مؤسسة الرسالة
[ ٢ / ١ ]
العواصم والقواصم
في
الذب عن سنة أبي القاسم
٢
[ ٢ / ٢ ]
جميع الحقوق محفوظَة
لمؤسسَة الرسَالة
ولا يحق لأية جهة أن تطبع أو تعطي حق الطبع لأحد.
سَواء كان مؤسسَة رسميّة أو أفرادًا.
الطبعة الثالثة
١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م
مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع
مؤسسة الرسالة بَيْروت - شارع سُوريا - بناية صَمَدي وَصالحة
هاتف: ٦٠٣٢٤٣ - ٨١٥١١٢ - ص. ب: ٧٤٦٠ برقيًا، بيوشران
[ ٢ / ٣ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[ ٢ / ٤ ]
قال السيد: ويروى عن الشافعي أنه قال: لا علم إلا ما يدخل به الحمام
الأول: من أين صح لك هذا عن الشافعي- رضي الله تعالى عنه -
قال: وُيروى عن الشَّافعي أنَّه قال: لا عِلْمَ إلاَّ ما يَدْخُلُ بِهِ الحمّام.
أقولُ: هذه الحجةُ الثانيةُ من حُججِ السَّيِّد في هذه المسألةِ، والجوابُ عليه من وجوه:
الأوَّلُ: مِن أينَ صحَّ لك هذا عن الشافعيِّ -﵁- فهو إمامٌ جليلٌ، ومذاهبُه محفوظةٌ، وأقوالُه مُدَوَّنَة، وهذه المسألةُ من أكبرِ قواعدِ الإسلامِ، والكلامُ في شرائِطِها أساسُ معرفةِ الحلالِ والحرامِ، ونسبةُ مذهبٍ إلى الشافعيِّ في هذه المسألةِ الكبيرةِ مِن غيرِ طريقٍ صحيحةٍ، لا يجوزُ، فيجبُ مِنَ السَّيِّد -أيَّدَهُ اللهُ- أن يُرِينَا مِن أينَ نقل هذا القولَ عن هذا الإمامِ، أمن " التنبيه "؟ (١) أم من " المهذَّبِ "؟ أم من
_________________
(١) " التنبيه " و" المهذب " كلاهما في الفقه الشافعي لشيخ الشافعية في عصره الإمام أبي إسحاق الشيرازي إبراهيم بن علي بن يوسف المتوفى سنة ٤٧٦ هـ. وللإمام النووي يحيى بن شرف المتوفى سنة ٦٧٦ هـ " تحرير ألفاظ التنبيه "، و" المجموع " شرح المهذب، وأما " الروضة ": فهو له أيضًا، وهو من الكتب الجامعة المعتمدة في المذهب الشافعي، اختصره من " الشرح الكبير " للإمام الرافعي، وزاد عليه تصحيحات ودقائق واختيارات ابتدأ تأليفه في شهر رمضان سنة ٦٦٦ هـ، وفرغ منه في شهر ربيع الأول سنة ٦٦٩ هـ. وقد طبع في دمشق في اثني =
[ ٢ / ٥ ]
الثاني أن المنقول في كتب الشافعية نقيض ما ذكرته
" الروضة "؟ أم من " المنهاجِ "؟ أم من " فتح العَزِيزِ "؟ أم من كتاب " الأمِّ "؟ أم من كتاب " المحصولِ " للرازيِّ، أم " المستصفي " للغزاليِّ؟ أم " البُرهانِ " للجُويني؟ أم من أيِّ مصنفاتِهِ؟ فهي منتشرةٌ في البلاد، سائرةٌ في الأغوارِ والأنجادِ.
وقد شدَّد السَّيِّد في نِسبة الصِّحاحِ المسموعةِ إلى أربابِها مع عِنايةِ أهلِ هذا الشأنِ بها، فكيف بِنسْبَةِ هذا المذهبِ الغريبِ إلى هذا الإمامِ الجليلِ؟!.
الثاني: أنَّ المنقولَ في كتبِ الشافعيةِ نقيضُ ما ذكرتَه من غيرِ ذكرٍ لخلافٍ فيه، لا عن الشافعيِّ، ولا عن سِواهُ، فهذا إمامُ الشافعية تاجُ الدِّين أبو نصرٍ السُّبْكيُّ (١) في كتابهِ " جَمْعِ الجَوامعِ " في الكِتَاب السابعِ
_________________
(١) = عشر مجلدًا، وكان مما من الله علي وعلى زميلي الفاضل الشيخ عبد القادر الأرنؤوط أن تولينا تحقيقه وضبطه ومقابلته على ثلاثة أصول خطية جيدة، منها اثنتان في دار الكتب الظاهرية بدمشق. و" المنهاج " هو للإمام النووي أيضًا، وهو كتاب لطيف الحجم يكثر تداوله بين العلماء والطلبة، وهو عمدة الشافعية في معرفة المذهب، اختصره وزاد عليه تصحيحات واختيارات من كتاب " المحرر " للإمام الرافعي، وقد طبع أكثر من مرة، وشرحه غير واحد من أهل العلم. وأما كتاب " فتح العزيز" واسمه الكامل " فتح العزيز على كتاب الوجيز " - فهو للإمام أبي القاسم عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم بن الفضل القزويني المتوفى سنة ٦٢٣ هـ شرح فيه كتاب " الوجبز" للإمام الغزالي، وهو شرح كبير حافل ينبىء عن كون صاحبه متبحرًا في مذهب الإمام الشافعي، وفي علوم كثيرة يقع في بضعة عشر مجلدًا طبع قسم منه بهامش " المجموع " للإمام النووي، وهذا الشرح هو الذي اختصره الإمام النووي في كتابه " روضة الطالبيين " الذي تقدم وصفه.
(٢) هو الإمام العلامة تاج الدين أبو النصر عبد الوهَّاب بن علي بن عبد الكافي السبكي، ولد بمصر سنة تسع وعشرين وسبع مئة، ولازم الاشتغالَ بالفنون على أبيه وغيره حتى مهر، وهو شاب، وصنف كتبًا نفيسه، وانتشرت في حياته، وبعد موته: توفي سنة ٧٧١ هـ. وكتابه " جمع الجوامع " في أصول الفقه جمعه من زهاء مئة مصنف شتمل على زبدة ما في شرحيه على مختصر ابن الحاجب، والمنهاج للبيضاوي مع زيادات وبلاغة في الاختصار، ورتب على =
[ ٢ / ٦ ]
الثالث: أن نقول: ما سبب الاحتجاج بقول الشافعي- رضي الله تعالى عنه -
منه يقولُ: إنَّ حِفْظَ المتونِ لَا يَجِبُ على المجتهدِ (١) مع توسُّعِه في نقلِ الخلافِ، فلم يَذْكُرْ خلافًا قطُّ. فدلَّ على براءَةِ الشَّافِعيِّ مما ذَكَرَهُ، على أنَّه قد نَقَلَ عن الغزاليِّ مثلَ ذلك، وهو مِن أئمة الشافعيةِ، فيَجبُ منه أن يُبَيِّنَ لنا نقلَه عن أيِّ ثقةٍ، أو مِن أيِّ كتابٍ، كما فعلنا، فإنَّه أبعدُ له عن التُّهْمَةِ، وأنفي عن صِمَةِ (٢) الرِّيبَةِ.
الوجهُ الثالثُ: أن نقولَ: ما سببُ الاحتجَاجِ بقول الشافعيِّ وما تُرِيدُ بذلك؟ فإن أردتَ أن كلامَه حُجَّةٌ في الحلالِ والحرام، وقواعِدِ الإسلامِ، فهذا خِلافُ الإجماعِ، وإن أردتَ أن تُرَجِّحَ لنا تقْلِيْدَهُ في هذه المسألةِ، فما أَبْعَدَ مَا قَصَدْتَ في هذا المقالِ، فإنما وضعتَ رسالتَك لتحذيري مِن تقليدِ الفقهاءِ في فروعِهِم، والقدحِ عليهم في حديثِهم وعقائدِهم حتَّى شَكَّكتَ في اجتهادِ أبي حنيفةَ، وفي إسلامِ الشافعيِّ ومالكٍ، وقطعتَ بِكُفْرِ أحمدَ بنِ حنبلٍ جُراءةً وغُلُوًّا في التنفير عنهم، ثم أردتَ أن تحتجَّ علينا بما لم يَصِحَّ عنهم، كما تحتجُّ بكتابِ اللهِ حيثُ احتجْتَ إلى ذلك، فَدَارَ اختيارُك مع الهوى، ونسيتَ ما يمْنَعُ مِنْهُ الحَيَا والحِجا، وكان اللائقُ من السَّيِّد -أيَّده اللهُ- إذا لم يجِدْ حُجةً تَدُلُّ على ما اختاره مِن هذا القولِ أن لا يذهب إليه، فليس ثَمَّةَ ضرورةٌ تُلْجِئُهُ إلى اختيارِ هذا القولِ المهجورِ، ومخالفةِ المذهبِ المشهورِ المُصَحَّحِ المَنْصُورِ الذي نصَّ عليه العلماءُ، وَقَوَّاه الجمهورُ، والعدولِ عن ذلك
_________________
(١) = مقدمات وسبعة كتب، وقد طبع مفردًا ومع شرحه للمحلي، انظر ترجمته في " الدرر الكامنة " ٢/ ٤٢٥ - ٤٢٨، و" حسن المحاضرة " ١/ ٣٢٨ - ٣٢٩، وانظر مقدمة التحقيق التي كتبها الطناحي والحلو لكتاب " طبقات الشافعية الكبرى " للسبكي هذا.
(٢) نص كلامه في " جمع الجوامع " ٢/ ٤٢٢ - ٤٢٣ بشرح المحلي وحاشية العطار: ومتعلق الأحكام من كتاب وسنة وإن لم يحفظ المتون.
(٣) من وَصَمَ الشيء يصِمُه صمة: إذا عابه كوعد يعد عِدَة.
[ ٢ / ٧ ]
قال السيد: وكيف يكون حال هذا المجتهد الذي يحتاج إلى كتبه في عيون المسائل إذا اغتصبت هل يبطل اجتهاده
أقول: هذه الحجة الثالثة من حجج السيد وما هي إلا قعقعة في العبارة وبيان ما ذكره يظهر بالكلام في عشرة أنظار
النظر الأول من قبيل المعارضات وهو أن نقول: إيراد مثل هذا الكلام ممكن في المجتهد والمقلد
إلى الاحتجاج بالمنظومِ والمنثورِ.
قالَ: وكيفَ يكونُ حالُ هذا المجتهدِ الذي يَحْتاجُ إلى كُتُبِهِ في عيونِ المسائلِ إذا اغْتُصِبَتْ كُتُبُه، أو سُرِقَتْ: هل يَبْطُلُ إجتهادُه، أو يقال: سُرِقَ عِلْمُهُ أو اغتُصِبَ ومُنِعَ منه ونُهِبَ؟!.
أقول: هذه الحجةُ الثالثةُ مِن حُجَجِ السيِّدِ -أيَّده اللهُ- في هذه المسألةِ، وما هي إلاَّ قَعْقَعَةٌ في العِبارةِ، وتهويلٌ لَيْسَ تحتَه مِن العِلْمِ أَثَارَةٌ، ولستُ بحمدِ اللهِ مِمَّن تَهُولُهُ القَعْقَعَةُ، ولا تَسْتَغْلِطُهُ الألْفاظُ المسَجَّعَةُ، وَمَا أنَا مِن جِمَالِ بني أقَيْشٍ يُقَعْقَع خَلْفَ رِجْلَيْهِ بِشَنٍّ (١) وبيانٌ ما ذكرتُهُ يَظْهَرُ بالكلامِ في عَشْرةِ أنظارٍ: معارضَاتٍ وتحقيقاتٍ:
النظرُ الأوَّلُ: مِن قَبِيلِ المعارضاتِ وهو أن نقولَ: إيرادُ مثلِ هذا الكلامِ مُمْكِنٌ في المجتهد والمقلد والقارىء في أيِّ فنٍّ مِن الفنونِ السَّمعيَّةِ، والمعتمدِ على الكتبِ في جميعِ المعارفِ النَّقْلِيَّةِ، فَيَلْزَمُ السَّيِّدَ -أيَّده الله- أن يُوجِبَ على نفسهِ وعلى غيرهِ من المقلِّدينَ لأمواتِ العلماءَ
_________________
(١) اقتباس من قول النابغة الذُّبياني: كأنك مِن جِمالِ بني أُقيش يُقعْقَعُ خلفَ رِجَليْهِ بشَنِّ وهو البيتُ العاشر من قصيدة في ديوانه ٢٤٦ مطلعها: غشِيتُ منازِلًا بعُرَيْتِنَاتٍ فأعلى الجزعِ للحي المِبَنٌّ وقوله كأنك من جمال - هذا خطاب لعيبنة بن حصن الفزاري، وبنو أقيش: فخذ من أشجع، وقيل: حي من اليمن، وإبلهم غيرُ عتاق يضرب بنفارها المثل، ويقعقع بالبناء للمفعول، والقعقعة: تحريك الشيء اليابس الصلب، والشن: القِربة البالية، وتقعقعها يكون بوضع الحصى فيها وتحريكها، فيسمع منها صوت، وهذا مما يزيد في نفورها. جعل عيينة كالجمل النافر لجبنه وخفته عند الفزع. والبيت استشهد به سيبويه ٢/ ٣٤٥ على حذف الاسم الموصوف لدلالة الصفة عليه، والتقدير: كأنك جمل من جمال بني أقيش. وهو في " شرح المفصل " لابن يعيش ١/ ٦١ و٣/ ٥٩، و" خزانة الأدب " ٢/ ٣١٣، و" شواهد العيني " ٤/ ٦٧، والأشموني ٣/ ٧١.
[ ٢ / ٨ ]
النظر الثاني من قبيل المعارضة أيضا، وذلك أن الأمة أجمعت على أنه يجب على المجتهد أن يرجع في طلب الأدلة عند حدوث الحادث إلى من في بلده من العلماء
المعتمدينَ على ما يَدْرُسُونهُ من أقوالِهم في العملِ والفتوى أن يَحْفَظُوا كُتُبَ الفروعِ عن ظهورِ قلوبِهم، ولا يَحِلُّ لهم أن يَعْتَمِدُوا في العملِ والفُتيَا على الرُّجُوعِ إلى كُتُبِهِم، لأنّهُ إذا ضَاعَ على أحدِهم كتابُهُ أو سُرِقَ أو نُهبَ أو اغتُصِبَ، لَزِمَ أَنْ يُقالَ: إنَّهُ ضاعَ عليهِ تقليدُه، ونُهِبَ فتواهُ، واغتُصِبَ عليهِ عِلْمُ إمامهِ الذي اختارَهُ للتقليدِ وارتضاهُ، فأصبحَ مسلوبَ التقليدِ، عديمَ الاجتهادِ، يَسْألُ عن ضالَّةِ تَقليدِهِ كُلَّ حاضرٍ وبادٍ.
فإن قلت: إنَّه يُقالُ: سُرِقَ عليه كتابٌ، كما يقولُ ذوو الألبابِ، وعليه أن يَرْجِعَ إلى سائرِ الكتبِ المُصَحّحاتِ، وإلى سائرِ العلماءِ الثقاتِ.
قُلنا: ولنا إن نجيبَ بمثلِ هذا الجوابِ، فَدَعْ عنكَ التَّهويلَ بذكرِ السَّرِقَةِ والاغتصابِ. وكذلك لو صحَّ الاستدلالُ على وجوبِ الواجباتِ بِمُجَرَّدِ التَّجَوُّزِ في العباراتِ، وجبَ غيبُ القرآنِ والسُّنَّة والنحوِ والأدبِ وسائرِ الفنونِ السَّمْعِيَّةِ والعلوم النَّقْلِيَّةِ، لئلا يُقالَ للقارىء في شيءٍ منها إذا سُرِقَ كتابُه أو نُهِبَ أو ضَلَّ أو غُصِبَ: إنَّه سُرِقَ على فلانٍ قراءتُه، وغُصِبَتْ عليه سُنَّتُه، وَنُهِبَ على فلانٍ عِلْمُ النحوِ والأدب، وظُلِمَ نوادر أشعارِ العربِ، ونفائِس الرَّسائلِ والخطب.
النظرُ الثاني: مِن قَبيلِ المعارضةِ أيضًا، وذلك أنَّ الأمَّة أَجْمَعَت على أنَّه يجبُ على المُجتهدِ أن يَرْجِعَ في طلب الأدلةِ عند حدوثِ الحادثةِ إلى مَنْ في بلدِهِ مِن العلماءِ، فقد قدَّمنا روايةَ المنصورِ باللهِ، وأبي طالبٍ -﵉- عن عليٍّ -﵇- أنَّه كانَ يَسْألُ عَمّا لم يَسْمَعْ مِن رسولِ اللهِ - ﷺ - ويَسْتَخْلِفُ مَن يتَّهِم (١).
_________________
(١) انظر تخريجه في الصفحة ٢٨٤ من الجزء الأول.
[ ٢ / ٩ ]
النظر الثالث أيضا من قبيل المعارضة، ذلك أنه قد ثبت أن العالم يسمى في الحقيقة العرفية عالما ومجتهدا في حال نومه وغفلته
وصَحَّ عن أبي بكرٍ أنَّه سَأَلَ عن سَهْمِ الجَدَّةِ حين جاءت تَسْأَلُهُ عن نصيبِها (١).
وصحَّ أيضًا عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ سَأَلَ عن حُكمِ المجوسِ حين قَدِمَ أرضَهم (٢)، وغيرُ ذلك. وهذا إجماعٌ فلا نُطَوِّلُ بذكرِهِ.
فلو كان مُجَرَّدُ التَّجَوُّزِ في الكلامِ يُحرِّمُ الحلالَ، ويُحِلُّ الحرامَ، لَوجَبَ أن يكونَ ذلك الواجبُ المُجْمَعُ على وجوبهِ حَرامًا مجمعًا على تحريمهِ، لأنَّهُ يجوزُ على ذلك العالمِ المسؤولِ عن الحادثةِ، المرجوعِ إليهِ في معرفةِ المسألةِ أن يُقْتَلَ أو يَمُوتَ أو يُغَيَّبَ، فيُقَالُ في المجتهدِ الراجعِ إليهِ، المُعْتَمِدِ في البحثِ عن الحكمِ عليهِ: إنَّه قد ماتَ عِلْمُهُ، أو قُتِلَ: أو أُسِرَ اجتهادُه وكُبِّل، أو أَصَابَهُ الطاعونُ، أو اغتالَهُ الطاغُونُ.
فإن قلتَ: الجوابُ: أنَّه يُرْجَعُ إلى غيرِ ذلك المأسورِ، وهذا الجوابُ ظاهِرٌ غيرُ مستورٍ.
قلنا: وكذلك نقولُ: يُرجع إلى غيرِ ذلك الكتابِ المَغْضوبِ وهذا جوابٌ واضحٌ غَيْرُ محجوبٍ.
النظرُ الثالثُ: أيضًا مِن قَبيلِ المعارضةِ، وذلك أنَّه قد ثَبَتَ أَنَّ العالِمَ يُسمَّى في الحقيقة العرْفِيَّة عالمًا ومجتهدًا في حالِ نومِهِ وغفلتهِ ونِسيانِهِ وتوقُّفهِ، بل بعْدَ موتهِ وفنائهِ، ولذلك وصفَ اللهُ الأنبياءَ -عليهمُ
_________________
(١) تقدم تخريجه في الجزء الأول الصفحة ٢٩٤.
(٢) انظر تخريجه في الصفحة ٤٤٧ من الجزء الأول.
[ ٢ / ١٠ ]
النظر الرابع من قبيل المعارضة أيضا، وذلك أن الأمة أجمعت على جوز نسيان المجتهد
السلامُ- في كتابهِ الكريمِ بالنُّبُوَّةِ والعلمِ والفضل، وسائرِ الصِّفاتِ الحميدة، والنعوتِ الجميلةِ، وكذلك نَصِفُ عليًّا -﵇- بعدَ موتِه بالعلمِ والشَّجاعةِ، وكذلك سائرُ أئمةِ الهُدى وسائرُ العلماءِ والفضلاءِ، وليسَ لأحدٍ أن يقولَ: إن عليًّا -﵇- اليومَ جاهِلٌ غيرُ عالم ولا فاضِلٍ، محتجًا بأنَّ الحقيقة اللغويةَ تقْتَضي أنَّ الميتَ لا علمَ له، ولا عقلَ، ولا فضيلةَ له، ولا فضلَ، وذلك لأنَّ الحقيقةَ العُرفيةَ هي المقدَّمةُ السابقةُ إلى الأفهامِ، فلا يجوزُ العُدُولُ إليها حيث تُوهِمُ خلافَ الصوابِ بغيرِ قَرِينَةٍ وبغير حاجةٍ إلَّا مجردَ المجونِ أو اللَّجاجةِ. وكذلك يُسَمَّى الرجلُ مؤمنًا ومسلمًا في حالِ نومهِ، بل في حالِ موتهِ لمثلِ ذلك.
فإذا ثَبَتَ هذا سألنا السيِّد -أيَّده الله- هل هو يُقِرُّ بذلك أو يُنْكِرُه؟ فإن أقر بذلك، قلنا: لنا أن نُسمِّيَ العالِمَ حينَ ضَاعَتْ كتُبُهُ عالمًا مجتهدًا، لأنهُ متمكِّنٌ من العلمِ، واجدٌ لِلطرِيق إلى الاجتهادِ كما سمَّينا الميِّتَ بذلك، لأنَّه كان كذلك، بل هذا أولى، لأنَّ التمكنَ مِن الاجتهادِ أقوى في سَبَبِ التسميةِ مِن كونهِ كان مِن أهلِ الاجتهادِ.
وبَعْدُ، فهذا تعويلٌ على مجردِ العباراتِ، وما يَصِحُّ من الاشتقاقاتِ، وهذه الأمورُ ليست من أساليبِ الرجالِ في ميادينِ الحجاج، ومضايقِ الجدالِ، ولولا أَحْوَجَ السَّيِّد إليها، ما رَضِيتُ لقلمي أن يجريَ بِسَطْرِها، ولا لِفمي أن يتفوَّه بذكرِها.
النظر الرابع: من قبيل المعارضة أيضًا وذلك أنَّ الأمة أجمعت على جوازِ نسيان المجتهد لبعض ما حَفِظَهُ عن ظهر قلبه، فيلزم السَّيِّد أن لا يصحَّ هذا الإجماعُ، لئلا يقال فيما نسي العالمُ: إنَّه ضلَّ بعضُ علمه،
[ ٢ / ١١ ]
النظر الخامس من هذا القبيل أيضأ وهو أن الله تعالى شرع الكتابة في الدين والشهادة، وعلل ذلك بأنه أقوم للشهادة
النظر السادس: أن السيد قد حام على اختيار مذهب الأشعرية في أنه لا يشتق اسم الفاعل من شيء إلا وذلك الشيء قائم بالفاعل
وضاع، أو أَبَق إلى بعض النواحي والبقاع، ونحو ذلك من الأسجاع الثقيلة على الطباعِ، الكريهةِ في الأسماع.
النظر الخامس: مِن هذا القبيل أيضًا وهو أن الله -تعالى- شرع الكتابةَ في الدَّيْن والشهادة، وعَلَّلَ ذلك بأنَّه أقومُ للشهادة وأدنى ألا يَقَعَ الشَّكُّ والرِّيبَةُ، وكتابُ الله لا يَرِدُ بالعَبَثِ، ولا يأتيه الباطِلُ مِن بين يديه ولا مِن خلفه، فلو صَحَّ التعلُّقُ بمثل ما ذكره السَّيِّد للزم أن لا يَرِدَ الشَّرْعُ بذلك، لأنَّه قد يضيعُ الكتابُ ويُسرق، أو يَعْطَبُ وُينهبُ، وَيَنْسَى الشهودُ الشهادَةَ ما لم يَرَوْا خُطُوطَهُم، فيكون سببًا لذكرهم على القول بأنَّ الشهادة على الخطِّ لا تَصِحُّ، أو تكون موجبةً للشهادة بنفس معرفتها على القول الآخر، وعلى كلا التقديرين كان يلزم نسخُ هذه الشريعة، ومحوُ هذه الآية، لئلا يُقَالَ: سُرِقَ علمُ الشهود، واغتصبت شهادتُهم.
النظر السادس: أنَّ " السَّيِّد " قد حام على اختيار مذهب الأشعرية في أنَّه لا يشتق اسمُ الفاعل مِن شيء إلاَّ وذلك الشيء قائمٌ بالفاعل، وهذه المسألة معروفةٌ في الأصول، وفيها أنظار دقيقة، وتحتها إلزامات جليلة، ولستُ أُكْثِرُ بإيراد المعروف، ولا أتعرض لمجرد النقل إِلَّا فيما أخاف المنازعة في ثبوته، وأن أُعْزَى إلى الابتداع في القول به كما صنعتُ في نقل كلام الأئمة في الوِجَادَةِ، وكما سيأتي في نقل ألفاظهم في قبول المتأوِّلين، ونحو ذلك. فلهذا تركتُ نقلَ كلام الفريقين في هذه المسألة وما يلزم السَّيِّد من الإلزامات المنكرة إن كان قد اختارَ مذهبَ الأشاعرة، وما أَظُنُّ فِكْرَهُ في هذه المسألة قد بلغ إلى هذه الغاية، ولا تَغَلْغَلَ إلى هذا الشأوِ.
فنقول: لا شك أنَّ اسم الفاعل اللغوي قد يُشْتَقُّ للفاعل لمناسبات
[ ٢ / ١٢ ]
بعيدة، وتعلُّقات نائية، ولهذا يُسمَّى الرجل لابِنًا وتامِرًا: إذا كان ذا تَمْرٍ وَلَبَنٍ (١).
قال الخُطيْئة:
وَغَرَرْتَنِي وَزَعَمْتَ أَنـ ـكَ لَابِنٌ في الصَّيْفِ تَامِرْ (٢)
فلم يلزم أنَّ هذا الاشتقاقَ غيرُ صحيح، لأنَّه إذا سرق التمر، أو اغتُصِبَ اللبنُ، فقد سُرِقَ اسمُ الفاعل، واغتُصِبَ، وأُخِذَ الاشتقاقُ، ونُهِبَ، فلما لم يلزم ذلك في لغة العرب عندَ جميعِ أهلِ الأدب، فكذلك في مسألتنا يَصِحُّ أن يكونَ الرجلُ عالمًا مجتهدًا وعلى الحفظ والكتب معتمدًا، إذ لا يُوجَدُ مَنْ يَعْتَمِدُ على أحدهما سرمدًا، ولا مَنْ لا حظَّ له في أحدهما أبدًا. ولا يلزم أن يُسرق علمه، ولا يَصِحُّ أن يغتصب اجتهادُه، وكذلك يُسمَّى زيدٌ مدنيًا وعمرو يمنيًّا، ولا يلزمُ زيدًا إذا خَرِبَتِ المدينةُ أن تَخْرَبَ تسميتُه، ولا يلزمُ عمرًا إذا خُسِف باليمن أن تُخْسَفَ نسبته.
_________________
(١) قال صاحب " المفصل " ٦/ ١٣: وقد يبنى على فعَّال وفاعل ما فيه معنى النسب من غير إلحاق اليائين، كقولهم: بتَّات وعوَّاج، وثوَّاب، وجمَّال، ولابن وتامر ودارع، والفرقُ بينهما أن " فعَّالًا " لذي صنعة يزاولها ويديمها، وعليه أسماء المحترفين، و" فاعل " لمن يلابس الشيء في الجملة.
(٢) البيت من قصيدة في هجو الزِّبْرقان بن بدر مطلعها: شاقتك أظعانٌ لليـ ـلى يومَ ناظرة بواكر وهو في ديوانه ١٧، وسيبويه ٣/ ٣٨١، و" المقتضب " ٣/ ١٦١، و" الخصائص " ٣/ ٢٨٢، وابن يعيش ٦/ ١٣، والأشموني ٤/ ٤٠٠، واللسان: لبن. وُيحكى أن الأصمعي صحف قول الحطيئة هذا فأنشده لاتني بالضيف تامُر، أي: تأمر بإنزاله وإكرامه، قال ابن جني: وتبعد هذه الحكاية في نفسي لفضل الأصمعي وعلوه، غير أني رأيتُ أصحابَنا على القديم يسندونها إليه، ويحملونها عليه.
[ ٢ / ١٣ ]
النظر السابع وهو أول الجواب بطريق التحقيق وذلك الحبر البراق لا يسمى علما، ولا المجلدات والأوراق يسمى اجتهادا
النظر السابع: وهو أوَّلُ الجوابِ بطريق التحقيق دونَ مُجَرَّدِ المعارضة، وذلك أن نقول: ليس الحِبْرُ البرَّاق يُسمَّى علمًا، ولا المجلداتُ والأوراق تُسمَّى اجتهادًا، وإنما العلمُ الذي في الصدور، لا الذي في المسطور، ومحلُّ الاجتهادِ في القلوب لا في الكاغَدِ المكتوب، فكيف يلزم أن يُقال -إذا سُرِقَتْ كُتُبُ العالِم-: إنَّه سُرِقَ عِلْمُهُ، واغتُصِبَ، ومُنِعَ منه، ونُهِبَ؟. ومتى صح أن علم المجتهد هو مجموع العفص (١) والزاج، والجلود والأوراق حتى إذا سُرِقَتْ، لزم أن يُسْرَقَ علمه، وإذا اغتُصِبَتْ، وَجَبَ أَن يُغْتَصَبَ اجتهادُه، فإن كان السيدُ ادَّعى أنه ما درى كيف يُقال، ولا عَرَفَ ما العبارةُ في تلك الحالِ، فهذا تعنُّتٌ شديدٌ، ونزوح عن الإنصاف إلى مكان بعيد.
وأظرف السوقة يعرف أنَّه يقال: سُرِقَتْ كُتُبُه، واغتصبت منه ونُهِبَت. وهذه العبارة كافية في هذه الواقعة متى وقعت، ولم يَزَلِ الناسُ يعَبِّرُونَ بها، وما عَلِمْنَا أنَّ أحدًا من أهل اللغة العربية ولا مَنْ قبلَهم، ولا مَنْ بعدهم مِن جميع الملل والنحل والمذاهب والفِرَقِ في قديم الزمان وحديثِه إذا ضاع لَهُ كِتَابٌ، قال: مَنْ وَجَدَ عِلمي، فإنه ضلَّ عنِّي، ولا إِذا اغتُصِبَ عليه كتابًا يقول: فلان اغْتَصَبَ اجتهادي، ولا انتهب فنّي.
وكذلك مَنْ وجد كتابًا ضائعًا، وأراد التعريفَ به، فإنه يقول: مَنْ ضاعَ له كتاب ونحو ذلك مِن معروف الخطاب، ولا يقول: من ضاع له علم، ولا مَنْ سَقَطَ عليه اجتهاد. وهذه التعسُّفَاتُ في العبارات والأساليب المبتدعات لا تُفيد العلم لمن نظر فيها طالبًا للهدى متثبتًا، ولا يأتي بخير
_________________
(١) العفص: ثمر شجر البلوط يتخذ منه الحبرُ والصبغ، والزاح: فارسي معرب، قال الليث: يقال له: الشبُّ اليماني، وهو من الأدوية، وهو من أخلاط الحبر.
[ ٢ / ١٤ ]
النظر الثامن أن نقول: المجتهد هو المتمكن من معرفة الأحكام الشرعية
لمن تكلم بها لاهجًا بالمراء متعنتًا، وما أحْسَنَ قولَ أبي محمد علي بن أحمد الفارسيِّ (١):
وخَيْرُ الأُمُورِ السَّالِفَاتُ عَلَى الهُدَى وَشَرُّ الأُمُورِ المُحْدَثَاتُ البَدَائِعُ
النظرُ الثَّامِنُ: أن نقولَ: المجتهدُ: هو المتمكِّنُ مِن معرفة الأحكام الشرعية بالبحث، والنَّظَرِ، ولم يقل أحد: إنه يجب أن يكونَ المجتهدُ عالمًا بأحكامِ الحوادثِ بحيثُ إذا سُئل عن المسألة، أجابَ السائِلَ في الوقت على الفور مِن غير نظرٍ، ولا طَلَبٍ، وهذا مشهور في كتب الأصول.
ولما ذَكَرَ ابنُ الحاجب (٢) في " مختصر منتهي السُّول ": أن الفقيه: هو العالمُ بالأحكام. أورد على هذا الحدِّ إشكالًا، وهو أنَّه لا يَطَّرِدُ لثبوت: لا أدري. وأجاب عنه: بأن المرادَ تَهَيُّؤُه لِلعلم بالجميع.
والسَّيِّد -أيَّده الله- يَعْرِفُ هذا، ويُقرئهُ كُلَّ عامٍ في غالب الأحوال، وأنا مِمن قرأه عليه، فقرَّرَه ولم يُنْكِرْه. فإذا ثَبَتَ ذلك، فالعالمُ في حال سرقةِ كتبه باقٍ على أهلية الاجتهاد، لأنَّه متمكن منه بعدَ سرقتها بالبحث في كُتُبِ العلماء ومراجعتهم وسؤالهم عما لا يَعْرِفُه، كما سأل عليٌّ -﵇- وأبو بكر وعمَرُ -﵄- والعالم في حال غَيْبَةِ كتبه عنه مِثْلُه في حال جهله بالمسألة، فإن السَّيِّد إنما استعظم أن يكونَ العالمُ جاهلًا بالمسألة في بعض الأحوال، وهذا أَمْر لازم لا بُدَّ للمجتهد
_________________
(١) المشهور بابن حزم الأندلسي الظاهري الفقيه الأديب المتكلم المتوفى سنة ٤٥٦ هـ صاحب " المحلى "، و" الفِصَلِ "، و" طوق الحمامة "، وغيرها من المؤلفات. مترجم في " سير أعلام النبلاء " ١٨/رقم الترجمة (٩٩).
(٢) عثمان بن عمر المتوفى سنة ٦٤٦ هـ، وانظر المسألة في كتابه ١/ ٢٩ مع شرح النص وحواشيه.
[ ٢ / ١٥ ]
منه. ولهذا نصَّ العلماءُ على أنَّه إذا أفتى في المسألة مرةً، ثم سُئِلَ عنها مرة ثانية، فلا يخلو إمَّا أن يكونَ ذاكرًا لطريقة الاجتهاد، جاز له أن يُفتي بفتواه الأولى أو ناسيًا لها، لم يجز له أن يُفتي حتَّى يُجدِّد النظر، فدلَّ على أنهم يُجيزون أن تَرِدَ المسألة عليه، وهو لا يدري ما حكمُها هذا في المسألة التي قد نظر فيها وأفتى، فكيف بالمسألة التي لم يَسْمَعْ بها قطُّ.
وهذا مشهورٌ عندَ أهلِ العلم، وقد سُئِلَ ابنُ مسعودٍ عن مسألة، فما زال يَنْظُرُ فيها شهرًا، ثم أجاب بعدَ شهرٍ كامل.
وقد يموتُ العالِمُ وهو متوقِّفٌ في المسألة، فقد بيَّض السيدُ الإِمام أبو طالب -﵇- بعضَ المسائل في " شرح التحرير "، وكثيرٌ من العلماء المصَّنفين يموتُ وهو مبيِّضٌ في تصنيفه لمسائل. فقد رأيتُ السَّيِّد أبا طالب يتوقَّفُ في غيرِ مسألة في كتاب " المجزي " ويمضي على التوقف المحض. وهذا بناءً على القول المنصور في الأصول: إِن التوقف في الحكم هو حكمُ المجتهد عند تعادُلِ الأمارات، وبناءً على جواز تعادل الأمارات في حقه. فلو كان التشنيعُ لمجرد العبارات مبطلًا للأحكام، لَبَطَل كثير من شرائع الإسلام، فكانَ لَا يَصِحُّ توقفُ المجتهد في الحادثة عندَ سؤاله عنها، لأنَّا في تلك الحال لا ندري كيف يُقال: هل يقولُ المجتهدُ للسائل: أمهلني أيامًا قلائِل، فإن اجتهادي لَمَّا سَمِعَ بسؤالِكَ، أَبَقَ وأبى، وامتلأ غضبًا، وأمعن هربًا، أو يقول: إن علمي بالحادثةِ ضاع منِّي وضلَّ، وخرج من يَدَيَّ وزلَّ، فما أدري أين ضلَّ، ولا أعْرِفُ أين نزل.
وهذا وأمثالُه إنما يليقُ ذكره في كتاب " سُلْوَانِ المُطَاعِ " (١) وكتاب
_________________
(١) اسمه الكامل " سلوان المطاع في عدوان الأتباع " تصنيف محمد بن أبي محمد بن محمد بن ظفر الصّقلي المتوفى سنة ٥٦٧ أحد الأدباء الفضلاء، صاحب التصانيف الممتعة، =
[ ٢ / ١٦ ]
" الصَّادِح والبَاغِم " (١) وكتاب " كليلة ودِمنة " وأمثاله.
ومِن هذا القبيلِ قولُ الشَّافعية: ما أحذقَ دَلْوَ أبي حنيفة يَعْرِفُ النجس من الطاهر، قالوا ذلك تشنيعًا على أبي حنيفة، لمَّا قال أبو حنيفة: إنَّ ماءَ البِئْرِ المتنجس يَطْهُرُ بالنزح منه على حسب النجاسة في كثرتها وقلتها على ما هو مفصَّل في كتب الفروع (٢).
وكذلك لما قال الشافعيُّ في القُرعة (٣) في كثير من المسائل، قالت الحنفيةُ: ما أَكْيَسَ قُرْعَةَ الشافعيِّ: تَعْرِفُ المُحِقَّ من المبطل.
_________________
(١) = وكتابه هذا ألفه لبعض القواد بصقلية سنة أربع وخمسين وخمس مئة، وقد طبع عدة طبعات في مصر وتونس، وترجم إلى الإيطالية والإنجليزية مترجم في " سير أعلام النبلاء " ٢٠/رقم الترجمة (٣٣٦).
(٢) الصادح والباغم: رجز عدد أبياته ألفا بيت نظمها الشريف أبو يعلى محمد بن محمد الهاشمي العباسي المعروف بابن الهبارية المتوفى سنة ٥٠٤ هـ، وأهداه إلى الأمير أبي الحسن صدقة بن منصور بن دبيس صاحب الحِلة، انظر " وفيات الأعيان " ٢/ ٤٩٠، و٤/ ٤٥٦.
(٣) انظر تفصيل المسألة وأدلتها في " البناية شرح الهداية " للبدر العيني ١/ ٣٨٤ - ٤٢٢.
(٤) قال الحافظ في " الفتح " ٥/ ٢٩٣: ومشروعية القرعة مما اختُلِفَ فيه، والجمهورُ على القول بها في الجملة، وأنكرها بعضُ الحنفية، وحكى ابنُ المنذر عن أبي حنيفة القولَ بها، وجعل البخاريُّ ضابطَها الأمر المُشْكِلَ، وفسرها غيرُه بما ثبت فيه الحق لاثنين فأكثر، وتقع المشاححة فيه، فيقرع لفصل النزاع. وقال إسماعيل القاضي: ليس في القرعة إبطالٌ لشيء من الحق كما زعم بعضُ الكوفيين، بل إذا وجبت القسمة بين الشركاء، فعليهم أن يعدِلُوا ذلك بالقيمة، ثم يقترِعُوا فيصير لكل واحد ما وقع له بالقُرعة مجتمعًا مما كان له في الملك مشاعًا، فيضم في موضع بعينه، ويكون ذلك بالعوض الذي صار لشريكه، لأن مقادير ذلك قد عدلت بالقيمة، وإنما أفادت القرعة أن لا يختار واحدٌ منهم شيئًا معينًا، فيختاره الآخر، فيقطع التنازع، وهي إما في الحقوق المتساوية، وإما في تعيين الملك، فمن الأول عقدُ الخلافة إذا استووا في صفة الإمامة، وكذا بين الأئمة في الصلوات والمؤذنين، والأقارب في تغسيل الموتى والصلاة عليهم، والحاضنات إذا كن في درجة، والأولياء في التزويج، والاستباق إلى الصف الأول، وفي إحياء الموات، وفي نقل المعدن، ومقاعد الأسواق، والتقديم بالدعوى عند الحاكم، والتزاحم على أخذ اللقيط، والنزول في المنزل المسبل ونحوه، وفي السفر ببعض الزوجات، وفي ابتداء القسم، والدخول في ابتداء النكاح، والإقراع بين الشركاء عند تعديل السهام في القسمة.
[ ٢ / ١٧ ]
النظر التاسع: أن الاجتهاد وشرائطه من قواعد الإسلام
ومِن ذلك قولُ الأعمى (١) الذي قضى عليه عمر الدِّية حين سَقَط هو وقائدُه في حفرة، فوقع فوق قائده فقتله، وسَلِمَ، فلمَّا قَضَى عليه عمر بالدِّيةِ، جعل يطوفُ وهو يقول:
يا أيُّهَا النَّاسُ لَقِيتُ مُنْكَرًَا هلْ يَعْقِلُ الأعْمى الصَّحِيح المُبْصِرَا
خَرَّا مَعًا كِلاهُما تَكَسَّرا
فهذه وأمثالُها لم يعتمدوها أدلةً على الأحكام، ولا يتوهَّمُ ذلك أحدٌ مِن أولي الأفهامِ، فإنما هي مُلَحٌ سَمَرِيَّة لا حُجَحٌ نَظَرِيَّة.
فإن كان السَيِّدُ -أيَّدَه الله- إِنما أراد ما أرادُوا مِن الإحْمَاضِ (٢) ولم يَقْصِدْ بذلِكَ الكلامِ النقضَ والاعتراضَ، فكان يجبُ عليه أن لا يُورِدَ ذلك إلا بعدَ إيراد الأدِلَّةِ السَّاطِعَة، أو البراهينِ القاطعة.
النظرُ التاسِعُ: أن الاجتهادَ وشرائِطَه مِن قواعدِ الإسلامِ التي ينبني عليها عندَ الجماهيرِ صِحَّةُ الإمامةِ والقضاءِ والفُتيا، فينبغي التَّثَبُّتُ في الدليل على شروطها مِنْ نفيٍ وإثباتٍ، والسَّيِّدُ قد زاد في شروطِها شرطًا لم يَسْبِقْهُ غيرُه إليه واستدلَّ عليه بمجرَّدِ الشَّكِّ والتَّحيُّرِ في كيفية العبارة إذا سُرِقَتْ كُتُبُ العالم، أو غُصبت: هل يُقَالُ: سُرِقَ علمه، أو اغتُصِبَ، أو كيف يُقَالُ؟.
فنقول للسيد: هذه حُجَّةٌ غريبةٌ ما عرفناها، فَبَيِّنْ لنا مِن أيِّ أنواعِ
_________________
(١) أخرج قصته الدارقطني والبيهقي ٨/ ١١٢ من طريق موسى بن عُلي بن رباح، عن أبيه أن أعمى وفيه انقطاع.
(٢) يقال: أحمض القوم: إذا أفاضوا فيما يُؤنِسهم من حديث، وكان ابن عباس يقول إِذا أفاض مَنْ عنده في الحديث بعد القرآن والتفسير: أحمضوا. ضرب ذلك مثلًا لخوضهم في الأحاديث وأخبار العرب إذا ملُّوا تفسير القرآن. وقال الطِّرماح: لا يَنِي يُحمِضُ العَدُوَّ وذو الخُلـ ـلةِ يُشفي صَدَاهُ بالإحْمَاضِ
[ ٢ / ١٨ ]
الحجج هي؟! فهي معروفةٌ محصورة، ومن أيِّ أجناسِ الأدِلّة؟! فهي مذكورة مشهورة، وهي: العقلُ والكتابُ والسُّنة والإجماعُ، والقياسُ، والاستدلال، فأخبرنا عن هذه الحجةِ المسجوعةِ أَمِنَ الحُجَجِ المعقولةِ أم مِنَ الحُجَجِ المسموعةِ؟ وإن كانت من المعقولات، فَبيِّن لنا كيفَ يأتي تركيبُها في البُرهان؟! وَزِنها لنا بذلك الميزان، وبيِّن لنا المحمولَ والموضوعَ (١) والمقدمتين الصغرى والكبرى، والحدَّين الأصغر والأكبر، ووسط البُرهان المُسمّى بالحد المتكرر، واجتماع شرائط الإنتاج من إيجاب الصغرى، وكُلية الكبرى، وجوازِ سلب الكبرى، ومنع جزئيتها (٢).
وإن كانت مِن الحُجَجِ السَّمعِيَّةِ، فَمِنَ المعلومِ أنها ليست مِنَ النصوصِ القرآنية، ولا من الأخبار النبوية، ولا مِن المسائل الإجماعية، ولا مِن المسَالِكِ الاستدلالية، ولم يبق إلا أن تكونَ مِن المسائل القياسية، فيجبُ مِن السَّيِّد -أيَّدَه اللهُ- أن يُبَيِّنَ لنا الأصلَ المقيسَ عليه، والعلةَ الجامعةَ بينَهما، ووجودَ العِلَّةِ في الفرع، وبيانَ الطريقِ إلى صِحة عِلِّيَّتها: هَلْ مِنْ قبيلِ المناسباتِ العقلية، أو النصوص الجلية، أو الإشارات الخفية إلى غير ذلك من
_________________
(١) كل جملة تدل على معنى يَحْسُنُ السكوتُ عليه، ويتطرق إليه التصديقُ والتكذيبُ تتألف من ركنين أساسيين لا بُدَّ منهما، يسمي النحويون أحدَهما مبتدأ والآخر خبرًا، ويسمِّي المتكلمون أحدَهما وصفًا والآخر موصوفًا، ويسمي المنطقيون أحدَهما موضوعًا، والآخر محمولًا، ويسمِّي الفقهاء أحدَهما حكمًا والآخر محكومًا عليه، ويسمِّي البلاغيون أحدهما مسندًا والآخر مسندًا إليه.
(٢) هذه الأشياءُ التي ذكرها المصنف هي من اصطلاحات علم المنطق الصوري يراجع فيها كتاب " معيار العلم " للإمام الغزالي لفهم ما ترمي إليه. وللمؤلف وغيرِه من علماء المسلمين الأفذاذ نقدٌ لهذا المنطق، وبيان فساد كثير من قضاياه، واستنباط منطق جديد من القرآن والسنة الصحيحة. أذكر منها " الرد علي المنطقيين " لشيخ الإسلام ابن تيمية، و" صون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام " لجلال الدين السيوطي، و" نقد مفكري الإسلام للمنطق الأرسططالي " لعلي سامي النشار، و" ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان " للمؤلف ابن الوزير.
[ ٢ / ١٩ ]
النظر العاشر: سلمنا تسليم جدل أن هذه الحجة حجة صحيحة، لكن بقي لنا سؤال
شرائط القياس التي هي لِصحته أساسٌ، فحينئذٍ نتمكَّنُ من الجواب عليه، إما بمعارضته بقياسٍ مثلِ قياسِه، أو بمنعِ القياس بنصٍ أو ظاهرٍ، أو نُسَلّم له ما ذكره فليس بينَ المُكلَّفِ وبينَ الحقِّ عداوةٌ.
وأمَّا حين أورد هذه الحجةَ مبرقعةَ الوجهِ، معفَّاةَ الرَّسْم، مُعَمَّاة النَّهْجِ، فإنه لا سبيل لنا إلى نقضِها، ولا طريقَ إلى حلِّها، وذلك لأن نقض الشيء إنما يَصِحُّ بعدَ بنائه، وهذه (١) أركانُها مهدومة (٢)، وَحَلُّ الأمرِ لا يُمكن إلاَّ بَعْدَ عقدِه، وهذه أزرارُها محلولَةٌ.
النظر العاشِرُ: سلَّمنا تسليمَ جدلٍ أنَّ هذه الحُجَّةَ حجَّةٌ صحيحة، ودِلالةٌ صريحة، لكن بقي لنا سؤالٌ لا أقلَّ لنا منه، وعليك جوابُه لا محيصَ لَكَ عنه، وذلك أنَّا نسألُك: هَلْ هذه المسألةُ مِن المسائل القَطْعِيَّةِ، أو مِنَ المسائِلِ الظنية؟. فإن قال: هِي من المسائل الظَّنِّيِّة فما الدَّاعي إلى التشنيع على من قال بها وهو مصيبٌ، وآخذ مِن الحق بنصيب، وما معنى التسميع بالذَّاهِبِ إلى ذلك بذكر السَّرِقَةِ والاغتصاب؟! وهُوَ من السالكينَ لِمناهج الصَّواب، وَهَلْ يأذَنُ اللهُ في أمرٍ، ويشرعُه للمسلمين، وُيرِيدُه منهم، ويُثيبُهم عليه، ثم يُجَوِّزُ لمسلم أن يُشَنِّعَ عَلَى مَنْ فعله، معظمًا لشعائرِ شرائع الله، متحريًا لما أراد اللهُ، وُيورد جنسَ كلامِ المستهزئين بعبادِ الله المجتهدين في تَعَلُّمِ مرادِ الله، تنفيرًا للعباد عما شَرَعَهُ اللهُ منه، وصدًّا لهم عما أذِنَ الله فيه، وأين هذا من كلام العلماء العاملينَ القاصدينَ لنصيحة المسلمين؟!.
وإن كان السَّيِّد يقول: إنَّ المسألة قطعيَّةٌ، وإنَّ الحقَّ فيها مقصورٌ عليه، والصوابَ فيها لا يخرج عِن يديه، فيجب منه بيانُ الأدلةِ القاطعة مِن النصوص
_________________
(١) في (أ) و(ب): وهدم.
(٢) في (ش): معدومة.
[ ٢ / ٢٠ ]
قوله: قال: وربما تريدون بالرجوع إلى كتبه في شيء يسير
قوله: أقول: ثم أن السيد حام على دعوى الاجماع على ما اختار، ولما يقطع فشرع يترجى لمن خالفه القرب من مخالفته
قال السيد: ومن تامل كلام الغزالي وفي غيره قبل هذا وبعده علم أنه لا يجعل ارتقاء مرتبة الاجتهاد سهلا
المتواتر لفظُها، المعلومِ معناها، أو الإِجماع الضروريِّ اللفظيِّ المنقولِ بالتواتر عن لفظِ كُلِّ مجتهدٍ من أهل عصرٍ مِنْ علماءِ الإسلام، ومرحبًا بالوِفاق.
فأما إن السَّيِّدَ يدَّعي أنَّها قطعيَّة، ويحتجُّ بقول الشاعر، ثم بما رُوِيَ عن الشافعي، ثم بأنَّه ما درى كيفَ يقولُ إذا سُرِقَتِ الكُتُبُ، فما هذا ينبغي مِن مثله، ولا يليقُ بعلمه وفضله.
قال: وربَّما يُرِيدُونَ بالرجوع إلى كتبه في شيء يسير كتصحيحِ لفظِ خبرٍ، أو إسنادٍ، أو نحوِ ذلك.
أقول: ثم إنَّ السَّيِّدَ حام على دعوى الإجماع على ما اختاره، ولما يَقْطَعْ، فشرع يَتَرَجَّى لِمن خالفه القربَ من مخالفته، ويتأولُ لهم نصوصَهم القاطِعة بمخالفته.
فنقول له: إن كانُوا نصُّوا على خلاف ما ذَهَبْتَ إليه، فما الموجبُ للتأويل؟ فإنَّ دعواك على العالِم أنَّه أرادَ غيرَ الظاهر مِن كلامه يحتاج إلى بيان، وإنما جاز تأويل كلام الله تعالى ورسوله -﵇- فيما يُعْلَمُ قطعًا أن ظاهِرَه قبيحٌ، لما دلَّ الدليلُ القاطِعُ على أنَّ الله تعالى لا يجوز أن يُرِيدَ إلَّا المعنى الصحيحَ، وكذلك رسولُه - ﷺ - ولو جاز مِثْلُ هذا، لأمكن كُلَّ أحد مثلُ هذه الدعوى لِموافقة العلماء له على مذهبه، وهذا ما لا يَعْجِزُ عنه أحد، ثم إنَّ السَّيِّد -أيّدَة الله- صدَّر التأويلَ لِكلامهم بـ " رُبَّما "، وغيرُ خافٍ عليه -أيَّدَهُ الله- أنَّ " رُبَّمَا " و" لعل " و" ليت " و" عسى " ونحوَهَا مِن ألفاظ التردد والترجِّي والتأهُّلِ والتمنّي لا يصلُح إيرادُها في المناظراتِ الجدلية، ولا يليقُ ذِكْرُها في المسائِل العلمية.
قال: ومن تأمَّلَ كلامَ الغزاليِّ قبلَ هذا وبعدَه، وفي غيرِه مِن كتبه، علم
[ ٢ / ٢١ ]
أقول: شرع السيد الأن في بيان الدليل الذي أوجب تأويل كلام الغزالي وتمسك في تأويله لكلامه بدعوى وحجتين، والكلام في ضعف هاتين الحجتين يظهر بذكر مباحث
أنه لا يَجْعَلُ ارتقاءَ مرتبةِ الاجتهاد سهلًا ومِن ها هنا قال: بجواز كونِ الإمام مقلدًا، وصنف كتابًا للمستظهر (١) في ذلك، فلو كان عندَه سهلًا، لقال: يكفيه أن يَسْمَعَ مختصرًا مختصرًا في كُلِّ فنٍّ مِن علوم الاجتهاد (٢) في أيَّامٍ يسيرة، ويرجع إلى أصلِه الذي قد صَحَّحَهُ.
أقول: شَرَعَ السَّيِّدُ الآنَ في بيان الدليل الذي أوجب تأويلَ كلامِ الغزاليِّ، وقد تمسَّك في تأويله لكلامه بدعوى وحجتين.
أما الدَّعوى، فادَّعَى على الخلقِ أجمعين أَنَّ مَنْ تأمّلَ كلامَه منهم، عَلِمَ قطعًا أنَّ الغزالِيَّ لا يجعل ارتقاءَ مرتبةِ الاجتهاد سهلًا، وهذه دعوى على الناسِ مجردةٌ عن الدليل، فإنه لا يدري لو نظروا في كلامِ الغزاليِّ هَلْ يفهمون كما فَهِمَ، أو يَرُدُّونَ عليه مَا فَهِمَ، فما الدليلُ على رفعِ هذا الاحتمالِ؟ ثم إنَّه قد كان قدم كلام الغزالي في تسهيل الاجتهادِ وهو صريحٌ في التسهيل لا يحتملُ التأويلَ، ثم ادَّعى عليه التعسيرَ للاجتهاد، وإن ذلك يظهر مِن كلامه ظهورًا يُفيدُ العلمَ والاعتقاد، وهذه دعوى للمناقضة على الغزالي، وليس يلزمُنا منها شيء، فنتعرَّضَ لردها، ولكنا نُنَبِّهُ السَّيِّد -أيَّدَه اللهُ- أنَّه لا يليقُ من الإنسان أن يَدَّعِيَ المناقضات على الأمواتِ، ولا يتعرَّضَ لِنسبة الأمورِ المستضعفاتِ إلى العِظَامِ الرُّفاتِ، فإنَّهم لو كانوا في الحياة، لذبُّوا عن أنفسهم ذبَّ الرجال،
_________________
(١) هو أبو العباس أحمد بن عبد الله المقتدي، بن محمد، ولي الخلافة بعد وفاة أبيه سنة (٤٨٧ هـ)، واتَّسق له الأمرُ على حداثة سنه، ودامت له الخلافة أربعًا وعشرين سنة، وثلاثة أشهر، وعشرين يومًا، ومات ببغداد سنة (٥١٢ هـ)، وكان كما يقول ابن الأثير: لين الجانب، كريم الأخلاق، يحب اصطناع الناس، ويفعل الخير، ويسارع إلى أعمال البر والمثوبات، مشكور المساعي، لا يَرُدُّ مكرمةٌ تُطلب منه، والكتابُ الذي ألفه له الإمام الغزالي سماه " المستظهري " في فضائح الباطنية، وفضائل المستظهرية، تد نشر قسم منه. انظر " الكامل " لابن الأثير ١٠/ ٢٣١ و٥٣٣ - ٥٣٥ و" سير أعلام النبلاء " ١٩/رقم الترجمة (٢٣٦).
(٢) لم ترد كلمة " الاجتهاد " في (أ).
[ ٢ / ٢٢ ]
البحث الأول لو طرد السيد القياس في هذا التخريج لادعى على الأمة بأسرها ما ادعى على الغزالي من تعسير الاجتهاد
البحث الثاني هذا تجريح من السيد للغزالي والتجريح له شرائط معروفة
البحث الثاك سلمنا أنه تجريح صحيح، لكنه مخالف لنص الغزالي
وحامَوْا عليها محاماةَ الأُسودِ على الأشبال، وقد أجاد في هذا المعنى مَنْ قال:
نَقَمْتُ عَلَى المُبَرِّدِ ألْفَ بَيْتٍ كَذاكَ الحَيُّ يَغْلِبُ ألْفَ مَيْتِ
فهذا الكلامُ في الدعوى التي تمسَّك بها.
وأما الحُجَّتَانِ فإحداهما: أنَّه قال: يجوزُ أن يكونَ الإمامُ مُقَلِّدًا، والأخرى: أنَّه صنف كتابًا للمستظهرِ، والكلامُ في ضعف هَاتَيْن الحُجَّتَيْنِ يظهر بذكر مباحِثَ.
البحث الأول: لو طَرَّدَ السَّيِّدُ القياسَ في هذا التحريج، لادَّعى على الأمَّةِ بأسرها ما ادَّعى على الغزالي مِن تعسيرِ الاجتهاد حين أجاز التقليدَ للإمامِ مع نَصَّه الصَّريحِ على تسهيل الاجتهاد، وذلك لأن الأمة قد أجازت التقليدَ للعوام، فلو صحَّ كلامُ السَّيِّد في حقِّ الغزالي، لصح أيضًا أن يقولَ: لو كان الاجتهادُ سهلًا عند الأمة، لأوجبوه على كُلِّ مُكَلَّفٍ، ولقالوا: إنه يكفيه أن يَقْرَأ مختصرًا مختصرًا في كُلِّ فن إلى آخر استدلاله، فإنه يصح الاستدلالُ به في حقِّ الأمة مثل ما يَصِحُّ مثلُه في حقِّ الغزالي.
البحث الثاني: هذا تجريحٌ مِن السَّيِّدِ للغزالي، والتجريحُ له شرائطُ معروفة، وهو ينقسِم إلى أقسامٍ محصورة، فيتأمل السَّيِّدُ كلامَه مِن أيِّ أقسامِ التجريح الصحيحة.
البحث الثالث: سلَّمنا أنَّه تجريحٌ صحيحٌ، لكنه مخالِفٌ لنص الغزالي الصريحِ الذي حكاه السَّيِّدُ، ولا معنى للتجريح مع وجودِ النص، لأنَّه إن لم يعمل به، فلا معنى للاشتغال به، وإن عَمِلَ به، فإما أن يُقال: هو أرجحُ مِن النص، فهذا عنادٌ، أو يُقَال: النصُّ أرجَحُ، فالاشتغالُ بالمرجوح، وتركُ الراجح قبيح.
[ ٢ / ٢٣ ]
البحث الرابع: احتج السيد على أن الغزالي يعسر الاجتهاد
قال السيد: وقد قال الغزالي: لم يكن في الصحابة من المجتهدين إلاقليل
أقول: غرض السيد بهذا الكلام الاستدلال على تعسير الاجتهاد، فلنتنزل معه في الجواب في مراتب
البحث الرابع: احتج السَّيِّدُ على أن الغزالي يُعَسِّرُ الاجتهادَ بتجويزه لتقليدِ الإمامِ، وهذا لا يَصِحُّ، لأنَّه ليس بَيْنَ السُّهُولَةِ والوجوب على الإِمام رابطةٌ عقلية، ولا سمعية، فلو كان قد تقرَّرَ في العقل أو الشرع أنَّ كُلَّ سهل فإنه واجب على الإِمامِ، كان كلامُ السَّيِّد يتمشَّى على ذلك، وما المانعُ من أن يقول الغزاليُّ: الاجتهادُ سَهْلٌ، وليس بواجب على الإِمام، مثل ما قد نصَّ على الجمعِ بينهما حي السيدُ الإِمامُ شيبةُ العِترةِ داودُ بن يحيى (١) ﵀، والإِمامُ المؤيَّدُ بالله يحيى بنُ حمزة ﵇، وحي القاضي العلامة عبدُ الله بنُ حسن الدواري ﵀، وغيرُهم من العلماء، فإنَّهم جمعوا بينَ تسهيلِ الاجتهاد، وتجويزِ التقليد للإمامِ الأعظم.
وأما الحُجَّة الثانيةُ، وهو أنه صنف كتابًا للمستظهر، فلم يَظْهَرْ لي أنَّ فيها حُجَّة، ولا شبهةً، فأتعرَّضَ لجوابها، فإنَّه لا مناسبة بينَ تصنيفِ الغزالي كتابًا للمستظهر، وبينَ تعسيرِ الاجتهاد ألبتة.
قال: وقد قالَ الغزاليُّ: لم يكن في الصحابة مِن المجتهدين إلاَّ قليلٌ وهُمُ الخلفاءُ الأربعةُ، والعبادِلَة، وزيدُ بنُ ثابت، ومعاذُ بنُ جبل، ومَنْ عُرِفَ منهم الرجوعُ إليه مِن غيرِ نكيرٍ وأراد بالرجوعِ إليه في الفتيا، لا في الرواية.
أقول: غَرَضُ السَّيِّد بهذا الكلام الاستدلالُ على تعسير الاجتهاد، لأنه إذا ثبت قِلَّةُ المجتهدين في الصحابة فما ذلك إلاَّ لصعوبته، فلنتنزَّل معه في الجواب في مراتب.
المرتبة الأولى: المنازعة في قِلَّة المجتهدين، ولنا فيها طرق:
_________________
(١) هو العلامة الحافظ التقي صاحب التصانيف داود بن يحيى بن الحسين بن علي الهدوي المتوفى سنة ٧٩٦ هـ مترجم في " ملحق البدر الطالع " ص ٩١ - ٩٢.
[ ٢ / ٢٤ ]
الطريق الأولى: من أين للسيد ثبوت هذه الرواية عن الغزالي
الطريق الثانية: سلمنا صحتها عنه، فكيف استند السيد إلى تصديقه في كلامه
الطريق الثالة: سلمنا أنه عدل، ولكن من المعلوم أن الغزالي ما أدركهم
الطريق الرابعة: أن الغزالي توفي على رأس خمس مئة
الطريق الخامسة: أنا نعارض كلام الغزالي بما رواه من هو أرجح
الطريق الأولى: مِنْ أينَ للسَّيِّدِ ثبوتُ هذه الروايةِ عن الغزالي، وقد مَنع من تصحيحِ كتاب البخاري عن مصنِّفِهِ ونحوِه من كُتُبِ السُّنَّةِ مع اشتغالِ الخلق بسماعها، وإسنادِها إلى مصنفها في جميعِ أقطارِ الإِسلامِ.
الطريقُ الثانية: سلمنا صِحَّتَها عنه، فكيف استندَ السَّيِّدُ إلى تصديقِه في كلامه، وأراد مِنَّا أن نُصَدِّقَه، وقد قال: إنَّه كافرٌ مصرح، وإن تصديقَه مِن الرُّكونِ إلى الظالمين، الموجبِ للخلود في النار.
الطريق الثالثة: سلمنا أنَّه عَدْلٌ، ولكن مِن المعلوم أن الغزالي ما أدركهم، فهذا مرسل، والسَّيِّدُ قد مَنَعَ مِن المرسل وقال: لا بُدَّ في نسبةِ كُتبِ الحديث إلى أهلها مِن معرفةِ رجال الإسناد، وعدالتِهم، وعدالةِ المُعَدِّل لهم، فلا نقبلُ أيضًا قولَ الغزالي على الصحابة إِلَّا بمثلِ ذلك.
الطريق الرابعة: أن الغزالي تُوفِّي على رأس خمس المئة مِن الهجرة، ومَنْ بَيْنَه وبَيْنَ غيرِهِ خمسُ مئة سنة إلاَّ اليسير فَمِنَ المعلومِ أنَّه لا يُعْرَفُ حالُه بطريق الخِبرة، وإنما يُعرف حالُه بطريق النقلِ الصحيحة، إما عن الصحابي أنه أقرَّ أنَّه ليس بمُجتهدٍ، وإما عَنْ عالمٍ مجتهد اختبر الصحابيَّ، فلم يجده مجتهدًا، ولا طريقَ صحيحة إلى المعرفة بعدم اجتهاد الصحابي سوى هاتين، لكن الظاهر أنهما مفقودتانِ، فَبَطَلَتْ دعوى الغزالي.
الطريقُ الخامسة: أنا نُعارِضُ كلامَ الغزالي بما رواه مَنْ هُوَ أَرْجَحُ منه في ذلك، وهو الحافظُ الكبيرُ أبو محمد عليُّ بنُ أحمد الفارسي (١)، فإنه ذكر أن الفُتْيَا نُقِلَتْ عن مئة واثنين وأربعينَ رجلًا من الصَّحابة ﵃، وعن
_________________
(١) هو العلامة ابن حزم في رسالته أصحاب الفتيا من الصحابة ومن بعدهم، وهي مطبوعة مع " جوامع السير " له. انظر ص ٣١٩ - ٣٣٥.
[ ٢ / ٢٥ ]
الطريق السادسة: أن نقول ليس قلة من فيهم من المجتهدين، يدل على صعوبة الاجتهاد
عشرينَ امرأة منهم.
وكذلك الشيخ أحمدُ بن محمد بن الحسن الرَّصاص، فإنه ذكر في كتاب " الشجرة " في الفقه قريبًا من ذلك من المجتهدين، وعدَّهم بأعيانهم، وهذه الرواية أولى من رواية الغزالي لوجوه.
الوجه الأول: أنها مُثْبِتَةٌ، وروايةُ الغزالي نافية.
الثاني: أن هذا الحافظ مِن أهل المعرفة بالحديث والدِّرية بكتُب الرِّجال، والعنايةِ التامةِ بمعرفة أحوالِ الصَّحَابة، وعلمِ التاريخ، والغزاليُّ بالعكس في ذلك، وهذا الوَجْهُ مجمعٌ على الترجيحِ به، ومن أراد معرفةَ ذلك، طالع تراجمَهُما في كتب معرفةِ الرجال.
الثالث: أنَّ تصديقَ الغزالي في ذلك يُؤدي إلى جرحِ عددٍ كبيرٍ من الصحابة، وأنهم أَفْتَوْا بغيرِ علم، وهذه معصية ظاهرة، ونحن نَعْلَم أنَّه لا طريقَ للغزالي إِلى القطع بأن ذلك الصحابي المُقْدِمَ على الفتوى أفتى بمحضِ الجهلِ، لأنه يجوزُ أن يكونَ مجتهدًا، ولم يشتهِرْ اجتهادُه إذ لا يَجِبُ عليه أن يظْهِرَ إجتهادَه، وفي الصحابة مَنْ هو أعلمُ منه، ولا يجب على غيره أن يتعرَّف اجتهادَه أيضًا، وفي الصحابة من يُغني عنه، فجاز أن يكون مجتهدًا غيرَ معلوم باجتهاده، أقصى ما في الباب أن يكونَ مجتهدًا في تلك المسألة، وقد أمرنا بالحمل على السَّلامَةِ لجميع المسلمين، فَكَيْفَ بخير أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ للناسِ بنصِّ القرآن، وَخَيْرِ القُرُونِ بنصِّ النبيِّ - ﷺ -؟
الطريق السادسة: أن نقولَ ليس قِلَّة مَنْ فيهم من المجتهدين على تقديرِ تسليم ذلك يَدُلُّ على صعوبة الاجتهاد فقد كان حُفَّاظُ القرآن فيهم أقلَّ مِن المجتهدين، فَرُوِيَ أنه لم يكن يَحْفَظُ القرآنَ إلاَّ أربعةٌ منهم قاله بعضُ
[ ٢ / ٢٦ ]
الطريق السابعة: أن اجتهاد أولئك الذين ذكرهم السيد يدل على سهولة الاجتهاد
الصحابة (١)، وربما زادوا على ذلك، لكن بيسيرٍ، وذلك لِشُغلِهِم بالجهاد، وطلبِ القُوت، فقد كانُوا في شِدَّةٍ عظيمةٍ لا يعرِفُها إلَّا مَنْ طالع كُتُبَ معرفةِ الصحابة، ولأنه لم يشتهر في زمانهم الانقطاعُ لِطلب العلم على عادة المتأخرين.
الطريق السابعة: أن اجتهادَ أولئك الذينَ ذكرهم السَّيِّدُ يَدُلُّ على سُهولَةِ الاجتهاد، لأن الظاهِرَ من أحوالهم أنَّهم ما اشتغلوا بالعلم مِثْلَ اشتغال المتأخرين، ولا قريبًا منه، وكان الواحدُ منهم يَحْفَظُ مِنَ السُّنة ما اتفق أنَّه سَمِعَه من النبيِّ - ﷺ - مِن غيرِ درس لِما سَمِعَهُ، ولا تعليقٍ ولا مبالغةٍ في طلب النصوص مِن سائر أصحابه، وإنما كانوا يبحثون عندَ حدوثِ الحادثة عن الأدلة، فهذا أبو بكرٍ ما درى كَمْ نَصِيبُ الجَدَّةِ من الميراث، وأدنى طلبةِ العلمِ في زماننا لا يخفي عليه أنَّ لَهَا السُّدُسَ حتى قامَ فيهم وسألهم (٢) ولو أن رجلًا ممن يَدَّعي الاجتهادَ في زماننا ما عَرَفَ نصيبَ الجدة، لكثَّر عليه أهلُ التعسير للاجتهاد، وعَظَّمُوا هذا عليه.
وكذلك عُمَر ما كان يَعْرِفُ النصوصَ في دِيَةِ الأصابع، وتوريثِ المرأه من دِية زوجها (٣).
_________________
(١) هو أنس بن مالك ﵁، فقد روى البخاري في " صحيحه " (٥٠٠٣) في فضائل القرآن عن أنس أنَّه سئل عن جمع القرآن على عهد رسول الله - ﷺ -، فقال: أربعة كلهم من الأنصار: أُبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد " وقول أنس هذا لا مفهومَ له، فلا يلزم أن لا يكون غيرُهم جمعه، فقد جمعه غيرُ هؤلاء من الصحابة عدد غير قليل. وانظر التفصيل في إجابة العلماء عن حديث أنس هذا، وعمن جمع القرآن من غير هؤلاء الأربعة في " فتح الباري " ٩/ ٥١ - ٥٣، و" فضائل القرآن " ٢٨ - ٢٩ لابن كثير.
(٢) تقدم تخريجه في الجزء الأول الصفحة ٢٩٤.
(٣) تقدم تخريجهما في الصفحة ٢٩٣ من الجزء الأول.
[ ٢ / ٢٧ ]
وكذلك ابنُ عباس قال: لا ربا إِلاُّ في النَّسيئة حتى بلغه النص، وكذلك ما عَرَفَ أن المُتْعَةَ منسوخةٌ (١).
وذكر الزمخشري (٢) في تفسيرِ قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٣١] أن أبا بكر ﵁ سئل عن الأب، فقال: أيُّ سماءٍ تُظِلُّني، وأيُّ أَرْضٍ تُقِلُّني إذا قلتُ في كتابِ الله ما لا أعلمُ به (٣)؟
وعن عُمَرَ ﵁ أنَّه قرأ هذه الآية فقال: كُلُّ هذا قد عَرفْنَا فما الأبُّ؟ ثُمَّ رَفضَ عصًا كانَتْ بِيَدِه، وقال: هذا لَعَمْرُ اللهِ التكلفُ، وما عليك يا ابن أُمِّ عُمَرَ أن لا تدري ما الأبُّ، ثم قال: اتَّبِعُوا ما تَبَيَّنَ لَكُم مِنْ هذا الكتَابِ، وَمَا لا فدَعُوهُ (٤).
قال الزمخشريُّ ﵀: فإن قلتَ: فهذا يُشْبهُ النهيَ عن تتبعِ معاني القرآن، والبحث عن مشكلاته.
_________________
(١) بحديث الربيع بن سبرة عن أبيه أنه كان مع رسول الله - ﷺ -، فقال: " يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة " أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٤٠٦) في النكاح: باب نكاح المتعة. وكان ذلك عام الفتح وانظر " زاد المعاد " ٥/ ١١١ - ١١٢ طبع مؤسسة الرسالة.
(٢) في " الكشاف " ٤/ ٢٢٠.
(٣) أثر أبي بكر، أخرجه الطبري في تفسيره ١/ ٧٨ من طريق حفص بن غياث، عن الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم، عى أبي معمر عبد الله بن سخبرة الأزدي، قال: قال أبو بكر: وهذا مرسل.
(٤) أخرجه ابن جرير في تفسيره ٣٠/ ٣٨ من طريق ابن بشار، حدثنا ابن أبي عدي، حدثنا حميد، عن أنس، قال: قرأ عمر بن الخطاب (عبس وتولى) فلما أتى على هذه الآية ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾. قال: عرفنا ما الفاكهة، فما الأبُّ؟ قال: لعمرك يا ابن الخطاب إن هذا لهو التكلف. وإسناده صحيح، وأخرجه عبد بن حميد فيما ذكره ابن كثير ١/ ١٦ من طريق سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس وفي آخره: فما عليك أن لا تدريه. وقال الحافظ ابن كثير تعليقًا على الخبرين: وهذا كله محمول على أنهما ﵄ أرادا استكشاف علم كيفية الأب، وإلا فكونه نبتًا من الأرض ظاهر لا يجهل، لقوله ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا ﴾.
[ ٢ / ٢٨ ]
قلتُ: لم يذهبْ إلى ذلكَ، ولكنَّ القومَ كان أكثرُ هِمَمِهِم (١) عاكفة على العملِ، وكان التشاغلُ بشيءٍ من العلم لا يُعمَلُ به تكلفًا (٢) عندهم، لأنَّ الآية مسوقةٌ في الامتنان على الإنسان بمطعمِهِ، واستدعاءِ شكره، وقد عُلِمَ مِن فحوى الآية أن " الأبَّ " بعضُ ما أنبتَه الله للإنسانِ متاعًا له ولأنعامه، فعليكَ بما هُوَ أهَمُّ مِن النهوضِ بالشُّكرِ لله تعالى على ما يتبين لك، ولم يُشْكِلْ مما عدَّدَ مِنْ نِعَمِه، ولا تتشاغَلْ عنه بطلبِ معنى " الأبِّ " ومعرفةِ النبات الخاص الذي هو اسمٌ له، وَاكْتَفِ بالمعرفة بجملته إلى أن يتبيَّنَ لكَ في غير هذا الوقت، ثم وصَّى الناسَ بأن يُجْرُوا على هذا السَّنَنِ في ما اشتبه ذلِكَ مِن مشكلاتِ القرآن. انتهي كلام العلامة ﵀.
وفيه شهادة لما ذكرتُ مِن مفارقتهم لما عليه الناسُ في هذا الزمانِ من رسوم القُرَّاءِ، وَعَوَائِدِ العلماء، وعدمِ الحِرْصِ على حفظ كثيرٍ من العلم قَبْلَ مسيسِ الحاجةِ إلى معرفته، والاكتفاء بالقليل فيما يُحتاجُ إليه، وهذا معاذُ بنُ جبل اجتهد في أوَّلِ الإِسلامِ قبل أن يشتهِرَ عنه أنَّه تعرَّض لجمعِ أحاديثِ الأحكام، ومن المعلوم أن معاذًا لم يكن يَحْفَظُ في تلك المُدَّةِ من أحاديث الأحكام مثلَ ما في كتابٍ من هذه الكُتُبِ التي يَشْتَمِلُ الواحدُ منها على أزيدَ من عشرة آلاف حديثٍ، فقد عاش معاذُ بعدَ أن أَذِنَ له رسولُ الله - ﷺ - في الاجتهاد والقضاء زمانًا في حياة رسولِ الله - ﷺ -، وبعدَ وفاتِه وهو في خلال ذلك يَحْكُمُ ويُفتي ويروي، فقد كان أفقهَ الصحابة بالنصِّ النبوي (٣)، ومع ذلك فلم تزد مروياتُه على مئة وسبعة وخمسين حديثًا (٤).
_________________
(١) المثبت من (ش) وباقي الأصول: همهم.
(٢) في (١) و(ب) و(ج) و(ش): تكلف.
(٣) وهو قوله - ﷺ -: " وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ " أخرجه أحمد ٣/ ١٨٤ و٢٨١، والترمذي (٣٧٩٣) وابن ماجة (١٥٤) من حديث أنس بن مالك، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وهو كما قال.
(٤) حديثه في " مسند أحمد " ٥/ ٢٢٧ - ٢٤٨.
[ ٢ / ٢٩ ]
قوله: فإن قلت لم يكونوا يفتون قومهم، إنما كانوا يروون إليهم
ولم يَكنِ اجتهادُهم في ذلِكَ العصرِ إِلا بملازمة النبيِّ - ﷺ - فقط، مع سماعِ جُمْلَةٍ من حديثِه ومعاينةِ كثيرٍ من أفعالِهِ، وإن لم تَطُلْ تلك الملازمة طُولًا كثيرًا، ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢] وهذا النفيرُ الذي نَدَب اللهُ إليه في هذه الآيةِ هو النفيرُ للجهاد (١)، فجعلَ المجاهدينَ فقهاءَ في الدِّين، وسمَّى الجهادَ تفقهًا لِمَا يَصْحَبُهُ مِن رؤيةِ النبيِّ - ﷺ - كيف يُصلي، وبما يأمُرُ المجاهدين مِنْ أحكامِ الجهاد، ففي مدة إقامتهم معه في الغزوات سمَّاهم متفقهين، وأباحَ لهم أن يُفتوا قومَهم بما رأوا من أفعالِه ﵇، وبما سَمِعُوا من أقواله، ولكِنَّهم لا يكونون مُجتهدين فيما لم يَرَوْا ولم يَسْمَعُوا، وهذا اجتهادٌ خاص، وهو أحدُ الأدلة على تجزُّؤ الاجتهاد (٢).
فإن قلت: لم يكونوا يُفتون قومَهم إذا رجعوا إليهم، إنما كانوا يَرْوونَ لهم.
_________________
(١) اختلف المفسرون في المراد بهذا النفير على قولين، أحدهما: أنَّه النفيرُ إلى العدو، فالمعنى: ما كان للمؤمنين أن ينفروا بأجمعهم، بل تنفِرُ طائفة، وتبقى مع النبي - ﷺ - طائفة ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ يعني الفرقة القاعدين، فإذا رجعت السرايا، وقد نزل بعدَهم قرآن، أو تجدد أمر - أعلموهم به، وأنذروهم به إذا رجعوا إليهم، وهذا المعنى مروي عن ابن عباس. والثاني: أنَّه النفير إلى رسول الله - ﷺ - تنفِرُ المؤمنين طائفةٌ ليفقه هؤلاء الذين ينفرون، ولينذروا قومهم المتخلفين. هذا قول الحسن. قال ابن الجوزي في " زاد المسير " ٣/ ٥١٧: وهو أشبهُ بظاهر الآية، فعلى القول الأول يكون نفير هذه الطائفة مع رسول الله - ﷺ - إن خرج إلى غزاة أو مع سراياه، وعلى القول الثاني يكون نفير الطائفة إلى رسول الله لاقتباس العلم.
(٢) جمهور أهل العلم من أهل السنة والمعتزلة والإمامية على جواز تجزؤ الاجتهاد والمنقول عن الإمام أبي حنيفة منعه، ويكاد يكون خلافه ﵀ لفظيًا، ذلك لأن الناقلين عنه أخذوه من تعريفه للفقيه بأنه من له ملكة الاستنباط في الكل، وكونه له الملكة يعني بالفعل فيما يعلمه، وبالقوة فيما لا يعلمه. انظر " المستصفي " ٢/ ٤٥٣ - ٣٥٤ و" الإحكام للآمدي " ٤/ ١٦٤، و" المعتمد " ٢/ ٩٢٩، و" مرآة الأصول " ٢/ ٤٦٩، و" المحصول " ٢/ ٣/٣٧، و" إرشاد الفحول " ٢٣٥.
[ ٢ / ٣٠ ]
قلت: هذا أكلثر ترخيصا، لأن فيه جواز الاجتهاد لقومهم
قوله: فإن قلت: إن سبب سهولة الاجتهاد في عصر الصحابة أنهم كانوا يفهمون كلام النبي ﷺ: ونحن لا نعرف معناه إلا بقراءة العربية
قلت: هذا مندفع بوجهين
أحدهما أنا لم نقل: إن الاجتهاد في زماننا في السهولة مثل ما كان في زمانهم، بل نحن نسلم أنه كان أسهل عليهم، لكن لما احتججت على تعسره بهم بينا أنه لم يكن عسيرا عليهم
الحجة الأولى: أنها لو احتاجت لوجب
قلتُ: وهذا أكثرُ ترخيصًا، لأنَّ فيه جوازَ الاجتهادِ لقومهم، مع أنهم أقلُّ عِلمًا منهم، وذلك لأن العملَ بالحديث المسموع مِن الراوي عن النبي ﵇ هو شأنُ المجتهد.
فإن قلتَ: إن سببَ سهولةِ الاجتهاد في عصر الصحابة أنهم كانوا يفهمونَ كلامَ النبيِّ - ﷺ -، ونحن لا نعرِفُ معناه إِلَّا بقراءة العربية، وفي مجموعها صعوبةٌ كلية.
قلت: هذا يندفِعُ بوجهين:
أحدهما: أنا لم نقل: إن الاجتهاد في زماننا في السُّهولة مثلُ ما كان في زمانهم، بل نحن نُسَلِّمُ أنَّه كان أسهلَ عليهم، لكن لما احتججتَ على تعسُّره بهم، بَيَّنَّا لك أنَّه لم يكن عسيرًا عليهم حتى يَصْلحَ عُسْرُه عليهم حُجَّةً على تعسُّره علينا، وبيَّنا أنَّه كان سهلًا عليهم، ولا يخفي عليك أن سهولتَه عليهم لا تصلُح حجةً على عُسره علينا، ولا على المساواة في السُّهولة بيننا وبينَهم مِن غير فَرْقٍ.
وثانيهما: أنا نبَيِّنُ أن افتراقَنا في معرفة العربية ليس يقتضي تعسيرَ الاجتهاد على الإِطلاق لوجهين:
أحدُهما: أن أكثر آيات الأحكام، وأحاديثه لا تحتاج إلى قراءة العربية في فهم معناها، والدليل على ذلك حُجتانِ:
الحجة الأولى: أنها لو احتاجت إلى ذلك، لوجب أن تكونَ العلة أن كلامَ الله وكلامَ رسوله عربيان، لكن معنى العربي هو ما ليس فيه لَحْنٌ ولا تصحيفٌ. إذا تقرر هذا فتصانيفُ علماء العربية والفقه والحديث والتفسير، وكتب الفضائل، وكتب السِّير وسائر الفنون عربية، لأن العلماءَ المصنفين لها
[ ٢ / ٣١ ]
الحجة الثانية: على أنه لا يقتضي الافتراق في العربية تعسير الاجتهاد
كانوا من أهل العربية، وصنفوا على قانون لسانِ العريب، وقد علمنا أن من قرأ في الفقه، عَلِمَ مُرادَ الأئمة في التحليل والتحريم، والصلاة والبيوع وسائر علم الفروع، وإن لم يكن يَعْرِفُ العربيةَ إلاَّ النادر القليل بما يتعلق بالدقيق مِن علم العربية مثل بعضِ مسائل الطلاق، وذكر المصادر، وتعليقِ الشرط على الشرط ونحو ذلك، وهذه النوادرُ مَنْ بَحَثَ عنها، وتعلمها من علماء العربية، وفهَّموه إيَّاها فَهِمَها، وإن لم يعلم بقيَّةَ عِلْمِ العربية، إن كان من أهل الذكاء، وإن لم يكن من أهل الذكاء، فلن ينفعه، وإن قرأ العربية بأسرها.
وكذلك الكلامُ فيما يتعلق بالتحليل والتحريم من الكتاب والسنة أكثرُه جليٌّ إلاَّ النادِرَ، ولأجل ذلك النادر اشْتُرِطَ تَعَلُّمُ العربيةِ على المجتهد في العلم على الإطلاق دونَ المجتهد في بعض المسائل، ويؤيد ما ذكرتُه لك أن العامَيَّ إذا استفتى العالمَ، وأفتاه العالمُ بكلام مُعْرَبٍ غيرِ ملحونٍ، جاز لِلعَامِّي أن يعمل بما فهِمَ مِن كلام العالم، وإن لم يعلم العربيةَ، وكذا في مسألتنا.
الحجة الثانية: على أنَّه لا يقتضي الافتراقُ في العربية تعسيرَ الاجتهاد على الإطلاق أنا نظرنا إلى الأحاديثِ التي عَمِلَتْ بها الصحابةُ في الأحكام، فعلمنا معنى أكثرهَا مِن غير عربية، ونظرنا إلى ما فَهِمْنَا منها: هل يُخالِفُ ما فهموه؟ فلم نجده يُخالِفُه، ألا ترى أنا نفهم من قول المغيرةِ، ومحمدِ بنِ مسلمة أن الرسول ﵇ فرض للجَدَّةِ السدس (١) مثل ما فَهِمَ أبو بكر من هذا حينَ أخبراه به، وأمثال هذا ما لا يُحصى كثرة.
فإذا عرفتَ هذا فنقول: المجتهد إما أن يكونَ مجتهدًا على الإطلاق، فهذا يجبُ أن يعرِفَ العربيةَ، وإما أن يكون مجتهدًا في مسألة معيَّنة، فتلك
_________________
(١) تقدم تخريجه في الجزء الأول صفحة ٢٩٤.
[ ٢ / ٣٢ ]
المسألةُ تختلِفُ، فإن كانت تلك المسألة واضحةً جليةً لا تحتاج إلى عربية، جاز له ذلك، وإن كان مما يتعلق بالعربية، لم يجز.
فإنْ قلتَ: إنَّه يُمكن أن يخطىءَ مَن فعل ذلك، فيتوهم أن الكلامَ جليٌّ المعنى، وليس كذلك.
قلتُ: هذا من أهل التمييز والدِّرية في العلم نادر، والاحتراز من الخطأ النادر لا يجبُ، والتبحُّر في العلم لا يَعْصِمُ منه، وقد خطؤوا الزمخشريَ ﵁ في بعض المسائل النحوية كما تقدَّم في جواب الأصل الرابع، وفي بعضِ المسائل اللغوية مما ذكره في " الكشاف " كما ذكروه في تخطئته قي تفسير (١) قوله: ﴿بَاخعٌ نَفْسَكَ﴾ [الكهف: ٦] مع أنَّه في هذين الفنين ممن لا يشَقُّ له غبارٌ، ولا يُقاس به الأئمة الكبار، ولم يزل علماءُ العربية يُخطِّىءُ بعضُهم بعضًا، بل قد يَغْلَطُ العربي في عربيته، وفي " الكشاف " (٢) وفي سائر الصحاح أن عدي بن حاتم الصحابي، وهو عربيٌّ محض غَلِطَ في معنى قوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فظن أنَّه على ظاهره (٣).
وقد اختلف الصحابةُ في الأخوين هل يسميان إخوة (٤)، وفي غير ذلك
_________________
(١) ٢/ ٤٧٣.
(٢) ١/ ٣٣٩.
(٣) وهو ما رواه البخاري (١٩١٦) و(٤٥٠٩) و(٤٥١٠) ومسلم (١٠٩٠) وأحمد والحميدي (٩١٦) والترمذي (٤٠٥٠) و(٤٠٥١) و(٤٠٥٢) وأبو داود (٢٣٣٢) والنسائي ٤/ ١٤٨، والطبراني في " الكبير " ١٧/ ١٧٢ - ١٧٩، عن عدي بن حاتم، قال، لما نزلت: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، قال له عدي بن حاتم: يا رسول الله! إني أجعلُ تحت وسادتي عقالين، عقالًا أبيض، وعقالًا أسود. أعرف الليل من النهار، فقال رسول الله - ﷺ -: إنَّ وسادتك لعريض: إنما هو سوادُ الليل وبياض النهار " واللفظ لمسلم.
(٤) جاء في سورة النساء الآية: ﴿فإن كان له إخوة﴾ أي: فإن كان للميت إخوة مع الأبوين، =
[ ٢ / ٣٣ ]
مِن معاني كتاب الله تعالى.
فإن قلتَ: فكم القدرُ الواجبُ مِن العربية، وهل هو متعسِّرٌ أو متعذِّر؟.
قلتُ: ذلك لا يتقدَّرُ بمقدار، ولا يستمِرُّ الحالُ فيه لاختلاف الفِطَنِ، وتفاوتِ الأفهامِ، وفي الناس مَنْ يكفيه القليلُ، وفيهم مَنْ لا يكفيه الكثيرُ، ولا بُدَّ مِن القراءة في الفنِّ حتى يتمكن من معرفة مسائل الفن جَلِيِّها ودقيقِها غالبًا، وإنما قلت: يتمكن لما قدمنا ذكرَه من أنه لا يجبُ حفظُ سائر الفنون غيبًا وكذلك حفظُ العربية، وإنما الواجبُ أن يقرأ فيها حتى تكونَ له ملَكةٌ ثابتةٌ يَصْلُحُ معها لمطالعةِ الكُتُبِ البسيطةِ، وفهم عبارات النحاة، والخوض مع المحققين في لطائف المعارف عند الحاجة إلى ذلك، وقد تقدَّم الدليلُ على عدمِ وجوبِ الحفظ على المجتهد، وأن الواجبَ أن يكون متهيئًا للمعرفة، متمكنًا منها، لا حاصلًا عليها في الحالِ، ولا حاجةَ إلى إعادةِ ذلك.
وإنما قلت: غالبًا لما يعرِفُهُ النقادُ من أن التحقيق لا يَعْصِمُ المحقق من التعثُّرِ في بعض الدقائق، والتحيُّرِ في بعض المضايق، وأما سهولةُ ذلك وصعوبتُه، فتختلِفُ على حسب اختلاف الهِمَمِ والأفهام كما ذلك مُجربٌ معلوم.
_________________
(١) = فإنهم يحجبون الأم عن الثلث، فيردونها إلى السدس، واتفقوا على أنهم إذا كانوا ثلاثة إخوة، حجبوا، فإن كانا أخوين، فهل يحجبانها؟ فيه قولان، أحدهما: يحجبانها عن الثلث قاله عمر وعثمان وعلي وزيد والجمهور، والثاني: لا يحجبها إلا ثلاثة، قاله ابن عباس واحتج بقوله: " إخوة " والإخوة اسم جمع، واختلفوا في أقل الجمع، فقال الجمهور: أقله ثلاثة، وقال قوم: اثنان، والأول أصح، وإنما حجب العلماء الأم بأخوين للدليل اتفقوا عليه، وقد يسمى الاثنان بالجمع، قال الزجاج: جميع أهل اللغة يقولون: إن الأخوين جماعة. وحكى سيبويه أن العرب تقول: وضعا رحالهما يريدون: رحلي رحالهما. " زاد المسير " ٣/ ٢٧ - ٢٨، وانظر " مجاز القرآن ١/ ١١٨ و" جامع البيان " ٨/ ٤٠ - ٤٤، و" تفسير ابن كثير " ٢/ ١٩٨ - ١٩٩، و" تفسير المنار " ٤/ ٤١٦ - ٤١٧.
[ ٢ / ٣٤ ]
قال السيد: وأبو هريرة لم يكن مجتهدا، وإنما كان من الرواة
الوجه الأول: أنا قد بينا أنه لا طريق لنا إلى العلم بجهل الصحابي إلا إقراره بذلك
وقد اجتهد الإمام المنصور بالله ﵇ في مدة قريبة لا يحقق كثيرٌ في مثلها فنًا واحدًا.
فأما مرتبةُ الإمامة في علم العربية والتبريزُ على الأقران، فذلك لا يجب وإن كان من أشرفِ المراتب، وأرفع المناصب، فإن المجتهدين من علماء هذه الأمة من الأئمة ﵈، ومن سائر فقهاء الأئمة الأربعة لم يشتهروا بالإمامة في العربية، ولا نُقلَتْ اختياراتُهم واختلافاتُهم فيها، كما نقِلَتْ أقوالُ النحاة، ولو اشتغلوا بالإقراء فيها، والنظر في حقائقها، والفحص عن دقائقها، لوجب أن يُنقل ذلك عنهم مثل ما نُقِلَ عنهم اشتغالُهم بعلم الفقه والأثر.
واعلم أن الاشتغال بالتحقيق الكثير لجميع ما يتعلق بالفن مما يحتاج إليه، ومما لا يُحتاج إليه، والتعرُّضُ لحفظه عن ظهر القلب مما يستغرِقُ العمر، لهذا فإن أئمة العربية مثل الخليل وسيبويه وغيرهما لم ينقل عنهم الكلامُ إلا في فنِّهم غالبًا، وكذلك سائرُ المبالغين في سائر الفنون مِن شيوخ الكلام، وحُفَّاظ الأثار، والكلام في هذه النكتة يَحْتَمِلُ البسط، وفي هذا كفاية على قدر هذا الجواب.
قال: وأبو هريرة: لم يكن مجتهدًا، وإنما كان من الرواة.
أقول: الجوابُ على ما ذكره من تجهيل هذا الصاحب الجليل من وجوه:
الوجه الأول: أنَّا قد بيَّنا أنه لا طريقة لنا إلى العلم بجهل الصحابي إلاَّ إقراره بذلك، أو أن يختبره مجتهد، فيجده قاصرًا، ويُخبر بقصوره، وكُلُّ من هذين الطريقين غيرُ حاصل، ولا مانع في العقل، ولا في السمع من أن يكون
[ ٢ / ٣٥ ]
الوجه الثاني: أن الظاهر خلاف ما ذكر
مجتهدًا، ولا يشتهر اجتهادُه إمَّا لخموله واعتمادِ الناسِ على أشهر منه، وعدمِ
حاجتهم إليه، وإما لرغبته في الخمول وكراهته للفتيا.
الوجه الثاني: أن الظاهرَ خلاف ما ذكر، لأن شرائطَ الاجتهاد كانت مجتمعة في أبي هريرة ﵁، وقد كان أحفظَ الصحابة على الإطلاق، وأكثَرَهم حديثًا (١)، وقد ذكر البخاريُّ وغيره أن الرُّواةَ عن أبي هريرة كانوا ثمان مئةِ رجلٍ، وقد ذكرهم علماء الرجال، وذكر المزي في " تهذيبه " (٢) منهم مَنْ روى عنه في الكتب الستة: الصحيحين، والسنن الأربع، فذكر خلقًا كثيرًا، وقد بيَّنا أنَّه لم يكن شرطُ الاجتهاد في زمن الصحابة إلاَّ معرفةَ النصوص، لأن المرجع بالعربية، وأصولِ الفقه إلى لسانهم التي فطروا عليها فما الفرق بينَه وبينَ معاذ، وأبي موسى الأشعري، فقد ولاهُما رسول الله - ﷺ - القضاءَ في اليمن (٣)، وقد روى مالك في " الموطأ " (٤) عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنَّه قال لإِنسان: إنَّك في زمان كثيرٍ فقهاؤه قليل قُرَّاؤُه، تُحفَظُ فيه حدودُ القرآن، وتُضيَّعُ حروفُه، قليل مَنْ يسألُ، كثير من يُعطِي، يُطيلُونَ فيه الصلاةَ، ويَقْصُرونَ فيه الخطبة، يُبْدُونَ أعمالَهم قبلَ أهوائهم وسيأتي على الناس زمان قليلٌ فقهاؤه، كثير قراؤه وساق نقيضَ ما تقدم. فدل على ما ذكرته لك، بل على أكثر منه، فإن كثرةَ الفقهاء مع قِلَّةِ القُرَّاء تستلزم بالضرورة فِقه مَنْ لم يقرأ مِن أهل ذلك الزمان لتوفُّر حظِّهم مِن الفهم للمعاني، وسلامةِ فِطَرِههم الصحيحة من تعبيرات المبتدعة، ووضع القوانين الفاسدة. فإذا فَقُهَ مَنْ لم يقرأ منهم فما ظنُّك بأبي هُريرة جليس رسول الله - ﷺ - الملازم له؟! وما
_________________
(١) انظر " سير أعلام النبلاء " ٢/ ٥٧٩.
(٢) " تهذيب الكمال " ورقة ١٦٥٤.
(٣) تقدم تخريجه في الصفحة ٣٧٨ من الجزء الأول.
(٤) " الموطأ " ١/ ١٧٣، وانظر شرح الزرقاني ١/ ٣٥٣ - ٣٥٤.
[ ٢ / ٣٦ ]
الوجه الثالث: أنه ممن نقلت عنه الفتيا من الصحابة - رضي الله تعالى عنهم -
الوجه الرابع: معارضة الغزالي بقول من هو أرجح منه في ذلك
أَمنك أنَّك من قراء آخر الزمان الذين لا فِقْهَ لهم، وأنَّك لِهذه العِلَّةِ نسبت أبا هُريرة الفقيهَ إلى صِفَتِك لِقُصورك أنتَ لا هُوَ.
الوجه الثالث: أنه ممن نُقِلَتْ عنه الفتيا من الصحابة ﵃ فيما رواه الحافظ أبو محمد أحمد بن علي الفارسي، والشيخ أحمد بن محمد بن الحسن الرّصاص، وذلك يُفيدُ أنَّه مجتهد، لأن مَنْ أفتى من أهل العدالة، وادَّعى الاجتهادَ، وذلك مُجوّز فيه غيرُ مقطوع ببطلانه، قُبِلَتْ فتواه بلا خلافٍ يُعْلَمُ في ذلك، واختلف العلماءُ في قبول الفتيا ممن لم يُعرف بالعدالة ذكره المنصور بالله ﵇، بل ذكر الذهبي في " طبقات القراء " بسنده أن ابن عباس، وابن عمر، وأبا هريرة، وأبا سعيد، وجابرًا وَغيرهم كانوا يُفتون في المدينة، وُيحدِّثون منذ توفي عثمانُ إلى أن تفرقوا، وإلى هؤلاء الخمسة صارت الفتوى انتهى.
وهذه حجة واضحة على اجتهاده لتقريرِ أهل ذلك العصر له على الفتوى وهم مِن خيرِ القُرون أو خيرُها بالنص ذكره في ترجمة أبي هريرة (١).
الوجه الرابع: معارضة الغزالي بقول من هو أرجحُ منه في ذلك، وهو الحافظُ المؤرخ الذَّهبي، فإنه قال في وصف أبي هريرة: الفقيه المجتهد بهذا اللفظ. فنصَّ على اجتهاده وفقهه ذكره في " النبلاء " (٢).
_________________
(١) " معرفه القراء " ١/ ٤٤ نشر مؤسسة الرسالة، وأصل الخبر في " طبقات ابن سعد " ٢/ ٣٧٢ من طريق الواقدي، أخبرنا عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، عن زياد بن ميناء، قال: كان ابن عباس، وابن عمر، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وجابر ابن عبد الله، ورافع بن خديج، وسلمة بن الأكوع، وأبو واقد الليثي، وعبد الله بن بحينة مع أشباه لهم من أصحاب رسول الله - ﷺ - يفتون بالمدينة، ويحدثون عن رسول الله - ﷺ - من لدن توفي عثمان إلى أن توفوا، والذين صارت إليهم الفتوى منهم ابن عباس، وابنُ عمر، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وجابر بن عبد الله.
(٢) ٢/ ٥٧٨، ونصه: الإمام الفقيه المجتهد الحافظ صاحب رسول الله - ﷺ - أبو هريرة =
[ ٢ / ٣٧ ]
وذكر في " الميزان " في ترجمة إبراهيم بن يزيد بن شريك التيمي (١) أنهم قَدَحُوا عليه بكونِه قال: إن أبا هريرة ليس بمجتهدٍ (٢)، فَجَعلَ العلماءُ هذا قدحًا وعيبًا في مَنْ قاله.
وإنما كان أرجحَ لوجوه:
منها أنَّه مثبت والغزالي نافٍ.
ومنها أنَّه أعرفُ بعلمِ الرِّجال، وأكثرُ تصرفًا في هذه المحال.
ومنها أنَّه في ترجيح كلامه حملًا لأبي هريرة ﵁ على السلامة، لأن خلاف ذلك يُؤدِّي إلى القول بأنه أفتى بغير علم، وتأهَّل لما ليسَ مِن أهله، والخطأ في العفو خيرٌ من الخطأ في العقوبة.
وقال الحافظ ابن حجر في " التلخيص ": روى ابنُ أبي شيبة من طريق الأعمش عن المسيَّب بن رافع، عن ابن عباس أنَّه أرسل إلى أبي هُريرة، وعائشةَ وغيرِهما، يعني يستفتيهم في قصة مداواته لعينيه، فلم يُرخِّصُوا له فترك ذلك.
_________________
(١) = الدوسي اليماني، سيد الحفاظ الأثبات.
(٢) هذا وهم من المؤلف ﵀، فإن الذي نُقِمَ عليه ذلك هو إبراهيم بن يزيد النخعي المترجم في الميزان ١/ ٧٤ بعد إبراهيم بن يزيد بن شريك التيمي مباشرة، وكلاهما ثقة، روى لهما الجماعة. والمنقول عنه في ذلك قوله: كانوا يتركون أشياء من حديث أبي هريرة. انظر " سير أعلام النبلاء " ٢/ ٦٠٨، وتاريخ دمشق لابن عساكر ١٩/ ١٢٢/٤.
(٣) انظر " السير " ٢/ ٦١٩ - ٦٢١ وفي " الموطأ " ٢/ ٥٧١ من طريق يحيى بن سعيد، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن معاوية بن أبي عياش الأنصاري أنه كان جالسًا مع عبد الله بن الزبير، فجاء محمد بن إياس بن البكير، فسأل عن رجل طلق ثلاثًا قبل الدخول، فبعثه إلى أبي هريرة، وابن عباس، وكانا عند عائشة، فذهب فسألهما، فقال ابن عباس لأبي هريرة: أفته يا أبا هريرة، فقد جاءتك معضلة، فقال: الواحدة تبينها، والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجًا غيره، وقال ابن عباس مثل ذلك وهو في " مسند الشافعي " ٢/ ٣٧٥، وإسناده صحيح.
[ ٢ / ٣٨ ]
الفائدة الأولى: أن أبا هريرة ثقة مقبول لا مطعن في قبول روايته عند أهل التحقيق
قال ابنُ حجر: وفي هذا إنكارٌ على النواوي في إنكاره على الغزالي ذكر أبي هريرة في هذا.
قلتُ: فيه أنَّ أبا هريرة مجتهد عندَ ابن عباس، وذكر هذه القصة ابنُ حجر في موضع آخر، ونسب ذكر أبي هُريرة فيها إلى ابن المنذر.
الوجه الخامس: أن كلامَ السَّيِّد إنما هو في تعسيرِ الاجتهاد، فلو صحّ ما لا طريق إليه من تجهيل هذا الصاحبِ ﵁ لم يلزم من ذلك القولُ بتعسير الاجتهاد، فإنَّه يمكن قطعًا أن يكون الاجتهادُ سهلًا، ويكون أبو هريرة غيرَ مجتهد، لأنَّه ليس في العقل، ولا في الشرع رابطةٌ قطعية بينَ سهولةِ الاجتِهاد، وأبي هُريرة ﵁.
ويلتحِق بهذا فائدتان:
الفائدة الأولى: أن أبا هُريرة ﵁ ثقة مقبول لا مطعنَ في قبول روايته عندَ أهلِ التحقيق، وقد أشار الإمامُ المنصورُ بالله ﵇ إلى ذلك، وقد كان عابدًا صوَّامًا قوَّامًا قانتًا لله، خاشعًا متواضعًا، حسنَ الأخلاق، رفيقًا، كان لا ينامُ حتى يُسَبِّحَ ألف تسبيحة، وكان يقوم ثُلُثَ الليل، ثم كان يقوم ثلثيه، ثم كان يقومُ اللَّيْلَ كُلَّه، وكان أميرًا في المدينة، وكان في أيام إمارته يحمل الحطب على ظهره، ويمضي في السوق، ويقول: الطريقَ مِن الأمير، الطريقَ من الأمير، وكان ممن يسقط مغشيًا عليه مِن خوفِ الله ﷻ، وكان مِن نبلاء المهاجرين، ومِن الصابرين على الشِّدَّةِ مع سيِّد المرسلين، كان ﵁ يُصْرَعُ بَيْنَ الروضة والمنبرِ من الجوع، وربما يُظن أنه مجنون، فيأتي الرجل، فيجلس على صدره، فيُشيرُ إليه: ليس هو ما تظن إنما هو الجوعُ، ومع ذلك لم يتضجَّرْ من الإسلام، ولا تكلم في أحد من أهل الغِنَى من الصحابة ﵃، كما هو عادةُ كثيرٍ من الفقهاء
[ ٢ / ٣٩ ]
المتساهلين، وقد اشتد فرَحُهُ بالإِسلام، ولما رأى الوجهَ الكريم النبوي ﵇، عَظُمَت مسرَّتُهُ بذلك، فأعتق عبدًا له لم يكن يملِكُ سِواه.
وقد روى الذهبيُّ أن رجلين اختلفا في مسألة، فاحتج أحدُهما بحديثِ أبي هُريرة، فقال الآخر ما معناه: إنَّه لا يحتج بحديث أبي هريرة، فخرجت عليه حيَّةٌ عظيمة، فهرب منها، وهي تتبعُه فقالت له الجماعة: اسْتَغْفِر اللهَ وتُب إليه، فاستغفر الله من كلامه في أبي هريرة، فانْصَرَفَتْ عنه. إسنادها أئمة (١)، وهذا معنى لفظِه، ولم يَحْضُرْنِي كتابُه، فأنقلَ لفظه إلى ذلك.
قال الذهبي: وقد اعتمدَتِ الصحابةُ على حديث أبي هُريرة في تحريم الجمع بين المرأة وعمتها (٢).
قلتُ: من أراد معرفة هذا الصاحب فلُيطالع سيرته في كتاب " النبلاءِ " (٣) وغيره من كتب الصحابة التي قدمت ذكرَها، وإنما ذكرتُ هذه النكتة، لأنَّه قد ذكر في ذلك خلافٌ لا يلتفت إليه، ولا يُعَوَّلُ عليه.
فإن قيل: قد اتُّهِم أبو هريرة بكثرة الرواية حتى قال له عمر: لئن لم تُقْلِلْ مِن الرِّوايةِ عن رسول الله - ﷺ - لألْحِقَنَّك بجبالِ دوسٍ.
قلنا: هذا لا يصح (٤)، ولو صح لم يكن فيه حُجَّةٌ على جرح أبي
_________________
(١) " سير أعلام النبلاء " ٢/ ٦١٨ - ٦١٩.
(٢) " السير " ٢/ ٦٢٠، وحديثه في " الموطأ " ٢/ ٥٣٢، والبخاري (٥١٠٩) ومسلم (١٤٠٨) وسيأتي في الصفحة ٥٤.
(٣) ٢/ ٥٧٨ - ٦٣٢.
(٤) بل قد صح، فقد رواه أبو زرعة الدمشقي في " تاريخه " (١٤٧٥) من طريق محمد ابن زرعة الرعيني، حدثنا مروان بن محمد، حدثنا سعيد بن عبد العزيز، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن السائب بن يزيد، سمعت عمر بن الخطاب يقول لأبي هريرة: لتتركن الحديث عن رسول الله - ﷺ -، أو لألحقنك بأرض دوس، وقال لكعب: لتتركن الأحاديث أو لألحقنك =
[ ٢ / ٤٠ ]
هريرة، لأنُّه سوء ظن مستندُه إكثارُ أبي هريرة مِن الرواية، والإكثارُ دليلُ الحفظ لا دليلُ الكذب، وقد قال أبو هريرة: وما ذنبي إن حفظتُ ونَسُوا (١).
وقد طوَّل الحاكم في " المستدرك " (٢) في الردِّ على من ضعف حديث أبي هريرة، وجوَّدَ الذهبي في " النبلاء " ترجمته ﵁، وخرج الحاكم في " المستدرك "، ومسلم في " صحيحه " (٣) دعوة النبي - ﷺ - لأبي هريرة وأمه حين أسلمت أن يُحبِّبَهما الله تعالى إلى المؤمنين، ويحبب المؤمنين إليهما. فما على وجه الأرض مؤمن إلاَّ وهو يُحِبُّ أبا هريرة. ذكره الحاكم في معجزات رسول الله - ﷺ - وآيات نبوته، ومسلمٌ في الفضائل، فأرجو أن يكونَ حُبِّي له، وللذَّب عنه من ذلك إن شاء الله تعالى.
وقد كانت لإكثار أبي هريرة مِن الرواية أسبابٌ واضحة قد أجاب بها على من اعترضه في إكثاره.
_________________
(١) = بأرض القردة. وهذا إسناد صحيح. محمد بن زرعة، قال أبو زرعة في " تاريخه " ١/ ٢٨٦: ثقة حافظ، من أصحاب الوليد بن مسلم، مات سنة ست عشرة ومئتين، ومروان بن محمد هو الطاطري ثقة كما في " التقريب " وباقي السند من رجال الصحيح، وذكره ابن كثير في " البداية " ٨/ ١٠٦ من طريق أبي زرعة به، وقال: وهذا محمول من عمر، على أنَّه خشي من الأحاديث التي تضعها الناس على غير مواضعها، وأنهم يتكلمون على ما فيها من أحاديث الرخص، وأن الرجل إذا أكثر من الحديث، ربما وقع في أحاديثه بعض الغلط أو الخطأ، فيحملها الناس عنه أو نحو ذلك. وفي " المحدث الفاصل " ص ٥٥٤ من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن محمد قال: أظنه ابن يوسف، قال: سمعت السائب بن يزيد يحدث قال: أرسلني عثمان بن عفان إلى أبي هريرة فذكره بنحوه.
(٢) انظر السير ٢/ ٦٠٧ - ٦٠٨.
(٣) ٣/ ٥٠٨ - ٥١٢.
(٤) برقم (٢٤٩١) في فضائل الصحابة: باب من فضائل أبي هريرة الدوسي ﵁.
[ ٢ / ٤١ ]
أحدها: أنَّه كان فقيرًا لا مالَ له، ولا أهلَ، وكان يُلازِم النبي - ﷺ - على الدوام، ولا يَشْغلُه عنه شاغِلٌ مِن مال ولا أهل ولا تجارة، وربما لازمه لِيأكل معه مما أكل، ولغير ذلك من خدمته ونحوها.
وثانيها: أنَّه طال عُمُرُه، فإنه تُوفي سنةَ تسع وخمسين في قول جماعة، وأقلُّ ما قيل: إنَّه تُوفي سنة سبع وخمسين، وقد كانت تَقِلُّ الرواية وتكثر بحسب طُولِ المدة بَعْدَ النبي - ﷺ -، ولذلك كانت روايةُ عمر أكثرَ مِن رواية أبي بكر.
وثالثُها: أنَّه كان فارغًا لطلب العلم، قريبًا لطيفًا، حسن الأخلاق غيرَ مهيب ولا بعيد.
ورابعها: أن النبي - ﷺ - دعا له بالحفظ وأمره أن يبسطَ رداءه فقرأ له فيه، وأمره أن يلفَّه عليه، ففعل، فما نسي شيئًا بَعْدُ (١) رواه البخاري، ومسلم، والترمذي من حديث أبي هريرة.
وروى النسائي، والحاكم (٢) نحوه من حديث زيد بن ثابت ذكره صاحبُ كتاب " سلاح المؤمن " (٣) في آداب الدعاء. فلم يبق في صحته شبهة والله أعلم.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١١٨) و(١١٩) و(٢٠٤٧) و(٢٣٥٠) و(٣٦٤٨) و(٧٣٥٤) ومسلم (٢٢٩٤) والترمذي (٣٨٣٤) و(٣٨٣٥) وابن سعد ٤/ ٣٣٠.
(٢) في " المستدرك " ٣/ ٥٠٨ من طريق حماد بن شعيب، عن إسماعيل بن أمية، عن محمد بن قيس بن مخرمة، عن زيد بن ثابت وقال: صحيح الإسناد، ورده الذهبي بقوله: حماد ضعيف وانظر " السير " ٢/ ٦٠٠ و٦١٦.
(٣) لمؤلفه الإمام المحدث تقي الدين أبي الفتح محمد بن محمد بن علي بن همام العسقلاني الأصل، المصري المولد والدار الشافعي المتوفى سنة ٧٤٥ هـ، وكتابه هذا في الدعاء، ولم يطبع، منه نسخة في المكتبة الخديوية، انظر فهرسها ١/ ٣٤٩، قال صاحب =
[ ٢ / ٤٢ ]
وذكر المحققون أنَّ الكذبَ على رسول الله - ﷺ - لم يَكُنْ في زمنِ الصحابة، ولا في زمنِ التابعين، لا مِن بَرِّهم، ولا مِنْ فاجرهم، وإنما كان ذلك في أيامِ بني العباسِ، وَمَنْ نظر فيما رواه أهلُ المعاصي في هذا الوقتِ القديم، عَرفَ صحةَ قولِ المحققين.
فأما أبو هريرة، فإليه المنتهي في مراقبة الله وخوفه، وقد كان ممن يُغْشَى عليه من خوف الله تعالى، ثبت ذلك في صحيح مسلم (١) في حديث رواه في الرياء بالمثناة مِن تحتُ، وله شاهد في ترجمة سمرة.
ثم إني وجدتُ في " شرح النهج " (٢) للشيخ العلامة عبدِ الحميد بن أبي الحديد كلامًا في جماعة من السَّلَف لا يليقُ بمنصبه المنيف في العلم، والإنصاف، وحمله على السلامة يُوجبُ تنزيهه عنه، والقول بأن بعضُ أعدائه زاده في كتابه، فإنُّه ينبغي من العاقل العملُ بالقرائنِ القوية في تصحيح الأخبار، وتزييفها، ألا ترى أن فيه نسبة أبي هُريرة إلى بُغْضِ علي وتعمُّدِ
_________________
(١) = " كشف الظنون " ٢/ ٩٩٥: بوبه على أحد وعشرين بابًا، وقد اختصره الذهبي محمد بن أحمد الحافظ المتوفى سنة ٧٤٨. انظر ترجمته في " وفيات ابن رافع " ١/ ٤٨٧، نشر مؤسسة الرسالة، وقد ذكرت مصادر ترجمته فيه.
(٢) رقم (١٩٠٥) وانظر " المسند " ٢/ ٣٢١ - ٣٢٢، و" سنن الترمذي " (٢٣٨٢) والنسائي ٦/ ٢٣ - ٢٤، وابن حبان (٢٥٠٢) و" شرح السنة " (٤١٤٣).
(٣) ٤/ ٦٢ - ٦٩، وقد صرح ابن أبي الحديد أنَّه نقل ذلك كله عن كتاب " المعارف " لابن قتيبة، وانظر ص ١٢١ من المعارف، وقال ابن كثير في " البداية " ١٣/ ١٩٩: عبد الحميد بن هبة الله بن محمد بن محمد بن الحسين أبو حامد بن أبي الحديد عز الدين المدائني الكاتب الشاعر المطبق الشيعي الغالي، ولد بالمدائن سنة ست وثمانين وخمس مئة، ثم صار إلى بغداد، فكان أحد الكتاب والشعراء بالديوان الخليفتي، وكان حظيًا عند الوزير ابن العلقمي لما بينهما من المناسبة والمقاربة والمشابهة في التشيع والأدب والفضيلة، وقد أورد له ابن الساعي أشياء كثيرة من مدائحه وأشعاره الفائقة الرائقة، وكان أكثر فضيلة وأدبًا من أخيه أبي المعالى موفق الدين بن هبة الله، وإن كان الآخر فاضلًا بارعًا أيضًا، وقد ماتا في هذه السنة رحمهما الله أي في سنة ٦٥٥ هـ.
[ ٢ / ٤٣ ]
الوجه الأول: أن تعمد الكذب على النبي- صلى الله عليه وسم- في مثالب علي - رضي الله تعالى عنه - ما لا يفعله عاقل
الكذب عليه، ووضع الأحاديث الباطلة عمدًا في مثَالِبِه، بل فيه عن علي ﵇ أنَّه قال: ألا إنَّ أَكْذَبَ الناسِ، أو أكذَب الأحياء على رسول الله - ﷺ - أبو هريرة، فهذا ما يقطعُ العَارِفُ ببطلانه عن علي ﵇، وأرجو ألا تَصِحَّ حِكايتُه وتقريرُه عن ابنِ أبي الحديد.
والجوابُ عما نسب إلى أبي هريرة وأمثاله من أفاضل السلف المتواتر فضلُهم، وعلو مراتبهم مِن وجوه.
الوجه الأول: أن تعمُّدَ الكذبِ على رسول الله - ﷺ - في مثالبِ عليٍّ ﵇ ما لا يَفْعَلُهُ عاقل لا كافِرٌ ولا منافق، ولذلك لم يَصْدُرْ ذلك مِن أعداء علي ﵇، فإنَّ حب النبي - ﷺ - لعليٍّ وتعظيمَه وتكريمَه، وتشهيرَ مناقبه، والدوامَ على إظهار فضائله كان معلومًا بالضرورة خصوصًا لأهل ذلك العصر، فالمعارِضُ لذلك لا يريدُ على حمل السامعين على خساسته ونُقصانِ عقله، وسقوطِ منزلته، ولا فرق بينَ أن يقدح في فضلِ علي، وحُبِّ النبي - ﷺ - له، وبين أن يَقْدحَ في نسب علي، وأنه ليس مِن بني هاشم، وأنه لم يسْبِقْ إلى الإِسلام، وأنه نَصَبَ الحربَ والعداوةَ لرسول الله - ﷺ - إلى عامِ الفتح، وأسلم قهرًا كما أسلم أبو سفيان حين أسلم، وأنه لم يشهد بدرًا ولا أُحُدًا، ولا أبلى في المشاهد. فهل ترى يَصِحُّ في عقل عاقل، أن أحدًا في ذلك العصر يستطيعُ أن يكذب مثلَ هذه الأشياء على أمير المؤمنين ولو كان أكفرَ الكافرين، وأبغضَ البُغضاء، والمنافقين. ومن جَوَّزَ وقوعَ مثل هِذا في ذلك العصر من أعداء علي ﵇، لم يَزِدْ على أن يبين للعقلاء أنه ناقصُ العقلِ، عديمُ المعرفة، بهيمي الفِطنة، حِمَارِيُّ القلب. فإذا تقرَّرَ هذا، فلا فرق بينَ هذه الأشياء، وبينَ رواية مثالب فاحشة في أمير المؤمنين ﵇ في ذلك العصرِ للمهاجرين والأنصار أهلِ العقول الراجحة، والبصائرِ النافذة، والأفهامِ الثاقبة، ولذلك
[ ٢ / ٤٤ ]
اعترف أبو سفيان أنَّه لم يتمكَّن من الكَذِبِ على رسولِ الله - ﷺ - إلى هِرَقل (١)، وعَرَفَ بعقله مع كفره وعداوته أن الكذب لا يمضي له.
ولو قدرنا صدورَ مثل هذا من قليل عقل، لوقع منهم من التنكيلِ به، والذَّمِّ له، وضربِ الأمثال بكذبه، والمناداة عليه في المحافِلِ والمجامعِ ما يُوجِبُ تَواتُرَ ذلك عنهم فيه، ولَمَا كفي أمير المؤمنين أن يقول ذلك مرةً ولا ثنتين ولا ثلاثًا حتى يتواتَر.
وفي أخبار عمر ﵁ أنَّه قال: كيف وجدتموني؟ قالوا: وجدناك مستقيمًا، ولو زُغْتَ، لقوَّمناكَ، فقال: الحمد لله الذي جعلني في قومٍ إذا زُغْت، قوَّموني، وَدَعْ عنك الكثير الطَّيِّبَ مِن أخبارهم في ذلك، فقد قال الله تعالى في مُحْكَمِ كتابه الكريمِ في خِطابهم ووصفهم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠] فكيف يُمكِنُ ظهورُ كذاب على الله ورسوله مستور بينَهم، ثم لا يَهْتِكونَ سَتْرَه،
_________________
(١) وذلك حين أرسل إليه هرقل في ركب من قريش وكانوا تجارًا بالشام في المدة التي كان رسول الله - ﷺ - مادَّ فيها أبا سفيان وكفار قريش، فأتوه وهم بإيلياء، فدعاهم في مجلسه، وحوله عظماء الروم، ثم دعاهم ودعا بترجمانه، ققال: أيكم أقرب نسبًا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي، فقال أبو سفيان: أنا أقربهم نسبًا، فقال: أدنوه مني، وقرَّبوا أصحابه، فاجعلوهم عند ظهره، ثم قال لترجمانه: قل لهم: إني سائل هذا الرجل، فإن كذبني، فكذبوه، قال أبو سفيان: فوالله لولا الحياء من أن يأثِرُوا علي كذبًا، لكذبتُ عنه وانظر تتمة الخبر في " صحيح البخاري " (٦) في بدء الوحي. وقوله: أن يأثروا، أي: ينقلوا علي الكذب قال الحافط ابن حجر: وفيه دليل على أنهم كانوا يستقبحون الكذب إما بالأخذ عن الشرع السابق أو بالعرف، وفي قوله: " يأثروا " دون قوله " يكذبوا " دليل على أنَّه كان واثقًا منهم بعدم التكذيب أن لو كذب لاشتراكهم معه في عداوة النبي - ﷺ -، لكنه ترك ذلك استحياء، وأنفة من أن يتحدثوا بذلك بعد أن يرجعوا، فيصير عند سامعي ذلك كذابًا، وفي رواية ابن إسحاق التصريح بذلك، ولفظه: فوالله لو قد كذبت، ما ردوا علي، ولكني كنت امرءًا سيدًا أتكرم عن الكذب، وعلمت أن أيسر ما في ذلك إن أنا كذبته أن يحفظوا ذلك عني، ثم يتحدثوا به، فلم أكذبه.
[ ٢ / ٤٥ ]
الوجه الثاني: أنه قد تواتر عن أبي هريرة أنه كان أرفع حالا من هذه المنزلة
ويُشهِرُونَ فضائحَهَ حتى يتواترَ ذلك، والعادات جاريةٌ مستمرة بمثل هذا في كل زمان، ولو جوَّزنا أن أحدًا يُظْهِرُ في زمانهم مثلَ هذه الأكاذيب على الله، وعلى رسوله ولا يتواتر عنهم مقابلتُه بما يستحقه مِن التنكيل والتكذيب، لجوزنا أنَّه قد كان مِن غير أبي هريرة مثلُ ذلك من المستورين المقبولين، ولم يُقَابلْ ذلك بشيء منهم ألبتة حتى خَفِيَ حالُهم على أهل الإسلام وإنما يُمْكِنُ وضعُ المثالب فيه، وفي أمثاله بعدَ تطاولِ الزمان، وتدريبِ مَنْ لم يعرف مناقبه قطُّ على بُغضه ونسبه، ولذلك حَكَمَ نُقَّادُ علم هذا الشأن أن تعمُّدَ الوضعِ ما ظَهَرَ وَكَثُرَ إلاَّ في أيام بني العباس، وذلك حين كَثُرَ الجَهْلُ، وأمكن الغرورُ، ثم أفادني مولانا الإمامُ المنصور بالله ﵇ فائدةً جليلة، وهو أنَّه ﵇ وقف على معارضةٍ لما نقله الإسكافي (١) -إن صحَّ عنه ما تقدمَ- عن أمير المؤمنين عليّ ﵇ أنَّه أثنى على أبي هُريرة بالصدْقِ في الحديث، ودفعَ عنه أو نحو ذلك، وَقَفَ عليه مولانا ﵇ في بعضِ كُتُبِ الرِّجال والتواريخ، وإليه المنتهى سلامُ الله عليه في سَعَةِ الاطلاع، والورعِ في الرواية، والتثبت في النقل، فالحمد لله رب العالمين.
الوجه الثاني: أنَّهُ قد تواتر عن أبي هُريرة أنَّه كان أرفعَ حالًا من هذه المنزله الخسيسةِ التي لا أَسْقَطَ منها، فإِنَّه لو كان لوطيًّا، أو مجمعًا للفساد وأهلِه، لكان خيرًا له من مرتبة الزندقة في الإسلام، فإن تلك معصيةٌ لا تتعدى إلى غير صاحبها، والحامِلُ عليها شِدَّةُ الشهوة، والشَّبَقُ، والخِسَّةُ، وهذه
_________________
(١) هو محمد بن عبد الله الإسكافي البغدادي أبو جعفر أحد متكلمي المعتزلة، وإليه تنسب الطائفة الإسكافية، أصله من سمرقند، أخذ الكلام عن أبي جعفر بن حرب، وله مناظرات مع الكرابيسي وغيره. قال ابن النديم: كان عجيب الشأن في العلم والذكاء والصيانة، ونبل الهمة والنزاهة بلغ في مقدار عمره ما لم يبلغه أحد، وكان المعتصم يعظمه جدًا. توفي سنة ٢٤٠ هـ " لسان الميزان " ٥/ ٢٢١.
[ ٢ / ٤٦ ]
معصيةٌ، الحاملُ عليها بغضُ الله ورسولهِ وأميرِ المؤمنين، ومضرتُها دائمة للإسلام والمسلمين، ولا يمْكِنُ صدورُ مثل هذا من مؤمن ألبتة، ولذلك صح " أن بُغْضَ أميرِ المؤمنين نِفاق " (١). فكما أنَّه لا يُصَدَّق من زعم أن أبا هُريرةَ كان لوطيًا مشهورًا في محافلِ الصحابة بذلك، ولم يقتلوه، ولم ينفوه، فكذلك لا يصِحُّ أن يكون معروفًا عندهم بتعمد الكذب على رسول اللهِ - ﷺ - في مثالب سيدِ المسلمين في عصره، ولا يقتلوه أو ينفوه، ولا يكذبوه ويُنَكِّلوا به، وقد ذهب الجُوينيُّ (٢) وغيره إلى أن تعمُّدَ الكذب على رسول الله - ﷺ - كُفْرٌ وَرِدَّةٌ، واحتجوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ﴾ [الزمر: ٣٢] مع قوله: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] وقولهِ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] ولذلك نزه أهلُ البيتِ الخوارِجَ النواصِبَ مِن تعمُّد الكذب، وقَبِلُوا حديثهم وهُمْ كِلاب النَّار (٣).
فإن قلت: لم يكن مشهورًا بالكذب وتعمُّدهِ على عصرهم، وإنما بَانَ هذا بَعْدَ مُدَّةٍ.
_________________
(١) قطعة من حديث أخرجه مسلم (٧٨) من حديث علي ﵁ قال: " والذي فَلَقَ الحبة، وبرأ النسمة إنَّه لعهدُ النبيِّ الأميِّ - ﷺ - إليَّ أن لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق ".
(٢) هو أبو محمد عبد الله بن يوسف بن عبد الله بن يوسف الجويني والد إمام الحرمين، شيخ الشافعية في عصره المتوفى سنة ٤٣٨ هـ، قال الإمام الذهبي في " السير " ١٧/ ٦١٨ وهو صاحب وجه في المذهب، وكان يرى تكفير من تعمد الكذب على النبي - ﷺ -. وفي " طبقات السبكي " ٥/ ٩٣: وصار الشيخ أبو محمد إلى أن من كذب متعمدًا على رسول الله - ﷺ - كفر وأريق دمه. ذكره ابنه في "كتاب الحرية" عنه، وأنه كان لا يخلي الدرس من ذكره إذا انتهي إلى ذلك. وانظر "فتح الباري" ١/ ١٩٩ - ٢٠٣ الطبعة السلفية.
(٣) حديث صحيح، أخرجه من حديث عبد الله بن أبي أوفى أحمدُ ٤/ ٣٥٥ و٣٨٢، وابن ماجه (١٧٣)، وأخرجه من حديث أبي أمامة أحمدُ ٥/ ٢٥٣ و٢٥٦، وابن ماجة (١٧٦) والترمذي (٣٠٠٠) وحسنه. والحاكم ٢/ ١٤٩، وصححه، ووافقه الذهبي. وانظر " مصباح الزجاجة " ورقة ١٣.
[ ٢ / ٤٧ ]
قلتُ: هذا مِنْ خيالاتِ قليلي العُقول، فإنَّ تعمدَ كذبِ الكاذبين إنما يظْهَرُ في أعصارهم لما يَصْحَبُهُ مِنْ معرفة مَنْ جاورهم وخالطهم وسامرَهم مِن قرائنِ أحوالهم، ومخايل كذبهم وتلوّنهم وحكاياتِهم، ومناقضاتِهم، ونسيانهم لما قالوه، كما قالت العرب:
وَمَهْمَا تَكُنْ عِنْدَ امْرِىءٍ مِنْ خلِيْقَةٍ وإن خَالَهَا تَخْفَى عَلَى النَّاسِ تُعْلَمِ (١)
بل كما قال الله تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] وكما شاهدنا هذا في معرفتنا لِلكاذبين المعاصرين لنا، فأما لو استتر حالُه حتى مات، ومات المعاصرون له، فإنها تنسَدُّ أبوابُ المعرفة لحاله على المستأخرين عن مُعاصريه إِلاَّ بِعلمِ الغيب، فمن أين جاء ذلك للإسكافي لو صحَّ عنه، وحاشاه منه بَعْدَ تفاني القُرون، وأبو هريرة محتجٌّ بحديثه بينَ الصحابة والتابعين، وفُقهاءِ الإسلام، وأهلِ العلم التام بتواريخِ الرجال، وأخبارِ الناس، وَمَنْ قَبِلَ مثلَ هذا في أبي هريرة ممن لا يُعْرَفُ مع ثبوتِ إيمان أبي هُريرة، وعدالتِه على عصر النبي - ﷺ -، فلا يُؤْمَنُ عليه، ولا يُسْتَبْعَد منه أن يُصدق من ذوي المثالب في علي ﵇ أو في مَنْ هو دُونَه بيسيرٍ من أهل الفضلِ الشهيرِ، والمحلِّ الكبير. وقد ذكرتُ فيما تقدم أن أهل ذلك العصرِ كانوا خيرَ أهلِ الأعصار، وأن أشرارهم أصدقُ الأشرار حتى إنَّه ثبت عن اليهودي ابنِ صياد اللَّعين المُدَّعي للنبوة في عصره ﵇ لما سألَه النبي - ﷺ - وهو خصمُه ما يأتيه قال: يأتيني صادِقٌ وكاذب (٢)، فاعترف بكذب بعضِ ما يأتيه بُعدًا من
_________________
(١) هو البيت الثامن والخمسون لزهير بن أبي سلمى من جاهليته السائرة " شرح القصائد العشر " ص ١٩٨ للتبريزي.
(٢) انظر خبر ابن صياد مطولًا من حديث ابن عمر في البخاري (١٣٥٤) و(٣٠٥٥) و(٦١٧٣) و(٦٦١٨) ومسلم (٢٩٢٤) و(٢٩٣٠) وأبي داود (٤٣٢٩) والترمذي (٢٢٤٩)، وانظر " جامع الأصول " ١٠/ ٣٦٤ - ٣٦٩ الطبعة الشامية.
[ ٢ / ٤٨ ]
الوجه الثالث: أنه لا خلاف أن طريقة أبى هريرة كانت مستقيمة
الكذب فيما يدعيه، ووثق رسولُ الله - ﷺ - بدليله (١) يومَ هاجر، وكان كافرًا، وبذمَةِ سُراقة (٢) حين دعا له مع كفره، وشِدَّةِ عداوته، وكذا أَمِنَ كفارَ قريشٍ في عُمرة القضاءِ، ووضع جل السلاح.
الوجه الثالث: أنَّه لا خلافَ أن طريقة أبي هُريرة على عهدِ رسول الله - ﷺ - كانت مستقيمةً، وأنَّه كان يختصُّ برسولِ اللهِ - ﷺ - وُيلازِمُه ويأخُذُ عنه، ولم يكن منه في عهدِ رسول الله - ﷺ - كبيرةٌ، ولا حُدَّ في معصية، ولا اتُّهِمَ بنفاق، ولا كانَ مِن أهل الإفك، وكان مِن العُدول في ذلك العصر على كلِّ مذهبٍ، ومن الصحابة المثنى عليهم على كُلِّ قولٍ، وعند كُلِّ طائفةٍ. فالعجبُ ممن يقبل جرحه ممن لا يُعْرَفُ ولا يُدْرَى مَنْ هُوَ بغير إسناد ولا نظرٍ في رجال الحديث، بل يقبلُه مقطوعًا ممن لا يُدرى مَنْ هو، ولا يُساوي أدنى أدنى أدنى مرتبةٍ من مراتب أصحابِ أبي هريرة من التابعين الرُّواة عنه، المُوثِّقين له، الذين زادُوا على ثماني مئة، ولو صَحَّ طرحُ مِثْلِ هذه الفواحش والخبائث على مثل أبي هريرة من أئمة الإسلام، وأعلامِ الهُدى، لأمكن الزنادِقَةَ لَطْخُ أكثرِ العِترة والفقهاء بمثل ذلك. وليتَ شعري أيُّ فرقٍ يجده المميزُ الحازم بينَ أبي هريرة، وأبي الدرداءِ، ومُعَاذٍ، وكثيرٍ من المهاجرين، والأنصار، ثم يعلم المميز أنَّه لو كذب مثلَ ذلك على الصَّادِقِ والباقر ومالك والشافعي أو منْ دونهم من فُضلاء عصره، وأعيانِ أهل زمانه، لكان الحملُ لهم على السلامة أرجحَ، والتغليب لِنزاهتهم عما قيل
_________________
(١) في حديث الهجرة الطويل عن عائشة: واستأجر رسول الله - ﷺ - وأبو بكر رجلًا من بني الديل وهو من بني عبد بن عدي هاديًا خريتًا (والخريت: الماهر بالهداية) قد غمس حلفًا من آل العاص بن وائل السهمي، وهو على دين كفار قريش، فأمِنَاه، فدفعا إليه راحلتَيهما، وَواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث أخرجه البخاري في " صحيحه " (٣٩٠٥) في فضائل أصحاب النبي: باب هجرة النبي - ﷺ - وأصحابه إلى المدينة.
(٢) خبره في الحديث السابق، فانظره، وفيه: أن النبي - ﷺ -، قال لسراقة: اخف عنا
[ ٢ / ٤٩ ]
الوجه الرابع: أن قواعد العلم المتفق عليها ما يقتضي أنه لا يقبل المتعارضان معا
فيهم أوضح، فكذلك هُنالك.
الوجه الرابع: أن قواعدَ العلم المتفق عليها تقتضي أن لا يُقبل المتعارضان معًا، ولا يَصِحُّ ذلك، وقد تعارض الثناء على أبي هريرة والذَّمُّ له، أما الثناءُ عليه، فإنه قد دخل في الثناء مِنَ الله ﷿ على الصحابة، وأثنى عليه غيرُ واحد مِن السَّلَف والخلف كما تبين في ترجمته من كتب الرِّجال بالأسانيد المعروفة حتى أثنى عليه أئمةُ علمِ الرجال في الحديث مِن الشيعة كالحاكِمِ والنسائي، وابنِ عُقدة وغيرهم، وصححوا أحاديثَهم ودوَّنوها في كتبهم، وكذلك مَنِ احتجَّ بحديثِه مِن أهل البيتِ ﵈ والفقهاء كما يَعْرِفُ ذلك مَنْ طالع فِقْهَهُمْ، وأدِلَّتهم فيها، ويأتي قريبًا التنبيهُ على ذلك بذكر طرفٍ منه يسير.
وأما المعارضُ لهذا، فجاء مقطوعًا كولدِ الزِّنى الذي لا يُعْرَفُ له أب مِن طريق غيرِ وافية بشروط الصحة عن الإسكافي، وكان بغداديًّا لا يقولُ بأخبار الثقات دَعْ عنك غيرَها، ومَقْصِدُه في كلامه القدحُ في الأخبار بالجملة، وسدُّ باب الرواية لو صح ذلك عنه، فلا بُدَّ على الإنصافِ مِنْ معرفة رواة جرح أبي هريرة والموازنة بين كل واحد منهم وبين أبي هريرة، فإن كان فيهم واحد دون أبي هريرة في فضله ونُبله لم يُصَدَّقْ على مَنْ هو خيرٌ منه، وإلا لَزِمَ فيه ترجيحُ المرجوحِ على الراجح، وهو على خلاف المعقولِ والمنقول.
فقِسِ القَدْحَ في الأكابرِ على هذا، وقد أشرتُ إلى هذه النُكتة في علوم الحديث، وأوضحتها فخذها من هنالك (١).
وقد قَدَح الإمامُ المؤيَّدُ باللهِ ﵇ بعدمِ الإسنادِ في كتاب "إثبات
_________________
(١) انظر " توضيح الأفكار " ٢/ ١٦١ - ١٦٧.
[ ٢ / ٥٠ ]
الوجه الخامس: أن أبا هريرة قد روى مناقب علي - رضي الله تعالى عنه - في الصحاح
الوجه السادس: أن جميع الأكاذيب المروية أسندها الكذابون إلى الصحابة
النبوات"، وَبَيَّنَ أنَّه نَقَل كِتابَه عن السلفِ رحمهم الله تعالى، فدلَّ على اعتبار مثل ذلك حيث يُحتاج إليه، وتَقعُ التهمةُ بالإِجماعِ، ذكره حيثُ ذكر ما رُوي مِن أشعار الجن في الكلام على أنَّه لا يجوزُ أن يكونَ القرآن مِنْ كلامِ الجن.
الوجه الخامس: أن أبا هريرة قد روى مناقِبَ علي ﵇ في الصحاح، ومِنْ أشهرهَا روايته لحديث خيبر وقول النبي - ﷺ - لِعلي ﵇: " إنَّه يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَه، ويُحِبُّه الله وَرَسُولُهُ " (١) فثبت ذلك عنه في صحيح مسلم، فكيف لم ينفعْهُ ذلك مع صِحته عنه، وَيضُرّه ما رُويَ عنه من غير طريق صحيحة مِن نقيضِ ذلك.
الوجه السادس: أن جميعَ الأكاذيب المروَيَّة أسندها الكذَّابُونَ إلى الصحابة، والمُحَدِّثُون عَرَفُوا الكَذَّابين، وحملُوا أكاذيبهم عليهم، والحَمْقَى (٢) من أهل الكلام نَزَّهُوا أولئك الذين جَهلُوا أحوالَهم، وحملُوا أكاذيبهم على المعروفين بالإيمان والإسلام، والصُّحبة، والعدالةِ، والنبالة، وعكسوا ما يجبُ، ألا ترى أن صاحبَ هذا الكلام الذي في " شرح النهج " قَدَحَ في أبي هريرة بروايته لخطبة علي ﵇ بنتَ أبي جهْل وطوَّل في ذلك، ثم نقل عن السيد المرتضى أن الراوي لذلك عن أبي هريرة هو الكرابيسي، وأن الحمل في ذلك عليه. ثم إنَّه تأوَّل ذلك على تقديرِ صحته بتأويل حسنٍ لا يبقى معه قَدْحٌ في رواته، ومع ذلك لم يَذُبَّ عن أبي هُريرة، وتركه مقدوحًا فيه بذلك، وجهل أيضًا أن ذلك غير مروي عن أبي هريرة في الصَّحاح، ولا أشار إليه الترمذي كعادته،
_________________
(١) أخرجه من حديث أبي هريرة مسلم (٢٤٠٥)، وفي الباب عن سعد بن أبي وقاص عند مسلم (٢٤٠٤) والترمذي (٣٧٢٤)، وعن سلمة بن الأكوع عند البخاري (٢٩٧٥) و(٣٧٠٢) و(٤٢٠٩) ومسلم (٤٤٠٧)، وعن سهل بن سعد عند البخاري (٢٩٤٢) و(٣٠٠٩) و(٣٧٠١) و(٤٢١٠) ومسلم (٢٤٠٦).
(٢) في (ب): الحُمقاء.
[ ٢ / ٥١ ]
ولا رواه عنه أحمد في " مسنده " مع جمعه لحديثه، بل روي في الصحاح مِن غير طريق أبي هريرة، وأنهم إنما رَوَوْه من طريق علي بن الحسين سَيِّدِ العابدين عن المسْورِ بن مَخْرَمَة، عن النبي - ﷺ - (١) فما أبعدَ ابنَ أبي الحديد عن مثل هذا، دل قد روى حديث الخِطبة على فاطمةَ ﵍ الحاكمُ في " المستدرك " (٢) على تشيعه، وصحح مجيئَه مِنْ طُرُقٍ عن النبي - ﷺ -، وحكم بصحتها، منها عن سُويد بن غَفَلَةَ، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السِّياقة (٣).
ومنها عن عبد الله بن الزبير وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ورواه الترمذي (٤) أيضًا.
ومنها عن أبي حنظلةَ رجلٍ من أهل مكة.
وإنما ذكر هذه الطرق لتصحيح هذه الفضيلة لفاطمة ﵍، ولذلك ذكر ذلك في مناقبها مع أنَّه لا شيء في ذلك على أمير المؤمنين ﵇ كما ذكره في حديث سُوَيْدِ بنِ غفَلَةَ، فإنه ذكر فيه أن عليًّا استشار النبيَّ - ﷺ - في ذلك، فقال له: " أعَنْ حَسَبِهَا تسألُني؟ " قال: قد أعلمُ حسبَها، ولكن أتأمُرُني بها، فقال: " لا، فاطمةُ بَضْعةٌ مني، ولا أَحْسِبُ إلَّا أنَّهَا تَحْزَنُ أَو تَجْزَعُ " فقال علي: لا آتي شيئًا تَكْرَهُهُ. فأيُّ مقالٍ عليه في أن سأل، ثم فعَلَ ما يُحبُّهُ رسولُ الله - ﷺ -، وقد سأل رسولُ الله - ﷺ - ربَّه أن يَأْذَنَ له في الاستغفارِ لأمِّهِ، فلم يَأذَنْ له (٥) فأطاعه، فهذا مثلُ ذلك.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣١١٠) و(٣٧١٤) و(٣٧٢٩) و(٣٧٦٧) و(٥٢٣٠) و(٥٢٧٨) ومسلم (٢٤٤٩) وأبو داود (٢٠٦٩) والترمذي (٣٨٦٧).
(٢) ٣/ ١٥٨ و١٥٩.
(٣) علق عليه الإمام الذهبي بقوله: مرسل قوي.
(٤) برقم (٣٨٦٩) وقال: حديث حسن صحيح.
(٥) أخرجه من حديث أبي هريرة مسلمُ (٩٧٦)، وأبو داود (٣٢٣٤) والنسائي ٤/ ٩٠ =
[ ٢ / ٥٢ ]
ويدل على بُطلانِ ذلك الكلام على ابنِ أبي الحديد أن صاحبَه روى عن أبي حنيفةَ جَرْح جَمَاعةٍ مِن الصحابة كأبي هريرة، ونحن نرى أبا حنيفة يحتجُّ بأحاديثهم (١) كما هو معروف في " مسنده " وكُتُبِ فقهه، وفِقه أصحابه.
ؤكذلك حديثُ أبي هُريرة متلقى بالقبولِ بينَ فِرَقِ الأمَّةِ.
أما الفقهاء وأهلُ الحديث، فمعلومٌ ذلك عنهم ضرورةً، وكذلك التابعون، فإنَّ الرواةَ عنه منهم بلغوا ثماني مئة، ولم تُنْكَرْ عليهم الرِّوايةُ عنه مع هذه الشُّهْرَةِ العظيمةِ.
