مؤسسة الرسالة
[ ٨ / ١ ]
العواصم والقواصم
في
الذب عن سنة أبي القاسم
٨
[ ٨ / ٢ ]
جميع الحقوق محفوظَة
لمؤسسَة الرسَالة
ولا يحق لأية جهة أن تطبع أو تعطي حق الطبع لأحد.
سَواء كان مؤسسَة رسميّة أو أفرادًا.
الطبعة الثالثة
١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م
مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع
مؤسسة الرسالة بَيْروت - شارع سُوريا - بناية صَمَدي وَصالحة
هاتف: ٦٠٣٢٤٣ - ٨١٥١١٢ - ص. ب: ٧٤٦٠ برقيًا، بيوشران
[ ٨ / ٣ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[ ٨ / ٤ ]
بسم الله الرحمن الرحيم (١)
وبه نستعين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.
الوهم الحادي والثلاثون:
قال: إنهم يقولون بإثابة الفراعنة بطاعات الأنبياء وتوهم (٢) أن هذا يمضي، فالله المستعان.
وقد مر الجواب في مسألة المتأولين، فخذه من هناك.
الوهم الثاني والثلاثون:
قال: ومن العجب العُجاب قول فخر الدين الرازي في " محصوله " (٣): إن شكر المنعم لا يجب عقلًا، وإن قُبْحَ القبيح لا يُعرف عقلًا إلى آخر كلامه.
أقول: بل من العجب العجاب أن الرازي يقول في " محصوله " هذا الذي نقلت عنه:
إن أهم ما في هذه المسألة معرفة موضع الخلاف بينهم وبين المعتزلة،
_________________
(١) من بداية هذا المجلد وحتى نهاية الكتاب اعتمدنا النسخة التي رمزنا إليها في المقدمة ص ١٣٠ بـ (د)، وكنا ذكرنا أنها تبدأ بالوهم الثاني والثلاثين، والصواب أنها تبدأ بالوهم الحادي والثلاثين، كما هو مثبت هنا، ثم انتهى إلينا أصل جديد من المجلد الرابع الذي يستوعب الجزء الثامن والتاسع من طبعتنا هذه زودنا بها القاضي إسماعيل الأكوع شكر الله له، وقد رمزنا لها بحرف (ف) وهي نسخة جيدة مقروءة نادرة الخطأ.
(٢) في (ش): " ثم وهم ".
(٣) ١/ ١٩٣.
[ ٨ / ٥ ]
ثم يصرح الرجل ببيانه بأوضح عبارةٍ، وأجلى نصٍّ، وأصرح بيان، ثم تغلط عليه في النقل من ذلك الكتاب (١) بعينه، وقد تقدم أن الرجل قد اعترف في " المحصول " هذا الذي نقلت عنه، فما حصَّلت نقلك، ولا حضرت عقلك: أنهم لا يخالفون في التحسين والتقبيح باعتبارات ثلاثة:
الأول: بالنظر إلى صفة الكمال، كالعلم والصِّدق، يعني الذي ليس بضارٍّ، وإلى صفة النقص، كالجهل والكذب، يعني الذي لم يقع إليه ضرورة، ولهذا لم يجيزوا الكذب من الله تعالى ولا شيئًا من صفات النقص عقلًا وسمعًا.
الثاني: بالنظر إلى النفع، كالصدقة، وإنقاذ الغرقى، ونصر المظلوم، ونحو ذلك، وبالنظر إلى المضرِّة كالظلم ونحوه.
الثالث: بالنظر إلى العادة، كستر العورة وكشفها قبل الشرع، وعند البراهمة ونحوهم ممن لا يتحكَّمُ للشرع (٢).
فهذه الوجوه الثلاثة يُقِرُّون بالتحسين والتقبيح بها عقلًا، وسائر التقبيح والتحسين عندهم شرعي.
_________________
(١) في (د): " النقل " وعبارة " من ذلك الكتاب " ساقطة من (ش).
(٢) يعني أن التحسين والتقبيح في هذه الأشياء غير مستفادة من الشرع، فإن البراهمة مع إنكارهم للشرائع عالمون بها. قلت: والبراهمة نسبة إلى هندي يُدعى: برهم. وهم طوائف، فطائفة تقول بقدم العالم، وتعترف بمدبر له قديم، وترى أن الإنسان غير مكلف بغير المعرفة، وطائفة تقول بحدوث العالم، وتعترف بوجود صانع حكيم، ولكنها تُنكر النبوات والكتب السماوية، وترى أن الواسطة بين الخالق وخلقه هو العقل فقط. وطائفة تقول بحدوث العالم، وتعترف بوجود الخالق، ولكن تؤمن بأن الذي يدبر شؤون العالم هو الأفلاك السبعة البروج الاثنا عشر. انظر: " الملل والنحل " ٢/ ٢٥٠ وما بعدها و" الحور العين " لنشوان الحميري ص ١٤٣ - ١٤٤.
[ ٨ / ٦ ]
الحسن والقبح يطلق بثلاثة اعتبارات
قال: وليس موضع الخلاف بيننا وبينهم في تقبيح هذه القبائح، وإنما موضع الخلاف في أن فاعل القبيح -الذي يسمُّونه صفة نقصٍ، كالكذب الذي ليس بضارٍّ- هل يستحق عليه العقوبة في الآخرة، والذم في الدنيا بمجرد العقل قبل ورود الشرع بذلك، أم لا؟ فهم (١) يقولون: لا نعرف استحقاق ذلك على هذا القدر قبل الشرع بمحض العقل المجرد عن النظر إلى الشرائع والعوائد، بل لا بد من تعريف الشرع بذلك، والمعتزلة تقول: بل يستقلُّ العقل بمعرفة ذلك قبل ورود الشرع به (٢)، ولكن معرفة العقل لذلك عندهم معرفة (٣) جملية، ولا يُهتدى إلى تفصيل (٤) مقدار العقوبة إلاَّ بالشرع، وهذا عندهم هو الذي اختص الشرع ببيانه (٥).
وقال الزركشي في " شرح جمع الجوامع " للسبكي: الحُسْنُ والقبح يُطلق بثلاثة اعتبارات:
أحدها: ما يلائم الطبع وينافره، كإنقاذ الغريق، واتهام البريء.
والثاني: صفة الكمال والنقص، كقولنا: العلم حَسَنٌ، والجهل قبيحٌ، وهو بهذين الاعتبارين عقليٌّ بلا خلاف، إذ العقل يستقل بإدراك الحسن والقبح فيهما (٦)، فلا حاجة في إدراكهما إلى شرعٍ.
والثالث: ما يوجب المدح والذم الشرعي عاجلًا، والثوات والعِقاب آجلًا، فهو محلُّ النِّزاع.
_________________
(١) كتب فوقها في (ش): " أي الأشعرية ".
(٢) ساقطة من (ش).
(٣) قوله: " عندهم معرفة " ساقطة من (ف).
(٤) " تفصيل " ساقطة من (ف).
(٥) انظر المحصول ١/ ١/١٥٩ - ١٦٦.
(٦) في (ش): " فيها ".
[ ٨ / ٧ ]
إلى قوله في التنبيهات:
التنبيه الثاني: ما اقتصر عليه المصنِّف من حكاية قولين هو المشهور، وتوسَّط قومٌ، فقالوا: قبحها ثابتٌ بالعقل.
قلت: يعني والذم عليها، وإلاَّ لكان هو الأول.
قال: والعقاب متوقِّفٌ (١) على الشرع، وهو الذي ذكره سعد بن علي (٢) الزنجاني من أصحابنا، وأبو الخطاب من الحنابلة، وذكره الحنفية، وحكوه عن أبي حنيفة نصًّا (٣)، وهو المنصور لقوته من حيث الفطرة، وآيات القرآن المجيد وسلامته من الوهن والتناقض. انتهى (٤).
وهو نقلٌ مفيدٌ، واختيارٌ سديدٌ، وهو كثير النقل في الغرائب من " المسودة " (٥) لابن تيمية (٦).
قوله: وآيات القرآن المجيد.
_________________
(١) في (ف): " يتوقف ".
(٢) تحرف في الأصول إلى: " أسعد " وقد تقدمت ترجمته ٥/ ١٦٤.
(٣) في (ف): " أيضًا ".
(٤) تقدمت الإشارة إلى هذا البحث ٥/ ١٦٤ - ١٦٥.
(٥) هو كتاب في أصول الفقه تتابع على تصنيفه ثلاثة من العلماء من آل تيمية أولهم: أبو البركات مجد الدين عبد السلام بن عبد الله بن الخضر المتوفى سنة ٦٥٢، وثانيهم ولده أبو المحاسن شهاب الدين عبد الحليم بن عبد السلام المتوفى سنة ٦٨٢، وثالثهم شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام المتوفى سنة ٧٢٨، وقد كتب كل واحد من هؤلاء العلماء ما كتبه وتركه مُسَوَّدة، ثم جمع مُسَوَّدَاتِهم، ورتبها، وبيضها الفقيه الحنبلي أبو العباس أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الغني الحراني، المتوفى سنة ٧٤٥، ووضع علامة تميز كلام كل واحدٍ منهم عن كلام الآخرين.
(٦) من قوله: " وهو نقل مفيد " إلى هنا، سقط من (ف).
[ ٨ / ٨ ]
يعني: الدالة على أن القبيح عقلي مثل قصة الخضر وموسى، ورجوعهما معًا إلى تأويل المستقبحات العقلية بوجوه عقليةٍ تُحَسِّنُها العقول (١)، ولو كان حسن الأشياء شرعيًا محضًا (٢)، لامتنع أن يكون ذلك متشابهًا محتاجًا إلى تأويلٍ عند أعرف العارفين، وكذلك قوله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٥ و٣٦]. وأمثال ذلك.
ولا شك أن هذا الموضع الذي وقع فيه الخلاف دقيقٌ لا يرتقي إلى مرتبة الضروريات الأوَّليَّات، ولا يُعلم من صاحبه تعمُّد العناد كما ادعاه الخصمُ عليهم، ومن ها هنا أجمع أهل البيت ﵈: على أنهم من أهل التأويل كما تقدم ذكر نصوصهم على ذلك.
واعلم أنك قد أغفلت أو تغافلت عن أمرين مهمَّين:
الأول: أنك بالغت في ذكر مساوىء الخصوم، حتَّى قلت عنهم ما لم يكن لأجل عمومٍ وقد بيَّنوه، أو إلزامٍ لم يلتزموه، أو قول بعض شواذِّهم مما قد أنكروه وقبحوه، وتركت (٣) بعض محاسنهم المعلومة بالضرورة عنهم من المحافظة على أركان الإسلام، وتعظيم شعائره، والذَّبِّ عن شرائعه، وظهور أمارات الإخلاص والإيمان من دوام العمل والخشوع والبكاء عند أسبابه، وترك المحرمات، وذكر تحريمها، والأدلة عليه في كتبهم، وذم مرتكبيها وتخويفهم (٤) وتأليفهم في الترغيب والترهيب، وأمثال ذلك مما يضطر من عَلِمَه منهم بمشاهدةٍ أو تواترٍ إلى اعتقاد تأويلهم، وترجيح ذلك على اعتقاد القطع بتعمُّدهم للكفر، وعلمهم أنهم كفرةٌ فجرةٌ، ساعون بجهدهم في غضب الله، مصرُّون على ذلك في حال الصِّحة والمرض، وعند شدة الآلام، واقتراب
_________________
(١) " العقول " ساقطة من (ف).
(٢) تحرفت في (ش) إلى: " مخفيًا ".
(٣) في (ش): " ونزلت ".
(٤) " تخويفهم " ساقطة من (ش).
[ ٨ / ٩ ]
الأجل، وظنهم للقاء الله ﷿، وهذا الذي غفلت عنه هو الذي حمل علماء الإسلام من أهل البيت ﵈ وسائر العلماء الأعلام على إثبات حكم التأويل لهم ولأمثالهم من الفرق (١) الإسلامية، والله تعالى نصب الموازين يوم القيامة للحسنات والسيئات، مع علمه الغيب وشهادة ملائكته الكرام وشهادة الأعضاء من الأنام، وأنت تركت سنة الله، وسنة رسله الكرام، وسنة العدل المحمود بين (٢) الأنام.
الأمر الثاني: أن من سلك ما سلكت من رمي أهل المذاهب بمجرد ما يُشنَّع عليهم به من غير تأمُّلٍ (٣) لمقاصدهم، أمكنه نسبة إنكار الضرورة إلى كل طائفة غالبًا، فقد خالف كبراء شيوخ المعتزلة في أمورٍ تظهر لمن لم يبحث عن مقاصدهم فيها، أنهم أنكروا الضرورة، مثل قول البصريين من المعتزلة، المسمين بالمخترعة: إن الماء لا يُرْوي، والنار لا تَحْرِقُ، والطعام لا يُشبعُ.
وقولهم: إن النار والماء مثلان لا ضدان ولا مختلفان، وبهم يُعرِّضُ أبو السعود من شعراء المطرِّفيَّة حيث قال في أرجوزته المشهورة:
ما نحن قلنا النار مثل الماء والقارُ مثل الفِضَّة البيضاء
ومن ذلك: قول المعتزلة: إن الله ليس برحمن ولا رحيمٍ على الحقيقة، وإنهما في ظاهرهما، وحقيقتهما من أسماء الذم القبيحة، ولهذا (٤) تعارضهم القرامطة في تقبيح المعتزلة عليهم قولهم: إنه تعالى ليس بعالمٍ ولا قادرٍ حقيقةً.
وكذا (٥) تقول البغدادية منهم في " سميعٍ بصيرٍ "، وفي " مريد ": إنها في
_________________
(١) في (ش): الفرقة.
(٢) في (ف): " من ".
(٣) في (ف): " تأول ".
(٤) في (ش): " وهذا "، وفي (ف): " وبهذا ".
(٥) في (ف): وكذلك، وفي (ش): " وكذا قول ".
[ ٨ / ١٠ ]
ظاهرها قبيحةٌ، وإنما تأويلها أن الله عالم غير ساهٍ ولا غافلٍ، وأمثال هذا في مذاهبهم، والقصد والإشارة (١)، فكما أمكن الخصم بجعلهم -مع ذلك- من أهل التأويل، فكذلك مثل ذلك في الأشعرية، وإلا لكان كما قيل:
وعينُ الرضا عن كل عيبٍ كليلة ولكنَّ عين السُّخط تُبدي المساويا (٢)
والله سبحانه أعلم.
الوهم الثالث والثلاثون:
ذكر السيد عن الفقهاء أنهم يجيزون إمامة الجائر، وحكى عن ابن بطَّالٍ أنه قال ما لفظه: الفقهاء مُجمعون أن المُتغلِّب طاعته لازمةٌ ما أقام الجُمُعات، والأعياد، والجهاد، وأنصف المظلوم غالبًا، وأن طاعته خيرٌ من الخروج عليه، لما في ذلك من تسكين الدَّهماء، وحقن الدماء، ولذلك قال النبي - ﷺ -: " أطيعوا السلطان ولو كان عبدًا حَبَشِيًّا " (٣) ولا يمتنع من الصلاة خلفه، وكذلك المذموم ببدعةٍ أو فِسْقٍ. انتهى.
إلى قول السيد: فإذا كان هذا مذهب القوم، عرفت أنهم كانوا مع أئمة الجور الذين قتلوا الأئمة الأطهار، وأنهم شيعة الححاج بن يوسف، بل شيعة يزيد قاتل الحسين ﵇، وشيعة هشامٍ قاتل زيد بن عليٍّ ﵇،
_________________
(١) في (ش): في الإشارة.
(٢) البيت لعبد الله بن معاوية بن جعفر بن أبي طالب، وقد تقدم تخريجه ٧/ ٢١.
(٣) لم يرد بهذا اللفظ في كتب الحديث، فقد رواه البخاري (٦٩٣) و(٦٩٦) و(٧١٤٢)، وأحمد ٣/ ١١٤ و١٧١، والبيهقي ٣/ ٨٨ من حديث أنس بلفظ: " اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ما أقام فيكم كتاب الله ". وعن أبي ذر نحوه - رواه مسلم (١٨٣٧)، والبيهقي ٣/ ٨٨. وعن أم الحصين الأحمسية، رواه أحمد ٦/ ٤٠٢، ومسلم (١٨٣٨)، والطبراني في " الكبير " ٢٥/ (٣٧٧) - (٣٨٢).
[ ٨ / ١١ ]
وشيعة أبي الدوانيق (١) قاتل محمد بن عبد الله (٢) وأخيه إبراهيم ﵉، وشيعة هارون الرشيد قاتل يحيى بن عبد الله (٣)، لأنهم يعتقدون بغي من خرج على المُتَغَلِّب الظالم، كما صرح به ابن بطَّال، ويصوّبون (٤) قتل الذين يأمرون بالقسط من الناس، لأنهم بغاةٌ على قولهم.
أقول: اشتمل كلام السيد هنا على أوهامٍ كثيرةٍ، وهي تبين بالكلام على فصولٍ:
الفصل الأول: في بيان أن الفقهاء لا يقولون بأن الخارج على إمام الجَوْرِ باغٍ، ولا آثمٌ، وهذا واضحٌ من أقوالهم، ومعلومٌ عند أهل المعرفة بمذاهبهم، ويدلُّ عليه وجوهٌ:
الوجه الأول: نصُّهُم على ذلك وهو بَيِّنٌ لا يُدفع، مكشوفٌ لا يتقنَّع، قال النووي في كتاب " الروضة " (٥) ما لفظه: الباغي في اصطلاح العلماء: هو
_________________
(١) أبو الدوانيق: هو لقب الخليفة العباسي الثاني أبي جعفر المنصور المتوفى سنة ١٥٨. قال الذهبي في " السير " ٧/ ٨٣: كان يلقب أبا الدوانيق، لتدنيقه ومحاسبته الصناع لما أنشأ بغداد، وقال: كان فحل بني العباس هيبةً وشجاعة ورأيًا وحزمًا ودهاءً وجبروتًا، وكان جمَّاعًا للمال، حريصًا، تاركًا للهو واللعب، كامل العقل، بعيد الغور، حسن المشاركة في الفقه والأدب والعلم.
(٢) هو محمد بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب، الملقب بالنفس الزكية. خرج هو وأخوه إبراهيم بن عبد الله على أبي جعفر المنصور. قتلا سنة (١٤٥) هـ. انظر " السير " ٦/ ٢١٠ - ٢٢٤.
(٣) هو يحيى بن عبد الله بن الحسن، أخو محمد وإبراهيم ابني عبد الله السالف ذكرهما، دعا إلى نفسه بالخلافة، ومات محبوسًا في خلافة هارون الرشيد سنة ١٨٠ هـ. انظر " تاريخ بغداد " ١٤/ ١١٠ - ١١٢.
(٤) في (ش): " وتصويب ".
(٥) ١٠/ ٥٠ واسمه الكامل " روضة الطالبين وعمدة المفتين " اختصره الإمام النووي من كتاب أبي القاسم عبد الكريم الرافعي " فتح العزيز في شرح الوجيز " اختصارًا مركزًا بحيث =
[ ٨ / ١٢ ]
المخالف لإمام العدل، الخارج عن طاعته بامتناعه من أداء واجبٍ عليه أو غيره، انتهى كلام النووي.
وقال الخليل بن إسحاق الجندي المالكي (١) شارح " مختصر ابن الحاجب الفرعي " المسمى بـ " التوضيح ": الباغية: فرقةٌ خالفت الإمام بمنع حقٍّ، أو لقلعه، فللعدل قتالهم وإن تأوَّلوا. ذكره في مختصر له، صنعه لبيان ما به الفتوى في مذهب مالكٍ رحمه الله تعالى.
وذكر النووي في " الروضة " (٢): أن القهر أحدُ طرق الإمامة، لكنه إن كان عادلًا لم يأثم، وإن كان جائرًا أثِمَ، وعصى بالتَّغَلُّب، أو كما قال، وهو نصُّ في موضع الخلاف وقد حكى هذا النووي فيما تقدم الآن عن العلماء على الإطلاق، ولم يُبين أحدًا وروى عنهم الإمام المنصور بالله ﵇ نفيض ما ذكره السيد من متابعة أهل البيت ﵈، وبالغ في براءتهم من ذلك، وتجهيل (٣) من نسب إليهم ما ذكره السيد، ذكره في الدعوة العامة إلى جيلان وديلمان من المجموع المنصوري، وكذلك في جوابه على وَرْدسان، وكذلك نقل عنهم التصريح بنقيض كلام السيد الإمام العلامة أبو الحسن (٤) علي بن
_________________
(١) = استوعب جميع فقه الكتاب حتى الوجوه الغريبة إلاَّ أنه ﵀ جَرَّدَهُ من معظم الأدلة التي وردت فيه، واستدرك عليه في مواطن غير قليلة وزاد عليه كثيرًا من الفروع التي جمعها من أمهات المصادر في الفقه الشافعي، وقد طبع في اثني عشر مجلدًا في دمشق وكان لي شرفُ تحقيقه على ثلاثة أصول خطية مع زميلي الشيخ عبد القادر الأرنؤوط، حفظه الله ورعاه.
(٢) هو الخليل بن إسحاق بن موسى المالكي الجندي، سُمِّي بذلك. لأنه كان يلبس زي الجند، ولم يُغيره، وكتابه هذا يقع في ست مجلدات ولم يطبع بعد. توفي سنة ٧٧٦ هـ، وقيل: غير ذلك. وابن الحاجب تقدمت ترجمته ١/ ٤٣٦ و٢/ ١٥.
(٣) ١٠/ ٤٦.
(٤) في (ش) و(ف): " ويجهل ".
(٥) تحرف في (ش) إلى: " الحسين ".
[ ٨ / ١٣ ]
محمد بن عليٍّ الطبري، الملقب عماد الدين، المعروف بالكيا الهَرَّاسي تلميذُ الجويني، ذكره ابن خَلِّكان في ترجمته من تاريخه المشهور (١)، وسيأتي لفظه في ذلك (٢).
فتطابق نقلهم عن أئمتهم ونقل أئمتنا عن أئمتهم على تكذيب هذه الدعوى عليهم، مع أنها دعوى مجرَّدةٌ عن البيِّنة، مصادمة لنصوصهم البينة، فكانت من قبيل الافتراء، ولَحِقَتْ بالفحش المذموم في هجو الشعراء، وخرجت من أساليب الحكماء وشهدت على أن راويها ليس من العلماء.
الوجه الثاني: أن الكلام في الخروج على أئمة الجور عندهم من المسائل الظنية، فالذي يخرج على الجائر -مستحلًا لذلك- غير آثمٍ، لأنه عَمِلَ باجتهاده في مسألة ظنيةٍ فروعيَّةٍ، فلم يستحقُّ التأثيم، ولا يُوصف فعله ممن استحله بالتحريم.
ذكر ما يقتضي ذلك غير واحدٍ منهم، ممن ذكر ما يقتضي ذلك الرازي في كتابه " الأربعين في أصول الدين "، وشيخي النفيس العلوي (٣)، بل ذكر الإمام
_________________
(١) " وفيات الأعيان " ٣/ ٢٨٨. وقال عنه: كان من أهل طبرستان، وخرج إلى نيسابور، وتفقه على إمام الحرمين الجويني، وكان حسن الوجه جهوري الصوت، فصيح العبارة، حلو الكلام، ومن كلامه: إذا جالت فرسان الأحاديث في ميادين الكفاح، طارت رؤوس المقاييس في مهاب الرياح. وقال الذهبي: كان أحد الفصحاء ومن ذوى الثروة والحشمة، واتهم بأنه باطني، يرى رأي الإسماعيلية، فنمت له فتنة، وهو بريء من ذلك. و" الكيا " في اللغة العجمية: الكبير القدر، المقدم بين الناس. انظر: " السير " ١٩/ ٣٥٠ - ٣٥٢.
(٢) ص ٣٠.
(٣) هو سليمان بن إبراهيم بن عمر بن علي بن عمر نفيس الدين أبو الربيع ابن البرهان العلوي، نسبة لعلي بن راشد بن بولان، برع في الحديث، وصار شيخ المحدثين ببلاد اليمن وحافظهم، له كتاب " الأربعين " في الحديث، و" إرشاد السالكين " في التصوف توفي سنة ٨٢٥ هـ. انظر ترجمته في " إنباء الغمر " ٧/ ٤٧٤، و" الضوء اللامع " ٣/ ٢٥٩ - ٢٦٠، و" شذرات الذهب " ٧/ ١٧٠، و" فهرس الفهارس " ٢/ ٩٨٠.
[ ٨ / ١٤ ]
مذاهب العلماء في الإمام الذي طرأ فسقه
المقلد بالله ما يقتضي ذلك عند أهل البيت ﵈، فإنه ذكر في آخر الزيادات في " مسائل الاجتهاد " اختلافهم في ذلك، كما يأتي بيانه في الفصل الثالث في الموضع الأول منه في (١) هذه المسألة إن شاء الله تعالى.
وذكر صاحب " الكافي " (٢) نحو ذلك عن أحمد بن حنبل في القسم الثالث من أقسام البغاة مع تجويز تسميته باغيًا، وفيه شذوذٌ، وفي صحته نظر، والله أعلم. وذكر أنه (٣) من لم يكن له تأويلٌ منهم، فحكمه حكم قُطَّاع الطريق.
قلت: وهذا مثل يزيد وأمثاله كما سيأتي نصُّهم على ذلك.
الوجه الثالث: أن ذلك جائزٌ في مذهبهم وعند كثيرٍ من علمائهم، فإن للشافعية في ذلك وجهين معروفين، ذكرهما في " الروضة " النووي وغيرها من كتبهم، وقد اختلفوا في الأصح منهما (٤)، فمنهم من صحح منهما (٤) لمذهبهم انعزال الإمام بالفسق.
قال الإمام العلامة صلاح الدين العلائيُّ (٥) في " المجموع المُذْهَب في قواعد المذهب " ما لفظه: الإمام الأعظم إذا طرأ فسقُه، فيه ثلاثة أوجهٍ:
أحدها: أنه ينعزل، وصححه في " البيان ".
_________________
(١) سقطت من (د).
(٢) ٤/ ١٤٧.
(٣) " أنه " ساقطة من (ش).
(٤) في (ش): " منها ".
(٥) هو خليل بن كيكلدي بن عبد الله العلائي الدمشقي، كان إمامًا حافظًا محدثًا ثبتًا ثقة، عارفًا بمذهبه، وبأسماء الرجال والعلل والمتون، فقيهًا أصوليًا متكلمًا أديبًا شاعرًا وله مصنفات كثيرة تزيد على الخمسين، وهي سائرة مشهورة نافعة متقنة محررة، وكتابه " المجموع المذهب "، يقع في مجلدين في ٣٢٥ صفحة، توجد منه نسخة في مكتبة الأزهر، ونسخة ثانية في مكتبة محمود الأول باستنبول، وثالثة بالمكتبة السليمانية في استنبول. توفي العلائي سنة ٧٦١. وانظر ترجمته في " الدرر الكامنة " ٢/ ٩٠ - ٩٢.
[ ٨ / ١٥ ]
الثاني: أنه لا ينعزل، وصححه كثيرون، لما في إبطال ولايته من اضطراب الأحوال.
قلت: وسيأتي في الموضع الأول من الفصل الثالث من هذه المسألة أنه قول أحمد بن عيسى بن زيد بن علي ﵈ المعروف بأنه فقيه آل محمدٍ - ﷺ -.
قال العلائي: الثالث: إن أمكن استتابته أو تقويم أَوَدِهِ، لم يُخلع، وإن لم يمكن (١) ذلك، خُلِعَ.
وقال القاضي عياض: لو طرأ عليه كفر، أو تغييرٌ للشرع، أو بدعةٌ، خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته، ووجب على المسلمين القيام عليه، ونصب إمامٍ عادلٍ إن أمكنهم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلاَّ لطائفةٍ، وجب عليهم القيام بخلع الكافر، ولا يجب على المبتدع القيام إلاَّ إذا ظنُّوا القدرة عليه، فإن تحققوا العجز لم يجب القيام، وليهاجر المسلم عن أرضه إلى غيرها، ويفر بدينه.
قال: وقال بعضهم: يجب خلعه إلاَّ أن يترتب عليه فتنةٌ وحربٌ. انتهى. نقل ذلك عنهما النفيس العلويُّ.
ولما ذكر ذلك القرطبي في " تفسيره " (٢) الجليل في قوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: ٦]، وقال: في ذلك سبع مسائل. إلى قوله: الثالثة: قال ابن العربي المالكي: فيه أنه لا تجوز إمامة الفاسق، ويصلح أن تُعاد الصلاة خلفه نقله العلوي أيضًا، وكذلك كلام ابن بطال الذي نقله السيد أيضًا، فإنه يدلُّ بمفهومه على جواز الخروج وعدمه، لأنه
_________________
(١) في (ش): " يكن ".
(٢) ١٦/ ٣١١.
[ ٨ / ١٦ ]
قال: إن طاعة المتغلِّب (١) خيرٌ من الخروج عليه، لما في ذلك من تسكين الدهماء، وحقن الدماء، ولو كان الخروج حرامًا قطعًا، والطاعة واجبةً قطعًا، لم يقل: إن الطاعة خيرٌ من الخروج، كما لا يقال: إن صوم رمضان خيرٌ من فِطْرِهِ، لأنهما لم يشتركا في الخير حتى يُفاضَلَ بينهما فيه، وإنما يقال ذلك مجازًا، والظاهر في الكلام عدم التجوز (٢)، ولذلك لم يقل أحدٌ (٣) ببقاء الحكم على مفهوم قوله تعالى: ﴿وأن تصوموا خيرٌ لكم﴾ [البقرة: ١٨٤]، بل قيل:
منسوخٌ، وقيل: لأهل الأعذار، فالسيد ظن أن كلام ابن بطَّالٍ حجَّةٌ له، وهو حجةٌ عليه، فأُتِيَ مما هو مستند إليه.
ومثل كلامه (٤) هذا كلام أبي عمر بن عبد البر في " الاستيعاب "، فإنه قال (٥) في الكلام على حديث مالكٍ، عن يحيى بن (٦) سعيدٍ، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن أبيه، عن جدِّه، قال: " بايعنا رسول الله - ﷺ - على السمع والطاعة في العسر واليُسر والمَنْشطِ والمكره، وأن لا نُنازِع الأمر أهله " (٧).
قال ابن عبد البر: واختلف الناس في معنى قوله: " وأن لا ننارع الأمر أهله " فقال قومٌ: هم أهل العدل والفضل والدين، وهؤلاء لا ينازَعُون، لأنهم أهل الأمر على الحقيقة.
وقال أهل الفقه: إنما يكون الاختيار في بدء الأمر، ولكن الجائر من الأئمة إذا أقام الجهاد والجُمُعة والأعياد، سكنت له الدَّهماء، وأنصف بعضها من
_________________
(١) في (ش): المتغلب طاعته.
(٢) في (ش): التجويز.
(٣) ساقطة من (د) و(ف).
(٤) كتب فوقها في (ش): " أى: كلام ابن بطال ".
(٥) في (د) و(ف): " قال فإنه ".
(٦) تحرف في (ش) إلى: " أبي ".
(٧) الحديث في " الموطأ " ٢/ ٤٤٥ - ٤٤٦. وانظر تمام تخريجه في " صحيح ابن حبان " (٤٥٤٧).
[ ٨ / ١٧ ]
بعضٍ في تظالمها، لم تجب منازعته، ولا الخروج عليه، لأن في الخروج عليه استبدال الأمن بالخوف وإراقة الدماء، وشنِّ الغارات، والفساد في الأرض، وهذا أعظم من الصبر على جَوْرِه وفسقه، والنظر يشهد أن أعظم المكروهين أولاهما بالتَّرك، وأجمع العلماء على أن من أمر بمنكرٍ، فلا يُطاع. قال النبي - ﷺ -: " لا طاعةَ إلاَّ في المعروف " (١)، قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]. انتهى.
وقال شيخُ الإسلام عمومًا، وشيخ الشافعية خصوصًا تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي في كتابه في " رفع اليدين في الصلاة ": قال الذهبي في " الميزان " (٢) في ترجمة عبد الرحمن بن أبي الموال: إنه ثقةٌ مشهورٌ، خرج مع محمد بن عبد الله، من رجال البخاري في " الصحيح "، وحكى عن أحمد بن حنبل أنه لا بأس به، وعن (٣) ابن عدي: أن حديثه مستقيمٌ.
وقال ابن حجر في مقدمته في " شرح البخاري " (٤) وثقه ابن معين، والنسائي وأبو زُرعة.
إلى هنا انتهت الزيادة، وليست مناسبةً لما نحن فيه.
وقال الذهبي في " الميزان " (٥): عبد الملك بن مروان بن الحكم: أنَّى له العدالةُ، وقد سفكَ الدِّماءَ، وفعل الأفاعيل؟!
فإذا عرفت هذا، تبين لك أنهم لا يعيبون على من خرج على الظلمة، لأن جوازه منصوصٌ عليه في كتب فقههم، ولو كان ذلك محرَّمًا عندهم (٦) قطعًا، لم
_________________
(١) رواه ابن حبان (٤٥٦٧) من حديث علي ﵁ بلفظ: " إنما الطاعة في المعروف ". وانظر تمام تخريجه فيه.
(٢) ٢/ ٥٩٢ - ٥٩٣.
(٣) في (ش): " وعنده ". وهو خطأ.
(٤) ص ٤١٩.
(٥) ٢/ ٦٦٤.
(٦) في (ش): عليهم.
[ ٨ / ١٨ ]
يختلفوا فيه (١) ويجعلوه أحد الوجوه في مذهبهم الذي يحِلُّ للمفتي أن يُفتيَ به، وللمستفتي أن يعمل به، كما أنه ليس لهم (٢) وجهٌ في جواز شيءٍ من الكبائر، ولا شك أن كل مسألةٍ لهم فيها قولان أو وجهان أنهم لا يُحَرِّمُون فعل أحدهما، ولا يجرحون من فعله (٣) مستحلًا له، ولا يُفسِّقونه (٤) بذلك، وهذا يعرفه المبتدىء في العلم، كيف المنتهي؟!
فبان بذلك بطلان قول السيد؛ إنهم يقولون الخارج على أئمة الجَوْرِ باغٍ بذلك.
الوجه الرابع: ما يوجد في كلام علمائهم الكبار في مواضع متفرِّقةٍ، لا يجمعها معنى، مما يدلُّ على ما ذكرته من تصويبهم لأهل البيت ﵈ وغيرهم في الخروج على الظَّلمة، بل تحريمهم لخروج الظلمة على أهل البيت أئمة العدل، وهي عكس ما ذكره السيد، وزيادةٌ على ما يجب من الرد عليه.
ومن أحسن من ذكر ذلك، وجوّده الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن خرجٍ الأنصاري الخزرجي الأندلسي المالكي القرطبي في كتابه " التذكرة بأحوال الآخرة " في مواضع متفرِّقة من كتاب الفتن والملاحم وأشراط الساعة، وقد ذكر فيها مقتل الحسين بن علي ﵇ بأبلغ كلامٍ (٥)، وذكر حديث عمَّار: " تقتلك الفئة الباغية " (٦)، وقول ابن عبد البر (٧) إنه من أصح الأحاديث. قلت: بل هو متواترٌ، كما قال الذهبي في ترجمة عمار من " النبلاء " (٨) إلى قول القرطبي (٩):
_________________
(١) سقطت من (ش).
(٢) في (ش): له.
(٣) في (ف): " جعله " وهو خطأ.
(٤) في (ش): ويفسقونه.
(٥) ص ٥٦٣ - ٥٧٢.
(٦) ص ٥٤٦، وتقدم تخريجه ٢/ ١٧٠.
(٧) " الاستيعاب " ٢/ ٤٧٤.
(٨) ١/ ٤٢١.
(٩) ص ٥٤٦.
[ ٨ / ١٩ ]
نقل عبد القاهر البغدادي إجماع فقهاء الحجاز والعراق أن عليا مصيب في قتاله لأهل صفين وأصحاب الجمل
وقال فقهاء الإسلام فيه ما حكاه الإمام عبد القاهر في كتاب " الإمامة " تأليفه:
وأجمع فقهاء الحجاز (١) والعراقي من فريقي الحديث والرأي، منهم: مالكٌ والشافعي والأوزاعي، والجمهور الأعظم من المتكلمين: أن عليًا مصيبٌ في قتاله لأهل صِفِّين، كما قالوا بإصابته في قتل أصحاب الجمل، وقالوا أيضًا بأن الذين قاتلوه بُغَاةٌ ظالمون له، ولكن لا يجوز تكفيرهم ببغيهم.
قال الإمام أبو منصور التميمي البغدادي في كتاب " الفرق " (٢) تأليفه في بيان عقيدة أهل السنة: وأجمعوا أن عليًا كان مصيبًا في قتال أهل الجمل وصِفّين، وذكر قبل ذلك عن أبي الخطاب دعوى الإجماع على ذلك.
ثم قال: وقال الإمام أبو المعالي في كتاب " الإرشاد " (٣) في فضل علي ﵁: كان إمامًا حقًّا، ومُقاتلوه بغاةٌ إلى آخر ما ذكره، وهو آخر فصل ختم به كتابه.
ثم تكلم القرطبي في الحجة على ذلك، وأجاد ﵀.
ومن ذلك ما ذكره الحاكم أبو عبد الله في كتابه " علوم الحديث " (٤) في النوع
_________________
(١) في (د): أهل الحجاز.
(٢) ٣٥٠ و٣٥١، ولفظه: وقالوا بإمامة علي في وقته، وقالوا بتصويب علي في حروبه بالبصرة وبصفين وبنهروان وقالوا في صفين: إن الصواب كان مع علي ﵁، وإن معاوية وأصحاب بغوا عليه بتأويلٍ أخطأوا فيه، ولم يكفروا بخطئهم.
(٣) ص ٤٣٣.
(٤) ص ٨٤، وهذا النوع خصه بمعرفة فقه الحديث، إذ هو ثمرة هذه العلوم، وبه قِوامُ الشريعة، وقد أدرج في هذا النوع فقه الحديث عن أهله ليُستدل بذلك على أن أهل هذه الصنعة من تبحر فيها لا يجهل فقه الحديث إذ هو نوع من أنواع هذا العلم. وروى فيه حديث " تقتل عمارًا الفئة الباغية " عن الحسين بن محمد الدارمي، عن أبي =
[ ٨ / ٢٠ ]
العشرين في آخر هذا النوع، في ذكر إمام الأئمة ابن خزيمة ومناقبه، وقد ذكر حديث أمِّ سلمة من طريقه، وهو قوله - ﷺ -: " تقتلك يا عمار الفئة الباغية ". قال ابن خزيمة بعد روايته: فنشهد أن كلَّ من نازع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في خلافته فهو باغٍ، على هذا عهدت مشايخنا، وبه قال ابن إدريس ﵁، انتهى بحروفه.
وهو يعني الإمام الشافعي، وهذا (١) نقل إمام الشافعية بلا مدافعةٍ، وقد جود (٢) الحاكم الثناء عليه، ووصفه بالتَّبَحُّر في العلوم.
ومن ذلك أن البيهقي ذكر في " السنن الكبير " في باب ما جاء في القصاص في القتل (٣): إذا كان الورثة صغارًا ما معناه: أن من جوز ذلك، احتج بقتل الحسن بن عليٍّ لابن ملجم، ولعلي ﵇ أولادٌ صغارٌ، ثم قال: وقد أجاب عن ذلك بعض أصحابنا بأنه قتله حدًا على كفره، لا قصاصًا انتهى.
فظهر من هذا أن فعل الحسن ﵇ حجَّةٌ عندهم، ولما كان ذلك من حُجَجِ الحنفية، لم تدفعه الشافعية بأن فعل (٤) الحسن ليس بحجةٍ، بل أجابوا بما يقتضي: أن المُكَفِّر لأمير المؤمنين علي ﵇ كافرٌ عندهم.
وفي صحيح البخاري في كتاب التفسير منه تفسير سورة براءة، في باب قوله: ﴿ثَانِيَ اثنينِ إذ هما في الغار﴾ [براءة: ٤٠] من حديث يحيى بن معين، حدثنا حجاج، حدثنا ابن جريجٍ قال لي ابن أبي (٥) مُليكة: قلت لابن عباس:
_________________
(١) = بكر بن خزيمة، حدثنا أبو موسى، حدثنا عبد الصمد، حدثنا شعبة، عن خالد، عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة رفعته.
(٢) في (ف): " وهكذا ".
(٣) تحرف في (د) إلى: " جوز ".
(٤) ٨/ ٥٨. وانظر ردّ ابن التركماني عليه.
(٥) " فعل ": سقطت من (د) و(ف).
(٦) لفظ " أبي " سقط من الأصول الثلاثة ".
[ ٨ / ٢١ ]
أتريد أن تقاتل ابن الزبير فتُحل حرم الله (١)، فقال (٢): معاذ الله، إن الله كتب ابن الزبير وبني أمية مُحِلِّين، وإني والله لا أُحله أبدًا (٣).
فصرح البخاري بتصحيح ذم بني أمية، وأدخله في كتابه " الصحيح " الذي اختاره للمسلمين، وخلفه يعمل به من بعده، إلى يوم الدين، ولم يتأول ذلك ولا يضعفه، ولا عاب ذلك عليه أحدٌ من أهل السنة، ولا تركوا ذلك تقيَّةً من أعداء أهل البيت مع قوتهم وكثرتهم.
وذكر الحافظ شمس الدين عليُّ بن أبي بكر الهيثمي الشافعي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ﴾ [المائدة: ٢٧] من كتاب التفسير من " مجمع الزوائد " (٤) حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا: " أشقى الناس ثلاثة: عاقر ناقة ثمود، وابن آدم الذي قتل أخاه " قال الهيثمي: وسقط من الأصل الثالث، والظاهر أنه قاتل علي ﵁، وفي إسناده محمد بن إسحاق صاحب " السيرة النبوية ".
_________________
(١) في " البخاري ": ما حرم الله.
(٢) في (د): " فقلت "، وهو تحريف.
(٣) " البخاري " (٤٦٦٥) وقوله: " إن الله كتب " أي: قدر، وقوله " محلين " أي: أنهم كانوا يبيحون القتال في الحرم، وإنما نسب ابن الزبير إلى ذلك وإن كان بنو أمية هم الذين ابتدؤوه بالقتال وحصروه، وإنما بدأ منه أولًا رفعهم عن نفسه، لأنه بعد أن ردهم الله عنه، حصر بني هاشم ليبايعوه، فشرع فيما يؤذن إباحته القتال في الحرم، وكان بعض الناس يسمي ابن الزبير: المحل. وقوله: " لا أحله أبدًا " أي: لا أبيح القتال فيه، وهذا مذهب ابن عباس أنه لا يقاتل في الحرم ولو قوتل فيه.
(٤) ٧/ ١٤، ولم ترد في المطبوع نسبته إلى مخرجه، وأورده السيوطي في " الدر المنثور " ٣/ ٦١ - ٦٢، وعزاه للطبراني، ولم يذكر الثالث. ومن رواية الطبراني أخرجه أبو نعيم في " الحلية " ٤/ ٣٠٧ - ٣٠٨، وقال: غريب من حديث سعيد، لم نكتبه إلاَّ من حديث سلمة، قلت: فيه بالإضافة إلى تدليس ابن إسحاق حكيم بن جبير، وهو ضعيف، وقال الهيثمي: متروك.
[ ٨ / ٢٢ ]
وذكر الترمذي في " جامعه " حديثًا فحسنه عن سفينة الصحابي مولى رسول الله - ﷺ -، وفيه أنه لما روى الحديث: " الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم ملكٌ بعد ذلك " قال له سعيد بن جمهان: إن بني أمية يزعمون أن الخلافة فيهم، قال: كذبوا بنو (١) الزرقاء، بل هم ملوك من شر الملوك.
هذه رواية الترمذي، وفي رواية أبي داود: قال سعيد: قلت لسفينة إن هؤلاء يزعمون أن عليًا لم يكن بخليفةٍ، فقال: كذبت (٢) أستاه بني الزرقاء، يعني بني مروان (٣).
وروى الترمذي عن الحسن بن علي ﵇ أن النبي - ﷺ - أُرِي بني أمية على منبره، فساءه ذلك، فنزلت: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْر﴾ يملكها بعدك بنو أمية يا محمد (٤).
_________________
(١) في الأصول " بني " وهو خطأ.
(٢) في (ش): " كذب ".
(٣) " الترمذي " (٢٢٢٦)، وأبو داود (٤٦٤٦)، وهو حديث حسن. وصححه ابن حبان (٦٦٥٧) و(٦٩٤٣). وانظر تمام تخريجه فيه.
(٤) رواه الترمذي (٣٣٥٠) من طريق أبي داود الطيالسي، حدثنا القاسم بن الفضل الحدّاني، عن يوسف بن سعد، قال: قام رجل إلى الحسن بن علي بعدما بايع معاوية، فقال: سوَّدت وجوه المؤمنين، أو يا مسوِّد وجوه المؤمنين، فقال: لا تؤنِّبني رحمك الله، فإن النبي - ﷺ - أُري بني أُمية على منبره، فساءه ذلك، فنزلت: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ يا محمد، يعني نهرًا في الجنة، ونزلت: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْر﴾. يملكها بعد بنو أمية يا محمد، قال القاسم، فعددنا فإذا هي ألف شهر لا تزيد ولا تنقص. ورواه من طريق الطيالسي الطبراني في " الكبير " (٢٧٥٤)، والحاكم ٣/ ١٧٠ - ١٧١، والبيهقي في " الدلائل " ٦/ ٥٠٩ - ٥١٠ كلهم من حديث القاسم بن الفضل الحداني عن يوسف بن سعد، ويقال: يوسف بن مازن الراسبي. وصححه الحاكم في الرواية الأولى، وقال الذهبي: والقاسم وثقوه، رواه عنه أبو داود =
[ ٨ / ٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = والتبوذكي، وما أدري آفته من أين. وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلاَّ من هذا الوجه من حديث القاسم بن الفضل، وهو ثقة، وثقه يحيى القطان وابن مهدي، قال: وشيخه يوسف بن سعد، ويقال: يوسف بن مازن رجل مجهول، ولا نعرف هذا الحديث على هذا اللفظ إلاَّ من هذا الوجه. وتعقبه الحافظ ابن كثير في تفسيره ٨/ ٤٦٢ - ٤٦٣، فقال: وقول الترمذي: إن يوسف هذا مجهول فيه نظر، فإنه قد روى عنه جماعة، منهم حماد بن سلمة، وخالد الحذاء، ويونس بن عبيد، وقال فيه يحيى بن معين: هو مشهور، وفي روايته عن ابن معين: هو ثقة، ورواه ابن جرير ٣٠/ ٢٦٠ من طريق القاسم بن الفضل عن عيسى بن مازن كذا قال، وهذا يقتضي اضطرابًا في هذا الحديث والله أعلم. ثم هذا الحديث على كل تقدير منكر جدًا، قال شيخنا الحافظ الحجة أبو الحجاج المزي: هو حديث منكر. قلت: وقول القاسم بن الفضل الحداني: إنه حسب مدة بني أمية فوجدها ألف شهر لا تزيد يومًا ولا تنقص، ليس بصحيح؛ فإن معاوية بن أبي سفيان -﵁- استقل بالملك حين سلَّم إليه الحسن بن علي الإمرة سنة أربعين، واجتمعت البيعة لمعاوية، وسمي ذلك العام عام الجماعة، ثم استمروا فيها متتابعين بالشام وغيرها، لم تخرج عنهم إلاَّ مدة دولة عبد الله بن الزبير في الحرمين والأهواز وبعض البلاد قريبًا من تسع سنين، لكن لم تَزُل يدُهُم عن الإمرة بالكلية، بل عن بعض البلاد إلى أن استلبهم بنو العباس الخلافة في سنة اثنتين وثلاثين ومائة، فيكون مجموع مدتهم اثنتين وتسعين سنة، وذلك أزيد من ألف شهر، فإن الألف شهر عبارة عن ثلاث وثمانين سنة وأربعة أشهر، وكأن القاسم بن الفضل أسقط من مدتهم أيام ابن الزبير، وعلى هذا فتقارب ما قاله للصحة في الحساب، والله أعلم. ومما يدل على ضعف هذا الحديث أنه سيق لذم بني أمية، ولو أريد ذلك لم يكن بهذا السياق، فإن تفضيل ليلة القدر على أيامهم لا يدل على ذم زمانهم، فإن ليلة القدر شريفة جدًا، والسورة الكريمة إنما جاءت لمدح ليلة القدر، فكيف تمدح بتفضيلها على أيام بني أمية التي هي مذمومة، بمقتضى هذا الحديث، وهل هذا إلاَّ كما قال القائل: ألم تَرَ أن السيف ينقُصُ قدره إذا قيل: إن السيف أمضى من العصا وقال آخر: إذا أنت فضَّلتَ أمرأً ذا بَرَاعةٍ على ناقص، كان المديحُ من النقص =
[ ٨ / ٢٤ ]
قال القاسم بن الفضل: فعددناها، فإذا هي ألف شهرٍ، لا تزيد يومًا، ولا تنقص.
قال الذهبي في " الميزان " (١) في ترجمة عبد الرحمن بن مُلجمٍ المرادي: ذاك المعَثَّر الخارجي، ليس بأهلٍ أن يروى عنه، وكان عابدا قانتًا، لكنه خُتِمَ له بِشَرٍّ، فقتل أمير المؤمنين.
وقال فيه (٢) في يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الأموي: مقدوحٌ في عدالته، ليس بأهلٍ أن يُروى عنه، وقال أحمد بن حنبل: لا ينبغي أن يروى عنه.
وقال فيه (٣) في ترجمة شِمُرِ بن ذي الجوشن: ليس بأهلٍ للرواية، فإنه أحد قتلة الحسين ﵁.
وحكى عن أبي إسحاق، قال: كان شِمْرٌ يصلي معنا، ويستغفر، قلت: كيف يغفِرُ الله لك، وقد أعنت على قتل ابن بنت رسول الله - ﷺ -؟! قال: ويحك إن أمراءنا أمرونا، ولو خالفناهم كنا شرًا (٤) من الحُمر السُّقاة.
قال الذهبي: إن هذا العذر قبيحٌ، وإنما الطاعة في المعروف.
وقال فيه (٥) في ترجمة عمر بن سعد بن أبي وقاص: هو في نفسه غيرُ
_________________
(١) = ثم الذي يفهم من ولاية الألف الشهر المذكورة في الآية هي أيام بني أمية، والسورة مكية، فكيف يحال على ألف شهر هي دولة بني أمية، ولا يدل عليها لفظ الآية ولا معناها؟! والمنبر إنما صنع بالمدينة بعد مدة من الهجرة، فهذا كله مما يدل على ضعف هذا الحديث ونكارته، والله أعلم.
(٢) ٢/ ٥٩٢.
(٣) أي في " ميزان إلاعتدال " ٤/ ٤٤٠.
(٤) ٢/ ٢٨٠.
(٥) تحرفت في الأصول " سواء "، والمثبت من " الميزان ".
(٦) ٣/ ١٩٨ - ١٩٩.
[ ٨ / ٢٥ ]
متهمٍ، لكنه باشر قتال الحسين، وفعل الأفاعيل، وروى شعبة عن أبي إسحاق، عن العَيزار بن حُريثٍ (١)، عن عمر بن سعد، فقام إليه -يعني إلى العيزار- رجل، فقال: أما تخاف الله، تروي عن عمر بن سعدٍ؟! فبكى -يعني العيزار- وقال: لا أعود.
وقال أحمد بن زهير: سألت ابن معينٍ: أعمر بن سعدٍ ثقةٌ؟ فقال: كيف يكون من قتل الحسين ثقةً؟!
ثم ذكر توثيق العجلي له (٢)، وهذا شيءٌ تفرَّد به العجلي، وليس فيه دليلٌ على أن العجلي لا يُفَسَّقُه، لأن العجلي كان يرى توثيق الفاسق الصدوق في لهجته، ولذلك وثق جماعةً من صحَّ عنه سبُّ أبي بكر وعمر، ومن سبهما، فهو عنده فاسقٌ، بل صح عنه توثيق من يرى كفرهما من غلاة الروافض الصادقين في الرواية، فساوى بين أهل الصدق في الحديث من الروافض والنواصب، ولذلك حكى الحاكم عن النسائي أنه قال: العجلي ثقة، مع أن الحاكم والنسائي من أئمة الشيعة، وأهل المعرفة التامة بالرجال.
وذكر المزي (٣) كلام العجلي، ثم عقبه بكلام ابن معين، كالرد عليه، ثم ذكر من أخباره وبُغْضِ أبيه له، ثم قال: وروي عن محمد بن سيرين، عن بعض أصحابه، قال: قال علي لعمر بن سعدٍ: كيف أنت إذا قمت مقامًا تُخَير فيه بين الجنة والنار، فتختار النار؟
وممن وثقه العجلي: أبو معاوية الضرير، محمد بن خازم (٤)، وقد قال الحاكم: احتج به الشيخان وهو ممن اشتهر عنه الغلو. قال الذهبي (٥): أي الغلو
_________________
(١) تحرفت في (ش) إلى: " حرب ".
(٢) " ثقات العجلي " ص ٣٥٧.
(٣) " تهذيب الكمال " ٢١/الترجمة رقم (٤٢٤٠).
(٤) " الثقاث " ص ٤٠٣.
(٥) في " الميزان " ١/ ٥٧٥.
[ ٨ / ٢٦ ]
مقصود العجلي بالثقة عنده: الصدوق في روايته، لا الصالح في دينه
في التشيع، وقد قال الذهبي في ترجمة أبان بن تغلب من " الميزان " (١): إن الغلو في التشيع عبارة عن تكفير الشيخين: أبي بكر وعمر وسبهما.
فتوثيق العجلي لبعض غلاة الشيعة يدل على أنه يوثق الصدوق، وإن كان عنده صاحب بدعةٍ ومعصيةٍ، وقد مرَّ لي ذلك (٢) في مواضع.
منها في ترجمة مندل بن علي العنبري الكوفي (٣)، ضعَّفه أحمد بن حنبل، وقال العجلي (٤): جائز الحديث يتشيع.
ومنها ترجمة تليد بن سليمان في " التهذيب " (٥): قال العجلي (٦) وأحمد: لا بأس به، وقد صح عنه شتم أبي بكر وعمرو عثمان، والرفض، وضعَّفه الشيعة (٧)، قال ابن معين: غير ثقةٍ، وقال: ليس بشيءٍ، وقال النسائي -على تشيعه-: ليس بالقوي. وقال العجلي فيه (٨): تابعي ثقة.
وهو دليل أن العجلي يعني بالثقة: الصدوق في روايته، لا الصالح في دينه عنده، فإن الغلاة في عرفهم من يكفر الخلفاء (٩) الثلاثة، أو يسبهم أدنى الأحوال، وليس فيمن يفعل ذلك عند العجلي خيرٌ قطعًا، فلو دل توثيقه عمر بن سعدٍ على بُغض علي ﵇ وأهله، لدل توثيقه حَبَّة العُرني (١٠) على
_________________
(١) ١/ ٦.
(٢) في (ش): " في ذلك ".
(٣) " الميزان " ٤/ ١٨٠، و" التهذيب " ١٠/ ٢٦٥.
(٤) " الثقات " ص ٤٣٩.
(٥) " تهذيب الكمال " ٤/ ٣٢١ - ٣٢٢، و" تهذيب التهذيب " ١/ ٤٤٧.
(٦) ص ٨٨.
(٧) " تهذيب الكمال " ٥/ ٣٥١ - ٣٥٤.
(٨) " الثقات " ص ١٠٥.
(٩) سقطت من (ش).
(١٠) تصحفت في (ش) إلى: " القرني ".
[ ٨ / ٢٧ ]
بغض سائر الخلفاء وأتباعهم، ولزم اجتماع النصب والرفض فيه، وذلك غيرُ واقعٍ مع أهل القبلة مع أنه يمكن أنه غَلِطَ أو غُلِطَ عليه، وأنه عنى بذلك التوثيق غيره، ففي الرواة جماعةٌ مشتركون في هذا الاسم، منهم عمر بن سعدٍ الخَفَري، أبو داود الرجل الصالح (١)، ومنهم عمر بن سعدٍ القُرَظ، ومنهم عمر بن سعدٍ الخولاني.
فالحمل على السلامة يوجب ذلك، وحاله يحتمل الحمل على السلامة لوجهين:
أحدهما: أنه لم يذكر بتحاملٍ على علي ﵇ قط، والرمي ببغض علي ﵇ شديدٌ، فلا تحل نسبته إلى من ظاهره الإسلام إلاَّ بعد صحةٍ لا تحتمل التأويل كالتكفير والتفسيق، ولذلك كان القول بجميع ذلك لا يجوز إلا بدليل قاطع. وقد كان ابن أبي داود (٢) يقول: كل أحدٍ في حلٍّ إلاَّ من نسب إليَّ بُغضَ عليٍّ ﵇.
وحقوق المخلوقين ومطالبهم خطرة، وفي الحديث الصحيح: " إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث " (٣)، والخطأ في العفو خيرٌ من الخطأ في
_________________
(١) من قوله: " عمر بن سعد الحفري " إلى هنا سقط من (ف).
(٢) هو عبد الله بن أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني، كان فقيهًا عالمًا حافظًا، وكان يُحدث من حفظه، رحل به أبوه من سجستان فطوف به شرقًا وغربًا، توفي سنة ٣١٦، وصلى عليه نحو ثلاث مئة ألف إنسان. وقوله هذا ذكر الخطيب في " تاريخه " ٩/ ٤٦٨، والذهبي في " تذكرة الحفاظ " ٢/ ٧٧١. مترجم في " سير أعلام النبلاء " ١٣/ ٢٢١ - ٢٣٧.
(٣) حديث صحيح. رواه من حديث أبي هريرة مالك ٢/ ٩٠٧ - ٩٠٨، ومن طريقه رواه أحمد ٢/ ٤٦٥ - ٥١٧، والبخاري (٦٠٦٦)، ومسلم (٢٥٦٣) (٢٨)، وأبو داود (٤٩١٧)، والبيهقي ٦/ ٨٥ و٨/ ٣٣٣ و١٠/ ٢٣١، والبغوي (٣٥٣٣)، وصححه ابن حبان (٥٦٨٧).
[ ٨ / ٢٨ ]
العقوبة (١)، وقد ثبت: " إن من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه " (٢) كيف بالقطع في موضع الاحتمال، ومن أشد ما يخاف المخطىء في ذلك أن يكون عليه إثم الباغض لعليٍّ ﵇، لقول النبي - ﷺ -: " إذا قال الرجل لأخيه يا كافر، فقد باء بها أحدهما " (٣)، وكذلك غير لفظ الكافر ترجع على قائلها، وفي
_________________
(١) روى الترمذي (١٤٢٤)، والدارقطني ٣/ ٨٤، والحاكم ٤/ ٣٨٤، والبيهقي ٨/ ٢٣٨ من طريق يزيد بن زياد الشامي، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة مرفوعًا: " ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج، فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يُخْطِىءَ في العفو، خيرٌ من أن يُخطىء في العقوبة ". ورواه ابن أبي شيبة ٩/ ٥٦٩ - ٥٧٠، والترمذي، والبيهقي ٨/ ٢٣٨ من طريق وكيع، عن يزيد بن زياد به موقوفًا على عائشة. وقال الترمذي: يزيد بن زياد ضعيف، ورواية وكيع (الموقوفة) أصح وبنحوه قال البيهقي. وصحح الحاكم الرواية المرفوعة، فتعقبه الذهبي بقوله: يزيد بن زياد شامي متروك.
(٢) حديث صحيح بشواهده، رواه الترمذي (٢٣١٧)، وابن ماجه (٣٩٧٦)، وابن حبان (٢٢٩)، والبغوي (٤١٣٢)، والقضاعي في " مسند الشهاب " (١٩٢)، والخطيب في " تاريخه " ٤/ ٣٠٩ و٥/ ١٧٢ و١٢/ ٦٤ من حديث أبي هريرة. ورواه القضاعي (١٩١)، والطبراني في " الصغير " (٨٨٤) من حديث زيد بن ثابت، قال الهيثمي في " المجمع " ٨/ ١٨: فيه محمد بن كثير بن مروان، وهو ضعيف. ورواه أحمد ١/ ٢٠١، والطبراني في " الكبير (٢٨٨٦)، و" الصغير " (١٠٨٠)، و" الأوسط "، والقضاعي (١٩٤) من حديث الحسين بن علي. قال الهيثمى ٨/ ١٨: ورجال أحمد و" الكبير " ثقات. ورواه مالك ٢/ ٩٠٣، ومن طريقه الترمذي (٢٣١٨)، والبغوي (٤١٣٣) من حديث علي بن الحسين مرسلًا. وقال أحمد وابن معين والبخاري والدارقطني: لا يصح إلاَّ عن علي بن الحسين مرسلًا.
(٣) حديث صحيح، وقد تقدم تخريجه ٢/ ٤٣٩.
[ ٨ / ٢٩ ]
العالم الثقة إذا قال: حدثني الثقة، ولم يوضح من هو، لم يحكم بصحة الحديث
ذلك حديثٌ صحيح لم يحضرني لفظه (١)، وكذلك اللعن لغير المستحق، ولا يتعرض حازِمٌ لمثل هذه الأخطار.
وثانيهما (٢): أن توثيقه غير واحد من غلاة الشيعة، وتوثيق النسائي له يدل على ذلك، وليس فيه دليل على أن العجلي لا يفسِّقه، فإنهم قد يوثِّقون الفاسق والكافر والرافض والجهمي (٣)، وهو مثل قول محمد بن إسحاق -مع أنه معتزلي-: حدثني الثقة، قيل له: من الثقة؟ قال: يعقوب اليهودي. رواها عنه الذهبي في ترجمته من " الميزان " (٤).
فقد يوثِّقون الصدوق في كلامه، وإن كان أبغض العصاة إلى الله، ولم يحتج العجلي على توثيقه إلاَّ بأن الناس رووا عنه، وهذا غير صحيحٍ، فلم يرو عنه إلاَّ الأقل، مما يدل على سوء حاله كما يأتي، ولو رووا عنه، فذلك ليس بدليل على توثيقهم له، كما ذكروه في علوم الحديث وفي الأصول.
ولهذا وأمثاله حكم علماء الحديث أن (٥) العالم الثقة إذا قال: حدثني الثقة، ولم يوضح من هو، لم يحكم بصحة الحديث، لجواز أن يخالفه في توثيقه لو بينه، إما بأن يعلم من حاله ما لا يعلم، أو بأن يختلف فيما يقتضيه حاله المعلوم للجميع.
وسر المسألة أن التوثيق ظني اجتهادي، ولا يجوز للمجتهد أن يقلِّد فيما هذا حاله مع التمكن، ومن هنا لم يصحِّحوا المرسلات (٦).
_________________
(١) ولفظه: " لا يرمي رجل رجلًا بالفسوق، ولا يرميه بالكفر، إلاَّ ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك ". رواه أحمد ٥/ ١٨١، والبخاري في " صحيحه " (٦٠٤٥)، وفي " الأدب المفرد " (٤٣٢)، والبيهقي في " الآداب " (١٥٨).
(٢) في (ش): وثانيها.
(٣) في (د) و(ف): " فالجهمي ".
(٤) ٣/ ٤٧١.
(٥) في (ف): " على أن ".
(٦) أي: جمهور أهل الحديث، وانظر في حجية المرسل واختلاف العلماء فيه فيما كتبناه في مقدمة المراسيل لأبي داود.
[ ٨ / ٣٠ ]
وقال عبدان في جميل بن الحسن الأهوازي: كاذبٌ فاسقٌ. قال ابن عدي (١): أما في الرواية، فإنه صالحٌ فيها (٢).
وقال الذهبي في " الكاشف " (٣): يعني عبدان: أنه كاذبٌ في كلامه، يعني في مذهبه (٤)، لا في روايته، وهو في معنى كلام المنصور بالله في " الصفوة " وقد تقدم، وأعيد منه ها هنا ما تَمَسُّ إليه الحاجة.
قال ﵇ بعد أن اختار قبول رواة الخوارج، وادعى إجماع الصحابة على ذلك ما لفظه: وقول من قال: إن من عُرِفَ بالكذب في المعاملات لا يقبل خبره، فكيف يقبل خبر من عرف بالكذب على أفاضل الصحابة وسادات المسلمين لا يتسق، لأن المعلوم من حالهم أنهم لا يكذبون على الصحابة في الرواية عنهم، وإنما يكذبون عليهم في الاعتقاد فيهم، وذلك خارج من باب الأخبار، وكانوا لا ينتقصون إلاَّ من يعتقدون الصواب في انتقاصه ومحاربته. انتهى.
فالخوارج قد شركوا عمر بن سعد في ذنبه (٥)، وزادوا أنهم كانوا يُكَفِّرون أميرَ المؤمنين ﵇ ومن والاه، وعمر بن سعد لم يُنقل عنه التكفير، فإذا أوجب المنصور بالله ﵇ قبول قول (٦) الخوارج، ولم يدل على بغضه عليًا ﵇، لم يبعد أن يوثق (٧) العجلي عمر بن سعد بهذا المعنى، ولا يبغض الحسين ﵇، وإنما هو في معنى قول الذهبي: إنه لم يكن يُتَّهم -يعني بالكذب-.
_________________
(١) " الكامل في الضعفاء " ٢/ ٥٩٤.
(٢) " ميزان الاعتدال " ١/ ٤٢٣.
(٣) ١/ ١٣٢.
(٤) قوله: " يعنى في مذهبه " لم يرد في (ش).
(٥) في (ش): دينه.
(٦) ساقطة من (د) و(ف).
(٧) في (ف): " توثيق ".
[ ٨ / ٣١ ]
وكذا قال قتادة في عمران بن حطان: لم يكن يُتَّهم (١) في الحديث، وقال أبو داود: ليس (٢) في أهل الأهواء أصح حديثًا من الخوارج، ذكره المزي في ترجمة عمران بن حِطان (٣).
وكذلك كثيرٌ من المشركين، ولذلك، كان دليل النبي - ﷺ - حين هاجر مشركًا، فوثق (٤) به في دلالة الطريق، وكذلك وثِقَ بعهد سراقة أنه لا يخبر به أحدًا، ودعا له، وكتب له لظنه (٥) أنه يصدق في عهده (٦)، وذلك في معنى قول أهل البيت: إن حديث الخوارج مقبول، ودعوى المنصور بالله الإجماع عليه يستلزم روايته عن جميع أهل البيت القدماء مع تكفيرهم لعلي ﵇، وقد تقدم في مسألة المتأولين بيان مذاهب أهل البيت في ذلك.
وقال المنصور بالله في " المجموع المنصوري " في رسالةٍ ذكرها عقيب " تحفة الإخوان ": وقد كان دليل رسول - ﷺ - كافرًا لما غلب في ظنه أنه ينصحه. انتهى.
وقد يوثق الشيعي من يهلكه بهذا المعنى، كما نقل الذهبي عن النسائي في (٧) أنه وثق نُعيم بن أبي هند، قال الذهبي في " الميزان " (٨) نعيم لون غريب، كوفي ناصبي.
وكذلك السني قد يوثق الشيعي، كما قالوا في الحاكم أبي عبد الله وغير واحد.
_________________
(١) في (ش): متهم.
(٢) في (د): لم يكن، وكتب فوقها: " ليس ".
(٣) " تهذيب الكمال " ٢٢/رقم الترجمة (٤٤٨٧). وانظر أيضًا " الميزان " ٣/ ٢٣٦.
(٤) في (ش): " يوثق "، وفي (ف): " وثق ".
(٥) ساقطة من (ش).
(٦) انظر " صحيح ابن حبان " (٦٢٨٠) و(٦٢٨١).
(٧) " في " سقطت من (د) و(ف).
(٨) ٤/ ٢٧١.
[ ٨ / ٣٢ ]
ومما يدلُّ على ذلك أنه لم يرو عن عمر بن سعد أحد من أهل الكتب الستة المعتمدة إلاَّ النسائي، والنسائي (١) من المشاهير بالتشيع وتهليك أعداء عليٍّ ﵇، ولم يرو عنه إلاَّ حديث: " لا يحل دمُ امرىءٍ مسلمٍ إلاَّ بإحدى ثلاث " (٢)، وهو مشهور من غير طريقه، ولا يُتَّهم في مثله، فهو حجة عليه، ولعل النسائي ما أورده من طريقه إلاَّ ليعلم أنه فاسق تصريحٍ يروي مثل هذا النص في تحريم أمرٍ، ثم يخالفه في أفضل أهل دهره.
وقد روى الذهبي عن مسلم في ترجمته في " النبلاء " (٣) أنه قال في علي بن الجعد: إنه ثقة، لكنه كان جهميًا، والجهمي عندهم شرٌّ من الفاسق.
وروى في ترجمة الحاكم في " التذكرة " (٤) عن أبي (٥) إسماعيل الأنصاري أنه سئل عن الحاكم، فقال: ثقةٌ في الحديث، رافضي خبيث.
وفى " الميزان " (٦) في ترجمة زكريا بن إسحاق المكي صاحب عمرو: أنه ثقة حجة مشهور، وقال ابن معين: قدري ثقة.
_________________
(١) (والنسائي) ساقطة من (ش).
(٢) وتمام الحديث: " إلاَّ بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة " والحديث مخرج في " صحيح ابن حبان " (٤٤٠٧) و(٤٤٠٨). وليس هو من رواية عمر بن سعد لا عند النسائي ولا عند غيره كما توهم المصنف ﵀، وإنما روى النسائي له ٧/ ١٢١ حديثًا آخر هو: " قتال المسلم كفرٌ، وسبابه فسوق ". رواه من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن عمر بن سعد، عن أبيه. وهو عند عبد الرزاق في " المصنف " (٢٠٢٢٤)، ومن طريقه رواه الطحاوي في " مشكل الآثار " (٨٤٥) بتحقيقنا بهذا الإسناد، ورواه الطحاوي (٨٤٤) وغيره من طريق محمد بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، وله شاهد من حديث ابن مسعود مخرج في " صحيح ابن حبان " (٥٩٣٩)، وشرح مشكل الآثار " (٨٤٦).
(٣) ١٢/ ٥٦٨.
(٤) " تذكرة الحفاظ " ٣/ ١٠٤٥، وذكره أيضًا في " النبلاء " ١٧/ ١٧٤.
(٥) تحرف في (ش) و(ف) إلى: " ابن ".
(٦) ٢/ ٧١.
[ ٨ / ٣٣ ]
ولهم من هذا (١) شيء كثير، وهو يدل على أنهم قد يطلقون التوثيق على من يعتقدون فيه الخبث والعصيان.
وبالجملة، فهي قبيحةٌ من العجلي، نادرةٌ مقصورةٌ عليه، وليس الاحتجاج بها على أنهم خوارج، أولى من الاحتجاج بكلام ابن معين وشعبة على أنهم شيعةٌ، بل سائر كلامهم المقدم الصريح في جميع الباب، وإن صح أن العجلي قال ذلك، وقصد به تحسين قتل الحسين ﵇ كان ذلك جرحًا فيه وفيمن لم يجرِّحه بعد معرفة ذلك، ولا يضر الحديث وأهله العجلي، وطرح حديثه لو كان له حديثٌ، كيف وليس له رواية؟
قال الذهبي في ترجمته في كتاب " التذكرة " (٢): ما علمت وقع لنا من حديثه شيء، وما أظنه روى شيئًا إلاَّ حكايات، حدث عنه ولده صالح بمصنفه في الجرح والتعديل، مات سنة إحدى وستين ومئتين بطرابلس المغرب.
وكما أنه لا يَطَّرِحُ على الزيدية والشيعة والآل قول (٣) من كَفَّر الشيخين، وسبهما من الشيعة مع كثرتهم في الشيعة (٤)، فلا يطرح على أهل السنة قول العجلي مع نُدُوره وشذوذه وتكليف أهل السنة أن لا يوجد فيهم مبطلٌ تكليف ما لا يطاق، وليس قصدي إلا الذب عن السنة النبوية، وأن لا يجعل المبتدع وجود مثل هذا سببًا للتنفير عنها، فكم وُجِدَ من غلاة المتكلمين من الباطل على الله وأسمائه وكتابه، فلم يجعلوا ذلك (٥) مُنَفِّرًا عن (٦) علومهم، وأقرُّوا الخطأ على صاحبه.
وقد صرح السيد في رسالته بأنهم شيعة يزيد، وأنهم يصوبون قتل الذين يأمرون بالقسط من الناس، لأنهم بغاةٌ على قولهم.
_________________
(١) في (ش). " ذلك ".
(٢) ٢/ ٥٦٠.
(٣) سقطت من (ش).
(٤) بياض في (ش).
(٥) ساقطة من (ش).
(٦) في (ش): " من ".
[ ٨ / ٣٤ ]
فاسمع الآن نصوص هؤلاء الذين افتريت عليهم أنهم شيعة يزيد.
قال الذهبي في " النبلاء " (١) في ترجمة يزيد بن معاوية، أو في ترجمة الحسين ﵇ (٢) كان يزيد ناصبيًا، فظًا، غليظا، جِلفًا، يتناول المُسْكِرَ، ويفعل المنكر، افتتح دولته بقتل الشهيد الحسين بن علي ﵁، واختتمها بوقعة الحرة، فمقته الناس، ولم يبارك في عمره، وخرج عليه غيرُ واحد بعد الحسين ﵁، كأهل المدينة [قاموا] لله.
وذكر من خرج عليه، قال (٣): وروى الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن مكحولٍ، عن أبي عبيدة، عن النبي - ﷺ -. " لا يزال أمر أمتي قائمًا حتى يثلمه رجلٌ من بني أمية يقال له: يزيد " أخرجه أبو يعلى في " مسنده " (٤).
قلت: ورجاله متفق على الاحتجاج بهم في الصحيحين (٥).
_________________
(١) ٤/ ٣٧ - ٣٨، وما بين حاصرتين منه.
(٢) بل في ترجمة يزيد، وشك المصنف ﵀ يؤكد أنه لم يكن وقت تأليفه كتابه هذا ينقل من كتاب، وإنما استظهر تلك الكتب، ثم شرع في التأليف.
(٣) ٤/ ٣٩.
(٤) برقم (٨٧١).
(٥) قلت: ومع كون رجاله متفقًا على الاحتجاج بهم في " الصحيحين " فهو ضعيف لا يصح، لأن الوليد بن مسلم مدلس، وقد عنعن، ومكحول لم يدرك أبا عبيدة. ففيه انقطاع أو إعضال. ورواه أبو يعلى أيضًا (٨٧٠) من طريق هشام بن الغاز، عن مكحول، عن أبي عبيدة. ورواه البزار (١٦١٩) من طريق سليمان بن أبي داود الحراني، عن أبيه، عن مكحول عن أبي ثعلبة الخشني، وهذا إسناد ضعيف أيضًا. سليمان بن أبي داود ضعيف، ومكحول لم يدرك أبا ثعلبة الخشني. وقال الهيثمي في " مجمع الزوائد " ٥/ ٢٤١: رواه أبو يعلى والبزار، ورجال أبي يعلى رجال الصحيح، إلاَّ أن مكحولًا لم يدرك أبا عبيدة.
[ ٨ / ٣٥ ]
قال الذهبي (١): ورُويَ عن صخر بن جويرية (٢)، عن نافع، قال: مشى عبد الله بن مطيع إلى ابن الحنفية في خلع يزيد. وقال ابن (٣) مطيع: إنه يشرب الخمر، ويترك الصلاة ويتعدى حكم الكتاب.
وعن عمر بن عبد العزيز، قال رجلٌ في حضرته أمير المؤمنين يزيدُ، فأمر به، فضُرِبَ عشرين سوطًا. انتهى.
وقال ابن الأثير في " نهايته " (٤) ما لفظه: إنه ذكر الخلفاء بعده، فقال: " أوَّه لِفِراخِ آل محمد من خليفةٍ يُسْتَخْلَفُ، عِتريفٍ مُتْرفٍ، يقتُل خَلَفي، وخَلَفَ الخَلَف " (٥).
قال ابن الأثير: العتريف: الغاشم، الظالم، وقيل: الداهي الخبيث، وقيل: هو قلب العفريت، الشيطان الخبيث.
قال الخطابي: قوله: " خلفي "، يُتأوَّل على ما كان من يزيد بن معاوية إلى الحسين بن علي وأولاده الذين قتلوا معه، وخلف الخلف: ما كان منه يوم الحرة إلى أولاد المهاجرين والأنصار. انتهى بلفظه.
ولما ذكر ابن حزم (٦) خُرُوم الإسلام التي لم يَجْرِ أفحش منها، عدها أربعة، وعد منها: قتل الحسين ﵇ علانية، ولم يَعُدَّ منها قتل عمر بن الخطاب، ولا يوم الجمل، ولا أيام (٧) صفين، تعظيمًا لقتل الحسين عليه
_________________
(١) في " السير " ٤/ ٤٠.
(٢) في الأصول الثلاثة: " عن حوثرة " وهو خطأ، والتصويب من " السير ".
(٣) تحرف في (ش) إلى: " أبوه ".
(٤) ٣/ ١٧٨.
(٥) الحديث رواه الخطابي في " غريب الحديث " ١/ ٢٥٠، وفيه ابن لهيعة، وهو ضعيف.
(٦) " جوامع السيرة " ص ٣٥٧.
(٧) في (ف): " يوم ".
[ ٨ / ٣٦ ]
كلام ابن حزم في يزيد بن معاوية
السلام وأنه بلغ (١) في النكارة إلى شأوٍ جاوز الحد في ارتكاب الكبائر، هذا مع أن ابن حزمٍ موصومٌ بالتَّعصب لبني أمية، وهذا لفظ ابن حزمٍ في آخر " السيرة النبوية " التي صنَّفها، وذكر في آخرها أسماء الخلفاء، ونبذًا من أخبارهم.
فقال في يزيد بن معاوية ما لفظه: بويع يزيد بن معاوية (٢) إذ مات أبوه، وامتنع من بيعته الحسين بن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن الزبير بن العوام، فأمَّا الحسين ﵁، فنهض إلى الكوفة، فقُتِل قبل دخولها، وهي ثانية (٣) مصائب الإسلام وخرومه، ولأن المسلمين استضيموا في قتله ظلمًا علانية.
وأما عبد الله بن الزبير بن العوَّام، فاستجار بمكة، فبقي هنالك (٤) إلى أن أغزى يزيد الجيوش إلى المدينة، حرم رسول الله - ﷺ -، وإلى مكة حرم الله ﷿، فقتل بقايا المهاجرين والأنصار يوم الحرة، وهي ثالثة (٥) مصائب الإسلام وخرومه، لأن أفاضل الصحابة (٦)، وبقية الصحابة ﵃ (٧)، وخيار التابعين (٨) قُتِلَوا جهرًا ظلمًا في الحرب وصبرًا، وجالت الخيل في مسجد رسول الله - ﷺ -، وراثت وبالت في الروضة بين القبر والمنبر، ولم تصل جماعة في مسجد رسول الله - ﷺ - تلك الأيام (٩)، ولا كان فيه أحدٌ حاشا سعيد بن المسيب، فإنه لم يفارق المسجد، ولولا شهادة عمرو بن عثمان بن عفان،
_________________
(١) في (ش): " أبلغ ".
(٢) قوله: " ابن معاوية " سقط من (ش).
(٣) في " جوامع السيرة " وهو ثالثة مصائب الإسلام بعد أمير المؤمنين عثمان، أو رابعها بعد عمر بن الخطاب ﵁.
(٤) قوله: " فبقي هنالك " سقط من (ف).
(٥) عند ابن حزم: وهي أيضًا أكبر مصائب الإسلام
(٦) عند ابن حزم: المسلمين.
(٧) عبارة: " وبقية الصحابة ﵃ " سقطت من (ش).
(٨) عند ابن حزم: وخيار المسلمين من جلة التابعين.
(٩) في (ش): في " تلك الأيام "، والعبارة غير موجودة في المطبوع من " جوامع السيرة ".
[ ٨ / ٣٧ ]
ومروان بن الحكم له عند مسلم (١) بن عقبة بأنه مجنونٌ لقتله، وأكره الناس على أن يبايعوا يزيد بن معاوية، على أنهم عبيدٌ له، إن شاء باع، وإن شاء أعتق، وذكر له بعضهم البيعة على حكم القرآن فأمر بقتله (٢) فضُرِبَتْ عنقه صبرًا ﵀.
وهتك يزيد بن معاوية الإسلام (٣) هتكًا، وأنهب المدينة ثلاثًا، واستُخِف بأصحاب رسول الله - ﷺ -، ومُدَّت الأيدي إليهم، وانتهبت (٤) دورهم، وحُوصِرت مكة، ورُمِيَ البيت بحجارة المنجنيق (٥)، وأخذ الله يزيد، فمات بعد الحرة بأقل من ثلاثة أشهر، وأزيد من شهرين، في نصف ربيع الأول سنة أربع وستين، وله نيَّفٌ وثلاثون سنةً. انتهى كلام ابن حزم.
وخرج الطبراني نحوًا من هذا، رواه الهيثمي في " مجمع الزوائد " (٦) في باب فيما كان من أمر ابن (٧) الزبير، وفيه قصة في نبش قبر مسلم بن عقبة، وأنه وُجِدَ معه ثعبان، وأنه قد التوى على عنقه، قابضًا بأرنبة أنفه يمصها، لاويًا ذنبه برجليه (٨)، رواه الهيثمي من طريق عبد الملك بن عبد الرحمن الذّماري
_________________
(١) عند ابن حزم: " مجرم بن عقبة المري "، وهو مسلم بن عقبة بن رباح بن ربيعة المري، كان أميرًا ليزيد بن معاوية في وقعة الحرة، فأسرف قتلًا ونهبًا، فسماه أهل الحجاز مسرفًا، وفي ذلك يقول علي بن عبد الله بن عباس: هم منعوا ذماري يوم جاءت كتائب مسرف وبنو اللكيعة انظر " الكامل في التاريخ " لابن الأثير ٤/ ١٢٠، و" الإصابة " ٣/ ٤٧٠.
(٢) في (د) و(ش): فقتله.
(٣) عند ابن حزم: فهتك مسرفٌ أو مجرم الإسلام
(٤) في الأصول الثلاثة: " وانتهب "، والمثبت من " جوامع السيرة ".
(٥) في (ش): " بالمنجنيق ".
(٦) ٧/ ٢٤٩ - ٢٥٠.
(٧) " ابن " ساقطة من (ش).
(٨) في (د) و(ش): " برجله ".
[ ٨ / ٣٨ ]
كلام إلكيا الهراسي في يزيد بن معاوية
ومحمد بن سعيد بن رمانة، فأما [عبد الملك] بن عبد الرحمن، فوثقه ابن حبان وغيره، ومحمد بن سعيد بن رُمانة، لم يعرفه الهيثمي (١).
وذكر الطبراني بعد ذلك مكاتبةً جرت بين ابن عباسٍ ويزيد، أغلظ ابن عباسٍ فيها ليزيد، وذكر من مساوئه ما لا مزيد عليه، اختصرته لطوله ومعرفة مكانه.
وقال الهيثمي (٢) بعد روايته: رواه الطبراني وفيه جماعةٌ لم أعرفهم.
وقد ذكر الذهبي في ترجمة ابن حزم في " التذكرة " (٣) أنه نُقِمَ عليه التَّعصُّب لبني أمية، فإذا كان هذا كلامه، فكيف بغيره، ولكن ابن حزم كان هاجر (٤) من مواضع التقية إلى باديةٍ في إشبيلة، وتكلم (٥) بأخباره، ولو أمِنَ غيره كما أمن، لتكلم أعظم من كلامه، ولكنهم اكتفوا بالإشارات والتلويح، كما حكى ابن خلكان في تاريخه المسمى " وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان " (٦) في المجلد الثالث في ترجمة أبي الحسن عليٍّ بن محمد بن علي الطبري (٧) الملقب عماد الدين. المعروف بالكياالهراسي الفقيه الشافعي، تلميذ إمام الحرمين الجويني ما لفظه:
وسُئِلَ الكيا عن يزيد بن معاوية، فقال: إنه لم يكن من الصحابة، لأنه وُلِدَ في أيام عمر بن الخطاب ﵁، وأما أقوال (٨) السلف، ففيه لأحمد قولان: تلويحٌ وتصريحٌ، ولمالكٍ قولان: تلويحٌ وتصريحٌ، ولأبي حنيفة قولان: تلويحٌ وتصريحٌ، ولنا قول واحد: تصريح دون تلويح، كيف لا يكون كذلك وهو
_________________
(١) قلت: ترجم له البخاري في " التاريخ الكبير " ١/ ٩٥، وابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٧/ ٢٦٤، ولم يذكرا فيه جرحًا وتعديلًا، وذكره ابن حبان في " الثقات " ٩/ ٣٥.
(٢) ٧/ ٢٥٢.
(٣) ٣/ ١١٥٢.
(٤) في (ش): يهاجر.
(٥) في (ش): ويتكلم.
(٦) ٣/ ٢٨٧.
(٧) في الأصول: " الطبراني " وهو خطأ.
(٨) في " الوفيات ": " قول ".
[ ٨ / ٣٩ ]
اللاعِبُ بالنرد، المتصيِّد بالفُهود، ومدمن الخمر، وشعره في الخمر معلومٌ، ومنه قوله:
أقول لِصَحْبٍ ضمَّتِ الكأس شملهم وداعي صبابات الهوى يَتَرَنَّمُ
خذوا بِنَصيبٍ من نعيمٍ ولذةٍ فكل وإن طال المدى يَتَصَرَّم
وكتب فصلًا طويلًا، ثم قلب الورقة وكتب: لو مُدِدت ببياضٍ، لمددت (١) العنان في مخازي هذا الرجل، وكتب فلان بن فلانٍ.
انتهى كلام إلكيا. وفيه ما ترى من النقل الصريح عن أهل المذاهب الأربعة (٢) فيه، فأما الشافعية، فقد بيَّن أن قولهم فيه واحدٌ، تصريحٌ غير تلويح.
وأما سائر أهل (٣) المذاهب الأربعة (٤)، فلكلٍّ منهم قولان تصريحٌ وتلويح، وإنما لوحوا بذمه وتضليله في بعض الأحوال، ولم يُصرِّحوا في جميعها تَقيَّةً من الظلمة، ولهذا صرحوا كلهم بتضليله في بعض الأحوال، وفي هذا أكبر دليلٍ على فضلهم وورعهم، لأنهم حين خافوا، لوَّحوا (٥) بتضليله، ولم يترخصوا بالخوف، فيصرِّحوا بالثناء عليه تقية، ولا تجاسروا على ذلك، حتى مع الخوف المبيح لكلمة الكفر تقية.
وقد قال علي ﵇ عند الإكراه: فأما السب، فسبوني، فإنه لكم نجاة ولي زكاة، وأما البراءة، فلا تبرؤوا مني، فإني ولدت على الفطرة.
وقد ذكر الذهبي في ترجمة عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن العباس
_________________
(١) في (ش): " لمدت ".
(٢) شطح قلم ناسخ نسخة (ش)، فكتب: " أهل البيت ﵈ المذاهب الأربعة ".
(٣) " أهل " ساقطة من (ش).
(٤) " الأربعة " ساقطة من (ف).
(٥) في (ف): " لمحوا ".
[ ٨ / ٤٠ ]
الهاشمي الأمير (١): أنه ليس بحجةٍ. قال: ولعل الحُفَّاظ إنما سكتوا عنه مداراة للدولة. انتهى.
وفيه ما يدل على أنه قد يمنعهم الخوف من التصريح ببعض الأمور حتى يخفى مذهبهم فيها، وهذا نقل شيخ الشافعية الكيا المفضل عندهم على الغزالي.
قال ابن خلكان في ترجمته (٢): تفقه بالجويني مدة إلى أن بَرَعَ.
قال الحافظ عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي فيه: كان من رؤوس معيدي إمام الحرمين في الدروس، وكان ثاني أبي حامدٍ الغزالي، بل هو آصل وأصلح وأطيب في الصوت والنظر، وارتفع شأنه، وتولى القضاء، وكان محدِّثًا، يستعمل الأحاديث في مناظرانه ومجالسه (٣)، ومن كلامه: إذا جالت فرسان الأحاديث في ميادين الكفاح، طارت رؤوس المقاييس في مهابِّ الرياح.
انتهى كلامهم في الثناء على ناقل مذاهبهم في يزيد بن معاوية، وأقلُّ من هذا يكفي المنصف، وأكثر منه لا يكفي المتعسِّف.
وقد بالغ الإمام المنصور بالله في تنزيه أئمة الفقهاء الأربعة في مُجانبة أئمة العترة، وروى عن كل واحد منهم (٤) ما يشهد له بالبراءة عن ذلك ذكره في " المجموع المنصوري " في الدعوة العامة إلى جيلان وديلمان وفي غيرها (٥)، فاتفق نقلهم ونقل أئمة الزيدية عنهم (٦).
فليت شعري، من هؤلاء الذين أشار إليهم السيد، وأوهم أهل الحديث والسنة ورُواتها، صرح السيد بغير مراقبةٍ لله تعالى: بأنهم شيعة يزيد بن معاوية
_________________
(١) في " ميزان الاعتدال " ٢/ ٦٢٠.
(٢) " وفيات الأعيان " ٣/ ٢٨٦ - ٢٨٧.
(٣) في (ش). " ومجالساته ".
(٤) ساقطة من (ش).
(٥) في (ش): " وغيرها ".
(٦) في (ش): " عنهم على ذلك ".
[ ٨ / ٤١ ]
والحجاج بن يوسف، وأنهم يُصَوِّبُون فعلهما في قتل الحسين بن علي ﵇ وأهل بيته وأصحابه من خيار المسلمين، وهل هذا إلاَّ قطعٌ من غير تقدير وهجومٌ على الرجم بالذنب الكبير، لأن هذه جهالةٌ مجاوزة للحد، مع اعتقاد غاية المعرفة التامة، فنسأل الله العافية من مثل هذه البلية.
وما أحسن كلام شيخ الإسلام العلامة المحدث المتكلم أحمد بن تيمية
الحراني الحنبلي حيث قال في " فتاويه " (١): وكذلك عمر بن الخطاب لما وضع ديوان العطاء، قال للمسلمين: بمن أبدأ؟ قالوا: ابدأ بنفسك (٢). قال: كلا، ولكن أبدأ بأهل رسول الله - ﷺ -، فقدَّمهم وجمعهم، بني هاشمٍ وبني المطلب، فقدم العباس، لأنه كان أقرب الخلق (٣) نسبًا برسول الله - ﷺ -، ولذلك استسقى به لقرابته (٤)، وإن كان غيره أفضل منه، فإن علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه أفضل منه، فقدمه إكرامًا للنبي - ﷺ -، فإن من محبة النبي - ﷺ - محبة أهل بيته، وموالاتهم، كما ثبت أن النبي - ﷺ - قال: " إني تارك فيكم الثَّقلين. أحدهما أعظم من الآخر؛ فذكر كتاب الله -وحرَّض عليه- ثم قال: وعِترتي أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أُذكركم الله في أهل بيتي ". فقيل لزيد بن أرقم وهو راوي الحديث من أهل بيته؟ قال: الذين حُرِمُوا الصدقة، آل علي، وآل عقيل، وآل العباس (٥).
_________________
(١) ٢٨/ ٤٩١ وما بعدها.
(٢) في (ش): " بنصيبك ".
(٣) في (ش): " الناس ".
(٤) روى البخاري (١٠١٠) و(٣٧١٠)، وابن خزيمة (١٤٢١)، وابن حبان (٢٨٦١)، والبغوي (١١٦٥) من حديث أنس، قال: كانوا إذا قحطوا على عهد النبي - ﷺ -، استسقوا بالنبي - ﷺ - فيستسقي لهم فيسقون، فلما كان بعد وفاة النبي - ﷺ - في إمارة عمر قحطوا، فخرج عمر بالعباس يستسقي به، فقال: اللهم إنا كنا إذا قحطنا على عهد نبيك - ﷺ - واستسقينا به فسقيتنا، وإنا نتوسل إليك اليوم بعم نبيك - ﷺ -، فاسقنا، فسقوا. لفظ ابن حبان.
(٥) حديث صحيح، وقد تقدم ١/ ١٧٨.
[ ٨ / ٤٢ ]
وفي حديثٍ عن النبي - ﷺ - أنه قال: " والذي نفسي بيده، لا يدخلون الجنة حتى يحبوكم لله، ولقرابتي " (١). وكان أبو بكر يقول: ارقبوا محمدًا في أهل بيته (٢)، وكان السلف يقولون: حب أبي بكر وعمر إيمان، وبغضهما نفاق، وحب بني هاشم إيمان، وبغضهم نفاق، فمن نصب العداوة لآل محمدٍ أو بغضهم أو ظلمهم أو أعان من ظلمهم، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين (٣).
إلى قوله: ولكن الذي ابتدع الرفض، كان زنديقًا يهوديًا أظهر الإسلام، وهو منافقٌ، فابتدع أكاذيب ألقى بها العداوة بين الأُمة حتى ظن الجُهَّال أن
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة ١٢/ ١٠٨، وأحمد ١/ ٢٠٧ و٢٠٧ - ٢٠٨، و٤/ ١٦٥، والترمذي (٣٧٥٨)، والحاكم ٣/ ٣٣٣ من طرق عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، عن عبد المطلب بن ربيعة الهاشمي. وقال الترمذي: حسن صحيح، مع أن فيه يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف. ورواه أحمد ١/ ٢٠٧، والحاكم ٣/ ٣٣٣ و٤/ ٧٥، وأحمد بن منيع في " مسنده " من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، عن العباس. وهذا سند ضعيف أيضًا. ورواه ابن ماجه (١٤٠)، والحاكم ٤/ ٧٥ من طريق محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن أبي سبرة النخعي، عن محمد بن كعب القرظي، عن العباس وهذا سند رجاله ثقات، إلا أنه منقطع، محمد بن كعب القرظي لم يسمع من العباس كما قال الذهبي في " النبلاء " ٢/ ٨٨، والبوصيري في " زوائد ابن ماجه " ١١/ ١.
(٢) رواه البخاري (٣٧١٣) و(٣٧٥١).
(٣) وذكره أيضًا شيخ الإسلام في " الفتاوى " ٤/ ٤٣٥ مختصرًا، وعزاه لابن مسعود. وأخرجه مختصرًا أيضًا من حديث أنس ابن عدي في " الكامل " ٣/ ٩٤٣، وفيه حازم بن الحسين، وهو ضعيف. وأخرجه الديلمي، وابن عساكر من حديث جابر بلفظ: " حب أبي بكر وعمر من الإيمان، وبغضهم كفر، ومن سب أصحابي، فعليه لعنة الله، ومن حفظني فيهم، فأنا أحفظه يوم القيامة " وضعفه السيوطي، وانظر " فضائل الصحابة " لأحمد (٤٨٧).
[ ٨ / ٤٣ ]
السابقين كانوا يظلمون بني هاشم.
وقد صنف أبو الحسن الدارقطني (١) كتابًا كبيرًا في ثناء الصحابة على القرابة، وثناء القرابة على الصحابة إلى آخر كلامه.
وهذه ألفاظه بحروفها، فانظر إلى لعنه لأعداء البيت، ومن أعانهم.
وكذلك عالم الأشعرية عبد الرحمن بن أبي القبائل بن منصور الهمداني قد أثنى على أهل البيت ﵈ في رسالته " الدامغة " و" الخارقة "، كلتيهما، وصرح في " الخارقة " بلعن من يبغضهم في غير موضعٍ، وسب من يسبهم، وذكر أبياتًا بليغة ضمنها ذلك، فقال فيها:
فضلُ الأئمة أهل البيت مُشتهرٌ وحبهم عندنا دينٌ ومُفْتَخَرُ
وبغضهم عندنا كفرٌ وزندقةٌ وقربهم ملجأٌ فينا ومُدَّخَرُ
إلى قوله:
وقال قومٌ هم في الفضل مثلُكُمُ ولا أرى اليوم تحقيق الذي ذكروا
أنا وَطِينة عليين طينتكم وطينة الناس إلاَّ أنتم العَفَرُ
تلك المكارم لا قَعْبَان من لبنٍ وذلك الدين ليس الجبرُ والقدرُ
فانظر كيف نص في هذه الأبيات، التي قصد بتسييرها وتخليدها في رسالته على أن بغض العترة كفر وزندقة (٢)، مع ما كان بينه وبين معاصره منهم من النزاع في المذاهب والعصبية المؤدية إلى العداوة.
_________________
(١) هو الإمام الحافظ أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني، توفي سنة ٣٨٥ هـ. وقد تقدمت ترجمته ٣/ ٧٢. وكتابه منه قطعة في دار الكتب الظاهرية (مجموع ٤٧/ ٢) تحت عنوان " فضائل الصحابة ومناقبهم " انظر " تاريخ التراث العربي " لسزكين ١/ ٤٢٤، و" فهرس مجاميع المدرسة العمرية بدار الكتب الظاهرية " لصاحبنا المتقن الأستاذ ياسين السواس ص ٢٤٠ - ٢٤١.
(٢) ساقطة من (ش).
[ ٨ / ٤٤ ]
وقال الحافظ أبو الخطاب ابن دِحْيَة الكلبي (١) في " العلم المشهور " في ذكر يوم عاشوراء ما لفظه مختصرًا: وفي هذا اليوم قُتِلَ السيد الأمير، ريحانة رسول الله - ﷺ -، سيد شباب أهل الجنة، أبو عبد الله الحسين بن فاطمة البتول، يومَ الجمعة، وقيل: يوم السبت، سنة إحدى وستين، بالطَّفِّ بكربلاء، وهو ابن ست وخمسين سنة، ولما أحاطوا بالحسين ﵇، قام في أصحابه خطيبًا، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: قد نزل بي من الأمر ما ترون، وإن الدنيا قد تغيرت وتنكرت، وأدبر معروفها، وانشمر (٢) حتى لم يبق منها إلاَّ صُبابة كصبابة الإناء، وإلا خسيس عيشٍ كالمرعى الوبيل، ألا ترون الحق لا يُعمل به، والباطل لا يُتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء الله ﷿، وإني لا أرى الموت إلاَّ سعادة، والحياة مع الظالمين إلاَّ ندمًا. رواه الطبراني عن محمد بن الحسن (٣) بن زبالة.
_________________
(١) هو الشيخ العلامة، المحدث الرحال المتفنن مجد الدين أبو الخطاب عمر بن حسن بن علي بن الجُميِّل، ينتهي نسبه إلى دحية الكلبي كما ذكر هو، قال الذهبي: كان بصيرًا بالحديث، معتنيًا بتقييده، مكبًا على سماعه حسن الخطِّ، معروفًا بالضبط، له حظٌّ وافر من اللغة، ومشاركة في العربية وغيرها، وقال: ونسبه شيء لا حقيقة له، وما أبعده من الصِّحة والاتصال، ولابن عنين فيه: دحية لم يُعقِبْ فلم تعتزي إليه بالبهتان والإفكِ ما صح عند الناس شيءٌ سوى أنك من كلبٍ بلا شكِ وكتابه " العلم المشهور " هو: " العلم المشهور في فضائل الأيام والشهور " منه نسختان خطيتان في المكتبة الغربية بالجامع الكبير بصنعاء (تصوف ٦١ - ٦٢) انظر فهرس المكتبة ص ٣٧٥ و٣٧٦، وانظر " تاريخ الإسلام " الطبعة الرابعة والستون (١٩١)، و" سير أعلام النبلاء " ٢٢/ ٣٨٩.
(٢) في الأصول والطبراني ": " واستمرت "، والمثبت من " المجمع ".
(٣) تحرف في (ش) إلى: " محمد بن الحسين بن ريالة ". قلت وهو ضعيف جدًا، بل كذَّبه غير واحد، وقالوا: كان يضع الحديث. والخبر في " معجم الطبراني الكبير " (٢٨٤٢)، وأورده الهيثمي في " المجمع " ٩/ ١٩٣، وقال: محمد بن الحسن بن زبالة متروك، ولم يدرك القصة.
[ ٨ / ٤٥ ]
قصة مقتل الحسين بن علي ﵁
وكان عبيد الله بن زياد كتب إلى الحر بن زيادٍ أن جعجع بالحسينِ، أي: ضيق عليه، ثم أمده بعمر بن سعدٍ المتكفِّل المتكلِّف بقتال الحسين ﵇، حتَّى يُنْجِزَ له عبيد الله الدعي ما سلف من وعدٍ، وهو أن يُمَلِّكَه مدينة الري، فباع الفاسق الرشد بالغي، وهو القائل:
أأترُكُ ملكَ الريِّ والريُّ مُنْيتي وأرجع يومًا ما بقتل حسين
فضيق عليه اللعين أشد تضييقٍ، وسد بين يديه وضح (١) الطريق، إلى أن قتله في التاريخ المقدم سنة إحدى وستين، ويُسمى عام الحزن، وقُتِلَ معه اثنان وثمانون رجلًا من أصحابه مبارزةً، وجميع ولده إلاَّ علي بن الحسين زين العابدين، وقُتِل أكثر إخوة الحسين وبني أعمامه:
لمحمدٍ سلّوا سيوفَ محمدٍ قطعوا بها هامات آل محمَّد
وفي هذا اليوم الذي قتل فيه الحسين على جده وعليه أفضل السلام، رؤي رسول الله - ﷺ - يجمع دم الحسين في قارورةٍ، وإن كانت رؤيا منام، فإنها صادقة، ليست بأضغاث أحلام، أسند ذلك إمام أهل السنة الصابر على المحنة، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل، قال (٢): حدثنا عبد الرحمن، حدثنا حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس، قال: رأيتُ النبي - ﷺ - نصف النهار أشعث أغبر، معه قارورةٌ فيها دم يلتقطه فيها، قلت: يا رسول الله، ما هذا؟ قال: " دم الحُسين وأصحابه، لم أزل أتتبعه منذ اليوم "، قال عمار: فحفظنا ذلك اليوم، فوجدناه قُتِلَ ذلك اليوم.
قال ابن دحية: هذا سند صحيح، عبد الرحمن: هو ابن مهدي، إمام أهل الحديث. وحماد: إمام فقيه ثقة، وعمار من ثقات التابعين، أخرج مسلمٌ
_________________
(١) في (ش): " أوضح " والوضح: الضياء والبياض.
(٢) ١/ ٢٤٢. ورواه أيضًا ١/ ٢٨٣، والطبراني في " الكبير " (٢٨٢٢) و(١٢٨٣٧)، والبيهقي في " دلائل النبوة " ٦/ ٤٧١.
[ ٨ / ٤٦ ]
أحاديثه في " صحيحه " ورواه الهيثمي في كتابه " مجمع الزوائد " (١) وعزاه إلى الطبراني، وأحمد بن حنبل. وقال: رجال أحمد رجال الصحيح.
وتولى حمل الرأس بشر بن مالكٍ الكندي، ودخل به على ابن زياد وهو يقول:
املأ ركابي فضةً وذهبا أنا قتلتُ الملكَ المُحجبا
قتلت خير الناس أمًا وأبا (٢)
وقد صدق هذا القائل الفاسق في المديح وتقريظ هذا السيد الذبيح، ولقي الله بفعل القبيح.
وأمر عبيد الله بن زيادٍ من قوّر رأس الحسين حتى يُنْصَبَ في الرمح، فتحاماه أكثر الناس، فقام طارق بن المبارك، فأجابه إلى ذلك وفعله، ونادى في الناس، وجمعهم في المسجد الجامع، وصَعِدَ المنبر، وخطب خطبة لا يحل ذكرها، ثم دعا عبيد الله بن زياد زُحر بن قيس الجعفي، فسلم إليه رأس الحسين ورؤوس أهله وأصحابه، فحملها حتى قدموا دمشق، وخطب زُحَرُ خطبة فيها كذبٌ وزورٌ، ثم أحضر الرأس ووضعه بين يدي يزيد، فتكلم بكلامٍ قبيح وقد ذكره الحاكم والبيهقي وغير واحد من أشياخ أهل النقل بطرقٍ ضعيف وصحيح (٣).
_________________
(١) ٩/ ١٩٤، وكذا أورده الحافظ ابن كثير في " تاريخه " ٨/ ٢٠٢، وقوى إسناده.
(٢) الرجز في الطبري ٥/ ٤٥٤، والقرطبي في " التذكرة " ص ٥٦٦، وابن عبد البر في " الاستيعاب " ١/ ٣٧٨، وابن كثير في " تاريخه " ٨/ ١٩٩، وتمامه عندهم وخيرهم إذ ينسبون نسبا وزاد القرطبي بعد: في أرض نجد وحرا ويثربا
(٣) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في " منهاج السنة " ٤/ ٥٥٦ - ٥٥٨: والذين نقلوا مصرع الحسين زادوا أشياء من الكذب، كما زادوا في قتل عثمان، وكما =
[ ٨ / ٤٧ ]
وقد ذكر ذلك كله الحافظ أخطب الخطباء ضياء الدين، أبو المؤيد موفق
_________________
(١) = زادوا فيما يُراد تعظيمه من الحوادث، وكما زادوا في المغازي والفتوحات وغير ذلك. والمصنفون في أخبار قتل الحسين منهم من هو من أهل العلم كالبغوي وابنِ أبي الدنيا وغيرهما، ومع ذلك فيما يروونه آثارٌ منقطعة، وأمور باطلة. وأما ما يرويه المصنفون في المصرع بلا إسناد، فالكذب فيه كثير، والذي ثبت في الصحيح أن الحسين لما قُتِلَ حُمِلَ رأسه إلى قُدام عبيد الله بن زياد، وأنه نكت بالقضيب على ثناياه، وكان بالمجلس أنسُ بن مالك ﵁ وأبو برزة الأسلمي. ففي صحيح البخاري عن محمد بن سيرين، عن أنس بن مالك ﵁ قال: أتى عبيد الله بن زياد برأس الحسين فجعل في طست فجعل ينكت، وقال في حسنه شيئًا، فقال أنس: كان أشبههم برسول الله - ﷺ -، وكان مخضوبًا بالوسمة. وفيه أيضًا عن ابن أبي نُعْم، قال: سمعت ابن عمر، وسأله رجل عن المُحرم يقتل الذباب، فقال: يا أهل العراق تسألوني عن قتل الذباب، وقد قتلتم ابن بنت رسول الله - ﷺ -. وقال النبي - ﷺ -: " هما ريحانتي من الدنيا ". وقد رُوى بإسناد مجهول أن هذا كان قدام يزيد، وأن الرأس حُمِلَ إليه، وأنه هو الذي نكت على ثناياه. وهذا مع أنه لم يثبت، ففي الحديث ما يدل على أنه كذب، فإن الذين حضروا نكته بالقضيب من الصحابة لم يكونوا بالشام، وإنما كانوا بالعراق. والذي نقله غيرُ واحد أن يزيد لم يأمر بقتل الحسين، ولا كان له غرض في ذلك، بل كان يختار أن يكرمه ويعظمه، كما أمره بذلك معاوية ﵁. ولكن كان يختار أن يمتنع من الولاية والخروج عليه، فلما قدم الحسين، وعلم أن أهل العراق يخذلونه ويسلمونه، طلب أن يرجع إلى يزيد، أو يرجع إلى وطنه أو يذهب إلى الثغر، فمنعوه من ذلك حتى يستأسر، فقتلوه حتى قُتِلَ مظلومًا شهيدًا ﵁، وأن خبر قتله لما بلغ يزيد وأهله ساءهم ذلك، وبكوا على قتله، وقال يزيد: لعن الله ابن مرجانة -يعني عبيد الله بن زياد-[أما] والله لو كان بينه وبين الحسين رحم لما قتله. وقال: قد كنت أرضى من طاعة أهل العراق بدون قتل الحسين. وأنه جهز أهله بأحسن الجهاز، وأرسلهم إلى المدينة، لكنه مع ذلك ما انتصر للحسين، ولا أمر بقتل قاتله، ولا أخذ بثأره.
[ ٨ / ٤٨ ]
الدين بن أحمد الخوارزمي (١) في تأليفه في مقتل الحسين ﵇ وهو عندي في مجلدين.
وذكر شيخ السنة أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، قال: حدثنا الحافظُ أبو عبد الله محمد بن عبد الله، سمعت أبا الحسن علي بن محمد الأديب يذكرُ بإسنادٍ له، أن رأس الحسين ﵇ لما صُلِبَ بالشام، أخفى خالد بن غفران شخصه من أصحابه، وهو من أفاضل التابعين، فطلبوه شهرًا حتى وجدوه، فسألوه عن عزلته، فقال: أما ترون ما نزل بنا؟ ثم أنشأ يقول:
جاؤوا برأسك يا ابن بنتِ محمدٍ متزمِّلًا بدمائه تزميلا
وكأنما بك يا ابن بنت محمدٍ قتلوا جهارًا عامدين رسولا
قتلوك عطشانًا ولم يترقبوا في قتلك التنزيلَ والتأويلا
ويُكبِّرون بأن قُتِلْتَ وإنَّما قتلوا بك التكبير والتهليلا (٢)
قال ابن دحية: واعجبوا -رحمكم الله- من الأمم الذين كانوا من قبلكم، وقد فضَّل الله أمة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، منهم المجوس يعظمون النار، لأنها صارت بردًا وسلامًا على إبراهيم، والنصارى يعظمون الصليب، لادعائهم أنه من جنس العود الذي صُلِبَ عليه ابن مريم، وابن مرجانة (٣)، وأصحابه العِدا قتلوا الحسين ابن نبيِّ الهدى، ولم يلتفتوا إلى قول أصدقِ القائلين: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣].
_________________
(١) كان خطيبًا شاعرًا أديبًا فقيهًا، أخذ العربية عن الزمخشري بخوارزم، وتولى الخطابة بجامعها، وفيها قرأ على ناصر بن عبد السيد المطرزي. له عدة مصنفات غير كتابه هذا، منها: " مناقب علي بن أبي طالب "، و" مناقب الإمام أبي حنيفة " توفي سنة ٥٦٨. انظر الأعلام ٧/ ٣٣٣، وفهرس مخطوطات الجامع الكبير بصنعاء ص ١٢١.
(٢) وأنشد هذه الأبيات ابن كثير في " تاريخه " ٦/ ٢٣٨ و٨/ ٢٠٠، وفي " الشمائل " ص ٤٥١.
(٣) هو عبيد الله بن زياد، ومرجانة: أمه.
[ ٨ / ٤٩ ]
قال: ولما قدم برأس الحسين صاحت نساء بني هاشم، فقال مروان:
عجَّتْ نساء بني زيادٍ عجةً كعجيج نِسوتنا غداة الأرنبِ (١)
قلت: رويدك يا مروان حتَّى تعلم من يعجُّ غدًا حين يشتد غضب الديان، ومن يدعو ثبورًا كثيرًا في طبقات النيران.
قال ابن دحية (٢): وأنا أقول قولًا هو الإيمان: هنيئًا لك (٣) الشماتة برسول الله - ﷺ - يا مروان.
وفي صحيح البخاري (٣)، عن ابن عمر أنه سأله رجلٌ عن دم البعوض، فقال له: ممن أنت، قال: من أهل العراق، قال: انظروا إلى هذا الذي يسألني عن دم البعوض وقد قتلوا ابن النبي - ﷺ -؟ وسمعت رسول الله - ﷺ - يقول: " هما ريحانتاي في (٤) الدنيا ".
أخرجه البخاري من طريقين في كتاب المناقب، وفي كتاب الأدب، والطبراني (٥) من حديث أبي أيوب من طريق الحسن بن عنبسة، والبزار (٦) من
_________________
(١) البيت لعمرو بن معد يكرب، وأنشده الطبري في " تاريخه " ٥/ ٤٦٦، وعنده أن المتمثل به عمرو بن سعيد لا مروان. وقال الطبري: والأرنب: وقعة كانت لبني زبيد على بني زياد من بني الحارث بن كعب، من رهط عبد المدان. وانظر " اللسان " ١/ ٤٣٥ (رنب)، والعج: الصياح ورفع الصوت.
(٢) سقط من (ش).
(٣) (٣٧٥٣) و(٥٩٩٤) " ورواه ابن حبان " (٦٩٦٩).
(٤) في " البخاري ": " من ".
(٥) في " المعجم الكبير " (٣٩٩٠). قال الهيثمي في " مجمع الزوائد " ٩/ ١٨١: وفيه الحسن بن عتبة، وهو ضعيف.
(٦) رقم (٢٦٢٢). قال الهيثمي ٩/ ١٨١: رجاله رجال الصحيح. قلت: فيه عباد بن يعقوب شيخ البزار، أخرج له البخاري مقرونًا، وهو رافضي، قال فيه ابن حبان: يستحق الترك.
[ ٨ / ٥٠ ]
حديث سعد بن أبي وقاص برجال الصحيح.
وقال إبراهيم النخعي الإمام، فيما حكاه أبو سعد السمان (١) الرازي بسنده إليه: لو كنت فيمن قاتل الحسين، ثم أُتِيتُ بالمغفرة من ربِّي، فأُدخِلْتُ الجنة، لاستحييت من رسول الله - ﷺ -، أن أمرَّ عليه فيراني. ورواه الطبراني (٢) بإسنادٍ رجاله ثقات.
قال ابن دحية: عباد الله، اعجبوا من هؤلاء الملاعين، إذ قتلوا الحسين بن فاطمة ولد رسول الله - ﷺ -، ثم أكبوا في شمالهم على شُرب شمولهم، تعسًا لشيوخهم، وكهولهم. في صلاتهم (٣) يصلون على محمدٍ وآله، ثم يمنعونه شرب نطفةٍ من الفرات وزُلاله، ويجتمعون على قتله وقتاله، ويذبحونه، ولا يستحيون من نور شيبه وجماله، أما والله إن حق رسول الله - ﷺ - على أمته أن يعظموا (٤) تراب نعل قدمه، بل تراب نعل خادمٍ من خدمه.
فليت شعري، ما اعتذار هؤلاء الأشرار في قتل هؤلاء الأخيار عند محمدٍ المختار: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّار﴾ [غافر: ٥٢] إلى قوله: وقد سلط الله عليهم المختار، فقتلهم حتى أوردهم النار.
_________________
(١) تحرفت في (ش) إلى: " السماء "، وهو الإمام الحافظ، العلامة البارع، المتقن، أبو سعد إسماعيل بن علي بن الحسين السمان. كان من المكثرين الجوالين، سمع من نحو أربعة آلاف شيخ، وكان معتزلي المذهب، وكان إمامًا بلا مدافعة في القراءات والحديث والرجال، والفرائض والشروط، عالمًا بفقه أبي حنيفة، وبالخلاف بين أبي حنيفة والشافعي وفقه الزيدية. توفي في حدود سنة خمس وأربعين وأربع مئة. انظر " سير أعلام النبلاء " ١٨/ ٥٥.
(٢) في " الكبير " (٢٨٢٩). وانظر " مجمع الزوائد " ٩/ ١٩٥.
(٣) في (د) و(ف): أفي أصلابهم.
(٤) في (ش): " يعظمون "، وهو خطأ.
[ ٨ / ٥١ ]
وخرَّج الترمذي في " جامعه الكبير " ما هذا نصه: حدثنا واصلُ بنُ عبد الأعلى، حدثنا أبو معاوية [عن] الأعمش، عن عُمارة بن عميرٍ، قال: لما جيء برأس عُبيد الله بن زيادٍ وأصحابه، نُضِّدَت (١) [في] المسجد، فانتهيت إليهم وهم يقولون: قد جاءت، قد جاءت، فإذا حية قد جاءت (٢) تَخَلَّل الرؤوس حتى دخلت في مِنْخَرَي عُبيد الله، فمكثت هُنيهةً، ثم خرجت، فذهبت حتى تغيبت، ثم قالوا: قد جاءت، ففعلت ذلك مرتين أو ثلاثًا. هذا حديث حسن صحيح (٣).
انتهى المنقول من كتاب ابن دحية، وهو أحد أئمة أهل السنة في الاعتقاد وقد أورده الإمام العلامة القرطبي صاحب " التفسير الكبير " وأحد أقطاب مذهب أهل السنة نحو هذا الكلام، بل أظنه نقله بحروفه في آخر كتابه " التذكرة في أحوال الآخرة " (٤).
ونقل الحافظ الهيثمي الشافعي في كتابه " مجمع الزوائد " عن أئمة الحديثِ وثقاتهم، الكثير الطيب مما يدلُّ على حب أهل البيت، مما يرويه الشيعة في مقتل الحسين ﵇، من كراماته العظيمة، ومناقبه الكبيرة، وزاد على نقل الشيعة بيان من رواه من أئمة الحديث، وبيان ثقة رواته عند أهلِ العلمِ بهذا الشأن. فقال:
وخرج الطبراني في " أوسط معاجمه " من طريق علي بن سعيد بن بشيرٍ الحافظ، عن رجاء بن ربيعة (٥) في مناقب الحسن بفتح الحاء، والبزار، عن
_________________
(١) تحرف في (ش) إلى: " قصدت ".
(٢) عبارة: " قد جاءت " ساقطة من (ش).
(٣) الترمذي (٣٧٨٠)، وما بين حاصرتين منه.
(٤) انظر ص ٥٦٣ - ٥٦٩.
(٥) في الأصول: " رجاء بن حيوة "، والمثبت من " المجمع "، " البزار ".
[ ٨ / ٥٢ ]
رجاء بن ربيعة أيضًا بإسنادٍ رجاله ثقات في مناقب الحسين بضم الحاء (١) أن عبد الله بن عمرو بن العاص قال فيه: والله إنه لأحب أهل الأرض إلى أهل السماء (٢).
وعن عمارة بن يحيى بن خالد بن عُرْفُطَة، قال: كنا عند خالد بن عرفطة يوم قتل الحسين بن علي ﵄، فقال لنا خالد: هذا ما سمعتُ من رسول الله - ﷺ -: " إنكم ستبتلون في أهل بيتي من بعدي " رواه الطبراني والبزار، ورجال الطبراني رجال الصحيح غير عمارة، وعمارة وثقه ابن حبان (٣).
وعن شهر بن حوشب، قال: سمعت أم سلمة حين جاء نعي الحسين ﵇ لعنت أهل العراق، وقالت: قتلوه قتلهم الله ﷿، عزَّوه وذلُّوه، لعنهم الله. رواه الطبراني، ورجاله موثقون (٤).
وعن أسلم المِنْقَرِيِّ (٥) قال: دخلت على الحجاج، [فدخل] سنانُ بنُ أنسٍ قاتل الحسين، فأوقف بحيال الحجاج، فنظر إليه، فقال: أنت قتلت الحسين؟ قال: نعم، قال: فكيف صنعت؟ قال: دعمته بالرمح، وهَبَرْتُه
_________________
(١) كذا قال المصمف ﵀، وفي " المجمع " أن الأول في مناقب الحسين، والثاني في مناقب الحسن، وكذلك هو في " البزار ".
(٢) قال الهيثمي في " المجمع " ٩/ ١٨٦ - ١٨٧: رواه الطبراني في " الأوسط "، وفيه علي بن سعيد بن بشير، وفيه لين، وهو حافظ، وبقية رجاله ثقات. وحديث البزار في " مسنده " (٢٦٣٢)، قال فيه الهيثمي ٩/ ١٧٧: رجاله رجال الصحيح غير هاشم بن البريد، وهو ثقة.
(٣) " المجمع " ٩/ ١٩٤، وهو عند الطبراني في " الكبير " (٤١١١)، والبزار (٢٦٤٥) وذكره البخاري في " التاريخ الكبير " ٦/ ٤٩٨.
(٤) الطبراني (٢٨١٨)، وانظر " المجمع " ٩/ ١٩٤. وشهر بن حوشب في حفظه شيءٌ، وبعضهم يحسن حديثه.
(٥) رواه الطبراني في " المعجم الكبير " (٢٨٢٨)، وما بين حاصرتين منه.
[ ٨ / ٥٣ ]
بالسيف هبرًا، فقال الحجاج: أما إنكما لن تجتمعا في دار. رواه الطبراني، ورجاله ثقات.
وعن أنس، قال: لما أُتي برأس الحسين إلى عُبيد الله بن زياد، جعل ينكُتُ بالقضيب ثناياه، فقلت: والله لأسُوءَنَّكَ (١)، إني رأيت رسول الله - ﷺ - يَلْثُمُ حيث يقع قضيبُك. قال: فانقبض. رواه البزار والطبراني بأسانيد، ورجاله وثقوا (٢).
وخرَّج له الطبراني شاهدًا من حديث زيد بن أرقم من طريق حرام بن عثمان (٣).
وعن عمرو بن بعجة قال: أول ذلٍّ دخل على العرب: قتل الحسين، وادِّعاءُ زيادٍ. رواه الطبراني ورجاله ثقات (٤).
وعن أبي رجاءٍ العُطاردي، قال: لا تسبوا عليًا، ولا أحدًا من أهل بيته، فإن جارًا لنا قال: ألم تروا إلى هذا الفاسق قتله الله -يعني الحسين بن علي- فرماه الله بكوكبين في عينيه، فطمس الله بصره. رواه الطبراني ورجاله ثقات (٥).
وعن حاجب عبيد الله بن زياد، قال: دخلتُ القصر خلف عبيد الله بن زياد حين قُتِلَ الحسين، فاضطرم القصر في وجهه نارًا، فقال هكذا بكُمِّه على
_________________
(١) في (د) و(ش): " لا أسوءنك "، وهو خطأ.
(٢) البزار (٢٦٤٦)، والطبراني (٢٨٧٨) و(٢٨٧٩)، وفي أحد إسنادي الطبراني علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف.
(٣) " المعجم الكبير " (٥١٠٧) و(٥١٢١). قال الهيثمي ٩/ ١٩٥: وفيه حرام بن عثمان، وهو متروك. قلت: وقال ابن حبان: كان غاليًا في التشيع.
(٤) الطبراني (٢٨٧٠)، و" المجمع " ٩/ ١٩٦. قلت: وعمرو بن بعجة ترجمته في " التاريخ الكبير " ٦/ ٣١٦، و" الجرح والتعديل " ٦/ ٢٢١ لم يوثقه غير ابن حبان، ولم يرو عنه غير أبي إسحاق السبيعي، وقال الذهبي في " الميزان ": لا يعرف.
(٥) الطبراني (٢٨٣٠)، وقال في " المجمع " ٩/ ١٩٦: ورجاله رجال الصحيح.
[ ٨ / ٥٤ ]
وجهه. فقال: هل رأيت؟ قلتُ: نعم، وأمرني أن أكتم ذلك. رواه الطبراني ورجاله ثقاتٌ إلاَّ حاجب عبيد الله (١).
وعن الزهري، قال لي عبد الملك بن مروان: أيُّ واحدٍ أنت إن أعلمتني أي علامةٍ كانت يوم قتل الحسين؟ قلت: لم تُرفع حصاةٌ من بيت المقدس إلا وُجِدَ تحتها دم عبيط، فقال: إني وإياك في هذا الحديث لفردان (٢). رواه الطبراني. ورجاله ثقات (٣)
وعن الزهري، قال: ما رُفِعَ بالشام حجرٌ يوم قُتِلَ الحسين إلاَّ عن دمٍ. رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح (٤).
وعن أم حكيمٍ، قالت: قتل الحسين، فمكثت السماء أيامًا مثل العَلَقَةِ.
رواه الطبراني، ورجاله إلى أم حكيم، رجال الصحيح (٥).
وعن أبي قبيل قال: لما قتل الحسين انكسفت الشمس كسفة حتى بدت الكواكبُ نصف النهار، حتى ظننا أنها هي. رواه الطبراني بإسناد حسن (٦).
وله شواهد: عن عيسى بن الحارث الكندي. رواه الطبراني (٧).
_________________
(١) الطبراني (٢٨٣١)، وقال في " المجمع " ٩/ ١٩٦: وحاجب عبيد لم أعرفه.
(٢) في " الطبراني " و" المجمع ": " لقرينان ".
(٣) الطبراني (٢٨٥٦)، والمجمع " ٩/ ١٩٦. وانظر " دلائل النبوة " للبيهقي ٦/ ٤٧١، والدم العبيط: هو الطري الخالص.
(٤) الطبراني (٢٨٣٥)، و" المجمع " ٩/ ١٩٦.
(٥) هذا الأثر بتمامه سقط من (ش)، وهو عند الطبراني (٢٨٣٦)، ورواه أيضًا البيهقي في " دلائل النبوة " ٦/ ٤٧٢، و" المجمع " ٩/ ١٩٦.
(٦) الطبراني (٢٨٣٨)، قلت: وأنَّى له الحسن وفيه عبد الله بن لهيعة وهو سيء الحفظ، وأبو قبيل -واسمه يحيى بن هانىء- ضعفه الحافظ في تعجيل المنفعة، لأنه كان يكثر النقل عن الكتب القديمة.
(٧) الطبراني (٢٨٣٩). قال الهيثمي في " المجمع " ٩/ ١٩٧: وفيه من لم أعرفه. =
[ ٨ / ٥٥ ]
وعن محمد بن سيرين. رواه الطبراني، من طريق يحيى الحِمَّاني، وهو من رجال مسلم في " الصحيح "، وفي حديثه أنه لم يكن في السماء حُمْرَةٌ حتى قتل الحسين (١).
فإن قيل: كيف يمكن صحة هذا، وقد ثبت أن أول وقت العشاء زوال الشفق الأحمر عند أهل البيت، وأكثر الفقهاء؟ وذلك ثابتٌ منذ شُرِعَتِ الصلوات في وقت رسول الله - ﷺ -، واتفق جمهور العلماء وأهل اللغة على أن الشفق هو الحمرة، حتى قال الزمخشري في " الكشَّاف " (٢): إن أبا حنيفة رجع إلى ذلك، لأنه المخالف في ذلك.
قلت: يمكن (٣) أنه كان شيئًا يسيرًا، وأنه كان في وقت قتل الحُسين ﵇ حُمرةٌ عظيمةٌ متفاحشةٌ كما تقدم ذلك عن أم حكيم من رواية الطبراني
_________________
(١) = قلت: فيه جد ابن أبي شيبة واسمه إبراهيم بن عثمان، قال الذهبي في " الميزان ": هالك، وقال الحافظ في " التقريب ": متروك.
(٢) الطبراني (٢٨٤٠). قال الهيثمي: فيه يحيى الحماني، وهو ضعيف. وقول المؤلف: " وهو من رجال مسلم في الصحيح " وَهَمٌ منه ﵀ قاده إليه ما رآه في " التقريب " من رمز " م " في نهاية ترجمته، وهذا خطأ من الحافظ، فإن الحافظ المزي في " تهذيب الكمال " لم يرمز له بشيء، وليست له رواية في صحيح مسلم، وإنما ذكره مسلم في " صحيحه " بإثر الحديث (٧١٣) الذي رواه عن يحيى بن يحيى، عن سليمان بن بلال، عن ابن أبي عبد الرحمن، عن عبد الملك بن سعيد، عن أبي حميد أو أبي أسيد. فقال: سمعت يحيى بن يحيى يقول: كتبت هذا الحديث من كتاب سليمان بن بلال، قال: بلغني أن يحيى الحِمَّاني يقول: كتبت هذا الحديث من كتب سليمان بن بلال، قال: بلغني أن يحيى الحِمَّاني يقول: وأبي أسيد. يعني: أن الرواية عن كليهما، لا عن أحدهما. قال الحافظ ابن كثير في " تاريخه " ٨/ ٢٠٣: ولقد بالغ الشيعة في يوم عاشوراء، فوضعوا أحاديث كثيرة كذبًا فاحشًا
(٣) ٤/ ١٩٨.
(٤) " يمكن " ساقطة من (ف).
[ ٨ / ٥٦ ]
بإسنادٍ رجاله ثقاتٌ، وأنه بقي ذلك مدة كثيرة (١) إلى وقت كلام (٢) محمد بن سيرين المتكلم بهذا، وهو من التابعين وعلمائهم وثقاتهم، ثم تناقص عن تلك الكثرة، كما تناقصُ الآيات المختصة بمقتله ﵇.
وقد اشتهرت قصة الحمرة بعد قتله عليه أفضل السلام حتَّى ذكرها المعرِّيُّ في شعره على بُعده من الأفراد المشهورات من الشرائع، فقال:
وعلى الدَّهرِ مِنْ دماء الشهيديـ ـنِ عليٍّ ونجله شاهدانِ
فهما في أواخر الليلِ فجرانِ وفي أُولياتهِ شَفَقَانِ (٣)
فكيف وقد اعتقدت هذه الشهرةُ بإسناد على شرط مسلم من طريق المحدثين!
قال الهيثمي: وعن سفيان، قال: حدثتني جدتي أُمُّ أبي، قالت: شهدَ رجلان من الجعفيين اللذين تولّيا (٤) قتل الحسين، فأما أحدهما، فطال ذكره حتى كان يلُفُّه، وأما الآخرُ، فكان يستقبل الراوية بفيه، حتى يأتي على آخرها، قال سفيان: رأيت ولد أحدهما كأن به خبلًا، أو كأنه مجنون. رواه الطبراني
_________________
(١) في (د): " كثيرًا ".
(٢) " كلام " ساقطة من (ش).
(٣) البيتان في " سقط الزند " ص ٩٦ من قصيدة مطلعها: علِّلاني فإنَّ بيض الأماني فَنِيَتْ والظلام ليس بفانِ وقد أجاب فيها الشريف أبا إبراهيم موسى بن إسحاق عن قصيدة أولها: غير مُسْتَحْسَنٍ وِصَالُ الغواني بعدَ ستين حِجَّة وثمان قال البطليوسي في شرح هذين البيتين: إنما قال هذا، لأنه يمدح علويًا، وفرقة من الشيعة تزعم أن الحمرة التي ترى في الآفاق في أوَّل الليل وآخره لم تكن إلاَّ مذ قُتِلَ علي وابنه ﵄، ومنهم من يرى أن ادعاء مثل هذا محال، لأن تلك الحمرة لم تزل موجودة قبل قتلهما.
(٤) عبارة " اللذين توليا " لم ترد عند الطبراني والهيثمي.
[ ٨ / ٥٧ ]
ورجاله ثقات إلى جده سفيان (١). وبسنده (٢) إليها، قالت: رأيت الوَرْسَ الذي أُخِذَ من عسكر الحُسين، صار مثل الرماد.
