليد بن مسلم، ثلاثتهم من طريق أبي بكر بن أبي مريم، عن عطية بن قيس الكلاعي، عن معاوية وحديث علي رواه أبو داوود (٢٠٣)، وابن ماجة (٤٧٧)، وأحمد ١/ ١١١، والدارقطني ١/ ١٦١، والبيهقي ١/ ١١٨ من طرق عن بقية بن الوليد، عن الوضين بن عطاء، عن محفوظ بن علقمة، عن عبد الرحمن بن عائذ، عن علي ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: " العينُ وِكاءُ السَّهِ، فمنْ نامَ فليتوضأْ ". وسنده حسن كما قال ابن الصلاح، والمنذري، والنووي. وبقيةُ صرَّح بالتحديث عند أحمد، فانتفَت شبهةُ تدليسه. و" السَّه ": قال ابن الأثير: السَّه: حلقةُ الدُّبُر، وهو من الاستِ، وأصلها سته بوزن فرس، وجمعها أستاه كأفراس ثم قال: ومعنى الحديث أن الإنسان مهما كان مستيقظًا، كانت استُه كالمشدودة الموكى عليها، فإذا نامَ، انحلَّ وكاؤها، كنى بهذا اللفظ عن الحدث وخروج الريح، وهو من أحسنن الكنايات وألطفها.
(٣) رواه أبو داوود (٢٤٧٩)، وأحمد ٤/ ٩٩، والدارمي ٢/ ٢٣٩، والنسائي في " الكبرى " كما في " التحفة " ٨/ ٤٥٤ من طريق حريز بن عثمان عن عبد الرحمن بن أبي عوف الجرشي، عن أبي هند البجلي، عن معاوية، عن رسول الله - ﷺ - قال: " لا تنقطعُ الهجرةُ حتَّى تنقطعَ التوبةُ، ولا تنقطعُ التوبةُ حتى تطلعَ الشمسُ من مغربها ". وأبو هند البجلي: قال =
[ ٣ / ١٩٢ ]
الحديث الثاني: النهي عن لباس الذهب إلا مقطعا
ولم يَصِحَّ عنه، قال الخطَّابيُّ: في إسناده مقالٌ، وله شاهدٌ عن عبد الله بنِ السَّعدي رواه النَّسائيُّ.
الحديث الثاني: النَّهْي عن لباسِ الذَّهب إلا مُقَطَّعًا (١)، رواه عنه أبو داوود، والنسائي، وله شواهدُ ذكرها النسائي، فإنَّه روى ذلك عن جَمْعٍ مِنْ أصحاب النَّبي - ﷺ - إلا قولُه في حديثه " إلا مُقَطَّعًَا " فرواه النسائي عن عبد الله بن عمر (٢) بن الخطاب، وهو مرويٌّ عن جَمْعٍ مِنَ الصّحابة أنَّهُم صدَّقُوا معاويةَ فيه حين رواه، ذكره أحمد في مسند معاوية، وهو
_________________
(١) = عبد الحق: ليسَ بالمشهور، وقال ابنُ القطان: مجهول. وأخرجه أحمد في " مسنده " ١/ ١٩٢ من طريق الحكم بن نافع، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد يرده إلى مالك بن يخامر، عن ابن السعدي أن النبي - ﷺ - قال: " لا تنقطعُ الهجرةُ ما دام العدوُّ يُقاتلُ ". فقال معاوية، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عمرو بن العاص: إنَّ النبي - ﷺ - قال: إنَّ الهجرة خَصْلَتان، إحداهما أن تهجرَ السيئات، والأخرى أن تهاجر إلى اللهِ ورسوله، ولا تنقطعُ الهجرة ما تقبلت التوبة، ولا تزال التوبة مقبولةً حتى تطلع الشمس من المغرب، فإذا طلعت طُبع على كل قلب بما فيه، وكُفي الناسُ العملَ. وحديث عبد الله بن السعدي رواه النسائي ٧/ ١٤٦ و١٤٧ من طريقين عن عبد الله بن العلاء بن زبر، عن بُسر بن عبيد الله، عن أبي إدريس الخولاني، عن حسان بن عبد الله الضمري، عن عبد الله بن السعدي قال: قال رسول الله - ﷺ -: " لا تنقطِعُ الهجرةُ ما قُوتِلَ الكفارُ " وهذا سند صحيح، وله طريق آخر عند أحمد ٥/ ٢٧٠، وسنده حسن.
(٢) رواه أبو داوود (٤٢٣٩)، والنسائي ٨/ ١٦١ و١٦٢. وروى تصديقَ الصحابة لمعاوية: أحمد في " مسنده " ٤/ ٩٢ و٩٨ و٩٩. ورواه أحمد دون قوله: " إلا مقطعًا " في " مسنده " ٤/ ٩٦ و١٠١، والنسائي ٨/ ١٦٢ و١٦٣. وقوله " إلا مقطعًا " قال ابن الأثير: أراد الشيء اليسير منه كالحلقة والشنف ونحو ذلك وكره الكثير الذي هو عادة أهل السرف والخيلاء والكبر. وقال السندي: أي: مكسرًا مقطوعًا، والمراد الشيء اليسير مثل السن والأنف، والله أعلم.
(٣) تحرف في (ب) إلى "عمرو".
[ ٣ / ١٩٣ ]
الحديث الثالث: " الصيام يوم كذا وكذا، ونحن متقدمون "
الحديثُ الخامسِ من الجامع من مسنده لابنِ الجوزيِّ، وهو مذهبُ الإمام المنصورِ بالله ﵇، وقد تقدَّم الكلامُ عليه في الحديث السابعِ من القسم الأول (١).
الحديثُ الثالث. عن القاسم بنِ عبدِ الرحمن أبي عبد الرحمن مولى بني أُميَّة، أو يُقال: مولى آل معاوية، ويقال: مولى معاوية، عن معاوية: كان رسول الله - ﷺ - يقولُ على المنبر قَبْلَ شهرِ رمضان: " الصيامُ يَوْمُ كذا وكَذا، ونَحْنُ مُتَقَدِّمُون، فَمَنْ شَاء فَلْيَتَقَدَّمَ، وَمَنْ شاءَ فليتأخر " (٢) رواه ابنُ ماجه في الصوم، قيل: إنَّه لم يسمع من صحابِيِّ إلا مِن أبي أُمامة، وكان أحمدُ بنُ حنبل (٣) يحْمِلُ عليه ويتَّهِمُه، وقال: يروي عنه عليٌّ بن يزيد عجائبَ، وما أراها إلا من قِبَلِ القاسِمِ.
وقال ابنُ حبان (٤): كان يروي عن أصحاب رسولِ الله - ﷺ - المُعْضِلاتِ. ورُوِيَ توثيقُه عن ابنِ معين، والترمذي، وكان يُروى عنه زهدٌ وعبادة، فالله أعلم، والراوي عنه العلاءُ بنُ عبد الرحمن (٥): صالح
_________________
(١) انظر ص ١٦٩ - ١٧٠.
(٢) رواه ابن ماجه (١٦٤٧) من طريق العباس بن الوليد الدمشقي، حدثنا مروان بن محمد، حدثنا الهيثم بن حميد، حدثنا العلاء بن الحارث، عن القاسم أبي عبد الرحمن أنه سمع معاوية بن أبي سفيان على المنبر يقول فذكره. قال البوصيري في " مصباح الزجاجة " ورقة ١٠٩: هذا إسناد رجاله موثقون، لكن قيل: إن القاسم بنَ عبد الرحمن أبو عبد الرحمن لم يسمع من أحد من الصحابة سوى أبي أمامة. قاله المزي في " التهذيب "، والذهبي في " الكاشف ". وقد روى البخاري وأصحابُ السنن من حديث أبي هريرة مرفوعًا " لا يتقدمنَّ أحدُكم رمضانَ بصومِ يومٍ أو يومين إلا أن يكون رجلًا كان يصومُ صومًا فليصُمْه ". فهذا مخالف لرواية ابن ماجة.
(٣) " بن حنبل " ساقطة من (ب).
(٤) في " المجروحين والضعفاء " ٢/ ٢١٢.
(٥) هذا خطأ من المؤلف -﵀- صوابُه العلاء بن الحارث بن عبد الوارث =
[ ٣ / ١٩٤ ]
الحديث الأول: استلام الأركان كلها
أنكر من حديثه أشياء، وممَّا أنكروا من حديثه: حديثُ النَّهي عن الصومِ إذا انتصف شعبانُ (١)، وفيه خلافٌ وكلامٌ كثيرٌ، وشيخُ ابن ماجه فيه عباسُ بنُ الوليد الدِّمشقي صُوَيْلِحٌ، وقال أبو داوود: أُحَدِّثُ عنه.
القسمُ الرابعُ: ما يتعلَّقُ بالفضائل، مما ليس بمشهور، ولكن له شواهد عن غيرِه، وفيه أحاديثُ.
الأوَّلُ: استلام الأركانِ كُلِّها (٢)، وهو مذهبُ الحسن والحسين
_________________
(١) = الحضرمي أبو وهب الدمشقي، فإنه هو الذي رواه عن القاسم كما في " سنن ابن ماجه "، والعلاء بن الحارث هذا قال الحافظ في " التقريب " عنه: صدوق، فقيه، لكن رمي بالقدر وقد اختُلِطَ، وهو من رجال مسلم وأصحاب السنن.
(٢) أخرجه أحمد ٢/ ٤٤٢، وأبو داوود (٢٣٣٧)، والترمذي (٧٣٨)، وابن ماجة (١٦٥١)، والنسائي في " الكبرى " كما في " التحفة " ١٠/ ٢٣٩ من طرق عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: " إذا انتصف شعبان فلا تَصُوموا ". قال الترمذيُّ: حديثُ أبي هريرة حديث حسن صحيح لا نعرفُه إلا مِنْ هذا الوجه على هذا اللفظ، ومعنى هذا الحديث عند بعض أهل العلم أن يكون الرجلُ مُفْطرًا، فإذا بقيَ من شعبانَ شيء، أَخَذَ في الصوم لحالِ شهر رمضان. وقد رُوِيَ عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - يُشبه قولَهم حيثُ قال - ﷺ -: " لا تَقَدَّموا شهرَ رمضانَ بصيام إلا أَنْ يُوافقَ ذلك صومًا كان يصومُه أحدُكم ". وقد دَلَّ في هذا الحديث أن الكراهية على من يتعمَّدُ الصيامَ لحالِ رمضان.
(٣) أخرجه عبد الرزاق في " المصنفِ " (٨٩٤٤)، ومن طريقه أحمد ١/ ٣٣٢، والطبراني في " الكبير " (١٠٦٣١) حدثنا معمر، والثوري، عن عبد الله بن خُثَيْمٍ، عن أبي الطفيل قال: كنت مع ابن عباس ومعاوية، فكان معاويةُ لا يَمُرُّ بركنٍ إلا استَلَمه، فقال ابنُ عباس: إنَّ رسول اللهِ - ﷺ - لم يَكُنْ ليستلمَ إلا الحجر واليماني، فقال معاوية: ليس شيء من البيت مهجورًا. وإسناده صحيح. وأخرجه الترمذي (٨٥٨) عن محمود بن غيلان، عن عبد الرزاق، به. وقال: حسن صحيح. ورواه أحمد ١/ ٣٧٢ من طريق سعيد بن أبي عروبة، والطبراني (١٠٦٣٤) من طريق شعبة، كلاهما عن قتادة، عن أبي الطفيل نحوه.
[ ٣ / ١٩٥ ]
الحديث الثاني: " طلحة ممن قضى نحبه "
﵉، وأنس، وابنِ الزبير، ورواية عن ابنِ عباس، ذكر (١) ذلِكَ أبو عمر (٢) بنُ عبدِ البر في " تمهيدِه "، ومن روى أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لم يستلم الشَّامِيَّيْنِ، فقد علَّل ذلك بأنَّ الحجر مِنَ البيت، فَلَيْسَا رُكْنَي البيت على الحقيقة كما ورد هذا التعليلُ.
الحديث الثاني (٣): حديث " طلحة مِمَّن قضى نَحْبَهُ " (٤) رواه عنه الترمذيُّ، والطّيالسيُّ، والحديثُ معروف مِنْ رواية طلحة، ومن رواية عائشة، وله شاهد في " مسلم " (٥) عن أبي هُريرة.
_________________
(١) في (ب): روى.
(٢) في (ش) و(ب): " عمرو"، وهو خطأ.
(٣) تحرف في (ب) إلى: " الأولى ".
(٤) أخرجه الترمذي (٣٢٠٢) و(٣٧٤٠)، وابن ماجه (١٢٦) و(١٢٧)، وابن سعد في " الطبقات " ٣/ ٢١٨ من طرق عن إسحاق بن يحيى بن طلحة، عن موسى بن طلحة قال: دخلت علي معاوية، فقال: ألا أبشرُكَ؟ قلتُ: بلَى، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: " طلحةُ مِمَّن قَضَى نحبَه ". وهذا سند ضعيف، لضعفِ إسحاقَ بنِ يحيى بن طلحة التيمي. ولم أجدْه في المطبوع من " مسند الطيالسي " مع أن الإمام الذهبي نسبه إليه أيضًا في " السير " ١/ ٢٨ من حديث معاوية. وإنما رواه الطيالسي (١٧٩٣) من حديث جابر، وفي سنده الصلت بن دينار، وهو متروك. وهو في " سنن الترمذي " (٣٧٤٠). وأخرجه الترمذي (٣٧٤٢)، وأبو يعلى (٦٦٣) من طريق طلحة بن يحيى، عن موسى، وعيسى ابني طلحة، عن أبيهما طلحة أن أصحاب رسول الله - ﷺ - قالوا لأعرابيٍّ جاهل: سَلْه عمَّنْ قَضَى نحبَه منْ هُوَ؟ وكانوا لا يجترؤون هم على مسألته، يُوَقِّرونَه، ويهابونَه، فسأله الأعرابيُّ، فأعرض عنه، ثم سألَه، فأعرض عنه، ثم إني اطَّلَعْتُ من بابِ المسجد وعليَّ ثيابٌ خُضْرٌ، فلمَّا رآني رسولُ الله - ﷺ - قالَ: أيْنَ السائلُ عمَّنْ قَضَى نَحْبَه؟ " قال الأعرابيُّ: أنا يا رسولَ الله، قال: " هذا ممَّنْ قَضى نحبَه ". وقال الترمذي: هذا حسن غريب، وهو كما قال. وأخرجه الطبراني (٢١٧) من طريق آخر عن طلحة. وحديث عائشة أخرجه ابن سعد ٣/ ٢١٨، وأبو يعلى في " مسنده " ورقة ٢٣٢/ ١، وأبو نعيم في الحلية ١/ ٨٨، وفي سنده صالح بن موسى، وهو متروك كما قال الهيثمي في " المجمع " ٩/ ١٤٨. ورواه الحاكم ٢/ ٤١٥ - ٤١٦ من طريق آخر، وفيه إسحاق بن يحيى، وهو ضعيف. وللحديث شاهد مرسل صحيح عند ابن سعد ٣/ ٢١٩.
(٥) رقم (٢٤١٧) في فضائل الصحابة: باب من فضائل طلحة والزبير.
[ ٣ / ١٩٦ ]
الحديث الثالث: حديث الفصل بين الجمعة والنافلة بعدها بالكلام
الحديث الرابع: " كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الشرك بالله وقتل المؤمن "
الحديث الثالث: حديثُ الفصل بَيْنَ الجُمُعَةِ والنّافلة بعدَها بالكلام، أَوِ الخُروجِ منَ المسجدِ (١)، رواه عنه مسلمٌ، وله شواهد (٢)، وهو في " مسند ابن أبي شيبة " عن عُمَرَ مِنْ ثلاث طُرُقٍ، وعن ابنِ مسعود من ثلاث طرق، وعن إبراهيم: كانوا يكرهون ذلك، وعن المسيَّب بنِ رافع مثله، ذكرها مخرِّجُ أحاديثِ " الهداية " منَ الحنفية، وله شاهد أيضاَّ عن ابنِ عمر مِن فعل النَّبِيِّ - ﷺ -، رواه البخاريُّ، وهو من أحاديث الفضائل.
الحديث الرابع: " كُلُّ ذَنْبٍ عَسَى اللهُ أنْ يَغْفِرَهُ إلا الشِّرْكَ باللهِ، وَقَتْلَ المُؤْمِنِ " (٣) رواه عنه (٤) النّسائيُّ، وله شاهدٌ مِن حديث أبي الدّرداء بنحو لفظه رواه عنه أبو داود، وأمّا بغير لفظه فشواهدُهُ لا تُحْصَى، بلِ القرآن الكريم أصدقُ شاهد لذلك، بل مُغْنٍ عن ذكر ذلِكَ، وسيأتي ما ورد
_________________
(١) رواه مسلم (٨٨٣)، وأبو داوود (١١٢٩)، وابن أبي شيبة في " المصنف " ٢/ ١٢٩ من طرق عن ابن جريج قال: أخبرني عمر بن عطاء بن أبي الخُوار، أن نافع بن جبير أرسلَه إلى السائب ابن أخت نَمرٍ يسألُه عن شيء رآه منه معاويةُ في الصلاة، فقال: نعم، صليتُ معَه الجمعةَ في المقصورة، فلمَّا سَلَّم الإمامُ، قمتُ في مقامي، فصليتُ، فلمَّا دخَلَ، أرسَلَ إليَّ فقال: لا تَعُدْ لِمَا فعلتَ، إذا صليتَ الجُمعةَ فلا تَصِلْها بصلاةٍ حتَّى تكلَّم أو تخرُجَ، فإن رسول الله - ﷺ - أَمَرَنا بذلك، أن لا توصَلَ صلاةٌ بصلاةٍ حتَّى نتكلَّمَ أو نخرُجَ. وحديث ابن عمر رواه البخاري (٩٣٧) و(١١٦٥) و(١١٧٢) و(١١٨٠)، ومسلم (٨٨٢)، وأبو داوود (١١٢٧) و(١١٢٨) و(١١٣٠) و(١١٣٢)، وابن ماجه (١١٣٠)، والنسائي ٣/ ٥١، وابن أبي شيبة في " المصنف " ٢/ ١٣٩.
(٢) في (ش): شاهد.
(٣) رواه أحمد ٤/ ٩٩، والنسائي ٧/ ٨١، والحاكم ٤/ ٣٥١ وصححه، ووافقه الذهبي مع أن أبا عون أحد رواته لم يُوَثِّقْه غيرُ ابنِ حبان، لكن يتقوى بشاهده من حديث أبي الدرداء. رواه أبو داوود (٤٢٧٠)، وصححه ابن حبان (٥١)، والحاكم ٤/ ٣٥١، ووافقه الذهبي، وهو كما قالوا. وانظر الآية (٤٨) و(٩٣) من سورة النساء.
(٤) في (ب): " عند " وهو خطأ،
[ ٣ / ١٩٧ ]
الحديث الأول: حديث وفاة رسول الله - ﷺ - وهو ابن ثلاث وستين
في ذلك في الكلام في مسألة الإِرجاء والرَّجاءَ من آخِرِ هذا الكِتاب إنْ شاء الله تعالى.
القسم الخامس: ما لا يتعلَّق به حُكْمٌ وفيه أحاديث.
الحديث الأول: حديث وفاةِ رسولِ الله - ﷺ - وهو ابنُ ثلاثٍ وستِّين سنة (١)، رواه مسلم عنه (٢)، وقد تابعه على ذلِكَ غيرُ واحدٍ، ولذلك كان أكثرَ الأقوال وأصحّها، ذَكَرَ ما يقتضي ذلِكَ ابنُ الأثيرِ في " جامعه " (٣)، وقيل في مُدَّةِ عمره - ﷺ - غيرُ ذلِكَ.
الثاني: ذكرُ حديثِ كعبٍ الأحبارِ عن أهلِ الكتاب (٤).
_________________
(١) رواه مسلم (٢٣٥٣)، والترمذي في " السنن " (٣٦٥٣)، وفي " الشمائل " (٣٦٢)، والنسائي في " الكبرى " كما في " التحفة " ٨/ ٤٣٤. وله شواهد من حديث عائشة عند البخاري (٤٤٦٦)، ومسلم (٢٣٤٩)، والترمذي في " السنن " (٣٦٥٤)، و" الشمائل " (٣٦٣). ومن حديث ابن عباس عند مسلم (٢٣٥١)، والترمذي (٣٦٥٢)، و" الشمائل " له (٣٦١).
(٢) في (ب): عنه مسلم.
(٣) أي: في " جامع الأصول ". انظر ١١/ ٢١٧ - ٢٢٠، وانظر أيضًا " فتح الباري " ٨/ ١٥٠ - ١٥١.
(٤) علَّقَه البخاري في " صحيحه " (٧٣٦١) في الاعتصام، باب: قول النبي - ﷺ -: لا تسألوا أهلَ الكتاب عن شيء، فقال: وقال أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزُّهري، أخبرني حُميد بن عبد الرحمن، سَمِعَ معاويةَ يحدث رَهطًا من قريش بالمدينة، وذكر كعبَ الأحبار، فقال: إنْ كان من أصدقِ هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب، وإن كنا - مع ذلك لنبلو عليه الكذب. قال الحافظ تعليقًا على قوله: وقال أبو اليمان: كذا عند الجميع، ولم أره بصيغة " حدثنا "، وأبو اليمان من شيوخه، فإما أن يكون أخذه عنه مُذاكرةً، وإما أن يكونَ ترك التصريحَ بقولِه: حدثنا، لكونه أثرًا موقوفًا، ويحتمل أن يكون مما فاته سماعه، ثم وجدت الإسماعيلي أخرجه عن عبد الله بن العباس الطيالسي، عن البخاري قال: حدثنا أبو اليمان، ومن هذا الوجه أخرجه أبو نعيم، فذكره، فظهر أنَّه مسموع له، وترجحَ الاحتمالُ الثاني، ثم وجدتُه في " التاريخ الصغير " للبخاري، قال: حدثنا أبو اليمان.
[ ٣ / ١٩٨ ]
الحديث الثالث: " إنما أنا خازن والله المعطي "
الحديث الرابع: قوله - ﷺ - للناس: " الصيام يوم كذا "
الحديث الخامس: " الخير عادة والشر لجاجة "
الثالث: حديث " إنَّمَا أنَا خَازِنٌ، واللهُ الْمُعْطِي " (١) رواه مسلم، وله شاهِدٌ رواه عليٌّ ﵇ عن رسولِ الله - ﷺ - ولفظه: " لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْت، وَلاَ يَنْفَعَ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ"، رواه مسلمٌ مِن حديث عليٍّ ﵇ فيما يُقَالُ في الاعتدال مِنَ الرُّكوع، ومعناه مجمعٌ عليه، وشواهدُهُ لا تُحصى.
الرابع: قولُهُ - ﷺ - للنّاس: " الصِّيام يَوْمُ كذا " (٢) رواه ابن ماجه، ولا ثمرةَ له إلا أنَّه يُستحب للإمام، والقاضي إذا علِمَ أوَّلَ الشَّهْرِ أنْ يُخْبِرَ النَّاسَ، وما زال النَّاسُ على هذا، وهذه سُنَّةٌ مستمرة.
الخامس: حديث " الخَيْرُ عَادَةٌ والشّرُّ لَجَاجَةٌ "، رواه ابن ماجه (٣).
_________________
(١) رواه البخاريُّ (٧١) و(٣١١٦) و(٣٦٤١) و(٧٣١٢) و(٧٤٦٠)، ومسلم (١٣٧)، وأحمد ٤/ ٩٣ و٩٥ و٩٧ و٩٨. ورواه أحمد ٤/ ١٠١ بلفظ: " إني انا مبلغٌ، والله يهدي، وقاسمٌ، واللهُ يُعطي " وقد ثبت أيضًا هذا الدّعاء أن رسول الله - ﷺ - كان يدْعُو به إذا فرَغ من الصلاة وسلم. رواه البخاري (٨٤٤)، ومسلم (٥٩٣) من حديث المغيرة بن شعبة. ورواه ابن ماجه (٨٧٩) من حديث أبي جحيفة. أما حديث علي، فليسَ في الباب الذي أشار إليه المصنفُ عند مسلم، إنما رواه مسلم في نفس الباب من حديث أبي سعيد الخدري (٤٧٧)، وحديث ابن عباس (٤٧٨)، والدارمي ١/ ٣٠١. وأما حديث علي، فأخرجه مسلم (٧٧١) مطولًا في صلاة المسافرين، باب: الدعاء في صلاة الليل وقيامه، وفيه: " وإذَا رفَعَ رأسَه مِنَ الركوع، قالَ: اللهُمَّ ربَّنا لَكَ الحمدُ مِلْء السماواتِ، ومِلْء الأرضِ، ومِلء ما شئتَ من شيءٍ بعدُ ".
(٢) تقدم تخريجه ص ١٩٤.
(٣) برقم (٢٢١) من طريق هشام بن عمار، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا مروان بن جناح، عن يونس بن ميسرة بن حلبس أنَّه حدثه قال: سمعتُ معاويةَ بن أبي سفيان يحدث عن رسول الله - ﷺ - أنَّه قال: " الخيرُ عادةٌ، والشرُّ لجاجةٌ، ومن يُردِ اللهُ به خيرًا يُفقِّهْهُ في الدينِ "، وهذا سند حسن. وصححه ابن حبان (٣١٠). ورواه القُضاعي في " مسند الشهاب " (٢٢)، وأبو نعيم في " الحلية " ٥/ ٢٥٢، وفي " أخبار أصبهان " ١/ ٣٤٥، والطبراني في " الكبير " ١٩/ (٩٠٤) من طرق عن الوليد، به. وقوله: " الخيرُ عادةٌ " قال المناوي: لعود النفس إليه، وحرصها عليه من أصل الفطرة. =
[ ٣ / ١٩٩ ]
الحديث السادس: " لم يبق من الدنيا إلا بلاء وفتنة "
الحديث السابع: " إنما الأعمال كالوعاء إذا طاب أسفله طاب أعلاه "
الحديث الثامن: " سبب نزول قوله تعالى: ﴿الذين يكنزون الذهب والفضة﴾
السادس: حديث " لمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إلا بَلاَءٌ وَفِتْنَة "، رواه ابن ماجه (١).
السابع: حديث " إنَّما الأعمالُ كالوِعَاءِ إذا طابَ أسْفَلُهُ، طَابَ أَعلاهُ " رواه ابن ماجه (٢).
الثامن: سبب نزول قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ (٣) [التوبة: ٣٤] وفيمَ نزلت، رواه البخاريُّ، والنِّسائي مِنْ طُرُقٍ
_________________
(١) = قال الغزالي: من لم يَكُنْ في أصل الفطرة جوادًا مثلًا، فيتعود ذلك بالتكلف، ومن لم يخلق متواضعًا يتكلفه إلى أن يتعوَّدَه، وكذلك سائر الصفات يعالج بضدها إلى أن يحصلَ الغرضُ .. وأكثر ما تستعمل العرب العادة في الخير، وفيما يسرُّ وينفعُ. و" الشر لجاجة ": لما فيه من العوجِ وضيقِ النفس والكرب، واللجاج أكثر ما يستعملُ في المراجعةِ في الشيء المُضِرِّ بشؤمِ الطبعِ بغير تدبُّر عاقبةٍ، وُيسمى فاعلُه لجوجًا، كأنه أخذ من لُجة البحر، وهي أخطرُ ما فيه، فزَجَرَهُم المصطفى - ﷺ - عن عادةِ الشَّرِّ بتسميتها لجاجةً، وميَّزَها عن تَعَوُّدِ الخير بالاسم للفرق.
(٢) برقم (٤٠٣٥) من طريق غياث بنِ جعفر الرحبي، أنبأنا الوليدُ بن مسلم، سمعتُ ابن جابر يقول: سمعت أبا عبد ربه يقول: سمعتُ معاوية يقول: سمعت النبي - ﷺ - يقول: " لم يبقَ مِنَ الدُّنيا إلا بَلاءٌ وفِتْنةٌ ". وهذا سند قوي، ابن جابر: هو عبد الرحمن بن يزيد. وقال البوصيري في " مصباح الزجاجة " ورقة ٢٥٣: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، وصححه ابن حبان (٦٩٠). ورواه ابن المبارك في " الزهد " (٥٩٦)، ومن طريقه أحمد في " المسند " ٤/ ٩٤، والطبراني في " الكبير " ١٩/ (٨٦٦) عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، به. وزاد فيه: " وإنَّمَا مَثَلُ عملِ أحدِكُم كمثلِ الوِعَاء إذا طَابَ أعلاهُ، طابَ أسفلُهُ، وإذا خَبُثَ أعلاه، خَبُثَ أسفلُهُ ".
(٣) برقم (٤١٩٩) من طريق عثمان بن إسماعيل بن عمران الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثني أبو عبد رب، قال: سمعت معاوية
(٤) رواه البخاري (١٤٠٦) و(٤٦٦٠) والنسائي في التفسير في " الكبرى " كما في التحفة ٩/ ١٦٣، والطبري (١٦٦٧١) و(١٦٦٧٣) و(١٦٦٧٤).
[ ٣ / ٢٠٠ ]
الحديث التاسع: أن معاوية ذكر أشياء لجمع من أصحاب رسول الله، فقالوا: فقال: أتعلمون أنه نهى عن جمع بين حج وعمرة
كلّها من حديث زيد بن وهب، عن أبي ذرٍ أنّه قال: نزلت فينا، وفي أهلِ الكتاب، وخالفه معاويةُ، وقال: إنَّما نزلت في أهلِ الكتاب، وهذا الحديثُ إنَّما ذُكِرَ لسياق قصَّة أبي ذرٍّ، وسبب خروجه من المدينة لمخالفة معاوية له في ذلك، واجتماع النّاس عليه، وليس يَلْتَفِتُ أحدٌ مِنْ أهلِ السُّنَّة إلى ترجيح معاوية على أبي ذرٍّ، ولا يختلفون في ترجيح أبي ذَرٍّ، سيما وقد وافقه ابنُ عباس، وابنُ عمر، وثوبانُ، وأبو هريرة كما ذكره أهلُ كتب الحديث والتَّفسير، وإن كان الواحديُّ (١) أشار إلى اختلاف المفسرين في ذلك مِنْ أجلِ أنّ الآية الّتي قبلها في أهل الكتاب، ولذلك قالوا: إنّها محتملة، وهذا أيضًا غيرُ مرفوعٍ إلى النَّبِيِّ - ﷺ -، ويدلُّ على ما ذكرته أنّ البخاريَّ قال: باب قوله ﷿ ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] ثمَّ بدأ فيه بحديثِ أبي هريرة عنه - ﷺ - " يَكُونُ كَنْزُ أحَدِكمْ يَوْمَ القيَامَةِ شُجَاعًا أقْرَعَ " (٢)، فجعلها في المسلمين، ثم قوّاه وأردفه بحديثِ أبي ذرِّ أنَّ معاوية قال: إِنَّما هِيَ فيهم، فقلت: إنَّها لَفِينا وفيهم.
التاسع: وفي " المسند " من طريق قتادة عن أبي شيخ أنَّ معاوية ذكر أشياء لجَمْعٍ مِنْ أصحاب رسول الله - ﷺ -، فقالوا: فقال: أتعلمون أنه نهى عن جمْعٍ بَيْنَ حَجٍّ وَعُمْرة؟ قالوا: أمَّا هذه، فلا، قال: إنَّها مَعَهُنَّ.
رواه أحمدُ (٣)، وزاد: " ولكِنَّكمْ نَسِيتُمْ " ففي صحته نظرٌ، لما فيه من الاضطراب كما مضى في الحديث الثامن عشر من القسم الأول من حديث معاوية، وإن كان في ذلك النَّهْي عن القرانِ بين الحجِّ العمرة، وهو يقتضي النَّهْيَ عَنِ القِران، لا عن التَّمَتُّع، وهذا محتملٌ، وهو في القِران
_________________
(١) في " أسباب النزول " ص ١٦٥.
(٢) هو في " صحيحه " (٤٦٥٩).
(٣) ٤/ ٩٢.
[ ٣ / ٢٠١ ]
أظهرُ، فهذا مِنْ جملة اضطراب الرَّاوي في متن الحديث. على أنَّهُ قد رُوي له شواهد مع ضعفها عن رَجُلٍ صحابِيٍّ، وعن ابنِ المسيب، وعن بلالِ ابن الحارث، وعن أبي ذرٍّ موقوفًا عليه، وفي كُلٍّ منها مقالٌ، رواه أبو داود عن ابن المسيِّب، عن رجلٍ من أصحاب النَّبي - ﷺ - أنَّه أتى عُمَرَ، فَشَهِدَ عنده أنَّه سَمِعَ النَّبيَّ - ﷺ - في مرضه الَّذي قُبِضَ فيه ينهى عَنِ العُمرة قبْلَ الحجِّ، وعن حَيْوَةَ عن أبي عيسى الخُراساني سليمان بنِ كيسان، عن عبدِ الله بنِ القاسم، عن ابن المسيب به.
وقد تقدم في الحديثِ التاسعَ في القسم الأوّل أن معاويةَ روى أنّه قَصَّرَ منْ شعر النبيِّ - ﷺ - في حَجَّةِ الودَاعِ بعد عُمرته، مُتَّفَقٌ على صحَّته عنه، رواه الجماعة كلُّهم عنه (١) مِن حديثِ ابنِ عباس عنه، وليس عندهم لابنِ عباس عنه سواه، وهو الحديثُ الذي كان ابنُ عباس يقوله فيه: أمّا هذه فإنَّها على معاوية لا له، لأنَّه كان ينهى عَنْ مُتْعَةِ الحجِّ، وكان ابنُ عبَّاس، وعليٌّ ﵇، وجمهورُ الصَّحابة يُفْتُونَ بها، وكان عمر يُصَرِّحُ أنَّه رَأيٌ منه.
وفي حديث معاوية ذلك دِلالَةٌ على أنَّ التَّمَتُع بالعمرة إلى الحجِّ جائز، وأنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كان متمتِّعًا، وقد مضى أنَّه قولُ جماعةٍ كثيرةٍ مِنَ الصَّحابة، وَمَنْ بعدهم، وفيه تضعيفٌ لحديثه هذا في النَّهْيِ عن جمعٍ بين حجٍّ وعُمرة، فهذا مُنْكَرٌ جِدًّا، مُخالِفٌ لِمَا في الصِّحاح في مُتعة الحجِّ، وأنَّها لِأبَدِ الأبَد مما ذِكْرُه يَطُولُ (٢).
_________________
(١) عبارة " رواه الجماعة كلُّهم عنه " ساقطة من (ب).
(٢) انظر الأحاديث التي فيها الأمرُ بفسخ الحج إلى العمرة وتخريجها في " زاد المعاد " ٢/ ١٧٨ - ١٨٩ بتحقيقنا مع صاحبنا الأستاذ عبد القادر الأرنؤوط.
[ ٣ / ٢٠٢ ]
بقية أحاديث معاوية من " المسند " مما لا نكارة فيه
ولما روى الحارثُ بنُ بلال عن أبيه هلال بن الحارث أنّ فَسْخَ الحجِّ إلى العُمرة كان خاصًّا بأصحابِ النّبيِّ - ﷺ -، قال أحمد بنُ حنبل، لا يُعْرَفُ الحارثُ بنُ بلال، ولو عُرف، إِلاّ أنَّ أحدَ عشرَ رجلًا من أصحابِ النَّبيِّ - ﷺ - يُخَالِفُونه، أين يَقَعُ الحارثُ منهم ذكره ابنُ تيمية في " المنتقى" (١).
وأما حديثُ معاوية هذا لا أعلمُ أن أحدًا منهم صحَّحه، ولا التفت إليه -أعنىِ مِنْ أئِمّة الحديثِ- وإنَّما خَرَّجَ مسلم (٢) شيئًا موقوفًا في هذا عن أبي ذرٍّ مِن قوله في معنى حديث بلال بن الحارث، وهو ضعيف أيضًا.
وبقيةُ ما في " المسند " عنه مما لا نكارةَ فيه:
منها: " الإِيمانُ قَيْدُ الفَتْكِ " (٣)، و"مَنْ كَذَبَ علَيَّ
_________________
(١) انظر " المنتقى " مع شرحه " نيل الأوطار " ٥/ ٦٣. وحديث الحارث بن بلال عن أبيه رواه أبو داود (١٨٠٨)، والنسائي ٥/ ١٧٩، وأحمد ٣/ ٤٦٩، وهو ضعيف لجهالة الحارث. وانظر " زاد المعاد " ٢/ ١٨٩ - ١٩٤.
(٢) في " صحيحه " (١٢٢٤) قال: كانت المتعةُ في الحجِّ لأصحابِ محمدٍ - ﷺ - خاصة. قال ابن القيم في " زاد المعاد " ٢/ ١٩٤: وأما ما رواه مسلم في " صحيحه ": عن أبي ذر، أن المتعة في الحج كانت لهم خاصة، فهذا إن أريدَ به أصلُ المتعة، فهذا لا يقولُ به أحدٌ من المسلمين، بل المسلمون متفقونَ على جوازِها إلى يومِ القيامة، وإن أريد به متعةُ الفسخ، احتملَ الوجوهَ الثلاثةَ المتقدِّمة. وقال الأثرمُ في " سننه ": وذكر لنا أحمدُ بن حنبل أن عبد الرحمن بن مهدي حدثه عن سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبي ذر في متعةِ الحجِّ كانت لنا خاصة. فقالَ أحمدُ بن حنبل: رَحِمَ اللهُ أبا ذر، هِيَ في كتاب الله ﷿: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾.
(٣) حديث صحيح بشواهِدِهِ. رواهُ من حديث معاوية: أحمد ٤/ ٩٢، وأبو نعيم في " أخبار أصبهان " ١/ ١٨٩، والحاكمُ ٤/ ٣٥٢، والطبراني في " الكبير " ١٩/ (٧٢٣)، والقضاعي في " مسند الشهاب " (٨٦٣)، وفي سنده علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف. ورواه من حديث أبي هريرة: أبو داود (٢٧٦٩)، والحاكم ٢/ ٣٥٢، وفي سنده عبدُ =
[ ٣ / ٢٠٣ ]
مُتَعَمِّدًا" (١)، و" مَنْ مَاتَ بِغَيرِ إمَامٍ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً " (٢)، و" العَيْنانِ وِكَاءُ السَّهِ " (٣)، و" العُمرى جائزة (٤)، والنّهْي عن
_________________
(١) = الرحمنِ بنُ أبي كريمة والد السدي، وهو مجهول الحال. ورواه من حديثِ الزبيرِ: أحمدُ ١/ ١٦٦ و١٦٧، وابن أبي شيبة ١٥/ ٢٧٩، وفيه عنعنة الحسن. ورواه من حديث عمرو بن الحمق: القضاعي في " مسند الشهاب " (١٦٤)، وفيه رشدين بن سعد، وهو ضعيف. ورواه الطحاويُّ في " مشكل الآثار " رقم (٢٠٣) بتحقيقِنا، وأبو نعيم في " الحلية " ٩/ ٢٤ والطبراني في " الصغير " (٥٨٤) من طرق عن السدي -إسماعيل بن عبد الرحمن- عن رفاعة بن شداد الفِتياني، عن عمرو بن الحمق ﵁ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: " مَنْ أمَّنَ رجلا على دمِه، فقَتلَه، فأنا بريءٌ مِنَ القاتِل وإنْ كانَ المقتولُ كافرًا " وهذا سند حسن. وصحَّحَه ابن حبان (١٦٨٢). ورواه الطبرانيُّ في " الصغيرِ " (٣٨) من طريقِ هُدبة بن خالد، عن بيان بن بشر، عن رِفاعة، به. ورواه ابنُ ماجه (٢٦٨٨)، والطحاوي (٢٠١) و(٢٠٢)، وأحمد ٥/ ٢٢٣ و٢٢٤، والنسائي في " الكبرى " كما في " التُّحفة " ٤/ ٥٩ - ٦٠ من طريق عبد الملك بن عمير، عن رفاعة بن شداد الفِتياني قال: لولا كلمةٌ سمعتُها من عمرو بن الحمق الخزاعي لمشيتُ فيها بين رأسِ المختار وجسدِه، سمعتُه يقولُ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: " مَنْ آمن رجلًا على دمِهِ فقتلَه، فإنه يحمل لواء غدْرٍ يوم القيامةِ ". وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات كما قال البوصيري في " مصباح الزجاجة " ورقة ١٧٢. والفِتياني -بالفاء والياء-: نسبة إلى بطن من بجيلة من أهلِ اليمن، وقد تَصَحَّفَ في غير ما مصدر إلى " القتباني " بالقاف والباء، وتابعَ الألبانيُّ هؤلاء في " صحيحته " (٤٤١) على تصحيفِه، وضبطَهُ بالقاف المكسورة!
(٢) رواه أحمد ٤/ ١٠٠، والطبراني في " الكبير " ١٩/ (٩٢٢). قال الهيثمي في " المجمع " ١/ ١٤٣: ورجاله ثقات. ورواه الطحاوي في " مشكل الآثار " (٣٩٥)، وهو حديث متواتر.
(٣) رواه أحمد ٤/ ٩٦ من طريق أسود بن عامر، والطبراني ١٩/ (٧٦٩) من طريق يحيى الحِمَّاني، كلاهما عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح السمان، عن معاوية رفعه وهذا سند حسن.
(٤) تقدم تخريجه ص ١٩٢.
(٥) رواه أحمد ٤/ ٩٧ و٩٩، والطبراني ١٩/ (٧٣٣) من طرق عن حماد بن سلمة، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد بن الحنفية قال: سمعت معاوية بن أبي سفيان يقول: =
[ ٣ / ٢٠٤ ]
الإلحاف (١)، وتكفير الذُّنوب بالمصائب (٢)، ولَعَنَ مشققي
_________________
(١) = قالَ رسولُ الله ﷺ " العُمرى جائزةٌ ". وهذا سند حسن. ورواه الطبراني (٧٣٤) من طريق محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، به. وله شاهد من حديث أبي هريرة، رواه الجاري (٢٦٢٥)، ومسلم (١٦٢٦)، وأبو داود (٣٥٤٨)، وأحمد ٢/ ٤٢٩ و٤٨٩، والنسائي ٦/ ٢٧٧، والبغوي في " شرح السنة " (٢١٩٧). وآخر من حديث جابر بن عبد الله، أخرجه أحمد ٣/ ٢٩٧، و٣٠٣ و٣١٩ و٣٦٠ و٣٦١ و٣٦٣ - ٣٦٤ و٣٨١ و٣٩٢، والبخاري (٢٦٢٥) وبإثر الحديث (٢٦٢٦)، ومسلم (١٦٢٥)، والنسائي ٦/ ٢٧٢ - ٢٧٣. وثالث عن سمرة، رواه أحمد ٥/ ٨ و١٣ و٢٢، وأبو داود (٣٥٤٩)، والترمذي (١٣٤٩). ورابع عن زيد بن ثابت، وخامس عن ابن عباس رواهما النسائي ٦/ ٢٧١ و٢٧٢. قال الإمام البغوي في " شرح السنة " ٨/ ٢٩٣ بتحقيقنا: العُمْرى جائزةٌ بالاتفاق، وهي أن يقول الرجلُ الآخرَ: أعْمَرْتُك هذه الدارَ، أو جعلتُها لكَ عمرك، فقَبِل، فهي كالهبة إذا اتَّصلَ بها القبضُ، ملكلها المعمَر، ونَفَذَ تصرُّفُه فيها، وإذا مات تُورثَ منه، سواءٌ قال: هي لعقبك من بعدك أو لورثتِك، أو لم يقُل، وهو قولُ زيد بن ثابت، وابن عمر، وبه قال عروة بن الزُّبير، وسليمانُ بن يسار، ومجاهد، وإليه ذهبَ الثوريُّ، والشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأصحاب الرأي. قال حبيبُ بن أبي ثابت: كنَّا عند عبد الله بن عمر، فجاءه أعرابي، فقالَ: إني أعطيتُ بعضَ بنيَّ ناقةً حياتَه، وإنَّها تناتجت، فقال: هيَ له حياتَه وموته، قالَ: فإني تصَدَّقْتُ بها عليه، قال: فذلك أبعدُ لك منها. وذهب جماعةٌ إلى أنَّه إذا لم يقلْ: هي لعقبك من بعدك، فإذا مات يعودُ إلى الأول، لأنَّ النبي ﷺ قال: " أيُّما رَجُلٍ أعمرَ عُمْرى له ولعقبِه ". وهذا قولُ جابر، ورُوي عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر قال: إنَّما العُمْرى التي أجازَ رسولُ الله ﷺ أن يقول: هي لك ولعقبك، فأمَّا إذا قال: هيَ لك ما عشت، فإنها ترجعُ إلى صاحبها. قال معمر. وكان الزهري يُفتي به، وهذا قول مالك، ويُحكى عنه أنه قال: العُمرى تمليكُ المنفعةِ دون الرقبة، فهي له مُدة عُمرِه، ولا يُورثُ، وإنْ جَعَلَها له ولعقبه، كانت المنفعةُ ميراثًا عنه.
(٢) تقدم تخريجه ص ١٦٦ ت ١.
(٣) رواه أحمد ٤/ ٩٨ من طريق يعلى بن عبيد، حدثنا طلحة بن يحيى، عن أبي بردة، عن معاوية قال: سمعت رسولَ الله ﷺ يقول: " ما مِن شيءٍ يُصيبُ المؤمنَ في جسدِه يؤذيه إلا كفَّر اللهُ عنه به من سيئاتِه "، وهذا سند قوي، رجاله رجالُ الشيخين =
[ ٣ / ٢٠٥ ]
الكلامُ (١)، و" النّاسُ تَبَعٌ لقريش " (٢)، و" إن وَليتَ، فاتَّقِ اللهَ وَاعْدِلْ " (٣)، و" إِنَّ هذَا الأمْرَ في قُرَيْشٍ " (٤)، وأنه - ﷺ - مصَّ لسانَ الحَسَنِ، وَلَنْ يَدْخُلَ النار لسانٌ مصَّه رسول الله - ﷺ - (٥).
_________________
(١) = غير طلحة بن يحيى، وهو ابن طلحة بن عُبيد الله التيمي، فإنه من رجال مسلم، وصححه الحاكم ١/ ٣٤٧ على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي! وأورده الهيثمي في " المجمع " ٢/ ٣٠١، ونسبه لأحمد. وقال: ورجاله رجال الصحيح. ورواه الطبراني في " الكبير " ١٩/ (٨٤٢) من طريق يونس بن بكير، عن طلحة بن يحيى، به. ورواه أيضًا (٨٤١) من طريق فروة بن أبي المغراء، حدثنا القاسم بن مالك المزني، حدثنا عاصم بن كليب، عن أبي بردة بن أبي موسى، عن معاوية. وهذا سند حسن في الشواهد. وله شاهد من حديث السائب بن خلاد عند أحمد ٤/ ٥٦، وسنده ضعيف.
(٢) رواه وكيع في " الزهد " (١٦٩) و(٢٩٨)، ومن طريقه: أحمد ٤/ ٩٨، ولفظه: لَعَنَ رسولُ الله ﷺ الذين يشققون الكلامَ تشقيقَ الشعر. ورواه الطبراني ١٩/ (٨٤٨)، وفي سنده عندهم جابر بن يزيد الجعفي، وهو ضعيف.
(٣) رواه أحمد ٤/ ١٠١ من طريق أبي نعيم، حدثنا عبد الله بن مبشر مولى أم حبيبة، عن زيد بن أبي عتاب، عن معاوية قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: " الناسُ تبَعٌ لقريش في هذا الأمرِ، خِيارُهم في الجاهلية خِيارُهم في الإسلامِ ". وفي الباب عن جابر بن عبد الله عند أحمد ٣/ ٣٣١، ومسلم (١٨١٩). وعن أبي هريرة عند البخاري (٣٤٩٥)، ومسلم (١٨١٨)، والطيالسي (٢٣٨٠)، وأحمد ٢/ ٢٤٢ - ٢٤٣.
(٤) رواه أحمد ٤/ ١٠١ من طريق روح، حدثنا أبو أمية عمرو بن يحيى بن سعيد سمعت جدي يُحدثُ أن معاوية أخذ الأداوة بعد أبي هريرة يَتْبَعُ رسولَ الله ﷺ بها، واشتكى أبو هريرة، فَبَيْنَا هو يوضىءُ رسولَ الله ﷺ، رَفَعَ رأسَهُ إليه مرة أو مرتين، فقال: " يا معاويةُ إن وَلِيتَ أَمْرًا، فاتَّقِ اللهَ ﷿، واعْدِلْ "، قال: فما زلتُ أظنُّ أني مُبتلى بعمل لقول النبي ﷺ حتى ابتليت.
(٥) تقدم تخريجه ص ١٦٧.
(٦) رواه أحمد ٤/ ٩٣ من طريق هاشم بن القاسم، حدثنا حريز، عن عبد الرحمن بن عوف الجرشي، عن معاوية قال: رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَمُصُّ لسانَه، أو قال: شفته -يعني الحسن بن علي- صلوات الله عليه، وإنه لن يُعَذَّبَ لسانٌ أو شفتان مصَّهما رسولُ اللهِ ﷺ. وهذا سند صحيح إن كان حريز هو ابن عثمان كما قيَّده الذهبي في " النبلاء " ٣/ ٢٥٩، وقد تصحف في المطبوع من " المسند " إلى " جرير ".
[ ٣ / ٢٠٦ ]
هذا جميع ما لمعاوية في الكتب الستة و" مسند أحمد " وجملتها ستون حديثا
فهذا جميع ما لمُعَاوِيَةَ في الكتب السِّتَّةِ، و" مسند أحمد " حَسْبَ معرفتي، وجملتُها سِتُّون حديثًا ما صَحَّ عنه وما لَمْ يصِحَّ، المتَّفق على صحَّته عنه أربعة، وهي: تحريمُ الوَصْلِ في شعور النِّساء، وأنَّها لا تزالُ طائفةٌ مِنَ الأُمَّةِ ظاهرين على الحقِّ، وأنَّ صومَ (١) عاشوراء غَيْرُ واجبٍ، وأنّه قصَّر للنَّبِيِّ - ﷺ - مِن شعره في حِجَّة الوَدَاع، هذا جميعُ ما اتَّفقوا على صحَّته عنه.
وما سواه جميع ما رُوِيَ عنه ممّا لم يتَّفِقُوا على صحَّتِهِ، وإن سقط من ذلِكَ شيءٌ، فهو اليسيرُ، وأرجو أن لا يكونَ فاتني من ذلك شيء (٢) إن شاء اللهُ تعالى، وهو أكثرُ الجماعة المذكورين حديثًا، وهو مُقِلٌّ جدًا بالنَّظَرِ إلى طُولِ مدَّته، وكثرة مخالطته، وليس فيما صحَّ عنه بوفاق شيء يُوجِبُ الرِّيبة والتُّهمة، ولا فيما رواه غَيْرُهُ مِنْ أصحابه، فبان أنّ الأمر قريبٌ، مَنْ قبِلَ حدِيثَهم، فلم (٣) يقبل منه حديثًا منكرًا، ومَنْ لم يَقْبَلْهُ، استغنى بحديثِ غيرهم مِنَ الصَّحابة الَّذين وافقوهم على رواية مثل (٤) ما رووه مِمَّنْ ذَكَرْتُ، وَمِمَّن لم أذْكُرْ، فإنِّي لم أسْتَقْصِ، ولا سبيلَ إلى الاستقصاء، فَمَنْ أحبَّ الزِّيادة على ما ذكرتُهُ من معرفة مَنْ وافقهم، فليطالِعْ ذلِكَ في مظانِّه مِن كُتُبِ الحديثِ البسيطة مثل " مجمع الزوائد " للحافظ الهيثمي، فإنه أجمعُ كتابٍ لذلك، ولم أتعرَّض لنقل ما فيه مِنْ ذلكَ، ولا أعلمُ في حديث هؤلاء شيئًا (٥) مما يُتَّهم فيه راويه (٦) إلا حديثًا
_________________
(١) في (ب): صوم يوم.
(٢) في (ج) و(ش): شيء من ذلك.
(٣) في (ش): ولم.
(٤) " مثل " ساقطة من (ب).
(٥) في الأصول " شيء "، وكتب فوقها في نسخة (أ): " شيئًا ظ ".
(٦) في (ب) و(ش): رواته.
[ ٣ / ٢٠٧ ]
واحدًا رُوِيَ عن عمرو بن العاص بغير اللفظ المعروف في الصَّحاح، ولم يصحَّ بذلكَ اللّفظ المنكر، وله به معنى صحيحٌ محتملُ، لكنه لم يصحَّ ذلِك اللفظ كما نوضِّحُه، بل تفسيرُهُ الصَّحيحُ يُنَافي ما ذكره مِن التُّهْمَةِ لَهُ في ذلِك، وذلِكَ ما أخرجه البخاريُّ في الأدب في الباب الرابع عشر منه، وهو باب تُبَلُّ (١) الرَحِمُ ببلالها، ومسلم في كتاب الإيمان، كلاهما من طريق محمد بنِ جعفر غندر، عن شعبة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيسِ بنِ أبي حازم، عن عمرو بن العاص، قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقولُ جِهارًا غَيْر سِرَارٍ (٢) " آلُ أبي فُلانٍ لَيْسوا بأوليائي، إنَّما وَليي اللهُ وصَالِحُ المُؤْمِنِينَ " (٣) خرَّجَاه، قال البخاري: زاد عنبسةُ بن عبدِ الواحد، عن بيان، عن (٤) قيس، عن عمرو " لكن (٥) لهُمْ رَحِمٌ أبُلُّها بِبَلاَلِهَا " هذا لفظ البخاري، وهو الحديثُ العشرون من مسند عمرو في (٦) " جامع ابن الجوزي "، ولفظ أحمد بن حنبل في " المسند " مثل البخاري ومسلم لم يُسم أحدٌ منهم هؤلاء المذكورين، وفي " صحيح البخاري " " آلُ (٧) أبي " من غير ذكر شيءٍ بعدَه، وفيه قال عمرو بنُ عباسٍ الراوي في " صحيح البخاري ": عن محمد بنِ جعفر، في (٨) نسخة محمد بن جعفر بياض،
_________________
(١) في (ش): ما تبل.
(٢) ساقطة من (ش).
(٣) رواه البخاري (٥٩٩٠)، ومسلم (٢١٥)، وأحمد ٤/ ٢٠٣. وقد تقدم في الجزء الثاني ص ٤٠١. وانظر " فتح البارى " ١٠/ ٤١٩ - ٤٢٣، و" شرح مسلم " للنووي ٣/ ٨٧ - ٨٨.
(٤) تحرفت في (ش) إلى: بن.
(٥) في (ش): ولكن.
(٦) في (ش): وفي: وهو خطأ.
(٧) تحرفت في (ش) إلى: إلى.
(٨) في (ش): يحيى، وهو خطأ.
[ ٣ / ٢٠٨ ]
يعني بَعْدَ " آل أبي "، وهذا هُو الّذي ذكره القاضي العلاّمة عياض المالكي في كتابه " إكمال المُعْلِم بفوائد شرح مسلم " (١)، وفسَّر ذلك بالحكمِ بن أبي العاص طريدِ رسول الله - ﷺ -، وكذلك العلامةُ النَّواوي في " شرحه " لمسلم، وكذلِكَ العلاَّمة ابن حجر فسر ذلك بآلِ أبي العاص، وقد ثبت أنَّ إبهامَ هؤلاء وقع قبل اتِّصال الحديثِ بالبخاري ومسلم، إن ثبت ذلك الإبهامُ، فإنَّ في " صحيح البخاري " في رواية عمرو بن عباس شيخ البخاريِّ فيه: أنَّ في كتاب محمد بن جعفر غُندر عن (٢) شُعبة بياضًا في ذلِكَ الموضع، فيحتمل أنَّ شُعبة الّذي حذف ذلكَ عمدًا، ويحتمل أنَّ الذي حذفه مَنْ قَبْلَهُ، وبيَّض لبيان ذلك حين (٣) يقع له كما هو عادة المصنِّفين (٤) التبييض لمثل ذلِك، بَلِ الظَّاهر أنَّ عمرو بنَ العاص هو
_________________
(١) لقد شرح الإمام أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد التميمي المازري المتوفى سنة ٥٣٦ هـ " صحيح مسلم " بكتاب سماه " المُعْلِمَ بفوائد مسلم "، ولكنه لم يُِتمَّه، فجاء القاضي عياض بن موسى اليَحصِبي المتوفى سنة ٥٤٤، فأتمه بكتابه " إكمال المعلم بفوائد مسلم " وكلاهما لم يُطبع. وانظر نسخهما الخطية في " تاريخ التراث العربي " ١/ ٢٦٤ - ٢٦٥ لفؤاد سزكين. وممن شرح " صحيح مسلم ": الإمام أحمد بن عمر الأنصاري القُرطبي المتوفى سنة ٦٥٦ هـ المحدث، شيخ صاحب التفسير، وسماه " المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم "، ومنه عدة نسخ خطية. انظر "تاريخ التراث العربي" ١/ ٢٦٦. وممن شرح " صحيح مسلم " أيضًا: محمد بن خِلْفة بن عمر الأُبي التونسي، المتوفى سنة ٨٢٧ هـ، ويضم شرحه هذا شروح المازري، والقاضي عياض، والقرطبي -المحدث لا المفسر- والنووي مع زيادات من شيخه ابن عرفة، وسماه " إكمال إكمال المعلم "، وهو مطبوع في سبع مجلدات بالقاهرة سنة ١٣٢٨. ولعلامة الهند شبير أحمد الديربندي العثماني المتوفى سنة ١٣٦٩ هـ شرح حافل طبع منه ثلاث مجلدات ضخمة في دلهي، وتوفي المؤلف قبل إكماله.
(٢) في (ب): " بن "، وهو خطأ.
(٣) في (ب): حتى.
(٤) في (ش): المصنف من.
[ ٣ / ٢٠٩ ]
الذي حذفه، فلا عَتْبَ (١) على صاحِبَيِ " الصَّحيح " في إثبات الحديث، فإنَّهما إنَّما (٢) أثبتاه لفائدةِ البراءِ من أعداءِ الله، وتخصيص الموالاة لأوليائه كما قال النَّواوي في " شرح مسلم "، وعلي بن خلف بن بطال في " شرح البخاري " على (٣) أنّ ابن بطَّال جعل الرواية: " إنَّ آلَ أبي ليْسُوا بِأوْليَائي " بإثبات ضمير المتكلِّم، وحذف " فلان " وذلكَ ظاهرُ المنصوص في " الصَّحيحين "، وهذا لفظه في شرحه، قال (٤): قال المهلب: " إنَّ آلَ أبي لَيْسُوا بأوليائي، إنَّما (٥) ولِيي الله، وَصَالِحُ المُؤمِنِين "، فأوجب ﵇ الولاية بالدِّين، ونفاها عَنْ أهلِ رَحِمِهِ إذا لم يكونوا منْ أهل دينه، فدلَّ بذلكَ أنَّ النَّسبَ محتاجٌ إلى الولاية الّتي بها (٦) تقع الولايةُ بين المتناسبين والأقارب، فإنْ لم يكُنْ دينٌ يجمعهم، لم تكن ولاية، ولا موارثة، ودلَّ هذا أن الرَّحِمَ التي تضمَّن اللهُ أن يَصِلَ مَنْ وصَلَهَا، ويقطعَ منْ قطعها، إنما ذلِكَ إذا كان في الله تعالى وفيما شرع، وأما مَنْ قطعها في الله، وفيما شرع، فقد وصل الله والشَّريعة، واستحقّ صلةَ اللهِ بقَطْعِه مَنْ قَطَعَهُ اللهُ، قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آَبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ﴾ [التوبة: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢]، فكيف بِمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ، وَقَوْله: "ولكِنْ لَهُمْ
_________________
(١) في (ش) و(ج): عيب.
(٢) سقطت من (ب).
(٣) في (ب): وعلى.
(٤) ساقطة من (ش).
(٥) في (ب): وإنما.
(٦) كذا الأصول، وقد كتب فوق نسخة (ش): " إلى الدين الذي به "، وأثبت بجانبها " ظ "، وربما يكون ذلك من الإمام الشوكاني صاحب النسخة.
[ ٣ / ٢١٠ ]
رَحِمٌ أبُلُّها بِبِلالِها"، -يعني أصِلُهَا معروفًا- إلى قوله: قال المهلَّبُ: هو الذِي أمر اللهُ به في كتابه فقال: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥]، فلمَّا عَصَوْهُ وعاندوه، دعا عليهم قال: " اللهم أَعِنِّي بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ "، فلمَّا مسَّهُمُ الجوعُ، أرسلوا إليه: فقالوا: يا مُحَمَّد، إنَّكَ أمرت بِصِلَةِ الرَّحِمِ، إنَّ أهلك قد جاعوا، فادْعُ الله لهم، فدعا لهم (١) بعد أن كان دعا عليهم، فوصلُه رَحِمَهُ فيهم بالدُّعاءِ لهم، فذلك ما (٢) لا يَقْدَحُ في دينِ الله، ألا ترى صُنْعَهُ ﵇ فيهم، إذ (٣) غَلَبَ عليهم يَوْمَ الفتح كما أطلقهم مِنَ الرِّقِّ الذي توجه إليهم، فسُمُّوا بذلِكَ الطُلقاءَ، ولم ينتهِكْ حريمهم (٤)، ولا استباحَ أموالهم، ومنَّ عليهم، فهذا كُلُّهُ مِنَ البلال. انتهى بحروفه.
وقال في تفسير " البلال " مثل ما ذكره ابنُ الأثير في " الجامع " (٥) في تفسير الحديث في صِلَةِ الرَّحم من حرف الصَّاد.
ويعضُد ما ذكره ابنُ بَطَّال من تصحيح هذا الرِّواية بهذا المعنى وعَدَمِ الالتفات إلى غيرها ما خرَّجه الحاكم في تفسير سورة الأنفال من حديث إسماعيل بني عُبَيْدِ بنِ رِفاعة، عن أبيه، عن جدِّه رِفاعة، قال: جمع رسول الله قريشًا، قال: " هلْ فِيكُمْ مِنْ غَيْرِكُمْ؟ "، قالوا: فينا ابنُ أختنا، وفينا حلِيفُنا، وفينا مولانا، فقال: "حَلِيفُنَا مِنَّا، وابنُ (٦) أُخْتِنَا
_________________
(١) ساقطة من (ش).
(٢) " ما " ساقطة من (ب).
(٣) في (ب): " إذا "، وهو خطأ.
(٤) في (ش): حريم.
(٥) " جامع الأصول " ٦/ ٤٩١.
(٦) في (ش): ومنا ابن.
[ ٣ / ٢١١ ]
منَّا، وَموْلانا مِنَّا إنّ أَوْليَائي مِنْكمْ المُتَّقُونَ" (١). قال الحاكم: صحيح الإسناد، فهذا الحديثُ شبيهٌ بذلك، وشاهدٌ له أو هو هو، وهو جديرٌ أن يَدْخُلَ في مناقب آل أبي طالب، فإنَّهُمْ داخلون في المتقين.
وفي " مجمع الزوائد " (٢) في فضل قريش أنه رواه البزَّار، وأحمد باختصار، والطبراني بنحو البزَّار بأسانيد، ورجالُ أحمدَ، والبزَّار، وإسناد الطَّبراني ثقاتٌ وفي صالح المؤمنين بالإجماع على كلِّ تفسير، وعلى كلِّ تقدير، بل هُمْ أئمَّةُ المتَّقين ورؤوسُهما وكُبراؤهم وساداتهم. وعن أبي هُريرة مرفوعًا نحوَ ذلك، رواه (٣) الطَّبراني في " الأوسط "، والهيثمي في كتاب " الزهد " (٤) في باب جامع في المواعظ، وعن معاذ مرفوعًا مثلَ ذلِكَ رواه (٥) الطبراني، سنده (٦) جيد، ذكره الهيثمي (٧) بعد ذلِكَ في باب بعدَ باب التَّعرض (٨) لنفحات رحمة الله، فكيف أن يكونوا في " الصَّحيحين "
_________________
(١) المستدرك ٢/ ٣٢٩ وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
(٢) انظر " مجمع الزوائد " ١٠/ ٢٦. ورواه أحمد ٤/ ٣٤٠، والبزار (٢٧٨٠)، والطبراني ٥/ (٤٥٤٤) و(٤٥٤٥) و(٤٥٤٦).
(٣) ساقطة من (ش).
(٤) من " مجمع الزوائد " ١٠/ ٢٨٨: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: " يا بني هاشمٍ، يا بني عبد المطلب، يا صفيةُ عمةَ رسول الله - ﷺ -، يا فاطمة بنت محمد - ﷺ -، لا أعرفَنَّ ما جاءَ الناسُ غدًا يحملون الآخرة، وجئتم تحملونَ الدنيا، إنما أوليائي منكم يومَ القيامة المتقون، إنما مثلي ومثلكم كمثلِ رجلٍ مستصبحٍ في قومه أتاهم، فقال: يا قومِ أُتيتُم غُشيتم واصباحاه، أنا النذير والموتُ المغيرُ، والساعة الموعد ". قال الهيثمي: رواه الطبراني في " الأوسط "، وفيه زكريا بن يحيى الوقار، وهو ضعيف.
(٥) في (ش): ورواه.
(٦) في (ب) و(ش): وسنده.
(٧) " الهيثمي " ساقطة من (ب). وهو في " مجمع الزوائد " ١٠/ ٢٣١.
(٨) في (ش): التعريض.
[ ٣ / ٢١٢ ]
هُمُ الّذين نُفِيَتْ عنهمُ الوِلَايَة في نصِّ الحديث، وأنَّهم مع نَصِّ الحديث على نفي الولاية عنهم تعمدوا تصحيحَه لذلك، وهم أعلمُ وأتقى لله من ذلِكَ؟
وقال البخاري في تفسير سورة براءة، في باب قوله: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة: ٤٠]: حدثني عَبْدُ الله بنُ محمد، قال: حدثني يحيى بنُ معين، قال: حدثنا (١) حجّاج، قال: حدثنا ابنُ جُريْج، قال لي ابنُ أبي مُليكة -وكان بينهما شيءٌ- فغدوتُ على ابن عبَّاس، فقلتُ: أتريدُ أن تُقاتِلَ ابنَ الزُّبير، فَتُحِلَّ حُرُمَ اللهِ؟ فقال: معاذَ الله؛ إنَّ الله كتبَ ابنَ الزبير، وبني أمية مُحِلِّين، وإنِّي والله لا أُحلُّهُ أبدًا (٢). هكذا في " البخاري " ذم بني أمية مصرَّحٌ غيرُ مُسَتَّرٍ ولا مُأوَّلٍ، لا في " صحيحه "، ولا في " شرحه "، وكتب هذا فيه (٣) وخلَّده وأصحّه (٤)، ولم يُؤخذ له منه أنّه منصف، بل، ولا سلم (٥) معه مِنْ نسبته إلى تعمُّد ما (٦) يعلم
_________________
(١) في (ش): أخبرنا.
(٢) أخرجه البخاري (٤٦٦٥)، وقوله: " وكان بينهما شيء " كذا أعاد الضمير بالتثنية على غير مذكور اختصارًا، ومراده ابن عباس، وابن الزبير، وهو صريح في الرواية التي قبل هذه (٤٦٦٤) حيث قال: قال ابن عباس حين وقع بينه وبين ابن الزبير. وقوله: " كتب " أي: قدر، وقوله: " محلين " أي: إنهم كانوا يبيحون القتال في الحرم. قال الحافظ: وإنما نسب ابن الزبير إلى ذلك -وإن كان بنو أمية هم الذين ابتدؤوه بالقتال وحصروه، وإنما بدأ منه أولًا دفعهم عن نفسه- لأنَّه بعد أن ردَّهم الله عنه، حَصَرَ بني هاشم ليبايعوه، فشرع فيما يؤذن لإباحته القتال في الحرم، وكان بعضُ الناسِ يُسمي ابنَ الزبير المحل. وقوله: " لا أُحلُّه أبدًا " أي: لا أبيحُ القتال فيه، وهذا مذهبُ ابنِ عباس أنَّه لا يقاتلُ في الحرمِ ولو قُوتلَ فيه.
(٣) ساقطة من (ش).
(٤) في (ج): أوضحه.
(٥) في (ش): نسلم.
(٦) في (ش): مالا.
[ ٣ / ٢١٣ ]
تحريمه من بُغْضِ عليٍّ وأهل بيته، ورواية الموضوعات في مثالِبِهِم، بل ما سلم من نِسْبَةِ (١) ما لم يَرْوِه البتَّة إلى أنَّه في صحيحِهِ المشهورِ المعلومِ مع وجودِ صحيحه بين الناس، وظهور براءته عمّا رُمِيَ به، ووضوحِ السَّبيل إلى الطَّلب لذلِكَ في صحيحه، واختبار (٢) صدق مَنْ رماهُ بذلِكَ أو كَذبه، لكنَّهُ قد كَثُرَ التَّقليدُ لسهولته، وتزيين (٣) الشَّيطانِ لهُ، فَصُدِّقَ الكاذِبُ على البخاري مِنْ غيرِ أدنى بحث، ولا أقل عناية، فمِنْ ها هنا وقع الخَللُ، وفشا الجهْلُ، وعُورِضَ الحقُّ بالباطلِ (٤)، فاللهُ المستعان.
وكُتب المحدِّثين مشحونةٌ بالتَّصريح بذمِّ بني أميَّة مِنْ دون تستُّر في ذلك ولا تقية، كما أنّها مشحونَةٌ بمناقِبِ العِترة الزَّكيَّة، مع أنهم في بلاد أعداءِ أهل البيت، وكفي لهم شاهدًا على تحرِّي الصدق، وقوّة الأمانة بذلك، ففي " سنن الترمذي "، و" أبي داود " عن سفِينَة مولى رسولِ الله - ﷺ -، أنَّه (٥) لمَّا روى حَديثَ: " الخِلَافَةُ بَعْدِي ثلاثُون سَنَّة، ثُمَّ يَكُون مُلْكُ " (٦) قيل له: إنّ بني أمية يزْعُمونَ أنَّ الخلافَةَ فيهم، فقال: كذبوا بنو (٧) الزَّرقاء، بل هُمْ ملوكٌ مِنْ شَرِّ الملوك. هذا لفظُ التّرمذي (٨)،
_________________
(١) في (ب): نسبته.
(٢) في (ش): " واختيار " وهو تصحيف.
(٣) في (ش): وتزين.
(٤) سقطت من (ب).
(٥) ساقطة من (ش).
(٦) في (ش): تكون ملكًا.
(٧) في (ب) و(ش): " بني "، وهو خطأ.
(٨) (٢٢٢٦)، وهو حديث صحيح بشاهديه، وقد تقدم تخريجه ٢/ ٣٨٥.
[ ٣ / ٢١٤ ]
وقال: حديث حسن، ولفظ أبي داود (١): كَذَبَتْ استاه (٢) بني الزرقاء، يعني بني مروان.
وفي " الترمذي " (٣) من حديثِ الحسن بنِ عليٍّ ﵉، أنَّه - ﷺ - رأي بني أُمَيّة على منبره، فساءَه ذلك، فنزلت: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ
_________________
(١) برقم (٤٦٤٦).
(٢) تحرفت في (ش) إلى: " أشباه ".
(٣) (٣٣٥٠) من طريق محمود بن غيلان، حدثنا أبو داوود الطيالسي، حدثنا القاسم بن الفضل الحُدَّاني، عن يوسف بن سعد، قال: قامَ رجلٌ إلى الحسن بن علي بعدمَا بايَعَ معاوية، فقال: سَوَّدْت وُجُوهَ المؤمنين، أو يا مُسَوِّدَ وجوهِ المؤمنين، فقال: لا تُؤنِّبْني رَحِمَك اللهُ، فإنَّ النبي - ﷺ - أُرِيَ بني أُمية على منبره، فساءَه ذلك، فنَزَلَت: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ يا محمدُ، يعني نهرًا في الجنة، ونزَلَتْ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ يَمْلِكُها بنو أمية يا محمدُ. قال القاسمُ: فعدَدْناها، فإذا هي ألف شهر لا يزيد يومٌ ولا ينقص. قال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث القاسم بن الفضل، وهو ثقة، وثَّقَهُ يحيى القطان، وابن مهدي. وشيخه يوسف بن سعد -ويقال: يوسف بن مازن-: رجل مجهول، ولا نعرف هذا الحديث على هذا اللفظ إلا من هذا الوجه. وقال ابن كثير في " تاريخه " ٦/ ٢٤٩ بعد أن ذكر كلام الترمذي: فقوله: " إن يوسف هذا مجهول " مشكل، والظاهر أنَّه أراد أنَّه مجهول الحال، فإنه قد روى عنه جماعة، منهم حماد بن سلمة، وخالد الحذاء، ويونس بن عبيد، وقال يحيى بن معين: هو مشهور، وفي رواية عنه قال: هو ثقة، فارتفعت الجهالة عنه مطلقًا، قلتُ: ولكن في شهوده قصة الحسن ومعاوية نظر، وقد يكون أرسلَها عمَّن لا يعتمد عليه، والله أعلم. وقد سألتُ شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي -﵀- عن هذا الحديث، فقال: هو حديث منكر. وأما قول القاسم بن الفضل -﵀-: إنَّه حسب دولة بني أمية، فوجدها ألف شهر، لا تزيد يومًا ولا تنقصه، فهو غريب جدًا، وفيه نظر، وذلك لأنَّه لا يمكن إدخال دولة عثمان بن عفان ﵁، وكانت ثنتي عشرة سنة، في هذه المدة، لا من حيثُ الصورةُ ولا من حيثُ المعنى، وذلك أنها ممدوحةٌ لأنَّه أحد الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين الذين قضوا بالحق، وبه كانوا يعدلون. وهذا الحديث إنما سيق لذمّ دولتِهم، وفي دلالة الحديثِ على الذمِّ نظرٌ، وذلك أنَّه دلَّ على أن ليلة القدَرِ خيرٌ من ألفِ شهر التي هي دولتهم، وليلةُ القدر ليلةٌ خيرة، عظيمةُ المقدار والبركة، كما وصفَها الله تعالى به، فما يلزمُ من تفضيلها على دولتِهم ذمُّ دولتهم، فليتأمَّل هذا، فإنه دقيق يدُلُّ على أن الحديث في صحتِه نظرٌ، لأنَّه إنما سيق لذم أيامِهم، والله تعالى أعلم.
[ ٣ / ٢١٥ ]
الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر] يمْلِكُهَا بعْدَكَ بنُو أُمَيَّة يا محمَّد، فكانت تلك مدَّتَهُم، لم تَزِدْ، ولم تنْقُصْ.
وفي " مسند أحمد بن حنبل " عن عُمَر بن الخطاب، أنَّه وُلدَ [لأخي أم سلمة زوج النبي - ﷺ -] غلامٌ، فَسَمَّوْهُ (١) الوليدَ، فقال النَّبيُّ - ﷺ -: " سَمَّيْتُمُوه بِأسْمَاءِ فَرَاعنَتِكُمْ، لَيَكُونَنَّ في هذِهِ الأُمَّةِ رجُلٌ يُقَالُ لَهُ الوَليدُ، لَهو أَشَرُّ عَلَى هذِه الأُمَّةِ منْ فِرْعَوْن لِقَوْمهِ " (٢).
ورواه الهيثمي الشافعي في " مجمع الزوائد " (٣) في باب فتنة الوليد، وقال: رجاله ثقات.
وروى من هذا شيئًا كثيرًا في مواضِعَ متفرقة، منها في تفسيرِ قوله
_________________
(١) في (ب): " فسمَّاه "، وهو خطأ.
(٢) رواه أحمد ١/ ١٨ من طريق أبي المغيرة، حدثنا ابن عياش، حدثنا الأوزاعي وغيره عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب. وقال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على " المسند " (١٠٩) إسنادُه ضعيف لانقطاعه، سعيد بن المسيب لم يُدرك عمر إلا صغيرًا، فروايته عنه مرسلة إلا رواية صَرَّح فيها إنَّه يذكر فيها يومَ نَعَى عمرُ النعمان بن مقرِّن على المنبر، ثم إن ذكر عمر في الإسناد خطأ، لعلَّه من ابن عياش، وهو إسماعيل بن عياش، قال الحافظ في " القول المسدَّد " ص ١٥: " وغاية ما ظَهرَ في طريق إسماعيل بن عياش من العلة أنَّ ذكر عمر فيه لم يُتابع عليه، والظاهرُ أنَّه من رواية أُمِّ سلمة، لإطباق معمر، والزبيدي عن الزهري، وبشر بن بكر، والوليد بن مسلم عن الأوزاعي على عدم ذكر عمر فيه ". وهذا أيضًا ليس بشيء، لأنِّي لم أَجِدْ في الروايات التي ذكرها الحافظ أن ابنَ المسيب روى هذا الحديث عن أم سلمة، فإنَّ كُلَّ الرواياتِ عن ابن أم المسيب: " ولد لأخي أم سلمة الخ " ليس فيها: " عن أُمِّ سلمة ". وهذا الحديث مما ادَّعى فيه بعضُ الحفاظ أنَّه موضوع، منهم الحافظ العراقي، وقد أطال الحافظُ ابنُ حجر الردَّ عليه لإثباتِ أنَّ له أصلًا في كتاب " القول المسدَّد " ص ٥ - ٦ و١١ - ١٦، وفي كثير مما قال تكلفٌ ومحاولةٌ. والظاهرُ عندي ما قلت: إنه ضعيفٌ لانقطاعِهِ.
(٣) ٧/ ٣١٣، ونسبه لأحمد.
[ ٣ / ٢١٦ ]
تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ﴾ [المائدة: ٢٧] من حديث عبدِ الله بنِ عمرو بن العاص، عنه - ﷺ -: " أَشْقى النَّاسِ ثَلَاثةٌ: عاقِرُ نَاقَةِ ثَمُود، وابْنُ آدَمَ الذي قَتَلَ أَخَاه، وقاتِل عَلِيِّ ﵁ " (١).
فكيف نتركُ معرفة صِدْقهم وتحرِّيهم مِنْ هذه الأشياء الجليَّة الكثيرة الطَّيِّبة، ونتكلَّف نقيضَ ذلك ممَّا لم يَكُنْ؟
وعلى تقدير ثبوتِ آل فلان في الحديث، فقد تطابقوا على تفسيرهم بآلِ أبي العاص، وهو الحَكَمُ بنُ أبي العاص طريدُ رسول الله - ﷺ - وولده، كما جاء صَرِيحًا كثيرًا كما يأتي قريبًا في هذا الكتاب، وأنَّه قولُ أهلِ السُّنَّة يُصَرِّحُون به لا يكتمونه، فمِمَّن نصَّ على ذلك القاضي عياض في كتابه " إكمال المعلم بفوائد شرح مسلم "، وهو أشهر شروح مسلم، ولم يعترضه في ذلك أحدٌ، بل قرَّره النَّواوي على ذلك (٢)، وهما إماما الطَّائفتين العظيمتين: الشَافعية والمالكية، وإماما الحديثِ النَّبوي متنًا،
_________________
(١) " المجمع " ٧/ ١٤ ولم ينسبه لأحدٍ، وقال: وفيه ابن إسحاق وهو مدلس، وذكره السيوطي في " الدر المنثور" ٣/ ٦١ - ٦٢، ونسبَه للطبراني، وهو في " حلية أبي نعيم " ٤/ ٣٠٧ من طريق محمد بن إسحاق، عن حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وحكيم بن جبير ضعيف. ورواه البيهقي في " دلائل النبوة" ٣/ ١٢ - ١٣ من طريق محمد بن إسحاق، حدثني يزيد بن محمد بن خُثيم، عن محمد بن كعب القرظي، عن محمد بن خثيم أبي يزيد، عن عمار بن ياسر قال: قال رسولُ الله - ﷺ - لعلي: " يا أبا تراب " -لما عليه من التراب- فأخبرناه بما كان من أمرنا، فقال: " ألا أخبركم بأشقى الناس رجلين "؟ قلنا: بلى يا رسولَ الله، فقال: " أُحَيْمر ثمود الذي عَقَرَ الناقةَ، والذي يضربُك يا عليٌّ على هذه "، ووضع رسولُ الله - ﷺ - يدَه على رأسه " حتى يَبُلَّ منها هذه "، ووَضعَ يده على لحيته. وسنده محتمل للتحسين. وأورده السيوطيُّ في " الدر المنثور " ٨/ ٥٣١، وزادَ نسبتَه لابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبغوي.
(٢) انظر" شرح مسلم " ٣/ ٨٧ - ٨٨.
[ ٣ / ٢١٧ ]
وسندًا، وشرحَ غريبٍ، وبيان مجملٍ: وكشف مُشْكِلٍ. وكذلك ذكر ذلك العلامة أحمدُ بنُ علي العسقلاني المعروف بابن حجر في مقدمة " شرحه " للبخاري (١)، وهؤلاء وجوهُ علماءِ السُّنَّةِ وأَئِمَّتهم، وطريق معرفتهم لِذلكَ من كتب (٢) المستخرجات على " الصحيحين "، وسائر ما ورد من الأحاديث، فإن أَهْلَ المستخرجات يذكرون أحاديث الصحيح مِنْ غيرِ طريق صاحبه بزيادةِ بيانٍ، وتتمَّةِ نقصٍ، ونحوِ ذلك، وسائرُ الأحاديث تدلُّ على ذلك، فإنَّ السُّنَّة يفسِّرُ بعضُها بعضًا، كما أنَّ القرآن يفسِّرُ بعضُه بعضًا.
وقد ورد في آل أبي العاص مِنَ اللَّعْنِ والذَّمِّ في الأقوال، والنَّفي والطَّرد في الأفعال ما يدلُّ على أنَّهم المتبرَّأُ منهم جهارًا غير سرارٍ (٣) كما يأتي، وإنَّما كَتَمَ الذي كتمه تقيَّةً مِنْ عظيمِ المضرَّة كما قال أبو هريرة في الوِعاءِ الذىِ كتمه من حديثِ رسول الله - ﷺ -، أنَّه لو بثَّه، لقطِعَ هذا البُلعوم (٤)، وقد فسَّره شراح الحديث بنحو هذا.
فأمَّا قولُ منْ قالَ: إنَّهم آلُ أبي طالب ﵈، فهذا مِنْ أسمج المقالات القبيحة، والصِّحاح مُنزَّهَةٌ وأهلُها عن تدوين مثلِ هذا، وإنَّما هذا تصحيفٌ من بعض النَّواصب، حَمَلَهُ الغيظُ على تزوير ما لا يمضي.
وهَبْك تقُولُ هذا الصُّبْح لَيْلٌ أَيَعْمى العَالَمُونَ عَنِ الضِّيَاءِ؟
_________________
(١) انظر " فتح الباري " ١٠/ ٤١٩ - ٤٢٣.
(٢) في (ب): طرق.
(٣) في (ب): " سرارًا " وهو خطأ.
(٤) تقدم تخريجه في ٢/ ٤٠٠.
[ ٣ / ٢١٨ ]
وقد قال بعضُ النَّاس ما معناه: إنَّه ﵇ أرادَ: أولياؤه صالحوا المؤمنين مِنْ آل أبي طالب وغيرِهم، وأنَّه لا يقتصر على تولي آلِ أبي طالبٍ دونَ غيرهم مِنْ صالحي المؤمنين كعادَةِ الرب، وهذا معنى صحيحٌ لو كان إليه حاجةٌ، لكنْ لا حاجة إليه، وفي الحديث زيادةٌ ذكرها البخاريُّ تستلزِمُ القَطْعَ على أنَّهم ليسوا (١) آل أبي طالب، وذلك قولُه في آخره في بعض الرِّوايات " ولكِنْ لَهُمْ رَحِمٌ أبُلُّهَا ببَلاَلِها " وليس يُسْتنْكَرُ أنَّ (٢) عمرو ابن العاص يروي هذا في آل أبي العاص بن أمية، وقد صحَّ أنَّه كان يُجاهِرُ معاوية بالثَّناء على أميرِ المؤمنين، وفي " مسند أحمد " بسند صحيح أنَّه جاهر مُعاويَة بحديثِ عمَّار العظيم، وفَزِعَ مِنْ قتله، وقال له معاوية: ما أفزعك؟ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: " تقتله (٣) الفِئَةُ الباغِيَةُ " (٤)، وكذلك ولده عبد الله قال عند معاوية لرجلين يختصمان أيُّهما قاتله: لِيطِبْ (٥) أحدُهما به نفسًا، فإنَّ النبيَّ - ﷺ - قال: " تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ "، وردَّ على معاويةَ تأويله في ذلك (٦).
وأما حديثُ عمرو أنه سأل النَّبيَّ - ﷺ -: أيُّ النَّاسِ أحبُّ إليك؟ قال: " عائشةُ "، قلتُ: مِنَ الرِّجال؟ قال: " أبوها " (٧)، وهو من
_________________
(١) في (ش): غير.
(٢) ساقطة من (ش).
(٣) في (ش): تقتلك.
(٤) رواه أحمد ٤/ ١٩٧.
(٥) في (ش): " ليطيب " وهو خطأ.
(٦) رواه أحمد ٢/ ١٦٤ - ١٦٥. وحديث " تقتُلُكَ الفئةُ الباغية " حديث متواتر، تقدم تخريجه ٢/ ١٧٠.
(٧) رواه البخاري (٦٦٢) و(٤٣٥٨)، ومسلم (٢٣٨٤)، والترمذي (٣٨٨٥)، والنسائي في " الكبرى " كما في " التحفة " ٨/ ١٥٤، وفي " فضائل الصحابة " (٥)، والحاكم ٤/ ١٢.
[ ٣ / ٢١٩ ]
حديث خالدٍ الحَذاء، عن أبي عثمان النَّهديَ، عن عمرو، وأوَّلَهُ (١) أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أمَّره على جيش ذي السَّلاسل، فليس هُوَ مِنْ هذا القبيل، ويشهدُ له " لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا، لاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرِ خلِيلًا، ولكِنْ خُلَّة الإِسْلاَمِ أفْضَلُ " رواه البخاريُّ (٢) من حديث ابنِ عباس، ورواه مسلم، والترمذيُّ من حديث ابن مسعود، وفيه " ولكِنْ صاحِبُكُمْ خَليلُ اللهِ "، وفي رواية " وَقَدِ اتَّخَذ اللهُ صاحِبَكُم خَلِيلًا " (٣). ورواه مسلم (٤) أيضًا عن جندب بن عبد الله نحو حديث (٥) ابن مسعود.
وقد روى الحاكم (٦) على تَشَيُّعِهِ عنِ أمِّ سلمة أنَّها لما سمعتِ الصَّرخة على عائشة، قالت: واللهِ لقد كانت أحبَّ النَّاسِ إلى رسولِ الله - ﷺ - إلا أباها. ذكره الذَّهبيُّ، وقال: إسنادهُ صالح. والحاكم لا يُتَّهَمُ في ذلك، فإنَّه شيعيٌّ، وأمُّ سلمة فأبعدُ مِنَ التُّهمة، فإنَّها ضَرَّةُ عائشة، ولكن ذلكَ في أحبِّ الناس إليه، لا في أحبِّ أهلِه إليه الَّذين هم أحبُّ الناس إليه.
وقد روى التِّرمذيُّ (٧) من حديث عائشة أنَّه قيل لها: أيُّ الناس كان أحبُّ إلى رسول الله - ﷺ -؟ قالت: فاطمة مِنْ قِبل النِّساء، ومِنَ الرِّجال زوجُها، وإن كان ما علمتُ صوَّامًا قوَّامًا، وكذلك فليكُنِ الإنصافُ ﵃.
_________________
(١) في (ش): " أوله ".
(٢) رواه البخاري (٤٦٧) و(٣٦٥٦) و(٣٦٥٧) و(٦٧٣٨). وتقدم تخريجه ١/ ١٧٦.
(٣) في (ب): بدل " خليلًا ": خليل الله، وفي رواية وقد اتخذ الله صاحبكُم.
(٤) (٥٣٨) في المساجد، باب النهي عن بناء المساجد على القبور.
(٥) " نحو حديث " ساقطة من (ش).
(٦) في " المستدرك " ٤/ ١٢ - ١٣.
(٧) رقم (٣٨٧٤) وقال: حديث حسن غريب، ورواه الحاكم ٣/ ١٥٧، وصححه.
[ ٣ / ٢٢٠ ]
وكذلك روى التِّرمذيُّ (١) مثلَه من حديث بُريدة، وذكر الترمذي نحو الجمع الذي ذكرتُه عن إبراهيم -يعني النَّخعي-.
والكلام فيما شجر بين الصحابة ممَّا (٢) كثُرَ فيه المِرَاءُ والعصبِيَةُ مع قِلَّة الفائدة في كثيرٍ منه، وفي الحديث " مَنْ تَرَكَ المِرَاءَ، وَهُوَ مُحِقٌّ، بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا في رَبَضِ الجَنَّةِ " (٣)، وقَدِ اقتصرتُ لأجل ذلك عَنْ كثيرٍ منه رغبةً فيما أعدَّ (٤) اللهُ لمنْ تركَ المِرَاءَ بنِيَّةٍ صالحةٍ مَع القطع بأنَّ الحَقَّ مع أميرِ المؤمنينِ عليٍّ ﵇، وأنَّ مُحَارِبَه بَاغٍ عليه، مُباحُ الدَّم، خارجٌ عَنِ الطَّاعة والجماعة، وقد تقدَّم أو سيأتي أنَّ هذا إجماعُ الأُمَّةِ من رواية أئِمَّة (٥) أهل السُّنَّةِ، دَعْ عَنْكَ الشِّيعة.