وأما المعتزلة، فهم راجعون إلى الفقهاء، فإنهم شافعية وحنفية، والمنقولُ عنهم عدالة الصَّحابة إِلَّا مَنْ حاربَ عليًّا ﵇، ومن حارب متأولًا، قَبِلُوه، وإن فسَّقوه أيضًا، أو أكثرهم كما مضى، وكما يأتي في مسألة المتأولين مِن دعوى كثير منهم الإجماعَ على ذلك، وأبو هريرة لم يكن مِن محاربي علي ﵇ بالإجماع.
وأما الشيعة فهؤلاءِ مُحدِّثوهم يَرْوونَ حديثَ أبي هُريرة كالحاكم في " المستدرك "، والنسائي في " السنن "، وكُلّ مَنْ روى الحديثَ منهم حتى محمد ابن منصور المرادي (٢) في كتابه " علوم آل محمد" خرَّج حديثَه، واحتج به فيه،
_________________
(١) = ولفظه في مسلم: " استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي ".
(٢) وفي " مسنده " عدد غير قليل من الأحاديث من رواية أبي هريرة ﵁، منها حديث " من أكل ناسيًا، فليتم صومه " فقد ترك القياس، وأخذ به.
(٣) هو أبو جعفر محمد بن منصور المرادي الكوفي الزيدي المتوفّى سنة ٢٩٠ هـ، صاحب التآليف الكثيرة في التفسير والفقه والتاريخ. تراجم الرجال ٣٦، و" الفهرست " لابن النديم ص ٢٤٤.
[ ٢ / ٥٣ ]
بل روى محمدُ بنُ عبد الله بن الحسن (١)، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرجِ، عن أبي هريرةَ، عنِ النبيِّ - ﷺ - حديثَ " إذا سَجَدَ أحَدكمْ، فَلا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الجَمَلُ " (٢) واحتج به، وذهب إلى مقتضاه، وتابعه على ذلك كثيرٌ من أهل البيت وشيعتهم، وخرَّجه عنه أهل الحديث في كتبهم، ولم يُنْكِرْ ذلك عليه أحد مِن أهل بيته مع تَقَدُّم عصره، ولا مَنْ بَعْدَه مِن أهله وشيعته، ولا اعتذروا له عن ذلك، ولا لغيرهِ مِمَّنْ روى عنه على أنَّه لا يعلم أنَّه تفرَّد بشيءٍ منكر، وصحَّ عنه، وقد ادَّعى الإجماعَ على عمل الأمة بروايته لِحديث النَّهي عن الجمعِ بينَ المرأةِ وعمَّتِها، والمرأةِ وخالتها، وأنَّ الأمَّة ما اعتمدت إلاَّ عليه مع أنَّه تخصيصٌ لقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُم﴾ [النساء: ٢٤] وذكر الحُفَّاظُ العارفون أنه لم يَصِحَّ شيءٌ مِن الأحاديث المرويةِ في ذلك عَنْ عليٍّ ﵇، وابن عباسٍ وغيرِهما، ممن ذكر ذلك البيهقي، وحكاه عن الشافعي حتى اعترضُوا ما خرَّجَهْ البُخاري (٣) في ذلك عن عاصمٍ الأحولِ، عنِ الشَّعبِيِّ، عن جابر
_________________
(١) هو محمد بن عبد الله بن الحسن بن حسن بن علي الهاشمي المدني الملقب بالنفس الزكية، وثقه النسائي وغيره من رجال " التهذيب ".
(٢) وتمامه " وليضع يديه قبل ركبتيه " أخرجه أحمد ٢/ ٣٨١، وأبو داود (٨٤٠) والدارمي ١/ ٣٠٣، والطحاوي في " شرح معاني الآثار " ١/ ٢٥٤، وفي المشكل ١/ ٦٥ - ٦٦ والبخاري في " تاريخه " ١/ ١٣٩، والنسائي ٢/ ٢٠٧، والدارقطني ١/ ٣٤٤ - ٣٤٥، والبيهقي ٢/ ٩٩ - ١٠٠ كلهم من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي، حدثنا محمد بن عبد الله بن الحسن، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ - وهذا سند صحيح، وقد صححه غير واحد من الأئمة، وانظر " زاد المعاد " وتعليقنا عليه ١/ ٢٢٢ - ٢٣٠ نشر مؤسسة الرسالة.
(٣) رقم (٥١٠٨) في النكاح: باب لا تنكح المرأة على عمتها، حدثنا عبدان، أخبرنا عبد الله، أخبرنا عاصم، عن الشعبي سمع جابرًا ﵁، قال: نهي رسول الله - ﷺ - أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها. وقال داود، وابن عون عن الشعبي، عن أبي هريرة. قال الحافظ: أما رواية داود -وهو ابن أبي هند- فوصلها أبو داود (٢٠٦٥) والترمذي (١١٢٦)، والدارمي ٢/ ١٣٦ من طريقه، قال: حدثنا عامر هو الشعبي، أنبأنا أبو هريرة أن رسول الله - ﷺ - " نهي أن تنكح المرأة على عمتها أو المرأة على خالتها، أو العمة على بنت =
[ ٢ / ٥٤ ]
وقالوا: إِنَّ ذلك وَهْمٌ مِن عاصم، لأن ابنَ عونٍ، وداودَ بنَ أبي هِنْدٍ رويا هذا الحديثَ عن الشَّعبِيِّ، عن أبي هُريرة وحدَه.
وعلى الجملة، فروايةُ التابعين لِحديثه، واحتجاجُهم به مِنْ غيرِ نكيرٍ معلومٌ لأهلِ العلمِ بالأخبار بالضرورة، والتَّابِعُونَ مِنْ خيرِ القرونِ بالنُّصوص النبوية، والأخبارِ بصلاحِهم المتواترة الضرورية، واللهُ يُوفِّقنا للصواب، ويُزيل عنا الشَّكَّ والارتياب.
وكذلك تجدُ المعتزلة حنفيةً وشافعيةً، وأبو حنيفة والشافعي يحتجَّان
_________________
(١) = أخيها، أو الخالة على بنت أختها، لا الصغرى على الكبرى، ولا الكبرى على الصغرى " لفظ الدارمي والترمذي نحوه، ولفظ أبي داود " لا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها " وأخرجه مسلم (١٤٠٨) (٣٩) من وجه آخر عن داود بن أبي هند، فقال: عن محمد بن سيرين " عن أبي هريرة، فكأن لداود فيه شيخين، وهو محفوظ لابن سيرين، عن أبي هريرة من غير هذا الوجه. وأما رواية ابن عون -وهو عبد الله- فوصلها النسائي في " الكبرى " من طريق خالد بن الحارث عنه بلفظ " لا تزوج المرأة على عمتها ولا على خالتها " ووقع لنا في فوائد أبي محمد بن أبي شريح من وجه آخر عن ابن عون بلفظ " نهى أن تنكح المرأة على ابنة أخيها أو ابنة أختها ". والذي يظهر أن الطريقين محفوظان. وقد رواه حماد بن سلمة عن عاصم، عن الشعبي، عن جابر أو أبي هريرة، لكن نقل البيهقي ٧/ ١٦٦ عن الشافعي أن هذا الحديث لم يرو من وجه يثبته أهل الحديث إلا عن أبي هريرة، وروي من وجوه لا يثبتها أهل العلم بالحديث، قال البيهقي: هو كما قال، قد جاء من حديث علي وابن مسعود وابن عمر، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو، وأنس، وأبي سعيد، وعائشة وليس فيها شيء على شرط الصحيح، وإنما اتفقا على إثبات حديث أبي هريرة، وأخرج البخاري رواية عاصم، عن الشعبي، عن جابر، وبين الاختلاف علي الشعبي فيه، قال: والحفاظ يرون رواية عاصم خطأ والصواب رواية ابن عون وداود بن أبي هند. قال الحافظ: وهذا الاختلاف لم يقدح عند البخاري، لأن الشعبي أشهر بجابر منه بأبي هريرة، والحديث محفوظ أيضًا من أوجه عن أبي هريرة، فلكل من الطريقين ما يعضده، وقول من نقل البيهقي عنهم تضعيف حديث جابر - معارض بتصحيح الترمذي وابن حبان وغيرهما له، وكفي بتخريج البخاري له موصولًا قوة. وانظر " الجوهر النقي " ٧/ ١٦٦.
[ ٢ / ٥٥ ]
بأولئك المقدوحِ فيهم مع أبي هريرة، فكيف يَنْتَسِبُون إليهما، وَيَنْتَقِصُونَ مَنْ هو حُجَّةٌ لهما، وَقُدْوَةٌ عندهما.
ثم مِنْ عَدَمِ إنصاف صاحبِ ذلك الكلام المسند إلى الإسكافي، ولعله منه بريء أيضًا، فما يصلحُ إِلَّا لبعضِ أعداءِ الإسلام، فإنه ذكر القدحَ في أبي هُريرة، وغيرِه من خِيرة السَّلَفِ الصالح، وأفردَ القدحَ فيهم، ولو كان هذا من المسلمين، لأورد ما وَرد فيهم مِن جرح وتوثيق، وسمَّى مَنْ جَرحَهُمْ وَمَنْ وَثَّقهم حتى يتمكَّنَ الناظِرُ من الترجيح عند التعارض، كما هو شأنُ أهلِ كتب هذا الشأنِ من علماء الإِسلام.
وأما الزنادقةُ، فتراهم -إذا ذكروا أحدًا مِن أئمة الإسلام الذين تملأ محاسِنَهم الدواوينُ، وتملّ حسناتِهم الكاتبون- لم يذكورا له إلاَّ ما لم يَصِحَّ مِن المساوىء والمثالبِ والفواحشِ المفتراة والمعايبِ، وليس العجبُ ممن يقدح في الأكابرِ مِن هؤُلاءِ الأسافلِ، ولله القائل:
وإذَا أتتْك مَذَمَّتِي مِنْ ناقِصٍ فَهي الشَّهَادَةُ لي بِأنِّي فَاضِلُ (١)
وإنَّما العَجَبُ مِن بلادةِ مَنْ يَسْبِقُ إلى عقله صِدْقُ أخسِّ الناسِ وَمَنْ خيرُ أحواله أن يكون مجهولًا في ذَمِّ خيرِ الناس بنصِّ كتاب الله تعالى، وشهادةِ رسول الله - ﷺ -، وَمَنْ أَدْنَى أحوالِه أن يكونَ على من جَرَحَهُ مِن الأراذِلِ مقدمًا مقبولًا.
واعلم أنا قد جرَّبْنَا في أنفسنا، وَمَنْ عاصَرَنَا مِن الأئمة والفُضلاءِ كَذِبَ الكذَّابينَ عليهم، وَحسَدَ الحاسدينَ لهم، وهذه عادة مستمرة للأنجاس في
_________________
(١) هو للمتنبي من قصيدة مطلعها: لك يا منازل في القلوب منازل أقفرتِ أنتِ وهُنَّ منكِ أواهل والرواية فيه: " كامل " بدل " فاضل " وكذلك هي في (ش). انظر الديوان ٣/ ٢٤٩ بشرح العكبري.
[ ٢ / ٥٦ ]
حسدِ خِيارِ الناس، ولذلك قيل:
إنَّ العَرَانِينَ تَلَقَاهَا مُحَسَّدَة وَلَنْ تَرَى لِلِئامِ النَّاسِ حُسَّادَا (١)
والحاسدُ يفتري على المحسودِ، فلو قُبِلَ كُلُّ قَدْحٍ مِنْ غيرِ تثبُّتٍ، لبلغ الشيطانُ وجنودُه أغراضَهم في أهلِ المراتب الرفيعةِ مِن العلماءِ، والصَّالحين، وحَمَلَةِ العلم، وَنَقَلَةِ الآثار. فكيف يجوز أن يُصَدَّق على ابنِ أبي الحديد والإِسكافي أن يُجَرِّحُوا عُيُونَ السَّلَفِ الصالح برواياتٍ لم يُصحِّحُوا منها واحدة، ولا أوضحوا لها طريقًا يعلم براءتها مِن دسيسِ الملاحدة؟!.
وقد ذكر شيخُ الإِسلام ابنُ تيمية (٢) أنَّ الذي وضع هذه الأشياءَ يهوديٌّ أظهرَ الإسلامَ وافتراها، بل صَحَّ عن ابنِ مسعود: أنَّ الشَّيطانَ يتصوَّرُ في صورة الآدَمِيِّ فيحدّثُ بالأكاذيب. رواه مسلم (٣). وله شاهد أو شواهد مرفوعة
_________________
(١) البيت غير منسوب في " أساس البلاغة " ص ١٢٦، وجاء في " عيون الأخبار " لابن قتيبة ٢/ ٩: قيل لسفيان بن معاوية: ما أسرع حسد الناس إلى قومك! فقاله إن العرانين وعرانين القوم: وجوههم وساداتهم وأشرافهم، مأخوذ من عرنين الأنف: وهو ما تحت مجتمع الحاجبين، وهو أول الأنف حيث يكون فيه الشمم.
(٢) هو تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام الحراني المتوفى سنة ٧٢٨ هـ، وصفه تلميذه الحافظ ابن عبد الهادي المتوفى سنة ٧٤٤ في " مختصر طبقات علماء الحديث " الورقة ٢٧٤ فقال: شيخنا الإمام الرباني إمام الأئمة، ومفتي الأمة، وبحر العلوم، سند الحفاظ، وفارس المعاني والألفاظ، فريد العصر، وقريع الدهر، شيخ الإسلام، قدوة الأنام، علامة الزمان، وترجمان القرآن، علم الزهاد، وأوحد العباد، قامع المبتدعين، وآخر المجتهدين نزيل دمشق، وصاحب التصانيف التي لم يسبق إليها. وقد ترجمه غير واحد من الأعلام، وأثنوا عليه، ووصفوه بشيخ الإسلام، جمع ذلك كله ابن ناصر الدين الدمشقي في كتابه " الرد الوافر" وهو مطبوع فليرجع إليه.
(٣) في مقدمة " صحيحه " ١/ ١٢ رواه من طريق أبي سعيد الأشج، حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن المسيب بن رافع، عن عامر بن عبدة، قال: قال عبد الله: إن الشيطان ليتمثل في صورة الرجل، فيأتي القوم فيحدثهم بالحديث من الكذب فيتفرقون، فيقول الرجل منهم: سمعت رجلًا أعرف وجهه، ولا أدري ما اسمه يحدث.
[ ٢ / ٥٧ ]
في " مجمع الزوائد " للهيثمي (١) ومن ها هنا أوجَبَ أهلُ الحديثِ الإِسنادَ، لأن في العدول مَنْ يَقْبلُ المجاهيلَ، فيقبلُ الكذَّابَ، أو الشيطانَ لِظنه أنه مجهول، والمجهولُ عنده مقبول، فصار قبول المرسل يُؤدِّي إلى مِثْلِ هذا مِن حيث لا يَشْعُرُ مَنْ قَبِلَهُ، لأنَّه يقبل مراسيلَ الثقاتِ، وفي الثقات من يَقْبَل المجاهيلَ كالحنفيةِ فَتُقْبَلُ مراسيلُهم، وهم يقبلُون المجاهيلَ، وجميعَ المجاريحِ، والشياطينُ قد يكونون مِن جملة المجاهيل بالنسبة إلى بعض الأشخاصِ والأحوالِ، فاللهُ المستعانُ.
وينبغي مِن كُلِّ مسلمٍ صحيحِ الإِسلام أن يعتبر عن سماع هذه الأكاذيبِ بأمورٍ.
أحدها: أن يَنْظُرَ: هل هو يجترىء على تَعَمُّدِ الكذبِ على اللهِ ورسوله، ثم يظن فيمن غاب عنه مثل ما يجد من نفسه.
وثانيها: أن يَنْظُرَ لو يُفترى عليه مثل ذلك، وهو منه بريء كيف يكونُ ذلك العدوانُ عنده، فيحذر مِن مثلِه.
وثالثها: ينظر كيفَ قال تعالى في شأن أهل الإِفك (٢) حين قالوا، وفي مُصدقيهم حين صدَّقوه مع أنَّهم قالوا ذلك، وهم يظنُّون صِدقَهم، وحذقَهم، وَفطَانَتَهم فيما اختصُّوا بفهمه دونَ البلداء، والرميُ بالزنى أهونُ
_________________
(١) علي بن سليمان بن عمر بن صالح أبو الحسن الهيثمي القاهري الشافعي الحافظ المتوفى سنة ٨٠٧ هـ. وكتابه " مجمع الزوائد " مطبوع في عشرة أجزاء، جمع فيه الأحاديث التي لم ترد في الكتب الستة (البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة) من مسند أحمد، ومسند أبي يعلى الموصلي برواية ابن حمدان المختصرة، ومسند البزار، ومعاجم الطبراني الثلاثة: الكبير والأوسط والصغير، محذوفة الأسانيد، ورتبها على الكتب والأبواب، وتكلم على كل حديث منها تصحيحًا وتضعيفًا.
(٢) انظر الآيات ١١ - ٢٠ من سورة النور.
[ ٢ / ٥٨ ]
من الرمي بتعمدِ الكذب على اللهِ ورسوله كما مضى تقريرُه، نسأل اللهَ العافيةَ والسلامة.
ثم إن صاحبَ ذلك الكلام تمسَّكَ في رمي جماعةٍ مِنْ خيرِ السَّلَفِ إلى بغضِ علي ﵇ بأشياءَ كان يلْزَمُهُ لو طَرَّدها أن يَنْسِبَ بُغْضَ علي المستلزم لِلنِّفاق إلى طلحَة، والزبير، وعائشة لما كان منهم يومَ الجَمَلِ، بل إلى أبي بكر، وعُمَرَ، وعثمان، وجميع مَنْ قال بإمامتهم من التابعين والفقهاء والمعتزلة، لأنهم رأوا مرتبته مستأخرة عن مرتبة مَنْ تقدمه، وصنَّفوا في ذلك التصانيفَ، وجادلُوا عليه، ونقضوا أدِلَّة من خالفهم فيه، وبلغوا الغايةَ القصوى في ذلك.
ومتى التزمَ ذلِكَ، وَحَكَم بنفاق جميعِ منْ ذكرنا، ونفاقٍ جميع مَنْ أحبهم، أو ذب عنهم، ولم يبرأْ منهم، وحرم الروايةَ عنهم، والتصديق لهم، سدَّ أبوابَ الروايةِ، ورفع ما تفرَّع عنها مِن علوم الإسلام تحريمًا وتحليلًا وتجميلًا وتفصيلًا، لا سيما المراسيل، فإن المُرْسِلِينَ يُرْسِلُون عن بعض هؤلاء لثقتهم عندهم حتَّى يتطرق الشكُّ إلى كثيرٍ من مناقب علي ﵇ ومناقب العِترة الكرام، لأن كثيرًا منها لا يَسْلَمُ مِن الاستناد إلى هؤلاء، وكان يلزم تُهْمَةُ كثير من العِترة بالتحامل على أمير المؤمنين ﵇ حيث بالغوا في الثناء على مَنْ تقدَّمه، وأظهروا موالاتهم، والترضيةَ عنهم، والترحُّمَ عليهم، وَمِنْ أقربِ مَنْ صَحَّ لنا ذلك عنه بالنقلِ المتواتِر، ورُؤيته بخطه المعروف - مولانا أميرُ المؤمنين الناصرُ لدين الله مُحَمَّدُ بنُ أمير المؤمنين المهدي لدين الله علي بن محمد بن علي ﵈، وقبلَه الإمام الأوَّاه العلامة المؤيَّد بالله يحيى بن حمزة.
وأما بطريقِ الآحاد، فهو عن أميرِ المؤمنين علي ﵇، وعن
[ ٢ / ٥٩ ]
الطِّرَازِ الأولِ من أكابِرِ السادات مِن عِترته، كزيدِ بن علي، وأخيهِ الباقر، وجعفرٍ الصادقِ، ومَنْ لا يأتي عليه العَدُّ، ولهذا موضعُ غيرُ هذا وإنما القصدُ الإِشارةُ إلى بعض ما يُؤَدِّي إليه الغُلُوّ مِن فساد علوم الإِسلامِ، وفسادِ الظُّنون بأئمة العِترة ﵈.
ثم إن الناسَ قد عاصروا أئمة الجَوْرِ الذين عادَوْا أميرَ المؤمنين وحاربُوه، وحاربُوا أهلَ بيته، وقتلوهم، وتَتَبَّعُوا مُحبِّيهمْ بالحرب والقتل والإهانة، وقد رخَّصَ اللهُ ورسولُه وأميرُ المؤمنين في التَّقيَّةِ، وقال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (١) [النحل: ١٠٦] وقال رسولُ الله - ﷺ - لعمارٍ: " إنْ عَادُوا لكَ فَعُدْ لَهُم " (٢) وقد كانُوا أكرهوه على سبِّ الله ﷿، ولذلك قال علي ﵇: فأما السَّبُّ فسُبُّونِي، فإنه لي زكاةٌ، ولكم نجاة. فكيف لا يُحْمَلُ على هذا المحمل الجليِّ الواضحِ منْ صدر عنه شيءٌ مِنْ ذلك إذا كان قبل ذلك معروفَ الإسلام لو صحَّ شيءٌ من ذلك عن أحدٍ من الأعلام، وإنما الذي لا يَحِلُّ بالِإكراه هو البراءة منه التي محلُّها القلب كالبُغضِ والعداوة. وقد خَفِيَ هذا المعنى على الشيخ ابن
_________________
(١) قال الحافظ ابن حجر في " الإصابة " في ترجمة عمار بن ياسر: اتفقوا على أنه نزلت فيه هذه الآية، وانظر " زاد المسير " ٤/ ٤٩٤ - ٤٩٦.
(٢) أخرج ابن سعد في " الطبقات " ٣/ ٢٤٩، الطبري في " جامع البيان " ١٤/ ١٨٢، وأبو نعيم في " الحلية " ١/ ١٤٠ من طريق عبد الكريم الجزري، عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر، فلم يتركوه حتى نال من رسول الله - ﷺ - وذكر آلهتهم بخير. فلما أتى النبي - ﷺ -، قال: ما وراءك؟ قال: شرٌّ يا رسول الله، والله ما تُرِكْتُ حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير، قال: فكيف تجد قلبك؟ قال: مطمئن بالإيمان، قال: " فإن عادوا فعد "، وأخرجه الحاكم ٢/ ٣٥٧ من طريق الجروي، عن أبي عبيدة، عن أبيه محمد بن عمار، وصححه ووافقه الذهبي مع أنَّه مرسل ومحمد بن عمار لم يوثقه غير ابن حبان، وقال الحافظ في " التقريب ": مقبول، يريد: أنه يقبل حديثه في المتابعة، أما إذا انفرد، فهو ضعيف.
[ ٢ / ٦٠ ]
أبي الحديد، فلمِ يجد فرقًا بَيِّنًا بَيْنَ السَّبِّ المباحِ عند الإِكراه وبينَ البراءةِ عند الإِكراه حتى نَسَبَ إِلى المعتزلةِ عدمَ الفرق بينهما. وقد ذكر في شرح كلامه هذا خلقًا كثيرًا مِن صالحي السَّلَفِ بالتحامل على أميرِ المؤمنين، وهذا الفرقُ الذي ذكرتُهُ هو الذي لا يُمْكنُ سواه كالبراءةِ من الله ورسولِه باللسان دون القلب ولأن من سَبَّ، ولم يتبرأ بلسانه يقع في المخوف، وقد أشار إلى هذا أميرُ المؤمنين ﵇ في رواية الحاكم (١) فإنه خرج هذا في تفسير سورة النحل من طريقين، أحدهما: طريق أبي صادق الأزدي عن علي ﵇ وفيها أنَّه ﵇ تلا بعدَ كلامه هذا ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] وقال: صحيح الإسناد (٢).
قلت: وأبو صادق مِن رجال ابن ماجة، وثَّقه يعقوب بن أبي شيبة، وقال ابن سعد. يتكلمون فيه، وقيل: إنَّه لم يلق عليًا ﵇، وذكر الحاكم الطريق الثاني عن الحِمَّاني عن ابن عيينة عن عبد الله بن طاووس، عن أمية، ولم يصححها أحسبه للانقطاع (٣)، فإنه لم يذكره المزي في الرُّواة عن علي ﵇، فإن صح عنه وعن بعضهم ممن يَجبُ حملُه على السلامة فالوجه فيه ما ذكرنا، ولعل الشيخ قد نبه على ذلك بإيراده له في شرح قَوله ﵇: فأما السَّبُّ فَسُبُّوني، وأما البراءة فلا تبرؤوا
_________________
(١) في " المستدرك " ٢/ ٣٥٨، ولفظه قال علي -﵁-: إنكم ستعرضون على سبي فسبوني، فإن عرضت عليكم البراءة مني، فلا تبرؤوا مني، فإني على الإسلام، فليمدد أحدكم عنقه ثكلته أمه، فإنه لا دنيا له ولا آخرة بعد الإسلام، ثم تلا ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾.
(٢) ووافقه الذهبي على تصحيحه.
(٣) قال الذهبي في " المختصر " ٣/ ٣٥٨ يحيى بن عبد الحميد الحماني ضعيف سمعه منه عبيد منقذ البزار ولا أدري من هو.
[ ٢ / ٦١ ]
ويلحق بذلك فائدة تعلق بتمام الذب عن أبي هريرة - ﵁ - وذلك أن بعض من يتهمه في الحديث احتج على تهمته أن هذا يدل على أنه يتعمد الكذب أو يتهم بذلك والجواب من وجوه
مني، ولم يُظهر الشيخُ حملَهم على ذلك تقيةً من ابنِ العلقمي (١) والله أعلم.
ويلحق بذلك فائدة: تَعَلَّقٌ بتمام الذبِّ عن أبي هُريرة ﵁، وذلك أن بعضُ مَنْ يَتَّهِمُه في الحديث احتج على تهمته بما روي في الصحاح (٢) عنه أنَّه كان يُفتي بفطرِ من أصبح جنبًا في رمضان قبل أن يغتسِل، ويروي ذلك عن النبي - ﷺ -، ولما بلغه عن عائشة وأم سلمة خلافُ ذلك قال: إنَّه لم يسمعه مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ - وإنما أخبره بذلك الفضلُ بنُ عباس
_________________
(١) هو محمد بن محمد بن علي أبو طالب مؤيّد الدين الأسدي البغدادي، المعروف بابن العلقمي، وزير المستعصم العباسي، وصاحب الجريمة النكراء في ممالأة هولاكو على غزو بغداد في رواية أكثر المؤرخين. مات غمًا في قلة بعد ثلاثة أشهر من كائنة بغداد. مترجم في " سير أعلام النبلاء " ٢٣/ ٣٦١ رقم الترجمة (٢٦١).
(٢) أخرجه من قوله: وفتواه - مالك في " الموطأ " ١/ ٢٩٠ - ٢٩١، والبخاري (١٩٢٥) و(١٩٢٦)، ومسلم (١١٠٩)، وفيه قصة في رجوعه عن ذلك لما بلغه حديث أم سلمة، وعائشة، وأنه لم يسمع ذلك من النبي - ﷺ -، وأخرجه أحمد ٢/ ٣١٤ من طريق معمر، عن همام عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ " إذا نودي للصلاة صلاة الصبح، وأحدكم جنب فلا يصم يومئذ " وإسناده صحيح، وأخرجه عبد الرزاق (٧٣٩٦) من طريق معمر، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله - ﷺ -: " من أدركه الصبح جنبًا فلا صوم له " إسناده صحيح، وأخرجه عبد الرزاق (٧٣٩٩) وعنه أحمد (٧٨٢٦) من طريق ابن جريج، أخبرني عمرو بن دينار، عن يحيى بن جعدة، عن عبد الله بن عمرو بن عبد القاري أنَّه سمع أبا هريرة يقول: ورب هذا البيت ما أنا قلت: " ومن أدركه الصبح جنبًا فليفطر " ولكن محمدًا - ﷺ - قاله، وهو في "المسند" (٧٣٨٢) و(٧٨٢٦) والنسائي في " الكبرى " ورقه ٤٣/ ٢، وابن ماجة (١٧٠٢) من طريق سفيان الثوري، عن عمرو ابن دينار، عن يحيى بن جعدة، عن عبد الله بن عمرو القاري به، وصححه البوصيري في " الزوائد " ورقة ١٢٨، وأخرج النسائي في " الكبرى " ورقة ١٤/ ١ من طريق عكرمة بن خالد، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، قال: بلغ مروان أن أبا هريرة يحدث عن رسول الله - ﷺ - أنَّه " من أدركه الصبح وهو جنب فلا يصومن يومئذ " وإسناده صحيح، وللنسائي ورقة ٤٣/ ٢ من طريق يحيى بن عمير، قال: سمعت المقبري يقول: " كان أبو هريرة يفتي الناس أنَّه من أصبح جنبًا، فلا يصم ذلك اليوم، فبعثت إليه عائشة: لا تحدث عن رسول الله - ﷺ - بمثل هذا.
[ ٢ / ٦٢ ]
الوجه الأول: أنه لو صح التشكيك في صدق مثل أبي هريرة - ﵁ -
الوجه الثاني: أنه قد ثبت في هذا الحديث من الاختلاف والاضطراب شيء كثير
وهما أعلم، وفي رواية وهو أعلم، ورجع عن ذلك.
وفي رواية غيرِ صحيحة أخبره بذلك أسامة بن زيد، وفي رواية أخبره بذلك مخبر غيرُ مسمى، وقد تعاطى بعضُ مَنْ يُلْتَفَتُ إليه أن هذا يَدُلُّ على أنه يتعمَّدُ الكذبَ، أو يُتَّهَمُ بذلك، والجواب من وجوه:
الوجه الأول: أنَّه لو صح التشكيكُ في صدق مثلِ أبي هُريرة الذي هو أحدُ كبارِ الصحابة وحُفَّاظهم وعيونهم، ومن المشهورين في عصرهِم بالرِّواية والفتوى، وقد ثبت الثناءُ عليهم كتابًا وسنة وخبرةً وعمومًا وخصوصًا وظواهر ونصوصًا، وقد مرَّ طرفٌ من ذلك في أوَّلِ هذا الكتابِ فلو صحَّ التشكيكُ في صدقه، وصدقِ أمثالِه من الصدرِ الأول الذين على نقلِهِمْ وأمانتهم المُعَوَّلُ، لكان الشَّكُّ في القادحينَ فيهم، المتأخرينَ عنهم رتبةً وزمانًا وأمانةً وإيمانًا أولى وأحرى، وأقرب وأقوى، وحينئذ تبطُل هذه الواقعة وأمثالُها بما يقدح به عليه وعلى أمثالِه، لأن صِحةَ ذلك فرعٌ على صِدْقِ رواةٍ كثيرٍ متأخرين من الذين الكذبُ فيهم فاشٍ دونَ الصحابةِ وتابعيهم بشهادة الأحاديثِ المتلقاةِ بالقبولِ في تزكية رسول الله - ﷺ - لأهل عصره، والذين يلونهم، ثم يفشو الكَذِبُ منْ بَعْدُ، فكيف يُصَحَّحُ في القدحِ في أبي هُريرة حديثٌ يدور على رواة أوثَقُهُم دُونَ أبي هريرة في الشُّهرة بالإيمان والإِمامة والإِسلام والدِّيانة، وهذا دأبُ المبتدعةِ ينقلُونَ القدح في الأخبار ورواتها عمن لا يُوثَقُ به، ويقدحونَ في الآحاد الصِّحَاح بالآحادِ البواطِلِ، كناقش الشوكة بالشَّوكَةِ، وكيف يقومُ الظِّلُ والعُودُ أعْوَجُ؟
الوجه الثاني: أنَّه قد ثبت في هذا الحديثِ من الاختلاف والاضطراب شيءٌ كثيرٌ جدًّا منه في الإِسناد، ومنه في المتن، فمنهم من
[ ٢ / ٦٣ ]
يقول فيه: عن عائشة، وأمِّ سلمة معًا، ومنهم من يقول: عن عائشة وحدَها، ومنهم: عن أُمِّ سلمة وحدَها، ومنهم عن عائشة وحفصة معًا، ومنهم عن حفصة وحدَها، ومنهم عن أبي بكر بن عبد الرحمان، عن أبيه، عن عائشة، ومنهم عن أبي بكر، عن عائشة، ومنهم عنه، عن أمِّ سلمة، ومنهم عنه عن أبيه عن أم سلمة، ومنهم عنه عن أبيه عن جده عنها، ذكره المزي في أطرافه في تراجمهم عن عائشة، عن أم سلمة، وذكر في ترجمة عبد الملك عن أم سلمة (١) أن فيه اختلافًا كثيرًا على عراك. وأكثر ذلك أو كلُّه مبين في " سنن النسائي الكبرى " لا في الصغرى المسماة " بالمجتبى " فهذا اختلافهم واضطرابُهم في الإسناد.
وأما في المتنِ، فمنهم مَنْ ذكر قِصَّةَ أبي هُريرة، ومنهم من لم يذكرها.
ومنهم من جعل سببَ القِصَّة بلوغَ فتوى أبي هريرة إلى مروانَ، وحينئذ أرسل مروانُ عبدَ الرحمان إلى عائشة.
ومنهم من جعل السببَ بلوغَ الفتوى إلى عبد الرحمان، وأنه حينئذ سأل عائشة وأم سلمة من غير علم مِن مروان، ثم أخبر مروان.
ومنهم من قال: إنهم لقُوا أبا هريرة عند بابِ المسجد، فأخبروه بقولِ عائشةَ وأمِّ سلمةَ مِن غير قصدٍ.
ومنهم من قال: إنَّهم قصدوه لِيخبروه، وساروا بأمرِ مروانَ إلى
_________________
(١) " تحفة الأشراف في معرفة الأطراف " ١٣/ ٢٣، وانظر أيضًا ١١/ ٤٣٠ حديث (١٦١٧١) و٤٧٤ حديث (١٦٢٩٩) و١٢/ ٣١٤ حديث (١٧٦٢٢) و٣٤٠ حديث (١٧٦٩٦).
[ ٢ / ٦٤ ]
أرضِ أبي هُريرة إلى العقيق.
ومنهم من قال: إن عبدَ الرحمان كره ما أمر به مروان مِن إخبار أبي هريرة بذلك وكَرِهَ قصدَه لِذلك، ولم يمتثل أمرَ مروان في ذلك، وقال: ثم قُدِّرَ لنا أن نجتمع بِذِي الحُلَيْفَةِ، وكانت لأبي هريرة هناك أرضٌ، فأخبره عبد الرحمان بذلك.
ومنهم من قال عن أبي هُريرة: أنَّه قال: هما أعلمُ، يعني: عائشةَ وأمَّ سلمة، ورجع إلى قولهما.
ومنهم من قال عنه: إنَّه قال: هو أعلم، يعني: الفضل، وبقي على قوله، ونحو هذا من الاختلاف الشديد.
ومن جملة ما وقع في هذا الحديث من اختلافِ رواته اختلافُهُم في من أسند أبو هريرة الحديثَ الذي احتج به في فتواه إليه، فأما من يعرف الرجالَ والجرحَ والتعديل، ومقادير المختلفين في الحفظ، ويميزُ الروايةَ الشاذَّةَ مِن المشهورة، فإنه يُمْكِنُهُم تصحيحُ البعض من ذلك، وطرحُ البعض، والوقفُ في البعض، والحكمُ بالاضطراب في المستوى دونَ غيره.
وأما جَهَلُةُ هذا الشأن، فإنه يلْزَمُهُمُ الحُكْمُ ببُطلانه، وكذلك العارفُ الذي صحَّ عنه فيه شرطُ الاضطراب، وهو استواءُ المختلفين أو تقاربُهم في الحفظ والعدالة، وإليه أشار النسائي حيث لم يُخرجه في " المجتبى " وقد ذكر ابن الأثير في ترجمة النسائي من مقدمات " جامع الأصول " أنَّه اقتصر في " المجتبى " على الصحيح من " سننه الكبرى " (١)، وما ترك منها إلا
_________________
(١) هذا وهم فاحش وقع لابن الأثير، تابعه المؤلف عليه دون تمحيص، ورتب عليه نتائج غير صحيحة، وقد بينت بطلان هذا الوهم فيما علقته على " تهذيب الكمال " ١/ ٣٢٨، فراجعه.
[ ٢ / ٦٥ ]
الوجه الثالث: أن أبا هريرة إنما روى الحديث الذي احتج به
المُعَلَّ، فيكون هذا الحديثُ عنده من المُعَلِّ الذي لم يَصِحَّ لهذه العِلة، وهي شِدَةُ الاختلاف في سنده ومتنه.
فالعجَبُ ممن لا يعرِفُ الرِّجال، ولا هذا الشأنَ؛ كيف صَحَّحَ هذا الحديثَ تحكمًا من غير معرفة، ونسب الاختلافَ إلى أبي هُريرة في إسنادِ الحديث إلى الفضلِ بن العباس، أو إلى أسامة بنِ زيد، ونسب سائرَ الاختلاف الذي في هذا الحديثِ إلى غير أبي هُريرة من الرُّواة، وأبو هريرة أعقلُ من أن يقولَ ذلك على كل تقدير؟! فإن الصادق يَثْبُتُ على صدقه، والكاذب يخاف التُّهمة من إكذابه لنفسه بتناقضِ رواياته، ولو كان هو المُتَلوِّنَ في ذلك، لذكره مروانُ، وعابه عليه، فقد كان مروانُ شديدَ الحرص على تقريع أبي هُريرة في ذلك، كما هو بَيِّنٌ في متن الحديث، فإنه اقسم على عبد الرحمان: لَيُقَرِّعَنَّ أبا هريرة بذلك (١).
الوجه الثالث: أن أبا هريرة إِنما روى الحديثَ الذي احتجَّ بهِ في الابتداء مرسلًا، ثم بينَ الواسطة بعدُ، وبَيَّنَ أنَّه الفضل بن العباس، لأن عادةَ كثيرٍ من أهل العلمِ خصوصًا أهلَ ذلك العصر هي الإرسالُ حتى يَعْرِضَ سَبَبٌ يُوجِبُ الإسنادَ.
فمن ذلك أن يكون الراوي غيرَ شاكٍّ في صِحة ما عنده، لأنَّه لا يَعْرِفُ معارِضًَا، فحين يَعْرِفُ ما يُعَارِضُ روايتَه يقوى الدَّاعي إلى بيان مستنَدِه، وكذلك فعل الحَبْرُ عَبْد الله بنُ العباس ﵄ حين كان يُفتي أنَّه " لا رِبَا إلا في النَّسِيئَةٍ "، فلما أُخْبِرَ بتحريم الربا في الصَّرْفِ، قال: أخبرني بذلك أسامة بن زيد (٢).
_________________
(١) كما في رواية البخاري (١٩٢٦).
(٢) الحديث في " صحيح مسلم " (١٥٩٦) في المساقاة: باب بيع الطعام مثلًا بمثل، وانظر " شرح السنة " ٨/ ٦٠ - ٦١.
[ ٢ / ٦٦ ]
ثم رجع إلى ما صحَّ لهُ عن غير أُسامة ممن روايتُه أخصُّ وأنصُّ في المعنى، أو متأخرةٌ في التاريخ، فقد يكونُ الرجوعُ على جهة اعتقادِ التخصيص، والبيانِ للمجملات، وقد يكون على جهة النسخ للمنصوصات، وليس يستلزِمُ كذب الراوي الأولِ على كُلِّ تقدير، روى قصة ابنِ عباس في ذلك -كما ذكرت- أحمدُ بن حنبل في مسند أسامة (١)، والنسائي في كتاب البيوع من " سننه " (٢)، وابن ماجة في التجارات (٣).
رواه أحمد من طريق يحيى بن قيس، عن عطاء، عن ابن عباس، ورواه النسائي، وابن ماجه من طريق أخرى، ويحيى صدوق، وبقيتهم رجالُ الجماعة.
واختلفت الروايةُ عنه كأبي هريرة، فقيل: عنه كما تقدم، وقيل:
عنه: إنَّه قال: إِنما كان ذلك رأيًا مني. رواه ابن ماجة، والصحيح الأول كما أن الصحيح في حديث أبي هريرة أن المخبر له بالحديثِ الفضلُ بنُ العباس كما يأتي، فلم يقُلْ أحدٌ من العقلاء: إنَّ ذلك الاختلافَ في حديث ابنِ عباس منسوبٌ إليه دونَ الرُّواة عنه، وإنَّه يُوجبُ تُهْمَتَه مع أن حديثَ ابنِ عباس موضع تُهمةٍ، لأنَّه في رخصة كبيرة، وحديثُ أبي هريرة أبعدُ من التهمة، لأنَّه في الاحتياط في حُرمةِ رمضان، ومصادمة أمراء الجَوْرِ بما يكرهون، فإن مروان قد كان اشتدَّ تَكَبُّرُهُ عليه، فلم يلتفت إليه حتَّى وضح له الحقُّ، وكفي بهذا دليلًا على ورعه وتقواه، ومخالفته لهواه في الابتداء والانتهاء، وقد خرج الحاكم في الفتن عن مالك بن ظالم أنَّه سمع أبا هريرة
_________________
(١) ٥/ ٢٠٠ و٢٠٤ و٢٠٦.
(٢) ٧/ ٣٨١ في البيوع: باب بيع الفضة بالذهب، وبيع الذهب بالفضة.
(٣) رقم (٢٢٥٧): باب من قال: لا ربا إلا في النسيئة، وانظر " تحفة الأشراف " ١/ ٤٦ - ٤٧.
[ ٢ / ٦٧ ]
يقول لمروان بن الحكم: أخبرني حِبِّي أبو القاسم الصَّادِقُ المصدوقُ - ﷺ -: " أن فَسَادَ أُمَّتِي عَلَى يَدَيْ غِلْمَةٍ سُفَهَاءَ مِنْ قُرَيْشٍ " (١).
وقال الحاكم على تشيعه: إنَّه حديثٌ صحيحٌ الإسناد، وخرجه أحمد في " المسند " بنحوه من طريق أبي زرعة، والضحاك بن قيس، كلاهما عن أبي هريرة من غير طريق الحاكم، فثبث ذلك بلا ريبٍ، وهذا أرفعُ مراتب التقوى أن يَصْدَعَ مروانَ بالحقِّ، ولا تَأْخُذَهُ في اللهِ لومةُ لائم، وفي الحديث " أفْضَل الجِهَادِ كلِمَةُ حَقِّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ " (٢).
قال العلماء: لأنَّه لا يقدر يدفع عن نفسه كما يدافع المجاهدون، وهذا الحديث الثالث عشر بعدَ المئة من جامع ابن الجوزي، وفيه أن مروان سأله أن يحدثه عن رسول الله - ﷺ -، فقال: سمعتُه - ﷺ - يقول: " ليتمنَّينَّ أقوام وَلُوا هذا الأمْرَ أنهم خرُّوا مِن الثُّريا، وإنهم لم يلو شيئًا " (٣).
_________________
(١) هو في " المستدرك " ٤/ ٤٧٠، وصححه ووافقه الذهبي، وهو في " المسند "٢/ ٢٨٨ و٢٩٩ و٣٠٤ و٣٢٨ و٣٤٨، و" مسند الطيالسي " (٢٥٠٨) من طريقين عن سماك بن حرب بهذا الإسناد، وصححه ابن حبان. وأخرج البخاري في " صحيحه " (٧٠٥٨) في الفتن: باب هلاك أمتي على يدي أغيلمة سفهاء من طريق موسى بن إسماعيل، حدثنا عمرو بن يحيى بن سعيد بن عمرو بن سعيد، قال: أخبرني جدي (سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص) قال: كنت جالسًا مع أبي هريرة في مسجد النبي بالمدينة ومعنا مروان، قال أبو هريرة: سمعت الصادق المصدوق يقول: " هلكة أمتي على يدي غلمة من قريش "، فقال مروان: لعنة الله عليهم غلمة، فقال أبو هريرة: لو شئت أن أقول بني فلان، بني فلان، لفعلت. فكنت أخرج مع جدي إلى بني مروان حين ملكوا بالشام، فإذا رآهم غلمانًا أحداثًا، قال: عسى هؤلاء أن يكونوا منهم، قلنا: أنت أعلم. وهو في " المسند " ٢/ ٣٢٤.
(٢) أخرجه من حديث أبي أمامة، أحمدُ ٥/ ٢٥١ و٢٥٦، وابن ماجة (٤٠١١) وإسناده حسن، وله شاهد من حديث طارق بن شهاب عند أحمد ٤/ ٣١٤ و٣١٥، والنسائي ٧/ ١٦١، وإسناده صحيح، وصححه النووي والمنذري.
(٣) هو في " المسند " ٢/ ٣٧٢ من طريق أسود بن عامر، عن أبي بكر، عن عاصم، =
[ ٢ / ٦٨ ]
وفي البخاري ومسلم قال أبو زرعة: دخلتُ مع أبي هريرة في دارِ مروانَ، فرأى فيها تصاويرَ، فقال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: " قَالَ اللهُ تَعالى: وَمَنْ أظْلَمُ مِمَّنْ ذَهبَ يَخْلُقُ خَلْقًا كَخَلْقِي، فلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً أوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً، أو لْيخْلُقُوا شَعِيرَةً " زاد البخاري: ثُمَّ دَعَا بِثَوْرٍ مِنْ مَاءٍ فَغَسَلَهُ (١).
وخرج الحاكم (٢) قبلَ هذا عن معاوية بن صالح (٣)، عن صفوان بنِ عمروٍ أنَّه سَمِعَ أبا مريم مولى أبي هُريْرَةَ يقول: مَرَّ أبو هريرة بمروانَ وهو يبني دارَه، فقال للعُمَّال: ابنُوا شديدًا، وأمِّلُوا بعيدًا، وموتوا قريبًا، فقال مروان: ماذا تقول لهم يا أبا هريرة؟ فقال: قلت: ابنوا شديدًا، وأمِّلُوا بعيدًا، وموتوا قريبًا يا معشر قريش -ثَلاثَ مرات- كيْفَ. كُنْتُم أمْس، وكيف أصبحتُم اليوم تُخدَمُونَ، أرِقَّاؤُكم الْيَوْمَ فَارِسٌ والرُّوم، كُلُوا الخُبْزَ السَّمِيذ، واللَّحْم السَّمِينَ، لا يأكُلْ بعضُكُم بعضًا، ولا تَكَادَمُوا (٤) تَكَادُمَ البَراذين، وكونُوا اليومَ صِغَارًا، تكونوا غدًا كبارًا، واللهِ لا يَرْتَفِعُ منكم رجلٌ درجةٌ إلا وَضَعَهُ الله يومَ القيامة.
_________________
(١) = عن رجل من بني غاضرة، عن أبي هريرة، و٥٢٠ من طريق عبد الصمد، عن حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن يزيد بن شريك، عن الضحاك بن قيس، عن أبي هريرة و٥٣٦ من طريقين، عن شيبان، عن عاصم، عن يزيد بن شريك، عن أبي هريرة.
(٢) لفظ البخاري (٥٩٥٣): ثم دعا بتور من ماء فغسل يديه حتى بلغ إبطه، فقلت: يا أبا هريرة أشيء سمعته من رسول الله - ﷺ -؟ قال: منتهي الحلية. قال الحافظ ابن حجر: وليس بين ما دل عليه الخبر من الزجر عن التصوير وبين ما ذكر من وضوء أبي هريرة مناسبة، وأنما أخبر أبو زرعة بما شاهد وسمع من ذلك. والحديث في صحيح مسلم (٢١١١) في اللباس والزينة.
(٣) في " المستدرك " ٤/ ٤٦٣. من طريق ابن وهب، عن معاوبة بن صالح به.
(٤) في (أ) و(ب) المقدم، وفي (ش) المقدام، وهو تحريف.
(٥) يقال: تكادم الفرسان: إذا كَدَمَ أحدُهما صاحبه، والكَدْمُ: هو العضُّ بأدنى الفم. والبراذين: جمع برذون، وهي من الخيل ما ليس بعربي.
[ ٢ / ٦٩ ]
الوجه الرابع: أن الاختلاف في ذلك إنما هو على أبي بكر بن عبد الرحمن
فهذان وأمثالهُما مِن رواية ثقات الشيعة، وما تقدَّم من رواية ثقات أهلِ الحديث يدل على اتفاق ثقاتِ النَّقَلَة من الفريقين على نقل ما يَدُلُّ على ثقة أبي هُريرة، وجلالتِه، فقد صحَّ بالنَّقْلِ والعقْلِ أن كلمةَ الحقِّ عند سلاطين الجَوْرِ أفضلُ الجهاد، فاعْرِفْ ذلك.
الوجه الرابع: أن الاختلافَ في ذلك إنما هو على أبي بكر بن عبد الرحمان شيخِ سُميٍّ والزُّهريِّ في الحديث كما يَعْرِفُ ذلك أهلُ هذا الشأنِ، لا على أبي هُريرة، وقد غَلِطَ مَنْ نسبه إليه غلطًا فاحشًا، وذلك مِن عَدَمِ البصرِ بعلم الأثرِ، وَمَنْ عَرَفَ صنعتَهم في جَمْعِ الطُّرُقِ لأجل معرفة مَنْ وقع منه الاختلافُ مِن الرُّواة، لم يَشُكَّ في ذلك، كما بيَّنه النسائيُّ في " سننه الكبرى " في هذا الحديثِ بخصوصه، وفي " سننه الصغرى " في غالب الأحاديث المختَلفِ فيها.
بيان ذلك أنَّ مدارَ الحديث على عبدِ الرحمان بن الحارث بن هشام ابن المغيرة المخزومي وعلى ولده أبي بكر، والرواية الصحيحة المشهورة فيه أن أبا هريرة أحالَ بذلك على الفضل بنِ العباس كذلك رواه البخاري في كتاب الصوم عن سُمَيٍّ والزهري معًا عن أبي بكر بن عبد الرحمان، وكذلك رواه مسلم فيه أيضًا عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمان أنه الفضل فهؤلاء ثلاثة نبلاء ثقاتٌ اتفق الجماعةُ على الاحتجاج بهم، قالُوا: كُلُّهُمْ عن أبي بكر أنَّه قال: إِنه الفضلُ، وُيقوي ذلك أنَّ النسائي روى ذلك مِن طريق أخرى ليس فيها اختلافٌ ولا اضطرابٌ، وهي طريقُ محمد بن عمرو، عن يحيى بنِ عبد الرحمان بن حاطب، وهو ثقةٌ رفيعُ القدر، وهذه غيرُ طريق أبي بكر ووالده عبدِ الرحمان، فصارت أربعَ طرقٍ مجتمعةً متعاضدةً على أن الواسِطَةَ الفضلُ بن العباس، وأما أسامةُ بن زيد، فلم يذكره أحدٌ قط إلا عمرُ بنُ أبي بكر بن عبد الرحمان، عن أبيه أبي بكر
[ ٢ / ٧٠ ]
الذي صح عن ثلاثة عنه أنَّه الفضلُ، وبهذا يُعرف وهمُه، فافهم ذلك، وعمر هذا لا يُوازِنُ واحدًا من الثلاثة الذين خالفوه عن أبيه، منهم أخوه عبدُ الملك، وكفى به وحدَه معارضًا له راجحًا عليه، فإنه متفق على الاحتجاج به في جميع دواوين الإسلام الستة المشهورة مثل صاحبيه الموافقين له في ذلك عن أبيه أبي بكر بن عبد الرحمان مع شهادة رواية النسائي من الطريق الرابعة عن أبي هريرة، وعُمَرُ هذا ما خرج له أحدٌ من أهل الصحيح، بل ولا مِن أهل السُّنن إلا النسائي وحدَه، وإنما خَرَّجَ له، لأنَّه قصد الاستقصاء لجميعِ طُرُقِ هذا الحديث، فجمع منها ما لم يجمعه سواه، كما أوضحه المِزِّي في " أطرافه " (١) حتى رواه عن تسعةٍ وعشرين راويًا، ومنهم مَنْ له فيه طريقانِ، ومنهم من له فيه أكثرُ من ذلِكَ من الطرق، فجاء ذكرُ أسامة في طريق واحدةٍ من هذه الطرق الخمسة، ولم يذكره إلا النَّسائي، فجاء من لا يَعْرِفُ الحديثَ، وكيفية الترجيحِ، والطريق إليه، فظنَّ أن ذِكْرَ أُسامة في الحديث مثل ذكر الفضل سواء، وليس كذلك، فإن ذكر أُسامة في غايةِ الشُّذُوذِ، وذلك مثلُ ما جاء في طرق النسائي هذه أن الحديث عن حفصة وحدَها، أو أنَّه عنها وعن عائشة دُونَ أمِّ سلمة، وهذا شذوذٌ مردود، وإنما الحديثُ عن عائشة وأم سلمة، لم تُذْكرْ حفصةُ إلا في طريق واحدة من هذه الطرق التي استقصاها، وتفرَّد بها النسائي، ولعل سَبَبَ الوَهْمِ في ذكر أسامة مع شذوذه أن الواهِمَ فيه انتقل ذِهنُه إلى قصة ابن عباس في فتواه أنه: " لا ربا إلا في النسيئة "، وأنه لما أُخْبِرَ في ذلك بالنص المخالف لفتواه، وأحال في فتواه إلى أسامة بن زيد، لأنَّ بَيْنَ القِصتين مشابهةً والله أعلم.
_________________
(١) في الجزء ١١/ ٤٧٤ - ٤٧٦ رقم الحديث (١٦٢٩٩).
[ ٢ / ٧١ ]
وأما مَنْ روى عن أبي بكر بنِ عبدِ الرحمان أن أبا هُريرة قال: أخبرنيه مخبرٌ، فليس يُناقِضُ أن ذلك المخبر هو الفضلُ، وإنما كان هذا الإجمالُ اختصارًا من مالك، لأن الإختلاف في هذه اللفظة إنما جاء عن مالك عن سُمَيٍّ، والدليلُ على أنَّه اختصار من مالك أن البخاري رواه عن عبدِ اللهِ بن مسلمة القعنبي، عن مالك، عن سُمَيٍّ يذكرُ الفضلَ باسمه، فدلَّ عَلى أن سُميًّا رواه كذلك، وأنَّ مالكًا في " الموطأ " أحبَّ الإجمال فيه، أو عَرَضَ له نسيان بعدَ الحفظ أنَّه سمع برواية عمر بن أبي بكر التي فيها ذكر أسامة، فأحبَّ الاحتياطَ بترك تسمية الواسِطَةِ، وبكل حالٍ فالإِجمال لا يُناقِضُ التعيينَ والنسيانَ، واختلافُ الأخبار في التسمية وتركُها جائزٌ على العلماء والثقات.
وفي الحديث ما يدُلُّ على إجلال أبي بكر بن عبد الرحمان لأبي هريرة، وكراهيةِ مواجهته بذلك، وعدم المسارعة إلى ما أمره به مروان في ذلك، ولو كان أبو هريرة عندَهم كاذبًا متعمدًا، لاستحقَّ الإهانةَ العظمى، بل القتل عند بعضِ أهلِ العلم، فقد كَفَّرَ بعضُ العلماء مُتَعَمِّدَ الكذبِ في الدين والتغيير للشريعة، وإن لم يكن مستحلًاّ لذلك، ومن حجته قولُه تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٣٢] وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١٠٥] خرج من ذلك الكذبُ على غير الله ورسوله.
وقوله ﵇: " إنَّ كذِبًَا عليَّ لَيْسَ ككَذِبٍ على غيري، إنَّه مَنْ كذبَ عليَّ ولَجَ النَّارَ " (١)، وبقي الكاذبُ على اللهِ ورسوله لم يَخْرُجْ بحُجَّةٍ
_________________
(١) في (ج): ولج في النار، ولفظ الحديثِ في البخاري (١٠٦) من حديث علي =
[ ٢ / ٧٢ ]
واضحةٍ، وممن قال بذلك إمامُ الحرمين أبو المعالي الجويني والأمير الحسين.
ثم إنَّ الوجه في حديث أبي هُريرة عنِ الفضل أن ذلك كان كذلك في ابتداء فرضِ رمضان، ثم نُسِخَ، ولم يَشْعُرِ الفضلُ، ولا أبو هريرة بالنَّسْخِ حتى بلغ إلى أبي هُريرة. ذكر ذلك ابنُ المنذِرِ مبسوطًا، ثم الحافظُ ابنُ حَجَر في كتابه " التلخيص الحبير " (١) قالا: لأنَّ الصومَ كان واجبًا مِن بعدِ العشاء الآخرة من الجماعِ والطعامِ والشرابِ، حتَّى شقَّ ذلك على المسلمين، ووقع منهم مَنْ وَقَع في الحرام، ونزل في ذلك قولُه تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ كما هو مبسوطٌ في كتب الحديثِ والتفسير، فنُسِخَ ذلك وتوابعُه، ولم يعلم أبو هريوة وغيرُه بالنسخ في حُكْم الجنابَةِ، كما لم يَعْلم به الفضلُ بنُ العباس، وَمَن تمسك بحديثه من علماءِ الإسلام، وكُبراء التابعين. فقد ذكر ابنُ عبد البَرِّ في " تمهيده " الذي هُو أحدُ كتب الإِسلام بقاءَ الخلاف في ذلك، ورواه عن إبراهيمَ النَّخَعي، وعُروةَ بن الزبير، وطاووسٍ اليماني، والحسنِ البصري، وسالمِ بن عبد الله بن عُمَرَ بنِ الخطاب، والحسنِ بنِ حَيٍّ. لكن إبراهيمُ النخعيُّ، وعُروَةُ، وطاووس شرطُوا في بُطلان الصومِ أن يَعْلَم بجنابته من الليل، فلا يغتسل حتى يُصْبحَ، ثُمَّ هو مفطر، وسالم، والحسنُ البصريُّ، والحسنُ بنُ حَيٍّ، قالوا: إذا أصبح جُنبًا أتمَّ صومه، ثم قضاه.
_________________
(١) = ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: " لا تكذبوا علي فإنه من كذب علي يلج النار " وعند مسلم (١) " يكذب " بدل " كذب " وللترمذي (٢٢٦٠) " لا تكذبوا علي فإنه من كذب علي يلج في النار ". وأخرجه البخاري (١٢٩١) ومسلم (٤) من حديث المغيرة بن شعبة بلفظ " إن كذبًا علي ليس ككذب على أحد، فمن كذب علي متعمدًا، فليتبوأ مقعده من النار ".
(٢) ٢/ ٢٠٢، وانظر " شرح الموطأ " ٢/ ١٦٢ للزرقاني.
[ ٢ / ٧٣ ]
وذهب عبدُ الملك بن الماجَشون مِن أصحاب مالك إلى هذا المذهب في الحائض أيضًا.
وكأنَّ هؤلاء لم يبلُغْهم الحديث، أو بلَغَهم، ولم يَصِحَّ لهم، أو صحَّ لهم، فاعْتَقَدوا فيه أنَّه في غيرِ رمضانَ جمعًا بينَه وبينَ حديثِ الفَضْل، فقد قال أبو داود في " سننه ": إنما الحديثُ أنَّه كان يُصبح جُنُبًا ثم يصوم، وقال: ما أقلَّ مَنْ يقولُ في الحديث: إنَّه كان يصبح جُنُبًا في رمضان (١).
قلت: اختُلِفَ في ذكر رمضانَ في الحديث على مالكٍ، فروى عنه الأذْرَميُّ ذكرَ رمضانَ في الحديث، ولم يروه الأكثرون وربما تقوَّوا على الجمع بينَ الحديثين بما عُلِمَ من قيام رسول الله - ﷺ - لِرَمَضَانَ، وحثِّه عليه، لكن جمعهم بذلك بينَ الحديثينِ مردودٌ بأنَّ فِعْلَ ذلك في رمضان كان هو السَّبَبَ في سؤالِ عبد الرحمانِ بن الحارث لعائشة، وأمِّ سلمة، فلا يجوزُ خروجُه عن عموم الجواب، لأن العمومَ نص في سننه كما ذلك مبينٌ في الأصول، وإِلَّا لكان الجوابُ أجنبيًّا عن السؤال.
وقد دل على ذلك كتابُ الله تعالى لمن تأمل لِقوله تعالى: ﴿فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ فأباح الجميعَ مِن الجماع والأكلِ والشُّربِ حتى يتبيَّن الفجر، وإذا أبيح الجماعُ حتَّى يتبينَ الفجرُ، فمعلومٌ
_________________
(١) ذكره عقب الحديث (٢٣٨٨) ونصه: قال عبد الله الأذرمي (وهو شيخ أبي داود في هذا الحديث) في حديثه: في رمضان من جماع غير احتلام، ثم يصوم. قال أبو داود: وما أقل من يقول هذه الكلمة يعني يصبح جنبًا في رمضان، وإنما الحديث أن النبي - ﷺ - كان يصبح جنبًا وهو صائم.
[ ٢ / ٧٤ ]
أن الغُسل لا يكونُ إلاَّ بعدَه، ولكن هذا على القولِ برجوع القيدِ ونحوه بعدَ الجُمَلِ الكثيرةِ إلى جميعها، وهو اختيارُ الشافعية (١)، وأما على قول الحنفية: إن القيدَ ونحوَه يرجعُ إلى الجملة الأخيرة فقط حتى يَدُلَّ دليلٌ على غيرِ ذلك، فيكون قولُه: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ﴾ راجعًا (٢) إلى الأكل والشُّربِ فقط لولا حديثُ عائشة، وأُمِّ سلمة.
وأما تقويهم (٣) بما عُلِمَ مِنْ قيام رسولِ الله - ﷺ - في رمضان، وحثِّه على ذلك، فلم يكن معناه قيامَ الليل كُلِّه، إنما معناه القيامُ فيه، وقد روى النسائيُّ، وابنُ ماجة ثلاثَ طرق، كُلُّها عن سعيدِ بن أبي عَروبة، عن قَتادة، عن زُرارة بن أوْفى، عن سَعْدِ بن هشام، عن عائشةَ أنها قالت: ما قامَ رسولُ الله - ﷺ - ليلةً حتى الصَّباحِ، ولا قرأ القُرآنَ كُلَّه في ليلةٍ (٤). وكُلُّ هؤلاء الرُّواة رجالُ الجماعة كلهم.
وفي " الصحيحين " (٥) عن أبي سلمة أنَّه سأل عائشة كيف كانت صلاةُ رسولِ الله - ﷺ - في رمضان؟ قالت: ما كان رسولُ الله - ﷺ - يزيدُ في رمضانَ
_________________
(١) انظر تفصيل المسألة في " المستصفي " ٢/ ١٧٤ - ١٨٠، و" نهاية السول " ٢/ ٤٣٠ - ٤٣٧، و" تيسير التحرير " ١/ ٣٠٢ - ٣٠٨، و" التقرير والتحبير " ١/ ٢٦٩ و٢٧٤، و" التبصرة " ص ١٧٢ - ١٧٦.
(٢) في (أ) و(ب) و(ش): راجع، والجادة ما أثبت.
(٣) في (ج): تقويم، وهو تحريف.
(٤) أخرجه النسائي ٤/ ١٩٩ في الصوم: باب صوم النبي، وابن ماجة (١٣٤٨) من طريقين عن سعيد بن أبي عروبة بهذا الإسناد، وأخرجه مطولًا مسلم (٧٤٦)، وأبو داود (١٣٤٢)، والنسائي ٣/ ١٩٩ في أول قيام الليل من طرق عن قتادة عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام عن عائشة. وانظر " تحفة الأشراف " ١١/ ٤٠٦ رقم الحديث (١٦١٠٤) و٤٠٨ رقم الحديث (١٦١٠٨).
(٥) البخاري (١١٤٧) و(٢٠١٣) و(٣٥٦٩)، ومسلم (٧٣٨)، وأخرجه مالك في " الموطأ " ١/ ١٢٥ - ١٢٦، ومن طريقه أبو داود (١٣٤١) والترمذي (٤٣٩)، والنسائي ٣/ ٢٣٤. وانظر اختلاف الروايات في " جامع الأصول " ٦/ ٩١ - ٩٦ الطبعة الشامية.
[ ٢ / ٧٥ ]
ولا في غيرِه على إحدى عشرة ركعةً يُصلِّي أربعًا، فلا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وطُولِهنَّ، ثم يُصَلِّي أربعًا، فلا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وطُولهِنَّ، ثُم يُصَلِّي ثلاثًا.
وفي رواية في " الصحيحين " عنها: فَيَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذلك قَدْرَ ما يقْرَأُ أَحَدُكُم خَمْسِينَ آيَةً.
وفيهما وفي " السنن " عنها: كان إذا دخل العَشْر الآواخِرُ، أَحيا اللَّيْلَ وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ، وَجَدَّ، وَشدَّ المِئْزَرَ (١).
فقولها: " وَشَدَّ المِئزَرَ " كناية عن اجتنابِ النساء، ذكره غيرُ واحد، فدلَّ على اختصاص تركه للنساء بالعشرِ الأواخِرِ.
وقد جاء مِن حديث عائشة أيضًا ما يَدُلُّ على أنَّه إنما كان يفعل ذلك في آخِرِ اللَّيْلِ بعدَ فراغِهِ من عادته في القيامِ، فروى مسلم والنَّسائي مِن حديثِ زُهير بنِ معاوية، عن أبي إسحاق السَّبيعي، عن الأسودِ، عن عائشة ﵂ أن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كان ينامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ وُيحيي آخِرَه، ثم إنْ كانَ لَهُ حاجَةٌ مِن أهْلِهِ، قَضَى حَاجَتَه، ثم يَنَامُ، فإذَا كَانَ عِنْدَ النِّدَاءِ الأوَّلِ، وَثَبَ (٢).
فبان بهذا أن قيامَه - ﷺ - لِرمضان لم يكن يمنعُه ذلك، ولا يُنافيه، كما أنه لا يمنعُه مِن الأكل والشربِ، وقضاءِ الحاجة، وأن القيامَ الذي كان يَتْرُكُ ذلكَ معه كان يختصُّ بالعشرِ الآواخِرِ.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٠٢٤) في صلاة التراويح، ومسلم (١١٧٤) وأبو داود (١٣٧٦) والترمذي (٧٩٦) والنسائي ٣/ ٢١٨.
(٢) هو في صحيح مسلم (٧٣٩) والنسائي ٣/ ٢١٨.
[ ٢ / ٧٦ ]
الفائدة الثانية: قد ذكر بعض أهل العلم أن أبا هريرة من المتأولين من الصحابة، وأما أن ذلك لا يقدح في ديانته ولا ولايته لوجوه
أولها: أن المؤيد بالله قد ذهب إلى جواز أخذ الولاية
فَوَضحَتِ الحُجَّةُ في وجوبِ متابعة السُّنَّةِ التي جاءت مِن طريقِ عائشة، وأُمُّ سَلَمة، ووضحت الطريقُ إلى حمل أبي هُريرة ﵁ على أحسنِ المحامِل، والحمدُ لله ربِّ العالمين.
الفائدة الثانية: قد ذَكرَ بَعْضُ أهلِ العلم أن أبا هريرة في المتأوِّلين من الصحابة على قولِ الشِّيعة والمعتزلة، كُلِّهم لأجل ولايته المدينةَ في بعض أيَّامِ معاوية.
والذي عندي أن ذلِكَ لا يقْدَحُ على قولِ الجميع في روايته، ولا في دِيانته، أما أنَّه لا يقْدَح في روايته، فلأنَّ الرجلَ كان متديِّنًا متحرِّيًا لا يتعمَّدُ ارتكابَ الحرام، وأقصى ما في الباب أنَّه عصى متأوِّلًا، فذلك لا يَقْدَحُ في الرواية، ولا في الاجتهاد على ما يأتي بيانُه في موضِعه إن شاء الله تعالى، وأما أن ذلك لا يقْدَح في دِيانته وولايته فلوجوه:
أولها: أن المؤيَّدَ بالله ﵇ قد ذهب إلى جوازِ أخذِ الوِلاية في القضاء من أئمة الجَوْرِ، نص عليه في " الزيادات " (١)، وهو الجديدُ من قوليه المعمول عليه، وقد احتج على ذلك في " الزيادات " وأطال، وفي " الجامع الكافي " (٢) في مذهب الزيدية، عن محمد بن منصور. عن أحمدَ بنِ عيسى: أنَّ الفِسْقَ يُزِيْلُ عن أئمة الجور إمامة الهُدى، ويبقى العَقْدُ الذي يثبُتُ به مِن أحكامهم ما وافق الحقَّ إلى وقتِ ما يتنحَّى قال: لو أن رجلًا لم يُبايَعْ له، ولم يُعْقدْ له، أقام الحدَّ، فمات المحدودُ كان ضامنًا، والجائرُ الذي زالت عنه إمامةُ الهُدى إذا فعل مثلَ هذا لم يَضْمَنْ، فلا يتبع
_________________
(١) انظر فهرس المكتبة الغربية بالجامع الكبير بصنعاء ص ٢٥٩.
(٢) في مكتبة الجامع الكبير منه المجلد الثاني والثالث والرابع والخامس، انظر الفهرس ص ٢٤٨ - ٢٤٩.
[ ٢ / ٧٧ ]
بشيء. انتهى.
وقد قرَّره محمدُ بنُ منصورٍ، ولم يُورِدْ عن أحدٍ من أهل البيتِ خلافَه مثل عادتِه إذا اختلفوا، وكذلك مصنف " الجامع الكافي " السيدُ الإمام الحسيني لم يذكر خلافًا بينَ الصدر الأول في ذلك، وذلك هو المشهورُ عن كثير من أئمة الإسلام من الفقهاء الذين هُمْ أئمةُ المعتزلة في الفروع، وقد ثبت أنَّ يوسفَ ﵇ تولَّى لعزيز مِصْرَ، وثبت أن شرعَ من قبلنا حُجَّةٌ في دينِنَا إذا حكاه اللهُ في كتابنا (١)، وفي " الصحيح " أنَّه ﵇ احتج في القِصَاصِ بقوله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ (٢) وليس هي في كتاب الله إلاَّ حكايةً عن شرعِ منْ قبلَنَا، واحتجَّ بقولِه تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (٣) وهي في خِطابِ موسى ﵇. فإذا ثبت ذلكَ، فمن
_________________
(١) أي: حكاه مقررًا ولم ينسخ، وفي الاحتجاج بذلك خلاف مبين في " فواتح الرحموت " ٢/ ١٨٤ - ١٨٥، وانظر أيضًا " تفسير ابن كثير" ٣/ ١١٢ - ١١٣ طبعة الشعب.
(٢) الآية ٤٥ من سورة المائدة. وأخرج أحمد ٣/ ١٢٨، والبخاري (٢٨٠٣) و(٢٨٠٦) و(٤٤٩٩) و(٤٥٠٠) و(٤٦١١) و(٦٨٩٤) ومسلم (١٦٧٥) من حديث أنس أن الرُّبَيع عمة أنس كسرت ثنية جارية، فطلبوا إلى القوم العفو، فأبوا، فأتو رسول الله - ﷺ -، فقال: القصاص، قال أنس بن النضر: يا رسول الله تكسر ثنية فلانة؟ فقال رسول الله - ﷺ -: يا أنس كتاب الله القصاص، قال: فقال: والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنية فلانة، قال: فرضي القوم، فعفوا وتركوا القصاص، فقال رسول الله - ﷺ -: " إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره ".
(٣) الآية ١٤ من سورة طه، وأخرج البخاري (٥٩٧)، ومسلم (٦٨٤)، والترمذي (١٧٨) وأبو داود (٤٤٢) والنسائي ٢/ ٢٩٣ و٢٩٤ من حديث أنس بن مالك أن رسول الله - ﷺ - قال: " من نسي صلاة، فليصل إذا ذكر، لا كفارة لها إلا ذلك " قال قتادة راويه عن أنس: (وأقم الصلاة لذكري) وفي رواية " إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غَفَلَ عنها، فليصلها إذا ذكرها، فإن الله ﷿ يقول: (وأقم الصلاة لذكري). قال الحافظ في " الفتح " ٢/ ٧٢ عن الرواية الثانية: وهذا ظاهر أن الجميع من كلام النبي - ﷺ -، واستدل به على أن شرع من قبلنا شرع لنا، لأن المخاطب بالآية المذكورة موسى ﵊، وهو الصحيح في الأصول ما لم يرد ناسخ. وانظر " زاد المسير " ٥/ ٢٧٥.
[ ٢ / ٧٨ ]
الجائزِ أن يتولَّى أبو هُريرة على القضاءِ، والمصالحِ من الأمرِ بالمعروف، والنَّهْي عن المنكر، وافتقادِ أمر العامة، فلم ينقل بطريقٍ متواترةٍ ولا آحادية أنه فَعَلَ سائِرَ المحرمات في تلك الوِلاية.
يُوضحه إن ولايته إنما كانت بعد صُلْحِ الحسن ﵇، أو أن ذلك يُمْكِنُ، وقد روي عن أبي الدرْداء مثل ذلك (١) على إحدى الروايتين في تاريخ وفاته (٢) مع الاتِّفاقِ على جلالة أبي الدرداء ﵁.
وقد تولَّى أكابرُ الصحابةِ المجمعُ على جلالتِهم في أيَّامِ أبي بكرٍ، وعُمُرَ، وعثمانَ ﵃، مثلُ سَلمانَ الفارِسي رأسِ الزهاد، وراهب الإسلام ﵁، ومن لا يُحصى كثرةً، ولا فَرْقَ على أصولِ الشيعة بيْنَ الولاية على القضاء، وأمورِ الدين في زمانهم وزمانِ معاوية، وإنما يفترقُ الحالُ عندهم في مَنْ حَارَبَ عليًّا ﵇، واجترأ على اللهِ في سَفْكِ الدَّم الحَرامِ.
وأما الوِلايةُ على نفس القضاءِ بالحقِّ، والنَّظَر في المصالحِ مع التنزُّهِ من المعاونة على المعاصي، وكراهتِها، وكراهةِ أهلها، فلا فَرْقَ في ذلك بين زمان وزمان، إذا لم تكن الوِلايةُ مأخوذةً عمن له الولاية، ويمكن أن هذه الوِلاية المأخوذة ممن لا وِلايَة له، إنما هِيَ وِلاية لغوية لا شرعية، ومعناها
_________________
(١) في (ج): وقد روي مثل ذلك عن أبي الدرداء.
(٢) في " السير " ٢/ ٣٥٣: قال الواقدي، وأبو مسهر، وابن نمير: مات أبو الدرداء سنة اثنتين وثلاثين، وعن خالد بن معدان قال: مات سنة إحدى وثلاثين، قال الذهبي: فهذا خطأ، لأن الثوري روى عن الأعمش، عن عُمارة بن عمير، عن حريث بن ظهير، قال: لما جاء نعي -يعني ابن مسعود- إلى أبي الدرداء قال: أما إنَّه لم يخلف بعده مثله، ووفاة عبد الله في سنة ٣٢، وروى إسماعيل بن عبيد الله، عن أبي عبيد الله الأشعري، قال: مات أبو الدرداء قبل مقتل عثمان -﵄- وفي تاريخ أبي زرعة الدمشقي ١/ ٢٢٠ و٦٨٩: مات في خلافة عثمان لسنتين بقيتا من خلافته.
[ ٢ / ٧٩ ]
وثانيها: أن يكون أخذ الولاية على ذلك
أخذ إذنٍ مِن صاحب المملكةِ على القيامِ بعملٍ مِنْ أعمالِ البِرِّ والسعي في أمرٍ مِن أمور الخَيْرِ، وقد تختلِفُ أنظارُ الصالحين، ومقاصِدُ العلماء، وأهل الدين في مثل هذه الأمورِ، وسيأتي لهذا مَزِيدُ بيانٍ في موضع هو أخصُّ به إن شاءَ اللهُ تعالى.
وثانيها: أن يكونَ أخذ الولاية على ذلك مِن الحسن بنِ علي ﵉، فقد كان ﵇ في ذلك الوقت مقيمًا في المدينة، ولم يكن أبو هريرة ﵁ يَجْهَلُ مكانَ الحسنِ ﵇، ولا يَعْزُبُ عنه ما يجب له من المحبة والحقوق. وكان الحسنُ ﵇ معروفًا بشدة الشفقة على المسلمين والرفقِ بهم، ولم يكن لِيَتْرُكَ أبا هريرة مستمرًّا على فعلٍ محرم في جواره إن وَجَدَ إلى هِدايته سبيلًا، فمع حِرْص الحسن وأبي هريرة على الخير، ومجاورتِهما كيفَ يُسْتَبْعَدُ أن يكونا قد خاضا في ذلك وعملا فيه وجهًا حسنًا، ومحملًا صالحًا، وإن ثبت أنَّه تولَّى شيئًا من ذلك في عصر أمير المؤمنين علي ﵇ أمكنَ مِثْلُ ذلك، والحملُ على السَّلامَةِ متى أمكن، وجبَ لتحريم العملِ على ظنِّ السُّوءِ (١) بالمسلمين، ووجوب المدافعة له.
فإن قلتَ: هذا خِلافُ الظَّاهِرِ.
قلتُ: ليْسَ لِلأفعالِ ظاهرٌ، وإنما يكونُ الظهورُ في الأقوال، مثاله لو رُوي عن أبي هُرَيْرَةَ أنه قال: إني لم آخُذْ ولايةً من الحسن ﵇، ثم قلنا بعد ذلك: إن مِن الجائز أن يكونَ أخذ منه ولاية، وذكر ذلك تقيةً، فإن كلامَنَا حينئذٍ يكون خلافًا لِظاهر قوله.
_________________
(١) في (ب): على سوء الظن.
[ ٢ / ٨٠ ]
وثالثها: أن مجرد الولاية إما أن تكون ظنية أو قطعية
ورابعها: أنه قد نقل عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنه -
قال السيد: قال الغزالي: وتردد الشافعي في كون الحسن البصري مجتهدا، وزعم الغزالي أن أبا حنيفة لم يكن مجتهدا
وثالثُها: أنَّ مجرد الولاية إما أن تكون ظنيةً أو قطعية، إن كانت ظنيةً، فله أن يعملَ فيها بمذهبه، أو بمذهب صحابي مجتهدٍ غيره، ولا اعتراضَ عليه في ذلك، وإن كانت قطعيَّةً فلا شكَّ أنها مما لا يُعْلَمُ كِبْرُهُ، ويكون حكمُ مَنْ فعلها مستحلًاّ متأوِّلًا حكمَ المعتزلة عند الزيدية، وحكمَ غيرهم من العلماء المخالفين في نحو هذا مما لا يقطع الوِلاية، ولا قائل بقدحه في الرواية.
ورابعها: أنَّه قد نُقِلَ عن ابنِ عباس، وعقيل بن أبي طالب ﵄ ما هو قريبٌ من ذلك مما هو معروف في كتبِ التاريخ، ولم يُنْقلْ عن أحدٍ أنُّه تكلم فيهما إلاُّ بما هما أهلُه من التعظيم، والتَّرَحُّمِ، والترضية. والوجهُ عندي في ذلك ما قدمتُه من أن تلك إما مسائلُ ظنية، فكل مجتهد فيها مصيب، أو لها محامِلُ حسنة، لم نعلمْها، أو قطيعةٌ فليست من الكبائر المعلومة التي تنقطِعُ الولاية بارتكابها والله أعلم.
والسيد -أيَّده الله- لم يتعرضْ للكلام في رواية أبي هُريرة، ولا في ولايته ﵁، ولكن أحببتُ ذكر ذلك خوفًا من الاعتراضِ به، ومحبةً للتقرب إلى الله تعالى، وإلى رسوله - ﷺ - بذكر هذا الصاحبِ، ونُصرته والقيام بحقه، جعلنا الله تعالى مِن الذين مدحهم في كتابه الكريم بقولهم: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠].
قال: قال -يعني: الغَزَالي-: وتردَّدَ الشافعي في كون الحسنِ البصري مجتهدًا، وزعم الغزاليُّ أن أبا حنيفة لم يكن مجتهدًا، قال: لِقصوره في اللغة والحديثٍ، أما اللغةُ، فلِقوله: بأبا قُبَيسٍ (١)، وأما الحديثُ، فلأنَّه
_________________
(١) في " تأنيب الخطيب " ص ٣٤: ليس المراد بأبي قبيس هنا الجبل المطل على =
[ ٢ / ٨١ ]
أقول: قد شرع السيد يشكك في علم هذين الإمامين الكبيرين، والعلمين الشهيرين - رضي الله تعالى عنهما - والجواب عليه، وأما الاستدلال على ذلك مسالك
المسلك الأول: أنه قد ثبت بالتواتر فضلهما
كان يروي عن المُضَعَّفِينَ، وما ذاك إلاَّ لِقلةِ علمه بالحديث.
أقول: قد شَرَعَ السيدُ -أيَّده الله- يُشَكِّكُ في علم هذين الإمامينِ الكبيرين، والعَلَمَيْنِ الشَّهيرين ﵄، وقد استروح السيدُ -أيَّده الله- إلى إسناد ذلك إلى الغزالي، وليس له في ذلك نَفَسٌ، لأنَّه أورده محتجًَّا به، مقررًا له، ولو كان عنده باطلًا، لم يَحْسُنْ منه الاحتجاج بما يعلم أنه باطل، ولوجبَ عليه أن يُشِمَّنَا رائحةَ الاستنكار لذلِك.
والجواب عليهِ -أيَّده الله- أن نقول: لا يخلُو إمَّا أن يُنكر السيدُ صدورَ الفتوى عنهما ﵄، وينْكِرَ نقلَ الخلف والسلف لمذاهبهما في الفقه وخلافهما في العلم (١)، أو يُقرَّ بذلِكَ. إن أنكره، أنكر الضرورةَ، ولم يكن لمكالمته في ذلك صورة، وإن لم يُنكره، فهو يَدُلُّ على اجتهادِهما.
ولنا في الاستدلال به على ذلك مسالك:
المسلك الأول: أنَّه ثبت بالتواتُرِ فضلُهما وورعُهما وعدالتُهما وأمانتُهما، ولو أفتيا بغيرِ علم وتأهَّلا لذلك، وَلَيْسا لهُ بأهلٍ، لكان جرحًا في عدالتهما، وقدحًا في دِيانتهما، ووصمًا في عقلهما ومُروءتهما، لأن تعاطيَ الإنسان لما لا يُحْسِنُه، ودعواه لما لا يعلمه مِن عادات السُّفهاء، ومَنْ لا حياءَ له، ولا مُروءةَ مِن أهل الخِسَّة والدَّناءة، ووجوه مناقبهما مصونةٌ عن ابتذالِها، وتسويدِها بهذه الوَصْمة الشنيعة.
_________________
(١) = مكة، فقد روى مسعود بن شيبة في كتاب التعليم عن ابن الجهم، عن الفراء، عن القاسم بن معن أن أبا قبيس اسم خشبة يعلق عليها اللحم، قال أبو سعيد السيرافي: فذلك الذي عناه به أبو حنيفة.
(٢) لفظ: " وخلافهما في العلم " زيادة انفردت بهما (ب) وأثبتت في هامش (ش).
[ ٢ / ٨٢ ]
الحسلك الثاني: أنه رواية العلماء لمذاهبهما
المسلك الثالث: أن نقول الإجماع منعقد على اجتهادهما
المسلك الرابع: أنا قد قدمنا نصوص كثير من الأئمة على أن أحد الطرق الدالة على اجتهاد العالم هي انتصابه للفتيا، ورجوع المسلمين إليه من غير نكير
المسلك الثاني: أنَّ رواية العُلماءِ لمذاهبهما وتدوينَها في كُتُبِ الهداية، وخزائنِ الإِسلام إلى يومنا هذا يَدُلُّ على أنهم قد عرَفُوا اجتهادَهُما، لأنَّه لا يَحِلُّ لهم روايةُ مذاهبهما إلاَّ بعدَ المعرفة لعلمهما (١)، لأن إيهامَ ذلك مِن غير معرفة محرم، لما يتركَّب (٢) عليه من الأحكام الشرعية المجمع عليها كانخرامِ الإجماعِ بخلافهما، والمختَلَفِ فيها، كجواز تقليدهما بعدَ موتهما.
المسلك الثالث: أن نقول: الإجماع منعقدٌ على اجتهادهما، فإن خالف في ذلك مخالف، فقد انعقد الإجماعُ بعدَ موته على ذلك، وإنما قلنا به، لأن أقوالَهما متداوَلَة بين العلماء الأعلام، سائرةٌ في مملكة الإسلام من الشرق والغرب واليمن والشام من عصر التابعين مِن سنة خمسين ومئة إلى يومِ الناس هذا، لا يُنْكَرُ على مَنْ يرويها، ولا على من يعتمِدُها، فالمسلمون بينَ عامل عليها، وساكتٍ عن الإنكار على مَنْ يَعْمَلُ عليها، وهذه الطريقة هي أكبرُ ما يثبتُ به الإجماع.
المسلك الرابع: أنا قد قدمنا نصوصَ كثيرٍ من الأئمة العلماء على أن أحد الطرق الدالة على اجتهادِ العالم هي (٣) انتصابُه للفتيا، ورجوعُ المسلمين إِليه مِن غير نكيرٍ من العلماء والفُضلاء، نصَّ على ذلك المنصورُ بالله في " الصفوة " وغيره من علماء العِترة، والشيخُ أبو الحسين في " المعتمد " (٤)، وغيره من الشيوخ، وهذا في سكوت سائرِ العلماء عن النَّكير على المفتي، فكيف بسكوتِ رُكْن الإسلام، وعصابةٍ الإيمان من نُبلاء
_________________
(١) في (ب): بعلمهما.
(٢) في (ب): يترتب.
(٣) في (ب): هو.
(٤) ٢/ ٣٦٣ - ٣٦٤.
[ ٢ / ٨٣ ]
قوله: وأبو حنيفة هو الإمام الأعظم الذي طبق مذهبه أكثر العالم
التابعين، وسادات المسلمين الذين هُمْ مِن خير القرون بنصِّ سيدِ المرسلين فقد كانا ﵄ معاصِريْنِ لذلك الطراز الأولِ كما ستأتي الإشارةُ إليه إن شاء الله تعالى.
فالعجب كُلُّه من ترجيح السَّيِّدِ لِكلام الغزّالي على غيرِه من علماء العدلِ والتوحيد، بل على ما انطبق عليه إجماعُ المسلمين، ومضى عليه عملُ المؤمنين، وقد قدح السَّيِّدُ في رواية المبتدعة، وكفَّرَ الغزّالي، ونسبه إلى تعمد الكفر، وحرم الروايةَ عنه، وعن أمثالِه، فلما بلغ إلى هذا الموضع، أنساه حُبُّ التعسيرِ للاجتهاد قواعدَه المقررة، وأدلتَه المحررة، فاحتج بكلام من ليس عنده بحجةٍ على ستْرِ ما هو أظهرُ من الشمس مِن علم الحسن، وأبي حنيفة.
وأبو حنيفة هو الإمام الأعظم الذي طَبَّقَ مذهَبُهُ (١) أكثرَ العالم، وفي كلام الزَّمَخْشَرِيّ ﵀: وَتَّدَ اللهُ الأرضَ بالأعلامِ المُنيفة، كما وَطَّدَ الحنيفية بعلومِ أبي حنيفة. وفي كلامه ﵁: الجِلَّةُ الحنفية أزِمَّةُ (٢) الملةِ الحنيفية، الجودُ والحِلم حاتمي، أَحْنَفِيّ (٣)، والدين والعلم حنيفي وحَنَفِي.
_________________
(١) في (ب): علمه.
(٢) أزِمَّة: جمع زمام، وهو الخيط الذي يشد في البُرة أو في الخشاش، ثم يشد في طرفه المقود، وقد يسمى المقود زمامًا، ومن المجاز: هو زمام قومه، أي: قائدهم ومقدمهم وصاحب أمرهم.
(٣) نسبه إلى الأحنف واسمه الضحاك بن قيس التميمي وهو أحد من يضرب بحلمه وسؤدُده المثل، وشهر بالأحنف لحنف رجليه، وهو العوج والميل، وكان سيد بني أسلم في حياة النبي - ﷺ - ووفد على عمر، وكان من قواد جيش علي يوم صفين، وشهد بعض فتوحات خراسان في زمن عمر، وعثمان ﵄، ومات في إمرة مصعب بن الزبير على العراق. مترجم في " سير أعلام النبلاء " ٤/ ٨٦ - ٩٧.
[ ٢ / ٨٤ ]
وقد عقد الحاكم (١) ﵀ فصلًا في فضل أبي حنيفة وعلمِه، وذكر أنَّه حاز ثلاثةَ أرباع العلم، وشارك الناسَ في الرُّبْعِ الآخر، فينبغي من السَّيِّد -أيده الله- مطالعة كتب الرجال، والنظر في تراجم هذين البحرين الزاخرين والإمامين الكبيريِن، فقد أودع العُلَمَاءُ في كتب الرِّجال من مناقبهما ما يشفي العليلَ، وَيرْوِي الغليلَ، بل قد صنف أئمةُ هذا العلمِ كتبًا مستقِلَّة مفردة لتعريف فضائلهما، وذكرِ سَعة علومهما، وسائرِ ما فيهما (٢) مثل كتاب " شقائِقِ النعمان في مناقب النُّعمان " (٣) وكتاب " الزخرف القصري في مناقب الحسن البصري " (٤).
ولو كان الإمام أبو حنيفة جاهلًا، ومن حِلْيةِ العلم عاطلًا، ما تطابقت جِبَالُ العلم من الحنفية، وشيوخِ الاعتزال كأبي عليٍّ، وأبي هاشمٍ، ومَن في طبقتهما مِن الأكابر، والقاضي أبي يوسُف، ومحمد بن الحسن الشَّيْباني، والطحاويِّ، وأبي الحسن الكَرْخيِّ، وأبي الحُسين البَصْري والعلامة الزَّمخْشَري وأمثالِهم وأضعافِهم على الاشتغال بمذهبه، والاعتزاءِ (٥) إليه، وعدمِ الإنكار على منْ أفتى أو حكم به، فعلماءُ الطائفة الحنفية في الهند، والشَّامِ، ومِصْر، والعِرَاقيْنِ، واليمن، والجزيرة،
_________________
(١) هو الحاكم الجشمي شيخ الإمام الزمخشري.
(٢) في (ب): مناقبهما.
(٣) في " كشف الظنون " (١٠٥٦) " شقائق النعمان في حقائق النعمان " لأبي القاسم العلامة جار الله محمود بن عمر الزمخشري المتوفى سنة ٥٣٨ في مناقب الإمام الأعظم. وقد ألف غير واحد من أهل العلم في مناقب هذا الإمام ذكر معظمها صاحب " معجم المؤلفين " ١٣/ ١٠٤ - ١٠٥، وانظر " سير أعلام النبلاء " ٦/ ٣٩٠ - ٤٠٣.
(٤) أورده الإمام الذهبي في " سير أعلام النبلاء " ٤/ ٥٦٣ - ٥٨٨، وذكرت فيه مصادر ترجمته.
(٥) أي: الانتساب إليه، يقال: عزا فلان نفسه إلى بني فلان يعزوها عزوًا، وعزا واعتزى " وتعزَّى كله: انتسب.
[ ٢ / ٨٥ ]
قوله: وأما ما قدح به على الإمام أبي حنيفة من عدم العلم بالعربية
والحرمَيْنِ منذ مئةٍ وخمسين مِن الهجرة إلى هذا التاريخِ يزيد على سِتِّ مئة سنة فيهم ألوفٌ لا ينحصِرُون، وعوالم لا يُعَدُّون (١) من أهل العلم والفتوى والورع والتقوى، فكيف نستقرِبُ أنهم تطابَقُوا على الاستناد إلى عامي جاهل لا يعرِفُ أن الباء تجر ما بعدَها، ولا يدري ما يَخْرُجُ من رأسه من حديثِ رسول الله - ﷺ -؟!
وأما ما قُدِحَ به على الإمام أبي حنيفة مِن عدم العِلْمِ بالعربية، فلا شَكَّ أن هذا كلامُ متحاملٍ متنكِّب عن وجوهِ المحامل، وقد كان الإمامُ أبو حنيفة ﵀ مِن أهلِ اللسان القويمة، واللغة الفَصيحة، فقد أدركَ زمانَ العرب، وعاصرَ جريرًا، والفَرَزْدَق، ورأى أنسَ بن مالك خادمَ رسول الله - ﷺ - مرتين (٢)، وقد تُوفِّي أنسٌ ﵁ سنةَ ثلاثٍ وتسعين من الهِجرة، والظاهر أن أبا حنيفة ما رآه في المهد، وإنما رآه بعدَ التمييز، يَدُلُّ عليه أن أبا حنيفة كان مِن المعمَّرِينَ، وتأخرت وفاتُه إلى خمسين ومئة، والظاهر أنه جاوزَ التسعين في العمر والله أعلم. ذكره أبو طالب ﵇ في كتاب " الأمالي "، وهذا يقتضي أنَّه بلغ الحلْمَ، وأدرك بعدَ موتِ النبي - ﷺ - بقدر الثمانين سنة، لأنَّه ﵇ مات وقد مضى عشر من الهجرة، فهذا يدُلُّ على تقدم أبي حنيفة، وإدراكه زمانَ العرب، وهو أقدمُ الأئمة وأكبرهُم سنًّا، فهذا مالك على تقدُّمه توفي بعدَه بنحو ثلاثين سنة. ولا شكَّ أن تغير اللسانِ في ذلك الزمانِ كان يسيرًا، وأنه لم يشتغِلْ ذلك الزمانَ بعلم الأدبِ أحدٌ من
_________________
(١) في (ج): " لا يعتدون ".
(٢) قال الذهبي في " السير " ٦/ ٣٩١: ولد سنة ثمانين في حياة صغار الصحابة، ورأى أنس بن مالك لما قدم عليهم الكوفة، ولم يثبت له حرف عن أحد منهم. وقال في آخر الترجمة: توفي شهيدًا مسقيًا في سنة خمسين ومئة، وله سبعون سنة. وقول أبي طالب -الذي نقله عنه ابن الوزير-: والظاهر أنَّه جاوز التسعين في العمر - غير ظاهر.
[ ٢ / ٨٦ ]
الأول: أن هذا يحتاج إلى طريق صحيحة
الثاني: إن ثبت بطريق صحيحة، فإنه لم يصح، ولم يشتهر كصحة الفتيا عنه
أفاضِلِ المسلمين كما حقَّقَ ذلك أبو السعادات ابنُ الأثير في ديباجة كتاب " النهاية " وكما لا يَخْفي ذلك على من له أُنْس بِعِلْمِ التاريخ. فلو أوجبنا قِرَاءةَ العربيةِ على أبي حنيفة، لزم أن لا يُحْتَجَّ بشعر جريرٍ والفَرَزْدق، ولا شكَّ أن العناية بالعربية كانت قليلةً في ذلك الزمانِ مِن علماء التابعين، وإنما اشتدت عنايةُ أهلِ العلم به بعدَ ظهور الاختلالِ الكثير، وقد قال الأمير الحسين بن محمد ﵁ بأغربَ من هذا، قال: إن الهادي يحيى بن الحسين ﵇ عربيٌّ اللسان، حجازيُّ اللهجةِ من غيرِ قراءة، مع أنَّه ﵇ توفي قريبًا مِن رأس ثلاث مئة، فأما سنة ثمانين من الهجرة، فليس أحد من أهل المعرفة والتمييز يعتقِدُ أن أحدًا من التابعين في ذلك الزمان قرأ كتابًا في النحو، ولا وَقفَ بينَ يدي شيخ كعلقَمة بنِ قَيْس، وأبي مسلم الخَوْلاني، ومسروقٍ، والأجْدعِ، وجُبيرِ بن نُفَيْرٍ، وكَعْب الأحبار ولا مَنْ بَعْدَ هؤلاء من التابعين كالحسنِ، وأبي الشَّعْثَاءِ، وزينِ العابدين، وإبراهيم التَّيْمي، والنَّخعي، وسعيدِ بنِ جبير، وطاووس وعطاء، ومجاهد، والشعبي، وأضرابِهم، فما خُصَّ أبو حنيفة بوجوب تعلُّم العربية، وفي أيِّ المصنفات يقرأ في ذلك الزمان.
وأما قوله: بأبا قُبَيْسٍ، فالجوابُ عنه من وجوه:
الأول: إن هذا يحتاجُ إلى طريق صحيحة، والسَّيِّدُ قد شدَّد علينا في نسبة الصِّحاحِ إلى أهلها، مع اشتهارِ سماعها والمحافظة على ضبطها، فكيف بهذه الرواية!!.
الثاني: أنَّه إن ثَبَتَ بطريقٍ صحيحة، فإنه لمُ يَشْتَهِر ولم يَصِحَّ كصِحة الفتيا عنه، وتواترِ علمه، وليس يُقْدَحُ في المعلومِ بالمظنون (١).
_________________
(١) في (ج): المظنون.
[ ٢ / ٨٧ ]
الثالث: أنا لو قدرنا أن ذلك صح عنه بطريق معلومة لم يقدح به
الرابع: سلمنا أن هذا لحن لا وجه له، فإن كثيرا ممن يعرف العربية قد يتعمد اللحن
قوله: وأما قدحه عليه بالرواية عن المضعفين، وقوله: إن ذلك ليس إلا لقلة معرفته بالحديث، فهو وهم فاحش، ولا يتكلم بهذا منصف، والجواب عن ذلك يتبين بنكر محامل
المحمل الأول: أنه قد علم من مذهب أبي حنيفة - ﵁ - أنه يقبل المجهول، ولا شك أنه يقبله حيث لا يعارضه حديث الثقة
الثالث: أنا لو قدرنا أن ذلك صحَّ عنه بطريقٍ معلومة لم يَقْدَح به، لأنه ليس بلحنٍ، بل هو لغةٌ صحيحة حكاها الفَرّاء عن بعض العرب، وأنشد:
إنَّ أبَاهَا وأبا أبَاهَا قَدْ بلغا في المَجْدِ غَايَتَاهَا (١)
الرابع: سَلَّمنا أن هذا لحنٌ لا وجه له، فإن كثيرًا ممن يعرِف العربية قد يتعمد اللحن، وقد يتكلم العربي بالعجمية، ولا يقدح هذا في عربيته، وهذا مشهور.
وأما قدحُه عليه بالرواية عن المُضَعَّفِينَ، وقوله: إن ذلك ليس إلاَّ لقلة معرفته بالحديث، فهو وهمٌ فاحِشٌ، ولا يتكلم بهذا منصفٌ، والجوابُ عن ذلك يتبيَّن بذكرِ محامل:
المحمل الأول: أنَّه قد عُلِمَ من مذهب أبي حنيفة ﵁ أنه يقبل المجهولَ (٢)، وإلى ذلك ذهب كثيرٌ من العلماء كما قدمناه، ولا شكُّ
_________________
(١) نسبه العيني في " الشواهد الكبرى " ١/ ١٣٣، والسيوطي في " شرح شواهد المغني " ١/ ١٢٨ إلى أبي النجم نقلًا عن الجوهري، وليس يوجد في " صحاحه " ويقال: هو لرؤبة بن العجاج، وليس في ديوانه، وهو غيرُ منسوب في " شرح المفصل " ١/ ٥٣، و" المغني " ١/ ٣٨، و" خزانة الأدب " ٣/ ٣٣٧، و" أوضح المسالك " ١/ ٣٣، وابن عقيل ١/ ٥١. وإجراء الأسماء الستة مجرى الاسم المقصور في تقدير الحركات الثلاث هو لغة بني الحارث، وفي " صحيح البخاري " (٣٩٦٣) من حديث أنس، قال النبي - ﷺ - يوم بدر: من ينظر ما فعل أبو جهل؟ فانطلق ابن مسعود، فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برد، فأخذ بلحيته، فقال: أنت أبا جهل؟ قال الحافظ في " الفتح " ٧/ ٢٩٥: كذا للأكثر، وللمستملي وحده " أنت أبو جهل " والأول هو المعتمد في حديث أنس هذا، فقد صرح إسماعيل بن علية، عن سليمان التيمي بأنه هكذا نطق بها أنس وقد وجهت الرواية المذكورة بالحمل على لغة من يثبت الألف في الأسماء الستة في كل حالة.
(٢) أي مجهول الحال من العدالة والفسق، قال العارفون بأصول فقه أبي حنيفة: هذا القول في غير رواية الظاهر، وإن ظاهر المذهب عدم قبول روايته كمذهب الجمهور. انظر " فواتح الرحموت " ٢/ ١٤٦ - ١٤٧، و" سلم الوصول " ٣/ ١٣٨ - ١٣٩.
[ ٢ / ٨٨ ]
أنَّهم إنما يقبلونه حيثُ لا يُعارِضُه حديث الثقةِ المعلومِ العدالة، ولكنهم يَرَوْن قبولَ حديثه، حيث لا يُوجَدُ له معارِضٌ أقوى منه، ولا شَكَّ أن الغالبَ على أهل الإسلام في ذلك الزمان العدالة، ويشهد لذلك الحديثُ الثابتُ المشهور " خَيْرُكُمُ القَرْن الَّذي أَنَا فِيهم، ثُمَّ الَّذِيْنَ يَلُونهُمْ، ثُمَّ الَّذِيْنَ يلُونهُم، ثُمَّ يَفْشُو الكذبُ مِنْ بَعْدُ " (١) وقد تقدم. وقد كان علي ﵇ يستحلِف بعضُ الرُّواةِ، فإذا حَلَفَ له، قبلَهُ (٢). وهذا إنما يكونُ في حديثٍ منْ فيهِ لينٌ، ولهذا لم يسْتَحْلِفِ المِقْدَادَ لمَّا أخبره بحُكْمِ المَذْي (٣)، وقد روى الحافظُ ابنُ كثير في جزء جمعه في أحاديث السباق عن أحمد بن حَنْبل إنَّه كان يقول بالعمل بالحديث الضعيف إذا لم يكن في الباب أصحُّ منه (٤)، وذلك على سبيل الاحتياط، لا على سبيلِ
_________________
(١) تقدم تخربجه في الجزء الأول ص ١٨٣ - ١٨٣ و٣٧٧.
(٢) تقدم تخريجه أيضًا في الجزء الأول صفحة ٢٨٤.
(٣) أخرجه البخاري (١٣٢) و(١٧٨) و(٢٦٩)، ومسلم (٣٠٣) عن علي، قال: كنت رجلًا مذُاء، فأمرت المقداد أن يسأل النبي - ﷺ -، فسأله، فقال: فيه الوضوء. وفي رواية: فقال: " توضأ واغسل ذكرك " وانظر تمام تخريجه في " صحيح ابن حبان " (١١٠٩) بتحقيقنا.
(٤) في مُسَوَّدة آل تيمية ص ٢٧٣: فصل: ذكر القاضي كلام أحمد في الحديث الضعيف والأخذ به، ونقل الأثرم " قال: رأيت أبا عبد الله إن كان الحديث عن النبي - ﷺ - في إسناده شيء يأخذ به إذا لم يجيء خلافه أثبت منه، مثل حديث عمرو بن شعيب وإبراهيم الهجري، وربما أخذ بالمرسل إذا لم يجيء خلافه، وتكلم عليه ابن عقيل. وقال النوفلي: سمعت أحمد يقول: إذا روينا عن النبي - ﷺ - في فضائل الأعمال وما لا يرفع حكمًا، فلا نصعب. قال القاضي: قد أطلق أحمد القول بالأخذ بالحديث الضعيف، فقال مهنا: قال أحمد: الناس كلهم أكفاء إلا الحائك والحجام والكسّاح، فقيل له: تأخذ بحديث " كل الناس أكفاء إلا حائكًا أو حجامًا. وأنت تضعفه؟! فقال: إنما نضعف إسناده، ولكن العمل عليه، وكذلك قال في رواية ابن مُشيش وقد سأله عمن تحل له الصدقة، وإلى أي شيء تذهب في هذا؟ فقال: إلى حديث حكيم بن جبير، فقلت: وحكيم بن جبير ثبت عندك [في الحديث]؟ قال: ليس هو عندي ثبتًا في الحديث، وكذلك قال مهنا: سألت أحمد عن حديث معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - أن غيلان أسلم وعنده عشر نسوة، قال: ليس بصحيح، والعمل عليه، كان عبد الرزاق، يقول: معمر، عن الزهري مرسلًا، قال =
[ ٢ / ٨٩ ]
الإيجاب، ولا على سبيلِ الجهل بضعفِ الحديث.
قال الحافظ أبو عبد الله بن مَنْدة: إن أبا داود يُخْرِج الإِسناد الضعيفَ إذا لم يَجِدْ في الباب غيره، لأنَّه عنده أقوى مِن رأي الرجال. انتهى.
وفي هذا شهادةٌ واضحة أن روايةَ الحديثِ الضعيف لَيْسَتْ مِن قبيل الجهلِ بضعفِ الحديث (١). فأحمدُ، وأبو داود من جِلَّة علماء الأثر بلا مدافعةٍ (٢)، وهذا الحديثُ الضعيفُ الذي ذكروه ليسَ حديثَ الكذابين،
_________________
(١) = القاضي: معنى قول أحممد: " هو ضعيف " على طريقة أصحاب الحديث، لأنهم يضعفون بما لا يوجب التضعيف عند الفقهاء كالإرسال والتدليس والتفرد بزيادة في حديث لم يروها الجماعة، وهذا موجود في كتبهم: تفرد به فلان وحده، فقوله: " هو ضعيف " على هذا الوجه، وقوله: " والعمل عليه " معناه على طريقة الفقهاء، قال: وقد ذكر أحمد جماعة ممن يروي عنه مع ضعفه، فقال في رواية إسحاق بن إبراهيم: قد يحتاج أن يحدث الرجل عن الضعيف مثل عمرو بن مرزوق، وعمرو بن حكام، ومحمد بن معاوية [وعلي] بن الجعد، وإسحاق بن أبي [إسرائيل] ولا يعجبني أن يحدث عن بعضهم، وقال في رواية ابن القاسم في ابن لهيعة: ما كان حديثه بذاك، وما أكتب حديثه إلا للاعتبار والاستدلال، أنا قد أكتب حديث الرجل كأني استدل به مع حديث غيره يشُدُّه، لا أنَّه حجة إذا انفرد، وقال في رواية المروزي: كنت لا أكتب حديثه -يعني جابرًا الجعفي- ثم كتبته أعتبر به، وقال له مهنا: لم تكتب عن أبي بكر بن أبي مريم وهو ضعيف؟ قال: أعرفه، قال القاضي: والوجه في الرواية عن الضعيف أن فيه فائدة وهو أن يكون الحديث قد روي من طريق صحيح فتكون رواية الضعيف ترجيحًا، أو ينفرد الضعيف بالرواية فيعلم ضعفه، لأنَّه لم يُرْوَ إلا من طريقه فلا يقبل. قال شيخنا: قلت: قوله: " كأني أستدل به مع حديث غيره لا أنَّه حجة إذا انفرد " يفيد شيئين أحدهما: أنَّه جزء حجة، لا حجة، فإذا انضم إليه الحديث الآخر صار حجة وإن لم يكن واحدٌ منهما حجة فضعيفان قد يقومان مقام قوي. الثاني أنَّه لا يحتج بمثل هذا منفردًا، وهذا يقتضي أنَّه لا يحتج بالضعيف المنفرد، فإما أن يريد به نفي الاحتجاج مطلقًا، أو إذا لم يوجد أثبت منه، وكلام القاضي وهو أبو يعلى محمد بن الحسين الفراء البغدادي الحنبلي المتوفى سنة ٤٥٨ هـ منقول بنصه مع تغيير طفيف من كتابه " العدة في أصول الفقه " ٣/ ٩٣٨ - ٩٤٤ بتحقيق الأستاذ الفاضل د. أحمد بن علي سير المباركي.
(٢) في (ب) الجهل بالحديث.
(٣) انظر " إعلام الموقعين " ١/ ٣١.
[ ٢ / ٩٠ ]
المحمل الثاني: أن يكون ضعف أولئك الرواة الذين يروي عنهم مختلفا فيه، وهو يعلم وجه التضعيف، وحجة المضعف، وهذا شيء مشهور، وقد ذكر أهل العلم أولئك الضعفاء
ولا حديثَ أهلِ الكبائر، فذلك لا يستحقُّ اسمَ الضَّعْف (١)، إنما يُقال فيه: إنَّه باطل أو موضوع أو نحو (٢) ذلك، وإنما الضعيفُ ما في حِفظ راويه شيء مما ينجبرُ بالشَّواهد والمتابعات على ما هو مقرَّرٌ في علوم الحديثِ، وعامةُ التضعيف إنما يكون بقلَّةِ الحفظ، وكثرة الوهم وللمحدِّثين في ذلِكَ تشديد كثير لا يُوَافقُونَ عليه، فإن المعتبرَ عند الأصوليين أن يكون وَهْمُ الراوي أكثر من إصابته على قولٍ، واختاره المنصورُ بالله ﵇، وعبدُ اللهِ بن زيد ﵀، أو يكون مساويًا على قول الأكثرين، وأما إذا كان وهمه أقل، فإنه يجب قبولُه عند الأصوليين، وليس كذلك مذهبُ المحدثين، فإنهم يَقْدَحُون بالوهم في قدر عشرين حديثًا مع الإصابة في مئتي حديث أو أكثر، بل منهم من يغلُو ويُشدِّدُ، فيقدح في مَنْ وَهِمَ في قدر العشرة الأحاديث مع الإصابة في ألوفٍ من الأحاديث، ولقد أخطأ بعضُ الثقات في حديث واحدٍ، فقال له شعبة: إنْ سمعْتُكَ تروي مثل هذا مرةً ثانية، تركتُ حديثك ونحو ذلك، فهذا هو أكثَرُ الحديثِ الضعيفِ، وهذا وأمثالُه مِنْ أسباب التضعيفِ لا يَقْدَحُ عند الأصوليين، والمسألة مبيَّنَةٌ في كتب علوم الحديث. فعلى هذا الوجه تكون روايةُ أبي حنيفة عن الضعفاء مذهبًا واختيارًا، لا جهلًا وجِزافًا.
المحمل الثاني: أن يكون ضعفُ أولئك الرُّواة الذين يروي عنهم مختلَفًا فيه، وهو يعلم وجه التضعيفِ، وحجةَ المضعِّف، ويكونُ مذهبُه أن ذلك لا يقتضي الضعفَ، وقد جرى ذلك لِغيره من العُلماء والحفاظ، فهذان قُطبا علوم الزيدية الهادي، والقاسم ﵉ يرويانِ عن
_________________
(١) في (ب): الضعيف.
(٢) في (ج) ونحو.
[ ٢ / ٩١ ]
إسماعيل بن أبي أُوَيْس (١) وهو مختلَفٌ فيه، وذلك محمولٌ على أنهما اختارا ما اختاره الجماهيرُ من توثيقه، وكذلك الشافعيُّ يروي عن إبراهيم ابن محمد بن أبي يحيى الأسلمي وُيوثقه، وقد خالفه الأكثرون في ذلك، وقال ابنُ عَبْدِ البر في " تمهيده ": أجمعوا على تجريح ابن أبي يحيى (٢).
قلت: أما الإجماعُ على تجريحه، فلا، فقد وافق الشافعيُّ على توثيقه أربعةٌ من الحفاظ، وهم ابنُ جُريجٍ، وحمدانُ بن محمد الأصبَهاني، وابنُ عدي، وابنُ عقدة الحافظ الكبير، ولكن تضعيفَه قولُ الجماهير بلا مِرية (٣).
وكذلك روى الشافعيُّ عن أبي خالد الزَّنْجي (٤) المكي، وهو
_________________
(١) هو إسماعيل بن عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي أبو عبد الله بن أبي أويس المدني حليف بني تميم بن مرة وهو أخو أبي بكر عبد الحميد بن أبي أويس، وابن أخت مالك بن أنس الإمام. قال الحافظ في " مقدمة الفتح " ص ٣٩١: احتج به الشيخان إلا أنهما لم يكثرا من تخريج أحاديثه، ولا أخرج له البخاري مما تفرد به سوى حديثين، وأما مسلم، فأخرج له أقل مما أخرج له البخاري، وروى له الباقون سوى النسائي، فإنه أطلق القول بضعفه، وروى عن سلمة بن شبيب ما يوجب طرح روايته، واختلف فيه قول ابن معين، فقال مرة: لا بأس به، وقال مرة: ضعيف، وقال مرة: كان يسرق الحديث هو وأبوه، وقال أبو حاتم: محله الصدق، وكان مغفلًا، وقال أحمد بن حنبل: لا بأس به، وقال الدارقطني: لا أختاره في الصحيح. قلت: (القائل الحافظ ابن حجر): وروينا في مناقب البخاري بسند صحيح أن إسماعيل أخرج له أصوله، وأذن له أن ينتقي منها، وأن يعلم له على ما يحدث به ليحدث به ويعرض عما سواه. وهو مشعر بأن ما أخرج البخاري عنه هو من صحيح حديثه، لأنَّه كتب من أصوله، وعلى هذا لا يحتج بشيء من حديثه غير ما في الصحيح من أجل ما قدح فيه النسائي وغيره، إلا إن شاركه فيه غيره فيعتبر به. وانظر " تهذيب الكمال " للمزي ٣/ ١٢٤ - ١٢٩ نشر مؤسسة الرسالة.
(٢) وقال الحافظ في " التقريب ": متروك.
(٣) انظر " تهذيب الكمال " ٢/ ١٨٤ - ١٩١.
(٤) هو مسلم بن خالد المخزومي مولاهم المكي، قال ابن حجر: فقيه صدوق كثير =
[ ٢ / ٩٢ ]
المحمل الثالث: أن يكون إنما روى عن أولئك، وذكر حديثهم على المتابعة والاستشهاد
مختلَف في توثيقه، وكذلك أحمدُ بن حَنْبل يروي عن عامر بن صالح بن عبد الله بن عُروة بن الزُّبيرِ بن العَوَّام (١)، وانفرد بتوثيقه حتى قال أبو داود: سمعتُ يحيى بن معين يقول: جُنَّ أحمدُ، يُحدِّث عن عامرِ بنِ صالح! وقال الذهبي: لعل أحمدَ ما روى عن أوهى منه، وإنما روى عنه أحمدُ، لأنه لم يكن عنده يكْذِبُ، وكان عالمًا بالفقه والعلم والحديث والنسب وأيامِ العرب، وقال أبو حاتم: ما أرى بحديثه بأسًا.
وكذلك أهلُ الصَّحاح يروون عمن هو مختلَفٌ فيه، وهذا شيء مشهور، وقد ذكر أهلُ العلم أولئك الضعفاءَ المختلَفَ فيهم، واستقصَوْا الكلامَ فيهم، واستوعبوا حُجَجَ الفريقينِ بما إذا نظر فيه الطالبُ، لاح له وجهُ الصواب، وتمكَّن من الترجيح والاختيار (٢).
المحمل الثالث. أن يكونَ إنما روى عن أولئك، وذكر حديثَهم على سبيلِ المتابعة والاستشهاد، وقد اعتمد على غيرِ حديثهم من عمومٍ أو حديثٍ أو قياسٍ أو استدلالٍ، أو عملٍ بالإباحة الأصلية مثل ما صنع الهادي والقاسم ﵉ في الاحتجاج بحديث ابن أبي ضميرة (٣)،
_________________
(١) = الأوهام من الثامنة مات سنة (١٧٩) أو بعدها.
(٢) القرشي الأسدي الزبيري أبو الحارث المدني. قال الحافظ في " التقريب ": متروك الحديث، أفرط فيه ابن معين فكذبه، وكان عالمًا بالأخبار من الثالثة، لم يرو له من أصحاب الكتب الستة غير الترمذي.
(٣) ينظر في هذا مقدمة " فتح الباري " ورسالة الإمام الذهبي " من تكلم فيه وهو موثق ".
(٤) في (أ) و(ج): ضمرة وهو تحريف، وقد ترجمه الإمام الذهبي في " الميزان " ١/ ٥٣٨، فقال: الحسين بن عبد الله بن ضميرة بن أبي ضميرة سعيد الحميري المدني، روى عن أبيه، وعنه زيد بن الحباب وغيره. كذبه مالك، وقال أبو حاتم: متروك الحديث كذاب، وقال أحمد: لا يساوي شيئًا، وقال ابن معين: ليس بثقة ولا مأمون، وقال البخاري: منكر الحديث ضعيف، وقال أبو زرعة: ليس بشيء. اضرب على حديثه. =
[ ٢ / ٩٣ ]
وأبي هارون العبدي (١). وأهلُ الرواية مجمعون على تجريحهما.
وكذلك مالك، فإنه روى عن عبد الكريم بن أبي المخارق البصري، قال ابنُ عبد البر المالكي المجتهد في " تمهيده ": كان مجمعًا على تجريحه، ولم يرو عنه مالك إلاَّ حديثًا واحدًا في وضع الأكف على الأكف (٢)
_________________
(١) = وانظر " تاريخ البخاري " ٢/ ٣٨٨ - ٣٨٩، و" المجروحين " ١/ ٢٤٤، و" الجرح والتعديل " ٣/ ٥٧ - ٥٨.
(٢) هو عُمارة بن جوين العبدي، أخرج له الترمذي وابن ماجة، قال الإمام الذهبي في " الميزان " ٣/ ١٧٣: تابعىِ لين بمرة، كذبه حماد بن زيد، وقال شعبة: لأن أقدم فتضرب عنقي أحبُّ إلي من أن أحدث عن أبي هارون، وقال أحمد: ليس بشيء، وقال ابن معين: ضعيف لا يصدق في حديثه، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال الدارقطني: متلون خارجي وشيعي، فيعتبر بما روى عنه الثوري، وقال ابن حبان: كان يروي عن أبي سعيد ما ليس من حديثه، وروى معاوية بن صالح عن يحيى: ضعيف.
(٣) في (ب): الكف على الكف. وخبره في " الموطأ " ١/ ١٥٨ رقم (٤٦) ونصه: يحيى عن مالك، عن عبد الكريم بن أبي المخارق البصري أنَّه قال: من كلام النبوة: " إذا لم تستحي فافعل ما شئت " ووضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة (يضع اليمنى على اليسرى) وتعجيل الفطر، والاستيناءُ بالسحور. قال ابن عبد البر في " التمهيد ": عبد الكريم بن أبي المخارق ضعيف متروك باتفاق أهل الحديث، لقيه مالك بمكة، وكان مؤدب كتاب، حسن السمت، فغره سمته، ولم يكن من أهل بلده، فيعرفه، فروى عنه من المرفوع في " الموطأ " هذا الحديث الواحد، فيه ثلاثة أحاديث مرسلة تتصل من غير روايته من وجوه صحاح، ولم يرو عنه حكمًا إنما روى عنه ترغيبًا وفضلًا. قلت: فحديث " إذا لم تستحي فاصنع ما شئت " رواه البخاري (٦١٢٠) من طريق منصور عن ربعي بن حراش، عن أبي مسعود البدري. وحديث وضع اليمنى على اليسرى ، رواه مالك والبخاري من طرق أبي حازم بن دينار، عن سهل بن سعد، وحديث تعجيل الفطر أخرجه الطبراني في " الكبير " (١١٤٨٥) وابن حبان (٨٨٥) من طريق ابن وهب، عن عمرو بن أبي الحارث سمع عطاء بن أبي رباح يحدث عن ابن عباس أن رسول الله - ﷺ -، قال: " إنا معشر الأنبياء أمرنا أن نؤخر سحورنا، ونعجل فطورنا، وأن نمسك أيماننا على شمائلنا في صلاتنا " وإسناده صحيح على شرط مسلم، وعزاه السيوطي في " تنوير الحوالك " ١/ ١٧٤ إلى الطبراني وصحح إسناده، وقال: ورجاله رجال الصحيح، ونسبه الهيثمي في " المجمع " ٢/ ١٠٥ و٣/ ١٥٥ إلى الطبراني في " الكبير " و" الأوسط ".
[ ٢ / ٩٤ ]
المحمل الرابع: أن يكون ذلك على طريقة الحفاظ الكبار من أئمة الأثر
وقد رواه من طريق صحيحة، فرواه في " الموطأ " (١) عن أبي حازم التابعي الجليل، عن سهل بن سعد الصحابي ﵁.
وقد أخرج مسلم في " الصحيح " عن جماعة من الضعفاء المتوسطين على جِهَةِ المتابَعَةِ والاعتبار (٢)، وربما اكتفى بالإِسناد إليهم إذا كان إسنادُهم عاليًا، وكان الحديثُ معروفًا عند علماء الأثرِ بإسنادٍ نازلٍ من طريق الثقات، روى ذلك النَّواوي عن مسلم تنصيصًا (٣).
المحمل الرابع: أن يكونَ ذلك على طريقه الحُفَّاظِ الكبارِ من أئمة الأثر، فإنهم يحفظونَ الحديثَ الصحيحَ والضعيفَ لأجلِ التبيين والتحذيرِ من العمل بالضعيف، وذلك مشهورٌ عنهم.
وفي الرواية المشهورة عن البُخاري أنَّه قال: أَحْفَظُ ثلاثَ مئة ألفٍ حديث، منها مئةُ ألفٍ صحاح، ومنها مائتا ألف غير صحاح.
وقال إسحاق بنُ راهَويه: أحفظ مكانَ مئةِ ألف حديثٍ كأنِّي أنْظُرُ إليها، وأحفظُ سبعينَ ألفَ حديث صحيحة عن ظهر قلبي، وأحفظُ أربعةَ
_________________
(١) ١/ ١٥٩ رقم (٤٧)، قال: كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة. قال أبو حازم: لا أعلم إلا أنَّه ينمي ذلك. أي: يرفعه إلى النبي - ﷺ -. وأخرجه البخاري في " صحيحه " برقم (٧٤٠) في الأذان: باب وضع اليمنى على اليسرى من طريق القعنبي، عن مالك به.
(٢) الاعتبار: هو تتبع طرق الحديث في الجوامع والمسانيد والأجزاء حتى يعلم هل له متابع أو لا؟. قال المؤلف ﵀ في " تنقيح الأنظار " ٢/ ١٣ في بيان الاعتبار والمتابع والشاهد: هذه ألفاظ يتداولها أهل الحديث بينهم، فالاعتبار أن يأتي المحدث إلى حديث لبعض الرُّواة، فيعتبره بروايات غيره من الرواة بسبره طرق الحديث ليعرف هل يشاركه في ذلك الحديث راوٍ غيره، فرواه عن شيخه، فإذا لم يجد فعن شيخ شيخه إلى الصحابي، فإن وجد من رواه عن أحد منهم، فهو تابع، وإن لم يجد، نظر: هل رواه أو معناه أحد عن النبي - ﷺ - من غير طريق ذلك الصحابي، فإن وجدت، فهو شاهد.
(٣) انظر " شرح مسلم " ١/ ٢٤ - ٢٥.
[ ٢ / ٩٥ ]
آلافِ حديث مُزَوَّرَة، فقيل له في ذلك، فقال: لأجلِ إذا مَرَّ بي حديثٌ في الأحاديث الصحيحة منها (١) فليتُه فليًا.
إذا عرفتَ هذا، فلا ريبَ أن الإمام أبا حنيفة كان أضعف الأئمة حديثًا (٢)، وذلك لأمرينِ أحدُهما: قبولُه المجهول، وثانيهما: كِبَرُ سِنِّهِ فإنه ما طلب العلم إلا بعدَ أن شاب وأسن، وقد كان الحافظ المشهور بالعناية في هذا الشأن إذا شاخ وأسنَّ، تناقص حفظه، وقلَّ ضبطُه، فكيف ممن لم يَطْلُبِ العلمَ إلَّا بعد (٣) مجاوزةِ حدِّ الكهولة، وهذا نقصانٌ عن مرتبة الكمالِ لا سقوطٌ إلى مراتبِ الجهال، ولا نكارةَ في ذلك، وما زال النَّاسُ متفاضِلِينَ في الحفظ والإتقان.
وقد كان حديثُ الشافعي دونَ حديث مالكٍ في الصحة، ورأيُ الشافعي فوقَ رأيِ مالكٍ في القوة.
وقد كان حديثُ ابن المسيِّبِ، ومحمد بن سِيرين، وإبراهيم النَّخَعِي أصحَّ وأقوى من حديثِ عطاء، والحسن، وأبي قِلابة، وأبي العالية، وكان ابن المُسيِّب أصحَّ الجماعةِ حديثًا من غير قدح في عِلْمِ مَنْ هو دُونَه.
وليس الحفظُ على انفراده يكفي في التفضيل، فقد كان أبو هريرة ﵁ أحفظَ الصحابة على الإِطلاق، وليس يقال: إنَّه أفقههم على الإِطلاق، والمناقبُ مواهبُ يَهَبُ اللهُ منها ما شاء لمن شاء، فبهذه الجملةِ تبين لك أنه لا حُجَّةَ على تجهيل هذا الإِمام الكبيرِ الشأنِ بروايته عن بعض الضعفاء، ولا بقوله: " بأبا قبيس ".
_________________
(١) لفظ " منها " من (ب) و(ش).
(٢) انظر ما كتبه اللكنوي في " التعليق الممجد " ص ٣٠ - ٣٤، فإنه نفيس.
(٣) لفظ " بعد " من (ب).
[ ٢ / ٩٦ ]
قال السيد: وقال الرازي: إن لم نقل بجواز تقليد الميت، أشكل الأمر، لأنه ليس في زماننا مجتهد، وذكروا أن الغزالى لم يبلغ مرتبة الاجتهاد
الوجه الأول: إلزام السيد ما يقتضيه كلامه، لا يلزم من جهلهما أن يكون غيرهما جاهلا
الثاني: أنه لا ملازمة بين دعواهما لعدم الاجتهاد وتعسر الاجتهاد
والعجب أن السَّيِّدَ -أيَّدَه الله- مستمرٌّ على رواية الخلاف عن الحسن، وأبي حنيفة، فإن كان لا يعتقِدُ اجتهادَهما، فذلك لا يَحِلُّ مِن غير بيان، وإن كان يعتقدُ اجتهادهما، وإنما إراد أن يُوَعِّرَ مسالِك العِلْمِ، ويُشكِّكَ فيه على مَنْ أراد الاجتهاد، فهذا لا يليق بأهلِ الورع والدِّيانة، ولا يَصْلُحُ من أرباب التقوى والأمانة.
قال: وقال الرَازي: إن لم نَقُلْ بجوازِ تقليدِ الميت، أشكل الأمر، لأنه ليس في زمانِنَا مجتهد، فأخرج نفسه عن رتبة الاجتهاد، وذكروا أن الغزَّاليَّ لم يبلغ مرتبةَ الاجتهاد، وممن ذكر ذلك ابنُ خَلِّكَانَ في " تاريخه " وغيرُه.
أقول: كلامُ السَّيِّدِ هذا يشتملُ على الاستدلال على صعوبةِ الاجتهاد بعدم اجتهاد الرّازي والغَزّالي.
والجوابُ عليه من وجوه:
الألول: إلزامُ السَّيِّدِ ما يقتضيه كلامُه، وذلك إنهما عنده لم يبلغا مرتبة الإسلام فضلًا عن مرتبة الاجتهاد، فإن كان يُريد أن يُجَهِّل سائرَ علماء المسلمين قياسًا على تجهيلهما، لزمه أيضًا أن يُكفِّرَ سائِرَ علماءِ المسلمين قياسًا على تكفيرهما، وإن كان يقولُ: إنَّه لا يلزم مِن كفرهما أن يكون غيرهُما كافرًا، قلنا: وكذلك لا يلزمُ مِن جهلهما أن يكونَ غيرهُما جاهلًا.
الثاني: أنَّه لا ملازمةَ بين دعواهما، لعدم الاجتهاد، وتعسُّرِ الاجتهاد، لأنَّه لا مانع (١) أن يدَّعِيَا جهلَ أدِلَّةِ الأحكام الشرعيةِ مع
_________________
(١) في (أ) و(ج) و(ش) يجوز.
[ ٢ / ٩٧ ]
الثالث: أن السيد ذكر في كتابه أنهما غير محققين ولا موفقين بهذا اللفظ، ثم احتج على تعسر الاجتهاد بجهلهما
الرابع -وهو التحقيق-: وهو أن نقول: لا ريب عند كل منصف ممن له معرفة بتصانيف هذين الرجلين أنهما من أهل التمكن من الاجتهاد
معرفتهما لها، كما أنَّهما عند السَّيِّد ادَّعيا جهلَ أدلة الإسلامِ الجلية مع معرفتهما لها، وذلك لأنهما عندَ السَّيِّد من أهل العِناد، وتعمدِ الباطل، فلا يُصدَّقان فيما قالاه، فربما قالا ذلك لِغرضٍ دنيوي، ومَقْصِدٍ غيرِ صالح على اعتقاد السَّيِّد فيهما.
الثالث: إن السيدَ ذكر في كتابه أنهما غيرُ محققين، ولا مُوَفَّقَيْنِ بهذا اللفظ، ثم احتج على تعسُّرِ الاجتهاد بجهلهما، وليس يحتج على تعسُّرِ العِلْمِ بجهلِ مَنْ لَيْسَ بموفَّقٍ، ولا محقق، لأنَّه يجوزُ أنه إنما لم يجتهِدْ لعدمِ تحقيقه، وقِلَّةِ توفيقه، لا لِتعسُّرِ الاجتهاد في نفسه، كما أن قليلَ التوفيق ربما تركَ الصلاةَ، وأخلَّ بالواجبات، لقلة توفيقه، لا لمشقة ما شرعه الله سبحانَه لعباده.
الرابع: وهو التحقيق -: وهو أن نقول: لا ريبَ عند كُلِّ منصفٍ ممن له معرفةٌ بتصانيفِ هذين الرجلين، وذوقٌ في معرفةِ العلوم، ودِرْيَةٌ في أساليبِ الخصومِ أنهما مِن أهلِ التمكن من الاجتهاد، والقُدرةِ على التبحُّرِ في العلوم، ومن وقف على كلاماتِهما في مصنفاتهما في الأصولِ والمنطق، ورأى غوصَهما على خفيَّاتِ المعاني لا سيما ابن الخطيب الرازي في " نهاية العقول " و" الملخص "، و" المحصل "، و" المحصول "، (١)، و" شرح إشارات ابن سينا " في علم المنطق، وتفسيره المسمى بـ " مفاتح الغيب " (٢) وسائر مصنفاتهما. ثم غلب على
_________________
(١) هو في أصول الفقه، وقد نشرته لأول مرة لجنة البحوث والتأليف والترجمة والنشر في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في ستة أجزاء كبار بتحقيق الدكتور طه جابر فياض العلواني.
(٢) ويقع في ثماني مجلدات كبار، وهو مطبوع، ومتداول بين أهل العلم، ولكنه ﵀ لم يتمه فيما قاله ابن خلكان ٤/ ٢٤٩، وابن قاضي شهبة ٢/ ٨٣، ويقول ابن حجر في =
[ ٢ / ٩٨ ]
ظنه أنهما كان يَعجِزَانِ عن معرفة حكم الماءِ إذا تغيَّر بالزعفرانِ، هل يكونُ طاهرًا مطهرًا أو يكون طاهرًا غير مطهر، وهل الدم والقيء من نواقض الوضوء، أو ليسا مِن نواقضه؟ وهل يجبُ استقبالُ عينِ الكعبة، أو يجبُ استقبال الجِهَةِ؟ وهل الاعتدالُ بعدَ الركوع والسجود واجبٌ أو مسنون؟ وهل القصرُ في السفر واجب أو رخصة؟ ونحو ذلك من المسائل الفروعية، أو أنهما كانا لا يعرفانِ كيفيةَ الترجيح عند تعارضِ الأدِلَّةِ، ونحو ذلك من المسائل الأصولية، فهو بَهيمِيُّ الفَهْمِ بلا شك.
وإذا كان الاجتهادُ متعسِّرًا على صاحبِ " الملخص "، و" المحصل " و" المحصول " الذي يتلبَّد في فهم معانيه (١) كثيرٌ من كُبرَاء علمِ المعقول، فكيف يسهل الاجتهادُ لأبي بكر، وعمر، وعثمانَ بن عفان، وعثمان بن مظعون، والمقدادِ، وجابرِ بنِ سَمُرة، وعائشة، وأمثالهم ممن نقِلَتْ عنه الفُتيا من الصحابة الذين لم يرتاضوا على النظرِ، ولا تدرَّبوا في ترتيب الأدلة، وتمهيد القواعد، وتهذيبِ الكلام في شرائط القياس، وكيفيةِ الاستدلال؟
ومن نظر إلى كلامِ كثيرٍ من الصحابة في القياس في مسائل
_________________
(١) = الدرر الكامنة " ١/ ٣٠٤: أن الذي أكمل تفسير فخر الدين الرازي هو أحمد بن محمد بن أبي الحزم مكي نجم الدين المخزومي القمولي مات سنة ٧٢٧ هـ. وبقول صاحب " كشف الظنون " ١٧٥٦: وصنف الشيخ نجم الدين أحمد بن محمد القمولي تكملة له وتوفي سنة ٧٢٧ هـ، وقاضي القضاة شهاب الدين بن خليل الخويي الدمشقي كمل ما نقص منه أيضًا وتوفي سنة ٦٣٩ هـ. ويقول الدكتور الذهبي في " التفسير والمفسرون " ١/ ٢٩٣: ولا يكاد القارىء يلحظ في هذا التفسير تفاوتًا في المنهج والمسلك بل يجري الكتاب من أوله إلى آخره على نمط واحد وطريقة واحدة تجعل الناظر فيه لا يستطيع أن يميز بين الأصل والتكملة، ولا يتمكن من الوقوف على حقيقة المقدار الذي كتبه الفخر، والمقدار الذي كتبه صاحب التكملة.
(٢) في (ب) و(ج) و(ش): مقاصده.
[ ٢ / ٩٩ ]
ويلتحق بهذا فائدة: وهي أنه لا شك أن هذين الرجلين من كبار أهل العلوم العقلية والنقلية النظرية، ورؤوس الطائفة الأشعرية
الفرائض، وتردُّدِهم في ذلك، علم أن الخوضَ في تلك الأمورِ أسهلُ على أهل الدِّرْيَةِ بعلوم النظر، والمهارة في البحث عن الغوامض.
فإن قلتَ: فإذا كانا متمكنينِ من الاجتهاد، فَلِمَ تركاه واختارا التقليد؟
قلت: جوابُ هذا غيرُ متجه، لأن مَنْ ترك شيئًا من الفضائل، لم يجب القطعُ بعجزه عنه، ولا يجبُ على من ادَّعى أنَّه يظن قدرتَه على ذلك إظهارُ الدليل على الوجه في تركِ ذلك الفعل، ألا ترى أن كثيرًا من الصحابة والعرب لم يكونوا مجتهدينَ مع تمكُّنِهِم من ذلك وسهولته عليهم، وهذا مما لا يحتاجُ إلى مناظرة.
فأما الاحتمالاتُ، فهي كثيرة، فمنها أن يتركا ذلك، لأن التقليدَ أسهلُ، وقد رأينا من يختارُ التقليدَ لذلك، فقد حدثني الفقيه علي بنُ عبد الله بن أبي الخير -﵀- أنَّه يكره النظرَ في كتب أدلةِ الأحكام، قال -﵀-: لأنَّه إذا عَرَفَ الدليلَ اعتقد أنَّه يجبُ عليه العمل به، ويَحْرُمُ عليه التقليدُ، وهو يُحِبُّ أن يبقى في سَعَةٍ، ولا شكَّ أن هذَا الاختيارَ جائز عقلًا وشرعًا، وإن كان فيه قصورٌ في الهِمَّة، ومخالفة للاقتداء (١) بخير هذه الأمة.
ويلتحق بهذا فائدة: وهي أنَّه لا شك أن هذين الرجلين مِن كبار أهلِ العلومِ العقلية النظرية (٢)، ورؤوسِ الطائفة الأشعريَّةِ، ولهما الباعُ الطويلُ في التمكن من إيرادِ الشبه العويصة على جميعِ الطوائف حتَّى على
_________________
(١) في (ب): في الاقتداء.
(٢) في (ج): العقلية النقلية النظرية.
[ ٢ / ١٠٠ ]
أصحابهما الأشاعرة، ولكن بركات العِلم أدركتهما، فإنا نرجو صحة ما رُوِيَ من توبتهما، فقد صرَّح الغزالي في " المنقذ مِن الضلال " (١) برجوعه عن الخوض في علم الكلام إلى مثل كلام أهلِ التصوف في الإقبال على الله تعالى بالكلية، وحصولِ اليقين بذلك، وفي خطبة " المَقْصِد الأسْنى " ما يقتضي أنَّه مُتَّقٍ في إظهار الحقِّ في بعض الأمور، وروى الإمامُ المهدي محمد بن مُطْهر، والأميرُ الحسين بن محمد عن الغَزّالي أنَّه تابَ مِن مذهبه، وترحَّما عليه، وترحم عليه حميدُ المحلي، وحكى نحو ما تقدَّم من توبته.
وأما الرازي، فصرحَ في وصيته بالرجوع عن (٢) جميع ما أودعه مصنفاتِه إلا ما نطق به القرآنُ والسنةُ المُجْمَعُ على صحتها، وأنه يدينُ الله تعالى بما دانه به رسولُه (٣) - ﷺ -، وفي شعره ما يُلِمُّ بهذه العقيدة الجميلة كقوله:
العِلْمُ لِلرّحْمَانِ ﷻ وسِوَاهُ في جَهَلاتِهِ يَتَغَمْغَمُ (٤)
مَا لِلتُّرَابِ ولِلعُلُومِ وَإنَّمَا يسْعَى ليعْلَمَ أنّهُ لا يَعْلَمُ
_________________
(١) انظر ص ٩١ - ٩٣ نشر دار الأندلس بتحقيق د جميل صليبا ود كامل عياد. وهذا الكتاب صحيح النسبة للإمام الغزالي، وهو من أواخر ما ألف بعد عزلة دامت عشر سنوات نَحا فيها منحى الصوفية، وصرح فيه بأن أصح الطرق إلى المعرفة هو طريق الصوفية الذي يقوم على الخلوة والمجاهدة، وفيه عبارات يستغرب صدورها من مثل هذا الإمام، فإنها تنطوي على أفكار فلسفية هي بمنأى عن صراط الله السوي انظر الصفحات ١٣٢ و١٣٩ و١٤٠ و١٤١ و١٤٢ و١٤٣ و١٤٠ و١٥٠.
(٢) في (أ) و(ج) من، وفي (ش) في.
(٣) في (ب) رسول الله: وانظر نص الوصية بتمامها في الجزء الأول من " المحصول " من ص ٧٩ - ٨٣ وانظر ترجمته في " السير " ٢١/ ٥٠٠.
(٤) من الغمغمة: الكلام غير البين.
[ ٢ / ١٠١ ]
قال السيد: وذكر بعض فقهاء الشافعية تعسر الاجتهاد
أقول: هذه الروايات عن بعض أصحاب الشافعي قد جعلها السيد لكلامه تماما، ولاحتجاجه ختاما، ولا بد من التعرض لوجوه يكشف النقاب عن وجه الصواب وإن كانت هذه الشبهة مما لا تحتمل الجواب
وقولِه في أبياتٍ له:
نِهَايَةُ إقْدَامِ العُقُولِ عِقَالُ وَأكْثَرُ سَعْيِ العَالمينَ ضَلاَلُ (١)
وفي معنى البيتينِ الأوَّلَيْنِ قولُ الآخر:
وَكَمْ في البَرِيَّةِ مِنْ عَالِمٍ قَوِيِّ الجِدَالِ شَدِيدِ الكَلِمْ
سَعَى في العُلُومِ فلما يُفِدْ سِوى عِلْمِهِ أنَّهُ ما عَلِمْ
وهذا مِنْ بَرَكاتِ العِلْمِ وخاتِمَةِ الخيرِ. والله أعلم.
قال: وذكر بعضُ فقهاء الشافعية تعسُّرَ الاجتهادِ حتى قال: وقد كانوا يرون أن درجة الاجتهاد في زمانهم مفقودة، يعني أصحاب الشافعي المتقدِّمين، وذكر منهم القَفَّالَ، وأبا حامدٍ الإسفَراييني، وأبا إسحاقَ الإِسفراييني، وأبا إسحاق المروزي، والجُويني قال: وقال الرافعيُّ: القومُ كالمجمعين على أنَّه لا مجتهدَ اليومَ، وحُكِيَ عن المحاملي أنَّه قال: ما أعلمُ على وجهِ الأرض مجتهدًا. زادنا اللهُ هدى، وجعلنا ممن يتجنَّبُ الرَّدى، ولا يُزكِّي على الله أحدًا، كما جاء في الحديث مسندًا.
أقول: هذه الروايات عن بعض أصحابِ الشافعي قد جعلها السَّيدُ لِكلامه تمامًا، ولاحتجاجه ختامًا، وقد استملح هذه الحكاياتِ، واستروح إلى هذه الرواياتِ حِرصًا على توعيرِ مسالك العلمِ، وسدِّ أبوابِ
_________________
(١) وتمام الأبيات عند ابن خلكان ٤/ ٢٥٠. وأرواحنا في وحشةٍ من جسومنا وحاصل دنيانا أذى ووبالُ ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيلَ وقالوا وكم قد رأينا من رجالٍ ودولة فبادوا جميعًا مسرعين وزالوا وكم من جبال قد علت شرفاتها رجال فزالوا والجبالُ جبالُ وهي في " طبقات السبكي " ٨/ ٩٦، و" عيون الأنباء " ٢/ ٢٨.
[ ٢ / ١٠٢ ]
الاجتهاد، ولم يُبَال السَّيِّدُ بما تَحتَها من الغوائل والمناكير من تجهيل العلماء الأفاضل، والأئمة المشاهير، وما كنتُ أظُنُّ الغُلُوَّ ينتهي بالسيدِ -أيَّدَهُ الله- إلى هذه الغاية، ولا يتجاوَزُ به إلى هذا المقدار، وكيف تجاسَرَ السيدُ على إطلاقِ القول بأن أصحاب الشافعي المتقدمين قضَوْا بفقدِ مرتبة الاجتهاد، مستَرْوحًا بهذا القول المعلوم الفساد، محتجًّا به على الاستعسارِ للعلم والاستبعاد؟!
فأقول: ما شاءَ اللهُ، لا قوةَ إلا بالله، إن كان ذهَبَ العلمُ بالأدلة، فأين الحياءُ من العُلماء الجِلَّة؟! أين ذهب التوقيرُ لأئمة العِترة ﵈؟ إلامَ صار التعظيمُ لعلماء الإسلام؟ كأنَّك ما عرفتَ أنَّ قدماءَ أصحابِ الشافعي قبلَ الهادي، والقاسم، ولا دَرَيْتَ أن كلامك يقضي بتجهيل عوالِمَ من أولادهما الأكارِمِ، أما علمتَ أن بحارَ العلوم الإسلامية. ما تَموَّرت إلا بعدَ أصحاب الشّافعي؟ أتُرَجَّحُ تجهيلَ أقمارِ الهُدى لِروايةٍ حُكِيَتْ عن المَرْزِي، والرّافِعِي؟ ما هذه العصبية؟ إنها لَمِنْ أعظم البلية. وقبل الجواب على السيد -أيَّده الله- نذكر بحثًا حسنًا في قوله: " ولا نُزكِّي على الله أحدًا " كما جاء في الحديث مسندًا.