وروى الطبراني عن حُميدٍ الطَّحَّان، كنت في خُزاعَة، فجاؤوا بشيءٍ من تركة الحسين، فقيل لهم: نَنْحَرُ أو نبيع فنقسم؟ قال: انحروا، فجلس على جفنةٍ، فلما وُضِعَتْ، فارت نارًا (٣).
وعن الأعمش قال: خَرِيَ رجلٌ على قبر الحسين، فأصاب أهل ذلك البيت خَبَلٌ وجنون وجذامٌ وبرصٌ وفقرٌ. رواه الطبراني (٤) ورجاله رجال الصحيح.
وعن الحسن البصري قال: قُتِلَ مع الحسين ستةَ عشر رجلًا من أهل بيته، والله ما على ظهر الأرض يومئذٍ أهل بيتٍ يشبهونهم.
قال سفيان: ومن يشُكُّ في هذا؟! أخرجه الهيثمي، وسقط ذِكْرُ مُخَرِّجِه من أهل المسانيد (٥).
وروى الطبراني من حديث محمد بن الحَسَن بن زبالة المخزوميِّ أحدِ رجال أبي داود أنه لما أُدْخِلَ ثقل الحسين على يزيد لعنه الله أنشد عبد الرحمن ابن أمِّ حكيمٍ.
لَهَامٌ بجنب الطفِّ أدنى قَرَابَةً من ابن زياد العَبْدِ ذي النسب الوَغْلِ
_________________
(١) الطبراني (٢٨٥٧).
(٢) أي الطبراني (٢٨٥٨)، ورواه البيهقي في " الدلائل " ٦/ ٤٧٢، والورس: نبت أصفر يزرع باليمن.
(٣) الطبراني (٢٨٦٣). قال الهيثمي ٩/ ١٩٦: وفيه من لم أعرفه.
(٤) رقم (٢٨٦٠).
(٥) " مجمع الزوائد " ٩/ ١٩٨، وهو عند الطبراني (٢٨٥٤).
[ ٨ / ٥٨ ]
سميَّة أمسى نَسْلُها عَدَدَ الحصى وبِنْتُ رسولِ اللهِ ليسَ لها نسلُ (١)
وعن أبي قبيلٍ، قال: لما قُتِلَ الحسين، احتزوا رأسه، وقعدوا في أول مرحلةٍ يشربون النبيذ يتحيَّون بالرأس، فخرج إليهم قلمٌ من حديدٍ من حائط، فكتب بسطر دمٍ:
أترجو أُمةٌ قتلت حُسينًا شفاعة جَدِّهِ يومَ الحسابِ
فهربوا وتركوا الرأس. رواه الطبراني (٢).
وعن إمامٍ لبني سليم (٣)، عن أشياخٍ له، قال: غزونا الروم، فنزلوا في كنيسةٍ من كنائسهم، فقرؤوا في حجرٍ مكتوب:
أترجو أمةٌ قتلتْ حسينًا شفاعةَ جَدِّهِ يومَ الحسابِ
فسألناهم: منذ كم بُنِيَتْ هذه الكنيسة؟ قالوا: قبل أن يُبعث نبيكم بثلاث مئة سنة. رواه الطبراني (٤).
وعن أم سلمة، قالت: سُمِعَتْ الجِنُّ تنوح على الحسين. رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح (٥).
_________________
(١) الطبراني (٢٨٤٨)، ومحمد بن الحسن بن زبالة ضعيف جدًا.
(٢) الطبراني (٢٨٧٣). قال الهيثمي ٩/ ١٩٩: وفيه من لم أعرفه.
(٣) في الأصول و" المجمع ": " سليمان "، والمثبت من الطبراني و" مختصر تاريخ دمشق " لابن منظور ٧/ ١٥٥.
(٤) الطبراني (٢٨٧٤)، وصدر البيت الأول عنده: أيرجو معشرٌ قتلوا حسينًا قال الهيثمي ٩/ ١٩٩: وفيه من لم أعرفه. قلت: إمام بني سليم وأشياخه مجاهيل.
(٥) الطبراني (٢٨٦٢) و(٢٨٦٧).
[ ٨ / ٥٩ ]
وعن ميمونة مثله. ورواه الطبراني برجال الصحيح (١).
وعن أمِّ سلمة مثله بزيادة ذكر نَوْحِهِم، وذكر منه:
ألا يا عينُ فاحتفلي بجُهد ومن يبكي على الشهداء بعدي
على رهطٍ تقُودُهُمُ المنايا إلى مُتَجَبِّرٍ في مُلكِ عَبْدِ
رواه الطبراني من طريق عمرو بن ثابتٍ بن هرمز (٢).
وعن أبي جناب (٣) قال: حدثني الجَصَّاصُون، قالوا: كنا (٤) إذا خرجنا إلى الجبال (٥) بالليل عند مقتل الحسين ﵇؛ سمعنا الجن ينوحون عليه، ويقولون:
مَسَحَ الرسولُ جبينهُ فَلَهُ بريقٌ في الخدودِ
أبواه من عُليا قريشٍ وجُدودُه (٦) خيرُ الجدودِ
رواه الطبراني (٧).
وعن أحمد بن محمد (٨) بن حُمَيدٍ الجهمي -من ولد أبي جهم بن حذيفة- أنه كان يُنْشِدُ في قتل الحسين، وقال: هذا الشعر لزينب بنت عقيل بن أبي طالب:
_________________
(١) (٢٨٦٨).
(٢) تحرف في الأصول إلى " هرم ". والخبر عند الطبراني (٢٨٦٩). قال الهيثمي ٩/ ١٩٩: وعمرو بن ثابث بن هرمز ضعيف. قلت: بل متروك، ثم إنه لم يدرك أم سلمة.
(٣) تحرف في (ش) إلى: " حبان ".
(٤) لفظ " كنا " سقط من (ش).
(٥) عند الطبراني: " الجبانة ".
(٦) عند الطبراني و" المجمع " و" مختصر ابن عساكر: " جده ".
(٧) (٢٨٦٥) و(٢٨٦٦). قال الهيثمي: فيه من لم أعرفه، وأبو جناب مدلس.
(٨) " بن محمد ": سقط من (ش).
[ ٨ / ٦٠ ]
ماذا تقولون إن (١) قال النبي لكم ماذا فعلتم وأنتم آخر الأممِ
بعترتي (٢) وبأنصاري وذريتي منهم أُسارى وقتلى ضُرِّجُوا بدمِ
ما كان هذا (٣) جزائي إذ نصحتُ لكم أن تَخلفوني بسوءٍ في ذوي رحمِ
قال أبو الأسود الدُّؤلي: نقول: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين﴾ [الأعراف: ٢٣]. رواه الطبراني بإسنادين في أحدهما انقطاع، وفي الآخر وهو أجود من المنقطع.
فقال أبو الأسود الدؤلي:
أقول وزادني حَنَقًَا (٤) وغَيْظًَا أزال اللهُ ملكَ بني زيادِ
وأَبْعَدَهُم كما بَعِدُوا (٥) وخَانُوا كما بَعِدَتْ ثمودُ وقومُ عادِ
ولا رجعتْ رِكابُهُم إليهم إذا قَفَّتْ إلى يوم التَّنادِ (٦)
وعن سليمان بن الهيثم، قال: كان علي بن الحسين يطوف بالبيت، فإذا أراد أن يستلم الحجر، أوسع له الناس، والفرزدق بن غالبٍ ينظرُ إليه، فقال رجل: يا أبا فراس، من هذا؟ فقال الفرزدق:
_________________
(١) في (ش): "لو"، وفي (ف): " إذا ".
(٢) في " الطبراني ": " بأهل بيتي ".
(٣) في " الطبراني ": " ذاك ".
(٤) في " الطبراني ": " جزعًا ".
(٥) في " الطبراني ": " غدروا ".
(٦) في (د): " التنادي " بإثبات الياء. والخبر عند الطبراني في " الكبير " (٢٨٥٣) و(٢٨٧٥)، وأبيات أبي الأسود في الرواية الأولى. وانظر " تاريخ دمشق " قسم تراجم النساء ص ١٢٤.
[ ٨ / ٦١ ]
هذا الذي تعرف البطحاءُ وطأتَهُ والبيتُ يعرفه والحِلُّ والحَرَمُ
الأبيات إلى قوله:
أيُّ العشائر (١) ليست في رقابهمُ لأوَّلِيَّةِ هذا، أولَه نِعَمُ
رواه الطبراني (٢).
انتهى ما أردت نقله من كتاب الإمام الهيثمي المحدِّث الشافعي، وهو المتكلم على الأسانيد، وكل ما لم أذكر فيه توثيقًا ولا تصحيحًا منها، فهو مما قال فيه المصنف: فيه من لم أعرفه، وذلك هو النادر، وهذا المنقول قليلٌ من كثيرٍ، لأنه اقتصر على نقل ما اتصل إسناده، وهو شرط أهل المسانيد، ولم يذكر ما لم يذكروه، وهم لا يتعرَّضون لذكر المراسيل والمقاطيع، وإنما ذكر الطبراني فيما تقدم مقطوعًا واحدًا، لأن له سندًا آخر متصلًا، فهو شاهدٌ للمتصل.
وفي كتاب ابن عبد البر " الاستيعاب " (٣) و" النُّبلاء " (٤) للذهبي وسائر من صنف المناقب من أهل السنة من مناقب الإمام الحسين بن عليٍّ عليهما أفضلُ السلام الكثير الطيب، وانظر كتاب " ذخائر العُقبى في مناقب ذوي القُربى " (٥) من تواليف أئمة الحديث من الشافعية، وللذهبي كتابٌ مفردٌ، سمَّاه " فتح المطالب في مناقب علي بن أبي طالب ". وابن جرير من أئمة الحديث هو الذي
_________________
(١) في " ديوان الفرزدق ": " الخلائق ".
(٢) الطبراني (٢٨٠٠)، والخبر والأبيات في ديوان الفرزدق ٢/ ١٧٩ - ١٨١.
(٣) ١/ ٣٧٧ - ٣٨٣.
(٤) ٣/ ٢٨٠ - ٣٢١.
(٥) للشيخ العلامة أحمد بن عبد الله بن محمد، محب الدين الطبراني، المتوفى سنة ٦٩٤ هـ. وهو مطبوع متداول.
[ ٨ / ٦٢ ]
صنَّف " جزءًا " في طرق حديث: " من كُنْتُ مولاه، فعليٌّ مولاه " (١)، وصنف الذهبي جزءًا في طرقه وحكم بتواتره. وقد اشتمل " مسند " الإمام أحمد بن حنبل مِن مناقب العِتْرَة على ما لا يرويه ناصبيٌّ، ونقل الأئمة والشيعة منه، واحتجوا بنقله، وهو إمام المحدثين في الاعتقاد والانتقاد.
والقصد الاستدلال على خطأ من يفتري على أهل الحديث بُغْضَ أهل البيت، وقد عُلِمَ منهم التَّبري من ذلك بالضرورة.
وقد أكثرت من النقل في ذلك (٢) على جهة الاستدلال، وهو يحتاج إلى اعتذار، لأنه استدلالٌ على أمرٍ ضروري:
وليس يصح في الأذهان شيءٌ متى احتاج النَّهارُ إلى دليل (٣)
والعذر في ذلك جَحْدُ ذلك مِمَّن جَهِلَ أو تجاهل، فالله المستعان.
بل تصريح الخصم بأنهم يقولون ببغي الحسين ﵇ وتصويب قَتَلَتِه، هكذا قال، ولم يستحي من الله، وهذه تواليفهم المعلومة تكفي في تكذيب من يقول ذلك منهم (٤) كما تقدم، ومن بَقِي له أدنى تقوى وَزَعَهُ من ذلك ما جاء في الحديث المتفق على صحته من رُجُوع ما رُمِيَ به البريء على من يرميه من كُفْرٍ وغيره (٥)، وإنما يُجزىءُ من يَنْسِبُ هذا إليهم بغير بصيرةٍ أنه قد
_________________
(١) حديث مشهور، قد روي عن غير واحد من الصحابة، انظر " صحيح ابن حبان " (٦٩٣١).
(٢) " في ذلك " ساقطة من (ش).
(٣) البيت لأبي الطيب المتنبي من قصيدة في " ديوانه " ٣/ ٩٢ شرح العكبري، وقبله: وهذا الدُّرُّ مأمونُ التَّشظِّي وأنت السيفُ مأمون الفُلولِ
(٤) في (د): " عنهم ".
(٥) وهو قوله - ﷺ -: " إذا قال المسلم لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما " وقد تقدم تخريجه ٢/ ٤٣٨ - ٤٣٩. وقال - ﷺ -: "لا تلعن الريحَ، فإنها مأمورة، وليس أحدٌ يلعن شيئًا له بأهل، إلاَّ رجعت =
[ ٨ / ٦٣ ]
الخلاف في جواز الاستغفار لبعض العصاة والترحم والترضية
يقع خلافٌ بين بعض السنة وبعض الشيعة والمعتزلة في وجهين آخرين:
الوجه الأول: جواز الاستغفار لبعض العصاة والتَّرَحُّم والترضية، وذلك مختلفٌ فيه، والمشهور في كتب أهل السنة جوازه لمن ليس بكافرٍ ولا مُنافقٍ، ولا يدلُّ دينه على شيءٍ من ذلك، ولا يستلزمه بناء على مذهبهم في الشفاعة والرجاء عمومًا، وفي الصحابة خصوصًا.
فقد روى الهيثمي في " الفتن " (١)، عن طارق بن أُشَيْمٍ أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: " بحسب أصحابي القتل ". رواه أحمد، والطبراني بأسانيد، والبزار (٢)، ورجال أحمد رجال الصحيح (٣).
وعن سعيد بن زيدٍ مرفوعًا مثله، رواه الطبراني بأسانيد، ورجال أحدها (٤) ثقات، ورواه البزار كذلك (٥).
وعن أُمِّ حبيبة، عن النبي - ﷺ -: "رأيتُ ما تَلْقَى أمتي بعدي، وسفك بعضها [دماء بعض] (٦)، وسبق ذلك من الله كما سبق في الأمم (٧) قبلهم، فسألت الله
_________________
(١) = عليه". رواه أبو داود (٤٩٠٨)، والترمذي (١٩٧٨)، والطبراني (١٢٧٥٧) من حديث ابن عباس، وصححه ابن حبان (٥٧٤٥) واللفظ له.
(٢) ٧/ ٢٢٣ - ٢٢٤.
(٣) " والبزار " ساقطة من (ش).
(٤) أحمد ٣/ ٤٧٢، والبزار (٣٢٦٣)، والطبراني (٨١٩٥) و(٨١٩٦) وهو حديث صحيح.
(٥) تحرفت في (ش) إلى: " أحدهما ".
(٦) رواه أحمد ١/ ١٨٩ والبزار (٣٢٦١) و(٣٢٦٢)، والطبراني (٣٤٧) و(٣٤٨) و(٣٤٩).
(٧) سقط من الأصلين و" المجمع "، واستدرك من " مسند أحمد ".
(٨) في (ف): " للأمم ".
[ ٨ / ٦٤ ]
أن يُوَلِّيِنيَ شفاعة (١) يوم القيامة فيهم، ففعل". رواه أحمد والطبراني في " الأوسط " ورجالهم رجالُ الصحيح إلاَّ أن رواية أحمد عن ابن أبي حسين أنبأ أنس، عن أم حبيبة، ورواية الطبراني عن الزهري عن أنس (٢).
وعن عبد الله بن يزيد (٣) الخطميِّ، قال - ﷺ -: " عذابُ أمتي في دنياها " رواه الطبراني في " الصغير " و" الأوسط " ورجاله ثقاتٌ (٤).
قلت: وشواهد كثيرة جدًا متفرقة.
ومنها في تفسير قوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء:
_________________
(١) في (ش): " شفاعتهم ".
(٢) رواه أحمد ٦/ ٤٢٧ - ٤٢٨ من طريق أبي اليمان، عن شعيب، عن أبي حمزة، عن ابن أبي حسين، عن أنس بن مالك، عن أم حبيبة. وقال عبد الله بن الإمام أحمد: قلت لأبي: ها هنا قومٌ يحدثونه عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري: قال: " ليس هذا من حديث الزهري، إنما هو حديث ابن أبي حسين. وفي هامش " مجمع الزوائد ": الصحيح رواية أحمد، وقد ذكروا أن أبا اليمان عن شعيب رواه كذلك على الصواب بعد أن كان وهم، فرواها عن الزهري.
(٣) تحرف في (ش) إلى: " زيد ".
(٤) هو عند الطبراني في " الصغير " (٨٩٣) من طريق عثمان بن أبي شيبة، حدثنا يحيى بن زكريا عن إبراهيم بن سويد النخعي، حدثنا الحسن بن الحكم النخعي، عن أبي بردة بن أبي موسى، عن عبد الله بن يزيد الخَطْمي رفعه. ورواه الحاكم ١/ ٥٠ من طريق عثمان بن أبي شيبة به. قلت: والحسن بن الحكم النخعي وثقه ابن معين، وأحمد، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في " المجروحين " ١/ ٢٣٣، وقال: يخطىء كثيرًا، ويَهِمُ شديدًا لا يعجبنى الاحتجاج بخبره إذا انفرد، وروى له حديثه هذا، وحديثًا آخر، وقال: هذان الخبران بهاتين اللفظتين باطلان، وقد فصلنا القول في هذا الحديث وما ورد في معناه في الجزء السادس من هذا الكتاب.
[ ٨ / ٦٥ ]
١٢٣] (١). قال ابن عبد البر: رُوي عن أبي بكرٍ من وجوهٍ شتى أنه في حق المسلمين مصائب الدنيا.
ومنها في تفسير: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة: ٨] (٢).
ومنها: في فضل المصائب والآلام أحاديثٌ كثيرةٌ شهيرةٌ متفقٌ على صحة كثير منها بهذا المعنى، لكنه يخرج منه (٣) من أظهر الشهادتين لمصلحة دنياه (٤)، وليس من الإسلام في شيء، لما ورد في الصحاح كلها عن رسول الله - ﷺ - من طرقٍ صحيحة متعددة متكاثرة أو متواترة أنه يُختلجُ دونه إلى النار يوم القيامة قومٌ من أصحابه يعرفهم، ويقول: "أصحابي! فيقال له: إنك لا
_________________
(١) أخرج أحمد ١/ ١١، والطبري في " جامع البيان " (١٠٥٢١) - (١٠٥٢٩)، والمروزي في " مسند أبي بكر " (١١١) و(١١٢)، وأبو يعلى (٩٨) - (١٠١)، والبيهقي ٣/ ٣٧٣ من طرق عن أبي بكر قال: يا رسول الله، كيف الصلاح بعد هذه الآية: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ وكل شيء عملنا جُزينا به؟ فقال: " غفر الله لك يا أبا بكر ألست تمرض؟ ألست تحزن؟ ألست تصيبك اللأواء؟ " قال: قلت: بلى، قال: " هو ما تجزون به ". وصححه ابن حبان (٢٩١٠)، والحاكم ٣/ ٧٤ - ٧٥، ووافقه الذهبي.
(٢) أخرج ابن جرير في " جامع البيان " ٣٠/ ٢٦٨، وابن أبي حاتم كما في " تفسير ابن كثير " ٤/ ٥٧٨، من حديث أنس، قال: كان أبو بكر ﵁ يأكل مع النبي - ﷺ -، فنزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ فرفع أبو بكر يده من الطعام، وقال: يا رسول الله، إني أجزى بما عملت من مثقال ذرة من شر، فقال: " يا أبا بكر، ما رأيت في الدنيا مما تكره فمثاقيل ذر الشر، ويدخر لك الله مثاقيل الخير حتَّى توفاه يوم القيامة ". وأورده السيوطي في " الدر المنثور " ٨/ ٥٩٣، وزاد نسبته لابن المنذر والطبراني في " الأوسط " والحاكم في " تاريخه " وابن مردويه والبيهقي في " شعب الإيمان " وانظر " تفسير ابن كثير " ٤/ ٥٧٧ - ٥٧٨.
(٣) في (ش): " عنه ".
(٤) في (ش): " دنيا ".
[ ٨ / ٦٦ ]
تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقًا لمن بدل بعدي" (١) وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة شهيرة صحيحة بألفاظٍ متنوعة، وقد تقصَّاها أهل الصِّحاح، وابن عبد البر في أول " الاستيعاب " (٢) وإيرادُهم لها دليل صدقهم في الحديث، وتحرِّيهم لنقل الصحيح، وهذا عارضٌ لبيان خصوص هذه البشرى بالمخلصين في الإيمان، المقرين بذنوبهم، الذين تسُرُّهُم حسناتهم، وتسوؤهم سيئاتهم، ويحبون الصالحين، وإن لم يكونوا منهم.
ولنعد إلى تمام الشواهد على ذلك مع ما تقدم.
قال الهيثمي بعد حديث عبد الله بن يزيد الخَطمي مرفوعًا: " عذاب أمتي في دنياها ": وعن أبي هريرة مرفوعًا نحو رواية الطبراني في " الأوسط " فيه سعيد بن مسلمة الأُموي (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٦٨٢)، ومسلم (٢٣٠٤) من حديث أنس. وأخرجه البخاري من حديث ابن مسعود: البخاري (٦٥٧٦)، ومسلم (٢٢٩٧). وأخرجه من حديث سهل بن سعد: البخاري (٦٥٨٣) و(٧٠٥٠)، ومسلم (٢٢٩٠)، وأحمد ٥/ ٣٣٣ و٣٣٩، والطبراني (٥٧٨٣) و(٥٨٣٤) و(٥٨٩٤) و(٥٩٩٦). وأخرجه من حديث حذيفة: أحمد ٥/ ٣٨٨، ومسلم (٢٢٩٧)، وابن أبي شيبة ١١/ ٤٤١. وأخرجه من حديث أبي بكرة: أحمد ٥/ ٤٨ و٥٠، وابن أبي شيبة ١١/ ٤٤٣ - ٤٤٤. ومعنى قوله: " يختلج ": يجتذب ويقتطع.
(٢) ١/ ٢ - ٩.
(٣) " المجمع " ٧/ ٢٢٤. وتمامه كلامه: وهو ضعيف، ووثقه ابن حبان، وقال: يخطىء، وبقية رجاله ثقات. قلت: قال يحيى بن معين: سعيد بن مسلمة ليس بشيء، وقال البخاري: منكر الحديث، في حديثه نظر، وقال أبو حاتم: ليس بقوي، ضعيف الحديث منكر الحديث، وقال النسائي: ضعيف، وذكره أبو زرعة الرازي في الضعفاء، وقال الترمذي: ليس عندهم بالقوي، وذكره العقيلي وابن الجوزي والذهبي في جملة الضعفاء.
[ ٨ / ٦٧ ]
وعن معقل بن يسار مرفوعًا: " عقوبة هذه الأمة بالسيف، وموعدهم الساعة، والساعة أدهى وأمر " رواه الطبراني، وفيه عبد الله بن عيسى الخزّاز (١).
وعن أبي بُرْدَةَ عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ - عنه - ﷺ -: " عقوبة هذه الأُمة بالسيف ". رواه الطبراني في " الكبير "، ورجاله رجال الصحيح (٢).
فمن استغفر له لعاصٍ منهم، فهو محمول إن شاء الله على نحو مقصد إبراهيم الخليل ﵊ حيث قال: ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] وحيث استغفر لأبيه في حياته حتى تبين له أنه عدو لله، وجادل في قوم لوطٍ، ولم يكن ذلك رضا منه بكفر أبيه، ولا مُوالاة له (٣) على شِركِه.
وكذلك قول عيسى ﵇: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم﴾ [المائدة: ١١٨].
وكذلك رد السلام على اليهودي إذا ابتدأ به، بل هذا من قبيل استغفار رسول الله - ﷺ - لأكبر أعداء الله، وأعدائه - ﷺ - كبير المنافقين عبد الله بن أُبي بن (٤) سلولٍ، وصلاته عليه ميتًا (٥) قبل أن ينصَّ عليه تحريم ذلك، وليس في ذلك رضًا عنه، ولا رضًا بفعله، فمن أقر بقبح ذنب المذنب، وتبرأ من الرضا به، كان خلافه في جواز الاستغفار سهلًا، ولذلك (٦) ذهب زيد بن علي ﵉ إلى الصلاة على الفاسق، رواه عنه القاضي شرف الدين حسن بن محمدٍ
_________________
(١) الطبراني ٢/ (٤٦٠) من طريق عقبة بن مكرم، عن عبد الله بن عيسى، عن يونس بن عبيد، عن الحسن عن معقل بن يسار به، وعبد الله بن عيسى الخزاز، قال فيه أبو زرعة: منكر الحديث، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال ابن عدي: هو مضطرب الحديث، وأحاديثه أفراد كلها.
(٢) " مجمع الزوائد " ٧/ ٢٢٤ - ٢٢٥.
(٣) في (ش): " موالاته ".
(٤) " بن " سقطت من (ش).
(٥) " عليه ميتًا " سقط من (ف).
(٦) في (ش): " وكذلك ".
[ ٨ / ٦٨ ]
النحوي في " تذكرته " وهذا خلاصة مذهب القوم، وهو شبيهٌ بالشفاعة في الآخرة لأهل الذنوب مع كراهتها عند وقوعها ووجوب النهي والحرب على (١) بعضها.
قال الذهبي (٢): وروى الخطيب (٣) عن ابن (٤) المظفر الحافظ، عن محمد بن جرير، قال: سمعت عبادًا يقول: من لم يبرأ في صلاته كل يوم (٥) من أعداء آل محمد، حشر معهم.
قال الذهبي: فقد عادى آل علي آل العباس (٦)، والطائفتان آل محمدٍ قطعًا، فممن نبرأ؟! (٧) بل نستغفر للطائفتين، ونبرأ من عدوان المعتدين، كما تبرَّأ النبي - ﷺ - مما (٨) فعل خالد لما أسرع في قتل بني جُذَيْمَة (٩)، ومع ذلك،
_________________
(١) في (ف): " عن ".
(٢) في " ميزان الاعتدال " ٢/ ٣٧٩ - ٣٨٠.
(٣) هذا وهم من المصنف ﵀، فالذي ذكره الخطيب عن ابن المظفر حكاية أخرى نقلها عنه الذهبي في " الميزان ". وأما هذا النص، فقد ذكره بإثر تلك الحكاية؛ فقال: محمد بن جرير، أي: روى محمد بن جرير.
(٤) تحرف في (ش) إلى: " أبي ".
(٥) " كل يوم " ساقطة من (ش).
(٦) في (ش): تعادى آل علي وآل العباس.
(٧) في " الميزان ": " نتبرأ ".
(٨) في (ش): " فيما "، وهو تحريف.
(٩) أخرج عبد الرزاق (٩٤٣٤)، ومن طريقه أحمد ٢/ ١٥٠ - ١٥١، والبخاري (٤٣٣٩) و(٧١٨٩)، والنسائي ٨/ ٢٣٧، وابن حبان (٤٧٤٩)، والبيهقي ٩/ ١١٥ عن ابن عمر أن النبي - ﷺ - بعث خالد بن الوليد إلى جذيمة، فدعاهم إلى الإسلام، فلم يُحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، وجعلوا يقولون. صبأنا صبأنا، وجعل خالد يأخذهم أسرًا وقتلًا، ودفع إلى كل رجل منهم أسيرًا، حتى كان يومًا، فقال خالد: ليقتل كل رجل منكم أسيره، فقدمنا على رسول الله - ﷺ -، فذكر له صنيع خالد، فرفع النبي - ﷺ - يديه، وقال: " اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد ".
[ ٨ / ٦٩ ]
فقال فيه: " خالدٌ سيفٌ سلَّه الله على المشركين " (١)، فالتَّبرُّؤ من ذنبٍ سيُغفر، لا يلزم منه البراءة من الشخص. انتهى كلامه.
وإنما أوردته ليُعرف مذهبهم وإجماعهم على كراهة فعل المذنب والتَّبرُّؤ منه، وإن لم يتبرَّؤوا من فاعله، محتجِّين بقوله تعالى: ﴿وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَه﴾ [الممتحنة: ٤]، وبقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] والعدو هنا: الكفار دون عصاة المؤمنين إجماعًا، وفي البُغاة: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ [الحجرات: ١٠] الآية، مع قوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات﴾ [محمد: ١٩].
ففي الآيات (٢) صح الجمع بين الذنوب والإيمان والأمر بالبراءة من (٣) ذنب المؤمن، وبالاستغفار له، وشواهده كثيرة، ومن أوضحها قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ٩ - ١٠].
وفي الحديث بيانٌ كثيرٌ (٤) لهذا، وكفى بأحاديث الشفاعة، وهي متواترة عند أهل العلم بالآثار، والحمد لله.
ولا شك أن الرضا بفعل المذنب بمنزلة ارتكاب الذنب.
قال الإمام المهدي محمد بن المُطَهّر: الموالاة المجمع على تحريمها:
_________________
(١) أخرجه من حديث عبد الله بن أبي أوفى عبد الله بن أحمد في " فضائل الصحابة " (١٣)، والبزار (٢٥٩٢) و(٢٧١٩)، والطبراني في " الكبير " (٣٨٠١)، و" الصغير " (٥٨٠)، وصححه ابن حبان (٧٠٩١)، والحاكم ٣/ ٢٩٨.
(٢) " ففي الآيات ": ساقطة من (ش).
(٣) في (ش): " عن ".
(٤) في (ش): " لكثير ".
[ ٨ / ٧٠ ]
كراهة أهل السنة للعن والسب على الإطلاق، ولا سيما الموتى، لما ورد من النهي عن سبهم
موالاةُ العاصي لأجل معصيته، ويكون حكم صاحب هذه الموالاة حكم من والاه في الفسق والكفر، وفي مذهب المهدوية من الزيدية وهم أكثرهم (١) تشديدًا: أنه تجوز محبَّة الفاسق لخَصْلَة خيرٍ فيه، وقد يكون في أهل السنة والشيعة من يحب بعض الفسقة لخصلة خيرٍ فيه، إما صحيحة أو في ظن من أحبه.
وقال محمد بن منصورٍ الكوفي الشيعي في كتابه المعروف بكتاب أحمد -يعني أحمد بن عيسى بن زيد ﵉-: إن أحمد بن عيسى ﵇ قال: فإن جَهِلَ الولاية رجلٌ، فلم يتولَّ أمير المؤمنين ﵇، لم تنقطع بذلك عصمته، وإن تبرَّأ وقد عَلِمَ، انقطعت منا عصمته، وكان منّا (٢) في حدِّ براءة مما دان به، وأنكر من فرض الولاية، لا نراه يخرج بها من حد المناكحة والموارثة وغير ذلك مما تجري به أحكام المسلمين بينهم بعضهم في بعض على مثل من وافقنا في الولاية وإيجابها في المناكحة والموارثة، غير أن هذا الموافق، موافقٌ معتصمٌ بما قد اعتصمنا به من الولاية، ونحن من الآخر في حدِّ براءةٍ من فعله.
وقوله: على مثل هذه الجهة، لا على مثل البراءة منا من أهل الشرك (٣) اليهود والنصارى والمجوس، وهذا وجه البراءة عندنا ممن خالفنا. انتهى بحروفه من آخر المجلد السادس من " الجامع الكافي على مذهب الزيدية ".
الوجه الثاني: إن أهل السنة يكرهون اللَّعن والسب على الإطلاق، ولا سيّما للموتى، لما ورد في الحديث من النهي عن سبِّهم (٤).
_________________
(١) في (ش): " وهو أكبرهم ".
(٢) " منا " ساقطة من (ش).
(٣) في (د) و(ف): " الشر ".
(٤) تقدم من حديث عائشة ٥/ ٤، وهو حديث صحيح.
[ ٨ / ٧١ ]
وفي الباب عن زيد بن أرقم، رواه أحمد والطبراني بأسانيد، رجال أحدها ثقاتٌ (١).
وعن صخرٍ مرفوعًا، وفيه عبد الله بن سعيد بن أبي مريم (٢)، وهو ضعيف.
وعن عبد الله بن عمرو (٣) يرفعه: " سباب الميت (٤) كالمشرف على الهلكة " برجال الصحيح (٥).
وقد رأيت مصنفًا مستقلًا لبعضهم في النهي عن اللعن، أورد فيه حديثًا كثيرًا في هذا المعنى، ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين﴾ إلى قوله: ﴿أن تَوَلَّوْهُمْ﴾ الآية [الممتحنة: ٩]، لأنه اعتبر المفسدة في الآية (٦) عند المحاربة، وقد نهى رسوله - ﷺ - عن سبِّ رِعْلٍ وذكوان الذين قتلوا سبعين من خير أصحابه، وقال سبحانه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨] (٧) وما أردت بذكر هذا إلاَّ وجهين:
_________________
(١) رواه أحمد ٤/ ٣٦٩ و٣٧١، والطبراني في " الكبير " (٤٩٧٣) و(٤٩٧٤) و(٤٩٧٥)، ورواه أيضًا ابن أبي شيبة ٣/ ٣٦٦، وصححه الحاكم ١/ ٣٨٥، ووافقه الذهبي.
(٢) صخر: هو ابن وداعة الغامدي، وحديثه عند الطبراني في " الكبير " (٧٢٧٨)، و" الصغير " (٥٩٠).
(٣) في (ش): عمر، وهو تصحيف.
(٤) في (ف): " الموتى ".
(٥) وانظر هذا الحديث والحديثين قبله في " مجمع الزوائد " ٨/ ٧٦.
(٦) في الأصول: الذلة، وهو خطأ، والصواب ما أثبت.
(٧) أخرج أحمد ٢/ ٢٥٥، والبخاري (٤٥٦٠)، ومسلم (٢٩٤) من حديث أبي هريرة كان يقول: " اللهم العن لحيان ورعلًا وذكوان، وعصية عصت الله ورسوله " قال: ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما نزلت: ﴿ليس لك من الأمر شيء ﴾ الآية. وانظر " صحيح ابن حبان " (١٩٧٢).
[ ٨ / ٧٢ ]
الوجه الأول: بيان التفاوت العظيم بين المخالفين، فكم بين الرَّاضي بالفعل الذي لولاه ما أحبَّ الفاعل، وبين الكاره له الذي لو لم يكن له غيره، ما أحبَّ الفاعل، كما أنه فرقٌ عظيمٌ بين الزاني والمستغفر له، أو المجوِّز للشفاعة له، أو الصَّلاة عليه من أهل العلم والدين.
الوجه الثاني: تحسين الظن بالمسلمين من الطائفتين ما استطعت، وإذا كان لأحدٍ من الطائفتين محملٌ قبيحٌ، ومحملٌ أقبح منه، حملته على أقلِّهما قبحًا، إن لم أجد محتملًا حسنًا، والله عند لسان كل قائل، وقلبه ونيته. فأمَّا من علمنا منه بُغض علي ﵇، فإنَّا نُبْغِضُه لله، وكيف لا نبغضُه وقد صح بغير نزاعٍ أن رسول الله - ﷺ - قال: " لا يبغضك إلاَّ منافق " (١).
ولكنه ينبغي التنبيه على أمرٍ لطيفٍ وهو أن المحبة مما تزيد وتنقص، وتقِلُّ وتكثر، كالإيمان على الصحيح، فقد صح في أحاديث الشفاعة الصحاح أن يكون لمن في قلبه أدنى من مثقال حبةٍ من خردلٍ من إيمانٍ، وإذا كان قليل الإيمان ليس بكفرٍ، فكذلك قليل المحبة ليس ببغضٍ، ومن المعلوم أن حب فاطمة ﵍ لعلي بن أبي طالب أكثر من حب عائشة ﵂ له، وكذلك حب الحَسَنَيْنِ له ﵈ أكثر من حبِّ ابن عمر له، وكذلك حبُّ المؤمنين (٢) لله ولرسوله في غاية التفاضل.
وصحت النصوص في فضائل الإيمان إلى أن عُدَّ فيه ما هو أدنى من مثقال حبةٍ من خردلٍ من إيمانٍ، ولم يُحكم للقبيل بالكفر في شيءٍ من ذلك.
ولم يعنِّف رسول الله - ﷺ - عائشة حيث لم تُحِبَّ أمير المؤمنين كحبِّ أبيها، ولا كحب فاطمة له، ولا كَرهَ رسول الله - ﷺ - لذلك ولا طلقها، ولا يلزمُ من التفضيل عليه البغض له، فإنا نفضِّله على ولديه ﵉، ولا نبغضهما،
_________________
(١) حديث صحيح، وقد تقدم تخريجه ١/ ٣٧٠.
(٢) في (ف): " أمير المؤمنين ".
[ ٨ / ٧٣ ]
وأهل الحديث يُفَضِّلون أبا بكرٍ على عُمَرَ، ولا يُبغضون عمر، وأهل الإسلام يفضلون النبي - ﷺ - على أصحابه وأهله، ولا يبغضونهم، بل على الأنبياء ﵈.
ولكن نعرض من هذا صورة نسبة البغض، وهي شدة المراء في التفضيل والقدح في أدلة المفضلين في الجانبين، ألا ترى أن أحدًا من الغلاة لو فضل عليًا على رسول الله - ﷺ - فجادلناه، وقدحنا فيما يحتج به على ذلك، لكان يظن بنا كراهة علي، وكذا لو فضَّل أحدٌ منا الحسين (١) بن علي على أبيه، أو عمر على أبي بكر، فَرُدَّ عليه، لتوهم المردود عليه فيمن رد عليه بأنه يكره المُفَضَّل، وإنما كَرِهَ التفضيل لا المُفَضَّل، فينبغي الاحتراز في ذلك حتى لا يُنْسَبَ إلى بُغض علي من يحبه، فيكون جنايةً عليه، وظلمًا له، والله يحب الإنصاف.
_________________
(١) في (ف): " الحسن ".
[ ٨ / ٧٤ ]
الفصل الثاني
في بيان أن من منع الخروج على الظلمة استثنى من ذلك من فَحُشَ ظُلمه، وعَظُمَتِ المفسدة بولايته، مثل يزيد بن معاوية، والحجَّاج بن يُوسُف، وأنه لم يقُل أحدٌ ممن يُعْتَدُّ به بإمامة من هذا حاله، وإن ظن ذلك من لم يبحث من ظواهر بعض إطلاقهم، فقد نصوا على بيان مُرادهم، وخصُّوا عُموم ألفاظهم، ويظهر ذلك بذكر ما أمكن من نصوصهم.
فمن ذلك ما نقله لي شيخي النَّفيس العلوي -أدام الله عُلُوَّه- عن إمام مذهب الشافعية الجويني، فإنه قال في كتابه " الغياثي " (١)، وقد ذكر أن الإمام لا ينعزل بالفسق ما لفظه: وهذا في نادر الفِسق، فأما إذا تواصل منه العِصيان، وفشا منه العدوان، وظهر الفساد، وزال السَّداد، وتعطَّلت الحقوق، وارتفعت الصِّيانة، وَوضُحَتِ الخيانة، فلا بد من استدراك هذا الأمر المتفاقم، فإن أمكن كفُّ يَدِهِ، وتولية غيره بالصفات المعتبرة، فالبدار البدار، وإن لم يمكن ذلك، لاستظهاره بالشوكة إلاَّ بإراقة الدماء، ومُصادَمَة الأهوال، فالوجه أن يُقاس ما الناس مندفعون إليه، مُبْتَلُون به (٢) بما يعرض وقوعه، فإن كان الواقع الناجز أكثر مما يُتَوَقَّع، فيجب احتمال المتوقَّع، وإلا فلا يسُوغُ التشاغل بالدفع، بل يتعين الصبر والابتهال إلى الله تعالى. انتهى بحروفه.
_________________
(١) ص ١٠٥ - ١١٠.
(٢) " به " ساقطة من (د) و(ف).
[ ٨ / ٧٥ ]
ومما يدلُّ على ذلك أنه لما ادعى أبو عبد الله (١) بن مُجاهد الإجماع على تحريم الخروج على الظلمة، ردوا ذلك عليه وقبَّحوه، وكان ابن حزمٍ -على تعصُّبه لبني أُمَيَّة- ممَّن ردَّ عليه، فكيف بغيره؟ واحتج عليه ابن حزمٍ بخروج الحسين بن علي ﵉ على يزيد بن معاوية، وبخروج ابن (٢) الأشعث ومن معه من كبار التابعين على الحجاج، ذكره في كتاب " الإجماع " (٣) له، ورواه عنه الرِّيمَيُّ في آخر كتاب " الإجماع " له في الترتيب الذي ألحقه به، فقال ابن حزم ما لفظه: ورأيت لبعض من نَصَبَ (٤) نفسه للإمامة والكلام في الدين، فُصولًا ذكر فيها الإجماع، فأتى فيها بكلامٍ لو سكت عنه (٥)، لكان أسلم له في أُخراه (٦)، بل لعل الخرس كان أسلم له، وهو ابن مجاهد البصري (٧) المتكلِّم الطائي، لا المقريء، فإنه ذكر فيما ادعى فيه الإجماع: أنهم أجمعوا على أنه لا يُخْرَجُ على أئمة الجَوْرِ، فاستعظمتُ ذلك، ولعمري إنه لعظيمٌ أن يكون قد عَلِمَ أن مخالف الإجماع كافرٌ، فيُلقي هذا إلى الناس، وقد علم أن أفاضل الصحابة وبقية السلف يوم الحرة خرجوا على يزيد بن معاوية، وأن ابن الزبير ومن تابعه من خيار الناس خرجوا عليه، وأن الحسين بن علي ومن تابعه من خيار المسلمين خرجوا عليه أيضًا رضي الله عن الخارجين عليه، ولعن قتلتهم، وأن الحسن البصري وأكابر التابعين خرجوا على الحجاج بسيوفهم. أترى هؤلاء كفروا؟ بل والله من كَفَّرهم، فهو أحق بالكفر منهم، ولعمري لو كان اختلافًا (٨)
_________________
(١) في الأصول: " أبو بكر "، وهو خطأ. وابن مجاهد. هو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن يعقوب بن مجاهد الطائي البصري، صاحب أبي الحسن الأشعري، صنف التصانيف ودرس علم الكلام، وكان حسن التدين، جميل الطريقة. مترجم في " السير " ١٦/ ٣٠٥.
(٢) " ابن " ساقطة من (ش).
(٣) ص ١٧٧ - ١٧٨.
(٤) في " الإجماع ": " ينسب ".
(٥) " عنه " سقطت من (د).
(٦) تحرفت في (ش) إلى: " أجره ".
(٧) في الأصول: " المصري "، وهو تحريف.
(٨) في الأصول: " حليفًا "، وهو خطأ والمثبت من " الإجماع ".
[ ٨ / ٧٦ ]
-يخفى-، لعذرناه، ولكنه مشهورٌ يعرفه أكثر من في الأسواق، والمخدرات في خُدورِهِنَّ لاشتهاره، ولكن يحق على المرء أن يَخْطِمَ كلامه ويزُمَّه إلاَّ بعد تحقيق ومَيْزٍ، ويعلم أن الله تعالى بالمرصاد، وأن كلام المرء محسوبٌ مكتوبٌ مسؤولٌ عنه يوم القيامة مُقَلَّدًا أجر من اتبعه عليه، أو وزره. انتهى بحروفه. وقرَّره الفقيه جمال الدين الرِّيَمي، ولم يعترضه.
فإذا كان هذا كلام من نصوا على أنه يتعصب لبني أمية في يزيد بن معاوية، والخارجين عليه، فكيف بمن لم يُوصَمْ بعصبيةٍ البتة، وليس يمكن أن يزيد الشيعي المحتدُّ على مثل هذا.
وممن أنكر على ابن مجاهدٍ دعوى الإجماع في هذه المسألة، القاضي العلامة عياض المالكي، قال: ورد عليه بعضهم هذا بقيام الحسين بن عليٍّ ﵁، وابن الزبير، وأهل المدينة على بني أمية، وقيام جماعةٍ عظيمةٍ من التابعين، والصدر الأول على الحجاج مع ابن الأشعث.
وتأول هذا القائل قوله: " ألا ننازع الأمر أهله " (١) على أئمة العدل.
قال عياضٌ: وحجة الجمهور أن قيامهم على الحجاج ليس بمجرد الفسق، بل لما غيَّر من الشرع، وأظهر من الكفر. انتهى كلامه.
وفيه بيان اتفاقهم على تحسين ما فعله الحُسين ﵇ وأصحابه وابن الأشعث وأصحابه، وأن الجمهور قصروا جواز الخروج على من كان على مثل تلك الصفة، وأن منهم من جوَّز الخروج على كلِّ ظالمٍ، وتأول الحديث الذي فيه: " وألا ننازع الأمر أهله " على أئمة العدل.
وفيه أنهم اتفقوا على الاحتجاج بفعل الحسين ﵇، ولكن منهم من احتج على جواز الخروج على الظلمة مطلقًا، ومنهم من قصره على من فَحُشَ ظلمه وغيَّر الشرع، ولم يقل مسلمٌ منهم ولا مِنْ غيرهم: إنَّ يزيد مصيبٌ،
_________________
(١) قطعة من حديث صحيح تقدم به تخريجه ص ١٧ من هذا الجزء.
[ ٨ / ٧٧ ]
والحسين باغ إلاَّ ما ألقاه الشيطان على السيد، ولا طمَّع الشيطان بمثل هذه الجهالة أحدًا قبل السيد.
والعجب أن السيد ادعى على ابن بطال أنه نص على ما ادعاه، ثم أورد كلام ابن بطال وهو يشهد بتكذيب السيد، فإن ابن بطال روى عن الفقهاء أنهم اشترطوا (١) في طاعة المتغلِّب إقامة الجهاد والجُمُعات والأعياد، وإنصافَ المظلوم غالبًا، ومع هذه الشروط، فما قال ابن بطال عن الفقهاء: إن طاعته واجبةٌ، ولا إن الخروج عليه حرامٌ، بل قال عنهم: إنه متى كان كذلك، فطاعته خيرٌ من الخروج عليه، لما فيها من حقنِ الدماء وتسكين الدهماء.
واعلم أني لا أعلم لأحد من المسلمين كلامًا في تحسين قتل الحسين ﵇، ومن ادعى ذلك على مسلمٍ، لم يُصَدَّق، ومن صح ذلك عنه، فليس من الإسلام في شيءٍ، وقد ذكر المنصور بالله نزاهة الفقهاء عن هذا في الدعوة العامة كما تقدم، ثم ذكر في بعض أجوبته على وَرْدسان، وقال فيه ما لفظه: وأما فقهاء الجُرُوبِ والمَزَاود، ولُقاطاتِ الموائد، فلا يُعتدُّ بهم، ثم روى أنه حدثه من يَثِقُ (٢) به عن عبد الرحمن بن محمد الخصك الذي كان بصنعاء أنه قال بنحوٍ مما ذكره السيد، وهذا غير عبيد مما لا يُعرف بدين ولا علم، فقد كان مع يزيد جيوش كثيرة كلهم على رأيه، وكذلك جميع الشياطين على كثرتهم يُحسنون الفجور والكذب، وإنما الكلام في نسبة ذلك إلى فقهاء الإسلامِ وثقات الحُفَّاظ، ونُسِبَ إلى الغزالي كلامٌ مضمونه أنه لم يصح عن يزيد بن معاوية الرضا بقتل الحسين، وهذا يدل على استقباح قتل الحسين، بحيث لم يتجاسر الغزالي على القطع بنسبة الرضا به إلى يزيد. ذكر هذا ابن خلكان في " تاريخه " (٣) في ترجمة علي بن محمد المعروف بإلكيا الهراسي، ثم ذكر عن الهراسي صاحب الترجمة ما يخالف ذلك، وأثنى عليه حتى نقل تفضيله على
_________________
(١) في (ش): " يشترطون ".
(٢) في (ش): " وثق ".
(٣) ٣/ ٢٨٧.
[ ٨ / ٧٨ ]
الغزالي، كما هو معروف في التاريخ المذكور.
وقد رأيت أن أورد الكلام المنسوب إلى الغزالي، وأنقُضَه على الإنصاف وهل صح عنه أو لم يصح، على أني أنزه الغزالي عن صحة ذلك الكلام لما فيه من الشبه الركيكة، ولما يؤدي إليه من الإلزامات الشنيعة، ولما صح عنه مما يناقضه كما سيأتي، وأنا أُبين من ذلك ما يظهر مع ذلك صحة ما ذكرته.
فأقول: قال صاحب الكلام -وقد سئل عن لعن يزيد- ما لفظه: لا يجوز لعن المسلم أصلًا، ومن لعن مسلمًا، فهو الملعون، وقد قال رسول الله - ﷺ -: " المسلم ليس بلعَّان " (١)، وكيف يجوز لعن المسلم، ولا يجوز لعن البهائم، وقد ورد النهي عن ذلك (٢)، وحرمة المسلم أعظم من حرمة الكعبة بنصِّ النبي - ﷺ - (٣)، ويزيد صح إسلامه، وما صح قتله الحسين ﵇، ولا أمره ولا
_________________
(١) رواه من حديث ابن مسعود بلفظ: " ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا البذيء ولا الفاحش " أحمد ١/ ٤١٦، والبخاري في " الأدب المفرد " (٣١٢)، وابن أبي شيبة ١١/ ١٨، والترمذي (١٩٧٧) وحسنه، وصححه ابن حبان (١٩٢)، والحاكم ١/ ١٢، ووافقه الذهبي، وانظر مزيد تخريجه عند ابن حبان بتحقيقنا.
(٢) أخرج أحمد ٤/ ٤٢٩ و٤٣١، والدارمي ٢/ ٢٨٦، ومسلم (٢٥٩٥)، وأبو داود (٢٥٦١)، وابن حبان (٥٧٤٠) و(٥٧٤١) من حديث عمران بن حصين، قال: بينما نحن مع رسول الله - ﷺ - في سفر وامرأة على ناقة لها، فضجرت، فلعنتها، فقال رسول الله - ﷺ -: " خذوا متاعكم وارحلوا عنها وأرسلوها، فإنها ملعونة ". قال: ففعلوا، فكأني أنظر إليها ناقة ورقاء. وله شاهد من حديث جابر مخرج عند ابن حبان (٥٧٤٢)، وشاهد آخر من حديث أبي برزة مخرج أيضًا عند ابن حبان (٥٧٤٣).
(٣) أخرج ابن ماجه (٣٩٣٢) من حديث ابن عمر، قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يطوف بالكعبة، ويقول: " ما أطيبك وأطيب ريحك، ما أعظمك وأعظم حرمتك، والذي نفس محمد بيده، لحرمة المؤمن أعظم عند الله من حرمتك ماله ودمه، وأن نظن به إلاَّ خيرًا ". وقال البوصيري في " زوائد ابن ماجه " ٢٤٥/ ١: هذا الإسناد فيه مقال. شيخ ابن ماجه ضعفه أبو حاتم وذكره ابن حبان في " الثقات "، وباقي رجال الإسناد ثقات. =
[ ٨ / ٧٩ ]
رضاه بذلك، ومهما لم يصح ذلك منه، فلا يجوز أن نظن به ذلك، فإن إساءة الظن أيضًا بالمسلم حرام (١)، وقد قال الله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]. وقد قال النبي - ﷺ -: " إن الله حرَّم من المسلم دمه وماله وعِرْضَه، وأن يُظَنَّ به ظن السوء " (٢).
ومن زعم أن يزيد أمر بقتل الحسين ﵇ أو رضي به، فينبغي أن يعلم به غاية حمقه، فإن من قتل من الأكابر والوزراء (٣) والسلاطين في عصره لو أراد أن يعلم حقيقة من الذي أمر بقتله أو من الذي رضي به، ومن الذي كرهه، لم يقدر على ذلك، وإن كان قد قتل في جواره وزمانه، وهو يُشاهده، فكيف لو كان في بلدٍ بعيد، وفي زمنٍ بعيد، وقد انقضى؟ فكيف يعلم ذلك فيما انقضى عليه قريبٌ من أربع مئة سنة في مكان بعيد.
وقد تطرَّق التعصب في الواقعة، فكثرت فيها الأحاديث من الجوانب، فهذا أمرٌ لا تعرف حقيقته أصلًا، فإذا لم يعرف، وجب اجتناب (٤) الظن بكل مسلم يمكن إحسان الظنِّ به، ومع هذا، فلو ثبث على مسلم أنه قتل مسلمًا، فمذهب أهل الحق أنه ليس بكافرٍ، والقتل ليس بكفر، بل هو معصيةٌ، وإذا مات القاتل فربما أنه مات بعد التوبة، والكافر لو تاب من كفره، لم يجز لعنه، فكيف من تاب عن قتلٍ، ولم يُعرف أن قاتل الحسين ﵇ مات قبل التوبة وهو الذي يقبل التوبة عن عباده، فإذًا لا يجوز لعن أحد (٥) ممن مات (٦) من
_________________
(١) = ورراه الترمذي (٢٠٣٢)، والبغوي (٣٥٢٦) من حديث ابن عمر قوله، وصححه ابن حبان (٥٧٦٣).
(٢) في (ش): " محرمة ".
(٣) أخرجه البيهقي في " شعب الإيمان " فيما قاله الحافظ العراقي في " تخريج الإحياء " ٣/ ١٥١ أما من حديث ابن عباس بسند ضعيف.
(٤) " والوزراء " سقطت من (ش) و(ف).
(٥) في " الوفيات ": " إحسان ".
(٦) في (د) و(ش): " أحدًا "، وهو خطأ.
(٧) في (ش): " تاب ".
[ ٨ / ٨٠ ]
المسلمين، ومن لعنه كان فاسقًا عاصيًا لله تعالى، ولو جاز لعنه، فسكت لم يكن عاصيًا بالإجماع، بل لو لم يلعن إبليس [طول عمره، لا يقال له يوم القيامة: لِمَ لم تلعن إبليس؟] (١) ويقال للاعن: لِمَ لعنت؟ ومن أين عرفت أنه مطرود ملعون؟ والملعون: هو المبعدُ من الله ﷿، وذلك غيبٌ لا يُعرف إلاَّ فيمن مات كافرًا، فإن ذلك عُلِمَ بالشرع، وأما التَّرحم عليه، فهو جائزٌ، بل مستحبٌّ، بل هو داخل في قولنا في (٢) كل صلاةٍ: اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، فإنه كان مؤمنًا، والله أعلم. انتهى كلامه.
وقد يتعلق بهذا ثلاث طوائف: النواصب، والروافض، ومن يقول بتحريم لعن المعين، وإن كان كافرًا محاربًا مشركًا أو ذميًا يهوديًا أو نصرانيًا، إلاَّ من علمنا أنه مات كافرًا، فليردّ على كل طائفةٍ:
أما النواصب، فربما فرحوا به، أو توهَّموا أن قائله منهم، فتكثروا بالإمام أبي حامد الغزالي، وليس في كلام الرجل شيءٌ من النصب أبدًا، وقد اشتهر عنه أن الله تعالى غَضِبَ على أهل الأرض لقتل الحسين ﵇، رواه عنه الثقات، كابن حجر في كتابه " التلخيص " وابن النحوي في كتابه " البدر المنير " بل أودعه الغزالي كتابه الشهير بـ " كشف علوم الآخرة " وسيأتي ذكر ذلك قريبًا.
على أن الغزالي قد صرح في خطبة " المقصد الأسنى في شرح الأسماء الحسنى " (٣) أنه كان غير متمكن من التصريح خوفًا وتقيَّةً، ومن كلامه في ذلك في هذا الكتاب المذكور: إن الإفصاح عن كُنه الحق يكاد يُخالف ما سبق إليه الجماهير، وفِطام الخلق عن العادات ومألوفات المذاهب عسيرٌ، وجانب (٤) الحق يُجَلُّ عن أن يكون مُشرَعًا لكل واردٍ، وأن يطلع (٥) عليه إلاَّ واحدٌ بعد
_________________
(١) ما بين حاصرتين سقط من الأصول، واستدرك من " الوفيات ".
(٢) عبارة " قولنا في " ساقطة من (ش).
(٣) ص ٢٣.
(٤) في " المقصد الأسنى ": " جناب ".
(٥) في " المقصد الأسنى ": " يتطلع ".
[ ٨ / ٨١ ]
واحدٍ، مهما عَظُمَ المطلوب، قلّ المساعد، ومن خالط الخلق جديرٌ أن يتحامى، ولكن من أبصر الحق عسيرٌ عليه أن يتعامى. انتهى.
فلو صح عنه ذلك الكلام، لعرفنا بقرينة الحال، ووساطة هذا الكلام، أن حاله ما كان مساعدًا له على الجهر بالحق، كيف وقد رجَّح ذلك تصريحه به في " كشف علوم الآخرة " وغيره، وقد قال في كتاب " إحياء علوم الدين " (١) في أوائله في أواخر العقيدة: إن ما جرى بين الصحابة محمولٌ على الاجتهاد، وكل مجتهدٍ من عليٍّ ومعاوية مصيبٌ أو مخطىءٌ، ولم يقل بأن عليًا مخطىءٌ ذو تحصيلٍ. انتهى بحروفه.
وفيه إشارةٌ إلى ما صرح به غيره من إجماع الأئمة الأربعة، وسائر أهل السنة على أن معاوية باغٍ على عليٍّ ﵇، لتواتر الحديث في ذلك، كما قد ذكرته مبسوطًا في غير هذا الموضع، ولكنه كان منافيًا ألا تراه ذكر في " الإحياء " (٢) في العقيدة أن الله يكلِّف ما لا يطاق، واتفق النقلة عنه أن مذهبه إنكار ذلك، نقله السبكي في " جمع الجوامع " وابن الحاجب وشرَّاح كتابه (٣) مختصر " منتهى السول " وإنما تكلم الغزالي في تحريم لعن كل فاسقٍ وكافرٍ على التعيين، إلاَّ من عُلِمَ أنه مات على الكفر، كما روى عنه (٤) النووي ذلك في " الأذكار " (٥)، وهذا لا يستلزم النصب.
وأما الروافض، فيقولون: هذا يدل على أن أهل الحديث والأشعرية يُصَوِّبُون يزيد بن معاوية في قتل الحسين ﵇، ويحكمون بصحة إمامته، وببغي الحسين وأصحابه عليه.
والجواب على هؤلاء من وجهين:
_________________
(١) ١/ ١١٥.
(٢) ١/ ١١٢.
(٣) " كتابه " ساقطة من (ش).
(٤) في (ش): " عن "، وهو خطأ.
(٥) ص ٥٠٠.
[ ٨ / ٨٢ ]
الوجه الأول: أن كلامه يدلُّ على نقيض هذا، فإنه صرَّح فيه بأن من ظن في يزيد أنه أمر بقتل الحُسين، أو رضي به، فقد فعل ما لا يحل من ظن السوء، ومن القطع في موضع الشك، وذكر بعد هذا أنه يجوز أن قاتل الحسين مات بعد التوبة، وكل هذا يقتضي تحريم قتل الحسين عنده، ولو كان -حاشاه- باغيًا، ويزيد إمامًا، لكان قتله -صانه الله- واجبًا فدل هذا على أنه لا حجة في هذا الكلام لمن ينسب إلى أهل الحديث والأشعرية إمامة يزيد وتصويبه في قتل الحسين ﵇، فإن الرجل إنما تكلم في عدم صحة أمر يزيد ورضاه بذلك، وقد تكررت منه الترضية على الحسين ﵇ في كلامه، ولم يترحم على يزيد مرة واحدة في جميع كلامه، وهذا يدل على تعظيم الحسين وتمييزه له من غيره.
الوجه الثاني: أنا لو قدرنا صحة شيءٍ من ذلك على الغزالي، والعياذُ بالله، لم يلزم أهل الحديث والأشعرية.
الوجه الثالث: أنه قد روي عن الغزالي مذهب الروافض، ذكر الغزالي ما يقتضي ذلك في كتابه " سر العالمين وكشف ما في الدارين "، وحكاه عنه الذهبي في ترجمته من " النبلاء " (١) قال: ذكره سبطُ ابن الجوزي، وقال: ما أدري ما عذره فيه. فكما لم يلزم صحة ذلك الكلام على الغزالي والقطع على أنه معتقده، ولم يلزم أيضًا نسبة ذلك إلى أهل الحديث والأشعرية، سواء صح أو لم يصح.
الوجه الرابع: ما ذكره الغزالي في كتاب " كشف علوم الآخرة " من أن الله تعالى غضب على أهل الأرض لقتل الحسين ﵇، وقد مضى قريبًا صحة ذلك عنه.
وأما الطائفة الثالثة، وهم الذين يقولون بتحريم لعن (٢) المعين وإن كفر، وارتكاب الكبائر، ولهم حجتان:
_________________
(١) ١٩/ ٣٢٨.
(٢) " لعن " ساقطة من (ش).
[ ٨ / ٨٣ ]
الأولى: من النظر، وهي أنا إذا جوَّزنا التوبة من أحدٍ لم تحل لعنته (١)، وهذا ممنوع، بل تجوز لعنته كما تجوز عقوبته على الكفر بالقتل، وبالحد، وبالجرح في الشهادة والذم حتى تصح توبته، والتجويز لا يؤثر في منع الظواهر.
الحجة الثانية: أن رسول الله - ﷺ - كان يقنت بلعن رعلٍ وذكوان وعُصَيَّة قَتَلَةِ القُرَّاء في بئر معونة، فنهي عن ذلك، ونزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] (٢).
والجواب: أن النهي (٣) عن ذلك مختصٌّ بحال الصلاة، والنصوص تمنع من (٤) القياس كما سيأتي بيانه.
ثم نقول: لا يخلو: إما أن يعتقدوا تحريم ذلك ظنًا واجتهادًا مع تصويب من خالفهم، أو رفع الإثم عنه، فمسلم ولا يضر تسليمه، وهذا هو الذي لا يذهب المحقِّقون من أهل الحديث والأشعرية إلى غيره إن ذهب أحدٌ منهم إلى ذلك والله أعلم.
وإما أن يعتقدوا تحريم ذلك، ويفسقوا (٥) من خالف فيه، فهذا قول لا ينبغي أن يذهب إليه عالمٌ، وهو الذي ذهب إليه صاحب هذا الكلام الذي أورده ابن خلكان، وسوف يظهر من ضعفه ما يقوِّي نزاهة أبي حامد الغزالي، ونزاهة ساحته منه إن شاء الله تعالى وأما قوله: لا يجوز لعن المسلم أصلًا، ومن لعنه فهو الملعون، فالجواب عليه من وجوه:
الوجه الأول: أن المتكلم بدأ في كلامه بلعن نفسه، ولعن خيار المسلمين.
أما لعنه لنفسه، فلأنه لعن من لعن مسلمًا، وحكم بأنه ملعون، وقد قرر
_________________
(١) في (د): " يحل لعنة ".
(٢) انظر ص ٧٢ من هذا الجزء.
(٣) عبارة " أن النهي " ساقطة من (ش).
(٤) " من " ساقطة من (ف).
(٥) في الأصول: " ويفسقون "، والجادة ما أثبت.
[ ٨ / ٨٤ ]
اختلاف الناس في تفسير المسلم والمؤمن والاسلام والإيمان
في كلامه أن قتل المسلم ليس بكفرٍ فكيف لعنه؟
فثبت بهذا أن لاعن المسلم مسلمٌ، وأن صاحب الكلام قد لعنه، وقد حكم على نفسه أن من لعن مسلمًا، فهو ملعون، فثبت بحكمه هذا أنه ملعونٌ، لأنه قد لعن مسلمًا، وذلك المسلم الذي لعنه هو لاعن يزيد أو غيره من الظلمة.
وأما لعنه لخيار المسلمين، فلأن خيار المسلمين هم أهل القرآن وحملة العلم، وهم يلعنون من لعنه الله في آية القتل ونحوها، ومن لعنه رسول الله - ﷺ - في الحديث الصحيح كما سيأتي، والإمام أبو حامد الغزالي أجلُّ مِنْ أن يفتتح فتواه بنحو ذلك.
الوجه الثاني: أنه بنى كلامه على مسألة باطلة عند أهل السنة، وهي أن من أقر بالإسلام بلسانه، ولم يقم بفرائضه، وتجنب (١) محارمه، فهو مسلم مؤمنٌ، على الأطلاق، وهذا قول المرجئة، وأما قول (٢) أهل السنة، فالإسلامُ والإيمان عندهم معرفةٌ وقولٌ وعملٌ، ويدخلهما الزيادة والنقصان، وقد اختلف الناس قديمًا وحديثًا في تفسير المسلم والمؤمن، والإسلام والإيمان، والكلام في اشتقاق ذلك، وقد تكلم غير واحد من أهل السنة في ذلك، منهم القاضي أبو بكر ابن العربي المالكي في كتاب " عارضة الأحوذي في شرح الترمذي "، وذكر اضطراب الناس في ذلك، واختار أن المسلم من أسلم نفسه من عذاب الله، والمؤمن من أمن نفسه من ذلك، أو كما قال، وإنما اختلف العلماء في المسألة، لتعارض الآثار في ذلك، ففي بعضها اعتبار الشهادتين فقط، وفي بعضها اعتبارهما مع الصلاة والصوم والحج، وفي بعضها اعتبار ذلك مع أداءِ المقيم، وفي بعضها: " المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه " (٣) وفي بعضها: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمنٌ، ولا يشرب الخمر حين يشربها
_________________
(١) في (ش): " ويتجنب ".
(٢) " قول ": ساقطة من (د) و(ف).
(٣) تقدم تخريجه ٢/ ٤٣٩.
[ ٨ / ٨٥ ]
وهو مؤمن" (١)، وفي بعضها: " والمؤمن من أمِنَه الناس على دمائهم وأموالهم " (٢) وكلها صحيحة.
وكذلك الآيات القرآنية اختلف المفهوم منها في ذلك، ففي بعضها ما
يدل على أن المسلم مؤمنٌ، مثل قوله تعالى: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ [آل عمران: ١٩]، وفي بعضها ما يدل على أن المؤمن غير المسلم (٣)، مثل قوله تعالى: ﴿قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا﴾ [الحجرات: ١٤]، ومثل ما رواه الترمذي وضعَّف سنده من قوله - ﷺ -: " أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص " (٤).
وقد جمع أهل السنة من الآيات والأحاديث بأن الإيمان والإسلام يزيدان وينقصان، وأن اختلاف الآيات ورد على حسب ذلك، فحيث قال الله تعالى: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ أراد الإسلام الكامل، حيث قال: ﴿قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا﴾ أراد أقل الإسلام، وهو ما يحقن الدماء من إظهار الإسلام وإقامة أركانه التي يُقاتل على تركها، وكذلك سائر الأحاديث على ما هو مبسوطٌ في شروح الحديث. قال ابن بطال في شرح البخاري ما لفظه: وكذلك لو أقر بالله ورسوله، ولم يعمل الفرائض، لا يُسمى مؤمنًا بالإطلاق،
_________________
(١) أخرجه من حديث أبي هريرة أحمد ٢/ ٣١٧ و٣٧٦، والبخاري (٢٤٧٥) و(٥٥٧٨) و(٦٧٧٢) و(٦٨١٠)، ومسلم (٥٧)، وأبو داود (٤٦٨٩)، والترمذي (٢٦٢٥)، وابن ماجه (٣٩٣٦). وانظر " صحيح ابن حبان " (١٨٦).
(٢) حديث صحيح، وقد تقدم تخريجه ٢/ ٤٣٩.
(٣) في (ف): " المسلم غير المؤمن ".
(٤) أخرجه الترمذي (٣٨٤٤) عن قتيبة بن سعيد، عن ابن لهيعة، عن مشرح بن عاهان، عن عقبة بن عامر، وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلاَّ من حديث ابن لهيعة، عن مشرح بن عاهان، وليس إسناده بالقوي. قلت: رواه أحمد ٤/ ١٥٥ عن عبد الله بن يزيد المقرىء، عن ابن لهيعة. وهذا إسناد حسن، عبد الله بن يزيد أحد العبادلة الذين رووا عن ابن لهيعة قبل احتراق كتبه.
[ ٨ / ٨٦ ]
وإن كان في كلام العرب قد يجوز أن يُسمى مؤمنًا بالتصديق، فغير مستحق لذلك (١) في حكم الله تعالى، لقوله ﷿: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. أخبر الله تعالى أن المؤمنين على الحقيقة من كانت هذه صفته دون من قال، ولم يعمل، وضيَّع ما أُمِرَ به وفرّط. انتهى.
وفيه دلالة على ما ذكرته من أن أهل الكبائر لا يُسَمَّوْنَ عند أهل السنة مسلمين ومؤمنين علي الإطلاق، وإنما يقال: إنهم مسلمون أقل الإسلام، ومسلمون عصاةٌ فساقٌ ظلمةٌ، بل قد أطلق رسول الله - ﷺ - على كثيرٍ منهم الكفر والمروق من الإسلام، كما جاء في حديث: " لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض " (٢) وحديث: " سِبابُ المسلم فُسوقٌ، وقتاله كفرٌ " (٣) وأحاديث مروق الخوارج من الإسلام، وكلها في الصحيح (٤)، وهذه ألفاظٌ قد (٥) أطلقها رسول الله - ﷺ -، فينبغي أن نطلقها كما أطلقها، ونريد ما أراد على الإجمال من كفرٍ مخصوصٍ، أو مطلقٍ أو مجازٍ أو حقيقةٍ شرعيةٍ أو لغويةٍ، لأنه ﵊ إنما قصد بإطلاقها زجر أهل هذه المعاصي بإطلاق أقبح الصفات المذمومة عليهم، والحكمة في ذلك باقيةٌ، فكيف نخالف الحكمة (٦) النبوية في زجر الناس عن المعاصي بإطلاق الأسماء المذمومة عليهم، ونصف أفجرهم -وهو يزيد الذي تأوَّه منه رسول الله
_________________
(١) في (د) و(ف): " ذلك ".
(٢) أخرجه من حديث ابن عمر أحمد ٢/ ٨٥ و٨٧ و١٠٤، والبخاري (٤٤٠٣)، و(٦١٦٦) و(٦٧٨٥) و(٦٨٦٨) و(٧٠٧٧)، ومسلم (٦٦)، وأبو داود (٤٦٨٦)، والنسائي ٧/ ١٢٦، وابن ماجه (٣٩٤٣). وانظر ابن حبان (١٨٧).
(٣) تقدم مرارًا.
(٤) انظر ١/ ٢٣٢ ت (٢).
(٥) " قد " ساقطة من (ش).
(٦) في (ش): " تخالف النصوص ".
[ ٨ / ٨٧ ]
كلام في جواز لعن مرتكب المعاصي
- ﷺ - وسمَّاه عِتْرِيفًا (١) مُتْرَفًَا، وأخبر أنه يَثْلُمُ أمر الأمة- بأحسن الأوصاف ونُسمِّيه بأكرم الأسماء، وهو الإسلام والإيمان، ويترك ذمه بجميع ما يستحقه أو بعضه مِنَ الوصف بالعصيان والفسوق والكفران والمروق كما وصف رسول الله - ﷺ - بذلك من فعل بعض ما فعل من الخوارج، مع اختصاصهم دون يزيد بالعبادة والتلاوة والتأويل والصيانة؟! وهل هذا إلاَّ خلاف الحكمة النبوية، وخلاف الأدب مع رسولِ الله - ﷺ -؟ وإن كان الصحيح أن " الإيمان سريرةٌ، والإسلام علانيةٌ " كما رواه أحمد (٢) مرفوعًا بهذا اللفظ ودل عليه كثيرٌ من الآيات والأخبار، كما ذكر في هذا الكتاب مبسوطًا في موضعه.
الوجه الثالث: أنه قد ورد السمع قرآنًا وسنةً بلعن مرتكبي معاصٍ كثيرةٍ لا يكفر مرتكبها (٣)، مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣] وفي الآية أحكامٌ كثيرةٌ، مثل تحريم قتل المؤمن، واستحقاق فاعل ذلك للعقاب والغضب واللعنة، واستحقاق الخلود، ولم يتأول أهل الحديث (٤) شيئًا منها إلا الخلود لموجبات (٥) ذلك، وقيل: منسوخ، وقيل: مخصوصٌ بالقاتل الكافر.
ومن ذلك ما ورد في جميع دواوين الإسلام من لعن أهل المعاصي، فقد صح أن رسول الله - ﷺ - لعن من آوى محدثًا، ومن غير منار الأرض، ومن
_________________
(١) العتريف: الغاشم الظالم.
(٢) ٣/ ١٣٤ - ١٣٥. ورواه أيضًا أبو عبيد في " الإيمان " ص ٥، والبزار (٢٠١)، وأبو يعلى (٢٩٢٣)، وذكره الهيثمي في " مجمع الزوائد " ١/ ٥٢، وقال: رجاله رجال الصحيح ما خلا علي بن مسعدة، وقد وثقه ابن حبان وأبو داود الطيالسي وأبو حاتم وابن معين، وضعفه آخرون.
(٣) في (ش): " مرتكبوها ".
(٤) عبارة " أهل الحديث " لم ترد في (د) و(ش).
(٥) في (ش): " الموجبات ".
[ ٨ / ٨٨ ]
لعن والديه، ومن ذبح لغير الله (١)، ومن أمَّ قومًا وهم له كارهون (٢)، ولعن آكل الربا وموكله (٣)، ولعن الواشمة والموشومة، والنامصة والمتنمصة (٤)، وغير ذلك، وهذه أحاديث صحيحة، وأهل هذه المعاصي لا يكفرون إجماعًا.
الوجه الرابع: أن هذه الفتوى بأن لاعن الفاسق ملعون مخالفة لفتوى رسول الله - ﷺ -، وذلك أن رسول الله - ﷺ - قال: " إذا لعن العبد شيئًا، صعدت اللعنة إلى السماء فتغلق أبواب السماء دونها، ثم تهبط إلى الأرض، فتغلق أبوابها دونها، فتأخذ يمينًا وشمالًا، فإذا لم تجد مساغًا رجعت إلى الذي لُعِنَ، فإن كان كذلك، وإلا رجعت إلى قائلها " رواه أبو داود من حديث أبي الدرداء من رواية رباح بن الوليد على الصحيح، وكذلك رواه الطبراني، وقيل: الوليد بن رباح عن عمه عمران بن عتبة عن أم الدرداء، عنه - ﷺ - (٥)
_________________
(١) أخرجه من حديث علي بن أبي طالب أحمد ١١٨ و١٥٢، وابنه عبد الله في زوائد " المسند " ١/ ١٠٨، والبخاري في " الأدب المفرد " (١٧)، ومسلم (١٩٧٨)، والنسائي ٧/ ٢٣٢، وأبو يعلى (٦٠٢)، والبيهقي ٦/ ٩٩، والبغوي (٢٧٨٨). وانظر ابن حبان (٥٨٩٦).
(٢) رواه الترمذي (٣٥٨) من حديث أنس، وفي سنده محمد بن القاسم الأسدي، والأكثر على تضعيفه.
(٣) أخرجه من حديث ابن مسعود الطيالسي (٣٤٣)، وأحمد ١/ ٣٩٣ و٣٩٤، و٤٤٨ و٤٦٢، والدارمي ٢/ ٢٤٦، ومسلم (١٥٩٧)، وأبو داود (٣٣٣٣)، والترمذي (١٢٠٦)، وابن ماجه (٢٢٧٧)، والبيهقي ٥/ ٢٧٥. وانظر ابن حبان (٥٠٢٥).
(٤) أخرجه من حديث ابن مسعود أيضًا الحميدي (٩٧)، وأحمد ١/ ٤٣٣ - ٤٣٤ و٤٤٨ و٤٥٤ و٤٦٢، والبخاري (٤٨٨٦) و(٤٨٨٧) و(٥٩٣١) و(٥٩٣٩) و(٥٩٤٣) و(٥٩٤٨)، ومسلم (٢١٢٥)، وأبو داود (٤١٦٩)، والنسائي ٨/ ١٤٦ و١٤٩، وابن ماجه (١٩٨٩). وانظر ابن حبان (٥٥٠٤) و(٥٥٠٥).
(٥) أبو داود (٤٩٠٥)، وجود إسناده الحافظ في " الفتح " ١٠/ ٤٦٧. وانظر " تحفة الأشراف " ٨/ ٢٤٥. وفي الباب عن ابن مسعود عند أحمد ١/ ٤٠٨، وحسَّن إسناده الحافظ في الفتح =
[ ٨ / ٨٩ ]
فهذا رسول الله - ﷺ - حكم بأنها لا ترجِعُ إلى قائلها حتى يكون الملعون بها غير أهلٍ لها (١)، وإذا كان رسول الله - ﷺ - قد لعن الواشمة والنامصة، ومن أمَّ قومًا وهم له كارهون، ونحوهم من هذه المعاصي المستصغرة بالنظر إلى ما قدمنا ذكر طرق منه من أفعال يزيد، فكيف يقطع أنه (٢) لا يستحق اللعنة؟
فإن قيل: إنما أراد صاحب الكلام أنه لا يجوز لعن أحدٍ بعينه من العصاة، وإن جاز لعنه على الإطلاق من غير تعيين.
قلت: هذا لا يصح لوجوهٍ:
الوجه الأول: إن المسألة ظنية خلافية، لا يستحق المخالف فيها (٣) التأثيم ولا الإنكار، فضلًا عن التفسيق واللعن، وقد ذكر الإمام النووي في " الأذكار " (٤) أن الظاهر جواز ذلك، وقد صدر ذلك عن غير واحدٍ من السلف الصالح، ولو لم يصح فيه إلاَّ ما خرجه البخاري ومسلم (٥) عن ابن عمر أنه مرَّ بفتيان مِنْ قريش قد نصبوا طيرًا وهم يرمونه، فقال: لعن الله من فعل هذا، إن رسول الله - ﷺ - لعن من اتخذ شيئًا فيه الروح غرضًا، فهذا الصاحب الجليل لعن جماعةًَ معيَّنين من فتيان قريشٍ، أيكون عبد الله بن عمر ملعونًا؟! حاشاه - ﵁ - من ذلك.
ومن ذلك ما رواه البيهقي في " سننه الكبرى " في جماع أبواب الكلام في الصلاة في أول بابٍ منه، من حديث عبد الرحمن بن معقل أنه قال:
_________________
(١) = ١٠/ ٤٦٧. وعن ابن عباس عند أبي داود (٤٩٠٨)، والترمذي (١٩٧٨)، والطبراني في " الكبير " (١٢٧٥٧)، وصححه ابن حبان (٥٧٤٥).
(٢) " لها " ساقطة من (ش).
(٣) في (د): بأنه.
(٤) " فيها " ساقطة من (ش).
(٥) ص ٥٠٠.
(٦) البخاري (٥٥١٥)، ومسلم (١٩٥٨). وأخرجه أيضًا أحمد ١/ ٣٣٨ و٢/ ٤٣، والنسائي ٧/ ٢٣٨، والحاكم ٤/ ٢٣٤.
[ ٨ / ٩٠ ]
شهدت عليًا يقنتُ بعد الركوع، ويدعو في قنوته على خمسةٍ، وسمَّاهم، ولم يسمهم البيهقي.
وروى محمد بن جرير الطبري مثل ذلك في " تاريخه " وزاد تسميتهم (١)، ومن ذلك ما روى شهر بن حوشب قال: سمعت أم سلمة حين جاء نعي الحسين لعَنَتْ أهل العراق، وقالت: قتلوه قتلهم الله ﷿، عزُّوه وذلُّوه لعنهم الله.
رواه الطبراني والهيثمي في " مجمع الزوائد " وقال: رجاله موثوقون (٢).
الوجة الثاني: ما اتفق البخاري ومسلمٌ على إخراجه من حديث أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - أنه قال: " اللهم إني بشرٌ آسف كما يأسف البشر، فأي المؤمنين آذيته، شتمته، لعنته، جلدته فاجعلها له (٣) صلاة " (٤) وهذا لا يصح أن يكون إلا على جهة التعيين، لأن سياق الحديث يقتضي ذلك، ولأن الجلد مذكور في الحديث، وتعليق الجلد بغير معين محالٌ.
فإن قيل: إنما لعن رسول الله - ﷺ - من أعلم به الله أنه يموت كافرًا (٥). كما قال الغزالي.
قلت: هذا لا يصح، لأنه لو كان كذلك، لما دعا لمن لعنه أن يجعل الله اللعنة له صلاةً وزكاةً وطهورًا، ومن علم أنه يموت كافرًا، لا معنى للدعاء له بذلك، وأيضًا فذلك الذي قاله خلاف الظاهر، وتأويلٌ بغير دليلٍ، ولو جاز مثل ذلك، جاز تأويل كل ظاهرٍ، وتخصيص كل عامٍّ، وأدى ذلك إلى التَّلعُّب بالشريعة المطهرة، فالواجب (٦) على العالم ترك مذهبه ليوافق الحديث، لا
_________________
(١) انظر " سنن البيهقي " ٢/ ٢٤٥.
(٢) تقدم ص ٥٣ من هذا الجزء.
(٣) " له " ساقطة من (ش).
(٤) البخاري (٦٣٦١)، ومسلم (٢٦٠١). وأخرجه أيضًا ابن حبان (٦٥١٦)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٥) في (ش): " أنه كافر ".
(٦) في (ش): " والواجب ".
[ ٨ / ٩١ ]
تأويل الحديث ليوافق مذهبه، وإنما يجوز التأويل عند الضرورة على ما هو مفصَّلٌ في مواضعه.
فأما قوله - ﷺ - في حديث عائشة ﵂: " فأيُّما أحدٍ دعوتُ عليه من أمتي بدعوةٍ ليس لها بأهلٍ (١)، فليس ذلك يدلُّ على أن النبي - ﷺ - يلعن من ليس لذلك بأهلٍ، لأن ظاهر أفعال النبي - ﷺ - الإباحة، وحديث عائشة هذا ليس فيه ذكر اللعن، وإنما ورد على سببٍ مخصُوصٍ، وهو قول النبي - ﷺ - ليتيمة أُم سلمة: " لا كبِرَتْ سِنُّك " (٢) وظاهر هذا الدعاء الإباحة وإن لم تكن اليتيمة أهلًا له، فليس ذلك دالًاّ على تحريمه، وليس يجوز القول بأن فعل رسول الله - ﷺ - محرَّمٌ إلاَّ بدليلٍ واضحٍ (٣)، و(٤) على أن الصحيح أيضًا عند كثيرٍ من العلماء أنه لا يجوز تعمُّد الصغائر على رسول الله - ﷺ -.
الوجه الثالث: ما روى مسلمٌ في " صحيحه " (٥) عن جابرٍ أن رسول الله - ﷺ - رأى حمارًا قد وُسِمَ في وجهه، فقال: " لعن الله الذي وسمه " وهذا نص في موضع النزاع وفيه ما يرُدُّ على قول الغزالي المقدم في الوجه قبله، لأن رسول الله - ﷺ - علق اللعن بوسم الوجه، فدل على أنه العلة في جواز اللعن، كما إذا قال: من أحدث فليتوضأ، فإنه يعلم أن الحدث هو علَّةُ الوضوء، وذلك معروفٌ في فن (٦) الأصول.
_________________
(١) حديث عائشة أخرجه مسلم (٢٦٠٠)، وليس فيه قوله - ﷺ -: " ليس لها باهل ". إنما هو في حديث أنس الذي أخرجه مسلم برقم (٢٦٠٣). وانظر ابن حبان (٦٥١٤)، والتعليق الآتي.
(٢) انظر التعليق السابق، وحديث عائشة كما رواه مسلم، قالت: دخل على رسول الله - ﷺ - رجلان، فكلماه بشيء لا أدري ما هو، فأغضباه، فلعنهما وسبهما
(٣) عبارة " محرم إلاَّ بدليل واضح " ساقطة من (د).
(٤) الواو ساقطة من (ف).
(٥) برقم (٢٢١٧). وأخرجه أيضًا ابن حبان (٥٦٢٨)، والبيهقي ٧/ ٣٥.
(٦) " فن " ساقطة من (ف).
[ ٨ / ٩٢ ]
الوجه الرابع: أن اللِّعان بين الزوجين المسلمين جائزٌ بنص القرآن، وإجماع المسلمين، وهو معلومٌ من الدين ضرورة، بحيث يكفر جاحده، وهو مشتمل على لعن كل واحد منهما لنفسه إن كان من الكاذبين، فلو كان لعنُ المسلم الفاسق حرامًا، لم يحل للمسلم الفاسق أن يلعن نفسه، لأن حق نفسه أعظم من حق أخيه المسلم عليه أو مثله (١).
الوجه الخامس: حديث: " شر أئمتكم الذين يلعنونكم وتلعنونهم " خرجه مسلمٌ عن أبي هريرة (٢) والترمذي عن عمر (٣)، فأخبرهم أنهم يلعنون أئمتهم، فساقها لهم بذلك ولم يبيِّن تحريمه، فدلَّ على الجواز، بخلاف خبره - ﷺ - في نحو قطع يد السارق في بيضةٍ، فإنه خبرٌ على القطع وهو غائب، فلا يدلُّ على الجواز.
الوجه السادس: حديث عائشة الصحيح (٤)، وفيه أنها قالت لليهود: عليكم السام واللعنة، وإنما نهاها عن الفحش لما بدأتهم بالمشافهة بذلك من غير إظهارهم لذلك دليله ما في الصحيح عنها أنه - ﷺ - قال في رجل: " بئس أخو العشيرة "، فلما دخل عليه ألان له القول، فقالت له عائشة في ذلك، فقال: " إن شر الناس من أكرمه (٥) الناس اتِّقاء فُحْشِهِ " (٦). فسمى المواجهة بذلك فحشًا.
_________________
(١) في (د): " ومثله ".
(٢) كذا في الأصول: " عن أبي هريرة "، وهو خطأ، إنما هو من حديث عوف بن مالك الأشجعي، وهو عند مسلم (١٨٥٥). وأخرجه أيضًا أحمد ٦/ ٢٤ و٢٨، والدارمي ٢/ ٣٢٤، وابن حبان (٤٥٨٩).
(٣) برقم (٢٢٦٤)، وفيه محمد بن أبي حميد، وهو ضعيف. قال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلاَّ من حديث محمد بن أبي حميد، ومحمد يضعف من قبل حفظه.
(٤) حديث صحيح وقد تقدم تخريجه ١/ ٢٦١.
(٥) في (د) و(ف): " كرهه "، وهو خطأ.
(٦) أخرجه أحمد ٦/ ٣٨ و١٥٨ - ١٥٩، والبخاري (٦٠٣٢) و(٦٠٥٤) و(٦١٣١)، ومسلم (٢٥٩١)، وأبو داود (٤٧٩١)، والترمذي (١٩٩٦)، وابن حبان (٤٥٣٨) و(٥٦٩٦).
[ ٨ / ٩٣ ]
الوجه السابع: آية المباهلة، وقوله فيها: ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١] نص في أهل المباهلة وإن كان لفظه عامًا كما ذكره الأصوليون.
الوجه الثامن: حديث واطىء المسبية الحبلى وفيه: " هممت أن ألعنه لعنة تدخل معه قبره " (١).
الوجه التاسع: حديث أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ - إنه قال: " إذا باتت المرأة هاجرةً فراش زوجها، لعنتها الملائكة حتى تصبح ". رواه مسلمٌ (٢) وهو لعنُ المعين.
العاشر: حديث: " لعن الله الراكب والقائد والسائق ". رواه الهيثمي (٣) مرفوعًا من حديث [سفينة]، وقال: رجاله ثقاتٌ، وهو لعنٌ لمعينٍ أيضًا.
الحادي عشر: أن الأدلة العامة من الإيمان والأحاديث التي قدمناها وردت معلَّلَةً بتلك المعاصي المذكوره، والتعليل يقتضي جواز اللعنة حيث وجدت المعصية. مثاله قوله تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] معلل بالظلم وقول النبي - ﷺ -: " لعن الله من لعن والديه " (٤) معلل بلعن الوالدين، وكذا سائر ما ورد تعليق اللعن به من الأوصاف المذمومة.
واللفظ، وإن كان عامًا، فهو يتناول الآحاد ظاهرًا ولو لم يتناول شيئًا منها، لم يكن له معنى (٥) وتعيين بعضها من غير دليلٍ تحكُّم، فثبت بمجموع هذه
_________________
(١) أخرجه من حديث أبي الدرداء أحمد ٥/ ١٩٥ و٦/ ٤٤٦، والدارمي ٢/ ٢٢٧، ومسلم (١٤٤١)، وأبو داود (٢١٥٦).
(٢) برقم (١٤٣٦)، ورواه أيضًا أحمد ٢/ ٤٣٩ و٤٨٠، والبخاري (٣٢٣٧) و(٥١٩٣)، وأبو داود (٢١٤١)، وابن حبان (٤١٧١) و(٤١٧٢).
(٣) " مجمع الزوائد " ١/ ١١٣، وما بين حاصرتين منه. والحديث أخرجه البزار (٩٠).
(٤) تقدم تخريجه ص ٨٩.
(٥) في (ف): " معين ".
[ ٨ / ٩٤ ]
الأدلة أن لعن أهل الكبائر جائزٌ، بل قد وقع من أرحم الخلق وأشفقهم، وهو رسول الله - ﷺ - شفيع الخلائق وسيد ولد آدم، وذلك لِمَا فيه من زجر الناس أن يرتكبوا ما ارتكب أولئك الذين استحقوا اللعنة، فكيف يقال: إنَّ من لعن مسلمًا على الإطلاق، وإن كان فاسقًا، فهو الملعون.
أفلا يخاف صاحب هذا الكلام أن يكون تناول (١) باللعن رسول الله - ﷺ - وخيار الصحابة وخيار المؤمنين.
فحاشا مقام الإمام الغزالي من مثل هذه الجهالة الشنيعة، والبدعة البديعة.
وأما احتجاج صاحب تلك الفتوى على ذلك بقول رسول الله - ﷺ -: " المؤمن ليس باللعان " (٢)، فالجواب من وجهين:
الوجه الأول: أنه لا يدل على تحريم لعن أحدٍ بعينه، بل هو مطلقٌ، وقد فسَّره صاحب الشريعة، فأجاز لعن الظالمين والكافرين ونحوهم، فدلَّ على أن التحريم منصرفٌ إلى المؤمنين القائمين بفرائض الإيمان، الحافظين لأنفسهم (٣) عن انتهاك محارمه، وتعدِّي حدوده.
الوجه الثاني: أن النبي - ﷺ - نفى أن يكون المؤمن لعَّانًا، وليس اللعان من لعن بعض العُصاة غضبًا لله تعالى، وزجرًا لأهل المعاصي في بعض الأحوال، كما فعل ذلك (٤) رسول الله - ﷺ -، وغير واحد من فضلاء الصحابة (٥)، وإنما
_________________
(١) في (ش): " يتناول ".
(٢) أخرجه من حديث ابن مسعود أحمد ١/ ٤٠٤ و٤٠٥ و٤١٦، وابن أبي شيبة ١١/ ١٨، والبخاري في " الأدب المفرد " (٣١٢) و(٣٣٢)، والترمذي (١٩٧٧)، والطبراني في " الكبير " (١٠٤٨٣)، وصححه ابن حبان (١٩٢)، والحاكم ١/ ١٢، ووافقه الذهبي.
(٣) في (ش): " أنفسهم ".
(٤) " ذلك " ساقطة من (ش).
(٥) في (د): " أصحابه ".
[ ٨ / ٩٥ ]
اللعان: كثير اللعن عند كل غضب، في صغير الأمور وكبيرها، وكذلك السباب (١)، وقد صح عن أبي بكرٍ الصديق أنه غَضِبَ على ولده عبد الرحمن، فجدَّع وسبَّ (٢)، فهذا صَدَرَ من الصِّدِّيق ﵁ على سبب (٣) يسير، كما ذلك معروفٌ في كتب الحديث، وليس يستحق الصِّدِّيق أن يُسمى بذلك سبّابًا، وكذلك قول الصِّدِّيق يوم الحديبية لسهيل بن عمرو: امصُص بظر اللاَّت (٤)، ولم يكن بذلك الصِّدِّيق فاحشًا، وإن كانت كلمة فُحشٍ لما قالها غضبًا لله تعالى.
وإذا كان رسول الله - ﷺ - -أحلم الخلق وأشفقهم- غَضِبَ على من وسم حمارًا في وجهه، فلعن من وَسَمَهُ، فكيف لا يغضب المسلم على من قتل الحسين الشهيد ريحانة رسول الله - ﷺ - وقرة عينه، أما يكون العصيان بقتل ريحانة رسول الله - ﷺ - أقبح من العصيان بوسم الحمار الذي غضب له رسول الله - ﷺ -، ويكون قطع رأسه الكريم وتقويره وحمله على عودٍ أوجع للقلب وأقوى في إثارة الغضب والكرب من وسم وجه ذلك الحمار، على أن الذي وسم وجه الحمار لم يفعل ذلك عداوةً للحمار، ولا استهانةً به، وإنما فعله لمنفعةٍ ظنها في ذلك.
فاعجب كيف غضب رسول الله - ﷺ - لوسم وجه ذلك الحمار، واعجب من قومٍ يدعون الإسلام الكامل، ولا يغضبون لولد رسول الله - ﷺ -، وقد ذبح
_________________
(١) " السباب " ساقطة من (ف).
(٢) أخرجه أحمد ١/ ١٩٧ و١٩٨، والبخاري (٦٠٢) و(٣٥٨١) و(٦١٤٠) و(٦١٤١)، ومسلم (٢٠٥٧)، وأبو داود (٣٢٧٠) و(٣٢٧١)، وابن حبان (٤٣٥٠).
(٣) في (ش) و(ف): " سب " وهو خطأ.
(٤) قطعة من حديث مطول أخرجه عبد الرزاق (٩٧٢٠)، من طريقه أحمد ٤/ ٣٢٨ - ٣٣١، والبخاري (٢٧٣١ و٢٧٣٢)، وابن حبان (٤٨٧٢)، وانظر تمام تخريجه فيه.
[ ٨ / ٩٦ ]
عطشانًا (١) مظلومًا، ومُثِّلَ به، وحُمِلَ رأسه الكريم على رأس عودٍ مغيّرًا مشوَّهًا، ولو فعل ذلك بعض أئمة العدل ببعض أولاد هؤلاء لذنبٍ اقتضى ذلك، لسبَّه ولعنه غالبًا، وأقل الأحوال أن يقف الغضب العظيم على كون ولده مظلومًا، وكون الفاعل من أهل الجور، فالحسين ﵁ من أعظم المظلومين ومحاربوه أعظم الظالمين، ويزيد أعظمهم أجمعين، وهو، وإن لم يباشر القتل، فهو أعظم إثمًا من المباشر (٢)، لأن القاتل إنما قتل برضاه وشوكته وقوته.
وفي الحديث عن رسول الله - ﷺ -: " أن على القاتل جزءًا من العقاب، وعلى الآمر تسعةٌ وستين (٣) جزءًا ". رواه ابن كثير في " الإرشاد "، وقال: رواه أحمد بن حنبل (٤)، فإذا كان الإنسان يغضب لولده لو فعل معه دون ما فعل مع الحسين ﵇، وإن كان ولده في فضله دون الحسين ﵇، وظالم ولده في جرأته دون يزيد، فكيف لا يكون غضبه لله ورسوله أعظم؟ وفي " الصحيحين " من حديث أنسٍ، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين " (٥). وفي "صحيح
_________________
(١) كذا الأصول بالتنوين، والجادة " عطشان " بلا تنوين، وما هنا يخرج على لغة بني أسد فإن تأنيث " فعلان " بالتاء لغة بني أسد، وقياس هذه اللغة صرفها في النكرة.
(٢) في (ف): " المباشرة ".
(٣) في الأصول: " وسبعين "، وكتب تحتها في (ف): " وستين ".
(٤) هو في " مسنده " ٥/ ٣٦٢ من حديث مرثد بن عبد الله، عن رجل من الصحابة، وأورده الهيثمي في " المجمع " ٧/ ٢٩٩، وقال: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح، غير محمد بن إسحاق، وهو ثقة، لكنه مدلس. قلت: وله شاهد من حديث أبي سعيد الخدري، رواه الطبراني في " الصغير " (٥٢٦). قال الهيثمي: فيه الحسين بن الحسن بن عطية، وهو ضعيف. قلت: وفيه أيضًا عطية العوفي، وهو ضعيف كذلك.
(٥) البخاري (١٥)، ومسلم (٤٤). وأخرجه أيضًا أحمد ٣/ ١٧٧ و٢٧٥، والدارمي ٢/ ٣٠٧، والنسائي ٨/ ١١٥، وابن ماجه (٦٧)، وانظر ابن حبان (١٧٩).
[ ٨ / ٩٧ ]
البخاري" (١) مثل ذلك من حديث أبي هريرة.
فمن كان رسول الله - ﷺ - أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين، فليكن ولدُ رسول الله - ﷺ - أحب إليه من ولد صلبه، وجميع أهله، بل في " الصحيحين " (٢) من حديث أنسٍ عن رسول الله - ﷺ -: " لا يؤمن أحدكم حتى يُحِبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه "، وفي رواية: " لا يؤمن عبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ".
فليتصوَّرِ المسلم أنه مكان الحسين ﵁، وأنه فعل به ما فُعِل بالحسين ﵇، وليتصور كيف يكون غضبه على من فعل به ذلك، بل يجب أن يكون أعظم من ذلك، فإنَّ المسلم يُستحبُّ له أن لا يغضب لنفسه، ويجب عليه أن يغضب لمعصية الله، ويُستحب له أن لا ينتصر (٣) لنفسه، ويجب عليه أن يَنْصُرَ أخاه المسلم المظلوم. فإذا عرفت هذا، فاحذر أيها السني أن يخدعك الشيطان بتحسين الكلام في يزيد والمجادلة.
فأمَّا لعنُ من لعنه، وتفسيق من سبه، فتهوُّرٌ في مهاوي الجهل والفسوق إلى مرمى سحيقٍ، ونزوع (٤) عن الإيمان والإسلام، لا عن التدقيق والتحقيق.
وأما تعلُّقه بأن المسلم أفضل من البهيمة، وحُرمتُه أعظم من حرمة الكعبة، فذلك المسلم الكامل الإسلام بالإجماع، فإن مرتكب الكبائر يجب حدُّه وإهانته، ويستحق الغضب من الله تعالى والعذاب، ولا يجوزُ شيء من ذلك في حق البهائم والكعبة المعظَّمة.
_________________
(١) رقم (١٤). ورواه أيضًا النسائي ٨/ ١١٥، وابن منده في " الإيمان " (٢٨٧).
(٢) البخاري (١٣)، ومسلم (٤٥)، وأخرجه أيضًا أحمد ٣/ ١٧٦ و٢٧٢، والدارمي ٢/ ٣٠٧، والترمذي (٢٥١٥)، والنسائي ٨/ ١٢٥، وابن ماجه (٦٦)، وابن حبان (٢٣٤)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٣) في الأصول: " ينصر ".
(٤) في (ف): " ونزوح ".
[ ٨ / ٩٨ ]
بحث في رضا يزيد بقتل الحسين بن علي
وأما قوله: إنه صح إسلام يزيد، ولم يصح قتله الحسين، ولا أمره بذلك، ولا رضاه به، وقوله: إن من زعم أنه يعلم ذلك، فينبغي أن نعلم به (١) غاية حمقه إلى آخر ما ذكره في هذا المعنى.
فالجواب عليه من وجوه:
الوجه الأول: أنه أما أن يزيد أنا لم نطلع على ما في قلبه من ذلك، فصحيح، لأن أمر السرائر إلى الله تعالى، ولكن إذا كان المرجعُ إلى السرائر، فلم يصح إسلام يزيد أيضًا، لأنا لم نطلع على ما في قلبه من ذلك، فما بالُ إسلامه صح، وإن لم نطلع على ما في قلبه، ورضاه بقتل الحسين لم يصح لسبب هذه العلة، وإن أراد أنه لم يظهر من يزيد الرضا بقتل الحسين ﵇ في ظاهر أحواله، فذلك عنادٌ واضح أو جهلٌ فاضح، فيزيد ناصبيٌّ عدوٌّ لعلي وأولاده ﵈، مُظهرٌ لعداوتهم، مظهر لسبِّهم (٢) ولعنهم من على رؤوس المنابر، ناصبٌ للحرب بينه وبين من عاصره منهم، ومن جَهِلَ هذا، فهو معدودٌ من جملة العامة الذين لم يعرفوا أخبار الناس، ولا طالعوا تواريخ الإسلام، وما أحسن البيت:
والشمس إن خَفِيتْ على ذي مُقْلَةٍ نصفَ النهار فذاك محصولُ العمى
فكيف يقال: إنه لم يظهر منه الرضا بذلك، وقد جاؤوا إلى حضرته برأسِ الحسين ﵇ على عودٍ مغبّرًا مُشَوَّهًا مُقَوَّرًا متقربين إليه بذلك، مظهرين للمَسرَّة به، فتكلم بأقبح الكلام في حق الحسين ﵇، كما نقل ذلك أشياخ أهل النقل كأبي عبد الله الحاكم والبيهقي وموفق الدين ابن أحمد الخوارزمي وغيرهم، كما تقدمت إليه الإشارة (٣)، وكيف لا نعلم رضاه بذلك، وإن سكت، أتحسب أن قاتليه قد اختلَّت عقولهم حتَّى يفعلوا ذلك من غير أمره
_________________
(١) " به " ساقطة من (ش).
(٢) في (ف): " معلن لسبهم "، وفي (ش): " مظهر معين لسبهم ".
(٣) انظر ص ٤٧.
[ ٨ / ٩٩ ]
ولا رضاه، ثمَّ يأتوا به مظهرين للمسرَّةِ، طالبين منه لعظيم (١) المَثُوبة على أمرٍ لم يتقدَّم منه إليهم فيه شيءٌ، ولا عَرَفُوا فيه رضاه (٢)، فكيف لا يُقال: بأنَّ الظَّاهر منه الرِّضا بذلك، ولم يخرج على أحدٍ منهم في ذلك، ولا أظهر البراءة من ذلك، ولا أمر بقبرِ رأسِ الحُسين ﵇، ولا نهى عن إظهارِ المسرَّةِ بقتلِ الحسين ﵁، فإنَّهم أظهروا المسرَّةَ بذلك في مملكته.
والنُّكتةُ في هذا الوجه الأول من الجواب: أنَّ رضا يزيد بذلك (٣) ظاهر بالضرورة (٤) لا يمكن إنكاره، ولا يمكن (٥) أبدًا المستند (٦) فيه مثل ما نعلم كراهة أهل الحسين ﵁ لذلك في الظاهر، وهذا علمٌ ضروريٌّ متعلِّقُه ظواهرُ الأحوال لا سرائر (٧) القلوب، ومن لم يحصل له هذا العلمُ لقلَّةِ معرفته بالتَّاريخ وأخبارِ النَّاس، فهو معذورٌ بجهله إذا لزم تكليفُ الجُهَّال، وهو عدم الاعتراضِ على أهل العلم، والله أعلم.
الوجه الثاني: أن يقال لهذا الشأن في رضا يزيد بقتل الحُسين ﵇: إمَّا أن يقول: إنَّ جميع ما صدر من أُمراء المُلوك من الحروب والقُتول والغزوات وعظائم الأمور غير منسوبٍ إلى أمرِ المُلوك، ورضاهم، أو لا.
إن قال: لا ينسب إلى الملوك شيء من ذلك في الظَّاهر، ولا في الباطن، وإن لم يظهروا البراءة منه ولا الشِّدَّة على مَن فعله، فهذا خروجٌ من (٨) زُمرة العقلاء، لأنَّه يلزم منه أن الحجَّاج بن يوسُف ما صدر عنه إلاَّ مثل (٩) ما صدر عن عُمرَ بن عبد العزيز من الأمر بالعدل والرِّفق، ولكنَّ أُمراءَه
_________________
(١) في (ش): " عظيم ".
(٢) في (ش): " رضا ".
(٣) "بذلك" ساقطة من (ش).
(٤) في (ش): بالسرور.
(٥) عبارة "ولا يمكن" ساقطة من (ش).
(٦) في (ش): "والمستند".
(٧) في (د) و(ف): "سائر"، وهو تحريف.
(٨) في (ف): " عن ".
(٩) "مثل" ساقطة من (ش).
[ ٨ / ١٠٠ ]
وجُنده فعلوا ما لم يرضَهُ، وسكت، وما نُقِلَ أنه باشره من ذلك، وأمر به لم يبلغ مبلغ التَّواتُر.
وأمَّا إن أقرَّ إنَّ ظاهر أحوال الأمراء أنهم لا يفعلون (١) في المُهمَّاتِ إلاَّ ما أمرهم به الملوك، فقتلُ أمراءِ يزيد للحسين ﵇ من ذلك، فإنَّ الطاهر من أمراء يزيد وغير يزيد أنَّهم لا يقدمُون على الأمور العظيمة إلا من (٢) جهة الطَّاعة لمن فوقهم، والتَّقرُّب إليه، ولم يكن بين جندِ يزيد وبين الحُسين عداوةٌ تُوجب السَّب، كيف (٣) القتل؟ وإنَّما قتلوه طاعةً ليزيد وتقرُّبًا إليه.
ولهذا روى أبو عبد الله الذهبي في كتاب " الميزان " (٤) عن أبي إسحاق أنه قال: كان شمرٌ يصلِّي معنا ويستغفر، فقلت له: كيف يغفرُ الله لك وقد أعنت على قتل ابن بنت رسول الله - ﷺ -؟! قال: ويحكَ، كيف نصنع؟! إنَّ أمراءَنا أمرونا، ولو خالفناهم كنَّا شرًّا من الحمير السُّقاة.
قال الذهبي: إنَّ هذا العذر قبيحٌ، فإنما الطَّاعة في المعروف.
قلت: وإنَّما قال أبو إسحاق لشمرٍ: كيف يغفرُ الله لك، لأنَّه فهم من حاله أنَّه لم يتب من قتل الحسين، ويفعل ما يجب من تسليم نفسه قَودًا إلى أولياء الحسين ﵇، وإنما قال ذلك على عادةِ المستغفرين مِنَ المصرِّين، مع تهاوُنه بعظيم ذنبه.
وجه آخر: وهو قول الله تعالى لمن عاصر النبي - ﷺ - من اليهود: ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ [البقرة: ٩١ - ٩٢] فنسب (٥) فعل
_________________
(١) في الأصول: " يفعلوا "، والصحيح ما أثبت.
(٢) في (د): " على ".
(٣) في (ش): " فكيف ".
(٤) ٢/ ٢٨٠، وقد تقدم ص ١٧.
(٥) في (د) و(ش): "ونسب".
[ ٨ / ١٠١ ]
البعض إلى الجميع على سبيلِ الذَّم لرضا الجميع به أو تواليهم، ورضا الجميع معلومٌ لغير الله تعالى بالقرائن، ولذلك حسُنت مناظرتُهم به، وما كان من أمور السَّرائر الَّتي لا يعلمها إلاَّ الله، لما تقع المناظرةُ في دار التَّكليف عليها إلاَّ على طريق التَّنكيت دون الحُجَّةِ، ولذلك لم يكن للمشركين حجَّةٌ في القدر.
الوجه الثالث: إما أن يشكَّ (١) هذا المتكلِّمُ في جميع ما نقله المؤرَّخُون من ثقاتِ المحدِّثين وأهل معرفة الرِّجال، لزمه ألاَّ ينسُب الرَّفض إلى الرَّافضة، والنَّصب إلى النَّواصب، والبدع إلى أحدٍ من أهل المذاهب، ولا يجرح أحدًا (٢) من الرُّواة، ولا يميز العدل من سواه وإن أقرَّ بقبول أقوالِ الثِّقات من أهل التاريخ والكلام على الرجال، لزمه قبولُهم في يزيد.
الوجه الرابع: أنَّ رسول الله - ﷺ - قد أخبر أن أمر أمَّته لا يزال مستقيمًا حتَّى يثلمهُ يزيد، وتأوَّه من قتله لسلفِه من الصَّحابة ﵃ وسلفِ سلفهم من التابعين (٣) رحمهم الله تعالى، كما قدمنا ذكر ذلك، ورواية ثقاتِ أئمة الحديث له (٤)، ومن أخبر عنه بذلك النبي - ﷺ -، لا ينبغي أن يُحسن به الظَّنُّ، بل الواجبُ تحسين الظَّنِّ برسول الله - ﷺ -، بل اعتقاد القطع بوقوع ما أخبر به.
الوجه الخامس: إمَّا أن نقول: تواترُ الأخبارِ وكثرةُ القرائنِ يدلُّ على ما ذكرناه أولًا.
إن قلنا بذلك، لزم صحَّةُ ما ذكرناه، وإن لم نقل بذلك، لزم ألاّ يُنسبَ إلى أحدٍ من الملوك عداوةُ عدُوٍّ ولا رضا بحربه حتى يُحضِرَ الشُّهود العدولَ، ويكتب على نفسه سِجلًاّ بأنَّه يُبغض عدوَّه، ويحب قتله ويرضى به.
_________________
(١) في (د) و(ف): " يسلك "، وهو خطأ.
(٢) في (ش): " أحد "، وهو خطأ.
(٣) " من التابعين " ساقطة من (ش).
(٤) ص ٣٥.
[ ٨ / ١٠٢ ]
ومن المعلوم لكلِّ عاقلٍ أنه قد ثبت العلمُ بأعداءِ الملوك ومحبَّة الملوكِ لقتل أعدائهم من غير إقرارٍ صحيح بذلك وكتابة (١) شهادات العدول في السِّجلاَّت بذلك، ولا شكَّ أنَّ عداوة يزيد للحسين من أشهر العداوات، وأنَّ رضاه بقتله من أوضحِ الأمور الظَّاهرات، والله أعلم.
الوجه السادس: أنَّه ثبت في الصَّحيح أن رسول الله - ﷺ - كتب إلى هرقلَ ملك الرُّوم أنَّ عليه إثم الأَريسيِّين (٢)، وهم أهلُ الجهل والخطأ (٣) والجفاء مِن أهل دينه مثل الحراثين، ومِنَ المعلوم أنَّه لو لم يأمرهم ويرضى بدينهم ما كان عليه مِن إثمهم شيءٌ، وأنَّ رسول الله - ﷺ - إنَّما قال له بذلك لأن (٤)، ظاهر حاله أنه راضٍ بذلك، لقدرته على التغيير، ولو كان كارهًا لغيَّر، فكذلك سائر الملوك الجبابرة الظاهر منهم الرضا بكلِّ قبيح ظهر في ممالكهم ولم ينكروه، وكذلك يزيد، فإن قتلة الحسين ﵇ جاؤوا برأسه الكريم مبشرين له، وطالبين للثواب منه، ومظهرين له أنهم قد فعلوا له أحب الأمور إليه، فأقرهم على ذلك، ورضي عنهم، وقد يُحكم بالرضا بأقل من هذا، فقد حكم النبي - ﷺ - برضا البكر بالتزويج لسكوتها (٥)، وليس القصد القياس، وإنما القصد التنبيه على أن الرضا قد يُعرف بغير نُطقٍ وإلا لزم فيمن تزوجت برجلٍ وهي بكرٌ بالغةٌ وأقامت معه، حتى وُلِدَ له منها أولادٌ (٦)
_________________
(١) في (ش): " وكتابات ".
(٢) انظر ١/ ٢٠٧ و٢/ ٤٥، وانظر أيضًا " مصنف عبد الرزاق (٩٧٢٤)، و" صحيح البخاري " (٤٥٥٣)، و" صحيح مسلم " (١٧٧٣)، و" مسند أحمد " ١/ ٢٦٣، و" صحيح ابن حبان " (٦٥٥٥).
(٣) " والخطأ " ساقطة من (د) و(ف).
(٤) في (ش): " أن ".
(٥) أخرج أحمد ٦/ ١٦٥، والبخاري (٥١٣٧) و(٦٩٤٦)، ومسلم (١٤٢٠)، والنسائي ٦/ ٨٥ - ٨٦، وابن حبان (٤٠٨٠) و(٤٠٨١) و(٤٠٨٢) من حديث عائشة مرفوعًا: " استأمروا النساء في أبضاعهن ". قيل: إن البكر تستحيى. قال: " سكوتها إقرارها ".
(٦) في " ف ": حتى ولدت له أولادًا.
[ ٨ / ١٠٣ ]
أن يقبل منها إذا أنكرت الرضا بعد ذلك، وأمثال ذلك، بل أوضح من هذا صحة عقُود الأخرس بالإشارة والعلم بكثير فما يرضى به ويحبه.
الوجه السابع: أن صاحب هذه الشبهة علق الحكم بالعلم بما في باطن يزيد، وليس الحكم يتعلق بذلك شرعًا، فإن رسول الله - ﷺ - أسر عمه العباس يوم بدرٍ، ولما ادعى العباس ذلك اليوم أنه كان مكرهًا، فقال له - ﷺ -: " أمَّا ظاهرك، فكان علينا ". وأخذ منه الفداء (١).
وروى البخاري في " الصحيح " في كتاب الشهادات (٢) عن عمر بن الخطاب أنه قال: إن أناسًا كانوا يُؤخذون بالوحي على عهد رسول الله - ﷺ -، وإن الوحي قد انقطع، فمن أظهر لنا خيرًا أمِنَّاه وقرَّبناه، وليس لنا من سريرته شيءٌ، ومن أظهر لنا سوءًا، لم نأمنهُ ولم نقرِّبه (٣)، ولم نصدقه، وإن قال: سريرتُه حسنةٌ. انتهى كلامه ﵁.
والفرق بين هذا الوجه وبين الوجه الأول. أن الحجة في هذا من السمع والأثر والحجة في الأول من (٤) النظر والجدل.
الوجه الثامن: أنا لو قدرنا ما لم يكن من عدم رضا يزيد بقتل الحسين ﵇، فإنه فاسقٌ متواتر الفسق والظلم، شرِّيب الخمر، كما قال أبو عبد الله الذهبي في حقه (٥): كان ناصبيًا جِلفًا فظًّا غليظًا، يتناول المسكر، ويفعل المنكر، وهذا يبيح سبَّه ويُغضِبُ ربه، ولو لم يكن له إلاَّ بغضُ أمير المؤمنين
_________________
(١) انظر " طبقات ابن سعد " ٤/ ١٤، و" تاريخ الطبري " ٢/ ٤٦٥ - ٤٦٦، و" سير أعلام النبلاء " ٢/ ٨١ - ٨٢، وقد تقدم ٢/ ٢٩٢.
(٢) برقم (٢٦٤١)، وقد تقدم ٢/ ٢٩١.
(٣) في (د) و(ف): " نعرفه "، وهذه اللفظة لم ترد عند البخاري.
(٤) " من " ساقطة من (ش).
(٥) في " النبلاء " ٤/ ٣٧ - ٣٨، وقد تقدم ص ٢٦.
[ ٨ / ١٠٤ ]
علي بن أبي طالب ﵇، لكفاه فسوقًا ومقتًا عند الله وعند الصالحين من عباده.
ففي الصحيح عن رسول الله - ﷺ -: " أنه لا يبغض عليًا إلاَّ منافق " (١) وأما قوله: إن إساءة الظن بالمسلم حرامٌ، فإنما ذلك في المسلم الكامل الإسلام الذي لم تظهر عليه قرائن الرِّيبة، ودليل الجواز في غير ذلك قول الله تعالى حاكيًا عن نبيه يعقوب ﵇: ﴿بل سوَّلت لكم أنفسكم أمرًا فصبرٌ جميلٌ﴾ [يوسف: ١٨]، وفي الحديث المتفق على صحته أن رسول الله - ﷺ - قال في الملاعنة: " لعلها أن تجيء به أسود جعدًا " (٢)، وقال: " إن جاءت به أسود أعين ذا أليتين فلا أراه إلاَّ قد صدق عليها ".
وأما قوله في الاستدلال على حماقة من زعم أن يزيد رضي بذلك.
إن من قتل من الأكابر في عصره لو أراد أن يعلم حقيقة من الذي أمر بقتله ورضي به، لم يقدرعلى ذلك، وإن كان قد قُتِلَ في جواره وزمانه وهو يشاهده، فإن أراد لم يقدر على معرفة الرضا، فكذلك لو أقرَّ بالرضا، لم يعلم أنه صادقٌ في إقراره، وإن أراد لم يقدر على معرفة الأمر أيضًا، كما هو ظاهر كلامه، فهذا قلة عقلٍ من قائله، لا قلة علم، فإن من المعلوم أنها لو قامت الشهادة بذلك إلى الإمام أو نحوه، لقُبِلت ووجب في ذلك من العقوبة ما يراه الإمام، ولو كان كما قال، لم تُقْبَلِ الشهادة بذلك (٣) بل لوجب جرح الشهود، لأنهم شهدوا بما لا طريق إلى معرفته، وهذا خلاف العقل والشرع، وأيُّ مانعٍ يمنع من الشهادة على من (٤) أمر بقتل رجل. هذا ما لا يقوى في عقل مميز أن الغزالي يتكلم به.
_________________
(١) أخرجه من حديث ابن مسعود أحمد ١/ ٤٢١ - ٤٢٢، ومسلم (١٤٩٥)، وأبو داود (٢٢٥٣)، وابن ماجه (٢٠٦٨)، وابن حبان (٤٢٨١).
(٢) أخرجه من حديث سهل بن سعد الدارمي ٢/ ١٥٠، والبخاري (٤٧٤٥)، والبيهقي ٧/ ٤٠٠، وابن حبان (٤٢٨٥)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٣) " بذلك " ساقطة من (د) و(ف).
(٤) " من " ساقطة من (ش).
[ ٨ / ١٠٥ ]
وأما قوله: إن التعصب قد تطرَّق في الواقعة، وكثرت فيها الأحاديث.
فالجواب من وجوه:
الوجه الأول: أن هذا إشارةٌ إلى خلافٍ وقع، ولم يقع خلافٌ، بل نقل الموافق والمخالف أن يزيد كان بغيضًا ناصبيًا شِرِّيبًا فاسقًا.
الثاني: أن المختلفين في الواقعة طائفتان، طائفةٌ أثنوا على يزيد، وهم النواصب، وطائفة دمُّوهم، وهم سائر المسلمين. والتعصب لا يكون مع جميعِ الطائفتين، فوجب أن يكون مع من أثنى عليه، لأن الطائفة هم أصحاب رسول الله - ﷺ -، كالحسين وبعض أصحابه، فإنهم صحابةٌ إجماعًا، ولا يجوز نسبة التعصب إليهم، وكذلك من قدمنا ذكره فيمن تكلم على يزيد من أئمة الحديث كالخطابي وابن حزم والذهبي وغيرهم.
الثالث: ليس كل قصةٍ (١) وقع فيها تعصُّبٌ، فقد جهلت، وعمي أمرها، فقد وقع التعصب في العقائد وكثير من الوقائع، بل يؤخذ بما تواتر وبما صح عن الثقات ويُترك كلام المتعصبين.
وأما قوله: إن القاتل ربما مات على التوبة، فصحيحٌ، ولكن أين التوبة وشرائطها الصحيحة؟
وأما قوله: فإذًا لا يجوز لعن أحد ممن مات من المسلمين، ومن لعنه كان فاسقًا عاصيًا لله تعالى، فقد تقدم الجواب عليه، وما فيه من الخطر العظيم، وأن ذلك خلاف كلام العلماء، وقد قيَّد النووي ما أطلقه هذا، فقال في " رياض الصالحين " (٢): باب تحريم سب الأموات بغير حقٍّ ومصلحةٍ شرعيةٍ وهي التحذير من الاقتداء به في بدعته وفسقه ونحو ذلك. انتهى.
وقد تقدم أن الله تعالى لعن الظالمين، وذلك يعمُّ الأحياء منهم والميِّتين،
_________________
(١) في (ف): " قضية ".
(٢) ص ٥٩٣ بتحقيقنا.
[ ٨ / ١٠٦ ]
فما ينفعهم ترك هذا المسكين للعنهم، والله يلعنهم في كتابه وجميع حملة القرآن عند قراءته.
وأما قوله: لو (١) جاز لعنه، فسكت، لم يكن عاصيًا بالإجماع، فليس له أن يحتج بهذا على تحريم لعنه، لأن جواز الترك لا يستلزم تحريم الفعل، ولو كان ذلك كذلك، لم يوجد مباحٌ أبدًا، ولو كان ذلك كذلك، لَحَرُمَ عليه التَّرحُّمُ والاستغفار والترضية على أبي بكر وعمر وغيرهما من الصحابة ﵃ ممن كفَّرته النواصب والروافض احتياطًا، لأن الترضية عليهم (٢) لا تجب، ومن تركها، لم يكن عاصيًا بالإجماع، ومن العجائب أنه قال: إن الترحم عليه مستحبٌّ عقيب هذا.
إن كان ما ذكرت (٣) حجة، فهلاَّ دلَّ على تحريم الترحم عليه، فإن في جواز الترحم عليه خلافًا، ولو جاز وتركت، لم تأثم بالإجماع، فما بال هذه العلة العليلة (٤) مقصورةٌ على ما وافق هواك، غير متعدية إلى من عداك؟!
وأما قوله: إن الترحم عليه مستحبٌّ، داخلٌ في قولنا في كل صلاة: اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، ولأن يزيد كان مؤمنًا، فذلك غير صحيحٍ لوجوه:
الوجه الأول: أن قوله إنه مؤمنٌ على الإطلاق مع ما ارتكب من العظائم واستهان به من المحارم، وأصرَّ عليه من فواحش (٥) المآثم، خلاف كلامِ الفريقين من جماهير أهل السنة والشيعة والمعتزلة.
أما أهل السنة، فقد تقدم كلامهم، وقد نقله شارح البخاري العلامة الشهير بابن بطَّالٍ في شرح كتاب الإيمان من البخاري، متابعًا في ذلك لما قرره البخاري من ذلك، وبوَّب عليه واحتجَّ له، فإنه أكثر من الاحتجاج لذلك بالآيات
_________________
(١) في (ف): " فلو".
(٢) " عليهم " ساقطة من (ف).
(٣) في (ف): " ذكرته ".
(٤) في (ش): " القليلة " وهو خطأ.
(٥) في (ش): " الفواحش ".
[ ٨ / ١٠٧ ]
والأخبار في تراجم الأبواب ومتون الأحاديث المسندة المتفق على صحتها، مثل قول البخاري في أول كتاب الإيمان (١): قول النبي - ﷺ -: " بُنِي الإسلام على خمس "، وهو قولٌ وفعلٌ ويزيد وينقص، قال الله ﷿: ﴿ليزدادوا إيمانًا مع إيمانهم﴾ [الفتح: ٤]، ﴿وزدناهم هدى﴾ [الكهف: ١٣]، ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُم﴾ [محمد: ١٧]، ﴿ويزداد الذين آمنوا إيمانًا﴾ [المدثر: ٣١]، وقوله: ﴿فاخشوهم فزادهم إيمانًا﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وقوله: ﴿ما زادهم إلاَّ إيمانًا وتسليمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢]، والحب في اللهِ والبغض الله من الإيمان (٢)، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عديِّ بن عديٍّ: إن للإيمان فرائض وشرائع وحدودًا وسننًا (٣) إلى قوله: باب (٤) دعاؤكم إيمانكم، أظنه أشار إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧] وأورد فيه حديث ابن عمر: " بُني الإسلام على خمس " (٥) ثم قال (٦): باب أمور الإيمان وذكر قوله تعالى: ﴿قد أفلح المؤمنون﴾ [المؤمنون: ١] الآيات، وأورد فيه حديث أبي هريرة: " الإيمان بِضْعٌ وسبعون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان " (٧) أورده من حديث عبد الله بن دينار عن أبي صالحٍ عن أبي
_________________
(١) باب رقم (١). انظر " الفتح " ١/ ٤٥ - ٤٦.
(٢) أخرج أحمد ٣/ ٤٣٨ و٤٤٠، وأبو داود (٤٦٨١) من حديث أبي أمامة مرفوعًا: " من أحب الله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان "، وفيه ضعف، وله شاهد من حديث معاذ بن أنس عند الترمذي (٢٥٢٣)، وعمرو بن الجموح عند أحمد ٣/ ٤٣٠، والبراء بن عازب عند أحمد ٤/ ٢٨٦، فالحديث حسن بطرقه وشواهده.
(٣) وصله ابن أبي شيبة في كتاب " الإيمان " (١٣٥)، وإسناده حسن.
(٤) لفظ " باب " سقط من (ش)، وانظر لزامًا " الفتح " ١/ ٤٩.
(٥) رقم (٨)، وانظر " ابن حبان " (١٥٨) و(١٤٤٦).
(٦) ١/ ٥٠ باب رقم (٣).
(٧) البخاري (٩). وأخرجه أيضًا مسلم (٣٥)، والنسائي ٨/ ١١٠، والترمذي (٢٦١٤)، وابن ماجه (٥٧)، وابن حبان (١٦٧) و(١٩٠) و(١٩١).
[ ٨ / ١٠٨ ]
هريرة، ورواه معه (١) الجماعة (٢)، وفي رواية: " ستون "، وقال بعده: باب المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه، وذكر بعده باب إطعام الطعام من الإيمان (٣)، وبعده: باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وذكر فيه حديث أنسٍ عن رسول الله - ﷺ -: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " (٤)، ثم ذكر باب: حب الرسول - ﷺ - من الإيمان، ثم باب حلاوة (٥) الإيمان (٦)، وكذلك سائر أئمة الحديث في كتبهم يوردون مثل ذلك قاصدين بذلك الرد على المرجئة.
وقد جوَّد ابن بطال القول في ذلك في " شرح البخاري "، وطوَّل في نقل كلام أئمة أهل السنة في ذلك، وبيان أدلتهم فيه، وتقدم قول ابن بطَّال أن تسمية صاحب الكبائر مؤمنًا وإن جاز لغةً، فهو ممنوع شرعًا (٧)، واحتجاجه بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُم إلى قوله أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]، وقول القاضي أبي بكر بن العربي في كتابه " عارضة الأحوذي في شرح الترمذي ": إن المؤمن من أمَّن نفسه من عذاب الله، والمسلم من أسلم نفسه، ويزيد أخاف نفسه، وما أمنها، وأوبقها وما أسلمها.
وقد تقدم بقية كلام أهل السنة، وهو موجودٌ في مواضعه، لا حاجة إلى التطويل بنقله، ولكن أُشير إلى مواضعه وهي دواوين الإسلام السنة وما في
_________________
(١) في (ش): " مع ".
(٢) غير أبي داود، فإنه لم يروه.
(٣) في " البخاري ": من الإسلام، وهي رواية الأصيلي.
(٤) تقدم تخريجه ص ٩٧ من هذا الجزء.
(٥) تحرف في الأصول إلى: " علامة "، والمثبت من " البخاري ".
(٦) انظر " الفتح " ١/ ٥٣ - ٦٠.
(٧) " شرعًا " ساقطة من (ش).
[ ٨ / ١٠٩ ]
طرق معرفة المنافق غير الوحي
معناها وشروحها، فقد أورد كل حافظٍ منهم ما في ذلك، وزاده بيانًا كلُّ شارحٍ ولله الحمد.
وقد يوجد ما يخالف هذا في كلام علماء الكلام من الأشعرية في معارضة المعتزلة في إيجاب الخلود على سبيل القطع لكل مرتكب كبيرةٍ لم يَتُبْ منها، وإن ندرت وإن عظُمَت معها حسناته، وطالت في مكاسب الخيرات حياته، وتقع بينهم اللجاجات (١)، حتى يتوهم (٢) بعض متكلمي الأشعرية أنها تستلزم أن يُسمّى الفاجر مؤمنًا على الإطلاق، وليس ذلك بصحيحٍ على مقتضى الجمع بين الأحاديث وعدم الطرح لشيءٍ منها، وإنما يُسمى إذا لم يدلَّ دليلٌ سمعي (٣) على بقائه مؤمنًا أقل الإيمان، فهذان قيدان يقيِّدان إطلاق إيمانه على ما يأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.
وأما الفريق الثاني -وهم الشيعة والمعتزلة وكثيرٌ من السلف-، فقد يَرَوْنَ أن السمع ورد بأن في الذنوب ما يدلُّ على النفاق، وسوء الاعتقاد، أو على خُلوِّ القلب من اعتقاد الإسلام والكفر وغلبة الغفلة عليه كما هي غالبةٌ على البهائم لامتلائه باشتغالٍ بالفسوق والشهوات العادية (٤)، فقد تدل بعض الظواهر على بعض البواطن دلالة الدخان على النار، واللازم على الملزوم، ولهم على ذلك دلائل كثيرةٌ نذكر ما حضر منها:
الأول: قوله تعالى: ﴿ولتعرفَنَّهُم في لحن القول﴾ [محمد: ٣٠] فهذه طريقٌ إلى معرفة المنافقين غير الوحي بما يجري على ألسنتهم مما ليس في مرتبة التصريح، لأن لحن القول في اللغة هو (٥) مفهومه ومعناه كما ذكره أهلُ
_________________
(١) في (د) و(ش) " الواجبات "، وكتب فوق " الواجبات " في (ش) " اللجاجات " وفي (ف): " إلزامات ".
(٢) في (د) و(ف) يتوهم والمثبت من (ش).
(٣) في (ف): " شرعي ".
(٤) في (ش): " المعادية ".
(٥) "هو" ساقطة من (ش).
[ ٨ / ١١٠ ]
اللغة والتفسير، ويُقوِّيه من كتاب الله تعالى ما حكاه الله عنهم (١) في قصة يوسف ﵇، وقرَّرها في قوله. ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٧ - ٢٨]، فدل على حسن الحكم بالقرينة الصحيحة الظاهرة على الأمور الباطنة الخفية.
الثاني: ما رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وغيرهم من أئمة الإسلام عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله - ﷺ -: " أربعٌ من كُنَّ فيه، كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خَصْلَةٌ منهن، كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتُمِنَ خان، وإذا حدَّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر " وفي رواية: " وإذا وَعَدَ أخلف " عِوض: " ائتمن خان " (٢).
وروى البخاري ومسلمٌ والترمذي والنسائي من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: " آية المنافق ثلاثٌ " زاد مسلم: " وإن صام وصلى وزعم أنه مسلمٌ "، ثم اتفقوا: " إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر " وفي رواية لهم الجميع مثله لكن الثالثة: " إذا ائتمن خان " (٣)، وروى النسائي (٤) من حديث ابن مسعودٍ (٥) مثل الرواية الأولى.
_________________
(١) " عنهم " ساقطة من (د).