على أنَّ أحاديثَ هؤلاء الجماعة متميِّزةٌ عن غيرها، فلو قدَّرنا أنَّ حديثَهم نِصْفُ حديثِ الصَّحاح أو أكثره، لم يكن مانعًا من طلب ما في الصِّحاح من حديث الثقات المجمَعِ عليهم، ولا مُسْقِطًَا لوجوب ذلك، بل لو علم المكلَّفُ أنَّ فيها حديثًا واحدًا (٦) صحيحًا عن رسول الله - ﷺ - فيه عليه تكليفٌ، وبقيَّتُها أكاذيبُ وأباطيل، لوجب طلبُ (٧) ذلك الحديث
_________________
(١) (٣٨٦٨) وقال: هذا حديث حسن غريب، وهو شاهد لحديث عائشة ﵂.
(٢) في (ب): فيما.
(٣) رواه من حديث أنس: الترمذي (١٩٩٣)، وابن ماجه (٥١)، وفيه سلمة بن وردان، وهو ضعيف، ومع ذلك فقد حسَّنه الترمذي، ولعله لشاهده الذي رواه أبو داود (٤٨٠٠) من حديث أبي أمامة بلفظ: " أنا زعيمٌ ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًا ". وإسناده صحيح.
(٤) في (ب): عند.
(٥) " أئمة " ساقطة من (ب)، و" أئمة أهل " ساقطة من (ش).
(٦) ساقطة من (ب).
(٧) ساقطة من (ش).
[ ٣ / ٢٢١ ]
الصحيح، وقد سافر جابر بن عبد الله شهرًا في طلب حديثٍ واحدٍ (١)، ولولا (٢) عنايةُ أئِمَّة الحديث في حفظ الأسانيد والمتون، ما تميَّز حديثُ هؤلاء من غيره هذا التميُّز (٣)، وعُرِفَ ما فيه ممَّا فيه نكارة، وما فيه ممَّا لا نكارَةَ فيه، فكيفَ يُتهمون بالعصبيَّة والإِضلال مع بيانهم لِمَا يتمكَّنُ الخصمُ به مِن الرد على بصيرة، أو القبول على بصيرة؟ وإنَّما يُتَّهمون بالإِضلالِ والغَرَرِ لو كتموا الأسانيدَ، وخَلَطُوا أحاديث (٤) المختَلَفِ فيهم بأحاديث المُجْمَع عليهم، كما يصنعُ من يحذف (٥) الأسانيد، ولا يذكر صحابيًّا ولا
_________________
(١) علقه البخاري في " صحيحه " ١/ ١٧٣ في العلم، باب: الخروج في طلب العلم، وهو حديث أخرجه البخاري في " الأدب المفرد " (٩٧٠)، وأحمد ٣/ ٤٩٥، وأبو يعلى والخطيب في " الرحلة في طلب الحديث " ص ١٠٩ - ١١١ من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل أن جابر بن عبد الله حدثه أنَّه بَلَغَه حديثٌ عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ -، فابتعتُ بعيرًا، فشدَدْتُ إليهِ رحلي شهرًا، حَتَّى قدِمْتُ الشامَ، فإذا عبدُ الله بن أنيس، فبعثتُ إليه أن جابرًا بالباب، فرجَعَ الرسولُ، فقال: جابر بن عبد الله؟ فقلت: نعم، فخَرَجَ، فاعتنقني، قلتُ: حديث بلغَني لم أسمعْهُ، خشيت أنْ أموت أو تموتَ، قال: سمعتُ النبيَّ يقول: " يحشرُ الله العبادَ -أو الناسَ- عُراة غُرْلاْ بُهْمًا "، قلنا: ما بُهْمًا؟ قال: " ليس معهم شيء، فيناديهم بصوت يسمعُهُ منْ بَعُد (أحسبُه قال: كما يسمعه مَنْ قرُب): أنا الملك لا ينبغي لأحدٍ من أهل الجنة يدخلُ الجنة، وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة، ولا ينبغي لأحد من أهل النار يدخُلُ النار، وأحد من أهل الجنة يطلبه بمظلمة " قلت: وكيف؟ وإنما نأتي الله عُراة بُهْمًا؟ قال: " بالحسنات والسيئات ". وصححه الحاكم ٢/ ٤٢٧ - ٤٢٨، و٤/ ٥٧٤ - ٥٧٥، ووافقه الذهبي، وهو حسن فقط، لأن عبد الله بن محمد بن عقيل لا يرقى حديثه إلى الصحة. وله طريق آخر عند الطبراني في " مسند الشاميين "، وتمام في فوائده فيما ذكر الحافظ في " الفتح " ١/ ١٧٤، وفي " تغليق التعليق " ٥/ ٣٥٦ من طريق الحجاج بن دينار، عن محمد بن المنكدر عن جابر قال الحافظ: وإسناده صالح. وله طريق ثالثة عند الخطيب في " الرحلة "، وفي سندها عمر بن الصبح، وهو متروك، وكذبه ابن راهويه، فلا يُفرح بها.
(٢) في (ش): لولا.
(٣) في (ب) و(ج): التمييز.
(٤) في (ب): " الأحاديث "، وهو خطأ.
(٥) في (ب): حذف.
[ ٣ / ٢٢٢ ]
واعلم أن هذه الجملة كافية في الجواب على ما ذكره السيد، ولكن لا بد من التنبيه على ما عظم من أوهامه والاقتصار على ما يفيد:
الوهم الأول: قال: إن المحدثين يذهبون إلى أن الصحابة لا يجوز عليهم الكبائر وأنهم إذا فعلوا المعصية الظاهرة عدوها صعيرة، وهذا وهم فاحش
غيره، فتأمَّل ذلك.
واعلمْ أنَّ هذه الجملة كافيةٌ في الجواب على ما ذكره السيدُ في الموضع الثَّاني مِنَ المسألة الثَّانية، وتتبُّعِ كلامِهِ لفظةً لفظةً كما صنعتُ في جميع أوَّلِ رسالته يَطُولُ من غير طائلٍ، وليس فيه (١) أكثرُ مِنْ بيان ما يردُّ عليه مِنَ الإشكالات، وما في كلامه مِن المناقضات، ومجرَّدُ التَّتبُّعِ للعثرات ليس بمقصودٍ ما لم يكن فيه إيضاحٌ لِحَقِّ، أو دَلَالَةُ على هُدَىً، ولكن (٢) لا بُدَّ من التَّنبيه على ما عَظُمَ مِنْ أوهامه أيده الله لأجل ما في معرفتها مِنَ النَّفع والفائده، لا لمجرَّدِ الاعتراض، فلو أردتُ الاستكثار مِنْ ذلِكَ، لاستوفيتُ الجواب على كتابه، وتتبَّعتُ (٣) كُلَّ لفظةٍ من خطابه، لكنِّي كرهتُ ذلك لِمَا فيه من تضييعِ الوقت، وقِلَّةِ الجدوى، فلنقتَصِرْ على ذكرِ ما يُفيدُ من أوهامه أيَّدهُ الله.
الوهمُ الأول: قال أيَّده الله: إنَّ المحدِّثين يذهبونَ إلى أنَّ الصحابة لا يجوزُ عليهمُ الكبائِرُ، وأنَّهم إذا فعلوا المعصية الظَّاهرة، عَدُّوها صغِيرَةً. لكِنِ السَّيِّدُ سمَّاهم بغير اسمهم (٤)، وهذا وهمٌ فاحش، فإنَّه قد قَدَّمَ أنَّ الصَّحابي عندهم هو مَنْ رأي النَّبِيَّ - ﷺ -، والقولُ بعصمة مَنْ رأي النَّبِيَّ - ﷺ - لم يُنْقَلْ عن أحدٍ مِنَ الأُمَّة أبدًا، بل ما نُقِل عن أحدٍ من العُقلاء، وهذه كتبُ المِلَلِ والنِّحَلِ موجودةٌ، والسَّيِّدُ مُطالَبٌ بنقل ذلك عن (٥) ألفاظهم ونُصوصهم، وفي أيِّ كُتبهم قالوا ذلك، فأمَّا الذي وجدناه في
_________________
(١) ساقطة من (ش).
(٢) في (ب): لكن.
(٣) في (ش): أو.
(٤) في (ب): أسمائهم.
(٥) في (ب): من.
[ ٣ / ٢٢٣ ]
كتبهم، فغيرُ ذلك، ولكنَّ بعضَهم قد يُطْلِقُ القولَ بعدالة الصَّحابة عمومًا، لعُمومِ الثَّناء عليهم في القرآن والسُّنَّة، ثمَّ يَخُصُّون هذا العموم عند ذكر المجاريح المصرّحين مِنَ الصَّحابة، مثل الوليد بن عقبة (١)، وبُسْرِ بن أرطاة (٢) كما سيأتي، كما خصَّه الله تعالى ورسولُه - ﷺ - وأصحابه، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور: ١١]، وحدَّ رسولُ الله - ﷺ - مِسْطَحًا (٣) وغَيرِه على الإفْكِ، مع أنَّ مِسْطَحًَا بدريٌّ مِنْ خيرِ الصَّحابة، وكذلك حَدَّ عُمَرُ أبا بَكْرَةَ وصاحبيه على قَذْفِهِم للمغيرة، وجرَّحهم في الشَّهادة والرِّواية، وأقرَّته الصَّحابَةُ (٤)، وحدَّ منهم جماعة في
_________________
(١) انظر ترجمته في " السير " ٣/ ٤١٢ - ٤١٦.
(٢) انظر ترجمته في " السير " ٣/ ٤٠٩ - ٤١١.
(٣) هو مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب بن عبد مناف بن قصي المطلبي المهاجري البدري. روى الإمام أحمد ٦/ ٣٥ من طريق ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة، قالت: لما نزل عُذري، قام رسول الله - ﷺ -، فذكر ذلك وتلا القرآن، فلمَّا نزلَ أمرَ برجلينِ وامرأةٍ فضربوا حدهم. وأخرجه أبو داود (٤٤٧٤) و(٤٤٧٥)، والترمذي (٣١٨١)، وابن ماجه (٢٥٦٧)، والنسائي في "الكبرى" كما في " التحفة " ٢/ ٤٠٩. وقال الترمذي: هذا حديث حسن، ووقع عند أبي داود تسميتهم حسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش. ولما نزل القرآنُ في براءةِ الصديقةِ بنتِ الصديق، قال أبو بكر ﵁وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره-: واللهِ لا أنفقُ على مسطح شيئًا بعد الذي قال لعائشة ما قال، فأنزَلَ الله: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قال أبو بكر: بلى واللهِ إني أُحِبُّ أن يغفرَ اللهُ لي، فَرجَعَ إلى النفقةِ التي كان ينفقُ عليه، وقال: واللهِ لا أنزعها منه أبدًا. انظر البخاري (٤٧٥٠). توفي مسطح سنة أربع وثلاثين ﵁.
(٤) في البخاري ٥/ ٢٥٥ في الشهادات، باب: شهادة القاذف، وجلد عمرُ أبا بكرة وشبل بن معبد، ونافعًا بقذف المغيرة، ثم استتابهم، وقال: من تاب، قبلت شهادته. وَوصَلَهُ الشافعيُّ في " الأم " ٧/ ٤١ قال: سمعتُ الزُّهري يقولُ: زعَمَ أهلُ العراق أن =
[ ٣ / ٢٢٤ ]
معاصي التَّصريح مِنْ شُرب الخمر، والزِّنى والسَّرِقة، وهِيَ منْ معاصي التَّصريح والخِسَّةِ.
_________________
(١) = شهادةَ المحدود لا تجوزُ، فأشهدُ لأخبرني فلانٌ أن عمرَ بنَ الخطاب قال لأبي بكرة: تُبْ، وأقبل شهادتكَ، قالَ سفيانُ: سَمَّى الزهريُّ الذي أخبره، فحفظته، ثم نسيته، فقال لي عمر بن قيس: هو ابنُ المسيب. قال الشافعي: فقلت له: هل شككت فيما قال؟ قال: لا، قالَ الشافعيُّ: هو ابن المسيبِ بلا شك. وأخرجَه ابنُ جرير في " جامع البيان " ١٨/ ٧٦ من طريق ابن إسحاق، عن الزهري، عن سعيدِ بنِ المسيب أتم من هذا، ولفظه: أن عمر بن الخطاب ضربَ أبا بكرة، وشبلَ بن معبد، ونافعَ بن الحارث بن كلدة حدَّهم، وقال: منْ أكذبَ نفسه، أجزْتُ شهَادته فيما أستقبلُ، ومنْ لم يفعلْ، لم أُجِرْ شهادته، فأكذب شبلٌ نفسه ونافعٌ، وأبَى أبو بكرة أنْ يفعل. قال الزهريُّ: هو واللهِ سُنة، فاحفظوه. وأخرجه سليمانُ بنُ كثير، عن الزهريِّ، عن سعيد بنِ المُسَيِّب أنَّ عمر حيث شهد أبو بكرة، ونافع، وشبل على المغيرة، وشَهِدَ زيادٌ على خلافِ شهادتهم، فجلَدَهم عمرُ، واستتابهم، وقال: مَنْ رَجَعَ منكم عن شهادته، قبلتُ شهادته، فأبى أبو بكرة أن يَرْجِعَ. أخرجَهُ عمرُ بنُ شبة في " أخبار البصرة " من هذا الوجه. وساقَ قصة المغيرة هذه من طرقٍ كثيرة، محصلُها أنَّ المغيرة بن شعبة كان أمير البصرة لعمر، فاتهمه أبو بكرة -وهو نفيع- الثقفي الصحابي المشهور، وكان أبو بكرة، ونافع بن الحارث بن كَلَدَةَ الثقفي، وهو معدودٌ في الصحابة. وشِبْلٌ -بكسر المعجمة، وسكون الموحدة- ابن معبد بن عتيبة بن الحارث البجلي، وهو معدود في المخضرمين، وزياد بن عبيد الذي كان بعد ذلك يقال له: زياد بن أبي سفيان، إخوة من أُمِّ أمهم سُمية مولاة الحارث بن كلدة، فاجتَمعُوا جميعًا فَرَأوُا المغيرةَ مُتبطِّنَ المرأةِ، وكان يقالُ لها: الرقطاءُ أُمُّ جميل بنتُ عمرو بن الأفقم الهلالية، وزوجُها الحجاج بن عتيك بن الحارث بن عوف الجشمي، فرحَلُوا إلى عمر، فشكوه، فعزله، وولى أبا موسى الأشعري، وأحضرَ المغيرة، فَشهِدَ عليه الثلاثةُ بالزنى، وأما زيادٌ، فلم يبُتَّ الشهادة، وقال: رأيتُ منظرًا قبيحًا، وما أدري أخالطها أم لا، فأمر عمرُ بجلدِ الثلاثة حدَّ القذف، وقال ما قال. وأخرج القصة الطبراني (٧٢٢٧) في ترجمة شبل بن معبد، والبيهقي ٨/ ٢٣٤ و٢٣٥ من رواية أبي عثمان النهدي أنَّه شاهدَ ذلك عند عمر، وإسناده صحيح. ورواه الحاكمُ في " المستدرك " ٣/ ٤٤٨ - ٤٤٩ من طريق عبد العزيز بن أبي بكرة مطولًا، وفيها: " فقال زياد: رأيتهما في لِحافٍ، وسمعتُ نفسًا عاليًا، ولا أدري ما وراء ذلك ".
[ ٣ / ٢٢٥ ]
فكيف يقولُ عاقِلٌ مع ذلِكَ: إنَّ عُموم الثَّناء غَيْرُ مخصوص؟ ولكنه خصوص (١) نادِرٌ، فهو فيهم كالشَّعرة السَّوداء في الثَّور الأبيض، فلذا تُرِكَ ذكرُه، وهو معروف في " الاستيعاب " لابن عبد البر وغيرِه مِنْ كتب الصَّحابة.
ولا شك في قَبُول الخُصوص وتقديمِه على العمومِ، فقد صحَّ تخصيص العموم (٢) في كلام الله تَعالى، وهو أصدقُ القائلين، ولم يكن في ذلك مناقضةٌ ولا مكاذَبةٌ، بل قد صحَّ ذلك في كتاب الله في هذه المسألة بعينها، فقد أثنى الله سبحانه في كتابه على الصحابة عُمومًا، ولم (٣) يقدح في كتابِ الله بما يُوجَدُ مِن بعضهم كقوله تعالى (٤): ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وكذلك رسولُ الله - ﷺ - في أحاديث كثيرةٍ تَقَصَّاها أبو عمر بنُ عبد البر في كتاب " الاستيعاب " (٥)، ولم يمنع ذلك مِنَ التَّخصيص، وكذلك عموم كلامِ المحدِّثين، فكيف يجوز (٦) ذلك، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور: ١١]، والصِّحاح مشحونَةٌ بذكر مَنْ حدَّه رسول الله - ﷺ -، منهم في الإِفك، والزِّنى، والسَّرِقة مع خِسَّتِهما (٧) كما تقدَّم بيانُه. وقد نصَّ الرَّازي في " محصوله " (٨) على أنَّ الصَّحابة عدولٌ
_________________
(١) في (ش): ولكن خصوصهم.
(٢) عبارة " فقد صَحَّ تخصيصُ العموم " سقطت من (ب).
(٣) في (ش): فلم.
(٤) عبارة " كقوله تعالى " ساقطة من (ش).
(٥) ١/ ٣ - ٨.
(٦) في (ب): يقول.
(٧) في (ش): " حسنهما "، وهو خطأ.
(٨) ٢/ ١/٤٣٧.
[ ٣ / ٢٢٦ ]
عندهم في الظَّاهر ما لم يأتِ له مُعارض. هكذا لفظُه، وهو يُفِيدُ خلافَ ما ذكره السَيِّد، وأنَّ القوم يعتقدون زوالَ عدالةِ الصَّحابي عند ورود ما يَدُلُّ على الجَرْحَ.
وقد حكى ابنُ عبد البر في كتاب " الاستيعاب " (١) عن جماعة: أن الوليدَ بن عُقبة (٢) كان فاسقًا، شِرِّيبًا للخمر بهذا اللَّفظ، مع إجماعهم أنَّه صحابي، وقال: إنَّه مِمَّن يُقْطَعُ بسوءِ حاله، وقُبْحِ فعاله، وقال: لم يرْوِ سُنَّةً يُحْتَاج إليه فيها.
وقال في بُسْرِ بنِ أرطاة: قال الدارقطني: كانت له صحبةٌ، ولم تكن له استقامةٌ بَعْدَ النَّبيِّ - ﷺ -، هو الَّذي قتل طِفْلَيْنِ لعُبَيْد الله بنِ عبَّاسٍ، قال أبو عُمَرَ: وكان ابنُ معين يقولُ: إنَّه رجلُ سوءٍ، قال أبو عمر: ذلك (٣) لعظائِمَ ارتكبها في الإِسلامِ، ثمَّ حكى أنَّه أوَّل من سَبَى المسلمات (٤).
وذكر أحمدُ بن حنبل أنَّ النبي - ﷺ - لما يَدْعُ للوليدِ بنِ عُقبة ولم يَمسَّهُ لِسابق عِلْمِهِ فيه، وأنَّه لذلك حُرِمَ بَرَكةَ النَّبِيِّ - ﷺ -. وكذلك الذَّهبي ذكره في " النبلاء " (٥)، وذكر شربَه للخمر، ونزولَ القرآنِ بفسقه، وروى في ذلك حديثًا مسندًا، وقال: إسناده قويٌّ، وسيأتي بيانُ ذلك في ترجمة الوليد.
_________________
(١) ٣/ ٦٣٣.
(٢) " ابن عقبة " ساقطة من (ش).
(٣) في (ب): " ولذلك " وهو خطأ.
(٤) " الاستيعاب " ١/ ١٦١ - ١٧٠.
(٥) ٣/ ٤١٥، وتمام كلامه بعد قوله: " إسناده قوي ": لكن سياق الآية يدل على أنها في أهل النار.
[ ٣ / ٢٢٧ ]
وقال الذهبي في كتابه في (١) " المشتبه " (٢): إنَّ لعبدِ الرحمن بن عُدَيْس (٣) صحبة وزَلَّة، بهذا اللَّفظ. وهذا عكس ما اعتقده السيِّد، وقد ذكر المحدِّثون منِ ارتدَّ وكفر مِنَ الصَّحابة بعد إسلامه وصُحبته في كتبِ معرفة الصَّحابة، والكفرُ أعظم الكبائر بإجماعِ أهل الإسلام وسائرِ الأديان (٤) من (٥) اليهود والنَّصارى وأمثالهم.
وقَدِ احتجَّ ابن عبد البر على تخصيص أدلَّةِ تعديلِ الصَّحابة بحديث: " فأَقُولُ: أَصْحَابي، فيقال: إنَّكَ لا تَدري ما أَحْدَثُوا بَعْدَكَ " (٦)، وذكر أنَّ في هذا أحاديث كثيرة تقصَّاها في " التّمهيد ". ذكر
_________________
(١) " في " لم ترد في (ش).
(٢) ٢/ ٤٨٨، وهذا الكتابُ يعتمده أهل العلم في ضبط ما يشتبه ويتصحف من الأسماء، والأنساب، والكُنى، والألْقاب مما اتفق وضعًا، واختلف لفظًا، وهو مشتملٌ على فوائد كثيرةٍ في بابه، إلا أنَّ الإمامَ الذهبيَّ ﵀ بالغَ في اختصاره، وأحال على ضبطِ القلم دون الضبط بالحروف، مما دفعَ بالإمامِ الحافظِ محدث الديار الشامية ومؤرخها شمس الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد الدمشقي المتوفَّى سنة ٨٤٢ هـ إلى سدِّ الخلل الذي فيه في كتابه العظيم " توضيح المشتبه " الذي تتولى نشره لأول مرة مؤسسة الرسالة، وقد صَدَر منه الجزء الأول بتحقيقِ صاحبنا وحبيبنا الشيخ نعيم العرقسوسي مفتتحًا بمقدمةٍ حافلةٍ عرف فيها بالمؤلف وبكتابه وبالمنهج الذي اتبعه في التحقيق.
(٣) في (ش): " عدس "، وهو خطأ. في " الإصابة " ٢/ ٤٠٣: عبد الرحمن بن عُدَيس -بمهملتين مصغرًا- ابن عمرو بن كلاب بن وهمان أبو محمد البلوي. قال ابن سعد: صحب النبي - ﷺ -، وَسمِعَ منه، وشَهِدَ فتح مصر، وكان فيمن سار إلى عثمان. وقال ابن البرقي والبغوي وغيرهما: كان ممن بايع تحت الشجرة، وَشَهِدَ فتح مصر، واختطَّ بها، وكان من الفرسان، ثم كان رئيسَ الخيل التي سارت من مصر إلى عثمان في الفتنةِ. وقال ابنُ عبد البر: هو كان الأميرَ على الجيش القادمين من مصر إلى المدينةِ الذين حَصَروا عثمان وَقَتَلُوهُ. قلتُ: وهذه هي الزلةُ التي عَنَاهَا الإمامُ الذهبي -﵀- وهو المشاركة في قتل عثمان ﵁.
(٤) في (ش): أهل الأديان.
(٥) " من " سقطت من (ش).
(٦) أخرجه البخاري (٣٣٤٩) و(٣٤٤٧) و(٤٦٢٥) و(٤٦٢٦) و(٤٧٤٠) و(٦٥٢٤) =
[ ٣ / ٢٢٨ ]
ذلك في ترجمة بُسْرِ بنِ أرطاة في " الاستيعاب " (١).
_________________
(١) = و(٦٥٢٥) و(٦٥٢٦)، ومسلم (٢٨٦٠)، والترمذي (٢٤٢٣)، والنسائي ٤/ ١١٧، وأحمد ١/ ٢٣٥ و٢٥٣، والطيالسي (٦٦٣٨) من حديث ابن عباس قالَ: قام فينا رسولُ الله - ﷺ - خطيبًا بموعظة فقال: " يا أيُّها الناسُ، إنكم تُحشرون إلى الله حُفَاةً عُراةً غُرْلًا ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ ألا وإنّ أولَ الخلائقِ يُكْسى يومَ القيامة إبراهيمُ ﵇، ألاَ وإنَّه سَيُجاءُ برجالٍ من أمتي، فيُؤخَذُ بهم ذات الشِّمالِ، فأقولُ: يا ربِّ، أصحابي، فيقال: إنك لا تَدري ما أحدثوا بعدَك، فأقول كما قال العبدُ الصالحُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ قال: فيقالُ لي إِنَّهم لم يَزَالُوا مُرتدينَ على أعقابهم منذُ فارقتهم ". وفي الباب عن ابن مسعود عند البخاري (٥٠٥٥)، وأحمد ١/ ٣٨٤ و٤٠٢، وابن ماجه (٣٠٥٧). قال الحافظ في " الفتح " ١١/ ٣٨٥: قوله: " فيقولُ اللهُ: إنَّكَ لا تَدْري ما أحْدَثُوا بعدَكَ " في حديث أبي هريرة المذكور: " إنَّهم ارتَدُّوا على أدبارهمْ القَهْقرَى "، وزاد في رواية سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أيضًا: " فيقول: إنَّك لا علمَ لك بما أحدثوا بعدَك، فيقال: إنَّهم قد بَدَّلُوا بعدَك، فأقول: سُحْقًا سُحْقًا " أي: بُعْدًا بُعْدًا، والتأكيد للمبالغة، وفي حديث أبي سعيد في "باب صفة النار" أيضًا: " فيقال: إنك لا تَدْري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سُحْقًا سُحْقًا لمن غَيَّر بعدي "، وزاد في رواية عطاء بن يسار: " فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم "، ولأحمد والطبراني من حديث أبي بكرة رفعه: " لَيرِدَنَّ عليَّ الحوض رجالٌ ممن صحبني ورآني "، وسنده حسن. وللطبراني من حديث أبي الدرداء نحوه، وزاد: " فقلت: يا رسول الله، ادعُ الله أن لا يجعَلَني منهم، قال: لَسْتَ منهم "، وسنده حسن. وقوله: " قال: فيقالُ: إنَّهم لم يزالوا مرتدين على أعقابِهم ": وَقَع في رواية الكشميهني: " لن يزالوا "، ووقع في ترجمة مريم من أحاديث الأنبياء، قال الفِرَبْري: ذكر عن أبي عبد الله البخاري عن قَبيصة قال: هم الذين ارتدُّوا على عهد أبي بكر، فقاتلهم أبو بكر، يعني حتى قتلوا وماتوا على الكفر، وقد وَصَلَه الإسماعيلي من وجهٍ آخرَ عن قَبيصَة. وقال الخطابيُّ -ونقلَهُ عنه البغويُّ في " شرح السنة " ١٥/ ١٢٣ - ١٢٤ -: لم يرتدَّ من الصحابةِ أحَدٌ، وإنما ارتَدَّ قومٌ من جُفَاةِ الأعراب مِمَّن لا نصرةَ له في الدينِ، وذلك لا يوجبُ قدْحًا في الصحابة المشهورين، ويدلُّ قولُه: " أصيحابي " بالتصغير على قلةِ عددهم. وقالَ غيرُهُ: قيل: هو على ظاهرِهِ من الكفر، والمرادُ بأمتي أمةُ الدعوةِ لا أمة الإجابة. ورجَّحَ بقوله في حديث أبي هريرة " فأقولُ بُعْدًا لهم وَسُحْقًا "، ويؤيده كونُهُم خَفِيَ عليه حالُهُم، ولو كانوا من أمةِ الإجابةِ، لعرفَ حالهم بكون أعمالهم تعرض عليه.
(٢) ١/ ١٥٩.
[ ٣ / ٢٢٩ ]
والسَّبب في وَهْمِ السيدِ -أيَّده الله- في هذه المسألة: أنّه رآهم لا يُفَسِّقُون مَنْ أظهر التَّأويلَ مِمَّن حاربَ أميرَ المؤمنين ﵇ مِمَّن يَعُدُّونَه صحابِيًّا، ولا شكَّ أنَّهم يقولون ببغيِ مَنْ حاربَ عليًّا ﵇، كما رواه القرطبي عنهم الجمبع في " تذكرته " (١)، ورواه غيرهُ منهم كما سيأتي.
وأمَّا قولُهم بتأويلهم، فقد مرَّ الكلامُ عليه قريبًا، وممَّا يدخلُه التَّأويل بالإجماع: قتالُ المسلمين وبعضِ الأئِمَّة، والبغيُ عليهم، والدخولُ في الفتن كما فعلت الخوارج، والنواصب، والرَّوافض، ومَنْ لا يأتي عليه العَدُّ.
فإذا عرفتَ هذا، فاعلم أنَّ الناس اختلفوا في مَنْ تأوَّل فيما ليس مِنَ المعلوم تحريمُه بالضَّرورة عند الجميعِ على ثلاثةِ أقوال:
القول الأول: أنَّ التّأويل لا يمنع مِنَ التَّأثيم مطلقًا، وسواء كان في الظَّنيَّات أو في القطعيَّات (٢)، وهذا مذهبُ الأصَمِّ وغيره.
القول الثاني: على العكس، وهو أنَّ التأويل يُسْقِط الِإثمَ والعِقَابَ، سواءٌ كان في الظَّنيَّات أو في القطعيَّات، إلاّ أنَّه (٣) فرَّق بينهما، فإن التِّأويل في القطعيَّات لا يخْرِجُ الفعل عَنِ القبح، ووجوبِ كراهَتِه، وتحريمِ الرِّضى به، ووجوبِ النَّهْي لمرتكبه، ومنعِه منه إنْ أمكنَ ذلك، والتَّأويلُ في الظَّنِّيَّات يُثَابُ فاعله، ويُرضى به، ولا يُنهى عنه، واختلفوا في التَّصويب.
_________________
(١) ٢/ ٥٤٥ - ٥٤٧.
(٢) في (ب): القطعيات أو في الظنيات.
(٣) في (ش): إذ لا.
[ ٣ / ٢٣٠ ]
واعلم أنَّ المحدِّثين ما خالفونا في هذه المسألة إلاَّ في هذا، وأنَّ مذهبنا ومذهبَهم في عدالة الرُّواة واحدٌ إلاَّ (١) قدرَ أربعة أو خمسة، أو قريبٍ مِنْ ذلك، قد ذكرتهم (٢) في هذا الكلام المقدَّم.
القول الثالث: مذهبُ الأكثرين مِنَ الأئِمَّة، وجماهيرِ علماءِ الأُمَّةِ، وهو التَّفصيل، والقولُ بأنَّ التَّأويل في القطعيات لا يمنعُ الكفر أو (٣) الفِسْق أوِ التَّأثيم، وأمَّا التَّأويل في الظَّنِّيَّات، فيمنع ذلك كلَّه، وُيوجِبُ التَّصويبَ أو المثُوبة، فإذا عرفتَ هذا، تبيَّنَ لك أنَّ القوم ما خالفوا إلا فيما يدخله التَّأويلُ مِنَ الكبائر، وهو ما أمكن أن يَصِحَّ دعوى بعضُ النَّاس جهله، وإنْ كان عند غيره معروفًا.
والفرقُ بَيْنَ ما يدخلُه التَّأويلُ مِن الكبائر، وبَيْنَ جميع الكبائر (٤) معلومٌ بالضرورة لِكلِّ عاقلٍ، فإنَّ الشِّرك بالله، وعبادةَ اللاَّت، ونِكَاح الأخوات والأُمَّهات، وتركَ الصَّوم والصلوات من الكبائر (٥)، فإنْ كان السَّيِّدُ يعتقدُ في أهل الحديث أنَّ مذهبهُمْ عدالَةُ مَنِ ارتكبَ هذه الفواحش العظام (٦)، وكذَّبَ الرُّسلَ الكِرَامَ ﵈، لكونه رأي النَّبي - ﷺ - بعد الدُّخول في الإسلام، فهو أجَلُّ مِنْ أن يقولَ بهذا الكلام أو ينسبَه إلى أحدٍ مِنَ الأنام، وإن كان لا يعتقدُ ذلك فيهم، فما هذا الذي أعشى (٧) بصر
_________________
(١) في (ش): إلا في.
(٢) في (ب): فذكرتهم.
(٣) في (ش): و.
(٤) عبارة: " وبين جميع الكبائر " ساقطة من (ش).
(٥) كتب فوق كلمة " الكبائر " في (ش): " التي لا يدخلها التأويل ".
(٦) ساقطة من (ش).
(٧) في (ب): "أغشى"، وهو تصحيف.
[ ٣ / ٢٣١ ]
بصيرته، وغَشَّى على أضواءِ معرفته، حتَّى تجاسرعلى رَمْيِهمْ بهذه الشَّناعة الَّتي لا يجترىءُ على القولِ بها إلا أهلُ الخلاعَةِ.
وقد قال محمد بن منصور الكوفي (١) في كتابه المعروف " بكتاب أحمد "، يعني أحمد بن عيسى بن زيد عليهم (٢) السَّلام: أنَّ أحمدَ بن عيسى قال: فإنْ جَهِلَ الوِلايةَ رَجُلٌ، فلم يتولَّ أميرَ المؤمنين، لم تنقطع (٣) بذلك عصمتُه، وإن تبرأ وقد عَلِمَ، انقطعت عنَّا، وكان منا في حَدِّ براءةٍ، يقول: براءة (٤) ممَّا دانَ به، وأنكر مِنْ فرضِ الولاية لا براءة يخرج بها مِنْ حدِّ المناكحة، والموارَثةِ، وغير ذلك ممَّا تجري به (٥) أحكامُ المسلمين منهم بعضُهم (٦) في بعض -إلى قوله- لا (٧) على مثل البراءة منَّا مِنْ أهل الشِّرك، واليهود، والنَّصارى، والمجوس. هذا وجهُ البراءة عندنا مِمَّن خالفنا. انتهى بحروفه من آخر المجلد السَّادس من " الجامع الكافي ".
ومعناه لا يَزِيدُ على ما عُلِمَ بالتَّواترِ عن علي ﵇ أنّه لم يَسِرْ في أهل صفِّين والجَمَلِ سِيرَة رسولِ الله - ﷺ - في المشركين، ولا حَكَمَ بسَبْيِ النِّساء والذُّرِّيَّة، ولو كانوا جَحَدُوا ما يُعْلَمُ مِنْ ضَرُورة الدِّين، كان الواجِبُ تكفيرَهم عند جميع المسلمين، فدلَّ على أنَّ فِعْلَهم ممَّا يدخله
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ٢/ ٥٣ و٤٠٣.
(٢) في (ش): عليهما.
(٣) في (ب): نقطع.
(٤) " براءة " ساقطة من (ب).
(٥) " به " ساقطة من (ب).
(٦) " بعضهم " ساقطة من (ب).
(٧) " لا " ساقطة من (ب).
[ ٣ / ٢٣٢ ]
التّأويلُ بشهادة (١) سيرةِ أمير المؤمنين، وهذا هو مضمونُ ما أنكره السيد على المحدثين.
الوهم الثاني: قال: إنَّهم يُجيزون الكبائر على الأنبياء ﵈.
وهذا الإطلاقُ تجاهُلٌ لا جهلٌ، لأن السَّيِّد لا يزال يُقْرِىءُ مذهبَهم في هذه المسألة، وأنا أُورِدُ من كتبهم ما يشهد (٢) ببطلان هذا القولِ الذي أطلقه السيدُ، ولم يقيِّده.
فمِنْ ذلك ما ذكره الرّازي في " محصوله " (٣) فإنَّه قال في هذه المسألة في حكم أفعالِ الأنبياء ﵈ (٤) ما لفظه: والَّذي نقولُ به: إنَّه لم يقع منهم ذنبٌ على سبيل القصد لا صغير ولا كبير (٥)، وأمَّا السَّهو (٦)، فقد يقع منهم بشرط (٧) أن يتذكروه (٨) في الحال، ويُنَبِّهوا غيرهم على أنَّ ذلك كان سهوًا، وقد سبقت هذه المسألة في علم الكلام، ومن أرادَ الاستقصاء، فعليه بكتابنا في عصمة الأنبياء، والله أعلم. انتهى كلامه.
_________________
(١) في (ب): " شهادة ".
(٢) في (ب): شهد.
(٣) ١/ ٣/٣٤٤.
(٤) من قوله: " السَّيِّد ولم يقيده " إلى هنا ساقط من (ش).
(٥) جملة "لا صغير ولا كبير" سقطت من (ب).
(٦) في (ش): " السهولة "، وهو تحريف.
(٧) في (ب): شرط.
(٨) في (ب): " يذكروه "، وفي (ش): " يتداركوه ".
[ ٣ / ٢٣٣ ]
وقال ابن الحاجب في " المنتهى " (١): الإجماع (٢) على عصمتهم بعد الرسالة من تعمد الكذب في الأحكام، والإجماع على عصمتهم من الكبائر وصغائر الخِسَّةِ.
وقال الذهبي في كتاب " النبلاء " (٣)، وقد ذكر ما معناه تنزيه النَّبي - ﷺ - مِنَ الأكل مِمَّا ذُبحَ على النُّصُب قبل النُّبُوَّة، فقال في ترجمة سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ما لفظه: وما زال المصطفى محفوظًا محروسًا قبل الوحي وبعدَه، ولو احتمل جوازُ ذلك، فبالضرورة ندري (٤) أنَّه كان يأكل [من] ذبائح قريشٍ قبلَ الوحي، وكانَ ذلك على الإباحة، وإنّما تُوصفُ ذبائحُهُم بالتَّحريم (٥) بعد نزول الآية، كما أنَّ الخمرَ كانت على الإباحة الى أن نزل (٦) تحريمها بالمدينة بعدَ يومِ أُحُدٍ، والَّذي لا ريبَ فيه أنّه كان معصُومًا قَبْلَ الوحي وبعدَه، وقبلَ الشَّرائع مِنَ الزِّنى قطعًا، ومِنَ الخيانة، والغَدْر، والكَذِبِ، والسكْرِ، والسُّجود لوثَنٍ، والاستقسام بالأزلام، ومِنَ الرذائل، والسَّفَهِ، وبذاء اللسان، وكشف العَوْرَةِ، فلم يكن يطوف عُريانًا، ولا يَقِفُ يوم عرفة مع قومه، بل كان يَقفُ بعرفة.
ومن أحسنِ من تكلَّم في هذا منهم (٧) القاضي العلامة عياضُ بنُ موسى بنِ عياض اليَحْصُبي المالكي في كتابه " الشفا في شرف المصطفى "، فإنه أجاد الكلام في هذه المسألة، وليس يتَّسع هذا الجواب
_________________
(١) ٢/ ٢٢.
(٢) في (ش): للإجماع.
(٣) ١/ ١٣٠.
(٤) في (ش): تدري.
(٥) " بالتحريم " ساقطة من (ش).
(٦) في (ش): نزول.
(٧) في (ش): في هذا المعنى.
[ ٣ / ٢٣٤ ]
لذكر جملة كبيرة (١) من كلامه، فإنَّه طوَّله ونوَّعه (٢)، واحتجَّ وتأوَّل، حتَّى بلغ كلامه في ذلك ستِّين ورقة أو يزيد قليلًا، أو ينقص قليلًا بحسب اختلافه فيه. ومِنْ كلامه فيه ما لفظُه: أجمع المسلمون على عِصمة الأنبياء مِنَ الفواحش، والكبائرِ الموبقات، ومستندُ الجمهورِ في ذلك الإجماعُ، وهو مذهبُ القاضي أبي بكر، ومنعها غيرُه بدليلِ العقل مع الإجماع، وهو قولُ الكافة، واختاره (٣) الأستاذُ أبو إسحاق. وكذلك لا خلافَ أنَّهم معصومون من كِتمان الرِّسالة، والتَّقصيرِ في التَّبليغ، وذكر الإجماع على عصمتهم من الصَّغيرة الَّتي تؤدِّي إلى إزالة الحِشْمَةِ، وتُسْقِطُ المروءة، وتُوجِب الخَسَاسَة، قال: بل يلحق بهذا ما كان مِنْ قبيل المُباحِ، فأدَّى إلى مثله ممَّا يُزري بصاحبه، ويُنَفِّرُ القلوبَ عنه، ثمَّ إنَّ القاضي ذكر في المتن الاختلاف في عصمتهم قَبْلَ النُّبُوَّةِ حتى قال: والصَّحيحُ تنزيههم من كُلِّ عيب، وعصمتُهم من كلِّ ما يُوجِبُ الرَّيْبَ، فكيف والمسألة تصوُّرُها كالممتنع؟ فإنَّ المعاصي، والنَّواهي (٤) إنَّما تكون بعد تَقَرُّر (٥) الشَّرع، وذكر عصمتهم قبلَ هذا عَنِ الصَّغائر، واختاره، واحتجَّ عليه، وأطال القولَ (٦).
إذا عرفتَ هذا، فَلْنَذْكُرِ الذِي أوجب الوهمَ في هذا (٧)، بَلِ الَّذِي أوجب التَّسَاهُل فيه، وذلك أمران:
_________________
(١) في (ش): كثيرة.
(٢) في (ش): نَوَّعه وطوله.
(٣) تحرفت في (ب) إلى: " ومنعه ".
(٤) في (ش): " المناهي ".
(٥) في (ش): تقرير.
(٦) انظر " الشفا " ٢/ ١٤٦ فما بعد.
(٧) " في هذا " ساقطة من (ش).
[ ٣ / ٢٣٥ ]
أحدُهما: أنَّ بعضَهم يقول: إنَّ (١) المعاصي الدَّالَّة على الخِسَّة قَبْلَ النُّبُوة يمتنع وقوعُها مِنَ الأنبياء ﵈ بدليل السَّمع فقط، ولا يمتنِعُ بدليلِ العقل، ونحن نقولُ -والجمهور منهم-: إنَّها (٢) تمتنع عقلًا وسمعًا، فهم موافقون لنا على إمتناعها، ولكن بعضهم استدلُّوا على ذلِكَ بدليلٍ واحدٍ، ونحن وجمهورُهُم استدللنا عليه بدليلين، فهذا لا يقتضي الاختلافَ في تجويزِ الكبائرِ على الإِطلاقِ البتَّة، فأمَّا ما لم يكن مِن صغائِرِ الخِسَّة المنفِّرات، فلا ينبغي أن يكونَ فيه (٣) اختلافٌ، لأنَّ وصفه بأنّه كبيرٌ قَبْلَ الشرع خطأ، بل وصفُه بأنّه حرام، ألا ترى أنَّ الخمرَ كان مباحًا؟ فإن ثبت أنَّه حرام، وأنَّهم متعبِّدون بشرع مَنْ قبلنا، فبأدلَّة ظنِّيَّة، فإن قدرنا ثبوتَ ذلكَ بأدلَّةٍ قاطعةٍ، فثبوتُ التَّحريم لا يدلُّ على أنَّ المُحَرّمَ كبيرٌ، فأمَّا الكفرُ وجميعُ ما عَدَّدهُ الذهبي، والقاضي عياض وغيرهما فيما تقدم من المعاصي الدّالة على الخِسَّةِ، وسائر الرذائل، فقد وافقونا على تنزيههم عنها، وأقصى ما في الباب أن يكونوا خالفونا في تجويزِ بعض الكبائرِ على الأنبياء قبل النُّبُوَّة، فهذا لا يُجيزُ الإِطلاقَ الَّذِي رواه السَّيِّدُ عنهم لوجهين.
أَحَدُهُما: أن الخلافَ في بعض الكبائرِ ليس خلافًا في جميعها، ومَنْ لم يفَرِّقْ بينَ البعضِ والكُلِّ، فليس مِنَ العقلاء، فإنَّ العلمَ (٤) بالفرق بينهما ضروريٌّ، ومن المعلومِ بالضَّرورة عنهم أنَّهم ما خالفُوا (٥) في جميعِ الكبائر، فإنَّ الشَّركَ مِنَ الكبَائِرِ واللواطَ من الكبائر، ونحو ذلك.
_________________
(١) ساقطة من (ب).
(٢) في (ب): إنما.
(٣) ساقطة من (ب).
(٤) في (ش): فالعلم.
(٥) في (ب): خالفونا.
[ ٣ / ٢٣٦ ]
الوهم الثالث: قال السيد: ومنهم مروان بن الحكم طرده ولعنه رسول الله، وهذا وهم عظيم
الوجه الثاني: أنّ الأنبياءَ ﵈ قبل النُّبُوَّةِ لا يُسَمَّوْنَ أنبياءَ على الحقيقة، ولا يُحْكمُ لهم حُكْمٌ من أحكامِ الأنبياء، ألا ترى أنّ كلامَهُم وأفعالَهم قبل النُّبُوَّةِ ليس بِحُجَّةٍ، وأمرهم قبلَها لا يُوجِبُ الطاعة، والشَّاكَّ في صدقهم قبل النُّبُوَّةِ لا يُكْفَرُ؟ فإذا نسب الفقهاءُ إلى الأنبياء جواز أمرٍ قبل النُّبُوَّة، لم يُقَلْ: إنَّ مذهبَهم جوازُه على الأنبياء هكذا على الإِطلاق، ولو كان ذلِكَ يجوز، للزم (١) أن يكون مذهبنا أنّ كلامَ الأنبياء ليس بِحُجَّةٍ، وأنّ مَنْ شَكَّ في صدقهم، فليس (٢) بكافر، وأمثال ذلِكَ مِمَّا هو مذهبنا فيهم ﵈ قبل النُّبُوُّةِ، وبالجملة فمذهبُ القوم ونصوصُهم يَدُل (٣) على بُطلان ما أطلقه السَّيِّدُ قطعًا، والله سبحانه أعلم.
الوهم الثّالث: قال السيدُ أيّده الله: ومنهم مروانُ بنُ الحكم، طَرَدَهُ وَلَعَنَهُ رسولُ الله - ﷺ -.
وهذا (٤) وهمٌ عظيمٌ، لا يخفى على مَنْ له أدنى أُنْس بِمعرفة الرِّجال أنَّ الذي طرده النبِيُّ - ﷺ - هو الحكمُ ابنُ أبي العاص لا مروان، وهذا معلومٌ بالضرورة (٥).
وقد وهِمَ الحاكِمُ في ذلك في " شرح العيون "، وتوفي - ﷺ - وهو ابنُ ثمانٍ أو نحوها، فمتى (٦) استحقَّ التَّطريد، ولكن (٧) نقله أبوه يَوْمَ طُرِد معه.
_________________
(١) في (ش): لزم.
(٢) في (ش): ليس.
(٣) في (ش): تدل.
(٤) في (ب): هذا.
(٥) في (ب): ضرورة.
(٦) في (ش): فمن أين.
(٧) في (ب): ولكنه.
[ ٣ / ٢٣٧ ]
قال في " النبلاء " (١) في الحكم بن أبي العاص: [قيل]: نفاه النبيُّ - ﷺ - لكونه حكاه في مشيته، وفي بعض حركاته، فسبَّه وطرده، وروى في ترجمته عن النبي - ﷺ - قال: " أُريتُ (٢) بني الحَكَم (٣) يَنْزُونَ على مِنْبَري نزْوَ القِرَدَةِ ". رواه العلاء بإسناده إلى النَّبِيِّ - ﷺ - (٤). وذكر في " الاستيعاب " (٥) أن رسول الله - ﷺ - طردَه مِن المدينة، فنزل الطَّائف، وأنّه ﵇ كان إذا مشى يتكفَّأ، وكان الحكمُ يحْكِيه، فالتفت إليه النَّبِيُّ - ﷺ -، فرآه يفعلُ ذلك، فقال رسول الله - ﷺ -: " فكذلِكَ فلتكن "، فكان الحكمُ مُتخلجًا (٦) يرتَعِشُ من يومئذ. فعيَّرَ عبدُ الرحمن بن حسان بن ثابت مروانَ بذلِكَ، فقال يهجوه:
إنَّ اللّعينَ أبُوك، فارْم عِظَامَهُ إنْ تَرْمِ تَرْم مُخَلَّجًَا مَجْنُونًا
يُمْسىِ خَميصَ البَطْنِ مِنْ عَمَلِ التُّقَى وَيظَلُّ مِنْ عَمَلِ الخَبِيثِ بَطينًا
قال ابن عبد البر: فأمّا قوله: إن اللعين أبوك، فرُوِيَ عن عائشة من طرق ذكرها ابن [أبي] خيثمة وغيرُه، [أنها قالت لمروان إذ قال في أخيها عبد الرحمن ما قال] أما أَنْتَ يا مروان، فأشهد أنَّ رسول الله - ﷺ - لَعَنَ أباكَ
_________________
(١) ٢/ ١٠٨.
(٢) في (ش): رأيت.
(٣) في (ش): الحكم بن أبي العاص.
(٤) أورده الهيثمي في " مجمع الزوائد " ٥/ ٢٤٣ - ٢٤٤، وقال: رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح غير مصعب بن عبد الله بن الزبير، وهو ثقة. وأورده ابن حجر في " المطالب العالية " ٤/ ٣٣٢، ونسبه لأبي يعلى، ونقل المحقق عن البوصيري قوله: رواتُهُ ثقات.
(٥) ١/ ٣١٨.
(٦) التخلج في المشي مثل التخلع، وتخلج المفلوج في مشيته، أي: تفكك وتمايل.
[ ٣ / ٢٣٨ ]
وأنتَ في صُلْبِهِ (١).
وروى بإسناده عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله - ﷺ -: " يَدْخُلُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ لَعينٌ "، فدخل الحَكَمُ بن أبي العاص (٢). وفي هذا
_________________
(١) وأخرجه النسائي من طريق علي بن الحسين، حدثنا أمية بن خالد، حدثنا شعبة، عن محمد بن زياد قال: لما بايَعَ معاوية لابنه، قال مروان: سنةَ أبي بكر وعمر، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: سنة هرقل وقيصر، فقال مروان: هذا الذي أنزل الله فيه ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾ الآية. فبلغ ذلك عائشة، فقالت: كَذَبَ مروانُ، والله ما هُو بهِ، ولو شئت أن أسمي الذي أنزلت فيه لسميته، ولكن رسولَ الله - ﷺ - لعَنَ أبا مروان، ومروانُ في صلبه، فمروانُ فَضَضٌ من لعنةِ الله. وانظر البزار (١٦٢٤). وأخرج أحمد ٤/ ٥، والبزار (١٦٢٣) من طريق عبد الرزاق، عن سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي قال: سمعت عبد الله بن الزبير يقول -وهو مستندٌ إلى الكعبة-: وربِّ هذا البيت، لقد لَعَنَ اللهُ الحَكَمَ وما وَلَدَ على لسانِ - ﷺ -. وهذا سند صحيح. وانظر " مجمع الزوائد " ٥/ ٢٤٠ - ٢٤١.
(٢) ذكره ابنُ عبد البر من طريق قاسم بن أصبغ، عن أحمد بن زهير، عن موسى بن إسماعيل، عن عبد الواحد بن زياد، عن عثمان بن حكيم قال: حدثنا شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن عبد الله بن عمرو بن العاص. وأخرجه أحمد في " المسند ٢/ ١٦٣ من طريق ابن نمير، حدثنا عثمان بن حكيم، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن عبد الله بن عمرو قال: كنا جلوسًا عند النبي - ﷺ - وقد ذهب عمرو بن العاص يلبسُ ثيابَه ليلحقني، فقال -ونحن عنده-: " ليدخلَنَّ عليكم رجلٌ لعين "، فوالله ما زلتُ وَجِلًا أتَشَوَّفُ داخلًا وخارجًا حتى دخل فلان، يعني الحكم. وهذا سند صحيح على شرط مسلم، وذكره الهيثمي في " المجمع " ١/ ١١٢، ونسبه لأحمد، وقال: ورجاله رجال الصحيح. وذكره أيضًا ٥/ ٢٤١ وقال: رواه أحمد، والبزار (١٦٢٥) إلا أنَّه قال: دخل الحكم بن أبي العاص، والطبراني في " الأوسط "، ورجاله رجال الصحيح. والحكم: هو ابن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، وهو عم عثمان بن عفان، وأبو مروان بن الحكم وبنيه من خلفاء بني أمية، أسلم يوم فتح مكة، وسكن المدينة، ثم نفاه النبي - ﷺ - إلى الطائف، ومكث بها حتى أعاده عثمان في خلافته، ومات بها. قال ابن الأثير في " أسد الغابة " ٢/ ٣٨: وقد روي في لعنه ونفيه أحاديث كثيرة لا حاجة إلى ذكرها، إلا أن الأمر المقطوع به أن النبي - ﷺ - مَعَ حلمِه وإغضائِهِ على ما يكرَهُ ما فَعَلَ به ذلك إلا لأمرٍ عظيمٍ. =
[ ٣ / ٢٣٩ ]
ما يشهدُ بمعرفة المحدِّثين بحالِ طريدِ رسُولِ الله - ﷺ -، وقد وهم السَّيِّد (١)
في هذا الوهم (٢) وهمين:
أحدهما: أنَّ مروانَ هو الطَّريد، وليس كذلك.
وثانيهما: أنَّ طريدَ رسول الله - ﷺ - أحدُ رجال الصحاح (٣) الثّقات،
وليس كذلك أيضًا، وليس في كُتُبِ الحديث رواية عنه البتَّة، وجملةُ من
فيها مِمَّنِ اِسْمُهُ الحكم ثلاثة وعشرون رجلًا ليس فيهم الحكم بن أبي
العاص، فليعلم ذلِك أيده الله.
الوهم الرابع: أنَّ مروان بن الحكم عند المحدثين من أهل التَّقوى
والصَّلاح. وليس كذلِكَ، فإنَّهم لا يجهلون ما له مِنَ الأفعال القبيحة،
والمعاصي المهلِكلة، وأنا أُورِدُ من كلامهم ما يدلُّ على ذلِكَ.
قال الذهبي في كتابه " ميزان الاعتدال في نقد الرجال " (٤) ما لفظه:
مروان بن الحكم له أعمال موبقة، نسأل الله السلامة، رمى طلحةَ
بسهمٍ، وفعل وفعل. انتهى بلفظه في " الميزان " وذكره في " النبلاء " (٥)،
وساق من أخباره حتى قال ما لفظه: وَحَضَر الوقعةَ يَوْمَ الجَمَلِ، فقتل
طلحَةَ، ونجا (٦) فليتَه ما نجا (٧)، هذا لفظ الذهبي. فلو كان عنده مِنْ أهل
_________________
(١) = وقال الحافظ في " الفتح " ١٣/ ١١: وقد وردتْ أحاديثُ في لعنِ الحكم والد مروان وما ولد. أخرجها الطبراني وغيره، غالبها فيه مقال، وبعضها جيد.
(٢) ساقطة من (ش).
(٣) ساقطة من (ب).
(٤) في (ش): الصحيح.
(٥) ٤/ ٨٩.
(٦) ٣/ ٤٧٧.
(٧) في (ش): فنجا.
(٨) في " السير ": لا نُجِّي.
[ ٣ / ٢٤٠ ]
الصَّلاح ما تَمنَّى له الهلاك، وكره له النَّجاة، وقد نَصَّ في " الميزان " على (١) أن له أعمالًا مُوبِقَة، وهذا تصريحٌ بفسقه.
وذكر الذهبي في " النبلاء " (٢) في ترجمة طلحة من طرقٍ أنَّ مروانَ ابنَ الحَكَمِ قاتل طلحة، ثم قال: قاتلُ طلحة في الوِزْرِ بمنزلة قاتِلِ علي. انتهى.
وروى الذهبي في " النبلاء " عن الحسين بنِ علي ﵉ أن مروان هو الذي قَتَلَ طلحةَ بنَ عُبَيْدِ الله أحدَ العشرة المشهود لهم بالجنة، ذكره في ترجمة طلحة (٣).
وقال ابنُ حزم في " أسماء الخلفاء والأئمَّة " (٤)، وقد ذكر بعض مساوىء مروان، وهو أوَّلُ مَنْ شَقَّ عصا المسلمين، بلا شبهة، ولا تأويل، وقتل النُّعمان بنَ بشيرٍ أوَّلَ مولودٍ وُلدَ (٥) في الإِسلام في الأنصار صاحب رسول الله - ﷺ -، وذكر (٦) أنَّه خرج على ابنِ الزُّبير بَعْدَ أن بايعه على الطَّاعة.
وقال ابن حبان الحافظ في مقدمة " صحيحه " (٧) عائذًا بالله أن
_________________
(١) ساقطة من (ب).
(٢) ١/ ٣٥ - ٣٦.
(٣) لم أجد هذا الخبر في ترجمة طلحة من " السير ".
(٤) انظر الرسالة الخامسة الملحقة بـ " جوامع السيرة " ص ٣٥٩.
(٥) لم ترد في (ش)، ولا في " أسماء الخلفاء".
(٦) في (ش): وذلك.
(٧) ثم يذكره في مقدمة " صحيحه "، وإنما ذكره بإثر حديث بسرة بنت صفوان من طريق مروان (١١١٤)، ونصه: قال أبو حاتم: عائذ بالله أن نَحْتجَّ بخبرٍ رواهُ مروانُ بنُ الحكم وذووه في شيء من كتبنا، لأنَّا لا نستحلُّ الاحتجاجَ بغيرِ الصحيح من سائر الأخبار، وإنْ وافَقَ ذلك مذهبنا، ولا نعتمد من المذاهبِ على المنتزع من الآثار، وإن خالفَ ذلك قولَ أئمتنا.
[ ٣ / ٢٤١ ]
يحتج بمروان وذويه في شيءٍ من كتبنا.
وقال ابن قدامة الحنبلي في كتابه " الكافي " (١) على مذهب أحمد ابن حنبل في باب صِفَةِ الأئِمَّةِ: في إمامة الفاسق بالأفعال روايتان، إحداهما (٢): تصح لقولِ النبي - ﷺ - لأبي ذر " كَيْف أنْتَ إذا كانَ عَلَيْكَ أُمَرَاءُ يُمِيتُونَ الصَّلاَةَ .. الحديث " (٣) إلى قوله في الاحتجاج على ذلِكَ: وكان الحسنُ والحسينُ يصلِّيان وراءَ مروان (٤)، انتهى، وفيه بيان معرفتهم
_________________
(١) ١/ ١٨٢ - ١٨٣. وهذا الكتاب بأجزائه الثلاثة كنت حققته مع صاحبنا الأستاذ الفاضل عبد القادر الأرنؤوط عن أصلين خطيين، وكان يشاركُنَا في تحقيقه العلامةُ الشيخُ عبد القادر الحتاوي الحنبلي الدُّومي ﵀ رحمة واسعة، فقد كان من العلماء المتمكنين، قرأ الكثيرَ من كتبِ الفقهِ الحنبلي على شيوخه، وطالعَ الكثيرَ منها بنفسه، وكان مرجع العلماء في معرفه مذهب الإمام أحمد في بلده. وقد ألف ابن قدامة ﵀ في الفقه على مذهب أحمد " العمدة "، وهو مختصر صغير، سهلُ العبارة، يَصْلُحُ للمبتدئين، ثم ألَّفَ " المقنع "، وهو أكبر من " العمدة "، جَمَعَ فيه أكثر المسائل عريَّة عن الدليل والتعليلِ، ثم ألَّفَ " الكافي "، وفيه مسائلُ الفقه مقرونةً بأدلتها، ثم ألف " المغني "، وهو في عدة مجلدات ضخام، شرح فيه " مختصر الخرقي "، وقد أرادَ ﵀ أن يكون هذا الكتاب في فقه المسلمين كافةً، فهو يذكُرُ أقوالَ علماء الصحابة والتابعين وعلماء الأمصار المشهورين كالأئمة المتبوعين، ويحكي أدلةَ كُلِّ واحد منهم، وإذا رَجَّحَ مذهب الحنابلة في كثير من المسائل، فهو لا ينتقصُ غيرهم، ولا يحمله التعصبُ على كتمان شيءٍ من أدلتهم، ولا على الطعن فيها، يسر الله لنا إخراج هذه السلسلة إخراجًا متقنًا محققًا.
(٢) ساقطة من (ش).
(٣) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٦٤٨) في المساجد، باب: كراهية الصلاة عن وقتها المختار، وما يفعله المأموم إذا أخرها الإمام، وتمامُها: قال: قلت: فما تأمرني؟ قال: " صل الصلاةَ لوقتها، فإن أدركتها معهم فَصَلِّ، فإنها لك نافلةٌ " وصححه ابنُ حبان (٤٨٤) بتحقيقنا، وانظر تخريجه هناك.
(٤) أخرجه الشافعيُّ في " مسنده " ١/ ١٣٠: حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: كان الحسن، والحسين يصليان خلفَ مروانَ قال: فقال: ما كان يصليان إذا رجعا إلى منازلهما؟ فقال: لا واللهِ ما كانا يزيدان على صلاة الأئمة. وأخرجه البخاري في " التاريخ الصغير " ١/ ١١٠ من طريق أبي نعيم، حدثنا عبد الرحيم ابن عبد ربه، حدثني شرحبيل أبو سعد قال: رأيتُ الحسن والحسين يُصليانِ خلفَ مروان.
[ ٣ / ٢٤٢ ]
لمقدار أهل البيت (١) ﵈ في الفضل، ولموضع أعدائهم مِنَ الفسْقِ، ونحن محتاجون من بيان الأمرين كليهما في هذا المقام.
وقال أبو السعادات ابن الأثير في كتابه " النهاية " (٢) في حرف الفاء مع الضاد: قالت عائشة لمروان: وأنت فَضَضٌ مِن لعنةِ الله، أي: قطعةٌ وطائفة منها، ورواه بعضُهم فُظَاظَةٌ مِن لعنة الله بظائين، وهو من (٣) الفظيظ، وهو مَاءُ الكَرِشِ، وأنكره الخطابي (٤).
وقال الزمخشري: افتضضت الكَرِشَ: اعتصرت ماءَها، كأنَّه عصارةٌ من اللعنة، أو فُعَالَة من الفظيظ: ماءِ الفحل، أي نُطْفَةٌ من اللعنة. انتهى بلفظه من " نهاية ". ابن الأثير.
وممَّن ذكر مروان أبو عمر (٥) بن عبد البر في " الاستيعاب " (٦)، ولم يذكره بتقوى ولا وصَفَه بدِيَانَة، بل روى عن علي ﵇ أنَّه نظر إليه يومًا، فقال: ويلَكَ، وَويلُ أمَّةِ محمّد منك، وَمِنْ بَنيك (٧) إذا شابت
_________________
(١) في (ش): بيان مقدار معرفتهما لأهل البيت.
(٢) ٣/ ٣٤٤، وانظر " الفائق " ٤/ ١٠٢.
(٣) " من " ساقطة من (ش).
(٤) نص كلام الخطابي في " غريب الحديث " ٢/ ٥١٨: وقولها: " فَضَضٌ من لعنةِ الله "، أي: قِطعةٌ وطائفةٌ منها، مأخوذٌ من الفضِّ، وهو كسرُ الشيء وتفريقُ أجزائه، يقال: فضضتُ الشيءَ، فهو فَضضٌ، كما يقالُ: قبضته فهو قبَض، وهدمته فهو هدم، ولهذا سُمي فَلَّ الجيش إذا انهزموا أو انفضوا: فضضًَا، يُقَالُ: رأيتُ فَلَّ الجيش وَفضضَهم، أي: من انفلَّ منهم وانفضَّ من جمعِهم. ورواه أبو عبد الله نِفطويهِ، فقال: فَظَاطة من لعنةٍ، قال: والفظ والفظيظُ: ماء الكرش. قال: ورواه آخرُ فقال: أنت فُضُضٌ، قال: وَفُضُض جمع فَضيض: وهو الماءُ السائل، قالَ أبو سليمان: ولا وجهَ لشيء مما جاء به أبو عبد الله في هذا الحديث، وإنَّما هو على ما رويته لك وفسرتُهُ قبلُ.
(٥) تحرف في (ش) إلى: " عمرو".
(٦) ٣/ ٤٢٥.
(٧) ساقطة من (ب).
[ ٣ / ٢٤٣ ]
ذِرَاعُكَ، وكان يُقَال له: خيطُ باطل (١)، وفيه يقول أخوه عبد الرحمن بن الحكم لمّا بُويعَ له بالإمارة:
فو اللهِ ما أدْرِي وإنِّي لسائلٌ حليلة مَضْرُوبِ القَفَا كَيْفَ يَصْنَعُ
لَحَا اللهُ قَوْمًَا مَلَّكوا خَيْطَ باطِلٍ على النّاس يُعْطِي من يشاء ويمنع (٢)
وكان أخوه عبد الرّحمن شاعرًا محسنًا (٣)، وكان لا يرى رأيَ مروانَ، وإنّما قال له: مضروبُ القفا، لأنّه ضُرِبَ يوم الدّارِ على قفَاهُ، فَخَرَّ لِفِيه (٤).
قلت: وذلك أيضًا هجوٌ له بالجُبْنِ (٥)، وهي كنايةٌ حسنةٌ.
وأنشد ابنُ عبدِ البَرِّ لأخيه عبدِ الرحمنِ يهجوه:
وهَبْتُ نصيبي فيكَ يَا مَرْوُ (٦) كُلَّهُ لعمروٍ ومروانَ الطَّويلِ وخَالِدِ
فكلُّ ابنِ أمٍّ زائِدٌ غيرُ ناقِصٍ وأنتْ ابنُ أمٍّ ناقِصٌ غيرُ زائِدِ
وأنشد لغير أخيه (٧) شيئًا في هجوه تركتُه، لأنَّه أقذع فيه، وذكر أنه لم يَرَ النبيَّ - ﷺ -، ورواه عن (٨) البخاري.
_________________
(١) قال الثعالبي في " ثمار القلوب " ص ٧٦: لقب بذلك، لأنَّه كان طويلًا مضطربًا.
(٢) رواية البيت في " الاستيعاب ": لَحَا اللهُ قومًا أُمَّروا خيط باطلٍ على الناسِ يُعطي ما يشاءُ ويمنعُ
(٣) وتوفي في حدود السبعين للهجرة. انظر " فوات الوفيات " ٢/ ٢٧٧ - ٢٧٩.
(٤) في (ش): فجرى لقبه به.
(٥) ساقطة من (ش).
(٦) في (ب): " يا عمرو"، وهو خطأ.
(٧) في (ب): وأنشد لغيره.
(٨) " عن " ساقطة من (ش)، وفي " تهذيب التهذبب " ١٠/ ٩٢: قال البخاري: لم يَرَ النبي - ﷺ -.
[ ٣ / ٢٤٤ ]
الوجه الأول: أن الرواية لا تدل على التعديل
هذه (١) الجملة تدلُّك على معرفتهم بسوء (٢) حاله وقُبح أفعاله.
فإن قلت: فما الوجه في روايتهم عنه؟
فالجواب من وجهين:
الوجه (٣) الأول: إنّ الرِّواية لا تدلُّ على التَّعديل كما ذكره الإمامُ يحيى بنُ حمزة في " المعيار " وابن الصلاح في " العلوم ".
وقد روى زينُ العابدين، وعروةُ بن الزبير (٤) عن مروان، ولم يَدُلَّ ذلِكَ على عدالته عندهما، فكذلك روايةُ المحدثين عنه.
وقد ذكر النواوي في " شرح مسلم، أن مسلمًا يروي في " الصحيح " عن جماعة من الضعفاء، وبيَّن الوجه في ذلك، وقد قدَّمناه (٥)، وروي عن مسلم تنصيصًا التَّصريحُ بذلك، فدلَّ على أنَّهم قد يروون عَمَّن ليس بِثَقَةٍ عندهم (٦).
فإن قلتَ: فَمَا عذْرُهُم في ذلك؟
قلت: لهم فيه عُذْرَانِ:
أمّا أحدُهُما: فالرغبة في علوِّ الإسناد؛ وما فيه من التسهيلِ على طلَبَةِ هذا الشَّأن، مع كونِ الحديث معروفًا عند أهل هذا الشَّأنِ بإسنادٍ (٧)
_________________
(١) في (ش): وهذه.
(٢) في (ب): سوء.
(٣) ساقطة من (ش) و(ب).
(٤) " ابن الزبير" ساقطة من (ش).
(٥) انظر ص ٩٧ - ١٠٣ من هذا الجزء.
(٦) ساقطة من (ش).
(٧) من قوله: " وما فيه " إلى هنا سقط من (ش).
[ ٣ / ٢٤٥ ]
نازل من طريق الثِّقات، وقد مرَّ تقريرُ هذا، وأنّ النَّواوي روى هذا عن مسلمٍ تنصيصًا، وهو نادِرُ الوُقُوعِ.
العذرُ الثَّاني: وهو كثيرُ الوقوع، أن يكونَ الحديث مرويًّا من طُرُقٍ كثيرة في كلٍّ منها ضعْفٌ، لكن بعضُها يَجْبُرُ بعضًا، ويُقَوِّيه، ويشهدُ له، مع كون بعضِ الرُّواة عدلًا في دينه، صدوقًا في قوله، كثيرَ الوهم، فلم يعتمد عليه وحدَه في التَّصحيح لولا مَا جَبَرَ ضعفَه مِنَ الشَّواهد والمتابعات الّتي يَحْصُلُ من مجموعها قوَّةٌ كبيرةٌ تُوجِبُ الحُكْمَ بِصِحَّةِ الحديث أو حُسْنِهِ، فيذكرون بعضَ طرقه الضَّعيفة، ويتركون بقيَّة الطُّرُق للاختصار والتَّقريب على طلبة العلم.
ويدل على ما ذكرته أنَّ أحاديثَ مروان مشهورَةٌ عَنِ الثِّقات، وهي (١) أحاديث يسيرة، فمنها حديثُ قصة الحُدَيْبِيَة، وحديثُ وفد هَوازِن، وقِصَّةُ سهيل بنِ عمرو هذه رواها (٢) البخاري عنه مقرونًا بالمِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ مع
_________________
(١) في (ب): وهي من.
(٢) أي: قصة الحديبية، وقصة سهيل بن عمرو، وهي في " صحيحه " برقم (٢٧٣١) من طريق عبد الرزاق، أخبرنا معمر، أخبرني الزهري، أخبرني عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة، ومروان، يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه، قالا: خرَجَ رسولُ الله زمن الحديبية قال الحافظ في " الفتح " ٥/ ٣٢٣: هذه الروايةُ بالنسبة إلى مروان مرسلة، لأنَّه لا صحبة له، وأما المسورُ فهي بالنسبة إليه أيضًا مرسلة، لأنَّه لم يحضرِ القصةَ، وقد تقدم في أول الشروط (٢٧١١) من طريق أخرى من الزهري، عن عُروةَ أنَّه سمعَ المِسوَر ومروان يُخبران عن أصحاب رسول الله، فذكر بعضَ هذا الحديث، وقد سمع المسور، ومروان جماعة من الصحابة شهدوا هذه القصة كعمر، وعثمان، وعلي، والمغيرة، وأم سلمة، وسهل بن خيف وغيرهم، ووقعَ في نفس هذا الحديث شيء يدل على أنَّه عن عمر وقد روى أبو الأسود عن عروة هذه القصة، فلم يذكر المسور، ولا مروان، لكن أرسلها، وهي كذلك في مغازي عُروةَ بنِ الزبير. أخرجها ابنُ عائذ في " المغازي " له بطولها، وأخرجها الحاكمُ في " الإكليل " من طريق أبي الأسود عن عروة أيضًا مقطعة. وأما حديثُ وفد هوازِن، فقد أخرجه البخاري (٢٣٠٧) و(٢٥٨٣) و(٢٦٠٧) =
[ ٣ / ٢٤٦ ]
شُهرتها، أو تواتُرها عند أهلِ السِّيَر.
ومنها سَبَبُ النزولِ في قوله تعالى: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ (١) [النساء: ٩٥] وقد رواه قَبِيصَةُ بنُ ذُؤيبٍ.
_________________
(١) = و(٢٦٠٧) و(٣١٣١) و(٤٣١٨) من طريق الليث بن سعد، عن عُقيل، عن ابن شهاب قال: وزَعَمَ عروة أن مروان بن الحكم، والمسورَ بن محزمة أخبراه أنَّ رسول الله - ﷺ - قام حين جاءه وفدُ هوازن مسلمين، فسألوه أن يردَّ إليهم أموالَهم وسبيَهم، فقال لهم رسول الله - ﷺ -: " أحبُّ الحديث إليَّ أصدقُه، فاختاروا إحدى الطائفتين: إما السبيَ وإما المالَ، فقد كنتُ استأْنَيْتُ بهم " -وقد كان رسول الله - ﷺ - انتظرهم بِضْعَ عشرةَ ليلةً حينَ قَفَل من الطائف- فلمَّا تبيَّن لهم أن رسولَ الله - ﷺ - غيرُ رادٍّ إليهم إلا إحدى الطائفتين، قالوا: نختار سَبْيَنا، فقامَ رسولُ الله - ﷺ -، فأثنى على الله بما هو أهلُه، ثم قال: " إما بعدُ فإنَّ إخوانَكم قد جاؤونا تائبين، وإني رأيتُ أن أَرُدَّ إليهم سَبْيَهم، فمن أحبَّ منكم أن يُطيِّب بذلك فليفعلْ، ومَن أحَبَّ منكم أنْ يكون على حَظِّه حتى نُعطيَه إيَّاه من أول ما يُفيءُ الله علينا فليفعَلْ "، فقال الناسُ: قدْ طَيبنا ذلك لرسول الله - ﷺ -، فقال رسولُ الله - ﷺ -: " إنَّا لا نَدْري من أذِنَ منكم في ذلك ممن لم يَأْذَن، فارجعوا حتى يرفَعُوا إلينا عُرَفاؤكم أمركُم "، فرجعَ الناسُ، فكلَّمَهم عُرَفاؤهم، ثُمَّ رَجعُوا إلى رسول الله - ﷺ -، فأخبروه أنَّهم قد طيَّبُوا وأَذِنُوا.
(٢) أخرج البخاري (٤٥٩٢) من طريق إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب قال: حدثني سهلُ بن سعد الساعديُّ أنَّه رأي مروان بن الحكم في المسجد، فأقبلت حتى جلستُ إلى جنبه، فأخبرنا أن زيد بن ثابت أخبره أن رسول الله - ﷺ - أملى عليه: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فجاءه ابنُ أم مكتوم وهو يُملُّها عليَّ قال: يا رسولَ الله، والله لو أستطيع الجهادَ، لجاهَدْتُ -وكان أعمى- فأنزل الله على رسوله - ﷺ - وفخذُه على فخذي، فثقُلَت عليَّ حتى خفتُ أن تُرَضَّ فخذي، ثم سُرِّي عنه، فأنزل اللهُ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾. وأخرجه أحمدُ ٥/ ١٨٤، وابن سعد ٤/ ٢١١، والترمذي (٣٠٣٣)، والنسائي ٦/ ٩ - ١٠، وابن الجارود (١٠٣٤) من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، به. وأخرجه البيهقي ٩/ ٢٣ من طريق إبراهيم بن سعد، به. وأخرجه الطبراني (١٠٢٣٩)، والنسائي ٦/ ٩ من طريقين عن بشر بن المفضل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري، به. وأما رواية قبيصة بن ذؤيب عن زيد بن ثابت، فأخرجه عبد الرزاق في تفسيره لوحة ٤٨، ومن طريقه أحمد ٥/ ١٤٨، وابن جرير (١٠٢٤٠) عن معمر، عن الزهري، عن قبيصة بن ذؤيب، عن زيد بن ثابت
[ ٣ / ٢٤٧ ]
ومنها قراءةُ النَّبيِّ - ﷺ - بالأعراف بالمغرب (١) وقد اعترض الدارقطني (٢) على البخاريِّ روايةَ هذا الحديثِ من طريق مروان، وقال: إنَّه لم يرو (٣) من طريقه إلا ابنُ أبي مليكة، قال: وقد رواه أبو الأسود محمد بنُ عبد الرحمن بن نوفل عن (٤) عروة، عن زيد بن ثابت، لم يذكر فيه مروانَ بن الحكم قال ذلك عمرو بنُ الحارث، وهو من الأثبات، واختلف عن هشام بن عروة، فقال القطانُ، والليثُ، وحمادُ بنُ سَلَمَةَ وغيرُهُم: إنه عن زيد (٥) بن ثابت، أنَّه قال لمروان [مرسلًا].
وقال ابنُ أبي الزِّناد، وأبو (٦) ضمرة مثلَ رواية ابن أبي مُليكة، وقد
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٦٤) من طريق أبي عاصم، وأبو داوود (٨١٢) من طريق الحسن بن علي، عن عبد الرزاق، والنسائي ٢/ ١٧٠ عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد بن الحارث، ثلاثتهم عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عروة بن الزبير، عن مروان بن الحكم قال: قال لي زيد بن ثابت: مالك تقرأ في المغرب بقصار المفصل وقد رأيتُ رسول الله - ﷺ - يقرأُ بطُولى الطوليينِ. قالَ: قلت: ما طُولى الطوليين؟ قال: الأعرافُ. لفظ أبي داوود.
(٢) نص كلامه في " التتبع " ص ٤٦٧: قال أبو الحسن: ورواه هشام بن عروة، عن أبيه، واختلف عليه، فقال أبو ضمرة، وابن أبي الزناد، عن هشام، عن أبيه، عن مروان كقول ابن أبي مليكة، وقال يحيى القطان، والليث بن سعد، وحماد بن سلمة وغيرهم: عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زيد أنَّه قال لمروان مرسلًا، وكذلك قال عمرو بن الحارث، عن أبي الأسود، عن عروة، عن زيد بن ثابت. وقال الحافظ في " الفتح " ٢/ ٢٤٧: وعند النسائي ٢/ ١٦٩ - ١٧٠ من رواية أبي الأسود عن عروة، عن زيد بن ثابت أنَّه قال لمروان. يا أبا عبد الملك، أتقرأُ في المغرب بـ ﴿قل هو الله أحد﴾ و﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾. وصَرَّحَ الطحاوي ١/ ٢١١ من هذا الوجه بالإخبار بين عروة وزيد، فكأنَّ عروةَ سَمِعَهُ من مروان، عن زيد، ثم لقي زيدًا، فأخبره.
(٣) في (ب): يروه.
(٤) تحرفت في (ب) إلى: ابن.
(٥) تحرفت في الأصول كلها إلى " حماد " وقد كتب في (أ) فوق كلمة " حماد ": ظ زيد بخط المصنف.
(٦) تحرف في (ش) إلى: " ابن "، وأبو ضمرة: هو أنس بن عياض الليثي المدني روى له الجماعة.
[ ٣ / ٢٤٨ ]
رُوي عن عائشة بإسنادٍ (١) صحيح في " النسائي " (٢).
قال ابنُ حجر في " التلخيص " (٣): ورواه ابنُ السكن من حديث أبي أيوب بعد أن ذكر طريقيه عن زيد بنِ ثابت، وعن مروان، وذكر أيضًا طريق عائشة، لكن أعلَّها ولم يُبيِّنِ العِلَّة.
ومنها: أثر موقوف عن عُثمانَ في فضلِ الزبير (٤)، وهذا لا بأسَ به، لأنَّهم يتسامحون في أحاديث الفضائلِ.
ومنها: قِصَّةُ عثمان في النهي عن مُتْعَة الحَجِّ، ومخالفة عليٍّ (٥)،
_________________
(١) في (ش): إسناد.
(٢) في " سننه " ٢/ ١٧٠ من طريقين عن ابن أبي حمزة، حدثنا هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة أن رسولَ الله - ﷺ - قرأ في صلاة المغرب بسورة الأعراف، فرقها في ركعتين. وانظر " زاد المعاد " ١/ ٢١٠ - ٢١١.
(٣) ١/ ١٧٥ - ١٧٦.
(٤) هو في " صحيح البخاري " (٣٧١٧) في الفضائل، باب: مناقب الزبير من طريق خالد بن مخلد و"التاريخ الكبير" له ٦/ ٣٦٨ من طريق محمد بن علي، و" مسند أحمد " ١/ ٦٤ من طريق زكريا بن عدي، كلاهما عن علي بنِ مُسْهرٍ، عن هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن مروان -وما إخالُه يُتَّهم علينا- قال: أصابَ عثمان بنَ عفان ﵁ رُعاف شديد سَنَةَ الرُّعاف حتى حبَسَه عن الحجِّ وأوصى، فدخل عليه رجل من قريش قال: استخلِفْ، قال: وقالوه؟ قال: نعم، قال: ومَنْ؟ فسكت، فدخل عليه رجلٌ آخر -أحسبُه الحارث- فقال: استَخلِفْ، فقال عثمان: وقالوا؟ فقال: نعم، قال: ومن هو؟ فسكت، قال: فلعلَّهم قالوا: إنَّه الزبيرُ؟ قال: نعم، قال: أما والذي نقسي بيده، إنه لخيرُهم ما علمتُ، وإن كان لأحَبَّهم إلى رسول الله - ﷺ -. وصححه الحاكم ٣/ ٣٦٣ على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، مع أن البخاري أخرجه كما ترى، فاستدراكه عليه خطأ من الحاكم ﵀.
(٥) هو في " صحيح البخاري " (١٥٦٢) من طريق محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن علي بن الحسين، عن مروان بن الحكم قال: شهدتُ عثمان وعليًّا ﵄، وعثمان ينهى عن المتعة، وأن يجمع بينهما، فلما رأي علي، أهلَّ بهما لَبَّيْك بعمرة وحَجَّة، قال: ما كنت لأدع سنة النبي - ﷺ - لقول أحد. وأخرجه البخاري (١٥٦٩)، ومسلم (١٢٢٣) (١٥٩) من طريقين عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن المسيب قال: اختلف علي وعثمان ﵄ وهما بعسفان =
[ ٣ / ٢٤٩ ]
وهذا (١) مشهور.
ومنها: حديث بُسرة في مس الذَّكر (٢)، ورواته بِضْعَةَ عَشَرَ.
ومنها: حديثُه في صلاة الخوف (٣)، وقد رواه عُروة.
ومنها: حديث " إنَّ مِنَ الشِّعْر حِكْمَةٌ " (٤) رواه البخاري، وأبو داود
_________________
(١) = في المتعة، فقال علي: ما تريد إلى أمر فعله رسول الله - ﷺ - تنهى عنه؟ فقال عثمان: دعنا منك، فقال: إني لا أستطيع أن أدعَك، فلمَّا أن رأي علي ذلك، أَهَلَّ بهما جميعًا. وأخرجه مسلم (١٢٢٣) من طريقين عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن قتادة قال: قال عبدُ الله بنُ شقيق: كانَ عثمانُ ينهى عن المتعة، وكان عليّ يأمرُ بها، فقال عثمانُ لعلي كلمة، ثم قال علي: لقد علمتَ أنا قد تمتعنا مع رسول الله - ﷺ - فقال: أجل، ولكنا كُنَّا خائفين. وانظر " زاد المعاد " ٢/ ١٩٥ وما بعدها، و" الفتح " ٣/ ٤٣٢ - ٤٣٣.
(٢) في (ب): في هذا.
(٣) حديث بُسرة حديث صحيح، مخرج في " الموطأ " وغيره، وقد استوفيت تخريجه في " صحيح ابن حبان " (١١١٣) وما بعده، فاطلبه من هناك.
(٤) أخرجه أبو داوود (١٢٤٠) في صلاة الخوف، باب: من قال: يكبرون جميعًا، والنسائي ٣/ ١٧٣ في صلاة الخوف من طريقين عن أبي الأسود أنَّه سمع عروة بن الزبير يحدث عن مروان بن الحكم أنَّه سأل أبا هريرة: هل صليت مع رسول الله - ﷺ - صلاة الخوف؟ قال أبو هريرة: نعم، قال مروان: متى؟ فقال: أبو هريرة عام غزوة نجد وأخرجه أبو داوود (١٢٤١) من طريق محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، ومحمد بن الأسود، عن عروة بن الزبير، عن أبي هريرة.
(٥) أخرجه البخاري (٦١٤٥)، وأبو داوود (٥٠١٠)، وابن ماجة (٣٧٥٥)، والدارمي ٢/ ٢٩٦ - ٢٩٧، وأحمد ٣/ ٤٥٦ و٥/ ١٢٥ من طرق عن ابن شهاب الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن هشام، عن مروان بن الحكم، عن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، عن أبي بن كعب ورواية الوليد بن محمد الموقّري أخرجها عبد الله بن أحمد في زيادات " المسند " ٥/ ١٢٦ من طريق سُويد بن سعيد، عن الوليد بن محمد الموقري، عن الزهري قال: سمعت أبا بكر بن عبد الرحمن قال: سمعت عبد الرحمن بن عبد يغوث يقول: سمعت أبي بن كعب يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: فذكره، ولم يذكر فيه مروان. ورواية يزيد في هارون، عن إبراهيم بن سعد، عن الزهري بإسقاط مروان، ذكرها المزي في " الأطراف " ١/ ٣١.
[ ٣ / ٢٥٠ ]
وابن ماجة من طريقه (١) عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيِّ بن كعب، وقد رواه يزيدُ بنُ هارون، والوليد (٢) بن محمد الموقري، عن إبراهيم بن سعد، عن الزُّهري، عن أبي بكر بن عبد الرَّحمن، أحدِ الفُقهاء السبعة، عن عبد الرحمن بن الأسود بإسقاط مروان، فالظاهر (٣) أنَّ أبا بكر سَمِعَهُ من مروان، ومن عبد الرحمن بنِ الأسود معًا؛ لأنَّه لم يُوصَمْ بالتَّدليس، (٤)، وهو مدرك لزمان عبد الرحمن بن الأسود، فإنَّه وُلدَ في زمن عمر، وروى عن عائشة وأبي هريرة، فصح الإسناد من غير حاجة إلى مروان.
ومع أنَّ الحديثَ صحيحُ المعنى بالضَّرورة، وله شواهد في " الترمذي " (٥) عن ابن مسعود، وفي " أبي داود "، و" الترمذي " (٦) عن ابن عباس.
وبالجملة، فلم يَرْوِ مروانُ إلا عن عليٍّ، وعثمانَ، وزيدِ بن ثابت، وأبي هريرة، وبُسرةَ، وعبدِ الرحمن بن الأسود، وقد ذكرت (٧) جميعَ ما رَوَى عنهم.
وأما قوله في عبدِ الرحمن بن أبي بكر، هذا الذي أنزلت (٨) فيه ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾ [الأحقاف: ١٧]، فما أظنُّ البخاري
_________________
(١) في (ب): " طريق "، وهو خطأ.
(٢) الواو ساقطة من (ش).
(٣) في (ش): والظاهر.
(٤) وقد صَرَّح بسماعه في رواية عبد الله بن أحمد في زيادات " المسند " كما تقدم.
(٥) رقم (٢٨٤٤).
(٦) أبو داوود (٥٠١١)، والترمزي (٢٨٤٥).
(٧) في (ش): ذكر.
(٨) في (ش): نزلت.
[ ٣ / ٢٥١ ]
الوجه الثاني: أن رواية المحدثين عنه مع تصريحهم بما له من الأفعال القبيحة تدل أن روايتهم كانت قبل إحداثه أيام كان عندهم في المدينة واليا
الوهم الخامس: قال السيد: ومنهم المغيرة بن شعبة زنى، متوهما صحة ذلك
أورده (١) إلا لِبيان كلامِ عائِشة الذي ردَّت عليه، وإلا فهذا مُرْسَلٌ لا يَصِحُّ عند البخاري مع أنَّه ليس فيه حكم شرعِيٌّ، ومع أنَّه لم يرفعه، ولا بيَّن مستنده فيه (٢).
وأمَّا عبدُ الرحمن -فعلى تقدير صِحّة هذا- فقد كان مشركًا بِغَيْرِ شكٍّ، ولكنَّه أسلمَ، والإسلامُ يَجُبُّ ما قبله.
الوجه الثاني: أنَّ رواية المحدِّثين عنه -مع تصريحهم بِمَا لَهُ مِنَ الأفعال القبيحةِ- تدُلُّ على ما ذكره الحافظ ابن حجر في " مقدمة شرح البخاري " (٣) أنَّ روايتهم كانت قَبْل إحداثه أيَّامَ كان عندَهم في المدينة واليًا من جهةِ الخُلفاء قبل أن يَتَوَلَّى الخِلافَةَ، لأنَّ روايتَهم عنه من طريقِ عليِّ بنِ الحسين، وعُرْوَةَ وأمثالِهِما مِمَّن لم يروِ عنه بَعْدَ خلافته وخروجِه من المدينة.
الوَهْمُ الخامسُ: قال السَّيِّدُ: ومنهم المغيرةُ بن شعبة زنى -هكذا رماه السَّيِّدُ بالزنى متوهِّمًَا أنَّ ذلك قد صحَّ منه (٤)، ولم يبقَ فيه شَكٌّ، وليس الأمرُ كذلك، فإنَّه لو صحَّ ذلك، لحدَّه عُمَرُ، ولو لم يَحُدَّهُ، وقد صحَّ الزِّنَى منه، لأنكر ذلك على عمرَ أصحابُ رسول الله - ﷺ -، ولم
_________________
(١) في " صحيحه " (٤٨٢٧) من طريق موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن يوسف بن ماهك، قال: كان مروان على الحجاز استعمله معاوية، فخطب، فجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له بعد أبيه، فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر شيئًا، فقال: خذوه، فدخل بيت عائشة، فلم يقدروا عليه، فقال مروان: إنَّ هذا الذي أنزل الله فيه: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي﴾ فقالت عائشة مِنْ وراءِ حجاب: ما أنزلَ اللهُ فينا شيئًا من القرآن إلا أنَّ الله أنزلَ عذري. وانظر " الفتح " ٨/ ٥٧٧، والصفحة ٢٣٩ تعليق (١) من هذا الجزء.