فنقول: أخبرني مِن أيِن جاءَ هذا الحديثُ مسندًا؟ فإن قلت: إنه جاء مسندًا مِن طريق المحدثين، فما لك مرتكبًا ما نَهَيْت عنه، وفاعلًا ما حذَّرْت منه؟! وقد قيل:
لا تَنْهَ عن خُلُقٍ وَتَأتِيَ مِثْلَه عَارٌ عَليْكَ إذا فَعَلْتَ عَظِيمُ (١)
_________________
(١) أنشده سيبويه ٣/ ٤١ للأخطل، والمشهور أنه لأبي الأسود الدؤلي ظالم بن عمرو ملحقات ديوانه ١٣، ونسب أيضًا إلى سابق البربري والطرماح والمتوكل الليثي وقال البغدادي قال اللخمي في شرح أبيات الجمل: الصحيح أنه لأبي الأسود. انظر " خزانة الأدب " ٣/ ٦١٧، =
[ ٢ / ١٠٣ ]
الوجه الأول: أن الشافعي - رضي الله تعالى عنه - من قدماء العلماء، فلنذكر بعدهم معرفتين
وإن كنت تعرِفُه مسندًا من غير طريقهم، فأخبِرْنا بذلك الإسناد؟ وكيف تيسرت لك معرفتُه بعدَ الإنكارِ لها، والاستبعاد؟ وإن كنتَ لا تعْرِفُ له سندًا إلا مِن طريق رجالِ الحديث وأئمة الأثرِ، فكُفَّ عن القوم غَرْبَ لِسانِك، واجعل شُكْرَكَ لهم بدلًا عن شَنآنِكَ، وما أحسنَ قول بعضهم (١):
أقِلُّوا عَلَيهِمْ لا أَبَا لأِبِيْكُمُ مِنَ اللَّوْمِ أو سُدُّوا المَكانَ الذِي سَدُّوا
هذا ولا بُدَّ من التعرض لوجوه تكشف النِّقاب عن وجهِ الصواب وإن كانت هذه الشبهة مما لا تحتمِلُ الجواب.
الوجه الأول: أن الشافعيَّ ﵁ مِن قُدماء العلماء، ورجال المئة الثانية من الهجرة النبوبة، وعلى رأسِها توفي سنة أربع ومئتين، وقد كان القدماءُ مِن أصحابه متقدمين لِمن لا يأتي عليه العَد مِن أئمة الإِسلام من أهلِ البيت ﵈، وسائر العلماء الأعلام، فهذا البُويطي (٢) صاحبُ الشافعي المشهور توفي سنةَ إحدى وثلاثين ومئتين، والقاسم ﵇ توفي سنةَ ست وأربعين ومئتين، فوفاةُ البُويطيِّ صاحب الشافعي
_________________
(١) = وشرح شواهد المغني ٦/ ١١٢، و" المقتضب " ٢/ ٢٦، وشرح المفصل ٧/ ٢٤، ومعجم المرزباني ٤١٠.
(٢) هو الحطيئة جرول بن أوس بن مالك العبسي أبو مليكة شاعر فحل متين الشعر مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام، وكان هجاء عنيفًا لا يكاد يسلم من لسانه أحد، هجا أمه وأباه ونفسه، والبيت في ديوانه ص ٤٠ من قصيدة مطلعها: ألا طرقتنا بعدَما هَجَعُوا هِنْدُ وقد سِرْنَ خمسًا واتلأبَّ بنا نجدُ
(٣) هو أبو يعقوب يوسف بن يحيى المصري البويطي صاحب الإمام الشافعي، لازمه مدة، وتخرج به، وفاق الأقران. قال الإمام الذهبي في " سير أعلام النبلاء " ١٢/ ٥٩: كان إمامًا في العلم، قدوة في العمل، زاهدًا ربانيًا، دائم الذكر والعكوف على الفقه، بلغنا أن الشافعي قال: ليس في أصحابي أحد أعلم من البويطي، وقال الربيع بن سليمان المرادي: ما أبصرت أحدًا أنزع بحجة من كتاب الله من البويطي.
[ ٢ / ١٠٤ ]
متقدِّمةٌ على وفاة القاسم ﵇ بخمسَ عشرة سنة، والقاسم ﵇ مِن أول أئمة المذهب، وأنبلِ مَنْ في طِرَازِ الأئمة المُذْهَبِ (١)، وهو الذي تفجَّرت منه بحارُ العلوم إفادةً وولادة، وخضعت رقابُ الخصومِ لمناقبه من العلم والزَّهادة والمجد والإجادة، فأما الإمام الهادي يحيى بن الحسين، والناصر الحسن بن علي ﵉، فالبويطي متقدِّم لهما في الوفاة بقدرِ سبعين سنة تَنْقُصُ شيئًا يسيرًا، وكذلك الربيعُ (٢) والمزنيُّ (٣) صاحبا الشافعي، فإنهما عاصرا القاسم ﵇، وتقدما الهادي بكثيرٍ منَ الأعوام، وأما السيدان الإمامان الناطق بالحق أبو طالب، والمؤيَّدُ بالله ومَنْ بعدهما كالمُتوكِّلِ على اللهِ أحمدَ بنِ سليمان، والمنصور بالله عبد الله بن حَمْزَة، وسائِرِ أئمة الهُدَى، ومصابيحِ الدُّجى مِن عِترةِ المصطفي صلَّى اللهُ عليه وعلى آله، وسائِرِ علماء العِترة، وساداتهم، وكُبراءِ المسلمين وجِلَّتِهِم، فكلام السيد -أيَّدَه اللهُ- وكلامُ بعضِ أصحابِ الشافعي قاضٍ أنهم مِن جُملَةِ أهلِ الدعاوي الباطلة، مُفْصِحٌ بأنَّ وجوهَ دعاويهم للعلم عن حِلية الصِّدْقِ عاطِلَة، فحسبُك ما أدَّى إليه عِظَمُ غُلُوِّك
_________________
(١) في (ب): وأنبل من في الطراز الأول المذهب.
(٢) هو الربيع بن سليمان الإمام المحدث الفقيه الكبير أبو محمد المرادي مولاهم، المصري المؤذن صاحب الإمام الشافعي، وناقل علمه، وشيخ المؤذنين بجامع الفسطاط، ومستملي مشايخ وقته ولد سنة ١٧٤ هـ، وتوفي سنة ٢٧٠ هـ. قال الإمام الذهبي في " النبلاء ": وطال عمره، واشتهر اسمه، وازدحم عليه أصحاب الحديث، ونعم الشيخ كان، أفنى عمره في العلم ونشره، ولكن ما هو بمعدود في الحفاظ، وإنما كتبته في " التذكرة " وهنا لإمامته وشهرته بالفقه والحديث. وقال أيضًا: وقد كان من كبار العلماء، ولكن ما يبلغ رتبة المزني، كما أن المزني لا يبلغ رتبة الربيع في الحديث " سير أعلام النبلاء " ١٢/ ٥٨٧ - ٥٩١.
(٣) هو أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني المصري المتوفى سنة ٢٦٤ هـ. وصفه أبو إسحاق، بقوله: كان زاهدًا عالمًا مناظرًا محجاجًا غواصًا على المعاني صنف كتبًا كثيرة، وقال الإمام الذهبي في " السير " ١٢/ ٤٩٣: كان رأسًا في الفقه إلا أنَّه قليل الرواية.
[ ٢ / ١٠٥ ]
المعرفة الأولى: ذكر جماعة من علماء سادات العترة
مِن تجهيل أئمةِ الأمة، والعِترة في مقدار ست مئة سنة، ومِن لَدُنِ القاسم بن إبراهيم ﵇ إلى يومِ النَّاسِ هذا، على أنَّ هذه المدة قد اشتملت على أقمارِ الهُدى، وبحارِ المعارف، وجبالِ العلوم، وأئمة الإسلام، وأركان الإيمان.
ولا بد من تشريف هذا الجواب بذكر جماعةٍ من عيونهم، والتماس نزولِ البركة بذكر جملة مختصرة من أسمائهم إذ التعرضُ لاستقصاء ذلك مما يفتقِرُ إلى تأليف كتابٍ، ولا يحتمِلُ أن يدخُلَ في ضمن هذا الجواب.
ولما لم يكن بد من الاقتصار كان ذِكْرُ من يخفى على كثيرٍ من أهل هذه الأعصار أهَمَّ مِن ذكر مَنْ لا يخفى على أحدٍ من الأئمة الكبار، وقد ذكرنا من أئمة أهلِ البيت مَنْ لا زيادة عليه، ومن يَصْغُرُ كُلُّ كبير بالنظر إليهم، فلنذكر بعدهم معرفتين.
المعرفة الأولى: في ذكر جماعة من علماء سادات العِترة ﵈ ممن لا يعرفهم كثيرٌ من أهل العصر.
فمنهم الحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي ﵈، ذكره في " الجامع الكافي " (١) إمامٌ مجتهد متكلم في الفقه. ذكر محمد بن منصور أنه ممن اجتمعت عليه الفِرَقُ.
ومنهم السَّيِّدُ الإمامُ العلاَّمَةُ محيي السُّنة سَيِّدُ الحفَّاظ أبو الحسن محمدُ بنُ الحسين العلوي الحسيني أحدُ أئمة الحديث، عَقَدَ مجلسَ الإملاء بعدَ الامتناع منه رغبةً في الخُمول، فكان يَحْضُرُ مجلسَه ألفُ
_________________
(١) في فقه الزيدية لمؤلفه محمد بن علي بن الحسن العلوي الحسني، منه عدة أجزاء في المكتبة الغربية بالجامع الكبير بصنعاء " انظر الفهرس " ص ٢٤٨ - ٢٤٩.
[ ٢ / ١٠٦ ]
مِحبرة. قال ابن الصَّلاح: وتوفي في شعبان سنةَ ثلاث وسبعين وثلاث مئة (١).
" ومنهم أخوه السيدُ العلاَّمةُ أبو علي محمدُ بنُ الحسين، قال الإسنويُّ: كان من أعيانِ العُلماءِ، ولم أقِفْ على تاريخ وفاته (٢).
قلت: لكنَّهُ توفي بعدَ وفاةِ أخيه، فإنَّه الذي صلى عليه، وقد حَصَل الغَرَضُ بهذا، إذ هو ممن تُوفي بعدَ القدماء من أصحابِ الشافعي.
ومنهم السيدُ أبو الحسن عليُّ بن أحمدَ بنِ محمد بن عمر العلوي الحسني الزَّيْدِي. كانَ مِن العلماء المصنِّفِينَ، وكان رأسًا في الزَّهَادَةِ والصلاح، حمل عنه شيوخُه وأقرانُه تبركًا به، توفي سَنةَ خمسٍ وسبعين -أظنُّه- وثلاث مئة (٣).
ومنهم أبو القاسم عليُّ بنُ المظفر، كان مِنْ أوعيةِ العلمِ، إمامًا في الفقه، والأصول، واللغة، والنحو، والمناظرة، حسنَ الخَلْقِ، والخُلُق،
_________________
(١) كذا في (أ) و(ب) و(ج) و(ش)، وأما الإمام الذهبي، فقد أرخ وفاته في " سير أعلام النبلاء " ١٧/ ٩٨، و" العبر " ٣/ ٧٦ في سنة ٤٠١، وتابعه على ذلك الصلاح الصفدي في " الوافي " ٢/ ٣٧٣، وابن العماد في " الشذرات " ٣/ ١٦٢، وأورده السبكي في " طبقاته " ٣/ ١٤٨ - ١٤٩ في الطبقة الثالثة. وفي " السير " قال الحاكم: هو ذو الهمة العالية، والعبادة الظاهرة، وكان يسأل أن يُحَدِّث فلا يحدث، ثم في الآخر عقدت مجلس الإملاء، وانتقيت له ألف حديث، وكان يعد في مجلسه ألف محبرة، فحدث وأملى ثلاث سنين مات فجأة في جمادى الآخرة سنة إحدى وأربع مئة. ويغلب على الظن أن المؤلف أخطأ في النقل عن ابن الصلاح.
(٢) " طبقات الشافعية " للإسنوي.
(٣) هذا الظن في غير محله، فقد اتفق المترجمون له على أنَّه ولد سنة تسع وعشرين وخمس مئة، وتوفي سنة خمس وسبعين وخمس مئة. انظر " تذكرة الحفاظ " ٤/ ١٣٦١، و" سير أعلام النبلاء " ٢١/رقم الترجمة (١٠٤)، و" طبقات السبكي " ٧/ ٢١٢، و" النجوم الزاهرة " ٦/ ٨٦، و" طبقات الحفاظ " للسيوطي ص ٤٨١.
[ ٢ / ١٠٧ ]
فصيحًا جَوادًا، كثيرَ المحاسن.
قال الاسْنَوِيُّ: كان قُطبًا في الاجتهاد، وتوفي سنة اثنتين وثمانين (١) وأربع مئة.
ومنهم السَّيِّدُ الكبيرُ شمسُ الدين محمدُ بنُ الحسين بنِ محمدٍ العلوِيُّ الحسيني. كان إمامًا، فقيهًا، محدثًا، أصوليًا، نظارًا، توفي سنةَ خمسين وست مئة (٢).
ومنهم السيِّدُ العلامة عُمَر بن إبراهيم العلوي الزَّيْدِي الكوفي الشيعيُّ المعتزليُّ، هكذا نسبَه إلى التشيع والاعتزال الذهبي في " الميزان "، وقال: وُلدَ سنة اثنتين وأربعين وأربع مئة، وتوفي سنةَ تسعٍ وثلاثين وخمس مئة عن سبع وثمانين سنة.
أجاز له محمد بن علي بن عبد الرحمان العلوي، وسمع أبا القاسم بن المِسْوَرِ الجُهني، وأبا بكر الخطيب، وجماعة، وسكن الشامَ في شبيبَتِهِ مدةً، وبرع في العربيةِ، والفضائل، وكان مشاركًا في علومٍ، وهو فقيرٌ متقنِّع خيِّرٌ دين [على بدعته]، وهو مفتي الكوفة، كان يقول: أفتي بمذهب أبي حنيفة ظاهرًا، وبمذهبِ زيد تديُّنًا.
روى عنه: ابنُ السمعاني، وابنُ عساكر، وأبو موسى المديني،
_________________
(١) في النسخ: وثلاثين، وهو خطأ، مترجم في " الأنساب " ٥/ ٢٧٥ - ٢٧٦، و" سير أعلام النبلاء " ١٩/ ٩١ رقم الترجمة (٥١)، و" طبقات الشافعية " للسبكي ٥/ ٢٩٦ - ٢٩٨، و" المنتظم " ٩/ ٥٠، و" طبقات الإسنوي " ١/ ٥٢٦ - ٥٢٧، و" البداية " ١٢/ ١٣٥ - ١٣٦، و" النجوم الزاهرة " ٥/ ١٢٩، و" الكامل " لابن الأثير ١٠/ ٨١.
(٢) انظر " الوافي بالوفيات " ٣/ ١٧، و" وفيات ابن قنفذ " ٣٢٢، ومقدمة " المحصول " ص ٦١ - ٦٢.
[ ٢ / ١٠٨ ]
ذكر ذلك كُلَّه الذهبيُّ (١).
قلتُ: وهو الذي روى عنه حُفَّاظُ الإسلامِ في عصرهم.
ومنهم أبو السَّعَادَاتِ هِبةُ الله عليُّ بنُ محمد بن حمزة العلوي الحسني (٢) المعروف بابنِ الشَّجري البغدادي.
قال الذهبي في كتاب " المشتبه " (٣): نحويُّ العِرَاق.
وقال ابنُ خَلِّكَانَ في حرف الهاءِ في " تاريخه " (٤): كان كامِلَ الفضائِل، متضلِّعًا من الآداب، صنَّف عدةَ تصانيف منها كتاب " الأمالي " (٥) وهو أكبرُ تواليفه، وأكثرُها إفادةً، أملاه في أربعة وثمانين مجلسًا، وهو مِن الكُتُُبِ الممتعة، ولما فَرَغَ من إملائه حضر إليه أبو محمد عبدُ الله بن أحمد بن راجح بن أحمد المعروف بابنِ الخشَّاب، والتمسَ منه سماعَه، فلم يُجِبْهُ، فعاداه، وردَّ عليه في مواضِعَ مِن الكتاب، فوقَفَ عليه، فردَّ عليه في رده، وبَيَّنَ وجوهَ غَلَطِه، وجمعه كتابًا سماه " الانتصار "، وهو مع صِغَر حجمه مفيدٌ جدًّا، وسمعه عليه الناسُ، وجمع أيضًا كتابًا سماه " الحماسة " (٦) ضاهى به حماسةَ أبي تمام الطائي، وهو كتابٌ مليح غريبٌ أحْسَنَ فيه، وله في النحوِ عِدَّةُ تصانيف.
_________________
(١) " ميزان الاعتدال " ٣/ ١٨١، و" سير أعلام النبلاء " ٢٠/ ١٤٥ الترجمة (٨٦).
(٢) في (أ) الحسيني، وهو تحريف.
(٣) ١/ ٣٥٤.
(٤) " وفيات الأعيان " ٦/ ٤٥ - ٥٠، وهو مترجم في " سير أعلام النبلاء " ٢٠/ ١٩٤ رقم الترجمة (١٢٦).
(٥) وهو مطبوع في الهند، وتنقص هذه الطبعة عدة مجالس، وقد تم نشر هذه المجالس الناقصة بمؤسسة الرسالة بتحقيق الدكتور حاتم الضامن.
(٦) طبع في دمشق في جزئين بتحقيق أسماء الحمصي وعبد الغني الملوحي.
[ ٢ / ١٠٩ ]
ولما قَدِمَ الزمَخْشَرِيُّ بغدادَ حاجًّا قَصَدَهُ للزيارة، فلما اجتمع به، أنشد أبو السعادات قولَ المتنبي:
وأسْتَكْبِرُ الأخْبَارَ قَبْلَ لِقَائِهِ فَلمّا الْتَقَيْنَا صَغَّرَ الخَبَرَ الخُبْرُ (١)
فقال الزمَخْشَريُّ: رُوي عنِ النبي - ﷺ - أنَّه لما قَدِمَ عليه زيدُ الخيل، قال له: يا زيدُ ما وُصِفَ لي أحدٌ في الجاهلية فرأيتُه في الإسلام إلا رأيتُه دونَ ما وُصِفَ لي غيرك (٢). انتهي بألفاظ ابن خلكان.
توفي سنة اثنتين وأربعين وخمس مئة عن اثنتين وتسعين سنة.
ومنهم السَّيِّدُ العلامةُ برهانُ الدين عُبيد الله الحسيني (٣) المعروف بالعِبْرِي، كان أحدَ الأعلام في عِلْمِ الكلامِ والمعقولاتِ، ذا حظٍّ وافِرٍ من باقي العلوم، وله التصانيف المشهورة، منها كتابُ " شرح المنهاج "، وكتابُ " المصباح "، وكتابُ " الطوالع "، وَكُتُبُه الغايةُ القصوى في الفقه.
توفي ثالث عشر رجب سنةَ ثلاث وأربعين وسبع مئة، وخلَّف ولدًا فصيحًا فاضلًا في العُلُوم العقليةِ.
_________________
(١) هو في ديوانه ٢/ ١٤٨ بشرح العكبري من قصيدة يمدح بها علي بن أحمد بن عامر الأنطاكي مطلعها: أُطاعِنُ خيلًا من فوارسها الدَّهر وحيدًا وما قولي كذا ومعي الصَّبرُ وفي " الوفيات " ثم أنشده بعد ذلك: كانت مساءلةُ الرُّكبان تخبرنا عن جعفر بن فلاحٍ أحسنَ الخبرِ ثم التقينا فلا والله ما سمعت أذني بأحسن مما قد رأى بصري
(٢) ذكره الحافظ في " الإصابة " ١/ ٥٥٥ في ترجمة زيد الخيل عن ابن إسحاق.
(٣) كذا في (ج) و(ش) وهو موافق لما في " الدرر الكامنة " و" البدر الطالع " ١/ ٤١١، و" توضيح المشتبه " ٢/ ١٧٨/١، وفي (أ) و(ب) الحسني.
[ ٢ / ١١٠ ]
ومنهم السيِّدُ العالم أبو القاسم منصورُ بنُ محمد العلوي الفقيه، تُوفِّيَ سنةَ أربعٍ وأربعينَ وأربعِ مئة.
ومنهم العَلاَّمة المُحَدِّث المرتضى محمَّدُ بن محمد بن الإمام زيدِ بن علي، ﵉ صاحبُ التصانيف النافعة، توفي سنةَ ثمانين وأربع مئة (١).
والسَّيِّد النسيبُ العلامةُ المحدِّث المصنِّفُ، توفي سنة ثمان وخمس مئة (٢).
والسيِّدُ الإمامُ العلامةُ شيخُ الشيعة محي الدين بن عدنان الحُسَيْني، توفي بعدَ سبع المئة.
ومنهم جماعةٌ وافِرة، أئمة دُعاة، وسادةٌ علماء ممن سكن الغربَ لا يُعرفونَ، ذكرهم ابن حَزْم في كتابه " جَمْهَرَة النّسب ".
ومنهم جماعة علماء، ورواة ذكرهم المِزِّيُّ في " تهذيبه "، وغيرُه ممن جَمَع رجالَ الكُتُبِ الستة: البخاري، ومسلم، والأربعة.
ولنذكر جماعة ممن ذكر ابنُ حزم في " جمهرته " فنقول: قال ابنُ حَزْم في ذكر عيونِ أولادِ الحسنِ بنِ علي ﵈.
_________________
(١) مترجم في " السير " ١٨/ ٥٢٠ رقم الترجمة (٢٦٤).
(٢) كذا الأصل، وفي " العبر " ٤/ ١٧، ونقله عند صاحب " الشذرات " ٤/ ٢٣: وفيها (أي في سنة ٥٠٨) النسيب أبو القاسم علي بن إبراهيم بن العباس الحسيني الدمشقي الخطيب الرئيس المحدث، صاحب الأجزاء العشرين التي خرجها له الخطيب توفي في ربيع الآخر عن أربع وثمانين سنة. قرأ على الأهوازي، وروى عنه، وعن سليم ورشًا وخلق، وكان ثقة نبيلًا محتشمًا مهيبًا سديدًا شريفًا، صاحب حديث وسنة.
[ ٢ / ١١١ ]
منهم الحسنُ بنُ زيدِ (١) بنِ الحسن بنِ علي ﵇ أمير المدينة للمنصور، ولدُه ثمانية، منهم إبراهيمُ، ولإبراهيم هذا محمدٌ، ومِنْ وَلَدِ محمد هذا حفيدُه محمدُ بنُ الحسن بنِ محمدٍ القائم بالمدينة، والنقيبُ محمدُ بنُ الحسن الملقب بالدَّاعي الصغير القائم بالري، وطَبَرِسْتَان، وكان بينه وبين الأُطْرُوشِ الحسيني (٢) حروبٌ، والحسنُ ومحمدٌ ابنا زيدٍ الداعيانِ، وعقب محمد منهما إسماعيل بن المهدي بن زيد بنِ محمد المذكور، وعمُّهُما أحمد بن محمد القائم بالحجاز، المحاربُ لبني جعفر بن أبي طالب، ومِن وَلَدِ الحسنِ بنِ زيد: أميركا، وكباكي ابنا طاهر بن أحمد بنِ محمد بن جعفر الشَّجَوي (٣)، وابن أخيه سراهيك (٤) بنُ أحمد بن الحسن بن محمد بن جعفر تَسَمَّوْا بأسماءِ الدَّيْلَمِ لمداخلتهم. ومحمدُ بنُ علي بن العباس بن الحسن بن الحسن بن الحسن قام بخُراسان فقتل أيامَ المهدي، ومحمدُ بنُ سليمان بنِ داود بنِ الحسن بن الحسن بنِ علي ﵇ القائم بالمدينة [وله عقب] (٥) عظيم جدًّا يتجاوزُ المئتين، ولهم بالحجاز ثورة (٦) وجموع، ومحمدُ بنُ إِبراهيم أخو القاسم قامَ مَعَ أبي السَّرايا، وللقاسِم أولادٌ منهم النقيبانِ أحمدُ، وإبراهيمُ ابنا محمدٍ النقيب بن إسماعيل بن القاسم.
_________________
(١) " جمهرة أنساب العرب " ص ٣٩.
(٢) في (ب) الحسني، وهو خطأ.
(٣) في " الجمهرة " ص ٤١: الشجوبي، وفي الهامش: كذا في (ب) و(ج) وفي (أ) السجوني، وفي (ط) الشجوني.
(٤) في " الجمهرة " شراهيك بالشين المعجمة.
(٥) زيادة لا بد منها من " جمهرة أنساب العرب " ص ٤٣.
(٦) كذا الأصول " ثورة " بتقديم الواو على الراء، وفي " الجمهرة " ص ٤٣: " ثروة " بتقديم الراء على الواو.
[ ٢ / ١١٢ ]
ومنهم القائمون بصَعْدَة، منهم جعفر الملقب بالرشيد، والحسن المنتخب، والقاسم المختار، ومحمد المهتدي بنو أحمد الناصر، ولهم أخٌ يُسَمَّى عبدَ الله، لكن أُمَّه أمُّ ولد وهو اليماني القائم بماردة المقتول يومَ البركة بالزهراء سنة ثلاث وأربعين وثلاث مئة، ولهم إخوة منهم سليمانُ، ويحيى، وإبراهيمُ، وهارونُ، وداودُ الساكن بمصر، وحمزة، وعبد الله، وأبو الغَطَمس (١)، وأبو الجحَّاف، وطارق بنو أحمد الناصر، ولداودَ منهم الساكِنِ بمصر ابنُ يُسَمَّى هاشمًا.
ومنهم الشاعر الأصبَهَاني محمد بنُ أحمدَ بنِ محمد بن إبراهيم بن طَبَاطَبَا، ولهذا الشاعِرِ ابنانِ عليٌّ والحَسَنُ، ومن أولاد الحسن بن جعفر بن الحسن جماعة عجم بناحية متيجة (٢) وسوق حمزة، ومنهم زهيرٌ، وعليٌّ ابنا محمدِ بنِ جعفر، كانت لهما أعمالٌ بالغربِ في جهة سُوقِ حمزة.
وأولاد عبد الله بن الحسن محمد القائم بالمدينة، وإبراهيم القائم بالبصرة، ويحيى القائم بالدَّيْلَمِ، وإدريسُ الأصغرُ القائمُ بالغرب، وسليمانُ وموسى، وعقب هؤلاء الثلاثة كثيرٌ جدًّا.
وَلمُحمد بنِ عبدِ اللهِ -ويلقب الأرْقَطَ- عبدَ اللهِ الأشتر قُتِلَ بَكابُل، وله ولدٌ يُسَمَّى محمدًا، والعقبُ فيه، وللأشترِ عَقِبٌ ببغداد وغيرها يُعْرَفُون ببني الأشتر.
_________________
(١) بالسين المهملة كما في الأصول، وهي كذلك في أصول " الجمهرة " ص ٤٤، عدا (ب) فبالشين المعجمة.
(٢) قال صاحب " الروض المعطار " ص ٥٢٣: متيجة: مدينة بالقرب من الجزائر (جزائر بني مزغنا) من أقصى أفريقية على نهر كبير عليه الأرحاء والبساتين، ولها مزارع ومسارح، وهي أكثر تلك النواحي كتانًا، ومنها يحمل، وفيها عيون سائحة وطواحين ماء.
[ ٢ / ١١٣ ]
ومحمدُ بنُ إبراهيم بنِ موسى بنِ عبد الله بنِ الحسن صاحبُ اليمامة القائم بها، وهم باليمامة ودارُ ملكهم بها، وهم بها قائمٌ بَعْدَ قائمٍ، وعبدُ الرحمان بنُ الفاتك عبدِ الله بنِ داود بنِ سُليمانَ بنِ عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن له اثنان وعشرون ذكرًا بالغون سكنوا كلُّهُم أذَنَةَ (١) إِلا ثلاثة منهم سكنوا أمَجَ بقرب مكة (٢).
ومنهم جعفرُ بنُ محمدٍ غَلَب على مكةَ أيامَ الإخْشِيدِيَةِ وولدُه إِلى اليومِ ولاةُ مكة، وهو ابنُ محمدِ بنِ الحسن بنِ محمد بنِ موسى بنِ عبد الله بنِ موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي عليه (٣) السلام، ولسليمانَ بنِ عبد الله بن الحسن وَلَدٌ -وهو محمد القائمُ بالمغرب- وله عَقِبٌ، منهم أبو العيش عيسى بن إدريس صاحب جُراوة (٤)، وابنُه الحسن سكن قُرْطُبَةَ، وإدريسُ بنُ إبراهيم صاحبُ
_________________
(١) أذنة: بلد من الثغور من مشاهير البلدان بساحل الشام عند طرسوس.
(٢) في " معجم البلدان " ١/ ٢٥٠ خبر طريف له صلة بأمج يحسن إيراده، قال الوليد بن العباس القرشي: خرجت إلى مكة في طلب عبد آبق لي، فسرت سيرًا شديدًا حتى وردت أمج في اليوم الثالث غدوة، فتعبت، فحططت رحلي، واستلقيت على ظهري، واندفعت أغني. يا من على الأرض من غادٍ ومدّلج أقر السلام على الأبيات من أَمَج أقر السلام على ظبي كلفت به فيها أغنَّ غضيضِ الطرف من دَعَج يا من يبلغه عني التحية لا ذاق الحِمام وعاش الدهر في حَرج قال: فلم أدر إلا وشيخ كبير يتوكأ على عصا وهو يهدج إلي، فقال: يا فتى أنشدك الله إلا رددت إلي الشعر، فقلت: بلحنه؟ فقال: بلحنه، ففعلت وجعل يتطرب، فلما فرغت، قال: أتدري من قائل هذا الشعر؟ قلت: لا، قال إنا والله قائله منذ ثمانين سنة، فإذا الشيخ من أهل أمج.
(٣) في (ب) عليهم.
(٤) هي جراوة مكناسة كما في " الروض المعطار " ص ١٦٢ أسسها أبو العيش سنة ٢٥٩ هـ.
[ ٢ / ١١٤ ]
آرسقُول (١)، وكان منقطعًا إلى الناصِرِ صاحِبِ الأندلس، وأحمدُ بنُ عيسى صاحبُ سوق إبراهيم، والحَكَم، وعبدُ الرحمان ابنا عليِّ بنِ يحيى سكنا قُرطبة، وأعقبا بها، وأولادُ يحيى بنِ محمد بن إبراهيم كُلّهم، وكان سليمانُ منهم رئيسًا في تلك الناحيةِ.
ومنهم القاسمُ بن محمد صاحب تِلِمْسَان.
ومنهم بطُوس بنُ حنابش (٢) بنِ الحسنِ بنِ محمد بن سليمان وهم بالمغرب كثيرٌ جدًا، وكانت لهم بها ممالك عده.
ومنهم جُنُون (٣) أحمد، ومحمد ابنا أبي العيش عيسى بن جُنُّون كانا ملكين بالمغرب، وإبراهيم لقبه أبو غبرة، كان [أيضًا] ملكًا بالمغرب وكان لجنون منهم عشرون ذكرًا، منهم القاسم الأصغر جُنُّون بن جُنُّون القائم بالمغرب، وأخوه علي الأصغر القائم بعده، ومحمدُ بنُ جُنُّون القائم على أبيه بالبصرة.
ومنهم الحسنُ بنُ محمد بنِ القاسِمِ الحجَّام سُمِّي بذلك لكثرة سفكهِ للدِّماء، ومِن ولدِه القاسمُ بنُ محمد بن الحسن الفقيه الشافعي بالقيروان المعروف بابن بنت الزبدي (٤).
ومنهم إبراهيمُ بنُ القاسم صاحبُ البَصْرَةِ، كان عُمَرُ بنُ حفصون يَخْطُبُ له.
_________________
(١) كذا الأصول بالسين المهملة، وفي " الجمهرة " ص ٤٨ " آرشقول " بالشين المعجمة.
(٢) في " الجمهرة " ص ٤٨: بطوش بن جنانش، وذكر في الهامش في نسخة (ج): بطرش بن حناش.
(٣) في التعليق على " الجمهرة ": جنون كلمة بربرية معناها: القمر.
(٤) في " الجمهرة " ص ٥٠: الزبيري، وذكر في الهامش في (ب) الزبيدي، وفي (ج) الزهري.
[ ٢ / ١١٥ ]
ومنهم المسمَّى بالمأمون، وعلي المسمَّى بالناصر تسمَّيا بالخِلافة بالأندلس، ومحمدُ بنُ القاسم صاحبُ الجزيرة (١) تسمَّى بالخلافة، وولي الجزيرة بعدَه ابنُه (٢) القاسم، ولم يَتَسمَّ بالخلافةِ، وكان حصورًا لا يَقْرَبُ النساءَ، وأخوه الحسن تَنَسَّكَ، وَلَبِسَ الصوفَ، وحج، وولد الناصر يحيى وإدريس تسمَّيا بالخِلافة بالأندلس، ومحمدُ بنُ إدريس خليفة تسمَّى بالمهدي، وحاربَ ابنَ عمه إِدريسَ بنَ يحيى، وكلاهما تَسَمَّى بالخِلافة، وكان بَدْءُ أمرهم سنةَ أربع مئة، وبقي أمرُهم ثمانيةً وأربعين، ومنهم صاحبُ تَامْدُلْتَ (٣)، وصاحبُ صنهاجة الرِّمال، وصاحبُ مِكْنَاسَةَ.
ومِن أولادِ الحُسين ﵇ عبدُ الله بن علي بن الحسين الأرْقَط، له ولدانِ: إسحاقُ، ومحمدٌ، لهما عَقِبٌ كثير، منهم الكَوْكَبِيُّ اسمُه الحسين، وأحمد بنُ محمد بن إسماعيل كان مِن قُوَّاد الحسن بن زيد بِطَبَرِسْتَان، ومن أولادِ عمر بنِ علي بنِ الحسين محمدُ بنُ القاسم بن علي بنِ عمر، وكان فاضلًا في دينه يميلُ إلى الاعتزال، قام بالطَّالَقَانِ (٤)، فلما رأى الأمرَ لا يَتِمُّ له إلا بسفك الدماء، هَرَبَ، واستتر إلى أن مات.
ومنهم زيدٌ، وجعفر، ومحمدُ بنو الحسن الأطروش الذي أسلمَ الدَّيْلَمُ على يديه، وهو ابنُ علي بنِ الحسن بنِ علي بن عمر (٥)، وكان
_________________
(١) أي: الجزيرة الخضراء بالأندلس.
(٢) في (ب): بعد أبيه.
(٣) انظر " صفة أفريقيا الشمالية " لأبي عبيد البكري طبع الجزائر سنة ١٩١١ ص ١٦٣.
(٤) الطالقان: بلدتان، إحداهما بخراسان بين مرو الروذ وبلخ، والأخرى: بلدة وكورة بين قزوين وأبهر " معجم ياقوت " ٤/ ٦، ٧.
(٥) المتوفى سنة ٣٠٤ هـ، انظر " روضات الجنات " ١٦٧ - ١٦٨، والتعليق على "الأنساب" ١/ ٣٠٥.
[ ٢ / ١١٦ ]
للحسن الأُطروش من الإِخوة جعفرٌ، ومحمدٌ، وأحمدُ المكنى بأبي هاشم وهو المعروفُ بالصوفي، والحسينُ المحدث يروي عنه ابنُ الأحمر وغيرُه، وكان هذا الأُطروش فاضلًا، حسنَ المذهب، عدلًا في أحكامه، وكان الحسن بنُ محمد بنِ علي -وهو ابن أخي الأُطروش- قد قام بطبَرِستَان، وقتله جيوش بها سنةَ ستَّ عشرةَ وثلاث مئة.
أولادُ الحسين بن علي بن الحسين ستة كُلُّهم أعقب عَقِبًَا عظيمًا، منهم عبدُ الله يعرف بالعَقِيْقِيِّ، ومِنْ ولده الذي قتلهُ الحسنُ بنُ زيد صاحب طَبَرِستَانَ، ومنهم جعفرُ بن عُبيد الله بن الحسين بن علي بن علي بن الحسين كانت له شِيعةٌ يُسَمُّونَه حُجَّةَ الله.
ومنهم حمزةُ بنُ الحسن مَلَكَ هان (١) في المغرب، وملك قطيعًا مِن صنهاجة، وإليه يُنسب سوقُ حمزة وَوَلَدُه بها كثيرٌ، وكذلك ولد إخوته في تلك الجهة، وكان عمُّه الحسينُ بنُ سليمان مِن قواد الحسنِ بنِ زيد، وهو الذي غزا له الرَّيَّ، وكان شاعرًا.
ومنهم المحدثُ المشهور بمصر، وهو ميمونُ بنُ حمزة بن الحسين ابن محمد بن الحسين بن حمزة.
ومنهم المُلَقَّبُ بمسلم أبو مسلم الذي كان يُرِيدُ مصر أيامَ كافور، واسمُهُ محمد بن عبيد الله بن طاهر بن يحيى المحدث، وابنُ عمه طاهر ابن الحسين الدي مدحه المتنبي بقوله:
أعيدُوا صَبَاحِي فَهْوَ عِنْدَ الكَوَاعِبِ (٢).
_________________
(١) في " جمهرة ابن حزم " ص ٥٥: هاز، وانظر " صفة أفريقيا الشمالية " للبكري ص ١٤٣.
(٢) وعجزه: ورُدُّوا رقادي فهو لَحْظُ الحبائب =
[ ٢ / ١١٧ ]
وأبو مسلم هذا قام بالشَّام بعدَ كافور، وتسمَّى بالمهدي، واستنصر بالقرامِطَةِ، والحسنُ بنُ محمد بن يحيى المحدث المذكور تجاوز تسعينَ، وكان بالكوفة حُمِلَ عنه العِلْمُ.
ومنهم محمدُ بن عبيد الله [كان له قدر] بالكوفة ومَنْزِلَةٌ بالدَّيالِمَةِ (١) يُعارض بها منزلةَ بني عمر العلويينَ بالكُوفة، وهو الذي مدحه المُتَنَبّي بقوله:
أهْلًا بِدَارٍ سَبَاك أغْيَدُهَا (٢)
ومنهم عليُّ بن إبراهيم كان مِن العُبَّادِ بالكوفة حُمِلَ عنه العِلْمُ، كان عالمًا بالنسب.
انتهي المختارُ نقلُه من بني الحسن والحسين ولله الحمد (٣).
وغيرُ هؤلاء ممن لا يأتي عليه العَدُّ مِن سادات العِترَة الطاهرةِ ممن كان في مرتبة الإمامة في علم الحديثِ وغيرِه من علومِ الاجتهاد، ولو حضرني كتابُ مِن كُتُبِ الرجال وقت كتابة هذا الجواب (٤)، لاستكثرتُ من ذِكرهم، فمن استكثر منه، فقد استكثرَ مِن طيِّب، وإنما رغبتُ إلى ذكرهم لجهلِ كثيرٍ من الناسِ لهم، واعتقادِهم أنَّه ليس في أهل البيت عليهم
_________________
(١) = انظر " ديوانه " ١/ ١٤٧ - ١٥٩ بشرح العكبري.
(٢) في " الجمهرة " ص ٥٦: وكان له قدر بالكوفة ومنزلة عند الديالمة.
(٣) وعجزه: أبعد ما بان عنك خُرَّدُّهَا ديوانه بشرح العكبري ١/ ٢٩٤.
(٤) النقول من صفحة ١١٦ إلى هنا تجدها في " جمهرة ابن حزم " من الصفحة ٤٠ إلى الصفحة ٥٦.
(٥) في (ب): الكتاب.
[ ٢ / ١١٨ ]
السلامُ أحدٌ مِن أهلِ العلمِ إلا هؤلاءِ الأئمة المشاهير في اليمن والحجاز، والجبل، والكوفة ﵈. فلقد قلَّلُوا كثيرًا، وجَهِلُوا كبيرًا، وأهلُ البيت ﵈ في جميع أقطارِ الإِسلام، وإمصارِه، وأعصارِه، هُمْ سُفُنُ العلم وبحورُه، وشموسُ الهدى وبدورُه، وكلامُ بعضِ أصحاب الشافعيِّ إِذا اقتضى تجهيلَ هؤلاء السادةِ، والدعاة الأئمة من العِترة الطاهرة، وأضعافهم ممن لم يُذكر وأكثر منهم مِن الأئمة السابقين ضربنا به وَجْهَ قائِلِه، وقلنا كما قال أبو الطيب:
وَهَبْك تَقُولُ هذا الصُّبْحُ لَيْلٌ أيَعْمَى العَالِمونَ عَنِ الضِّيَاءِ (١)
وما أقربَ هذا القولَ من قول من زعم أنَّ أهلَ البيتِ ﵈ قد ماتوا، ولم يبقَ منهم أحدٌ، بل هذا القولُ أقبحُ، لأنَّ ذلك نَسَب إليهم الموت الذي يجوز على الملائكةِ والأنبياء، والعلماءِ، وهو خروجُ الأرواح من الأبدانِ الذي لا نقصَ فيه على أحد، ولا غضاضةَ فيه على مخلوق، وهذا نسب إليهم الموت الذي هو موْتُ المعارفِ دونَ الأبدان، وعمى البصائر دونَ الأبصار، وكفي شاهدًا على أنَّ موتَ الجهلِ أقبحُ من موت الأبدانِ، وعمى البصائر أقبحُ مِن عمى الأبصارِ، قولُ الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] فكيف تجاسر السيدُ -أيَّدَهُ الله- على نسبة الجهلِ إِلى جميع العِترة الطاهرة، ونجوم العلم الزاهرة؟. واحتجَّ على ذلِكَ بما لَعلَّهُ لا يَصِحُّ عن بعضِ
_________________
(١) ديوانه ١/ ١٠ من قصيدة مطلعها. أتنكرُ يا ابن إسحاق إخائي وتحسبُ ماء غيري من إنائي ورواية الصدر فيه: وهبني قلتُ: هذا الصُّبْحُ ليلٌ
[ ٢ / ١١٩ ]
المعرفة الثانية: في ذكر بعض من كان بعد المتقدمين من أصحاب الشافعي
أصحاب الشافعيِّ، وقد أجمع أئمة العِترة ﵈ وشيعتُهم على أنه لا يجوز خُلُوُّ عصرٍ من الأعصارِ إلى يومِ القيامة من عالمٍ مجتهدٍ مِن أهل البيت ﵈، فكيف يسوغُ القولُ بخلوِّ هذه الأعصارِ كُلِّها عن ذلك، من رأسِ مئتي سنةٍ إلى هذه الساعة، بل إلى قيامِ الساعة، وما المُوجِبُ لهذا القولِ؟ وما المُلْجِىء إلى هذا الاختيار؟ كل هذا حتى لا يُسَلَّمَ لمحمدِ بنِ إبراهيم أنَّه قد عرف أدِلَّةَ التأمينِ، وإمساك الشمالِ باليمين، وكأنَّ توجيه التجهيل إلى محمد بن إبراهيم بالنصِّ دونَ التلويح أقل ذنبًا وأحمدُ عُقبى من نسبة الجهلِ إلى جميع ذوي القربى.
المعرفة الثانية: في ذكر بعض مَنْ كان بعدَ المتقدمين من أصحابِ الشافعي من العلماء الجِلّة، وكان أئمةُ الملة من غير أهلِ البيت ﵈ مثل عبدِ الملك بن حبيب، وقتيبة، وسُحنونَ، وأبي ثور، وأحمدَ، وإسحاق، ومحمد بن إسماعيل البخاري، والزعْفَراني، ومسلمِ بنِ الحجاج القُشيْرِيِّ، وداودَ بنِ علي الفقيه، وبقيِّ بن مَخْلَدٍ الكبير العلامة صاحب المسند، والتفسيرِ اللذَيْنِ لم يُصَنَّفْ مثلُهما، وأبي قِلابَةَ، والتِّرْمذيِّ، وأبي القاسم عثمانَ بن سعد بن سيّار (١) الفقيه، ومن لا يُحصى مِن أهل هذه الطبقة، وبعدَهم في الطبقة الثانية خلائق أيضًا لا يأتي عليهم العَدُّ بذكر اليسير مِن عيونهم على جهة التمثيل دون التفصيل مثل الشيخ أبي علي الجُبائي شيخ الاعتزال، وابن سُرَيْج، وابن سفيان (٢) الفقيه، ومحمدِ بن جريرٍ الطبَرِيّ العلامة، وإمامِ الأئمة ابنِ خُزَيْمة، وإمامِ الحنفية الطحاوي، وإمامِ الكلام أبي هاشم بن أبي علي، والفقيه
_________________
(١) في (ج): يسار، وهو تحريف.
(٢) هو الحسن بن سفيان النسوي المتوفى سنة ٣٠٣ هـ، مترجم في " السير " ١٤/ ١٥٧.
[ ٢ / ١٢٠ ]
أبي إسحاق المرْوَزِي، والعلامة قاسم بن أصبغ، وشيخ الحنفية أبي الحسن الكَرْخي، وأبي علي بنِ أبي هُريرهَ الفقيه، وأبي بكر عبد العزيز الفقيه، وأبي الحسن محمد بن علي الماسَرْجِسي الفقيه، والحافظِ الدارقطني، والعلامة أبي سليمان الخطابي، وعلي بن عمر بن القَصار المالِكي.
ثم بعدَ أربع المئة أبو بكر محمد بن موسى الخُوارزْمي شيخ الحنفية، وأبو حامد شيخ الحنابلة، وأبو علي الدقاقُ، وعبدُ الغني الحافظ، والعلامة قاضي القضاة عبدُ الجبار، والعلامةُ شيخُ الاعتزال أبو الحسين البَصري، وأبو محمد علي بنُ أحمد الفارسي المعروف بابن حَزْم، والحافظ البيهقي، وأبو القاسم بن فُوران (١) الفقيه، والحافظ أبو بكر الخطيب، وأبو نصر بن الصَّباغ، وأبو علي بن الوليد المغربي، وشيخ الإسلام أبو إسماعيلَ، وأبو بكر محمد بن علي الشاشي الفقيه، وشيخ الإسلام أبو الحسن الهَكَّاري، والحافظُ الكبير الحُمَيْدي، ونصرٌ الفقيه، ومَنْ لا يأتي عليه العدُّ مِن أهل هذه الطبقة.
ثم بعد خمس المئة العلامةُ البحر شيخُ الحنابلة أولًا، ثم شيخُ الاعتزال (٢) آخرًا ابنُ عَقيلٍ المعتزلي صاحب كتاب " الفنون " الذي يأتي في
_________________
(١) هو عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن فوران المروزي المتوفى سنة ٤٦١ هـ، له المصنفات الكثيرة، وطبق الأرض بالتلامذة، له وجوه جيدة، مترجم في " سير أعلام النبلاء " ١٨/ ٢٦٤ - ٢٦٥ رقم الترجمة ١٣٣.
(٢) في وصفه بشيخ الاعتزال آخرًا نظرٌ ظاهر، فقد قال الحافظ ابن حجر في " لسان الميزان " ٤/ ٢٤٣: وهذا الرجل من كبار الأئمة " نعم كان معتزليًا، ثم أشهد على نفسه أنه تاب عن ذلك، وصحت توبته، ثم صنف في الرد عليهم. قلت: وفي " ذيل طبقات الحنابلة " ١/ ١٤٤ أن ابن عقيل مضى إلى بيت الشريف أبي جعفر، وصالحه وكتب بخطه ما نصه: إني أبرأ إلى الله تعالى من مذاهب مبتدعة الاعتزال وغيره، ومن صحبه أربابه، وتعظيم أصحابه، والترحم على أسلافهم والتكثر =
[ ٢ / ١٢١ ]
أزيدَ من أربع مئة مجلد كبار، ومحيي السنة البغَوِي، والعلامةُ الزمَخشري، والعلامةُ عِياضُ اليَحْصُبي القاضي المالكي، وأبو بكر بن العربي، وأبو سعد محمد بن يحيى الفقيه، وطبقتهم.
ثم بعدَ الخمسين وخمسِ المئة العلامة ابنُ ناصر (١)، وأبو الحسنُ الفقيه العلامة، وأبو سعد السمعانِي، والحافظُ الكبير ابنُ عساكر، والحافظُ السلَفي، والفقيهُ يونسُ بنُ محمد، والحافظ أبو موسى المدِيني، والحافظُ النقَاد أبو بكر الحازمي، والعلامةُ ابنُ الجوْزي، وطبقتهُم.
ثم بعدَ ست المئةِ الحافظ عبد الغني، والعلامةُ عبد الحق (٢)، وعالم الشام ابنُ الصَّلاح.
ثم بعدَ خمسينَ وست المئة العلامةُ ابن تَيمية (٣)، وأبو بكر ابنُ سيد الناس (٤)، وابنُ عبد السلام، والعلامة النواوِيْ، والمحبُّ الطبَريْ وطبقتُهم.
_________________
(١) = بأخلاقهم، وما كنت علقته، ووجد بخطي من مذاهبهم وضلالاتهم، فأنا تائب إلى الله تعالى من كتابته، ولا تحل كتابته، ولا قراءته، ولا اعتقاده. وأنظر لزامًا ترجمته في " السير" ١٩/ ٤٤٣ رقم الترجمة (٢٥٩) وتعليقاتنا عليها.
(٢) هو أبو الفضل محمد بن ناصر بن محمد بن علي السلامي الدار، الفارسي الأصل المتوفى سنة ٥٥٠ هـ مترجم في " مشيخة ابن الجوزي، ص ١٢٦ - ١٢٩.
(٣) من يسمى عبد الحق اثنان، وليسا من هذه الطبقة، الأول عبد الحق بن عبد الرحمن ابن عبد الله الأزدي الإشبيلي صاحب " الأحكام الكبرى " المتوفى ٥٨١ هـ، والثاني: عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن عطية صاحب "المحرر" في التفسير المتوفى سنة ٥٤١ هـ انظر " السير " ١٩/ ٥٨٦ و٢١/ ١٩٨.
(٤) الذي يندرج في هذه الطبقة من آل تيمية اثنان الأول صاحب " المنتقى " محب الدين أبو البركات عبد السلام بن عبد الله بن الخضر المتوفى سنة ٦٥٢ هـ، والثاني ولده الشيخ الإمام العلامة المفتي شهاب الدين أبو المحاسن عبد الحليم بن عبد السلام المتوفى سنة ٦٨٢ هـ.
(٥) هو أحمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن يحيى بن سيد الناس اليعمري الأندلسي الحافظ المتوفى سنة ٦٦١ هـ، وهو غير الحافظ ابن سيد الناس صاحب " عيون الأثر " فهذا وفاته سنة ٧٣٤ هـ، وسيذكره المصنف في من هو بعد السبع مئة.
[ ٢ / ١٢٢ ]
ثم بعدَ سبع المئة الشيْخُ العلامة أبو الفتح محمدُ بن علي بن وهب القُشيري إمامُ المعقول والمنقول، وشمسُ الدين السُروجي عالم الحنفية، وأبو الوليد (١) إمام المالكية، وشيخ الحِلَّة العلامةُ الكبيرُ جمال الدين حسنُ ابن المطهر (٢) المعتزِلي، وشيخُ الشافعية برهان الدين ابن التاج (٣)، وشيخا الحنابلة مجدُ الدين (٤)، وتقي الدين (٥)، وشيخ بلد الخليل البرهان الجعبْري المقرىء (٦)، وقاضي القضاة بدر الدين ابن جماعة الكناني (٧)، والعلامةُ الحافظُ ابن سيدِ الناس، والعلامةُ زينُ الدين عمر الكتاني (٨)
_________________
(١) المعروف من شيوخ المالكية ممن يكنى بأبي الوليد ثلاثة، وليس واحد منهم يندرج في هذه الطبقة، فالأول: صاحب " المنتقى " شرح الموطأ أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي المتوفى سنة ٤٧٤ هـ، والثاني: صاحب " المقدمات والممهدات " قاضي الجماعة أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد المتوفى سنة ٥٢٠ هـ، والثالث: صاحب " بداية المجتهد " محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد المتوفى سنة ٥٩٥ هـ.
(٢) توفي سنة ٧٢٦ هـ مترجم في " الدرر الكامنة " ٢/ ٧١، و" لسان الميزان " ٢/ ٣١٧، و" البداية " ١٤/ ١٢٥ وهو صاحب كتاب " منهاج الكرامة " الذي رد علي فيه شيخ الإسلام بكتابه العظيم " منهاج السنة ".
(٣) توفي سنة ٧٢٨ هـ مترجم في " طبقات الشافعية " لابن شهبة ٢/ ٣١٧.
(٤) هو إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن الفراء الحراني " ثم الدمشقي الفقيه الإمام الزاهد مجد الدين أبو الفداء شيخ المذهب المتوفى سنة ٧٢٩ هـ " ذيل الطبقات " ٢/ ٤٠٨.
(٥) هو عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن إسماعيل بن أبي البركات البغدادي فقيه العراق، ومفتي الآفاق تقي الدين أبو بكر المتوفى ٧٢٩ هـ " ذيل الطبقات " ٢/ ٤١٠.
(٦) وفاته سنة ٧٣٢ هـ مترجم في " البداية " ١٤/ ١٦٠، و" الدرر الكامنة " ١/ ٥٠، و" الأنس الجليل " ٢/ ٤٩٦، و" طبقات السبكي " ٩/ ٣٩٨.
(٧) هو بدر الدين محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكناني الشافعي المتوفى سنة ٧٣٣ هـ انظر ترجمته في " البداية " ١٤/ ١٦٣، و" الدرر الكامنة " ٣/ ٢٨٠، و" شذرات الذهب " ٦/ ١٠٥.
(٨) في الأصول: " الكناني " بالنون، وهو تصحيف، قال الحافظ في " تبصير المنتبه " ٣/ ١٢٠٨، والعلامة زين الدين عمر بن أبي الحرم الكتاني، ويعرف بالكتناني بزيادة نون، أخذ عنه جماعة من شيوخنا. قلت: له ترجمة في " الدرر الكامنة " ٣/ ٩٦١، و" طبقات الشافعية " للسبكي ١٠/ ٣٧٧، و" حسن المحاضرة " ١/ ٤٢٥، و" ذيول العبر " ٢٣، توفي سنة ٧٣٨ هـ.
[ ٢ / ١٢٣ ]
وطبقتهم.
وبعدَ هؤلاءِ على رأسِ ثماني مئة سنة شيخُ الإسلام البلقيني، والعلامة سِراج الدين ابنُ النحوي الأنصاري، وحافظُ العصرِ زينُ الدينِ العراقي العلامة، وطبقتُهم.
فهؤلاءِ وأضعافُهم مِن أهل هذه الطبقاتِ، ومنْ هو أَجَلُّ منهم ممن لم نذْكُرْهُ مِن الأئمة والسادات كُلُّهُمَ قد غَمَصهُمْ السَيدُ -أيدَهُ اللهُ- تصديقًا لبعض الشافعية، وحرصًا على توعير المسالك العلمية.
والعجبُ أنَّ السَّيِّدَ منع الاجتهاد بعدَ مئتي سنةٍ من الهِجرة، وإنما تمهدَت قواعد الاجتهاد، واشتهر التحقيقُ والانتقادُ بعدَ هذا التاريخ، فإنها تمكنتْ بعدَ ذلك مملكة الإسلام، ونشأ فيها العلماءُ الأعلام حتى كان المجلسُ الواحدُ بعدَ خمسين ومئتين من الهجرة يَجتَمِع فيه قدرُ مئتي إمام قد بَرَزوا، وتأهلُوا للفُتيا، هكذا نقلَه أهلُ المعرفة بعلم الرِّجال والدِّرية في التاريخ، ولقد صنَّفَ الحافظُ المِزِّي كتابه " تهذيب الكمال " في مئتي جزء، وخمسين جزءًا (١)، وصنَّفَ الفَلَكِيُّ (٢) في هذا العلم ألف جزءٍ، وصنف غير واحد من الحفاظ ما لا يأتي عليه العَد من المصنفاتِ البسيطةِ والمختصرة في نقدِ الرجال، والتعريفِ بأحوالهم، وتفاوتهم في مراتب العلم، والفضل، لئلا يلتبِسَ الفاضلُ بالمفضول، ويختلِطَ الخبيثُ
_________________
(١) وقد باشرت مؤسسة الرسالة نشرة نشرة علمية محررة بتحقيق د. بشار عواد، وبمراجعتي وتخريج أحاديثه انتهي منه إلى القراء سبع مجلدات، والثامن في الطريق إليهم إن شاء الله. وسيقع في أربعين مجلدًا أو أقل بقليل، يسر الله إتمامه.
(٢) هو الحافظ البارع أبو الفضل علي بن الحسين بن أحمد بن الحسن الهمذاني المشهور بالفلكي المتوفى سنة ٤٢٧ هـ مترجم في " السير " ١٧/ ٥٠٢ - ٥٠٣ رقم الترجمة (٣٢٥) وفيه: صنف الكتب منها الطبقات الملقب بـ " المنتهي في معرفة الرِّجال " ألف جزء.
[ ٢ / ١٢٤ ]
الوجه الثاني: من الجواب على توعير السيد لمسالك العلم
بالطيب، والذُّنابى بالقَوادمِ، والأئمة بالعامة.
فمن طالع كُتُبَ الانتقاد، وَأنِسَ بعلم الرجالِ، عَلِمَ أن الله تعالى لم يُخْلِ العبادَ والبلاد من حُجَةٍ لله تعالى من العِترة الطاهرةِ، وأشياعِهم نجوم العلم الزاهرة، وسائر العلماء الأعلام في جميع مملكة الإسلام.
الوجه الثاني: مِن الجواب على توعير السيد -أيَّدهُ الله- لمسالك العلم بقول بعض أصحاب الشافعي أن نقول: إما أن يكونَ الذي حمل هؤلاء على هذا القول هو أنَّهم نظروا إلى ما اختُص به الإمامُ الشافعي من التبحُّر في الفقه، والتضلُّع في العلم، وسائر ما وهب الله له مِن الكثيرِ الطيب من المناقبِ العزيزةِ، والمعارف الغزيرة، وهذا مُسلَّم لهم، فإنَّ الشافعي ﵀ إمامُ الإسلام بلا مُدافعةٍ، وَحَبْر الأمة بلا منازعةٍ، لكنهم لما رأوْا كثيرًا ممن بعدَه مِن الفقهاء، أو ظنُوا أن جميعُ منْ بعده من العلماء لا يلحقون بشأوه في سَعَة العلم، وحُسن الفهم، قضَوْا بتعذُّرِ الاجتهاد بعده ظنًا منهم أن من لم يَكُنْ مثلَه ﵀، فليس بمجتهد، فهذا غلطٌ عظيم، ووَهْمٌ فاحش، فإنه لا يلزمُ -إذا فضل اللهُ الشافعي على كثير من خلقه، وأعطاه من العلم أكثر من القدر الواجب في حقِّ المجتهد- أن يُحَرم الاجتهادُ على العلماء من بعده، ألا ترى أنا نقول: إنَّ عليًّا ﵇ أعلمُ الأمة على الإِطلاق، ولم يلزم أنَّه لا مجتهدَ بعده.
وتلخيصُ هذا الوجه: أن للعلم شروطًا محصورةً، ورسومًا معروفة، من جمعها كان عالمًا، ومن حازها، صار مجتهدًا، وإن كان علي ﵇، والهادي ﵇، والقاسم أعلم منه، والشافعي، ومالكٌ، وأبو حنيفه أفقه منه. وإنما يَصحُّ كلامُهم لو قد ورد نص شرعي، أو إجماعٌ قطعي أن شرط الاجتهاد أن يكونَ المجتهدُ مثل
[ ٢ / ١٢٥ ]
الشافعي في علمه وفِطنته، ونظيرَه في مهارته، وبراعته، وهذا ما لا يقولُ به منصِفٌ، ولا يَرْتَضي عاقلٌ أن يُنْسَبَ إِليه، وقد أجاد من قال في هذا المعنى:
كُنْ عَيْنَ عَصْرِكَ أَو كُنْ مِنْ عُيُونِهُم وَعَدِّ عَنْ زَمَنٍ بالأمْسِ مَطْمُوسِ
وَمَا عَلَيْكَ إِذَا لَمْ تَرْقَ مَرْتَبتَيْ أَبي حنيفة والحبر ابنِ إدرِيْس
وأما إن قالوا: إن ذلك متعذِّر لمثل ما قاله السَّيِّد مِن تهويل شأنِ الاجتهاد، والاستنكارِ لحصوله، والاستبعادِ، فإنا نقول لهم: بَيَنُوا لنا هذا الأمرَ العظيمَ الذي تعذَّرَ بعدَ الشافعي على جميع أمةِ الرسول ﵇ مِن جميع طوائف الإسلام من العلماءِ الأعلام، وشُعَلِ الذكاءِ المتَّقدة، وَنُقَّادِ النظار مِن كل فِرقة في مقدارِ ستة قرون، وهل شرائط الاجتهادِ بعدَ صِحة الإسلام إلاّ قراءة ثلاثةِ فنون: اللغة العربية لفظًا وإعرابًا ومعانيَ، والأصولِ، والحديثِ، وجمعُ قدرِ مئتي آية، ومسائلِ الإجماع في كُرّاس أو اثنتين، فإن عَرَضَتْ مسألةٌ دقيقة، وحادثةٌ عويصة راجع المجتهدُ فيها المبرِّزينَ من العلماء، والكُتُبَ الحافِلة من المصنَّفات، كما لم يَزَلْ أهل العلم يفعلون، فإن عَرَفَها، وإلا توقَّفَ فيها كما توقَّف خلق من العلماء (١) في كثيرٍ من المسائل، ولا بُد مِن قراءةِ كتابٍ حافل في كُلِّ فَنٍ من هذه الفنونِ قراءةَ بحثٍ وإتقانٍ، وأصعبُها علمُ العربية، وقد تقدَّمَ بيانُ المحتاج إليه منه، والاستدلالُ على ذلك، وبقيةُ الفنون بعدَه في غاية السُّهُولَةِ على أهل الفِطنة والرغبة، وما أعلم أنَّ أحدًا مِن جماهير العلماء نصَّ على أكثر من هذا في شرائط الاجتهاد، لا مِن المتقدمين، ولا مِن المتأخرين، ولا مِن المُيَسيرينَ، ولا مِن المعسِّرينَ. وهذه مصنفاتُ
_________________
(١) في (ب): من المتقدمين العلماء.
[ ٢ / ١٢٦ ]
الوجه الثالث: إذا ادعى جماعة من أصحاب الشافعي جهل الأمة
الوجه الرابع: الدليل قائم على غلط من قال بذلك ووهمه
العلماء موجودةٌ بِحَمْدِ اللهِ، من ادَّعى أنهم نصُوا على أكثرَ من هذا، فليُوقِفْنَا عليه، وأما ما يُطوِّلُونَ بذكره من معرفةِ الناسخِ والمنسوخ، والعمومِ والخصوصِ، ونحو ذلك، فذلك كُلُّه داخلٌ فيما ذكرتُه مِن قراءة تلك الكتب.
الوجه الثالث: إذا ادَّعى جماعةٌ من أصحابِ الشافعي جهلَ الأمَّة والعِترة، فقد ادَّعى العلمَ غيرُهم من أئمة العِترة وعلماء الأمة، فتعارضَ كلامُهم، فنظرنا في الترجيح، فوجدنا تصديقَ أئمةِ العِترة، وعلماء الأمة أرجحَ لوجهين:
الأول: أن هؤلاء الأئمة ادَّعوا العلمَ، وقولُ العدل المرضي: إنه مجتهدٌ مقبول إجماعًا، وهو أحدُ الطرق إلى معرفة اجتهادِ العالم. وأما دعوى بعضِ الناسِ لجهل العلماء مع إنكارِ العلماء لذلك، فلا يُقْبَلُ إِجماعًا، لأنَّه ليس لنا أن نُصدِّق من ادعى على مسلم ما يُدخِل عليه النقص مِن غير بينة ولا حجة، وذلك المسلم منكرٌ لتلك الدعوى، سواء كان المدعي عدلًا أو مجروحًا، معروفًا أو مجهولًا، وهذا إجماع.
الثاني: أن بعضَ أصحاب الشافعي نَفَوْا الاجتهاد، وأئمة العِترة وعلماء الأمة أثْبَتُوه، والمثبت أولى من النافي، وهذا واضح على أن في أصحابِ الشافعي ﵏ من ردَّ على هؤلاء المتشددين مثل الإمام يحيى بن أبي الخير العمْراني (١)، فإنَّه حكى ما قالُوا، وردَّ ذلك بسهولة العلم بعدَ تدوينه في الكتب.
الوجه الرابع: الدليلُ قائم على غَلَطِ منْ قال بذلك ووهمه، والسيدُ أيده الله لا يزالُ يُقرىء أنَّه لا يجوز خُلُوُّ الزمان مِن مجتهد يَصْلُح للإمامة،
_________________
(١) شيخ الشافعية في اليمن صاحب البيان وغيره من المصنفات، المتوفى سنة ٥٥٨ هـ، مترجم في " طبقات الشافعية " للسبكي ٧/ ٣٣٦ - ٣٣٨.
[ ٢ / ١٢٧ ]
الوجه الخامس: قد ثبت أن الأمة معصومة، وأن إجماعها حجة
الوجه السادس: أنا نعلم أن المدعي لجهل الأمة متهور مجازف
الوجه السابع: أن في الحديث الصحيح أن رسول الله - ﷺ - سئل عن الكبر، فقال: هو بطر الحق، وغمص الناس
فكيف يُصدِّقُ بعضَ أصحاب الشافعي، وهُو لا يزالُ يُقرِىء (١) ما يقتضي بطلانَ قولهم عنده، أيدَه اللهُ.
الوجه الخامس: قد ثَبَث أنَّ الأمةَ معصومةٌ، وأن إجماعَها حُجَّةٌ إلى يومِ القيامة، وأن المعتبر في الإجماع هُمُ العلماء، وهذه دعوى لجهلِ الأمة تَقْتَضي عدمَ العِصمة، وبطلانَ كونِ الإجماع حجة، وذلك لأنَّه لو لم يكن فيهم مجتهدٌ، وَحَدَثَتْ حادثة ليس فيها ما يَصِحُّ رجوعُهم إليه مِن دون الاجتهاد، فإما أن يُجْمِعُوا أو يختلِفُوا، وعلى كلا الطريقين يلزمُ إما اجتماعُهم على الضلالة، أو خَبْطُهم عند الاختلاف في الجهالة، وذلك لأنَّ كلامهم إما أن يكون بالجُزاف (٢) والتَّبخيت، وهذا لا يجوز، أو بالاستدلال وهو لا يجوز أيضًا بعدَ فرضِ جهلهم - صانهم اللهُ عن ذلك.
الوجه السادس: أنا نعلمُ أنَّ المدعي لجهل الأمةِ والأئمةِ متهوِّرٌ مجازِف، وذلك لأنَّه لا سبيلَ له إلى المعرفةِ بجهل الأمة والأئمة مع كثرة العلماءِ والمتعلمينَ في جميع الأوساطِ والأطرافِ من المملكة الإسلامية في الشام ومصر والغرب، والعراقَيْنِ، واليمن، والجزيرة. ومنتهي الأمرِ أنَّه طلب فلم يَجِدْ، فعَدَمُ الوِجدانِ لا يَدُلُّ على عدمِ الوجود، والعجبُ من الرَّازِي أنَّه ادَّعى ذلك مع أنَّه لا يزال يستدِلُّ بهذا الدليل.
والعجبُ منه أيضًا أنَّه قال: العلم بإجماع المتأخرين محالٌ مع فُشُوِّ
_________________
(١) في (ب): يقوي.
(٢) الكلام الجزاف: الكلام الذي يقال بلا علم ولا روية ولا تثبت، والتبخيت من البخت، وهو الحظ، وقد تكلمت به العرب، قال الأزهري: لا أدري أعربي هو أم لا، ورجل بخيت: ذو جد، قال ابن دريد: ولا أحسبها فصيحة، والمبخوت: المجدود. وفي " اللسان ": وقد تكلمت به العرب، ومثله في " شفاء العليل " وقال صاحب " المصباح ": البخت: الحظ وزنًا ومعنى، وهو أعجمي معرَّب.
[ ٢ / ١٢٨ ]
الإسلام، وتباعُدِ أقطاره، وكثرة أمصاره، وتفرقِ العلماء في أنجاده وأغوارِه، وادَّعى أن العلمَ بأعيانهم محالٌ، ومعرفة أقوالهم فرعٌ على معرفة أعيانهم، وفرعُ المحالِ محال، فنقول له: وكذلك معرفةُ أعيانِ الأمة أكثرُ إحالةً من معرفة أعيان علمائهم، والحكم عليهم بالجهل فرعٌ على معرفة أعيانهم، وفرعُ المحال محالٌ.
الوجه السابع: أن في الحديثِ الصحيحِ أن رسولَ الله - ﷺ - سُئِلَ عَنِ الكِبْر، فقال: " هو بَطرُ الحَقِّ، وَغَمْصُ النَّاس " (١) والقولُ بتجهيل أكثر الناسِ، وتكذيبهم في دعواهم للاجتهاد مِن غَمْصِ الناس، فثبت أنَّه حرام، وما ثبت أنَّه حرامٌ، بَطَلَ أن يكونَ حجة.
الوجه الثامن: أن هؤلاء الذين ادعوا أن لا مجتهدَ قد أقرُّوا على أنفسهم بالجهلِ، فلا طريق لهم إلى نفيِ وجود العلماء، لأنَّه لا يَعْرِفُ العلماءَ إلاَّ مَنْ هو منهم، وكذلك لا يَعْرِفُ الفضل لأهل الفضل إلاَّ ذوو الفضلِ، والمرءُ عدوُّ ما جَهِله، فربما أنهم لجهلهم بالعلم والعلماء اعتقدوا في أهل العلم أنهم من أهل الجهل، وآفةُ التِّبْرِ ضعْفُ منتقدِه، وما أحسنَ، قولَ شيخ المعرة:
_________________
(١) أخرجه من حديث ابن مسعود أحمد ١/ ٣٨٥، و٤٢٧ ومسلم (٩١) والترمذي (١٩٩٩) وأبو داود (٤٠٩١)، والحاكم ٤/ ١٨٢، والطبراني في " الكبير " (١٠٥٣٣) وابن خزيمة في " التوحيد " ص ٢٤٧، وابن سعد ٧/ ٤٧٥ أن النبي - ﷺ - قال: " لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرةٍ من كبرٍ " قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة. قال: " إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق، وغمط الناس "، وبطر الحق: هو أن يتكبر عن الحق فلا يقبله، وغمط الناس: الاستهانة بهم، واستحقارهم. وفي الباب عن أبي هريرة عند أبي داود (٤٠٩٢)، والحاكم ٤/ ١٨١ - ١٨٢. وعن عقبة بن عامر عند أحمد ٤/ ١٥١. وعن الله بن عمرو عند أحمد ٢/ ١٦٩ و٢٢٥، والبخاري في " الأدب المفرد " (٥٤٨) وعن أبي ريحانة عند أحمد ٤/ ١٣٣ - ١٣٤، وابن سعد ٧/ ٤٢٥.
[ ٢ / ١٢٩ ]
قال السيد: المسألة الثالثة في رواية كفار التأويل وفساقه
أقول: الكلام في هذه المسألة يتم في فصلين، أحدهما: في تتبع كلام السيد، والثاني: في نكر الأدلة
والنجْمُ تَسْتَصْغِرُ الأبْصَارُ رُؤْيَتَهُ والذنْبُ لِلطَّرْفِ لا لِلنَّجْم في الصِّغَرِ (١)
وليسَ هذا الاعتقادُ بضائرٍ لعلماء الأُمَّة، فالدُّرُّ دُرٌّ برغم من جهِلَه.
وبتمامِ هذا الوجه، تمَّ الكلام على المسألة الأولى، وهي الكلامُ على سُهُولَةِ ترقِّي مرتبة الاجتهاد.
ثم إنَّ السَّيِّدَ أيَّده الله أردفها بالمسألة الثانية في القَدْحِ في كتب الحديثِ المشهورة.
ولما أردتُ الجوابَ عليه، تأمّلْتُ كلامَه، فإذا أكثرُه مبني على الِقدح بالتأويل، ومتركّب عليه في الإجمالِ والتفصيل. فرأيتُ تقديمَ الكلام على هذه المسألة الثالثة صالحًا، وتمهيد هذه القاعدة قبل التفريع عليها راجِحًا، وذلك، لأنَّ السَّيِّد خَلّل ذِكْرَ هذه المسألة في غُضون كلامه، وهي مسألة كبيرة لا يُمكِنُ التعرض لها في ضِمنِ غيرها، ولا بُدَّ من إفرادها، والسيدُ قد أفردها في رسالته، ولكنه أخَّرها، وما يليق تأخيرها، لأنها أساسُ المسألة الثانية، والذي يليقُ في الترتيب تقديمُ الأساسِ، والقواعدِ على ما يتفرع عليها من الفوائد، فلنذكر كلامَ السيد أيَّده الله بلفظه، ثم نتبعه الجوابَ كما قدمنا.
قال: المسألة الثالثة: في رواية كُفَّارِ التأويل وفسَّاقه وقد قدمنا أن قاضي القضاة روى الإجماعَ على ردِّ رواتهم، وتأول كلامَ الفقهاء.
أقول: الكلام في هذه المسألة يَتِمُّ -إن شاء اللهُ تعالى- في
_________________
(١) هو في " سقط الزند " ص ٦١ من قصيدة مطلعها يا ساهِر البرق أيقظ راقدَ السَّمُرِ لَعلَّ بالجِزع أعوانًا على السَّهر
[ ٢ / ١٣٠ ]
الفصل الأول: واعلم أنه يرد على كلامه إشكالات
الإشكال الأول: أن السيد قال: قد قدمنا أن قاضي القضاة روى الإجماع على رد روايتهم
الإشكال الثاني: أن السيد قد أثبت قاعدة كبيرة: وهي أن كل من كذب متأولا، فهو غير مقبول وقاضي القضاة على أصل السيد من جملة من كذب متأولا
الإشكال الثالث: أن السيد قال في حق ابن الصلاح لما اعتقد أنه روى الأجماع على صحة صحيحي البخاري ومسلم
الإشكال الرابع: أن السيد روى هذا عن أبي الحسين
الإشكال الخامس: أنه قال: إن الرواية عن المتأولين ركون إليهم
الإشكال السادس: المعتزلة أنفسهم من جملة الذين ظلموا لخلافهم
فصلين، أحدُهما: في تَتَبُّعِ كلامِ السيد، وذكر ما يَرِدُ عليه من الإشكالات، والثاني: في ذكر الأدلةِ على قَبول المتأوِّلين.
أما الفصل الأول: فاعلم أنَّه يَرِدُ على كلامه إشكالات كثيرة جدًا تبلُغ مئتي إشكال، أو تزيدُ على ذلك، وسوف أُبيِّنُها مقسمة على فصولِ كلامه، فمنها على هذا الفصل المقدم عشرةُ إشكالات:
الإشكال الأول: أن السَّيِّد قال: قد قمنا أن قاضي القضاة روى الإجماعَ على ردَّ روايتهم، والسيد إنما قدَّم رواية قاضي القضاة (١) في حقِّ كُفَارِ التأويل فقط، وقد جعلها هنا في حق كفار التأويل وفُساقه، وهذا سَهْوٌ من السيد، إن شاء الله تعالى.
الإشكال الثاني: أنَّ السَّيِّد قد أثبتَ قاعدة كبيرة، وهي أن كُلَّ من كذب متأوِلًا، فهو غيرُ مقبول قياسًا على الخَطابِية كما سيأتي كلامُه في ذلك، وقاضي القضاة على أصل السَّيِّد من جملة منْ كذب متأولًا لخلافه في مسائل الإمامة، فما بالُ السَّيِّد نقض ما بناه مِن تلك القاعدة، وروى عن مَنْ يعتقِدُ أنَّه من الكذابين.
الإشكال الثالث: أن السَّيِّد أيَّده الله قال في حق ابنِ الصلاح لما اعتقد أنه (٢) روى الإجماع على صحة " صحيحي " البخاري ومسلم ما لفظه: وليت شعري كيف كان هذا الإجماع (٣)؟ أكان بأن طافَ هذا السائلُ جميع البقاع، أم بأن جُمِعَ له علماء الأمة في صعيدٍ واحد؟.
_________________
(١) هو عبد الجبار بن أحمد الهمذاني المتوفى ٤٠٥ هـ شيخ المعتزلة في عصره، وهم يلقبونه قاضي القضاة، ولا يطلقون هذا اللقب على غيره.
(٢) في (ب): أن.
(٣) في (ب): الاجتماع.
[ ٢ / ١٣١ ]
فنقول للسيد: ليت شعري كيف كان هذا الإجماعُ الذي رواه قاضي القضاة؟ هل بأن طافَ جميعَ البقَاع، أم بأن جُمِعَ له علماءُ الأمة في صعيدٍ واحد؟ فإنَّ السَّيِّد باعتراضه هذا على ابنِ الصلاح قد لزِمَة ألا يَصحَّ إجماع إلاَّ ممن طاف جميعَ البقاع، أو جُمِعَتْ له الأمة في صعيد واحد، وفي هذا الكلام سؤال وجواب سوف يأتيانِ -إن شاء الله- عند ذكر (١) كلام ابن الصلاح.
الإشكالُ الرابع: أن السَّيِّد روى هذا عن أبي الحسين عن قاضي القُضاةِ مع أنَّه قد روى عن أبي الحُسين أنَّه يقبلُ كفارَ التأويلِ وفساقه، فلا يأمن أن أبا الحسين روى هذا عن أحدٍ منهم عن قاضي القضاة، وقد ألزمنا السيد فيما احتمل مثل ذلك أن لا يرويه إِلاَّ بعدَ تبرئةٍ صحيحةٍ، فكان يلزمُ السيدَ أَن يُبَيِّنَ تبرئةَ أبي الحسين عن ذلك إن كان يعلمُها وإن لم يكن يعلمُها، لزمه أن لا يرويَ عنه.
الإشكال الخامس: أنَّه قال: إنَّ الرواية عن المتأوِّلين ركونٌ إليهم، وإن الله تعالى قد قال: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣]، ثم إنَّه روى عن أبي الحسين، وقاضي القضاة مع أنَّه قد رُوِيَ عنهما أنهما يقبلان المتأوِّلين، وذلك عنده ركونٌ إلى الظالمين، واتِّباعٌ للمُفسدين، وقد توعُّد اللهُ تعالى على ذلك بالنَّارِ، ومذهبُ الزيديةِ أن كلَّ معصيةٍ توعَّد الله عليها، فإنها كبيرة، وردُّ المتأولين عند السيد قطعي لا يعذر المخالص فيه، فيلزمُك ردُّ رواية أبي الحسين، وقاضي القضاة، وتفسيقهما على مقتضى كلامِك مع البقاءِ على مذهب الزَّيْدِيّة.
_________________
(١) لفظ " ذكر " لم ترد في (ج).
[ ٢ / ١٣٢ ]
الإِشكال السادس: أنَّ المعتزلة بأنفسهم مِن جملة الَّذيْنَ ظلموا، لخلافهم لأهل البيت في الإِمامة، واعتقادهم أن أهلَ البيت اجتمعوا على الضلالة في مسألة قطعية، وغير ذلك. ولا شكَّ أنَّ ذلك عندَ أهل البيت معصيةٌ قطعًا، محتملة للكِبر يُطلق على صاحبها اسمُ العصيان والظلم، وأنت قد قلتَ: إنَّ الله قال لنبيه (١): ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٤]، وقلت: وفيها مِنَ الوعيد ما ترى، وقد قلَّلَ الركونَ بقوله: ﴿شَيْئًا قَلِيلًا﴾، هذا لفظُك، وهو حجةٌ عليكَ لأنك رويتَ عنهم، وركنت إليهم على مقتضى كلامِك.
فإن قلت: الإجماع دلَّ على قبول من لم تبلغ بدعتُه الكفْرَ، والفسْقَ، فيجبُ أن يُخَصُّوا مِن تلك العمومات؟.
فالجوابُ من وجهين:
الأول: أنَّه لا طريق لك إلى معرفة الإجماعِ، لأنك قد اشترطت أن يكون راوِيه طافَ جميع البقاع، أو جُمِعَتْ له الأمةُ في صعيدٍ واحدٍ إِلَّا أن يُقصَر هذا الشرطُ على ابن الصلاح، فأنت محتاج إلى دليل على تخصيصه بذلك.
الثاني: أنَّا نُعارضُك بمثل كلامك، فنقولُ في جميع المتأولين: قد ثبت الإجماعُ على قبولِهم من طُرُقٍ لا تنحصرُ سوف نذكُرُ منها عشرَ طُرُقٍ في الفصل الثاني، إن شاءَ اللهُ تعالى. فنحن أيضًا نُخْرِجُ المتأوِّلين، ونخصُّهم من تلك العمومات، فما لك والتهويل بذكرِ العمومات المخصوصة، والظواهر الظنية؟ وهلاَّ سلكت مسالِكَ العلماء في ذكر
_________________
(١) " لنبيه " ساقطة من (ج).
[ ٢ / ١٣٣ ]
الأشكال السابع: أنك قد حكيت عن قاضي القضاة أنه يقبل فساق التأويل
الإشكال الثامن: أنك ساويت بين المتعمد للمعصية والمتأول
الإشكال التاسع: أن السيد قد منع من الرواية عن العلماء إلا بعد تحصيل إسناد صحيح
الخلافِ، والدليل مِن غير تعريض بالتأثيم والتضليل.
الإشكال السابع: أنك قد حَكَيْتَ عن قاضي القضاة أنَّه يقبلُ فُسَّاقَ التأويل، ثم احتججتَ بالإجماعِ الذي رواه، فما أمنك أنَّه استند في معرفة الإجماع إلى فُسَّاقِ التأويل (١) فَقَبِلَ روايَتهم أو (٢) نظر في تواريخهم ومصنفاتهم في أخبارِ الصحابة فاعتقد (٣) ذلكِ تصديقًا لهم لا سيما وقد نصَّ القاضي على جوازِ الخبرِ بالظنِّ مع تجويز الكذب كما قدمنا في الكلام على الوِجادة.
الإشكال الثامن: أنك ساويتَ بين المتعمِّدِ للمعصية والمتأوِّلِ في ردِّ حديثهما، كما قررتَ ذلك في المسألة الثانية، وللمعتزلة معاصٍ لوْ تعمَّدُوها، وتعمَّدُوا الإصرارَ عليها، قدح ذلك في عدالتهم، وأوجبَ ردَّ روايتهم، لأن مَنْ فعل الذنبَ الملتبس، وأصرَّ عليه، وامتنعَ مِن التوبة، لم يُقبل عند أهل المذهب، والسيد مقلِّد لهم، متبرئٌ من الاجتهاد، فيلزمه أن لا يقبلَ رواية المعتزلة. فإن اعتذر بالإجماع على قبولِ مَنْ لم تبلغ بدعته الكفر أو الفسق. قلنا: فدل الإجماعُ على بطلان دليلك، حيثُ ساويتَ بينَ المتعمد والمتأوِّل، والإجماع قد فرَّقَ بينهما.
ثم الجوابانِ المتقدِّمان في الإشكال السادس يَرِدَانِ ها هنا.
الإشكالُ التاسع: أن السَّيد قد منعَ من الرواية عن العلماء إلا بعدَ تحصيلِ إسنادٍ صحيحٍ حتى منع رواية الصحاح عن مصنفيها، فهو أيضًا
_________________
(١) من قوله: " ثم احتججت " إلى هنا سقط من (ج).
(٢) في (ب): و.
(٣) في (ب): فاعتمد.
[ ٢ / ١٣٤ ]
الإشكال العاشر: أن رواية القاضي معارضة بأرجح منها
قال السيد: وكذلك السيد أبو طالب حكى الإجماع في كفار التأويل
يحتاج في رواية هذا الإجماع إلى إسناد (١) صحيح رجاله عدول عدَّلَهُمْ عُدول، وثبت تعديلُ العدول لهم بإسناد صحيح كذلك، كما ألزمنا، فإن كان هذا حَصَلَ له، وتيسَّرَ، فلعل الذي يَسَّرَهُ له يُيَسِّرُهُ لنا في رواية الصحاح عن أهلها، وإن لم يكن تيسَّر له، فما يليقُ منه أن يرتكِبَ ما يعتقد أنَّه حرامٌ.
الإشكال العاشر: أن رواية القاضي معارضَةٌ بأرجح منها، وذلك من وجهين، أحدهما: أن جماعة من أهلِ البيت، ﵈ قد رَووا الإجماع على قبول الكُفارِ المتأولين منهم السَيدُ المؤيَّد بالله، والإمام المنصور بالله، والإمامُ المؤيدُ بالله يحيى بنُ حمزة ﵈، وكذلك القاضي زيدٌ، والفقيهُ عبدُ الله بنُ زيد، وسيأتي بيانُ رواياتِهم في الفصل الثاني، إن شاء الله تعالى.
وقد قال السيد: إن روايةَ العدل المتنزه من البدع مقدمة على رواية المبتدع بالإجماع، وقاضي القضاة مبتدع عند الجميع، لمخالفته لأهل البيت ﵈ في مسائل قطعية فوجب ترجيحهم عليه، فكان يلزم السيد ذكر هذا إن كان يعرفه.
وثانيهما: معارضة القاضي برواية الخلاف، فقد رواه عددٌ كثير، وجمٌّ غفير، وسوف يأتي الكلامُ على هذا في الفصل الثاني. وقد أشار السيد إلى هذا الوجه الثاني، ورجَّحَ رواية القاضي بما يأتي بيانُه، والجوابُ عليه، إن شاء الله.
قال: وكذلك السَيدُ أبو طالب حكى الإجماع في كفار التأويل.
_________________
(١) من قوله: " حتى منع " إلى هنا ساقط من (ج).
[ ٢ / ١٣٥ ]
أقول: يرد على هذه الدعوى إشكالات
الإشكال الأول: أن السيد قد أقر أن الشيخ أحمد روى عن أبي طالب قريبا من الإجماع
أقول: يَرِدُ على هذه الدعوى للإجماع من طريق أبي طالب ﵇ إشكالات:
الإشكالُ الأوَّل: أن السَّيِّد قد أقرُّ في آخر كتابه في المسألهَ الثانية أنَّ الشيخَ أحمد روى عن أبي طالب قريبًا من الإجماع. هكذا نصَّ السيدُ في كتابه، ثم لما وصل إلى هذا المكان جعله إجماعًا، ولا شكَّ أن بَيْنَ الشيء وبَيْن ما هو قريبٌ منه فرقًا ظاهرًا، لأن الشيء غيرُ ما هو قريبٌ منه بالضرورة، فكيف استحل السيدُ أن يرويَ عن أبي طالب أنَّه روى الإجماع على الإطلاق مع إقرار السَّيِّد أنَّه ما روى إلا قريبًا من الإجماع؟! وكيف لو لم يتقدم مِن كلام السيدِ ما يَشْهَد ببُطلانِ دعواه هذه، ألم يكن الواقفُ عليها يغترُّ بها، ويبني عليها حُكمًا شرعيًا. وليت شعري ما حدُّ مقاربة الإجماع، فهذه عبارة غريبة ما علمتُ ذكرها أحد من العلماء، ويُقوي ذلك أن السيدَ أبا طالب شَحَن كتابه " الأمالي " بالرواية عن أئمة الحديث المخالفين في الاعتقاد كالحافظِ أبي أحمد عبدِ الله بن عدي شيخِ أبي طالب روى عنه في " أماليه " مشافهةً قدرَ تسعين حديثًا، وخرَّج فيه حديثَ أبي داود، وابنِ ماجة، وابنِ السُّني، وأحمدَ بنِ حنبل، وابنِهِ عبدِ الله بن أحمد بن حنبل، ومالكٍ، وعبدِ الرحمانِ بنِ أبي حاتِم، والحسنِ بن سفيان النَّسوي، والحارثِ بن محمد بن أبي أسامة، والأنباري وهو محمد ابن القاسم (١) كذا وجدته بخطي، قال ابن الأثير في " الجامع ": وهو
_________________
(١) هو الحافظ العلامة شيخ الأدب أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار النحوي صاحب التصانيف الكثيرة في علوم القرآن والغريب والمشكل والوقف والابتداء المتوفى سنة ٣٢٨ هـ، وكان -كما وصفه الإمام الذهبي- من أفراد الدهر في سعة الحفظ والصدق والدين. " تذكرة الحفاط " ٣/ ٨٤٢ - ٨٤٤ وهو مترجم في " سير أعلام النبلاء " ١٥/ ٢٧٤ - ٢٧٩.
[ ٢ / ١٣٦ ]
الإشكال الثاني: أن السيد روى هذا الإجماع
محمد بن سليمان (١)، فلعلَّهما اثنان فيُنظر ويحيى القطان، والحسين بن إسماعيل المحامِلي، ومحمد بن يونس الكُديمي، وأحمد بن عبد الله البَرْقي، والزهري وأمثالهم بأسانيدِهم، فلو كان يعتقِدُ اعتقادَ السيد من كفر هؤلاء الأعلامِ، والقَطعِ بتحريم الرواية عنهم، ما استكثر مِن حديثهم، وقوَّلَ رسولَ اللهِ - ﷺ - ما لم يَقُلْهُ لأجل روايتهم، ولعل السيدَ لا يعْرِفُ مَن هولاء، ولا ما مذهبُهم.
وبالجملة فالسيدُ مُظْهِرٌ لنُصرة مذهبِ الزيدية، لأنَّه معترف بالجهل، مانع من وجود من يُمكنُهُ الاجتهاد، ولا بُدَّ لمن تعصَّب لمذهبِ قوم من معرفة مذهبهم أوَّلًا، ثم العصبية ثانيًا، والسيد بدأ بالعصبية قبل إتقان المذهب، وهو إلى الإشارة عليه بالبحث عن مذهب الزيدية أحوجُ منه إلى المناظرة على مذهبهم، نسأل الله الهداية.
وليت السيدَ يعرفُ رجال " أمالي " أبي طالب، و" أمالي " أحمد بن عيسى، فإنه لو عرفهم، ما لام مَن اعتمد حديث البخاري ومسلم على كُلِّ مذهب، ولكنه ولو وقف على أسماءِ الرُّواة في كُتُب الزيدية ربَّما جوَّزَ أنهم كُلَّهم من نُقاوة الشيعة وثقاتهم، وهذا عندَ أهلِ المعرفة كالبدوي يعتقِدُ أن الأئمة أنبياء، وأن الأنبياء ليسوا مِن البشر، ومن بلغ إلى هذا المبلغ، ثم ينتفِعْ بالحُجة، ولم ينتهِج المحجَّة، لطف اللهُ بالجميع.
الإشكال الثاني: أن السيد روى هذا الإجماعَ في كتابه عن الشيخ أحمد بنِ محمد الرَّصَّاص، عن أبي طالب ﵇، والشيخ أحمد باغٍ على الإمام أحمد بن الحسين، وقد حرَّم السَّيِّد الرواية عن البُغاة
_________________
(١) محمد بن سليمان هذا من رجال " التهذيب " أخرج حديثه أبو داود في " سننه " وثقه الدارقطني، ومسلمة بن القاسم، مات سنة ٢٣٤ هـ.
[ ٢ / ١٣٧ ]
الإشكال الثالث: قد أصل أصلا في إلزامه لابن الصلاح
الإشكال الرابع: أنه يحتاج في إسناد هذا إلى إسناد صحيح
الإشكال الخامس: لو قدرنا، فالسيد يحتاج إلى تعديله
المتأولين، وعدَّها من الرُّكون إلى الظالمين، فما بالُه يستحل أن ينسِبَ إلى الإمامِ الناطق بالحقِّ دعوى كبيرة تنبني عليها مِن الشريعة أحكامٌ كثيرة، ويجعل طريقَه إلى ذلك الركون إلى الظالمين، واتباع سبيل المفسدين.
الإشكال الثالث: أن السَّيد قد أصَّل أصلًا في إلزامه لابنِ الصَّلاحِ المتقدِّمِ، وهو يُوجِبُ عليه أن لا يقبلَ الإجماعَ إلا ممن طاف جميع البقاع، أو جمعت له الأمَّةُ في صعيدٍ واحدٍ كما لزِمَ ذلك ابنَ الصلاح.
الإشكال الرابع: أنَّه يحتاج في إسناد هذا إلى أبي طالب إلى إسنادٍ صحيح رجاله عدول بتعديلِ عدول معدِّلين حتى ينتَهي إلى زمانه كما ألزمنا.
الإشكال الخامس: لو قدرنا أن الشيخ أحمد لم يكن باغيًا على الإمام أحمدَ بنِ الحسين ﵇، وأنه تاب وصحَّت توبتُه، فالسيد يحتاج إلى تعديله، وتعديلِ المعدل له، وإلى ثبوتِ ذلك التعديلِ عن المعدل بإسناد صحيح، رجالُه عدول كما ألزمنا، فإن مجردَ انتفاءِ البغي عنه لا يُوجِبُ كونَه عدلًا.
الإشكال السادس: ما تقدَّم في الِإشكال العاشر على تقديرِ صِحة هذا عن أبي طالب، وإلا فالظاهر أن السَيدَ مُقِرٌّ بعدمِ صحته، وإنما قاله سهوًا. والله أعلم.
قال: وكذلك ابن الحاجب.
أقول: يَرِدُ على كلامِهِ هذا إشكالات:
الإشكال الأول: أنَّ السَّيِّد قد قال: إن علماءَ الأشعرية كفارُ
[ ٢ / ١٣٨ ]
الإشكال الثاني: سلمنا أن ابن الحاجب
الإشكال الثالث: أن السيد قد أقر فيما تقدم أن ابن الحاجب لم يرو الإجماع على رد كفار التأويل
تصريح، وإن الرواية عنهم ركونٌ إليهم، فكيف يروي عن المصرحين بالكفر، ويمنعُنَا الروايةَ عن المتأولين، فإن تأوَّل في ذلك لنفسه، وتطلَّب محملًا حسنًا، فهلاَّ يَطْلُبُ لغيره مثل ما يطلُبُ لنفسه، فإنَّ حمل المسلمين على السلامة مشروع، وإن منع مطلق الرواية، فقد وقع فيما منع، وارتكب ما أنكر.
الإشكال الثاني: سلمنا أنَّ ابنَ الحاجب غيرُ معلومِ الكفر عنده، فِمنْ أين أنهُ عدل مأمون بتعديل عدلٍ، واتصال ذلك بإسناد صحيح كما ألزمنا.
الإشكال الثالث: أن السيد قد أقر -فيما تقدم- أن ابن الحاجب لم يرو الإجماعَ على ردِّ كفار التأويل، وإنما قال ابن الحاجب ما لفظه: والمبتدع بما يتضمِّنُ التكفيرَ كالكافر عند المكفر.
فأقول: ليس ينبغي مِن العالم إذا توهَّم شيئًا أو استخرجه من كلام غيره أن ينسِبَ ذلك القول الذي استخرجه إلى غيره كما لا يحل له (١) أن ينسب إلى النبي - ﷺ - ما استخرج من كلامه، وكذلك من استخرج مِن القرآن حكمًا أو معنى لم يَحِلَّ له أن يقول فيما استخرجه: قال الله، والعِلةُ في ذلك أنَّه كذب لا غير، والكذب مُحَرَّمٌ على الله تعالى، وعلى رسوله، وعلى كل أحدٍ، وقد يستخرج العالم أمرًا ويُخالفه غيرُه، ألا ترى أن أبا طالب والمؤيد يختلفان فيما يُخرجانه للهادي ﵇ وكُلُ واحدٍ منهما يعلم اللفظ الذي خرَّج منه صاحبه، ولا يرتضي ذلك التخريجَ، ولا يُساعد صاحِبَه على ما فَهِمَ منه، فكذلك كان يجبُ أن يُبيِّنَ السيدُ لفظ ابنِ الحاجب، ولا يُوهم أنَّه نصَّ على ذلك.
_________________
(١) " له " من (ب) فقط.
[ ٢ / ١٣٩ ]
الإشكال الرابع: أنا نُبيِّن للسَّيِّد أيَّده الله ضعفَ مأخذه مِن كلام ابنِ الحاجب، فنقول: نصَّ ابنُ الحاجب على أن المبتدع بما يتضمنُ التكفيرَ كالكافر عند المُكَفرِ (١). ولكن المُكَفَرَ بعضُ الأمة، فلم يلزم أن تُجْمِعَ الأمَّةُ على ردِّه.
فإن قلت: كلامُهُ يقتضي أن الذين لم يكفروه لو كفَّرُوه لردُّوا روايتَه.
قلتُ: ليسَ كلامُه يقتضي هذا لوجهين:
أحدهما: أنَّ الذي لم يُكَفِّرْ لا يُسمَّى مكفرًا لا حقيقةً، ولا مجازًا، وابنُ الحاجب إنما روى عمن يكفر. فأما قولُهُم في العَازم على فعل الشيء: إنَّه يُطلق عليه اسمُ الفاعل في مثل قولنا: زيد مسافر غدًا، فإنما سَمَّوْهُ بذلك لعزمه على السفر، وأجمعوا على أن هذه التسمية مجازية لا حقيقة، وأما مَنْ ليس بعازمٍ ولا في حكم العازِمِ، فلا يُسَمَّى باسمِ ما لم يَفْعَلْهُ ألبتَّةَ، فإذا ثبت أنَّه لا يُسمَّى مكفرًا، وثبت أن الأمَّةَ غيرُ مجمعة على التفكير، فقد تعذَّر أن يكونَ الإجماعُ مأخوذًا مِن نَصِّ ابنِ الحاجب، ولم يبقَ إلا المفهوم، وللمفهومِ أقسامٌ معلومة، وشروطٌ مذكورة، فأخْبِرْنَا مِن أيِّ أقسام المفهوم.
فإن قلتَ: هو من مفهوم الصفة، لأن المكفّر صفة.
قلت: إنَّ مفهوم الصفة هو مِن مفهوم المخالفة، لا من مفهوم الموافقة، وإذا كان كذلك وجب أن يكونَ المفهومُ أنَّه كالكافر عند المكفر لو قدَّرْنَا أنَّه كفر، وهذا ليس مِن المفهوم في شيء.
الوجه الثاني: أن زُبْدَةَ الكلامِ أن السيِّدَ توهَّم من ابن الحاجب أنَّه
_________________
(١) " مختصر المنتهي " مع شرحه للعضد ٢/ ٦٢.
[ ٢ / ١٤٠ ]
الإشكال الرابع: أنا نبين للسيد ضعف مأخذه من كلام ابن الحاجب الإشكال الخامس: من أين حصل للسيد إسناد صحيح إلى ابن الحاجب
قال السيد: ومن روى الإجماع، قبلت روايته
أقول: لما فرغ السيد من دعوى الإجماع رأى ذلك معارضا، ويرد على كلامه إشكالات
قال: إن الذين لم يكفروا لو كفروا، لما قبلُوا من كفروه، وهذا ليس بدعوى للإجماعِ ألبتة، بل هذا دعوى على أهلِ الإجماع، وفرْقٌ بَينَ دعوى إجماع الأمة، وبينَ دعوى الإجماع على الأمة، فإن ابن الحاجب لو نص على هذا مَا صَدَقَ ولا صُدِّقَ، لأن هذا من قبيل علم الغيب فمن أينَ له أن الذين لم يُكفِّروا المتأولين لو كفَّروهم، لردوا روايتَهم، وما أمِنه أنهم يكفرونهم مع أنهم يقبلونهم، كما قد قال بذلك الشيخُ أبو الحسين وغيرُه.
فبان بهذا أن السَّيِّد ما أصاب بنسبته لدعوى الإجماع إلى ابن الحاجب.
الإشكال الخامسُ: من أين حَصل للسيد أيده الله إسناد صحيح إِلى ابن الحاجب، ولعل إسناد كِتاب (١) البخاري إليه أسهل مِن إسناد هذه الإجماعات التي رواها السيدُ إلى أربابها لِشدة العناية بسماع البخاري، فما بال السَّيِّد شَدَّدَ علينا في ذلك، ثم رخَّصَ لنفسه.
الإشكال السادس: مثل العاشر المقدم.
الإشكال السابع: مثل الإشكال الواردِ على ابن الصلاح، وقد مر تقريره.
قال: ومن روى الإجماع قُبِلتْ روايته، لأنها مثبتة، وتشهد بخلاف الأصلِ، فتكون أرجحَ.
أقول: لما فرغ السيدُ من دعوى الإجماع، وهو مقر بأن الخلاف مشهور في هذه المسألة، رأى ذلك متعارضًا، فأراد أن يُزيلَ التَعَارُضَ بترجيح رواية الإجماع على رواية الخلاف، ويرد على كلامه إشكالات:
الإشكال الأول: قال: ومن روى الإجماعَ، قُبِلَتْ روايتُهُ، لأنها
_________________
(١) لفظ " كتاب " ساقط من (ج).
[ ٢ / ١٤١ ]
الإشكال الثاني: أن السيد توهم أن راوي الإجماع مثبت، وراوي الخلاف ناف
مثبتة، وهذا ترجيحٌ للإثبات على النفي.
فنقول له: الترجيحُ إنما يَصِح بعدَ ثبوتِ الرواية، لكنا نُنازِعُك فيها مِن وجهين:
أحدُهما: جملي وهو عدم الطريق الصحيحة إلى هؤلاء الذين رويتَ عنهم أنهم روَوُا الإجماع كما تقدم.
ثانيهما: تفصيلي وهو القدحُ في كُلِّ طريق من طرق الإجماع كما تقدم، أما أبو طالب، فالراوي عنه بإقرارك أحمد بن محمد بن الحسن الرصاص، وهو فاسقُ تأويل، وأما ابنُ الحاجب، فهو عندك كافر تصريح، وأما قاضي القضاة، فهو عندك ممن استحل الكَذِبَ متأولًا، فوجب ردُّه قياسًا على الخطابية، وهو ممن يَقْبَلُ فساق التأويل، فلا يؤمن أن يكون إسناده في: الإجماع إليهم.
الإشكال الثاني. أن السَّيِّد توهم أن راوي الإجماع مثبت، وراوي الخلاف نافٍ، وبنى على هذا ترجيحَ رواية الإجماع على رواية الخلاف، وهذا خطأ لا يخفي مثلُه على مَنْ دونَ السَّيد، فإن راويَ الخلاف مثبت للخلاف، كما أن راوي الإجماعِ مثبت للإِجماع، ومثل هذا لا يخفى على مَنْ له أدنى ذوقٍ.
فإن قال: إن راويَ الخلافِ نافٍ للإجماع.
قلما: ذلك أمر آخر غير الذي أثبته، وكذلك راوي الإجماع نافٍ للخلاف، فما لك لم تجعله نافيًا؟! وكذلك كُل مثبت، فإنه ناف بالنظر إلى غيرِ ما أثبته، فمن شَهِدَ بالمالِ لزيد، فقد نفاه عن عمرو، وهذه غفلةٌ عظيمة.
[ ٢ / ١٤٢ ]
الإشكال الثالث: أن السيد رجح رواية الإجماع بمخالفتها للأصل
الإشكال الرابع: أنه رجح بمخالفة الأصل والترجيح بها مختلف فيه
الإشكال الثالث: أن السيدَ رجح روايةَ الإجماع لمخالفتها للأصل، لأن الأصلَ الإجماع، وتوهم أن رواية الخلاف ليست كذلك، وهذا وهم أيضًا، فإن الأصلَ أن لا إجماع وأن لا خلاف، فروايةُ الخلاف أيضًا مخالفةٌ للأصل، وهذا أيضًا لا يخفى مثلُه.
فإن قلتَ: إنِّي أرِيدُ أن الأصلَ قبولُهم في العقل، فرواية الإجماع ناقلة.
قلنا: قد قررتَ في كتابك في هذه المسألة بعينها أن الأصل في العقل أن لا يقبلوا.
الإشكال الرابع: أنَّه رَجَّح بمخالفة الأصل، والترجيحُ بها مختلف فيه بين العلماءِ، وهو محتجٌّ على غيرِه، وليس بمحتجِّ لنفسه، ومِنْ حق المحتج على الغير أن لا يحتج عليه بمختلَفٍ فيه مِن غير دليل، بل لا بُد من دليل يُلزمُ ذلك الغيرَ الموافقةَ، وهذا لا يخفي مثله على مَنْ لَهُ معرفة بأساليبِ الجدل والمناظرات.
فنقول: بل ما وافق الأصلَ، فهو أولى لِوجهين:
الوجه الأول: أن الاستصحابَ -وهو البقاء على الأصل- حُجَّةٌ عند كثيرٍ من العلماء (١)، ومما يَدُلُّ على ذلكَ ما ثبت عن رسولِ الله - ﷺ - من قوله " إنَّ اللهَ فرض فَرَائِضَ فلا تُضَيِّعُوها، وحَدَّ حُدُودًا فلا تَعْتَدُوها، وسَكت عنْ أشْياءَ رَحْمةً لَكُمْ مِن غيْر نسْيَانٍ، فلا تَتَعَرَّضوا لهَا ". رواه ابن ماجة (٢).
_________________
(١) انظر لزامًا ما كتبه عن هذه المسألة العلامة الشيخ محمد بخيت، مفتي الديار المصرية في " سلم الوصول " ٤/ ٣٥٨ - ٣٧٦.
(٢) هذا وهم من المؤلف ﵀، فالحديث لم يخرجه ابن ماجة، وإنما خرجه =
[ ٢ / ١٤٣ ]
وقال النواوي: هو حديثٌ حسن، وله شواهد من الصحيح.
واستيفاءُ الحُجَجِ في هذه المسألة مقررٌ في الأصول، وقد أخذ العلماءُ بهذا في مسائل كثيرة.
منها مَنْ شَكَّ في انتقاض طهارته بقي على الأصْلِ.
ومنها يومُ الشك في أول رمضان لا يجبُ صومُهُ لأن الأصلَ شعبان، ويوم الشك في آخر رمضان يجبُ صومُه، لأن الأصل رمضان، ونحو ذلك مما يكثر تعداده.
_________________
(١) = الدارقطني في " سننه " ٤/ ١٨٤، والبيهقي في " سننه " ١٠/ ١٢ - ١٣، والخطيب في " الفقيه والمتفقه " من طرق عن داود بن أبي هند، عن مكحول، عن أبي ثعلبة، وهذا سند رجاله ثقات إلا أن مكحولًا لا يصح له سماع من أبي ثعلبة. وفي الباب عن أبي الدرداء مرفوعًا " ما أحل الله في كتابه، فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه، فهو عافية، فأقبلوا من الله العافية، فإن الله لم يكن نسيًا " ثم تلا هذه الآية (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) أخرجه الحاكم في " المستدرك " ٢/ ٣٧٥، وصححه، ووافقه الذهبي مع أن سنده لا يحتمل إلا التحسين، وهو في " مسند البزار " برقم (٢٢٣١) من طريق سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن إسماعيل بن رجاء بن حيوة، عن أبيه، عن أبي الدرداء، وقال: لا نعلمه يروى عن النبي - ﷺ - إلا بهذا الإسناد، وعاصم بن رجاء، حدث عنه جماعة، وأبوه روى عن أبي الدرداء غير حديث، وإسناده صالح، لأن إسماعيل حدث عنه الناس، وأورده الهيثمي في " المجمع " ٧/ ٥٥، وقال: رواه البزار ورجاله ثقات، وذكره في موضع آخر ١/ ١٧١، وزاد نسبته إلى الطبراني في " الكبير"، وقال: إسناده حسن ورجاله موثقون. وعن سلمان الفارسي سئل رسول الله - ﷺ - عن السمن والجبن والفراء، فقال: " الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه، فهو مما عفا لكم ". أخرجه الترمذي (١٧٢٦) وابن ماجة (٣٣٦٧) والحاكم ٤/ ١١٥، والبيهقي ١٠/ ١٢ وفي سنده سفيان بن هارون وهو ضعيف، والمرجَّح وقفه على سلمان. وعن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء، ويتركون أشياء تقذرًا، فبعث الله نبيه، وأنزل كتابه، وأحل حلاله، وحرم حرامه، فما أحل فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، وتلا ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أخرجه أبو داود (٣٨٠٠) وإسناده صحيح، وصححه الحاكم ٢/ ٣٠٧، ووافقه الذهبي.
[ ٢ / ١٤٤ ]
الإشكال الخامس: أنه روى الإجماع على قبولهم
قال السيد: وقال آخرون الخلاف واقع
فإن قلتَ: كيف تحتجُّ على الخصمِ بما يُنَازِعُك في صحته مِن حديث ابن ماجة؟
قلتُ: سيأتي الدليلُ على صِحته في الفصلِ الثاني إن شاء اللهُ تعالى، والدليلُ يوجبُ على الخصم الموافقة، كما أنا نحتج بإجماع أهلِ البيت على مَنْ يَقول: إنَّه ليس بحجة بعد أن يُقيمَ الدليلَ على أنَّه حجة.
إذا ثبتَ هذا فنقول: البقاءُ على الأصل حُجة، ورواية الثقة حجة، ولم يَقُلْ أحدٌ من الخلق: إن مخالفة الأصل حجة، ويجب ترجيح البقاءِ على الأصل، لأن حجتين أقوى مِن حُجة، فرواية العدل يعارضها روايةُ عدل مثلِه، ولم يُعَارِضِ الاستصحابَ شيء وهو إما حجة -كما هو رأيُ جماعة-، وإما محتمل أنَّه حجة، إذ الدليلُ على أنَّه ليس بحُجةٍ، ليسَ بقاطع، وهذا وجه ترجيح.
الوجه الثاني: أن نقول: قد ثبت أن الأصلَ لا يُخَالَف إلا بحجة إجماعًا من القائلين بأن الاستصحاب حجة، والقائلين بأنه ليس بحجة، وثبت الإجماع على أن ما يخالِفُ الأصلَ، لا يُقال به إلا بحجة، والذي لا يُنْتَقلُ عنه إلا بحجة أقوى من الذي لا يُقال به إلا بحجة.
الإشكال الخامس: أنَّه قد روى الإجماع على قبولهما ثلاثةٌ من أئمة الزيدية، واثنان من عُلمائهم، وهم المؤيدُ والمنصورُ، ويحيى بنُ حمزة ﵈، والقاضي زيد، وعبدُ الله بن زيد ﵄، وسيأتي في الفصل الثاني بيانُ روايتهم إِن شاء الله، وهُمْ أرجحُ مِن قاضي القضاة.
قال: وقال آخرون: الخلافُ في كفار التأويل واقع كما هو واقع في فسَّاق التأويل.
[ ٢ / ١٤٥ ]
الإشكال الأول: أن السيد ذكر أنه لا يجوز أن يقدم على ما لا يأمن كونه كذبا
الإشكال الثاني: أن السيد قال: فهو مروي من أئمتنا عن المؤيد
وقال الرازي: لا يُعتبر كفارُ التأويل في الإجماع، وُيعتبرون في الرواية، وقد رُوي الخلافُ في فُساق التأويل عن الفقهاء قالوا: تُقْبَلُ روايتُهم، وهو مروي من أئمتنا عن المؤيدِ.
أقول: في كلامِه هذا إِشكالات:
الإشكال الأولُ: أن السَّيِّدَ ذكر في كتابه أنَّه لا يجوزُ للإنسان أن يُقْدِمَ على ما لا يأمَنُ كونَه كذبًا، وشدَّدَ في رواية كُتُبِ الحديثِ عن مُصَنِّفِيها.
فنقول: مِنْ أينَ للسَّيِّد أيده اللهُ روايةُ صحيحةٌ بإسناد رجالُه ثقات إلى الفقهاء، وإلى الرازي، وإلى المؤيَّد بالله ﵇، فإنه كما لا يجوزُ الكذِبُ على رسول الله - ﷺ - في نسبةِ الحديثِ إليه، فكذلك لا يجوزُ الكذبُ (١) على العلماء في نسبة المذاهبِ إليهم إلا بعدَ ثبوتِ طريق صحيحة.
الإشكال الثاني: أنَّ السيدَ قال: فهو مروي مِن أئمتنا عن المؤيَّد باللهِ موهما أنَّه ما روِيَ إلا عنه، وهذا تحاملٌ عظيمٌ، ونزوح عن الإنصاف إلى مكانٍ سحيقٍ، ولو كان خلافًا يخفى، لحملنا السَّيِّد على جهلِه، ولكنه منصوصٌ في " اللُّمَع " يُقرئه السيدُ كُلِّ عامٍ أن المؤيدَ بالله ﵇ روى قبولَ كفار التأويل فضلًا عن فساقه عن جميعِ أصحابنا، وقد ذكر السيدُ في كتابه أن لفظَ أصحابنا يُفيد الإجماع، وأما الروايةُ في غير " اللمع "، فهي كثيرةٌ جدًا، ولا لومَ على السَّيِّد في تركها، فلعلَّه لم يعرِفْها، وسيأتي بيانُ ذلك في الفصلِ الثاني إن شاءَ اللهُ تعالى.
_________________
(١) في هامش (ب) ما نصه: يغلب على ظني أن هذه العبارة سبق قلم، والمراد: لا يجوز الرواية عن العلماء إلخ، وإلا لكان الاستثناء في قوة أن يقال: إلا بعد ثبوت طريق صحيحة، فيجوز الكذب على العلماء، ولا صحة له إلا بوجه بعيد. قاله عبد الله بن علي عفي عنه. نقل من خطه.
[ ٢ / ١٤٦ ]
الأشكال الثالث: أن يقول للسيد: إذا كنت مقرا أن المؤيد بالله خالف في هذه المسألة فإما أن تقول
قال السيد: وأما الهادي والقاسم ﵉، فروي عنهما عدم القبول، وقال أبو مضر بالقبول
الإشكاك الأول: أنا نقول لما تعارضت الروايات عن القاسم ويحيى شرع يرفع التعارض بالترجيح
الإشكال الثاني: أنه احتج لرواية أبي جعفر بأنها توافق
الإشكال الثالث: أن نقولَ للسَّيِّد أيدَهُ اللهُ: إذا كنتَ مقرًّا أنَّ المؤيَّدَ بالله ﵇ خالف في هذه المسألة، فإما أن تقول: إن الخلافَ فيها حرام أم لا، إن قلت: إنَه حرام كنتَ قد نسبت المؤيَّدَ بالله ﵇ إلى ما لا يجوزُ من غير دليل، وإن قلتَ: إن الخلافَ شائع، فما لك والترسل على محمدِ بنِ إبراهيم في أمرٍ مباحٍ أو مندوبٍ.
قال: وأما الهادي ﵇، والقاسمُ ﵇، فروى الشيخُ أبو جعفر عنهما إنهم لا يقبلون، وقال أبو مضر عنهما: إنهم يقبلُون، وروايةُ الشيخ أبي جعفر أولى وأحرى على أصولِهما.
أقول: يَرِدُ على كلامه هذا إشكالات:
الإِشكالُ الأوَّلُ: أنا نقول: لما تعارضتِ الروايتانِ عن القاسم ويحيى ﵉، شرع السيدُ يرفع التعارضَ بالترجيح، فرجح روايةَ أبي جعفر وهو نافٍ على روايةِ أبي مُضر وهو مثبت، وقد قدَّمَ قبل هذا بنحوٍ من أربعة أسطرٍ أو ثلاثة أن المثبت أولى من النافي حيث ظنَّ أن راويَ الإجماع مثبت، وراوي الخلاف نافٍ، وليس كذلك، بل هما مثبتانِ كما بيناه آنفًا، فلما وَصَلَ إلى النافي والمثبت على الحقيقة، قَدَّمَ النافي على المثبت، وهذا عجيبٌ، فلا أدري ما عُذْرُهُ.
الإشكال الثاني: أنَّه احتج لرواية أبي جعفر بأنَّها تُوافِقُ أصولَ الهادي والقاسم ﵉، وقد قدمنا أنَّ هذا معيبٌ عند النظار، لأن خصم السيِد -أيده اللهُ- ليس ملتزمًا لما ترجَّحَ للسَّيِّد على جهةِ التقليد له، إذًا لكان تابعًا لا منازعًا، فكان يجبُ عليه أن يُبيِّنَ أصولَ القاسم والهادي ﵉ هذه التي ادعى عليها أنَّها توجِبُ رد قبولِ المتأولين، فإنا نخاف أن يكون السَّيِّدُ -أيَّده الله- استخرج ذلك لهما من وجه ضعيف.
[ ٢ / ١٤٧ ]
الأشكال الثالث: أنا نبين للسيد أن للهادي والقاسم أصولا توجب قبولهم
الإشكال الثالثُ: أنا نبين للسيِّدِ أيَّده الله أن للهادي والقاسم أصولًا تُوجِبُ قبولَهم، ويدل عليه وجهان:
أحدهما: أن السَّيِّد المؤيَد باللهِ ﵇ خرج للهادي ﵇ أنَّه يَقْبَلُهُمْ، رواه عنه الفقيه علي بن يحيى الوشلي (١) في " تعليقه " بلفظ التخريج، ورواه عنه القاضي شرفُ الدين حسنُ بنُ محمد النَّحوي ﵀ في " تذكرته " (٢) بلفظ التحصيلِ، ولم يختلِفِ الرُّواةُ في ذلك عن المؤيَّد ﵇.
وثانيهما: أن السيدَ أبا طالب نَسَبَ ذلك إلى الهادي ﵇ في أحدِ تخريجَيْه رواه الفقيهُ علي بنُ يحيى الوشلي في " تعليقه " ونص في " اللمع " على ذلك فقال: قال السَّيِّد أبو طالب ﵇: وأما شهادة أهل الأهواءِ من البُغاة والخوارج، فإن جوازَ شهادَتِهم لا يمتنِعُ أن تُخرج على اعتبارِه ﵇ أن تكونَ الملةُ واحدة، لأن هؤلاء كُلَّهم من أهلِ مِلةِ الإسلام، هذا لفظُه في " اللمع " فكيف رجَّحَ السيدُ روايةَ أبي جعفر لمجرَّدِ موافقتها لأصولهما موهمًا أن ليسَ لهما أصولٌ تُوافِقُ روايةَ أبي مُضر، وهو يقرىء هذا في " اللمع " كُلَّ عام، فما أبعد هذا عن الإنصاف، وهذان السيدان الأخوان ﵉ هما إماما مذهبِ الهادي
_________________
(١) هو الفقيه العلامة المحقق علي بن يحيى بن حسن بن راشد الوشلي المتوفى بصعدة ٧٧٧ هـ. قال ابن زبارة في " ملحق البدر الطالع " ص ١٨٣: كان عالمًا محققًا حجة في كل مطلب، نقح الفروع، وبين التأويل والتعليل، وأتى بالفرق والجمع بين المسائل بما لم يأت به غيره، وصنف " الزهرة " على " اللمع ".
(٢) اسمه الكامل " التذكرة الفاخرة في فقه العترة الطاهرة " منه عدة نسخ خطية في المكتبة الغربية بالجامع الكبير بصنعاء، انظر الفهرس ص ٢٤٠ - ٢٤١. والحسن بن محمد هذا توفي بصنعاء سنة ٧٩١ " معجم المؤلفين " ٣/ ٢٨٠ نقلًا عن بروكلمان.
[ ٢ / ١٤٨ ]
الإشكال الرابع: سلمنا أن تخريج القبول مساو لتخريج الرد غير راجح عليه، فالقبول أولى
الإشكال الخامس: أن القاضي أبا مضر من أئمة مذهب الزيدية الجلة وقد روى عن الهادي والقاسم قبول المتأولين رواية
الإشكال السادس: أن السيد يحتاج في نسبة هذا التخريج إلى أبي جعفر إسنادا صحيحا
﵇، فقد تطابقا على تخريج قبولِه المتأولينَ ﵇، ولم يتطابقا على تخريج ردِّه لهم، بل انفردَ بهذا أبو طالب. فثبت بهذا ترجيحُ تخريج قبولِه لهم، لأن ما اجتمعا عليه أرجحُ مما اختلفا فيه.
الإِشكالُ الرابع: سلمنا أن تخريجَ القبول مساوٍ لتخريج الرَّدِّ غيرُ راجح عليه، فالقبولُ أولى لرواية جماعةٍ من أئمة المذهب أن قبولَهم إجماعٌ، كالقاضي زيدٍ، والمنصورِ بالله، ويحيى بنِ حمزة، وعبدِ الله بن زيد، والمؤيَّدِ بالله، ولا شك أن دعوى الإِجماعِ من هولاءِ الثقات تَناولُ مذهمبَ القاسم، ويحيى ﵉ خاصةً، لأنهما عمودُ الإجماع عند هؤلاء، إذ هُمْ من المشاهير بتعظيم أقوالهما، فلا ينبغي أن يتوهَّمَ فيهم أنهم جازفوا بدعوى الإجماع قبلَ معرفة مذهبهما خصوصًا.
فاختلافُ السيدينِ في التخريج إنما هو في الشَّهادة، فأما الروايةُ فالإجماع فيها حاصل، والنقل فيها غيرُ متعارض، كما ذكره القاضي زيد في شرحه، وسيأتي إيضاحُ ذلك في الفصل الثاني إن شاء الله.
الإشكالُ الخامسُ: أن القاضيَ أبا مضر من أئمةِ مذهب الزيدية الجلَّة، وقد روى عن الهادي والقاسم ﵉ قبول المتأولين رواية غير تخريج، ولا معارض لروايته مثبت، ولا وجْهَ على أصول الزيدية لطرحها، ولا أقل من أن تكون مرجحة للتخريج الذي تطابق عليه السيدان كما سيأتي.
الإشكال السادس: أنَّ السيدَ أيده الله يحتاج في نِسبة هذا التخريِج إلى أبي جعفر إسنادًا صحيحًا متصِلًا به، رجالُه معدِّلُون على الصفة التي ألزمنا، وكذلك رواية أبي مضر حتى يصحَّ له الترجيحُ بينهما، إذ هو فَرْعُ الصحة.
[ ٢ / ١٤٩ ]
قال السيد: وقال الشيخان: إنهم لا يقبلون
الإشكال الأول: أنه نكر لا يقبل من عوف أنه عاند
قال: وقال الشيخانِ: أبو علي، وأبو هاشم -وهو قولُ الناصر، والسيد أبي طالب-: إنهم لا يقبلون.
وقال قاضي القضاة: تُقْبَلُ روايةُ فساق التأويل، ولا تُقبلُ رواية كفارِ التأويل، والشيخ أبو الحسين، والرازي، قالا: تُقبل كقول الفقهاء.
قال الشيخ أبو الحسين، والرازي: والخلافُ في مَن كان غيرَ معاند، فأما من عَرَفَ الحقَّ وعاند، فليس بمتأولٍ وهذا صحيح، فإنه إنما أظهر التأويلَ، وليس بمتأول عندَ نفسه، وفي باطن أمره.
أقول: في كلامه هذا إشكالات:
الإشكال الأولُ: أنَّه ذكر أنَّه لا يقبل منْ عرف أنَّه عاند، وأظهر التأويلَ، وأشار بذلك إلى ما صرَّح به في غير هذا الموضع من أنَّه قد عَرَفَ أن علماء الأشعرية كفارُ تصريح، وأنهم معانِدون، وفي رواة الحديث منهم خلق كثيرٌ، بل أئمة الحديث عنده أشعرية فسبحانَ اللهِ العظيم كيف عَسَّرَ السيد أيده الله علينا المعرفةَ بروايتهم التي نطقوا بها؟ وما زالوا يُظهرونها مُدَّةَ أعمارهم، وَيحْرِصُون على ظهورها عنهم، فلم يجعل لنا طريقًا صحيحة إلى معرفة صدورها عنهم مع التصريحِ منهم بذلك، وتكرارِه مدة الأعمارِ، ونقل الخلق لألفاظهم في ذلك، ثم إنَّه تيسَّر للسيد أيَّده اللهُ معرفةُ ما انطوت عليه ضمائرُهم، وحجبته سرائرُهم مِنْ تعمُّدِ الكفر، وقصد الكذب على الله تعالى، وعلى رسولِه ﵇ مع ما ظهر عليهم مِن القرائن الدَّالةِ على خلاف ما فَهِمَ السيدُ بحيث إنَّ الذي حَمَل الأئمةَ والعلماءَ المكفرين لهم على قبولِهم مع اعتقادِ كفرِهم هو ما ظهر عليهم مِنَ الخوفِ العظيمِ من عذابِ الله، والمحافظةِ على طاعته، وتَحَمُّلِ مشاقِّ التكليفِ العظيمة مِن قيامِ الليْلِ، وصومِ النهار، والورع
[ ٢ / ١٥٠ ]
عن الشبهات، وكثرةِ البُكاء مِن خوف الله حتى إن الترمِذِيَّ عَمِيَ مِن كثرة البُكاءِ في ما رُوِيَ عنه (١).
ومن وقف على تراجمهم، عَلِمَ أنَّهم كانوا متحمِّلِينَ للمشاقِّ العظيمةِ في طلب ثواب الله، والخوفِ من عقابه بحيثُ إنَّه يعْلَمُ ذلك بالتواتُرِ عنهم، والقرائنِ القوية. فكيف تهيَّأ للسَّيِّد -أيَّده الله- أن يعلم ما في بواطنهِمِ من التَّعَمُّدِ الذي هو من أعمال القلوب، ولم يتهيأ لنا أن نَعْلَم ما ظهر منهم مِن القول المسموع بالآذان المنقولِ عنهم بِكُلِّ لسان.
ثم إِنَّ رسولَ الله - ﷺ - قد تعذَّر عليه معرفةُ ما في بواطن المنافقين إلا بالوحي، وفي الحديث أنَّه جاءه رجلٌ من الأنصار يُسَارُّه صلى الله عليه في قتلِ رجلٍ من المنافقين، فَجَهَرَ - ﷺ - وقال: " ألَيْس يشْهدُ أنْ لَا إلهَ إِلا الله "؟ قال الأنصاري: بلى، قال: " ألَيْسَ يَشْهَدُ أنِّي رسُول اللهِ "؟ قال: بلى، قال: " أليْسَ يُقِيمُ الصلاةَ "، قال: بلى، قال: " فأولئِكَ الَّذِين نهَانِي اللهُ عَنْ قَتْلهمْ " (٢)، قال الأنصاري: إنهُ منافق يا رَسُولَ اللهِ،
_________________
(١) كما في " سير أعلام النبلاء " ١٣/ ٢٧٣ و" تذكرة الحفاظ " ٢/ ٦٣٤ و" تهذيب التهذيب " ٩/ ٣٨٩.
(٢) أخرجه إلى هنا مالك في " الموطأ " ١/ ١٧١ في قصر الصلاة في السفر: باب جامع الصلاة من طريق ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار أنَّه قال بينما رسول الله - ﷺ - جالس قال ابن عبد البر في " التمهيد " ١٠/ ١٥٠: هكذا رواه سائر رواة " الموطأ " إلا روح بن عبادة، فإنه رواه عن مالك متصلًا مسندًا، ثم أخرجه من طريقه، فقال: عن عبيد الله بن عدي ابن الخيار، عن رجل من الأنصار، قال: ورواه الليث بن سعد وابن أخي الزهري، عن الزهري مثل رواية روح بن عبادة عن مالك سواء، ورواه صالح بن كيسان وأبو أويس عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار أن نفرًا من الأنصار حدثوه،
[ ٢ / ١٥١ ]
فَقَالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: " إني لَمْ أُوْمَرْ أنْ أشُقَّ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ ".
فقولُه ﵇: " إِني لم أُومَرْ أن أشُق عن قلوبِ الناس " كناية لطيفة منادية بالتنبيه على أنَّه لا طريقَ إلى العلم بالبواطنِ، وذلك أنَّه ﵇ أشار إلى أن الغايةَ القُصوى في البحث عما في الصدور هو شَقُّ القلوب، وقد علمنا أنَّ شَقَّ القلب غيرُ مفيد للعلم بما كان فيه قبل أن يُشَقَّ فإذا كان هذا لا يفيدُ مع أنه الغاية القصوى في البحث عن ضمائر القلوب، وسرائرِ النفوس، فكيف بما عداه؟ وقد أجمعتِ الأمة إجماعًا ضروريًا أنه لا يُكّفرُ أحدٌ ولا يُفَسَّقُ لمجرد الفهمِ والحَدْسِ (١) ولا يجري بذلك حُكْم مِن أحْكَامِ الشريعة النبوية.
تنبيه: غيرُ خافٍ على أهل النظر أن أهلَ العلوم العقلية قد ذكروا في
_________________
(١) = وساق الحديث، ورواه الليث بن سعد، عن عقيل بن خالد، عن ابن شهاب كما رواه يحيى والجماعة عن مالك، ورواه معمر، فسمى الرجل الذي لم يسمه روح بن عبادة. ثم أسند هذه الطرق كلها انظر " التمهيد " ١٠/ ١٥١ - ١٧٢. وأما القسم الثاني من الحديث، فأخرجه أحمد ٣/ ٤، والبخاري (٤٣٥١)، ومسلم (١٠٦٣) (١٤٤) من حديث أبي سعيد الخدري قال: بعث علي ﵁ إلى رسول الله - ﷺ - من اليمن بذهيبة في أديم مقروظ لم تحصل من ترابها، قال: فقسمها بين أربعة نفر: بين عيينة بن بدر، وأقرع بن حابس، وزيد الخيل، والرابع إما علقمة، وإما عامر بن الطفيل، فقال رجل من أصحابه: كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء، فبلغ ذلك النبي - ﷺ -، فقال: " ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحًا ومساءً "، قال: فقام رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناشز الجبهة، كث اللحية، محلوق الرأس، مشمر الإزار، فقال: يا رسول الله اتق الله، قال: " ويلك أو لست أحق أهل الأرض أن يتقي الله؟ " قال: ثم ولى الرجل فقال خالد بن الوليد يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟ فقال: لا لعله أن يكون يصلي، قال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال رسول الله - ﷺ -: " إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم ".
(٢) قال الأزهري: الحدس: التوهم في معاني الكلام والأمور، بلغني عن فلان أمر وأنا أحدس فيه، أي: أقول بالظن والتوهم.
[ ٢ / ١٥٢ ]
الإشكال الثاني: أن السيد أوهم أن الشيخ أبا الحسن والرازي يقولان بمثل مقالته
الأمور الوُجْدَانية أنَّا قد نعلمُها مِن الغَيْرِ (١) بالقرائن كجوعِ الجائِع، وفرَحِ الفرِحِ، وغمِّ المغموم، ولكن ذلك بشرطين:
أحدُهما: أن يكونَ ذلك مشاهدًا لنا غيرَ غائب عنا، لأنَّ القرائنَ الدالة على ذلك الباطن هي ما يُشَاهَد بالعيان مِن ضعف الجائع، وتقلُّص شفتيه، وتغيرِ لونه ونحوِ ذلك من الأمور التي يُعْلَمُ بالضرورة أنَّه لا يُمكنه التصنعُ فيها، وكذلك سائرُ مَنْ يُعلَمُ حالُه بالقرائن.
ثانيهما: ألا تظهر قرائنُ تُعارِضُ تلك القرائنَ، فإن التعارض يمنع حصولَ العلم الضروري، وهؤلاء المخالفون لنا في الاعتقاداتِ قد ظهرت على عُدُولهم قرائنُ تفيدُ عدمَ التعمُّدِ للباطلِ، ولهم شُبَهٌ عويصةٌ يتبلَّدُ فيها كثيرٌ من الفُطَنَاءِ، فأينَ حصولُ العلم الضروري مع هذا!!
الإشكال الثاني: أن السيِّد -أيده الله- أوهم أن الشيخ أبا الحسين، والرازي يقولان بمثل مقالته مِن الحكم بالتعمد للعناد على من أظهر التأويلَ
_________________
(١) نقل الإمام النووي في " تهذيب الأسماء واللغات " ٤/ ٦٥ - ٦٦ عن الإمام أبي نزار الحسن بن أبي الحسن النحوي في كتابه " الممسائل السفرية ": منع قوم دخول الألف واللام على " غير " و" كل " و" بعض "، وقالوا: هذه كما لا تتعرف بالإضافة، لا تتعرف بالألف واللام، قال: وعندي أنَّه تدخل اللام على غير وكل وبعض، فيقال: فعل الغير ذلك، والكل خير من البعض، وهذا لأن الألف واللام هنا ليستا للتعريف، ولكنها المعاقبة للإضافة نحو قول الشاعر: كأن بين فكها والفك إنما هو: كأن بين فكها وفكها، على أن " غيرًا " يتعرف بالإضافة في بعض المواضع، ثم إن الغير يحمل على الضد، والكل يحمل على الجملة، والبعض يحمل على الجزء، فصلح دخول الألف واللام أيضًا من هذا الوجه والله أعلم. وقال أبو حيان في " البحر المحيط " ١/ ٢٨: " غير " منفرد مذكر دائمًا، وإذا أريد به المؤنث جاز تذكير الفعل حملًا على اللفظ، وتأنيثه حملًا على المعنى، ومدلوله المخالفة بوجه ما، وأصله الوصف، ويستثنى به، ويلزم الإضافة لفظًا أو معنى وإدخال " ال " عليه خطأ، ولا يتعرف، وإن أضيف إلى معرفة.
[ ٢ / ١٥٣ ]
مِن عدول المتأولين بمجرد القرائن، ولم يقولا بما يقتضي ذلك، إنما قالا: إِنَّ مَن عَرَفَ الحقَّ، وعاند فليس بمتأوِّل، وبينَ هذهِ العبارةِ التي نَصَّا عليها، وبينَ قَوْلِ القائل: من أظهر التأويلَ، ودلَّت القرائنُ على أنه متعمِّدٌ حكم عليه بالتعمد، سواء كان عدلًا في مذهبه أوْ لا، فرقٌ عظيم، وبَوْنٌ بعيد!
فإن قلت: إِن (١) لم يقولا بهذا، لم يَبْقَ لكلامهما فائدة، ولا لِمذهبهما ثَمَرَةٌ.
قلتُ: بل ثمرةُ مذهبهما تظهر في صورتين:
إحداهما (٢): في مَنْ أقرَّ من المخالفين أنَّه يعلم الحق، ويتعمَّد الباطلَ كما رُويَ هذا عن غيرِ واحد من المخالفين (٣).
والأخرى: حيث يكون المتأول غيرَ عدل في مذهبه.
فإن قلت: ما الفرق بين العدلِ وغيرِ العدل؟
قلتُ: الفرقُ أن العدلَ ظهرت عليه قرائنُ تدل على عدم العمد، وهي تَحَمُّلُهُ لمشاق التكليف، وصبرُه على مجانبة المحرمات وغير ذلك من المحافظة على النوافل، وسائرِ القرائن المرجحة لِظَنٍّ تأوله بحيث لا يَصِحُّ معها العِلْمُ بعناده.
الإشكال الثالث: أن العلمَ بالأمورِ الوُجدانيات المتولِّد عَن القرائنِ مما لا يصح أن يحتج به أحدٌ الخصمين على الآخر، لأن إقامةَ البراهين
_________________
(١) في (ج): إنهما.
(٢) في (ب): أحدهما.
(٣) من قوله: أنَّه يعلم إلى هنا ليست في (ج).
[ ٢ / ١٥٤ ]
الإشكال الثالث: أن العلم بالأمور الوجدانيات، مما لا يصح أن يحتج به
عليه غيرُ متصوَّرة ولا معقولة، وليس مما يشتركُ فيه جميعُ العقلاء، فالسيد -أيده الله- غلط في إيراده، لأنَّه إما أن يدعي أنَّ كل عاقل يعلم عناد الأشعرية بالضرورة أو لا، إن لم يدَّع ذلك، لم يصح استدلالهُ على خصمه بأنه يعلم ذلك، لأنَّه ليسَ يَلْزمُ الخصمَ أن يعمل بعلم السَّيِّد أيده الله، فإن ادَّعى السيدُ أن العلمَ بعنادهم مما يشترك فيه العقلاءُ، فهو مردود بوجهين:
الوجه الأول: أنا لا نجِدُ ذلك من أنفسنا، ولا دليلَ للسَّيِّد على ما يَدَّعيهِ علينا من وجدانه في أنفُسنا، فإذا اختلفنا نحن والسيدُ فيما حجبته ضمائرُنا، فنحنُ أعلمُ منه بذلك، وإخبارُنا عن ما في أنفسنا أرجحُ من إخبارِه بغير شك.
الوجه الثاني: أن الظاهرَ من أحوال السَّيِّد أنَّه لا ينسبُ أهل البيت ﵈ أو الجماهير منهم إلى العِناد، وجَحْدِ الضرورة، وهم ممن لم يقل بأن الجبرية كفارُ تصريح، لأنهم ما زالوا يمثِّلونَ كفارَ التأويل بالجبرية والمشبهة مِن غير مناكرةٍ في ذلك، وقد نص على ذلك في " اللمع " (١) الذي هو مدْرسُ (٢) الزيدية منذ أعصارٍ عديدة.
قال في " اللمع " ما لفظه: وفي تعليق الإفادة: ومن بلغ إلى حد الكفر والفسق متأوِّلًا، فالعلماء مختلفون فيه، والأظهرُ عند أصحابنا أن شهادَته جائزة إلى قوله: وهذا كالخوارج والمجبرة. إِلى قوله: فعلى هذا
_________________
(١) في فقه آل البيت لعلي بن الحسين بن يحيى الهادي، المتوفى في عشر السبعين وست مئة تقريبًا يوجد الجزء الرابع منه في " المكتبة الغربية " بصنعاء انظر " الفهرس " ص ٢٨٤، وتراجم الرِّجال ص ٢٤.
(٢) المِدرس كَمِنْبَر: الكتاب.
[ ٢ / ١٥٥ ]
الإشكال الرابع: أن العلم بتعمد الباطل والظن
تكون شهادة المجبرة والمشبهة مقبولةً عنده قَدَّسَ الله روحه وكذلك عند الهادي، والقاسم، يدل عليه أن الجبر والتشبيه من جهة التأويل والتدين، فوجب قبولُ شهادتهم.
فهذا نصُّ " اللمع " كما ترى في الإفصاح بأنهم من أهل التأويل والتدين. ولم يزل هذا النص مقروءًا منذ صنف كتاب " اللمع "، بل مِن قبله بدهرٍ طويل في محافل العلماء والفضلاء، ومساجدِ الزيدية، ومدارسها، ما أنكره أحد، ولا اعترض عليه، ولا شكَّكَ فيه، ولا عُرِفَ في تأويلهم خلاف ألبتة حتى جاء السيد -أيده الله- فرَضيَ لنفسه ما لا يرضاه له صديق مِن مخالفة عادات العلماء، والغلو في التَّعنُّتِ والتشديد، وإنما خلاف المتقدمين والمتأخرين في أن الجبرية كفارُ تأويل أم لا، وفي أنهم يُقْتَلُونَ أولًا، وأما أنهم كفارُ تصريح، فما صَرَّحَ بالخلافِ في هذا أحدٌ قبل السيدِ -أيده الله- فيما نعلم، والذي جَهِلْنا أكثرُ مما علمنا بغير شك، فإن كان السيد يعرف منْ صرَّحَ مِن أهل البيت بأنهم كفار تصريح فليُفِدْنا ذلك، فغير منكر أن يعلمَ -أيده الله- ما لم نعلم، فهذا الوجه ذكرتُه، لأن القسمة العقلية تحتمِلُه، وما أظُنُّ السيدَ يقول إلا بالوجه الأول وهو أن العلمَ بعنادهم مما لا يجب اشتراكُ العقلاء فيه، لكن إذا كان مما لا يجب اشتراكُ العقلاء فيه فكيف غَفَلَ السيد، واحتج على الخصم بذلك؟
الإشكال الرابع: أن العلمَ بتعمُّد الباطل والظن لذلك مما يستندُ إلى الأمارات، والأمارات مما لا يختص بالكفار، وكذلك تَعَمُّدُ لباطِل ممكنٌ في حقِّ الكفار والمسلمين، وسواءٌ كان ذلك الباطل كفرًا أو فسقًا، أو معصية ملتبسة، فيلزم السيد -أيده الله- أن يجيز الاحتجاجَ على الخصوم بالجرح المستند إلى فهم تعمد الباطل في حقِّ أهل العدل والتوحيد
[ ٢ / ١٥٦ ]
وغيرهم، فيلزمه أن يُسَوِّغَ للقائل أن يقول: إن أبا حنيفة متعمِّد للباطل، لقوله: إن القياسَ مُقدَّم على الخبر (١)، بل لما هو أعظمُ من هذا مثل قوله: إِن النهي يقتضي الصِّحَّةَ (٢) وغيرُ ذلك من المسائل الضعيفة، ومثل قول أبي يوسف، وأبي العباس ﵇: إن الماء المستعمل (٣) نجس، لأن المعلومَ أن النبي - ﷺ - لم يكن يَحْترِزُ مما يترشَّشُ منه كما يحترِزُ من البول، ولأنه يَبْعُدُ في النظر أن يكون الوجهُ طاهِرًا، والماءُ طاهرًا، فإذا التقيا كانا حَالَ الالتقاء طاهرَيْنِ، فإذا انفصلَ الماءُ الطاهر من الوجه الطاهر إلى الهواء الطاهر صارَ الماءُ كالبول وأمثال هذا. فقد رُوِيَ عن ابن مسعود
_________________
(١) هذا القول لا تصح نسبته إلى أبي حنيفة ﵀، بل مذهبه على النقيض من ذلك، وهو أن خبر الواحد الصحيح، يقدَّمُ على القياس مطلقًا سواء كان الراوي فقيهًا، أم غير فقيه، فقد جاء في " التحرير " وشرحه ٢/ ٣٩٨: إذا تعارض خبر الواحد والقياس بحيث لا جمع بينهما ممكن، قدم الخبر مطلقًا عند الأكثرين، منهم أبو حنيفة والشافعي وأحمد. وأما أتباع أبي حنيفة، فمنهم من وافقه على مذهبه هذا، فلم يشترط فقه الراوي وهو الذي ذهب إليه أبو الحسن الكرخي، ومنهم من اشترط فقه الراوي، فقال: إن خبر الفقيه يجب العمل به وإن خالف القياس وخبر غير الفقيه المعروف بالرواية أيضًا مقبول يُترك به القياس، إلا إذا خالف جميع الأقيسة وانسد باب الرأي بالكلية، وهو مختار الإمام عيسى بن أبان والقاضي أبي زيد، ووجه هذا القول: أن النقل بالمعنى شائع، وقلما يوجد النقل باللفظ، فإن حادثة واحدة قد رويت بعبارات مختلفة، ثم إن تلك العبارات ليست مترادفة، بل قد روي ذلك المعنى بعبارات مجازية، فإذا كان الراوي غير فقيه، أحتمل الخطأ في فهم المعنى المراد الشرعي، وإن كان هو عارفًا باللغة، وإذا خالف الأقيسة بأسرها وانسد باب الرأي، قوي ذلك الاحتمال قوة شديدة فلم يبق ظن المطابقة، فسقطت الحجية، وصار كالخبر المروي فيما ابتلي به العوام والخواص مخالفًا لعملهم. وبهذا تعلم أن الخلاف قائم فيما إذا روى الحديث بالمعنى، وأما إذا رواه بلفظه فلا خلاف في قبول خبره، وتقديمه على القياس إذا كان الراوي مستوفيًا شروط القبول، ولو كان غير فقيه.
(٢) أي في الشرعيات فقط لا مطلقًا، وقد فصل القبول في هذه المسألة وأجاد العلامة المطبعي في حاشيته " سلم الوصول " ٢/ ٢٩٥ - ٣٠٢، فليراجع.
(٣) انظر تفصيل القول في الماء المستعمل، في " البناية " للفقيه العيني ١/ ٣٤٤ - ٣٥٤.
[ ٢ / ١٥٧ ]
أنه قال: إن التيمُّم غيرُ مشروع للجنب، ورُوجِعَ في هذا، واحْتُجَّ عليه بالحديثِ والآية، فقال: لَوْ رخَّصنا لهم في هذا لكان يوشِكُ أن يتيمم أحَدُهُم مِن بردِ الماء (١).