(٢) البخاري (٣٤) و(٢٤٥٩) و(٣١٧٨)، ومسلم (٥٨)، وأبو داود (٤٦٨٨)، والترمذي (٢٦٣٢). ورواه أيضًا أحمد ٢/ ١٨٩ و١٩٨، والنسائي ٨/ ١١٦، وابن حبان (٢٥٤) و(٢٥٥)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٣) البخاري (٣٣) و(٢٧٤٩) و(٢٦٨٢)، ومسلم (٥٩)، والترمذي (٢٦٣١)، والنسائي ٨/ ١١٧. ورواه أيضًا أحمد ٢/ ٣٥٧ و٣٩٧ و٥٣٦، وابن حبان (٢٥٧).
(٤) ٨/ ١١٧، وإسناده صحيح.
(٥) في (ش): " عن ابن مسعود ".
[ ٨ / ١١١ ]
وقال أحمد بن حنبل في " مسنده " (١): حدثنا يزيد -يعني ابن هارون- أخبرنا عبد الملك بن قدامة الجُمحي، عن إسحاق (٢) بن أبي الفرات، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -. " إن للمنافقين علاماتٍ يُعرفون بها: تحيتهم لعنةٌ، وطعامهم نُهبة (٣)، وغنيمتهم (٤) غلولٌ، ولا يقربون المساجد إلاَّ هجرًا، ولا يأتون الصلاة إلاَّ دبرًا مستكبرين، ولا يألفون ولا يؤلفون، خُشُبٌ بالليل صُخُبٌ بالنهار ".
ومن ذلك الحديث الوارد في صفة صلاة المنافق عن رسول الله - ﷺ -: " تلك صلاة المنافقين يجلس [أحدهم] يرقب الشمس، حتَّى إذا كانت بين قرني الشيطان (٥) قام، فنقرها أربعًا لا يذكر الله فيها إلاَّ قليلًا " رواه مسلم (٦) من حديث أنس، ففي هذا مع قوله: " من أدرك ركعةً من العصر، فقد أدرك العصر " متفق عليه (٧)، دلالة على أن المداومة على بعض الأفعال ونحو ذلك من الأمور
_________________
(١) ٢/ ٢٩٣، ورواه أيضًا البزار (٨٥)، وإسناده ضعيف لضعف عبد الملك بن قدامة الجمحي، وجهالة إسحاق بن أبي الفرات. قال البزار: لا نعلمه يُروى عن النبي - ﷺ - إلاَّ بهذا الإسناد، وإسحاق بن بكر لا نعلم حدث عنه إلاَّ عبد الملك. وقال الهيثمي في " المجمع " ١/ ١٠٢: رواه أحمد والبزار، وفيه عبد الملك بن قدامة الجمحي، وثقه يحيى بن معين وغيره، وضعفه الدارقطني وغيره.
(٢) في (ش): " ابن إسحاق "، وهو خطأ.
(٣) تحرفت في الأصول إلى " نهمة ".
(٤) في (ش) و(ف): " وغنمتهم "، وهو تحريف.
(٥) في (د) و(ف): " الشمس "، وهو خطأ.
(٦) رقم (٦٢٢)، ورواه أحمد ٣/ ١٤٩ و١٨٥، ومالك ١/ ٢٢١، وأبو داود (٤١٣)، والترمذي (١٦٠)، والنسائي ١/ ٢٥٤، وانظر ابن حبان (٢٥٩) - (٢٦٣).
(٧) أخرجه من حديث أبي هريرة مالك ١/ ٦، والشافعي ١/ ٥٠، وأحمد ٢/ ٤٦٢، والبخاري (٥٧٩)، ومسلم (٦٠٨)، والترمذي (١٨٦)، والنسائي ١/ ٢٥٧، وابن حبان (١٤٨٤) و(١٥٨٢) و(١٥٨٥) و(١٥٥٧).
[ ٨ / ١١٢ ]
الظاهرة قد يدلُّ على الأمور الباطنة، ولهذا قطع جماعةٌ من العلماء على تأثيمِ من داوم على ترك السُّنن الخفيفة السهلة.
الثالث: ما صح وثبت عن أمير المؤمنين علي ﵇، فإنه قال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي (١) الأُمِّيِّ أنه لا يُحِبّني إلاَّ مؤمن، ولا يبغضني إلاَّ منافق. رواه مسلم في " الصحيح " (٢) في كتاب الإيمان، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، وأبي معاوية، وعن يحيى بن يحيى عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن عدي بن ثابت، عن زِرٍّ بن (٣) حُبيش عن علي ﵇.
ورواه الترمذي في المناقب من كتابه " الجامع " (٤) عن عيسى بن عثمان ابن أخي يحيى بن عيسى الرملي، عن يحيى بن عيسى الرملي (٥)، عن الأعمش نحوه: عهد إليَّ النبي - ﷺ - أنه قال: " لا يحبك إلاَّ مؤمنٌ ولا يُبغضك إلاَّ منافق " وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
ورواه النسائي في " المناقب " (٦) عن أبي كريب، عن أبي معاوية بالسند المتقدم، وفي كتاب الإيمان عن واصل بن عبد الأعلى، عن وكيع به، وعن يوسف بن عيسى بن الفضل بن موسى عن الأعمش به. ورواه ابن ماجه (٧) في السنة عن علي بن محمد، عن وكيع وأبي معاوية وعبد الله بن نمير عن الأعمش به (٨).
ورواه إمام أهل السنة أحمد بن محمد بن حنبل في " مسنده " (٩) عن عبد
_________________
(١) في (د): " إلى النبي ".
(٢) برقم (٧٨).
(٣) تحرف في (ش) إلى: " رزبن ".
(٤) برقم (٣٧٣٧).
(٥) قوله: " عن يحيى بن عيسى الرملي " سقط من (ف).
(٦) " فضائل الصحابة " (٥٠).
(٧) " السنن " ٨/ ١١٧.
(٨) برقم (١١٤).
(٩) من قوله: " رواه مسلم " إلى هنا نقله من " تحفة الأشراف " ٧/ ٣٧٢ - ٣٧٣.
[ ٨ / ١١٣ ]
الله بن نمير ثلاثتهم عن الأعمش، به (١)، وهو الحديثُ السادسُ والستون من مسند علي ﵇ من " جامع " المسانيد لابن الجوزي، وهذا إسنادٌ صحيح على شرط أئمة الحديث وأئمة الإسلام كلهم خرَّجوا حديث رواته لو لم يرد (٢) سواه، كيف وله شواهد، فقد روى الترمذي (٣) وغيره عن أم سلمة أن رسول الله - ﷺ - قال: " لا يحب عليًا منافقٌ ولا يبغضه مؤمنٌ ". رواه جماعة من حُفَّاظ الحديث، وأئمة السنة منهم الزبيري (٤) في " المناقب " عن واصل بن عبد الأعلى، ومنهم عبدُ الله بن أحمد بن حنبل في " زوائد المسند " (٥)، ومنهم البغوي (٦) في " كتابه "، ومنهم ابن عدي في كتاب " الكامل " (٧)، ومنهم الذهبي في كتاب " الميزان " (٨) ثلاثتهم عن أحمد بن عمران عن البغوي وابن عدي والذهبي ثلاثتهم عن محمد بن فُضيل -أعني أحمد بن عمران-، وعثمان بن أبي شيبة، وواصل بن عبد الأعلى، ورواه محمد بن فضيل، عن أبي نصر عبد الله بن عبد الرحمن بن نصر الأنصاري، عن مُساورٍ الحميري، عن أمه، عن أم سلمة ﵂.
وقال الترمذي: حديث حسن غريب من هذا الوجه.
قلت: ورواته ثقات لم يذكر في كتب الجرح أحد منهم إلاَّ ابن فضيل وشيخه بما لا يقدح، أما ابن فضيل، فذكر فيه التشيع لا سوى، وقال الذهبي (٩): هو صدوق صاحب حديث ومعرفة.
_________________
(١) هو في " المسند " ١/ ٨٤، وقد تقدم تخريجه ١/ ٣٧٠.
(٢) في (ف): " يكن ".
(٣) برقم (٣٧١٧)، وانظر التعليق رقم (٦).
(٤) تحرف في الأصول إلى: " الزبيدي ".
(٥) ٦/ ٢٩٢، وهو من رواية الإمام أحمد نفسه، لا من زيادات ابنه عبد الله.
(٦) هو أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، تقدمت ترجمته ١/ ٣٥٦.
(٧) ٤/ ١٥٤١.
(٨) ٢/ ٤٥٣ - ٤٥٤.
(٩) في " الميزان " ٤/ ٩.
[ ٨ / ١١٤ ]
قلت: وهو من شيوخ أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأمثالهما، وهما شيخا أهل السنة.
وقد تكلم الذهبي في قبول الشيعة في ترجمة أبان بن تغلب في أوائل " الميزان " بما لا مزيد عليه، وحسبك أن حديث ثقاتهم في " الصحيحين " المجمع عليهما عند أهل السنة، وحسبك أن يحيى بن معينٍ وأبا عبيد رويا التشيع عن الإمام الشافعي، ذكره الذهبي في ترجمة الشافعي من " النبلاء " (١).
وقال الذهبي في ترجمة أبان بن تغلب في " الميزان " (٢) ما لفظه: فلقائلٍ أن يقول: كيف ساغ [توثيق] مبتدعٍ وحدُّ الثقة العدالة والإتقان؟
وجوابه: أن البدعة على ضربين (٣) فبدعةٌ صغرى كغلوِّ التشيع، أو كالتشيع بلا غلوٍّ ولا تحرُّفٍ (٤)، فهذا كثير في (٥) التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق فلو ذهب (٦) حديث هؤلاء، لذهب جملةٌ من الآثار النبوية، وهذه مفسدةٌ بيِّنةٌ.
ثم ذكر الغلاة وتفسيرهم (٧). فهذا الكلام انسحب علي من الكلام على
_________________
(١) ١٠/ ٥٨ وفيه: قيل لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله، كان يحيى وأبو عبيد لا يرضيانه -يشير إلى التشيع-، وأنهما نسباه إلى ذلك، فقال أحمد بن حنبل: ما ندري ما يقولان، والله ما رأينا إلاَّ خيرًا، وزاد البيهقي في " مناقب الشافعي " ٢/ ٢٥٩: ثم قال أحمد لمن حوله: اعلموا رحمكم الله تعالى أن الرجل من أهل العلم، إذا منحه الله شيئًا من العلم، وحُرِمَه قرناؤه وأشكاله، حسدوه، فَرَمَوْهُ بما ليس فيه وبئست الخصلة في أهل العلم. وقال الذهبي بعد إيراده الخبر: من زعم أن الشافعي يتشيع، فهو مفترٍ، لا يدري ما يقول.
(٢) ١/ ٥.
(٣) في (ش): " صورتين ".
(٤) في (ش): " يعرف "، وهو تحريف.
(٥) في (ش): " من ".
(٦) في " الميزان ": " فلو رُدَّ ".
(٧) ونصه: ثم بدعة كبرى، كالرفض الكامل والغلو فيه، والحط على أبي بكر وعمر =
[ ٨ / ١١٥ ]
توثيق محمد بن فُضيلٍ وأما شيخه، فغلط عليه ابن عديٍّ، فقال (١): إنه سمع أنسًا، وقال البخاري (٢): فيه نظر، وقال الذهبي (٣): بل الذي سمع أنسًا هو آخر، تقدم (٤)، وهذا وثقه أحمد، وقال: أبو حاتم (٥) صالح، فصح هذا الحديث.
ولهما شاهدٌ ثالث رواه الحاكم في " المستدرك " (٦) في مناقب علي ﵇، فقال: حدثنا أبو جعفر بن عبيد (٧) الحافظ بهمذان، حدثنا الحسن بن علي الفسوي، حدثنا إسحاق بن بشرٍ الكاهلي، حدثنا شريكٌ، عن قيس بنِ مسلمٍ، عن أبي عبد الله الجدلي، عن أبي ذر، قال: ما كان يُعرف المنافقون إلا بتكذيبهم الله ورسوله، والتخلُّف عن الصلاة، والبُغض لعلي بن أبي طالبٍ ﵇. وهذا حديث صحيح على شرط مسلم.
_________________
(١) = ﵄، والدعاء إلى ذلك، فهذا النوع لا يحتج لهم ولا كرامة. وأيضًا فما أستحضر الآن في هذا الضرب رجلًا صادقًا ولا مأمونًا، بل الكذب شعارهم والتقية والنفاق دثارهم، فكيف يقبل نقل من هذا حاله حاشا وكلا. فالشيعي الغالي في زمان السلف وعرفهم: هو من تكلم في عثمان والزبير وطلحة ومعاوية وطائفة ممن حارب عليًا ﵁، وتعرض لِسَبِّهم. والغالي في زماننا وعُرْفِنَا: هو الذي يكفر هؤلاء السادة، ويتبرأ من الشيخين أيضًا، فهذا ضال معثر، ولم يكن أبان بن تغلب يعرض للشيخين أصلًا، بل قد يعتقد عليًا أفضل منهما.
(٢) " الكامل " ٤/ ١٥٤١، وهذه العبارة من قول البخاري.
(٣) " التاريخ الكبير " ٥/ ١٣٧.
(٤) في " الميزان " ٢/ ٤٥٣.
(٥) وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن أسيد الأزدي. انظر " الميزان " ٢/ ٤٥٢. أما عبد الله بن عبد الرحمن أبو نصر الأنصاري، فقد ترجمه البخاري ٥/ ١٣٥ - ١٣٦، ولم يحك فيه شيئًا.
(٦) في " الجرح والتعديل " ٥/ ٩٦، وانظر " تهذيب الكمال " ١٥/ ٢٣١.
(٧) ٣/ ١٢٩، وصححه على شرط مسلم، فتعقبه الذهبي بقوله: بل إسحاق متهم بالكذب.
(٨) تحرف في (ش) إلى: " عبد الحق ".
[ ٨ / ١١٦ ]
وله شاهدٌ رابعٌ رواه الترمذي (١) في " المناقب "، عن قتيبة بن سعيد، عن جعفر (٢) بن سليمان، عن عمارة بن جُويز، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، قال: إن كنا معاشر الأنصار لنعرف المنافقين ببغضهم علي بن أبي طالب (٣) ﵇، وقال الترمذي: غريب.
ومن الدليل على صدق المحدثين وإنصافهم وتحريهم للصواب أنهم كذَّبُوا من روى هذه الفضيلة لأبي بكرٍ وعمر، كما أوضحه الذهبي في " الميزان " في ترجمة معلى بن هلال (٤) وترجمة عبد الرحمن بن مالك بن مغول (٥). وأجمعتِ الأمة المعصومة على تلقِّي هذه الأحاديث بالقبول، وبها يخطب خطباء أهلِ السنة في الحرمين الشريفين، وعلى رؤوس المنابر في الجُمَعِ والأعياد والمشاهد عند ذكر (٦) مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇ من غير مناكرة، ولا يوجد في تقريرات أهل الإسلام في إجماعاتهم أوضح من هذا، وبذلك دانت العترة الطاهرة.
وليس في عدم تخريج البخاري له شبهةٌ في صحته، لأنه قد روى عن جميع رُواته، ولكنه قد يلتزم ما لا يلزم من الشروط العزيزة، فلا يتم له في بعض الأحاديث الشهيرة فيتركها، ولذلك لم يخرِّج حديثًا في كيفية الأذان أصلًا، ولا في كيفية صلاة العيد، فيقال: إنه شك في الأذان، أو في صلاة العيد، على أنها قد عرفت علته في هذا الحديث، وذلك أن عدي بن ثابتٍ شيخ الأعمش
_________________
(١) برقم (٣٧١٧)، ورواه أيضًا ابن عدي في " الكامل " ٥/ ١٧٣٤، وإسناده ضعيف جدًا. أبو هارون العبدي متروك الحديث متهم بالكذب، قال ابن حبان في " المجروحين " ٢/ ١٧٧: كان رافضيًا، يروي عن أبي سعيد ما ليس من حديثه، لا يحل كتابة حديثه إلاَّ على جهة التعجب.
(٢) في (ف): " وجعفر "، وهو خطأ.
(٣) في (ش): " لعلي ".
(٤) ٤/ ١٥٢ - ١٥٣.
(٥) ٢/ ٥٨٤.
(٦) " ذكر " ساقطة من (ش).
[ ٨ / ١١٧ ]
فيه من (١) مشاهير رجال الشيعة، مع الاتفاق على ثقته وأمانته عند أئمة أهلِ السنة، دع عنك غيرهم، والفضل ما شهدت به الأعداء. قال الحافظ ابن حجرٍ في مقدمة " شرح البخاري " (٢): وثقه أحمد بن حنبل والعجلي والدارقطني والنسائي، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال ابن حجر في " شرح نخبة الفكر " في علوم الحديث: قال الذهبي -وهو من أهل التَّتبُّع التَّام-: ما اتفق حافظان من أئمة هذا الشأن على توثيق أو تجريح إلاَّ كان كذلك أو كما قال، ثم قال ابن حجر في " مقدمة الشرح " المذكور: احتج به الجماعة، وما أخرج له البخاريُّ في " الصحيح " شيئًا مما يقوي مذهبه أو نحو هذا.
قلت: قد خرَّج البخاري حديث جماعةٍ من كبار الشيعة في الأصول من غير متابعة.
منهم مالك بن إسماعيل: أبو غسان النهدي، قال ابن حجر (٣): كان من كبار شيوخ البخاري، مجمعٌ على ثقته، ذكره ابن عدي في " الكامل " من أجل قول (٤) الجوزجاني: إنه كان حسنِيًّا، يعني شيعيًا، وقد احتج به الأئمة. انتهى بحروفه.
ومنهم: إسماعيلُ بن أبان الورَّاق الكوفي، من شيوخ البخاري (٥)، وثَّقوه إلاَّ الجوزجاني، فقد كان مائلًا عن الحق، قال ابن عدي: يعني ما عليه الكوفيون من التشيع.
قال ابن حجر: الجوزجاني كان ناصبيًا منحرفًا عن علي، فهو ضد الشيعي
_________________
(١) " من " ساقطة من (ش).
(٢) ص ٤٢٤.
(٣) في " مقدمة الفتح " ص ٤٤٢.
(٤) تحرفت في الأصول إلى: " من أحد قولي ".
(٥) انظر " مقدمة الفتح " ص ٣٩٠.
[ ٨ / ١١٨ ]
المنحرف عن عثمان، والصواب موالاتهما جميعًا، وينبغي أن لا يسمع قول (١) مبتدعٍ في مبتدع، وأما كلام الدارقطني، فقد اختلف، ولعلَّه اشتبه عليه بشيخ لهم متروكٍ يُسَمَّى إسماعيل بن أبان الغنوي.
وأسيد بن زيدٍ شديد التشيع، ضعيف، وقال النسائي: متروك، ولم يوثق قط، وهو من شيوخه لكن في حديثٍ واحدٍ متابعة، ذكره ابن حجر (٢).
وبهز بن أسد في رواية الذهبي (٣)، وجرير بن عبد الحميد ابن قرط الضَّبِّي الرازي (٤)، أجمعوا على ثقته، وخرَّج عنه الجماعة، ونسبه قتيبة (٥) إلى شيءٍ من التَّشيُّع المفرط.
قال ابن حجر (٦): وخالد بن مخلد القَطَواني من كبار شيوخ البخاري، وثَّقوه وكان متشيعًا مفرطًا. قاله (٧) ابن حجر، وقال: إذا كان الراوي ثبت الأخذ والأداء، لا يضرُّهُ التَّشيُّعُ.
وسعيد بن عمرو (٨) بن أشوع الكوفي، وسعيد بن فيروز أبو (٩) البختري
_________________
(١) في (ف): " كلام ".
(٢) في " مقدمة الفتح " ص ٣٩١.
(٣) قال الحافظ في " مقدمة الفتح " ص ٣٩٣ بعد أن نقل توثيق الأئمة له: وشذ الأزدي، فذكره في " الضعفاء "، وقال إنه كان يتحامل على عثمان (في مقدمة الفتح: على علي). قلت (القائل ابن حجر): اعتمده الأئمة، ولا يعتمد على الأزدي. وقال الذهبي في " الميزان " ١/ ٣٥٣ بعد أن نقل قول الأزدي: كذا قال، والعهدة عليه، فما علمت في بهز مغمزًا.
(٤) انظر " مقدمة الفتح " ص ٣٩٥.
(٥) في (ش): " ابن قتيبة "، وهو خطأ.
(٦) المصدر السابق ص ٤٠٠.
(٧) في (د) و(ش): " قال "، وهو قول ابن سعد نقله عنه ابن حجر.
(٨) تحرف في الأصول إلى: " عمر ".
(٩) في الأصول: "وأبو"، وهو خطأ.
[ ٨ / ١١٩ ]
الطائي، وأبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي المكي شيعي (١) مختلفٌ في صُحبته، وعبَّاد بن العوَّام الواسطي، وعباد بن يعقوب الرَّواجنيُّ رافضي داعية، كان يشتمُ عثمان، روى عنه البخاري حديثًا مع جماعةٍ تابعوه، وعبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن ابن أبي ليلى الأنصاري، وعبد الرحمن بن أبي الموالي المدني، ولم يذكره ابن حجر بتشيعٍ، وهو مشهورٌ، ذكره الذهبي في " الميزان " (٢).
وخرج البخاري حديث عوف بن أبي جميلة الأعرابي (٣)، شيعي قدري، وكذلك سائر الجماعة.
وخرج البخاري من حديثه ما يدلُّ على مذهبه مما تفرد به، وزاده على جرير بن حازم عن شيخهما، وهو ذكر أولاد المشركين بالنصوصية في حديث سمرة في الرؤيا النبوية (٤) فإنهما روياه عن أبي رجاء العُطاردي، عن سَمُرَةَ.
وكذلك أخرج عنه حديث الذين خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا (٥)، وهي زيادة على جرير في هذا الحديث، فبان بهذا (٦) أن البخاري إنما توهَّم أن مدلول الحديث مما يختصُّ مذاهب (٧) الشيعة دون أهل السنة، فتركه لذلك، وليس كما توهم، والدليل على أنه ليس كذلك أن البخاري قد خرَّج مثل هذه الفضيلة للأنصار من حديث البراء بن عازب الأنصاري، ومن حديث أنس بن مالكٍ الأنصاري (٨) ولا شك في تفضيل علي بن أبي طالب ﵇ عند أهل
_________________
(١) " شيعي " ساقطة من (ف).
(٢) ٢/ ٥٩٢ - ٥٩٤.
(٣) تحرف في الأصول إلى. " الأغر ".
(٤) رقم (٧٠٤٧)، وانظر (٨٤٥) و(١٤٣) و(١٣٨٦) و(٢٠٨٥) و(٢٧٩١) و(٣٢٣٦) و(٣٣٥٤) و(٤٦٧٤) و(٦٠٩٦).
(٥) انظر التعليق السابق.
(٦) في (ش): " هذا ".
(٧) في (ف): " بمذهب ".
(٨) سيأتي تخريجهما ١٢٣.
[ ٨ / ١٢٠ ]
السنة على جميع الأنصار، بل وعلى قريشٍ في أيام خلافته، وإنما وقع النزاع من البعض في إطلاق تفضيله على الجميع قبل (١) أيام خلافته من أجلِ تفضيل الإمام على المأموم على ما يعتقدونه في ذلك، ولا شكَّ في الإجماع على تفضيله على جميع قريش والأنصار كما ذكره الذهبي في ترجمة عبد الرزاق بن همام من " الميزان " (٢)، فإذا صحت هذه الفضيلة للأنصار -وهم في الفضل دونه بالاتفاق- كان بها أولى، ولو اعتبرنا في الرواية ما يعتبر في دعاوي الأحوال الدنيوية من عدم قبول الثِّقات ولم ننقل المناقب عن الفريقين، لبطلت عامة المناقب.
فليحرِص (٣) على حفظ المناقب أهلها وأهل المحبة الكبيرة لأهلها، ولذلك لم يرو البخاري هذه المنقبة للأنصار إلاَّ من طريق البراء وأنس، وهما أنصاريان، وقد خرَّج البخاري (٤) في مناقب أبي بكر عن أحمد بن أبي الطيب، عن إسماعيل بن مُجالدٍ، وفيهما ضعفٌ، وعن سلمة بن رجاءٍ في مناقب حُذيفة (٥).
وتعمُّدُ الكذب على رسول الله - ﷺ - من أفحش الكبائر. وإذا كان الكذب في الحديث مطلقًا مِنْ علامات النِّفاق، فكيف الكذب فيه على رسول الله - ﷺ -؟ وتهمة الفريقين (٦) المشهورين بالثِّقة والورع عند الجميع مما لا يُلتفتُ إليه، كما
_________________
(١) في (ف): " في ".
(٢) ٢/ ٦١٢.
(٣) في (ف): " فإنما يحرص ".
(٤) رقم (٣٦٦٠)، وهو من حديث عمار، وفيه: قال: رأيت رسول الله - ﷺ - وما معه إلا خمسة أعبد وأمرأتان وأبو بكر. ورواه البخاري (٣٨٥٧) من طريق يحيى بن معين عن إسماعيل بن مجالد. قال الحافظ في " مقدمة الفتح " ص ٣٨٦ في ترجمة أحمد بن أبي الطيب: روى له البخاري في فضل أبي بكر عنه عن إسماعيل بن مجالد حديث عمار، وقد أخرجه في موضع آخر من رواية يحيى بن معين، عن إسماعيل، فتبين أنه عند البخاري غير محتج به.
(٥) برقم (٣٧٢٤).
(٦) في (ف): " أئمة الفريقين ".
[ ٨ / ١٢١ ]
ذكره الذهبي وابن حجر في ترجمة زيد بن وهبٍ التابعي الجليل (١)، ولا مرتبة في العدالة أعظم ولا أرفع أن يكون الموثِّقون للرجل أئمة خصومه.
على أن المعنى العقلي والتجارب المستمرة قاضيةٌ بصحة هذه الأحاديث، وذلك أن من آمن بالله ﷿ ورسوله - ﷺ - وباشر الإيمان قلبه، أحبَّ رسول الله - ﷺ - بمقتضى الطبيعة والشريعة.
أما الطبيعة، فلما جُبلت عليه القلوب من حبِّ من أحسن إليها، ولا إحسان من المخلوقين أعظم من إحسان رسول الله - ﷺ - لعظم نفعه (٢) وإخراجهم من الظلمات إلى النور، وإنقاذهم من الكفر ومن النار، وإكمال شفقته عليهم حتى صحَّ أنها وُهِبَتْ له دعوة مستجابة كما وهبت لكل نبي، فاختبأ دعوته لهم، وآثرهم على نفسه النفيسة ولو نتعرَّض لاستيفاء ما ورد في هذا، لخرجنا عن المقصود.
وأما الشريعة، فقد صح عنه ﵊: " أنه لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من نفسه ومن الناس أجمعين " (٣). فإذا ثبت أن الإيمان يستلزم غاية (٤) الحب للرسول قطعًا، عقلًا، وشرعًا، فكذلك حُبُّه يستلزم حُبَّ من يحبُّه الرسول وحبَّ ناصريه الذين عُلِمَ بالضرورة حبهم له وحبُّه لهم، وبذلهم أرواحهم على الدوام في مرضاته ووقايته، فكما أن الضرورة تقتضي أن الرسول يحبهم لذلك، وكذلك الضرورة تقتضي أن من يُحِبُّ الرسول يحبُّهم لذلك بقوَّة الداعية الطبيعية البشرية والدينية البشرية الفطرية، ولذلك قيل: أصدقاؤك ثلاثةٌ: صديقك، وصديق صديقك، وعدوُّ عدوِّك. وأعداؤك ثلاثة: عدوُّك، وعدوُّ صديقك وصديق عدوِّك، وأنشدوا في هذا المعنى:
_________________
(١) انظر " الميزان " ٢/ ١٠٧، و" التهذيب " ٣/ ٤٢٦ - ٤٢٧، و" الإصابة " ١/ ٥٦٧.
(٢) في (ف): " نفعه لهم ".
(٣) تقدم تخريجه ص ٩٧ من هذا الجزء.
(٤) " غاية " ساقطة من (ف).
[ ٨ / ١٢٢ ]
لعينٍ تُفَدَّى ألفُ عينٍ وتُتَّقى وتُكْرَمُ ألفٌ للحبيب المكرَّمِ
ومن أحسن ما رُوي في هذا المعنى (١) بعضهم:
رأى المجنون كلبًا ذات يومٍ فمدَّ له من الإحسانِ ذيْلا
فلامُوه عليه وعنَّفوهُ وقالوا: لِمْ أنلت الكلبَ نيلا
فقال لهم: دعُوني إنَّ عيني رأتْهُ مرةً في باب ليلى
﴿والذين آمنوا أشد حُبًَّا لله﴾ [البقرة: ١٦٥] ولذلك شاركته الأنصار ﵇ في هذه الفضيلة لما شاركته في علتها، وهو الدليلُ الرابع، وذلك ما رواه البخاري ومسلم من حديث البراء بن عازب وأنس: " أنه لا يحب الأنصار إلا مؤمنٌ، ولا يبغضهم إلاَّ منافقٌ " (٢) وفي حديث أنس أن: " آية الإيمان حبُّ الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار " (٣). وروى الترمذي من حديث ابن عباس عنه - ﷺ -: " لا يُبغض الأنصار أحد يؤمن بالله واليوم الآخر " (٤) وروي مثله من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا (٥).
ومن الدلائل على صحة هذه الفضيلة لأمير المؤمنين ﵇، وللأنصار ﵃ أن من أبغضه أبغضهم، ومن أبغضهم أبغضه، لأنهم كانوا من أنصاره ﵇ في أيام خلافته وأعوانه.
_________________
(١) " المعنى " ساقطة من (د) و(ف).
(٢) أخرجه أحمد في " المسند " ٤/ ٢٨٣ و٢٩٢، وفي " فضائل الصحابة " (١٤٥٥)، والبخاري (٣٧٨٣)، ومسلم (٧٥)، والترمذي (٣٨٩٦)، وابن ماجه (١٦٣)، وابن منده في " الإيمان " (٥٣٤) و(٥٣٥).
(٣) رواه الترمذي (٣٩٠٦)، وقال: حسن صحيح.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ١٦٣ - ١٦٤، والطيالسي (٢١٨٢)، وأحمد ٣/ ٣٤ و٤٥ و٧٢ و٩٣، ومسلم (٧٧)، وأبو يعلى (١٠٠٧)، وابن حبان (٧٢٧٤١).
(٥) رواه مسلم (٧٦)، وابن منده في " الإيمان " (٥٣٨) و(٥٣٩).
[ ٨ / ١٢٣ ]
الخامس: أنه قد ثبت أن رسول الله - ﷺ - قال: " ليس صلاة أثقل (١) على المنافقين من الفجر والعشاء، ولو يعلمون ما فيهما، لأتوهما ولو حبوًا، ولقد هممتُ أن آمر المؤذن يقيم، ثم آمر رجلًا يُؤمُّ الناس، ثم آخذ شُعلًا من نار فأحرِّق على من لا يخرج إلى الصلاة " رواه البخاري (٢) في فضل صلاة العشاء في الجماعة من حديث عمر بن حفص بن غياث، عن أبيه، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة انفرد به البخاري من هذه الطريق، وقد رواه الجماعة من غير هذه الطريق كلهم (٣). ذكره ابن الأثير في " جامع الأصول " (٤) وجعل مالكًا عوض ابن ماجه، ورواه البخاري في وجوب الجماعة وفي الأحكام، والنسائي في الصلاة من ثلاث طرق عن مالك، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة وليس في أوله ذكر أثقل الصلاة على المنافقين (٥).
ووجه الحجة فيه أن ظاهره أنه - ﷺ - عزم على تنجيز العقوبة بما ظهر له من قرينة استمرارهم على ما هو أمارة النِّفاق، ولم يظهر أنه استند في ذلك إلى وحيٍ خاص، لأنه رتَّب العقوبة على ذلك، وهذا أقوى أدلة هذه الطائفة لما فيها من الهمِّ بإيقاع العقوبة على ذلك وتنفيذ الحكم.
السادس: أن رسول الله - ﷺ - حكم بالملاعنة (٦) بالكذب لقرينة، فقال: "إن جاءت به أسود أعين ذا أليتين، فما أراه إلاَّ صدق عليها، وإن جاءت به أحمرَ
_________________
(١) في (ف): " أبغض ".
(٢) برقم (٦٥٧).
(٣) رواه البخاري (٢٤٢٠)، ومسلم (٦٥١)، وأبو داود (٥٤٩)، والترمذي (٢١٧)، والنسائي ٢/ ١٠٧، وأحمد ٢/ ٢٤٤ و٣١٤ و٣١٩ و٣٦٧، وابن حبان (٢٠٩٧) و(٢٠٩٨)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٤) ٥/ ٥٦٦.
(٥) البخاري (٦٤٤) و(٧٢٢٤)، والنسائي ٢/ ١٠٧، وهو في " الموطأ " ١/ ١٢٩، وانظر " ابن حبان " (٢٠٩٦).
(٦) في (ف): " على الملاعنة ".
[ ٨ / ١٢٤ ]
قصيرًا كأنه وَحَرَةٌ، فما أراها إلاَّ صدقت" فجاءت به على المكروه من ذلك. رواه البخاري ومسلم من حديث سهل بن سعدٍ الساعدي الأنصاري (١)، فقال - ﷺ -: " لولا الأيمان، لكان لي ولها شأن " (٢) واحتج من العلماء من قال: إن الحاكم يحكم بعلمه، وعلمه هنا بالأمر الباطن لم يستند هنا إلاَّ بالقرائن (٣).
السابع: أن رسول الله - ﷺ - حكى مثل ذلك عمن تقدم من الأنبياء ﵈، مثل ما ورد من حديث المرأتين المتنازعتين في الصبي: " وإن داود ﵇ قضى به (٤) للكبرى، فتخاصمتا إلى النبي سليمان، فقال: ائتوني بالسِّكِّين أقسِمُه بينهما نصفين، فرضيت الكبرى بذلك، فقالت الصغرى: لا تفعل رحمك الله، هو لها "، فحكم به للصغرى لما ظهر من شفقتها عليه. رواه (٥).
الثامن: أن رسول الله - ﷺ - حكم على رجل من الأنصار أنه مُضَارٌّ في قصة عِذْقِ النخلة الذي امتنع من بيعه من جاره بما يزيدُ عليه في المنفعة، ولا يرغبُ
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٧٤٥) من حديث مطول، وأخرجه مسلم (١٤٩٣)، وليس فيه هذه القطعة، وانظر ابن حبان (٤٢٨٤) و(٤٢٨٥). والوحرة: دويية شبه الوزغة تلزق بالأرض، جمعها: وحر، ومنه وحر الصدر، وهو الحقد والغيظ، سمي به لتشبثه بالقلب، ويقال: فلان وحر الصدر: إذا دبت العداوة في قلبه كدبيب الوَحَرِ.
(٢) أخرجه من حديث ابن عباس البخاري (٤٧٤٧)، والترمذي (٣١٧٩)، وأبو داود (٢٢٥٤) و(٢٢٥٦). وأخرجه من حديث أنس النسائي ٦/ ١٧١.
(٣) في (ف): " إلى القرائن ".
(٤) " به " ساقطة من (ش).
(٥) بياض في (د) و(ف)، وفي (ش): " رواه الحاكم "، وهو خطأ، إنما رواه أحمد ٢/ ٣٢٢ و٣٤٠، والبخاري (٣٤٢٧) و(٦٧٦٩)، ومسلم (١٧٢٠)، والنسائي ٨/ ٢٣٤ - ٢٣٥ و٢٣٦، وابن حبان (٥٠٦٦) من حديث أبي هريرة.
[ ٨ / ١٢٥ ]
بعض الصحابة كان يحكم ويجزم بالقرينة الصحيحة الظاهرة بحضرة رسول الله - ﷺ -
في مثله في العادة. رواه أبو داود (١) من حديث سمُرة.
وحكم عمر بن الخطاب بنحو ذلك على محمد بن مسلمة مع صلاحه.
رواه مالك في " الموطأ " (٢) وللحكام (٣) أمثالُ ذلك.
التاسع: أن بعض الصحابة قد كان يحكم ويجزم بالقرينة الصحيحة الظاهرة بحضرة رسول الله - ﷺ -، كما كان جابر بن عبد الله يحلف على ابن صيادٍ أنه الدَّجَّال (٤)، بل قال أُسيد بن حُضير، لسعد بن عبادة: إنك منافقٌ تُجادل عن المنافقين. رواه البخاري ومسلم في حديث الإفك (٥).
وقال عمر لحاطبٍ مثل ذلك، ورد عليه رسول الله - ﷺ - بكونه من أهل بدرٍ (٦).
وحكم الشيعي المحترق غضبًا لله ورسوله حكم هؤلاء الصحابة ﵃ إن صح أنه أخطأ.
وقد تركتُ ما يختص الشيعة بروايته مما لم أعرف له إسنادًا، مثل ما يروى عن يزيد من قوله:
ليت أشياخي ببدرٍ شَهِدُوا جزعَ الخزرجِ مِنْ وقع الأسل (٧)
_________________
(١) برقم (٣٦٣٦)، ورواه البيهقي ٦/ ١٥٧، وإسناده منقطع، فإن أبا جعفر محمد بن علي الباقر لم يسمع من سمرة.
(٢) ٢/ ٧٤٦، ومن طريقه رواه الشافعي ٢/ ١٣٤ - ١٣٥، والبيهقي ٦/ ١٥٧، وقال: مرسل.
(٣) في (ف): " للحاكم " وهو خطأ.
(٤) أخرجه البخاري (٧٣٥٥)، ومسلم (٢٩٢٩)، وأبو داود (٤٣٣١).
(٥) البخاري (٤٧٥٠)، ومسلم (٢٧٧٠)، وانظر ابن حبان (٤٢١٢).
(٦) أخرجه أحمد ١/ ١٠٥، والبخاري (٣٠٨١) و(٣٩٨٣) و(٦٢٥٩) و(٦٩٣٩)، ومسلم (٢٤٩٤)، وابن حبان (٦٤٩٩) و(٧١١٩).
(٧) البيت لعبد الله بن الزبعرى قاله يوم أحد من قصيدة مطلعها: =
[ ٨ / ١٢٦ ]
العاشر: ما رواه البخاري: حدثنا حفص بن عمر، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عبد الله أن النبي - ﷺ - قرأ سورة النجم فسجد بها، فما بقي أحدٌ من القوم (١) إلاَّ سجد، فأخذ رجل من القوم كفًا من حصىً أو تراب، فرفعه إلى وجهه، وقال: يكفيني، قال عبد الله: فلقد رأيته بعد (٢) قتل كافرًا (٣).
وقد روى البخاري (٤) ﵀ عن عمر ﵁ أنه قال على المنبر: إن السجود غير واجب، وأقرته الصحابة، وإلى ذلك ذهب الجمهور، فدل ذلك على أن المكروهات والذنوب قد تقع على وجهٍ ينتهي إلى كفر، نعوذ بالله من ذلك.
الحادي عشر: النظرُ العقليُّ، وذلك أن أهل المعقولات أجمعوا على (٥) أن القرائن الضرورية قد يحصل بسببها (٦) علمٌ ضروريٌّ لا يندفع عن النفس بالشك، ولعلَّ العمل به يتوقف على السمع، وقد يمنع السمع من العمل ببعض العلوم، كما يقول من قال: إن الحاكم لا يحكم بعلمه، وذلك مثل ما يعلم صدق من يشكو بعض الآلام بما يظهر عليه من لوازم ذلك، بل قد يعلم صدق الجائع في شكوى الجوع بذلك. وكذلك يعلم صدق الصغير في كثير مما
_________________
(١) = يا غراب البين أسمعتَ فَقُلْ إنما تَنْطِقُ شيئًا قد فُعِلْ وأجابه حسان بن ثابت بقصيدة مطلعها: ذَهَبَتْ بابنِ الزِّبعرى وقعةٌ كان منا الفَضْلُ فيها لو عَدَلْ انظر " سيرة ابن هشام " ٣/ ١٤٣ - ١٤٥، و" العقد الفريد " ٥/ ١٣١، و" شرح شواهد المغني " ٤/ ٢٥٤، و" الكامل " ٣/ ١٣٧٢، و" ديوان حسان " ص ٣٥٨.
(٢) " من القوم " ساقطة من (ف).
(٣) " بعد " ساقطة من (ش).
(٤) البخاري (١٠٧٠)، ورواه أيضًا (١٠٦٧) و(٣٨٥٣) و(٣٩٧٢) و(٤٨٦٣)، ومسلم (٥٧٦)، وأحمد ١/ ٤٠١ و٤٣٧ و٤٦٢، وأبو داود (١٤٠٦)، وابن حبان (٢٧٦٤)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٥) برقم (١٠٧٧).
(٦) " على " ساقطة من (ش).
(٧) " يحصل بسببها " بياض في (ش).
[ ٨ / ١٢٧ ]
قول طائفة: يعلم النفاق بالقرائن الضرورية، وذلك مقتضى مذهب المالكية
يشكوه من الأمور (١) الباطنة، كما يعلم من البهائم والعجم الباطن في بعض الأحوال من غير شكوى.
وعندي: أنَّا نعلم بهذه الطريقة صحة إيمان كثير من الصحابة والتابعين والصالحين، فإنا على يقين من نفي النفاق عنهم علمًا ضروريًا، غير قبولِ الظَّاهر، والحمل على السَّلامة المصحوب بالشك عند التشكيك والإصغاء إليه، فإنا نجد قلوبنا جازمة بنفي النفاق عنهم من الإصغاء إلى جانب الشك غاية الإصغاء، وهذا هو الميزان الذي تعرف به العلوم اليقينية من الظنون الغالبة.
قالت هذه الطائفة: فكذلك يعلم النِّفاق بالقرائن الضرورية، وذلك مقتضى مذهب المالكية من أهل السنة، فإنهم يستحلون القتل على ما يدلُّ على الاستهانة بالإسلام، ولو كانت دلالةً بعيدةً، كقتل من سبَّ (٢) صحابيًا، أو أحدًا من أئمة الإسلام، أو أهل بيت رسول الله - ﷺ -.
قال القاضي عياض في آخر كتابه " الشِّفا " (٣) ما يقتضي ذلك، وحكى أن مشهور مذهب مالكٍ في ذلك الاجتهاد والأدب المُوجِعُ.
قال مالك ﵀ (٤): من شتم النبي - ﷺ -، قُتِلَ، ومن شتم أصحابه أُدِّبَ، وقال أيضًا: من شتم أحدًا من أصحاب النبي - ﷺ -، فإن قال: كانوا على ضلالٍ وكفرٍ، قُتِلَ، وإن شتمهم بغير هذا من مشاتمة الناس، نُكِّل نكالًا شديدًا.
ونقل صاحب " العقائد " اختلاف السلف في كُفر الحجاج بن يوسف الثقفي لمثل ذلك، ولكن لم يحضرني.
_________________
(١) في (ش): " وكذلك صدق من يشكو الأمور ".
(٢) في (ف): " كمن سبَّ ".
(٣) ٢/ ٢١٤ وما بعدها.
(٤) انظر " الشفا " ٢/ ٢٢٣.
[ ٨ / ١٢٨ ]
وفي " الترمذي " (١) عن هشام بن حسان أنه أُحصِيَ من قُتِلَ صبرًا، فوجدوه مئة ألفٍ وعشرين (٢) ألفًا، فمن تهاون بشعائر الإسلام، وحُرُماتِه الكبار، وأصرَّ على ذلك من غير ضرورةٍ دلَّ على ذلك، كما فعل يزيد في الاستهانة بمسجد رسول الله - ﷺ - حيث أدخله الدواب، وبالت فيه وراثت في روضته الشريفة، وانقطعت فيه الصلاة أيامًا، كما رواه العلامة أبو محمد بن حزم الموصوم بالعصبية لبني أمية، وطلب البيعة على أنهم عبيدٌ له مماليكُ أرقَّاء، وذكر رجلٌ البيعة على كتاب الله، فأمر بضرب رقبته، فضربت رقبته بأمره، وأمر بقتل من لا ضروره إلى قتله ولا حاجة له فيه من بقية الصحابة من المهاجرين والأنصار في يوم الحرَّة، حتى ما سلم منهم إلاَّ سعيد بن المسيب، وجدوه في المسجد لم يخرج منه، فَشَهِدَ له مروان وغيره أنه مجنونٌ، فَسَلِمَ بسبب شهادتهما، ذكر ذلك كله ابن حزم.
قال ابن حزم (٣): واستُخِفَّ بأصحاب رسول الله - ﷺ - ومُدَّت إليهم الأيدي -يعني قبل (٤) ذلك-.
وفي " صحيح البخاري " (٥) عن سعيد بن المسيِّب، قال: وقعت الفتنة الأولى -يعني مقتل عثمان- فلم يبق من أصحاب بدرٍ أحدٌ، ثم وقعت الفتنة الثانية -يعني الحرَّة- فلم يبق من أصحاب الحديبية أحدٌ.
وفيها أستؤصل بقية المهاجرين والأنصار الذين لا يحبُّهم إلاَّ مؤمنٌ، ولا يبغضهم إلاَّ منافق، وهذا هو الذي افتتح به دولته، ثم اختتمها بقتل ريحانة رسول الله - ﷺ - الحسين بن علي ﵇ وجميع أهله وأصحابه كما مضى
_________________
(١) رقم (٢٢٢٠)، ورجاله ثقات.
(٢) في (ف): " وعشرون "، وهو خطأ.
(٣) في " جوامع السيرة " ص ٣٥٧، وقد تقدم في الصفحة ٣٨ من هذا الجزء.
(٤) كتب فوقها في (ش): " بعد ".
(٥) في المغازي: باب شهود الملائكة بدرًا، تعليقًا عقب الحديث رقم (٤٠٢٤)، ووصله أبو نعيم في " المستخرج " كما في " الفتح " ٧/ ٣٢٥، و" تغليق التعليق " ٤/ ١٠٥.
[ ٨ / ١٢٩ ]
ذكره، وما سَلِمَ منهم إلاَّ علي بن الحسين لِصِغَرِهِ ومرضه، بل لمَّا قدره الله مِنْ أجله وخُروج الذرية الطاهرة من نسله، وكان قبل ذلك وفي خلاله مدمن خمرٍ متهتكًا (١) مجاهرًا بذلك، وبذلك أوصى أصحابه، حيث قال في شعره المشهور:
أقول لصحبٍ ضمَّتِ الكأس شملهم وداعي صبابات الهوى يترنَّمُ
خذوا بنصيبٍ من نعيمٍ ولذةٍ فكلٌّ وإن طال المدى يتصرَّمُ
وقد كان مجاهرًا بذلك متمتعًا به، وفي " صحيح البخاري ": " كلُّ أمتي معافى إلاَّ المجاهرين " (٢). وروى أحمد بن حنبل في " مسنده " (٣) من حديث ابن عباس: " مدمن الخمر إن مات، لقي الله كعابد وثنٍ ". ورواه العلامة ابن تيمية في " المنتقى "، لكن رواه ابن حبان (٤) بزيادة، فقال: عن ابن عباسٍ مرفوعًا: " من لقي الله مدمن خمرٍ مستحلًاّ لشربه لقيه كعابد وثن ". فهذه الزيادة تدلُّ على تأويله إن صحت وسلمت من الإعلال، فينظر من زادها وعلى من زيدت ذكرها صاحب " أحكام أحاديث الإلمام " في كتاب الأشربة.
وروى النسائي (٥) عن عثمان بن عفان أنه قال: والله لا يجتمع الإيمان
_________________
(١) في (ش): " منهمكًا ".
(٢) البخاري (٦٠٦٩)، ورواه أيضًا مسلم (٢٩٩٠) من حديث أبي هريرة.
(٣) ١/ ٢٧٢ من رواية الأسود بن عامر، عن الحسن بن صالح، عن محمد بن المنكدر، قال: حُدِّثتُ عن ابن عباس فذكره. وهذا إسناد رجاله ثقات غير راويه عن ابن عباس، فإنه مجهول.
(٤) " ابن حبان " (٥٣٤٧)، وهو حديث ضعيف، وانظر تمام تخريجه فيه. وقول المصنف " بزيادة " وَهَمٌ منه، فإن هذه الزيادة ليست من الحديث، إنما هي من كلام ابن حبان، بَيَّنَ فيه المراد من الحديث، فقد قال بإثر روايته: يُشبه أن يكون معنى هذا الخبر: من لقي الله مدمن خمرٍ مستحلًا لشربه، لقيه كعابد وَثَنٍ، لاستوائهما في حالة الكفر.
(٥) ٨/ ٣١٥ - ٣١٦، ورواه أيضًا عبد الرزاق (١٧٠٦٠)، والبيهقي ٨/ ٢٨٧ - ٢٨٨. ورواه ابن حبان (٥٣٤٨) مرفوعًا بإسناد ضعيف، والصواب وقفه كما قال الحافظان الدارقطني =
[ ٨ / ١٣٠ ]
وإدمان الخمر إلاَّ ليوشك أن يُخرِجَ أحدهما صاحبه.
وروى النسائي عن مسروق: من شربها، فقد كفر، وكفره أن ليس له صلاة. ذكر النسائي في تفسير حديث عبد الله بن عمرو عنه، عنه - ﷺ -: " إن من شربها لم تقبل له صلاة أربعين يومًا " (١)، وفي حديث: " لم تُقبل له توبةٌ أربعين يومًا ". (٢)
وقد صح أن ترك الصلاة كفرٌ، رواه مسلمٌ من طريقين من حديث جابرٍ، وأهل السنن كلهم إلاَّ النسائي (٣). وعن بُريدة نحوه رواه الأربعة كلهم (٤).
وعن عبد الله بن عمر بن الخطاب: وإن مات شارب الخمر في الأربعين، مات كافرًا. رواه النسائي (٥).
وروى النسائي (٦) إنه "لا تُقبل له توبة أربعين يومًا، فإن تاب، تاب الله عليه
_________________
(١) = وابن كثير.
(٢) النسائي ٨/ ٣١٤ - ٣١٥، وإسناده حسن. وحديث عبد الله بن عمرو عند النسائي ٨/ ٥١٤ وأخرجه أيضًا أحمد ٢/ ١٧٦ و١٩٧ و١٨٩، والدارمي ٢/ ١١١، وابن ماجه (٣٣٧٧)، والبزار (٢٩٣٦)، وصححه ابن حبان (٥٣٥٧)، والحاكم ٤/ ١٤٦، ووافقه الذهبي.
(٣) النسائي ٨/ ٣١٧.
(٤) مسلم (٨٢)، وأبو داود (٤٦٧٨)، والترمذي (٢٦١٨) و(٢٦٢٠)، وابن ماجه (١٠٧٨)، وأخرجه النسائي ١/ ٢٣٢ كما في إحدى نسخ السنن في " الصلاة "، وأخرجه أيضًا أحمد ٣/ ٣٧٠ و٣٨٩، وابن أبي شيبة ١١/ ٣٣ و٣٤، والدارمي ١/ ٢٨٠، والبيهقي ٣/ ٣٦٦، وابن حبان (١٤٥٣).
(٥) رواه الترمذي (٢٦٢١)، والنسائي ١/ ٢٣١، وابن ماجه (١٠٧٩)، وليس هو عند أبي داود، رواه أيضًا ابن أبي شيبة ١١/ ٣٤، وأحمد ٥/ ٣٤٦ و٣٥٥، وصححه ابن حبان (١٥٥٤)، والحاكم ١/ ٦ و٧، ووافقه الذهبي.
(٦) ٨/ ٣١٦، وإسناده صحيح.
(٧) ٥/ ٣١٧، وانظر " ابن حبان " (٥٣٥٧).
[ ٨ / ١٣١ ]
حتى يشربها الرابعة، فإن شَرِبَها بعد الرابعة، كان حقًا على الله أن يسقيه من طينة الخبال "، ولم يقل بعدها: فإن تاب تاب الله عليه.
ومفهوم الحديث أنه إن تاب في الثلاث المرار الأولة بعد الأربعين، تاب الله عليه، وإن شربها الرابعة، لم يوفق لتوبةٍ، ولذلك (١) ورد الأمر بقتله في الرابعة، ذكره غير واحدٍ من الصحابة، ذكر ابن كثيرٍ الشافعي منهم في " إرشاده " سبعة صحابة، وهم: ابن عمر، وابن عمرو، وجابر، وقبيصة بن ذؤيب، ومعاوية، وشرحبيل بن أوس، وعمرو بن الشريد، وكلها عند أحمد إلاَّ حديث قبيصة وجابر، وخرَّج ذلك أحمد وأهل السنن إلاَّ النسائي (٢).
وإنما قيل: إنه نسخ، ومن حقق النظر لم يجد النسخ صحيحًا إلاَّ في وجوب قتلهم، لا في جوازه، لأنهم قالوا في الناسخ: إن النبي - ﷺ - أُتي بشاربٍ بعد ذلك قد شَرِبَ في الرابعة، فخلَّى سبيله، رواه أحمد (٣)، عن الزهري مرسلًا (٤)، ومرسلات الزهري ضعيفةٌ، لكن رواه أبو داود من حديث الزهري عن قبيصة بن ذويب، وقال: فجلدوه ورفع القتل، وكانت رخصة. رواه أبو داود، وذكره الترمذي بمعناه (٥)، وقوله: وكانت رخصة: صريح فيما أوردته (٦)، والحمد لله.
ولا شك أن الإدمان ليس بكفر في ظاهر الشرع، ولكن قد يقع مع المدمن
_________________
(١) في (ف): " وكذلك ".
(٢) تقدم تخريج هذه الأحاديث ٣/ ١٦٨ - ١٦٩.
(٣) ٢/ ٢٩١، وانظر " صحيح ابن حبان " (٤٤٤٧).
(٤) " مرسلًا " ساقطة من (ف).
(٥) أبو داود (٤٨٨٥)، والترمذي بإثر الحديث (١٤٤٤)، وهو مرسل، فإن قبيصة بن ذؤيب وإن وُلِدَ على عهد الرسول - ﷺ -، إلاَّ أنه لم يسمع منه.
(٦) في (ف): " أردته ".
[ ٨ / ١٣٢ ]
الإدمان على شرب الخمر ليس بكفر، لكن قد يقع منه استهانة وعدم نكارة تسلب الإيمان
استهانة وعدم نكارة تسلب الإيمان لعدم تمكن الاستقباح (١) في القلب كما أشار إليه عثمان، وقد ثبت في حديث أبي سعيد عن رسول الله - ﷺ - أنه قال في حديث النهي عن المنكر: " فمن رأى منكم مُنكرًا، فليغيِّره بيده، فإن لم يستطع، فبلسانه، فإن لم يستطع، فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ". رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي (٢)، ورواه مسلمٌ (٣) من حديث ابن مسعودٍ، عن رسول الله - ﷺ - نحو ذلك، ولفظه: " ومن جاهدهم بقلبه، فهو مؤمنٌ ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردلٍ ". وخرج الحاكم في " المستدرك " (٤) على شرط البخاري ومسلمٍ عن أبي موسى مرفوعًا: " من عمل سيئةً فكرِهَها حين يعمل بها، فهو مؤمنٌ " وخرَّج أيضًا عن أبي أُمامة نحوه (٥). وخرج البخاري ومسلم (٦) عن عمر في خطبته في الجابية: " من سرَّته حسنَتُه وساءته سيئته، فهو مؤمن ".
ولذلك فرَّقت السنة في الوعيد بين شارب الخمر ومُدمنها، وكذلك حبرُ الأمة ابن عباس، فإنه فسَّر اللَّمم بما يُنافي الإصرار، كما ذلك معروف عنه، وأين
_________________
(١) تحرفت في (ف) إلى: " الاستفتاح ".
(٢) مسلم (٤٩)، وأبو داود (١١٤٠) و(٤٣٤٠)، والترمذي (١١٧٢)، والنسائي ٨/ ١١، وابن ماجه (١٢٧٥)، وأحمد ٣/ ١٠ و٢٠ و٤٩ و٥٢، وابن حبان (٣٠٦) و(٣٠٧).
(٣) برقم (٥٠)، ورواه أحمد ١/ ٤٥٨، وابن حبان (٦١٩٣).
(٤) ١/ ٥٤، ورواه أحمد ١/ ١٤، والبزار (٧٩)، وفيه المطلب بن عبد الله، لم يسمع من أبي موسى، لكنه يتقوى بحديثي أبي أمامة وعمر الآتيبن.
(٥) " المستدرك " ١/ ١٤، ورواه أيضًا أحمد ٥/ ٢٥١ و٢٥٢ و٢٥٦، وعبد الرزاق (٢٠١٠٤)، والطبراني في " الكبير " (٧٥٣٩) و(٧٥٤٠)، والقضاعي في " مسند الشهاب " (٤٠٠) و(٤٠١) و(٤٠٢)، وصححه ابن حبان (١٧٦).
(٦) هذا وهم من المصنف ﵀، فالحديث لم يروه الشيخان ولا أحدهما، إنما رواه البخاري في " التاريخ الكبير " ١/ ١٠٢ تعليقًا، وأخرجه أحمد ١/ ١٨، والترمذي (٢١٦٥)، والقضاعي (٤٠٣)، وابن ماجه (٢٣٦٣)، وصححه ابن حبان (٤٥٧٦)، (٥٥٨٦) و(٦٧٢٨)، والحاكم ١/ ١١٤، ووافقه الذهبي.
[ ٨ / ١٣٣ ]
ذنوب يزيد إذا نظرت في مجموعها من ذنوب المؤمنين المقرونة بالخوف والرجاء المحفوفة بالاعتراف والكراهة والاستغفار، البريئة من ذلك العلوِّ والتَّكبُّر والجهار، ثم ضُمَّ إلى ذلك أمرين أوضح منه وأقبح، وهما استحلال تلك الدماء المصونة المحرَّمة بالضرورة عن الدين يوم الطَّفِّ ويوم الحرَّة، وما أدراك ما يوم الطَّفِّ ويوم الحرَّة، ثم ما أدراك ما هما، وأين من يعرف حقيقة ما وقع فيهما، وقد جاء في التَّغليظ في القتل ما لا يخفى، وحسبُك أن رسول الله - ﷺ - سمى سباب المسلم فسوقًا، وقتاله كفرًا. متفق على صحته (١). فهذا قتاله، فكيف قتله، ولو لم يرِد في ذلك إلاَّ قول رسول الله - ﷺ -: " من أعان على قتل مسلمٍ بشطر كلمةٍ، جاء يوم القيامة مكتوبٌ بين عينيه: آيسٌ من رحمة الله ". رواه ابن ماجه من حديث يزيد بن زياد الدمشقي، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، عنه - ﷺ - (٢).
وروى الترمذي من حديث أبي هريرة [وأبي سعيد الخدري]، عنه - ﷺ -: " لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دمٍ، لأكبَّهم الله في النار " (٣).
وروى النسائي والترمذي من حديث عبد الله بن عمرو، عنه - ﷺ -: "لزوال
_________________
(١) البخاري (٤٨)، ومسلم (٦٤). وقد تقدم تخريجه ص ٣٣.
(٢) ابن ماجه (٢٦٢٠)، ورواه أيضًا ابن عدي في " الكامل " ٧/ ٢٧١٥، والبيهقي في " السنن " ٨/ ٢٢، وابن الجوزي في " الموضوعات " ٣/ ١٠٤، وقال البيهقي: يزيد بن زياد، وقيل: ابن أبي زياد منكر الحديث، وقال ابن عدي: كل رواياته مما لا يتابع عليه في مقدار ما يرويه، وضعفه الحافظ في " تلخيص الحبير " ٤/ ١٤، ونقل هو والذهبي في " الميزان " ٠٠/ ٤٢٥ عن أبي حاتم قوله: هذا حديث باطل موضوع، وقال ابن الجوزي: قال أحمد بن حنبل: ليس هذا الحديث بصحيح، وقال البوصيري في " الزوائد ": في إسناده يزيد بن أبي زياد، بالغوا في تضعيفه، حتى قيل: كأن حديثه موضوع. قلت: قال ذلك أبو حاتم كما في " الجرح والتعديل " ٩/ ١٦٣.
(٣) الترمذي (١٣٩٨)، وقال: هذا حديث غريب. أي: ضعيف، لأن في سنده يزيد بن أبان الرقاشي وهو ضعيف.
[ ٨ / ١٣٤ ]
الدنيا أهون على الله من قتل رجلٍ مسلمٍ" (١).
وعن المقداد، قلت: يا رسول الله، لو أن رجلًا من الكُفَّار ضربني، ثم قال: أسلمت لله، أقْتُلُهُ؟ قال: " إن قتلته، فإنك بمنزلته قبل أن يقولها ". رواه البخاري ومسلمٌ (٢).
وثانيهما: المجاهرة بما علم أنه من لوازم النِّفاق من بغض أمير المؤمنين علي ﵇، ومن كان معه من خِيرَةِ الأصحاب من المهاجرين والأنصار وبُغض ذُرِّيَّته وأهل بيته الذين هم أهل رسول الله - ﷺ - وأحب أهل الأرض إليه، وشَجَنَهُ في الدنيا، وعلاقة همِّه، وريحانة نفسه، وخُلاصة من بعده، فكيف إذا وقع ذلك القتل المعظَّم قليله في عامة المسلمين وقوعًا فاحشًا على أقبح الوجوه في هؤلاء الذين هم أحب الخلق إلى الله، فظهرت به المسرة والاغتباط، ووقع الإصرار على ذلك وعدم الندم والاستغفار؟! وقد صح من حديث أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: " من عادى لي وليًّا فقد آذنته بحربٍ " رواه البخاري (٣).
فهذا في مجردِ بُغض وليٍّ منهم واحدٍ، كيف (٤) ببغض طائفتين عظيمتين من خيار الأولياء، وإخافتهم في حَرَمِ رسول الله - ﷺ -، ونصيب الحرب لهم، وسفك دمائهم، والمسرَّة بذلك، والغبطة به، والإصرار عليه؟ وقد ملك كثيرٌ من الظَّلمة أكثر مما ملك (٥) يزيد، وطالت لهم المدة، ومالوا إلى الدنيا، واستغرقتهم
_________________
(١) الترمذي (١٣٩٥)، والنسائي ٧/ ٨٢ - ٨٣، وقال الترمذي: روي موقوفًا، وهو أصح.
(٢) البخاري (٤٠١٩) و(٦٨٦٥)، ومسلم (٩٥)، ورواه أيضًا أبو داود (٢٦٤٤)، وأحمد ٦/ ٣ و٤ و٥ و٦، وابن حبان (٤٧٥٠)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٣) أخرجه البخاري (٦٥٠٢)، وأبو نعيم ١/ ٤، والبيهقي في " الزهد الكبير " (٦٩٠)، والبغوي (١٢٤٨).
(٤) في (ف): " فكيف ".
(٥) في (ف): " أكثر مما لك ".
[ ٨ / ١٣٥ ]
الشهوات، فلم يحتاجوا إلى انتهاك محارم الإسلام، واصطلاح أهل الفضل والعلم، واستئصال شأفتهم، والتَّشفِّي بقتلهم وإهانتهم، بل عادة فجرة أهل الإسلام تعظيم أهل العلم والصلاح، وحبُّهم لله، ورجاء بركتهم، وطلب الدعاء منهم، والتَّقرُّب إلى الله بتعظيمهم، كما أن عادتهم تعظيم المساجد وسائر الشعائر، ولا سيما الحرمين الشريفين ومن سكنهما أو عاذ بهما (١)، ومن ثَمَّ فرَّق علماء السنة بين الظلمة، فأجمعوا بعد ظهور فواحش يزيد والحجاج وأمثالهما على الخروج إن أمكن عليهما وعلى أمثالهما ممن لم يبق فيه خيرٌ، ولا يمكن أن تزيد المضرة في الخروج عليه على المضرة في بقائه كما قدمنا نقل ذلك عنهم، واختلف رأيهم فيمن سوى ذلك من غير تأثيمٍ للخارج عليهم، وما روي عن ابن عمر من الإقرار بالسمع والطاعة ليزيد فلا (٢) سبيل إلى أنه قاله بعد إحداث يزيد مختارًا غير متَّقٍ، وكيف لا يتَّقي وقد طلب يزيدُ الناس البيعة على أنهم عبيدٌ، وأمر بضرب رقبة من ذكر البيعة على كتاب الله، ولذلك تكلم ابن عمر في ذلك بعدما زالت التَّقيَّةُ، فروى عنه البخاري أن رجلًا سأله عن دم البَعُوض، فسأله: ممن أنت؟ فقال: من أهل العراق، فقال ابن عمر: انظروا إلى هذا يسألني عن دم البعوض، وقد قتلوا ابن النبي - ﷺ -، وقد سمعت النبي - ﷺ - يقول: " هما ريحانتاي في الدنيا " وفي رواية: " ريحانتي ".
قال ابن دحية: تفرَّد بإخراجه البخاري من طريقين في كتابين: في كتاب المناقب وفي كتاب الأدب (٣).
وفي هذا (٤) أعظمُ دلالة لابن عمر أنه معتقدٌ لاعتقاد كل مسلمٍ في تقبيح ما جرى إلى الحسين ﵇ وأصحابه، وإن اتَّقى في بعض الأحوال كما اتَّقى عمارُ بن ياسر من (٥) المشركين، فقال بكلمة الكفر وقلبه مطمئنٌّ
_________________
(١) في (ش): " أعاذ ".
(٢) في (ش): " ولا ".
(٣) تقدم تخريجه ص ٥٠ من هذا الجزء.
(٤) في (ش): " ذلك ".
(٥) في (ف): " عن ".
[ ٨ / ١٣٦ ]
بالإيمان (١)، بل لقد خرَّج البخاري عن ابن عمر أنه ترك الصدع بالحق تقيَّةً في أيام معاوية، دع عنك أيام يزيد، فروى البخاري (٢) عنه أنه قال: دخلت على حفصة ونوساتها (٣) تنطف قلت: كان من أمر الناس ما ترين فلم يجعل (٤) [لي] من الأمر شيءٌ، فقالت: الحق، فإنهم ينتظرونك، وأخشى أن يكون في احتباسك عنهم فرقةٌ، فلم تدعهُ حتى ذهب، فلما تفرَّق الناسُ، خطب معاوية، وقال: من كان (٥) يريد أن يتكلم في هذا الأمر، فليُطْلِعْ لنا قرنه، فلنحن أحق به منه ومن أبيه. قال حبيب بن مسلمة: فهلاّ أجبته؟ فحللت حبوتي، وهممت أن أقول: أحق بهذا الأمر منك من قاتلك وأباك على الإسلام، فخشيت أن أقول بكلمة تفرق بين الجميع، وتسفك الدم، فذكرت ما أعد الله في الجنان. رواه ابن الأثير في " الجامع " (٦) في الفتن في حرف الفاء في أمر الحكمين، وخرج عنه ابن الأثير في " جامع الأصول " (٧) من طريق سالمٍ أن رجلًا من أهل العراق سأله عن قتلِ محرمٍ بعوضًا، فقال: يا أهل العراق، ما أسألكم عن صغيرةٍ، وأجرأكم على كبيرةٍ، يقتل أحدكم من الناس ما لو كان كعددهم (٨) سُبُحاتٍ،
_________________
(١) انظر " طبقات ابن سعد " ٣/ ٢٤٩، و" أسباب النزول " للواحدي ص ١٠٩، و" مستدرك " الحاكم ٢/ ٣٥٧، و" تفسير " الطبري ١٤/ ١٨١، و" تفسير " ابن كثير ٢/ ٦٠٩، و" الدر المنثور " ٥/ ١٧٠.
(٢) رقم (٤١٠٨).
(٣) النوسات: الذوات، وتنطف: أي: تقطر. قال الحافظ في " الفتح " ٧/ ٤٠٣: والمراد أن ذوائبها كانت تنوس، أي تتحرك، وكل شيء تحرك، فقد ناس، والنوس: الاضطراب.
(٤) في (ش): " يخطر ".
(٥) " كان " ساقطة من (ش).
(٦) ١٠/ ٩٣ - ٩٤.
(٧) ١٠/ ٧١، وانظر ص ٤٠ و١٢٦ من هذا الجزء وأخرج الشطر الأخير من الحديث أحمد ٥/ ٣٦٢، وأبو داود (٢٥٠٠٤)، والقضاعي (٨٧٨) عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، حدثنا أصحاب محمد - ﷺ -، فذكر مثل حديث سالم عن أبيه.
(٨) في " جامع الأصول ": " لي عددهم ".
[ ٨ / ١٣٧ ]
لرأيت أنه إسرافٌ، وإنا كنا نسير مع رسول الله - ﷺ -، فنزلنا منزلًا، فنام رجلٌ من القوم ففزَّعه رجلٌ، فسمع [ذلك] رسول الله - ﷺ -، فقال: " لا يحلُّ لمسلمٍ تفزيعُ مسلمٍ ".
ولعل البخاري ما خرَّج هذا (١) المعنى عن ابن عمر في مواضع في " صحيحه " إلاَّ لينفي التُّهمة عن ابن عمر بذلك، ومن كان يقدر على الكلام بذلك في ذلك العصر؟
وأحسن من هذا كله في الشهادة لابن عمر بالبراءة من موالاة أعداء أهل البيت ﵈ ما رواه إمام التشيع أبو عبد الله الحاكم في كتاب الفتن من " المستدرك " عن مالك بن مِغْوَلٍ، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال لرجل يسأله عن القتال مع الحجاج أو مع ابن الزبير؟ فقال له ابن عمر: مع أي الفريقين قاتلت، فقُتِلْتَ، ففي لظى. قال الحاكم: هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشيخين ولم يخرجاه (٢).
قلت: فانظر إلى أئمة الحديث من الفريقين، ما أوسع معرفتهم وأكثر إنصافهم! كما أوضحت ذلك في أول هذا الكتاب عند ذكر حديث المتأولين، وظهور قرائن صدقهم، وهذا كله نقيض ما ذكره المشنِّع (٣) على أهل السنة، من قوله: إنهم يصوِّبون يزيد في قتل الحسين ﵇، فالله المستعان.
وكذلك فرَّقت الأحاديث بين الظلمة، كما فرَّق بينهم أهل السنة، ففي الحديث: أنه - ﷺ - لما وصف لهم أئمة الجور، قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: " لا، ما أقاموا فيكم الصلاة ". رواه مسلم والترمذي وأبو داود من حديث [أم
_________________
(١) " هذا " ساقطة من (ف).
(٢) " المستدرك " ٤/ ٤٧١، ووافقه الذهبي على تصحيحه.
(٣) في (ش): " المتشيع " وهو خطأ.
[ ٨ / ١٣٨ ]
سلمة] (١)، وفي حديث: " ما لم تَرَوْا كُفرًا بَوَاحًا " رواه (٢).
ولكن القوم كانوا فريقين: أحدهما قَبِلُوا صدقة الله تعالى عليهم في جواز التقية، والأُخر كرهوا الحياة وجِوار الفجرة فتعرَّضوا للشهادة، وإن لم يرجوا غيرها من زوال أولئك الظلمة.
وفي " نهاية " ابن الأثير (٣): أنه عُرِضَ على الحجاج رجلٌ من بني تميمٍ ليقتله، فقال الحجاج: أرى رجلًا لا يُقرُّ اليوم بالكفر، فقال: عن دمي تخدعُني، إني أكفر من حمار -وحمارٌ رجل كان في الزمان الأول، كفر بعد الإيمان، وانتقل إلى عبادة الأوثان فصار مثلًا- فهذا مع أن الحجاج قال لقاتل الحسين: والله لا تجتمع أنت والحسين في دار. كما تقدم، فكيف يقال في أئمة أهل السنة وأهل العلم والعبادة: إنهم يُصوِّبُون من قتل الحسين ﵇ ويعدُّونه باغيًا؟ وهذا عارضٌ، والمقصود أن قتل الحسين وأصحابه وأهل الحرة واستحلال ذلك مما احتج به من كفَّر يزيد، لأن حُرمة هؤلاء في الإسلام كحرمة الزنى، وسائر الفواحش، بل أعظم، فكما أن (٤) من أظهر استحلال تلك الفواحش يكفُر بلا خلافٍ، فكذلك هذا، وفي هذا أحاديث كثيرة شهيرةٌ منها: ما روى البخاري ومسلمٌ والترمذي والنسائي من حديث ابن مسعود عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: " سبابُ المسلم فسوقٌ، وقتاله كفرٌ " (٥).
وروى النسائي (٦) عن سعد بن أبي وقاصٍ، عن رسول الله - ﷺ - نحوه.
_________________
(١) مسلم (١٨٥٤)، والترمذي (٢٢٦٦)، وأبو داود (٤٧٦٠)، وأحمد ٦/ ٢٩٥ و٣٠٢.
(٢) بياض في الأصول الثلاثة، وهو من حديث عبادة بن الصامت، وقد تقدم تخريجه ص ١٧.
(٣) ٤/ ١٨٨.
(٤) " أن " ساقطة من (ش).
(٥) تقدم تخريجه ص ٣٣ من هذا الجزء.
(٦) ٧/ ١٢١.
[ ٨ / ١٣٩ ]
وروى البخاري ومسلم والنسائي من حديث جرير عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: " لا ترجِعُوا بعدي كفَّارًا يضرِبُ بعضكم رقاب بعضٍ " قال في حجة الوداع. كذا في " الصحيحين " وغيرهما (١).
وفي " جامع الأصول " (٢) في الباب الثاني في أحكام الإيمان والإسلام من أول الكتاب مثل ذلك من حديث ابن عمر في حجة الوداع، رواه البخاري ومسلم (٣)، وكذلك عن أبي بكرة خرّجاه أيضًا (٤)، وكذلك عن ابن عباسٍ، خرجه البخاري (٥)، كلُّهم بهذا اللفظ، وفي هذا التاريخ، وكرَّر عليهم في ذلك قوله: " ألا هل بلَّغت، ألا هل بلَّغت، ألا هل بلَّغت؟ " وأمر الشاهد منهم أن يبلِّغ الغائب، فقال ابن عباس في رواية البخاري فوالذي نفسي بيده إنها لوصيته إلى أُمته.
وروى الترمذي (٦) عن ابن عباسٍ مرفوعًا نحو المسند من غير تاريخ أيضًا، ورواه أبو داود والنسائي من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب أيضًا (٧)، ورواه النسائي (٨) من حديث ابن مسعود كلهم عن رسول الله - ﷺ -.
وفي " النهاية " (٩) أن الأوس والخزرج ذكروا ما كان منهم في الجاهلية، فثاب
_________________
(١) البخاري (١٢١) و(٤٤٠٥) و(٦٨٤٤) و(٧٠٨٠)، ومسلم (٦٥)، وأخرجه أيضًا أحمد ٤/ ٣٥٨ و٣٦٣ و٣٦٦، والنسائي ٧/ ١٢٧ - ١٢٨، وابن ماجه (١٩٤٢)، وابن حبان (٥٩٤٠).
(٢) ١/ ٢٦١ - ٢٦٥.
(٣) البخاري (٤٤٠٣)، ومسلم (٦٦)، وانظر ابن حبان (١٨٧).
(٤) البخاري (٤٤٠٦) و(٧٠٧٨)، ومسلم (١٦٧٩)، وانظر ابن حبان (٣٨٤٨).
(٥) (١٧٣٩).
(٦) رقم (٢١٩٣)، وقال: حسن صحيح.
(٧) أبو داود (٤٦٨٦)، والنسائي ٧/ ١٢٦، وانظر ابن حبان (١٨٧).
(٨) ٧/ ١٢٧.
(٩) ٤/ ١٨٦ وقال ابن الأثير: ولم يكن ذلك على الكفر بالله، ولكن على تغطيتهم ما =
[ ٨ / ١٤٠ ]
بعضهم إلى بعضٍ بالسيوف، فأنزل الله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُه﴾ [آل عمران: ١٠١].
وفيها (١) عن ابن مسعودٍ: إذا قال الرجل للرجل: أنت لي عدوٌّ (٢)، فقد كفر أحدُهما بالإسلام (٣). وهذا شبيه بما ثبت في " الصحيحين " وغيرهما من قول رسول الله - ﷺ -: " إذا قال الرجل لأخيه يا كافر، فقد باء بها أحدهما " (٤).
وخرج الحاكم في " المستدرك " عن ابن مسعود، عنه - ﷺ -: " لو أن رجلين دخلا في الإسلام، فاهتجرا، كان أحدهما خارجًا عن الإسلام حتى يرجع الظالم " وقال: صحيح على شرط الشيخين، وهو من حديث الأعمش، عن زيد بن وهب، عن ابن مسعود (٥). وهذه أشياء كثيرةٌ قد احتجَّت الظاهرية من أهل السنة بأمثالها مما له تأويلٌ عند غيرهم مع (٦) اعتقادها بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّه﴾ [الروم: ١٠] على أحد الاحتمالين وهو (٧) أشد وعيدٍ على التَّجرِّي على الله، وهو الذي نخافه على المرجئة، فنسأل الله العافية.
_________________
(١) = كانوا عليه من الأُلفة والمودَّة. وانظر " تفسير الطبري " (٧٥٣٥)، و" أسباب النزول " للواحدي ص ٧٧ - ٧٨، و" الدر المنثور " ٢/ ٢٧٨ - ٢٨٠.
(٢) نفس المصدر السابق.
(٣) في (ف): " أنت عدوي ".
(٤) لم أجد هذا القول لابن مسعود في شيء من الكتب التي بين يدي، لكن أخرجه الخرائطي في " مساوىء الأخلاق " (٢٠) عن ابن عمر بلفظ: " إذا قال الرجل لأخيه: أنت لي عدوٌّ، فقد باء أحدهما بإثمه إن كان كذلك، وإلا رجعت على الأول ". وانظر " كنز العمال " ٣/ (٨٣٨٦).
(٥) تقدم تخريجه ٢/ ٤٣٩.
(٦) " المستدرك " ١/ ٢٢، ورواه أيضًا البزار (٢٠٥٠)، وأورده الهيثمي في " المجمع " ٨/ ٦٦، وقال: رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح.
(٧) في (ش): " من " وهو خطأ.
(٨) في (ش): " وهذا ".
[ ٨ / ١٤١ ]
فمن عَمِلَ بهذه الظواهر، وإن كان عند أهل السنة أو بعضهم مخطئًا، فلا يصلح منهم (١) التحامل عليه، لأنه قد وقع في مثل ذلك كثيرٌ من الصحابة والتابعين، كما قدمنا في قول عمر لحاطبٍ، وأسيد بن حضير لعبادة بن الصامت (٢)، ونقل ابن دقيق العيد في " شرح العمدة " (٣) أن من العلماء من كفَّر من قال لأخيه: كافرٌ.
ونُقِل عن الحسن البصري أنه قال: صاحب الكبيرة منافق، وإنه طرد ذلك استعظامًا منه أن يُصرَّ على كبيرةٍ، وظنًّا أن التصديق بالجزاء يمنع عن ذلك (٤) كما يجد في نفسه ﵁.
وإنما منع أهل السنة من القول بذلك أمورٌ كثيرةٌ منها مرجحات ترك التكفير عند احتماله واحتمال سواه، وقد استُوفيت في " إيثار الحق على الخلق " (٥)، فليطالع فيه، ففيها فوائد مهمة، ولكنها لا تصلح إلاَّ عند الاحتمال، وهو موضع النزاع هنا.
ومنها أحاديث النهي عن العُدول عن الظواهر إلى البواطن، كحديث أبي سعيد الخدري عن رسول الله - ﷺ -، قال: بعث عليٌّ وهو باليمن بذُهَيْبَةٍ إلى رسول الله، فقسمها بين أربعة، فقال رجل: يا رسول الله، اتق الله، فقال: " ويلك، أولستُ أحق أهل الأرض أن يتقي الله "؟ ثم ولّى الرجل، فقال خالد بن الوليد: يا رسول الله، ألا أضربُ عنقه؟ فقال: " لا، لعله أن يكون يصلي " فقال خالد: وكم مِنْ مُصَلٍّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال رسول الله - ﷺ -: " إني لم أُومر أن أُنقِّبَ على قلوب الناس، ولا أشُقَّ بطونهم " رواه البخاري ومسلم وأحمد بن حنبل (٦).
_________________
(١) " منهم " ساقطة من (ش).
(٢) انظر ص ١٢٦.
(٣) ٤/ ٧٧.
(٤) " عن ذلك " ساقطة من (ف)، وفي (د): " من ذلك ".
(٥) انظر ص ٤٢٥ وما بعدها.
(٦) تقدم تخريجه ١/ ٢٣٢.
[ ٨ / ١٤٢ ]
الخطأ في العفو خير من الخطأ في العقوبة
وعن عُبيد الله (١) بن الخيار، عن رجل من الأنصار حدثه أنه أتى رسول الله - ﷺ - وهو في مجلس يُسَارُّهُ يستأذنه (٢) في قتل رجلٍ من المنافقين، فجهر رسول الله - ﷺ -، فقال: " أوليس يشهد أن لا إله إلاَّ الله "؟ قال الأنصاري: بلى يا رسول الله، ولا شهادة له، فقال: " أليس يشهد أن محمدًا رسول الله "؟ فقال: بلى، ولا شهادة له، فقال: " أليس يصلي "؟ قال: بلى، ولا صلاة له، فقال: " أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم ". رواه أحمد والشافعي في " مسنديهما " (٣).
ولهذا شواهد في " السنة " كثيرةٌ، لا حاجة إلى التطويل ببسطها، وهو قول الإمام أحمد بن عيسى بن زيدٍ ﵉، نصَّ عليه كما سيأتي بيانه، وعَضَّدَ هذا من الأثر أن خوف الخطر من العقوبة، وأن الخطأ في العفو خير من الخطأ في العقوبة (٤)، وأن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇ تمكن من جماعة ممن حاربه في صِفِّين والجمل وغيرهما، فلم يَسِرْ فيهم سيرة الكفار بإجماع النقلة وإجماع العترة والأمة، فدل على أنه لم يعتقد نفاقهم، وأنه لو اعتقد ظاهر الحديث: " أنه لا يبغضه إلاَّ منافق " (٥)، والنفاق الأكبر فمن حاربه أنه يبغضه. وأنه منافقٌ مُظهرٌ للنفاق الذي هو بغضه ﵇، ومظهر النِّفاق يجب أن يُسار فيه سيرة الكفار، لا سيرة البغاة، لقوله تعالى: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِم﴾ [التوبة: ٧٣]، وقد علم منه المنع من السَّبي وتعظيم عائشة عند القدرة، وكذلك عمار، وكذلك عمل الحسين بن علي في صلحه (٦) وحديث الثناء عليه بذلك مع صحته وشهرته، إلاَّ أن يقال: البغض لا يعلم من المحارب، وهذا مردود، فإنه أكثر من البغض، وفي الصحيح: "سباب المسلم
_________________
(١) تحرف في (ش) و(ف) إلى: " عبد الله ".
(٢) في (ف): فاستأذنه.
(٣) الشافعي ١/ ١٣ - ١٤، وأحمد ٥/ ٤٣٢ و٤٣٣، وأخرجه مالك في " الموطأ " ١/ ١٧١، وصححه ابن حبان (٥٩٧١)، والحافظ في " الإصابة " ٢/ ٣٣٧.
(٤) انظر ص ٢٠ ت (٤).
(٥) تقدم تخريجه.
(٦) في (ش): " مصالحة معاوية ".
[ ٨ / ١٤٣ ]
فسوقٌ، وقتاله كفرٌ" (١)، والسِّباب من أمارات البغض بالاتفاق، والحرب أعظم منه.
أو يقال: إن محاربه منافقٌ مستور، لا يجب الحكم بنفاقه، فهذا -على تسليمه- يعود حجةً للخصم، ثم إن أهل البيت قبلوا رواية المتأولين ممن حاربه كالخوارج (٢)، وادَّعَوُا الإجماع على ذلك، كما ذكره المنصور بالله، وقد تقدم أول الكتاب مبسوطًا، وليس هذا حكم المنافقين، فيمكن أن يكون هو في ذلك العصر، كمُبغضِ الأنصار من المنافقين، ويمكن أن يكون نفاقٌ دون نفاق، كما قد صحَّ كفرٌ دون كفر، وإيمانٌ دون إيمانٍ بالنصوص والاتفاق في بعضها مثل كفر النساء، أي: كفر العشير (٣)، ويؤيده أنه قد ثبت أن من كان إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان، فهو منافقٌ كامل النِّفاق (٤)، ومع ذلك (٥) لم يحكم له بالنِّفاق الأكبر، مع تأكيد نفاقه بالكمال، ويوضحه (٦) أنه نفاقٌ يتجزّأ، والنِّفاق الأكبر لا يتجزّأ، ويوجب التأويل مع ذلك من العقل أنا نعلم من القرائن الضرورية أن الخوارج ما كانوا بأجمعهم يُضمرون تكذيبَ النبي - ﷺ - وتكذيب المعاد وصحة الشِّرك ونحو ذلك، ويقوِّيه أنه قد ثبت تأويل صدر (٧) الحديث الأول، وهو أنه لا يحبه إلاَّ مؤمن، فإن الذين عبدوه وأشركوا بالله في ذلك كانوا يحبونه بالضرورة، وقد كفَّرهم وحرَّقهم بالنار، وكذلك من يحبه من الكفرة كالباطنية.
فإن قيل لعله يختم لهم بخير.
قلنا: ليس الكافر يُسمى مؤمنًا إذا كان يُختَمُ له بخير، والذين قتلهم عليٌّ ﵇ وحرَّقهم على عبادته لم يُختم لهم بخيرٍ، وليس تأويل الحديث
_________________
(١) تقدم غير مرة.
(٢) في (ش): " من الخوارج ".
(٣) انظر ٢/ ١٦٢ و٤/ ١٩٩.
(٤) انظر ص ١١١ من هذا الجزء.
(٥) في (ف): " ولذلك ".
(٦) في (ف): " ويؤيده ".
(٧) في (ش): " شطر ".
[ ٨ / ١٤٤ ]
بأبعد (١) من ارتكاب القطع بأن ملاحدة الباطنية يُختم لجميعهم بالخير، أو ينكر المعلوم مِنْ تعظيمهم له وحبِّهم، والقرائن شاهدةٌ بذلك، والحكم للظاهر، فهذه أدلة أهل السنة أو بعضها من الأثر.
قالوا: وما المانع من تأويل علي ما يوافق تعظيمه ﵇ وسائر أفعاله، وقد وجب تأويل كثيرٍ من كتاب الله وسنة رسوله فإجماع العترة والأربعة مع الإنصاف، وتعظيمه ﵇، وعدم الميل والجَنَفِ، ومراقبة الله في ذلك كله. وبعد ذلك من النظر أن رسول الله - ﷺ - مؤيد بالعصمة فيما حكم به على بعض من تقدم من النفاق ونحوه، وإن لم يُسند ذلك إلى الوحي، فلا شك أنه معصومٌ فيما فعله، وإن استند إلى الاجتهاد، وعند الفريق الأول أن امتناعه من إجراء أحكام المنافقين في حديث أبي سعيدٍ ونحوه إنما هو لمصالح ظاهرةٍ، كقوله في الملاعنة: " لولا الأيمان، لكان لي ولها شأن " (٢)، وقالوا: ليس ذلك بنافع لهم، كما أنه صلى - ﷺ - على عبد الله بن أبي بن سلولٍ لمصلحةٍ، واستغفر له، وإن لم يكن ذلك نافعًا له (٣).
ومن أحسن ما احتج به أهلُ السنة في كراهة سبِّ الفجرة، مع اعتقاد فجورهم، أحاديث النهي عن سبِّ الموتى، فإنهم قد أفضوا إلى ما عملوا (٤)، لأنها خاصة، لم تُعارَضْ إلاَّ بالعمومات، ولكن معناها في أهل الفجور، وإن سلّم أنها تعمُّ أنهم قد وقعوا في اللعنة والعذاب، فلا معنى لسؤال ذلك، لأنه بمنزلة تحصيل الحاصل، فكان كقول القائل:
وهذا دعاء لو سكتُّ كُفيتُه لأنِّي سألتُ الله ما هو فاعلُ
_________________
(١) في (ف): " بأعظم ".
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) انظر " البخاري " (١٣٦٦) و(٤٦٧١)، و" أحمد " ١/ ١٦، و" الترمذي " (٣٠٩٧)، و" النسائي " ٤/ ٦٧ - ٦٨، و" ابن حبان " (٣١٧٦).
(٤) انظر ٥/ ٣٠٥.
[ ٨ / ١٤٥ ]
فعلى العالم بأحوالهم أن يعتقد أن سكوته عن لعنهم لهذه العلَّة، لا لأجل الحرمة، ولكن لما وقعوا في المطلوب باللعن لم نطلب الحاصل، الذي اللَّعن وسيلةٌ إليه، كما أنهم لا يقاتلون بعد موتهم، لأنَّ القتال دفعٌ لشرورهم، وقد بطلت، وبقي في اللعن لهم مفاسد في بعض الأزمان والأحوال خالية عن المصالح، وهي أذى الأحياء، كما أشارت إليه الأحاديث أو غير ذلك.
والقصد بالتطويل في هذا الإصلاح بين الفريقين: الشيعة والسنة، الذين قد اتفقوا على قبح أفعال هؤلاء الفجرة، فإنها قد تقع بينهم عصبيةٌ قبيحةٌ من غير موجبٍ أو بين بعضهم.
والمراد أن الشيعي يحمل من خالفه في الولع بالسَّبِّ الكثير لهؤلاء على ما يحمل عليه إبراهيم الخليل، حيث جادل عن قوم لوطٍ الذين لا أخبث منهم مع الكفر العظيبم، وتكذيب الرسل، فما منع ذلك الخليل من الجدال عنهم، حِلمًا ورحمةً ورقةً (١) وسعة رجاءٍ في عظيم رحمة الله ﷾، لا محبة (٢) لما هم عليه من الخبائث، ولذلك مدحه الله على ذلك بقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيب﴾ [هود: ٧٥]، وعلى ما يحمل عليه النبي - ﷺ - في صلاته على ابن أبي بن سلول واستغفاره له، ويحمل السُّنِّي الشِّيعي حين يرى ولعه بسبِّهم (٣) على أنه غضب لله، وحمله على ذلك البغض في الله الذي هو من الإيمان، كما بوَّب عليه البخاري في كتاب الإيمان من " الصحيح " (٤). وعلى ذلك دعا نوحٌ على قومه، فقال: ﴿ولا تَزِدِ الظالمين إلاَّ ضَلالا﴾ [نوح: ٢٤]، وقال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾، إلى قوله: ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ [نوح: ٢٦ - ٢٨]، وعلى ما حملوا عليه عمر بن الخطاب في قوله لحاطبٍ
_________________
(١) في (ش): " ورأفة ".
(٢) في (ش): " محبته ".
(٣) في (ش): " لسبهم ".
(٤) كتاب الإيمان، الباب الأول. انظر " الفتح " ١/ ٤٥.
[ ٨ / ١٤٦ ]
وأسيد بن حضير في قوله لسعد بن عبادة، والحسن البصري في قوله بنفاق صاحب الكبيرة.
ولاختلاف المسلمين والصالحين (١) في هذه الطبيعة أثرٌ عظيمٌ مرجِّحٌ لمن غلب عليه ما وافق طبع صاحبه من الأدلة وصاحبه لا يشعر بأنه المرجح لذلك، ومن هنا اختلف الحسن بن علي ﵉ وأصحابه أو أكثرهم في استحسان صُلْحِهِ لمعاوية، حتى دعوه -حاشاه- مسوِّدَ وجوه المسلمين، ومُذِلَّ رقاب المؤمنين، كما هو معروفٌ في كتب التاريخ، ومن هنا كره كثيرٌ من الصحابة صُلح الحديبية، حتى قال عمر بن الخطاب ﵁على جلالته-: ما شككت في الإسلام إلاَّ يومئذ (٢). ثبت ذلك عنه في " الصحيح ".
فليحذر العارف مثل ذلك أعني أن يظن ما ثبث في قلبه من قوة الأمن
_________________
(١) " والصالحين " لم ترد في (ف).
(٢) هذه الجملة قطعة من حديث مطول أخرجه عبد الرزاق في " مصنفه " (٩٧٢٠) عن معمر، عن الزهري، عن عروه بن الزبير، عن مسور بن مخرمة ومروان بن الحكم. وأخرجه ابن حبان في " صحيحه " (٤٨٧٢) والبيهقي في " دلائل النبوة " ٤/ ٩٩ - ٨ - ١ من طريق عبد الرزاق بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري (٢٧٣١) و(٢٧٣٢)، وأحمد ٣٢٨، والبيهقي في " السنن " ٩/ ٢١٨ - ٢٢١ من طريق عبد الرزاق به. لكن لم ترد عندهم هذه الجملة. قلت: قال السهيلي في " الروض الأنف " ٤/ ٣٧ تعليقًا على قول عمر هذا: وفي هذا أن المؤمن قد يَشُكُّ، ثم يُجَدِّدُ النظر في دلائل الحق، فيذهب شَكُّه، وقد روي عن ابن عباس أنه قال: هو شيء لا يسلم منه أحد، ثم ذكر ابن عباس قول إبراهيم ﵇: ﴿ولكن ليطمئن قلبي﴾ والشك الذي ذكره عمر وابن عباس: ما لا يُصِرُّ عليه صاحبه، وإنما هو من باب الوسوسة التي قال ﵇ مخبرًا عن إبليس: الحمد لله الذي ردَّ كيده إلى الوسوسة. قلت: وفي رواية ابن إسحاق كما في " سيرة ابن هشام " ٣/ ٣٣١: فكان عمر يقول: ما زلت أتصدَّق وأصوم وأصلي وأعتِقُ من الذي صنعت يومئذ، مخافة كلامي الذي تكلمت به حتى رجوت أن يكون خيرًا.
[ ٨ / ١٤٧ ]
المقارنة بين حرب علي لخصومه وصلح الحسن لهم
شريعة، وإنما هو طبيعة، ومِنْ أعجبِه وأوضحِه قضيَّة موسى والخضر، ولاختلاف الناس في ذلك قال علي ﵇: لا تحدثوا الناس بما لا تحتمله عقولهم، أتحبُّون أن يكذب الله ورسوله؟! رواه البخاري (١).
ولا آمَنُ أن يكون في كتابي هذا شيء من هذا بالنسبة إلى بعض الناس، فالله المستعان.
وفي حديث عبد الله بن مسعود وقد حكى اختلاف الصحابة في يوم بدرٍ فيما يصنع، فقال رسول الله - ﷺ -: " إن الله لَيُلِينَ قلوب رجالٍ فيه حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليُشَدِّدُ قلوب رجالٍ فيه حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم، قال: ﴿وَمَنْ عَصَانِي فإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٢٦]، وكمثل عيسى قال: ﴿وإن تغفر لهم فإنك أنت العزير الحكيم﴾ [المائدة: ١١٨]، وإن مَثَلَكَ يا عمر كمثل نوحٍ قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، وكمثل موسى قال: ﴿ربنا اطمس على أموالهم واشدُدْ على قلوبهم﴾ الآية إلى: ﴿العذاب الأليم﴾ [يونس: ٨٨]، وهو من حديث ولده أبي عُبيدة رواه أحمد (٢)، وهو الحديث العشرون من " جامع المسانيد ".
وكذلك حربُ علي وصلح الحسن ﵉ وعلي أفضل من الحسن (٣) بالإجماع، وقد صح الخبر بالثناء على فعل الحسن بالسِّيادة في فعله، وقد سُئِلْتُ عنه، فوقع لي -والله أعلم- أنه يحتمل أن فعل كل واحدٍ منهما
_________________
(١) تقدم تخريجه ٣/ ٣٥٠.
(٢) أحمد ١/ ٣٨٣ - ٣٨٤، ورواه أبو يعلى (٥١٨٧)، والطبراني في " الكبير " (١٠٢٥٨)، وصححه الحاكم ٣/ ٢١ - ٢٢، ووافقه الذهبي! مع أن أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه. وذكره الهيثمي في " المجمع " ٦/ ٨٦، وقال: رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني، وفيه أبو عبيدة، ولم يسمع من أبيه، ولكن رجاله ثقات.
(٣) " من الحسن " ساقطة من (ش).
[ ٨ / ١٤٨ ]
كان هو الأولى بالنظر إلى زمانه، ومراد الله تعالى في عقوبة من عاقبه بذلك أو رحمه، على أنها لا تخلو العقوبة من الرحمة، كالحدود، كما تقدم في الحدود عن علي ﵇ وعن عبادة، وكذلك قد اختلف طرائق السلف ومن بعدهم، خرَّج أبو داود في ذلك حديث عمرو بن أبي قرة، قال: كان حذيفة بالمدائن، وكان يذكر أشياء قالها رسول الله - ﷺ - لأناس من أصحابه في الغضب، فينطلق أناس ممن سمع (١) ذلك من حذيفة، فيأتون سلمان، فيذكرون له ذلك، فيقول: حذيفة أعلم بما يقول، وأتى حذيفة سلمان، فقال: ما يمنعك أن تصدقني؟ فقال سلمان: إن رسول الله - ﷺ - كان يغضب، فيقول في الغضب لناس من أصحابه، ويرضى، فيقول في الرضا لناسٍ من أصحابه، ثم قال لحذيفة: أما تنتهي حتى توقع اختلافًا وفُرقةً، ولقد علمت أن رسول الله - ﷺ - خطب، فقال: " أيُّما رجل من أُمتي سببته سبةً أو لعنته لعنةً في غضبي، فإنما أنا من ولد آدم، أغضب كما يغضبون، وإنما بعثني الله رحمة للعالمين، فاجعلها عليهم صلاة يوم القيامة ". والله لتنتهينَّ أو لأكتُبَنَّ إلى عمر. رواه أبو داود وخرجه ابن الأثير في " الفتن " (٢)، ورجاله ثقات، رواه في السنة (٣)، عن أحمد بن يونس، عن زائدة بن قدامة الثقفي، عن عمر بن قيسٍ بن الماصر، عن عمرو بن أبي قرة، عن سلمان -واسم أبي قرة سلمة- (٤).
ولقوله - ﷺ -: " أيُّما رجلٍ من أمتي سببته " .. إلى آخر الحديث شواهد كثيرةٌ عن أبي هريرة وجابرٍ وأنسٍ وعائشة وقد تقدم الكلام عليها (٥).
وهذا كالتفسير لما رواه ضمرة بن حبيبٍ، عن زيد بن ثابتٍ، عن رسول الله
_________________
(١) في (ش): " يسمع ".
(٢) من " جامع الأصول " ١٠/ ٦٠.
(٣) تحرف في (ش) إلى: " السند ".
(٤) أبو داود (٤٦٥٩)، وسنده قوي، ورواه أيضًا أحمد ٥/ ٤٣٧، والطبراني (٦١٥٦). من طريقين عن زائدة بن قدامة بهذا الإسناد.
(٥) انظر ص ٩١ و٩٢ من هذا الجزء.
[ ٨ / ١٤٩ ]
- ﷺ - أنه قال في حديث طويل: " اللهم ما صليتُ من صلاة فعلى من صلَّيتُ، وما لعنت من لعنةٍ، فعلى من لعنت، أنت وليي في الدنيا والآخرة، توفَّني مسلمًا وألحقني بالصَّالحين ". رواه أحمد والحاكم في " المستدرك " (١).
والمراد أن لا يتيع كل أحدٍ عورة أخيه ويحمله على شرِّ المحامل، فإن هذا هو الذي أفسد الدين والدنيا، فالله المستعان.
وإنما يجب منهم الجميع التأثيم لمن حسَّن ما فعله يزيد (٢) وأمثاله ورضي بذلك، كما قال رسول الله - ﷺ -: " ومن أنكر فعله بقلبه، فقد سَلِمَ، ولكن من رضي وتابع " (٣).
فأمَّا حين أجمعوا على فجور يزيد وفُسوقه وخروجه عن ولاية الله إلى عداوته، وإنما اختلف اختيارهم (٤) في الاستكثار (٥) من لعنه لغرضٍ صحيحٍ، فإنه صار مثل إجماعهم على أن الصلاة خير موضوعٍ وإنِ اختلفوا في الاستكثار (٥) منها، فهذا شيءٌ لا يصلح أن يُفرِّق الكلمة، وقد نهى الله سبحانه عن التفرق في كتابه الكريم، فوجب بذل الجهد والتَّوسُّل إلى عدمه بكلِّ
_________________
(١) أحمد ٥/ ١٩١، والحاكم ١/ ٥١٦ - ٥١٧، والطبراني في " الكبير " (٥٨٠٣) و(٤٩٣٢). وصححه الحاكم، وتعقبه الذهبي بقوله: أبو بكر (يعني ابن أبي مريم الغساني) ضعيف، فأين الصحة؟! وذكره الهيثمي في " المجمع " ١٠/ ١١٣، وقال: رواه أحمد والطبراني، وأحد إسنادي الطبراني رجاله وثقوا، وفي بقية الأسانيد أبو بكر بن أبي مريم، وهو ضعيف. قلت: وفي الإسناد الآخر عبد الله بن صالح كاتب الليث، وهو ضعيف أيضًا لسوء حفظه.
(٢) في (ش): " فعل يزيد ".
(٣) رواه أحمد ٦/ ٢٩٥ و٣٠٢ و٣٠٥ و٣٢١، ومسلم (١٨٥٤)، وأبو داود (٢٢٦٦) و(٤٧٦٠) من حديث أم سلمة أن رسول الله - ﷺ - قال: " إنه يستعمل عليكم أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برىء، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع "، قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: " لا، ما صلُّوا ".
(٤) في (ش): اختبارهم، وهو خطأ.
(٥) تحرف في (ش) إلى: " الاستنكار ".
[ ٨ / ١٥٠ ]
من كان مؤمنا على الاطلاق لا يجوز لعنه ولا قتله ولا إهانته ولا أذاه
ممكنٍ، ولذلك صنَّف محمد بن منصورٍ الكوفي في ذلك كتاب " الجملة والأُلفة "، ونقل فيه من أقاويل أهل (١) البيت ﵈ ما يكفي ويشفي، كما قررته في هذا الكتاب في مسألة القرآن من الكلام على مذهب أهل السنة في الصفات وسائر الاعتقاد (٢).
فتقرر بما ذكرنا عن الفريقين أن يزيد لا يُطلق عليه اسم الإيمان الشريف من غير تقييدٍ عند أحدٍ من الفريقين، ولا يدخل فيما يختصُّ به أهل الإيمان على سبيل التشريف لهم من التَّرحُّم والاستغفار الذي خُتِمَت به الصلاة، ويؤيد ذلك قولُه تعالى في صفة رسول الله - ﷺ -: ﴿ويؤمِنُ للمؤمنين﴾ [التوبة: ٦١]. أي: يُصدِّقهم، ويقبل روايتهم، وهذا يفيدُ توثيقهم وعدالتهم، ويزيد مجروح العدالة إجماعًا أما عند (٣) الشيعة والمعتزلة فظاهرٌ، وأما عند أهل الحديث، فنصَّ على ذلك أئمتهم، كالشافعي ومالكٍ وأحمد بن حنبل وأبي حنيفة كما قدمنا إسناد ذلك عنهم إلى العلامة الفقيه المحدِّث علي بن محمد الملقب عماد الدين كما أورده ابن خلِّكان في " تاريخه " المشهور في ترجمته، وكذلك ذكر ما يقتضي ذلك المتأخِّرون منهم، كالخطابي وأبي محمد بن حزم وابن دِحية، ونص عليه الذهبي الشافعي في كتابه " ميزان الاعتدال في نقد الرجال " الذي هو عمدتهم اليوم في نقد الرِّجال.
ومما يدلُّ على ذلك أن من كان مؤمنًا على الإطلاق، لم يَجُزْ لعنه ولا قتله ولا إهانته ولا أذاه، وأهل الفسوق والكبائر يجوز على بعضهم جميع ذلك، ويجوز على بعضهم بعض ذلك وقد تقدم دليل (٤) جواز لعنهم وبقية هذه الأحكام تجوز عليهم في بعض المواضع بالإجماع، فلا حاجة إلى التطويل بذكر الحجة (٥) على ذلك.
_________________
(١) في (د) و(ف): " ونقل فيه عن أهل البيت ".
(٢) هنا بياض في النسخ الثلاثة بمقدار أربعة أسطر.
(٣) " عند " ساقطة من (د) و(ش).
(٤) " دليل " ساقطة من (ش).
(٥) في (ش): " في الحجة ".
[ ٨ / ١٥١ ]
الوجه الثاني: إن دخول يزيد في عموم قوله تعالى: ﴿ألا لَعْنَةُ الله على الظالمين﴾ [هود: ١٨] وقول رسول الله - ﷺ -: " لعن الله من أحدث حدثًا ومن آوى محدثًا " (١). وفيما رُوِيَ عنه - ﷺ -: " لعن الله المتسلِّطَ بالجبروت ليُعِزَّ من أذل الله ويذلَّ من أعز الله، لعن الله المستحل ما حرَّم الله من عترتي " (٢) أقرب من دخوله في قول المصلين: اللهم اغفر للمؤمنين أو مساوٍ له، فكيف يجوز القطع بخروجه عن لعن الظالمين ودخوله في الاستغفار للمؤمنين؟ فما أبعدها لمن تأمل غضب رسول الله - ﷺ - على من عصى الله تعالى دون معاصي يزيد مثل غضبه على من وسم وجه الحمار حتَّى لعنه، ولعن الواشِمَة والنَّامِصَةَ، ومن أمَّ قومًا وهم له كارهون، ومن آوى محدثًا ونحوهم.
الوجه الثالث: أن الدعاء المشروع في الصلوات يحتمل أنه دعاء تشريفٍ وتعظيم، وهو نظير الدُّعاء للخلفاء الراشدين على المنابر، والفاسق لا يستحق ذلك، فكما أنه لا يحسُن ذكر الجبابرة من سُفَّاك دماء المسلمين مع الخلفاء الراشدين بالترحم والاستغفار، فكذلك لا يحسُنُ ذكر الفُجَّار والفُسَّاق بذلك في الصلاة عقيب ذكر رسول الله - ﷺ - وذكر آله وأزواجه وذرياته وإبراهيم خليله وآله صلوات الله عليهم أجمعين.
وقد ذكر الفقهاء هذا في كراهة الصلاة والسلام على غير الأنبياء من المؤمنين كما ذكر النووي في " الأذكار " (٣). وقد كره النبي - ﷺ - النظر إلى وحشي قاتل عمه حمزة بعد إسلام وحشي، وقال له: " إن استطعتَ أن لا أراك " (٤)، فهذا في حقِّ التائب من قتل عمِّه، كيف المصر على قتل ولده؟
فإن قلت: ويحتمل أنه دعاءُ رحمةٍ لعصاة المسلمين وشفاعةٍ وإغاثةٍ.
_________________
(١) صحيح، تقدم تخريجه ص ٨٩ من هذا الجزء.
(٢) تقدم تخريجه ٦/ ٤٦٧.
(٣) ص ١٩٥.
(٤) قطعة من حديث مطول أخرجه أحمد ٣/ ٥٠١، والبخاري (٤٠٧٢)، وابن حبان (٧٠١٧)، وانظر تمام تخريجه فيه.
[ ٨ / ١٥٢ ]
قلت: مع احتمال الوجهين، يمتنع القطع بتعيُّنِ أحدهما دون الآخر فيمتنع القطع بإرادة يزيد وجميع النواصب والروافض وأمثالهم وقصدهم شرع ذلك، والله أعلم، بل في " الصحيح " ما يدل على أنه دعاء تشريفٍ، وذلك ما ثبت في حديث ابن مسعودٍ المتفق على صحته، وفيه: وذكر عند قوله وعلى عباد الله الصالحين: فإنكم إذا فعلتم ذلك، فقد سلَّمتم على كل عبدٍ لله صالحٍ في السماء والأرض " (١)، فاختياره في التَّشهُّد لتعيين الصالحين بالذكر ونصه عليهم بوصفهم المميِّز لهم عمَّن هو أحوج منهم إلى ذلك من المذنبين من أهلِ الإسلام، دليلٌ إلى ذلك.
ويشبهُه قول الملائكة ﵈ مما (٢) حكى الله عنهم: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا﴾ الآية [غافر: ٧].
فإن قلت: الاستغفار لأهل المعاصي من المسلمين جائزٌ عند أهل السنة، فَلِمَ منعت من دخول أهل المعاصي في قول المصلي؟
قلت: لما بينته من تجويز أنه موضع تشريفٍ وتعظيمٍ للمذكور فيه مقرونًا برسول الله - ﷺ - وذريته، فلا يقطع أن يكون هذا المشرَّف المعظَّم هو المُحْدِثُ الذي لعنه رسول الله - ﷺ - في قوله: " لعن الله من أحدث حدثًا " وأمثاله مما مضى ذكره، وأما الاستغفار للعُصاة على غير هذا الوجه، فيجوز عند أهل الحديث والفقهاء، ولا يجوز عند بعض الشيعة والمعتزلة.
وذكر الحجج في المسألة مما لم تَعرِض إليه حاجةٌ هنا، ويوضِّح ذلك ما رواه مسلم وأبو داود عن أبي سعيدٍ الخدري ﵁ في قصة رجم ماعزٍ لما أقرَّ بالزِّنى فِرارًا من غضب الله، وطلبًا لمرضاته ببذل الرُّوح، وفي الحديث
_________________
(١) أخرجه أحمد ١/ ٤٣١، والبخاري (٨٣١) و(٨٣٥)، ومسلم (٤٠٢)، وابن حبان (١٩٤٨) و(١٩٥٠)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٢) في (ف): " كما ".
[ ٨ / ١٥٣ ]
مع هذه التوبة العظيمة، فما استغفر له رسول الله - ﷺ - ولا سبَّه. هذه رواية مسلم، وفي رواية لأبي داود: ذهبوا يسبُّونه، فنهاهم، قال: ذهبوا يستغفرون له فنهاهم، قال: " هو رجلٌ أصاب حسيبُه الله " (١).
فانظر كيف نهى عن الاستغفار لهذا الرجل مع بذله روحه لصدق توبته، كل هذا لزجر الخلق عن المعاصي، ولذلك خرَّج مسلم في هذا الحديث أنه - ﷺ - خطب بعد رجمه، وقال في خطبته: " أو كُلَّما انطلقنا غُزاةً في سبيل الله تخلَّف رجلٌ في عيالنا له نبيبٌ كنبيب التَّيس؟ ألا لا أُوتى برجُلٍ فعل ذلك إلا نَكَّلْتُ به " فكيف يقال بعد هذا: إنه في صلاته مشغولٌ بالاستغفار للمُصِرِّين على الفواحش؟ وهذا إغراءٌ لأهل الفواحش وتأنيسٌ لهم، وهو يناقض ما وردت به الشرائع من قطع الذرائع إلى الفساد والله أعلم.
وكذلك كان رسول الله - ﷺ - يترك الصلاة على من عليه دينٌ، ولم يترك له قضاء، وذلك (٢) لما في الصلاة عليه من الاستغفار له والإيناس، هذا مع أنه أخذ مال الغير برضاه، فكيف بدماء المسلمين ونفوسهم عمدًا وعبثًا وجُرأةً؟ وأحاديث الدَّيْنِ صحيحةٌ شهيرةٌ، منها: عن أبي هريرة وخرجاه والترمذي والنسائي (٣).
وعن سلمة بن الأكوع عند البخاري والنسائي (٤)، وعن أبي قتادة عند الترمذي والنسائي (٥).
_________________
(١) انظر ١/ ٢٦٠.
(٢) " وذلك " ساقطة من (ف).
(٣) البخاري (٥٣٧١) و(٦٧٣١)، ومسلم (١٦١٩)، والترمذي (١٠٧٠)، والنسائي ٤/ ٦٦، ورواه أحمد ٢/ ٤٥٣، وابن حبان (٣٠٦٣)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٤) البخاري (٢٢٨٩) و(٢٢٩٥)، والنسائي ٤/ ٦٥، ورواه أيضًا أحمد ٤/ ٤٧ و٥٠، وابن حبان (٣٢٦٤).
(٥) الترمذي (١٠٦٩)، والنسائي ٤/ ٦٥، وابن ماجه (٢٤٠٧)، وأحمد ٥/ ٢٩٧ و٣١١، وصححه ابن حبان (٣٠٥٨) - (٣٠٦٠).
[ ٨ / ١٥٤ ]
وكذلك حديث الثلاثة المخلَّفين، وهو متفق عليه (١) وهذا كلُّه لما في التخويف قبل الموت وخطوره من المصلحة، وأما ما خرَّجه البخاري من حديث أبي هريرة، والنسائي وأحمد من حديث عمران بن حذيفة عن ميمونة (٢)، عن النبي - ﷺ -: " إن من أخذ أموال الناس يريد قضاءها، أدَّى الله عنه " (٣).
وزادت ميمونة " في الدنيا والآخرة، ومات على ذلك ".
وأما ما خرج مسلم وأبو داود من حديث بريدة عنه - ﷺ - أنه أمر بالصلاة على العامرية، وقال: " لقد تابت توبة لو تابها صاحِبُ مَكْسٍ، لغُفِرَ له " (٤).
وكذلك أخرج مسلم وأبو داود حديث بريدة أنه - ﷺ - جلس بعد يومين أو ثلاثة، فقال: " استغفروا لماعزٍ، لقد تاب توبةً لو قسمت بين أُمتي لوسِعَتْهُم " (٥).
فهذا حجة لما ذكرت (٦) أنه استغفارٌ شريفٌ، لأن التائب المخلص مغفورٌ له فصحَّ أنه لا يُستحبُّ الاستغفار لأهل الإصرار المغصوب عليهم، خصوصًا ظلمة المسلمين وقاتلي الصالحين.
الوجه الرابع: أنهم لو كانوا داخلين في ذلك العموم، لَحَسُن ذكرُهم بالنَّصِّ على أسمائهم وأوصافهم، إمَّا في الصلاة، أو عقيب كل صلاةٍ، وكان يلزم أو يُستحبُّ للإنسان أن يترحَّم ويُرَضِّي في كل صلاةٍ أو عقيب كلِّ صلاة على قاتل عمر وقاتل عثمان وعلى من لعن أبا بكر وعمر من الروافض، وعلى جميع سَفَلَةِ
_________________
(١) انظر البخاري (٤٤١٨)، ومسلمًا (٢٧٦٩)، وابن حبان (٣٣٧٠).
(٢) في الأصول: وأما ما أخرجه البخاري من حديث عمران بن حذيفة، والنسائي وأحمد من حديث ميمونة، وهو خطأ.
(٣) أخرجه البخاري (٢٣٨٧)، وحديث ميمونة أخرجه أحمد ٦/ ٣٢، والنسائي ٧/ ٣١٥، وكذا أخرجه ابن ماجه (٢٤٠٨)، وابن حبان (٥٠٤١).
(٤) تقدم تخريجه ١/ ٢٦٠.
(٥) تقدم تخريجه ١/ ٢٦٠.
(٦) في (ش): " على ما ".
[ ٨ / ١٥٥ ]
لا يجوز لعن والدي رسول الله - ﷺ -
العُصاةِ من الفاعلين والمفعول بهم المتشبهين (١) بالنساء الذين لعنهم رسول الله - ﷺ - ويَقْرُنَهُمْ بالنبي - ﷺ -، ويُسميهم بأوصافهم الخبيثة، ويذكرهم في الصلوات والخطب والمجامع الشريفة، فيقول القائل في الصلاة أو خطيب (٢) الجمعة: اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آل محمد وعلى من قال لا إله إلاَّ الله ممن أحدث حدثًا، أو آوى محدثًا أو غيَّر منار الأرض، أو لعن والديه، أو تشبَّه بالنساء، وأُتي كما تُؤتى النِّساء، أو قتل وليًّا لك، أو انتهك محارمك، وتعدَّى حُدودَك، وضيَّع عُهودك، ويستمرُّ على ذلك وعلى التَّرحُّم على من سبَّ (٣) الصديق والفاروق ﵄، والمعلوم أن ذلك قبيحٌ، لأنهم ليسوا أهلًا لاستحقاق ذلك، ولِما يؤدِّي إليه من التُّهمة بالرفض، فكذلك الترحم على قاتلِ عليٍّ ﵇، وقاتل الحسين وسابِّهما قبيح لمثل ذلك.
الوجه الخامس: أنه لا يجوز أن يلعن والدي رسول الله - ﷺ - بعد كلِّ صلاةٍ، ولا كل خُطبة، ولا في بعض الأحوال، لما في ذلك من سُوء الأدب على رسول الله - ﷺ -، بل لا يجوز أن يُؤذي مؤمنٌ بمثل ذلك في والديه، وإن علم موتهما كافرين، لأن أذيَّة المؤمن حرامٌ، فكذلك لا يجوزُ أن يؤذى رسول الله - ﷺ - وأهل بيته ومحبُّوهم (٤) من صالحي المؤمنين بالترحم على يزيد، وإن فرضنا أن الترحم على الفُسَّاق جائزٌ، ولو أن بعض الجبارين قتل ولدَ بعض المومنين عدوانًا، وكان الترحم على القاتل يؤذي ذلك المؤمن لَحَرُمَ أذاه بذلك، فتأمل ذلك.
وحاصله أن المُباح قد يقبح لما يقترن به من المفاسد، ولذلك قال الله تعالى: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة: ١٠٤]، ومعناهما واحد، وأمثالُ ذلك كثيرةٌ، فهذا في حقِّ من يستبيحُ ذلك، فكيف بذلك في حقِّ مَنْ لا يستبيحه؟
_________________
(١) في (ش): " من المتشبهين ".
(٢) في (ف): " أو في خطبة الجمعة ".
(٣) في (ش): " يسب ".
(٤) في (ف): " ومحبيهم "، وهو خطأ.
[ ٨ / ١٥٦ ]
الوجه السادس: أن رسول الله - ﷺ - لو كان حيًا، لعظُم حزنُه على ولده (١) الحسين ﵇، كما عَظُمَ حزنه على عمه الحمزة بن عبد المطلب ﵁، فكره النظر إلى وجه قاتله بعد إسلامه من بين سائر من أسلم من الكفار، وقال: " لكنَّ الحمزة لا بَواكِيَ له "، فبكته نساء الأنصار (٢)، بل الشفقة على الولد أعظم، والقلب له أرق وأرحم، والمعلوم أنه لو حضر رسول الله - ﷺ -، لكان العزاء في الحسين ﵇ إليه، فانظر أيها المنصف: هل يحسن من المُعزِّي لرسول الله - ﷺ - أن يشتغل بالترحم والاستغفار لقاتل الحسين مواجهًا بذلك لرسول الله - ﷺ -، فمن كان يستحسن هذا في الأدب أو الشرع أو العقل، فليس من المميزين، ومن كان يستقبح ذلك، فليتأدب مع رسول الله - ﷺ - بعد موته كما يتأدب معه في حياته، ويتصوَّر أنه في حضرة رسول الله - ﷺ -، وحضرة يزيد الخبيث، ورأس الحسين مقوَّرٌ مشوَّهٌ منصوبٌ على عُودٍ، ويزيد يضحك ويستبشر، فكيف يستطيع مسلم في هذه (٣) الحال أن يواجه رسول الله - ﷺ - بالترحم والترضية على يزيد، وهي حالة غضب لرسول الله - ﷺ - من وجهين:
أحدهما: لِمَا فيها من عظم عصيان الله بقتل سيد شباب أهل ولايته في جنته.
وثانيهما: لما فيها من الاستهانة برسول الله - ﷺ - بالتعدِّي على ولده وريحانته، فكيف يقول بعد هذا: إنه يُستحب أن يقرن في كلِّ صلاه بين ذكرِ رسول الله - ﷺ - وذكر ذريته الذين أوجب الله وُدَّهُم، وذكر أعدى عدو لله ورسوله، قاتل سلفه، وسلف سلفه، وثالم أمر أُمته بعد استقامته بنصِّ رسول الله - ﷺ -،
_________________
(١) " ولده " ساقطة من (ف).
(٢) حديث حسن أخرجه أحمد ١/ ٤٠ و٨٤، وابن سعد ٣/ ١٧، وابن ماجه (١٥٩١)، والحاكم ٣/ ١٩٤ - ١٩٥ من طريق أسامة بن زيد الليثي، عن نافع، عن ابن عمر، وصححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وكذا صححه ابن كثير في " تاريخه " ٤/ ٤٩ على شرط مسلم، مع أن أسامة بن زيد روى له مسلم في الشواهد، وهو حسن الحديث.
(٣) في (ش): " هذا ".
[ ٨ / ١٥٧ ]
ولقد توجَّع رسول الله - ﷺ - من يزيد قبل وجوده، وتأوَّه مِنْ قتلِه لِسلفِه كما ورد في الحديث (١).
رحم الله مسلمًا غَضِبَ لغضب رسول الله - ﷺ - وشاركه في حزنه على ولده، ولَزِمَ الأدب بترك الترحم على عدو رسول الله - ﷺ -.
فهذا الكلام انسحب على سبب ذكر مذاهب أهل الحديث في خلافة الجائر، وأنهم يقولون بجواز الخروج على مثل يزيد والحجاج، وإنما اختلفوا في الخروج على من تكون المفسدة في الخروج عليه أعظم من الفساد في ظلمه.
والكلام في يزيد في هذه المسألة لا يحتمل التطويل في أكثر الأزمان والبلدان، ولكن احتجت إليه في زماني ومكاني، ولن يخلو من فائدة إن شاء الله تعالى (٢)، وبهذا تم الكلام في الفصل الثاني.
وقال الذهبي في " النبلاء " (٣) في ترجمة زيد بن علي ﵇: خرج متأوِّلًا، وقتل شهيدًا ﵀ (٤).
_________________
(١) انظر ص ٣٥ و٩٧ من هذا الجزء.
(٢) من قوله: " والكلام في يزيد " إلى هنا سقط من (ف).
(٣) ٥/ ٣٩١.
(٤) جاء في هامش الأصول الثلاثة ما نصه: وفي " العبر " (١/ ١١٨) للذهبي في سنة إحدى وعشرين ومئة: قتل زيد بن علي بن الحسين بن علي ﵉ بالكوفة، وكان قد بايعه خلقٌ كثير، وحارب متولِّي العراق يوسف بن عمر، فظفر به يوسف، وبقي مصلوبًا أربع سنين، ولما خرج أتاه طائفة كبيرة وقالوا: تبرّأ من أبي بكر وعمر حتى نبايعك. فقال: بل أتبرأ ممن تبرأ منهما، فقالوا: إذًا نرفضك. فمن ذلك الوقت سُمُّوا الرافضة، وسميت شيعته الزيدية، روى عن أبيه وجماعة، وروى عنه شعبة. قال الصفدي في " شرح لامية العجم " في تعداد المصلوبين: وزيد بن علي بن الحسين =
[ ٨ / ١٥٨ ]
وقال في كتابه " الكاشف " (١): إن زيدًا استشهد. فنص على (٢) أنه شهيد، ولو كان باغيًا عنده، لم يكن شهيدًا، ويدلُّ على هذا أن الذهبي لم يذكره في " الميزان "، وقد شرط أن يذكر فيه كل من تكلَّم فيه ممَّن له روايةٌ بحقٍّ أو باطلٍ، لئلاَّ يُستدرك على كتابه (٣).
قال (٤): وما يضرُّ الثقات حكاية ما قيل فيهم، قال: وقد بني الكلام فيه على ترك المراهنة فلم يذكر فيه زيد بن علي مع أنه من رجال الترمذي وأبي داود وابن ماجه على أنه قلّ من يتكلم فيه بباطل حتى إنه ذكر أُويسًا (٥) القرني والثوري والصادق وأبا حنيفة (٦) وابن معين وأمثالهم، وذكر ما قدح به فيهم، ولم يذكر زيدًا ألبتة، وذكره بالتوثيق في كتاب " التذهيب " (٧) في رجال الكتب الستة، وكذلك شيخه المزي (٨) ذكر توثيقه، ولم يذكر فيه قدحًا.
_________________
(١) = ﵉، صلبه يوسف بن عمر في ولاية هشام، وبقي معلقًا أربعة أعوام، ثم أُنزل وأُحرق، لا حول ولا قوة إلاَّ بالله العلي العظيم. ويحيى بن زيد بن علي بن الحسين المذكور صلب في أيام الوليد بالجوزجان، ولم يزل مصلوبًا حتى جاء أبو مسلم، فأنزله وواراه وصلى عليه، وأخذ كل من خرج إلى قتاله بعد أن تصفح الديوان، فقتل كل من كان في بعثه إلاَّ من أعجزه، وسود أهل خراسان ثيابهم إذ ذاك، فصار شعارًا لبني العباس، وأمر بإقامة المآتم عليه ببلخ، وقرؤوا سبعة أيام، وأناح عليه النساء، وكل من ولد في تلك السنة من الأولاد والأعيان سموه يحيى.
(٢) ١/ ٢٦٧.
(٣) " على " ساقطة من (ش).
(٤) انظر " ميزان الاعتدال " ١/ ٢.
(٥) " الميزان " ١/ ٣.
(٦) في الأصول: " أويس "، وهو خطأ.
(٧) ترجمة أبي حنيفة ﵀ لا وجود لها في نسخ الميزان الموثوقة المتقنة التي قرئت على المؤلف أكثر من مرة، والترجمة التي في المطبوع منه مما دسَّه بعضُ الحاقدين على الإمام ﵀. انظر تفصيل ذلك في ما علّقه الشيخ العلامة المفضال عبد الفتاح أبو غدة على " الرفع والتكميل " ص ١٢١ - ١٢٧، فإنه أوفى على الغاية.
(٨) ٢٥٤/ ١.
(٩) في " تهذيب الكمال " ١٠/ ٩٥ - ٩٦.
[ ٨ / ١٥٩ ]
وقال الذهبي في " الميزان " (١) في ترجمة زياد بن أبيه قال ابن حبان في " الضعفاء " (٢): ظاهر (٣) أحواله المعصية، وقد أجمع أهل العلم على تركِ الاحتجاج بمن كان كذلك.
وفي " الحدائق " (٤) في ترجمة إبراهيم بن عبد الله بن الحسن: أن قومًا جاؤوا على شُعبة، فسألوه عنه، فقال شعبة: يسألون عن إبراهيم ومن القيام معه لهو عندي بدر الصغرى، وروينا عنه ﵀ أنه لما بلغه قتله، قال: لقد بكى أهل السماء على إبراهيم بن عبد الله ﵇، إن كان مِنَ الدِّين لبمكان. انتهى بحروفه.
وحُكِيَ عن أبي حنيفة أن غزوة معه بعد حجة الإسلام أفضل من خمسين حجة.
وقال الذهبي في ترجمة عبد الملك بن مروان من " الميزان " (٥): أنَّى له العدالة وقد سفك الدماء، وفعل الأفاعيل.
وذكر الذهبي في " تذكرة الحفاظ " (٦) في الطبقة الخامسة في مناقب ابن أبي ذئب، واسمه محمد بن عبد الرحمن أحد فقهاء المدينة، قال أحمد: هو أورعُ وأقومُ بالحق من مالك، دخل على المنصور فلم يمهله أن قال له الحق، وقال: الظلم ببابك فاشٍ، وأبو جعفر أبو جعفر!
_________________
(١) ٢/ ٨٦.
(٢) ١/ ٣٠٥.
(٣) ساقطة من (ف).
(٤) هو" الحدائق الوردية في مناقب أئمة الزيدية " لحميد بن أحمد بن محمد بن عبد الواحد المحلي الوادعي الهمداني المتوفى سنة ٦٥٢، وانظر ٣/ ٢٨٨.
(٥) ٢/ ٦٦٤.
(٦) ١/ ١٩٢، وما بين حاصرتين منه.
[ ٨ / ١٦٠ ]
قال أبو نعيم: حججتُ عام حج أبو جعفر ومعه ابن أبي ذئب ومالك، فدعا ابن أبي ذئبٍ، فأقعده معه على دارِ النَّدوة، فقال له: ما تقول في الحسن بن زيد -يعني ابن الحسن بن علي بن أبي طالب- فقال: إنه ليتحرَّى العدل، فقال: ما تقول فيَّ؟ وأعاد عليه، فقال: وربِّ هذه البينة إنك لجائر. قال: فأخذ الربيع بلحيته فقال [له أبو جعفر]: يا ابن اللّخناء، كفَّ، وأمر له بثلاث مئة دينار.
ودخل المهدي مسجد المدينة وهو فيه، فلم يَقُمْ له، فقيل له، فقال: إنما يقوم الناس لرب العالمين. فقال المهدي: دعوه، فقد قامت كل شعرة في (١) رأسي.
وقال الهيثمي في " مجمع الزوائد " (٢): باب فتنة الوليد، ورُوِيَ عن عمر بن الخطاب، قال: وُلِدَ لأخي أُمِّ سلمة زوج النبي - ﷺ - غلامٌ، فسمَّوه الوليد، فقال النبي - ﷺ -: " سمَّيتُموه بأسماء فراعنتهم، لَيَكُونَنَّ في هذه الأمة رجلٌ يقال له: الوليد، لهو أشرُّ على هذه الأُمة من فرعون لقومه " رواه أحمد بن حنبل في " مسنده "، وقال الهيثمي الشافعي: رجاله ثقات (٣).
_________________
(١) في (ش): " من ".
(٢) ٧/ ٣١٣.
(٣) حديث ضعيف، بعض الحفاظ وضعه، وقد تقدم تخريجه ٣/ ٢١٦.
[ ٨ / ١٦١ ]
شروط الإمامة العظمى
الفصل الثالث
إن السيد جَهِلَ موضع الخلاف بيننا وبين الفقهاء في هذه المسألة، فإن الفقهاء لم يخالفوا الزيدية في شروط الإمامة كلها إلاَّ في النسب، فمذهبهم فيه كمذهب المعتزلة، وإنما خالفوا في مسألةٍ ثانيةٍ تَعَلَّقُ بالنظر في المصالح بعد التسليم لتحريم نصب الفاسق إمامًا، والقول بأنَّه إذا تغلَّب وصار إمامًا بالسيف، فإنه عاصٍ لله تعالى، وغير خافٍ على من له أدنى تمييزٍ أن من أحلَّ شيئًا للضرورة، دلَّ اشتراطه الضرورة في جوازه على أنه حرامٌ عنده، ألاَّ ترى أن الجميع يُجيزون أكل الميتة عند الضرورة، بل كلمة الكفر، وليس في ذلك ما يُسَوِّغُ نسبة جواز الكفر وأكل الحرام إلى جميع أهل الإسلام، وقد قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْه﴾ [الأنعام: ١١٩]-أي: فلم يحرِّمه- فالفقهاء جَرَوْا على القياس في القول بإمامة الجائر عند الضرورة، وفي ذلك أعظم دلالة على تحريم إمامة الجائر عندهم، وأنا أذكرُ نصوصهم في شروط الإمامة، ثم أذكر محل الخلاف.