(٢) ساقطة من (ش).
(٣) ص ٤٤٣.
(٤) في (ب) و(ش): عنه.
[ ٣ / ٢٥٢ ]
يسكتوا عليه على تسليم ما ادَّعاه أنَّها قد صحَّت قِصَّتُهُ.
فإنْ كانَ السيد رماه بالزنى معتقدًا لجواز رمي الفَسَقَةِ بالزنى، فليس ذلك يجوزُ من غيرِ طريقٍ صحيحة، وقد عَظَّمَ اللهُ الرَّمي بهذه الفاحشة، ولم يجعل إلى ذلك سبيلًا إلاَّ بَعْدَ كمال نصاب (١) الشهادة، وقد كان الرجُلُ يأتي إلى النبي - ﷺ - فيُقِرُّ بالزنى، ويعترِفُ بالفاحشة فيتطلَّبُ (٢) النبي - ﷺ - العُذْرَ (٣) له بَعْدَ الإقرارِ والاعتراف، ويقول: " لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، لَعَلَّك لَمَسْتَ " حتَّى لا يجدَ سبيلًا إلى الشَّكِّ، ولا طريقًا إلى الاحتمال، والسيدُ أيَّدَهُ اللهُ عكس ما يلزم من الاقتداء برسول الله - ﷺ -، ورمى المغيرة بالزِّنى من غير مَثْنَوِيَّةٍ (٤) ولا حكاية، مع أنَّ المغيرَة مُنْكرٌ لذلك، ومُدَّعٍ للبراءة منه، ولم يتمَّ نصابُ الشَّهادة، وكان القدح على المغيرة بمعاصيه الظَّاهرةِ مِنْ حربِ أميرِ المؤمنين أولى مِنَ الهُجوم على الأمورِ الخفيَّة المحتملة، وقد كان السَّيِّد منع مِنْ إمكان طريقٍ صحيحة إلى ثبوت ما يجب العملُ فيه بخبر الواحد، فليُخْبِرْنَا كيف تيسَّر له العلمُ بصحَّة هذه القصَّة في الجملة، ثم كيف عَلِمَ منها صِحَّةَ الزِّنى عَنِ المغيرة، وأحدُ الشهودِ الأربعة زيادُ بن أبيه، وهو فاسِقٌ تصريح.
فإن قلت: إنّه شهدَ قبل ذلك، فاقْبَلْ مِن المحدثين مثل هذا في الرِّواية عن مروان ونحوه. على أنَّ القصَّةَ في الجملة لم تَثْبُتْ بطريقٍ متَّفَقٍ
_________________
(١) ساقطة من (ش).
(٢) في (ب): فيطلب.
(٣) في (ش): بالعذر.
(٤) أي: من غير استثناء، يقال: حَلَفَ فلانٌ يَمينًا ليسق فيها ثُنيا ولا ثُنوى ولا ثنية، ولا مثنوية، ولا استثناء، كلُّه واحدٌ، وأصلُ هذا كله من الثني، والكف، والرد، لأنَّ الحالفَ إذا قال: واللهِ لا أفعلُ كذا وكذا إلا أَنْ يشاء اللهُ غيره، فقد ردَّ ما قاله بمشيئة الله غيره.
[ ٣ / ٢٥٣ ]
الوهم السادس: قال: فإن يعتد بشهادة هؤلاء في الجرح لا في الحد، فالمغيرة مجروح
الجواب من وجهين: معارضة وتحقيق
الوجه الأول: وهو المعارضة، فذلك بنظائر هذا في الشريعة مما لم يقبح أحد من العلماء شيئا من أقوالهم
على صحَّتها، وإنَّما رواه سيف بن عمرو المؤرِّخ، وهو مجروحُ العدالة، وأرسلها معه (١) أبو حذيفة البخاري بغير إسناد، ولا أعرف حاله، وأسندها أبو عتَّاب الدَّلال عن أبي كعب صاحب الحرير فيما حكاه الذَّهبي في " النبلاء " (٢) وقد تقصَّى طرقها، وإليه المنتهى في هذا الفنِّ، فَأَفِدْنَا مَنْ عدَّل هؤلاء، ومن عدَّل المعدّل حتى انتهى إليك كما ألزمتنا فيما هو دُونَ هذا.
الوهم السادس: قال (٣): فإن يُعْتَدَّ بشهادةِ هؤلاء في الجرح، لا في الحدِّ، فالمغيرةُ مجروحٌ، وإن لم يُعْتَدَّ بشهادتهم، فأبو بكرة قاذِفٌ وصاحباه، فلا يَروِي عن واحدٍ منهم الرُّواة.
أقول: إن كان المرادُ جرحَ المغيرة بالبغي فقد مضى، وإن كان بهذا وحدَه، فالجوابُ من وجهين معارضةٌ وتحقيق.
أمَّا الوجة الأول: وهو المعارضة، فذلك بنظائرِ هذا في الشريعة مما لم يقبح أحدٌ من العلماء على أهلِ الاجتهاد شيئًا من أقوالهم فيها مثلُ المتلاعِنيْنِ، فقد وقع اللِّعان في عهدِ رسولِ الله - ﷺ - وأصحابِه، ولم يكن جَرحًا في المتلاعِنَيْنِ، ولو كان جَرحًا، كان حرامًا، ولم يشرعْهُ اللهُ، ولا
_________________
(١) في (ش): " مع " وهو تحريف.
(٢) ٣/ ٢٧ - ٢٨، وسيف بن عمر هو الضبي الكوفي، مصنفُ الفُتوحِ والرِّدة وغير ذلك، ضعَّفَه يحيى بن معين، وقال: فَلْسٌ خيرٌ منه، وقال أبو داوود: ليس بشيءٍ، وقال أبو حاتم: متروك، وقال ابنُ عدي: عامةُ حديثه منكرٌ، وقال الذهبي: هو كالواقدي. وأبو حذيفة البخاري: هو إسحاق بن بشر بن عبد الله بن سالم البخاري مولى بني هاشم، وُلد ببلخ، واستوطن بُخارى، فنسب إليها، وهو صاحب كتاب " المبتدأ "، وكتاب " الفتوح " تُوفي سنة ٢٠٦ هـ. قال الذهبي في " الميزان " ١/ ١٨٤: تركوه، وكذبه علي بن المديني، وقالَ ابنُ حبان: لا يحلُّ حدتُه إلا على جهةِ التعجب، وقال الدارقطني: كذاب، متروك.
(٣) في (ب): من قال.
[ ٣ / ٢٥٤ ]
الوجه الثاني: التحقيق، وبيانه أن نقول: توهم السيد أن الشهادة على الزنى إذا لم يتم نصابها كانت قذفا
أقرَّ عليه رسولَ الله - ﷺ -، وقد قال لهما بعدَ تلاعنهما: " الله يَعْلمُ أنَّ أَحَدَكُما كاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا مِنْ تَائبٍ؟ " وقال لها (١) في الخامسة: " إنَّهَا المُوجِبَةُ لِعَذابِ اللهِ " (٢)، نعوذ بالله من ذلك.
وكذلك حُكْمُ المدَّعي والمنكرِ في المنازعات الشرعية، قد يُعْلَمُ كَذِبُ أحدِهِمَا قطعًا، ولا يجب جَرْحُ كُلِّ واحدٍ منهما قطعًا.
الوجه الثاني: التَّحقيق، وبيانُه أنْ نقولَ: توهم السَّيِّدُ أنَّ الشهادةَ على الزِّنى إذا لم يتمَّ نِصَابُها كانت قذفًا، فإمَّا أن يُرِيد أنَّ ذلك كذلك على سبيلِ القطع أو (٣) الظن، إن قالَ: إنَّه كذلك على سبيل الظَّنِّ، فقد أصاب؛ لأنَّه ليسَ في المسألة دليلٌ قاطعٌ، وقَدِ اختلف العلماءُ فيها، وللشافعي في المسألة قولانِ، وقال في " نهاية المجتهد " (٤) الشهودُ عند مالك إذا كانوا أقلَّ من أربعةٍ قَذَفَةٌ، وعند غيره ليسوا قَذَفَةً، فجعلَ القولَ بأنَّهم ليسوا قذفة هو قول الأكثرين من الفقهاء.
وقال الحاكم في " شرح العيون " ما لفظه (٥): ألا ترى أنَّ مَنْ يشهدُ بالزِّنى لا يؤثِّرُ في حاله، ومن قُذِفَ بالزِّنى أثَّر؟ فنصَّ على الفرقِ بين الشهادة والقذفِ، وفي " الصحيحين " (٦) من حديثِ أبي هريرة، وزيدِ بنِ
_________________
(١) في (ش): لهما.
(٢) قطعة من حديث ابن عباس سيأتي تخريجه قريبًا.
(٣) في (ب): و.
(٤) ٢/ ٤٤١، واسم الكتاب " بداية المجتهد ونهاية المقتصد " لمؤلفه القاضي ابن رشد القرطبي، المتوفى سنة ٥٩٥ هـ.
(٥) " ما لفظه " ساقطة من (ب).
(٦) أخرجه البخاري (٢٣١٤) و(٢٣١٥) و(٢٦٤٩) و(٢٦٩٥) و(٢٦٩٦) و(٢٧٢٤) و(٢٧٢٥) (٦٦٣٣) و(٦٦٣٤) و(٦٨٢٧) و(٦٨٢٨) و(٦٨٣١) و(٦٨٣٣) و(٦٨٣٥) و(٦٨٣٦) و(٦٨٤٢) و(٦٨٤٣) و(٦٨٥٩) و(٦٨٦٠) و(٧١٩٣) و(٧١٩٤) و(٧٢٥٨) =
[ ٣ / ٢٥٥ ]
خَالِدٍ الجُهيني: أنَّ رجلًا من الأعراب قال للنَّبي - ﷺ -: إنَّ ابني كانَ عَسِيفًا على هذا، فزنى بامرأته، الحديثَ، وفيه أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لم يُوجِبْ على المستفتي حدًّا لرميه لامرأة خصمه، وأقره، ولم يُنْكِرْ عليه، لأنَّه لم يقْصِدِ الرَّميَ، بَلَ الفتوى.
وكذلك في حديثِ ابن عَبَّاس (١): أن هلال بن أُميَّةَ قذف أمرأتَه بشريكِ بنِ سحْمَاء عِنْدَ النبيِّ - ﷺ - .. الحديثَ، إلى قوله: فنزلت آيةُ اللِّعان. ولم يجب على هلالٍ حدُّ القذف لشريك (٢).
وكذلك (٣) في هذا الحديث ما معناه أنَّ النبي - ﷺ - قال: " إنْ جَاءَتْ بهِ عَلَى شبهِ شَرِيكٍ فهُو لَهُ "، فجاءت به كذلك، فقال: " لولا ما مَضى مِنْ كِتَابِ اللهِ، لكَانَ لي فيها شأْنٌ " رواه البخاري، وأبو داود والترمذي، وابنُ ماجه، وأحمد وغيرهم. وذكره في " شفاء الأوام ".
وكذلك شرط ابنُ حزمٍ في الإجماع على حَدِّ القذف أن يجيءَ به صاحبه مجيء (٤) القذف، والله سبحانه أعلم.
وكلام النَّبي - ﷺ - يدفع أن يُقال: إنَّما سقط الحدُّ لِعدم المطالبة من
_________________
(١) = و(٧٢٥٩) و(٧٢٦٠) و(٧٢٧٨) و(٧٢٧٩)، ومسلم (١٦٩٧) و(١٦٩٨). وأخرجه مالك في "الموطأ" ٢/ ٨٢٢، وأبو داوود (٤٤٤٥)، والترمذي (١٤٣٣)، والنسائي ٨/ ٢٤٠، والدارمي ٢/ ١٧٧، وابن ماجه (٢٥٤٩). والعسيف: الأجير.
(٢) أخرجه البخاري (٢٦٧١) و(٤٧٤٧) و(٥٣٠٧)، وأبو داوود (٢٢٥٤)، والترمذي (٣١٧٩)، وابن ماجه (٢٠٦٧)، والبيهقي ٧/ ٣٩٣، وأحمد ١/ ٢٧٣.
(٣) في (ش): هذا حدًّا لشريك.
(٤) في (ش): فكذلك.
(٥) في (ش): على مجيء.
[ ٣ / ٢٥٦ ]
المقذوف؛ ولأنَّه - ﷺ - لا يجوزُ عليه القَذْفُ المُحَرَّمُ، ولا أقرَّ هلالا على ذلك، ولو كان قذفًا حرامًا لم يُقِرَّه عليه، سواء وجب فيه الحدُّ أو لم يجب (١)، والغالبُ أنَّ السيدَ جرح بهذا لمَّا حَفِظ أنَّ مذهبنا أنَّهم قَذَفَةٌ على سبيلِ التّقليد لأهل المذهب، وظنَّ أنَّ أهلَ المذهبِ يقدحون على مَنْ قبلهم بذلك، وليس كذلك، فإنَّه لو لَزِمَ القَدْحُ بمسائلِ الخلاف، لزم الجرحُ لجميع المخالفين، بل الَّذي يذهب إليه أصحابُنا: أنَّ الشاهد قاذِفٌ، ولا يقبلونه لمذهبنا (٢) فيه، ولا يلزمُ الغير أن يَرُدَّه كما ردُّوه، ولا يُنْسَبُ إلى مَنْ قَبِلهُ أنَّه يقبل (٣) المجاريحَ، فاعرف ذلك.
وإن قال السَّيِّد (٤): إنَّ الشاهد قاذِفٌ قطعًا، فذلك لا يَصِحُّ؛ لأنَّ المسألة شرعيَّةٌ لا عقليَّةٌ، وليس فيها نصٌّ قاطعٌ غيرُ محتمِل للتَّخصيص، ولم يبق إلا القياسُ على العام (٥)، ولا يصحُّ أن يكون القياسُ فيها (٦) قاطِعًَا لوجدان الفروق (٧) المانعة مِنْ ذلك، فإنَّ بين الشَّاهدِ والقاذفِ فُروقًا ظاهِرَة، ولا يصحُّ معها القياسُ القطعيُّ، ألا ترى أنَّه يُشترط في الشاهد العدالةُ، ويشترط العددُ المخصوصُ في الشُّهود، ولا يجب في القاذف أن يقذفَ معه غيره فثبت أنَّ الشَّاهدَ غيرُ القاذفِ، وإذا ثَبت أنَّ المسألة ظنيَّةٌ، لم يجز جرحُ الشُّهودِ بذلك؛ لأنَّ الجرح لا يكون إلا بأمرٍ ثبت بالقطع أنَّه
_________________
(١) في (ش): يوجب.
(٢) في (ب): بمذهبنا.
(٣) في (ش): قبل.
(٤) ساقط من (ش).
(٥) في (ب): " القياس "، وفي (ش): " القاذف ".
(٦) في (ش): فيه.
(٧) في (ب): فرق.
[ ٣ / ٢٥٧ ]
الوهم السابع: توهم السيد أن هؤلاء الشهود الثلاثة إذ لم يكونوا قاذفين، وجب جرح المغيرة بالزنى
معصيةٌ، ولهذا لا يُجْرحُ مَنْ شَرِبَ المُثَلَّث (١) مع أنَّ جَرْحَ القاذِف الجاهلِ بتحريم القذف أو (٢) الواثق بإقامَةِ الشَّهادة إنَّما هو بالنَّصِّ، وإلا فالقياس أنْ لا يُجَرَّحَ حتَّى يتحقق كذِبُه، لكن النَّصُ أقدمُ مِنَ القياس، فيجبُ أن نُقِرَّ النَّصَّ حيث ورد لمخالفته للقياس (٣)، ولا يُقاس الشَّاهد على القاذف.
الوهم السابع: توهَّم السَّيِّد أنَّ هؤلاء الشُّهود الثَّلاثة إن لم يكونوا قاذفين، وجب جرحُ المغيرة بالزِّنى الذي أخبروا به، وظنَّ السَيِّد أنَّه لا مخرج مِنْ هذا السُّؤال، وليس كما توهَّم، بل يجوز أن لا يَصْدُقُوا فيما شَهِدُوا به، وأن (٤) لا يُجْرَحُوا لِغلطهم في الشَّهادة.
فقد ذكر ابنُ النحوي في " البدر المنير ": أنَّ المغيرَة ادَّعى في تلك المرأة (٥) الّتي رمَوْهُ بها أنَّها له زوجة، قال: وكان يرى نكاح السِّرِّ. وروي
_________________
(١) هو الشراب الذي طُبخ حتى ذهب ثلثاه، ويسمى الطِّلاء -بكسر المهملة والمد-: وهو الدبس شُبِّهَ بطلاء الإبل، وهو القَطِرَان الذي يُدهن به، فإذا طبخ عصير العنب حتى تمدد أشبه طلاء الإبل، وهو في تلك الحالة غالبًا لا يسكر. وفي البخاري ١٠/ ٦٢ في الأشربة، باب: الباذق: وَرأي عمرُ، وأبو عبيدة، ومعاذٌ شُربَ الطِّلاءعلى الثُّلْثِ. قال الحافظ في " الفتح " ١٠/ ٦٤ بعد أن خرج الآثار: وقد وافق عمر ومن ذكره معه على الحكم المذكور (أي: على جواز شرب الطِّلاء إذا طبخ، فصار على الثلث، ونقص منه الثلثان) أبو موسى، وأبو الدرداء، أخرجهُ النسائي عنهما، وعلي وأبو أمامة، وخالد بن الوليد وغيرهم، أخرجها ابن أبي شيبة وغيره، ومن التابعين ابن المسيب، والحسن، وعكرمة، ومن الفقهاء الثوري، والليث، ومالك، وأحمد، والجمهور، وشرط تناوله عندهم ما لم يسكر، وكرهه طائفة تورعًا.
(٢) في (ب): و.
(٣) في (ب): القياس.
(٤) " أن " ساقطة من (ب).
(٥) في (ش): " الامرأة ".
[ ٣ / ٢٥٨ ]
الوهم الثامن: أنه ذكر في رسالته أن من قعد عن نصرة علي ﵇ فهو مجروح ثم ذكرها هنا أن أبا بكرة كان من فضلاء الصحابة
أنه كان يتبسَّمُ عند شهادتهم، فقيل له في ذلك، فقال: إنِّي أَعْجَبُ مِمَّا أريدُ أن أفعلَه بَعْدَ شهادتهم (١)، قيل: وما تفعل؟ قال: أُقيم البَيِّنَة أنَّها زوجتي. ذكره في " البدر المنير "، وذكر أنَّه كان كثيرَ الزواجة وأنَّه أُحصن بثلاثِ مئةِ امرأةٍ، فهذا محتمل.
وليس القصدُ تنزيه المغيرة مِنْ ذلك لأجلِ ورعه وتحرِّيه في أمر (٢) الدِّيانة، فإنَّه باغٍ بالإِجماع، وإنَّما القصدُ بيانُ الاحتمال المانع مِنَ الإلزام الَّذي ذكره السَّيِّدُ، والمانع من رمي المغيرة بالزِّنى على الإطلاق والقطع، فإنْ كان السيدُ يريدُ أنَّه مجروحٌ بالبغيِ، فذلك مسلَّمٌ، ولكن بغير الزنى على ما قدَّمنا مِنَ (٣) التَّفصيل والخلاف، وإنْ كان يُرِيدُ إثباتَ الزِّنى عنه، ففيه ما ذكرتُه مِنَ الإِشكال، والله أعلم.
الوهم الثامن: أنَّه ذكر في رسالته أنَّ مَنْ قعد عن نُصرة عليٍّ ﵇، فهو مجروح، ثمَّ ذكر ها هنا أنَّ أبا بكْرَةَ كان مِنْ فُضلاء الصَّحابة، ولا شكَّ عند أهلِ الخِبرة بالسِّيرِ أنَّ أبا بكرة كان من القاعدين المتشددين في ذلك، وله كلام على المتقاتلين جميعًا فيه نكارةٌ كثيرة (٤) لكنَّه كان متأوِّلًا متديِّنًا غيرَ مجترىءٍ، والسيد واهم (٥) في أحد الموضعين، واللهُ أعلم.
واعلم أنَّ بعضَ الزَّيديَّة قد حاول الجزمَ بتفسيق المتوقِّفين عن عليٍّ ﵇، واحتجَّ بأمرين:
_________________
(١) من قوله: " فقيل له " إلى هنا ساقط من (ش).
(٢) في (ش): من أجل.
(٣) في (ش): في.
(٤) في (ش): كبيرة.
(٥) في (ب): أوهم.
[ ٣ / ٢٥٩ ]
أحدُهما: ما رواه السَّيد أبو طالب من طريق الحارث بن حوط، أنَّه سأل عليًّا ﵇ عن ابنِ عُمَرَ، فأنشده:
واثُكْلَها قَدْ ثَكِلَتْهُ أَرْوَعَا أَبْيَضَ يحمي السّرْبَ أنْ يُرَوَّعا
واستنبط مِنَ الحُكمِ بِثُكْلِهِ الحُكْمَ بِهلاكِه، وَمِنَ الحُكْمِ (١) بهلاكه أنَّه هلاكُ الدِّين والآخرة، والجوابُ من وجهين:
أَحَدُهُما: النِّزاع في صحَّته، فإنَّ الحارثَ بنَ حوطٍ غَيْرُ مَذكور في كتب الرُّواة، ولا عُرِفَ السندُ إليه أيضًا.
وثانيهما: أنَّه لو صحَّ الإسنادُ في ذلك، لم يَحْسُنْ قبولُه، ولا يحِلُّ، لأنَّ التَّفسيقَ لا يجوز إلاَّ بدليلٍ قاطع، ولا قاطعَ في النقل إلا التواترُ الضروري، وما دونه ظنِّيُّ إلا ما تواتر الإجماعُ القاطعُ على صحَّته مِمَّا دونَ المتواتر، فاختلف فيه: هل يكون قاطعًا؟ والصَّحيح أنَّه لا يكونُ قاطعًا كما قُرِّر (٢) في موضعه مِنْ هذا الكتاب، ومن علوم الحديث الذي جمعته.
الوجه الثاني: أنَّه معارَضٌ بالثَّناء مِنَ النَّبِيَّ - ﷺ -، ومن عليٍّ ﵇ على ابنِ عمر، ومحمَّدِ بن مسلمة وغيرِهما من المتوقِّفين، لكن عادةُ المخالفين أن لا يقبلوا ما خالفهم.
الثالث: أنَّه غيرُ بَيِّن المعنى (٣)، وشرطُ القاطع أن يكونَ غيرَ
_________________
(١) من قوله: " بتكله " إلى هنا ساقط من (ش).
(٢) في (ش): قرره.
(٣) ساقطة من (ب).
[ ٣ / ٢٦٠ ]
محتمل، وبيان الاحتمال فيه من وجهين.
أحدهما -وهو أضعفُهما- أنَّه لا يجب صرفُ الهلاك المستنبط منه إلى الهلاكِ في حُكم الآخره إلاَّ متى تواتر أنَّ (١) هذا السُّؤال لعليٍّ ﵇، والجواب منه كان في حياة ابنِ عمر، أمَّا إذا أمكن ولو تجويزًا بعيدًا أنَّه (٢) بعدَ موته جازَ أن يكون (٣) أراد ما أراد به قائله الأول مِنَ الثَّناء على الهالك بالموت، والتَّأسُّف عليه. ولسنا نجهلُ أنَّه قد نقل (٤) تأخر موتِ ابن عمر (٥)، ولكنَّ ذلك غيرُ متواتر ضروري، ولا يَنْفَعُ نقلُ الآحاد في هذا المقام، ولو كان متَّفقًا على صحَّته وشهرته، ومن أجل ذلك النَّقل المشهور قلنا: إنَّ هذا الوجه أضعفُ الوجهين.
وثانيهما: أنَّ هذا القول غيرُ نَصٍّ على فسقه بالضَّرورة، فيجوز حينئذٍ أنَّه نَزَّلَ وَقْفَهُ مَنْزِلَةَ مَوْتِهِ في عدم انتفاعه به (٦)، لأنَّه لو مات، لم يزد على أنَّه (٧) يفقد منه نصر الحَقِّ، وخِذلان الباطل، فبيَّن ﵇ أنّه في فقده له في وقفه مستحِقٌّ أنْ يحزنَ عليه صديقُه، ويثكَلهُ إخوانُه كما قيل ذلك في مثله بعدَ الموت الحقيقيِّ، بَل الموتُ المجازيُّ أحقُّ كما قال الله تعالى في العمى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]، فجعل العمى المجازِيَّ أشدَّ، ولذلك نَدِمَ وتاب ﵀.
_________________
(١) " أن " ساقطة من (ش).
(٢) ساقطة من (ج).
(٣) في (ب): يكون أنه.
(٤) " نقل " ساقطة من (ب).
(٥) كتب فوقها في (ش): عن موت علي ﵇.
(٦) ساقطة من (ب).
(٧) في (ش): أن.
[ ٣ / ٢٦١ ]
الوهم التاسع: قال: ومنهم الوليد بن عقبة
وأمَّا احتجاجُهم على فِسْقِ الواقفيَّة بقول النَّبيِّ - ﷺ -: " واخْذُلْ منْ خَذَلَهُ " (١)، فجوابه من الوجهين (٢) معًا، أمَّا (٣) عَدَم تواتره فظاهر، وأمَّا معناه (٤) فقد وَضُحَ (٥) في قول عليٍّ ﵇ الَّذي رواه الخُصوم أنّ الواقفين لم ينصروا الحقَّ، ولم يخذُلوا الباطلَ، وذلك أنَّه جعل وقفهم عَن الباطل غيرَ خِذلانٍ له، فكذلك وقفُهم عَنِ الحَقِّ، ولأنّ ذلك هو القدر المتحقِّقُ في معنى الخذل، وما دونَه ظنٌّ، ولا يجوز التَّفسيقُ بالظَّنِّ، والله سبحانه أعلم.
ثم إن الواقفة مِنَ المتأوِّلين، وقد تقدَّم أنَّ فِسْقَ التَّأويل لا يقدح عند العِترة وغيرِهم في باب الرواية.
الوهم التاسع: قال: ومنهم الوليد بنُ عقبة. توهَّم السَّيِّد أنَّه من جملةِ مَنْ لا يجوزُ عليه الكبائرُ مِنَ الصّحابة عند المحدِّثين، وأنَّه عن (٦) الفسوق (٧) عندهم من المعصومين، وأنه (٨) مِنَ المقبولين عند المحدثين، وأنَّه في البراءة عَنِ المعاصي أرفَعُ مرتبة مِنْ سَيِّدِ المرسلين، وهذا وهمٌ ومجازَفَةٌ، وأنا أذكر من كلامهم ما يُمِيطُ هذا الوهمَ إن شاء الله تعالى.
فأقول: قال أبو عمر (٩) بن عبد البر في كتاب " الاستيعاب " (١٠) -وقد
_________________
(١) تقدم تخريجه في ١/ ٣٦٩.
(٢) في (ش): وجهين.
(٣) في (ب): أما مع.
(٤) في (ش): معنى.
(٥) في (ش): صح.
(٦) في (ب): من.
(٧) في (ش): الفسق.
(٨) في (ش): فإنه.
(٩) في (ب): "عمرو"، وهو تحريف.
(١٠) ٣/ ٦٣٣.
[ ٣ / ٢٦٢ ]
ذكر الوليد-: لَهُ أخبارٌ فيها نَكَارَةٌ وشَنَاعة تقطعُ على سُوءِ حاله وقُبْحِ فعاله، وحكي عن أبي عُبيدة، والأصمعي، وابن الكلبي وغيرهم أنَّهم كانوا يقولون: إنَّه (١) كان فاسِقًا، شِرِّيبَ خَمْر، شاعرًا كريمًا، وأخبارُه في شربه الخمر، ومنادَمته لأهله مشهورةٌ يَسْمُجُ بنا ذكرُها ها هنا. انتهى.
وقال أحمد بن حنبل في الحديث الذي فيه أنَّ رسول الله - ﷺ - لم يمسح على رأسه في صغَرِه: إنَّ ذلك لِسَابِقِ علمه فيه، وسيأتي ذكر الحديِث.
وذكر غَيْرُ واحد من شارحي " كتاب الرافعي الكبير" (٢)، منهم الحافظ ابن حجر أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قتل عُقْبَةَ بنَ أبي معيط صبرًا يَوْمَ بدرٍ بَعْدَ أسرِه كما ذكره الرافعي.
وقال ابن حجر: رواه البيهقيُّ من طريق محمد بن سهل بن أبي خيثمة عن أبيه، عن جَدِّه، عنه - ﷺ -، وفيه أنَّ عقبة قال: مَنْ للصِّبْيَةِ يا محمد؟ قال: " النَّار ". ورواه الدارقطني في " الافراد "، وزاد فقال: " النَّارُ لَهُمْ ولأبِيهِمْ ". وفي " المراسيل " لأبي داود عن سعيد بن جبير مثلُ كلام الرافعي.
وخرّجه ابن أبي شيبة، ووصله الطبراني في " الأوسط " بذكر ابن عباس (٣).
_________________
(١) ساقطة من (ش).
(٢) وهو المسمى " فتح العزيز على كتاب الوجيز " تأليف الإمام أبي القاسم عبد الكريم ابن محمد القزويني المتوفى سنة ٦٢٣ هـ، والحافظ ابن حجر لا يُعد من شراحه، وإنما خرج أحاديثه في كتابه " تلخيص الحبير "، وهذا التخريج لخصه من كتاب " البدر المنير " لابن الملقن.
(٣) " تلخيص الحبير " ٤/ ١٠٨، وانظر " مراسيل أبي داود " رقم (٣٣٧) بتحقيقنا، =
[ ٣ / ٢٦٣ ]
قال الذهبي في " النبلاء " (١) في ترجمة الوليد: كان يشربُ الخمرَ، وحُدَّ على شربها، وروى من شعره في شُرْبِها، قال: وهو الذي صلَّى بأصحابه الفجرَ أربعًا وهو سكرانُ، ثمَّ التفت إليهم، وقال: أزيدُكم (٢)؟
وقال لأميرِ المؤمنين عليٍّ ﵁: أنا أَحَد منك سِنانًا، وأَذْرَبُ لِسانًا، وأشجع جَنَانًا، فقال (٣): اسكت، فإنَّما أنت فاسقٌ، فنزلت: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨]، قال الذَّهبي: إسناده قوي (٤)، انتهى كلامه.
وذكر الواحدي في كتاب " أسباب النزول " (٥) في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]، ولم يذكر غيره، وروى حديثين في أنَّه الوليد، ومثله ذكر في " وسيط " (٦) الواحدي أنَّه الوليد، ولم يذكروا (٧) سواه، وكذا في " عين المعاني "،
_________________
(١) = و" المصنف " لابن أبي شيبة ١٤/ ٣٧٢. وروى أبو داود (٢٦٨٦) بسند حسن من طريق عمرو بن مرة، عن إبراهيم قال: أراد الضحاك بن قيس أن يستعمل مسروقًا، فقال له عمارة بن عقبة: أتستعمل رجلًا من بقايا قتلة عثمان، فقال له مسروق: حدثنا عبد الله بن مسعود -وكان في أنفسنا موثوق الحديث- أن النبي - ﷺ - لما أراد قتل أبيك قال: من للصبية؟ قال: " النار "، فقد رضيت لك ما رضي لك رسول الله - ﷺ -.
(٢) ٣/ ٤١٤.
(٣) انظر " صحيح مسلم " (١٧٠٧) في الحدود، باب: حد الخمر.
(٤) في (ش): فقال له.
(٥) وزاد: لكن سياق الآية يدل على أنها في أهل النار.
(٦) ص ٢٦١ - ٢٦٣.
(٧) للإمام أبي الحسن علي بن أحمد الواحدي المتوفى سنة ٤٦٨ هـ ثلاثة تفاسير " الوجيز "، و" الوسيط "، و" البسيط "، وقد طبع منها الوجيز على هامش " التفسير المنير لمعالم التنزيل " للشيخ محمد نووي الجاوي سنة ١٣٠٥.
(٨) في (ش): يذكرا.
[ ٣ / ٢٦٤ ]
الوهم العاشر: توهم السيد أن الوليد من الرواة المعتمدين في الصحاح في الحديث عند أبي داود
و" تفسير القرطبي "، لم (١) يذكرا سواه مع توسُّعهما في النَّقل، لا سِيمَّا القرطبي، وكذا في " تفسير عبد الصمد الحنفي "، و" تفسير الرازي " لم يذكرا سواه.
وقال أبو عمر بن عبد البر في كتاب " الاستيعاب ": ولا خلاف بين أهلِ العلمِ بتأويل القرآن فيما علمت أنَّ هذه الآية نزلت في الوليد (٢) أفاد ذلكَ كُلَّه شيخُنا النَّفيسُ العلوي أعاد اللهُ من علومه.
وأفاد السَّيِّد أيَّده الله أنَّ ابنَ الجوزي ذكر مِثْلَ ذلك، قال: وهو مِنَ القوم.
أقول: فإذا كان من القوم، فكيف ادَّعيت عليهمُ القولَ بأنَّ الكبائرَ لا تجوزُ على الصحابة؟ فلو كانوا -كما زعمتَ- يعتقدون هذه العقيدة، وكما زعمت في أنَّهم كُفَّارُ تصريحٍ، دأبُهم التَّعمد للأكاذيب في نُصْرَةِ مذاهبهم ما تطابقوا على هذا، فَدَعْ عنك الدَّعاوي الباطلة، والاسترواحَ إلى الأقاويل الواهية.
الوهم العاشر: توهَّم السَّيّدُ أنّ الوليد منَ الرُّواة المعتمدين في الصِّحاح في الحديث عند أبي داود، وليس كما توهَّم أيَّدَهُ اللهُ، وقد ذكر أنّه مذكور في " سنن أبي داود "، ولا أدري: هل قصد السيّدُ أنَّه في " سنن أبي داود " مُعْتَمَدٌ على حديثه، فهذا غلطٌ على الرَّجل إذا (٣) اعتقد أنّ مجرّد الرواية عَنِ الفاسق على سبيل التَّقوِّي مع الاعتماد على غيره مِنَ الثِّقات حرامٌ لا تجوز لأحد، فهذه أقبحُ مِنَ الأولى، وقد ذكرنا فيما تقدَّم
_________________
(١) في (ش): ولم.
(٢) من قوله: " وذكر الواحدي " إلى هنا تقدم عند المؤلف في ٢/ ١٨٢ - ١٨٣.
(٣) في (ش): أو.
[ ٣ / ٢٦٥ ]
ثبوتَ الرِّواية عن المجروحين في كتب أهلِ البيت ﵈، ونصَّ الإمام يحيى بن حمزة، وابنُ الصَّلاح وغيرُهما على أنَّ الرِّوايةَ ليست بتعديلٍ.
إذا عرفتَ هذا، فاعلم أنَّ أبا داود روى حديثًا عن جماعة مِن الثِّقات من طُرُقٍ كثيرة، ثمَّ ذكر الوليد بعدَهم على سبيل المتابعة في هذا الحديث الواحد (١) المرويِّ عنِ الثِّقات، وأنا أذكر الحديث الذي رواه أبو داود عن الوليد، وأبيِّن الطُّرُقَ التي اعتمد أبو داود عليها، وأذكر السَّبَبَ في تقوِّي أبي داود برواية الوليد بعد روايةِ الحديث من طرق الثقات. فأقول: بَوَّبَ أبو داود في " سننه " (٢) بابًا في كراهة الخَلُوقِ للرجال، وذكر ما ورد في ذلك، واستوفي الطُّرُقَ، ولم يقتصِرْ على الطرق (٣) الصَّحيحة.
فروى عن عمار بنِ ياسر أنَّه قال: قَدِمْتُ على أهلي [ليلًا]، وقد تَشَقَّقَتْ يداي، فَخَلَّقوني بزعفران، فَغَدَوْت على النَّبيّ - ﷺ -، فسَلَّمتُ عليه، فلم يَرُدَّ عليَّ، ولم يُرَحِّبْ بي، وقال: " اذْهبْ فَاغْسِلْ هذَا عَنْكَ "، فذهبتُ فغسلتُهُ، ثم جئتُ، [وقد بقي علي منه رَدْعٌ، فسلمتُ، فلم يَرُدَّ علي، ولم يُرَحِّبْ بي، وقال: " اذْهَب فاغْسِلْ هذا عنك "، فذهبتُ فغسلتُهُ، ثم جئتُ]، فسلمت عليه، فسلَّم عليَّ، ورحَّبَ بي، وقال: "إنَّ الملائِكةَ لا تحْضُرُ جنازَةَ الكافِرِ (٤) لخَيْرٍ (٥)، ولا المُتَضمِّخِ
_________________
(١) " الواحد " ساقط من (ش).
(٢) ٤/ ٤٠٢ - ٤٠٥.
(٣) في (ش): الطريق.
(٤) في (ب): كافر.
(٥) ساقطة من (ش)، ولفظ أبي داود " بخير".
[ ٣ / ٢٦٦ ]
بالزَّعْفَرَانِ، ولا الجُنُب"، ورخَّص للجنب إذا نام أو أكَلَ أو شَرِبَ أن يتوضَّأ (١).
وروى عن أبي موسى أنّه قال [قال رسول الله - ﷺ -] " لاَ يَقْبَلُ الله [تعالى] صلاةَ رَجُل في جَسَدهِ شَيْءٌ مِنْ خَلُوقٍ " (٢).
وروى عن أنس ﵁ أنّه قال: نهى رسول الله - ﷺ - عَن التَّزَعْفُرِ للرجال (٣)، وهذا حديثٌ صحيح أخرجه مسلم في " صحيحه " والترمذي، والنسائي.
وروى عن أنس أيضًا من طريقٍ أخرى أنَّ رجلًا دخل على النبيِّ - ﷺ -، وعليه أثَرُ صُفْرَةٍ، وكان النَّبِي - ﷺ - قلَّما يُوَاجِهُ (٤) رجلًا في وجهه بشيءٍ يكرهه، فلمّا خرج، قال: " لَوْ أمْرْتُمْ هذا أنْ يَغْسِلَ هذا عنه " (٥) وهذا الحديثُ
_________________
(١) هو في " سنن أبي داود " (٤١٧٦)، والزيادة منه من طريق موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد -هو ابن سلمة- أخبرنا عطاء الخراساني، عن يحيى بن يعمر، عن عمار بن ياسر. وعطاء الخراساني: صاحبُ أوهام كثيرة، وُيرسل ويُدَلِّسُ، ويحيى بن يعمر: قال الدارقطني: لم يلق عمارًا. ورواه أبو داود (٤١٧٧) من طريق ابن جريج أخبرني عمر بن عطاء بن أبي الخوار، سمع يحيى بن يعمر يخبر عن رجل أخبره عن عمار بن ياسر. زعم عمر أن يحيى سمَّى ذلك الرجل فنسي عمر اسمه
(٢) هو في " سنن أبي داود " (٤١٧٨) وفي سنده أبو جعفر الرازي، وهو ضعيف، وجداه زيد وزياد لا يعرفان.
(٣) أخرجه أبو داود (٤١٧٩) من طريق مُسَدّد عن حماد بن زيد، وإسماعيل بن إبراهيم، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس. وهذا سند صحيح على شرط البخاري. وأخرجه مسلم (٢١٠١)، والترمذي (٢٨١٥)، والنسائي ٥/ ١٤١ من طرق عن حماد بن زيد، وإسماعيل بن إبراهيم، كلاهما عن عبد العزيز بن صهيب، به. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(٤) في (ش): يوجه.
(٥) هو في " سنن أبي داود " (٤١٨٢)، وأخرجه الترمذي في " الشمائل " (٣٣٩)، =
[ ٣ / ٢٦٧ ]
أخرجه الترمذي، والنسائي أيضًا.
وروى عن عمار ﵁ من طريق غير الطريق الأولى أنّ رسول الله - ﷺ - قال: " ثَلاثَةٌ لا تَقْرَبُهُمُ المَلائِكَةُ: جِيفَةُ الكَافِرِ، والمُتَضَمِّخُ بالخَلُوقِ، والجُنُبُ إلّا أنْ يَتَوضَّأ " رواه عنه من طريق الحسن البصري ﵁ (١).
ثمّ بعدَ هذه الطُّرق إلّا طريقَ أنسٍ الثانية، روى عن الوليد أنّه لمّا فتح نَبِيُّ الله - ﷺ - مكَّةَ، جعل أهل مكة يأتونه بصبيانهم، فيدعو لهم بالبركة، ويمسح رؤوسهم (٢)، قال: فجيء بي (٣) إليه، وأنا مُخَلَّقٌ، فلم يمَسَّني من أجل الخَلُوق، هكذا رواه أبو داود (٤).
_________________
(١) = والنسائي في " عمل اليوم والليلة " (٢٣٥) و(٢٣٦)، وفي سنده عندهم سلم بن قيس العلوي وهو ضعيف.
(٢) هو في " سنن أبي داود " (٤١٨٠)، ورجاله ثقَات، لكن الحسن لم يسمع من عمار فهو منقطع.
(٣) في (ش): في رؤوسهم.
(٤) في (ش): به.
(٥) رقم (٤١٨١) من طريق أيوب بن محمد الرقي، عن عمر بن أيوب، عن جعفر بن برقان، عن ثابت بن الحجاج، عن عبد الله الهمداني، عن الوليد بن عقبة. قال المنذري في " مختصره " ٦/ ٩٣: هكذا ذكره أبو داود عن عبد الله الهمداني عن الوليد بن عقبة، وقال فيه غيره: عن أبي موسى الهمداني، عن الوليد بن عقبة. وقال البخاري: عن عبد الله الهمداني، عن أبي موسى الهمداني، ويقال: الهمذاني، قاله جعفر بن برقان، عن ثابت بن الحجاج، ولا يصح حديثه. وقال الحافظ أبو القاسم الدمشقي: إن عبد الله الهمداني هو أبو موسى. وقال الحاكم أبو أحمد الكرابيسي: وليس يعرف أبو مَوسى الهمداني، ولا عبد الله الهمداني، وقد خُولِفَ في هذا الإسناد. وقال ابن أبي خيثمة: أبو موسى الهمداني اسمه عبد الله. وهذا حديث مضطرب الإسناد، ولا يستقيم عن أصحاب التواريخ أن الوليد بن عقبة كان يوم فتح مكة صغيرًا، وقد روي أن النبي - ﷺ - بعثه ساعيًا إلى بني المصطلق، وشكته زوجته إلى =
[ ٣ / ٢٦٨ ]
وقد رُوِيَ عن أحمد بنِ حنبل أنَّ رسول الله - ﷺ - لم يَمَسَّهُ (١)، ولم يَدْعُ له بالبركة، ومُنِعَ بركةَ رسولِ الله - ﷺ - لسابق علمه فيه.
وأقول: إنّ النُّقاد من علماء الأثر قد قدحوا في هذا الحديث مع ما فيه مِنَ القدح الظَّاهر بفسقِ الوليد، وقال: إنَّه لا يَصِحُّ لوجوه:
الأول: أنّه قد ثبت أن رسولَ الله - ﷺ - بعث الوليدَ ساعِيًَا إلى بني المُصْطَلِقِ في القصَّة المشهورة، وليس يَصِحُّ فيمن بُعث رسولًا إلى بني المصطلِقِ أن يكون يَوْمَ الفتحِ صبيًّا صغيرًا.
الوجه الثاني: أنَّ زوجتَه شكته إلى النَّبِيِّ - ﷺ -، ولم يَعِشْ رسولُ الله - ﷺ - بعد الفتحِ إلاّ يسيرًا، فمتى كانت هذه الزوجة.
الوجه الثالث: أنَّه فدى من أُسِرَ يوْمَ بدر.
الوجه الرابعُ: أنّ الزبير وغيره ذكروا أنَّ الوليدَ وعُمارة ابني عُقبة خرجا لِيَرُدَّا أختهما أمَّ كلثوم عَنِ الهجرة، قالوا: وهجرتها كانت في الهُدنَةِ بين رسول الله - ﷺ - وَبَيْنَ أهل مكة.
_________________
(١) = النبي - ﷺ -، ورُوي أنَّه قَدِمَ في فداء من أسر يوم بدر. وقال أبو عمر النمري: وهذا الحديث رواه جعفر بن برقان، عن ثابت بن الحجاج، عن أبي موسى الهمداني، ويقال: الهمذاني، كذلك ذكره البخاري على الشك، عن الوليد بن عقبة. قالوا: وأبو موسى هذا مجهول، والحديث منكر مضطرب لا يصح، ولا يُمكن أن يكون من بعث مصدقًا في زمن النبي - ﷺ - صبيًا يوم الفتح. ويدل على فساد ما رواه أبو موسى المجهول أن الزبير بن بكار وغيره ذكروا أن الوليد وعمارة ابني عُقبة خرجا ليردَّا أختهما أم كلثوم عن الهجرة، وكانت هجرتها في الهدنة بين النبي - ﷺ - وبين أهل مكة؛ ومن كان غلامًا مخلقًا يوم الفتح ليس يجيء منه مثل هذا. وسينقل المؤلف -﵀- كلام المنذري هذا مفرقًا في عدة مواضع قريبًا.
(٢) في (ش): يمسح.
[ ٣ / ٢٦٩ ]
فإن قلتَ: كيف غَفَل أبو داود عن هذا؟
قلتُ: هذا فيه احتمالان:
الأول: أن يكون أُنْسِيَ هذه الأمورَ، وَغَفَلَ عنها على سبيلِ السَّهْوِ دونَ الجهل، وقد يسهو الإنسانُ عمّا يعلم، كما يسهو في صلاته، وغير ذلك، فَطَاحَ تقوِّيه بهذا الحديث، وراجت عليه كما يجري مثلُ ذلِكَ لكثيرٍ مِنْ كبار الحُفَّاظ، والنُّحاة، والمتكلِّمين في كثيرٍ مِنَ المسائل، وكم مِنْ إمامٍ في الفن يَغْلَطُ في مسألة واضحة، وقد (١) تقدمت الإشارة إلى ذلك في المسألة الأولى.
الاحتمال الثاني (٢): أن يكون رأي في الحديث أمرين:
أحدهما: أن قريشًا كانوا يأتون بصبيانهم إليه ﵇، فيمسح رؤوسهم (٣)، ويدعو لهم، وأنّه أُتِيَ بالوليد، فلم يمسَّهُ، ولم يَدْعُ له (٤) هكذا من غير ذكر مكّةَ، وهذا محتمل لا دلالة على بطلانه.
والأمر الثّاني: ما في الحديثِ أنَّ هذه القصة كانت يومَ الفتح، وهذا باطل، لكن ليس يلزمُ من القطع ببطلان هذا أنْ نُبْطلَ الحديثَ كلّه، فَمِن الجائز أن يكونَ الحديثُ مُمْكِنَ الصدق، ولكن الرَّاوي وَهِمَ في ذكر يوم الفتح، وليس الوهمُ في تاريخ القصة يدلُّ على بطلان القصة (٥) قطعًا؛ ألا ترى أنّ كثيرًا مِنَ المؤرخين يَغْلَطُ في تاريخ القَصَصِ والوفياتِ، فيقول:
_________________
(١) " قد " ساقطة من (ش).
(٢) في (ش): " الثالث "، وكتب فوقها " الثاني " على الصواب.
(٣) في (ش): برؤوسهم.
(٤) في (ب): لأهله.
(٥) جملة " يدل على بطلان القصة " ساقطة من (ش).
[ ٣ / ٢٧٠ ]
إنّ قتلَ فلان وحربَه (١) كان يومَ فلان، وينكشِفُ غلطُه في التَّاريخ، ولا يَلْزَمُ مِنْ ذلِكَ أنَّ ذلِكَ الرَّجُلَ ما قُتِلَ أصلًا، ولا كان له حربُ البتة. ويقوِّي هذا الاحتمالَ وجوهٌ: -
أحَدُهَا: أنَّ أحمدَ بن حنبل ذكر هذا الحديث مع إجماعهم على أنّه مِنْ أعرف النّاس بعلم الأثر وعِلَلِهِ، وما يتعلَّقُ به، وتكلَّم (٢) في وجه امتتاع النَّبِي - ﷺ - مِنَ المسح على رأس الوليد.
وروى أحمد بن حنبل أنَّ الوليدَ سلخ يومئذ، وأن رسول الله - ﷺ - تَقَذَّرَه، وأن الوليد مُنِعَ بركتَه ﵇.
الوجه الثاني: أنّ هذا الحديث من مَثَالِبِ الوليد، ومناقِصِهِ الدَّالةِ على خِسَّتهِ، فهو يَبْعُدُ أنْ يكون كذبه، لأنّه عليه لا له، بل يَبْعُدُ أن يكون مَا رَوَاهُ إلا وهو معروفٌ عند غيره، ولو استطاع كَتْمَهُ لكتمه، ألا ترى أنَّ أحمد بن حنبل روى أنّه سَلَخَ يومئذ وَتَقَذَّره رسول الله - ﷺ -؟ وهذا لم يروه الوليد، فدلَّ على أنَّ الحديث مرويٌّ مِنْ غيرِ طريقه، وأظنُّ الوليد إنَّما ذكر هذا الحديث ليعتذر من (٣) ذلكَ بما زعمه مِنْ أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - ما ترك المسحَ عليه إلاّ مِنْ أجل الخَلُوقِ الّذي كان فيه، وهذا العذرُ تمويه لا يمضي لأمرين:
أحدهما: أنَّ الخلوق لم يكن في جسده كلّه، وهو صغيرٌ لا ذنبَ عليه، فيزجره ﵇ بذلِكَ كما فعل مع عمار.
وثانيهما: أنّه امتنعَ مِنَ الدُّعاء له، كما امتنع مِنْ لَمْسِ جَسَدِهِ،
_________________
(١) في (ش): وخروجه.
(٢) في (ش): ويتكلم.
(٣) في (ش): في.
[ ٣ / ٢٧١ ]
والدُّعاء للصَّبي المُخَلَّقِ لا كراهة فيه (١)، ولا مانِعَ منه.
الوجه الثالث: أنّ راوي الحديثِ عَنِ الوليدِ كان ضعيف الحفظِ، قليلَ الإتقان للحديث، فلعلَّه الذي وَهمَ في ذكر يومِ الفتح، وهذا الراوي هو (٢) عبد الله الهَمْدَاني، وفيه كلامٌ مِنَ وجهين:
أَحَدُهُما: أنَّهم تكلّموا فيه، فقال جعفرُ بنُ برقان عن ثابت بنِ الحجاج: لا يَصِحُّ حديثه.
وقال الحاكم أبو أحمد الكرابيسي (٣): وليس يُعرف أبو موسى الهمداني ولا عبدُ الله الهمداني، وقد خُولفَ في هذا الإِسنادِ، وهذا حديث مضطرب الإسناد.
وقال الحافظ عبدُ العظيم (٤) ما لفظه: قالوا (٥): وأبو موسى هذا مجهول.
_________________
(١) ساقطة من (ش).
(٢) ساقطة من (ش).
(٣) هو الإمامُ الحافظُ العلامة الثبت محدثُ خراسان محمد بن محمد بن أحمد بن إسحاق النيسابوري الكرابيسي الحاكم الكبير، صاحب التآليف النافعة في علوم الحديث، ومنها كتاب " الكُنى " الذي لم يؤلف مثله في بابه، ويقع في عدة مجلدات، ولكن لا يعرف له وجود.
(٤) هو الحافظ الكبير الإمام الثبت زكي الدين أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي المنذري الشامي الأصل، المصري المولد، والدار، والوفاة، صاحب المؤلفات المتنوعة في الحديث، والفقه، والتاريخ، المولود سنة ٥٨١ هـ، والمتوفى سنة ٦٥٦ هـ. درس بالجامع المظفري بالقاهرة، ثم ولي مشيخة الدار الكاملية، وانقطع بها ينشر العلم عشرين سنة. قال الشريف عز الدين الحافظ: كان شيخنا زكي الدين عديمَ النظير في علم الحديث على اختلاف فنونه، عالمًا بصحيحه، وسقيمه، ومعلوله، وطرقه متبحرًا في معرفة أحكامه، ومعانيه، ومشكله، قيمًا بمعرفة غريبه، وإعرابه، واختلاف ألفاظه، إمامًا، حجة، ثبتًا، مُتحرّيًا فيما يقوله، متثبتًا فيما يرويه. مترجم في " السير " ٢٣/ ٣١٩ - ٣٢٢.
(٥) في (ش): قال.
[ ٣ / ٢٧٢ ]
وثانيهما: أنّ هذا الحديث مرويٌّ عن عبد الله الهَمْدَاني، وعن أبي موسى الهَمْدَاني، وقد اختلفوا، فقيل: هو رجل واحد اسمُهُ عبدُ الله، وكنيتُهُ أبو موسى، قال ذلك أبو القاسم الدِّمشقي الحافظ (١).
وقال ابنُ أبي خيثمة: أبو موسى الهَمْدَاني اسمُهُ عبد الله، وقيل: هما اثنان، قاله البخاري. قال البخاري: وعبد الله الهمداني روى الحديثَ عن أبي موسى الهمداني (٢) وهذا هو (٣) الظَّاهرُ، لتقدُّم البخاري في الحفظ، ولأنّه مثبت، ولأنّ احتجاج ابن (٤) أبي خيثمة بأنّ اسم أبي موسى عبدُ الله لا يمنعُ من ذلك، ولعلّ ذلك هو الّذي غرّ أبا القاسم الدِّمشقي، ورواية عبد الله عن أبي موسى ترفعُ الإِشكال، والله أعلم.
فإن قلت: فَلِمَ تَقوَّى أبو داود بهذا الحديث مع ما فيه من المطاعن؟
قلت: لأنّه أورد الحديث بإسنادٍ صحيح، وذكر معه ما جاء في الباب مِنْ كُلِّ ضرب مِنْ غَثٍّ وسمين كما هو عادةُ الحُفَّاظ، وأهلِ المسانيد، وقد ثبت أنَّ روايةَ الكافرِ المصرح قد تُفيد الظَّنَّ، فهي تقوى لا محالة، فكأنَّه أراد استقصاء ما يحفظ في الباب من الطرق (٥) لذلك، ألا ترى أنّه
_________________
(١) هو الإمام العلامة الحافظ الكبير المجود، محدِّث الشام أبو القاسم علي بن الحسن ابن هبة الله الدمشقي الشافعي صاحب " تاريخ دمشق " في ثمانين مجلدة، المتوفى سنة ٥٧١ هـ. قال الإمام الذهبي: كان فهمًا حافظًا، متقنًا ذكيًا، بصيرًا بهذا الشأن، لا يُلحق شأوه، ولا يشق غباره، ولا كان له نظير في زمانه، ومن تصفح تاريخه، علم منزلته في الحفظ. مترجم في " السير" ٢٠/ ٥٥٤ - ٥٧١.
(٢) نص كلام البخاري في " التاريخ الكبير " ٥/ ٢٢٤: عبد الله الهمداني، عن أبي موسى الهمداني. قاله جعفر بن برقان، عن ثابت بن الحجاج، لا يصح حديثه.
(٣) في (ب): " وهو"، وهو خطأ.
(٤) " ابن " سقطت من الأصول غير (ب).
(٥) عبارة " في الباب من الطرق " ساقطة من (ش).
[ ٣ / ٢٧٣ ]
أورد أحاديثَ البابِ مِنْ عدَّة طرق في (١) كُلٍّ منها كلام، لكنها إذا اجتمعت أخذت حَظًّا منَ القُوَّة.
الطريق الأولىَ: فيها عطاء الخراساني، وقد أخرج له مسلمٌ متابعة، ووثَّقه يحيى (٢) بن معين، وقال أبو حاتِم الرازيُّ: لا بأس به صدوق يُحتج به، ووثقه أحمد والعِجلي، ويعقوبُ بن أبي شيبة وغيرهم، وقال الذهبي: كان مِنْ خيار العلماء، وذكر في " الميزان " (٣) أنّه كان يَهِمُ، فروى عن ابن المسيِّبِ حديث الّذي وقع بأهله في رمضان على ما رواه ابنُ المسَيِّبِ، فسُئِلَ ابنُ المسيب عمّا روى، فكذَّبه فيه، فذكره لهذا (٤) العقيلي في " الضعفاء " (٥)، وكذا ضعَّفه لأجلِ الوَهْمِ البخاريُّ، وكان من عبادِ الله الصالحين، والصَّحيح أنّه ثِقَةٌ، وفي حفظَه لين محتمل، ولكن جرحه غيرُهم، فكذَّبه سعيدُ بن المسيّب على جلالته، وقال (٦): [ابن حبان] (٧): كان رديءَ الحفظ ولا يَعْلَمُ، فبطل الاحتجاج به، قال الذَّهبي: هذا القول من ابن حبان، فيه (٨) نظر.
_________________
(١) في (ش): وفي.
(٢) ثم ترد في (ب)، اقتصر على الكنية.
(٣) ٣/ ٧٤، ولم يقله الذهبي من قبل نفسه، وإنما نقله عن ابن حبان، ونصه فيه: وقال ابن حبان في " الضعفاء " ١/ ١٣٠ - ١٣١: أصله من بلخ وكان من خيار عباد الله، غير أنَّه كان رديءَ الحفظ، كثيرَ الوهمِ، يُخطىءُ ولا يعلمُ، فيحمل عنه
(٤) في (ش): بهذا.
(٥) ٣/ ٤٠٥ - ٤٠٧.
(٦) في (ش): " قال "، بلا واو.
(٧) زيادة لا بد منها، ولم ترد في جميع الأصول، فإن ما بعد " قال " هو من كلام ابن حبان، وليس من كلام ابن المسيب، وابن الوزير اختصر كلام ابن حبان، ونصه في " الضعفاء ": ٢/ ١٣٠ - ١٣١، وعنه نقله الذهبي في " الميزان " ٣/ ٧٤: وكان من خيار عباد الله غير أنَّه كان رديءَ الحفظ، كثيرَ الوهم يُخطىءُ ولا يعلمُ، فيحمل عنه، فلمَّا كَثُرَ ذلك في روايته، بَطَلَ الاحتجاجُ به. قال الذهبيُّ: فهذا القولُ من ابنِ حِبَّان فيه نظر
(٨) في (ش): وفيه.
[ ٣ / ٢٧٤ ]
الطريق الثانية: عن يحيى بن يعمر (١) عن رجلٍ، عن عمّار، وفي هذه الطَّريق هذا الرَّجل المجهول.
الطريق الثالثة: عَنِ الحسن البصري عن عمار، وهي مُعلَّةٌ بالانقطاع بين الحسن وبين عمار، لأنَّ الحسن لم يَسْمَعْ مِن عمار.
الطريق الرابعة: طريق أبي موسى، وفيها أبو جعفر الرَّازي عيسى ابنُ عبد الله بنِ ماهان، وقد اختلف فيه قولُ علي بن المديني، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، فقال ابن (٢) المديني مرة: ثقة، وقال مرة: كان يخلط، وقال أحمدُ بنُ حنبل مرةً: ليس بالقوي، وقال مرّة: صالحُ الحديث (٣)، وقال يحيى بن معين مرة: ثقة، وقال مرة: يُكتب حديثُه، إلاّ أنّه يخطىء، وقال أبو زُرعة الرازي، يَهِمُ كثيرًا، وقال الفَلاَّس: سيئ الحفظ، وحَكَى (٤) الذهبي الاختلاف فيه، وقال: هو صالح الحديث (٥).
_________________
(١) تحرف في (ش) إلى " معمر ".
(٢) تحرف في (ب) إلى " أبي ".
(٣) من قوله: " وقال أحمد بن حنبل " إلى هنا ساقط من (ش).
(٤) في (ش): " حكى " بلا واو.
(٥) ذكر ذلك في " الميزان " ٣/ ٣١٩ - ٣٢٠، وقال الحافظ في " التقريب ": صدوق، سيىء الحفظ. قلت: فمثله يصلح للمتابعات والشواهد، وأما ما ينفرد به، فهو ضعيف، ومما انفرد به ولم يُتابع عليه حديث أنس قال: " ما زالَ رسولُ الله ﷺ يقنتُ في صلاة الصبح حتى فارق الدنيا ". أخرجه أحمد ٣/ ١٦٢، والدارقطني ٢/ ٣٩، والطحاوي في " شرح معاني الآثار " ١/ ٢٤٤، والبيهقي ٢/ ٢٠١ كلهم من طريق أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أنس. وقد صَحَّ عن أنس أن النبي - ﷺ - قَنَتَ شهرًا في صلاةِ الفَجْر، ثم تَركَهُ. انظر " شرح السنة " ٣/ ١١٨ - ١٢٥.
[ ٣ / ٢٧٥ ]
فإن قلت: كيف يَصِحُّ اختلاف كلام (١) هؤلاء في الجرج والتّعديل؟
قلت: لأنَّه عندهم لا يتعمَّد الكذب، ولكنه يخطىء (٢)، والمخطىء إنَّما يُجرح بالتَّحري والاجتهاد (٣)، والاجتهادُ في ذلِكَ يقف على النظر في كثرة خطئه: هل بلغ إلى حدٍّ يُوجب طَرْحَ حديثِهِ الّذي لم ينكشِفْ أنَّه خطأٌ أو لا؟ وما (٤) الحدُّ الذي إذا بلغه بَطَلَ حديثُهُ؟ فقال علماء الأصول: إذا كان خطؤُه أكثر مِنْ صوابه، أو مُساويًا له، وقال المنصور بالله، وعبد الله بن زيد: إذا كان أكثر فقط، وإذا كان مساويًا، لم يجب طرْحُ حديثِهِ، وهذا دقيقٌ ضامضٌ يحتمل التَّردُّدَ، وتصحيح العبارة.
فاختلاف (٥) أئمَّة الجرحِ مثلُ اجتهاد الفقهاء في دقيق الفقه، فيكون لابن معين قولانِ في الجرح مثل ما يكون للمؤيَّد قولانِ في الفقه.
الطريق الخامسة: عن أنسٍ، وفيها سلم (٦) العلوي، وفيه كلام كثير.
قال أبو داود: وليس هو علويًا (٧)، كان ينظر في النُّجوم، وَشَهِدَ عند عديِّ بن أرطاة (٨) على رؤية الهلال، فلم يُجز شهادته، وقال يحيى بن معين: ثقة، وقال مرة: ضعيف.
_________________
(١) ساقطة من (ش).
(٢) في (ش): مخطىء.
(٣) " والاجتهاد " ساقطة من (ش).
(٤) في (ش): " وأما " وهو خطأ.
(٥) في (ش): واختلاف.
(٦) في (ش): " سالم " وهو تحريف.
(٧) في (أ) و(ب) و(ش): " علوي "، وكتب فوقها في (أ) " علويًا " على الجادة.
(٨) هو عدي بن أرطاة الفَزاري أبو واثلة، أمير من أهل دمشق، كان من العقلاء الشجعان، ولاَّه عمرُ بن عبد العزير على البصرة سنة ٩٩ هـ، فاستمر إلى أن قتله معاوية بن يزيد بن المهلب بواسط في فتنة أبيه يزيد بالعراق سنة ١٠٢ هـ. " الأعلام " للزركلي ٤/ ٢١٩.
[ ٣ / ٢٧٦ ]
وقال ابن عدي (١): لم يكن من أولاد عليِّ بن أبي طالب ﵁، إلاّ أنَّ فريقًا بالبصرة (٢) كانوا يُسَمَّوْنَ بني علي، فَنُسِبَ هذا إليه.
وقال ابن حبان (٣): كان شُعبة يحمل عليه، فيقول: كان سلْمٌ (٤) العلويُّ يرى الهلال قَبْل الناس بيومين، منكر الحديث على قِلته، لا يُحْتَجُّ به إذا وافَقَ الثقات، فكيف إذا انفرد؟!
قلتُ: قولُ ابن حبان: كان شعبةُ يَحْمِلُ عليه يَدُلُّ على أنَّهُ فوق هذه المنزلة الّتي قالها شعبة، وَيَدُلُّ على ذلِكَ تردُّدُ يحيى بن معين في توثيقه، وكأنّه كان صدوقًا في نفسه، لكنّه كان ينظر في النجوم، وكان (٥) كثير الخطأ، فَقُدِحَ فيه بهما، واختلفتِ العبارات في القدح فيه، واللهُ أعلم.
الطريق السادسة: طريق الوليد المقدمة، وقد تقدَّم الكلام على ما فيها من الاختلال (٦) والاعتدال في أصلها وفرعها.
فذكرُ أبي داود لجميع هذه الطرق المعلولةِ يدل على أنَّه استقصى ما يحْفَظُ في الباب، واعتمد على الطَّريق الصَّحيحة السَّالمة مِنْ هذه المطاعن، وهي الطَّريقُ السابعة الّتي روى فيها حديث أنسٍ الثّابتِ الصَّحيحِ في " مسلمٍ " وغيره.
إذا عَرَفْت هذا، فهذا هو الحديثُ الَّذِي رواه أبو داود عن الوليد لم
_________________
(١) في " الكامل " ٣/ ١١٧٥.
(٢) في (ش): في البصرة.
(٣) في " المجروحين والضعفاء " ١/ ٣٤٣.
(٤) في (ش): " سالم "، وهو تحريف.
(٥) في (ش): كان.
(٦) عبارة " من الاختلال " ساقطة من (ش).
[ ٣ / ٢٧٧ ]
الوهم الحادي عشر: ذكر السيد أن الوليد مذكور في غير " سنن أبي داود " من كتب الحديث، وهذا الوهم أفحش من الذي قبله
يروِ عنه سواه، فقد (١) ثبت أنّه روى معناه مِن سِتِّ طُرُقٍ غيرِ طريق الوليد، وقد ذكرتُ فيما تقدّمَ أن الحُفَّاظَ يروون عن بعض الضُّعفاء والمجاريح على جهة المتابعة، فرُبَّما يرى من لا يعرف مَذْهَبَهُمْ وطريقَتَهم ذكر أولئك المجاريح في كتبهم فيظنُّ (٢) أنَّ القوم يرون عدالةَ الفُسَّاقِ المصرحين، وأمانَةَ العُصَاة الّذين يعلمون (٣) أنَّهم غيرُ مُتَأوِّلين، وليس الأمر كذلك. وما على الحُفَّاط إذا جَهِلَ بعضُ النّاس ما عرفوا، فالمرء عدوُّ (٤) ما جهله، والّذي يقتضي الأدبَ والتَّمييز أنْ يتواضَعَ الإِنسانُ لِمَنْ هو أعرفُ منه بالفَنِّ، ولا يتجاسرَ على القدحِ عليه، فإنْ لاح له وجهٌ في القدح، وتبيَّن أنه لازمٌ، تكلّم بما يعلم، ولا حَرَجَ والله أعلم.
الوهم الحادي عشر: ذكر السيِّد أنَّ الوليد مذكورٌ في غير " سُننِ أبي داود " من كتب الحديث، وهذا الوهم أفحشُ مِنَ الذي قبلَه، فإنْ كانَ السيِّدُ يُرِيدُ أنّهُ مذكور في سائر الصحاح بالرِّواية عنه، وتصحيح (٥) الحديث مِنْ طريقه، فقد قال بِمَا لا يعلم، ولو توقَّر حتّى يدري، وقدَّر قبل أن يَفْرِيَ، لَعَلِمَ (٦) أنّ القومَ ما رَوَوْا عنه حديثًا واحدًا لا أصلًا ولا شاهدًا، فإن كان يُريد أنّهُ مذكورٌ فيها غير مروي عنه، فَنَعَمٌ، هو مذكورٌ فيها بأنَّه شَرِبَ الخمر، وحُدَّ في شُربها، وليس مذكورًا (٧) فيها بالعدالة، والاستناد إليه
_________________
(١) في (ش): وقد.
(٢) في (ش): وظن.
(٣) تحرف في (ب) إلى: يعملون.
(٤) تحرف في (ش) إلى " عدوا ".
(٥) في (ش): ويصح.
(٦) تحرف في (ب) إلى " العلم ".
(٧) في (ش): " مذكور "، وهو خطأ.
[ ٣ / ٢٧٨ ]
الوهم الثاني عشر: أن ابن عمرو كان مع معاوية حتى قتل عمار، فلزم نفسه من غير توبة
في الرواية، وأيُّ ذنبٍ له في مجرَّد ذكره، وما وجهُ الاعتراضِ بسطره (١)، وقد ذكر اللهُ في كتابه الكريم أبا لهبٍ وأمرأتَهُ حَمَّالة الحطب.
وقد قال إمامُ أهلِ (٢) الحديث ابنُ عبد البر في ترجمة الوليد في كتاب " الاستيعاب " (٣) بعد جرحه له: إنَّه لم يَرْوِ سُنَّةً يُحتاجُ فيها إليه بهذا اللفظ، وهو نَصٌّ في موضعِ النِّزاع، وللهِ الحمدُ والمِنَّةُ.
الوهم الثّاني عشر: أنَّ عبدَ الله بنَ عمرٍو كان مع معاوية حتى قُتِلَ عمار، فَلَزِمَ نفسَه من غير توبة.
أقول: أمّا أنْ يُريدَ السيدُ من غير توبةٍ في معلوم اللهِ، ويقطع أنّهُ ما تابَ لا باطنًا ولا ظاهرًا، فهذا يحتاجُ إلى وحيٍ وتنزيل، أو يُريد من غير أن يتلفَّظ بالتَّوبة ويقول: اللَّهُمَّ إنِّي إليك منَ التَّائبين النَّادمين في الماضي، العازمين على التَّرك في المستقبل، ونحو ذلك مِنَ العبارات، فلا يخلو: إمَّا أن يعتقِدَ أن التَّلَفُّظَ بذلِك مِنْ أركان التَّوبة، فهذا غفلة (٤) عظيمة، أو يعتقد أنَّ ذلك واجبٌ على كُلِّ عاصٍ، فهذا أعظم، فما زال النّاسُ يَرْجِعُونَ مِنَ الكُفر إلى الإسلام في زمانِ رسول الله - ﷺ -، فلا يأمُرُهُمْ بالتَّلفُّطِ بالتَّوبة، وإنَّما الواجبٌ على العاصي أن يُظْهِرَ قرينةً ظَنِّيِّة تَدُلُّ على ندمِهِ على ما كان منه، وعزمِهِ على مجانبته، وقد تكون تلك (٥) القرينةُ مِنْ قوله، وتكون مِنْ فعله، فأمّا التَّوبة نفسُها، فمحلُّها القلبُ، وهي مجموع
_________________
(١) في (ش): " بصدده "، وكتب فوقها: " بذكره ".
(٢) ساقطة من (ب) و(ش).
(٣) ٣/ ٣٣٦.
(٤) ساقطة من (ش).
(٥) ساقطة من (ش).
[ ٣ / ٢٧٩ ]
النَّدم والعزم، وليس يصحُّ ظهُورها في نفسها، إنَّما يجب إظهارُ قرينة ظَنِّيّة تَدُلُّ عليها، وإنَّما قلنا: إنّها تكون ظَنِّيَّةً؛ لأنَّه لا سبيل إلى العلم بتوبته، وإن صرح بذلك، لأنّ التَّوبة مِنْ أفعالِ القُلُوبِ، ومِنَ الجائِزِ أنْ يُظْهِرَ التَّوبة، ويصرِّحَ بها، وليس كذلِكَ عندَ نفسه، وفي باطن أمره، وإذا (١) كان القولُ الصَّريحُ لا يُفيدُ إلا الظَّنَّ، فالفعلُ مع القرائن يُفِيدُ ظنَّ التَّوبة أيضًا.
مثالُ ذلك رجوع الزبير عن حربِ علي ﵇ حين سَمِعَ الحديثَ " لَتُقَاتِلَنَّهُ وأنْتَ لَهُ ظَالِمٌ " (٢) فإنَّهُ (٣) لمّا سمعه (٤)، ترك الحربَ، ولم يتلفَّظ بالتَّوبةِ (٥) والاعتذارِ، فحَكَمَ الأئمَّةُ والعلماءُ بتوبته مِنْ غير أنْ يُنْقَلَ عنه تلفُّظ بالتَّوبة (٦) والاستغفار.
_________________
(١) في (ب): وإن.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في " المصنف " ١٥/ ٢٨٣ - ٢٨٤ عن يزيد بن هارون، عن شريك بن عبد الله القاضي، عن الأسود بن قيس، حدثني من رأي الزبير يقعص الخيل بالرمح قعصًا، فثوب به علي: يا أبا عبد الله، يا أبا عبد الله، قال: فأقبل حتى التقت أعناقُ دوابِّهما، قال: فقال له علي: أنشدُك بالله، أتذكرُ يومَ أتانا النبي - ﷺ - وأنا أُناجيك، فقال: أتُناجيه، فواللهِ ليقاتلَنَّكَ يومًا وهو لك ظالمٌ، قال: فضربَ وجهَ دابته وانصرفَ. وهذا سند ضعيف. شريك بن عبد الله: سيىء الحفظ، والذي أخبر بالقصة مجهول. وأخرجه الحاكم ٣/ ٣٦٦ من طريق آخر عن أبي حرب بن أبي الأسود الديلي قال: شهدتُ الزبيرَ خَرَجَ يُريدُ عليًا، فقال له علي: أنشدُك الله، هل سمعت رسول الله - ﷺ - يقولُ: تقاتلُهُ وأنتَ له ظالمٌ؟ فقال: لم أذكرْ، ثم مَضَى الزبيرُ منصرفًا. وصححه الحاكم، ووافقَهُ الذهبيُّ، مع أن في سنده عبد الله بن محمد بن عبد الملك الرقاشي، وفد قال فيه البخاري وأبو حاتم: فيه نظر، وشيخه فيه عبد الملك بن مسلم لين الحديث. وله طرق أخرى في " المطالب العالية " (٤٤٦٨) و(٤٤٦٩) و(٤٤٧٠)، وكلها ضعيفة.
(٣) في (ش): وإنه.
(٤) في (ش): سمعها.
(٥) ساقطة من (ش).
(٦) في (ش): التوبة.
[ ٣ / ٢٨٠ ]
وكَذلِكَ عبدُ الله بنُ عمرو تَرَكَ ما كان عليه حين قُتِلَ عمّارُ بن ياسر ﵁ (١)، فظهر أنَّه كان متأوِّلًا شاكًّا، فلمَّا استيقن أنّهم بُغَاةٌ عُصاةٌ، رجع مختارًا إلى الله تعالى مِنْ غير اضطرارٍ، ولا إكراهٍ.
وكذلك عائشة وطلحة قد تمسَّكُوا في توبتهم بما ليس بصريح (٢) في التوبة، أمّا طلحةُ فيقول (٣): ما رأيت مصرعَ شيخٍ قرشِيٍّ أضلَّ مِنْ مصرعي هذا، وأمّا عائشة، فإنَّها كانت (٤) إذا ذكرت ذلك بكت حتى تَبُلَّ خِمَارَهَا (٥)، ونحو ذلِكَ، وهذا كُلُّه محتمل، فليس اعترافُ طلحةُ بقُبح فعله يَدُلُّ على صريح التَّوبة، ولا بكاءُ عائِشَةَ بنفسه يدلُّ على أنَّه كان لأجل قبحِ (٦) المعصية.
وكذلك أسامَةُ بنُ زيدٍ، فإنّهُ لمَّا قَتَلَ الرجل المسلم، وجاء إلى النَّبِيِّ - ﷺ - وأخبره بذلِك، وَعَظَّمَ (٧) ذلِكَ عليه رَسُولُ الله - ﷺ -، فلم يَزِدْ أسامةُ على أنْ حلف لا قَتَلَ بَعْدَ ذلِكَ مَنْ قال: لا إلهَ إلا اللهُ (٨). وهذا
_________________
(١) انظر ص ٢١٥ من هذا الجزء.
(٢) في (ب): بصحيح ولا صريح.
(٣) في (ش): فبقوله.
(٤) ساقطة من (ب).
(٥) انظر " سير أعلام النبلاء " ٢/ ١٧٧.
(٦) في (ش): كان بقبح.
(٧) في (ش): فعظم.
(٨) أخرج البخاري (٤٢٦٩)، ومسلم (٩٦) من حديث أسامة بن زيد يقول: بعثَنا رسولُ الله ﷺ إلى الحُرقة، فصبَّحنا القومَ فهزمناهم، ولحقتُ أنا ورجلٌ من الأنصار رجلًا منهم، فلمَّا عَشيناه، قال: لا اله إلا الله، فكفَّ الأنصاريُّ، فطعنتُه برمحي حتى قتلته، فلمَّا قَدِمنا، بَلغْ النبيَّ - ﷺ -، فقال: " يا أسامةُ، أقتلتهُ بعدما قال: لا إله إلا اللهُ؟ " قلتُ: كان متعوِّذًا، فما زال يُكرِّرُها حتى تَمَنَّيْتُ أني لم أكنْ أسْلَمْت قبلَ ذلك اليومِ. وأخرج مسلم (٩٧) من حديث جندب بن عبد الله البجلي قال: إن رسول الله - ﷺ - بعثَ بعثًا مِنَ المسلمين إلى قومٍ من المشركين، وإنهم التَقَوْا، فكان رجلٌ من المشركين إذا شاء أن =
[ ٣ / ٢٨١ ]
إخبارٌ بالعزم، ولم يُخْبِرْ بالنَّدم، ولا بأنَّه فعل ذلِكَ لأجل قبْحِ المعصية، فَمِنَ الجائز أنَّه فعل ذلِكَ لئَلاَّ يغْضَبَ عليه رسُولُ الله - ﷺ -، فهذا وأمثالُه مِنَ التَّجويزات الباردة الّتي لا تقبلُها قُلُوبُ الفُضَلاء، ولا تتمكَّنُ في نفوسِ أهلِ التَّقوى ممّا لا يقدح في توبَةِ التّائبين، فإنّا لو فتحنا هذا البابَ، لم نَحْكُمْ بتوبَةِ أكثَرِ الصَّحابَةِ مِنْ محضِ الكُفر.
وعبد الله بن عمرو كانَ من عُبَّادِ الصَّحابة، وقد كان يقوم اللَّيْل كُلَّه، ويصومُ الدَّهر، ويَخْتِمُ في كُلِّ يومٍ ختمةً حتَّى نهاهُ رسول الله - ﷺ - عن ذلك، وأمره بالرِّفْقِ بنفسه، وقال (١). " صُمْ منْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثًا " (٢)، فقال: أنا أقوى مِنْ ذلِك، فما زال يُنَازِلُهُ حتى قال له: "صُمْ يَوْمًا وَأفْطِرْ
_________________
(١) = يقصد إلى رجل مِنَ المسلمين قَصَدَ له فقتَلَه، وإنَّ رجلًا من المسلمين قَصَدَ غَفْلَتَه، قال: وكُنَّا نُحَدّثُ أنَّه أسامةُ بن زيد، فلمَّا رَفَعَ عليه السيفَ، قال: لا إلهَ إلا اللهُ، فقتَلَه، فجاءَ البشيرُ إلى النبيِّ - ﷺ -، فسأله، فأخبره، حتى أخبره خبرَ الرجلِ كيف صنَعَ، فدعاه، فسأله، فقال: " لِمَ قَتَلْتَه "؟ قال: يا رسولَ الله أَوْجَعَ في المسلمين، وقَتَل فُلانًا وفلانًا، وسمَّى له نَفَرًا، وإني حَمَلْتُ عليه، فلمَّا رأي السيفَ، قال: لا إله إلا الله، قال رسولُ الله - ﷺ -: " أقتلتَه؟ " قالَ: نعم، قال: " فكيف تصنعُ بلا إله إلا الله إذا جاءت يومَ القيامةِ؟ " قال: يا رسولَ اللهِ، استغفرْ لي، قال: " وكيف تصنعُ بلا إله إلا اللهُ إذا جاءت يومَ القيامةِ؟ " قال: فجعلَ لا يزيدُه على أن يقول: " كيفَ تَصنعُ بلا إلهَ إلا الله إذا جاءت يوم القيامةِ؟ ". وأورد الذهبي في " السير " ٢/ ٥٠٥ من طريق ابن إسحاق، حدثني محمد بن أسامة بن محمد بن أسامة، عن أبيه، عن جده أسامة، وفيه: فقلت (القائل أسامة): إنِّي أعطي الله عهدًا ألا أقتل رجلًا يقول: لا إله إلا الله أبدًا، فقال النبي - ﷺ -: " بعدي يا أسامةُ؟ " قال: بَعْدَكَ. ونقل الحافظ في " الفتح " ١٢/ ١٩٦ عن ابن بطال قال: كانت هذه القصة سببَ حلف أسامة أن لا يقاتل مسلمًا بعد ذلك، ومن ثم تخلف عن علي في الجمل وصفين. قلت (القائل ابن حجر): وكذا وقع في رواية الأعمش المذكورة " مسلم (٩٦) " أن سعد بن أبي وقاص كان يقول: لا أقاتل مسلمًا حتى يقاتله أسامة.
(٢) في (ش): وقال له.
(٣) في (ش): ثلاثة أيام.
[ ٣ / ٢٨٢ ]
يَوْمًا"، فقال (١): أنا أقوى مِنْ ذلِك، فلم يأذن له ﵊ في أكثرَ مِنْ ذلِك، وقال: " لا أفْضَلَ مِنْ ذلِكَ " (٢).
وأمره ﵇ أن يختم في الشَّهر خَتمة، فقال: أنا أقوى مِنْ ذلك، فما زال ينَازِلُهُ حتَّى أمره أن يختم في كُلِّ ثلاثة أيّام ختمة، فقال: أنا أقوى منْ ذلك، فلم يأذن له ﵇ أن يختم في أقل مِنْ ذلِكَ (٣)، وقد مدحه رسول الله - ﷺ - وقال: " نِعْمَ الرَّجُل عَبْد اللهِ " (٤)، ولم يكن عبدُ اللهِ مِنْ طرازِ معاوية وأتباعِهِ من الدُّنْيَوِيين، وإنَّما كانت مِنْهُ تلك الهفْوَة بسبب البِر بأبيه، فإنّ أباه ذَكَّره أنّ رسول الله - ﷺ - أمره أن يُطِيعَهُ (٥)، فذكر ذلك، فقال له أبُوه: فأطعني، فأطاعه في مُجَرَّدِ المسايرة لهم من غير أن يُريق دمًا، ولا يَسُلَّ سيفًا، ثُمَّ عصمه اللهُ تعالى مِنْ ذلِك، وتداركه بالتَّوبة، فمَنْ
_________________
(١) في (ش): فقال له.
(٢) أخرجه البخاري (١٩٧٦)، ومسلم (١١٥٩).
(٣) أخرجه البخاري (١٩٧٨) من طريق شعبة، عن مغيرة، سمعت مجاهدًا عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: " صُمْ مِنَ الشهرِ ثلاثةَ أيامٍ "، قال: أُطيقُ أكثرَ من ذلك، فما زال حتى قال: " صُمْ يومًا وأَفْطرْ يومًا "، فقال: " اقرأ القرآن في كُلِّ شَهْرٍ "، قال: إني أُطيقُ أكثر، فما زالَ حتى قال: " في ثلاثٍ ". وانظر البخاري (٥٠٥٢)، ومسلمًا (١١٥٩) (١٨٢) ففيه: " فاقرأه في سبع ولا تزد على ذلك ".
(٤) أخرجه أحمد في " المسند " ١/ ١٦١ و" فضائل الصحابة " (١٧٤٣) من طريق وكيع، عن نافع بن عمر، وعبد الجبار بن ورد، عن ابن أبي مليكة قال: قال طلحة بن عبيد الله: سمعتُ رسولَ الله - ﷺ - يقولُ: " نِعْمَ أهلُ البيت عبد الله، وأبو عبد الله، وأم عبد الله ". وهذا سند رجاله ثقات، إلا أنَّه منقطع، فإنَّ ابن أبي مُليكَةَ -واسمه عبد الله بن عبيد بن عبد الله- لم يدركْ طلحةَ، فإنَّ طلحَة قُتِلَ يوم الجمل سنة ٣٦ هـ، وابن أبي مليكة مات سنة ١١٧ فبين وفاتيهما ٨١ سنة. وعبد الله: هو ابن عمرو بن العاص، وأمُّه ريطةُ بنت منبه بن الحجاج بن عامر السهمية، أسلمت وبايعت.
(٥) هو في " المسند " ٢/ ١٦٤ و٢٠٦، و" طبقات ابن سعد " ٣/ ٢٥٣، و" مصنف ابن أبي شيبة " ١٥/ ٢٩١ - ٢٩٢، وفيه: " فأنا معكم ولستُ أقاتل ". وقد تقدم بتمامه.
[ ٣ / ٢٨٣ ]
الوهم الثالث عشر: قال: ومنهم أبو موسى الأشعري نزع عليا الذي ولاه الله ورسوله
هذِهِ حالُهُ إذا قارف ذنبًا على جهة التّأويل، ثم عَلِمَ قُبْحَهُ، فأسرع إلى مفارقة ذنبه، فاستمرَّ على نحيبه حتَّى ماتَ، كيف (١) يقال إنَّه مُصِرٌّ على محضِ الفُسوقِ (٢)، خارجٌ من ولاية الله تعالى، ولو قدَّرنا أنّها لم تصحّ توبتُه، بل إنَّه استمرَّ على المعصية، لكان مقبولًا في الرِّواية، فإنّه من المتديِّنين المتأوِّلين، وهو نظيرُ السَّجَّاد ابن طلحة بنِ عُبَيْدِ الله الذي قال فيه عليٌّ ﵇: قتله بِرُّهُ بأبيه (٣).
الوهم الثالث عشر: قال: ومنهم أبو موسى الأشعري نَزَعَ عليًا الّذي ولّاه الله ورسوله، إنَّه على الله لجريءٌ، وأقام معاوية بن أبي سفيان القدري.
أقول: أمّا نزعُهُ لعليٍّ ﵇ فصحيحٌ عنه، وقبيحٌ منه.
وأمَّا قوله: إنَّه أقام معاوية، فوهمٌ فاحشٌ، لا يجهلُه مَنْ لَهُ أدنى
_________________
(١) ساقطة من (ب).
(٢) في (ش): الفسق.
(٣) هو محمد بن طلحة بن عبيد الله، لُقب بالسَّجَّاد لعبادته وتألهه، وُلد في حياة النبي - ﷺ -، وقُتِلَ يوم الجملِ وهو شابٌ. قال مصعب الزبيري في " نسبِ قريش " ص ٢٨١: وكان طلحةُ أَمرَهُ يوم الجمل أن يتقدمَ باللواء، فتقدمَ ونثل درعه بينَ رجليه، وقام عليها، فجعل كلما حمل عليه رجلٌ، قال: نشدتُك بـ " حم "، فينصرفُ الرجلُ عنه حتى شدَّ عليه رجلٌ من أسد بن خزيمة يقال له: جرير، فنشده محمدٌ بـ " حم "، فلم يَثنِه ذلك، ففي ذلك يقولُ الأسدي: وأشعثَ قوَّامٍ بآيات ربِّه قليلِ الأذَى فيما تَرَى العينُ مُسلِم ضَمَمتُ إليه بالسِّنانِ قميصَه فخَرَّ صَرِيعًا لليَدَيْنِ وللفَمِ على غيرِ شيءٍ غيرَ أنْ ليس تابعًا عليًا ومنْ لا يتْبَع الحقَّ يُظلم فذكَّرَني حاميم والرمحُ شاجرٌ فهَلاَّ تلا حاميمَ قبل التَّقَدُّمِ فمر به علي ﵁ في القتلى، فقال: السَّجَّاد وربِّ الكعبة، هذا الذي قتله بِرُّ أبيه.
[ ٣ / ٢٨٤ ]
تمييزٍ بعلمِ التَّاريخ، فإنَّه خَلَعَ معاويةَ أيضًا، وكان غرضُه أن يُقيم عَبْدَ الله بنَ عمر بن الخطاب، وقد كان تواطأ على هذا هو وعمرو بن العاص، فغدره عمرو، فلم يَخْلَعْ معاوية وعليًا كما خلعهما أبو موسى، بل قرَّر معاوية، فسبَّه أبو موسى، فقال له: إنَّما مَثلُكَ كمثل (١) الكلب.
وقد اشتهر في التَّاريخ أنَّ عليًا ﵇ لمَّا حكم أبا موسى كتب إليه معاوية: أما بعد، فإنَّ عمرو بن العاص قد بايعني على ما أُرِيدُ، وأُقْسِمُ بالله لئن بايعتني على ما أُريد (٢) لأستعملنَّ أحدَ ابْنَيْكَ على البصرة، والآخرَ على الكوفة، ولا يُغْلقُ دونَك بابٌ، ولا تُقضى دونك حاجة، وقد كتبتُ إليك بخطِّي، فاكتب إليَّ بخط يدك (٣)، فكتب إليه: أمَّا بعدُ، فإنَّك كتبت إليَّ في جسيمِ أمرِ الأمَّة، فماذا أقول لربِّي إذا قَدِمْتُ عليه؟ وليس لي فيما عرضتَ عليَّ حاجة (٤).