فكان يلزم على كلام السَّيِّد أن يكون للمُتَعَنِّت سبيلٌ إلى جرح كثيرٍ من الثقات لمجرد سُوءِ الظن، والهجوم بغيرِ علم، وأنه يلزمنا أن نسكت لمن قال ذلك، لأنَّه أخبر عن علم ضروري أو عن ظنٍّ حَصَلَ بقرينة صحيحة، وأبو حنيفة، وأبو العباس وابنُ مسعود وغيرُهم غيرُ معصومين مِن تَعَمُّدِ الباطل، وكذلك يمكن المتعسف على أصله أن ينسب إلى المعتزلة والفقهاء تَعَمُّدَ الباطل حيث أنكروا تقديمَ علي ﵇ في الإمامة، واختصاصه بها مع ما لهم مِن الذكاءِ العظيم، ومع مخالطتهم لكثيرٍ من أهل البيت، وبيان أهل البيت للأدلة، ومضي الزمان الطويل على ذلك، بل يُمكن تكلفُ تعمد الباطل لأكثر العلماء، فمن الذي لم يُنْقَدْ عليه قولٌ ضعيف، ولِهذا قيل: كُلُّ أحدٍ يؤْخَذُ من قوله وُيتْرَكُ إلا رسولَ الله
_________________
(١) في " المصنف " (٩٢٢) من طريق سفيان الثوري عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة عن ابن مسعود، قال: لو أجنبت ولم أجد الماء شهرًا ما صليت. قال سفيان: لا يؤخذ به، وفي "مصنف ابن أبي شيبة" ١/ ١٥٧ من طريق محمد بن فضيل، عن مغيرة عن إبراهيم النخعي، قال: قال عبد الله: إذا كنت في سفر، فأجنبت، فلا تصل حتى تجد الماء، وإن أحدثت فتيمم ثم صل. وفيه من طريق أبي معاوية، عن الأعمش عن شقيق قال: كنت جالسًا مع عبد الله وأبي موسى، فقال أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن أرأيت لو أن رجلًا أجنب فلم يجد الماء شهرًا كيف يصنع بالصلاة؟ فقال عبد الله: لا يتيمم وإن لم يجد الماء شهرًا، فقال أبو موسى: فكيف بهذه الآية في سورة المائدة ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ فقال عبد الله: لو رخص لهم في هذا لأوشكو إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا بالصعيد. وقد جاء ما يدل على إنَّه رجع عن قوله هذا، ففي مصنف ابن أبي شيبة ١/ ١٥٧، ومصنف عبد الرزاق (٩٢٣) من طريق سفيان بن عيينة عن أبي سنان، عن الضحاك أن ابن مسعود رجع عن قوله في الجنب أن لا يصلي حتى يغتسل.
[ ٢ / ١٥٨ ]
قال السيد: وأما الدليل، فقد احتج القائلون
أقول: كلام السيد هدا دال على أن القائلين ما احتجوا إلا بحجتين
- ﷺ - (١) وقد طوَّل السيدُ الكلامَ في هذا في المسألة الثانية (٢)، وسيأتي هنالك مزيدُ بيانٍ لهذا الفصل، إن شاء الله تعالى.
قال: وأما الدليلُ، فقد احتج القائلون بوجهين:
أحدُهما: أنَّ الظن يَحْصُلُ بصدقه، لأنَّه متدين يخافُ العقابَ على كذبه، ويرجو الثوابَ على صدقه.
والثاني: أن الصحابة قَبِلُوا رواية قتلة عثمان، وقَبِلَ بعضُهم روايةَ بعض بعدَ ظهور الفتن.
أقولُ: كلامُ السَّيِّد هذا دالٌّ على أن القائلين ما احتجُّوا إلا بحجتين وهو مفهومٌ ظاهر، وهو المسمَّى بمفهوم العدد أحدِ أقسام المفهوم المعروفة في الأصول، وهذا لا ينبغي مِن السَّيِّد أيده الله مع كثرة اطلاعه وسَعةِ معرفته، وسوف يأتي في الفصل الثاني -إن شاء الله- ذِكْرُ بعضِ ما احتجُّوا به مما عرفت أنَّه يحتح لهم به على قِلَّة معرفتي، فقد ذكرتُ في هذا الجواب خمسًا وثلاثين حُجة أضعفُها لا تَقْصُرُ عن مساواة بعضِ حجج السيدِ التي احتج بها على ردِّ المتأولين، كما سيأتي بيانُ ذلك كُلِّهِ.
قال: واحتج الرادون بوجوه:
الأول: قولُه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا
_________________
(١) أوردها ابن حزم في " الأحكام " ٦/ ١٤٥ منسوبة لمجاهد، ونسيها لغير واحد من السلف ابن عبد البر في " جامع بيان العلم وفضله " ٢/ ٩١، وذكرها تقي الدين السبكي في " فتاويه " ١/ ١٤٨ منسوبة لابن عباس، ثم قال: وأخذ هذه الكلمة من ابن عباس مجاهد، وأخذها منهما مالك ﵁، واشتهرت عنه، وذكرها أبو داود في " مسائله " ص ٢٧٦ عن الإمام أحمد.
(٢) جملة: " في المسألة الثانية "، سقطت من (ج).
[ ٢ / ١٥٩ ]
أقول: كلام السيد في الاحتجاج بهذه الآية يحتمل إيراد إشكالات كثيرة نذكر منها ما حضر
الإشكال الأول: أن نقول: احتجاج السيد بهذه الآية ونحن ننازعه في ذلك من طريقين
الطريق الأولى أنه قد ورد في السمع ما يدل على أن الفاسق كان في ذلك الزمان يطلق على الكافر
أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَة﴾ [الحجرات: ٦] وهذا في معنى العموم، كأنه قال: إن جاءكم فاسق، أيَّ فاسِقٍ كان، كقولك: إن جاءك رجل فأكرمه، فإنه يقتضي إكرام أيِّ رجل جاء، وإن لم يتناول مجموع الرجال، ولأنه عَلَّق الحكمَ على صفة تقتضي التعليلَ، وكأنَّه قال: إن جاءكم فاسق بنبأ، فتبينوا أن تصيبُوا قومًا لأجل فسقه، فيقتضي العمومَ مِن هذا الوجه.
أقول: كلامُ السَّيِّد أيَّده الله في الاحتجاج بهذه الآية يحتمل إيرادَ إشكالات كثيرة، نذكر منها ما حَضَرَ:
الإشكال الأول: أن نقول: احتجاجُ السَّيِّد بهذه الآية ينبني على أنه لم يكن يَسْبِقُ إلى الأفهام عندَ إطلاق لفظ الفاسق على عهد رسول الله - ﷺ - إلا على مرتكب الكبيرة تأويلًا وتصريحًا، فكان ينبغي منه أن يذكُرَ الدليل على هذا، فإنه قاعدةُ دليلِهِ، ويجب عليه أن يبين على ذلك دليلًا قاطعًا، وإلا لم يمنع خصمه من الخلاف والمنازعة وقد نسي السيدُ هذا، ولا يصِحُّ له الاستدلالُ إلا به، ونحن ننازِعُه في ذلك من طريقين:
الطريق الأولى: أنَّه قد ورد في السمع ما يَدُلُّ على أن الفاسق كان في ذلك الزمان يُطلق على الكافر كثيرًا، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٦٧]، وقولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُون﴾ [البقرة: ٩٩]، وقولِه في المنافقين: ﴿إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُون﴾ [التوبة: ٨٤]، وقولِه تعالى فيهم أيضًا: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِين﴾ [التوبة: ٩٦]، وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَاتُ (١)
_________________
(١) هي قراءة نافع وابن عامر، وقرأ باقي السبعة (كلمة) بغير ألف. انظر " حجة القراءات " ص ٣٣١.
[ ٢ / ١٦٠ ]
رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٣٣]، وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُون﴾ [السجدة: ٢٠] وقال: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِين﴾ [الحشر: ٥]، وقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون﴾ [الحشر: ١٩] وقال تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِين﴾ [المنافقون: ٦]، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٥٣] إلى غير ذلك مما يطولُ تعدادُه. إذا عرفتَ هذا فلا شك في أمرين:
أحدهما: أن هذه الآياتِ دالةٌ على أن الفاسق في العُرف الأول يُطلق على الكافر ويَسْبِقُ إلى الفهم.
وثانيهما: أن العرف المتأخِّرَ هو أنَّ الفاسق مقصورٌ على مُرتكبِ الكبيرة التي ليست بكفرٍ، ولا يَسْبِقُ إلى الفهم في هذا العُرف المتأخر إلا ذلك فاختلف العُرْفانِ، فلا يجوز أن نُفَسِّرَ القرآنَ بالعُرف المتأخر، لأن الله تعالى لا يُخاطبُ الناس إلا بما يسْبِقُ إلى أفهامهم، وهو القِسْمُ المعروف بالمبين في الأصول، أو بما لا يُفهم منه شيء ثم يُبينه وهو المُجْمَلُ.
فإن قلت: هذا خلافُ مذهب أهلِ البيت ﵈.
قلتُ: ليس كذلك، لأنَّ أهل البيت لم يتكلَّمُوا على أنَّه لم يكن الكافرُ يسمَّى فاسقًا في وقت النبي - ﷺ - بحيث يسبِقُ إلى الفهم عند ذكر الفاسق أنه الكافر، وإنما تكلموا على أن مرتكب الكبيرة يُسَمَّى فاسقًا، ولسنا نُنازِعُ
[ ٢ / ١٦١ ]
في ذلك، فإنا نقول: إنَّه يسَمَّى فاسقًا في وقت النبي - ﷺ -، وفي الوقت المتأخر لكنِ التسميتان مفترقتانِ فالمتقدمة في زمانه ﵇ لغوية غيرُ سابقة إلى الأفهام إلا بقرينةٍ، والتسميةُ المتأخرة في زماننا عُرفية سابقة من غير قرينة، وهذا شيء لم ينصَّ أهلُ البيت على خلافه.
فإن قلتَ: فقد ورد في القرآن الفسقُ لغيرِ الكفر في مثل قوله تعالى: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَان﴾ [الحجرات: ١١] وقوله: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَان﴾ [الحجرات: ٧]، وقوله: ﴿ذَلِكُمْ فِسْق﴾ [المائدة: ٣]، وقوله: ﴿فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
فالجواب: أنا لم نَدَّع أن الفسقَ لم يرد في الكفر بل قلنا: إِنه فيه حقيقة عرفيةٌ سابقةٌ إلى الأفْهام مِن غير قرينة وهو في غيره حقيقةٌ لغوية، وذلك مثل قوله - ﷺ - في الحديث الصحيح: " إنَّ النِّسَاءَ كَوَافِرٌ " قَالُوا: يا رسولَ اللهِ يكفرن بالله؟ قال: " لا، يَكْفُرْنَ العَشِيرَ " (١)، فلم يكن هذا مانعًا مِن كون الكفر في ذلك الزمان اسمًا عرفيًا لما يخَالِفُ الإِسلامَ، وفي الحديث من هذا القبيل شيء كثير.
فإن قلتَ: فهذا يقتضي أن الفِسقَ يَشْمَلُ الكفرَ وسائرَ الكبائر، وأن دخولها في هذه الآيةِ على السواء (٢)، فلم قلتَ: إن إطلاقه في ذلك الزمان على الكافر كان أسبقَ إلى الأفهام؟
_________________
(١) أخرجه من حديث أبي سعيد الخدري، البخاري (٣٠٤) و(١٤٦٢) ومسلم (٧٩) والنسائي ٣/ ١٨٧، والبغوي في " شرح السنة " (١٩) أن النبي - ﷺ - مر على النساء فقال: "يا معشر النساء تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار" فقلن: وبم يا رسول الله؟ قال: " تكثرن اللعن، وتكفرن العشير " ولفظ المصنف لم أقف عليه وربما يكون رواه بالمعنى.
(٢) في (ب): سواء.
[ ٢ / ١٦٢ ]
قلتُ: لأن القرآن قد دلَّ على اسم الفاسق والفاسقين مما يختصُّ بالكفار، كقوله تعالى. ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُون﴾ [التوبة: ٦٧] فأفاد قصرَ الفاسقين على المنافقين كما هو معروف في علم المعاني، فلو كان كما ذكرت، لكان يكون الحقيقة أن المنافقين هم بعضُ الفاسقين، وكذلك قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَاتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٣٣]، وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّار﴾ [السجدة: ٢٠] إِلى قوله: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ٢٠]، والدلالات في هذه الآيات ظاهرة، وهذا هو الأكثرُ من النصوص القرآنية، وقد جاء في القرآن ما يَدلُّ على اختصاص أهلِ الكبائر بهذا الاسم، ولكِن مجيئًا قليلًا، وذلك قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] فهذا ظاهِرُه متعارض، ولا بُدَّ من العدول عن الظاهر إما من الحقيقة العُرفية إلى اللغوية، وإما من الحقيقة إلى المجاز، وكلاهما لا يجوزُ إلا لضرورة، والتجوزُ فيما ورد قليلًا نادرًا أولى مِن التجوُّز في الأكثريِّ المستمِر.
فإن قلت: فقد ورد اسمُ الفسق لغير الكفر كثيرًا غير نادر كما قدمناه آنفًا.
قلت: على تسليم التساوي في الكثرة، فليس هذا موضع النزاع، فإنا إنما نازعنا في الفاسق والفاسقين ونحو ذلك مما ورد بصيغة فاعل، وذلك لأنَّه إذا ثبت في اسم الفاعل عُرْفٌ لم يلزم في المصدر كالدَّابة والدَّبيب، فإن الدابة في العرف للبهيمة المعروفة، والدَّبيب لا يختص بها، سلمنا أنَّه لا يكونُ التجوز في النادر أولى، فنحن نقول: أحدهما مجاز، والآخرُ حقيقة، فدل بدليل قاطع على أن المجاز هو إطلاق الفسق
[ ٢ / ١٦٣ ]
الطريق الثانية: سلمنا لك أن النصوص القرآنية لم يدل على أن الفاسق يختص في عرف ذلك الزمان بالكافر
الإشكال الثاني: أنا نقول قد ورد في اللغة ما يدل على أن الفسق تعمد المعصية، وأن الفاسق المتعمد
على الكفار، وإنما (١) اشترطنا أن يكونَ دليلُك قاطعًا، لأنَّك ادعيتَ أن المسألةَ قطعية، وحَرَّمْتَ الخلافَ على خصمك، وله أن يُنَازِعَك ما لم يكن دليلُك قاطعًا، لأن أقصى ما في الباب أن سؤالَنَا غيرُ راجح ولا ظاهر، لكنه محتمل مرجوح أو مساوٍ، فعليك دفعُ الاحتمال.
الطريق الثانية: سلمنا لك أنَّ النصوص القرآنية لم تدل على أنَّ الفاسق يختصُّ في عُرف أهلِ ذلك الزمان بالكافر، لكن قد حَصَلَ لنا منها ما يقتضي القطعَ بأن العُرف في الفاسق في زمان النبي - ﷺ - غيرُ العرف في وقتنا مثل قوله تعالى في الكفار: ﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِين﴾ [الأعراف: ١٠٢]، وقوله تعالى في المشركين: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨] ومثل قوله في اليهود: ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ (٢) [المائدة: ٥٩] وقوله فيهم: ﴿وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٨١] فَهذِهِ النصوص -كما ترى- دالةٌ على أن في الكفار المصرحين من لا يستحِقُّ أن يُسَمَّى فاسقًا، فدلَّ ذلِكَ على أن ثَمَّ عُرفًا في اسم الفاسق غيرَ هذا العرفِ الذي اصطلح عليه المتأخرون، وغير الحقيقة اللغوية.
الإشكالُ الثاني: أنا نقول: قد ورد في اللغة ما يَدُلُّ على أن الفسق تعمدُ المعصية، وأن الفاسقَ المُتَعَمِّدُ، فبطل احتجاجُ السَّيِّد بالآية على المتأوِّلين، وإنما قلنا: إن ذلك قد ورد في اللغة، لأن الزمخشري قال في تفسير قولِه تعالى: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾: متمردون خُلَعَاءُ لا مُرُوءَةَ تَزَعُهُم، ولا شمائِل مَرْضِيَّة تردعهم، كما يُوجد ذلك في بعض الكفرة مِن التَّفادِي
_________________
(١) في (ج): وإذا.
(٢) من قوله: " ومثل قوله " إلى هنا زيادة من (ب).
[ ٢ / ١٦٤ ]
عن الكذب، والنَّكْثِ والتَّعفف عما يثْلِمُ العِرضَ، وَيَجُرُّ أُحْدُوثَةَ السوء (١).
فهذا تصريح بتفسير الفاسقين بمن لا يتفادى عن الكذب والنَّكث، وبأنَّهم أهلُ الخلاعة الذين لا مروءة لهم ولا حياء، وهؤلاء مردودون بالإجماع، وإن لم يكن لهم معصيةٌ إلا مجرد الخلاعةِ وقلة الحياء، ولهذا عَدَّ العلماء كثيرًا من المباحات التي لا يفعلُها إلا الخلعاءُ من الجرح في العدالة وإن لم يكن فاعلُها يستحقُّ العقاب، لما كانت دالة في العادة على أن فاعلها يجترىءُ على الكَذِبِ والمعاصي.
وقال المؤيَّدُ بالله في " الزيادات " -وقد ذكر قولَ الهادي ﵇: مَنْ نكَثَ بَيْعةَ إمَامِهِ طُرِحَتْ شهَادَتُه- نقول: مَنْ أنكر إمامته لأجل الفسوق والتهتك لا لأجل النظر في أمره، والتفكر في أحواله.
وقال المؤيَّد بالله مرةً: لعله -يعني الهادي ﵇- قال ذلك اجتهادًا، ولكنه يضعفُ عندي إذا كان مستقيمَ الطريقة في سائر أحواله، فإن عُرِفَ منه الفسوقُ بما يقوله، فإني لا أقبلها. انتهي كلامُه ﵇.
وهو ظاهرٌ في أنَّه أراد بالفسوقِ تَعَمُّدَ المعصية، وإلا فالنَّاكث لبيعة إمامِ الحق فاسقٌ في العرف المتأخر، سواء كان متأولًا أو متعمدًا.
وقال عبدُ الصمد في تفسير هذه الآية: وسمَّى الله الوليدَ فاسقًا، لكذبه الذي وَقَعَ به الإغراء.
وقال القرطبي في هذه الآية في تفسيره: وسُمِّي الوَلِيدُ فاسقًا، أي
_________________
(١) " الكشاف " ٢/ ١٧٦.
[ ٢ / ١٦٥ ]
كاذبًا. وقال العلماء (١): الفاسقُ: الكذَّاب. وقيل: الذي لا يستحي من الله.
وقال الزمخشري في موضعٍ آخر: والمرادُ بالفسق: التمرُّدُ والعُتُوُّ.
وقال في " الضياء " (٢): العتو: هو الاستكبارُ، يقال عتا عُتُوًّا: إذا استكبر وعصى.
وفي الحديث الصحيح عن النبيِّ - ﷺ - أنَّه فسر الكبْر بغَمْصِ الناس وَبَطرِ الحق (٣)، ولا شكَّ أن هذا التفسير النبوي يَدُلُّ على أن بَطَرَ الحق: هو دفعُه على جهة التعمد والأنَفَةِ من القول به (٤) لأنَّه لا مناسبة بين الكِبْرِ والجهل بالحق من غير تعمُّدٍ لدفعه، ولا أنفةٍ من قبوله، ومنه حديثُ حُذَيْفَةَ قال في قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْر﴾: إنَّه ما بقي مِنْهُم إِلاَّ ثلاثة، ولا مِنَ المُنَافقِينَ إلا أرْبَعَة، فقال أعرابي: إنَّكُمْ -أصْحَابَ مُحَمَّدٍ-
_________________
(١) النص " تفسير القرطبي " ١٦/ ٣١١ - ٣١٢: قال ابن زيد، ومقاتل، وسهل بن عبد الله: الفاسق: الكذاب، وقال أبو الحسن الوراق: هو المعلن بالذنب، وقال ابن طاهر: الذي لا يستحيي من الله.
(٢) اسمه الكامل " ضياء الحلوم في مختصر شمس العلوم " لمؤلفه محمد بن نشوان بن سعيد الحميري اليمني المتوفى سنة (٦١٠) هـ: وهو اختصار لكتاب والده نشوان بن سعيد المسمى " شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم " وقد طبع منه جزءان. وقد رتبه مؤلفه على حروف المعجم، وجعل لكل حرف من حروف المعجم كتابًا، ثم جعل له، ولكل حرف معه من حروف المعجم بابًا، ثم جعل كل باب من تلك الأبواب شطرين أحدهما للأسماء والآخر للأفعال، مقدمًا الأصلي على المزيد، مبتدئًا في أول كل كتاب بالمضاعف، جاعلًا لكل كلمة من الأسماء والأفعال وزنًا ومثالًا، مرتبًا الكلمات في كل وزن، ومشيرًا إلى حرفها الأخير. ولم يغير ولده في المختصر ترتيبه ووضعه، وإنما حذف منه كل ما هو خارج عن موضوع اللغة مما كان يذكره والده استطرادًا.
(٣) حديث صحيح وقد تقدم تخريجه في الصفحة ١٢٩.
(٤) (به): سقطت من (ج).
[ ٢ / ١٦٦ ]
الإشكال الثالث: أن المتأولين غير موجودين في ذلك الزمان
تُخْبِرُونَنَا (١) فلا نَدْرِي، فما بالُ هؤلاء الذين يَبْقرونَ (٢) بُيُوتَنَا، ويسرِقُون أعْلاقَنَا (٣) قال: أولئِك الفساق (٤) -أجَلْ- لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلا أربعةٌ أحدهم شيخ كبير لو شَرِبَ المَاءَ البَارِدَ لما وَجَدَ بَرْدَهُ (٥). رواه البخاري (٦) من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن زيد بن وهب، عن حُذيفة في تفسير قولِه تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢].
فدلَّ ذلك على أن الفسقَ في اللغة، هو التمردُ والتكبر، والأنَفَة من قبول الحق، والتعمد للباطل، وذلك لا يتناولُ المتأوِّلَ المتديِّنَ المتواضِعَ المتخَشِّعَ الذي يَغْلِبُ على الظن صدقه، أقصى ما في الباب أن هذا السؤال غيرُ راجح ولا ظاهر، لكنه محتمل، إما مساوٍ، وإما مرجوح، وعليك إبطالُ ذلك، ورفعُ الاحتمال بدليلٍ قاطع، لأنَّك ادَّعَيْتَ أن المسألة قطعية، ومنعت المنازعةَ فيها.
الإِشكال الثالث: أنَّ المتأوِّلين كانوا غيرَ موجودين في ذلك الزمان، وما كان غيرَ موجودٍ لم يسبق الفهمُ إلى إرادته، وما لم يسبق الفهمُ إلى إرادته لندوره، وقلةِ حضوره في الذهن، فقد اختلف العلماءُ هل يتناولُه العمومُ مع وجوده، ومع صريحِ العموم؟ كيف، وهو في مسألتنا غيرُ
_________________
(١) زاد الإسماعيلي في روايته: " عن أشياء ".
(٢) بالباء الموحدة والقاف من " البقر " وهو الشق، قال الخطابي: أي ينقبون، قال: والبقر أكثر ما يكون في الشجر والخشب، وقال ابن الجوزي: معناه: يفتحون، يقال: بقرت الشيء: إذا فتحته، ويقال: ينقرون بالنون بدل الباء.
(٣) جمع علق: وهو الشيء النفيس، سمي بذلك لتعلق القلب به، والمعنى يسرقون نفائس أموالنا.
(٤) أي: الذين يبقرون ويسرقون: لا الكفار والمنافقون.
(٥) أي: لذهاب شهوته، وفساد معدته، فلا يفرق بين الألوان والطعوم.
(٦) برقم (٤٦٥٨) في التفسير، وأخرجه النسائي في التفسير من الكبرى كما في " تحفة الأشراف " ٣/ ٣٣، ونسبة الحافظ في " الفتح " ٨/ ٣٢٣ لابن مردويه.
[ ٢ / ١٦٧ ]
موجود بالمرة، والعمومُ غيرُ صريح، فإن السَّيِّد أقر أن الآيةَ في معنى العموم.
ومثالُ ذلك أن الرجلَ لو قال لغيره: وكَّلْتُكَ أن تشتري لحمًا بهذه الدراهمِ، وكان العُرف السابقُ إلى الأفهام في بلدهم أن المرادَ باللحم لحمُ البقر والغنم ونحوها من الأنعام، فشرى له لحمَ حوتٍ أو صيدٍ أو طيرٍ، أو لحمَ ضَبُعٍ أو ثعلبٍ إن كانوا يَرَوْنَ جَوازَ ذلك وغير ذلك، وكذا لو وَكَّلَه أن يشتريَ له حَبًّا والعُرَف معهم في الحَبِّ للبُر والشعير، فاشترى له دُخنًا أو نحوه، وكذا لو باعَ منه ثوبَه بمدٍّ أو صاع، ولم يُعين أيَّ نوع، انصرف إلى العُرف، كما في زماننا: لو أقر بزبدي (١) لم يكن زبدي حلبةٍ ولا ملح ولا حِلْف (٢) ولا نحو ذلك، إذا تقرر هذا، فقد قال بعضُ العلماء: إن لفظَ النبي - ﷺ - كذلك لا يتناولُ إلا الموجوداتِ المستعملاتِ، وكأن هذا ذهب إلى أن استعمالَ اللفظ في الموجود المستعمل كثيرًا قد صار عرفًا، وطَرَّد الباب وهذا صحيح إذا صحت هذه القاعدة، فإنه لا خلاف أن الشيء -إذا كان له حقيقتان عُرفية ولُغوية- إن العُرفية هي المعمولُ عليها، المصروفُ إليها كلامُ الله تعالى، وكلام رسوله ﵇.
إذا تَقرَّرَ هذا فاعلم أن المتأوِّلين في زمان رسول الله - ﷺ - بالنظر إلى الفُساقِ كلحم الصيد والطيرِ بالنظر إلى اللحوم المستعملة، بل لحمُ الصيد والطير أعرفُ في زماننا، لأنَّه موجود كثير، ولكن استعمال غيره أكثرُ، فكان حملُ اللفظ على الأكثر هو الواجب، فكيف والمتأوِّل معدوم في زمانه - ﷺ - وقتَ نزولِ هذه الآية؟ أليس يكونُ حملُ اللفظ على الموجود دونَ
_________________
(١) الزبدي: مكيال كان مستعملًا في عصر الدولة الرسولية.
(٢) والحلف: نوع من التوابل.
[ ٢ / ١٦٨ ]
الإشكال الرابع: أنها جاءت أدلة على أن المتأول في الكبيرة التي ليست بكفر يسمى مسلما
المعدوم أولى من حمله على الأكثرِ دونَ الموجود الكثير على هذا الأصلِ؟ لا سيما وليس العموم بصريحٍ فكان يجبُ على السَّيِّد -أيَّده الله- أن يُبطل هذا القول.
الإشكال الرابع: أنها جاءت أدلةٌ على أن المتأوِّل في الكبيرة التي ليست بكفرٍ يُسمَّى مسلمًا بنصِّ النبي - ﷺ - مثل ما يُسَمَّى مُوَحِّدًا (١)، ومِن أهل الملة، ومِن أهل القبلة، والمسلم مقبول.
أمَّا المقدمة الأولى -وهو أنَّه يُسمَّى مسلمًا وإن كان عاصيًا باغيًا- فكقولِ النبي - ﷺ - في حديث الحسن: " إنَّ ابني هذا سَيِّدٌ وسيُصْلِح اللهُ به بَيْن طائفتيْنِ عظيمتين من المُسلمين " (٢)، وهذا حديثٌ صحيح مشهورٌ متلقىً بالقبول روته الزيديةُ، وعلماءُ الحديث، وكلُّ من تكلَّم في فضائل الحسنِ بنِ علي ﵉ غالبًا.
وقال الحافظ ابن عبد البر في كتاب " الاستيعاب " (٣) في مناقب الحسن ﵇: رواه اثنا عشر صحابيًا.
_________________
(١) في (ج) "موجودًا" وهو خطأ.
(٢) أخرجه أحمد في " المسند " ٥/ ٣٧ و٤٤ و٤٧ و٤٩ و٥١، وفي فضائل الصحابة (١٣٥٤) و(١٤٠٠) والبخاري (٢٧٠٤) و(٣٦٢٩) و(٣٧٤٦) و(٧١٠٩) والترمذي (٣٧٧٣) وأبو داود (٤٦٦٢) والنسائي ٣/ ١٠٧، وعبد الرزاق ١١/ ٤٥٢، والطبراني ٣/ ٢١ - ٢٤، والببهقي ٦/ ١٦٥، والطيالسي (٨٧٤). ورواه ابن راهويه في " مسنده " عن الحسن مرسلًا كما في " المطالب العالية " ٤/ ٧٣ والبزار في " مسنده " عن جابر كما في " المجمع " ٩/ ١٧٨. قاله البغوي في " شرح السنة " ١٤/ ١٣٦ - ١٣٧: وفي هذا الحديث دليل على أن واحدًا من الفريقين لم يخرج بما كان منه في تلك الفتنة من قول أو فعل عن ملة الإسلام، لأن النبي - ﷺ - جعلهم كلهم مسلمين مع كون إحدى الطائفتين مصيبة والأخرى مخطئة. وهكذا سبيل كل متأول فيما يتعاطاه من رأي أو مذهب إذا كان له فيما يتأوله شبهة وإن كان مخطئًا في ذلك، وعن هذا اتفقوا على قبول شهادة أهل البغي، ونفوذ قضاء قاضيهم.
(٣) ١/ ٣٦٩، ولفظه: رواه جماعة من الصحابة.
[ ٢ / ١٦٩ ]
وليس يدخل فيه من عَلِمْنَا بالقرائنِ أنَّه معاندٌ مجترىءٌ غير متأوِّل منهم، ولا مَنْ صحَّ في الحديث أنَّه منافق أو نحو ذلك، لأن حكم الواحدِ المخصوص لا يتعدَّى إلى الجماعة، ولا يلزمُ مِن خروج الخصوصِ بطلان العموم. وفي " صحيح مسلم " عن عمَرَ بنِ الخطاب ﵁ أن جبريلَ ﵇ سأل النبيَّ - ﷺ - عن الإسلام، فقال: " شهادةُ أن لا إله إلاَّ الله، وأن محمَّدًا رسولُ الله، وإقَام الصَلاةِ، وإيتاءُ الزَّكاةِ، وحجُّ البَيْتِ، وصَوْمُ رمضان " (١).
وفي الحديثِ من هذا القبيل ما يطولُ ذكرُه، والمتأولون ممن ليس بكافر قائمون بهذه الأركان، وقد سمَّى رسول الله - ﷺ - أصحاب معاوية مسلمين في حديث الحسن ﵇ (٢)، وهو خاصٌّ لا يُعَارَضُ بالعمومات، وكذلك ثبت بالتواتر عن رسول الله - ﷺ - أن أصحابَ معاوية بُغَاة كما جاء في حديث عمار: " تقْتُلكَ يَا عَمَّارُ الفِئَة البَاغِيَةُ " (٣) خرجه
_________________
(١) هو في صحيح مسلم برقم (٨) وأخرجه الترمذي (٢٧٣٨) وأبو داود (٤٦٩٥) والنسائي ٨/ ٩٧، وأحمد ١/ ٢٧ و٥١ و٥٢ و٥٣، والبغوي (٢). وفي الباب عن أبي هريرة عند البخاري (٥) و(٤٧٧٧) ومسلم (٩) و(١٠) وأبي داود (٤٦٠٨) والنسائي ٨/ ١٠١.
(٢) وقد تقدم في الصفحة ١٦٩.
(٣) أخرجه من حديث أبي سعيد البخاري (٤٧٧) و(٢٨١٢) ومسلم (٢٩١٥) وأحمد ٣/ ٥ و٩١، وابن سعد ٣/ ١/١٨٠ ومن حديث عمرو بن العاص أخرجه أحمد ٤/ ١٩٧، وقال الهيثمي في " المجمع " ٩/ ٢٩٧: رواه الطبراني مطولًا ومختصرًا، ورجال المختصر رجال الصحيح، غير زياد مولى عمرو، وقد وثقه ابن حبان، ومن حديث أم سلمة أخرجه أحمد ٦/ ٢٨٩ و٣٠٠ و٣١١ و٣١٥ ومسلم (٢٩١٦). وعن عمار أخرجه أبو يعلى والطبراني والبزار كما قال الهيثمي في " المجمع " ٩/ ٢٥٩ وانظر طرقه الكثيرة عند ابن سعد في " طبقاته " ٣/ ١/١٨٠ وفي " مجمع الزوائد " ٧/ ٢٤٢ وما بعدها و٩/ ٢٩٥ - ٢٩٧، وفي " نظم المتناثر في الحديث المتواتر " ص ١٢٦ حيث ذكره عن واحد وثلاثين صحابيًا، وانظر " فتح الباري " ١/ ٥٤٣.
[ ٢ / ١٧٠ ]
أهل الصحاح والسنن والمسانيد والتواريخ وجميع أهل البيت وأهل الحديث والشيعة، وحكم علماء الحديث بتواتره، منهم الذهبي ذكره في " النبلاء " (١) في ترجمة عمار ﵁، وهو مذهبُ أئمة الفقهاء، ومذهبُ أهلِ الحديث كما نقله عنهم العلامة القُرطبي في أواخر كتابه " التذكرة في التعريف بأحوالِ الآخرة " (٢) كما سيأتي بيان ذلك مبسوطًا في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله. فلا يخلو، إما أن يُثبت أن أصحابه يسَمَّوْنَ فسقةً في ذلك الزمان بنصٍ صحيح مثل ما ثبت أنهم يُسمَّوْنَ مسلمينَ وبغاةً، أو لا، إن لم يثبت ذلك لم تَنَاوَلْهمُ الآية الكريمة، وإن ثبت ذلك، فقد تناولهم اسمُ الفسق الذي يرد أهله، واسم الإسلام الذي يقبل أهله، فتعارضَ دليلُ قبولهم، ودليلُ ردِّهم، ولم يكونوا كالذين يُسمَّوْنَ فساقًا فقط، ولا يُسمون مسلمين ألبتة. فلا تدُلُّ الآيةُ الكريمة على مقصودِ السَّيِّد حتى يرتفِعَ هذا الاحتمالُ، فإنَّه إما راجحٌ، أو مساوٍ، أو مرجوحٌ محتمل، يوضِّحُ ذلك إن التفسيرَ للآية بذلك هو المشهور في كتب أهل البيت ﵈ كما ذكره صاحب (٣) " شفاء الأوام " وادَّعى الإجماع عليه، فإنه قال في كتاب الوصايا من " شفاء الأوام " ما لفظه: وقولُه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَة﴾ [الحجرات: ٦] تدل على المنع من الإيصاء إلى الفاسق، وقولنا: إن الوصية لا تجوزُ إلى الفاسق نريدُ الفاسق المجاهر، فأما الفاسقُ
_________________
(١) ١/ ٤٢١ ونص كلامه فيه: وفي الباب عن عدة من الصحابة، فهو متواتر.
(٢) ص ٥٤٦.
(٣) هو الحسين بن محمد بن أحمد بن يحيى بن الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين، المتوفى سنة ٦٦٢ هـ، مترجم في " تاريخ اليمن " للواسعي ٣٢، وانظر" الأعلام " ٢/ ٢٥٥ - ٢٥٦ ومن كتابه هذا عدة نسخ في المكتبة الغربية بالجامع الكبير بصنعاء انظر " الفهرس " ص ٨٥ - ٨٩.
[ ٢ / ١٧١ ]
مِن جهة التأويل، فلسنا نُبْطِلُ كفاءته في النكاح كما تقدَّم، ونقبلُ خبره الذي نجعلُهُ أصلًا في الأحكام الشرعية لإِجماع الصحابة ﵃ على قبول أخبارِ البُغاة على أمير المؤمنين ﵇، وإجماعُهم حجة. انتهي كلامُه ﵇.
فإن قلتَ: الدليلُ على أنهم لا يُسَمَّوْنَ مسلمين إجماع أهل البيت ﵈.
فالجوابُ أنَّ أهلَ البيت ﵈ لم يتكلموا في هذه المسألة، وإنما أجمعوا في صورتين لم نُخالفهم في واحدة منهما (١):
إحداهُما: أجمعوا أن حُكْمَ الفاسق في الآخرة غيرُ حكمِ المسلمين القائمين بالواجبات، المجتنبين للمحرمات، ونحن لا نُخالفهم في هذه الصورة (٢).
الصورةُ الثانية: أجمعوا أنَّه لا يُسمى مؤمنًا ولا مسلمًا ولا كافرًا في هذه الأعصار الأخيرة، لأنها قد صارت هذه الأسماء في هذا العرف الأخير تُفيد معانيَ مختلفةً يترتَّبُ عليها أحكام شرعية، وللعرف تأثير في تحريم إطلاقِ الألفاظ، ألا ترى أنَّه قد ورَد في الحديث تسميةُ كثير من المعاصي بالكفر (٣)، ولا يجوز أن يُسَمَّى فاعِلُها اليوم كافرًا. وتلخيصُ هذا الوجه أن
_________________
(١) في (ج) و(ش): منها.
(٢) سقطت من (ب) و(ش).
(٣) من ذلك قوله - ﷺ - " سباب المسلم فسوق وقتاله كفر " وقوله: " لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض " وقوله: " إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما " وقوله: " بين الرجل والكفر ترك الصلاة " وقوله: "من حلف بغير الله فقد كفر" وقوله: " من أتى كاهنًا فصدقه، أو أتى امرأة في دبرها، فقد كفر بما أنزل على محمد " وقوله: " اثنتان في الناس هما بهما كفر: الطعن في الأنساب والنياحة على الميت " وهي صحيحة مخرجة في تعليقنا على شرح الطحاوية ص ٢٩٥ - ٢٩٦.
[ ٢ / ١٧٢ ]
المسلم والمؤمن لم يكن معلومًا أنَّه يفهم من إطلاق أهل العلم لهما في ذلك الزمان، أنهما يُفيدان عدمَ فسق التأويل، ولا ثبوتَه، وأما اليومَ، فقد صار العارفُ لا يُطْلِقُ هذه اللفظة على فاسقِ التأويل، فلو قال العارف اليوم في فاسق التأويل: إنَّه مسلم كان تزكيةً له من فسق التأويل، ولو قال ذلك قائلٌ في الصدر الأول، جاز أن لا يكون تزكيةً من فِسْقِ التأويل.
ويدُلُّ على هذه التفرقة بين الأزمان في جواز إطلاق الأسماء وعدمه أن أهل البيت ﵈ لا يُجيزون أن يُسمَّى الكافِرُ فاسقًا في الزمان الأخير، لأن تسميته بذلك تُفيد أنَّه ليس بكافر وقد ثبت بالنصوص المتقدمة أنه كان يُسمى فاسقًا في الزمان الأول، وهذا دليل واضح.
فإن قلت: كيف يجوز أن يُسمى مسلمًا في ذلك الزمان وهو اسمُ مدح، والفاسقُ لا يستحق المدحَ؟
قلتُ: كما يجوزُ أن يسمى مُوحِّدًا ومصليًا وحاجًّا، وذلك لأن هذه أسماء فاعلين، وكُل من فعل فعلًا حسنًا أو قبيحًا، اشتق له منه اسم، وإذا فعَل الفاسِقُ ما يستحِق أن يُمدح به، مُدِحَ بما فعل، كما يُوصَفُ حاتِم بالكرم، وعنترةُ بالشجاعة ولا مانع من هذا، وإنما يمتنع مدحُه على فسقه أو مدحُه على الإطلاق، فإن قدرنا إنَّه منع من هذا مانعٌ، لم يمنع من مجرد التسمية، فقد تصِحُّ التسميةُ من غير مدح، ويكون الوجه أن المدح لا يستحق إلا مع عدم الإِحباط، وأما مع الإحباط، فلا يكون مدحًا ولكن ليس بلازم إذا حَبط الثواب أن يَبْطُلَ اشتقاق اسم الفاعل، ودليلُه تسميةُ الفاسق موحِّدًا، وأما المقدمة الثانية -وهو أن المسلم مقبول- فسوف يأتي الدليلُ عليها في الفصل الثاني، إن شاء الله تعالى.
[ ٢ / ١٧٣ ]
الاشكال الخامس: أن في هذه الأدلة ما يدل على أن المتأول غير الكافر
الإشكال الخامسُ: أن في هذه الأدلة ما يدل على أن المتأوِّل غيرَ الكافر كان يُسَمَّى مؤمنًا في ذلك الزمان، وإن كان باغيًا عاصيًا إلا من عُرِفَ عنادُه أو نفاقُه كما تقدم، وكما يأتي، إن شاء الله تعالى، والمؤمن مقبول.
بيان المقدمةِ الأولى من وجهين:
أحَدهُما: أنَّه قد ثبت في الإشكال المقدم آنفًا أنَّه كان يُسَمَّى مسلمًا، والمسلم مؤمن بإقرار الخصم.
وثانيهما: قولُه تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]، وقولُه ﵇ في حديث جبريل وقد سأله ما الإيمانُ؟ قال: " أن تُؤمِنَ باللهِ وملائكتِهِ وكُتُبِهِ وَرُسُلِه، وتؤمِن بالقدر خيرِه وشرِّه " رواه مسلم (١).
قال النواوي: القَدَرُ مِن اللهِ، ليس بإجبار خلقه على أفعالهم، ذكره في " شرح مسلم " (٢).
وكذا قال الخطابي في " معالم السنن " (٣)، وأبو السعادات ابن الأثير في " جامع الأصول " (٤)، وأجمعَ أهلُ السنة على ذلك كما سيأتي.
ومن ذلك حديثُ الأمَةِ السوداء التي سألها رسولُ اللهِ - ﷺ -، فأشارت أن الله ربُّها، وأن محمدًا - ﷺ - هو رسول الله، فقال - ﷺ -: " هِيَ مؤمنة "،
_________________
(١) تقدم تخريجه ص ١٧٠.
(٢) ١/ ١٥٤.
(٣) ٤/ ٣٢٢.
(٤) ١٠/ ١٠٣ الطبعة الشامية.
[ ٢ / ١٧٤ ]
الإشكال السادس: أن الاستدلال بهذه الآية الكريمة من قبيل مفهوم المخالفة
والحديث صحيح رواه مسلم (١) وغيره، وذكر الحافظ ابن حجر في " تلخيصه " له طرقًا كثيرة.
وبيان المقدمة الثانية يأتي في الفصل الثاني إن شاء الله تعالى، وفي هذا الإشكال من الأسئلة له ما في الذي قبلَه، والجواب كالجواب سواء.
الإشكال السادس: أن الاستدلالَ بهذه الآية الكريمة من قبيل مفهومِ المخالفة أحد قسْمَي مفهومِ الخطاب، وهو مِن مفهوم الشرط أحد أنواع مفهوم المخالفة، ولا شك أن مفهوم الشرطِ يقتضي المخالفةَ في ما بعد حرف الشرط والذي بعدَ حرف الشرط هو المجيء، لا الفسقُ فيكون مفهومُ الآية: وإن لم يأتكم فاسق فلا تبيَّنُوا، وظاهر هذا المفهوم يحتاج إلى تأويل، فإن التبين لا يكون منهيًّا عنه (٢) في حال من الأحوال وإذا كان التبين غير منهي عنه في حال من الأحوال لم يصح التعلقُ بالمفهوم، فوجب إما الوقفُ أو التأويلُ ممن يعلمه فإنه يمكن أن يقال: إنَّه إنما ذكر الفِسْقَ ها هنا لأحد أمرين إما للسبب الذي نزلت الآية لأجله، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء: ٩٤] نزلت في رجل لَحِقَه المسلمون، فسلم عليهم، فقتلوه ثبت ذلك في الصحيح (٣) فلا يجوزُ أن يكونَ معنى الآية: وإن لم تضربوا في سبيل الله، فلا تَبَيَّنوا، بل يكون الوجه أن الله تعالى إنما ذكر الضربَ في الأرض وشرطه التبيُّن (٤) لأن الذين نزلت فيهم الآيةُ كانوا ضاربين في الأرض وقتَ
_________________
(١) (٥٣٧) وأخرجه أحمد ٥/ ٤٤٨، والطيالسي (١١٠٥) وابن أبي عاصم في "السنة" (٤٨٩) و(٤٩٠) وابن خزيمة في " التوحيد " ص ١٢١، والبيهقي " في الأسماء والصفات " ص ٢٣٤. وقد تقدم تخريجه في الجزء الأول ص ٣٨٠.
(٢) في (ب): التبين غير منهي عنه.
(٣) انظر صحيح البخاري (٤٥٩١).
(٤) في (ب): وشرطه في التبيين.
[ ٢ / ١٧٥ ]
نزولها، وإما للذم لمن نزلت فيه الآية كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف: ٥١] مع أنَّه سبحانه لا يتخذ عَضُدًا من المضلين ولا مِن غيرهم، وقد ذكر الزمخشري ﵀ أن المعنى: وما كنتُ مُتخِذَهُم عضُدًا، ولكن ذَكَرَ المضلين للذم (١) وقد حكم في " الكشاف " بمثل هذا في مواضِعَ كثيرة، فكذا يُمْكِنُ أن يكونَ وضع الفاسق في موضع ما هو أعَمُّ منه، كما لو قال: إن جاءكم أحدٌ ليفيد الذم، وتلك الفائدة حاصلة بالعام لو أتى به معروفة، أو وضع الفاسق موضع ما هو أخصُّ منه، وهو الوليدُ (٢) ليفيدَ الذم، والفائدة أيضًا معروفة فتأمَّل ذلك.
فإن قلتَ: ما المانعُ من القول بأن المعنى: وإن لم يأتكم فاسق، فلا تَبَيُّنُوا، وهلاَّ قلت: إن هذا المعنى صحيح، ولا يمنع منه ما في ظاهره من النهي من التبين، لأنَّه لم ينه عنه لأمر يعود عليه في نفسه، ولكن نهى عن طلبه لِحصوله، كأنه قال: وإن جاءكم مسلم، فقد حصل البيان، فلا تطلبوا البيان.
قلتُ: الجواب أنَّه لا يَصِحُّ القطعُ على أن هذا هو المراد لوجهين.
أحدُهما: أنا بينا أن المفهومَ لا يصح أن يكونَ: وإن جاءكم مسلم، وإنما المفهوم وإن لم يأتكم فاسق. ويدل عليه وجوه.
_________________
(١) " الكشاف " ٢/ ٤٨٨.
(٢) هو الوليد بن عقبة بن أبي معيط القرشي الأموي، أخو أمير المؤمنين عثمان بن عفان لأمه، أسلم يوم الفتح، وسيذكر المصنف ذلك قريبًا، وفيه نزل قوله تعالى ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ وانظر أخباره في " طبقات ابن سعد " ٦/ ٢٤ و٧/ ٤٧٦ ونسب قريش ص ١٣٨، و" الجرح والتعديل " ٩/ ٨ والأغاني ٥/ ١٢٢، وتاريخ ابن عساكر ١٧/ ٤٣٤ ب و" العقد الثمين " ٧/ ٣٩٨، والإصابة ٣/ ٦٣٧ و" تهذيب التهذيب " ١١/ ١٤٢.
[ ٢ / ١٧٦ ]
الإشكال السابع: أن الآية الكريمة نزلت في حقوق المخلوقين
أحدها: أن الله تعالى قد أمر بالتَبَيُّنِ (١) مع خبر المسلم في قوله تعالى: ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء: ٩٤] كما يأتي بيانه في الإشكال الثامن.
الثاني: ما مر أن التبين (٢) لا يكون منهيًّا عنه ظاهرًا لا قاطعًا.
الثالث: ما في الإشكال التاسع من أن العلة خوف الإصابة بالجهالة، فمتى حصل ما يُسَمَّى جهالةً، وجب التبين، وإن كان المخبر مسلمًا، ومتى حصل انتفاء الجهالة، قبل وإن كان متأولًا.
الثاني: أن الجهاتِ الموجبة للتبين كثيرة، وليست الفسقَ فقط حتى إذا انتفي الفسقُ، اتتفي التبَيُّن، فقد يجب التبينُ مع انتفاء الفسق في مواضعَ، منها في خبر المجهول، ومنها في خبرِ العدل إذا كان بينَه وبينَ مَنْ أخبر عنه إحْنَةٌ أو عداوة، ومنها خبرُ العدل الذي لا شائبة في عدالته إلا أنَّ ذلك الحكم مما يجب فيه اعتبارُ عدلين، ومنها في خبرِ العدل إذا كان خبرُه دعوى على غيره، ومنها خبرُ العدل إذا عارضه عدلٌ آخر، ومنها في خبر العدل إذا كان معروفًا بالغفلة، ومجربًا عليه كثرة الغلطِ والنسيان، وغير ذلك مما ورد الشرع بعدم قبول العدل فيه.
الإشكال السابع: أن الآية الكريمة نزلت في حقوق المخلوقين، وذلك واضحٌ في قوله تعالى: ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ وقد قال الحاكم ﵁ في هذه الآية ما لفظه: والجوابُ أن هذه الآية نزلت في
_________________
(١) في (ب): التبيين.
(٢) في (ب): التبيين.
[ ٢ / ١٧٧ ]
الوليد بن عقبة بعثه رسولُ الله - ﷺ - مُصَدِّقًا (١) فجاء، وأخبر بالامتناع عنهم كذبًا، فنزلت الآية، وإذا (٢) كانت خاصة في هذه الآية وما يجري مجراها، لم يَصِحَّ الاستدلال بها. انتهى.
ومن العجب أن السَّيِّد ذكر في تفسيره أن الفاسقَ هو الوليد بصيغة الجزم، ولم يذكر خلافًا في ذلك ذكره في " تجريد الكشاف المزيد فيه النكت اللطاف " ولم يُدخل معه المصرحين دعِ المتأولين فالله المستعان.
وكلام الحاكم صحيح، فإن حقوقَ المخلوقين لا تُقاس على حقوق الله تعالى، لأنَّه يُعتبر فيها مِن قوة الظن ما لا (٣) يُعتبر في حقوق الله تعالى، ولهذا لا يُعتبر في الإخبار عن رسول الله - ﷺ - إلا خبر واحد، ويجب في حقوق المخلوقين اعتبارُ شاهِدَيْنِ، وفي بعضها أربعة شهود، وفي بعضها (٤) شاهدٌ ويمينٌ، وفي بعضِها اليمينُ مع الخبر، ولا يُقبل فيها العَدُوُّ على عدوه، ولا شهادةُ الأبِ لولده عند بعضِ العلماء، وكم بينَ
_________________
(١) بعثه رسول الله إلى بني المصطلق، أخرج هذه القصة عبد الرزاق في تفسيره، عن معمر، عن قتادة، وأخرجها عبد بن حميد، عن يونس بن محمد، عن شيبان بن عبد الرحمان، عن قتادة، ومن طريق الحكم بن أبان، عن عكرمة، ومن طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد، وأخرجها أحمد ٤/ ٢٧٩، والطبراني في " الكبير " (٣٣٩٥) موصولة عن الحارث بن ضرار الخزاعي، وفي السند من لا يعرف. ورواها الطبري في تفسيره ٢٦/ ٧٨ من حديث أم سلمة وفي السند موسى بن عبيدة، وهو ضعيف. وأخرجها ابن مردويه من حديث جابر وفيه عبد الله بن عبد القدوس، وهو ضعيف وسينقل المؤلف في الصفحة ١٨٣، عن أبي عمر بن عبد البر، أنَّه لا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن فيما علم أن قوله ﷿: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ نزلت في الوليد بن عقبة.
(٢) في (ب): فإذا.
(٣) في (ب): ما لم.
(٤) من قوله " في حقوق المخلوقين " إلى هنا سقط من (ج).
[ ٢ / ١٧٨ ]
الأشكال الثامن: أن الله تعالى قال: فتبينوا، ولم يقل: فلا تقبلوه
حقوقِ الله تعالى وحقوقِ المخلوقين من الفروق الواضحة، وسيأتي لهذا مزيد بيان، إن شاء الله تعالى.
فإذا فَرَّقَ الشرعُ بينَ الحكمين، لم يصح القياس مع وجود هذه التفرقة المستمرة في أكثر الأحوال، أو في كثير منها، فأما العموم فقد تَبَيَّنَ بهذا الإِشكال تعذُّرُهُ، فلا تحرم روايةُ الحديث عن فاسقِ التأويل بعموم هذه الآية، لأنها خاصة بحقوق المخلوقين، فتأمل ذلك، وهذا لازم (١) له، لا (٢) نقول بأن المنع من قبول المتأوِّلين من المسائل القطعية، ويستدل على ذلك بهذه الآية النازلة عن مرتبة الظن كيف القطع، فليتَ ما استدل به على القطع أثْمَرَ الظن!
الإشكالُ الثامن: أن الله تعالى قال: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ ولم يقل: فلا تقبلوه، والتبين: هو النظر فيما يدل على صدقه أو كذبه، وليس القطع على تكذيبه، والجزمُ على عدم قبوله يُسَمَّى، تبينًا في اللغة، ولا في العُرف، ولا في الشرع. والتبين: تَفعُّل من البيان وهو تطَلُّبُ البيان، وذلك لا يكون مع بيان ردِّه، ولا مع بيان قبوله، كما لا تقول بعد شروق الشمس لصاحبك: تبيَّن هل طلع الفجرُ؟ وإنما تقول ذلك لأجلِ الالتباس، ويوضِّح هذا أنَّه قد جاء التبيُّن في القرآن الكريم، وليس المراد به الردَّ والتكذيب، كما في قوله تعالى في سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ فإنَّه روى ابن عباس ﵄: أن المسلمين لحقوا رجلًا في غُنَيْمَةٍ (٣) له فقال: السَّلام
_________________
(١) في (ب): خاص، وفي (ج): حجة.
(٢) في (ج) و(ب): لأنه، وفي (ش) لأنا.
(٣) الغنيمة: تصغير غنم، وهو قطيع من الغنم.
[ ٢ / ١٧٩ ]
الإشكال التاسع: قال: إنه علق الحكم على صفة وهي الفسق، قلنا
عليكم. فقتلوه، وأخذوا غنيمتَه، فنزلت، رواه البخاري ومسلم (١)، وروي من غير طريق.
فإذا ثبت أن التبين: هو طلب البيان، لا ردُّ الخبر، فإنا نقول: من جملة التبين أنا ننظر في المُخْبِرِ: أهو مِن أهل الصدق والتجنبِ لِكل ما اعتقد أنه قبيح، أم من أهل التعمُّد للمعاصي، والوقوع فيما يُعلم أنَّه قبيح؟ فنظرنا في المتأولين، فوجدناهم من أهل الصدق والتحري فيما يعتقدون قبحَه فقبلناهم، وإنما قلنا: هذا مِن التبين، لأنَّ الله تعالى أمرنا بالتَّبَيُّنِ أمرًا مطلقًا، ولم يُعينه في تبيُّن مخصوصٌ، وهذا تبين في لُغة العرب، وإنما تكون الآية حجةً صريحة (٢) فيما قصد السَّيِّد لو قال الله تعالى فيها كما قال في القاذفين: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أبَدًا﴾ [النور: ٤]، وكما قال في خبرهم: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]، وكما قال تعالى في خبرهم: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور: ١٢]، وكقوله تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣]، ونحو هذه الآيات الصريحة، فأما التَّبَيُّن، فليسَ مِن الرد والتكذيب في شيء.
الإشكال التاسعُ: قالَ -أيده الله-: إنَّه علَّق الحكم على صفة وهي الفسق.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٥٩١) ومسلم (٣٠٢٥) وأبو داود (٣٩٧٤)، والنسائي في " الكبرى " كما في " تحفة الأشراف " ٥/ ٩٤، والطبري (١٠٢١٤) و(١٠٢١٥) من طرق عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس، وأخرجه بنحوه أحمد ١/ ٢٢٩ و٢٧٢ و٣٢٤، وابن أبي شيبة ١٢/ ٣٧٧، والترمذي (٣٠٣٠) وابن جرير (١٠٢١٧) و(١٠٢١٨) والطبراني (١١٧٣١) من طرق عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة عن ابن عباس، وحسنه الترمذي، وصححه الحاكم ٢/ ٢٣٥، ووافقه الذهبي.
(٢) في (ب) صحيحة صريحة.
[ ٢ / ١٨٠ ]
قلنا: لكنه قد علَّل تعليقه للحكم على تلك الصفة بخوف الإصابة بالجهالة، وذلك واضح في الآية لقوله: ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: ٦] وهذه العلة غير حاصلة في خبر المتدين المتأوِّل، فإن خبره يُفيد الظنَّ الراجحَ، والظن الراجحُ ليس بجهالة لوجهين:
أحدُهما: أنَّه قد ورد تسميتُه علمًا في لسان العرب مثل ما ورد تسمية العلم ظنًا، كذلك في قوله تعالى حكاية عن أولاد يعقوب ﵇: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ وقد احتج بها في " شفاء الأوام " في باب الشهادات، وما ثبت أنَّه يُسمى علمًا في اللغة، فلا يسبق إلى الفهم أنَّه يسمى جهالة.
وثانيهما -وهو المعتمد- أنا نظرنا في الجهالة: هل المرادُ بها عدم العلم أو عدمُ الظن؟ فوجدنا (١) عدمَ الظن لا عدمَ العلم، وإنما قلنا: ليست عدمَ العلم، لأن العلمَ لا يَحْصُل أيضًا بخبر المسلم الثقة، وكذلك لا يَحْصُلُ بخبرِ الثقتين، فثبت أن الجهالة تنتفي بحصول الظن، والظنُّ حاصل مع خبر المتأول المتدين فوجب قبولُه، وقبولُ كل خبرٍ يُفيدُ الظنَّ إلا ما خرج بالأدلة القاطعة أو الراجحة الخاصة.
وقد قال القرطبي (٢): في هذه الآية الكريمة سبعُ مسائل. ذكرها كلها حتى قال: السابعةُ فإن قضى بما يَحْكُمُ على الظن لم يكن ذلك عملًا بجهالة كالقضاء بشاهدَيْنِ عدلينِ، وقبولِ قول عالم مجتهد. انتهى.
وهذا صريح في المعنى الذي قصدتهُ ولله الحمد، أفاده النفيسُ
_________________
(١) في (ب) و(ش): فوجدناها.
(٢) ١٦/ ٣١١ - ٣١٣.
[ ٢ / ١٨١ ]
الإشكال العاشر: أن السيد ادعى أن الآية في معنى العموم
الإشكال الحادي عشر: أن السيد عظم الكلام في تفسير القرآن العظيم
الإشكال الثاني عشر: بقي على السيد بقية في الاستدلال بهذه الآية
العلوي. وللزمخشري مثلُ هذا في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠].
الإشكال العاشرُ: أنَّ السَّيِّد -أيده الله- قد ادّعى أن الآيةَ في معنى العموم، لكن العموم لا يَصِحُّ الاحتجاج به إلا بعد فقدِ المعارض، والناسخ، والمُخَصِّصِ، والمعرفة بفقد هذه تحتاج إلى الاجتهاد بالاتفاق، وقد شدَّد السيدُ في التحذير منه، فما بالُه خاض في بحاره، وَعَشَا إلى ضَوْءِ ناره.
الإشكال الحادي عشر: أن السَّيِّد -أيده الله- عَظَّمَ الكلامَ في تفسير القرآن العظيم، وكاد يُلحِقُه بما لا يستطاع، أو ألحقه به، ونص على أنَّه صعبٌ شديد، مدركُه بعيد، ثم إنَّه فَسَّرَ هذه الآية الكريمة، واحتج بها في هذه المسألة التي زعم أنها قطعية مع ما في هذه الآية من الإِشكالات، فإن الله تعالى سهل للسَّيِّد تفسيرَ هذه الآية، فلعله سبحانه يُسَهِّل لغيره تفسيرَ غيرها، وإن كان قال فيها بغير علم، فإن ذلك لا يليقُ بفضله.
الإشكال الثاني عشر: بقي على السيد -أيده الله- بقية في الاستدلال بهذه الآية، وذلك لأنها وردت على سبب ونزلت في الوليد بن عقبة، وكان فاسقًا مصرحًا غيرَ مقبول عند المحدثين، ولا عند الزيدية -كما سيأتي بيانُه في المسألة الثانية إن شاء الله تعالى- ذكر ذلك الواحدي في " أسباب نزول القرآن " (١)، وفي " الوسيط " في التفسير له ولم يذكر غيرَه، وكذا في " عين المعاني " (٢) ولم يذكر غيره مع كثرة توسعه في النقل،
_________________
(١) ص ٢٦١، والواحدي: هو الإمام العلامة الأستاذ أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري الشافعي المتوفى سنة ٤٦٨ هـ. مترجم في " السير " ١٨/ ٣٣٩ - ٣٤٢.
(٢) لمحمد بن طيفور الغزنوي السجاوندي كان في وسط المئة السادسة للهجرة " طبقات المفسرين " ٢/ ١٦٠.
[ ٢ / ١٨٢ ]
وكذا في تفسير عبد الصمد الحنفي (١)، وكذا في تفسير الرازي (٢) ولم يذكر غيره، وفي تفسير القرطبي قيل: إنَّه الوليد، ولم يذكر غيره مع كثرة اتساعه في النقل.
وقال أبو عمر بن عبد البر في " الاستيعاب " (٣): ولا خلاف بينَ أهل العلم بتأويل القرآن فيما علمت أن قوله تعالى: ﴿إنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ﴾ أن الآية نزلت في الوليد بن عُقبة. والعلماء (٤) مختلفون فيما ورد على سببٍ من العمومات هل يُقصرُ عليه، أو يُجرى على عمومه؟ والسيد لا يدري ما مذهبُ خصمه في ذلك، فبقي عليه أن يُلْزِمَ خصمَه القولَ بأن العموم لا يُقصر على سببه، ويستدِلُّ على ذلك بدليل قاطع يمنعُ الخصم من المخالفة، فإن الدليلَ الظني لا يَصْلُحُ وازعًا للخصم عن المنازعة، وإنما يَصْلُحُ مثيرًا لظن المستدل به فمع (٥) عدم الدليل القاطع للخصم أن يقولَ: هذه الآيةُ نزلت في الوليد بنِ عُقبة كما جاء ذلك من غير وجه، وهو إجماعٌ مِن المفسرين كما ذكره ابنُ عبد البر، وقد ثبت في الصحاح (٦): أن الوليدَ كان فاسقًا يشربُ الخمر، فتُقصر الآيةُ على الفاسق المصرّح الذي نزلت فيه وهو الوليدُ بن عقبة. فإن قيسَ على المنصوص عليه، لم يَقْضِ القياسُ إلا دخولَ سائرِ الفساق المصرِّحين، وهذا مذهبٌ مشهورٌ قال به كثير من
_________________
(١) ذكره في " إيضاح المكنون " ١/ ٣٠٩، وفي " هدية العارفين " ١/ ٥٧٤، ولم يذكر وفاته.
(٢) ٢٨/ ١١٩.
(٣) ٣/ ٥٩٥.
(٤) في (ج): والعلماء فيما علمت.
(٥) في (ج) و(ش): مع.
(٦) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٧٠٧) في الحدود باب حد الخمر. وانظر " تاريخ ابن عساكر " ١٧/ ٤٤٤/أ، و" سير أعلام النبلاء " ٣/ ٤١٥.
[ ٢ / ١٨٣ ]
الإشكال الثالث عشر: بقي على السيد بقية، وذلك أنه قد علم أن العموم مختلف في الاحتجاج به
الكبار، منهم: علي بن أبي طالب، وابنُ عباس، وعثمانُ، لكن في وقائع مخصوصة، وهو مذهب الشافعي ﵁ مع جلالته وما علمنا أن أحدًا فسق (١) من قال بقصر العموم على سببه، ولا نسبه إلى الجهل وقلة التمييز، فلا بُدُّ للسَّيِّد مما ذكرناه من نصبِ الدليل القاطع على تحريم قصرِ العموم على سببه.
الإِشكال الثالث عشر: بقي على السيّد -أيده الله- بقية، وذلك أنه قد عَلِمَ أن العمومَ مُختلف في الاحتجاجِ به، وفيه أقوالٌ كثيرة، فقيل: إن خص بمبيّن فهو حجة، وإلا فليس بحجة، وقيل: إن خص تخصيصًا متصلًا، فهو حجة، وإلا فلا. قاله أبو القاسم البلخي.
وقال أبو الحسين البصري: إن كان العموم مُنبئًا عنه، فهو حجة، كاقتُلوا المشركين، فإنه يُنبىء عن اليهود والنصارى على أحد القولين في أنَّهم مشركون بقولهم: " عزير ابن الله " و" المسيح ابن الله " وقوله تعالى فيهم: ﴿سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، ولقول النصارى: " إن الله ثالث ثلاثة "، قال أبو الحسين: وإن (٢) لم يكن منبئًا عن الخصوص فليس بحجة كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ فإن العمومَ مخصوصٌ باشتراط النصاب والحرز، وهو لا ينبىء عنهما (٣).
وقال قاضي القضاة: إن كان غير مفتقر إلى بيان كالمشركين، فهو حُجَّةٌ، وإن افتقر إلى بيان، فيس بحجة مثل: ﴿أقيموا الصلاة﴾ فإنهم كانوا لا يعرفون كيفيتها، فحين جاء تخصيصُ الحائض لم يبقَ في قوله: ﴿أقيموا الصلاة﴾ حجة، ومِنَ العلماء من قال: إنَّه يكون حجةً في أقلِّ
_________________
(١) لفظ " فسق ": ساقط من (ج).
(٢) في (ب): فإن.
(٣) انظر " المعتمد " ١/ ٢٦٥ - ٢٧٣.
[ ٢ / ١٨٤ ]
الاشكال الرابع عشر: أن الآية وردت بلفظ الأمر
الجمع فقط، ومنهم من قال: إنَّه لا يكون حجةً على الإطلاق وهو مذهبُ أبي ثور (١)، وحكاه المنصورُ بالله ﵇ في " الصفوة " عن عيسى بنِ أبان (٢)، ومنهم من عكس (٣).
فمع هذا الاختلافِ الشديد كيف يحتج السيدُ على خصمه بالعموم المخصوصِ، ويلزمه الموافقة في المسألة ويدعي أنَّها قطعية، ولا يبينُ الدليلَ القاطع على أن العمومَ المخصوص حُجة؟
فإن قلتَ: ومن أين أن (٤) هذا العموم مخصوص؟
قلتُ: على تسليم إنَّه عمومٌ، فهو مخصوص بالإجماع، فإن خبرَ الفاسق مقبول في مواضع بالاتفاق، سواء كان مصرحًا أو متأولًا، وذلك كخبره بطلاق زوجته، وتذكيته لذبيحته، وإسلامه، ووقفه لماله، وتوبته، ونجاسة ثوبه وطهارته، وعتقه لمملوكه، وإقراره على نفسه، وأمثال ذلك مما لا يحصى كثرة.
الإِشكال الرابع عشر: أنَّ الآية وردت بلفظِ الأمر في قوله تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾، والسيد -أيده الله- يعرف أن بينَ العلماء خلافًا كثيرًا في
_________________
(١) هو الإمام الحافظ الحجة المجتهد مفتي العراق إبراهيم بن خالد الكلبي البغدادي الفقيه المتوفى سنة ٢٤٠ هـ قال ابن حيان: كان أحد أئمة الدنيا فقهًا وعلمًا وورعًا وفضلًا، صنف الكتب، وفرع على السنن، وذب عنها. مترجم في " سير أعلام النبلاء " ١٢/ ٧٢ - ٧٦.
(٢) هو عيسى بن أبان بن صدقة القاضي فقيه العراق، تلميذ محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، وقاضي البصرة، وله تصانيف وذكاء مفرط، وفيه سخاء وجود زائد، توفي سنة ٢٢١ هـ. " سير أعلام النبلاء " ١٠/ ٤٤٠.
(٣) انظر " المعتمد " ١/ ٢٦٥ - ٢٧٢، و" المحصول " ١/ ٣/٢٢ - ٣٣، و" المستصفي " ٢/ ١٥٧، ١٦٢، و" نهاية السول " ٢/ ٤٠٣ - ٤٠٧.
(٤) " أن " ساقطة من (ج).
[ ٢ / ١٨٥ ]
الأمر، فقد اختلفوا فيه على ثمانية أقوال (١):
الأوَّل: أنَّه للوجوب فقط.
والثاني: أنَّه للندب، وبه قال أبو هاشم.
والثالث: أنَّه للرُّجحان، فيكون عامًّا فيهما.
الرابع: أنَّه مشترك بينَ الوجوب والندب.
الخامس: الوقف في الوجوب، والندبُ مع القطع على أنَّه ليس للإباحة.
السادس: أنَّه مشترك في الوجوب والندب والإباحة.
السابع: أنَّه للإِذن المشترك بينَ الوجوب والندب والإِباحة فيدخل تحتَ الإِذن دخولَ النوع تحت الجنسِ، والخاصِّ تحتَ العام.
والثامن: أنَّه مشترك بينَ الوجوب والندب والإِباحة والتهديد. وفي هذه الأقوال الخالص والمزَّيف، فكيف منع السيدُ خصمَه من المخالفة في المسألة، وادَّعى أنها قطعية، واستدل بهذه الآية ودلالتها مبنية على أن الأمرَ للوجوب، وقد خالف في هذه القاعدة خلقٌ كثيرٌ من المتقدمين والمتأخرينِ من أهل العدل والتوحيد وغيرهم؟
الإِشكال الخامس عشر: أن في (٢) أهل العلم مَنْ يقول: إن ألفاظ العموم مشتركة بينَ العموم والخصوص، لأنها أكثر ما وردت العموماتُ،
_________________
(١) والمختار من هذه الأقوال أنَّه للوجوب ما لم يصرفه عنه صارف. انظر " المحصول " ١/ ٢/٦٩ - ١٥٥، و" نهاية السول " ٢/ ٢٥١ - ٢٧٢.
(٢) في (ب): من.
[ ٢ / ١٨٦ ]
الإشكال السادس عشر: أن لهذه الآية معارضات كثيرة
الإشكال السابع عشر: أن لهذه الآية مخصصا
قال السيد: ومن ذلك ﴿ولا تركنوا﴾ الآية
والمراد بها الخصوصُ، حتى قال بعضهم: ليس في القرآنِ عمومٌ إلا وهو مخصوص إلا قولَه تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠١] قالوا: والأصلُ في الاستعمال الحقيقةُ، وإنما أشرت إلى طرف من حجة أهل هذا القول لعدم اشتهاره، وهو قول ضعيف، ولكن لا يتم دليل السيد حتى يُبين أنَّه باطل قطعًا، ولا يكفيه أنَّه ضعيف على مقتضى الأدلة الظنية، وفي العموم أقوالٌ كثيرة قريب من الأقوال المذكورة في الأمر، فيلزم السيدَ نصبُ الدليلِ القاطع على بطلانها، وإلا لم يمنع خصمه من المنازعة، ويحرم عليه المخالفة.
الإشكالُ السادسَ عشر: أنَّ لهذه الآية معارضاتٍ كثيرة يأتي بيانُها إن شاء الله تعالى في الفصل الثاني، ولا يتم الاحتجاجُ بها حتى يُبيِّن (١) السيد رجحانَهَا على تلك المعارضات، بل مجردُ الرجحان لا يكفي في المسائل القطعيات.
الإشكال السابع عشر: أن لهذه الآيةِ مخصصًا كما سيأتي بيانه في الفصل الثاني، فلا يصح الاستدلالُ بها مع وجود المُخصِّصِ، فهذه واجبات كثيرة أخلَّ بها السيدُ، أوجبها عليه التعنتُ بدعواه: أن المسألة قطعية، وأن الخلاف فيها حرام.
قال: ومِن ذلك قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣]، ومن الركون إليهم: قبول قولهم، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء: ٧٤ - ٧٥] وذلك أن ثقيفًا أرادُوا أن
_________________
(١) في (ج): يتبين.
[ ٢ / ١٨٧ ]
أقول: يرد على استدلال السيد بهذه الآية إشكالات
الإشكال الأول: أن معنى الآية ظني مختلف فيه، ويدل على ذلك مح ما تقدم وجوه
يُصالحوه على ألا يُعْشَروا ولا يُحْشَرُوا، القصة (١). فهمَّ بأن يُساعِدَهم إلى قبول قولهم، فنزلت، وفيها مِن الوعيدِ ما ترى، هذا وقد قلَّلَ الركونَ حيث قال: ﴿شَيْئًا قَلِيلًا﴾.
أقول يرد على استدلال السيد -أيَّدَهُ اللهُ- بهذه الآية إشكالات:
الإشكالُ الأولُ: أن معنى الآية ظني، مختلَف فيه أشد الاختلاف كما ذكره السَّيِّد في تفسيره " تجريد الكشاف المزيد فيه النُّكت اللطاف " والعجبُ منه أنَّه (٢) هنالك حكى الأقوالَ من غير تقبيحٍ لشيءٍ منها، بل حكى عن القاضي والحاكم شيخي الاعتزالِ تصحيحَ غيرِ ما ذكره هنا، وكذلك عن الرازي، ولم يعترِضْ تصحيحَهم، ولا يَحِلُّ له حكايةُ البواطِلِ في تفسيرِ كلام الله مِن غير إِنكار، وقد قال في تفسيره ما لفظه: وقيل: لا تَرْضَوْا بأعمالهم، عن أبي العالية. وقيل: لا تُدَاهِنُوا، عن السدي.
وقيل: لا تلحقوا بالمشرَكين، عن قتادة.
قلت: وهو من رؤوس المعتزلة القدماء.
قال السيدُ: وقيل: الركونُ المنهي عنه الدخولُ معهم في ظلمهم، أو معاونتهم، أو الرضى بفعلهم، أو موالاتهم، وأما إذا دَخَلَ عليهم، أو خالطهم لدفع شرهم، أو أحسن معاشرتهم، وَرَفَق بهم في القول ليقبلوا منه ما يأمُرُهمْ به من طاعة الله، فذلك غيرُ منهي عنه، عن القاضي. قال الحاكم: وهو الصحيح، لأن الله تعالى أمر بإلاَنَةِ القولِ للكافر في قوله: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه: ٤٤] فأولى الظالم.
_________________
(١) سيذكره المؤلف في الصفحة ٢١٣، وسنخرجه هناك، ومعنى قوله " أن لا يعشروا " أي: لا يؤخذ عشر أموالهم، وقوله " ولا يحشروا " معناه الحشر في الجهاد والنفير له.
(٢) في (ب): أن.
[ ٢ / ١٨٨ ]
وقال الواحدي: الركونُ السُّكُونُ إلى الشيء، والميلُ إليه بالمحبة، قال ابنُ عباس: لا تميلوا، يريدُ في المحبة، ولين الكلام والمودة. وقال عكرمة: هو أن يطيعهم أو يودَّهم.
وقال الرازي (١): الركونُ المنهي عنه عند المحققين: الرِّضى بما عليه الظلمةُ من الظلم، وتحسينُه لهم أو لغيرهم، وأما مداخلتهم، لدفع ضرر، أو اجتلاب منفعة عاجلة، فغيرُ داخل في الركون. انتهي تفسير السيد للركون بعدَ حكايته كلام الزمخشري وما ينَاسبه.
فظهر من ذلك أن معنى الآية ظني، وذلك منافٍ لقول السيد: إن المنع من قبول المتأولين قاطع، ويدل على أن ذلك ظني مع ما ذكره السَّيِّد -أيده الله-: أن الركونَ هو الميل في أصل اللغة، ومنه: أركنت الإناءَ: إذا أصغيتَه، وأركن الرَّحْلَ: أماله، قاله الزمخشري (٢)، وكذا قال (٣) في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ أي: تميل.
ولا شك أن الميلَ إنما يصح إطلاقُه على الحقيقة في الأجسام، فثبت أن هذا الركون مجازٌ، والمجازُ يحتاج إلى علاقة ظاهرة، ألا ترى أنهم قالُوا: يقال للشجاع: أسد لظهور العلاقة، وهي قوة القلب، ولا يقال للأبخر: أسد لخفاء العلاقة، وهي ما فيه من البَخَرِ، فأكثر السامعين لا يفهم معنى الكلام لخفاء معنى (٤) هذه العلاقة، ولم يبين السَّيِّد المشبِّه وهو المقصود في الآية، فأما الميلُ الحقيقي الذي هو كميل الإِناء، فليس بمحرَّم، ولا
_________________
(١) " مفاتيح الغيب " (١٨/ ٧٢).
(٢) " الكشاف " (٢/ ٢٩٦).
(٣) " الكشاف " (٢/ ٤٦٠).
(٤) لفظ " معنى " ساقط من (ب) و(ج) و(ش).
[ ٢ / ١٨٩ ]
مقصود قطعًا، إذ كان المجاهدُ حين يهوي إلى الكافر ليطعنه، أو يضرِبَه، أو يقتله قد مال إليه كميل الإناء أو أشد، ولكن لمضرته، وإنما المحرم الميلُ المجازي، ولا بدَّ من مخالفته للميل الحقيقي، كما أن الأسد المجازي يُخالِفُ الأسدَ الحقيقي.
وقد قال العلامة أبو حيَّان الأندلسي إمامُ اللغة والعربية والتفسير (١):
إِن معناها: ولا تطمئِنُّوا (٢)، فجعل المجازَ المشبه بالميلِ الحقيقي هو الطمأنينة، ولا يمنعُ منه قولُه: ﴿شَيْئًا قَلِيلًا﴾ لأن الطمأنينة يُوصَف قليلُها بالقلة، وكثيرُها بالكثرة، لأن القِلة والكثرةَ أمران عُرفيان إضافيان، وليسا ذَاتِييْنِ حقيقيين، يُوضِّحه أنَّه يصِحُّ أن تقول: ولا تطمئنوا إليهم شيئًا قليلًا، كما يَصِحُّ أن تقول: ولا تطمئنوا إليهم كثيرًا.
والتحقيق: أن الرمخشري ذكر أصلَ الركونِ في الوضع اللغوي مبالغةً في البحث والزجر، وأبا حيان ذكر المعنى العُرفي المستعمل السابق إلى الأفهام فيما نقلت إليه هذه اللفظة، ولا شَكَّ في تقدم الحقيقة العرفية على اللغوية كما ذكروه في الدابة والقارورة ولا يَشُكُّ منصفٌ أن (٣) الركونَ اللغوي الذي ذكره الزمخشري غيرُ مراد، وأن حقيقتَه في ميل جسومنا إلى جسومهم، وأن كلام أبي حيان معروف، وأن الركونَ إلى القوم صار في العُرف بمعنى السكون إليهم، والطمأنينة بهم، وفي ترك هذا المعنى وسائر أقوال المفسرين مِن الصحابة والتابعين، والاقتصار على أصل الوضع تضييعٌ للتفسير، ومجانبةٌ للتحقيق، فتأمل ذلك. والله أعلم.
_________________
(١) لفظ " والتفسير " ساقط من (ب).
(٢) لم يذكره في تفسيره ٥/ ٢٦٩، ولعله في " الغريب ".
(٣) في (ب): في أن.
[ ٢ / ١٩٠ ]
إذا عرفتَ هذا، فإنا نقول: إن قبولَنا لكلام المتدين المتأوِّل الذي يغلِبُ على الظن صدقُه فيما لم يظهر لنا أن بينه وبينَ الركون الحقيقي علاقةً ظاهرةً قطعية تمنع الاختلافَ كما ادَّعى السيد، وبيانُ عدم ظهور العلاقة أنا لم نركن إليه في الحقيقة، وإنما ركنا إلى أمرين:
أحدهما: الدليل الدال على وجوب قبول روايته وسيأتي بيانُه مفصلًا في الفصل الثاني، إِن شاء الله تعالى.
وثانيهما: الظنُّ الراجحُ المجرب أن صِدقه دائم، أو أكثري الذي قضت العقولُ بوجوب العمل به في دفعِ المضار وحسنِ العمل به في جلب المنافع، وإنما المتأول قرينةٌ للظن، والمركون إليه هو الظنٌّ لا القرينةُ بدليل أن الظنَّ متى زال لم يستند إلى القرينة ولا يُعمل بها، ألا ترى أن من رأى السحابَ الثقال التي هِيَ قرينةُ المطرِ، فاستبشر، وأصلح سواقي زرعه لم يكن في المجاز راكنًا إلى السحاب، وإنما يَكونُ في المجاز راكنًا إلى ظنه الراجح، وكذلك لو أخبرك المتأوِّلُ أن في هذا الطعام سمًّا وظننتَ صدقه، قَبُحَ منك الإِقدام على أكله، لأن فيه مضرةً مظنونة، ودفعُ المضرة المظنونة واجبٌ عقلًا، فلو أنَّك ذهبتَ تأكلُه لئلا تركنَ إلى خبر المتأوِّل، لم يختلف العقلاء في قبحِ اختيارِك، وكذلك إذا أخبرك أنه سَمِعَ النبي - ﷺ - يقول: إن هذا حرامٌ يستحق فاعلُه العقابَ، فإنَّك إذا ظننتَ صدقه، قَبُحَ منك الإِقدام على ما تَظُنُّ أن الإِقدام عليه محرَّم موجبٌ لغضب الله، وشديدِ عقابه، نعوذ بالله من ذلك، ولم يكن إقدامُك على ما تظنُّ أنَّه يُدخلك النار والحرام والعمل بالمعقول فرارًا من الركون إلى مَنْ أخبرك، وقد رجع المسلمون إلى أطباء الفلاسفة والنصارى في جميع أقطارِ الإسلام من غير نكير، ولم يكن ذلك ركونًا إليهم، وذلك لأنهم ظنوا صِدْقَهم في فنهم،
[ ٢ / ١٩١ ]
الأول: أجمع العقلاء من أهل الإسلام وغيرهم على أن الإنسان يرجع إلى تصديق عدوه وقبول كلامه
وجربوا حُسْنَ معرفتهم، بل أعظم من هذا أن الفقهاء بَنَوْا على أقوالهم حكمًا شرعيًّا، فقالوا: من ادَّعى الطب، وليس بطبيب، فقتل أو أبطل عضوًا، وجب عليه القصاصُ في ذلك أو الديةُ على حسب ما اتفق منه من العمدِ والخطأ، ومن كان يَعْرفُ الطبَّ لم يجب عليه شيء من ذلك، وهذا الطِّبُّ الذي يسقط عنه القود والدية هو معرفة ما قالت اليهودُ والنصارى وسائر علماء الطب على جهة التقليد لهم، والثقةِ بمعرفتهم وصدقهم، وقد أجمع (١) المسلمون على جواز (٢) الإقدام على مداواة الأئمة والعلماء والفضلاء، وسائر المسلمين بأقوال الأطباء في كتبهم متى كان المداوي من أهل المعرفة التامة بمقاصدِ الأطباء، والعلم بما وضعوه هذا مع ما في مداواة الأئمة والعلماء من الخطرِ العظيم لجواز أن تكونَ تلك الأدوية سببًا لموتهم متى كان الواضعُ لها غيرَ صادق في كلامه ولا بصيرٍ (٣) في علمه، ويدل على ذلك مع ما تقدم وجوه:
الأول: أجمع العقلاءُ من أهل الإِسلام وغيرِهِم على أن الإنسانَ يرجِعُ إلى تصديق عدوِّه وقبولِ كلامه حيث يظن صدقه في أمور الحربِ والإصلاح، فمن ذلك أن الكفارَ إذا عقدوا الذمة بينَهم وبينَ المسلمين، جاز للمسلم أن يأمَنهم، ويَدْخلَ بلادَهم لحاجته ركونًا منه إلى ما وثق به من ظن صدقهم في أنهم يفون، ولا يَغْدِرُونَ، وإلا لوجب أن يحرمَ ذلك عليه، ويكون فاعله ملقيًا بنفسه إلى التهلكة راكنًا بذلك إلى الظلمة، وهذا خلافُ إجماعَ المسلمين.
_________________
(١) في (ج): اجتمع.
(٢) " جواز " ساقطة من (ب).
(٣) في (ج): نظير، وهو خطأ.
[ ٢ / ١٩٢ ]
الثاني: أنه يجور العمل بخبر الفساق بالإجماع
الثالث: أنه يجوز نكاح الفاسقة بغير الزنى
الثاني: أنَّه يجوز العملُ بخبر الفساق بالإجماع في مسائلَ كثيرة قد ذكرتُها في ما تقدم، كخبرهم بطلاق نسائهم مع ما يترتَّبُ عليه من جوازِ نكاحهن لغيرهم من المسلمين، وكذلك إخبارُهم بحل أموالهم وما يترتَّبُ على ذلك من معاملاتهم، وكذلك إخبارُهم بالبيع والوقفِ والطهارةِ والنجاسةِ، وكثيرٍ من الأحكام.
الثالث: أنَّه يجوزُ نكاح الفاسقة بغير الزنى عند أهل المذهب مع ما يترتب على ذلك من جواز قبولِ خبرها عن طهارتِها من الحيض، واغتسالِها منه الغسلَ التام المشروع، وما يترتب على ذلك من جواز وطئها، وما في ذلك من الميل إليها، والإيناسِ لها. فَهذا (١) مما لا يعلم في جوازه خلافٌ، وكذلك نكاحُ الزانية المسلمة عند الجمهور، وهو مذهبُ أئمة الفقهاء الأربعة (٢) وأتباعهم، حكاه عن الجمهور صاحبُ " نهاية المجتهد " (٣)، ورواه السيدُ أبو طالب في " التحرير " عن الهادي ﵇ من أئمة الزيدية.
وأما الآيةُ الكريمة وهي قولُه تعالى: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣] فلا بُدَّ من تأويلها بالإجماع، لأن الزانية المسلمة لا يجوز لها نكاحُ المشرك، والصحيحُ قول ابن عباس: أن المراد لا يزني بها، وأن النكاح هنا: هو اللغوي لا الشرعي. رواه عنه البيهقي في "السنن
_________________
(١) لفظ " فهذا " ساقطة من (ب).
(٢) وانظر " المغني " (٦/ ٦٠١) لابن قدامة.
(٣) ٢/ ٤٠، لمؤلفه الإمام أبي الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد القرطبي، المتوفى سنة ٥٩٥ مترجم في " سير أعلام النبلاء " ٢١/ ٣٠٧، رقم الترجمة (١٦٤).
[ ٢ / ١٩٣ ]
الكبرى" (١)، والمعنى: أن الزناة لا يرغبون في الأعفَّاء، والأعفَّاء لا يرغبون في الزُّناة، والدليلُ على ذلك أن القراءة برفع " يَنْكِحُ " على أنَّه خبر عن عاداتهم، وليست بجزمه على أنَّه نهي.
وقوله: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣] أي: وحرم الزنى، أو طبعوا على النُّفرة عنه، كقوله: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾ [القصص: ١٢] والموجب للتأويل الإجماعُ على امتناع الظاهر في نكاح المشرك للزانية المسلمة وفي انفساخ النكاح، وتحريمه بزنى الزوج.
وقال سعيد بن المسيِّب والشافعي: هي منسوخة (٢).
_________________
(١) ٧/ ١٥٤.
(٢) في مسند الشافعي ٢/ ٢٥٣ - ٢٥٤ عن سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب في قوله ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ قال: هي منسوخة نسختها آية ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ قال: فهي من أيامى المسلمين. وهو في تفسير الطبري ١٨/ ٥٩، وسنن البيهقي ٧/ ١٥٤، وذكره ابن كثير في تفسيره ٦/ ١١ ونسبه لابن أبي حاتم، وقال: وهكذا رواه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب " الناسخ والمنسوخ " له عن سعيد بن المسيب. قلت: وحديث مرثد بن أبي مرثد الغنوي المذكور في سبب نزول الآية -وهو حديث حسن أخرجه أبو داود (٢٠٥١) والنسائي ٦/ ٦٦، ٦٧، والترمذي (٣١٧٦) والبيهقي ٧/ ١٥٣، وصححه الحاكم ٢/ ١٦٦ وواففه الذهبي- يقوي قول من يرى أن الآية محكمة لم تنسخ، وأن تحريم زواج الأعفاء من المسلمين بالزواني والزناة بالعفيفات ما زال باقيًا ما لم تصح التوبة منهما، وقد ذهب الإمام أحمد ﵀ إلى أنَّه لا يصح العقد من الرجل العفيف على المرأة البغي ما دامت كذلك حتى تستتاب، فإن تابت صح العقد عليها وإلا فلا، وكذلك لا يصح تزويج المرأة الحرة العفيفة بالرجل المسافح حتى يتوب توبة صحيحة لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال ابن القيم في " زاد المعاد " ٥/ ١١٤: وأما نكاح الزانية، فقد صرح الله سبحانه بتحريمه في سورة النور، وأخبر أن من نكحها، فهو إما زان أو مشرك، فإنه إما أن يلتزم حكمه سبحانه ويعتقد وجوبه عليه أولا، فإن لم يلتزمه ولم يعتقد، فهو مشرك، وإن التزمه واعتقد وجوبه وخالفه، فهو زان، ثم صرح بتحريمه، فقال: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولا يخفي أن دعوى نسخ الآية بقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ من أضعف ما يقال
[ ٢ / ١٩٤ ]
قلت: والناسخُ لها قولُه - ﷺ - في حَجَّة الوداع: " فإنْ أتَيْنَ بفاحِشَة مبيّنةٍ " الحديثَ (١).
وحجة الجمهور حديث: " إنَّ امرأتي لا ترُدُّ يدَ لَامِسٍ " (٢)
_________________
(١) وانظر " زاد المسير " ٦/ ٩، و" روح المعاني " ١٨/ ٨٤ - ٨٨، و" تفسير ابن كثير " ٦/ ٧ - ١١.
(٢) وتمامه: " فإن فعلن، فاهجروهن في المضاجع، واضربوهن ضربًا غير مُبَرَّح، فإن أطعنكم، فلا تبغوا عليهن سبيلًا، إلا أن لكم على نسائكم حقًا، ولنسائكم عليكم حقًا، فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن ". أخرجه الترمذي (١١٦٣)، وابن ماجة، (١٨٥١) والنسائي في عشرة النساء كما في " تحفة الأشراف " ٨/ ١٣٣ من طريق الحسين بن علي الجعفي، عن زائدة عن شبيب بن غرقدة، عن سليمان بن عمرو بن الأحوص، عن أبيه أنَّه شهد حجة مع رسول الله - ﷺ - فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ فذكر في الحديث قصة، فقال: ألا واستوصوا بالنساء خيرًا، فإنما هُنَّ عوانٍ عندكم ليس تملكون منهم شيئًا غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة وهذا سند رجاله ثقات، رجال الشيخين غير سليمان بن عمرو، فلم يوثقه غير ابن حبان، ومع ذلك فقد قال الترمذي: حسن صحيح ولعله قال ذلك لوجود شاهد له عند أحمد في " المسند " ٥/ ٧٢ - ٧٣ من طريق علي بن يزيد، عن أبي حرة الرقاشي، عن عمه، به نحوه.
(٣) أخرجه الشافعي في " مسنده " ٢/ ٣٦٩ - ٣٧٠ من طريق سفيان، عن هارون بن رئاب، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، قال: أتى رجل النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله أن لي امرأة لا ترد يد لامس، فقال النبي - ﷺ -: " طلقها " قال: إني أحبها، قال: " فأمسكها إذًا " وهذا إسناد صحيح إلا أنَّه مرسل، وأخرجه النسائي ٦/ ٦٧ - ٦٨ في النكاح من حديث عبد الله بن عبيد بن عمير، عن ابن عباس مسندًا وقد اختلف في إسناده وإرساله، قال النسائي: المرسل أولى بالصواب، وقال في الموصول: إنَّه ليس بثابت، وعبد الكريم وهو ابن أبي المخارق وهو الذي أسنده - ليس بالقوي، وهارون بن رئاب أثبت منه وقد أرسل الحديث، وهارون ثقة، وحديثه أولى بالصواب من حديث عبد الكريم، لكن رواه في " سننه " ٦/ ١٧٠ في كتاب الطلاق عن إسحاق بن راهويه، عن النضر بن شميل، عن حماد بن سلمة، عن هارون بن رئاب، عن عبد الله بن عبد بن عمير، عن ابن عباس مسندًا ورجاله على شرط مسلم إلا أن النسائي قال بعد روايته له: هذا خطأ، والصواب مرسل. قال الحافظ في " التلخيص " ٣/ ٢٢٥: لكن رواه هو ٦/ ١٦٩ - ١٧٠، وأبو داود (٢٠٤٩)، والبيهقي ٧/ ١٥٤ - ١٥٥ من رواية عكرمة، عن ابن عباس نحوه وإسناده أصح، =
[ ٢ / ١٩٥ ]
ويضعف ما يدلُّ على التحريم من الأحاديث إما مطلقًا، وإما بالنسبة إلى ما عارضها، أو الجمع مع تسليم الصحة، إما بإدعاءِ النسخ كما تقدَّم في الآية، أو بحمل النهي على الكراهة بدليل حديث: " إِنَّ امرأتي لا تَردُّ يَدَ لامِسٍ ".
وأكثرُ من هذا ما ذهب إليه زيد بن علي ﵇، وجماهير الفقهاء، واختاره الإِمام يحيى بن حمزة، وادَّعى أنَّه إجماع الصدرِ الأول، وذلك جوازُ نكاح الذِّمِّية مِن اليهود والنصارى وهو ظاهرُ القرآن (١)، لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥] وهذه الآية أخصُّ مِن قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] والواجب حملُ العام على الخاص، لا حملُ الخاص على العام، ولذلك أجمعوا على تقديمِ قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]
_________________
(١) = وأطلق النووي عليه الصحة، وقال ابن كثير في تفسيره ٦/ ١٠: إسناده جيد. والظاهر أن قوله: لا تردُّ يدَ لامسٍ أنها لا تمتنع ممن مد يده ليتلذذ بلمسها، ولو كان كنى به عن الجماع لعد قاذفًا، أو أن زوجها فهم من حالها أنها لا تمتنع ممن أراد منها الفاحشة، لا أن ذلك وقع منها. وقال ابن كثير ٦/ ١١: وقيل: المراد أن سجيتها لا ترد يد لامس، لا أن المراد وقع هذا منها، وأنها تفعل الفاحشة، فإن رسول الله - ﷺ - لا يأذن في مصاحبة من هذه صفتها، فإن زوجها -والحالة هذه- يكون ديوثًا وقد تقدم الوعيد على ذلك، ولكن لما كانت سجيتها هكذا ليس فيها ممانعة ولا مخالفة لمن أرادها لو خلا بها أحد أمره رسول الله - ﷺ - بفراقها، فلما ذكر أنه يحبها أباح له البقاء معها، لأن محبته لها محققة، ووقوع الفاحشة منها متوهم، فلا يصار إلى الضرر العاجل لتوهم الآجل. والله ﷾ أعلم.
(٢) انظر الطبري ٩/ ٥٨١ - ٥٩٠، و" زاد المسير " ٢/ ٢٩٦ - ٢٩٧، والقرطبي ٣/ ٦٦ - ٧١، و" روح المعاني " ٦/ ٦٥ - ٦٦.
[ ٢ / ١٩٦ ]
الرابع: أنه يجوز شهادة الكافر الكتابي عند الحاجة
على قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] إذ الآية الأولى خاصة بالحوامل، والثانية عامة لهنّ ولغيرهنّ، وكذلك قولُهُ تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾، ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] عام في أهل الكتاب وغيرهم، وهذه الآية خاصة بالكتابيات.
وإنما ذكرتُ حجةَ زيدِ بن علي ﵇، لأن هذا الأمرَ قد صار منكرًا في هذا الزمان. وإذا ثبت هذا، فلا شك أنَّه يجوزُ على مذهب زيد بنِ علي ﵇، وعلى مذهب الجميعِ في الفاسقة غيرِ الزانية قبولُ خبرها عن طُهرها من الحيض ونحوِ ذلك.
الرابع: أنَّه تجوزُ شهادةُ الكافر الكتابي عند الحاجة إليه (١)، لقوله تعالى: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦].
_________________
(١) في " شرح المفردات " ص ٣٣٣: إذا كان المسلم مع رفقة كفار مسافرين، ولم يوجد غيرهم من المسلمين، فوصى وشهد بوصيته اثنان منهم، قبلت شهادتهما، ويستحلفان بعد العصر: لا نشتري به ثمنًا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله وأنها وصية الرجل بعينه، فإن عثر على أنهما استحقا إثمًا، قام آخران من أولياء الموصي، فحلفا بالله: لشهادتنا أحق من شهادتهما، ولقد خانا وكتما، ويقضي لهم. قال ابن المنذر: وبهذا قال أكابر العلماء، وممن قاله شريح، والنخعي، والأوزاعي، ويحيى بن حمزة، وقضى بذلك عبد الله بن مسعود في زمن عثمان، رواه أبو عبيد، وقضى به أبو موسى الأشعري رواه أبو داود والخلال، وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: لا تقبل، لأن من لا تقبل شهادته على غير الوصية، لا تقبل في الوصية كالفاسق وأولى ولنا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ الآية وهذا نص الكتاب، وقد قضى به رسول الله - ﷺ - كما في حديث ابن عباس رواه أبو داود، وقضى به بعده أبو موسى وابن مسعود كما تقدم، وحمل الآية على أنه أراد: من غير عشيرتكم لا يصح لأن الآية نزلت في قصة عدي وتميم بلا خلاف بين المفسرين، ودلت عليه الأحاديث، ولأنه لو صح ما ذكروه لم تجب الأيمان، لأن الشاهدين من المسلمين، لا قسامة عليهما.
[ ٢ / ١٩٧ ]
الخامس: أن شهادة بعضهم على بعض مقبولة
الإشكال الثاني: أن الاحتجاج بهذه الآية لا يصح
الخامس: أنَّ شهادة بعضهم على بعض مقبولةٌ عند كثير من العلماءِ مِن أهل البيت وغيرِهم، فهذه الصُّوَرُ ونحوُها مما يدل على أنَّ مجردَ القبول لورود الشرع بذلك، أو لقوة الظن مع ورود الشرع به لا يكون ركونًا إليهم.
الإشكال الثاني: أن الاحتجاجَ بهذه الآية لا يَصِحُّ حتى يدل. (١) دليل قاطع على أنَّه لم يكن وقتَ رسول الله - ﷺ - عُرْفٌ يَسْبقُ إلى الأفهام في معنى الذين ظلموا غيرَ الحقيقة اللغوية، وغير عرف المتأخرين، لكنا نقيم الدليلَ على أن يكون هناك عُرفٌ شرعي يدل على أن الذين ظلموا هُمُ الكفار، وذلك مِن الكتاب والسنة، أما الكتابُ، فقوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وظاهر هذه الآية قصر الظالمين على الكافرين، وإلا لوجب أن يكون المرادُ: والكافرون هم بعضُ الظالمين، وذلك خلاف الظاهر، وأصلُ الاستعمال الحقيقة، ولا يُعَدَلُ عن الظاهر إلا بدليل، والخصمُ يحتاج في هذه المسألة إلى دليل قاطع في لفظه ومعناه، حتى ما ادّعى من أنها قطعية وهو يُريد إلزامَ خصمه الوفاقَ وتحريم المنازعة عليه، فيحتاج إلى دليلٍ مقطوع بمعناه، وبأنه غيرُ مخصّص ولا منسوخٍ ولا معارَض، يوضحُ ما ذكرناه أن الخبر إذا كان معرفًا باللام ثم يجز أن يكون أعمَّ من المبتدأ، فلا نقول: الإنسان هو الحيوانُ، ولا قريش هم بنو عدنان من غير تقييد (٢) وذلك واضح.
فإن قلت: قد ورد في القرآن تسميةُ المعاصي ظلمًا وإن لم تكن كفرًا.
_________________
(١) " حتى يدل " سقط من (ج).
(٢) في (أ): تقيد.
[ ٢ / ١٩٨ ]
قلت: هذا صحيح، ونحن نقولُ به، ولا ننكره، وإنما قلنا: يجوز أنها تسَمَّى ظلمًا على صور.
الصورة الأولى: أن يكونَ ظلمًا في الحقيقة اللغوية لا العُرفية كما سَمَّى اللهُ ﷿ الإنسان دابة في قوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ وليس الإنسان يُسَمَّى دابةً في العُرف حتى لو حلف حالف: لَيَرْكبنَّ دابة، لم يُجْزهِ ركوبُ إنسان ولا غيره سوى الدابةِ المعروفة، فإذا أطلق اللفظ عن القرائن حُمِل على العرفية، وإذا جاء لغير ذلك، فمع القرائن.
الصورة الثانية: أنا نسلِّمُ ذلك في المصادر والأفعال ولا نُسَلِّمُهُ في الموصولات مثل الذين ظلموا، ولا في أسماء الفاعلين كالظالمين، وقد قدمنا أنَّه لا يمنعُ ثبوت عرف في أسماء الفاعلين دون المصادر والأفعال كما ثبت ذلك في الدابة والدَّبيب، وقد تقدم بيانُه.
الصورة الثالثة: أن تقول (١): قد ورد في الشرع ما يَدُلُّ على أن المعصية المسماةَ بالظُّلم تختصُّ بالكفر، ورُدَّ بأنها تَعُمُّ الكُفْرَ (٢) وغيره، أصلُ الاستعمال الحقيقة، فدلَّ على أنها لفظةٌ مشتركة في الحقيقة الشرعية، وحينئذ لا يَصِحُّ القطعُ بدخول مَنْ ليس بكافر إلا بقرينةٍ، فإن كانت المسألةُ ظنية، جاز أن تكون تلك القرينةُ ظنية، وإن كانت قطعية لم يكف إلا أن تكونَ القرينةُ قطعيةً.
فإن قلت: وما المانِعُ من أن يكون الظلمُ عامًا في الكفر والفسق، ولا يكون مشتركًا، لأن الأصل عَدَمُ الاشتراك.
_________________
(١) في (ش): أنا نقول.
(٢) في (ب): للكفر.
[ ٢ / ١٩٩ ]
قلتُ: ظاهر قولِه تعالى: ﴿والكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ يأبى العمومَ، لأنَّ ظاهرَةُ قصرُ الظالمين على الكافرين كما تقَدَّمَ، سلمنا جوازَ أنَّ الظاهر العمومُ دونَ الاشتراك، لكن الاشتراك محتمل غيرُ راجح، فلا يَصْلُحُ الاستدلالُ بها في مسألة قطعية حتى ينتفيَ الاشتراك بقاطع.
فإن قلتَ: هلا قلْتَ: إن قوله تعالى: ﴿والكَافِرُون هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ مجاز كقول القائل: العلماءُ هم العاملون مبالغة في أن كل عامل بغير علم فليس بعامل لما يعرض في عمله من الخطأ.
قلتُ: الجوابُ من وجهين.
الأول: أنَّه لا يُعْدَلُ إلى المجاز إلا بدليل، وإنما سألت عن الدليل.
الثاني: أن السَّيِّد ادَّعى أن المسألة قطعية، فلا بُدَّ للسَّيِّد من الدليل القاطع على نفي هذا الاحتمال.
وأما السنةُ، فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] شقّ ذلك على أصحاب النبيِّ - ﷺ -، فقالوا: أيُّنَا لَمْ يَلْبِسْ إيمَانَهُ بِظُلم؟ فقال رسولُ الله - ﷺ -: " إنَّه لَيسَ بذَاكَ [إنَّما هُوَ الشِّركُ] ألا تسْمَعُ إلى قَوْلِ لُقْمَانَ ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ رواه البخاري ومسلم في " صحيحيهما " (١)،
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٢) و(٣٣٦٠) و(٣٤٢٨) و(٣٤٢٩) و(٤٦٢٩) و(٤٧٧٦) و(٩٦١٨) و(٦٩٣٧) ومسلم (١٢٤) والترمذي (٣٠٦٧) وأحمد رقم (٣٥٨٩) و(٤٠٣١) و(٤٢٤٠) والطبري (١٣٤٧٦) وذكره السيوطي في " الدر المنثور " ٣/ ٢٦ - ٢٧ وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والدارقطني في " الأفراد " وأبي الشيخ وابن مردويه.
[ ٢ / ٢٠٠ ]
وروى الحاكم مثلَه عن أبي بكر الصديق موقوفًا (١).
وقولهم: إنَّه لا يَصِحُّ أن يكونَ مع الشرك شيء من الإيمان مردودٌ لقوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] والتحقيق: أن الإيمانَ قسمان لغوي وشرعي، والشرعي قسمان أعلى وأدنى، والشركُ إنما ينافي الشرعي.
فإن قلتَ: هذا يدل على عدم العرف، ولذلك قالوا: أيُّنا لم يَلْبِسْ إيمانَه بظلم؟!.
فالجوابُ من وجهين،
أحدهما: أن لبس الإيمانِ بالظُّلم قرينة يُفهم منها إنَّه ليسَ بظُلم الشرك، لأن الشِّرْكْ والإيمانَ الشرعي لا يجتمعانِ بخلاف سائر المعاصي، فإنها تجتمع مع الإيمان إلا الكبائر، وعلى قولِ الفقهاء والكبائر.
وثانيهما: ما قدمنا مِن الفرق بين المصدر واسم الفاعل، وما في معناه من الموصول.
وثالثها (٢): أنِّي لم أدَّعِ أن العُرف في ذلك كان مستمرًّا من أوَّل النبوة إلى آخرها، فما المانعُ أن يكونَ ذلك العُرف بعدَ أن سَمِعُوا مِن رسولِ اللهِ - ﷺ - هذا الحديث وغيره، وبعدَ نزول قوله: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وغيرها، بل هو الظاهرُ، لأن العُرف لا يثبت إلا بعد كثرةِ الاستعمال وطولِ المدة.
_________________
(١) أورده السيوطي في " الدر المنثور " ٣/ ٢٧، ونسبه للفريابي، وابن أبي شببة، والحكيم الترمذي في " نوادر الأصول "، وابن جرير (١٣٤٨٤) وابن المنذر وأبي الشيخ، وابن مردويه، ولم ينسبه للحاكم، وقد فتشت عنه في " المستدرك " فلم أجده فيه.
(٢) في (ب): وثالثهما.
[ ٢ / ٢٠١ ]
فإن قلتَ: كيف يَصِحُّ الاحتجاجُ بحديث البخاري على الخصم وهو يُنكره.
قلتُ: لأنَّه ادَّعى أن المسألة قطعية، وحديثُ البخاري وإن لم يكن عنده صحيحًا، فهو مما يجوز ويحتمل أنَّه صحيح، إذ ليس في العقل ما يحيله، ولا في نصوص السمع المعلوم لفظها ومعناها وعدم نسخها ومعارضتها، وتخصيصها، وغير ذلك ما يُفِيدُ القطعَ بكذب هذا الحديثِ، وأيضًا فقد رواه الحاكم في " المستدرك " من طريق أبي بكر وصححه، والحاكم من علماء شيعة أهل البيت بلا نزاع والخصم إنما قدح في من توهَّمَ أنَّه منحرف عنهم ﵈، ومع تجويز صحة هذا الحديث، والقولِ بأنه محتمل (١) يبطل عليه القطعُ، لأنَّه لا يأمنُ أن يكونَ لهذا الحديث إسنادٌ صحيح من غير طريق البخاري، ولا يعلم انتفاء تلك الطريق، لكن غايةُ الأمر أنَّه يطلب، فلا يجد، وليس عدمُ الوجدان دالًاّ على عدم الوجود كما ذلك مُقَرَّرٌ في موضعه من العقليات، ولأنهُ رُبما وَقَفَ على هذا الكتابِ من يعتقد صحةَ هذا الحديثِ، فينتفع به، بل الظاهر أن الأكثرين يعتقدون ذلك، ولأنا ندل على صِحَّةِ حديث البخاري كما يأتي في الفصل الثاني، وإمَّا أن يُستدل على الخصم بما يُنازِعُ فيه متى أقمنا الدليلَ على بُطلان ما ادَّعاه، وقد تقدم في الإشكالات الواردة على احتجاج السيد بالآية الأولى ما يدلُّك (٢) على أنَّ هذا ليس بمخالفٍ لمذهب أهلِ البيت ﵈، فخذه مِن هناك.
الإشكال الثالث: أن الآية عامَّةٌ في جميع الظالمين، والاحتجاج
_________________
(١) في (ج): مجمل.
(٢) في (ب): ما يدل.
[ ٢ / ٢٠٢ ]
الإشكال الرابع: قد قالل: إن معرفة التفسير المحتاج إليه من القرآن صعب شديد، مدركه بعيد
الإشكال الخامس: بقي على السيد أن يبين أن هذه الآية وردت على سبب أو لم ترد على سبب
الإشكال السادس: أن هذا العموم مخصوص
بالعموم يحتاجُ إلى المعرفة بِفَقْدِ المعارِضِ والمُخَصِّصِ والناسخ، وذلك عند السيد -أيده الله- صعبٌ شديد، مَدْرَكُهُ بعيد، وهو عمودُ الاجتهاد الذي قال: إنَّه متعذِّر أو متعسِّر، فكيف صح له الاحتجاجُ بهذه الآيةِ الكريمة.
الإشكال الرابع: قد قال: إن معرفةَ تفسير المحتاج إليه من القرآن صعبٌ شديد، مَدْرَكُهُ بعيد، وأورد (١) الإشكالات المتقدمة في المسألة الأولى، فمن أين حصل له تفسير هذه الآية الكريمة بحيث عَلِمَ أن الله يُريد فيها أن سؤال المتأوِّلين عن الحديث من الركونِ إلى الذين ظلموا.
الإشكال الخامس: بقي على السيد -أيده الله- أن يُبين أن هذه الآية وردت على سببٍ، أو لم تَرِدْ على سبب، فإن كانت واردةً على سببٍ، وجب عليه بيانُ أن العمومَ الواردَ على سبب غيرُ مقصورٍ عليه، وإن (٢) لم تكن واردة على سبب عنده، فأين الدليلُ القاطع على أنَّها لم تَرِدْ على سبب، وعدمُ وجدان السبب لا يَدُلُّ على عدم وجوده كما تقدم، سواء وردت على سبب أو لم ترد على سبب، أما إن وردت على سببٍ، فظاهر، وأما إن لم ترد على سبب، فلأنه محتمل، ولا طريقَ إِلى القطع بعدمِ الاحتمال، والسيد يَدَّعِي القطعَ، والقطعُ يُضَادُّ الاحتمال.
الإشكال السادس: أن هذا العمومَ مخصوص، لأنَّه يجبُ برُّ الوالدين، وامتثالُ بعض أوامرهما، والانتهاء عن بعض نواهيهما، والركون: هو الميل، وفي مثل (٣) ذلك ميلٌ إليهما، وقد قال اللهُ تعالى:
_________________
(١) في (ج): فأورد.
(٢) في (ج): فإن.
(٣) " مثل ": سقطت من (ج).
[ ٢ / ٢٠٣ ]
الإشكال السابع: أن الآية من قبيل العموم
الإشكال الثامن: أن في العلماء من قال: العموم مشترك
﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] هذا في المشركين كيف بالمسلمين العاصين، وكذلك قولُه تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: ٨].
قال الزمخشري (١): معناه: لا ينهى عن مَبَّرةِ هؤلاء. وفي هذا ركون إلى الذين لم يُقاتِلُوا في الدين، وكذلك ما أسلفناه من جواز (٢) نكاحِ المرأةِ العاصية بغير الكُفر والزنى مع ما في ذلك من الركون العظيمِ إليها إذ هُو الميل، ولا يُوجد في الطباع ميلٌ أعْظَمُ مِن الميل إلى الزوجة، وأكثرُ النساء لا تكادُ تسلَمُ مِن هذا، ولو لم يكن إلا العصيانُ بالغيبة والنُّشُوزِ والكَذِبِ، والخروج من البيت بغير إذن، ونحو ذلك مما لا يخلو عنه النساء. وإذا (٣) تقرر هذا فالعمومُ المخصوصُ مختلف في الاحتجاج به إختلافًا كثيرًا، كما قد بيَّنّا، فكان يلزمُ السيدَ إبطال قولِ المخالف بالدليل القاطع.
الإشكال السابع: أن الآيةَ مِن قبيل العموم، والسيد ذكر أن المسألةَ قطعية، ومنع الخلافَ فيها، والعمومُ ليس من الأدلة القطعية التي يمتنع مخالفةُ من استدل بها.
الإشكال الثامن: أن في العلماء من قال: العمومُ مشترك، ولا يَحْصُلُ غرضُ السَّيِّد حتى يُبْطِل قولَ المخالف بدليل قاطع، لجواز أن يقول
_________________
(١) " الكشاف " ٤/ ٩١.
(٢) " جواز ": سقط من (ج).
(٣) في (ب): فإذا.
[ ٢ / ٢٠٤ ]
الإشكال التاسع: أن ظاهر الآية متروك بالإجماع
الإشكال العاشر: سلمنا للسيد أن القول بالإجمال في هذا ضعيف
الخصمُ: المرادُ بهذا العموم الخصوص لقرينة دلَّتْ على ذلك إما ما قدَّمنا مِن تخصيصه أو غيرِه، أو يقول: بأن بابَ الخصوص متحقّقٌ فيه، والعمومُ يحتاج إِلى قرينة وهي مفقودةٌ، فهذا محتمل، والاحتمال يمنعُ القطعَ.
الإِشكال التاسعُ: إن ظاهرَ الآية متروكٌ بالإجماع، لأنَّه لم يَقْصِدْ تحريم الركون إلى الذين ظلموا على ظاهره، لأن ظاهرَه يقتضي تحريمَ الركون إلى ذواتهم وأجسامهم، ومثال ذلك تحريمُ الأمهات، فإنه لما وُجَّهَ إلى الذواتِ، وجب تأويلُهُ، وكذا تحريمُ الميتة، لما وجه إلى ذاتها في ظاهرها وَجَبَ تأويلُهُ، وقد اختلف العلماءُ في ما ورد على هذه الصفة، فمنهم من قال: يكون مجملًا حتى يَرِدَ بيانه من القرآن أو السنة، ومنهم من قال غير ذلك كما هو مُبيَّنٌ في الأصول، فكان يجب على السَّيِّد إبطالُ القول بالإجمال في هذا الجنس بدليلٍ قاطع.
الإشكال العاشر: سلمنا للسيدِ -أيَّده الله- أن القولَ بالإجمال في هذا ضعيف وفي أمثاله، لكن القول المنصور في الأصول أن التحريمَ ينصرِفُ إلى الأمير العُرفي السابق إلى الأفهام، وهو يختلِفُ، ففي تحريم الميتة يسبِقُ إِلى الفهم تحريمُ الأكل، وفي تحريم الأمَّهَاتِ يسبِقُ لنكاحُ لا النظر، وفي تحريم الأجنبيات يسبقُ النكاحُ والنظر ونحو ذلك، فنقول للسيد: لا يخلو إما أن يكونَ في تحريم الركون عُرْفٌ يَسبق إلى (١) الفهم كما في الميتة والأمهات أو لا، إن كان فيه عُرْفٌ لزم المصيرُ إليه، لكنا نعلم أنَّه لم يثْبت عُرْفٌ في أن الركونَ هو قبولُ قوْلِ المتأوِّل المظنون صِدقُه
_________________
(١) في (ب): إليه.
[ ٢ / ٢٠٥ ]
وتديُّنُه، وإن لم يثبت عُرف، لم يكن له في الآية حُجَّةٌ علينا ظاهرة تحرم المخالفة، فكان الظاهرُ الإجمال، لأنا إن قدَّرْنا أن المضمر المحذوف شيء معين، كان تحكُّمًا، وإن قدرنا جميعَ الأمور المحتملة، كان تقديرُ ذلك لا يجوزُ، لأن إضمارَ واحدٍ يكفي، والزيادةُ من غير ضرورة محرمة، واللفظُ لا يدل على العموم في تلك المضمرات، ولأنَّ القولَ بأن الله أراد كذا وكذا فيما لم يدُلَّ عليه اللفظُ ولا العقل، قولٌ على الله بغير علم ولا ظن، وذلك محرم إجماعًا مع ما وَرَدَ من تحريم التفسير بالرأي وسيأتي في آخر الكتاب. والقويُّ أنَّه لا عُرْف في لفظة الركون على انفرادها، لكنها إذا أُضِيفَتْ إلى صفةٍ مذمومة، وتعلَّق بها التحريمُ، كان المفهومُ في العرف أن التحريم يتعلق بتلك الصفة المذمومة، فيكون المعنى: ولا تركنوا إلى الذين ظَلمُوا في ظلمهم، كما أن المعنى في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: ١٥] في إنابتهم، لا في مطاعمهم ومشارِبهم وسائرِ مباحاتهم، والعُرف شائع في نحوه، فإن سَلِمَ، بطلت الحُجَّةُ، وإن نُوزِعَ فيه، فالنزاعُ في ما عداه أشدُّ، والفهمُ لغيره أبعدُ، والله أعلم. وَيعْضُدُه ما ذكره الإمامُ محمد بن المطهّر بن يحيى أن الموالاةَ المجمع (١) على تحريمها إذا كانت لأجلِ الموالى عليه مِن القبيح، ومن الظن أنَّه (٢) القدر المتحقق إرادته، والزائد عليه قول بغير علم، ويَدُلُّ على ذلك كثرةُ المقيدات لإطلاق النهي عن الركون، ولو لم يرد في ذلك إلا قولُه تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّين﴾ الآية، ولذلك قالت الهادوية مع تشديدهم في ذلك: إنَّه يجوز محبةُ العاصي لِخَصْلَة خيرٍ فيه.
_________________
(١) في (ب): المجتمع.
(٢) في (ب): أن.
[ ٢ / ٢٠٦ ]
الإشكال الحادي عشر: أن المتأولين غيو موجودين وقت النبي - ﷺ -
الإشكال الثاني عشر: أن المتأول يسمى مسلما بالنص
وكذلك قال أبو حيان: إنها الطُّمأنينة إليهم. ويجوزُ ترجيحُ قوله لتجويده في فنه وتحقيقِه في علمه في قراءةٍ وحديث ونحوٍ وفقهٍ وعلى هذا عملُ الأمة في جميع الأمصار منذ دهور وأعصار. وسيأتي بيان (١) استنادِ أهلِ البيت ﵈ إلى المخالفين في الحديث ونحوِه من العلوم التي هي أساسُ فروعهم الظنية، والعجبُ ممن منع المعلومَ بالضرورة من ذلك، وأعجبُ منه مَن سلَّمه، وزَعَمَ أن تقليدَ الفقهاءِ لا يجوزُ أو يكره (٢)، فجعل الفروع أقوى من الأصل، وهذه غفلة عظيمة.
فإن قلت: في هذا الإشكال العاشر تضعيف للإجمال الذي أوردتَه في الإِشكال التاسع.
قلتُ: لم أورده لذهابي إليه، ولا لابتناء دليل (٣) السَّيِّد على بطلانه، وإنما أقولُ بتضعيفه وعرض السَّيِّد لا يَحْصُلُ حتى يدلَّ على بُطلانه قطعًا.
الإِشكال الحادي عشر: أن المتأولين كانوا غيرَ موجودين وقتَ النبي - ﷺ -، وفي العُلماء من قال: إنَّ العمومَ لا ينصرِفُ إلا إلى الموجودِ المعروف الذي يَسْبِقُ إلى أفهام السامعين أن المتكلم أراده، وقد مَرَّ تقريرُ حجتهم في ذلك، ولا يَصحُّ الاستدلالُ بهذه الآية من السَّيِّد الذي يُبْطِلُ هذا الاحتمالَ بدليلٍ قاطِعٍ.
الإِشكال الثاني عشر: أن المتأوِّل يُسَمَّى مسلمًا بالنص الخاص، والمسلم مقبولٌ، وقد مر تقريرُ ذلك جميعًا.
_________________
(١) ساقطة من (ب).
(٢) في (ب) أو أنكره، وهو خطأ.
(٣) في (ب): ولا تبينا دليل.
[ ٢ / ٢٠٧ ]
الإشكال الرابع عشر: أن الآية عامة
الإشكال الخامس عشر: أن السيد استدل على أن قبول قولهم ركون إليهم
الإشكال الثالث عشر: أن المتأوِّل يسَمَّى مؤمنًا والمؤمن مقبول، وقد مَرَّ تقريرُهُ أيضًا.
الإشكال الرابع عشر: أن الآية عامَّةٌ في جميع الذين ظلموا، والاحتجاجُ بالعموم لا يَصِحُّ مع وجود المُخَصِّصِ، وهو موجود كما سيأتي في الفصل الثاني، ونذكر هناك مَنْ روى الإجماعَ على وجوبِ قبول أخبارهم، وأن العملَ عَضَدَ تلك الرواية، وذلك العملُ هو ما الناسُ عليهِ مِن القراءة في كتب المخالفين في القراءاتِ (١) والحديثِ وعلومِ العربية نحوًا ولغةً ومعاني وبيانًا وسائر علوم الإِسلام، والسيِّدُ ادَّعى أن المسألة قطعية، وكان مِن تمام هذه الدعوى أن يَدُلَّ بدليلٍ قاطع (٢) على أنَّ تلك المخصصات بواطل لا يَحِلُّ التخصيصُ بها قطعًا.
الإشكال الخامس عشر: أن السيدَ استدل على أن قبولَ قولهم ركونٌ إليهم بقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٤].
قال السَّيِّد -أيَّده الله-: وذلك لأنهم أرادوا أن يُصالحوه على أن لا يُعْشَرُوا ولا يُحْشَرُوا، القصةَ. فَهَمَّ أن يُساعِدَهم إلى قبول قولهم، فنزلت، هذا لفظه، أيَّده الله.
فأقول: الاستدلالُ بهذا على أن قبولَ المتأوِّل المتدين المظنون صدقه يُسَمَّى ركونًا لا يَصِحُّ، وذلك لأنَّه قياس، واللغة لا تثبُتُ بالقياس، فإن كان السَّيِّد يرى ثبوتَها بالقياس كما هو رأي بعضِ العلماء، فعليه أن
_________________
(١) في (ب): القرآن.
(٢) في (ب): الدليل القاطع.
[ ٢ / ٢٠٨ ]
الإشكال السادس عشر: أنا لو سلمنا أن اللغة تثبت بالقياس، لم نسلم صحة هذا القياس
الإشكال السابع عشر: أن ثقيفا سألوا رسول الله - ﷺ - تغيير الشريعة
يَدلُّ على ذلك بدليلٍ قاطع، وليس علينا أن نستدِلَّ، لأنَّه هو المستدل، ونحن سائلون له عن صحة القواعِدِ التي ينبني عليها دليلُه، والسائل لا يجبُ عليه إيرادُ الدليل.
الإِشكال السادس عشر: أنا لو سلَّمنا أن اللغة تثبُتُ بالقياسِ لم نسَلِّمْ صحةَ هذَا القياسِ، وذلك أنَّ (١) كلامَنَا في قبول مَنْ أخبر بخبر، علينا في مخالفته مَضَرَّةٌ مظنونة، ولنا في قبوله منفعة مظنونة، وذلك فيما يدخل فيه الصِّدْقُ والكَذِبُ، وقِصَّةُ ثقيف هذه ليست خبرًا أخبروا به النبيﷺ - مما (٢) يحتمل أنهم صدقوا فيه أو كذبوا، وإنما سألوه أن يُسْقِطَ عنهم الزكاةَ والجهادَ، والسجودَ في الصلاة فلم يُساعِدْهُمْ إلى ذلك، وليس عليه مضرة مظنونة في ترك مساعدتهم، ولا له منفعةٌ مظنونة في مساعدتهم. فأين هذا من خبر المتأوِّل المتدين المظنون صدقُه إذا أخبرك أنَّه سَمِعَ النبيَّ - ﷺ - ينهى عن شيءٍ ويُحَرِّمُه، وخَشِيتَ من ارتكاب ذلك المحرَّم غضبَ الله عليك وعقابه لك، وغلب على ظَنِّكَ أنك واقعٌ فيه إِن فعلتَ ذلك المحرم فتركتَه، ما الجامعُ بَيْن الأمرينِ وأين هذا من هذا؟!
الإشكال السابع عشر: أن ثقيفًا سألوا رسولَ الله - ﷺ - تغييرَ الشريعة، وتركَ ما أنزل اللهُ عليه، واتباع أهوائهم وجهلهم وجفاوتهم، فروى الزمخشري في " الكشاف " أن ثقيفًا قالت للنبيِّ - ﷺ -: لا ندخُل في أمرِك حتَّى تُعْطِينا خِصالًا نفتخرُ بها على العَربِ: لا نُعْشَرُ وَلَا نُحْشَرُ ولا نجبّي (٣) في صَلاَتِنَا، وكُلُّ رِبًا لنا فهو لنا، وكَل ربًا علينا، فهو موضوعٌ
_________________
(١) في (ب): لأن.
(٢) في (ج) و(ش): عما.
(٣) أصل التجبية: أن يقوم الإنسان قيام الراكع، وقيل: أن يضع يده على ركبتيه وهو قائم، وقيل: هو أن ينكب على وجهه باركًا وهو السجود.
[ ٢ / ٢٠٩ ]
عنا، وأن تُمَتِّعَنَا باللاتِ سنةً، ولا نكسرها بأيدينا عند رأسِ الحولِ، وأن تَمْنَعَ مَنْ قَصَدَ وادِينا وجًَّا (١)، فَعَضَدَ (٢) شَجَرَه، فإذا (٣) سألتك العرب لم فعلت ذلك؟ فقل: إنَّ الله أمرني بذلك وجاؤوا بكتابهم، فكتب: بِسْم اللهِ الرحمن الرحيم هذا كتاب مِن محمد رسول الله لِثقيف لا يُعْشَرون ولاَ يُحْشَرونَ فقالوا: ولا يُجَبُّونَ فسكت رسولُ الله - ﷺ - ثم قال الكاتبُ: اكتب ولا يُجبّون، والكاتب يَنْظُرُ إلى رسول الله - ﷺ -، فقام عُمَر بنُ الخطاب فَسَلَّ سيفه وقال: أسعرْتُم قَلْبَ نبينا يا مَعْشَرَ ثقيفٍ أسْعَرَ الله قلوبَكُم نارًا فقالوا: لسنا نُكلِّمُ إيَّاك إِنَّما نُكَلِّمُ محمدًا فنزلت (٤). انتهي كلامُه. ﵀، وقولهم: ولا نُجِبِّي في صلاتنا. يعنون (٥): لا يركعون ولا يسجدون.
فهذا الذي سألوه هو تبديلُ الشريعة وتحريفُها، فالهَمُّ بمساعدتهم إِلى هذا من قبيل الهَمِّ بالمعاصي من غير عزمٍ، كقوله تعالى في يُوسُفَ: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ [يوسف: ٢٤] لأنَّه لا يجوزُ على رسول الله - ﷺ - العَزْمُ على تبديلِ الشريعة بغير إذنٍ من الله تعالى، ومما يَدُلُّ على أنهم أرادوا هذا قولُه تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ [الإسراء: ٧٣] فكيف يَصِحُّ أن يُقاس تحريمُ قبولِ المتأولين الصادقين في الظنِّ الراجح على مساعدة ثقيف إلى تبديلِ الشريعة، فإنّه في تصديق المتأولين العملَ بالشريعة المظنون ثبوتها، والمحافظة على أن
_________________
(١) وجّ: وَادٍ بالطائف لثقيف، وفي الحديث " إن صيد وَجٍّ وعِضاهه حرام محرم لله ". أخرجه أحمد ١/ ١٦٥، وأبو داود (٢٠٣٢) من حديث الزبير بن العوام وفي سنده لَيِّنَان.
(٢) عضد الشجرة يَعْضِدُها: قطعها.
(٣) في (ج) وإذا.
(٤) " الكشاف " ٢/ ٤٦٠. وانظر " أسباب النزول " ص ١٩٦ للواحدي.
(٥) في (ب): يعني.
[ ٢ / ٢١٠ ]
لا يَضِيعَ شيء منها لا معلوم ولا مظنون. وكيف يَحْرُمُ قبول من ثبت في الظن الراجح أنَّه بلغ عن رسول الله - ﷺ - ما قاله من الحق خوفًا مِن عقاب الله تعالى على كتم العلم على تحريم قبول مَنْ صَرَّحَ بأنه يُرِيدُ تبديل كلامِ الله وتحويلَ شريعةِ رسول الله وما العلةُ الجامعة بينهما؟ فأما قولُ السيد: إِنَّ الله قد سمَّى هَمَّه - ﷺ - بمساعدتهم (١) ركونًا إليهم، فنقول له: إنما سمى ذلك ركونًا إن صحَّت هذه القِصة، لأنَّه لم يَمِلْ إليهم لظن صدقهم فيما قالوه، ولا لِخوف مضرَّةٍ مظنونة تلحقه بمخالفتهم (٢)، وإنما هَمَّ بذلك بمجردِ الطبيعة البشرية، وما كان فيه عليه الكلامُ مِن محبة اللُّطْفِ، وتيسيرِ الأمور، وكثرةِ الرفق بالخلق، والتأليف لهم إلى إلإِسلام، فقد أثَّرَ قولُهم فيه حتى مَيَّلُوا طبعَه الكريم بمجرد السؤال، فميله (٣) إليهم بطبعه الشريف مِن غير عزم سببٌ من أسبابِ مقاربة الركونِ إليهم، فلهذا قال تعالى: ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٤] فهذا همٌّ طبيعي محض ليس مما نحنُ فيه في مَرَاحٍ ولا مغْدَى، وإنما الذي يُشبه مسألتنا ما قدمناه من أمانه ﵇ لهم في الأصلاح التي كانت بينَه وبينَهم، فلم يكن ﵇ يُنْكِرُ على المسلمين دخولَهم بلادَ الكفار ثقةً بوفائهم في أمانهم وصدقهم في قولهم، وعدم غدرهم في عهدهم، وكذلك رسولُ الله - ﷺ -، فإنَّه اعتمر عمْرَةَ القضاء (٤) في الأمان الذي جرى بينه وبينَهم، ولم يكن
_________________
(١) في (ب): لمساعدتهم.
(٢) في (ب): لمخالفتهم.
(٣) في (ب): فميله ﵇.
(٤) انظر صحيح البخاري رقم (٤٢٥١) كتاب المغازي: باب عمرة القضاء. قال ابن الأثير: أدخل البخاري عمرة القضاء في المغازي، لكونها كانت مسببة عن غزوة الحديبية. وقال الحافظ في " الفتح " ٧/ ٥٠٠: واختلف في سبب تسميتها عمرة القضاء، فقيل =
[ ٢ / ٢١١ ]
الإشكال الثامن عشر: أن السيد تشدد في معرفة صحة الحديث
في شيء من فعله ﵇، ولا مِن فعل المسلمين الذي أقرَّهم عليه ركونٌ إليهم لما كان اعتمادًا على الظن الصحيح الراجح الحاصلِ عن القرائن العقلية الدائمة الصِّدق أو الأكثرية (١)، وهذا مقتضى المعقول في المظنون إلا ما خصَّه الدليلُ.
الإشكال الثامن عشر: أن السيد -أيَّده الله- تَشَدَّد (٢) في معرفة صِحَّةِ الحديثِ، ثم روى هذا الحديثَ في قصة ثقيف مع ما فيه من الإشكالِ في أمر النبيِّ - ﷺ - لكاتبه أن يكتب لهم ألا يركعُوا ولا يسجُدوا مِن غير إذن من الله، لأنَّه لو أَذِنَ له في ذلك لم يُنْزِلْ عليه الوعيدَ الشديد لو فعل ذلك فإن كان هذا صَحَّ للسيد -أيَّدهُ الله- فلا يمتنِعُ أن يصِح لِغيره شيء من الحديثِ، وإن لم يكن صَحَّ له، فلا ينبغي أن يحتجَّ بما لم يَصِحَّ بل لا ينبغي أن يَرْويَه. ثم في تأويله إشكال، وفي القرآن دليلٌ على أن النبِيَّ - ﷺ - لم يرْكَنْ إلَيْهِمْ قليلًا ولا كثيرًا ولا كاد يركن ركونًا كثيرًا، وإنما الذي في القرآن " شيئًا يسيرًا "، فلو كان قد ساعدهم إلى تغيير الصلاةِ، وأمر كاتبه أن يكتُبَ لهم ذلك مع أنها أعظمُ أركانِ الدين، لكان قد ركن إليهم، وُيوَضِّحُ
_________________
(١) = المراد: ما وقع من المقاضاة بين المسلمين والمشركين من الكتاب الذي كتب بينهم بالحديبية، فالمراد بالقضاء الفصل الذي وقع عليه الصلح، ولذلك يقال لها: عُمرة القضية، قال أهل اللغة: قاضى فلانًا: عاهده، وقاضاه: عاوضه، فيحتمل تسميتها بذلك لأمرين، قاله عياض، ويرجح الثاني تسميتها قِصاصًا، قال الله تعالى ﴿الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص﴾ قال السهيلي: تسميتها عمرة القصاص أولى، لأن هذه الآية نزلت فيها. قلت (القائل الحافظ ابن حجر): كذا رواه ابن جرير، وعبد بن حميد بإسناد صحيح عن مجاهد، وبه جزم سليمان التيمي في " مغازيه "، وقال ابن إسحاق: بلغنا عن ابن عباس، فذكره، ووصله الحاكم في " الإكليل " عن ابن عباس، لكن في إسناده الواقدي.
(٢) في (ج) و(ش): والأكثرية.
(٣) في (ج) و(ش): شدد.
[ ٢ / ٢١٢ ]
هذا ما رواه أبو داود بإسناد صحيح في كتاب الخراج عن عثمان بن أبي العاص أنَّ وفدَ ثقيف لما قَدِمُوا على رسولِ الله - ﷺ - أنزلهم المسجدَ لِيكون أرَقَّ لقلوبهم، فاشترطوا عليه أن لا يُحْشَرُوا ولا يُعْشَرُوا ولا يُجَبُّوا، فقال لهم رسول الله - ﷺ -: " [لكم أن] لا تُعْشَرُوا ولا تُحْشَرُوا ولا خَيْرَ في دِينٍ لَيْسَ فيه ركوع " (١).
وروى أبو داود أيضًا عن جابر ﵁ بسندٍ صحيح أيضًا فقال: حدثنا الحسنُ بنُ صباح، حدثنا إسماعيلُ بن عبدِ الكريم، قال: حدثني إبراهيمُ بنُ عقيل بن منبه، عن أبيه، عن وهب قال: سألتُ جابِرَ بنَ عبدِ الله عن شأن ثقيف إذ بايعت، فقال: اشترطَتْ على النبي - ﷺ - أنْ لا صَدَقَةَ عَلَيْهَا، ولا جِهَاد، وأنه سَمِعَ النَّبِيَّ - ﷺ - بعدَ ذلك يقول: " سَيتَصَدَّقُونَ وَيُجَاهِدُونَ إذَا أسْلَمُوا " (٢).
قال الخطَّابي (٣): وُيشبه أن يكونَ النبيُّ - ﷺ - إنما سَمَح لهم بالجهادِ والصَّدَقةِ، لأنهما لم يكونا وَاجِبَيْنِ في العاجل، لأنَّ الصدقةَ إنما تجبُ بحُؤول الحَوْلِ، والجهادُ إنما يجب بحضورِ العدو، وأما الصلاةُ فهي واجبة في كلِّ يومٍ وليلة في أوقاتها المؤقَّتَةِ، فلم يجز أن يشترِطَ تركها، وقد قَدَّمنا عن جابر ﵁ أنَّه سَمِعَ النبي - ﷺ - يقول: " سَيَتَصَدَّقونَ ويُجَاهِدونَ إذَا اسْلَمُوا ".
_________________
(١) هو في سنن أبي داود (٣٠٢٦)، وأخرجه أحمد ٤/ ٢١٨، والطبراني في " الكبير " (٨٣٧٢) ورجاله ثقاث إلا أن الحسن البصري راويه عن عثمان لم يصرح بالتحديث، وهو مدلس، وقد ذكر في ترجمته أنَّه لم يسمع من عثمان بن أبي العاص. فقول المصنف ﵀ بإسناد صحيح، فيه ما فيه.
(٢) هو في سنن أبي داود (٣٠٢٥) وسنده حسن.
(٣) في " معالم السنن " ٣/ ٣٤ - ٣٥.
[ ٢ / ٢١٣ ]
وقال البغوي (١) في " تفسيره ": واختلفوا في سببِ نزولها، فقال سعيدُ بن جبير: كان النبيُّ - ﷺ - يستلِم الحجرَ الأسودَ، فمنعته قريش، وقالوا: لا نَدَعُكَ حتى تُلِمَّ بآلهتنا فَحَدَّث نفسه: ما عليَّ أن أفعلَ ذلك، والله يعلم إنِّي لها لكارِهٌ وأُحِبُّ (٢) أن يَدَعُوني حتى أستلِمَ الحَجرَ. وقيل: طلبوا منه أن يَمَسَّ آلِهَتَهُم حتى يُسلِمُوا، ويتبعوه، فحدَّث نفسه بذلك، فأنزل اللهُ هذه الآية.
وقال ابنُ عباس: قَدِمَ وَفْدُ ثقيف على النبيِّ - ﷺ - فقالُوا: نبايعُك على أن تُعطِينَا ثلاثَ خصال، قالوا: لا نجبي في الصلاة، أي: لا ننحني، ولا نكسَر أصنامنا بأيدينا، وأن تمتعنا بالَّلاتِ سنةً من غير أن نَعْبدَها، فقال النبيُّ - ﷺ -: " لا خَيْرَ في دينٍ لا رُكُوعَ فيه ولا سُجُود، وأما أن لا تكسِرُوا أصنامَكم بأيديكم، فذلك لكم، وأما الطاغية -يعني اللاتَ والعُزَّى- فإني غيرُ ممتعكم بها ". فقالوا: يا رسول الله إنا نُحِبُّ أن تَسْمَعَ العربُ أنك أعطيتَنا ما لم تُعْطِ غيرَنا، فإن خَشِيتَ أن العرب تقولُ: أعطيتَهم ما لم تُعطنا، فقل: اللهُ أمرني بذلكَ، فسكت النبي - ﷺ -، فَطَمِعَ القَوْمُ في سكوته أن يُعطِيَهُم ذلك، فأنزل اللهُ ﷿ هذه الآية.
قلت: الصحيح أن الآية نزلت في وفد ثقيف، فقد ثبت ذلك بالإسناد الصحيح من طريقين في سنن أبي داود (٣)، وكذا هو في " عين المعاني " و" تفسير الواحدي " و" تفسير عبد الصمد " وبكُلِّ حالٍ، فليس في شيءٍ من هذه الأحاديثِ والأقوالِ أن رسولَ الله - ﷺ - سَاعَدَ وَفْدَ
_________________
(١) وذكره من قبله الطبري في تفسيره ١٥/ ٨٨، ونقله ابن الجوزي في " زاد المسير " ٥/ ٦٧، وقال بإثره: وهذا باطل.
(٢) في (أ) و(ب) و(ج): وجد، والمثبت من هامش (ب).
(٣) الذي في سنن أبي داود لم يرد فيه سبب النزول، وما جاء في غيره لا يصح.
[ ٢ / ٢١٤ ]
ثقيف إلى شيء من تغيير الشريعة بغير إذنٍ من الله تعالى على وجه صريح.
وإذا تطابق الرُّواةُ والحُفَّاطُ على مخالفة الثقة عَدُّوا حديثه منكرًا، وإن لم يكن في لفظه، ولا في معناه نَكَارَةٌ، فكيف إذا كان كذلك، وينبغي التثبتُ الكثيرُ في رواية هذا الحديث بهذا اللفظ الذي ذكره العلامة ﵀، فكُلُّ أحدٍ يُؤْخَذ مِن قوله وُيترك إلا مَنْ عصمه اللهُ مِن رسله وأنبيائه، والله سبحانه أعلم.
فإذا صحَّ للسيدِ أن يَرْويَ هذا الحديثَ، ويتأوَّلَه ويجعلَه معارضًا لكتاب الله، جاز لِغيره أن يَرْوِيَ من الأحاديث المتشابهة ما هوَ دُونَ هذا ومثله (١) ويتأوَّلَه، ويقول: إنَّه غير معارضٍ للقرآنِ.
فإن قلتَ: إنَّك لم تروِ الحديثَ بتمامه.
قلت: قد رويت أوَّله، وأشرتَ إليه بطُوله بقولك: القصة واستكملها (٢)، والظاهِرُ أنَّكَ لا تستحِلُّ الروايةَ عن المحدثين والرجوع إلى تفاسيرهم، فلم نحملك على أنك أردتَ أخذ رواياتِهِم التي ذكرناها، لأنَّك صرحت بأنه ﵇ هَمَّ أن يُسَاعِدَهُم إلى قولهم هكذا على الإطلاق فنسبتَ إليه الهَمَّ بتغيير الشريعة، وتمتيعهم باللات، والكذبَ على الله، لأن فيما سألوه أن يقول: الله أمره بذلك ولم يأمره به، وهو ﵇ مُنَزَّهٌ: من (٣) هذا، لأن الإجماعَ منعقِدٌ على تنزيهه من معاصي
_________________
(١) في (ج) و(ش): أو مثله.
(٢) في (ج): أتم القصة واستكملها، وفي (ش) بقولك القصة يعني: أتم القصة واستكملها.
(٣) في (ج): عن.
[ ٢ / ٢١٥ ]
الإشكال التاسع عشر: أن لهذه الآية معارضا يدل على قبول المتأولين
الإشكال الموفي عشرين: أن السيد قاس قبول تحريم المتأولين فيما بلغوا عن رسول الله - ﷺ - على تحريم قبول ثقيف في تبديل شريعة رسول الله
الإشكال الحادي والعشرون: أنه يلزم من الاحتجاج بهذه الآية تفسيق من قبل المتأولين
الخِسَّةِ، والهَمِّ بالكذب على الله تعالى، وتغيير شريعته بغير إذن (١) مراعاة لِرِضا ثقيف مما يَجِلُّ عنه مقامُ النُّبوة على صاحبها الصلاةُ والسلام.
الإِشكال التاسع عشر: أن لِهذه الآيةِ معارضًا يَدُلُّ على قبولِ المتأولين، كما سيأتي في الفصل الثاني، ولا يَتِمُّ للسَّيِّد الاحتجاجُ حتى يُبْطِلَ المعارض.
الإِشكال الموفي عشرين: أن السَّيِّد قاس قبولَ تحريم المتأوِّلين فيما بلَّغوا عن رسول الله - ﷺ - على تحريمِ قبول ثقيف في تبديل شريعةِ رسول الله - ﷺ -، والقياسُ على تسليم صحته لا يجوزُ إلا لمجتهد، لأنَّه لا يَصِحُّ إلا بعدَ المعرفة بعدمِ النصوصِ والظواهر، ولا يَعْرِفُ ذلك إلا مجتهد، والسيدُ قد شَكَّ في إمكانه وقطع بتعسُّرِه.
الإشكالُ الحادي والعشرون: أنَّه يَلْزَمُ من الاحتجاج بهذه الآية تفسيقُ مَنْ قَبِلَ المتأوِّلين مثل المؤيَّد بالله، والمنصور بالله، ويحيى بن حمزة ﵈، وعبد الله بن زيد ﵀، ومن لا يُحصى كثرةً من كبار الأئمة، وعلماء الأمة، لأن الكبائر عند الزيدية هي ما وَرَدَ عليه وعيد في القرآن، وقد ورد الوعيدُ في القرآن على الركون لقوله: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ وليس للسيد -أيَّده اللهُ- أن يقولَ: إنهم معذورون بعدمِ تعمد المعصية، لأنَّه قد نصَّ على أنها قطعية، ولا يُعْذَرُ المخالِفُ في القطعيات، فإن خالف السيد -أيده الله- مذهبَ الزيدية في أن ما ورد عليه الوعيدُ، فهو من الكبائر، فقد لزمه على مقتضى كلامه أنَّهُ غيرُ معظم لأئمة الزيدية، لأنَّه قد ألزمني ذلك بمخالفتي في بعض المسائل الظنية الفروعية لبعضهم.