أمَّا نصوصهم على الشروط، فقال ابن عبد البر في " التمهيد " (١) ما لفظه:
وقد أجمع العلماء على أن الإمام يجب أن يكون أفضل أهلِ وقته حالًا، وأكملهم خِصالًا، إلى آخر كلامه في ذلك، ذكره في الكلام على حديث مالك عن (٢) عبد ربه بن سعيد، عن عمرو بن شعيب (٣)، وذكره صاحب " التَّنضيد " في باب الغلول.
_________________
(١) ٢٠/ ٣٩.
(٢) تحرف في (ش) إلى: " بن ".
(٣) انظر " الموطأ " ٢/ ٤٥٧ - ٤٥٨.
[ ٨ / ١٦٣ ]
وقال النواوي في " الروضة " (١) ما لفظه: شروط الإمامة أن يكون الإمامُ مكلَّفًا، مسلمًا، عدلًا، حُرًَّا، ذكرًا، عالمًا، مجتهدًا، شُجاعًا، ذا رأي وكفايةٍ، سميعًا بصيرًا، ناطقًا قُرشيًّا، ومثله نصَّ عليه العمراني في " البيان " (٢)، بل قال النواوي في " الروضة " (٣) في كتاب الزكاة: يشترط في الساعي كونه مكلفًا، مسلمًا، عدلًا، حرًا، فقيهًا بأبواب الزكاة، إلى آخر كلامه في ذلك.
وقال القاضي عياض: لا تنعقِدُ الإمامة لفاسقٍ ابتداءٌ، حكاه عن القاضي عياض النفيس العلوي (٤).
وهذا كما ترى في تحريم إمامة الفاسق، ولا أعلم أحدًا من الفقهاء جوَّز الرضا بها، ولا رخَّص في الاختيار لها، وكل من طالع كتبهم الكبار بِحُسْنِ معرفةٍ وذكاءٍ وإنصافٍ، عرف ذلك، وقد أشار إلى ذلك الإمام المهدي لدين الله إبراهيم بن تاج الدِّين أحمد بن بدر الدِّين محمد بن أحمد بن يحيى بن يحيى بن الهادي ﵈ (٥)، في دعوته إلى الملك المظفّر، وفيها ما لفظه: هذا والجهابذة مِنْ أتباع الحبر العلاّمة محمد بن إدريس الشافعي ﵁ يقولون: إنه لا بُدَّ في الأُمَّة مِنْ قائمٍ بأمر الإسلام من حقِّه بعد المنصب أن يكون جامعًا للفضائل، منزّهًا عن الرذائل. انتهى كلامه ﵇، وهو أعدلُ شاهدٍ لهم، وأصدق مخبرٍ عنهم، لا سيَّما وقد صدر به إليهم، واحتجَّ به
_________________
(١) ١٠/ ٤٢.
(٢) في فقه الشافعية، للإمام يحيى بن أبي الخير العمراني. انظر ٢/ ١٢٧.
(٣) ٢/ ٣٣٥.
(٤) وانظر " شرح مسلم " ١٢/ ٢٢٩.
(٥) ترجمَهُ السيد إبراهيم بن القاسم المؤيد بالله في " طبقات علماء الزيدية " ورقة ٤، فقال: دعا بعد موت عمِّه الحسن بن بدر الدين آخر سنة سبعين وست مئة وبايعه علماء وقته، ولم يزل قائمًا بأمر الله حتَّى أسره الملك المظفر يوم الجمعة نصف شهر جمادى الأولى سنة أربع وسبعين وست مئة في أفق -بفتح الهمزة- من مغارب ذمار، ثم سجنه في تعز، ولم يزل به حتى توفي في صفر سنة ثلاث وثمانين وست مئة.
[ ٨ / ١٦٤ ]
عليهم، فليس يروي عنهم مذهبًا لهم، ويرسلُ به إليهم، وليس بصحيحٍ عنهم لِمَا في ذلك من التعرض (١) للتكذيب، والبغض في العاجلة والآجلة (٢) وهذا واضحٌ ولله الحمدُ.
وأما بيان موضع الخلاف، فاعلم أن الفقهاء إنما تكلموا في موضعين:
الموضع الأول: قال الفقهاء (٣): إذا تغلَّب الظالم، وغلب على الظن أن الإنكار يُؤدِّي إلى منكر أكبر مِنَ الذي أُنكِرَ عليه، لم يحلَّ الإنكار عليه، فلهذا منعوا من الخُروج على كثيرٍ من الظلمة لأجل ذلك، وهذا مما لا ينبغي أن يكون خلافُ إجماع العترة ﵈، بل هذا هو المنصوص في كتبنا، وقد أشار المؤيد بالله في " الزيادات " إلى اختلاف أهل البيت في الخروج على الظلمة، فقال في مسائل الاجتهاد: وكذلك خروج الأئمة مثل زيد بن علي ﵇، كان رأيه أن الخروج أولى، وكان جعفر بن محمدٍ ﵇ رأيه بخلاف ذلك، حتَّى كتب إليه بترك الخروج، ورأي الحسن بن علي تركه (٤)، ورأي الحسين بن علي خلافه (٥). انتهى بحروفه.
وهو يدلُّ على أنها اجتهاديةٌ عنده، ولذلك ذكرها في مسائل الاجتهاد، وعطفها عليها.
وفي " الجامع الكافي " في مذاهب الزيدية، قال محمد بن منصور: قلت لأحمد بن عيسى ﵇: إذا فعل الإمام معصيةً كبيرةً، تزول عنه إمامته؟ قال: تزول عنه إمامة الهدى، ويبقى العقد الذي ثبت (٦) من أحكامه ما وافق الحق إلى وقت ما يتنحى، لو أن رجلًا لم يبايع له، ولم يعقد له، أقام الحد فمات المحدود، كان ضامنًا، والجائر الذي زالت عنه إمامة الهدى، إذا فعل
_________________
(١) في (ش): " التعريض ".
(٢) " والآجلة " ساقطة من (ف).
(٣) عبارة " قال الفقهاء " ساقطة من (ف).
(٤) في (ش): " على تركه ".
(٥) في (ف): " على خلافه ".
(٦) في (ش): " يثبت ".
[ ٨ / ١٦٥ ]
مثل هذه الأشياء، لم يضمن، ولم يتبع بشيء وهو في معنى كلام الفقهاء، وقد قرره محمد بن منصور، ولم يورد عن أحدٍ من أهل البيت ﵈ خلافه مثل عادته إذا اختلفوا، وكذا السيد الإمام الحسني المصنِّف لم يذكر خلافًا في هذا المعنى بين ذلك الصدر الأول.
أشار الأمير الحسين بن محمد في " شفاء الأوام " إلى أنه قول أحمد بن عيسى وغيره من أهلِ البيت، ذكره فيما يأخذه السُّلطان الجائر كُرهًا من الزكاة، وذكر أنه لا يجزىء عند الأكثر منهم ﵈، لأن ذلك يرجِعُ إلى الولاية، ولا ولاية للجائر، قال: وذهب بعضُهم إلى أنه يُجزىء، وبه قال أحمد بن عيسى ﵇. رواه عنه في كتاب " العلوم ". انتهى بلفظه من كتاب " شفاء الأوام ".
وأنا أذكر ما يدلُّ على هذا من كلام الفقهاء، فمن ذلك كلام الجويني (١) المقدم، فإنه نص فيه على أنه إذا أمكن كفُّ يدِ الظالم المصرِّ المتهتِّك وتوليةُ غيره بالصِّفات المعتبرة، فالبدار البدار، وإن لم يمكن ذلك -لاستظهاره بالشوكة- إلاَّ بإراقة الدماء، ومُصادمة الأهوال، فالوجه أن يُقاس ما الناس مدفوعون إليه منقلبون بما يفرض وقوعه -إلى آخ كلامه-.
وهذا ظاهرٌ في المعنى الذي أردته، فإنه أوجب عند التمكن نصب إمامٍ على الصفات المعتبرة بهذا اللفظ، فدلَّ على معرفتهم للإمامة ولصفاتها (٢) المعتبرة، وأنهم إنَّما تكلَّموا في الضروره، ودفع (٣) ما يتوقع من الفتن العظام بالصبر على ما هو أهون منها.
ولهذا قال الجويني: إن المفسدة إذا كانت أكبر بالقيام عليه، تعيَّن الصبر والابتهال إلى الله تعالى، ولو (٤) كان يعتقد أنه إمام حقٍّ، لم يذكر الابتهال إلى
_________________
(١) انظر " غياث الأمم " ص ١١٠.
(٢) في (د): " ولصفاتهم "، وفي (ف): " وبصفاتها ".
(٣) في (ش): " ووقع ".
(٤) في (ف): "فلو".
[ ٨ / ١٦٦ ]
الله تعالى في كشف ما بالمسلمين من المضرة الحاصلة بولاية الجائر، وهذا هو الظاهر من فعل بعض أئمة أهل البيت ﵈، مثل الإمام محمد بن القاسم بن علي بن عمر بن زين العابدين علي بن الحسين بن علي ﵈، كان من دُعاتهم ﵇، لكنه كان في الطالَقَان، فليس له ذكر ولا لعلومه ومذاهبه وأخباره، ذكره ابن حزم في " جمهرة النسب " (١) فقال: كان فاضلًا في دينه، يميل إلى الاعتزال، قام بالطَّالَقان، فلما رأى الأمر لا يتم له إلا بسفك الدِّماء، هرب واستتر إلى أن مات. انتهى.
ولولا (٢) أنه يستحلُّ ذلك لم يحل له (٣) ترك الإمامة، بل قد ذكر المؤيَّدُ بالله أن هذا هو رأي الحسن بن علي بن أبي طالب كما تقدم، وقد اشتهر عنه (٤) وقلت فيه:
أعاذلُ دعني أُرِي مُهْجَتِي أزوفَ الرحيل ولُبْسِ الكَفَنْ
فإن كنتَ مقتديًا بالحسينِ فلي قدوةٌ بأخيه الحَسَنْ
وعندي أنهما لم يختلفا ﵉، بل كلٌّ منهما عمل بظنِّه فيما يؤدي إليه الاستمرار، بل قد رُوِيَ عن الحسين بن علي ﵇ إنه عرض عليهم عند قتله الإعراض عنهم، فلم يقبلوا.
وقال النواوي (٥) ما لفظه: وسبب عدم انعزاله وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن وإراقة الدماء، وفساد ذات البين، فتكون المفسدة في عزله أكثر (٦) منها في بقائه، وقد تقدم قول القاضي عياض: إنه يجب القيام عليه، ونصب إمامٍ عادلٍ إن أمكن ذلك، وقوله: فإن تيقَّنُوا العجز لم يجب القيام، وليهاجر المسلمُ عن أرضه، ويفرَّ بدينه.
_________________
(١) ص ٥٣ - ٥٤.
(٢) في (ش): "ولو"، وهو خطأ.
(٣) " له " ساقطة من (ش).
(٤) قوله: " وقد اشتهر عنه " ساقط من (ف).
(٥) في " شرح مسلم " ١٢/ ٢٢٩.
(٦) في (ف): " أكبر ".
[ ٨ / ١٦٧ ]
تجويز أهل السنة الخروج على من قطع الصلاة، وأبطل أمر الجهاد، ولم يلتفت على إنصاف المظلوم
بحث في أخذ الولاية من أئمة الظلم عند الضرورة إلى ذلك
ويدل على هذا تجويزهم للخروج على من قطع الصلاة، وأبطل أمر الجهاد، ولم يلتفت على إنصاف مظلوم البتة، كما ذكره ابن بطال والجويني لما كان الغالب أنَّ المضرَّة في القيام على من هذا حاله أقل من مضرة تركه، فهذه نصوصهم دالة على كراهتهم للجائر ولولايته، ومعرفتهم بوجوب النهي عن المنكر وغير ذلك، وأنهم إنما قصدوا حقن دماء المسلمين، وأن السيد أعظمَ الجناية عليهم حيث قال: إنهم يصوِّبُون أئمة الجور في قتل الذين يأمرون بالقسط من الناس، وإنما قصدوا نحوًا مما قصده هارون ﵇ حيث قال: ﴿إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيل﴾ [طه: ٩٤] من رعاية الأصلح، ولأنهم ما قصدوا إلاَّ حقن دماء الذين يأمرون بالقسط من الناس، فعكس السيد نصوص مذهبهم لما لم يفهم حقيقة، مقصِدِهم، وفي المثل: أساء سمعًا فأساء إجابة.
الموضع الثاني: وهو محل الخلاف على الحقيقة، وهو في صحَّة أخذ الولاية منهم عند الضرورة إلى ذلك، وفيه ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول: أنه لا يجوز مطلقًا، وهو مذهب الجمهور من أهل البيت ﵈، وكثير من الفقهاء، وهو الصحيح الذي لا يتَّجه غيره، كما سيأتي الدليل عليه.
المذهب الثاني: جواز ذلك عند الضرورة مطلقًا، وهو مذهب أحمد بنِ عيسى ﵇ وكثيرٍ من الفقهاء.
المذهب الثالث: التفصيل، وهو صحة أخذ الولاية منهم في القضاء دون غيره، وإليه ذهب المؤيد بالله في آخر قوليه، نص عليه في " الزيادات "، وطوَّل في الاحتجاج عليه، وفي هذا الفصل فوائد:
الفائدة الأولى: أن مذهب أحمد بن عيسى والفقهاء قريبٌ من مذهب المؤيد بالله ﵇، لأن الكل منهم قد صحَّح أخذ الولاية من الظلمة
[ ٨ / ١٦٨ ]
للضرورة، ولكنه صحَّح ذلك في أمرٍ واحدٍ، وهم صحَّحوه في أكثر منه، وليس المنكر عليهم في هذه المسألة إلاَّ قولهم بصحة الولاية من الظالم، فقد شاركهم المؤيد بالله في هذا القدر، وإن كان قد خالفهم ﵇ في سائر ما يتعلق بالإمامة من الولايات كإقامة الحقوق (١) ونحوها، وكلامهم أقيس، لأن الولاية لا تجزىء، على أنهم قد نصوا أنه لا ولاية للظلمة مطلقًا، ولكن تنفذ بهم المصالح.
قال ابن عبد السلام في " قواعده " (٢) في أوائلها:
فصل في تنفيذ تصرف البغاة، وأئمة الجور لما وافق الحق للضرورة (٣) العامة قد ينفذ التصرف العام من غير ولايةٍ، كما ذكرنا في تصرُّف الأئمة البغاة، فإنه ينفذ، مع القطع أنه لا ولاية لهم، وإنما نفذت (٤) تصرفاتهم وتوليتهم لضرورة الرعايا، وإذا نفذ ذلك مع نُدرة البغي، فأولى أن ينفذ تصرُّف الولاة والأئمة مع غلبة الفجور عليهم، وأنه لا انفكاك للناس عنهم إلى آخر ذلك.
وقال قبل هذا الفصل بأسطر يسيرة (٥): وأما الولاية العظمى، ففي اشتراط العدالة فيها اختلافٌ لغلبة الفسوق على الولاة، ولو شرطناها، لتعطَّلتِ التصرفات الموافقة للحق في تولية من يولُّونه من القضاة والولاة والسعاة، وأمراء الغزوات، وأخذ ما يأخذونه وقبض ما يُعطونه، وقبض الصدقات والأموال العامة والخاصة المندرجة تحت ولاياتهم، فلم يشترطوا العدالة في تصرفاتهم الموافقة للحق، لما في اشتراطها من الضرر العام، وفوات هذه (٦) المصالح أقبح من فوات عدالة السلطان. انتهى بحروفه.
_________________
(١) في (ف): " من إقامة الحدود ".
(٢) ص ٦٨.
(٣) في " القواعد ": " لضرورة ".
(٤) في (ف): " تنفذ ".
(٥) " القواعد " ص ٦٨.
(٦) " هذه " ساقطة من (ف).
[ ٨ / ١٦٩ ]
فدل على أنهم اعتبروا دفع المفسدة الكبرى بالصغرى للضرورة، كما صرّح في مواضع من قواعده، وعظَّم ثمرة معرفته ذلك، ومفسدة جهله.
الفائدة الثانية: أن الفقهاء قد أطلقوا القول بانعقاد إمامة المتغلِّب للضرورة، والذي لا يتأمَّل كلامهم يُنكره لظنِّه أن مرادهم أنه إمامٌ على الحقيقة، وإنما أرادوا ما ذكرنا مِنْ جواز أخذ الولاية منهم لتنفيذ الأحكام المتعلقة بالمصالح العامة، لاضطرار المسلمين إلى ذلك، كما سنبيِّنُه. والذي يدل على هذا وجوه:
الوجه الأول: أنهم نصُّوا على اشتراط العدالة في الإمام، وهذا واضحٌ.
الثاني: أنه لو كان الجائر عندهم إمامًا حقيقيًا (١)، لم يحرِّموا نصبه، والرضا به، والاختيار له.
الثالث: أنه لو كان عندهم إمامًا حقيقيًا، لم يصوِّنُوا من خرج عليه، وينصُّوا على أنه ليس بباغٍ.
الرابع: أن النواوي لما ذكر في " الروضة " (٢) عن الشافعي القول بنفي الرد، ونفي توريث ذوي الأرحام، ذكر أن ذلك على الصحيح عندهم إنما يكون على استقامة بيت المال بولاية العادل، وأنه متى ولي بيت المال جائرٌ، رُدَّ بقيَّةُ المال على الورثة، وَوُرِّثَ ذوو الأرحام، ولم يُعط الإمام الجائر. قال: وبه أفتى أكثر المتأخرين. قال: وهو الصحيح أو الأصح عند محقِّقي أصحابنا ومتقدميهم.
قال ابن سراقة (٣): وهو قول عامة مشايخنا، وعليه الفتوى اليوم في
_________________
(١) في (ش): " حقيقة "
(٢) ٦/ ٦.
(٣) هو الحافظ الفقيه الفرضي أبو الحسن محمد بن يحيى بن سراقة العامري البصري. توفي في حدود سنة ٤١٠ هـ. انظر " طبقات السبكي " ٤/ ٢١١ - ٢١٤، و" سير أعلام النبلاء " ١٧/ ٢٨١.
[ ٨ / ١٧٠ ]
الأمصار، ونقله صاحب " الحاوي " على مذهب الشافعي. قال: وغلط الشيخ أبو حامد في مخالفته.
كل هذا لفظه في " الروضة "، وهو دال على أنهم لا يعتقدون أن الجائر مثلُ العادل. إذًا لأوجبوا تسليم بقية مال الميت إليه، لأنه ولي بيت المال كالعادل، وكذا في " الروضة " (١) عن الماوردي أنه إذا كان العامل جائرًا في أخذ الصدقة، عادلًا في قسمتها جاز كتمها عنه، وجاز دفعها إليه، وإذا كان عادلًا في الأخذ، جائرًا في القسمة، وجب كتمُها عنه.
قلت (٢): فلو كان عندهم كالعادل، لم يجب كتمها عنه، ولحرُم ذلك إجماعًا.
الخامس: أنه لو كان عندهم إمامًا، لم يقولوا: إن (٣) قيامه بالأمر حرامٌ عليه، معصيةٌ منه، وقد نصَّ على ذلك النواوي في " الروضة "، فبان بهذا أنهم إنما قصدوا أخذ الولاية فيما يتعلَّق بالأئمة، مثل ما قصد المؤيَّد بالله في أخذ الولاية من الظلمة على القضاء، وإنهم سمَّوه إمامًا لما كانت تنعقد به الأحكام المتعلقة بالأئمة، الموافقة للحق، ولما كان يستحق هذا الاسم في وضع اللغة، ولهذا نصوا على أنه لا تحل طاعته إلاَّ إذا وافق الشرع. نص على ذلك النواوي في " الروضة " (٤)، فقال ما لفظه: تجب طاعة الإمام ما لم يُخالف حكم الشرع، سواء كان عادلًا أو جائرًا.
قال النفيس العلوي: ونص على ذلك القرطبي في " تفسيره "، فقال: إن كان الوالي فاسقًا، فينفُذ من أحكامه ما كان على الحق (٥)، ويُرَدُّ ما خالفه.
فإن قلت: فقد يَعِيبُون الخروج على بعض من خرج على بني أمية وبني العباس؟
_________________
(١) ٢/ ٣٣٦.
(٢) " قلت " ساقطة من (ف).
(٣) " إن " ساقطة من (ف).
(٤) ١٠/ ٤٧.
(٥) في (ف): " ما وافق الحق ".
[ ٨ / ١٧١ ]
أكثر الأقطار الإسلامية قد غلب عليها أئمة الجور عدة قرون
قلت: إنما يعيبون ذلك على معنى أنه خلاف الأولى في الرأي والتدبير، كما عاب أصحاب الحسن بن علي ﵉ صُلح معاوية عليه، وكما فعل ابن عباس عند خروج الحسين ﵈ بدليل ما قدمنا من تجويزهم له في أحد أقوالهم، وكونها عندهم مسألةً ظنية، كل مجتهدٍ فيها مصيبٌ.
وقد صرح بهذا المعنى الذهبي في " النبلاء " (١)، فقال عند ذكره لزيد بن علي ﵇: إنه خرج متأوِّلًا، وقتل شهيدًا ﵀، وليته لم يخرج فترحّم عليه، ونص على أنه عنده مظلومٌ شهيدٌ، وتمنى أنه لم يخرج، شفقةً عليه، وصيانةً له، وتألُّمًا مما ناله، ولذلك لم يذكره في " الميزان " الذي ذكر فيه كل من فيه أدنى مقالٍ أو خلاف، ووثقه في كتاب " التذهيب " (٢) الذي في الثقات والله أعلم.
الفائدة الثالثة: في بيان الضرورة التي ذكرها الفقهاء، وادعوا أنها تُبيح أخذ الولاية منهم.
وأنا أذكر ما حضرني، فأقول: لا شك أن (٣) أكثر الأقطار الإسلامية قد غلب عليها أئمة الجور من بعد انقراض عصر الصحابة، فإن الشام ومصر والمغرب والهند والسند والحجاز والجزيرة والعراقين واليمن وأمثالها، ما استدامت فيها دولة حق في قرونٍ عديدةٍ، ودُهُورٍ طويلةٍ، ولا شك أن في هذه الأقاليم من عامة أهل الإسلام عوالم لا يُحصون، وخلائق لا ينحصرون، ولا شك أنهم في هذه القرون العديدة، وفي هذه الأقطار الكبيرة (٤) لو تركوا هَمَلًا لا يقام فيهم حد، ولا يُقضى فيهم بحق، ولا يجاهد فيهم كافر، ولا يُؤدَّبُ فيهم عاصٍ، لفشا فيهم الفساد، وتظالم العباد، ومرج أمر المسلمين، وتعطلت أحكام رب العالمين،
_________________
(١) ٥/ ٣٩١.
(٢) ٥/ ٣٩١، وقد تحرف في الأصول إلى: " التهذيب "، وقول المصنف " الذي في الثقات " فيه نظر، فإن كتاب " التذهيب " يترجم رجال الكتب الستة، وفيهم الثقة والضعيف، والمتروك.
(٣) " أن " ساقطة من (ش).
(٤) في (ف): " الكثيرة ".
[ ٨ / ١٧٢ ]
وقد علمنا على الجملة أن الله تعالى ما قصد بإقامة الحُدود وشرعها إلاَّ زجر أهل المعاصي، ولا قصد بالجهاد إلاَّ حفظ الحَوْزَةِ، وإرغام العدوِّ، فمتى توقفت على شرط، وتعذر تحصيله، لم يعتبر ذلك الشرط.
وقد ذكر العلماء لهذا نظائر، فمنها نكاح المرأة بغير إذن الوليِّ متى غاب وليُّها وبَعُدَ مكانه، أو جُهِلت حياته، فقد ترك كثير من العلماء شرط العقد المشروع، وهو رضا الولي لأجل مصلحة امرأةٍ واحدةٍ، وخوف مضرة امرأة المفقود، فكيف بمصلحة عوالم من المسلمين وخوف مضرتهم.
ومنها الانتفاع باللُّقَطَة بعد تعريف سنةٍ، لأن المال مخلوقٌ للمنفعة، فلما تعذر انتفاع صاحبه به (١) انتفع به غيره، لئلاَّ يبقى هملًا لا نفع فيه، ولهذا قال ﵇ في ضالة الغنم: " إنما هي لك، أو لأخيك، أو للذئب " (٢) فزال شرط حِلِّ المال، وهو رضا المالك لما تعذر، فهذه شخصية غير ضرورية، فكيف بالكلية الضرورية؟
ومنها ما ذكره المنصور بالله ﵇، فإنه ذكر في " المهذب ": أن العدالة في الشهادة إنما شُرِعَتْ لحفظ أموال الناس، فإذا خلت بعض البلاد من العدول، وجب ألا تعتبر العدالة، وقبلنا شهادة قُطَّاع الصلاة والطريق متى كانوا من أهل الصدق، لأنا لو اعتبرنا العدالة، لأضعنا أموال الناس التي لم تُشرع العدالة إلاَّ لحفظها، واحتج ﵇ بأن الله تعالى قد أجاز قبول (٣) شهادة الكفار من اليهود والنصارى في السفر، لأن المسافر من المسلمين إلى أرض الكفار يحتاج إلى شهادتهم، وعنى بذلك قوله تعالى: ﴿أو آخرانِ من
_________________
(١) " به " ساقطة من (ش).
(٢) أخرجه من حديث زيد بن خالد الجهني مالك ٢/ ٧٥٧، ومن طريقه الشافعي ٢/ ١٣٧، والبخاري (٢٣٧٢) و(٢٤٢٩)، ومسلم (١٧٢٢)، وأبو داود (١٧٠٥)، وابن حبان (٤٨٨٩).
(٣) في (ف): " قد قبل ".
[ ٨ / ١٧٣ ]
غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض﴾ الآية [المائدة: ١٠٦]، وقد تقدم ذكرها.
قلت: ولذلك قَبِلَ بعض العلماء شهادة الصبيان فيما بينهم قبل التَّفرُّق، لأنه لا يمكن حضور العدول معهم في ملاعبهم، وسائر أحوالهم، والعادة جرت بانفرادهم، ولهذا قُبِلَتْ شهادة أهل الكتاب بعضهم على بعض.
إذا عرفت هذا، فاعلم أنه لو بقي عامة المسلمين في قدر ستمئة سنة في أقطار الإسلام وأمصاره لا يُنَصَّبُ فيهم قاضٍ، ولا يُحكم بين المتنازعين منهم، ولا يُقام فيهم حدٌّ، ولا يجاهد فيهم عدوٌّ، لَعَظُمَتْ بهم المضرة بغير شك، وقد علمنا أن هذه الأشياء ما شُرِعَت إلاَّ لمصالحهم، فوجب الحكم بتنفيذها عند عدم شرطها " (١) لأجل الضرورة لما تقدم نظائر ذلك، ومن لم يفرق بين حالي الاختيار والاضطرار، فقد جهل المعقول والمنقول.
أمَّا المعقول، فلإجماع العُقلاء على دفع أعظم المفسدتين بأهونهما، ومن ثم قالوا:
حَنَانَيْكَ بَعْضُ الشَّرِّ أهون من بعض (٢).
_________________
(١) في (ف): " شروطها ".
(٢) عجز بيت لطرفة بن العبد وصدره: أبا منذرٍ أفنيتَ فاستبقِ بعضنا وهو في ديوانه: ٤٨، و" الكتاب " ١/ ٣٤٨، و" الكامل " ص ٧٣٢، و" المقتضب " ٣/ ٢٢٤، وابن يعيش ١/ ١١٨، و" مجمع الأمثال " ص ٩٤، " اللسان ": " حنن "، و" الهمع " ١/ ١٩٠. وأبو منذر: كنية عمرو بن هند يخاطبه حين أمر بقتله، وذكر قتله لمن قتل من قومه تحريضًا لهم على المطالبة بثأره. وقوله: " حنانيك " مثنى حنان، والحنان: الرحمة، نصب على المصدر النائب عن الفعل، وقد ثني لإرادة التكثير، أراد حنانًا بعد حنان، أي: كلما كنت في رحمة منك، فلتكن موصولة بأخرى، وهذا المثنى لا يجيىء إلاَّ مصدرًا منصوبًا، ولا يكون مثنى إلاَّ في حال =
[ ٨ / ١٧٤ ]
الضرورات تبيح المحظورات
ومن أمثالهم: إن للشر خيارًا (١).
وأما المنقول، فمعلومٌ بالضرورة من الدين في مواضع، أعظمُها قوله تعالى في جواز النطق بكلمة الكفر: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]، وأعمُّها قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩].
وروى الأمير الحسين في " الشفاء " عنه - ﷺ - أنه قال: "عند الضرورات تباح المحظورات " (٢). وفي حد الضرورة اختلافٌ بين العلماء، وهو ظني معروفٌ، وقد جعلها المؤيد بالله ما خرج عن حدِّ الاختيار في كثير من المواضع، وقد رخَّص النبي - ﷺ - في لباس الحرير المحرم لأجل الحِكة، متفق على صحته (٣).
_________________
(١) = الإضافة كما لم يكن " سبحان الله " و" معاذ الله " إلاَّ مضافين. وقوله " بعض الشر أهون من بعض " قال الميداني: يضرب عند ظهور الشرين بينهما تفاوت وهذا كقولهم: إن من الشر خيارًا.
(٢) في " فصل المقال " ص ٢٤٤: قال أبو عبيد: قال الأصمعي في نحوٍ منه: " إن في الشر خيارًا "، قال: ومعناه: إن بعض الشر أهون من بعض. قال البكري: قال أبو خراش فنظمه: حَمِدْتُ إلاهي بَعْدَ عُروَةَ إذ نجا خِراش وبَعْضُ الشر أهْوَنُ من بعضِ بلى إنها تعفو الكُلومُ وإنما نوكَّلُ بالأدنى وإن جلَّ ما يَمْضِي تعفو الكلوم: تبرأ الجروح، نوكل بالأدنى: نحزن على الأقرب فالأقرب، وما مضى ننساه وإن كان الرزء به جليلًا على الخِيار والأخيار، وكذلك الشر يجمع على الشرار والأشرار، أي إن في الشر أشياء خيارًا، ومنه المثل كما قيل: " بعض الشر أهون من بعض " ويجوز أن يكون " الخيار " الاسم من الاختيار، أي: في الشر ما يختار على غيره.
(٣) ذكره السخاوي في " المقاصد الحسنة " ص ٢٦٩، وعلي القاري في " المصنوع في معرفة الحديث الموضوع " ص ١٢١، وقالا: ليس بحديث، وقال السخاوي: ومعناه صحيح، وقد اعتمده الفقهاء في إساغة اللقمة لمن خشي التلف بجرعة من خمر من غير أن يزيد على الحاجة.
(٤) أخرج أحمد ٣/ ١٨٠ و٢٥٥ و٢٧٢، والبخاري (٢٩٢١) و(٢٩٢٢) و(٥٨١٩)، =
[ ٨ / ١٧٥ ]
فمن جوَّز أمرًا للضرورة، ونسب إليه جوازه مطلقًا، كان الناسب إليه من الكاذبين، بل كالنَّاسب (١) إلى كتاب الله تعالى جواز الكفر والمحرمات مطلقًا.
وقد ورد القرآن الكريم بقتل النفس لمصلحةٍ غير كلية في قصة يونس عليه، وأنه لما عرف أن أهل السفينة يغرقون جميعًا إن لم يُلْقِ أحدهم بنفسه إلى التهلكة ويرم بها في البحر، رأى أن رمي أحدهم بنفسه وحده (٢) أهون من موتهم الجميع، فرمى - ﷺ - بنفسه الشريفة، حين وقع السهم عليه، قال الله تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١ (٣)].
ولا شك أن قتل النفس في أصل الأمر حرامٌ، لكن جاز للضرورة، وهذا في فعل المحرم في الشرع لمصلحة، فأولى وأحرى أن يجوز ما ورد الشرع به من إقامة الحدود ونحوها للمصلحة، لأنه في نفسه مصلحة، لكن فقدَ بعضَ شُروطه، وعمل المصلحة المشروعة عند فقد بعضِ شُرُوطها للضرورة أولى من عمل المفسدة للضرورة مثاله: الصلاة بغير طهور ولا تيمُّم للضرورة (٤)، أهونُ من أكل الميتة للضرورة، ولم يزل العقلاء يدفعون المضرة العظمى بما دونها، ويستحسنون قطع العضو خوفًا من السراية.
وقد ذكر علماء الأصول الكلام في المصالح، وطوَّلوا القول فيه، ومما ذكروه: أن الكفار إذا تترَّسوا بمسلم، ولم يمكنا قتالهم حتى نقتله، وخِفنا إن لم نقتله (٥) أن يقتلونا ويقتلوه معنا، أنه يجوز لنا قتله، وشرط الغزالي أن تكون
_________________
(١) = ومسلم (٢٠٧٦)، والنسائي ٨/ ٢٠٢، وابن ماجه (٣٥٩٢)، وابن حبان (٥٤٣٠) و(٥٤٣١) عن أنس بن مالك أن النبي - ﷺ - رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام في لبس الحرير من حِكَّةٍ كانت بهما.
(٢) في (ش): " كان الناس " وهو خطأ.
(٣) " وحده " ساقطة من (ش).
(٤) انظر " تفسير الطبري " ٢٣/ ٩٨ - ٩٩، و" ابن كثير " ٣/ ٢٠١ و٤/ ٢٣ - ٢٤، و" الدر المنثور " ٧/ ١٢١ - ١٢٩.
(٥) " للضرورة " ساقطة من (ف).
(٦) عبارة " إن لم نقتله " ساقطة من (ش).
[ ٨ / ١٧٦ ]
المصلحة كليةً قطعيةً (١)، وعنى بالقطعية أن يعلم أن هذا هو المخوف علمًا قطعيًا، وبالكلية أنا نعلم أنَّا إن لم نقتله قتل، وقتل جميع المسلمين.
ورد عليه بعضُ المالكية، وأبطل اشتراطه للكلية بقصة يونس ﵇، وأبطل اشتراطه للقطعية بأنه لا سبيل إلى القطع البتة، وما لا سبيل إليه، لا معنى لاشتراطه.
فإن قيل: إن قصة يونس ﵇ مِنْ شرعِ من قبلنا.
قلنا: هو حجة إذا ذكر في كتابنا، كما ذكره المنصور بالله وغيره، وقد تقدم الدليل على ذلك في مسألة قبول المتأولين.
ومن هذا القبيل الذي ذكره في المصالح، كلام الصحابة في حدِّ الخمر، فعن أنس بن مالكٍ، قال: جلد رسول الله في الخمر بالجريد والنعال، وجلد أبو بكر أربعين، فلما ولي عمر دعا الناس، فقال لهم: إن الناس قد دنوا من الريف، فما تَرَوْنَ في حدِّ الخمر؟ فقال عبد الرحمن: نرى أن نجعله كأخفِّ الحدود، فجلد فيه ثمانين. رواه مسلم وأبو داود، وروى البخاري وابن ماجه بعضه (٢).
وعن حضين بن المنذر قال: شهدتُ عثمان، وأُتي بالوليد، فشهد عليه حُمران ورجلٌ آخر، فشهِدَ أحدهما أنه رآه يشربها (٣) - يعني -الخمر- وشهد الآخر أنه رآه يتقيؤها. فقال عثمان: إنه لم يتقيأها حتَّى شربها، فقال لعلي ﵇: أقم عليه الحد، فقال علي للحسن: أقم عليه الحد، فقال: ولِّ حارَّها من تولَّى قارَّها، فقال علي ﵇ لعبد الله بن جعفر: أقم عليه الحد،
_________________
(١) " المستصفى " ١/ ٣٠١.
(٢) انظر المسند ٣/ ١١٥ و١٨٠، والبخاري (٦٧٧٣) و(٦٧٧٦)، ومسلمًا (١٧٠٦)، وأبا داود (٤٤٧٩)، وابن ماجه (٢٥٧٠)، وابن حبان (٤٤٤٨ - ٤٤٥٠).
(٣) في (ش): " شربها ".
[ ٨ / ١٧٧ ]
فأخذ السوط وجلده وعليٌّ يعُدُّ، فلما بلغ أربعين، قال: حسبُك، جلد النبي - ﷺ - أربعين. وأحسبه قال: وجلد أبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين، وكل سُنَّةٌ، وهذا أحبُّ إليَّ. رواه مسلم وأبو داود وابن ماجه (١).
فجلد الثمانين في الخمر قد شاع في الصحابة، واستمر عليه (٢) عمل الأمة إلى هذا العصر، مع أنه غير منصوصٍ في الكتاب، ولا في السنة المتفق على صحتها، وإنما عمل به للمصلحة (٣)، فدل على إجماع الصحابة على العمل بالمصالح.
وقد روى الحافظ ابن كثير وغيره عن علي ﵇ أنه ضمن الصُنَّاع، وقال: لا يُصلِحُ الناس إلاَّ ذلك.
والكلام في هذا المعنى يحتمل البسط الكثير (٤)، وقد تكلم الرازي في " المحصول " (٥) بكلامٍ حسنٍ في المصالح. وتكلم شارح " البرهان " فيها، ومن أحب الاستقصاء في المصالح، وما يتعلق بها، فليُطالع كتاب " قواعد الأحكام في مصالح الأنام " للإمام الكبير عز الدين بن عبد السلام، الذي قال النواوي في " شرح المهذب ": إنهم اتفقوا على براعته في العلوم كلها، وعلى أمانته وديانته، أو كما قال، فإن كتابه هذا من أنفس الكُتُبِ في هذا الشأن. والله سبحانه أعلم.
الفائدة الثالثة: في بيان المختار.
واعلم أن كلام أحمد بن عيسى ﵇ والفقهاء في أخذ الولاية على الإطلاق، وكلام المؤيد بالله في أخذ الولاية على القضاء يشتمل على أمرين:
_________________
(١) مسلم (١٧٠٧)، وأبو داود (٤٤٨٠) و(٤٤٨١)، وابن ماجه (٢٥٧١).
(٢) " عليه " ساقطة من (ش).
(٣) في (د): " في المصلحة "، وفي (ش): " لمصلحة ".
(٤) " الكثير " ساقطة من (ف).
(٥) ٦/ ٢١٨ - ٢٢٥.
[ ٨ / ١٧٨ ]
أحدهما: جواز القضاء، وإقامة الحدود ونحو ذلك في غير وقت الإمام، نظرًا إلى ما يلحق المسلمين من المضرة بترك ذلك، وهذا قوي إن لم يصادم النصَّ الشرعي، وهو إجماع العترة في غير القضاء، وأما القضاء، فقد خالف فيه الإمام المؤيد بالله، والمختار جوازه. وأمَّا سائر الأمور، فإن لم يصح إجماع العترة على تحريمه، فلا معدِلَ عنه، وإن صح إجماعهم، أجبنا عن الفقهاء بما يوافقون عليه، وهو أن شرط المصالح ألا يصادم النصوص والإجماع من النصوص بلا خلاف، فنقول: الإجماع صادم النظر المصلحي، فوجب طرحه.
الأمر الثاني الذي خالفوا فيه: أخذ الولاية من الظلمة لما ورد في الآثار من الأمر بتسليم الزكاة إليهم (١) والطاعة في المعروف لهم، فأما الأمر بطاعتهم في غير معصية الله، فهو شهير مرفوع إلى النبي - ﷺ -، وليس فيه تصريح بولايتهم في نفس الأمر، وإن كان الاستنباط من ذلك محل نظر.
وأما الأمر بدفع الزكاة إليهم، فرُوِيَ عن سعد بن أبي وقاص، وأبي هريرة، وأبي سعيدٍ الخدري، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وأبي بكرٍ، وعائشة موقوفة وأسانيدها، أو أكثرها صالحةٌ (٢)، ولكن لا حجة متفق عليها في الموقوف، خصوصًا إذا عُورِض بقول صحابيٍّ آخر. وأما حديثٌ مرفوعٌ، فلا أعرف إلاَّ ما رواه الطبراني في " الأوسط " من حديث سعد بن أبي وقاص عن النبي - ﷺ - أنه قال: " ادفُعوا إليهم ما صَلَّوُا الخمس ". رواه عن الطبراني ابن حجر في " تلخيصه " (٣)، ولم يذكره بصحةٍ ولا ضعفٍ، والغالب على "معجم الطبراني
_________________
(١) " إليهم " ساقطة من (ف).
(٢) انظر " مصنف ابن أبي شيبة " ٣/ ١٥٦ - ١٥٨، و" سنن البيهقي " ٤/ ١١٥، و" تلخيص الحبير " ٢/ ١٦٤.
(٣) تلخيص الحبير " ٢/ ١٦٤، والحديث عند الطبراني في " الأوسط " (٣٤٥) وقال: لا يروى هذا الحديث عن سعد مرفوعًا إلاَّ بهذا الإسناد، تفرد به هانىء بن المتوكل. وذكره الهيثمي في " المجمع " ٣/ ٨٠، وقال: رواه الطبراني في " الأوسط "، وفيه هانىء بن المتوكل، وهو ضعيف.
[ ٨ / ١٧٩ ]
الأوسط" الغرائب والشواذ.
وفي " سنن البيهقي الكبرى " (١) شيء من هذا لم يحضرني.
وروى ابن أبي شيبة (٢) عن ابن عمر موقوفًا نحو ذلك، وفي إسناده جابر الجعفي وعضده الفقهاء بظاهر الأمر بطاعة ذوي الأمر في القرآن، ولحديث البخاري ومسلمٍ والنسائي: " إنما الإمام جُنَّةٌ يُتَّقى به، فإن عدل، فإن له بذلك أجرًا، وإن جار، فإن عليه بذلك وِزرًَا (٣) "، وأمثاله كثيرة صحيحة (٤).
وأقول: إن الأصل براءة الذمة من وجوب أخذ الولاية عنهم حتى يقوم على ذلك دليلٌ مرضيٌّ.
فهذا ما عرفت الآن من الحجة على أخذ الولاية من أئمة الجور للمؤمن وأحمد بن عيسى والفقهاء (٥).
فأما إن أرادوا أخذها منهم على جهة التقية منهم، وخوف الفتنة في الاستقلال بالولاية، فهذا مُسَلَّمٌ. وقال يوسف ﵇: ﴿اجعلني على خزائن الأرض﴾ [يوسف: ٥٥].
وأما إن أرادوا أن لهم ولايةً شرعيةً في نفس الأمر، فلا وجه لذلك متفق عليه، لأنه يمكن إقامة المصالح من غير أخذ ولاية، وذلك (٦) لأن الغرض أن
_________________
(١) ٤/ ١١٥ في الزكاة: باب الاختيار في دفعها إلى الوالي، وقد أدرج تحته عدة أحاديث انظرها فيه.
(٢) في " المصنف " ٣/ ١٥٨.
(٣) أخرجه من حديث أبي هريرة البخاري (٢٩٥٧)، ومسلم (١٨٣٥)، والنسائي ٧/ ١٥٥ - ١٥٦.
(٤) عبارة " وأمثاله كثيرة صحيحة " ساقطة من (ف).
(٥) من قوله: " وأقول: إن الأصل " إلى هنا سقط من (ش).
(٦) " وذلك " ساقطة من (ف).
[ ٨ / ١٨٠ ]
الشرع ورد (١) بأن الولاية للإمام العادل، فحين تعذَّر الشرط المشروع، لم يجب علينا أن نفعل ما يشبهه في الصورة، كما أنا إذا لم نجد وليَّ المرأة المشروط إذنه في نكاحها، لم يجب علينا أن نستأذن رجلًا أجنبيًا لم يرد الشرع بولايته.
وإنما اعتبرنا الرجوع إلى الإمام لما ورد الشرع بذلك (٢)، فلهذا لو لم يوجدِ الولي ولا الإمام، لم يعتبر إذن رجلٍ غير معيَّنٍ، ويمكن الفرق بين أن يرضى به المسلمون أول الأمر، ويتابعون وهو صالحٌ قبل الأمر بالاعتزال في آخر الزمان، فيكون كما قال أحمد بن عيسى ﵇: تزول عنه إمامة الهدى، وتبقى له (٣) الولاية بالاستصحاب، لعدم الدليل على انعزاله من النص والإجماع.
وأما المتغلِّب من الابتداء، فيحتاج من يقول بولايته إلى دليلٍ على ذلك، ويعتضد هذا الأصل بحديث البخاري عن أنسٍ، عنه - ﷺ -: " اسمعوا وأطيعوا وإن استُعْمِلَ عليكم عبدٌ حبشيٌّ، كأنَّ رأسه زبيبةٌ، ما أقام فيكم كتاب الله " (٤).
وفي " مسلم " عن أمِّ الحُصين نحوه، ورواه الترمذي والنسائي (٥).
وللفقهاء أن يُجيبوا عن هذا بوجهين:
أحدهما: الجمع بالتأويل، فظاهر حديث أنسٍ وأمِّ الحصين في العامل، لا في الإمام الأعظم، لحديث علي عن النبي - ﷺ - في الأمير الذي أمر أصحابه
_________________
(١) في (ش): وارد.
(٢) في (ف): " وإنما اعتبرنا الشرع لما ورد الأمر بذلك ".
(٣) " له " ساقطة من (ش).
(٤) تقدم تخريجه ص ١١ من هذا الجزء.
(٥) أخرجه مسلم (١٢٩٨) و(١٨٣٨)، والترمذي (١٧٠٦)، والنسائي ٧/ ١٥٤، وأخرجه أيضًا أحمد ٦/ ٤٠٢ و٤٠٣، وابن ماجه (١٨٦١)، وابن حبان (٦٥٦٤)، وانظر تمام تخريجه فيه.
[ ٨ / ١٨١ ]
أن يَحرِقوا (١) أنفسهم. وهو في الصحيح (٢).
وحديث عقبة بن مالك لو رأيتَ ما لامَنَا رسول الله، قال: " أعَجَزْتُم إذا بعثتُ رجلًا منكم فلم يَمْضِ لأمري أن تجعلوا مكانه من يَمْضي لأمري "؟ رواه أحمد، وسنده قوي وأبو داود (٣).
وروى أحمد من حديث معاذٍ، عنه - ﷺ - في " الأمراء ": " أنه لا طاعة لمن لم يُطِعِ الله " وظاهر سنده الصحة، فيه يحيى بن أبي كثير مدلس، لكنه صرح فيه أن أنس بن مالك حدثه بذلك عن معاذ، والراوي عن يحيى حرب بن شداد، وفيه خلاف يسير والله أعلم (٤).
وثانيهما: بالترجيح من طريق الاحتياط، ومن طريق قوة (٥) الأسانيد، ففي " الصحيحين " من حديث عبد الله، عنه - ﷺ -: " إنها ستكونُ أَثَرَةٌ وأمورٌ تنكرونها "، قالوا: يا رسول الله، كيف تأمرُ من أدرك ذلك منا؟ قال: " تُؤَدُّون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم ". رواه الترمذي، وقال: حسنٌ صحيح (٦).
_________________
(١) تحرفت في الأصول إلى: " يخرجوا ".
(٢) تقدم تخريجه ص ١٨ من هذا الجزء.
(٣) حديث حسن، أخرجه أحمد ٤/ ١١٠، وأبو داود (٢٦٢٧)، وصححه ابن حبان (٤٧٢٠)، والحاكم ٢/ ١١٤ - ١١٥.
(٤) أخرجه أحمد ٣/ ٢١٣، وأبو يعلى في " مسنده " كما في " تعجيل المنفعة " ص ٣١٠ من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث، عن حرب بن شداد، حدثنا يحيى بن أبي كثير، قال عمرو بن زنيب العنبري إن أنس بن مالك حدثه، أن معاذًا قال للنبي - ﷺ -: أرأيت إن كان علينا أمراء لا يستنون بسنتك الحديث. قلت: يحيى بن أبي كثير لم يصرح بسماعه من عمرو العنبري وعمرو لم يرِو عنه غير يحيى ولم يوثقه غير ابن حبان. والحديث ذكره الهيثمي في " المجمع " ٥/ ٢٢٥، وقال: رواه أحمد وأبو يعلى، وفيه عمرو بن زنيب، ولم أعرفه!
(٥) " قوة " ساقطة من (ش).
(٦) أخرجه البخاري (٣٦٠٣) و(٧٠٥٢)، ومسلم (١٨٤٣)، والترمذي (٢١٩٠)، =
[ ٨ / ١٨٢ ]
وعن وائل بن حجر نحوه، ولفظه: بعد أن سأله مرارًا، وهو يعرض عنه، قال: " اسمعُوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حُمِّلوا (١) وعليكم ما حُمِّلتُم ". رواه مسلم والترمذي، وقال حسن صحيح (٢).
وعن ابن عمر، عنه ﵌: " على المرء المُسْلِمِ السمع والطاعة فيما أحبَّ وكره، إلاَّ أن يُؤمَرَ بمعصيةٍ، فلا سمع ولا طاعة " رواه البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود والنسائي (٣). قال ابن الأثير (٤): رواه الجماعة إلا مالكًا.
وعن أبي هريرة، عنه ﵌: " عَلَيْكَ السمع والطاعة في عُسرك ويُسرك ومَنْشَطِكَ ومَكْرَهِكَ وأَثَرَةٍ عليك " رواه مسلم والنسائي (٥).
وعن عوف بن مالك (٦) أيضًا عنه ﵌: " خِيارُ أئمتكم الذين تُحبُّونهم ويُحبُّونكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم "، قلنا: أفلا ننابذهم، قال: " لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، ألا من وَلِيَ عليه والٍ، فرآه يأتي شيئًا من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزِعَنَّ يدًا من طاعة " رواه مسلم.
وعن ابن عبَّاس، عنه - ﷺ -: " من كره من أميره شيئًا فليصبر، فإنه من خرج من السلطان شبرًا، مات ميتةً جاهليةً ". وفي رواية: "فإنه من فارق الجماعة
_________________
(١) = وأحمد ١/ ٣٨٤ و٤٢٨، وابن حبان (٤٨٥٧).
(٢) في (ش): " عليه ما حُمِّل ".
(٣) مسلم (١٨٤٦)، والترمذي (٢٢٠٠).
(٤) أخرجه البخاري (٢٩٥٥) و(٧١٤٤)، ومسلم (١٨٣٩)، وأبو داود (٢٦٢٦)، والترمذي (١٧٠٧)، والنسائي ٧/ ١٦٠، وابن ماجه (٢٨٦٤).
(٥) في " جامع الأصول " ٤/ ٦٦.
(٦) مسلم (١٨٣٦)، والنسائي ٧/ ١٤٠.
(٧) في الأصول، عن أبي هريرة، وهو خطأ، وقد تقدم تخريجه ص ٩٣ من هذا الجزء.
[ ٨ / ١٨٣ ]
شبرًا". رواه البخاري ومسلم (١).
ويعضد هذه الأحاديث ظاهر القرآن في طاعة أُولي الأمر، لأن الجائر منهم لغة، والقرآن نزل عليها، ومن فسَّر بخلافها، فعليه الدليلُ.
ويمكن التَّوسُّطُ، فنقول: لا شك في طاعة أولي (٢) الأمر الذين اجتمعت عليهم جماعة المسلمين، وعملوا بكتاب الله، وفي نحو هذا نزلت الآية، ولسبب النزول أثرٌ في التفسير كما بين في موضعه، ويقاتلهم الذين يجوز قتالهم بلا شك، وهم الذين تركوا الصلاة، وأظهروا كفرًا بواحًا، كما ورد في الأحاديث، وما بينهما محل نظر، وكل مجتهدٍ في ذلك مصيبٌ إن شاء الله.
ومما يخصُّ عمومات القرآن وأحاديث الفقهاء حديث أم سلمة: " إنه يُستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتُنكرون، فمن كَرِهَ، فقد برىء، ومن أنكر، فقد سَلِمَ، ولكن من رضي وتابع "، قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: " لا ما صلُّوا " (٣). أي: من كره بقلبه، وأنكر بقلبه (٤) كذا عند مسلم، فلم يوجب في هذا طاعتهم (٥)، بل حرم قتالهم (٦) فقط، وحكم بالنجاة لمن كره وأنكر.
وروى مسلم وغيره من ستِّ طرقٍ عن عرفجة الأشجعي أنه سمعه - ﷺ - يقول: " من أتاكم وأمركم جميعٌ يريد أن يَشُقَّ عصاكم، ويفرِّق جماعتكم، فاقتلوه " (٧).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٠٥٣) و(٧٠٥٤) و(٧١٤٣)، ومسلم (١٨٤٩)، وأحمد ١/ ٢٧٥.
(٢) " أولي " ساقطة من (ف).
(٣) أخرجه مسلم (١٨٥٤)، وأبو داود (٤٧٦٠)، والترمذي (٢٢٦٦)، وأحمد ٦/ ٢٩٥ و٣٠٢.
(٤) قوله: أي: من كره بقلبه هو قول ابن الأثير كما في " جامع الأصول " ٤/ ٦٩.
(٥) في (ف): " قتالهم ".
(٦) في (ف): " طاعتهم ".
(٧) أخرجه أحمد ٤/ ٢٦١ و٥/ ٢٣ - ٢٤، ومسلم (١٨٥٢)، وأبو داود (٤٧٦٢)، =
[ ٨ / ١٨٤ ]
الفرق بين المداهنة والمداراة لأئمة الجور
فقوله: " وأمركم جميعٌ " يدل على أن المراد في الأحاديث التي ذُكر فيها السلطان، وأولوا الأمر معناها: السلطان العرفي والشرعي، وهو المجمع عليه، لا اللغوي، وهذا قوي، لأنه أخص وأبينُ، والله أعلم.
ويحتمل الجمع بأن الصبر أفضل، والخروج جائزٌ حيث لا جماعة، ويتقوى بفعلِ الحسن ﵇.
ويلحق بهذا فوائد ذكرها الفقهاء تدل على تمييزهم ومعرفتهم بالشريعة، وفرقهم بين أئمة الجور وأمراء العدل.
الفائدة الأولى: قال النواوي في " الأذكار " (١): فإن اضطر إلى السلام على الظلمة، بأن دخل عليهم، وخاف ترتُّب مفسدةٍ في دينه أو دُنياه أو غيرهما إن لم يسلِّم سلَّم عليهم.
قال القاضي أبو بكر ابن العربي: قال العلماء: يسلِّم وينوي: " السلام " اسم من أسماء الله تعالى، المعنى: الله عليكم رقيبٌ.
الفائدة الثانية: فرق بين المداهنة والمداراة (٢)، فيما يجوز من المخالطة عندهم وما لا يجوز.
قال في " شرح مسلم " ما معناه: إن المداهنة لا تجوز، والمداراة تجوز، قال: والفرق بينهما أن ما كان من أمر الدين، مثل أن يفتي بغير الحق، أو يكذب، أو يفعلَ شيئًا من المحرمات، أو يترك شيئًا من الواجبات، فهذه مداهَنَةٌ محرَّمَةٌ، والمداراة بأمور الدنيا (٣)، مثل أن تعطيه مالك، أو تُحْسِنَ إليه، فهذه
_________________
(١) = والنسائي ٧/ ٩٢، وابن حبان (٤٤٠٦)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٢) ص ٣٧٢، وما بين حاصرتين منه.
(٣) قوله: " فرق بين المداهنة والمداراة " ساقط من (د) و(ف).
(٤) في (ش): " الدين "، وهو خطأ.
[ ٨ / ١٨٥ ]
مداراةٌ لا بأس بها. وسيأتي مزيد بيان لهذه الفائدة، إنما أحببتُ ذكر ما ذكروه ليُعرف تمييزُهم لهذا.
الفائدة الثالثة: قال ابن العربي في " عارضة الأحوذي في شرح الترمذي ": إنه يعرف العلماء ببيت المقدس في يوم الجمعة يستمعون الخطبة، حتى يبلغ الخطيب إلى ذكر أئمة الجور والثناء عليهم، فإذا بلغ ذلك، تركوا الاستماع، وقاموا يتنفلون، واشتغلوا (١) بالصلاة عن استماع مدح الظلمة.
الفائدة الرابعة: قال الشيخ أبو بكر بن فورك (٢) في كتابه " النِّظامي " في الإمام الجائر: إنه يجب وعظه وتخويفه وإرشاده وتنبيهه.
وعلى هذا المعنى نص القاضي عياض أيضًا، وكذلك النواوي، فإنه قال في أئمة الجور: فإذا رأيتم ذلك، فأنكروا عليهم، وقولوا بالحق حيثما كنتم. انتهى كلام النواوي.
وروى المحدثون (٣) في كتبهم عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: " أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطانٍ جائرٍ " (٤).
وبتمام الكلام في هذه الفوائد، تم ما أردت ذكره من التعريف بمذهب الفقهاء، وقصدهم في إمامة الجائر. والله سبحانه أعلم.
الوهم الرابع والثلاثون:
_________________
(١) في (ش): " ويشتغلون ".
(٢) هو الإمام العلامة، شيخ المتكلمين، الأصولي، الأديب النحوي أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك الأصبهاني، كان أشعري المذهب، جرت له مناظرات مع الكرامية، وكان شديد الرد عليهم، مات مسمومًا سنة ٤٠٦. وكتابه " النظامي " في أصول الفقه، ألفه للوزير نظام الملك. انظر ترجمته في " سير أعلام النبلاء " ١٧/ ٢١٤ - ٢١٦.
(٣) في (ش): " الذي روى عن المحدثين ".
(٤) تقدم تخريجه ٢/ ٦٨ و٤/ ٢٤٥.
[ ٨ / ١٨٦ ]
الوهم الرابع والثلاثون: الرد على السيد في قدحه برواية الزهري
أن السيد أيده الله ذكر الزهري قادحًا بروايته على أهل الحديث، وأطال الكلام في ذلك، وعوَّل في جرحِ الزهري على مُخالطته للسلاطين، وموالاته لهم، وإعانتِه لهم، وعلى كتابٍ كتبه إليه بعض إخوانه، فبعض ذلك كان من الزهري، ولا يدلُّ على الجرح في الرواية، وبعض ذلك دعوى على الزهري، لم يكن منه.
والذي كان مِنَ الزهري هو مخالطة السلاطين، وذلك إن لم نحمله على السلامة، نقص في الدرجة (١)، لا جرحٌ في الرواية، والفرق بينهما واضحٌ، فقد تقدم كلام المنصور بالله ﵇ في الرواية وأن مبناها على ظن الصدق، وتقدم كلام الأئمة في قبول الخوارج الذين يُكَفِّرُون أمير المؤمنين ﵇، وقول المنصور بالله ﵇: إنهم أولى بالقبول من أهل العقيدة الصحيحة، لتشدُّدهم في الكذب، واعتقادهم أنه كفرٌ.
وقد أخلَّ السيد بقاعدةٍ كبيرةٍ هي أساس الكلام في الجرح والتعديل، وهي ذكر المحاسن والمساوىء، ليقع النظر في الترجيح بينهما، وقد ترك السيد هذا الأمر، فذكر مساوىء الزُّهري مجرَّدةً عن محاسنه التي أوجبت قَبُولَ بعضِ حديثه عند أئمة الحديث، وهو الصحيح المسند السالم من الإعلال والتدليس والإدراج ونحو ذلك، فإن كان هذا لما يعتقده السيد من سقوط مرتبة الزهري، وأنه ليس بأهلٍ لأن يُذكَرَ بخيرٍ، فالله تعالى -مع أنه العدل الذي لا يُتَّهَمُ- قد شرع الإنصاف لكل أحدٍ، ونصب الموازين ليوم القيامة، وأظهر كل ما لأعدائه من الحسنات، ولم يتركها لعداوتهم، ولا اكتفى بعلمه الحق فيهم، ولم يذم أحدٌ قط بالعدل على من يكره، بل هي سنة أهل العدل، وسجيَّة ذوي الفضل.
والأمر في الزهري قريب، والإشكال فيه سهلٌ، لكن هذا القدح الذي قدح به السيد على الزهري يقتضي القدح في كثير من العلماء والفضلاء، ممن خالط الملوك، فإن التاركين لذلك من العلماء هم الأقلُّون عددًا، وإذا طالعت كتب
_________________
(١) عبارة " في الدرجة " ساقطة من (ف).
[ ٨ / ١٨٧ ]
التواريخ، لم تكد تجد أحدًا من العلماء إلاَّ وله علقةٌ بالسلاطين، أو مخالطةٌ لهم، أو وِفادة عليهم، أو قبول لعطاياهم، فمنهم المقل، ومنهم (١) المكثر، ولو كانت المخالطة في مرتبة التحريم الذي يأثم فاعله ويُجرَحُ، لم يكن بين الإقلال منها (٢) والإكثار فرقٌ واضحٌ، ولا كان بين الزهري وغيره من الذين خالطوا مخالطة (٣) يسيرة فرقٌ واضح أيضًا، فإن من فعل المحرَّم ولو مرةً واحدة، فقد توجه عليه الجرح والقدح، وشُرْبُ جرعةٍ مِنَ الخمر في الجرح، كالإدمان على شربها، وإن كانت عقوبة المدمن لشُربها أكثر.
فإذا عرفت هذا، فلا بد من الكلام على فوائد قصدت بها وجه الله تعالى في أمرين:
أحدهما: في الذب عن جماعة من العلماء والفُضلاء قد خالطوا المُلوك، إما لغرضٍ دينيٍّ، أو لحاجةٍ دنيويةٍ، أو لتقيةٍ، أو لمصلحةٍ عامةٍ أو خاصةٍ، أو لمجموع هذه الأمور أو مجموع أمرين منها أو أكثر، ولم يرتكبوا في مخالطتهم محرَّمًا، ولا كان منهم إلاَّ مجرد المخالطة، فيتوهَّم من لم يعرفِ الشريعة أنهم بمنزلة أهل المعاصي الصريحة، ويتساهل في استحلال غيبتهم وهتكِ حُرْمَتِهم.
وثانيهما: الذب عن العلوم المأخوذة عن هؤلاء، فإن كثيرًا من علوم الشريعة -على تباين طبقاتها- (٤) مستندةٌ إلى من لم يسلم من شيءٍ من هذا القبيل.
على أن السيد أيَّده الله ذكر في تفسيره " تجريد الكشاف المزيد فيه النُّكت اللِّطاف " ما يدلُّ على أنه رَخوُ الاعتقاد، سلسُ القياد في هذه المسألة، مع ما يدل على ذلك، مِنْ أحواله وأفعاله وأقواله، وذلك أنه ذكر اختلاف المفسرين
_________________
(١) " منهم " ساقطة من (د) و(ش).
(٢) " منها " ساقطة من (ف).
(٣) في (ش): " في مدة يسيرة ".
(٤) في (ش): " صفاتها ".
[ ٨ / ١٨٨ ]
تفسير قوله تعالى: ﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا﴾
في قوله تعالى: ﴿ولا تَرْكَنُوا إلى الذين ظلموا﴾ [هود: ١١٣]، ولم ينكر شيئًا منها، ولا رد على أحدٍ منهم، بل حكى تصحيح الرخصة في ذلك، وختم به، وهو أجلُّ من أن يشُوبَ القرآن بإدخال البواطل في تفسيره، فقد ورد أن حاكي الكذب أحد الكاذبين، وقد يحكي في تفسير الآية الكريمة عن قتادة، أن المراد: ولا تلحقوا بالمشركين (١)، وقتادة من أكابر علماء المعتزلة القدماء. وعن أبي العالية: لا تَرْضَوْا بأعمالهم (٢). وقيل لا تُداهنوا عن السدي (٣).
وقيل: الركون المنهي عنه: الدخول معهم في ظلمهم أو إعانتهم، أو الرِّضا بفعلهم، أو موالاتهم، أما إذا دخل عليهم أو خالطهم لدفع شرِّهم، أو أحسن معاشرتهم، ورفَق بهم في القول، ليقبلُوا منه ما يأمرهم به من طاعة الله، فذلك غير منهيٍّ عنه. عن القاضي (٤)، قال الحاكم: وهو الصحيح، لقوله تعالى: ﴿فَقُولا له قولًا لَيِّنًا﴾ [طه: ٤٤].
قال الواحدي (٥): هو السكون إلى الشيء، والميل إليه بالمحبة.
قال ابن عباس (٦): لا تميلوا، يريد في المحبة ولين الكلام.
وقال عكرمة (٧): هو أن يضيِّفهم أو يودَّهم.
وقال أبو العالية: لا ترضَوْا بأعمالهم.
_________________
(١) انظر " تفسير الطبري " (١٨٦٠٧).
(٢) " الطبري " (١٨٦٠٣) - (١٨٦٠٥).
(٣) ذكره البغوي في " تفسيره " ٢/ ٤٠٤.
(٤) هو العلامة المتكلم شيخ المعتزلة عبد الجبار بن أحمد الهمذاني المتوفى سنة (٤١٥) هـ. والحاكم: هو المحسِّن بن محمد بن كرامة الجشمي المتوفى سنة ٤٩٤ هـ.
(٥) ونقله عنه الرازي في " التفسير الكبير " ١٨/ ٧١.
(٦) انظر " تفسير الطبري " (١٨٦٠٦)، و" تفسير البغوي " ٢/ ٤٠٤، و" الدر المنثور " ٤/ ٤٨٠.
(٧) في (ف): " قتادة "، وهو خطأ، وقول عكرمة هذا ذكره البغوي ٢/ ٤٠٤، وعنده: لا تطيعوهم، وعند السيوطي في " الدر المنثور " ٤/ ٤١٠: تطيعوهم أو تودوهم أو تصطنعوهم.
[ ٨ / ١٨٩ ]
وقال الرازي (١): المنهي عنه عند المحققين الرضا بما عليه الظلمة من الظلم، وتحسينه لهم، أو لغيرهم، فأمَّا مداخلتهم لدفع ضررٍ، أو اجتلابِ منفعةٍ عاجلةٍ، فغير داخلٍ في الركون. انتهى بحروفه.
الفائدة الأولى: في حكم مخالطة السلاطين في نفسها (٢).
واعلم أن مخالطتهم أقسامٌ:
القسم الأول: المخالطة لمجرد التناول مما في أيديهم من بيوت الأموال، وحقوق المسلمين، فهذا نقصٌ من مرتبة الزَّهادة، وشَيْن في أهلِ العلم والعبادة، ولكنه لا ينحَطُّ إلى مرتبة التحريم، فإن حُبَّ الدنيا، وإن كان مذمومًا على الإطلاق، لكنه يختلف، فمنه حرامٌ، ومنه حلالٌ، فالحرام منه هو حب الحرام من الدنيا، والإضراب عن الدين، وأهل هذا، هُمُ الذين ذمَّهم الله تعالى قي القرآن، وحيث يَرِدُ الذم على حبِّ الدنيا مطلقًا أو عامًا، فالمراد به هذا الجنس، بدليل قوله تعالى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة: ٢٠٠ - ٢٠٢]، وقوله: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف: ١٣]، وقول عيسى: ﴿أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ إلى: ﴿وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِين﴾ [المائدة: ١١٤]، فهذه الآيات خاصة تبين تلك (٣) العمومات، وأن المذمومين في تلك العمومات هم الذين قالوا: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾.
وقد يرتقي حب الدنيا إلى مرتبة الندب والاستحباب مع حسن النية في قصد العفاف بالعفاف (٤) عن الحرام، وكفاية الأهل وصلة الأرحام والإخوان، وإعانة الضعيف، وإطعام الطعام.
_________________
(١) في " التفسير الكبير " ١٨/ ٧٢.
(٢) في (ف): " عينها ".
(٣) في (ش): " لك "، وفي (ف): " هذه ".
(٤) في (ش) و(د): " بالحلال ".
[ ٨ / ١٩٠ ]
والذي يدلُّ على أن المُباح قد يصير مندوبًا بالنية، وبإعانته على ترك الحرام أحاديث: " إنما الأعمال بالنية " (١)، وما (٢) في معناه، وما ثبت في الحديث الصحيح عن أبي ذرٍّ مرفوعًا: " وفي بُضْعِ أحدكم صدقةٌ ". قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدُنا شهوته، ويكون له أجر؟ قال: " أرأيتم لو وضعها في حرامٍ، كان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال، كان له أجرٌ ". أخرجه مسلم في " الصحيح " (٣)، والنواوي في " مباني الإسلام " (٤).
ومما يدل على ذلك أنه قد ثبت عن سليمان ﵇ أنه سأل الله تعالى مُلكًا لا ينبغي لأحدٍ من بعده.
وثبت في " الصحيحين " عن رسول الله - ﷺ - أنه كان يقول في دعائه: " اللهم إني أسألك الهدى والتُّقى والعفاف والغِنَى " (٥)، ولو كان الغنى نقصًا في الدِّين، وحبُّه رذيلةً لا يليقُ بالمؤمنين، لم يسأله رسول الله - ﷺ -، ولا امتنَّ الله عليه به في قوله: ﴿وَوَجَدَك عائِلًا فأغنى﴾ [الضحى: ٨].
وكذا (٦) ثبت في " الصحيح " عن أم أنس قالت: يا رسول الله ادع لخادمك أنس فدعا له بالغنى أو نحو ذلك (٧)، ولو كان نقصًا في دينه على الإطلاق، لكان
_________________
(١) أخرجه من حديث عمر ﵁ أحمد ١/ ٢٥ و٤٣، والبخاري (١) و(٥٤) و(٢٥٢٩) و(٣٨٩٨) و(٥٠٧٠) و(٦٦٨٩) و(٦٩٥٣)، ومسلم (١٩٠٧)، وأبو داود (٢٢٠١)، والترمذي (١٦٤٧)، وابن ماجه (٢٤٢٧)، والنسائي ١/ ٥٨ - ٦٠ و٦/ ١٥٨ - ١٥٩ و٧/ ١٣.
(٢) في (ف): " وبما ".
(٣) برقم (١٠٠٦)، وأخرجه أيضًا أحمد ٥/ ١٦٧ و١٦٨، وأبو داود (٥٢٤٣).
(٤) وهي " الأربعون النواوية "، وهو الحديث الخامس والعشرون منها. انظر " جامع العلوم والحكم " ص ٢٢٠ - ٢٢٦.
(٥) أخرجه من حديث ابن مسعود أحمد ١/ ٤١١ و٤١٦ و٤٣٧، ومسلم (٢٧٢١)، والترمذي (٣٤٨٩)، وابن ماجه (٣٨٣٢)، وابن حبان (٩٠٠).
(٦) في (ش): " وكذلك ".
(٧) أخرج أحمد ٣/ ١٩٤ و٢٤٨، والبخاري (٦٣٣٤) و(٦٣٧٨) - (٦٣٨١)، ومسلم =
[ ٨ / ١٩١ ]
الدعاء عليه، لا له، وحديث أهلِ الدُّثور، وشكاية فقراء المهاجرين على رسول الله - ﷺ - من زيادتهم في الفضل، وكثرة الثواب معروفٌ في " الصحيحين " وغيرهما، وقول رسول الله - ﷺ -: " إنَّ الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء " (١).
وفي الصحيح: " أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيعُ " (٢)، وقد اشتهر في الحديث الصحيح الاستعاذة من الفقر من غير وجه.
قال الحافط ابن النحوي في كتابه " خلاصة البدر المنير " حديث إنه - ﷺ - استعاذ من الفقر. رواه أبو داود والنسائي عن أبي هريرة كذلك، وإسناده على شرط مسلم، كما قال الحاكم (٣)، ومتفق عليه أيضًا من رواية (٤) عائشة، لكن لفظه: " من فتنة الفقر " (٥). انتهى.
وعن علي ﵇ أنه كان يقول في دُعائه: اللهم صُنْ وجهي باليسار، ولا تبذُل جاهي بالإقتار. رواه في " نهج البلاغة " فهذا كلام إمام الزاهدين، وقدوة العارفين.
وروى النسائي من حديث أنسٍ، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "حُبِّبَ إليَّ
_________________
(١) = (٢٤٨٠) و(٢٤٨١)، وابن حبان (٧١٧٨) عن أنس، أن أم سليم قالت لرسول الله - ﷺ -: أنس خادمك، ادع الله له. قال: " اللهم أكثر ماله وولده، وبارك له فيما أعطيته ".
(٢) أخرجه من حديث أبي هريرة البخاري (٨٤٣) و(٦٣٢٩)، ومسلم (٥٩٥).
(٣) أخرجه من حديث أبي هريرة أبو داود (١٥٤٧)، والنسائي ٨/ ٢٦٣، وابن ماجه (٣٣٥٤)، وصححه ابن حبان (١٠٢٩).
(٤) ولفظه: " اللهم إني أعوذ بك من الفقر والفاقة، وأعوذ بك من أن أَظلِمَ أو أُظلَم ". أخرجه أبو داود (١٥٤٤)، والنسائي ٨/ ٢٦١، وأحمد ٢/ ٣٠٥ و٣٢٥ و٣٥٤، وصححه ابن حبان (١٠٣٠)، والحاكم ١/ ٥٤١، ووافقه الذهبي.
(٥) في (ف): " حديث ".
(٦) أخرجه البخاري (٣٨٣٨) و(٦٣٦٨) و(٦٣٧٦)، ومسلم (٥٨٩) ص ٢٠٧٨، وأحمد ٦/ ٢٠٧، والنسائي ٨/ ٢٦٢، وابن ماجه (٣٨٣٨).
[ ٨ / ١٩٢ ]
الطيب والنساء، وجُعِلَتْ قرةُ عيني في الصلاة". رواه النسائي في أول " عِشرة النساء " بسندين جيدين عن ثابت، عن أنس، وهو من أحاديث " المجتبى من سننه " (١)، وهو صحيحها، ورواه ابن تيمية بصيغة الجزم، وقال: رواه الإمام أحمد.
وروى النسائي بعد ذلك شاهدًا لمعناه من حديث سعيد عن قتادة، عن أنس: لم يكن شيءٌ أحب إلى رسول الله - ﷺ - بعد النساء من الخيل (٢).
وذكره ابن الأثير في الطيب من الزينة في (٣) حرف الزاي، وفي الباب التاسع من حرف الفاء في فضل الصلاة (٤).
ومتى كان طلب المحتاج إليه من الله تعالى، كان من العبادة مثل صلاة الاستسقاء وصلاة الحاجة، ومنه قول عيسى ﵇: ﴿وارزُقْنَا وأنت خيرُ الرازقين﴾ [المائدة: ١١٤] فيما حكى الله عنه. وفي الحديث الصحيح " أن أيوب النبي ﵇ رأى جرادًا من ذهبٍ تسقط عنده، فجعل يلتقِطُها، فقال الله تعالى: ألم أُغنك عن هذا؟! فقال: بلى ولكن لا غنى لي عن بركتك " (٥).
فهذا وأمثاله كثيرٌ، فأمَّا حب المال المُلهي عن ذكر الله، الشاغل لصاحبه عن طاعة الله والتكاثر والتفاخر، وأمثال ذلك من أفعال الدُّنيويِّين ومقاصدهم، فليس بمحبوبٍ في الشرع، وفي هذا مباحث لطيفةٌ، ليس هذا موضع ذكرها.
_________________
(١) حديث حسن، رواه النسائي في " عِشرة النساء " (١) و(٢)، وفي " السنن الصغرى " ٧/ ٦١ - ٦٢. ورواه أيضًا أحمد ٣/ ١٢٨ و١٩٩ و٢٨٥، وأبو يعلى (٣٤٨٢) و(٣٥٣٠)، وصححه الحاكم ٢/ ١٦٠، ووافقه الذهبي.
(٢) أخرجه النسائي في " عشرة النساء " برقم (٣)، وفي " السنن الصغرى " ٧/ ٦٢.
(٣) في (ش): " من ".
(٤) " جامع الأصول " ٤/ ٧٦٦ و٩/ ٣٩٦.
(٥) أخرجه من حديث أبي هريرة أحمد ٢/ ٢٤٣ و٣١٤ و٥١١، والبخاري (٢٧٩) و(٣٣٩١) و(٧٤٩٣)، وابن حبان (٦٢٢٩) و(٦٢٣٠).
[ ٨ / ١٩٣ ]
غرابة حديث: "الفقر فخري"
وقد ذكر القرطبي في " تذكرته " (١) هذا المعنى مستوفى.
وأكثر المحبين للدنيا لا يحبُّونها على الوجه المسنون، بل إنما يحبها الأكثرون بمجرد الطبيعة البشرية وداعية الهوى، وذلك يكون في مرتبة النقص، لا في مرتبة التحريم، مهما بقي صاحبه على حد الشريعة في ترك الحرام، وأداءِ الواجب، فأما ما ورد على صورةٍ تناقض ما قدمنا من قوله ﵇: " اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفافَ والغِنى " (٢)، فلا أعلم شيئًا من ذلك المناقض لهذا يصح.
وذلك نحو ما رُوِيَ عنه - ﷺ - أنه قال: " اللهم أحْيِني مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشُرني في زُمْرَةِ المساكين ". وهو حديث ضعيف عند كثير من علماء الأثر، ضعفه ابن كثير (٣)، وقال ابن النحوي في " خلاصته ": رواه الترمذي (٤) عن أنس، وقال: غريب، وابن ماجة عن أبي سعيد بإسناد ضعيف، والحاكم به وصحَّحه (٥)، والبيهقي (٦) من رواية عبادة بن الصامت، ولا أعلم له علَّةً.
وحديث: " الفقر فخري " غريب، وقال بعض الحُفَّاظ المتأخرين: كذبٌ، لا نعرفه في شيءٍ من كتب المسلمين المعروفة (٧). انتهى كلام ابن النحوي.
_________________
(١) ص ٤٧١ - ٤٧٢.
(٢) تقدم تخريجه ص ١٨٥ من هذا الجزء.
(٣) في " البداية والنهاية " ٦/ ٥٢.
(٤) برقم (٢٣٥٢)، ورواه أيضًا البيهقي ٧/ ١٢، وابن الجوزي في " الموضوعات " ٣/ ١٤٢، وهو ضعيف كما قال الترمذي.
(٥) أخرجه ابن ماجه (٤١٢٦)، والحاكم ٤/ ٣٢٢، والبيهقي ٧/ ١٣، والخطيب في " تاريخ بغداد " ٤/ ١١، وابن الجوزي في " الموضوعات " ٣/ ١٤١، وإسناده ضعيف، ومع ذلك صححه الحاكم، ووافقه الذهبي!
(٦) ٧/ ١٢، وإسناده ضعيف.
(٧) قال ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في " أحاديث القصاص " ص ٧٦، وذكر الحديث السخاوي في " المقاصد الحسنة " ص ٣٠٠، والعجلوني في " كشف الخفاء " ٢/ ١١٣، وعلي =
[ ٨ / ١٩٤ ]
وأورد النواوي في كتاب " رياض الصالحين " (١) حديث: " اللهمَّ اجعل رزق آلِ محمَّدٍ قوتًا "، وفي رواية: " كفافًا ". ورواه البخاري ومسلم والترمذي من حديث أبي هريرة (٢)، ولكنه أغرب في تفسيره، فقال: إنَّ القوتَ: سدُّ الرَّمَقِ، وليس كذلك، وإنما القوت كفاية الحاجة، كذا أو نحوه في " صحاح " الجوهري (٣)، ويدلُّ عليه الرواية الأخرى: " اللهم اجعل رزق آلِ محمدٍ كفافًا "، ولا شك أن الكفاف، وكفاية الحاجة هو المقصود بالمعنى، فكأن النبي - ﷺ - كره الزيادة في الغنى.
وبالجملة، فما لم يعارض الأخبار المتَّفق على صحتها، فلا إشكال فيه، وما عارضها لم يَحِلَّ ترجيحُه عليها، وهي أقوى منه إجماعًا، فأما ما ورد في فضلِ الفقراء، فصحيحٌ، ولكن لا يُناقضُ هذا، فإنه من قبيل الأعواض على البلاوي، وليس يلزم المكلف البلوى ويسألها، لما فيها من العوض (٤)، ولهذا لم يَرِدْ في الحديث سؤالُ المرض والجُذام والعمى ونحو ذلك، بل جاء في الحديث: " سؤال العافية في الدنيا والآخرة " (٥) وإن كانتِ البلوى في الآخرة أكثر
_________________
(١) = القاري في " الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة " ص ٢٥٤، ونقلوا عن الحافظ ابن حجر قوله: هو باطل موضوع.
(٢) ص ٢٥٤.
(٣) أخرجه أحمد ٢/ ٤٤٦ و٤٨١، والبخاري (٦٤٦٠)، ومسلم (١٠٥٥)، والترمذي (٢٣٦١)، وابن ماجه (٤١٣٩)، وابن حبان (٦٣٤٣) و(٦٣٤٤).
(٤) ١/ ٢٦١.
(٥) في (ف): " الأعراض ".
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٢٤٠، وأحمد ٢/ ٢٥، والبخاري في " الأدب المفرد " (١٢٠٠)، وأبو داود (٥٠٧٤)، وابن ماجه (٣٨٧١) عن عبد الله بن عمر، قال: لم يكن رسول الله - ﷺ - يدع هؤلاء الدعوات حين يمسي وحين يصبح: " اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي. اللهم استر عوراتي، وآمن روعاتي، اللهم احفظني من بين يدي، ومن خلفي، وعن يميني، وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أُغتال من تحتي " وصححه ابن حبان (٩٦١)، والحاكم ١/ ٥١٧ - ٥١٨، ووافقه الذهبي.
[ ٨ / ١٩٥ ]
أجرًا من العافية، فالسنة: الرغبة إلى الله تعالى في العافية، فالبَشَرُ ضعيفٌ، والصبر قليلٌ، وقد حكى الله تعالى عن أيوب ﵇ أنه شكا إلى الله تعالى ما نزل به من الضُّرِّ، وقال: ﴿أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وأنت أرحم الراحمين﴾ [الأنبياء: ٨٣]، فهذا أيوب الذي قال الله تعالى فيه: ﴿إنَّا وَجَدْنَاهُ صابرًا نِعْمَ العبد إنه أوَّابٌ﴾ [ص: ٤٤] فكيف بغيره؟
فإن قلت: عادة أهلِ العلم التزهيد في الدنيا، وهذا الكلام كالمناقض (١) لذلك؟
قلت: ليس كذلك، فإن لكلِّ مقامٍ مقالًا، فالعلماءُ زهَّدوا في الدنيا خوفًا من معصيةِ الله تعالى في الوقوع في الحرام، وخوفًا من الاشتغال عن طاعةِ الله تعالى بمباحها.
وأنا بيَّنْتُ المباح من الحرام خوفًا من معصية الله تعالى في تأثيم من تناول المباح، ورد حديثه والقدح في عِرضه، فالكل قاصدٌ لنصيحة المسلمين، وتحذيرهم من الوقوع في معصية ربِّ العالمين، وقد ذكر بعض العلماء وجوب كسب الحلال، وقال: إنما (٢) تركنا حثَّ الناس عليه لأن في طبع البشر ما يكفي، وما زال أهل الزهد والرقائق يُقَبِّحُون حب الدنيا حتى غَلِطَ في ذلك من لا فقه له، وظن أن من تناول شيئًا من الدنيا من أهل العلم، فقد حل عرضه، وبطلت عدالته.
وقد ذكر الغزالي في كتاب " الإحياء " (٣) مفاسد المخالطة ومصالحها، فذكر ما يليق بحال كتابه في التَّرفُّق والوعظ.
وأنا ذكرت هنا ما يليق بمقتضى الحال من تعريف محضِ الشَّرع، وصريح الحق، وذلك لا يتناقض عند أهل البصر والمعرفة، وقد ذكر ابنُ بطَّال
_________________
(١) في (ف): " مناقض ".
(٢) في (ف): " قال: وإنما ".
(٣) ٢/ ٢٢١ - ٢٤٤.
[ ٨ / ١٩٦ ]
في شرحه للبخاري عن العلامة ابن جرير الطبري، والعلامة ابن المنذر جوازَ الأخذ مما في أيدي الظلمة وغيرهم، إلاَّ ما تعيَّن أنه مظلِمَة بعينه لرجلٍ معروفٍ، وحكاه ابن جرير عن الأئمة من الصحابة والتابعين بهذا اللفظ، وحكاه عن جماعة كثيرةٍ، وعيَّن أسماءهم، منهم (١) تسعةٌ صحابة، وعشرةٌ تابعون أو أكثر.
أما الصحابة: فعلي بن أبي طالب ﵇، وابنه الحسن ﵇، وابن مسعود، وأبو الدرداء، وأبو هريرة، وعائشة، وابن عباسٍ، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعثمان.
وأما التابعون، فأبو جعفر محمد بن علي الباقر ﵇، وسعيد بن جبيرٍ، وعلقمة، والأسود، والنخعي، والشعبي، والحسن البصري، ومكحول، وعكرمة، والزُّهري، وابن أبي ذئب.
واحتج ابن المنذر على ذلك باستقراض النبي - ﷺ - من طعام اليهودي ورهنه درعه، وذلك في آخر أيامه (٢)، وقد وصفهم الله تعالى بأكلهم (٣) السُّحت (٤).
واحتج ابن جرير بأمرين:
_________________
(١) " منهم " ساقطة من (ش).
(٢) أخرج أحمد ٦/ ٤٢ و١٦٠ و٢٣٠، والبخاري (٢٠٦٨) و(٢٠٩٦) و(٢٢٠٠)، ومسلم (١٦٠٣)، والنسائي ٧/ ٢٨٨ و٣٠٣، وابن حبان (٥٩٣٦) و(٥٩٣٨) عن عائشة، قالت: توفي رسول الله - ﷺ -، ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعًا من شعير. وأخرجه بنحوه من حديث أنس أحمد ٣/ ١٠٢ و١٣٣ و٢٠٨ و٢٣٨، والبخاري (٢٠٦٩) و(٢٥٠٨)، والترمذي (١٢١٥)، والنسائي ٧/ ٢٨٨، وابن ماجه (٢٤٣٧)، وابن حبان (٥٩٣٧).
(٣) في (ف) و(د) " بأكل ".
(٤) ونقل قوله الحافظ في " الفتح " ٣/ ٣٣٨.
[ ٨ / ١٩٧ ]
أحدهما: وجوب الحكم للفُجَّار بما في أيديهم، كوجوبه للأخيار على سواءٍ في حكم الشريعة.
وثانيهما: إباحة أخذِ الجزية من أهل الكتاب وإحلالها للمسلمين، مع علمِ الله أن أكثر أموالهم أثمان الخمور والخنازير، وأنهم يتعاملون بالربا. ذكره ابن بطال في كتاب الزكاة، في باب: من أعطاه الله شيئًا من غير مسألة ولا إشراف نفسٍ في شرح قول النبي - ﷺ - لعمر: " إذا جاءَك مِنْ هذا المال شيءٌ وأنت غير سائلٍ ولا مُشرفٍ فخُذْهُ " (١).
وذكر أن عموم هذا القول حجةٌ على قبول عطايا الأمراء والظلمة، وفسَّر إشراف النفس بالتعرض، والشَّره، والطمع، مأخوذٌ من: أشرف (٢) الرجل، إذا تطاول ومد بصره، ومنه الموضع المشرف: المرتفع.
وحكى كراهة أموال الأمراء وقبول صلاتهم عن الثوري، ومحمد بن واسعٍ، وأحمد بن حنبل، ومسروق، وعبد الله بن المبارك، وابن سيرين، وأكثرهم للاحتياط لا للتحريم، ومنهم من حرمها.
وحجة من حرمها حديث الشبهات (٣)، وقد اختار الخطابي في شرحه الحديث في " معالم السنن " (٤) الجواز، وكذلك ابن عبد البر، وحكى النواوي (٥) في الشبهات ثلاثة أقوال: الحِلُّ، والتحريم، والكراهة، وهو المختار، لأنه ظاهر الحديث، فإن النبي - ﷺ - جعل الحلال بينًا والحرام كذلك، وجعلها قسمًا ثالثًا، وشبَّهها بما حول الحمى لا بالحمى، وجعل العِلَّة في تحريمها خوف
_________________
(١) أخرجه أحمد ١/ ٥٢، والبخاري (١٤٧٣)، ومسلم (١٠٤٥)، وابن حبان (٣٤٠٣).
(٢) في (ش): " إشراف ".
(٣) هو حديث النعمان بن بشير: " إن الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات "، وقد تقدم تخريجه ٢/ ٣٣٥ - ٣٣٦.
(٤) ٣/ ٥٦.
(٥) في " شرح مسلم " ١١/ ٢٧.
[ ٨ / ١٩٨ ]
الوقوع في الحمى، ولأنه نهى (١) عن أجرة الحجام مرتين، وقال في الثالثة: " اعلفه ناضِحَك وأطعمه رقيقك " (٢) فدلَّ على الكراهة، ولما ورد من النواهي الصحيحة عن السؤال عن المسكوت عنه، والأمر باستحلاله حتى ينهاهم (٣) عنه، وبذلك احتج من أحلَّها، منهم ابن عبد البر، قال: هي عندنا من الحلال الطيب، ولي فيها تفصيل جيِّدٌ ذكرته في " قبول البشرى ".
على أن الزَّهادة غيرُ الفقر، وكم من فقيرٍ مشغول القلب بالدنيا، وغني مشغول القلب بالآخرة، ومحلها القلب إجماعًا.
وقد روى الترمذي (٤) من حديث أبي ذرٍّ، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: " ليست الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال ولا إضاعة المال، ولكن الزهد أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يديك (٥)، وأن تكون في ثواب المصيبة أرغب منك فيها لو أنها بقيت لك ". ورواه رزين، وزاد فيه: " لأن الله تعالى يقول: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُم﴾ [الحديد: ٢٣].
وهذا الكلام انسحب من الكلام في مُخالطة الملوك لمحبة تناول شيءٍ مما يحِلُّ تناوله بما في أيديهم.
والقصد ما ذكرته من الزَّجر عن الغيبة، واعتقاد جرح من فعله من أهل الديانة والعلم، فقد ذكر العلماء من أنواع الغيبة قول القائل: فلان مبتلى بمخالطة السلاطين، فالله يُسامِحُهُ، ونحو ذلك من غيبة القُرَّاء.
_________________
(١) " نهى " ساقطة من (ف).
(٢) أخرجه من حديث ابن محيصة عن أبيه الشافعي ٢/ ١٦٦، وأحمد ٥/ ٤٣٥، وأبو داود (٣٤٢٢)، وصححه الترمذي (١٢٧٧)، وابن حبان (٥١٥٤).
(٣) في (ف): " نهاهم ".
(٤) برقم (٢٣٤٠)، وأخرجه أيضًا ابن ماجه (٤١٠٠)، وإسناده ضعيف، فيه عمرو بن واقد النكري، قال الترمذي: منكر الحديث.
(٥) في (ش): " يدك ".
[ ٨ / ١٩٩ ]
الدليل على إباحة مخالطة السلاطين
فإن قلت: هذا مجرد دعوى لإباحة المخالطة إذا لم يكن فيها معصيةٌ، فما الدليل على ذلك؟ قلت: الدليل عليه وجوهٌ:
الوجه الأول: الحديث الصحيح، والنص الصريحُ، وذلك أنه ثبت عن رسولِ الله - ﷺ - أنه ذكر أئمة الجور ومن في معناهم، ثم قال: " فمن غَشِيَ أبوابهم، فصدقهم في كَذِبِهِم، وأعانهم على ظلمهم، فليس مني ولست منه، وليس بواردٍِ عليَّ الحوض يوم القيامة، ومن غشيها أو لم يغشها فلم يصدقهم في كذبهم، ولم يُعنهم على ظلمهم، فهو مني وأنا منه، وهو وارد علي الحوض يوم القيامة ". رواه الترمذي في موضعين من " جامعه " (١) بإسنادين مختلفين، أحدهما: صحيح، وعليه الاعتماد، والثاني: معلول، وهو شاهد للصحيح غير قادح فيه ورواه أبو طالب في " الأمالي "، فقال: أخبرنا أبو العباس أحمد بن إبراهيم الحسني، حدثنا أحمد بن سعيد بن عثمان الثقفي، أخبرنا محمد بن يحيى الذُّهلي، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن خُثيم، عن عبد الرحمن بن سابَط، عن جابر بن عبد الله: أن النبي - ﷺ - قال لكعب بن عجرة: الحديث ولفظه: " فمن صدَّقهم في كذبهم، وأعانهم على ظلمهم فأولئك ليسوا مني ولستُ منهم، ومن لم يُصدقهم في كذبهم، ولم يُعِنْهم على ظلمهم فأولئك مني وأنا منهم، سيردون على حوضي " (٢).
ومن ذلك ما رواه أبو داود في " سننه " (٣) عن النبي - ﷺ - أنه نهى عن المسألة، إلاَّ أن يسأل الرجل ذا سلطانٍ، فهذا عامٌّ في سلاطينِ العدلِ
_________________
(١) الترمذي (٦١٤) و(٢٢٥٩)، وأخرجه أيضًا النسائي ٧/ ١٦٠، وصححه ابن حبان (٢٧٩) و(٢٨٢) - (٢٨٥)، والحاكم ١/ ٧٩، ووافقه الذهبي.
(٢) هو في " مصنف عبد الرزاق " (٢٠٧١٩)، وأخرجه أحمد ٣/ ٣٢١ و٣٩٩، والبزار (١٦٠٩)، وصححه الحاكم ٣/ ٤٧٩ و٤/ ٤٢٢، وابن حبان (١٧٢٣)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٣) برقم (١٦٣٩) من حديث سمرة، وأخرجه أحمد ٥/ ١٩ و٢٢، والترمذي (٦٨١)، والنسائي ٥/ ١٠٠، وصححه ابن حبان (٣٣٨٩) و(٣٣٩٧).
[ ٨ / ٢٠٠ ]
والجَوْرِ، وليس يمكنه السؤال إلاَّ بضربٍ من المخالطة.
الوجه الثاني: العموم القرآني، وهو قول الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون﴾ [الممتحنة: ٨ - ٩]. فهذه الآية الكريمة تُخَصِّصُ العمومات (١) الواردة في هذا الباب، وتبيِّنُها.
وقد ذكر الزمخشري في " الكشاف " (٢) أن المعنى: لا ينهاكم عن مبرَّة هؤلاء، وإنما ينهاكم عن تولِّي هؤلاء. قال في " الكشاف ": وهذا رحمةٌ لهم لتشدُّدهم وحدهم في العداوة، حيث رخَّص لهم في صلة من لم يجاهر منهم (٣) بقتال المؤمنين، وإخراجهم من ديارهم. انتهى.
فإذا كان هذا في صلة الكفار والبِرِّ بهم، فكيف في الوفادة عليهم، وأخذ أموالهم (٤)؟ فإنه ليس في ذلك شيءٌ من البر والإعانة لهم، بل هو في الحقيقة أذيَّة لهم، وتقليلٌ من أموالهم التي ينفقونها في السرف والمعاصي، فكيف في الوِفادة على ملوك المسلمين الذين خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا، مع الإجماع على جواز محبة العاصي لخَصْلَةِ خيرٍ فيه، ولا أعظم في خصال الخير مِنْ قول: لا إله إلاَّ الله محمد رسول الله، كما ثبت في الحديثِ الصحيح (٥).
الحجة الثالثة: فعل يوسف ﵇ مع عزيز مصر، وليس فيها إلاَّ أنه
_________________
(١) في (ش): " العموميات ".
(٢) ٤/ ٩١.
(٣) " منهم " ساقطة من (ف).
(٤) من قوله: " وإخراجهم من ديارهم " إلى هنا، سقط من (ش).
(٥) انظر ٥/ ٣٠٦ ت (٢).
[ ٨ / ٢٠١ ]
من شرع من قبلنا، وقد تقدم أن المنصور بالله وغيره من العلماء قالوا: إنه حجة إذا ذُكِرَ في كتابنا، وقد ثبت الدليل على صحة ذلك فيما تقدم، وليس ينبغي أن نعترض هذه الحجة بأن يوسف ﵇ نبيٌّ، فإنه لو لم يكن نبيًا، لم يحتج بذلك، فتأمَّل ذلك.
الحجة الرابعة: أن الأصل الإباحة، ولا دليل صحيح ينقُلنا عنه، ولنقتصر على هذا القدر في الاحتجاج على إباحة هذا الأمر، لا على استحبابه، فتركُه أفضلُ بلا ريب.
الحجة الخامسة: ما حكاه السيد عن القاضي والحاكم -وهما شيخا الاعتزال- من الاحتجاج على جواز ذلك بقوله تعالى: ﴿فقولا له قولًا ليِّنًا لعله يَتَذَكَّرُ أو يخشى﴾ [طه: ٤٤]، وقولهما: إن الظالم أولى بذلك من الكافر، وقد تقدم ذلك مستوفى في مسألة المتأولين، وتقدم بعضه قريبًا في أوَّل هذه المسألة.
ويلحق بهذه الجملة تنبيهٌ عظيم النفع، وهو يشتمل على أمرين:
أحدهما: أن الحاجة إلى معرفة هذه المسألة عامة، فالكل مُبتلى بها، إلا النادر، فالأئمة مُبْتَلَوْن بها لمخالطتهم للفَسقة من الجُند والأعوان، ومن ليس من أهل الأمر، ومن لا يخالطهم، فهو مبتلى بمخالطة قُطَّاع الصلاة من العامة، ولكثيرٍ من أهل المعاصي، أما الكبائر أو الملتبسة كالغيبة ونحوها، ولا يكاد الإنسان يسلم من مخالطة من هذه صفته من جيرانه وأهله وأعوانه على الدنيا، بل قد تكون الزوجة والولد كذلك، وأمثال هذا كثير.
الأمر الثاني: أن مُنتهى ما في الباب أن يقوم عند بعض أهل المعرفة دليلٌ على تحريم المخالطة للملوك من غير فعل حرام، لكن هذا لا يقتضي جرح من فعل ذلك. لأن هذه مسألة ظنية، والدليل فيها من كلا الجانبين غير قاطعٍ، فالمعتقد لتحريم ذلك يلزمه (١) المخالطة للملوك من غير اجتنابه، ولا يحل له
_________________
(١) من قوله: " فعل حرام " إلى هنا، ساقط من (ش).
[ ٨ / ٢٠٢ ]
المخالطة للمصالح المتعلقة بالعامة
القدح على من فعل ذلك اجتهادًا أو تقليدًا.
وبهذا الكلام تم القسم الأول من أقسام المخالطة، وهو المخالطةُ لنيلِ شيءٍ من الدنيا على وجهٍ يحِلُّ.
القسم الثاني: المخالطة للمصالح المتعلِّقة بالعامة من الشفاعة للفقراء، والتبليغ بالمظلومين (١) أو نحو ذلك، أو المصالح الخاصة بالملوك من وعظهم أو تذكيرهم وتعريفهم بما يجب للمسلمين وتعليمهم معالم الدين، وسواءٌ كان ذلك على جهة التصريح (٢) أو التلويح مع حُسْنِ النية، وهذا القسم يكونُ مستحبًّا غير مكروهٍ، وسواء كان الغرض الحاصل من ذلك تركهم للباطل كله، أو تركهم لبعضه، وتخفيفَهم منه، إلاَّ أن يكون في الزمان إمامُ حقٍّ يدعو إلى حرب الظَّلَمَةِ، فإن المصير إليه هو الواجب، وإنما قلت: إن هذا يكون مستحبًَّا، لِمَا ورد في ذلك من الآثار الصحيحة، مثل قوله ﵇: " أفضل الجهاد كلمة حقٍّ عند سلطانٍ جائرٍ " (٣). وقوله ﵇ في الحديث الصحيح: " الدين النصيحة ". قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: " لله ولكتابه ورسوله، ولعامة المسلمين وأئمتهم " (٤)، فالسلاطين من جملة عامة المسلمين -أعني أهل الملة- ولأن الأنبياء ﵈ كانوا يخالطون الكفار لمثل ذلك، ولأن الحسن ﵇ كان يُخالط معاوية، ويدخُلُ عليه، ويُكاتبُه لمثل ذلك.
ومن كلام الإمام الداعي يحيى بن المحسن في " الرِّسالة المخرسة لأهل المدرسة " قال ﵇: لا يجوز أن تكون الموالاة هي المتابعة فيما يمكن التأويل فيه، لأن كثيرًا من أهل البيت ﵈ قد عُرِفَ بمتابعة الظَّلَمةِ
_________________
(١) في (ف): " للمظلومين ".
(٢) في (ف): " مع التصريح ".
(٣) تقدم تخريجه ٢/ ٦٨ و٤/ ٢٤٥.
(٤) حديث صحيح، وقد تقدم تخريجه ١/ ٢١٤.
[ ٨ / ٢٠٣ ]
لوجهٍ يُوجبُ ذلك، فتولى الناصر الكبير ﵇ منهم، وصلى لهم الجمعة جعفر الصادق، وصلَّى الحسن السِّبط على جنائزهم، وأقام علي بن موسى الرِّضا مع المأمون، وكثر جماعته، وتزوَّج ابنه محمد ابنة المأمون وغير ذلك.
والوجه فيه أن الفعل لا ظاهر له، فتأويله ممكنٌ إلى كلامٍ حذفناه، قال في آخره: لا تكون المتابعة فيما يمكن التأويل فيه موالاة، لأن كثيرًا من العِترة عُرِفَ بمتابعة الظلمة لوجه، كما ذكرناه.
القسم الثالث: المخالطة للتقية، وهي جائزةٌ، لِنَصِّ القرآن، قال الله تعالى: ﴿إلاَّ أن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨]، وسواءٌ أظهر المخالط أنه خالط لأجل التقية، أو لم يظهر ذلك، فإن الأكثرين لا يتمكنون من إظهاره، بل التقية تقتضي كتم ذلك.
القسم الرابع: المخالطة لأجل الجهاد والغزو معهم للكفار، ممن يستجيزُ ذلك. وقد فعل ذلك غير واحد من الصحابة والتابعين وغيرهم من خيار المسلمين، بل قد قام الجِلَّةُ والفضلاء مع المختار الكذاب الذي ادعى النبوة، وكَذَبَ على الله ورسوله لما قام بثأر الحسين ﵇، وهذا أيضًا لا يُعترض على فاعله، لأنه ظني لا قاطع على تحريمه.
القسم الخامس: المخالطة لأجل القرابة والرحامة، وهذا أيضًا جائزٌ، وقد رخَّص الله تعالى للمسلمين في صِلَةِ المشركين على العموم إذا لم يجاهروهم بالحرب والإخراج من الديار، وفي " الكشاف " (١) أن قوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة: ٨] الآية، نزلت في قتيلة بنتِ عبد العزى أم أسماء بنت أبي بكرٍ، قَدِمت وهي مشركةٌ إلى بنتها، فلم تقبل هداياها، فنزلت الآية، وفي " صحيح البخاري " (٢) معنى هذا ولفظه.
_________________
(١) ٤/ ٩٢.
(٢) برقم (٢٦٢٠) و(٣١٨٣)، وانظر " صحيح ابن حبان " (٤٥٢) و(٤٥٣).
[ ٨ / ٢٠٤ ]
وأصرح من هذا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥].
وقد كان رسول الله - ﷺ - معروفًا بين أرحامه من الكفار والمسلمين.
الفائدة الثانية: في الإشارة إلى من فعل شيئًا من ذلك ومن لم يفعله، وهذه الفائدة تحتمل التوسيع الكثير، ولكن لا فائدة فيه، ولا طريق إليه، فالاستقصاء لذلك يحتاج إلى استحضار كثيرٍ من كتب التواريخ، والإشارة إلى الجُملة تكفي مع ذكر عيون ذلك إن شاء الله تعالى.
فأمَّا من لم يقع منه شيءٌ من ذلك، فهم النادر من خواصِّ أهلِ الزهادة، وأفرادهم الذين فرُّوا بأنفسهم من الفِتَنِ، وصبروا على خشونة العيش، ومفارقة الوطن، وأكثر من اشتهر ذلك عنه، وصح تنزهه من ذلك من أئمة العترة ﵈ الإمامان الزاهدان: القاسم والهادي وكثيرٌ من أهل البيت ﵈، ولذلك سبقا كثيرًا مِمَّن قبلهما، وفاتا من بعدهما، ورجحا في ميزان التفضيل على جلة الأئمة، وتميَّزا بالجلالة العظيمة عند عُلماء الأمة.
وفي الرواية المشهورة: أن المأمون بَذَلَ للقاسم ﵇ وَقْرَ سبعة أبغُل ذهبًا، ويبتديه بكتابٍ أو يجيبُه عن كتابٍ، فامتنع القاسم ﵇ من ذلك، ولامته زوجته على ذلك، وله ﵇ أشعارٌ في هذا المعنى، منها قوله ﵇:
تقول التي أنا رِدْءٌ لها وقَاءَ الحوادث دُون الرَّدى
ألسْتَ ترى المال منهله مخارِم أفواهها باللُّهى
فقلتُ لها وهي لوَّامَةٌ وفي عيشها لو صَحَتْ ما كفى
كفافُ امرىء قانعٍ قوتُه ومن يَرْضَ بالقُوتِ نَالَ الغِنَى
ومنها قوله ﵇:
أسَركِ أنْ أكونَ رتعـ ـتُ حيثُ المالُ والبَهَجُ
[ ٨ / ٢٠٥ ]
ذريني خَلْفَ قاصِيَةٍ تَضَايَقُ بي وتَنْفَرِجُ
ولا تَرْمِنَّ بي غرضًا تطاير دونه المُهَجُ
ومن أئمة الحديث والفقه أبو حنيفة، ومالكٌ، وأحمد بن حنبل، وعبد الله بن المبارك، وغيرهم.
وقد تقدم ذكر ما لأحمد بن حنبل في ذلك من المبالغة الكبيرة في ترجمته في الوهم الخامس عشر، وإنما استوفيت ذلك في حقه، لما وقع في حقه من الجهل الفاحش المزري بصاحبه. نسأل الله السلامة.
وفي العلماء والصالحين عددٌ كثيرٌ قد انتهجوا منارهم، واقتفوا آثارهم.
وأما من خالط الملوك، أو كاتبهم، أو قَبِلَ عطاياهم، فهم السواد الأعظم من المتقدمين والمتأخِّرين والصحابة والتابعين.
وأنا أذكر منهم عيونًا حسب ما حضرني، وأقدِّمُ قبل ذلك مقدمتين:
إحداهما: أنِّي، وإن سردتهم في الذكر، فهم متفاوتون عندي في المراتب، حسبما أسلفت من تقسيم المخالطة إلى تلك الأقسام، فمنها المخالطة المستحبَّةُ، ومنها المباحة، ومنها المكروهة، لكن هذه الأنواع كلها تدخل تحت جنس الإباحة لما تقدم من الدليل على ذلك.
المقدمة الثانية: أن القصد بذكر أن يُعْذَرَ المفضول النازلة درجته بسبب ذكر ما فعل الأفضل، وإن كانا مختلفين، فالأفضل فعل ذلك على وجه يُستحبُّ بنيةٍ صحيحةٍ يحصل معها (١) الثواب على فعله، والمفضول يفعل (٢) ذلك على وجه يُكره أو يُباح، لكن لو كان ذلك الفعل في رتبة التحريم مثل شرب الخمر، وقتل النفس لم يصدر من الفاضل البتة، ولتحاماه جميع الفضلاء كما تحاموا فعل المحرمات، وكما تحاماه القاسم ﵇، ولم يترخص في شيءٍ منه.
_________________
(١) في (ف): " بها ".
(٢) في (ف): " فعل ".
[ ٨ / ٢٠٦ ]
فلتكن هاتان المقدمتان على بالٍ من الناظر في ذلك كي لا يحسب أني لم أُميِّر الفاضل من المفضول، ولم أعرف ما بينهما من الفرق العظيم، وهذا حين أبتدىء في الإشارة إلى ذكرهم على طبقاتهم.
الطبقة الأولى: طبقة الأنبياء ﵈، وقد أشرت إلى مخالطة يوسف ﵇ لعزيز مصر فيما مضى، وقريبٌ منها مخالطة نوحٍ ولوط لزوجتيهما مع كفر زوجتيهما، وقول نوحٍ ﵇: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ [هود: ٤٥] يسأل (١) الله بذلك أن يكون معه في السفينة مخالطًا له وناجيًا معه، وهذا إنما يكون حجة إن لم يصح أن ابنه كان منافقًا، وقد رُوِيَ ذلك، والله أعلم بصحته.
فهذا وأمثاله وقع مِنَ الأنبياء ﵈، ولم يجب أن يحملهم على كراهة المعاصي، وكراهة العُصاة على طلاق الزوجة العاصية، وعلى أن لا يرقُّوا لأحدٍ من أرحامهم العصاة (٢)، ولا ذمَّهم الله تعالى بهذا لأجل هذا المعنى، بل أثنى الله تعالى على خليله إبراهيم لما جادل عن قوم لوط، فقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥]، ولم يزد في نهيه عن ذلك على أن قال: ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [هود: ٧٦].
الطبقة الثانية: الأئمة والسادة من أهل البيت والصحابة ﵃، وقد كان الحسن بن عليٍّ ﵇ يكاتب معاوية، ويدخل عليه، ويأخذ منه العطايا، وذلك على الجملة مشهورٌ في كتب أهل البيت ﵈ وغيرهم، ورُوِيَ أن الحسن ﵇ وعبد الله بن جعفرٍ الطيار ﵇ سألا معاوية في خلافة عليٍّ ﵇، فأعطى كل واحدٍ منهما مئة ألفٍ، فبلغ ذلك عليًّا ﵇، فقال: ألا يستحيان من رجلٍ نَطْعُنُ في عينه بُكرة وعشيًَّا يسألانه المال؟!
_________________
(١) في (ف): " سأل ".
(٢) " العصاة " ساقطة من (ف).
[ ٨ / ٢٠٧ ]
ورُوِيَ عن أبي هريرة أنه كان إذا أعطاه معاوية، سكت، وإن لم يعطه، تكلم (١).
وكانت أرزاق الصحابة بعد صُلح الحسن ﵇ من معاوية، فإنه تولى ما كان يتولاه الخلفاء من قبله من بُيوت الأموال وأرزاق المسلمين، وكانوا يُخالطونه ويحضُرُون مجلسه، ولهذا نُقِلَ عنهم في الأحاديث الصِّحاح أنهم كانوا ينكرون عليه ما فعله من المنكر بحضرتهم، ولو كانوا غائبين عن حضرته، ما اتفق منهم ذلك على ذلك الوجه، وذِكْرُ ذلك على التفصيل يطول.
ومِنْ أشهرِ ما يُذكر في هذا المعنى مخالطة علي بن موسى الرضا ﵇ للمأمون بن هارون، وسكونه في قصره، واستنكاحُه ابنته لولده، ورغبته في مُصاهرته، واستمراره على ذلك حتى مات ﵇.
ومن ذلك ما رُوِيَ أن الإمام محمد بن إبراهيم صِنْوَ القاسم ﵉، وفَد على بعض البرامكة، فرأى من كرمه وإكرامه أمرًا عظيمًا، فأقسم أن لا يوفد أحدًا بعده، هذا وهو الذي كان القاسم ﵇ من عُمَّاله، وكان يقال: أعْظِم بإمامٍ القاسم بن إبراهيم ﵇ من عماله.
ومن ذلك مصاهرة الإمام المنصور بالله ﵇ للسلاطين بني حاتم، وفي ديوانه ﵇ ما لا مزيد عليه من الثناء عليهم، والتأليف لهم بالتهاني والمراثي وأمثال ذلك من المُلاطفات، وذكر إقامته معهم في ذي مرمر، والشَّوق إلى عَوْدِ تلك الأيام، وذكر طيبها على عادة الشعراء في الرَّقائق الشَّوقيَّة.
_________________
(١) أخرجه ابن عساكر في " تاريخ دمشق " ١٩/ ٢٤٧ من طريقين، عن الوليد بن بكر، أخبرنا علي بن أحمد، أخبرنا صالح بن أحمد، حدثني أبي أحمد، أخبرنا العلاء بن عبد الجبار، أخبرنا حماد بن سلمة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب وأورده ابن كثير في " البداية والنهاية " ٨/ ١١٤ من طريق الإمام أحمد بهذا الإسناد، وقد تحرَّف فيه العلاء بن عبد الجبار إلى عبد الأعلى بن عبد الجبار.
[ ٨ / ٢٠٨ ]
ومن ذلك مخالطة السيدين الإمامين المؤيد بالله وأبي طالب للصاحب الكافي (١)، وكان مشهور الحال من جملة وُلاة الظلمة المعروفين ببني بُوَيه، ولما مات لم يستحل المؤيد بالله وقاضي القضاة الصلاة عليه، حدثني بذلك حيٌّ الفقيه علي بن عبد الله ﵀أعني تحريمهم من الصلاة عليه- وأما ظلمه وحاله، فهو معلوم، لكنه كان معتزلي العقيدة، وحسن التشيع، ذا حظ وافرٍ من الأدب والتمييز، بليغ التعظيم لأهل البيت وسائر العلماء وأهل الأدب، وقد كثُرَتْ لذلك مخالطتهم (٢) له واتباعهم له، حتى حكى في " الحدائق " (٣) أن المؤيد بالله مدحه بقصيدة بليغة ذكرها في " الحدائق " ومنها:
وكم لك في أبناء أحمد من يدٍ لها مَعْلَمٌ يوم القيامة ماثلُ
إليك عقيد المجدِ (٤) سارَتْ رِكابُهم وليس لها إلاَّ عُلاك وسائِلُ
فأعطيتهم حتى لقد سَئِمُوا اللُّهى (٥) وعاذَ من العُذَّال من هو سائِلُ
وأسعدتَهم والنَّحسُ لولاك ناجمٌ وأعززتهم والذُّلُّ لولاك شاملُ
فكل زمانٍ لم تُزَيِّنْهُ عاطلٌ وكلُّ مديحٍ غير مدحكَ باطلُ
وقد نَقَمَ على المؤيد هذا البيت مسلمٌ اللجي، وقال: هذا لا يليق إلاَّ في رسول الله - ﷺ -، والقصيدة طويلةٌ معروفةٌ مشهورةٌ، ومن جُملتها:
_________________
(١) هو الوزير الكاتب الأديب الصاحب كافي الكفاة أبو القاسم، إسماعيل بن عباد بن عباس الطالقاني، كان وزيرًا للملك مؤيد الدين بويه بن ركن الدين، له تصانيف، منها " المحيط " في اللغة، و" الإمامة "، و" الوزراء "، و" الكشف عن مساوىء المتنبي "، توفي سنة ٣٨٥ هـ. انظر ترجمته في " السير " ١٦/ ٥١١ - ٥١٤.
(٢) من قوله: " من الأدب " إلى هنا، سقط من (ش).
(٣) هو " الحدائق الوردية في سيرة الأئمة الزيدية " لحميد بن أحمد المحلي الهمداني، وقد تقدمت ترجمته ٣/ ٢٨٨.
(٤) عقيد المجد، أي: المجد طبع له.
(٥) اللُّهى، بضم اللام: أفضل العطايا وأجزلها، يقال: اللُّهى تفتح اللَّهى.
[ ٨ / ٢٠٩ ]
ألا أيُّهذا الصاحب الماجد الذي أنامله العليا غُيوثٌ هواطِلُ
أنامل لو كانت تشير إلى الصفا تَفَجَّر للعافين منها جداولُ
لأغنيتَ حتى ليس في الأرض مُعْدِمٌ وأعطيتَ حتَّى ليس في الناس آمِلُ
ومن ذلك ما رواه السيد الإمام أبو عبد الإله محمد بن علي بن الحسن بن علي بن الحسين بن عبد الرحمن العلوي الحسني مصنف كتاب " الجامع الكافي " في مذهب الزيدية، فإنه قال فيه في المجلد السادس في باب محاربة أهل الحرب: قال محمد -يعني ابن منصور-: حدثني أبو الطاهر، حدثنا حسين بن زيدٍ، عن عبد الله بن حسنٍ وحسنُ بن حسنٍ، إنهما دخلا على عبد الله بن محمد بن عمر بن علي ﵈، وهو يتجهَّز يريد الغزو في زمن أبي جعفر، فقالا له: مع هذا وهو يفعل ويفعل؟! فقال: حدثتني أمي خديجة بنت علي بن الحسين، عن أبيها، قال: قال رسول الله - ﷺ -: " الجهاد حلوٌ خَضِرٌ، لا يزيده عدل عادلٍ ولا ينقصه جور جائرٍ إلى آخر عصابة تقاتلُ الدجال " (١).
_________________
(١) أم عبد الله بن محمد بن عمر لم أقف لها على ترجمة، ثم هو مرسل، وأخرجه بنحوه سعيد بن منصور في " سننه " (٢٣٦٧)، وعنه أبو داود (٢٥٣٢)، أخبرنا أبو معاوية، أخبرنا جعفر بن بُرقات، عن يزيد بن أبي نشبة، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله - ﷺ -: " ثلاث من أصل الإيمان: الكفُّ عمن قال لا إله إلاَّ الله لا نكفره بذنب، ولا نخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل، والإيمان بالأقدار ". ويزيد بن أبي نشبة مجهول، وأورده الحافظ في " الفتح " ٦/ ٥٦، وقال: وفي إسناده ضعف. وأخرجه أبو داود (٢٥٣٣)، والدارقطني ٢/ ٥٧، والبيهقي ٣/ ١٢١ عن أحمد بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن مكحول، عن أبي هريرة رفعه، وهذا سند رجاله ثقات إلاَّ أن مكحولًا لم يسمع من أبي هريرة.
[ ٨ / ٢١٠ ]
ومن كثُرَت مطالعته للسير والأخبار، عرف من هذا كثيرًا، ولهذا قال المنصور ﵇لما كان من أعرف الناس بالسير والأخبار- روى ﵇ أنه لم يبق طالبيٌّ إلاَّ وفد على المأمون إلاَّ القاسم ﵇.
وأما الطبقة الثالثة: وهي طبقة الفقهاء، فمن المشهور في مثل هذا: مخالطة الإمام الشافعي ﵁، والقاضي أبي يوسف (١)، ومحمد بن الحسن الشيباني المجمع على نقل مذاهبهم، والاعتداد بهم، فإنهم كانوا يخالطون هارون، وقد كان القاضي أبو يوسف يسافر معه، ويركب معه في المحمِلِ فيما روى أهل التاريخ، وكانت للشعبي التابعي الجليل مخالطةٌ كثيرةٌ، وله في ذلك قصةٌ غريبةٌ مذكورةٌ في ترجمته، على أنه كان من أهل التشيع لأهل البيت ﵈، وقد كان قاضي القضاة وطبقة من علماء الطوائف يخالطون الصاحب الكافي، ويثنون عليه، ويحاضرونه، وكان له مجلسٌ معهم في كل يوم، فأخبارهم في ذلك مشهورة في كتب التواريخ، وقد كان العلامة ابن أبي الحديد وزيرًا لابن العلقمي، ومن أجله صنف شرح " نهح البلاغة " كما ذكره في خطبته (٢) وله في ابن العلقمي الثناء العظيم والمدح الكبير، مع الاختلاف في المذهب، فابن أبي الحديد معتزلي وابن العلقمي إماميٌّ.
وقد كان القاضي شرف الدين حسن بن محمد النحوي والفقيه حاتم بن منصور معاصرين للأمراء من الأشراف في صنعاء، وكانت طرائقهما مختلفة في مخالطتهم وتحسين العبارة في محاورتهم، وكان القاضي (٣) شرف الدين يزورهم، ويبتدئهم بالسلام والإكرام، ويفعلون له مثل ذلك مع ورعه وعلمه، ولم يقتض ذلك قدحًا في حي القاضي شرف الدين، لكونه كان ألين عريكةً
_________________
(١) هو الإمام المجتهد المحدث قاضي القضاة يعقوب بن إبراهيم الأنصاري.
(٢) " شرح نهج البلاغة " ١/ ٣ - ٤.
(٣) في (ف): " الفقيه ".
[ ٨ / ٢١١ ]
من حي الفقيه حاتم وغيرهما. ممن (١) لم أحب ذكره لخوف التطويل.
ويلحق بهذا تنبيهٌ، وذلك إنما عَظُمَ إستقباحنا لمخالطة الظلمة، لأنا لم نحوج إلى مخالطتهم، لإقامتنا في بلاد أئمة العدل من أهل البيت ﵈، واعتيادنا لرفقهم بنا، وعدم مؤاخذتهم لنا، وعفوهم إن أخطأنا، وصبرهم إن جهلنا، ومسامحتهم في حقِّهم وبذلهم لحقنا، فنحن كالمعافى الذي لا يألم قط، لا يعرف قدر العافية، ولا يدري ما مع الأليم من الضرورة، ولو أنَّا ابتلينا بالدول الجائرة المتعدية، لعرفنا أعذار من خالط أولئك الظلمة، وعرفنا ما ألجأهم إلى ذلك حق المعرفة، فنسأل الله تعالى دوام النعمة علينا، فإنا في عافية مما الناس فيه، ببركات (٢) أهل البيت ﵈، فنحن لعدلهم آمَنُ من الحمام في البيتِ الحرام، بل قد نسينا نعمة الأمانِ بعدلهم، واشتغلنا بطلب رِفدهم وفضلهم، فلله الحمد والمنة، وله الشكر على هذه النعمة.
واعلم أن مقاصد العلماء تختلف في هذا الباب، فقد يستحسن العالم من ذلك (٣) ما يستقبحه غيره، وذلك معلومٌ من أحوال العلماء والفضلاء، وقد كان الأمير علي بن الحسين صاحب " اللُّمع " يواصل بعض أعوان أولاد المنصور ﵇ في زمن الداعي، فاعترضه بذلك الإمام الداعي، والأمير إنما فعل ذلك لمصلحةٍ رآها، وإن كان الداعي لا يراها، وعلَّة التحريم المودة التي نَقَمَها الله على حاطب بن أبي بلتعة، فإذا لم يكن ثمَّ مودة، فالمسألة اجتهادية، والأعمال بالنيات، والمجمع عليه من تحريم المودة أن يكون لأجل المعصية، بخلاف ما إذا كانت لخصلة خيرٍ كما سيأتي.
والفائدة الثالثة في الدليل على أن المخالطة ليست موالاةً، والدليل على ذلك أن الموالاة هي الموادة والمحبة، لا المخالطة.
_________________
(١) في (ف): " مما ".
(٢) في (ف): " ببركة ".
(٣) " من ذلك " ساقطة من (ف).
[ ٨ / ٢١٢ ]
ثم إن الموالاة المحققة التي هي المحبة تنقسم إلى قسمين قطعي وظني:
فالقطعي: محبة العاصي لأجل معصيةٍ، وهذا القدر هو (١) المجمع على تحريمه دون غيره، ذكر ذلك الإمام المهدي محمد بن المطهر ﵇، وهو ينقسم أيضًا، فمنه ما يُجرَح به في الرواية في الحديث، وهو ما وقع على جهة الجرأة دون التأويل، ومنه ما لا يجرح به في الرواية، وإن كان جرحًا في الديانة، وهو ما وقع منه على سبيل التأويل كما قدمنا ذلك في مسألة المتأولين.
القسم الثاني من الموالاة، وهو الظني، وفيه فائدتان:
الفائدة الأولى: أن نصوص أهل المذهب تقتضي الترخيص الكبير في ذلك، فإنهم نصوا على جواز محبة العاصي لخصلة خير منه، ممن نص على هذا: القاضي شرف الدين ﵀، وهذا هو الذي جعله القاضي شرف الدين مذهب الهادي مع تشدده ﵇ في الموالاة، وفيه ترخيصٌ كبير، لأنه قل من ليس فيه خصلة خيرٍ من أهل المعاصي والظلمة، وليس ثبوت فسق فاسق يدلُّ على أنه لم يبق فيه خصلة خير قط، ولو أنك طلبت دليلًا على أن بعض الفسقة أو الكفرة ليس فيه خصلة خير ألبتة، لتعذر ذلك عليك غالبًا، بل قياس كلام أهل المذهب جواز محبة العاصي لمنفعةٍ دنيوية، وذلك لأنهم قد أجازوا نكاح الفاسقة بقطع الصلاة وسائر المعاصي، إلاَّ الفاسقة بالزنى.
على أن الفقهاء الأربعة والجمهور أجازوا نكاح الزانية مع الكراهة، لحديث الرجل الذي قال: إن امرأتي لا تَرُدُّ يد لامس، قال له رسول الله - ﷺ -: " طلقها "، قال: إن نفسي تتبعُها، قال: " فاستمتع بها " (٢).
ولهم في الآية الكريمة تفسيران (٣):
أحدهما: أنها منسوخة، وهو قول سعيد بن المسيب والشافعي.
_________________
(١) "هو" ساقطة من (ش).
(٢) تقدم تخريجه ٢/ ١٩٥.
(٣) انظر ٢/ ١٩٥ - ١٩٦.
[ ٨ / ٢١٣ ]
والثاني: أنها واردةٌ مورد الذم لمن لا يحب إلاَّ نكاح الزواني والمشركات بدليل أن في ظاهرها ما هو متروك وفاقًا، وهو انفساخ النكاح بزنى الرجل، وجواز نكاح المشركة للزاني، ولأن القراءة: ﴿لا تَنْكِحُ﴾ بالرفع على الخبر.
وكذلك أحمد بن عيسى ﵇، وزيد بن علي قد أجازا نكاح الكتابية من اليهود والنصارى (١)، وأجازه (٢) الإمام يحيى بن حمزة وكثير من الفقهاء، وقد تقدم ذكر ذلك، ودعوى الإجماع عليه من الصحابة مع أنه لا يكون بين أحدٍ من المحبة والأُنس ما بين الزوجين، فالذي بينهما في ذلك (٣) واقعٌ في أرفع مراتب المحبة، فهذا في محبة الزوجة من غير ضرورة إلى نكاح الفاسقة والكتابية، ومن غير اعتبار خصلة خير، فكيف بما وقع من ذلك مع الضرورة، أو كان لخصلة خير؟
الفائدة الثانية -وهي العمدة-: أن الجاهل قد يرى بعض العلماء يفعل فعلًا وهو يحفظ أنه حرامٌ، فيقدح عليه بذلك، ولم يدر أنه إنما يحفظ ذلك تقليدًا لأهل المذهب، وليس لأحدٍ أن يعترض غيره في مسألة اجتهاديةٍ، سواء كان مقلدًا أو مجتهدًا إذا كان ذلك الغير مستحلًا لما فعله، وسواء كان مقلدًا أو مجتهدًا، ومسائل الموالاة الظنية من هذا القبيل، فلو كان عالمًا خالفنا في مسألةٍ ظنية من مسائل الموالاة، فذهب إلى جوازها، وذهبنا إلى تحريمها، لم يكن لنا أن نقدح عليه بفعله لما استحله، وهذا واضحٌ.
واعلم أن أكثر المحرمات تشتمل على قطعي وظني، كالربويات، فإن الربا من الكبائر المنصوصة المجمع عليها، ولا يحل الجرح بمسائل الخلاف التي فيه، فإن المؤيد بالله ﵇ وغيره من علماء الإسلام يجيزون منه صورًا يذهب غيرهم إلى أنها ربا، وقد قدمت جملة من ذلك.
_________________
(١) " والنصارى " ساقطة من (ف).
(٢) " أجازه " ساقطة من (ف).
(٣) " في ذلك " ساقطة من (ف).
[ ٨ / ٢١٤ ]
ومن لطيف ما يجري في هذا المعنى القدح على كثيرٍ من العلماء الأفاضل بما يجري منهم من الغيبة، أو يجري في حضرتهم ولا ينكرونه، والذي عندي: أن الأولى للمتحرِّي أن يترك الغيبة وينكرها، ولكن لا يقدح على من يفعلها، ولا ينكرها إلاَّ بعد العلم، فإن تلك الغيبة التي صدرت منه غيبةٌ مجمعٌ على تحريمها، مقطوعٌ بقبحها، فإذا وقعت الصورة الظنية المختلف فيها ممن له بصيرةٌ، لم يؤمن أن يكون له وجه تساهله فيها أنه يستحلها، فلا يجوز عقد القلب على سوء الظن به، والقطع بأنه يُقدِمُ على ما يعلم أنه حرام، والله أعلم.
فإذا عرفت هذه الجملة، فاعلم أن الموالاة من جملة المحرمات التي يكون فيها المقطوع بتحريمه، المجمع على تأثيم فاعله، ويكون فيها الظنى الذي كل مجتهدٍ فيه مصيبٌ، فلا يجرح بهذا القدر منها.
وقد كان عمرو بن عبيد على جلالة قدره، وفخامة أمره، يواصل المنصور العباسي، لا لتقريره على ما كان فيه من الفساد في الأرض، وقتله أهل البيت ﵈، ولكن ليعظه، وله معه مواقف مشهورةٌ، ومواعظ مأثورة، فلم تحرم صورة المواصلة، ولا مجرد المخالطة (١).
وقد اشتملت هذه الفائدة على جواب ما ذكره السيد من القدح على الزهري بموالاة الظلمة، وتبين بهذا أن ذلك لا يتم للسيد إلاَّ بعد أمورٍ أربعة (٢):
أحدها: أن يدل بدليلٍ قاطعٍ على أن المخالطة لأهل المعاصي محرمةٌ بمجردها، وإن لم يفعل المخالط لهم شيئًا من معاصيهم، ولا يستدل في ذلك بعمومٍ ولا خبرٍ آحادي، فإنهما ظنِّيَّان، ولا بما يجوز (٣) أنه معارض أو منسوخٌ أو نحو ذلك.
وثانيها: أن يدل بدليلٍ قاطعٍ على أنها تستلزم الموالاة المُجمع عليها،
_________________
(١) من قوله " وقد كان عمرو بن عبيد " إلى هنا، لم يرد في (ف)، ورمج عليه في (د).
(٢) " أربعة " ساقطة من (ف).
(٣) في (ش): " لا يجوز "، وهو خطأ.
[ ٨ / ٢١٥ ]
التي هي المحبة والموادة التي محلها القلبُ، وأنه يستحيل من المُخالط أن يُضْمِرَ الكراهة لِمَنْ خالطه استحالةً علميةً قطعيةً، وإن لم يكن كذلك، لم يعلم أن المخالط موالي موالاة مجمع على تحريمها.