إذا عرفت هذا، فأبو موسى من جملة المتأوِّلين بغير شَكٍّ، وذنبه في هذا دون ذنوب (٥) الخوارج لا يمنع مِنْ قبول الرِّواية، فقد كان متعبِّدًا متزهِّدًا قوامًا صوَّامًا، وقد تولَّى البصرة، فلم يخرج منها إلا بستِّ مئة درهم، وكان خراجُها عشرةَ آلافِ ألفٍ وأربعَ مئةِ ألفٍ، وحديثُه في " علوم آل محمد "، مِنْ ذلك في باب الكفّارات في أواخره.
_________________
(١) في (ش): مثل.
(٢) " على ما أريد " ساقطة من (ب).
(٣) في (ش): بخطِّك.
(٤) أخرجه ابن سعد في " الطبقات " ٤/ ١١١ - ١١٢ من طريق عفان بن مسلم، وعمرو ابن عاصم الكلابي، ويعقوب بن إسحاق الحضرمي، ثلاثتُهم عن سليمان بن المغيرة، عن حميدِ بني هلال، عن أبي بردة قال: قال أبو موسى وهذا سند صحيح.
(٥) ساقطة من (ش).
[ ٣ / ٢٨٥ ]
وقد روي عن حذيفة أنَّه تكلَّم في نفاقه. رواه الشِّعبي، وقال: حدثناهم بغضب أصحاب محمد فاتخذوه دينًا (١).
وعندي أنَّ هذا لا يقدح في روايته، فحذيفةُ -وإن كان صاحبَ العِلْمِ بالمنافقين- إلا أنَّه -من غير شكٍّ- ما أخذ العلم بالمنافقين إلاَّ مِنْ رسول الله - ﷺ -، ورسولُ الله - ﷺ - قد (٢) قال في أبي موسى: " إنَّهُ مسلمٌ منيبٌ " رواه مالك بن مغول وغيرُه عن ابنِ (٣) بريدة، عن أبيه بريدة (٤) عنه - ﷺ - (٥).
_________________
(١) أخرجه يعقوب بن سفيان في " تاريخه " ٢/ ٧٧١ ومن طريقِ ابنِ عساكر ٥٣٨ عن ابن نمير، حدثني أبي، عن الأعمش، عن شقيق قال: كنا مع حذيفة جلوسًا، فدخلَ عبدُ الله، وأبو موسى المسجدَ، فقال: أحدُهما منافق، ثم قال: إن أشبهَ الناسِ هَدْيًا ودَلًا وسَمْتًا برسولَ الله - ﷺ - عبد الله. وأورد الإمامُ الذهبيُّ في " السير " ٢/ ٣٩٤ في ترجمة أبي موسى، وعقب عليه بقوله: ما أدري ما وجهُ هذا القولِ، سَمِعَهُ عبد الله بن نمير منه (أي: من الأعمش) ثم يقول الأعمش: حدثناهم بغضبِ أصحاب محمد - ﷺ - فاتَّخذوهُ دينًا. فقولُ المؤلفِ -﵀-: " رواه الشعبي " وهمٌ منه، صوابُه الأعمش. ثم قال الذهبيُّ: قال عبدُ الله بن إدريس: كانَ الأعمشُ به ديانةٌ من خشيته. قلت (القائل الذهبي): رُمي الأعمشُ بيسير تشيعٍ، فما أدري. قلت: رجالُ السندِ ثقاتٌ، فإن صَحَّ هذا الخبرُ عن حذيفة، ولا إخالُه يصح، فإنه قد أخْطأَ في حَقَِ هذا الصحابي الجليل الذي استعملَه النبيُّ - ﷺ - هو ومعاذ بن جبل على اليمنِ، وولي للخليفتين عمر وعثمان، وشَهِدَ له فضلاء الصحابة بوفور عقله، واستقامة سيرته، وورَعِه، وفضلِه، على أن قول الأعمش يُفهم منه أن حذيفةَ إنما قالَ ذلك في حالة الغضبِ التي يقول فيها الإنسان كلامًا لا يعتقد أحقيتَه إذ رُوجِعَ حينَ يسكت عنه الغضبُ، ولا يتعلق بما يقالُ في مثل هذه الحالة إلا الذين في قلوبهم مرضٌ.
(٢) من قوله: " ورسول الله " إلى هنا ساقط من (ب).
(٣) في (ش): " أبي "، وهو تحريف.
(٤) " عن أبيه بريدة " ساقطة من (ش).
(٥) أخرجه أحمد ٥/ ٣٤٩، والبغوي في " شرح السنة " (١٢٥٩)، وإسناده صحيح، من طريق عثمان بن عُمر الضبي، حدثنا عمرو بن مرزوق، أخبرنا مالك بن مِغْول، حدثنا عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: دخلتُ مع رسولِ اللهِ - ﷺ - المسجدَ ويدي في يده، فإذا رجلٌ =
[ ٣ / ٢٨٦ ]
ومن أوضح (١) الأدلَّةِ على هذا (٢): أنَّه كان يُفتي، و(٣) يقضي في مسجد رسول الله - ﷺ - وبلدتِه في حياته، وبَعْدَ وفاته، وقد ولاَّه رسولُ الله - ﷺ - اليَمَنَ، وولَّاه على (٤) القضاءِ في اليمن، ولو كان منافقًا لم يُوَلِّه ذلك، ولا يتركُه يُفتي، فقد كانت حال (٥) المنافقين معروفةً في زمانه ﵇، وكانوا أحقرَ منْ أنَّ يُؤتَمَنُوا على قضاء المسلمين، وفتياهم، وولايتهم (٦). ولو كان منافقًا، لاغتنم الفُرصة حين حكَّمه عليٌّ ﵇، ولبايع معاويةَ على ما شاء، وقبِلَ (٧) منه ذلك العطاء، ولو كان كذلك، لما اختار عبدَ الله بن عمر للخلافة، فعبدُ الله بن عمر كان من أهل التَّحرِّي، والمنافقُ لا يحبُّ إلاَّ أهل الفُسوق والجُرأة.
وقد روى ابن بطَّال في " شرح البخاري " في الكلام على الخوارج:
أنَّ عليًَّا ﵇ سُئل عنهم: أكفَّارٌ هم؟ فقال: مِنَ الكُفر فرُّوا، قيل له: فمُنافِقُون؟ قال: المنافقون لا يذكرون اللهَ إلاَّ قليلًا، وهم يذكرون
_________________
(١) = يُصَلِّي يقول: اللهُمَّ إني أسألُكَ بأنك أنت اللهُ، الواحدُ، الأحدُ، الصمدُ، الذي لم يَلِدْ ولم يُولدْ، ولم يكن له كُفُوًا أحدٌ، قال: فقال رسولُ الله - ﷺ -: " دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا سُئل به أعطى، وإذا دُعِيَ به أجاب " فلمَّا كانت الليلةُ الثانية دخلتُ مع رسول الله - ﷺ - المسجدَ، قال: فإذا ذلك الرجلُ يقرأُ، قال: فقال لي رسول الله - ﷺ -: " أتُراه مُرائيًا " ثلاث مرات، قال: فقال رسولُ اللهِ - ﷺ -: " بل هو مؤمنٌ منيبٌ، عبدُ اللهِ بن قيس، أو أبو موسى أُوتيَ مِزْمارًا من مزامير آل داود " قال: قلتُ: يا نبي الله، ألا أبَشِّرُهُ؟ قال: " بلى "، فبشرتُه، فكان لي أخًا.
(٢) في (ش): أصح.
(٣) " على هذا " ساقطة من (ش).
(٤) في (ش): أو.
(٥) لم ترد في (ش).
(٦) في (ش): حالة.
(٧) في (ش): وولاتهم.
(٨) في (ش): ولقبل.
[ ٣ / ٢٨٧ ]
الله ذِكرًا كثيرًا (١).
وقد ذكر الفقيه حميد (٢) في " عمدة المسترشدين ": أن هذا أشهرُ
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في " المصنف " ١٥/ ٣٣٢ من طريق يحيى بن آدم، عن مفضل بن مهلهل، عن الشيباني (هو سليمان بن أبي سليمان) عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: كنت عند علي، فسئل عن أهلِ النهرِ أَهُمْ مشركونَ؟ قالَ: مِن الشَّركِ فَرُّوا، قيل: فمنافقونَ هُم؟ قالَ: إنَّ المنافقين لا يَذْكُرون اللهَ إلا قليلًا، قيل له: فما هُم؟ قال: قومٌ بَغَوْا علينا. وهذا سند صحيح على شرط مسلم. وأخرجه البيهقي ٨/ ١٧٤ من طريق حميد بن زنجويه، حدثنا يعلى بن عبيد، حدثنا مسعر، عن عامر بن شقيق، عن شقيق بن سلمة قال: قال رجلٌ: من يتعرف البغلة يوم قُتل المشركون، يعني أهل النهروان، فقال علي بن أبي طالب: من الشركِ فَرُّوا، قال: فالمنافقون، قال: المنافقون لا يذكرونَ اللهَ إلا قليلًا: قال: فما هم؟ قال: قومٌ بَغَوْا علينا، فنُصرنا عليهم. وعامر بن شقيق: فيه لين، لكن يشهد له ما قبله، فيتقوى به. وأخرجه عبد الرزاق في " المصنف " (١٨٦٥٦) عن معمر، عمَّن سَمِعَ الحسن قال: لما قَتَلَ عليٌّ ﵁ الحروريَّة، قالوا: منْ هؤلاء يا أميرَ المؤمنين؟ أكفارٌ هُم؟ قال: من الكفر فرُّوا، قيل: فمنافقين؟ قال: إنَّ المنافقينَ لا يذكرون الله إلا قليلًا، وهؤلاء يذكرون اللهَ كثيرًا، قيل: فما هم؟ قال: قومٌ أصابَتْهم فتنةٌ، فَعَمُوا فِيها وصَمُّوا. وأخرج ابن أبي شيبة ١٥/ ٢٥٦، ومن طريقه البيهقي ٨/ ١٨٣ عن يزيد بن هارون، عن شريك، عن أبي العنبس، عن أبي البختري قال: سُئل علي عن أهل الجمل قال: قيل: أمشركون هم؟ قال: من الشركِ فرُّوا، قيل: أمنافقون هم؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلًا، قيل: فما هم؟ قال: إخوانُنا بَغوْا علينا. ﵁، ما أنصفك في حق خصومك، وما أصلحك، وما أعدلك وما أكرمك. ملكنا فكان العدلُ منا سجيةً ولما ملكتُم سال بالدَّم أبطحُ
(٢) هو حُميد بن أحمد المحلي الهمداني، أبو عبد الله حسام الدين، المعروف بالقاضي الشهيد، المتوفى سنة ٦٥٢ هـ. مؤرخ، فقيه، زيدي، يماني، من أهل صنعاء، كان من كبار أصحاب الإمام المهدي أحمد بن الحسين القاسمي، وحضر معه معركة الحُصَبات بينه وبين المظفر الرسولي يوسف بن عمر، فاستشهد القاضي بها. قتله الأشراف بنو حمزة، له كتب، منها: " الحدائق الوردية في سير الأئمة الزيدية - خ " جزآن، مصوران في معهد المخطوطات، ومنه نسخة في مكتبة الجامع بصنعاء، والمتحف البريطاني (الرقم ٣٨١٢)، ومنه الأول في الأمبروزيانة، و" محاسن الأزهار في فضائل العترة الأخيار - خ " ١٤٠ ورقة منه في مكتبة الجامع بصنعاء، وبالمتحف البريطاني (الرقم ٣٨٢٠) جعله شرحًا لقصيدة من نظم الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة، و" مناهج الأنظار العاصمة من الأخطار - خ " في =
[ ٣ / ٢٨٨ ]
الرِّوايتين عنه ﵇ في عدم تكفير الخوارج.
وذكر ابنُ بطال: أنَّه مرويٌّ عنه مِنْ طُرُقٍ.
وذكر البيهقي (١): أنَّه ردَّ عليهم أموالهم مِنْ طرق، ولم يذكرا (٢) قط (٣) الرواية الأخرى.
وهذا غايةُ الورع والإنصاف مِنْ أميرِ المؤمنين ﵇، وكذلك فلتكُن المَنَاقِبُ، فإذا تقرَّر نفيُ أميرِ المؤمنين النِّفاق عنهم، فأبو موسى أحقُّ بذلك منهم، فإنَّه لم يُشاركهم في عظائمهم الفاحشة مِنْ حربِ أميرِ المؤمنين، وتكفيرهِ (٤)، والإعلانِ بالبراءة منه، والإصرارِ على ذلك، والدُّعاء إليه، وكان مِنَ حُفَّاظ كتاب الله، والذَّاكرين الله كثيرًا مع قُبْحِ ما صنع، وكراهتِنا لِمَا صنع، ووُجوب البراءة ممَّا صنع، ولكن ليسَ منْ أساء وأحسن كَمَنْ أساء ولم يُحْسِنْ، وقد مَيَّزَ الله تعالى في كتابه الخالطين (٥) بِحُكْمٍ مفردٍ، واختلف أهلُ تفسير القرآن فيهم، بل قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَات﴾ [هود: ١١٤]، وليس كلامُنا في تحسينِ ذنبه، وإنَّما كلامُنا في أنَّه مِمَّنْ تُقْبَلُ رِوايتُه مع ذَنْبِهِ لظهور تأويله، وكَثرة حسناتِه مع ذلك الذَّنب، كما ذكره الأئِمَّةُ مِنْ أهلِ البيت، وسائِرِ علماء
_________________
(١) = العقائد وعلم الكلام، وفي خزانة محمد بن إسماعيل المطهر بصنعاء. " الأعلام " ٢/ ٢٨٢ - ٢٨٣. وانظر " فهرس المكتبة الغربية بالجامع الكبير " بصنعاء ص ١٦٧ و٦٦١ و٦٩٥.
(٢) انظر " سنن البيهقي " ٨/ ١٨١ - ١٨٣ باب: أهل البغي إذا فاؤوا لم يتبع مدبرهم، ولم يقتل أسيرهم، ولم يجهز على جريحهم، ولم يستمتع بشيء من أموالهم.
(٣) في (ش): " يذكر "، وفي (ب): " يذكروا ".
(٤) " قط " ساقطة من (ش).
(٥) في (ش): وتكفيره صانه الله عن ذلك.
(٦) في (ش): الخالطين في كتابه.
[ ٣ / ٢٨٩ ]
الإِسلام في الخوارج، وكثير (١) من أهل البدع؛ لأنَّ مبنى الرِّواية على ظنِّ الصِّدق، وعدم التُّهمة بتعمُّدِ الكَذِبِ ونحو ذلك.
وممَّا يُعْرَفُ به صدقُه وُيمْتَحَنُ به حالُه: تتَبُّع أحاديثه كلِّها، والنَّظرُ فيما فيها كما مرَّ في أحاديثِ معاوية، وهل هي منكراتٌ مشتمِلة على ما لم يَرْوِه غيرُه مِنَ الثِّقات أم لا؟، كما هو عادةُ المحدثين، فاعتبرْ ذلك إنْ شئت، والله الموفق.
ولكن لا يَصْلُحُ لذلك إلا أئِمَّةُ الحديث الَّذين يعرفون ما انفرد به ممَّا رواه غيرُه، فإنْ كنتَ منهم، فانتقد واجتهد، وإن لَمْ تكُنْ منهم، فتعلَّم وتفهَّم تَسْتَفِدْ، وهذا مِنْ علوم الحديث هو النَّوعُ المسمى بالتَّتبُّع والاعتبار، ومِنْ مواضع الغلطِ فيه أن يقدح على الرَّجل بما رُوي عنه ممَّا لم تتحقَّقْ صحَّتُه عنه (٢). فاعْرِفْ ذلك.
ولمَّا قَرُبَ موتُه، اجتهد في العبادة اجتهادًا شديدًا، فقيل له: لو أمسكتَ ورفقت بنفسك؟ فقال: إنَّ الخيل إذا أُرْسِلَتْ، فَقَارَبَتْ رأسَ مجراها، أخرجت جَميعَ ما عندها، والَّذي بَقِيَ مِنْ أجلي أقلُّ مِنْ ذلك (٣).
وبالجملة، فلم نعلم (٤) أحدًا من المنافقين استمرَّ على الإِسلام مِنْ
_________________
(١) سقطت الواو من (ب).
(٢) ساقطة من (ش).
(٣) أخرجه ابن عساكر في " تاريخ دمشق " ص ٥٣٤، ونقله الذهبي في " السير " ٢/ ٣٩٣.
(٤) ساقطة من (ش).
[ ٣ / ٢٩٠ ]
أوَّلِ النُّبُوَّة إلى عام أوطاس (١)، فالمنافقُ يَنجُمُ نفاقُه أيَّامَ ضعفِ الإِسلام، وإنَّما كان كما رُوِيَ عن عليٍّ ﵇: صُبغَ في العِلْمِ صبغة، ثمَّ خرج منه، رواه عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن عليٍّ ﵇ (٢)، فخُروجه مِنَ العلم بِمَا فعل مِنْ خلعه لأميرِ المؤمنين، فإنه لا يخلع أمير المؤمنين عالِمٌ. نسألُ اللهَ السلامة والعافية، وربَّما أرادَ حذيفةُ نفاقًا دونَ نفاقٍ، فقد ثبت في " صحيح البخاري " من حديث ابن عمر أنَّ ناسًا قالُوا: إنَّا ندخُلُ على سلطاننا (٣)، فنقول لهم بخلاف ما نتكلَّمُ به إذا خرجنا مِن عندهم، قال ابنُ عمر: كنَّا نَعُدُّ هذا نفاقًا على عهد رسولِ الله - ﷺ - (٤).
ويَعْضُدُه (٥) ما رواه البخاري أيضًا من حديث أنسٍ: إنَّكم لتعملون
_________________
(١) وهو العام الثامن من الهجرة، وكان ذلك بعد فتح مكة، وهي غزوة حنين. وأوطاس وحُنين موضعان بين مكة والمدينة، فسميت الغزوة باسم مكانها، وتُسمى غزوة هَوازن أيضًا، لأنهم الذين أتوا لقتالِ رسول الله - ﷺ -. انظر الخبر عن هذه الغزاة في ابن هشام ٢/ ٤٣٧ - ٥٠٠، وابن سعد ٢/ ١٤٩ - ١٥٨، و" زاد المعاد " ١/ ٣، و" شرح المواهب " ٣/ ٥ - ٢٨.
(٢) أخرجه يعقوب بن سفيان في " تاريخه " ٢/ ٥٤٠ من طريق عمر بن حفص بن غياث، عن أبيه، حدثنا الأعمش، حدثني عمرو بن مرة، عن أبي البختري قال: سُئل علي عن أصحاب محمد - ﷺ -، فقال: عن أيِّهم تسألوني؟ قالوا: عن عبد الله، قال: علم القرآن، وعلم السنة، ثم انتهى وكفي به علمًا، فقالوا: أخبرنا عن أبي موسى؟ قال - ﷺ -: صُبغ في العلم صبغًا، قالوا: أخبرنا عن حذيفة؟ قال: أعلمُ أصحاب رسول الله - ﷺ - بالمنافقين، قالوا: حدثنا عن أبي ذر؟ قال: وَعَى علمًا عجز عنه، قالوا: حدثنا عن سلمان؟ قال: عن لقمان الحكيم تسألوني، عَلِمَ عِلْمَ الأولى والآخرة، بحرًا لا يدرك قعره، وهو منّا أهلَ البيت، قالوا: حدثنا عن نفسك؟ قال: كنت إذا سئلتُ أعطيتُ، وإذا سكت ابتدأت.
(٣) في (ش): سلاطيننا.
(٤) أخرجه البخاري (٧١٧٨) في الأحكام، باب: ما يكره من ثناء السلطان، وإذا خرج قال غير ذلك.
(٥) في (ش): يعضده أيضًا.
[ ٣ / ٢٩١ ]
أعمالًا هي أَدَقُّ في أعينكم مِنَ الشَّعر كُنَّا نَعُدُّها على عهد رسول الله - ﷺ - مِنَ المُوبِقاتِ (١).
وروى أحمدُ في " المسند " (٢) مثلَه عن أبي سعيد الخدري.
وروى الحاكم في آخر التوبة مثله عن عبادة (٣)، وفي الفتن نحو ذلك عن ابن مسعود (٤) فهذا ونحوُه يدخله احتمالُ التَّأويل بالتقية ونحو ذلك، وتقع فيه الهفوة مع النَّدم والاستغفار مِنَ الأكثرين، والله سبحانه أعلم.
وأمَّا رواية أبي موسى، فمن جملة رواية (٥) غيره من أهل التَّأويل، وقد رُوِيَ أنَّه تاب بعد ذلك، ورضي عنه ﵇، ونرجو صحَّة ذلك ببركةِ صُحْبَةِ رسول الله - ﷺ -.
الوهم الرابع عشر: أنَّه قدح على أهل الحديث بقول رسول الله
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٤٩٢) في الرقاق، باب: ما يتقى من محقرات الذنوب، وهو في " المسند" ٣/ ١٥٧.
(٢) ٣/ ٣ من طريق عبد الملك بن عمرو، حدثنا عمار بن راشد، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري.
(٣) هو عُبادة بن قرط أو قرص بن عروة بن بجير بن مالك الضبي، نزل البصرة، قال ابن حبان: له صحبة، والصحيح أنَّه ابنُ قرص بالصاد، ذكره البخاري عن علي بن المديني، عن رجل من قومه. وهو في " المستدرك " ٤/ ٢٦١ - ٢٦٢ من طريق عبدان، عن سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي قتادة قال: قال عبادة وصححه، ووافقه الذهبي. وأخرجه الطيالسي (١٣٥٣) من طريق قرة وسليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال، به. وأخرجه أحمد ٣/ ٤٧٠ من طريق إسماعيل، عن أيوب، عن حميد بن هلال قال: قال عبادة بن قرط وانظر " الإصابة " ٢/ ٢٦١.
(٤) انظر " المستدرك " ٤/ ٤٣٧.
(٥) في (ب): روايات.
[ ٣ / ٢٩٢ ]
- ﷺ -: " يُؤْتَى بِقَوْمٍ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيُذْهَبُ بِهِمْ ذاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُول: أَصْحَابِي أَصْحَابي " (١)، وبقوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُم﴾ [التوبة: ١٠١]، دلَّتِ الآيةُ على أنَّ فيمن (٢) يَعُدُّونَه صحابِيًَّا عدلًا مَنْ هُوَ كافر مجروح. انتهى كلامه.
أقول: مرادُ السَّيِّد بهذا لا يخلو مِنْ قسمين.
القسم الأول: أنْ يريدَ أنَّ الحديثَ والآيةَ دلاَّ على أنَّ في منْ ظاهِرُهُ العدالة مِنَ الصَّحابة مَنْ هُوَ منافِقٌ مجروحٌ، ولا طريقَ إلى العلم بهِ، فيجبُ تركُ حديث الصَّحابةِ كلِّهم، لَأنَّ فيهم مجروحًا غيرَ معلومٍ، وهذا غيرُ مقصودٍ للسَّيِّد، فإنَّ هذه منْ شُبَهِ الزَّنادقة صان اللهُ السيدَ عن ذكرهم.
القسم الثَّاني: أنْ نقول للسيدِ بما (٣) أجمع عليه أهلُ الإسلام مِنَ الرُّجوع إِلى من ظهر صِدْقُه، وإسلامه، وعدالته، وسواء كان في الباطن مسلمًا أو كافرًا، فإنَّ التكفير (٤) بالباطن غيرُ حَسَنٍ، ولا واقع، ولا يجب إلا جرحُ مَنْ ظَهَر جَرْحُه، وتبيَّن عِصيانه، على أنَّ مَنْ أضمر شيئًا، ظهرت عليه لوائحه (٥)، وفاحت منه روائحه كما يأتي مبسوطًا بسطًا شافيًا في الوهم الثالث والثلاثين في أوَّل المجلّد الرَّابع في الكلام على يزيدِ بن معاوية، وذكر علامات المنافقين، وظهورِ نفاقهم للمؤمنين، وأن مثلَ ذلِكَ لم يخْفَ على الصحابة والتابعين، وقد قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ
_________________
(١) تقدم تخريجه في هذا الجزء ص ٢٢٨ ت ٦.
(٢) في النسخ: " من "، والمثبت من (ش).
(٣) في (ش): إنما.
(٤) في (ب): التكليف.
(٥) في (ش): " ولاحت عليه لوائحه "، وكتب فوقها: ونمَّت عليه روائحه.
[ ٣ / ٢٩٣ ]
الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠]، وأخبرَ رسول اللهِ - ﷺ - بعلاماتِهم مِنَ الغَدْرِ، والكَذِبِ، والحَلِفِ، وبُِغضِ عليٍّ ﵇، وبُغضِ الأنصار، وأنَّهم خُشُبٌ باللَّيل، صُخُبٌ بالنَّهار، لا يَقْرَبُونَ المَسَاجِدَ إلا هَجْرًا، ولا يأتون الصَّلاة إلا دَبْرًا، مستكبرين، لا يَألفون ولا يُؤلفون (١)، وقد عَرَفت هذا العربُ قبل مجيء العلوم والشَّرائعِ، وقال (٢) في ذلك قائلُهم (٣):
_________________
(١) أخرجه أحمد في " المسند " ٢/ ٢٩٣ من طريق يزيد، والبزار (٨٥) من طريق عبد الرحمن بن مقاتل التستري، كلاهما عن عبد الملك بن قدامة الجمحي، عن إسحاق بن بكر بن أبي الفرات، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: "إن للمنافقين علامات يُعرفون بها، تحيتهم لعنة، وطعامهم نُهبة، وغنيمتهم غلول، ولا يقربون المساجدَ إلا هَجْرًا، ولا يأتون الصلاةَ إلا دبْرًا، مستكبرين، لا يألفون ولا يؤلفون، خشب بالليل، صُخبٌ بالنهار" وقال يزيد مرة: سخب بالنهار. عبد الله بن قدامة: ضعيف، وشيخه فيه إسحاق بن بكر مجهول، كما قال الذهبي في " الكاشف "، وابن حجر في " التفريب "، فالحديث ضعيف. وقد أورده الهيثمي في " المجمع " ١/ ١٠٧، ونسبه لأحمد، والبزار، وقال: وفيه عبد الملك بن قدامة الجمحي، وثقه يحيى بن معين وغيره، وضعفه الدارقطني وغيره. النُّهْبَة -بضم النون، وسكون الهاء، كالنُّهْبى-: الشيء المنهوب. وقوله: " ولا يقربونَ المساجدَ إلا هجرًا " الهجر: الترك والإعراض عن الشيء، أي: أنهم لا يقربون المساجد، بل يهجرونها. وقوله: " ولا يأتون الصلاة إلا دبرًا" دَبرًا: يروى بفتح الدال وضمها، وهو منصوب على الظرف، والمعنى: لا يأتون الصلاة إلا بعد فوات وقتها. " خشب بالليل " أي: ينامون الليل لا يصلون، شَبَّهَهُم في تمددهم نيامًا بالخشب المطرحة، ويقال للقتيل: خرَّج كأنه خشبة، وكأنه جذع. " صُخُب بالنهار": بضم الصاد والخاء، وفي رواية يزيد " سخب " بالسين، والسخب والصخب: الضجة، والصياح، واختلاط الأصوات، والمرادُ رفعُ أصواتِهِم وضجيجهم في المجادلاتِ والخصوماتِ وغير ذلك. قَالَ ابنُ الأثير: أي: إذا جَنَّ عليهم الليلُ، سَقَطُوا نيامًا كأنهم خشبٌ، فإذا أصبحوا، تَسَاخبوا على الدنيا شحًّا وحِرْصًا.
(٢) في (ش): قال.
(٣) هو زهير بن أبي سُلمى المازني، حكيم الشعراء في الجاهلية، ذكره ابن سلام في =
[ ٣ / ٢٩٤ ]
وَمَهْمَا تَكُنْ عِنْدَ امرىءٍ مِنْ خَلِيقَةٍ وإنْ خَالَهَا تخْفَى عَلَى النَّاس تُعْلَمِ
وإنِّما أخبر - ﷺ - بما حَدَثَ بعدَه، فما معنى قولِ السيّد: إنَّ ذلك يدلُّ على أنَّ في مَنْ يعدُّونه صحابيًَّا عدلًا مَنْ هو منَ المجروحين، فهذا السُّؤالُ -على زعمه- يتوجَّه على مذهب الزَّيديَّة والمعتزلة، وجميعِ الطَّوائف، فإنَّ الآية والحديث يدلان على تجويزِ أنْ يكون في من يعده المعتزلةُ، والزَّيديَّةُ صحابيًّا عدلًا مَنْ هو مجروحٌ، بل هذا يتوجَّهُ على الصحابةِ، حيث قَبِلَ بعضُهم بعضًا قبل قيام القيامة، وقبل تبيُّن هؤلاء الذين يَظْهرُ يوم القيامة جرحُهم، وقد وقع اللِّعان على عهده - ﷺ -، وقال للمتلاعِنيْنِ: " الله يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كاذِبٌ " (١)، فلم يلزم منْ ذلك إشكالٌ في الإِسلام، ولا تكلَّمَ في حكمهما أئِمَّة السَّلف الأعلام؛ لِسُهولَةِ الأمر في هذه المباحث الظَّنِّيَّةِ، وكذلك المدعي مع المنكر، وسائر المتنازعين المعلوم كذب بعضهم، وإذا كان كلامُه هذا في الصحابة مع أَنَّهم خَيْرُ القرون، فَمَنْ بعدهم أولى بأنْ يظهر يوم القيامة في كُلِّ أهل
_________________
(١) = الطبقة الأولى من فحول الشعراء ص ٥١ و٦٤ مع امرىء القيس، والنابغة، والأعشى، ونقل عن أهل النظر أنَّه كان أحصفَهم شعرًا، وأبعدَهم من سخف، وأجمعهم لكثير من المعنى في قليل من المنطق، وأشدهم مبالغة في المدح، وأكثرهم أمثالًا في شعره. ويقال: كان ينظم القصيدة في شهر، ويهذبها في سنة، فكانت قصائده تُسمى الحوليات، مات سنة ٦٠٩ م. والبيت من جاهليته السائرة التي مطلعها: أمِنْ أُمِّ أوْفَى دِمْنَةٌ لمْ تَكلَّمِ بِحَوْمَانَةَ الدَّرَّاجِ فالمُتَثَلَّمِ وهي في مدح الحارث بن عوف بن أبي حارثة، وهَرم بن سنان بن أبي حارثة اللذين سعيا في الصلح بين عبس وذبيان. وهو في " شرح القصائد السبع الطوال " ص ٢٨٩، و" الجمل " للزجاجي ص ٢٢٢، و" مغني اللبيب " (٥٣١). و" مِنْ " في قوله: " من خليقة " زائدة، و" خليقة " في موضع رفع اسم " تكن "، وجملة " تخفى " مفعول ثاني " لخالها ".
(٢) تقدم تخريجه في هذا الجزء ص ٢٥٦ ت (١).
[ ٣ / ٢٩٥ ]
قرن (١) مجاريحُ كانوا (٢) مستورين، فيحرم على كلام السَّيد هذا التَّمسُّك بالظاهر في العدالة (٣)، وقد أراد السَّيِّد أن يُجِيبَ عن هذا السُّؤال، فأورد معناه، ثمَّ قال: الجوابُ أنَّه قد ظهر فِسْقُ من ذكرنا وكفرُه، فرجع هذا التَّهويل الكثير إلى الكلام في حديث ثلاثةٍ مُعيَّنين، وكان قد فرغ مِنْ ذكرهم، وكنَّا قد فرغنا منَ الكلام على حديثهم، وبيَّنَّا أنَّ المحدِّثين لم يُدَلِّسُوهم، ولا رَوَوْا عنهم ما يُنْكَرُ في الشَّريعة، ولا يُعْرَفُ إلاَّ منهم، ولا قصدوا في كتبهم الاقتصارَعلى حفظ الحديث المُجمع على صِحَّته بَيْنَ جميعِ طوائفِ الإسلام، ولا حرَّجُوا على أهلِ العلم أن يُخالفوهم في بعضِ ما صحَّحوه بِحُجَّةٍ صحيحةٍ على طرائقِ أهل (٤) الاجتهاد، والإنصافِ، وأنَّهم قصدوا حفظَ جميعِ حديثِ رسول الله - ﷺ - على أهل الإسلام، ثم بيَّنوا شروطَ الصِّحَّة عندهم، وعند غيرهم في كُتب علوم الحديث، ثمَّ صحَّحُوا كثيرًا مِنَ الحديث على قواعِدَ لهم (٥) قد قرَّروها (٦) في علوم الحديث، وأصولِ الفقه، وكان فيما صحَّحوه ما عرفوا صِحَّته بمجموع (٧) شواهد، وقرائن يعرفُها أهلُ الفِراسة في الفَنِّ دُونَ غيرهم، وكان (٨) فيما ضعَّفُوه ما عرفوا ضعفَه بِمِثْلِ ذلك، وإنْ كان إسنادُ الَأوَّلِ في ظاهره ضعيفًا، وإسنادُ الثَّاني في ظاهره صحيحًا، وصنَّفُوا في ذلك علمَ العِلَلِ، وظهرت نصيحتُهم للإسلام وأهلِه ببيان الإسنادِ، وتركِ التَّدليس،
_________________
(١) في (ش): فن.
(٢) " كانوا " ساقطة من (ش).
(٣) " في العدالة " ساقطة من (ش).
(٤) ساقطة من (ش).
(٥) في (ش): قواعدهم.
(٦) في (ب): " قد رووها " وهو خطأ.
(٧) في (ش): لمجموع.
(٨) في (ش): فكان.
[ ٣ / ٢٩٦ ]
وتضعيفِ ما وافق مذاهبهم (١) مِنَ الأحاديث الضعيفة، وتصحيحِ ما وافق مذاهب (٢) خصومهم مِنَ الأحاديث الصَّحيحة، وتوثيقِ خلائِقَ لا يُحْصَوْنَ مِنْ خصومهم، وجرح مثلهم في الكثرة أو أكثرَ منهم مِنْ أهل مذهبهم، حتَّى تكلَّمَ أبو داوود على ولده، وقال: هو كذَّابٌ (٣)، مع أنَّه لم يُعْرَفْ بشيْءٍ مِنْ ذلك، حتَّى قيل: إنَّه أراد في غيرِ الحديث، وكتبُوا قولَه هذا، ولم يكتُموه، ومَنْ حكم عليهم بالتُّهمة لهم قبل الإمكان في النَّظر في مصنَّفاتهم في الجرح والتَّعديل، وكيفيَّة التَّصحيح، فقد ظلمهم، والله يُحِبُّ الإنصافَ، ولقدِ اجتمعت كلمتُهم على تعظيم النَّسائي، وهو من أكابِرِ الشِّيعة، حتَّى قال الذّهبي في كتابه " النُّبلاء " (٤): إنَّه أعرفُ بالحديثِ من أبي داوود، والتِّرمذي، ومسلم، وإنَّه جارٍ في مِضمار البخاري، وأبي زرعة. وأعجبُ مِنْ هذا: اعتمادُهم على كتاب " النَّسائي " في الجرح والتعديل، وقَبولُهم منه لجرح جماعةٍ مِنْ أهل مذهبهم، ما ذلك (٥) إلا لإِنصافهم حين عرفوا مِنَ النَّسائي -﵀- المعرفة التَّامَّةَ بالفن (٦)، وأنَّه في جرحه وتعديله مستقيمٌ على صراط العارفين، غيرُ عامل بالأهواء في رُواة حديث سيَّد المرسلين.
وكذلك قد شحنوا الصِّحاح بحديث أهلِ الصِّدق مِنَ الشِّيعة، والمعتزلة كما تقدَّم بيانُه، وذِكْرِ عدد كثيرٍ بأسمائهم مِمَّنْ وثَّقوه مِنْ
_________________
(١) في (ش): مذهبهم.
(٢) في (ش): مذهب.
(٣) قال الإمام الذهبي في " السير " ١٣/ ٢٣١: لعل قول أبيه فيه -إن صح- أراد الكذب في لهجته، لا في الحديث، فإنه حجة فيما ينقله، أو كان يكذب ويوري في كلامه، ومن زعم أنَّه لا يكذب أبدًا، فهو أرعن، نسأل الله السلامة من عثرة الشباب، ثم إنَّه شاخ وارعوى، ولزم الصدق والتقى.
(٤) ١٤/ ١٣٣.
(٥) في (ش): ذاك.
(٦) ساقطة من (ب).
[ ٣ / ٢٩٧ ]
خُصومهم، ومِمَّن جرَّحوه مِنْ أهل مذهبهم، ولأمْرٍ ما سارت بتصانيفهمُ الرُّكبان، وتلقَّاها بالقَبول أهلُ الإسلام، وقد قدَّمتُ في صدر هذا الكتاب ذكرَ خصيصتين إضافيتين (١)، إحداهما: تقديم (٢) كلامِ أهلِ الفُنون في فنونهم، وإجماع الأمَّة على ذلك، وهذا موضعٌ له أيضًا، فانظره في موضعه.
واللهُ يُحِبُّ الإنصافَ والعدلَ على المُوافق والمُخالف، وما يَضُرُّ المتعصِّبُ إلا نفسَهُ، فإنَّه يسُدُّ (٣) على نفسه أبوابَ المعارف الَّتي هي أبوابُ الخيرِ كلِّه، " ومَا دَخَلَ الرِّفْقُ في شَيْءٍ إلاَّ زَانَهُ، ولا دَخَلَ العُنْفُ في شَيْءٍ إلا شانَهُ " كما قال رسولُ الله - ﷺ - (٤).
_________________
(١) في الأصول: أيضًا فتبين. وهو تصحيف.
(٢) ساقطة من (ش).
(٣) في (ش): يفسد.
(٤) أخرجه أحمد ٦/ ٥٨ و١١٢ و١٢٥ و١٧١ و٢٠٦ و٢٢٢، ومسلم (٢٥٩٤)، وأبو داود (٤٨٠٨) من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: " إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانَهُ، ولا يُنزع من شيء إلا شَانَه ". وأخرجه أحمد ٣/ ٢٤١ من حديث أنس بن مالك أن اليهود دخلوا على النبي - ﷺ -، فقالوا: السامُ عليك، فقال النبي - ﷺ -: " عليكم " فقالت عائشة: السامُ عليكم يا إخوانَ القردةِ والخنازير، ولعنةُ الله، وغضبُهُ، فقال: " يا عائشةُ، مَهْ "، فقالت: يا رسول الله، أما سمعتَ ما قالوا؟ قال: " أو ما سمعتِ ما رددتُ عليهم، يا عائشة، لم يدْخلِ الرفق في شيء إلا زانه، ولم ينزع من شيء إلا شانه ". وأخرجه البخاري (٦٠٢٤)، ومسلم (٢١٦٥) من حديث عائشة قالت: دخَلَ رهطٌ من اليهود على رسول الله - ﷺ -، فقالوا: السامُ عليكم، قالت عائشة: ففهمتها، فقلتُ: عليكم السام واللعنة، قالت: فقالَ رسولُ الله - ﷺ -: " مهلًا يا عائشةُ، إنَّ الله يُحِبُّ الرفق في الأمرِ كله "، فقلتُ: يا رسول الله أو لم تَسْمَعْ ما قالوا؟ قال رسولُ الله - ﷺ -: " قَدْ قلتُ: وعليكم ". وأخرج مسلم (٢٥٩٣) من طريق عائشة أن رسولَ الله - ﷺ - قال: " يا عائشة، إن الله رفيقٌ يُحِبُّ الرفقَ، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العُنْفِ، وما لا يعطي على ما سواه ".
[ ٣ / ٢٩٨ ]
ولذلك أثنى عليهم مَنِ اتَّصفَ بالإِمامَة في علم الحديث مِنَ الشِّيعة، والمعتزلة كالحاكم أبي عبد الله، والنّسائي، وابن عقدة (١)، والسَّمَّان (٢)، ومَنْ لا يحصى مِنْ هذا الضَّرب، واستمدُّوا مِنْ معارفهم، وسلكوا مسالِكَهُم، وصاروا تلامِذَةً لِمَنْ تقدَّمهم مِنْ عُلماءِ أهلِ السُّنَّة (٣) في الحديث، وشيوخًا لمَنْ بعدهم، فعليك أيُّها المنصفُ (٤) بمطالعة " علوم الحديث " للحاكم صاحب " المستدرك " على أنَّه منْ كبارِ الشِّيعة، ولا سيما النوع (٥) الموفي عشرين منه، والنوع التاسع والأربعين منه أيضًا.
ومِنَ العجب أنَّ منْ ذمَّ الحديثَ وأهلَه منَ المعتزلةِ، وأهلِ الكلام لم يَسْتَغْنِ عنهم، وإن حَاد عَنِ التَّصريح بالرِّواية عنهم، نزل إلى من يستمدُّ منهم، فأخذ عنه، وعن من لا يقاربهم في الإتقان، وما أَحْسَنَ قولَ القائلِ في نحو هذا:
أقِلُّوا عليهم لا أبا لأبيكم مِنَ اللَّوْمِ أو سُدُّوا المَكَانَ (٦) الَّذي سَدُّوا (٧)
_________________
(١) هو أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد بن عبد الرحمن الهمداني، الحافظ، العلامة، أحد أعلام الحديث، ونادرةُ الزمان، وصاحبُ التصانيف على ضعف فيه، وهو المعروفُ بالحافظ ابنِ عُقدةَ، تُوفي سنة ٣٣٢ هـ. له ترجمة حافلة في " السير " ١٥/ ٣٤٠ - ٣٥٥.
(٢) هو الإمام الحافظ البارع المتقن أبو سعد إسماعيل بن علي بن الحسين الرازي السمان، المتوفى سنة ٤٤٥ هـ. مترجم في " السير " ١٨/ ٥٥ - ٦٠.
(٣) في (ب): من محدثي الشيعة من علماء أهل السنة.
(٤) في (أ) و(ب): المصنف.
(٥) " النوع " ساقطة من (ش).
(٦) في (ش): " الطريق "، وكتب فوقها: " المكان " على الصواب.
(٧) هو للحطيئة جرول بن أوس بن مالك العبسي، المتوفى سنة ٤٥ هـ، وهو في " ديوانه " ص ٢٠، و" الكامل " للمبرد ١/ ٣٤٠، و" الخصائص " لابن جني ١/ ٣٤٥. وقد تقدم تخريجه في ٢/ ١٠٤. =
[ ٣ / ٢٩٩ ]
الوهم الخامس عثر: قال: إن التشبية مستفيض عن أحمد بن حنبل، وقصد بذلك القدح في كتب الحديث بكونه من رجالهم
الوهمُ الخامس عشر (١): قال: إنّ التشبيهَ مُستفيضٌ عنْ أحمدَ بنِ حَنبل، وقَصَدَ بذلك القَدحَ في كتبِ الحديثِ بكونِهِ من رجالِهم، كما قَدَح فيها بكونِ الشافعيِّ، والبخاريِّ من رجالِهم، فما أفحشَ هذا الجهلَ، وأزراه، وأخسَّهُ، وأجرأَهُ! فيا هذا ليتَكَ عَرَفْتَ عن من يروي أئمتُنا وأئمةُ المُسلمينَ أجمعين مِن أهل البيت المُطَهَّرين الذين خالفتَهم في كلامِك هذا، مع اعتقادِك بجهلٍ (٢) أَنَّكَ فيه لهم (٣) ناصرٌ، وتابعٌ، ومُوافقٌ، ومُشايعٌ، حتَّى تَعْرِفَ أنَّهم قَدْ أثْنَوْا على من ذَمَمْتَه، ورووا عمن جَرَّحته.
فهذا السيدُ الإمامُ أبو طالبٍ ﵇ قد روى عن أحمدَ بنِ حنبل في " أماليه "، وكذلكَ روَى عنه الإمامُ المنصورُ باللهِ ﵇، وغيرُه من أهلِ البيتِ وشيعتِهم، ولا سيَّما علماءُ الحديثِ من شيعةِ أهلِ البيتِ ﵈، كالحاكم أبي عبدِ اللهِ صاحبِ " المُستدركِ " على " الصحيحينِ " وأبي عبدِ الرحمن النَّسَائي صاحب " السُّنن "، وابنِ عُقْدَةَ وأمثالهم.
وكذلك رَوَى أهلُ البيتِ في مُصنفاتهم الحديثَ الكثيرَ عن من مذهبُه مذهبُ هؤلاء، فروى السَّيدُ أبو طالبٍ في " أماليه " حديثَ أبي داود (٤)
_________________
(١) = وذكر أحمد بن عبدة قاضي الري عن أبيه، قال: كنا عند ابن عائشة، فذكر حديثًا لأبي حنيفة، فقال بعض من حضر: لا نريده، فقال لهم: أما إنكم لو رأيتموه، لأردتموه، وما أعرف له ولكم مثلًا إلا ما قال الشاعر ثم أنشد بيت الحطيئة هذا. انظر " تهذيب الكمال " ورقة ٧٠٩/ ١.
(٢) من هنا يبدأ المجلد الثاني من الأصول الخطية المعتمدة بتجزئة المصنف ﵀، وأجزل مثوبته.
(٣) في (ش): بجهالتك.
(٤) في (ب): لهم فيه.
(٥) في (ش): داود في أماليه.
[ ٣ / ٣٠٠ ]
صاحبِ " السننِ " عن محمدِ بن عبد الله الأسَديِّ، عن عليِّ بنِ الحسن بن العبد (١)، عن أبي داود.
وخرَّجَ حديثَ ابنِ السُّنِّي (٢) عن محمدِ بن عمر الدِّينَوَري، عنه.
وخرَّجَ حديث ابنِ ماجةَ عن أبي الحسنِ علي (٣) بن إبراهيم القطَّان عنه.
وحديثَ ابنِ أبي حاتِمٍ عَنِ السيدِ الإمامِ أبي العباسِ، عنه قليلًا، وعن أحمدَ بنِ عبدِ الله الأصْبَهاني عنه كثيرًا.
وخَرَّجَ حديثَ عليِّ بنِ موسى الرِّضَى (٤) ﵇ من طريقِ
_________________
(١) هو أبو الحسن علي بن العبد الوراق سمع أبا داود السجستاني، وعثمان بن خرزاذ الأنطاكي، روى عنه الدارقطني، والحسين بن محمد بن سليمان الكاتب، وابن الثلاج توفي سنة ٣١٨ هـ. " تاريخ بغداد " ١١/ ٣٨٢. وهو أحد رواة السنن عن أبي داود، وتمتاز روايته عن غيره بزيادات في الكلام على جماعة من الرواة والأسانيد ليست موجودة في غيرها من الروايات.
(٢) هو أحمد بن أحمد بن إسحاق بن إبراهيم الدينوري المتوفى سنة ٣٦٤ هـ.
(٣) تحرف في (ش) إلى " عن ". وهو الإمام الحافظ القدوة شيخ الإسلام أبو الحسن علي بن إبراهيم بن سلمة بن بحر القزويني القطان عالم قزوين ومحدثها، ارتحل في طلب الحديث، وكتب الكثير، وسمع غير واحد من الأئمة، وروى عن أبي عبد الله بن ماجه سننه، وجمع وصنف وتفنن في العلوم، وثابر على القُرَبِ، وحدَّث عنه غير واحد من الحفاظ، ووصفه أبو يعلى الخليلي في " الإرشاد " بأنه شيخ عالم بجميع العلوم، والتفسير، والفقه، والنحو، واللغة، تُوفي سنة ٣٤٥ هـ. مترجم في " السير " ١٥/ ٤٦٣.
(٤) هو الإمام السَّيِّد أبو الحسن علي الرضى بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي بن الحسين الهاشمي العلوي المدني المتوفى سنة ٢٠٣ هـ. قال الإمام الذهبي في " السير " ٩/ ٣٨٧ - ٣٨٨: وكان من العلم والدين والسُّؤْدُدِ =
[ ٣ / ٣٠١ ]
عليِّ بن محمد بن مَهْرُوَيه، وهو مِن رجالِهم.
وخَرَّجَ حديثَ الحسنِ بنِ سُفيانَ النَّسَوي عن محمد بن بَشَّار بُندار عنه.
وخرَّج حديثَ الحارثِ بن محمد بن (١) أبي (٢) أُسامةَ (٣)، عن محمد بن علي العَبْدَكي، عن محمد بن يَزْدَاد عنه، وعن عبد الله (٤) بن محمد بن بدرِ الكَرْخي، عن أحمدَ بنِ يوسُفَ بن خلاَّد عنه.
وخرَّجَ حديثَ شيخِهِ الحافظ أبي أحمدَ عبدِ الله بن عديٍّ بغير (٥) واسطة وأكثرَ عنه، وهو أحدُ رجال السُّنةِ حديثًا ومذهبًا، وهو صاحب كتابِ
_________________
(١) = بمكانٍ، يقال: أفتى وهو شاب في أيام مالك، استدعاه المأمون إليه إلى خراسان، وبالغ في إعظامه، وصيره ولي عهده، فقامت قيامة آل المنصور، فلم تطل أيامه، وتوفي. قلت: وعلي بن محمد بن مهرويه: أرَّخَ الذهبي وفاته في " تذكرة الحفاظ " ٣/ ٨٤٩ سنة ٣٣٥ هـ.
(٢) " محمد بن " ساقطة من (ش).
(٣) ساقطة من (ب).
(٤) هو الإمام الثقة مسند العراق أبو محمد الحارث بن محمد بن أبي سلمة التميمي البغدادي صاحب المسند الذي لم يرتبه على الصحابة، ولا على الأبواب، وقد جرد زوائده الحافظ ابن حجر، وأدرجَها في " المطالب العالية " وهو مطبوع في أربعة مجلدات بالكويت. تُوفي سنة ٢٨٢ هـ في عشر المئة. قلت: قد نقموا عليه، لأنَّه كان يأخذ الأجرة على الرواية، ولا ضَيْرَ عليه في ذلك، فقد كان محتاجًا، فقد روى غنجار وغيره عن محمد بن موسى الرازي قال: سمعت الحارث بن أبي أسامة يقول: لي ست بنات، أصغرهن بنت ستين سنة ما زوجت واحدة منهن، لأنني فقير، وما جاءني إلا فقير، وكَرِهْتُ أن أزيد في عيالي، وها كفني على الوتد من ثلاثين سنة، خفت أن لا يجدوا لي كفنًا. وقال محمد بن محمد بن مالك الإسكافي: سألت إبراهيم الحربي عن الحارث بن محمد، وقلت: إنَّه يأخذ الدراهم، فقال: اسمع منه، فإنه ثقة. مترجم في " السير " ١٣/ ٣٨٨.
(٥) في (ش): وعن أبي عبد الله.
(٦) في (ش): من غير.
[ ٣ / ٣٠٢ ]
" الكاملِ في الجرحِ والتعديل " (١).
وخرَّجَ حديثَ الذُّهْليِّ عن أبي العَبَّاس، عن أحمد بن سعيد الثَّقَفي، عنه.
وخرَّجَ حديثَ المَحَامِلي (٢) عن عبد الله بن محمد الأسَدي عنه.
وَخَرَّجَ حديت يَحيى القَطَّان عن الأسَدي عن المَحَامِلي (٣) عنه.
وخرَّجَ حديثَ الأنْبَارِي (٤)، عن مُحمدِ بني الحسنِ بن الفضل بن المَأمونِ عنه.
وَخَرَّجَ حديثَ الكُدَيْمي (٥) عن محمدِ بن الحسنِ، عن الأنْبَاري، عنه.
_________________
(١) وقد طُبع حديثًا في سبع مجلدات.
(٢) هو القاضي الإمام المحدث الثقة أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن سعيد بن أبان الضبي البغدادي المحاملي، المتوفى سنة ٣٣٠ هـ. روى عن خلق كثير، وصار أسند أهل العراق مع التصدر للإفادة والفتيا ستين سنة. مترجم في " السير " ١٥/ ٢٥٨ - ٢٦٣. وله أمالٍ تسمى بالمحامليات في عدة أجزاء برواية ابن يحيى البيع، وعدد أحاديثها ٥٣٣ حديثًا، وقد تولى تحقيقها وتخريج نصوصها صاحبُنا الأستاذُ الفاضل إبراهيم بن إبراهيم طه القيسي، ونال بها درجة الدكتوراه من جامعة الإمام محمد بن سعود سنة ١٤٠٥ هـ.
(٣) من قوله: " عن عبد الله " إلى هنا ساقط من (ب).
(٤) هو الإمام الحافظ اللغوي ذو الفنون أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار بن الأنباري المقرىء النحوي، صاحب التصانيف الكثيرة في القراءات، والغريب، والتفسير، والمشكل، والوقف والابتداء. وكان من أفراد الدهر في سعة الحفظ، يروي بأسانيده، ويُملي من حفظه. توفي سنة ٣٢٨ هـ. مترجم في " السير " ١٥/ ٢٧٤ - ٢٧٧.
(٥) هو الحافظ المكثر المُعَمَّرُ أبو العباس محمد بن يونس بن موسى القرشي السَّامي الكُديمي البصري، وهو على اتساع دائرته في الحفظ أحدُ المتروكين، كذبه أبو داود، واتهمه بالوضع: ابنُ حبان، وابنُ عدي، والدارقطنى وغيرُهم، وقال الإمام أحمد: كان حَسَنَ الحديث، حَسَنَ المعرفة، ما وُجِدَ عليه إلا صحبتُه لسليمان الشاذَكوني. توفي سنة ٢٨٠ هـ، وكان من أبناء المئة. مترجم في " السير " ١٣/ ٣٠٢ - ٣٠٥.
[ ٣ / ٣٠٣ ]
وكلُّ هؤلاءِ إلى أمثالٍ لهم كثيرٍ مِنْ حُفَّاطِ الحديثِ، وأئمةِ أهله حِفْظًا واعتقادًا. لكنَّ أحمدَ بن حَنبل بإجماعهم مع طائفةٍ من الشيعةِ وافرةٍ أحفظُهم (١) للحديثِ، وأوثَقُهم فيهِ.
فإنْ كنتَ تَظُنُّ أنَّ جميعُ رجالِ أسانيدِ " أمالي " السادةِ أبي طالبٍ، والمؤيَّد، وأحمدَ بنِ عيسى، وأبي عبد الله الدَّاعي، والمرشدِ بالله، ورجال تفسيرِ المعترضِ الذي جَمَعَ فيه عنْ كُلِّ مَنْ دَبَّ وَدَرَج، أوْثَقُ وأحفظُ من أحمدَ بنِ حنبلٍ، والشافعيِّ، والبُخاريِّ، وأنّهُ ليس فيها إِلاَّ مَنْ هُو أنبلُ مِنْ هؤلاءِ، وأحفظُ، وأعرفُ بالحديثِ، وأوثق فما أحقَّكَ بقولِ المتنبي (٢):
ومِثْلُك يُؤْتَى منْ بِلَادٍ بَعِيدَةٍ لِيُضْحِكَ رَبَّاتِ الحجال البَوَاكِيَا
وكيف وقد خَرَّجَ هؤلاء الأئمةُ حديثَ جماعةٍ مُتَكَلَّمٍ فيهم كما هو عادةُ حُفَّاظ الحديثِ، فقد خَرَّجَ مالكٌ حديثَ ابن أبي (٣) المُخَارق،
_________________
(١) في (أ) و(ش): " وأحفظهم "، وهو خطأ.
(٢) هو في " ديوانه " بشرح العُكبَرِي ٤/ ٢٩٦. وروايته فيه: " ربات الحِدَاد ". وهو آخر بيت من قصيدة يهجو بها كافورًا، مطلعها: أُريك الرِّضَا لو أخْفَتِ النفسُ خافيا وما أنا عن نفسي ولا عنك راضيا و" ربات الحجال ": لابسات الحداد، وهي ثياب سود تلبسها النساء ربات الحزن، وهن اللواتي مات أزواجهن.
(٣) أبي سقطت من (ب) واسمه عبدُ الكريم بن أبي المخارق. قال يحيى: ليس بشيء، وقال أحمد: قد ضربت على حديثه، هو شبه المتروك، وقال النسائي، والدارقطني: متروك، وقال أبو عمر بن عبد البر: بصري لا يختلفون في ضعفه، إلا أن منهم من يقبله في غير الأحكام خاصّة، ولا يحتج به، وكان مؤدب كتاب، حسنَ السَّمْت، غَرَّ مالكًا منه سَمتُه، ولم يكن من أهل بلده فيعرفه، كما غَرَّ الشافعيَّ من إبراهيم بن أبي يحيى حِذْقُه ونباهتُه، وهو أيضًا مُجْمَع على ضعفه، ولم يخرج مالك عنه حكمًا، بل ترغيبًا وفضلًا. وقال أبو الفتح اليعمري: لكن لم يخرج مالك عنه إلا الثابَت من غير طريقه: "إذا لم =
[ ٣ / ٣٠٤ ]
والشافعيُّ حديثَ ابن أبي يَحيى (١)، والزَّنْجي (٢)، وأحمد حديثَ عامرِ بنِ صالحٍ (٣) وغيرِهِ، وقُدِح (٤) في كثيرٍ مِنْ رُواةِ (٥) البُخاريِّ ومُسلمٍ.
وكذلِكَ قد رَوَى بعضُ أئمةِ الزَّيدية ﵈ عن محمد بن محمدِ بن الأشْعثِ الكُوفي (٦) المتأخرِ، لا التابعيِّ الثائرِ بدم الحُسين عليه
_________________
(١) = تستحِ فاصنع ما شئت"، و" وضع اليمنى على اليُسرى في الصلاة " وقد اعتذر لما تبيَّن أمره، وقال: غَرَّني بكثرةِ بكائه في المسجد أو نحو هذا. وقد مات هو وعبد الكريم الجزري الحافظ الثقة في عام سبعة وعشرين ومئة، واشتركا في الرواية عن سعيد بن جبير، ومجاهد، والحسن. وروى عنهما الثوري، وابن جريج، ومالك، فقد يَشْتبهَانِ في بعض الروايات.
(٢) هو إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي مولاهم أبو إسحاق المدني. قال الحافظ في " التقريب ": متروك، ومع ذلك فقد روى عنه الشافعي، وأكثر الاحتجاجَ به، وقال: لأن يَخِر إبراهيمُ من بُعْدٍ أحبُّ إليه من أن يكذب، وكان ثقة في الحديث. وانظر تفصيل القول فيه في " تهذيب الكمال " ٢/ ١٨٤ - ١٩١.
(٣) هو مسلم بن خالد بن فروة المخزومي مولاهم الزنجي المكي الفقيه، وصفوه بكثرة الغلط وسوء الحفظ، من رجال " التهذيب ".
(٤) هو عامر بن صالح بن عبد الله بن عروة بن الزبير بن العوام الزبيري أبو الحارث المدني، سكن بغداد. قال الذهبي في " الميزان " ٢/ ٣٦٠: واهٍ، لعل ما رَوَى أحمدُ بن حنبل عن أحد أوهى من هذا، ثم إنَّه سئل عنه، فقال: ثقة، لم يكن يكذب، وقال ابن معين: كذاب، وقال الدارقطني: يترك، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال أبو داود: سمعتُ يحيى بن معين يقول: جُنَّ أحمد يحدث عن عامر بن صالح، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، ما أرى بحديثه بأسًا، كان يحيى بن معين يحمل عليه، وأحمد بن حنبل يروي عنه، وقال ابن عدي: عامة حديثه مسروق من الثقات، وأفراد ينفرد بها، وقال الزبير بن بكار: كان عالمًاَ بالفقه، والحديث، والنسب، وأيام العرب، وأشعارها، وتُوفي في بغداد في خلافة هارون الرشيد.
(٥) في (ش): " وقد خرج "، وليس بشيء.
(٦) تحرف في (ش) إلى: الرواة.
(٧) هو محمد بن محمد بن الأشعث أبو الحسن الكوفي، قال ابن عدي في " الكامل " ٦/ ٢٣٠٣: مُقيمٌ بمصر، كتبت عنه بها، حمله شدة ميله إلى التشيع أن أخرج لنا نسخةً قريبًا من ألف حديث عن موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر بن محمد عن أبيه، عن جده، عن آبائه بخط طري على كاغد جديد، وعامتها مسندة مناكير كلها أو عامتها، فذكرنا روايته هذه =
[ ٣ / ٣٠٥ ]
السَّلامُ، وحديثَ داودَ بنِ سُليمان الغازي (١)، وحُسينِ بن علوان الكلْبي (٢) وأبي خالدٍ الوَاسِطي (٣)
_________________
(١) = الأحاديث عن موسى هذا لأبي عبد الله الحسين بن علي بن الحسن بن علي بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وكان شيخًا من أهل البيت بمصر، وهو أخو الناصر، وكان أكبر منه، فقال لنا: كان موسى هذا جاري بالمدينة أربعين سنة ما ذكر قَطُّ أنَّ عنده شيئًا من الرواية، لا عَنْ أبيه، ولا عن غيره. ثم ذكر له عدة أحاديث موضوعة، ثم قال: وهذه النسخة كتبتُها عنه، وهي قريبة من ألف حديث، وكتبت عامتَها عنه، والأحاديث وغيرها مِن المناكير في هذه النسخة، وفيها أخبار مما يُوافق متونُها متونَ أهل الصدق، وكان متّهمًا في هذه النسخة، ولم أجد له فيها أصلًا، كان يخرج إلينا بخط طريٍ وكاغَدٍ جديد. وقال السهمي في " سؤالاته " ص ١٠١: وسألت أبا الحسن الدارقطني عن محمد بن محمد بن الأشعث الكوفي، فقال: آية من آيات الله، ذلك الكتاب هو وضعه، يعني العلويات. قال الحافظ في " اللسان " ٥/ ٣٦٢: وقد وقفت على بعض الكتاب المذكور، وسماه السنن، ورتبه على الأبواب كله بسند واحد، وأورد الدارقطني في " غرائب مالك " من روايته حديثًا، وقال: كان ضعيفًا.
(٢) قال الإمام الذهبي في " الميزان " ٢/ ٨: داود بن سليمان الجرجاني الغازي عن علي بن موسى الرِّضا وغيره، وكذبه يحيى بن معين، ولم يعرفه أبو حاتِم، وبِكُل حال فهو شيخ كذاب، له نسخة موضوعة عن علي بن موسى الرِّضا رواها عنه علي بن محمد بن مهرويه القزويني الصدوق عنه
(٣) روى عن الأعمش، وهشام بن عروة، كذبه يحيى بن معين، وقال علي بن المديني: ضعيف جدًا، وقال أبو حاتم، والنسائي، والدارقطني: متروك الحديث، وقال ابن حبان في " المجروحين " ١/ ٢٤٤ - ٢٤٥: كان يضع الحديث على هشام وغيره وضعًا، لا يحل كتابةُ حديثه إلا على جهةِ التعجب، كذبه أحمد ﵀، وقد ذكر له عدة أحاديثَ موضوعة، وكذا الإمامُ الذهبي في " الميزان " ١/ ٥٤٢ - ٥٤٣، منها " أربعٌ لا يشبعن مِن أربع: أرضٌ مِن مطر، وعينٌ مِن نظر، وأنثى مِن ذكر، وعالمٌ من علم " قال الذهبي: قلت: وكذابٌ مِنْ كَذِبٍ.
(٤) هو عمرو بن خالد القرشي، مولى بني هاشم، أصلُه من الكوفة، انتقل إلى واسط، روى عن زيد بن علي بن الحسين نسخة، وجعفر بن محمد بن علي بن الحسين، وفطر بن خليفة، وحبيب بن أبي ثابت، والثوري، وأبي هاشم الرماني وغيرهم. كذبه غير واحد من الأئمة، وقال أحمد، والنسائي، والدارقطني: متروك، وقال أبو حاتم: متروك الحديث، ذاهب الحديث، لا يُشتغل به. مترجم في " التهذيب ".
[ ٣ / ٣٠٦ ]
إلى أمثالٍ لَهُم (١) كثيرين نَظَمَهم (٢) أمالي السادةِ المذكورينَ.
وخَرَّجَ الهادي ﵇ في الأحكامِ حديثَ حُسينِ بنِ عبدِ الله بن ضمَيْرة فأكثرَ، وحديث أبي هارونَ العَبْدي، واسمُه عُمارةُ بن جُوَين. وكذلك روى القاسمُ عن هذين.
ورَوَى الهادي ﵇ في " المنتخب " عن كادحِ بن جعفرٍ (٣)، وأبي بكرِ بن أبي شَيبة، وعن عَمرو بنِ شعيب، عن أبيهِ، عن جَدِّه، وعن حُسينِ بنِ عبدِ الله بن عُبَيْدِ الله (٤) بنِ العباس وصَحَّحَ حديثَهُ، وعن أبي الزّبيرِ التَّابعي.
وَرَوى الناصر ﵇ عن محمد بن عليِّ بن خلف العَطَّار.
وَرَوَى القاسمُ ﵇ عن ابنِ أبي أُويس (٥) عن حُسينِ بن عبد اللهِ بن ضُميرة وأكثر (٦).
_________________
(١) في (ش): أمثالهم.
(٢) في (ب): تضمنهم.
(٣) مترجم في " الجرح والتعديل " ٧/ ١٧٦ قال أحمد: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: كان من العباد، وكان كوفيًا، فوقع إلى مصر، فسمع من ابن لهيعة وغيره، وهو صدوق، وذكره ابنُ شاهين في " الثقات " ص ٢٧٤، وانفرد الأزديُّ بتضعيفه، وقول الصنعاني في " توضمِح الأفكار" ١/ ٣٢١: في الميزان رجلان، كل واحد منهما اسمه كادح بن جعفر، سبق قلم منه، فإنه لا يوجد فيه إلا واحد، وهو هذا، وأما الثاني فاسمه كادح بن رحمة.
(٤) " بن عبيد الله " سقطت من (ش). وحسين هذا من رجال " التَّهذيب " روى له الترمذي، وابن ماجه، وهو ضعيف، ضعفه ابن معين وغيره، وقال ابن عدي: أحاديثه يُشبه بعضُها بعضًا، وهو ممن يُكتب حديثه (أي: للمتابعة)، فإني لم أجد في أحاديثه حديثًا منكرًا قد جاوز المقدارَ.
(٥) تحرف في (أ) إلى " أوس "، وهو إسماعيل بن عبد الله بن عبد الله بن أويس الأصبحي. وقد تقدم التعريف به ٢/ ٩٢ و٣٣٨.
(٦) في (ب): " فاكثر ".
[ ٣ / ٣٠٧ ]
وقد أثنى الإِمامُ المنصورُ باللهِ ﵇ على أحمدَ بنِ حنبل في " المجموعِ المَنْصوري " في الدعوة العامة إلى جيلان ودَيْلَمَان، وعلى سائرِ أئمةِ الفقهاءِ الأربعةِ، وصرَّحَ الإِمامُ المنصورُ (١) ﵇ فيها بصحةِ مُوالاتِه لأهلِ البيتِ ﵈، وليسَ تَصِحُّ موالاتُه لَهم مع صحةِ تكفيرِهم لَه وتكفيره لَهُم، فهذا أعظمُ العداوةِ وأشدُّ المُبَاينةِ، وسيأتي لهذا مَزيدُ بيانٍ.
والعجبُ من المعترضِ أنَّه كَفَّرَ الرازيَّ، وقال: إنَّهُ وأصحابَه كُفَّارُ عَمْدٍ وتصريحٍ لا خَطأ ولا تأويلٍ، وبعد ذكرِ (٢) ذلكَ أكثرَ من تفسيرِ كلام (٣) الله تعالى بكلامِه، وشَحَنَ تفسيره بنقلِه، وتَجَاسَرَ على روايةِ فضائلِ السُّوَرِ الموضوعةِ مع اتفاقِ عُلماء الأثرِ على وضعِها، ومعرفتِه بذلك، فإنَّه ممَّنْ يعرِفُ ما ذكرَ (٤) ابن الصَّلاحِ في ذلك (٥). ثم مع هذا
_________________
(١) " المنصور " ساقطة من (ش).
(٢) " ذكر " لم ترد في (ش).
(٣) في (ب): كتاب.
(٤) في (ب): ذكره.
(٥) قال في " المقدمة " ص ٩٠ - ٩١: ثم إن الواضع ربما صنع كلامًا من عند نفسه، فرواه، وربما أخذ كلامًا لبعض الحكماء أو غيرهم، فوضعه على رسول الله - ﷺ -، وربما غلط غالط، فوقع في شبه الوضع من غير تعمد، كما وقع لثابت بن موسى الزاهد في حديث: " من كثُرَتْ صلاتُه بالليلِ، حَسُنَ وجهُه بالنهار ". مئال: رُوِّينا عن أبي عصية -وهو نوح بن أبي مريم- أنَّه قيل له: من أين لك عن عكرمة، عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة، فقال: إني رأيتُ الناسَ قد أعرضوا عن القرآن، واشتغلوا بفقه أبي حنيفة، ومغازي محمد بن إسحاق، فوضعتُ هذه الأحاديث حُسْبَة، وهكذا حال الحديث الطويل الذي يُروى عن أُبي بن كعب، عن النبي - ﷺ - في فضل القرآن سورة فسورة، بحث باحث عن مخرجه حتى انتهى إلى من اعترف بأنه وجماعة وضعوه، وإن أثر الوضع لبَيِّنٌ عليه، ولقد أخطأ الواحدي المفسر ومن ذكره من المفسرين في إيداعه تفاسيرهم، والله أعلم. وفي " المنار " لابن القيم ص ١١٣: ومنها ذكر فضائل السور وثواب من قرأ سورة كذا، فلَهُ أجرٌ كذا من أول القرآن إلى آخره، كما ذكر ذلك الثعلبي، والواحدي في أول كل سورة، والزمخشري في آخرها، قال عبد الله بن المبارك: أظن الزنادقة وضعوها.
[ ٣ / ٣٠٨ ]
وقد تحامل هذا المعترض على أئمة الفقهاء الأربعة فأثار نشاطي إلى بذل الجهد في بيان نزاهتهم، وذلك يتبين بذكر أربعة فصول
الفصل الأول: في رد كلام المعترض على قواعد أهل مذهبه خاصة وغيرهم عامة
كلِّهِ يَعيبُ على المُحَدِّثينَ قبولَ مثلِ الشافعيِّ، ومالكٍ، وأحمدَ، والبُخاريِّ، وما أعَلَمُ أفحشَ من هذه العصبيةِ، ولا أكثرَ غَفْلةً مِمَّنْ صَدَرَ عَنْهُ، فاللهُ يُلْهِمُه إلى الرجوعِ من ذلكَ، والإنابةِ عَنه، وقد بَلَغني ذلك (١)، والمرجوُّ صحتُه، حَقَّقَهُ الله تعالى، وخَتَم لنا معًا بالحُسنى والموافقةِ على ما يُحِبُّهُ (٢) ويرضاه (٣).
وقد تحامَلَ هذا المعترِضُ على أئمةِ الفُقهاءِ الأربعةِ، فأثارَ نشاطي إلى بَذلِ الجُهدِ في بيانِ نزاهتِهم عمّا وَصَمَهُم به، ولا سيَّما أحمدُ بنُ حنبل، فإنَّه تَجاسَرَ على تكفيرِه، فأبتدِىءُ بالذبِّ عَنْهُ مع التنبيهِ على عُلُوِّ (٤) محلِّه في الإسلامِ، وصِحَّة موالاتِه لأهلِ البيتِ ﵈، وأنه (٥) جديرٌ بالذَّبِّ عنه والاحترامِ، وذلكَ يَتبينُ بذكرِ أربعةِ فُصولٍ.
الفصلُ الأولُ: في ردِّ كلامِ المعترِضِ على قواعدِ أهل مذهبِهِ خاصةً، وغيرِهم مِنْ عُلماءِ الإسلامِ عامةً.
فأقولُ: إنْ كانَ يُريدُ بما ذَكَرَه القَدْح في روايتِه، فقدْ تَقَدَّمَ القولُ أنَّ ذلك لَا يَقْدَحُ على تقديرِ صحتِه، وأن (٦) الصحيح -خاصَّةً على مذاهبِ الزيديةِ- قَبُولُ أهلِ التأويلِ، وإنَّ علماءَ الزيديةِ رَوَوُا الإجماعَ على ذلكَ، وأنَّ مُنتهي القولِ في ذلك أنَّها مسألةٌ ظَنيَّةٌ لا يُعْترَضُ بها أحدٌ، فراجعْ في ذلك ما تَقَدَّمَ، وإِنْ كان يُريدُ القَطْعَ بتكفيرِ هذا الإِمامِ، فذلك لا يَتِمُّ له إلاَّ
_________________
(١) في (ب): " ذلك عنه ".
(٢) في (أ): يحب.
(٣) في (ش): ويرضى.
(٤) في (ب): بعلو.
(٥) في (ش) لأنه.
(٦) في (ش): فإن.
[ ٣ / ٣٠٩ ]
ونزيد على هذا وجوها
بعدَ تواتُرِ ذلك عنه تَواتُرًا صَحيحًا في الطَّرفين والوسط غيرَ قابلٍ للمُعارضةِ، والتشكيكِ، بنقلِ ألفاظٍ صَريحةٍ ضروريةِ المَعْنى، لا يُمكِنُ احتمالُها لغيرِ ذلك، وكلُّ هذا ممنوعٌ لعدمِ النقلِ القاطعِ و(١) ثبوتِ المُعارضةِ الراجحةِ.
أما عدمُ النقلِ؛ فلأنَّ الخصم إنَّما ادَّعى الاستفاضةَ فيما بينَ علماءِ (٢) الشيعةِ، والجبريةِ، والاستفاضةُ ظنيةٌ لا قطعية، وقد يَستَنِدُ إلى واحدٍ في أوَّلِ الأمرِ كما أَنَّ أحاديثَ الصحاحِ مستفيضةٌ، وشرطُ (٣) التواترِ عزيزٌ.
وقد اجتمعتِ (٤) المعتزلةُ وغيرُهم على نقلِ إجماعِ الصحابةِ والقرابةِ على إمامة الخُلفاءِ الثلاثةِ فَكَذّبَتْهُمُ (٥) الشيعةُ في نقلِهم، ونسبَتْهُم إلى الغَلَطِ، والمعتزلة ومَنْ معَهُم على ذلك على (٦) عددٍ يَزيدُ على التواترِ.
فيَجُوزُ أنْ يكونَ نقلُ أهلِ المقالات عن أحمدَ كنقل المُعتزلةِ ومَن وَافَقَهُم عن القرابةِ والصحابةِ عندَ الشيعةِ، ومَعَ التجويزِ يبْطُلُ القطعُ، والوجهُ في وقوعِ الغَلَطِ من الجمعِ الكثيرِ في نقلِ المذاهبِ أنَّها قَدْ تُنْقلُ بالإلزامِ وبالموآخذةِ ببعضِ الظواهرِ وبالسكوتِ، فلا يحصُلُ بها التواترُ؛ لأنَّ شرطَ التواترِ استنادُ المخبرينَ إلى العِلْمِ الضروريِّ، ونَزيدُ على هذا وجوهًا (٧):
_________________
(١) في (أ): من.
(٢) في (ش): العلماء.
(٣) في (ش): وشروط.
(٤) في (ب) و(ش): أجمعت.
(٥) في (ش): وكذبتهم.
(٦) سقطت من (ش).
(٧) في (ش): ويزيد على هذا وجوه.
[ ٣ / ٣١٠ ]
الوجه الأول: بيان القدح في أصل هذه الرواية
الوجهُ الأولُ: بيانُ القَدْح في أصلِ هذه الروايةِ، وذلك أنَّ أهلَ العلمِ بمذهبِ أحمدَ بنِ حنبل بَيَّنُوا أنَّ ذلكَ لا يُوجَدُ عَنْهُ إلاَّ في رسالةِ أحمدَ بنِ جعفرٍ الإصْطَخري (١). وقد رواها الذهبيُّ في ترجمةِ أحمدَ من " النبلاء " (٢) فقال: أنبؤُونا عن محمدِ بن إسماعيلَ، عن يَحيى بن منْدَه الحافظِ، أخبرنا أبو الوليد الدَّرْبَنْدِيُّ (٣) سنةَ أربعينَ وأربعِ مئةٍ، أخبرَنا أبو
_________________
(١) نسبة إلى اصطخر، مدينة من كور فارس التي تشمل جميع القسم الشمالي من إقليم فارس تقوم على نهر بلوارعلى بضعة أميال فوق اقترانه بنهر الكر، وعلى مسافة يسيرة غرب بقايا القصور الأخمينية. وذكر الطبري أن فتح اصطخر الأخير كان سنة ثمانٍ وعشرين وسط إمارة عثمان ﵁ على يد الحكم بن أبي العاص، فأما فتحها الأول، ففي أيام عمر ﵁، قصدها عثمان بن أبي العاص، فالتقى هو وأهلها بِجُور، فاقتتلوا ما شاء الله تعالى، ثم فتح الله ﷿ على المسلمين جور، واصطخر، ودعاهم عثمان إلى الجزية فأذعنوا، وجمع عثمان ما أفاء، فخمَّسَهُ، وبعث بالخمْسِ إلى عمرَ ﵁، وقَسمَ الباقي في الناس، وعفَّ الجند عن النِّهاب، وأدوا الأمانة، فجمَعَهُم عثمانُ، وقالَ لهم: إن هذا الأمر لا يزالُ مقبلًا وأهله مُعَافَوْنَ مما يكرهون ما لم يَغُلُّوا، فإذا غَلُّوا رأوا ما يكرهون، ثم إن سهرك خلع في آخر إمارة عمر ﵁، وسَطَا على فارس، ودعاهم إلى النقض، فوجَّه إليه عثمان بن أبي العاص ثانية، وأمَدَّه بالرجال واقتتلوا، وقتل من المشركين مقتلة عظيمة، وولي قتل سهرك الحكمُ بن أبي العاص أخو عثمان بن أبي العاص. وأحمد بن جعفر هذا ترجم له ابن أبي يعلى في " طبقات الحنابلة " ١/ ٢٤ ترجمة لا تُخرجه عن حَيِّزِ الجهالة، فقد جاء فيها: أحمد بن جعفر بن يعقوب بن عبد الله أبو العباس الإصطخري، روى عن إمامنا أشياء، ثم ذكر رسالته المطولة التي أورد الإمام الذهبي جزءًا منها من طريق المبارك بن علي بن عمر البرمكي، أخبرنا أحمد بن عبد الله المالكي، حدثنا أبي، حدثنا محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن يعقوب بن زوران، به.
(٢) ١١/ ٣٠٢ - ٣٠٣.
(٣) نسبة إلى دَرْبَنْد، أجل موانىء بحر قزوين، وتسميه العرب: باب الأبواب، قال ياقوت في " معجم البلدان " ٢/ ٤٤٩: وينسب إليه الحسن بن محمد بن علي بن محمد الصوفي البلخي أبو الوليد المعروف بالدَّربَنْدي، وكان قديمًا يكنى بأبي قتادة، وكان ممن رَحَلَ في طلب الحديث، وبالغ في جمعه، وأكثرَ غايةَ الإكثار، وكانت رحلته من ما وراء النهر إلى الإسكندرية، وأكثر عنه أبو بكر أحمد بن علي الخطيب في التاريخ، مرة يُصَرَّحُ بذكر، ومرة يدلِّسُ، ويقول: أخبرنا الحسن بن أبي بكر الأشقر، وكان قرأ عليه تاريخ أبي عبد الله غنجار، ولم يكن له كبير معرفة بالحديث غير أنَّه كان مكثرًا رحالًا. =
[ ٣ / ٣١١ ]
بكرٍ محمدُ بن عُبيد (١) اللهِ بن الأسود بدمشقَ، أخبرنا عبدُ الله بنُ محمد بن جعفر النُّهَاوَنْدِيُّ، أخبرنا أبو بكرِ بنُ محمدِ بنِ إبراهيمَ بن زوران لفظًا، حدثنا أحمدُ بن جعفر الإصْطَخْري، قال: قالَ أبو عبد الله أحمدُ (٢) بنُ حنبلٍ: هذا مذهبُ أهلِ العلمِ والأثرِ، فمَنْ خالَفَ شَيئًا مِنْ ذلكَ أوْ عَابَ أهَلَها، فهو مبتدعٌ، وساقَ عقيدةً قبيحةً فيها (٣): أنَّ الله تعالى على العرشِ، وهو مَوْضِعُ قدميه، وأنه كلَّم موسى تكليمًا مِن فيه.
قالَ الذهبيُّ: إلى أنْ ذكرَ شيئًا مِنْ هذا الأُنْموذج المُنْكَرِ، والأشياء التي واللهِ ما قَالَها الإمامُ أحمدُ، فقاتَلَ الله وَاضِعَها
ثم (٤) قالَ الذهبيُّ: فانظرْ إلى جهلِ المحدثينَ كَيْفَ يَروون (٥) مثلَ هذهِ الخُرَافةَ وَيسْكُتون عَنْها (٦).
قلتُ: في إسنادِها جماعة، ما عَرَفْتُهم، وعنعنةٌ في مواضعَ تحتمِلُ
_________________
(١) = وترجم له الذهبي في " تذكرة الحفاظ " ٣/ ١١٥٥، و" السير " ٨/ ٢٩٧، ونقل عن ابن النجار أنَّه مكثر صدوق، لكنه رديء الحفظ (وفي " السير ": الخط) ولم يكن له كبير معرفة بالحديث، وأرَّخ وفاته سنة ٤٥٦ هـ.
(٢) في (ش): عبد.
(٣) " أحمد " لم يرد في (ش).
(٤) في (ش): منها.
(٥) من قوله: " قال الذهبي " إلى هنا سقط من (ش).
(٦) في (أ) يرون.
(٧) رحم الله الإمام الذهبي، ورضي عنه، وجزاه عن الإسلام خيرًا، فهو بحق كما وصفه تلميذُه الصلاح الصفدي في ترجمته من " الوافي " ٢/ ١٦٣ بعد أن ذكر أنَّه اجتمع به، وأخذ عنه، وقرأ عليه كثيرًا من تصانيفه: ولم أجد عنده جُمودَ المحدِّثين، ولا كَوْدَنَة النَّقَلَة، بل هو فقيهُ النظر، له دِرْيةٌ بأقوالِ الناس ومذاهبِ الأئمة من السَّلَفِ، وأربابِ المقالات، وأعجبني منه ما يُعانيه في تصانيفه من أنَّه لا يتعدى حديثًا يورده حتى يبين ما فيه من ضعف متن أو ظلام إسناد، أو طعن في رواته، وهذا لم أرَ غيرَه يُراعي هذه الفائدة فيما يُورِدُه.
[ ٣ / ٣١٢ ]
سقوطَ بعضِ المجاريح، وفي إسنادِها عبدُ الله بن محمد بن جعفر، في (١) الرُّواةِ ثلاثةُ كَذَبةٍ مجاريحُ، كلُّهم يُسَمَّى عبدَ اللهِ بن محمد بن جعفر أحدُهم قاضي كنيتُه أبو القاسم. قال الذهبيُّ في " الميزانِ " (٢) في ترجمتِهِ: قالَ ابن المُقرىء: رَأيْتُهم يُضَعِّفُونهُ ويُنكرونَ عليه أشياءَ، وقال ابن (٣) يونُس: كانَ فَقيهًا على مذهبِ الشافعيِّ، وكانَ يُملي ويجتمع عليهِ الخلقُ، فَخَلَطَ في الآخر (٤)، و(٥) وضَعَ أحاديثَ على متونٍ معروفةٍ وزادَ في نُسَخٍ مَشهورة، فافتُضِحَ وحُرِقَتِ الكتبُ في وجهِهِ، وقال الحاكمُ، عن (٦) الدارقطنيّ: كذابٌ، ألَّفَ كتابَ " سننِ الشافعيّ "، وفيها نحوُ مِئَتَيْ حديثٍ لم يُحَدِّثْ بها الشافعيُّ، قال ابنُ زَبْر ماتَ سنةَ ٣١٥.
ومنهم عبدُ اللهِ بنُ محمد بن جعفر بن شَاذَان، شيخٌ لا يُعرَفُ، كَذَّبَهُ ابن الجَوْزيّ.
ومنهُم عبدُ اللهِ بن محمد بن جعفر المخَرَّميّ كَذَّبَهُ الدارَقُطنيُّ والكبارُ، انتهى كلامُ الذهبي في " الميزانِ ".
قلتُ: وقد رُوِيتْ هذه العقيدةُ المنكرةُ عن (٧) أهلِ الحديثِ والسنةِ، لا عن أحمدَ، بطريقينِ غيرِ هذه الطريقِ، وكلا الطريقينِ غيرُ صحيحٍ.
_________________
(١) في (ش): وفي.
(٢) ٢/ ٤٩٥ و٤٩٨.
(٣) تحرف في (ب) إلى: " أبو".
(٤) في (ش): الأحرف.
(٥) الواو ساقطة من (ش).
(٦) " عن " سقطت من (ب).
(٧) في (ب): عند.
[ ٣ / ٣١٣ ]
أحدُهما: طريقُ الأشعريِّ عنهم، ذكرَها ابنُ قيْمِ الجَوْزيةِ عَنْهُ في البابِ الأولَ من " حادي الأرواح " (١).
وقالَ الذهبيُّ في ترجمةِ زكريا بن يَحيى المعروفِ بالسَّاجي في الطبقة العاشرةِ من " التذكرة " (٢): إن الأشعريَّ أخَذَ عن السَّاجي تحريرَ (٣) مقالةِ أهلِ الحديثِ والسلفِ، قالَ الذهبيُّ: قال ابن بَطَّة: حدثنا أحمدُ بن زكريا بن يحيى السَّاجي، قال (٤): قال أبي: القولُ في السنةِ الَّتي رأيتُ عَلَيها أهلَ الحديثِ الَّذِين لَقِيتُهم: أنَّ اللهَ عَلَى عرْشِهِ في سمائِهِ يَقْرُبُ (٥) من خلقِه كيفَ شَاءَ، وذكرَ سائرَ الاعتقادِ. انتهى.
قال الذهبيُّ في " الميزانِ " (٦) في ترجمةِ زكريا بن يحيى السَّاجي راوي (٧) هذا الاعتقاد: قال أبو الحسنِ القطان: مختلفٌ فيهِ في الحديثِ، وثَّقه قومٌ وضَعَّفَهُ آخرونَ.
قلت: فسقَطَ الاحتجاجُ بهِ (٨)، أمَّا إنْ قُلنا بتقديمِ الجَرحِ فواضحٌ،
_________________
(١) ص ١١ - ١٤، وقد نقلها ابن القيم من كتاب " مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين " ص ٢٩٠ - ٢٩٧ للإمام أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري المتوفى سنة ٣٢٤ هـ.
(٢) ٢/ ٧٠٩.
(٣) سقطت من (ب).
(٤) سقطت من (ب)، وهي أيضًا ساقطة من المطبوع من " تذكرة الحفاظ ".
(٥) في (ب): تقرب.
(٦) ٢/ ٧٩.
(٧) في (ش): " روى "، وهو خطأ.
(٨) فيه نظر، فقد انفرد أبو الحسن بن القطان بهذه المقالة، ولم يُتابعه عليها أحد، وقول الإمام الذهبي فيه في " الميزان ": أحد الأثبات، ما علمتُ فيه جرحًا أصلًا، يرد مقالة أبي الحسن بن القطان، ووصفه في " تذكرة الحفاظ " ٢/ ٧٠٩، و" السير " ١٤/ ١٩٧، و" العبر " ٢/ ١٣٤ بالإمام الثبت الحافظ محدث البصرة، وشيخها، ومفتيها، وأنه من أئمة =
[ ٣ / ٣١٤ ]
وإنْ قُلنا بتقديمِ الراجحِ، فلِعدم وضوحِ الراجح معَ أنَّه ليسَ في روايته إِلاَّ عَمَّن رأي وأدْرَك، وهذهِ عبارهٌ مُحتَمَلةٌ، وقد يكونُ له جماعةُ شيوخٍ مبتدعةٌ، فيُطلِقُ عنهمْ مثلَ هذا، وإنَّما هُوَ عنهم لا سيَّما مع ضعفِه وكم في دَعاوي الإجماعِ نحوُ هذا؟.
الطريقُ الثانيةُ: أَشارَ إليها في البابِ السبعين (١) من هذا الكتابِ المذكورِ (٢) لابنِ قَيمِ الجَوزيةِ ذكَرَها عن حرب (٣)، و(٤) هو ابنُ إسماعيلَ الكِرْماني من أصحاب أحمدَ، ذكره الذهبيُّ في " التذكرة " (٥)، فلَمْ يذكرْ
_________________
(١) = الحديث، وذكر أن له مصنفًا جليلًا في علل الحديث يدل على تبحره وحفظه. وقال الحافظ في " لسان الميزان " ٢/ ٤٨٨: ولا يغترَّ أحدٌ بقول ابن القطان، قد جازف بهذه المقالة، وما ضعف زكريا السَّاجي هذا أحدٌ قَط كما أشار إليه المؤلف (يعني الذهبي)، وقد كان مع معرفته بالفقه، والحديث، وتصنيفه في الاختلاف كتابه المشهور، وفي العلل كتابه الآخر، عاليَ الإسناد، سمع من عبيد الله بن معاذ، وأبي الربيع الزهراني، وعبد الواحد بن غياث، وهدبة، وأبي كامل الجحدري، وعبد الأعلى بن حماد، وابن أبي الشوارب وغيرهم من شيوخ مسلم، وحدث عن أبيه يحيى، عن جرير، ورحل من مصر، والحجاز، والكوفة، روى عنه أبو بكر الإسماعيلي، وأبو أحمد بن عدي، وأبو عمرو بن حمدان، وابن السقاء، ويوسف بن يعقوب النجيرمي، وعلي بن يعقوب الوراق وغيرهم، وحدَّث عنه أيضًا أبو الحسن الأشعري، وأخذ عنه مذاهب أهل الحديث، وذكره ابن أبي حاتم ٣/ ١٠٦ فقال: كان ثقة، يعرف الحديث والفقه، وله مؤلفات حسان في الرجال، واختلاف العلماء، وأحكام القرآن. قلت: وبعد أن انتهى أبو الحسن الأشعري من حكاية قول أصحاب الحديث، وأهل السنة في المعتقد، قال: وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول، وإليه نذهب، وما توفيقنا إلا بالله، وهو حسبنا، ونعم الوكيل، وبه نستعين، وعليه نتوكل، وإليه المصير.