_________________
(١) في (ج) و(ش): إذنه.
[ ٢ / ٢١٦ ]
قال السيد: ومن ذلك قوله تعالى ﴿ولا تتبع﴾ الآية
الإشكال الأول: أنه ترك بيان وجه الاستدلال
قال: ومِن ذلك قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِين﴾ [الأعراف: ١٤٢] وهو عام، فدخل فيه قبولُ قولهم.
أقول: يَرِدُ على كلام السَّيِّد بهذه الآية إشكالات:
الإشكال الأول: أنَّه ترك بيان وجه الاستدلال بهذه الآية كأنه لا يحتاج إلى الذكر لوضوحه، فنقول: لا يخلو إما أن يقولَ بالمعنى السابق إلى الأفهام أو يتعنَّت ويُلاحظ ألفاظ العموم، إن كان الأول، فلا شَكَّ أنه لا يَسْبِقُ إلى الأفهام من قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِين﴾ لا يُقبل حديث المتأولين المتدينين الذين بلَّغوا عن رسول الله - ﷺ - ما يغْلِبُ على ظنِّك أنه صحيح، وأنَّك متى خالفته استحققتَ العقوبةَ من الله تعالى، وإنما يسبق إلى الفهم تحريمُ اتباعِ سبيل المفسدين في الفساد في الأرض الذي هو إخافةُ السبل، وسفكُ الدماء وقد ذكر أهل العلم أن هذا هو المفهومُ في مثل ذلك، فقالوا: إن القائل إذا قال لِغيره: اتبع سبيلَ الصالحين، فُهِمَ أن مرادَه في صلاحِهم، ولا يلزم أن يَتَّبِعَ سبيلَهم فيما ليس مِن قبيل الصلاحِ من سكونِ بُلدانهم التي نشأوا فيها، ولزومِ معايشهم التي اعتادوا جِنسَها ونحو ذلك، بل قال العلماءُ بذلك في حقِّ رسول الله - ﷺوقد أمرنا الله أن نتأسَّى به، ونقتديَ به- فقالوا: لا يلزمُ من ذلك اتباعُه في أمور الجِبِلَّةِ التي يفعلُها بداعي الطبيعة من كراهة بعض المآكل، وحُبِّ بعضِ الروائح والأزواج ما لم يَكنْ في ذلك قربةٌ ورد بها الشرعُ، وذلك لأنَّا لم نفهم أن متابعتَه في ذلك مرادةٌ بكلامِ الله تعالى، وإن كان إطلاقُ الأمرِ بالتأسي يقتضي ذلك في أصلِ الوضع اللغوي، وكذلك قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِين﴾ لم يُرِدِ العمومَ في كُلِّ سبيل حتى لو فعلوا بعضُ المباحات لحرمت علينا، ألا ترى أنَّ بني العباس لمَّا استعملوا القصورَ الحصينة والطبول والآلات
[ ٢ / ٢١٧ ]
الملكية، وسائر الهيئات المختصة بالدول العجمية التي لم يعرفها رسولُ الله - ﷺ - ولا الصحابةُ، لم يحرم على الأئمة المتأخرين متابعتُهم في ذلك لِما قَصَدُوا فيه من إرهاب العدو، وإعزازِ الإسلام، وكذلك، فإن أئمة الجَوْرِ أوَّلُ مَنْ سن الألقابَ مثلَ الناصرِ والمنصورِ والمهدي، ولم يكن ذلك في زمن الصحابة، ولا نَعْلَمُ لعلي ﵇ لقبًا (١)، ولا لسيدي شبابِ أهل الجنة، وفعل ذلك الأئمةُ الكِبارُ من أهلِ البيتِ مِن غير طائل منفعة تحتَه، ولم يكن ذلك مِن اتباع المفسدين، وقد سأل رسولُ اللهِ - ﷺ - عن صومِ يومِ عاشوراء، لما سَمِعَ أن اليهودَ تصومُه، ولم يكن يصومُه ﵇، فقالُوا: إِنَّه اليومُ الذي أنجى الله فيه موسى من البحر، فقال ﵇: " نحْنُ أحَقُّ بِموسَى مِنْهُم " وَصَامَهُ وأمَرَ بصومه (٢). ولم يكن فيه اتباعُ المفسدين مع أنَّه استند إلى خبرهم بأنَّه اليومُ الَّذي نَجَّى اللهُ فيه موسى، لأنَّه يتعلق بفضائلِ الأعمالِ دونَ الأحكامِ، وكذا في الحديث: أن رسولَ الله - ﷺ - كان يُحِبُّ موافقةَ أهلِ الكتاب فيما لم يَنْزِلْ عليه فيه شيء، وأنَّهم كانوا يَسْدِلُونَ الشَّعرَ، والمشركون يَفْرِقونَ، كَان يَسْدِلُ ثم فرَقَ [بَعْد] (٣) فلم يكن في شيء من ذلك راكنًا إلى اليهود.
_________________
(١) في (ب): ولا يعلم لعلي ﵇ لقب.
(٢) أخرجه من حديث ابن عباس، البخاري (٢٠٠٤) و(٣٣٩٧) و(٣٩٤٣) و(٤٦٨٠) و(٤٧٣٧) ومسلم (١١٣٠)، وأبو داود (٢٤٤٤).
(٣) أخرجه من حديث ابن عباس، أحمد ١/ ٢٤٥ و٢٦١ و٢٨٧ و٣٢٠، والبخاري (٣٥٥٨) و(٣٩٤٤) و(٥٩١٧)، ومسلم (٢٣٣٦) وأبو داود (٤١٨٨) والنسائي ٨/ ١٨٤، وابن ماجة (٣٦٣٢)، والترمذي في الشمائل (٢٩). السدل: هو ترك شعر الناصية على الجبهة، والفرق: هو إلقاء شعر الرأس إلى جانبي الرأس، ولا يترك شيئًا منه على جبهته. قال الحافظ في " الفتح " ١٠/ ٣٦١: وكأنَّ السر في ذلك أن أهل الأوثان أبعد عن =
[ ٢ / ٢١٨ ]
الإشكال الثاني: أن النهى عن اتباع سبيل المفسدين ليس نهيا عن اتباع سبيل الحقيقة
إذا ثبت هذا، فنقول لِلسيد: ما هذا الإرسالُ لهذه الآية مِن غير بيان وجه الاحتجاج؟ هل يريدُ أنا لا نَتَّبعُ سبيلَ المفسدين فيما ثبت عندنا أنه واجبٌ؟ أو فيما ثبت أنَّه مباح؟ أو في ما ثبت أنَّه حرام؟، أو في جميع ذلك؟ وكُلُّ هذا مردود عليك إلا اتباعهم فيما هو حرام، وأما في الواجب والمباح، فخلاف إجماع الأمة، لكنا نستدِلُّ على أن قبول المتأوِّلين المتديِّنين الذين يقضي الظنُّ الراجحُ بصدقهم ليس هو مِن الحرام، وإنما هو من الواجب، كما سيأتي مبينًا في الفصل الثاني إِن شاء اللهُ تعالى.
الإشكال الثاني: أنَّ النهي عن اتباعِ سبيل المفسدين ليس نهيًا عن اتباعِ السبيل الحقيقية إنما هو نهي عن اتباع السبيل المَجَازية، وكلُّ ما فعل الإنسان لا يُسَمَّى سبيلًا له في المجاز، لأنَّه يحتاح إلى عَلاقة ظاهرة، وقرينة معروفة، فلا يُسَمَّى فعلُ الإنسان سبيلًا له (١) حتَّى يُلازمه وَيلْتَجَّ به، فالفسادُ سبيلُ المفسدين، وليس الأكلُ والشربُ سبيلَهم، وإن كانوا يأكلون ويشربون، وكذلك العملُ بقول من يَغْلِبُ على الطَّنِّ صدقُه ليس سبيلَ المفسدين بل سبيلُ العقلاء.
وإذا قال السَّيِّدُ -أيده الله-: إن تصديقَ المتأوِّل المظنونِ صدقُه اتباع لسبيله.
قلنا له: تسمية كلامِه سبيلًا مجازٌ، والمجازُ لا بُد له من قرينة ظاهرة، كالشجاعة في الأسد والشجاع، ولا يجوز أن تكون خفية، كالبَخَرِ
_________________
(١) = الإيمان من أهل الكتاب، ولأن أهل الكتاب يتمسكون بشريعة في الجملة، فكان يحب موافقتهم ليتألفهم، ولو أدت موافقتهم إلى مخالفة أهل الأوثان، فلما أسلم أهل الأوثان الذين معه والذين حوله، واستمر أهل الكتاب على كفرهم، تمحضت المخالفة لأهل الكتاب.
(٢) له: ساقطة من (ب).
[ ٢ / ٢١٩ ]
الإشكال الثالث: أن قوله سبيل المفسدين يقتضي العموم
في الأسَدِ والرجُل الأبْخَرِ (١)، فأخبرنا ما القرينة الظاهرة الجامعة بين السبيل المسلوكة الحقيقية وبَيْنَ قول المتأوِّل: قال رسول الله - ﷺ -: هذا حرام أو (٢) هذا حلال، وكيف قَطَعَ السيدُ بأن هذا مرادُ الله تعالى وقد عسرَ تفسيرَ القرآن على الظاهر في آيات الأحكام الشرعية التي هي أجلَى من هذا وأقربُ منالًا!!
فإن قلتَ: سبيلُ المفسدين هي قبولُهم لا قولهم.
قلنا: هذا أضعفُ من الأول، لأن القبولَ سبيل القائلين، لا سبيل المقبولين، فإنه لا يَصِحُّ وصفُهم بقبول أنفسهم، فإنَّهم إذا سَمِعُوا الحديث من النبي - ﷺ - أو من أحد الثقات من غير أهل البدع، وجب عليهم العملُ بما علموا بالإجماع، ولم يَحْرمْ عليهم قبولُ أنفسهم هذا ما لا يقولُه أحد من أهل المعرفة.
الإشكال الثالث: أن قولَه: ﴿سبيل المفسدين﴾ يقتضي العمومَ في المفسدين كما أن قوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] يقتضي العموم في المؤمنين، فلا يدل ظاهرُه على وجوب اتِّباع بعض المؤمنين، بل يجب اتباعُ جميعهم، وهكذا هذه الآية ليس فيها تحريمُ اتباع سبيل بعض المفسدين، إنما فيها اتِّباعُ جميع المفسدين، وليس قبول خبرٍ واحدٍ منهم اتباعًا لسبيلهم أجمعين.
فإن قلتَ: العلةُ كونُهُم مفسدين، فلا فرق بينَ اتباع سبيل الواحد والجماعة.
_________________
(١) الأبخر: هو الذي نتن ريح فمه، من: بَخِر الفم بخرًا: أنتنت ريحه.
(٢) في (ب) و(ش): و.
[ ٢ / ٢٢٠ ]
الإشكال الرابع: أنا إذا سمعنا خبرا وظننا أنه صادق
قلت: الجوابُ من وجهين:
الأول: معَارضَة، وهي (١) أن نقول: وكذلك العِلَّةُ في اتِّباع سبيل المؤمنين كونُهُم مؤمنين، والإيمانُ حاصل في الواحد، فكان يلزمُ وجوبُ اتباعه.
الثاني: تحقيق، وهو أن نقول: سبيل الواحد من المؤمنين لما كانت تختلِفُ، فقد تكون صالحةً، وقد تكون غيرَ صالحة، لم نُؤْمَرْ باتباعها، وأما سبيلهم معًا، فلما علم الله أنهم لا يجتمِعُونَ كُلُّهُمْ إلاَّ على صلاح، أمر باتباعِ سبيلِهم، وكذلك في هذا يمكن مثل ذلك، وهو أن الله لما علم أن فعلَ الواحد منهم قد يكونُ مفسدة، وقد لا يكون كذلك لم ينهنا عن اتباع سبيله، بل يَقِفُ ذلك على الدليل، فإن كان مباحًا، أو واجبًا لم يَحْرُمْ، وإن كان حرامًا حَرُمَ، وأما جماعة المفسدين، فإنَّهم إذا اعتمدوا طريقة، واختصّوا بسنة لم يُوافقهم أهلُ الإيمان عليها، فإنها لا تكونُ إلا مفسدة، وما هذه صورته فهي التي تَصِحُّ في المجاز أن يُسمى سبيلًا لهم، وأما فعلُ الواحد منهم أو قولُه، فليس يَصِحُّ أن يُسمَّى سبيلًا للمفسدين.
الإِشكال الرابع: أنا إذا سَمِعْنَا خبرًا، وظننا أنَّه صادق راجح، وكان علينا مَضَرَّةٌ في مجانبته مظنونةٌ، وَعَمِلْنَا بما ظننا دفعًا للمضرة عن أنفسنا، لم نُسَم متبعين لسبيل مَنْ أخبرنا به في حقيقة اللغة ولا مجازها، أما الحقيقة، فظاهر، وأما المجاز، فلأن الأصل عدمُ إطلاق هذه العبارة على فاعل هذه الصورة، وإنما نسمَّى عاملين بالظنِّ الراجحِ، وبما فُطِرَتْ عليه العقولُ
_________________
(١) في (ب): وهو.
[ ٢ / ٢٢١ ]
الإشكال الخامس: أن العمل بما يظن الإنسان وجوبه، وترك ما يظن حرمته ليس سبيل المفسدين
الإشكال السادس: أنا قد بينا في الفصل الثاني إجماع الأمة على جواز قبول المتأولين
الإشكال السابع: أنه معلوم بالتواتر
من أن دفع المضرة المظنونة واجبٌ، فالمتبع هنا هو الظنُّ، ودليلُ العقل لا سبيلُ المخبر بذلك.
الإشكال الخامس: أنَّ العملَ بما يظن الإِنسانُ وجوبَه، وترك ما يظن حرمتَه ليس سبيلَ المفسدين إنما هو سبيلُ التحري من المؤمنين وهذا معلوم لِكُلِّ عاقِل، فثبت أن العملَ بروايتهم فيما يُظنّ وجوبه أو حرمتُه ليس اتباعًا لِسبيلهم قطعًا، بل اتباع لسبيل أهل الاحتياط والورع والتقوى.
الإشكال السادس: أنا قد بينَّا في الفصل الثاني أنه قد روي إجماعُ الأمة على جواز قبولِ المتأولين، وجاء ذلك من عشر طرق، فصارَ من اتباع سبيلِ المؤمنين، وكان الأولى أن يقال: لا يُرَدُّ حديثُهم ورواياتُهم لقوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].
الإشكال السابع: أنَّه معلومٌ بالتواتر والضرورة على تقديرِ تسليم عدمِ الإجماع أن قبولَهم قولُ طائفة من أئمة العِترة ﵈، ومِن سائر عيون العلماء الأعلام، فالقائلُ لهم مُتَّبعٌ لسبيل (١) هذه الطائفة، لا لسبيلِ المفسدين لأنَّه اتبع سبيل ص (٢) بالله وم بالله وأمثالهما من شِيعة العِترة رحمهم الله تعالى وسبيلَ أئمة الفقهاء الأربعة المقتدى بهم في جميع آفاق الإسلام، وهؤلاء ليسوا من المفسدين في الأرض الذين قال الله تبارك اسمُه فيهم: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣].
_________________
(١) لسبيل: ساقطة من (ب).
(٢) ص تعني: المنصور بالله، وم: المؤيد بالله كما هو مصرح به في (ش).
[ ٢ / ٢٢٢ ]
الإشكال الثامن: أن الآية حكاية لخطاب موسى لأخيه هارون ﵇
الإشكال التاسع: أن هارون ﵇ نبي مرسل
الإشكال العاشر: أن الآية إما أن ترد على المعنى الذي ذكرنا من العرف السابق إلى الأفهام
الإِشكال الثامن: أن الآية حكاية لخطاب موسى لأخيه هارون ﵉ قال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٢] وفي الاحتجاج بشرعِ مَنْ قَبْلَنَا خلافٌ كثير، فكان يجب على السَّيِّد أن يَدلَّ بدليل قاطع على أنا متعبَّدُونَ بشرع مَنْ قبلَنا، فأما الاحتجاجُ على ذلك بالأدلَّةِ الظنية فلا ينفعه في هذا المقام، لأن المسألةَ عنده قطعية.
الإِشكال التاسع: أن هارون ﵇ نبيٌّ مرسل من الله تعالى عالمٌ بالشريعة، مبلِّغٌ لها إلى العباد، وليس يَصِحُّ أن يكونَ متعبدًا بأخبار الآحاد في شريعته، لأنَّه صاحبُها المنقول عنه أخبارُها لا إليه، فإذا كان كذلك، فمن المعلومِ أن موسى ما أراد نهيه عن قبول فساقِ التأويل في إخبارهم عن شريعته، وإذا كان انتفاءُ ذلك معلومًا، لم يَصِح استنباط ما هو فرع عليه، وذلك لأن الآية ليست متناولةً لنا بلفظها، ولا بمفهومها، وإنما تناولُنَا بدليل التأسي به على تسليم أنا متعبَّدون بالتأسي بجميع مَنْ قبلنا من الأنبياء، فكل ما (١) علمنا أنَّه لم يَقْصِدْ في خطابه، فكيف يحرُم علينا وهو إنما حرم لكونه حَرُمَ عليه فحين لم يثبت أنَّه حَرُمَ عليه لم يثبت ما هو فرعُه من تحريمه علينا.
الإشكال العاشر: أن الآية إما أن تَرِد على المعنى الذي ذكرنا مِن العُرف السَّابِق إلى الأفهام، وهو أن المرادَ تحريمُ سبيلهم في الفساد في الأرض، فذاك الذي نُرِيد، وبِهِ يَبْطُلُ مرادُ السيد، وإن كانت واردةً على معنى العمومِ الذي تَوهَّمه السيدُ، وجب أن يكونَ مفهومُها إيجابَ اتباعِ
_________________
(١) في (ب): فكما.
[ ٢ / ٢٢٣ ]
سبيلِ المؤمنين على هارونَ ﵇، وذلك ظاهر من مفهوم الصفة أحدِ أقسام مفهومِ المخالفة، لأن المفهومَ مِن النهي عن اتباعِ سبيلِ المفسدين إيجابُ اتباعِ سبيلِ المؤمنين، لكنه لا يجب على هارون ﵇ أن يقتديَ بأحدٍ من المؤمنين، ولا اتباع سبيلهم.
فإن قلت: كيف لا يجبُ على هارون اتباعُ سبيلِ المؤمنين مع أن من لم يَتَّبعْ سبيلَ المؤمنين فقد اتبع سبيلَ المفسدين؟
قلتُ: سبيلُ المؤمنين قسمان:
أحدهما: ما ذكرناه من السبيل العُرفية السابقة إلى الأفهام، وهي الإيمان بالله ورسلِه والمحافظة على طاعته.
والآخر: اتباعُهُمْ في جميع الأفعال والأقوالِ على التفصيل، فإما أن يُرِيدَ السَّيِّد أنَّه واجبٌ على هارون ﵇ اتباعُهم على الوجه الأول، فذلك مسلَّمٌ لا يَضرُّ تسليمه، أو على الوجه الثاني، فذلك ممنوع، لأن المشروعَ تأسي المؤمنين بالأنبياءِ لا تأسِّي الأنبياء بالمؤمنين، فإن نازع السيدُ في هذا، فعليه أن يَدُلَّ بدليلٍ قاطع، وإنما قلنا: لا يضر تسليمُ الأول، لأن الآية متى أرِيدَ بها ذلك لم يدخل فيه قبول المتأولين بنفي ولا إثبات، لأنَّه لَمْ يَسبق إلى الأفهام عند سماع الآية أن قبولَ المتأوِّلين من سبيل المؤمنين، أو ليس مِن سبيلهم، إنما السابقُ أن سبيلَهم ما ذكره من الإيمان بالله، والمحافظةِ على طاعته.
فإن قلتَ: غاية المفهوم من هذه الآية أن يُبِيحَ اتباعَ سبيل المؤمنين، فلم قلت: إن مفهومها يقتضي إيجابَ اتباع سبيل المؤمنين على هارون ﵇.
[ ٢ / ٢٢٤ ]
الإشكال الحادي عشر: أن الاستدلال بهذه الآية لا يصح إلا من مجتهد
الإشكال الثاني عشر: أن السيد قد سد الطريق في كتابه إلى معرفة تفسير القرآن العظيم
قلت: لأنك ذهبتَ إلى أن المرادَ بالآية تحريمُ قبولِ المتأوِّلين، وغير ذلك، فلزم منه وجوبُ قبول المؤمنين، لأن قبول خبرِ الثقات من المؤمنين في الحلال والحرام لا يكونُ مباحًا إنما يكونُ واجبًا أو محرمًا، لأن الإباحة في قبوله تقتضي التخييرَ، فيكون المكلفُ مخيرًا إن شاء قَبِلَهُم، فحرم ما رَوَوْا تحريمَه، وإن شاء لم يقبلْهم، فحلَّ ما رَوَوْا تحريمه، وهذا لا يجوزُ، لأنَّه يُؤدِّي إلى أن تكون الشرائعُ موقوفةً على اختيار المكلفين.
سلمنا أنَّه لا يجبُ عليه ذلك من قبيل المفهوم، فإنَه يُمكن أن (١) يجب من حيث إِنَّ النهي عن الشيء أمرٌ بضده عند كثير مِن أهل العلم، فكان يلزمُ السَّيِّد أن يستدِلَّ بدليل قاطع ٍعلى بُطلان هذا القولِ حتى يصِحَّ له الاستدلال بهذه الآية، فإن دلالتها لا تكون قطعيةً مع قبولها لهذا الاحتمال وأمثالِه.
الإشكال الحادي عشر: أن الاستدلال بهذه الآية لا يَصحُّ إِلا من مجتهدٍ، والسيد مُدَّع لعدم الاجتهاد في حقِّه، بل شاكٌّ في دخوله في الإمكان، وقد قالَ -أيّدَهُ الله- فِي كتابه: إنَّه لا يُستنتج العقيمُ، ولا يُستفتى منْ ليس بعليم.
الإشكال الثاني عشر: أن السيدَ قد سَدَّ الطريقَ في كتابه إلى معرفة تفسير القرآن العظيم وشغب (٢) فيه كما تقدم، ثم إنَه فسر هذه الآيةَ الكريمة بهذا المعنى البعيد، فكيف التلفيقُ بَيْنَ تفسيره هنا، وتشديده هُناك!!
الإِشكال الثالث عشر: أن السيدَ ادَّعى أن المسألة قطعية، وهذه
_________________
(١) في (ب): أنه.
(٢) في (ب): شعب، بالعين المهملة، وهو تصحيف.
[ ٢ / ٢٢٥ ]
الإشكال الرابع عشر: أن المتأولين من هذه الأمة ما كانوا موجودين في زمان هارون ﵇
الإشكال الخامس عشر: أنه يلزم السيد أن من أجاز قبول المتأولين من أئمة العترة الطاهرة ممن اتبع سبيل المفسدين
الإشكال السادس عشر: ستأتي رواية الثقات من الأئمة إجماع الصدر الأول على قبول المتأولين
الآية مِن قبيل العموم، وهو إذا تناولَ العمليات ظنيٌّ بلا خلاف، والظنيُّ لا يوجبُ القطعَ بالاتفاق، ولا يُنتج اليقينَ بغير منازعة.
الإشكال الرابع عشر: أن المتأوَّلين من هذه الأمة ما كانوا موجودين في زمان هارون ﵇، وقد بينا فيما تقدم أن في (١) العلماء من يَقْصُر العمومَ على الموجود السابق إلى الأفهام، وقد تقدَّم الدليلُ على ذلك وتقريره.
الإشكال الخامس عشر: أنَّه يلزم السيد -أيَّدهُ اللهُ- أن مَنْ أجازَ قبولَ المتأوِّلين مِن أئمةِ العِترة الطاهرة، ونجومِ العلم الزاهرة، ممن اتَّبَعَ سبيلَ المفسدين، واقتفى آثارَ الظالمين مثل الإمام السَّيِّد المؤيَّد بالله، والإِمامِ المنصورِ بالله، والإِمام المؤيَّد بالله يحيى بن حمزة ﵈، ومثل القاضي زيد، والعلامة عبد الله بن زيد، والقاضي أبي مضر ﵃، وغيرهم ممن يأتي ذكرُه في الفصل الثاني إن شاء الله تعالى، بل يلزمه أنَّهم ممن (٢) دعا إلى اتباع سبيلِ المفسدين، واعتقد وجوبَ ذلك، واحتج عليه وليس له أن يقولَ: إنهم مصيبون، وإنهم معذورون إذ هي عنده قطعية.
الإِشكال السادس عشر: سيأتي في الفصل الثاني -إن شاء الله تعالى- رواية الثقات مِن الأئمة إجماعَ الصدر الأول من هذه الأمة على قبولِ المتأوِّلين، وثبوت ذلك مِن عشر طرق أو أكثر، فيلزم السيد -أيده الله- أن خيرَ أمة أُخْرِجَتْ للناس ذهبوا إلى وجوبِ اتباعِ سبيل المفسدين.
_________________
(١) في (ب): من العلماء، وقد أثبت فوقها " في " نسخ.
(٢) في (أ): من.
[ ٢ / ٢٢٦ ]
الإشكال الثامن عشر: أنهم كانوا يسمون مؤمنين
الإشكال التاسع عشر: أنه كان يلزم السيد إبطال العموم
الإشكال الحادي والعشرون: أن لهذه الآية مخصصات
الإشكال الثاني والعشرون: أن هذا العموم مخصوص
قال السيد: ومن ذلك قوله تعالى ﴿واتبع سبيل من أناب إلي﴾ الآية
الإِشكال السابع عشر: أنهم كانوا يُسَمَّوْنَ مسلمين، والمسلم مقبول وقد مرَّ تقريره.
الإشكال الثامن عشر: إنهم في زمن النبيِّ - ﷺ - كانوا يُسَمَّوْنَ مؤمنين والمؤمن مقبول وقد مر أيضًا تقريرُه.
الإِشكال التاسع عشر: أنَّه كان يلزم السيدَ إبطالُ القول بقصر العموم على سببه بدليلٍ قاطع أو (١) الاستدلال بدليل قاطع على أن هذه ما نزلت على سببٍ، وقد مر أيضًا تقريرُه.
الإشكال الموفي عشرين: أنَّه كان يلزمُه إبطالُ القول بأن العمومَ مشترك لدعواه القطعَ، وقد مر أيضًا.
الإِشكال الحادي والعشرون: أن لهذه الآية مخصصاتٍ على تقديرِ تسليم العموم وقد مر مثلَه أيضًا، وسيأتي ذكرُ المخصصات في الفصل الثاني.
الإشكال الثاني والعشرون: أن هذا العمومَ مخصوصٌ والاحتجاجُ بالعموم المخصوص مختلفٌ فيه، فكان يلزم السَّيِّد إبطالُ أنَّه ليس بحجة، وبيان أنَّه مخصوص أنَّه يجوزُ اتباعُ سبيل المفسدين فيما فعلوه مِن الواجبات والمندوباتِ والمباحات، وقد مَرَّ شيءٌ منه.
قال: وَمِن ذلك قولُه تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: ١٥] فهذا من الدلائل القرآنية.
أقول: أطلق السَّيِّد هذه الآيةَ، ولم يُبين وجهَ الاحتجاج بها كأنه
_________________
(١) في (ب) و(ج): و.
[ ٢ / ٢٢٧ ]
ويرد عليه إشكالات
الإشكال الأول: أن ظاهر الآية الكريمة يقتضي الأمر
الإشكال الثاني: أن هذه الآية نزلت على سبب
ظاهرٌ لا يخفى، وَيرِدُ عليه في ذلك إشكالات:
الإِشكال الأول: أن ظاهر هذه الآيةِ الكريمة يقتضي الأمرَ (١) باتِّباعِ كُلِّ مَنْ أنابَ إلى الله تعالى، لأن لفظهما مِن أحد الفاظ العموم، فصارت كقوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فإنَّ العلماء أجمعوا على أنها لا تُوجب اتباعَ سبيل المؤمن الواحد، وإنما اختلفوا هل توجِبُ اتباعَ المؤمنين إذا اجتمعوا على أمرٍ، فكذلك هذه الآية لا تُوجِبُ اتباعَ سبيلِ المؤمنِ الواحد.
الإشكال الثاني: أن هذه الآية نزلت على سبب فيما رواه الزمخشري في " الكشاف " واعترف بذلك السَّيِّد في تجريده للكشاف (٢).
قال الزمخشري (٣)، وَرُوِيَ أنها نزلت في سعدِ بنِ أبي وقاص
_________________
(١) لفط الأمر ساقط من (ب).
(٢) في (ب): تجريد الكشاف.
(٣) " الكشاف " ٣/ ٢٣٢ وروى الطبراني في كتاب " العشرة " فيما ذكره ابن كثير ٦/ ٣٣٨ من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا أحمد بن أيوب بن راشد، حدثنا مسلمة بن علقمة، عن داود بن أبي هند، عن أبي عثمان النهدي أن سعد بن مالك، قال: أنزلت في هذه الآية ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ الآية، وقال كنت رجلًا برًا بأمي، فلما أسلمتُ، قالت: يا سعد ما هذا الذي أراك قد أحدثت؟ لتدعن دينك هذا أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت، فَتُعَيَّرَ بي، فيقال: يا قاتل أمه، فقلت: لا تفعلي يا أمه، فاني لا أدع ديني هذا لشيء، فمكثت يومًا وليلة لم تأكل فأصبحت قد جهدت، فمكثت يومًا وليلة أخرى لا تأكل، فأصبحت قد اشتد جهدها، فلما رأيت ذلك قلت: يا أمه تعلمين والله لو كانت لك مئة نقس، فخرجت نفسًا نفسًا ما تركت ديني هذا لشيء، فإن شئت كلي وإن شئت لا تأكلي، فأكلت. وهذا سند قابل للتحسين. وروى ابن سعد في " الطبقات " ٤/ ١٢٣ - ١٢٤ من طريق الواقدي -وهو ضعيف- حدثني عبد الله بن جعفر، عن إسماعيل بن محمد بن سعد، عن عامر بن سعد، عن أبيه، قال: جئت من الرمي، فإذا الناس مجتمعون على أمي حمنة بنت سفيان بن أمية بن عبد شمس وعلى أخي عامر حين أسلم، فقلت: ما شأن الناس؟ قالوا: هذه أمُّك قد أخذت أخاك عامرًا تعطي =
[ ٢ / ٢٢٨ ]
الإشكال الثالث: أن الحجة في هذه الآية من قبيل مفهوم المخالفة
الإشكال الرابع: أنا بينا أن هذه الآية نزلت لأجل ما جرى
﵁ وأُمَّه، وفي القصة أنَّها مكثت ثلاثًا لا تَطْعَمُ ولا تَشْرَب حتى شجروا فَاهَا بعود، ورُوِيَ أنَّه قال: لو كان لها سبعون نفسًا ما ارتددتُ إلى الكفر.
فإذا ثبت هذا، فقد عرفت الخلاف في ما نزل على سبب، وما في هذا من الإِشكال وقد مرَّ تقريرُه.
الإشكال الثالث: أن الحجةَ في هذه الآيةِ من قَبِيلِ مفهومِ المخالفة أحدِ قسمي المفهوم، وفي الاحتجاج بها خلافٌ كثيرٌ، ممن أنكرها الإِمامُ أبو حنيفةَ (١) ﵁ على جلالته، فيلزمُ السيدَ إثباتُ دليلٍ قاطعٍ (٢) على أنَّ مفهومَ المخالفة حُجَّةٌ حيث ورد لا يكونُ له صورةٌ ظنية، ولا يكفيه أن يكونَ حُجَّةً قطعية في بعضِ المواضع.
الإشكال الرابعُ: أنا بَيَّنَّا أن هذه الآيةَ نزلت لأجل ما جرى مِن سَعْدٍ ﵁ وأُمِّه، وقد ذكر أهلُ الأصول أن مفهومَ المخالفة إذا وَرَدَ لأجل حادثةٍ لم يكن حجةً، فإِن كان السيد يقول بهذا، لزمه الإِشكالُ،
_________________
(١) = الله عهدًا أن لا يظلها ظل، ولا تأكل طعامًا، ولا تشرب شرابًا حتى يدع الصباوة، فأقبل سعد حتى تخلص إليها، فقال: علي يا أُمَّه فاحلفي، قالت: لِم؟ قال: لئلا تستظلي في ظل، ولا تأكلي طعامًا، ولا تشربي شرابًا حتى تري مقعدك من الناس، فقالت: إنما أحلف على ابني البر، فأنزل الله تعالى ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾.
(٢) وهو اختيار أبي العباس أحمد بن سريج، والقاضي أبي بكر الباقلاني، وإمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك الجويني، وأبي حامد الغزالي، والرازي، والأمدي، وغير واحد من أئمة المعتزلة. انظر " المحصول " ١/ ٢/٢٢٨ - ٢٥٠، و" المستصفي " ٢/ ٢٠٤ - ٢١٢، و" التبصرة " ٢١٨ - ٢٢٥، و" المعتمد " ١/ ١٤٩ - ١٦٠، و" الإحكام " ٣/ ٩٣ - ١٤٦، و" التقرير والتحبير " ١/ ١١٥ - ١٤١، و" تيسير التحرير " ١/ ٩٨ - ١٣٢ و" شرح مختصر المنتهى" ٢/ ١٧١ - ١٨٥، و" نهاية السول " ٢/ ١٩٧ - ٢٢٦، و" العدة " ٢/ ٤٨٠ - ٤٨٢.
(٣) في (ب): الدليل القاطع.
[ ٢ / ٢٢٩ ]
الإشكال الخامس: أن الزمخشري ادعى أن المفهوم من هذه الآية
الإشكال السادس: أن قوله ﴿من أناب إلي﴾ من المطلقات التي لم تقيد بكثرة ولا قلة
الإشكال السابع: أن حجة السيد إنما تستقيم على المفهوم
وإن لم يُساعد على هذا، لزمه نصبُ الدليل القاطع على أن المفهومَ الوارد على حادثة حجةٌ قطعية كلية حتى تَدْخُلَ هذه المسألةُ تحتها على القطع، بل قد اعترفَ السَّيِّد في تجريده للكشاف (١) بذلك وقال في معناه ما لفظُه: يُريدُ: واتبع سبيلَ المؤمنين في دِينِكَ، ولا تُطِعْهُما فيه، يعني والديه المشرِكيْنِ الداعيين له إلى الشرك كما تقدم الآن في ذكر سببِ نزول هذه الآية.
الإشكال الخامس: أن الزمخشري ﵁ ادَّعى أن المفهوم من هذه الآية هو (٢): ولا تتبع سبيلَهما، يعني: الوالدين المشركين، وهو إمامُ هذا الفن بلا مدافعة، والسيدُ فَهِمَ مِن هذه الآية: ولا تقبل أحاديثَ المتأوِّلين عن النبيِّ - ﷺ -، فلا يَتمُّ له هذا الذي فهمه حتى يَدُلَّ بدليلٍ قاطع على أن ما فهمه الزمخشري باطل لا يصح.
الإِشكال السادسُ: أن قولَه: (مَنْ أنَابَ إليَّ) من المطلقات التي لم تقَيَّدْ بكثرة ولا قِلة بإطلاقها يقتضي أن مَنْ وُجِدَتْ منه إنابةٌ قليلة أو كثيرة، فهو ممن يَتَّبعُ سبيلَه إما في إنابته على المفهومِ الصحيح، وإما في قبول خبره وسائرِ سبله على تفسير السيد، فيلزم أن يجبَ قبولُ المتأولين على تفسير السَّيِّد خاصة، لأنَّهم قد أنابوا في كثير من الأمور.
الإِشكال السابع: أنَّ حجة السَّيِّد إنما تستقيم على المفهوم، لكن المفهومَ يقتضي تحريمَ اتباع من لم يُنِبْ إلى الله في شيء، وهذا غيرُ حاصل في المتأوِّلين لما ذكرناه آنفًا، وهذا غيرُ الأول، فلا يَقَعُ وَهْمٌ، فإن هذا يقتضي رفعَ تحريم القبول، وذلك يقتضي إيجابَ القبول.
_________________
(١) في (ب): تجريد الكشاف.
(٢) هو: ساقطة من (ب).
[ ٢ / ٢٣٠ ]
الإشكال التاسع: أن المتأولين كانوا غير موجودين في ذلك الزمان
الإشكال العاشر: والحادي عشر: أنهم كانوا يسمون مسلمين ومؤمنين
الإشكال الثاني عشر: أن الاستدلال بهذه لا يصح إلا عن مجتهد
الإشكال الثالث عشر: أنه قد حرج في تفسير القرآن العظيم ثم فسر
الإشكال الرابع عشر: أنه إن لم يصح أن للمفهوم عموما لم يتم للسيد حجة
الإِشكال الثامن: كان يجب على السَّيِّدِ بيانُ أن الأمرَ للوجوب بدليلٍ قاطع كما تقدم.
الإِشكال التاسع: أن المتأوِّلين كانوا غيرَ موجودين في ذلك الزمان، فيكون السابق إلى الأفهام تحريمَ قبول خبرهم عن النبيِّ - ﷺ - وقد مر تحقيقه.
الإشكال العاشر والحادي عشر: أنهم كاْنوا يسمَّون مسلمين ومؤمنين في زمانه ﵇، والمسلم والمؤمن مقبولان، وقد مر أيضًا.
الإِشكال الثاني عشر: إن الاستدلالَ بهذه الآية لا يَصِحُّ إلا من مجتهد، وقد جوَّزَ السيدُ أنَّه محال، وقطع بالتعسيرِ، فلا يَصِح أن يَصْدُرَ منه ما يجوز أنه محال.
الإشكال الثالث عشر: أنَّه قد حرَّجَ في تفسير القرآن العظيم ثم فسَّرَ هذِه الآية الكريمة بما لا يَسْبِقُ إلى فهم، ولا يوجَدُ في كتاب من كتب التفسير المشهورة.
الإشكال الرابع عشر: إن لم يَصِح أن للمفهومِ عمومًا، لم يتِمَّ للسيد حُجَّةٌ في هذه الآية، وإن صَح أن له عمومًا، فهو مخصوص، لأنه لَا يَصِحُّ قبولُ مَنْ لَم يُنِبْ في مواضعَ كثيرة كما تقدَّمَ، ونزيد ها هنا صورة، وذلك أنَّه يَصِح قبولُ قولِ المشرك: إنَّه أناب من الشرك فلو لم يُقْبَلْ حتى يثبت أنَّه منيب بغير خبره، لوجب أن لا تُقبل توبة التائبين، لأنَّه لا طريق لنا إلى العلم بصدقهم، ويلزم أن لا يكونَ العدل إلا مَنْ لم يصدُرْ عنه المعصيةُ البتة، وقد مضى لهذا صورٌ كثيرة، وتقدم دورُ هذا الإشكال.
[ ٢ / ٢٣١ ]
الإشكال السادس عشر: أن لعموم مفهوم هذه الآية مخصصات
الإشكال السابع عشر: أنه يلزم السيد أن يكون من خالفه من كبار الأئمة ممن اتبع سبيل من لم ينب إلى الله، وممن ترك سبيل من أناب
الإشكال الثامن عشر: أنا بينا من غلب على ظنه صدق الخبر إن لم يعمل بمقتضاه، فاتباعه لسبيل العقل لا لسبيل من لم ينب
الإشكال التاسع عشر: أنا بينا أن في قبول المتأولين دفع مضار العقاب
الإشكال الخامس عشر: أن العلماء اختلفوا في عموم المنطوق:
هل هو مشترك، وقد قدمنا ذلك، فكيف بعموم المفهوم، فكان يلزم ذكر دليلٍ قاطع على أن عمومَ المفهوم لا يجوزُ أن يُرَادَ به الخصوصُ إلا على سبيلِ التجوز.
الإشكال السادس عشر: أن لِعموم مفهوهاِ هذه الآيةِ مخصصات تأتي في الفصل الثاني، إن شاء الله.
الإشكال السابع عشر: أنَّه يلزم السَّيِّد أن يكون مَنْ خالفه من كبار الأئمة وخيار الأمة ممن اتبع سبيل من لم يُنِبْ إلى الله، وممن ترك اتباع سبيلِ مَن أناب، ولا عذْرَ لهم في الاجتهاد، لأنها عنده قطعيةٌ وقد سبق مثل هذا.
الإشكال الثامن عشر: أنا بيَّنَّا أن مَن غلب على ظنه صدقُ الخبر بالقرائن الصحيحةِ الدائمة الصدق أو الأكثرية، وغلب على ظنه أنَّه إن لم يعمل بمقتضاها وقع في مضرةِ العقاب، فإنه يجب عليه في العقل دفعُ تلك المضرة المظنونة، فاتباعُه لسبيل العقل، لا لسبيل منْ لم يُنِبْ إلى الله تعالى.
الإشكال التاسع عشر: أنَّا بَينَّا أن في قبول المتأولين دفع مضار العقاب المعلومة والمظنونة، والإتيان بالواجبات المعلومة والمظنونة ومن المعلوم أن هذه ليست سبيل من لم يُنِبْ إلى الله تعالى، بل سبيل أهل التحري والتقوى مِن فُضلاء الأمة، ومن لم يُنبْ إلى الله، فقد خلع رِبقة التحري، واجترأ على ما يعلم أو يظن أنَّه قبيحٌ، فلم يكن بينهما ملازمةٌ، ولو دفعوا عن أنفسهم مضرة العقاب المعلومة والمظنونة، لأنابوا إلى الله تعالى.
[ ٢ / ٢٣٢ ]
الإشكال الموفي عشرين: أن الآية دليل على وجوب قبول المتأولين
الإشكال الحادي والعشرون: أن هذه الحجة لا تصح إلا بعد عدم المعارض
الإشكال الموفي عشرين: أن الآية دليلٌ على وجوب قبول المتأوِّلين، لأن في قبولهم العملَ بما يُعلم أو يُظن أنَّه واجب، والترك لما يُعلم أو يُظن أنَّه حرام، وهذه طريقة المنيبين، وقد أمر اللهُ تعالى باتباعها، فوجب ذلك على مقتضى تفسيرِ السَّيِّد المختار، وهذا غيرُ الأول فتأمله.
الإشكال الحادي والعشرون: أن هذه الحجة لا تَصحُّ إلا بعدَ عدم المعارض، وسيأتي أن لهذا المفهوم معارضاتٍ منطوقة ومفهومة.
الإشكال الثاني والعشرون: هو الإشكالُ الثاني في الآية التي قبل هذه الآية، وقد تقدم بطوله فخذه من هناك.
فهده مئة إشكال، واثنان وعشرون إِشكالًا على القلب من كلام السيد في هذه المسألة، أو تزيدُ قليلًا، وقد انتهت الأدلةُ القرآنية التي تمسَّك بها السَّيِّد -أيده الله- ولم يبقَ معه إلا ما لا يحتمل أن يكونَ فيه حجة قطعية من خبر آحاد أو قياس، وقد سئمتُ من التطويل في هذا، وخشيتُ أن يكون الواقفُ (١) عليه أكثرَ سآمة مني، وإنما حملني على بعضِ البسط فيما تقدم دعوى السيدِ أن هذه المسألة قطعية، وتعريضه بتأثيم من خالفه فيها، ودعواه أن أدلتَه ظاهرة لا يحتمل أن يشُكَّ فيها عاقل فأحببتُ أن أستكثر من إيراد الإشكالاتِ، لعل السَّيِّد -أيده الله- يَشُكُّ في تأثيمي ولا يقطع به بل (٢) في تأثيم مَنْ خالفه من الأئمة الكبار، والسادة الأطهار، وسائرِ العلماء الأخيار.
_________________
(١) لفظ الواقف سقط من (ب).
(٢) بل: سقطت من (ب).
[ ٢ / ٢٣٣ ]
قال السيد: الثاني قوله - ﷺ - "إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم"
الأول: أنه قد شك في تعذر معرفة الحديث، فكيف يعتمد هنا عليه؟!
الإشكال الثاني: سلمنا أن كلام السيد غير متناقض، وأنه يمكن معرفة الحديث
قال: الثاني قولُه - ﷺ -: " إنَّ هذا العِلْمَ دِينٌ فَانْظُروا عَمَّن تأخُذُونَ دِينَكُمْ " (١).
أقول: في احتجاج السَّيِّد بهذا الحديث إشكالات:
الأول: أنه قد شك في تعذُّرِ معرفةِ الحديث، وقطع بالتعسُّرِ، وأطال الكلامَ في هذا، وأوسع الدائرة في استبعاد وجودِ طريق صحيحهَ لرواية الآثار، وها هو ذا سابحًا في بحارها، عاشيًا إلى ضوء نارِها كما منع مِن تفسير القرآن العظيم، ثم فَسَّر منه هذه الآيات المتقدمة بما لعلَّه لا يُوجَدُ في شيءٍ من التفاسير المعتمدة، بل المهجورة، فكيف التلفيقُ بينَ تحذيرِه من الرواية للحديث، والعملِ به هناك، واعتماده على رواية الحديث، والاحتجاج به هنا.
الإشكال الثاني: سلمنا أنَّ كلام السَّيِّد غيرُ متناقض، وأنه يُمكن معرفةُ الحديث، فكان يجب على السيدِ بيانُ الطريق الصحيحة لهذا الحديث حتى يُلْزِمَ خَصْمَه قبولَه، وقد شرط السَّيِّد علينا في صِحة الحديث أن يكونَ له إسناد صحيح متصل، رواته عدول بتعديل عدول معدلين، وذلك التعديل معلوم وقوعه بخبر عدل، وإسناد صحيح حتى ينتهي إلى زمننا، فإن كان هذا حاصلًا مع السَّيِّد في هذا الحديث، فليتم المِنَّةَ علينا،
_________________
(١) لا يصح في المرفوع، ففي سنده خليد بن دعلج عبد ابن عدي كما في " العلل المتناهية " ١/ ١٣١، وهو متقق على ضعفه والصحيح أنَّه قول محمد بن سيرين البصري المتوفى سنة ١١٠ هـ أخرجه عنه مسلم في مقدمة صحيحه ١/ ١٤، والرامهرمزي في " المحدث الفاصل " ص ٤١٤، والخطيب في " الكفاية " ص ١٢١ وهو بعد الرامهرمزي والخطيب من قول الضحاك بن مزاحم، ومن قول علي ﵁ عند الخطيب. وما أدري كيف فات المصنف ﵀ أن ينبه على عدم صحته في المرفوع قبل أن يشرع في إيراد ما فيه من إشكالات، وهو الخبير العارف بعلم الحديث رواية ودراية، كما تشهد بذلك بحوثه المتنوعة وتخريجاته الدقيقة، ونقداته المتينة.
[ ٢ / ٢٣٤ ]
الإشكال الرابع: أن السيد قد عظم القول في تفسير القرآن العظيم
وُيعرفنا به وإن لم يكن له طريقٌ صحيحة كذلك فلا يليق بفضله أن يُوجِبَ علينا ما لا يُوجِبُ على نفسه، فإن اعتذر لنفسه بعُذْرٍ، فكان ينبغي منه أن يحْمِلَنَا على مثله.
الإشكالُ الثالث: سلَّمنا أن الحديثَ صحيح، لكنه آحادي ظني، والسيد قد ادَّعى أن المسألة قطعية.
الإشكال الرابع: أن السَّيِّد قد عَظَّمَ القولَ في تفسير القرآن العظيم، ومنع مِن معرفة اللغة، وحذَّرَ من الاجتهاد، لأنَّه ينبني على ذلك، ولا شك أن السنة مشاركة للقرآن في الحاجة إلى التفسير وأنَّ (١) تعذر تفسيرِ القرآن يستلزِمُ تَعَذُّرَ تفسير السنة، والاحتجاجُ بالسنة لا يَصِحُّ إلا بعدَ معرفةِ تفسير لها (٢)، فكيف احتج السيدُ بهذه السنة؟ فما أجاب به في هذا، فهو جوابُنا حيث أخذنا بنص الأحاديثِ، فادَّعى السيد أن ذلك من استنتاجِ العقيمِ، واستفتاء من ليس بعليم.
الإشكال الخامس: أن في هذا الحديث عمومًا في موضعين:
أحدُهما: العلم، فإنه يُشْمَلُ العلمَ بالقطعيات والظنيات، والعلميات والعمليات.
وثانيهما: قولُه: عمن تأخذون دينكم. فإنه يَشْمَلُ الثقاتِ من المتأولين، والمتنزهين عن البدع، والمصرحين بالكبائر، والمصرحين ببعض المعاصي الملتبسة، وليس بنصٍّ في واحد مِن هذه على إيراده،
_________________
(١) في (ب): فإن.
(٢) في (ب): تفسيرها.
[ ٢ / ٢٣٥ ]
الإشكال السادس: أن ذلك المخصص موجود
الإشكال السابع: أن هذا العموم يحتمل وجو المعارض
الإشكال الثامن: أن ذلك المعارض موجود
الإشكال التاسع: يحتمل أن يكون منسوخا
الإشكال العاشر: أن هذا الحديث من العمومات الواردة في العمليات
الإشكال الحادي عشر: أن الاحتجاج بالعموم يحتاج إلى الاجتهاد
فإذا كان كذلك، فهو محتمل لوجود مخصص لم يعلم به، وهذا الاحتمالُ يمنع من كونه حجةً قطعية.
الإِشكال السادس: أن ذلك المخصصَ موجود كما سيأتي في الفصل الثاني، إن شاء اللهُ تعالى، ووجودُه يمنعُ من كون هذا العمومِ حجةً ظنية.
الإشكال السابع: أن هذا العمومَ يحتمِلُ وجودَ المعارض، وذلك الاحتمال يمنعُ مِن كونه حجةً قطعية.
الإشكال الثامن: أن ذلك المعارض موجودٌ كما سيأتي في الفصل الثاني، ووجودُه يمنع من كونه حجة ظنية.
الإشكال التاسع: يحتمل أن يكونَ منسوخًا، وهذا الاحتمال يمنع مِن كونه حجة قطعية.
الإشكال العاشر: أن هذا الحديثَ مِن العمومات الواردة في العمليات، وما كان كذلك، فهو ظني بالإجماع، والسيد ادَّعى أن هذه المسألة قطعية.
الإشكال الحادي عشر: أن الاحتجاجَ بالعُموم يحتاج إلى الاجتهاد، لأنَّه لا يَصِحُّ إلا بعدَ المعرفةِ بفقدِ (١) المعارض والناسخ والمخصص، واستكمال شرائطِ الاجتهاد، والسيد معترِفٌ بأنه ليس بمجتهد، ويحذِّرُ من الاجتهاد.
الإشكال الثاني عشر: أنَّه يحتمل أن هذا العمومَ ورد على سبب،
_________________
(١) في (ب): لفقد.
[ ٢ / ٢٣٦ ]
الإشكال الثالث عشر: أن هذا العموم مخصوص
الإشكال الرابع عشر: أن الحديث ورد بلفظ الأمر
الإشكال الخامس عشر: أنه لا حجة في هذا الحديث لك، بل هي عليك
قال السيد: ومنه قوله - ﷺ - "يحمل هذا العلم من كل سلف عدوله "
أقول: احتجاج السيد بهذا الحديث كاحتجاجه بالحديث الأول ويرد عليه الإشكالات الثلاثة عشر الواردة على الأول وإشكالان بعد تلك الثلاثة عشر
وهذا يمنعُ من القطع، وقد مرَّ تقريرُه في الآيات السابقة.
الإشكال الثالث عشر: أن هذا العمومَ مخصوص بجواز الأخذ بخبر الفاسق المصرح في مواضع كثيرة، وقد قدمنا شيئًا منها، وفي العمل بالعموم المخصوص ما تقدم.
الإشكال الرابع عشر: أن الحديثَ ورد بلفظ الأمر، وفي كون الأمر للوجوب منازعة، والسيد مُدَّعٍ أن المسألة قطعية، فيجب بيانُ أن الأمر للوجوب بدليل قاطع.
الإشكال الخامس عشر: أنَّه لا حجة في هذا الحديث لك، بل هي عليك، وذلك أَن رسول الله - ﷺ - فوضَ الأمرَ في النظر إلينا فقال (١): فانظُروا عمن تأخذون دينَكم. وقد نظرنا كما أمرنا، هل الواجبُ الأخذُ بخبر من يُفيد خبرُه العلمَ أو الظنِّ، فوجد المعتبَر الظن؟ إذ لا طريق إلى العلم، فنظرنا في أخبار المتأوِّلين هل يُفيد الظن المعتبر أم لا؟ فوجدناها تفيده كما تفيده أخبارُ الثقات، فأخذنا به احتياطًا لديننا إذ كانت مخالفته تُؤَدِّي إلى ارتكاب المحرم المظنون تحريمه وتضييع الواجب المظنون وجوبُه مع ما دَلَّ على ذلك من سائر الأدله الآتية في الفصل الثاني إن شاء الله تعالى.
قال: ومنه قولُه - ﷺ - " يحملُ هذا العِلْمَ مِنْ كُلِّ سَلَفٍ عُدُولُهُ، ينْفُون عَنْهُ تَحرِيفَ المُبْطلينَ، وانتحالَ الغَالِينَ " (٢).
أقول: احتجاجُ السَّيِّد بهذا الحديث كاحتجاجه بالحديث الأول في
_________________
(١) تقدم أنَّه لا يصح في المرفوع وإنما هو من قول ابن سيرين.
(٢) تقدم تخريج هذا الحديث في الصفحة ٣٠٨ - ٣٠٩ من الجزء الأول.
[ ٢ / ٢٣٧ ]
الإشكال الرابع عشر وهو الأول منها: أن رواية السيد لهذا الحديث مخالفة للمشهور
الإشكال الخامس عشر: أن هذا الحديث حجة عليك لا لك
الإشكال، ويردُ عليه الإشكالاتُ الثلاثة عشر الواردة على الأول، وإشكالان بعد تلك الثلاثة عشر.
الإشكال الرابع عشر: وهو الأول منهما أن رواية السَّيِّد لهذا الحديث مخالفة للمشهور في كتب الحديث، فإنه قد رواه جماعة من أئمة الأثر حُفَّاظِ السنة، منهم الحافظ الكبير أبو عمر بن عبد البر، والحافظ ابن القطان، والحافظ العُقيلي، والحافظ ابن النحوي، والشيخ العلامة ابنُ الصلاح فقالوا: " يحْمِلُ هذا العِلْم منْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ " ذكره في " البدر المنير " (١)، وفي معنى رواية السَّيِّد إشكال، لأنَّه يكون المعنى: يحْمل هذا العلمَ عن كُلِّ سلفٍ عدول ذلك السلف فيكون السلف حاملين عن السلف، والمعروف أن الخلفَ هُمُ الذين يحملون عن السلف.
الإشكال الخامس عشر: أن هذا الحديث حجة عليك لا لك، وذلك لأنَّه يقضي بتعديلِ حَمَلَةِ العلم على الإطلاق، ولا شك أن الرُّواة من المتأوِّلين من جُمْلَةِ حمله العلم، وقد احتج ابنُ عبد البر بهذا الحديث على أن كل حاملِ علم معروف العناية به، فهو محمول على السلامة، مقبول في فنه ذلك حتى يظهر جرْحُهُ (٢) ولم أدرِ ما وجهُ احتجاج السيدِ بهذا الحديث؟! فليس فيه أمر بقبول المتأولين، ولا نهي عن قبولهم، وإنما أخبر عما يكون لا ذكر لهم فيه تصريح ولا مفهوم.
_________________
(١) "البدر المنير" للحافظ ابن النحوي المعروف بابن الملقن، وهو في تخريج أحاديث فتح العزيز للرافعي، ولم يطبع، وقد اختصره الحافظ ابن حجر، فسماه " تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير " وهو مطبوع في أربعة أجزاء.
(٢) ونص كلام ابن عند البر في " التمهيد " ١/ ٢٨: وكل حامل علم، معروف العناية به فهو عدل محمول في أمره أبدًا على العدالة حتى تتبين جرحته في حاله، أو في كثرة غلطه لقوله - ﷺ - " يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ".
[ ٢ / ٢٣٨ ]
قال السيد: ومنه قوله - ﷺ - "من أخذ دينه" إلخ
الإشكال الرابع عشر: وذلك أن السيد ترك بعض الحديث
قال: ومنه قولُه - ﷺ -: " مَنْ أخذ دينه عن أفواه الرِّجال ذهبَتْ به الرجالُ مِن يمين إلى شمال، وكان مِن دينِ الله على أعظمِ زوال " تركنا العملَ به في خبر العدل لدليل، وبقي الباقي على الأصل.
أقولُ: في الاحتجاج بهذا الحديث من الإشكالات الثلاثة عشر الذي في الحديثين الأول والثاني، ويختص بإشكالين بعدَها أولُهما.
الرابع عشر: وذلك أن السيد ترك بعض الحديث، وهو قوله ﵇: " مَنْ أخَذَ دينَه عن التفكر في آلاء الله والتدبر لسُنتي، زالتِ الرواسي ولم يزل، ومن أخذ دينه عن أفواه الرجال، مالت به الرجالُ من يمين إلى شمال، وكان من دين الله على أعظم زوال ".
رواه السَّيِّد أبو طالب في كتاب " الأمالي " (١).
وهذا الحديثُ لا يدل على ما ذكره السيد لوجهين.
أحدُهما: أن في الحديث نصًا صريحًا في وروده في منْ أخذ دينه مِنْ أفواه الرِّجال على جهة التقيد لهم، وهذا يَدُلُّ على أن المراد به ما لا يجوزُ فيه التقليدُ، والذي لا يجوز فيه التقليد لا يُقبل من المتأول ولا من غيره، وإنما يُؤخذ فيه بالأدله القاطعةِ والبراهين الساطعة، فأين هذا مما نحن فيه؟!
الثاني: أنه قد ذكر ﵇ أن المتدبر لسنته ممن (٢) تزولُ
_________________
(١) لم يذكر المؤلف ﵀ سنده حتى ننظر فيه، ولم أجده في المصادر الأخرى ويغلب على ظني أنه لا يصح.
(٢) ممن: ساقطة من (ب).
[ ٢ / ٢٣٩ ]
الإشكال الخامس عشر: أن الحديث حجة لنا على السيد
قال السيد: الثالث أن الأصل ألا يقبل خبر الواحد
الرواسي ولا يزول دينُه، ولا شَكَّ أن سنته ﵇ مأخوذة من أفواهِ الرجال المتواتر منها والآحاد، وكذلك القرآن الكريمُ مأخوذ من أفواه الرجال، فدلَّ على أن قوله: " من أخذ دينه من أفواه الرِّجال " عموم مخصوص، والمراد به منْ أخذ دينه من أفواههم على جهة التقليدِ لهم من غير حُجة، كما نجد المخالفين في العقائد يأخذونها عن شيوخهم مِن غير حجة سمعية، ولا عقلية، ولا أثارةٍ من علم، ويكون الدليلُ على التخصيص ذكره للكتاب والسنة المأخوذينِ من أفواه الرجال، فلو لم يحمله على هذا، لكان ظاهره متناقضًا، لأنَّه قضى لمن أخذ دينه عن أفواه الرجال بالزوال، ولمن أخذ دينه عن الكتاب والسنة المأخوذين عن أفواه الرجال بعدم الزوال، فلما تناقض الظاهرُ، وجب حملُه على ما يصح.
الإشكال الخامس عشر: أن الحديث حجة لنا على السيد، وذلك لأن قوله ﵇ في الحديث: " إن من أخذ دينه عن التفهم لكتاب الله والتدبر لسنة رسول الله - ﷺ - " عام للمعلوم منهما والمظنون، أما الكتابُ، فالمعلوم من معانيه والمظنون، وأما السنة، فالمعلوم من ألفاظها ومعانيها والمظنون منها، وأخبارُ المتأولين من جملة السنة المظنونة، فدخلت في هذا الحديث، ونحن نُخرج من هذا الحديث ما دَلَّ الدليلُ على خروجه، وهو حديثُ المجروحين بالتصريح دون التأويل، وبقى سواهم على الأصل، وسيأتي لهذه الحجة مزيد بيان.
قال: الثالث: أن الأصل أن لا يُقبل خبرُ الواحد، لأنَّه إقدام على ما لا يُؤمن كونُه خطأ، وأخبارٌ بما لا يُؤمن كونهُ كذبًا، دل الدليل على قبول العُدول، وبقي الكافران والفاسقانِ على الأصل.
أقول: جوابُ هذا لا يخفي على من له أدنى معرفة بعلم العقليات،
[ ٢ / ٢٤٠ ]
وأقل درْيَةً بالمسائل النظريات، فإن الإِقدام على ما لا يُؤمن كونُه كذبًا وقبيحًا إنما يَقْبُحُ متى كان مستويَ الطرَفَيْنِ من غير رُجحان، أو كان مرجوحًا غيرَ مساوٍ ولا راجح، وهذا شيء ليس بالمختلف فيه، وإنما كلامُنا في المتأوِّل الذي صِدْقُه راجح على كذبه، ولا خلافَ بين أكثر العقلاء في حسن الراجح إن لم يكن في تركه مضرة، فإن كان في تركه مضرةٌ مظنونة، فهو واجب عقلًا، بل هو إجماعي فعلي من الموافق والمخالف كما يأتي بيانُه قريبًا.
والعجبُ مِن السيد -أيَّده الله- كيف غَفَلَ عن هذا وهو عمدة المتكلمين في إيجاب النظر حيث لم تندفِعِ المضرةُ المظنونة إلا به ودفعُها واجب، وما لا يَتمُ الواجبُ إلا به يجب كوجوبه، فكيف أُنْسِيَ السيدُ مثلَ هذا الذي لا يزال يُدَرِّسُه، ويُلقنه طلبةَ العلم؟
وقد ذهب السيدُ الإمام أبو طالب ﵇، والإمامُ المنصور بالله ﵇ إلى عكس ما ذهب إليه السيدُ، وذلك أن العملَ بخبر الواحد واجب عقلًا، ورواه (ص) و(ط) (١) ﵉ عن جمهورِ العلماء، وحكي الخلافُ فيه عن طائفةٍ من الإمامية، وطائفةٍ من البغدادية، وقومٍ من الخوارج، ثم قال: والذي يَدُلُّ على ما ذهب إليه الجمهورُ: العقل والسمعُ، وساق الأدلة وَجَوَّدهَا، وقد ذهب إلى هذا الشيخ أبو الحسين البصري.
قال (ص) باللهِ: والذي يَدُلُّ على صحة ما قدمنا من أن العقلاء يستحسنون بعقولهم العمل على خبر الواحد إذا غَلَبَ على ظنهم صِدْقُه في
_________________
(١) (ص): رمز للمنصور بالله، و(ط) لأبي طالب، كما ورد مصرحًا به في (ش).
[ ٢ / ٢٤١ ]
جلب المنافع، ودفع المضار، ومعلومٌ أنَّ التعبد وُضِعَ لهذين الوجهين، وهما جلبُ منافع الآخرة، ودفعُ مضارِّها، ولأنا كما نعلمُ بعقولنا وجوبَ تناولِ الدواء مِن يدِ الطبيب على بعضِ الوجوه، فكذلك نعلم بعقولنا وجوبَ تناولِه من يد غلامه إذا قال: أنا أُنهيه إليكلم على يدِ هذا الغلامِ، وغَلَبَ على ظننا حصولُ أمانته وفقْدُ خيانته في أنَّه يجب علينا تناولُه في الحالين على سواء إلى آخر كلامه ﵇ في كتاب " صفوة الاختيار ".
وأقول: إن العمل بالخبر المظنون صدقُه ما زال معمولًا به بَيْنَ العقلاء ممن وافق في هذه المسألة، ومِمن خالف، ولو كان الخبرُ بما يُظن صدقه قبيحًا في العقل لم يخبر أحد غيرَه إلا بالضروريات التي لا يُفيد الخبرُ بها، وإنما قلنا بغير ذلك، لأن المخبر بغير الضروري إن كان غيرَ عالم بما أخبر به، قَبُحَ منه الإخبار، وإن كان عالمًا، قَبُحَ من صاحبه التصديق، وإن كانا عالِمَيْنِ معًا، فلا فائدة في الخبر إِلا ما لا يكاد (١) يُقْصَد من تعريف الإنسان لصاحبه أنَّه عالم، فهذه الصورة، ذَكَر علماء المعاني أنها قد تكون مقصودةً للمخبر، كقول المسلم للنبي - ﷺ -: أشهد أنَّكَ رسولُ الله، وهو المسمى بلازمِ فائدةِ الخبر.
وهذا القسم يلزم السَّيِّد أيضًا أن لا يكون للخبرية معنى، لأن قبولَه من المخبر به يكون حرامًا في العقل، وكلامُ السَّيِّد هذا يؤدي إلى القول بأن الخبرَ والاستخبارَ قبيحانِ عقلًا لولا ورودُ الشرع بجوازهما، وهذا قول لا يتماسَكُ ضعفًا، فلم يزل العقلاءُ من المسلمين والمشركين والفلاسفة
_________________
(١) في (ب): ما يكاد.
[ ٢ / ٢٤٢ ]
والبراهمة، وجميعِ الأجناس من أهل الملَلِ والنِّحَلِ والمذاهب والفِرقِ مطبقين من أوَّلِ عُمْرِ الدنيا إلى آخره في (١) أقطار الأرض وجزائر العالم على حُسْنِ الخبر والاستخبار، وتطلب الإِعلام، وتعلّم العلوم من الآحاد فالمريضُ يسأل الطبيبَ عما يشفيه، ويعتمِد على ما يأمره به، وأهلُ الحروب يبعثون العيونَ، ويعملونَ على ما يقولون، ومن خاف على صاحبه بعث إليه النذير، ومن احتاج إلى حاجةٍ من صاحبه وهو غائب أرسل إليه الرسول وكتب إليه الكتاب، وكذلك سائرُ التصرفات من جميع أعمال الدنيا والآخرة مبنية على الظَنَ، وحُسْنِ العمل عليه، فالتاجر يركب البحارَ، ويتعرض للأخطار على ظن الربح والسلامة، والزَّرَّاعُ يتحمل الأعمالَ الشاقة ويكدُّ بدنه في إثارة الأرضِ، ويُخاطر بما يطرح فيها من البذرِ على ظن التمام، والبقاء إلى يوم الحصاد، والملوك يجمعون الجنودَ، ويُنفقون الأموالَ في جمعها على رجاء الفتوح بمجرد الظن من غير قطع، وعمَّالُ الآخرة يتحمَّلون مشاق العبادة والمجاهدة على ظن القبول والسلامة في مستقبل العمر من الوقوع في المعاصي المُحْبِطةِ لتلك الأعمال، وطَلَبَةُ العلم يشرعون في غَيْبِ الكتب ودرسها على ظنِّ الفائدة وبلوغ الأمل، وكذلك ما لا يُحصى من جميع أجناس أفعال العقلاء الدالة على إطبقاهم على حسن العمل بالظن، ولا شَكَّ أن خبرَ المتأوِّلين يفيد الظنَّ عند من أجازه وعند من منعه، فالقول بأنه قبيح في العقل إما تعسُّفٌ شديد، وإما نزوحٌ عن التحقيق إلى مكان بعيد.
واعلم أن العالِم من يرى الواضح واضحًا، والمشكل مشكلًا، وليس بمن يتكلَّفُ التشكيكَ في الواضحات وإيضاح المشكلات، فبان
_________________
(١) في (ب): في جميع أقطار.
[ ٢ / ٢٤٣ ]
قال السيد: الرابع أنا أجمعنا على أنه لا يقبل فاسق التصريح
الإشكال الأول: أن القياس لا يصح الاستدلال به في المسائل القطعية
الإشكال الثاني: أن الإجماع موجود على خلاف هذا القياس
بهذا أن السَّيِّد قصد أن يستدِلَّ بالعقل على استقباح قبولِ المتأوِّلين، فانكشف أن العقلَ يقتضي وجوبَ قبول المتأولين.
قال- أيَّده الله-: الرابع: أنَّا أجمعنا على أنَّه لا يُقْبَل فاسقُ التصريح، فإِمَّا أن تكون العلةُ تهمتَه بالكذب، وإما أن تكون إهانتَه والاستخفاف به، لأن قبولَ الشهادة والرواية مَنْصِبٌ رفيع يُلزم الخلقَ أحكامًا شديدة، فيلزمونها، فأيُّ رِفعةٍ أعظمُ منها؟ والعلة هي هذه، وهي موجودة في فاسق التأويل مثلها في المصرح، لأن معه دليلًا لو تأمَّلَهُ لما ارتكب البدعة، وأما إن عللنا بتهمته بالكذب ويرى أنَّه يُعاقب عليه، ويكون عند نفسه مطيعًا لله ﵎، فيلزمُ مِن أرباب الملَلِ الخارجة عن الإسلام أن تُقْبَلَ روايتهُم مثل رُهبان النصارى، وعباد اليهود، ومثل البراهمة، فإنهم يتحرَّزون عن الكذب أشدَّ التحرز، ويتنزهون عنه أعظمَ التنزه.
أقول: لما فَرَغَ السَّيِّد من الاستدلال بالكتاب والسنة والمعقول، عطف عليه الاستدلالَ بالقياس، وَيردُ على ذلك إشكالات:
الإشكال الأول: أن القياسَ لا يَصِحُّ الاستدلالُ به في المسائل القطعية إلا مع القطعِ بانتفاء النص المحرم للقياس، أما المسائلُ الظنية، فإن ظنَ عدمِ النص يكفي في تجويز القياس، لكن السَّيِّد زعم أن هذه المسألة قطعية، فيجب عليه الدليلُ القاطع على عدم النص.
الإِشكال الثاني: أن الإجماعَ موجودٌ على خلافِ هذا القياسِ فلا يصِح القياسُ مع وجود الإجماع، ومن ها هنا علق أبو طالب ﵇ الاحتجاجَ بالقياس في هذه المسألة على عدم صحة الإجماع، وسيأتي في الفصل الثاني ثبوتُ الإجماع، وأنه لا طريق إلى القطع بانتفائه، والفرقُ
[ ٢ / ٢٤٤ ]
الإشكال الثالث: لا يصح الاستدلال بالقياس في مسألة قطعية
الإشكال الرابع: إذا سلمنا صحة القياس، فلا يصح الاحتجاج به في مسألتنا هذه
الإشكال الخامس: أن المخصص لتلك العلة موجود
الإشكال السادس: أنه لا يصح الاجتهاد بالقياس في مسألة قطعية
الإشكال السابع: أن المعلوم أن هذا القياس بعينه قياس ظني
الإشكال الثامن: أن شرط الاحتجاج بالقياس عدم النصوص
بينَ هذا الإشكالِ وبَيْنَ الأول أن هذا منع للقياس بوجود الإِجماع، وذلك منع لكون القياس قطعيًّا باحتمال النص.
الإِشكال الثالث: لا يَصِحُّ الاستدلالُ بالقياس في مسألة قطعية مع وجود الظواهر المختلف في صحة القياس معها.
الإِشكال الرابع: إذا سلَّمنا صحةَ القياس، فلا يصح الاحتجاجُ به في مسألتنا هذه على جهة القطع مع احتمال تخصيصِ العلة لكن من الجائز أن تكون العلةُ مخصوصة في قبول المتأولين، فما الدليلُ القاطع على المنع من ذلك.
الإِشكال الخامس: أن المخصص لتلك العلة موجودٌ على تقديرِ صحتها وتسليمِ عِلِّيتها، كما سيأتي بيانُه في الفصل الثاني.
الإِشكال السادس: أنَّه لا يصح الاجتهادُ بالقياس في مسألة قطعية مع احتمال المعارض من الأقيسة، فيلزم بيانُ دليلٍ قاطعٍ على ارتفاع الاحتمال.
الإشكال السابع: أن المعلوم أن هذا القياسَ بعينه قياسٌ ظني، فإما أن ينازع السيدُ في هذا أَوْ لا، إن نازع فيه، فعنادٌ واضحٌ، وإن لم يُنَازِعْ فيه، فما معنى التَّرسُّل على مَنْ خالف مثلَ هذا القياس الظني؟!
الإشكال الثامن: أن شرط الاحتجاج بالقياس عدمُ النصوص والظواهر، وشرط معرفة ذلك بقاء الطريق إِلى معرفة السنن، والسيدُ قد شكَّ في إمكان ذلك، وَمَنْ شَكَّ في شيء لم يُمكنه الاستدلالُ بما هو فرعٌ عليه.
[ ٢ / ٢٤٥ ]
الإشكال التاسع: أن الاحتجاج بالقياس من خواص المجتهدين
الإشكال العاشر: احتج السيد على أن المنصب هو العلة لعدم استحقاق المتأولين له
الإشكال الحادي عشر: أن التعليل بغير هذه العلة أرجح، والدليل على ذلك وجوه
الإشكال التاسع: أن الاحتجاجَ بالقياس من خواصِّ المجتهدين، والسيد قد نفي الاجتهادَ عن نفسه، وشك في تعذُّره على الخلق.
الإشكال العاشر: احتج السيدُ على أن المنصب هو العلة، لعدم استحقاق المتأوِّلين له، وليس في هذا حجة، فليس كُلُّ ما لم يستحقه المتأوِّلُ يصلُح أن يكونَ علة، ألا ترى أن المتأوِّل عند السَّيِّد وعند غيره لا يستحقُّ شفاعةَ النبي - ﷺ - ولا (١) الاستغفارَ له مع أنَّه لا يَصِحُّ التعليل بذلك، فلا يُقال: إنَّ العدل إنما قبل، لأن النَّبِي - ﷺ - يشفعُ له بدليل أن المتأوِّلَ لا يستحقُّ الشفاعة، هذا كلامٌ نازل جدًا.
الإشكال الحادي عشر: أن التعليل بغير هذه العلة التي ذكرها السيد أرجح من التعليل بها وهو ظنُّ الصدق، ومع وجود ما هو أولى بالتعليل لا يَصِحُّ التعلق بها، وبيان رجحانِ التعليلِ به يَحْصُلُ بالكلامِ في أمرينِ:
الأول: أن قولَ السيدِ يَنْتَقِضُ ذلك برهْبَانِ النصارى، ومَنْ يُظَن صدقُه من المصرِّحين والبراهمة غير صحيح ولا قادح في التعليل بالظن، فإنَّ تخصيصَ العِلَلِ الشَّرْعِيَّة جائِزٌ بإجماعِ الأُصوليين، ليسَ بَيْنَهُمْ خلافٌ على التحقيقِ إلا في العبارة، مثال ذلك: قولُهم في العلة في القصاص: إنه قتلُ عمْدٍ عدوان، وهذه العلة قد وُجدت في قتل الوالد لولده، وتخلف الحكم، لأن الوالد لا يقتل بولده فها هنا اختلفوا:
فمنهم مَنْ يقُولُ: بتخصيص العلة، وأنها قد وُجِدَت في الوالد ولم تُؤثِّر لدليل خصها.
ومنهم من يقول: لا تكونُ تلك العلة، ويزيد في العلة قيدًا، ويقول: العلة القتلُ العمد العُدوان من غيرِ الأب، وكذلك يقول: العلة هاهنا
_________________
(١) لا: ساقطة من (ب).
[ ٢ / ٢٤٦ ]
الحجة الأولى: قوله تعالى ﴿إن جاءكم فاسق﴾ الآية
الظَّنُّ إن قلنا: بتخصيص العِلَّةِ، وإن لم نقل به، قلنا: العلة الظن مِن غير المصرح بالفسق، والخارج مِن الملة، ويبطل ذلك الاشكالُ الذي ذكره السيدُ بالمرة، وقد علل الله ﷾ كثيرًا من الأحكام الشرعية بحكم غيرِ مُطَّرِدٍ (١) - كالفطر في السفرِ في رمضان، فإن التعليلَ بالتخفيف ظاهر في القرآن في قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] عقيب ذكرِ الفطر في السفر والمرض مع أن ذلك لم يَطرِدْ، فمن وقع في أعظم من مشقةِ السفر من الزُّراع وأهلِ الأعمال الشاقة، وأهلِ الجوع والمسكنة، لَمْ يَحِلَّ له الفطرُ لمجرد المشقة، وكذلك القصرُ، فإنه أُبِيحَ للمسافر تخفيفًا ورفقًا ولا يُباح للمريض مع أنه أحوجُ إلى التخفيف.
وقد اختلف الأصوليون في التعليل بالحكم، وجوَّزه غيرُ واحد من المحققين فلا معنى للاحتجاج بما ذكره السَّيِّد في مسألة زعم أنها قطعية، ومنع الخصم من المنازعة فيها، فمثلُ هذا لا يرفع الخلاف ولا يقتضي القطع.
الثاني في بيانِ الأدلة على أن التعليلَ بظنِّ الصدقِ أرجحُ، والدليل على ذلك وجوه:
الحجة الأولى: قولُه تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: ٦] فقوله: ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ دليل على أن العلة في التبيُّن (٢) خوفُ الخطأ، والرغبة في تحري
_________________
(١) في (ش) مطردة.
(٢) في (ب) التبيين.
[ ٢ / ٢٤٧ ]
الحجة الثانية: قوله تعالى ﴿فإن لم يكونا رجلين فرجل﴾ الآية
الحجة الثالثة: قوله تعالى ﴿واستشهدوا شهيدين﴾ الآية
الحجة الرابعة: قوله تعالى ﴿شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت﴾ الآية
الحجة الخامسة: قوله تعالى في هذه الآية ﴿ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها﴾
الإصابة والصدق، ولو كانت العِلَّةُ المنصب، لقال: فتبيَّنُوا أن تُعظِّموا فاسقًا بجهالة.
الحجة الثانية: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ [البقرة: ٢٨٢] واضح في الدلالة على أن المراد الصدقُ والتحري لا رَفع المناصب.
الحجة الثالثة: قولُه تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ولو كانت العلة المناصبَ، وتعظيمَ المؤمن، لم يحتج العَدْلُ في ذلك إلى مصاحبةِ عدلٍ آخر، فبان لك أن المرادَ قُوَّةُ ظَنِّ الصدق.
الحجة الرابعة: قولُه تعالى: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ [المائدة: ١٠٦] وفي هذه الآية وجهان:
أحدُهما: أنَّ الله تعالى شَرع قبول الكفار عندَ الحاجةِ إليهم، وهُمْ لا يَسْتَحِقُّون التعظيمَ ومنصبَ التكرِمة والتبجيل.
وثانيهما: إنَّه لا يجوزُ قبولُهم بعلة الكفر، وبعلَّةِ الإهانة على كلام السَّيِّدِ، وقد خَصَّصَ الله سبحانه العِلةَ هنا، فأجاز قبولَهم، ففي هذا جوازُ تخصيص العِلة الذي أنكره السيد.
الحجة الخامسة: قولُه تعالى في هذه الآية: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [المائدة: ١٠٨] فقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى﴾ تنبيهٌ ظاهر على أن المقصودَ قوةُ الظن، وما هو أقربُ إلى الصدق.
[ ٢ / ٢٤٨ ]
الحجة السادسة: قوله تعالى ﴿ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة﴾ الآية
الحجة السابعة: قوله - ﷺ - " لو يعطى الناس بدعواهم " الحديث
الحجة السادسة: قولُه تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] وأصل الآية، وإن كان في الكِتابة، فقد دخلت معها الشهادةُ بقوله: ﴿وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ﴾.
الحجة السابعة: قولُه - ﷺ -: " لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهمْ لادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ " (١) الحديثَ رواه البخاري ومسلم وغيرُهم، فدلَّ على أن القصدَ الاحترازُ من الكذب، وفيه بيان تخصيصِ العلة، لأن رسول الله - ﷺ - قد عَلَّل بهذا، فلو لم تخصص العلة، لم يجب التنبيهُ (٢) على العدول الذين يَغْلِبُ على الظَّنِّ صدقُهم على القولِ المختار في جواز التعليل بالحُكم.
الحجة الثامنة: ورد الشرعُ بشاهدٍ ويمينٍ (٣)، واليمينُ فيها تُهمةٌ
_________________
(١) وتمامه: ولكن اليمين على المدعى عليه، أخرجه أحمد ١/ ٣٤٣ و٣٥١ و٣٦٣، والبخاري (٢٥١٤) و(٢٦٦٨) و(٤٥٥٢)، ومسلم (١٧١١) وأبو داود (٣٦١٩)، والترمذي (١٣٤٢) والنسائي ٨/ ٢٤٨.
(٢) في (ب): البينة.
(٣) أخرج أحمد ١/ ٢٤٨، و٣١٥ و٣٢٣، والشافعي ٢/ ٢٣٤، ومسلم (١٧١٢)، وأبو داود (٣٦٠٩) والنسائي في الكبرى كما في " تحفة الأشراف " ٧/ ١٨٧، وابن ماجة (٢٣٧٠) والطحاوي ٤/ ١٤٤، وابن الجارود (١٠٠٦)، والبيهقي ١٠/ ١٦٧، والطبراني في " الكبير " (١١١٨٥)، وأبو يعلى الورقة ١٢٦/ ١ من حديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قضى باليمين مع الشاهد. وفي الباب عن أبي هريرة عند الشافعي ٢/ ٢٣٥، والترمذي (١٣٤٣)، وأبي داود (٣٦١١)، وابن ماجة (٢٣٦٩)، والطحاوي ٤/ ١٤٤ وسنده قوي. وعن جابر عند أحمد ٣/ ٣٠٥، وابن ماجة (٢٣٦٩)، وابن الجارود (١٠٠٨)، والبيهقي ١٠/ ١٧٠ موصولًا خرجه الترمذي (١٣٤٤) موصولًا و(١٣٤٥) مرسلًا، وأخرجه مالك ٢/ ٧٢١، وعنه الشافعي مرسلًا وهو أصح، وعن سُرَّق عند ابن ماجة (٢٣٧١)، والبيهقي ١٠/ ١٧٢ - ١٧٣، وفيه راو لم يسم وبقية رجاله ثقات، وعن سعد بن عبادة عند أحمد ٥/ ٢٨٥، والترمذي والدارقطني ٤/ ٢١٤، والشافعي ٢/ ٢٣٥، والبيهقي ١٠/ ١٧١ وهو منقطع.
[ ٢ / ٢٤٩ ]
الحجة التاسعة: الملاءمة العقلية التي تثبت بها العلل
الحجة العاشرة: أن علماء المذهب يعللون في مسائل الشهادة والرواية بقوة الظن وضعفه، ولنذكر من ذلك مسائل
المسألة الأولى: أنهم قالوا: من سمع الحديث من غير حجاب فروايته أولى ممن سمعه من وراء حجاب
المسألة الثالثة: أن يكون أحد الراويين عالما بالعربية والآخر غير عالم بها
للحالف، ولا رفع فيها لمنصبه ألبتَّة، فقامت مقامَ شاهدٍ آخر في قوة الظن، لا في التعظيم، وهذا شاهِدٌ قويٌّ على أن العِلة قوةُ الظن.
الحجة التاسعة: الملاءمة العقليةُ التي يَثْبُت بها العلل، وبيانُها: أن اشتراطَ العدالة عند الخبرِ والشهادة يُفهم منه أنَّه لِأمْرٍ يرجع إلى الخبر والشهادة من تصحيحهما الراجع إلى قوة الظن، لا لأمر يرجع إلى المخبر والشاهد مِن رفع منار مناصبهما، وإظهار شعار مراتبهما، لأنَّ رفع المناصب، وإظهارَ الفضائل لو كان مقصودًا، لما اختص بوقت الحاجة إلى الروايات، ولا ترجَّح عند المنازعات والخصومات، ولكان في الأعيادِ والجمعات، وعند اجتماعِ الناس للصلوات، وفي سائِرِ المقامات المشهودات.
الحجة العاشرة: أن علماءَ المذهب في جميع الأزمانِ والأقطار ما زالُوا يعلِّلون في مسائل الشهادة والرواية بقوة الظن وضعفه في الأصولِ والفروع من غير نكير في ذلك، وهذا يقتضي ترجيح التعليلِ بالظن، ولْنَذْكُرْ مِنْ ذلك مسائلَ يسيرة مما نص العلماء فيها على التعليل بالظن.
المسألة الأولى: أنهم قالوا: إنَّ من سَمِعَ الحديثَ من غيرِ حجاب، فروايتُه أولى ممن سَمِعَه من وراء حجاب، ولا شكَّ أن العِلَّةَ في هذا قوةُ الظن، لا أنَّ من سَمِعَ من غير حجاب أفضلُ عند الله تعالى.
المسألة الثانية: أن يكونَ أحدُ الراويين مثبتًا، والآخرُ نافيًا مع أن المثبت ليس بأفضلَ مِن النافي.
المسألة الثالثة: أن يكون أحدهما عالمًا بالعربية، والآخَرُ غير عالم بها، وإن كان عالمًا بما هو أفضل منها مما لا يَتَعَلَّقُ بالرواية.
[ ٢ / ٢٥٠ ]
المسألة الخامسة: أن يكون أحد الراويين أكثر ذكاء وفطنة
المسألة السادسة: قال العلماء: لا يصح أن يشهد الشاهد لنفسه
المسألة الرابعة: أن يكونَ أحدُ الراويين لا يستجيز الروايةَ بالمعنى، فإن روايتَه أرجَحُ.
المسألة الخامسة: أن يكون أحدُ الراويين أكثرَ ذكاءً وفِطنة، فإنه أرجحُ ممن ليس كذلك، فإن الظن لصدقه أقوى، وأمثال هذه المسائل مما لا يُحصى كثرة وهو مذكور (١) في كتب الأصول في الترجيح بين الأخبار، فلا نُطوِّل بنقله مِن مواضعه.
المسألة السادسة: قال العلماءُ: لا يَصِحُّ أن يشهد الشاهدُ لنفسه، وكذلك الحاكمُ لا يحكُم لنفسه وإن كان عدلًا مرضيًا، ورعًا تقيًّا، وعلَّلُوا ذلك بقلة الظَّن المستفاد من العدالة لقوة الداعي الطبيعي إلى ذلك عند الحاجة والخصومة ومحبَّةِ الغلب، وغيظ الحاسد، ومسرَّةِ الصديق من الدواعي الطبيعية المضعفة لظن الصدق، ولا يبقى معها إلا ظنٌّ ضعيف لا يصح الاعتماد عليه في الحقوق، وهذه الدواعي وإن لم تكن مستمرة دائمة، فإنها كثير ما تعرض (٢) وقد تُعلَلُ بالعلة لكثرة وقوعها، لا لدوامها ألا ترى أن قوله عليه السلاُم: " لوْ يُعطى النَّاسُ بدَعواهُم لادَّعى ناسٌ دماء رجالٍ وأمْوالهُم، ولكن البيِّنَةَ على المُدَّعِي " (٣) فعلَّل شرعيةَ البينَة بخوف أن يدَّعي مَنْ ليس بعدل ما ليس له، فوجب في حقِّ العدل، وفي حقِّ غيره خوفًا من الوقوع في تلك الصورة، ولما كانت الداعيةُ الطبيعية قوته في شهادة الإنسان لنفسه وحكمه لنفسه، أجْمَعَ أهل العلم على المنع من ذلك.
_________________
(١) في (ب): وهي مذكورة.
(٢) في (ب): تفرض.
(٣) تقدم تخريجه في الصفحة ٢٤٩.
[ ٢ / ٢٥١ ]
المسألة السابعة: شهادة الوالد لأولاده وأحفاده وشهادة الأولاد لآبائهم وأجدادهم
المسألة السابعة: شهادةُ الوالد لأولاده وأحفادِه وشهادة الأولاد لآبائهم وأجدادهم وهي مرتبةٌ أضعفُ من المرتبة الأولى وقد اختلف العلماءُ فيها (١) ولم يجمعوا على بطلانها كشهادةِ الإنسان لنفسه، لأن حُبَّهُ لنفسه أقوى، وإن توهَّم بعضُ الناس أن محبته لأولاده أقوى، فهو خيالٌ كاذب ينكشِفُ بطلانُه وقتَ الشدائد العظيمة، ولهذا أخبر اللهُ تعالى: أن الناس يودُّون يومَ القيامة أن يَفْدُوا أنفسَهم من العذاب بأولادِهم وأهليهم، ولما كان حُبُّ الإنسان لأولاده وآبائه أضعفَ مِن حُبه لنفسه، اختلف العلماءُ فيها، فقال بعضُهم: هي تُهمة شديدة قد تحمِلُ على الباطل عند فورةِ الغضب، والعصبيَّةِ في الخصومات، وشدةِ المنازعة في الحكومات، وخوف غلب القرين، وشماتة الحاسدين، فأوجبت الشَّكَّ، فوجب طرحُها قياسًا على شهادة الثقة على عدوه، فإنَّها غيرُ مقبولة مع عدالته لأجل التُّهمة، فكذلك هذه، وقال آخرون: ليست تقوى على القدح في الوازع الشرعي،
_________________
(١) جاء في " المغني " لابن قدامة ٩/ ١٩١: ظاهر المذهب أن شهادة الوالد لولده لا تقبل، ولا لولد ولده وإن سفل ولا تقبل شهادة الولد لوالده ولا لوالدته وبه قال شريح والحسن والشعبي والنخعي ومالك والشافعي وإسحاق وأبو عبيد وأصحاب الرأي. وروي عن أحمد ﵀ رواية ثانية: تقبل شهادة الابن لأبيه، ولا تقبل شهادة الأب له، لأن مال الابن في حكم مال الأب، له أن يتملكه إذا شاء، فشهادته له شهادة لنفسه أو يجُرُّ بها لنفسه نفعًا قال النبي - ﷺ -: " أنت ومالك لأبيك " وقال: " إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن أولادكم من أطيب كسبكم فكلوا من أموالهم " ولا يوجد هذا في شهادة الابن لأبيه. وعنه رواية ثالثة: تقبل شهادة كل واحد منهما لصاحبه في ما لا تهمة فيه كالنكاح والطلاق والقصاص والمال إذا كان مستغنىً عنه، لأن كل واحد منهما لا ينتفع بما يثبت للآخر من ذلك فلا تهمة في حقه. وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أن شهادة كل واحد منهما للآخر مقبولة، وروي ذلك عن شريح، وبه قال عمر بن عبد العزيز، وأبو ثور، والمزني، وداود، وإسحاق وابن المنذر لعموم الآيات، ولأنه عدل تقبل شهادته في غير هذا الموضع فتقبل شهادته فيه كالأجنبي
[ ٢ / ٢٥٢ ]
المسألة الثامنة: شهادة الصديق لصديقه
المسألة التاسعة: شهادة العدو على عدوه
المسألة العاشرة: شهادة أحد الزوجين للآخر
وتخصيصِ عمومِ الدليل السمعي، وقال بعضُهم: لا تُقْبَلُ شهادةُ الوالد لولده لِقوة محبته له، وتقبل شهادة الولد لوالده لأنها أضعف.
المسألة الثامنة: شهادةُ الصَّديق لصديقه وهي دونَ هاتين المرتبتين، فإن التُّهمة بها ضعيفة لا تُؤَثِّرِ في الوازع الشرعي، ولا تمحو خوف العذاب الأخروي، ولهذا شذ المخالفُ فيها، فلم يخالف فيها إلا مالك، فإنه منع مِنْ قبولِ شهادة الصديق الملاطف. كذا رُوي عن مالك مِن غير سماع (١).
المسألة التاسعة: شهادةُ العدو على عدوِّه، وهي قويةٌ موجبة للردِّ، فلأجل ذلك شَذَّ المخالفُ في قبولها.
المسألة العاشرة: شهادةُ أحدِ الزوجين للآخر وهي دون التي قبلها في المرتبة، وضعف التهمة، ولذلك اختلف العلماءُ فيها (٢)، فمنهم مَنْ مَنعها، ومنهم مَنْ قَبِلَها، ومنهم مَنْ قَالَ: إن شهادةَ الزوجة للزوج (٣)، لا تَصِحُّ لوجهين: أحدهما: شدةُ محبتها له، وثانيهما: تعلُّق حقوقها بماله من الكسوة والنفقة، وأما الزوج، فتصحُّ شهادته لها لضعف التهمة في حقه.
المسألة الحادية عشرهْ: حُكْمُ القاضي على غيره (٤) بعلمه اختَلف العلماءُ فيها لأجل التُّهمة.
المسألة الثانية عشرة: تهمةُ الحاكم في إقراره بالحكم والقويُّ قولُ
_________________
(١) انظر " الكافي " ٢/ ٨٩٤ لابن عبد البر.
(٢) انظر " المغني " ٩/ ١٩٣.
(٣) في (ب): الزوجين.
(٤) في (ب): لغيره.
[ ٢ / ٢٥٣ ]
المسألة الثالثة عشرة: حكم الحاكم لأولاده وأحفاده وعلى أعدائه
المسألة الرابعة عشرة: طول العهد بالتعديل والتزكية
المسألة الخامسة عشرة: إنا شهد بطلاق ضرة أمه
المسألة السادسة عشرة: لو شهد لعدوه على أبيه
مَنْ قال: إِنَّ من ملك إنشاءَ الحكم مَلَكَ الإقرارَ.
المسألة الثالثة عشرة: حُكْمُ الحاكم لأولاده وأحفاده، وعلى أعدائه، وأضداده، فإن سَمِعَ البينةَ، وفوَّض الحكم إلى غيره، ففيه خلاف، وقال بعضُ العلماء: لا يحكم لأولاده وعلى أضداده بعلمه، سواء قلنا: إنَّه يحكم بعلمه أو لا، لأن التُّهمة تقوى في حكمه لأولاده وعلى أضداده.
المسألة الرابعة عشرة: طولُ العهد بالتعديل والتزكية لما كان مُضعِّفًا للظن اختلف العلماءُ فيه، فمنهم من لم يقبل شهادةَ من قَدُمَ العهدُ بتعديله، لأن العادة جرت بأن كثيرًا مِن العدول يتغيرون، والصبرُ قليلٌ، والدواعي كثيرة، وما ندري لو سئل المُعَدِّلُ إعادةَ التعديل: هل يبقى عليه، فضعف الظَّنُّ واختلف هؤلاء، فقدَّره قوم بثلاثةِ أيام فصاعدًا فأبعد في ذلك، وقدَّره آخرون بمدة تتغير فيها الأحوالُ في العادة، وهذا أقربُ على تقدير صحة هذا القول وإن كان الظاهر خلافَه.
المسألة الخامسة عشرة: إذا شَهِدَ بطلاقِ ضَرَّةِ أمِّه، فردَّها بعضُهم، لأن محبة الأم أكثرُ من محبة الأب، وقَبِلَها بعضُهم، لأن في ذلك مضرةً على أبيه وهو يُحبُّه أيضًا، فضعف جانبُ التهمة، دليله لو شَهِدَ لأحدِ ولديه على الآخر، لأن داعي الطبيعة متعارض.
المسألة السادسة عشرة: لو شهد لعدوه على أبيه أو صديقِه، قبلت، وكانت أقوى الشهادات مع أنَّه لا يُقْبَلُ لو شَهِدَ عليه، فدل على اعتبار الظن.
المسألة السابعة عشرة: لو شَهِدَ الفاسقُ المستخفي بفسقه الذي
[ ٢ / ٢٥٤ ]
المسألة الثامنة عشرة: التائب من الفسق الصريح لا تقبل شهادته
المسألة التاسعة عشرة: أن الفاسق المتأول إذا تاب من فسقه لم يختبر وقبلت شهادته
المسألة الموفية عشرين: اختلف العلماء في الفاسق المصرح إذا كان معروفا بالصدق
يخاف العارَ من نسبة الفسق إليه، ومن رد الشهادة، فإذا شهد في حال فِسْقِه فَرُدَّت شهادته، ثم إِنَّه تاب، وأعاد الشهادةَ بعد التوبة، لم يقبل عند بعضِ العلماء، لأن له غرضًا طبيعيًّا في نفي تكذيبه الواقع قبلَ التوبة، وإن كان مشتهرًا بالفسق فأعاد الشهادةَ بعدَ التوبة، فقد اختلف الرَّادُّون لشهادة المستخفِي في هذا، لضعف غرضه، وكذلك لو شَهدَ على عدوه، فرد، فزالت العداوة، فأعاد الشهادة، ففيه خلاف لمثل ذلك.
المسألة الثامنة عشرة: التائبُ من الفسق الصريح لا تُقْبَلُ شهادتُه عند توبته حتى تمضي مدة يُظن فيها صدقُ توبتِه، وتظن عدالتُه كما تظن عدالةُ غيره، وقد قدَّرها بعضُهم بسنة، وبعضُهم بستة أشهر، والقوي أن أحوال التائبين تختلِفُ، وقد يظهر على التائب من التلهُّفِ والتأسُّف والبُكاء والجزع ما يقضي بصدقه، فدل هذا على أن العلة قوهُ الظن، ولو كانت العلةُ المنصب لاستحقَّها التائبُ عند ظهور التوبة، كما يستحق التكرمةَ والتعظيمَ، وسائر حقوق المؤمنين بالإجماع.
المسألة التاسعة عشرة: أن الفاسقَ المتأوِّل إذا تاب مِن فسقه لم يختبر، وقبلت شهادته على الفور عند من لا (١) يقبلُها فلو كانت العلة المنصبَ لم يكن بين المتأوِّل والمصرِّح فرقٌ في ذلك.
المسألة الموفية عشرين: اختلف العلماءُ في الفاسق المصرِّح إذا كان معروفًا بالصدق، مشهورًا له، عظيمَ الأنَفَةِ من الكذب والوقوع فيه بحيث إنه يخافُه ويمنعُه من شهواته كما يخاف المؤمن العذابَ ويمنعه مِن شهواته، واستمر هذا، وظهر بالقرائن القوية وطول التَّجْرِبَةِ، فروي عن
_________________
(١) في (ب): لم.
[ ٢ / ٢٥٥ ]
المسألة الحادية والعشرون: قال العلماء: يصح إقرار المرء على نفسه
المسألة الثانية والعشرون: إذا أقر العبد بما يوجب الحد والقصاص صح إقراره
المسألة الثالثة والعشرون: إقرأر الراهن، وإقرار المحجور عليه
أبي حنيفة قبولُه وهو مذهبُ الإمام المنصور بالله ﵇ في الأرض التي يَقِلُّ فيها وجودُ العدول من بوادي الأعراب ونحوها أخبرني به اليَقظُ العارف ذكره في " المهذب "، وقاسه على شهادة أهلِ الذمة عند الضرورة والسَّفَرِ، ورده الجمهور، لأن وازِعَ الحياءِ من الناس، وخوفَ العارِ، وحُبَّ المحمدةِ -وإن عظم- فإنه لا يقومُ مقامَ خَوفِ الله تعالى ووازع الشرع، لأنَّ ذلكَ يضعف في ما يخفى، ويظن صاحبُه أنَّه لا ينكشِفُ للناس، والوازعُ الأُخرويّ والحياء من الله تعالى مستوٍ في الباطن والظاهر، فلهذا شَذَّ المخالفُ في هذه المسألة وضَعُف قوله.
المسألة الحادية والعشرون: قال العلماءُ يصِحُّ إقرارٌ المرء على نفسه لِزوال التهمة، بل هو أقوى من الشهادة، ولو أنها شهادةُ جماعةٍ من العدول (١)، لأن وازِعَهُ عن الكذب على نفسه فيما يضرُّه طبيعي، ووازع الشهودِ شرعي، والطبيعي أقوى من الشرعي، ولهذا قُدِّمَ عليه حيث يتعارضان في شهادتِه لنفسه وعلى عدوه، ونحو ذلك.
المسألة الثانية والعشرون: إذا أقرَّ العبدُ بما يُوجِبُ الحدَّ أو القصاصَ، صح إقرارُه، وإن كان فيه مضرةٌ على سَيِّدِه، لأن فيه مضرةً على نفسه، فَقَوِيَ الظَّنُّ لصدقه قوةً مقاربة للعلم، ومنهم من قال: لا يُقْبلُ لأجل مضرةِ السيد، أما لو أقرَّ بما فيه مضرة على السيد، وليس فيه مضرةٌ على نفسه لم تُقبل قطعًا لضعف الظنِّ، وقُوَّةِ التُهمة.
المسألة الثالثة والعشرون: إقرارُ الراهن بأن الرهن ملكٌ للغير،
_________________
(١) في (ب): جماعة عدول.
[ ٢ / ٢٥٦ ]
المسألة الرابعة والعشرون: لو شهد شاهد على بيع يوم الأحد، وشهد الثاني على ذلك البيع يوم الاثنين
المسألة الخامسة والعشرون: لما كان الظن المستفاد ممن يخبر عن الواقعة أقوى من الظن المستفاد ممن يخبر عنه لم تقبل شهادة الفرع إلا عند تعذر الأصل
المسألة السادسة والعمثسرون: لما كان المنكر لا شهادة عليه لم يكتف بالأصل
المسألة الثامنة والعشرون: إذا تعارضت البينتان، بطل الحكم على قول. فهذه المسائل منادية أنهم فهموا أن العلة في اشتراط العدالة هو الظن
وإقرارُ المحجور عليه بالفَلَسِ بعينٍ من أعيان ماله لغير غرمائه اختلفوا في صحته لأجلِ قُوَّةِ الظن وضعفه.
المسألة الرابعة والعشرون: لو شَهِدَ شاهدٌ على بيع يومَ الأحد، وشَهِدَ الشاهد الثاني على ذلك البيعِ يومَ الاثنين، فقد اختلفوا في قبولهما لِضعف الظَّنِّ مع كمال نصابِ الشهادة، وردُّهما يقوى في القتل والإتلاف لتعذرِ حمل الشاهدين على تكرر ذلك بخلاف إلبيع، فإنَّه يحتمل التكرُّر وفيما لا يحتمل التكرر، الظاهرُ تكاذُبهما، أو تساهلُ أحدهما في تأدية الشهادةِ بالظن، فضعف قبولُه.
المسألة الخامسة والعشرون: لما كان الظَّنُّ المستفادُ ممن يُخبر عن الواقعة عن سماعٍ أو مشاهدة أقوى مِن الظن المستفادِ ممن يُخبرُ عنه، لم تُقبل شهادةُ الفرع إلا عندَ تَعذُّرِ شهود الأصلِ، أو عند المشقةِ في حضورِهم.
المسألة السادسة والعشرون: لما كان المنكر لا شهادةَ عليه لم يكتفِ بالأصلِ وهو أنَّه لا حقَّ عليه، وذلك أنَّه أمكن تأكيدُ الظَّنِّ المستفادِ من الاستصحاب باليمين، فتعيَّن العدولُ من القوي إلى الأقوى.
المسألة السابعة والعشرون: تقديمُ البينة المثبتة على النافية لأجل قوة الظن.
المسألة الثامنة والعشرون: إذا تعارضت البينتانِ بَطل الحكم على قول، وذلك لبطلان الظَّنِّ. فهذه المسائلُ وأضعافُها مما في كتب الأصول والفروع (١) مما تداولَه العلماءُ قديمًا وحديثًا في جميع الأمصار، وَمِنْ جميع
_________________
(١) في (ب): الفروع والأصول.
[ ٢ / ٢٥٧ ]
قال السيد: ولأن المجبرة والمرجئة لا يرتدعون
المذاهب مناديةٌ نداءً صريحًا أنهم فهموا أن العلة في اشتراطِ العدالةِ في الشاهد والرَّاوي والحاكم: هو الظن، ولهذا لا تشترط العدالةُ حيث يكون الداعي طبيعيًّا، كالمُقِرِّ على نفسه. وقد تُخَصَّصُ العلةُ كما هو شأنُ كثيرٍ من العلل الشرعية بخلاف العلل العقلية. إذا عرفت هذه الشهرةَ العظيمةَ في التعليل بالظن، فاعلم أنَّ التعليلَ بالمنصب الذي ذهب إليه السَيِّد وقواه على هذا على العكسِ مِن ذلك في عدم الشهرة، وقِلَّةِ ذكر العلماء له، وتفريعهم عليه، فعدولُ السَّيِّد من هذا المستفيض المشهور إلى ذلك النادِرِ المغمورِ مما لا يَصِحُّ في مِثْلِه أن يدعي أن المسألة قطعيةٌ، وُيشَنِّعَ على مخالفه بذلك.
قال: ولأنَّ المُجْبِرَةَ والمُرْجِئَةَ لا يرتدِعون عن الكذب وغيره من المعاصي، أمَّا المُرْجِئَة فعندَهم: أنَّهم مؤمنونَ، وأنَّ اللهَ لا يُدْخِلُ النارَ مَنْ في قلبه مثقالُ حَبَّةٍ من خردلٍ من إيمان وإنْ زنى وإن سرقَ، وإن قَتَلَ (١)، والكذب أخفُّ مِن ذلك.
_________________
(١) جاء في " فيض الباري " للعلامة الشيخ أنور الكشميري ١/ ٥٣ - ٥٤ ما نصه: الإيمان عند السلف عبارة عن ثلاثة أشياء: اعتقاد وقول وعمل، وقد مر الكلام على الأولين أي التصديق والإقرار -وبقي العمل: هل هو جزء للإيمان أم لا؟ فالمذاهب فيه أربعة: - قال الخوارج والمعتزلة: إن الأعمال أجزاء للإيمان، فالتارك للعمل خارج عن الإيمان عندهما. ثم اختلفوا، فالخوارج أخرجوه عن الإِيمان. وأدخلوه في الكفر، والمعتزلة لم يدخلوه في الكفر، بل قالوا بالمنزلة بين المنزلتين. والثالث: مذهب المرجئة، فقالوا: لا حاجة إلى العمل، ومدار النجاة هو التصديق فقط، فصار الأولون والمرجئة على طرفي نقيض. والرابع: مذهب أهل السنة والجماعة، وهم بين بين، فقالوا: إن الأعمال أيضًا لا بُدَّ منها، لكن تاركها مفسق لا مكفر، فلم يشددوا فيها كالخوارج والمعتزلة ولم يهونوا أمرها كالمرجئة. ثم هؤلاء -أي أهل السنة- افترقوا فرقتين، فأكثر المحدثين إلى أن الإيمان مركب من الأعمال، وإمامنا الأعظم رحمه الله تعالى وأكثر الفقهاء والمتكلمين إلى أن الأعمال غير داخلة =
[ ٢ / ٢٥٨ ]
أقول: الجواب من وجوه
الوجه الأول: أن قول السيد: إنهم لا يرتدعون
أقول: الجوابُ على السَّيِّد في هذا من وجوه:
الوجه الأول: أن قولَ السَّيِّد إنَّهم لا يرتدِعُونَ عن الكذب وغيرِه من المعاصي، مباهتةٌ عظيمة وإنكارٌ للضرورة، فإن كلامنا إنما هو في مَنْ
_________________
(١) = في الإيمان مع اتفاقهم جميعًا على أن فاقد التصديق كافر، وفاقد العمل فاسق، فلم يبق الخلاف إلا في التعبير، فإن السلف وإن جعلوا الأعمال أجزاء، لكن لا بحيث ينعدم الكل بانعدامها، بل يبقى الإيمان مع انتفائها. وإمامنا أبو حنيفة وإن لم يجعل الأعمال جزءًا، لكنه اهتم بها، وحرض عليها وجعلها أسبابًا سارية في نماء الإيمان، فلم يهدرها هدر المرجئة إلا أن تعبير المحدثين القائلين بجزئية الأعمال، لما كان أبعد من المرجئة المنكرين جرئية الأعمال بخلاف تعبير إمامنا الأعظم رحمه الله تعالى: فإنه كان أقرب إليهم من حيث نفي جزئية الأعمال، رمي الحنفية بالإرجاء، وهذا كما ترى جور علينا فالله المستعان. ولو كان الاشتراك -مع المرجئة- بوجه من الوجوه التعبيرية كافيًا لنسبة الإِرجاء إلينا، لزم نسبة الاعتزال إليهم -أي إلى المحدثين- فإنهم -أي المعتزلة- قائلون بجزئية الأعمال أيضًا كالمحدثين، ولكن حاشاهم من الاعتزال وعفا الله عمن تعصب، ونسب إلينا الإرجاء، فإن الدين كله نُصح، لا مراماة ومنابزة بالألقاب، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ويطلق الإرجاء أيضًا على من توقف عن تصويب إحدى الطائفتين من الصحابة الذين تقاتلوا بعد عثمان ﵁، وعلى من لا يقول بزيادة الإيمان ونقصانه. والمذموم من ذلك كله هو قول من يقول: لا تضر مع الإيمان معصية. وعليه فلا يسوغ لأحد أن يتسرع في اتهام كل من أطلق عليه الإرجاء، بل لا بد من الفحص عن حاله، فإن كان لإرجائه أمر الصحابة الذين تقاتلوا والتوقف في تصويب إحدى الطائفئين؛ أو لقوله بعدم دخول الأعمال في حقيقة الإيمان أو أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، فهو من أهل السنة والجماعة، ولا يعد ذلك طعنًا في حقه، أما من أطلق عليه الإرجاء لقوله بعدم إضرار المعاصي فهو الذي يتهم في دينه، ويسقط الاحتجاج بخبره، ولا يعتد بقوله. قال الإمام الذهبي في " ميزان الاعتدال " ٤/ ٩٩: أما مسعر بن كدام فحجة إمام، ولا عبرة بقول السليماني: كان من المرجئة مسعر وحماد بن أبي سليمان، والنعمان، وعمرو بن مرة، وعبد العزيز بن أبي رواد، وأبو معاوية، وعمرو بن ذر وسرد جماعة. قلت - (القائل الذهبي): الإرجاء مذهب لعده من جلة العلماء، لا ينبغي التحامل على قائله. وانظر " الرفع والتكميل " ص ٢١٦ - ٢٥٢ للعلامة اللكنوي، فقد أجاد في بحث الإرجاء غاية الإجادة، ولم يدع فيه قولًا لمستزيد.
[ ٢ / ٢٥٩ ]
عُرِفَ منهم بالعبادة العظيمة، والمحافظةِ الشديدة على ما يعتقِدُ أنَّه واجب، والمعلومُ بالضرورةِ لِكل فرقة من فرق الإِسلام أن في المرجئة عُبَّادًا وزهادًا يقومون الليل، ويحيونه بالتلاوة، وينتحِبُونَ بالبكاء العظيم من خوف العذاب الأليم، ويحافظون من النوافل على ما هُوَ أشَقُّ من المفروضات بأضعاف مضاعفة، ويتركون المعاصي والمحرمات. فقولُ السيد: إنهم يرتكبون الكذبَ وسائرَ المعاصي غيرُ صحيح بالضرورة، لأنهم إما أن يُدَّعى إن ارتكابَهم للمعاصي مشاهَدٌ بالأبصار، فذلك مُبَاهَتَةٌ، وأما أن يُدَّعى أن فعلَ الطاعة، واجتنابَ المعصية غيرُ مقدور لهم لبطلان الداعي، وانتفاء الصارف، فذلك غيرُ صحيح، ولا سيما عندك لو قَدَّرْنَا بطلانَ الداعي، وانتفاء الصارف، لكنه غيرُ باطل كما سيأتي، وإما أنْ نُقِرَّ أن فعلَ الطاعة، واجتنابَ المعصية مقدور لهم، ممكن وقوعُهُ منهم في العقل والشرع، فما معنى قطعه بأنَّهم فعلُوا أحد الجائزين؟ وهلاَّ قال: إنهم يفعلونَ الطاعة، ويترُكون المعصيةَ، لأن ذلك مقدور لهم، ولهم إليه أعظمُ الدواعي من المنافسة في مراتب الآخرةِ والتعرض لنفحات رحمة (١) من يعتقدون أنَّه أرحمُ الراحمينَ، وأكرمُ الأكرمين، والمالك لِخَيْرِ الدَّارَيْنِ، وقد قررَ السَّيدُ أنَّه لا يجوزُ للإنسانِ أن يخْبِرَ بخبر يجوزُ أنه كذب، فكيف أخبر عن جميع المرجئة بارتكابِ الكذب وغيرِه من المعاصي بمجرد الجُزَافِ من غير دليل يَدُلُّ على ذلك لا مِن العقل، ولا مِن السمع؟ وليس يجوزُ مثلُ هذا الكلامِ في الفسَّاقِ المصرِّحين إلا في ما شُوهِدَ من معاصيهم، فليس لك أن تقولَ في قاطِع الصلاةِ: إنَّه يَشْرَبُ الخمرَ، ولا في شاربِ الخمر: إنَّهُ يزني، ولا في الزاني: إنَّه يُربي، ولا
_________________
(١) لفظ " رحمة " ساقط من (ب).
[ ٢ / ٢٦٠ ]
في السَّارق: إنَّه يقتل النفس، فكيف قلتَ في من أُرجىء، ولم يُعرف منه إلا هذه المعصية: إنَّه يفعل غيرَها من المعاصي التي يعتقد تحريمَها، وهلا قلتَ: إن قوله هذا يضعف الظن لصدقه، ويضعف الظن لاجتنابه للمعاصي كما تقول العلماءُ.
فإن قلتَ: إنك إنما عَنَيْتَ بهذا فساقَ التصريح منهم.
قلت: ليس كلامُنا في فساق التصريح على أنَّه لا يجوز الرجمُ بالغيب على فُسَّاق التصريح، ولا كفار التصريح، والعجبُ أن السيد -أيَّده الله- قال في البراهمة مع إنكارهم للنبوات، وما جاءت به الشرائع من عذاب النار في حقِّ الفُساقِ والكفار: إِنهم يتحرَّزُونَ عن الكذب أشدَّ التحرز، فيتنزَّهُونَ عنه أشَدَّ التنزه مع إنكارهم لعذابِ النار بالمرَّة، بل مع تكذيبهم لجميع الرسل والأنبياء، وإنكارهم لجميعِ ما جاؤوا به مما يُخالِفُ العقول من إيلام الحيوان في الدنيا والآخرة، فكيف أخبر عنهم بأنَّهم في غاية التحرز من الكذب.
وأما المرجئة، معَ تصديقهم للأنبياء ﵈، وخوفِهم من الموت على الكفر الذي لا يُغفر، وإثباتِهم للعذاب الأخروي، فقطع السيدُ بأنَّهم يكذبون، ويرتكبون سائرَ المعاصي، ولم يُمكنه العدولُ عن هذه العبارة إلى ما هو أقربُ منها إلى الصدق، وإلى ما يكفيه في (١) جرحهم، بل تعدى الطور في الغلو، و(٢) جاوز الحد في التعدي حتى فضَّل البراهمَة المصرِّحين بتكذيب اللهِ ورسُلِه، القاطعين ببطلانِ العذاب،
_________________
(١) في (ب): من.
(٢) في (ب): أو.
[ ٢ / ٢٦١ ]
الوجه الثاني: اعلم أن الحامل على المحافظة على الخيرات
القاضينَ بتقبيحه على من آمنَ بالله وملائكتِهِ ورُسُلِهِ، وأقام أركانَ الإسلام الخمسة، واجتنب الكبائرَ المتواترة، وإنما عرضت له شُبْهةٌ في خبرٍ واحدٍ من أخبارِ الله، تعارضت عليه فيه العمومات والخصوصاتُ مع تقويه عند اعتقاده أنَّ الله صادق (١)، ولا يُخلِفُ الوعدَ ولا الوعيدَ.
الوجه الثاني: اعْلَمْ أن الحاملَ على المحافظة على الخيرات والمجانبة للمكروهات، ليس مجردَ اعتقاد أنَّ الله يُعَاقِبُ على الذنب ولذلك لم يكن العدلُ مَن اعتقد أن الله لا يغفِرُ كبيرةً إلا بالتوبة، ولا قال أحدٌ مِن أهل (٢) الإسلام: إنَّ هذه حقيقةُ العدل في الشرع، وإنما الحامل على العدالة شرفٌ في النفوس، وحياءٌ في القلوب عن مبارزة المنعم بجميع النعم بالمعاصي، ولهذا فإِنَّ أكثر الخلق محافظةً على الخير، ومجانبة للشر أكثرُهم حياءً من الله وتعظيمًا وإجلالًا له، وأما مجرد الاعتقاد، فهو واحد لا يزيد، ولا يَنْقصُ ولهذا تجد الوعيدية مختلفين مع أن اعتقادَهم واحد، ولكن تفاضلها في شرف النفوس، وأنَفِهَا من دناءة المعاصي ومذلَّةِ الفواحش، واختلفوا في شِدَّةِ الحياءِ من ملك الملوك، وربِّ الأرباب، وتباينت مراتبهم في التعظيم والإجلال لِمَنْ بيده الخيرُ وهو على كُلِّ شيء قدير، ولهذا فإن أقربَ الخلق إلى الله أخوفهم منه، ولهذا اشتَّد خوفُ الأنبياء والأوصياء، وكانوا أرغَبَ الخلقِ إلى الطاعات، وقد كان كثيرٌ من الصَّالحين لا يرضى أن يَعْبُدَ الله خوفًا مِن العذاب ولا رغبةً في الثواب، وإنما يَعْبُدُهُ إجلالًا، ويُطيعه تعظيمًا (٣)، وكذلك قالت
_________________
(١) في (ب)، زيادة: ولا يكذب.
(٢) في (ب)، زيادة: فِرَق.
(٣) يرى فريق من أهل العلم أن ما عليه هؤلاء ليس هو الجادة، وإنما هو من الشطحات والرعونات التي تقع للسالكين، ويحتجون بأحوال الأنبياء والرسل والصديقين ودعائهم =
[ ٢ / ٢٦٢ ]
المعتزلة: لا تَصِحُّ العبادةُ بقصد دفعِ العقاب، وطلبِ الثواب، فكيف يقال: من لم يخف، قال الزورَ، وارتكب الفجورَ؟! هذا كلامُ مَنْ لم يتأمل، فقد علمنا بالضرورة أن في المرجئة عُبَّادًا خاشعين، ورُهبانًا خائفين مشفقين حزنًا، باكين صائمين قائمين، وكثيرٌ منا إذا نظرتَ أخَسُّ منهم في الأحوال لا في العقيدة وللهِ الحمد، وذلك لأن مَنْ صبر على مشاقِّ الطاعات، وتركِ الشهوات من غير خوف العذاب، فهو شريفُ النفس، حُرُّ الطبيعة، عزيزُ الهِمَّةِ، عظيمُ المروءة، كثيرُ الأنفة مِن دناءة المعاصي، شديد الحياء من الله تعالى، ومن لا يقومُ إلى الطاعة حتى
_________________
(١) = وسؤالهم، والثناء عليهم بخوفهم من النار ورجائهم للجنة، فقد قال تعالى في حق خواص عباده ﴿ويرجون رحمته ويخافون عذابه﴾ وقال عن أنبيائه ورسله ﴿وزكريا إذ نادى ربه إلى أن قال ﴿إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبًا ورهبًا وكانوا لنا خاشعين﴾ أي: رغبًا فيما عندنا، ورهبًا من عذابنا، والضمير في قوله ﴿إنهم﴾ عائد على الأنبياء المذكورين في هذه السورة عند عامة المفسرين، وذكر سبحانه عباده الذين هم خواص خلقه، وأثنى عليهم بأحسن أعمالهم، وجعل منها استعاذتهم به من النار، فقال تعالى ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ وأخبر عنهم أنهم توسلوا إليه بإيمانهم أن ينجيهم من النار، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ فجعلوا أعظم وسائلهم إليه وسيلة الإيمان، وأن ينجيهم من النار. وقال عن خليله إبراهيم - ﷺ - ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢) رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣) وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ فسأل الله الجنة، واستعاذ به من النار وهو الخزي يوم البعث. وفي السنة الصحيحة نصوص كثيرة فيها الثناء على عباده وأوليائه بسؤال الجنة ورجائها، والاستعاذة من النار، والخوف منها. وقالوا: كيف يكون العمل لأجل الثواب وخوف العقاب معلولًا، ورسول الله - ﷺ - يحرض عليه، ويقول: " من فعل كذا فتحت له أبواب الجنة الثمانية " و" من قال سبحان الله وبحمده غرست له نخلة في الجنة " و" من كسا مسلمًا على عري كساه الله من حلل الجنة " و" عائد المريض في خرفة الجنة " والحديث مملوء من ذلك، أفتراه يحرض المؤمنين على مطب معلول ناقص، ويدع المطلب العالي البريء من شوائب العلل لا يحرضهم عليه
[ ٢ / ٢٦٣ ]
يَخَافَ الخلودَ في النار، ولو كان إلى مجرد الحياءِ من الله تعالى، وإلإِجلالِ له، والقيامِ بحقه لم يرفع إلى ذلك رأسًا، ولا هَمَّ به أبدًا، فهذه طبيعة شرارِ العبيد، وخِساس الهِمَمِ، ولهذا قيل: والعبد لا يَرْدَعُهُ إلا العَصَا، وإن كثيرًا من الصالحين المتوسطين -دَعْ عنكَ الأكابر- لو يعلمُ أنَّ الله قد غَفرَ له كُلَّ ذنب، ولكنه يكره المعصيه منه، ولا يرضاها له، ولا يأذَنُ له بها لمْ يَفْعَلْهُ لو أرِيقَ دمُه، وفارق روحَه، وقد روي في الحديث " نِعْمَ العَبْدُ صهيْبٌ لَوْ لَمْ يخَفِ اللهَ لَمْ يَعْصِهِ " (١) بل هذه حالُ كثير من المحبين للمخلوقين فيما بينَهم، وفي ذلك يقول شاعرُهم:
أهَابُكِ إجْلاَلًا ومَا بِكِ قُدْرَةٌ عَلَيَّ وَلكِنْ مِلءُ عيْنٍ حَبِيبُهَا (٢)
فهذا معلوم فيما بينَ المتحابين من المخلوقين والذين آمنوا أشدُّ حبًّا لله.
_________________
(١) قال السخاوي في " المقاصد الحسنة " ص ٤٤٩: اشتهر في كلام الأصوليين، وأصحاب المعاني، وأهل العربية من حديث عمر، وذكر البهاء السبكي إنَّه لم يظفر به في شيء من الكتب، وكذا قال جمع جم من أهل اللغة، ثم رأيت بخط شيخنا (الحافظ ابن حجر) أنه ظفر به في " مشكل الحديث " لأبي محمد بن قتيبة، لكن لم يذكر له ابن قتيبة إسنادًا، وقال: أراد أن صهيبًا إنما يطيع الله حبًا، لا مخافة عقابه. وقال السيوطي -فيما نقله عنه القاري في " الموضوعات الكبرى "- في " شرح نظم التلخيص ": كثر سؤال الناس عن حديث " نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه " ونسبه بعضهم إلى النبي - ﷺ -، ونسبه ابن مالك في "شرح الكافية" وغيره إلى عمر ﵁، قال الشيخ بهاء الدين السبكي: لم أر هذا الكلام في شيء من كتب الحديث لا مرفوعًا ولا موقوفًا لا عن عمر ﵁ ولا عن غيره مع شدة التفحيص عنه.
(٢) وبعض المفسرين ينشدونه عند قوله تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ لتوجيه قراءة من قرأ برفع الهاء من لفظ الجلالة، ونصب الهمزة من العلماء، ونسبوها إلى أبي حنيفة، وتكلفوا توجيهها، وهي قراءة موضوعة لا تصح نسبتها إليه، افتعلها وغيرها الخزاعي، ونسبها إلى أبي حنيفة. وراج صنيعه ذلك على أكثر المفسرين. بين ذلك ابن الجزري في " النشر " ١/ ١٦، فراجعه.
[ ٢ / ٢٦٤ ]
الوجه الثالث: أن نقول: ما السبب في تخصيصك المرجئة
الوجه الثالث: أن نقول: ما السببُ في تخصيصِك (١) للمرجئة بالذكرِ دونَ سائرِ أهلِ البدع؟ فإن كنتَ إنَّما ذكرتَهم لأجلِ بدعتهم، فقد شاركهم فيها كثيرٌ من الخوارج، وسائرُ فِرَقِ الضلال، وإن كنتَ إنما ذكرتَهم، لأنهم يُجَوِّزُونَ أن أهلَ المعاصي من أهل الإسلام يدخلون الجنة، بل يقطعونَ على ذلك في من مات على الإسلام، فلا شكَّ أن قولهم بدعة، ولكن السَّيِّد قَصَدَ أنها بدعة صارفةٌ عن الطاعة، وداعيةٌ إلى المعصية بحيث لا يظن في من اعتقدها أنَّه يأتي بواجبٍ، ولا يَرتَدِعُ عن قبيح، وقد غَلِطَ السيدُ في ذلك فإن جميعَ الفرق قد شاركت المرجئةَ في ما هو مثلُ قولهم في تقليل الداعي إلى الطاعة، وتهوينِ الصارفِ عن المعصية، وذلك أن الوعيدِيَّ يقطعُ أن الله تعالى يَقْبَلُ التوبة، فيرتكب المعاصي ثقة بالتوبة، كما أنَّ المرجىء يعتقد أنَّه يَغْفِرُها، فلا فرق بينَهما في الداعي والصارف، وإن كان المرجىء مبتدعًا، وذلك لأن كُلَّ واحد منهما يعتقد أن الله يغفرُ الذنبَ، ويجوز أنَّه مِن أهل النار والخلود فيها، وإنما اختلفا في كيفية المغفرة وسببها، فالوعيدي يقول: إن الله يغفِرُ بالتوبة على سبيل الوجوب عليه، والمرجىء يقول: إن الله يغفِرُها بالإِسلامِ على سبيل التفضُّلِ منه، وإنما قلنا: إن كُلَّ واحد منهما يجوز أنه من أهل النار، فلأن المرجىء يجوز أن يموت على غير الإِسلام، كما أن الوعيدِيَّ يجوز أن يموتَ على غير التوبة، بل على غيرِ الإسلام، بل هو أشدُّ من المرجىء في ذلك، لأنه يعتقدُ أنَّه يَجِبُ على الله قبول التوبة، والمرجىء لا يعتقِد وجوبَ العفو، لأن الوعيدي قد يعتقِدُ أنَّه يجب على الله تَبْقِيَةُ العاصي بعدَ المعصية حتى يتمكَّنَ مِن التوبة وهو قولُ أبي علي، وأبي القاسم، لأنَّه قد كلَّفه بالتوبة،
_________________
(١) في (ب): تخصيصه.
[ ٢ / ٢٦٥ ]
والتكليفُ لا يَحْسُن إلا مَع التمكين، والشيخ أبو القاسم يقول: إن الأصلحَ واجبٌ على الله، فإذا صارَ العبدُ مؤمنًا، وعَلِمَ اللهُ أنَّه يعودُ إلى الكفرِ أو الفسق، لم يَجُزْ أن يُبْقِيَهُ، فهؤلاء أشدُّ أمانًا من المرجئة، فإنه يلزم من قول أبي القاسم أن مَنْ مضى له وقت يَعْلَم أنَّه قد أتى فيه بجميع ما كلَّفه اللهُ تعالى، عَلِمَ أنَّه من أهلِ الجنة، فإنه يَقْبُحُ مِن الله تعالى أن يُميتَه على حالٍ يستحق عليها العقوبةَ، وهذا أعظمُ مِن مذهب المرجئة، لأنَّه يُؤَدِّي إلى الأمانِ من العذاب على جهةِ القطع، والمرجئةُ لا يُثبتون ذلك لتجويزهم أن يموتوا كفارًا فيُعَذَّبُونَ بذنب الكُفْرِ الذي لا يُغفر لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ﴾ [الروم: ١٠] على أحدِ التفسيرين والاحتمالين، والثاني: أن السُّوأى هي النارُ وكأنَّه المشهورُ، وخرج الحاكم في تفسير (سورة الحشر) عن علي ﵇: أن عابدًا تزيَّنَتْ له امرأة فَوَقَعَ عليها، فَحَمَلتْ، فجاءه الشيطانُ فقال: اقتُلْهَا قبل أن تفضحَك، فقتلها ثم افتضح فأخذوه، فجاءه الشيطان فقال: اسْجُدْ لي سجدةً واحِدَةً وأُنجيك فَسَجَدَ له، فنزل في ذلك قوله: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُر﴾ الآية، قال الحاكم: صحيح الإسناد (١)، والمرجئة تقول: المعاصي بريدُ الكفر، وليس في مذهبهم أمانٌ
_________________
(١) ووافقه الذهبي ٢/ ٤٨٤ - ٤٨٥ مع أن حميد بن عبد الله السلولي راويه عن علي لا يعرف، ثم هو محرف في المطبوع من المستدرك والمختصر عن عبد الله بن نهيك، ففي تاريخ البخاري ٥/ ٢١٣: عبد الله بن نهيك: سمع عليًا ﵁ في قوله ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُر﴾ قاله محمد بن مقاتل، أخبرنا النضر، عن شعبة، عن أبي إسحاق سمع عبد الله وكذلك هو في تفسير الطبري ٢٨/ ٣٢ عبد الله بن نهيك، وفي " التهذيب " لوحة ٧٤٩: عبد الله بن نهيك كوفي يروي عن علي بن أبي طالب في قوله: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُر﴾ يروي عنه أبو إسحاق السبيعي. ذكره ابن حبان في الثقات على عادته في توثيق =
[ ٢ / ٢٦٦ ]
للتائبين لجهل الخواتِم، كيفَ المُصِرِّينَ؟ فلو كان السببُ في العِصيان هو قِلَّةَ الدواعي إلى الطاعة (١) وكثرةَ الصوارف عنها، ما كانت فِرقةٌ من فرق الإسلام إلا وهي مجروحة في العدالة، غيرُ مقبولة في الشهادة والرواية، ولكان العدْل من اعتقد أن الله لا يَقْبَلُ التوبةَ، ولا يُقِيلُ العَثْرَةَ، ولا يَغْفِرُ الخطيئة، لأن المعتقد لهذه العقيدة أبعدُ الناس عن المعاصي، ولكن ليس الأمر كذلك، فقد بيَّنا في الوجه الأول أن وجودَ الطاعة ليس بحسب الاعتقاد، إنما هو بحسب كرمِ النفوس، وشرفِ الطباع، ولهذا اختلف الكفار المصرَّحون في التلطخ بالرذائل، والصبر على المكارم والفضائل مع إنكارهم الجميع للمعاد الأخروي، فإنه كان فيهم من يتحمَّلُ من مشاقِّ مكارِمِ الأخلاق والمعروف ما يقومُ في المشقة مقامَ تَحَمُّلِ واجبات الشريعة، وكذلك كانوا يجتنبون المَذَامَّ وإن كانت شهيةً محبوبة؛ ولهذا قال حاتم:
وإنكَ إنْ أعْطَيْت بَطْنكَ سُؤله وَفَرْجَكَ نالا مُنْتَهَى الذَّمِّ أجْمَعَا (٢)
ولهذا كان فيهم السيدُ والمسودُ على قدر تفاضلهم في الصبر على المكاره، واحتمال مشاقِّ المكارِم، ولهذا قيل:
لَوْلَا المشقَّةُ سادَ النَّاسُ كلُهُمُ الجُودُ يُفْقِرُ والإقْدام قَتَّالُ (٣)
_________________
(١) = المجاهيل. فالخبر مع كونه موقوفًا ضعيف. وأورده السيوطي في " الدر المنثور " ٦/ ١٩٩، وزاد نسبته لعبد الرزاق، وابن راهويه، وأحمد في " الزهد "، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في " الشعب ".
(٢) إلى الطاعة: سقط من (ب).
(٣) البيت في ديوان حاتم ص ٦٩، و" البيان والتبيين " ٣/ ٣٠٨، و" أمالي القالي " ٢/ ٣١٨، وحماسة أبي تمام ٢/ ٢٣٢، و" عيون الأخبار " ١/ ٣٤٣، و" شرح شواهد المغني " ٥/ ٢٣٨ و٣٥٠ و" الهمع " ٢/ ٥٧، و" الدرر " ٢/ ٧٣، والأشموني ٤/ ١٢.
(٤) البيت للمتنبي في ديوانه ٣/ ٢٨٧ من قصيدة سائرة يمدح بها أبا شجاع فاتكًا سنة =
[ ٢ / ٢٦٧ ]
الرجه الرابع: أنه لم يرد في الشرع أن العدل
وقالت العرب في أمثالها: تَجُوعُ الحرَّة، ولا تأْكُلُ بثَدْيَيْها (١).
وقالت هند لِرسُولِ الله - ﷺ -: أوتزني الحُرَّةُ (٢)؟ ومِنْ ثمَّ قال ﵇: " خَيْرُكُم في الجَاهِلِيَّةِ خَيْرُكُمْ في الإسْلَامِ " (٣).
الوجه الرابع: أنَّه لم يَرِدْ في الشرع أن العدلَ من اعتقد إن الله لَا
_________________
(١) = ثمان وأربعين وثلاث مئة، ومطلعها: - لَا خَيْلَ عِنْدكَ تُهْدِيها وَلاَ مالُ فَلتُسْعِدِ النُّطْقُ إن لم تُسْعِدِ الحالُ يقول العكبري في معنى البيت: لولا المشقة تمنع من السيادة، لساد الناس كلهم، ثم بين العلة فيها، فقال: الجود يورث الإقلال والفقر، والشجاعة توجب التلف والقتل، وذلك أن المجد والسيادة يصعبان، ولولا الصعوبة ساد الناس بأسرهم.
(٢) أي: لا تكون ظئرًا وإن آذاها الجوع، وأول من قال ذلك الحارث بن سليل الأسدي. يضرب في صيانة الرجل الحر نفسه عن خسيس المكاسب. انطر " فصل المقال " ٢٨٩ - ٢٩٠، و" مجمع الأمثال " ١٢٢ - ١٢٣.
(٣) قطعة من حديث أخرجه ابن جرير الطبري في " جامع الببان " ٢٨/ ٥١ من طريق محمد بن سعد العوفي، عن أبيه سعد بن محمد، عن عمه الحسين بن الحسن بن عطية العوفي، عن أبيه الحسن بن عطية بن سعد، عن جده عطية بن سعد عن ابن عباس. وهذا إسناد مسلسل بالضعفاء كما يقول العلامة المحدث أحمد شاكر ﵀ في تعليقه على تفسير الطبري ١/ ٢٦٣ - ٢٦٤، وقد تكلم على رجاله مفصلًا فراجعه. وذكره السيوطي في " الدر المنثور " ٦/ ٢١٠، وزاد نسبته إلى ابن مردويه وأخرجه سعيد ابن منصور وابن سعد فيما ذكره السيوطي في " الدر " ٦/ ٢٠٩ مرسلًا عن الشعبي، قال: كان رسول الله - ﷺ - يبايع النساء وفيه حتى جاءت هند امرأة أبي سفيان، فلما قال: ولا يزنين، قالت: أوتزني الحرة؟ لقد كنا نستحي من ذلك في الجاهلية، فكيف بالإسلام؟
(٤) أخرجه البخاري (٣٣٥٣) و(٣٣٧٤) و(٣٣٨٣) و(٣٤٩٠) و(٤٦٨٩)، ومسلم (٢٥٢٦) من حديث أبي هريرة قال: سئل رسول الله - ﷺ -: أيُّ الناس أكرمُ؟ قال: أكرمهم عند الله أتقاهم، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: فعن معادن العرب تسألوني؟ قالوا: نعم، قال: " فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا " وفي رواية: قال: قال رسول الله - ﷺ -: " تجدون الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، وتجدون خير الناس في هذا الشأن أشدهم له كراهية حتى يقع فيه، وتجدون شر الناس ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه ".
[ ٢ / ٢٦٨ ]
الوجه الخامس: أن مجرد الاعتقاد أن الله تعالى يتفضل بمغفرة الذنوب
يغْفِرُ لأهل التوحيد بسَعَةِ كرمه ورحمته مِن غير تكذيب للوعيد، ولكن لما ورد في السمع مما ظاهرُه ذلك (١) فقال بذلك على سبيلِ الإيمان بالسمع من غير جُرأة على المعاصي، فلم يَردْ نصٌّ في كتاب الله تعالى، ولا في سُنَّةِ رسول الله أن مَنْ حافظ على الواجبات، واجتنب المحرمات، وعُرِفَ بالصِّدْقِ والأمانة، فإنه إذا اعتقد أن الله يَغْفِرُ لأهل التوحيد لشبهةٍ اعتقدها في ذلك، فإنها تُرَدُّ شهادته، ولا تُقبل روايتُه.
الوجه الخامس: أن مجرَّدَ اعتقاد أن الله يتفضَّلُ بمغفرة الذنوب (٢) من غير أن يجب عليه ذلك بالتوبةِ، وتكفير الصغائر ليس مما يدُلُّ على كذب من اعتقد ذلك. ولو أن عبدًا من عبيد المخلوقين اعتقد في سيِّدِه أنه في غاية الكرم والحِلْمِ والمسامحة من غير وجوب عليه لم يدُلُّ ذلك على أن جميعَ مَا رَوَى عن سيده، فإنه كذب، وجميعُ ما أمره به سيده، فإنه يعصيه فيه، بل قد يكونُ هذا العبد في غاية الإجلال له والطاعة مع اعتقاده لحلمه وكرمه رغبةً منه في محبة سيده، واستجلابًا لخيراته أو (٣) محبة منه لسيده، وشكرًا له على نعمائه، وكذلك عَمَلُ الناس مع إخوانهم وأهل الحِلم والكرم مِن أقاربهم، فلم يكن قرابةُ الأحنفِ وعشيرته يكذِبُونَ عليه، ويَعُقُّونَ رَحِمَه لأجل حِلمه، ولو كان لأحدنا صديق في غاية الحِلم والكرم بحيث يعرف أنَّه لا يؤاخِذُنَا، لم يكذب عليه ويَعُقَّه، ويجعل ذلك عادةً مستمرة، بل قد يزيدُه حلْمُهُ وكَرَمه رغبةً في طاعته، وزيادة في محبته، وكم من مَهيبٍ يُعصى وتُحتمل عقوبته لأجل بغضه، ومساوىء
_________________
(١) في (ب): يقتضي ذلك.
(٢) في (ب): بالمغفرة للذنوب.
(٣) في (ب): و.
[ ٢ / ٢٦٩ ]
أخلاقه، وكم مِن حليم يُطاع، ويُمتثل أمرُه، وتفنى الأرواح والأموالُ في طاعته، وقد كان رسول الله - ﷺ - من أهل هذه الصِّفَةِ الشريفة، بل هو الذي بَلَغَ أعلى مراتبها، واختصَّ بأقصى مناقبها، وهي صفتُه في التوراة والفرقان، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيم﴾ [القلم: ٤] إلى غير ذلك.
وفي تفسير السَّيِّد في قوله تعالى حكايةً عن المنافقين في عيبهم له بأنَّهُ " أُذُن " قال السيد: أي: يُصدِّقُ كلَّ مَا سمِع، وَيقْبَل قَوْلَ كُل أحد وقال في قوله تعالى: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ [التوبة: ٦١] أي: نعم هو أُذُنٌ، ولكن نِعْمَ الأذنُ، إلى قوله في تفسير كونه خيرَ أذن أنَّهُ يُصدق بالله وًيقْبَلُ من المؤمنين المخلصين إلى قوله: ﴿وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُم﴾ [التوبة: ٦١] أي: أظهر الإيمان منكم أيُّها المنافقون يقبل إيمَانَكُمُ الظاهرَ، ولا يكشِف أسرارَكم، فهو أذن كما قلتم، لكنه أذُنُ خيرٍ لا أُذُنُ شرٍّ. فسلم لهم أنَّه أذن، لكنه فسَّره بما هو مدح. انتهى. فلم يكن حِلْمُ رسولِ الله - ﷺ - وحُسْنُ خلقِهِ، وجزاؤه السيئةَ بالحسنة، حاملًا لخير أهله وأصحابه على الكذب عليه، والعقوقِ له، والتساهلِ في طاعته. وكذلك كلُّ حليم مع أصحابه وقرابته وجيرانِه، فمن أينَ للسَّيِّد أنَّ المرجئَة لما اعتقدوا أنَّ اللهَ يغفِرُ لأهل الإسلام كرمًا واسعًا، وحلمًا عظيمًا، ورحمة لهم، واستغناءً عنهم، فقد استهانوا بجلال الله، وانهمكوا في معاصي الله، وصار دأبهم الكذبَ على الله ورسوله؟! ولقد رأيتُ مِن الصالحين مَنْ يزدادُ عملًا ونشاطًا على الرجاء، ويزدادُ نفورًا على الخوف، وهذا معروف عند أهل الذوق وأنشدوا في ذلك:
لَهَا بوجْهِكَ نُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ وَمِنْ أيَاديكَ في أعقابِهَا حَادِي
لَهَا أحَادِيثُ مِنْ ذِكْرَاكَ تَشْغَلُهَا عَنِ المَنَامِ وتُلْهِيهَا عَنِ الزَّادِ
[ ٢ / ٢٧٠ ]
الوجه السادس: أن اعتقادهم لو كان حاملا لهم على الكذب لحملهم على ترك الصلاة
الوجه السابع: أنا قدر بينا أن الصالحين منهم يخافون الموت على الكفر
الوجه السادس: أن اعتقادَهم لو كان حاملًا لهم على الكذب، لحملَهم على ترك الصلاة والصومِ والحجِّ، وسائر الواجبات التي ثبت أنهم يُحافِظونَ عليها أشق من الصدقِ في الرواية، بل ليس في الصِّدق مشقة في كثيرٍ من الأحوال، وكذلك لو كان اعتقادُهم يحمِلهُم على الكذب، لحملهم على ما هو أشهي منه إلى النفوس، وعلى ما هُمْ أحوج إليه من القبائح من أكل الحرامِ والزنى والاشتغالِ بالمعازف والملاهي وسائرِ المحرمات، فإِنها أشهي من الكَذِب، بل الكذبُ غيرُ شهي في نفسه، ولا طَيِّب في ذاته، فالذي حملهم على مشاق الطاعات الواجبات والمندوبات يحملُهم على الصدق الذي هو دون الواجبات والمندوبات، وكثيرٌ من الواجبات في علو المرتبة. والذي حملهم على ترك الشهوات المحرمات والمكروهات يحملُهم على ترك الكذبِ على الله ورسوله الذي ليس بمنتظم في جملة الشهوات مع أنَّه مِن أعظم المقبحات وأغلظِ المحرمات، ولو كان قولُ السَّيِّد صحيحًا، لرأيناهم يقطعونَ الصلواتِ، ويرتكبون المحرماتِ، فلما رأيناهم على العكس من ذلك، وَثقْنَا بصدقهم، ورجحنا قبولَ قولهم.
الوجه السابع: أنا قد بيَّنا أن الصالحين منهم يخافون الموتَ على الكفر، ويخافون من شؤم المعاصي المغفورة في الآخرة أن تكون سببًا في الدنيا للذنب الذي لا يُغْفَرُ، وهو ذنبُ الكفر كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الروم: ١٠] وسيأتي في أحاديث القدر عمومًا، والقدر عند الخاتمة خصوصًا ما يُوجبُ خوفَ المؤمن لذلك، وفي " الصحيح " (١) أن رسول
_________________
(١) لفظ الصحيح -أي صحيح مسلم (٢٦٥٤) من حديث عبد الله بن عمرو- أنَّه سمع =
[ ٢ / ٢٧١ ]
الله - ﷺ - كان يقول: " يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قلْبِي عَلَى دِينِكَ "، فقالوا: أو تخافُ علينا يا رسول الله؟ فذكر التخويف من ذلك.
وفي كتاب الله تعالى من ذلك: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤] وهي بمعنى أحاديثِ القَدَرِ عندَ الخاتمة، فَهُمْ مِن خوف سوء الخاتمة في قلقٍ عظيم، وإشفاق شديد، وشُغْلٍ شاغل عن الكذب على رسول الله قد كادت قلوبهم تقَطَّعُ مِن خوف العذاب ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ [المعارج: ٢٨] فهم أبدًا يجتهدون في التقرب إلى الله رجاءَ ما وعد به المطيعين من الزيادة في الهُدى والألطاف المقربة إلى طاعته (١) السابقة إلى خاتِمة الخير، والموت على الإسلام مع الرغبةِ العظيمة في نيلِ المراتب الشريفة في دار الكرامة.