وثالثها: أن يدل بدليل صحيح قطعي أو ظني على (١) أن الزهري ما أحبهم لأمرٍ من الأمور، إلاَّ لكونهم ظلمةً عُصاة منتهكين لحُرَمِ الإسلام، لا لعَرَضٍ دنيوي يناله منهم، مثلما تجد الأشعريَّة يُحِبُّون الشيخ أبا الحسن الأشعري لكونه إمام مذاهبهم، والمعتزلة يحبُّون الجُبَّائيَّ لمثل ذلك، فهذه ونحوها (٢) موالاةٌ قطعًا، وإنما لم تشرط أن يكون الدليل هنا قطعيًا، لأنه لا سبيل إلى ذلك، ولأن الظنَّ يكفي في ثُبوت الجرح عن صاحبه، ولكن لا بُدَّ أن يكون ذلك الأمرُ المجروح به قبيحًا في نفسه قطعًا، هذا إن أراد السيد أن يستدل بذلك لنفسه، وإن أراد أن يُلزِمَ غيره جرح الزهري، ويحرم على غيره المخالفة لزم (٣) أن يكون دليله على ذلك قطعيًا.
ورابعها: أن يستدل السيد بدليلٍ صحيحٍ على أن الزهري في ارتكاب تلك المعصية مجترىءٌ على الله، عالمٌ بما فعل، كشربه الخمور، غير متأوِّلٍ في فعله، كالبُغاة والخوارج، ويكفيه في هذا أن يكون دليله ظنيًا إن أراد الاستدلال لنفسه، وإن أراد الإلزام لغيره، وتحريم المنازعة له، لزمه أن يكون دليله قطعيًا، فإذا استدلَّ السيد على هذه الأُمور الأربعة على الصِّفة المذكورة، حَسُنَ منه أن يجول في ميدان علماء الجرح والتعديل، وإلا فالصَّمت له أسلم، والله سبحانه أعلم.
الفائدة الرابعة: في الإعانة على المعاصي، وإعانة الظلمة، وهي أيضًا قسمان: قطعي وظني:
_________________
(١) " على " ساقطة من (ف).
(٢) " ونحوها " ساقطة من (ف).
(٣) في (د) و(ش): " لزمه ".
[ ٨ / ٢١٦ ]
فالقطعي منها: هو أن يُعين الظالم بالمال أو نحوه، قاصدًا بذلك أن يتمكَّن الظالم بسبب إعانته له من الظلم وفعل الحرام، أو يكون مباشرًا للمعصية بنفسه، كمن يقاتل معهم المسلمين، ويقبضُ لهم الأموال، من المعاقبين، أو يأمر بذلك. فأما من لم يفعل المعصية بنفسه، ولا أمر بها، ولا قصدَ الإعانةَ عليها، فإنه لا يُسَمَّى مُعينًا لهم، فإن قوي لبعض العلماء أنه معينٌ لهم، كان ذلك على سبيل الظن والاجتهاد الذي لا يُقْدَحُ به على مخالفه، ولهذا اختلف العلماء في مسائل الاجتهاد (١) مما يتعلق بهذا الباب، منها بيع السلاح والخيل من المحاربين للإمام والمفسدين في الأرض، والخلاف في ذلك معروفٌ. وممن أجاز ذلك: الأمير الحسين بن محمد صاحب " شفاء الأوام ".
وقد أجمع العلماء على جواز صُوَرٍ من هذا القبيل، مثل: صلة الوالدين العاصيين، فقد أمر الله بمصاحبتهما في الدنيا معروفًا، وإن كانا مشركين، فلا خلاف أنه يجوز للولد أن يطعِمَهما ويكسوهما، وإن كان يظن أنه إذا تركهما، قتلهما بالجوع والبرد، وإن طعمه لهما في بقائهما الذي هو سببٌ في معاصيهما، وكذلك يجوز للإنسان أن يبيع طعامه من العاصي، وإن كان يعرف أن العاصي إذا أكل ذلك الطعام يقوى بأكله على فعل كثيرٍ من المعاصي.
ومن ها هنا لم يكن الله تعالى مُعينًا على المعاصي لما كان غير مريدٍ للإعانة عليها، وإن كان قد خلق ما هو عونٌ عليها من الأرزاق الواسعة التي يسوقها إلى العُصاة، وقوة الأبدان وصحتها، وقد تختلف الظنون فيما ليس بقطعيٍّ من الإعانة، ويقع الاختلاف في صُورتين:
إحداهما: في أن الشيء محرَّمٌ أم لا، مثاله: بيع السلاح من البغاة فقد يظن المجتهد أنه لا يحرُم من غير قصدٍ لإعانتهم، فيخالف في جواز ذلك، وإن ظن أن السلاح يعينهم.
_________________
(١) " الاجتهاد " ساقطة من (د) و(ف).
[ ٨ / ٢١٧ ]
وثانيهما: دون هذه المرتبة، وهو أن يُسلِّمَ أن ذلك حرامٌ إذا كان يعينهم، ولكن يغلب على ظنه أنه لا يزيدهم، ولا يظهر له أثرٌ في إعانتهم، وأن البيع منهم والامتناع على سواءٍ، ومثل من يبيع العنب ممن لا يظن أنه لا يتَّخذه خمرًا، مع اعتقاده أن بيعه ممن يتخذه خمرًا حرامٌ، فإذا اختلفت الظنون في مثل هذه الأمور، كان كلٌّ مكلَّفًا بظنِّه.
ثم الإعانة القطعية المجمع على تحريمها تنقسم إلى قسمين: منها ما يكون جرحًا في الرواية، وهو ما صدر من فاعله مع اعتقاده لتحريمه، ومنها ما يكون جرحًا في الديانة دون الرواية، وهو ما فعله صاحبه مع اعتقاده لجوازه.
وأما القسم الظني، فلا يجرح من استحله، لا في الديانة ولا في الرواية.
وقد تختلف فيه الظنون، فقد يغلِبُ ظنُّ العالم أو غيره أنه لا يعين الظالم بمخالطته، بل قد يظن أن في مخالطته مصلحةً دينيةً، وإن كان غيره يظن أنه يعين الظالم، وأن في مخالطته مفسدة، فليس يجب عليه ترك ظنه والرجوع إلى ظنِّ غيره بالإجماع.
وكذلك الإقامة في مدائنهم: قد يصح فيها قريبٌ مما يصح في المخالطة من أنها إعانةٌ لهم، وأن الناس لو تركوا بلادهم، فلم يجدوا فيها من يُصلِّي بالجماعة، ولا من يفتي العامة، ولا من يفصل بين الخصوم ويقضي بينهم، لكان ذلك مُوحشًا لهم، منفِّرًا لكثير من الإقامة في أوطانهم، وفي ذلك تقليل عددهم، وإظهار فسقهم، بل لو هاجر الجميع من المكلَّفين من بلادهم، ما استقروا فيها، ولتعطَّلت مصالحهم من الخراج والجبايات، ففي إقامة المسلمين في بلادهم إعانةٌ وإيناسٌ، ولهذا أوجب الهادي والقاسم ﵉ المهاجرة من دار الفسق، لكن هذا لا يجب على القطع، ولهذا خالف المؤيد بالله وغيره من أهل البيت ﵈ وسائر الفقهاء، وقالوا: إن ذلك لا يجب، ولم يجرح أحدٌ ممن لم يهاجر من بلادهم، لا في دينه ولا في روايته، فإن الجِلَّة من الصحابة والتابعين ما هاجروا من بلاد الفسقة، كالحسنين عليهما
[ ٨ / ٢١٨ ]
السلام وجميع الصحابة، فإنهم أقاموا في المدينة، والحكم فيها لمعاوية، وهذا حجةٌ على قول الشيعة والمعتزلة، وفي مذهب أهل الحديث فيه ما تقدم من نقل القرطبي، وكذلك علي بن الحسين وولده الباقر وزيد بن عليٍّ وحفيده جعفر الصادق وأمثالهم من الأعلام، وهذا حجة على قول الجميع، ولم يكن عذرهم في ذلك ما يتوهمه بعض الناس من العجز عن الهجرة، وعدم وجدان مهاجر، فهذا لا يكون أصلًا، وقد أخبر الله تعالى إن من يُهاجر يجد في الأرض مُراغمًا كثيرًا وسَعَةً، وردَّ الله على من اعتذر بهذا، حيث قال: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧] وفي الأرض من شواهق الجبال وبُطون الأودية ما لا تصله الظلمة، والسكون فيها ممكن مقدورٌ، بل هو الذي عليه أهل الوَبَر، وفي الحديث الصحيح: " يُوشك أن يكون خير مال الرجل المسلم غنمٌ يتبع بها شَعَفَ الجبال ومواقع القطر، يفرُّ بدينه من الفتن " (١)، ولهذا، فإن القاسم ويحيى ﵉ لما اعتقدا وجوب ذلك أمكنهما.
ونص في " الأحكام " على وجوب الهجرة إلى مناكب الأرض وحيث لا يرى ظالمًا، وأنه إذا كان له أولادٌ، ولم يقدر على المهاجرة بهم، تكسَّب لهم ما يكفيهم مدة معلومةً شهرًا أو نحوه، ثم يخرج بنفسه ويهاجر حتى يعرف أن قُوتَهم قد فرغ، ثم يعود، فيتكسَّب لهم، هكذا نص عليه في " الأحكام " أو كما قال ﵇.
فلو ذهبنا نجرح من خالف المذهب، أو خالف الجمهور، لم يسلم من النفاق إلاَّ النادر، وذلك النادر أيضًا لا يروي عن من هو مثله، ألا ترى الهادي ﵇ لا يمكنه أن لا يروي الحديث إلاَّ عن من هاجر من ديار الفاسقين، ولا يمكننا أن يكون بيننا وبينه ﵇ مثله في الفضل والورع.
فثبت أن الإعانة للظلمة إذا وقعت ممن يستحلُّها، لم يجرح بها، سواءٌ
_________________
(١) أخرجه من حديث أبي سعيد الخدري مالك ٢/ ٩٧٠، والبخاري (١٩) و(٣٣٠٠) و(٣٦٠٠) و(٦٤٩٥) و(٧٠٨٨)، وأبو داود (٤٢٦٧)، والنسائي ٨/ ١٢٣ - ١٢٤.
[ ٨ / ٢١٩ ]
كانت بإقامةٍ في بلادهم، أو مخالطةٍ لهم، أو بيع السلاح منهم، أو نحو ذلك.
فقد اشتمل الكلام في هذه الفائدة على جواب قول السيد (١) ما لفظه: وتيقنت حينئذ أن الزهري كان معينًا على قتل زيد بن علي ﵇، وتبيَّن أن السيد يحتاج في تصحيح هذا اليقين إلى أمور:
أولها (٢) دليلٌ قاطعٌ على أن الحاكم أبا سعيد -رحمه الله تعالى- كاذبٌ في أن الزهري خرج مع زيد بن علي ﵇.
وثانيها: دليلٌ قاطعٌ على أن في إقامة الزهري مع هشام لتعليم أولاده، والحج معهم زيادةً في ملك هشام، يحصل بها إعانةٌ على المظالم.
وثالثها: أنها حصلت من تلك الإعانة العامة على المظالم إعانةٌ خاصةٌ على قتل زيد بن علي ﵇، بدليل قاطع غير محتمل.
ورابعها: أن الزهري كان يعرف تلك الإعانة الحاصلة بوقوفه العام منها، والخاص بزيدٍ ﵇.
وخامسها: أنه ما وقف معهم لغرضٍ دنيوي، ولا أخروي، عاجل ولا آجل، إلا ليعينهم على المظالم على العموم، وعلى قتل زيد ﵇ على الخصوص.
فمتى حصلت له أدلةٌ قاطعةٌ علميةٌ على كل واحد من هذه الأمور الخمسة، حصل اليقين الذي ذكر، ومتى تطرق الشك والاحتمال إلى واحدٍ منها، لم يحصل اليقين بأن الزهري أعان على قتل زيد بن علي ﵇، ولكن يحصل اليقين بأن السيد تكلم بما لا يعلم ونسي قول الله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦].
_________________
(١) في (ش): " قوله ".
(٢) في (ش): " أقلها " وهو خطأ.
[ ٨ / ٢٢٠ ]
الفائدة الخامسة: أن أهل الزهد والدرجة العالية من الفُضَلاء يَعِظُون من كان دونهم في مرتبة الفضل والصلاح، ومن فعل ما لا يليق به من المباحات والمكروهات، ويوردون في وعظه من قوارع البلاغة ومجاز الكلام ما لو خرج مخرج الحقيقة، لدلَّ على إثم الموعوظ ومعصيته، مع (١) أنه لا يُستدلُّ بذلك على تأثيم الموعوظ لما خرج مخرج التذكير والإيقاظ والتقريع والتأنيب.
وقد قدَّمت من هذا إشارةً يسيرةً في خطبة هذا الكتاب (٢)، مثل قوله ﵇ لأبي ذر: " إنك امرؤٌ فيك جاهلية " (٣).
وأنا أذكر ها هنا ما لم أذكره من هذا، فمن ذلك: قوله تعالى في خطاب أفضل البشر وسيد ولد آدم - ﷺ -: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ [عبس: ١ - ١٠]. ومنه قوله تعالى: في حقه ﵇: ﴿وَتَخْشَى الناسَ والله أحقُّ أن تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، ومن ذلك قوله تعالى في جماعة من ثقات (٤) الصحابة المجمع على فضلهم: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، ومنه قوله تعالى في جِلَّة المهاجرين والأنصار: ﴿َوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيم﴾ [الأنفال: ٦٨].
ومنه قول علي ﵇ لأصحابه: أُفٍّ لكم، لقد سئمت عتابكم، أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة عوضًا إلى آخره. وقوله ﵇ لهم: بُليت بمن لا يطيع إذا أمرتُ، ولا يجيبُ إذا دعوتُ، لا أبا لكم، ما تنتظرون بنصركم ربكم؟! أما دينٌ يجمعكم؟! أقوم فيكم مستصرخًا أناديكم متغوثًا، فلا تسمعون لي قولًا، ولا تطيعون لي أمرًا!. ومنه قوله ﵇ في كلام له: وددتُ أني صارختُ معاوية صَرْفَ الدينار بالدرهم، أو كما قال ﵇،
_________________
(١) في (ف): " على ".
(٢) انظر ١/ ٢٢٩ - ٢٣٣.
(٣) تقدم تخريجه ١/ ٢٢٩ - ٣٣٠.
(٤) " ثقات " ساقطة من (ف).
[ ٨ / ٢٢١ ]
وفي كلاماته ﵇ لأصحابه من هذا شيءٌ كثير.
ومنه (١) قول الخطيب: نسينا كل واعظةٍ، وأمِنَّا كُلَّ جائحة، فهذا لو كان (٢) على حقيقته، كان كذبًا ينقُض الوضوء على المذهب.
وقول الخطيب أيضًا: كأن الحق فيها على غيرنا وجب، ولو كان على حقيقته، كان جرحًا، لأن هذا الكلام لا يصدُق إلاَّ على من يضيع الواجب، ومن كان محافظًا عليه، لا يقال: إنه كمن لم يجب عليه واجب، وإنما ذكرت هذه الجملة، لأن السيد احتج على جرح الزهري بأشياء من جملتها موعظةٌ كتبها إليه بعضُ إخوانه في الله، وقد غفل السيد في الاحتجاج هذا على الجرح لوجوهٍ:
أولها: أن ذلك لا يدل على الجرح حتَّى يظهر من الواعظ اعتقاد فسق الموعوظ أو تأثيمه، لكنا قد بيَّنا ما يقتضي خلافه، فإن الوُعَّاظ، وإن لم يعتقدوا قُبح (٣) الشيء ولا إثم فاعله، فإنهم يُوردون من قوارع الوعظ وزواجر التذكير ما يُريك وقوع المكروهات من أهل العقول الراجحة في أرفع مراتب القبح تنفيرًا عن سَفْسَاف الأمور وترغيبًا في معاليها.
وثانيها: إنا وإن سلمنا دلالة الموعظة على استقباح الواعظ للفعل (٤) على الحقيقة، لكن لا نسلِّم أنه استقباحٌ قطعيٌّ، فقد يعتقد الواعظ تحريم الشيء، لأن عنده أنه حرامٌ بالنظر إلى اجتهاده، وهو لا يدري ما مذهبُ صاحبه فيه، فيزجره عنه زجر معتقدٍ للتحريم، ولو سُئِلَ عن تأثيم الموعوط، لتوقَّف فيه حتَّى يدري بعذره، فإذا أخبره (٥) أنه يستحلُّه، وبين له الوجه، عَذَرَهُ.
وثالثها: أنا وإن سلمنا اعتقاد الواعظ لقبح الشيء على سبيل القطع، لم يكن لنا أن نقلِّده في استقباحه، وإنما نقبله في أن ذلك القبيح وقع من
_________________
(١) " ومنه " ساقطة من (ف).
(٢) في (ش): " ولو كان ".
(٣) في (ش): " قبيح ".
(٤) تحرفت في (ف) إلى: " للعقل ".
(٥) في (ف): " أخبرته ".
[ ٨ / ٢٢٢ ]
الموعوظ، لا في أن ذلك الفعل نفسه قبيحٌ.
ورابعها: أنا وإن علمنا إن ذلك الفعل قبيحٌ، فإنه لا يجب الجرح حتى يكون الذي فعله غير متأوِّلٍ في فعله على القوي المختار، كما تقدم بيانه.
وخامسها: أنا وإن علمنا قبح الفعل وصدوره من (١) فاعله عمدًا من غير تأويلٍ، فإنه لا يدل على الجرح مطلقًا، بل القوي المختار ما تقدم من أن الجرح لا يكون إلاَّ بكبيرة أو بغَلَبَةِ المساوىء، أو ما يدلُّ على (٢) الخِسَّةِ، فأمَّا الجرح بكل ذنبٍ، فلا يوجد معه عدلٌ غالبًا، أقصى ما فيه أن يخالف السيد في هذا، لكن هذه مسألةٌ ظنيةٌ خلافيةٌ، ليس له أن ينكر فيها على أحدٍ، وقد تقدم ذكرُ الدليل فيها وذِكْرُ من قال بذلك، فخُذْه من أول الكتاب.
فإذا عرفت هذا، تبين لك أن شرط الجرح عزيزٌ، ولهذا لم يقبل المحققون الجرح المطلق، ولا قبِلُوا الجرح من ذي الإحنة، ولا جرحوا بما يجري بين الأقران عند الغضب والسِّباب ونحو ذلك.
وبعد الفراغ من هذه الفائدة، أتكلم على ترجمة الزهري (٣) بما علمت من كتب أصحابنا وكتب المحدثين، وأجعل الكلام مرتَّبًا مراتب (٤):
المرتبة الأولى: في اسمه وبعض نسبه:
والذي حملني على ذكره أن بعض أهل المعرفة من الأصحاب نازعني في ابن شهابٍ لما رأيناه في كتاب " أصول الأحكام " مرويًا عنه، وهو كتاب الإمام أحمد بن سليمان، فقلت له: هو الزهري، فقال: ليس هو الزهري، منزِّهًا
_________________
(١) ساقطة من (ف).
(٢) " على " ساقطة من (ف).
(٣) في (ف): " في مذهب الزهري ".
(٤) انظر ترجمة الزهري في " تاريخ دمشق " لابن عساكر، و" تهذيب الكمال " ١٢٦٨، و" سير أعلام النبلاء " ٥/ ٣٢٦.
[ ٨ / ٢٢٣ ]
بحث في عقيدة ابن شهاب الزهري
للإمام أحمد بن سليمان عن الرواية عن الزهري، وأصر على ذلك، فالله المستعان.
فأقول: الزهري: هو أبو بكر محمد بن مسلم [بن عبيد الله] بن عبد الله بن شهاب [بن عبد الله] بن الحارث بن زهرة القرشي الزهري المدني، يقال له: ابن شهابٍ، نسبةً إلى جدِّ أبيه شهاب بن الحارث، والزهري نسبة (١) إلى جده زهرة.
ولا أتحقَّقُ في اسمه اختلافًا، إلاَّ أنه وقع في نسخة من كتاب " الشجرة في الفقه " للشيخ أحمد بن محمد الرصاص: محمد بن سلمة بن شهاب الزهري، فالظاهر أنه غَلَطٌ من الكاتب، وكذا وقع في نُسخةٍ من " شرح العيون " للحاكم ﵀: محمد بن عبد الله بن مسلم الزهري بالتقديم والتأخير في أبيه وجده، وهذا قريبٌ، فقد وقع للبخاري وغيره مثل هذا كما ذكره ابن الصلاح في كتابه " علوم الحديث "، وقد يحتمل الاختلاف، فقد اختلفوا في أسماء عدةٍ من الرواة والله أعلم.
المرتبة الثانية: في عقيدته ومذهبه، أمَّا عقيدته، فذكر الحاكم ﵀ في " شرح العيون " أنه كان من أهل العدل والتوحيد، قال الحاكم ﵀: وكان ممن خرج مع زيد بن عليٍّ ﵇، هكذا بصيغة الجزم، ولم يقل: ورُوي بصيغة التمريض، ذكره الحاكم في فصلٍ أفرده لذكر من ذهب من المحدثين إلى مذهب أهل العدل والتوحيد، فذكره فيمن ذهب إلى ذلك من علماء المدينة، وقول الحاكم: إنه ممن خرج مع زيد بن علي غريبٌ، لم يذكره الذهبي، والزيادة من الثقة مقبولةٌ في التحريم والتحليل المنقول عن صاحب الشريعة، كيف إلاَّ فيما يتعلق بالزهري.
وقال الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر في ترجمة علي ﵇ من
_________________
(١) " نسبة " ساقطة من (ش).
[ ٨ / ٢٢٤ ]
بحث في مذهب ابن شهاب الزهري
كتاب " الاستيعاب " (١) روي عن سلمان وأبي ذرٍّ والمقداد وخبَّابٍ وجابرٍ وأبي سعيدٍ وزيد بن أرقم: أن علي بن أبي طالبٍ أول من أسلم، وفضَّله هؤلاء على غيره، قال: وهو قول ابن شهابٍ الزهري. انتهى.
وفي هذا نسبته إلى التشيع، فإن تفضيله ﵇ هو الخصيصة التي امتاز (٢) بها الشِّيعة، على ما ذكره العلامة عبد الحميد بن أبي الحديد، والذهبي ليس له ولوعٌ بذكر ما يتعلق بأهل البيت ﵈، إما عصبية، وإما تقية!.
وأما مذهب الزهري، فكان مجتهدًا مفتيًا لا مستفتيًا، ذكره بذلك غير واحدٍ، منهم الشيخ أحمد بن محمد الرصاص في كتاب " الشجرة "، فإنه عدَّ فيه أهل الاجتهاد من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وممن نُقِلَتْ عنه الفتيا، فذكره فيهم، وكذلك ابن حزم ذكره في أهل الاجتهاد من علماء هذه الأمة، وكذلك علي بن المديني العلامة المعتزلي (٣) المحدث، فإنه قال: أفتى أربعة: الحكم وحماد وقتادة والزهري، والزهري عندي أفقههم (٤).
المرتبة الثالثة: في ذكر بعض شيوخه، وبعض من أخذ العلم عنه، وأين رُوِيَ حديثه.
_________________
(١) ٣/ ٢٧.
(٢) في (ف): " امتازت ".
(٣) وصفه بذلك، فيه نظر، فكونه أجاب إلى القول بخلق القرآن في المحنة لا يعني أنه قد انتحل مذهب الاعتزال، فإنه ﵀ إنما أجاب خوفًا من العذاب الذي لم يكن يُطيقه، ولم يكن في قلبه شيء مما أجاب إليه، ومع ذلك، فقد اعتذر عن ذلك وتاب وأناب وكفَّرَ من يقول بخلق القرآن كفرًا عمليًا. قال محمد بن عثمان بن أبي شيبة: سمعت علي بن المديني على المنبر يقول: من زعم أن القرآن مخلوق، فهو كافر، ومن زعم أن الله لا يرى، فهو كافر، ومن زعم أن الله لم يكلِّم موسى على الحقيقة، فهو كافر. وقال عثمان الدارمي: سمعت ابن المديني يقول: هو كافر -يعني من قال: القرآن مخلوق-. انظر " تهذيب التهذيب " ٧/ ٣٤٩ - ٣٥٧، و" طبقات الشافعية " ٢/ ١٤٥ - ١٥٠.
(٤) أورده ابن عساكر في " تاريخ دمشق " (١٢٨) و(٢٠٤).
[ ٨ / ٢٢٥ ]
شيوخ الزهري وتلامذته
أما شيوخه، فمنهم: زين العابدين علي بن الحسين، وولده سيد المجاهدين زيد بن علي ﵈، وسيد التابعين سعيد بن المسيب، لازمه ثماني سنين، وقال مالك: عشر سنين وتفقَّه به، وأكثر عنه، ومنهم: عبد الله بن عمر بن الخطاب، والسائب بن يزيد، وعبد الله بن ثعلبة، ومحمود بن الربيع، وسنين أبو جميلة، وأبو الطفيل عامر، وعبد الرحمن بن أزهر، وربيعة بن عبَّادٍ الدِّيلي، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، ومالك بن أوس بن الحدثان، وعلقمة بن وقاص، وكثير بن العباس، وأبو أُمامة بن سهلٍ، وعروة بن الزبير، وأبو إدريس الخَولاني، وقبيصة بن ذُؤيبٍ، وسالم بن عبد الله، ومحمد بن جبير بن مطعمٍ، ومحمد بن النعمان بن بشيرٍ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعبيد الله بن عبد الله بن عُتبة، وعثمان بن إسحاق العامري، وأبو الأحوص مولى بني ثابتٍ، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وعامر بن سعد، وخارجة بن زيد بن ثابت، وعبد الله بن كعب بن مالك، وأبان بن عثمان، وعبادة بن الصامت. فهؤلاء من شيوخه.
وممن روى عنه: الإمام جعفر بن محمد الصادق، وسادات أهل البيت ﵈. ذكره المزي في ترجمة الصادق من كتابه " التهذيب " (١)، وعمرو (٢) بن دينارٍ، ومنصور بن المعتمر الصالحان المشهوران، وعمر بن عبد العزيز، وقتادة وعطاء المفسران (٣) التابعيان المشهوران في كتب الفقه والتفسير والحديث، وزيد بن أسلم، وأيوب السختياني، ويحيى بن سعيدٍ الأنصاري، وأبو الزِّناد، وصالح بن كَيْسَان، وعُقيل بن خالدٍ، ومحمد بن الوليد الزُّبيدي، ومحمد بن أبي حفصة، وبكر بن وائلٍ، وعمرو بن الحارث، وابن جريج، وجعفر بن بَرقان، وزياد بن سعدٍ، وعبد العزيز الماجشون، وأبو أويس، ومعمر بن راشدٍ، والأوزاعي، وشعيب (٤) بن أبي حمزة، ومالكٌ الفقيه، والليثُ
_________________
(١) " تهذيب الكمال " ٥/ ٧٥.
(٢) تحرف في الأصول إلى: " عمر ".
(٣) " المفسران " ساقطة من (ش).
(٤) تحرف في الأصول إلى: " سعيد ".
[ ٨ / ٢٢٦ ]
صاحب الخلاف في الفقه، وإبراهيم بن سعدٍ، وسعيد بن عبد العزيز، وفُليح بن سليمان، وابن أبي ذئب، وابن إسحاق، وسفيان بن حسين، وصالح بن أبي الأخضر، وسليمان بن كثيرٍ، وهشام بن سعدٍ، وهُشيم بن بشيرٍ، وسفيان بن عيينة، وأمم سواهم.
وأما سفيان الثوري، فرحل إليه ليأخذ عنه، فتثاقل عليه، ثم أخرج إليه كتابًا، فقال له: أروِ هذا عنّي، فكره الثوري ذلك منه، وترك الرواية عنه لذلك فقط. ذكره المزي في " التهذيب " في ترجمة الزهري والثوري (١).
وروى الحازمي في " الناسخ والمنسوخ " (٢) حديث علي ﵇ في النهي عن المتعة في خيبر (٣) عن الثوري عن شيخ الزهري الحسني بن محمد بن
_________________
(١) " تهذيب الكمال " ص ١٢٧٠ في ترجمة الزهري، ولم يذكره المزي في ترجمة الثوري، كما ذكر المصنف، وانظر النص أيضًا عند ابن عساكر ص ١٥٢، والذهبي في " السير " ٥/ ٣٣٨.
(٢) ص ١٧٧.
(٣) أخرجه مالك: في " الموطأ " ٢/ ٥٤٢ عن ابن شهاب، عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي بن أبي طالب، عن أبيهما، عن علي بن أبي طالب أن رسول الله - ﷺ - نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الإنسية، ومن طريق مالك أخرجه البخاري (٤٢١٦)، ومسلم (١٤٠٧)، والترمذي (١٧٩٤)، والنسائي ٦/ ١٢٦، وابن ماجه (١٩٦١)، وابن حبان (٤١٤٣)، وانظر تمام تخريجه فيه. ويرى ابن القيم ﵀ كما في " زاد المعاد " ٣/ ٣٤٤ - ٣٤٥ بتحقيقي مع صاحبي الشيخ عبد القادر الأرنؤوط أن المتعة لم تحرم إلاَّ عام الفتح، وقبل ذلك كانت مباحة، وإنما جمع علي بن أبي طالب بين الإخبار بتحريمها وتحريم الخمر الأهلية، لأن ابن عباس كان يبيحها، فروى له علي تحريمها عن النبي - ﷺ - ردًّا عليه وكان تحريم الحُمر يوم خيبر بلا شك، وقد ذكر يوم خيبر ظرفًا لتحريم الحمر، وأطلق تحريم المتعة ولم يقيده بزمن كما جاء ذلك في " مسند الإمام أحمد " بإسناد صحيح أن رسول الله - ﷺ -: " حرَّم لحوم الحُمر الأهلية يوم خيبر، وحرم متعة النساء " وفي لفظ ١/ ٧٩: " حرم متعة النساء، وحرم لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر ". هكذا رواه سفيان بن عيينة مفصلًا مميزًا فظن بعض الرواة أن يوم خيبر زمن للتحريم، =
[ ٨ / ٢٢٧ ]
علمه وتوثيقه وعدالته
الحنفية، وأسقط الزهري تدليسًا، لأن الحديث لا يُعرف عن الحسن إلاَّ مِنْ طريق الزهري، بل لم يصح عن عليٍّ ﵇ من وجهٍ من الوجوه إلاَّ وهو يدور على الزهري. ويدل على تدليس الثوري للزهري فيه أن المؤيد بالله ﵇ رواه في " التجريد " عن أبي زُبَيْد عَبْثَرِ بن القاسم، عن الثوري، عن مالكٍ، عن محمد بن مسلم -وهو الزهري- عن الحسن بن محمد بن الحنفية، فدلَّ على أن الثوري حين احتاج إلى حديثه، رواه مرة بتدليسٍ وعُلُوٍّ، ومرةً بتصريحٍ ونزولٍ على أن إسحاق بن راشدٍ روى عن الزهري أنه لم يسمع هذا الحديث من الحسن، وأنه قال: لو سمعته من الحسن، لم أشك، وقد كان الزهري يدلس أيضًا، ولم يأت عنه التصريح هنا بسماعه إلاَّ من طرف مُعَلَّة فيُحرَّر ذلك.
وأما حديث الزهري، فهو مشهورٌ في كتب أهل البيت ﵈. وفي سائر دواوين الإسلام، وفي كتب الفضائل، وكتب الحلال والحرام، وذكر الحاكم في " علوم الحديث " على تشيعه أنه ممن يجمع حديثه من ثقات أهل العلم كما يأتي قريبًا.
المرتبة الرابعة: فيما يدلُّ على علمه وتوثيقه وعدالته من كلام من صحبه وخَبَرَهُ من علماء التابعين المُجمع على عدالتهم، وكلام من بعدهم من أهلِ المعرفة والعدالة، وذلك شيءٌ أوسع، أذكر منه على قدر معرفتي.
فمن ذلك أن عُمَرَ بن عبد العزيز كان يُثني عليه، ويأمرُ بأخذ العلم عنه،
_________________
(١) = فقيدهما به، ثم جاء بعضهم، فاقتصر على أحد المحرمين، وهو تحريم الحمر، وقيده بالظرف، فمن ها هنا نشأ الوهم، وقصة خيبر لم يكن فيها الصحابة يتمتعون باليهوديات، ولا استأذنوا في ذلك رسول الله - ﷺ -، ولا نقله أحد قط في هذه الغزوة، ولا كان للمتعة فيها ذكر البتة، لا فعلًا ولا تحريمًا بخلاف غزاة الفتح، فإنَّ قصة المتعة كانت فيها فعلًا وتحريمًا مشهورة.
[ ٨ / ٢٢٨ ]
فروى معمرٌ التابعي الجليل عن عمر بن عبد العزيز: إيتوا ابن شهابٍ، فإنه لم يبق أعلم بسنَّةٍ ماضيةٍ منه (١).
وقال عمر بن عبد العزيز: ما أتاك به الزهري عن غيره، فشدَّ به يديك (٢).
وقال أيضًا: عليكم بابن شهاب، فإنكم لا تلقون أحدًا أعلم بسنَّةٍ ماضيةٍ منه (٣).
فهذا كلام عمر بن عبد العزيز مع أمانته وجلالته ونصيحته للمسلمين (٤) مع أن الزهري كان قد صَحِبَ الملوك قبل عمر بن عبد العزيز كما ذكر ذلك الذهبي (٥) ولم يمنع ذلك عمر بن عبد العزيز من الثقة به.
وكذلك مالكٌ الفقيه، فإنه قد قَبِلَهُ، واحتج بحديثه، مع تشدده في الرجال، وقد لزمه مالك وأكثر عنه، فروى عنه في " الموطأ " مئة حديثٍ وثلاثين حديثًا (٦)، وكان يُثني عليه.
ومن كلام مالك فيه: بقي ابن شهاب وماله في الناس نَظِيرٌ. رواه ابن القاسم عن مالك (٧).
وذكره ابن عبد البر في رواة " الموطأ " (٨) فأثنى عليه، وقال: ابن شهاب إمامٌ جليل من أئمة الدين، متقدم في الحفظ والإتقان والرواية والاتساع.
وقد احتج الإمام المؤيد بالله ﵇ بكلام الزهري في الحديث فيما يتعلق بالأحكام، وكذلك الأمير الحسين بن محمد ﵀. ذكره الأمير في
_________________
(١) انظر " تاريخ دمشق " ص ١١٠ و١١١.
(٢) " تاريخ دمشق " ص ٩٩، و" السير " ٥/ ٣٤٥.
(٣) " تاريخ دمشق " ص ١١٠.
(٤) في (ش): " المسلمين ".
(٥) في " السير " ٥/ ٣٣٩.
(٦) كما في " التمهيد " ٦/ ١١٤.
(٧) " الجرح والتعديل " ٨/ ٧٢، و" تاريخ دمشق " ص ١٢٣، و" السير " ٥/ ٣٣٦.
(٨) " التمهيد " ٦/ ١٠١.
[ ٨ / ٢٢٩ ]
كتابه " شفاء الأوام " في باب القضاء، وذلك يقتضي جواز الاستناد إليه عندهما وعند غيرهما من علماء الزيدية، فلم يُعلم أن أحدًا أنكر ذلك عليهما ﵄.
وقد نقل ابن الأثير ذلك في مقدمات " جامع الأصول " (١) عن علامة الشيعة أبي عبد الله ابن البيع الشهير بالحاكم أنه قال: أصح الأسانيد فيما قيل: مالك، عن نافع، عن ابن عمر، وأبو الزِّناد عن الأعرج، عن أبي هريرة، والزهري، عن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده، والزهري، عن سالم، عن أبيه، ومحمد بن سيرين، عن عبيدة، عن علي ﵇، ويحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. انتهى.
وفيه ما يدلُّ على أن علماء الشيعة لا ينكرون ثقة (٢) الزهري في الحديث.
وفي " علوم الحديث " لابن الصلاح نحو هذا.
وقال المنكدر بن محمد: رأيتُ بين عيني الزهري أثر السجود (٣).
وقيل لمكحول: من أعلم من لقيت؟ قال: ابن شهاب، قيل: ثم؟ قال: ابنُ شهاب، قيل: ثم؟ قال: ابن شهاب (٤).
وقال مكحول أيضًا: ما بقي على ظهرها أعلم بسنةٍ ماضيةٍ من الزهري (٥).
وقال عمرو (٦) بن دينار: الدراهم عند الزهري بمنزلة البَعْرِ (٧).
وقال مالك: كان الزهري من أسخى الناس، فلما أصاب تلك الأموال (٨)،
_________________
(١) ١/ ١٥٤ - ١٥٥.
(٢) في (ش): " فضل ".
(٣) " السير " ٥/ ٣٤١.
(٤) " السير " ٥/ ٣٣٦.
(٥) " تاريخ دمشق " ص ١١٤.
(٦) في الأصول " عمر " وهو خطأ.
(٧) " تاريخ دمشق " ص ٩٦ - ٩٨، و" السير " ٥/ ٣٣٤.
(٨) في (ف): " الأمور "، وهو خطأ.
[ ٨ / ٢٣٠ ]
قال له مولى له: قد رأيت ما مرَّ عليك من الضيق، فأمسك مالك، قال: ويحك، إني لم أر السَّخِيَّ تنفعُه التجارب (١).
وقال إبراهيم بن سعد: قلت لأبي: بما فاتكم الزهري؟ قال: لم يكن يترك شابًّا إلاَّ ساءله، ولا كهلًا إلاَّ ساءله، وكان يأتي الدار من دُورِ الأنصار ولا يبقي فيها شابًّا ولا كهلًا ولا عجوزًا إلاَّ ساءلهم حتى حاول ربَّات الحِجال (٢).
وقال سعيد بن عبد العزيز: سأل هشامٌ الزهري أن يُمْلِيَ على بعض ولده، فدعا بكاتب (٣) فأملى عليه أربع مئة حديث، ثم خرج، فقال: أين أنتم يا أصحاب (٤) الحديث، فحدَّثهم بتلك الأربع مئة حتى لقي هشامًا بعد شهرٍ أو نحوه، فقال للزهري: إن ذلك الكتاب قد ضاع، قال: لا عليك، فدعا بكاتب (٥) فأملاها عليه، ثم قابل هشام بالكتاب الأول، فما غادر حرفًا (٦).
وقال معمر: ما رأيت مثل الزهري في الفن الذي هو فيه.
وقال ابن أخي الزهري: جمع عمي القرآن في ثمانين ليلة (٧).
وعن الليث بن سعد: ما رأيت عالمًا قط أجمع من ابن شهابٍ، يحدِّث في الترغيب، فنقول: لا يُحسن إلاَّ هذا، وإن حدَّث عن العرب والأنساب، قلت: لا يحسن إلاَّ هذا، وإن حدَّث عن القرآن والسنة، قلت: لا يحسن إلاَّ هذا (٨).
وقال ابن أبي الزناد عن أبيه: كنا نكتب الحلال والحرام، وكان ابن شهابٍ يكتب كل ما سمع، فلما احتيج إليه، علمت أنه أعلم الناس، وبَصِرَتْ (٩) عيني
_________________
(١) " السير " ٥/ ٢٣٨.
(٢) " تهذيب الكمال " ١٢٧٠.
(٣) في (ف): " بكتاب ".
(٤) في (ف): " أهل ".
(٥) في الأصول " بكتاب "، والمثبت من " تهذيب الكمال ".
(٦) " تهذيب الكمال " ص ١٢٧٠.
(٧) " تاريخ دمشق " ص ٥٠.
(٨) " تاريخ دمشق " ص ١٠٥ - ١٠٦، و" السير " ٥/ ٣٢٨.
(٩) في (ف): " ونظرت ".
[ ٨ / ٢٣١ ]
به ومعه ألواحٌ وكتبٌ يكتب فيها العلم والحديث (١).
وقال ابن شهابٍ: ما استودعت قلبي شيئًا قط، فنسيته (٢).
وقال بعضهم (٣): كنا نرى أن (٤) قد أكثرنا عن الزهري، فإذا (٥) الدفاتر قد حُملت (٦) على الدواب من خزائنه. يقول من علم الزهري.
وكان أول من دوَّن العلم وكتبه ابن شهاب (٧).
وقال عمر بن عبد العزيز: ما ساق الحديث أحد مثل الزهري (٨).
وقال عمرو بن دينار: ما رأيت أحدًا أنصَّ للحديث من الزهري (٩).
وقال أحمد بن حنبل: الزهري أحسن الناس حديثًا، وأجود الناس إسنادًا (١٠).
وقال أبو حاتم: أثبت أصحاب أنس الزهري.
وقال شعيب بن أبي حمزة عن الزهري: اختلفت من الحجاز إلى الشام خمسًا وأربعين سنة، فما استطرفتُ حديثًا واحدًا، ولا وجدت من يُطرفني حديثًا.
وقال الزهري: إن عندي لثلاثين حديثًا ما سألتموني عن شيءٍ منها (١١).
_________________
(١) " السير " ٥/ ٣٣٢.
(٢) " تاريخ دمشق " ص ٧٣، و" السير " ٥/ ٣٣٢.
(٣) هو معمر، والخبر في " تاريخ دمشق " ص ٩٢.
(٤) في (ف): " أنا ".
(٥) في (ف): " فإن ".
(٦) في (ش): " حمل ".
(٧) قال ذلك الدراوردي، كما في " السير " ٥/ ٣٣٤.
(٨) " السير " ٥/ ٣٣٤.
(٩) نفسه.
(١٠) " السير " ٥/ ٣٣٥.
(١١) الأخبار الثلاثة في " السير " ٥/ ٣٣٥.
[ ٨ / ٢٣٢ ]
وقال أبو صالح (١): سمعتُ الزهري يبكي على العلم، ويقول: يذهب العلم، وكثيرٌ ممن كان يعمل به، فقلت له: لو وضعت من علمك عند من ترجو أن يكون خلفًا. قال: والله ما نشر العلم أحدٌ نشري، ولا صبر عليه صبري، ولقد كنا نجلس إلى ابن المسيِّب، فما يستطيع أحدٌ منا أن يسأله عن شيء (٢) إلا أن يبتدىء الحديث أو يأتي رجلٌ يسأله عن شيءٍ قد نزل به.
وروى ابن سعد (٣) عن أبيه قال: ما رؤي أحدٌ يجمع بعد رسول الله - ﷺ - جَمْعَ ابن شهابٍ.
وقال الليث: ما بقي عند أحدٍ من العلم ما بقي عند ابن شهاب (٤).
وقال قتادة: ما بقي أعلم بسنةٍ ماضية من ابن شهاب وآخر، كأنه عنى نفسه (٥).
وقال مكحولٌ: ما بقي أعلم بسنةٍ ماضيةٍ من ابن شهاب، آلوتُ ما رأيت أحدًا أعلم من الزهري (٦).
وقال سفيان: ابن عيينة: كانوا يَرَوْنَ يوم مات الزهري أنه ليس أحدٌ أعلم منه (٦).
وعن الزهري قال: حدثت عليَّ بن الحسين حديثًا، فلما فرغت قال: أحسنت بارك الله فيك. هكذا حدثناه. قال الزهري: أراني حدَّثتك بحديثٍ أنت أعلم به منِّي، قال: لا تقل ذاك، فليس من العلم ما لا يُعرف، إنما العلم ما عُرِفَ، وتواطأت عليه الألسنُ (٧).
_________________
(١) " السير " ٥/ ٣٣٥، و" تاريخ دمشق " ص ١٠٨.
(٢) " عن شيء " ساقطة من (ف).
(٣) هو إبراهيم بن سعد، انظر " السير " ٥/ ٢٣٥.
(٤) " السير " ٥/ ٣٣٦.
(٥) " السير " ٥/ ٣٣٦.
(٦) " السير " ٥/ ٣٣٦.
(٧) " السير " ٥/ ٣٤٤ - ٣٤٥.
[ ٨ / ٢٣٣ ]
وقال معمر: كان الزهري إذا رأى علي بن الحسين، قال: لم أر في بيته أفضل منه (١).
وقال الحاكم في النوع التاسع والأربعين من كتابه " علوم الحديث " (٢) ما لفظه، هذا النوع من هذه العلوم معرفة الأئمة الثقات (٣) المشهورين من التابعين وأتباعهم ممن يجمع حديثهم للحفظ والمذاكرة والتَّبرُّك بهم، وبذكرهم من الشرق إلى الغرب.
فمنهم من أهل المدينة: محمد بن مسلمٍ الزهري، وساق أسماءهم من أهل كل مصرٍ من أمصار الإسلام، فبدأ بالزهري أولهم لإتقانه وكثرة حديثه.
وكذلك قدَّمه في ذكر فقهاء الأمة، فقال في النوع الموفي عشرين نوعًا من علوم الحديث ما لفظه (٤): هذا النوع من هذا العلم بعد معرفة ما قدَّمنا ذكره من صحة الحديث إتقانًا ومعرفة، لا تقليدًا وظنًا، معرفة فقه الحديث، إذ هو ثمرة هذه العلوم، وبه قوام الشريعة.
وأما فقهاء الإسلام أصحاب القياس والرأي والجدل والنظر، فمعروفون في كل عصرٍ وفي كل بلد، ونحن ذاكرون في هذا الموضع فقة الحديث عن أهله، ليُستدلَّ بذلك على أن أهل هذه (٥) الصنعة من تبحَّر فيها لا يجهل فقه (٦) الحديث، إذ هو نوعٌ من أنواع هذا العلم.
فممن أشرنا إليه من أهل الحديث محمد بن مسلم الزهري، ثم ساق الثناء عليه بذلك بأسانيده عن مكحول، ثم ذكر من استنباط الزهري وكلامه في فقه الحديث شيئًا، ثم ساق بقية فقهاء (٧) المحدثين بعد الزهري.
_________________
(١) " السير " ٥/ ٣٤٥، وفيه " إذا ذكر علي بن الحسين ".
(٢) ص ٢٤٠.
(٣) " الثقات " ساقطة من (ش).
(٤) ص ٦٣.
(٥) " هذه " ساقطة من (ف).
(٦) " فقه " ساقطة من (ف).
(٧) " فقهاء " ساقطة من (ف).
[ ٨ / ٢٣٤ ]
فانظر إلى إنصاف الحاكم -على تشيُّعه- في معرفة أحوال خصومه في مذهبه، وتنزيل (١) كل أحدٍ منزلته، فكذلك فليكن الإنصاف.
وقال علي بن المديني: دَارَ عِلم الثقات على ستة: الزهري، وعمرو بن دينارٍ بالحجاز، وقتادة ويحيى بن أبي كثير بالبصرة، وأبو إسحاق والأعمش بالكوفة (٢).
وقال الشافعي: قال ابن عيينة: حدَّث الزهري يومًا بحديث، فقال: هاته بلا إسناد، فقال: إنه في السطح بلا سلم (٣).
فقد اشتمل هذا الكلام على الشهادة له بالثقة والعدالة والحفظ والإتقان، أمَّا الحفظ والإتقان، فهي كلمة إجماعٍ، وأما الثقة والعدالة، فعن عُمرَ بن عبد العزيز، ومالكٍ، وأحمدَ بن حنبل، وأبي حاتم، ولا خلاف بين جمهور (٤) أهل (٥) علم الأثر ورجال الحديث أنه ثقةٌ مأمونٌ إذا صرَّح بالسماع، ولم يقع في
_________________
(١) في (ش): " وتنزيله ".
(٢) " السير " ٥/ ٣٤٥، بهذا اللفظ، ونص كلامه في " العلل " ص ٣٦ - ٣٧: نظرت فإذا الإسناد يدور على ستة: فلأهل المدينة ابن شهاب وهو محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب ويكنى أبا بكر، مات سنة أربع وعشرين ومئة. ولأهل مكة عمرو بن دينار مولى جمح، ويكنى أبا محمد، مات سنة ست وعشرين ومئة. ولأهل البصرة قتادة بن دعامة السدوسي، وكنيته أبو الخطاب، مات سنة سبع عشرة ومئة. ويحيى بن أبي كثير، ويكنى أبا نصر، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة باليمامة. ولأهل الكوفة أبو إسحاق، واسمه عمرو بن عبد الله بن عبيد، مات سنة تسع وعشرين ومئة. وسليمان بن مهران مولى بني كاهل من بني أسد، ويكنى أبا محمد، مات سنة ثمان وأربعين ومئة.
(٣) " السير " ٥/ ٣٤٧.
(٤) " جمهور " ساقطة من (ف).
(٥) " أهل " ساقطة من (ش).
[ ٨ / ٢٣٥ ]
حديثه إعلالٌ ولا إدراجٌ ولا إرسالٌ كما يأتي بيانه، فما تكلَّم فيه أحد منهم على كثرتهم وكثرة تعرُّضهم للكلام على كلِّ من فيه مطعَنٌ، سواءٌ كان منهم أو منَّا، وسواءٌ كان صغيرًا أو كبيرًا، فقد تكلموا في حفظ الإمام أبي حنيفة على جلالته، وعلى أن كثيرًا من الملوك حنفيَّةٌ، وتكلَّموا في كثيرٍ من رجال الصحيحين، فما بالُهم لم يختلفوا في صحة حديث الزهري، مع إجماعهم على الجرح بتعمُّد المعاصي وإجماعهم على أنه لا يُقبل المجهول، وقد تواترت عدالتهم إلاَّ في ذنوب التأويل.
وقد بيَّنَّا كلام الأئمة في وجوب العمل بأخبار المتأولين، ومن جملة ذلك أخبارهم بالجرح والتعديل.
ولا بدَّ من ذكر ما يدلُّ على أنه لم يكن مداهنًا للملوك في مخالطته، فنقول:
فإن (١) قيل: هذا ما يدلُّ على عدالته، فأورِدُوا ما قدح به (٢) عليه.
قلنا: هذا لازمٌ من بيان ذلك، ولا بُدَّ من بيان ذلك، والجواب عليه فنقول:
جملة ما قُدِحَ على الزهري به أمورٌ أربعة:
أولها: المخالطة للسلاطين، وقد تقدم الجواب عنها، وهي المشهورة عنه، وهي جُلُّ ما يقدح به فيه.
وثانيها: التدليس، قال الذهبي في " ميزان الاعتدال في نقد الرجال " (٣) كان الزهري يُدَلِّس في النادر.
وقال صلاحُ الدين العلائي، وأحمد بن زين الدين العراقي في كتابيهما في المدلسين: إنه مشهور بالتدليس (٤).
_________________
(١) في (ف): " إن ".
(٢) " به " ساقطة من (ش).
(٣) ٤/ ٤٠.
(٤) نص العلائي في " جامع التحصيل " ص ١٢٥: محمد بن شهاب الزهري الإمام =
[ ٨ / ٢٣٦ ]
كلام في التدليس
وقال أحمد بن زين الدين العراقي: إن الطبري ذكر في كتاب " تهذيب الآثار " عن قوم: أن الزهري مِنَ المدلسين، قال: وكلامه يقتضي خلافًا في ذلك.
قلت: وإن اقتضى ذلك، فالمثبت أولى من النافي، والحق أحق أن يُتبع.
والجواب عن هذا واضح، فإن مذهب أهل البيت ﵈: أن التدليس جائزٌ وأنه لا يُجرح الراوي به، وكذلك جماهير علماء المعتزلة ممن يقبل المرسل، وكذلك مذهب جمهور أهل الحديث: أن المدلِّس لا يجرح كالمرسل، فقد دلَّس كثيرٌ مِنْ كبار الثِّقاتِ، وصحَّ عنهم ذلك مع الإجماع على عدالتهم، مثل الحسن البصري، وسفيان بن عيينة، وسفيان الثوري، وخلق كثير، وإنما الذي يمنع منه المحدثون قبول ما احتمل التدليس من رواياتهم دون
_________________
(١) = العلم مشهور به (أي: بالتدليس) وقد قبل الأئمة قوله " عن ". وأحمد بن الحسين العراقي: هو الحافظ أبو زرعة المتوفى سنة (٨٢٦) ابن الحافظ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي المتوفى سنة (٨٠٦) هـ، وكتابه المنقول عنه هذا النص يغلب على الظن أنه " تحفة التحصيل في ذكر ذوات المراسيل " ذكره في " كشف الظنون " ١/ ٣٦٤. قلت: وقد ذكر الحافظ ابن حجر الأمام الزُّهري في المرتبة الثالثة من " طبقاته " ص ١٠٩، وقال: وصفه الشافعي والدارقطني وغير واحد بالتدليس، وقد وصف الحافظ أصحاب هذه المرتبة فقال: من أكثر من التدليس، فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلاَّ بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من ردَّ حديثهم مطلقًا، ومنهم من قبله كأبي الزبير المكي. قلت: وإدراج الحافظ هذا الإمام الجليل في هذه المرتبة وهمٌ مُبين منه ﵀، فإن الزهري إمامٌ حافظ حجة متفق على جلالته وإتقانه، وحديثه في الصحيحين والسنن والمسانيد جدُّ كثير، ولم يقع منه التدليس إلاَّ نادرًا، كما وصفه الإمام الذهبي، وهو أعرف من الحافظ بالرجال وأبصر، على أن الحافظ في " الفتح " ١٠/ ٤٢٧ وصفه بقلة التدليس، ولذا أرى أن الصواب أن يُدْرَج في المرتبة الثانية، مرتبة من احتمل الأئمة تدليسه، وأخرجوا له في الصحيح لإمامته، وقلة تدليسه في جنب ما روى.
[ ٨ / ٢٣٧ ]
ما صرَّحوا فيه بالسماع، أو ظهرت لهم قرينةٌ تدل عليه، كطول المخالطة ونحو ذلك، ولكنَّ اسم (١) التدليس منكرٌ عند من لا يعرف اصطلاح علماء الأصول والحديث.
والتدليس في عرفهم: أن يروي المحدِّث الحديث عن رجلٍ ولم يسمعه منه، وإنما سمعه عن رجل عنه، موهمًا أنه سمعه منه من غير أن يكذب، فيقول: حدثني فلان، وذلك شائعٌ في الثقات، وقل من يسلمُ منه (٢).
وقد رُوِيَ أن ابن عباس ما سَمِعَ من النبي - ﷺ - إلاَّ أحاديث يسيرة. قال بعضهم: أربعة أحاديث، وبقية روايته عن الصحابة، عن النبي - ﷺ -، وهو لا يكاد يذكر من بينه وبين النبي - ﷺ -، وإنما يقول: قال النبي - ﷺ - كذا، حتى يتوهَّم السامع أنه سمعه عن النبي - ﷺ -، فهذا شبيه (٣) بالتدليس، لكنه لم يتحقق قصد الصحابي لذلك، وكذلك لم يوصف أحدٌ منهم بالتدليس، وهذا مما احتج به أصحابنا على قبول المرسل.
وقد يجرح أهل الحديث بالتدليس إذا صدر ممن ليس له بصرٌ بالإسناد وعلم الرجال، وكان يُدلس أحاديث الضعفاء ويخلِطُ الغَثَّ بالسمين، وأما أهل البصر بهذا الشأن، المجرَّبُ صدقهم وتحرِّيهم، فالكلام فيهم كما قدمته.
والقدح على الزهري بالتدليس غريبٌ جدًا، فلم يذكر هذا أحدٌ، لولا أن الذهبي شرط في كتاب " الميزان " أن لا يترك شيئًا قدح به من حقٍّ أو باطلٍ.
وثالثها: أن الزهري كان يلبس زى الأجناد.
قال الذهبي (٤): كان الزهري بزيِّ الأجناد، وكان في رتبة أميرٍ.
والجواب عن هذا ظاهر، فإن زي الأجناد غير محرَّم، لا في الكتاب، ولا
_________________
(١) " اسم " ساقطة من (ف).
(٢) " منه " ساقطة من (ف).
(٣) في (ف): " اشتبه ".
(٤) في " السير " ٥/ ٣٤١.
[ ٨ / ٢٣٨ ]
في السُّنة، وقد فسَّر الذهبي هذا الزي الذي كان يلبسه، فقال: كان له قُبَّةٌ معصفرة، وملحفة معصفرة (١).
فهذا هو الذي كان عليه، ولباس الثوب المعصفر مختلفٌ فيه بين أهل العلم، ومذهب الشافعي المنصوص أنه مباحٌ، وليس فيه تحريم على مذهبنا أيضًا، وقد كان هذا مستنكرًا في ذلك العصر، لما كان عليه أهل العلم من الخشونة في ملابسهم والاقتداء بالسلف في كثير من أحوالهم، وقد لبس العلماء في الأعصار الأخيرة لباس المترفين، ولا قدح في ذلك، بل الأفضل تركه، وفعله جائزٌ.
والزهري لما خالط الأجناد، وكثُرَت ملازمته لهم، تزيَّا بزيِّهم، ولا جرح في هذا، ولكن نقص في المرتبة، فقد كان الأولى له لزوم المساجد والبعد عن مخالطة أهل الدنيا، ولكن من الذي ما فعل إلاَّ ما هو الأولى والأفضل؟ ولكنَّ الطبيعة البشرية تقتضي من الإنسان أن يرى القذى في عين أخيه، ولا يرى الجِذْعَ في عينه، فالزهري وإن فعل ذلك فهو ثقةٌ مأمون، ولو أنه يغير في دينه، لرَفَضَه علماء التابعين، وجرَّحوه، وحذَّروا طلبة العلم من ملازمته والاعتماد على روايته.
ورابعها: قول محمد بن إشكاب: كان الزهري جنديًا، وهذه عبارةٌ بَشِعَةٌ جافيةٌ، لا يليق طرحها على الزهري، لما أُبَيِّن من ترفُّعه عن هذا المحل.
والجواب عن هذا من وجوهٍ:
الوجه الأول: أن محمد بن إشكاب غير معروف، سألت عنه النفيس العلويَّ أدام الله علوَّه، فقال: هو مجهولٌ (٢)، وأما أحمد بن إشكاب، فثقةٌ من
_________________
(١) لم يفسره الذهبي، وإنما رواه عن الليث بن سعد، ثم إنه ليس فيه ما يدل على أن ذلك هو زي الأجناد.
(٢) هذا خطأ بين من المصنف ﵀ تابع فيه شيخه النفيس العلوي، فالرجل ليس =
[ ٨ / ٢٣٩ ]
رجال الصحيح، وغير خافٍ على أهل التمييز أنه لا بد من معرفة الجارح بالعدالة.
الوجه الثاني: أن محمد بن إشكاب لم يدرك الزهري، فبين وفاته ووفاة الزهري مئة سنة واثنتان وأربعون سنة (١)، ذكره في " درة التاريخ "، وقد ذكرنا ما يدل على عدالة الزهري من كلام أئمة التابعين المشاهير الذين صحِبُوه وخَبَرُوه، وهذا رجل لم يدركه، ولم يعرفه رمى بكلمةٍ لا ندري عمن تلقَّفَها وهل تجوَّز فيها.
وفي كتاب " الميزان " (٢) للذهبي نحو هذا في ترجمة خارجة بن مصعب من طريق أحمد بن عبدويه المروزي، عن خارجة بن مصعب، ثم ذكر الذهبي عن كثيرٍ من الأئمة تضعيف خارجة، بل قال البخاري: تركه ابن المبارك ووكيعٌ (٣)، والترك في عبارتهم بمعنى التُّهمة بتعمُّد الكذب، ووكيعٌ شيعي لا يتهمه الشيعة، وعن ابن معين أنه كذاب وهذا أشد الجرح، مع أن في الرواية هذه بعينها عن خارجة أنه ترك الزهري لما رآه صاحب شرط بني أمية في يده حربةٌ. قال: ثم ندم، فقدم على يونس صاحب الزهري، فسمع منه عن الزهري.
وهذا يدل على صدق المحدِّثين في عدم الثقة بخارجة إن صحَّت الرواية،
ولم يُوثِّقهُ أحدٌ، وإنما قال ابن عدي: لا بأس به (٤)، وهي عبارة تليين، والجرح
_________________
(١) = بمجهول، بل هو حافظ إمام ثقة من رجال البخاري وأبي داود والنسائي، وإشكاب لقب أبيه، فهو أبو جعفر محمد بن الحسين بن إبراهيم بن الحر بن زعلان البغدادي المتوفى سنة (٢٦١ هـ) مترجم في " التهذيب " و" السير " ١٢/ ٣٥٢ - ٣٥٣.
(٢) قلت: توفي الزهري سنة (١٢٤ هـ)، ومحمد بن إشكاب سنة (٢٦١ هـ) فيكون بين وفاتيهما (١٣٧) سنة.
(٣) ١/ ٦٢٥.
(٤) " ووكيع " ساقطة من (ف).
(٥) بل قال ابن عدي: " وهو ممن يكتب حديثه " انظر " الكامل " ٣/ ٩٢٧، و" الميزان ".
[ ٨ / ٢٤٠ ]
الصريح مقدمٌ على مثل هذا وفاقًا. فبطل هذا الإسناد، وإنما استند محمد بن إشكاب إلى مثل هذا.
الوجه الثالث: إن هذا القدر لا يجرح به في الرواية، لأن المحققين لا يقبلون الجرح المطلق غير المفسر، فكيف بما لم يثبت أنه جرحٌ، وذلك لأن خِدْمَةَ الملوك نوعان: محرّمٌ قطعًا، وهو خدمتهم في الحرام، ومباحٌ، وهو خدمتهم فيما ليس بحرامٍ، فإن ذهب عالم إلى تحريم ذلك، فبدليلٍ ظني لا يمنع الخلاف كما قدمنا في المعاونة سواء، ولكن هذه مرتبة نقص شرف تَبَيَّن أن الزهري كان أرفع منها، وإنما ذكرتها للتنقل في مراتب الجواب من الرتبة الدنيا إلى ما يليها.
الوجه الرابع: سلمنا أنه محرَّمٌ قطعًا، لكن لا يجرح به عندنا إلاَّ إذا وقع من غير تأويل، ولم يذكر في " الميزان " أنه قُدِحَ فيه بشيءٍ من هذه الأشياء إلا التدليس، وذلك لما ذكرته من هذه الأشياء مسائل ظنية لا يقدح بها، ولكن بعض أهل العلم قد يتجنب من خالط الملوك نُفرةً من الدنيا ومن قاربها، لا جرحًا محققًا.
وإنما ذكرت هذه الوجوه لما كثر التَّعنُّت، ولما تعرض السيد لذكرها في جوابه.
الوجه الخامس: أنَّا نبيِّنُ ما يدل على أن الزهري، وإن خالط الملوك، فما كان في هذه المنزلة، بل كان عالمًا، موحِّدًا، عدليًا، ثبتًا، قوَّالًا بالحق، غير مداهنٍ للملوك في أمر الدين، والذي يدل على ذلك وجوه:
الوجه الأول: ما ذكره السيد الإمام الناطق بالحق (١) أبو طالب ﵇ فإنه ذكر في كتابه " الأمالي " في ترجمة زيد بن علي ﵇ أن الزُّهريَّ دخل على هشامٍ، بعد قتل زيد بن عليٍّ ﵇، فقال له هشام: إني ما أُراني
_________________
(١) " بالحق " ساقطة من (ف).
[ ٨ / ٢٤١ ]
"أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر"
جرأة الزهري على القول بالحق
إلا أوبقتُ نفسي، فقال الزهري: وكيف ذاك (١)؟ فقال: أتاني آتٍ (٢) فقال: إنه ما أصاب أحدٌ من دماء آل محمدٍ شيئًا إلاَّ أوبَقَ نفسه من رحمة الله. قال: فخرج الزهري وهو يقول: أما والله لقد أوبقت نفسك، وأنت الآن أوبقُ.
فهذا الكلام مما يدلُّ على جلالة قدر الرجل، فإنه لا يصدع بقول الحق عند هشام إلاَّ من هو من أهل الديانة والجلالة، وأين مرتبة الأجناد من هذا الكلام، ولا يعرف بقدر هذه الكلمة وأمثالها إلاَّ من يعرِفُ بخبر هشامٍ ويكبره.
ولأمرٍ ما عظَّم رسول الله - ﷺ - النُّطق بالحق عند أئمة الجَوْرِ، فقال ﵇: " أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر " (٣).
قال العلماء في شرح الحديث: وإنما كانت أفضل الجهاد، لأن المجاهد يتمكن من الدفع عن نفسه، والذي عند أهل الجور لا يتمكن من ذلك.
الوجه الثاني: ما ذكره يعقوب بن شيبة (٤) الثقة المشهور، قال: حدثني محمد بن إدريس الشافعي، قال: حدثنا عمي، قال: دخل سليمان بن يسارٍ على هشامٍ، فقال: من الذي تولَّى كِبْرَهُ؟ قال: عبد الله بن أُبي بن سلول.
قال: كذبت، هو علي، من هو يا ابن شهاب؟ قال: عبد الله بن أبي بن سلول، قال: كذبت هو علي، قال: أنا أكذب، لا أبالك؟! فوالله لو ناداني منادٍ من السماء أن الله قد أحل الكذب ما كذبت، حدثني سعيد بن المسيب، وعروة، وعبد الله، وعلقمة بن وقاص، عن عائشة أن الذي تولّى كِبْرَه عبد الله بن أبي بن سلول.
قال: فلم يزل القوم يُغرون به حتى قال له هشام: ارحل، فوالله ما ينبغي
_________________
(١) في (ش): " ذلك ".
(٢) قوله: " فقال: أتاني آت " ساقط من (ف).
(٣) تقدم تخريجه ٢/ ٦٨.
(٤) في الأصول: " ابن أبي شيبة "، وهو خطأ.
[ ٨ / ٢٤٢ ]
لنا أن نرحل (١) عن مثلك، قال: ولِمَ، أنا اغتصبتُك على نفسي؟ أنت اغتصبتني على نفسي، فخلِّ عني، قال: لا، ولكنك استدنت ألفي ألفٍ. قال: قد علمت وأبوك [قبلك] أني ما استدنتها عليك، ولا على أبيك. فقال هشام: لا تَهِيجُوا الشيخ. فلما خرج، أمر له هشام بألفي ألفٍ (٢)، فأُخبر بذلك، فقال: الحمد لله الذي هذا من عنده.
روى ذلك إمام علم الرجال، أبو الحجاج المزي في " تهذيبه "، والذهبي في " تذهيبه " وغيره (٣) وإسنادها صحيحٌ متصلٌ، وكلُّ رجال الإسناد أشهر من أن يعرف بحالهم إلاَّ عمَّ الشافعي، وهو محمد بن العباس بن شافع، وثَّقه أبو عبد الله الحاكم ابن البيع المحدث الشيعي، ذكره في " مناقب الشافعي " ﵀، وهي دالةٌ على ترفُّع الزهري من مراتب الأجناد إلى ربوة بعيدة، والدلالة فيها من وجوه:
أولها: ما قدمناه من الصدع بمُرِّ الحق بين يدي هشام بعد العلم بكراهته، لذلك فإن هشامًا قد كان (٤) كذَّبَ سليمان بن يسارٍ، والزهري يسمع، وادَّعى أن الذي تولَّى كِبْرَهُ علي ﵇، ثم التفت إليه مُنتصرًا به على سليمان بن يسارٍ، طالبًا منه أن يساعده، على ما ذكر (٥)، فصدع بالحق، ولم يُبالِ به، ولو كان ليِّن العريكة في المُداهنة شيئًا قليلًا، لكان يسَعُه أن يقول: الله أعلم، ولا يصرِّحُ بما يقتضي تجهيل هشامٍ وتكذيبه في حضرته، فأين هذا المقام من مقام الأجناد؟ هذا والله مما ينتظم في سلك مقامات الصالحين مع الملوك.
وثانيها: أن هشامًا لما كذَّب سليمان بن يسارٍ، سكت هيبةً لهشامٍ، ولم
_________________
(١) كذا الأصول، وفي " السير " وغيره: " نحمل ".
(٢) في " السير "، و" تاريخ دمشق ": " ألف ألف ".
(٣) لم أجد هذا الخبر في " تهذيب الكمال " وهو في " تاريخ دمشق " ص ١٦٢، و" السير " ٥/ ٣٣٩ - ٣٤٠، و" تاريخ الإسلام " ص ٢٤٥ - ٢٤٦.
(٤) " كان " ساقطة من (ش).
(٥) في (ش): " ذكره ".
[ ٨ / ٢٤٣ ]
يَحِرْ جوابًا ولا أحلى ولا أمر في الرَّدِّ على هشام مع جلالته، وفضله وعلمه. وأما الزهري، فإن هشامًا لما كذبه، لم يتبلَّد في الجواب، ولا داهن في الحق، ولا سكت عن الصواب، بل قال لهشامٍ: أنا أكذب لا أبالك، والله لو ناداني منادٍ من السماء أن الله قد أحلَّ الكذب ما كذبت، ثم سرد من حديثه بذلك من ثقات التابعين حتى أبطل دعوى هشامٍ وأسكته.
فإن قلت: لولا أن الزهري يُبْغِضُ أهل البيت لما (١) أقام مع من يبغضهم.
قلت: هذا لا يلزم، فإن ابن أبي الحديد كان وزيرًا لابن العلقمي الرافضي، وابن أبي الحديد معتزلي معظمٌ للشَّيخين، قائلٌ بتقديمهما في الإمامة على أمير المؤمنين، وابن العلقمي مستحل لسبِّهما، معتقد لرفضهما، ولكن حاجة الناس إلى المال والجاه وقضاء الدين وصلة الأرحام تجرُّهم إلى مثل هذا، وقد توفد عقيل بن أبي طالب على معاوية في خلافة علي ﵇ لأجل الحاجة إلى المال، وأقام جعفرٌ الطيار بين عُبَّاد الصُّلبان من النصارى سبع سنين ورسول الله - ﷺ - في المدينة بين المهاجرين والأنصار في عِزٍّ ومَنَعَةٍ وعسكر (٢) بغير ذمة ولا جوارٍ، والإنسان يجد من نفسه أنه لا يفعل هذا، ولكن ليس كل ما وجد الإنسان من نفسه أنه لا يفعله قَدَحَ به على الناس، وإن كان مباحًا لهم، واستدلَّ به على ما لا يدلُّ عليه من حيث تواطؤهم، فتأمل ذلك (٣).
وثالثها: أن هشامًا لما عاب عليه أنه استدان ألفي ألفٍ، قال له: علمت وأبوك أني ما استدنتها عليك ولا على أبيك، وفي هذا الكلام خشونةٌ ظاهرةٌ ترفعه عن مقام الأجناد، وخَساسة الخُدَّام، فإن ذكر الآباء مُهيِّجٌ للغضب، مثيرٌ للحمية من الكِبْرِ والعُتُوِّ (٤)، وإنما يذكر المخاصم أبا خصمه ليُغصِبَه بذلك، وإلا فلا ملجىء إلى ذكر الآباء، وهذا معلومٌ في العادة.
_________________
(١) في (د) و(ف): " ما ".
(٢) " وعسكر " ساقطة من (د) و(ف).
(٣) " ذلك " ساقطة من (ف).
(٤) في (ش): " والعنف ".
[ ٨ / ٢٤٤ ]
ورابعها: أن القوم لما أغرَوْا به، حتى قال له هشام: ارتحل (١) عنَّا، ألقمه الحجر في الرَّدِّ عليه، ولم يخضع له خُضوع عبيد الدينار والدرهم، بل قال له: ولم؟ أنا اغتصبتُك على نفسي، أنت اغتصبتني على نفسي، فخلِّ عني، يعني (٢) أنا ما أكرهتك على صحبتي، بل أنت أكرهتني على صحبتك، فاتركني أرتحل عنك، فأنت الطالب لإقامتي، فهذا إفصاحٌ في الزهد في صحبة هشامٍ، وأنها عندهم مكروهةٌ غير جديرةٍ بأن يحرص عليها، ولا خليقة بأن يُلتفت إليها، وهذا كلام من له شهامةٌ كبيرةٌ وأَنَفَةٌ عظيمةٌ، ولأمرٍ ما لانت له عريكة هشامٍ بعد هذا الكلام، فقال هشام (٣): لا تهيجوا الشيخ، أي: لا تُغْضِبُوه، فلو كان في مرتبة الأجناد، لم يتصلَّب في الحق حتى تلين شدة هشام قبل أن يلين الزهري، ولعل المعترض على الزهري بمداهنة الملوك لو قام في مقامه هذا، لارتعدت فرائصه، ورجف فؤاده، ولم يأتِ بعُشر ما أتى به الزهري من الذَّبِّ عن أمير المؤمنين ﵇ في مقام هذا الجبَّار المتمرِّد، وما أحسن قول أبي الطيب:
وإذا ما خلا الجَبَانُ بأرضٍ طَلَبَ الطَّعْنَ وحده والنِّزالا (٤)
الوجه الثالث: من الأصل ما رواه الذهبي (٥) عن الزهري، قال: قال لي هشام: اكتب لبنيَّ بعض أحاديثك، فقلت (٦): لو سألتني عن حديثين ما تابعتُ بينهما، ولكن إن كنت تريد، فادع كاتبًا، فإذا اجتمع الناس وسألوني، كتبت لهم.
_________________
(١) في (ش): " ارحل ".
(٢) " يعني " ساقطة من (ش).
(٣) " فقال هشام " ساقطة من (ش).
(٤) البيت من قصيدة يمدح فيها سيف الدولة الحمداني، ومطلعها: ذي المعالي فَلْيَعْلُوَنْ من تَعالَى هكذا هكذا وإلا فلا لا انظر " الديوان " ٣/ ١٣٤ بشرح العكبري.
(٥) في " السير " ٥/ ٣٣٣.
(٦) في (ف): " فقال "، وهو خطأ.
[ ٨ / ٢٤٥ ]
وروى الذهبي (١) أنه خرج (٢) من عند عبد الملك، فجلس، ثم قال: يا أيها الناس، إنا قد كنا منعناكم شيئًا قد بذلناه لهؤلاء، فتعالوا حتى أحدثكم.
قال الراوي: فسمعهم (٣) يقولون: قال رسول الله - ﷺ -، فقال الزهري: يا أهل الشام، ما لي أرى أحاديثكم ليست لها أزِمَّةٌ ولا خُطمٌ؟ قال الوليد: فتمسك أصحابنا بالأسانيد من يومئذٍ، قال: وكان يمنعهم أن يكتبوا عنه، فلما ألزمه هشامٌ أن يكتب لبنيه، أذِنَ للناس أن يكتُبوا معهم.
ففي هذا ما يدل على جلالته أنه امتنع أن يُملي على أولاد هشام إلاَّ بحضرة الناس، ولما ألزمه هشامٌ ذلك، كان يُملي عليهم مع الناس، وهو متضجِّرٌ من ذلك، مُظهرٌ لكراهته من غير إثمٍ فيه (٤) ولا تحريمٍ، ولكن لما فيه من اختصاص أهل الدنيا والترفه (٥) ببذل العلم، ألا ترى كيف خرج على الناس، فقال: يا أيها الناس، إنا كنا قد منعناكم شيئًا قد بذلناه لهؤلاء هكذا (٦) بهذه العبارة المؤذنة بالتضجُّر منهم، وعدم التعظيم لهم، فإن قوله: قد بذلناه لهؤلاء، في معنى أنهم غير أحقَّاء بأن يُخَصُّوا بالعلم، ولا شك أن الملوك يأنفون من أقل من هذا الكلام، وإن نِداء الناس بهذا على أبوابهم، والإعلان به لا يَصْدُرُ ممن هو (٧) في منزلة الجند في المهانة والمداهنة.
الوجه الرابع: روى في الجزء السابع من كتاب " العقد " (٨) في حديثٍ فيه طول (٩) إن الزهري جاء وعبد الملك في إيوانٍ وعن يمينه ويساره سِماطان من
_________________
(١) " السير " ٥/ ٢٣٤.
(٢) " خرج " ساقطة من (ف).
(٣) في الأصول: " فسمعتهم " والمثبت من " السير ".
(٤) في (ش): " منه ".
(٥) في (ف): " والسرف ".
(٦) " هكذا " ساقطة من (ش).
(٧) " هو" ساقطة من (ش).
(٨) " العقد الفريد " ٥/ ١٢٦ - ١٢٧، لابن عبد ربه الأندلسي المتوفى سنة (٣٢٨ هـ).
(٩) في (ش): " حديث طويل ".
[ ٨ / ٢٤٦ ]
الناس، لا يمشي أحدٌ بينهما، فقال عبد الملك للذي عن يمينه: هل بلغكم أي شيءٍ أصبح في بيت المقدس ليلة قتل الحسين؟ قال: فسأل كل إنسانٍ صاحبه، حتى بلغت المسألة الباب، فلم يرد أحدٌ فيها شيئًا. قال الزهري: قلت: عندي في هذا علمٌ، قال: فرجعت المسألة رجلًا عن رجلٍ حتى انتهت إلى عبد الملك، فدُعيت، فمشيت بين السِّماطين، فلما انتهيت إليه، سلَّمتُ عليه، فسألني من أنا، فانتسبت له، فعرفني بنسبي، وكان طلاَّبةً للحديث، فسألني، فقلت: نعم، حدثني فلان -لم يسمِّه لنا- لم يُرفَعْ تلك الليلة حجرٌ ببيت المقدس إلاَّ وُجِدَ تحت دمٌ عبيطٌ. قال: صدقت، حدثني الذي حدثك، وإنَّا وإيَّاك في هذا الحديث لقرينان.
وروى الحافظ الطبراني عن الزهري نحوه، ولفظه: قال لي عبد الملك بن مروان: أي واحدٍ أنت إن أعلمتني أي علامة كانت يوم قتل الحسين؟ قلت: لم تُرفع حصاة ببيت المقدس إلاَّ وُجِدَ تحتها دمٌ عبيط. قال: إني وأنت في هذا الحديث قرينان.
قال الهيثمي: رجاله ثقات، وخرج الطبراني عن الزهري نحوه من غير ذكر قصة عبد الملك، قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح (١).
قلت: ورواية " العقد " أبسط، والحديث واحدٌ، ففي هذا أنه لم يُدَاهِنْه، ويتصنَّع إليه بإنكار فضائل أهل البيت ﵈، وفيه أيضًا أنه إنما وصل إليه لأجل الجهاد والمرابطة كما فعل ذلك كثيرٌ من الفضلاء مع أئمة الجور.
الوجه الخامس: أنه لم يُنقل عنه أنه أثنى عليهم، ولا تصنَّع إليهم بشيءٍ من سبِّ علي ﵇ ولا بُغضِه، ولا سبِّ أحدٍ من أهل البيت ﵈، ومن المعلوم أن خُدَّام الملوك وأجنادهم أتبع لهم من الظِّلِّ، وأطوع لهم من النَّعل، يَسُبُّون من سبُّوا، ويُبْغِضُون من أبْغَضُوا، بل نُقِلَ عنه عكس
_________________
(١) تقدم تخريجها ص ٥٥ من هذا الجزء.
[ ٨ / ٢٤٧ ]
هذا، فإنه ذبَّ على عليٍّ ﵇ في القصة المتقدِّمة، وقد نقل الحاكم ﵀ أنه كان ممن خرج مع زيد بن علي ﵇.
الوجه السادس: أنه لم يُنقل قطُّ أن الزهري طلب الولاية ولا الإمارة، ولا شكا أحدٌ من أهل الدِّين أن الزُّهري آذاه ولا نافسه في أمرٍ، ولا نُقِلَ أنه ظلم أحدًا من الرَّعيَّة، ولا أعان في مظلِمةٍ مع عِظَمِ المنزلة عند الملوك، وطول الصحبة لهم، وهذا دليلٌ على الديانة، فقلَّ من يمتنع من هذه الأمور إلاَّ للعجز وعدم التمكن، فمن تمكن، ولم يُنقل عنه شيءٌ من ذلك مع طول المدة، فهو دليل ديانته ونزاهته.
فبهذه الوجوه السِّتَّة وأمثالها يتضح ما ذكرته من ارتفاعه من مرتبة الأجناد، والله أعلم.
فإن قلت: هذه الأشياء لا تُوجِبُ العلم بنزاهته، وأنت ألزمتنا العلم (١) بأنه أعان على قتل زيد بن علي ﵇.
قلت: العلم بالنزاهة لا تجب إلاَّ لو ادَّعينا عصمته، ورفعناه من مرتبة العدول إلى مراتب الأنبياء، وإنما ألزمت السيد اليقين هناك حيث ادعى اليقين، فأخبرته أن الدليل على دعوى اليقين لا يكون (٢) إلاَّ قاطعًا (٣)، ولوِ ادَّعى الظن كما ادعيت، لم أُلزمه ذلك.
واعلم أنه (٤) لا سبيل إلى زوال وساوس النُّفوس بسوء الظنون التي لا مُوجب لها إلاَّ العادة والإلف، ومن اشتهر بالثقة، وأطبق الجِلَّة من التابعين ومن بعدهم على الاحتجاج بحديثه لم يُؤخذ بروايةٍ شاذةٍ أو محتملة، ولو كان مثل هذا يؤثِّر في الثقات المشاهير، لم يكد أحدٌ منهم يسلم إلاَّ من لا يكتفي به في العدالة، فإن الحاجة إلى العدول ماسةٌ في الشهادات والحديث والفتاوى
_________________
(١) " العلم " ساقطة من (ش).
(٢) " لا يكون " ساقطة من (ف).
(٣) في (ش): " قطعًا ".
(٤) " أنه " ساقطة من (ش).
[ ٨ / ٢٤٨ ]
والقضاء والأذان والإمامة (١) الكبرى والصُّغرى وغير ذلك فمن أين كنا في كل مكانٍ وزمان من لم يُتكلَّم فيه بشيءٍ، ولو كان الرجل كالقِدْحِ المُقَوَّمِ، لقال الناس فيه لو ولولا.
هذا ابن عباس حبر الأمة، وبحر التأويل، وإمام التفسير، قد اشتهر في كتب التاريخ أنه أخذ مال البصرة من غير إذن علي ﵇، وهذا محرَّمٌ، لا أعلم أحدًا يجيزه.
وروي أن عليًا ﵇ كتب إليه في ذلك كتابًا شديدًا، قال فيه (٢): أمَّا بعد فإني كنت أشركتك (٣) في أمانتي، وجعلتك شعاري وبطانتي، ولم يكن في أهلي أوثق منك في نفسي، لمواساتي ومؤازرتي، وأداء الأمانة إلي، فلما رأيت الزمان على ابن عمك قد كَلِبَ (٤)، والعدوِّ قد حَرِبَ، وأمانة الناس قد خزِيت (٥)، وهذه الأُمة قد فُتِنَتْ (٦)، قلبت لابن عمِّك ظهر المِجَنِّ، ففارقته
_________________
(١) تحرفت في (ف) إلى: " الإقامة ".
(٢) النص في " نهج البلاغة " ص ٥٨١ - ٥٨٣ تحت عنوان: ومن كتاب له ﵇ إلى بعض عماله. قال ابن أبي الحديد في شرحه ١٦/ ١٦٩، وقد اختلف الناس في المكتوب إليه هذا الكتاب، فقال الأكثرون: إنه عبد الله بن العباس ﵀، ورَوَوْا في ذلك روايات، واستدلوا عليه بألفاظ من ألفاظ الكتاب ثم أورد ألفاظًا من هذا الكتاب تؤيد مقالتهم، ثم قال: وقال آخرون وهم الأقلون: هذا لم يكن، ولا فارق عبد الله بن عباس عليًا ﵇ ولا باينه ولا خالفه، ولم يزل أميرًا على البصرة إلى أن قتل ﵇ وهذا عندي هو الأمثل والأصوب.
(٣) في (د) و(ف): شركتك، وهو خطأ، ومعنى أشركتك في أمانتي: جعلتك شريكًا فيما قمت فيه من الأمر، وائتمنني الله عليه من سياسة الأمة.
(٤) أي: استد، وقوله: والعدو قد حَرِبَ أي: استأسد.
(٥) أي: ذلت وهانت.
(٦) في " النهج ": فَنَكَتْ وشفرت قال الشيخ محمد عبده: مِنْ فَنَكَتِ الجارية: إذا صارت ماجنة، ومجون الأمة أخذها بغير الحزم في أمرها، كأنها هازلة. قلت: وفي =
[ ٨ / ٢٤٩ ]
مع المفارقين، وخذلته مع الخاذلين، وخُنْتَه مع الخائنين، فلا ابن عمك آسَيْتَ، ولا الأمانة أديت، وكأنك لم تكن الله تريد بجهادك، وكأنك لم تكن على بينةٍ من ربك، وكأنك إنما كنتَ تَكِيدُ هذه الأمة عن دنياهم، وتنوي غِرَّتهم عن فيْئِهم، فلما أمكنتك الشدة في خيانة الأمة، أسرَعْتَ الكرَّة، وعاجلت الوثبة، واختطفت ما قَدَرْتَ عليه من أموالهم المصونة لأراملهم وأيتامهم اختطاف الذئب الأزَلِّ (١) دامية المِعْزى الكسيرة، فحملته إلى الحجاز رَحْبَ الصدر بجملة، غير متأثِّمٍ من أخذه، كأنك -لا أبا لغيرك- حدرت إلى أهلك تراثك من أبيك وأُمِّك، فسبحان الله! أما تؤمن بالمعاد؟ أما تخاف نقاش الحساب؟ أيها المعدود كان عندنا من ذوي الألباب، كيف تُسيغ طعامًا وشرابًا وأنت تعلم أنك تأكل حرامًا، وتشرب حرامًا، وتبتاع الإماء، وتَنْكِحُ النساء من مال اليتامى والمساكين والمؤمنين والمجاهدين، الذين أفاء الله عليهم هذه الأموال، وأحرز بهم هذه البلاد.
فاتق الله واردُد إلى هؤلاء القوم أموالهم، فإنك إن لم تفعل، ثم أمكنني الله منك، لأُعْذِرَنَّ إلى الله فيك، أو لأضربنَّك بسيفي الذي ما ضربت به أحدًا إلا دخل النار. والله لو أن الحسن والحسين فعلا مثل الذي فعلت، ما كانت لهما عندي هوادةٌ، ولا ظفِرا مني بإرادةٍ حتى آخذ الحق منهما، وأُزيح الباطل عن مظلمتهما، وأقسم بالله رب العالمين ما يسرني أن ما أخذت من أموالهم حلال لي أتركه ميراثًا لمن بعدي، فَضَحِّ رويدًا (٢) وكأنك قد بلغت المدى [ودُفِنت
_________________
(١) = " القاموس ": والفنك: العجب والتعدي واللجاج والغلبة والكذب. وشفرت الأمة: خلت من الخير، والمِجَنُّ: الترس، والمعنى: كنت معه فصرت عليه، وهو مثل يضرب لمن يخالف ما عهد فيه.
(٢) هو الخفيف الوَرِكين، وذلك أشد لعدوه، وأسرع لوثبه، وإن اتفق أن تكون شاة من المِعزى كثيرة ودامية أيضًا كان الذئب على اختطافها أقدر.
(٣) كلمة تقال لمن يؤمر بالتؤدة والأناة والسكون، وأصلها أن العرب كانوا يسيرون في =
[ ٨ / ٢٥٠ ]
تحت الثرى] وعُرِضَتْ عليك أعمالُك بالمحلِّ الذي يُنادي الظالمُ فيه (١) بالحسرة، ويتمنى المضيِّع الرَّجعة، ولات حين مناصٍ، والسلام.
فهذا الكتاب فيه من التصريح كما ترى بأن ابن عباسٍ ﵁ كان يعلم أن ذلك المال الذي أخذه حرامٌ، وهذا جرحٌ محقَّقٌ لو كان كل ما رُوِيَ صُدِّقَ، وكل ما قيل قُبِلَ، ولكن الذي ظهر من أمانة ابن عباسٍ وعدالته وتقواه يقتضي أن هذا غير صحيحٍ، فالمعلوم المشهور لا يعارض بالمظنون الشاذ، كيف وليس هذا في مرتبة الظن؟ وقد أطبق الصحابة والتابعون على جلالة ابن عباسٍ وأمانته، والأخذ عنه، فلم يُلتفت إلى ما شذَّ في هذه الرواية (٢).
وكذلك سائر الثقات المشاهير الذين دارت رواية العلم عليهم من أول الإسلام إلى آخره لا يُسمعُ فيهم من الأقوال الشاذة والروايات الساقطة ما لا يصح، ولا يساوي سماعه.
وإذا قد نجز الغرض من الكلام على هذه الفوائد التي جرَّ إليها الكلام في الزهري، فلنختمها بتنبيهاتٍ:
التنبيه الأول: أن حديث الزهري معروفٌ متميِّزٌ، لم يلتبس بأحاديث سائر (٣) الرواة، وجملة حديثه ألفا حديثٍ ومئتا حديثٍ، وفيه بضعةٌ غير مسند لم يُجَرِّحْ أهل الصِّحاح منه شيئًا، وهذا المسند قد صنَّفوه وثبَّتُوه، وتكلموا على رُواته، وكلُّه معروفٌ من غير طريق الزهري إلاَّ النادر اليسير، وإنما روَوْهُ من طريقه لما اختصَّ به من جَوْدَة الحفظ، وقوة الإتقان، وإنما عرفوا حفظه بموافقته للثقاتِ
_________________
(١) = ظعنهم، فإذا مروا ببقعة من الأرض فيها كلأ وعشب، قال قائلهم: ألاَّ ضحوا رويدًا، أي: رفقوا بالإبل حتى تتضحى، أي: تنال من هذا المرعى.
(٢) " فيه " ساقطة من (ش).
(٣) " الرواية " ساقطة من (ف).
(٤) " سائر " ساقطة من (ف).
[ ٨ / ٢٥١ ]
كثرة الرواية للغرائب من دواعي الجرح
من الرواة، ألا ترى كيف قال له علي بن الحسين ﵇: إنما العلم ما عرِفَ وتواطأت عليه (١) الألسن.
وهذا هو مذهب المحدِّثين. قال مالك: من حدَّث بالغرائب كذب، ومن أصول المحدثين الجرح بكثرة الرواية للغرائب عن الثقات المشاهير، وقد كانوا يجدون من يروون عنه حديث الزهري من أهل الزهادة، لكنهم رأوه أحفظ من أولئك الزهار وأعرف، وكم من زاهدٍ تقيٍّ وهو ضعيفٌ عند المحدثين، لا تحِلُّ الرواية عنه لما جرَّبُوا عليه من الوهم الكبير والتخليط، فمن أنِسَ بعلم الحديث، عرف أن الذي ينفرد به الزهري ويُغْرِبُه لا يكون إلاَّ قدرًا يسيرًا، ولعل الذي يتعلَّقُ بالتحليل والتحريم لا يكون إلاَّ دون الرُّبُع من ذلك، فلو قدَّرنا بطلان الاحتجاج ما كان ذلك (١) يضرُّ، فكم تكون أحاديثه في جنب أُلوفٍ من الحديث، فجملة ما تفرَّد قدر تسعين حرفًا بأسانيد جيدةٍ، كذا قاله مسلم بن الحجاج فيما نقله عنه ابن الصلاح، ذكره ابن العراقي في " التبصرة " (٢) في الكلام على الشاذ، وهذا مقدار ثلث العشر، يزيد يسيرًا، فإن ثلث عشر حديثه ثمانون حديثًا، ولا شك أن من روى ثلاثين حديثًا فواق الثقات في تسعةٍ وعشرين، وانفرد بحديثٍ واحدٍ، حافظٌ ثقةٌ، بل قال الفقهاء والأصوليون إذا كان صوابه أكثر، ولو بحديثٍ، وجب قبوله.
فهذه الأحاديث التي شذ بها الزهري لا يكون في الصحيح منها إلاَّ اليسير، ولا يكون في التحليل والتحريم من ذلك إلاَّ اليسير، مع أن كلام مسلمٍ لا يدلُّ على نفي الشواهد، وإنما يدلُّ على نفي المتابعات، وبينهما فرقٌ موضعه علوم الحديث ومع أن جماعةً من الكبار قد حكموا بالغرابة والشذوذ على بعض الأحاديث، ثم انكشف لمن أمعن الطلب وجود متابعات كثيرة لتلك الأحاديث فاعرف ذلك.
_________________
(١) ساقطة من (ش).
(٢) ١/ ١٩٥، وقول الإمام مسلم هذا ذكره في " صحيحه " ص ١٢٦٨.
[ ٨ / ٢٥٢ ]
وقد نص العلامة ابن حجر في " مختصره في علوم الحديث " (١) أن الغريب إن لم يأت من طريقٍ أخرى، فهو الفرد المطلق، ويعِزُّ وجوده، وإن جاء من وجهٍ آخر، فهو الفرد النسبيُّ. انتهى.
وهو نص على ما ذكرته من عزة الفرد (٢) المطلق، ولا أستحضر الآن أنه ألزم الوهم من أحاديث الأحكام إلاَّ في أربعة أحاديث.
الأول: قوله: إن ذا اليدين هو ذو الشِّمالين الذي قُتِلَ ببدرٍ قبل تحريم الكلام في الصلاة، قال ابن عبد البر (٣): وهم فيه الزهري، وكل أحدٍ يؤخذ من قوله ويُتْرَكُ (٤).
الثاني: تاريخ النهي عن المتعة بخيبر (٥)، تأوَّله سفيان بن عيينة، وعلى ذلك شواهد جمَّةٌ، ولذلك خالف فيه أبو داود ولم يخرِّجه، ويمكن أن يكون الوهم فيه من غيره، فإنه (٦) عنعنه، وقد كان يدلِّس، وقد بسطت الكلام في هذا، في الكلام على أحاديث علي ﵇.
على أنه لو بطل حديثه كله -مع فرض كثرته- لم يكن علينا في ذلك مضرَّةٌ البتة، بل يحصل السهولة، ويسقط التكليف بالعمل بتلك الأحاديث والتكليف بالبحث عنها.
الثالث: حديث حد الأمة المحصنة (٧)، فإنه تفرد به على ما ذكره ابن عبد
_________________
(١) المسمى " شرح نخبة الفكر في مصطلح الأثر "، والنص فيه في الصفحة ٢٥٨ - ٢٥٩.
(٢) في (د) و(ف): " التفريد ".
(٣) في " التمهيد " ١/ ٣٦٦.
(٤) حديث ذي اليدين مخرج في " صحيح ابن حبان " (٢٢٥٠) - (٢٢٥٢) و(٢٦٧٥) و(٢٦٨٤) - (٢٦٨٨).
(٥) انظر تخريج الحديث والتعليق عليه في " صحيح ابن حبان " (٤١٤٣).
(٦) في (ش): " لأنه ".
(٧) هو مخرج في " صحيح ابن حبان " (٤٤٤٤).
[ ٨ / ٢٥٣ ]
البرِّ في " التمهيد " (١)، وقد حمل بعضهم الوهم على مالك، فتوبع مالك (٢) وتخلص من ذلك، واستقرَّ الوهم فيه على الزهري ودل على وهمه فيه اضطرابُه.
وقد تتبَّعتُ كثيرًا مما تفرد به، فوجدته مما يقتضي الاحتياط في الدين، كحديث تحريم المتعة عن علي ﵇، وحديث حدِّ الأمة المحصنة، وتأويله حديث ذي اليدين، مما تقدم كتأويل الأصحاب، وغير ذلك مما تفرَّد به، والذي حملهم على روايته مع شذوذه فيه وإعلاله هو محبة الاحتياط.
وللزهري مذهبٌ رديءٌ في الرواية ينبغي الاحتراز منه، والتَّيقُّظ له، وهو إدراج رأيه في آخر الحديث، ذكره ابن عبد البر في موضعين من " التمهيد "، وروايته بفعل ذلك في الاحتياط والتشديد، وهو أقبح ما قُدِحَ فيه به، والله يحب الإنصاف.
الرابع: قوله بعد روايته لكتاب رسول الله - ﷺ - في الصدقة- صدقة الإبل والغنم والوَرِقِ ما لفظه: وليس في الذهب صدقةٌ حتى يبلغ صرفها مئتي درهم، ففيها خمسة دراهم، ثم في كل شيءٍ يبلغ صرفه أربعين درهمًا درهمٌ حتى يبلغ أربعين دينارًا، ففيها دينارٌ، إلى آخر كلامه في السواني من الإبل والبقر.
قال ابن عبد البر: ليس ذلك في شيءٍ من الأحاديث المرفوعة إلاَّ في حديثه هذا، وهو من رأيه أدرجه في آخر الحديث، وكثيرًا ما كان يفعل ذلك.
التنبيه الثاني: أنه ليس بيني وبين هذا الرجل قرابةٌ ولا صحابةٌ، ولا له علي إحسانٌ، ولا أنا أدعي صحة جميع ما في كتب الحديث، فبطلت أسباب العصبية، وأعوذ بالله من العصبية، وإن وُجِدَتْ أسبابها، كيف ولم توجد؟ وإنما أردت بكلامي في هذا الموضع والتطويل بل فيه بيان عُذري في قبول الزهري، وأنه (٣) غلب على ظني صدقه وعدالته في بعض الرواية، وذلك حيث يصرِّحُ
_________________
(١) ٩/ ٩٥.
(٢) قوله: " فتوبع مالك "، ساقط من (ش).
(٣) في (ش): " وإن ".
[ ٨ / ٢٥٤ ]
احتجاج أهل البيت بحديث الزهري
بالسماع، ولا تحتمل روايته التدليس، ولا الإدراج، ولا تَعَلُّ، ولا يعارضها أرجح منها، فلو لم أعمل بحديثه، لارتكبت ما يغلب على (١) ظني تحريمه، وهذا خلاف الاحتياط في الدِّين، وخلاف العمل بالعقل الرَّصين، وفي العمل بما يظنُّ تحريمه مضرَّةٌ مظنونة، ودفع المضرة المظنونة عن النفس واجبٌ.
التنبيه الثالث: أني لا أريد بكلامي إلزام غيري أن يقبل الزُّهري، بل يثبت مذهبي وحُجتي، ولا لوم على من لا يقبله، والسِّر في هذا التنبيه أن الاختلاف في جرح بعض الرواة وتعديلهم من جملة الاختلاف في المسائل الظنية التي لا يأثَمُ فيها أحدٌ من المخالفين، وقد اختلف المتأخِّرون من أهل البيت ﵈ في رواية كافر التأويل وفاسقه، واختلفوا في تكفير الجبرية في أمثال ذلك، ولم يقطع ذلك الولاية، ولا يقدح في العدالة، وقد قال السيد أبو طالب: إنه لا يُعَوَّل على تخاريج ابن بلالٍ وخالفه في ذلك غير واحدٍ من الأصحاب، والأمر في هذه الأمور قريبٌ، ومبناها الظنِّ والتحري.
التنبيه الرابع: إن كان السيد يعتقد أن ذم الزهري وتحريم العمل بحديثه من جملة عقائد أهل البيت ﵈ التي أجمعوا (٢) عليها، ولم يُرَخِّصُوا فيها، فأين نصوصهم في ذلك؟ وما باله اختصَّ بمعرفة إجماعهم على ذلك؟ وإن لم يكن كذلك فما باله يدخل هذا في ضمن (٣) الذبِّ عن مذاهبهم لزعمه لذلك؟ فليبيِّنِ السيد لنا من سبقه من أهل البيت إلى القطع بأن الزهري أعان على قتل زيد بن علي ﵇ يقينًا، لا شك فيه.
التنبيه الخامس: أن كلام السيد يُوهمُ أن أهل البيت لا يحتجُّون بحديث الزهري، وليس كذلك، ومن شك في الصادق منَّا فليطالع " علوم آل محمد " تأليف محمد بن منصور، وهو المعروف بأمالي أحمد بن عيسى بن زيد، فإنه
_________________
(١) في (ف): " في ".
(٢) في (ش): " اجتمعوا ".
(٣) " ضمن " ساقطة من (ف).
[ ٨ / ٢٥٥ ]
الوهم الخامس والثلاثون: وهم السيد أن قصة يحيى بن عبد الله مع أبي البختري وشهادة الجم الغفير عليه بالزور يقتضي القدح في الصحابة
فيه أكثر من الاحتجاج بحديث الزهري في أحاديث الأحكام، وكذلك السيد أبو طالب في أماليه مع نسبتهم للتشدد في ذلك إليه، فإنه روى عنه غير حديثٍ، ولم يرو عنه إلاَّ حديث علي ﵇ في تحريم المتعة في يوم خيبر، فإنه رواه من طريقه كسائر الحُفَّاظ، وهو أصح حديثٍ في هذا الباب، إلاَّ عند أبي داود لما لا (١) يتسع له هذا الموضع.
الوهم الخامس والثلاثون: وهِمَ السيد أيده الله تعالى أن قصة يحيى بن عبد الله ﵇ مع أبي البختري وشهادة الجمِّ الغفير عليه بالزور يقتضي القدح في الصحابة، وهذا غلوٌّ وإسرافٌ في التهويل والإرجاف، فإنه لا ملازمة بين رواة الحديث وبين جماعة شهدوا (٢) زورًا في واقعةٍ معينةٍ، وهذا لا يستحق الجواب، ولكن ننتقل بذكر وجهين:
الأول: أنه يجب على السيد أن يبيِّنَ من حضر تلك الشهادة الباطلة من رُواة الصِّحاح، ونطق بشهادة الزور برواية عدولٍ معدلين وإسنادٍ صحيح كما ألزمنا، ولعلَّ هذا لا يتيسرُ للسيد من رواية كذابين، كيف إلاَّ من رواية عدولٍ.
الوجه الثاني: أن المنصور بالله ﵇ قد روى عن المطرَّفيَّة أنهم يستحلُّون الكذب على النبي - ﷺ - لنصرة مذهبهم وما يعتقدونه حقًا، وحكى ﵇ أنهم صرَّحوا له بذلك في المناظرة، وكذلك قد ثبت بالتواتر أن الحسينية كانت تشهد أن الحسين بن القاسم أفضل من رسول الله - ﷺ -، وهذا مع كونه زُورًا، فإنه كفرٌ، وهاتان فرقتان من فرق الزيدية أقاموا دهرًا طويلًا يُصنِّفُون ويدرُسُون، فكما لم يلزم الزيدية مذهبهم، لمجاورة البلاد، والاشتراك في اسم الزيدية، فكذلك لا يلزم الثِّقات المحدثين استحلال شهادة الزور (٣)، لأن ألفًا وثلاث مئةٍ من الفُسَّاق المصرِّحين استحلُّوا ذلك، ولو أن عدلًا واحدًا كان في مصرٍ عظيمٍ يشتمل على مئة ألفٍ من الفُسَّاق ما سرى الفسوق منهم إليه، ولا
_________________
(١) في (ف): " لم ".
(٢) في (ش): " شهود ".
(٣) عبارة " استحلال شهادة الزور " ساقطة من (ش).
[ ٨ / ٢٥٦ ]
علِقَتِ العدالة بهم منه، ولولا معرفة المحدثين بكثرة الخَبَثِ، ما اشتغلوا بتمييز الخبيث من الطَّيِّب، ولا اقتصر البخاري على قدر أربعة آلاف حديثٍ من ستَ مئة ألف حديث، كما ثبت ذلك عنه، وقد روي: " الناس كإبل مئة - لا تجد فيها راحلةً " (١).
وعلمت النصوص في ذم الكثرة ومدح القلة، فلم يلزم من فساد الأكثرين فساد الأقلِّين من الصِّالحين، والمعترض ظن أنه اقتدى بالإمام المنصور في إيراد هذه الحكاية، وليس كذلك، فإنه قد صرَّح بصحة كتب الحديث المشهورة (٢)، وصرَّح بقبول المتأولين من الصدر الأول من الصحابة ومن بعدهم، فنقل وعقلٌ، أمَّا النقل، فعن جماعةٍ مجهولين أنهم شهدوا زورًا في واقعةٍ معينةٍ، وأما العقل، فلم يُسَوِّ بسبب ذلك بين الخالص والزَّيف، ويخلط الخبيث بالطيب.
الوجه الثالث: أن المعترض (٣) إما أن يشترط في عدالة رواة الحديث أن لا يكون في أهل مذهبهم وسكان بلادهم (٤) من يشهد الزور أو لا. إن اشترط ذلك خالف ضرورة العقل وضروري الإجماع من النقل، وإن لم يشترطه (٥)، فما هذا الترجيف بذكر شهود الزور إيهامًا أنهم رواة الحديث المأثور.
ولو أن المعترض أورد قصة القاضي أبي يوسف أو محمد بن الحسن حين أراد منه (٦) هارون الرشيد أن يُفتيه بانتقاضِ أمان يحيى بن عبد الله ﵇ فامتنع، وقال: هذا أمانٌ مؤكَّدٌ، فشجَّه هارون بالدواة، وقيل: إنه مات مِنْ تلك الشَّجَّة، لكان هذا ألْيَقَ بمقتضى الحال، لأن القاضي أبا يوسف ومحمد بن الحسن أحد أئمة الحديث ورجال القوم، لكن هذا مما يدلُّ على أمانة علماء
_________________
(١) حديث صحيح، قد تقدم تخريجه ١/ ٢٤٥.
(٢) في (د) و(ف): " هذه المشهورة ".
(٣) " أن المعترض " ساقطة من (ف).
(٤) " وسكان بلادهم " ساقطة من (ف).
(٥) في (ف): " يشترط ".
(٦) " منه " ساقطة من (ش).
[ ٨ / ٢٥٧ ]
الوهم السادس والثلاثون: وهم أن أبا البختري الكذاب من ثقاة رواة الحديث
الحديث، فتركه وعَدَلَ إلى حكايةٍ عن (١) شهود زورٍ مجهولين للقدح بها (٢) في ثقات المسلمين المعروفين فالله المستعان.
على أن في القصة ما يقتضي أن أولئك الذين شهدوا هذه الشهادة الزور الباطلة كانوا مكرهين على ذلك، خائفين على أوراحهم وأموالهم إن لم يفعلوا.
وفي بعض الروايات أن يحيى بن عبد الله ﵇ ذكر ذلك في عرض الاحتجاج على أنه لا يجوز العمل بهذه الشهادة، كما ذلك مبسوطٌ في مواضعه من كتب الأخبار، وكثرتهم تقوي هذا، لأن العادات (٣) تُحيل اجتماع الخلق الكثير، والجمِّ الغفير (٤) على الباطل المعلوم، مع بقاء الاختيار، ولولا ذلك، بطل حصول العلم بالتواتر، ومن هنا لم تشترط العدالة في المخبرين بالمتواترات (٥)، لأن سبب العلم بخبرهم استحالة تواطئهم، لكثرتهم لا عدالتهم، فاعرف ذلك، والله سبحانه أعلم.
الوهم السادس والثلاثون: وهم أن أبا البختري وهب بن وهب الكذاب من ثقاة رُواة الحديث، وليس كذلك، فإنه عند القوم مفترٍ كذَّابٌ، مِمَّن نصَّ على ذلك الحافظ ابن كثيرٍ البصروي في " إرشاد الفقيه إلى أدلة التنبيه "، وقال الذهبي في كتابه " ميزان الاعتدال في نقد الرجال " (٦) ما لفظه (٧): وهب بن وهب بن كثير بن عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العُزَّى بن قصي، القاضي أبو البختري القرشي المدني. روى عن هشام بن عروة، وجعفرٍ الصادق، وعنه: المسيِّب بن واضحٍ، والربيع بن ثعلبٍ، وجماعة.
سكن بغداد، وولي قضاء العسكر للمهدي، ثم قضاء المدينة، وكان متَّهمًا في الحديث.
_________________
(١) " عن " ساقطة من (ف).
(٢) في (ش): " به ".
(٣) في (ش): " العادة ".
(٤) " الغفير " ساقطة من (ف).
(٥) في (ف): " بالتواتر ".
(٦) ٤/ ٣٥٣.
(٧) " ما لفظه " ساقطة من (ش).
[ ٨ / ٢٥٨ ]
قال ابن معين: كان يكذب عدو الله.
وقال عثمان بن أبي شيبة: إنه يُبعث يوم القيامة دجَّالًا.
وقال أحمد بن حنبل: كان يضع الحديث فيما نرى.
وقال البخاري: سكتوا عنه. وهي عبارةٌ للبخاري في الجرح.
توفي سنة مئتين.
فأما أبو البختري الذي روى عنه الجماعة، فذلك يخالف هذا الكذَّاب نسبًا واسمًا ووصفًا وزمانًا، وهو سعيد بن فيروز الطَّائي مولاهم (١).
روى عن علي بن أبي طالبٍ ﵇، وعبد الله بن مسعود مرسلًا، وعن أبي برزة، وعَبيدَة.
روى عنه عمرو بن مرَّة، ومسلمٌ البَطين.
وقال فيه حبيب بن أبي ثابتٍ: كان أعلمنا، وأفقهنا.
وهو تابعيٌّ قديمٌ، بينه وبين ذلك الكذاب مئة سنةٍ وسبع وعشرون سنة، فإنه توفي سنة ثلاث وسبعين.
وكذلك البَختري بن أبي البَختري، عن أبي بردة، وجماعة. وعنه: شعبة، ووكيع. صدوق، حديثه في " صحيح مسلم " و" سنن النسائي ".
وقد نص المعترض على أن حديث وهب بن وهبٍ في " الترمذي "، وليس كذلك، فليس له في شيءٍ من كتب الحديث هذه السِّتَّة رواية البتة، فليعلم ذلك ويترك ما لا يعرفه، فإن لكل علم رجالًا، ولكل مقامٍ مقالًا، ومن نام عن علمٍ ثم تعرض لما لا يدري به من الاعتراض على أهله، كان كالأعمى يعترِضُ على ذوي الأبصار، وهو لا يعرف الظلمات من النُّور، ولا الليل من النهار.
_________________
(١) انظر ترجمته في " تهذيب الكمال " ١١/ ٣٢ - ٣٥.
[ ٨ / ٢٥٩ ]
الوهم السابع والثلاثون: توهم أن العلماء إنما قدحوا في الخطابية لمجرد الكذب
وابن اللَّبون إذا ما لُزَّ في قَرَنٍ لَمْ يَسْتَطِعْ صولَةَ البُزلِ القناعيسِ (١)
الوهم السابع والثلاثون: استدل المعترض على بُطلان حديث المجبِّرة والمُرجئة بالقياس على الخَطابية، وجعل العلة الجامعة بينهم في ذلك هو الكذب، فتوهم أن العلماء إنما قدحوا في الخطابية لمجرد الكذب، وهذه غفلة عظيمة، فإن العلماء إنما اتفقوا على القدح فيهم مع اختلافهم في غيرهم بعلة استحلالهم لتعمُّدِ الكذب، بل اعتقادهم لوجُوبه حيث يكون نُصرة لما يظنُّونه حقًا، فكيف يُقاس من يعتقد تحريم الكذب الذي (٢) اعتقدوا حُسْنَه ووجوبه، ويغلب على الظن أنه يفعله.
ولو كان مجرد الكذب مع التأويل يستلزمُ مساواة الخطابية، لزم المعترض أن يكون المعتزلة عنده بمنزلة الخطابية، لأنهم عنده كذلك في باب الإمامة، لمقالتهم بخلافة الصحابة، وهم عنده في ذلك من الكاذبين الآثمين، وليسوا بتأويلهم فيه مِنَ المعذورين.
ثمَّ إنه (٣) شفع ذلك بما لا يغني شيئًا في هذا المقام من ذكره أحاديثَ ساقطةٍ لا أصل لها في لعن المُرجئةِ والقدرية، ولو صحت الرواية عنهم، فإنه إذا لم يقدحِ الفسق في ذلك أو الكفر الثابت بالأدلة القاطعة، فكيف ما هو فرعٌ من جواز السَّبِّ لهم، ووردت الأحاديث بذمِّهم، فقد وردت الأحاديث الصِّحاح، وتواترت بذمِّ الخوارج الذين كفّروا علي بن أبي طالبٍ ﵇، ومع ذلك قالت أئمة الزيدية بقبولهم في الحديث، ممن نصَّ على ذلك: الإمام المنصور في كتابه " صفوة الاختيار " والمؤيد بالله، والإمام يحيى بن حمزة، وصاحب
_________________
(١) البيت لجرير من قصيدة يهجو بها عدي بن الرقاع. انظر ديوانه ص ٣٢٣، والأغاني ٦/ ٣٠٧ - ٣٠٩، و" شرح شواهد المغني " ١/ ٣١٦ - ٣١٧.
(٢) في (ش): " على الذي ".
(٣) " إنه " ساقطة من (ف).
[ ٨ / ٢٦٠ ]
أحاديث الآحاد المظنونة غير معمول بها إذا ما خالفت الأدلة القاطعة المعلومة من العقل أو السمع
" شفاء الأوام "، والقاضي زيدٌ، وعبد الله بن زيد. ورووا (١) إجماع الأُمَّة والعترة على ذلك من عشر طرقٍ وغيرهم، وقد تقدم ذكر طرق ذلك مستوفاةً في مسألة المتأولين.
قال الوجه الرابع: مما يدلُّ على أن في أخبار كتبهم التي يسمونها الصحاح ما هو مردودٌ أن في أخبار هذه الكتب مما يثبت التَّجسيم والجبر والإرجاء ونسبة ما لا يجوز إلى الأنبياء، ومثل ذلك يضرب به وجه راويه (٢)، وأقل أحواله أن يكذب فيه إلى آخر كلامه في هذ الوجه.
أقول: هذا مقامٌ وَعِرٌ قد تعرَّض السيد له، وأبدى صفحته، وأراد أن يكذب الرواة في كل ما لم يفهم تأويله، وهذا بحرٌ عميقٌ، لا يصلُحُ ركوبه إلاَّ في سفين البراهين القاطعة، وليلٌ بهيمٌ لا يَحْسُنُ مسراه إلاَّ بعد طلوع أهلة الأدلة الساطعة، وسوف أُجيب عليه في ما ذكره، وأذكر من حُججه ما سطَّره، وقبل الخوض في هذه الغَمْرة أُقدِّمُ مقدِّماتٍ:
المقدمة الأولى: الاعتراف بأن كل ما خالف الأدلة القاطعة المعلومة من العقل أو السمع، وكان من أحاديث الآحاد المظنونة (٣)، فإنه غير معمولٍ به.
فإن ثبت (٤) دليلٌ على أنه لا يمكن تأويله، وجب ردُّه على راويه، على ما يأتي بيانه في مراتب الرَّدِّ، وإن لم يقم دليلٌ على امتناع ناويله، ترك غير معمولٍ به ولا مقطوعٍ بكذبه.
وإنما ذكرتُ هذه المقدِّمة، وصدَّرتُها قبل الكلام على هذه الجملة، لئلاَّ يتوهم أحدٌ أنِّي أقول بغيرها، فقد كثُر الغلط عليَّ في مواضع، ثم إن السيد أيده الله قد روى في " تفسيره " الأوسط بعض هذه الأحاديث التي أنكرها، ونص على صحتها، وعلى تأويلها، وهي من أشدِّ ما ورد في المتشابه، وذلك أنه قال في
_________________
(١) في (ف): " وروى ".
(٢) في (ف): " رواته ".
(٣) في (ش): " من الأحاديث المظنونة ".
(٤) في (ش): " دل ".
[ ٨ / ٢٦١ ]
التأويل المتعسف مردود متى علم باليقين أنه تأويل متعسف
تفسير سورة الزمر في تفسير قوله تعالى منها: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] ما لفظه: وجاء في الحديث الصحيح ما يُوافق الآية، من ذلك ما خرَّجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة:
" يقبض الله الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ " (١).
وأخرجاه من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: " يطوي الله ﷿ السماوات يوم القيامة، ثم يأخُذُهُنَّ بيده اليمنى " (٢) وهذا مثل الآية على التمثيل والتخييل. انتهى بحروفه.
فإذا جاز عنده أن رسول الله - ﷺ -، المبيِّن للقرآن، يأتي بمثل هذا المتشابه عند نزول المتشابه، فيزيده إشتباهًا، ويُسمعُه عامة أُمَّته، ولا يشمُّهم رائحة التأويل، فأيُّ شيءٍ أنكر روايته بعد تصحيح مثل هذا على المحدثين؟! فالله المستعان.
المقدمة الثانية: أن التأويل المتعسَّف مردودٌ متى عُلِمَ باليقين أنه تأويل متعسَّفٌ، ولم يكن مما يُحتمل، وفي هذه المقدمة نكتةٌ لطيفةٌ، وذلك أنه قد يأتي بعض البُلداء، فيطلُبُ التأويل، فيقع ذهنه على تأويلٍ ضعيفٍ متعسف، فيحسب أنه لا تأويل للحديث إلاَّ ذلك، ويستدل على بطلان الحديث بأن ذلك التأويل متعسَّفٌ، وما كان تأويله متعسفًا، فهو مردودٌ، ولم يشعر المسكين أن حكمه بأن ذلك التأويل متعسَّفٌ صحيحٌ، ولكن لا يلزم منه أنه لا تأويل للحديث سواه، فإنه يمكن أن للحديث تأويلًا صحيحًا، وأنه (٣) لم يعرفه، فإن منتهى الأمر أنه طلب، فلم يجد، لكن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود.
وكذلك إذا وجد بعض شرَّاح الحديث من الأشاعرة وغيرهم، قد يؤوِّل
_________________
(١) تقدم تخريجه ٣/ ١١٣.
(٢) تقدم تخريجه ٣/ ١١٤.
(٣) في (ش): " وإن ".
[ ٨ / ٢٦٢ ]
الحديث بتأويلٍ فيه تعسُّفٌ، لم يقطع بردِّ الحديث لأنه يجوز أن القول بأن ذلك تأويله قولٌ باطلٌ، وأن ذلك المتأوِّلَ إنما صار إليه لقصوره في العلم، وإنما يحكم بردِّ الحديث متى علمنا أنه لا تأويل له صحيحٌ، وأنه لا يدخل في مقدور أحدٍ من الراسخين أن يهتدي (١) إلى معنى لطيف في تأويله، ولكن العلم بهذا صعب عزيز، والدليل على صعوبته أن الناظر في الحديث لا يخلو إما أن يكون من الراسخين في العلم الذين قيل (٢): إنهم يعلمون التأويل أم لا. إن لم يكن منهم، فليس له أن يحكم بقصورهم وعجزهم عن تأويله، لأنه لم يرتق إلى معرفة التأويل الصحيح، ومن لم يعرف الشيء وكيف يحكم بنفيه أو ثبوته، وما أمَّنه أنه موجودٌ، لكن لعدم معرفته له جَهِلَهُ، وأما إن كان الناظر في الحديث من الراسخين، فإنه أيضًا يجوز عليه أن يجهل التأويل.
أما على قول أهل السنة -وهو الصحيح- فإن الراسخين لا يعلمون تأويل المتشابه، كما هو مقرَّرٌ في كتابي " ترجيح أساليب القرآن " (٣)، فإن هذه المسألة مجوّدةٌ فيه، والحمد لله.
وأما على القول الآخر، فإنه يجوز أن الواحد منهم يجهل شيئًا ويعلمه غيره، فإن الله تعالى إنما أثبت العلم بالتأويل لجميع الرسخين، فأمَّا بعضهم، فقد يجوز ألا يعلم التأويل متى عَلِمَه غيره منهم، لأنه إذا علمه واحدٌ منهم، لم يصدق أن الراسخين لا يعلمون، فلا يجوز أنهم الجميع يجهلون التأويل، لأنه حينئذ يكون مخالفًا لما أخبر الله به من علم الراسخين على أحد القولين، فإن الآية على هذا القول تُثبت العلم بالتأويل لجميع الراسخين وجوبًا، ولأحدهم جوازًا، لأن كل حكم يَثْبُتُ للجميع لا يجبُ للآحاد إلاَّ بدليلٍ، ولهذا لما أمر الله باتباع سبيل المؤمنين لم يجب اتباع سبيل المؤمن الواحد، أقصى ما فيه أنه يدلُّ على مشاركة الواحد للجميع، لكن دلالة ظنية، وهي غير نافعةٍ في هذا
_________________
(١) " أن يهتدي " ساقطة من (ش).
(٢) في (ف): " يقولون ".
(٣) انظر ص ١٢١ وما بعدها.
[ ٨ / ٢٦٣ ]
من هو الراسخ في العلم
المقام، لأنا في الكلام على ما يُفيد القطع والثبات بتكذيب الراوي.
وأما الراسخون، فمتى ثبت عندهم أن أحدًا منهم ما اهتدى إلى التأويل، لأنه لو كان ثم تأويلٌ، لم يجُزْ على جميعهم جهله، وإن لم يثبت أنهم جهلوا تأويله، وإنما جهله بعضهم. لم يُردَّ الحديث لجواز أن يكون فيهم من يعلم تأويله وفوق كل ذي علم عليم.
فإن قلت: وبأي شيءٍ يعلم أنهم جهلوا تأويله كلهم (١) ولم يبق منهم أحدٌ؟
قلت: بأسهل مما يُعلَمُ به إجماع الأمة والعترة على بعض الأقوال، وأنه ما بقي منهم أحدٌ، لأن الراسخين في العلم أقل من العلماء، فإذا جاز أن يُعلَّقَ (٢) الحكم العملي المحتاج إلى تنجيزه بمعرفة ما قال جميع العلماء مع كثرتهم، جاز أن يُعلّقَ الحكم الاعتقادي التفصيلي بمعرفة قول أهل الرسوخ في العلم منهم مع قلتهم، ومع الاستغناء بالاعتقاد الجملي.
مثال العلم بإجماع الراسخين في التأويل: أنهم أجمعوا على بطلان تأويلاتهم الباطنية للجنة والنار والحساب والبعث، وشاع ذلك في كل عصرٍ، وعُلِمَ منهم إنكاره بالضرورة، فهذا وأمثاله مذاهب الخوارج وسائر طوائف الضلال الذين لا يُعتَدُّ بهم في الإجماع.
قد علمنا إجماع الراسخين فيه على بطلان تأويلاتهم للحجح الحق، فيستدل به على بُطلان كثيرٍ من التأويلات، وإن كنا قاصرين عن مثل معرفة الراسخين بوجه بطلان بعض التأويلات على سبيل القطع، وكذلك كل حديثٍ ظهر من الأئمة ﵈ النص على أنه لا تأويل له البتة، وشاع ذلك بين الأئمة وذاع، ولم يُنكر، وتكرر حتى علمنا إجماعهم على بُطلان تأويله، فإنه يجب ردُّه.
فإن قلت: ومن الراسخون في العلم؟
_________________
(١) " كلهم " ساقطه من (ف).
(٢) في (ش): " تعلق ".
[ ٨ / ٢٦٤ ]
اختلاف رجلين من أهل العدل والتوحيد في حديث يخالف عقيدتهما
قلت: هذا بحثٌ ظاهرٌ لغوي، والراسخ في العلم: الثابت فيه، الماهر في معانيه، العارف للأدلة القطعية على ما يعتقد، فهو أرسخ قدمًا من شوامخ الجبال، ولهذا ورد في صفة العالم: أنها تزول الرواسي ولا يزول، وليس كل مجتهدٍ، فهو غوَّاص الفِطْنَةِ، سيَّال الذِّهن، وقاد القريحة، لمَّاحًا لخفيَّات المعاني، درّاكًا لمغاصات الدقائق.
وفي كلام العلامة ﵀: ليس العارف كالبارع في المعرفة، ولا ليلة المزدلفة كيوم عرفة. انتهى.
ألا ترى أن أبا بكر وعمر وعثمان وكثيرًا من الصحابة كانوا مجتهدين، ولما يكونوا في الرسوخ في العلم كأمير المؤمنين، وقد قدمت في أول هذا الكتاب نكتةً حسنةً في تفاضل الناس إلى غير حدٍّ، فخذه من هنالك.
ويحتمل أن كل مجتهدٍ راسخٌ إذا كان ثابت العقائد والقواعد، لا شك فيما قطع به، وقدر احتمال نقيضه، لأن الراسخ: الثابت في اللغة.
المقدمة الثالثة: إذا اختلف رجلان من أهل العدل والتوحيد في حديثٍ يُخالف عقيدتهما، فقال أحدهما: تأويله مما لا دليل على عجز الراسخين في العلم عن تأويله، ولا دليل في العقل، ولا في السمع على أن عليًا ﵇ وسائر الأئمة، والفطناء، وأهل الدِّريَة بالغَوْصِ على الدقائق لو اجتمعوا واجتهدوا في البحث عن وجوه التأويل، لعَجَزُوا عن تأويله، ولم تهتد إليه فكرهم الغَوَّاصة على الدقائق، الماحية لخفيات المدارك البتة، بل يعلم أنه لا يستحيل تأويله في علم الله على الصحيح.
وقال الآخر: أنا أعتقد أنهم لو اجتمعوا كلهم أولهم وآخرهم، ما قدَرُوا على تأويله البتة.
فإنه لا يستحق أحدٌ منهما تكفيرًا ولا تفسيقًا ولا تأثيمًا، لأن عقيدتهما واحدةٌ، وإنما اختلفا في بعض ما خالف عقيدتهما: هل يمكن أحدٌ من
[ ٨ / ٢٦٥ ]
تجني السيد على المؤلف ﵀ ونسبته إلى نفي التأويل
الراسخين تأويله أم لا؟ مع اتفاقهما على أن ظاهرهما متروكٌ، وعلى أنه إذا لم يكن عند أحدٍ من الراسخين له تأويلٌ، فإنه مردودٌ.
وهذه الصورة هي صورة ما بيني وبين السيد من الخلاف في بعض الأحاديث، فينبغي منه ومن غيره التنبيه على أنه ليس بيننا وبينه من الخلاف ما يَجِلُّ خطرُه، ويعظم أثره، إذا وافق على هذا الحد، فإن كثيرًا من البُلداء إذا سمع بالمراسلات والمنازعات توهَّم أن ذلك لا يمكن إلاَّ مع تفسيقٍ أو تكفيرٍ، وذلك غير صحيح، ولو شاء أهل العلم وسَّعُوا القول في أدنى المسالك، وقد صنَّف كثيرٌ من العلماء مصنَّفاتٍ كبارًا في مسائل فروعيةٍ ولطائف أدبيةٍ.
المقدمة الرابعة: أن السيد أيده الله تعالى جنى عليَّ جنايةً عظيمةً، فنسبني إلى القول بنفي التأويل، وأنا ما قلتُ بذلك في الكتاب الذي اعترضه السيد، والذي قلت به فيه: إن التأويل لا يحِلُّ لي، لأنِّي من الجاهلين به، ولست من الراسخين فيه، مع الإقرار فيه بالتأويل للراسخين، فإن كان السيد يوجب العلم بالتأويل على جميع المكلَّفين من الإماء والنِّساء والحرَّاثين، وأهل الحِرَفِ من الصُّنَّاع، وسائر طبقات المسلمين، فهذا مذهبٌ له وحده لم (١) أعلم أحدًا يُوافِقُهُ عليه، ولا يلزمني أن أوافقه فيه.
وما زالت العلماء من المسلمين يجهلون التأويلات الدقيقة، ولا يدرُون بشيءٍ من تلك المغاصات العميقة، ولم ينكر ذلك عليهم أحدٌ من الأئمة ﵈ ولا أئمة الإسلام، وإيجاب ذلك عليهم يقتضي إيجاب المعرفة التامة بعلوم الأدب على كل مكلَّفٍ، وهذا خلاف الإجماع، وقد ذكر الزمخشري: أن التفسير يحتاج إلى التبريز في علمي المعاني والبيان (٢)، ولا شك أن ذلك غير واجبٍ على العامة، بل كثيرٌ من أهل الإسلام عجمٌ، لا يجب عليهم تعلُّم الجليِّ من كلام العرب.
_________________
(١) في (ف): " لا ".
(٢) انظر " الكشاف " ١/ ٢٠.
[ ٨ / ٢٦٦ ]
وإن كان السيد يعرف أن العلم بالتأويل من خصائص الراسخين في العلم، كما قال الله على أحد القولين، فأنا ما أنكرتُ هذا في ذلك، فكيف ينسِبُني السيد إلى نفي التأويل على الإطلاق، ولم يزل سامحه الله يبني الردود في رسالته على مجرَّد التَّوهمات الواهية، ولولا محبة الرِّفق، لتكلَّمت في هذا الموضع بما يليق بمقتض الحال، فقد قال الله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِم﴾ [النساء: ١٤٨]، ولكني أرجو أن آخذ نصيبًا من العمل بقوله: ﴿وأن تَعفُوا أقْرَبُ للتقوى﴾ [البقرة: ٢٣٧].
ولو لم أنصَّ على خلاف ما حكى عني في كتابي الأول الذي رسالته جوابٌ له، لعذرته بعض المعذرة، ولكني صرَّحتُ في كتابي الأول بخلاف ما رماني به تصريحًا لا يخفى مثله، ولا يمكن تأويله، وأقل أحوال المجيب أن يدري (١) بما في المبتدأ (٢) ولا يتسرَّع إلى القول بما لا يعلم.
وأنا أُوردُ كلامي في المبتدأ بلفظه حتَّى يعرف السيد أنه قد أكثر من الجنايات علي في جوابه بمجرد تخيُّلاته وأوهامه.
قلت: في كلامي المبتدأ ما هذا لفظه: وإن كانوا أنكروا القراءة في كتب الحديث، لِمَا فيها من المتشابه، فالقرآن مشحونٌ بالمتشابه، فهلاَّ نَهَوْا عن محبة قراءة القرآن، وزجروا المتقدمين في حفظ الفُرقان، وإن كانت نفرتهم منه لعدم تمكنهم من معرفة معانيه، وقلة معرفتهم لشرائطه ومبانيه، وتعثُّرهم في ميادين تأويله، وتحيُّرِهم في مسالك تعليله، فلا ذنب للحديث ولا لحَمَلَته في غباوتهم، ولا عَيْبَ عليه ولا على طلبته في بلادتهم (٣)، وتأويل المتشابه لا يعلمه إلا الله تعالى في أحد القولين، والراسخون في العلم على القول الآخر، فمن لم يكن من الراسخين في العلم، لم يتضجَّر من عدم معرفته للدقائق، ويقيِّد
_________________
(١) في (ف): " يعلم ".
(٢) عبارة " بما في المبتدأ " ساقطة من (ف).
(٣) في (ف): " بلادهم "، وهو خطأ.
[ ٨ / ٢٦٧ ]
فهمه عن السَّير في المزالق.