(٢) تحرفت في (أ) و(ب) و(ج) إلى " التسعين "، والتصويب من (ش).
(٣) ص ٢٨٧ - ٢٩٢.
(٤) تحرفت في (ش) إلى: حرف.
(٥) الواو ساقطة من (ش).
(٦) ٢/ ٦١٣، ووصفه بالفقيه الحافظ، وترجم له أيضًا في " السير " ١٣/ ٢٤٤ - ٢٤٥، وجاء فيه: قال الخلال: كان رجلًا جليلًا، حثني المرُّوذي على الخروج إليه. قلت (القائل الذهبي): مسائل حرب من أنفس كتب الحنابلة، وهو كبير في مجلدين، قيد تاريخ =
[ ٣ / ٣١٥ ]
أنَّ أحدًا وثَّقَه، ولو ظَهَرَ الإِسنادُ إليه لظهر من فيهِ من الضعفاءِ، ومَنْ لا يُوثَقُ بهِ.
ويُعارِضُ هذينِ الروايتينِ عن أهلِ السنةِ ما رواه الإمامُ الثقةُ الحجةُ المتفقُ على ثقتِه وأمانتِه (١) يحيى بنُ شرفِ الدين النواوي في " شرحِ مسلمٍ " (٢) في تفسيرِ قولهِ تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢]، كما يأتي قَريبًا في الوجهِ الثالثِ، ومَا اشتملَ عليهِ كتابُ " الأسماءِ والصفاتِ " للبيهقي (٣)، وهو أنفسُ كتابٍ في هذا المعنى، فَلَوْ صَحَّ التمسكُ في تكفيرِ أئمةِ الإِسلامِ ولَطْخِهم بالرذائلِ بمثل هذه (٤) الطريقةِ، لَزِمَ المعترضَ طَرْدُ هذه القاعدةِ الفاسدةِ، وقبولُ ما وجد في كتابِ " الكاملِ المنيرِ " (٥) من أنَّ القاسمَ يقولُ: بأنَّ الإمامَ يجِبُ أن يكونَ يعلَمُ
_________________
(١) = وفاته عبد الباقي بن قانع في سنة ثمانين ومئتين، قال الذهبي: عُمِّرَ وقاربَ التسعين، وما علمت به بأسًا رحمه الله تعالى.
(٢) " ثقته وأمانته " سقطت من (ش).
(٣) ٣/ ١٩، وسيذكر المصنف نص قريبًا.
(٤) طبع الكتاب بمطبعة السعادة بمصر سنة ١٣٥٨ هـ، وعليه تعليقات للشيخ محمد زاهد الكوثري. وقد ألف الإمام البيهقي كتابًا في مناقب الإمام أحمد دفع فيه ما نسب إليه بعض أصحابه من الكلمات الموهمة، ومن جملة ما قال فيه نقلًا عن الإمام أبي الفضل التميمي رئيس الحنابلة ببغداد، وابن رئيسها: أنكر أحمد على من قال بالجسم، وقال: إن الأسماء مأخوذة من الشريعة واللغة، وأهل اللغة وضعوا هذا الاسم على ذي طول وعرض وسمك وتركيب وصورة وتأليف، والله سبحانه خارج عن ذلك كله، فلم يجز أن يسمى جسمًا لخروجه عن معنى الجسمية، ولم يجىء في الشريعة ذلك، فبطل.
(٥) في (ش): " بهذه " وهو خطأ.
(٦) تمامه: " الكامل المنير جوانب الخوارج " للقاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم، وهو في الرد على الخوارج الذين طعنوا فيه على أمير المؤمنين، وعنفوا شيعته. منه نسخة خطية في المكتبة الغربية بالجامع الكبير بصنعاء في ٦٢ ورقة، كتب بخط نسخي جيد سنة ١٣٥٢ هـ. انظر " الفهرس " ص ١٩٨. =
[ ٣ / ٣١٦ ]
الوجه الثاني: المعارضة لذلك بثناء الإمام المنصور بالله على أحمد
الغيبَ، ومَا نُسِبَ إلى بعضِ كبارِ الأئمةِ من القولِ بأنَّ العرشَ هو الله، لأنَّه عبارةٌ عن الملكِ، والمُلكُ صفةٌ لله، والصفةُ هي الموصوفُ، وأمثالُ ذلك ممَّا لا تَحِلُّ نسبتُه إلى مسلمٍ من المسلمينَ، كيفَ إلى أئمةِ المسلمينَ، وأركانِ الدينِ؟ سلامُ الله عليهم. وبهذا ظَهَر الطعنُ عند أصحابِ أحمدَ بنِ حنبل وغيرِهم في أصلِ هذهِ الروايةِ عن أحمد، ثم عن أهلِ الحديثِ، والحمدُ لله (١).
الوجهُ الثاني: المعارضةُ لذلك بثناءِ الإمام المنصورِ بالله على أحمدَ بنِ حنبل كما تقدَّمَ نصُّه ﵇ على صحة (٢) ولايتِه لهم، وذلكَ يَمْنَعُ من (٣) أن يُكَفِّروة، ويُكَفِّرَهم، لأنَّ التكفيرَ أعظمُ العداوةِ، ويُؤيِّدُ ذلك ذكرُ أهلِ البيتِ لمذاهبِه (٤)، وكذلكَ سائرُ العلماء، واعتدادُهم بخلافِهِ، وعدمُ انعقادٍ الإجماعِ دونَه. ولو كانَ عندَهم كافرًا كما ذكرَ المُعْترِضُ، ما حفِظُوا مذاهبَهُ، وألْقَوْها في الدروسِ، كما لم يَفْعَلُوا ذلك
_________________
(١) = وجاء في " الأعلام " للزركلي ٥/ ١٧١: القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل الحسني العلوي، أبو محمد، المعروف بالرسي (١٦٩ - ٢٤٦ هـ): فقيه، شاعر، من أئمة الزيدية، وهو شقيق ابن طباطبا (محمد بن إبراهيم) كان يسكن جبال " قدس " من أطراف المدينة، وأعلن دعوته بعد موت أخيه (سنة ١٩٩ هـ) ومات في الرس (وهو جبل أسود بالقرب من ذي الحليفة على ستة أميال من المدينة) له ٢٣ رسالة - خ في " الإمامة "، و" الرد على ابن المقفع - ط " مع ترجمة إلى الإيطالية، و" سياسة النفس "، و" العدل والتوحيد "، و" الناسخ والمنسوخ " وأمثال ذلك، ذكره المرزباني في الشعراء، ولم يشر إلى إمامته أو كتبه. وأورد له شعرًا جيدًا. منه أبيات آخرها: إذا أكدى جنى وطنٍ فلي في الأرضِ منعرج وقال: من ولده حسين بن الحسن بن القاسم الزيدي صاحب اليمن.
(٢) في (ب): ولله الحمد.
(٣) " صحة " سقطت من (ش).
(٤) " من " سقطت من (ب) و(ش).
(٥) في (ب): لمذهبه.
[ ٣ / ٣١٧ ]
في مذاهبِ الباطنيةِ ونحوِهم، وقد صرَّح بتنزيهِهِ من ذلكَ علاّمةُ المعتزلةِ عبدُ الحميدِ بنُ أبي الحديدِ في شرحِهِ " لنهجِ البلاغة " (١) فقال ما لفظُه: أمَّا (٢) أحمدُ بنُ حنبل -رحمه اللهُ تعالى- فلَمْ يَثْبُتْ عَنه (٣) تَشبيهٌ ولا تَجسيمٌ أصلًا، وإِنَّما كانَ يقولُ بتركِ التأويلِ فَقَط، ويُطْلِق ما أطلَقة الكِتابُ والسنةُ، ولا يَخُوضُ في تأويلهِ، ويقفُ على قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّه﴾ [آل عمران: ٧]، وأَكثرُ المحققينَ من أصحابِهِ على هذا القول، انتهى بحروفه. وفيه الترحمُ عليه وتنزيهُ المحققينَ من أصحابِه أيضًا عن ذلك. وهذه أصدقُ شَهادةٍ، وأبعدُ روايةٍ عن كلِّ رِيْبَةٍ، ذكرَهُ في النوعِ الثاني في الفصلِ الرابعِ من شَرحِ خُطبةِ عليٍّ ﵇ التي (٤) أولُها: " الحمدُ لله الذي بَطَنَ (٥) خَفِيَّاتِ الأُمورِ، ودَلَّتْ عليهِ أعلامُ الظُّهورِ "، إلى قوله ﵇: " فَهُوَ الَّذِي يَشْهَدُ له أعلامُ الوجودِ على إِقْرارِ قلبِ ذي الجُحُودِ، تعالَى اللهُ عمَّا يقول المشَبِّهُونَ بهِ والجاحدونَ لَهُ عُلُوًّا كبيرًا ".
وكذلك ذكر الشيخُ مختارٌ المعتزليُّ -في كتابِه " المُجتبى " في الكلامِ (٦) في التكفيرِ-: أنَّ تكفيرَ المشبهةِ قولُ شيوخِ المعتزلة، إِلَّا أبا الحُسينِ، وأنَّ تكفيرَهُم قول أكثرِ أهلِ السنةِ والأشْعَريَّةِ، وهذا (٧) معَ
_________________
(١) ٣/ ٢٢٩.
(٢) في (ب): فأما.
(٣) في (ش): عليه.
(٤) في (ش): " الذي "، وهو خطأ.
(٥) في (أ) و(ش): " نطق "، وهو تحريف.
(٦) " في الكلام " سقطت من (ب).
(٧) في (ش): فهذا.
[ ٣ / ٣١٨ ]
الوجه الثالث: المعارضة لذلك من رواية الحنابلة وأهل الحديث
العلمِ بتعظيمهِم (١) لأحمدَ بنِ حنبلٍ، واختصاصهم به يدُلُّ على أَنَّهُ عِندَهُم غيرُ مُجَسِّمٍ ولا (٢) مشبّهٍ، ولله الحمدُ.
ومنَ العجبِ أنَّ المعترِضَ لا يزالُ يُقْرِىء (٣) مذاهبَه، فكيف استحَلَّ ذلكَ مع اعتقاده لكفرِه، وإذا كانت الروايةُ عنه مُحَرَّمةً، فكذلكَ تقليدُه والاعتدادُ بِهِ في الإجماع، وذِكْرُ خلافِه معَ العلماءِ في الفروعِ يُوهِمُ ذلكَ، فبانَ بهذا أنَّ المعترِضَ مُمارٍ غيرُ متدينٍ ولا طالبٍ معرفةَ حقٍّ ولا تَعريفَه، نسألُ الله السلامةَ. فهذا الوجهُ ممَّا يدُلُّ على تنزيهِ أحمَد عنِ الكُفْرِ من نقل أئمةِ الزيديةِ (٤) وعلمائِهم.
الوجهُ الثالثُ: المعارضةُ لذلكَ من روايةِ الحنابلةِ وأهلِ الحديثِ، فمنْ ذلكَ -وهو أوضحُهُ-: أنَّ الذهبيَّ عَدَّ مصنفاتِ أحمدَ في " النبلاء " (٥) فذكرَ منها كتابَ " نفي التشبيه " مجلد، ومنها مسألةُ الإِيمانِ، صنَّف فيها، قال أبو داودَ: سمعتُه يقول: الإيمانُ يَزيدُ وينقُصُ، البرُّ كلُّه من الإِيمانِ.
ومن ذلكَ أنَّ النواويَّ ذكرَ حديثَ: " يَومَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ " في " شرحِ مُسلمٍ " (٦)، فقالَ ما لفظُهُ: اعلمْ أنَّ لأهلِ العلمِ في أحاديثِ الصفاتِ وآياتِ الصفاتِ قولينِ:
أحدُهما - وهوَ مذهَبُ معظمِ السلفِ أو كُلِّهم: أنَّهُ لا يُتَكلَّمُ في
_________________
(١) في (أ) و(ب): لتعظيمهم.
(٢) " لا " سقطت من (ب).
(٣) في (ش): يقرأ.
(٤) في (ب) و(ش): الزيدية والمعتزلة.
(٥) ١١/ ٣٢٧ - ٣٣١.
(٦) ٣/ ١٩.
[ ٣ / ٣١٩ ]
معناها، بل يقولُونَ: يَجِبُ علينا أنْ نؤمِنَ بها ونعتقدَ لها معنى يَليقُ بجلالِ اللهِ تَعالَى مع اعتقادِنا الجازِم أنَّهُ ليس كمثلِهِ شيءٌ، وأنَّهُ (١) مُنَزَّهٌ عنِ التجسيم، وعن سائرِ صفاتِ المخلوقِ، وهذا القولُ هو مذهبُ جماعةٍ منَ المتكلمينَ، واختارَه جماعةٌ من محققيهم، وهو أسلمُ.
القولُ الثاني -وهو مذهبُ (٢) مُعظمِ المتكلمين-: أنَّها تُتأوَّلُ، وإنَّما يَسوغُ تأويلُها لِعارفٍ بلسانِ العربِ وقواعدِ الأصولِ والفروعِ، ذي رياضةٍ في العلمِ. انتهى.
وفيهِ الشهادةُ ببراءةِ (٣) أحمدَ والمحدثينَ ممَّا في " رسالةِ الإِصْطَخري " التي نصَّ الذهبيُّ أنَّها خُرافةٌ موضوعةٌ، وقال (٤): قاتلَ اللهُ واضعَها، وبراءةِ (٥) المحدثينَ ممَّا لَطَّخَهُم به الأشعريُّ والسَّاجي.
ومما يُقَوِّي ذلك غايةَ القُوةِ ما يأتي (٦) إِنْ شاءَ اللهُ في ترجمةِ أحمدَ في أمرِ المِحْنَةِ وأنَّه (٧) حُبِسَ وامتُحِنَ، فضُرِبَ (٨) بسببِ امتناعِه من القولِ بخلقِ القرآنِ وكان المأمونُ والمعتصمُ والواثقُ -وهم خلفاءُ عصرهِ- على رأي المُعتزلةِ فَلَوْ كَانَ مُجَسِّمًا، لأظهرَ ذلك كما أظهرَ القول بأنَّ القرآنَ غَيْرُ مخلوقٍ مَع تكفيرِهم لَهُ بذلك، ولو أظهرَ التجسيمَ لذُكِرَ ذلك، وضُرِبَ
_________________
(١) في (أ): فإنه.
(٢) سقطت من (ش).
(٣) في (ش): بنزاهة.
(٤) تحرفت في (أ) إلى: وقد.
(٥) في (ش): ونزاهة.
(٦) " يأتي " سقطت من (أ).
(٧) في (ش): فإنه.
(٨) في (ب): " وضرب "، وسقطت من (ش).
[ ٣ / ٣٢٠ ]
عَلَيهِ، فإنَّهُ أعظمُ من مسألةِ القرآنِ.
وأيضًا قد (١) كانُوا في مناظرتِهم لَهُ يُلْزِمُونه التجسيمَ والتشبيهَ، وهو لا يَلْتَزِمُه. كما يأتي في المِحنةِ، فلو كانَ مُتظاهرًا به، لَمَا احتاجُوا إلى إلزامِه، ولصَرَّحَ به (٢) كما صَرَّحَ بأنَّ القرآنَ غَيرُ مخلوقٍ، وناظرَ عَلَيْهِ معَ التعذيبِ الذي هُوَ أشدُّ من القَتل وفي (٣) هذا أعظمُ براءةٍ لَهُ ولأئمةِ الحديث من التُّهمة (٤) بالتشبيهِ، فتأمَّلْهُ (٥).
وقالَ شيخ الحنابلةِ بالاتفاقِ (٦) أبو محمدٍ عبدُ الله بن أحمد بن محمد بن قُدامة المقدسيُّ في خطبة كتابه " الكافي " (٧) الذي جَمَعَهُ على مذهبِ أحمدَ ما لفظه: " الحمدُ للهِ الواحدِ القَهَّارِ "، إلى قوله: " الذِي امتنعَ عَنْ تمثيلِ الأفكارِ، وارتفعَ عَنِ الوصفِ بالحدِّ والمقدارِ " إلى آخر كلامه، وهذا الكتابُ من أجلِّ كتبِ الحنابلةِ المعتَمدة عندَهم، فكيفَ تَرَاهم يَفْتَتحونَه بنَقِيضِ (٨) مذهبِهم ومذهبِ إمامِهِم.
وفي شرحِ " جمعِ الجوامع ": ونقلَ صاحبُ الخصالِ من الحنابلةِ عن أحمدَ، أنَّهُ قالَ: من قالَ: جسمٌ لا كالأجسامِ كَفَرَ، مع اختلافِ أئمةِ الزيدية والمعتزلة في تكفيرِ منْ قالَ بهذه المقالةِ كما سيأتي (٩) حتى قال ابن
_________________
(١) في (ب) و(ش): فقد.
(٢) " به " سقطت من (ب).
(٣) " في " سقطت من (ش).
(٤) " من التهمة " ساقطة من (ش).
(٥) في (ش): فتأمل.
(٦) سقطت من (ش).
(٧) ١/ ١، وتقدم التعريف به في ص ٢٣٨ من هذا الجزء.
(٨) في (ش): بنقض.
(٩) في (ب): كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
[ ٣ / ٣٢١ ]
أبي الحديد في " شرحه " (١): إِن أمر المخالفين في ذلك سهلٌ، لأنَّهُ (٢) خلافٌ في (٣) عِبارةٍ، ذكرَهُ في شرحِ الخُطبةِ المذكورةِ قبلُ، وأجْلَي من هذا ما (٤) في خُطَبِ ابنِ الجَوْزي منَ التنْزِيهِ ونفيِ التشبيهِ، وابنُ الجوزيِّ من أئمةِ الحنابلة بالاتفاق، وخطبُه ومواعظُه (٥) عُمدَتُهم في جُمُعاتِهِم ومَحَافِلِهم، وأنَا أُورِدُ مِنها ما يَشْهَدُ بصحةِ ما ذكرتُه، فمِنْ ذلك قوله في كتابِ " المُدْهِشِ " (٦) في قولهِ تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ﴾:
أول: لَيس لَهُ مبتدأ، آخر: جلَّ عن مُنتهي [ظاهر بالدليل باطن بالحجاب] يُثْبِتُهُ العقلُ، ولا يُدرِكُه الحِسُّ، كلُّ مخلوقٍ محصورٌ بحدٍّ، مأسورٌ في سُورِ قُطْرٍ (٧)، والخالقُ بائنٌ مبايِنٌ يُعْرَفُ بعدمِ مألوفِ التعريفِ، ارتفَعَتْ لعدمِ الشِّبْهِ (٨) الشُّبَه، إنَّما يَقَعُ الإشكَالُ في وصفِ مَنْ لَه أشكالٌ، وإنَّما تُضْرَبُ الأمثالُ لِمَنْ لَه أمثالٌ، فأمَّا مَنْ لَم يَزَلْ وَلاَ يزالُ (٩)، فما للحِسِّ معه مجالٌ، عظَمَتُه عَظُمَتْ عَن نيلِ كفِّ الخيالِ، كيفَ يُقَالُ: كَيْفَ والكَيْف في حَقِّهِ مُحالٌ؟ أنَّى تَتَخايَلُهُ الأوْهَامُ وهي
_________________
(١) ٣/ ٢٢٨.
(٢) تحرفت في (ج) إلى " لا ".
(٣) سقطت من (ش).
(٤) في (ش): ما جاء.
(٥) وهو -وإن كان كما قال الذهبي في " السير " ٢١/ ٣٦٧ رأسًا في التذكير بلا مدافعة، يقول النظم الرائق، والنثر الفائق بديهًا، ويُسهبُ، وُيعجبُ، ويُطربُ، ويطنبُ، لم يأتِ قبلَه ولا بعدَه مثلُه - يُكثر في تصانيفه الوعظية من إيراد الأحاديث الموضوعة، وما يُقاربها مما لا تَصح نسبتُه إلى رسول الله - ﷺ -.
(٦) ص ١٣٧.
(٧) في (ب): بسور قطر.
(٨) في (ش): التشبيه.
(٩) في (ش): يزول.
[ ٣ / ٣٢٢ ]
صنعتُه؟ كيف تحدُّهُ العقولُ وهي فِعْلُه؟ كيف تَحويهِ الأماكِن وهي وَضْعُه؟ انقطَع سيرُ الفِكْرِ، وقفَ سُلوكُ الذِّهن، بَطَلَتْ إشارة الوَهمِ، عَجز لطفُ الوصفِ، غشِيَتْ عين (١) العَقْلِ، خَرِسَ لسانُ الحِسّ، لا طَوْرَ للقدَمِ في طَورِ القِدَمِ، عَزَّ المَرْقَى (٢)، فَيئِسَ المُرْتَقَى (٣)، بَحرٌ لا يَتَمكَّنُ مِنْهُ غَائِصُ، ليلٌ لا يَبِصُّ (٤) للعينِ (٥) فيه كوكبٌ.
مَرامٌ شَطٌّ مَرمَى العَقْلِ فِيهِ فدُون مَدَاهُ بِيدٌ لَا تبيدُ
جادَّةُ التَّسليمِ سليمةٌ، وادي النٌقْلِ بلاقِعُ، انْزِلْ عَنْ عُلُوّ علوّ الشبيه، ولا تعل قُلَلَ أباطيلِ التَّعْطِيلِ، فالوادي بينَ الجبلينِ. ما عَرَفَهُ مَنْ كَيَّفَه، ولا وحَّدَهُ مَنْ مَثَّلَه، ولا عَبَدَهُ من شَبَّهَة، المشبِّه أعْشى، والمُعَطِّل أَعْمى، مما يتنزه عنه مم؟ فيما (٦) يجبُ نَفْيُهُ فيمَ؟ جَلَّ وجوبُ وجودِهِ عن رجمِ " لَعَلَّ "، سبقَ الزمانُ، فلا يُقالُ: " كان "، أبرزَ عرائسَ الموجوداتِ من كِنِّ " كُنْ "، بثَّ الحكمَ، فلَمْ يعارَضْ بـ " لِمْ "، تَعالى عن بَعْضيَّهِ " من "، وتقدّسَ عن ظرفيَّة " في "، وتنزَّه عن شِبِه (٧) " كأنَّ "، ويعَظُّم عن نقصِ " لَوْ أن "، وعَزَّ (٨) عَنْ عَيبِ " إلَّا أَنْ "، وسمَا كمالُه عَنْ تَدَارُكِ " لكنّ ".
_________________
(١) تحرفت في (ب) إلى " عن ".
(٢) في (ش): المرتقى.
(٣) ساقطة من (ش).
(٤) في " المدهش ": يبين.
(٥) في (ش): العين.
(٦) في (ب): مما.
(٧) في (ش): شبيه.
(٨) " عز " سقطت من (ش).
[ ٣ / ٣٢٣ ]
وقال في كتاب " اللطف ": لا بِصفَةِ الأول علم له مبتدأ، ولا بالآخر (١) صار له مُنتهى، ولا مِنَ الظَّاهِرِ فهم له شبح، ولا مِنَ الباطن تعطَّل له وصفٌ، خرست في حظيرة القُدس صولة " لِمْ "، وكفَّتْ لِهَيْبَةِ الحقِّ كفٌّ " كيف "، وعَشِيَت لجلال العزِّ عين الفكر، فأقدام الطَّلَبِ واقفةٌ على جمر التَّسليم، جل عن أشباهٍ وأمثال، وتقدَّس أن تُضرب له الأمثال (٢)، فإِنَّما يقع الاشتباه (٣) والإشكال في حقِّ مَنْ له أشكال، المشبِّهُ مُلَوَّثٌ بدم التَّجسيم، والمعطِّلُ نجس بسرجين الجُحود، و(٤) نصيبُ المُحِق لبن خالصٌ هو التَنزيه، لا يقال: " لِمَ " لفعله، ولا " متى " لِكونه، ولا " قيم " لِذاته، ولا " كيف " لوصفه، ولا " ممَّ " مما يدخل في وحدانيَّته. من طَالَعَ مِرآةَ صمديَّتهُ (٥)، دلَّتْه صقالتها على التنزيه، وعلمَ أنَّه لا ينطبع فيها شَبَحُ التشريك (٦)، ولا خيال التشبيه تفكَّروا في آلاء الله، ولا تتفكَّرُوا في الله، إذا استقبل الرَّمِد الرَّيح، فقد تعرَّض لزيادة الرَّمَدِ.
وقال في كتاب (٧) " تلبيس إبليس " (٨) ما لفظه: ونبغ أبو عبدِ الله
_________________
(١) في (ب): بآخر،
(٢) في (ب): مثال.
(٣) في (ش): الأشباه.
(٤) الواو ساقطة من (ش).
(٥) في (ش): صمدانيته.
(٦) ساقطة من (ج).
(٧) ساقطه من (ش).
(٨) ص ٨٤. وجاء في "سير الذهبي" ١١/ ٥٢٣: محمد بن كرام السجستاني المبتدع شيخ الكرامية، كان زاهدًا، عابدًا، ربانيًا، بعيدَ الصيت، كثيرَ الأصحاب، ولكنه يروي الواهيات كما قال ابن حبان: خُذل حتى التقط من المذاهب أرداها، ومن الأحاديث أوهاها، ثم جالس الجويباري، وابن تميم، ولعلهما قد وضعا مئة ألف حديث، وأخذ التقشف عن أحمد بن حرب. =
[ ٣ / ٣٢٤ ]
محمد بن كَرَّام، فاختار من المذاهب أردأها، ومن الأحاديث أضعفَها، ومال إلى التشبيه وأجاز حلولَ الحوادث في ذات الله تعالى، انتهى كلام إمام الحنابلة ابن الجوزي.
وقال الشيخ العالم شهاب الدين أحمد بن عمر الأنصاري الشافعي في كتابه المسمى " مُغني المُحَدِّثِ في الأسفار عن حمل الأسفارِ " ما لفظه: وثانيها ما يُنقل عن أحمدَ ﵀ مِنْ شوب عقيدته السليمة بالتجسيم، حاشاه من ذلك، ولم يصحّ ذلك عنه بطريق منَ الطُّرق، ولا نَقَلَ عنه الآخذون عنه، والمؤلِّفون في مذهبه شيئًا من ذلك، وقد روينا عَنِ الإمام أبي الفرج ابن الجوزي، والعالم ابن قُدامَة الحنبليَّين المحدثَيْنِ إنكارَ ذلك غاية الإنكار، بل لم يشتهر أحدٌ من الحنابلة بذلك (١)، ولم يُعرف عنه، إلا بعض متأخريهم يُوجدُ في بعض (٢) كلامه شيْءٌ لم يبْلُغْ رتبة التَّصريحِ، والله أعلم.
وقال الذهبي في كتابه " زغَل العلوم " (٣)، وفد ذكر الحنابلَة وما يُنقم عليهم ما لفظه: والعُلمَاءُ يتكلُّمون في عقيدتهم، ويرمونهم بالتّجسيم، وبأنه يلزمُهُم، وهم بريئون من ذلك إلا النادِرَ. انتهى.
_________________
(١) = كان يقول: " الإيمانُ هو نطقُ اللسانِ بالتوحيدِ، مجرد عن عقد قلب، وعمل جوارح، وقال خلق من الأتباع له: بأن الباري جسمٌ لا كالأجسام، وأن النبي تجوز منه الكبائر سوى الكذب، وقد سُجنَ ابنُ كرام، ثم نُفي، وكان ناشفًا، عابدًاَ، قليل العلم. قال الحاكم: مكث في سجنِ نَيْسابورَ ثماني سنين، ومات بأرض بيتِ المقدس سنة خمس وخمسين ومئتين. وكانت الكراميةُ كثيرين بخُراسان، ولهم تصانيفُ، ثم قَلُّوا وتلاشوْا نعوذ بالله من أهل الأهواء.
(٢) " بذلك " ساقطة من (ش).
(٣) ساقطة من (ش).
(٤) ص ٣٩.
[ ٣ / ٣٢٥ ]
وهذا في حقِّ المدَّعين أنَّهم على مذهبه، لا في حقه، فإن لم ينسِبُوا ذلك إليه على جِهة الرِّواية عنه، فلا إشكالَ، وإن نسبوا مذاهبَهم إليه على جهة الرَّواية لها عنه، فلا شكَّ أنَّ رواية الجمِّ الغفيرِ عنه للتنزيه أولى مِن رواية النادرِ للتشبيه، كما ذلك مقتضى الأدلة عقلًا وسمعًا في الظَّنيَّات الَّتي يُمْكِنُ العملُ فيها بالتَّرجيح، فأمّا التكفيرُ القطعيُّ، فلا يَلْتَفِت إليه مع مثل (١) هذا الاختلافِ في النَّقل مُميِّزٌ (٢).
وقال الذهبي في آخر الطبقة الرابعة من " تذكرته " (٣)، وهي أول المئة الثانية إلى الخمسين ومئة: وفي هذا الزمان ظهر بالبصرةِ عمرو بن عُبَيْدِ العابد، وواصل بنُ عطاء الغزَّال، ودَعَوْا إلى الاعتزال، [والقول بالقدر] وظهر بخراسان الجَهْم بن صفوان، ودعا إلى تعطيل الرَّب ﷿، وخلقِ القرآن، وظهر في خراسان في قبالته مقاتِل بنُ سليمان المفسِّر، وبالغ في إثباتِ الصِّفات حتّى جَسَّمَ، وقام على هؤلاء علماءُ التَّابعين وأئمَّةُ السلَفِ، وحذروا مِنْ بدعتهم، انتهى وله أمثالُه. ولعلماء الحديثِ، وأهلِ الجرح والتعديل منهم من (٤) التصريح بِذَمِّ المجسمة، والوَصْمِ لهم مِن الحنابلة وسواهم، وما علمتُ أحدًا منهم نَسبَ إلى أحمدَ بنِ حنبل منْ ذلك شيئًا، لا مِنْ أَهْلِ السنة منهم مِن (٥) الشافعية، والحنفية، والمالكية، ولا منْ أهل علم الكلام الجامعين بين العلمين: العقلي والنقلي، وأهل الاطّلاع التَّامِّ على معرفة الرِّجال. ومن أراد
_________________
(١) ساقطة من (ش).
(٢) في (ش): بتنزيهه.
(٣) ص ١٥٩.
(٤) ساقطة من (ش).
(٥) " من " ساقطة من (ش).
[ ٣ / ٣٢٦ ]
ولنختم هذا الفصل بتنبيهين
التنبيه الأول: أن الحامل لمن روى التشبيه عن أحمد وغيره هو ما يوجد في عباراتهم من تقرير الآيات والآثار
معرفة براءتِهم الجميع مِنْ ذلك، فليطالِعْ كتاب " الأسماء والصفات " للبيهقي ﵀، فإنه نقل عنهم منَ التأويل لِما يوهِمُ البعضُ منه التشبيه، ما يشهد لهم بذلك (١)، ولولا خشية الإطالة، لنقلتُ منه هنا (٢) شيئًا كثيرًا، وينبغي أن نذكرَ منه كلامَهم في تأويل الصُّورةِ ونَحْوها ممَّا استدل به المعترضُ على كذب الرُّواة، وبطلان الصَّحاح، ولكن نؤخِّرُ ذلك إلى وقت ذكرِ كلام المعترض في ذلك، ونُضَمِّن الجوابَ عليه إن شاء الله تعالى، ولنختم هذا الفصل بتنبيهين.
أحدهما: أنَّ الحامل لِمَنْ روى التشبيه (٣) عن أحمد وغيْره مِنْ أئمة (٤) السنة (٥) هو ما يوجد في عباراتِهِمْ مِنْ تقريرِ الآيات والآثار (٦) وإمرارها (٧) مِنْ غيرِ تأويلٍ، وقد مرَّ أنَّ ذلك لا يستلزم اعتقادهم (٨) التَّشبيه، ولذلك يُوجَدُ ذلك في عبارات بعض (٩) أئمَّة الزيدية، والمعتزلة، ولا (١٠) يُكفِّرُونَّهم بذلك، ولا ينسِبُونَهم إلى صريح التَّشبيه، ولا يُعارِضُون مَنْ رَوى ذلك عنهم بنقل صحيح، و(١١) في " علوم آل محمد " المعروف عند الزَّيديّة بأمالي أحمد بن عيسى، وهو تأليفُ محمد
_________________
(١) في (ب): لذلك.
(٢) في (ب) هنا منه، و" هنا " ساقطة من (ش).
(٣) ساقطة من (ش).
(٤) في (ب): أهل.
(٥) في (ش): السنة التشبيه.
(٦) " والآثار " سقطت من (ب).
(٧) في (ش): " وإبرازها "، وهو خطأ.
(٨) في (ش): اعتقاداتهم.
(٩) ساقطة من (ش).
(١٠) في (ش): فلا.
(١١) الواو ساقطة من (ش).
[ ٣ / ٣٢٧ ]
ابن منصور: أنَّ الله ﷾ لا ينتقل عَنْ مكانِه في تأويل نزول الرَّبِّ سبحانه إلى سماءِ الدُّنيا يومَ عرفة في كتاب " الحج ".
وقال أبو الفرج علي بن الحسين الأصبَهاني الشِّيعي (١) في الجزء الثاني (٢) من " مقاتل الطالبيين " (٣) في أخبار أبي السرايا في ذكر من خرج مع أبي السرايا: حدثني أحمد بن سعيد، حدثني محمد بن (٤) منصور، قال: سمعتُ القاسم بن إبراهيم، ونحن في منزل الحسنيين (٥)، يقال له: الودينة يقول: انتهى إليّ نَعْيُ أخي محمد وأنا بالمغرب، فتنحَّيْت (٦)، فأرقتُ من عينَّى سجلًا أو سَجلين، ثم رثيتُه بقصيدَةٍ، على أنَّه كان يقول بشيءٍ مِنَ (٧) التشبيه، ثمَّ قرأها عليّ مِنْ رقعته، فكتبتُها، وهي:
يا دارُ دَارَ غُرُورٍ (٨) لا وَفاء لها حَيْثُ الحَوادِثُ بالمكرُوهِ تَسْتَبِقُ
أَتْرَحْتِ أَهْلَكِ منْ كدٍّ وَمنْ أَسفٍ بِمَشْرَع شُرْبُهُ التَّصْرِيفُ والرَّنَقُ
_________________
(١) في (أ): " السبيعي "، وهو تحريف. وأبو الفرج: هو علي بن الحسين الأموي الأصبهاني الكاتب الأخباري، روى عن مطيَّن فمن بعده. كان أديبًا، نسابة، علامة، شاعرًا، كثيرَ التصانيف. قال الذهبي: من العجائب أنه مرواني يتشيع، توفي في ذي الحجة، سنة ست وخمسين وثلاث مئة، وله اثنتان وسبعون سنة. مترجم في " سير أعلام النبلاء " ١٦/ ٢٠١ - ٢٠٣.
(٢) " الجزء الثاني " سقطت من (ب).
(٣) وقد طبع هذا الكتاب في طهران سنة ١٣٠٧ هـ، ثم طبع في مصر سنة ١٣٦٨ هـ.
(٤) " محمد بن " ساقطة من (ب).
(٥) في (ب) و(ج): الحسنين.
(٦) في (ب): " فنحيتُ ".
(٧) " بشيء من " ساقطة من (ش).
(٨) " غرور " ساقطة من (ش).
[ ٣ / ٣٢٨ ]
التنبيه الثاني: ينبغي التأمل له، وذلك أنه قد يقع التساهل في نقل المذاهب من أهل كتب الملل والنحل
فأيُّ عَيْشِكِ إلاَّ وَهْوَ منتقِلٌ وأيُّ شَمْلِكِ إلاَّ وهْوَ مُفْترِقُ
إلى آخرها، وقد قال في خُطبة كتابه: إنَّه لا يذكر مَنْ عَدَل عن مذاهبِ أسلافه، وروى نحو ذلك صاحبُ كتاب " الجامع الكافي " في مذهب الزيدية عن محمد بنِ منصورٍ عَنِ القاسم ﵇ ُ كما سيأتي مبسوطًا، ويأتي تأويلُه عندهم بأنه (١) كان لا يقولُ بخلقِ القرآن، وسيأتي أن القاسِمَ ﵇ كان مع ذلك يُعَظِّمُة، ويرضى عنه، ويترحَّمُ عليه.
وفي " الحدائِق الوردية في مناقب أئمة (٢) الزيدية " (٣) أن القاسِمَ كان مِنْ عُماله، وأنَّه كان يُقال: أَعْظِمْ بإمامٍ القاسم بنُ إبراهيم مِنْ عُمَّاله ﵈ أجمعين (٤).
وبهذا تَعْرِفُ أنَّ الأوائِلَ مِنْ كُلِّ فرقةٍ كانوا على مذهب أئمة الأثَرِ، ولكن المتعصبين يتأوَّلون لأئِمتهم أحسن التَّأويل، ولأئِمة السُّنة أقبحَه، وبهذا تعرفُ عَصَبِية مَن فعل ذلك، فتأمَّلُه تجده كثيرًا (٥)، فالله المستعانُ.
التنبيه الثاني: ينبغي التأمُّلُ لَهُ، وذلك أنَّه قد يقع التَّساهلُ في نقل المذاهبِ مِنْ أهلِ كُتب المِلَلِ والنِّحَلِ، وسببُ ذلك أنَّه قد يذهبُ بعضُ الناس إلى أنَّ الإلزامَ مذْهَبٌ، فَيُلْزِمُ خصمَه مذهبًا لا يلتزمُه الخصمُ، ويعتقد لزومَه قطعًا، ويستحِلُّ بذلك (٦) نسبتَه إلى خصمه مذهبًا، وروايته
_________________
(١) في (ش): أنه.
(٢) ساقطة من (ش).
(٣) لمؤلفه حميد بن أحمد بن عبد الواحد المحلي اليمني الوادعي. توجد نسخة منه في مكتبة الجامع الكبير بصنعاء. انظر " فهرس مخطوطات المكتبة الغربية " ص ٦٦١.
(٤) في (ب): سلام الله عليهم أجمعين.
(٥) في (ش): ذلك.
(٦) في (ب): لذلك.
[ ٣ / ٣٢٩ ]
عنه قولًا، وقد يُفرِّع على ذلك تكفيره وتكذيبَه ونحو ذلك، وقد فعل المعترضُ شيئًا كثيرًا مِنْ ذلك، مثل روايته عَنِ الأشعرية جميعًا أنَّهم يذهبُون إلى القول بأنَّ الله تعالى يُثيبُ على معصيتِه، ويُعَاقِبُ على طاعته، وقد مضى بيانُ أنَّه ما ذهبَ أحدٌ إلى ذلك مِنَ المسلمين، ولا مِنَ المشركين، وإنَّما يلزم ذلك من يقول: إنَّ أفعال اللهِ سبحانه لا تُعَلَّلُ، وإنَّه لا داعي له سبحانه إلى شَيْءٍ منها، والقولُ بهذا قولُ طائِفَةٍ مِنْ غلاة متكلميهم، وقد أوَّلُوا كلامَهم، ولم يساعدوا (١) إلى هذا الِإلزام، وقالوا: هو (٢) محال لاستلزامه المحالَ، وهو خلفُ وعدِه سبحانه (٣)، وكذبُ خبره سبحانه (٤) عن ذلك، وفي النَّاس من ينسِبُ إلى الطَّائفة العظيمةِ مذهبَ رجل مِنْ غُلاتهم، وإن رَدُّوا كلامه، وكَفَّروا قائِلَهُ كما فعل المعترضُ بنسبة تكليفِ ما لا يُطاق إلى أهلِ الحديث وطوائفِ أهل السُّنّةِ، وكما فعل في مسألة الأطفال وغيرِها، وسيأتي بيانُ ذلك.
ومِنَ النَّاس من يجمع بَيْنَ الأمرين، فيُلْزِمُ بعض الطَّائفة أمرًا لم تقُلْ به، ثمَّ يتقوَّى لَهُ صِحَّةُ إلزامِه، فينسبه إليه (٥) ثم ينسِبهُ إلى أهل مذهبه، وهذه جُرْأَةٌ عظيمةٌ، وذلك كما فعل ابنُ السيّد البطَلْيوسِي، فإنّه قال في كتابه " سقط الزند " (٦): إنَّ المعتزلة تذهبُ إلى أنَّ اللهَ لا يَعْلَمُ الغَيْبَ،
_________________
(١) في (ب): ولو ساعدوا.
(٢) في (ب): هذا.
(٣) في (ش): سبحانه عن ذلك.
(٤) في (ش): وكذبه تعالى.
(٥) " فينسبه إليه " ساقطة من (ش).
(٦) أي في " شرح سقط الزند "، فإن " سقط الزند " ديوان شعر لأبي العلاء المعري، وهو مطبوع ضمن شروح " سقط الزند "، قال ابن خَلِّكان: وهو أجودُ من شرح أبي العلاء صاحِب الديوان الذي سماه " ضوء السقط "، وليس هذا الشرح خاصًا بسقط الزند، بل ضم =
[ ٣ / ٣٣٠ ]
وأصلُ هذا إلزام لأبي الحسين المعتزلي، حيث قال: بأن المعدومَ ليس بشيء، وأنَّ عِلْم الله به يتعلَّقُ بأنَّه سيوجد (١)، فألزمه الرَّازي ذلك، وذلك (٢) مِنَ البَطَلْيُوسِي وَهْمٌ فاحشٌ نشأ مِنْ سماعِه بأنَّ المعتزلة تُنْكِرُ القدر، فظنَّ (٣) أن المعتزلة تُنْكِرُ العِلْمَ السَابِقَ، وهذا بناء منه على أنهم يُفَسرُون القَدَرَ (٤) بالعلم، وليس كذلك، وإنَّما يُفَسِّرون القدر الذي ينفونه بِمَا يوجِبُ الاضطرارَ، وينفي الاختيارَ، والقدرُ المفسَّرُ بذلك مُتَّفقٌ على نفيه عِنْدَ أهل السُّنة أيضًا كما سيأتي بيانُه (٥) في الوهم الثامن والعشرين (٦).
الفصل الثاني: في تحقيق مذهبِ أحمدَ بنِ حنبل وأمثالِه مِنْ أئِمَّة الحديث، وهُم طائفتان.
_________________
(١) = البطليوسي إليه طائفة أخرى من شعر أبي العلاء بعضها من لزوم ما لا يلزم، وبعضها الآخر من سائر دواوينه، وانفرد من بين شارحين بترتيب السقط على حروف المعجم. وابن السَّيِّد البطليوسي: هو العلامة أبو محمد عبد الله بن محمد بن السَّيِّد النحوي، كان عالمًا بالآداب واللغات متبحرًا فيهما، مقدمًا في معرفتهما وإتقانهما، سكن مدينة بلنسية، وكان الطلبة يجتمعون إليه، ويقرؤون عليه، ويقتبسون منه، وكان حسن التعليم، جيد التفهيم، ثقة، ضابطًا، ألف كتبًا نافعة ممتعة غاية في الجودة، طبع غير واحد منها. مات في بلنسية التي اتخذها موطنًا له، فألف معظم كتبه فيها في رجب سنة إحدى وعشرين وخمس مئة. مترجم في " السير" ١٩/ ٥٣٢ - ٥٣٣. والبطليوسي -بفتح الباء الموحدة، والطاء المهملة، وسكون اللام، وفتح الياء، وسكون الواو-: نسبة إلى بطليوس، مدينة كبيرة بالأندلس، من أعمال ماردة على نهر آنة غربي قرطبة، وكانت عاصمة بني الأفطس التجيبيين في عهد ملوك الطوائف.
(٢) في (ب): " سيوجب "، وهو خطأ.
(٣) في (ش): فذلك.
(٤) في (ش): وظن.
(٥) في (ش): القدرة.
(٦) ساقطة من (ش).
(٧) في (ب) و(ش): " والعشرون " وهو خطأ.
[ ٣ / ٣٣١ ]
الطائفة الأولى: أهل الحديث والأثر وأتباع السنن والسلف وإنما ينكرون من علم النظر أمرين
الطائفة الأولى: أهلُ الحديث، والأثر، وأتباعُ السُّنن والسَّلف الذين (١) ينهون عَنِ الخوض في علم الكلام، ولا يحتجُّون على مذهبهم إلاَّ بما عرَفتْهُ عقولُهم مِنْ غير تقليدٍ ممَّا علَّمَهُ الله تعالى رُسُلَهُ وسائر عبادِهِ مِن الأدِلة، وكيفية الاستدلال، ولا ينظرون إلاَّ فيما أمرهم أن ينظروا فيه، كما أنَّ طلبةَ علمِ النظر يتعلمون مِنْ كُتُب (٢) شيوخهم مِنْ غير تقليد، فكذلك (٣) أهلُ الأثر ينظرون مِنْ غير تقليدٍ في كتاب الله، ويَسْتَدِلُّونَ بذلك، وبِمَا جرى مِنْ رسول الله - ﷺ -، وأصحابه، وسلفِ الأمَّة المُجْمَعِ على صلاحهم منَ الاستدلال به على الله تعالى، وعلى نُبُوة أنبيائه مثلما حكى الله تعالى عن موسى ﵇ في الاستدلال على فرعونَ في مجادلتهما، قال الله تعالى: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ [الشعراء: ٣٠ - ٣٢] الآيات، وهي صريحةٌ في الاستدلال على الله سبحانه، وعلى صحّة النُّبُوَّةِ معا (٤)؛ لأنها في الردِّ على فرعون في قوله: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِين﴾ [الشعراء: ٢٣]، كما هو صريحٌ في أوَّلِ الآية، فكذلك (٥) في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٢]، وقوله سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِين﴾ [يس: ٧٧]، وقوله في الاحتجاج بمعجز القرآن الكريم: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ
_________________
(١) في (ش): الذي.
(٢) ساقطة من (ش).
(٣) في (ش): وكذلك.
(٤) ساقطة من (ب).
(٥) في (ش): وكذلك.
[ ٣ / ٣٣٢ ]
وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٣ - ٢٤].
قالوا: فإذا القدر منَ الأدلَّة تَطَابقَ على صِحته العَقْل (١) والسَّمعُ الَّذي هو النَّص والإجماعُ، والتمسُّك به أسلم (٢)، والتَمسُّك بالطُرق المبتدَعة على أساليب أهلِ الفلسفة تُوقِعُ في الحَيْرَةِ، وتجرُ إلى البدعة، ويتولُّدُ منه تقرير قواعد غلطية (٣) تُخَالِفُ فِطَرَ العُقول، ونُصوصَ المنقولِ.
فهولاء كتابُهُمُ القرآنُ، وتفسيرُهُمُ الأخبارُ، والآثار، ولا يَكَادُ يُوجد لهم كتاب في العقيدة، فإنْ وُجِدَ، فالَّذي فيه إنما هو بمعنى الوصيَّة المحضةِ بالرُّجوع إلى الكتاب والسُنَّة، وهم لا يَعنونَ بالرُّجوع إليهما (٤) نفيَ النَّظر، وتركَ العقل، والاستدلالِ البَتّة، وقد صَرَّحوا بالنظر والاستدلال العقلي كما ذكره صاحب " الوظائف " (٥)، والزنجاني في قصيدته الرائية، وفي شرحها، وهي القصيدة الشهيرة التي أولها:
تَمسَّكْ بِحَبْلِ اللهِ واتَّبع الأثَرْ
كما أنَّه قد صرَّح بذم الكلام خلقٌ مِمَّن خاض في لُجَجه، وبَرَّزَ في حججه كما يأتي ذكرُه إن شاء اللهُ تعالى.
_________________
(١) في (ش): صحة الفعل، وهو خطأ.
(٢) عبارة " والتمسك به أسلم " ساقطة من (ش).
(٣) في (ب): " غليظة "، وهو تحريف.
(٤) في (ش): إليها.
(٥) في (ش): الوصائف. وفي " كشف الظنون " ٢/ ٢٠١٥: الوظائف في المنطق لشمس الدين محمد بن موسى المغربي المتوفى سنة ٦٨٣ هـ. وانظر " العبر " ٣/ ٣٥٤.
[ ٣ / ٣٣٣ ]
أحدهما: القول بأن النظر فيما أمر الله تعالى بالنظر فيه
ثانيهما: أنهم ينكرون القول بتعين طرائق المنطقيين والمتكلمين للمعرفة
وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿بَادِيَ الرَّأي﴾ [هود: ٢٧] (١): "أي بمجرد ما دعوتَهم استجابوا لك من غير نظر" (٢)، و(٣) هذا الَّذي ذمُّوهم به هو عين ما يمدحون به فإنَّ الحَقّ الظَّاهِر لا يحتاج إلى رَوِيّةٍ، ولا فكر، ولا نظر، بل يجبُ اتِّباعُه والانقيادُ إليه متى ظهر، ولِهذا قال رسول الله ﵌ مادِحًَا الصِّدِّيق (٤): " ما دعَوْتُ أَحَدًا إلى الإسْلامِ إلاَّ كَانَتْ لَهُ كَبْوَة غيرَ أبي بكرٍ، فإنّه لَمْ يَتَلَعْثَمْ " (٥).
وإنَّما يُنكرون مِنْ عِلْمِ النَّظَرِ أمرين:
أحدهما: القولُ بأنَّ النَّظر فيما أمر اللهُ تعالى بالنظر فيه، وجرت به عادةُ السَّلف غَيْرُ مفيدٍ للعلم، إلاَّ أنَّ يُرَدَّ إلى ما ابتدع من طريق المتكلمين، بل هو عندهم كافٍ شافٍ (٦)، وإن خالف طرائقَ المتكلمين (٧).
وثانيهما: أنَّهم يُنكرون القولَ بتعيُّنِ طرائقِ المنطقيِّين والمتكلِّمين للمعرفة، وتجهيلِ مَنْ لم يَعْرِفَها، وتكفيرِه، فَهُمْ في إنكار عِلْمِ الكلام،
_________________
(١) ٢/ ٤٤٢.
(٢) في (ش): تطرق.
(٣) الواو ساقطة من (ش).
(٤) في (ش): للصديق.
(٥) وأورده السيوطي في " الجامع الكبير " لوحة ٧٠٦، ونسبة للديلمي من حديث ابن مسعود. ولا يصح، فإن ما تفرد به الديلمي يكون في حيز الضعيف. وأخرجه من حديث ابن عباس، أبو نعيم في " أخبار أصبهان " ٢/ ٣٢٥ بلفظ: " ما كلمت في الإسلام أحدًا إلا أبى عليَّ، وراجعني الكلام إلا ابن أبي قحافة، فإنِّي لم أكلِّمه في شيء إلا قَبِلَه، واستقام عليه ". وفي سنده سعد بن طريف الإسكاف وهو متروك، وقال ابن حبان: يضع الحديث.
(٦) في (ش): شافٍ كافٍ.
(٧) من "بل هو" إلى هنا ساقط من (ب).
[ ٣ / ٣٣٤ ]
وأساليبِ النُّظَّار (١) أَقَلُّ غُلُوًَّا مِنْ أهلِ المعارف الضَّروريَّة مِنْ علماء الكلام، لأنَّ هذه (٢) الطائفة (٣) من المتكلِّمين زعموا أنَّ العلمَ بالله تعالى ضروريٌّ غير محتاجٍ إلى النّظَر، وهم -مع ذلك- يُبِالغونَ في نفيِ التَّشبيه بأجمعهم. وقد تقدَّم حكايةُ النَّواوي لذلك عنهم في ذكر براءةِ أحمدَ بنِ حنبل مِنْ ذلك، وعلى هذه الطريقةِ كان أئِمَّةُ العِتْرَة القُدَماء، وأئمَّةُ الفقهاء الأربعة، وجماهيرُ حُفَّاط الحديث، وأئِمَّة الفقه، والتفسير، وعلوم الشَّريعة. ولذلك لا نجدُ لهم في علم الكلامِ ذكرًا بنفيٍ ولا بإثبات (٤).
فهؤلاء الإقدامُ على تكفيرهم كالإقدامِ على تكفير أصحابِ رسول الله - ﷺ - وتابعيهم بإحسان، إذ لا مستند لمَنْ يكفِّرُهم إلاَّ عَدَمُ خوضهم في الكلام، وعَدَمُ تصريحهم بتأويل المتشابه، وهذه العلَّة حاصلةٌ في الصحابة والتَّابعين، وذنبُ المكفر لهذه الطَّائفة من المسلمين (٥) هو ذنبُ الخوارج، بل أقبحُ، لأنَّ أصلَ مذهب الخوارج تكفيرُ المسلمين بالذنوب، وإن غَلِطُوا فيما يعتقدونه ذنبًا، وأصل هولاء تكفير المسلمين بسبب الإِيمانِ الصَّادر عن غيرِ تحريرٍ لطرائقهم في الاستدلالِ، وهذا يَعُمُّ الصحابة، والتَّابعين، والصَّالحين، وقد ورد في الخوارج بسببِ تكفيرِ المسلمين مِنَ التَّشديد ما لم يرِدْ في غيرهم، فنعوذُ بالله من غضب الله.
وقد نصر هذا القولَ الفقيهُ العلاَّمَة المحدِّثُ محمدُ بن منصورٍ الكوفي (٦) الشيعيُّ محبُّ آل محمدِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم،
_________________
(١) في (ش): الناظر.
(٢) في (ش): هذا.
(٣) ساقطة من (ش).
(٤) في (ب): إثبات.
(٥) " من المسلمين " ساقطة من (ب).
(٦) تقدم التعريف به في ٢/ ٤٠٣، وانظر " تاريخ التراث العربي " ٣/ ٣٣٣ - ٣٣٥.
[ ٣ / ٣٣٥ ]
وصنَّف فيه كتابَه المعروف بكتاب " الجملة والألفة "، ونقل فيه عن قدماء أئمة أهل البيت ﵈ الذين عاصرهم، كأحمد بن عيسى، والحسن بن يحيى، والقاسم ﵈ فأطال وأطاب وأفاد وأجاد (١)، وسيأتي مِنْ ذلك قطعة وافرة في (٢) آخِرِ الكلام في مسألة القرآن، وهي خاتمةُ الكلام في الصِّفات، ويأتي بعضُه في مسألة (٣) نفوذ (٤) إرادة الله (٥) تعالى، وقد جمعتُ فيه أيضًا كتابًا لطيفًا سميتُه " ترجيح أساليب القرآن لأهل الإيمان على أساليب اليونان في أصول الأديان وبيان أن (٦) ذلك إجماعُ الأعيان ".
وممَّن نصر (٧) ذلك: الغزالي في كتابه " الكشف والتبيين في غرور الخلق أجمعين " (٨)، مع أنَّه من أئمة المتكلمين لولا أنَّه خالف السنة (٩) في نسبة الغرور إلى الخلق (١٠) أجمعين، فقال ما لفظه: وفرقةٌ أخرى اشتغلوا بعلم الكلام، والمجادلة، والردِّ على المخالفين، وتتبع مناقضاتهم، فاستكثروا منَ المقالات (١١) المختلفة، واشتغلوا بتعليم الطريق في مناظرة أولئك وإفحامهم، ولكنَّهم على فرقتين: الأولى مُضلة
_________________
(١) ساقطة من (أ)، وفي (ش): وأجاد وأفاد.
(٢) " في " لم ترد في (ب) و(ش).
(٣) ساقطة من (ش).
(٤) في (ج): بقول.
(٥) في (ش): الإرادة لله.
(٦) " أن " ساقطة من (أ).
(٧) في (أ): " انظر "، وهو خطأ.
(٨) ص ٢١٤ - ٢١٥، وهو ملحق بكتاب " تنبيه المغترين " للشعراني.
(٩) في (ش): النسبة.
(١٠) " إلى الخلق " ساقطة من (أ).
(١١) في " الكشف والتبيين ": من علم المقولات.
[ ٣ / ٣٣٦ ]
ضالة (١)، والأخرى مُحِقَّةٌ.
أمَّا غرور الفرقة الضالة، فلغفلتها عن ضلالتِها، وظنِّها بنفسها النَّجاة، وهم فِرَقٌ كثيرة، يُكَفِّرُ بعضُهم بعضًا، وإنَّما ضلُوا من حيث إنهم لم يُحْكِمُوا (٢) شرائطَ الأدلة، ومنهاجها (٣)، فرأوا الشبهة دليلًا، والدليل شبهة (٤).
وأما غُرور الفرقة المحقة فمن (٥) حيث إنهم ظنُّوا (٦) بالجدل أنَّه أَهَمُّ الأمور، وأفضلُ القربَاتِ في دين الله، وزعمت أنَّه لا يَتمُّ لأحدٍ دينُه ما لم يَفْحَصْ، ولم يبحث، وأنَّ من صَدَّقَ اللهَ من غير بحثٍ وتحريرِ دليلٍ، فليس بمؤمنٍ، أو ليس بكامل (٧)، ولا مُقرَّب عند الله، ولم يلتفتوا إلى القرن الأوَّل، وأنّ النبي ﵌ شهد لهم بأنهم خَيْرُ الخلقِ، ولم يطلب منهمُ الدَّليل، وروى أبو أمامة عن النَّبِيِّ ﵌ " ما ضَلَّ قَوْمٌ قَط إلا أُوتُوا الجَدَلَ " (٨). انتهى.
_________________
(١) في " الكشف ": ضالة مضلة.
(٢) في (ج) " يحكوا "، وهو خطأ، وفي " الكشف ": لم يحكموا الشروط.
(٣) في (أ): ومنها فرقة حمقاء.
(٤) " والدليل شبهة " ساقطة من (ش).
(٥) في (ش): من.
(٦) في (أ): طلبوا.
(٧) في " الكشف ": فليس بمؤمن ولا بكامل.
(٨) أخرجه أحمد ٥/ ٢٥٢ و٢٥٦، والترمذي (٣٢٥٣)، وابن ماجة (٤٨)، والطبري ٢٥/ ٨٨، واللالكائي (١٧٧) من طرق عن حجاج بن دينار، عن أبي غالب (وقد تحرف في " سنن ابن ماجة " إلى أبي طالب)، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله - ﷺ -: " ما ضل قوم بعد هُدىً كانوا عليه إلا أوتوا الجَدَل " ثم تلا رسولُ الله - ﷺ -: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ وسنده حسنٌ، وقال الترمذيُّ: حسن صحيح. وصحَّحه الحاكم ٢/ ٤٤٧ - ٤٤٨، ووافقه الذهبي، ونقل المُناويُّ في " فيض القدير " ٥/ ٤٥٣ عن القاضي: أن المراد =
[ ٣ / ٣٣٧ ]
وفيه إيهامُ قبح (١) الجدل مطلقًا، وليس كذلك، فإنّ الجدل عَنِ الحقِّ مما وصف اللهُ به أنبياءَه وأولياءه، وأمر به رسولَه - ﷺ - حيث قال: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بالحِكمَةِ والمَوْعظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلهُم بِالَّتي هِيَ أَحسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، وقال: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُون﴾ [العنكبوت: ٤٦]. إنَّما القبيح المِراءُ، وهو ما يَغْلِبُ على الظَّنِّ أنَّه يُهِيجُ الشَّرِّ، ولا يَقْصِدُ به (٢) صاحبه إلاَّ حظَّ نفسه في غلبة الخُصوم. وقد يَشْتَمِلُ الجَدَلُ على ألفاظٍ بشعة، فلا بقْبُحُ مع الحاجةِ إليها، وحسْنِ (٣) القصد فيها، كما قال تعالى: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَات﴾ [هود: ١٣]، وكما حكى من أقوالِ الكفار، كقول أهل الكتابين: إنَّ عزيرًا ابنُ الله، وإنّ المسيح ابن الله، وإن الله ثالثُ ثلاثة، وإنَّ الله فقيرٌ، تعالى عمَّا يقولون عُلُوًَّا كبيرًا.
وقال شيخُ الإِسلام، ناصِر السنةِ، أبو إسماعيل، عبد الله بن محمد الأنصاري الحنبلي في كتابه الشهير بـ " منازلِ السائرين إلى اللهِ تعالى " (٤) في باب المعرفة: إنَّ الدرجة الأولى منها (٥) معرفةُ النعوت والصِّفات التي
_________________
(١) = التعصبُ لترويج المذاهب الكاسدة، والعقائد الزائفة، لا المناظرة لإظهار الحقِّ، واستكشاف الحال، واستعلام ما ليس معلومًا عنده، أو تعليم غيره ما عنده، لأنَّه فرضُ كفاية خارج عما نطق به الحديث.
(٢) تحرف في (أ) إلى: إبهام فتح.
(٣) ساقطة من (ش).
(٤) في (ش): ولحسن.
(٥) ٣/ ٣٤٥ مع شرحه " مدارج السالكين " للعلامة ابن القيم. وانظر ترجمة أبي إسماعيل الأنصاري في " السير " ١٨/ ٥٠٣ - ٥١٨.
(٦) في (ش): فيها.
[ ٣ / ٣٣٨ ]
وردت أساميها بالرسالة، وظَهَرَتْ شواهدُها في الصَّنعة بتبصيرِ النُّورِ الدائم في السِّرِّ، وطيبِ حياة العقل لزرع الفكرِ، وحياةِ القلب: بحسن النظرِ بين التَعظيم وحسنِ الاعتبار، وهي (١) معرفةُ العامة التي لا تنعقِدُ شرائطُ اليقين إلاَّ بها، وهي على ثلاثة أركان: إثبات الصفة (٢) باسمها من غير تشبيه، ونفي التشبيه عنها (٣) من غير تعطيل، والإياسُ مِن إدراكِ كُنهها (٤)، ومن ابتغاء تأويلها (٥).
وهذه جملة شرحُها في الكلامِ الآتي بعدَها في الوظائف (٦) إن شاء الله تعالى وهذا أخصر كلام وجدتُه من كلام الطائفة الأولى من المحدثين وهم جمهورهم، والظاهر أن صاحبَه (٧) أخفى نفسه، إمّا لِتَخْلُصَ له نيَّته فيه لنصيحة (٨) المسلمين أو لِيَسْلَمَ من ألسنة المتكلِّمين (٩)، وقد نقلته جميعَه بألفاظه إلا القليل (١٠)، وأنا أنَبِّهُ على ذلك (١١) القليل غالبًا، كما زِدْت (١٢) فيه زيادات يسيرة قد نبهت (١٣) عليها، وإذا تأملتَه وتأملتَ ما ذكره
_________________
(١) في (ب): وهو.
(٢) في (أ) و(ش): " الصنعة "، وهو تحريف.
(٣) من قوله: " من غير تشبيه " إلى هنا ساقط من (ب).
(٤) في (ش): إدراكها.
(٥) في (أ): " انتفائها "، وهو خطأ.
(٦) في (ش): " الوصائف "، وهو تحريف.
(٧) ساقطة من (ش).
(٨) في (ش): " لفضيحة "، وهو تحريف قبيح.
(٩) في (أ): المسلمين.
(١٠) " إلا القليل " ساقطة من (ش).
(١١) في (ش): وإن فات.
(١٢) في (أ): وزدت.
(١٣) في النسخ: ونبهت.
[ ٣ / ٣٣٩ ]
ذكر بابين: حقيقة مذهب السلف، والبرهان على أن الحق في ذلك مذهب السلف
الباب الأول: اعلم أن مذهب السلف أن كل من بلغه حديث من أحاديث الصفات يجب عليه فيه سبعة وظائف:
ابنُ تيمية وسائرُ متكلمي أهل (١) السنة في مسألَتي الصِّفات والأفعال، وجدتَ الجميع كالشرح لما روي عن عليٍّ ﵇ أنَّه قال (٢): التوحيد: أن لا توهّمه، والعدل: أن لا تَتَّهِمَهُ، فيا له مِن كلامٍ ما أبلغه، وأوجزه، وأجمعَه، وأنفعَه، فإنه لا يَضُرُّ تقريرُ الظواهر معه، ولا ينفعُ التعمق (٣) في النظر والتأويل إلا به، إليه يفيء الغالي، وبه يلحق التالي، وما يَعْقِلُها إلا العالمونَ، وهو ثمرةُ شجرة الكتب المبسوطات، ودُرَّةٌ صدفِ التآليف المطولات، ولُبابُ قشرِ العبارات (٤) المختلفات، ولا يلزم معه شنَاعَاتُ الجبر والتشبيه، ولا ينفع دونَه دعاوي العدلِ والتنزيه، فشُدَّ عليه يديك (٥)، وأَلْقِمْ به الحَجَرَ كُلَّ معترضٍ عليك.
قال المصنِّفُ (٦) بعد الخطبة: وها أنا أُرَتِّبُ ذلك على بابين: بابٍ في بيانِ حقيقة مذهب السَّلف في الآي والأخبار، وباب في البرهان على أنَّ الحقَّ في ذلك مذهبُ السّلَفِ.
الباب الأول: اعلم أنَّ مذهب السَّلف أنّ كُلَّ من بلغه حديثٌ من أحاديث الصِّفات، يجب عليه فيه سبعةُ أمور: التَّقديسُ، ثمَّ التَّصديقُ، ثمَّ الاعترافُ بالعجز، ثمَّ السُّكوتُ، ثم الإمساكُ، ثم الكَفُّ، ثم التَّسليمُ.
أمّا التقديسُ، فتنزيهُ الله تعالى عن مشابهةِ المخلوقات جميعها.
_________________
(١) " أهل " ساقطة من (ش).
(٢) " أنَّه قال " ساقطة من (ش).
(٣) في (ش): التعميق.
(٤) من قوله: " التالي " إلى هنا ساقط من (ش).
(٥) في (أ) و(ج): بذلك.
(٦) هذا الكلام من هنا وإلى الصفحة ٣٨٧ منقول عن " الجام العوام " للإمام الغزالي باختصار وتصرف في بعض الألفاظ.
[ ٣ / ٣٤٠ ]
وأمَّا التَّصديقُ، فهو الإيمانُ بأنَّ ما ذكره حق (١) على الوجه الذي قاله وأرادَه.
وأما الاعترافُ بالعجز، فهو أن يُقِرَّ بأنّ معرفةَ (٢) مراده ﵇ ليس مِنْ شأنِهِ.
وأمّا السُّكوتُ: فهو أن لا يسألَ عن معناه، ولا يخوضَ فيه، ويَعْلَمَ أنّ سؤالَه عنه بدعةٌ، وأنَّهُ في خوضه فيه مُخَاطِرٌ بِدِينِهِ، وأنه يُوشِكُ أن يكفر لو خاض فيه، وهو لا يشعُرُ.
وأمّا الإِمساكُ: فلا يتصرَّفُ في تلك الألفاطِ بالتَّصريفِ، والتبديل، والزيادةِ فيه، والنُّقصانِ منه، والجمعِ والتفريق، بل لا يَنْطقُ إلاَّ بذلك اللفظ، وعلى ذلك الوجه.
وأما الكَفُّ: فإنَّهُ يَكُفُّ باطِنَه عَني البحث عنه، والتَّفَكُّرِ فيه.
وأمّا التَّسلِيمُ: فأن لا يَعْتَقِدَ برسولِ اللهِ - ﷺ - وأصحابِهِ وتابعيهم تُهْمَةً، ولا يُوَجِّهَ إليهم ظِنَّة، لقيامِ الدليل على صدقه - ﷺ -، ومعرفتِهِ بما يجوزُ على الله تعالى مِمّا لا يجوز، وعدالةِ الصَّحابة وتابعيهم، وثناءِ الله تعالى عليهم في كتابه العزيز، وشهادتِهِ لهم بأنَّهم خيرُ القرون بَعْدَه.
فهذه سَبْعُ وظائف اعتقد كافةُ السلفِ وجوبَها، فلنشرحها بعون الله تعالى.
الوظيفة الأولى: التقديس: وهو أنَّهُ إذا سَمِعَ ذكرَ اليدِ في كتاب الله
_________________
(١) ساقطة من (ش).
(٢) في (أ): " معرفة الله تعالى " وهو خطأ.
[ ٣ / ٣٤١ ]
الوظيفة الثانية: الإيمان والتصديق
تعالى، وفي سُنَّةِ رسولِ الله - ﷺ -، لم يَحْمِلْ ذلِكَ على الجارحةِ المركَّبة مِنَ اللّحْم، والدَّم، والعظم، والعَصَب في الجسم المخصوص، ولا على اليَدِ المستعارة مِنْ نحو القُدْرَةِ، والنِّعمة، وما أشبهه، وأن يعتقِدَ أنّ اليَدَ صِفَةٌ لذي الجلال والإكرام، لا تتكيَّف للمخلوق، ولا يعْلَم كنهُ حقيقتها (١)، وليس عليه في ذلِكَ تكليف أصلًا، وكذلِكَ سائر صفاتِ الله تعالى الواردة في كتابه، وعلى لسانِ رسوله - ﷺ - إلى قوله: فإن خَطَرَ له أنّه لم يرد هذا المعنى، فما المعنى؟ فينبغي أن يَعْلَمَ أنَّ ذلِكَ لم يُؤْمَرْ به، بل أُمِرَ أن لا يخوضَ فيه، فإنه ليس على قدر طاقته، وأنّ ذلِكَ ليس بِعُشِّكَ فادْرُجْ (٢)، واشْتَغِلْ بعبادتِكَ أو حِرْفَتِك (٣)، واسْكتْ، فقد خفَّفَ الله عنك.
الوظيفة الثانية: الإِيمانُ والتصديق: وهو أن يَعْلَمَ قطعًا أنّ رسولَ الله - ﷺ - في وصف الله تعالى بذلك صَادِقٌ (٤) وليقل: آمنّا وَصدَّقْنَا.
_________________
(١) قال ابن القيم في " المدارج " ٣/ ٣٥٩ تعليقًا على قول الهروي: " والإياس من إدراك كنهها وابتغاء تأويلها " يعني أن العقل قد يئس من تعرف كُنه الصفة وكيفيتها، فإنه لا يَعْلَمُ كيفَ الله إلا الله، وهذا معنى قول السلف: " بلا كيف "، أي: بلا كيف يعقله البشر، فإن مَنْ لا تُعلمُ حقيقةُ ذاتِهِ وماهيتُهُ كيف تعرف كيفية نعوته وصفاته؟ ولا يقدح ذلك في الإيمان بها، وصرفة معانيها، فالكيفية وراء ذلك، كما أنا نعرف معاني ما أخبر الله به من حقائق ما في اليوم الآخر، ولا نعرف حقيقة كيفيته مع قرب ما بين المخلوق والمخلوق، فعجزنا عن معرفة كيفية الخالق وصفاته أعظم وأعظم، فكيف يطمع العقلُ المخلوق المحصور المحدود في معرفة كيفية من له الكمال كله، والجمال كله، والعلمُ كله، والقدرةُ كلها، والعظمة كلها، والكبرياء كُلُّها.
(٢) اقتباس من المثل: " ليس هذا بعشِّكِ فادْرُجي " وفسره الأصمعي وغيره كما في " فصل المقال " ص ٤٠٣: أي: ليس هذا من الأمر الذي لك فيه حق، فدعه، وقد يضرب مثلًا للرجل ينزل المنزل لا يصلح له. وقال الميداني في " مجمع الأمثال " ٢/ ١٨١ أي: ليس هذا من الأمر الذي لك فيه حق، فدعيه، يقال: درج أي: مشى ومضى، يُضرب لمن يرفع نفسه فوق قدره.
(٣) في (ش): بحرفتك.
(٤) في (ب): " صادقًا "، وهو خطأ.
[ ٣ / ٣٤٢ ]
فإن قيل: التصديقُ لا يكونُ إلا بَعْدَ التَّفَهُّمِ، وهذه الألفاظُ إذا لم يَفْهَمِ العبْدُ معانِيَهَا، كيف يعتقِدُ صِدْقَ قائِلِهَا فيها؟
والجوابُ: أنَّ التصديقَ بالأمور الجُمْلِيَّةِ ليس بمحالٍ، كالتصديقِ بالله تعالى، وملائكَتِهِ، وكتبه، ورسلِهِ مِن غيرِ تفصيل، ويُمْكِن أن يُفْهَم مِنْ هذِهِ الألفاظِ أُمورٌ جُمْلِيَّةٌ غَيْرُ مفصَّلةٍ، كما لو قال قائل: في البيت حيوانٌ، أمكنَ أن يصدق دون (١) أن يعرفَ أنَّه إنسانٌ، أو فرس، أو غيره، بل لو قال: في البيت شيءٌ، أمكن تصديقُهُ، وإن لم يعرف ما ذلِكَ الشيءُ، فكذلِكَ الاستواءُ على العرشِ، فُهِمَ على الجملةِ، وأمكن التصديقُ به قَبْلَ أن يُعرف (٢) معنى الاستواء، يعني على التفصيل.
فإن قيل: فقد قال اللهُ تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُون﴾ [النحل: ٤٣].
فالجواب: أنَّه أمر (٣) بسؤالهم فيما يُطِيقُونَهَ، وأمّا ما لا يطيقونه ولا يعلمونه، فقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]، و﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١].
قلت: وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٤].
قال الشيخ: ولكن تقديسَه سبحانه ينبغي أن يكون مُفَصَّلًا، وهو نفي
_________________
(١) في (ش): من دون.
(٢) من قوله: " تصديقه " إلى هنا ساقط من (ش).
(٣) في (ش): أمرهم.
[ ٣ / ٣٤٣ ]
مشابهة المخلوقات جميعها (١).
قلت: يعني أنّه لا يلزم من الوقف في تفسير آياتِ الصِّفات عَدَمُ الجزمِ بأنّ الله تعالى لا يمَاثِلُ شيئًا منَ المخلوقات، وذلِكَ لأن قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء﴾ [الشورى: ١١] من المُحْكَمَاتِ.
وقد ترك الشيخ سؤالًا مشهورًا للمتكلمين، وهو: أنَّه يجب في حكمة الله أن لا يُخَاطبَنَا بما لا نَعْرِفُ معناه، وقد أُجِيبَ عن ذلك بأمورٍ كثيرة تأتي إن شاء اللهُ تعالى في آخر هذا الكتابِ عندَ الكلام على التَّأويل، فلا نطولُ بذكره ها هُنا، ومِنْ أخصرها وأحلاها أنَّهم إن أرادوا أنّ الله تعالى لا يُخَاطبُنَا بما لا نفهم منه شيئًا البتة، لا جملةً ولا تفصيلًا، فمسلَّمٌ ولا يَضُرُّ تسليمه؛ لأنّا لم نحتج إلى القولِ به، وإن أرادوا أنّه لا يجوز أن يُخَاطِبَنا بما لا نفهمه تفصيلًا، وإن فهمناه جملةً فممنوع (٢)، فإنه قد ورد في كتاب الله تعالى مِمَّا يجب علينا الإيمانُ به، ذكر ما لا يُفْهَمُ إلا جملةً، وذلِكَ أمورٌ عديدة.
منها: معرفتُهُ سبحانه والإِيمانُ به، ولا يَصِحُّ إلا جملةً، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠].
ومنها: ملائكتُه، وكتُُبه، ورسُلُه على العموم، والدار الآخرة، ولو لم يصحَّ ذلك، لم يصح إيمان العجمي ببلاغة القرآن وإعجازه، ولا إيمان (٣) العاميِّ بالمتشابه، ولوجب على عوامِّ المسلمين أن يكونوا منَ الرَّاسخين، وعلى الرَّاسخين أن لا يتوقَّفُوا في معنى شيءٍ مِنْ كتاب ربِّ
_________________
(١) في (ش): جميعًا.
(٢) في (ش): ممنوع.
(٣) في (ب): والإيمان.
[ ٣ / ٣٤٤ ]
الوظيفة الثالثة: الاعتراف بالعجز عن معرفة حقيقة هذه المعاني
الوظيفة الرابعة: السكوت
العالمين، وكلُّ ذلِكَ خلافُ المعلوم.
الوظيفة الثالثة: الاعتراف بالعجزِ عن معرفةِ حقيقة هذه المعاني، فإنَّه إنِ (١) ادَّعى ذلِكَ، كذب. وهذا معنى قولِ مالكٍ ﵀: الكيفيَّةُ مجهولة، يعْني: التفصيلُ المرادُ به غير معلوم.
قلت: العَجْزُ عن المعرفة التفصيلية في ذاتِ الله وصفاته (٢) ضروري؛ لأنَّ كلَّ ما لَمْ يُشَاهَدْ، ولا مثْلَ له في المشهوداتِ، استحال تصوُّره في الذَّهن، وما استحال تصوُّره، استحال أن يُعْرفَ إلاَّ على سبيل الجملة، ولو (٣) لم نعرف النُّورَ أو غيره، وسمعنا ذكرَه، ما أمكن تصوُّرُه، ولو تصوَّره متصوِّرٌ مِنْ غيرِ معرفة، وقع في الخطأ، ولذلِك لا يُمْكِنُ تعريفُ الصغير لَذَّة النَّكاح على التَّفصيل، وَمَنْ قال له: إنَّه حُلْوٌ كالسُكَّرِ على جهة التَّقريب له، أخطأ، فكيف لا يجب الاعترافُ (٤) بالعجز (٥) وهو ضروري؟
قال الشيخ: الوظيفة الرابعة: السُّكوت؛ لأنَّهم بالسُّؤال متعرِّضُون لمَا لا يُطِيقونه، وخائِضُون فيما ليس هُمْ أهلًا له، فإنْ سأل السَّائل، جاهلًا، زاده جوابُهُ جهلًا، وربما ورَّطه (٦) في الكُفْرِ مِنْ حيث لا يشعر، وإنْ سألَ عالمًا، عَجَزَ عن تفهيمه (٧)، لِقصور فهمه هو، فالعامَّةُ والخاصَّةُ
_________________
(١) " إن " ساقطة من (ب).
(٢) " وصفاته " ساقطة من (ش).
(٣) في (ش): "فلو"، وفي (ج): ولم يعرف.
(٤) عبارة " لا يجب الاعتراف " ساقطة من (ش)، وفي (ب): لا يعترف.
(٥) في (ش): العجز.
(٦) في (ش): وسطه.
(٧) في (ش): تفهمه.
[ ٣ / ٣٤٥ ]
عاجزون عن معرفة كيفيَّة الأمور الإِلهية، قاصِرُونَ عن إدراكها، فَمنْ فعل ذلك، وجب على السُّلطانِ زجْرُه، ومنعُهُ، وضربه بالدِّرَّة، كما فعل عُمَرُ ﵁ بِمَنْ يسألُ عَنِ الآياتِ المتشابهة (١)، وكما فَعلَ رسول الله - ﷺ - في الإنكار على قوم رآهم يخوضُونَ في القدر، ويسألون عنه فقال: " أبِهذا أُمِرْتُمْ؟ " (٢) وقال ﵇: "إنَّمَا أهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكمْ كَثْرَةُ
_________________
(١) أخرج الدارمي في " سننه " ١/ ٥٤، والآجري في " الشريعة " ص ٧٣، واللالكائي (١١٣٨) من طريقين عن حماد بن زيد، حدثنا يزيد بن حازم، عن سليمان بن يسار أن رجلًا من بني تميم يقال له: صبيغ بن عسل قَدِمَ المدينة وكانت عنده كتب، فجعل يسأل عن متشابه القرآن، فبلغ ذلك عمر ﵁، فبعث إليه، وقد أَعَدَّ له عراجين النخل، فلمَّا دخل عليه جلس، فقال له عمر ﵁: من أنت؟ فقال: أنا عبد الله صُبيغ، فقال عمر ﵁: وأنا عبد الله عمر، ثم أهوى إليه، فجعل يضربه بتلك العراجين، فما زال يضربه حتى شجَّه، فجعل الدمُ يسيل على وجهه، فقال: حسبُك يا أميرَ المؤمنينَ، فقد واللهِ ذَهَبَ الذي كنتُ أَجِدُ في رأسي. وانظر " الإصابة " ٢/ ١٩١.
(٢) أخرجه ابن ماجه (٨٥)، وأحمد ٢/ ١٧٨ من طريقين عن أبي معاوية، حدثنا داوود بن أبي هند، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: خرجَ رسول اللهِ - ﷺ - ذات يوم والناسُ يتكلمون في القَدَرِ، قال: وكأنما تَفَقَّأ في وجهه حَبُّ الرُّمَّان من الغضب، قال: فقال لهم: " ما لكم تَضْربون كتاب الله بعضَه ببعضٍ؟ بهذا هَلَك منْ كان قبلكُم " قال: فما غبَطْتُ نفسي بمجلس فيه رسولُ الله - ﷺ - أشْهَدْه، بما غبَطتُ نفسي بذلك المجلس، أَنَّي لم أَشْهَدْه. وصحح إسنادَه البوصيريُّ في " الزوائد " ورقة ٧، والصواب أنَّه حسن. وانظر " شرح السنة " ١/ ٢٦٠ - ٢٦٢. وأخرجه أحمد ٢/ ١٨١ عن أنس بن عياض، حدثنا أبو حازم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: لقد جلستُ أنا وأخي مجلسًا ما أُحِبُّ أن لي به حُمْر النَّعم، أقبلت أنا وأخي، وإذا مشيخةٌ من صحابة رسول الله - ﷺ - جلوس عند باب من أبوابه، فَكرِهْنا أن نُفرِّقَ بينَهم، فجلسنا حجرةً، إذْ ذكروا آية من القرآن، فتمارَوْا فيها، حتى ارتفعت أصواتُهم، فخرج رسولُ الله - ﷺ - مُغْضبًا قد احمَّر وجهُه، يرميهم بالتُّراب، ويقول: " مهلًا يا قوم، بهذا أُهْلِكت الأمَمُ من قبلكم، باختلافهم على أنبيائهم، وضربهم الكُتُب بعضَها ببعضٍ، إن القرآن لم ينزلْ يُكذِّب بعضُه بعضًا، بل يُصَدَّقُ بعضُه بعضًا، فما عَرَفْتُم منه، فاعملوا به، وما جهلتُم منه، فردُّوه إلى عالِمِه ". وقوله: " حُمْر النَّعَمِ " النَّعَم -بفتح النون والعين-: الإبل، والحمرُ: جمع أحمر، والبعير الأحمر: الذي لونه مثل لون الزعفران إذا صُبغَ به الثوبُ، وقيل: بعير أحمر: إذا لم =
[ ٣ / ٣٤٦ ]
الوظيفة الخامسة: الإمساك عن التصرف في الألفاظ الواردة من أربعة وجوه
مسَائِلِهِمْ" (١).
قلتُ: الحديثِ الثاني متَّفَقٌ على صحَّته، والأول جاء بأسانيد كثيرة (٢) مجموعها يقضي بقوتها (٣) كما يأتي عند ذكر القدر في مسألة أفعال العباد إن شاء الله تعالى.
قال الشّيْخُ: الوظيفة الخامسة: الإمساكُ عَنِ التَّصَرُّفِ في الألفاظِ الواردة.
وشرحُ ذلكَ: أنَّهُ يجبُ الجُمودُ على ألفاظِ هذِه الأخبار، والإمساكُ عَنِ التَّصَرُّفِ فيها من أربعة أوجه: التَّفسير، والتَّأويل، والتَّصرُّف، والتَّفريع.
_________________
(١) = يخالط حمرتَه شيء، والإبل الحمر أصبر الإبل على الهواجر، والعرب تقولُ: خيرُ الإبل حمرها، وصُهبها، ومنه قول بعضهم: ما أحب أن لي بمعاربض الكلم حُمْرَ النِّعَم. " لسان العرب ": حمر. وأخرجه عبد الرزاق (٢٠٣٦٧)، ومن طريقه أحمد ٢/ ١٨٥، والبخاري في " أفعال العباد " ص ٤٣، والبغوي في " شرح السنة " (١٢١) والآجري في الشريعة ص ٦٧ - ٦٨ عن معمر، عن الزهري، عن عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جده قال: سَمِعَ رسول الله - ﷺ - قومًا يتدارؤون، قال الرمادي: يتمارَوْن، فقال: " إنَّما هَلَكَ من كان قبلكم بهذا، ضربوا كتابَ الله بعضه ببعض، وإنما نَزلَ كتابُ الله ﷿ يُصَدِّقُ بعضُه بعضًا، فلا تكذِّبوا بعضَه ببعض، فما علمتُم منه فقولوه، وما جهلتُم فَكلوه إلى عالِمه ". وأخرجه مختصرًا أحمد ٢/ ١٩١، ومسلم (٢٦٦٦)، من طريقين عن حماد بن زيد، عن أبي عمران الجَوْني قال: كتب إليَّ عبد الله بن رباح يُحدِّث عن عبد الله بن عمرو، قال: هجَّرتُ إلى رسول الله - ﷺ - يومًا، فإنا لجُلُوس إذِ اختلفَ رجلان في آيةٍ، فارتفعتْ أصواتُهُما، فقال: "إنما هَلَكت الأمم قبلكم باختلافهم في الكتاب".
(٢) تقدم تخريجه ١/ ٢١٩، وأزيد عليه هنا أنه: صححه ابن حبان (١٨) بتحقيقنا، واستوفيت تخريجه هناك.
(٣) في (ش): كثيرة كثرة.
(٤) في (ش): بقوتها ثبوتها.
[ ٣ / ٣٤٧ ]
التصرف الأول: التفسير
أمّا التَّفسيرُ: فأعني به تبديلَ اللّفْظِ بلغةٍ أُخرى يقوم مقامَها بالعربية (١) أو يُؤَدِّي معناها بالفارسية أو (٢) التُّركية، بل لا يجوز النطقُ إلا باللفظِ الوارِدِ، لأن منْ ألفاظ العربيّةِ ما لا يوجَد له فارسيةٌ مُطابقةٌ، ومنها ما يُوجدُ له فارسيةٌ مُطابقة، لكنْ ما جَرَتِ عادةُ الفرس باستعمالها في المعاني الّتي جَرَتْ عادةُ العرب باستعمالها فيها، ومنها ما يكون مشتركًا في العربيَّة، و(٣) لا يكون في العَجَمِيَّةِ كذلِكَ، ثمَّ إذا انقسمت هذه الأشياء إلى ما يجوز، وما لا يجوز، وليس إدراك التمييز بينها (٤)، ولا الوقوف على دقائق التّمييز بينها، ولا الوقوف على دقائق (٥) التفاوت (٦) جليًا سهلًا (٧) يسيرًا، بل يَكْثُرُ فيه الإِشكالُ، ولا يتميزُ محل التَّفاوت عن مَحَلِّ التَّعادل، فَحَسْم الباب احتياطًا -إذ لا حاجَةَ ولا ضرورةَ إلى التَّأويل- أوْلى منْ فتح الباب، وإقحام (٨) الخلقِ وَرْطَةَ الخطر.
فليت شعري: أيُّ الأمرين أحزمُ، وأحوط، وأسلمُ، والمتصرّف فيه ذاتُ الله وصفاته، وما عندي أنَّ عاقلًا متديِّنًا يخفى عليه أنَّ هذا الأمرَ مُخْطِرٌ (٩)، وأن الخَطَرَ في الصِّفات الإلهية يجبُ اجتنابُهُ، وقد أوجبَ الشَّرعُ على الموطوءة العِدَّة لِبَراءة الرَّحم، والحذر مِنْ خلطِ الأنسابِ
_________________
(١) في (ش): باللغة العربية.
(٢) "أو" سقطت من (ش).
(٣) الواو ساقطة من (ش).
(٤) في (ش): منها، وفي (ج): بينهما.
(٥) من " التمييز " إلى هنا ساقط من (ش).
(٦) من " بينها " إلى هنا ساقط من (ج).
(٧) ساقطة من (ج).
(٨) في (ش): واقتحام.
(٩) في (ش): حطر.
[ ٣ / ٣٤٨ ]
التصرف الثاني: التأويل، ويقع في ثلاثة مواضع
الموضع الأول: تأويل العامي على سبيل الاستقلال بنفسه، وهو حرام
الموضع الثاني: أن يكون ذلك من العالم مع العامي، وهو ممنوع
احتياطًا لحكم الوراثة (١)، والولاية وما يترتَّبُ على النّسَبِ، فقالوا مع ذلك: تجبُ العِدَّةُ على العقيم، والآيسة، والصَّغيرة، وعِنْدَ العَزْل؛ لأنَّ باطِنَ الأرحام إنَّما يَطَّلِعُ عليها علاَّمُ الغُيوب، فلو فتحنا بابَ النَّظر في التَّأويل، كُنَّا راكبين مَتْنَ الخطر، فكما أن إيِجابَ العِدَّةِ حُكْمٌ شرعيٌّ يَثبتُ (٢) بالاجتهاد ويترجَّح (٣) طريقُهُ بالأولى، فنعلم أن هذا الاحتياط في الخَبَر عَنِ الله تعالى، وَعَنْ صفاته أهمُّ وأوْلَى مِنَ الاحتياطِ في العِدَّةِ، و(٤) في كلِّ ما احتاط الفقهاءُ فيه مِنْ هذا القبيل.