_________________
(١) = رسول الله - ﷺ - يقول: " إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء "، ثم قال رسول الله - ﷺ -: " اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك " وأخرجه أحمد ٢/ ١٦٨، والآجري ٣١٦، وابن أبي عاصم (٢٢٢) و(٢٣١) وما ذكره المصنف لم يرد في الصحيح، إنما رواه الترمذي (٢١٤٠) والآجري في "الشريعة" ص ٣١٧، وابن أبي عاصم في " السنة " (٢٢٥) و(٢٣٠) والحاكم في " المستدرك " ٢/ ٢٨٨ من طريقين عن الأعمش، عن أبي سفيان -طلحة بن نافع- عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله - ﷺ - يكثر أن يقول: " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك "، فقلت: يا رسول الله، قد آمنا بك، وبما جئث به، فهل تخاف علينا؟ قال: نعم إن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء ". وقال الترمذي: حسن صحيح، وهو كما قال. وفي الباب عن النواس بن سمعان الكلابي عند أحمد ٤/ ١٨٢، وابن أبي عاصم (٢١٩)، وابن ماجة (١٩٩)، والآجري ص ٣١٧، وصححه ابن حبان (٢٤١٩)، والحاكم ٢/ ٢٨٩ و٤/ ٣٢١، ووافقه الذهبي، والبوصيري في " مصباح الزجاجة " ورقه ١٤/ ٢ وهو كما قالوا. وعن أم سلمة عند أحمد ٦/ ٣٠٢ و٣١٥، والآجري ص ٣١٦، وابن أبي عاصم (٢٣٢) وسنده حسن في الشواهد، وعن عائشة عند ابن أبي عاصم (٢٣٣)، وأحمد ٦/ ٩١، والآجري ص ٣١٧، ورجال أحمد ثقات.
(٢) إلى طاعته: ساقط من (ب).
[ ٢ / ٢٧٢ ]
الوجه الثامن: أن الملائكة والأنبياء قد أمنوا من الموت على الكفر
الوجه التاسع: أن نقول: الدواعي إلى الصدق في الحديث خاصة أكثر، والصوارف عن الكذب فيه أكثر
الوجه العاشر: لو كان اعتقادهم أن الله يغفر حاملا على المعصية قطعا، لوجب أن يكون اعتقاد أن الله يعذب ين لم يتب موجبا لترك المعاصي كافيا على العدالة
الوجه الثامن: أن الملائكةَ والأنبياء قد أَمِنُوا مِن الموت على الكفر الدي تخافه المرجئةُ، وهم مع ذلك أخوفُ الخلق لله فدل ذلك على أنَّ الخوفَ ليس موقوفًا على ظنِّ الخائف أن الله يعذِّبُه في الآخرة، ولا على تجويزه لذلك، وقد قال تعالى في الملائكة ﵈: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِم﴾ [النحل: ٥٠]، وقال: ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُون﴾ [الأنبياء: ٢٨].
الوجه التاسع: أن نقولَ: الدواعي إلى الصِّدق في الحديث خاصة أكثر، والصوارفُ عن الكذب فيه أكبر، فقد رأينا الفُسَّاقَ المصرحين يمضي عُمُر أحدِهم ولم يكذب فيه على النبيِّ - ﷺ -، وتقديرُ وجود الداعي الغالب لوازع الشرع الماحي لآثار الحياءِ من الله تعالى نادرُ الوقوع في الزمان، نادرُ الوقوع في الأشخاص، والنادرُ غيرُ معتبر بدليل أنَّه مرجوح، والصدق راجح، وتقديمُ الراجح على المرجوح، والمساواة بينهما على خلاف المعقول، ولا موجبَ لترك دليل المعقول من المنقول.
الوجه العاشر: لو كان اعتقادُهم أن الله يغفرُ حاملًا على المعصية قطعاَّ، لوجب أن يكون اعتقادُ أنَّ الله يُعَذِّبُ مَنْ لم يتب موجبًا لتركِ المعاصي قطعًا كافيًا في العدالة، فيكون مَنِ اعتقد أن الله لا يغفِرُ إلا بالتوبة، فهو عدلٌ لا يحتاج إلى تعديل ولا خِبرة، ومنِ اعتقد أن الله يغفِرُ من دون توبة، فهو مجروح من غير جارح ولا خِبرة، بل بمجرَّدِ اعتقادهما يثبت لذلك العدالة ولهذا الجرح، فكما أنَّ ذلك لا يصِحُّ التعديل به في الوعيدي، فكذلك لا يَصحُّ الجرحُ به في المرجىء، فكما أنا نَجِدُ في الوعيدية عاصيًا، فكذلك نَجِدُ في المرجئة مطيعًا، بل الوعيدي العاصي هو الذي وجود الذنب منه أقبح وإصرارُه عليه للجرح أصلحُ ولذلك قيل:
[ ٢ / ٢٧٣ ]
وأعْظَمُ مِنْ أخِي الإرْجَاءِ ذَنبًا وعيدِي أصَرَّ عَلَى الكبَائِرْ
هذا بالنظر إلى شدة جرأته، وعدمِ التفاته إلى عقيدته، وإلا فهو أصلحُ اعتقادًا وأقومُ مذهبًا، وتحقيقُ هذا أن وجود الداعي من الفريقين لا يكفي في الفعلِ إلا مع عدم الصارِف الراجح، وكذلك العكسُ، هذا هو العلةُ في وجود الطاعة والمعصية مِنَ المرجىء والوعيدي مَعَ القولِ بالاختيار والإجبار، فإِن الفريقين متَفقون على وجودِ الفعل عند رُجحان الدواعي، وإنما اختلفوا في كونِ ذلك الوجود على جهةِ الاختيار والاستمرار، أم على جهة الاضطرار والإجبار، فإذا كان كذلك، فَمِنْ أينَ غَلَب على الظن أن رغبتهم في الشهوات العاجلة أعظمُ مِن رغبتهم في الدرجات الرفيعة عند الله ولا سيما في الصدق الذي لا مَشَقَّةَ فيه.
فإن قلتَ: وما الدواعي التي يمْكِنُ أن تدعو المرجئة إلى فعل الطاعة، وترك المعصية.
قلت: أمورٌ كثيرة.
أولها: أنهم يعتقِدُونَ أن الواجباتِ مما يُحِبُّه اللهُ، ويأمر به، ويستحق العقابَ بتركه (١) والثوابَ بفعله، والمحرماتُ مما يكرهه اللهُ، وينهي عنه، ويستحق العقابَ بفعله.
وثانيها: أنَّه يجوزُ أنهم يجوزون العقابَ في الدنيا على المعاصي بالأمراض، وضيق الأرزاق، وسائر البلاوي.
وثالثها: ما ذكرناه مِن خوفهم أن تكونَ المعاصي سببًا للوقوع في
_________________
(١) في (ب): لتركه.
[ ٢ / ٢٧٤ ]
الوجه الحادي عشر: أن الإرجاء ليس بكفر ولا فسق
ذنب الكفر الذي لا يُغفر.
ورابعُها: المنافسة في عُلُوِّ المراتب الحاملة للوعيدي على النوافل.
وخامسها: إجلالُ الله تعالى وتعظيمه والحياء منه، وقد ذكرنا بعضَ هذه الوجوه، وإنما أعدناها زيادةً في البيان.
الوجه الحادي عشر: أن الإرجاء ليس بكفرٍ ولا فسقٍ عند أهل المذهب، نص عليه القاضي شرف الدين في " تذكرته " والحاكم في " شرح العيون "، وذكر معنى ذلك القاضي العلامة عبدُ الله بن حسن الدواري في تعليقه على " الخلاصة " وغيرهم، كما سيأتي، وقد ثبت أن المبتدع بما لا يتضمن كفرًا ولا فسقًا مقبولُ الشهادة، نصَّ عليه في " اللمع " وأشار إلى الاتفاق عليه، وسيأتي الدليلُ على ما ذكره القاضي شرف الدين في " التذكرة " من عدم تكفيرهم وتفسيقهم في المسألة الثانية إن شاء الله تعالى، وقال الشيخ مختار المعتزلي في كتابه " المجتبى " في الكلام في التكفير في المسألة السابعة من ذلك ما لفظه: لم يكفر شيوخُنا المرجئةَ، لأنهم يُوافقونهم في جميع قواعد الإِسلام، لكنهم قالوا: عنى الله بآياتِ الوعيد الكفرة دونَ بعض الفسقة أو (١) التخويف دونَ التحقيق، وأنه ليس بكفر. انتهي وفي الحديث الصحيح المتفق على صحته (٢) عند أئمة الرواية: أن الملائِكَة ﵈ اختصَمُوا في الذي قَتَلَ تسعةً وتسعينَ، ثم سأل عابدًا: هَلْ لَة تَوْبَةٌ؟ فقال له: لا توبةَ له، فقتله، ثم سأل عالمًا فأمره بالتوبة والهِجرة عن أرضه، فأدركه الموت في طريقه إلى الهجرة.
_________________
(١) في (ب):
(٢) أخرجه من حديث أبي سعيد الخدري، البخاري (٣٤٧٠) ومسلم (٢٧٦٦) وقد تقدم في ١/ ٢١٩ و٣١٤.
[ ٢ / ٢٧٥ ]
قال السيد: وأما المجبرة فعندهم
أقول: الجواب من وجوه
الوجه الأول: أن السيد منازع في كون هذا مذهبهم
الحديثَ، وفيه: أنَّه وقع بينَ ملائكة الرحمة والعذاب نحوُ ما وقع بينَ الوعيدية وأهل الرجاء وهو يدل على نجاة الفريقين، إن شاء الله تعالى. فهذه أحدَ عشرَ وجهًا تختص المرجئة (١)، وتحقيق الدلالة على قبولهم يأتي في الفصل الثاني -إِن شاء الله تعالى- عند الكلام على قبولِ المتأوِّلين.
قال: وأما المجبرة، فعندهم أن الله تعالى يجوز أن يُعَاقِبَ المطيعَ، وأن يُثيبَ العاصي، فلا فائدةَ في الطاعة، وأيضًا فعندهم أن أفعالَهم مِن الله تعالى، فالإِثابة عليها، والعقابُ لا معنى له، فإن قالوا: هذا من جهة العقل، لكن قد وَرَدَ السمعُ بأنه يَدْخُلُ المطيعُ الجنة، والعاصي النارَ إِلا منْ قال منهم بالإرجاء.
قلنا: إنَّه إنما وَعَدَ ذلك مقرونًا بمشيئته لقوله تعالى: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ١٨] وهم لا يعلمونَ من الَّذِين يشاءُ اللهُ أن يغفِرَ لهم.
أقول: الجواب على هذا من وجوه:
الوجه الأول: أن السيدَ منازع في كون هذا مذهبهم، لأنَّه نسب إليهم أنهم يعتقِدُون ذلك، والمعلومُ من مذهبهم ضرورة أنهم لا يعتقدونه، ولم يقُلْ أحدٌ من جميع النّقَلَةِ لمذهبهم أنَّ ذلك مذهبهم، وإنما ألزمهم ذلك أهلُ الكلام مجردَ الزام، واختلف العلماءُ في التكفير بالإلزام مع الإجماع منهم أنَّه لا يجوزُ أن يُقال: إن الخصمَ يعتقِدُه، لأن الجميعَ يعتقدون قبحَ الكذبِ وهذا كذب، فإِن كان السيدُ قال هذا كراهيةً للجبرية، فما أصاب السنة (٢) ولا عَمِلَ بمقتضى الشريعة، قال الله تعالى:
_________________
(١) في (ب) و(ش): بالمرجئة.
(٢) في (ب): السيد.
[ ٢ / ٢٧٦ ]
الوجه الثاني: أن هذا الاستدلال منه بالمغالطة
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]، وإن كان السَّيِّد يجد ما يشَنِّعُ بِهِ عليهم مِن سائر مَذاهِبِهم القبيحةِ التي صرَّحُوا بها واعتقدوها، وله في التشنيع بها غُنية وكفاية عن هذا الذي يستفيد المتكلم به أن يسقطَ عن العيون، وأن تَسُوء به الظُّنون، وإن كان قال ذلك متوهمًا أنَّه يمضي على خصمه ولا يعرِفُه، فأدنى العوام تعرف أن ليس في أهلِ الشهادتين مَنْ يعتقِدُ أنَّ الله يُعاقِبُ على الطاعة، ويُثيبُ على المعصية، بل ليس في مِلَلِ الشرك وعُبَّادِ الأوثان مَنْ يعتقد ذلك.
الوجه الثاني: أن هذا الاستدلالَ منه أَيّده الله هو المعروفُ في علم المنطق بالمغالطة، قالوا: والمورد لها، إن قَابَلَ بها الحكيم، فهو سوفسطائي، وإن قابل بها الجدلي، فهو مُشاغبي، فهب أني رضيت لنفسي التبرؤ مِن مرتبة الحكمة البُرهانية، ونزهتُك عن المذاهب السُّوفسطائية، فما ينبغي منك أن ترضى لنَفْسِكَ بمرتبة المشاغِبِ، فأنت مِن أولاد العِترة الأطايبِ.
وإنما قلتُ: إن ذلك من قياسات المغالطة، لأن المغالطة قياسٌ متركبٌ من مقدمات شبيهة بالحق تفسدُ صورتَه بأن لا يكون على هيئةٍ منتجةٍ لاختلال شرطٍ مُعْتَبرٍ، وهذا حاصلٌ في استدلالِ السيد، وبيانُه من وجهين:
أحدُهما: قوله عندهم: أن الله يجوز أن يُعاقِبَ المطيع، ويُثيب العاصي، فهذه مقدمة باطلة تشبه الحقَّ، والحق أنَّهم لا يقولون بذلك، ولكنه يلزمُهُمُ القولُ به لو جرَوْا على قواعد مذهبهم، فإِما أن يعترِفَ السيد بهذا، فهو الظَنُّ بعلمه وعقله، أو يُصِرَّ على اللجاجة في الخصومة، ويُصمِّمَ على اللَّدَدِ في المماراة، فهاهم أولاءِ في تِهامة فليكتُبْ إليهم
[ ٢ / ٢٧٧ ]
كتابًا، أو يرسل إليهم، ويسألهم عن اعتقادهم، فإِن أخبرونا بالذي قال السيد، صح أني مُتَعَدٍّ عليه في كلامي، وإن أخبروا (١) بمثلِ ما قلتُ عنهم وصَحَّ أنَّه متعد في احتجاجه علي، فإِن قال السيد: إن الذي قاله مذهبُهم في الباطن، فعليه أن يدل بدليل قاطعٍ على أمرين:
أحدهما: أنَّه يعلم ما في الضمائر.
والثاني: أنَّه معصوم لا يجوزُ عليه الكذبُ، وحينئذ يجب علينا أن نُؤمِنَ بكلامه من غير منازعة، ونَرْجعَ إلى قوله من غير مراجعة، ومن أحبَّ أن يَعْرفَ صدقَ كلامي من غير سؤال لهم، فلينظر إلى كتُبِهِم الكلامية والأصولية وشروح الحديث وغيرها، وُيطالع " مناهج العابدين إلى الجنة " للغزالي، وكتاب " إحياء علوم الدين "، وكتاب رياض الصالحين " للنواوي وشرح مسلم له، وكتاب " الأذكار " له، وينظر: هل قالُوا: من أطاع الله تعالى، دخل النارَ وغَضِبَ عليه الجبار؟ ومن عصاه أدخله الجنان، ووجب له منه الرضوان؟ فالسيد أيَّده الله صادق، أو قالوا: بالعكس من ذلك، فمحمد بن إبراهيم صادق، وليُطَالِعْ مَنْ أحب معرفةَ مذهبهم في ذلك " شرح مسلم " للنواوي وينظر إلى قوله فيه: باب أن من مات مؤمنًا دخل الجنة قطعًا (٢)، ولينظر إلى كلام الغزالي في كتاب "المنقذ من
_________________
(١) في (ب): أخبرونا.
(٢) قال ﵀ ١/ ٢١٧: هذا الباب فيه أحاديث كثيرة، وتنتهي إلى حديث العباس بن عبد المطلب ﵁: " ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا ". واعلم أن مذهب أهل السنة، وما عليه أهل الحق من السلف والخلف أن من مات موحدًا دخل الجنة قطعًا على كل حال، فإن كان سالمًا من المعاصي كالصغير والمجنون، والذي اتصل جنونه بالبلوغ، والتائب توبة صحيحة من الشرك أو غيره من المعاصي إذا لم يحدث معصية بعد توبته، والموفق الذي لم يُبْتَل بمعصية أصلًا، فكل هذا الصنف يدخلون الجنة، ولا يدخلون النار أصلًا وأما من كانت له معصية كبيرة، ومات من غير توبة، فهو في =
[ ٢ / ٢٧٨ ]
الضلال والمفصح بالأحوال " وما الَّذي حمله على ترك الرئاسة، والهرب من الدنيا الواسعة، والجاهِ العريض الطويل مع ملوك الشام والعراقين هل الرغبةُ في ثوابِ الله، والطمعُ في الفوز برضوانه ومغفرته، أو اعتقاده أن الله يُعاقِبُه على الزُّهْدِ أعظمَ العقوبة، وأن الذي كان عليه في الدنيا أكرمَ مثوبة، وليُطَالِعْ تراجمَ الأبواب في كتاب " الأذكار " هل قال فيها: باب عقاب مَن قرأ القرآن وذكر الله، وباب ثواب من اغتاب المسلمين وظلمهم. فالسيدُ صادق أو العكس من ذلك، فخصمه صادق.
وقد قال ابن الحاجب في الكلام في الاحتجاج على أنَّ المصيبَ في العقليات واحدٌ، وأن نافي ملة الإِسلام آثِم كافر، اجتهد أو لم يجتهد.
قال ما لفظه: لنا إجماعُ المسلمين على أنَّهم من أهل النار، ولو كانوا غيرَ آثمين لما ساغ ذلك، تَمَّ بلفظه (١).
وليطالعْ كتبَ رجالهم، وتاريخ عبادهم وعلمائهم، وينظر في صبرهم على القيام، والصيام، والتلاوة، والزهادة، والصدقة بالمال المحبوب، والصبرِ على مفارقة الشهوات المحرمة، هل فعلُوا ذلك تعرضًا (٢) لعقابِ اللهِ الذي يعتقدون أنَّه يَحْصُلُ بسببه، أو طمعًا في ثوابه جَلَّ
_________________
(١) = مشيئة الله تعالى، فإن شاء عفا عنه - وأدخله الجنة أوَّلًا وجعله كالقسم الأول وإن شاء عذبه القدر الذي يريده ﷾ ثم يدخله الجنة، فلا يخلد في النار أحد مات على التوحيد، ولو عمل من المعاصي ما عمل، كما أنَّه لا يدخل الجنة أحد مات على الكفر ولو عمل من أعمال البر ما عمل. هذا مختصر جامع لمذهب أهل الحق في هذه المسألة، وقد تظاهرت أدلة الكتاب والسنة، وإجماع من يعتد به من الأمة على هذه القاعدة، وتواترت بذلك نصوص تحصل العلم القطعي، فإذا تقررت هذه القاعدة، حمل عليها جميع ما ورد من أحاديث الباب وغيره، فإذا ورد حديث في ظاهره مخالفة، وجب تأويله عليها ليجمع بين نصوص الشرع
(٢) " شرح مختصر المنتهى " ٢/ ٢٩٣.
(٣) في (ب): تعريضًا.
[ ٢ / ٢٧٩ ]
جلالُه الذىِ وعد به، ومن نازع في هذا، فقد نازع في أجلى من النهار، وقَرَّرَ كلامَه على شفا جُرُفٍ هَارٍ، وفي أمثال العرب مَنِ ادَّعى البَاطِلَ أنجح به (١). ومن أمارات العاقل إن لا يَدَّعِيَ ما لا يُمْكِنُ، ولا يقولَ ما لا يُصَدَّقُ.
ثم نقول للسيد: إما أن تَدَّعِيَ أنهم لا يُصلون، ولا يصومون، ولا يحجُّون، ولا يفعلون شيئًا من الطاعات، لم تستحقَّ المكالمة، أو تُقِرَّ بأنَّهم يفعلون ذلك، فَأَخْبِرْنَا: هل يفعلون ذلك لِيعذِّبهم الله في الآخرة، أو ليثيبهم؟ فإن قلت: لِيعذِّبهم في الآخرة، لم تُخاطَبْ أيضًا، لأن الفعل لا يُوجَدُ من غير داع، فكيف يفعل لأجل الصارف عنه، وإن قال: لِيُثيبهم، فقد أبطل قولَه، وأكذبَ روايتَه، فلو كان مذهبُهم أنَّ الله يُعذِّبُ على الطاعة ما فعلوها ليِثيبهم عليها، وما كنتُ أحسب أن السيدَ أيدَهُ الله يُحوج إلى مثل هذا الكلام.
وثانيهما: أعني الوجهين الدَّالين على أن السيدَ سلك سبيلَ المغالطة في هذه الدِّلالة التي ادَّعاها قولُه: فلا فائدة في الطاعة، وذلك أن هذا الكلامَ من جملة مقدماتِ السَّيِّد الْمُنْتِجَةِ لعدم قبولهم، وليس هو النتيجةَ الحاصلَةَ مِن الدليل، بل هذا الكلامُ أحدُ أركان الدليل، ولا شكَّ أنَّه مغالطة أيضًا، لأنَّه إمَّا أن يدعيَ أن مذهبَهم: أنَّه لا فائدةَ في الطاعة أم لا، إن لم يَدَّعِ ذلك، لم يدل على مقصوده من أنَّهم كذبة، لأنَّهم متى اعتقدوا أن الطاعةَ مفيدة، صدقوا في الحديثِ رغبةً في فائدة الطاعة، وخوفًا من عقاب المعصية، وإن كان يلزمهم أنَّه لا فائدةَ فيها، فإنَّهم لا يكذبون لأجل
_________________
(١) في " لسان العرب ": ويقال: أنجح بك الباطلُ، أي: غلبك الباطل، وكل شيء غلبك، فقد أنجح بك، وإذا غلبته، فقد أنجحت به.
[ ٢ / ٢٨٠ ]
الوجه الثالث: أنهم لو ذهبوا
أن ذلك يلزمهم بالاتفاق، وإنما تَصِحُّ تهمتُهم بالكذب لأجل أن ذلك مذهبُهم، فإن قال السيد: إن ذلك مذهبُهم، لم يتِمَّ له ذلك لإِمور:
أحدها: أنَّه معلومٌ ضرورة أنهم لا يذهبون إلى أنَّه لا فائدة في الطاعة.
الثاني: ما قدمنا في الوجه الأوَّل مِن سؤالهم، والنظر في كتبهم، فنجد ذلك على خلاف ما ذكره السيد، فنعلم أن تلك الدعوى عليهم باطلة.
الثالث: أنا قد علمنا بالضرورة أنَّهم يفعلون كثيرًا من الطاعات الشاقة، ومذهبُ المعتزلة والأشعرية وسائر العقلاء أن من اعتقد في فعل أنه لا فائدَة فيه ولم يكن له شهوةٌ لم يفعله ألبتة، وإنما اختلف الناسُ: هل يكون تركُهُ واجبًا ضرورة، أو مستمرًا غير واجب؟ فالمعتزلة ذهبت إلى أنَّه مستمر، والأشعرية ذهبت إلى استحالة فعله. فحين قال السيد: إنَّهم يدهبون إلى أنه لا فائدةَ في الطاعة لا تخلو من أحد وجهين، إما أن يجمع إلى ذلك دعوى أنه لا يَصْدُرُ منهم طاعة ألبتة، وأنهم يقطعون الصلواتِ، وُيفطرون رمضان، ولا يُوجد فيهم مَنْ يصومُ، ولا يُصلي، ولا يَحُجُّ، ولا يتلو القرآنَ، فهذه سَفْسَطَةٌ محققة، وإما أن تقول: إنهم يفعلون هذه الأشياء بغيرِ داع ألبتة، فهذا خلافٌ منه لجميع العقلاءِ، ويلزمه أيضًا أن يجوز على الله أن يفعل القبائحَ لا لداعٍ ولا لحاجةٍ، بل لأنَّه قادر على ذلك لا غير، كما يعرف أنَّ ذلك لازم من القول عند أهل المعرفة بالكلام.
الوجه الثالث: أنهم لو ذهبوا إلى أنَّه يجوز على الله أن يُعَذِّبَ رسول الله وسائرَ الأنبياء والملائكة، لكان كُفْرُهُمْ معلومًا بالضرورة من
[ ٢ / ٢٨١ ]
الدين، ولو كان كذلك، لكان المنكرُ له، أو الشاكُّ فيه كافرًا بالضرورة من الدين، وكان يلزمه -أيَّده الله- أن يكونَ السَّيِّدُ الإِمام المؤيَّد بالله كافرًا بالضرورة، ويلزمه أن يكونَ كفرُه ﵇وَصَانَهُ الله عن ذلك- مثلَ كفرِ عبدة الأوثان والصُّلبان والنيران، وكذلك سائرُ مَنْ شَكَّ في كفرهم من العِترة والعلماء، وكيف يظن السيد أن المؤيَّدَ بالله شكَّ في كفر مَنْ جَوَّزَ أن يكون أبو جهل صاحبَ الشفاعة يومَ القيامة، وجوز أنَّ سيِّدَ الأولين والآخِرِين في أسفل درجات جهنم، وكيف تجاسر السيدُ [أن] يَنْسُبَ إلى الرازي، والغزالي، والنواوي وأمثالهم أنهم يُجوِّزون على رسول الله - ﷺ - أنه يكونُ كالِحَ الوجه يومَ القيامة بِلَفَحَات الجحيم، ومُشَوَّه الخلق في دركات النار بالعذاب الأليم، أما بقي في السَّيِّد ملتفتٌ إلى الحياء بمرة، أليس يعلمُ تعظيمَهم للشعائِرِ النبوية، وحنينَهم إلى التربة المحمدية، كم باكٍ منهم شوقًا إليه، ومحبةً له، وتولهًا به، راجيًا لشفاعته، وأنتَ مترفِّهٌ في بيتك ومسجدك تزعم أنَّه يجوز عندهم أن رسولَ الله - ﷺ - مِن المعذبين يومَ الدين، والمطرودين عن رحمة رب العالمين، لا والله، بل هو عندهم سيدُ المرسلين، وخيرُ خلق الله أجمعين، وشفيعُ المذنبين، فعُدْ عن الخبطِ والتخليط، وخلطِ أهل مِلَّة الإسلامِ بالمصرحين من الملاحدة الطَّغَام، وذُمَّهم إن شئتَ بمالهم مِن الضلالاتِ التي ارتكبوها، والجهالاتِ التي قالوها، ولا حَرَجَ عليك، ولا اعتراض لك.
قولُه: وأيضًا فعندهم أن أفعالهم من الله تعالى، فالإثابةُ عليها والعقابُ لا معنى له من تلك الطريقة الغِلاطية، لم يخرج منها، بل استمرَّ على التمسك بعُروتها، وأَصَرَّ على إيهام حَقِّيَّتها (١) وقد ترك الاستنتاجَ من
_________________
(١) في (ب): حقيقتها.
[ ٢ / ٢٨٢ ]
هذا البرهان الغِلاطي، لأن النتيجةَ معلومة متى صَحَّت هذه المقدماتُ الموهومة، وكلامُهُ هذا يشتمِلُ على حقٍّ وباطلٍ فلم ينتج الحق، وذلك أن قولَه: إن أفعالَهم مِن اللهِ تعالى صحيحٌ، وكلامٌ صادق، لكنه لما لم ينتج له المقصود، ضمَّ إليه الباطلَ طمعًا في أنَّه ينتج له وهو قوله: فالإِثابة عليها والعقاب لا معنى له. فإنَّ هذه الزيادةَ باطلةٌ، لأنَّه إما أن يدعي أنها مذهبهم فإن ذلك لا يتم لوجوه:
أحدها: أنَّ كتبهم تُكَذِّب هذه الدعوى.
وثانيها: أنَّهم أنفُسَهم يُكذبونها، فهم موجودون لم يُعْدَمُوا، ومقاربون للبلاد لم يَبْعُدُوا.
وثالثها: أن أفعالَهم تكذب هذه الدعوى على ما قررنا في الجواب على دليلِه الأول، لأن العاقلَ وغير العاقل لا يفعلُ الفعلَ إلا لِداعٍ، ومن المعلوم أنَّهم يفعلون الطاعَةَ، وأنه لا داعيَ لهم إلى فعلها إلا اعتقادُ أنَّ اللهَ تعالى يثيب عليها، وُيعاقِب على تركها.
ورابعها: أنَّه يلزمُ مِن نسبة هذا إليهم تكفيرُ مَنْ لم يُكفرهم من الأئمهَ ﵈ وسائر علماء الإسلام.
وخامسها: أنَّ بُطلانَ هذه الدعوى عليهم معلوم بالضرورة لِكل من له أدنى تمييزٍ، فلا نُطَوِّلُ في الجليات.
فإن قلتَ: ما مثالُ قياس السَّيِّدِ هذا في الأقيسة الغِلاطية المنطقية؟
قلث: مثالهُ أن يكون الوسط المتكررُ مشتملًا على حقٍّ وباطل يجعلُهُما محمولًا واحدًا لموضوع المقدمة الكبرى، كقولك: الإِنسان ضاحِكٌ وصاهل، وكل صاهِل فرس، لينتج أن الإِنسان فرس، ووجه الغِلاط
[ ٢ / ٢٨٣ ]
أنَّك إنما أتيتَ بالحق الذي هو ضاحك لِيصاحب الصاهل، فيقبل الأبلهُ الصاهِل الذي هو باطل لمصاحبة الضاحك الذي هو حق، ولو أنَّه قال: الإنسانُ صاهل كان ذلك لعله مما لا يخفى على الأبله.
فإن قلتَ: وكيف مشابهةُ كلام السَّيِّد لِهذا.
قلت: هو مثلُه حذو النعل بالنعل، لكنه أورده غير مركب تركيبَ البرهان، فإذا ركبتَه انكشف كذلك، فإنَّهُ يجيء في التركيب: كُلُّ جبري، فإنه يقولُ: أفعالُهُ مِن الله، ولا معنى للثواب والعقاب عليها، وكُلُّ من قال ذلك، فهو مجروح غيرُ مقبول في الرواية. فقوله: فهو يقول: أفعالُهُ من الله صادق مثل قولنا: كل إنسان ضاحك، لكنه غيرُ منتج لمقصوده، فضم إليه أن الجبري يقولُ: لا معنى للثواب والعقابِ، لينتج له مقصودُه كما ضم المغالِطُ الصاهل إلى الضاحك لينتج له مقصوده، وصاحب بينَ الحق والباطل، ليخفي الباطل في جنب الحقِّ كما صاحب ذلك بينَ الضاحك والصاهل، ولو أنَّ السَّيِّد قال: إن الجبرية يذهبون إلى أن الله لا يُثيب ولا يُعاقب من غير قوله: إنهم يقولون: أفعالُهُم من الله، لكان ذلك أقربَ إلى أن لا يلتبس بطلانهُ على الأبله عند سماعه.
وفي قوله: فالإثابةُ والعقابُ عليها لا معنى له. مغالطةٌ لطيفة قَلَّ منْ يتنَبَّهُ لها، وذلك أنَّه أراد أن ينسب إليهم أن (١) الله لا يُثيب ولا يُعاقِبُ، فاستكبرها، لأنها تستلزِمُ أن يَنْسِبَ إليهم القولَ بأنه لا جَنَّةَ ولا نار، وأنه لا دَارَ بعدَ هذه الدار، لا للأبرارِ، ولا للفجار، فعَدَلَ عن هذا لبشاعته إلى ما يستلزم معناه، ولا يستغلطه السامعُ في عبارته، ومثل هذا الغِلاط ينكشِفُ بأدنى تأمل، ولا يخفي على مَنْ له أنس بعلوم النظر.
_________________
(١) في (ب): القول بأن.
[ ٢ / ٢٨٤ ]
فإن قلت: فما مثالُ قياس السَّيِّدِ الأول في الأقيسة الغِلاطية المركبة بالتراكيب المنطقية، أهو مثلُ هذا القياس الذي فرغنا منه أم هو نوع آخر؟
قلتُ: بل هو نوع آخر، وذلك أن وجهَ المغالطة في هذا الذي فرغنا منه مصاحبةُ الحق والباطل، وتقاربها في اللفظ الطارق لسمع الأبْلَهِ الغافل، وأما ذاك، فهو مِن قبيل الباطل المشابه للحق في بعض الأمور غير المصاحب للحق، وذلك أنَّه نَسَبَ إلى الجبرية أنَّهم يعتَقِدُون أنَّه يجوزُ على الله تعالى العقابُ على الحسن، والثوابُ على القبيح، ونسبة هذا إلى اعتقادهم باطلة محضة لم تُصاحب شيئًا من الحق، ولكن فيها شبه بعيدُ منه، وذلك أن هذا يلزمُهُم على بعض قواعدهم، ولما كان يلزمهم ذلك شبهة في نسبته إليهم، وذلك أنَّه يُوجب أن بينهم وبينَ هذا القول ملابسة، ومثال ذلك في الأقيسة الغِلاطية المنطقية قول القائل: كل زَرَافَةٍ فرس، وكل فَرَسٍ صاهل، لينتج أن كُلَّ زرافة صاهل، فالمقدمةُ الأولى هي قولُه: كل زرافة فرس باطل محض لم تَصْحبْ شيئًا من الحق، لكن بين الزرافة والفرس شَبَهٌ بعيدٌ يجري المغالط على الطمع في الاستنتاج مِن ذلك، وذلك الشبه هو أن رأسَ الزَّرافَةِ مثلُ رأسِ الفرس، فلما كانَ بينهما ملابسة ما كان قولُه: كلُّ زرافة فرس من الباطل الذي أَخذَ من الحق شبهًا ما، فَصَلُحَ إيرادُه في الأقيسة الغِلاطية. فهذا وأمثالُه كثيرُ الوقوع في الأقيسة والمناظرات، ونقَّادُ النظر يُمَيِّزُونَ الخالصَ من الزيف، والخبيث مِن الطيب.
وقوله: فإن قالوا هذا من جِهة العقل، لكن قد وَرَدَ السمعُ بأنه يدخل المطيعُ الجنةَ، والعاصي النار إلى آخره، إشارة منه إلى مذهبهم المعلوم، وتعرض لمحاولة إبطاله.
[ ٢ / ٢٨٥ ]
وقبل الجواب عليه نذكر مقدمة وهي أنه لا شك عند جميعِ الفرق من أهل الإنصاف، وأهل العنادِ أن الجبرية يذهبون إلى أن الله تعالى قد وَعَدَ المؤمنين المطيعين بجنته ورِضوانه، وتوعَّد على ارتكاب المعاصي والمحرمات بعذابه وبغضبه، وأن وعدَه ووعيدَه صادق لا خُلْفَ فيه، ولكنهم يعتقدون أنَّ ذلك مستند إلى الدليل السمعي دونَ العقلي، ولا شكَّ أيضًا أن الدليلَ السمعي قد ورد بذلك، فثبت أنَّه لا خلافَ بينَنَا وبينَهم في أن الله صادقٌ في وعده ووعيده، وإنما اختلفنا في وجه الاستدلال على ذلك، فقلنا: ذلك ثابتٌ بدليل العقل القاضي بوجوبِ صدق السمع، وهم قالُوا: ذلك ثابت بدليل السمع الواجب صدقُه بدليل العقل، فالخُلْفُ في كلام الله، والتعذيبُ لأولياء الله ممنوع عندنا وعندهم، ومن قال: إن الشيء ممنوع بدليل السمع لم يلزمه أن يعتقِدَ جوازَ ذلك الشيء على الإطلاق، ألا ترى أن مذهبنَا أن نِكَاحَ الأُمهات والأخوات، وتركَ الصلوات وتركَ الزكوات جائز عقلًا، ولكنه حرام شرعًا وليس لأِحَدٍ أن يَنْسِبَ إلينا القولَ بجواز ذلك على الإطلاق، فكذلك الجبريةُ إذا قالوا: إن الله لا يُعذب المطيعينَ بدليلِ السمع لم يَحِلَّ أن يُقال: إن الله يجوز أن يعَذِّبَ المطيعين على الإِطلاق، وهذا واضح لا يخفي على المنصف.
قال الغزالي في كتاب " الاقتصاد في الاعتقاد ": وقد ذكر أن ثوابَ المطيعين تَفَضُّلٌ مِن الله تعالى، وليس بواجب حتى قال: إلا أن يقال: إنه يصير وعدُه كذبًا وهو محال، ونحن نعتقد الوجوبَ بهذا المعنى، ولا ننكره. انتهى. ونصوصُهُم على مثل هذا واضحة، فلا نُطَوِّلُ بذكرها.
فإن قلتَ: إن بينَ الأمرينِ فرقًا، فإن نكاحَ الأمهاتِ والأخواتِ، ووجوبَ الصلوات والزكوات مما لا يُعْرَفُ بالعقل، وإنما يُعرف بالشرع،
[ ٢ / ٢٨٦ ]
وأما صدقُ الوعدِ والوعيد، فإنه مما لا يُعرف إلا بالعقل، وفرق بينَ ما لا يُعرف بالعقل وبينَ ما لا يُعرف إلا به.
قلت: هل ترِيدُ أن بينَهما فرقًا (١) يُسوغ الكذب في أنا نَنْسُبُ إليهم القولَ بما لم يقولوه، فهذا ممنوع، أو تريدُ أن بينَهما فرقًا يُسوغ لهم أن يلزموه ذلك، فمسلم، ولا يضر تسليمُهُ، لأن كلامَه فيما يدل على صدقِ المتدين منهم، وفيما لا يدل على ذلك من اعتقادهم، وليس كلامُنا فيما يلزمهم مما لا تأثيرَ له في ظَنِّ صدقهم أو كذبهم.
فإذا عرفتَ هذا، فاعلم أن السيدَ لما نسب إليهم ما لم يقولوه، وعرف أن مذهبَهم المنعُ منه بالدليل السمعي، وأن ذلك لا يخفى، حاول أن يُبْطِلَ كونَ ذلك مذهبَهم فلا أدري كيف طَمِعَ في الاستدلال على بطلان ما ثبوتُه معلوم بالضرورة، وما هو إلا كما وَرَدَ في الحديث " حُبُّكَ الشيءَ يُعْمِي وَيُصِم " (٢) وقد استدل السَّيِّدُ -أيَّده الله- على بُطلان كونِ ذلك مذهَبَهم بأنهم لا يعلمونَ مَن شاء اللهُ أن يَغْفِرَ له لِقوله تعالى: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ
_________________
(١) في (أ) و(ب) و(ج): فرق والمثبت من (ش).
(٢) حديث ضعيف، أخرجه من حديث أبي الدرداء أحمد ٥/ ١٤٩ و٦/ ٤٥٠، وأبو داود (٤١٣٠)، والبخاري في "تاريخه" ٣/ ١٧١، ويعقوب الفسوي في " تاريخه " ٢/ ٣٢٨، والقضاعي في " مسند الشهاب " (٢١٩)، والطبراني في " مسند الشاميين " (١٤٥٤) و(١٤٦٨) من طرق عن أبي بكر بن أبي مريم، عن خالد بن محمد الثقفي، عن بلال بن أبي الدرداء، عن أبيه، عن النبي - ﷺ -. وهذا سند ضعيف. أبو بكر -وهو ابن عبد الله بن أبي مريم الغساني الشامي- ضعيف كان قد سرق بيته، فاختلط. وقال الحافظ العراقي في ما نقله عنه المناوي في " فيض القدير ": إسناده ضعيف، وقال الزركشي: روي من طرق في كل منها مقال، وقال المصنف كأصله: الوقف أشبه. وفي الباب عن أبي برزة الأسلمي عند الخرائطي في " اعتلال القلوب " وعن عبد الله بن أنيس، عند ابن عساكر في " تاريخه ".
[ ٢ / ٢٨٧ ]
يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاء﴾ [المائدة: ١٨] وهذا عجيبٌ كأنَّه لم ينزل من السماء إلا هذه الآية، والجواب عليه من وجوه:
الوجه الأول: أن هذه الآية مجملةٌ، وقد ورد بيانُها، وقد أجمع أهلُ مِلَّةِ الإِسلام على أنَّه إذا وَرَدَ المجملُ والمبيَّن أنَّه يُعمل على المبيّن، فإما أن يقولَ السيِّدُ: إنَّه لم يَرِدْ لهذه الآية بيانٌ في السمع، أو يقول: إن مذهبهم اعتقادُ المجمل، وطرح المبين، وكلاهما عِناد ومباهتة ما أظنُّه يرضاه لنفسه.
الوجه الثاني: أن نقول: لو سلمنا أنَّه ليس في القرآن، ولا في السُّنَةِ بيانٌ لهذه الآية المجملة، ولا تخصيصٌ لما فيها مِن العموم، لما لزمهم ذلك لأنَّ لهم أن يقولوا: قد علم ضرورةً من الدين أنَّ الله يُدْخِل المطيعينَ الجنة، وقد علمت ضرورة من مذهب الجبرية أنَّه إذا ورد مجمل عام، وعُلِمَ من الدين بيانُه وتخصيصُه بالضرورة والتواتر أنهم يعتقدونَ ما دلّ عليه المبين الخاص المتواتر، فإن كان السَّيِّد شَكَّ في أن ذلك مذهبُهُم، فليسأل، فإنما شِفاء العِيِّ السُّؤَالُ.
الوجه الثالث: لو سلمنا أنَّه لا دَلِيلَ يَدُلُّ على بيان هذه الآية من السمع، وأنه لا يدل عليها إلا دليلٌ العقل الذي لم تستند إليه الجبرية، لما لزم ذلك أيضًا، لأنا نعلمُ بالضرورة والتواتر عنهم أنَّه (١) يعتقدون إثابةَ المطيعين، وعقوبةَ العاصين، واعتقادُهُم يكفينا في ظَنِّ صدقهم، سواء كان مستندًا إلى دليلٍ صحيح أو باطل.
الوجه الرابع: أن قولَ السيد: إنهم لا يعلمون مَن يشاءُ الله أن يغفِرَ
_________________
(١) في (ب) و(ش): أنهم.
[ ٢ / ٢٨٨ ]
له مِن قبيل المغالطة أو الغلط، فإن كانت مغالطةً، فهي لطيفة تدل على حِذْقِ صاحبها، وإن كان غلطًا، فهو جلي يدل على بلادةِ مُورِدِه، وبيانُ ذلك أنا نقولُ: ما تريد بأنهم لا يعلمون ذلك؟ هل تُريدُ لا يعلمون مع أنَّهم يعتقدون أنهم لا يعلمون؟ فهذه مباهتة، وجحدٌ للضرورة، فإن المعلومَ أنهم يعتقدون أنهم يعلمون ذلك، وإن أردتَ أنَّهم لا يعلمونَ ذلك لاستنادهم إلى دليلِ السمع، وليس يَصِحُّ الاستدلالُ به في هذه المسألة مع اعترافِك أنَّهم معتقدون للحق، ومُدَّعُونَ للعلم به، فذلك صحيح، ولكنه لا يُفِيدُكَ تهمتُهم بالكذبِ والمنع مِن قبولهم في الرواية، ومِن العجائب مجاوزةُ السيد للحد في الغُلُوِّ أنه احتجَّ بهذا على أن الجبرية لا يتنزَّهونَ من الكذب وقد قال في البراهمة: إنهم يتحرَّزونَ من الكذب أشدَّ التحرز، ويتنزَّهونَ عنه أعظمَ التنزه مع أن البراهمةَ مصرِّحُون بتكذيب جميع كتب الله المنزلة، ويُفصِحُونَ بتضليل جميعِ الأنبياء والرسل الكرام، وينسبونهم إِلى الشعوذة والتحيُّل والسحر، وملاحظة العيش في الدنيا بالكذب على الله، وإفشاء الضَّلال، ويسخرون منهم سَخِرَ الله منهم، ولهم عذاب أليم، ولا يدينون بثبوت النارِ، ولا يخافون العقابَ على ذنب من الذنوب، فهؤلاء نص السيدُ في كتابه على أن صِدْقهُم مظنون، وعلى أنهم عن الكذب متنزهون، ومنع من مثل ذلك في حقِّ مَنْ آمن بالله وملائكته، وكتبه ورسله، واليومِ الآخر، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وحَجَّ البيتَ الحرَام، وصامَ رمضَان، وظهرت منه المحافظةُ العظيمةُ على الطاعة فيما نعرِفُه من الحلال والحرام.
هذا وإني أبرأُ إلى الله تعالى مِن اعتقاد الجبر والتشبيه ولستُ أُرِيدُ بكلامي هذا النُصرةَ لمذهبهم، وإنما أردتُ المنعَ من الكذب عليهم،
[ ٢ / ٢٨٩ ]
قال السيد: واحتج ابن الحاجب للقائلين بقوله - ﷺ - " نحن نحكم بالظاهر "، وللرادين بقوله تعالى ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾
والاحتجاج لمذهبي في (١) قبولِ روايتهم، وقد رَدَّ المؤيَّدُ بالله في " الزيادات " القولَ بتكفيرهم، وأخذ يحتجُّ لهم، ويُجيب عنهم فيما يتعلق بمذهبهم مما احتجَّ به أصحابنا على تكفيرهم، ولم يدل ذلك على ميله إلى اعتقادهم مع أنَّه قد طَوَّل في ذلك، ومن أحبَّ معرفة ذلك، فليُطالِعْهُ في آخر كتاب " الزيادات " ومثل هذا مما لا يخفى، ولكن لما كثر الرجمُ بالظنون، وقل التورعُ عن نهكِ الأعراض، ورمي الغافلين، أحببتُ أن أُصَرِّحَ بمذهبي إيضاحًا للمهتدين، وإرغامًا للحاسدين.
قال: واحتجَّ ابنُ الحاجب للقائلين بقوله - ﷺ -: " نحنُ نَحْكُمُ بالظَّاهِر " (٢) وللرادين بقوله: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] قال: والآية أولى لِوجوه ثلاثةٍ:
أحدُها: تواترها، والخبرُ آحادي.
والثاني: خصوصُها بالفاسق بخلاف الخبر.
والثالث: عدمُ تخصيصها. والخبر مخصص بالفاسق والكافر (٣) المصرحين.
قال: وأما دعوى الإِجماع على قبولِ قتلةِ عثمان، فلا نُسلِّمُ الإِجماعَ، ولعلَّ بعضَهم لم يقبلْهم، أو لعلَّ القائلين مختلفون في عِلَّةِ قبولهم، فبعضُهم لأنه لا يرى فسقهم، وبعضهم لأنَّه يقبلُ فاسق التأويل، فلا يكون إجماعًا على أن فسق التأويل لا يَضرُّ الرواية، وأما الخارجون على علي ﵇. ومعاوية وأصحابه، فلا نُسلِّمُ الاتفاقَ
_________________
(١) في: ساقطة من (ب).
(٢) هذا وهم من ابن الحاجب، فليس هو بحديث، ولا هو موجود في كتب الحديث المشهورة، ولا في الأجزاء المنثورة، وسينبه المؤلف قريبًا على أنَّه لا أصل له.
(٣) في (ب): بالكافر والفاسق.
[ ٢ / ٢٩٠ ]
أولها: أنه ذكر الحديث تنبيها على أنه حجة للمتأولين
على قبول روايتهم، وإن سلم، فلا نسلم اتفاقهم على إن عِلَّةَ القبول واحدة، بل لَعَلَّ بعضَهم يجعل العِلَّةَ أنهم غير فساق عنده، وبعضُهم لا يجعل فسقَ التأويل قادحًا.
أقول: قد اشتمل كلامُه على ثلاثة أشياء:
أولها: أنَّه ذكر الحديث النبوي على صاحبه وآله الصلاةُ والسلام تنبيهًا على أنَّه حجةُ للمتأولين، وسوف يأتي في الفصل الثاني -إن شاء الله تعالى- ذكرُ مالهم من الحجج الكثيرة من الكتاب والسنة والإجماع والنظر، فأما هذا الحديث، فهو حديث لا يُعلم لَه أصلٌ، ولكن لمعناه شواهدُ صحيحة.
قال الحافظ ابنُ كثير البصروي ﵀: هذا الحديثُ كثيرًا ما يَلْهَج به أهلُ الأصول، ولم أَقِفْ له على سند، وسألتُ عنه الحافظ أبا الحجاج المِزِّي فلم يعرفه، لكن له معنى في الصحيح وهو قولُه - ﷺ -: " إنما أَقْضِي بِنَحْو مَا أَسْمَعُ " (١).
وقال البخاري في كتاب الشهادات (٢): قال عمر: إن أناسًا كانوا يُؤخذُون بالوحي على عهدِ رسول الله - ﷺ - وإن الوحي قد انقطعَ، وإنما نأخذكُم الآنَ بما ظهر لنا مِن أعمالكم، فمن أظهر لنا خيرًا أَمِنَّاه وقربناه، وليس لنا (٣) من سريرته شيء يُحاسِبُه الله في سريرته، ومن أظهر لنا سوءًا،
_________________
(١) قطعة من حديث أخرجه مالك ٢/ ٧١٩ والبخاري (٢٤٥٨)، ومسلم (١٧١٣) وأبو داود (٣٥٨٣) والترمذي (١٣٣٩) والنسائي ٨/ ٢٣٣، وأحمد ٦/ ٢٩٠ و٣٠٧ و٣٠٨ و٣٢٠ من حديث أم سلمة.
(٢) من " صحيحه " برقم (٢٦٤١) من طريق الحكم بن نافع، أخبرنا شعيب، عن الزهري حدثني حميد بن عبد الرحمن بن عوف أن عبد الله بن عتبة، قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ فذكره.
(٣) في البخاري: وليس إلينا.
[ ٢ / ٢٩١ ]
لم نأمنه، ولم نُصَدِّقْهُ، وإن قال: إن سريرتَه حسنة. ورواه أحمد في " مسنده " (١) مطولًا، وأبو داود (٢) مختصرًا وهو من رواية أبي فراس (٣) عن عمر، قال أبو زرعة: لا أعرفه.
وروي أنَّ العباسَ قال: يا رسولَ الله كنتُ مكرهًا يعني يومَ بدرٍ فقال رسولُ الله - ﷺ -: " أما ظاهِرُك فكانَ علينا وأما سَرِيرَتُك فإلى اللهِ " (٤) انتهى كلامه من كتاب " تحفة الطالب بمعرفة أحاديث مختصر ابن الحاجب ".
وأقولُ لا حجَّةَ في هذا الحديثِ على قبول المتأولين، سواء قلنا بصحته أو لا، وذلك أن الظاهرَ المذكور في الحديث هو ما بَدَا للإِنسان من الأحوال وسائر الأمور المعلومة دونَ البواطن الخفية، كقول النبي - ﷺ - لعمِّه العباس: " كَانَ ظَاهِرُك علينا " يُريد ما علمنا بما أضمرت، إنما عرفنا ما أظهرتَ وكون الراوي صادقًا أو كاذبًا في نفس الأمر ليس مما يسَمَّى ظاهرًا في اللغة العربية، والعرفِ المتقدم، وإنما هو اصطلاحُ الأصوليين، يُسَمُّون المظنونَ ظاهرًا، ولم يثبت هذا في اللغة، ولا يجوز أن يُفسر كلامُ رسول الله - ﷺ - باصطلاح الأصوليين، ألا ترى أنَّ رسول الله - ﷺ - لم يجعل صدقَ عمِّه العباس في دعواه للإكراه ظاهرًا، وإن كان صدقُه بعدَ إسلامه مظنونًا راجحًا، بل الظاهر أن صدقَه قبل إسلامه كان مظنونًا راجحًا، لأنَّه كان من أهل السيادة والأنَفةِ من الكذب في الأخبار التي لا يُعلم صدقُها وكذبُها،
_________________
(١) ١/ ٤١ من طريق إسماعيل، عن سعيد الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي فراس، قال: خطب عمر بن الخطاب، فقال
(٢) رقم (٤٥٣٧) من طريق أبي صالح، عن أبي إسحاق الفزاري، عن سعيد الجريري بإسناد أحمد.
(٣) يقال: اسمه الربيع بن زياد، قال الحافظ في " التقريب ": مقبول.
(٤) انظر " الطبقات " ٤/ ١٣ - ١٤ لابن سعد، و" سير أعلام النبلاء " ٢/ ٨١ - ٨٢.
[ ٢ / ٢٩٢ ]
ثانيها: ترجيح الآية على الحديث
الوجه الأول قال: لعل بعضهم لم يقبل والجواب أنه
لأنه ليس يُسمَّى في اللغة ظاهرًا، فلا يكون في الحديث حجة. والله أعلم.
وثانيها: ترجيحُ الآيةِ على الحديث، ولا معنى لذلك، لأنَّه لم يَصِحَّ الحديثُ في نفسه، ولا صح (١) الاستدلالُ به على تسليم ثبوته، والترجيحُ فرعٌ على الصحة، وأما احتجاجُه بالآية، فهو لا يصح لوجهين:
أحدهما: أنَّها لا تفيد المنعَ مِن قبول المتأولين، وقد مر تقريرُه، وبيانُ ما يَرِدُ على الاحتجاج بها من الإشكالات.
وثانيهما: أنا لو قدرنا صحةَ الاحتجاج بها بالنظر إلى عمومها، فإن الاستدلالَ به ممنوع، لوجود المخصص، والمعارِض الراجح، وبيانُهما يأتي في الفصل الثاني، إن شاء الله تعالى.
وثالثها: القدح في صحة الإِجماع بوجهين (٢):
الوجه الأولُ: قال: لعل بعضَهم لم يقبل، يعني لعلَّ بعضَ الصحابة لم يقبل المتأولين فلم يحصل إجماعٌ.
والجوابُ: أنَّه قد ثبت الإجماعُ برواية جماعةٍ من أئمة أهلِ البيت ﵈ وشيعتِهم، وكثيرٍ من العُلماء والثقات المطلعين على أخبار الصحابة، وأحوالِ السلف، وسيأتي بيان عشر طرق لهذا الإجماع، وموضعُ ذلك الفصل الثاني.
وأما ردُّه لرواية الثقات من الأئمةِ والعلماء بقوله: لعلَّ بعضَ الصحابة
_________________
(١) في (ب): ولا يصح.
(٢) في (ب) و(ش): لوجهين.
[ ٢ / ٢٩٣ ]
الوجه الثاني: مما قدح به في صحة الإجماع قال: سلمنا الإجماع، والجواب عنه
لم يقبل المتأولين لمثل هذا الكلامِ، فلا يصدر عن محصل، فإنَّ هذا مجرد تَرَجٍّ (١) صَدَرَ مِن صاحبه بعد نقلِ أهلِ العدالة والأمانة والاطلاع على العلوم والتواريخ، وأقوال الخلَف والسَّلَفِ للإِجماع، وجزمهم على أنَّهم قد علموا انعقادَه وإخبارهم لنا أنهم أخبروا بذلك عن علم يقين، لا عن مجازفةٍ وتبخيتٍ (٢).
وحاصل هذا الاعتراضِ إن صاحبَه قال: لعل راوي الإجماعِ غيرُ صادق فيما رواه، ولا متحقق لما ادَّعاه، ولو كان مثلُ هذا يقدح في روايةِ الثقات، لبطلت الرواياتُ، فما مِن رواية تصدُرُ عن الثقة في الإجماع، أو في الحديث، أو في الشهادة إلا وهو يُمْكِنُ أن يُقَالَ لعل راويَها وَهِمَ فيها، وقالها بغيرِ علم يقين، وأصدرها إما بمجرد اعتقاد الصحة أو ظنها، أو نحو ذلك، مما لا يُلْتَفَتُ إليه من تطريق الشَّكّ إلى وهم الثقات بمجرد كونه يجوز على البشر، ولو كانت روايةُ العدول العلماء تُعارَضُ بمجردِ توخِّي كذبهم، وتمني صدور الدعوى منهم على سبيلِ التبخيت مِن غير تحقيق، لبطلت طرقُ النقل، وتعطلت فوائدُ الرواية.
الوجه الثاني: مما قدح به في صحة الإِجماعِ قال: سلمنا الإجماعَ، فلا نُسَلِّمُ أنَّ علةَ القبول واحدة. هذا كلام ابن الحاجب وقد أعاد السَّيِّد هذا الاعتراضَ، ولم يَزِدْ على ما أورده ابنُ الحاجب إلا أنَّه وسَّعَ دائرةَ العبارة، ونقله إلى الكلام في الخارجين على علي ﵇.
والجوابُ عنه: أن هذا الاعتراض ضعيف، لأنَّه لو كان حرامًا -وقد
_________________
(١) في (ب) فوق كلمة " ترج ": قدح (خ).
(٢) من البخت: وهو الجد والحظ.
[ ٢ / ٢٩٤ ]
أجمعوا على جوازه- لكانُوا قد أجمعوا على ضلالة، وسواء اتَّفقُوا في العلة، أو اختلفوا فيها، فالمتفق عليه هو القبول للمتأولين، والخلافُ إنما وقع في العِلة، كما لو أجمعوا على جوازِ قتل رجل، واختلفوا في العِلة، فمنهم من قال: يجوز قتلُه، لأنَّه مرتد، ومنهم من قال: لأنَّه مفسد في الأرض، ومنهم مَنْ قال: لأنه قتل نفسًا بغير نفس، فإنهم متى أجمعوا على جواز قتله، كان قتلُه حلالًا، سواء كان بالقصاص، أو الفساد في الأرض، أو الردة، أو الحد مثل ما أجمعوا على أن المجتهدَ غيرُ آثمٍ، ثم اختلفوا في العِلة، فمنهم من قال: لأنَّه مصيب، ومنهم من قال: لأنَّه معفوٌّ عنه وإن كان مخطئًا مع أن القائلينَ بالتصويب لو أقرُّوا بالخطأ، لم يُساعدوا إلى القول بالعفو، لأنَّه عند المعتزلة إغراءٌ بالقبيح، ولأن مشروعية الخطأ قبيحةٌ عقلًا، والاجتهاد مشروعٌ سمعًا، فلم يكن اختلافُهم في العلة المؤدي إلى الاختلاف في بيانِ ما أجمعوا عليه قادحًا في صحة الاحتجاج بإجماعهم حين إجمعوا إجماعًا متفرّعًا عن تلك العلة المختلَفِ فيها. وبيانُ هذه العلة أنَّه لو ثبت في نفس الأمرِ أن قبولَ المتأول حرام، وأجمعوا على قبوله، ولكن اختلفوا في علة القبول، لكانوا قد أجمعوا على قبول الباطل، واختلفوا في علة قبوله، وهذا غيرُ جائز على الأمة.
فإن قلتَ: من لم يعلم الفسق منهم، فهو معذور.
قلت: معنى كونه معذورًا أنَّه لا عقابَ عليه وإن أخطأ في نفس الأمر، وهذا إنما يقال به في حقِّ المجتهد على تقدير عدم تصويبِ الجميع أيضًا، وأما الأمَّةُ، فليس يجوز أن تُخطىء في نفس الأمر.
فإن قلت: لو علموا أنَّه فاسقُ تأويلٍ لم يُجمعوا.
قلت: لو جاز انعقادُ الإِجماع على قاعدة مجهولة لو علموا بها لم
[ ٢ / ٢٩٥ ]
يجمعوا عليها، أمكن تقديرُ مثل ذلك في كل إجماع، ولم يصح إجماع أبدًا.
فإن قلتَ: مرادي بكونه معذورًا أنَّه بنى على ظاهر العدالة، ولم يتحقق ما يرفعُها، فهو مصيبٌ مستحقٌّ للثواب، لا مخطىء معفو عنه، وذلك كما لو قبلت الأمةُ مَنْ ظاهِرُهُ العدالةُ، وهو كاذب في نفس الأمر.
قلتُ: الجوابُ من وجهين.
الوجه الأول: الفرقُ بينَ الصورتين، فإنهما ليستا سواءً، لأن قبولهم لمن حارب عثمان، ومن حارب عليًّا ﵇ بعدَ علمهم الجميع بأنَّه حارب وفسق، فمتى كانت روايتُهم مردودة، لم يجز على الأمة قبولُها بعدَ العلم بالموجب لردها لا ظاهرًا ولا باطنًا، وإلا لَزِمَ أن يجوزَ استنادُ الأمة إلى دليل باطل غير صحيح بعدَ العلم بالسبب الذي أوجب بطلانه، وهذا لا نعلم أحدًا قال به ممن يقول: بأن الإجماعَ حُجَّةٌ مطلقًا، وإنما تكونُ الرواية عنهم مثل الرواية عمن ظاهرُه العدالة لو أمكن القولُ بأن جماعةً من الصحابة لم يعلموا بوقوعِ الفتن، ولا بدخولِ الداخلين فيها، فقبلوهم مع الجهل بذلك.
الوجه الثاني: أن العلماءَ مختلفون في المسألة المقيسِ عليها وهي: هل يجوزُ قبولُ الأمة لخبرٍ ظاهرُه الصحة وهو في الباطن باطل؟ والمذهبُ أنَّ ذلك لا يجوز، ذكره الإِمامُ المنصورُ بالله في كتاب " الصفوة ".
وقال الإمام يحيى بنُ حمزة في " المعيار": خبر الأمة يُفيدُ العلمَ يعني لو قدرنا أنهم نَقَصُوا عن عددِ التواترِ، أو أخبروا كلُّهم، وكان عددهم بالغًا حدَّ التواتر، ولكن في الوسط دونَ الطرف الذي قبلَه.
[ ٢ / ٢٩٦ ]
وإنما قلنا: إنَّه أراد ذلك، لأنَّه جعله قسمًا غيرَ المتواتر، وهذا يُشبِهُ كلامَ المنصور بالله في مسألتنا، وهو قوي عند جماعة، لأنَّه يلزم من تجويز ذلك استنادُ الأمة إلى حُجَّةٍ باطلة في نفس الأمر، والأمة معصومةٌ من الخطأ في نفس الأمر، فلهذا كان الإجماعُ حجة، وأما لو لم تكن معصومة إلا من الخطأ في الظاهر، فذلك لا يُوجبُ أن إجماعها حجة، لأن ذلك حكم المجتهد عند المعتزلةِ والشيعةِ غالبًا متى وَفَّى الاجتهادَ حَقَّهُ، فكما إنَّه لا يكون قولُ المجتهد حجةً لكونه مصيبًا، فكذلك كان يلزم أن لا يكون إِجماعُ الأمة حجةً لكونهم مصيبين.
فإن قلتَ: إنما يُقال: المجتهدُ مصيب لما أراد اللهُ منه.
قلت: وكذلك يلزمُ أن يقال: إِن أهل العصر إذا أجمعوا فإنما أصابوا مرادَ الله منهم، فثبت أن الفرقَ بينَ إصابةِ الأمة وإصابة المجتهد أنَّ المجتهدَ مصيب لما أراد الله منه في الظاهر، ويجوزُ أن يتعلَّق مرادُ الله من غيره بغير ما أراد منه لانكشاف أمرٍ خَفِيَ عليه، وبان لغيره، فلخفائه عليه لم يتَعَبَّدْ به، ولبيانه لغيره تَعَبَّدَ به. وأما الأمةُ، فإنها معصومة باطنًا وظاهرًا قطعًا بحيث نَعلم أنَّه ليس لله مرادٌ في خلاف قولها، بل نعلمُ أن خلافَ قولها حرام، ونعلم أنَّه لم يخفَ عليهم دليل بحيث إنَّه إذا ظهر لغيرهم تعبّد ذلك الغير بالعمل به، وقد احتج العلماء على (١) صحةِ أحاديثَ بتلقي الأُمَّةِ لها بالقبول (٢) بناءً منهم على ما ذكرت مِنْ عِصمة الأُمَّة عن تلقي الباطل في
_________________
(١) في (ب): في.
(٢) نقل الحافظ السيوطي في " تدريب الراوي " ص ٦٧ في التنبيه الخامس عند قوله: قال بعضهم: يحكم للحديث بالصحة إذا تلقاه الناس بالقبول وإن لم يكن له إسناد صحيح قول ابن عبد البر في "الاستذكار" لما حكى عن الترمذي أن البخاري صحح حديث البحر " هو الطهور ماؤه ": وأهل الحديث لا يصححون مثل إسناده، لكن الحديث عندي صحيح، لأن =
[ ٢ / ٢٩٧ ]
نفس الأمر بالقبول والاعتقاد لصحته، وكذلك تمسَّكَ أصحابُنا به في بعض الأحاديث الدالةِ على صحة إمامة أمير المؤمنين علي ﵇ بتلقي
_________________
(١) = العلماء تلقوه بالقبول، وقوله في " التمهيد " بعد إيراده حديث جابر مرفوعًا "الدينار أربعة وعشرون قيراطًا": وفي قول جماعة العلماء وإجماع الناس على معناه غنى عن الإسناد فيه. وقال الحافظ ابن حجر في " النكت " ١/ ٤٩٤ - ٤٩٥: من جملة صفات القبول التي لم يتعرض لها شيخنا -يعني الحافظ العراقي- أن يتفق العلماء على العمل بمدلول حديث فإنه يقبل حتى يجب العمل به، وقد صرح بذلك جماعة من أئمة الأصول، ومن أمثلته قول الشافعي ﵁: وما قلت من أنَّه إذا غير طعم الماء وريحه ولونه يُروى عن النبي - ﷺ - من وجه لا يثبت أهل الحديث مثله، ولكنه قول العامة لا أعلم بينهم خلافًا، وقال في حديث: " لا وصية لوارث ": لا يثبته أهل العلم بالحديث، ولكن العامة تلقته بالقبول، وعملوا به حتى جعلوه ناسخًا لآية الوصية للوارث. وقال الحافظ السيوطي في " التعقبات على الموضوعات " ص ١٢ بعد أن ذكر حديث حنش عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - قال: " من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى بابًا من أبواب الكبائر ": أخرجه الترمذي، وقال: العمل على هذا عند أهل العلم. فأشار بذلك إلى أن الحديث اعتضد بقول أهل العلم، وقد صرح غير واحد بأن من دليل صحة الحديث قول أهل العلم به وإن لم يكن له إسناد يعتمد على مثله. وقال الحافظ السخاوي في " فتح المغيث " ص ١٢٠ - ١٢١: وكذا إذا تلقت الأمة الضعيف بالقبول يعمل به على الصحيح حتى إنَّه ينزل منزلة المتواتر في أنَّه ينسخ المقطوع به، ولهذا قال الشافعي رحمه الله تعالى في حديث " لا وصية لوارث " إنَّه لا يثبته أهل الحديث، ولكن العامة تلقته بالقبول، وعملوا به حتى جعلوه ناسخًا لآية الوصية. وقال العلامة الكمال بن الهمام في " فتح القدير " ٣/ ١٤٣: ومما يصحح الحديث أيضًا عمل العلماء على وفقه، وقاله الترمذي عقيب روايته حديث " طلاق الأمة ثنتان ": حديث غريب، والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب رسول الله - ﷺ - وغيرهم، وفي سنن الدارقطني ٤/ ٤٠: قال القاسم وسالم: عمل به المسلمون، وقال مالك: شهرة الحديث بالمدينة تغني عن صحة سنده. وذكر القاضي أبو يعلى الفراء في " العدة " ٣/ ٩٣٨ - ٩٣٩: عن مهنا: قال أحمد: الناسُ كلهم أكفاء إلا الحائك والحجام، والكسَّاح. فقيل له: تأخذ بحديث " كُلُّ الناس أكفاء إلا حائكًا أو حجامًا " وأنت تُضَعِّفهُ؟ فقال: إنما نضعف إسناده لكن العمل عليه. وقال مهنا أيضًا: سألتُ أحمد ﵀ عن حديث معمرٍ، عن الزهري، عن سالم، عن ابنِ عُمَرَ، عن النبي - ﷺ -: أن غيلان أسلم وعنده عشر نسوة. قال: ليس بصحيح، والعمل عليه، كان عبد الرزاق يقول عن معمر، عن الزهري مرسلًا.
[ ٢ / ٢٩٨ ]
الأمَة لها بالقبول.
فإِن قلتَ: فقد جاز على رسول الله - ﷺ - أن يَحْكُمَ في ما بين الناس، وإن كان خطأ في الباطن، ألا ترى إلى قولِه ﵇: " لعَلَّ بَعْضَكُم أنْ يَكونَ ألْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بعْضٍ، فَإذا حَكَمْت لأِحَدِكم بِمَالِ أخِيه فَإنَّما أَقْطَع لهُ قِطْعَةً مِنْ نَارٍ " (١) فإذا جاز ذلك على رسولِ الله - ﷺ -، فأولى وأحرى أن يجوزَ على الأمة.
قلت: الجوابُ من وجهين.
الأول: معارضة وهي أن نقولَ: يلزم على هذا تجويزُ الخطأ في التحليلِ والتحريمِ على رسول الله - ﷺ -، وهو ممنوع بالإجماعِ، سواء قلنا: إنَّه متعبّد بالاجتهاد أو لا.
الثاني: تحقيقٌ، وهو أن نقول: فرق بينَ الصورتين، فإن الدعاوي في الحقوق لا تزالُ مستمرةً في زمانه ﵇ وبعدَه، وقد عَلِمَ الله تعالى أن الوحي غيرُ مستمر بعدَه ﵇، ولم يكن لنا مصلحة في بناء الحكم بينَ الناسِ على العلم واليقين، فشرع تعالى الرجوعَ فيها إلى الظواهر من الشهادات والبيناتِ، وجعل الحكمَ فيها مستويًا في زمانه ﵇ وفيما بعده من الأزمان؛ إذ يمتنِعُ نزولُ الوحي كلما ادَّعى مدعٍ بعدَه ﵇، ولم تعلق بذلك المصلحة في زمانه ﵇، وكذلك سائرُ الأمور المتكررة لم يشرع فيها العملُ باليقين، والرجوع إلى نصوص الشريعة كرؤية الهلال في شهر رمضان، وأشهرِ الحج، ودخول أوقات الصلوات، فإن ذلك لما كان مستمرًّا جعل عليه أماراتٍ ظنية، وجعل
_________________
(١) متفق عليه، وقد تقدم في الصفحة ٢٩١.
[ ٢ / ٢٩٩ ]
تكليفَه ﵇ في ذلك كتكليف أُمته من غيرِ فرق.
وأما الشرائعُ التي تثبُتُ بالوحي، وتقرَّرَتْ قواعدُها، فلا تكونُ إلا بالوحي في حقِّه ﵇، وباتباع الأدلةِ الصحيحة التي لا باطلَ فيها، ولا في قواعدها باطنًا ولا ظاهرًا في حقِّ أمته المعصومة، والله ﷿ أعلَمُ.
وتلخيص المسألة: هل يجوزُ على المعصوم أن يخطىء ظنُّهُ؟ قال ابن الصلاح: لا يجوزُ، وسبقه إلى ذلك محمدُ بنُ طاهر المقدسي، وأبو نصر عبدُ الرحيم بن عبد الخالق بن يوسف.
قال النواوي: وخالف ابنَ الصلاحَ المحققون والأكثرون، فقالوا: يُفِيدُ الظن ما لم يتواتر.
قلت: مِن أدلة الجمهور ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَان﴾ [الأنبياء: ٧٩] وحديثُ " إِنَّما أقْطَعُ لَهُ قِطْعةً مِنْ نَارٍ "، وحديثُ " حكم داود بينَ المرأتين في الولد الذي تنازعاه، فإنه حَكَمَ به للكُبرى، ثم تحاكما إلى سُليمان، فحكم بقطعه نصفين بينهما، فقالت الصُّغرى: لا، فحكم به لها " (١).
ويُمْكنُ الجوابُ عن هذا كله أن الحديثَ وارد في القضاء بينَ الناس، والآية محتملة لذلك غيرُ ظاهرة في خلافه، وقد بينا الفرقَ بينَ القضاء وغيره، ولو جاز تخطئةُ المعصومِ في كل ظنٍّ، لزم أن لا يكون
_________________
(١) أخرجه أحمد ٢/ ٣٢٢ و٣٤٠، والبخاري (٣٤٢٧) و(٦٧٦٩)، ومسلم (١٧٢٠) والنسائي ٨/ ٢٣٥ من حديث أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: " كانت أمرأتان معهما ابناهما، جاء الذئب، فذهب بابن إحداهما، فقالت صاحبتها: إنما ذهب بابنك، فتحاكمتا إلى داود، فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود، فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسكين أشقُّه بينهما، فقالت الصغرى: لا تفعل يرحمك الله هو ابنها، فقضى به للصغرى ".
[ ٢ / ٣٠٠ ]
الإجماعُ حجةً في المسائل الظنية، وهو إلزامُ حسن فتأمَّلْهُ، ويمكن التزامه، لأن الأمة إنما عُصِمتْ عن الضلالة وهي منتفية على قول المصوِّبَةِ عُرفًا ولغة، وعلى قولِ المخطئة عرفًا، والعرف مُقدَّمٌ على اللغة إذا اختلفا.
وأما ما تقدم مِن الفرق بينَ القضاء من النبي - ﷺ - فيما بين الناس وبينَ التحليل والتحريم، فالجوابُ عنه أنَّه مما لا يمنع مِن تجويز الخطأ في ظَنِّ المعصوم، بل هو مما يَدُلُّ على جوازه، لأنَّه ﵇ إنما لم يجز أن يُخطِىءَ في التبليغ، لأنَّه لم يستند فيه إلى الظن.
قولهم: يجوز أن يكونَ متعبدًا بالاجتهاد.
قلنا: هذا التجويز لا ينتهض حجةً، فإن انتهض، فحجة ظنية مختصة به، وبمن يذهبُ إلى القول بذلك، والمقطوعُ به هو إصابة ظنه على تقدير اجتهاده، لكنه لا يقطعُ باجتهاده، وعلى تقدير القطع به، فليس معللًا بعصمته، إذ الخطأُ في المعصية لا يُناقِضُ العصمةَ إجماعًا كيف فيما لا يُسمى معصيةً؟ فمن أين يلزمُ إصابةُ ظَنِّ كل معصومٍ، وأحسنُ ما يُجابُ به عن هذا أنَّه لا مانع مِن القول بأنا متعبدون بمتابعة الأمة، وملازمةِ الجماعة وإن جوَّزنا عليهم الخطأَ في الظنيات، كما أنَّا متعبدون بالعمل بخبر الثقة وإن جوزنا ذلك عليه، وممن قال بذلك عبدُ الله بن زيد، ويدل على هذا ما ورد من الأمر المطلق بملازمة الجماعة مثل " يَدُ اللهِ عَلَى الجَمَاعَةِ، ومنْ شَذَّ شَذَّ إلى النَّارِ " رواه الترمذي (١) عن ابن عمر.
_________________
(١) رقم (٢١٦٧) وفي سنده سليمان بن سفيان المدني وهو ضعيف، وهو في " المستدرك " ١/ ١١٥ - ١١٦ و" السنة " لابن أبي عاصم (٨٠)، و" الأسماء والصفات " للبيهقي ص ٣٢٢.
[ ٢ / ٣٠١ ]
قال السيد: وقد ثبت بهذا بطلان حجة القابلين لفاسق التأويل
والذي يجمع بينَ هذه الأدلة أن متابعةَ الأمة واجبةٌ في الأصول والفروع، ودليلهم الظني في الفروع لا يَخْرُجُ عن كونه ظنيًّا، فيكون متعلقَ الظن دليلُ الحكم وطريقُه، ومتعلقَ العلم وجوبُ العمل، ولا تناقضَ في ذلك، وقد قال الفقهاء بمثل ذلك في تسمية الفقه علمًا، وقالوا: إنَّ الظن في طريقه، ومتى حصل، عَلِمَ المجتهدُ وجوبَ اتباع ظَنِّه، والله سبحانه أعلم.
وحاصِلُ المسألة: أنَّه يجوزُ الخطأُ في ظنِّ المعصوم لمطلوبه، لا لمطلوبِ الله منه، ولا يُناقِضُ العصمةَ بدليل العقل والسمع، أما العقل، فلأن معنى الظن يستلزِمُ تجويزَ الخطأ، فلو امتنعَ الخطأ في ظَنِّ المعصومِ، لم يكن ظنًّا، والفرضُ أنَّه ظن، وأما السمعُ، فلقول يعقوب في قصة يامين: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ [يوسف: ١٨] وقوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَان﴾ [الأنبياء: ٧٩] ولأنَّ النبي - ﷺ - سها في صلاته وهو يظنُّها تامة (١)، ولقوله: " فمَنْ حَكمْتُ لَهُ بِمَالِ أخِيهِ، فَإنَّما أقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ نَارٍ " ولأن هذا بمنزلة الخطأ في رمي الكفار.
قال: وقد ثَبتَ بهذا بطلانُ حجة القابلين لفاسقِ التأويل، وإنما الكلامُ: هل: هذه المسألة قطعية أم لا؟ أعني أنهم لا يقبلون، وعلى طريقةِ القاضي الباقلاني أنها قطعية، لأن القطعي عنده ما كان ظنُّ صحته
_________________
(١) = وأخرجه الطبراني في " الكبير " (١٣٦٢٣) من طريق آخر صحيح عن ابن عمر. وفي الباب عن ابن عباس عند الترمذي (٢١٦٦)، وسنده قوي.
(٢) أخرجه من حديث أبي هريرة، مالك في " الموطأ " ١/ ٩٣ - ٩٤، والبخاري (٤٨٢) و(٧١٤) و(٧١٥) و(١٢٢٧) و(١٢٢٨) و(١٢٢٩) و(٦٠٥١) و(٧٢٥٠)، ومسلم (٥٧٣)، وأبو داود (١٠٠٨) و(١٠٠٩) و(١٠١٠) و(١٠١١) و(١٠١٢)، والنسائي ٣/ ٣٠ - ٣١، والترمذي (٣٩٤) وانظر رواياته في " جامع الأصول " ٥/ ٥٣٧ - ٥٤٠ الطبقة الشامية.
[ ٢ / ٣٠٢ ]
أقول: يرد إشكالات
الإشكال الأول: أن السيد قد سلم أن الدليل على رد المتأولين ظني
الإشكال الثاني: أن قوله إن رد روايتهم يكون مقطوعا يستلزم كون الحقية في المظنون الراجح قطعا، ونفي الحقية من الموهوم المرجوح قطعا
أقوى، لأنَّه يجب العملُ بالظن الأقوى قطعًا، فيكون رد روايتِهم مقطوعًا به، ولا يَصِحُّ الاجتهادُ فيه، وهذا صحيحٌ في الأمارة الظاهرة التي تَقَعُ لِكُلِّ أحدٍ عندها الظن، وهذه المسألة من هذا القبيل، فثبت بذلك ما ذكرنا في هذه المسألة.
أقول: يرِدُ على كلامِه -أيَّدَهُ الله- في دعواه أنها قطعية إشكالات:
الإشكال الأول: أن السَّيد -أيده الله- قد سَلَّمَ أن الدليل على ردَّ المتأولين ظني، لكنه ادَّعى أنَّه ظن ظاهر لا يخفي على أحد، وادَّعى أن ما كان هكذا، فهو قطعي فجمع بين الدليل الظني والمدلول القطعي، وهذا لا يصِحُّ، لأن تسليمَك أن الدليل ظني يقتضي قطعًا تجويز أن يكون الحق في المرجوح، وتجويز ذلك يستلزم قطعًا تجويز أن يكونَ على ذلك الحق أمارات راجحة على هذا الأمر المظنون أنَّه حق ولكن المترجح له أن هذا المفروضَ أنه راجح، ما عرف تلك الأماراتِ، ولو عرفها لكانت أرجح عنده.
الإشكال الثاني: أن قولَه: إن رد روايتهم يكون مقطوعًا يستلزم كون الحقيَّة في المظنون الراجح قطعًا، ونفي الحَقِّيَّةِ عن الموهوم المرجوح قطعًا أيضًا، وهذا يقتضي أن الدليلَ يُفِيدُ العلمَ لا الظن؛ لأنَّه لا يَحْصُلُ بالعلم أكثر من القطع بأن الحق هو ما ذهبت إليه باطنًا وظاهرًا، وأن ما ذهب إليه الخصمُ باطلٌ باطنًا وظاهرًا، ولكن السَّيدَ -أيده الله- أقرَّ أن الدليل أمارة، وأنه يَحْصُلُ عندها الظن، فإن قال: مراده: أن العمل بتلك الأمارة الظاهرة التي لا تخفي على أحد واجب قطعًا على كل أحد، لا أنَّ (١) ما دلت عليه حق قطعًا، فلا يجوز القطعُ بالاعتقاد على حقِّيَّةِ مدلولها،
_________________
(١) في (ب): لأن.
[ ٢ / ٣٠٣ ]
لاشكال الثالث: أن نقول هل كونه راجحا معلوما بالضرورة أو بالدلالة وكلاهما باطل، فما استلزمهما، فهو باطل
ويجب العمل قطعًا بظاهر الظن المستفاد بها.
قلنا: هذا لا يَصحُّ، لأنَّه يستلزم أن يَنْصِب اللهُ على الباطل أمارة ظاهرة لكل أحد، ويوجب على كُلِّ أحد العمل بها، ويترك الحق بغير أمارة، وهذا لا يجوز على الله تعالى، وقد منع العلماء مِن أهون من هذا، فقالوا في الدليل على أن كل مجتهد مصيب: إنَّه لو لم يكن كذلك لكان قد كلَّفَهُ اللهُ بالحق، ولم يَنْصِبْ عليه دليلًا، وذلك يستلزم التكليف بما لا يَعْلَمُ، وهو لا يجوز على الله، أو كلَّفه بالخطأ الذي أدى إليه نظرُهُ، ولا يجوز على الله تعالى التكليفُ بالخطأ، هذا على القول بأن الحقَّ مع واحد، وعلى القول بتصويب الجميع يلزم تجويز أن يتْرُكَ الله الحق بغير دلالة ولا أمارة، ولا يُكلف به أحدًا، وهذا يناقض كونه حقًا، والفرض أنه حق هذا خُلف.
الإشكال الثالث: أن نقول: هل كونُهُ راجحًا معلومٌ بالضرورة أو بالدلالة؟ وكلاهما باطل، فما استلزمهما، فهو باطل، وبيانُ الملازمة ظاهر، وبيان بطلان القسمين أن نقول: لا يجوز أن يكونَ رجحانُ ردِّ المتأولين معلومًا بالضرورة، لأن العقلاء مشتركون في العلم بالضروريات، والمجيزون لقبول المتأولين خلقٌ كثير من الأئمة والعلماء والفقهاء لا يجوز تواطُؤُهُم على محض البَهْتِ، وصريحِ المعاندة، وهم منكرون للعلم برُجحان ردِّ المتأولين، فثبت أنَّه لو كان ضروريًا، لعلموه، لكنه قد ثبت أنهم لم يعلموه، فثبت أنَّه غيرُ ضروري، وأما أنَّه لا يجوز أن يكون الرجحان معلومًا بالدلالة، فلأنَّ الرجحان هو الظن، وثبوت الظن في القلوب، وانتفاؤه عنها من الأمور الوجدانية كالجوع والألم وغير ذلك، وليس في الأدلة ما يُوجب العلمَ الاستدلالي بالأمور الوجدانية، وإنما يصِحُّ
[ ٢ / ٣٠٤ ]
الإشكال الرابع: قد ثبت أنا لا نعلم في الأدلة العلمية غير الضرورة
الإشكال الخامس: نص علماء المنطق والمعقولات على أنه ليس بين الأمارة ومدلولها رابطة عقلية
العلم بها ضرورة مثل ما يعلم خجلُ الخجلِ، وألمُ الأليم في بعض الأحوال بالقرائن المشاهدة، لكنا قد بينا أن هذه المسألة ليست من الضرورياتَ، وبطل أيضًا أن تكون استدلالية، فبطل القطعُ برُجحان رَدِّ المتأولين.
الإشكال الرابع: قد ثبت أنا لا نَعْلَمُ في الأدلة العلمية غير الضرورة أنه قد حصل العلمُ للخصم، وأنه جحده عِنادًا وعمدًا (١)، وإنما نقول بذلك في مَنْ جَحَدَ العلومَ الضروريةَ، فكيف يَصِحُّ منك أن تقول في الظن -ومرتبتُهُ دون مرتبة العلم في الظهور والجلاءِ-: إنَّه قد حَصَلَ لكل أحد، وإنا نعلم حصولَه لكُلِّ أحد، ونعلم أنَّه خَالَفَ (٢) مع العلمِ بالرُّجحان مع أن العلم الذي دَلَّ عليه أدلةٌ قاطعةٌ مولدة له على جهة الإيجاب ما ارتقى إلى هذه المرتبة.
الإشكال الخامس: نص علماءُ المنطِق والمعقولاتِ على أنّه ليس بين الأمارة ومدلولِها رابطةٌ عقلية، واحتجُّوا على ذلك بما هو صحيح في المعقول (٣) وذلك لأنَّه لو كان بينه وبينَها رابطةٌ عقلية، لاستحالَ تخَلُّفُهُ عنها لأنه لا يَصِحُّ وجودُ اللازِمِ مع تخلُّف الملزوم، إذ لو صَحَّ ذلك، لما كان لازمًا، والفرضُ أنَّه لازم، هذا خُلف.
وكذلك الرابطةُ العقلية بين الأمارة والمظنون لو كانث ثابتةً، لم يتخلَّفِ المظنونُ عنها، وقد تخلَّف قطعًا ضرورة ووفاقًا بينَ العقلاء، فقول السيد: إن الحقَّ في ردهم قطعًا يستلزِمُ أن الحقية متعينة في رَدِّهم
_________________
(١) في (ب): عمدًا وعنادًا.
(٢) في (ب): قد خالف.
(٣) في (ب): بالمعقول.
[ ٢ / ٣٠٥ ]
الإشكال السادس: قوله إن القرينة دالة على رد المتأولين قرينة
الإشكال السابع: القول بأن في الظنيات قطعيا، قول غريب
الإشكال الثامن: قد بينا أن جماعة ادعوا إجماع الأمة على خلاف قول السيد
المتأولين لأجل ظهور القرينة المفيدة للظن، وذلك يستلزِمُ تلازم الحَقِّيَّةِ والظن الراجح، وذلك يستلزم أن يكونَ بينهما رابطة عقلية، وهو خلاف كلامِ العلماء وأدلة العقول.
الإشكال السادس: قولُه -أيده الله-: إن القرينة الدالة على ردِّ المتأولين قرينة ظاهرة حاصلة لكل أحدٍ، يقتضي أن المخالفين له في هذه المسألة قد حَصَلَ لهم رجحانُ دليله، وإنما عَدَلُوا تعمدًا للباطل، وقد رُوِيَ عن المُؤَيَّدِ بالله أنَّه خالف في هذه المسألة، فهذا يستلزم أن المؤيَّدَ ﵇ آثم، معاند، متعمدٌ لقول الباطل عند السيد.
الإِشكال السابع: القول بأن في الظنيات قطعيًّا، وتفسير تلك القطعيات بأنها ما ظهرت الأمارةُ الدالة عليها، وحصل الظنُّ بها لِكُل أحد قولٌ غريبٌ، لم أَعْلَمْ أنَّ أحدًا قال به إلا القاضي أبا بكر الباقلاني الأشعري، وهو عندك كافِرُ تصريحٍ. والظاهرُ مِن علماء الأصول أنهم لا يُثْبِتونَ القطعيات إلا في الأدلةِ العلمية المفيدة لليقين، فيلزم السيدَ القولُ بتأثيم مَنْ خالف الباقلاني في هذه القاعدة.
الإشكال الثامن: قد بَيَّنَّا أن جماعةً ادَّعَوْا إجماعَ الأمة على خلاف قولِ السيدِ منهم الإمام المنصورُ بالله، ويحيى بنُ حمزة، والمؤيَّد بالله، وغيرهم، فهؤلاء إما أن يصدقوا في دعوى إجماع الأمة كلهم أو لا، إن صدقوا لَزِمَ أن تكون الأمة قد اجتمعت على ضلالة، وإن لم يصدقوا، فلا أقلَّ من أن تكون دعوى الإجماعِ الذي تَطَابَقُوا على دعوى الإجماع فيه قولَ أكثرِ الأمة وجماهير العلماء، لأنَّ أقلَّ أحوال مُدعي الإجماع أن يبحث قبل الدعوى عن أقوالِ مَنْ يَعرفُ من عيون (١) العلماء، فلا يَعرِفُ خلافًا
_________________
(١) في (ب): وجوه.
[ ٢ / ٣٠٦ ]
الإشكال التاسع: أنه قد ثبت الخلاف في هذه المسألة بإقرار السيد
بعدَ الاستقصاء في الطلب وهؤلاءِ الأكابرُ قد ادَّعَوا الإجماعَ، وَهمْ مِن أهل الورع الشحيح، والاطلاع العظيم، فلم يكونوا لِيُجَازِفُوا بدعوى الإِجماع، وأقلُّ أحوالهم أن يكون ما ادَّعَوْا فيه إلإِجماع هو القولَ الظاهر المستفيضَ بَيْنَ عيون الأئمة وكبارِ علماء الأمة، والسيد قد قطع بتخطئتهم في هذه المسألة، ولم يَرْض بذلك حتى أخرج هذه المسألة من جملة الظنيات التي يُمْكِنُ رفع الإثم عن المخطىء فيها، فيلزم السيدَ تأثيم عيون الأئمة، وجماهيرِ علماء الأمة على كُلِّ حال، سواء صدق هؤلاء المُدَّعون للإجماع أو لم يصدقوا، والفرق بينَ هذا وبينَ السابع والسادس، أن السابع في مَنْ خالف في القاعدة كلها وهي إثبات القطعيات بالأدلة الظنية، وهي أعَمُّ مِن هذه، فإنَّ هذه مسألةٌ واحدة من جملة تدخل تحت تلك القاعدة من المسائل التي لا تنحصرُ، وأما السادسُ، فلأنه فيما يلزمه بإقراره من تأثيم المؤيَّدِ وفي هذا ما يلزمه بالدليل لا بالإقرار.
الإِشكال التاسع: أنَّه قد ثبت الخلافُ في هذه المسألةِ بإقرار السيد عن الفقهاء والمؤيَّدِ بالله، وقاضي القضاة، وأبي الحسين، فجميعُ هؤلاء الذين قَبِلُوا روايةَ فُسَّاق التأويل مثل الفقهاء والمؤيَّد بالله عند السيد قد بَنَوْا مذاهبَهم في الفروع الفقهية على قبولِ رواية المتأولين، لكن السيد قال: هي باطلة قطعًا، فيلزمُ السيدَ أن تكونَ مذاهبُهُم في الفروع الفقهية باطلة قطعًا، لأن الأصلَ إذا بطل بالقطع، بطل فرعُهُ بالقطع بالأولى، لأن الفرعَ أضعفُ مِن الأصل، وكُلُّ مجتهدٍ بنى اجتهادَه على أصلٍ باطل بالقطع من خلاف إجماع وغيرِه، فإنَّه لا يعتد بخلافه، فيلزم السيدَ بإقراره إبطالُ مذاهب المؤيَّد والفقهاء.
الإشكال العاشر: قد أجمعت الأمةُ على الاعتداد بمذاهب القابلين
[ ٢ / ٣٠٧ ]
الإشكال الحادي عشر: أنا قد قدمنا أن المؤيد والمنصور ويحيى ابن حمزة وغيرهم رووا الإجماع على قبول المتأولين
للمتأولين، فإن الزيدية أجمعت على الاعتداد بمذهب المؤيَّد، وسائرُ الفرق أجمعت على الاعتداد بمذاهب الفقهاء في الفروع، أما من يُجِيزُ تقليدَ الميت، فظاهر، وأما من لا يُجيزه، فاعتد بها في انعقاد الإجماع وعدمه، وأصلُ السَّيِّد هذا يؤدي إلى أن لا يعتد بالمؤيَّد بالله والفقهاء، فقد أدَّى إلى تخطئة الأمة بأسرها بإقراره أيضًا، لأنَّه مقر بثبوت الخلاف عن المؤيَّد بالله والفقهاء، ومقر بإجماعِ الأمة على الاعتداد بأقوالهم في الفروع، فثبت على مقتضى كلامه أن الأمة أجمعت على ما لا يجوز، لكن ذلك باطل قطعًا، فما أدَّى إليه فهو باطل.
الإشكال الحادي عشر: أنا قد قدمنا أن المؤيَّد، والمنصور، ويحيى بن حمزة وغيرهم رَوَوُا الإجماعَ على قبول المتأولين كما سيأتي تفصيلُ ذلك في الفصل الثاني. إن شاء الله، وبَيّنّا أن أقلَّ أحوالهم أن يعلموا أن ذلك مذهبُ جماهير الأئمة والأمة، والسيد قد قال: إن ذلك باطل قطعًا، فيلزمه أن مذهبَ جماهير الأئمة والأمة في الفروع باطل، لأنَّه انبنى على باطل، فقولُ السَّيِّد أدَّى إِلى بطلان الانتفاع بالفقه وعلم الفروع، لأن التهمة قد تَطَرَّقتْ إلى كل منهم، إذ كان هؤلاء العدول يدعون على الأمة أنَّهم قبلوا المتأوّل، وَبَنَوْا مذهبهم (١) على قبوله، فلا يَحِلُّ تقليدُ أحدٍ من الأمة إلا بتبرئة صحيحة، ونقل ثقة عن ثقة أنَّه لا يقبل المتأولين، وإلا فالظَّاهِر صدق هؤلاء الأئمة والعلماء، وصدقهم يتضَمَّن هدم ما بناه الناسُ مِن علم الفروع، فلم يسلم من هذه المشكلة أحد حتى الهادي والقاسم، فقد روى أبو مضر عنهما القولَ بقبول المتأول، وكذلك عموم رواية المؤيَّد بالله، والقاضي زيد وغيرهم تَدُلُّ على أنَّ مَذْهب القاسم ويحيى قبولُ
_________________
(١) في (ب): مذاهبهم.
[ ٢ / ٣٠٨ ]
الإشكال الثاني عشر: يلزم السيد أن الرادين لرواية المتأول
الإشكال الثالث عشر: أن الأمة أجمعت على عدم التأثيم لمن خالف العموم
الإشكال الرابع عشر: استدل بهذه الأدلة وكلها ظني
المتأول، لكن قبوله عند السَّيِّد باطل قطعًا، والفروع المبنية عليه باطلة قطعًا، فيلزم أن لا يعتد بقولهما ﵉، ولا بقول غيرهما من علماء الإِسلام، سواء قلنا بتقليد الميت أم لا، فلا يجوز تقليدُ أحدٍ إلا من علم بطريقٍ صحيحة أنَّه لا يقبل المتأولين ولا مرسل مَنْ يقبل المتأولين.
الإِشكال الثاني عشر: يلزم السيدَ -أيده اللهُ- أن الرادين لِرِواية المتأول إذا أجمعوا في الفروع، وخالفهم القابلون، انعقد الإِجماعُ وكان حجةً، لأنهم قد بَنَوْا مذاهبَهُمْ على باطل، والتبس ما بَنَوْه على الباطل بما بَنَوْه على الحق فترك جميعًا، فلم يعتد لهم بقول، فلم يجز تقليدُهم، وقد ذكر -أيَّده الله- إن مَنْ لم يبق له خلف يُقَلِّدونه، بطل قولُه، وانعقد الإِجماعُ على رأسه، فكذلك من يحرم تقليده بل هو أولى.
الإشكال الثالث عشر: أن الأمة أجمعت على عدم التأثيم لمن خالف العموم وأخبارَ الآحاد والقياسَ والاستدلالَ متأولًا في مخالفته، وقول السيد: إنها قطعية يستلزم تأثيمَ مَنْ خالف هذه الأدلةَ، أو أحدها متأولًا، وذلك أنَّه استدل بها، وزعم أن مدلولَها قطعي، فقد توجه عليه مخالفة الأمة إما في هذه القاعدة كلها، وإما في تخصيص أدلته، فإن خالفهم في القاعدة كُلِّها، أثم جميعُ المخالفين في الفروع، وإن خالفهم في هذه وحدها، تحكم.
الإشكال الرابع عشر: استدل بهذه الأدلة، وكلها ظني، ثم استنتج منها نتيجةً قطعية، وقد أجمع علماء البُرهان من المسلمين والفلاسفة أن مقدماتِ الدليل إذا كان كُلُّها قطعية إلا واحدة منها، فإن النتيجةَ تكون ظنية وقالوا: النتيجةُ تتبع أخَسَّ المقدمات، فكيف تكونُ مقدمات السَّيِّد كلها ظنية، ويقر بذلك، ثم يستنتج منها نتيجة، ويزعم أنها قطعية، وأن
[ ٢ / ٣٠٩ ]
الإشكال الخامس عشر: إذا كنت استدللت بأدلة ظنية، وادعيت القطع فما يمنع خصمك من مثل هذه الدعوة؟
الإشكال السادس عشر: أنا قد بينا غير مرة أن جماعة من الأئمة والعلماء ادعوا إجماع الأمة على قبول المتأولين
الإشكال السابع عشر: يلزم السيد الإنكار على من خالفه في هذه المسألة
المخالف له فيها على الخطأ قطعًا؟ ما كأنَّه قد خاض في علم النظر يومًا واحدًا، والفرق بين هذا وبين الإشكالِ الثاني أنا ألزمناه في الثاني أن تكونَ علميةً مع إقراره أن أدلتها ظنيةٌ، هذا خلف، وها هنا ألزمناه عكسَ ذلك، وذلك أنَّه ادَّعى أنها قطعية، فألزمناه أنها ظنية.
الإِشكال الخامس عشر: إذا كنتَ استدللتَ بأدلة ظنية، وادعيتَ القطع بأن الحقَّ معك، وأن خصمَكَ على الباطل، فما يمنع خصمَكَ من مثل هذه الدعوى؟ بل: ما يمنع من مثلها في كثيرٍ من مسائِلِ الفروع، وإنما بين المتناظرين الأدلة المفيدة للعلم، فمن ادعى القطعَ بأنَّه محق، وأن خصمَه مبطل أظهر ما عنده مِن البراهين المفيدة للعلم القاطعة للأعذار، وأما لو كَانَ مَن ادَّعى الحَقَّ كفاه أن يقول: لأني ظننتُ أنَّه حق بأمارات ظاهره لا تخفي على أحد، وظننتُ أن قولَ الخصوم (١) باطل مثل ذلك كان هذا الكلام مقدورًا لكل أحد.
الإشكال السادس عشر: أنا قد بيّنّا غير مرة أن جماعةً من الأئمة والعلماء ادَّعَوْا إجماعَ الأمة على قبول المتأولين، فيلزمه القطعُ بتكذيب من ادَّعى الإجماعَ من الأئمة مثل: المنصور بالله، ويحيى بنِ حمزة وغيرهم ممن يأتي ذكره. أقصى ما في الباب أن يقول: إنَّهم لم يكذبوا عمدًا لكنهم قد كذبوا عندك على سبيلِ الخطأ، لكن دعوى الإجماع ليست من مسائل الفروع التي كُلُّ مخطىءٍ فيها مصيب ومعذور.
الإشكال السابع عشر: يلزم السيدَ -أيده الله- الإنكارُ على مَنْ خالفه في هذه المسألة، وتحريم النزاع فيها، لكن لم يزل العلماءُ قديمًا
_________________
(١) في (ب): الخصم.
[ ٢ / ٣١٠ ]
الإشكال الثامن عشر: أنه يلزم من كلام السيد نقض الأحكام المبنية على شهادة المتأولين
الإشكال التاسع عشر: أنه يلزم تحريم نصب الحكام الذين يستحلون الحكم بشهادة المتأولين
وحديثًا يخوضون في هذه المسألة، ويذكرون الخلافَ فيها في كتب الفقه والأصول من غيرِ نكير مِن أحدِ الفريقين على الآخر، وهذا يقتضي بطلانَ قولِ السيد: إنها قطعية، ومما يدل على هذا أن أحدًا ما سبق السّيّد إلى هذا القول فيما نعلم، وهذه كتب الأولين والآخرين والسابقين والمقتصدين والزيدية، والشافعية والمعتزلة والأشعرية ما نعلمُ أنَّ أحدًا ذكر فيها أن هذه المسألة قطعية، وأوصدَ باب النزاع، وقطع طُرُقَ الخلافِ عنها إلا السيد أيَّده الله، فإنه سلك مسلك الغُلُوِّ في رسالته، والزيادة على أساليب العلماء في مصنفاتهم، فإن جميعَ مَنْ ذكَرَ هذه المسألة من العلماء ما زادوا على ذكر الخلاف والأدلة، وسكتوا عما يقتضي تأثيم المخالفين.
الإشكال الثامن عشر: أنَّه يلزمُ مِن كلام السَّيِّد نقضُ الأحكام المثبتة على شهادة المتأولين، لأن القاضي إذا أدَّاه اجتهادُه إلى مخالفة القطعيات نقض حكمه، وإن كان مذهبًا له، إذ لا معنى للمذهب الباطل قطعًا، وهذا يؤدي إلى نقضِ أحكام كثيرة، فإنَّ مذهب الفقهاء مبني على جواز هذا، وكذا حكام مذهب الزيدية إنما عملُهم في الغالب بما هو منصوص في " اللمع "، والمنصوص في " اللمع " قبول شهادة المتأولين، بل هذا يُؤدِّي إلى الشك في الأحكام كلها، لأنا لما علمنا أو ظننا أن الحكامَ مستحلون للحكم بشهادة المتأولين، وكانت باطلةً قطعًا، وقد اختلطتِ الأحكامُ ولم نعلم ما ترتَّب منها على شهادتهم وما لم يترتب، وجب الوقفُ فيها كُلِّها إلا في ما ثبت لنا أن الحكم فيه لم يترتب على شهادة متأول وكذلك يلزمُ مِن هذا نقض أحكام المقلدين للمؤيد والفقهاء ومَنْ بنى مذهبه على قبول المتأولين.
الإشكال التاسع عشر: أنَّه يلزمُ تحريمُ نصبِ الحكام الذين يستحِلُّونَ الحكم بشهادة المتأولين، سواء كانوا مجتهدين أو غيرَ مجتهدين، وسواء
[ ٢ / ٣١١ ]
الإشكال الموفي عشرين: أنه يلزم من هذا تحريم نصب الأئمة الذين يستحلون قبول المتأولين
الإشكال الحادي والعشرون: أنه يلزم القطع ببطلان إمامة من صح عنه قبول المتأولين
الإشكال الثاني والعشرون: أن السيد يلزمه أن يكون المؤيد بالله والفقهاء مجروحين غير مقبولين في الرواية
كانوا مقلِّدين لمن يقبل المتأولين، أو لمن لا يقبلهم، لأنهم يستحِلُّونَ شهادة المتأولين، وهذا عند السَّيِّد باطِلٌ قطعًا، ولا يحِلُّ نصبُ من يستحل الحكم بالباطل القطعي، وكلُّ هذا مخالف لما عليه أهلُ الإسلام في جميع أقطار الدنيا، فكان أولى بالبطلان.
الإشكال الموفي عشرين: أنَّه يلزم من هذا تحريم نصب الأئمة الذين يستحِلُّونَ قبولَ المتأولين، وذلك لأنَّهم حكام، ولا يجوزُ نصب مَنْ يستحِلُّ الحكم بالباطل القطعي، ولأنَّهم يستحلون نصبَ الحكام الذين يَرَوْن قبولَ المتأولين، وفي هذا مفسدة عظيمة وهي توليةُ مَن يَسْتَحِلُّ الحكمَ بالباطل.
الإِشكال الحادي والعشرون: أنَّه يلزم القطعُ ببطلان إمامةِ مَنْ صح عنه قبولُ المتأولين من كبار الأئمة الميامين لهذا الوجه الذي ذكرناه في الإشكال الذي قبلَ هذا، وكُلُّ هذا في غاية النكارة، فما أدى إليه، فهو أنكر، والبعد عنه أولى وأجدر.
الإشكال الثاني والعشرون: أن السَّيِّد -أيده الله- يلزمه أن يكون المؤيَّدُ بالله والفقهاء مجروحين عنده غيرَ مقبولين في الرواية، هذا بإقراره، ويلزمه مثلُ ذلك في حق المنصور، والإمام يحيى بن حمزة، والقاضي زيد، وعبدِ الله بن زيد، والهادي، والقاسم وسائر الأئمة.
فإن قلت: هذه عبارة منكرة.
قلت: لا شَكَّ في ذلك، ولكن أنكرُ منها ما أدى إليها.
فإن قلت: وأينَ كلامُ السَّيِّد الذي يلزم هذا منه؟
قلت: هو متفرق في موضعين من رسالته.
أحدهما: قولُه، إن الكاذب لا تُقْبَلُ روايتُه وإن كان متأولًا قياسًا على
[ ٢ / ٣١٢ ]
الخطابية، والجامع بينهما أن كل واحد منهما قد استحل الكذب للتأويل، فلما أجمعت الأمةُ على رَدَّ رواية الخطابية لعلة استحلالهم للكذب متأولين، لَزِمَ في كل من استحل الكذب متأولًا أن ترد روايته. وسيأتي الجوابُ عن هذه الشبهة الضعيفة، وإنما نذكر ها هنا طرفًا مما يلزمه، فنقول، كُلُّ مَن خالف في مسألة قطعية، فقد كذب متأولًا، فالمعتزلة قد كذبوا متأولين حيث قالوا: إن الخليفة بعدَ النبي - ﷺ - غيرُ أمير المؤمنين علي ﵇، وكذلك كُل متأول خالف في القطعيات، وقد قررت أن القول بردِّ رواية المتأولين قطعي، فيلزمك أن المخالف لك فيه كاذب متأول، لأنَّه قال: إن المتأول مقبول، وهذا عندك كذبٌ قطعًا، وقد استحله المخالف لك فوجب رَدَّ شهادته وروايته قياسًا على الخطابية.
فنقول: أما المؤيَّد، والفقهاء، وأبو الحسين، وقاضي القضاة فيلزمُك أنهم غيرُ مقبولين في الشهادة، ولا في الرواية، لأنَّك قررت أنهم قد خالفوك في هذه المسألة القطعية، وأما المنصورُ بالله، ويحيى بنُ حمزة، والقاضي زيد، وعبدُ الله بنُ زيد، فلأنهم قد كذبوا متأولين في موضعين.
أحدُهما: قولُهم: إن المتأولين مقبولون.
وثانيهما: في قولهم: إن الأمة مجمعة على ذلك، وهذه أغلظ من الأولى، لأنهم عندك ما قنِعُوا بما كذبوا حتى نسبُوه إلى الأمة والأئمة.
وأما الهادي، والقاسم، فإنما يلزمُك ذلك، لأن أبا مضر قد نسبه إليهم وهو ثقة، لأنَّه لم يختر ذلك لنفسه مذهبًا، إنما حكى ذلك عنهم، وقولك: إن أبا جعفر قد عارضه لا ينفعُك، لأنك قد قلت في رسالتك: إن الجارح مُقَدَّمٌ على المعدل، والمثبت مُقدَّمٌ على النافي، وكذا لا ينفعك أن تقول: إن هذه الأشياء لم تواتر عنهم، لأنك قد قلتَ في رسالتك: الجرح
[ ٢ / ٣١٣ ]
الإشكال الثالث والعشرون: أنه قد ثبت أن المخالفة في القطعيات معصية
يثبت بخبرِ الواحد بخلاف التكفير والتفسيق، وقلتَ، في مثل هذه الأشياء: أقل الأحوال أن يكون هذا موجبًا للشك، فلا تَحِلُّ الرواية عن أحد منهم حتى تحصل له تبرئة صحيحة من المخالفة لك في هذه المسألة القطعية، وأما سائرُ الأئمة، فإنما يلزمُك جرحُهم، أو الوقفُ فيهم، لأنَّه قد ثبت من عشرِ طرق كما يأتي بيانُه أن الأمة أجمعت على ذلك، وهذه الطرق العشر من جماعة قد تَحصَّلَ بخبرِ مثلهم التواتُر لا سيما وهم متفرقو الأوطانِ والأزمانِ، والبُلدان والأنساب، فَبَعُدَ تواطؤهم على الكذب لكنك لما علمتَ أن الأمة معصومة، وجب أن تقطع بأنهم ما صدقوا على الأمة كلها، لكن يعلم بالضرورة استحالةٌ تواطئهم على عمدِ الكذب، وصريحِ المباهتة، فيجب أن يُحْمَلَ كلامُهم على أنَّهم عَلِموا أن ذلك قولُ الأكثرين، ولم يعتدوا بالباقين إما لأنَّ المخالف إِذا ندر لم يعتبر عندهم، وإما لتوهمهم أن سكوتَ الباقين سكوت رضا، ونقول في دعواهم للإِجماع مثل ما قلنا في دعوى المعتزلة إجماع الصحابة في الإِمامة.
إذا ثبت - هذا فلا شَكَّ أنَّه قد التبس عليك الآنَ: مَن البريء من الأمة من هذه الدعوى، فلا تَحِلُّ الرواية عن أحدٍ من الأمة حتى تَحْصُلَ له براءة صحيحة غير معارضة بمثلها، شاهدة له بأنه لا يذهب إلى مخالفتك في هذه المسألة، ومن لم يحصل ذلك في حقه، بقي على الشك، فانظر أيُّها السيد إلى قول يُؤدي إلى التشكيك في قبول شهادة القاسم، ويحيى، والمنصور، والمؤيَّد فما أبعدَه عن الصواب.
الإِشكال الثالث والعشرون: أنَّه قد ثبت أن المخالفة في القطعيات معصية، وأن المخالفَ فيها غيرُ معذور بالتأويل، ألا ترى أن السيدَ -أيده الله- قال ما هذا لفظه: فيكون ردُّ روايتهم مقطوعًا به، ولا يصح الاجتهاد
[ ٢ / ٣١٤ ]
فيه، وهذا صحيح في الأمارة الظاهرة التي يقع لِكل أحدٍ عندها الظن، وهذه المسألة من هذا القبيل. انتهي كلامه.
فبين أن الاجتهاد لا يَصِحُّ، وعلى هذا لا يُعذَرُ مَن اعتذر به، وأيضًا قد بَيَّنَ السَّيِّد أن الأمارةَ الدالة على رد المتأولين ظاهرة يقع لكلٍ عندها الظن، فثبت بهذا أن المخالفين له -أيده الله- قد وقع لهم الظنُّ الراجح برد رواية المتأولين، وأن قبولهم للمتأولين مما هو عمل بالمرجوح قطعًا، وإنما توهموا أنَّه راجحٌ توهمًا لا حقيقةَ له؛ لما لم ينظروا على الوجه الصحيح. والتقصير في النظر في المسائل القطعية حرام.
فإذا تقرر هذا، فقد ثبت أنَّه لا يجوزُ العلمُ بصغر المعصية، فوجب أن يكونَ المخالف للسيد -أيَّده الله تعالى- عاصيًا معصيةً محتملة للكبر والفسق، ومحتملة للصغر، فلا يجوز في مَنْ صَحَّ عنه أنَّه خالف السَّيِّد في هذه المسألة أن يقطع بأن ظاهره الإسلامُ والإِيمان، ولا يقطع بأن ظاهره الفسقُ، بل نقف في أمره، ويكون الخلاف في الترضية عنه مثل الخلاف في الترضية عن المتقدمين على علي ﵇، لأنهم سواء، إذ كُلُّ منهم أخطأ في مسألة قطعية متأولًا، وأصرَّ على خطئه ومعصيته حتى مات فهذه مِئتا إشكال ونيف على مقدارٍ يسير من كلام السَّيِّد في كتابه أظهرتُ بيانها لِيظهر له أنْ (١) قد تعسَّف عليَّ في كتابه، وتعنتني في احتجاجه، فالله المستعان.
_________________
(١) في (ب): أنه.
[ ٢ / ٣١٥ ]
الفصل الثاني: في الدليل على قبول المتأولين ومعارضة الحجج، وفيه مسألتان
المسألة الأولى: الكلام في الفاسق بالتأويل، والذي حضرني الآن على قبوله خمس وثلاثون حجة (وما ذكر إلا اثنين وثلاثين حجة)
الحجة الأولى: الإجماع والذي يدل على صحة هذا الاجماع وجهان
الوجه الأول: أنه قد ادعى جماعة من الأئمة أن الصدر الأول أجمعوا على قبولهم، وبيان هذه الجملة يظهر في أربع فوائد
الفصل الثاني: في الدليل على قَبول المتأوِّلين، ومعارضة الحُجَجِ التي أوردهَا السيدُ مِن العمومات والأحاديث، وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: الكلامُ (١) في الفاسق بالتأويل. والذي حَضَرني الآنَ مِن الحجج على قَبوله خمسُ وثلاثون حُجةً، منها ما أوردتهُ للاعتماد عليه في الاحتجاج، ومنها ما أوردتهُ معارضةً لما أَورَدَه السَّيِّد من العمومات البعيدة.
الحُجَّة الأولى: الإجماعُ، وهو مِن أقوى ما يُحْتجُّ به في هذه المسألةِ؛ لأن حجج السَّيِّد كُلَّها عامَّةٌ، وهذه الحجة خاصةٌ، والإجماع الخاصُّ مُقَدَّمٌ على العمومات بإجماع، لأنَّه متأخر عنها، مُبيِّنٌ لها، فهو في أرفع مراتب الأدلَّةِ الظاهرة، وأقوى المتمسَّكَاتِ في مثل هذه المسألةِ، والذي يدل على صحة هذا الإجماعِ وجهان:
الوجه الأول: أنَّه قد ادَّعى جماعةٌ مِن الأئمة ﵈، وخلقٌ مِن سائر علماءِ الإسلام أنَّ الصدرَ الأوَّل من الصحابة ﵃ أجمعوا على قَبولِهم، ونقل هذا الإجماع عَدَدٌ كثير لا يأتي عليه العَدُّ، وأنا أُشير إلى جماعةٍ يسيرة من أعيانهم لم أتمكَّن في الوقت مِن ذكر أكثر منهم، وقد شكَّ جماعة من العلماء في صحة دعوى الإجماع من غير قطع على بطلانه، ولا رواية لِخلاف كان في ذلك بين الصحابة.
فاعلمْ أَنَّه لم يُنْقلْ عن أحدٍ مِن الصحابة أنَّه لا يقبلُهم ألبتة، وكذلك
_________________
(١) في (ب) و(ش): في الكلام.
[ ٢ / ٣١٦ ]
الفائدة الأولى: في الإشارة إلى طرف يسير من طرق الإجماع المروي في قبول فساق التأويل، وجملة ما حضر من ذلك عشر طرق
الطريق الأولى: طريق المنصور
لم يَدَّعِ أحدٌ من الخلف، ولا مِن السَّلَفِ أَن الأمة أجمعت على رَدِّ فساق التأويل. فتأمل هاتين الفائدتين وإنما وقع الخلافُ في إجماعهم على القَبول، فطائفةٌ من الأئمة والعلماء قطعوا بأنهم أجمعُوا على ذلك، وطائفة منهم شكُّوا في ذلك، وبيان هذه الجملة يَظهر في أربعِ فوائد:
الفائدة الأولى: في الإشارة إلى طرف يسيرٍ من طرق الإجماع المروي في قبول فُسَّاق التأويل، فاعلم أنَّ طرق نقل الإجماع في هذه المسألةِ كثيرةٌ لا سبيل إلى حصرها، وقد ذكر السَّيّدُ أبو طالب أن مَنْ قَبِلَ المتأولين فإنه يذهبُ إلى أنَّ الإجماعَ قد حصل في قبولِ شهادتهم وخبرِهم، وكلامُه ﵇ يدل على أَنَّ كُلَّ مَنْ يذهب إلى هذا المذهبِ، فقد روى الإِجماعَ على ذلك، ولا شَكَّ أن الذاهبينَ إلى هذا المذهب عدد كثير يزيدون على العددِ المشروط في التواتر أضعافًا مضاعفة، ولو حضرتنا تواليفُ كثيرٍ منهم لنقلنا ذلك عن كثيرٍ منهم بألفاظهم، ونحن نذكُرُ طرفًا يسيرًا من ذلك على حسب ما حضر مِن التواليف، وجملةُ ما حضر من ذلك عشرُ طرق:
الطريق الأولى: طريق الإمام المنصور بالله ﵇، فإنه ﵇ ادَّعى إجماعَ الأمة على قبول فساق التأويل، وذلك معروف في تصانيفه ﵇، وقد تيسَّر لي في وقت كتابة هذا الجواب نقلُه عنه ﵇ من موضعين:
الموضع الأول: كتاب " صفوة الاختيار " في أصول الفقهِ من تصنيفه ﵇، فإنه قال فيه ما لفظُه:
مسألة: اختلف أهل العلم في خبرِ الفاسقِ مِن جهة التأويل، فحكى شيخُنا الحسن بن محمد ﵀ عن الفقهاء بأسرهم، والقاضي، وأبي
[ ٢ / ٣١٧ ]
رشيد أنَّه يقبل إلاَّ أن يُعلم أنَّه ممن يستجيزُ الكذب كالخطَّابية (١) ومَنْ ضاهاها، وحُكي عن الشيخين أبي علي (٢) وأبي هاشم (٣) أنَّه لا يقبل، قال ﵀: وكان القاضي يقول: مذهبُ (٤) أبي علي وأبي هاشم أقيسُ، ومذهبُ الفقهاء أقربُ إلى الأثر، وكان يعتمِدُ الأولَ، وهو الذي نختارُه. والذي يدُلُّ على صحته إجماعُ الصحابة على قبوله، وإجماعُهم حجةٌ على ما يأتي بيانُه، أما أنهم أجمعوا، فذلك معلوم من ظاهر حالهم لمن تَصَفَّحَ أخبارَهم، واقتصَّ آثارهم، وذلك لأن الفتنة لما ظهرت فيهم، وتفرَّقوا فِرَقًا، وصاروا أحزابًا، وانتهي أمرُهم بينهم إلى القتلِ والقتالِ، وكان بعضُهم يروي عن بعضٍ بغير مناكرةٍ بينَهم، بل اعتمادُ أحدهم على ما يرويه عمَّن يُوافقه كاعتماده على ما يرويه عمَّن يُخالفه، وذلك ظاهر فيهم كروايتهم عن النعمان بنِ بشير (٥)، وروايتهم عن أصحاب الجمل، وعن
_________________
(١) هم أصحاب أبي الخطّاب محمد بن مقلاص، أبو زينب الأسدي الكوفي الأجدع الزراد البزاز، المقتول عام (١٣٨) هـ، وانظر تفصيل القول في هذه الفرقة في " مقالات الإسلاميين ": ١٠ - ١٣، و" التبصير ": ٧٣، و" الفرق بين الفرق ": ٢٤٧ - ٢٥٠، و" الملل والنحل " ١/ ١٧٩ - ١٨١، و" خطط المقريزي " ١/ ٣٥٢، و" نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام " ٢/ ٢٣١ - ٢٤٥.
(٢) هو شيخُ المعتزلة، وصاحبُ التصانيف، أبو علي محمد بن عبد الوهّاب البصري الجبائي، المتوفّى سنة (٣٠٣) هـ مترجم في " سير أعلام النبلاء " ١٤/ ١٨٣ - ١٨٥، وكان -كما يقول الإمام الذهبي- على بدعته - متوسعًا في العلم، سيال الذهن، وهو الذي ذلل الكلام وسهله، ويسر ما صعب منه.
(٣) هو أبو هاشم، عبد السلام بن محمد بن عبد الوهّاب البصري، المتكلم المشهور، شيخ المعتزلة وابن شيخهم، تُوفي ببغداد في شعبان سنة إحدى وعشرين وثلاث مئة. " العبر " ٢/ ١٨٧.
(٤) تحرفت في (ب) إلى: بمذهب.
(٥) هو النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة، الأميرُ العالمُ، صاحبُ رسول الله - ﷺ -، وابنُ صاحبه، ولد سنة اثنتين، وسمع من النبي - ﷺ -، وعُدَّ من الصحابة الصِّبيان باتفاق، وكان من أمراء معاوية، فولاَّه الكوفة، ثم وليَ قضاء دمشق بعد فضالة، ثم ولي إمرة حمص، روى =
[ ٢ / ٣١٨ ]
نَقَلَةِ أصحاب النَّهروان (١) وغيرهم، وكانوا في أمرهم بين راوٍ عنهم، وعاملٍ على مقتضى الرواية، وساكتٍ عن الإِنكار، وذلك يُفيد معنى الإِجماع، ولأنَّهم لما افترقوا، لم يختلفوا في أن الكذبَ لا يجوزُ، بل المعلوم من حالِهِم التشديدُ على مَنْ فعل ما يعتقدون قُبْحَهُ، أو كذب في شيء من كلامه.
ومن ذلك ما رُوي أن الخوارجَ لما نادت قَطَرِيَّ بنَ الفجاءة (٢) من خلفه: يا دابَّة يا دابة، فالتفت إليهم، وقال: كفرتُم، فقالوا: بل كفرت لِكذبك علينا وتكفيرك إيانا، وما قلنا لك إلاَّ ما قال اللهُ سبحانه: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] ثم قالُوا له: تُبْ من تكفيرك إيَّانا، فقال لعُبيدة بن هلال (٣): ما ترى؟ قال: إن أقررت بالكفر، لم يقبلوا توبتَك، ولكن قُلْ: إنَّما استفهمتكُم، فقلتُ: أكفرتم؟ فقالوا: لا ما كفرنا. ثم انصرفوا، فإذا كان الأمرُ كما ترى، كان من يقول: من كذب، كفر، روايتُه أولى من رواية مَنْ يقول: من كذب
_________________
(١) = عن النبي - ﷺ - مئة وأربعة عشر حديثًا، اتَّفق الشيخان له على خمسة، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بأربعة. قُتل في آخر سنة أربع وستين. " سير أعلام النبلاء " ٣/ ٤١١.
(٢) بليدة قديمة بين بغداد وواسط من الجانب الشرقي، وفيها سنة ٣٨ هـ كانت وقعة بين أمير المؤمنين علي ﵁، وبين الخوارج، قُتل فيها رأس الخوارج عبد الله بن وهب السبأي وأكثر أصحابه. " العبر " ١/ ٤٤.
(٣) هو الأمير أبو نعامة التميمي المازني، الفارس المشهور، رأسُ الخوارج، خرج زمن ابن الزبير، وهزم الجيوش، واستفحل بلاؤه، وقد كسر جيش الحجاج غير مرة، وغلب على بلاد فارس، وله وقائع مشهودة، وشجاعة نادرة، وشعر فصيح سائر، وخُطب بليغة، وقد استوفي أخبارَه المُبَرّدُ في " الكامل " ٣/ ٣٥٥ وما بعدها، وقد قُتل سنة تسع وسبعين هـ " سير أعلام النبلاء " ٤/ ١٥١ - ١٥٢.
(٤) هو عُبَيدة بن هلال اليَشكري، من رؤساء الأزارقة، وشعرائهم، وخطبائهم، كان مع قطري بن الفجاءة، ثم ولي بعده أمر الخوارج، قتله سفيانُ بن الأبرد الكلبي سنة (٧٧) هـ في حصن قُومِس بجبالِ طبرستان، وانظر " البيان والتبيين " للجاحظ ١/ ٥٥، و" الاشتقاق " لابن دريد: ٣٤٣، و" الكامل " لابن الأثير ٤/ ٤٤١ - ٤٤٣.
[ ٢ / ٣١٩ ]
فسق، لأن الإنسان قد يتجاسر على الفسق، ولا يتجاسر على الكفر، وقولُ مَنْ يقول: إن مَنْ عُرِفَ بالكذب في المعاملات لا يُقبل خبرُه، فكيف يُقبل خبرُ من عُرِفَ بالكذب على أفاضِل (١) الصحابة، وساداتِ المسلمين من المهاجرين والأنصار، وانتقاصهم لا يتَّسِقُ، لأن المعلوم مِن حالهم أنَّهم لا يكذبون على أفاضِلِ الصحابة في الرواية عنهم، وإنَّما يكذبون عليهم في الاعتقاد، وذلك خارج عن باب الإخبار، وكانوا لا ينتقِصُونَ إلاَّ مَنْ يعتقدون الصوابَ في انتقاصه ومحاربته.
فأما من عُلِمَ مِن حاله استجازةُ الكذب على آحاد الناس فيما يرويه عنهم فضلًا عن فضلاء الصحابة، لم يُقبل خبره كما قلنا في الخطابية ومَنْ شاكلهم، وإنَّما منعنا مِن قبول خبرِ الفاسق مِن جهة التصريح، فلأنا نعلم منه التجاسرَ على الكذب، والإقدامَ على القبيح، فلا تَسْكُنُ النفسُ إلى صدقه فيما يرويه، ولا يَغْلِبُ على الظن صحةُ ما يقوله، وليس كذلك الفاسق من جهة (٢) التأويل لأنَّه لا (٣) يُقْدِمُ على ما يعلم كونه قبيحًا، فصح ما قلناه. انتهي كلام المنصور ﵇ في كتاب " الصفوة ".
الموضع الثاني: كتاب " المهذب " (٤) فإنَّه ﵇ قال في كتاب " الشهادات " منه ما لفظه: وقد ذكر أهلُ التحصيلِ من العلماء جوازَ (٥) قبولِ أخبار المخالفين في الاعتقادات، وروى عنهم المحققون بغير مناكرةٍ، ذكره ﵇ في كتاب " الشهادات " محتجًّا به على قبولِ
_________________
(١) في (ب): على فاضل الصحابة.
(٢) من قوله: " التصريح " إلى هنا سقط من (ب).
(٣) سقطت " لا " من (ب).
(٤) تحرف في (ب) إلى: المهدي.
(٥) سقطت من (ب).
[ ٢ / ٣٢٠ ]
شهادتهم.
قال ﵇: لأن الإخبارَ نوع من الشهادة، وتجري مجراها في بعضِ الأحكام، والدليلُ على أنَّه ﵇ ادَّعى الإجماعَ في هذا الكلامَ وجوه:
أولها: -وهو أقواها- أنَّه احتجَّ على جواز الشهادة بالقياسِ على الأخبار، واحتجَّ على قبولهم في الأخبار بأنَّ المحصلين ذهبوا إلى جواز ذلك بغيرِ مناكرة، فلو أراد بالمحصِّلين بعضَ العلماء، أو أراد بغير مناكرة مِن بعضهم مع وجود المناكرة مِن البعض، لم يكن ذلك إجماعًا، ولو لم يكن إجماعًا، لم يكن فيه حجة، وقد ثبت أنَّه جعله حجةً، وقاسَ عليها، ولفظهُ صالح لإفادة دعوى الإجماع في اللغة من غير تعسُّفٍ ولا تأويل، فوجب القولُ بظاهره، وتأكَّد الظاهرُ بهذه القرينة.
وثانيها: أنَّ ظاهر كلامه يقتضي دعوى الإجماعِ من غير قرينة، وذلك لأنَّ قولَه: إن أهلَ التحصيل من العلماء ذكروا جوازَ ذلك يَعُمُّ جميعَ أهلِ التحصيل ولم يخرج مِن هذا اللفظ إلاَّ مَنْ ليس مِن أهل التحصيل، ومن لم يكن مِن أهل التحصيل، فليس بمجتهد لا في الوضع اللغوي، ولا في العرف الطارىء، لأنَّه ليس يَصحُّ أن يقَالَ لِعالم مجتهدٍ من علماء الإسلام: إنَّه ليس مِن أهل التحصيل.
وثالثها: قولُه بغيرِ مناكرة مطلقٌ يقتضي نفي المناكرة (١) عن جميع الأُمَّةِ، وقد أطلق القولَ في ذلك، ولم يُقيده بقيدٍ، فأفاد الإجماعَ على أنه -﵇- قد صرَّح بدعوى الإجماع في كتاب " الصفوة "، وإنَّما
_________________
(١) تحرف في (ب) إلى: الناكرة.
[ ٢ / ٣٢١ ]
الطريق الثانية: طريق المؤيد يحيى بن حمزة
الطريق الثالثة: طريق المؤيد بالله
أحببنا التبركَ بالاستكثار من كلامه، فمن استكثر من كلامه، فقد استكثر مِن طيب.
الطريق الثانية: طريقُ الإمامِ المؤيَّدِ بالله يحيى بنِ حمزة ﵇، فإنَّه قال: إن الإجماعَ منعقدٌ على قبول رواية الخوارج مع ظهور فسقهم وتأويلهم، قلتُ: ما خلا الخطابية. هذا كلامُه ﵇ في " المعيار ".
وقال ﵇ في باب الأذان في " الانتصار ": وأما كفارُ التأويلِ -وهم المجبرة، والمشبِّهة والروافض والخوارجُ- فهؤلاء اختلف أهلُ القبلة في كفرهم، والمختارُ أنهم ليسوا بكُفَّارٍ، لأن الأدلة بكفرهم تحتمِلُ احتمالاتٍ كثيرة. وعلى الجملة، فمن حكم بإسلامهم، أو بكفرهم، قضى بصحة أذانهم، وقبول أخبارهم وشهاداتهم.
وقال ﵇ في كتاب " الشهادات " من هذا الكتاب: ومن كَفَّر المجبرة والمشبِّهة، قَبِلَ أخبارَهم، وأجاز شهاداتهم على المسلمين وعلى بعض، وناكحوهم، وقبروهُم في مقابر المسلمين، وتوارثوا هُمْ والمسلِمُونَ (١).
الطريق الثالثة: طريقُ المؤيَّد بالله ﵇، فإنه قال في كفار التأويل دَعْ عنك الفساقَ ما هذا لفظُه: فعلى هذا شهادتُهم جائزة عند أصحابنا. هكذا ثبت هذا اللفظ عنه في كتاب " اللمع " وكتاب " التقرير " وغيرهما أنَّه روى جواز الشهادة دَعْ عنك الرواية عنِ الكفار، دع عنك الفساقَ عن أصحابِنا بلفظ العموم من غير استثناء لأحد منهم، لا متقدِّمٍ ولا
_________________
(١) في (ب): والمسلمين.
[ ٢ / ٣٢٢ ]
الطريق الرابعة: طريق السيد أبي طالب
متأخر. وقد تمسَّك السَّيِّد أيَّدَهُ اللهُ بمثل هذا في الإجماع، فروى في كتابه عن أبي طالب ﵇ أنَّه قال: إلَّا أن المشهورَ والمعمولَ عليه عند أصحابنا ما يقتضيه أصولُه مِن المنع منه.
قال السَّيِّد أيَّده الله: فقولُه " عند أصحابنا " لفظ عموم يقتضي حكايةَ إجماعهم هذا لفظ السَّيِّد في المسألة الأولى في وضع اليُمنى على اليُسرى، فقد احتججنا على السَّيِّد بما نَصَّ على أنَّه طريق إلى معرفة الإجماعِ وهذا غايةُ الإنصاف، ولم نُوافِقْه على ما ذكره إلاَّ وهو كما قال، لأنَ المؤيَّد ﵇ لولا أنَّه لا يعلمُ فيه خلافًا بين أصحابنا، لقال: عندَ بعض أصحابنا، أو عند أكثرهم، أو عند كثير منهم، أو عند متأخريهم أو متقدميهم، لكنه ﵇ ترك هذه العبارات التي تُفيد الاختلافَ، وعدل عنها إلى العبارة العامة المستغرقة المفيدة لاجتماعهم على قبولِ كفار التأويل، والواجبُ حمل كلام العلماء على ظاهره، لا سيّما وقد قال أخوه السيد أبو طالب ﵇ ما لفظه: ومن يُجيزُ شهادَتهم يذهب إلى أن الإجماعَ قد حصل في قبول شهادتهم وخبرهم، ذكره في " اللمع " وغيره فهذه رواية من أبي طالب عن أخيه المؤيَّد بالله ﵇ أنَّه يذهب إلى أن الإجماعَ قد حصل على قبولِ خبرهم وشهاداتهم، فبيَّنَ بهذا أن الظاهر من كلام المؤيَّد بالله ﵇ أنَّه يذهب إلى أن الإِجماعَ قد حصل على قبولِ خبرهم وشهاداتهم، فتبيَّن بهذا أن الظاهرَ مِن كلام المؤيد بالله ﵇ دعوى إجماعِ (١) العِترة، وهو حجة ظاهرة.
الطريق الرابعة: طريقُ السَّيِّد الإمام أبي طالبِ ﵇، فإنه قال في كتاب " المجزىء " ما لفظُه: والذي يَعْتمِدُهُ الفقهاءُ في نصرة
_________________
(١) في (ب): دعوى الإجماع.
[ ٢ / ٣٢٣ ]
المذهب الأول -يعني قبولَ المتأولين- هو الرجوعُ إلى إتِّفاقِ الصحابة والتابعين على ذلك قالوا: لأن المعلومَ مِن حالهم أنهم كانوا يُراعون في قبول الحديث والشهادة الإِسلامَ الذي هو إظهارُ الشهادتين، والتنزّه عمَّا يُوجب الجرحَ، وُيسقِطُ العدالةَ من أفعالِ الجوارح دونَ أمر المذاهب، وأنهم كانوا مجمعينَ على التسوية بين الكل فيمن هذه حاله في قبول شهادته وحديثه مع العلْمِ باختلافهم في المذاهب، وهذه حكايةٌ من أبي طالب ﵇ عن جميع الفقهاء أنَّهم ادَّعوا العلم بالإجماع.
ولما فرغَ مِن الحكاية أرادَ ﵇ أن يُحَرِّرَ دعواهم للإجماع بِأفْصحَ مِن عبارتهم، ويقَرِّرَ مَا رَوَوهُ بأوضح مِن دلالتهم، فقال ﵇ ما لفظُه: وُيمكن أن يُزاد في نصرة هذه الطريقة أن يقال: إنَّه لا إشْكَال في حدوثِ الفسق في أواخر أيَّامِ الصحابة فيما يتعلَّق بالاعتقاد، كمذهب الخوارج، وفيما يتعلق بأفعال الخوارج كفعل (١) البُغاة، والمعلوم من أحوال جماعتهم أن شهادتَهم كانت تُقْبَلُ وأخبارُهم لا تُرَدُّ، ولو رد ذلك لكان ينقل الرد كما نُقِلَ سائرُ الأحوال المتعلقة بمنازعة بعضهم لبعض. ثم تكلَّم ﵇ في ما يُجاب به، وما ينقض به تلك الأجوبة على منهاج أهل النظر والإنصافِ من غير تجريح على المخالف، ولا دعوى لِوضوح (٢) دليله في المسألة حتَّى لا يخفى على أحدٍ، كما فعل السَّيِّد أيده الله، ولم يَرْضَ بعبارتهم في دعوى الإِجماع حتى هذَّبها، فأحسنَ تهذيبَها، وحرَّرها فأجاد تحريرَها، وختَمَ كلامَه في المسألة بأن قال: والمسألةُ محتمِلَةٌ للنظر. ولم يقل كما قال السَّيِّدُ -أيَّده الله-: إن المسألة قطعيةٌ، وإن الحق معه دون
_________________
(١) في (ب): كأفعال.
(٢) تحرفت في (ب) إلى: " لو صرح ".
[ ٢ / ٣٢٤ ]
الطريق الخامسة: طريق القاضي زيد
الطريق السادسة: طريق الفقيه عبد الله بن زيد
غيره، وإن دليلَه لا يخفي على أحدٍ من العُقلاء. وسيأتي كلامُ أبي طالب ﵇ الذي أورده في دعوى الإجماع.
فإن قلْتَ: كيف تروي الإجماعَ مِن طريق أبي طالب، وهو متوقف في صحته؟
قلتُ: إنَّما قصدتُ التمسك برواية الإجماعِ عن الفقهاءِ من طريقه ﵇، فإنَّه قد روى عن الفقهاء بأسرهم أنَّهم رَوَوا الإجماعَ، وهو ﵇ ثقة، والفقهاءُ ثقات أيضًا.
الطريق الخامسة: طريقُ القاضي زيد (١) رحمه الله تعالى، وذلك ما رواه الأمير الحسين بن محمد (٢) ﵀ في كتاب " التقرير " فإنَّه قال فيه ما لفظُه: وفي " الوافي ": لا بأسَ بشهادة أهلِ الأهواءِ إذا كان لا يرى أن يَشْهَدَ لموافقه بتصديقه وقبول يمينه تجريحًا.
قال القاضي زيدٌ ﵀: وذلك لأنَّ الإجماعَ قد حَصَلَ على قبول خبرهم، فجاز أن تُقْبَلَ شهادتُهم، هذا كلامُ القاضي زيد ﵀ وهو نظيرُ كلامِ المنصور بالله ﵇ في " المهذَّب " في تخصيص دعوى الإِجماع بقبول الأخبارِ دونَ الشهادة، وقياس الشهادة عليها، وكثيرٌ مِن العلماء ادَّعى الإجماعَ على قبول الشهادة والأخبار معًا، كما هو بَيِّنٌ فيما نقلناه عنهم، وكلامُ القاضي زيد يَعُمُّ الكفارَ والفُسَّاقَ، فكيف وإنَّما
_________________
(١) انظر فهرس مخطوطات المكتبة الغربية بالجامع الكبير بصنعاء ص ٢٦٤ - ٢٦٥.
(٢) هو الأمير الحسين بن محمد بن أحمد بن يحيى، من نسل الهادي إلى الحق يحيى بن الحسن، فقيه من علماء الزيدية من بيت الإمامة، له تآليف كثيرة أشهرها: " شفاء الأوام في التمييز بين الحلال والحرام "، و" الأجوبة العقيانية على الأسئلة السفيانية "، تُوفِّي سنة (٦٦٢) هـ. انظر " فهرس مخطوطات المكتبة الغربية ": ٨٥ - ٨٩، و" الأعلام " للزركلي ٢/ ٢٥٥ - ٢٥٦.
[ ٢ / ٣٢٥ ]
الطريق السابعة: طريق الشيخ أبى الحسين محمد بن علي البصري
كلامُنا في هذه المسألة في الفساق فقط.
الطريق السادسة: طريقُ الفقيه العلامة عبد الله بن زيد، فإنه قال:
-وقد ذكر (١) فاسقَ التأويل وكافره- والمختارُ: أنه يُقبل خَبَرُهُما متى كانا عَدلَيْن في مذهبهما، وهو قولُ طائفة من العلماء، قال: والذي يَدُلُّ على صحة قولنا أن الصحابة أجمعت على ذلك، وإجماعُهم حجة. إلى قوله ما لفظه: يُبيِّنُ ذلك وُيوضحه أن من عرف الأخبارَ، وبحث عن السِّيَرِ والآثار، عَلِمَ أنهم أجمعوا على ذلك، ولهذا، فإنهم كانوا يقبلون الأخبارَ بينهم في حال الفتنة وبعدَها، ولا يُمَيِّزونَ بينَ ما وقع قبل الفتنة وبعدَها، وبذلك جرت عادة التابعين، فإنَّهم كانوا ينقلون الأخبارَ عن الصحابة من غير تمييز لما رُوِيَ قبل الفتنة وبعدَها. تم بلفظه من " الدرر المنظومة ".
الطريق السابعة: طريق الشيخ أبي (٢) الحسين محمد بن علي البصري، فإنَّه قال في كتاب " المعتمد " (٣) بعد ذكر حجة من رَد خبر المتأولين ونقضِه لكلامهم، وجوابه عليهم إلى أن قال: وعند جُلِّ الفقهاء أن الفسقَ في الاعتقادات لا يمنع مِن قبول الحديثِ، لأن مَنْ تقدم قد قَبِلَ (٤) بعضُهم حديثَ بعضٍ بعد الفُرْقَة، وقَبِلَ التابعون روايةَ الفريقين من السلف، ولأنَّ الظن يقوى بصدقِ مَنْ هذه سبيلُه إذا كان متحرجًا إلى قوله:
وأما الكفر بتأويل، فذكر قاضي القضاة -أيَّده الله- أنَّه يمنع مِن قبول الحديث قال: لاتفاق الأمة على المنع مِن قبول خبر الكافر، قال:
_________________
(١) في (ب): وقد ذكرنا.
(٢) في (ب): أبو.
(٣) ٢/ ١٣٤ - ١٣٥.
(٤) تصحف في (ب) إلى: " قيل ".
[ ٢ / ٣٢٦ ]
والفقهاءُ إنَّما قَبلُوا أخبارَ من هو كافر عندنا، لأنهم لم يعتقدوا فيه أنَّه كافر.
قال أبو الحسين: والأولى أن يُقبل خبرُ من كفر أو فسق بتأويل إذا لم يخرج من أهل القبلة وكان متحرِّجًا، لأن الظنَّ لصدقه غير زائل، وادعاؤه الإِجماعَ على نفي قبولِ خبرِ الكافر على الإطلاق لا يَصِحُّ، لأن كثيرًا من أصحابِ الحديثِ يقبلون أخبار سلفنا ﵏ كالحسن (١) وقتادة (٢) وعمرو (٣) مع علمهم بمذهبهم وإكفارِهم مَنْ يقول بقولهم، وقد نصُّوا على ذلك.
_________________
(١) هو الحسن بن أبي الحسن البصري يسار، أبو سعيد، مولى زيد بن ثابت الأنصاري المتوفَّى سنة (١١٠) هـ. كان ﵀كما وصفه ابن سعد- جامعًا، عالمًاْ، رفيعًا، فقيهًا، ثقة، حجة، مأمونًا، عابدًا، ناسكًا، كثير العلم، إلا إنَّه مع جلالته -كما يقول الذهبي- مدلس، ومراسيله عن الضعفاء ليست بذاك. وقال أبو سعيد بن الأعرابي: كان يجلس إلى الحسن طائفة من هؤلاء، فيتكلم في الخصوص حتى نسبته القدرية إلى الجبر، وتكلم في الاكتساب حتى نسبته السنةُ إلى القدر، كل ذلك لافتنانه، وتفاوت الناس عنده، وتفاوتهم في الأخذ عنه، وهو بريء من القدر، ومن كل بدعة، وقد روى له الجماعة. " سير أعلام النبلاء " ٤/ ٥٦٣ - ٥٨٨.
(٢) هو قتادة بن دِعامة بن قتادة بن عزيز، حافظ العصر، وقدوة المفسرين والمحدثين، أبو الخطاب السَّدوسي البصري الضرير الأكمة، المتوفَّى سنة (١١٨) هـ، كان من أوعية العلم، وممن يُضرب به المثل في قوة الحفظ، خرَّج حديثَه الجماعة. قال الإمام الذهبي: هو حجة بالإجماع إذا بيَّن السماع، فإنه مدلس معروف بذلك، وكان يرى القدر، نسأل الله العفو، ومع هذا فما توقف أحد في صدقه، وعدالته، وحفظه، ولعل الله يَعذِر أمثاله ممن تلبَّس ببدعة يريد بها تعظيم الباري وتنزيهه، وبذل وسعه، والله حَكمٌ عدل لطيف بعباده، ولا يُسأل عما يفعل. ثم إن الكبير من أئمة العلم إذا كثُر صَوابُه، وعُلم تحرِّيه للحق، واتَّسع علمه، وظهر ذكاؤه، وعُرف صلاحه وورعه واتباعه، يُغفر له زلَلُه، ولا نُضلِّله ونطرحه، وننسى محاسنه، نعم، ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك. " سير أعلام النبلاء " ٥/ ٢٦٩ - ٢٨٣.
(٣) هو عمرو بن عُبيد بن باب الزاهد، العابد، القدري، كبير المعتزلة وأوَلُهم أبو عثمان البصري، جالس الحسن البصري، وحفظ عنه، واشتهر بصحبته، ثم أزاله واصل بن عطاء عن مذهب أهل السنة، فقال بالقدر ودعا إليه، وقد ضعفه غير واحدٍ من الأئمة. مات سنة (١٤٤) هـ بطريق مكة. مترجم في " سير أعلام النبلاء " ٦/رقم الترجمة (٢٧).