وابن اللَّبُون إذا ما لُزَّ في قَرَنٍ لم يستطع صولَةَ البُزْلِ القناعيس
ومن ها هنا نسبني كثيرٌ من الجهلة إلى القول بالظاهر، لأني لما استصغرت قدري وأمسكت عن الكلام حيث لا أدري، علمًا منِّي أني لستُ من الراسخين، وأني بعد لم أرتفع عن مرتبة المتعلِّمين، مع اعتقادي أن الظاهر الذي يخالف مذهب العترة ﵈ غير مرادٍ ولا مقصودٍ، ولكني أقف على تأويله، وأكيع (١) عن تعليله، اللَّهُمَّ إلاَّ أن يصح إجماع العترة ﵈ على تأويلٍ معينٍ في ذلك، فلا أشك حينئذٍ في التَّمسُّك بإجماع العترة الهُداة، والرجوع إلى سُفُنِ النجاة، وإن لم يصح عنهم في ذلك إجماعٌ، لم يكن إلاَّ الوقوف في التأويل والإقرار بالتنزيل، لأن التَّقليد إنما شُرِعَ لنا في المسائل العملية الفروعية، لا في المسائل العلمية.
انتهى كلامي في المبتدأ، فكيف ينسُب السيد إلى القول بنفي التأويل، ويحتجُّ علي: بأن الله تعالى لا يخاطِبُ بما لا يعلمون؟ فإذا تقرِّر هذا، فاعلم -أيدك الله- أنك الذي أنكرت وجود العلماء المجتهدين، فضلًا عن وجود الراسخين!
وقلت: إنه (٢) لا طريق إلى معرفة تفسير القرآن، هكذا على الإطلاق، فنفيتَ الطريق إلى معرفة تفسير المحكم والمتشابه، وقلت: لا طريق إلى معرفة اللغة العربية عن رواتها، وعلى طريق صحتها، فقبولها منهم تقليدٌ لهم، والتفسير بالتقليد لا يجوز، وقد تقدم كلامك بلفظه، وتقدم الجواب عليه، فبالله أيها الناظر: مَنِ الذي سدَّ على الناس معرفة كلام الله، وصنف في قطع التفسير
_________________
(١) في " القاموس ": كِعْتُ عنه، أكيع وأكاع كيعًا وكيعوعة: إذا هبته وجبنت عنه، فهو كائعٌ، وهم كاعة.
(٢) " إنه " ساقطة من (ف).
[ ٨ / ٢٦٨ ]
المجاز الذي في القرآن غير المتشابه
لكتاب الله، ومن الذي ردَّ عليه ما قال، وبيَّن أن قوله (١) يؤدي إلى الضلال، والذي يرى كلام السيد مع جلالته يعتقد أنه لم يُجازف فيما لطخني به، وأنه أرفع منزلةً من أن ينسُب إلى أحدٍ ما لم يعلمه، فيظن بي ما ليس عندي، فليكن هذا حدّ السيد في نسبة الأباطيل إليَّ، وطرح الأكاذيب عليَّ.
المقدمة الخامسة: أن المجاز الذي في القرآن غير المتشابه، وذلك أن الله أخبر أنه لا يعلم المتشابه إلاَّ الله والراسخون في العلم على قول الجمهور من المتكلمين، والمجاز معروفٌ جليٌّ سابقٌ إلى الأفهام مع القرينة، فإن العربيَّ الجِلْفَ، المكبَّ -لغباوته- على عبادة الأصنام إذا سَمِعَ قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤] لا يعتقد أن للذُّل (٢) جُناحًا حقيقيًا أبدًا، وكذا إذا سَمِعَ قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَه﴾ [الكهف: ٧٧]، فإنه لا يعتقد أن الجدار يعزِمُ على الانقضاض، ويريد ذلك.
فإذا ثبت أن الكل من عامة أهل اللِّسان العربي يعرفون معنى ذلك، لم يَجُزْ أن يكون ذلك هو (٣) المتشابه الذي لا يعلمه إلاَّ الراسخون، وكثير من المجاز المتعلق بصفات الله تعالى من هذا القبيل الذي لا يستحق أن يسمى متشابهًا.
فإن قلت: فما الميزان المعتَبَرُ في الفرق بينهما؟
قلت: كل مجازٍ قرينة التجوز فيه ضروريةٌ أو جليةٌ غير خفيةٍ، فليس من المتشابه، وكل (٤) مجازٍ قرينته تنبني على قواعد نظريةٍ دقيقةٍ لا يعرفها إلاَّ الخاصة من العلماء، فهو متشابهٌ، فتأمل ذلك، فإنه نفيس الفوائد وغزير المعارف.
المقدمة السادسة: سوف يأتي إن شاء الله أن القرائن الدالة على المجاز ثلاثٌ: عقليةٌ وعرفيةٌ ولفظيةٌ.
_________________
(١) في (ف): " أنه ".
(٢) " أن للذل " ساقطة من (ش).
(٣) في (ف): " من ".
(٤) في (ف): " فكل ".
[ ٨ / ٢٦٩ ]
ومثال العقلية: ﴿واسألِ القرية التي كُنَّا فيها والعير﴾ فإن العقل يعلم أن سؤال القرية والعير لا يصح، فيفهَمُ المخاطب أن المراد: سؤال أهلها.
إذا عرفت هذا، فاعلم أن القرينة العقلية إنما يصح الاستدلال بها على التجوز في الكلام متى كان العقل يقطع على أن المتكلِّم ممن لا يصح الظاهر في حقه، فلهذه النُّكتة يختلف الاستدلال بها، فيصح في مواضع فيما بين الناس، ولا يصح مثله في كلام الله تعالى وكلام رسوله ﵇.
مثال ذلك: أنا نفهم التجوُّز في قول الشاعر:
شكا إليَّ جملي طول السُّرى يا جملي لَيْسَ إليَّ المُشتَكى
وذلك لأن العادة جرت بأن العجماوات لا تُكَلِّمُ إلاَّ الأنبياء (١) ﵈، فتعلم أنَّها لا تكلم سواهم على قولٍ، ونظنُّ ذلك على القول الآخر.
فأمَّا قول النبي - ﷺ -: " إن هذا الجمل شكا أنَّك تُجيعُه وتُدْئِبُه " (٢)، فلا نفهم التَّجوز، لأنا لا نعلم امتناع الظاهر في حقه، ولا نظن ذلك.
ومن ها هنا اختلف كثيرٌ من المحدثين والمتكلمين في تأويل كثير من الأحاديث والآيات، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُم﴾ [الإسراء: ٤٤]، فالمتكلمون حملوه على التجوز، لاعتقادهم أن الظاهر لا يصحُّ، وأهل الحديث لم يتأوَّلوه، لاعتقادهم أنه لا مانع من صحة الظاهر بالنظر إلى علم الكلام وقدرته، لأنه خبر من يعلم ما لا نعلم، ويقدِرُ على: إنطاق كل شيءٍ بالإجماع، فقد ورد في القرآن: ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطيرِ﴾ [النمل: ١٦]، وكلام سليمان ﵇ مع الهدهد والنملة، ومن ذلك تسبيح الجبال مع داود ﵇، وهذا من خواصِّه ومعجزاته، وأما
_________________
(١) في (ش): " للأنبياء ".
(٢) أخرجه من حديث عبد الله بن جعفر أحمد ١/ ٢٠٤ و٢٠٥، وأبو داود (٢٥٤٩)، وصححه الحاكم ٢/ ٩٩ - ١٠٠، ووافقه الذهبي.
[ ٨ / ٢٧٠ ]
التسبيح المجازي، فالجبال يسبِّحنَ مع غيره ﵇.
وأما السنة، فقد صح عنه ﵇ أنها كلمته الذِّراعُ المسمومة (١)، وحنَّ إليه الجِذْعُ (٢)، وسبَّح الحصا في يده (٣)، وكان يُسْمَعُ تسبيح الطعام في حضرته (٤)، وهذا كثيرٌ في السنة.
وقد ذكر هذا الإمام المهدي محمد بن المطهر ﵇ في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُون﴾ [البقرة: ١٥٩]، فإنه ﵇ ذكر في تفسيرها كلامًا كثيرًا يتعلق بلعن ما ليس بناطقٍ، وذكر الكلام عن الحيوانات من العجماوات، فذكر كلام (٥) الثعلب وشعره (٦)، وكلام البعير (٧)، وكلام العَضْباء (٨)، وكلام الضَّبِّ (٩)، وحديث الذئب (١٠)، وحديث الحمار الذي
_________________
(١) أخرجه من حديث أبي هريرة البخاري (٣١٦٩)، والدارمي ١/ ٣٢ - ٣٣.
(٢) انظر " صحيح ابن حبان " (٦٥٠٦) و(٦٥٠٧) و(٦٥٠٨).
(٣) أخرجه من حديث أبي ذر الطبراني في " الأوسط "، والبزار (٢٤١٣)، وأبو نعيم (٣٣٨) و(٣٣٩)، والبيهقي ٦/ ٦٤ - ٦٥، كلاهما في " دلائل النبوة "، وابن عساكر في ترجمة عثمان من " تاريخ دمشق " ص ١٠٧ - ١١٠، وهو حديث حسن بطرقه. وانظر " الشمائل " لابن كثير ص ٢٥٢ - ٢٥٤، و" مجمع الزوائد " ٦/ ١٧٩ و٨/ ٢٩٩، و" الفتح " ٥/ ٥٩٢.
(٤) انظر " صحيح ابن حبان " (٦٤٥٩).
(٥) " كلام " ساقطة من (ش).
(٦) ستأتي القصة بتمامها في الصفحة التالية.
(٧) انظر الصفحة السابقة ت (٢).
(٨) ذكره القاضي عياض في " الشفاء " ص ٣١٣، بلا سند، وعزاه إلى الإسفراييني، وبيض السيوطي في " مناهل الصفاء "، ولم ينسبه إلى أحد.
(٩) أخرجه من حديث عمر الطبراني في " الأوسط "، و" الصغير " (٩٤٨)، وأبو نعيم (٢٧٥)، والبيهقي ٦/ ٣٦ - ٣٨، كلاهما في " الدلائل "، وذكره السيوطي في " الخصائص " ٢/ ٦٥، وزاد نسبته إلى ابن عدي، والحاكم في " المعجزات "، وابن عساكر، وأورده ابن كثير في " الشمائل " ص ٢٨٥ - ٢٨٨، وأشار إلى أنه غريب منكر، وقال الذهبي في " الميزان " ٣/ ٦٥١. حديث باطل.
(١٠) انظر ابن حبان (٦٤٩٤).
[ ٨ / ٢٧١ ]
أُخذ من خيبر وسأله النبي عن اسمه (١)، وحديث الناقة التي نطقت بالشهادة أنها ملكٌ لصاحبها (٢)، وحديث الشجرة التي شهدت بالنبوة، وذكرها علي عليه
_________________
(١) أخرجه من حديث أبي منظور أبو موسى المديني كما في " الإصابة " ٤/ ١٨٦، وابن حبان في " المجروحين " ٢/ ٣٠٨ - ٣٠٩، وابن الجوزي في " الموضوعات " ١/ ٢٩٣ - ٢٩٤، وابن عساكر في " تاريخه " كما في " حياة الحيوان " للدميري ١/ ٣٥٧، وابن كثير في " الشمائل " ص ٢٨٨، وقال: أنكره غير واحد من كبار الحفاظ، وقال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع، فلعن الله واضعه فإنه لم يقصد إلاَّ القَدح في الإسلام، والاستهزاء به، وقال ابن حبان: هذا الحديث لا أصل له، وإسناده ليس بشيء، وقال أبو موسى المديني: هذا حديثٌ منكر جدًا سندًا ومتنًا، لا أُحِلُّ لأحد أن يرويه عني إلاَّ مع كلامي عليه. وقال الحافظ في " الإصابة ": واهٍ.
(٢) لا يصح. ذكره القاضي عياض في " الشفا بتعريف حقوق المصطفى " ص ٣١٥، وأخرجه الحاكم ٢/ ٦١٩ من طريق يحيى بن عبد الله المصري، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر قال: كنا جلوسًا حول رسول الله ﵌ إذ دخل أعرابي جهوري بدوي يماني على ناقة حمراء، فأناخ بباب المسجد، فدخل فسلم، ثم قعد، فلما قضى نحبه، قالوا: يا رسول الله إن الناقة التي تحت الأعرابي سرقة. قال: " أثمّ بينه ". قالوا: نعم يا رسول الله، قال: " يا علي خذ حق الله من الأعرابي إن قامت عليه البينة، وإن لم تقم، فرده إلي ". قال. فأطرق الأعرابي ساعة، فقال له النبي ﵌: " قم يا أعرابي لأمر الله، وإلا فأدل بحجتك "، فقالت الناقة من خلف الباب: والذي بعثك بالكرامة يا رسول الله أن هذا ما سرقني ولا ملكني أحد سواه، فقال له النبي ﵌: " يا أعرابي بالذي أنطقها بعذرك ما الذي قلت ". قال: قلت: اللهم إنك لستَ برب استحدثناك ولا معك إله أعانك على خلقنا، ولا معك رب فنشك في ربوييتك، أنت ربنا كما نقول وفوق ما يقول القائلون، أسألك أن تُصلي على محمد وأن تبريني ببراءتي. فقال له النبي ﵌: " والذي بعثني بالكرامة يا أعرابي لقد رأيتُ الملائكة يبتدرون أفواه الأزقة يكتبون مقالتك فأكثر الصلاة علي ". قال الحاكم: رواة هذا الحديث عن آخرهم ثقات، ويحيى بن عبد الله المصري لست أعرفه بعدالة ولا جرح، وتعقبه الذهبي في " مختصره "، فقال: الخبر كذب، اختلقه يحيى بن عبد الله المصري، وقال في " الميزان ": يحيى بن عبد الله شيخ مصري عن عبد الرزاق =
[ ٨ / ٢٧٢ ]
السلام في " النهج " (١).
وطوَّل في هذا في قدر كُرَّاسٍ من أشعارٍ وأخبارٍ، وروى ذلك كله بإسناده بالقراءة (٢) والسماع بذكر ذلك في كل حديثٍ.
وقد عقد عياضٌ المالكي في ذلك ثلاثة فصول في كتابه " الشفاء " (٣): فصلًا في كلام الحيوانات من العجماوات، وفصلًا في كلام الشجر، وفصلًا في كلام سائر الجمادات، واستوعب في ذلك.
وقد صحَّح المتكلِّمُون هذا المعنى، ولم ينكروه بالنظر إلى القدرة، وذكروا ما يقتضي صحته عندهم الجميع في كيفيَّةِ كلام الله تعالى، وفي فضل المعجزات ونحو ذلك.
ومن أعجب ما ورد في ذلك: ما رواه السيد الإمام أبو طالب في كتابه " الأمالي " بإسناده، قال ﵇: حدثنا أبو العباس أحمد بن إبراهيم الحسني (٤) املاءًا، قال: أخبرنا الحسين بن محمد بن أوس الأنصاري الكوفي، قال: حدثنا نصر بن وكيعٍ، قال: حدثنا أبي، عن الأعمش، عن إبراهيم التَّيميِّ، عن أبيه، عن أبي ذر ﵁، قال: كنا عند رسول الله - ﷺ -، فأتاه أعرابي على ناقة له، فنزل ودخل، فأجلسه رسول الله - ﷺ - أمامه، ثم قال:
_________________
(١) = فذكر حديثًا باطلًا بيقين، فلعله افتراه. قلت: وله طريق أخرى لا يُفرح بها عند الطبراني في " الدعاء " (١٠٥٥) وفي سنده سعيد بن موسى الأزدي، وهو متهم بالوضع. وأخرجه الطبراني في " الكبير (٤٨٧٧) وفي " الدعاء " (١٠٥٤) من حديث زيد بن ثابت، وفي سنده مجاهيل، كما قال السيوطي في " مناهل الصفا " ص ١٣٣.
(٢) ص ٤٣٧ - ٤٣٨، وأخرج نحوه مسلم (٣٠١٢)، وابن حبان (٦٥٢٤)، والبيهقي في " دلائل النبوة " ٦/ ٧ - ١٠. وانظر الدلائل أيضًا ٦/ ١٣ - ١٧.
(٣) في (ش): " بالقرائن ".
(٤) ص ٢٩٨ - ٣١٥.
(٥) في (ش): ابن الحسني.
[ ٨ / ٢٧٣ ]
" حدِّثِ الناس من أمرِ ثعلبِكَ ". قال: يا رسول الله، أنا رجلٌ من أهل نجران، جئت أحتطب من وادٍ يقال له: السَّيَّال، فبينا أنا في الوادي أحتطب الحطب على راحلتي هذه إذ أنا (١) بهاتفٍ يهتف بي (٢) من جانب الوادي:
يا حامل الجُرْزَةِ مِنْ سَيَّالِ هل لك في أجرٍ وفي نَوَالِ
وحُسْنِ شكر آخر الليالي أنقذك الله من الأغلالِ
ومِنْ سعير النار والأنكال فامنُنْ فَدَتْكَ النفسُ بالإفضالِ
وحِّلني من وَهَقِ الحِبالِ
فالتفتُّ، فإذا ثعلب إلى شجرةٍ، فقال الثعلب:
يا حامل الجُرزة للأيتام عجبتَ مِنْ شأني ومن كلامي
اعجب من الساجد للأصنام مستقسمًا للكفر بالأزلامِ (٣)
هذا الذي بالبلد الحرام نبيُّ صدقٍ جاءَ بالإسلامِ
وبالهدى والدين والأحكام بالصلوات الخمس والصيامِ
والبرِّ والصِّلات للأرحام مهاجرٌ في فتيةٍ كرامِ
غير معايب ولا لئام
فذهبت لأحُلَّه، فإذا هاتفٌ آخر يقول:
يا حاملَ الجُرْزَةِ مِنْ جُرْزِ الحَطَبْ أما ترى (٤) وأنتَ شيخ منجذِبْ
وفيك عِلْمٌ ووقارٌ وأدبْ إنَّ الذي يُنبيك زورٌ وكَذِبْ
محمدٌ أَفْسَدَ ديوانَ العرب
فأنشأ الثعلب يقول:
_________________
(١) " أنا " ساقطة من (ش).
(٢) في (ش): " إلي ".
(٣) في (ش): " والأزلام ".
(٤) في (ش): " ماذا ترى ".
[ ٨ / ٢٧٤ ]
إنَّ الذي تسمعُه (١) لَعِيني ملعونُ جنٍّ أيّما ملعونِ
يدينُ في الله بغيرِ دينِ يُغويكَ بي عَهْدًا (٢) لكي تُرديني
فامنُن فدتكَ النَّفس بالتَّهوين على أخٍ مُضطهدٍ مسكينِ
إن لم تُغِثْني غَلِقَتْ رُهوني
قال: فأتيتُه فحللته (٣).
انتهى ما رواه السيد الإمام أبو طالب ﵇.
وهذا الباب واسعٌ، لا سبيل إلى استقصائه، ولا حاجة إلى ذلك، وإنما أتيت بهذه القصَّةِ تبرُّكًا بإيراد ما رواه أهل البيت ﵈، وإلا فالإشارةُ في هذا كافيةٌ.
فإذا تقرَّر هذا، فاعلم أن عامَّةَ أهل الأثر لمَّا رأوا هذا داخلًا في قدرة الله تعالى لم يتأولوا كثيرًا مِمَّا ورد في هذا المعنى، مثل قوله تعالى في السماء والأرض: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طائِعين﴾ [فصلت: ١١]، وليس يلزمهُم من هذا أن يسبِّحَ (٤) كلُّ جزءٍ مِنَ الأجسام اللطيفة مثل ورقة التِّين والقلم والسِّواك، بل إذا سبحتِ الأرضُ، فقد صدق أنه يسبِّحُ كلُّ شيءٍ، مثلما أنه إذا سبَّح الإنسان، فقد سبَّح منه كلُّ شيءٍ، وإن لم تُسَبِّحْ منه كلُّ شعرةٍ على انفرادها، بل يصدُقُ أنَّ الإنسان سبَّح من غير تجوُّزٍ في ذلك، فكذلك إذا سبَّحت الأرض والسماوات والحيوانات، فقد صدق أنه يسبِّح لله كلُّ شيءٍ من غير تجوز (٥)، وإن لم تسبِّحِ الأجسام اللطيفة.
_________________
(١) في (ش): " سمعته ".
(٢) " عهدًا " ساقطة من (ش).
(٣) في سنده من لا يعرف، ولوائح الوضع عليه ظاهرة.
(٤) في (ش): " تسبحه ".
(٥) " من غير تجوز " ساقطة من (ش).
[ ٨ / ٢٧٥ ]
فإذا عرفتَ هذا، فاعلم أن المتكلمين والمحدثين إنَّما يختلفون هُنا، لاختلافهم في أن القرينة العقليَّة، هل تدلُّ هنا على التَّجوُّز أم لا؟ والأمر في هذا قريبٌ، والذي قالوه في هذا ممكنٌ عند المتكلِّمين عقلًا.
ويتفرع على هذا تنبيهٌ مفيدٌ، وذلك أن كثيرًا من المحدِّثين -لعدم ارتياضهم في العلوم العقلية- يتوقفون في إحالة أشياء عقليةٍ، وإحالتها في العقل ظاهرةٌ جليةٌ مثل حديث (١) أنه " يؤتى بالموت على صُورة كبشٍ أملح " (٢) يوم القيامة، فمن لم يكُن له أُنْسٌ بعلم العقل، لم يقطع باستحالة هذا، فربما ظنه على ظاهره، وربما توقف في معناه، وذلك مما لا يصح عند أحدٍ من جمهور أهل الكلام، لأن الموت إمَّا عَرَضٌ على قولٍ، أو عدمُ عَرَضٍ على قول، وكلاهما يستحيلُ أن يصير حيوانًا عند جمهورهم، على أن ابن تيمية -وكان من أئمة الكلام- خالفهم في ذلك، وقال: إنه لا يستحيل أن يُنشىء الله تعالى من الأعراض أجسامًا تكون تلك الأعراض مادة لها، وإنما المحال ذبح العرض نفسه، وهو ما هو عليه، وطوَّل في الاحتجاج على ذلك، ذكره تلميذه ابن قيّم الجوزية في أواخر " حادي الأرواح " (٣).
_________________
(١) " حديث " ساقطة من (ف).
(٢) أخرجه البخاري (٤٧٣٠)، ومسلم (٢٨٤٩)، والترمذي (٣١٥٦) من حديث أبي سعيد، والحديث بتمامه: " يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح، فينادى منادٍ: يا أهل الجنة، فيشرئبُّون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلُّهم قد رآه، ثم ينادي: يا أهل النار، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلُّهم قد رآه، فيذبح، ثم يقول: يا أهل الجنة، خلود، فلا موت، ويا أهل النار، خلود فلا موت "، ثم قرأ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَة﴾، وهؤلاء في غفلة أهل الدنيا ﴿وَهُمْ لَا يُؤْمِنُون﴾. وأخرجه بنحوه أحمد ٢/ ٤٢٣، والدارمي ٢/ ٣٢٩، والنسائي في " الكبرى " كما في " التحفة " ٩/ ٣٤٧ من حديث أبي هريرة.
(٣) ص ٢٨٣ - ٢٨٤.
[ ٨ / ٢٧٦ ]
وتلخيصُ كلامه: أن منعهم لذلك مجرَّد استبعاد، ولا مانع من كون الشيء مادة لمخالفه لا ضده، وإنما يمتنع لو كان يستلزم المُحال، ويؤدِّي إلى الجمع بين النَّقيضين، وأمَّا مجرَّدُ الاستبعاد، فليس هو أبلغ من استبعاد الفلاسفة لإنشاءِ الموجود مِنَ العدم المحض، كما هو قول أكثر أهل الإسلام، ومنتهى ما فيه أنَّ العقل يقِفُ هنا، ولا يقطع بشيءٍ، لكن السمع دلَّ عليه دلالات مختلفة متنوِّعة، فمنه حديث: " تجيء البقرة وآل عمران كأنَّهما غمامتان " (١)، وحديث: " إن ما يذكرون مِنْ جلال الله من تسبيحه وتمجيده وتهليله يتعاطفن حول العرش لهن دويٌّ يُذَكِّرن بصاحبهن " (٢)، وحديث الصورة التي تقول للميِّت في قبره: " أنا عملُك الصَّالح أو السَّيِّىء " (٣).
فهذا أمرٌ معقولٌ، لو لم يرد به النص، فورود النَّصِّ به من قبيل تطابُق السَّمع والعقل، ثم ساق ما ورد مِنَ الآثار. انتهى بالمعنى.
والسرُّ في هذ التنبيه أن يعرف المتكلِّمُ أنه لا حَرَجَ على من توقف في تأويل هذا الجنس من أهل الأثر، ولا تحلُّ غيبة المتوقِّف في هذا ولا انتقاصه، لأنه مسلمٌ محقونُ العِرْضِ، مستحقٌّ لحقوق جميع المسلمين، والبحث عن هذا -وإن كان من جليَّاتِ علم المعقول- فلا يجب عليه، والوقف في التأويل مع الجهل بالموجب له هو الواجب عليه، وليس كلُّ أمرٍ جليٍّ في العقل يجب على المسلمين النظر فيه، فإن من الجليَّات عند المنطقيين صدق قولنا إذا صدق أنَّ
_________________
(١) أخرجه مسلم (٨٠٤) من حديث أبي أمامة، وأخرجه مسلم (٨٠٥)، والترمذي (٢٨٨٦) من حديث النواس بن سمعان، وأخرجه أحمد ٥/ ٣٤٨ و٣٥٢، والدارمي ٢/ ٤٥٠ - ٤٥١ من حديث بريدة.
(٢) أخرجه أحمد ٤/ ٢٦٨، وابن ماجه (٣٨٠٩)، وقال البوصيري في " زوائد " ابن ماجه ٢٣٦/ ١ إسناده صحيح، وصححه الحاكم ١/ ٥٠٠ و٥٠٣، ووافقه الذهبي في الموضع الثاني.
(٣) قطعة من حديث صحيح مطوّل رواه أحمد في " المسند " ٤/ ٢٨٧ - ٢٨٨ من حديث البراء بن عازب، وهو مخرج في " صحيح ابن حبان " ٧/ ٣٨٧.
[ ٨ / ٢٧٧ ]
هل القطع بتعمد كذب رواة بعض الأحاديث التي ذكرها السيد أم الوقف في ذلك؟
كل ألفٍ باءٌ، فبالضرورة يجب أن بعض الباء ألفٌ، وهذا وإن كان صحيحًا، بل ضروريًا، فإنه لا يجب على المسلمين أن يعرفوه.
المقدمة السابعة: اعلم أنَّا نظرنا في هذه الأحاديث التي ذكرها السيد، وقطع أن رواتها تعمَّدُوا الكذب على رسول الله - ﷺ -: هل الأولى القطع بتعمُّدِهم الكذب، أم الوقفُ في ذلك؟ فوجدنا الوقف أولى، لوجوهٍ مرجِّحة لذلك (١).
المرجِّح الأول: أن القطع بأنهم تعمَّدُوا الكذب فيها يؤدي إلى بطلان أمر مجمعٍ عليه، وما أدَّى إلى ذلك، فهو باطلٌ، والمقدمة الثانية: أنها مسلمة وفاقية، وبيان المقدمة الأولى أن الأمة قد أجمعت على الرجوع إلى كتب المحدثين هذه المسمَّاة بالصِّحاح، والاجتماع بما فيها، أما الفقهاء، فظاهرٌ، وأما الزيدية، فلوجوهٍ:
أحدها: أن من أول كتابٍ صُنِّفَ في تجريد أدلة الأحكام من الحديث للزيدية، فهو كتاب " علوم آل محمد " تأليف محمد بن منصور المرادي، وهو المعروف بأمالي أحمد بن عيسى، وهو يروي فيه عن محمد بن إسماعيل البخاري، وعن رجال الصِّحاح، وعمَّن دونهم، بل صرَّح فيه بما يقتضي قبول المجاهيل، وبعده كتاب " أصول الأحكام " للإمام المتوكل أحمد بن سليمان ﵇، وقد قال في خطبته: إنه نقل من " البخاري " وغيره من كتب الفقهاء، مثل كتاب الطحاوي الحنفي، وكتاب المُزني صاحب الشافعي، وكتاب محمد بن الحسن الشيباني، وكتاب الإمام هذا قد خلط الذي رُوِيَ عنهم بالذي رُوِيَ عن أهل البيت ﵈ من غير تمييزٍ لأحدهما عن الآخر بصريح لفظ ولا رمزٍ في خطٍّ ولا قاعدةٍ ذكرها في خطبة الكتاب، والزيدية مجمعون على الرجوع إليه، والمجتهدون منهم معتمدون في معرفة أدلة الأحكام عليه في قدر أربعمئة سنةٍ، ما أنكر ذلك منكرٌ.
_________________
(١) في (ف): " في ذلك ".
[ ٨ / ٢٧٨ ]
وثانيها: شهرة النقل عنها قديمًا وحديثًا في كتب الزيدية من غير نكيرٍ، هذا إمام الأئمة المنصور بالله ﵇ يقول في كتاب " الرسالة النافعة " بالأدلة القطعية بعد ذكر (١) الصحاح ما لفظه: إذ هذه الكتب التي توجد في أيدي الأمة سبيلٌ (٢) إلى ربها. ويقول في " العقد الثمين " ما لفظه: فالذي رويناه من طريق العامة هو ما صحَّت لنا روايته عن الفقيه العالم أبي الحُسين يحيى بن الحسن بن الحسين بن علي بن محمد البطريق الأسدي الحلبي يرفعه إلى رجاله مما رواه من كتب العامة بالأسانيد الصحيحة.
هذا لفظه ﵇، وفيه التصريح بصحة أسانيدها، ولم يقل -كما قال السيد- المسماة بالصحاح احترازًا من الكذب، بل قطع المنصور بالله ﵇ القول بصحتها، وكان إليه المنتهى في التَّقوِّي والتحري.
وقال ﵇ في هذه الرسالة وقد ذكر ما في كتب الصحاح من فضل أهل البيت ﵈، وعيَّن منها مواضعها حتى قال ما لفظه: " من " صحيح البخاري "، ومن " صحيح مسلم "، وقال: من " الجمع بين الصحيحين " للحُميدي، ولم يقل المسمى " بصحيح البخاري "، والمسمى " بصحيح مسلم "، والمسمى " بالجمع بين الصحيحين "، وقال من " صحيح أبي داود السجستاني "، وهو كتاب " السنن "، ولم يقل المسمى " بالسنن "، وذكر الرواية من " صحيح البخاري " ومن " صحيح مسلم "، وأطلق على الكُلِّ منها لفظ الصِّحة من دون احترازٍ، وقال: من " الجمع بين الصحاح الستة " لرزين بن معاوية العبدي (٣)، وأطلق على الكل فيها لفظ الصحاح، قال، وقد ذكر جملة
_________________
(١) " ذكر " ساقطة من (ف).
(٢) في (د) و(ش): " سبيلًا ".
(٣) هو الإمام المحدث أبو الحسن رزين بن معاوية العبدري الأندلسي السرقسطي، المتوفى سنة ٥٣٥، واسم كتابه: " التجريد للصحاح الستة "، جمع فيه بين " الموطأ "، و" صحيحي " البخاري ومسلم، و" سنن " أبي داود والترمذي والنسائي، وعليه اعتمد أبو السعادات ابن الأثير في تصنيف كتابه " جامع الأصول ". انظر " السير "٢٠/ ٢٠٤، ومقدمة " جامع الأصول " ١/ ٤٨ - ٥١.
[ ٨ / ٢٧٩ ]
الصِّحاح و" تفسير الثعلبي " و" مسند " ابن حنبل ما لفظه: وهذه الكتب التي تُوجَدُ في أيدي الأمة سببٌ (١) إلى ربِّها، فحكم بأن كتب الحديث المعروفة هي محلُّ النجاة.
وكذلك العلامة الزمخشري ذكر في " كشافه " سماعه في " صحيح مسلم "، وسماه صحيحًا، ولم يقل كتاب مسلم الذي سماه صحيحًا، كما فعل السيد، فكانت للزمخشري بصيرةٌ يُميِّزُ بها بين الصحيح والسقيم.
وذكر الإمام أحمد بن سليمان ﵇ أنه وجد كتب الحديث في خِزانة الإمام الناصر بن الهادي إلى الحق ﵇، وهذا يدل على قِدَمِ وجودها في خزائن الأئمة من غير نكيرٍ على من يعتمد عليها.
وذكر الأمير الحسين ﵀ في " شفاء الأوام " حديثًا، وقال: ليس له فيه سماعٌ، ولكنه من كتاب " الفائق "، وهو مشهور عند الشفعوية مقويًّا للحديث بشهرة الكتاب عندهم، وصرح الأمير الحسين في " الشفاء " بالنقل منها.
وقال القاضي العلامة عبد الله بن حسن ﵀ في " تعليق الخلاصة " فيما يشترط في علم الإمام ما لفظه: والعلم بأخبار النبي - ﷺ -، يكفي في ذلك كتابٌ مما يشمل الأحاديث المتعلقة بالأحكام " كأصول الأحكام " أو أحد الكتب المصحِّحة المشهورة.
وكذلك الفقيه علي بن يحيى الوشلي ﵀ ذكر في " تعليق اللمع " أنه يكفي المجتهد مِنَ السنة معرفة (٢) كتاب " السنن " لأبي داود.
وكذلك الفقيه العلامة علي بن عبد الله ﵀ نص على ذلك في " تعليق الجوهرة "، وكان الإمام يحيى بن حمزه ﵇ ينقلُ منها ويعتمد عليها.
وكذلك الإمام محمد بن المطهِّر ﵇، وكذلك حيٌّ الإمام الناصر ﵇.
_________________
(١) في الأصول: " سببًا ".
(٢) " معرفة " ساقطة من (ف).
[ ٨ / ٢٨٠ ]
وقد تقدم شيء من هذا، ولكن مقتضى الحال مع لجاج أهل الزمان يقتضي التكرار والبيان الكثير، وإن سئم منه قليل النَّشاط، فالسآمة من طول الاحتجاج على الحق خيرٌ من العماية من طول السكوت عنه (١) والعارف لا يكون كسلان، ومن أحبَّ العلم، لم يسأم التطويل والتكرار.
إذا تقرر هذا، فاعلم أنه لو كان ما في هذه الكتب الصحيحة كُفرًا صريحًا، لا يمكن تأويله، بل يجري مجرى سبِّ الأنبياء ﵈، والأمر بعبادة الأصنام، ونحو ذلك من تجويز وأدِ البنات، ونكاح الأمهات، واستحلال الفواحش المحرمات، لم يحل الرُّجوع إليها، ولا النَّقل منها ولا نساختها لخزائن الأئمة الطاهرين من وقت الإمام الناصر أحمد بن يحيى الهادي ﵇ إلى زماننا هذا من غير تحذيرٍ منها، ولا إعلانٍ لتقبيح ما فيها.
ومن العجب أنَّه ما ظهر القول بأن فيها الكفر الصَّريح الذي لا يحتمل التأويل البتة إلاَّ في شهر ذي الحجة من سنة ثمانٍ وثمانمئة سنة من السيد أيده الله، وقد تقدَّمه من هو أعلم منه وأفضل، مثل المنصور بالله، وأحمد بن سليمان المتوكِّل على الله، والإمام يحيى بن حمزة، والإمام الناصر محمد بن علي ﵇، وقد كان الفقيه أحمد بن سليمان الأوزري يقرىء فيها في صعدة وقت الإمام الناصر ﵇، وقرأ عليه الإمام الناصر والسيد أيضًا من جملة مَنْ سمعها عليه، وكانت العامة (٢) تحضُرُ في مجالس السماع على أنها كتبُ الحديث عن رسول الله - ﷺ -، فما أحدٌ أنكر ذلك ولا بيَّن للعامَّة ولا للخاصة.
فلو أن الفقيه الأوزري جاء من تهامة بكتبٍ منسوبةٍ إلى النبي - ﷺ -، فوجد فيها سبَّ الأنبياء وإضافة النقص إليهم بما لا يحتمل التأويل، مثل القول بأن عيسى كان ساحرًا، ولم يكن يحيي الموتى على الحقيقة، ومريم العذراء البتول ﵍ كانت (٣) ارتكبت الفاحشة، وولدها كان ولد زنى، وإنما ستر الله
_________________
(١) " عنه " ساقطة من (ف).
(٢) في (ش): " والخاصة ".
(٣) " كانت " ساقطة من (ف).
[ ٨ / ٢٨١ ]
عليها بذكر ما ليس بصحيحٍ من كلام عيسى في المهد، ونحو ذلك، لم يشكَّ عاقلٌ في أن العُلماء والأئمة ما يقرُّونها على الأوزري، ويطلبُون الإجازة فيها، وينسخُونها، ويشحنُون خزائنهم بها، بل كانوا يَؤدِّبُون مَنْ جاء بها ومن قرأ فيها إن كان جاهلًا، ويقتلون من يعتقد صحَّتها.
فإذا كان عند السيد أن في كتب الحديث من نسبة النقص إلى الله تعالى ما لا يحتمل التأويل، فذلك أعظم من سبِّ الأنبياء ونقصهم بما لا يحتمل التأويل (١).
فإذا عرفت هذا فتنبَّه على تعريفٍ مفيد (٢)، وهو أنا لو أتينا والناس مجتنبون لها، متواصون بالتحذير من قراءتها، ثم ابتدعنا القراءة فيها، والتصحيح لها، لكنا نستحق الإنكار وأما حين جئنا والإقراء فيها مشهورٌ في المساجد منذ أعصارٍ قديمة، والمذكور في تعليق " اللمع "، و" الخُلاصة "، و" الجوهرة " التي هي مِدْرَسُ الزيدية في فُنون الفقه والكلام والأصول أنَّ الذي يكفي المجتهد معرفة كتابٍ فيها، وكتبُ الزيدية المتداولة في الحديث مفصحةٌ بالنقل منها، لم يشك أن القراءة فيها غير مُنكَرةٍ، والعمل بما فيها غير محرَّم.
وأما (٣) إن قلتم: نعلم ولا نعمل بهذا الأمر بما لا يجوز، ومثل الذين يتعلَّمون ولا يعملون، كمثل الحمار يحمل أسفارًا.
وقد طال الكلام في هذا الوجه، وهو موضعٌ لطول الكلام، وقد تبين من هذا أن رواة هذه الأحاديث لو كانوا معتمدين للكذب -كما ذكر السيد- لم يجُزِ الرجوع إلى كتبهم، ولا إلى ما يجوز أن فيه شيئًا منها من كتب الزيدية والفقهاء، ولا التقليد لمن يستجيز الاحتجاج بها، ونحن لا نعلم في تصانيف المتأخرين ما هو كذلك، ولا نعلمُ منهم من لا يستجيز ذلك، وقد انعقد الإجماع على جواز
_________________
(١) من قوله: " فذلك أعظم " إلى هنا، ساقط من (ش).
(٢) في (ش): " مقيد ".
(٣) في (ف): " فأما ".
[ ٨ / ٢٨٢ ]
القراءة في كتب المتأخِّرين، وعلى جواز التَّقليد لهم متى كانوا مجتهدين، فما أدى إلى بطلان هذا الإجماع، فهو أولى بالبطلان.
الوجه الثالث: أن المنصور بالله قد حكى أنَّ المحققين رووا عن المخالفين لنا في الاعتقادات من غير مناكَرَةٍ، والمؤيد بالله ﵇ قد نص على أن الظاهر من مذهب أصحابنا قبول كُفَّارِ التأويل، هكذا رواه عن أصحابنا على الإطلاق، والقاضي زيدٌ قدِ ادعى الإجماع على قبولهم، وهذا يقتضي أن مذهب الهادي والقاسم ﵉ قبولهم، بل قد رواه عنهما نصًا القاضي أبو مُضر خرَّجه عنهما المؤيد بالله ﵇، وهو أحدُ تخريجي أبي طالبٍ، وقد تقدَّم تقرير ذلك.
فإن كان هذا في حق الهادي والقاسم ﵉، فكيف بغيرهما من الأئمة والرواة، فثبت بهذا أنا نُجَوِّزُ في جِلَّةِ الأئمة والعلماء المتأخرين والقُدماء أنهم يقبلون رواة هذه الكتب من أهل التأويل. فإذا ثبت ذلك، فالكذب في هذه الكتب إنما دخل (١) فيها مِنْ أنَّ الحشوية كذَبُوا فيها، لكنا بيَّنَّا أن قَبُول هؤلاء الذين سمَّاهم السيد بالحشوية مذهب كثيرٍ من الأئمة الطاهرين نصًا صريحًا، ومذهب أكثرهم قولًا ظاهرًا، أو مذهب جميعهم تجويزًا محتملًا، فلا يجوز الرُّجوع إلى أحدٍ منهم حتى نظن أنه لا يروي عن كافر تأويلٍ ولا فاسقه، ولا يستجيز الرِّواية المرسلة عمَّن يقبلهما (٢)، وهذا بعيدٌ عزيزٌ، فإن أقصى ما في الباب أنا نجدٌ من لا يروي عن المتأوِّلين بأنفسهم، لكنا نجد من لا يروي عن العدل المتنزِّه عن البدع إذا كان ذلك العدل يقبل المتأولين. ألا ترى أن المؤيد بالله والمنصور بالله يقبلان المتأوِّلين بنصِّهما الصريح، ولا يوجد من الزيدية من لا يقبل حديث المؤيد بالله والمنصور بالله ﵉ ويرد مراسيلهما.
_________________
(١) في (ش): " يدخل ".
(٢) في (ش): " يقبلها ".
[ ٨ / ٢٨٣ ]
فإذا ثبت أنه لا يمكن الاحتراز عن (١) حديثهم وروايتهم، ثبت أن القول بأنهم كذبةٌ متعمِّدون يؤدي إلى تحريم القراءة في جميع كتب الحديث مصنَّفات الزيدية والفقهاء، وهذا قولٌ مُخالفٌ للإجماع، وهذا الوجه غير الذي قبله، فلا يقع في ذلك (٢) وهم.
الوجه الرابع: أنا قد بيَّنَّا فيما تقدم رواية إجماع الصحابة على قبول المتأوِّلين، وأقل الأحوال أن تكون تلك الطريق (٣) توجب أنهم يقولون بذلك، فمع القطع بأن المتأولين هم الذين كذبوا هذه الأحاديث، لا ندري (٤) هل الفساق منهم هم الذين كذبوها أم الكفار، فالكل ممن لا يُنَزَّهُ عن تعمُّد الكذب، عند السيد، ومع هذا، فلا ندري فلعل الفُسَّاق المتأولين من الصدر الأول وقت الصحابة هم الذين كذبوهم، وعدول الصحابة، وإن لم يكونوا متَّهمين في أنفسهم لكنه يجوز أن يستحلُّوا الرِّواية عن فُسَّاق التأويل المتَّهمين، فيلزم أن لا يُقبل ثقات الصحابة إلاَّ إذا صرَّحُوا بالسماع، فالعنعنة محتملة، وتجويز توسُّط المتأوِّل (٥) بين أهل العدل محتملٌ لجواز أن يذهب العدلي إلى ذلك، وهذا سد لباب الرواية، ومحوٌ لآثار العلم، وتعفيةٌ لسُبل الشريعة، ومخالفةٌ لإجماع الأمة، فلهذا اخترنا القول بتأويل ما في الصحاح محبَّةً للبقاء على ما كان عليه سلفنا الصالح من أهل البيت ﵈، وسائر علماء الإسلام، وكراهة الابتداع والغلوِّ في الدِّين، لا محبِّةً لتلاوة المتشابهات، ولا شَغَفًَا بظواهر أحاديثِ الصفات. فهذا هو المرجِّحُ الأول الذي بينته. على أن تكذيب رواية الصحاح يُؤدِّي إلى خلاف ما انعقد عليه الإجماع، وقد تبين ذلك بهذه الوجوه الأربعة، ولله الحمد.
المرجح الثاني: قوله تعالى: ﴿ولا تَقْفُ ما ليس لك به عِلْمٌ﴾ [الإسراء:
_________________
(١) في (ف): " من ".
(٢) " في ذلك " ساقطة من (ش).
(٣) في (ش): " الطرق ".
(٤) " لا ندري " ساقطة من (ف).
(٥) في (ش): " المتأولين ".
[ ٨ / ٢٨٤ ]
٣٦]، فإن القول بأنَّ رواة الصِّحاح قد تعمَّدُوا الكذب على رسول الله - ﷺ - في تلك الأحاديث مما ليس لي به علمٌ، فلو علم ذلك أحدٌ، فلا لوم عليه في تكذيبهم، لكن من لا يعلمُ ذلك ما سبب إلزامِه أن يقطع بغير تقريرٍ ولا هُدى، ولا كتاب منيرٍ، وقد نهى رسول الله - ﷺ - عن تكذيب اليهود فيما رووه (١) خوفًا أن يصدقوا، فيكون المكذِّب لهم قد كذَّت الحق (٢)، فهذا في اليهود القوم البُهْتِ، فكيف بأهل الإسلام؟
المرجِّح الثالث: أنا نخاف أن يكون رسول الله - ﷺ - قال تلك الأحاديث، ونخاف أن يكون ما قالها، فنظرنا أيُّ الجَنَبتين أهون، فوجدنا الخطأ في القبول أهون من الخطأ في الرَّدِّ، لأنا متى أخطأنا في القبول، كان تصديقًا له (٣) موقوفًا على شرط أنه قال (٤): ومتى أخطأنا في الرَّدِّ كان تكذيبًا (٥) موقوفًا على أنه ما قال، والتصديق الموقوف خيرٌ من التكذيب بالضرورة، أقصى ما في الباب أن يكون الخطأ في القبول كذبًا عليه، والخطأ في الرد تكذيبًا له، صانه الله تعالى من ذكر ذلك، لكن تعمُّد الكذب عليه فسقٌ، وتعمُّد التكذيب له كفرٌ، فالخطأ فيما عمده فسقٌ أهون من الخطأ فيما عمده كفر، وهذا من نفائس المرجِّحات وخفيَّات المُدركاتِ النظرية.
_________________
(١) في (ش): " رووا ".
(٢) أخرج عبد الرزاق (٢٠٠٥٩)، وأحمد ٤/ ١٣٦، وأبو داود (٣٦٤٤) من حديث أبي نملة الأنصاري مرفوعًا: " ما حدثكم أهل الكتاب، فلا تصدقوهم، ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله، فإن كان حقًَّا، لم تكذبوهم، وإن كان باطلًا، لم تصدقوهم ". وصححه ابن حبان (٦٢٥٧). وله شاهد من حديث أبي هريرة عند البخاري (٤٤٨٥) و(٧٣٦٢) و(٧٥٤٢) بلفظ: " لا تصدقوا أهل الكتاب بما يحدثونكم عن الكتاب، ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وما أُنزل إلينا، لأن الله تعالى أخبر أنهم كتبوا بأيديهم، وقالوا: هذا من عند الله ".
(٣) " له " ساقطة من (ف).
(٤) في (د) و(ف): " أن يقول ".
(٥) " تكذيبًا " ساقطة من (ف).
[ ٨ / ٢٨٥ ]
المرجِّح الرابع: أن الخطأ في العفو أولى مِنَ الخطأ في العقوبة، والقطع على حال الرُّواة بتعمُّد الكذب عقوبةٌ، والوقف (١) في ذلك عفو، والحمل على السلامة ظنٌّ جميلٌ، ولعلَّهم قد بلَّغُوا منه ما سمعوا منه، امتثالًا للأمر النبوي، حيث قال: " ليبلِّغِ الشاهد الغائب " (٢)، ولعلَّهم قد شملتهم الدعوة المباركة النبوية، حيث قال - ﷺ -: " نضَّر الله امرءًا سمع (٣) مقالتي، فوعاها، ثم أداها كما سمعها إلى من لم يسمعها " (٤). وأنت يا هذا لضيق فهمِكَ، وقِلِّةِ علمك، تكذِّب من امتثل أمر رسول الله - ﷺ - في تبليغِ كلامه الحق الذي لم يقُلْهُ عبثًا، ولا نطق به سدىً: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤].
وكم من عائِبٍ قولًا صحيحًا وآفتهُ من الفهم السَّقيمِ (٥)
المرجِّح الخامس: أن رسول الله - ﷺ - خلَّف فينا ثقلين، ووعدنا بالأمان من الضلال أبدًا ما تمسكنا بهما (٦)، فرجعنا إليهما فلم نجد في واحدٍ منهما الأمر بأنا نقطع بعجز جميع الراسخين في العلم -عليٍّ ﵇ فمن بعده- عن تأويل تلك الأحاديث، فوقفنا في ذلك ووسعنا في الصمت عن تكذيب الرواة ما وَسِعَ أمة محمدٍ - ﷺ - في مقدار خمس مئة سنة، فإن هذه الكتب قد سارت في أقطار الإسلام هذا القدر، وتداولتها علماء الأئمة، ونُصحاء الأمة، ونُقَّادُ النظر والأثر، ما نعلم أحدًا ممن يُعتدُّ به من جميع الفرق الإسلامية القائلين
_________________
(١) في (ش): " والوقوف ".
(٢) قطعة من حديث مطول تقدم تخريجه ٣/ ٣٧٠.
(٣) في (ش): " عرفها ".
(٤) تقدم تخريجه ١/ ٢٤٦.
(٥) هو للمتنبي من قصيدة مطلعها: إذا غامَرْتَ في أمرٍ مرومٍ فلا تقنع بما دونَ النجومِ انظر الديوان ٤/ ١١٩ - ١٢٠ بشرح العكبري.
(٦) انظر ١/ ١٧٨.
[ ٨ / ٢٨٦ ]
للآحاد صرَّح بمثل ما صرَّح به السيد بالتكذيب من غير تردُّدٍ البتة.
المرجِّح السادس: أنا قد وجدنا في كتاب الله تعالى شواهد لِمَا ورد فيها من المتشابهات، وقول السيد: إن المتشابه الذي في القرآن جليٌّ قريبٌ، مثل قوله تعالى: ﴿بَلْ يداه مبسوطتان﴾ [المائدة: ٦٤] لا يصلح أن يُقال لمن يعرف القرآن ويدري ما فيه، وهذه الآية ليست مِنَ المتشابه الذي لا يعلمه إلاَّ الله والرَّاسخون في العلم، بل هي من المجاز الجليِّ الذي يعلمه من سمعه من أجلاف عُبَّاد الأصنام، وذلك لأن بسط اليدين -كما قال السيد- معروفٌ عند العرب أنه كنايةٌ عن الكرم، وهو كنايةٌ عندهم مشهورةٌ، كطول النِّجاد، وكثرة الرَّماد، وما كان مشهورًا عندهم، لم يكن من المتشابه المختصِّ بالراسخين، وإنما ظهر الأمر في ذلك عندهم لوضوح القرينة، وذلك أن الكلام واردٌ مورد المدح والثناء، وغير خافٍ على كل عاقلٍ أن مجرد بسط اليدين ممَّا لا مدح فيه ولا ثناء (١)، فبسط اليدين الحقيقي هو صفة الميت، وصفة الأخطل وكثيرٍ من أهل العاهات.
فلا يشكُّ من سمِعَ تمدُّح ربِّ الأرباب بذلك، لم يُرِدْ هذا الوصف الحقيقي مجرّدًا عن الكناية عن جُوده الواسع، ومعروفه الدائم، وأنه إنما أراد ما تعارفته العربُ في لسانها وتداولتها (٢) البلغاء في خطابها من الكناية عن الكرم والجُود الفائض.
والسيد قد اختار هذه الآية، وزعم أنها من متشابه القرآن، وأومأ إلى أن بقية المتشابه في القرآن من هذا القبيل، ثم اختار أدقَّ ما في كتب الحديث من المتشابه، وأشار إلى أن بقية ما ورد فيها مِنْ ذلك القبيل، وليس كما أوهم (٣) في الجانبين، ففي القرآن ما هو أدقُّ من تلك الآية، وفي السنة ما هو أوضح من تلك الأحاديث.
_________________
(١) " ولا ثناء " ساقطة من (ش).
(٢) في (ش): " أو تداولتها ".
(٣) في (ش): " وهم ".
[ ٨ / ٢٨٧ ]
وقد رأيتُ أن أُورِدَ مِنْ آيات القرآن الكريم ما يُشابه (١) تلك الأحاديث، وأنا أُوردُ الآيات هنا مسرودة، ثم أُبيِّنُ الشواهد منها على كلِّ لفظٍ من ألفاظ تلك (٢) الأحاديث، إلاَّ لفظ الضَّحِكِ وحده، فليس له في القرآن شاهدٌ، لكنه مجازٌ قريبٌ، نبيِّن الشواهد عليه من اللغة العربية إن شاء الله تعالى.
وهذه الآيات الكريمة منها: قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّك﴾ [الأنعام: ١٥٨]، وقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَة﴾ [البقرة: ٢١٠]، وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّ﴾ [الفجر: ٢٢]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ [الشورى: ٥١]، وقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُون﴾ [المطففين: ١٥]، وقوله: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّه﴾ [النمل: ٦٥]، وقوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِير﴾ [الملك: ١٦ - ١٧]، وقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨) يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيم﴾ [النمل: ٨ - ٩]، وقول: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]، وقوله: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْك﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وقوله: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وقوله: ﴿ثُمَّ استوى إلى السماء﴾ [البقرة: ٢٩]، وقوله في غير موضع: ﴿ثم استوى على العرش﴾، وقوله: ﴿ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته﴾ [الأعراف: ٢٠٦]، وقوله: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِنْدَ (٣) الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: ١٩]،
_________________
(١) في (ش): " شابه ".
(٢) " تلك " ساقطة من (د) و(ف).
(٣) " عند " بالنون، وهي قراءة نافع وابن عامر وابن كثير، وقرأ الباقون: " عباد ". انظر " حجة القراءات " ص ٦٤٧.
[ ٨ / ٢٨٨ ]
وقوله: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [آل عمران: ١٥]، وقوله: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِم﴾ [الأنعام: ١٢٧]، وقوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥]، وقوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الزمر: ٣٤] و[الشورى: ٢٢]، وقوله: ﴿إنَّ للمتقين عند ربهم جنات النعيم﴾ [القلم: ٣٤]، وقوله: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِم﴾ [الأنعام: ١٢٧]، وقوله: ﴿إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم: ١١]، وقوله: ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ [الحديد: ١٩]، وقوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الزمر: ٣٤] و[الشورى: ٢٢]، وقوله: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الذاريات: ٣٣ - ٣٤]، وقوله: ﴿وعنده أُمُّ الكتاب﴾ [الرعد: ٣٩]، وقوله: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيم﴾ [الزخرف: ٤]، وقوله: ﴿وعندنا كتابٌ حفيظُ﴾ [ق: ٤]، وقوله: ﴿ولدينا كتابٌ ينطق بالحق﴾ [المؤمنون: ٦٢]، وقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِم﴾ [السجدة: ١٢]، وقوله: ﴿لا تختصموا لدي﴾ [ق: ٢٨]، وقوله: ﴿ولو تَرَى إذْ وُقِفُوا على ربِّهِمُ﴾ [الأنعام: ٣٠]، وقوله: ﴿أولئك يُعْرَضُونَ على ربهم﴾ [هود: ١٨]، وقوله: ﴿يَخَافُون ربَّهم من فوقهم﴾ [النحل: ٥٠]، وقوله: ﴿إذ قال الله يا عيسى إني مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إليَّ ومُطَهِّرُكَ من الذين كفروا﴾ [آل عمران: ٥٥]، وقوله: ﴿وما قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَه الله إليه﴾ [النساء: ١٥٧ - ١٥٨]، وقوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّون﴾ [السجدة: ٥]، وقوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤]، وقوله: ﴿إليه يَصْعَدُ الكَلِمُ الطيب﴾ [فاطر: ١٠]، وقوله: ﴿إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢]، وقوله: ﴿ما منعك أن تسجد لما خلقتُ بيدي﴾ [ص: ٧٥]، وقوله: ﴿والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسموات مطويَّاتٌ بيمينه﴾ [الزمر: ٦٧]، وقوله: ﴿واصنع الفلك بأعيننا﴾ [هود: ٣٧]، وقوله: ﴿واصبر لحكم ربك
[ ٨ / ٢٨٩ ]
توقف كثير من العلماء في تكفير كثير ممن خالف الحق من المسلمين
فإنك بأعيننا﴾ [الطور: ٤٨]، وقوله: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٣ - ١٤]، وقوله: ﴿ولتصنع على عيني﴾ [طه: ٣٩]، وقوله تعالى: ﴿يوم يكشف عن ساقٍ﴾ [القلم: ٤٢]، وقوله: ﴿سبِّح اسم ربك الأعلى﴾ [الأعلى: ١]، وقوله: ﴿وهو العلي العظيم﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقوله: ﴿الكبير المتعال﴾ [الرعد: ٩] وقوله: ﴿ذي المعارج﴾ [المعارج: ٣]، وقوله: ﴿رفيع الدرجات ذو العرش﴾ [غافر: ١٥]، وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُون﴾ [الأنعام: ٧٥ - ٧٨].
فهذه الآيات في هذا الجنس الذي ذكره السيد، وأما جميع أجناس المتشابهات في القرآن الكريم فذلك بابٌ واسعٌ.
المقدمة الثامنة: في بيان مراتب التصديق والتأويل والرد.
واعلم أن كل ما أخبر الله تعالى أو رسوله ﵇ بوجوده، فإنه يجب التصديق بوجوده، ولكن للوجود مراتبٌ متفاوتةٌ، وفيها تردد المصدِّقون، ومن بقي في التصديق متمسكًا بواحدة (١) منها، لم يُنسب إلى صريح التكذيب ما لم يصادم تأويله المعلوم من ضروره الدين للجميع لا للبعض، وحينئذٍ لا يُعذر بتأويله، كتأويلات الباطنية للأسماء الحسنى، وصفات الكمال، وتأويلات غلاة أهل البدع المخرجات من الإسلام، نعوذ بالله من ذلك.
ولهذا توقَّف كثيرٌ من العلماء في تكفير كثيرٍ ممن خالف الحق من المسلمين، لتمسُّكهم بعروة التصديق، فمن لم يتمسك بشيء منها، وخرج إلى
_________________
(١) في (ف): " بواحد ".
[ ٨ / ٢٩٠ ]
جنس تأويل الباطنية المعلوم بطلانه من الدين ضرورة، مثل تأويل الله ﷻ بالإمام، وقولهم: إن الله ليس بقادر، وأن معنى القادر في حقه تعالى أنه يخلُقُ من هو قادرٌ، فليس هذا بتأويل، إنما هو تكذيبٌ سمَّته الملاحدة تأويلًا، وصادموا في ذلك ضرورة الدين، وتوصَّلوا بذلك إلى إنكار الجنة والنار، وتأويل المَعَاد الأُخروي برمته، وحاولوا ما لم يتم لهم من الكفر الصريح، والتمويه على العامة بدعوى الإسلام.
وهذه مراتب التصديق بوجود ما أخبر الله تعالى به على الحقيقة، والظاهر، ثم على المجاز والتأويل المستعمل بين علماء الإسلام، ثم نذكر مرتبة الرد.
المرتبة الأولى: الوجود الذاتي، وهو الوجود الحقيقي الثابت خارج الحِسِّ والعقل، ولكن يأخد الحسُّ، والعقل عنه صورته، فيسمى ما يتعلق بالحس منه إدراكًا، ويسمى ما يتعلق بالعقل منه علمًا وتصوُّرًا ومعرفةً على أحد الاصطلاحين، وهذا كوجود الجنة والنار، والبعث والملائكة، وسائر الأمور، فإن وجودها ذاتي حقيقي، كوجود السماوات والأرض وما فيها من المخلوقات وهذا الوجود هو الذي ليس بمتأول، وما دونه من مراتب الوجود، فإنما يُصار إليه بالتأويل.
وأجمعت الأمة إجماعًا قطعيًا أنه لا يجوز النزول منه إلى ما دونه من مراتب التأويل إلاَّ للضرورة وتعذُّر التصديق به، ولا يُخالف أحدٌ من الظاهرية وغيرهم أن الدليل القاطع العقلي والسمعي يوجب التأويل، ولهذا قال أبو محمد بن حزمٍ، وهو من أئمة الظاهرية:
ألم تر أنِّي ظاهريٌّ وأنني على ما بدا حتَّى يقومَ دليلُ
وقد صرح الإمام أحمد بن حنبل بالتأويل في غير موضعٍ (١)، فهذا يدلُّ على
_________________
(١) قال ابن الجوزي في " زاد المسير " ١/ ٢٢٥: في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾: كان جماعة من السلف يمسكون عن الكلام في مثل هذا، وقد ذكر القاضي أبو يعلى عن =
[ ٨ / ٢٩١ ]
أنه لم يُخالف في وجوب التأويل أحدٌ ممن يُعْتَدُّ به من جميع الفِرَقِ، وإنما يُنكره في بعض المواضع من يُخالفنا مدَّعيًا أن الدليل الذي ألجأ إليه غير صحيحٍ، فالمنازعة في الحقيقة إنما هي في الأدلة الموجبة له، والله أعلم.
المرتبة الثانية: من مراتب الوجود، وهي أُولى مراتب التأويل: الوجود الحِسِّي، وهو ما تمثل (١) في القوة المُبصرة من العين مما لا وجود له خارج العين، فيكون موجودًا في الحسِّ، ويختص به الحاسُّ، ولا يشاركه فيه غيره إلا من تمثَّل له في قوة بصره مثله، وكذلك كل ما يشاهده النائم، وكل ما يشاهده المريض من ذلك، وكل ما يتمثَّلُه أهل الكشف مما لا وجود له في الخارج، إذ قد (٢) تتمثَّل لهم صورٌ لا وجود لها خارج حسهم (٣) حتَّى إنهم يُشاهدونه كما نشاهد سائر الموجودات، وذكر بعض أهل العلم أنه قد يتمثل للأنبياء ﵈ صورٌ في حال الصحة واليقظة على هذه الصفة من غير وجودٍ حقيقي، وينتهي إليهم الوحي والإلهام بواسطتها، فيتلقَّوْنَ منها في اليقظة ما يتلقاه غيرهم في النوم، وأهل الكشف من الصُّوفية يذكرون مثل ذلك في حال اليقظة والصحة.
وبالجملة، فهذا متفقٌ عليه في المنام وحال تغير العقل، مثل حال المرض (٤)، وأما في حال الصحة واليقظة، ففيه خلافٌ، ومن جوَّزه، احتج بأمورٍ:
أولها: قوله تعالى: ﴿قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦]، وقوله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إليه من سِحْرِهِمْ أنَّها
_________________
(١) = أحمد أنه قال: المراد به: قدرته وأمره قال: وقد بينه في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾. وانظر " فتاوى شيخ الإسلام " ١٦/ ٤٠٤ - ٤٠٦.
(٢) في (ش): " يتمثل ".
(٣) في (ش): " وقد ".
(٤) " حسّهم " ساقطة من (ش).
(٥) في (ش): " المريض ".
[ ٨ / ٢٩٢ ]
تَسعَى﴾ [طه: ٦٦]، وهذا -مع نصِّ القرآن عليه- معلومٌ من أحوال السَّحَرةِ وخواص السحر، وفيه ما يدلُّ على جواز وجود الشيء في قوة البصر على سبيلِ التخيل، وإن لم يكن له وجودٌ حقيقيٌّ في حال الصحة واليقظة، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إليه من سحرهم أنها تسعى﴾، فإن فيه أنه من (١) رآها يُخَيَّل إليه أنها تسعى، وفيه أنها غير ساعيةٍ في الحقيقة، ولهذا سمَّاه تخييلًا، ومنه قوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّل لها بشرًا سويًا﴾ [مريم: ١٧]، ومنه تصوُّر الملائكة لقوم لوطٍ على صور شبابٍ حسانٍ، وتمثُّل جبريل للنبي - ﷺ - على صورة دِحية الكلبي مرة (٢)، وعلى صورة أعرابيٍّ مرةً (٣)، وإلى ذلك أشار ابن الفارض في قوله (٤):
يرى ملكًا يُوحَى إليه، وغيرهُ يرى رجُلًا يوحى إليه بصحبَةِ
وفي الذكر ذكر اللَّبس ليس بمُنكرٍ ولم أعْدُ عن حُكمي كتابٍ وسنةِ
والصحيح: أن صورة جبريل العظيمة لم تُحوَّل عما هي عليه.
الحجة الثانية: قوله ﵇: " تنام عيناي ولا ينام قلبي " (٥). فإذا ثبت أن قلبه لا ينام، فإنه يتخيل له في النوم ما لا حقيقة له، كما يُخيل له ﵇ أن في سيفه ثُلْمَةً في وقعة أُحدٍ، وتمثَّلت له بقرٌ مُذَبَّحةٌ (٦)، ونحو ذلك مما لا
_________________
(١) " من " ساقطة من (د) و(ف).
(٢) أخرجه أحمد ٢/ ١٠٧، والنسائي في العلم من " الكبرى " كما في " التحفة " ٥/ ٤٤٤ من حديث ابن عمر، وصحَّح إسناده الحافظ في " الإصابة " ١/ ٤٦٣. وأخرجه النسائي ٨/ ٤٠٣ من حديث أبي ذر وأبي هريرة بإسناد صحيح. وأخرجه أحمد ٦/ ١٤٨ و١٥٢، والطبراني في " الكبير " ٢٣/ (٨٥) من حديث عائشة، وفيه عبد الله بن عمر العمري، وهو ضعيف.
(٣) انظر ٥/ ٥٠٥.
(٤) " ديوانه " ص ٦٠.
(٥) تقدم تخريجه ١/ ١٧٦.
(٦) أخرح البخاري (٣٠٤١) و(٣٦٢٢) و(٤٠٨١) و(٧٠٣٥)، ومسلم (٢٢٧٢)، =
[ ٨ / ٢٩٣ ]
حقيقة له في الخارج، فكذلك غيره في اليقظة مثله في النوم، لأنه على هذا (١) يكون في حال نومه كمن غمض عينيه، وسدَّ أُذنيه، لا يغيب عنه إلاَّ إدراك الحواسِّ، وقلبه محفوظٌ، ولهذا قال ذلك تعليلًا، لكون نومه لا ينقض وضوءه، وفي هذه الحجة مباحث تركتها اختصارًا.
الحجة الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ [النساء: ١٥٧]، وهي محتملةٌ لا يظهر فيها مرادهم والله أعلم.
الحجة الرابعة: قوله ﵇: " عُرِضَتْ علي الجنة والنار في عُرض هذا الحائط " (٢)، فإنه ﵇ قال ذلك في حال اليقظة، في حال صلاة الكُسوف كما ذلك معروف في كتب الحديث (٣)، ويستحيل أن تكون الجنة والنار
_________________
(١) = والدارمي ٢/ ١٢٩، وابن حبان من حديث أبي موسى الأشعري مرفوعًا: " رأيت في رؤياي أنِّي هززتُ سيفًا فانقطع صدره، فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحد، ثمَّ هززته أخرى فعاد أحسن ما كان، فإذا هو ما جاء به الله من الفتح واجتماع المؤمنين، ورأيت فيها بقرًا والله خير، فإذا هم المؤمنون يوم أحد ".
(٢) " على هذا " ساقطة من (ش).
(٣) قطعة من حديث مطول أخرجه البخاري (٧٢٩٤)، ومسلم (٢٣٥٩)، وابن حبان (١٠٦) من حديث أنس ﵁، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٤) المعروف في كتب الحديث أن النبي - ﷺ - قال ذلك بعد صلاة الظهر، فقد روي البخاري (٥٤٠) من حديث أنس بن مالك أن رسول الله - ﷺ - خرج حين زاغت الشمس فصلَّى الظهر، فقام على المنبر فذكر الساعة، فذكر أن فيها أمورًا عظامًا ثم قال: " من أحب أن يسأل عن شيء فليسأل، فلا تسألوني عن شيء إلاَّ أخبرتكم ما دمت في مقامي هذا ". فأكثر الناس في البكاء، وأكثر أن يقول: " سلوني ". فقام عبد الله بن حذافة، فقال: من أبي؟ قال: " أبوك حذافة " ثم أكثر أن يقول: " سلوني ". فبرك عمر على ركبتيه، فقال: رضينا بالله ربًَّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا. فسكت. ثمَّ قال: " عُرِضَتْ عليَّ الجنة والنار آنفًا في عُرض هذا الحائط، فلم أر كالخير والشر ". =
[ ٨ / ٢٩٤ ]
مع سعتِهما انتقلتا إلى ذلك الحائط في الحقيقة، وإنما رآهما فيه كما ترى السماء في الماء. أو في المرآة تخيُّلًا لها هناك من غير حقيقةٍ، وإن كانت الرؤية بالمرآة حقيقة عند المخلصين من النُّظَّار، وإنما قصدتُ التمثيل، لانتقاش الصورة الكبيرة في الجسم الصغير، وفي احتجاجهم بهذا الحديث نظر، فإن ألفاظه الصحيحة تدل على أنها رؤيةٌ حقيقة، لأنه - ﷺ - هم أن يأخذ من الجنة عُنقُودًا وقال: " لو أخذتُه لأكلتُم منه عُمْرَ الدنيا " أو نحو ذلك، وليس في الحديث أنه رآهما في الحائط فيما علمت، إنما فيه أنه رآهما مطلقًا وقَرُبا منه، والله أعلم.
الحجة السابعة (١): قوله ﵇: " يُؤتى بالموت يوم القيامة على صورة كبشٍ أمْلَحَ " (٢) الحديث إلى آخره، وقد ثبت عند جمهور علماء الكلام أنه يستحيل أن يكون الموت جسمًا على الحقيقة.
الحجة الثامنة: قوله ﵇: " من رآني، فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثَّلُ بي " (٣)، وهذه الرؤية حِسِّيَّة لا حقيقية، إذ لا تكون رؤيته ﵊ بمعنى انتقال شخصه الشريف من روضة المدينة، بل على سبيل وجود
_________________
(١) = نعم قد ذكر في صلاة الكسوف رؤيته - ﷺ - الجنة والنار من حديث عائشة وابن عمر وابن عباس، لكن لم يرد عندهم جملة: " من عُرض الحائط ". انظر " صحيح ابن حبان " (٢٨٣٢) و(٢٨٣٨) و(٢٨٤١).
(٢) كذا الأصول، فإما أن يكون الخطأ في العد، أو أنه سقط منه الحجة الخامسة والسادسة.
(٣) تقدم تخريجه ص ٢٧٦ من هذا الجزء.
(٤) أخرجه من حديث أبي هريرة أحمد ٢/ ٢٦١ و٣٤٢ و٤١٠ و٤٢٥ و٤٦٣ و٤٦٩ و٤٧٢، والبخاري (٦٩٩٣)، ومسلم (٢٢١٦)، وأبو داود (٥١٢٣)، والترمذي (٢٢٨٠)، وابن ماجه (٣٩٠١)، وابن حبان (٦٠٥١) و(٦٠٥٢). وأخرجه من حديث أبي جحيفة ابن ماجه (٣٩٠٤)، وأبو يعلى (٨٨١)، والطبراني في " الكبير " ٢٢/ (٢٧٩) - (٢٨١) و(٣٠١)، وصححه ابن حبان (٦٠٥٣).
[ ٨ / ٢٩٥ ]
صورته الشريفة في حِسِّ النائمِ.
الحجة التاسعة: قوله ﵊ في الحديث الطويل الثابث في الصحيح في وصف القيامة، قال فيه: " فيتمثَّل لكل فرقةٍ معبودها، فتتبعه حتى يقدم بها النار، ويتمثل لمن كان يعبد عيسى ﵇ صورة عيسى، فيتبعها حتَّى تقذفه (١) في النار " أو كما جاء في بعض الألفاظ: " شيطان عيسى على صورة عيسى " (٢) ولا يكون على هذه الرواية حجة صريحة والله أعلم.
وفي بعض الأحاديث: " ويبقى محمدٌ - ﷺ - وأمته، فيتمثل الرب ﵎ لهم، فيأتيهم " الحديث خرَّجه الطبراني من طُرق من حديث عبد الله بن مسعودٍ، وقال الهيثمي في " مجمع الزوائد ": ورجال أحد طرق الطبراني رجال الصحيح، غير أبي خالدٍ الدَّالاني، وهو ثقة، ذكره في باب جامع في البعث، ورواه قبل ذلك في أول كتاب البعث موقوفًا على ابن مسعودٍ، وخرجه الحاكم في الفتن من " المستدرك "، فقال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الزاهد الأصبهاني، حدثنا الحسين بن حفصٍ، حدثنا سفيان، عن سلمة بن كُهيلٍ، عن أبي الزَّعراء، عن ابن مسعودٍ، به، وقال: صحيح على شرط الشيخين (٣).
وفي أول كتاب الزكاة من " جامع الأصول " (٤) عن ابن عمر، قال رسول الله - ﷺ -: " إن الذي لا يُؤدي زكاة مالِه يُخيَّل إليه مالُه يوم القيامة شجاعًا أقرع له زبيبتان " الحديث. رواه النسائي وأحمد (٥) من طريقين عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، وهذا إسناد على شرط الشيخين، بل على شرط الجماعة، إلاَّ أن له علةً غير قادحةٍ ذكرها
_________________
(١) في (ف): " تقذف به ".
(٢) تقدم تخريجه من حديث أبي هريرة ٥/ ٨٤.
(٣) تقدم تخريج حديث ابن مسعود ٥/ ٩١ - ٩٤.
(٤) ٤/ ٥٦٩.
(٥) أحمد ٢/ ٩٨ و١٣٧ و١٥٦، والنسائي ٥/ ٣٨ - ٣٩.
[ ٨ / ٢٩٦ ]
النسائي وهي: أنَّ عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار رواه عن أبيه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال النسائي وهو أشبه بالصواب، وعبد العزيز عندنا أثبت من عبد الرحمن. انتهى من " أطراف " المزي (١).
وحديث أبي هريرة رواه البخاري والنسائي ولفظه " مُثِّل " بدلًا من " خُيِّل " كما يأتي قريبًا (٢). وهذه الرواية للمثال كالمنام الصَّادقِ، إلاَّ أنها في اليقظة، وتحتاج إلى التأويل والتعبير كالمنام، ذكر لي ذلك شيخُنا إمام هذه المعارف عمر (٣) بن محمد العَرابي نفع الله به.
ويشهد لهذا أشياء كثيرةٌ معلومةٌ، لا يتسهَّلُ تأويلها لمن مذهبه التأويل إلا بذلك، كقوله تعالى: ﴿أن بُورك من في النار ومن حولها﴾ [النمل: ٨]، وقوله: ﴿نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِين﴾ [القصص: ٣٠]، وهو يسمى عالم المثال (٤) وهو قرآنيٌّ شهيرٌ. قال الله تعالى: ﴿فَتَمَثَّل لها بَشَرًا سويَّا﴾ [مريم: ١٧]، ومنه رؤيانا له - ﷺ - في المنام، ومنه مجيء جبريل عليه في صورة دحية وأعرابي، ومجيء الملائكة إلى إبراهيم ولوطٍ في غير صورهم، وذلك كله بقدرة الله تعالى لا بقدرة الملائكة، ولا نتكلم في ذات الله بشيء من ذلك إلاَّ أن يصح فيه الحديث،
_________________
(١) " تحفة الأشراف " ٥/ ٤٥٩.
(٢) انظر ص ٢٩٩.
(٣) تحرف في (ش) إلى: عمرو، وهو عمر بن محمد بن مسعود بن إبراهيم النشاوري اليمني المعروف بالعرابي نزيل مكة. أخذ باليمن عن أحمد الحرضي المقيم بأبيات حسين ونواحيها، وكان من جلة أصحابه وعن غيره من صلحاء اليمن، ثم قدم مكة في سنة (٨١١)، فاستوطنها حتى مات لم يخرج منها إلاَّ لزيارة المدينة النبوية غير مرة، ومرةً في سنة (٨١٩) إلى اليمن، ورزق حظًا وافرًا من الصلاح والخير والعبادة، وكان منور الوجه، حسن الأخلاق والمعاشره، مقصودًا بالزيارة والفتوح من الأماكن البعيدة، وتاب على يده خلق كثير، توفي سنة ٨٢٧ هـ، ودفن بالمعلاة مترجم في " العقد الثمين " ٦/ ٣٦٠، و" الضوء اللامع " ٦/ ١٣١ - ١٣٢.
(٤) قوله: " وهو يسمى عالم المثال " ساقط من (ش).
[ ٨ / ٢٩٧ ]
ولكن شواهده كثيرةٌ، ويتخرَّج بإثبات عالم المثال مشكلاتٌ صعبةٌ كما ذكره بعض العلماء وذكره ابن قُتيبة في فقء موسى عين ملك الموت والله أعلم (١).
وليس في هذا تشبيهٌ، لأنه كالمنام، ولا ردٌّ لتكليم الله موسى، لأن الكلام صدر من الله حقيقةً، ولكن إسماعه موسى ﵇ كان بواسطة ذلك المثال، كما أن جبريل ﵇ كلَّم رسول الله - ﷺ - حقيقةً، وكلم مريم أيضًا حقيقةً، وإن كان السماع منه بواسطة المثال، وليس ذلك بأعجب من سماع كلام المتكلم من صدى الجبال حين يُجيبه، ولا من رؤية صورة الأشياء العظيمة في المرآة.
ومن أوضح الأدلة على نفي الحلول: ما اتفق أهل النقل على صحته من رؤية النبي - ﷺ - الجنة والنار في عُرض الحائط وهو في الصلاة، حتى استأخر وتقدَّم ليأخذَ قِطْفًَا من الجنَّة ونحو ذلك.
الحجة العاشرة: أنَّ رسول الله - ﷺ - كان يُوحى إليه وهو بين الناس، فيسمع صوت المَلَكِ، ويرى صورته، ويقرؤه، ويتحفَّظ منه، وليس من الحاضرين من يرى مَلَكًا، ولا يسمع قراءةٌ، وذلك في حال (٢) يقظته ﵇، وفي غير مرضٍ، وهو حجة على من ثبت عنده من علماء الكلام من المعتزلة أن ذلك لا يصح على الحقيقة، وأنه لو كان ثم أصواتٌ مسموعةٌ، لوجب أن يسمعها الحاضرون.
الحجة الحادية عشرة: حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ -: "إن الذي لا يُؤَدِّي زكاة ماله يمثِّلُ الله له ماله يوم القيامة شجاعًا أقرع له زبيبتان، ثم يلزمه
_________________
(١) " تأويل مختلف الحديث " ص ٢٧٦ - ٢٧٨، وحديث ملك الموت وموسى ﵇ هو عند ابن حبان (٦٢٢٣)، وانظر تخريجه فيه.
(٢) " في حال " ساقطة من (ف).
[ ٨ / ٢٩٨ ]
بطوقه، يقول: أنا كَنْزُك، أنا كَنْزُكَ". رواه البخاري والنسائي (١)، وله شواهد، والحجة: " يمثل ".
الحجة الثانية عشرة: أن ذلك من العلوم الضرورية التجريبية الحاصلة لمن ارتاضَ على مُلازمة الخلوة والذكر على شروط أهل التصوُّف، وقد ذكر الرازي في " مفاتح الغيب " أن أهل الخلوة يسمعون أصواتًا لا يشكُّ فيها، وأن هذا مما أقرَّت به الفلاسفة، لأنهم من أهل الخلوة والرِّياضة، ولم يقع النِّزاع في هذا، وإنما رُوِيَ النِّزاع في ماهيته، فروي عن (٢) الفلاسفة أنه تخيُّلٌ كالمنام، ولا حقيقة له، واختار الرازي أنه حقيقةٌ، قال: ولا مُوجب للقول بأنه تخيل.
وهذا يقتضي أن هذا (٣) أمرٌ مشهورٌ متواترٌ عن أهل الرياضيات، لكنه لا حجة فيه، وإن سلمنا صحته، إذ لا دليل على وجود تلك الأصوات وجودًا ذاتيًا، وإنما تصير إلى الوجود الحسي في بعض المواضع، لتعذُّر الوجود الذاتي، ولكن يقوي قولهم إن صحت لهم التجربة الضرورية غير المسموع من الأصوات، وقد ادَّعوا ذلك في صورتين:
الصورة الأولى: ادعى أهل الرياضات من الصوفية أنهما يشاهدون ما خلف الحجاب الكثيف في حال اليقظة، وتواتر هذا عنهم، وهم جمعٌ عظيمٌ، لا يجوز عليهم التَّواطُؤُ على محض البَهت والكذب، فوجب حملُه على الوجود الحسِّي، إذ يستحيل عند جماعة المحققين من أهل الكلام أن يرى ما خلف الحجاب الكثيف، وأما الصوفية، فيسمونه عالم المثال، وقد جمع بعضهم به بين أحاديث ظاهرها التعارض، مثل قوله: "رأيت موسى قائمًا في قبره يصلي
_________________
(١) البخاري (١٤٠٣) و(٤٥٦٥)، والنسائي ٥/ ٣٩، وأخرجه أيضًا أحمد ٢/ ٢٧٩ و٣٥٥، وابن حبان (٣٢٥٨).
(٢) " عن " ساقطة من (ش).
(٣) في (ش): " أنه ".
[ ٨ / ٢٩٩ ]
عند الكثيب الأحمر" (١)، مع أنه رآه في السماء في ليلة المعراج وهذا مقام وَعْرٌ.
الصورة الثانية: اشتهر عند أهل العلم أن من خواصِّ بعض المرآة أن يرى منها الدنيا كلها، وهي المرآة المسمى بمرآة المنجِّم، وفيها يقول المعرِّي (٢):
لقد عَجِبُوا لأهل البيت لما أتاهم عِلُمهم في مَسْكِ جَفْرِ
ومرآة المنجِّم وهي صُغرى أرتْهُ كلَّ عامرةٍ وقَفْرِ
وقد اشتهرت الرواية، بل تواترت، عن حيٍّ القاضي شرف الدين حسن بن محمد النَّحوي ﵀ أنه رأى هذه المرآة مع بعض السَّيَّاحين، وأراه فيها أقاليم الدنيا، ومدائن الإسلام، وأراه فيها ما يعرفه القاضي من بعض مزارع صنعاء وحوائطها، ليعرف صِدقَه فيما يجهله من سائر ما رآه في الأقاليم، وحدثني (٣) بذلك عن القاضي ﵀ غير واحد من الثقات.
الحجة الثالثة عشرة: أنه قد ثبت بالضرورة أن العاقل المستيقظ الصحيح قد يتخيَّل الشيء الواحد اثنين، والقائم مُعوَجًَّا، كما يتخيل العمود في الماء، فدل على جواز هذا، لأن كل واحدٍ منهما نظر (٤) كاذبٌ في اليقظة والصحة، وإنما كذب لخللٍ وقع، وعذرٍ اتفق في بعض هذه الحجج ما يقرب، وفيها ما هو ضعيفٌ، والله أعلم.
فإذا عرفت هذه الجملة، فلا بد من تفرقة بين الرؤية الحقيقية والحسية، وإلا لزم مذهب بعض منكري العلوم، والفرق في ذلك واضحٌ وهو أن الرؤية الحقيقية تفيد العلم الضروري بالوجود الحقيقي الذي لا يقبل التشكيك مع
_________________
(١) أخرجه من حديث أنس ابن أبي شيبة ١٤/ ٣٠٧ و٣٠٨، وأحمد ٣/ ١٢٠ و١٤٨ و٢٤٨، ومسلم (٢٣٧٥)، والنسائي ٤/ ٢١٥ و٢١٦، وابن حبان (٤٩) و(٥٠).
(٢) في " اللزوميات " ٢/ ٥٥٣. المسك: الجلد، والجفر: ولد المعزى، وقد تقدم الكلام على الجفر في الجزء الأول.
(٣) في (ش): " وحدث ".
(٤) " نظر " ساقطة من (ش).
[ ٨ / ٣٠٠ ]
الإصغاء إلى جانب الشك، وقال ابن عربي الصُّوفي في " الفتوح المكية "، في مقام المعرفة، في النوع السادس من علوم المعرفة، وهو علم الخيال وعالمه المنفصل والمتصل. وهو ركنٌ عظيمٌ من أركان المعرفة، وهذا هو علم البرزخ، وعلم عالم الأجساد التي تظهر فيها الروحانيات، وهو علم سوق الجنة والتجلي الإلهي في القيامة في صورة التبديل، وهو علم ظهور المعاني التي لا تقوم بنفسها مجسدة مثل الموت في صورة كبش، وعلم ما يراه النائم، وعلم المواطن التي يكون فيها الخلق بعد الموت وقبل البعث، وفيه تظهر الصور المرئية في الأجسام الضيائية، يعني المرايا، وهو واسطة العقد، إليه تعرج الحواسُّ، وإليه تنزل المعاني، وهو لا يبرَحُ عن موطنه تعضده الشرائع، وتثبته الطبائع، فهو المشهود له بالتصرف التامِّ، وله التحام المعاني بالأجسام محير الأدلة والعقول.
انتهى ذلك، ويعني بالمتصل: السريع انكشاف بطلانه، وبالمنفصل: البطيء، والله أعلم.
فإذا تقرر هذا، فاعلم أن جماعة من العلماء قد صاروا إلى تأويل أمورٍ كثيرةٍ بهذا الوجود الحسي، فمن ذلك حديث الترمذي في النبي - ﷺ -: " أتاني ربي هذه الليلة، فقال لي: أتدري فيما يختصم الملأ الأعلى؟ " (١). فهذا الإتيان لا يجوز أن يكون موجودًا في الحقيقة، فوجب صرفه إلى الوجود الحسي، وقد جاء في بعض روايات هذا الحديث في " الترمذي " مفسرًا (٢) بأنها رؤية منامٍ نصًَّا لا تأويلًا.
ومن ذلك حديث حمَّاد بن سلمة مفتي أهل البصرة، فإنه روى عن ابنِ عباس في رؤية النبي - ﷺ - لربه ﷻ حديثًا شديد النكارة، تقشعر لذكره الجلود، ذكره الذهبي في ترجمة حمادٍ (٣)، وساق طُرُقَه، ثم قال: فهذه الرؤية.
إن صحت رؤية منامٍ.
_________________
(١) تقدم تخريجه ١/ ٢١٨ - ٢١٩.
(٢) " مفسرًا " ساقطة من (ش).
(٣) في " ميزان الاعتدال " ١/ ٥٩٣ - ٥٩٤.
[ ٨ / ٣٠١ ]
بحث في رؤية النبي - ﷺ - ربه ﷿
وقد تكلم الحفاظ في حماد بن سلمة وقدحوا فيه على جلالته وأمانته لغير سببٍ إلاَّ لروايته لهذا الحديث، فاجتنبه البخاري، وترك روايته، وأما مسلمٌ، فروى عنه مقرونًا بآخر، وأورد حديثه في الشواهد والمتابعات، إلاَّ حديثه عن ثابت، وأنكره عليه حميد الطويل التابعي الجليل، وقال: " القول هكذا، فقال حماد: يقوله أنس، ويقوله رسول الله - ﷺ - وأكتمه أنا؟! "
ويحتمل أن يكون من هذا القبيل حديث المواصلة في الصوم في قوله ﵊: " أني لست كأحدكم، إني أبيتُ يطعمني ربي ويسقيني " (١)، وحديث عيسى ﵇ الذي فيه: " آمنتُ بالله وكذبت بصري " (٢)، ومن هذا القبيل حديث المعراج بطوله، وما كان فيه من رؤية الأنبياء ﵈، وغير ذلك على أحد قولي العلماء من المفسرين والمحدثين وغيرهم، وهو صريح رواية (٣) البخاري في " صحيحه " (٤).
والصحيح في الجمع بين الأحاديث ما ذكره بعض العلماء أن النبي - ﷺ - رأى ذلك في المنام قبل النبوة، ثم رآه في اليقظة بعدها، كما رأى دخول مكة في المنام، ثم في اليقظة، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُون﴾ [الفتح: ٢٧]، وهذا تأويلٌ حسنٌ، لأن في الأحاديث الصحاح ما يدلُّ على أن معجزة الإسراء كانت في اليقظة، ومما صرح في متن الحديث الصحيح
_________________
(١) أخرجه من حديث أبي هريرة أحمد ٢/ ٢٨١ و٣١٥، والبخاري (١٩٦٥) و(٦٨٥١) و(٧٢٩٩)، ومسلم (١١٠٣)، وابن حبان (٣٥٧٥) و(٣٥٧٦)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٢) نص الحديث من رواية أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: " رأى عيسى ابن مريم رجلًا يسرق، فقال: أسرقت؟ قال: كلا والله الذي لا إله إلاَّ هو فقال عيسى: آمنت بالله، وكذبت عيني. أخرجه أحمد ٢/ ٢١٤ و٣٨٣، والبخاري (٣٤٤٤)، ومسلم (٢٣٨٦).
(٣) في غير (ش): " رواه ".
(٤) برقم (٣٢٠٧) و(٣٨٨٧) من حديث مالك بن صعصعة وأخرجه أيضًا مسلم (١٦٤)، وابن حبان (٤٨)، وانظر تمام تخريجه فيه.
[ ٨ / ٣٠٢ ]
أنه كان في المنام قول أنس مرفوعًا في حديث المعراج: " ثم دنا الجبار تعالى فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى " (١).
ومنه أحد الأحاديث المتعارضة في وصف الدَّجال، وهو حديث ابنِ عمر المتفق على صحته (٢).
وعلى كلا القولين، فهي رؤيا نبوةٍ ورؤيا حقٍّ، كان فيها إثبات التكليف بالصلوات، ورفع منار المناقب النبويات.
وإنما سقتُ الكلام في هذا الوجود الحسِّيِّ، وبسطت فيه، لأن بعض الأشاعرة والصوفية قد ضاقت عليه المسالك في تأويل تلك الأحاديث التي رواها السيد، فَتَمَحَّلَ في تأويلها وأبعد، فجعلها من هذا القبيل، وزعم أنه يحصل يوم القيامة من روعة الأهوال ما يُدهش العقول ويذهلها، كما قال تعالى: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢]، وإن أدنى الآلام تُغَيِّر العقول، فكيف بأهوال الآخرة؟
قال: ففي خلال تلك الأهوال تَذْهَلُ العقول، ويرى الناس ذلك الذي جاء في الحديث كما قال ﵇ مثلما يرى النائم والمريض الشيء من غيرِ حقيقةٍ.
قال: والسببُ في رؤيتهم لذلك أن أهوال القيامة لما غَمَرَتْ عقولهم في
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٥١٧)، وأبو عوانة ١/ ١٢٥ و١٣٥ من رواية شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن أنس بن مالك، وفي رواية شريك هذه أشياء انفرد بها، لم يتابعه عليها أحد من الحفاظ الأثبات الذين رووا حديث الإسراء وقالوا: إنه اضطرب في حديثه هذا عن أنس، وقال الحافظ في " الفتح " ١٣/ ٤٨٥. ومجموع ما خالفت فيه رواية شريك غيره من المشهورين عشرة أشياء، بل تزيد على ذلك، ثم ذكرها، وذكر منها قوله: إن الإسراء كان منامًا، ونسبة الدنو والتولي إلى الله ﷿، والمشهور أنه جبريل ﵇.
(٢) البخاري (١٣٥٤) و(١٣٥٥)، ومسلم (٢٩٣٠) وهو عند ابن حبان (٦٧٨٥) وانظر تمام تخريجه فيه.
[ ٨ / ٣٠٣ ]
بعض الأحوال، وكان التفكر في خطاب الله تعالى، وما يقول لهم، وما يكون منهم ملء قلوبهم، رأوا ذلك في خلال غمرات الألم، لاهتمامهم بذلك في حال استقامة العقل: قال: ولا يلزم على هذا التأويل أن يجوز في سائر أحوال القيامة أن يكون من هذا القبيل لوجوه:
أحدها: لأنه معلومٌ من الدين ضرورة أن وجود تلك الأحوال (١) كلها ذاتي حقيقيٌّ.
الثاني: إجماع المسلمين على ذلك.
الثالث: أنا بيَّنَّا أنه لا يجوز المصير إلى التأويل إلاَّ لضرورةٍ، ولا ضرورة هناك، والضرورة هنا ألجأت إلى التأويل، مثل ما أولنا كثيرًا من تلك الأحاديث التي مر ذكرها، ولم نُؤول سائر أحواله ﵇ بالمنام.
وأقول كما قال العلامة رحمه الله تعالى: هذا من ضيق العَطَن، والمسافرة عن علم البيان مسافة أعوامٍ، وكأنه توهم في هذه الأحاديث ما توهم السيد من تعذُّر بيانها من أساليب العرب في المجاز، فرَكِبَ الصعب والذُّلول في تأويله، وتقحَّم المسالك المتوعِّرة في تعليله، وسوف يأتي أن الأمر أقرب من ذلك، ولله الحمد.
المرتبة الثالثة: الوجود الخيالي، وهو صورة هذه (٢) المحسوسات، إذا غابت في حسِّك، فإنك تقدِرُ على أن تخترع في خيالك صورة فيلٍ أو فرسٍ أو بعيرٍ، وإن كنت مُطبِقًا عينيك، حتى كأنك تشاهده وهو موجودٌ بكمال صورته في دماغك، لا في الخارج، وقد يمكنك أن تخترع صورةً في خيالك ليست في الوجود، ولكنها مجموعةٌ من أشياء موجودةٍ، مثل قصرٍ عظيم من جوهرةٍ شفافةٍ، وقد وردت اللُّغة بالتشبيه بهذا. قيل: ومنه قوله تعالى: ﴿طَلْعُهَا كأنه رؤوس الشياطين﴾ [الصافات: ٦٥]، فرؤوس الشياطين غير معروفةٍ في الوجود، ولكن
_________________
(١) في (ف): " الأمور ".
(٢) " لهذه " ساقطة من (ش).
[ ٨ / ٣٠٤ ]
في الخيال أن صورتها قبيحةٌ المنظر فصح (١) ورود التشبيه بها في القرآن العظيم بناءً على وجود صورتها في الخيال، ومن ذلك قول الشاعر:
بحرٌ من المسك موجُهُ الذهب
وقول الآخر:
أيقتُلْنَني والمشرَفِيُّ مُضَاجعي ومسنونةٌ زُرْقٌ كأنياب أغوالِ (٢)
وسيأتي لهذا مزيد بيانٍ إن شاء الله تعالى:
قال الغزالي: ومثال ذلك من الحديث: قوله - ﷺ -: " كأني أنظر إلى يونس بن متى ﵇ عليه عباءتان قطوانيَّتان يُلبِّي، وتُجيبه الجبال والله تعالى يقول: لبيك يا يونس " (٣) فالظاهر أن هذا إخبار عن مثل هذه الصورة في خياله ﵇، إذ كان وجود هذه الحالة سابقًا على وجود رسول الله - ﷺ -.
المرتبة الرابعة: أن يكون للشيء حقيقةٌ، ويكون له معنى، فيتلقى العقل مجرد معناه دون أن يُثبت صورته في الخارج، ولا في الحس ولا في الخيال، كاليد مثلًا والنفس والعين، فإن لهن صورًا محسوسةً ومتخيَّلةً، ولهنَّ معنى يتلَّقاه
_________________
(١) في (ش): " فيصح ".
(٢) البيت لامرىء القيس من قصيدة مطلعها: ألا عم صباحًا أيها الطلل البالي وهل يَعِمَنْ من كان في العُصُر الخالي والمشرفي: سيف منسوب إلى المشارف قرية تُعْمَلُ فيها السيوف، والزرق المسنونة: النبال شبهها في حدتها ومضائها وبشاعتها بأنياب الأغوال، وهذا تشبيه وهمي. انظر " الديوان " ص ١٤٢، و" معاهد التنصيص " ٢/ ٧.
(٣) أخرجه الدارقطني في " الأفراد " كما في " كنز العمال " ١١/ ٥١٩ بهذا اللفظ. وأخرجه أحمد ١/ ٢١٦، ومسلم (١٦٦)، وابن ماجه (٢٨٩١)، وابن خزيمة (٢٦٣٢) و(٢٦٣٣)، وابن حبان (٣٨٠١) بلفظ: " كأنما أنظر إلى يونس على ناقة حمراء، خِطامُ الناقة خُلْبَة (ليف)، عليه جُبَّةٌ له من صوف، يُهِلُّ نهارًا بهذه الثنية ملبيًا ".
[ ٨ / ٣٠٥ ]
بيان قرائن المجاز الثلاث: العقلية والعرفية واللفظية
العقل منهن، فيسمى بأسمائهن، وهو البطش والقدرة لليد فتُسمى القدرةُ يدًا، والإدراك للعين، فكل ما أدرك، سُمِّيَ عينًا، وإن لم يكن عينًا، ومحبة الشهوات للنفس، فكل من أحببت له الشهوات ونيل الأماني من ولدٍ أو محبوب سميته نفسًا وروحًا. وأمثال ذلك.
وهذا هو المسمى بالمجاز في عُرف الأصوليين وأهل المعاني والبيان وأكثر التأويل يدور عليه، وفيه الجليُّ والدقيق، والقريب والعميق.
والمجاز: مرسلٌ واستعارةٌ، فالمرسل: الذي العلاقة فيه غير المشابهة، كاليد في القدرة والنِّعمة، وله أقسامٌ كثيرةٌ، والاستعارة: حيث تكون العلاقة هي (١) المشابهة، وهي مطلقةٌ ومجردةٌ ومرشحة.
فالمطلقة: التي لا تُتبع بصفات المشبَّه، ولا بصفات المشبه به.
والمجردة: التي لا تُتبع بصفات المشبه، مثل: أسد شاكي السلاح (٢).
والمرشحة: التي تتبع بصفات المشبه به، مثل قوله:
له لبِدٌ أظفاره لم تُقَلَّمِ (٣)
وقرائن التجوز ثلاث:
الأولى: العقلية، مثل: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، لأنه يستحيل في العقل أن القرية تُخبر وتُجيب السائل.
_________________
(١) " هي " ساقطة من (ش).
(٢) من قوله: " والمجردة " إلى هنا سقط من (د).
(٣) عجز بيت صدره: لدى أسدٍ شاكي السلاح مُقَذَّفٍ وهو لزهير بن أبي سلمى، من جاهليته السائرة: أمِنْ أُمِّ أوفى دِمنةٌ لم تكلم بحومانة الدرَّاج فالمتثلّم انظر " الديوان " ص ١٦ - ٣٧.
[ ٨ / ٣٠٦ ]
الثانية: العُرفية، مثل: بني الخليفةُ المدينة أو القصر، وهزم الأميرُ الجيش، وسد الثغر، ومنه: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ [غافر: ٣٦]، وإنما لم تكن القرينة هنا عقلية، لأن الخليفة (١) ممن يجوز في العقل أن يباشر هذه الأمور بنفسه، ولكن ذلك بعيدٌ في العرف، فلهذا (٢) سُمِّيت عرفية.
الثالثة: اللفظية، وهي أن يكون في اللفظ ما يدل على التجوز، مثل: لدى أسدٍ شاكي السلاح، ومنه قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾ [النور: ٣٥]، فقوله ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ يدل على أنه لم يرد أن الله هو النور، وإنما أراد أنه منوِّرُهما، ولو كان هو نفس النور، لقال: مثله، ولم يقل: مثل نوره، ومنها قوله تعالى في هذه الآية: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ فهذه قرينةٌ لفظيةٌ تدل على أنه أراد بقوله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ نور الهدى والعلم، وهذا هو النور المجازي، وأما النور الحقيقي، فقد ساوى الله فيه بين الناس، وهذه قرينةٌ لفظية، ليس معها غيرها، وأما التي قبلها، فهي مصاحبة للقرينة العقلية الدَّالَّةِ على أن الله تعالى ليس كمثله شيء.
وإذا تقرر هذا، فاعرف أمرين:
أحدهما من أنواع المجاز إسناد الفعل إلى ما يُلابس الفاعل الحقيقي أدنى ملابسةٍ على جهة التأويل في إسناد الفعل إلى غير الفاعل الحقيقي، ونعني بالتأويل أن يُقْصِدَ التجوز، ولا يقصد الإسناد الحقيقي، فإنه إذا قصده، كان الكلام حقيقةً، لا مجازًا، وكان المتكلم كاذبًا، وذلك مثل قول المؤمن: أنبت الربيعُ البقل، وإذا لم يكن يتأوَّل، لم يكن مجازًا كقول الجاهل: أنبت الربيع البقل، ولهذا لم نحكم بالتجوز في قوله:
أشابَ الصغيرُ وأفنى الكبيـ ـر كَرُّ الغَدَاةِ ومرُّ العَشِي (٣)
_________________
(١) في (ش): " الأمير ".
(٢) في (ش): " ولهذا ".
(٣) البيت مطلع قصيدة للصّلتان العبدي واسمه: قُثَم بن حُبية شاعر أموي عاصر الفرزدق وجريرًا، وله قصيدة في الحُكْمِ بينهما يقول فيها: =
[ ٨ / ٣٠٧ ]
لما لا يعلم ولا يظن أن قائله لم يُرِدْ ظاهره، وإنما حكموا أن التجوز في قول أبي النجم (١):
مَيَّزَ عنه قُنْزُعًا عن قُنْزُعِ جذْبُ الليالي أبطئي أو أسْرِعي
لقوله:
أفناه قيلُ الله للشمس: اطلُعي
وله أقسام كثيرة.
فإذا عرفت هذا، فاعلم أن القرينة على التجوز متى كانت معروفةً عند
_________________
(١) = أرى الخَطَفَى بَذَّ الفرزدق شأوه ولكنَّ خيرًا من كُلَيْبٍ مُجَاشِعُ ففضَّل شعر جرير، وفضل قوم الفرزدق. وبعد البيت الذي استشهد به المؤلف: إذا هَرَّمَتْ ليلةٌ يومها أتى بعد ذلك يومٌ فَتِي نَرُوحُ ونغْدُو لحاجاتنا وحاجَةُ من عاش لا تقضي انظر " الشعر والشعراء " ١/ ٥٠٢، و" خزانة الأدب، ٢/ ١٨٢، و" معاهد التنصيص " ١/ ٧٣.
(٢) أبو النجم: هو الفضل بن قُدامة بن عبيد الله العجلي، وهو من رُجَّاز الإسلام، والفحول المتقدمين في الطبقة الأولى منهم، مات في آخر دولة بني أمية. والرجز من قصيدة مطلعها: قد أصبحت أمُّ الخيار تدعي عليِّ ذنبًا كلُّه لم أصنع مِنْ أن رأت رأسي كرأس الأصلع والقُنْزُع كقُنْفُذ، والقنزعة، بضم الزاي وفتحها: وهي الشعر حوالي الرأس والخصلة من الشعر تترك على رأس الصبي، أو هي ما ارتفع من الشعر وطال، وجذبُ الليل: فاعل " ميز " قال في " الصحاح ": جذب الشهر: مضى عامته، وقول: ابطئي أو أسرعي: حال من الليالي على تقدير القول، أو كون الأمر بمعنى الخبر، وصحت من المضاف إليه، لأن المضاف عامل فيهما. وقيل الله: أمره. انظر " خزانة الأدب " ١/ ٣٦٣ - ٣٦٤، و" معاهد التنصيص " ١/ ٧٧.
[ ٨ / ٣٠٨ ]
المتخاطبين، أو عليها دليلٌ قاطع يوجب اليقين حَسُنَتِ المبالغة في التجوز، وكان تناسي التشبيه أفصح وأبلغ، فإذا وصفت زيدًا بأنه أسدٌ، جاز أن تنسُبَ إليه جميع صفات الأسد، كما في قوله:
لدي أسد شاكي السلاح مُقَذِّفٍ له لَبِدٌ أظفازه لم تُقَلَّمِ (١)
فوصف الرجل بصفات الأسد من اللَّبِد وطُول الأظفار، وكذلك لو أنك سقت الفن (٢) صفةً من صفات الأسد إن أمكنك ذلك، فذكرت صفات الأسدِ ومحلّه وأشباله، ما ازداد المجاز إلاَّ حُسنًا، ولم يكن ذلك مما صَعُبَ تأويله في لغة العرب أبدًا.
قال علماء المعاني: ولأجل البناء على تناسي التشبيه صح التعجب (٣) في قوله:
قامت تُظلِّلُني مِنَ الشَّمسِ نَفْسٌ أعزُّ علي من نفسي
قامت تُظلِّلُني ومن عَجَبٍ شمسٌ تُظَلِّلُني من الشمس (٤)
فإنه إنما صح تعجُّبه تناسيًا للتجوز، كأنها شمس حقيقية، فأما الشمس المجازية التي هي (٥) المرأة الحسناء، فليس بعجبٍ أن تظلِّلَ من الشمس.
قالوا: ولهذا صح النَّهْيُ عن التعجب في قوله:
_________________
(١) انظر ص ٣٠٦، التعليق رقم (٣).
(٢) الفن: الطرد، وفن الإبل يفنُّها فنًا: إذا طردها. انظر اللسان " فنن ".
(٣) في (ش): " العجب ".
(٤) البيتان لابن العميد أبي الفضل محمد بن الحسين بن محمد الكاتب. قال ابن الأثير: كان من محاس الدنيا اجتمع فيه ما لم يجتمع في غيره من حسن التدبير، وسياسة الملك، والكتابة التي أتى فيها بكل بديع على حسن خُلُق، ولين عِشرة، وشجاعة تامة، وكانت وزارته أربعًا وعشرين سنة، وعاش نيفًا وستين، ومات بهمذان سنة (٣٦٠ هـ).
(٥) من قوله: " فإنه إنما صح " إلى هنا سقط من (ش).
[ ٨ / ٣٠٩ ]
لا تعجبِو مِنْ بلى غِلالته (١) قد زُرَّ أزراره (٢) على القمر (٣)
قالوا: ولهذا يُبنى على علو القدر ما يبنى على علو (٤) المكان، مثل قوله:
ويَصْعَدُ حتى يظن الجهول بأن له حاجةً في السماءِ (٥)
كل هذا ذكره علماء المعاني والبيان، وقد رأيتُ أن أزيد على ما ذكروه من الأمثلة في هذا النوع مطابقةً لمقتضى الحال، فإن الحال يقتضي في كشف غطاء البيان لمسيس الحاجة إلى ذلك.
فمن ذلك كلامُ إمام البُلغاء في هذا المعنى العلامة الزمخشري ﵀ في " كشافه " في تفسير قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٦]، فإنه (٦) قد تكلم في هذا بما يشهد لما ذكرته (٧)، فقال رحمه الله تعالى ما لفظه (٨): فإن قلت: هب أن شِراء الضلالة بالهُدى وقع مجازًا في معنى الاستبدال، فما معنى ذكر الربح والتجارة، كأن ثم مبايعة على الحقيقة؟
_________________
(١) في (ش): " غلائله ".
(٢) في (ش): " أزرارها ".
(٣) البيت لأبي الحسن بن طباطبا العلوي المتوفى سنة ٣٣٢ هـ، وقبله: يا من حكى الماءُ فرطَ رِقَّتِه وقلبه في قَسَاوةِ الحجرِ يا ليت حظي كحظ ثوبك من جسمك يا واحدًا من البشرِ والغلالة شعار يلبس تحت الثوب. انظر " معاهد التنصيص " ٢/ ١٢٩.
(٤) عبارة "القدر ما يبنى على علو" ساقطة من (ش).
(٥) البيت لأبي تمام حبيب بن أوس الطائي من قصيدة يرثي بها خالد بن يزيد بن مزيد الشيباني، ومطلعها: نعاءِ إلى كُلِّ حي نَعَاءِ فتى العرب اختَطَّ رَبْعَ الفناءِ انظر " الديوان " ص ٣٣١، و" معاهد التنصيص " ٢/ ١٥٢.
(٦) في (ش): " لأنه ".
(٧) في (ش): " ذكر ".
(٨) " الكشاف " ١/ ١٩٢ - ١٩٤.
[ ٨ / ٣١٠ ]
قلت: هذا من الصَّنعة البديعة التي تبلغ بالمجاز الذروة العليا، وهي أن تُساق كلمة مساق المجاز، ثم تُقفَّى بأشكال لها وأخوات إذا تلاحقن، لم يُر كلامًا أحسن ديباجةً، وأكثر ماء ورونقًا منه، وهو المجاز المرشح، وذلك نحو قول العرب في البليد:
كان أذني قلبه خطلاوان، جعلوه كالحمار، ثمَّ رشَّحوا ذلك رومًا لتحقيق البلادة، فادَّعَوْا لقلبه أُذنين، وادعوا لهما الخَطَلَ، ليُمثِّلُوا البلادة تمثيلًا تلحقها ببلادة الحمار مشاهدة معاينة، ونحو ذلك:
ولمَّا رأيتُ النَّسْرَ عزَّ ابنَ دَأْيَةٍ وعشَّشَ في وكرَيْه، جاش له صدري (١)
لما شبَّه الشيب بالنسر والشعر الفاحم بالغراب، أتبعه ذكر التعشيش والوكر. ونحوه قول بعض فُتّاكهم في أمه:
فما أم الردين وإنْ أدلَّت بعالمةٍ بأخلاق الكرامِ
إذا الشيطان قصَّع في قفاها تنفَّقناهُ بالحبْلِ التُّؤامِ (٢)
أي: إذا دخل الشيطان في قفاها، استخرجناه من نافقائه بالحبل المُثَنَّى المحكم.
_________________
(١) البيت أنشده الفراء كما في " اللسان " ٥/ ٤٠٥ و١٤/ ٢٤٨، و" خزانة الأدب " ٦/ ٤٥٧، وفيها: " جاشت له نفسي " شبه الشيب بالنسر لبياضه، وشبه الشباب بابن دأيةٍ، وهو الغراب الأسود لأن شعر الشباب أسود. وعزَّه يَعُزُّه: إذا غلبه وقهره، والمراد بالوكرين الرأس واللحية.
(٢) دلت المرأة وأدلت: حسن تمنعها مع رضاها، ونفي علمها بأخلاق الكرام كناية عن سوء خُلُقِها، وقصع اليربوع: اتخذ القاصعاء أو دخل فيها، وهي جحره الذي يدخل فيه، وتنفق: اتخذ النافقاء أو خرج منها وهي الطرف الثاني من الحجر الذي خرج منه، وتنفقه الصائد: استخرجه منها، فلجحره بابان إذا أتاه الصائد من الأول خرج من الثاني، والحبل التؤام، الحبل المثنى المفتول.
[ ٨ / ٣١١ ]
يريد: إذا حرِدَت وأساءتِ الخلق، اجتهدنا في إزالة غضبها، وإزالة (١) ما يسوء من خلقها استعار التقصيع أولًا، ثم ضم إليه التَّنفُّق، ثما الحبل التوأم.
وأنشد العلامة ﵀ في غير هذا الموضع من " كشافه " (٢):
ينازعُني ردائي عبدُ (٣) عمروٍ رُويْدَكَ يا أخا عمروِ بن بَكْرِ
لِيَ الشَّطْرُ الذي مَلَكَتْ يميني ودُونَك فاعتَجِرْ منه بشطرِ
قال ﵀: أراد بردائه: سيفه، ثم قال: فاعتجر منه بشطرٍ، فنظر إلى المستعار في لفط الاعتجار. انتهى كلامه.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِم﴾ [الصف: ٨] فذِكْرُ الأفواه هنا من هذا القبيل.
_________________
(١) في " الكشاف ": " وإماطة ".
(٢) ٢/ ٤٣٢. والبيتان غير منسوبين في " الإيضاح " ص ١٧٢. والأول منهما في " اللسان " ١٤/ ٣١٧. قال شارح أبيات الكشاف: استعار المنازعة لتسببه في امتداد السيف إليه حتى توسط بينهما كالشيىء يتجاذبه اثنان، واستعار الرداء للسيف بجامع حفظ كل لصاحبه، وعدم الاستغناء عنه، والاعتجار ترشيح، ومعناه التَّلَفُّح والتعمم، فهو ملائم للرداء، ويحتمل أن التركيب كله من باب التمثيل. وعبد عمرو: فاعل، ورويدك: اسم فعل بمعنى: أمهل، والكاف حرف خطاب، قاله الجوهري، وبالنظر لأصله، فهو مصدر، والكاف مضاف إليه، وفيه التفاتٌ، وبكر: أبو قبيلة، والشطر الذي ملكته يمينه: هو مقبض السيف، ودونك: اسم فعل بمعنى: خذ، أي: خذه فتلفع منه بالشطر الآخر، وهو مصدره والأمر للإباحة، وفيه نوع تهكم.
(٣) تحرفت في (ش) إلى: " عند ".
[ ٨ / ٣١٢ ]
ومن بديع المعنى قوله ﵀ يرثي شيخَه أبا مضر (١):
وقائلةٍ ما هذه الدُّرَرُ التي تَساقَطُ من عينيك سِمْطَيْنِ سِمْطَيْنِ
فقلتُ لها: بالدُّرُّ التي قد حشا بها أبو مُضَرٍ أُذْني تساقطُ من عيني
ومن مطرباته قول أبي العلاء المعري (٢)، وقد أبدع فيه وأغرب:
وسألت: كم بين العقيق وبارقٍ (٣) فعجبتُ (٤) من بُعْدِ المدى المتطاولِ
وعذَرْتُ طيفَكِ في الزِّيارة إنه يَسري فَيُصْبِحُ دوننا بمراحِلِ
فإنه لما جعل الطَّيف ممن يزورُ، تناسى التَّجوُّز حتى عيَّب عليه التأخر عن الزيارة، فكأنه سأل عن محل صديقه، فأخبره ببعده المفرط، فعذر بذلك الطيف، وعلم أنه لا يقدر على قطع تلك المسافة المتطاولة في ليلةٍ واحدة، وأنه لا يصح في الطيف أن يأتي في النهار، لأنه وقت اليقظة، وهذا المعنى بهر البُلغاء طربًا.
ومما جاوز الحد في الغرابة من هذا النوع: قول الزمخشري ﵀ في الكناية عن الجماع:
_________________
(١) هو محمود بن جرير الضبي الأصبهاني، مات بمرو سنة سبع وخمس مئة: مترجم في " معجم الأدباء " ١٩/ ١٢٣ - ١٢٤، و" بغية الوعاة " ٢/ ٢٧٦. والبيتان في " سير أعلام النبلاء " ٢٠/ ١٥٤. وانظر بقية المصادر فيه.
(٢) في " سقط الزند " ص ١٢٧.
(٣) في " سقط الزند ": " إلى الغضى ".
(٤) في " سقط الزند ": " فجزعت ".
[ ٨ / ٣١٣ ]
وقد خطبتُ على أعواد منبره سبعًا رِقاقَ المعاني جزلةَ الكلمِ
وقد اعترض ﵀ في استعارة هذه الأمور الشريفة لما لا حظ له في مراتبِ الشرفِ.
وللشيخ ابن الفارض في المعنى دقائق لطيفةٌ، فمنها قوله في قصيدةٍ طويلةٍ (١):
كان لي قلبٌ بجرْعاء الحِمى ضاع منِّي (٢) هل له رد عَلَيْ
فاعهدوا بطحاء وادي سَلَمٍ فهو ما بين كَداءٍ وكُديْ
فإنه لما تجوز في ضياع قلبه، بنى عليه ما يُبنى على الضياع الحقيقي، فأمرهم بطلب قلبه، وعيَّن لهم الموضع الذي فيه بكداء وكدي، وهما موضعان بمكة المشرفة.
ومن ذلك قوله (٣)، وهو لطيفٌ:
وقالوا جَرَتْ حُمْرًا دُمُوعُك قُلْتُ عن أُمورٍ جَرَتْ في كثرة الشوق قَلَّتِ
نحرتُ لِضيف (٤) السُّهد في جَفْنِيَ (٥) الكرى قِرىً، فجرى دمعي دمًا فوق وجنتي
_________________
(١) في " الديوان " ص ٢٠٣ والبيت الأول منها: سائق الأظعان يطوي البيدَ طي منعمًا عَرَّجْ على كثبان طَيْ
(٢) في (ش): " عني ".
(٣) الديوان ص ١١٢ من تائيته الكبرى، وفيها أبيات انتقدها عليه الأئمة من أمثال الحافظ العراقي، لأنه يصرح فيها بوحدة الوجود وقد بين ذلك البقاعي في كتابه " تنبيه الغبي " فراجعه.
(٤) في " الديوان ": " لطيف ".
(٥) في (ف): " عيني ".
[ ٨ / ٣١٤ ]
لما استعار لدمعه لون الدم، تناسى التَّجوُّز، فأخذ يخبرُ عن سبب تلك الحُمْرَةِ التي في دمه كأنها حمرةٌ حقيقة، ولما استعار للسُّهد اسم الضيف، ذكر ما يتعلق بالضيف من النَّحر، ولما جعل الكرى منحورًا، ذكر سيلان دمه على وجنته.
شربنا على ذكر الحبيب مُدَامَة سَكِرْنا بها من قبل أن تُخلَقَ الكَرْمُ (١)
لها البدر كأسٌ، وهي شمشٌ يُدِيرُها هِلالٌ وكم يبدو إذا مُزِجَتْ نجمُ
ولولا شذاها ما اهتدينا لحانِها ولولا سَنَاهَا ما تصوَّرها الوَهْمُ
فإن ذُكِرَتْ في الحي أصبح أهلُه نَشَاوَى، ولا عارٌ عليهم ولا إثمُ
ومن بين أحشاء الدِّنان تصاعَدَتْ ولم يبق منها (٢) -في الحقيقة- إلاَّ اسمُ
ولو (٣) خطرت يومًا على خاطر امرىءٍ أقامت به الأفراح، وارتحل الهمُّ
ولو نظر النُّدمان خَتْمَ إنائها لأسكرهُم من دُونها ذلك الختمُ
ولو نَضَحُوا منها ثرى قبرِ مَيِّتٍ لعادت إليه الرُّوح وانتعش الجسمُ
ولو طَرَحُوا في فيء حائط كرمها عليلًا وقد أشفى، لفارقه السُّقمُ
ولو نال قَدْمُ القوم لَثْمَ قِدامها لأكسبه معنى شمائلها اللثْمُ
هنيئًا لأهل الدير كم سكِرُوا بها وما شرِبُوا منها ولكنهم هَمُّوا
ودُونكها في الحان واستَجْلِهَا بها على نغم الألحان، فهي بها غُنْمُ
فما سكَنَتْ والهَمُّ يومًا بموضعٍ كذلك لم يسكُنْ مع النَّغَمِ الغَمُّ
يقولون لي صِفْها، فأنت بوصفِها بصيرٌ (٤) أجَلْ عندي بأوصافها عِلْمُ
صفاءٌ ولا ماءٌ، ولطفٌ ولا هوى ونورٌ ولا نارٌ، وروحٌ ولا جِسْمُ
فإن الشيخ ابن الفارض لما ادعى أنه تولَّه في حب الله ﷻ، شبه الحب في تلعُّبه بالعقول بالخمر المسكر، فاستعار اسم الخمر للحب، ثم أخذ يفتَنُّ في ترشيح الاستعارة بذكر أوصافِ الخمر، وتناسي التشبيه، فذكر
_________________
(١) " ديوان ابن الفارض ": ص ١٧٩.
(٢) في (ش): " فيها ".
(٣) في (ش): " فإن ".
(٤) في " الديوان ": " خبير ".
[ ٨ / ٣١٥ ]
الشُّرب، والساقي، والشذا، والحان، والنشوة، والدِّنان، وختم الإناء، والنضيج منها، والكرم الذي عنها منه (١) والحائط الذي كانت عروش العنب نيه، والسكر منها، والتهنئة لأهل الدير الذين سكِرُوا بها، وذكر مزجها، وشربها (٢) صرفًا على الألحان التي تُصاحِبُها في العادة، وزوال الهم معها، ونحو ذلك.
فمن قال: هذا شعرٌ ركيك، غير بليغٍ، ولا فصيحٍ، فهو بهيمي الطبع، جامد القريحة، ومن أقر أنه عربيٌّ بليغٌ، في أعلى طبقات الصنعة البديعة عند أهل هذا الشأن، لزمه أن يقول فيما هو أقل منه ترشيحًا بدرجاتٍ كثيرةٍ من الكتاب والسنة أنه يستحيل أن يكون له تأويلٌ ووجهٌ في اللغة العربية عند جميعِ من أظلت السماء من أول الدهر إلى آخره من جميع الفُطناء والعلماء والبلغاء، وأرِنَا أيَّ تجوز في السنة بلغ إلى هذا المبلغ الذي ذكرته لك في البعد على الحقيقة، أو بلغ في الخفاء مبلغ بيت الزمخشري المقدم:
وقد خطبتُ على أعواد منبره سبعًا رقاق المعاني جَزْلَةَ الكَلِمِ
ومن يفهم من هذا البيت الكناية عن التَّمتُّع بالنساء، وأين في الكتاب والسُّنَّة نظير هذا؟.
فإن قلت: إن هذه المبالغات لا تجوز إلاَّ في الأشعار، لأنها كذبٌ محضٌ، والقرآن والسنة لا يجوز فيهما الكذب.
قلت: هذا جهلٌ بالبلاغة في اللغة، بل جهلٌ بالكتاب والسنة، لو لم يرد في جواز هذا والشهادة له بالبراءة من الكذب إلاَّ قول الله تعالى: ﴿إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤًا منثورًا﴾ [الإنسان: ١٩]، فإنا نقطع أن من رأى الوِلدان الحِسَانَ لا يحسبهم لؤلؤًا منثورًا على الحقيقة، وإنما معنى الآية الشريفة: أنهم حسانٌ لا سوى، وكذا قول الكاتب: كلام لو مُزِجَ به ماء (٣) البحر لَعَذُبَ، ليس بكَذِبٍ،
_________________
(١) في (ش): " الذي منها ".
(٢) " وشربها " ساقطة من (ف).
(٣) " ماء " ساقطة من (ف).
[ ٨ / ٣١٦ ]
لأن معناه إنه كلامٌ بليغٌ لا سوى، وكذا سائر ما يتجوز فيه لا يفهم السامع منه إلا المدح بالمعنى الصحيح، دون ما يبدو من ظاهر لفظه، وإنما قبح الكذبُ لما كان الكاذب يقصد ما ليس بصدقٍ ولا فهم ذلك منه السامع، فوجب أن لا يصح من المجاز شيءٌ إلاَّ ما لم يدل على التجوز منه قرينة.
وقد أكثرت من الشواهد على المبالغة في التجوز لما ادعى السيد أن حديث جرير بن عبد الله البجلي (١) وغيره مما لا يمكن تأويله إلاَّ بتعسُّفٍ، فبالله قِسْ (٢) ما مرَّ من التجوزات بحديث جريرٍ عند متأوِّليه، وسيأتي بيان ذلك في مواضعه إن شاء الله تعالى.
المرتبة الرابعة: الوجود الشبهي، وهي أن لا يكون نفس الشيء موجودًا، لا بصورته، ولا بمعناه، لا في خارج ولا في حسِّ، ولا في خيالٍ، ولا في عقل، ولكن يكون (٣) الموجود شيئًا يناسبه في خاصةٍ من خواصه، وصفةٍ من صفاته.
قال الغزالي: مثاله الغضب والصبر ونحو ذلك ما ورد في حقه تعالى، فإن الغضب ألمٌ يعرِضُ في القلب، وانزعاجٌ يسكن بالتَّشفِّي، فهو عرضٌ مؤذٍ يحُلُّ بالقلب عند شعوره ببعض الأمور، وهذا لا ينفك عن نقصانٍ، فمن قام عنده البرهان من أهل الكلام على استحالة ثبوت حقيقة الغضب في حق الله تعالى ثبوتًا ذاتيًا وحسيًا وعقليًا وخياليًا، نزَّله منزلةً أخرى، وتأويله بثُبوت صفةٍ لله تعالى غير الغضب يصدر منها ما يصدر عند الغضب، وهي إرادة الانتقام وعدم العفو، ولا شك أن وجود إرادة الانتقام (٤) لا يصدق عليها في الحقيقة أنها الغضبُ، لكن يصدق ذلك عليها مجازًا.
وهذه المرتبة الرابعة مندرجةٌ في ضمن المجاز المتقدم، ولكني أفردتها بالذكر على عُرْفِ المنطقيِّين في الفرق بين المجاز العقلي والمجاز الشبهي.
_________________
(١) هو حديث الرؤية، وقد تقدم تخريجه ٥/ ٣٤٣.
(٢) في (ف): " فسّر ".
(٣) " يكون " ساقطة من (ش).
(٤) في (ش): " الإرادة للانتقام ".
[ ٨ / ٣١٧ ]
أنواع الوهم في الرواية
لا يجرح الثفة بالخطأ في الرواية إلا إذا كثر ذلك منه
المرتبة الخامسة: دون هذه المراتب كلها، وهي الحكم بالوهم لدليلٍ يوجب ذلك.
والوهم أنواعٌ: فمنه الوهم في اللفظ، وهو صحيحٌ مأثورٌ، ومنه حديثُ عائشة في الصحيح في حق ابن عمر لما روى " أن الميت ليُعَذَّبُ ببكاء أهله عليه ". قالت عائشة: ما كذب، ولكنه وَهَلَ (١).
ومنه الوهم في المعنى، ومنه حديث قيام الساعة لمقدار مئة سنة، فإن النبي - ﷺ - إنما قال: " إنها لا تأتي مئة سنة حتى قد أتتكم ساعتكم " (٢). هكذا ورد في بعض ألفاظ الصحيح، وساعتهم هي الموت، وهو معنى صحيحٌ، وقد غَلِطَ بعض الرواة في هذا الحديث، فرواه بلفظٍ يوهم أن رسول الله - ﷺ - أراد القيامة، فجاء بلفظ القيامة، أو البعث أو النشور، أو نحو ذلك من الألفاظ، فمثل هذا إذا وقع فيه الخطأ، لم يوجب رد الصحاح كلها، لأن الخطأ لا يسلم منه بشر، ولهذا صح عنه ﵊ أنه قال: " من كذب عليَّ مُتعمِّدًا، فليتبوأ مقعده من النار " (٣)، فقيَّد الوعيد بالتَّعمُّدِ.
وأجمع العلماء على أنه لا يُجرح الثقة بالخطأ في الرواية (٤) إلاَّ إذا كثر ذلك منه، واختلفوا في حد الكثرة ومبلغها على ما هو مقرر في كتب الأصول، وكتب أنواع علوم الحديث، ومن ذلك حَكَمَ جماعةٌ من النحاة واللغويين بلحن الرواة
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٢٨٦ و١٢٨٧ و١٢٨٨)، ومسلم (٩٢٧) و(٩٢٨) و(٩٢٩)، والنسائي ٤/ ١٨ - ١٩، وابن حبان (٣١٣٦). وانظر أيضًا ابن حبان (٣١٢٣) و(٣١٣٧).
(٢) أخرجه من حديث أبي مسعود البدري أحمد ١/ ٩٣، وابنه عبد الله في " زوائد المسند " ١/ ١٤٠، والطبراني في " الكبير " ١٧/ ١٦٩٣، وأبو يعلى (٤٦٧) و(٥٨٣). والطحاوي في " شرح مشكل الآثار " (٣٧٢). وأورده الهيثمي في " المجمع " ١/ ١٩٨، وقال: رجالة ثقات.
(٣) تقدم تخريجه ١/ ١٩٠ و٤٢٨ و٤٤٩ و٢/ ٧٢.
(٤) " في الرواية " ساقطة من (ش).
[ ٨ / ٣١٨ ]
وتصحيفهم، وقد تكلَّف ابن مالكٍ (١) الرد عليهم وتطلب الشواذ للاحتجاج عليهم، ورد عليه أبو حيان (٢).
ولا شك أن الحكم بالوهم عزيزٌ، ويحتاج إلى تثُّبتٍ كثيرٍ، والتَّكلُّفُ في تطلب (٣) الشواذ بعيدٌ أيضًا، وخيرُ الأمور أوسطها.
ومن أنواع الوهم: رفع الموقوف، وفيه خللٌ كثيرٌ، فإن الصحابي من جملة البشر، ويجوز عليه الخطأ في عقيدته وسائر أحواله، وقد يحسب الذي سمع الحديث مسندًا إلى الصحابي أنه حديثٌ نبويٌّ بشُبهتين:
إحداهما: الإسناد كما تُسنَدُ الأحاديثُ.
وثانيهما: كون المحدِّث قبل ذلك وبعده إنما يروي عن النبي - ﷺ -.
ومن أنواع الوهم: الإدراج (٣) وهو في الخلل مثل الذي قبله، ومثاله: أن يتكلَّم الصحابي بكلامٍ من نفسه بعد الفراغ من رواية الحديث، والسامع يحسب أن ذلك الكلام من جملة الحديث النبوي، وقد يكون الإدراج من كلام الصحابي والتابعي ومن دونهما.
ومن أنواعه: الوهم في الأسماء، مثل أن يسمع الحديث من ابن الزبير، فيظنه عبد الله، وليس به، وإنما هو اليمني، أو العكس.
وقد يقع بذلك خللٌ كثيرٌ، فإن الثقة وغير الثقة قد يشتركان في الاسم، وفي اسم الأب أيضًا، ويشتركان في الكُنية، فيكون الحديث مرويًّا عن الضعيف، والسامع لا يعرف ذلك الاسم إلاَّ للثقة، فيرويه عن الثقة مصرحًا من اسمه وكنيته
_________________
(١) هو جمال الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن مالك الطائي الأندلسي المتوفى سنة ٦٧٢ هـ. انظر ترجمته في " طبقات الشافعية " للسبكي ٥/ ٢٨.
(٢) هو محمد بن يوسف بن علي بن حيان الأندلسي المتوفى سنة ٧٤٥ هـ. انظر ترجمته في " طبقات السبكي " ٦/ ٣١.
(٣) انظر بحث الادراج بتوسع في " توضيح الأفكار " ٢/ ٥٠ - ٦٧.
[ ٨ / ٣١٩ ]
ونسبه بما لم يشاركه الضعيف فيه (١)، ومن ها هنا يحصل خللٌ كثير، وقد بالغ الحُفَّاظ في الاحتراز من هذا الخلل، وصنَّفوا في ذلك كتب العلل.