وأمّا التَّصَرُّف الثَّاني: وهو بالتَّصرف بالتَّأويل، وهو بيانُ معناه بعدَ إزالة ظاهرِه، فهذا إمّا أن يَقَعَ مِنَ العامِّيِّ مع نفسه، أو مِنَ العالِمِ مع العامِّيِّ، أو مِنَ العالِمِ مع نفسه، بينَه وبَيْنَ ربه، فهذه ثلاثةُ مواضع.
الأول: تأويلُ العامِّيِّ على سبيلِ الاستقلال بنفسه، فهو حرامٌ، يُشْبِهُ خوضَ البحرِ المغرقِ (٥) مِمَّن لا يُحْسِنُ السَّباحة، فلا شكَّ في تحريمه، وبَحْرُ معرفة ذاتِ الله وصفاته أبعدُ غورًا، وأكثرُ معاطِبَ ومهالك من بحر الماء.
الموضع الثاني: أن يكونَ ذلِكَ مِنَ العالِمِ مع العامِّيِّ، وهو أيضًا ممنوع، ومثاله: إنْ بحَّرَ الغواصُ (٦) مع نفسِهِ عاجزًا عَنِ السِّباحَةِ، مضطربَ القلب والبدنِ، وذلك حرامٌ، لأنَّهُ يعرِّضه لخطرِ الهلاك، فإنَّه لا
_________________
(١) في (ش): الورثة.
(٢) في (ش): ثبت.
(٣) في (ش): وترجح ويترجح.
(٤) من قوله: "الخبر" إلى هنا ساقط من (ش).
(٥) ساقطة من (ش).
(٦) في (ش): الغوامض، وهو خطأ.
[ ٣ / ٣٤٩ ]
يقوى على حفظه في لُجَّةِ البحر، لقلَّة علمهِ بِعُمْقِ البحر، وتماسيحه وقُروشِهِ، وإن قَدَرَ على حفظه بالقُرْبِ مِنَ السَّاحل، إلى قوله: وفي معنى العامي: الأديبُ، والنَّحويُّ، والمُفَسِّر، والفقيهُ، والمتكلم.
قلت: في " صحيح البخاري " (١) عن عليٍّ رضوان الله عليه: لا تُحَدِّثوا النّاسَ بما لا تَحْتَمِلُهُ عُقُولُهُم، أتُحِبُونَ أن يُكذَّبَ اللهُ ورسولُهُ؟!
وصحَّ أيضًا عن معاذ أنَّ رسول الله - ﷺ - نهاه أنْ يُخْبِرَ بالخبر الحقِّ الذي أخبره (٢) به - ﷺ - مِنْ نَجَاةِ مَنْ مات يشهدُ أن لا إله إلا الله مُخْلِصًا بها قلبُه (٣)، وجاءَ النَّهي عَنِ الخبر بمثل ذلِكَ كثيرًا؛ وذلك لأجل المصلحة،
_________________
(١) رقم (١٢٧) في العلم، باب: من خص بالعلم قومًا دون قوم كراهية أن لا يفهموا، ولفظه: " حَدِّثوا الناسَ بما يَعْرفُونَ، أتحبون أنْ يُكَذَّبَ الله ورسولُه". قال الحافظ: والمراد بقوله: " بما يعرفون " أي: يفهمون، وزاد آدم بن أبي إياس في كتاب العلم له في آخره: " ودعوا ما ينكرون "، أي: يشْتَبِهُ عليهم فهمُه، وكذا رواه أبو نعيم في " المستخرج "، وفيه دليل على أن المتشابه لا ينبغي أن يذكر عند العامة، ومثله قولُ ابن مسعود: " ما أنت محدثًا قومًا حديثًاَ لا تبلغه عقولُهُم إلا كان لبعضهم فتنة "، رواه مسلم ١/ ١١ في مقدمة " صحيحها " وممن كره التحديث ببعض دون بعض أحمد في الأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان، ومالك في أحاديث الصفات، وأبو يوسف في الغرائب، ومن قبلهم أبو هريرة كما تقدم عنه في الجرابين، وأن المراد ما يقع من الفتن، ونحوه عن حذيفة، وعن الحسن أنَّه أنكر تحديث أنس للحجاج بقصة العُرنيين، لأنَّه اتَّخَذهَا وسيلة إلى ما كان يعتمده من المبالغة في سفك الدماء بتأويله الواهي. وضابط ذلك أن يكون ظاهر الحديث يقوي البدعة، وظاهره في الأصل غيرُ مراد، فالإِمساكُ عنه عند منْ يخشى عليه الأخذ بظاهرِهِ مطلوبٌ.
(٢) في (ش): أخبر.
(٣) أخرجه البخاري (١٢٨) و(١٢٩)، ومسلم (٣٠) (٤٨) عن أنس بن مالك أن النبي - ﷺومعاذٌ رديفُه على الرَّحْل- قال: " يا معاذَ بن جَبَلٍ "، قال: لبيْك يا رسولَ اللهِ وسَعْدَيْك، قال: " يا معاذٌ "، قال: لبيْكَ يا رسولَ الله وسَعْدَيْكَ "ثلاثًا"، قال: " ما من أحدٍ يَشْهَدُ أنْ لا إله إلا اللهُ، وأن محمدًا رسول الله صدقًا من قلبِه إلا حَرَّمَهُ اللهُ على النارِ "، قال: يا رسولَ اللهِ، أفلا أُخْبرُ به الناسَ، فَيَسْتَبْشِروا؟ قال: " إذًا يتَّكلُوا "، وأخبر بها معاذ عند موتِهِ تَأثُّمًا. =
[ ٣ / ٣٥٠ ]
الموضع الثالث: تأويل العالم مع نفسه في سر قلبه
فلا يمتنع كَتْمُ شيءٍ مِنَ الحقِّ الَّذي لا تَعَلَّقُ المصلحةُ بظهوره، ولا تَمَسُّ الحاجةُ إليه (١)، بل في قوله تعالى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُم ولا يَنْفَعُهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٢]، ما يدُلُّ على أنَّ جهل بعضِ العُلوم أولى، ويدلُّ على هذا مفهومُ قوله تعالى: ﴿وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيه﴾ [الزخرف: ٦٣]، وقوله: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]، ومنه منعُ الملائكة مِمّا عُلَّمَهُ آدمُ مِنْ علم الأسماءِ، ومنعُ موسى مِمّا عُلّمَهُ الخَضِرُ مِنْ علمِ التّأويل، وفي الصحيح " أنَّ الخَضِرَ قال لموسى: إِنَّك على عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ، فلا ينبغي لي أنْ أعْلَمَهُ، وإنِّي على علمٍ من عِلْمِ الله، لا ينبغي لَكَ أنْ تعلمَهُ " (٢).
قال الشيخُ: الموضعُ الثالث: تأويلُ العالِمِ مع نفسِه في سِرِّ قلبه بينَه وبَيْنَ ربِّه، وذلك لا يخلو مِنْ ثلاثةِ أوجه:
إما أن يكونَ الذي انقدح في سِرَّه هو المرادُ به مقطوعًا به، أو مشكوكًا فيه، أو مظنونًا ظنًّا غالِبًا، فالمقطوعُ به معدومٌ؛ لأن معرفته مِنْ
_________________
(١) = قلت: ظاهره غير مراد، لأن الأدلة من الكتاب والسنة متضافرةٌ على أن طائفة من عصاة المؤمنين يعذبون، ثم يخرجون من النار بالشفاعة، فتأوله العلماء فيمن قرن ذلك بالأعمال الصالحة، أو قالها تائبًا، ثم مات على ذلك، أو أن ذلك خرج مخرج الغالب، إذ الغالبُ أنَّ الموحد يعمل الطاعة، ويجتنب المعصية، أو أن المراد بتحريمه على النار تحريم خلوده فيها. والقول بأن ذلك كان قبل نزول الفرائض فيه نظر، لأن مثل هذا الحديث وقع لأبي هريرة كما رواه مسلم في " صحيحه " (٣١)، وصحبته متأخرة عن نزول أكثر الفرائض، وكذا ورد نحوه من حديث أبي موسى عند أحمد بإسناد حسن، وكان قدومه في السنة التي قدم فيها أبو هريرة. وانظر " تحقيق كلمة الإخلاص " للحافظ ابن رجب، طبع المكتب الإسلامي.
(٢) " إليه " ساقطة من (ش).
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤٧٢٦) من طريق ابن جريج، أخبرني يعلى بن مسلم، وعمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أُبي بن كعب رفعه .. ولفظه: " إن لي علمًا لا ينبغي لك أن تعلَمَه، وإن لك علمًا لا ينبغي لي أن أعلمَه .. ".
[ ٣ / ٣٥١ ]
قِبَل (١) الله تعالى، أو مِن رسوله - ﷺ -، وذلك غيرُ موجودٍ، وإنْ كان مشكوكًا فيه، فَلْيَجْتَنِبْهُ، ولا يَحْكُمَنَّ على مرادِ الله تعالى، ومُرادِ رسوله - ﷺ - باحتمالِ معارضة (٢) مثلِه مِن غيرِ ترجيحٍ، بَلِ الواجبُ على الشَّاكِّ (٣) التَّوقُّفُ.
وإنْ كان مظنونًا، فإنَّ الظنَّ إذا انقدح في النَّفس، فلا يَدْخُلُ تحتَ الاختيارِ دَفْعُهُ، فإنَّ للظَّنِّ أسبابًا ضرورية لا يُمْكِنُ دفعُها، ولا تُكَلَّفُ النَّفسُ إلا وُسْعَهَا، لكن عليه وظيفتان:
أَحَدَهُما: أن لا يدَعَ نفسَه تطمئنُّ إليه، ولا ينبغي أن يَحْكُمَ مع نفسه بموجب ظَنِّه، لنهيِ الله تعالى عَنْ ذلك فيما هو دُونَ هذا، فكيف بهذا (٤) الأمر العظيم بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنّ﴾ [الحجرات: ١٢] الآية.
قلت: لو احتجَّ بالأحاديثِ المتضمِّنة للنَّهي عَنِ التَّفسير بالرَّأي، كان أصرح، وأسانيدُها تقوى بانضمامِ بعضها إلى بعضٍ، وخرج منها العملياتُ بإجماعِ الصَّحابة الظني السُّكوتيِّ التَّقريريِّ، حيث قرَّروا الصَّدِّيقَ ﵁ على قوله في الكَلاَلَة: أقول فيها برأيي (٥)، بل يمكن
_________________
(١) في (ش): قبيل.
(٢) في النسخ: " تعارضه "، والمثبت من (ش).
(٣) عبارة " الواجب على الشاك " ساقطة من (ج).
(٤) في (ش): هذا.
(٥) أخرجه الطبري في " جامع البيان " (٨٧٤٥) و(٨٧٤٦) و(٨٧٤٧)، والبيهقي ٦/ ٢٢٣ - ٢٢٤ من طرق عن عاصم الأحول، عن الشعبي قال: قال أبو بكر: إني رأيت في الكلالة رأيًا -فإن كان صوابًا، فمن الله وحده لا شريك له، وإنْ يكُ خطأ، فمني ومن الشيطان، والله منه بريء- أن الكلالة ما خلا الولد والوالد. وأورده السيوطي في " الدر المنثور " ٢/ ٧٥٦، وزاد نسبته لعبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، والدارمى، وابن المنذر.
[ ٣ / ٣٥٢ ]
أن لا يكونَ كلامُ الصِّدِّيق تفسيرًا، ولذلك قال: " برأيي " حتى يكون بريئًا مِنَ الخبر عَنِ الله تعالى في مُراده، وإنَّما قَصَدوا العملَ لأجل الضرورة فيه، لا الخبر عن الله تعالى، لأن الخبر عنه بالرّأي بمنزلة النُّبُوَّةِ بالرّأي، والوحيِ بالرأي، فالعمل يتفرَّع على الظن، ويترتَّبُ عليه؛ لأنَّ في مخالفة الظَّنَ بالعمل مَضَرَّةً مظنونةً، وركوبُ مثل ذلك قبيحٌ بفطرةِ العقول (١)، وشواهدِ المنقول، وفي الصَّحيح أنَّه - ﷺ - قال لهم: " أَرأيْتُمْ لَوْ أَنْذَرْتُكُمُ الجَيْشَ " (٢) الحديثَ، فهم (٣) عاملون بالظَّنِّ، غيرُ مخبرين عَنْ مُرادِ اللهِ، وذلك لا يتناقض، بل قد صحَّ إنّ ما سمَّاه أبو بكر رأيًا هو معنى الكَلالةِ في اللُّغَةِ، وليس ذلك بِرأْيٍ على الحقيقة، لكِنَّهُ -لِشدَّةِ ورعه واحتياطه- سمَّاه رأيًا، حيث تَمَسَّكَ بالظاهر مِنْ غير نصٍّ ثابت عن رسول الله - ﷺ -.
قال الشيخ: الثانية: أنَّه إنْ ذَكَرَه، لم يطلق القول بأنَّ المراد منه كذا وكذا، لأنَّه حكم بما لا يَعلم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْم﴾ [الإسراء: ٣٦].
ولا يجوز التَّحدُّثُ به مع الخلق؛ لأنَّهُ قادرٌ على تركه، وهو في ذكره
_________________
(١) في (ش): العقل.
(٢) أخرجه البخاري (٤٧٧٠)، ومسلم (٢٠٨) من حديث ابن عباس ﵄ قال: لما نزلت ﴿وأنذِرْ عشيرتَكَ الأقربين﴾، صَعِدَ النبيُّ - ﷺ - الصفا، فجعل يُنادي: " يا بني فِهر، يا بني عدي " -لبطون قريش- حتى اجتمعوا، فجعل الرجلُ إذا لم يستطع أن يخْرُج، أرسلَ رسولًا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريشٌ، فقال: " أرأيتكم لو أخبرتُكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تُغيرَ عليكم، أكنتم مُصَدِّقيِّ؟ قالوا: نعم، ما جرَّبْنا عليك إلا صِدْقًا، قال: " فإني نذيزٌ لكم بين يدي عذاب شديد "، فقال أبو لهب: تبًا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فنزلت ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾.
(٣) في (ش): وهم.
[ ٣ / ٣٥٣ ]
متصرِّفٌ في ذات الله تعالى بالظنِّ، أو في مراده بكلامه، وفيه حظر، وإباحةُ ذلك لا تعرف إلاَّ بالنَّصِّ أو الإجماع، ولم يَرِدْ شيءٌ من ذلك، بل ورد قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْم﴾.
فإن قيل: يدلُّ على جواز الظَّنِّ ثلاثة أمورٍ:
الأوَّل: الدَّليل الذي دلَّ على إباحة الصِّدق، وهو صادق، فإنَّه لا يُخْبِرُ إلا عن ظَنِّهِ، وهو ظانٌّ.
الثّاني: أقاويل المفسِّرينَ في القرآن بالظَّنَ، إذ كلُّ ما قالوه غير مسموعٍ مِنْ رسول الله - ﷺ -، بل مُستنبَطٌ بالاجتهاد ولذلك كَثُرتِ الأقاويلُ فيه، وتعارضت.
والثَّالث: إجماعُ التابعين على نقل الأخبارِ المتشابهةِ (١) الَّتي نقلها أجِلاَّء الصَّحابة، ولم تتواتر، وما اشتملت عليه الصِّحاحُ مِنَ الذي نقله العدلُ عَنِ العدلِ، فإنَّهم جوَّزوا روايتَه، ولا يَحْصُلُ بقولِ العدلِ إلا الظَّنُّ.
فالجوابُ (٢) عن الأول: أن المُباحٍ صدق لا (٣) يُخشى فيه ضررٌ، وبث هذه الظُنونِ لا يخلو عَنْ ضررٍ، لأنَّه يحكم (٤) في صفاتِ اللهِ تعالى بغير علم، وهو خطر، فالنُّفوس نافِرَةٌ عَنْ أشكال الظَّواهر، فإذا وجدتَ مستروحًا مِنَ المعنى -ولو مظنونًا- أخْلَدْت إليه، ورُبَّما يكونُ غلطًا،
_________________
(١) في (ش): " عن المتشابه "، وهو خطأ.
(٢) في (ب): والجواب.
(٣) في (ش): ولا.
(٤) في (ب): تحكم.
[ ٣ / ٣٥٤ ]
فيكون قد اعتقد في صفاتِ الله ما هو باطل، أو حكمَ عليه في كلامه بِمَا لم يُرِدْهُ.
قلت: لو احتجَّ الشَّيخُ هنا بالنُّصوص الواردة في النَّهي عن تفسير القرآن بالرأي، لكان جيِّدًا، لأنها تقتضي ظنَّ التحريم في هذا الموضع دون سائِرِ المواضع المظنُونَة، فإنْ كان الظَّنُّ حجة، كان التَّمسُّكُ بها أولى لخصوصها بهذا الموضع، ورفعها للعمومات الدالةِ على أنَّ الظن حُجَّةً، فلا مانعَ من ورود (١) السمع بمنع الظَّنِّ لمصلحةٍ، كما منع من الرجم، والحكمِ بالزنى بشهادة أقل مِنْ أربعة، مع حُصول الظَّنِّ بشهادة الواحد، وهذا الوجه جيِّدٌ في الجواب في المواضع الثَّلاثة الَّتي ذكرها الشَيخُ.
قال رحمه الله تعالى: وأما الجواب على الثاني -وهو أقاويلُ المفسرين- فإنَّا لا نسلِّمُ ذلك فيما هو مِن صفات الله تعالى.
قلت: أو في صفاته مِمَّنْ يستحِلُّ ذلك، ويقلُّ وجودُه في المتقدِّمين، وَيكثُرُ في المتأخِّرين، ومستحلُّ ذلك بعضُ الأُمَّة، ولا حُجةَ في قولِ البعضِ، ولا يَصِحُّ منه شيءٌ عَنِ الصَّحابة وكُبراء التَّابعين.
قال الشَّيخ: بل لعلَّ ذلك في الأحكام الفقهية، أو في حكايات أحوالِ الأنبياء ﵈، والكفارِ، والمواعظِ، والأمثالِ، وما لا (٢) يُعْلَم خَطَرُ الخطأ فيه.
وأمَّا الجوابُ عن إجماع التّابعين على نقل الأخبار المتشابهة الّتي نقلها أجلاَّءُ الصَّحابة ﵃، فقد قال قائلون (٣): لا يجوز أن يُعْتَمَدَ
_________________
(١) في (ش)، " ما ورد " مكان " من ورود ".
(٢) في (ش): لم.
(٣) ساقطة من (ش).
[ ٣ / ٣٥٥ ]
في هذا البابِ إلاَّ على ما ورد في القرآن، أو تواترَ عن رسول الله - ﷺ -، فأمَّا أخبار (١) الآحاد، فلا يُشْتَغَلُ بتأويلها عند من يميلُ إلى التَّأويل، ولا روايتها عند من يعتمد على الرواية بالمظنون؛ لأنَّ ذلك حُكْم واعتمادٌ عليه، وما ذكره ليس ببعيد، لكنه مخالفٌ لظاهر ما دَرَجَ عليه السَّلَفُ ﵃، فإنَّهم قَبِلُوا هذه الأخبار مِنَ العدول، ورَوَوْهَا وصحَّحُوها.
فالجواب (٢): من وجهين:
أحدهما: أن التَّابعين قد عَرَفُوا مِنْ أدلَّة الشَّرع أنَّه لا يجوز اتِّهام العَدْلِ بالكذب، لا سيَّما في صفات الله تعالى.
قلت: وقد يمتنع حَمْلُ الرَّاوي على السهْوِ في ذلك بقرائنَ ضروريَّةٍ لا يُمْكِنُ التعبير عنها، لا سِيَّما عند تكرُّرِ ذلك منه، أو سؤاله عنه، وعدم تردُّدِه عندَ موجباتِ التَّردُّدِ مِنْ سماعه للخوض في ذلك، والاختلافِ الشديد بسبب روايته.
قال الشيخ: فإذا روى الصدِّيق ﵁ خبرًا، وقال: سمعتُ رسولَ الله - ﷺ - يقول: كذا، فَرَدُّ ذلك تكذيبٌ له، ونسبة (٣) له إلى الوضع أو السَّهو، فقَبِلُوه، وقالوا: قال أبو بكر: قال رسولُ الله - ﷺ -، وكذا التَّابعون. فالآن إذا ثَبَتَ عنهم بأدلَّة الشَّرع أنّه لا سبيلَ إلى اتِّهام العدلِ التَّقِيِّ مِنَ الصَّحابة، فَمنْ أينَ يَجِبُ أن لا تُتهم ظنونُ الآحادِ، وأن يُنزل الظَّنُّ منزلةَ نقلِ العدل عن العدل، مع أنَّ بعضَ الظن إثْمٌ؟ فإذا قال لهم الرسول: ما أخْبَرَكُمُ العدلُ، فصدِّقوه، وانقُلُوه، واظهِرُوه، ولم يقل:
_________________
(١) في (ش): الأخبار.
(٢) في (ش): والجواب.
(٣) في (ش): ونسبته.
[ ٣ / ٣٥٦ ]
ارْوُوا عَنْ ظُنونكم، وضمائِركم، ونفوسِكم ما قالَتْهُ، وليس هذا في معنى المنصوص (١)، فلهذا نقولُ: ما روي عن غيرِ العدل مِنْ هذا الجنسِ ينبغي أن نُعْرِضَ عنه، ولا يُروى، ونحتاط (٢) فيه أكثر مِمَّا نحتاط في المواعظ والأمثالِ، وما يجري مجراها.
قلت: بل أكثر ممَّا يُحتاط في أحكام التَّحليل والتَّحريم.
والفرق بينَ خبرِ الواحد وسائرِ الظنون مجمعٌ عليه، فالأمَّةُ مُجْمِعَةٌ على أنَّ النص الذي يجبُ العملُ به، ولم يُعَلَّ (٣) بما يَقْدَحُ فيه مانِعٌ مِنَ الظَّنِّ الناشىء عن الاجتهاد، ومقدَّمٌ عليه.
ومنْ ها هنا وجب اعتبارُ الشهاداتِ حيث لا تُعْتَبرُ الظنون، فيحكُم الحاكمُ في الحقوق بشهادةِ عدلين، ولا يحكم بقيامِ قرينتين ظنيَتين، وفي حدِّ الزنى بشهادة أربعةٍ عدول لا بظهور (٤) أربع (٥) قرائن ظَنية.
ومُنتهي الأمرِ أن الشَّرع منع بعض الظنون، وأباح بعضها، وذلك تفصيل لِمَا أشارَ إليه ﷾ في قوله: ﴿إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثمٌ﴾ [الحجرات: ١٢].
ثمَّ قال الشيخُ: الجواب الثاني: أنَّ تلك الأخبارَ رواها الصَّحابة، لأنَّهم سمعوها مِنْ رسول الله - ﷺ - يقينًا، فما نَقَلُوا إلا ما تَيَقَّنُوه، وكذلك
_________________
(١) في (ش): النصوص.
(٢) في (ش): ولا تحتاط.
(٣) في (ش): يعمل.
(٤) من " بشهادة عدلين " إلى هنا ساقط من (ش).
(٥) في (ش): " أربعة "، وهو خطأ.
[ ٣ / ٣٥٧ ]
التابعون، فإنهم عَلِمُوا (١) أنَّ الصحابة رَوَوْا ذلك، فَرَوَوْهُ عنهم، وما قالوا: قال رسولُ الله - ﷺ - بل قالوا: قال فلانٌ: قال رسولُ الله - ﷺ - كذا وكذا، فكانوا صادقين، ولم يُهْمِلُوا روايتَه لاشتمالِ كُلِّ حديثٍ عَلَى فَوائِدَ لا نَقِفُ على حقيقتها.
قلتُ: ونطلب (٢) التَّوابعَ والشَّواهد، لعلها تَوَاتَر، كما قد كان (٣) ذلك، فأنَّى يُساوي هذا حكاية الظنون المنقدحة في الأنفس.
قلت: ولأنَّ العقول كما تحكم بالاحتياطِ في الخَبرِ عن ذات الله تعالى وصفاته ومرادِه في كتابه، وُيمنع (٤) إطلاق ظنونِ الخلق (٥) على كثرتها وتعارضِها لِمَا يَشْتَمِلُ ذلك عليه مِنَ المفسدة، فإنَّها -أيضًا- تحكم بأنَّ ردَّ أخبارِ الثقات الذين لم تلحقْهُمُ التُّهمة بوجهٍ مِنَ الوُجوه أشدُّ مفسدة مِنْ ذلك، ولا سيَّما والقرآن شاهدٌ لأخبارهم في ذلك، إمَّا تفصيلًا، أو جملةً، فالتَّفصيلُ حيث تَوَارَدُ الأخبارُ والآياتُ على صِفَةٍ واحدة، والجملةُ حيث يَرِدُ الأثرُ بوصفٍ وردَ القرآن بنحوه، لا بمثلهِ، وأيضًا فمجموعُهَا يتواتر، ولو في المعنى الجُملِيِّ، كما قيل في شجاعة علي ﵇، وجودِ حاتم.
قال الشَّيخ: وهذا تمامُ الكَفِّ عن التَّأويل والخوض فيه.
_________________
(١) في (ش): عالمون.
(٢) في (ج): ونطبع.
(٣) في (ب): قد كان قدمنا.
(٤) في (ش): ويمتنع.
(٥) من قوله: " كما تحكم " إلى هنا ساقط من (ب).
[ ٣ / ٣٥٨ ]
التصرف الثالث: التصريف
التَّصرُّف الثالث: الذي (١) يجبُ الإِمساكُ عنه: التصريفُ، وشرحه: أنَّه إذا ورد قولُه تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ﴾ [السجدة: ٤]، فلا ينبغي أن يُقال: مستوٍ ويستوي، لأنَّ في تغيير التَصاريف ما يُؤثِّرُ في تغيير الدلالات والاحتمال (٢)، فليجتنب التصرف كما يجتنب الزيادة، فإن تحتَ الزيادة نقصانًا وزيادة.
قلت: وعلى هذه القاعدة، فلا يُقال: إن الله تعالى مُرِيدٌ للقبائح، بل يُقتصر على أنَّه لو شاء ما عُصِيَ، وأنَّه (٣) لو شاء، لهدى الخلق أجمعين من غير تأويلٍ لذلك، ونحوه ممَّا ورد به السَّمعُ المعلوم، فإن مخالفةَ عبارات السَّمع تحتمِلُ أمرين:
إما تغييرَ المعاني، وهو واضح ها هنا، فإنّ قولنا: " ما شاء اللهُ كان " مدحٌ عظيم لَا يَصْدُقُ إلا على ربِّ العِزة جلَّ وعَزَّ، ولا يُشارِكه فيه غيرُه البتَّة، فكيف يستلزمُ وصفه بأنه مريدٌ للقبائح، وهذه صفةٌ يشتركُ فيها جميعُ أهل العجز والنقص مِنَ الخلق، ويختصُّ بها مفردةً أهلُ الخسَّةِ مِن الخلق، وما (٤) أفحشَ ما رامت المبتدعةُ مِنْ إلزام أهلِ السُّنَّةِ مثلَ ذلك، وقطعهم بأنَّ من قال: " ما شاء الله كان " مثلُ مَنْ قال: " إنَّه (٥) مريد للقبائح " وسيأتي بيانُ بطلان ذلك في مسألة الإِرادة، فمِنْ ثمَّ منعنا مِنَ الرواية بالمعنى في القطعيَّات، وخصوصًا في الأسماء والصِّفات، وإنِ اعتقدَ المعترض أنَّها سواء، وإن قلنا: إنَّ ذلك لا يجوز إلا لعالم بما
_________________
(١) في (ب): إنه.
(٢) في (ش): والاحتمالات.
(٣) " أنَّه " ساقطة من (ش).
(٤) في (ش): فما.
(٥) في (ش): بأنه.
[ ٣ / ٣٥٩ ]
يُحيل (١) المعاني؛ لأنَّ كُلَّ واحدٍ من الخائضين حسنُ الرَّأي في نفسه، فقد يعتقد بعضُ النَّاسِ أنَّه مِنَ العارفين بذلك، وليس منهم، فيجبُ سَدُّ هذا الباب، كما اختاره مالكٌ وغَيْره في تحريمِ رواية الحديث بالمعنى (٢)، وإن لم يتعلَّق بصفاتِ الله تعالى، فكيفَ إذا تعلَّق بذلك؟
وثانيهما: سُوءُ الأدبِ على تسليم عدمِ تغيير المعنى، فقد تَحْرُمُ بعضُ العبارات، كما لا يُقال في الدعاء: يا ربَّ الكلابِ والخنازير على الإفراد، بل يَجِبُ التعظيمُ أو التَّعميمُ، فالتعظيم مثل: يا ربَّ العرش الكريم، والتَّعميم مثل: يا ربَّ كُلِّ شيء، كما ورد السَّمعُ بذلك، ولذلك ورد وصفه تعالى بأنَّ بيده الخيرَ وهُو على كُلِّ شيءٍ قدير، فدخل الشَّرُّ في التَّعميم، ولم يُذكر بالتَّخصيص، فيقال: بيدِهِ الشَّرُّ وهو على كل شيء قديرٌ (٣)، ولذلك قال العلماء: لا يُفْرَدُ (٤) الضَّارُّ عَنِ النَّافع في أسمائه الحسنى، لأنَّه تعالى نافع، بِعَيْنِ (٥) ما هو به ضار، مثالُه: مضرَّتُه
_________________
(١) في (ش): يحل.
(٢) في " الكفاية " للخطيب ص ١٨٨: قال مالك بن أنس: كُلُّ حديث للنبي - ﷺ - يُؤدِّى على لفظه وعلى ما رُويَ، وما كان عن غيره، فلا بأس إذا أصابَ المعنى، وفيه: قال أشهب: سألتُ مالكًا عن الأحاديث يُقدَّمُ فيها ويؤخر، والمعنى واحد؟ فقال: أما ما كان منها من قول رسول الله - ﷺ -، فإني أكره ذلك، وأكره أن يُزاد فيها، ويُنقص منها، وما كان من قول غيرِ رسول الله - ﷺ -، فلا أرى بذلك بأسًا إذا كان المعنى واحدًا. وفيه: عن معن سألت مالكًا عن معنى الحديث، فقال: أما حديث رسول الله - ﷺ -، فأدِّه كما سمعته، وأما غير ذلك، فلا بأس بالمعنى. وقال السخاوي في " شرح الألفية " ٢/ ٢٤٣: وقيل: لا تجوز له الرواية بالمعنى مطلقًا، قاله طائفة من المحدثين، والفقهاء، والأصولين من الشافعية وغيرهم. قال القرطبي: وهو الصحيح من مذهب مالك.
(٣) من قوله: " فدخل الشر " إلى هنا ساقط من (ش).
(٤) " لا يفرد " ساقطة من (ج).
(٥) في (ش): " يعني "، وهو خطأ.
[ ٣ / ٣٦٠ ]
التصرف الرابع: القياس والتفريع
الوظيفة السادسة: في الكف بعد الإمساك للسان، أعني كف الباطن عن التفكر في هذه الأمور
للظالم، فإنَّها عَيْنُ منفعته للمظلوم، ولهذه الأسرارِ وجب الاقتصارُ على ما ورد به السمع، وحرم التَّصرف فيه، والله أعلمُ.
قال الشيخ: التصرفُ الرابع الذي يجبُ الإمساكُ عنه: القياسُ والتفريع، مثل: أن يَرِدَ لفظ اليدِ، فلا يجوز (١) إثباتُ الكفِّ (٢) والساعد استدلالًا بأن هذا مِنْ لوازمِ اليَدِ.
فأهمُّ المواضع بالاحتياط ما هو تصرف في ذات الله تعالى وصفاته، وأحق المواضع بإلجام اللِّسان، وتقييده (٣) عَنِ الجريان ما عَظُمَ فيه الخَطَرُ، وأيُّ خطرٍ أعظم من الكفر؟
قلتُ: والأصلُ في هذا وأمثاله ما ثبت من طريق الحسنِ بنِ علي ﵉ عن رسول الله - ﷺ - أنَّه قال: " دع ما يَرِيبُكَ إلى ما لا يَرِيبُكَ " (٤) وما في معناه.
قال الشَّيخ: الوظيفة السادسةُ في الكفِّ بعد الإمساك للِّسان، وأعني بالكفِّ: كفَّ الباطن عَنِ التفَكرِ في هذه الأمور، فذلك واجبٌ عليه، وهذه أثقلُ الوظائفِ، وهي واجبة كما وجب على العاقلِ أن لا يخوضَ غَمْرَةَ البحرِ اتِّكالًا على عادته في السِّباحة، فإنَّ معاطب البحر كثيرة، ومهالِكَه جمَّة، ويتفكَّرُ في أنَّه -وإن فاتته نفائسُ البحر وجواهرُه- فلم تفُته إلاَّ زياداتٌ وتوسعات (٥) في المعيشة، وهو مستغنٍ عنها، وإن
_________________
(١) ساقطة من (ب).
(٢) في (ش): مثل الكف.
(٣) في (ج): ويفسده.
(٤) حديث صحيح، تقدم تخريجه في ٢/ ٣٧١.
(٥) في (ش): وتوسعة.
[ ٣ / ٣٦١ ]
غرِقَ أو التقمه التمساحُ، فاته (١) أصل الحياة.
قلت: وللإمامِ المؤيَّدِ بالله ﵇ نَحْوُ هذا الكلامِ في آخر كتابه " الزِّيادات " (٢) ذكره في (٣) التحذير في (٤) الزِّيادة على قدرِ (٥) الحاجة في هذه الأمور.
قال الشيخ: فإن قيل: فإن لم ينْصَرِفْ قَلْبُهُ عن التفكر؟
فالجواب: أنَّ طريقه أن يَشْغَلَ نفسه بعبادة اللهِ تعالى، وبالصَّلاة، والقرآن، والذكر، فإن لم يَقْدِرْ، فبعلمٍ آخر لا يُناتسِبُ هذا الجنس من فقهٍ أو غيره، فإن لم يُمْكنْه، فَبِحِرْفَةٍ أو صناعة، ولو الحِراثة أو الحياكة، فإن لم يقدر، فليحدِّثْ نفسه بهولِ القيامة، والحشرِ، والنَّشرِ، والحساب (٦)، فكلُّ ذلك خيرٌ له مِنَ الخوض في هذا البحر البعيد عُمْقُهُ، العظيم خَطَره وضَرَرُهُ، بل لو اشتغل الإنسانُ بالعادات (٧) البدنية، كان أسلم له مِنْ أنْ يخوضَ في البحث عن تأويلِ صفات الله تعالى، فإنَّ ذلك عاقِبَتُه الفسقُ، وهذا عاقبتُه الشِّرْكُ، و﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨ و١١٦].
فإنْ قيل: إنَّ (٨) الإِنسانَ لا تركَنُ نفسُه إلى الاعتقادات الدِّينيَّة إلاَّ
_________________
(١) في (ش): فاتته.
(٢) في (ش): في الزيادات.
(٣) في (أ): من.
(٤) في (ش): "من"، وهي ساقطة من (ج).
(٥) في (أ): قدم، وهو خطأ.
(٦) " والحساب " ساقطة من (ش).
(٧) في (ش): بالعبادات، وهو خطأ.
(٨) في (ش): إن هذا.
[ ٣ / ٣٦٢ ]
بدليل، فهل يُجوز أنْ يُذْكَرَ له الدليلُ (١)؟ فإن جوَّزتَ ذلك، فقد رخّصت له في التَّفكُّرِ والنَّظر، وأيُّ فرق بينَ النَّظرِ وبَيْن غيره؟ وإن منعته (٢)، فكيف تمنعُهُ ولا يتِمُّ إيمانُه إلاَّ به؟
فالجواب: إنَّه يجوز له أن يسمع الدَّليلَ على معرفةِ الخالق سبحانه ووحدانيَّته، وعلى صِدقِ الرَّسول - ﷺ -، وعلى اليوم الآخرِ، ولكن بشرطين:
أحدُهما: أن لا يُزادَ على أدلَّة القرآن والسُّنَّةِ، ولا يُسْلَكَ به طريقةُ المتكلِّمين وتشطيحاتهم.
والآخر: أن لا يُماريَ فيه إلاَّ مراءً ظاهرًا، ولا يتفكَّرَ فيه إلاَّ تفكُّرًا سهلًا جليًَّا، ولا يُمْعِنَ في التَّفكُّر، ولا يُوغِلَ فيه غايةَ الإِيغال، وأدلَّةُ هذه الأمور الأربعة ما ذُكِرَ في القُرآن.
أمَّا الدليل على معرفة الخالق سبحانه، فمثل قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس: ٣١].
وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨) وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق: ٦ - ١٠].
_________________
(١) في (ش): دليل.
(٢) " وإن منعته " ساقطة من (ب).
[ ٣ / ٣٦٣ ]
وقوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٢٤ - ٣١].
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا -إلى قوله- وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ [النبأ: ٦ - ١٦].
وأمثال هذه الآيات -وهِيَ قريبٌ (١) من خمس مئة آية- ينبغي للخلق أن يعرفوا جلالَ الله وعظمته بقوله الصادِقِ المعجز، لا بقولِ المتكلمين: إِنَّ الأعراضَ حادثةٌ، وإنَّ الجواهر لا تخلو مِنَ الأعراض الحادثة، فهي حادثة، ثم الحادثة (٢) تفتقِرُ إلى مُحْدِثٍ، فإِنَّ تلك التقسيمات والمقدمات الرسمية تُشَوِّشُ قُلوب المؤمنين، لا سيما وهي صادرةٌ مِنْ غَيْرِ مَلِيٍّ بالدين (٣)، ولا مضطلع بحملِ شريعة سيِّد المرسلين والأولين والآخرين صلَّى الله عليه وعلى آله أجمعين. والدِّلالات الشَّرعيّةُ الصَّادرةُ عَنِ الله اللَّطيفِ الخبير، وعن رسوله البشيرِ النَّذيرِ تُقْنِعُ وتُسَكِّنُ النُّفُوسَ، وتَغْرِسُ في القلوب الاعتقاداتِ الصَّحيحةَ الجازِمةَ، ولقد بَعُدَ عَنِ التوفيق مَنْ سلك طريقة (٤) المتكلِّمين، وأعرض عن كتاب ربِّ العالمين.
وأما الدليل على وحدانيته سبحانه، فيُقنع فيه بما في القرآن مِنْ قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢].
_________________
(١) في " ش ": قريبة.
(٢) " ثم الحادثة " ساقطة من (ب).
(٣) في (ش): الذين، وهو تحريف.
(٤) في (ش): بطريقة.
[ ٣ / ٣٦٤ ]
وبقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آَلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ (١) [الإسراء: ٤٢]، وقوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (٢) [المؤمنون: ٩١].
وأمَّا صِدْقُ رسوله ﷺ، فَيُسْتَدَلُّ عليه بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ
_________________
(١) في تفسير الآية قولان معروفان للمفسرين. أحدهما: أن قوله: ﴿لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ أي: بالتقرب إليه والعبادة والسؤال له. والثاني: بالممانعة والمغالبة، والأول هو الصحيح المنقول عن السلف كقتادة وغيره، وهو الذي ذكره ابن جرير، ولم يذكر غيره. انظر " درء تعارض العقل والنقل " ٩/ ٣٥٠ - ٣٥١.
(٢) قال ابن أبي العز شارح الطحاوية ص ٣٩ - ٤٠: فتأمَّلْ هذا البرهان الباهر بهذا اللفظ الوجيز الظاهر، فإن الإله الحَقَّ لا بُدَّ أن يكون خالقًا فاعلًا، يوصل إلى عابده النفع، ويدفع عنه الضُّرَّ، فلو كان معه سبحانه إلهٌ آخر يشركُه في ملكه، لكان له خلق وفعل، وحينئذ فلا يرضى تلك الشركة، بل إن قَدَرَ على قهرِ ذلك الشريك، وتفرُّده بالمُلك، والإلهية دونَه، فَعَل، وإن لم يَقدر على ذلك، انفرد بخلقه، وذهب بذلك الخلق، كما ينفرد ملوكُ الدنيا بعضهم عن بعض بممالكه إذا لم يقدر المنفردُ منهم على قهرِ الآخر والعلو عليه، فلا بُدَّ من أحد ثلاثة أمور: إما أن يذهَبَ كلُّ إله بخلقِهِ وسلطانِهِ. وإما أن يعلوَ بعضُهُم على بعضٍ. واما أن يكونوا تحت قهرِ ملكٍ واحد يتصرف فيهم كيف يشاء، ولا يتصرفون فيه، بل يكون وحدَه هو الإله، وهم العبيد المربوبون المقهورون من كل وجهٍ. وانتظامُ أمير العالم كُله، وإحكامُ أمره، من أدلِّ دليل على أن مدبِّره إله واحد، وملك واحد، وربٌّ واحد، لا إله للخلقِ غيرُه، ولا ربَّ لهم سواه، كما قد دَلَّ دليلُ التمانع على أن خالق العالَمِ واحدٌ، لا ربَّ غيره، فلا إله سواه، فذاك تمانع في الفعل والإيجاد، وهذا تمانع في العبادة والإلهية، فكما يستحيلُ أن يكون للعالم ربَّان خالقان متكافئان، كذلك يستحيل أن يكون لهم إلهان معبودان. فالعلم بأن وجود العالم عن صانعين متماثلين ممتنع لذاته، مستقرٌ في الفِطَر، معلوم بصريح العقل بُطلانه، فكذا تبْطل إلهيةُ اثنين. فالآية الكريمة موافقة لما ثَبَتَ واستقرَّ في الفِطَر من توحيد الربوبية، دالة مثبتة ملزمة لتوحيد الإلهية.
[ ٣ / ٣٦٥ ]
بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨].
وبقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣].
وبقوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود: ١٣] وأمثاله.
وأمَّا اليوم الآخر: فَيُسْتَدَلُّ عليه بقوله تعالى: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٨، ٧٩].
وبقوله ﷿: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٣٦ - ٤٠].
وبقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحج: ٥ - ٦] وأمثالُ ذلك في القرآن كثير.
فهذه أدلَّة قاطعة جليَّة (١)، تسْبِقُ إلى الأفهام (٢) ببَادي الرَّأي، وأوَّلِ النَّظرِ، وَيشتَرِكُ كافَّةُ الخلق في دِرْكِهَا، ولأجل ذَلك كانت هَادِيةً نافعةً، فأدلَّة القرآن والسنَّة مثلُ الغذَاءِ، يَنْتَفِعُ به كُل إنسان، وأدلّة المتكلمين مثلُ الداءِ: يتضرر به كل إنسان، بل أدلَّة القرآنِ والسنَّة كالماء الَّذي ينتفِعُ به الصَّبيُّ الرضيعُ، والرجُلُ القويُّ، وأدلة المتكلِّمين كالسُّمِّ الذي يضرُّ كُلَّ
_________________
(١) في (ش): جليلة.
(٢) في (ش): أفهام.
[ ٣ / ٣٦٦ ]
أحدٍ، ولهذا قلنا: إِنَّ أدلَّة القرآن جليَّةٌ سابقة إلى الأفهام، ألا ترى أنَّ (١) منْ قدر على الابتداءِ، فهو على الإعادة أقدر ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]، وأن التَّدبيرَ لا ينتظمُ في دارٍ واحدة بمدبرَيْنِ، فكيف ينتظِم في جميع العالم؟ وأن من خلق عَلِمَ ثُمَّ خَلَقَ (٢)، كما قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]، فهذه أدلَّةٌ تجري مجرى الماء الَّذِي جعل الله منه كلَّ شيْءٍ حيّ، وما أحدثه المتكلِّمُون وراء ذلك من تنقيرٍ، وسؤالٍ، وإلزامٍ، وتوجيه إشكال، ثمَّ اشتغال بحلِّه، فهو بدعةٌ، وضررُه في حقِّ عمومٍ الخلق بَيِّنٌ بالمشاهدة (٣) والتجرِبة، وما أثار مِن الفتن (٤) بَين الخلق منذ نَبَغَ المتكلمون، وفشا صناعةُ الكلام، مع سلامة العصر الأول مِنَ الصَّحابة ﵃ أجمعين (٥) عن ذلك، ويدلُّ عليه أيضًا: أنَّ رسولَ الله - ﷺ - وأصحابَه بأجمعهم ما سلكوا في المُحَاجَّةِ مسلكَ المتكلِّمين في تقسيماتهم وتشطيحاتهم، لا لعجز منهم عن ذلك، ولو علموا (٦) أنَّه نافع، لأطنبُوا فيه، ولخاضوا في تحرِّي الأدلَّة خوضًا يَزِيدُ على خوضهم في مسائلِ الفرائضِ، ولقد صدق أبو يوسفُ رحمه الله تعالى في قوله: مَن (٧) طلب الدينَ بالكلام (٨) تزندق.
_________________
(١) " أن " ساقطة من (ش).
(٢) في (ش): علمه.
(٣) ساقطة من (ش).
(٤) في (ت): وأما آثار الفتن.
(٥) ساقطة من (ش).
(٦) في (ش): ولو علمه الله تعالى.
(٧) ساقطة من (ش).
(٨) في (ش): في الكلام.
[ ٣ / ٣٦٧ ]
فإن قيل: إنَّما أمسك الصحابةُ ﵃ عن ذلك لِعدم الحاجة، فإِن البدع إِنَّما نَبَغَتْ من بعدهم، فَعظُمَتْ حاجةُ المتأخِّرين إليه، ومعرفةُ الكلام راجعة إلى معرفةِ معالجة المرضى بالبدع، فلمَّا قلَّت في زمانهم (١) أمراضُ البدع، قلَّت عنايتُهم بجمع (٢) طرق المعالجة.
فالجوابُ من وجهين:
أحَدُهُما: أنَّهم في مسائل الفرائِض ما اقتصروا على شأن حكم الوقائع، بل وضعوا المسائلَ، وفرضُوا فيها ما تنقضي الدُّهُورُ ولا يَقَعُ مِثْلُهَا، لأنَّ ذلك ممَّا أمكن وقوعُه، فصنَّفوا حكمه ورتبوه (٣) قبلَ وقوعه، إذ ظنَّوا أنَّه لا ضررَ في الخوض فيه، وفي بيانِ حكم الواقعة قبل وقوعها، وكانت (٤) العنايةُ بإزالةِ البدعِ ونزعها من النفوس أهمَّ (٥)، إلاَّ أنَّهم ثم يتخِذُوا ذلك صناعةً، لعلمهم (٦) أنَّ الاستضرارَ بالخوض فيه أكثرُ مِن الانتفاع، ولولا (٧) أنَّهم كانوا قد حذَّروا مِنْ ذلك، لما فَهِمُوا تحريمَ الخوضِ فيه، وقصَةُ عمر مع صَبيغ بن عَسَلِ معروفة (٨)، وقصة الخوارج، وذكر الفرق عن النبيِّ - ﷺ - وتحذيره منها مشهورٌ غيرُ منكرٍ.
الجوابُ الثاني: أنَّهم كانوا محتاجين إلى محاجَّةِ اليهودِ والنصارى في إثبات النبوَّة نُبُوَّة محمد - ﷺ -، وإلى إثبات الإلهية مع عَبَدَةِ الأصنام،
_________________
(١) في (ش): أزمانهم.
(٢) في (ش): بجميع.
(٣) في (ش): ورتبوا.
(٤) في (ش): فكانت.
(٥) ساقطة من (ش).
(٦) في (ب): لعملهم، وهو خطأ.
(٧) في (ش): ولو.
(٨) تقدم تخريجها في هذا الجزء ص ٣٤٦ ت (١).
[ ٣ / ٣٦٨ ]
وإلى إثباتِ البعث مع منكريه، فما ركبوا ظهر الحِجَاجِ في وضع المقاييسِ العقلية، وترتيب المقدِّمات، وتحرير طُرُق (١) المجادلات، كلُّ ذلك لعلمهم بأنَّ ذلك مثارُ الشرِّ، ومنبعُ الفتنة، بَلِ اقتبسوا -﵃- أدلةَ (٢) القُرآن، فمن أقنعه ذلك خَلَّوْهُ، ومن لم يقْنَعْ به، قتلوه، وعدلوا إلى السيف والسِّنان، لأنَّه ليس بَعْدَ بيانِ الله تعالى بيان، على أنَّا نُنْصفُ الخَصْمَ، ولا نُنكِرُ أنَّ حاجة المعالجة تَزيدُ بزيادةِ المرض، فإنَّ لِطُولِ الزَّمان، وبُعْدِ العهد عن عصر النُّبُوَّة تأثيرًا في إثارة الإشكالات (٣)، وإنَّ للعلاج طريقين:
أحدهما: البيانُ والبرهانُ، وإلى أن يصلح واحد، قد (٤) فسد إثنان فصلاحه بالإضافة إلى الأكياسِ، وهو فسادٌ بالإضافة إلى البُلْهِ، وما أقَلَّ الأكياسَ، وما أكْثَرَ البُلْهَ، والعنايةُ بالأكثر أولى.
الطريق الثاني: طريقُ الكفِّ، والسُّكوت، والعُدول إلى الدِّرَّة، والسوط، والسيف، وذلك ممَّا يَنْفعُ الأكثرين، وإنْ كان لا يُقْنِعُ الأقلِّين، وآيةُ إقناعه أن (٥) مَنْ يُسْتَرَقُّ مِنَ الكافر من الإماء والعبيد تراهم يُسلمون تحتَ ظلالِ السيوف (٦)، ثمَّ يستمرون عليه حتَّى يصيرَ طوعًا ما كان كَرهًا في البداية، ويصير اعتقادًا جزمًا ما كان في الابتدإء إِمْرًَا (٧) وَشَكًَّا، وذلك بمشاهدة أهلِ الدِّين، والمؤانسةِ بهم، وسماعِ كلامِ الله تعالى، ورؤيةِ
_________________
(١) ساقطة من (ش).
(٢) في (ش): بأدلة.
(٣) في (ش): المشكلات.
(٤) في (ش): فقد.
(٥) ساقطة من (ب).
(٦) في (ب): السيف.
(٧) أي: عجبًا منكرًا.
[ ٣ / ٣٦٩ ]
الوظيفة السابعة: التسليم لقول الله تعالى، ولحديث رسول الله - ﷺ -
الصَّالحين، وقرائنَ مِنْ هذا الجنس تُناسِبُ طباعَهم مناسبةً أشدَّ مِنْ مناسبة الجدل والدّليل.
فإذا كان كلُّ واحدٍ من العِلاجَيْنِ يُناسِبُ قومًا دونَ قوم، وجبَ ترجيحُ الأنفعِ في الأكثر، والمعاصرون لِرسول الله - ﷺ - المؤيَّدِ بروح القدس، المكاشَفِ مِنَ الله سبحانه بالوحي بأسرارِ عباده وبواطنهم أعرفُ بالأصوبِ والأصلحِ قطعًا، فسلوكُ سبيلِهم -إذن لا محالة- أفضلُ وأصوبُ وأعدلُ.
الوظيفةُ السابعة: التسليمُ لِقولِ الله تعالى، ولحديثِ رسول الله - ﷺ -، ولأصحابه، وتابعيهم النَّاقلين إلينا شريعتَه ﵇، وأن لا نَتَّهِمَ منهم أحدًا، لثبوت عدالتهم في سائرِ لوازِم الشريعة، فإنَّهم نقلوها عن معْدِنِ النبوة، وعُنصرِ الرِّسالة، ولنعلمَ أنَّ البيانَ لا يجوزُ تأخيره عِنْدَ الحاجة، وقد بيَّن لهم - ﷺ - جميعَ ما أرسله الله تعالى به، حتى قال فلان: عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُم كُلَّ شيْءٍ حتى الخراءة، فقال الصَّحابي: أجل، وذكر الحديث (١)، وحتى قال ﵇ في خُطبة الوداع: " إِنَّ الزّمانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ الله السماوات والأرْضَ: السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أرْبَعَةٌ حُرُمٌ: [ثلاثةٌ مُتَوالِياتٌ] ذُو القَعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّم، ورَجَبُ [مُضَرَ] الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ " (٢). هذا فيما لا يضُرُّ جهله،
_________________
(١) أخرجه أحمد ٥/ ٤٣٧، ومسلم (٢٦٢)، وأبو داود (٧)، والترمذي (١٦) وابن ماجه (٣١٦)، والنسائي ١/ ٣٨ و٤٤ من حديث سلمان الفارسي ﵁ قال: قيل له: قد علمكم نبيكم - ﷺ - كُلَّ شَيْءٍ حتى الخِراءة، قال: فقال: أجَلْ، لقد نهانا أن نستقبلَ القبلةَ لغائطٍ أوْ بولٍ، أو أن نستنجى باليمينِ، أو أن نستنجي بأقلَّ من ثلاثةِ أحجارٍ، أو أن نستنجيَ برجيع أو بعظم.
(٢) أخرجه البخاري (٣١٩٧) و(٤٤٠٦) و(٥٥٥٠) و(٧٤٤٧)، ومسلم (١٦٧٩)، وأبو داود (١٩٤٧)، وأحمد ٥/ ٣٧ و٧٣ من حديث أبي بكرة.
[ ٣ / ٣٧٠ ]
الباب الثاني: في إقامة البرهان على أن الحق هو مذهب السلف وعليه برهانان: عقلي وسمعي، والعقلي: كلي وتفصيلي
البرهان الكلي: ينكشف بتسليم أربعة أصول هي مسلمة عند كل عاقل
الأصل الأول: أن أعرف الخلق بصلاح أحوال العباد هو النبي - ﷺ -
كيف في أمر التوحيد؟ فلو عَلِمَ - ﷺ - أنَّ الحاجة داعيةٌ إلى تأويل صفات الله، وأنَّه يلزمُ الخلقَ كيفيَّةُ معرفتها، لَمَا وَسِعَهُ إِلاَّ البيانُ، وفي عَدَمِ ذلك دليلٌ على كَذِب مُدَّعيه، فلا يرفع أحدٌ طَرْفَه إلى كيفيّة معرفة صفات الله من قِبَلِ عقله إِلاَّ غضَّه الدَّهَشُ والحيرة، فانقلب إليه البصر خاسئًا وهو حسيرٌ، فهذا ما يجبُ على المسلمين أن يُؤمنوا به جُملةً، وأنْ يُحيطوا به تفصيلًا، فهذه هي الوظائفُ السَّبْعُ الواجبةُ على الخلق في الآي والأخبارِ، وهي مذهبُ السَّلف، والآن فنقيمُ الدَّليل على أنَّ الحقَّ هو مذهبُ السَّلفِ دونَ المتكلِّمين.
الباب الثاني: في إقامة البرهان على أنَّ الحقَّ هو مذهبُ السَّلفِ، وعليه برهانان: عقليٌّ وسمعيٌّ، أمَّا العقليُّ، فمعنيان: كليٌّ وتفصيليٌّ، أمَّا البُرهانُ الكليُّ، فينكشفُ بتسليمِ أربعةِ أصول هي مسلَّمَةٌ عندَ كُلِّ عاقل.
الأول: أنَّ أعرفَ الخلقِ بصلاحِ أحوالِ العبادِ هُوَ النَّبِيُّ - ﷺ -، فإنَّ جميع ما يَنْفَعُ في الآخرة أو يَضُرُّ لا سبيلَ إلى معرفته بالتَّجرِبَةِ كَمَا عُرِفَ الطِّبُّ بالتَّجرِبَةِ، إذ لا مجالَ للعلومِ التَّجرِيبية إلا بما يشاهد (١) على سبيل التَّكررِ، ومَنِ الَّذِي رجع مِنْ ذلك العالَم، فأدرك بالمشاهدة ما نفع وضرَّ، فأخبر عنه، ولا يُدْرَكُ بقياس العقل، فإنَّ العقولَ قاصرةٌ عَنْ ذلك، والعقلاءُ بأجمعهم معترفون بأنَّ العقل لا يَهْدِي إلى ما (٢) بعد الموت، ولا يُرْشِدُ إلى وجه ضررِ المعاصي، ونفعِ الطاعات، لا سيَّما على سبيل التَّفصيل والتَّحديد، كما وردت الشَّرائع، فأقرَّوا بجملتهم أنَّ ذلك لا يُدْرَكُ
_________________
(١) في (ش): بشاهد.
(٢) " إلى ما " ساقطة من (ش).
[ ٣ / ٣٧١ ]
إلاَّ بنور النُّبُوَّة، وهي قوَّةٌ وراء قوَّةِ العقل، يُدرك بها مِنْ أمرِ الغَيْبِ في الماضي والمستقبل أمورٌ، لا على طريق التَّعريفِ بالأسرارِ العقلية، ونذكر ها هنا خبرَ المبعث، وشقَّ جبريل لقلبه ﵉، وغسلَه بماءِ زمزمَ، وحشوَه السَّكينَة والحكمَةَ، وقوله - ﷺ -: " فَكأنَّما أشَاهِدُ الأمْرَ مُشاهَدةً " (١).
_________________
(١) انظر حديث أنس بن مالك عند مسلم (١٦٢) (٢٦١) في الإيمان، باب: الإسراء برسول الله - ﷺ -، وأحمد ٣/ ١٢١ و١٤٩ و٢٨٨، والبيهقي في " دلائل النبوة " ١/ ١٤٦ - ١٤٧، ولفظ مسلم: أن رسول الله - ﷺ - أتاه جبريل - ﷺ - وهو يلعبُ مع الغلْمان، فأخذَهُ فَصَرَعَهُ، فَشَقَّ عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقةً، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غَسله في طستٍ من ذهب بماءِ زَمْزَمَ، ثم لأمهُ، ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يَسْعَوْنَ إلى أمِّهِ (يعني ظِئْرَه) فقالوا: إن محمدًا قد قُتِلَ، فاستقبلوه وهو منتقعُ اللونِ. قال أنسٌ: وقد كنتُ أرى أثَرَ ذلك المخيطِ في صدره. وأخرجه ابن هشام في " السيرة " ١/ ١٧٥ عن ابن إسحاق، حدثني ثور بن يزيد، عن بعض أهل العلم، ولا أحسبه إلا عن خالد بن معدان الكلاعي أن نفرًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - قالوا له: يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك، قال: " نعم، أنا دعوة أبي إبراهيم، وبُشرى أخي عيسى، ورأت أمِّي حينَ حملت بي أنَّه خرج منها نور أضاء لها قصورَ الشام، واستُرْضِعْتُ في بني سعد بن بكر، فبينا أنا مع أخٍ لي خلفَ بيوتنا نرعى بَهْمًا لنا، إذ أتاني رجلان عليهما ثيابٌ بيضٌ بطَسْت من ذهبٍ مملوءةٍ ثلجًا، ثم أخذاني، فشقَّا بطني، واستخرجا قلبي، فشقاه، فاستخرجا منه علقةً سوداءَ، فَطَرَحاها، ثم غَسَلاَ قلبي وبطني بذلك الثلج حتى أنقياه، ثم قال أحدُهما لصاحبه: زِنْهُ بعشرة من أمَّته، فوزنني بهم، فوزنتُهم، لم قال: زِنْهُ بمئة من أُمته، فوزنني بهم فوزنتُهم، ثم قال: زِنْهُ بألفٍ من أمتِه، فوزنني بهم، فَوزنتُهم، فقالَ: دعْهُ عنك، فواللهِ لو وزنته بأمته لوزَنَها ". وأخرجه البيهقي في " دلائل النبوة " ١/ ١٤٥ - ١٤٦ من طريق يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، به. وأورده ابنُ كثير في " البداية " ٢/ ٢٥٦ عن ابن إسحاق، وقال: وهذا إسناد جَيِّدٌ قوِيٌّ. وأخرج أحمد ٤/ ١٨٤، والحاكم ٢/ ١٥٤، وأبو نعيم الحافظ في " دلائل النبوة " من طرق عن بقية، حدثني بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن ابن عمرو السلمي، عن عتبة بن عبد السلمي أنَّه حدثهم أن رجلًا سأل رسول الله - ﷺ - فقال: كيف كان أول شأنك يا رسول الله قال: " كانت حاضنتي من بني سعد بن بكر، فانطلقت أنا وابنٌ لها في بَهْم لنا ولم نأخذ معنا زادًا، فقلت: يا أخى اذهبْ فأتنا بزادٍ من عند أمنا، فانطلق أخي، ومكثت عند =
[ ٣ / ٣٧٢ ]
قلتُ: وقولُه - ﷺ - في حديث الرؤيا واختصام الملأ الأعلى: " فَعَلِمْتُ ما في السَّمَاواتِ والأرْضِ " (١).
قال: وهذا مِمّا اتَّفق عليه الأوائلُ مِنَ الحُكماء، فضلًا عَنِ الأولياءِ من الحُكماء الرَّاسخين، القاصرين نظرهم على الاقتباسِ من رسول الله - ﷺ -، المعترفين بقصورِ كُلِّ قوَّةٍ سوى هذه القوة.
الأصل الثاني: أنَّه - ﷺ - بلّغَ (٢) الخَلْقَ ما أُوحِيَ إليه من صلاحِ العبادِ
_________________
(١) = البَهم، فأقبل طيران أبيضان كأنهما نسران، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: نعم، فأقبلا يبتدراني، فأخذاني، فبطحاني إلى القفا، فشَقَّا بطني، ثم استخرجا قلبي، فشقاه فأخرجا منه علقتين سوداوين، فقال أحدُهما لصاحبه -قال يزيد في حديثه-: ائتني بماء ثلج، فغسلا به جوفي، ثم قال: اتني بماء برد، فغسلا به قلبي، ثم قال: ائتني بالسَّكينة، فذراها في قلبي، ثم قال أحدُهما لصاحبه: حصه (أي: خِطْهُ)، فَحَاصَه، وَخَتَمَ عليه بخاتم النبوة، وقال حيوة في حديثه: حصه فحصه وأختم عليه بخاتم النبوة، فقال أحدْهُما لصاحبه: اجعلْه في كَفَةٍ، واجعل ألفًا من أمته في كفة، فإذا أنا أنْظُرُ إلى الألفِ فوقي، أشفق أن يَخِرَّ عليَّ بعضهم، فقال: لو أنَّ أمته وزنت به، لمالَ بهم، ثم انطلقا وتركاني، وفرِقْت فَرَقًا شديدًا، ثم انطلقت إلى أمي، فأخبرتُها بالذي لقيته، فأشفقت على أن يكون أُلبس بي، قالت: أعيذُك باللهِ، فرحلت بعيرًا لها، فجعلتني -وقال يزيد: فحملتني- على الرَّحْلِ، وركبتْ خلفي حتى بلغنا إلى أمي، فقالت: أوأديت أمانتي وذمتي؟ وحدثتها بالذي لقيت فلم يرعها ذلك، فقالت: إني رأيت خرج مني نورًا أضاءت منه قصور الشام. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في " المجمع " ٨/ ٢٨٢ بعد أن نسبه لأحمد: وإسنادُه حسنٌ، وله شواهد تُقَوِّيه. وفي الباب عن حليمة عند ابن هشام في " السيرة " ١/ ١٧١ - ١٧٥، وأبي يعلى ٣٣٣/ ٢ - ٣٣٤/ ١، والطبراني ٢٤/ ٢١٢، وأبي نعيم في " دلائل النبوة " (٩٤)، وكذا البيهقي ١/ ١٣٢ - ١٣٦، وابن حبان (٢٠٩٤)، ورجاله ثقات. وعن أُبي بن كعب عند عبد الله في زوائد المسند ٥/ ١٣٩، وانظر " مجمع الزوائد " ٨/ ٢٢٣. وعن شداد بن أوس عند أبي يعلى، وابن عساكر، وأبي نعيم.
(٢) هو حديث صحيح، تقدم تخريجه ١/ ٢١٨.
(٣) في (ش): أبلغ.
[ ٣ / ٣٧٣ ]
الأصل الثالث: أن أعرف الناس بمعاني كلامه هم الذين شاهدوا الوحي والتنزيل
فيِ مَعادهم ومَعاشهم، وأنَّه ما كتمَ شيئًا مِنَ الوحي، ولا طواه عَنِ الخلق، فإِنَّه لم يُبْعَثْ إِلاَّ لذلك، فلذلك كان رحمةً للعالمين، ولم يكن مُتَّهَمًا فيه، كيف، واللهُ تعالى يقول: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الغَيْبِ بِظَنِين﴾ (١) [التكوير: ٢٤]، وعُلِمَ ذلك منه - ﷺ - علمًا ضروريًا في سائِرِ أحواله مِن حرصه على (٢) إصلاح الخلق، وشغفِه بإرشادهم إلى صلاح مَعادهم ومَعاشهم، ما ترك شيئًا مِمَّا يقرِّبُهُم إلى الجَنة، ويرضي الله، إِلاَّ دلَّهم عليه، وأمرهم به، وحثّهم عليه، ولا شيئًا مِمَّا يقربُهم إلى النَّار وإلى (٣) سَخَطِ الله، إِلاَّ حذَّرهم منه، ونَهاهم، وذلك في العلم والعمل (٤) جميعًا.
الأصلُ الثالث: أَنَّ أعرفَ النَّاس بمعاني كلامه، وأحراهم بالوقوف على كُنهه، ودرْكِ أسراره، هُمُ الَّذِين شاهدوا الوحي والتَّنزيل، وعاصروه وصَحِبُوه، بل لازموه آناءَ الليل والنهار، مستمرِّين لِفَهْمِ معاني كلامه، وَتَلَقِّيه بالعمل به أوَّلًا، والنَّقلِ إلى من بَعْدَهم ثانيًا، والتَّقرُّب إلى الله تعالى بسماعه وفهمه وحفظه ونشره.
فليت شعري أيُّها المتكلمون، تتَّهمونَ رسول الله - ﷺ - بإخفائه، وكِتمانه عنهم (٥)، حاشا منصحت النُّبوَّةِ عن ذلك، أم (٦) تتهمون أولئك
_________________
(١) بالظاء، وهي قراءةُ ابن كثير، وأبي عمرو، والكسائي، وقرأ الباقون (بضنين) بالضاد، قالَ ابن قتيبة: من قرأ بالظاء، فالمعنى: ما هو بمتَّهَمٍ على ما يخبر به عن الله، ومن قرأ بالضاد، فالمعنى: ليسَ ببخيل عليكم بعلم ما غاب عنكم مما ينفعكم. انظر " زاد المسير " ٩/ ٤٤ بتحقيقنا.
(٢) في (ش): على سائر أحوال الخلق من الإصلاح.
(٣) " إلى " ساقطة من (ش).
(٤) في (ب): العمل والعلم.
(٥) " عنهم " ساقطة من (ش).
(٦) في (ش): أو.
[ ٣ / ٣٧٤ ]
الأصل الرابع: أنهم في طول عصرهم إلى آخر أعمارهم ما دعوا الخلق إلى البحث
البرهان التفصيلي
الأكابرَ في فِهم كلامه، وإدراك مقاصدِه، أو تَتَّهمونهم في إخفائه وسَتْره بعد الفَهْمِ، أو تتَّهمونهم في معاندته من حيث العمل، ومخالفته على سبيل المكابرة مع الاعتراف بتفهُّمه وتكليفه، فهذه الأمور لا يَتَّسِعُ لعاقل (١) ظنها.
الأصلُ الرابع: أنَّهم في طول عصرهم إلى آخر أعمارهم ما دَعَوا الخَلْقَ إلى البحث، والتفتيشِ (٢)، والتَّنقير، والتَّأويل، والتَّعرض (٣) لمثل هذه الأمور، بل بالغوا في زجر مَنْ خاض فيه، وسأل عنه على سبيل ما سنذكره عنهم. فلو كان ذلك مِنَ الدِّين، أو مِنْ مدارك علوم الدِّين، لأقبلوا عليه ليلًا ونهارًا، ودعَوْا إليه أولادَهم وأهليهم، ولَشَمَّروا عن ساقِ الجَدِّ في تأسيسِ أُصوله، وشرحِ فُروعه وقوانينه تشميرًا أبلغَ مِنْ تشميرهم في تمهيد قواعدِ الفرائضِ والمواريثِ، وتمثيلهم لذلك، وسؤالِ بعضهم المباهلة فيها، وتقاسمهم فيها (٤)، ويَناظرهم عليها، ونذكر ها هنا تمثيلَ عليٍّ، وزيدٍ ﵄ للجَدِّ والأخوة، وقولَهم في الكلالة، وقولَهم في الجَدِّ، إلى سائر ذلك، فيعلم بالضرورة مِنْ هذه الأُصول أنَّ الحَقَّ ما قالوه، والصوابَ ما أرادوه، ولا سِيَّما وقد أثنى عليهم صلوات الله عليه، فقال: " خَيْرُ الناسِ قرْني، ثمَّ الذين يَلونَهُمْ، ثُمَّ الذين يَلُونَهُمْ " (٥).
البرهان الثاني: وهو التَّفصيلي، وهو أنْ نقول: ادَّعينا أنَّ الحقَّ هو
_________________
(١) في (ب): تسع لعاقل.
(٢) في (أ): " والتنفيس " وهو تحريف.
(٣) في (ش): والتعريض.
(٤) في (أ) و(ب): " تقاسيمهم فيها "، وهي ساقطة من (ش).
(٥) تقدم تخريجه في ١/ ١٨٢ و٣٧٧.
[ ٣ / ٣٧٥ ]
مذهبُ السلَفِ، وأنَّ مذهبهم (١) هو توظيفُ الوظائف السَّبع، وقد ذكرنا بُرهان كُلِّ وظيفة منها، فَمَنْ خالَفَ، فليت شعري، أَيُخَالِف في قولنا الأول: إِنه يجبُ تقديسُ الله وتنزيهه عَنِ المخلوقات ومشابهتها، أم في قولنا الثاني: إِنه يجبُ عليه التَصديق والإِيمان بما قاله الرَسولُ - ﷺ - على المعنى الذي أراده؟ أم في قولنا الثالث: إنَّه يجبُ عليه الاعترافُ بالعجز عن كُنْهِ ذات الله تعالى وصفاته؟ أم في قولنا الرَّابع: إِنه يجبُ عليه السُّكُوتُ عَنِ السُّؤال، والخوض فيما وراء طاقته؟. أم في قولنا الخامس: إنه يجبُ عليه إمساكُ اللِّسانِ عن تعبير الظَّواهر بالزِّيادة والنُّقصان؟ أم في قولنا السَّادس: إنَّه يجب عليه كفُّ القلبِ عَن التَفَكُّر فيه مع عجزه عنه، وقد قال لهم (٢) ﵇: " تَفَكَّرُوا في خَلْقِ الله وَلَا تَفَكَّروا في ذاتِ اللهِ " (٣)؟ أم في قولنا السابع: إِنه يجبُ عليه التسليم لله تعالى، ولرسوله
_________________
(١) " أن مذهبهم " ساقطة من (ش).
(٢) في (ش): علي.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في " العرش " فيما ذكره السخاوي في " المقاصد الحسنة " ص ١٥٩، والبيهقي في " الأسماء والصفات " ص ٤٢٠ عن ابن عباس قوله بلفظ: " تفَكَّروا في كُلِّ شيء ولا تفكَّروا في اللهِ ". وفي سنده عاصم بن علي، وأبوه، وهما ضعيفان، وعطاء بن السائب، وهو مختلط. وأخرجه أبو نعيم في " الحلية " ٦/ ٦٦ - ٦٧ عن عبد الله بن سلام مرفوعًا بلفظ: " لا تفكَّروا في الله، وتفكروا في خلقِ الله " وفي سنده عبد الجليل بن عطية، وشهر بن حوشب، وكلاهما ضعيف. وأخرجه اللالكائي في " السنة " (٩٢٧)، والبيهقي في " الشعب " من حديث ابن عمر مرفوعًا: " تفكروا في آلاء الله، ولا تفكروا في الله ﷿ " وفي سنده الوازع بن نافع، وهو متروك، وبعضهم اتهمه. وفي الباب عن أبي هريرة عند ابن النجار في " ذيل تاريخ بغداد " ١٠/ ١٩٢/١ وفيه مجاهيل ومن هو متهم بالوضع. ومع هذه الأسانيد الشديدة الضعف شبه الموضوعة، فقد ذهب إلى تحسين متنه بعضُ من ينتحل صناعة الحديث في عصرنا في " صحيحته " (١٧٨٨).
[ ٣ / ٣٧٦ ]
البرهان السمعي: وطريقه أن نقول: الدليل على أن الحق هو مذهب السلف أن نقيضه بدعة
- ﷺ -، ولأصحابه النَّاقلين عنه لوازم الشَّريعة.
فهذه الأمور بيانُها برهانُها، ولا يَقْدِرُ أحد على جَحدها، وإن كان كارهًا، إن كان من أهل التَّمييز، فضلًا عَنِ العُقلاء العلماء، فهذه هي البراهين العقلية.
النمط الثاني: البرهان السمعي على ذلك، وطريقه أن نقول: الدليلُ على أنَّ الحق هو مذهبُ السلف: أنَّ نقيضَه بدعةٌ، والبدعةُ مذمومةٌ، وضلالة، والخوضُ في التأويل بدعة، فكان نقيضُه -وهو (١) الكف عن ذلِك- سنَّة محمودة، فهذه ثلاثة أصول:
أحدها: أنَّ البحث والتفتيش والسُّؤال عن هذه الأمور بدعة.
الثاني: أنَّ كل بدعةٍ مذمومةٌ.
الثالث: أنَّ البدعة إذا كانت مذمومة كان نقيضُها -وهو (٢) السُّنَّة القويمةُ- محمودةً، ولا يُمْكنُ النِّزاعُ في شيْء من هذه الأصولِ، وإذا (٣) سُلِّمَ، أنتج (٤) أنَّ الحقَّ مذهبُ السلَفِ.
فإن قيل: لِمَ تُنكرون على من يمنعُ كونَ البدعة مذمومة، أو يمنع (٥) كونَ البحثِ والتفتيش بدعة، فَيُنَازع في الأصلين الأولين، ولا يُنازع في الثَّالث لظهوره؟
فالجواب (٦) أن نقول: الدليلُ على إثباتِ الأصلِ الأولِ: اتفاقُ
_________________
(١) في (ش): هو.
(٢) في (ش): كانت نقيضتها وهي.
(٣) في (ش): فإذا.
(٤) في (ش): أبيح، وهو تصحيف.
(٥) في (ش): يمتنع، وهو خطأ.
(٦) في (ش): والجواب.
[ ٣ / ٣٧٧ ]
الأمَّة قاطبةً على ذمِّ البدعة، وزجرِ المبتدع، وتعييرِ من يُعْرَفُ بالبدعة، وهذا مفهومٌ على الضرورة مِنَ الشَّرع، وذلك غير واقعٍ في محل الظن، وذَمُّ رسول الله - ﷺ - البدعة عُلِمَ بالتَّواتر بمجموع أخبارِ آحاد تُفِيدُ العلمَ القطعيَّ جملتُها، وإِن كان الاحتمالُ يتطرق إلى آحادها، وذلك كَعِلْمنَا بشجاعةِ عليٍّ ﵇، وسخاءِ حاتِم، وحُبِّ رسول الله - ﷺ - عائشة ﵂، وبِمَا جرى مجراه، فإنَّه عُلِمَ قطعًا بأخبارِ آحادٍ بلغت في الكثرة مبلغًا لا يحتمل كَذِبُ ناقِلِها، وإِن لم تكن آحادُ تلك الأحاديث متواترةً مثل ما رُوِيَ عن رسولِ الله - ﷺ - أنَّه قال (١): " عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدي، عَضُّوا عَلَيْها بالنوَاجذ، وإيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأمُورِ، فَإِنَّ كل مُحْدَثٍ بِدْعَةٌ، وَكل بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ " (٢).
_________________
(١) " أنَّه قال " ساقطة من (ش).
(٢) أخرجه أحمد ٤/ ١٢٦ - ١٢٧، وأبو داود (٤٦٠٧)، والآجري في " الشريعة " ص ٤٦، وابن أبي عاصم (٣٢) و(٥٧) من طريق الوليد بن مسلم، حدثنا ثور بن يزيد، حدثني خالد بن معدان، حدثني عبد الرحمن بن عمرو السلمي، وحجر بن حجر الكلاعي قالا: أتينا العرباض بن سارية، وهو ممن نزل فيه: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ فسلمنا، وقلنا: أتيناك زائرين وعائدين ومقتبسين، فقال العرباض: صَلَّى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم، ثم أقبل علينا، فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسولَ الله كأن هذه موعظةٌ مُودِّع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: " أُوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن عَبْدًا حَبشيًا، فإنه منْ يعِشْ منكم بعدي فسيَرَى اختلافًا كثيرًا، فعليكُم بسُنَّتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذِ، وإياكم ومحدثاتِ الأمور، فإنَّ كلَّ محدثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالة ". وصححه ابن حبان (٥)، وأخرجه الترمذي (٢٦٧٦)، والطحاوي في " مشكل الآثار " ٢/ ٦٩، وابن أبي عاصم (٥٤)، وابن ماجه (٤٤)، والدارمي ١/ ٤٤، والآجري (٤٧) من طرق عن ثور بن يزيد، به. إلا أنهم لم يذكروا حجر بن حجر، وقال الترمذي: حسن صحيح، وصححه الحاكم ١/ ٩٥، ووافقه الذهبي. وأخرجه ابن ماجه (٤٣) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، والآجري ص ٤٧ من طريق أسد بن موسى، كلاهما عن معاوية بن صالح، عن ضمرة بن حبيب، عن عبد الرحمن بن =
[ ٣ / ٣٧٨ ]
وقال - ﷺ -: " اتَّبعوا ولا تَبْتَدِعُوا، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قبلَكمْ لمَّا ابْتَدَعُوا في دِينِهِمْ، وَتَرَكُوا سُنَنَ أَنْبيَائِهِمْ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا " (١).
وقال - ﷺ -: " إذا ماتَ صَاحِبُ بِدْعَةٍ، فقَدْ فُتِحَ عَلى الإسلامِ فَتْحٌ " (٢).
وقال - ﷺ -: " مَنْ مَشَى إلى صَاحِبِ بِدْعَةٍ لِيُوَقِّرَه، فَقَدْ أَعَان عَلى هَدْمِ الإِسْلاَمِ " (٣).
_________________
(١) = عمرو السلمي، عن العرباض وأخرجه ابن أبي عاصم (٢٧)، والبيهقي ٦/ ٥٤١، والترمذي (٢٦٧٦) من طريق بقية، عن بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن عبد الرحمن بن عمرو، عن العرباض.
(٢) أخرجه الدارمي ١/ ٦٩، وابن وضاح ص ١٠، والطبراني في " الكبير " (٨٧٧٠) من طرق عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: قال عبد الله بن مسعود: اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كفيتم. وأورده الهيثمي في " المجمع " ١/ ١٨١، ونسبه للطبراني، وقال: ورجاله رجال الصحيح.
(٣) أخرجه الخطيب في " تاريخه " ٤/ ١٥٨ - ١٥٩ من حديث أنس بن مالك، وفيه أحمد بن روح، وهو مجهول، وشيخه فيه عمرو بن مرزوق كان يحيى القطان لا يرضاه في الحديث. وأخرجه أيضًا من طريق آخر فيه محمد بن عمر بن خلف الوراق، وهو ضعيف جدًا، وشيخه فيه محمد بن السري يروي المناكير والبلايا.
(٤) أخرجه أبو نعيم ٥/ ٢١٨ من حديث عبد الله بن بسر، وفي سنده أحمد بن معاوية، قال ابن عدي: حَدَّث بأباطيلَ، وكان يسرقُ الحديث. وأخرجه ابن عدي في " الكامل " ٢/ ٤٩٨، وفي سنده بهلول بن عبيد الكندي، قال أبو حاتم: ضعيف الحديث ذاهب، وقال أبو زرعة: ليس بشيء، وقال ابن حبان: يسرق الحديث، وقال ابن عدي: ليس بذاك. وأخرجه أيضًا ابن عدي ٢/ ٧٣٦ من حديث عائشة، وفيه هشام بن خالد الأزرق: قال الذهبي: من ثقات الدماشقة، لكن يروج عليه، وشيخه فيه الحسن بن يحيى الخشني قال ابن معين: ليس بشيء، وقال دُحيم: لا بأسَ به، وقال أبو حاتم: صدوق سيىء الحفظ، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال الدارقطني: متروك. وأخرجه من حديث معاذ بن جبل: الطبراني في " الكبير " ٢٠/ ٩٦ من طريق بقية بن الوليد، حدثنا ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن معاذ بن جبل رفعه. بقية: ضعيف، وخالد بن معدان: لم يسمع من معاذ.
[ ٣ / ٣٧٩ ]
وقال ﵇: " مَنْ أعرض عن صَاحِبِ بدْعةً بُغضا له في اللهِ، ملأ اللهُ قلْبه أمنًا وإيمانًا، ومَنِ انتهر صَاحِبَ بدعةٍ، رفع الله له مئة درجة، ومَنْ سلَّم على صاحب بدعة أو لَقِيَهُ بالبشرى، فَقَد استخفَّ بمَا نُزِّلَ (١) على محمد - ﷺ - (٢).
" إِنَّ الله لا يَقْبَلُ لِصاحِبِ بِدْعَةٍ صَرْفًَا ولا عَدْلًا، ويَخْرُجُ مِنَ الإِسلامِ كما يَخْرُجُ السَّهْمُ من الرَّمِيَّة، أو كما يخْرُجُ الشَّعْرُ من العَجِينِ " (٣).
قلتُ: هذه الأحاديث غرائبُ أو مناكير، إِلاَّ الأوَّلَ، وفي كُتب الأئمَّة السِّتّة وغيرِهم مِنْ حُفَّاظ الإِسلام ما يغني عنها، ويَزيدُ عليها.
قال الشَّيخ: فهذا وأمثالُه ممَّا تجاوزَ حدَّ الحصر أفاد علمًا ضروريًا بِكَوْنِ البدعةِ مذمومة.
فإن قيل: لا نسلم أنَّ كُلَّ بدعة مذمومة، ولكن ما دليلُ الأصلِ الثاني، وهو أنَّ هذا بدعة؟ والبدعة عبارة عن كلِّ مُحْدَثٍ، فلم قال الشَّافعي ﵀: إنَّ الجماعة في التَّراويح بِدْعَةٌ، وهي بدعة حسنة (٤)؟ وخوضُ الفقهاء في تفاريع المسائل، ومناظرتهم فيها مع ما
_________________
(١) في (ش): أنزل الله.
(٢) أخرجه أبو نعيم في " الحلية " ٨/ ٢٠٠ من طريق الحسين بن خالد، عن عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر رفعه. والحسين بن خالد: قال ابن معين: ليس بثقة، وقال ابن عدي: عامة حديثه عن الضعفاء. وأخرجه الخطيب في " تاريخه " ١٠/ ٢٦٤ من طريق الحسين بن خالد، به. وقال: تفرد بروايةِ هذا الحديث الحسينُ بن خالد، وهو أبو الجنيد، وغيرُه أوثق منه.
(٣) أخرجه ابن ماجة (٤٩) من حديث حذيفة مرفوعًا، وفي سنده محمد بن محصن العكاشي، كذبه ابن معين، وأبو حاتم، وابن حبان، والدارقطني، وأحمد.
(٤) في (ب): مستحسنة.
[ ٣ / ٣٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قال الشافعي: البدعة بدعتان: بدعة محمودة، وبدعة مذمومة، فما وافق السنة، فهو محمودٌ، وما خالف السنة، فهو مذموم. قال الحافظ في " الفتح " ١٣/ ٢٥٣: أخرجه أبو نعيم بمعناه من طريق إبراهيم بن الجنيد عن الشافعي، وجاء عن الشافعي أيضًا ما أخرجه البيهقي في " مناقبه " ١/ ٤٦٨ - ٤٦٩ قال: المحدثات ضربان: ما أحدث يخالف كتابًا، أو سنة، أو أثرًا، أو إجماعًا، فهذه بدعة الضلال، وما أحدث من الخير لا يخالف شيئًا من ذلك، فهذه محدثة غير مذمومة. وأورده شيخ الإسلام في " درء تعارض العقل " ١/ ٢٤٩، وقال: رواه البيهقي بإسناده الصحيح في " المدخل ". وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح، عن مجاهد، عن ابن عمر إنه قال إنها (أي: صلاة الضحى) لمحدثة، وإنها لمن أحسن ما أحدثوا. وروى ابن أبي شيبة ٢/ ٤٠٦ بإسناد صحيح عن الحكم بن الأعرج، عن الأعرج قال: سألت ابن عمر عن صلاة الضحى، فقال: بدعة، ونعمت البدعة. وروى عبد الرزاق (٤٨٦٨) بإسناد صحيح عن سالم، عن أبيه قال: لقد قتل عثمان، وما أحد يسبحها، وما أحدث الناس شيئًا أحب إلي منها. وقال ابن الأثير في " النهاية " ١/ ١٠٦: وفي حديث عمر ﵁ في قيام رمضان: " نعمت البدعة هذه " البدعة بدعتان: بدعة هُدى، وبدعة ضلال، فما كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله - ﷺ -، فهو في حيِّز الذم والإنكار، وما كان واقعًا تحت عموم ما ندب الله إليه وحضَّ عليه الله أو رسوله، فهو في حيز المدح. وما لم يكن له مثال موجود كنوع من الجود والسخاء وفعل المعروف، فهو من الأفعال المحمودة، ولا يجوز أن يكون ذلك في خلاف ما ورد الشرع به، لأن النبي - ﷺ - قد جعل له في ذلك ثوابًا، فقال: " من سنَّ سنَّة حسنة، كان له أجرها وأجر من عمل بها "، وقال في ضده: " ومن سنَّ سنة سيئة، كان عليه وزرُها، ووزر من عمل بها " وذلك إذا كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله - ﷺ -. ومن هذا النوع قول عمر ﵁: " نعمت البدعة هذه " لما كانت من أفعال الخير وداخلة في حيز المدح، سمَّاها بدعة ومدحها، لأن النبي - ﷺ - لم يسنها لهم، وإنما صلاها ليالي، ثم تركها ولم يحافظ عليها، ولا جمع الناس لها، ولا كانت في زمن أبي بكر، وإنما عمر ﵁ جمع الناس عليها، وندبهم إليها، فبهذا سمَّاها بدعةً، وهي على الحقيقة سنَّة، لقوله - ﷺ -: " عليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين من بعدي "، وقوله: " اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر " وعلى هذا التأويل يُحمل الحديث الآخر: " كل مُحدثةٍ بدعة " إنما يريدُ ما خالف أصول الشريعة ولم يوافق السنة، وأكثر ما يستعمل المبتدع عُرفًا في الذَّمِّ. وقال ابن رجب في " جامع العلوم والحكم " ص ٢٥٢ تعليقًا على قوله - ﷺ -: " وكل بدعة ضلالة ": والمراد بالبدعة ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه، فليس ببدعة شرعًا، وإن كان بدعة لغة
[ ٣ / ٣٨١ ]
أبدعوه من نقضٍ وكسر، وفساد وضع، وتركيب، وفنون مجادلة، وإلزام، كلُّ ذلك مُبدعٌ لم يُرْوَ عن الصحابة شيءٌ من ذلك، فدلّ أنَّ البدعة المذمومة ما رفع سُنَّةً مأثورة، ولا نُسلِّمُ أن هذا رافعٌ لسنَّة مأثورةٍ، ولكنَّه مُحدثٌ ما خاض فيه الأوَّلون، إمَّا لاشتغالهم بما هو أهمُّ منه، وإما لسلامة القلوب في العصر الأول عن الشكوك والتَّردُّدات، فاستغنوا عن الخوض فيه، وخاض فيه من بعدهم، لحدوث الأهواء، والبدع، ومسيس الحاجة إلى إبطالها، وإفحام منتحليها (١).
والجواب: أنَّ ما ذكره أنَّ البدعة المذمومة كل مُحدَثٍ رفع سُنَّة قديمة هو الحق، وهذه بدعة رفعت سنة قديمة، إذ كان سنة الصحابة ﵃ المنع من الخوض فيه، وزجرَ من سأل عنه، والمبالغة في منعه، ففتحُ باب السؤال عن هذه المسائل، والخوضُ في غمرة هذه المشكلات على خلاف ما تواتر عنهم، بدعةٌ، وقد صحَّ ذلك عن الصحابة ﵃ بتواتر النَّقل عن التابعين من نقلة الآثار، وسير السلف صحة لا يتطرق إليها ريب، ولا يتخالجها (٢) شكٌّ، كما تواتر خوضهم في مسائل الفرائض، ومشاوراتهم (٣) في أحكام الوقائع الفقهية العملية، وحصل العلم به أيضًا بأخبار آحاد لا يتطرق الشك إلى مجموعها، وإن تطرق الاحتمال إلى آحادها كما ذكرنا في ذم البدعة، وكما نقل عن عمر ﵁ إلى قول الشيخ: فإذن، قد عُرِفَ على القطع أنَّ هذه بدعة
_________________
(١) = وقال الحافظ في " الفتح " ٣/ ٢٥٣: المحدثات -بفتح الدال- جمع محدثة، والمراد بها ما أحدث، وليس له أصل في الشرع، ويسمى في عرف الشرع بدعة، وما كان له أصل يدل عليه الشرع، فليس ببدعة.
(٢) في (ش): منتحلها.