[ ٢ / ٣٢٧ ]
الطريق الثامنة: طريق الشيخ أبي سعد المحسن بن محمد بن كرامة
وقول أبي الحسين: " على الإِطلاق " يعني أنَّه لم يقيد ذلك الكفر المجمع على ردِّ صاحبه بالكفر المخرج عن المِلَّةِ.
الطريق الثامنة: طريقُ الشيخ العلاّمة الحاكم أبي سعد المحسن بن محمد بن كرامة رحمه الله تعالى، فإنه قال في كتابه " شرح العيون " ما لفظُه: الفاسقُ مِن جهة التأويل يُقبل خبرُه عند جماعة الفقهاء وهو قولُ أبي القاسم البلخي، وقاضي القضاة، وأبي رشيد.
وقال أبو علي وأبو هاشم: لا يُقبل، ووجهُ ذلك إجماعُ الصحابة والتابعين، لأن (١) الفتنة وقعت وهُمْ متنافرون وبعضُهم يُحدِّث عن بعض مع كونهم فِرَقًا وأحزابًا مِن غير نكير. يُوضِّحُهُ أَنَّهم مع كثرة الاختلاف والمقاتلة، وسفكِ الدماء وكانت الشهادات مقبولةً، فلم يَرُدَّ أحدٌ شهادةً لأجل مذهب مع معرفتهم بالمذاهب، وذلك إجماعٌ منهم على قبول الشهادة، كذلك الخبرُ، ويدل عليه أن عليًا وطلحة والزبير وعائشة ﵃ اختلفوا وتقاتلُوا، ثم لم يَرُدَّ بعضُهم خبرَ بعض، ولم يَردُّوا خبرَ عبدِ الله بن عمرو يعني ابنَ العاص لِكونه مع معاوية، ولأنَّه مع تلك الاعتقادات مُتنَزَّهٌ عن الكذب وُيحرمه، بل ربما كَفَّرَ مَنْ كذب كالخوارج، فوجب أن يُقبل خبرهم، ولأن الخطأ بالتأويل يُزيل التهمة وتعمدَ الكذب بخلاف الفسق من جهة ارتكاب المحظورات مِن غير تأويل وهذا على ما روي عن بعضهم أنَّه سُئِلَ عن شهادة الخوارج، فقال: شهادة من يُكفر بكذبه أولى مِن شهادة من لا يرى ذلك، احتجُّوا بأن الفسقَ مِن جهة الفعلِ يُوجب رَدِّ الخبر، فَمِنْ جهة الاعتقاد أولى.
_________________
(١) في (ب): على أن.
[ ٢ / ٣٢٨ ]
الطريق التاسعة: ما ذكره صاحب " شفاء الأوام "
والجوابُ: أن مَنِ ارتكب محظورَ دينه لا يُفرق أن يكذب في خبره وشهادته بخلاف الاعتقاد، لأن تأويلَهُ يُزيل التُّهمة.
فإن قيل: لو ارتكبه مع العلمِ، أثَّرَ في خبره، فمعَ الجهل أولى، لأنهما (١) معصيتان.
قلنا: مع الجهل والتأويل رباطُ التمسك بالدِّيانة لم يَنْحَلَّ، فإذا أقدم مع العلم فقدِ انحلَّ، يُوضحه مَن استخفَّ بأبيه مع العلم لا يكونُ كمن استخفَّ وهو لا يعلم أنَّه أبوه، وكذلك مَنْ كشف عورتَه بحضرة النبي - ﷺ - وهو لا يعلمُه لا يكون (٢) كمن كشف وهو يعلمُه، لأنَّه يكفر. إلى قوله: فأما الفتوى، فأبو القاسم جرى على أصله، وقال: يُقْبَلُ خبرُه وفتواه إذا كان مِن أهل الاجتهاد، والشيخان مرَّا على أصلهما، وقالا: لا يُقبل خبره ولا فتواه، والقاضي فرق بينهما.
قلتُ: وكذلك الإمامُ يحيى بنُ حمزه، فإنه اختار في " المعيار " أنه يجوز قبولُ فتواهم مثلَ قول أبي القاسم البلخي.
الطريق التاسعة: ما ذكره صاحبُ " شفاء الأوام " ﵀ في كتاب الوصايا في باب ما يجوز من الوصية وما لا يجوز، فإنه قال فيه ما لفظه: وقولُنا إنَّ الوصية لا تجوزُ إلى الفاسقِ يُريدُ الفاسقَ المجاهر، فأما الفاسق مِن جهة التأويل، فلسنا نُبْطِلُ كفاءَته في النكاح كما تقدم، ويُقبل خبرُه الذي يجعله أصلًا للأحكام الشرعية لإجماعِ الصحابة ﵃ على قبولِ أخبار البغاة على أميرِ المؤمنين ﵇، وإجماعُهم
_________________
(١) في (ب): لأنها، وهو خطأ.
(٢) في (ب): ليس.
[ ٢ / ٣٢٩ ]
الطريق العاشرة: طريق أحمد بن محمد الرصاص
الطريق الحادية عشرة والثانية عشرة: طريقا الشيخين أبي محمد الحسن بن محمد بن الحسن الرصاص والشيخ أبي عمرو عثمان بن عمر بن الحاجب
حجة. انتهي بحروفه (١).
الطريق العاشرة: طريق الشيخ أحمد بن محمد الرصاص، فإنَّه قال في " الجوهرة " التي هي مِدْرَسُ الزيدية في هذه الأعصار ما لفظه: واختلفُوا في قبول الفاسق مِن جهة التأويل، فذهب الفقهاءُ بأسرهم أنَّه يُقْبَل خبرُه، وهو قولُ القاضي، وأبي رشيد. إلى أن قال:
وجه ما قاله الفقهاء إجماعُ الصحابة على قبولِ خبر الفاسق المتأوِّل، فإن الفتنة لما وقعت في الصحابة، ودارت رحاها، وشبَّت لظاها، كان بعضُهم يُحَدِّثُ عن بعض، وُيسندُ الرجل إلى من يخالفه كما يُسندُ إلى من يُوالفه من غير نكير من بعضهم على بعض في ذلك، فكان إجماعًا إلى أن قال: ولأن من يقول: من كذب كفر، أولى بالقبول ممَّن لا يرى ذلك وإن كان مخطئًا في قوله هذا، لأنَّه يَبْعُدُ الظن لكذبه (٢)، ويقرب صدقه إلى أن (٣) قال: ويجيء عليه رواية كافر التأويل كالجبري وهو اختيار أبي الحسين.
الطريقُ الحادية عشرة والثاثية عشرة: طريقا الشيخين أبي محمد الحسن بن محمد بن الحسن الرصاص (٤)، والشيخ أبي عمرو عثمان بن عمر بن الحاجب.
_________________
(١) تحرفت في (ب) إلى: بحراوفه.
(٢) في (ش): بكذبه.
(٣) " إلى أن " لم ترد في (ب).
(٤) هو الحسن بن محمد بن الحسن بن الحسن بن أبي بكر الرصاص، المتوفى سنة (٥٨٤) هـ، وهو من شيوخ الزيدية، ومن مؤلفاته " الاعتبار لمذاهب العترة الأطهار " و" المؤثرات ومفتاح المشكلات " وكلاهما في دار الكتب المصرية. " تراجم الرِّجال " ص ١١، و" الأعلام " للزركلي ٢/ ٢١٤.
[ ٢ / ٣٣٠ ]
فأمَّا طريقُ الشيخ الحسن، فذلك ما نقله عنه حفيده الشيخ أحمد بن محمد بن الحسن في كتاب " غرر الحقائق من مسائل الفائق ".
قال الشيخ أحمد في كتابه " الغرر " المنتزع مِن كتاب " الفائق " ما لفظه: حكى ﵁ قبولَه عن الفقهاء، والقاضي أبي رشيد إلا أن يُعْلَمَ أنَّه ممن يستجيزُ الكذبَ كالخطابية، وهو الذي مالَ إليه أبو الحسين البصري وأجراه والكافرَ المتأوِّلَ مجرىً واحدًا، وهو الظاهرُ مِن قول الفقهاء، واحتجاجُ الكُلِّ على قبول خبرِ الفاسق المتأول قائمٌ في الكافر المتأول وإن لم يُصرح به في الكتاب .. إلى قوله:
وجهُ القولِ الأول إجماعُ الصحابة على قبوله، وإجماعهم حجة، أما أنهم أجمعوا، فذلك معلوم من ظاهر أحوالهم لِمَنْ تصفح أخبارَهم، واقتصَّ آثارَهم، وذلك أنَّ الفتنة لما وقعت فيهم، وتفرَّقوا فرقًا، وصاروا أحزابًا، وانتهي الأمرُ بينهم إلى القتل والقتال، كان (١) بعضهم يروي عن بعض مِن غير مناكرة بينهم في ذلك. وساق مثلَ كلام المنصورِ بالله ﵇، وقال كما قال المنصور: وإذا كان الأمرُ كما ترى، فإن مَنْ يقول: من كذب، كفر، أولى مِن رواية من يقول: من كذب، فسق. إلى آخر كلام المنصور المتقدم.
ثم أورد حُجَحَ الرَّادِّينَ وأجابها ونقضها، وأطال الكلامَ في ذلك. فهذه رواية الشيخ أحمد عن جده.
وأما روايةُ ابنِ الحاجب، فهي معروفة في " المنتهي " (٢) وقد أوردها السَّيِّدُ في كتابه، لكن ابن الحاجب رواها عمَّن يقبلُ المتأولين، ثم
_________________
(١) في (ب): وكان.
(٢) ٢/ ٦٢.
[ ٢ / ٣٣١ ]
الوجه الثاني: مما يدل على صحة دعوى الإجماع
اعترضها، وقد مَرَّ جوابُ اعتراضه.
الوجه الثاني: مما يدل على صِحة دعوى الإجماعِ هذه أنَّها دعوى صدرت مع القرائن الشاهدة بصدقها، وقد ذكر العلماءُ أن خبرَ الواحد مع القرائن يُفيدُ العلم، فكيف بخبر الجمِّ الغفيرِ من الأئمة الأعلامِ، وجميعِ فقهاء الإسلام إذا انضمَّ إلى القرائن العظيمة.
فإن قلتَ: وما تلك القرائنُ؟
قلتُ: اشتهارُ الرواية عن المتأولين قديِمًا وحديثًا مع الموافق والمخالف من غير نكير، أما قديمًا، ففي عصر الصحابة وهذا هو الإجماعُ الذي ادَّعاه هؤلاء الثقاتُ، وقد مَرَّ تقريرُه، وأما حديثًا -وهو الذي أردنا تأكيدَ ذلك الإجماع به- فإنَّ الناسَ ما زالوا يقرؤون كتبَ المخالفين، ويروون منها (١) في شرق الأرضِ وغربها (٢)، فالزيديةُ يروون عن المخالفين في تصانيفهم، ويدرسون كتبَ المخالفين في مدارسهم، ألا ترى أن المعتمد في الحديث في التحليل والتحريم في كتب الزيدية هو " أصولُ الأحكام " (٣) للإمام المتوكِّل على الله أحمد بن سليمان (٤) عليه
_________________
(١) في (ب): عنها.
(٢) في (ب): ومغاربها.
(٣) واسمه الكامل: " أصول الأحكام في الحلال والحرام وما تبعها من الأحكام ". منه عدة نسخ في المكتبة الغربية بالجامع الكبير، انظر وصفها في " الفهرس " ص ٥٠، ومن مؤلفاته أيضًا: كتاب " الزاهر " في أصول الفقه، و"حقائق المعرفة" في الأصول والفروع.
(٤) هو أحمد بن سليمان بن محمد بن المطهر، شمس الدين، الإمام المتوكل على الله ابن الهادي ﵇، ظهر في أيام حاتم بن عمران سنة (٥٣٢) هـ، ودعا الناس إلى بيعته بالإمامة، فبايعه خلق كثير، وملك صعدة ونجران وزبيد، ومواضع أخرى من الديار اليمنية، ونشبت بينه وبين حاتم حروب، ثم تمَّ الصلحُ بينهما على أن يكون لكل منهما ما في يده من بلاد وحصون، وكانت له مع الباطنية حروب، وأضرَّ بأخرة، وتُوفِّي بحيدان من بلاد خولان. " بلوغ المرام " ص ٣٩ و٤٠٦، و" تراجم الرِّجال " ص ٤.
[ ٢ / ٣٣٢ ]
السلام وقد ذكر في خطبته أنَّه نقل فيهِ من كتاب البخاري، وكتاب المزني، وكتاب الطحاوي ولم يُبين فيه ما نقله في هذه الكتب عمَّا نقله عن غيرها، وعلماءُ الزيدية وأئمتُهم معتمدون في التحليل والتحريم على الرجوع إلى هذا الكتاب منذ سنين كثيرةٍ، وقرونٍ عديدة، وكذلك " شفاءُ الأوام " صرَّح فيه بالنقل عنهم في غيرِ موضع، وكذلك محمد بن منصور الكوفي مصنف كتاب " علوم آل محمد " الذي يُعرف " بأمالي أحمد بن عيسى بن زيد " فنقل عنهم، وفيه مِن ذلك شيء كثير، لأنَّه يُسند، وفيه روايتُه عن البخاري نفسِه وصاحب " أصول الأحكام " وصاحب " شفاء الأوام " ينقلان عنه، بل هو مادتُهما وعُمْدَتُهما، والزيدية مطبقون على الأخذ منها، وكذلك " الكشافُ " فإن صاحبَه ﵀ ممن يستحِلُّ النقلَ عنهم في " كشافه " ولا يُعلم في الزيدية من يتحرى عن النقل عن " الكشاف " وكذلك الحاكمُ (١) قد صرَّح بجواز النقلِ عنهم، واحتجَّ على ذلك بالإجماع، والزيدية مطبقون على الرجوع إلى كتبه مثل تفسيره " التهذيب "، وكتاب (٢) " السفينة " وغيرهما، وكذلك المؤيد بالله، والمنصورُ بالله قد صرَّحا بجوازِ الرواية عنهم، ولا يُوجد في الزيدية من لا يقبلُ مرسلَ المؤيَّدِ والمنصور لجواز أن يكونا استندا في الرواية إليهم. فهذا في كتب الحديث والتفسير.
وأما كتبُ الأصول، فالزيدية معتمدون فيها على كتاب أبي الحسين (٣) مع أنَّه يقبل فساقَ التأويلِ وكُفَّارَة، وعلى كلام الحاكم في
_________________
(١) هو الحاكم الجشمي محسن بن محمد بن كرامة، شيخ الزمخشري، المتوفَّى سنة (٤٩٤) هـ.
(٢) في (ب): وكتابه.
(٣) محمد بن علي البصري المعتزلي، المتوفَّى سنة (٤٣٦) هـ، واسم كتابه " المعتمد ".
[ ٢ / ٣٣٣ ]
أصول الفقه، ومُعتَمَدُهم في هذه الأزمان الأخيرة كتابُ الشيخ أحمد " الجوهرة " (١) مع شهرة بغيه على الإِمام الشهيد أحمد بن الحسين، وكتاب " منتهي السول " لأبي عمرو بن الحاجب، فإنه معتمد عليه في هذه الأعصارِ في بلاد الزيدية. وكتبُ الأصولِ، وإن كانت نظريةً، فإن فيها آثارًا كثيرة لا بُدَّ فيها من عدالة الرواةِ، وكذلك ما يتعلق برواية الإجماع الآحادي والألفاظ اللغوية.
وأما كتبُ القراءات فما زال الناس معتمدين على كتاب " الشاطبية " (٢) آخذين بما وجدوا فيها ممَّا ليس بمتواترٍ. وأما كتبُ العربية، فلم يزل النحاة من الزيدية يقرؤون مقدمة طاهر وشرحه، وكذلك كتبُ ابن الحاجب في النحو والتصريف (٣) مع ما اشتملت عليه من رواية
_________________
(١) اسمه الكامل: " جوهرة الأصول وتذكرة الفحول ". منه نسخة في المكتبة الغربية تقع في ٨١ ورقة كتبت سنة (٣٨٩) هـ. انظر " الفهرس " ص ٣٢٨.
(٢) نسبة إلى مؤلفها الإمام أبي محمد القاسم بن فيرة الرعيني الشاطبي المقرىء الضرير، المتوفَّى سنة (٥٩٠). والشاطبية: قصيدة لامية من بحر الطويل في القراءات السبع، سماها " حرز الأماني ووجه التهاني "، وعدة أبياتها ألف ومئة وثلاثة وسبعون بيتًا، ومطلعها: بدأتُ ببسمِ اللهِ في النظم أوَّلا تباركَ رحمانًا رحيمًا وموْئلا ولها شروح كثيرة، من أحسنها شرح أبي شامة عبد الرحمن بن إسماعيل الدمشقي المتوفَّى سنة (٦٦٥) هـ، المسمى " إبراز المعاني من حرز الأماني "، وهو مطبوع. انظر " معرفة القراء " ٢/ ٥٧٣ رقم الترجمة (٥٣١).
(٣) وهما " الكافية " في النحو، و" الشافية " في الصرف، وقد تولى شرحهما أفضلُ المحققين العالم العلامة محمد رضي الدين بن الحسن الاستراباذي، وقد قال السيوطي عن " شرح الكافية ": لم يؤلف عليها، بل ولا في غالب كتب النحو مثله جمعًا وتحقيقًا وحسن تعليل، وقد أكبَّ الناس عليه، وتداولوه، واعتمده شيوخ العصر فمن قبلهم في مصنفاتهم ودروسهم. وقد خرَّج شواهدَهما، وشرحها شرحًا وافيًا بحيث لم يدع زيادة لمستزيد العالمُ الأديبُ عبد القادر بن عمر البغدادي المتوفَّى سنة (١٠٩٣) هـ، سمى الأول مهما " خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب "، وقد طبع أخيرًا في أحد عشر جزءًا بتحقيق عبد السلام هارون، والثاني -ويقع في مجلد- قد تم طبعه بتحقيق الأساتذة محمد نور الحسن، ومحمد الزفاف، ومحمد محيي الدين عبد الحميد.
[ ٢ / ٣٣٤ ]
اللغة والإعراب.
وأما المعاني والبيان، فالمعتمدُ عليه في هذه الأزمان الأخيرة كتاب " التلخيص " (١) في ديار الزيدية " وغيرها وهو من رواية الأشعرية.
وبعدُ، فهذه خزائنُ الأئمة مشحونة بكتب المخالفين في الحديث والفقه والتفسير والسِّيرِ والتواريخ، مشيرة إلى نقلهم عنها، واستنادهم إليها، فمنهم مصرحٌ بذلك في مصنفاته، وتكرر منه كالمنصور بالله ﵇، والسيد أبي طالب، والمؤيَّد باللهِ، فإنَّ أبا طالب يروي في " أماليه " عن شيخه في الحديثِ الحافظِ الكبير أبي أحمد عبدِ الله بن عدي (٢) يُعرف بابن عدي وبابنِ القطان أيضًا وهو صاحبُ كتاب " الكامل " في الجرح والتعديل، وأحد أئمة الحديث في الاعتقاد والانتقاد، وتراه إذا روى عنه، وصفه بالحافظ دونَ غيره، ومِنْ طريقه روى حديثَ النعمان بن بشير في الحلال والحرام والمتشابه (٣) وهو الحديث الجليل الذي وصف
_________________
(١) لمؤلفه محمد بن عبد الرحمن بن عمر القزويني، المعروف بخطيب دمشق من أحفاد أبي دُلَف العجلي المتوفَّى سنة (٧٣٩) هـ، وكتابه مشهور متداول، وقد لخصه من " مفتاح العلوم " للإمام أبي يعقوب بن أبي بكر محمد بن علي السكاكي المتوفَّى سنة (٦٢٦) هـ. وهو من أجل المختصرات فيه. مترجم في " طبقات الشافعية " ٩/ ١٥٨.
(٢) هو الإمام الحافظ الناقد الجوّال أبو أحمد عبد الله بن عدي بن عبد الله بن محمد بن مبارك الجرجاني المتوفَّى سنة (٣٦٥) هـ، مترجم في " سير أعلام النبلاء "١٦/ ١٥٤ - ١٥٦، وقال السخاوي في " الإعلان بالتوبيخ " ص ٥٨٦: كامله أكمل الكتب المصنفة قبله وأجلها، ولكن توسع لذكره كل من تُكُلِّمَ فيه؛ وإن كان ثقة، مع أنَّه لا يحسن أن يقال: الكامل للناقصين. ومما يؤخذ به ابن عدي طعنه في الرجل بحديث مع أن آفته الراوي عن الرجل دون الرجل نفسه، وقد أقرَّ بذلك الإمام الذهبي في مواضع من "الميزان". قلت: وكان -مع حفظه وإتقانه- كثير اللحن يظهر ذلك جليًّا في كتابه " الكامل "، وقد طُبع أخيرًا في سبعة أجزاء طبعة غير محررة.
(٣) ونصه بتمامه: " إن الحلال بين، وإن الحرامَ بين، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات، استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات، وقع في الحرام؛ =
[ ٢ / ٣٣٥ ]
بأنه ربع الإسلام مع أن النعمان من أشهر البُغاة على أمير المؤمنين وأهلِ بيته ﵈، وكذا حديث " إنَّ هذا العِلْمَ دينٌ فانظروا عمن تأخذون دينَكم " (١)، وكذلك شيخُ المؤيَّدِ بالله (٢) في الحديث هو الحافظُ الكبير محمد بن إبراهيم الشهير بابن المقرىء (٣) وعامةُ رواية المؤيَّد بالله للحديث في " شرح التجريد " عنه عن الطحاوي الحنفي، وكذلك أبو العباس الحسني قد روى عن إمامِ المحدثين وابن (٤) إمامهم صاحب " الجرح والتعديل " عبد الرحمان بن أبي حاتم (٥) عن داود الثقفي (٦) هو ابن يزيد أحد المجاهيل عن أبي داود الطيالسي أحد أئمة الحديث على كثرة أوهامه (٧) عن
_________________
(١) = كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حِمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مُضغة إذا صلحت، صلح الجسد كله، وإذا فسدت، فسد الجسد كله، ألا وهي القلب ". أخرجه أحمد ٤/ ٢٦٧ و٢٦٩ و٢٧٠ و٢٧١، والبخاري (٥٢) و(٣٠٥١)، ومسلم (١٥٩٩)، وأبو داود (٣٣٢٩) و(٣٣٣٠)، والنسائي ٧/ ٢٤١، وابن ماجة (٣٩٨٤)، والترمذي (١٢٠٥)، والبغوي، في " شرح السنة " (٢٠٣١)، وأبو نعيم في " الحلية " ٤/ ٢٧٠ و٣٣٦، و٥/ ١٠٥، وابن المستوفي في " تاريخ اربل " ١/ ١٤٧ و٢٠٤، كلهم من حديث النعمان بن بشير ﵁، وقد توسع الإمام الشوكاني في شرح هذا الحديث في رسالة سماها " تنبيه الأعلام على تفسير المشتبهات بين الحلال والحرام "، وهي مطبوعة في مصر باسم " كشف الشبهات عن المشتبهات ".
(٢) تقدم في الصفحة ٢٣٤ من هذا الجزء أنَّه ليس بحديث، وأنه من كلام محمد بن سيرين.
(٣) هو أحمد بن الحسين بن هارون المتوفَّى سنة (٤٢١) هـ.
(٤) المتوفَّى سنة (٣٨١) هـ، مترجم في " السير " ١٦/ ٣٩٨ رقم الترجمة (٢٨٨).
(٥) سقطت من (أ).
(٦) انظر ترجمته مع أبيه في " السير " ١٣/ ٢٤٧ - ٢٦٣.
(٧) ترجمه ابن أبي حاتم ٣/ ٤٢٨، ونقل عن أبيه قوله فيه: شيخ مجهول.
(٨) هذه مبالغة من المؤلف، فأبو داود الطيالسي -واسمه سليمان بن داود- حافظ كبير، وصاحب مسند، وقد أثنى عليه غير واحد من الأئمة، ووثقوه، واحتجوا بحديثه، إلا أنه -كما يقول الذهبي-: أخطأ في عدة أحاديث؛ لكونه كان يتكل على حفظه، ولا يروي من أصله، وقال ابن سعد في " الطبقات " ٧/ ٢٩٨: ثقة كثير الحديث ربما غلط، تُوفي بالبصرة سنة ثلاث ومئتين، وهو يومئذ ابن ثنتين وسبعين سنة. انظر ترجمته في " السير " ٩/ ٣٧٨ - ٣٨٤.
[ ٢ / ٣٣٦ ]
سهل بن شعيب، عن عبد الأعلى، عن نوفٍ هو البكالي ابن امرأة كعب (١).
وخرَّجه عن أمير المؤمنين علي ﵇ بحديثه الطويل، وخرجه أبو عبد الله السَّيِّد الجرجاني من طريق أبي داود الطيالسي عن سهل بن شعيب به.
وأما أحمد بن عيسى بن زيد، فعامة حديثه في " أماليه " عن حسين ابن علوان، عن أبي خالد الواسطي، عن زيد، فإن كان حسين بن علوان هو الكلبي -وهو الظاهر- فهو متكلم عليه كثيرًا (٢)، وكذلك أبو خالد.
وأما السَّيِّد أبو عبد الله الجرجاني، فروى عن محمد بن عمر الجِعابي (٣) من غير واسطة، وعن الطيالسي بواسطة كما مر في حديث نوف البكالي وهو كثيرُ التسامح في الراوية حتى إنَّه روى في " سلوة العارفين " عن أبي الدنيا (٤) الأشج المشهور بالكذب على أمير المؤمنين فإنه
_________________
(١) هو نوف بن فضالة الحميري البكالي ابن امرأة كعب الأحبار، ذكره خليفة بن خياط في الطبقة الأولى من الشاميين، وقع ذكره في حديث سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أُبي بن كعب في قصة موسى والخضر عند البخاري (١٢٢)، ومسلم (٢٣٨٠). وذكره ابن حبان في " الثقات " ٥/ ٤٨٣، وقال: كان يروي القصص، وأورده ابن أبي حاتم ٨/ ٥٠٥، ولم يِذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.
(٢) في " ميزان الاعتدال " ١/ ٥٤٢: قال يحيى: كذاب، وقال علي: ضعيف جدًّا، وقال أبو حاتم والنسائي والدارقطني: متروك الحديث، وقال ابن حِبَّان: كان يضع الحديث على هشام وغيره وضعًا، لا يحل كَتْبُ حديثه إلا على جهة التعجب، وأبو خالد الواسطي، يقال: اسمه عمرو، ضعفه أبو حاتم.
(٣) هو الحافظ البارع العلاّمة، قاضي المَوْصِل، أبو بكر محمد بن عمر بن محمد بن سلم التميمي البغدادي الجعابي المتوفَّى سنة (٣٥٥) هـ، مترجم في " سير أعلام النبلاء " ١٦/ ٨٨ - ٩٢.
(٤) واسمه: عثمان بن خطاب أبو عمر البلوي المغربي، أبو الدنيا الأشج، ويقال: ابن أبي الدنيا، قال الذهبي في " الميزان " ٣/ ٣٣: طيرٌ طرأ على أهل بغداد، وحدَّث بقلَّةِ حياء بعد الثلاث مئة عن علي بن أبي طالب، فافتضح بذلك، وكذَّبه النقَّاد. قال الخطيب: =
[ ٢ / ٣٣٧ ]
ادعى بعد ثلاث مئة سنة أنَّه من أصحابه، وروى عن شيخين عنه.
وروى المؤيَّدُ بالله في " أماليه " عن شيخ، عن عبد السلام عبد الله بن محمد النحوي أحد أئمة السنة، وروى فيها عن شيخين عن يَغْنَمَ (١) بن سالم بن قنبر وضُعّف بل كذبه الأكثرُ، وما وثقه أحد، ومن طريقه روى حديث ركعتي الفرقان.
ودع عنك الأئمةَ المتأخرين كثيرًا، فإنَّ قدماء الأئمة (٢) ما رَوَوْا إلا عن رجالِ الفقهاء غالبًا، فعامةُ أسانيد القاسم ﵇ في كتاب " الأحكام " تدور على الأخوين إسماعيل وعبد الحميد أبي (٣) بكر ابني
_________________
(١) = علماء النقل لا يثبتون قوله، ومات سنة سبع وعشرين وثلاث مئة. قال المفيد: سمعته يقول: ولدت في خلافة الصديق، وأخذت لعلي بركاب بغلته أيام صفين، وذكر قصة طويلة، أوردها بتمامها ابن حجر في " اللسان " ٤/ ١٣٥ - ١٣٦ من رواية أبي نُعيم الأصبهاني وغيره، عن المفيد- وهو محمد بن أحمد بن محمد بن يعقوب.
(٢) بفتح أوله، وسكون المعجمة، وفتح النون كما في كتب المشتبه، وقد تصحف في (ج) إلى " نعيم "، وقال الذهبي: أتى عن أنس بعجائب، وبقي إلى زمان مالك وقال أبو حاتم: مجهول ضعيف الحديث، وقال ابن حبان: كان يضع على أنس بن مالك، وقال ابن يونس: حدث عن أنس، فكذب، وقال ابن عدي: عامة أحاديثه غير محفوظة. انظر " الكامل " ٧/ ٢٧٣٨، و" المجروحين والضعفاء " ٣/ ١٤٥، و" الميزان " ٤/ ٤٥٩، و" لسان الميزان " ٦/ ٣١٥.
(٣) في (ب): الأمة.
(٤) تحرف في (ب) إلى ابن، وأبو بكر كنية عبد الحميد، وقد أثبت فوق إسماعيل خ م ت د ق، وفوق عبد الحميد خ م د س ق، وهي رموز تشير إلى من خرج حديثهما من أصحاب الكتب الستة. وإسماعيل بن أبي أويس عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي ابن أخت مالك بن أنس، احتج به الشيخان، إلا أنهما لم يكثرا من تخريح حديثه، ولا أخرج له البخاري مما تفرد به سوى حديثين، وأما مسلم فأخرج له أقل مما أخرج البخاري، وروى له الباقون سوى النسائي، فإنه أطلق القول بضعفه، وروى عن سلمة بن شبيب ما يوجب طرح روايته، واختلف فيه قول ابن معين، فقال مرة: لا بأس به، وقال مرة: ضعيف، وقال مرة: =
[ ٢ / ٣٣٨ ]
عبد الله بن أبي أويس عن حسين بن عبد الله (١) بن ضميرة بن أبي ضميرة (٢) عن أبيه عن جده.
وعامة رواية أحمد بن عيسى بن زيد عن حسين بن علوان هو الكلبي، عن أبي خالد الواسطي.
وعامة أسانيد الهادي في " الأحكام " عن أبيه عن جده عمن تقدم في
_________________
(١) = كان يسرق الحديث هو وأبوه، وقال أبو حاتم: محله الصدق، وكان مغفلًا، وقال أحمد بن حنبل: لا بأس به، وقال الدارقطني: لا أختاره في الصحيح. قلت: وروينا في مناقب البخاري بسند صحيح أن إسماعيل أخرج له أصوله، وأذن له أن ينتقيَ منها، وأن يعلِّمَ له على ما يحدث به ليحدث به، ويعرض عما سواه، وهو مشعر بأن ما أخرجه البخاري عنه هو من صحيح حديثه، لأنَّه كتب من أصوله، وعلى هذا لا يحتج بشيء من حديثه غير ما في الصحيح من أجل ما قدح فيه النسائي وغيره؛ إلا أن شاركه فيه غيره فيعتبر فيه. انظر " مقدمة الفتح " ص ٣٩١. وعبد الحميد بن أبي أويس عبد الله بن عبد الله بن أويس الأصبحي أبو بكر الأعشى أخو إسماعيل، وكان الأكبر، وثقه ابن معين، وأبو داود، وابن حبان، والدارقطني، وضعفه النسائي، وقال الأزدي في " ضعفائه ": أبو بكر الأعشى يضع الحديث، فكأنه ظن أنَّه آخر غير هذا، وقد بالغ أبو عمر بن عبد البر في الرد على الأزدي، فقال: هذا رجم بالظن الفاسد، وكذب محض إلى آخر كلامه. قلت: احتج به الجماعة إلا ابن ماجة.
(٢) كذبه مالك، وقال أحمد: لا يساوي شيئًا، متروك الحديث كذاب، وعجب من الإمام أحمد يكذبه، ثم يخرج حديثه في " مسنده "، وقال ابن معين: ليس بثقة ولا مأمون، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال ابن حبان: روى عن أبيه، عن جده نسخة موضوعة، وقال أبو زرعة. ليس بشيء أضرب على حديثه، وقال البخاري في " التاريخ الأوسط ": تركه علي، وأحمد، وقال الدارقطني: متروك، وقال أبو داود: ليس بشيء، وقال النسائي: ليس بثقة، ولا يكتب حديثه. انظر " التاريخ الكبير " ٢/ ٣٨٧، و" الجرح والتعديل " ٣/ ٥٧ - ٥٨، و" الضعفاء " للعقيلي ١/ ٢٤٦ - ٢٤٧، و" المجروحين " ١/ ٢٤٤، و" الكامل " ٢/ ٧٦٦ - ٧٦٩، و" الميزان " ١/ ٥٣٨، و" تعجيل المنفعة " ص ٩٦.
(٣) ابن أبي ضميرة ساقطة من (ب). وأبو ضميرة ذكره ابن مندة في الكنى، وسبقه البغوي، ومِنْ قبله محمد بن سعد، ووصفوه بأنه مولى رسول الله - ﷺ -، وقد قيل: اسمه سعد، وقيل: روح، وقد كتب له النبي - ﷺ - ولأهل بيته كتابًا أوصى المسلمين بهم خيرًا. " أسد الغابة " ٦/ ١٧٧، و" الإصابة " ٤/ ١١١.
[ ٢ / ٣٣٩ ]
أسانيد القاسم وربما روى عن (١)
وعن أبي الزبير (٢) عن جابر، وعن عمرو بنِ شعيب، عن أبيه، عن جَدِّه (٣) كُلُّه في " المنتخب "، وروى في
_________________
(١) بياض في الأصول كلها قدر نصف سطر.
(٢) هو محمد بن مسلم بن تدرس الإمام الحافظ الصدوق، أبو الزبير القرشي المكي مولى حكيم بن حزام المتوفَّى سنة (١٢٨) هـ، أخرج حديثه مسلم في "صحيحه"، وأصحاب السنن، وأخرج له البخاري متابعة، وهو ثقة ثبت، إلا أنَّه مدلس، فيُرَدُّ من حديثه ما يقول فيه " عن " أو" قال " ونحو ذلك، سواء كان حديثه في الصحيح أو غيره، فإذا قال: " سمعت " و" أخبرنا " احتج به، ويحتج بحديثه أيضًا إذا قال: " عن "، مما رواه عنه الليث بن سعد خاصة، لأن الليث جاء أبا الزبير حين قدم مكة، فدفع إليه أبو الزبير كتابين، فسأله الليث: هل سمعت هذا كله من جابر؟ فقال: منه ما سمعت منه، ومنه ما حدثت عنه، فقال له الليث: أعلم لي على ما سمعت، فأعلم لي على هذا الذي عندي.
(٣) هو عمرو بن شعيب بن محمد بن صاحب رسول الله - ﷺ - عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل الإمام المحدث الثقة، أبو إبراهيم، وأبو عبد الله القرشي السهمي الحجازي، فقيه أهل الطائف ومحدثهم، وكان يتردد كثيرًا إلى مكة، وينشر العلم، وقد أكثر من رواية الأحاديث بهذا السند، وهو قوي يحتج به إذا كان الإسناد إليه صحيحًا، فقد نقل الترمذي، عن الإمام البخاري قوله: رأيت أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، وإسحاق بن راهويه، وأبا عبيد القاسم بن سلام، وعامة أصحابنا يحتجون بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، ما تركه أحد من المسلمين، فمن الناس بعدَهم؟! والمراد بجده هنا: هو عبد الله بن عمرو جده الأعلى، لا محمد بن عبد الله كما توهمه البعض، فحكم على هذا السند بالإرسال، فقد ورد التصريح بتسمية جده عبد الله في غير ما حديث ذكر بعضها الإمام الذهبي في " السير " ٥/ ١٧٠ - ١٧٣، وقال: وعندي عدة أحاديث سوى ما مر يقول: عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، فالمطلق محمول على المقيد المفسر بعبد الله. وكان شعيب صغيرًا حين مات أبوه محمد بن عبد الله بن عمرو، فرباه جده عبد الله بن عمرو، وكثيرًا ما كان يعبر عن عبد الله بن عمرو بأنه أبوه، والجد أب لا شك فيه، فقد روى البيهقي في " سننه " ٥/ ٩٢ عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، قال: كنت أطوف مع أبي عبد الله بن عمرو بن العاص، وثمت خبر مطول ساقه الحاكم في " المستدرك " ٢/ ٦٥ وصححه هو والذهبي، وفيه التصريح بصحة سماع شعيب من جده عبد الله، وروى الحاكم في " المستدرك " ٢/ ٤٧ بإسناده عن محمد بن علي بن حمدان الوراق، قال: قلت لأحمد بن حنبل: عمرو بن شعيب سمع من أبيه شيئًا؟ فقال: هو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو، وقد صح سماع عمرو بن =
[ ٢ / ٣٤٠ ]
" المنتخب " (١) عن أبي بكر بن أبي شيبة (٢)، وعن عبد الرزاق اليماني (٣)،
_________________
(١) = شعيب من أبيه، وصح سماع شعيب من جده عبد الله بن عمرو. وروى الدارقطني عنه ٣/ ٥٠ نحو هذا، وروى أيضًا عقب ذلك عن أبي بكر النيسابوري، قال: هو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، وقد صح سماع عمرو بن شعبب، عن أبيه شعيب، وصح سماع شعيب من جده عبد الله بن عمرو، ثم روى عن محمد بن الحسن النقاش، عن أحمد بن تميم، قال: قلت لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري: شعيب والد عمرو بن شعيب سمع من عبد الله بن عمرو؟ قال: نعم. قلت له: فعمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده يتكلم الناس فيه، قال: رأيت علي بن المديني، وأحمد بن حنبل، والحميدي، وإسحاق بن راهويه يحتجون به وقال ابن عبد البر في " التقصي " ص ٢٥٥: حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مقبول عند أكثر أهل العلم بالنقل، ثم روى بإسناده عن علي بن المديني، قال: عمرو بن شعيب: هو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، سمع عمرو بن شعيب من أبيه، وسمع أبوه من عبد الله بن عمرو بن العاص. وقال البيهقي في " السنن " ٧/ ٣٩٧: وسماع شعيب بن محمد بن عبد الله صحيح من جده عبد الله، لكن يجب أن يكون الإسناد إلى عمرو صحيحًا. وقد عد الإمام الذهبي في " الميزان " ٣/ ٢٦٨: روايته عن أبيه، عن جده من قبيل الحسن.
(٢) جملة " وروى في المنتخب " ساقطة من (ب).
(٣) هو الإمام العلم سيد الحفاظ، عبد الله بن محمد بن القاضي أبي شيبة صاحب " المصنف "، و" المسند "، و" التفسير " المتوفَّى سنة (٢٣٥) هـ. وكتابه " المصنف " طبع في الهند في خمسة عشر مجلدًا، مترجم في " السير" ١١/ ١٢٢ - ١٢٧.
(٤) هو عبد الرزاق بن همام بن نافع، أبو بكر الحميري مولاهم، الصنعاني، أحد الحفاظ الأثبات، صاحب التصانيف، وثقه الأئمة كلهم إلا العباس بن عبد العظيم العنبري وحده، فتكلم بكلام أفرط فيه، ولم يوافقه عليه أحد، وقد قال أبو زرعة الدمشقي: قيل لأحمد: من أثبت في ابن جريج عبد الرزاق أو محمد بن بكر البرساني؟ ففال: عبد الرزاق، وقال عباس الدوري، عن ابن معين: كان عبد الرزاق أثبت في حديث معمر من هشام بن يوسف، وقال يعقوب بن شيبة، عن علي بن المديني، قال لي هشام بن يوسف: كان عبد الرزاق أعلمنا وأحفظنا، قال يعقوب: كلاهما ثقة ثبت، وقال الذهلي: كان أيقظهم في الحديث، وكان يحفظ، وقال ابن عدي: رحل إليه ثقات المسلمين وأئمتهم، وكتبوا عنه، ولم يروا بحديثه بأسًا، إلا أنهم نسبوه إلى التشيع، وهو أعظم ما ذموه به، وأما في باب الصدق، فأرجو أنَّه لا بأس به، وقال النسائي: فيه نظر لمن كتب عنه بأخرة كتبوا عنه أحاديث مناكير، وقال الأثرم: عن أحمد: من سمع منه بعد ما عمي، فليس بشيء، وما كان في =
[ ٢ / ٣٤١ ]
وعن كادح بن جعفر (١)، وعن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس (٢) حديث الجمع في السفر.
وروى المؤيَّد بالله في " الأمالي " عن النقاش (٣)، عن الناصر الحسنِ بنِ علي، عن محمدِ بنِ منصور، عن الحكمِ، عن سُليمان، عن عمرو بنِ حفص، عن أبي غالب، عن أبي أمامة عن النبي - ﷺ - حديثًا في فضل الوضوء، وذكر الدعاء فيه حتى قال في آخره: ثم مسح قدميه، فقال: اللَّهُمَّ ثَبّتْ قَدَمَيَّ على الصِّرَاطِ.
وروى أبو طالب في " أماليه " عن الناصر، عن الكلبي منقطعًا في موضعين.
ويُسند عن الناصر، عن عباد بن يعقوب، عن إبراهيم بنِ أبي يحيى (٤) يعني شيخ الشافعي المتكلم فيه حديثين حديثًا في وعيدِ مدمن
_________________
(١) = كتبه، فهو صحيح، وما ليس في كتبه، فإنه كان يلقن فيتلقن. " سير أعلام النبلاء " ٩/ ٥٦٣ - ٥٨٠، " الكامل " ٥/ ١٩٤٨ - ١٩٥٢، " مقدمة الفتح " ص ٤١٩.
(٢) ترجمه ابن أبي حاتم ٧/ ١٧٦، وكناه بأبي عبد الله، وقال: سألت أبي عنه، فقال: كان من العباد، وكان كوفيًا، فوقع إلى مصر، فسمع من ابن لهيعة وهو صدوق، وقال أحمد: ليس به بأس.
(٣) من رجال " التهذيب " وقد ضعفه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائي، والعقيلي، وابن حبان، وأبو أحمد الحاكم، وقال ابن عدي في " الكامل " ٢/ ٧٦١: أحاديثه يُشبه بعضها بعضًا، وهو ممن يكتب حديثه (أي للمتابعة والاستشهاد)، فإني لم أجد في أحاديثه منكرًا قد جاوز المقدار والحدّ.
(٤) هو محمد بن الحسن بن محمد بن زياد المَوْصلي ثم البغدادي، أبو بكر النقاش المقرىء المفسر المتوفَّى سنة (٣٥١) هـ، قال طلحة بن محمد الشاهد: كان النقاش يكذب في الحديث، والغالب عليه القصص، وقال البرقاني: كل حديث النقاش منكر، وقال الخطيب: في حديثه مناكير بأسانيد مشهورة. مترجم في " السير " ١٥/ ٥٧٣ - ٥٧٦.
(٥) هو إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي مولاهم المدني الفقيه المتوفَّى سنة (١٨٤) هـ، اتفقوا على ضعفه إلا الشافعي، فقد كان حسن الرأي فيه، ومع ذلك فإنه إذا روى عنه ربما دلسه، ويقول: أخبرني من لا أتهم. مترجم في " السير " ٨/ ٤٥٠ - ٤٥٤.
[ ٢ / ٣٤٢ ]
الخمرِ، وحديثًا في حكم آخر.
وكذلك عامةُ أسانيدهم متى ذكروها لم يذكروا إلا رجال العامة من الثقات والضعفاء ولا أعلمهم سلسلوا إسنادًا بأهل البيت في الحلال والحرام لا يخلطهم أحدٌ من الفقهاء إلاَّ النادرَ الذي لا يُجتزأ به وتأمَّل ذلك، وذلك يقتضي أن مرسلَهم كذلك، إذ لا يُظن أنهم يُسقطونَ مِن سندهم أصحَّ الأسانيد، ولا يُظن ذلك بعاقل دائمًا.
ومنهم من صرَّحَ بجواز الأخذ عنهم، ولم يُصرِّحْ بالنقل عنهم مشافهةً وإن أسند إلى من يُسند إليهم كالهادي ﵇.
ومنهم مَنْ يرى ذلك ويعلمه، ولا ينهي عنه ولا يُنْكِرُه.
والسيد -أيده الله تعالى- ممن شَدَّدَ في المنع من قبولهم، وغلا في ذلك غلوًا منكرًا حتى ادَّعى أنَّه حرام على جهة القطع بحيث لا يُعذر مَنْ قبلهم، وإن اجتهد وبذل (١) الوُسع في معرفة الصواب، هذا مع أن السيد -أيده الله- مِنْ أكثرِ الناس روايةً عنهم، واعتمادًا على كتبهم، فهو في الحديث يقرأ كتبَهم التي حرم النقلَ عنها، واستدل على أنَّه لا طريقَ إلى صحتها، وزاد على الناس المنع عن عاريتها من الثقات صيانةً لصحتها من تجويز التغيير المستبعد، وهو في تفسيره ناقل مِن تفاسيرهم، راجع إلى تصانيفهم، ولشدة تولُّعِهِ بذلك وحِرْصِه عليه اختصر من " مفاتح الغيب " للرازي تفسيرًا للقرآن العظيم، ثم ادخله في تفسيره " تجريد الكشاف "، مع زيادةِ نكت لطاف، وكذلك أدخل تفاسيرَ ابنِ الجوزي الحنبلي (٢) وغيرِه من
_________________
(١) في (ب): وبلغ.
(٢) للإمام العلاّمة جمال الدين أبي الفرج ابن الجوزي، عبد الرَّحمن بن علي البغدادي الحنبلي المتوفى سنة (٥٩٧) هـ ثلاثة تفاسير: " المغني " وهو أكبرها، و" زاد المسير " وهو =
[ ٢ / ٣٤٣ ]
المخالفين في الاعتقاد مع أنَّه قد قرر في كتابه أن الرازي من كفارِ التصريح دعَ عنك التأويلَ.
فهذا من أعظم دليل على أن السَّيِّد سلك في كتابه مسلكَ التعنت والتشديد، وقال بما لم يَعْمَلْ به، فإن كان يعتقد أن الرازي كما قال، فكان ينبغي أن يختصِرَ من تفاسير الباطنية تفسيرًا للقرآن العظيم، وأن ينقل خلافَهم في تفسيره كما نقل أقوالَ الأشعرية، وكذلك كان ينبغي أن ينقل خلافَهم في الفقه والفرائض، وقولهم: إن للأنثى مثلَ حظ الذكر. وإن كان لا يعتقد ما قرَّره في كتابه من نسبته للرازي إلى الكفر الصريح، فما ينبغي منه أن يقول ما لا يَعْتَقِدُ، وينهي عما هو عليه معتمد، وإن كان إنما اختصر كتابَ الرازي لغرض غيرِ هذا فكان ينبغي منه أن يُنبه (١) لئلا يغترَّ بذلك مَنْ يراه من المسلمين، فإنه -أيده الله- في محل القدوة، لأنَّه شيبةُ العِترة في هذا الزمان، وكبيرُ علمائهم المتصدر للتعليم (٢) في هذه الديار.
وأما كتُبهم في العربية وغيرها، فالسيد لا يزال مُكِبًَّا عليها ملقيًا لها كـ " الحاجبية " وشروحها وهو من جملة من شرحها، وكتاب " التذييل والتكميل في شرح التسهيل " لأبي حيان (٣)، وكتاب " التلخيص "،
_________________
(١) = أوسطها، و" تيسير البيان " وهو أصغرها، والمطبوع منها " زاد المسير "، وقد يسر الله لنا تحقيقه وضبط نصه، والتعليق عليه بمشاركة الأستاذ عبد القادر الأرنؤوط، وقد تم نشره سنة (١٣٨) هـ في دمشق الشام المحروسة. وانظر ترجمة ابن الجوزي في " السير " ٢١/ ٣٦٥ - ٣٨٤.
(٢) في (ش): يبينه.
(٣) ساقطة من (ب).
(٤) " التسهيل " للإمام محمد جمال الدين بن عبد الله بن مالك، المتوفى سنة (٦٧٢) هـ، وهو كتاب جامع لمسائل النحو، لا يند عنه مسألة من مسائله وقواعده، وقد تصدَّى لشرحه غير واحدٍ من أئمة النحو، ومن أجود شروحه " التذييل والتكملة " لمؤلفه نحوي عصره ولغويه ومفسره ومحدثه ومقرئه وأديبه، أبي حيان محمد بن يوسف بن علي الأندلسي الغرناطي =
[ ٢ / ٣٤٤ ]
وكتاب " المنتهى " وشروحه، وكتاب " الجوهرة " وغير ذلك، فدل ذلك على صحة إجماع الأمة على الاعتماد على كتب المخالفين مِن الموافق على قبولهم والمخالف. ولم نذكر فعل السَّيِّد للاحتجاج به في الإجماع، فإنَّه لا يصح الاحتجاج بفعلِ منْ صرح بما يُخالف فعله، وإنما يحتج بالفعل إذا لم يُناقضه القولُ كأفعال الأئمة ﵈، وسائِرِ العلماء الأعلام، ولم نذكر فعله في ذلك لبيان المناقضة بين فعله وقوله.
وإنما أحببنا أن نُريه حاجةَ الجميع إلى الرواية عن المتأولين، وأن كلًاّ معتمد عليها محتاج (١) إليها، ألا ترى أنها في خزائن أئمة الزيدية وعلمائهم وعليها خطوطُهم بالسماع أو الإجازة أو (٢) نحو ذلك، ومن ملك شيئًا منها منهم، اغتبط به، وصانه، وحَفِظَه، وربما سمعه، كما سمعها المنصورُ بالله عبد الله بن حمزة، وذكر أسانيدَه فيها في كتابه " الشافعي "، وسمعها الإمامُ الناصر محمد بن الإمام المهدي ﵉، والمصنفون من الزيدية ينقلون منها كالمتوكل في " أصول الأحكام " والأمير الحسين في " شفاء الأوام " و" سنن أبي داود " (٣) كانت
_________________
(١) = المتوفى سنة (٧٤٥) هـ، صاحب " البحر المحيط " في التفسير، وغيره من المؤلفات. انظر " كشف الظنون " ١/ ٤٠٥، و" بغية الوعاة " ١/ ٢٨٠ - ٢٨٥، و" الوافي بالوفيات " ٥/ ٢٦٧.
(٢) في (ب): ومحتاج.
(٣) في (ب): و.
(٤) لمؤلفه شيخ السنة، مقدم الحفاظ الإمام أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني، المتوفَّى سنة (٢٧٥) هـ، وكتاب " السنن " كتاب حافل عظيم، مشتمل على معظم أحاديث الأحكام التي يُحتج بها مع سهولة تناوله، وتلخيص أحاديثه، وبراعة مصنفه، واعتنائه بتهذيبه، وقد رزق القبول من كافة أهل العلم في مختلف الأمصار. قال أبو بكر ابن داسة راوي السنن عن أبي داود: سمعت أبا داود يقول: ذكرت في " السنن " الصحيح وما يقاربه، فإن كان فيه وهن شديد بينته. وقد علق الإمام الذهبي في " السير " ١٣/ ٢١٤ على كلمة أبي داود =
[ ٢ / ٣٤٥ ]
عمدةَ الإمامِ يحيى بنِ حمزة وأمر مَن سمعها له، وهي نسخةٌ مسموعة بعناية الإمام المهدي محمد بن المطهر، وهي في خزانة كتبه مما وقفه لله تعالى، وفيها كان سماعي. وكان اللائقُ على كلامك ودعواك على أهل البيت أَن يشتهِرَ في بلادهم وممالكهم تحريقُ هذه الكتب، والضرب الشديد والتعزير لمن قرأ فيها، وإظهار أنها إنما تترك في الخزائن ليعلم كفرُ
_________________
(١) = هذه، فقال: فقد وفى ﵀ بذلك بحسب اجتهاده، وبيَّن ما ضعفُه شديدٌ، ووهنُهُ غير محتمل، وكاسَرَ عن ما ضعفُهُ خفيف محتمل، فلا يلزم من سُكوته -والحالة هذه- عن الحديث أن يكون حسنًا عنده، ولا سيما إذا حكمنا على حد الحسن باصطلاحنا المولد الحادث، الذي هو في عُرف السلف يعود إلى قسم من أقسام الصحيح، الذي يجب العمل به عند جمهور العلماء، أو الذي يرغب عنه أبو عبد الله البخاري، ويمشيه مسلم، وبالعكس، فهو داخل في أداني مراتب الصحة، فإنه لو انحطَّ عن ذلك لخرج عن الاحتجاج، ولبقي متجاذبًا بين الضعف والحسن، فكتاب أبي داود أعلى ما فيه من الثابت ما أخرجه الشيخان، وذلك نحوٌ من شطر الكتاب، ثم يليه ما أخرجه أحد الشيخين، ورغب عنه الآخر، ثم يليه ما رغبا عنه، وكان إسناده جيدًا، سالمًا من علة وشذوذ، ثم ما كان إسناده صالحًا، وقبله العلماء لمجيئه من وجهين لينين فصاعدًا، يعضد كل إسنادٍ منهما الآخر، ثم يليه ما ضعف إسناده لنقص حفظ راويه، فمثل هذا يمشيه أبو داود، ويسكت عنه غالبًا، ثم يليه ما كان بين الضعف من جهة راويه، فهذا لا يسكت عنه، بل يوهنه غالبًا، وقد يسكت عنه بحسب شهرته ونكارته، والله أعلم. وقال الحافظ ابن حجر: إن قول أبي داود: " فإن كان فيه وهن شديد بينته " يُفهم أن الذي يكون فيه وهن غير شديد أنَّه لا يبينه، ومن هنا يتبين أن جميع ما سكت عنه أبو داود لا يكون من قبيل الحسن إذا اعتضد، وهذان القسمان كثير في كتابه جدًا، ومنه ما هو ضعيف، لكن من رواته من لم يجمع على تركه غالبًا، وكل من هذه الأقسام عنده تصلح للاحتجاج بها كما نقل ابن مندة عنه أنَّه يُخرِّج الحديث الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره، وأنه أقوى من رأي الرجال. وقال الإمام النووي: في " سنن أبي داود" أحاديث ظاهرة الضعف لم يبينها مع أنَّه متفق على ضعفها، والحق أن ما وجدناه في سننه مما لم يبينه، ولم ينص على صحته أو حسنه أحد ممن يعتمد، فهو حسن، وإن نص على ضعفه من يعتمد، أو رأى العارف في سنده ما يقتضي الضعف ولا جابر له، حُكم بضعفه، ولا يلتفت إلى سكوت أبي داود. وإنما ذكرت هذه النقول لدحض ما شاع وذاع بين من لا تحقيق عنده من أن ما سكت عنه أبو داود من الحديث، فهو حسن عنده صالح للاحتجاج.
[ ٢ / ٣٤٦ ]
الفائدة الثانية: في ذكر ما اعترض به على الإجماع
أهلها وكفرُ من صَدّق ما فيها كما يكون ذلك في حفظ بعض كتب الباطنية خذلهم اللهُ تعالى، وسيأتي مزيدُ بيانٍ لهذا عند ذكر المرجحات لذكر ما ورد في كتب الحديث مما يجب تأويلُه، ويُمكِنُ، إن شاء الله تعالى.
الفائدة الثانية: في ذكر ما اعترض به على الإجماع والجوابِ عنه وقد تقدم ذلك حيث أورده السيد، ونزيد ها هنا بيانَ كيفية اختلاف العلماء في نقل الإجماعِ على قبول فاسق التأويل.
واعلم أن العلماء على ضربين: منهم مَنِ ادَّعى العلم بالإجماع على ذلك، ورواه كما قدمنا ذكره، ومنهم منْ شَكَّ في ثبوته وتوقَّفَ، وليس منهم من ادَّعى العلمَ ببطلان الإجماع، ولا فيهم منْ روى عن أحد من الصحابة القول بتحريم قبولِ الفاسق المتأول، وهذا ظاهر في كلامات العلماء.
قال السَّيِّد أبو طالب ﵁ في كتاب " المجزىء " في الاعتراض على من احتجَّ بدعوى الإجماع في هذه المسألة ما لفظه: واعلم أنَّ ما احتج به جمهورُ الفقهاء من الإجماع (١) وإطباقِ الصحابة والتابعين عليه إن كان صحيحًا، فاتباعُهُ واجب، ويكون الصحيحُ هو المذهبُ الأول دونَ الثاني، لأن طريقَ إثبات المذهب الثاني قياسٌ، فإذا اقتضى الإجماعُ خلافَه، وجب اتباعُه، والعدولُ عما أوجبه القياسُ، والذي يُمكِنُ أن يقدم به في ما ادَّعَوْه من الإجماعِ أن يقالَ: مِن أين أنَّ كُلَّ العلماءِ مِن الصحابة والتابعين رأوا قبولَ شهادة الفساق من طريق التأويل وحديثهم، وبماذا عَلِمْتُم إطباقهم على ذلك؟
_________________
(١) من قوله " في هذه المسألة " إلى هنا ساقط من (ب).
[ ٢ / ٣٤٧ ]
ومما يُمكن أن يُجابَ به عن هذا هو أن يقال: قد علمنا (١) أن في آخرِ أيام الصحابة حدثت مذاهبُ وأفعال أوجبت الفسقَ عند كثيرٍ منهم، كمذاهب الخوارج، وحروبِ مَنْ حارب من البغاة، ولم يُنْقلْ أن أحدًا ردَّ شهادة هؤلاء وحديثهم، ولو وقع الرَّدُّ، لنقل حتى قال ﵇ في الرد على ما ادَّعي من الإجماع: إنَّا لا نعلم قبول الكل منهم لشهادة هؤلاء وحديثهم، والمسألة محتملة للنظر. انتهي كلامه ﵇.
وهو ظاهر في أنَّه لم يدفع دعوى الإجماعِ بالعلم ببطلانها بل بين أنظارًا عرضت له أوجبت القدح في العلم بصحة دعوى الإجماع، ولم يُوجب العلم ببطلان دعوى الإجماع، ولهذا قال: إن كان دعوى الإجماع صحيحًا، فاتباعُه واجب، وليس يقول هكذا، وهو يعلم أن الإجماع باطل، وأوضح من هذا قولُه في آخر الكلام: والمسألة محتملة للنظر.
وهو ظاهر في المقصود، ويقوي ذلك أنَّه ﵇ قد روى عنهم في كتابه " الأمالي " وهذا أمارة مقوية (٢) لا حُجَّةٌ مستقلة.
فإذا ثبت هذا، لم يكن في كلام أبي طالب ﵇ اعتراضٌ قادح على من ادَّعى العلم بالإجمْاع من الأئمة ﵈، فإن العلمَ فعلُ الله تعالى، وقد يخلقه للبعض دون البعض فيما لا يجب التسويةُ فيه من علوم العقل الضرورية التي يجب أن يشتركَ فيها جميعُ المكلفين، وقد ثبت أن الراوي الجازمَ القاطعَ المدعيَ للعلم بصحة ما روى مقبولٌ متى كان ثقة عدلًا في دينه، وثبت أن روايته لا تُعارض بشك من شَكَّ من العدول في صحة ما روى، وإنما تُعارض بخبر مَنْ هو مثلُه في العدالة متى أخبر أنه يعلم بطلانَ خبره، وتعارض الخبران. ومثال (٣) ذلك: لو قال قائل:
_________________
(١) " قد علمنا " ساقط من (ب).
(٢) في (ش): وهذه أمارة قوية.
(٣) في (ب): مثال.
[ ٢ / ٣٤٨ ]
إن هذا الشاهد هو فلان بنُ فلان الثقة المشهورُ أعرفه، ولا أشكُّ فيه، وقال آخر: أما أنا، فعندي شكٌّ في هذا، ولا أتحقق أنَّه هذا الذي ذكريت، فإنَّه يعمل على قول مَن علم، وبترك قول مَنْ شكَّ وهذا ظاهر عند أهل العلم، وكذا في غير هذه الصورة من سائر (١) المسائل، كما لو أخبر ثقةٌ بنجاسة هذا الماء أو طهارتِهِ، وشك آخرُ، فالعمل على قول مَنْ أخبر عن العلم واليقين دونَ من شك وتردَّدَ.
وكذلك الإجماعُ قد ادَّعى المنصورُ، ويحيى بنُ حمزة ﵉، وكذلك المؤيَّدُ بالله ﵇، والقاضي زيد، وعبدُ الله بن زيد، والفقهاء بأسرهم ومَنْ لا يأتي عليه العَدُّ والإحصاءُ مِن الأصوليين وسائر علماء الطوائف أنَّهم علموا إجماعَ الصحابة والتابعين على قبولِ الفاسق المتأول، وجزموا بالقولِ في ذلك، وقطعوا على حصولِ العلم لهم بهذا الإجماعِ، وأحالوا العلمَ بذلك إلى الاطلاع على التواريخ، وأخبارِ الصحابة كما أشار إليه المنصورُ بالله ﵇، وهؤلاء جَمٌّ غفير، وعددٌ كثيرٌ من أهل الفضل والتقوى والورع الشحيح فيما يصدر عنهم من الرواية والفتوى، فخبرهم يُفيدُ العلمَ القاطع، أو الظَّنَّ الراجح، ومن تمسَّك بروايتهم، واعتمد على تصديقهم، واستند إلى خبرهم، لم يستحق الإنكارَ والتشنيع، ويعترض عليه بأن غيرَهم من الأئمة العلماء شكَّ في دعوى الإجماع، وأورد أسئلة تقطع في طريقهم، فإن لهم أن يُجيبوا بأنَّ العلم يحْصُلُ عند كثرة المطالعة لأخبار الصحابة، والإحاطة بأحوالهم، ولا شَكَّ أن أحوال الناس تخْتَلِفُ في ذلك، وقد يكون بعض أهلِ العلم أكثرَ إطلاعًا مِن بعض في بعضِ المسائل، فيَحْصُلُ له العلمُ
_________________
(١) " سائر " لم ترد في (ب).
[ ٢ / ٣٤٩ ]
دونَ غيره، فيكون المدعي للعلم صادقًا، والمدعي للشك صادقًا، وكُلُّ أحدٍ أخبر بما يَعْلَمُ مِن نفسه، ولا يُكذّب هذا ولا هذا، كما لو روى هذا خبرًا عن رسول الله - ﷺ -، وأخبر أنَّه يعلمه، وأخبر غيرُه أنَّه لا يعلمه، صدقناهما معًا.
فقد تبيَّنَ لك بهذا أنا متى قبلنا روايةَ الأئمة: المؤيَّد، والمنصور، ويحيى بنِ حمزة ﵈، وسائرِ من (١) روى ذلك مِن عيون أهل العلم، فقد جمعنا بينَ قبول كلامهم، وقبولِ كلام أبي طالب ﵇، وأما لو عملنا على (٢) أن كلام أبي طالب مُقَدَّمٌ على روايتهم، لكنا قد نسبنا إليهم ما لا يليق بهم مِن القول بغيرِ علم، والرواية من غير تثبث، وذلك لا يجوز، مع أنَّا سلَّمنا أن أحدًا مِن العدول عارض روايتهم معارضةً صريحة (٣)، وادعى العلمَ ببطلان الإجماع، لكان لنا أن نُرَجِّحَ روايتهم بوجوه:
أحَدُهَا: كثرتُهُم، فقد ثبت دعوى الإجماع عن الأئمة والعلماء المذكورين، وعن جميع العِصابة العظمى مِن فقهاء الطوائف مع كثرتهم وسَعةِ علمهم، وكثرةِ اطَّلاعهم، فإن هؤلاء الذين ادَّعَوا الإجماعَ مِن أكثرِ العلماء معرفةً بأحوال الصحابة.
وثالثها (٤): أنهم مُثْبِتُون، والمُثْبِتُ مقدَّمٌ على النافي للإجماع إلا أن يُثبت خلافًا معينًا عن بعضِ أهل الإجماع وذلك لم يكن، فقد روينا نصَّ
_________________
(١) في (ب): " ممن " وهو خطأ.
(٢) في (ب): لو علمنا أن كلام
(٣) في (ب) و(ج): صحيحة.
(٤) كذا الأصول: ثالثها، مع أنه لم يرد ذكر للوجه الثاني.
[ ٢ / ٣٥٠ ]
الفائدة الثالثة في الإشارة إلى شهرة الخلاف في هذه المسألة
أبي طالب ﵇ على أنَّه لم يَنْقلْ أن أحدًا من الصحابة رَدَّ شهادةَ المتأولين ولا حديثهم، ولم يقعِ النزاعُ في أن ذلك نقل، فعدمُ النقل مما لا نزاع فيه.
الفائدة الثالثة: في الإِشارةِ إلى شهرةِ الخلاف في هذه المسألة مِن غير نكير ولا تأثيم، فذلك كثيرٌ شهير لا يُمْكِنُ أن يذكر منه إلا اليسير، لأن أكثر المصنفين في الأصول والفروعِ من أهل الكتب الحافلة، والتواليف الممتعة مِن المتقدمين والمتأخرين لا يذكرون هذه المسألة إلا ويذكرون اختلافَ الخَلف فيها، وكثيرٌ منهم يذكر إجماعَ السلف على القبول للمتأولين كما قدمنا. فإذا عَرَفْتَ أن الخلافَ واسع، فاعلم أنا لا نتعرَّضُ للاستقصاء في ذكر كلام الأئمة والعلماء في ذلك، وإنما نُشير إلى طرفٍ يسير من الخلاف المشهور المذكور في الكتب المتداولة المعروفة عند كثيرٍ من المبتدئين في طلب العلم، وإنما نذكرُه، لأن السَّيِّد أعرض عن ذكره مع التعرض لحكاية الخلاف في الطرفين في المسألة، فلم يذكر السَّيِّد عن أحد من العِترة ﵈ أنَّه يَقْبَلُ خبرَ المتأولين إلا عن المؤيَّدِ بالله ﵇ كأنَّه لا يعرف هذا القول منسوبًا إلى غيره، وما هذا عمل المنصف، ففي كتاب " اللمع " الذي لا يزال السَّيِّد مشتغلًا بدرسه ما لفظه: وفي تعليق الإفادة: ومن بلغ إلى حدِّ الكفر والفسق وكان متأوِّلًا فالعلماءُ مختلفون فيه، والأظهرُ عند أصحابنا أن شهادتَه جائزة، وهو قولُ أبي حنيفة وأصحابِه والشافعي، وعند أبي علي، وأبي هاشم لا تُقبل شهادته، وهذا كالخوارج والمجبرة.
قلتُ: قد قدمنا أن هذه رواية من المؤَّيد عن جميع أهل المذهب من أهل البيت ﵈ وأتباعهم أن الأظهرَ عندهم قبولُ كافر التأويل. قال
[ ٢ / ٣٥١ ]
في " اللمع ": لنا أنَّه لم يرتكب محظوراتِ دينه، فجاز قبولُ شهادته كما إذا كان صحيحَ الاعتقاد، ومن هذه سبيلُه إذا تاب في الحال، يجوزُ قبولُ شهادته، ولا يجب الاستمرارُ، وإنما الخلاف: هل (١) تقبلُ شهادتُه قبل التوبة أم لا؟ وفي شرح أبي مضر: قال م بالله في الإِفادة: مَنْ لم يبلغ في الاعتقاد الكفر أو الفسق، فشهادتهُ جائزة، ومن بلغ إلى هذا الحد -وكان متأوِّلًا- فأكثرُ العلماء مختلفون فيه، فالأظهرُ عند أصحابنا أن شهادتَهَ جائزة إلى آخره، فعلى هذا شهادةُ المجبرة والمشبهة يجب أن تكونَ مقبولة عنده قَدَّس الله روحه، وكذلك عند القاسم، ويحيى ﵉ يدل على أن الجبرَ والتشبيه من جهة التأويلِ والتدين يُوجب (٢) قبولَ شهادتهم، لأنَّه مِن أهل القبلة والشهادة وأهل الكتاب والتَّبَرِّي من الأديان ما عدا (٣) دينَ الإسلام، وهذه الأشياء أمارة العدالة من جهة الظاهر، فلا يمنعُ مِن قبول الشهادة.
فإن قيل: من قال بكفرهم من أصحابنا قال: إنهم كالمرتدين، وقد ثبت أن المرتد لا تُقبل شهادته.
قلنا: المرادُ به في بعض الأحكام لا على الإطلاق في جميعِ الأحكام والأحوال.
قال السَّيِّد أبو طالب: وأما شهادةُ أهلِ الأهواء من البُغاة والخوارج، فإنَّ جوازَ شهادتهم لا يمتنعُ أن يُخرج على اعتباره ﵇ أن تكونَ الملةُ واحدة، لأن هؤلاء كُلَّهُمْ مِن أهل ملة الإسلام، قال: ويُمْكِن أن يخرج من مذهبه ﵇ أن شهادَتَهم لا تجوز، لأنَّه نصَّ في " الأحكام " على أن مَنْ نَكَثَ بيعةَ إمام زمانه، طُرِحَتْ شهادتُهُ، وهذا
_________________
(١) في (ب): " وهل " وليس بشيء.
(٢) في (ت) فوجب.
(٣) في (ب): " وما عدا " ولا معنى لزيادة الواو.
[ ٢ / ٣٥٢ ]
سبيلُ الخوارج والبغاة، ومن يُجيز شهادتهم يذهب إِلى أن الإجماعَ قد حصل في قبول شهادتهم وخبرهم.
قال المؤيَّدُ بالله: من أنكر إمامَه، طُرِحَتْ شهادتُهُ إذا كان لا يقول بإمامته لأجل الفسوق والتهتك، لا لأجل النظر في أمره، والتفكر في أحواله.
وقال المؤيَّدُ مرة: لعلَّه قال ذلك اجتهادًا، ولكنه يضعف عندي إذا كان مستقيمَ الطريقة في سائر أحواله، فإن عُرِفَ منه الفسوقُ بما يقوله، فإني لا أقبلُها. انتهي كلام الأمير في " اللمع " رحمه الله تعالى.
قال القاضي شرف الدين في شرحه للزيادات: معنى قولِه: لعله قال ذلك اجتهادًا، أي: استحسانًا، لأن المعلوم أن جميع أقواله اجتهاد.
ومثلُهُ قال الفقيهُ علي بن يحيى في تعليقه: قال مِن غير دليل معيّن.
قلت: قد قال المؤيَّدُ بالله في " الزيادات ": والقولُ بالاستحسان قوي عندي، ولكن ما هذا يَدُلُّ على أن الاستحسانَ هو الاجتهادُ، بل هو بعضُ طرقِ الاجتهاد، ويمكن أن المؤيَّدَ بالله ﵇ أراد أنَّه قال ذلك بالاجتهاد المستند إلى غيرِ النصوصِ الصريحة والله أعلم.
وقال القاضي شرفُ الدين ﵀ في " تذكرته " ما لفظه: وأما كفارُ التأويل، كمشبِّه ومجسِّم، فتُقبل على كل أحدٍ، كخبره عن النبي - ﷺ - في أحد قولي المؤيَّد بالله وتحصيله، والأكثر، والثاني والناصر، وأبو علي، وأبو هاشم، ورواية أبي جعفر للهادي: لا تَصِحَّانِ، وكذا فاسقُ التأويل كخارجي وباغ غير الخطابية، ومن لم يبلغ خطؤه كفرًا أو فسقًا،
[ ٢ / ٣٥٣ ]
كمخالف في العوض وإلإرجاء، وتفضيل النبي على الملك، والإمامة مع العدالة في الكل، وفي كتاب مختصر لبعض الخصوم (١) ما لفظه: ولا تَصِحُّ يعني الشهادة منْ أخرسٍ وصبي مطلقًا، وكافرٍ تصريحًا إلا مليًا على مثلهِ، وفاسق جارحة وإن تاب إلا بعدَ سنة، وفيه ما لفظه: وكُلُّ فعلٍ أو (٢) تركٍ محرمين في اعتقاد الفاعلِ التارك لا يُتسامح بمثلهما؛ وقعا جُرْأةً، فجرح.
وقال الفقيه علي بنُ يحيى الوشلي في تعليقه على " اللمع " في قول أبي مضر: فعلى هذا شهادةُ المجبرة والمشبهة يجب أن تكونَ مقبولةً عنده قَدَّسَ الله روحَه، وكذا عند يحيى، والقاسم: ظاهرُ هذا أنَّه رواية عن يحيى، وليس بتخريج.
قال ﵀: وهو مذهب المؤيَّدِ بالله وتخريجه، وهو أحدُ تخريجي أبي طالب، وعند أبي حنيفة وأصحابه والشافعي أن شهادتَهم مقبولة، والتخريج الثاني لأبي طالب، وهو قولُ أبي علي، وأبي هاشم أن شهادتَهم لا تُقبل، والمذكور في " الكافي " ما لفظه: ومن بلغ اعتقادُهُ فسقًا بتأويل إلى قوله لا يُقبل خبرُه وشهادته، وكذلك من كفر بالتأويل، وعند الباقي من السادة يُقبل خبرهما وشهادتهما ذكر ذلك في " التقرير ". انتهى.
وقال في " فائقة الفصول (٣) في ضبط معاني جوهره الأصول " في
_________________
(١) في هامش (أ) ما نصه: يعني بالخصوم المنازعين للمتأول فيما تأول فيه، فافهم ذلك، إذ كل منازع يقال له: خصم وفي (ش) فوق كلمة " مختصر " ما نصه: هو منن الأزهار، وفوق كلمة " الخصوم ": هو الإمام المهدي، فوق كلمة " ما لفظه ": هذا لفظ " الأزهار".
(٢) في (ب): و.
(٣) في (ب) زيادة: ما لفظه، ولا معنى لها. وهذا النظم لأحمد بن يحيى بن =
[ ٢ / ٣٥٤ ]
شروط خبرِ الواحد ما لفظه:
تَنَزُّه الرَّاوي عَنِ الكَبَائِرِ وَتَرْكُ إصْرَارٍ على الصَّغَائِرِ
وَمَا يُضَاهِي لَعِبًَا بِطَائِرِ واختَلَفوا في فَاسِقٍ وَكافِرِ
مؤوِّلًا فَغَيْرُنَا لا يَقْبَلُهْ وَنَحْنُ لا نَرُدُّ شيئًا يَنْقُلُهْ
وهذا من شهادةِ الخصم لخصمه وهو (١) من أرفع المراتب.
والفَضْلُ مَا شَهِدَتْ بهِ الأعْدَاءُ.
فإذا ثبت هذا، فقد عَرَفْتَ أن المؤيَّد بالله ﵇ نسب قبول المتأولين إلى جميع أهلِ المذهب الشريف مِن الأئمة وأتباعهم، وروى ذلك عنه في " اللمع " وقرّره ولم يعترضه، فالذي في كتاب " اللمع " أنّ قبولَهم مذهبُنا ومذهبُ القاسم والهادي والمؤيَّد، ولم يذكر فيه عن أحد من العِترة أنَّه نصَّ على تحريمه، لا مِن المتقدمين، ولا مِن المتأخرين، وإنما روي عن أبي طالب أنَّه قال: يُمْكِنُ أن يُخرج للهادي ﵇ قبولُهُم، ويمكن أن يخرج له رَدُّهُم، وإنما روى في " اللمع " الخلاف في ذلك (٢) عن أبي علي وأبي هاشم، ولو كان يَعْرِفُ في ذلك خلافًا للهادي والقاسم، لكانا أحقَّ بالذكر من أبي علي، وأبي هاشم، ويشهد لما (٣) ذكرتُهُ مِن أن مذهَبَنَا قبولُهُم قولُه في " اللمع ": لنا أنَّه لم يرتكب محظوراتِ دينه، إلى آخره. فقولُهُ: " لنا " واضح في أن ذلك مذهبُنا لا
_________________
(١) = المرتضى اليمني الزيدي الإمام المهدي المولود سنة (٧٧٥) هـ والمتوفى في سنة (٨٤٠) هـ، وقد جاء اسم النظم في فهرس المكتبة الغربية ص ٣٤٧: " نيرة الفصول في ضبط معاني جوهرة الأصول ".
(٢) ساقطة من (ب).
(٣) " في ذلك " ساقطة من (ب).
(٤) تحرفت في (ب) إلى " بما ".
[ ٢ / ٣٥٥ ]
الحجة الثانية: إجماع العترة
مذهبَ لنا سواه، ولم يعترض أحدٌ على صاحب " اللمع " في قوله ذلك، فثبت أن المؤيَّد ذكره لأهل المذهب، ولم يذكر خلافًا، والمنصورُ بالله ذكره في " المهذب " ولم يذكر خلافًا، والأميرُ علي بن الحسين ذكره (١) ولم يذكر خلافًا لأهل المذهب (٢)، والفقيهُ عبدُ الله بنُ زيد ذكره ولم يذكر خلافًا، وغيرُ هؤلاء من أهل التعاليق والمذاكرين لم يعترضوا على أحدٍ ممن روى الإجماعَ، ولا ممن روى الخلافَ، ولا شَذَّ واحد في ذلك حتى جاء السيدُ -أيَّده الله- فبالغ في إنكارِ قبولهم، بل الظاهرُ أنَّه -أيَّده اللهُ- كان مقررًا له غيرَ منكر حتى دخلت سنة ثمانٍ وثماني مئة، وعَلِمَ السيدُ أن محمد بنَ إبراهيم اختار القولَ المنصوصَ في " اللمع " المشهور عن الخلف والسلف، فترجَّحَ له تحريمُ هذا القول، والمنع من الخلاف فيه، وجعل هذه المسألة من القطعيات التي يأثم المخالفُ فيها، ويعلم أنه معاند مع أنَّه قبل هذا التاريخ لم يزل يمُرُّ على كلامِ الأمير علي بن الحسين ﵁ في " اللمع " فلا يُنكره، ولا يُنبه التلامذةَ على أنَّه قولٌ باطل، ومذهب قبيح مخالف للأدلة القاطعة، وإنما توفَّرت دواعيه إلى تحريم النزاع في هذه المسألة في حق شخص مخصوص، وما هذا من الإنصافِ، فالله المستعان.
الحجة الثانية: إجماعُ العِترة ﵈، وذلك أنَّ المنصورَ باللهِ والإمامَ يحيى بنَ حمزة، وغيرَهما ممن سبق أنّه ادعى إجماعَ الصحابة قَدِ ادَّعَوْا إجماعُ الصدر الأول مِن الأمة، ولا شكَّ أن هؤلاء الذين ادَّعُوا الإجماعَ من المشاهير بتعظيم العِترة ﵈، ومن أهل الورع
_________________
(١) سقطت من (ب).
(٢) في (ب): لم يذكر لأهل المذهب خلافًا.
[ ٢ / ٣٥٦ ]
الحجة الثالثة: إن ذلك يقتضي أن قبول المتأولين مذهب علي
الحجة الرابعة: أنا لو لم نقبل المتأولين، لوجب أن لا نقبل الصحابة
والاطلاع، وذلك يقتضي أنَّهم ما ادَّعوا إجماعَ الأُمة حتى عَرَفُوا إجماعَ أهلِ البيت ﵈ أولًا خاصة في ذلك العصرِ، فإن أهلَ البيت ﵈ في زمان (١) حدوث الفسق في المذاهب، لم يكونوا إلا ثلاثةً عليٌّ، وولده ﵈، وإجماعُهُم حجة، ومعرفتُهُ متيسرة مستهلة (٢) لانحصارهم واشتهارهم، فأقلُّ أحوال المنصورِ بالله والإِمامِ يحيى، ﵉ أنهما لا يَدَّعيان إجماعَ الصحابة ألا وهما يعرفان ما مذهَبُ علي وولديه ﵈، فإنهما لو لم يعرفا مذهبهم، لكانا مجازفين بدعوى الإجماع، وهُما منزَّهان من ذلك باتفاق الجميعِ على أمانتهما وسَعة معرفتهما.
الحجة الثالثة: أن ذلك يقتضي أنَّهما ﵉ عرفا أن قبولَ المتأولين مذهبٌ علي ﵇، لأن أقلَّ أحوالهما حين ادَّعيا العلم بمذهب جميع الصحابة المشهور والمغمور أن يكونا قد عَرَفَا أن ذلك مذهبُ إمام الأئمة، وأفضل الأمة، وكفي به ﵇ حجة (٣) لمن أراد الهدى، وعِصمَةً لمن خاف الردى.
الحجة الرابعة: أنا لو لم نقبل المتأوِّلين، لوجب أن لا نقبلَ الصحابة أجمعين، ولا الصدرَ الأول مِن أهل البيت الطاهرين إذا لم يُصَرِّحُوا بالسماعِ من النبي - ﷺ -، وذلك لأنَّ هؤلاء الثقات من الأئمة وغيرهم قد رَوَوْا عنهم أنَّهم يقبلون الفاسقَ المتأول، فذلك لا بدَّ أن يفيد العلمَ، أو الظنّ بأنهم كانوا كذلك، أقصى ما في الباب أن ذلك يُفيد الشَّكَّ
_________________
(١) في (ب): وقت.
(٢) في (ب): سهلة.
(٣) ساقطة من (ب).
[ ٢ / ٣٥٧ ]
الحجة الخامسة: هي الحجة العقلية وهي أن خبرهم يفيد الظن قطعا
في قبولهم للفساق المتأولين، فلو كانوا مردودين بالقطع، وحصل الشكُّ في أن روايةَ العدولِ مستندةٌ إليهم لم يجز قبولُه إلا إذا حصلت تبرئة صحيحة يحصلُ معها الظَّنُّ الراجحُ أن روايتَه غير مستندة إلى من لا يقبل قطعًا، وقد ألزمنا السَّيِّد في رسالته مثل هذا، ومن التناصفِ بين المتناظرين أن يجري كُلُّ خصم على قياسه، ويبنيَ كُلُّ أحدٍ على أساسه.
الحجة الخامسة: هي الحجة العقلية التي عَوَّلَ عليها الإمامان: المنصورُ بالله والناطقُ بالحقِّ ﵉، والشيخُ المحقِّقُ أبو الحسين البصري ﵀ وهي أنَّ خبرهم يُفيدُ الظنَّ قطعًا، والعمل بالظن حسن عقلًا، وقد قررنا اتفاقَ العقلاء على حُسْنِ الخبر والاستخبار، واعتمادهم عند المهمات على إرسالِ الرسول، وكتابةِ الكتاب، وبعثِ النذير إلى من يخاف عليه منه (١) والطليعةِ إلى من يُخاف منه، وسفرِ التاجر على ظنِّ الربح، وزرع الزراع على ظنِّ التمام، وغزوِ الملوك على ظن الظَّفَرِ، وقراءة القرآن (٢) على ظن الفائدة، وكذلك العملُ في ضِرَابِ الأنعام وتربية صغارها (٣)، وجمعِ سمنها وألبانها، وسائرُ تصرفات العقلاء كُلُّها مبنية على ظن (٤) المنفعة دون اليقين (٥)، ولهذا فإن رسل (٦) رسولِ الله - ﷺ - لما كانت تأتي (٧) العرب، تُخبرهم بالشريعة، وتُبلِّغهم الأحكامَ، امتثلوا ذلك، وَعَمِلُوا به بمقتضى فِطرة العقول من غير أن يقولَ لهم رسولُ الله - ﷺ - ذلك (٨) جائز، ومن غير أن يسألوا عن ذلك، ولا
_________________
(١) ساقطة من (ج).
(٢) في (ج): القراءة.
(٣) في (ج): صغيرها.
(٤) ساقطة من (ج).
(٥) تحرفت في (ج) إلى: التعيين.
(٦) ساقطة من (ج).
(٧) ساقطة من (ج).
(٨) في (ج) و(ش): أن ذلك.
[ ٢ / ٣٥٨ ]
الحجة السادسة: أن في مخالفتهم مضرة مظنونة
الحجة السابعة: أنه إما أن يحصل بخبرهم غير الرجحان أو لا
تناظروا (١) فيه، ومن غير أن يستقبح ذلك منهم واحد، بل اجتمعوا على استحسان ذلك، وقررهم عليه رسولُ الله - ﷺ -. ولو كان ذلك لا يُعرف إلا (٢) بالشرع، لكانوا قد أقدموا على قبيحٍ في عملهم بكلام الرسل التي جاءتهم من عنده ﵇، ولو كان عملهم في ذلك قبيحًا، لما أقرهم عليه رسولُ الله - ﷺ -.
فثبت بذلك أنَّ العمل على قول من يُظَنُّ صدقُه حسنٌ عقلًا، معمول به قديمًا وحديثًا إلا ما خصَّه الدليل الشرعي من ذلك، فيُقرر حيث ورد، ويُعمل بدليل العقل فيما عداه. وقد كفانا مؤنَة الاحتجاج في هذه المسألة بهذا الوجه العقلي أبو طالب في كتاب " المجزىء " وكذلك المنصورُ بالله، وأبو الحسين، فمن أراد تحقيقها، فليطالعها في مصنفاتهم.
الحجة السادسة: أن في مخالفتهم مضرةً مظنونة، ودفعُ الضرر المظنون عن النفس واجبٌ، والمقدمة الثانية اتفاقية، وبيانُ المقدمة الأولى أن الثقة من المتأولين متى أخبرنا بتحريم الشيء، وظننا صِدْقَهُ، فإن ظن صدقه يستلزم ظنَّ العِقاب المتوعّد به على ارتكاب الحرام، وكذلك إذا أخبر بوجوبِ الواجب، وكذلك إذا أخبر بإباحة إلمباح، فإنه ليس لنا أن نُخَالِفَ رسول الله - ﷺ - في تحريم ولا إيجاب.
الحجة السابعة: أنّه (٣) إمَّا أن يحصل بخبرهم الرُّجحانُ أو لا، إن لم يَحْصُل الرجحانُ، ثم يُقبلوا، وإن حصل الرجحانُ، فإما أن يعمل بالراجح، أو المرجوحِ، أو يساوي بينهما، وترجيحُ المرجوح على
_________________
(١) في (ج): ولا يتناظروا.
(٢) ساقطة من (ج).
(٣) ساقطة من (ج).
[ ٢ / ٣٥٩ ]
الحجة الثامنة: أنه يحصل بحبرهم الظن لثبوث الحكم الشرعي
الحجة التاسعة: أنه يحصل بخبرهم الظن لثبوت النص الشرعي
الحجة العاشرة: أن يحصل ظن النص
الحجة الحادية عشرة: أن يحصل بخبرهم ظن النسخ
الحجة الثانية عشرة: أنه ينتفي الإجمال في الاشتراك
الراجح والمساواة بينهما في الترجيح قبيحٌ عقلًا، فوجب المصيرُ إلى ترجيح الراجح، وذلك مقتضى العقول.
الحجة الثامنة: أنَّه يَحْصُلُ بخبرهم الظنُّ لثبوت الحكم الشرعي المخصص للعموم وليس يجوزُ الحكم بالعموم (١) مع ظن أنّه مخصوص إجماعًا، وإنما اختُلفَ هل يجب العلم بانتفاء الخاصِّ، أو يجب الظَّنُّ لانتفائه، أو يكفي البقاءُ على الأصلِ وهو عدمُ المخصص حتى يظن وجودُه، فأما إذا ظن المجتهدُ وجودَ المخصص، فلا خلاف في تحريم العمل بالعموم حيث ورد الخاصُّ، وهي حُجة قوية.
الحجة التاسعة: أنَّه يحصل بخبرهم الظنُّ لثبوت النص الشرعي ومع ذلك يحرم الاعتمادُ على القياس والاجتهاد، وتقريرُها مثل الثامنة.
الحجة العاشرة: أنَّه يحصل ظَنُّ النص، فيحرم التمسكُ بالحظر والإباحة الأصليين.
الحجة الحادية عشرة: أنَّه يحصل بخبرهم ظنُّ النسخ، ومتى غلب على الظن أن هذا الحكمَ منسوخٌ لم يحل التمسكُ به إجماعًا، وتقريرُهُ كما في الثامنة.
الحجة الثانية عشرة: أنَّه ينتفي الإجمالُ في الاشتراك بخبرهم، فإنهم متى أخبروا عن النبي - ﷺ - أن المراد متعين في أحد اللفظين المشتركين ترجح ظنُّ (٢) ذلك.
وقد ثبت أنَّه يُرجع في المشترك إلى القرائن المفيدة للظن، ولهذا
_________________
(١) في (ج): للعموم.
(٢) ساقطة من (ج).
[ ٢ / ٣٦٠ ]
الحجة الثالثة عشرة: أنه ينتفي الظن في الظواهر والحقائق الظنية
الحجة الرابعة عشرة: أنه قد ثبت أنه من أكثر من ارتكاب المعاصي الملتبسة
ثبت التجوزُ بالعادة وهي ظنية، وحكموا بها في تفسير كتاب الله تعالى فقالوا في ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ (١) [المسد: ٤]: إن المرادَ بها نَمَّامة لمَّا كانت مِن أهل الشرف والثروة والترفة في أحدِ التفسيرين، واتفقوا على التجوز في قوله تعالى: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ [غافر: ٣٦] لأجل القرينة العرفية.
الحجة الثالثة عشرة: أنَّه ينتفي الظن في الطواهر والحقائق الظنية الموجبة للتجوز وتقريره كما مر في الثانية عشرة، وخبرُهُم قرينة ظنية بغير شك، فوجبَ قبولُه.
الحجة الرابعة عشرة: أنَّه قد ثبت أنَّه مَنْ أكثرَ من ارتكاب المعاصي الملتبسة على جهة التعمد، وأصَرَّ عليها مع العلم بقُبحها، فإنه مجروحُ العدالةِ، غيرُ مقبولٍ في الشهادة والرواية، ومن عصى معاصيَ كثيرةً لا تَبْلُغُ الكفرَ والفسق وكان متأوِّلًا فيها، غيرَ عالم بقبحها، فإنَّه مقبولُ الشهادة والرواية، مع أنَّ معه دليلًا لو أنصف وتأمَّلَه، عَلِمَ الحق كالفاسق المتأوِّل سواء، فدل على أن العلة في القبول هي صدورُ المعصية على جهة التأويل، صغيرةً كانت أو كبيرةً، وليست العلةُ الفسقَ، ألا ترى أنا نَرُدُّ من تعمد المعاصي، وإن لم يكن فسقًا، ونقبل مَنْ فعلها بعينها متأولًا، فقد
_________________
(١) في تفسيرها أقوال، أحدها: أنها كانت تمشي بالنميمة، قاله ابن عباس، ومجاهد، والسُّدِّي، والفراء، وقال ابن قُتيبة: فشبهوا النميمة بالحطب، والعداوة والشحناء بالنار، لأنهما يقعان بالنميمة كما تلتهب النار بالحطب. والثاني: أنها كانت تحتطب الشوك، فتلقيه في طريق رسول الله - ﷺ - ليلًا، رواه عطية، عن ابن عباس، وبه قال الضحاك، وابن زيد، ورجحه الطبري. والثالث: أن المراد بالحطب: الخطايا، قاله سعيد بن جبير. انظر " معاني القرآن " للفراء ٣/ ٢٩٨ - ٢٩٩، و" زاد المسير " ٩/ ٢٦٠ - ٢٦١، والطبري ٣٠/ ٢١٩ - ٢٢٠، والآلوسي ٣٠/ ٢٦٣.
[ ٢ / ٣٦١ ]
الحجة الخامسة عشرة: قوله تعالى ﴿فاسألوا أهل الذكر﴾
فَرَّقْنَا بين المتأوِّل (١) والمتعمِّدِ في ارتكاب المعاصي، فدار القبولُ مع التأويل ثبوتًا وعدمًا، ودار الردُّ مع التصريح ثبوتًا وعدمًا، وهذا يُفيد ظَنَّ العِلية، وهو أحد طرق العلل، وإن لم يُفد ذلك دائمًا، فمن اعتمد ذلك، لم يستحق النكيرَ، ولا التأثيمَ.
فإن قلتَ: إن مرتكب الكبيرة تأويلًا (٢) قد خرج من ولاية الله قطعًا بخلاف صاحب المعصية الملتبسة.
قلت: ليس العلةُ الخروجَ من ولاية الله قطعًا بدليل أنَّ من ارتكب المعاصي تعمدًا، لم يُقبل وإن لم تكن كبائرَ مع أنا لم نعلم أنَّه قد خرج مِن ولاية الله قطعًا ولا ظنًا، فدل على أن المعتبر التأويل الذي يبقى معه ظَنُّ الصدق.
الحجة الخامسة عشرة: قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] ودخول السؤالِ عن الأدلة في هذه الآية على سبيلِ طلب (٣) الاجتهاد أقربُ من دخول السؤال عن المذاهب على سبيلِ التقليد، لقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، وقد تَقدَّمَ ذكر ذلك عند الاحتجاج على تعديل حملةِ العلم (٤).
فإن قُلْتَ: فقد تقدَّم أن الصحيحَ أنها في سؤال المشركين لأهل الكتاب عن الرُّسُلِ أكانوا بشرًا أم لا.
قلت: ذلك صحيح أنَّه معناها الذي سِيقَتْ له، ونَزَلَتْ فيه،
_________________
(١) سقطت الواو من (ب).
(٢) في (ب): متأولًا.
(٣) في (ب): الطلب طلب.
(٤) انظر ص ٣١٥ من الجزء الأول.
[ ٢ / ٣٦٢ ]
ولكن قد يُؤخذ من الآية حكمٌ لم يَرِدْ فيها على سبيل الاستنباطِ، وقد يكونُ ذلك من مفهومِ الموافقة (١)، وهو قطعي وظني، فالأوَّلُ مثل تحريم الضَّربِ مِن تحريم التأفيف، والثاني مثلُ وجوبِ الكفارة في قتل العمدِ من وجوبها في قتل الخطأ على قولِ الشافعي، وهذا مِن ذاك، فإن المفهومَ أن المشركين، إنَّما أُمِرُوا بسؤالِ أهل الكتاب لجهل المشركين وعلم أهل الكتاب في تلك الحادثة، فكذا (٢) كُلُّ حادثة يُوجد فيها عالم وجاهلٌ مِنَ المسلمين، فإنَّه يكون المفهومُ مِن الآية أن المشروعَ للجاهل مِن المسلمين أن يسأل العَالِمَ من أهلِ الإسلام، وهذا أولى من ذاك (٣)، أقصى ما في الباب أنَّه قياس على المنطوق، فالكُلُّ منهما حُجَّةٌ.
إذا ثبت هذا، فالآية عامة في العلماءِ المتنزهين عن البدع على سبيلِ التأويل، وليس يلزمُنا في هذه الحجة وأمثالها مثلُ ما ألزمنا السيدَ في
_________________
(١) ويسمى أيضًا دلالة النص، وفحوى الخطاب: وهو ثبوت حكم المنطوق للمسكوت بفهم مناط الحكم لغةً، وهو قسمان، فتارة يكون المسكوت أولى بالحكم من المنطوق، كقوله تعالى: ﴿ولا تَقُلْ لهما أُفٍّ﴾ فإنه يفهم تحريم الضرب مثلًا بالأولى، لأن مناط النهي عن التأفيف هو الإيذاء، وهذا مفهوم لغةً، فكان منهيًّا عنه، ومن جزئياته الضرب ونحوه، فيكون منهيًّا عنه أيضًا، بل أولى، وتارة يكون المسكوت مساويًا في الحكم للمنطوق، لأننا نعلم قطعًا أن كثيرًا ما يفهم الحكم في المسكوت مع عدم الأولوية لفهم المناط لغةً، وذلك كإثبات الكفارة -بالأكل عمدًا في صوم رمضان كالجماع الذي ورد فيه إيجاب الكفارة بحديث الأعرابي- عند الحنفية، وكإيجاب الشافعي الكفارة في القتل العمد، واليمين الغموس بنص الخطأ في القتل، وبنص غير الغموس في اليمين، وإيجاب حد الزنا في اللواطة في غير الزوجة والأمة عند الأئمة الثلاثة، وأبي يوسف ومحمد بن الحسن بنص وجوبه في الزنى. انطر " جمع الجوامع " مع شرحه وحاشيته ١/ ٣٠٦ - ٣٠٧، و" الابتهاج في شرح المنهاج " ١/ ٣٦٦ - ٣٦٩، و" روضة الناظر " ص ١٣٨ - ١٣٩، و" نهاية السول " ٢/ ١٩٧ - ٢٠٠، و" المستصفي " ٢/ ١٩٠ - ١٩١.
(٢) في (ب): فكذلك.
(٣) في (ب): ذلك.
[ ٢ / ٣٦٣ ]
الحجة السادسة عشرة: قوله تعالى ﴿فمن جاءه موعظة من ربه﴾
تلك الإِشكالات، لأنا لم ندَّعِ أَنَّ المسألَة قطعية، وتلك الإِشكالات إنَّما ورد عليه أكثرُها لدعواه أَنَّ المسألة قطعية، وأما مَنْ أَقَرَّ أنها ظنية، فليس عليه إلَّا أن يستدِلَّ بدليل يُفيده (١) الظن، وليس عليه أيضًا أن يُفيد غيرَه الظن، وإنَّما عليه أن يُبْدِيَ دليلَه لمن أراد أن يعرفه، فيستدل به، أو يعارضه.
الحجة السادسة عشرة: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣] وهذا عامٌّ في كل ما جاء عن الله، سواء كان مِن كلامه ﷾ في القرآن العظيم، أو على لسانِ رسوله - ﷺ -، وسواء كان معلومًا أو مظنونًا، بل الأكثر مِن ذلك هو الذي جاءَ مظنونًا، وقد ثبت أن في القرآن العظيمِ ما معناه (٢) مظنونٌ، وما معناه معلومٌ، وثبت أنهما جميعًا مُعْتَدٌّ بهما، وأن المعنى المظنون من جملة ما جاء مِن عند الله تعالى، فكذلك السنة فيها معلوم و(٣) مظنون، وكل منهما مما جاء مِن عند الله تعالى، ألا ترى أن السيدَ إذا قال لعبده: إذا جاءَك لي قريبٌ، فأكرمه، وكان العبدُ لا يعرف أقاربَ سيده، فإنَّه متى أخبره مَنْ يظن صدقَه عن أحدٍ أنَّه مِن قرابة سيده، فإنه يَحسن منه إكرامُه، لأجل ذلك الخبرِ المظنونِ صدقُه، وكذلك إذا جاءه كتابُ سيده مع رجل يُوصيه، وعرف خطَّه، فإنَّه يَحْسُن منه العملُ به وإن لم يكن معرفة الخط يُفيده إلاَّ الظن، وقد تقرَّرَ أن المشروعَ في معرفة الحلالِ والحرام هو العلمُ أو الظن، كما ذكره المنصورُ وغيرُه من علماء العِترة ﵈.
_________________
(١) في (ش) يفيد.
(٢) في (ب): " ما فيه " وهو خطأ.
(٣) ساقطة من (ب).
[ ٢ / ٣٦٤ ]
الحجة السابعة عشرة: قوله تعالى ﴿وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل﴾
الحجة الثامنة عشرة: قوله تعالى ﴿خذوا ما آتيناكم بقوة﴾
فإذا عرفتَ هذا، فحديثُ المتأولين مِن جملة ما جاء عن الله ورسولِ الله - ﷺ - مما يظن صحتُه، ويعتقد تحري رواته في الصدق وأمانتِهم في الرواية، فوجب الامتثالُ، وأمِنَّا باتباعهِ من الشقاء والضلال.
الحجة السابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠] ذَمَّهُمُ الله تعالى بعدمِ الاستماع، وهو مطلق في كل ما جاء عن الله تعالى من معلوم ومظنون، خرج المُجْمَعُ على ردِّه، وبقي المُخْتَلَفُ فيه إلاَّ ما خصَّه دليل، وأمثال هذه الآية الكريمة كثيرٌ في القرآن الكريم مما ورد في ذَمِّ مَنْ لا يسمع، ومدحِ المستمعين مثل قوله تعالى: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٥] وأمثال ذلك.
الحجة الثامنة عشرة: قوله تعالى: ﴿خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٦٣] فهذا عام فيما آتانا الله تعالى مِن معلوم ومظنون، وقد ثبت أنَّه تعالى إذا أمرنا بأمرٍ، وجبَ علينا منه ما علمنا وما ظننا، ألا ترى أنَّه يَجِبُ طلبُ الماء للطهور حيث يُعْلَم وحيث يُظن، ولا يُجزىء الاكتفاءُ بالطلب في المواضع المعلوم وجودُه فيها مع ترك المواضِع المظنون وجوده فيها، وقد ثبت عنه ﵇ أنَّه قال: " إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأمْرٍ فَأتُوا مِنْه ما اسْتَطَعْتُم " (١).
فيجب بذلُ الوسع في القُدرة، ومراتبها ظاهرة، فيصلي قيامًا ثُم قعودًا
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٢٨٨) في الاعتصام، ومسلم (١٣٣٧) في الحج من حديث أبي هريرة، ولفظه بتمامه " ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك مَنْ كان قبلكم سؤالُهم واختلافُهُم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء، فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء، فأتوا منه ما استطعتم ". وقد توسع الحافظ ابن رجب في شرح هذا الحديث في " جامع العلوم والحكم " ص ٨٣ - ٩٢ فراجعه.
[ ٢ / ٣٦٥ ]
ثم على الجُنُوبِ (١).
وكذلك يجب بذلُ الوُسْعِ في تَعَرُّفِ ما آتانا (٢) الله، وأمرنا بأخذه، وذكر ما فيه، وبذل الوسع في ذلك حسبَ الطاقة ومراتبها، فأعلى المراتبِ أن نعلمَ اللفظَ والمعنى، وهذا يكون في كثير من القرآن، وكثير من السنة المتواترة، ودُونَ هذه المرتبة أن نعلَم اللفظ ونظن المعنى، وذلك يكون (٣) أيضًا كثيرًا في القرآن والمتواترِ مِن السنة.
والمرتبة الثالتة أن نظنَّ اللفظ والمعنى، أو نعلم المعنى، ونظن اللفظ وكلاهما في السُّنَّةِ المنقولة بطريق الآحاد، وهما متقاربان.
واعلم أنَّه لو لم يجب علينا مِن ألفاظ السنّة إلاَّ ما علمنا، لما وجب علينا من معاني القرآن إلاَّ ما علمنا، لأن ذلك كُلَّه يرجِعُ إلى العمل في الشريعة بالظن، وذلك يؤدّي إلى خلاف الإجماع، ومما يؤيِّدُ ما ذكرته في العمل بالمظنون مما آتانا الله من الشريعة أنَّه تعالى لما أمرنا بِبِرِّ الوالدين والأقربين، والصدقة على المساكين وجب في ذلك أنَّه يُراد به من ظننا قرابته ومن ظننا فقره ومسكنته، لأنَّه لا طريقَ معلومة إلى معرفة القرابة والفقر غالبًا، وأمثالُ ذلك في الشريعة كثيرة.
الحجة التاسعة عشرة: قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى
يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ
_________________
(١) أخرج البخاري في " صحيحه " (١١١٧)، وأبو داود (٩٥٢)، والترمذي (٣٧٢) عن عِمران بن حصين، قال: سألت رسول الله - ﷺ - عن صلاة المريض، فقال: " صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب " وانظر " الفتح " ٢/ ٥٨٨.
(٢) في (ب): أتى.
(٣) ساقطة من (ب).
[ ٢ / ٣٦٦ ]
الحجة الموفية عشرين: قوله تعالى ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله﴾
الحجة الحادية والعشرون: قوله تعالى ﴿واحذرهم أن يفتنوك﴾
وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] فهذا وعيد شديد، ومضرَّة عظيمة فيجب الاحترازُ مِن الوقوع فيما يُخاف الوقوعُ فيه لمخالفتها، ولا يَحْصُلُ الأمانُ من ذلك إلاَّ بامتثال كُلِّ معلومٍ ومظنونٍ مما جاء عنه ﵇، فيدخل في ذلك خبرُ المتأولين.
الحجة الموفية عشرين: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] وفي آية: ﴿الفاسقون﴾، وفي آية: ﴿الظالمون﴾، ولا شك أنَّ ما أنزل اللهُ يكون معلومًا ومظنونًا (١)، ولم يقُلْ أحدٌ من أهل العلم: إنَّه لا يكون مظنونًا، وخبر المتأولين من ذلك، ولكن لا يُفِيدُ الكفر والفسق والظلم، لأن المسألة اجتهادية، إذ هذه الآية من العمومات العملية الظنية المخصوصة المؤوَّلة، ولكنها حجةٌ لمن ظَنَّ في شيء معيَّن أنَّه يدخل في عمومها.
الحجة الحادية والعشرون: قولُه تعالى: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩] وكلامُه ﵇ من جملة ما أنزلَ الله تعالى، لقوله سبحانه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٢) [النجم: ٣ - ٤] إذا ثبت هذا في حقه ﵇ ثبت في حقنا مثله، لأنَّ التأسي به واجبٌ علينا، فيحرم علينا أن نفتتن عن بعض ما أنزل اللهُ إليه، وذلك يُوجب المحافظة على قبولِ ما صدر منه ﵇، وتلك المحافظة لا تَتِمُّ إلاَّ بقبول المتأولين، وإلا لم يَحْصُل
_________________
(١) ساقطة من (ب).
(٢) في الاستدلال بالآية على ما ذهب إليه المؤلف نظر، فإن السياق يدل على أن الكلام في القرآن، وأن المراد أن هذا القرآن الذي يتلوه عليكم رسول الله ليس من عنده، بل هو وحي يوحى إليه من الله. انظر الطبري ٢٧/ ٢٥، والقرطبي ١٧/ ٨٤ - ٨٥، و" زاد المسير " ٨/ ٦٣، والآلوسي ٢٧/ ٤٦ - ٤٧.
[ ٢ / ٣٦٧ ]
الحجة الثانية والعشرون: قوله تعالى ﴿فآمنوا بالله ورسوله﴾
الأمانُ من الإخلال ببعضِ صَدَرَ منه ﵇، لأنَّا لا نأمن أن ما روَوْهُ (١) مما أنزل اللهُ إليه، وخرج من ذلك ما قام الدليلُ على رده.
الحجة الثانية والعشرون: قوله تعالى: ﴿فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] فأمر اللهُ باتباعه، وقد قال ﵇: " إِذَا أَمَرْتُكمْ بِأمْرٍ فَأْتُوا مِنْه مَا اسْتَطَعْتُمْ " (٢) فوجب أن نتَّبِعَه فيما استطعنا مِن معلوم ومظنون على الإطلاق إلاَّ ما قيَّده الدليل.
الحجة الرابعة والعشرون (٣): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩] فتجب طاعتُه في كل معلوم ومظنون كما تقدَّم.
واعلم أن العمومات الواردة في هذا الباب كثيرة جدًا، والعلماء تركوا الاستدلال بها استغناءً بحجة الإجماع، لأنها أخصُّ من العمومات، وأقطعُ للشغب، وإنَّما أوردت هذه العمومات معارضةً لما توهَّمه السيدُ مِن صحة الاحتجاج بتلك العمومات التي أوردها، وقد بيَّنا فيما تقدم الجوابَ عليه في (٤) الاحتجاج بها، بل قد تقدَّم فيها، أو في أكثرها أنَّها حجج عليه لا له، وذلك مقرر في الإشكالات الواردة على احتجاجه بها، وهذا القدرُ يكفي في المعارضة فلنقتصر عليه.
_________________
(١) في (ب): ما رواه.
(٢) تقدم تخريجه في الصفحة ٣٦٥.
(٣) في هامش (ب) ما نصه: لم يثبت في الأم الحجة الثالثة والعشرون، ولعله سقط سهوًا.
(٤) ساقطة من (ب).
[ ٢ / ٣٦٨ ]
الحجة الخامسة والعشرون: ما رواه عِكرمةُ، عن ابن عباس ﵁ قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ - ﷺ - فقال: إني رأيتُ الهلال يعني رمضان، فقال: " أَتَشْهَدُ أنْ لا إِلهَ إلاَّ الله، وَأَنَّ مُحَمَّدًَا رَسُول اللهِ "؟ قال: نَعَمْ، قال: " يَا بلَالُ أَذِّنْ في الناسِ أَنْ يَصُومُوا غَدًَا " (١). رواه أهلُ السنن الأربع، ولفظُه لأبي داود، وهو مروي من طريق أهل البيت ﵈، ومن طريق شيعتهم.
وقالَ أبو عبد الله الحاكمُ الحافظُ أحدُ علماء شيعة أهلِ البيت ﵈: هو حديثٌ صحيحٌ، وفي إسنادِه وإرسالِه خلافٌ يسير، لا يَضُرُّ مثلُه إن شاء الله تعالى، وهو يدل على قبول من شهد الشهادتين من أهل الإسلام القائمين بأركانه الخمسة ما لم يثبت جرحُهم.
الحجة السادسة والعشرون: حديثُ الأمةِ السوداء التي قالَ ﵇: " هِيَ مُؤمِنَةٌ " لما أشارت أن الله ربُّها، وأنَّه ﵇ رسولُ الله والحديثُ صحيح خرجه مسلم (٢) وغيره وهو دليلٌ على قبول كُلِّ مَنْ آمن بالله ورسوله مِن أهل الإسلام ما لم يثبت عنه فعل ما يُجرح به بدليل صحيح من كتابٍ أو سُنَّة أو إجماعٍ، وهذا كله مفقودٌ في المتأوِّلين، لأنه ﵇ قد أثبت لها الإيمانَ بذلك، والمؤمنُ مقبولٌ، لقوله تعالى في صفة رسول الله ﷺ: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣)
_________________
(١) تقدم تخريجه في الجزء الأول ص ٣٧٧.
(٢) رقم (٥٣٧) وقد تقدم تخريجه في الجزء الأول ص ٣٧٩.
(٣) قال الإمام الطبري ١٤/ ٣٢٧: وأما قوله: " يؤمن بالله " فإنه يقول: يصدق بالله وحده لا شريك له، وقوله: " يؤمن للمؤمنين " يقول: ويصدق المؤمنين، لا الكافرين ولا المنافقين، وهذا تكذيب من الله للمنافقين الذين قالوا: محمد أُذُنٌ، يقول جل ثناؤه: إنما محمد مستمع خير، يصدق بالله وبما جاء من عنده، ويصدق المؤمنين، لا أهل النفاق والكفر بالله. =
[ ٢ / ٣٦٩ ]
[التوبة: ٦١] وقد مرَّ في كلام السَّيِّد أبي طالب أنَّ العدالةَ كانت منوطةً في ذلك الصدر الأول بالإِسلامِ والقيامِ بأركانه، واجتنابِ معاصي الجوارح المعروفة دونَ معاصي الاعتقاد وما يتفرَّعُ عنها، هذا معنى كلامه ﵇، وقد مَرَّ بلفظه.
الحجة السابعة والعشرون: حديثُ الحسن بن علي ﵉ الذي فيه " إنَّ ابْنِي هذا سَيِّدٌ وسَيُصْلِحُ الله بِهِ بَيْنَ طَائِفَتيْنِ عظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ " (١) وفيه النَّصُّ على تسميتهم مسلمين، وقد تقدَّم الكلام على صحة الحديث.
والمسلم مقبولٌ ما لم يظهر ما يجرحه والدليلُ على ذلك إجماعُ الصحابة عليه في الصدر الأول. رواه الشيخ أبو الحسين في " المعتمد " كما تقدم، وقد تقدَّم أيضًا أثر عمر الصحيح في ذلك في كتابه المشهور (٢)، ولم يُنكره أحد، وهو شاهدٌ جيد لدعوى الشيخ أبي (٣) الحسين والشواهد على ذلك كثيرة، ولا معنى للتكثير بإيرادها، لأنَّ الخصم غيرُ منازع في قبول من ثبت أنَّه مسلم. والله أعلم.
الحجة الثامنة والعشرون: قولُه ﵇ في الحديث المشهور
_________________
(١) = وقال ابن قتيبة: الباء واللام زائدتان، والمعنى: يصدق الله، ويصدق المؤمنين، وقال الزجاج: يسمع ما ينزله الله عليه، فيصدق به، ويصدق المؤمنين فيما يخبرونه به. " زاد المسير " ٣/ ٤٦١.
(٢) تقدم تخريجه في الصفحة ١٦٩ من هذا الجزء، والصفحة ١٨٦ من الجزء الأول.
(٣) تقدم تخريجه في الصفحة ٣٧٥ من الجزء الأول.
(٤) في (ب): أبو.
[ ٢ / ٣٧٠ ]
الصحيح " كَيْفَ وَقَدْ قيلَ " (١) ففيه تنبيهٌ على حسن قبولِ خبر من أخبر عن تحريم أو وجوبٍ بمجرد القول مِن غير ظن على جهةِ الاحتياط، فكيف مع الظن الغالب، والصِّدْقِ الراجح خرج من ذلك المصرح، وبقي المتأوِّل.
الحجة التاسعة والعشرون: قولُه ﵇ في حديث الحسن بن علي ﵉ " دَعْ ما يُرِيْبُكَ إلى ما لَا يُرِيبُكَ " (٢) وهذا حديثٌ حسن معمول به، خرَّجه النواوي في مباني الإسلام وحسنه، ورواه الترمذي في " جامعه " وهو يدُلُّ على قبول من يظن صدقه، لأن رده مما يُريب خوفًا أن يكونَ رسولُ الله - ﷺ - قال ذلك الذي رواه.
فإن قلتَ: إن تصديقَهم ريبٌ أيضًا، فتعارضت جِهتا الترجيحِ، فوجب الوقف.
قلت: الجوابُ مِن وجوه:
أحدها: أن قبولَهم يُريب ريبًا مرجوحًا، فلم يُعتبر، لأن الريبَ المرجوح حاصلٌ في خبر الثقة المتنزِّه من البدع، فكما أنَّه لم يُؤثر فيه، كذلك (٣) هذا.
وثانيها: أن نقولَ: اجتمع في قبوله ورده رَيْبَانِ، ففي قبوله ريبٌ مرجوح موهوم، وفي ردِّه ريبٌ راجح مظنون، فوجب الاحترازُ مِن الرَّيْبِ الرَّاجِحِ المظنون، لأن فيه مضرةً مظنونةً، ولم يجب الاحترازُ مِن الريب
_________________
(١) تقدم تخريجه في الجزء الأول صفحة ٣٨٢.
(٢) إسناده صحيح، أخرجه أحمد ١/ ٢٠٠، والترمذي (٢٥١٨)، والطيالسي (١١٧٨)، وعبد الرزاق (٤٩٨٤)، والطبراني (٢٧٠٨) و(٢٧١١)، وصححه ابن حبان (٥١٢)، والحاكم ٢/ ١٣ ووافقه الذهبي.
(٣) في (ب): فكذلك.
[ ٢ / ٣٧١ ]
المرجوح، لأن فيه مضرَّة مرجوحة، والمضرةُ المجوزة مِن غير رجحان لا يجبُ الاحترازُ منها، فكيف إذا كانت مرجوحةً موهومةً، فلم يقل أحدٌ من العقلاء بوجوب الاحتراز من ذلك، ولو وجب مثلُ ذلك، لوجب على العقلاء أن يخرجوا من بيوتهم خوفًا لسقوطها عليهم مِن غير أمارة للسقوط.
وثالثها: أنَّ الراجح المظنون (١) لا يُسمى ريبًا في اللغة، ولهذا، فإن الإنسانَ إذا غابَ من منزله وأولادِه ساعةً من نهار، وعهده بالدار صحيحةً، وبأهله سالمين، فإنه لا يُسمى مريبًا في انهدام الدارِ، وموتِ الأولاد لمجرد أن ذلك ممكن مِن غير محال، وهذا واضح، وقد ذكر الزمخشريُّ (٢) هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠].
الحجة الموفية ثلاثين: ما ثبت في الصحمِح من قوله ﵇: " الحَلاَلُ بيِّنٌ، والحَرامُ بَيِّنٌ، وبَيْنَهُما أُمُورٌ مُتَشَابِهَاتٌ لا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَن اتَّقى الشُّبُهَاتِ، اسْتَبْرأ لِدِينِهِ وعِرْضِهِ " الحديث (٣)، وفيه ما لا يخفى من الحثِّ على تركِ المتشابهات، ولا شَكَّ أنَّ رَدَّ المتأولين من المتشابهات لوجوه:
أحدُها: ظَنُّ صدقهم.
وثانيها: دعوى الثقاتِ من الأُمة الإجماعَ على قبولهم، ولم يَدَّعِ أحدٌ الإجماعَ على ردهم، كما قدمنا.
وثالثها: أنَّهم إذا رَوَوْا عنِ النبيِّ - ﷺ - أنَّه حرم شيئًا، فإنَّه لا يكونُ
_________________
(١) في (ب): المظنون الراجح.
(٢) ٤/ ٩٢ - ٩٣.
(٣) تقدم تخريجه في الصفحة ٣٣٥ من هذا الجزء.
[ ٢ / ٣٧٢ ]
حلالًا بيِّنًا، وكذلك إذا رَوَوْا أنَّه أوجب شيئًا لا يكونُ تركُه من الحلال البَيِّنِ لوقوع الشبهة بروايتهم للنص النبوي، وهذا قوي جدًا.
الحجة الحادية والثلاثون: قولُه ﵇: " يَحْمِلُ هذَا العِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ " (١)، وقد مَرَّ الكلامُ على تصحيحه، ووجهِ الاحتجاج به حيث (٢) نقضنا احتجاحَ السَّيِّد به، وبينا أنَّه حجةٌ عليه، لا لَهُ.
الحجة الثانية والثلاثون: أنَّه يَحْرُمُ عليهم كتمُ ما يحفظونه من العلم، والنصوصِ النبوية لنَصِّ القرآن الكريم على تحريمِ كَتْمِ العلم فلا يرتفع (٣) الوجوبُ عنهم إلا بدليل مثل ذلك النص في القُوَّةِ والظهور، ولا شَكَّ أنَّه لا يُوجَدُ ما يُماثِلُه في إسقاط التكليف عنهم في ذلك (٤) فإذَا ثبت أنَّه يجبُ عليهم التبليغُ، وَيحْرُمُ عليهم الكتمُ ثَبَتَ أنَّه يُقْبَلُ منهم، وإلا لم يكن لتبليغهم فائدةٌ، ولا لوجوب ذلك عليهم معنى، وأما المصرِّحُ، فقد دل الإجماعُ القاطع على اشتراط توبته في القبول فافترقا.
الفائدة الثانية: في الإشارةِ إلى المرجِّحات لقبول المتأولين على تقدير تسليم التعارض وهي خمسةَ عَشَرَ وجهًا:
الأولُ: خبرُ الثقاتِ مِن عشر طرق أو أكثر بأنَّ الأمة أجمعت على ذلك كما تقدَّم بيانُه عن الأئمة المؤيَّد ِ بالله، وأبي طالب، والمنصور (٥)، والإمامِ يحيى بنِ حمزة في كتبهم، والأميرِ الحسين في " شفاء الأوام "،
_________________
(١) تقدم تخريجه في الجزء الأول الصفحة ٣٠٨.
(٢) ساقطة من (ب).
(٣) في (ب): فلا يرتفع كتم ما يحفظونه.
(٤) " في ذلك " ساقط من (ب).
(٥) في (ب): والمنصور بالله.
[ ٢ / ٣٧٣ ]
والقاضي زيد في " الشرح "، وعبدِ الله بن زيد في كتابه " الدرر المنظومة " في أصول الفقه، والشيخِ أبي الحسين في " المعتمد "، والحاكم في " شرح العيون "، والشيخ الحسن الرصاص في " غرر الحقائق "، وحفيدِه أحمد في " الجوهرة "، وابنِ الحاجب في " مختصر المنتهى "، وروايةِ السيدِ أبي طالب عن الفقهاء أنهم رَوَوْا ذلك لا عن نفسه كما تقدم بيانُ ذلك مفصَّلًا قريبًا مع ما شهد لخبرهم مِن القرائن، ومع اطلاعهم على الخلاف وأخبار الصحابة، وذلك يقوي الظَّنِّ قوةً عظيمة على أن ذلك الإجماعَ صحيحٌ إن لم يُفِدِ العلمَ، ولا شَكَّ أنَّه ما رُوي إجماعٌ على رد فُسَّاقِ التأويل ألبتة، فكان القول بقبولهم أولى، لأن في ردهم التعرضَ للعقاب والوعيد الحاصل بمخالفة الإجماعِ، ولا شَكَّ أنه حاصِلٌ إما علمًا ضروريًا، أو ظنًا، أو تجويزًا، وليس في قبولهم شيءٌ من مخالفة الإجماعِ ألبتة.
الثاني: أن التكذيبَ لحديثِ رسولِ الله - ﷺ - مع العلم أنَّه حديثُه كُفْرٌ صريح، والتصديقُ بمن كَذَبَ على رسول الله - ﷺ - عمدًا ليسَ بكفر بالإِجماع، بل الكذبُ على رسول الله ﷺ عمدًا ليس بكُفْر بالإجماعِ قبل خلافِ الجويني (١)، والخطاُ فيما عمدُه ليس بكفر أقلُّ إثمًا مما عمده كفر بالإجماع، فإن قتل مَنْ يجوز أنَّهُ نبي أقبحُ مِن قتل منْ يجوز أنَّه مؤمن، وليس بنبي قطعًا.
الثالث: أن في القبول تكاليفَ حتى بالإِباحة، فإن ما (٢) أباحه ﵇ يحرم تغييرُه تحريمًا مغلَّظًا بحيث يكفر منكرُه إذا كان معلومًا ضرورة
_________________
(١) انظر " توضيح الأفكار" ٢/ ٨٨.
(٢) في (ب): " من " وهو تحريف.
[ ٢ / ٣٧٤ ]
وعليه الحديثُ " وأكَلَ ذَبِيحَتَنَا " جعل ذلك شرطًا في الإسلام بخلاف المباحِ على الأصل.
الرابع: أنَّه أحوطُ إما كُلُّه وإما أكثره فيجب قبولُ الجميع، لأن تركَ قبولِ الجميع تغليبٌ للنادر على الأكثر، وهو مثلُ ترجيح المرجوح على الراجح، وهو خلاف المعقول، وقبولُ البعضِ دونَ البعض تحَكُّمٌ. إنما قلنا: أحوطُ، لأنَّ حديثَهم إن عارض الكتابَ، أو ما هو أرجحُ (١) منه مِن حديث الثقات لم يعمل به إذ هو مرجوحٌ، وإن لم يُعارض، فالفرضُ أنَّه ورد في مباح يجوز تركُه وفعلُه، فإن اقتضى التحريمَ، فالتركُ أحوطُ، وإن اقتضى الوجوبَ، فالفعلُ أحوط، وهذا الوجه يختص بما لم يخصّ العموم المعلوم.
الخامس: نحن نعلمُ بالقرائنِ صِدْقَ أكثرِه، لأنَّ الدواعي إلى الصدق في حديثِ رسول الله - ﷺ - متوفِّرَةٌ وهي العلم بما فيه مِن كثرة الثواب الوارد في حفظ العلم وتعليمه، وبما في كتمه والكذب فيه مِن العقاب، والصوارفُ منتفية، لأنَّه ليس في الكذب على رسول الله - ﷺ - شهوةٌ ورغبة، وللأكثرين مثلُ ما في غيره مِن سائر المعاصي المحبوبة بنفسها، مثل الزنى، وأكلِ الحرام، ولا هو من الأكاذيب المؤدِّية إلى ذلك غالبًا مثل الشهادة الباطلة في الأموال.
ويدل على هذا وجهان:
أحدهما: أنَّه ربما مضى عمرُ الفاسق المصرح وما كَذَب على رسول الله - ﷺ - كذبةً واحدة متعمِّدًا لها، ولعله لا يمضي له (٢) يوم لم يكذب فيه في مصالح دنياه، فأما العصيانُ بغيرِ الكذب، فلا يكاد ينفك.
_________________
(١) في (ب): راجح.
(٢) ساقطة من (ب).
[ ٢ / ٣٧٥ ]
الوجهُ الثاني: أنَّ الله شَدَّدَ في الشهادة، فلم يقبل إلا اثنينِ، وأكد إنكارَ المُنْكِرِ باليمين (١)، ولم يقبل منْ بينَه وبَيْنَ أخيه عداوةٌ إلى غير ذلك بخلاف الحديث، فَكُلُّ هذه الأمور (٢) مقبولةٌ فيه.
قال بعضُ العلماء: وذلك لِقوة الداعي إلى الصدق (٣) في الحديث، وقِلَّةِ الداعي إلى الكذب فيه.
وأما مما يقدر مِن قوة محبة الكذبِ على رسول الله - ﷺ - فهو في نفسه نادر، وعلى تقدير وقوعه، فهو مِن العدل المتأوّل نادرٌ جدًا هذا معلومٌ بالضرورة، فلما علمنا أنَّ الصدق في حديثهم أكثري، وأن الكذبَ نادرٌ، وجب ترجيحُ الصدقِ المعلومِ الغالبِ الراجحِ الأكثري على الكذبِ الموهومِ النادرِ المرجوح.
السادس: أن لهم خطأً وصوابًا، فوجب النظرُ في أيُّهما أكثرُ، فما كان أكثرَ، علق به الحكم إلا ما خصَّه الدليلُ، وقد نظرنا، فوجدنا صوابَهم أكثر، لأنهم أقاموا أركانَ الإسلامِ الخمسة، وانْتَهَوْا عن جميع الكبائر المعلومهَ، وآمنوا بكُلِّ ما هو معلومٌ بالضرورة من الدين، وكثيرٌ منهم لا يعصي إلا في فعلٍ واحد، أو اعتقاد واحد وقع فيه أيضًا مع عدم العلم بتحريمه، ومع وجود الشُّبْهَةِ في فعلِه واعتقادِهِ.
وبيان ذلك أن لِلدين عمودًا وهو الإِيمانُ بالقلب، وأركانًا ظاهرة، وهي الخمسةُ المنصوصة: الشهادتان، والصلاةُ والصيامُ والحجُّ والزكاةُ،
_________________
(١) انظر " شرح السنة " ١٠/ ٦٨ - ١٠٢.
(٢) ساقطة من (ب).
(٣) في (ب): داعي الصدق.
[ ٢ / ٣٧٦ ]
وحدودًا معلومة ضرورية التحريم، وهي الكبائرُ المنصوصة، فهذه مهماتُ الإسلام، وقد جاؤوا بذلك كُلِّهِ على ما يُحِبُّ الله ويرضى، وهو الأكثرُ والأكبر، وليس التعذيبُ في الآخرة دليلًا على عدم القبول في الدنيا بدليلِ الجرحِ بالمعاصي الملتبسة، بل ببعض المباحات الدالة على قِلَّةِ الحياء والمروءة، وبكثرة السهو والغفلة، فكما قد يُرَدُّ مَنْ هو مِن أهل الخير، فقد يقْبَلُ مَنْ هو مِن أهل الشر، لأن حكم الرواية يرجع إلى الصدق وظنِّه، لا إلى استحقاق العقوبةِ في الآخرة. فأحكامُ الآخرةِ بِمَعْزِلٍ عن هذا، ولا شَكَّ أن القياس تعليقُ الحكم بما هو أكثرُ، دليلُه إجماعُ العلماء على أن مَنْ كان يَهِمُ في الحديث وَهْمًا نادِرًا، ويُصِيبُ كثيرًا، فإنه يُقْبَلُ حديثُه تغليبًا للأكثر إذا ثبت هذا، قبلوا تغليبًا للأكثر.
السابع: روايتُهم للحجج الدالةِ على خلاف مذهبهم مثل أثر عائشة في نفي الرؤيةِ في ليلةِ الإسراء، وتفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣] بجبريل ﵇ (١). واتَّفَقُوا على صحة ذلك عنها، ومثلُ الأحاديث والمناقب الدالة على تفضيلِ أمير المؤمنين علي ﵇، ولقد ذكر الذهبي في كتابه " طبقات القُراء " (٢) عليًّا ﵇، وذكر أنَّه لم يَسْبِقْهُ إلى الإسلام إلاّ خديجةُ، وأن المكان يَضِيقُ عن مناقبه وأنَّه جمع القرآنَ العظيم، وصحح ذلك، وَرَدَّ على من خالف فيه. ثم ذكر: عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابنِ سيرين أن أبا بكر
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٢٣٤) و(٣٢٣٥) و(٤٦١٢) و(٤٨٥٥) و(٧٣٨٠) و(٧٥٣١)، والترمذي (٣٢٧٨)، وفي الباب عن ابن مسعود عند البخاري (٤٨٥٦) و(٤٨٥٧)، ومسلم (١٧٤).
(٢) الموسوم بـ " معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار " ١/ ٢٥ - ٢٨ نشر مؤسسة الرسالة.
[ ٢ / ٣٧٧ ]
﵁ مات ولم يَخْتِم القرآن، ولم يُضعف هذه الرواية، ولا عارضها بشيء، وكيف يُضعفها وقد بين إسنادَها، وهو على شرط البخاري ومسلم وجميع أئمة الحديث.
وكذلك عمر ﵁، فإِنَّهم اتَّفقُوا على أنَّه لم يجمع القرآنَ كأبي بكر، ولو كانوا مِن أهلِ الكذب مع تفضيلهم لهما، لَكَذَبُوا لهما، أو تركوا ذكر (١) ذلك نفيًا وإثباتًا ليبقى مجملًا، ولم يعتنوا في ذكره، وإيرادِ إسناده (٢) الصحيح، ولهذا نظائرُ لو ذكرتُها واستوفيتُها جاءت في مصنف مفرد، وأخرجت عن المقصود.
ومنْ ذلك حديثُ سَمرَةَ بنِ جُندب حيث (٣) قال له ﵇ ولأبي هُريرة، ولثالث معهما: " آخِرُكُمْ مَوْتًا في النَّارِ " (٤) فكان آخرَهم موتًا سَمُرَةُ بن جندُب، رووه وحكموا بصحته، وقد رُوي أنَّه مات حريقًا؛ روي (٥) أنَّه وقع في نارٍ أو ماء يغلي، ولعلَّ هذا معنى الحديث إن صحت روايتُه، فقد كان سمرةُ حافظًا، أثنى عليه الحَسَنُ البصري ووثقه، وروى عنه.
_________________
(١) ساقطة من (ب).
(٢) في (ب): إسناد.
(٣) سقطت من (ب).
(٤) أورده الإمام الذهبي في ترجمة سمرة من " السير " ٣/ ١٨٤ - ١٨٥ من طريق شعبة، عن أبي مسلمة، عن أبي نضرة، عن أبي هريرة، وقال في إثره: هذا حديث غريب جدًّا، ولم يصح لأبي نضرة سماع من أبي هريرة، وله شويهد فذكره. قلت: وفي سنده مجهولان، وآخر وفي سنده ضعيف ومجهول. ثم روى من طريق هلال بن العلاء، عن عبد الله بن معاوية، عن رجل أن سمرة استجمر، فغفل عن نفسه حتى احترق، فقال: فهذا إن صح، فهو مراد النبي، يعني نار الدنيا.
(٥) في (ب): وروي.
[ ٢ / ٣٧٨ ]
ومثلُ حديث معاوية حيث قال ﵇: " إذا ارتقى معاوية منبري هذا، فاقتلوه " رواه الذهبي (١) بثلاثة أسانيد طعن في واحد منها وسكت عن (٢) اثنين، ورواه بإسناد آخر " فاقبلوه، فإنَّه أمين " وقال: إسنادٌ مظلم وأمثالُ ذلك شيء كثير، لو نُقِلَتْ من كتب رجالهم لما جاءت في أقلِّ مِن مجلد كبير.
الثامن: تضعيفُهم لأحاديث أئمتهم المحتج بها في الفروع، فمن نظر " البدر المنير " و" خلاصته " و" الإرشاد " و" التلخيص " في الأحاديث التي احتج بها الشافعي عَلِمَ إنصافَهم، وأنَّهم غيرُ متعصبين، فلعلَّهم أجمعوا على ضَعْفِ قدر الربع من حُجَجِهِ، هذا وَهُمْ أصحابُه المنتسبون إليه، وكذلك المحدثون من الحنفية، ولهم في ذلك كتاب أحاديث الهداية (٣)، وكذلك المالكية، وَمِنْ أحسنِ الكتب لهم في ذلك
_________________
(١) في " السير " ٣/ ١٤٩، والأسانيد الثلاثة لا تصح، ففي الأول علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف لا يحتج به، وفي الثاني الحكم بن ظهير، قال البخاري: تركوه، وفي الثالث إرسال الحسن البصري، وقال الحافظ ابن كثير في " البداية " ٨/ ١٣٣: وهذا الحديث كذب بلا شك، ولو كان صحيحًا، لبادر الصحابة إلى فعل ذلك، لأنهم كانوا لا تأخذهم في الله لومة لائم.
(٢) تحرفت في (أ) و(ج) إلى " من ".
(٣) " الهداية " كتاب في الفقه الحنفي ألفه شيخ الإسلام برهان الدين علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الفرغاني المتوفى سنة ٥٩٣ هـ، وكان قد صنف قبل هذا الكتاب " بداية المبتدي " جمعَ فيه كتابي أبي الحسن القدوري، و" الجامع الصغير " لمحمد بن الحسن، وزاد عليهما مسائل ثم شرحه بكتاب سماه " كفاية المنتهي " في ثمانين مجلدًا، ثم اختصره في كتاب سماه " الهداية ". قال الشيخ أنور الكشميري: ليس في أسفار المذاهب الأربعة كتاب بمنزلة كتاب " الهداية " في تلخيص كلام القوم، وحسن تعبيره الرائق، والجمع للمهمات في تفقه نفس بكلمات كلها درر وغرر، وهو مطبوع بمفرده، ومع شرحيه لابن الهمام والعَيني، وقد تصدى لتخريج أحاديثه غير واحد من الحفاظ، من أجودها وأبرعها " نصب الراية " للإمام الحافظ المتقن جمال الدين أبي محمد عبد الله بن يوسف بن محمد الزَّيْلَعي، المتوفَّى سنة =
[ ٢ / ٣٧٩ ]
وأكثرها إنصافًا كتابُ " التمهيد " (١) لابن عبد البر وهو أحدُ كتب الإِسلام ومختصره " التنضيد " حسن جدًا.
العاشر (٢): تضعيفُهم للأحاديثِ الدالة على مذاهبهم في التفضيل وغيرِه مثل حديث أنس مرفوعًا: " لمَّا عرج بي جبريلُ رأيتُ في السَّمَاءِ خيلًا مَوْقُوفَةً مُسْرَجَةً مُلْجَمَة لا تَرُوثُ ولا تَبُولُ، رُؤُوسُها مِنَ اليَاقُوتِ وحَوَافِرُهَا مِن الزُّمُرُّدِ الأخْضَرِ، وأبْدَانُهَا مِن العِقْيَانِ الأصْفَرِ ذوات الأجنحة، فقلتُ لِجبريل: لِمَنْ هذه؟ قال: لِمُحِبِّي أبي بَكرٍ وعُمَرَ "،
_________________
(١) = (٧٦٢) هـ. قال الحافظ ابن حجر: جمع تخريج أحاديث " الهداية "، فاستوعب فيه ما ذكره صاحب "الهداية" من الأحاديث والآثار في الأصل، وما أشار إليه إشاره، ثم اعتمد في كل باب أن يذكر أدلة المخالفين، ثم هو في ذلك كثير الإنصاف، يحكي ما وجده من غير اعتراضٍ ولا تعصب غالبًا، فكثر إقبال الطوائف عليه. وهو مطبوع طبعة جيدة بعناية المجلس العلمي في أربعة أسفار كبار بمصر سنة (١٣٥٧) هـ.
(٢) واسمه الكامل " التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد " تأليف الإمام الحافظ أبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النَّمَري الأندلسي المتوفَّى سنة (٤٦٣) هـ. وهو كتاب عظيم في بابه، لم يتقدمه أحد إلى مثله، رتبه بطريقة الإسناد على أسماء شيوخ الإمام مالك الذين روى عنهم ما في "الموطأ" من الأحاديث، وذكر ما له عن كل شيخ مرتبًا على نسق حروف المعجم بترتيب المغاربة، ووصل كل مقطوع جاء متصلًا من غير رواية مالك، وكل مرسل جاء مسندًا من غير طريقه، وذكر من معاني الآثار وأحكامها المقصود بظاهر الخطاب ما عوَّل على مثله الفقهاء أولو الألباب، وجلب من أقاويل العلماء في تأويلها، وناسخها ومنسوخها وأحكامها ومعانيها ما يشتفي به القارىء الطالب ويبصره، وينبه العالم ويذكره، وأثبت من الشواهد على المعاني والإسناد بما حضره من الأثر ذكره، وصحبه حفظه مما تعظم به فائدة الكتاب. وقد قضى في تأليفه أكثر من ثلاثين سنة كما يدل عليه قوله فيه: سميرَ فؤادي مُذْ ثلاثون حِجَّةً وصيقل ذهني والمفرج عن همي بسطت لكم فيه كلام نبيكم بما في معانيه من الفقه والعلم وفيه من الآثار ما يقتدى به إلى البر والتقوى وينهي عن الظلم انطر " سير أعلام النبلاء " ١٨/ ١٥٣ - ١٦٣، وتقوم بنشره وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمملكة المغربية، وقد صدر منه حتى الآن أربعة عشر جزءًا بالقطع الكبير، يسر الله إتمامه.
(٣) كذا في الأصول كلها لم يرد فيها التاسع.
[ ٢ / ٣٨٠ ]
قال الذهبي في " الميزان " (١): إنَّه حديث كذب.
ومثل حديثِ عقبةَ بنِ عامر سمعتُ رسولَ الله - ﷺ - يقول: " أتاني جبريلُ، فقال: يا محمَّدُ إنَّ الله أمَرَكَ أن تستشيرَ أبا بكر ". في إسناده رجل يقال له: محمد بن عبد الرحمن بن غزوان. قال الدارقطنيُّ وغيرُه: كان يضعُ الحديثَ، وقال ابنُ عدي: له عن ثقات الناس بواطيل، وعدُّوا هذا الحديث منها (٢).
ومثل: " أبو بكر يلي أُمَّتي مِن بعدي " قال الذهبي: هو كذب (٣).
ومثل حديث رواه محمد بن بابشاذ البصري، وقد وثقه الدارقطني، قال الذهبي (٤): لكنه أتى بطامَّةٍ لا تتطيب، فروى عن عائشة قالت: لمَّا كانت ليلتي مِن رسول الله - ﷺ - ضمَّني وإياه الفراشُ قلتُ: يا رسولَ الله حدثني بشيء لأبي، قال: "أخبرني جبريلُ عن الله أنَّه لما خلق الأرواح اختار روحَ أبي بكر لي مِن بين الأرواح، وإني ضمنتُ على الله أن لا يكونَ لي خليفةٌ مِن أمتي، ولا مؤنس في خلوتي، ولا ضجيع في حُفرتي إلا
_________________
(١) ٣/ ٦٣٨ في ترجمة محمد بن عبيد الله بن مرزوق، والحديث أورده الخطيب البغدادي في " تاريخه " ٢/ ٣٢٩ - ٣٣٠ من طريق عمر بن محمد الترمذي، عن جده لأمه أبي بكر محمد بن عبيد الله بن مرزوق، عن عفان، عن حماد بن سلمة، عن أنس. وعمر بن محمد الترمذي. قال الذهبي في " الميزان " ٣/ ٢٢١: له حديث باطل يذكر في ترجمة محمد جده، ونقل عن أبي الفتح بن أبي الفوارس قوله في " الميزان " ٣/ ٢٢١: فيه نظر. وانظر " تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة " ١/ ٣٤٧ لابن عراق.
(٢) انظر " ميزان الاعتدال " ٣/ ٦٢٥ - ٦٢٦.
(٣) انظر " ميزان الاعتدال " ٣/ ١٨٠ و٣٩٩، و٤/ ٢٨٢، و" الكامل " ٦/ ٢١٠٣ لابن عدي، و" تنزيه الشريعة " ١/ ٣٤٤، و" المجروحين والضعفاء " ٢/ ٢٣٠، و" اللآلي المصنوعة "١/ ٣٠١، و" الفوائد المجموعة " ص ٣٣٢ - ٣٣٣، و" الجامع الكبير " ١/ ٧ للسيوطي.
(٤) في " الميزان " ٣/ ٤٨٨، و٤/ ٢٨٢ انظر " تاريخ بغداد " ١٤/ ٣٦، و" تنزيه الشريعة " ١/ ٣٤٢.
[ ٢ / ٣٨١ ]
أبوكِ، وتخرج بخلافته يومَ القيامة رايةٌ من دُرَّةٍ" فانظر إلى أمورٍ ثلاثة:
أوَّلُها: معنى هذا الحديث على مذهبهم غيرُ محال ولا ممتنع.
وثانيها: أنَّ رَاوِيَه ثقة، لكنه أغربه وشذَّبه، ولم يُتَابَعْ عليه.
وثالثها: أن الذهبيَّ سمَّى هذا الحديث طامة لا تتطيَّبُ مع ثقة راويه وإمكانِ صحته، فلو قال في حق علي مثل هذا لم يَشُك المغرب من (١) عوائدهم عند الغضب مما بان لهم أنَّه كذب أنَّه يُبْغِضُ عليًا ﵇، وبمثل هذا ينفي بغضَه لعلي حين يقع منه شيءٌ من هذا مما يظنُّه مكذوبًا من مناقبه ﵇، كما يُزَيِّفُ مثلَ ذلك في فضائل القرآن العظيم، وفي معجزاتِ النبي الكريم، فتأمَّلْ ذلك، فقد كان يكفيه ألطفُ من هذه العبارة في نفي هذا وأمثالِهِ من مناقب أبي بكر، لكنَّه يشتد غضبُهم مِن الكذب الواضح عندهم على حَسَبِ اجتهادهم.
ومثل ما روى محمدُ بنُ عبد الله بن إبراهيم بن ثابت أبو بكر البغدادي عن البراء مرفوعًا: " في أعلى عِلِّيينَ قُبَّةٌ معلَّقة بالقُدرة تخترِقُها رياحُ الرحمة، لها أربعةُ آلاف باب، كلما اشتاقَ أبو بكر إلى الجنة، فتح له منها بابٌ ".
قال الدارقطني: كان دجالًا.
وقال الخطيب: كان يضعُ الحديثَ، وعدُّوا هذا من موضوعاته (٢).
_________________
(١) في (ب): عن.
(٢) قال الخطيب في " تاريخه " ٥/ ٤٤١ بعد أن أورد الحديث من طريق أبي بكر الأشناني الذي قال عنه: كان كذابًا يضع الحديث عن يحيى بن معين، عن عبد الله بن إدريس الأودي، عن شعبة بن الحجاج، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن =
[ ٢ / ٣٨٢ ]
ومثل ما روي عن أبي سعيدٍ مرفوعًا: " لما عُرِجَ بي إلى السماء ما مَرَرْتُ بسماءٍ إلا ووجدتُ فيها مكتوبًا: محمد رسولُ الله، وأبو بكر الصديق مِن خلفي ".
قال الذهبي (١): هو باطل، وعن ابن عباس مثله وهو أيضًا باطل، وعن أبي هريرة أيضًا مثله (٢) وفيه رَجُلٌ مُتَّهم بالكذب.
ومثل ما روي عن الزُّبير بن العوَّام ﵁ قال النبي - ﷺ -: " اللهم (٣) جعلتَ أبا بكر رفيقي في الغارِ، فاجعله رفيقي في الجنة " من رواية محمد بن الوليد بن أبان القلانسي البغدادي مولى بني هاشم.
قال ابنُ عدي (٤): كان يضع الحديث. وقال ابن أبي عَروبة: كذاب.