فهذا آخر وجوه الحامل، ومع إمكانه لا يجوز أن يحكم على الثِّقات بتعمُّدِ الكذب، وهو ممكنٌ غالبًا، فإن التدليس قد اشتهر عن كثيرٍ من الثقات، كالحسن البصري، وسفيان الثوري وأمثالهما من الأعلام، فيحتملُ -إن كان لا بد من تكذيبٍ- أن يكونَ الكاذب من دلَّسُوه، وكتموا اسمه، ورَوَوْا عنه مع الجهالة بحاله، إما لأنهم يستحِلُّون الرواية عن المجهول كما هو مذهب جماعةٍ من العلماء كما تقدم بيانه، وإما لأنهم اعتقدوا أن ظاهره العدالة من غير كبير خبرةٍ وطول صُحبةٍ، ولم يكن كذلك في الباطن.
فإن قلت: فما وجه التدليس من الثقة؟
قلت: له (٢) أسبابٌ كثيرةٌ.
منها: أن يكون حديثه عند المدلس صحيحًا، ويخاف إن صرَّح باسمه لا يُقبل، فيدلِّسه لئلاَّ يرد سنة صحيحة عنده.
ومنها: أن يكون في الحضرة من يكره الراوي، ويتناوله بالسب والأذى والغيبة والانتقاص من غير إستحقاقٍ لذلك، فيدلس الراوي اسمه، لئلاَّ يقع في فتنةٍ بذكره، وأمثال ذلك، والله أعلم.
المرتبة السادسة: الحكم بتكذيب الراوي، ولذلك شرطان:
أحدهما: أن يكون راويًا عن غيره (٣) أمرًا معلومًا أنه لا يحتمل التأويل.
وثانيهما: أن يكون معلومًا أنه لا يحتمل الخطأ والوهم، فإن لم يكن
_________________
(١) " فيه " ساقطة من (ف).
(٢) " له " ساقطة من (ش).
(٣) عبارة " راويًا عن غيره " ساقطة من (ش).
[ ٨ / ٣٢٠ ]
للحديث إلاَّ راوٍ واحد، حكم بتكذيبه، وإن كان راويًا عن غيره كرجال السند، فإما أن يكون السند بلفظ سمعتُ ونحوه، حكم بأن فيهم كاذبًا غير معيَّنٍ، وإن كان بلفظ العنعنة ونحوها، واحتمل التدليس من بعضهم، وكان ظاهرهم العدالة حكم برد الحديث، وبعدالة الرواة، لأن الحكم بتعمد الكذب على الثقاتِ المعروفين بعيدٌ، فإن غلب على الظن أن الراوي تعمد الكذب، فإن كان ممن ظاهره العدالة والستر، لم يحل القول بأنه كذاب، وجاز التعريف بتلك القرائن الموجبة لتهمته بالكذب، وإن كان مجروحًا، وكثُرتِ القرائن الدالة على تعمده للكذب، فقد اختلفت طرائق أهل الأثر في هذا فمنه من يتجاسَرُ على وصفه بالكذب عملًا بالظن القوي المستند إلى الأمارات الصحيحة، مع القطع على أن الرجل مجروحٌ، وأهل التَّحرِّي منهم يقولون: متهمٌ بالكذب، وهذا هو الصواب إن شاء الله تعالى.
وأحسن المحامل الوهميَّات، الحكم بالوهم في نسبة الكلام إلى رسول الله - ﷺ - إذا لم يحتمل أن يكون الراوي واهمًا في نفس الكلام، وذلك مثل ما رُويَ أن أبا هريرة وكعب الأحبار كانا يجتمعان، فيحدِّث أبو هريرة عن رسولِ الله - ﷺ -، ويحدِّثُ كعب الأحبار عن أهل الكتاب، والناس فجتمعون، فإذا راحوا حدثوا بما سمعوا، فربما وهِمَ بعض من ليس من أهل الحفظ، لا سيما مع عدم الملاحظة والدرس والتيقظ، لما في ذلك من الخلل العظيم فيحسب أن الذي سمع عن كعبٍ، عن أهلِ الكتاب (١) مما سمعه عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - فيرويه كذلك (٢).
_________________
(١) " عن أهل الكتاب " ساقطة من (ش).
(٢) أخرجه الإمام مسلم في كتابه " التمييز " ص ١٢٨: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، حدثنا مروان الدمشقي، عن الليث بن سعد، حدثني بكير بن الأشج، قال: قال لنا بسر بن سعيد: اتقوا الله وتحفَّظوا من الحديث، فوالله لقد رأيتنا نُجَالِسُ أبا هريرة، فيحدث عن رسول الله، ويحدثنا عن كعب، ثم يقوم، فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول الله - ﷺ - عن كعب، وحديث كعب عن رسول الله - ﷺ -. قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط =
[ ٨ / ٣٢١ ]
ومثل هذا إذا وقع حُكِمَ على صاحبه بالوهم حيث وهم، ولم يُجرح بالمرة، ويُطرح كل ما روى، إلاَّ أن يكثر منه الوهم، ويعرف بالبلة كما تقدم، ومثل هذا إذا اتفق، لم يبطل به علم الأثر، فإنه لو بطل علم الأثر بمثل هذا، لبطل أيضًا علم النظر بمثله، فإن الخطأ قد يقع كثيرًا من حُذَّاق النُّظَّار وأهلِ التحقيق في الكلام، وتجد الأقوال الركيكة صادرةً عن أئمة علم المعقول، فكما أن علم النظر لم (١) يبطل بذلك، فكذلك علم الأثر لا يبطُلُ باتفاق الخطأ النادر، ولو كان ذلك يقدح، لحَرُمَ على الإنسان الرجوع إلى نفسه في كثير من المسائل والأحوال، لأنه قد يعلم من نفسه أنه قد وهِمَ وغلِطَ، والفطين يعلم أن ذلك جائزٌ عليه، وإن لم يكن قد اتفق له، مع أنه لا يوجد من لم يتفق له الوهم والخطأ، ولأنه كان يلزم مثله في أحوال الدنيا، فلا يعمل بخبر ثقةٍ أبدًا، لأنه قد ينكشف عليه الوهم في نادر الأحوال، وذلك باطلٌ بالضرورة، وخلاف إجماع العقلاء.
فإن قلت: فرقٌ بين علم النظر والأثر، فعلم النظر يجب الوصول فيه إلى العلم، وبعد ذلك يحصلُ الأمان من الخطأ.
قلت: هذا صحيح، وعلم الأثر أيضًا قد حصل لنا العلم أن التكليف فيه بالظاهر المظنون دون القطع على الصحة في الباطن، فمتى سلم لنا الظاهر، فقد حصل العلم لنا أن قَبُولَه تكليفنا، ولا يضرُّنا ما وقع من الثِّقات من الخطأ، فمتى كثر وزال معه الظَّنُّ للصواب، بطل التكليف بخبر من هذه حاله.
إذا تقرر هذا، فاعلم أنه لا يحل القطع بأن المحدثين تعمدوا الكذب على رسول الله - ﷺ - كما ذكره السيد، وإن وجدنا في الحديث ما يُعلم قطعًا أنه لا (٢) يصدر عن رسول الله - ﷺ -، لاحتمال الوهم فيه أو التدليس عمن يقوى في الظن
_________________
(١) = مسلم، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير عبد الله بن عبد الرحمن، ومروان الدمشقي فمن رجال مسلم.
(٢) في (ش): " لا ".
(٣) في (ف). " لم ".
[ ٨ / ٣٢٢ ]
نسبة الوهم أو غيره إليه. والحكم بالوهم عليهم فيما كان كذلك أولى، لوجهين:
أحدهما: أنه (١) يحصل به الغرض من تنزيه النبي - ﷺ - مع بقاء ما أجمعت الأمة عليه من الرجوع إلى كتب السنن وأحاديث الثقات.
وثانيهما: أن الحكم بتعمد الكذب مما لا دليل عليه، فكان القطع به محرمًا لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٩]، ونحو هذه الآية الكريمة ولسائر (٢) ما قدمته من المرجِّحات للتأويل على التكذيب، فخذه من هنالك.
تنبيه: إياك أن تسمع هذا الكلام، فيصرفك عن كتب السنة، واهمًا أن حديثها قد اختلط فيه الصحيح بالضعيف، والخطأ بالصواب، فإن مصنفيها أئمة علم الأثر، ونُقَّاد هذا الشأن، وإليهم المنتهى في معرفة فنِّهم. فإذا كان الخطأ في كتبهم، فما ظنك بغيرها، بل هذا يحث الإنسان على الاعتماد عليها، والرجوع إليها، ألا ترى أنك لو وجدت خطأ في " كتاب " سيبويه في العربية، لم تطرح جميع ما رواه في " كتابه " لأجل ذلك، فإنه إذا جاز أن يُخطىء -مع عنايته بالفن- فكيف بمن هو دونه في العناية بفنِّه؟ وهذه إشارةٌ قد حققتُ المقصود منها في آخر مسألة المتأولين عند ذكر الإنصاف والخصيصتين، فخذه هنالك، ولا تقنع فهذا (٣) الكلام في هذا المعنى نافعٌ جدًا.
وهذا القدر كافٍ في التمهيد للجواب بإيراد المقدمات.
ولنشرع الآن في الجواب ونتكلم فيه على فصلين: فصل في الجواب الجُمليِّ، وفصل في المعارضات.
فأما الجواب على جهة التفصيل والتحقيق، فهو متعذِّرٌ لوجهين:
_________________
(١) في (ش): " أن ".
(٢) في (ش): " وسائر ".
(٣) في الأصول: " بهذا ".
[ ٨ / ٣٢٣ ]
أحاديث الصفات ومذهب السلف فيها
أحدهما: ما قدمته من قُصوري عن بلوغ مرتبة التأويل، فإن التأويل لا يصح (١) إلاَّ من الراسخين في العلم على قول الخصم، فلو ذهبتُ إلى التأويل عن أساليب العلماء، لكنت قد ناقضتُ في كلامي.
وثانيهما: أن التفصيل والتحقيق يحتاج إلى بسط ٍكثيرٍ، فلعلي لو كنت من أهل ذلك، وتعرضت له، ما فرغ الكلام على هذه الأحاديث التي أشار السيد إليها إلاَّ في مجلدات، والذي أختار لنفسي ما يليق بمقتضى حالي في قصور باعي (٢) في العلم، وعدم رسوخي فيه، وهو المروي عن الأكثرين من السلف.
قال النووي في " شرح مسلم " (٣): اعلم أن لأهل العلم في أحاديث الصفات قولين:
أحدهما: -وهو مذهب معظم السلف أو كلهم، وهو مذهب جماعةٍ من المتكلمين، واختاره جماعةٌ من محققيهم، وهو أسلمُ-: أنه لا يُتكلَّمُ في معناها، بل يقولون: يجب علينا أن نؤمن بها، ونعتقد لها معنىً يليق بجلال الله تعالى، مع اعتقادنا الجازم أن الله تعالى ليس كمثله شيءٌ، وأنه منزَّهٌ عَنِ التجسيم إلى آخر كلامه، وهو محكي بلفظه، لكن فيه تقديم لبعض ما أخره.
قلت: وإنما ذهبوا إلى هذا واختاروه لوجهين: عقلي وسمعي.
أمَّا العقلي: فلأن المتأول إما أن يقطع أن تأويله هو مراد الله، وأنه لا تأويل سواه، فهذا خطأٌ، لأنه (٤) لا دليل على أنه لا تأويل سواه يمكن أنه مراد الله، وأقصى ما في الباب أنه طلب، فلم يجد، لكن عدم وجود المطلوب لا يدل على عدم المطلوب في نفسه، وكم من عالمٍ يأتي بتأويلٍ، ثم يأتي غيره بأحسن منه، بل قد يأتي هو بأحسن منه فيما بعد، وإن لم يقطع على أن تأويله مراد الله،
_________________
(١) في (ش): " مرتبة التأويل الذي لا يصح ".
(٢) من قوله: " ما فرغ الكلام " إلى هنا سقط من (ش).
(٣) ٣/ ١٩.
(٤) في (ف): " فإنه ".
[ ٨ / ٣٢٤ ]
فمجرَّد الاحتمال (١) ليس بتفسيرٍ ولا معنى للظن إلاَّ في العمليات. ومن هنا تظهر لك قوة عدم علم الراسخين بتأويل المتشابه، لأن غايته أن يكون ظنًا، فلا يجوز عطفه على علم الله ﷿ الذي لا يدخله (٢) الظن.
فإن قيل: قد يُسمى الظن علمًا.
قلنا: قد يكون كثيرٌ من التأويل لمجرد الاحتمال، ولا يُسمَّى علمًا إجماعًا، وإن كان بالظنِّ، فلا يجوز هنا خاصةً تسميته علمًا، لأنه مجازٌ، أو مشترك، وهو في حقِّ الله للعلم اليقين، فلو عطف عليه غيره، كنا قد استعملنا اللفظ في كلا معنييه، والصحيح أنه لا يجوز لغةً، وادعى أبو هاشم أنه محالٌ عقلًا.
وأما السمعي، فقوله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ [الإسراء: ٣٦]، وما رُوِيَ عن ابن عباسٍ، عن النبي - ﷺ - أنه قال: " من قال في القرآن بغير علم، فليتبوَّأ مقعده من النار. وفي رواية: " من قال في القرآن برأيه فليتبوَّأ مقعده من النار ". أخرجه الترمذي، وحسنه (٣).
وعن جندب أن رسول الله - ﷺ - قال: " من قال في كتاب الله برأيه، فأصاب، فقد أخطأ ". أخرجه أبو داود والترمذي وغرّبه (٤).
وأما إجماع الصحابة على التفسير بالرأي، وقول أبي بكر في الكلالة: " أقول فيها برأيي " (٥)، فإنما أرادوا بالرأي: التفسير للحادثة الخاصة بالعُموم اللغوي لكي لا يُوهموا أنهم سَمِعُوا ما حكموا به عن النبي - ﷺ - بالنصوصية. ألا ترى أن الكلالة في اللغة مطابقةٌ لتفسير أبي بكرٍ؟ فلم يكن تفسيره رأيًا محضًا،
_________________
(١) في الأصول: " الإجمال "، وهو خطأ.
(٢) في (ش): " لأجله "، وهو خطأ.
(٣) حديث ضعيف، وقد تقدم تخريجه ٥/ ١٩٧.
(٤) تقدم تخريجه ٥/ ١٩٧.
(٥) تقدم تخريجه ٣/ ٣٥٢.
[ ٨ / ٣٢٥ ]
ولو سلم، فذلك (١) في العمليات، ولا نزاع فيها لضرورة العمل، وإمكان الوقف في غير العمليات، ولو سلم إجماع في مسألتنا، فظنِّي، ولا ينفع هنا، الحديثان المقدَّمان يعارضانه، وهذا الذي حكاه النَّووي عنهم هو اختياري لنفسي، ولمن هو لمثل صفتي، لكني اقول: إنما يجب علينا أن نؤمن بالمعلوم من ذلك، فأما المظنون، فنؤمن به على شرط أنه صدر عن الله، أو عن رسوله - ﷺ -.
قال النووي (٢): والقول الثاني -وهو قول معظم المتكلمين- أنها تُتَأوَّل على حسب مواقعها، وإنما يسوغ تأويلها لمن كان من أهله بأن يكون عارفًا بلسان العرب، وقواعد الأصول والفروع، ذا رياضةٍ في العلم.
قلت: وهذا الذي ذكره هو معنى الرسوخ في العلم، وأنا لا أُنكره على الراسخين في العلم إن تكلموا في ذلك بما يعلمونه، وإنما المنكر خبطُ الجُهَّال بغير علمٍ ولا هدى (٣) ولا كتابٍ منير.
أمَّا الفصل الأول: فالجواب: أن السيد أيده الله ذكر أحاديث معينةً، وذكر أنه لا يصحُّ لها تأويلٌ.
فنقول له: هل مرادك لا يصحُّ لها تأويلٌ عندك؟ فمسلم، ولا يضرُّك تسليمه، أو مرادُك: لا يصحُّ لها تأويلٌ في علم الله تعالى، ولا عند أحدٍ من الراسخين، فممنوعٌ، ودليل المنع وجهان:
الوجه الأول: أن موسى ﵇ لما تعلَّم (٤) تأويل فعل الخضر ﵇، لم يجب ألا يعلمه (٥) الخضر ﵇، فإذا جاز على موسى الكليم أن يجهل ما عَلِمَهُ غيره، جاز عليك أكثر من ذلك.
_________________
(١) في (ش): " قولك ".
(٢) " شرح مسلم " ٣/ ١٩.
(٣) " ولا هدى " ساقطة من (ش).
(٤) في (ف): " لم يعلم ".
(٥) في (ف): " إلى تعلمه ".
[ ٨ / ٣٢٦ ]
الوجه الثاني: أن الملائكة ﵈ ما عرفوا حكمة الله في جعل آدمَ خليفةً في الأرض، فقالوا: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك﴾، فلم يجب عليه إلاَّ بالجواب الجُمليِّ، فقال الله تعالى: ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾ [البقره: ٣٠] فإذا كفى الملائكة العلم الجمليُّ، كفى كثيرًا من المسلمين.
فإن قلت: فرقٌ بين الأفعال والأقوال، لأن الإيمان بحُسْنِ الأفعال على الجُملة تكفي، وأمَّا الأقوال، فلا بد من فهم معناها، وإلا لكان الخطاب عبثًا، والعبث لا يجوز على الله تعالى.
قلت: ما مرادك بقولك: يجب فهم معناها؟ هل تريد على جميع المسلمين أو على علماء المسلمين؟ فإن قلت: على جميع المسلمين، كنت قد جمعت بين المُناقضة والمباهتة.
أمَّا المناقضة، فحيث منعت المعرفةَ بتفسير كتاب الله في أوَّل جوابك، ثم أوجبت العلم بمعانيه في آخره.
وأما المباهتة: فلأنَّ الأمة مجمعةٌ إجماعًا ضروريًا على أن العلم بجميع معاني كلام الله تعالى جَليِّها وخفيِّها ومُحكمها ومتشابهها لا يجب على النساء والإماء والفلاحين وسائر عامَّة المسلمين.
فإن قلت: إنه لا يجب أن يكون كلام الله معلوم المعنى إلاَّ لعلماء المسلمين، فلم ننازِعْكَ في هذا، ولكنك ادعيت في كتابك أنك لست من العلماء، ولا ممن يعرف معاني كلام الله، لأنك شككت في إمكان الاجتهاد، ولا يصح هذا الشك وأنت مجتهدٌ.
وأما التفسير، فمنعت أنت معرفته بالمرة، فلا يجب إذا لم تعلم تأويل أغمضِ المتشابهات أن تقطع على عجز العُلماء الراسخين، مستدلًا على عجزهم بأنك عجَزت عَنِ المعرفة، لأنه لا مُلازمة في العقل ولا في الشَّرع بين
[ ٨ / ٣٢٧ ]
جهل من هو معرفٌ أنه ليس من المجتهدين وجهل الراسخين في العلم حتى يستدل بأحدِهما على الآخر (١)، ولو كان يصح الاستدلال على جهل العلماء بجهل غيرهم، لوجب أن يكون العلماء لا يعرفون إلاَّ ما يعرف، وفي هذا غاية الفساد، وهذا الموضع يحتمل التطويل بإيراد أسئلةٍ ومعارضاتٍ ومُطالباتٍ لمدعي المعرفة بتأويل القرآن أن يفسِّرَ لنا آيات من القرآن العظيم، مثل قوله: ﴿كهيعص﴾ [مريم: ١]، وطلب الدليل على التفسير الذي يقوله: هل هو مجرد تجويزٍ؟ فليس بتفسيرٍ، أو هو قولٌ عن دليلٍ؟ فما ذلك الدليل؟ هل هو نص نبوي، أو نص لغوي، أو برهان عقلي، ويتفرع في هذا المقام أسئلة عويصة ومباحث صعبة تركتها اختصارًا وقد أوردتها في كتاب " ترجيح أساليب القرآن " (٢).
الفصل الثاني: في المعارضات
وقبل الخوض فيها، أذكر مقدمة، وهي (٣) أنه لا يلزمُني أن أقول بقوَّة الأسئلة التي أوردها، ولا أعتقدها، ولا يظن هذا إلاَّ من لا يعرف معنى المعارضة عند أهل النظر، وذلك لأنها تقتضي أن نُورد على الخصم مثل ما احتج به، وإن كان ضعيفًا عند المُورِدِ له، بل وإن كان باطلًا، وإنما يُورد لوجهين:
أحدهما: ليدفع المورد له عن نفسه ما يرِدُ عليه من ذلك القبيل، فيدفع الباطلَ بالباطلِ، ويكتفي بالشر من غير خُروجٍ من حقِّ، ولا دُخُولٍ في باطلٍ، ومثال ذلك قول أصحابنا والحنفية في الاحتجاج بالقيافة (٤) على المنافقين،
_________________
(١) في (ف): " بالآخر ".
(٢) انظر ص ١١٢ وما بعدها.
(٣) في (ف): " وهو".
(٤) القيافة: تتبع الأثر، يقال: قفوتُه أقفوه وقُفته أقوفُه وقفيتُه: إذا اتبعت أثره، والقائف يتبع الآثار، ويعرف شبه الرجل بأخيه وأبيه، وحديث القيافة رواه البخاري (٦٧٧٠) و(٦٧٧١)، ومسلم (١٤٥٩) من حديث عائشة ﵂ قالت: إن رسول الله - ﷺ - دخل =
[ ٨ / ٣٢٨ ]
بحث في تفسير قوله تعالى: ﴿وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض﴾ الآية
وليست حجةً صحيحةً، وأن النبي - ﷺ - إنما استبشر بها لغَلَبِ الخصم الذي يقول بصحتها، لا بها في نفسها، فهي باطلةٌ.
الوجه الثاني: تعريف الخصم بضعف قوله الذي استلزم تلك الأشياء الضعيفة، فإن القوي لا يستلزم الضعيف، قال المنطقيون في الجدل -وهي من أنواعه-: إن الغرض به: إقناع القاصر عن دَرْكِ البرهان وإلزام الخصم.
إذا تقرر هذا، فاعلم أن المعارضات نوعان:
النوع الأول: أنها قد وردت عن سلفنا (١) رحمهم الله تعالى من أهل العدل والتوحيد من الزيدية والمعتزلة تفاسير كثيرةٌ يستبعدها كثيرٌ من الناس، وتأويلها في البعد مثل تأويل هذه الأحاديث التي أنكر السيد تأويلها، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٥ - ٧٦] الآية، فإن ظاهرها يقتضي ما لا يجوز على الأنبياء ﵈ من التشبيه، وقد تأولها الزمخشري (٢) وغيره بأنه ﵇ إنما أراد أن يحتج على غيره ويبيِّن له الدليل على حدوث الأجسام وبطلان ربوبيتها بدليل الأعراض. هذا معنى كلامهم.
فأقول: لا يخلو: إما أن يكون الاستبعاد يمنع من صحة التأويل، أو لا.
_________________
(١) = علي مسرورًا تبرق أساريرُ وجهه، فقال: " ألم تري أن مُجَزِّزًا المدلجي دخل علي فرأى أسامة وزيدًا وعليهما قطيفة قد غطيا رؤوسهما، وبدت أقدامهما، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض ". قلت: كان الناس قد ارتابوا في نسب أسامة من زيد، إذ كان زيد أبيض اللون، وجاء أسامة أسود اللون، وكان المنافقون يتكلمون فيهما بما يسوء النبي - ﷺ - سماعه، فلما قال: القائف ما قال مع اختلاف اللون، سُرَّ النبي بذلك، لكونه كافًَّا لهم عن الطعن فيه لاعتقاهم ذلك. وانظر " شرح السنة " ٩/ ٢٨٤ - ٢٨٦.
(٢) في (ش): " سلف الأمة ".
(٣) في " الكشاف " ٢/ ٣١.
[ ٨ / ٣٢٩ ]
إن كان لا يمنعُ، جاز تأويل تلك (١) الأحاديث، ولم يمنع لمجرد الاستبعاد، وإن كان يمنع، فهذا التأويل المذكور في هذه الآية بعيدٌ لوجوه:
الوجه الأول: أنه لو أراد دليلَ الأعراض، لكفاه الاستدلالُ بدليلِ الأعراض على النجم، ولم يحتج إلى إعادة الدليل في حق القمر، ثم في حق الشمس، لأن دليل الأعراض دليلٌ كليٌّ، يدخل تحته، كل جسمٍ صغيرٍ أو كبيرٍ، ولو كان المستدل به كلما رأى جسمًا، لم يكفه ما مضى من الاستدلال حتَّى يعيد الدليل، لم يزل مستدلًا وهذا شيء لم يقل به أحدٌ.
الوجه الثاني: لو أراد ذلك، لم يكن لتخصيصها بالاستدلال معنى، فإن الحركة والسكون، جائزان على كلِّ جسمٍ من الحجارة والشجر والتراب والحيوان والسماء والأرض، فما خصَّ النجم ثم القمر ثم الشمس؟!
الوجه الثالث: أنه لم يحصل فيها دليل الأكوان مثل غيرها، لأنه ﵇ ما رآها إلاَّ متحركةً فقط، ولا استدل إلاَّ بالأفول الذي يستلزم الحركة، وهو غير دليل الأكوان، فإنه لا يصح إلاَّ بالنظر إلى الحركة والسُّكون معًا.
الوجه الرابع: أن إبراهيم ﵇ قد علم أن الشمس والقمر كانا آفِلَيْن قبل شروقهما، فلو استدل على طريقة المتكلمين في الأكوان، لم يكن الأفول الثاني بأدل على حدوثها من الأفول الأول.
الوجه الخامس: أن مسير هذه الأشياء إلى وسط السماء أو أقل من ذلك مثلُ أُفولها بالنظر إلى دليل الأكوان، لأن القليل والكثير من ذلك دالٌّ على الحركة والنقلة التي تدل على الحدوث.
الوجه السادس: أنه حين قال في القمر: هذا ربي، تأخر عن الجواب إلى أن غرب القمر في آخر الليل، ثم فعل ذلك في الشمس، فتأخر عنِ الجواب من طلوعها إلى غروبها، وذلك يبعُدُ من المحتج على غيره لوجهين:
_________________
(١) " تلك " ساقطة من (ش).
[ ٨ / ٣٣٠ ]
أحدهما: أن الخصم لا ينتظره في المجلس الواحد يتطلب الجواب يومًا وليلةً.
وثانيهما: أن المحتج على الغير لا يجوز أن يسلِّمَ للغير ما يدعي إلاَّ ويبين للغير في تلك الحال، أن تسليمه تسليم جدلٍ، ثم تعقَّبه بإبطال كلامه من غير تراخٍ، لأنه لو جاز أن ينطِقَ بالكفر، ويسلمه للخصم يومًا كاملًا مع حضور الدليل، لجاز ذلك شهرًا أو سنة والعمر كله.
الوجه السابع: أنه ﵇ قال عقيب أُفول القمر: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّين﴾. وهذا لا يقوله المناظر (١) في مثل هذه الحالة المجادل فيها عن الحق المُبين للغير، وإنما يقوله الناظر المتحيِّر في الاستدلال.
الوجه الثامن: أنه قال في الشمس: ﴿هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَر﴾. وهذا لا يشبه كلام المجادلين للغير، المحتجين بدليل الأعراض، لأن ما كثر نوره مثل ما قل نوره بالنظر إلى دليل الأعراض، بل الجسم المنير والمظلم بالنظر إلى ذلك على سواءٍ.
الوجه التاسع: أنه قال: هذا ربي، ولم يقل للخصم: هذا ربك، ولا قال: هذا ربنا، ولا قال: هذا رب، وقلَّما يتفق مثل هذا من مُخاصمٍ لغيره وإن كان ذلك جائزًا، لكنه بعيدٌ.
الوجه العاشر: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ فهذا يشعر بأن علة رؤيته للكوكب جنونُ الليل عليه، وعلة قوله: هذا ربي رؤيةُ الكوكب، كما تقول: فلما دخلتُ دار الإمارة، رأيتُ رجلًا وسيمًا، قلت: هذا الأمير، ولو كان كما قالوا مخاصمًا لغيره، لكان القياسُ: فلما قيل له: هذا ربُّك، قال: هذا ربي.
_________________
(١) " المناظر " ساقطة من (د) و(ف).
[ ٨ / ٣٣١ ]
الوجه الحادي عشر: قوله تعالى بعد هذه الآية: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّه﴾ [الأنعام: ٨٠]، فعطف على هذه القصة قصةً أخرى، معناها أن إبراهيم تحاجَّ هو وقومه، فلو كانت القصة الأُولى محاجة مع قومه، لما حَسُنَ بعد الفراغ منها أن يُقال: وحاجَّه قومه كما لا يقال: اختصم زيدٌ وقومه في قِدَمِ العالم، فقال: إن ما فيه من الصنعة تدل على حدوثه، واختصم قوم زيد وزيد في حدوث العالم.
الوجه الثاني عشر: أن سياق الآية من أولها يدل على بعد التأويل، ألا ترى إلى قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٥ - ٧٦] الآية، فظاهر هذا السياق يدلُّ على أن الله تعالى أراه الملكوت ليؤمن بالله تعالى ويستدل عليه، لا ليناظر ويجادل، وفي هذا السياق ما يدل على أن إبراهيم ﵇ ما كان قد رأى السماوات والأرض، وأنه كان محجوبًا، كما قد رُوِيَ ذلك (١).
فإذا تأملت هذه الوجوه حق التأمل، وتركت العصبية، علمت أن قول الزمخشري وغيره بعيد في تأويل هذه الآية، وأين هذه الآية من دليل الأكوان الذي ينبني على أربع دعاوي، وهي أن (٢) الأجسام لا تخلو من الأعراض، ولا تتقدمها، وأن الأعراض أمورٌ ثبوتيةٌ، وأن هذه الأعراض محدَثَة، وأن ما لم يخل من المحدث، ولم يتقدمه، فهو محدث مثله.
وإذا كان هذا التأويل قد صدر من علامة المعاني والبيان، وإمام البلغاء بغير منازعةٍ، وكان الجِلَّةُ من العلماء مستمرين على قراءته من غير اعتراضٍ عليه، ولا تشكيكٍ فيه، فإني سأبيِّنُ أن تأويل تلك الأحاديث التي أنكر السيد تأويلها قريبٌ من هذا على قانون أهل التأويل، وهذا على بعد الزمخشري من التأويلات البعيدة.
_________________
(١) " ذلك " ساقطة من (ش).
(٢) " أن " ساقطة من (ش).
[ ٨ / ٣٣٢ ]
ومن ذلك تأويل الزمخشري ﵀ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]، فإنه أولها بما معناه (١): وإن من شيء إلاَّ يدل على أن الله يستحق التسبيح، ولكن إذا رأيتم هذه الأشياء لم تفقهوا ما فيها من الدِّلالة على استحقاقه للتسبيح، هذا معنى كلامه، وقد قدمت ما فيه من النظر، لأنه لا ملجىء إليه مع ما فيه من البعد.
فأمَّا غير الزمخشري ﵀ من المفسرين على أساليب أهل الكلام، فلهم تأويلاتٌ بعيدةٌ، وفي " تهذيب " (٢) الحاكم ﵀ كثيرٌ من هذه الأشياء، منها في تفسير: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُون﴾ [الأنعام: ٢٧ - ٢٨]، فإن الحاكم ﵀ أنكر صحة عودهم إلى ما نهوا عنه بعد مشاهدة القيامة وأهوالها، وتأول الآية على أن المراد: إذا رُدُّوا إلى الدنيا كما يُرَدُّ من النوم إلى اليقظة، قال: فأما بعد المعاينة والعلم الضروري، فلا يجوز الرد إلى حال التكليف، للإلجاء الحاصل. هذا لفظه.
والعجب كيف يستغرب أن تحمل الآية على أنهم لو رُدُّوا كالرد من النوم إلى اليقظة، لعادوا لما نهوا عنه، والله قد نص على أنهم إنما تمنوا الرد لما وُقِفُوا على النار، وبدا لهم ما كانوا يخفون من قبل: وكذَّبهم الله في قوله في تلك الحال: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ﴾، فقال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْه﴾، وأكَّد ذلك بقوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُون﴾.
وإذا كان هذا التأويل قريبًا، فنحن لا نتأول تلك الأحاديث بأبعد من هذا، وان كان بعيدًا، ولا ننكر على صاحبه فما بال تلك الأحاديث اختصت بالإنكار.
_________________
(١) " الكشاف " ٢/ ٤٥١.
(٢) هو الحاكم الجشمي، وقد تقدمت ترجمته ١/ ٢٩٦ و٢/ ٣٣٣.
[ ٨ / ٣٣٣ ]
وبالجملة، فهذا بابٌ واسعٌ، فقد أنكرت معتزلة بغدادٍ الظواهر المفهومة من القرآن الدالة على أن الله سميعٌ بصيرٌ، وتأولوا ذلك على معنى أنه عالمٌ فقط، وفي تأويلهم لذلك بعدٌ. وقد ذهب جماعةٌ من أهل العدل والتوحيد كالشيخ أبي الحسين وأصحابه إلى أن إرادة الله تعالى هي علمه لا سوى، وهذا أيضًا بعيدٌ، وقدِ اختاره الفقيه عبد الله بن زيدٍ، وفي السمع ما يصعب تأويله على هذا المعنى، مثل قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة: ٨٥]، فإنه يبعد أن يكون معناه: يعلم الله بكم اليسر، وهذا القبيل كثيرٌ، حتى إن طائفةً من المعتزلة أنكروا وجُود الشيطان على الحقيقة، وادعوا أن جميع ما في القرآن من ذكره مجازٌ، والمراد به الشهوة أو نحو ذلك وفي السمع ما يصعب تأويله على هذا، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧]، ومثل قصته مع آدم ﵇، وخطابه له، ومقاسمته، وسؤاله للإنظار من الله تعالى، ونحو ذلك.
وفي سلفنا ﵏ من كان يؤثر عنه تأويل العرش والكرسي بالمُلك (١)، وفي القرآن ما يصعب تأويله على هذا المعنى، مثل قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧]، وقوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧]، ونحو ذلك.
وقد فسر الإمام المتوكل على الله أحمد بن سليمان ﵇ آية النور في كتابه " الحكمة الدُّرِّية " (٢) بتفسيرٍ بعيدٍ، فأول الزيت بالعقل، والنار
_________________
(١) جاء في نسخة (ش) بخط الإمام الشوكاني ما نصه: هو الهادي ﵇، وله كتاب سماه كتاب " العرش والكرسي "، وقفت عليه قلت: الإمام الهادي: هو يحيى بن الحسين بن القاسم الرسي، وقد تقدمت ترجمته ٣/ ٤٥٨. وكتابه هذا توجد منه نسخة خطية في مكتبة الجامع الكبير بصنعاء ضمن المجموع رقم ٢٣٠. انظر فهرس المكتبة ص ٨١٠.
(٢) واسمه الكامل: " الحكمة الدرية والدلالة النبوية ". منه نسخة خطية في المكتبة الغربية بالجامع الكبير بصنعاء. انظر الفهرس ص ١٥٧.
[ ٨ / ٣٣٤ ]
بالشرع، والزجاجة والمصباح والمِشكاة والشجرة والكوكب الدُّرِّي برسول الله - ﷺ -، وبعليٍّ وفاطمة والحسن والحسين ﵈، وهذا تأويلٌ بعيدٌ، ومع بُعده، فلا ملجىء إليه، لأن ظاهر الآية مما يجوزُ إرادته.
وللإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة أغرب من ذلك، وهي تأويل الآية الكريمة في قصة هاروت وماروت وما أُنزل عليهما، فإنه ذكر أن ذلك كله مَثَلٌ ضربه الله تعالى على سبيل التجوز، ولا حقيقة لشيء من ذلك. حكاه لي الإمام المنصور بالله علي بن محمد بن علي.
ولمجاهدٍ التابعي الجليل مثل ذلك في اليهود والمخسوف بهم قردةً، قال: هو مثلٌ ضربه الله، حكاه عنه ابن كثير في " البداية والنهاية " في المجلد الأول (١).
وللحاكم (٢) رحمه الله تعالى قريبٌ من هذا في فضائل علي ﵇ وأبي بكرٍ وعمر وعثمان ﵃، ذكره في كتابه " السفينة ".
فإذا نظر الإنسان إلى كثيرٍ من تأويلات العلماء قديمًا وحديثًا، وجد فيها البعيد والقريب، فلا ينبغي أن نُنكر على من قال بصحَّة بعضِ الأحاديث، وجواز أن لها تأويلًا عند العلماء، أو تأولها بمثل هذه التأويلات، فإنه لم يؤثر عن السلف الصالح رحمهم الله تعالى النكير على من تأول تأويلًا ضعيفًا مستبعدًا متى كان صحيح العقدة، والاختلاف في أن هذا التأويل قويٌّ أو ضعيفٌ أو متعسَّفٌ، لا يحتمل الإنكار والتشنيع، فتأمل ذلك.
_________________
(١) ٢/ ١١٣، وذكره أيضًا في " التفسير " ١/ ١٠٩، وقال في " البداية والنهاية ": وهذا صحيح إليه، وغريب منه جدًا، ومخالف لظاهر القرآن، ولما نص عليه غير واحد من السلف والخلف، والله أعلم.
(٢) هو أبو سعيد المُحَسِّن بن محمد بن كَرَّامة الجشمي البيهقي الحنفي ثم الزيدي، وكتابه " السفينة " يقع في أربع مجلدات ومضمونه التاريخ جمع فيه سيرة الأنبياء وسيرة النبي - ﷺ - وسيرة الصحابة والعِترة وهو معتمدٌ عند الزيدية يكثرون النقل عنه، والإفادة منه.
[ ٨ / ٣٣٥ ]
الكلام في تأويل بعض الأحاديث مثل: "فيأتيهم الله"
النوع الثاني من المُعارضات: فهو أنا نُورِدُ في تأويل تلك الأحاديث نظير ما ورد في تأويل القرآن العظيم من غير أن نكون قائلين بأن ذلك التأويل هو معنى الحديث قطعًا، لأني أختار لنفسي مذهب السلف المقدم وكما سبق موضحًا في الوهم الخامس عشر، ولجواز أن يكون له معنى هو أصحُّ من ذلك، وإنا لقصورنا لم نهتد إليه، وقد بيَّنتُ قصوري عن مرتبة التأويل، وإنما مرادي أُورد مثل كلامهم على وجهٍ يعرف المنصف أن مثله مما لا طريق إلى العلم القطعي بأن أهل تلك التأويلات لو سمعوه، لأجمعوا على أنه باطل.
فأقول: قد انتخب السيد أحاديث من أدقِّ ما وجد، وأنا أتكلَّم على كلِّ حديثٍ منها مستعينًا بالله تعالى:
فالحديث الأول: فقد ثبت أن عُلماء المعاني والبيان والزمخشري ومن لا يُحصى كثرةً قالوا في تأويل قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]، وقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠]، وقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّك﴾ [الأنعام: ١٥٨]، كل هذا قالوا فيه: إن إسناد المجيء والإتيان إلى الله تعالى مجازٌ، وهو من قبيل الإيجاز: أحد علوم المعاني والبيان، وهو حذف بعض الكلام لدلالة القرينة على حذفه، والقرينة الدالة هنا هي القرينة العقلية، وهي أقوى القرائن دلالة، وكان هذا مثل قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ﴾ [يوسف: ٨٢]، أي: أهل القرية، قالوا: المعنى: وجاء أمر ربك أو عذابه، أو نحو ذلك من المقدورات.
فنقول: وكذلك الحديث الذي رواه السيد، وفيه: " فيأتيهمُ اللهُ "، وفي رواية " أتاهم ربُّ العالمينَ " (١)، فيه حذفٌ وتقدير، فيقال: المرادُ أتاهم مَلَكٌ من ربِّ العالمين، أو أتاهم رسول رب العالمين. وقوله: إني ربكم: أي رسلُ
_________________
(١) قطعة من حديث أبي هريرة في الرؤية، وقد تقدم تخريجه في الجزء الخامس.
[ ٨ / ٣٣٦ ]
ربكم، وكذلك قولهم: أنت ربنا: أي رسول ربنا، وإذا جاز تأويل لفظٍ على معنى، جاز تأويله على ذلك المعنى، وإن تكرر منه مرة فالعمدة أن الدليل العقلي صارف عن الظاهر، وإلا فالذي في القرآن من المتشابه في هذا المعنى يوهم أنه على ظاهره لو لم يكن ثمَّ دليل عقليٌّ يوجب التأويل من غير خلافٍ في هذا، وقد ذكرنا في المقدِّمات أن الترشيح لغويٌّ صحيحٌ متى ثبت معرفة المخاطب بالتجوز، وتقدمت أمثلة ذلك، فلا ينكر ما ورد من ذلك ولو كثر وإنما تجد النكارة لعدم وضوح الدليل في نفس السامع تارة، وفي نفس الأمر أخرى إلا من سمع جناح الذل لا يجد شكًا في معرفة المعنى وأنه مجاز وإن لم يكن من العارفين بخلاف من سَمِعَ قوله تعالى في آدم ﵇: " خَلَقْته بيدي " وقد ذكر النووي في " شرح مسلم " (١) تأويل هذا الحديث فقال ما لفظه: وقيل: المراد يأتيهم الله، أي: يأتيهم بعض ملائكته. قال القاضي عياض: وهذا الوجه أشبه عندي بالحديث. قال: ويكون هذا الملك الذي جاءهم في الصورة التي أنكروها من سمات (٢) الحديث الظاهرة على الملك والمخلوق.
قال: أو يكون معناه: يأتيهم الله في صورةٍ أي بصورةٍ ويُظهر لهم صورة ملائكته ومخلوقاته التي لا تُشبه صفات الإله ليختبرهم (٣). وهذا آخر امتحان المؤمنين، فإذا قال لهم: هذا الملك، أو هذه الصورة: أنا ربكم، رأوا عليه من سمات المخلوقين ما يعلمون به أنه ليس ربهم، ويستعيذون بالله منه.
وأما قوله - ﷺ - (٤): " فيأتيهم الله في صُورته التي يعرفون بها "، فالمراد بالصورة هنا: الصفة، ومعناه: فيتجلَّى (٥) لهم على الصفة التي يعلمونها وإنما عبَّر في الصفة بالصورة، لمشابهتها إياها ولمجانسة الكلام، فإنه تقدم ذكر الصورة.
_________________
(١) ٣/ ١٩ - ٢٠.
(٢) في (ف): " صفات ".
(٣) في (ف): " ليحيرهم ".
(٤) في الأصول: وأما قولهم، والمثبت من " شرح مسلم " ٣/ ٢٠.
(٥) في (ف): " فتجلى ".
[ ٨ / ٣٣٧ ]
وأما قولهم (١): " نعوذ بالله منك "، فقال الخطابي: يحتمل أن تكون الاستعاذة من المنافقين خاصةً، وأنكر القاضي عياض هذا.
قال النووي: وما قاله القاضي عياض هو الصواب، والحديث مصرِّحٌ به، أو ظاهر فيه، وإنما استعاذوا منه لما قدَّمناه من كونهم رأوا سِمَات المخلوق.
وأما قوله - ﷺ -: " فيتبعُونه "، فمعناه: فيتبعون أمره إياهم بذهابهم إلى الجنة. انتهى.
وفيه ما يُوافق ما ذكرته ولله الحمد، إلاَّ أن قوله: " يتجلَّى على صفة " يحتاج إلى تأويلٍ كتأويل قوله تعالى: ﴿فلما تَجَلَّى رَبُّهُ للجبل﴾ [الأعراف: ١٤٣]، فأقول: يحتمل على أساليب المتأولين أن المراد بـ (تَجَلَّى) ما يدلُّ على عِظَم (٢) قُدرته، وإحاطة علمه من عجائب أفعاله المُعجزة التي نعلم بها أنه المتكلم المخاطب.
ومن هذا القبيل -ولم يذكره السيد- حديثُ نزول الرب ﷻ كل ليلةٍ إلى سماء الدنيا (٣)، أوَّلوه بنزول ملكٍ، وليس في الحديث الذي رواه السيد أكثر من هذا الذي ذكرته إلاَّ ثلاثة أشياء: أحدها: ذكر أنهم سجدوا له (٤)، والجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أنه يجوز أن يكون قَصَدُوا بالسجود: التَّعبُّدَ لله تعالى عند رؤيتهم
_________________
(١) في (ش): " قوله ".
(٢) في (ف): " عظيم ".
(٣) والحديث بتمامه: " ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: " من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ ". أخرجه من حديث أبي هريرة مالك ١/ ٢١٤، وأحمد ٢/ ٢٨٧ والبخاري (١١٤٥) و(٦٣٢١) و(٧٤٩٤)، ومسلم (٧٥٨)، وأبو داود (١٣١٥)، والنسائي في " عمل اليوم والليلة " (٤٨٠)، وابن حبان (٩٢٠)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٤) " له " ساقطة من (ش).
[ ٨ / ٣٣٨ ]
لذلك الملك تعظيمًا لله حين رأوا من مخلوقاته العظيمة ما يُوجب الزيادة في التعظيم، ولا نص في الحديث يُبطِلُ هذا.
وثانيهما: أنه يجوز السجود للملك على سبيل التعظيم والتكرمة دون العبادة، وإنما حرَّم هذا علينا بالشرع، وقد سجدت الملائكة لآدم ﵇، فأولى أن يسجد بنو آدم لملكٍ من الملائكة الكرام، وقد سجد ليوسف إخوته ﵇.
الأمر الثاني مما ورد في الحديث: ذكر الصورة، وأنه جاءهم على صورتين، فقد ذكر أن الذي جاءهم على قول كثيرٍ من أئمة التأويل مَلَكٌ من ملائكة الله تعالى، وذلك جائزٌ في حقه.
فإن قلت: لا يجوز أن يكون للملك صورتان، وإنما المعروف أن له صورة واحدة؟
أجبنا بوجهين:
أحدهما: أنه لا مانع من ذلك، فذلك في قدرة الله تعالى.
ثانيهما: أنه قد جاء حديثٌ صحيح في تفسير تينكَ (١) الصورتين، وأنه جاءهم في الليلة الأولى محتجبًا عنهم، وفي المرة (٢) الثانية متجلِّيًا لهم. رواه الحافظ العلوي في كتاب " الأربعين "، وقد تقدم ما ذكره القاضي عياض والنووي في تأويل الصورة بالصِّفة، وفيه كفايةٌ، وقد تقدم في المرتبة الثانية ذكر حديث ابن مسعودٍ الذي خرَّجه الطبراني والحاكم في الفتن، وصححه على شرطهما في تمثل الرَّبِّ تعالى وتبارك لرسول الله - ﷺ - ولأمَّته، ومن أحب التَّقصِّي بجميع الوجوه المُحتمِلَةِ للتأويل، وهذا الحديث بعينه، وفي أمثاله، فليطالع كتاب " الأسماء والصفات " للبيهقي ﵀، وقد حكى الله تعالى عن خليله ﵇ ما حكى حين رأى النَّجم، ثم القمر، ثم الشمس. قيل: إن ذلك في
_________________
(١) في (ش): " تلك ".
(٢) " المرة " ساقطة من (ش).
[ ٨ / ٣٣٩ ]
حديث: "فيكشف عن ساق"
أوَّلِ أحوال النظر، وربما كان في حقه ﵇ قبل بُلوغ التكليف على ما رُوِيَ في بعض الآثار، وليس يلزم من هذه الأشياء ما توهَّمته الاتحادية من أن الرب ﷻ، الموصوف بالأسماء الحسنى، مجرد خيالٍ كالأحلام، وأنه لا حقيقة له إلاَّ الوجود المطلق الذي لا وجود له عند سائر العقلاء من علماء الإسلام وجماهير الفلاسفة. ألا ترى أن تمثل (١) جبريل ﵇ على صورة دِحية لم يدلُّ على أنه لا ذات له البتة إلاَّ خيالية، وقد أوضح هذا في غير هذا الموضع.
ثم ذكر السيد الحديث الثاني، وهو مثل هذا سواء، إلاَّ أنه قال فيه: " فيكشف عن ساقٍ " (٢)، وهذا اللفظ معروفٌ في لغة العرب كنايةً عن شدة الأمر، وأما هنا، فلسنا محتاجين إلى الكناية، بل نرُدُّ ذلك كله إلى الملك، وقد شنَّع السيد على البخاري لقوله في روايته: " فيكشف عن ساقه " (٣)، وذلك بناءً منه
_________________
(١) في (ش): " تمثيل ".
(٢) قطعة من حديث مطول تقدم تخريجه في بحث الرؤية من الجزء الخامس.
(٣) قلت: هذه الرواية بهذا اللفظ أخرجها البخاري في كتاب التفسير من " صحيحه " (٤٩١٩) من طريق سعيد بن أبي هلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سَمِعتُ النبي - ﷺ - يقول: " يَكْشِفُ ربنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رئاء وسمعة فيذهب ليسجد، فيعود ظهره طبقًا واحدة ". قلت: وقد انفرد سعيد بن أبي هلال بهذا اللفظ، ورواه غير واحد بلفظ: " ويكشف عن ساق "، وسعيد بن أبي هلال نقل الساجي عن أحمد قوله: ما أدري أي شيء يخلط في الأحاديث. وقال الإسماعيلي كما في " الفتح " ٨/ ٦٦٤ في قوله: " عن ساقه " نكرة، ثم أخرجه من طريق حفص بن ميسرة، عن زيد بن أسلم بلفظ: " يُكْشَفُ عن ساق " قال الإسماعيلي هذا أصح لموافقتها لفظ القرآن، لا يظن أن الله ذو أعضاء وجوارح لما في ذلك من مشابهة المخلوقين تعالى الله عن ذلك، ليس كمثله شيء. قلت: يعني بلفظ القرآن قوله تعالى في سورة القلم: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾، قال عبد =
[ ٨ / ٣٤٠ ]
على رجوع الضمير إلى الله تعالى، وفي هذا الحديث الثاني ما ليس في الأول، " فيضع الرب قدمَه "، وتأويله على ما ذكرناه فيضع رسول الرب قدمه، وكذا قوله: " فيضع الجبار "، أي: رسول الجبار.
وقال العلامة ابن حجر في " مقدمته لشرح البخاري " في تأويل هذا الحديث: قدمه: الذين قدَّمهم لها من شِرَارِ خلقه. أي: للنار، فهم قدم الله للنار، وقيل في تفسيره: يأتيهما أمر الله فيكفهما عن طلب المزيد ويُسكن فورتها، كما يقال لكل أمرٍ أبْطلته: وضعتُه تحت قدمي، ومنه الحديث: " كل دمٍ ومأثَرَةٍ تحت قدمي هاتين " (١) أراد إعدامها وإبطالها وإذلال أمر الجاهلية. انتهى.
_________________
(١) = الرزاق، عن معمر، عن قتادة: عن شدة أمر، وعند الحاكم ٢/ ٤٩٩ من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: هو يوم كرب وشدة، وقال الفراء في " معاني القرآن " ٣/ ١٧٧. حدثني سفيان، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس أنه قرأ: (يوم تكشف عن ساق) يريد القيامة والساعة وشدتها، (قلت: وهذا سند صحيح) قال: وأنشدني بعض العرب لجد أبي طرفة: كشفت لهم عن ساقها وبدا من الشرِّ البواح وقال ابن قتيبة في " تأويل المشكل " ص ١٣٧: فمن الاستعارة في كتاب الله قوله ﷿: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ أي: عن شدة من الأمر كذلك قال قتادة، وقال إبراهيم: عن أمر عظيم، وأصل هذا أن الرجل إذا وقع في أمر عظيم يحتاج إلى معاناته والجد فيه، شمَّر عن ساقه، فاستعيرت الساق في موضع الشِّدَّة. وقال النووي في " شرح مسلم ": فسَّر ابن عباس وجمهورُ أهل اللغة وغريب الحديث الساق هنا بالشدة، أي: يكشف عن شدة وأمر مهول. قلت: واتفاق هؤلاء العلماء على تفسير الآية بما تقدم يقضي بأن لفظها غير مراد، وأنه ليس هناك ساق ولا كشف، وإنما هي كناية أو استعارة، ففيه ردٌّ على من ينفي وجود المجاز في القرآن الكريم.
(٢) أخرجه من حديث عبد الله بن عمرو أبو داود (٤٥٤٨)، وابن ماجه (٢٦٢٧)، وأحمد ٢/ ١١، وصححه ابن حبان (٦٠١١)، وانظر تمام تخريجه فيه.
[ ٨ / ٣٤١ ]
نسبة الضحك إلى الله ﷿
ويكشف ربُّنا عن ساقه، أي: رسول ربنا (١)، وهذا النوع المسمى بالإيجاز عربي فصيحٌ، ومنه قول جبريل ﵇: ﴿لأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًَّا﴾ [مريم: ١٩]، في أحد القراءتين (٢)، ومنه قول عيسى ﵇: ﴿وأُحيي الموتى بإذن الله﴾ [آل عمران: ٤٩]، أراد: ويحيي الله الموتى عنه إن أريد ذلك.
وانظر الفرق بين تأويلنا لهذا الحديث، وتأويل: ﴿وجاء ربك﴾، أو: ﴿يأتي ربك﴾، أن يأتيهم الله، فما ثمَّ فرقٌ أبدًا إلاَّ أن هذه الألفاظ المؤوَّلة تكرَّرت في الحديث أكثر مما تكررت في الآيات. ومن المعلوم عند كل مُنصفٍ أن التأويل متى كان ممكنًا في نفسه، حسنًا بالنظر إلى اللغة، جاز تكريرُه، وحَسُنَ ترديده، لأن الشيء الحَسَنَ في نفسه لا يقبُحُ بتكريره، وإلا لزم ألا يجوز للإنسان أن يكرِّرَ تلاوة: ﴿وجاء ربُّك﴾ قدر مراتٍ كثيرةٍ، وما علمنا شيئًا يحسُنُ النطق به مرةً واحدةً ويقبُحُ تكريره.
وأما نسبةُ الضحك إلى الله تعالى في بعض تلك الأحاديث، فهو أسهل من هذا كله. وإن شئنا نسبناه إلى المَلَكِ الذي قدَّرنا أنه المراد، ويكون الضحك على ظاهره، والتجوز في إسناده، وإن شئنا كان الإسناد إلى الله تعالى على ظاهره، وجعلنا التجوز في الضحك لا في الإسناد، فقد صح نسبة الغضب إلى الله تعالى، وكذلك الرضا والعجب والضحك مثل هذه الأمور، وقد اشتهر الضحك المجازي في لُغة العرب، وشحن البلغاء أشعارهم بذكر ضحك البُروق
_________________
(١) قلت: هذا التأويل مبني على صحة هذه اللفظة، وقد علمت فيما مضى أنها منكرة وأن سعيد بن أبي هلال تفرد بها، على أن ابن الأثير ﵀ قد تأول هذه اللفظة في " النهاية " فقال في حديث القيامة: " يكشف عن ساقه ": الساق في اللغة الأمر الشديد، وكشفُ الساق مثلٌ في شدة الأمر كما يقال للأقطع الشحيح: يده مغلولة ولا يد ثَمَّ ولا غل، وإنما هو مثل في شدة البخل، وكذلك هذا لا ساق هناك وكشف، وأصله أن الإنسان إذا وقع في أمرٍ شديد يقال: شمَّر عن ساعده، وكشف عن ساقه للاهتمام بذلك الأمر العظيم.
(٢) هي قراءة عامة القراء غير أبي عمرو وورش والحلواني عن نافع، فإنهم قرؤوا: " ليهبَ لك " بالياء. أنظر " حجة القراءات " ص ٤٤٠.
[ ٨ / ٣٤٢ ]
والأزهار والأنوار، وقد فسَّروا ضحك الرب برضاه، وقد ذكر ابن متوية ضحك الأرض في المجاز، وأنشد في ذلك:
تضحك الأرضُ من بكاء السماء.
وقد أذكرني في (١) هذا بليلةٍ عجيبةٍ كانت اتَّفقت لي، فقلت فيها:
وليلةٍ ضَحِكَتْ أنوارُها طَرَبًا بروقُها وزهور الرَّوض والقمرُ
فَكِدْتُ أضحكُ لولا حَنَّ رَاعِدُها حنينَ شاكٍ ولولا أن بكى المطرُ
فذكَّرَ الرَّعدُ قلبي في تَحَنُّنه حنين خِلِّيَ لما أن دنا السفرُ
فنُحتُ حتى تباكَتْ كلُّ ضاحكةٍ من الثلاث وحتى رقَّ لي الشجرُ
وهذا المعنى مطروقٌ مشهورٌ في أشعار المتقدمين والمتأخرين، وقد اتسعُوا في ذلك، حتَّى نسبوا الضحك إلى القبور، دع عنك نسبته إلى الأنوار والزهور.
قال شيخ المعرة (٢):
رُبَّ قبرٍ قد صار قبرًا مرارًا ضاحكٍ (٣) من تزاحم الأضدادِ
فإذا عرفت هذا، فاعلم: أن السيد قد انتقى هذين الحديثين من أدق ما وجد في كتب الحديث، مما توهم أنه لا يحتمل التأويل البتة، فقد رأيت من هو غير معدودٍ في العلماء، لا عند الناس ولا عند نفسه كيف تبين أن تأويل ذلك مثل تأويل آيات القرآن الكريم سواء، فكيف لو تعرَّض للفحص عن وجوه (٤) في ذلك أمير المؤمنين ﵇، وحبر الأمة ابن عباس المفقَّه (٥) في الدين،
_________________
(١) " في " ساقطة من (ش).
(٢) في ديوانه: " سقط الزند " ٣/ ٩٧١ من قصيدة مطلعها: غيرُ مجدٍ في ملَّتي واعتقادي نَوْحُ باكٍ ولا تَرَنُّمُ شادِ
(٣) في الأصول: " ضاحكًا " وهو خطأ.
(٤) " في ذلك " ساقطة من (ش).
(٥) في (ش): " المتفقه ".
[ ٨ / ٣٤٣ ]
المعلم التأويل وأمثالهما من العترة الطاهرة، وتفجرت عليك بحار علومهم، وتموَّرت أمواج معارفهم، وافتنُّوا في مغاصات التأويل العميقة، وخاضوا في غَمَرَات المجاز والحقيقة، إذًاَ لعرفت حينئذ من الرجال حق الرجال، واستيقنت أنا وأنت أمثال ربَّات الحِجال، ولقُلت لمن تعرض منا للدقائق، وادعى معرفة الحقائق، ورسوخ القدم في تلك المضايق:
أطرِقْ كَرا أطرق كَرا إن النَّعام بالقرى (١)
فإن قلت: إن كلام النبي - ﷺ - في تلك الأحاديث توهم الناس التشبيه، وذلك لا يجوز.
قلت: الجواب من وجهين:
_________________
(١) قال البغدادي في " خزانة الأدب " ٢/ ٣٧٤ - ٣٧٥: البيت من الرجز أورده كذلك ابن الأنباري وابن ولاَّد، وأبو علي القالي والجوهري في " الصحاح " والصاغاني في " العباب ". وأورده المبرد في " الكامل " والزمخشري في " مستقصى الأمثال " ص ٢٢١ هكذا: " أطرق كرا إن النعام في القرى " بناء على أنه نثر لا نظم، وصوابه: أطرق كرا مرتين كما نبه عليه البطليوسي فيما كتبه على " الكامل ". ومعنى البيت، قال ابن الأنباري والقالي: أغْضِ، فإن الأعزاء في القرى، والكرا: هو الكروان وهو طائر ذليل يقول: ما دام عزيز موجودًا، فإياك أيها الدليل أن تنطق ضربه مثلًا. وقال ابن الحاجب في " الإيضاح ": " وأطْرِقْ كرا ": مَثَلٌ لمن يتكلم وبحضرته أولى منه بذلك، كأن أصله خطابٌ للكروان بالإطراق لوجود النعام، ويقال: إن الكروان يخاف من النعام. وفي " العباب " للصاغاني: وأطرق: أرخى عينه ينظر إلى الأرض، وفي المثل: أطرق كرا أطرق كرا إن النَّعام في القرى يضرب للمعجب بنفسه، وللذي ليس عنده غناء ويتكلم، فيقال: اسكت وتوق انتشار ما تلفظ به كراهية ما يتعقبه. وقولهم: إن النعام في القرى، أي: تأتيك فتدوسُك بمناسمها.
[ ٨ / ٣٤٤ ]
أحدهما: على أصول السلف وأهل السنة، كما مرَّ في الوهم الخامس عشر في القاعدة الثالثة من كلام ابن تيمية.
وثانيهما: على أُصول المتكلمين، فهو أن الناس على ضربين: منهم من يعرف العقيدة الصحيحة بالأدلة القاطعة، ومنهم من لا يعرف ذلك، فأمَّا الذي لا يعرفُ العقيدة الصحيحة، فإن الآيات القرآنية والأحاديث النبوية توهمه ذلك كلها، ولا فرق في الإيهام، وأما من يعرف العقيدة الصحيحة، فإنه لا يتوهم من ذلك شيئًا، ولهذا فإن علماء العدل والتوحيد ما زالوا يقرؤون كتب الحديث، ولا يتوهمون التشبيه، ولا يعبِّرون بالظواهر، ولكن السامع لهذه الأحاديث يجد فرقًا بين سماع الحديث والآيات، وذلك الفرق ليس هو لأمرٍ يرجع إلى إمكان التأويل وتعذره، وإنما هو لوجهين:
أحدهما: أنه قد تمرَّن على سماع الآيات وتلاوتها وإلفها واعتيادها (١)، وللإلف والعادة تأثيرٌ في عدم الاستنكار، ألا ترى أن الإنسان يستنكر من الخطيب في بلاد المعتزلة لو سمعه يخطب بخطبة النبي - ﷺ - التي أولها: " من يهده الله، فلا مُضِلَّ له، ومن يُضْلِلْ، فلا هادى له " (٢). ولو أنه تلا آية من كتاب الله في هذا المعنى، لم يكن في الاستنكار بمنزلة الحديث، بل لو يسمع
_________________
(١) في (ف): " وألفها واعتادها ".
(٢) قطعة من حديث صحيح أخرجه أحمد ١/ ٣٩٢ و٣٩٣ و٤٣٢، والدارمي ٢/ ١٤٢، وأبو داود (٢١١٨)، والترمذي (١١٠٥)، والنسائي ٣/ ١٠٥، وابن ماجه (١٨٩٢) عن عبد الله بن مسعود، ﵁، قال: علمنا رسول الله - ﷺ - خطبة الحاجة: " إن الحمد لله، نستعينه ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا. من يهد الله، فلا مضل له، ومن يضلل، فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُون﴾ [آل عمران: ١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١].
[ ٨ / ٣٤٥ ]
المسلم رجلًا يقول: لا إله إلاَّ الله، موسى رسول الله؛ لاستنكر ذلك لعدم العادة، وإن كان حقًا، وإن كان السامع من غير أهل العلم، ربما حكم على المسموع أنه يهودي، ولم يدر أن اليهودي لم يكن يهوديًا بقوله: موسى رسول الله، وإنما كان يهوديًا بجحد نبوة محمد - ﷺ -.
الأمر الثاني: وهو يختص من يعرف التأويل ويُصِحُّه، وهو أن الواحد منا قد سمع تأويل الآيات، ورسخ في ذهنه، فحين يسمعها (١) يتبادر تأويلها الذي يعرفه إلى الذهن، فلا تقع النكارة والحديث الذي لم يألف سماعه، ولم يعرف تأويله حين يطرق الأسماع غير معروف اللفظ، ولا محفوظ التأويل، بل يقشعر منه القلب، وينبو منه السمع، وليس ذلك لأمر يرجع إلى تعذُّر تأويله، لما ذكرته لك من عدم الاعتياد لسماعه، وعدم المعرفة لتأويله، ولو أن الإنسان لم يكن يعرف القرآن، ولا قد سمِعَه، وكان يعرف إعتقادات المتكلمين ويأْلَفُها، ثم سمع المتشابه من القرآن عندهم، وهو لا يدري أنه كلام الله تعالى، لوجد النكارة لِمَا سمعه، والوحشة مما تدل تلك الآيات عليه، والله سبحانه أعلم.
وبعد، فقد روى البخاري ومسلم في " صحيحيهما ": أن النبي - ﷺ - قال: " قال الله ﷿ إذا تقرَّب عبدي مني شبرًا، تقربت منه ذراعًا، فإذا تقرب مني ذراعًا، تقربت منه باعًا، فإذا أتاني يمشي، أتيته هرولَةً "، وفي رواية: " وإذا أقبل إليَّ يمشي، أقبلت إليه أُهَرْوِلُ " (٢).
وروى مسلم عن رسول الله - ﷺ -، قال: "إن الله ﷿ يقول يوم القيامة: يا ابن آدم، مرضتُ فلم تَعُدْنِي، قال: يا رب، كيف أعودُك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أن عبدي فلانًا مَرِضَ، فلم تعده؟ لو أنك عدته،
_________________
(١) في (ش): " سمعها ".
(٢) أخرجه من حديث أبي هريرة البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٣٧٦) و(٢٦٧٢)، وأحمد ٢/ ٥٠٩، وأبو داود (٤٠٩٠)، وابن ماجه (٤١٧٤)، وابن حبان (٣٢٨) و(٣٧٦) و(٨١١) و(٨١٢)، وانظر تمام تخريجه فيه.
[ ٨ / ٣٤٦ ]
كلام في الرؤية وحديث: "سترون ربكم"
لوجدتني عنده". إلى آخر الحديث، وما ورد فيه من ذكر الاستطعام (١). فهذا وأمثاله مما كان يعرف السامعون من المجازات النبوية.
فإن قلت: كيف وردت السنة في ذلك بأكثر مما ورد به القرآن؟
قلت: مثل هذا السؤال لا يصدر عن عارفٍ، فإن القرآن مبنيٌّ على الإيجاز العظيم، وكل ما ورد فيه من الشرائع وغيرها، فهو في السنة أبسطُ غالبًا، مثل الصلاة، وتفصيل شرائطها، ومفسداتها، وعدد ركعاتها، ومثل الزكاة وأنصبتها، وما يُعفى عنه فيها، وكذلك الصوم ولوازمه، والحج ومناسكه، وعذاب القبر، وأحوال البعث، وصفة الحساب، والصراط، والجنة، والنار، وغير ذلك. وهذا واضحٌ.
ثم إن السيد أيده الله تعالى نظم حديث جريرٍ بن عبد الله البجلي، وهو الحديث الثالث في هذا النمط، ما كأن السيد قد قرأ كتابًا في علم المعاني والبيان، وقوله ﵇ في حديث جرير: " سَتَرَوْنَ ربكم " (٢) متواترٌ عند أهل الحديث، رَوَوْا فيه قدر ثمانين حديثًا عن نيِّفٍ وثلاثين صحابيًا. ممن ذكر ذلك النفيس العلوي في كتابه في الرؤية، وذكر أكثره ابن تيمية وابن قيم الجوزية في " حادي الأرواح " (٣). ومعناه عند المعتزلة صحيحٌ من غير تأويلٍ ولا تجوزٍ، فقد ذكر كثيرٌ من أئمة الاعتزال والشيعة ما يدلُّ على أنه محمولٌ على الحقيقة اللغوية، لم يخرج قط إلى المجازات المعنوية، وذلك لقولهم فيه: إن الرؤية بمعنى العلم، وذلك حقيقةٌ لغويةٌ فصيحةٌ قرآنيةٌ، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾ [الفيل: ١]، ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء: ٣٠] في آيات كثيرة وهذا ما لا نزاع فيه، وذكر ذلك صاحب " ضياء الحلوم " (٤)، وذكرهُ النُّحاة
_________________
(١) تقدم تخريجه ٤/ ١٧٥.
(٢) تقدم تخريجه في الجزء الخامس.
(٣) ص ٢٠٥ - ٢٣١، وقد تقدم تخريجها في الجزء الخامس.
(٤) انظر " شمس العلوم " ٢/ ٢٩٩.
[ ٨ / ٣٤٧ ]
في أفعال القلوب المتعدية إلى مفعولين، وذكر ذلك (١) صاحب " الضياء "، وذكر الحديث وتفسيره وإنما يدخل التجوز (٢) في تشبيه (٣) العلم برؤية القمر، وذلك أجلى ما يكون من التجوز لإثبات حرف التشبيه، وهو مثل قولنا: زيدٌ شجاع كالأسد، وكرمه معروفٌ كالنهار، وأهل الحديث لا يجهلون هذا، ولا يخالفون في أن الرؤية لفظةٌ مشتركةٌ، وإنما احتجوا به على جواز الرؤية بالأبصار، لأن سِيَاق الحديث في السؤال عن رؤية الأبصار عندهم، والجواب لا يصح أن يكون أجنبيًا عما وقع عنه السؤال، وهم يدعون الضرورة في هذا الموضع من جهة التواتر في النقل، ومن جهة القرائن في المعنى، والمعتزلة ينازعونهم في الموضعين معًا، فذلك محلُّ النزاع، لا صحة التأويل وإمكانه على ما مضى تقريره في الوهم السادس عشر.
وأما لو تجردت ألفاظ الحديث عن تلك القرائن التي احتفت به، لم يمنع مميزٌ من إمكان تأويل الرؤية بالعلم في الوضع اللغوي، فاعرف (٤) ذلك، فهو مثل كلام الشيعة في لفظة المولى في غدِيرِ خُمّ سواء.
وأما توهم السيد أنه دالٌّ على التشبيه، ومانعٌ عن التأويل لما في من صفة القمر بالتمام والصَّحو مِنَ الغيم، فذلك جائز على القمر، وإنما الإشكال لورود ذلك في وصف الله تعالى، مثل أن يقول: سَتَرَوْنَ ربكم يوم القيامة متجلِّيًاَ من غير حجابٍ، فلو ورد هكذا لأمكن أهل التأويل تأويله، مثل ما أمكنهم تأويل القرآن، حيث قال الله تعالى: ﴿فلما تجلى ربه للجبل جعله دكًّا﴾ [الأعراف: ٤٣]، وحيث قال: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ [الشورى: ٥١].
_________________
(١) " ذلك " ساقطة من (ش).
(٢) في (ف): " التجويز ".
(٣) في (ش): " مشتبه "، وهو خطأ.
(٤) في (ف): " فافهم ".
[ ٨ / ٣٤٨ ]
بحث في علم البلاغة
فإن قلت: إن تشبيه رؤية الله برؤية القمر يقتضي تشبيه الله تعالى بالقمر قطعًا.
قلت: هذا ما لم يَقُلْ به مُوحِّدٌ ولا مشبِّهٌ ولا ظاهري ومُؤوِّلٌ، فإنه لو شبه الله تعالى بالقمر ما اقتضى ذلك، ولم يشبِّهه تعالى بالقمر البتة وإنَّما شبه رؤيته، التي هي العلم الضروري عند المعتزلة، برؤية القمر، وقد أجمع العقلاء -دع عنك العلماء- على أن الإنسان لو قال: كرم حاتمٍ معروفٌ كالنهار إذا تجلى، وعلم علي كالقمر إذا بدا، أنه لا يجب المماثلة المحققة (١) في جميع الصفاتِ بين كرم حاتم والنهار، وبين علم علي والقمر.
يوضح ما ذكرته: أنه يجوز عند أهل العلم بلغة العرب أن يقول القائل: سترون كرم ربِّكم يوم القيامة كالقمر في الليلة الصحو، ليس دونه سحابٌ، وإن هذا الكلام لا يقتضي أن يكون كرم الله جسمًا منيرًا مستديرًا على صورة القمر (٢) كما فهم السيد من حديث جريرٍ أنه يقتضي ذلك في حق الله تعالى.
والوجه فيما ذكرته أن المشهور عند علماء المعاني، وأهل اللغة أن تشبيه الشيء بغيره لا يجب أن يكون مثله في كل وصفٍ من صفاتها، وإنما يكون في بعضها، فقد يكون تشبيهًا بذلك الغير في إمكانه، مثل قوله:
فإن تفُقِ الأنام وأنت منهم فإن المِسْكَ بعضُ دمِ الغزالِ (٣)
وقد يكون للاستطراف، كتشبيه فحمٍ فيه جمرٌ يتوقَّدُ ببحرٍ من المسك موجه الذهب. ومنه:
ولا زَوَرْدِيَّةٍ تزهو بِزُرْقَتِها فوقَ الرِّياض على حُمْرِ اليَواقيت
_________________
(١) في (ش): " للحقيقة ".
(٢) في (ف): " كالقمر ".
(٣) البيت من قصيدة للمتنبي يرثي فيها أم سيف الدولة، مطلعها: نُعِدُّ المشرفِيَّة والعَوَالي وتَقْتُلُنا المنونُ بلا قتالِ انظر الديوان ٣/ ٨ - ٢٠ بشرح العكبري.
[ ٨ / ٣٤٩ ]
كأنها فوقَ قاماتٍ ضَعُفْنَ بها أوائل النار في أطراف كبريتِ (١)
وقالوا: فلان كالأسد، وفلانٌ أسدٌ، لم يُريدوا في بشاعة وجهه، وكريه صورته، وفلانٌ كالبحر، لم يُريدوا في مُلوحَةِ مائِهِ، وكراهية رائحته.
وقد يكون التشبيه للهيئة (٢) مثل قوله:
كأن مُثارَ النقع فوق رُؤوسنا وأسيافُنا ليلٌ تهاوى كواكبهْ (٣)
ومما يجري مجرى النصِّ في هذا الموضع بيت علماء المعاني المشهور (٤):
_________________
(١) البيتان لابن الرومي يَصِفُ البنفسج وقبلهما: بنفسج جُمِعَتْ أوراقُه فحكى كُحلًا تشرَّب دمعًا يوم تشتيتِ انظر " معاهد التنصيص " ٢/ ٥٦.
(٢) ويقال للتشبيه الذي من هذا النوع التشبيه التمثيلي وهو الذي يكون وجه الشبه فيه صورًا من أمورٍ متعددة، ووجه الشبه في بيت بشار هذا هو الهيئة الحاصلة من هوي أجرام مشرقة مستطيلة، متناسبة المقدار متفرقة في جوانب شيء مظلم، وذلك متحقق في المشبه والمشبه به، إذ أن المشبه هو النقع المثار الذي تتحرك فيه السيوف، والمشبه به هو الليل تتساقط كواكبه، وكلاهما أمرٌ حِسّي.
(٣) البيت لبشار بن برد من قصيدة يمدح بها مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية، مطلعها: جفا ودُّه فازَوَّر، أو مَلَّ صاحِبُه وأزرى به أن لا يزال يُعَاتِبُه ومنها الأبيات السائرة: إذا كنت في كُلِّ الأمور معاتبًا صديقك لم تَلْقَ الذي لا تُعاتِبُه فَعِشْ واحدًا أو صِلْ أخاك فإنه مُقارِفُ ذنبٍ مرَّةً ومجانبُه إذا أنت لم تشرب مِرارًا على القذى ظمئتَ وأيُّ الناس تصفو مشاربُه انظر " ديوان بشار " ١/ ٣٢٥ - ٤٣٠ بتحقيق الطاهر بن عاشور
(٤) هو للقاضي علي بن محمد بن داود التنوخي من أبيات أولها: =
[ ٨ / ٣٥٠ ]
وكأنَّ النُّجوم بَيْنَ دُجاها سُننٌ لاح بينهن ابتداعُ
فإنه شبَّه فيه السنن بالنُّجوم مع أن السنن ليست بأجسامٍ، والنجوم أجسامٌ، فدل على أن تشبيه ما ليس بجسمٍ بما (١) هو جسم حسنٌ في اللغة، فصيح في البلاغة. فلو أن الحديث ورد بتشبيه الله -تعالى عن الشبه- بالقمر على سبيل المجاز (٢) عند أهل التأويل مما لا يتعذَّر تأويله، ثم لو نزل عن هذه المرتبة، فهو رد بتشبيه العلم بالله تعالى بالقمر، لكان عربيًا فصيحًا، فكيف وقد نزل إلى مرتبة ثالثة، فورد عند الخصوم بتشبيه العلم بالله تعالى برؤية القمر، لا بالقمر، فهذا شيءٌ لا يستنكره عاقلٌ، فضلًا عن عالمٍ.
وقد شاع التشبيه للاشتراك في بعض الأوصاف، ومِنْ طريفٍ ما رُوِيَ في هذا قولُ بعضهم، وقد وفد على رجُلٍ يُقال له قرواش، فاتهمه بأنه مُنتحلٌ لشعره، نقال: إن صدقت في أنك صاحب هذا الشعر، وناسجُ بُردَتِه، فامدحني واهجُ أصحابي هؤلاء، وكان له مغن يُقال له: البرقعيدي، ووزيرٌ يقال له: سُليمان بن فهدٍ، وحاجبٌ يقال له: أبو (٣) جابر، فقال (٤):
_________________
(١) = رُبَّ ليلٍ قطعته بصُدود أو فراقٍ ما كان فيه وداعُ موحشٍ كالثقيل تقذى به الـ ـعينُ وتأبى حديثه الأسماعُ وكأن النجوم بين دُجاها سُننٌ لاح بينهن ابتداعُ مشرقاتٌ كأنهنَّ حِجاجٌ تقطع الخصم والظلامُ انقطاعُ وكأن السماء خيمةُ وشيٍ وكأن الجوزاء فيها شِرَاعُ انظر " معاهد التنصيص " ٢/ ١٠، و" يتيمة الدهر " ٢/ ٣٩٤ - ٣٩٥.
(٢) في (ف): " ما ".
(٣) في (ش) و(ف): " أهل المجاز ".
(٤) " أبو" ساقطة من (ف).
(٥) هو الطاهر الجزري كما في " دمية القصر " ص ٥٠، والأبيات في " وفيات الأعيان " ٥/ ٢٦٥، و" فوات الوفيات " ٣/ ١٩٩، و" معجم البلدان " ١/ ٣٨٨ وقرواش: هو ابن المقلد بن المسيب العقيلي معتمد الدولة صاحب المَوْصِل والكوفة والمدائن وسقي الفرات =
[ ٨ / ٣٥١ ]
وليلٍ كَوَجْهِ البرقعيدي مظلمٌ وبرد أغانيه وطول قرونِهِ
سريتُ ونَومي فيه نوم مُشَرَّدٍ كعقلِ سُليمان بن فهدٍ ودينِهِ
على أوْلَقٍ فيه اختباطٌ كأنه أبو جابرٍ في خَبْطِه وجُنُونِه
إلى أن بدا ضوءُ (١) الصباح كأنه سنا وجهِ قرواشٍ وضوء جبينه
_________________
(١) = المتوفى سنة ٤٤٤ هـ، مترجم في " السير " ١٧/ ٦٣٣ - ٦٣٤. وهذا الأسلوب يقال له في علم البديع الاستطراد، ومنه قول البحتري من قصيدة في وصف فرسه ديوانه ص ١٧٤٠: وأغر في الزمن البهيم مُحَجلٍ قد رُحْتُ منه على أغر مُحَجَّل كالهيكل المبني إلاَّ أنه في الحسن جاء كصورةٍ في هيكلِ مَلَكَ العيون فإن بدا أعْطَيتُه نظر المحبِّ إلى الحبيب المقبلِ ما إن يَعَافُ قذى ولو أوردته يومًا خلائق حمدويه الأحول وقد احتذى البحتريُّ في شعره هذا أبا تمام في هجو عثمان بن إدريس السامي: حلفتُ إن لم تثبت أن حافره من صخر تدمر أو من وجه عثمان ومنه قول ابن عُنين ديوانه ص ٢٠٥ في اثنين كانا يتناظران وقد لقب أحدهما بالبغل والثاني بالجاموس: البغلُ والجاموس في جدليهما قد أصبحا عِظَة لكل مناظرِ برزا عشية ليلةٍ فتباحثا هذا بِقَرْنَيْهِ وذا بالحافرِ ما أتقنا غير الصياح كأنما لقنا جدال المرتضى بن عساكر لفظٌ طويلٌ تحت معنى قاصر كالعقل في عبد اللطيف الناظر اثنان مالهما وحقِّك ثالثٌ إلاَّ رقاعةُ مدلويه الشَّاعرِ ومدلويه: لقب الشاعر عبد الرحمن بن محمد المعروف بابن النابلسي وكان مقيمًا في دمشق ولابن عنين فيه عدة مقاطع هجو.
(٢) في (ف): " وجه ".
[ ٨ / ٣٥٢ ]
ومن هذا القبيل بيتُ " المقامات " (١):
تفترُّ عن لؤلؤٍ رطب وعن بَرَدٍ وَعَنْ أقاحٍ وعَنْ طلعٍ وعن حَبَبِ
ومنه بيتُ الوأواء الدِّمشقي (٢) الذي رواه الحريري (٣)، وهو قوله:
فأمطرت لُؤلؤًا من نرجسٍ فسقت وَرْدًا وعَضَّت على العُنَّاب بالبَرَدِ
ودع عنك الأشعار (٤)، فقد ورد هذا في القرآن العظيم ورودًا كثيرًا، فمن
_________________
(١) ص ٢٥ في المقامة الحلوانية، وقبله: نفسي الفداء لثغرِ راق مَبْسِمُه وزانه شَنَبٌ ناهيك عن شَنَبِ الثغر: الأسنان، والمبسم: الفم، والشنب: الماء القليل الجاري على الأسنان، وناهيك: كافيك، يقال: ناهيك بفلان، أي: قد انتهى الأمر فيه إلى الغاية. ويفتر: يكشف ويبسم، ورطب: طري كما أخرج من أصدافه، وفي اللؤلؤ إذ ذاك رطوبة وسطوع بياض، والطلع: أول حمل النخلة وهو القرح فإذا انشق فهو المضحك، وبه تشبه الأسنان في بياضه، والحَبَب: تنضد الأسنان. انظر الشريشي ١/ ٥١.
(٢) ص ٢٦، وهو من قصيدة مطلعها: لما وضعت على صدر المحبِّ يدي وصحتُ في الليلة الظلماء واكبدي وقبل البيت المستشهد به: آنسة لو بَدَتْ للشمس ما طَلَعَتْ للناظرين ولم تَغْرُبْ على أحد قالت وقد فَتَكَتْ فينا لواحِظُها ما إن أرى لقتيل الحبِّ مِن قَوَدِ فأمطرت لؤلؤًا من نرجِسٍ وسقت وردًا وعضَّت على العُناب بالبرد ثم استمرت وقالت وهي ضاحكة قوموا انظروا كيف فعلُ الظبي بالأسد
(٣) في المقامة الحلوانية وهي الثانية، وهي تتضمن محاسن من التشبيهات والاعتراضات، والنرجس: نوار أصفر في نَوْرِه انكسار وفتور لا يكاد يرى له ورقة قائمة، تُشبه به العينان إذا كان في نظرهما فتور.
(٤) عبارة: " ودع عنك الأشعار " ساقطة من (ش).
[ ٨ / ٣٥٣ ]
ذلك قوله تعالى: ﴿تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمالَاتٌ (١) صُفْرٌ﴾ [المرسلات: ٣٢ - ٣٣]، فإنه لحم، يشبه الشرار بالجمالات في كِبَر أجسامها؛ لأنه قد شبَّهها بالقصر، وهو أكبر منها، وليس (٢) يحسُن التشبيه بالشيء، ثم بما هو دونه عند علماء هذا الشأن، وإنما أراد أنها كالقصر في كِبَرٍ، وكالجمالات في التقاطر والتتابع في الرمي شررةً بعد شررةٍ من غير تخلُّلٍ بينهما، نعوذ بالله من عذابه.
ومن أحسن ما اتفق لي في هذا المعنى أنه سألني بعض الإخوان عن قوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاح ﴾ [النور: ٣٥].
قال: كيف شبَّه الله نوره العظيم بنور المصباح مع قلته، ولم يُشبه بما هو أعظمُ منه من نور الشمس ونحوها مع أن نور الله أعظم من نور الشمس؟؛ لأن نور الشمس (٣) لا ينتفع به إلاَّ أهل الأبصار، ونور الله الذي هو الهدى ينتفع به (٤) أهل البصائر من أهل الأبصار وغيرهم؟
فطلبتُ وجه ذلك في " الكشاف "، فلم أجده، ولعله تركه لجلائه، فنظرتُ فيه فوقع لي -والله أعلم- أنه لم يرد التشبيه بنور المصباح في كثرته، إنما أراد التشبيه بذلك المصباح المختص بتلك الصفات في كثرة مواد إنارته، وترادُفِ مُوجباتِ إضاءته، فإنه بنفسه منيرٌ، ومكانه -وهو المشكاة- مما يقوِّي النور؛ لأن المشكاة تجمع النور في مكانٍ ضيِّقٍ فيكثُرُ، والزجاجة البيضاء النَّيِّرة كذلك، والزيت المخصوص الذي يكاد يضيء ولو لم تمسسه نارٌ، كل هذه مُقوِّيَّاتٌ
_________________
(١) بألف وكسر الجيم: جمع الجمع، تقول: جمل وجمال وجمالات، كما تقول: رجل ورجال ورجالات، وبيت وبيوت وبيوتات، وهي قراءة نافع وابن عامر وأبي عمرو وعاصم وابن كثير، وقرأ حمزة والكسائي وحفص (جمالة) على التوحيد، جمع جمل، تقول: جمل وجمال وجمالة، ودخلت الهاء توكيدًا لتأنيث الجمع، كما تقول: (عمومة)، ونظيرُه: حجر وحجار وحجر وحجارة. " حجة القراءات " ص ٧٤٤.
(٢) في (ف): " ولم ".
(٣) في (ش): " لأنه نور ".
(٤) " به " ساقطة من (ش).
[ ٨ / ٣٥٤ ]
لذلك النور، فكذلك نور الهُدى والعلم مستمد من موادٍ كثيرةٍ لكثرة أدلَّة الحق وتعاضُدها، وترادفها كترادُفِ موادِّ (١) الإنارة في ذلك المصباح، وقد نبَّه الله تعالى على هذا المعنى بقوله: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾.
ثم وقفتُ بعد ذلك على تفسير ابن عباس للآية بأن المراد بها: مثل نور من آمن بالله، رواه الحاكم (٢)، وقال صحيح الإسناد، فازداد الأمر وضوحًا، ولله الحمد، وهو تفسيرٌ صحيحٌ.
وتلخيصه: أن الله شبَّه القدر الموهوب من هدايته للفرد من المؤمنين، ونور الهداية يُنْسَبُ إلى الله، لأنه واهبُه وخالقه، وإلى العبد، لأنه محلُّه والمنتفع به.
ويوضِّحه أنه لا بُد من محذوف مُضْمَرٍ، لأن النور لا يُشَبه بالمشكاة، وأما (٣) أن يكون محل النور وهو قلب المؤمن، وهو أولى بالنظر قبل الأثر، كيف بعد ما عضَّدَهُ الأثر؟ لأنه هو التشبيه -حقيقةً- بالمشكاة، ويُرادف مواد إنارتها، وقد يشبه الشيء بما هو دونه في أكثر الصفات، مثل تشبيه الوجه الحسن بالقمر، وكم بينهما في الحسن من درجاتٍ، ولو يكون الوجه الجميل مثلَ القمر في تدويره وطمس تصويره، ما كان له من الحسن نصيبٌ.
_________________
(١) في (ف): " موارد ".
(٢) في " المستدرك " ٢/ ٣٩٧، ووافقه الذهبي على تصحيحه، وذكره السيوطي في " الدر المنثور " ٦/ ١٩٦، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم. قلت: ذكر ابن كثير في تفسيره ٦/ ٦١ أن في ضمير قوله تعالى: ﴿مثل نوره﴾ قولين أحدهما: أنه عائد إلى الله ﷿، أي: مثل هداه في قلب المؤمن. قاله ابن عباس. والثاني: أن الضمير عائد إلى المؤمن الذى دلَّ عليه سياق الكلام، تقديره: مثل نور المؤمن الذي في قلبه كمشكاة، فشبه قلب المؤمن وما هو مفطور عليه من الهدى وما يتلقاه من القرآن المطابق لما هو مفطور عليه، كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾.
(٣) في (ف): " فإما ".
[ ٨ / ٣٥٥ ]
وقد أصاب مِحَزَّ الإصابة في هذا المعنى أبو تمام، فإنه لمَّا مدح الواثق بقصيدته المعروفة التي قال فيها (١):
في جُودِ حاتم في شجاعة عنترٍ في حِلْمِ أحنف في ذكاء إياسِ
اعترضه بعض جُلساء الواثق، وقال: شبَّهت أمير المؤمنين بأجلاف العرب، فقال على البديهة:
لا تُنْكِرُوا ضربي لَهُ من دونه مثلًا شرودًا في الندى والباس (٢)
فالله قد ضرب الأقلَّ لنُوره مثلًا من المِشكاة والمِقباس
ومن أحسن ما يذكر في هذا النوع: تشبيه القمر عند تناهي نُقصانه بالعُرجون في قوله تعالى: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩]، وكم بينهما في الفروق (٣)، وأين (٤) جوهر القمر العُلويِّ من عُود سَعَفٍ من (٥) النَّخل مطروحٍ قد انحنى ويبَس واسودَّ من تقادُم الزمان، فحَسُنَ التشبيه به لما اشتركا في هيئة الانحناء والتَّقوُّس لا سوى.
وقد يتوسَّعُ أهل الصَّنعة البديعة في هذا، ويُجاوزون هذا الحد إلى أمدٍ بعيدٍ.
_________________
(١) " الديوان " ص ١٦٣، والرواية فيه: إقدام عمروٍ في سماحة حاتمٍ
(٢) رواية البيت في الأصل: لا تنكروا لي أن ضربت بدونه مثلًا غريبًا في الندى والباس والمثبث من الديوان.
(٣) في (ش): " الفرق ".
(٤) في (ف): " فأين ".
(٥) " من " ساقطة من (ف).
[ ٨ / ٣٥٦ ]
ومن كلام العلامة رحمه الله تعالى: واستحي من الله وقلبُك قلبُه، ولبُّك لبُّه، وكلُّك، فهو فاطره وربه أن تشتغل بمقة من شغل بمقته قلبه قلبك، وأن تعكف على مُوادَّةِ من عَكَفَ على محادثة لُبِّه لبّك.
ونحو كلام الزمخشري هذا حديث أبي هريرة الذي رواه البخاري وغيره: " من عادى لي وليًّا فقد آذنته بحرب، وما تقرَّب إلي عبدي بأحبَّ ممَّا افترضتُ عليه، ولا يزال عبدي يتقرَّب إلي بالنوافل حتَّى أُحبَّه، فإذا أحببتُه، كنتُ سمعَه الذي يسمع به، وبصره الذي يُبصرُ به، ويده التي يبطِشُ بها " الحديث (١) وهو أساس علم الصوفية.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فأرسلنا إليها رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ﴾ [مريم: ١٧]. قال الزمخشري (٢): هو مثل قولك لحبيبك: يا روحى أو كما قال.
وقد شبه البلغاءُ بما يتخيل مما لا وجود له البتة، قيل: ومن ذلك قوله تعالى: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥]، وقد تقدم.
ومن مُستطرفِ هذا النَّوع قوله:
وكأنَّ مُحْمَر الشَّقيـ ـقِ إذا تُصَوَّبَ أو تَصَعَّدْ
أعلام ياقوتٍ نُشْرْ نَ على رِمَاحٍ من زَبَرْجَدْ (٣)
فإن أعلام الياقوت ورماح الزبرجد غير موجودةٍ، فإذا حَسُنَ تشبيه الموجود بما لا وجود له البتة، فكيف يلزم من التشبيه الاستواء بين المشبه والمشبه به؟
ومن مُستملحِ هذا النوع قول أبي نواس:
_________________
(١) تقدم تخريجه ص ١٣٥ من هذا الجزء.
(٢) في " الكشاف " ٢/ ٥٠٥.
(٣) البيتان غير منسوبين في " معاهد التنصيص " ٢/ ٤.
[ ٨ / ٣٥٧ ]
كأن صُغرى وكُبرى من فَواقِعها حصباء دُرٍّ على أرضٍ من الذهبِ (١)
ومن لطائف هذا النوع: قول أبي نواس أيضًا في وصف هرٍّ أبيض في أطرافه حُمرةٌ:
عيونٌ من لُجَيْنٍ شاخصاتٍ (٢) على أطرافها الذهبُ السبيكُ
على قُضْبِ الزبرجد شاهِداتٍ بأن الله ليس له شريكُ
وقد أذكر في الخوض في هذا قصةً طريفةً ذكرها ابن خلكان في " تاريخه " (٣)، وذلك أن بعض الطلبة قرأ على أبي البقاء ابن يعيش (٤):
أيا ظبية الوَعْسَاءِ بين جُلاجلٍ وبين النَّقا آأنتِ أمْ أمُّ سالمِ (٥)
فقال الطالب: وكيف اشتبه ذلك عليه، والظبية لا تُشْبِهُ المرأة، فبيّن له أبو البقاء أن المراد: التشبيه في العُنُقِ والعينين، فلم يفهم، وأعاد السؤال عن وجه المشابهة بين المرأة والظبية، وقال: ما الذي المرأة فيه مثل الظبية، فقال أبو البقاء: في (٦) قرونها وأظلافها.
_________________
(١) " ديوانه " ص ٢٤٣، وهو من أبيات مطلعها: ساعٍ بكأسٍ إلى ناسٍ على طربٍ كلاهما عجبٌ في منظرٍ عَجبِ
(٢) في (ف) و(د): " ناظرات ".
(٣) " وفيات الأعيان " ٧/ ٤٨ - ٤٩.
(٤) هو العلامة موفق الدين أبو البقاء يعيش بن علي بن يعيش بن أبي السرايا الأسدي، المتوفى سنة ٦٤٣ هـ. انظر ترجمته في " السير " ٢٣/ ١٤٤.
(٥) هو البيت الرابع والأربعون من قصيدة لذي الرُّمّة يمدح بها الملازم بن حريث الحنفي، مطلعها: خليلي عُوجا الناعجات فسلما على طَلَلٍ بين النقا والأخارمِ والوعثاء: رابية من الرمل من التيه تنبت أحرار البقول وجلاجل: موضع. انظر " الديوان " ٢/ ٧٤٥ - ٧٧٥.
(٦) " في " ساقطة من (ش).
[ ٨ / ٣٥٨ ]
فانظر هذه الأشياء متأمّلًا لها بتدبُّرٍ وإنصافٍ، وضُمَّ (١) ذلك إلى النظر في ترشيح الاستعارة الذي قدمته، وما ورد فيه من المبالغة العظيمة، ثم اعرِضْ نفسك قول السيد أن تأويل حديث جريرٍ يقتضي التشبيه الصريح القبيح هو ومن تابعه على لفظه ومعناه، وهم نيِّفٌ وثلاثون صحابيًا، ذكرهمُ النفيس العلوي في كتابه في " الرؤية "، وذكر أكثرهم ابن قيم الجوزية في أواخر كتابه " حادي الأرواح " (٢)، ذكر منهم ستة وعشرين والرواة (٣) عن كل واحدٍ منهم متفاوتون في الكثرة، وإنما بلغ المعتزلة حديث جرير مع إضرابهم عن علم الحديث؛ لأن رُواته كثروا أخيرًا (٤) حتَّى بلغوا سبع مئة نفسٍ، فظن كثيرٌ منهم أنه شذَّ بذلك من دون الصحابة، فاعجب مِن قوله: إن تأويل حديث جريرٍ متعذِّرٌ متعسف، وتصريحه بأن رواية المحدثين له (٥) واحتجاجهم به يدل على ذهابهم إلى التشبيه، لما في الحديث من ذكر القمر وتدويره، أو كما قال السيد وإذا تقرر أن التشبيه لا يلزم أن يكون إلاَّ في بعض الوجوه؛ نظرنا في تشبيه العلم، أو الرؤية بالله تعالى برؤية القمر التام المتجلي: هل هو في الذات، أو في غيرها، فوجدنا العلم ذاتًا حقيقة، والرؤية ليست بذاتٍ على القول المنصور في علم الكلام، فلم يكن بينهما شَبَهٌ ذاتي البتة، فكذلك على القول بأن الإدراك معنى ثبوتي، لا يكون بينه وبين العلم مماثلةٌ أيضًا؛ لأن المعاني مختلفة في ذواتها، فكما أن العلم لا يُشبه السواد، ولا الحركة شبهًا ذاتيًا يقتضي المماثلة، فكذلك لا يشبه الإدراك بالحواس الخمس شبهًا ذاتيًا، وإذا سلمنا أنهما يشتبهان، فأين جلال الله تقدس وتعالى عن هذا؟ فإنما ورد الحديث بتشبيه علمنا به تعالى أو رؤيتنا برؤية القمر، فأين لزوم الشبيه والتجسيم للرؤيتين بعضها ببعض؟ لا يستلزم التشبيه للمرئيين قطعًا.
_________________
(١) " وضم " ساقطة من (ش).
(٢) ص ٢٠٥ - ٢٣١، وقد تقدم تخريجها في الجزء الخامس.
(٣) في الأصول: " والرواية "، والجادة ما أثبت.
(٤) " أخيرًا " ساقطة من (ش).
(٥) " له " ساقطة من (ش).
[ ٨ / ٣٥٩ ]
حديث محاجة آدم وموسى ﵉ وكلام ابن تيمية فيه
الحديثُ الرابع: حديث محاجة آدم وموسى ﵉ (١). وقد ذكره السيد فيما يدلُّ على الجبر مما في الصحاح، وليس فيه من الجبر شيءٌ، كما سوف أُنبِّه عليه إن شاء الله، ولا ورد في " الصحاح " شيءٌ مما يقتضي الجبر وخَلْقَ أفعال العباد البتة، لا مما يمكن تأويله، ولا مما لا يمكن، فاعرف هذه الفائدة، وإنما ورد في " الصحاح " ذكر القَدَر والإيمان به لا سوى، وليس في ذلك شيءٌ من الجبر ولا من خلق الأفعال، لا على مذهب العدلية، ولا على من يُعتدُّ به من أهل الحديث وسائر الفرق.
والجواب ما ذكره شيخ الإسلام أحمد بن تيمية الحنبلي في كتاب " الفرق بين الأحوال الربانية والأحوال الشيطانية " (٢)، فإنه لما ذكر هذا الحديث، قال: وهذا الحديث ضلَّت فيه طائفتان: طائفة كذَّبت به لما ظنوا أنه يقتضي رفع الذَّمِّ والعقاب عمن عصى الله لأجل القدر.
وطائفة شرٌّ من هؤلاء، جعلوه حُجَّةً، وقد يقولون: القدَرُ حجة لأهل الحقيقة الذين شهدوه، أو الذين لا يرون أن لهم فعلًا، ومن الناس من قال: إنما حجَّهُ لأنه أبوه، أو لأنه قد تاب، أو لأن الذنب كان في شريعةٍ، واللوم في شريعةٍ أخرى، أو لأن هذا يكون في الدنيا دون الآخرة.
وكل هذا باطلٌ، ولكن وجه الحديث أن موسى ﵇، لم يلُم أباهُ إلا لأجل المُصيبة التي لَحِقَتْ أولاد آدم من أجل أكلِه الشجرة، فقال له: لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ فلم يلُمْه لمجرد كونه أذنب ذنبًا وتاب منه، فإن موسى ﵇ يعلم أن التائب من الذنب لا يُلام، ولو كان آدم يعتقد رفع الملام عنه لأجل القَدَر، لم يقل: ﴿ربَّنا ظلمنا أنفسنا﴾ [الأعراف: ٢٣].
والمؤمن مأمورٌ بالصبر عند المصائب، والاستغفار من المعايب، قال اللهُ تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر: ٥٥].
_________________
(١) تقدم تخريجه ١/ ٢١٨.
(٢) ص ١٠٦ - ١٠٨.
[ ٨ / ٣٦٠ ]
فالمؤمنون إذا أصابتهم مصيبةٌ مثل المرض والفقر والذُّلِّ، صبروا لحُكْمِ الله، وإن كان ذلك ذنب غيرهم، كمن أنفق أبوه ماله في المعاصي، فافتقر أولاده لذلك، فعليهم أن يصبِرُوا، وإذا لاموا الأب لحُظوظهم (١)، ذكر لهم القدر.
والصبر واجبٌ (٢) باتفاق العلماء، وأعلى من ذلك الرضا بحكم الله تعالى، وأعلى من ذلك أن يشكُرَ على المصيبة لِمَا يرى من إنعام الله عليه، حيث جعلها سببًا لتكفير خطاياه، ورفع درجاته، وإنابته إلى الله، وتضرُّعِه إليه، وإخلاصه في التوكل عليه، ورجاءه دون المخلوقين.
وأما أهلُ البغي والضلال، فتجدهم يحتجُّون بالقدر إذا أذنبوا واتبعوا أهواءهم، ويُضِيفُون الحسنات إلى أنفسهم، كما قال بعضهم: أنت عند الطاعة قدريٌّ، وعند المعصية جبريٌّ، أي مذهب وافق هواك تمذهبت به.
وأهل الهدى والرشاد إذا فعلوا حسنةً، شهدوا إنعام الله عليهم، وأنه هو الذي جعلهم مسلمين، وجعلهم يقيمون الصلاة، وألهمهم التقوى، وأنه لا حول ولا قُوَّة إلاَّ به، فزال عنهم شهود القدر بالعُجْبِ والمَنِّ (٣)، وإذا فعلوا سيئةً، استغفروا الله، وتابوا إليه منها.
ففي " صحيح البخاري " عن شداد بن أوسٍ، قال: قال النبي - ﷺ -: سيِّد الاستغفار أن يقول العبد اللهم أنت ربي لا إله إلاَّ أنت " الحديث (٤).
وفي الحديث الصحيح عن أبي ذرٍّ، عن النبي - ﷺ - فيما يروي عن ربِّه: " يا عبادي، إني حرَّمْتُ الظلمَ على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا " الحديث بطوله (٥).
_________________
(١) في (د) و(ف): " بحظوظهم ".
(٢) " واجب " ساقطة من (ف).
(٣) من قوله: " وأهل الهدى " إلى هنا ساقط من (ش).
(٤) تقدم تخريجه ٧/ ٧٦٨.
(٥) تقدم تخريجه ٧/ ٥٦٠.
[ ٨ / ٣٦١ ]
وذكر العلامة الحافظ الكبير إسماعيل بن كثيرٍ الشافعي في كتابه " البداية والنهاية " (١) في الجزء الأول في ذكر آدم هذا الحديث، وأنه متواتر عن أبي هريرة، ورواه عن عمر من طريقين (٢)، وعن أبي سعيد (٣)، وعن جُندب بن عبد الله البجليِّ رواه أحمد (٤)، وحديث عمر خرّجه أبو داود.
وذكر في تأويله وجوهًا كثيرة، ثم قال (٥): والتحقيق أن هذا الحديث رُوِيَ بألفاظٍ كثيرةٍ، بعضها مروي بالمعنى، وفيه نظرٌ، ومدارُ معظمها في " الصحيحين " وغيرهما. على أنه لامَهُ على إخراجه نفسه وذرِّيته من الجنة، لا على المعصية نفسها، فقال آدم: أنا لم أُخرجكم، وإنما أخرجكُمُ الذي رتَّب الإخراج على أكلي من الشجرة (٦)، والذي رتَّب ذلك وقدَّره وكتبه قبل أن أُخلقَ هو الله ﷿، فأنت تلومني على ذلك، وليس من فعلي، وأنا لم أخرجكم من الجنة ولا نفسي، وإنما كان هذا من قدرة الله تعالى وصنعته، وله الحكمة في ذلك (٧)، فلهذا حج آدم موسى.
_________________
(١) ١/ ٧٥ - ٧٧.
(٢) حديث عمر أخرجه أبو داود (٤٧٠٢)، والبزار (٢١٤٦)، وأبو يعلى (٢٤٣)، وابن خزيمة في " التوحيد " ص ١٤٣ - ١٤٤، والآجري في " الشريعة " ص ١٨٠، وابن أبي عاصم في " السنة " (١٣٧)، وإسناده قوي.
(٣) أخرجه البزار (٢١٤٧)، وأبو يعلى (١٢٠٤)، وقال الهيثمي في " المجمع " ٧/ ١٩١: رواه أبو يعلى والبزار مرفوعًا، ورجالهما رجال الصحيح. قلت: رواية أبي يعلى موقوفة.
(٤) ٢/ ٤٦٤، أخرجه الطبراني (١٦٦٣)، وأبو يعلى، وابن أبي عاصم (١٤٣). قال الهيثمي في " المجمع " ٧/ ١٩١: رواه أحمد وأبو يعلى (١٥٢١)، والبزار، ورجالهم رجال الصحيح.
(٥) ١/ ٧٨ - ٧٩.
(٦) في (ف): " الشجر ".
(٧) من قوله: " فأنت تلومني " إلى هنا ساقط من (ف).
[ ٨ / ٣٦٢ ]
ثم تمسُّك الجبرية بالحديث، فأجاب (١) عليهم بوجوهٍ ثلاثةٍ، قال في آخر الوجه الثالث: ولو كان القدر حجة، لاحتج به كل أحدٍ على الأمر الذي ارتكبه في الأمور الكبار والصغار، وهذا يُفضي إلى لوازم قطعية، فلهذا قال من قال من العلماء: بأن جواب آدم إنما كان احتجاجًا بالقدر على المصيبة، لا على المعصية، والله أعلم. انتهى.
وفيه بيان ردهم على الجبرية وبراءتهم من ذلك.
فإن قلت: هذا مسلَّمٌ في حق من تصِح بينهم المنازعة، وأن يلوم (٢) بعضهم بعضًا، لكن من أين (٣) أن ذلك يجوز على الأنبياء ﵈؟.
قلت: الجواب عن (٤) هذا واضحٌ، فقد ورد القرآن بذلك، بل بأكثر منه، فقد أخبر الله تعالى عن موسى أنه أخذ برأس أخيه يجرُّه إليه، وذلك قبل أن يعلم بصدور ذنبٍ من أخيه ﵇، وقد حكى الله تعالى عن موسى والخَضِر ﵉ ما يرفع الإشكال، وكذلك حكى الله عن داود وسليمان ﵉ الاختلاف، حيث قال: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩]، بل حكى الله تعالى عن الملائكة الخصومة، وهي احتلافٌ وزيادةٌ، فقال: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ (٥) [ص: ٦٩]، وجاء ذكر خصومتهم في الذي قتل مئة نفسٍ، ثم تاب، وهاجر من أرضٍ إلى أرضٍ، فأدركته الوفاة في الطريق، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، حتَّى أرسل الله ملَكًا يحكم بينهم متفقٌ على صحته (٦)، وكذلك حديث اختصامهم في الكفارات والدرجات. رواه الترمذي من حديث ابن عباسٍ (٧).
_________________
(١) في (ف): " وأجاب ".
(٢) في (ش): " يلزم ".
(٣) " أين " ساقطة من (ف).
(٤) " عن " ساقطة من (ش).
(٥) انظر ١/ ٢١٨.
(٦) تقدم تخريجه ١/ ٢١٩.
(٧) أخرجه الترمذي (٣٢٣٢)، وأحمد ١/ ٣٦٨، وانظر ١/ ٢١٨ - ٢١٩.
[ ٨ / ٣٦٣ ]
تنبيهات أوردها المؤلف حول حديث محاجة آدم وموسى ﵉
وهذا لا يحتاج إليه مع نصِّ كتاب الله تعالى، بل قال الله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، فأوجب الاختلاف لو قدر حالًا يصح من تعدُّد الآلهة كما دلَّت عليه الآيات الواردة في ذلك، فدل على لزوم الاختلاف في بعض الأمور لجميع المتعدِّدين بالأشخاص، فكيف يقطع بكذِب هذا الحديث مع ذلك كله؟
ويلحق بهذا تنبيهات:
التنبيه الأول: أنه لم يقع من آدم وموسى ﵇ ما ظاهره قبيحٌ على المذهب، فيجب تأويله، والذي ذكرته من الجواب بيانٌ لا تأويل (١) والفرقُ بينهما ظاهرٌ، وقد ورد في القرآن ما هو أعظم من هذا مما لا بد من تأويله، وذلك قوله تعالى في مُحَاجَّة نوحٍ وقومه، قال الله تعالى: ﴿قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢) قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣) وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [هود: ٣٢ - ٣٤].
وفي هذه الآية الكريمة أعظم مما في محاجة آدم وموسى التي في كتب الحديث، وذلك من وجوهٍ:
أحدها: أن تلك المحاجة لم تكن في دار التَّكليف.
وثانيها: أنه ليس فيها تصريحٌ بما يجب تأويله، وأما هذه، ففيها ما يجبُ تأويله، وذلك في موضعين:
أحدهما في قوله: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَح﴾ إلى آخره، فإن هذا يصلح حجة للكفار على الأنبياء ﵈، لأن فيه تسليةً لهم بأنه لا يكون إلا ما شاء الله.
_________________
(١) في (ش): " بيان تأويله ".
[ ٨ / ٣٦٤ ]
معنى قوله تعالى: ﴿إن كان يريد أن يغويكم﴾
وقد احتجوا بهذا في غير موضعٍ من القرآن، حيث قالوا: لو شاء اللهُ ما أشركنا، وقد رد الله تعالى هذه الشُّبهة عليهم بما لا مزيد عليه، فكيف احتج بها نوحٌ ﵇؟، وهي شبهتهم التي يعتمدون؟
الموضع الثاني: قوله ﵇ في الآية: ﴿إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ فجوَّز ذلك على الله تعالى.
وثالثها: أن كلام آدم ﵇ مع من هو مثله ممن يعرف تأويل ما ظاهره لا يصح، وليس هو موضع تعليمٍ له، ونوحٌ ﵇ في موضع التعليم لهم، وكلامه مع جَهَلَةِ (١) الكَفَرَةِ الذين ربما اعتقدوا ظاهر ما يقول.
فإذا عرفت هذا، فاعرِضه على تعصُّبِ السيد على الحديث، حيثُ زعم أن قصة آدم ﵇ وموسى مما تدل على الجبر، ومما لا يمكن تأويله، وزعم أنه ليس من القرآن ما يُقارب ما في الصحاح ولا ما يُدانيه، وأنه ليس في القرآن إلاَّ ما تأويله قريبٌ على مذهب المعتزلة.
وبعد أن ذكرت (٢) ما يقتضي خلاف كلام السيد، فلا يحسُنُ أن أورد الشبهة وأتركها بغير جوابٍ، فأقول: أما على مذهب (٣) المعتزلة، فقال الزمخشري ﵀ في تفسير الآية (٤).
فإن قلت: ما معنى: ﴿إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾؟
قلت: إذا عرف الله من الكافر الإصرار؛ فخلاَّه وشأنه، ولم يُلْجِئْهُ سُمي ذلك إغواء وإضلالًا، كما أنه إذا عرف منه أنه يتوب ويرعوي؛ فلطف به، سُمي إرشادًا وهدايةً، وقيل: أن يُغْوِيَكُمْ: [أن يهلككم]، من غَوِيَ الفصيل غَوَى: إذا
_________________
(١) في (د) و(ف): " جهل ".
(٢) في (ف): " أذكر ".
(٣) في (د) و(ف): " قول ".
(٤) " الكشاف " ٢/ ٢٦٧، وما بين حاصرتين منه.
[ ٨ / ٣٦٥ ]
لا يحل للعاصي أن يحتج بالقدر على معصيته
بشم، فهلك، ومعناه: أنكم من التصميم على الكفر بالمنزلة التي لا ينفعكم نصح الله ومواعظه، وسائر ألطافه، كيف ينفعكم نصحي؟ انتهى كلامه ﵀.
وقوله فيه: ولم يُلجئْهُ. إشارةٌ إلى مذهبه في أنه ليس في معلوم الله تعالى ولا في مقدوره لطفٌ لهم، وقد مرَّ بيان الصواب في ذلك، ومنه يعرفُ الجوابُ على مذهب أهل السنة في ذلك، ولله الحمد والمنة، وكلُّ أحدٍ يؤخذ من كلامه ويُتركُ إلاَّ أهل العصمة. نسأل الله التوفيق.
ولكن ينبغي التنبيه على لطيفةٍ، وهي أن للداعي للهدى حالين:
حال (١) تلطُّفٍ ودعاءٍ، فلا يحسُن فيها مثلُ هذا الكلام، وحال (١) غضبٍ وتهديدٍ ووعيدٍ، وفيها يحسُن هذا وأمثاله، وهذا مما كنتُ قدمت من اعتبار الجهتين، ألا تراهم حين استعجلوا (٢) العذاب وطالبوه معجزين له، مظهرين أنه لو كان صادقًا، لأتى به، كيف يرتكِزُ في الذهن أن يتطلب من الكلام ما يُلقِمُهمُ الحجر، ويؤلم قلوبهم من الوعيد والتهديد، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وما تُغني الآيات والنُّذُرُ عن قومٍ لا يؤمنون﴾ [يونس: ١٠١]، وقوله تعالى: ﴿إنما تنذر من اتبع الذكر وخَشِيَ الرحمن بالغيب﴾ [يس: ١١]، وباعتبار الجهتين. قال الله تعالى: ﴿فلا تذهب نفسُك عليهم حسرات﴾ [فاطر: ٨]، ودعا ﵇ على قريش بسنين كسِنيِّ يوسف (٣)، ولو كانت الحال في الغض عليهم واحدة، ما خُوطِب بهذا الخطاب، والله سبحانه أعلم.
التنبيه الثاني: أن حديث محاجة آدم وموسى مما تأوله أهل الحديث والأشعرية، ولم يقولوا بظاهره، فالأمة مجمعةٌ على إنه لا يحِلُّ للعاصي أن يحتج بالقدر، ومُجمعةٌ أيضًا على أن الحجة لله تعالى على عباده، والسيد لم يفهم
_________________
(١) في (ف): " حالة ".
(٢) في (ف): " استعجلوه ".
(٣) صحيح وقد تقدم تخريجه في هذا الجزء.
[ ٨ / ٣٦٦ ]
هذا، بل أورد الحديث في معرض التُّهمة لهم أنهم كذَّبوه لموافقة مذهبهم، وليس كذلك، فليطالع تأويلهم في شروح الحديث، وفي كلام إمام أهل السنة شيخ الإسلام أحمد بن تيمية الحنبلي ما لفظه: ومن ظن أن القدر حجة لأهل الذنوب، فهو من جنس المشركين الذين قال الله عنهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: ١١٨]، قال الله عنهم (١): ﴿كذلك كَذَّبَ الذين من قبلهم﴾، إلى قوله: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِين﴾ [الأنعام: ١٤٩] ولو كان القدر حجةً، لم يُعذِّب الله المكذبين للرسل. إلى آخر كلامه.
ذكره في كتاب " الفرق بين الأحوال " (٢).
التنبيه الثالث: ذكر السيد في الحديث رواية منكرة، وهي قوله: وخلقه في قبل أن يخلُقَنى بألفي عامٍ، والصحاح بريئة (٣) من هذه الرواية، وليس في الصحاح حديث في خلق الأفعال البتة.
وقد أوهم السيد أنها في الصحاح، فليرجِعْ عن ذلك، ولعلَّه -أيده الله تعالي- التقطها من بعض الكتب المشتملة على الغثِّ والسمين، والصِّحاحُ مصُونةٌ عن مثل هذه الرواية.
فإن كان السيدُ ما فرَّق بين هذه الرواية وبين ألفاظ الصحاح، ونَظَمَها في سِلْكٍ واحد، فهذا عجيبٌ من مثله، وكم بين الألفاظ من التفاوت، وهل مثلُ هذا - يخفى على من له أدنى تمييزٍ؟ وكيف يتصوَّرُ في عقل عاقلٍ أن الله خلق المعصية في آدم قبل أن يخلقه بألفي عام، وكيف تُوجَدُ المعصية فيه (٤) وهو في العدم؟، وأين هذا من رواية أهل الصحاح التي قدمت الكلام فيها، فبين الروايتين بونٌ، ومثل هذه الرواية الأخيرة مما يُقطع على أن الرسول ﵇
_________________
(١) في (الفرقان): " ردًا عليهم ".
(٢) ص ١٠٤ - ١٠٥.
(٣) في (ف): " نزيهة ".
(٤) " فيه " ساقطة من (ش).
[ ٨ / ٣٦٧ ]
الكلام على حديث لطم موسى لملك الموت ﵉
ما قالها، لأنها صريح المُحال المعلوم إحالته بضرورة العقل، بحيثُ لا يجوزُ أن يذهب إلى ذلك أحدٌ من غُلاة الجبرية، والذي كذبها إما قليل العقل، وإما قليل الحياء، فليتيقَّن السيد الفرق بينها وبين دواوين الإسلام.
نعم، في " صحيح مسلم " من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: " أن الله قدَّر المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة " (١). هذا لفظ الحديث، وليس فيه أن الله خلق المعاصي في العُصاة قبل أن يخلق العصاة، ومن لم يميِّزْ بين العبارتين؛ فليس من العقلاء البتة.
الحديث الخامس: حديثُ موسى ﵇ مع مَلَكِ الموت ﵇ (٢) وقد جعله السيدُ من الأحاديث التي لا يمكن تأويلها، لِمَا ورد فيه من لطمِ موسى لملك الموت ﵉ حين جاء يقبض روحه الشريفة.
وعن هذا الحديث جوابان: معارَضَةٌ، وتحقيقٌ.
أما المعارضة: فإنه قد ورد في القرآن العظيم أن موسى أخذ برأسِ أخيه يجرُّه إليه، وذلك من غير ذنبٍ عَلِمَهُ من أخيه ﵇، ولا دفع مضرَّةٍ خافها على نفسه، وأخوه هارون نبي كريم بنصِّ القرآن وإجماع أهل (٣) الإسلام، ولا شك أن حرمة الأنبياء مثل حرمة الملائكة، لأن من استخفَّ بنبيٍّ كفر.
وقد بطش موسى ﵇ بأخيه بطشًا شديدًا، ولهذا قال هارونُ ﵇ يتلطَّف لموسى ويستعطفه: ابن أُمِّ لا تأخُذْ بلحيتي، ولا برأسي، ولا تُشْمِتْ بيَ الأعداء.
فإن قلت: إنما فعل ذلك، لأنه ظن أنه هارون رضيَ بما فعل قومه من عبادة العجل.
_________________
(١) تقدم تخريجه ٦/ ٤٠٣.
(٢) انظر ص ٢٩٨ من هذا الجزء.
(٣) " أهل " ساقطة من (ش).
[ ٨ / ٣٦٨ ]
قلت: هذا العذر أقبح من المعتذر عنه، فالجرُّ برأسه ﵇ أهون من الظن فيه أنه رضي بالعجل شريكًا في الرُّبوبية لرب العز: ﷻ.
الجواب الثاني: وهو التحقيق، وهو يشتمل على وجهين أيضًا:
الوجه الأول -وهو المعتمد-: أنه يجوز أن يكون الملك أتاه في صورة رجل من البشر، ولم يعرف أنه مَلَكٌ، مثل ما أتى جبريل ﵇ إلى مريم، فتمثَّلَ لها بشرًا سويًا، ولهذا قالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨]، ولو علِمَتْ أنه جبريل ﵇، لما استعاذت بالله منه، وقد صحَّ تصور الملائكة على صُورة (١) البشر، وتواتر ذلك في الكتاب والسنة، فلما أتى ملَكُ الموت إلى موسى على هذه الصفة، وأراد أن يقتله، دفع موسى عن نفسه، وهذا الجوابُ وقع في خاطري، ثم وقفت عليه في الأول من " البداية والنهاية " (٢) لابن كثير منسوبًا إلى الحافظ ابن حبَّان، وذكر أنه ورد عليه كما جاء جبريل ﵇ في صورة الأعرابي، وكما وردت الملائكة على إبراهيم ولوط ولم يعرِفُاهم، قال: وكونه فقأ عينه موافقٌ لشريعتنا في جواز فَقْء عينِ مَنْ نظر إليك في دارك بغير إذنٍ، ثم قال ابن كثيرٍ: إنه لم يتحقق أنه مَلَكٌ؛ لأنه كان يرجو أمورًا كثيرةً كان يحبُّ وقوعها في حياته من خروجهم من التِّيه، ودخولهم الأرض المقدسة.
وقال في ذكر نبوَّة يُوشع (٣): وقد ذكروا في السفر الثالث من التوراة أن الله تعالى أمر موسى وهارون أن يعدَّا بني إسرائيل على أسباطهم، وأن يجعلا على كل سبطٍ أميرًا، ليتأهَّبُوا للقتال، قتال الجبارين عند الخروج من التِّيه، وكان هذا عدَ اقتراب انقضاء أربعين سنة، ولهذا قال بعضهم: إنما فقأ موسى عين الملك، لأنه لم يعرِفْهُ، ولأنه قد كان أُمرَ بأمرٍ كان يُرجى وقوعه في زمانه.
_________________
(١) في (ف): " صور ".
(٢) ١/ ٢٩٦، وانظر " صحيح ابن حبان " (٦٢٢٣).
(٣) ١/ ٢٩٨.
[ ٨ / ٣٦٩ ]
قلت: وذكر خلافًا في موته ﵇ في التِّيه أو بعده، وصحح أنه كان في التِّيه، وعزاه إلى (١) جمهور المسلمين وإلى أهل الكتاب.
فإن قلت: أليس في الحديث أن ملك الموت لما رجع إلى الله، قال: يا رب أرسلتني إلى عبدٍ لا يريد الموت، وهذا يدل على أنه قد أخبره أنه ملكُ الموت، وأنه قد جاء لقبضه، وأن موسى ﵇ قد عرفه.
والجواب: أن هذا لا يدل على معرفة موسى لملك الموت، ويدل على ذلك أنه قد ثبت في الحديث الصحيح أن الله تعالى " لا يقبض نبيًا حتَّى يخيره "، وفي حديث: " حتى يريه مقعده من الجنة ويخيره " (٢)، فلما جاء ملك الموت لقبض روحه ﵇ من غير تخييرٍ، وعنده لا يُقبض حتى يُخَيَّرَ، لم يعلم أنه ملك الموت، وشك في ذلك، وظن أن هذا رجلٌ يدعي عليه أنه ملك الموت بغير دليلٍ، فقد ذكر العلماء: أن الأنبياء لا يجوز لهم تصديق الملك في دعواه أنه مَلَكٌ إلاَّ بدليل من مُعجزٍ يظهره، أو علمٍ ضروري يضطره إلى ذلك.
والذي يدلُّ على هذا أنه جاء في الحديث بعينه أنه ملك الموت لما رجع إليه ﵇، وخيَّره بين الحياة والموت، اختار الموت واستسلم، وهذا وجهٌ حَسَنٌ في الجواب لا سبيل إلى القطع ببطلانه. ومع احتماله يرتفع الإشكال في القطع بتكذيب الرواة والمجازفة بجرح الثقات.
الوجة الثاني: أن نقول: سلَّمنا أنه جاءه على صفةٍ يعرف معها أنه ملكُ الموت، ولكن المانع أن يكون موسى فعل ذلك وقد تغيَّر عقله، فإن تلك الحال مَظِنَّةٌ لتغيُّر العقول، فقد خرَّ موسى صعقًا من اندكاك الطور، فكيف بهولِ
_________________
(١) " إلى " ساقطة من (ش).
(٢) أخرجه من حديث عائشة أحمد ٦/ ٨٩، والبخاري (٤٤٣٥) و(٤٤٣٧) و(٤٤٦٣) و(٤٥٨٦) و(٦٣٤٨)، ومسلم (٢٤٤٤)، والترمذي (٣٤٩٠)، ومالك ١/ ٢٣٨ - ٢٣٩.
[ ٨ / ٣٧٠ ]
المطلع؟ فإنه عند العلماء بجلال الله أعظم من اندكاك جبلٍ، وهذا الاحتمال أيضًا يمكن فيه حالان:
أحدهما: أن يكون الملك أتاه وقد تغير عقله من غمرات الألم، وسكرات النزاع (١).
وثانيهما: أن يكون إنما تغيَّر عقله حين فاجأه على غفلةٍ وصرَّح له بالنُّقلة من دار العمل والخروج إلى دار الجزاء.
وأما ما ورد من أنه فقأ عين الملك ﵇، فقال ابن قتيبة (٢): أذهب موسى العين التي هي تخييلٌ وتمثيلٌ، وليست على حقيقة خِلْقَتِه، وعاد ملك الموت إلى حقيقة خلقته الروحانية كما كان (٣) لم يُنقص (٤) منه شيء.
وذكر ابن كثير في الأول من " البداية والنهاية " (٥) في ذكر وفاة موسى عن أحمد بن حنبل أنه قال (٦): [حدثنا الحسن]، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو يونس يعني سليم بن جُبير، عن أبي هريرة. قال أحمد: لم يرفعه، وساق الحديث أن الله ردَّ عين المَلَكِ ثم رواه أحمد من طريق أخرى، فقال (٧): حدثنا يونس، حدثنا حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - هكذا رفعه يونس بنحو ذلك، ورواه مع يونس أمية بن خالدٍ، فلم يرفعه، ولا (٨) ذكر أن الله رد عينه، وإسنادهما إلى أبي هريرة واحدٌ.
قال أحمد: رواه عنهما معًا عن حماد بالسند، وقد وافق يونس على رفعه أبو كريب، عن مصعب بن المقدام. رواه ابن جرير (٩).
_________________
(١) في (ش): " النزاع ".
(٢) في " تأويل مختلف الحديث " ص ٢٧٦ - ٢٧٧.
(٣) " كان " ساقطة من (ف).
(٤) في (ف): " ينتقص ".
(٥) ١/ ٢٩٥ و٢٩٧.
(٦) في " المسند " ٢/ ٣٥١.
(٧) ٢/ ٥٣٣.
(٨) " لا " ساقطة من (ف).
(٩) في " تاريخ الأمم والملوك " ١/ ٤٣٤.
[ ٨ / ٣٧١ ]
حديث خروج أهل التوحيد من النار والشفاعة لهم
وذكره الهيثمي في " أخبار الأنبياء " (١)، وقال في المرفوع: رجاله رجال الصحيح.
قال ابن كثير: تفرَّد به أحمد، ثم قال: وقد رواه ابن حبان في " صحيحه " (٢) من طريق معمر عن ابن طاووس، عن أبيه، عن أبي هريرة. قال معمر: وأخبرني من سمع الحسن، عن رسول الله - ﷺ - فذكره.
قلت: وقول ابن كثير تفرد به أحمد يعني بذلك السند والسياق لا بجملة الحديث. و" ردُّ الله عين الملك " في " جامع الأصول " (٣) منسوب إلى البخاري ومسلم، والوجه في الحديث عندي هو الأول، وإنما ذكرت هذا الوجه الثاني لمجرد الاحتمال.
الحديث السادس: حديثُ خروجُ أهل التوحيد من النار والشفاعة لهم، وقد نظمه السيدُ في سلك هذه الأحاديث، وهو أهون منها حُكمًا، وأسهلُ تأويلًا، وأنا أذكر ثلاث فوائد: فائدة في مُناقضته، وفائدةً في حكمه، وفائدة في تأويله.
أمَّا الفائدة الأولى: فاعلم أن السيد ذكر في تفسيره ما يدلُّ على أن هذه المسألة حسنةٌ غير قبيحةٍ، معروفةٌ غير منكرةٍ، وذلك في غير موضعٍ، منها في تفسير قوله تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦) لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٦ - ٨٧]، فإنه فسَّر العهد بتفسيرين لم يضعِّفْ واحدًا منهما: الأول (٤): الإيمان والعمل الصالح، والثاني: قول لا إله إلا الله، وإنما يكون قولًا ثانيًا من غير العمل الصالح، وقوى هذا التأويل بروايته لحديث العهد الصحيح عن النبي - ﷺ -، وليس فيه عملٌ، ولم يتأوله، ولا
_________________
(١) " مجمع الزوائد " ٨/ ٢٠٥.
(٢) برقم (٦٢٢٣).
(٣) ٨/ ٥١٦، وهو عند البخاري (١٣٣٩) و(٣٤٠٧)، ومسلم (٢٣٧٢).
(٤) " الأول " ساقطة من (ف).
[ ٨ / ٣٧٢ ]
ضعَّفه (١) مع قوته في سياق الآية، لأنها في المجرمين المسُوقين إلى النار، والتي قبلها في المتقين الأخيار، ولذلك ذكر في قوله ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ أنه ردٌّ لقول عُبَّاد الملائكة من المشركين الذين يزعمون أنها تشفع لهم.
وكذلك صنع في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦]. قال في أحد التفسيرين: التقدير: ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة لأحدٍ إلاَّ لمن (٢) شَهِدَ بالحق، وهو التوحيد، وهو قول لا إله إلاَّ الله. انتهى بحروفه.
وكذلك روى الخلاف بغير إنكارٍ في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِه﴾ [فاطر: ٣٢] الآية، وروى عن النبي - ﷺ - أنه قال: " مقتَصِدُنا ناجٍ، وظالِمُنا مغفورٌ له " (٣).
والعجب منه أنه حكى قول من يُجيز الشفاعة لأهل الكبائر مفسِّرًَا بذلك لكلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه في هذه الآيات الثلاث، وقرَّره (٤) ولم يحكِ في هذه الآية ما حكى (٥) عن بعض أهل البيت ﵈ من أنها خاصةٌ بهم، مع إظهاره التشيُّع.
وكذلك قال بعد إجازته هذا التفسير للشيخ إسماعيل بن أحمد في نُسخته
_________________
(١) في (ف): " يضعفه ".
(٢) في (ف): " من ".
(٣) أخرجه من حديث عمر بن الخطاب العقيلي في " الضعفاء " ٢/ ٤٤٣، وفيه الفضيل بن عَميرة القيسي، قال فيه العقيلي: لا يتابع على حديثه، وقال الذهبي في " الميزان " ٣/ ٣٥٥: منكر الحديث. وأخرجه البيهقي في " البعث والنشور " (٦١) من طريق ميمون بن سياه، عن عمر، ولم يسمع منه. وانظر " الدر المنثور " ٧/ ٢٥، و" فيض القدير " ٤/ ٧٩.
(٤) " وقرره " ساقطة من (ش).
(٥) في (ف): " يحكى ".
[ ٨ / ٣٧٣ ]
ما لفظه: كتبه الفقير إلى رحمة ربه، أسيرُ ذنبه، الراجي رحمته لا حُسْنَ كسبه، وهو باق إلى الآن بخطِّ يده في نسخة الشيخ، وهو شاهدٌ بذلك.
وكذلك ختم الزمخشري " كشافه " (١) بنحو هذا الدعاء، وذلك دليلٌ على أن الرجاء هو الفطرة، إذا غَفَلُوا من العصبية، نطقوا بها.