(٣) في (ش): يتخالها.
(٤) في (ب): ومشاورتهم.
[ ٣ / ٣٨٢ ]
مخالفة لسنة السلف، لا كخوض الفقهاء في التفاريع، فإنَّ ذلك -وإن كان محدثًا- فليس فيما نقل عن السلف زجرٌ عن الخوض فيه، بل نقل عنهم الإمعان في الخوض في مسائل الفرائض، فعرف جواز الخوض فيه.
وأما ما أُبدع من فنون المجادلات، فهو بدعةٌ مذمومةٌ عند أهل التحصيل، وذلك أن ما يشوِّشُهُ الجدل (١) أكثرُ مما يمهِّده، وما يفسدُهُ أكثر ممَّا يصلحه، والجدل يضاهي (٢) ضرب الشجرة بالمدَقَّة من الحديد رجاء تقويتها، وهو يكسر (٣) أجزاءها ويفسدها، والمشاهدة تكفيك في هذا بيانًا، وناهيك بالعيان برهانًا، فَقِسْ (٤) عقيدة أهل الدين، والصلاح والتقى من عوام الناس، فضلًا عن خواصِّهم بعقيدة المتكلمين والمتجادلين، فترى اعتقاد العامي في الثبات كالطود الشامخ، لا تحركه الصواعق، وعقيدة المتكلم الحارس عقيدته بتقسيمات (٥) الجدل كخيطٍ مُرسل في الهواء تُفيئه الريحُ مرة هكذا، ومرة هكذا.
قلت: إنما يعني (٦) هذا الجنس الخاصَّ من العامة، وهم أهل التقوى، والصلاح، والتمييز إذا شكك عليهم في جنسٍ مخصوصٍ من العقائد، وهو المعلوم من الدين بالضرورة من ثبوت الرب سبحانه، وصفات الكمال له، وثبوت (٧) النبوة، ونحو ذلك، ولم يُرد أنَّ جميع العوام لا يشكون في دقائق العقائد، فإنهم لم يثبتوها أوَّلًا، فكيف لا
_________________
(١) في (ج): الجدال.
(٢) في (ش): أيضًا هي.
(٣) في (ش): وهي تكسر.
(٤) في (ج): ففسر.
(٥) في (ش): تقسيمان.
(٦) في (ب): معنى.
(٧) " ثبوت " ساقطة من (ش).
[ ٣ / ٣٨٣ ]
من ذهب إلى تحريم الكلام وذمه
يشكون فيها ثانيًا؟
قال الشيخ: وقد ذهب إلى تحريم الكلام، وذمه أئمة الدين، وهم عمدة الإسلام والمسلمين، منهم الشافعي، ومالك، وأحمد بن حنبل، وسفيان الثوري، وجميع أهل الحديث.
قال الشافعي ﵁: لأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك، خير من أن يلقاه بشيءٍ من الكلام (١).
وقال: حكمي في أهل الكلام أن يُضربوا بالجريد، ويطاف عليهم في العشائر والقبائل، ويقال (٢): هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأخذ في الكلام.
وقال أحمد بن حنبل: لا يفلح صاحب الكلام أبدًا، ولا تكاد ترى أحدًا ممن نظر في الكلام إلا وفي (٣) قلبه دَغَلٌ.
_________________
(١) الخبر في " آداب الشافعي ومناقبه " ص ١٨٢ و١٨٧، و" تاريخ ابن عساكر " ٤/ ٤٠٥/١، وذكره البيهقي في " مناقب الشافعي " ١/ ٤٥٣ - ٤٥٤ عن يونس بن عبد الأعلى قالا: أتيت الشافعي بعد ما كلم حفصًا الفرد، فقال: غبت عنَّا يا أبا موسى، لقد اطلعت من أهل الكلام على شيء، والله ما توهمتُه قط، ولأن يبتلى المرء بجميع ما نهى الله عنه ما خلا الشرك بالله خير من أن يبتليه الله بالكلام. وعلق عليه البيهقي بقوله: إنما أراد الشافعي ﵀ بهذا الكلام حفصًا وأمثاله من أهل البدع، وهذا مراد بكل ما حكي عنه في ذم الكلام وذم أهله غير أن بعض الرواة أطلقه، وبعضهم قيده، وفي تقييد من قيده دليلٌ على مراده، ثم نقل عن أبي الوليد بن الجارود قوله: دخل حفص الفرد على الشافعي، فكلمه، ثم خرج إلينا الشافعي، فقال لنا: لأن يلقى الله العبد بذنوب مثل جبال تِهامة خير له من أن يلقاه باعتقاد حُرِّفَ مما عليه هذا الرجل وأصحابه، وكان يقول بخلق القرآن. ثم قال: وهذه الروايات تدلُّ على مراده بما أطلق عنه فيما تقدم، وفيما لم يذكرها هنا، وكيف يكون كلام أهل السنة والجماعة مذمومًا عنده، وقد تكلَّم فيه، وناظر من ناظر فيه، وكشف عن تمويه من ألقى إلى سمع بعض أصحابه من أهل الأهواء شيئًا مما هم فيه.
(٢) " ويقال " ساقطة من (ش).
(٣) " في " ساقطة من (ش).
[ ٣ / ٣٨٤ ]
وقال مالك: أرأيت إن جاءه من هو أجدل منه، أيدع دينه كل يوم لدين جديد، يعني: أن أقوال المتكلمين تتقاوم.
وقال: لا يجوز شهادة أهل البدع والأهواء. فقال بعض أصحابه في تأويل كلامه: إنه أراد بأهل الأهواء: أهل الكلام على أيِّ مذهبٍ كانوا.
وقال أبو يوسف: من طلب العلم بالكلام تزندق (١).
وقال الحسن: لا تُجالسُوا أهل الأهواء، ولا تُجادلوهم، ولا تسمعوا منهم.
وقد اتفق أهل الحديث من السلف على هذا، ولا ينحصر ما نقل عنهم فيه (٢) من التشديد.
قلت: ونقل محمد بن منصور الكوفي (٣) نحو (٤) هذا عن الإمام القاسم (٥) بن إبراهيم وغيره من قدماء أهل البيت ﵈، ذكره في كتاب " الجملة والألفة "، ونقله عنه (٦) السيد الشريف العلامة أبو عبد الله الحسني في كتابه " الجامع الكافي "، ونقلتُ منه كثيرًا في مسألة القرآن من (٧) هذا الكتاب، وهو نقلٌ مفيد.
_________________
(١) كتب فوقها في (ش): " أي بالكلام ". وتقدم قول الإمام أبي يوسف.
(٢) ساقطة من (ش).
(٣) في (ش) " الكرخي "، وهو تحريف.
(٤) في (ش): مثل.
(٥) في (ج): " القائم " وهو تحريف.
(٦) في (ش): عن.
(٧) في (ش): في.
[ ٣ / ٣٨٥ ]
فصل: ولعلك تقول: الكف عن السؤال والإمساك عن الجواب من أين يغني
فصل: ولعلك تقول: لا أنكر حصول التصديق الجازم في قلوب العوام بهذه الأسباب ولكن ليس دلك من المعرفة في شيء
قال الشيخ: فصل: ولعلك تقول: الكف عن السؤال، والإمساك عن الجواب من أين يغني؟ وقد شاع في البلاد هذه الاختلافات، فظهرت التعصبات، فكيف سبيل هذه المسائل؟.
فإن (١) الجواب في كل مسألة يسأل عنها: ما قال مالك ﵀ في مسألة الاستواء، إذ (٢) قال: الاستواءُ معلوم، والكيفية مجهولة، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة (٣)، لينحسم سبيل الفتنة، ولا يقتحم ورطة الخطر، لأنا لا ندري ما الذي أراده الله تعالى، ولم نكلف نحن ولا أنت أيها السائل معرفة ذلك، ومن لم يقنع بما ذكرناه، لم يزده الإكثار إلا تحيُّرًا، فهذه صفة مذهب السلف، ولا عدول لأحدٍ عنه، ولا بدل (٤) منه إلى قول الشيخ (٥).
فصل: ولعلك تقول: لا أنكر حصول التصديق الجازم في قلوب العوام بهذه (٦) الأسباب، ولكن ليس ذلك من المعرفة في شيء، وقد كُلِّفَ الناس المعرفة الحقيقية دون اعتقادٍ هو من جنس الجهل، لا يميز فيه الباطل عن الحق.
_________________
(١) في (ش): قلنا.
(٢) في (ش): " إذا " وهو خطأ.
(٣) أورده اللالكائي ٣/ ٣٩٨، وإليهقي في " الأسماء والصفات " ص ٤٠٨، وابن حجر في " الفتح " ١٣/ ٤٠٦، وجوَّد ابن حجر أحد أسانيده.
(٤) في (ش): ولا بُدَّ له.
(٥) من قوله: " ولعلك تقولُ: الكف " إلى هنا ساقط من (ج).
(٦) في (ش): لهذه.
[ ٣ / ٣٨٦ ]
فالجواب (١): أنَّ هذا غلط ممَّن ذهب إليه، بل سعادة الخلق أن (٢) يعتقدوا الشيء على ما هو عليه اعتقادًا جازمًا لجبلَّة (٣) قلوبهم على موافقة الحق، لأنه ليس المطلوبُ الدليل المفيد، بل الفائدة هي حقيقة الحق على ما هي عليه، ولهذا قال رسول الله - ﷺ -: " كل مولود يولد على الفطرة، حتى يكون أبواه هما اللذان يهوِّدانه، ويُنصِّرانه، ويُمجسانه " (٤)، فمن اعتقد حقيقة الحق في الله تعالى، وفي صفاته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، فهو سعيدٌ، وإن لم يكن ذلك بدليل مجرد كلامي، ولم يكلف الله عبادة إلا ذلك، وذلك معلوم، على الضرورة بجملة أخبارٍ متواترة عن رسول الله - ﷺ - في توارد (٥) الأعراب عليه، وعرضِه الإيمان عليهم، وقبوله ذلك (٦)، وانصرافهم إلى رعاية الإبل والمواشي من غير تكليفه إياهم التفكر في المعجزه، ووجه دلالتها، في حدوث العالم، وإثباث محدثه، وسائر الصفات، بل الأكثر من أجلاف العرب لم يفهموا ذلك، ولم يدركوه بعد طول المدة، بل كان الواحد منهم يُحلِّفُه ﵇ فيقول: [أنشدك] بالله آلله أرسلك
_________________
(١) في (ش): والجواب.
(٢) في (ش): في أن.
(٣) في (ب) و(ش): بجبلة.
(٤) أخرجه من حديث أبي هريرة: مالك ١/ ٢٤١، وأحمد ٢/ ٢٢٣ و٢٨٢ و٣٤٦ و٣٩٣ و٤١٠، والبخاري (١٣٥٨) و(١٣٥٩) و(١٣٨٥) و(٤٧٧٥) و(٦٥٩٩)، ومسلم (٢٦٥٨)، وأبو داوود (٤٧١٤)، والترمذي (٢١٣٩)، والحميدي (١١١٣)، والطيالسي (٢٣٥٩)، والطحاوي في " مشكل الآثار " ٢/ ١٦٢، والبغوي (٨٤)، وعبد الرزاق (٢٠٠٨٧)، والخطيب في " تاريخه " ٣/ ٣٠٨ و٧/ ٣٥٥، وأبو نعيم في " الحلية " ٩/ ٢٦.
(٥) في (ش): نواد.
(٦) في (ش): وقبولهم ذلك منهم.
[ ٣ / ٣٨٧ ]
رسولًا؟، فيقول: " اللهُ الله أرسلني رسولًا " (١)، فكان (٢) يصدقه (٣) بيمينه وينصرف، ويقول الآخر إذا قدم عليه، ونظر إليه: والله ما هذا وجه كذاب (٤)، وأمثال ذلك مما لا يحصى، بل كان يُسلِمُ في غزوةٍ واحدةٍ في عصر الصحابة آلاف، لا يفهم الأكثرون منهم أدلة الكلام، ومن كان يفهم، فيحتاج أن يترك صناعته، ويختلف إلى مُعلِّمِهِ مُدَّةً، ولم ينقل قط شيءٌ من ذلك. فعلم (٥) علمًا ضروريًا أن الله تعالى لم يكلف الخلق الإيمان والتصديق على طريقة المتكلمين.
_________________
(١) أخرج البخاري (٦٣)، ومسلم (١٢)، والترمذي (٦١٩)، والنسائي ٤/ ١٢٣ - ١٢٤، وأبو داوود (٤٨٦) من حديث أنس بن مالك قال: بينما نحن جلوس مع النبي - ﷺ - في المسجد، دخل رجلٌ على جمل، فأناخه في المسجد، ثم عقله، ثم قال لهم: أيكم محمد - والنبي - ﷺ - متكيء بين ظهرانيهم، فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكىء، فقال له الرجل: ابن عبد المطلب، فقال له النبي - ﷺ -: قد أجبتُك، فقال الرجل للنبي - ﷺ -: إني سائلك فمشدِّدٌ عليك في المسألة، فلا تجد علي في نفسك. فقال: " سل عما بدا لك "، فقال: أسألُك بربِّك ورب من قبلك، آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ فقال: " اللهم، نعم "، قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن نصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة، قال: " اللهم، نعم " قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة؟ قال: " اللهم، نعم "، قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا، فتقسمها على فقرائنا؟ فقال النبي - ﷺ -: " اللهم، نعم "، فقال الرجل: آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي، وأنا ضِمامُ بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر.
(٢) في (ش): وكان.
(٣) في (أ): " يصدق "، وفي (ش) و(ج): " تصديقه ".
(٤) أخرج أحمد ٥/ ٤٥١، والترمذي (٢٤٨٧)، والدارمي ١/ ٣٤٠، وابن ماجه (١٣٣٤) و(٣٢٥١) من طريق عوف بن أبي جميلة، عن زرارة بن أوفى، عن عبد الله بن سلام، قال: لما قَدِمَ النبي - ﷺ -: انجفل الناس عليه، فكنت فيمن انجفَلَ، فلما تبينت وجهه، عرفتُ أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول شيء سمعته يقول: " أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلُوا الأرحام، وصلُّوا والناسُ نيامٌ، تدخلوا الجنة بسلام ". وصححه الحاكم ٣/ ١٣، ووافقه الذهبي، وله شاهد من حديث أبي هريرة عند الحاكم ٤/ ١٢٩. وقوله: " انجفل الناس عليه " أي: ذهبوا إليه مسرعين.
(٥) في (ش): فعلمنا.
[ ٣ / ٣٨٨ ]
قلت: فهذا من السمع، ومن النظر: أنَّ (١) الدليل كالطريق، والوسيلة إلى الاعتقاد الصحيح، فمن حصل الاعتقاد الصحيح، لم يجب التشاغل بالطريق، مثل سائر الوسائل، خصوصًا إذا خيف من الاشتغال بالوسيلة فوات الأمر المتوسل إليه بالقرائن والتجارب (٢)، وربما انتهى الأمر إلى تحريم الخوض في ذلك، حيت يغلب على الظن أن فيه مضرة مظنونة للاتفاق على أن دفع المضرة المظنونة واجبٌ عقلًا، وسيأتي لهذا مزيد بيان وتحقيق إن شاء الله تعالى.
ثم المتكلمون هنا (٣) مختلفون، فمنهم من يخلع رِبْقَةَ المراعاة لأحوال السلف، ويصرح بتكفير العامة، فيقعُ في الحديث المتفق على صحته: " إذا قال المُسلم لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدُهُمَا " (٤).
وهؤلاء قسمان: منهم من يعتقد هذا ولا يُظهرُهُ، ومنهم من يظهره، والطائفة الأخرى: منهم الذين يراعون ظاهر أحوال السلف، فيقعون في المناقضة، لأنهم يجيبون بأن الأدلة جليَّةٌ، تعرف بالفطرة مع أدنى تأمل، وجوابهم هذا يستلزم إمَّا الاستغناء عن علم الكلام -وهو المقصودُ- وإما دعوى أن أدلة علم الكلام كذلك، وهو باطل بالضرورة، والتجربة تدل على ذلك، فإنا نُحضر أذكى العامة، بل أذكى علماء الفنون غير الكلام، فلا يستطيعُ فهم أدلتهم بالفطرة في المدة اليسيرة، وقد ذكرت فيما مضى ما ذكره الرازي في " المحصول " في دفع هذا بقوله: إنه يستحيل أن يكون العلم بالبرهان جمليًا، قال: لأن البرهان إذا تركب من عشر مقدمات،
_________________
(١) في (أ): إلى أن.
(٢) في (ش): والتجارب فيها.
(٣) في (أ): ها هنا.
(٤) تقدم تخريجه ٢/ ٤٣٩.
[ ٣ / ٣٨٩ ]
فيستحيل ممن علم تسعًا، وقلَّد في العاشرة أن يكون عالمًا، ويستحيل ممَّن علم العشر المقدمات أن يزيد فيها، وهذا الذي ذكره ضروري، وهو يمحو تخيُّلهم في الجواب بالمرة (١).
قال الشيخ: فإن قيل: بم يميز المقلد بين نفسه، وبين اليهودي المقلِّد؟
فالجواب: أن المقلد لا يعرف التقليد، ولا يعرف أنه مقلد من (٢) يعتقد في نفسه أنه محق عارف، ولا شك في معتقده (٣)، ولا يحتاج في نفسه إلى التمييز، لقطعه (٤) بأن (٥) خصمه مُبطِلٌ وهو محق، ولعله - أيضًا- مستظهر بقرائن وأدلة ظاهرةٍ يرى نفسه مخصوصًا بها، ومميزًا بسببها عن خصمه، وإن كان اليهودي يرى نفسه مثل ذلك، فإنَّ ذلك لا يشوش على المحق اعتقاده، كما أن العارف الناظر يزعم أنه يميز نفسه عن (٦) اليهودي بالدليل، واليهودي (٧) المتكلم الناظر يزعم أنه مميز عنه بالدليل، فدعواه تلك لا تُشككُ الناظر العارف، فكذلك لا يُشكك المقلد القاطع، ويكفيه في الإيمان أن لا تشككه في اعتقاده معارضة المبطل كلامه بكلامه، فهل رأيت عاميًا قط قد اغتمَّ وحزن من حيث تعسَّر عليه الفرقُ بين تقليده وتقليد اليهودي؟ بل لا يخطر ذلك ببال العوام، وإن خطر ببالهم وشوفهُوا به، ضحكوا من قائله، وقالوا: ما هذا إلا هذيان،
_________________
(١) " بالمرة " ساقطة من (ش).
(٢) في (ش): بل من.
(٣) قوله: " ولا شك في معتقده " ساقط من (أ).
(٤) في (ش): بقطعه.
(٥) في (ج): لأن.
(٦) في (ش): مميز عنه.
(٧) في (ش): فاليهودي.
[ ٣ / ٣٩٠ ]
وكأن بين الحق والباطل مساواةٌ حتى تحتاج إلى الفارق، الفرق أنه على الباطل وأنا على الحق، وأنا متيقن لذلك، غير شاك فيه، فكيف أطلب الفرق حيت يكون الفرق معلومًا قطعًا من غير طلب؟ فهذه حالة المقلِّدين الموقنين، وهذا إشكالٌ لا يقع لليهودي المبطل، لقطعه بمذهبه مع نفسه، فكيف يقع للمقلد المسلم الذي وافق اعتقاده ما هو عند الله تعالى؟ فظهر بهذا على القطع أنَّ اعتقاداتهم جازمة، وأن الشرع لم يكلفهم إلا ذلك. انتهى كلامه ﵀.
وأقول: إن الله تعالى قد فطر الخلق على معرفته، كما قال تعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠]، وأوضح ذلك رسول الله - ﷺ -. وزاده بيانًا بقوله: " كل مولود يولد على الفطرة " (١)، واتفق الكل على صحته، وهذه الفطرة تقتضي الإيمان بنفسها، وترجحه على ما ينافيه، سواءٌ كانت علمًا ضروريًا، كما قاله أهل المعارف من المعتزلة، أو نظريًا (٢) جليًا كما يقوله الجمهور، أو يقينًا ظنيًا يقتضي من سكون النفس ما يقتضيه النظر، فمن قبلها، ولم يعارضها بما هو دونها من شُبَهِ (٣) المبطلين، أثابه الله الزيادة في إيمانه، ومن عصى بعنادٍ، أو تقليدٍ لأبويه أو شيوخه، استحق العقوبة، كما قال تعالى: ﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّة﴾ [الأنعام: ١١٠]، وكما قال تعالى: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آَتَيْنَاهُمْ مِنْ آَيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب﴾ [البقرة: ٢١١]، وقد أوجبت المعتزلة الخاطر على الله تعالى، وهو زيادة على الفطرة، فكيف لا يفترق
_________________
(١) تقدم تخريجه في ص ٤٨.
(٢) في (ش): نظرًا.
(٣) تحرفت في (ب) و(ش) إلى " سنة ".
[ ٣ / ٣٩١ ]
الحال بين الفطرة وضدها مع وجوب الخاطر عند اعتقاد الباطل دون الحق.
جواب آخر: وهو أن الخلاف قد ثبت في العلوم الضرورية، وللمخالفين (١) في ذلك سُنة معروفة، يصعب جوابها على العامة ضرورة، وأما (٢) الخاصة، فإنما يسلكون في ردها مسلك السنة وأهلها في الرد على المبطلين، وذلك لأن ردها بالاستدلال محال، فإنها تشكك (٣) في مقدماته الضرورية التي نشأ عليها، فثبت أن أهل الكلام رجعوا إلى سنة الرسول - ﷺ - حيث قال: " لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: هذا الله خلق الخلق، فمن خلق الله " (٤) الحديث.
فإن قيل: قد شكيت الوسوسة على عهد رسول الله - ﷺ - وهي تنافي الجزم، فالجواب من وجهين:
أحدهما: أن النظر في الأدلة لا يقطع الوسوسة، وقد قال الخليل ﵇: ﴿ولكن ليطمئن قلبي﴾ [البقرة: ٢٦٠﴾، وهذا مشترك الإلزام، فما أجابوا به فهو جوابنا.
_________________
(١) في (ش): فللمخالفين.
(٢) في (ش): فأما.
(٣) في (ش): تشكيك.
(٤) أخرجه من حديث أنس بن مالك: البخاري (٧٢٩٦)، ومسلم (١٣٦). ولفظه: " قال الله ﷿: إن أمتك لا يزالون يقولون: ما كذا؟ ما كذا؟ حتى يقولوا: هذا الله خلق الخلق، فمن خلق الله؟ ". وأخرجه من حديث أبي هريرة: البخاري (٣٢٧٦)، ومسلم (١٣٥)، وأبو داوود (٤٧٢١). ولفظه: " لا يزال الناس يسألونكم عن العلم حتى يقولوا: هذا الله خلقنا، فمن خلق الله ".
[ ٣ / ٣٩٢ ]
والثاني: أنها لا تناقض (١) الجزم؛ لأن متعلقها مختلفٌ غيرُ متَّحدٍ، والجزم من فعل الله تعالى إن كان ضروريًا، ومن فعل العبد أو آثار فعله إن لم يكن ضروريًا، والوسوسة ليست من فعل العبد قطعًا؛ لأنَّها ضرورية، غير واقفةٍ على اختياره، وهي من فعل الشيطان، لما (٢) ورد من النصوص الصحاح في الأمر بالتَّعوُّذ (٣) منه عند ذلك، ولما يشهد بذلك من القرآن الكريم من نسبة جميع ما يعارض الحق والنبوات إلى الشيطان، وهذا (٤) في حق من لا ذنب له، والسمعُ دلَّ (٥) على أن من هذا حالُه، فإنَّ الله يهديه، ويشرح صدره للإسلام، ويمنع (٦) رجحان ظن الباطل. والعقلُ عند المعتزلة يوجبُ ذلك مع السمع في حقِّ المطيع والعاصي، فلا يخاف من هذا على قواعدهم مطلقًا.
وأما من يستحق العقوبة بسلب اللُّطف عند أهل السنة، فقد يُعَاقَبُ من جهة الله تعالى بذلك (٧)، وبأكثر منه (٨)، كما لم يُؤمنوا به أوَّل مرَّة كما قال تعالى، وكما خالفوا الفطرة التي فطرهم عليها وغيَّرُوها، وكما حكى سبحانه من التيسير للعسرى، وكما سيأتي (٩) مشروحًا واضحًا في مسألة الأفعال، ومسألتي الأقدار والمشيئة، وبيان ذلك وقوع الوسوسة في الضروريات مع الموسوسين.
_________________
(١) في (ج): أنه لا يناقض.
(٢) في (ش): كما.
(٣) في (ش): من التعوذ، وهو تحريف.
(٤) في (ش): وهي.
(٥) في (ش): دال.
(٦) في (ش): ويمتنع.
(٧) في (ش): عند ذلك.
(٨) ساقطة من (ش).
(٩) في (ج): يأتي.
[ ٣ / ٣٩٣ ]
وأما الطمأنينة التي تنتفي معها الوسوسة، فإنها موهبة من الله تعالى بالاتفاق، لأنها ضرورية غير واقفة على اختيار العبد، وقد يكون سببها مشاهدة الخوارق كما في قصة الخليل عليه الكلام، وقد يكون سببها كثرة اليقين والتصديق بوقوع الخوارق حتى يكون (١) السامع للأخبار كالمعاين.
وأساس هذا كثرة المعرفة لكتب معجزات الأنبياء ﵈ وأحوالهم، ومن أنفس ما صُنِّفَ في ذلك: كتاب " الشفاء " (٢) للقاضي عياض، وأنفس منه أوائل " البداية والنهاية " (٣) لابن كثير.
وقد يكون سببها كثرة الصلاح.
وأبعد أسبابها النظر على طريقة المتكلمين، بل هو منافر لها، لأنه عند أهله مبني على الشك، إذ لا يصح النظر عندهم في المقطوع بصحته.
والجواب عليهم (٤): أن معرفة الله جلية في الفطرة، سابقةٌ للشك كما قال تعالى: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض﴾ [إبراهيم: ١٠]، ولذلك قال - ﷺ -: " كل مولود يولد على الفطرة " الحديث، والشك لا يحل إلا أن يقع بغير اختيار، فيعفى عنه لقول الخليل: ﴿ولكن ليطمئن قلبي﴾، وللنصوص الصحاح.
_________________
(١) ساقطة من (ب).
(٢) انظر الجزء الأول منه ص ٢٤٦ - ٣٦٨.
(٣) في (أ): الهداية، وهو تحريف. وانظر المعجزات فيه من الصفحة ٦٧ إلى الصفحة ٣٠٤ من الجزء السادس منه.
(٤) ساقطة من (ش).
[ ٣ / ٣٩٤ ]
وهنا (١) جواب آخر على أصل السؤال وهو قولهم: بم يُميِّزُ المقلِّد المسلم نفسه عن اليهودي المقلِّد، وذلك أن نقول (٢): هذا السُّؤال مبنيٌّ على التسوية بين الظنون والقرائن، وذلك غير مسلم، والتفرقة بين ذلك جلية فطرية، لأن الله تعالى خلق الخلق على فطرة الإسلام كما قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠].
واتفق الجميع على صحة الحديث عن رسول الله - ﷺ - " كل مولود يولد على الفطرة (٣)، وإنَّما أبواه يهودانه وينصِّرانه "، وهذه الفطرة عند أهل المعارف علمٌ ضروريٌّ، وعند غيرهم ما يقاربه ويُسمى باسمه، ولا يكاد يتميز عنه من اليقين (٤) المستند إلى مجموع قرائن لا يمكن التعبير عنها، فكيف لا يتميز الفرق بين ذلك وبين ما يُعارضه من وسواس الشياطين، وكيف لا نُدركُ الفرق بين ذلك بضرورة الفطرة المخلوقة بعدل الله تعالى، وفضله، وحكمته، وكمالِ حجته.
والتحقيق على أصل الجميع أن ظن الباطل لا يكون راجحًا في الابتداء، ولا يترجح إلا بالعقوبة المستحقة، وما لا يكون راجحًا، لا يكون في مخالفته مضرَّة (٥) مظنونةٌ، ولا يجبٌ الاحتراز منه، وظن الحق
_________________
(١) في (ج): وهذا.
(٢) في (ج): يقال.
(٣) في (أ): فطرة الإسلام.
(٤) في (أ) زيادة، وعبارته: " ولا يكاد يتميز عنه من الشياطين وكيف لا ندرك الفرق اليقين ".
(٥) في (أ): ضرورة، وهو تحريف.
[ ٣ / ٣٩٥ ]
راجحٌ بالفطرة الأولة (١)، وفي مخالفته مضرة مظنونة، ودفع المضرة المظنونة واجبٌ عقلًا، وقد أخبر الله تعالى أنه كفَّر سيئات الذين آمنوا بما نُزِّل على محمّد - ﷺ -، وهو الحق من ربهم تعالى، وأصلح بالهم (٢)، وعلل ذلك بأنهم اتبعوا الحق من ربهم، بخلاف الذين كفروا واتبعوا الباطل (٣)، والذين (٤) اهتدوا زادهم هُدى وآتاهم تقواهم (٥).
والعاميُّ يدرك ذلك، فإن العامي إذا أخبره كثير ممَّن يثق به غاية الثقة بأمرٍ موافقٍ للفطرة والشُّهرة، ثم عارضه من يستند إلى معرفة العامي أنه كذابٌ، أو يكون عند العامي مجهول الحال، فإن العامي يدرك التفرقة بين ظنَّه المستند إلى خبر الثقة المخبور المأمون، الموافق للفطرة والشهرة، وبين ظنِّ مخالفة المستند إلى قول الكذَّاب، أو المجهول، بل لا يُسمِّيه ظنًا حتى يحتاج إلى فارقٍ، بل يقطع أنَّه باطل، وهذا مثالٌ نقيس عليه سائر القرائن (٦)، فإنَّ التفرقة بين الظُّنون والقرائن ضروريةٌ غير مفتقرةٍ إلى الطلب، وقد دلَّ على ذلك السمع، حيث قال الله تعالى: ﴿إن بعض الظن إثمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] فلو لم يكن بين الظن الصحيح والظن الباطل فرق، لكان الظن كله حرامًا أو حلالًا، وقد ذكر غير واحد من المفسرين أن الظن المحرم هو الذي لا (٧) يستند إلى قرينةٍ صحيحةٍ،
_________________
(١) في (ج): الأولية.
(٢) في (ش): وأكد بأعمالهم، وهو تحريف.
(٣) في (ب): الشياطين.
(٤) في (ج): وقال: والذين
(٥) انظر الآيات (٢ و٣ و١٧) من سورة محمد.
(٦) في (أ): القرآن، وهو تحريف.
(٧) في (أ) و(ب): لم.
[ ٣ / ٣٩٦ ]
والظنُّ الجائز مخالفة منهم (١)، فقد تطابق العقل، والسمع (٢)، والخاصة، والعامة على التفرقة بين الظنون والقرائن، وكيف لا يكون ذلك، وجميع أفعال العقلاء مبنيَّةٌ على الظنون والترجيح بين المتعارض (٣) منها، فعمَّال الآخرة يعملون على ظن الإصابة، والقبول، وحسن الخاتمة، وعمال الدنيا كذلك، فالزراع يزرع على ظن التمام، والتاجر يسافر على ظن الفائدة، والملوك يحاربون على ظن النصر، والفقهاء يفتون على ظنِّ الإصابة، والمراض (٤) يتداوون على ظنِّ النفع، والمؤرخون يؤرخون على ظن التصديق، وأهل العلم يحكون ما قالوهُ على ظن الصدق، والخلق يسأل بعضهم بعضًا، ويكتب بعضهم إلى بعضٍ، كل ذلك على أن الظنون معمول بها، ومتميز راجحها من مرجوحها، وقويُّها (٥) من ضعيفها، وغالبُها من مغلوبها (٦)، وربما احتفّ (٧) بالخبر من القرائن ما يرفعه إلى مرتبة الضرورة، ولا سيما في معرفة الله تعالى، وصدق رسله (٨) التي هي الفطرة بالنص الصحيح (٩)، ولا سيما وطائفة جلَّةٌ من حُذَّاق المتكلِّمين يقولون: إن معرفة الله تعالى ضرورية، والطائفة الأخرى يقولون: إنها قرينة جلية، فلا شكَّ في قوة القرائن الموافقة لذلك الَّتي مادُّتها من كلمات الله التي لا ينفدها البحر يمُدُّه من بعده سبعة أبحر، والتي (١٠) مثَّلها الله تعالى في كثرة موادِّها، لا في
_________________
(١) في (ب): " والظن الجازم مخالف لهم ". وبعد هذا بياض في جميع النسخ.
(٢) في (ب): السمع والعقل، وفي (ش): أهل العقل والسمع.
(٣) في (ش): المتعارضين.
(٤) في الأصول " أمراض ".
(٥) في (أ) و(ب) و(ج): وقوتها، وهو خطأ.
(٦) تحرفت في (ش) إلى " مغلولها ".
(٧) في (أ): أحيف، وهو تصحيف.
(٨) في (ب) و(ش): رسوله.
(٩) في (ب) و(ش): الصريح.
(١٠) في (ش): التي.
[ ٣ / ٣٩٧ ]
مقدارها ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٣٥]، ومثَّلها سبحانه بكلمةٍ طيبةٍ أصلُها ثابت وفرعها في السماء تُؤتي أُكُلها كُلَّ حين، فيا عجبًا، كيف يدق الفرق بين الظن الموافق، وظن كلمة الباطل المشبهة بشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار؟ وبظلماتٍ في بحرٍ لُجِّيٍّ، يغشاه موجٌ، من فوقه موج، من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض، إذا أخرج يده لم يكد يراها، ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نُورٍ.
بل المعلوم للعقلاء أنَّه لا يحصلُ ظنٌّ راجح بما خالف الفطرة والبراهين الجلية، اللهم إلا أن يعاندوا في أول الأمر، ويعارضوا الظن الراجح بالشك المساوي، بل الوهم المرجوح، فيخذلهم الله كما لم يؤمنوا به أول مرة، ويعقبهم نفاقًا في قلوبهم إلى يوم يلقونه، ويكونوا من الذين في قلوبهم مرض، فزادهم الله مرضًا. الآيات في أول البقرة، ومن الأخسرين أعمالًا الذين ضلَّ سعيُهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا. فهؤلاء لا يعدلون عن آيات الله تعالى بعد أن جاءتهم مبصرة، واستيقنتها أنفسهم إلى الشُّبه الخيالية، والمتشابهات الوهمية التي يتبعها الذين في قلوبهم زيغٌ ابتغاء الفتنة، وابتغاء تأويله، وقد أخبر الله تعالى في مُحكَم كتابه: إنما أنزل المتشابه ليهدي به كثيرًا، ويضل به كثيرا، وما يُضِلُّ به إلاَّ الفاسقين.
فكيف لا يعرف العاميُّ الفرق بين الفطرة والبدعة، والفرقُ بينهما ضروري من جملة الفطرة، فإنَّ الدين الحق إذا كان هو الفطرة، فمعرفته،
[ ٣ / ٣٩٨ ]
والطمأنينةُ به، وشرح الصدر، ونكارة ضده من الفطره أيضًا.
فإذا تقرَّر أنَّ معرفة العامي للفرق بين القرائن أمر جلي فطري، كان فرقه بين القرائن المولِّدة لظنِّه من قبيل العلوم الضرورية، فإنه -وإن لم يعلم أن ظنه مطابق لمظنونه- فإنه يجزم باعتقاد ذلك، ويعلم أن القرينة الدالة على حسن العمل بظنه قرينة صحيحة مقتضية لحسن العمل به بالفطرة الضرورية، كما أن الناظر يعتقد أن استدلاله -وإن كان يصحبه الوسوسة، وتجويز ورود الشُّبهة عليه- فإنه قد بناه على قواعد علمية، ومقدماتٍ يقينيةٍ، بل ضرورية عند المحققين.
ومثال ما ذكرناه في حق المقلد: ما يذكره المتكلِّمون، وأهل الأصول في تجويز التقليد في الفروع للمسلم العامي متى قلَّد مسلمًا عالمًا بالفقه، وتحريم مثل ذلك على اليهودي العامِّي متى قلَّد يهوديًا عالمًا بشريعة موسى ﵇، وكما أن العامي المقلد للعالم المسلم يجوز له ذلك، ونجد فرقًا بين ذلك، وبين تقليد العامي اليهودي للعالم اليهودي، فكذلك العامي المسلم المقلد في الأصول للأنبياء والصالحين وعلماء المسلمين الذين يعرفهم، وتتحقَّق أمانتهم، ونجد خبرهم موافقًا (١) للفطرة الضرورية التي فطره وربُّه سبحانه عليها، نجد فرقًا بما (٢) عرفه من ذلك وبين اليهودي المقلد في أصول دينه للخرَّاصين والمجاهيل من كذبة اليهود وكفرتهم الذين عُلِمَ كذِبُهم أو جُهِلَ حالهم، وإن كان العامي اليهودي يعتقد في نفسه مثل ذلك، فالعامي المسلم يعلم فساد اعتقاده، كما يعلمه الناظر المسلم، وذلك بما قدَّمنا من أن علمه بصحة قرائنه وقوتها ورجحانها
_________________
(١) في (ش): موافق، وهو خطأ.
(٢) في (ش): ما، وهو خطأ.
[ ٣ / ٣٩٩ ]
فطريٌّ ضروريٌّ، وإن كان المتولِّد عنه ظنًا، إذ لا رابطة عقلية بين القرائن المعلومة ضرورة، وبين مدلولاتها المظنونة، بل المسلم العامي المقلد في الأصول للأنبياء كالعامي المسلم المقلِّد في الفروع للعلماء في التمكن (١) من معرفة الظن الراجح والمرجوح، والتَّفرقة بينهما، وفي أنه لا بد من تسلسل هذه الظنون إلى علومٍ فطرية جلية، وهي (٢) إما العلم بحسن العمل بالظن الصحيح الذي لم يعارض المعلومات أو العلم بصحة القرينة، ولذلك سُمِّي الفقهاء علماء، فإنَّ طرق الفقه وإن كانت ظنيَّة - لكن وجوب العمل بها مستند إلى العلم القاطع، فالظن حصل في طريقها (٣)، لا في وجوب العمل بها.
جواب آخر: بل القرائن المقتضية لظن الأمر تقتضي بالضرورة ظن بطلان معارضه، ويستحيل الجمع بين ظن صحة أمر، واعتقاد صحة ظن (٤) ما يضاده، فكيف يقال فيما يستحيل اجتماعهما: ما الفرق بينهما؟ بل نقلب السؤال على من سأل عن الفرق، فيقال: من أين جاء الاشتباه؟ فإن قال: من حيث إنَّ كلَّ واحد من المُحِقِّ والمبطل يعتقد ذلك في نفسه ومخالفه.
قلنا: وكذلك (٥) أهل النظر من المحقِّين والمبطلين يشتبهون من هذه الحيثية، فكما أن النظر الصحيح يميز الفاسد في العلماء، فكذلك
_________________
(١) من قوله: " بل المسلم " إلى هنا ساقط من (ب).
(٢) ساقطة من (ب).
(٣) في (ش): طرقها.
(٤) " ظن " ساقطة من (ب).
(٥) في (ج): فكذلك.
[ ٣ / ٤٠٠ ]
الظن (١) الصحيح يميز الفاسد في العامة.
وجواب آخر: وذلك (٢) أنه لو لم تكن الظنون وقرائنها ومراتبها متميزة بعضها عن بعض، لم يمكن (٣) المجتهدون (٤) من علماء الفروع أن يرجِّحوا قولًا على قول، ولاتسعت المناظرة بينهم، بل قد صح تمييز المقلدين لهم لمراتبهم، حتى أوجب بعض أهل (٥) النظر على العامي تقليد الأعلم الأورع -في ظنَّه- على الإجمال، أو الأقوى (٦) دليلًا في المسألة على التفصيل، وممَّن (٧) اختار ذلك المؤيد بالله، نصَّ عليه (٨) في " الزيادات "، ولا يعارض هذا بالقول بتصويب كلٍّ من المجتهدين، فإنه إنَّما قيل به بالنَّظر إلى مطلوب الرَّبِّ سبحانه منهم، لأنه سبحانه إنما طلب منهم أن يجتهدوا في طلب الصواب، لا في إصابته، كما طلب من رماة المجاهدين أن يجتهدوا في إصابة الكفار، ولم يطلب منهم أن يُصيبوا في رميهم، وذلك من عدل الله سبحانه ورحمته، حيث علم أنه لا طريق لهم، ولا طاقة سوى الطلب، فقد أصابوا مُراد الله تعالى، وهو الاجتهاد في طلب الإصابة، ولم يصيبوا مطلوبهم الذي هو الإصابة، فالذي تحرَّى القِبْلَةَ كالذي يرمي الكُفَّار في الجهاد، يصيب ويخطىء، وهو في إصابته وخطئه مصيبٌ لمراد الله في طلب الصواب، فبان أنَّ ها هنا مطلوبين اثنين:
_________________
(١) في (ش): النظر.
(٢) في (ج): وهو.
(٣) في (ب) و(ش): يكن.
(٤) في (ب): للمجتهدين.
(٥) ساقطة من (ش).
(٦) في (ب): والأقوى.
(٧) في (ش): ومما، وهو خطأ.
(٨) " نص عليه " ساقطة من (ج).
[ ٣ / ٤٠١ ]
أحدهما: لله تعالى، وهو طلب الإصابة للحق لا سوى.
وثانيهما: مطلوب المجتهد، وهو إصابةُ عين ذلك الحق المشروع المطلوب، كالكعبة به في تحري القبلة، والخطأ الذي يطلق على المجتهد، بل على المعصوم هو الخطأ الذي نقيضه (١) الإصابة كخطأ الرامي للكافر مع أيه مصيب لمراد الله تعالى في رميه متعين الخطأ الذي نقيضه الصواب كفعل المحرمات.
فأما القول بأنه لا مطلوب متعين، فمحال، لأن الطلب يفتقر إلى مطلوبٍ سابقٍ للطلب يتعلق به الظن، كالكعبة في تحرِّي القبلة، وهذا التلخيصُ مما ألهم الله سبحانه إليه، ولم أقف عليه لأحدٍ من العلماء، ولا عرضتُه على من عرف معارضاتهم (٢) في هذه المسألة إلاَّ استجاده لتقريره لأدلَّة الفريقين، ورفعه لِمَا أورد بعضهم على بعض من الإشكالات الصعبة، ولله الحمد والمنة.
ثم إني وقفت عليه بعد مده طويلة اختيارًا للعلاَّمة محمد بن جرير الطبري، رواه عنه ابن بطال (٣) في أواخر شرح " صحيح البخاري " أظنه في الكلام على مُحاجَّة آدم وموسى في أبواب القدر، فعرفت ما كنت
_________________
(١) في (ج) و(ش): " تقتضيه "، وهو خطأ.
(٢) في (ش): معارضتهم.
(٣) هو العلامة أبو الحسن عليُّ بن خلف بن بطال البكري القرطبي، ثم البلنسي، ويعرف بابن اللجام نسبة إلى عمل اللجم. قال ابن بشكوال: كان من أهل العلم والمعرفة والفهم، مليحَ الخط، حسن الضبط، عُني بالحديث العناية التامة، وأتقن ما قيد منه، وشرح " صحيح البخاري " في عدة أسفار، رواه الناس عنه، واستُقضي بحصن لورقة، وحدَّث عنه جماعة من العلماء، توفي في صفر سنة تسع وأربعين وأربع مئة. مترجم في " السير " ١٨/ ٤٧. =
[ ٣ / ٤٠٢ ]
أظنه من أنَّ مثل ذلك في وضوحه لا يخلو من قائل يقول به.
وأما القول بأنَّ بعض الخطأ في الظنون يُعفي عنه، كالخطأ في فروع الإسلام، وبعضها لا يعفى عنه، كالخطأ في مخالفة الإسلام، فلذلك متعلق آخر، ودليل يرجع إلى السمع، وله من النظر وجهٌ واضحٌ، وهو أن العمل بالظن حَسَنٌ عقلًا، ما لم يعارض العلم بل لم يعارض ما رجحانه عليه كلمةُ إجماع، أو بيِّن (١) مكشوف القناع، وكلُّ ذلك مما ليس فيه نزاعٌ، ولا يجهلُه أحدٌ من الرعاع (٢)، فَمَنْ عَلم الله أنه عاند الحق المعلوم أو المظنون، فهو الذي يستحقُّ العقوبة، وإن ظن بعد عناده أنه مُحِقٌّ، ثم الذين عاندوا منهم من أعلمنا الله تعالى بأنه علم عناده كالكفرة، فيقطع بذلك، ومنهم من لم يُعلمنا سبحانه بذلك في حقِّهم (٣)، مثل المبتدعة من المسلمين، وكل أمرهم إلى الله تعالى، وستأتي الإشارة إلى أنه لا سبيل إلى تعجيل يوم الفصل قبل يوم القيامة، وأنه لا يُخرجُ اللجاج من أدمغة أهل المِراء إلاَّ الحديد الذي أنزل الله تعالى مع القرآن، بل حكى سبحانه في محكم كتابه عن المعاندين إصرارهم على العناد يوم القيامة بما لا يُمْكِنُ تأويله، وذلك قولهم لجوارحهم حين أنطقها الله تعالى: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْء﴾ [فصلت: ٢١]، فبان بما ذكرنا هنا مع ما تقدم عند ذكر الظنون وحسن العمل بها، والجواب عن من يردُّ على ذلك: أنَّ عامة المسلمين على سبيل هذا،
_________________
(١) = قلت: وشرحُه للصحيح لما يُطبع، وانظر التعريف بنسخه الخطية الموجودة في المكتبات العامة في " تاريخ التراث العربي " ١/ ٢٢٩ لسزكين.
(٢) في (ج): " تبيين " وهو خطأ.
(٣) من قوله: " بل لم يعارض " إلى هنا ساقط من (ش).
(٤) في (ش): في جمعهم.
[ ٣ / ٤٠٣ ]
اعتراض صاحب الرسالة المردودة بدعوى مخالفة إجماع أهل البيت، وجوابنا عليه
والحمد لله رب العالمين.
وقد اعترض صاحب هذه الرسالة المردودة بهذا الجواب على هذه (١) الطائفة من أهل السنة في تركهم للخوض في الكلام بأمورٍ ذكرها في رسالة أخرى، فمنها دعوى (٢) مخالفة إجماع (٣) أهل البيت ﵈.
والجواب عليه: أنه (٤) إمَّا أنْ يدَّعي إجماع القُدماء من أهل البيت ﵈ أو المتأخرين، وكلاهما ممنوع أمَّا القدماءُ (٥) فقد وردت عنهم النصوص الكثيرة بمذهب (٦) أهل الحديث، وصنف في ذلك محمد ابن منصور الكوفي كتابه المعروف بكتاب " الجملة والألفة " كما تقدم، وسيأتي.
ورواه نصًا (٧) من كلام عبد الله بن موسى، والقاسم ﵈، وغيرهما من أئمَّة العترة الطاهرة ﵈، وسائر علماء الإسلام، وسيأتي من ذلك طَرَفٌ صالح في مسألة القرآن، وذلك موجود في كتب أهل البيت ﵈ عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇ في وصيته لولده الحسن ﵇، ومن لم يثبت عنه في ذلك (٨) قولٌ، فعمله (٩) بمقتضى مذهبِ أهل الحديثِ، وكيف يصحُّ له
_________________
(١) ساقطة من (ش).
(٢) في (ش): " دعواه "، وهي ساقطة من (ج).
(٣) ساقطة من (ش).
(٤) " أنه " ساقطة من (ج).
(٥) " أما القدماء " ساقطة من (ب).
(٦) في (ب): لمذاهب.
(٧) في (ج) و(ش): أيضًا.
(٨) " في ذلك " ساقطة من (ش).
(٩) في (ب): فعلمه.
[ ٣ / ٤٠٤ ]
القطعُ بذلك، وهذه نصوصُ أمير المؤمنين علي ﵇ وأفعاله في تقرير العامة تدلُّ على ما ذكرناه كما جاء مسندًا من رواية السيد أبي طالب ﵇ في " أماليه "، ومرسلًا من رواية صاحب " نهج البلاغة "، وذلك قوله ﵇: فعليك أيُّها السائل بما دلَّ عليه القرآن من صفته، وتقدَّمك فيه الرسل (١) بينك وبينَ معرفته إلى قوله في صفة الراسخين: اعلم أيَّها السائِلُ أنَّ الراسخين في العلم هم الذين أغناهم عن الاقتحام على السُّدد المضروبة دون الغيوب الإقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب، فقالوا: آمنَّا به كُلٌّ من عند ربنا، فمدح اللهُ اعترافهم بالعجز عن تناولِ ما لم يُحِيطُوا به علمًا، وسمَّى تركهمُ التَّعمُّق فيما لم يُكلِّفهُم منهم رسوخًا، فاقتصر على ذلك (٢). انتهى كلامه ﵇.
وأصرحُ منه قوله في وصيته لولده الحسن ﵉، وهي مستكملة في النُّسخ الصحيحة من " النهج " كما شرحها ابن أبي الحديد بكمالها، لم يُسقِطْ منها شيئًا (٣)، وفي بعض نُسخ الشرح سقوط أشياء منها يسيرة، وفي " أمالي " السيد أبي طالب عن السيد أبي العباس ﵉ قطعةٌ وافرةٌ منها، وإشارة إلى روايات لم يورداها بذلك الإسناد.
وقد شرح ابن أبي الحديد هذا القدر الذي نقلتُه، ولم يطعن في ثُبوته مع مخالفته لمذهبه، وركُوبه العناد في تأويله، وهو قوله ﵇: ورأيت حين (٤) عناني من أمرك ما يعني الوالد الشفيق، وأجمعت عليه من أدبك أن
_________________
(١) ساقطة من (ب).
(٢) " شرح نهج البلاغة " ٦/ ٤٠٣ - ٤٠٧.
(٣) في (ش): شيء.
(٤) في " شرح النهج " ١٦/ ٦٧: حيث.
[ ٣ / ٤٠٥ ]
يكون ذلك وأنت مُقْبلُ العمر مُقتَبَل (١) الدَّهر، ذو نيّةٍ سليمةٍ، ونفسٍ صافيةٍ، وأن أبتدئك بتعلم كتاب الله ﷿، وتأويله، وشرائع الإسلام وأحكامِه، وحلاله وحرامه، لا أُجاوِزُ ذلك بك إلى غيره، ثم أشفقت أن (٢) يلتبس عليك ما اختلف النَّاس فيه من أهوائهم وآرائهم مثل الذي التبس عليهم، فكان إحكام (٣) ذلك على ما كَرِهتُ من تنبيهك له أحبَّ إليَّ من إسلامك إلى أمرٍ لا آمنُ عليك فيه الهَلَكَةَ، ورجوت أن يوفقك الله فيه لرُشدك، وأن يهديك لقصدك، واعلم يا بني أن أحب ما أنت آخذٌ به [إلي] من وصيَّتي تقوى الله، والاقتصار على ما فرضه الله عليك، والأخذ بما مضى عليه الأوَّلون من آبائك والصالحون (٤) من أهل بيتك، فإنهم لم يُدعُوا أن ينظروا (٥) لأنفسهم كما أنت ناظرٌ، وفكروا كما أنت مُفكِّرٌ، ثم ردهم آخر ذلك إلى الأخذ بما عرفوا، والإمساك عمَّا لم يكلفوا، وإن أبت نفسك (٦) أن تقبل ذلك دون أن تعلم كما علموا، فليكن طلبك ذلك بتفهم وتعلُّمٍ، لا بتورط الشبهات، وغُلُوِّ الخصومات إلى آخر ما ذكره ﵇ في هذا المعنى وتأوَّله ابن أبي الحديد بما يستحيى من ذكره من أن ذلك لعلم عليٍّ ﵇ بقصور الحسن ﵇ عن درك هذا
_________________
(١) في " القاموس " و" شرحه ": واقتَبَلَ أمره: استأنَفَهُ، ومنه رجلٌ مقتبل الشباب -بفتح الباء-: لم يظهر فيه أثر كبرٍ، كأنه يستأنفُ الشباب كلٍّ ساعة، وهو مجاز، قال أبو كبير الهذلي: ولرُبِّ من طأطأته بحفيرةٍ كالرُّمح مُقتبَل الشبابِ مُحَبر
(٢) في (ش): عليك أن.
(٣) في (ش): " وكانوا حكام "، وهو خطأ.
(٤) في (أ): الصالحين.
(٥) في " شرح النهج " ١٦/ ٧٠: نظروا.
(٦) في (ش): وإن أبيت.
[ ٣ / ٤٠٦ ]
العلم. فكفى شاهدًا ببطلان هذه البدعة ما أدَّت إليه من تفضيل شرِّ القرون على ريحانة سيِّد البشر، وعلى سيدي شباب أهل الجنة شَبِير وشَبَّر (١)، وكونها لا تصِحُّ إلا مع (٢) تعسُّف التَّأويلات الباردة (٣) لكتاب الله ﷿، ثم لسنَّة رسول الله - ﷺ -، ثم لِظواهر أحوال السلف، وأفعالهم، وتقريراتهم، ثم لنصوص الأئمة من أهل بيت رسول الله (٤). وكيف يظن بأمير المؤمنين أنه يجعل وصيته لولده الذي تخوَّف عليه الشبهات، ونصيحته التي يُخلِّفها له ولمن بعده بعد الممات من أغمض المتشابهات، وأدقِّ الشبهات، هيهات هيهات، لولا دفعُ الضرورات، وابتغاءُ الفتنة بالتَّأويلات كما هو شعارُ (٥) الذين في قلوبهم زيغٌ بنصِّ أمِّ الآيات المُحكَمات.
وأمّا المتأخرون منهم، فقد ذكر (٦) المنصورُ بالله ﵇ في " المجموع المنصوري ": أنّه لا يمكن معرفة اجتماعهم كما سيأتي لفظه في ذلك، واحتجاجه، وهذا هو اختيار الإمام يحيى بن حمزة، والرازي والمحققين، وهو الذي تقومُ عليه الأدلة الوجدانية.
وقد ذكر ابنُ حزم في " جمهرة النسب " في أنساب الطَّالبية،
_________________
(١) أخرج الطبراني في " الكبير " (٢٧٧٧) من طريق محمد بن عبد الله الحضرمي، عن عبد الله بن عمر بن أبان، عن يحيى بن عيسى التميمي، حدثنا الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، قال علي: كنت رجلًا أُحبُّ الحرب، فلما ولد الحسن، هممت أن أسميه حربًا، فسماه رسول الله - ﷺ - الحسن، فلما وُلد الحسينُ، هممت أن اسميهُ حَربًا، فسماه الحسين، وقال: " إنني سميتُ ابنيّ هذين باسمِ ابني هارون شبر وشبير ".
(٢) في (ش): معها.
(٣) في (ش): النادرة.
(٤) من " ثم لظواهر " إلى هنا ساقط من (ش).
(٥) من قوله: " وأدق الشبهات " إلى هنا ساقط من (ب).
(٦) في (ش): نص.
[ ٣ / ٤٠٧ ]
وغيرُ ابنِ حزم من النَّسابين ما يعلَمُ العارِفُ به صدق قولِ المنصور ﵇، ومن قال بقوله.
ولنذكر هنا طرفًا يسيرًا من ذلك على جهة التنبيه على ما عداه، فنقول: ذكر ابنُ حزم في " جمهرته " (١) من دُعاة أهل البيت، وساداتهم، ومحدِّثيهم خلقًا كثيرًا، وأشار إلى ما لا يُحصى من ذُرِّياتهم، وجملة من سمَّى من دعاتهم الذين لا يُعرفُون في بلادنا، وعندَ علمائنا قَدْر خمسةٍ وعشرين داعيًا أكثرهم في الغرب، وذكر أنه لهم في اليمامة دار مُلكٍ (٢)، وأنهم فيها داع (٣) بعد داع غير هؤلاء الخمسة والعشرين (٤)، وذكر (٥) من سادتهم الذين لم يدعوا جعفر بن عبيد (٦) الله بن الحسين بن علي بن الحسين (٧) كانت (٨) له شيعة يُسمُّونه (٩) حجة الله، وسيأتي ذلك مبسوطًا عند ذكر (١٠) ردِّ دعوى الإجماع على تكفير أهل الأثر الذين يؤمنون بالجُمل، ولا يتكلمون في تأويل القرآن، ودع عنك كلام ابن حزم، فإن السيد العلامة أبو عبد الله الحسني ذكر في كتابه " الجامع الكافي " (١١) على مذهب (١٢) الزيدية عن محمد بن منصور، والحسن بن يحيى بن الحسين
_________________
(١) ص ٣٧ - ٦٥.
(٢) في (ب): مملكة.
(٣) في (ش): وأن لهم فيها داعيًا.
(٤) في (ش): " والعشرون "، وهو خطأ.
(٥) في (ش): وذلك، وهو خطأ.
(٦) في (أ): عبد.
(٧) " ابن علي بن الحسين " ساقطة من (ب).
(٨) في (ج): كان.
(٩) في (أ): تسمى به، وهو تحريف.
(١٠) " ذكر " ساقطة من (ش).
(١١) " الكافي " ساقطة من (أ).
(١٢) في (ب): في مذاهب، وفي (ج): في مذهب.
[ ٣ / ٤٠٨ ]
ابن زيد بن علي ﵈، وأحمد بن عيسى، وكثير من قدماء العترة مثل مذاهبِ أهل السنة كما مضى بعضُه ويأتي بعضه، وذكر الحسن بن يحيى في الفُروع كلها ولا يعرفه أهل الديار اليمنية الآن (١) ولا يروون (٢) مذاهبه (٣).
وقد أشار جماعة جلة من أهل البيت ﵈ إلى الاقتصار على الجُمَل في العقائد، ومنعوا من التعمق في علم الكلام، والخوض فيه، وصنف في ذلك محمد بن منصور كما تقدم، وصرَّحوا بتضليل المعتزلة والجبرية، والغُلاة، والروافض، والنواصب، وأمثالهم، وصنَّفوا في ذلك الكُتُب، وقالوا فيه الأشعار والنُّخَبَ (٤)، فمن ذلك قولُ السيد الإمام (٥) يحيى بن منصور بن العفيف (٦) بن مُفَضَّل ﵀ في ذكر المعتزلة:
ويرون ذلك مذهبًا مُستعظمًا عن طول أنظارٍ وحُسنِ تفكُّر
ونسُوا غنا الإسلام قبل حدوثهم عن كل قولٍ حادث مُتأخِّرِ
ما ظنُّهم بالمصطفى في تركه ما استنبطوه ونهيه المُتكرِّر
أعلى صوابٍ أمْ على خطأٍ مضى فَمَنِ المُصِيبُ سوى البشير المنذر؟
أيكُونُ في دين النَّبيِّ وصحبه نقصٌ، فكيف به ولمَّا يشعرِ؟
_________________
(١) ساقطة من (أ) و(ب).
(٢) في (ب): يرون، وهو تحريف.
(٣) هنا بياض في جميع الأصول قدر كلمتين، وذكر في هامش (ش) أنه بياض في الأم. ولا يوجد هذا البياض في نسخة (د).
(٤) في (ب): النجب.
(٥) ساقطة من (ش).
(٦) " بن العفيف " ساقطة من (ب)، و" ابن العفيف بن المفضل " ساقطة من (ج).
[ ٣ / ٤٠٩ ]
أوليس كان المصطفى بتمامه وبيانه أولى، فَلِمْ لم يُخبرِ؟
ما بالُهُ حتى السواك أبانه وقواعد الإسلام لم تتقرَّرِ
إن كان رب العرش أكمل دينه فاعجب لمبْطِنِ قوله والمظهر
أو كان في إجمال أحمدَ غُنْيَةٌ فدع التكلف للزيادة واقصِرِ
ما كان أحمدُ بَعدَ منعٍ كاتمًا لهدايةٍ كلا وربِّ المِشْعرِ
بل كان ينكر كلَّ قولٍ حادثٍ حتى الممات فلا تشك وتمتري
وكذا القرابة والصحابة بعده ما بين راوٍ ضابطٍ ومُفسرِ
أو بين هادٍ للأنام بعلمه أو مُوردٍ لغريبة أو مُصدِر
كخليفة المختار وارث علمه رب العلوم أبي شبير وشبّر
ما كان منهم من يرى بتعمقٍ كلا، ولا نقلوه عنه فَقَصِّر
بل جاء عنه وعنهم مُتواترًا حظرُ التعمق والغُلُوِّ لمُبْصر
عن خبرةٍ وبصيرةٍ وتيقنٍ لا عن قُنُوعٍ قاصرٍ وتَعَذُّر
لكن تأسٍّ منهم بمحمد وتدبُّر للذكر أيّ تدبُّر
فالزم بعُروة دينهم مُتمسِّكًا فلقد هُديتَ إلى سبيلٍ نيِّر
لا يخدعنَّك زُخرفٌ وتصورٌ شتَّان بين تيقُّن وتصوُّر
إنَّ الخلاف بكلِّ فنٍّ مُمكنٌ إلا الأصول فإنه لم يُؤثَر
فدع الخلاف إلى الوفاقِ تورُّعًا فطريقة الإجماع غير مُنكَّرِ
كم بين مُعتمدٍ لقولٍ ظاهرٍ ومقالِ حقٍّ واضح لم يُنكَر
ومجاوزٍ حدَّ الوفاق مُخَاطِرٍ قد صار بين مُفسِّقٍ ومُكفِّر
من خارجٍ أو مُرجىءٍ أو رافضٍ أو ذي اعتزالٍ مُبدِعٍ أو مُجبِر
أو غير ذلك من مذاهبَ جَمَّةٍ حدثت ودينُ مُحمَّد منها بَرِي
يكفيك من جهة العقيدة مُسلم ومن الإضافة أحمديٌّ حيدَري (١)
_________________
(١) أنشدها المؤلف بتمامها في " ترجيح أساليب القرآن " ص ٢٩ - ٣٠.
[ ٣ / ٤١٠ ]
وهذا السيد هو يحيى بنُ منصور بنِ العفيف بن مفضّل كان عالمًا فاضلًا، مُبرِّزًا في الكلام، صنف فيه قدر أربعين مُصنَّفًا، والظاهر أنها كلها مختصرات، والمشهور (١) منها " جمل الإسلام " (٢)، وكان شديدًا على غُلاة المتكلمين، وسائر المبتدعين، رحمه الله تعالى. ومن شعره أيضًا:
يا طالب الحقِّ إنَّ الحق في الجُمَلِ وفي الوُقُوفِ عن الإفراط والزَّلَلِ
هي النَّجاةُ فلا تطلُب بها بدلًا بذا أتاك حديثُ السادةِ الأُوَلِ (٣)
وقال السيد الإمام حُميدان بن يحيى [بن] القاسم (٤) ﵀، مع أن في كلامه ما لا أذهبُ إليه من التُّهمة بقصد العناد:
زال (٥) أهل التفعيل والانفعال وأُدِيلَ التطريفُ بالاعتزال
حرَّفُوا مُحكَمَ النُّصُوصِ، فصارُوا قُدوةً في التلبيس والإضلال
ولهُم في التَّوحيد أقوالُ زورٍ مُزرِيَات في الزُّور بالأقوال (٦)
رانقاتٍ بالمَينِ كُلَّ محيل (٧) فائقات في النُّكرِ كُلَّ مُحَالِ
_________________
(١) في (أ): والمشهورة.
(٢) اسمه الكامل: "جُمل الإسلام وأصولُ دين محمد عليه أفضل الصلاة والسلام" منه نسخة ضمن مجموع ١٦٨ من ١٠٧ - ١١٣ بخط إبراهيم بن سعد بن فيصل بتاريخ ١٠٣٥ هـ. "فهرس مخطوطات المكتبة الغربية بالجامع الكبير بصنعاء" ص ٧٨٩. وله كتاب آخر في المجموع نفسه، اسمه " نهاية العقول الكاشفة لمعاني الجمل والأصول " من ١١٥ - ١٣٦.
(٣) أنشدهما المؤلف أيضًا في " ترجيح أساليب القرآن " ص ٣٠.
(٤) في (أ) و(ب): القاسمي.
(٥) في (ش): " زوال "، وهو خطأ.
(٦) في (ش): والانفعال.
(٧) في (ش): محل، وهو خطأ.
[ ٣ / ٤١١ ]
شاهداتٍ لمفرغ (١) الوهم فيها باعتداء المحدود والإيغالِ (٢)
أصَّلُوا للقياس أصل اصطلاحٍ جلَّ عن أصل صُلحهم ذُو (٣) الجلالِ
لَقَّبُوا الجسم بالذَّواتِ ليقضُوا باشتراكٍ في حالةٍ وانفصالِ
وادَّعوا أنَّ للمُهيمن ذاتًا شاركت، ثمَّ فارقت في خِلالِ
ثم قاسوا ما فرَّعُوهُ وخاضُوا في شُرُوح لهُم عراضٍ طِوال
باختراصٍ في قولهم وابتداعٍ وبظنٍّ في زعمهم وانتحالِ
واحتيالٍ في فرقهم للمعاني بيِّنٍ ليسَ فيه فرقٌ بحالِ
نحو ما قد جمعتُ منها مثالًا ها هنا فاستمع لضرب المثال
أزلي ثبوته وقديم ووجود ما إن له من زوالِ
وكذا الفرقُ بين أمرٍ وشيءٍ واشتراكِ الذوات والأمثالِ
ومزيدٍ على الذوات وغير واقتضاء الأحكام والإعلالِ
أي فرقٍ ما بين اثنين منها في صحيحِ الذَّكا وفرطِ المقالِ
ليس إن قيل ثابتٌ أزليٌّ هُو إلا لربنا المُتعالي
مثل من قال: لم يزل كلُّ (٤) شيءٍ ذا ذواتٍ ثوابتِ الأحوالِ
ما أتى في التكليف قولٌ بهذا في مقالٍ يُروى ولا في فعال
بل أتى الأمرُ بالتَّفكُّر في الصُّنـ ـعِ وتَركِ اتِّباع رأي الرِّجَالِ
غير من كان مُصطفي ذا اعتصامٍ أو حكيمًا في قولِهِ غيرَ غالي
إلى آخر ما ذكره ﵀.
وقال أيضًا في أُرجوزته المشهورة التي سمَّاها الإمامُ المتوكِّلُ المطهر
_________________
(١) في (ب): لمفرع، وفي (ج): لمفزع.
(٢) تحرفت في (ش) إلى: " يا عبد المحدود والانفعال ".
(٣) في (ب): " ذي "، وهو خطأ.
(٤) في (ج): لكل.
[ ٣ / ٤١٢ ]
ابن يحيى ﵇ " المُزَلزِلَة لأعضادِ المعتزلة "، قال في أوَّلها:
إنَّ الشيوخ المفترين في الدُّول والمُوهمين أنَّهم فوضَى هَمَلْ
ما دينُهُم أكثرُهُ إلا حِيَلْ (١) وشاهِدُ النِّيات (٢) في صِدْقِ العمل
فعالمٌ ضلَّ وأغوى من أضل وراهبٌ للسُّحتِ بالصدِّ أكَلْ
وكُلُّهُم برفضِهِم نالُوا الأمَلْ من لم يكُن مُحاربًا منهُم خَذَل
وشرُّهُمْ مكيدةً من اعتَزَل وحرَّف الحقَّ وسمَّاه جَدَل
وخاض في العلم برأيٍ مُغرِقِ مُجاوِزٍ لحدِّهِ مُدَقِّقِ
مُغَلغِلٍ (٣) في لُجَّةِ التَّعمُّق وتابعٍ لأهلِ علمِ المنطق
في وصفه للعلم بالتعلُّق (٤) بثابتٍ من قَبْلِ أن لم يُخْلَقِ
وفي اشتراكِ مُبدِعٍ مُلَفِّقِ في اللفظِ بالذَّات ووصفٍ مُطلقِ
ليُثبتَ التَّجنيسَ للمُحقِّق والفَصْل بالتَّنويعِ للمُفَرِّقِ (٥)
وكي يقِيسَ ربَّهُ بشاهِدِ من يقرن الذَّات إلى الزَّوائد
ويُوهم التَّفريق بالفوائدِ معوِّلٌ على قياسٍ فاسدِ
لبعض أوصاف القديمِ الواحد سُبحانهُ عن فِريَةِ المُنادِدِ (٦)
وعن قياس كُلِّ غاوٍ عانِدِ ينظُرُ في الصَّانع كالمُشَاهَدِ
وليس في قياسه بواحد إلا لمجبولٍ (٧) على التَّزايُدِ
وما الذي ألجاهُمُ إلى الخَطَرْ والخوضِ في علمِ الغُيُوبِ بالنَّظَرْ
_________________
(١) في (ش): " الأجل "، وهو خطأ.
(٢) في (ج) الثبات.
(٣) في (ش): فعلل، وهو تحريف.
(٤) في (ب): بالتغلق.
(٥) في (ش): للملفق.
(٦) في (ب): المتادد، وهو تصحيف.
(٧) في (ش): المجبول.
[ ٣ / ٤١٣ ]
وما يقال فيه للمخطي: كَفَرْ وفي النبيِّ أُسوةٌ ومُعتبرْ
وقدوةٌ محمودةٌ لمن شَكَرْ ولم يُخالف بالوُهُومِ (١) والفِكَر
فإنَّهُ للفكرِ (٢) في الله حَظَرْ وفي عجيب الصُّنْعِ بالفكر أمَر
فمن يكونُ بعدهُ مِنَ البَشَرْ أدرى بمَا يأتي به وما يَذَرْ
ليس الإلهُ الواحدُ القُدُّوسُ كما يظُنُّه الذي يقيس
من وصفُه التشريكُ والتَّجنيسُ بل قولُهُم مشاركٌ تلبيسُ
إذ كُلُّ فِكرٍ دُونَه محبُوسُ وكلُّ ما تَخَالُهُ النفوسُ
فمُدركٌ مُكيَّفٌ محسوسُ فاحذر شُيُوخًا علمُها تلبيسُ
وهمُّها (٣) التَّدقيق والتدلِيسُ قد حازَها دون الهُدى إبليسُ
ما الفرقُ بينَ مُقتضٍ وعِلَّهْ وزائدٍ وكثرةٍ وقلَّه
إلاَّ اصطلاحُ سادةٍ مُضلهْ قد سلكوا في طُرُقٍ مُزِلَّهْ
فاقنَعْ بنِحْلَةِ النبيِّ نِحلَه قُنُوعَ ذي دينٍ مُسلِّمٍ له
فالمُصطفي من أهلِ كلِ مِلَّه أعلمُ بالمَدلُول والأدِلَّه
وبالفُرُوضِ الواجباتِ لله والشيخُ أدْنَى أن يَكُونَ مِثْلَهْ
إلى آخر ما ذكره في الأرجوزة، وله ﵀ رسائل كثيرة في مجلد محتوٍ من الحثِّ على ترك التعمق في الكلام والبدع في الإسلام على ما لا مزيد عليه، وفي " مجموعه " هذا تقرير أئمة أهل البيت وساداتهم ﵈ لما ذكره، وتقريره على أن ما ذكره هو (٤) مذهبُ أهلهم، ومِمَّن
_________________
(١) في (ش): بالوهم، وهو خطأ.
(٢) في (ج): للكفر، وهو تحريف.
(٣) في (ش): ووهمها.
(٤) ساقطة من (ش).
[ ٣ / ٤١٤ ]
روى ذلك عنه: الإمامُ المهدي الشهيد أحمد بن الحسين القاسمي، والإمام المتوكل المطهَّر بن يحيى ﵉، وقرر ذلك بعدهم السيد الإمام العلامة محمد بن يحيى القاسمي، وصنف كتابًا معروفًا، وكتب الإمام المهدي محمد بن المطهر بن يحيى على كتاب السيد محمد بن يحيى القاسمي أنه معتقدُهُ إلاَّ الجوهر، فإنَّ له فيه نظرًا (١).
ومما قاله في ذلك (٢) جدي المرتضى بن المفضل (٣) رحمه الله تعالى:
دعْ عنك ذِكرَ بُثينةٍ وجميلِ وحديث كلِّ خليلةٍ وخليلِ
واتلُ الكتابَ وكُنْ لهُ متدبِّرًا يا حبَّذا من قائِلٍ ومقُولِ
هُو شافعٌ ومُشفَّعٌ ومُصدَّقٌ ومُنزَّهٌ حقًا من التَّبديل
وهو الشفاء لكلِّ داءٍ مُعضِل (٤) نَطَقَ النبيُّ بذاك عن جبريل
فالزم بعُروتهِ ومُتَّ بحَبلِهِ فلقدْ نجوتَ وحُزتَ خيرَ سبيل
وعليكَ من بعدِ الكتابِ بعترةٍ تنجُو من الآثام والتضليل
لا يخدعنَّك كلُّ قولٍ حادثٍ قد نمَّقته الناسُ بالتعليل
وتكلَّفُوا ما لم يكونوا كُلِّفُوا لا في الحديث ومُحكَمِ التنزيل
وصفُوا الإلهَ بكلِّ وصفٍ زائدٍ يُنبي عن التَّكثيرِ والتَّقليلِ
جعلُوه من جنسِ الذواتِ وَخَالفُوا (٥) مِنْ بعْدِ ما وَصَفُوهُ بالتَّمثيلِ
زعمُوا بأن الوصفَ لا شيءٌ ولا لا شيء هذا قولُ كلِّ مُحيلِ
_________________
(١) في الأصول غير (ج): نظر.
(٢) " في ذلك " ساقطة من (ج).
(٣) " بن المفضل " ساقطة من (أ) و(ش).
(٤) في (ش): معطل، وهو تحريف.
(٥) في (ش): فخالفوا.
[ ٣ / ٤١٥ ]
ولهُم من الأقوالِ كَمْ مِنْ بدعَةٍ في الوعدِ والتوحيدِ والتعديلِ
مالُوا عن الحقِّ القويمِ وما لهُم سَبَبٌ سِوَى الإبدَاعِ في التَّفصيلِ
تَبِعُوا (١) الشيوخَ فلم يَرَوا أنَّ الذي قالُوه إلاَّ غاية التَّحصيلِ
من لم يكُن آلَ النبيِّ هُداتُهُ لم يأتِ فيما قالهُ بدليلِ
بل شُبهةٌ وتظنُّنٌ وتوهُّمٌ وتحيُّرٌ في الغّيِّ والتعطيل
فاحذر تَحِيدُ عن الصراط، فإنه نهجُ الأئمةِ جاء في التأويل
هم بابُ حطةَ للأنامِ وسُفْنُهَا ونجاتُها من مُؤلِم التنكيل
وإذا أردتَ سلامةَ الأصلِ الذي هُو دينُهُمْ فَعَليْك بالتِّجمِيلِ
فهُو الذى كان النَّبيُّ يَدِينُهُ مِنْ دُونِ بدعَتِهِم وكُلُّ رسُولِ (٢)
وتابعهم على هذا السيد الإمام الواثق المطهر بن محمد بن المطهر، وقال في ذلك قصيدته البليغة التي أولها:
لا يَستَزِلَّكَ أقوامٌ بأقوالِ مُلفَّقَاتٍ حريَّاتٍ بإبطالِ
لا ترتضي (٣) غيرَ آل المُصطفي وزرًا فالآلُ حقٌّ وغيرُ الآلِ كالآلِ (٤)
فآيةُ الوُدِّ والتطهيرِ أُنْزِلَتَا (٥) فيهم كَمَا قد رُوي مِنْ غيرِ إشكالِ
و" هل أتى " (٦) قد أتى فيهِم فما لهُمُ من الخلائق من ندٍّ وأشكالِ
_________________
(١) في (ج): " منعوا "، وهو خطأ.
(٢) في (ب) و(ج) بعد هذا البيت صدر بيت، وهو قوله: صلى عليهم ذو الجلال وآلهم
(٣) في (ش): ترضى.
(٤) كالآل: أي: كالسراب.
(٥) في (ش): أنزلها.
(٦) قال القرطبي في " أحكام القرآن " ١٩/ ١٣٠ - ١٣١: قد ذكر النقاشُ، والثعلبي، والقشيري وغير واحد من المفسرين في قصة علي، وفاطمة، وجاريتهما حديثًا لا يصح، ولا يثبت. ثم أورده بطوله. =
[ ٣ / ٤١٦ ]
وهُم سفينةُ نُوحٍ كُل (١) من حَمَلَتْ نَجَّته من أزلِ أهواءٍ (٢) وأهوالِ
والمصطفى قال: إنَّ العلمَ في عَقِبِي فاطلُبْهُ ثَمَّ وخلِّ الناصِبَ الغالي
لم يُثبتُوا صفةً للذَّاتِ زائدةً ولا قَضَوا باقتضا (٣) حالٍ لأحوال
ولا قَضَوْا بثباتِ الذَّات في أزلٍ وليس لله إلاَّ صنعةُ الحال
دانُوا بأنّ إله العرش دونَهَا بلا احتذاءٍ على حدٍّ وتمثالِ
ما كان يخطرُ هذا من ركَاكَتِهِ للمصطفي صفوةِ الباري على بالِ (٤)
ولا عليٍّ ولا ابنيه وزوجتِهِ فقولُهُم عن أباطيلِ الهُذا خالي
انظُر بإنسانِ عينِ الفكرِ في خُطبٍ لَهُمْ ومنثُورِ لفظٍ سلسلٍ حَالِ
قَدْ لحَّبُوا (٥) طُرُقًا للسَّالكينَ بِهَا وبيَّنُوها (٦) بتفصِيلٍ وإجْمَالِ
_________________
(١) = وقال الحافظ ابن حجر في " تخريج أحاديث الكشاف " ص ١٨٠: رواه الثعلبي من رواية القاسم بن بهرام، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن ابن عباس. قال الذهبي في " الميزان " ٣/ ٣٦٩: القاسم بن بهرام له عجائب، وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به بحال، وقال ابن حجر في " لسان الميزان " ٤/ ٤٥٩: وهو صاحب الحديث الطويل في نزول قوله تعالى: ﴿يُوفُون بالنذر﴾، وأورده الحكيم الترمذيُّ في " أصوله "، وقال: إنه مفتعل، وهو في تفسير الثعلبي. ومن رواية الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ وقال الحكيم الترمذي: هذا حديث مزوَّق مفتعلٌ لا يروجُ إلا على أحمق جاهلٍ. ورواه ابن الجوزي في " الموضوعات " ١/ ٣٧٠ - ٣٧١ من طريق أبي عبد الله السمرقندي، عن محمد بن كثير، عن الأصبغ بن نباتة مرسلًا. قال: مرض الحسن والحسين ثم قال: موضوع، أصبغُ لا يساوي شيئًا، والكوفي والسمرقندي ضعيفان.
(٢) في (ج): وكل.
(٣) في (ج): من نارٍ لأهواء.
(٤) في (ش): ما اقتضا.
(٥) في (ب): حال، وهو تحريف.
(٦) أي: وضحوا، يقال: طريق لاحِبٌ، ولَحْبٌ وملحوب، إذا كان واضحًا واسعًا، موطأً، منقادًا، لا ينقطع.
(٧) في (ش): ثبتوها.
[ ٣ / ٤١٧ ]
ثم سرد (١) أسماء الأئمة ﵈، راويًا عنهم الموافقة على إنكار هذه المذاهب المبتدعة، فذكر علي بن الحسين (٢)، وولديه الباقر (٣) و(٤) زيدًا (٥) وجعفرًا الصادق (٦)، والقاسم، وابنه (٧) محمدًا، وحفيده الهادي يحيى بن الحسين، وولديه أحمد الناصر، ومحمدًا المرتضى، والناصر الأُطروش، والقاسم بن علي، وأحمد بن سليمان، والمنصور بالله، وأحمد بن الحسين، والإمام الحسن بن محمد، والمطهر بن يحيى، ومحمد بن المطهر. نقلتُ ذلك من شرح هذه القصيدة المسمى " باللآلي الدُّرِّية في شرح الأبيات الفخرية " للسيد العلامة شيخ العترة ترجمان الموحدين محمد بن يحيى بن الحسن القاسمي (٨)، وقد طوَّل في شرحها، وبيَّن في
_________________
(١) في (ش): وذكر.
(٢) ابن الإمام علي بن أبي طالب السيد الإمام الثقة زين العابدين الهاشمي العلوي المدني المتوفى سنة ٩٤ هـ. مترجم في " السير " ٤/ ٣٨٦ - ٤٠١.
(٣) هو السيد الإمام أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي العلوي الفاطمي المدني المتوفى سنة ١١٤ هـ بالمدينة. مترجم في " السير " ٤/ ٤٠١ - ٤٠٩.
(٤) الواو ساقطة من (ش).
(٥) هو زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي العلوي المدني، أخو أبي جعفر الباقر، وعبد الله، وعمر، وعلي، وحسين، وأمه أم ولد، عاش نيفًا وأربعين سنة، واستشهد سنة ١٢٢ هـ. مترجم في " السير " ٥/ ٣٨٩ - ٣٩١.
(٦) هو أبو عبد الله جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي القرشي الهاشمي العلوي المدني، أحد الأعلام الثقات، وأمه: هي أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر التيمي، وأمها: هي أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، ولهذا كان يقول: ولدني أبو بكر مرتين، وكان يغضب من الرافضة، ويمقتهم إذا علم أنهم يتعرضون لجده أبي بكر ظاهرًا وباطنًا. وروى محمد بن فضيل، عن سالم بن أبي حفصة قال: سألت أبا جعفر، وابنه جعفرًا عن أبي بكر وعمر، فقالا: يا سالم تولَّهما، وابرأ من عدوِّهما، فإنهما كانا إمامي هدى، ثم قال جعفر: يا سالم، أيسب الرجل جده؟ أبو بكر جدي، لا نالتني شفاعةُ محمد - ﷺ - يومَ القيامة إن لم أكن أتولاهما، وأبرأ من عدوهما. وقد صحح إسناد هذا الخبر الإمام الذهبي في " تاريخ الإسلام " ٦/ ٤٦. توفي سنة ١٤٨ هـ. مترجم في " السير " ٦/ ٢٥٥ - ٢٧٠.
(٧) في (ش): وأخيه.
(٨) هو العلامة السيد محمد بن يحيى القاسمي الحسني المعروف بمؤمن آل القاسم =
[ ٣ / ٤١٨ ]
ذلك طرق الرواية عنهم ﵈، وأفاد وأجاد رحمه الله تعالى، وما زال علماء أهل البيت ﵈ على هذا (١) قديمًا وأخيرًا، ومن الشواهد لذلك أنه ليس لهم في علم الكلام مُصنَّف مبسوط (٢)، كتواليف المتكلمين الحافلة، إلاَّ ما صنفه بعضُ العجم (٣) منهم في ذلك متابعة لقاضي القضاة، وهو السيد مانكديم، وهو الكتاب الموجود في ديار الزيدية في اليمن المسمى " بشرح الأصول الخمسة " (٤)، ويدل على انفراده بذلك من بين سلفه: أنه لم ينقل عنهم فيه حرفًا واحدًا، وإنما نقل كلام (٥) شيوخ الاعتزال، ومذاهبهم، وأدلتهم، إلا أن يكون حكى مذهبهم وأدلتهم في فروع الكلام السمعية كالأسماء (٦)، والشفاعة، والإمامة.
وإذا كان هذا كلام أهل البيت من الزيدية والشيعة، فما ظنك بأهل
_________________
(١) = الرسي ﵇، أخذ عن السيد الحسن بن المهدي الهادوي، والإمام محمد بن المطهر، والقاضي أحمد بن الحسن بن محمد الرصاص، والفقيه علي بن شوكان، وجار الله الينبعي وغيرهم، وكان عاليًا كبيرًا، وأجل تلامذته السيد علي بن المرتضى بن المفضل، وولده إبراهم بن علي المرتضى، وغيرهم، وهو شارح الأبيات الفخرية، للإمام الواثق المطهر بن محمد بن المطهر بن يحيى التي أولها: لا يستزلك أقوامٌ بأقوالِ مُلفقاتٍ حَرِيَّاتٍ بإبطالِ وكان فراغ صاحب الترجمة من تأليف شرحها في ربيع الأول سنة ٧٧٩ بهجرة الظهراوين. " ملحق البدر الطالع " ص ٢٠٩.
(٢) في (ش): ذلك.
(٣) في (ش): مبسوطًا، وهو خطأ.
(٤) في (ش): الأعاجم.
(٥) في " فهرس المكتبة الغربية بجامع صنعاء " ص ١٧٨: " الأصول الخمسة " للسيد مانكديم أحمد بن أبي هاشم الحسني. والشرح عليه لعبد الجبار بن أحمد. ومانكديم: لفظ فارسي، معناه: وجه القمر.
(٦) ساقطة من (ش).
(٧) في (ش): كالأسماء والصفات.
[ ٣ / ٤١٩ ]
البيت من أهل الأثر، والفرق الأربع (١)، ويوضح ذلك تأليفهم المختصرات المشهورة في ذلك، واقتصارهم (٢) على الإجمال والإشارات، من أشهر ذلك ما أودعه محمد بن سليمان ﵀ في أول " المنتخب " على مذهب الهادي ﵇، فإنه سأله ﵇ عن ما يكفي في معرفة الله تعالى، ودليل ذلك، فأوجز له الكلام في مقدار عشرة أسطر.
وكذلك كلامات علي ﵇ في ذلك.
وللمؤيَّد بالله ﵇ في ذلك كتاب " التبصرة " مختصر جدًا، وله في آخر " الزيادات " تزهيدٌ في هذا الفنِّ كثيرٌ، وقد نقلته بألفاظه في كتابي " ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان "، وبسطتُ القول في هذا المعنى، فليراجع هنالك (٣) وبالله التوفيق.
وما أحسن كلام المنصور بالله ﵇ في الرد على من ادعى إجماع أهل البيت ﵈، حيث قال في " المجموع المنصوري ": وإن شئت أن ترجع إلى أهل البيت، فتشتتهم كان في أيام عبد الله بن الحسن، ولحاقِ إدريس بن عبد الله بالغرب، وبعضُهم بالمشرق، وتشتَّتوا تحت كُلِّ كوكب، وفيهم العلم ووراثة النُّبوة، وليس لكل منهم تصنيف مع علمه إلى آخر ما ذكره، وسيأتي كلامه ﵇ مستوفى في آخر هذا الفصل إن شاء الله تعالى.
وقد مرَّ في أول هذا الكتاب ذكر جماعة من علمائهم ممن ليس من (٤)
_________________
(١) في (ش) الرابع، وهو تحريف.
(٢) في (ش): فاقتصارهم، وهو خطأ.
(٣) انظر ص ٢٤.
(٤) في (ش): في.
[ ٣ / ٤٢٠ ]
الشيعة، ذكرتُه في المسألة الأولى (١) عند دعوى المعترض لخُلُوِّ العالَم من العلماء من بعد الإمام الشافعي ﵀، وبينت هناك (٢) قبح هذه الزَّلَّة، وما تؤدي إليه من تجهيل أئمة الإسلام، وفي ذكرهم إشارة إلى عدم صحة الطريق إلى دعوى إجماعهم في كثيرٍ من المواضع التي (٣) يُدعى ذلك فيها فيجبُ على المؤمن أن يُراعي قول الله سبحانه: ﴿ولا تقف ما ليس لك به عِلمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، فيما يرويه عن الأُمَّة والعِتْرةِ، كما يُراعي ذلك فيما يرويه من كلام الله تعالى، وكلام رُسُله ﵈.
وقد كان من الحسين بن القاسم مبالغة في تعظيم فن الكلام، وتصانيفه فيه، وتابَعَتْهُ على ذلك طائفة من ضُعفاء العقول (٤)، وأنكرت عليهم ذلك الزيديةُ، وجاهدوهم حتَّى أبادوهم، ولم يبق منهم -وللهِ الحمد- بقيةٌ.
وذكر بعضُ أئمةِ العترة -أظُنُّه المطهر بن يحيى ﵇- أنَّه اختلَّ عقلُ الحسين بن القاسم، وتَوَسْوَسَ، وهو المرجوُّ إن شاء الله تعالى.
فأمَّا أتباعُه من الغُلاة، فمرقُوا من (٥) الإسلام، وفضَّلُوا كلامه على كلام الله تعالى، وفضلوه على رسول الله - ﷺ -، ولم تكن شبهتُهم إلاَّ أنَّ علم الكلام -كما زعمت المعتزلة- هو أساس الإسلام، وأنه ليس في كتاب الله تعالى، وسنة رسول الله - ﷺ - ما يكفي من ذلك العلم، ويُجزِىء
_________________
(١) ساقطة من (ش). وانظر مكانه في ٢/ ١٠٤ - ١١٨.
(٢) في (ش): هنالك.
(٣) في (ش): الذي.
(٤) في (ب): القول.
(٥) في (ش): عن.
[ ٣ / ٤٢١ ]
الأمر الأول: أن القرآن معجز، والتفصيل في ذلك
عنه. ولا كلامَ أنَّ التوحيد وأدلَّتَه أساسُ الإسلام، هذه كلمةُ (١) إجماعٍ، ولكن البدعة في قول الحُسينيَّة ومن وافَقَهُم: إنَّه لم يَرِدْ في كتاب الله تعالى، وسنةِ رسول الله - ﷺ - من ذلك ما فيه غَناء وكفاية.