_________________
(١) = البراء، عن النبي - ﷺ -: من ركب هذا الحديث على مثل هذا الإسناد، فما أبقى من اطراح الحشمة والجرأة على الكذب شيئًا، ونعوذ بالله من الخذلان، ونسأله العصمة عن تزيين الشيطان إنه ولي ذلك، والقادر عليه. ثم نقل عن الدارقطني قوله في أبي بكر الأشناني (محمد ابن عبد الله بن إبراهيم بن ثابت): كذاب دجال. وانظر " الميزان " ٣/ ٦٠٥ - ٦٠٦، و" اللآلي المصنوعة " ١/ ٢٩٢.
(٢) في " الميزان " ٣/ ٦٠٩ - ٦١٠ في ترجمة محمد بن عبد الله بن يوسف المهري، وهذا الحديث رواه الخطيب في " تاريخه " ٥/ ٤٤٤ - ٤٤٥ من حديث أبي سعيد، وابن عباس، وأبي هريرة، والبزار (٢٤٨٢) من حديث ابن عمر، وابن عدي ٤/ ١٥٠٧ من حديث أبي هريرة، وأورده ابن الجوزي في " الموضوعات "، وقال: عبد الله بن إبراهيم الغفاري يضع الحديث، وشيخه فيه -عبد الرحمن بن زيد بن أسلم- ضعيف باتفاق، وقد حاول الحافظ السيوطي في " اللآلي " ١/ ٢٩٦ - ٢٩٧ أن يشد من أزر هذا الحديث، ويحسنه، فلم يصنع شيئًا، فإن كل ما ذكره لا ينهض للاستدلال على صحة مدعاه.
(٣) في (ب): مثله أيضًا.
(٤) في (ب) و(ش): اللهم كما.
(٥) في " الكامل " ٦/ ٢٢٨٧، ونصه: يضع الحديث ويوصله، ويسرق، ويقلب الأسانيد والمتون، وانظر " ميزان الاعتدال " ٤/ ٥٩ - ٦٠.
[ ٢ / ٣٨٣ ]
ومثل ما روي عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: " إن لله عَلَمًا من نور مكتوبٌ فيه: لا إله إلاَّ اللهُ محمد رسولُ الله أبو بكر الصِّدِّيق ".
قال الذهبي: هو موضوع.
ومثل ما روي عن أنس مرفوعًا: " انفلقت في يدي تُفاحةٌ عن حوراء، فقالت: أنا للمقتولِ ظلمًا عثمان " قال الذهبي (١): وهذا كذب.
ومثل ما روى عمر بن الخطاب أنَّه قال: حدثني سيدا شَبابِ أهلِ الجنة عن أبيهما المرتضى، عن جدِّهما المصطفي أنَّه قال: " عمَرُ نُورُ الإسلام في الدنيا، وسراجُ أهل الجنة في الجنة "، وأوصى أن يجعلَ ذلك في كفنه على صدره فوضع فلما أصبحوا، وجدوه على قبره، وفيه: صَدَق الحسنُ والحسين، وصَدَقَ أبوهما، وصدق رسول الله - ﷺ -.
ذكره الحافظُ المحدِّثُ أبو الخطاب عمر بن حسن المعروف بابنِ دحية الكلبي في كتابه " العَلَم المشهور " في جملة أحاديث موضوعة وأخبار مصنوعة، وهو مِن حفاظ الحديث على أنَّه متكلم عليه، وموصوم بالمجازفة، كذا قال الذهبي في ترجمته في كتابيه (٢) " التذكرة " (٣) و" الميزان " (٤).
وقال الذهبي (٥): إسحاق بنُ محمد بن إسحاق السُّوسي ذاك
_________________
(١) في " الميزان " ٤/ ٣٨٥ في ترجمة يحيى بن شبيب اليماني.
(٢) في (ب): كتابه.
(٣) ٤/ ١٤٢٠ - ١٤٢٢.
(٤) ٣/ ١٨٦ - ١٨٩، وترجمه أيضًا الذهبي في " السير " ٢٣/ ٣٨٩ - ٣٩٥، وأرخ وفاته سنة ثلاث وثلاثين وست مئة.
(٥) سقطت من (ب).
[ ٢ / ٣٨٤ ]
الجاهل الذي أتى بالموضوعاتِ في فضل معاوية، فهو المُتَّهَم بها، أو شيوخه المجهولون (١).
وقال الذهبي في ترجمة السري بن عاصم (٢): وهَّاه ابنُ عدي، وكذَّبه ابنُ خِراشٍ، قال الذهبي: ومن مصائبه أنَّه أتى بحديث متنه " رأيتُ حولَ العرش وردةً مكتوب فيها: محمَّدٌ رسولُ الله أبو بكر الصديق ".
وقال في ترجمة سعيد بن جَمْهَان: وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: لا يحتج به (٣)، هو راوي " الخلافة بعدي ثلاثون سنة" حسنه الترمذي، وهذا
_________________
(١) هذه الترجمة موضعها في " الميزان " ٤/ ١٩٩ بعد ترجمة إسحاق بن محمد البيروتي، ولكنها سقطت من المطبوع فتستدرك من " لسان الميزان " ١/ ٣٧٤.
(٢) " الميزان " ٢/ ١١٧.
(٣) " الميزان ": ٢/ ١٣١، وتمام كلامه فيه: روى عن حشرج بن نباتة، وعبد الوارث، قال أبو داود: ثقة، وقوم يضعفونه، وقال ابن عدي: أرجو أنَّه لا بأس به. قلت: وحديثه أخرجه أبو داود (٤٦٤٦) و(٤٦٤٧)، والترمذي (٢٢٢٦)، والطحاوي في " مشكل الآثار " ٤/ ٣١٣، وأحمد في " المسند " ٥/ ٢٢٠ - ٢٢١، وفي " فضائل الصحابة " (٧٨٩) و(٧٩٠) و(١٠٢٧)، وابن أبي عاصم ٢/ ٥٦٢، والطبراني في " الكبير " (١٣) و(١٣٦) و(٦٤٤٢)، والطيالسي (١١٠٧)، والبيهقي في " دلائل النبوة " ٦/ ٣٤١ من طرقٍ عن سعيد بن جمهان، عن سفينة مولى رسول الله - ﷺ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: " الخلافة في أمتي ثلاثون سنة، ثم تكون بعد ذلك ملكًا " وزاد غير واحد من مخرجيه: قال سفينة: أمسك عليك أبا بكر سنتين، وعمر عشرًا، وعثمان اثنتي عشرة، وعليًا ستًا. وسعيد بن جمهان وثقه ابن معين، وأحمد، وأبو داود، وابن حبان، وقال النسائي: لا بأس به، وقال البخاري: في حديثه عجائب، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وقيل للإمام أحمد: إن يحيى بن سعيد لم يرضه، فقال: باطل وغضب، وقال: ما قال هذا أحد غير علي بن المديني، ما سمعت يحيى يتكلم فيه بشيء وقال الساجي: لا يتابع على حديثه، فمثله يكون حسن الحديث، وقد حسن الترمذي حديثه هذا، وصححه ابن حبان (١٥٣٤) و(١٥٣٥)، والحاكم ٣/ ٧١ و١٤٥، ووافقه الذهبي، وقال ابن أبي عاصم: حديثه ثابت من جهة النقل، وللحديث شاهد من حديث أبي بكرة الثقفي عند البيهقي في " دلائل النبوة " ٦/ ٣٤٢، وفي سنده علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف، وآخر من حديث جابر عند الواحدي في تفسيره " الوسيط " ٣/ ١٢٦/٢، وفيه من لا يعرف، فهما على ضعفهما يتقوى بهما حديث سفينة ويصح.
[ ٢ / ٣٨٥ ]
كالنَّصِّ على خِلافة الثلاثة.
وقال (١) سعيدُ بن محمد الجرْمِي: روى عنه البخاري (٢) وهو ثقة، لكنه شيعي.
وقال ابنُ معين: صدوق.
ولما روى أحمد بنُ بكر البَالِسِي (٣) حديث " مَنْ أبغضَ عمر، فقد أبغضني " قال الأزديُّ: كان يضعُ الحديثَ (٤).
وكذبوا إسماعيلَ بنَ يحيى بن عُبيد الله من ذرية أبي بكر، وقالوا: لا تَحِلُّ الروايةُ عنه، ولم يتشيَّعْ (٥).
وعكس هذا: وهو تصحيحهم لما يُبَاينُ مذهبهم إذا رواه الثقات.
قال الذهبي في ترجمة زيد بنِ وهب (٦)، وهو ممن اتفقوا على الاحتجاجِ بحديثه في الصحاح، قال: هو مِن جِلَّةِ التابعين وثقاتهم، متفق على الاحتجاج به إِلا ما كان مِن يعقوب الفسوي، فإنه قال في تاريخه (٧): في حديثه خَللٌ كثير. ولم يُصِبِ الفسوي.
ثم إنَّه ساق من روايته قولَ عمر: يا حُذَيفةُ باللهِ أنا من المنافقين (٨)؟
_________________
(١) في " الميزان " ٢/ ١٥٧.
(٢) ومسلم أيضًا كما في " الميزان " و" التهذيب " ٤/ ٧٦.
(٣) بفتع الباء، وكسر اللام: نسبة إلى بالس، مدينة مشهورة بين الرَّقَّة وحلب على عشرين فرسخًا من حلب، وقد تحرفت في الأصول الثلاثة إلى الباليني.
(٤) " ميزان الاعتدال " ١/ ٨٦، وانظر " لسان الميزان " ١/ ١٤٠ - ١٤١.
(٥) " ميزان الاعتدال " ١/ ٢٥٣ - ٢٥٤.
(٦) في " الميزان ": ٢/ ١٠٧.
(٧) ٢/ ٧٦٨ - ٧٧٠.
(٨) أخرجه من طريق ابن نمير، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن زيد بن =
[ ٢ / ٣٨٦ ]
قال: وهذا محال (١) أخافُ أن يكونَ كذبًا.
قال: ومما يُستَدَلُ به على ضعفِ حديثه روايتُهُ عن حذيفة: إن خرج الدجال، تبعه مَنْ كان تحت راية عثمان (٢).
ومِن خَلَلِ روايته قولُه: حدثنا واللهِ أبو ذر بالرَّبَذَةِ قال: كنتُ مع
النبي - ﷺ - فاستقبلَنَا أُحد. الحديثَ (٣).
_________________
(١) = وهب وهذا سند صحيح، رجاله رجال الصحيح.
(٢) قال الحافظ في " مقدمة الفتح " ص ٤٠٤: هذا تعنت زائد، وما بمثل هذا تضعف الأثبات، ولا ترد الأحاديث الصحيحة، فهذا صدر عن عمر عند غلبة الخوف، وعدم أمن المكر فلا يلتفت إلى هذه الوساوس الفاسدة في تضعيف الثقات.
(٣) أورده من حديث ابن نمير، حدثنا محمد بن الصلت، حدثنا منصور بن أبي الأسود، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن حذيفة. وهذا سند رجاله رجال الصحيح ما عدا منصور بن أبي الأسود فإنه صدوق، روى حديثه أبو داود، والترمذي، والنسائي.
(٤) وتمامه: فقال: يا أبا ذر، ما أحِبُّ أن أحدًا ذلك لي ذهبًا يأتي عليه ليلة وعندي منه دينار إلا دينارًا أرصده لدين، إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا -وأومأ بيده-، ثم قال: يا أبا ذر، قلت: لبيك وسعديك يا رسول الله. قال: إن الأكثرين هم الأقلون لا من قال بالمال هكذا وهكذا، لم قال: مكانك لا تبرَحْ حتى أرجع إليك. وانطلق حتى غاب عني، فسمعت صوتًا فتخوفت أن يكون قد عرض لرسول الله - ﷺ -، فأردت أن أذهب، ثم تذكرت قول رسول الله - ﷺ -: " لا تبرح " فمكثت، فأقبل، فقلت: يا رسول الله، سمعت صوتًا فخشيت أن يكون قد عرض لك، فأردت أن آتيك، ذكرث قولك: " لا تبرح " فقمت. فقال رسول الله - ﷺ -: " ذلك جبريلُ أتاني فأخبرني: أنَّه من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة " فقلت: يا رسول الله، وإن زنى وإن سرق؟ قال: " وإن زنى وإن سرق ". قال الأعمش: قلت لزيد بن وهب: بلغني أنَّه أبو الدرداء. قال: أشهد لحدثنيه أبو ذر بالربذة. أخرجه الفسوي في " تاريخه " من طريق عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، حدثنا زيد بن وهب، حدثنا -والله- أبو ذر بالربذة، فذكره، وأخرجه البخاري في " صحيحه " (٦٢٦٨) من طريق عمر بن حفص بهذا الإسناد، وأخرجه مسلم (٩٤) في الزكاة: باب الترغب في الصدقة من طرقٍ عن أبي معاوية الضرير، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن أبي ذر، وله طرق أخرى عن زيد بن وهب به. انظرها في " تحفة الأشراف " ٩/ ١٦١ - ١٦٣.
[ ٢ / ٣٨٧ ]
فهذا الذي استنكره الفسويُّ من حديثه، ما سُبِقَ إليه، ولو فتحنا هذه الوساوسَ على أنفسنا، رددنا كثيرًا من السُّنن الثابتة بالوهم الفاسد، ولا نفَتَح علينا في زيد بن وهب خاصة بابُ الاعتزال، فردُّوا حديثَه الثابتَ عن ابنِ مسعود حديث الصادق المصدوق (١).
وزيدٌ سيدٌ جليلُ القدر، هاجر إلى النبي - ﷺ - فَقُبِضَ وزيدٌ في الطريق، وروى عن عمر، وعثمان، وعلي والسابقين، وحدث عنه خلقٌ، ووثقه ابن معين وغيره حتى إن الأعمشَ قال: إذا حدَّثَك زيد بن وهب عن أحد، فكأنك سمعتَه من الذي أخبرك عنه.
وذكر الذهبيُّ في ترجمة إبراهيم بن يعقوب (٢): أن ابْنَ عديٍّ، قال في ترجمة إسماعيل بن أبان الورَّاق (٣) لما قال فيه إبراهيمُ بن يعقوب الجوزجاني: كان مائلًا عن الحقِّ: لم يكن يكذِبُ، والجوزجاني كان مائلًا إلى مذهب أهلِ دمشق في التَّحَامُلِ على علي ﵁ (٤)، فقولُه في إسماعيل بن أبان: كان مائلًا عن الحق يعني ما عليه الكوفيون من
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٢٠٨) و(٣٣٣٢) و(٦٥٩٤) و(٧٤٥٤)، ومسلم (٢٦٤٣)، وأبو داود (٤٧٠٨)، والترمذي (٢١٣٧)، وابن ماجة (٧٦)، والنسائي في التفسير في " الكبرى " كما في " تحفة الأشراف " ٧/ ٢٩، وأحمد ١/ ٣٨٢ و٤١٤ و٤٣٠ من طرقٍ كثيرة عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن ابن مسعود.
(٢) في " الميزان " ١/ ٧٥ - ٧٦. وقد علق الحافظ ابن حجر على قول الجوزجاني في إسماعيل هذا في " مقدمة الفتح " ص ٣٩٠، فقال: الجوزجاني كان ناصبيًا منحرفًا عن علي، فهو ضد الشيعي المنحرف عن عثمان، والصواب موالاتهما جميعًا، ولا ينبغي أن يسمع قول مبتدع في مبتدع.
(٣) في " الكامل " ١/ ٣٠٤.
(٤) كان هذا في وقتٍ ما ثم عُدِمَ ولله الحمد، كما يقول الإمام الذهبي، فليس فيهم الآن أحد ينتحل هذا المذهب الردىء.
[ ٢ / ٣٨٨ ]
التشيع (١).
وقال (٢) في بشر بن حرب البزار: منكرُ الحديث جدًا، ثم ساق له حديث: " الخليفة بعدي أبو بكرٍ وعُمَرُ، ثم يقعُ الاختلافُ "، قال: باطل.
وضعف الذهبي (٣) جعفر بن عبد الواحد قال (٤): ومن بلاياه حديثه عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريره بحديث (٥): " أصحابي كالنجوم " ومن هذا القبيل في ترجمة الحُسين بنِ عبدِ الرحمان (٦)، وخالد بن إسماعيل المخزومي (٧)، وخالد بن أنس (٨)، وعبد الله بن داود (٩)، وعبد الله بن محمد بن ربيعة (١٠).
وروى الذهبي في ترجمة سعيد بن خُثَيم الهلالي (١١) قيل لابن معين فيه: هو شيعي؟ قال: وشيعي (١٢) ثقة.
_________________
(١) وتمام كلام ابن عدي: وأما الصدق، فهو صدوق في الرواية. قلت: وإسماعيل بن أبان هذا من رجال " التهذيب "، روى له البخاري في " صحيحه "، ووثقه أحمد، وأبو داود، وابن معين، ومطيَّن، والنسائي، والدارقطني، وابن شاهين، وابن حبان، وأبو حاتم، وعلي بن المديني، وانظر " تهذيب الكمال " ٣/ ٥ - ١٠.
(٢) في " الميزان " ١/ ٣١٥، وانظر " المجروحين والضعفاء " ١/ ١٩١ - ١٩٢.
(٣) في " الميزان " ١/ ٤١٢ - ٤١٣، وانظر " الكامل " ٢/ ٥٧٦ - ٥٧٨.
(٤) في (ب): وقال.
(٥) في (ب): حديث.
(٦) ١/ ٥٣٩ - ٥٤٠.
(٧) ١/ ٦٢٧.
(٨) ١/ ٦٢٧.
(٩) ٢/ ٤١٥
(١٠) ٢/ ٤٨٨.
(١١) ٢/ ١٣٣، وهو من رجال " التهذيب " قال الحافظ في " التقريب ": صدوق، رمي بالتشيع له أغاليط.
(١٢) " قال: وشيعي " ساقطة من (ب).
[ ٢ / ٣٨٩ ]
وقال (١): سلام بن مسكين: أحد الثقات لكنه يرمى بالقدَرِ، وقال أبو داود: كان يذهب إلى القدر.
وقال في ترجمة سلم بن ميمون الزاهد الخواص (٢): غلب عليه الصلاح حتى غفل عن حفظ الحديث فلا يحتج به، روى أن أعرابيًا بايع النبي - ﷺ - إلى أجل، فقال له علي: يا أعرابي، إن مات النبي - ﷺ - مَنْ يقضيك؟ قال: لا أدري، قال: فأتهِ فَسَلْه (٣)، فقال: " يقضيك أبو بكر " وذكر الحديثَ، وآخره: " إِذا أنا مِت وأبو بكر وعمر وعثمان، فإن استطعت أن تموت، فمت ".
قال العقيلي: حدث بمناكير لا يتابع عليها، وقال أبو حاتم: لا يكتب حديثه.
وذكر (٤)، أن أحمد بن حنبل وثق سليمان بن قَرْم، وكان غاليًا في التشيع. فلم يمنعهم غُلُوُّهُ في التشيع مِن توثيقه، ولا مِن رواية توثيق مَنْ وَثَّقَهُ، وقال ابن عدي (٥): أحاديثُهُ حسان، هو (٦) خيرٌ من سُليمان ابنِ أرقم بكثير.
قلت: ولم يكن ابنُ أرقم من الشيعة.
وقال الذهبيُّ في ترجمة عبد الرحمانِ بنِ أبي حاتم الرازي (٧):
_________________
(١) ٢/ ١٨١، وقد احتج به البخاري، ومسلم، وأصحاب السنن غير الترمذي.
(٢) ٢/ ١٨٦ - ١٨٧.
(٣) في (ب): فاسأله.
(٤) أي الذهبي في " الميزان " ٢/ ٢١٩.
(٥) في " الكامل " ٣/ ١١٠٥ - ١١٠٨.
(٦) في (ب): وهو.
(٧) " الميزان " ٢/ ٥٨٧ - ٥٨٨.
[ ٢ / ٣٩٠ ]
الحافظُ الثبتُ ابنُ الحافظ الثبت إلى قوله: وما ذكرتهُ لولا ذِكْرُ أبي الفضل السليماني له، فبئس ما صَنَعَ، فإنه ذكر أسامي الشيعة المحدِّثين الذين (١) يُقَدِّمُونَ عليًا على عثمان: الأعمشَ، النعمانَ بنَ ثابت، شعبةَ ابن الحجاج، عبدَ الرزاق، عبدَ الله بن موسى، عبدَ الرحمان بن أبي حَاتم. انتهى.
فقد ردَّ الذهبيُّ على السليماني ذكرَ هؤلاء بالطعن في روايتهم لأجل التشيع.
وقال (٢) في عبد الرحمان بن [مالك بن] مغول عن الدارقطني: متروك. وعن أبي داود: كذاب يضع الحديث، ثم روى من طريقه حديث " لا يُبْغِضُ أبا بكر وعمر مؤمن ولا يُحبهما منافق ". قال الذهبي: وقد رواه معلَّى بن هِلال كذّاب.
قلتُ: وذكر في ترجمةِ عبدِ الرحمان بن محمد بنِ أحمد بنِ فَضالَة (٣) أنَّه حافظٌ، صاحبُ حديث، لكنه رافضي جلي. فلم يمنعه رفضُهُ مِن مدحه بأنه حافظٌ صاحبُ حديث.
وقال (٤) في عبدِ الرحمان ابنِ أبي الموال (٥): ثقةٌ مشهورٌ، خرج مع محمد بن عبد الله (٦). قال ابن عدي (٧): هو مستقيمُ الحديثٍ،
_________________
(١) في (أ) و(ج): الذي.
(٢) ٢/ ٥٨٤ - ٥٨٥.
(٣) ٢/ ٥٨٧، وقد تحرف فيه " جلي " إلى " جبل ".
(٤) ٢/ ٥٩٢ - ٥٩٣.
(٥) ويقال: الموالي أيضًا، وهو في (ب) كذلك.
(٦) ابن حسن بن السَّيِّد الحسن بن علي بن أبي طالب الهاشمي الحسني المدني، الأمير الواثب على المنصور هو وأخوه إبراهيم سنة (١٤٥) هـ. انظر " سير أعلام النبلاء " ٦/ ٢١٠ - ٢١٨.
(٧) " الكامل " ٤/ ١٦١٦ - ١٦١٧.
[ ٢ / ٣٩١ ]
والذي أنكروا عليه حديثَ الاستخارة وقد رواه غيرُ واحد من الصحابة.
قلت: وأخرجه البخاريُّ (١) عنه، وهو مِن رجال البخاري (٢) والأربعة.
وقال ابنُ خراش: صدوق.
وقال غيرُه: ضربه المنصورُ ضربًا شديدًا ليدُلَّهُ على محمد بنِ عبد الله، وحبسه، وكان مِن شيعتهم.
وقال الذهبي في " الكاشف " (٣): ثقة.
وقال الذهبي في ترجمة الصَّقْرِ بنِ عبد الرحمان: حَدَّثَ عن أنسٍ بحديثٍ كذبٍ: " قم يا أنس فافتح لأبي بكر، وبشره بالخِلافة من بعدي " وكذا في عمر وعثمان.
_________________
(١) رقم (١١٦٢) في التهجد: باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى من طريق قتيبة بن سعيد، عن عبد الرحمن بن أبي الموال، حدثنا محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: كان رسول الله - ﷺ - يُعلمنا الاستخارة في الأمور كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: " إذا هَمَّ أحدُكم بالأمر فليركَعْ ركعتين من غير الفريضة، لم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبه أمري -أو قال: عاجل أمري وآجله- فاقدره لي، ويسره لي، ثم بارك لي فيه. وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري -أو قال: في عاجل أمري وآجله- فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم أرضني به، قال: ويسمي حاجته ". وهو من طرقٍ عن عبد الرحمن بن أبي الموال به عند أحمد ٣/ ٣٤٤، والبخاري في " صحيحه " (٦٣٨٢) و(٧٣٩٠)، وفي " الأدب المفرد " (٢٩٣)، وأبي داود (١٥٣٨)، والترمذي (٤٨٠)، والنسائي ٦/ ٨٠، وابن ماجة (١٣٨٣)، والبيهقي في " السنن " ٣/ ٥٢، وفي " الأسماء والصفات " ص ١٢٤ - ١٢٥، وانظر " صحيح ابن حبان " (٨٨٨) بتحقيقنا.
(٢) من قوله " عنه " إلى هنا ساقط من (ب).
(٣) ٢/ ١٨٨.
[ ٢ / ٣٩٢ ]
وقال بعضهم: هو صدوق. قال الذهبي: من أين جاءه الصدق (١).
وُيوجد مثلُ هذا في كتاب " ميزان الاعتدال في نقد الرِّجال " للذهبي، تركتُ ذكره للاختصار فليُنظر في تراجم عبدِ الله بن محمد بن سعيدٍ (٢)، وعبد الله بن واقد أبي قتادة الحراني (٣)، وموسى بنِ جعفر الأنصاري (٤)، وموسى بنِ جعفر الكاظم (٥)، وموسى بنِ عبد الرحمان الثقفي الصنعاني (٦)، وموسى بنِ عيسى بن عبد الله (٧)، وموسى بن محمد بن عطاء (٨) الدمياطي البلقاوي المقدسي الواعظ (٩)، ونُعَيم بنِ حَمَّاد الخُزاعي (١٠)، ونوحِ بن طلحة من أولاد أبي بكر الصديق (١١)، ونوحِ بن أبي مريم (١٢) من المتعصِّبين لمذهب السنة، وهارون بنِ أحمد (١٣) في ترجمته حديثٌ عجيب، وهشامِ بنِ حسان (١٤) وهشامِ بن عمار (١٥)، وعامر بنِ صالح بن عبد الله مِن ذُرِّيَّةِ الزبير بن العوام (١٦)، وإسماعيل بنِ يحيى مِن ذرية أبي بكرٍ الصديق (١٧)، ويحيى بنِ شبيب اليماني (١٨)، والحسنِ بن علي بن زكريا ابن صالح (١٩)، ومحمد بنِ أحمد بن عياض بن أبي ظبية (٢٠)، وعمرَ بنِ
_________________
(١) " ميزان الاعتدال " ٢/ ٣١٧.
(٢) ٢/ ٤٩١.
(٣) ٢/ ٥١٧ - ٥١٩.
(٤) ٤/ ٢٠١.
(٥) ٤/ ٢٠١ - ٢٠٢.
(٦) ٤/ ٢١١ - ٢١٢.
(٧) ٤/ ٢١٦.
(٨) تحرف في الأصول إلى " حماد ".
(٩) ٤/ ٢١٩.
(١٠) ٤/ ٢٦٧ - ٢٧٠.
(١١) ٤/ ٢٧٨.
(١٢) ٤/ ٢٧٩ - ٢٨٠.
(١٣) ٤/ ٢٨٢.
(١٤) ٤/ ٢٩٥ - ٢٩٨.
(١٥) ٤/ ٣٠٢ - ٣٠٤.
(١٦) ٢/ ٣٦٠.
(١٧) ١/ ٢٥٣ - ٢٥٤.
(١٨) ٤/ ٣٨٥.
(١٩) ١/ ٥٠٦ - ٥٠٩.
(٢٠) ٣/ ٤٦٥، وتحرف فيه: " ابن أبي ظبية " إلى " عن أبي ظبية ".
[ ٢ / ٣٩٣ ]
حمزة (١) بن عبد الله بن عمر بن الخطاب (٢)، وفليح بنِ سليمان (٣).
وفي باب السجود من " مجمع الزوائد " (٤) للهيثمي عن ابن عباس عنه - ﷺ -: " مَنْ لَمْ يَلْزِقْ أنفَه مَعَ جَبْهَتهِ بالأرْض إذَا سَجَدَ، لَمْ تَجُزْ صَلاَتُهُ " رواه الطبراني في " الكبير " و" الأوسط ".
قال الهيثمي: ورجاله موثَّقُونَ وإن كان في بعضهم اختلافٌ من أجل التشيع. انتهي بحروفه.
وقال الذهبي (٥). محمدُ بنُ حمزة بن عمر بن إبراهيم العلوي، كان جَدُّه زيديًا مِن العلماء، وأما هو، فرافِضِي. فدلَّ على تنزيههم للزيدية من الرّفض، ومعرفتهم لذلك.
وقال في ترجمة معبدٍ الجُهَني (٦): إنَّه تابعي صدوق في نفسه، لكنه سَنَّ سنة سيئة، فكان أوَّلَ مَنْ تَكلم في القدر.
ونحو هذا لا يُحْصَرُ، يعرِفُه بالضرورة منْ طالع كتبهم في علم الرجال.
وقد وثَّقوا مِن الشيعة: أبانَ بن تغلب (م ٤)، وأحمدَ بنَ محمد بن
_________________
(١) ساقط من (ب).
(٢) ٣/ ١٩٢.
(٣) ٣/ ٣٦٥ - ٣٦٦.
(٤) ٢/ ١٢٦، وهو في " الطبراني " برقم (١١٩١٧).
(٥) " ميزان الاعتدال " ٣/ ٥٢٩.
(٦) ٤/ ١٤١.
[ ٢ / ٣٩٤ ]
أحمد أبو منصور (١)، وأحمدَ بن محمد بنِ الحسين بن فاذشاه صاحب الطبراني (٢)، وعبد الله بن الحسن (٤) وابنَه محمد (د س ت)؛ وأحمدَ ابنَ محمد بن سعيد بن عقدة (٣)، وأحمدَ بن المُفَضَّل (د س)، وإسماعيل بن أبان الأزدي شيخ البخاري (خ ت)، وإسماعيلَ بنَ زكريا الخلقاني الكوفي، حديثُه في كتب الجماعة (ع)، وإسماعيل بنَ عبد الرحمان السُّدِّي (م ٤)، وإسماعيل بن موسى الفزاري الكوفي ابن بنت السُّدي (د ت ق)، وبهزَ بنَ أسد (ع)، وقال الذهبي فيه: إمام حجة، وتليدَ بنَ سليمان (ت) أثنى (٤) عليه أحمد، وثعلبةَ بنَ يزيد الحمَّاني (عس)، وجابرَ بن يزيد الجعفي (د ت ق)، وثقه غيرُ واحدٍ منهم (٥)، وجعفرَ بنَ زياد الأحمر (د ت س)، وجعفَر بن سُليمان الضُّبَعي (م ٤)، وَجُمَيْعَ بنَ عمير (٦)، والحارثَ بن حَصيرة (بخ)، والحارثَ بن عبد الله
_________________
(١) الصيرفي، قال الخطيب: رافضي، وسماعه صحيح. " ميزان الاعتدال " ١/ ١٣٢.
(٢) في " الميزان " ١/ ١٣٦: سماعه صحيح، لكنه شيعي معتزلي رديء المذهب.
(٣) في " الميزان " ١/ ١٣٦ - ١٣٨: أحمد بن سعيد بن عقدة الحافظ أبو العباس، محدث الكوفة، شيعي متوسط، ضعفه غير واحد، وقواه آخرون، قال ابن عدي ١/ ٢٠٩: صاحب معرفة، وحفظ وتقدم في هذه الصنعة، رأيت مشايخ بغداد يسيئون الثناء عليه، لولا أني شرطت أن أذكر كل من تكلم فيه لم أذكره للذي كان فيه من الفضل والمعرفة، وقد ترجمه الذهبي أيضًا في " تذكرة الحفاظ " ٣/ ٨٣٩ - ٨٤٢، و" سير أعلام النبلاء " ١٥/ ٣٤٠ - ٣٥٥.
(٤) في " التهذيب " ١/ ٥٠٩ - ٥١٠ تضعيفه عن غير واحدٍ من الأئمة، ولذا قال الحافظ في " التقريب ": ضعيف.
(٥) وضعفه آخرون، قال الإمام الذهبي في " الكاشف " ١/ ١٧٧ - ١٧٨: جابر بن يزيد الجعفي عن أبي الطفيل والشعبي، وعنه شعبة والسفيانان، من أكبر علماء الشيعة، وثقه شعبة فشذ، وتركه الحفاظ، قال أبو داود: ليس في كتابي له شيء سوى حديث السهو. وقال الحافظ في " القريب ": ضعيف.
(٦) قال البخاري: فيه نظر، وقال ابن حبان: يضع الحديث، وقال ابن نمير: كان من أكذب الناس. " ميزان الاعتدال " ١/ ٤٢١.
[ ٢ / ٣٩٥ ]
الأعور (١)، وحَبَّةَ بن جُوين من الغُلاة وثَّقه العجلي وحدَه (٢)، والحسنَ بنَ صالح بن حي (م ٤) وقال الذهبي: كان مِن الأعلامِ العُبَّادِ، وخالدَ بنَ مخلد القطواني الكوفي (ع) مِن رجال البخاري وسائر الجماعة (٣) وفي ترجمته قال الذهبي ما لفظه: قال الجوزجاني: كان شتَّامًا معلنًا بسوء مذهبه، وكان أبو نُعيم الفَضْلُ بنُ دُكين (ع)، كوفيَّ المذهب يعني يتشيَّع، وهو أحدُ شيوخ البخاري، ورجالِ الجماعةِ كُلِّهم، وعبيدَ الله بن موسى العبسي (ع) أسوأ مذهبًا -
قال الذهبيُّ: وكذلك عبدُ الرزاق (ع) وعدَّة.
قلت: قال ابنُ سعد في عُبيد الله بن موسى: كان مُفْرِطَ التشيع، وقال: كان شيعيًا محترقًا، ومع هذا حديثه متفق على صحته، لأنَّه ممن خرَّج عنه البخاريُّ ومسلمٌ وسائرُ الجماعة.
وقال الذهبيُّ: كان ذا زهدٍ وعبادة وإتقان.
_________________
(١) قال الذهبي في " السير " ٤/ ١٥٢: هو العلامة الإمام أبو زهير الحارث بن عبد الله بن كعب بن أسد الهمداني الكوفي صاحب علي وابن مسعود. كان فقيهًا، كثير العلم على لين في حديثه، وقال في " الميزان " ١/ ٤٣٥: من كبار علماء التابعين على ضعف فيه، وقال الحافظ في " التقريب ": في حديثه ضعف.
(٢) وفي ترجمة حارثة بن مضرب من " التهذيب " ٢/ ١٦٧ أن أحمد وثقه.
(٣) في " مقدمة الفتح " ص ٤٠٠: خالد بن مخلد القطواني الكوفي، أبو الهيثم من كبار شيوخ البخاري روى عنه، وروى عن واحدٍ عنه، قال العجلي: ثقة فيه تشيع، وقال ابن سعد: كان متشيعًا مفرطًا، وقال صالح جزرة: ثقة إلا أنَّه كان متهمًا بالغلو في التشيع، وقال أحمد بن حنبل: له مناكير، وقال أبو داود: صدوق إلا أنَّه يتشيع، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. قلت (القائل ابن حجر): أما التشيع، فقد قدمنا أنَّه إذا كان ثبت الأخذ، والأداء لا يضره لا سيما ولم يكن داعية إلى رأيه، وأما المناكير فقد تتبعها أبو أحمد بن عدي من حديثه، وأوردها في " كامله " ٣/ ٩٠٤ - ٩٠٧، وليس فيها شيء مما أخرجه له البخاري، بل لم أر له عنده من أفراده سوى حديث واحد، وهو حديث أبي هريرة " من عادى لي وليًا " الحديث، وروى له الباقون سوى أبي داود.
[ ٢ / ٣٩٦ ]
- وعبدَ الحميد بن جعفر (م ٤)، ومنصور بن أبي الأسود (د ت س)، وهارونَ بن سعد العِجلي (م)، وهاشمَ بن البَرِيدِ (د س ق)، ويحيى بنَ الجزار (م ٤)، ويحيى بن عبد الله أبو حجيَّة الكندي الأجلح السَّبيعي (ع) يذكر مرة باسمه ومرة بلقبه، وعمر بن إبراهيم العلوي الزيدي (١)، وقد مر (٢) عبدُ الرزاق بن همَّام الإمام، وعبدُ الرحمان ابن أبي الموالي (خ ٤) الخارج مع محمد بن عبد الله، وأبو معاوية الضرير محمد بن خازم (ع) -
قال الحاكم: احتجَّا به، وقد اشتهر عنه الغُلُوُّ، قال الذهبي: أي: غلو التشيع، وقد وثقه العِجلي.
وعدي بن ثابت (ع) متفق عليه في كتب الجماعة. وقد قال ابنُ معين: شيعي مفرط. وقال الدارقطني: رافضي غال.
وممَّن أثنوا عليه لِصحَّة الحديث من المعتزلة: أحمدُ بنُ يوسف ابن (٣) يعقوب بن البُهلول (٤)، وإسماعيلُ بنُ علي بن سعد السَّمان (٥)،
_________________
(١) في " الميزان " ٣/ ١٨١: وكان مشاركًا في علوم، وهو فقير متقنع خَير ديّن على بدعته، توفي سنة (٥٣٩) هـ. وقال السمعاني فيما نقله عنه الذهبي في " السير " ٢٠/رقم الترجمة (٨٦): شيخ كبير، له معرفة بالفقه، والحديث، واللغة، والتفسير، والنحو، وله التصانيف في النحو، وهو فقير قانع باليسير، سمعته يقول: أنا زيدي المذهب، ولكني أفتي على مذهب السلطان، يعني مذهب أبي حنيفة.
(٢) وقد مر: ساقط من (ب).
(٣) يوسف بن: ساقط من (ب).
(٤) ذكره في " الميزان " ١/ ١٦٥ - ١٦٦، ووصفه بالاتقان، وصحة السماع، وأرخ وفاته سنة (٣٧٨) هـ.
(٥) وصفه في " الميزان " ١/ ٢٣٩ بقوله: صدوق، لكنه معتزلي جلد، وهو مترجم في " السير " ١٨/رقم الترجمة (٢٦)، وفي " تذكرة الحفاظ " ٣/ ١١٢١ - ١١٢٣، وكانت وفاته سنة (٤٤٣) هـ، وقيل: سبعٍ، وقيل: خمس وأربعين، وقد أورده ابن تغري بردي في وفيات سنة ثلاث وأربعين، وأورده ابن كثير في وفيات سنة خمس وأربعين.
[ ٢ / ٣٩٧ ]
وثورُ بن يزيد الكَلاعي (خ ٤)، وحسانُ بن عطية (ع)، والحسنُ بن أحمد أبو علي الفارسي النحوي صاحبُ التصانيف، وحمزةُ بن نجيح (بخ) (١)، وقتادة بنُ دِعامة (ع)، وعبدُ الله بن أبي لَبيد (خ م د س ق)، وعبدُ الله بنُ أبي نجيح (ع) وفي ترجمته نسبةُ الاعتزالِ إلى زكريا بنِ إسحاق (ع)، وشبلِ بنِ عباد (خ د س)، وابنِ أبي ذئب (ع)، وسيفِ بن سليمان (خ م د س ق) وكُلُّهُمْ من أئمة الحديث. انتهى، وعبدُ الأعلى بنُ عبد الأعلى الشامي (ع)، وعبدُ الرحمان بن إسحاق القرشيُّ المدني (م ٤)، وهِبةُ الله بن المبارك بن الدَّواتي (٢)، وهشامُ بن عمار (خ ٤) شيخ البخاري، والهبة بنُ حميد، ومحمودُ الزمخشري، وعليُّ بن محمد بن أقضى القَضاة (٣)، وعليُّ بنُ محمد بن الحسن بن يزداد (٤) وخلق سواهم (٥). وقد أثبتُّ على من ذكرتُه علامَةَ (٦)
_________________
(١) في " التهذيب " ٣/ ٣٤: قال ابن أبي حاتم عن أبيه: ضعيف، قلت: يكتب حديثه؟ فقال: رضا، وقال الآجري عن أبي داود: ثقة، وقال الأزدي: ضعيف، وذكره ابن حبان في الثفات، وقال: كان قدريًا.
(٢) في " الميزان " ٤/ ٢٩٢: كان يتهم بالرفض والاعتزال، وكان قد جمع مئتي دينار، فأخذت منه في الحمام، وكان يظهر الفقر، فبقي متحسرًا عليها، وترك من كان يصله الإحسان إليه، وقل: كان تاركًا للجمعة أيضًا. مات سنة إحدى عشرة وخمس مئة.
(٣) هو الإمام العلامة أقضى القضاة أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري الماوردي الشافعي صاحب التصانيف الحسان في الفقه، والتفسير، وأصول الفقه، والأدب، المتوفى سنة (٤٥٠) هـ. حدث عنه أبو بكر الخطيب، ووثقه، اتهمه بالاعتزال أبو عمرو بن الصلاح، والإمام الذهبي في " الميزان " ٣/ ١٥٥، وقال الحافظ في " لسان الميزان " ٤/ ٢٦٠ ولا ينبغي أن يطلق عليه اسم الاعتزال. مترجم في " السير " ١٨/رقم الترجمة (٢٩).
(٤) تحرف في الأصول إلى " برداق "، وعلي بن محمد هذا مترجم في " السير " ١٨/رقم الترجمة (١٠٠).
(٥) وانظر " مقدمة الفتح " ص ٤٥٩ - ٤٦٤، و" تدريب الراوي " ١/ ٣٢٨ - ٣٢٩، فقد سردا أسماء من رمي ببدعة ممن خرج حديثهم الشيخان أو أحدهما.
(٦) وانظر تفسير هذه العلامات في " تهذيب الكمال " ١/ ١٤٩ - ١٥٠ للحافظ المزي، طبع مؤسسة الرسالة.
[ ٢ / ٣٩٨ ]
من خَرَّج حديثَه من أئمة دواوينِ الإسلام ومَنْ لم أُخرج له علامةً، فهو مذكور في " الميزان ".
الحادي عشر: تحريهم لِلصدق في كتب الجرح والتعديل، وعدم المداهنة، فقد تكلَّمُوا في تضعيف الأصدقاء والقرابات مثل نوح بنِ أبي مريم، وابن أبي داود (١)، ووالد علي بن المديني (٢) بل في منْ يعظمونه وهو حقيقٌ بالتعظيم كالإمام الأعظم أبي حنيفة ﵀ ضعَّفَهُ بعضهم من جهة حفظه (٣)، وصَدَعُوا بذلك في التصانيفِ مع أن الملوك حنفية في هذه الأعصار في مصر والشام وهم مستمرون في ذلك، وتجد المحدِّث الشافعي إذا تعرَّض لذكر الشافعي في كتب الرِّجال لم يُعظِّمْهُ في معرفة الحديث ورجاله وعِلَلِه كما يُعظم غيره بل يُوردون في تعديله عباراتٍ فيها لين مثل (٤): لا بأسَ به، وثقة ونحو ذلك، ويخُصُّونَ مَنْ هُوَ دونه بما هو أرفعُ من ذلك مثل: إمامٌ حُجَّة لا يُسأَلُ عن مثله، وقد كان الشافعي يُوثِّقُ ابنَ أبي يحيى أحدَ شيوخه في الحديث وأصفق (٥) الأكثرون على تضعيفه، وكذَّبه جماعة، وعَمِلَ أصحابُ الحديث من أصحابِ الشافعي على تضعيفه، وعدمِ المبالاة بتوثيقِ الشافعي له.
_________________
(١) هو عبد الله بن سليمان بن الأشعث السجستاني ابن صاحب السنن. مترجم في " السير " ١٣/ ٢٢١ - ٢٣٧.
(٢) هو عبد الله بن جعفر بن نجيح، قال الإمام الذهبي في " الميزان " ٢/ ٤٠١: متفق على ضعفه.
(٣) ولم يُصب في ذلك، فقد شهد له بالحفظ أمير المؤمنين في الحديث الإمام الحافظ شعبة بن الحجاج الواسطي كما في " الخيرات الحسان " ص ٣٤.
(٤) ساقطة من (ب).
(٥) يقال: أصفقوا على الأمر: اجتمعوا عليه، وأصفقواعلى الرجل كذلك، قال زهير: رأيتُ بني آلِ امرِىء القَيْسِ أصْفَقُوا علينا، وقَالُوا: إنَّنا نَحْنُ أكثر
[ ٢ / ٣٩٩ ]
الثاني عشر: تعديلُهم لأعدائهم من غلاة الروافض، وكم في " الصحيحين " مِن رافضي سَبَّابٍ للصحابة، غالٍ في الرفض، كما مرَّ تعدادُ بعضِهم، ونقل ذلك من كتبهم وهم يعلمون ذلك، ويذكرون مذهَبه في كتبهم في الرجال، ويُصَرِّحونَ بأنه ثقةٌ حُجَّةٌ مأمونٌ في الحديث، والعدلُ على العدو من أبلغ أمارات الإِنصاف.
الثالث عشر: روايتُهم لِفَضَائل علي ﵇، وفضائِل أهلِ البيت في أيَّامِ بني أمية وهو ﵇حاشاه من ذلك- يُلْعَنُ على المنابِرِ، ولا يروي فضائِلَه إلاَّ مَنْ خاطر بروحه.
الرابع عشر: روايةُ مساوىء معاوية، والأحاديث الواردة بذمه (١) وذَمِّ صِبية بني أمية وهي في تواريخهم وكتبهم، وبيان المكذوب مِن فضائله، وأنه لم يَصِحَّ منها شيء. رواه الذهبي عن إسحاق بنِ راهويه، وبيان كُل ذلك رووه في زمنِ بني أمية بدليل اتصالِ إسناده، وبذلك تأوَّلوا حديثَ أبي هريرة في قوله: حفظتُ من رسولِ الله - ﷺ - جِرابين، أما أحدهما فبثثتُه في الناسِ، وأما الآخر فلو أبثه (٢) لَقُطِعَ هذا البُلْعُومُ (٣)، قالوا: هُوَ ما كان عنده من ذمِّ أمراءِ بني أمية الذين كان معاصرًا لهم، وكذلك صَرَّحُوا بتأويلِ حديث عمرو بنِ العاص بذلك حيث قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول
_________________
(١) وكلها غير صحيحة.
(٢) في (ب): بثثته.
(٣) أخرجه البخاري في " صحيحه " (١٢٠) في العلم: باب حفظ العلم من طريق ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: حفظت من رسول الله -ﷺ- وعاءين، فأمَّا أحدهما، فبثثته، وأمَّا الآخر فلو بثثته، قطع هذا البلعوم. وانظر " السير " ٢/ ٥٩٦. وحديث البخاري (٧٠٥٨) في الفتن: باب قول النبي - ﷺ -: " هلاك أمتي على يدي أغيلمة سفهاء ".
[ ٢ / ٤٠٠ ]
جهارًا غيرَ سِرار: " إنَّ آلَ أبي فُلانٍ لَيْسُوا بأَوْليائي إِنَّما أَوْليائي المُتَّقونَ " (١) فسَّروه بآل أبي العاص، منهم الحكمُ طريدُ رَسولِ الله - ﷺ - ممَّن فسره بذلك القاضي عِياض في شرح مسلم، وكذلك النواوي في شرح مسلم (٢) أيضًا، وكذلك ابنُ حجر في مقدمة شرح البخاري، وسيأتي ذلك مستوفى قريبًا، ويأتي تمام لهذا في ترجمة مروان والوليد في الأوهام الآتية إن شاء اللهُ تعالى.
وكذلك ذكر الرازيُّ (٣) عن ابن عباس أن الشجرة الملعونة في القرآن بنو أمية، وأنَّه - ﷺ - رأى بني أمية يتداولون مِنْبَرَهُ، فَقَصَّ رؤياه على أبي بكر وعمر سِرًّا، فتسمَّعهم الحكمُ، فأفشى سِرَّ رسول الله - ﷺ -، فنفاه لأجل ذلك، هذا مختصر مما ذكره الرازي، وروى الترمذي ما يشهد لذلك كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٩٩٠) في الأدب: باب تبل الرحم ببلالها، ومسلم (٢١٥) في الإيمان: باب موالاة المؤمنين ومقاطعة غيرهم والبراءة منهم.
(٢) ٣/ ٨٨، ونصّه: قال القاضي عِياض ﵁: قيل: إنَّ المكنيّ عنه ها هنا الحكم بن أبي العاص. والله أعلم.
(٣) في تفسيره ٢٠/ ٢٣٧، ونسبة هذا القول إلى ابن عباس لا تصح، فقد رواه ابن جرير في تفسيره ١٥/ ٧٧ من طريق محمد بن الحسن بن زبالة، حدَّثنا عبد المهيمن بن عباس ابن سهل بن سعد حدَّثني أبي عن جدي، وهذا سند ضعيف جدًا، فإنَّ محمد بن الحسن بن زبالة متروك، وشيخه ضعيف، وقد صحَّ عن ابن عباس أنها شجرة الزقوم، قال البخاري في " صحيحه " (٤٧١٦) حدَّثنا علي بن عبد الله، حدَّثنا سفيان، عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ قال: هي رؤيا عين أُريها رسول الله - ﷺ - ليلة أسري به ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ شجرة الزقوم. قال الحافظ في " الفتح " ٨/ ٣٩٩: هذا هو الصحيح، وذكره ابن أبي حاتم عن بضعة عشر نفسًا من التابعين، وضعف الرواية السابقة التي تنص على أنها الحكم بن أبي العاص.
[ ٢ / ٤٠١ ]
الخامس عشر: أنَّ حديثَهم أقوى مِن الرأي ولو لم نقبلْه، لقبلنا الرأيَ، وإنما قُلنا: إِنَّها أقوى مِن الرأي لوجهين:
أحدُهما: أنَّ الظنَّ المستفاد منه أقوى مِن الظن عن الرأي، وذلك لِقلة مقدماته، وكثرةِ مقدمات الرأي، فالرأيُ يتوقَّف على ظَنِّ صحته في الجملة، وظنِّ صحة النصِّ في الأصل، وظنِّ أن الحُكْمَ الثابت في الأصل مُعَلَّلٌ، وظنِّ أن عِلَّته متعدية غيرُ قاصرة جملة، وظنِّ أنها موجودةٌ في الفرع، وظنِّ أنَّها غيرُ مخصّصة، وظنِّ عَدَم النصّ المانع من القياس، وظنِّ عدم العلة المعارضة لها. فأما أحاديث المتأولين فإنَّها تتوقَّفُ على ظنِّ قبولِ المتأوِّل وصدقه، وظنِّ عدم المعارض والناسخ والمخصِّصِ على الاحتياط وإلاَّ، ففيه نظر، ليس هذا موضِعَ ذكره.
وثانيهما: أن الأدلةَ الدالة على قبول المتأولين أقوى من الأدلة الدالة على القياسِ، فلم يستدِلُّوا على القياس من القرآن إلاَّ بقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢] والاحتجاج بها ضعيف جدًا (١).
المسألة الثانية: قبولُ كافرِ التأويل. وليس في الأحاديث المُعْتَمَدِ عليها مَنْ هو عندنا كافِرُ تأويل بحمد الله تعالى، ولكني أذكر الحُجَجَ في ذلك لمن أحبَّ أن ينظر فيه، والمسألةُ محلُّ نظر، وأما مَنْ قبلهم، فقد احتجَّ على قبولهم بجميع ما تقدَّم إلاَّ أشياءَ يسيرةً، فهي تختصُّ فساقَ التأويل، وذلك لا يخفى على العارفِ المتأمل، ولْنَذْكُر من ذلك وجوهًا ثلاثة:
الأول: الإجماعُ (٢) رواه خمسة ثقات: الإمامُ يحيى بنُ حمزة،
_________________
(١) انظر " المحصول " ٢/ ٢/٣٧ - ٥١.
(٢) سقطت من (ب).
[ ٢ / ٤٠٢ ]
والمؤيَّد، والمنصورُ، والقاضي زيد، والفقيهُ عبدُ الله بن زيد، أما الإمام يحيى بنُ حمزة، فروى ذلك في موضعين من " الانتصار ":
أحدُهما: في باب الأذان قال ما لفظه: وأما كفارُ التأويل، -وهم (١) المجبرة والمُشَبِّهة والروافض والخوارج-، فهؤلاء اختلف أهلُ القبلة في كفرهم، والمختارُ أنهم ليسوا بكفارٍ، لأن الأدلةَ بكفرهم تحتملُ احتمالاتٍ كثيرة، وعلى الجملة فمن حكم بإسلامهم أو بكفرهم قضى بصحة أذانِهم، وقبولِ شهادتهم. انتهى.
وعدم التكفير لهؤلاء كُلِّهم هو اختيارُ شيخ المعتزلة أبي الحسين، وشيخِ الأشعرية الفخر الرازي وأصحابهما، ذكره الشيخ مختار المعتزلي في كتابه " المجتبى "، وهو اختيارُ القدماء كما أشار إليه محمدُ بنُ منصور الكوفي (٢) في كتابه " الجملة والألفة " (٣).
وثانيهما: في كتاب الشهادات قال ﵇ ما لفظه: ومَنْ كفر المجبرة والمشبهة، قَبِلَ أخبارَهم، وأجاز شهادتَهم على المسلمين وعلى بعضهم، وناكحوهم وقبروهم في مقابر المسلمين، وتوارثوا هم والمسلمون.
وأما المنصورُ بالله ﵇ فلفظه في " المهذب ": نعم، ذلك
_________________
(١) سقطت من (ب) وفي (أ) فهم.
(٢) هو أبو جعفر محمد بن منصور بن يزيد المرادي الزيدي المفسر الفقيه المتوفى سنة (٢٩٠) هـ، وقد تقدم التعريف به ص ٥٣ من هذا الجزء، وانظر أيضًا " تاريخ التراث العربي " ٣/ ٣٣٣ - ٣٣٤ لسزكين، و" فهرس مخطوطات المكتبة الغربية " بالجامع الكبير بصنعاء ص ٥٤ و٥٥ و٥٧ و٧٧ و٧٨.
(٣) في " تاريخ التراث ": " الألفة والجملة ".
[ ٢ / ٤٠٣ ]
لأنه قال فيه ما لفظه: وقد ذكر أهلُ التحصيل من العلماء جوازَ قبول المخالفين في الاعتقادات، وروى عنهم المحققون بغير مناكرة في ذلك، ذكره ﵇ في كتاب الشهادات من " المهذب "، وقد تقدم الكلام في أنَّ هذا يُفيدُ الإجماعَ عند الكلام (١) على رواية الإجماعِ على قبول فساق التأويل، فخُذه من هناك.
وأما المؤيَّدُ بالله ﵇، فإنه قال: والأظهرُ عند أصحابنا قبولُ كافِر التأويل (٢) وقد تقدَّم نقلُه، وبيانُ الوجه في أنَّه يُفيدُ إِجماع علماء العترة (٣) ﵈.
وأما روايةُ القاضي زيد، فقد تقدمت وهي صحيحة صريحة.
وأما الفقيهُ عبدُ الله بن زيد، فقال: اختلفوا في قبول الكافر والفاسق من جهة التأويل، والمختارُ: أنَّهُ يقبل خبرهما متى كانا عَدْلَيْنِ في مذهبهما، وهو قولُ طائفة من العلماء، والذي يَدُلُّ على صحة قولنا أنَّ الصحابة أجمعت على ذلك.
فإن قلتَ: قد رُوي الخلافُ من غير شك، فكيف يمكن الإصغاءُ إلى رواية هذا الإجماع؟
قلتُ: الجواب من وجوه:
الأول: معارضة، وذلك أن (٤) السَّيِّد قد حكم بأنَّ راوي الإجماعِ مُقدَّم على راوي الخلاف، واحتجَّ على ذلك بحجتين:
_________________
(١) " عند الكلام " ساقط من (ب).
(٢) من قوله: " فخذ من هناك " إلى هنا سقط من (ب).
(٣) في (ب): إجماع العلماء علماء الأمة.
(٤) في (ب): بأن.
[ ٢ / ٤٠٤ ]
أحدُهما: أن المثبِتَ أولى من النافي.
والثانية: أنَّ راويَ الإجماع ناقلٌ عن حكم الأصل، والناقِلُ أولى، وقد بيَّنا فسادَ ما ذكره فيما تقدَّم (١)، وإنما أردنا بهذا أن يحتجَّ عليه بما هو صحيحٌ على أصله.
الثاني: أنَّ شروطَ التعارض عزيزة كما ذكرها في الفرق بين النسخ والبداء (٢) وبيانُه في مسألتنا أنَّه يقعُ الإجماعُ من أهل عصر والخلافُ بينَ أهل عصر آخر، فإن كان الإجماعُ متقدمًا، فالخلافُ وقع ممَّن لم (٣) يعلم بالإجماعِ، وإن كان الإجماعُ متأخرًا، فذلك ظاهر.
الثالث: أن أقلَّ أحوالِ مدَّعِي الإِجماعِ أن يعرف أنَّهُ قولُ الجماهير، وأنه لا يُعرف في ذلك خلافًا حتى لا يُنسب المختار لهذا القول إلى الشذوذ.
فإن قيل: فقد روى الإمامُ الخلافَ في " المعيار " فتناقض.
قلنا: شرطُ التناقض عزيز، إذ لا يَصِحُّ مع إمكان الجمع، والجمعُ ممكن وذلك أن يكون الخلافُ الذي في "المعيار" منسوبًا إلى أهل
_________________
(١) " فيما تقدم " سقط من (ب).
(٢) والقول بالبداء -وهو أن الله ﷾ يغير ما يريد تبعًا لتغير علمه، وأنَّه يأمر بالشيء ثم يأمر بخلافه- هو اعتقاد الكيسانية أتباع المختار بن عبيد الثقفي، الذين ظهروا عقب مقتل الحسين ﵁، وقد قال الشهرستاني في " الملل والنحل " ١/ ١٤٩: وإنَّما صار المختار إلى اختيار القول بالبداء، لأنَّه كان يدعي علم ما يحدث من الأحوال: إمَّا بوحي يوحى إليه، وإمَّا برسالة من قِبل الإمام، فكان إذا وعد أصحابه بكون شيء، وحدوث حادثة، فإن وافق كونه قوله، جعله دليلًا على صدق دعواه، وإن لم يوافق، قال: قد بدا لربكم. وإن ذلك بلا شك ضلال مبين، وفساد في الاعتقاد.
(٣) سقطت من (ب).
[ ٢ / ٤٠٥ ]
عصر، والإجماعُ الذي رواه في " الانتصار " منسوبًا إلى أهل عصرٍ آخر، وذلك كثير في مسائل الإجماع.
فان قيل: فقد روى قاضي القضاةِ الإجماعُ، فتعارضا.
وقال ابنُ الحاجب: إِن كافرَ التأويلِ، كالكافر عند المكفِّرِ.
قلنا: لا يتعارضان لوجوه:
الأول: قد عُلِمَ الخلاف بغير شك، كما قال أبو الحسين، وقد تقدم تقريرُه حيث تقدم كلام أبي الحسين.
الثاني: هؤلاء خمسة، والترجيح يَحْصُلُ بزيادة وأحمد، فكيف بأربعة.
الثالث: أنهم أورعُ لتنزههم عن البِدعة، فبان الرجحان، وارتقع التعارض بحمد الله، وأما كلامُ ابن الحاجب، فقد تقدَّم جوابُه حيث ظن السيد أنَّه (١) حكاية للإجماع على ردِّه، وكلام الإمام يحيى بن حمزة يَرُدُّ عليه دعواه، ويُعارضه، وترجح عليه بما ذكرناه.
الحجة الثانية: القياسُ على فاسق التأويل، وقد ذكرها في " الجوهرة " وهي قوية.
الحجة الثالثة: ظن وجود النص، وتحريم العمل بالرأي وبالعموم مع ظنِّ النصِّ والمُخَصِّصِ إجماعًا -وهي قوية- ونحوها من الحجج المتقدمة (٢) على جوازِ قبولِ فاسقِ التأويل مما يَصِحُّ الاحتجاجُ به في كافر
_________________
(١) في (ب): بأن.
(٢) انظر الصفحات ٣٥٦ - ٣٧٣.
[ ٢ / ٤٠٦ ]
التأويل، فتأملها هناك، فقد ذكرتُ فيما تَقَدَّمَ اثنتين وثلاثين حجة مِن الحجج الدالة على قبولِ الفساق المتأولين وأكثرُها حجج على قبولِ الكفار المتأولين ما يَخْرُج منها إلَّا النادِرُ، وذِكرُها يؤدِّي إلى التطويلِ من غير حاجة، لأني قد ذكرتُ أني لا أعلَمُ أني معتمد على كافِر تأويلٍ في الحديث.
قال السيدُ -أيَّده اللهُ-: وأمَّا إذا عارض روايةَ فساقِ التأويل روايةُ العدل الصالح المنزّه مِن فسق التأويل، فالإِجماعُ على ترجيح روايةِ العدل الصالح ممَّن يَقْبَلُ رواية فُسَّاقِ التأويل منفردين، وممَّن لا يقبلهم.
أقول: قد طالعتُ كثيرًا من كتب الأصول والفروع لِطلب معرفة الإجماع هذا الذي ادَّعاه السيِّد على تقديم روايةِ العدل في التصريح والتأويل على رواية العدلِ في التصريح، الفاسق في التأويل، فلم أَجِدْ أحدًا ذكرها فيما طالعتُ، والذي لم أُطَالِعْ أكثرُ مما طالعت، ولكن الكُتَبَ التي طالعتُ هي الكتبُ المتداولة، فلا أدري السيد -أيَّده الله تعالى- نقل هذا الإجماعَ عن أحدٍ من العلماء الثقات، أو وجده في شيء مِن المصنفات، فله المِنَّةُ بالإرشاد إلى ذلك، أو قال ذلك مِن طريق الفهم والحَدْسِ، فليس ذلك من طرق الإجماع. وللإِجماعِ طُرقٌ معروفة لا تخفى على السيدَ -أيده الله تعالى- فيجِب عليه أن يُفيدنا طريقًا إلى معرفة هذا الإِجماع. ثم إنَّه يرد على دعواه للإِجماع إشكالات:
الإِشكالُ الأول: أن المنصور بالله ﵇ قد ذكر في كتاب " الصفوة " ما يقتضي الإجماعُ على التسوية بين العدلِ في التصريح والتأويل، والعدلِ في التصريح، الفاسق التأويل، فقال ﵇ في حكاية إجماع الصحابة على ذلك ما لفظه: أما أنَّهم أجمعوا، فذلك مِن
[ ٢ / ٤٠٧ ]
ظاهر (١) أحوالهم لمن تَصَفَّحَ أخبارَهم، واقتصَّ آثارهم، وذلك أن الفتنة لما وقعت فيهم، وتفرَّقوا فِرقًا، وصاروا أحزابًا، وانتهي الأمرُ بينهم إلى القتل والقتال، كان بعضُهم يروي عن بعض بغير (٢) مناكرة بينهم في ذلك بل اعتماد أحدهم على ما يرويه عمن يُوافقه، كاعتماده على روايته عمَّن يُخالفه. فنصَّ ﵇ على أن اعتمادَ الصحابة على حديث المخالف كاعتمادهم على حديث الموافق، وأطلق القولَ في ذلك، ولم يُقيِّدْهُ بحال الانفرادِ دونَ حال التعارض، وسيأتي ما هو أَعْظَمُ من ذلك من كلامه ﵇.
وكذلك الشيخُ أحمد بن محمد الرَّصَّاص، فإنه حكى الإِجماعَ على مثل ذلك، فقال في كتاب " الجوهرة ": إن الفتنة لما وقعت في الصحابة كان بعضُهم يُحَدِّثُ عن بعض، ويُسْنِدُ الرجل إلى من يُخالفه، كما يُسند إلى من يُوالفه (٣) من غير نكير، وكذلك الفقهاء بأسرهم، فإنَّ السَّيِّد أبا طالب حكى عنهم في كتاب " المجزىء " أنهم قالُوا: إن المعلومَ مِن حال الصحابة أنهم كانوا يُراعون في قبول الحديث والشهادة الإسلامَ الذي هو إظهار الشهادتين، والتنزّه عمَّا يُوجِبُ الجرحَ مِن أفعال الجوارِح إلى قوله ﵇ (٤): وكانوا مجمعين على التسوية بين الكلِّ ممن هذه حالُه في قبول شهادته، وحديثه مع العلم باختلافهم في المذاهب. فنصَّ ﵇ على أن الفقهاء حَكَوُا العلمَ بإجماع الصحابة على التسوية بين المتأوِّل في فسقه والعدل في باب الرواية والشهادة فهذا إجماعٌ ثبت بخلاف
_________________
(١) في (ب): فذلك ظاهر من.
(٢) في (ش): من غير.
(٣) في (ب): يوافقه.
(٤) من قوله: " الذي هو إظهار " إلى هنا ساقط من (ب).
[ ٢ / ٤٠٨ ]
دعوى السيد، لكنه ثبت مِن طَرِيق (١) الظواهر دونَ النصوص، ولا شَكَّ أن الظواهِرَ معمول بها، وسواء كانت مِن كلام الله، أو مِن كلام رسول الله - ﷺ -، أو كلامِ العلماء ﵃، وقد أجمعتِ الأمة على جواز العمل على ظاهر كلامهم، وإنَّما المُحَرَّمُ مخالفة الظاهر بغير دليل، فينبغي أنَّ السَّيِّد يُبَيِّنُ لنا مستندَه في إجماعه الذي ادَّعاه حتى نَعْرِفَ أهو أرجحُ مِن هذا فنقدِّمَه، فلعلَّه نصٌّ، والنصُّ مقدم على الظاهر، أو مروي مِن طرق أكثرَ من هذه، أو عن علماء أعدلَ من هؤلاء، والله سبحانه أعلم.
الإِشكالُ الثاني: قال المنصورُ بالله ﵇ في كتاب " صفوة الاختيار" -بعد ذكر (٢) تشدُّد الخوارج في تحريم الكذب، وقوله: إنَّه كفر- ما لفظه: فإذا كان الأمرُ كما ترى كان مَنْ يقول: مَنْ كذب كفر، روايتُه أولى مِن رواية مَنْ يقول: من كَذَبَ فسق، لأن الإنسانَ قد يتجاسر على الفسق، ولا يتجاسر على الكفر. انتهي بلفظه وهو صريح في مخالفة دعوى السيد للإجماع.
وكذلك الحاكم أبو سعدٍ، فإنه قال في " شرح العيون " ما لفظه: وعلى هذا ما رُوِي عن بعضهم أنَّه سُئِل عن شهادة الخوارج، فقال: شهادة من يكْفُرُ بكذبه أولى مِن شهادة من لا يَرى ذلك.
وكذلك الشيخُ أحمد الرصَّاص، فإنه قال في " جوهرته " حاكيًا عن غيره: ولأن مَنْ يقول: من كذب كفر أولى بالقبول مِنْ قولِ مَنْ لا يرى ذلك وإن كان مخطئًا في قوله هذا، لأنَّه يبعد الظن لكذبه، ويقرب صدقه. انتهى.
_________________
(١) في (ب): قبيل.
(٢) في (ش) ذكره.
[ ٢ / ٤٠٩ ]
واتفق أئمةُ الحديث على أن الحديثَ الصحيح أولى بالقبول عند التعارض مِن الحديث الحسن، وصحَّحُوا حديثَ جماعةٍ من المبتدعة، وحسَّنُوا حديثَ جماعةٍ من أهل الحق والسنة، وهذا يقتضي القطعَ بأنَّهم قد (١) يُقَدِّمُونَ المبتدَع الثقةَ الحافظَ على مَنْ هوَ دونه مِن أهل السنة في الحفظ والإتقان، وكُلُّ هذا تصريح بأن الترجيحَ في باب الرواية إنما هو باعتبار قُوَّةِ الظنِّ، لا باعتبار كثرة الفضل في الراوي، فحيث يكونُ الظنُّ أقوى برواية فاسق التأويل لكثرة العدد، أو للعلم بحال جميعِ رجال السند، أو غير ذلك من الأسباب المثيرة لقوة الظن لا تَصِحُّ دعوى الإجماع على رَدِّ رواية المتأوِّل الراجحة في الظن (٢)، وكيف يدعي الإجماعَ، وهذا الإِمامَ المنصور بالله ﵇ يُصَرِّحُ بالخلاف، ويُقدِّمُ رواية الخارجي الذي يُكفِّر أميرَ المؤمنين عليًا ﵇ على روايةِ العدل، ويصرح بأنها أولى، وكيف يَصِحُّ دعوى الإجماع، والخلافُ محكي في " الجوهرة " التي هي مِدْرَسُ علماءِ الزيدية، ولم نعلم أنَّ أحدًا أنكر ذلك على صاحب " الجوهرة " من أهل التعاليق عليها، وقد نقَّحوا ما فيها، وحقَّقُوه، واعترضوا فيما (٣) يُمْكِن أن يعترض فيه (٤) مما هو أقَلُّ مِن هذا، وكذا الحاكمُ على ما قدمناه ولم يعترض.
الإِشكالُ الثالث: أن العلماءَ قد ذكروا في كتب أصول الفقه أن الترجيحَ إنما يقع بما يتعلَّقُ بالرواية مما يُقويها، ويَدُلُّ على الصدق فيها، ولهذا نص (٥) المنصورُ بالله، وأبو طالب ﵉، وأبو
_________________
(١) ساقط من (ب).
(٢) من قوله: " لا تصح " إلى هنا ساقط من (ب).
(٣) في (ب): ما فيها.
(٤) سقطت من (ب).
(٥) في (ب): قال.
[ ٢ / ٤١٠ ]
الحسين، والحاكمُ ﵄ وغيرُهم من المصنفين في الأصولِ على أن روايةَ العالمِ لا تَرْجُحُ على رواية العامي إذا كان العلم مما لا يتعلَّقُ بالرواية، وكذلك إذا كانت الرواية باللفظ، ولم ينقلوا الخلاف في هذا إلا عن عيسى بنِ أبان، فإنَّه رَجَّحَ روايةَ العالمِ والأعلم.
قال المنصورُ بالله: ومنهم منْ قال: لا يُرَجَّحُ به، وهو الذي كان شيخنا ﵀ يذهب إليه ونحن نختاره، والدليلُ على صحته أن كونه أعلمَ بغير ما يرويه لا تعلُّق له بروايته، وما لا يتعلق بروايته لا يجب الترجيحُ به.
وقال ﵇ في مسألة تعارضِ المرسل والمسند ما لفظُه: ومدارُ الأمرِ في هذه المسألة وما شاكلها على الظن، فما قوي معه الظَّنُّ، كان مرجحًا. انتهى.
فهذا نصُّه ﵇ على أن ما لا يتعلق بالرواية من الفضائل والمرجحات في غير الرواية لا يكونُ مرجحًا في الرواية، وكلامُ السيدِ أبي طالب وغيره من المصنفين في الأصول مثل هذا، لو قلنا كلامَهم في هذا، لطال الكلامُ.
وَمِنْ ذلك ما نصَّ عليه الإمامان أبو طالب والمنصور بالله ﵉ وغيرهما من المصنفين في الأصول على أنَّه لا يرجح خَبَرُ الذكرِ على الأُنثى، ولا الحرُّ على العبد إذا اسْتووْا في الحفظ والعدالة، فهذا مع النصوص على تفضيل الذكور على الإناث في باب الشهادة (١)، ومع النَّصِّ النبوي على نُقصان عقولِ النساء (٢) والإشارة الظاهرة إلى ذلك في
_________________
(١) في (ب): الشهادات.
(٢) في الحديث الذي رواه البخاري (٣٠٤) ومسلم (٨٠) من حديث أبي سعيد الخدري، ورواه مسلم (٧٩) و(٨٠) من حديث ابن عمر وحديث أبي هريرة.
[ ٢ / ٤١١ ]
قوله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢].
فإن قلتَ: فما الوجهُ في المساواة بَيْنَ الذكرِ والأنثى، وقد ظهر في الكتابِ والسُّنَّةِ تفضيلُ الرِّجال على النساء.
قلتُ: الوجهُ في ذلك أنَّ الأئمة (١) والعلماء ﵈ لم يُساووا بينهما على الإطلاق، فيكونوا قد خالفوا ما فهموا مِن الكتاب والسنة، وإنما سَاوَوْا بينهما في باب الرواية فقط، وسبب مساواتهم بينهما في الرواية أنَّهم فهموا أن عمودَ الرواية هو قوةُ الظن، ومتى قدرنا استواءَ الذكر والأنثى في الضبط والورع، لم يكن خبرُ أحدِهما أقوى في الظن متى كانت أخصَّ بالأمر، والدليلُ على ذلك ما اشتهر من تقديمِ الصحابة لخبر عائشة في الجنابة على خبرِ أبي هريرة (٢)، ومِن رجوع الصحابة إلى أزواج النبي - ﷺ - فيما هُنَّ أخَصُّ به وأعرفُ مِن أمر الحيض، ومباشرةِ الحائض والغسلِ مِن التقاء الختانين، والقبلةِ للصائم، وإصباحِ الصائم جنبًا (٣) وغيرِ ذلك. فلما فَهِمَ الأئمة والعلماء أن الصحابة اعتبروا قوةَ الظن لم يرجحوا أحد الخبرين المنسوبين (٤) في الظَّنِّ، وإن كان أحدُ الراويين أكثرَ علمًا وفضلًا، مهما
_________________
(١) لفظ " الأئمة " والواو ساقط من (ب).
(٢) تقدم تخريجه في الصفحة ٦٢ من هذا الجزء.
(٣) انظر الأحاديث الواردة في ذلك في " شرح السنة " للبغوي رقم (٢٤٠) و(٢٤٣) و(٢٤٤) و(٢٤٥) و(٢٤٨) و(٢٥١) و(٢٥٢) و(٢٥٣) و(٢٥٤) و(٢٥٥) و(٣١٦) و(٣١٧) و(٣١٨) و(٣٢٠) و(٣٢١) و(٣٢٢) و(٣٢٣) و(٣٢٤) و(٣٢٥) و(٣٢٦) و(٣٢٧) و(٣٢٨) و(٣٢٩) و(١٧٤٨) و(١٧٤٩) و(١٧٥٠) و(١٧٥١).
(٤) في (ب): المتوسطين.
[ ٢ / ٤١٢ ]
لم يكن علمُه وفضلُه مرجحًا لِظنِّ صدقه.
وقد ذكر هذا المعنى السَّيِّد أبو طالب ﵇، فقال بعد ذكر شيء من كلامه: فإن قال قائلٌ: ولمَ قلتُم: إن قوة الظن معتبرة في باب الأخبار، قيل له: الذي يَدُلُّ على ذلك وجوه:
منها: ما قد علمنا من حالِ الصحابة أنَّهم كانوا يطلبون في أخبار الآحاد التي يعملون بها قوةَ الظَّنِّ، ويلتمسون ما يُؤدي إليها باستحلافِ الراوي مرة كما رُوِيَ عن أمير المؤمنبن علي صلواتُ الله عليه (١)، وبتطلّب مخبرٍ ثانٍ، فيُضاف إلى الأول، كما روي عن أبي بكر أنَّه طَلَبَ عند رواية المغيرة بن شعبة ما رواه في أمر الجدة ثانيًا إليه حتى أخبره محمدُ بنُ مسلمة بمثل خبر (٢)، وكطلب عمر عند روايةِ أبي موسى الأشعري خبر الاستئذان مَنْ يشهد معه لما رواه (٣). وسلوك هذه الطريقة معلوم من جماعتهم إلى قوله:
ومنهم أنَّه لا خلاف في ترجيح الخبر (٤) بكون راويه أضبطَ للقصة التي ورد الخبرُ فيها مِن غيره، ولهذا كانت الصحابةُ تَرْجِعُ إلى أزواج النبيِّ - ﷺ - في تعرُّفِ أحواله التي عُرِفَ أنَّهن يَعْرِفْنَ منها ما لا يَعْرِفُه الأجانبُ، ولذلك رجَّحوا خبرَ عائشة: أن رسول الله - ﷺ - كان يُصبحُ جنبًا وهو صائم، على خبر أبي هريرة (٥)، ولهذا قالت عائشة حين سُئِلَتْ: هل كان
_________________
(١) تقدم تخريجه في الجزء الأول الصفحة ٢٨٤.
(٢) تقدم في الجزء الأول الصفحة ٢٩٤.
(٣) انظر الخبر بطوله في البخاري (٦٢٤٥)، ومسلم (٢١٥٣)، والموطأ ٢/ ٩٦٣ - ٩٦٤.
(٤) ساقطة من (ب).
(٥) تقدم الكلام على ذلك.
[ ٢ / ٤١٣ ]
رسولُ الله - ﷺ - يَمْسَحُ على الخُفَّيْنِ بعد نزولِ المائدة؟ سَلُوا عليًا عن هذا، فإنّه كان لا يُفَارِقه في سفرٍ ولا حضر (١). وإذا ثبت أن مزية الضبط كانت معتبرةً في ذلك، إذ لا فائدةَ في اعتبار حالِ الضبط لما يرويه إلا حصول (٢) قوة الظن عند خبره. انتهي كلامه ﵇. وبتمام هذا الكلام ثم الإشكال الثالث.
فإذا عرفت هذه القَاعدة، فالإِنصاف أن تقولَ: لا يخلو المبتدع إما أن تكون بدعتُه القولَ بالإرجاءِ أو غيرِه، إِن كانت بدعتُه القول بالإرجاء، فإن استويا في جميع وجوه الترجيح إِلا أنَّ أحدَهما مرجىء، وأحدهما وعيدي رجح خبر الوعيدي على خبر المرجىء، لأنهما اختلفا في أمر يُوجِبُ تفاوتَ الظنِّ المعتبر في الأخبار، فإنَّه لا شَكَّ مع الاستواء في وجوه الترجيح أن من يخاف العذابَ على ذلك الذنبِ بعينه وعلى غيره مِن الذنوب أبعدُ من الذنب ممن لا يخاف العذابَ عليه، وإنما يخاف مِن ذنب الكُفر. وإن لم يستويا في وجوهِ الترجيح مثل أن يكونَ الراوي للخبر جماعةً من المبتدعة مشهورين بالحفظ (٣) والإتقان الجيد، ويُخالفهم عدلٌ متنزّه مِن البدع إلاَّ أنَّه منحط عن مرتبتهم في الضبط والحفظ، ومتفرِّدٌ لم يُتابعه غيرُه على ما روى، فها هنا تختلِفُ الظنونُ، ولا يجري القولُ على
_________________
(١) أخرجه أحمد ١/ ٩٦، ومسلم (٢٧٦)، وابن أبي شية ١/ ١٧٧، والنسائي ١/ ٨٤، وابن ماجة (٥٥٢)، وعبد الرزاق (٧٨٩) من طرق عن الحكم بن عتيبة، عن القاسم بن مخيمرة، عن شريح بن هانىء قال: سألت عائشة عن المسح على الخفين، فقالت: سل عليًّا، فإنه أعلم بهذا مني، كان يسافر مع رسول الله - ﷺ -، قال: فسألت عليًّا، فقال: قال رسول الله - ﷺ -: " للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة ". وانظر حديث جرير في " سير أعلام النبلاء " ٢/ ٥٢٣.
(٢) سقطت من (ب).
(٣) في (ب): في الحفظ.
[ ٢ / ٤١٤ ]
قانون، بل كُلُّ أحدٍ مكلفٌ بما يقوى في ظنه، ولكل ناظرٍ نظرُهُ.
وأما إن كان المبتدعُ مبتدعًا بغيرِ الإِرجاء مما ليس بكفر، فلا يخلو إما (١) أن يستويا في جميع وجوهِ الترجيح إلا فسقَ التأويل، أو (٢) يختلفا، إن اختلفا في وجوه الترجيح، فالقولُ في ذلك لا يستمر على طريقةٍ واحدةٍ، فقد يكون المتنزِّه عن فسق التأويل أولى بالقبول لِقوة الظَّنِّ بصدقه، وهذا هو الأكثرُ، وقد يكونُ فاسقُ التأويل أولى بالقبولِ لقوة الظن، وقد يكونُ قولُه أقوى في الظن في بعضِ الأحوال لبعض الأسباب الموجبة لذلك، فقد نصَّ المنصورُ بالله ﵇ على أن قولَ مَنْ يرى أن الكذبَ كُفْرٌ أولى بالقبول ممن لا يرى ذلك، وروى ذلك صاحبُ " الجوهرة " وحكاه الحاكمُ في " شرح العيون " عن بعض أهلِ العلم. ونصُّ المنصور بالله ﵇ في الخبرين إذا تعارضا على أنَّ العملَ على الظن الأقوى هو الواجبُ بهذا اللفظ، وذلك لأن المَرْجِعَ بالترجيح إلى قُوَّةِ الظن لا إلى تفضيل الراوي، فليس المبتدع يُساوي المتنزه من البدعة، ولا كرامة له، وقد نَصُّوا على الإجماع على الترجيح بالضبط، وشِدَّةِ الحفظ، روى الإجماعَ على ذلك أبو طالب ﵇، وقد قدمنا كلامَه، والمنصورُ بالله ﵇، فإنه ذكر الترجيحَ بكون الراوي أكثرَ حفظًا وضبطًا حتى قال ﵇: وهذا مما وَقَعَ الإجماعُ عليه برواية شيخنا ﵀، وكذلك أبو الحسين نَصَّ على الترجيح بكون أحدِ الراويين أضبطَ، ثم قال: وقد يُسْتَدَلُّ على كونه أضبطَ بكونه أكثرَ اشتغالًا بالحديث، وأشدَّ انقطاعًا إليه، وبِقِلَّهِ ما يقع في حديثهِ مِن الخلل في
_________________
(١) ساقطة من (ب).
(٢) في (ب): و.
[ ٢ / ٤١٥ ]
المعنى واللفظ.
قلتُ: فالترجيحُ بمرجِّحٍ مُجْمَعٍ على أنَّه مرجِّحٌ، ومجمعٍ على الإجماعِ على الترجيح به، أولى من الترجيح بالنزاهة عن البِدعة، لأنه غيرُ مجمع على الترجيح به، أو متنازع في الإجماعِ على الترجيح به، وكذلك منْ يرى أن الواجبَ حكايةُ اللفظ، وأن الروايةَ بالمعنى حرامٌ، فإنَّ روايتَه أقوى من رواية مَنْ يرى جوازَ الحكاية بالمعنى متى استويا في جميع وجوهِ الترجيح إلا في هذا.
فإن قلتَ: وما مثالُ تلك الصورةِ التي يكون الظنُّ مرجحًا لِخبرِ المبتدع فيها؟
قلتُ: لذلك صُوَرٌ كثيرة:
فمنها: أنا نعلم أن المبتدعَ لو كان حافظًا لِكتاب مِن الكتب عن ظهر قلبه، إما القرآنُ الكريم، أو مِن كتب الحديث، أو اللغة، أو النحو، أو الفقه، أو غير ذلك، وكان معروفًا بالتجويد فيه، والإتقان له، معروفًا بأنه يُعيده كُلَّ ليلةٍ أوْ كُلَّ أسبوعٍ أو نحو ذلك عن ظهر قلبه، مشهورًا بالتدريس فيه، منقطعًا في الاشتغال به، مُجَرَّبًا في سرعة الجواب، وإصابة مَحَزِّ الصَّوابِ إذا سُئِلَ عن شيء من مسائله وألفاظه، وما يتعلق بضبطه، مختبرًا حين يُعارض في ذلك بالتبريز على الأقران، والتجويد عند (١) الامتحان، فإنَّكَ متى عرفتَه بهذه الصفة، وتمكَّنَتْ في نفسِك هذه المعرفةُ، وأخبرك عن مسألة في كتابه هذا الذي اشتهر بحفظه، وجَوَّدَ في نقله بلفظه، ثم عارضه رَجُلٌ من أهل العدل والتوحيد في تلك المسألة،
_________________
(١) تحرفت في (ب) إلى " عن ".
[ ٢ / ٤١٦ ]
ولم يكن لهذا العَدْلِي مثلُ عنايته، ولا انتهى في التحقيق إلى مثل نهايته، بل قد سَمِعَ الكتابَ مرة، ولم يحفظه عن ظهر قلبه، ولم يُكَرِّرْ فيه النظرَ، فإن قولَ المبتدع يكونُ أقربَ إلى الظن، وأقوى في الذهن عند كل منصف، ولهذا، فإنا لو قدرنا أن عابدًا مِن أهل العدل والتوحيدِ قرأ القرآن مرةً: واحدةً على بعض أهلِ العدل، ولم يحفظه عن ظهر قلبه، ولم يُكثر من تلاوته، ثم تنازعَ في إعرابِ آية هو وابنُ شداد المقرىء المشهور شيخ ابن النساخ ﵀، لم يَشُكَّ عاقِلٌ في أنَّ روايةَ ابنِ شداد أقربُ إلى الصواب، وأرجحُ في الظنون.
وبعدُ، فالترجيحُ غيرُ التفضيل، وقد قال المؤيَّدُ بالله ﵇ في كتاب " الزيادات " ما لفظه: والأقوى عندي أن تقليدَ المقتصِد في الفتاوى أولى لِفراغه دون السَّابِقِ، لأنَّه في شغل عن النظرِ والمطالعة. فنص ﵇ على ترجيح تقليدِ غيرِ الأئمة السابقين على تقليدِهِم لأجل مرجح لا يتعلق بالتفضيل، فالأئمةُ الدعاة أفضلُ من السادة بالإِجماع.
وقد تكلَّم الإمام يحيى بنُ حمزة ﵇ في تقليد الصحابة وقال: إنه لا يجوزُ تقليدُهم في هذه الأزمانِ الأخيرةِ، مع تجويزه ﵇ تقليدَ الميت ترجيحًا منه ﵇ لتقليدِ المتأخرين، لجمعهم العلومَ، وتبحرهم فيها، وادَّعى ﵇ الإجماعَ على ذلك، وكذلك الجوينيُّ ادعى الإِجماعَ على ذلك، لكن (١) قال شارح " البرهان " (٢): إن
_________________
(١) ساقطة من (ب).
(٢) لمؤلفه العلاّمة المتفنن أبي عبد الله محمد بن علي بن عمر بن محمد التميمي المازري المالكي المتوفى سنة ٥٣٦ هـ، قال القاضي عياض في " المدارك ": هو آخر المتكلمين من شيوخ إفريقية بتحقيق الفقه، ورتبة الاجتهاد، ودقة النظر. مترجم في " السير " ٢٠/رقم الترجمة (٦٤).
[ ٢ / ٤١٧ ]
المجمع عليه أنَّه لا يجوزُ التزامُ مذهبٍ واحد منهم، لأنَّه ليس لِواحد منهم مِن النصوص على الحوادث ما يكفي الملتزم لمذهبه، ويُغنيه عن الانتقال عن مذهبه، لا لقصور في علمهم، وهذا هو الصوابُ إن شاء الله تعالى، وإنما القصد حكاية مذهب (١) الإِمام ﵇، وأنه قد يقع من بعض أهل العلم ترجيحٌ لبعض المذاهب والأخبار من غير تفضيلٍ لأهل المذاهب والأخبارِ الراجحة عنده على أهل المذاهب (٢) والأخبار المرجوحة.
وهذا (٣) المؤيَّد بالله ﵇ يَنُصُّ على ضعف مذهب الهادي ﵇ في بعض المواضع، وليس يعتقِدُ أنَّه أفضل منه.
وأعظمُ مِن هذا ما ذكره الإِمامُ المؤيَّدُ بالله يحيى بنُ حمزة ﵇ مِن أن العالِمَ بالفن قد يكون أعرفَ بفنه من النبيِّ - ﷺ -، مثل العالِم في أصولِ الدِّين العالم المُبرِّزِ في دقيقه، وكذلك العالم بالمنطق المتوغِّل في لطيفه، وكذلك سائرُ الفنون التي لم يُمارِسْها رسول الله - ﷺ -، وإن لم يكن هذا العالِمُ أفضَلَ مِن رسول الله - ﷺ -، ولا أعْرَفَ بالدين الذي ذلك الفنُّ وصلة إلى معرفته وطريق إلى العلم به (٤).
_________________
(١) ساقط من (ب).
(٢) من قوله: " والأخبار .. " إلى هنا ساقط من (ب).
(٣) تحرف في (ب) إِلى "هو".
(٤) في هامش (أ) ما نصه: لعلَّ مراد الإمام باصطلاحات أهل الفن، لا بالمعلوم نفسه، هذا بناء على أنَّ التدقيق في الفنون ليست عين العلم، وإنَّما هي صناعة كصناعة الحداد والنجار، فكما يصح أن يُقال: هذا النجار أحسن صناعة من النبي - ﷺ -، وكذا هذا، فأمَّا مفهوم مسمَّى العلم -وهو العلم المأخوذ عن الله ورسوله، وعن التدبر في آياته- فلا يتصور أن يكون أحد فيه أعرف من النبي - ﷺ -، بل لا يتوجه هذا القول بغير هذا التأويل أو نحوه، وإلا فهو من عظيم الخطأ.
[ ٢ / ٤١٨ ]
فهذا قولُ الإمام يحيى بنِ حمزة ﵇ فكيف يُنكرُ ترجيحُ رواية (١) بعضِ المبتدعة على رواية بعضِ أهل العدل والتوحيد لبعض القرائِنِ المقوية لذلك، وينسب القائلُ لذلك إلى مخالفةِ الإِجماع. هذا على تقدير اتفاقِ هذا، وباللهِ العظيم الرحمن الرحيم ما أعلمُ أنَّ هذا قد كان مني أبدًا.
فهذا الكلامُ أن اختلفا في وجوه الترجيح.
وأما إذا استويا فيه، واستوى الظَّنُّ الحاصِلُ في خبريهما إلا أن هذا مبتدع، وهذا متنزِّهٌ عن البدعة، فعلى كلامِ المنصور بالله لا يُرَجَّحُ المتنزه على المبتدع، لأن الظن مستوٍ، وقد نَصَّ على أن المعتبر هو الظَّنُّ، واختلافُ مرتبتيهما عند الله فيما لا يتعلق بالرواية غيرُ مؤثر، كما أن العالِم والعامي عنده ﵇ سواء عنده في الرواية، وإن اختلفت مراتِبُهما عند الله، وكما نَصَّ ﵇ أن الخارجي أولى بالقبول مِن المتنزه عن هذه البدعة، فهذا على مقتضى عموم قوله. وقد اختلفوا فيما أُخِذَ من عموم كلام العالم: هل يكون تجريحًا؟ فمنهم من قال: ليس بتجريح، وهو قوي، لأن التجريح ما لم يُؤخذ مِن قوله، ومنهم من قال: هو تجريح واختاره السيدُ أبو طالب في كتابه " المجزىء "، وهو تجريح صحيح لا أعلم فيه نزاعًا، والله سبحانه أعلم.
والمختار عندي أن المتنزه من البدعة أولى عند استواء الظنون، وذلك لأنَّ الحجة على قبول العدل المتنزِّه عن البدع أقوى من الحجة على قبولِ المبتدع العدلِ في دينه، والحجج هي الأصولُ، ومدلولاتُها هي
_________________
(١) ساقطة من (ب).
[ ٢ / ٤١٩ ]
الفروع، وإذا كان الأصلُ أقوى، كان الفرعُ أقوى.
فإن قلتَ: إنَّه يلزمُ مِن كون خبر العدل المتنزه أقوى أن الظَّنَّ لصدقه أقوى.
قلتُ: ليس كذلك بل اللازمُ أن الظن للتكليف بقبوله أقوى، فقد يختلِفُ ظَنُّ التكليف وَظَنُّ الصدق، ألا تَرَى أنَّه لو غلب على ظَنِّكَ أن جماعةً من الفساق المصرحين أصدقُ مِن رجل عدل في ظاهره لم يَحِلَّ لك العملُ بالظن الأقوى لما ظننت أن العملَ بغيره هو الذي كلَّفك اللهُ تعالى، فهذا في مخالفة التكليف لِلظَّنِّ الراجح فضلًا عن الشك المستوي الطرفين، ولو أنَّ الشرع ورد برد المبتدع المتأوِّل لم يقبل حديثه، وإن أفاد الظَّنَّ الراجح، لكن الشرع وَرَدَ بقبوله عندنا (١) ورودًا خفيًا يَنْقُصُ عن مرتبة ورودِ الشرع بقبول المتنزِّه عن البدع، فكان أقوى من الظن للتكليف بخبرِ المبتدع، وإن لم يكن أحدُهُما في الظن أقربَ إلى الصدق من الآخر، وهذا في غاية القوة عندي، ولكني لا أعلم أنَّه إجماعٌ كما ذكر السيدُ أيَّدَهُ الله، ولنتكلم بَعْدَ هذَا في إنصافٍ وخصيصتين، فقد كنتُ ذكرت ذلك في بعض تعاليقي في فوائد تَعَلَّقُ بهذا الشأن.
الإنصاف: لا يشك مَنْ أنصف مِن نفسه، وترك العصبية في رأيه أن هذه الأمةَ المرحومة قد تقسَّمَتِ الفضائلَ، وانتدبت كُلُّ طائفةٍ منها لإتقان عمل فاضل.
فأهلُ الأدب أتقنوا الإعرابَ، وَأتَوْا في جميع أنواعه بما يأخذ بمجامع الألباب.
_________________
(١) ساقطة من (ب).
[ ٢ / ٤٢٠ ]
قوله: إذا عرفت هذا فلا يعزب عنك معرفة خصيصتين
الخصيصة الأولى: أن أهل البيت اختصوا من هذه الفضائل
وأهْلُ القراءات حَفِظُوا الحروفَ القرآنية وبيَّنُوا المتواتر والصحيح والشاذ في إعراب الآي السماوية.
وأهلُ الحديث ضَبطُوا الآثارَ والسنن، وأوضحوا أحوالَ الرجال، وبَيَّنُوا العِلَلَ.
والفقهاء أوعبوا الكلامَ على الحوادث، وأفادوا معرفةَ اختلاف الأمة وإجماعها.
وأهلُ الأصول ذَلَّلُوا سُبُل الاجتهاد، ومهَّدوا كيفيةَ الاستنباط.
وكذلِكَ سائرُ أهلِ الفنون المفيدة، والعلومِ النفيسة، وكل أبدع وأجادَ، وأحسن وأفاد، وأكمل ما تعرض له وزاد، وممن ذكر هذا المعنى الإمام المؤيَّد ُ بالله في كتابه في " إثبات النبوات " والشيخ الصالح السهروردي صاحب " عوارف المعارف ".
فإذا عرفتَ هذا، فلا يَعْزُبُ عنك معرفة خصيصتين:
الخصيصةُ الأولى: أنَّ أهل البيت ﵈ اختصوا مِن هذه الفضائل بأشرفِ إقسامها، وأطولِ أعلامها، وذلك لأنهم كانوا على ما كان عليه السلفُ الصالحُ مِن الصحابة والتابعين مِن الاشتغال بجهادِ أعداء الله، وبذلِ النفوسِ في مرضات الله مع الإعراضِ عن زهرة الدنيا، وتركِ المتشابهات (١) والاقتصاد في المأكول والملبوس، والأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر، والقيامِ بالفرائض والنوافل في أفضلِ أوقاتها على أتمِّ هيئاتها، وتلاوةِ القرآن العظيم، والتهجد به آناءَ الليل والنهار، والتحري
_________________
(١) في (ب): المشابهات.
[ ٢ / ٤٢١ ]
والخوفِ من الله تعالى، والدعاءِ إلى الله ﷿ بالحكمة والموعظة الحسنة، وبذلِ النصيحة للناس وتعليمِهم معالِمَ الهدى، والاقتصارِ في العلم على ما اقتصر عليه أهلُ بيتِ رسول الله - ﷺ - وعليهم أجمعين، وعلى ما اقتصر عليه أصحابُه المشهودُ لهم في كتابِ الله بأنَّهم خيرُ أمَّةٍ أُخْرِجَتْ للناس، وعلى ما اقتصر عليه التابعون الذين شَهِدَ لهم رسولُ الله - ﷺ - بأنهم من (١) خيرِ القرون، فإن جميعَ هؤلاء ما تشاغلوا بالإكثارِ من التواليف والتفاريع وجمع الحديث الكثير.
وقد قال العلماء ﵃: إن طريقة السلف أسلمُ وطريقة الخلف أعلم (٢)، والأفضلُ للمسلم الاقتداءُ بالسلف، فإنَّهم كانوا على طريقةٍ قد رآهم عَليها (٣) رسولُ الله - ﷺ - وأقرَّهم عليها، وواللهِ ما يَعْدِلُ السلامة شيء، فنسأل اللهَ السلامة، ولا شكَّ أن عنايَتَهم بعدَ تحصيل ما لا بُدَّ منه من العلم إنما كانت بالجهاد، وافتقادِ العامة، والأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر، والمحافظةِ على أورادهم في التهجد، وقيامِ الليل، ومناقشةِ النفوس وتهذيبها، وذلك أفضلُ مما كان عليه كثيرٌ من المحدثين والفقهاء من الإخلال بكثيرٍ من هذه الفضائل الجليلة، والنعوتِ الجميلة التي وردت نصوصُ الآيات القرآنية في وصف المؤمنين بذكرها، ولم يشتغِل السلفُ الصالحون بغيرها، والذي كانوا عليه أولى مِن الإخلال به بسبب الاشتغال بجمع العلم الزائد على الكفاية، وقد نَصَّ الإمامُ المنصور بالله ﵇ على مثل هذا الكلام في كتاب " المهذب "، واحتج
_________________
(١) ساقطة من (ب) و(ج).
(٢) قالوا هذه الكلمة في صفات الله وبشيء من التبصر يتبين أن طريقة السلف أسلم وأعلم وأحكم كما هو مسطور في مقدمة " أقاويل الثقات ".
(٣) تحرفت في (ب) إلى: رآها عليهم.
[ ٢ / ٤٢٢ ]
بفعلِ رسول الله - ﷺ - وفعل السلف الصالح، وللهِ دَرُّهُ ما أحسنَ استخراجه للفوائد من أفعال السلف الصالح وأحوالِهم ﵃.
ولقد كان الواحدُ مِن جلَّةِ الصحابة لا يروي إلا مئتي حديث أو ثلاث مئة حديث، بل أكثرُهُم لا يُجاوز روايتهم هذا إلا بالقليل (١)، وكثيرٌ منهم يروي أقلَّ مِن هذا بكثيرٍ، ولم يتَّسِعْ منهم في الرواية مثلُ أبي هريرة، وعائشةَ، وعبدِ الله بن عمرو بن العاص، وقد انحصرت روايةُ المحدثين عن علي ﵇ في خمس مئة حديث وستة وثمانين حديثًا (٢)، ورواية أهلِ البيت ﵈ لا تزيدُ على ذلك (٣) فيما أحْسِبُ، فإن أحاديثَ مجموع زيدِ بنِ علي (٤)، وأحاديثَ الجامعين للهادي ﵇ لا يستند منها إلى علي ﵇ أكثر من هذا القدر فيما أحسب، والله تعالى أعلم.
وقد روى سفيان الثوري عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن علي ﵇ أنَّه قال: ما كتبنا عن رسول الله - ﷺ - إلا القرآنَ وما في
_________________
(١) في (ب): بقليل.
(٢) عدة ما في " مسند أحمد " من مرويات أمير المؤمنين علي ﵁ (٨١٩) حديثًا بالمكرر.
(٣) في (ب): هذا.
(٤) وقد شكك أهل العلم في صحة نسبته إلى الإمام زيد ﵇، لأنَّه من رواية أبي خالد عمرو بن خالد الواسطي، وهو كذاب وضاع عند الأئمة المرجوع إليهم في هذا الفن، كما في " التهذيب " ٨/ ٢٧، و" الميزان " ٣/ ٢٥٧ - ٢٥٨، على أنَّه مشتمل على أحاديث موضوعة لا تصح نسبتها إلى رسول الله - ﷺ -، وعلى أقاويل للإمام علي لم تثبت عنه، ولو كان للإمام زيد لاشتهر وعرف من طريق تلامذته الكثيرين، ولما انفرد بروايته كذاب لا يوثق به. وهذه الطعون على وجاهتها قد تولى الإجابة عنها الشيخ أبو زهرة -﵀- في كتابه " الإمام زيد " ص ٢٣٣ - ٢٥٨ فراجعه لزامًا.
[ ٢ / ٤٢٣ ]
هذه الصحيفة (١). فهذا مع أنَّه ﵇ بحرُ العلم الزخار، والمخصوص به (٢) من بين الصحابة الأخيار، فلم (٣) يشتغِل بنشر علمه وكتابته وتأليفه والتدريس فيه مع فراغه في أيامِ الخُلَفَاءِ الثلاثة، بل اشتغل بما كانوا عليه في زمان رسولِ الله - ﷺ - مِن التلاوة والعبادة، ومراقبة النفوس، وخشونة العيش، وخشونة الملبس كما ذلك معروفٌ من سيرته ﵇ وما ذلك إِلا إيثارًا لترك ما يزيدُ على الكفاية من العلم، وكراهةِ دعاء الناس إلى ما لا يحتاجون إليه في أمرِ الدين، واقتداءً برسول الله -ﷺ - حين أقام عشرَ سنين قبلَ الهجرة، وقبل الشغل بالجهاد، ومعه أصحابُه من السابقين الأولين، فلم يشتغل ﵇ في تلك المدة بغير التلاوة، وملازمة الذكر، ولم يأمُرْ مَنْ آمن به بأكثرَ من ذلك، ولم يُلزمهم بعد معرفة ما يجب عليهم معرفتُه من أمر الإِسلام بالتدرب في النظر والمناظرة، ولا بتقدير الحوادث، وتقدير سائل يسأل عنها، وتحرير الجواب عنه متى سأل عنها ونحو ذلك مما اشتغل به المتأخرون عما كان عليه المتقدمون، بل صحَّ عنه صلوات الله عليه النهي عن السُّؤال عن (٤) الحرام حتى ينص عليه، وفي الحديث الصحيح " إنَّما أهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُم كَثْرةُ مَسَائِلِهِم واختلافهم على أنْبِيَائِهِم " (٥)، وقد قيل: إنَّه (٦) السؤال المذمُومُ في النهي عن كثرة القيلِ والقالِ بكثرة السؤال بقرينة تخصيص النهي بالكثرة.
ومثلُ حالِ عليٍّ ﵇ كانت أحوالُ أهلِ بيته ﵈
_________________
(١) تقدم تخريجه في الجزء الأول الصفحة ٢٤١.
(٢) ساقطة من (ب).
(٣) في (ب): ولم.
(٤) " عن " لم ترد في (ب).
(٥) تقدم تخريجه في الجزء الأول الصفحة ٢١٩.
(٦) في (ب): إن.
[ ٢ / ٤٢٤ ]
كالحسنين، وزينِ العابدين، والباقرِ، والصادقِ وسائرِ مَنْ عاصرهم لم يكتب أحدٌ منهم في علم الحديث عشرةَ أجزاء ولا نصف ذلك ولا ما يُقاربه، وليست الدرجاتُ العلية تُنَالُ في الآخرة بكثرةِ الرواية، وسَعَةِ الحفظ، وجمع الطُّرُقِ والأجزاء، وضبط مشكلات الأسماء مع إهمال ما هُوَ أهَمُّ مِن هذَا (١) من أمورِ الدين وصلاحِ المسلمين، وقد صحَّ عن رسول الله - ﷺ - أنه ذكر أويسًا القَرني: " أنَّه يشفع في مثل ربيعة ومضر " (٢) وجاء في فضله ما لم يحضرني الآنَ مع أن بعضُ أهل الحديث من أهل الحفظ الواسع، والاطلاعِ التام على معرفة الرِّجال ذكر أنَّه لم يُرو عن أويس حديثٌ قَطُّ، ولقد كان السلفُ يقِلُّونَ الرواية جدًا، فعن أبي عمرو الشيباني (٣) قال: كنت أجلس إلى ابنِ مسعود حولًا لا يقولُ: قال رسولُ الله - ﷺ -، فإذا قال: قال رسولُ الله - ﷺ - استقلَّته الرِّعْدَة، وقال: هكذا أو نحو هذا أو هذَا، مع أنَّ ابنَ مسعود كان من أوعية العلم، وأعيانِ علماء
_________________
(١) " من هذا " ساقط من (ب).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في " المصنف " ١٢/ ١٥٣، والحاكم في " المستدرك " ٣/ ٤٠٥ من طريقين عن هشام، عن الحسن قال: قال رسول الله - ﷺ -: ، فذكره، وإسناده ضعيف لإرساله. وقد روى مسلم في " صحيحه " (٢٥٤٢) من حديث عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: " إن رجلًا يأتيكم من اليمن يُقال له: أويس، لا يدع باليمن غير أم له، قد كان به بياض، فدعا الله، فأذهبه عنه. إلاَّ موضع الدينار أو الدرهم، فمن لقيه منكم فليستغفر لكم " وفي رواية: " إنَّ خير التابعين رجل يقال له: أويس، وله والدة، وكان به بياض، فمروه فليستغفر لكم " وزادَ في رواية: " لو أقسم على الله لأبرَّه " وقد ترجمَ له الذهبي في " السير " ٤/رقم الترجمة (٥)، فقال: هو القدوة الزاهد، سيد التابعين في زمانه، أبو عمرو أويس بن عامر بن جزء بن مالك القرني المرادي اليماني، وقرن: بطن من مراد، وفد على عمر، وروى قليلًا عنه، وعن علي. روى عنه يُسَيْرُ بن عمرو، وعبدُ الرحمن بن أبي ليلى، وأبو عبد رب الدمشقي وغيرهم حكاياتٍ يسيرة، ما روى شيئًا مسندًا، ولا تهيأ أن يحكم عليه بلين، وقد كان من أولياء الله المتّقين، ومن عباده المخلصين.
(٣) واسمه سعد بن إياس، مجمع على ثقته، أخرج حديثه الجماعة.
[ ٢ / ٤٢٥ ]
الصحابة وأجل الأصحاب والتلامذة، فلم تَزِدْ مروياتُهُ على ثمانِ مئة حديث وثمانية وأربعين حديثًا (١).
وكذلك أضرابُه من السابقين الأولين ونبلاء الأنصار والمهاجرين.
هذا أبو ذر الغِفاري الذي ما أظلَّتِ الخضراءُ أصدقَ لهجةً منه (٢) روى مئتي حديثٍ وثمانين حديثًا.
وهذا سلمان الفارسي الذي قال فيه علي ﵇: " إنَّه أدرك العلمَ الأولَ والعلمَ الثاني " (٣) روى ستين حديثًا.
وهذا أبو عبيدة بن الجراح أمينُ الأمة (٤) روى أربعة عشر حديثًا.
وأمثال هؤلاء السادة النجباء، والأعلام العلماء الذين نَصَّ المصطفى ﵇ على أنَّ غيرَهم: " لو أنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًَا ما بَلَغَ مُدَّ أحَدِهم ولا نَصِيفَهُ " (٥).
ولقد روى أبو أسامة عن سفيان الثوري أحدِ أقطابِ الحديث التي تدور رحاه عليها أنَّه قال: ليس طلبُ الحديثِ مِن عِدَّةِ الموتِ، لكنه عِلْمٌ يتشاغلُ به الرجلُ (٦).
_________________
(١) عدة ما في " المسند " من الأحاديث التي رواها ابن مسعود (١٠٩٩) حديثًا بالمكرر.
(٢) حديث قوي بشواهده. انظر تخريجه في " السير " ٢/ ٥٩ في ترجمة أبي ذر جندب ابن جنادة ﵁.
(٣) ذكره الإمام الذهبي في " السير " ١/ ٥٤٣ في ترجمة سلمان ﵁، وذكرت هناك أنَّه مخرج في " طبقات ابن سعد " ٤/ ١/٦١، و" حلية الأولياء " ١/ ١٨٧.
(٤) ثبث ذلك من وجوه عن أنس ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: " إن لكل أمة أمينًا، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح " وانظر تخريجه في " السير " ١/ ٩ في ترجمة أبي عبيدة.
(٥) صحيح، وهو مخرج في الجزء الأول الصفحة ١٨٠.
(٦) أورده الإمام الذهبي في " السير " ٧/ ٢٥٥ في ترجمة سفيان، وقال بإثره: قلت: =
[ ٢ / ٤٢٦ ]
قال بعضُ حفاط الحديث: صدق -واللهِ- سفيانُ، فإن طلبَ الحديث شيء غيرُ الحديث، وطلب الحديث اسمٌ عرفي لأمورٍ زائدة على تحصيل ماهية الحديثِ، وكثيرٌ منها مَرَاقٍ إلى العلم، وأكثرُها أمور يَشْغَف بها المحدِّثُ من تحصيل النُّسَخِ المَلِيحَةِ، وتطلُّبِ العالي، وتكثيرِ الشيوخ، والفرحِ بالألقاب والثناء، وتمنِّي العمر الطويل ليروي، وحبّ التفرد إلى أمور عديدة لازمة للأغراض النفسانية لا للأعمال الرّبّانيّة، فإن كان طلبُ الحديث النبوي محفوفًا بهذه الآفات، فمتى خلاصُك منها إلى الإخلاص؟، ومتى كان علم الآثار مدخولًا، فما ظَنُّك بعلم المنطقِ والجَدَلِ وحكمة الأوائلِ التي تَسْلُبُ الإيمانَ، وتورِث الشُّكُوكَ والحَيْرَةَ. انتهى (١).
قلتُ: فالذي اشتغل به أهلُ البيت ﵈ هو الذي روي فيه عن رسول الله - ﷺ - أنَّه قال: " العِلْم ثَلَاثةٌ، وَمَا سِوى ذلِكَ، فَهوَ فَضْلٌ: آيَة مُحْكَمَة، وَسُنَّةٌ قَائمَةٌ، أوْ فَرِيْضَةٌ عَادِلَة " رواه أبو داود في سننه (٢) وهذا هو
_________________
(١) = يقول هذا مع قوله للخريبي: ليس شيء أنفع للنَّاس من الحديث! وقال أبو داود: سمعت الثوري يقول: ما أخاف على شيء أن يُدخلني النار إلاَّ الحديث، وعن سفيان قال: وددتُ أني قرأت القرآن، ووقفت عنده لم أتجاوزه إلى غيره، وعن سفيان قال: وددت أن علمي نسخ من صدري، ألستُ أريد أن أسأل غدًا عن كل حديث رويته: أيشٍ أردت به؟ قال يحيى القطان: كان الثوري قد غلبت عليه شهوة الحديث، ما أخاف عليه إلاَّ من حبه للحديث. قلت (القائل الذهبي): حب ذات الحديث، والعمل به لله مطلوب من زاد المعاد، وحب روايته وعواليه والتكثر بمعرفته وفهمه مذموم مخوف، فهو الذي خاف منه سفيان والقطان وأهل المراقبة، فإن كثيرًا من ذلك وبال على المحدث. وانظر " شرف أصحاب الحديث " ص ١٢٣ - ١٤٠.
(٢) وانظر ما قاله الإمام الذهبي في " زغل العلم " ص ٢٧ - ٣٣.
(٣) (٢٨٨٥)، ورواه ابن ماجة (٥٤)، والحاكم ٤/ ٣٣٢ من حديث عبد الله بن عمرو، وفي سنده عندهم عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي، وعبد الرحمن بن رافع، وهما ضعيفان.
[ ٢ / ٤٢٧ ]
العلم الذي لا ينبغي لأحدٍ أن يشتغل بعدَهَ بغيره عن الجهاد والأمرِ بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأمثالِ ذلك مما نطقت بالحثِّ عليه الآياتُ القرآنية، والآثارُ النبوية، فإنه ليس في القرآن مِن الأمرِ بطلب العلم الزائدِ على الكفاية مثل ما فيه مِن الثناء على الخاشعين في الصلاة، المعرضين عن اللغو، الصابرين في البأساء والضراء وحين البأس الذين إذا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلوبُهم، وإذا سَمِعُوا وعيدَه اقشعرَّتْ جلودُهم، وكذلك الحديثُ فإن في " الصحيحين " والسُّننِ الثلاث و" المُوطأ " ثمانيةً وستين حديثًا في الحثِّ على الجهادِ، وفيها في الحث على طلب العِلْمِ ثمانية أحاديث، وذلك يدل على أن أمرَ الجهاد بعد تحصيل ما لا بُدَّ منه من العلم أهمُّ أمورِ الدين. فانظر بعين الإنصاف إلى أئمة العِترة الطاهرة، ونجومِ العلم الزاهرة كيف سَلِمَتْ علومُهم مِن كُلِّ شينٍ، وخَلَصَتْ مِنْ كل عيب، ولم يَشبْ تصانِيفَهم شيءٌ مِن غُلُوِّ (١) المتكلمين، ولا حَطَّ مِن قدر شيعتهم المتعبدين شيءٌ مِن بدع المتصوفين، ولا ظهر في أدلتهم على مذاهبهم شيءٌ مِن تكلف المتعصبين، ولا استمالَتْهُم عَن المِنهاج السَّوِيِّ شُبَهُ المشبِّهين، تنزَّهُوا عن غلو الإماميةِ الجُهَّالِ، وعَمَايَةِ النَّواصِبِ الضُّلال، وهَفَواتِ أهلِ الحديث والاعتزالِ، فهم النُّمْرُقَة الوسطى، والمَحَجَّةُ البَيْضَاءُ، والحُجَّةُ الغراء، وسفينةُ النجاة، والعِصْمَةُ مِن الأهواء (٢) بعدَ أبيهم المصطفى - ﷺ - وعليهم أجمعين.
تكميل: من حَصَّل ما فيه كفايةٌ مِن العلم، ولم يتشاغل بما كان عليه السَّلَفُ الصالح من الجهاد وإصلاحِ أمر المسلمين، فالأولى له
_________________
(١) في (ش) علوم.
(٢) هذا غلو في المدح وتجاوز في الإطراء لا عهد لنا بمثله عند المصنف.
[ ٢ / ٤٢٨ ]
الخصيصة الثانية: تقديم كلام أهل كل فن على كلام غيرهم في ذلك الفن الذي اختصوا به
الاشتغالُ بالعلم، ولا يتوغُّل إلاَّ في علومِ الكتاب والسنّة، وأخبارِ الصحابة، والنحو والمعاني واللغة، وأصولِ الفقه واللغة (١) ونحوِها مما يُؤمَنُ الخَطَرُ مع التوغُّلِ فيه، ويقطع بالسلامة في النَّظَرِ في دقائق معانيه.
الخصيصة الثانية: تقديمُ كلامِ أهل كُلِّ فَنٍّ على كلام غيرهم في ذلك الفن الذي اختصُّوا به، وقطعُوا أعمارَهم فيه، فإنَّك متى نظرتَ وأنصفتَ، وجدتَ لِكُلِّ أهل فَنٍّ من المعرفةِ به، والضبطِ له، والتسهيل لجمع مسائِله، والتقييدِ لشوارد فوائِده، والإِحاطةِ بغرائبه، والتذليل لما يَصْعُبُ على طالبه ما لم يُشاركْهُمْ فيه غيرُهم ممن هو أفضل منهم مِن أئمة الدين، وكُبراء المسلمين، ألا ترى أنَّه ليس لأِحَدٍ من أئمة العِترة وأئمة الفقهاء في اللغة ما لِلجوهري، والأصْمعي، وأبي عبيدة وأضرابهم، ولا في الإعراب مِثل ما لسيبويه، والكِسائي وأصحابِهما ولا في المعاني والبيان مثل ما لِلسَّكاكي، وعبدِ القاهر وأضرابِهما، ولا في غريبِ الحديث مثل " فائق الزمخشري "، و" نهاية ابنِ الأثير "، ولا في علم الحروف مثل " الشاطبية " و" شروحها " ولا في لطائف المعاني القرآنية مثل " الكشاف " و" البحر المحيط " و" جامع القرطبي "، ولا في المختلِف والمؤتلِف في ضبط أسماء الرُّواة مثل " الإكمال " للأمير ابن ماكولا، ولا في تاريخ الزمان مثل " تاريخ محمد بن جرير الطبري "، وعز الدين بن الأثير، ولا في تاريخ الرجال مثل " تهذيب " أبي الحجَّاح المِزِّي، وكتاب " الفلكي " (٢)، ولا
_________________
(١) ساقطة من (ب).
(٢) أورد الذهبي في " السير " ١٧/ ٥٠٢، فقال: الحافط الأوحد، أبو الفضل علي بن الحسين بن أحممد بن الحسين الهمداني، عُرِف بالفلكي، قال شيرويه: سمع عامة مشايخ همذان، والعراق، وخراسان. حدث عن ابن رزقويه، وأبي الحسين بن بشران، والقاضي أبي =
[ ٢ / ٤٢٩ ]
في معرفة الأيام النبوية مثل ابنِ إسحاق، وابنِ هشام، والواقدِي ولا في معرفةِ أخبارِ الصحابة وأحوالِ السَّلَفِ مثل " الاستيعابِ " لأبي عُمَرَ بنِ عبد البر، و" أُسْدِ الغابة " لابن الأثير، ولا في أصولِ الفقه مثل " معتمد أبي الحسين "، و" محصولِ الرازي " على دواهي في غُضون فوائده، ولا في إعرابِ القرآن المجيد مثل " المُجيد " (١) إلى أضعافِ هذه المؤلفات مما يُقاربها، أو يساويها، أو يزيد في الإجادة والإفادة عليها.
فإذا تحققتَ أنَّ المرجعَ في علوم القرآن الكريم قراءته وإعرابِه.
ولغتِه، ومعانيه ودقائقِه، وشروحِ قصصه إلى غيرِ أئمة أهلِ الدين المتبوعين المقلَّدين مِن أهل البيت ﵈، وأئمة الفقهاء ﵃، وعَرَفْتَ أنَّك لو اقتصرتَ على مؤلفاتِ أئمة العِترة، وأئمة الفقهاء لما وجَدْتَ فيها من التحقيق ما يُوازي تحقيقَ أولئك المصنفين الذين لا يُوازِنُونَ أئمة العِترة فضلًا وأثرًا في الدين، فإن ابن الأثير الوزير لا يُوازي يحيى بنَ الحسين الهادي إلى الحق ﵇ في ورعه وعلمه وجهاده وتقواه، ودعائه للعباد إلى الله، وإن لم يكن له ﵇ مُصَنَّفٌ في غريب الحديث والأثر مثل " النهاية "، لأنَّه اشتغل بما هو أَهَمُّ مِن ذلك، وكذلك
_________________
(١) = بكر الحيري. وكان حافظًا متقنًا يحسن هذا الشأن جيدًا جيدًا، صنف الكتب، منها الطبقات الملقب بـ " المنتهى في معرفة الرجال " في ألف جزء. قلت: وسماه في " العبر ": " المنتهى في الكمال في معرفة الرِّجال "، وفي " الأنساب " و" طبقات الإسنوي " و" كشف الظنون ": " منتهى الكمال في معرفة الرجال " مات في نيسابور سنة سبع وعشرين وأربع مئة كهلًا.
(٢) لمؤلفه العلاّمة المتفنن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن أبي القاسم السَّفَاقُسي المالكي المتوفى سنة (٧٤٢) هـ، وهو من أجل كتب الأعاريب وأكثرها فائدة، جرده من " البحر المحيط " لأبي حيان، وفي المكتبة الظاهرية بدمشق المحروسة مجلد نفيس منه. مترجم في " الدرر الكامنة " ١/ ٥٥ - ٥٦، و" الوافي بالوفيات " ٦/ ١٣٨ - ١٣٩، و" بغية الوعاة " ١/ ٤٢٥، و" الديباج المذهب " ١/ ٢٧٩.
[ ٢ / ٤٣٠ ]
أئمةُ الفقهاء، فإنه ليس للشافعي ولا غيره في غريب الحديث مثل " النهاية " ولا ما يُدانيها مع أنَّه أعلمُ مِن ابن الأثير، وأفضلُ، وأورعُ، وأنبلُ.
فإذا عرفتَ أن المرجعَ بالمعرفة التامة في الفنون العلمية إلى أهلها، المختصِّين بمعرفتها (١)، المنقطعين في تحقيقها، المستغرقين في تجويدِها، المشغولين بها عن غيرها، المصنِّفين فيها الكُتُبَ الحافِلَة، والتواليفَ الممتعة، وكذلك، فتحقق أيضًا أنَّ المرجعَ في معرفة الحديثِ صحيحهِ وموضوعهِ، وموصولِه ومقطوعِه، وموقوفِه ومرفوعه، ومُدْرَجِه ومُعْضَلِهِ، ومُسْندِه ومرسَلِه، ومقلوبِه ومُعَلَلِه، ومضطرِباته وبلاغاته، وشواهده ومتابعاته، وتواريخِ رجالهِ وأحوالهم، والكلامِ في جرحهم وتعديلهِم وتضعيفِهم وتليينهم إلى غير ذلك مِن علومه الغزيرة، وفوائِدِه العزيزَةِ هو إلى علماءِ الحديث الذين قطعُوا أعمارَهم في الرِّحْلَةِ إلى أقطارِ الدنيا لجمع شوارِدِه، ولقاء مشايخه حتى أخذ الواحِدُ منهم عن ألوفٍ من الشيوخ، وبلغ الحافظ منهم ما لا تكاد تحتملُه العقولُ، هذا السَّمعانيُّ (٢) كانَ له سبعة آلاف شيخ، وهذا البخاريُّ كان يحفظ ثلاث مئةِ ألفِ حديثٍ (٣).
_________________
(١) في (ب): بها.
(٢) هو الإمام الحافظ الكبير الأوحد الثقة محدِّث خراسان، أبو سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور السمعاني المروزي، صاحب " الأنساب " وغيره من المصنفات الكثيرة المتوفَّى سنة ٥٦٢ هـ. وذكر ابن خلِّكان وغيره أن عدد شيوخه يزيد على أربعة آلاف، وقال ابن النجار: سمعت من يذكر أن عدد شيوخ أبي سعد سبعة آلاف، وهذا غير بعيد إذا كان كل من حكى عنه حكاية يُعدُّ شيخًا له. وكتابه " التحبير"، وهو في معجم شيوحه، قد طبع في بغداد سنة ١٩٧٥ م في مجلدين بتحقيق منيرة ناجي سالم، وقد اشتمل على (١١٩٣) ترجمة.
(٣) أورده الإمام الذهبي في " السير " ١٢/ ٤١٥ في ترجمة محمد بن إسماعيل من طريق محمد القومسي عن محمد بن خميرويه، سمعت محمد بن إسماعيل يقول: أحفظ مئة ألف حديث صحيح ومئتي ألف حديث غير صحيح.
[ ٢ / ٤٣١ ]
ولقد قال ابن المديني: ما نعلمُ أحدًَا من لدن آدمَ كَتَبَ مِن الحديث ما كتب يحيى بنُ معين.
وقال يحيى بن معين: كتبتُ بيدي ألفَ ألفِ حديثٍ.
وقد ذكر السَّيِّد الإمام المؤيَّدُ بالله ﵇ في كتابه " إثبات النبوات " من الثناء على المحدِّثين بتجويد المعرفة والإتقان للحديث ما يشهد بما ذكرتُه وبمعرفته ﵇ بمحلهم المُنيف، وأن المعوَّلَ عليهم في هذا العلم الشريف، وذكر أخوه السَّيِّد الإمامُ أبو طالبٍ ﵇ في " شرح البالغ المدرك " أن أحمد بن حنبل كان يحفظ خمسَ مئةِ ألف حديث (١).
وكذلك عَمِلَ هذان السيدان الإمامان بمقتضى ذلك، فأخذا الحديثَ عن أئمته النحارير، وحُفاظه المشاهير، كما هو مشهور معروف (٢) عنهما في أسانيدِهما عنهم في كتابيهما الحافِلَيْنِ " شرح التجريد " للمؤيد و" شرح التحرير " لأبي طالب، وكذلك في " أمالي " السيد أبي طالب، وقد أكثر المويَّدُ من الرواية عن الحافظ ابن المقرىء، وأبو طالب عن الحافظِ ابن عَدِي، وما زال الإنصافُ شِعَار كُلِّ فاضلٍ ومجوِّدٍ، وسجيةَ كُلِّ عارف ومحقق.
قال أبو داود الخفافُ: أملى علينا إسحاقُ بنُ راهويه مِن حفظه أحدَ
_________________
(١) ونقل الإمام الذهبي في " السير " ١١/ ١٨٧ في ترجمة الإمام أحمد قول أبي زرعة لعبد الله بن أحمد: أبوك يحفظ ألف ألف حديث، فقيل له: ما يدريك؟ قال: ذاكرته، فأخدت عليه الأبواب. قال الذهبي بإثره: فهذه حكاية صحيحة في سعة علم أبي عبد الله، وكانوا يعدون في ذلك المكرر، والأثر، وفتوى التابعي، وما فسّر، ونحو ذلك، وإلاَّ فالمتون المرفوعة القوية لا تبلغ عشر معشار ذلك.
(٢) في (ب): معروف مشهور.
[ ٢ / ٤٣٢ ]
عشر ألفَ حديثِ، ثم قرأها علينا، فما زاد حرفًا، ولا نَقصَ حرفًا (١) وحتى إن الذُّهلي (٢) طلب هذا الشأنَ في الحرمَيْنِ والشام، ومصر، والعراق والرّي، وخُراسان، واليمن، والجزيرة.
وحتَّى قال ابنُ المؤمَّل في حق الفضل الشعراني (٣): كنا نقول: ما بقي بَلَدٌ لم يدخله الفضلُ الشعراني في طلب الحديث (٤) إلاَّ الأندلسَ، إلى ما لا يُحصى من أمثالِ ذلك.
وكم عسى أن يذْكُرَ الذَّاكِرُ، أو يُحصيَ الحاسِبُ، وقد جمع الفلكيُّ (٥) في معرفة رجال الحديث ألفَ جُزء، وجمع أبو الحجَّاج المِزِّي في معرفة رجال " الصحيحين " و" السنن " الأربع مئتين وخمسين جُزْءًا تشتمل على التعريف بما لهم مِن العناية في حِفظه وضبطه، وجمعه وإتقانه.
_________________
(١) أوردها بأطول مما هنا الذهبي في " السير " ١١/ ٣٧٣ في ترجمة إسحاق بن راهويه. وقال الذهبي بعد أن أورد غيرَ ما خبرٍ ينبىء عن واسع حفظه: قد كان مع حفظه إمامًا في التفسير، رأسًا في الفقه، من أئمة الاجتهاد.
(٢) هو محمد بن يحيى بن خالد بن فارس بن ذؤيب، الإمام العلاّمة الحافظ البارع شيخ الإسلام، وعالم أهل المشرق، وإمام أهل الحديث بخراسان، أبو عبد الله الذهلي مولاهم النيسابوري المتوفى ٢٥٨ هـ. وللإمام البخاري معه كائنه في مسألة اللفظ، بسطها الإمام الذهبي في " السير " في ترجمة محمد بن إسماعيل ١٢/ ٤٥٣ - ٤٦٣.
(٣) هو الإمام الحافظ المحدّث الجوال المكثر، أبو محمد الفضل بن محمد بن المسيب ابن موسى بن زهير بن يزيد الخراساني النيسابوري الشعراني، عُرف بذلك لكونه كان يرسل شعره، المتوفى سنة ٢٨٢ هـ، قال الحاكم: لم أرَ خلافًا بين الأئمة الذين سمعوا منه في ثقته وصدقه، رضوان الله عليه، والخبر الذي ذكره المؤلف أورده الإمام الذهبي في " السير" ١٣/ ٣١٩ في ترجمته.
(٤) " طلب الحديث " ساقط من (ب).
(٥) تقدم التعريف به في الصفحة ٤٢٩ ت ٢.
[ ٢ / ٤٣٣ ]
فإذا عرفتَ هذا، قلا تعتقد أن تفضيلَ أئمة العِترة ﵈، وأئمة الفقهاء ﵃ يمنع مِن القول بأنَّ أَهْلَ الحديثِ أكثرُ ضبطًا للحديث، وكشفًا للمشكل، وتمييزًا للصحيح من الضعيفِ، وفصلًا للمشهورِ عن الغريب، فكما كان المرجعُ في القرآن حروفًا وإعرابًا ونحوًا ولغة إلى القراء والنحاة واللغويين، ولم يقتضِ ذلك تفضيلًا لهم على الأئمة والفقهاء، فكذلك المرجعُ في علوم الحديثِ إلى المحدّثين وإن كانوا في الفضل عن درجةِ العِترة ناقصين، وليس ذلك لِقلةٍ في علوم العِترة ﵈، ولكن لأنَّهم لم يشتغلوا بالتصنيف إيثارًا لما هو أَهَمُّ منه من الجهادِ، وإصلاحِ أمورِ العامة، وكذلك أئمة (١) الفقهاء، فإنَّهم اشتغلوا بما هُوَ أَهَمُّ مِن ذلك من معرفة الحلال والحرام، وتعليمِ الناس وإفتائهم، ولهذا فإنَّ مسندَ الشافعي غيرُ معتمد عند الشافعية لِقلة حديثه، واشتماله على كثيرٍ من الأحاديثِ الواهيةِ والأسانيدِ الضعيفة، وكذلك مسندُ أبي حنيفة (٢).
وقال الزمخشري (٣) في تفسيرِ قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُم اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤]: إن فائده قوله تعالى: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ أن يكونَ من يُعَلِّمُ الجوارح تحريرًا في علمه، مُدَرَّبًا فيه، موصوفًا بالتكليب (٤)، وفيه فائدةٌ جليلة، وهو أن على كُلِّ آخِذٍ علمًا أن
_________________
(١) ساقطة من (ج).
(٢) هذا ذهول عجيب من المؤلف ﵀، فالشافعية والحنفية يعتمدون ما في المسندين، وينقلون عنهما، ويحتجّون بما فيهما إن صحَّ السند إلى النبي - ﷺ -. وكتب التخريج من كلا المذهبين خير شاهد على ذلك.
(٣) " الكشاف " ١/ ٥٩٤.
(٤) في (ب): بالكلب.
[ ٢ / ٤٣٤ ]
لا يأخُذَه إلَّا مِنْ أقتل (١) أهلِه علمًا، وأنحرهم دِراية، وأغوصِهم على لطائفه وحقائقه، وإن احتاج إلى أن يَضْرِبَ إليه أكبادَ الإبل، فكم آخذٍ عن غيرِ متقن قد ضيَّع أيامَه، وعضَّ عند لقاء النحارير أنامله. انتهى.
وللزمخشري أيضًا كلام، مشهور، في الاعتراف بالقصور في علم الرواية، كتبه إلى الحافظ السَّلَفي (٢)، وقد طلب السِّلَفِي (٢) منه الإِجازة، وفيه أن روايتَه حديثةُ الميلاد، ضعيفةُ الإسناد، وهو كلامٌ بليغ مشهور عن نصِّ الزمخشري ﵀، ولم يَشِنْهُ لِما فيه من الإنصافِ، ولولا خوفُ التطويل لذكرتُه بطوله (٣)، وفيه أكبرُ شهادةٍ لوجوب الرجوع إلى أئمةِ الحديث في علمهم.
وقد أجمعت الأمةُ على الرجوع إلى تصانيفِ أهلِ الفنون، فنجِدُ العلماءَ يرجعونَ إلى " صحاح " الجوهري في تفسير الألفاظ اللغوية، والنحاة يرجعون إلى تصانيف أهلِ العربية، والقُرَّاء يرجعون إلى " الشاطبية " ونحوها من غير نكيرٍ في ذلك، فمن أراد قراءةَ المنطق، وقرأ في كتب الفلاسفة، لم يُتَّهَمْ بالخروج من الإِسلام، ومن (٤) قرأ في العربية واعتمد على تواليف طاهرٍ وابنِ الحاجِب، لم يُتَّهَمْ برأي الأشاعرة.
ولهذا أيضًا فإنَّ السيدين المؤيَّد وأبا طالب ﵉ درسًا على أبي العباس فِقه العِترة، ودرسًا على المعتزلة ما يختصُّون بتجويده مِن علم
_________________
(١) تحرفت في (ب) إلى: قبل، وفي (ش) من قبل أجلّ.
(٢) لقد وهم المؤلف وهمًا مبينًا، فكتب " السمعاني " في الموضعين، والصواب ما أثبت، كما في " وفيات الأعيان " ٥/ ١٧٠ - ١٧١، و" معجم الأدباء " ١٩/ ١٣٢ - ١٣٣، و" أزهار الرياض " ٣/ ٢٨٣ - ٢٨٩. والسلفي: هو الإِمام العلاّمة المحدث الحافظ المفتي المعمَّر أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد الأصبهاني الجَرواني المتوفَّى سنة ٥٧٦ هـ. مترجم في " السير" ٢١/ ٥ - ٣٩.
(٣) انظره في الموارد المتقدمة.
(٤) في (ب): فمن.
[ ٢ / ٤٣٥ ]
الكلام والأصول، ورويا الحديثَ عن أئمة المخالفين في الاعتقاد وقد أوضحتُ ذلك في غير هذا الموضع، وهو بَيِّنٌ في " أمالي " السَّيِّد أبي طالب، و" شرح التجريد " للمؤيد، وأكبرُ شيوخ أبي طالب ابنُ عدي صاحب كتاب " الكامل " في الجرح والتعديل، وأكبرُ شيوخ المؤيد ابنُ (١) المقرىء، وكلا هذين الشيخين على مذهب المحدثين في الاعتقاد، وإنما أهْلُ الحديثِ كَقُرَّاءِ كتابِ الله أوعيةٌ لعلم السمع، خلقهم اللهُ تعالى لحفظه، وحَبّبَ إليهم ضبطَه، كما حَفِظَ كُلَّ نوع كل من العلوم، ومصالِح الدين والدنيا بقومٍ خلقهم له، ولا يَضُرُّ الحديث غلطُ حملتِهِ في العقائد كما لا يَضُرُّ القرآنَ غلطُ القراء في ذلك، فإنما هُمْ أوعيةٌ والعيبُ المختص بالوعاء لا يسوي إلى المحفوظ فيه من الأُمور النفيسة، فإن الكاغدَ والجلدَ أوعيةُ القرآن والسنن، وقد يكونُ فيها الغاليَ والرخيصَ، والسالمَ مِن العيوب والمعيب، وكثرةُ المحبة للقدح في حَملَةِ العلم النبوي والولع بذلك مِن سوء الأدب مع رسول الله - ﷺ -، فإن ذلك يكونُ وسيلةً إلى بُطلان حديثِهِ - ﷺ -، لأنَّه إذا بَطَلَ حديثُ أهلِ العِنايةِ بالحديثِ، فحديثُ غيرهم أبطلُ، كما أنَّه إذا قُدِحَ في حفظ النحاة واللغويين للعربية، كان قدحًا فيها مطلقًا، إذ لا يُرجى لها طريقٌ غيرُ طريقهم، ومن هنا قال الحاكمُ أبو عبد الله مُحِبٌّ أهلِ البيت، ورأسُ التشيع في عصره، فقال في خطبة كتابه " علوم الحديث " (٢) ما لفظه: ليس شيء أثقلَ على أهل الإلحاد، ولا أبغضَ إليهم مِن سماع الحديث وَمِنْ روايته بإسناده، وعلى هذا عَهِدْنا (٣) في أسفارنا وأوطاننا كُلَّ من يُنْسَبُ إلى نوعٍ من الإلحاد والبِدَعِ
_________________
(١) ساقطة من (ب)، وفي (ج) و(ش): اسمه محمد بن إبراهيم بن المقرىء.
(٢) ص ٤.
(٣) في (ب): شهدنا.
[ ٢ / ٤٣٦ ]
لاَ ينْظُرُ إلى الطائفة المنصورة إلا بِعَيْنِ الحَقَارَة، ويُسَميها الحشوية. انتهى.
وبيانُ ذلك أن المحدثين اسمٌ لأهل العناية بحفظ الحديث مِن أهل كلِّ مذهب كما مرَّ بيانُهُ في المرجح العاشر لقبول أهلِ التأويلِ (١)، وذكرتُ هناك المحدِّثين من الشيعة والمعتزلة، وليس المحدثون أسماء تَخْتَصُّ بمن خالف في الاعتقاد كالأشعريَّةِ والجبرية، ولكن المحدثين اسمٌ لمن ذكرنا من الفِرَقِ كُلِّهِم، كالقرَّاء والنُّحاة والأصوليين، فلذلك قلنا: إنَّ الحديثَ إذا قُدِحَ في صحته مِن طريقهم، كان قدحًا فيه مطلقًا مِن كل طريق، لأن أئمة الرواية من العِترة والشيعة هُمْ من أهل الحديث كما ذكره صاحب " الشفاء " عن الجُرجاني في حرب البُغاة من غيرِ إمام، ولم يقل: إن القدح المختص بالمحدثين المخالفين هو الذي يبطل الحديثَ، ولكنَّه يكون تحكمًا، وتركُ المبتدعة المتأولة جميعًا لا يُمكن كما تقدَّم بيانُهُ في الكلام على ذلك.
وإذا تأملتَ كلامَ السَّيِّد أبي طالب في " المجزىء "، عرفت إنصافَه، فإنه لا يذكر المعتزلةَ إِلا بمشايخنا يقول: قال شيخُنَا فلان، وقال الشيخانِ أبو علي وأبو هاشم، وإذا ذكر المسألةَ، لم يذكر فيها خلافًا لأحدٍ من العِترة قَطُّ فيما علمتُ، لأنهم لم يتكلموا في الفن، لا جهلًا به، ولا عدمَ معرفة له، ولكن مثل ما لم يتكلم فيه عليٌّ ﵇ وغيرُه من السلف الصالح، فلم يُتهم أبو طالب بالميلِ عن العِترة، والانحرافِ عنهم، والقول بأن المعتزلة أعرفُ بالأصوليين منهم، ولكن المعتزلة أكثرُ فيهما تصنيفًا وخوضًا، وإقبالًا عليهما، واشتغالًا. وكذلك لا يلزم النحويّ إذا رجح كلامَ النحاة في أن " لدى " ظرف لا حرف على كلام
_________________
(١) انظر الصفحة ٣٠٧.
[ ٢ / ٤٣٧ ]
الهادِي ﵇ أنها حرف أن يكونَ مُفَضِّلًا لهم ﵇، وقد رَجَّحُوا حديثَ أبي رافع في زواج ميمونَةَ على حدِيثِ ابنِ عباس، لأنَّه كان السفيرَ، فكان أخصَّ، لا لأنَّهُ أفضلُ من ابن عباس (١).
وفي " النبلاء " (٢) عن شُعبة، عن الأعمشِ، عن أبي وائل، عن عبدِ الله بنِ مسعود أنَّه قال: لَقَدْ عَلِمَ أصْحَابُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أنِّي أقرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ وَلَسْتُ بِخَيْرِهم. روي هذا عن ابن مسعود من غير وجه، وهو صريح في المعنى الذي قصدتُهُ.
وقد ذكر الإمامُ المؤيَّدُ بالله عنه وعمن تقدَّمه في تأليفه في كتاب " إثبات النبوات " أمورًا كثيرة مما يؤيَّدُ أمرَ رسول الله - ﷺ - وصدقَه ومعجزاتِهِ وكراماتِهِ وخصائصَه حتى ذكر ما اختصت به أُمَّتُهُ مِن العلوم الجمَّة، ثم ذكر الثناء الحَسَنَ على أهل كُلِّ فن بما (٣) يختص بهم حتى قال: ثم تأمل نقل أصحابِ الحديث للحديث وضبطَهم له، واختصاصَهم منه بما لم يختصَّ به أحدٌ من الأمم. انتهى بحروفه.
وكذلك محمدُ بنُ إبراهيم إذا قرأ في كتب المحدثين، لم يكن من الإنصاف أن يُتَّهَمَ بأنه يُفضِّلُهُم على أئمة الإسلامِ من أهل البيت ﵍، فأما تهمته بأنه جبري، أو مشبِّه، فليس ينبغي أن يُقال: ليس هذا من الإنصافِ، لأن هذا مِن المحرمات المغلَّظِ تحريمها، والكبائرِ الملعون مرتكبها، وفي الحديثِ الصحيح الثابتِ من غير طريق وعن غير واحدٍ من أصحاب رسول الله - ﷺ - أنَّه قال: "إذا قَالَ المُسْلِمُ لِأخيهِ: يَا كَافِرُ
_________________
(١) انظر " شرح السنة " ٧/ ٢٥٠ - ٢٥٣.
(٢) ١/ ٤٧٤، والخبر في البخاري (٥٠٠٠) من طريق عمر بن حفص، حدَّثنا أبي، حدَّثنا الأعمش بهذا الإسناد.
(٣) في (ب): ما.
[ ٢ / ٤٣٨ ]
فَقَدْ بَاءَ بِهَا أحَدُهُما " (١)، وفي الحديث الصحيح: " المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ " (٢)، وفي الحديث الصحيح: " لا يَتِمُّ إيمَانُ أحَدِكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأخيه ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ " (٣).
ولقد يَحِقُّ على المرء المسلمِ أنْ يَزُمَّ لسانَه، ويعْلَمَ أنَّ الله سائلُه عن قوله، ومحاسِبٌ له عليه، ومقتصٌّ لِخصومه منه. فَرَحِمَ الله امرءًا قَصَّر مِن لسانه، واشتغل بشأنِه، وأقبل على تلاوة قرآنه، واستقلَّ مِن الجناية على إخوانِه.
_________________
(١) أخرجه من حديث ابن عمر: مالك ٢/ ٩٨٤، والبخاري (٦١٠٤)، ومسلم (٦٠)، والترمذي (٢٦٣٩)، وأبو داود (٤٦٨٧). وأخرجه من حديث أبي ذر البخاريُّ (٦٠٤٥). وأخرجه من حديث أبي هريرة البخاريُّ (٦١٠٣). وقوله: " فقد باء بها أحدهما " أي: التزمه، ورجع به، قال الله ﷿: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: لزمهم ورجعوا به. قال البغوي في " شرح السنة " ١٣/ ١٣٢: وهذا فيمن كفر أخاه خاليًا من التأويل، أما المتأول فخارج عنه.
(٢) أخرجه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: البخاريُّ (١٠)، ومسلم (٤٠)، وأبو داود (٢٤٨١)، والنسائي ٨/ ١٠٥. وأخرجه من حديث أبي موسى الأشعري: البخاريُّ (١١)، ومسلم (٤٢)، والترمذي (٢٥٠٦)، والنسائي ٨/ ١٠٦ - ١٠٧. وأخرجه من حديث جابر مسلمٌ (٤١). وأخرجه من حديث أبي هريرة: النسائي ٨/ ١٠٤ - ١٠٥، والترمذي (٢٦٢٩)، وقال: حسن صحيح، وصححه ابن حِبَّان (١٨٠)، والحاكم ١/ ١٠، ووافقه الذهبي.
(٣) أخرجه من حديث أنس بن مالك بلفظ " لا يؤمن أحدكم .. ": أحمد ٣/ ١٧٦، ٢٠٦، ٢٥١، ٢٧٢، ٢٨٩، والبخاري (١٣)، ومسلم (٤٥)، والنسائي ٨/ ١١٥، ١٢٥، والدارمي ٢/ ٣٠٧، وابن ماجة (٦٦)، وابن حبان (٢٣٤). وأخرجه ابن حبان (٢٣٥) من طريق ابن أبي عدي، عن حسين المعلم، عن قتادة، عن أنس بلفظ: " لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يحب للناس ما يحبُّ لنفسه من الخير "، وهو في البخاري (١٣)، ومسلم (٤٥) (٧٢)، وأحمد ٣/ ٢٠٦ من طريق حسين المعلم به، إلاَّ أنّه عندهم بلفظ " لا يؤمن "، ولفظ المصنف " لا يتم " لم أقف عليه، وهو بمعنى رواية ابن حبان.
[ ٢ / ٤٣٩ ]
تمَّ بعونه تعالى الجزء الثاني مِن العواصم والقواصم
ويليه
الجزءُ الثالثُ وأولُهُ: قال: واعلم مَتَّع اللهُ ببقائك أنكم قَبِلْتُم روايةَ فسقة التأويلِ
[ ٢ / ٤٤٠ ]
العواصم والقواصم
في الذب عن سنة أبي القاسم
تصنيف الإمام العلامة النظار المجتهد محمد بن إبراهيم الوزير اليماني
المتوفى سنة ٨٤٠ هـ
حققه وضبط نصه، وخرج أحاديثه، وعلّق عليه
شعيب الأرنؤوط