وأما الفائدة الثانية: فاعلم أن المخالف في هذه المسألة، وإن كان مخالفًا لمذهب (٢) كثيرٍ من العترة ﵈، فإنه عندهم دون المخالف فيما تقدم من الأحاديث، فقد صح اختلاف الملائكة في الذي قتل مئةً، ثم تاب، فدل على نجاة الفريقين، وأن أهل الرجاء على الحق، وحكم المخالف عند الوعيدية في هذه المسألة مثل حكم المعتزلة عند الزيدية سواءٌ؛ لأنه لا يكفر بذلك، ولا يفسُق، وقد ذكرت فيما تقدم نصَّ القاضي شرف الدين على ذلك في " تذكرته "، وكذلك الشيخ مختار المعتزلي في كتابه " المجتبى ".
وذكر الفقيه العلامة حُمَيْدُ بن أحمد المحلِّي في كتابه " عمدة المسترشدين في أصول الدين " أن القائلين بالشفاعة لأهل الكبائر والخروج من النار صنفان: عدليَّةٌ وغير عدليَّةٍ. قال: ويقال: إن أول من أحدث ذلك (٣) الحسن بن محمد بن الحنفية، وذكر للعدلية القائلين بذلك مذاهب أربعة، ذكر هذا في فصلٍ عقدَهُ في ذكر المُرجئة، وذكر في كتابه " محاسن الأزهار " شيئًا من أحاديث الرجاء، ولم يتأوَّلْهُ، من ذلك ما ذكره في شرح قول المنصور بالله ﵇ من نجلِ السبطين: بيّن لنا، وقال في آخر كلامه في " عمدة المسترشدين ": وكل الفِرَقِ أو أكثرها تميل إلى الإرجاء إلاَّ الزيدية.
قلت: سوف يأتي أيضًا أن في الزيدية من يقول بخروج أهل التوحيد من النار (٤).
_________________
(١) ٤/ ٣٠٣ - ٣٠٤.
(٢) في (ش): " لمذاهب ".
(٣) " ذلك " ساقطة من (ف).
(٤) " من النار " ساقطة من (ف).
[ ٨ / ٣٧٤ ]
كلام في الإرجاء والاعتزال
أما لفظُ الإرجاء، ففي إطلاقه على أهل هذه المقالة وهمٌ فاحشٌ، وقد مرَّ تحقيقه في الوهم الثامن والعشرين.
وقال الفقيه حُميدٌ عند ذكر المعتزلة، وقد كان يذهب بعض متقدِّميهم إلى المنع من خُلُود الفُسَّاق في النار، وذكر الحاكم في " شرح العيون " مثل كلامِ حُميدٍ إلاَّ اليسير منه، ولعلَّه نقل عنه، ذكره في فصلٍ عقده في ذكر المرجئة، ونسب الإرجاء إلى جِلَّةٍ وافرةٍ من أكابر المعتزلة، ذكره في طبقاتهم عند الكلام على تراجمهم، حتى نسب إلى زيد بن علي مخالفة المعتزلة في المنزلة بين المنزلتين، ذكره في ترجمةٍ لزيدٍ مختصرةٍ بعد ترجمته البسيطة، رواه عن صاحب " المصابيح "، وكذلك لم ينقِم أحدٌ من أهل السنة على زيد بن علي المخالفة في شيءٍ من الاعتقاد، ويعضُدُه ما رواه القاضي شرف الدين حسن بن محمدٍ النحوي في " تذكرته " عن زيد بن علي ﵇ أنه يقول بالصلاة على أهلِ الكبائر من أهل الملة، وهو عنه أوثق راوٍ، وأعرف حاكٍ، بل روى الإمام (١) المؤيد بالله يحيى بن حمزة ﵇، عن زيد بن عليٍّ ﵇ (٢) أنه يذهبُ إلى الرجاء لأهل التوحيد كقول أهل السنة. رواه لي حفيده السيد صلاح الدين عبد الله بن الهادي ابن أمير المؤمنين.
وقال الحاكم في فصلِ عقده فيما أجمع عليه أهل التوحيد والعدل: إن اسم الاعتزال صار في العرف لمن ينفي التشبيه والجَبْر، سواءٌ (٣) وافق في الوعيد أو خالف، وافق في مسألة الإمامة أو خالف، وكذا في فروع الكلام (٤)، ولذا تجدُ الخلاف بين الشيخين والبصرية والبغدادية تزيد على الخلاف بينهم وبين سائر المخالفين، ولذا تراهم يعدُّون من نفى الرؤية، وقال بحدوث القرآن ومسائل العدل (٥) معتزليًا، وإن خالف في الوعيد، ككثيرٍ من مشايخنا، منهم
_________________
(١) في (ش): " عن الإمام ".
(٢) عبارة: " عن زيد بن علي ﵇ " ساقطة من (ش).
(٣) " سواء " ساقطة من (ش).
(٤) " الكلام " ساقطة من (ف).
(٥) " ومسائل العدل " ساقطة من (ف).
[ ٨ / ٣٧٥ ]
الصالحي، ومنهم (١) الخالدي (٢) وغيرهما.
ولذلك ترى من خالف في هذه الأصول لا يُعَدُّ منهم، وإن قال بالوعيد كالنَّجاريَّة والخوارج وغيرهم، وللقاضي العلامة عبد الله بن حسن -﵀- كلامٌ مستوفى في هذا، قال في " تعليق الخلاصة ": الإرجاء شائعٌ في جميع فِرَقِ الإسلام، حتى قال في المرجئة: وهم صنفان: عدليةٌ، وجبريَّةٌ، فمن أهل العدل: أبو القاسم البُستي (٣) وغيره من المعتزلة، منهم: محمد بن شبيب، وغيلان الدمشقي رأس المعتزلة، ومُوَيْسُ بن عمران، وأبو شمر (٤)، وصالح قبَّة، والرقاشي، واسمه الفضل بن عيسى، والصالحي، واسمه صالح بن عمر، والخالدي، وغيرهم زاد الشهرستاني (٥) مع هؤلاء بشر (٦) بن غياث المريسي، والعتابي. انتهى.
قال القاضي في تعليقه: ومن الفقهاء القائلين بالعدل سعيد بن جبيرٍ التابعي، وحماد بن [أبي] سليمان، وأبو حنيفة وأصحابه، وهؤلاء مُجمِعُون على أن الفُسَّاق من أهل القِبْلَةِ لا يُقطَعُ بخلودهم في النار،، منهم من قال: آيُ الوعيد متعارضةٌ فنقف، وهذا مرويٌّ عن جماعةٍ، منهم أبو حنيفة، ومنهم من تردَّد في دُخولهم النار، وقطع على خروجهم إن دخلوا، ومنهم من قطع بدخولهم، وتردد في خروجهم، ومنهم من جوَّز الدخول وعدمه، والخروج وعدمه (٧) وهذا هو مذهب أبي القاسم البستي، وكان من أصحاب المؤيد بالله ﵇ من الزيدية. انتهى كلامه في " التعليق ".
وكان يقول: نحن في الحقيقة مرجئةٌ؛ لأنَّا نطمع أن يدخلنا الله في رحمته،
_________________
(١) " ومنهم " ساقطة من (د) و(ف).
(٢) كتب فوقها في (ش): و" الجارودي ظ ".
(٣) في (ش): " السبتي ".
(٤) في (ش): " هشيم ".
(٥) في " مقالات الإسلاميين " ١/ ١٤٢.
(٦) تحرف في (ش) إلى: " بشار ".
(٧) عبارة " والخروج وعدمه " ساقطة من (ش).
[ ٨ / ٣٧٦ ]
بعض من نسب إلى الإرجاء من رجال " الصحيحين " وغيرهما
وكان حي السيد العلامة داود بن يحيى يميل إلى هذا القول وينصُره، ويحتج له.
وأخبرني من أثِقُ به أنه سمعه يقول: تتبعتُ آيات القرآن، أو قال: آيات الوعيد، فوجدتها محتملةٌ أو متعارضة، وذهب إلى هذا من أئمة الزيدية الدعاة يحيى بن المحسن المعروف بالإمام الداعي، ذهب إلى هذا، واعترض عليه به، ورواه عنه حي السيد صلاح الدين بن الجلال ﵀.
وكان حي الفقية العلامة علي بن عبد الله -﵀- يذهبُ إلى هذا، سمعته منه، وأملى عليَّ الدليل فيه، وعلَّقتُه عنه.
وحدثني من أثق به عن الفقيه محمد بن الحسن السودي نفع الله به أنه يرى هذا، وسمعتُ بمثله عن حي الفقيه العالم يحيى التِّهامي ﵀.
وحدثني الفقيه علي بن عبد الله بمثل هذا عن بعض (١) علماء الزيدية الأكابر ممن كان قبله، ولكني لم أحفظِ اسمه (٢)، فهو كما قال القاضي -﵀- مذهب شائع في جميع فِرَقِ الإسلام.
وفي رجال " الصحيحين " وغيرهما جماعةٌ وافرةٌ ممن احتج بهم أهلُ الصحيح من المرجئة الخُلَّص. فأما الرجاء فلم يختلف فيه أئمة الحديث (٣).
فمِمَّن نُسِبَ من أهل الحديث إليه الإرجاء من ثقاة الرواة: ذرُّ بنُ عبد الله الهَمْدَاني التابعي أبو عمر الكوفي، حديثه في كتب الجماعة كلهم. قال أحمد: هو أول من تكلم في الإرجاء.
وأيوب بن عائِذٍ الطائي، حديثه عند البخاري ومسلم والترمذي.
_________________
(١) " بعض " ساقطة من (ش).
(٢) جاء في هامش (ش) ما نصه: لعله الفقيه حاتم بن منصور، فإن ذلك عنه معروف.
(٣) في (ف): " المحدثين ".
[ ٨ / ٣٧٧ ]
وسالم بن عجلان الأفطس، في " البخاري "، و" أبي داود "، و" النسائي "، و" ابن ماجه "، وكان داعيةً إليه.
وشبابة بن سَوَّار أبو عمرو المدائني، وكان داعيةً إليه، وقيل: إنه رجع.
وعبد الحميد بن عبد الرحمن أبو يحيى الحماني الكوفي، حديثه عند البخاري ومسلم، وابن ماجه، وكان داعيةً إليه.
وعثمانُ بن غِيَاث الرَّاسبي البصري في " البخاري "، و" مسلم "، و" أبي داود "، و" النسائي ".
وعمر بن ذرٍّ الهمداني الكوفي من كبار الزُّهاد والحُفَّاظ. كان رأسًا في الإرجاء حديثه في " البخاري " و" مسلم ".
وعمرو بن مرة الجُمَلِيُّ، أحد الأثبات، من صغار التابعين. حديثه عند الجماعة.
وإبراهيم بن طهمان الخراساني، أحد الأئمة، حديثه عندهم، وقيل: رجع.
ومحمد بن خازم أبو معاوية الضرير، أثبت أصحاب الأعمش، حديثه عندهم.
وورقاء بن (١) عمر الكوفي، اليشكُري (٢).
وكذلك يحيى بن صالحٍ الوُحاظيُّ الحمصي.
وعبد العزيز بن أبي روّاد الحمصي استشهد به البخاري، وروى عنه الأربعة.
_________________
(١) تحرف في (ش) إلى: " أبو".
(٢) في (ش): " السكري "، وهو تحريف.
[ ٨ / ٣٧٨ ]
فهؤلاء ثلاثة عشر من رجال البخاري، ذكرهم ابنُ حجر في " مقدمة شرح البخاري "، والذهبي في " الميزان "، فكيف إذا تتبعَ سائر الرواة من الكتب الستة وغيرهم، فلقد ذكر الذهبي في ترجمة هشام بن حسان من " الميزان " (١) عن هُدبةَ بن خالدٍ أحد رجال البخاري ومسلمٍ أنه يقول عن شعبة الإمام: إنه يرى الإرجاء، بل (٢) ذكر في ترجمة الفضل بن دُكين (٣) عن ابن معين أن الفضل إذا قال في رجلٍ: كان مرجئًا، فاعلم أنه صاحب سُنَّةٍ لا بأس به، وإذا (٤) أثنى على رجلٍ أنه جيد (٥) فهو شيعيُّ. قال الذهبي: هذا القول من يحيى يدل على أنه كان مائلًا إلى الإرجاء، وهو خيرٌ من القدر بكثيرٍ.
قلت: ويحتمل أن يحيى يعني أن الفضل يُسمي الرجاء إرجاءًا، تحامُلًا على أهل السنة، أو اعتقادًا منه، وعدم معرفة للفرق بينهما، بل هذا الاحتمال أقوى، وإلا لَزِمَ أن يكون ابن معين يعتقد أن الإرجاء مذهب أهل السنة كلهم، وهذا باطل.
وأما أول من تكلم في الإرجاء، فقيل: ذرُّ بن عبد الله كما تقدم عن أحمد، وقيل: الحسن بن محمد بن الحنفية كما في " الملل والنِّحل " (٦)، و" تهذيب " المِزِّيِّ (٧)، وغيرهما.
وفي " البخاري "، و" مسلم "، عن ابنِ مسعودٍ أنه قال: قال رسول الله - ﷺ - كلمةً، وقلتُ كلمةً، أو: وقلتُ الثانية. قال: " من مات يُشرِكُ بالله، دخل النار "، وقلت: من مات لا يشرك بالله دخل الجنة (٨). وهو الحديث السابع عشر بعد المثة من مسنده من " جامع المسانيد " لابن الجوزي، وهذا يقتضي بظاهره مذهب المرجئة، لأنه قَطَعَ به، ولم يقفه على المشيئة، والله أعلم.
_________________
(١) ٤/ ٢٩٦.
(٢) " بل " ساقطة من (ف).
(٣) في " الميزان " ٣/ ٣٥٠ - ٣٥١.
(٤) في (ف): " فإذا ".
(٥) " أنه جيد " ساقطة من (ف).
(٦) ١/ ١٤٤.
(٧) ٦/ ٣١٨.
(٨) تقدم تخريجه ٥/ ٤٧٣.
[ ٨ / ٣٧٩ ]
وفي " الملل والنحل " (١) للشهرستاني في ذكر تسمية المرجئة على ما نقل. الحسنُ بنُ محمد بن عليٍّ بن أبي طالبٍ، وسعيدُ بن جُبير، وطَلْقُ بن حبيبٍ، وعمرو (٢) بن مرة، ومُحاربُ بن دِثَارٍ، ومُقَاتلُ بنُ سليمان، وذرٌّ، وعمر بن ذر، وحمادُ بنُ [أبي] سليمان، وأبو حنيفة، وأبو يُوسف، ومحمدُ بنُ الحسن، وقديد بن جعفر.
وأصحاب مذاهب (٣) فِرَق المرجئة يونس النميري، وعُبيد المكتب، وغسَّان الكوفي، وأبو أيوب، وأبو معاذ التُّومَني، وصالح بن عُمر (٤) الصالحي، يُنسب إليهم فرقُ المرجئة اليونُسيَّة والعُبيدية، والغسانية، والثوبانية، والثُّومنية والصالحية.
وفي " الجامع الكافي في مذهب الزيدية " عن محمد بن منصور في القول (٥) من مات على كبيرةٍ أنه قال: والمؤمن المُذنب لله سبحانه فيه المشيئة: إن غفر له فبِفَضْلِ، وإن عَذَّب فبِعَدْلٍ.
قلت: وهذا يمنعُ في تفسير المؤمن بمن لا يستحق العقوبة.
وقال في مسألةٍ بعد هذا في خُروج أهل التوحيد من النار، وقد سُئِلَ في ذلك: هذا مما تنازع العلماء فيه، وفي الرواية عن رسول الله - ﷺ -، وهو مما يسعنا أن نردَّ علمَه إلى الله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠].
وحكى عن الحسن بن يحيى ﵇ قريبًا من هذا، وهذا منهما توقُّفٌ يستلزم التجويز.
_________________
(١) ١/ ١٤٦.
(٢) تحرف في (ف) إلى: " حرب ".
(٣) في (ف): " مذهب ".
(٤) تحرف في (د) و(ف) إلى: " عمرو".
(٥) " في القول " ساقطة من (ف).
[ ٨ / ٣٨٠ ]
وفي كتاب " علوم آل محمد "، ويعرف أيضًا " بأمالي أحمد بن عيسى " تأليف محمد بن منصور من حديث عليِّ بن أبي طالب ﵇، قال رسول الله - ﷺ -: " من قرأ في دُبُرِ كل صلاةٍ مكتوبة مئة مرةٍ قل هو الله أحد، جاز على الصِّراط يوم القيامة وهو مُطَّلِعٌ في النار، من رأى فيها، دخلها بذنبٍ غير شِرْكٍ، أخرجه فأدخله الجنَّة " رواه عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن جَدِّه، عن عُمر بن علي ﵇، عن علي به (١) رواه في باب ما يُقال بعد الصلاة (٢).
فهذا كتاب الزيدية المعتَمَد قديمًا وحديثًا، وتقريرهم هذه الرواية، عن عليٍّ ﵇ وعن رسول الله - ﷺ - يُنافي ما عليه جماعة المتكلمين من تنزيه أهل البيت ﵈ عن هذا على سبيل القطع، وتضليلِ من قال به، أو رواه عن أحدٍ منهم، لا سيَّما وسندُه عن أهل البيت عن آبائهم ما فيه (٣) إلا محمد بن منصور، ومحمد بن راشد من ثقاتِ الشيعة كلاهما.
ومما يُوضِّحُ مخالفة أهل البيت للمعتزلة في مسألة الوعيد أن النَّقَلَةَ لمذهبهم في الفروع اتفقوا على أن الإسلام عند أهل البيت وكثيرٍ منهم شرط في وجوب الواجبات الشرعية، كالصلاة والزكاة والحج والصوم، ونقلوا عنهم صحة الصلاة من الفاسق صاحب الكبيرة إذا كان من أهل الشهادتين المصدقين بالله ورسُله، وهذا يستلزم الحكم بأنه مسلمٌ، والمعتزلة تمنع من إطلاق اسم المؤمن (٤) على صاحب الكبيرة. يُوَضِّحُ ذلك أنهم ﵈ لم يوجبوا على من فعل كبيرةً إعادة الحجِّ، وأوجبوا إعادته على من ارتدَّ من الإسلام، والحجة
_________________
(١) قوله: " عن علي به " ساقط من (ش).
(٢) وهو حديث ضعيف جدًا. عيسى بن عبد الله بن محمد، قال عنه الدارقطني: متروك الحديث، وقال ابن حبان: يروي عن آبائه أشياء موضوعة. انظر " الميزان " ٣/ ٣١٥.
(٣) في (ف): " فيهم ".
(٤) في (د) و(ف): " إطلاق المسلم والمؤمن ".
[ ٨ / ٣٨١ ]
على وُجوب الإعادة على المرتدِّ القطع بأنه قد حَبِطَ عمله، إذ لا نصٌّ شرعي فيه، فتأمَّل ذلك.
فإن قلت: أليس من خالف إجماع العترة فَسَقَ؟
قلت: ليس لك في هذا حجةٌ لوجوه:
الأول: عدم تسليم الإجماع ومستند المنع ما ذكره المنصور بالله من امتناع الحُكم بذلك، ويُوضِّحُه ما ذكره ابن حزم في " جمهرة النسب " من ذكر عُلمائهم وأئمتهم الذين (١) لم يسمع بهم قط، وما ذكره أهل التواريخ والطبقات من ذلك، وما تقدم من نقل الخلاف عن مشاهير أئمتهم وكتبهم.
الوجه الثاني: أن الإجماع الذي يحتج به هنا لا يكون إلاَّ القطعي دون الظني، ولم يحصُل الظني، كيف القطعي؟ ولكن أين من يعرف شروط القطعِ ويعتبرها بإنصاف؟
الثالث: أن الخصوم من المتكلمين (٢) من الزيدية لا يلتزمون هذا قطعًا، فقد أجمع أهل البيت ﵈ أو أهل عصر منهم (٣) على أن المعتزلة غيرُ فُسَّاقٍ، مع أنهم قد خالفوا إجماع أهل البيت ﵈ في بعض مسائلِ الإمامة، وفي التقديم (٤)، وفي جواز الخلافة في قُريش، وفي أن من سبق بالعقد من سائر بطون قريشٍ انعقدت إمامته، فلو دعا بعده (٥) أحدٌ من أهل البيت، وحاربه، كان القائم عندهم باغيًا فاسقًا، يجب (٦) حربُه، ويجوز قتله، وإن كان أكبر أئمة الزيدية. هذا مذهبُ المعتزلة بغير شكٍّ، فمع هذا لم يفسِّقْهُم أهلُ البيت ﵈، وقد ذكر غير واحدٍ منهم (٧) من عُلماء الزيدية في الفروق
_________________
(١) في (ش): " الذي ".
(٢) " من المتكلمين " ساقطة من (ف).
(٣) في (ش): " وأهل عصرهم ".
(٤) في (ش): " التقدم ".
(٥) في (ش): " دعاه ".
(٦) في (ش): " يجوز ".
(٧) " منهم " ساقطة من (د) و(ف).
[ ٨ / ٣٨٢ ]
بين إجماع الأمَّة وإجماع (١) العترة أن مُخالِفَ إجماع الأمة يُفَسَّقٌ، ومخالف إجماع العترة لا يفسق، والوجه في ذلك أنه لم يَرِدْ في مخالفة العترة وعيدٌ في القرآن كما ورد ذلك في حق الأمة.
وأما الوعيد الوارد في الأحاديث، فأُحاديُّ، لا يجب التفسيق به، مع (٢) أن التفسيق بمجرد (٣) الوعيد مختَلَفٌ فيه، وقد توعّد الله على كل صغيرٍ وكبيرٍ (٤) في قوله تعالى: ﴿ومن يعمل مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهْ﴾ [الزلزلة: ٨].
وقد أوضحتُ في كتاب " إيثار الحق على الخلق " (٥) فائدتين لم أذكرهما هنا.
إحداهما: بيان أنه لا يمكن أن يكون مذهب (٦) الوعيدية هنا أحوط، لأن محل الاحتياط العمل (٧).
وأما الاعتقاد، فلا يمكن إلاَّ اعتقاد الحق في القطعيات، وترجيح الراجح في المظنونات (٨) إلى سائر ما ذكرت في ذلك من الوجوه المفيدة العديدة.
وثانيتهما: أن المختلفين في هذه المسألة على خيرٍ إن شاء الله تعالى ولا كُفِّرَ في أحد القولين إلاَّ من رد ما تواتر من الرجاء والشفاعة بعد تواتره على جهة العِنَادِ، أو جوَّزَ الخُلْفَ على الله تعالى به (٩) في الوعد بالخير، أو بلغ حد القنوط المحرم بالإجماع، أو دخل في قوله تعالى: " أنا حيث ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء " (١٠). وبهذا يُجاب (١١) على من تمثَّل بقول القائل من الوعيد:
_________________
(١) " وإجماع " ساقطة من (ش).
(٢) في (ف): " على ".
(٣) في (ش): " لمجرد ".
(٤) في (ف): " على كل صغيرة ".
(٥) ص ٣٨٢.
(٦) " مذهب " ساقطة من (ف).
(٧) " العمل " ساقطة من (ش).
(٨) في (د) و(ف): " الظنون ".
(٩) " به " ساقطة من (ش).
(١٠) تقدم تخريجه ٥/ ٥٠٧.
(١١) في (ف): " يخاف ".
[ ٨ / ٣٨٣ ]
إن صحَّ قولُكما، فليس بضائِري أو صحَّ قولي، فالوَبَالُ عَلَيكُما (١)
والله ﷾ أعلم وفي المسألة مباحث كثيرة تركتها اختصارًا.
وأما الفائدة الثالثة: وهي أن الخبر ليس بما يستحيلُ تأويلُه، فالأمر في إمكان التأويل واضحٌ، ولله الحمد.
والعجبُ من السيد كيف ألحق هذه الأحاديث بذلك الفنِّ الأول، فليس بينهما مقارنةٌ. وبيان ذلك أن تلك الأحاديث المتقدِّمة تعلق بالكلام في ذاتِ الله تعالى وصفاته التي لا يجوز فيها التَّغيُّر والنسخ، وهذه الأحاديث تعلق بأفعاله، والتغيُّر والنسخ جائزٌ فيها.
وقد ادعى السيد أن هذه الأحاديث تُناقِضُ قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ﴾ [الانفطار: ١٦] فلنتكلم في فصلين:
أحدهما: في بيان أنها لا تناقض ذلك ولا غيره من عمومات القرآن.
وثانيهما في ذكر وجهٍ من وجوهِ التأويل التي يمكن حملها عليه.
أما الفصل الأول: فاعلم أن قول السيد إنها تناقض قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ﴾ غير صحيح، ولعله -أيده الله تعالى- لا يخفى عليه أن العموم والخصوص لا يتناقضان على القطع في نفس الأمر، بحيث يُقطع بكذبِ أحدهما، وأما الظاهر منهما، فإن وردا فيما لا يصحُّ فيه النسخ، لم يتعارضا، وبنى العموم على الخصوص باطنًا وظاهرًا، وإن وردا فيما يصح النسخ فيه، لم يتعارضا باطنًا، وأما ظاهرًا، فإن عَلِمَ المتأخِّر، فلا معارضة بينهما في الباطن ولا في الظاهر، وإن لم يعلم التاريخ، فلا معارضة في الباطن قطعًا، بل يعلم أن
_________________
(١) البيت للمعري من قصيدة مطلعها: قال المنجِّمُ والطبيب كلاهما: لا تُحشَرُ الأجساد، قلت: إليكما انظر " اللزوميات " ٢/ ٤٣٣.
[ ٨ / ٣٨٤ ]
أحدهما إما خاص، وإما ناسخ، ولا سبيل إلى تكذيب الراوي، ولا وجهَ لتعذُّر التأويل، وإنما اختلف العلماء في الظاهر من أجل العمل فقط، لا من أجل تعذُّرِ التأويل ولا التناقض في نفس الأمر، فقال الجمهور: إن الظاهر أيضًا لا يتعارض بل يبني العام على الخاص.
قال الشيخ أبو الحسين: وهو الذي عليه علماء الأمصار، ولهذا عملوا بذلك في قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنّ﴾ [الطلاق: ٤]، مع قوله تعالى في المطلقات على العموم: إن عدَّتَهُنَّ ثلاثة قُرُوء، وأمثالُ ذلك كثير، فأين التناقض من هذا المُوجب للقطع بتكذيب الراوي وجرحه؟ هذا لم يقل به أحدٌ من الأولين ولا من الآخرين، وما كان السيد يعرف القرآن العظيم.
أين هو من قوله تعالى في ﴿يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، مع قوله تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]، مع أنه قد كان نفى الخُلَّةَ في يوم القيامة، فكان يلزم السيد أن هذا متناقضٌ متكاذب، وكذلك قد كان نفى الشفاعة في تلك الآية، ثم أثبتها في آياتٍ كثيرةٍ من القرآن، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، أي: الشفاعة له كما يأتي بيانه، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦]، وقوله في المجرمين المَسُوقين إلى النار: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٧].
وقد أجمعت الأمة والعترة على ثبوت الشفاعة لرسول الله - ﷺ -، وإن اختلفوا لمن هي، فلم يكن ذلك متناقضًا مُتكاذِبًا. والقرآن مشحونٌ من العموم والخصوص، حتى قال بعض العلماء: جميع ما في القرآن من العموم مخصوصٌ إلاَّ قوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٩]، فلو كان التخصيص تكذيبًا للعموم ونقضًا له، لكان القرآن أو أكثرُه منقُوضًا مُتكاذِبًا، تعالى الله عن ذلك عُلُوًَّا كبيرًا.
وإذ قد بلغ السيدُ إلى هذه الغاية في إنكار الجليَّات، فلنذكرِ الدَّليل على
[ ٨ / ٣٨٥ ]
أن ذلك ليس يتناقض، وإلا فقد كنتُ أتوهم أن أحدًا من المميِّزين لا يحوج إلى ذكر ذلك.
فأقول: الدليلُ على أن الخصوص لا يُناقِضُ العموم وجهان:
أحدهما: معارضة وهي (١) أن وجود العُموم والخصوص في كتاب الله تعالي معلومٌ بالإجماع، بل بالضرورة، وهو مصُونٌ عن التناقض، والخصم معارضٌ بعمومات الوعد بالمغفرة على بعض الأعمال كما سيأتي.
وجوابنا في الوعيد مثل جوابه في الوعد سواءٌ (٢) ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمنٌ﴾ [النساء: ١٢٤]، و[طه: ١١٢]، [والأنبياء: ٩٤]، في ثلاث آيات والقول في الصدقة وحدها: ﴿إن تُقْرِضُوا الله قرضًا حسنًا يضاعفه لكم ويغفر لكم﴾ [التغابن: ١٧]، وبقوله: ﴿ومن يُوقَ شُحَّ نفسه فأولئك هم المفلحون﴾ [الحشر: ٩]، و[التغابن: ١٦]، وأمثال ذلك كثيرٌ كما سيأتي.
وثانيهما: على طريق التحقيق، وذلك أن العموم في اللغة العربية قد يطلق ويُرادُ به بعض ما يتناوله، وقد كثُرَ في لغة العريب كثرة عظيمة، حتَّى قال بعض العلماء: إن العموم مشترك، وإنه يُطْلَقُ على البعض حقيقةً من غير تجوُّزٍ، وإلى ذلك ذهب السيد المرتضى وغيره.
وقد خرَّج أهلُ الصحيح حديث هلال بن أمية الذي قذف امرأته بشريك بن سحماء فقال له رسول الله - ﷺ -: " البينة أو حدٌّ في ظهرك " غير مرةٍ، وهو يقول: والذي بعثك بالحق نبيًا، إني لصادقٌ، وليُنْزِلَنَّ الله في أمري ما يُبَرِّىءُ ظهري، فنزلت آيةُ اللِّعان. رواه البخاري والترمذي من حديث ابن عباس (٣)، ورواه
_________________
(١) في (ش): "معارض وهو".
(٢) " سواء " ساقطة من (ش).
(٣) تقدم تخريجه ٣/ ٢٥٦.
[ ٨ / ٣٨٦ ]
النسائي (١) من حديث أنس، وفيه أنَّ هلالًا قطع بتخصيصِ العموم لمجرَّد حُسْنِ الظن بالله، ولم ينُكِر عليه رسول الله - ﷺ - في سائر الأحاديث في سبب نزول آية الِّلعان أنهم جَوَّزُوا تخصيص عُموم الحدِّ، وسألوا عن التخصيص قبل نزوله كما في حديث ابن مسعودٍ عند مسلمٍ، وأبي داود (٢) وحديث لابن عباس آخر عند البخاري ومسلم والنسائي (٣)، وهم أهل اللغة، ما أنكر ذلك منكرٌ، وأقرَّهم عليه - ﷺ -، فكيف ينكر التخصيص بعد وقوعه من الله ورسوله، وقد منع بعضهم ذلك في الأخبار دُون الأمر والنهي، ويأتي الجواب عليه قريبًا.
ونزيد هنا بيان وقوع ما منعه في القرآن العزيز، ولا شك أن الوقوع فرعُ الصحة، ومثال ذلك في القرآن قوله تعالى في الريح التي أصابت قوم عادٍ في " الذاريات ": ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيم﴾ [الذاريات: ٤١ - ٤٢]، وقال في " الحاقة ": ﴿فهل ترى لهم من باقيةٍ﴾ [الحاقة: ٨]، بل قال في " الأحقاف ": ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥]، وكلُّهنَّ مَكِّيَّاتٌ، مع أنها ما دمَّرت إلاَّ قوم عادٍ، ولم تدمِّر السماوات والأرضين والجنة والنار والعرش والكرسي والملائكة والجن والإنس والطير والبحَارَ، وما فيها (٤) من المخلوقات وما لا نعلمه من خلق الله تعالى، بل قد دلَّ كتاب الله على أنها ما دمَّرت مساكن قوم عادٍ، لقوله في " الأحقاف ": ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٥]، وهي من أحسن الأدلة على جواز تخصيص العموم، حتى الأدلة المنفصلة عنه، لأنها منفصلة عن العُموم الذي في ذلك في سورة الذاريات، كما تقدم.
_________________
(١) ٦/ ١٧١ - ١٧٣، وأخرجه أيضًا مسلم (١٤٩٦).
(٢) " مسلم " (١٤٩٥)، و" أبو داود " (٢٢٥٣).
(٣) البخاري (٥٣١٠) و(٥٣١٦) و(٦٨٥٥) و(٥٨٥٦) و(٧٢٣٨)، ومسلم (١٤٩٧)، والنسائي ٦/ ١٧٤.
(٤) في (ش): " فيهما ".
[ ٨ / ٣٨٧ ]
واذا نظرتَ، لم نَجِدْ لقوم عادٍ حكمًا يستحقُّ (١) الذكر إلى ما ذكرته لولا التَّوسُّع العظيم في المجاز، وإطلاق أهل اللسان العموم العظيم على أقلِّ أجزائه، فإن لفظ الشيء أعمُّ ما يكون، حتى إنه يدخل فيه المعدوم عند البهاشمة من المعتزلة، وقد أطلَقهُ على قوم عادٍ، وأدخل عليه لفظ " كل " المؤكِّد للعموم والشُّمول والاستغراق، وهو حجةٌ وتخصيص العموم المؤكد، كقوله تعالى: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِين﴾ [الحجر: ٥٩ - ٦٠]، وهو في سورة القمر غير مخصوص قال فيها: ﴿إلاَّ آل لوطٍ نجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ [القمر: ٣٤]، ولم يخص امرأته في هذه الآية، ولا في هذه السورة، وهي مكيةٌ، واستثنى في " الحجر "، و" النحل "، وهما مكيتان أيضًا، ولما تقدم الآن في قَسَمِ هلال بن أمية: ليُنزلن الله ما يبرِّىءُ ظهري (٢) من الحد مع تأكيد رسول الله - ﷺ - لعموم إيجاب الحدِّ عليه، وقوله له (٣) غير مرَّة: " البينة أو حدٌّ في ظهرك "، فما منع ذلك التخصيص ولا تجويزه ولا ظنه قبل وقوعه (٤).
وقد نزل قوله تعالى: ﴿الذين قال لهم الناس﴾ [آل عمران: ١٧٣] في نُعيم بن مسعودٍ الأشجعي، جاء إلى رسول الله - ﷺ - يوم خرج بعد أُحدٍ إلى حمراء الأسد، فقال: إن الناس قد جَمَعُوا لكم. أراد أبا سفيان وأصحابه (٥). فأطلق الله الناس على العموم، والمراد به واحدٌ.
وكذا قوله تعالى: ﴿وأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شيءٍ﴾ [النمل: ٢٣]، فإذا نظرت في جميع ما ذكرتُه آنفًا مما يدخل تحت كل شيءٍ، ونظرت كم أُوتيت بِلقيس من ذلك لم تُجد له بالنسبة بالنظر إلى ما لم يؤت منه سائر السماوات والملائكة والجنة، وما لا يُحصى كثرةً، وهذا المعنى باقٍ في اللُّغة إلى يومنا هذا بقولِ
_________________
(١) في (ش): " حتى يستحق ".
(٢) في (ف): " ظهره ".
(٣) " له " ساقطة من (ف) و(د).
(٤) في (ف): " قوله ".
(٥) انظر " زاد المسير " ١/ ٥٠٤ - ٥٠٥.
[ ٨ / ٣٨٨ ]
القائل: أحسنَ الأميرُ إلى الناس، وعدل الخليفة في الخلق، وأمَّنَ الإمامُ السُّبُلَ، وكل ذلك للعُموم، ولا يُطْلَقُ على الثلاثة مع التعريف بالألف واللاَّم إلاَّ مجازًا.
وقال الشيخ أحمد بن محمدٍ الرصاص في كتابه " الجوهرة " التي هي مِدْرَسُ الزيدية في الموضع الثاني من الفصل الثالث في أقسام الخصوص ما لفظه: وقد منع بعضهم من جواز تخصيص الأخبار، وهذا لا وجه له، لأن الحكيمَ سبحانه قادرٌ على الخِطَاب الذي يقيِّد بظاهره العموم، ولا يريد به العموم، والحكمةُ واللغةُ لا تمنع من ذلك مع القرينة فجاز كالأمر والنهي، وقد قال الله تعالى: ﴿وأُوتِيَتْ من كُلِّ شَيْءٍ﴾، وهو عمومٌ مخصوصٌ، وقال: ﴿ومن يعص الله ورسوله﴾ [النساء: ١٤]، وقد خصَّ من عمومه التائب وصاحب الصغيرة. انتهى بحروفه.
وأما قوله في الموضع الرابع في وقت بيان الخطاب من الفصل الثاني في الكلام من المجمل والمُبَيَّنَ أن ذلك يُؤدِّي إلى الإغراء بالقبيح، ويدفعُ المكلَّفَ إلى الجهل، وقدِ اعترض عليه بأن الجزمَ في موضع الظنِّ خطأٌ وقع من المكلَّف باختياره القبيح، ولا ملجىء له إليه، فإنه يكفيه اعتقادات ظاهر ذلك (١) العموم حقيقة، لا مجازًا، ما لم يرد مخصِّصٌ مع اعتقاده أيضًا، لاحتمالِ التخصيص كما هو مقتضى اللغة التي نزل عليها القرآن، ذكر معنى ذلك القاضي العلامة عبد الله بن حسن الدواري في تعليقه على " الجوهرة "، وليس هذا لفظه.
وقولهم: لا يجوز التعبد بالظن في الاعتقاد مجرَّد دعوى وسيأتي بطلانها ومضى قريبًا شيء (٢) منه، وأطراف العُموم تعرِّفُ العُموم (٣) والخصوص، وأنهما غير متناقضين، فلو قال الإمام لبعض جُنده: خذِ العُشْرَ من الرعية، وأمره أن
_________________
(١) " ذلك " ساقطة من (ف).
(٢) " شيء " ساقطة من (ف).
(٣) في (ش): " بالعموم ".
[ ٨ / ٣٨٩ ]
ذكر شيء من وجوه التأويل التي يمكن حمل أحاديث الوعد والوعيد وآياتهما عند ظهور الاختلاف
يُعْفِيَ جماعة مخصوصين منهم، ولا يأخذ منهم شيئًا، ما اعتقد أن كلامه (١) متناقضٌ ولا جَهِلَ أنه أراد بالرعية من عدا أولئك المخصوصين، وهذا معلومٌ للمميِّز من الصبيان الذين لم يبلُغُوا الحُلُمَ، فلا نطوِّل بذكره، فلولا كثرة التعنُّتِ والتَّسرُّع إلى تكذيب رُواة الآثار النبوية، لما ذكر هذا، ولا خَفِيَ مثله، والله أعلم.
وقد يخصُّ (٢) بالعموم بالقرينة، وهو كثيرٌ، خصوصًا في كلام أهل التفسير، ولذلك قال موسى ﵇ في سورة القصص: ﴿ربِّ إني قتلتُ منهم نفسًا فأخاف أن يقتلون﴾ [القصص: ٣٣]، بعد أن قال الله سبحانه له: ﴿يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين﴾ [القصص: ٣١]، وذلك أنه ﵇ فَهِمَ من قرينة الحال، وسبب الآية أنه من الآمنين مما خاف منه بخصوصه، حيث رأى العصا تهتز كأنها جانٌّ، ولو فهِمَ العموم في الدنيا والآخرة من كل شيءٍ (٣) ما خاف القتل من قوم (٤) فرعون.
الفصل الثاني: في ذكر شيءٍ من وجوه التأويل التي يمكِنُ حمل أحاديث الوعد والوعيد وآياتهما عند ظهور الاختلاف، فمن ذلك أنه لا مانع من القول بأن بعض تلك الأحاديث ناسخٌ وبعضها منسوخٌ، وكذلك الآيات الكريمة، وهذا التأويل مشهور الصحة في كُتُبِ الأصول الفقهيَّة، وفي كتب الأحاديث الصحيحة القويَّة، وفي شُرُوح الأحاديثِ النبوية.
أما كتبُ الأصول الفقهية، فممَّن نص عليه واختاره واحتج عليه على ما يأتي فيه (٥) من التفصيل: الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة بن سليمان ﵇ في كتابه " صفوة الاختيار "، وحكاه عن الشيخ أبي عبد الله والقاضي وجماعةٍ من الفقهاء، واختار ﵇ جواز ذلك إلاَّ فيما لا يجوز أن يتغير
_________________
(١) في (ف): " هذا ".
(٢) في (ش): " خص ".
(٣) عبارة: " من كل شيء " ساقطة من (ف).
(٤) " قوم " ساقطة من (ش).
(٥) " فيه " ساقطة من (ف).
[ ٨ / ٣٩٠ ]
فيه (١) المخبَرُ عنه كما يجب ثبوته لله تعالى وما يجب نفيه عنه، وحكى هذا التفصيل عن شيخه، وعن أبي الحسين البصري، وطوَّل في ذكر الحجة عليه، وخُلاصتُها أنه ليس فيه شيءٌ مما توهَّمه من منع ذلك من الكَذِبِ الذي لا يجوزُ على الله تعالى، وإنما مرجِعُه إلى الخبر عن الشيء بما هو عليه قبل تغيره وبعد.
وذكر هذا السيد الإمام الناطق بالحق أبو طالب في كتابه " المجزىء في أصول الفقه "، واختاره، واحتج عليه بمثل حجة الإمام المنصور، ورواه عن شيخه أبي عبد الله البصري، وكذلك اختار ما اختاراه من هذا التفصيل الإمامُ المؤيد بالله يحيى بن حمزة ﵇، ذكره (٢) في كتابه " المعيار ".
وأما شهرة ذلك في كتب الحديث وشروحه، فإنه يظهر لك بما نذكره الآن (٣) إن شاء الله تعالى.
فمن ذلك أن ابن شهابٍ الزهري ذكر في " الصحيحين " وغيرهما بعد رواية حديث عُتبان بن مالك الأنصاري أن رسول الله - ﷺ - قال: " إن الله حرَّم النار على من قال: لا إله إلاَّ الله، يبتغي بذلك وجْهَ الله ".
قال الزهري: ثم نزلت بعد ذلك فرائض وأمورٌ نُرَى أن الأمر انتهى إليها، فمن استطاع أن لا يغتَرَّ فلا يغترَّ (٤).
وقد تُعُقِّبَ على الزهري هذا التأويل بأن الحديث مدنيٌّ غير مُؤَرَّخٍ، ومع ذلك يمتنع الحكم عليه بما ذكر. وسيأتي بطرقه إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) في (ف): " وفيه ".
(٢) " ذكره " ساقطة من (ف).
(٣) " الآن " ساقطة من (ش).
(٤) أخرجه البخاري (٤٢٥)، ومسلم (٣٣) ص ٤٥٦، وليس عند البخاري قول الزهري. وانظر ابن حبان (٢٢٣).
[ ٨ / ٣٩١ ]
وإنما القصد هنا شهرة ذكر (١) النسخ فيما يُعارِضُ في ظاهره من هذا القبيل قديمًا وحديثًا، حتى في " البخاري " و" مسلم " مع شهرتهما، واشتغال المعترض بقراءتهما، فكيف ينسُب ما فيهما مع مروره على مثل هذه إلى المعارضة المُوجِبَة للعلم بتعمُّد الرواة للكذب؟
ومن ذلك ما رواه ابن بطَّال في " شرح البخاري " عن العلامة محمد بن جرير الطبري من اختيار مثل قول ابن شهاب الزهري، لكن الذي ذكراه هو تجويزٌ عقليٌّ على جهة الزَّجر عن المعاصي، وليس فيه دِلالةٌ صحيحةٌ، فأما الزجر عن المعاصي، فيكفي فيه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُون﴾ [المعارج: ٢٧ - ٢٨].
وما أجمع العُقلاء عليه من جهل السوابق والخواتم، وذلك الأمرُ هو الذي قطع ظهور العارفين (٢) وأسهر عيون العابدين، وقَلْقَلَ قلوب الصالحين، وأمرَّ حُلْوَ الشهوات على المتقين.
وأما الصَّدعُ بالحق في رجاء الراحمين، والطمع في رحمة خير الغافرين، فيقتضي أن المنسوخ هو الشديد والتعسير والتقنيط والتنفير، لا ما ورد الأمر به من التبشير (٣)، وما صحَّ، بل تواتر، من التبشير (٤) الذي يقتضي الجمع بين (٥) الخوف والرجاء ولا يقتضي الأمان والإرجاء.
وقد قال النووي في " شرح صحيح مسلم " (٦) في باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة. إلى أن قال (٧): وأما ما حكاه -يعني القاضي عياضًا- عن ابن المسيِّب وغيره، فضعيفٌ، بل باطلٌ، وذلك لأن راوي أحد
_________________
(١) في (ش): " ذلك ".
(٢) " العارفين " ساقطة من (ف).
(٣) في (ش): " التيسير ".
(٤) في (ف): " التيسير ".
(٥) عبارة: " الجمع بين " ساقطة من (ش).
(٦) ١/ ٢١٧.
(٧) ١/ ٢٢٠.
[ ٨ / ٣٩٢ ]
هذه الأحاديث أبو هريرة، وهو متأخِّرُ الإسلام، أسلم عام خيبر سنة سبعٍ بالاتفاق، وكانت أحكام الشريعة مستقرَّةً، وكانت الصلاة والزكاة وغيرها من الأحكام، وقد تقرَّر فرضها، وكذلك الحجُّ على قول من قال: فُرِضَ سنة خمسٍ أو ستٍّ، وهما (١) أرجح من قول من قال: سنة تسعٍ، والله أعلم. انتهى كلام النووي.
وعندي على هذا حجةٌ قاطعةٌ: وهي أن أصحاب رسول الله - ﷺ - ورضي عنهم أتقى لله وأعلم وأعقل من أن يرووا هذه الأحاديث بعد موت رسول الله - ﷺ - للمسلمين وقد عَلِمُوا نسخها، ثم لا يُنَبِّهُون على ذلك، ولا يُمكن حملهم على الجهل بالنسخ، وكذلك يجب أن ينقل الناسخ وينص عليه رسول الله - ﷺ - لِقُبْحِ تأخير البيان عن وقت الحاجة ويفهم بيان ذلك (٢) كما بيَّن ما هو أسهل منه من نسخ نهيه عن زيارة القبور (٣)، ونحو ذلك.
ونحن نشير إلى نبذةٍ من ذلك نُنَبِّهُ المتأمِّل على أمثالها، والله يحبُّ الإنصاف.
فمن ذلك ما ثبت في " الصحيحين " من حديث قتادة عن أنسٍ أنه لما نزل أوَّل سورة الفتح قال رجل: هنيئًا مريئًا يا رسول الله قد بيَّن الله لنا ما يفعل بك، فما يفعل بنا؟ فأنزل الله ﷿: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٥]، رواه مسلم من غير طريق في " المغازي "، ورواه
_________________
(١) في (ف): " وهي ".
(٢) قوله: " ويفهم بيان ذلك " ساقط من (ف).
(٣) أخرج أحمد ٥/ ٢٥٥ و٢٦١، ومسلم (٩٧٧)، وأبو داود (٣٢٣٥)، والترمذي (١٠٥٤)، وابن حبان (٣١٦٨) من حديث بريدة مرفوعًا: " إني نهيتكم عن ثلاث: عن زيارة القبور، وعن لحوم الأضاحي أن تمسكوها فوق ثلاثة أيام، وعن الظروف إلاَّ ما كان في سقاءٍ، وقد رُخِّص لمحمد - ﷺ - في زيارة أمه ".
[ ٨ / ٣٩٣ ]
البخاري في المغازي أيضًا، والترمذي في " التفسير "، وقال: حسن صحيح (١).
كذا قال المزي في " الأطراف " (٢).
قلت: هو اللفظ للبخاري، ورواه ابن عبد البر من طريق معمر عن قتادة بزياداتٍ، وقد روى الواحديُّ (٣) في سورة الفتح عن عطاء، عن ابن عباس أن اليهود لما نزلت: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُم﴾ [الأحقاف: ٩]، سبُّوا النبي - ﷺ - وأصحابه، قالوا: كيف نتبع رجلًا لا يدري ما يُفْعَلُ به؟ واشتد ذلك على النبي - ﷺ -، فأنزل الله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّر﴾ [الفتح: ١ - ٢]، فهذا من آخر ما نزل فإن هذا كان في الحُديبية، وهي سنة ستٍّ من الهجرة في ذي القعدة، وعزاه ابن الأثير في " الجامع " (٤) إلى البخاري ومسلم في تفسير سورة الفتح.
ومن ذلك ما رواه الحافظ أبو يعلى الحنفيُّ في " مسنده " (٥) عن ابن عُمَرَ بن الخطاب أنه قال: كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتَّى سمعنا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ [النساء: ٤٨ و١١٦]، قال: -يعني- النبي - ﷺ -: " إنِّي ادَّخَرْتُ دعوتي شفاعةً (٦) لأهل الكبائر من أمتي ". فأمسكنا عن كثيرٍ مما كان في أنفسنا، ثم نطقنا بعد ورجونا. قال الهيثمي في " مجمع الزوائد " (٧) في التفسير: رواه أبو يعلى برجال الصحيح.
_________________
(١) البخاري (٤١٧٢)، ومسلم (١٧٨٦)، والترمذي (٣٢٦٣).
(٢) ١/ ٣٤٦.
(٣) في " أسباب النزول " ص ٢٥٥.
(٤) ٢/ ٣٥٥ - ٣٥٧. وانظر الصفحة السالفة ت (٤).
(٥) برقم (٥٨١٣). وأخرجه ابن أبي حاتم كما في " تفسير ابن كثير " ١/ ٥٣٣ بنحوه. وأورده السيوطي في " الدر المنثور " ٢/ ٥٥٧، وزاد نسبته إلى ابن الضريس وابن المنذر وابن عدي، وصحح إسناده.
(٦) في (ف): " ادخرت شفاعتي ".
(٧) ٧/ ٥.
[ ٨ / ٣٩٤ ]
قلت: وفي المجلد الثامن في أبواب التوبة والاستغفار من هذا الكتاب أن ابن عمر روى من طُرُقٍ أحدها: رواه البزار وإسناده جيَّدٌ (١).
وفي باب المذنبين من الموحِّدين (٢)، رواه الطبراني من طريق أبي عصمة (٣).
ورواه أيضًا في معجميه " الكبير " و" الأوسط " من طريق عمر بن المغيرة (٤).
وبقيتهم رجال الصحيح (٥).
وسند آخر من طريق عمر بن يزيد السَّيَّاري، عن مسلم بن خالدٍ الزَّنجيِّ، وبقيتهم رجال الصحيح (٦)، وقال الهيثمي في " مجمع الزوائد " (٧): إنه لم يعرف عمر بن يزيد السياري (٨)، وهو معروفٌ، ذكره الذهبي في كتابه " ميزان الإعتدال في نقد الرجال " (٩) للتمييز بينه وبين عمر بن يزيد الرَّفَّاء راوي حديثٍ موضوعٍ، وقال في السياري هذا: إنه بصري أدرك عبَّاد بن العوَّام، وعبد الوارث، روى عنه أبو داود وبقيُّ بن مَخلد وعبدان، ووثَّقه صاعقةُ.
ومسلم بن خالد (١٠) الزنجي المكِّيُّ الفقيه من رجال أبي داود وابن ماجة،
_________________
(١) البزار (٣٢٥٤)، وهو حديث أبي يعلى نفسه سندًا ومتنًا. وانظر " المجمع " ١٠/ ٢١٠.
(٢) " المجمع " ١٠/ ١٩٣.
(٣) الطبراني (١٣٣٣٢). وأبو عصمة متروك كما قال الهيثمي.
(٤) قال فيه الهيثمي: مجهول، وقال البخاري: منكر الحديث مجهول. انظر " الميزان " ٣/ ٢٢٤.
(٥) " رجال الصحيح " ساقطة من (ف).
(٦) أخرجه الطبراني في " الكبير " (١٣٣٦٤).
(٧) ١٠/ ١٩٣.
(٨) " السياري " ساقطة من (ف).
(٩) ٣/ ٢٣١.
(١٠) في الأصول: " وخالد "، وهو خطأ.
[ ٨ / ٣٩٥ ]
مختلفٌ فيه، وممن وثَّقه ابن معين، وكان شيخ الشافعي، وكان فقيهًا عابدًا، يصوم الدهر.
فهذه خمسة أسانيد.
وله شاهدٌ عن ابن مسعودٍ من طريق أبي رجاءٍ الكلبيِّ، لم يعرفه الهيثمي (١).
هذا مع العلم الضروري أن هذه الآية الشريفة: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ [النساء: ٤٨] متأخرة، فإنها في النساء بالضرورة، و" النساء " مدنيةٌ وفاقًا.
وهذه الآية كافيةٌ في المقصود كما سيأتي في الكلام على معناها والرد على من أوَّلها، وإنما القصد هنا ذكر الحجة بالنظر إلى التاريخ المتأخِّر، لا سوى، ولكن هذه الأحاديث زادت ذلك بيانًا، ولا شكَّ أن السنة النبوية مشتملةٌ على بيان كتاب الله، لقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ للنَّاس ما نُزِّلَ إليهم﴾ [النحل: ٤٤]، وليس في كتاب الله من الصلاة إلاَّ الأمرُ بإقامتها، وجاءت السنة النبوية بأعدادها وفرائضها وشرائطها وأوقاتها، وتحريمها على الحائض حتى ينقطِعَ دمها وتطهر، وتحريمها على الجُنُب والمُحْدِثِ حتى يتطهَّرَ الطُّهْرَ المشروع، وكذلك فسَّر النبي - ﷺ - الزكاة والصوم والحج ونِصَابَ السرقة، وقيَّد إطلاق الله في المواريث، فاستثنى الكافر والعبد وقاتل العمد ونحو ذلك (٢)، والأمَّةُ مقرَّةٌ لتفسيره، حتى جاءت المبتدعة إلى الوعد والوعيد، فعزلوا الرسول عن تفسيره وتفصيله، وخالفوا في ذلك المعقول والمنقول كما يتضح لك إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) " المجمع " ١٠/ ١٩٤. قلت: وليس كما قال، فقد وثقه يحيى بن معين في " تاريخه " ص ٧٠٥. ونقل توثيقه عنه ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٩/ ٣٧٠، والدولابي في " الكنى " ١/ ١٧٤.
(٢) في (ف): " ونحوه ".
[ ٨ / ٣٩٦ ]
ومن ذلك ما جاء في حديث رجم ماعزٍ في حدِّ الزِّنى، وهي متأخرةٌ بعد نزول الحدود، وفيها أنه نهى عن الاستغفار له في الابتداء، ثم استغفر له، وأمر بالاستغفار له، وهي أحاديث صحيحةٌ شهيرةٌ (١).
فإن قيل: إنما استغفر له على ظاهر التوبة.
قلنا: لو كان كذلك، لم يَنْهَ عن ذلك في الابتداء، بل أراد التشديد، ثم أمر بخلافه، والله أعلم.
وكذلك قد ورد القرآن بالأمر بالأذى للزاني، ثم نهى عن ذلك بعد نزولِ الحدود، فقال في الأمر بحدِّ الأمة: " لا يعيِّرُوها، ولا يُثَرِّب عليها " متفق عليه (٢).
وكذلك نهى عن سبِّ شارب الخمر بعد نزول الحدود، وقال: " لا تُعينوا الشيطان على أخيكم، أما إنه يحبُّ الله ورسوله ". رواه البخاري (٣).
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠].
وعن أبي الدرداء، قال: كان النبي - ﷺ - إذا جلس وجلسنا حوله، فأراد أن يقوم، ترك نعليه، أو بعض ما يكونُ عليه، وأنه قام وترك نعليه، فأخذتُ رَكْوَةً من ماءٍ فاتَّبعتُه، فرجع ولم يقض حاجته، فقلت: يارسول الله، ألم تكن لك حاجةٌ؟ قال: " بلى (٤)، ولكن أتاني آتٍ من ربِّي، فقال: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سوءًا أو يَظْلِمْ نَفْسَهُ
_________________
(١) تقدم تخريجه ١/ ٢٦٠، وانظر ص ١٥٣ - ١٥٤ من هذا الجزء.
(٢) نص الحديث بتمامه: " إذا زنت الأمة، فتبين زناها، فليجلدها ولا يُثَرِّب عليها، ثم إن زنت، فليجلدها ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثالثة، فليبعها ولو بحبل من شعر ". أخرجه من حديث أبي هريرة أحمد ٢/ ٢٤٩ و٤٩٤، والبخاري (٢١٥٢) و(٢٢٣٤) و(٦٨٣٩) -واللفظ له-، ومسلم (١٧٠٣)، وأبو داود (٤٤٧٠) و(٤٤٧١).
(٣) برقم (٦٧٨٠)، وأخرجه أيضًا أبو يعلى (١٧٦)، والبيهقي ٨/ ٣١٢.
(٤) في (ش): " لا ".
[ ٨ / ٣٩٧ ]
ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ الله يَجِدِ الله غفورًا رَحِيمًا﴾، وقد كانت شقَّت عليَّ الآية التي قبلها: ﴿مَنْ يعمل سوءًا يُجْزَ به﴾ [النساء: ١٢٣]، فأردت أن أُبَشِّرَ أصحابي.
قلت: يا رسول الله: وإن زنى وإن سرق، ثم يستغفرُ الله غفرَ لَهُ؟
قال: " نعم "، ثمَّ ثلَّثتُ، قال: " على رغمِ أنفِ أبي الدرداء ".
قال الراوي: رأيتُ أبا الدرداء يضرب أنفه بأصبعه.
رواه الطبراني (١)، قال الهيثمي (٢): وفيه مبشِّرُ بن إسماعيل، وثّقه ابن معين وغيره، وضعفه البخاري، وهذا وهمٌ من الهيثمي، فإن البخاري ما ضعَّفه، بل روى عنه، بل هو من رجال الجماعة كلِّهم.
قال الحافظ ابن حجر في مقدمة " شرح البخاري " (٣): هو من طبقة وكيع.
قال ابن سعدٍ: كان ثقةً مأمونًا، وقال النسائي: لا بأس به.
قال الحافظ ابن حجر مع سعة اطِّلاعه وتقدُّمه في هذا الفنِّ على الهيثمي ما لفظه: وذكره صاحب " الميزان " (٤) فقال: تُكُلِّمَ فيه بلا حجة، قال: ولم يذكر من تكلَّم فيه، ولم أر فيه كلامًا لأحدٍ من أئمة الجرح والتعديل، لكن قال ابن
_________________
(١) وأخرجه أيضًا ابن حبان في " المجروحين " ١/ ٢٠٤، وابن مردويه كما في " تفسير ابن كثير " ١/ ٥٦٦ من طريق مبشر بن إسماعيل الحلبي، عن تمام بن نجيح، عن كعب بن ذهل، عن أبي الدرداء. وتمام بن نجيح ضعفه البخاري وابن عدي وأبو حاتم وأبو زرعة الرازيان، وقال ابن حبان: منكر الحديث جدًا، يروي أشياء موضوعة عن الثقات كأنه المتعمد لها. وكعب بن ذهل فيه لين، وقال الذهبي في " الميزان " ٣/ ٤١٢: لا يعرف. ولذا قال الحافظ ابن كثير بعد إيراد الحديث: هذا حديث غريب جدًا من هذا الوجه بهذا السياق، وفي إسناده ضعف.
(٢) في " المجمع " ٧/ ١١.
(٣) ص ٤٤٢ - ٤٤٣.
(٤) ٣/ ٤٣٣.
[ ٨ / ٣٩٨ ]
قانعٍ في " الوفيات ": إنه ضعيفٌ، وابن قانع ليس بمعتمدٍ، وليس له في البخاري سوى حديثٍ واحدٍ عن الأوزاعي في كتاب التهجُّد بمتابعة عبد الله بن المُبارك، وروى له الباقون. انتهى.
ولعل رواية البخاري عنه مقرونًا هو سبب وهم الهيثمي، وليس فيه حجةٌ على تضعيفه، إذ يمكن أنه لو لم يُتابَعْ، لخرَّج عنه وحده كسائرِ الجماعة (١).
ولأبي الدرداء نحو هذا في تفسير قوله في سورة الرحمن: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَان﴾ [الرحمن: ٤٦]، ورجاله رجال الصحيح (٢).
لكن سورة الرحمن مكية، فلم نحتج به، وإنما احتجاجنا هنا لكونه ورد بعد قوله تعالى: ﴿من يعمل سوءًا يَجْزَ به﴾، وهي مدنيةٌ من سورة النساء، وقد كانت شقّت على رسول الله - ﷺ -، فبشَّر أصحابه بنزول هذه بعدها، وذلك واضحٌ في أنه آخر الأمرين على القول بالنسخ دون التأويل والله سبحانه أعلم.
وفي الحديث دليلٌ على أن الاستغفار سؤال المغفرة على ما سيأتي (٣) تقريره بالأدلة الواضحة، فأمَّا التوبة، فلم تزل مقبولةً من أول النبوة، فإن النبي - ﷺ - إنما بعث (٤) يدعو الكفار إلى التوبة والرجوع إلى الله.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢]، و" عسى " من الله بمعنى القطع، لأن التَّرجِّي لا يجوز عليه، وقد روى البخاري في " صحيحه " (٥) من
_________________
(١) قلت: علة الحديث ليست في مبشر بن إسماعيل، وإنما في شيخه فيه تمام بن نجيح وكعب بن ذهل كما تقدم.
(٢) قاله الهيثمي في " المجمع " ٧/ ١١٨، وهو حديث صحيح رواه أحمد وغيره، وسيأتي تخريجه في الجزء التاسع.
(٣) " ما سيأتي " ساقطة من (ش).
(٤) " بعث " ساقطة من (ف).
(٥) برقم (٧٠٤٧)، وقد تقدم تخريجه.
[ ٨ / ٣٩٩ ]
حديث سمُرَةَ في الرؤيا النبوية الطويلة أنه رأى قومًا نصف خلقهم كأقبح ما رأى، ونصفها كأحسن ما رأى، فغُمِسُوا في نهرٍ، فخرجوا منه، وصارُوا كلهم كأحسن ما رأى، فقيل له: إنهم خَلَطُوا عملًا صالحًا وآخر سيِّئًا، تاب الله عليهم.
وهذا أصح من تفسيرهم بالتائبين سندًا ونظرًا.
أمَّا السَّندُ، فظاهر، خُصوصًا على رأي الخصوم، فإنَّ البخاري رواه من حديث عوف بن أبي جميلة الأعرابي. وثَّقه أحمد، وابن معين والنسائي، وبالغ، ومحمد بن عبد الله الأنصارى وبالغ أيضًا، ولم يقدح فيه إلاَّ بالتَّشيُّع والاعتزال.
وأما النظر، فإن الله ذكر هؤلاء بعد ذكر السابقين من المهاجرين والأنصار، فلو أراد بالخالطين: التائبين، لكانوا من الخالطين، لأنهم خلطوا الكفر المقدَّم بالإسلام المتأخِّرِ، وتابو من أكبر الكبائر، وهو الشرك بالله، إلاَّ عليًّا ﵇، وهذه الآية مدنيةٌ وفاقًا.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ به فهو كَفَّارةٌ له﴾ [المائدة: ٤٥]، و" المائدة " من آخر ما أنزل، منسوخ منها.
وروى أحمد في " المسند " (١) من حديث مُجالدٍ، عن عامر، عن المحرَّر بن أبي هريرة، عن رجُلٍ من أصحاب رسول الله - ﷺ -: " من أُصيبَ بشيءٍ في جسده، فتركه لله، كان كفَّارةً له " وهذا في معنى الآية. هكذا وجدته في " جامع المسانيد " لابن الجوزي. وأظنُّه من أغلاط النُّسَّاخ، وصوابه -إن شاء الله- المحرز بن هارون (٢) القرشي التَّيميُّ المدني، يروي عن الأعرج، عن أبي
_________________
(١) ٥/ ٤١٢، لكن جاء فيه عن رجل، عن النبي - ﷺ -. ومجالد بن سعيد ضعيف، والمحرر بن أبي هريرة لم يوثقه غير ابن حبان.
(٢) جاء في هامش (ف) ما نصه: هذا وهم، فإن المحرر بن أبي هريرة الدوسي الصحابي -بمهملات، كمحمد- من رجال النسائي وابن ماجه. قال الحافظ ابن حجر: مقبول.
[ ٨ / ٤٠٠ ]
هريرة، حسَّنَ الترمذي حديثه، وقال البخاري: هو محرَّر برائين مهملتين، وخالفه ابن أبي حاتم، فقال (١): بزاي. ذكر ذلك الذهبي في " الميزان " (٢).
فهذه الآيات وأمثالُها مما يأتي عند سَرْدِ الأدلة المكية والمدنية معًا، تدل على ذلك.
ومن ذلك مِنَ الأحاديث الصحيحة الشهيرة كثيرٌ، كحديث الأعمش عن أبي سعيدٍ وأبي هريرة مؤرَّخًا بغزوة تبوك. خرَّجه مسلمٌ في أوائل كتابه، فقال في كتاب الإيمان (٣): حدثنا سهلُ بن عثمان، وأبو كُريبٍ محمد بن العلاء جميعًا (٤)، عن أبي معاوية، قال أبو كريب: حدثنا أبو معاوية، عَنِ الأعمش، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة أو أبي (٥) سعيد -شكَّ الأعمش- قال: لما كان غزوة (٦) تبوك أصاب الناس مجاعةٌ. قالوا: يا رسول الله: لو أذِنْتَ لنا فنحرنا نواضِحَنَا. إلى قوله: فدعا بنِطْعٍ فبسطه (٧)، ثم دعا بفضل أزوادهم حتى اجتمع من ذلك شيءٌ يسيرٌ، ثم دعا بالبركة، ثم قال: خذوا في أوعيتكم "، فأخذوا حتى ما تركوا في العسكر وعاءً إلاَّ ملؤوه، فأكلوا حتى شَبِعُوا، ففَضَلَتْ فضلَةٌ، فقال: " أشهد أن لا إله إلاَّ الله وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبدٌ غير شاكٍّ، فيُحجَبَ عن الجنة " إسناده صحيح.
وله طرق عن الأعمش بعضها في " النسائي " (٨)، لكن بغير تسمية الغَزَاة تبوك، وكانت تبوك (٩) سنة تسعٍ من الهجرة في ذي القعدة.
_________________
(١) في (ف): " قالوا ".
(٢) ٣/ ٤٤٣.
(٣) رقم (٢٧). وأخرجه أيضًا أحمد ٣/ ١١ وأبو يعلى (١١٩٩)، وابن حبان (٦٥٣٠).
(٤) " جميعًا " ساقطة من (ف).
(٥) في (ش): " وأبي ".
(٦) في (ش): " في غزوة ".
(٧) " فبسطه " ساقطة من (ف).
(٨) انظر " تحفة الأشراف " ٩/ ٣٦٦ رقم الحديث (١٢٤٥٥).
(٩) " تبوك " ساقطة من (ف).
[ ٨ / ٤٠١ ]
وفيها أيضًا حديث الذي أوجب النار (١)، فأمر النبي - ﷺ - أصحابه أن يعتقوا عنه رقبةً يعتق الله بكل عضوٍ منها عضوًا منه من النار، رواه أبو داود، والنسائي من طريق إبراهيم، عن الغريف بن عيَّاشٍ، عن واثلة، ورواه الإمام أحمد (٢) والذي وَرَّخه بتبوك ابن عبد البر، وهو متأخِّرٌ عن الوعيد لقوله: " أوجب النار ".
وحديث ابن مسعود: لمَّا أُسرِيَ برسول الله - ﷺ - انتهي به إلى سدْرَةِ المنتهى، وهي في السماء السادسة، وإليها ينتهي ما يُعْرَجُ به من الأرض، فيُقبَضُ منها، وإليها ينتهي ما يُهبط به (٣) من فوقها، فيُقبض منها، فأعطي ثلاثًا: الصلوات الخمس، وخواتيم سورة البقرة، وغُفِرَ لمن لا يُشرِكُ بالله من أمته شيئًا المُقْحِمَاتُ. رواه مسلم والنسائي والترمذي، وفي لفظِ الترمذي: " فأعطاه الله ثلاثًا لم يعطِهِنَّ نبيًَّا قبله، وقال في الثالثة: وغَفَرَ لأُمَّته المُقْحِمَاتِ ما لم يشركوا بالله شيئًا " (٤).
قال ابن الأثير في " جامع الأصول " (٥): هي الذنوب التي تُقْحِمْ صاحبها في النار، أي: تُلقيه فيها، وهذا يردُّ على من زعم أن أحاديث الرجاء قبل أن تُفرض الفرائض، كما تقدم عن الزُّهري والطبري.
ومن ذلك قوله تعالى في " آل عمران "، وهي مدنيةٌ: ﴿وكنتم على شَفَا حُفرةٍ من النار فأنقذكم منها﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وهذا خبرٌ جازمٌ بأنه قد أنقذهم من النار، وهو خطابٌ عامٌّ لأهل الإسلام، كما لو أمرهم ونهاهم توجَّه إليهم
_________________
(١) في (ش): " أوجب النار بالقتل ".
(٢) أخرجه أحمد ٣/ ٤٩٠ - ٤٩١، و٤/ ١٠٧، وأبو داود (٣٩٦٤)، والنسائي في العتق من " الكبرى " كما في " التحفة " ٩/ ٧٩، وصححه ابن حبان (٤٣٠٧)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٣) " به " ساقطة من (ف).
(٤) أخرجه مسلم (١٧٣)، والترمذي (٣٢٧٦)، والنسائي ١/ ٢٢٣ - ٢٢٤.
(٥) ١١/ ٣٠٩.
[ ٨ / ٤٠٢ ]
الجميع، وقد ذكر السبكي في " جمع الجوامع " أن العموم يثبُتُ في مثل ذلك عُرفًا، والله سبحانه أعلم.
وُيشبه هذه الآية الكريمة في خطاب أهل الإسلام بالمُبَشِّرات قوله تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُم﴾ [محمد: ٣٥] من أعظم آيات الرجاء المبشرات لمن يعقِلُ هذه المعيَّة، فإنها هنا معية النصر (١) والعون والرحمة، ونحو ذلك، لا معية العلم، فإنها عامة للكافرين والمسلمين، وترد للوعيد وللبشرى.
ومثل حديث فضل يوم عرفة، وما يقع فيه من المغفرة، وتحمُّلِ المظالم، وتاريخه بحجة الوداع، بل فيه أن ذلك لكل من حج البيت من أمته - ﷺ - إلى يوم القيامة، وهذا مما لا يصح نسخه مع تأخره أيضًا، وله طرق أربع مذكورةٌ في كتب الحديث والمناسك، منهم من ذكر بعضها، ومنهم من جمعها.
فممَّن (٢) ذكر بعضها ابن عبد البر، وأبو داود (٣)، وابن ماجة (٤)، والبيهقي (٥)، والشريف القاضي تقيُّ الدين محمد بن أحمد المكي، ومحبُّ الدين الطبري في كتابه " القرى " (٦)، وعبد الله بن المبارك، وممن ذكرها كلَّها (٧) الحافظ المنذري في كتابه " الترغيب والترهيب " (٨).
وأصح طرقه طريق عبد الله بن المبارك عن سفيان الثوري، عن الزبير بن عديٍّ، عن أنسٍ، عن النبي - ﷺ -، ومن هذه الطريق رواه الحافظ العلامة ابن عبد البر في كتابه " التمهيد "، ولم يضعِّفه ولا أعلَّه واحدٌ منهما، ولفظه: " إن الله غفر لأهل عرفات والمَشْعَرِ وتحمَّلَ عنهم التبعات "، وفي هذه الرواية هذا
_________________
(١) تحرفت في (ش) إلى: " النظر ".
(٢) في (ش): " فمن "، وهو خطأ.
(٣) برقم (٥٢٣٤)، مختصرًا ولم يسبق لفظه.
(٤) برقم (٣٠١٣).
(٥) في " السنن الكبرى " ٥/ ١١٨.
(٦) ص ٤٠٨.
(٧) " كلها " ساقطة من (ش).
(٨) ٢/ ٢٠٢ - ٢٠٣.
[ ٨ / ٤٠٣ ]
الإسناد المتفق على الاحتجاج برجاله؛ فقال عمرُ: يا رسول الله، هذا لنا خاصة؟ فقال رسول الله: " هذا لكم ولمن أتى من (١) بعدكم إلى يوم القيامة "، فقال (٢) عمر: كَثُرَ خيرُ الله وطَابَ!.
ثم ذكر حديث عباس بن مرداسٍ الذي رواه أبو داود مختصرًا، ورواه أبو الوليد (٣) الطيالسي أيضًا. ذكره الذهبي في ترجمته من كتاب " الميزان " ورواه ابن ماجة والبيهقي (٤) مطولًا، وذكر أنه من رواية عبد الله بن كنانة بن عباس بن مرداسٍ، عن أبيه. وهو وأبوه من رجال أبي داود وابن ماجة، ولم يُذكرا بجرحٍ ولا توثيق في " الميزان "، ولكن ذكر في ترجمة كل واحد منهما مذهبه عن البخاري أنه لم يَصِحَّ حديثه (٥)، وهذا صحيحٌ بالنظر إلى هذه الطريق، وإلى شرط بعضهم، كالبخاري، ومن يذهب مذهبه، فإن شرطه عزيزٌ، فليس يلزم من انتفاء الصحة عنده (٦) انتفاؤها عند غيره، وقد سكت عليه أبو داود، ولم يُضَعِّفْهُ، وهو لا يسكت على (٧) ضعيفٍ، وكذلك المنذري رواه بالعنعنة، وشرط أن لا يروي بها حديثًا باطلًا ولا ضعيفًا، وإنما يروي بها الصحيح والحسن وما يقاربهما، وقال البيهقي فيه: هذا الحديث له شواهدُ كثيرةٌ، وقد ذكرناها (٨) في كتاب " البعث "، فإن صح بشواهده، ففيه الحجة، وإن لم يصح، فقد قال الله تعالى: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذلك لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وظلم العباد بعضهم بعضًا دون الشرك.
_________________
(١) " من " ساقطة من (ش).
(٢) في (ش): " قال ".
(٣) في الأصول: " أبو داود "، والمثبت من " الميزان " ٣/ ٤١٥.
(٤) أبو داود (٥٢٣٤)، وابن ماجه (٣٠١٣)، والبيهقي ٥/ ١١٨.
(٥) انظر " الميزان " ٢/ ٤٧٤ و٣/ ٤١٥.
(٦) " عنده " ساقطة من (ف).
(٧) في (ش): " عن " قلت: وفي هذه الدعوى نظر، فقد سكت أبو داود في سننه عن أحاديث غير قليلة وهي ضعيفة.
(٨) في (ف): " ذكرها ".
[ ٨ / ٤٠٤ ]
قلت: قد صح أنه لا يغفِرُ على معنى إبطال حقِّ المظلوم، ولكن على معنى إرضاء المظلوم عن خصمه، ولفظ الحديث دالٌّ على ذلك.
وروى المنذري (١) حديث أنسٍ الآخر، وقال: رواه أبو يعلى في " مسنده " (٢) وسكت عليه المنذري.
ثم رواه من طريقٍ رابعةٍ بلفظ (٣): " عن " الذي تقدم شرطه فيه من طريق عبادة بن الصامت، وقال: رواته مُحتج بهم في الصحيح إلاَّ أن فيهم رجلًا غير مسمَّى (٤).
وروى في الباب (٥) من حديث جابرٍ، عن رسول الله - ﷺ -، عن الله تعالى أنه يقول لملائكته: " انظروا إلى عبادي، أتوني شُعْثًَا غُبْرًَا ضاحِين، أُشْهِدُكُم أنِّي قَدْ غفرتُ لهم، فتقول الملائكة: إن فيهم فلانًا مُرَهَّقًَا وفلانًا، فيقول الله: غفرت لهم ".
قال المنذري: المُرَهق: الذي يغشى المحارم، ويرتكب المفاسد.
رواه البيهقي وابن خزيمة في " صحيحه " بنحوه، واللفظ للبيهقي (٦).
_________________
(١) في " الترغيب والترهيب " ٢/ ٢٠٢.
(٢) أخرجه أبو يعلى (١٣٥١)، وذكره الهيثمي في " المجمع " ٣/ ٢٥٧، وقال: فيه صالح المري، وهو ضعيف، قلت: وفيه يزيد الرقاشي، وهو ضعيف أيضًا. وأورده السيوطي في " الجامع الكبير " ١٦٤/ ١، ونسبه إلى الخطيب البغدادي في " المتفق والمفترق "، وقال: ضعيف.
(٣) " بلفظ " ساقطة من (ف).
(٤) " الترغيب والترهيب " ٢/ ٢٠١ - ٢٠٢، والحديث رواه الطبراني في " الكبير "، وابن الجوزي في " الموضوعات " ٢/ ٢١٥ - ٢١٦، وأورده الهيثمي في " المجمع " ٣/ ٢٥٦ - ٢٥٧، وقال: رواه الطبراني في " الكبير " وفيه راو لم يسم، وبقية رجاله رجال الصحيح.
(٥) " الترغيب والترهيب " ٢/ ٢٠١.
(٦) حديث صحيح وأخرجه أيضًا ابن حبان (٣٨٥٣)، وانظر تمام تخريجه فيه.
[ ٨ / ٤٠٥ ]
وقال فضالة بن عبيدٍ: سمعتُ عمر بن الخطاب يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: " الشُّهداء أربعةٌ: مؤمنٌ جيِّدُ الإيمان، لَقِيَ العَدُوَّ، فصَدَقَ الله حتى قُتِلَ، فذلك الذي (١) يرفع الناس إليه أعينهم يوم القيامة " إلى قوله: " وَرَجُلٌ خَلَطَ عملًا صالحًا وآخر سيِّئًا، لَقِيَ العدُوَّ، فصدق الله حتى قُتِلَ، فذاك في الدرجة الثالثة، ورجلٌ مُؤمنٌ أسرف على نفسه، لَقِيَ العدو، فصدق الله حتى قُتِلَ، فذاك في الدرجة الرابعة ".
رواه الترمذي في " الجهاد " (٢)، وسنده قويٌّ جيِّدٌ، تفرَّد به عطاء بن دينارٍ، وقد وثَّقه أحمد وأبو داود، وقال أبو حاتم والبخاري: صالحٌ، ولم يضعَّفْهُ أحدٌ، وإنما ذُكرَ في " الميزان " (٣) من أجل أنه نَسَخَ كتاب التفسير من غير سماعٍ، وأما رواية الترمذي للحديث من طريق ابن لهيعة عنه، فلم ينفرد به، فقد تابعه سعيد بن أبي أيُّوب عن عطاءٍ كما ذكره الترمذي عن البخاري، لكن ابن لهيعة رواه عن عطاء، عن أبي يزيد الخَوْلاني، عن فَضالة، وسعيد بن أبي أيوب، عن عطاء، عن أشياخٍ من خَوْلان، عن فضالة، وهذا لا يضرُّ، لأن أبا يزيد من خولان، فكأن عطاء صرَّح لابن لهيعة بأحدهم، وكونهم جماعة أقوى للحديث، خصوصًا وهم من التابعين، وقد ورد مثل هذا في " صحيح البخاري " (٤).
_________________
(١) " الذي " ساقطة من (ش).
(٢) أخرجه الترمذي في " السنن " (١٦٤٤)، و" العلل الكبير " ٢/ ٧٠٨، وابن المبارك في " الجهاد " (١٢٦)، وأحمد ١/ ٢٢ - ٢٣، والطيالسي ص ١٠ و٢٠، وأبو يعلى (٢٥٢)، والمزي في ترجمة أبي يزيد الخولاني من " تهذيب الكمال ". قلت: وأبو يزيد الخولاني هذا مجهول، لم يرد توثيقه عن أحد ولم يرو عنه غيرُ عطاء بن يسار، ومع ذلك فقد قال الترمذي بإثره: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلاَّ من حديث عطاء بن يسار
(٣) ٣/ ٦٩ - ٧٠.
(٤) برقم (٣٦٤٢) رواه عن علي بن عبد الله، أخبرنا سفيان، حدثنا شبيب بن غرقدة، قال: سمعت الحي يتحدثون عن عروة البارقي أن النبي - ﷺ - أعطاه دينارًا يشتري له به شاة، =
[ ٨ / ٤٠٦ ]
وإنما أوردت الحديث هنا، لأنه يدل على تأخره بعد تحريم المحرَّمات، وبعد نزول قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ [التوبة: ١٠٢]، وهي مدنيَّةٌ متأخِّرةٌ (١)، وهو يُقَوِّي حديث البخاري عن سَمُرَةَ في تفسير الخالطين (٢)، ولله الحمد.
ومما يَرِدُ على الزهري والطبري من النظر: وجهان:
أحدهما: أن الزنى والسرقة ما زالا محرَّمَيْنِ من أول الإسلام، ولعلَّ بعضَ العلماء من أهل الأُصول يذكرون أن الزنى محرَّمٌ في جميع الشرائع، ويدل على تقدُّم تحريمه على هذه الأحاديث قول أبي ذرٍّ حين سَمِعَ البُشرى بالجنة للمُوحِّدين: وإن زنى وإن سرق. قال في الرابعة: " على رُغْمِ أنفِ أبي ذرٍّ " رواه البخاري ومسلم، وفي " البخاري ": " دخل الجنة، ولم يدخل النار " (٣). وكذلك قول أبي الدرداء في الحديث المتقدم، فلولا أنه - ﷺ - قال: ذلك بعد تحريم الزنى والسرقة، ما قالوا له ذلك، ولا قال لهم: " على رغم أنف أبي ذرٍّ وأبي الدرداء "، ولأخبرهما (٤) بتأويل ذلك.
وكذلك حديثُ معاذٍ المتفق عليه، وفيه: أن رسول الله - ﷺ - قال له وهو رديفه: " إن حق الله على عباده أن يعبُدُوه ولا يُشركُوا به شيئًا، وحق العباد على الله إذا فعلوا ذلك أن لا يُعَذِّبَهُم "، فقلت: أفلا أُبَشِّرُ الناس؟ قال: " لا تبشِّرْهُم فيتَّكِلُوا ".
_________________
(١) = فاشترى له به شاتين، فباع إحداهما بدينار، فجاء بدينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح فيه.
(٢) " متأخرة " ساقطة من (ش).
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) أخرجه البخاري (١٢٣٧) و(٢٣٨٨) و(٣٢٢٢) و(٥٨٢٧) و(٦٢٦٨) و(٦٤٤٣) و(٧٤٨٧)، ومسلم (٩٤)، وأحمد ٥/ ١٦٦، والترمذي (٢٦٤٤).
(٥) في (ش): " ولا أخبرهما "، وهو خطأ.
[ ٨ / ٤٠٧ ]
وفي روايةٍ عن أنسٍ أن نبي الله ومعاذ بن جبلٍ رديفه على الرَّحْل، قال: " يا معاذ "، قلت: لبيك وسعديك ثلاثًا، قال: " ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله إلاَّ حرَّمه الله على النار ". قال: يا رسول الله: أفلا أخبرُ الناس فيستبشرون؟ قال: " إذًا يتَّكِلُوا " فأخبر بها معاذٌ عند موته تأثُّمًا.
أخرجه البخاري ومسلم (١). وهذه الرواية الأخيرة جعلها الحميدي من مسند أنس، فيكون حديثًا ثانيًا.
فإنه لما قال له: أفلا أُبَشِّرُ الناس؟ قال: " إذًا يتَّكلوا "، ولم يقل له: إنه ليس على ظاهره، ولا بشارة فيه على الحقيقة، وإنما هو بشرط التوبة، أو بشرط الاستقامة، ولو فهم معاذ أنه منسوخٌ لم يُخبر به عند موته تأثُّمًا أيضًا.
وكذلك حديث أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - أمره من لقيه يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه أن يُبَشِّرَهُ بالجنة، فقال عمر للنبي - ﷺ -: لا تفعل، فإني أخشى أن يتَّكِلَ الناس عليها، فخلِّهِمْ يعملون، فقال رسول الله - ﷺ -: " فخلِّهم " رواه مسلم (٢).
وفي حديث عُبادة بن الصامت المتفق على صحته أن رسول الله - ﷺ - بايعهم ليلة العقبة " على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، وقرأ الآية الذي نزلت على النساء: ﴿إذا جاءك المؤمنات﴾ [الممتحنة: ١١]، فمن وفّى منكم (٣)، فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا، فعوقب به، فهو كفَّارَةٌ له، ومن أصاب من ذلك شيئًا (٤)، فستره الله ﵎ عليه فهو إلى الله ﵎: إن شاء غفر له، وإن شاء عذَّبه ". رواه البخاري ومسلم وأحمد بن حنبل في " المسند " وغيرهم (٥)، وهو أول حديثٍ
_________________
(١) تقدم تخريجه ٣/ ٣٥٠.
(٢) برقم (٣١)، وأخرجه البيهقي في " الاعتقاد " ص ٣٦. وانظر ٣/ ٣٥١.
(٣) في (ش): " منكن "، وهو خطأ.
(٤) " شيئًا " ساقطة من (ش).
(٥) أخرجه أحمد ٥/ ٣١٤، والبخاري (١٨) و(٣٨٩٣) و(٤٨٩٤) و(٦٧٨٤)، ومسلم =
[ ٨ / ٤٠٨ ]
في (١) مسند عُبادة من " جامع المسانيد " وذكره بعده أن هذه البيعة كانت ليلة العقبة.
وفيه ما يدل على أن هذه المحرمات أو معظمها لم تزل محرَّمةً من حينئذٍ، ولا أتحقق الآن متأخِّرًا من المعلومات الكبائر إلاَّ الخمر، ويدل على أن الحدود كانت مشروعةً فيها من (٢) يومئذٍ، وسياق الأحاديث وقرائن الأحوال شاهدةٌ بذلك.
وقوله: قرأ الآية -يعني عُبادة- فإن نزول الآية متأخِّرٌ عن ليلة العقبة بمُدَّةٍ طويلة، والله أعلم.
وعن أمير المؤمنين عليِّ بن أبي طالبٍ ﵇، عن رسول الله - ﷺ - نحو حديث عُبادة هذا من طريق وهب بن عبد الله أبي جُحيفَةَ الصحابي، إلا أنه ﵇ قال في حديثه: " ومن عفا الله تعالى عنه في الدنيا، فالله تعالى أحلمُ من أن يعود بعد عفوه " رواه الترمذي، وابن ماجه والحاكم (٣)، وقال: صحيح، وقال: خرَّجه إسحاق بن راهويه في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُم﴾ [الشورى: ٣٠]. وأخرجه في تفسيرها أحمد بن حنبل وأبو يعلى من طريق أخرى تشهد لطريق الترمذي وابن ماجة والحاكم.
ومن ذلك آيات الرحمة المطلقة، وأحاديثها وذكر سَعتِها (٤)، فإنه لم يقل أحدٌ بنسخها، وكيف وفيها تسمِّيه، وتمدُّحه ﵎ بأنه الرحمن الرحيم،
_________________
(١) = (١٧٠٩)، والترمذي (١٤٣٩)، والنسائي ٧/ ١٤٨.
(٢) في (ش): " من ".
(٣) " من " ساقطة من (ش).
(٤) أخرجه الترمذي (٢٦٣٦)، وابن ماجه (٢٦٠٤)، والحاكم ٢/ ٤٤٥ و٤/ ٢٦٢، وقال الترمذي: حسن غريب، وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي!
(٥) " وذكر سعتها " ساقطة من (ش).
[ ٨ / ٤٠٩ ]
خير الراحمين، أرحم الراحمين، وفي بعضها أنه ادَّخر ليوم القيامة تسعةً وتسعين جُزءًا، وقسم جزءًا واحدًا (١) بين الخلائق فبه يتراحمون (٢).
وفي " الصحيحين " من حديث عمر بن الخطاب أنه قُدِمَ على النبي - ﷺ - بسبي، وإذا امرأةٌ من السبي تسعى، إذ وجدت صَبِيًَّا في السَّبْيِ، أخذته، فألصقته ببطنها، وأرضعته، فقال لنا النبي - ﷺ -: " أَتَرَوْنَ هذه طارِحة ولدها في النار؟ " قلنا: لا، وهي قادرة (٣) أن لا تطرحه، قال: " للهُ أرحم بعبادِهِ من هذه بولدها " خرَّجاه في " الأدب "، ومسلم في " التوبة " عن سعيد بن أبي مريم، عن أبي غسَّان محمدٍ بن مطرِّفٍ، عن زيد بن أسلم، عن أبيه أسلم (٤)، مولى عمر، عن عمر بن الخطاب (٥)، وليس في أحدٍ من رُواتِهِ خلافٌ في توثيقٍ ولا غيره إلا ما لا يلتفت إليه في زيد بن أسلم من أجلِ (٦) أنه كان يفسِّرُ برأيه، وهذا ليس بشىءٍ، فقد كانوا يسمُّون التفسير باللغة تفسيرًا بالرأي.
وخرَّج أبو داود (٧) نحوه من حديث عامر الرَّامي.
وقد ذكره ابن الأثير في رحمة الحيوانات من " جامعه " (٨) في حرف الراء.
_________________
(١) " واحدًا " ساقطة من (ف).
(٢) أخرج البخاري في " صحيحه " (٦٠٠٠)، وفي " الأدب المفرد " (١٠٠)، ومسلم (٢٧٥٢)، وابن ماجه (٤٢٩٣)، وابن حبان (٦١٤٧) و(٦١٤٨) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: " جعل الله الرحمة في مئة جزءٍ، فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءًا، وأنزل في الأرض جزءًا واحدًا، فمن ذلك الجزء تتراحم الخلق، حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه ".
(٣) في (ش): " تقدر.
(٤) قوله: " عن أبيه أسلم " ساقط من (ش).
(٥) أخرجه البخاري (٥٩٩٩)، ومسلم (٢٧٥٤)، والبغوي (٤١٨١).
(٦) " أجل " ساقطة من (ف).
(٧) برقم (٣٠٨٩)، وأخرجه أيضًا ابن الأثير في " أسد الغابة " ٣/ ١٢١، والمزي في " تهذيب الكمال " ١٤/ ٨٦، وهو حديث ضعيف.
(٨) " جامع الأصول " ٤/ ٥٢٩ - ٥٣٠.
[ ٨ / ٤١٠ ]
وعن أنسٍ نحوه. رواه أحمد والبزَّار وأبو يعلى، ورجالهم رجال الصحيح (١)، وفي " مجمع الزوائد " (٢) بابٌ في هذا.
خرَّجاه عن أبي هريرة (٣) ومسلم عن سلمان (٤)، والحاكم عن جُنْدُب؟ (٥).
زاد مسلم والحاكم (٦) ": كلُّ رحمةٍ طِبَاقُ السماوات والأرض " أي مطبقةٌ مغطِّيةٌ لها، مالئة لها.
وعن بعض العارفين أنه قال: من وهب لي الإسلام من رحمةٍ واحدةٍ، كيف لا أرجو أن يهب لي المغفرة من مئة رحمة كل منها.
وروى أحمد وابن ماجة حديث المئة رحمةٍ من حديث أبي سعيدٍ بسندٍ صحيح (٧). ذكره ابن ماجه في الزُّهد، وابن الجوزي في الحديث الحادي والعشرين والمئتين.
ورواه الطبراني عن ابن عبَّاسٍ بسندٍ حسنٍ (٨)، وعن عُبادة بن الصامت (٩)
_________________
(١) أخرجه أحمد ٣/ ١٠٤ و٢٣٥، والبزار (٣٤٧٦)، وأبو يعلى (٣٧٤٧) - (٣٧٤٩).
(٢) ١٠/ ٣٨٣ باب ما جاء في رحمة الله تعالى.
(٣) تقدم تخريجه قريبًا.
(٤) برقم (٢٧٥٣).
(٥) " المستدرك " ٤/ ٢٤٨، وصححه ووافقه الذهبي! وأخرجه أيضًا أحمد ٤/ ٣١٢، والطبراني في " الكبير " (١٦٦٧)، وذكره الهيثمي في " المجمع " ١٠/ ٢١٣ - ٢١٤، وقال: رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح غير أبي عبد الله الجشمي، ولم يضعفه أحد، قلت: هو مجهول، لم يرو عنه غير أبي إسحاق السبيعي، ولم يوثقه أحد.
(٦) عبارة: " زاد مسلم والحاكم " سقطت من (ف)، والحديث عند مسلم (٢٧٥٣) (٢١)، والحاكم ٤/ ٢٤٧ - ٢٤٨.
(٧) أخرجه أحمد ٣/ ٥٥، وابن ماجه (٤٢٩٤)، وصححه البوصيري في " الزوائد ".
(٨) أخرجه الطبراني في " الكبير " (١٢٠٤٧)، والبزار (٣٤٧٥). وانظر " المجمع " ١٠/ ٢١٤ و٣٨٥.
(٩) قال الهيثمي: فيه إسحاق بن يحيى، لم يدرك عبادة، وبقية رجاله رجال الصحيح غير إسحاق بن يحيى. انظر " المجمع " ١٠/ ٢١٤ و٣٨٥.
[ ٨ / ٤١١ ]
والحسن البصري (١)، وخِلاسٍ، وابن سيرين، ومعاوية بن حَيدَة (٢).
وعن أبي ذرٍ، سمعته - ﷺ - يقول: " أُقسمُ على أربعٍ قسمًا مبرورًا، والخامسةُ لو أقسمتُ عليها لَبَرَرْتُ، لا يعملُ عبدٌ خطيئةً تبلُغُ ما بلغت يتُوب إلى الله إلا تاب الله عليه، ولا يُحِبُّ أحدٌ لقاء الله إلاَّ أحبَّ اللهُ لقاءه، ولا يتولَّى الله عبدًا في الدنيا، فيوليه غيره يوم القيامة، والخامسة: لو أقسمتُ عليها لبَرَرْتُ: لا يسترُ الله عورةَ عبدٍ في الدنيا إلاَّ سَتَرَها يوم القيامة " (٣).
قال ابن عبد البر: رواه أبو الزاهرية، عن كثير بن مُرَّة عنه. قال: وخرَّج قاسم بن أصبغ حديث عائشة أنه - ﷺ - قال: " ما ستر الله على عبدٍ في الدنيا، إلا ستر عليه في الآخرة " (٤).
وعن أبي قِلابَة، عن أبي إدريسٍ أنه قال: لا يهتِكُ الله سِتْرَ عبدٍ عَبَدَهُ مثقال ذرَّةٍ من خيرٍ.
فهذه أخبارٌ عن الواقع يوم القيامة لم يظهر فيها النسخ، ولله الحمد والمنة.
وكان أمير المؤمنين علي ﵇ وخيارُ الصحابة يروُون مثل هذه الأحاديث بعد وفاة رسول الله - ﷺ - من غير بيان نسخٍ لها، ولا تأويلٍ لظواهرها، وهو أعلم الناس بنسخها وتأويلها لو كان شيءٌ من ذلك ثابتًا صحيحًا، فكيف
_________________
(١) أخرجه أحمد ٢/ ٥١٤، ورجاله رجال الصحيح، إلاَّ أنه مرسل.
(٢) أخرجه أحمد ٢/ ٥١٤ من طريقهما عن أبي هريرة مرفوعًا.
(٣) أخرجه الطبراني في " الكبير " ١٩/ (١٠٠٦). قال الهيثمي في " المجمع " ١٠/ ٢١٤ و٣٨٥: فيه مخيس بن تميم، وهو مجهول، وبقية رجاله ثقات.
(٤) وأخرجه مسلم (٢٥٩٠) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: " لا يستر الله على عبد في الدنيا إلاَّ ستره يوم القيامة " وفي رواية: " لا يستر عبد عبدًا إلاَّ ستره الله يوم القيامة ".
[ ٨ / ٤١٢ ]
يُظَنُّ به وبأمثاله التَّخليطُ على أهل الإسلام بروايات الأحاديث (١) المنسوخات وتبشيرهم بها من غير تصريحٍ بالنسخ، ولا تأويلٍ ولا تلويحٍ؟ ولو كان شيءٌ من ذلك، لنقله الثقات عنهم الذين نقلوا هذه البشارات، بل لبَيَّنهُ رسول الله - ﷺ -، وأوضح البيان، خصوصًا وقد ظهر منه المنسوخ ظهورًا متواترًا، فكان يجبُ أن يُظهِرَ الناسخ كذلك كما هي صفته وصفة الرسل. وقال الله تعالى: ﴿وما أرسلنا من رسولٍ إلاَّ بِلِسانِ قومه ليُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٠]، فتأمَّل ذلك، والله الهادي.
وما زال رسول الله - ﷺ - مترقِّيًا في مراتب القريب والإجابة والجاه والتَّبشير، فخُفِّفَتْ بجاهه الصلوات من خمسين إلى خمسٍ، ونُسِخَ وجوب قيام الليل، وكانت في المال حقوقٌ كثيرةٌ نُسِخَتْ بالزكاة، وكان الصوم من بعد العشاء الآخرة، ومن نام قبلها حرُم عليه الأكلُ والنكاحُ قبلها أيضًا، فنُسِخَ ذلك، ورُخِّصَ في الفِطْرِ للمسافر والمريض والحُبلى والمُرضِعِ على ما هو مفصَّلٌ في مواضعه، ونُسِخَ غسلُ البول من سبعٍ إلى ثلاثٍ، وعند الشافعي إلى واحدٍ، ونُسِخَ قتل الشارب في الرابعة، وحَبْسُ الزَّانيين حتَّى يموتا وأذاهما، وقتال الواحد العشرة، وتحريم القتال للعدوِّ في الأشهر الحُرُم، والوضوء مما مسَّتِ النار، ونسخ تحريم ادِّخارِ الأضاحي فوق ثلاثٍ، وفساد صوم المُصبح جُنُبًا، وتحريم الحجامة على الصائم، والانتباذُ في الآنية المنهيِّ عنها، ووجوبُ الهجرة على مَنْ لم يُفتن، وغير ذلك.
وقال الواحدي في " أسباب النزول " (٢) في قوله تعالى: ﴿وإذا بَدَّلْنَا آيةً مكانَ آيةٍ﴾ [النحل: ١٠١]، نزلت حين قال المشركون: إن محمدًا يسخرُ بأصحابه، يأمرُ اليوم بأمرٍ، وينهاهم عنه غدًا، ويأتيهم بما هو أهون عليهم، فأنزل الله هذه الآية والتي بعدها. انتهى.
_________________
(١) " الأحاديث " ساقطة من (د) و(ف).
(٢) ص ١٨٩ - ١٩٠.
[ ٨ / ٤١٣ ]
لا يجوز العدول إلى النسخ إلا عند الضرورة
وهو يدلُّ على ما ذكرته، فلا معنى للقولِ بأن التشديد هو المتأخر، وهذا كله على تقدير التسليم الجدليِّ لتعارض الآيات والأحاديث في الوعد (١) والوعيد والبيان لسعة المحامل، وأن ذلك لو صح، لم يدل على كذب الرواة قطعًا، وقد نهى رسول الله - ﷺ - عن تكذيب اليهود فيما رَوَوْهُ، وهم القوم البُهْتُ الكفرة الفَجَرَةُ، خوفًا من تكذيب حقٍّ لم يحطْ بعلمه، فكيف تكذيب أئمة الإسلام من خيرة الصحابة والتابعين الأعلام؟
وأما المختار عندي، فإنه عدم القول بالنسخ، لأنه لا يجوز العدول إليه إلا عند الضرورة، وتعذُّر الجمعِ بالتأويل الصحيح المأخوذ من كتاب الله وسُنَّة رسول الله - ﷺ -، وذلك ممكنٌ واضحٌ.
أمَّا آياتُ الخُلود المعلومة، ففي معلومةٌ بالاتفاق، والجمع بينها وبين هذه الأحاديث واضحٌ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، كما يأتي في (٢) الكلام على هذه الآية الشريفة. ولا أصح من تأويلٍ نصَّ عليه التنزيل، وسوف يأتي هذا وما يتعلق به المخالف من التشويش فيه والجواب إن شاء الله تعالى.
وإنما نذكر هنا ما أشكل على أهل الإنصاف والعلم التام بالحديث، والعناية التامة بالجمع بين ما اختلف من الكتاب والسنة، وذلك أنها صحت أحاديث الشفاعة في إخراج أهل الكبائر من النار تخصيصًا لكتاب الله تعالى، كما خصَّ صاحب الصغيرة عند الجميع في (٣) قوله تعالى: ﴿ومن يعصِ الله ورسوله﴾ [النساء: ١٤]، أو كما خصَّ صاحب الدين عند المعتزلة بالحديث من قوله: ﴿إنَّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم﴾ [التوبة: ١١١] الآية، ومِنْ قوله: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيم﴾ [الصف: ١٠]،
_________________
(١) في (ف): " والوعد "، وهو خطأ.
(٢) " في " ساقطة من (ش).
(٣) في (ف): " من ".
[ ٨ / ٤١٤ ]
وهي أصرحُ من الأُولى، لأن الإيمان مقيَّدٌ فيها (١) بالله ورسوله معدىً (٢) إليه، فلم يحتمل تفسيره بأكمل الإيمان.
وأصرح منهما قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُم﴾ [محمد: ٤ - ٦]، وإنما الإشكال في الجمع بين أحاديث الشفاعة، وأحاديث العفو المُطْلَقِ التي فيها: " أن من مات يشهدُ أن لا اله إلاَّ الله، خالصًا من قلبه، حرَّمه الله على النار، أو لم تَمَسَّهُ النار " (٣)، وهي كثيرةٌ، وبعضُها في فضائل الأعمال كحديث ابن مسعودٍ أنه - ﷺ - قال: " حُرِّمَ على النار كلُّ هَيِّنٍ لَيِّنٍ سَهْلٍ قريبٍ من الناس " رواه أحمد بإسنادٍ صالحٍ (٤) وهو الخامس والسبعون بعد المئة من مسنده. من " جامع ابن الجوزي "، وذلك أن أحاديث الشفاعة تقتضي خروجهم من النار بعد أن صاروا حُممًا وفحمًا، وهذه تقتضي خلاف ذلك.
والجواب عن ذلك من وجوهٍ، وإن كان في بعضها بُعْدٌ، فالسمعُ دلَّ عليه كما دل على تأويل الضرب بالضِّغثِ، والذبح بالفداء، والخمسين الصلاة بخمسٍ، وأغربُ من الجميع اشتراطُ النبي - ﷺ - أن يجعلَ الله لعنَهُ لبعض من آمن به رحمةً وزكاةً (٥) وقد علم من حديث مُعاذٍ وغيره إخفاءُ كثير من الرَّحمة للمصلحة، بخلاف التأويل البعيد بالرأي.
الوجه الأول: ما ذكره أهل السُّنَّةِ، ممن نص عليه شيخ الإسلام ابن تيمية - أن الله تعالى قد علَّق الأمر في ذلك على مشيئته في قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ [النساء: ٤٨].
_________________
(١) " فيها " ساقطة من (ش).
(٢) في (ش): " تعدى ".
(٣) تقدم تخريجه ٣/ ٣٥٠.
(٤) " المسند " ١/ ٤١٥. وهو حديث صحيح بشواهده، وأخرجه أيضًا هناد بن السري في " الزهد " (١٢٦٣)، والترمذي (٢٤٨٨) وقال: حسن غريب، وصححه ابن حبان (٤٦٩) و(٤٧٠)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٥) انظر ص ٩١ من هذا الجزء.
[ ٨ / ٤١٥ ]
والواجبُ: الجمع بين أطراف كلام الله تعالى ورسوله، وتقييد المطلق بالشرط الذي لم يتَّصل به، بل لا بد من ذلك عند الجميع في مواضع كثيرةٍ.
ألا ترى أن الله تعالى لما استثنى الصغائر في قوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُم﴾ [النساء: ٣١]، خصَّصنا بها عموماتٍ كثيرةً لم تتصل بها، مثل قوله تعالى: ﴿ومن يَعْصِ الله﴾، وأمثالها، بل خصَّصنا بها مما يظُنُّ من (١) لم يتأمل أنه يُعارِضها مثل قوله تعالى: ﴿ومن يعمل مثقال ذرةٍ شرًّا يَرَهْ﴾ [الزلزلة: ٨]، وهذا وعيدٌ صريحٌ على الصغائر. ولكن الجمع بين الآيات يدل على صرفه عن مُجتنبي الكبائر، لو (٢) أنه مُوَجَّهٌ إلى من يجتنبُها، أو أنه للمؤمنين في الدنيا كما ورد مرفوعًا كما يأتى إن شاء الله تعالى، أو أن الرواية (٣) هنا على ظاهرها كقوله: ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، وهو الغرض كما يأتي إن شاء الله تعالى في ذكر الحساب.
ومع أن التأويل ينفي الخوف والرجاء، ولا بُدَّ من بقائهما على كل تقديرٍ وعلى كل مذهبٍ، حتى على مذهب المرجئة على بطلانه كما مر إيضاح ذلك عند ذِكر قَبُول ثقاتهم في الرواية في أول الكتاب، وهذا أحسنُ الأجوبة وأنسبها عند علماء الأصول الفقهية.
الوجه الثاني: أن أحاديث الشفاعة وردت في قومٍ ليس في قلوبهم من (٤) الإيمان إلاَّ شيءٌ يسيرٌ، قدَّره رسول الله - ﷺ - بمثقال الحبة من خردلٍ، أو نحو ذلك إلاَّ في حديثٍ لم يصح، خرّجه الحاكم في آخر كتاب الأهوال (٥) عن أبي سعيدٍ، وفي سنده ابن إسحاق وليث بن أبي سليم مع إعلاله لمخالفة الحُفَّاظ، والذين بشَّرهم بالنجاة بلا إله إلاَّ الله هم مختصُّون في مُتون الأحاديث بشروطٍ تدل على كمال يقينهم وصدقهم في تصديقهم، فإنه شَرَطَ العلم بذلك في
_________________
(١) في (ف): " ممن ".
(٢) في (ف): "أو".
(٣) في (د) و(ف): " الروية ".
(٤) " من " ساقطة من (ش).
(٥) " المستدرك " ٤/ ٥٨٥ - ٥٨٦.
[ ٨ / ٤١٦ ]
حديث عثمان، وسيأتي، والإخلاص في حديث معاذٍ، وابتغاء وجه الله في حديث عُتبان وقد مرَّ، وهذا يتلو الأول في القوة، وشهد لذلك حديث ابن عباسٍ في الذي حلف كاذبًا، فغُفِرَ له بإخلاصه في لا إله إلاَّ الله (١).
على أن من كان كذلك، فلا يخلو من عملٍ صالحٍ مع ذلك، بل (٢) هذا الوجه الثاني أصح وأبعد من التشغيب (٣)، فإن المرجئة في الأول ادعت أن الشرط قوله تعالى: ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨].
إنما ورد ليُخْرِجَ غير الشرك من كبائر المشركين، فإنه لو لم يشرُط ذلك الشرط، لوجب أن يغفر للمشركين ما دون الشرك من الكبائر.
قالوا: وأما أهلُ الإيمان الصحيح، فقد دلَّت أدلةٌ منفصلةٌ على أنهم من أهل الجنة، كقوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ للذين آمنوا بالله ورُسُلِهِ﴾ [الحديد: ٢١]، وعلى أن النار لا تمسُّهم، وأنها محرَّمةٌ عليهم، كما دلت عليه الأخبار.
ونِزاعُهم في هذا على طريق القطع صعبٌ جدًا، فإنه لا حجة لنا عليهم إلا آيات الشفاعة، وليس فيها تصريحٌ قطُّ بأن الذين خرجوا من النار دخلوها بمجرد بعض الكبائر، بل فيها وصفهم بنقصان الإيمان، وفي غير أحاديث الشفاعة ذكر دخولهم بذنوبهم، كحديث أبي سعيدٍ في إماتة النار لهم، وحديث سمرة في الرؤيا النبوية، وتعديدُ الذنوب وأنواع العذاب عليها، وحديث أبي هريرة في تعذيب تارك الزكاة بماله يوم القيامة، وليس في هذا ذكر دخول النار، لكن في حديث الخُدريِّ، فيجوز أن يكون نقصان الإيمان أقوى أثرًا في دخولهم، ويجوز أن يكون المؤثِّر كبائرهم مع ذلك النقصان، وأنه في الوجهين معًا، لو لم يكن ذلك النقصان في إيمانهم، لما دخلوا النار، ولكان إيمانهم
_________________
(١) أخرجه أحمد ١/ ٢٥٣ و٢٨٨ و٣٢٢، وأبو داود (٣٢٧٥) و(٣٦٢٠)، والطحاوي في " شرح مشكل الآثار " (٤٤٠) بتحقيقنا، وصححه الحاكم ٤/ ٩٥ - ٩٦، ووافقه الذهبي.
(٢) " بل " ساقطة من (ش).
(٣) في (ف): " التشعب ".
[ ٨ / ٤١٧ ]
القوي القاطع يُكَفَّرُ به عنهم، كما أشارت إليه تلك الأحاديث المبشِّرَة، ويتعذَّرُ وجود نصٍّ قاطع المعنى، متواتر المتن يمنع من هذين الاحتمالين، فيكون الوجه الثاني جيدًا في الجمع بين الأحاديث إن شاء الله تعالى.
وربما كان نقصان الإيمان هو السبب في مُلابسة بعض الكبائر، وكمالُ الإيمان هو السَّببَ في اجتنابها، وكذلك (١) كان كمالُ الإيمان عندَ الجمهور لا يبقى عند (٢) ملابسة الكبيرة، وبذلك فسَّرُوا حديث: " لا يزني الزاني وهو مؤمنٌ " (٣)، أي كامل الإيمان، كما يأتي تحقيقُ أقوال الأئمة فيه.
الوجه الثالث: وما بعده للمرجئة، وذلك أنه قد ورد في الحديث متَّفق على صحته عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -: " أنه من مات له ثلاثةٌ من الأولاد لم يبلغوا الحِنْثِ، أو اثنان، لم تمسَّه النار إلاَّ تَحِلَّةَ القَسَمِ "، وفي رواية: " لم يَلجِ النار إلا تَحِلَّةَ القَسَمِ " (٤). وقد فُسِّرَ بأقل ما ينطلق عليه الاسم حين صح في كتاب الله تعالى أن من حلف على ضرب غيره، ونوى الضرب المعتاد أجزأه (٥) أن يضرب بضِغْثٍ من نبات الأرض، لقوله تعالى ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَث﴾ [ص: ٤٤]، وهذا الحديث يدل على أن القدر الواجب (٦) من وعيد
_________________
(١) في (ش): " وكذلك "، وفي (ف): " ولذا ".
(٢) في (ش): " على ".
(٣) أخرجه من حديث أبي هريره أحمد ٢/ ٢٤٣ و٣١٧ و٣٧٦ و٣٨٦ و٤٧٩، والبخاري (٢٤٧٥) و(٥٥٧٨) و(٦٧٧٢) و(٦٨١٠)، ومسلم (٥٧)، وأبو داود (٤٦٨٩)، والترمذي (٢٦٢٥)، وابن ماجه (٣٩٣٦)، والنسائي ٨/ ٦٤ و٦٥ و٣١٣، وابن حبان (١٨٦)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٤) أخرجه من حديث أبي هريرة مالك في " الموطأ " ١/ ٢٣٥، ومن طريقه البخاري (٦٦٥٦)، ومسلم (٢٦٣٢)، والترمذي (١٠٦٠)، والنسائي ٤/ ٢٥، وابن حبان (٢٩٤٢).
(٥) " أجزأه " ساقطة من (ف).
(٦) " الواجب " ساقطة من (ش).
[ ٨ / ٤١٨ ]
المسلمين بالعذاب (١) ليس هو الخلود، وإنما هو الورود كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٧١].
ومن قال بعمومه، تمسَّكَ بحديث جابر مرفوعًا على أنها " تكون على البَرِّ بردًا وسلامًا "، وهو الحديث (٢٤٥) من مسنده في " جامع ابن الجوزي " (٢).
قال هؤلاء المقدَّم ذكرهم: قد يمكن في (٣) هذا القدر أن يكون على وجهٍ لا يكون فيه عذابٌ، وذلك بأن يكون المعنى أن الله تعالى حرَّم عذاب النار على هؤلاء ومسَّها على وجه العذاب والغضب، ولكنه قد صح بل تواتر أن: " الحُمَّى من فيح جَهَنَّمَ ". ولقد روى البخاري هذا المعنى عن سبعةٍ من أصحاب النبي - ﷺ - في موضعٍ واحدٍ على عزَّة شرطه، وذلك في باب صفة النار، وأنها مخلوقةٌ، فإنه رواه هناك عن زيد بن وهب عن أبي ذرٍّ (٤)، وعن أبي هريرة (٥) لكن ببعضه وفي الصلاة (٦) بتمامه عن ابن المديني، عن [سفيان، عن] الزهري، [عن
_________________
(١) في (ش): " بالعدل "، وهو خطأ.
(٢) أخرجه أحمد ٣/ ٣٢٩، وعبد بن حميد (١١٠٦)، وصححه الحاكم ٥/ ٤٨٧، ووافقه الذهبي. وأورده ابن كثير في " تفسيره " ٣/ ١٣٨ - ١٣٩ من رواية الإمام أحمد، وقال: غريب لم يخرجوه. وذكره السيوطي في " الدر المنثور " ٥/ ٥٣٥، وزاد نسبته للبيهقي في " البعث " والحكيم الترمذي وابن أبي حاتم وابن المنذر، وقال الهيثمي في " المجمع " ٧/ ٥٥ و١٠/ ٣٦٠: رواه أحمد ورجاله ثقات.
(٣) " في " ساقطة من (ش).
(٤) برقم (٣٢٥٨)، وأخرجه أيضًا برقم (٥٣٥) و(٥٣٩)، ومسلم (٦١٦)، وأبو داود (٤٠١)، والترمذي (١٥٨).
(٥) برقم (٣٢٦٠).
(٦) برقم (٥٣٦)، وأخرجه مسلم (٦٤٥)، ومالك ١/ ١٥، وأبو داود (٤٠٢)، والترمذي (١٥٧)، والنسائي ١/ ٢٤٨ - ٢٤٩.
[ ٨ / ٤١٩ ]
سعيد بن المسيب]، عن أبي هريرة، وعن همام، عن أبي جمرة الضُّبَعِيِّ، عن ابن عباسٍ (١)، وعن زهيرٍ، عن هشامٍ، عن عروة، عن عائشة (٢)، وعن عُبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر (٣)، ورواه النسائي من حديث أبي موسى (٤)، ورواه مالك من حديث عطاء (٥) بن يسار في " الموطأ " (٦)، وحديث أبي هريرة قال ابن الأثير في " جامعه " (٧): رواه الجماعة ولم يخرج منه البخاري في صفة النار إلا بعضه، ورواه بتمامه في كتاب الصلاة كالنسائي، وحديث أبي ذر رواه مسلم أيضًا وأبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
فإذا ثبت أن الحُمَّى من النار، أمكن بالتأويل النَّظري أن تكون حظ كلِّ مؤمنٍ من النار، كيف وقد جاء من حديث أبي هريرة وفي حديث أبي أمامة، كلاهما عن النبي - ﷺ -: " أن الحمى حظ كل مؤمن من النار ".
أما حديث أبي هريرة فرواه أحمد، وابن ماجه في كتاب الطب من " سننه "، ورجالها ثقاتٌ، فإنه من حديث أبي أسامة قال: أخبرني عبد الرحمن بن يزيد بن جابرٍ، عن إسماعيل بن عبد الله، عن أبي صالحٍ الأشعري، عن أبي هريرة (٨).
_________________
(١) برقم (٣٢٦١)، وأخرجه أيضًا أحمد ١/ ٢٩١، وابن أبي شيبة ٨/ ٨١، وصححه الحاكم ٤/ ٤٠٣، وابن حبان (٦٠٦٨)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٢) برقم (٣٢٦٣)، وأخرجه مالك ٢/ ٩٤٥، ومسلم (٢٢١٠)، والترمذي (٢٠٧٥).
(٣) برقم (٣٢٦٤)، وأخرجه أيضًا برقم (٥٣٤) و(٥٧٢٣)، ومالك ٢/ ٩٤٥، ومسلم (٢٢٠٩)، وابن ماجه (٣٤٧٢)، وأحمد ٢/ ٢١، وابن حبان (٦٠٦٦) و(٦٠٦٧). وأخرجه البخاري أيضًا (٣٢٦٢) و(٥٧٢٦) من حديث رافع بن خديج.
(٤) النسائي ١/ ٢٤٩، وفي سنده يزيد بن أوس، لم يرو عنه غير إبراهيم النخعي، ولم يوثقه غير ابن حبان.
(٥) في (ش): " ابن عطاء "، وهو خطأ.
(٦) ١/ ١٥، وهو مرسل.
(٧) " جامع الأصول " ٥/ ٢٣٥ - ٢٣٦.
(٨) أخرجه أحمد ٢/ ٤٤٠، وابن ماجه (٣٤٧٠)، وصححه الحاكم ١/ ٣٤٥، ووافقه الذهبي.
[ ٨ / ٤٢٠ ]
وأما حديث أبي أمامة، فقال المزي في " أطرافه " (١) رواه أبو غسان محمد بن مطرِّفٍ المدنيُّ، عن أبي الحصين (٢) الفلسطيني، عن أبي صالحٍ الأشعري، عن أبي أُمامَة الباهلي بمعناه. ذكره عقيب حديث أبي هريرة.
وقال أحمد في " المسند " (٣): حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا محمد بن مطرِّفٍ، عن أبي الحُصين، عن أبي صالحٍ، عن أبي أُمامة بالحديث، ولم يُذكَرْ أحدٌ منهم بضعفٍ، إلاَّ أن الذهبي ذكر في " الميزان " (٤) أن محمد بن مطرِّفٍ تفرَّد عن أبي الحصين، ومحمد بن مطرِّفٍ إمامٌ كبيرٌ، روى عنه الجماعة، واحتجَّ به الأئمة، لا ينكر له التَّفرُّدُ براوٍ، ولا بروايةٍ، وأبو صالح الراوي عن أبي أمامة الأشعري، ويقال: الأنصاري، والراوي عن أبي هريرة: الأشعري الشاميُّ الأزدي، ذكرهما المِزِّيُّ في " تهذيبه "، فصحَّ الحديث.
وأحاديث الثواب (٥) في الآلام تشهدُ بذلك، وإلى هذا الحديث ذهب مجاهد بن جبرٍ التابعي الجليل المفسِّر، رواه عنه ابن عبد البَرِّ في " التمهيد " في تأويل الوُرود وقول مجاهد بذلك في عصر التابعين الأول يُقَوِّي صحة الحديث، وهو أقوى (٦) في تأويل تَحِلَّةِ القسم المستثنى من المسِّ، لأنه لا يسمَّى مسًَّا ولو مجازًا وإن تقدَّم.
_________________
(١) ١١/ ٨٤.
(٢) تحرف في (ف) إلى: " الحسين ".
(٣) ٥/ ٢٥٢ و٢٦٤. وأخرجه أيضًا الطبراني في " الكبير " (٧٤٦٨)، وأبو الحصين الفلسطيني هو مجهول. قال الهيثمي في " المجمع " ٢/ ٣٠٥: لم أر له راويًا غير محمد بن مطرف. وقال الحافظ المنذري في " الترغيب والترهيب " ٤/ ٣٠٠ رواه أحمد بإسناد لا بأس به. قلت: يشهد له حديث أبي هريرة المتقدم، وحديث آخر عن عائشة عن البزار (٧٦٥)، وحسنه الحافظان المنذري في " الترغيب والترهيب " ٤/ ٣٠٠، وابن حجر في " الفتح " ١٠/ ١٧٥.
(٤) ٤/ ٥١٦.
(٥) في (ف): " وحديث ".
(٦) في (ش): " قوي ".
[ ٨ / ٤٢١ ]
كلام في تأويل حديث الشفاعة في احتراق أبدانهم
وأما الواردُ في حديث الشفاعة في احتراق أبدانهم فيحتمل (١) أن يتخرَّج تأويله على ما صح من حديث أبي سعيدٍ الخُدريِّ، عن النبي - ﷺ -: " أمَّا أهلُ النار الذين هم أهلها، فإنهم لا يموتون فيها، ولا يَحْيَوْنَ، ولكن أُناسٌ تُصيبهمُ النار بذنوبهم، فتميتهم إماتةً، حتى إذا صاروا فَحْمًَا أذن بالشفاعة (٢) جيء بهم ضبائر ضَبائرَ -أي جماعاتٍ- فَبُثُّوا على أنهار الجنة، فينبُتون نبات الحِبَّةِ تكونُ في حَمِيلِ " السيل "، والحِبة -بكسر الحاء- بزُور البقل. رواه مسلم في باب الشفاعة في كتاب الإيمان وهو في بعض نسخ " البخاري "، وهو الحديثُ الرابع عشر من مسند أبي سعيد من " جامع المسانيد "، ورواه أحمد بن حنبل في " مسنده " (٣) ومعناه متفقٌ عليه عند أهل كُتبِ الحديث، فإنهم اتفقوا على أن أهل النار من الموحِّدين يحترِقُون إلاَّ مواضع السُّجود من المُصلِّين، ثم يُلْقَوْنَ على أنهار الجنة وقد صاروا فحمًا، وهذا يدل على موتِهم في النار، فإن أهل الخلود في النار كلما نضجت جلودهم بدلهم الله جلودًا غيرها، ليذوقوا العذاب كما قال الله تعالى.
وروى الهيثمي (٤) ما يدلُّ على ذلك من غير طريق أبي سعيد، فقال: عن أبي هريرة، قال رسول الله - ﷺ -: " إن أدنى (٥) أهل الجَنَّة حظًّا أو نصيبًا قومٌ يُخرجُهُمُ اللهُ من النار، فيرتاح لهم الرب ﵎ أنهم كانوا لا يُشرِكون بالله شيئًا، فيُنْبَذُونَ بالعراء، فيَنْبُتُونَ كما ينبُتُ البقل، حتى إذا دخلت الأرواحُ في أجسادهم، قالوا: ربنا كالذي أخرجتنا من النار، ورَجَعْتَ الأرواح إلى أجسادنا، فاصرِفْ وجوهنا عن النار. قال: فيصرف وجوههم عن النار ". رواه البزار (٦) ورجاله ثقات.
_________________
(١) في (ف): " فيمكن ".
(٢) في (ش): " في الشفاعة ".
(٣) أخرجه أحمد ٣/ ٥ و١١ و٧٨ و٧٩، ومسلم (١٨٥)، وابن ماجه (٤٣٠٩)، وابن حبان (١٨٤)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٤) في " مجمع الزوائد " ١٠/ ٤٠٠ - ٤٠١.
(٥) في (ف): " أول ".
(٦) برقم (٣٥٥٤).
[ ٨ / ٤٢٢ ]
ذكره في أبواب الجنة في باب أدنى أهل الجنة منزلة.
ويعضُدُ هذا مفهوم قوله تعالى بعد تحريم الربا: ﴿واتقوا النارَ التي أُعِدَّتْ للكافرين﴾ [آل عمران: ١٣١]، فلا بد من فرقٍ بينهم.
فإذا تقرَّر هذا بالنصوص (١) الصِّحاح لم يزل أئمة الإسلام يتداولونها من غير نكيرٍ، لم يتعذر الجمع بين الأحاديث بهذا:
إما على جهة الخصوص بتلك البشارات بأن المراد (٢) سلامتهم من عذابها الهائل المتصور (٣) مع بقاء الحياة، لا الموت، عند أول مُلاقاتها التي جرت عاداتُ الصابرين في الدنيا بتحمل مثل (٤) مشقَّته، كضمَّة اللَّحد في قدرة الله تعالى من تهوينه على من يشاء ما لا يعلمُهُ سواه، ويعتضد بحديث: " لم تمسه النار إلاَّ تَحِلَّةَ القسم " متفق على صحته من حديث أبي هريرة (٥)، ويشهدُ له حديث الواقديِّ محمد بن عمر -العلامة البحر- على ضعفه بسنده عن (٦) أبي بكرٍ أن رسول الله - ﷺ - قال: " إنما حرُّ جهنم على أمتي كحرِّ الحَمَّام " ذكره الذهبي في ترجمته في " الميزان " (٧)، ورواه الهيثمي في " مجمع الزوائد " (٨) من طريق الواقدي وعزاه إلى الطبراني في " الأوسط ".
ومع تضعيف الأكثرين للواقدي حتى قال الذهبي: إنه استقر الإجماع على وهنه، فقد حكى الذهبي توثيقه عن جماعة: ابن إسحاق، ومصعبٌ، ومعن القزاز، ويزيد بن هارون، وأبو عبيد، وإبراهيم الحربي.
_________________
(١) في (ش). " في النصوص ".
(٢) في (ف): " بالمراد ".
(٣) في (ش). " المنصوص ".
(٤) " مثل " ساقطة من (ش).
(٥) تقدم تخريجه في هذا الجزء.
(٦) في (ف): " إلى ".
(٧) ٣/ ٦٦٤.
(٨) ١٠/ ٣٦٠، وقال: فيه محمد بن عمر الواقدي، وهو ضعيف جدًا. قلت: وفيه أيضًا محمد بن عبد الرحمن بن مجبر بن رَيْسَان اتهمه ابن عدي، وكذبه الخطيب، وباقي رجال السند بين مجهول ومتروك.
[ ٨ / ٤٢٣ ]
وروى أحمدُ عن أنسٍ، عن النبي - ﷺ - في ذكر الشفاعة: " أن الخلق يُلجَمُونَ بالعرق في يوم القيامة، فأما المؤمن، فهو عليه كالزُّكمَةِ، وأما الكافر، فيغشاه الموت " الحديث، قال الهيثمي: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.
ذكره في الشفاعة من " مجمعه " (١).
فهذا يشهد لمعناه في الفرق بين المؤمن والكافر في التخفيف جملةً، كما يشهد لذلك في الجملة الأحاديث الواردة في تخفيف يوم القيامة على المُؤمن.
خرَّجها الهيثمي (٢) عن أبي سعيد وعبد الله بن عمرو بسندين ضعيفين، وعن أبي هريرة وعبد الله بن عمرو أيضًا بسندين جيِّدين (٣).
ويشهد لهما من القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿وكان يومًا على الكافرين عسيرًا﴾ [الفرقان: ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿على الكافرين غير يسيرٍ﴾ [المدثر: ١٠]، وقوله تعالى: ﴿وَيَقول الكافِرون هذا يومٌ عسيرٌ﴾ [القمر: ٨].
وسيأتي بيانُ من يستحق اسم المؤمن، والأدلة عليه، ومن ذلك أحاديثُ امتحان الميِّت في قبره بسؤال الملكين، فإنها صريحةٌ في الاقتصار على الشهادتين، فمن جاء بهما، بُشِّرَ بالجنة، وأُرِيَ (٤) منزله فيها، مع صحتها وكثرتها
_________________
(١) ١٠/ ٣٧٣. والحديث أخرجه أحمد ٣/ ١٧٨، وابن خزيمة في " التوحيد " ص ٢٥٤ - ٢٥٥، وهو حديث حسن.
(٢) في " مجمع الزوائد ". ١٠/ ٣٣٧.
(٣) حديث أبي سعيد أخرجه أحمد ٣/ ٧٥، وأبو يعلى (١٣٩٠)، وابن حبان (٧٣٣٤)، وهو ضعيف كما قال الهيثمي. وحديث عبد الله بن عمرو أخرجه الطبراني، وفيه هشام بن بلال. قال الهيثمي: لم أعرفه. وحديث أبي هريرة أخرجه أبو يعلى. قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح غير إسماعيل بن عبد الله بن خالد، وهو ثقة. وحديث عبد الله بن عمرو أخرجه الطبراني، وصححه ابن حبان (٧٤١٩).
(٤) في (ش): " ورأى ".
[ ٨ / ٤٢٤ ]
كما ذُكِرَ في موضعه من هذا الكتاب، ومنه " أحاديث " الحُمَّى حظُّ كلِّ مؤمن من النار كما قدمته الآن وأمثاله. ويشهد للجميع " لا تمسُّه النار إلاَّ تَحِلَّة القسم " كما تقدم الآن.
وأما على أن الموت يحصُل بسبب رؤيتها (١) ومُقاربتها فجأة، كما تقع الغشية من أقل من ذلك، ثم يكون مسُّها والوقوع فيها والاحتراق من غير شعورٍ بألمها، ويدلُّ عليه حديث أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: " لا يجتمعان في النار اجتماعًا يضُرُّ أحدهما الآخر، قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: مؤمنٌ قتل كافرًا ثم سَدَّدَ ". رواه مسلم وأبو داود والنسائي واللفظ لمسلم (٢).
فقوله: " اجتماعًا يضرُّ " واضحٌ في هذا المعنى، والله أعلم.
ذكره ابن الأثير في النوع الخامس من فضائل الجهاد والمجاهدين (٣) رواه مسلم في الجهاد من حديث أبي إسحاق الفَزَارِيِّ، عن سُهيلِ بن أبي صالحٍ، عن أبيه، عن أبي هريرة. وهو في " جامع المسانيد " الحديث الرابع والثلاثون بعد الستمئة.
ويعتضدُ بحديث: " الحُمَّى حظُّ كلِّ مؤمنٍ من النار "، كما احتجَّ به مجاهدٌ على ما تقدَّم من تشبيهه بقوله تعالى: ﴿إلا المَوْتَةَ الأولى﴾ [الدخان: ٥٦] من بعض الوجوه، وذلك في الحقيقة إجارَةٌ مِنْ عذابها ومسِّها، فإنَّما الإنسانُ بروحه، ويكون المعنى (٤): حُرِّمَتْ عليهم وهم أحياءٌ يتألَّمون بها، وحرم عليهم مسُّها كذلك.
_________________
(١) في (ف): " تحصل برؤيتها ".
(٢) أخرجه مسلم (١٨٩١)، وأبو داود (٢٤٩٥)، والنسائي ٦/ ١٢ - ١٣.
(٣) " جامع الأصول " ٩/ ٤٨٧.
(٤) في (ف): " والمعنى ".
[ ٨ / ٤٢٥ ]
العواصم والقواصم
في الذب عن سنة أبي القاسم
تصنيف الإمام العلامة النظار المجتهد محمد بن إبراهيم الوزير اليماني
المتوفى سنة ٨٤٠ هـ
حققه وضبط نصه، وخرج أحاديثه، وعلّق عليه
شعيب الأرنؤوط