وقد كنتُ قلتُ أبياتًا في الحثِّ على استنباط الأدلَّة العقليَّة في التَّوحيد من كتاب الله تعالى، وذكرتُ أن ذلك يُغني عن الكلام، فعارضني بعضُ من يدَّعي علمَ الكلام (٢) العصريِّين، وكاد جوابُه يُلبسُ على كثيرٍ من (٣) الضعفاء، فنقضتُ جوابه نقضًا شافيًا، كشف الغِطاء عن بدعته، وأجمعتْ (٤) كلمةُ المعاصرين من المتكلمين (٥) على إنكار كلامه إلاَّ من لا ينظر (٦)، وقد رأيتُ أن أُورِدَ من ذلك ما أرجو أن ينفع اللهُ تعالى به، وأُنَبِّهَ على شيءٍ يسيرٍ ممَّا يحتاج إلى الشرح.
قلت في الابتداء:
أُصُولُ ديني كتابُ الله لا العَرَضُ وليسَ لي في أُصولٍ غَيره (٧) غَرَضُ
وأردتُ بهذا البيت معنيين:
أحدهما: أنَّ القرآن مُعجِزٌ، وكُلُّ معجزٍ (٨) لا يَقْدِرُ عليه أحدٌ مِنَ
_________________
(١) في (ش): هذا كله.
(٢) في (ش): " علمًا "، وكتب فوقها في (ب): " المهدي أحمد بن يحيى "، وفي حاشية (أ): " هو أحمد بن يحيى صاحب الأزهار ".
(٣) " كثير من " سقطت من (ش).
(٤) في (ش): اجتمعت.
(٥) في (ش): الموحدين المتكلمين.
(٦) في (ش): لا ينظر إليه.
(٧) في (ش): دونه.
(٨) " وكل معجز " سقطت من (ب).
[ ٣ / ٤٢٢ ]
البشر، فإنَّه يُعلم بدليلِ العقل أنَّه من عند الله تعالى، وذلك يقتضي صحَّة النبوة، وصدق رسول الله - ﷺ -، وصدقَ ما جاء به عن الله تعالى عَلى كُلِّ مذهب.
أما الأشعرية، فعندهم أن العلم بصدقه بعد المعجز ضرُوريٌّ، لا يحتاج إلى استدلال (١)، وأنَّ العلم بالإعجاز ضروريٌّ سواء كان من جنس مقدور العباد، أو مِن غير جنسه، والذي من جنسِ مقدورهم مِنْ قسمِ العاديات (٢) من الضروريات.
وكذلك طائفة من المعتزلة، وهم أهل المعارف الضرورية، ومن مذهبهم أن العلم بالله تعالى ضروري، ولكن فيهم طائفة يوجبون النظر، ويقولون: إنه شرط اعتيادي (٣)، بمعنى أن الله يخلق العلم الضروري عنده، لا به كما يخلق الإنسان عند قرار النطفتين في الرحم لا بذلك، وهو (٤) أقربُ إلى مذاهب (٥) أهلِ السُّنَّة، فإنهم يوجبون النظر فيما أمر الله تعالى بالنظر فيه من المعجزات والمصنوعات من غير ترتيب المقدمات على الأساليب (٦) المنطقيات، ويقولون: إن الله تعالى يهبُ لمن يشاء من عباده عقيبَ ذلك النظر (٧) من اليقين والمعرفة ما لا يُقْدَرُ قَدْرُه، ولا يُحْصَرُ حَدُّه، فأعلاه ما لا يَعْرِضُ معه الوسواسُ، وأدناه ما يَعْرِضُ (٨) معه الوسواسُ إلى
_________________
(١) في (ش): الاستدلال.
(٢) في (ب): العادات.
(٣) في (ب): اعتباري.
(٤) في (ش): هو.
(٥) في (ش): مذهب.
(٦) في (ش): أساليب.
(٧) " النظر " ساقطة من (ش).
(٨) في (ش): يحصل.
[ ٣ / ٤٢٣ ]
أن ينتهي إلى ما قدَّره رسول الله - ﷺ - بأدنى من مثقال (١) حبَّةِ خردلٍ، كما جاء في أحاديث الشفاعة (٢)، ويدينُون بأنَّ الإيمان يزيدُ وينقُصُ، وعلى المؤمن التَّعرُّضُ لما يزيدُ إيمانَه من التَّفكُّر في المصنوعات، ومُعجزات الأنبياء، وأحوالِهم، وسِيَرهم، والقرائن الدالَّة على صدقهم، والدعاء والتضرع إلى الله تعالى، والتَّلقِّي لما وَهَبَ الله تعالى له من الإيمان، واليقين بعد ذلك بالشكر.
وأمَّا النظرُ في الطُّرق المبتَدَعَةِ، فلا تجبُ عِنْدَ أحدٍ من (٣) أهل السُّنة، وظاهِرُ مذهبِ الإمام المؤيَّد باللهِ ﵇ موافقٌ لمذهبهم في ذلك، فإنه يُجيز حصول العلم الضروري بالله لمن شاء الله من أوليائه، والعلم الاستدلالي لمن دونهم من أهل النظر، ومُجرَّد الظَّنِّ لمن دون الأولياء، وأهل (٤) النظر من ضعفاء العامة، وقد نص على هذا الأخير في آخر " الزيادات "، واحتجَّ عليه، وأطال القول فيه، فلا يمكن تأويله، ونَسَبَهَ إلى أبي القاسم البلخي البغدادي شيخ الاعتزال، ولكن حكى عنه أنه يُسمِّيه علمًا، ولا طائل تحت الاختلاف في مجرد العبارات.
وفي " مقالات " أبي القاسم ما يؤيد (٥) هذه الرواية، فإنه ذكر العامة، وأنها فرقة مستقلة، وقال: هنيئًا لهم السلامة.
_________________
(١) " مثقال " ساقطة من (ش).
(٢) أخرجه البخاري (٧٥١٠)، ومسلم (١٩٣) (٣٢٦)، وأحمد ٣/ ١١٦ و٢٤٤ و٢٤٧ و٢٤٨، وابن ماجه (٣٤١٢) من حديث أنس بن مالك ﵁، وفيه: "إن الله تعالى يقولُ لنبيِّه: انطلق، فأخرج من كان في قلبه أدنى مثقال حبة خردل من إيمان، فأخرجه من النار، فأنطلق، فأفعل ".
(٣) " أحد من " ساقطة من (ش).
(٤) " أهل " ساقطة من (ب).
(٥) تحرفت في (ش) إلى: يزيد.
[ ٣ / ٤٢٤ ]
وعن ابن تيمية أن الرازي (١) ذكر لبعض مشايخ الصوفية أنه أملى في التوحيد كذا بُرهانًا، فقال له الشيخ: ليس ذلك بالتوحيد. قال الرازي: فأفدني يا سيدي، فقال له: التوحيدُ وارداتٌ تَرِدُ على النُّفوس تَعْجِزُ النفوسُ عن ردِّها، قال: فجعل الرازي يتحفَّظ هذه الكلمات ويُردِّدُها حتَّى خرج من عند الشيخ.
وقد (٢) ذكر هذا بعضهم في شرح قول أمير المؤمنين عليٍّ ﵇ في كلامه لكُمَيْل بن زياد (٣)، حيث قال ﵇ في وصف
_________________
(١) في (ش): " الراوي "، وهو تحريف.
(٢) " قد " ساقطة من (ش).
(٣) هو كُمَيْل بن زياد بن نهيك بن الهيثم النخعي، تابعي، ثقة، من أصحاب علي، قال ابن سعد: شهد مع علي صفين، وكان شريفًا مطاعًا في قومه، قَتَلَه مبيرُ ثقيفٍ صبرًا سنة ٨٢ هـ. مترجم في " تهذيب التهذيب " ٨/ ٤٤٨ وقول علي هذا قطعة من وصيةٍ مطولة أوردَها صاحب " العقد الفريد " ٢/ ٦٩ - ٧٠، رواه عن أيوب بن سليمان، عن عامر بن معاوية، عن أحمد بن عمران الأخنس، عن الوليد بن صالح الهاشمي، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن أبي مخنف، عن كميل النخعي قال: أخذ بيدي عليُّ بن أبي طالب كرم الله وجهه، فخرج بي إلى ناحية الجبَّانة، فلما أصحر، تنفس الصعداء، ثم قال: يا كُميلُ، إن هذه القلوب أوعية، فخيرها أوعاها، فاحفَظ عني ما أقول لك: الناسُ ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهَمَج رَعاع، أتباعُ كُلِّ ناعق مع كل ريح يميلونَ، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركنٍ وثيقٍ. يا كُميلُ، العلمُ خيرٌ من المال، العلمُ يحرسُك وأنت تحرسُ المالَ، والمالُ تنقصُه النفقة، والعلمُ يَزْكو على الإنفاق، ومنفعة المال تزولُ بزواله. يا كُميل، محبة العلم دينٌ يُدان به، به يكسبُ الإنسانُ الطاعة في حياته، وجميلُ الأُحدوثة بعد وفاته، والعلمُ حاكمٌ، والمالُ محكومٌ عليه. يا كميل، ماتَ خُزانُ المالِ وهم أحياءٌ، والعلماءُ باقون ما بقيَ الدهرُ، أعيانهم مفقودةٌ، وأمثالهم في القلوب موجودةٌ، ها إنَّ هاهنا لعلمًا جَمًّا -وأشار بيده إلى صدره- لو وجدتُ له حَمَلةً، بلى أجد لقنًا غير مأمون عليه، يستعمل آلة الدين للدنيا، ويستظهِرُ بحجج الله على أوليائه، وبنعمه على عباده، أو منقادًا لحملة الحق ولا بصيرة له في أحنائه، ينقدح الشكُّ في قلبه لأوَّلِ عارض من شُبهة، لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء، أو منهومًا باللذة، سَلِس القياد للشهوة، أو مُغرمًا بالجمع والادِّخار ليسا من رعاة الدين في شيء أقرب شبهًا بهما الأنعام =
[ ٣ / ٤٢٥ ]
العلماء: " هَجَمَ (١) بهمُ العِلْمُ على حقيقةِ الأمر، فاستلانُوا ما استوعرهُ المترفون، وأَنِسُوا (٢) بما استوحش منهُ الجاهلون " فإنَّ الهُجوم إنما يُستعمل فيما حصل (٣) دفعةً واحدة من غير كدِّ الخواطر في الدقائق، والتَّولُّج من الأنظار في مضايق المزالق، وقال في " ضياء الحلوم ": هجم [على] القوم: إذا أتاهم بغتةً، وهَجَمَ على العدو هجومًا، وهجم على ما في نفسِ فلان.
وأما على مذاهب (٤) النُّظَّار مِنْ متكلّمي الشيعة والمعتزلة، فإن النظر في كتاب الله تعالى يدل على قدرة الله تعالى على كل شيءٍ، وكذلك كل معجزٍ لجميع الخلق عندهم، والذي في القرآن من الإحكام البليغ، والتحسين والتقبيح يدل عندهم على علمه سبحانه بكل شيءٍ عمومًا، كما تدل أحكام المحكمات عندهم، ويدل على علمه سبحانه بقُبح الكذب، وعلى علمه بقُبح تصديق الكاذب خصوصًا، وبعد علمنا بذلك يجبُ القطع بأنه لا يصح صدور الكذب، وتصديق الكاذب منهُ سبحانه، لعلمه
_________________
(١) = السائمة، كذلك يموت العلمُ بموتِ حامليه، اللهم بلى، لا تخلو الأرض من قائم بحجة الله إما ظاهرًا مشهورًا، أو خائفًا مغمورًا، لئلا تبطُلَ حُجج الله وبيناته، وكم ذا، وأين؟ أولئك والله الأقلونَ عددًا، والأعظمونَ عند الله قدرًا، بهم يحفظ الله حُججه حتى يودعوها نُظَراءهم، ويزرعوها في قلوب أشباهِهم، هجم بهم العلمُ على حقيقة الإيمان حتى باشروا روح اليقين، فاستلانوا ما استخشنَ المترفون، وأَنِسُوا بما استوحش منه الجاهلون، وصَحِبُوا الدنيا بأبدانٍ أرواحُها معلقة بالرفيق الأعلى. يا كُميل، أولئك خلفاءُ الله في أرضه، والدعاةُ إلى دينه، آه، آه، شوقًا إليهم، انصرفْ إذا شئتَ.
(٢) في (ش): " هجمتهم "، وكتب فوقها: " هجم ".
(٣) في (ش): واستأنسوا.
(٤) في (أ): يحصل.
(٥) في (ش): مذهب.
[ ٣ / ٤٢٦ ]
بقبحه (١)، واستغنائه عن فعله بقدرته على كلِّ شيء، وذلك لأنَّ الكذب ليس بمشتهي لذاته، وإنما يتوصَّل به العاجز إلى منافعه، أو يفعله الجاهل بقبحه، بدليل أنه لو قيل لبعض العقلاء: إن صدقت، فلك درهم، أو كذبت، فلك درهم، فإنَّه يختار الصدق لا محالة إجماعًا، فهذا في آحاد المخلوقين، فكيف برب العالمين القادر على كل شيءٍ، العليم الحكيم. وإلى هذا الدليل أشار قوله تعالى. ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣]، وأمثالها، وقد ألمَّ بهذا المعنى مختار المعتزلي في كتابه " المجتبى " (٢) في آخر الطريق الرابع من
_________________
(١) من قوله: " وبعد علمنا " إلى هنا مكرر في (ب).
(٢) قال اللكنوي في " الفوائد البهية " ص ٢١٢ - ٢١٣: هو مختار بن محمود بن محمد أبو الرجاء نجم الدين الزاهدي الغزميني نسبة إلى غزمين -بفتح الغين المعجمة ثم الميم المكسورة، ثم الياء التحتانية المثناة الساكنة، ثم النون- قصبة من قصبات خوارزم، كان من كبار الأئمة، وأعيان الفقهاء، عالمًا، كاملًا، له اليد الباسطة في الخلاف، والمذهب، والباع الطويل في الكلام والمناظرة، وله التصانيف التي سارت بها الركبان، منها " شرح مختصر القدوري " شرح نفيس نافع، " وتحفة المنية لتتميم الغنية " استصفاها من " البحر المحيط " للبديع القزويني، وكتاب " الحاوي "، و" الرسالة الناصرية "، وأخذ العلوم عن الأكابر منهم محمد بن عبد الكريم التركستاني عن الدهقان الكاساني، عن نجم الدين عمر النسفي، عن أبي اليسر محمد البزدوي، وأيضًا أخذ عن ناصر الدين المطرزي صاحب " المغرب " تلميذ الزمخشري، وعن صدرِ القُراء سندِ الأئمة يوسف بن محمد الخوارزمي، وعن سراج الدين يوسف السكاكي، وعن فخر الدين القاضي بديع، وبعدما بلغ رتبة الفضل والكمال، رَحَلَ إلى بغداد، وناظَرَ الأئمة والفضلاء، ثم بلغ الروم، وتوطن بها مدةً، ودارس الفقهاء. ومن تصانيفه أيضًا " زاد الأئمة "، و" المجتبى في الأصول "، و" الجامع في الحيض "، و" كتاب الفرائض ". قال الجامع: ذكر القاري وغيره أنه مات سنة ٦٥٨ هـ، وقد طالعت " المجتبى شرح القدوري "، و" القنية "، فوجدتهما على المسائل الغريبة حاويين، ولتفصيل الفوائد كافيين إلا أنه صرح ابن وهبان وغيره أنه معتزلي الاعتقاد، حنفي الفروع، وتصانيفُه غيرُ معتبرةٍ ما لم يوجد مطابقتها لغيرها لكونها جامعة للرطب واليابس، وقد فصلتُ المرام في رسالتي " النافع الكبير ".
[ ٣ / ٤٢٧ ]
الباب الثاني في إثبات الصَّانع، ولكن لم يُلخِّصهُ هذا التَّلخيص ذكره آخِرَ الاستدلال على نفي الوسائط.
فإن قيل: ما المانعُ أن يكون القُرآن العظيم من كلام الملائكة أو الجنّ، لأنه من جنس مقدور الخلق، وذلك مثل نَتْقِ الجبال، وليس من المعجزات التي ليست من مقدور الخلق، كإحياء الموتى، وقلب العَصَا حيَّة؟
فالجواب: أمَّا على مذهب الأشعريّة، وأهلِ السُّنَّة، فإنا نعلمُ عجز الخلق أجمعين بالضرورة العادية، وذلك أنا نعلمُ أن العرب الفُصحاء المعاصرين لرسول الله - ﷺ - لم يَعْجِزُوا عن معارضته (١) لأجل وقتٍ مخصوص، ولا صورة مخصوصة، ولا بيِّنة مخصوصة (٢)، بل لكونِهِ معجزًا في نفسه، فإنا لو قدَّرنا زمانهم تقدَّم أو تأخّر، أو أجسامهم كبرت أو (٣) لطفت، أو صورهم اختلفت، أو انعكست، لبقي عِلمُنَا بعجزهم عن حاله، وكذلك البينةُ المخصوصةُ، فإنّا نعلمُ أنّه ليس علَّة عجزهم تركيبهم من اللحمية والدمية، ونُجوِّزُ أنّهم لو كانوا ممن لا نَفْسَ لهُ سائلة، قدروا على مِثْلِهِ، وكذلك أنا نجزمُ على عجز المتأخرين من البشر، ليس إلاَّ لأنّه علمٌ عاديٌّ كعلمنا أنّ الزُّجاج ينكسر بالحديد (٤)، سواءٌ كان الكاسر له من الجنِّ أو من الإنس، وفي قديم الزمان وحديثه، وفي شرقِ الأرض وغربها، وهذا العلم الضروري نشأ من العلم الضروري بأنّ فُصحاء العرب
_________________
(١) في (ش): معارضة.
(٢) عبارة " ولا بينة مخصوصة " ساقطة من النُّسخ، ومثبتة في (ب) فقط.
(٣) في (ب) و(ش): و.
(٤) في (ش) يكسر الحديد، وهو تحريف.
[ ٣ / ٤٢٨ ]
قد بلغوا في لغتهم الغاية القصوى (١)، التي لا يُعجِزُهم كُلَّهم فيها مخلوق، وإنه لو كان مخلوقٌ (٢) يقدِرُ عليه، لقضت العادةُ بقُدرة بعض بُلغاء العرب عليه، لأن العادة لم تجرِ بتفاوت المخلوقين فيما يشتركون في معرفته والقدرة عليه تفاوتًا يبلغ هذا الحدَّ، وهذا هو الموافق لكلام الله ﷿، فإنه (٣) قال تعالى في خطاب العرب: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣].
وكذلك في (٤) غير هذه الآية مما عُلِمَ أنه تعالى رتَّب علمهم (٥) بأنّه معجزٌ من عند الله تعالى على عجزهم عن الإتيان بمثله، لا على عجزِ جميع الجنِّ، والملائكة، والرُّوح، وما لا يعلمونه غير هؤلاء من خلق الله تعالى، الذي لا سبيل إلى حصره في هذه الأجناس، ولو كان الأمرُ كما زعمت المعتزلة، لكانت هذه الآيات (٦) القرآنية معترضةً، ومن جاء بها مُفحَمًا منقطع الحجة، وقد اتفق الجميع على امتناع (٧) ذلك بأدلة قاطعة، فثبت فساد ما أدَّى إليه.
وإذا حقَّقت النَّظر في جميع ما يُقَدَّرُ اختلاف الجنِّ والإنس فيه مما يرجع إلى الفصاحة، وجدتَهُ مساعدًا لهذا العلم الضروري العادي، كما أنا لو (٨) سلمنا أن (٩) العلم الضروري العادي لم يحصل في هذا المقام،
_________________
(١) في (ش): الغاية القصوى في لغتهم.
(٢) عبارة: " وإنه لو كان مخلوقًا " ساقطة من (ش).
(٣) في (ش): فإن.
(٤) ساقطة من (ب)، وفي (ش): و.
(٥) في (ب) و(ش): عليهم.
(٦) في (ش): الآية.
(٧) في (ش): منع.
(٨) "لو" ساقطة من (ش).
(٩) في (ش): أن هذا.
[ ٣ / ٤٢٩ ]
لادعيناه في مقام آخر، وذلك أنا نقول: أما تقدير أن القرآن من كلام الملائكة، فغفلةٌ فاحشةٌ، لأن الملائكة اسمٌ موضوعٌ في التقدير لمن لا يصدُرُ عنه الكذب، وأما تقديرُ أنه من الجن، فهو بمعنى (١) تقدير أنه من كلام الشياطين، لأنهم هم مردة الجن وفسقتهم، ونحن نعلم بالضرورة العادية أن فسقة الشياطين ومردتهم لا يعتنون في ظهور مثل القرآن الكريم لما فيه من نقضِ مقاصدهم في الفساد، فإنَّ العمل بمقتضاة بإجماع العُقلاء من المسلمين وغيرهم من أعظم أسباب الصلاح، وحسم مواد الفساد، فإنَّه اشتمل (٢) على النَّهي عن الظُّلم، والعُدوان، والبغي، واللهو واللعب، والغفلة، وسائر أسباب الشر، والأمر بالبر، والإحسان، والعفو والرحمة، والرفق، والتعاون على الخير، وفعل جميع أسباب الخير، مع ما فيه من سبِّ الشياطين، ولعنهم، وتبكيتهم (٣)، فكيف يجوز أنه منهم، وقد ثبت بالبراهين الصحيحة العقلية أنه لا يقع الفعل من القادر بمجرد قدرته عليه؟ ولذلك أجمعت المعتزلة على امتناع صدور القبائح من الله مع قدرته عليها، وإذا تقرَّر ذلك، فمنتهى الأمر أنا نُجوِّزُ قدرة الشياطين على ذلك -وحاشا وكلاّ- فليس لهم داعٍ إليه البتَّة، بل الصَّوارِفُ لهم عنه معلومةٌ بالضرورة من دون مُعارض، وقد نطقت النصوص القرآنيةُ بالردِّ على من زعم ذلك، وأشارت إلى الوجه الأول، أو إلى الوجهين (٤) معًا، قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠ - ٢١٢]،
_________________
(١) في (ب): لمعنى.
(٢) في (ش): أشمل.
(٣) في (ش): وتكذيبهم.
(٤) في (ش): والوجهين.
[ ٣ / ٤٣٠ ]
وقال تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (٢٥) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٥ - ٢٧]، وأيضًا، لو جاز ذلك عقلًا، لوجب بطلانُهُ عقلًا أيضًا، وذلك أنه يجب أن يكون الجن مختلفي المقاصد والطبائع، كما اطَّرد الاختلافُ بين جميع الأجناس في ذلك، فكان يجب أن يكون في الجن من يُعارض الذي أتى بالقرآن، ويُحِبُّ تكذيبه (١) في دعواه، لعجز الجن والإنس عن ذلك، ويجب أن يهدي من أضلَّه الكاذب لذلك، ولا يجوز اجتماع طبائعهم على ذلك في عقل عاقلٍ (٢)، وهذا من أنفس ما يُعارضُ به هذا الهذيان إن أصغى إليه مبطلٌ أو جاهل، كما نبَّه القرآن على ذلك في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [ص: ٦٩] بل عليه بعينه في قوله: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ [الجن: ١١]، بل أعظمُ منه دلالة وهو (٣) أنّه تعالى أوجب من تعدُّد الآلهة وقوع الاختلاف في غير آية والله أعلم.
وأمّا على قواعد المعتزلة، فقد أجابوا بوجوهٍ:
منها: أن العلم بالملائكة والجنِّ إنَّما حصل بالقرآن.
ومنها: أنَّ تقدير مثل هذا يفتح (٤) باب الجهالات.
ومنها: أنَّ القرآن العظيم مشتملٌ من (٥) علم الغيوب على ما ليس بمقدورٍ لغير الله، وهو أحسنُ ما احتجُّوا به، وهو صحيح على قواعد
_________________
(١) في (ج): ويجب تكوينه، وهو تحريف.
(٢) في (ب) و(ش): في عقل كل عاقل.
(٣) في (ب) و(ج): على ذلك أنه.
(٤) في (أ): " بقبح "، وهو تصحيف.
(٥) في (ش): على من، وهو خطأ.
[ ٣ / ٤٣١ ]
أهل السنة أيضًا، وتجويزُ استناد ذلك إلى ما استرقته (١) مردةُ الشياطين باطلٌ بالضرورة العادية كما نعلم في المفتي (٢) بالصواب أنه فقيهٌ، ولا نُجوِّز أنه عامي، وإنما يتلقَّن (٣) من بعض الشياطين، ولا مستند إلى القطع (٤) بأنه فقيه (٥) إلا الضرورة العادية، وكذلك نعلم (٦) فصاحة الفصحاء، وقوة الأقوياء، وذكاء الأذكياء، مع تجويز إعانة الجن في ذلك في بعض الأحوال النادرة، بل معرفتنا لمن نعرفه من الناس مع تجويز أن (٧) يتصور بعض الجن على صورته بإذن الله، بل تجويز أن يخلق الله بشرًا مثله، إنما مستند ذلك جميعه العلوم العادية الضرورية، ولو رفعناها، دخلنا في السفسطة، وكثير من الناس يغلَطُ فيها، لأنَّ التَّجويز يدخُلُ فيها بالنظر إلى قدرة الله، لا بالنظر إلى الواقع، وقد نعلم بالضرورة العادية كثيرًا من البواطن من جوع الجائع، وغضب الغضبان، وإخلاص أئمة الإسلام من الصحابة والتابعين، فإنا نجزمُ بنفي النفاق عنهم، ولا نجدُ إلى تجويز ذلك سبيلًا، ومستند ذلك العلم الضروري العادي بأن المنافق لا يستمر له إظهار ذلك، وأيضًا فاستراق السمع متفرِّعٌ على ثبوت الرب تعالى، وتفرُّده بعلم الغيب، وهذا متفرِّعٌ على أن القرآن كلام الله تعالى، لأن هذه الأمور لا تُعلمُ إلا منه، وبالجملة فمن ابتُلي بالوسوسة في الضروريات، شكَّ فيها، مثل الموسوسين في الطهارات، نعوذ بالله من الخذلان.
_________________
(١) في (ش): تتراقبه.
(٢) في (ش): بالمفتي.
(٣) في (ب): يتلقف.
(٤) في (ب): للقطع.
(٥) من قوله: " ولا نجوز " إلى هنا ساقط من (ش).
(٦) في (ش): يعلم الناس.
(٧) في (ش): إنه.
[ ٣ / ٤٣٢ ]
وأما الدليل الذي تُعوِّل عليه المعتزلة فيما كان من جنس مقدور (١) بعض المخلوقين من المعجزات، كتحريك الجبال عندهم، فإنه من مقدور الملائكة والجن، فهو أن حكمة الله تعالى توجبُ منعهم من فعل ذلك تصديقًا للكاذبين، وقد نازعهم الرازي في إيجاب ذلك على تقدير تسليم قاعدة التحسين العقلي، وقال: إن المنع مما يُوهِمُ غير الصَّواب لا يجب على الله، ولو كان يجب عليه، لقَبُحَ إنزال المتشابه، والتمكين من السحر، وزعم أنَّه لا جواب لهم، وأنه لا بُدَّ لهم من الرجوع إلى مذهب أهل السُّنَّة في أن مستند العلم في هذه الأشياء هو (٢) العلوم العادية، لا سوى، ومن ثَمَّ ألزم المعتزلة خاصة أن يكون القرآن من كلام الجن، والحق أنه لا يلزمهم، لما ذكرناه عنهم من الأجوبة، لا سيما الاحتجاج بما فيه من علم الغيب.
وأما احتجاجُهم بوُجُوبِ المنع من ذلك على الله، ففيه مباحثُ، مع أنه يشهد له قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٧]. ولكن (٣) يَرِدُ عليه أن الله لم يقُل: إن ذلك واجبٌ عليه (٤)، ويمكن أن يفعل من ذلك سبحانه ما لا (٥) يجب عليه، فليس جميع أفعاله سبحانه واجبة، مع أنه سبحانه لم يفعل ذلك مع كُلِّ كذَّابٍ من المُدَّعين للنبوَّة، إمَّا لأنه لا يجب، وإمّا لأنه لم تظهر عليهم معجزاتٌ
_________________
(١) " مقدور " ساقطة من (ب).
(٢) في (ش): هي.
(٣) في (ش): ولكنه.
(٤) ساقطة من (ب).
(٥) في (ش): فلا.
[ ٣ / ٤٣٣ ]
تُوجب تكذيبهم عليه سبحانه.
أما (١) المتشابه، والسحر، والدَّجَّال، فقد ذكرها الله تعالى ورسوله، وكذلك يمكن أن يقال: قد ثبت أنه لا نبي بعد رسول الله - ﷺ - بالبرهان القاطع، فأغنى ذلك (٢) عن تكذيب الكاذبين بأكثر منه، ولله سبحانه الحجة البالغة، ولا أحد أحبُّ إليه العذرُ منه سبحانه، وبنحو هذه الأمور يُجابُ عن قول من قال: إنّ النُّبُوَّات (٣) من قبيل الخواص مثل النفوس التي من خواصها التأثير في الآلام المسمَّاة بالعين، وهو أن يقال: إنّ الأمارات الضرورية قد دلَّت على صدق الأنبياء، وعدم تعمُّدهم الكذب، ودلَّ اجتماعهم على تصديق بعضهم لبعض، ومخالفتهم النُّظَّار في ذلك على عصمتهم عن الخطأ، ورفيع منزلتهم، وتميُّزهم عن أجناس المختلفين وأنواعهم، والخواص من قبيل الطبائع التي لا يتأتَّى منها صُدورُ الأمور المُحْكَمَةِ على الدوام، إلاَّ لو كانوا (٤) متهمين بالتَّزوير، وترويج الباطل، وقد يضُرُّ (٥) المعاين ولده ونفسه، وتحرق النار (٦) أكثر من (٧) المقصود مرةً ودونه أخرى (٨).
وأما الجاحظ، فقد مال إلى أنه لا جواب على هذا (٩)، إلاّ أنه يجبُ
_________________
(١) في (ش): وأما.
(٢) في (ش): بذلك.
(٣) في (ش): الثواب، وهو تحريف.
(٤) في (ش): إلا وكانوا، وهو خطأ.
(٥) تحرفت في (أ) إلى: " نصر ".
(٦) في (أ): " الباب "، وهو تحريف.
(٧) في (أ): برمي، وهو تحريف.
(٨) " من المقصود مرة ودونه أخرى " ساقطة من (ش).
(٩) في (ش): عن هذه.
[ ٣ / ٤٣٤ ]
على الله المنعُ منه، وليس بجيِّدٍ لوضوحِ هذا الجواب، وعدمِ الوفاقِ على وجوب ما ذكره (١).
فإذا تقرَّر صحةُ الاحتجاج عقلًا بإعجاز القرآن على ثُبوت الرَّبِّ سبحانه، أو بغير القرآن من سائر المعجزات، وعلى عِلمِهِ بقُبح الكذب، وقبح تصديق الكاذب، واستغنائه عن ذلك، جاز الاستدلالُ بالسَّمع بعد ذلك على سائر العقائد حتى على (٢) كونه سبحانه غنيًّا عن كل شيءٍ على الإطلاق، فإنه لو (٣) لم يتقرر بإعجاز القرآن إلا غناهُ سبحانه عن الكذب، لا سوى، بدليل قدرته على كل شيءٍ من غير واسطة الكذب، مع علمه بقُبحه، فيجب الجزمُ بصدقه، وصدق من صدَّقهُ، ويشهدُ لذلك ما عُلِمَ من أديان الأنبياء من تقرير المسلمين على الإسلام بعد ظهور المعجِزِ، وفي الاستدلال بالمعجزات السَّلامة مِنَ النَّزاع في الحدوث، وفي الطبع، لأن شرط المعجز أن لا يكون وقوعُه سابقًا لدعوى النبوة، ولا موافقًا للعادة، وكثيرًا ما يجعل الله المُعْجِزَ من جنس ما يعرفه المعاصرون لصاحب النبوة، ليعلموا أنه متميِّزٌ عن السحر، وعن مَقدورات العباد، مثل تَلَقُّفِ عصا موسى لما جاءت به السَّحرةُ، لمَّا كان السحرُ صنعة أهل ذلك العصر، وإحياء عيسى ﵇ للموتى، لمّا كان الطِّبُّ صنعة أهل عصره، وإتيان محمدٍ - ﷺ - بالقرآن العظيم، لمّا كانت الفصاحةُ صنعة (٤) أهل زمانه. ومتى عجز أهلُ العصر، وتواتَرَ عجزُهُم، عُلِمَ من بعدهم الإعجازُ بالتواتر، وإن لم يكن من أهل الصنعة، كالعَجَمي، يعلم إعجازَ
_________________
(١) من قوله: " وأما الجاحظ " إلى هنا ساقط من (ب).
(٢) في (أ) بدل " حتى على ": " لا ".
(٣) "لو" ساقطة من (ب).
(٤) في (ش): صنعة الفصاحة، وهو خطأ.
[ ٣ / ٤٣٥ ]
القرآن، لما تواتر لهُ من عجز بُلَغَاء الخلق عن معارضته، وَمَن لا يعرف السحر، يعرف (١) باعتراف السحرة أنّ ما جاء به موسى ليس بسحرٍ، ومن لا يعرف الطبَّ، يعلم بعجز الأطباء عن إحياء الموتى أنَّ ما جاء به عيسى ﵇ ليس بطب، وكذلك ما يجري للأنبياء ﵈ من الكرامات زمن (٢) الطفولة، وأيام التربية، فإنه (٣) يُميِّزهم من السحرة (٤)، وكذلك ما يكونُ لهم من الصدق، والزهادة، والعِفَّة، والجلالة، ولذلك (٥) كان معرفة سيرهم وأحوالهم من موجبات الإيمان، وقد جمعتُ في ذلك كتابًا سميته " البرهان القاطع في إثبات الصانع، وجميعِ ما جاءت به الشرائع "، وأشرت إلى أنّ الفرق بينهم ﵈ وبين السحرة بذلك أولى من النظر في الفرق بين السحر والمُعجز، لتوقُّفِ ذلك على معرفة السحر (٦)، ثمَّ شَغَبَ بعضُ أهل العصر في ذلك بمباحث، فألَّفتُ كتاب (٧) " ترجيح أساليب القرآن " وتقصَّيتُ فيه الجواب على المباحث في ذلك (٨)، فليُطالعهُ من أراد تحقيق هذا المهم.
والأمر الثاني مما أردته بقولي:
أصولُ ديني كتابُ الله لا العَرَضُ
النظر في الأدلة التي أمرنا الله تعالى أن ننظُر فيها، أو حثَّنا على النَّظَرِ
_________________
(١) ساقطة من (ش).
(٢) في (ش): من.
(٣) في (ش): وأنه.
(٤) في (ش): السحر.
(٥) في (ش): وكذلك.
(٦) ص ٢٢ - ٣٠.
(٧) في (ش): كتابًا سميته.
(٨) في (ش): الجواب عن ذلك.
[ ٣ / ٤٣٦ ]
فيها، كقوله تعالى: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٦٧]، وقوله تعالى، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ -إلى قوله- ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [الحج: ٥ - ٦]، وكذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ - إلى قوله- لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤]، وما لا يأتي عليه العدُّ، وهذا أمرٌ لا يصلح أن يكون فيه خلاف بين المسلمين (١) البتة، ومن أدّاهُ الغُلُوُّ إلى تقبيح الاكتفاء بهذه الأدلة، وجب على جميع المسلمين النَّكيرُ عليه، والإغلاظُ له، وقد ظهر لي أنّه قولُ أئمَّة الكلام، فضلًا عن أئمة أهل البيت ﵈، وسائر علماء الإسلام.
قال الحاكم في " شرح العيون ": وأمّا الفصلُ السابعُ فيما رُوِيَ عن النبي - ﷺ - من الخوض في الكلام، فلا شُبْهَةَ أنّه دعاهم إلى هذه الأُصول، والنَّظَرِ في الأدلَّة بمَا تلا عليهم من الآيات في أدلَّة التَّوحيد، والعدل، والنُّبُوَّات.
وذكر مختار في " المجتبى " الاستدلال بطريقة الأحوال في الطريق الرابع من الباب الثاني، ثمَّ قال: وقد جمعها الله تعالى في قوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ -إلى قوله- لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤].
وقال الرَّازي في كتابه " الأربعين " (٢) في الكلام على النُّبُوَّات في عرض الكلام في المعجزات العقليَّة: بل أقرَّ الكُلُّ بأنّه لا يُمكِنُ أن يُرادَ
_________________
(١) في (ش): الناس.
(٢) في (ش): الأربعون.
[ ٣ / ٤٣٧ ]
في تقرير الدلائل على ما ورد في القرآن، فهؤلاء الغلاة في الكلام يصرحون بذلك، فلا تلتفت إلى قول من ينكره منهم عند استظهار أهل السنة عليهم في الحجة بذلك، لأن إقرارهم بذلك يلزمهم ترك الخوض فيه، ولزوم منهاج أهل السنة، وذلك واضح، ولله الحمد.
وقال الغزالي في " القدسية " (١) في الأصل الأول من الركن الأول في معرفة وجوده تعالى: وأوَّل ما يُستضاء به من الأنوار، ويسلك من طريق النظر والاعتبار بما أرشد إليه القرآن، فليس بعد بيان الله بيان. ثم ساق الآيات القرآنية، وكذلك فعل يحيى بن منصور في كتابه " الجمل الإسلامية "، فإنه صدر الاحتجاج فيها بالآيات القرآنية، كما ذلك معروف.
وقال الإمام يحيى بن حمزة ﵇ في أوائل كتاب " التمهيد " في القول في وجوب النظر ما لفظه: وكيف يقال: إنهم مُنكرون للخوض في هذه الأدلة، وأكثر القرآن مُشتملٌ على ذكرها وشرحها، ولنذكر منها واحدة يُقاسُ بها الباقي، وهي قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٧٧] إلى آخر السورة، فالله تعالى حكى في هذه الآية إنكار المنكرين للإعادة (٢)، وقرَّر وجه شبهتهم، وأجاب عن كل واحدة منها بوجه يخصُّه، وطوَّل في بيان ذلك إلى قوله: فأمَّا الآيات الدالة على إثبات الصانع وصفاته، والنبوة، والرد على منكريها، فأكثرُ من أن تُحصى.
_________________
(١) وهي " الرسالة القدسية في قواعد العقائد "، وهي أيضًا قسم من كتاب " الإحياء "، وهو كتاب قواعد العقائد في الجزء الأول منه. وإفرادها على حدة جاء في مخطوطات عدة، وتسمى الرسالة الوعظية. وانظر " إحياء علوم الدين " ١/ ١٨٢.
(٢) في (ش): للعادة، وهو تحريف.
[ ٣ / ٤٣٨ ]
وقال قاضي القضاة في المجلد الرابع من " المحيط في النبوات " في ذكر إعجاز القرآن ما لفظه: واتَّفق فيه أيضًا استنباطُ الأدلة التي تُوافقُ العقول، وموافقة ما تضمنه لأحكام العقل على وجه يَبْهَرُ ذوي العقول، ويحيِّرهم، فإن الله سبحانه يُنبِّهُ (١) على المعاني التي يستخرجها المتكلمون بمعاناةٍ وجهدٍ بألفاظ سهلةٍ قليلةٍ، تحتوي على معانٍ كثيرةٍ، كما ذكره ﷿ في نقض مذاهب الطبائعيين في قوله: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ الآية [الرعد: ٤]، وفي الآيات التي ذكرها في نفي الثاني، وفي غير ذلك من الأبواب التي لا تكادُ تحصى. انتهى بحروفه.
وقال القاضي عياض في " الشفاء " (٢): ومنها جَمْعُهُ لعلوم (٣) ومعارف لم تَعهَدِ العربُ عامةً، ولا محمد - ﷺ - قبل نبوَّته خاصة (٤) بمعرفتها، ولا القيام بها، ولا يُحيطُ بها أحدٌ من علماء الأُمم، ولا يشتمل عليها كتابٌ من كُتبهم، فجمع فيه من بيان علم الشرائع، والتنبيه على طُرق الحُجج العقليات، والرد على فِرَقِ الأمم ببراهين قوية، وأدلة بيِّنةٍ، سهلة الألفاظ، موجزة المقاصد، رام المتحذلقون بعد أن ينصبوا (٥) أدلة مثلها، فلم يقدروا عليها، كقوله: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١]، و﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩]، و﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] إلى ما حواه من علوم السير، وأنباء الأمم، والمواعظ، والحكم.
_________________
(١) في (ش): نبه.
(٢) ١/ ٢٧٧.
(٣) ساقطة من (ب).
(٤) في (ش): خاصة قبل نبوته.
(٥) في (ش): يثبتوا.
[ ٣ / ٤٣٩ ]
وقال محمد بن منصور في كتاب " التوحيد والجملة ": وإنما جاءت الرسل بغاية الحجة على من سألها بما بين الله لها، وأنزل في كتبه إليها، لم تَعْدُ ذلك إلى غيره، ولن تُكون حجةٌ أبلغ في الدلالة على الله من حُجج أنبياء الله التي أبلغها عن الله خلقه، ولا أهدى لهم إن قبلوها، قال الله تعالى: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠] ثم ساق مُحاجَّة إبراهيم إلى قوله: وقالوا عند مسألة فرعون: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ الآية [طه: ٤٩ - ٥٠]، وقال فرعون أيضًا: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣ - ٢٤]، وفي آية ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٨] فلم يتعدَّ موسى في الجواب عند مسألة فرعون غير ما أنبأه (١) اللهُ به في الكتاب، وكذلك محمد - ﷺ - حين سأله قومه: مَنْ يُعيدُنا؟ فأمره الله بالجواب ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء: ٥١]، فلم يُكلِّفْهُ من الحجة والجواب غير ما قال له في الكتاب، ولمَّا قالوا له: انسُب لنا ربَّك، نزل عليه ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ إلى آخر ما ذكره في كتاب " الزيادات " (٢) من المجلد السادس من " الجامع الكافي ".
ولما وقف هذا المشارُ إليه على أبياتي هذه، حسب أنِّي استدللتُ على السمع بالسمع (٣)، وظنَّ أنَّ مُرادي " أصول ديني ": السمعُ لا العقل، وظن أنَّ أهل السُّنة لا يرون العقل شيئًا، كأنَّه لا يعلم إجماع المسلمين أنه لا تكليف على صبيٍّ ولا مجنون، ولا بُدَّ من نظر العقل،
_________________
(١) في (ش): أنبأ.
(٢) " الزيادات " ساقطة من (ش).
(٣) في (ش): بالسمع على السمع.
[ ٣ / ٤٤٠ ]
ولذلك أمر الله بتدبر كتابه، فبأيِّ شيء يتدبَّرُهُ إلاَّ بالعقل؟ وإنما منعوا من وضع النظر في غير موضعه، ومن الطرائق (١) المبتدعة الضارة، نسأل الله الهداية (٢)، وهذا تمام الأبيات:
أصولُ ديني كتابُ الله لا العَرَضُ وليس لي في أُصولٍ غيره غَرَضُ
لولاه بالنصِّ ما كان الرسولُ درى ما هو الكتابُ ولا الإيمانُ يَفتَرِضُ
ما احتجَّ قطُّ نبيٌّ في الكتابِ بما قالوا كأن لم يكُن في وقتهم عَرَضُ
جاء الهُدى والشِّفا فيه وموعِظةٌ ورحمة قولُ ربٍّ ليس ينتقِضُ
إشارة إلى قوله تعالى في يونس: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٧ - ٥٨].
وفي توهمهم إن الخليل به اسـ ـتدل أفحش وهم ليس يرتحض
ما الفرق في ذاك بين النيرات وما بين الأفولين للنظار لو محضوا
وما لهم عن دليل المعجزات أما في الشمس عن زحل للمهتدي عوض
دليل موسى لأهل السحر عرفهم في ساعة فغنوا عن علمهم ورضوا
وما تحقق ما أوجبتم سنة (٣) إلا ذكي حريص ليس يغتمض
وذاك أوضح ما حج الكليم به فرعون في الشعرا والكفر ينخفض
وعلل الله أعلام الأنام بأهـ ـل الكهف بالعلم (٤) تعليلًا هو الغرض
كما تقرر في الكشاف وهو من الـ ـخصوم، لكن أمر الحق منتهض
_________________
(١) في (ش): الطريق.
(٢) عبارة " نسأل الله الهداية " ساقط من (ش).
(٣) في (ج): شبه.
(٤) " بالعلم " ساقطة من (ج) و(ش).
[ ٣ / ٤٤١ ]
إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ (١) [الكهف: ٢١].
تجري على ألسُنِ الأعداء مُتَّضِحًَا عساهُ يشفي الذي في قلبه مرضُ
فما لهم إن جرى ذكرُ الكلام وإن ذكرنا كلام الله ينقبض
وليتهُم إذ دَرَوْا علمَ الكلام دروا أنَّ الشفاءَ الذي ظنُّوا به مَرَضُ (٢)
قالوا: السُّكُونُ (٣) وجودٌ ثابتٌ عَرَضٌ وقطعُهُم فيه بالتَّشكيك مُنْتَقَضُ
لعلَّ وُجْدانه من ضدِّهِ عدمٌ كالجهلِ والموت للأحياء يعترضُ
قالوا: فذاتُ كلا الكونين لبثهما ولا دليلَ لهُم في ذاك ينتهِضُ
وكيف يتَّحِدِ الضدان من جدلٍ (٤) والأوَّليّ ببحثٍ ليس ينقرِضُ
بل السكوتُ هو اللبثُ الذي زعموا والاحتراكُ بذاك اللبثِ يُرتَفَضُ
إذِ السكوتُ بسيطٌ يستحيلُ لهُ فضلٌ ومعناهُ بالتقييد ينتقِضُ
ألا ترى أنه في طُولِ مدَّته فرد على الفرضِ منَّا أنَّه غَرَضُ
وقيدُهُم لبثُه وقتًا بنقلته في الاحتراك ركيك ليس ينتهضُ
إن كان ذا القيد شيئًا كان ذاك هو الـ ـتحريكُ أو لم يكن شيئًا فما الغرضُ
فإن تقولوا انتفى الماضي فذا عدمٌ ووصفُه بحدوث الذات معتَرَضُ
وإن تقولوا: هو المجموع فهو بنا الـ ـموجود من عدمٍ والخلف ينتقض (٥)
إنَّ البَسَائطِ لا تركيب يدخُلُها إذ كُلُّ ما رُكِّبَتْ أفرادُهُ فَضَضُ
وكُلُّ ذاك إضافاتٌ وحاصِلُها تخيُّلٌ لذواتٍ ليس تُمْتَحَضُ
_________________
(١) من " إشارة إلى " إلى هنا ساقط من (ش).
(٢) هذا البيت ساقط من (ب).
(٣) في (ب): السكوت.
(٤) في (ش): حدث.
(٥) في (ج) و(ش): منتقض.
[ ٣ / ٤٤٢ ]
كوصفهم لمقالٍ لا وجود لهُ معًا فما وصفُ حرفٍ بالذي فرضُوا
وبعضُ مُحتركِ الأجسامِ أثقلُ مِنْ بعضٍ وفي ذاك بحثٌ ليسَ يغتمضُ
سريعُها لابثٌ وقتًا بكُلّ جها ت الكونِ حتَّى لُمُوع البرقِ إذ يفِضُ
وضدُّه لابثٌ ضعف (١) السريع بلا ريبٍ -على زعمِهِم- والحقُّ مُفترضُ
فكان في جهة (٢) وقتين مُحترِكًا وجمعُ ذا باضطرار العقلِ يُنتقضُ
ولو تَحَلَّل في ذاك السُّكُون لَمَا خفي إذا كان أضعاف الذي يَفِضُ (٣)
وكان عن قصدِنَا فيما يكونُ لنا لا سيما في الذي ينهَى ويفترِضُ
فانفد (٤) حدودهم الأكوان إنَّ بها مُزيَّفًا باطلًا بالنقدِ يُرتَفَضُ
فإن قضينا ببُطلانِ الحدودِ، فَذَا وإن نقُل باعتباراتٍ، فذا الغَرَضُ
ويشهدُ الظلُّ والنَّجم البطيء لقو ل الاعتبار إذا خرَّ الذي يفضُ (٥)
صحَّ السُّكُونَ طويلًا فيهما لُغَةً والاحتراكُ لمحضِ العقل مُمتحضُ
والحقُّ أنَّ السكونَ والبقاء ردِيـ ـفًَا للَّبثِ والكون في المعنى هو الغَرَضُ
وقولُنا الكونُ ذاتٌ غيرُ مُتَّضحٍ لأنه باعتبار الوقت مُعتَرضُ
وهو الوجودُ يُسمَّى باعتبارهما اسمًا وما كُلُّ لفظٍ تحتهُ غَرَضُ
ولا دليلَ عليه وهو مُحتَمَلٌ والاحتمالُ بميلِ الظِّلِّ ينتهض (٦)
ونُقْلَةُ الجسم والتحريك قطع مسا فة ترادُفُها ما ليس يُعتَرَضُ
فالكونُ في حالةِ التحريكِ يُطلقُ لا يُقالُ: لبثٌ له، فاللبثُ يُنتَقضُ
إذ فيه معنى السُّكونِ وهو مُحتَرِكٌ كما تقدَّم في المبطي وما يَفِضُ
_________________
(١) في (ب): ضد.
(٢) في (ب) و(ج): وجهه.
(٣) في (ش): نقض.
(٤) في (ب): فافقد.
(٥) في (ش): نقض.
(٦) في (ج) و(ش): منتهض.
[ ٣ / ٤٤٣ ]
قوله: ومعنى البحث الوارد بعد قولي: " قالوا السكون وجود ثابت عرض "
والنَّجم والنَّبْتُ (١) والظلُ الجميعُ سكو نهُنَّ كالطفلِ بالبرهانِ مُعتَرَضُ
هذا المُطابِقُ والموضُوعُ في لُغةٍ وأوهمُوا فيه بالملزُوم فاعترضوا
فلا تظُنَّ اختلافَ اللفظِ يلتزمُ الـ أشيا ولا كُلَّ معنى تحتَهُ غَرَضُ
فالجهلُ لفظٌ لهُ معنى وليس لهُ ذات، كذلك موتُ الحيِّ لا المَرَضُ
يعني الجهل اللُّغوي، وكذلك النوم والسهو، والجنون، وكذلك الموت، لأنه زوالُ الحياة، ولو كان معنى، لزم أن يكون للجمادِ معنى بكونه جمادًا، بل العدمُ المحضُ لفظٌ له معنى معقول (٢)، وليس بشيءٍ ضرورة.
والعَدمُ المحضُ معقولٌ تجدُّدُه لفظًا ومعنى ولا وصفٌ ولا غَرَضُ
فلا ترُدَّ نُصوصَ الذِّكر مُعتمدًا على خيالٍ لأذكى منك يَنتَقِضُ
ورُبما جاء أذكى مِنكُما فَغَدَا الـ إسلامُ في كُلِّ يومٍ وهو يُرتَفَضُ
فَقِفْ على الجُمَلِ المعلُومِ صحَّتُها ولا تُجَاوِزْ، وقولُ النَّصْحِ مُفتَرَضُ
ومعنى البحث الأول الوارد بعد قولي:
قالوا السُّكونُ وجودٌ ثابتٌ عَرَضٌ وقطعُهُمْ فيه بالتَّشكيك ينتقض
أنهم جعلوا مُجرَّد كون الجسم في الجهة لبثًا فيها، سواء كان قاطعًا لها بالحركة والنقل، أو قارًا فيها وقالوا: لا فرق بين الحركة والسكون بالنظر إلى ذاتهما البتَّة، فإنَّ ذاتهما واحدةٌ، وهي اللبث عندهم، ولكن ذلك اللبث إنِ استمرَّ وقتين فصاعدًا، وإن قصر، فهو السُّكون، وإن لم يستمر (٣) وقتين وكان (٤) بعد نقله، فهو الحركة، وإن كانت بطيئة، وهذا
_________________
(١) في (ش): واللبث، وهو تحريف.
(٢) في (ب): مغفور.
(٣) في (ب): يستمروا.
(٤) " وكان " ساقطة من (ب).
[ ٣ / ٤٤٤ ]
فاسد من وجهين:
أحدهما: ما ذكرتُه من فساد تركيب المعاني البسيطة.
وثانيهما: ما نظمته (١) في هذه الأبيات، وتلخيصُه: أنا إذا فرضنا محتركين في جهاتٍ مستوية الأطراف، وكان أحدهما يقطعها في ساعة، والآخر في ساعتين أو أكثر، وكان مُجرَّد الكون في الجهة لُبثًا فيها، استلزم بالضرورة أنَّ البطيء (٢) قد لبث في كلِّ جهة وقتين قصيرين من أوقات سريع الحركة الذي قطع تلك الجهات كلها في ساعة، وهذا يستلزم أحد أمرين:
إمَّا أنَّ البطيء يُسمَّى محتركًا ساكنًا معًا باعتبار الجهتين، أعني: متحرِّكًا باعتبار قطع المسافة، ساكنًا باعتبار ما هو أسرعُ منه، كما يصحُّ تسمية الظل والنجم ساكنين (٣) باعتبار الرؤية، ومحترِكَيْنِ باعتبار البرهان، وحينئذٍ يحصُلُ الغرضُ، وهو أن الأكوان ليست أشياء حقيقةً، لأنَّ الأضداد الحقيقية لا تجتمعُ، كالسَّواد والبياض، بخلاف الإضافيَّة، كالقبلية والبعدية في اليوم، بالنظر إلى أمسِ وغدٍ.
وهم يعتذرون عن هذا بأنَّ في الحركة الثقيلة سكوناتٍ (٤) متخلِّلة، وقد أبطله الرازي في " الملخص " بوجوه:
منها، ما أشرتُ إليه في الأبيات، وهذا لفظُ الزازي، قال: لو كان
_________________
(١) في (ش): تضمنته.
(٢) في (أ): المبطىء.
(٣) من قوله: " باعتبار الجهتين " إلى هنا ساقط من (ش).
(٤) في (ب): سكونان.
[ ٣ / ٤٤٥ ]
كذلك، كان نسبةُ السكنات المتخلِّلة من حركات الفرس التي (١) تعدو من أول اليوم إلى الظهر خمسين فرسخًا إلى حركاته، كنسبة فضل حركة الفلك الأعظم إلى حركاته، لكن الفلك الأعظم قطع قريبًا من ربع مقداره، ومعلومٌ أنه أزيدُ من المسافة المذكورة ألف ألف مرة، فيجبُّ أنْ تكون سكنَاتُ هذه الفرس أزيد من حركاته ألف ألف مرة، ولو كان كذلك، لما ظهرت الحركات الفرسية (٢) ما بين خَلَلِ تلك السكنات، لكن الأمر بالعكس، فإنَّا (٣) لا نُشاهدُ في (٤) حركاته (٥) سكناتٍ أصلًا، فيجب أن لا يكون البطءُ المتخلل (٦) السكنات، انتهى من التقسيم الثاني في تقسيمات الحركة.
وإمَّا أن ينتقض قولهم: إنَّ مجرَّد السكون (٧) لُبث، ويكون الُّلبث مُرادفًا للسكون، بل هو في عُرْفِ اللغة أطول منه، قال في " الضياء ": هو الإقامة، قال الله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ: ٢٣].
والذي يقوم عليه الدليل أنَّ اللبث والسكون يُضادَّان النُّقلة وقطع المسافة، وأنَّ (٨) الكون في المكان كالجنس، وهو المسمى في عُرفهم بالكون المطلق، فإن طال حتَّى اتَّصف بما يُناقضُ النقلة ويضادها، فهو اللبث والسكون بالنظر إلى المكان، والبقاء والدوام بالنظر إلى الزمان، وإن لم
_________________
(١) في (ش): الذي.
(٢) في (ش): " ألف سنة " وهو تحريف.
(٣) في (ج): فأما، وهو خطأ.
(٤) في (ش): " من "، وهي ساقطة من (ب).
(٥) ساقطة من (ج).
(٦) في (ش): فوجب أن لا يكون النطق لمتخلل، وهو تحريف.
(٧) في النسخ: الكون، وكذا كُتِبَ فوقها في (أ).
(٨) في (ش): فإن.
[ ٣ / ٤٤٦ ]
يطُل طولًا يناقض مُطلق النقلة السريعة والبطيئة، فهو كونٌ مطلقٌ في كلِّ جهةٍ، ولا يُوصفُ بلُبْث، كما لا يُوصف بسكون، ولا فرق بين كونه في المكان وبين وجوده فيه إلاَّ في العبارة. وحاجته إلى المكان لا توجب حاجته إلى ذاتٍ تحُلُّهُ، كما أن حاجته إلى الزمان لا تُوجب ذلك عند الخصم، ولو سلَّمنا جواز ذلك، فلا يثبتُ بمُجرَّد التجويز. والاستدلال بمثل قولهم: إنَّ المتحرك إذا سكن، فقد حدث، أمرٌ باطل، لوجهين:
الوجه (١) الأول: ما ذكره الرازي في كتابه " الملخص في الجواهر والأعراض "، فإنه ذكر أنَّه ضعيفٌ؛ لأنَّ الحادث بشرط كونه مسبوقًا بالعدم يمنَعُ أن يكون صِحّةُ حصوله على هذا الشرط أزلية، وإلاَّ اجتمع النفي والإثباتُ، فهو قد كان ممتنعًا، ثمَّ صار مُمكنًا، وقد ثبت بالدلالة أن الامتناع والإمكان يستحيلُ كونُ واحدٍ منهما أمرًا ثُبوتيًا، ولأن الشيء أن حدوثه (٢) حادث، وغيرُ باقٍ، ثمَّ يصيرُ بعد ذلك باقيًا، ويزولُ عنه كونه حادثًا، مع أن الحدوث قد كان يستحيل أن تكون صفتُه ثُبوتيّةً، وإلاَّ لزم التسلسل، والبقاء أيضًا ليست صفة ثبوتية، وإلاَّ لَزِمَ الدَّوْرُ، وكذا القول في جميع الأحوال الاعتبارية التي لا ثبوت لها في الخارج. انتهى بحروفه منسوبًا إلى زيتون، ذكره في الفنِّ الخامس في الحركة والزمان من الباب الثاني في بقيَّة المقُولات.
الوجه الثاني: سلَّمنا أنَّ أحدهُما ثبوتيٌّ، فلا يلزمُ أنَّ المتحرِّكَ إذا سكن فيه حدوثُ (٣) أمرٍ لجواز أنَّهُ عدمُ أمرٍ، كالجهل، والموت، والظلِّ
_________________
(١) ساقطة من (ش)، وفي (ج): أحدهما.
(٢) في (ش): حدثه.
(٣) في (ب): إذا حدث سكن فيه، وفي (ج): إذا سكن فقد حدث، وفي (ش): إذا سكن حدث فيه.
[ ٣ / ٤٤٧ ]
بعد الشمس، وما لا يُحصى. ومجرَّدُ اختلاف الأسماء لا يدلُّ على الذوات كما قدَّمنا، وكالسُّرعة (١) والبطء في الحركة، وكذلك الأحكام الشرعية كلُّها، وهي الوجوب، والنَّدْبُ، والإباحةُ والحظر، والكراهة.
فإذا عرفت معنى اللُّبث والسُّكون، والبقاء والدوام، فاعرف أنَّ الحركة هي قطعُ المسافة، وهي النُّقلة، وليست اسمًا للكون في الجهة من حيث هو كون، ولا يدلُّ على ذلك دليلٌ، ولذلك اشترطوا في حدها النقلة، لعلمهم أنهم لو لم يشترطوه، لبطل قولهم ضرورةً، ومع اشتراطه وثُبوتِ الحركة به، وانتفائها بانتفائه، يتعيَّنُ القول بأنه الحركة، والحمد لله.
وبيان ذلك بعرضه على دلالتي المطابقة والالتزام، فإنَّ الحركة في دلالة المطابقة الوضعية في الحقائق الثلاث تدلُّ على النُّقلة، وقطع المسافة من حيث هي كذلك، ولا تدلُّ على الكون في الجهة من هذه الجهة (٢) البتة، وإنَّما يدلُّ على ذلك بدلالة الالتزام العقليَّة، كدِلالة الجسم على ذلك محقَّقًا، وهم عكسوا ذلك عكسًا مُحقّقًا.
فرضٌ على مِثْلِ هذا النَّقل (٣) قولُهُمُ تَجِدْهُ مِثْلَ شَرابٍ شُربُهُ حَرَضُ
هذا وإنِّي على ردِّي لِقَولِهِمُ أحنُوا عَلَيْهِمْ وإنْ عابُوا وإن بَغَضُوا
إخوانُنَا وعلى الدِّين الحنيف وإنْ أخطَوْا، فَمَا الشمُّ يومَ الرِّيحِ تَنْتَقِضُ
لهُم سوابِقُ مِنْ علمٍ ومِنْ عَمَلٍ فَكَمْ أَصَحُّوا وكَمْ صحُّوا وإن مَرِضُوا
_________________
(١) الواو ساقطة من (ش).
(٢) عبارة " من هذه الجهة " ساقطة من (ب).
(٣) في (ب) و(ج) و(ش): النقر.
[ ٣ / ٤٤٨ ]
ولي ذُنُوب إذا قِيسَتْ بذَنبِهِم رُدَّتْ عليَّ ردودًا (١) ليس يَنْتَقِضُ
فاللهُ يُوسِعُنِي فَضْلًا ويوسِعُهُمْ فَمَقْصِدُ الكُلِّ أنَّ الحَقَّ يَمْتَحِضُ
وإنَّما نظمتُ هذه المباحث في الأكوانِ على كراهتي للخوض في هذا العلم، لأنَّها لا تَعَلَّقٌ بالكلام في ذات الله تعالى وصفاته، ورجوتُ انتفاع بعضهم بمعرفة ذلك، ومعنى بقية هذه (٢) المباحث أنَّ دليلَهم مبنيٌّ على أنَّ الأكوانَ ذواتٌ ثابتةٌ غيرُ عدميَّة، ومن المُمْكِنِ أن يكون السُّكون عدم الحركة، كما أن الجهل عدم العلم، إلا (٣) أنه أمرٌ ثبوتيٌّ، فلا يصحُّ قولهم: إنه إذا سكن المحترك، فقد حدث أمرٌ لجواز أن يكون الصواب أنه عدمُ أمرٍ، كما لو عدم العالم، وقد أضربوا عن هذا السُّؤال في كُتُبِهِمْ مثل: " الشرح وتعاليقه "، " والخلاصة وتعاليقها "، وذكره الرازي في " الأربعين "، وحاولوا (٤) الجواب عنه بالتزامِ (٥) أنَّ الحركة والسكون ذات (٦) واحدة، وهي من قبيل (٧) اللُّبث، لكن إن استمرَّ وقتين فصاعدًا، فهو السُّكُونُ، وإلاَّ فإن كان بعد نقله، فهو الحركة، وإلاَّ فهو الكونُ المطلق، ولبثُ الحركة عندهم في الوقت الثاني ينقلِبُ سكونًا، وهذه (٨) منهم غفلةٌ عظيمةٌ، فإنَّ انقلاب الذوات محالٌ، والمعاني كُلُّها بسيطةٌ، لا تركيب فيها كالعلم، والسكون عندهم متركِّبٌ مِنْ لُبثين (٩) فصاعِدًَا، وعلى
_________________
(١) في (ش): ردود.
(٢) في (ش): بقية معرفة هذه.
(٣) في النسخ: لا.
(٤) في (ش): وحالوا.
(٥) في (ج): والتزام.
(٦) في (ب): ذوات.
(٧) في (أ) و(ب): قبل.
(٨) في (ش): وهذا.
(٩) في (ش): اثنين.
[ ٣ / ٤٤٩ ]
هذا يصحُّ أن يكونَ له نصف، ويلزمُ أنَّه لو طال، لكان سكونات كثيرة، وهم لا يقولون به، ثم الحركةُ عندكم متركِّبة من لُبْثِ المتحَيِّز وقتًا واحدًا في المحلِّ الثاني، ومِنْ عدم لُبثها في المحلِّ الأوَّل، والذوات الثبوتية الحقيقية (١) لا تُرَكَّبُ من العدم، والعَدَمُ لا يُوصَفُ بالحدوث.
فإن نازعوا في هذه المعاني، نازعوا في الضرورة، وإن سلَّموها، وزعموا أنهم اصطلحوا هذه الأسماء لهذه المُسمَّيات، فاختلاف الأسماء لا يُحيلُ الذوات ويقلب المعاني، ويتركَّب عليه الدليل، ثم يلزمهم في البقاء أن يكون معنى كالسكون (٢)، لأن استمرار الوجود يسمى بالنظر إلى الزمان بقاءً، وبالنظر إلى المكان سُكونًا، ثم إنهم يقولون في الكون المقارب لحدوث الجسم: إنه فعل الله.
فإما أن يكون الجسم (٣) مقدورًا من غير كون، لَزِمَ صحةُ خُلوه عنه، وإما أن يكون غير مقدورٍ إلاّ به، لزم نفيُ اختيار الله تعالى في خلقه الجسم منفردًا، وفي هذا منع القادر على كل شيء من مقدور معلوم أنه يقدر عليه إلاَّ بأن يخلُقَ معه شيئًا (٤) آخر من غير برهان قاطع.
وأما كونه لا بُدّ أن يكون في جهةٍ معيَّنةٍ فذلك بالفاعل، لا بمعنى كما أنه لا بد أن يكون وقت مُعين، وذلك بالفاعل لا بمعنى اتفاقًا، وقال لهم منازعوهم: ما المانعُ من أنّ المؤثر في هذه الأشياء هو الفاعل من غير واسطة معنى؟
قالوا: المانعُ من ذاك أنا رأينا كلامنا لمّا كان مقدورًا لنا، قدرنا على
_________________
(١) في (ش): الحقيقة.
(٢) في (ش): السكون.
(٣) ساقطة من (ب).
(٤) في (ش): شيء.
[ ٣ / ٤٥٠ ]
أن نُوجده على صفاته كلها من نحو كونه خبرًا وأمرًا ونهيًا، وكلامُ الغير لما لم يكن مقدورًا لنا، قدَّرنا لم نقدر (١) على جعله صفةً، فثبت أن كل ما لم يكن مقدورًا، كان مثل كلام الغير، والموجود غير مقدور، فلو قدرنا على جعله على صفةٍ قدرنا على جميع صفاته، فنجعله أسود وأبيض، وحلوًا ومُرًّا.
وأجاب منازعوهم: بأن هذا القياس يتركب (٢) على غلطٍ واضحٍ، فإن وصف الكلام بأنه خبرٌ وإنشاء ونحو ذلك ليس بوصفٍ ثبوتيٍّ حقيقيٍّ، بدليل أنه لا يصحُّ أن يُوجد من الكلام إلاَّ حرفٌ بعد حرفٍ، والمعدوم من الحروف لا يُوصفُ، والموجود منها ليس إلا حرف واحد (٣)، والحرف الواحد ليس بكلامٍ وفاقًا (٤)، فكيف يُوصفُ ما ليس بكلامٍ بأنّه خبرٌ أو إنشاء، ويكون ذلك الوصف حقيقيًا؟
وإذا كان هذا حال الميزان المقيس عليه، فكيف حال الموزون به؟ ثم ما المانع أن تكون بعض الصفات مقدورًا دون بعض؟ كالأعراض عندكم، وما الجامع بين الأكوان، والألوان، والطعوم؟ فدلَّ على أن هذه الصفات إضافيةٌ لا حقيقة لها، أو أن (٥) بعضها كذلك، وبعضُها ثبوتيٌّ، والصحيح أن الحركة قطعُ المسافة، والمرجع بالإجماع، والافتراق إليهما، وهذه إشارةٌ لطيفةٌ على حسب اختصار الأبيات، وتمكن الصارف من البسط في هذا العلم، ومن أحبَّ معرفة المباحت في هذه المسألة،
_________________
(١) في (ب): لم نحصل نقدر.
(٢) في (ش): متركب.
(٣) في (ش): حرفًا واحدًا.
(٤) في (ش): واحدًا وفاقًا.
(٥) في النسخ: وأن.
[ ٣ / ٤٥١ ]
فعليه بكتاب " منهاج السنة النبوية " (١)، وكتب ابن تيمية الكلامية، وفي كتب الرازي، وأصحاب أبي الحسين شيء منها غير مستوفى، وكتب الرازي أكثر من غيرها، وأما كتبُ المتكلمين من الزيدية والبهاشمة (٢) في عصرنا، فما فيها من هذا ما يُغني البتة، وإنما ذكرتُ هذا لإرشاد (٣) من لا بُدَّ له من البحث، مع أنَّ الأولى تركُ هذه الوساوس والخيالات، والإقبال على أدلة الكتب السماوية، والسنن النبوية المحروسة من الزَّيغ، المصونة من الوهم (٤). نسألُ الله السلامة.
ولأهل علم المعقولات أسلوبٌ آخر في الاستدلالِ بالحركة وتقسيمها إلى ستِّ حركات يجمعها الابتداء من كل تغير (٥)، وهي حركة الكون (٦)، والفساد، والنُّمو، والنُّقصان، والاستحالة، والنقلة، وهي طبيعية وقسرية (٧)، وكلاهما إما أن يتحرَّك المتحرك بكلِّه كانت حركته مستقيمة (٨) أو بجزئيه (٩) كانت مستديرة، وقد كنت أثبتُّ الجواب ونقضه هنا، ثم رأيتُ ترك ذلك وإفرادَه في (١٠) مؤلَّفٍ.
_________________
(١) وتمام اسمه: " منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية " وقد طبع في أربعة أجزاء في المطبعة الكبرى الأميرية في مصر سنة ١٣٢٢ هـ. ثم طبع بتحقيق الدكتور رشاد سالم ﵀ رحمة واسعة.
(٢) في (ش): " البهاشمية "، والبهاشمة -وهم البهشمية-: أتباع أبي هاشم الجبائي من معتزلة البصرة. انظر " الملل والنحل " ١/ ٧٨ - ٨٥ للشهرستاني.
(٣) في (ب): الإرشاد.
(٤) في (ش): المصونة من الزيغ، المحروسة من الوهم.
(٥) في (ش): غير.
(٦) في (ب): اللون.
(٧) في (ب): وبشرية.
(٨) في (ش): مستديمة.
(٩) في (ب) و(ش): جزئية.
(١٠) في (ج): من.
[ ٣ / ٤٥٢ ]
وقد اعترض بعض غلاة المتكلمين من أهل العصر على أهل الأثر، فينبغي تأديبه وذلك بذكر بضعة عشر وجها على سبيل التقريع والتأديب
الأول: أن عادة أهل العلم والفضل وأهل البدع والكلام استمرت على نسبة الأقوال إلى أهلها من غير زيادة سخرية
وقد اعترض بعضُ غُلاة (١) المتكلمين من أهل العصر على أهل الأثر بأنه إنما قال بذلك من هو جامِدُ الفطنة مثل مالكٍ، وبُلْهِ المحدثين، لقلَّةِ ممارستهم للعلوم، واقتصارهم على فنِّ الحديث، وكلامه هذا من فضلات الكلام المؤذي الذي ليس تحته أثارةٌ من علم، وقد قصد به ذم المحدِّثين كلِّهم، ووصمهم (٢) بالبَلَهِ، لأن القول الذي نسبه إلى البُله منهم هو قول جلتهم وأئمتهم (٣)، ولأنه صرح بنسبة البله إلى إمامهم: إمام دار الهجرة النبوية المُجمع على إمامته وورعه واجتهاده، ذلك شيخ الإسلام الإمام مالك بن أنس ﵁، فكيف بمن دونه منهم، ولأنه علَّل ذلك بعلةٍ تعُمُّهم، وهي ترك (٤) ممارسة علوم أهل النظر والجدل، فينبغي تأديبُه على هذه الكلمات المؤذية الزائدة على القدر المحتاج إليه من عبارات المتناظرين في طلب المعرفة، وذلك بذكر بضعة عشر وجهًا على سبيل التَّقريع والتَّأديب:
الأول: أن عادة أهل العلم والفضل، وأهل الإسلام والخلف والسلف، وأهل البدع والكلام، وأهل كتب المقالات في الملل والنِّحل، كلهم استمرت على نسبة الأقوال إلى أهلها من غير زيادة سخريةٍ، ولا غمصٍ، ولا أذى (٥)، ولا استهانة، مُنَزِّهين لألسنتهم عن خَبَثِ (٦) السَّفه، ولمصنفاتهم عمَّا يدلُّ على قلة التمييز والمناصفة، فترى
_________________
(١) ساقطة من (ب).
(٢) في (ش): ووصفهم.
(٣) " وأئمتهم " ساقطة من (ج).
(٤) في (ش): تركهم.
(٥) في (ش) ازدراء.
(٦) في (ش): من حيث.
[ ٣ / ٤٥٣ ]
الثاني: أنك عللت جمود فطنهم بقلة ممارستهم للعلوم النظرية
المتكلمين يقولون: ذهبت الثَّنوية إلى كذا، وذهبت النصارى إلى كذا، وكذلك سائر أهل المقالات علمًا من المحصِّلين أنه لا حاصل تحت السَّفه، وأنه مقدورٌ لأدنى السُّوقة، وإنما يُوجَدُ ذلك في كلام كثير (١) من العلماء عند الانتصاف من البادي (٢) بالعدوان، قال الله تعالى في مثل ذلك (٣): ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨].
الثاني: أنك علَّلتَ (٤) جُمود فِطَنِهِمْ وبَلَهَهُم بقلةِ ممارستهم للعلوم النظرية، والأساليب الجدلية، وهذه هفوةٌ عظيمة، لأن هذه العلة قد شاركهم فيها خِيرَةُ الله من خلقه من الملائكة المقربين، والأنبياء، والمرسلين، والصحابة، والتابعين، والأبدال والصَّالحين.
فإن كان هذا المعترض يجعل هذه العلة مؤثِّرة صحيحة، ويستلزمُ ما أدت إليه من الزِّراية على كُلِّ من ترك الخوض في الكلام والجدل والممارسة لأساليب العلم المنطقي، فقد تعرَّض للهلاك، وارتبك في الغباوة أيَّ ارتباكٍ، وانتظم في سلكِ الحسينية المخذولين (٥) المفضِّلين لبعض المتكلمين على الأنبياء والمرسلين، وإن كان يأبى ذلك (٦) إباء المسلمين، ويأنَفُ منهُ أنَفَة المؤمنين، فقد تبيَّن له أن من كان له أُسوةٌ في ترك الممارسة لهذه الفنون بالملائكة المقرَّبين، والأنبياء والمرسلين (٧)،
_________________
(١) في (ش): ذلك كثيرًا.
(٢) في (ش): المبادي.
(٣) " في مثل ذلك " ساقطة من (ش).
(٤) في (ش): أنه علَّلَ.
(٥) ساقطة من (ش).
(٦) في (ب): من ذلك.
(٧) من قوله: " ويأنف منه " إلى هنا، مكرر في (ش).
[ ٣ / ٤٥٤ ]
الثالث: البله وجمود الفطنة من أفعال الله التي أجرى العادة أن لا يسلبها جميع أفراد الطائفة
الرابع: من المعلوم أيضا أن في كل طائفة عظيمة بلهاء بلداء، وإن في الزيدية
وسائر من ذكرنا من الصالحين، فهو حريٌّ بالتبجيل والتعظيم والتوقير والتكريم، فيا سيَّال الذهن، ووقَّاد القريحة، مَنِ الأبلهُ الآن؟ هل من علَّل بهذا التعليل العليل (١)، وقال: إن إيمانه كإيمان جبريل؟ أم من تأدَب بآداب التنزيل، ولم يتعرَّض لما لا يعلمه البشر من التعليل واقتدى برسول الله - ﷺ - في ترك التعمق في الدين، والإعراض عن الجاهلين؟
الثالث: البله وجمود الفطنة من أفعال الله تعالى التي أجرى العادة أن لا يسلُبها جميع أفراد الطائفة العظيمة الذين لا يحصرهم عددٌ، ولا يجمعهم نسبٌ، ولا بلدٌ، وذلك كالطول والقِصَرِ، والسواد والبياض، والجمال والدمامة، فالقول عليهم بذلك من قبيل التحري على البُهت الذي هو عادةُ البطَّالين، وكلُّ مُنْصف يعلمُ أن في كلِّ طائفةٍ فطناء أذكياء، وقد خاطب الله تعالى عُبَّادَ الحجارة بقوله: ﴿وأنتم تعقلون﴾، ﴿وأنتم تعلمون﴾.
الرابع: من المعلوم أيضًا أن في كل طائفة عظيمة بلهاء بُلداء، وإنّ في الزيدية، وسائر الشيعة، والمتعاطين للعلوم الدقيقة من هو عريض القَفَا، جامدُ الطبع، فما بالُ المعترض يَصِمُ المحدثين بأمرٍ قد اشترك فيه الناس، وما أمن المعترض أنه من بُلداء (٢) الزيدية، وأهل الدعاوي الباطلة، وإن كان لشدة بَلَهِهِ لا يعلمُ بعيب نفسه، فإنّ من البُلْه من يبقى معه من الفهم ما يُدركُ به قصورَ باعه، وغِلَظَ طباعه، وإنما شديدُ الغباوة، بليغُ البَلَهِ من لم يبقَ لهُ شعورٌ بأحوالِ نفسه، ولا ٌ لمقدار كُنهه، فتراه يتيه على العُظماء وهو حقيرٌ، ويزدري الكُبَرَاء وهو صغيرٌ.
الخامس: أنّ رسائلك أيُّها المعترضُ مناديةٌ عليك نداءً صريحًا
_________________
(١) ساقطة من (ب).
(٢) في (ش): بلهاء.
[ ٣ / ٤٥٥ ]
السادس: أن الفلاسفة تدعي من التحذلق مثل ما أنت مدع
بجمود الفطنة، وكثرة البله، وكل إناءٍ بالذي فيه يرشُحُ (١)، ولو كنتَ من أهل المغاصات الغامضة، والأذهان السَّيَّالة، والقرائحِ الوقادة، لظهر ذلك في رسائلك، فلا مخبأ بعد بوس، ولا عِطرَ بعد عَرُوس (٢)، فكيف تعيبُ الخصوم بعيبٍ أنت بمثله موصوم؟
وكيفَ يَعيبُ العُورَ من هُو أعوَرُ
السادس: أنّ الفلاسفة تدَّعي من التَّحذلق مثل ما أنت مُدَّعٍ، ونعتقد في علماء المتكلمين من المسلمين كلهم من البله مثل ما أنت معتقد في المُحدثين، فإنهم يدَّعون أن المسلمين غيرُ ممارسين للعلوم العقلية على ما ينبغي، وأنهم همُ السُّبَّاق إلى تأسيس علم المعقول، ووضع قوانين البراهين في فنِّ المنطق، وأنّهُمُ المستبدُّون بذلك، لصفاء أذهانهم، وشدَّة غوصهم على الغوامض، وكما أن ذلك -وإن كان حقًّا- لا يوجب صحة ما كنتم عليه من الكفر المعلوم، وكذلك تشبُّثُ كثيرٍ من المتكلمين ببعض أساليب الفلاسفة في النظر والجدل لا يُوجِبُ صحَّة ما هم عليه من البدع، هذا إن سلَّمتَ أنّ المدقِّق قد يَضِلُّ الطريق، ولا ينفعه التدقيق، وإن لم تُسلِّم ذلك، فاتخذهم أئمة، وانسلخ عن هذه الأُمة، وفي هذا أكبرُ دليلٍ على نقض ما توهَّم المعترِضُ من تعليل إبطال المبطلين بعدم مُمارسة دقائق العلوم.
_________________
(١) في (أ): راشح. وهو مثل يُضربُ في إفصاح الرجل بما يطبع به، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، وهو في الأمثال: " كُلُّ إناءٍ يرشحُ بما فيه "، ويروى: " ينضَحُ بما فيه ". انظر " مجمع الأمثال " للميداني ٢/ ١٦٢، و" المستقصى " للزمخشري ٢/ ٢٢٤.
(٢) وهذا المثل قيل فيه أكثر من مناسبة، فيضرب على ذم ادخار الشيء وقت الحاجة إليه، ويضرب على الاستغناء عن ادخار الشيء لعدم من يدخر له. وانظر: " فصل المقال " لأبي عبيد ص ٤٢٦ - ٤٢٧، و" مجمع الأمثال " ٢/ ٢١١ - ٢١٢، و" المستقصى " ٢/ ٢٦٣ - ٢٦٤.
[ ٣ / ٤٥٦ ]
السابع: علم من النبي ومن الخلفاء الراشدين أن الذي كان عليه المسلمون في أعصارهم هو سبيل الهدى
السابع: كان المسلمون أمةً واحدةً في عهد رسول الله - ﷺ -، وأيَّام الخلفاء الراشدين، ليس (١) بينهم خلافٌ في أمر العقيدة، وعُلِمَ من النبي - ﷺ -، ومن الخلفاء الراشدين أن الذي كان عليه المسلمون في أعصارهم هو سبيل الهدى، ومنهجُ الحق، وطريق (٢) السلامة، حتَّى مارستم هذه العلوم، وتركتم الجمود، وسالت أذهانكم بالحقائق، وغُصتم على خفيات الدقائق، وضلت من ثلاثٍ وسبعين فرقةً اثنتان وسبعون فرقة، ولم يبق من الأمة ببركة هذه الممارسة على الهدى عُشرُها ولا عُشرُ عُشرِها، وأنتم تدَّعُون أن المعتزلة منها، فالمعتزلةُ عشرُ فِرَقٍ كما ذكره إمامُ علومهم عليُّ بنُ عبد الله بن أبي الخير وغيره، وهم مختلفون في عقلياتٍ تجب (٣) عندكم وعندهم القطع بقبح الاختلاف فيها، وتحريم أحد القولين، واحتمال الفسق في ذلك الاختلاف عند جميعكم، ومن أجاز منكم ومنهم كفرًا لا دليلَ عليه، جوَّز في جميع ذلك الخلاف أن يكون كُفرًا.
والشيعة أكثر فِرَقًَا، وأشدُّ اختلافًا من المعتزلة.
والزيديةُ فرقةٌ واحدةٌ من الشيعة (٤) قد تفرَّقت إلى مخترعة، ومطرفيَّة، وجاروديَّة (٥)، وصالِحِيَّة (٦)، وحُسينيَّة، وفي الفُروع مؤيّدية،
_________________
(١) في (ش): من ليس.
(٢) من قوله: " الخلفاء الراشدين " إلى هنا ساقط من (ب).
(٣) في (ش): ثم.
(٤) في (ش): والشيعة.
(٥) هم أصحابُ أبي الجارود زياد بن أبي زياد، وقد زعمُوا أنَّ النبيَّ - ﷺ - نصَّ على علي بن أبي طالب بالوصف دون التسمية، وأنه الإمام بعده، وأن الناس ضلوا وكفروا بتركهم الاقتداء به واختيارهم أبا بكر، وانظر " مقالات الإسلاميين " ص ٦٦ - ٦٧، و" الملل والنحل " للشهرستاني ١/ ١٥٧ - ١٥٩.
(٦) هم أصحابُ الحسن بن صالح بن حي، وكذلك البترية أصحاب كثير النواء الأبتر، =
[ ٣ / ٤٥٧ ]
وهادَوِيَّة (١)، وناصِرِيَّة (٢)، وقاسِمِيَّة (٣)، وأهلُ الكوفة منهم على مذهب أحمد بن عيسى (٤)، والحسن بن يحيى، ومحمد بن منصور كما ذكره صاحب " الجامع الكافي "، ووقَعَ بينهم تفسيق وتأثيم على الاختلاف في
_________________
(١) = وهما متفقان في المذهب، يزعمون أن عليًا أفضل الناس بعد رسول الله - ﷺ -، وأولاهم بالإمامة، وأن بيعة أبي بكر وعمر ليست بخطأ، لأن عليًا ترك ذلك لهما، ويقفون في عثمان وفي قتلته، ولا يقدمون عليه بإكفار، ويرون أن من شهر سيفه من أولاد الحسن والحسين ﵄، وكان عالمًا، زاهدًا، شجاعًا، فهو الإمام، وينكرون رجعة الأموات إلى الدنيا. انظر " مقالات الإسلاميين " ص ٦٨ - ٦٩، و" الملل والنحل " ١/ ١٦١ - ١٦٢.
(٢) هم أصحاب الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم الرسي المتوفى سنة ٢٩٨ هـ، ولد سنة ٢٤٥ هـ، قام هاديًا مرشدًا يدعو إلى الله سبحانه وإلى صراطه المستقيم، وكان مرجعًا في الدين من كل الطوائف الإسلامية، ومن أقواله المأثورة عنه: " إن رسول الله - ﷺ - لم يكن ليخترع أمرًا دون علم الله ﷾، كما حكى القرآن عنه - ﷺ - إذ قال: ﴿إن أتبع إلا ما يوحى إليَّ﴾. وانظر " الإمام زيد " لأبي زهرة ص ٥٠٩ - ٥١٦.
(٣) هم أصحاب أبي محمد الحسن بن علي بن الحسن بن علي بن عمر بن علي بن الحسين، وتلقب بالناصر الكبير، ويُسمى الأطروش لطرش أصابَ أذنيه، المتوفى سنة ٣٠٤ هـ، قال الشهرستاني في " الملل ": لم ينتظم أمر الزيدية حى ظهر بخراسان ناصر الأطروش، فطلب مكانه ليقتل، فاختفي، واعتزل إلى بلاد الديلم والجبل، وهم لم ينحلوا بدين الإسلام، فدعا الناس دعوة إلى الإسلام على مذهب زيد بن علي، فدانوا بذلك، وبقيت الزيدية في تلك البلاد ظاهرين، وكان يخرج واحد بعد واحد من الأئمة ويلي أمرهم. وكان الناصر محيطًا بعلم السنة والسلف الصالح وعلم آل البيت، ويعتمد على الآثار والنصوص، انظر " الإمام زيد " ص ٤٩٧ - ٤٩٩.
(٤) نسبة إلى كبيرهم القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم طباطبا بن الحسن، بن الحسن بن علي المتوفى سنة ٢٤٢ هـ وقد نشأت القاسمية ببلاد الحجاز، وكانت آراؤها ضمن الإطار الزيدي، وكان لهذا المذهب شأن باليمن، لأن حفيد القاسم تلقى علم جده، ونشر المذهب الزيدي باليمن بعد أن اختار منه، فصارت زيدية الحجاز واليمن على مذهبه ومذهب جده. انظر الإمام زيد ص ٤٩٥ - ٤٩٧.
(٥) حفيد الإمام زيد، نشأ في العراق، وكان منصرفًا إلى الاجتهاد الفقهي والفتيا حتى قيل: إنه فقيه آل البيت، صنف الأمالي في الفقه، وقرن فيه الفروع الفقهية بالأدلة ووجه استنباطها، وكان زاهدًا متعبدًا، ومجاهدًا مقاتلًا، واختفي بالبصرة بعد أن تخلص من حبس الرشيد له إلى أن مات سنة ٢٤٧ هـ انظر " الإمام زيد " ص ٤٩٣ - ٤٩٥.
[ ٣ / ٤٥٨ ]
الفروع -كما حكاه السيد أبو العباس في تلفيقه ﵀، دَعْ عنك الأصول- واشتد اختلافُهم (١) من بعد الإمام المنصور بالله ﵇ في الأئمَّة، فافترقوا على الإمام الدَّاعي، وعلى الإمام المهدي أحمد بن الحسين افتراقًا قبيحًا كفَّر (٢) بعضُهم بعضًا.
وعامَّة هذه البدع والشِّيع (٣) إنما كانت بسبب ترك (٤) الجمود، وسيلان الأذهان، فلا عَدِمَكُمُ المسلمون، زيدُوا في هذا السيلان والممارسة لعلوم اليونان، فما يحصُلُ منها غدًا إلاَّ مثلُ ما حصل منها أمس، فقد عرفتُ مضرتها بأعظم التجربة، وما عُرِفَ الداء الذي يجبُ اجتنابه في الطب احترازًا على الأبدان إلا بدون هذه التجربة، فكيف لا يحترز على الأديان من هذه المضرَّة العظمى بعد مثل هذه التَّجارِب الدائمة؟
فإن كان المحدِّثون ما استحفُّوا منك السُّخرية والاستهانة إلاَّ لعدم دخولهم معكُم في هذه الممارسة، فالأمرُ في ذلك مجبور (٥)، ولهم أُسوة يُعزُّون بها أنفُسهم بالصحابة، والتَّابعين، بل بالأنبياء والمرسلين، وأمَّا الأعذارُ الموجبة عندكم لهذه الممارسة، فسوف يأتي بيانُها والجوابُ عنها قريبًا إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) في (ش): خلافهم.
(٢) في (ش): كفرت.
(٣) في (ب): الشنع.
(٤) تصحفت في (ش) إلى " تلك ".
(٥) في (ب): مجبوب.
[ ٣ / ٤٥٩ ]
تم بعونه تعالى الجزء الثالث من
العواصم والقواصم
ويليه الجزء الرابع وأوله:
أخبرنا ما سبب توهمك لاختصاصك بالذكاء دون المحدثين.
[ ٣ / ٤٦٠ ]
العواصم والقواصم
في الذب عن سنة أبي القاسم
تصنيف الإمام العلامة النظار المجتهد محمد بن إبراهيم الوزير اليماني
المتوفى سنة ٨٤٠ هـ
حققه وضبط نصه، وخرج أحاديثه، وعلّق عليه
شعيب الأرنؤوط