مؤسسة الرسالة
[ ٦ / ١ ]
العواصم والقواصم
في
الذب عن سنة أبي القاسم
٦
[ ٦ / ٢ ]
جميع الحقوق محفوظَة
لمؤسسَة الرسَالة
ولا يحق لأية جهة أن تطبع أو تعطي حق الطبع لأحد.
سَواء كان مؤسسَة رسميّة أو أفرادًا.
الطبعة الثالثة
١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م
مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع
مؤسسة الرسالة بَيْروت - شارع سُوريا - بناية صَمَدي وَصالحة
هاتف: ٦٠٣٢٤٣ - ٨١٥١١٢ - ص. ب: ٧٤٦٠ برقيًا، بيوشران
[ ٦ / ٣ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[ ٦ / ٤ ]
كلام المعتزلة بأن القول بأن أهل النار خلقوا لها يستلزم عدم شكر نعمة الله تعالى وحمده
قالت المعتزلة: القول بأن أهل النار خُلِقُوا لها يستلزم أن لا يجب عليهم شكر نعمة الله وحمده عليها سيما إذا لم يتأول قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ (١) الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨] وتأويل الآية صعبٌ لأنها من النصوص المصادمة للتأويل، وهو مشترك الإلزام في الشكر على العقوبة، أما الحمدُ، فلازم على كل حال كما ورد به الأثر، وكما يقتضيه النظر، ولكل طائفة جواب من جهة الشكر خصوصًا، ومن جهة الحمد عمومًا.
وجواب أهل الحقِّ في ذلك من وجهين:
أحدهما: ما تقدم في مسألة المشيئة في آخر الدليل الثالث مبسوطًا، وتحقيقه المنع من كون الله ما خلق الكفار إلا للعذاب، بل خلقهم سبحانه لحكم كثيرة غير لا منحصرة وردت النصوص بذكر كثيرٍ منها مما يشهدُ له سبحانه بالنعم السابغة، والحكم البالغة، والبراهين الدامغة.
منها: الإحسان إليهم قبل كفرهم، واستحقاقهم العقوبة بما يوجب عليهم
_________________
(١) في (أ): " تحسبن " بالتاء خطاب للنبي - ﷺ -، وهي قراءة حمزة، وموضع " الذين " نصب المفعول الأوَّل من " تحسبن " وكفروا صلتُه، و" أن " وما اتَّصل في موضع المفعول الثاني، وقرأ عامة القراء: ﴿ولا يحسبن﴾ إخبار عن الذين كفروا، فموضع " الذين " رفع بفعلهم، و" أن " وما بعدها سدَّت مسدَّ مفعولي " يحسبن ". " انظر: " حجة القراءات " ص ١٨٢، و" الدر المصون " ٣/ ٤٩٦ - ٤٩٨.
[ ٦ / ٥ ]
شكره، ثم العفو عن تعجيل العقوبة بعد استحقاقها كما مرَّ في حديث " لو لم تُذنبوا " (١)، وذلك قبل الإملاء لهم، لِيزدادو إثمًا، وقد ذكرت من ذلك سبعة أمور، أولها هذا.
وثانيها: خلقهم لعبادته بالنظر إلى أمره (٢) ومحبته.
وثالثها: الابتلاءُ بالنظر إلى عدله وحجته.
ورابعها: ظهورُ عدله في تعذيبهم على كفر نعمه، وجحد حجته بالنظر إلى خبره وعلمه وقدره وكتابته.
وخامسها: الحكمةُ الأولةُ المرجِّحة لذلك على عفوه عنهم، التي هي تأويل المتشابه بالنظر إلى حكمته وإرادته ومشيئته، وعلى هذا مدارها.
وسادسها: ما لا يُحيط بجميعه إلاَّ هو بالنظر إلى سعة علمه ورحمته.
وسابعها: ما للمؤمنين في خلقهم من اللطف والنفع في دنياهم ودينهم وأُخراهم، وهو (٣) يستحق من الجميع على حكمته، كما يستحق الشكر من أهل النعم على نعمته، كما تقدم مبسوطًا في موضعه.
الوجه الثاني: القطع بأن مراد الله بالشر خير، لأن الحكيم لا يريدُ الشر لنفسه، وإنما يريده لغيره، لحديث " سبقت رحمتي غضبي " (٤)، وحديث " والشر ليس إليك " (٥) كما تقدم تقريرُه، وكما أوضحه الغزالي في " المقصد الأسنى " (٦) في شرح " الرحمن الرحيم ".
فكل شر أراده الله، فهو لحكمة هي خيرٌ محضٌ، وإن لم يحط بها أحد،
_________________
(١) تقدم تخريجه في ٤/ ١٦١.
(٢) في (ش): مراده.
(٣) في (ش): وهذا.
(٤) تقدم تخريجه في ٥/ ١١٠.
(٥) تقدم تخريجه في ٥/ ١٣١.
(٦) ص ٦٣.
[ ٦ / ٦ ]
وهي تأويلُ المتشابه، كما دلَّت عليه قصة الخَضِر مع موسى ﵉، وكما دلَّ عليه قوله: ﴿وما يَعْلَمُ تأوِيلَه إلاَّ الله﴾ [آل عمران: ٧]، فلو أُريد الشر لكونه شرًا لم يُحتج إلى تأويل: لا يعلمه إلاَّ الله، وقد أشار الله إلى هذا في جوابه على الملائكة حيث قال: ﴿إنِّي أعلَمُ ما لا تَعْلَمونَ﴾ [البقرة: ٣٠].
ففي كل عقوبةٍ ظاهرة نعمة باطنة، ولذلك اختصَّ الله بوجوب شكره على ما ساء وسر، ونفع وضر، وقد صح النصُّ بذلك في الحدود، فإنها كفارةٌ مع كونها عقابًا ونَكالًا، ولا إشكال في شيءٍ من ذلك الشر إلاَّ (١) دوام العقاب، وسيأتي الاختلاف فيه، والمختار من ذلك.
وهذه القاعده توجب على أهل النار أن يحمدوا ربَّهم عليها لما لهم فيها من العدل والحكمة، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الزمر: ٧٥]، وإلى ذلك أشار رسول الله - ﷺ - بقوله: " الحمد لله على كل حال، وأعوذ بالله من حال أهل النار " رواه ابن ماجه (٢)، وفيه إشارةٌ إلى استحقاقه ﷿ الحمد لله على المعذَّبين بالنار،
_________________
(١) في (ش): " من ذلك إلاَّ " بحذف كلمة " الشر ".
(٢) رقم (٣٨٠٤) من طريق موسى بن عبيدة عن محمد بن ثابت، عن أبي هريرة مرفوعًا. وقال البوصيرى في " مصباح الزجاجة " ٣/ ١٩٢: هذا إسناد فيه موسى بن عبيدة، وهو ضعيف، وشيخه مجهول. وروى أبو نعيم في " الحلية " ٣/ ١٥٧ من طريق الفضل الرقاشي، عن محمد بن المنكدر عن أبي هريرة قال: كان لرسول الله - ﷺ - حمدان يُعرفان: إذا جاءه ما يكره قال: الحمد لله على كل حال "، وإذا جاءه ما يسُرُّه قال: " الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم بنعمته تَتِمُّ الصالحات " وقال: غريب من حديث محمد والفضل الرقاشي لم نكتبه إلاَّ من هذا الوجه. قلت: والفضل - وهو ابن عيسى الرقاشي: ضعيف. وروى ابن ماجه (٣٨٠٣)، وابن السني (٣٨٠)، والحاكم ١/ ٤٩٩ من طريق هشام بن خالد الأزرق أبي مروان، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا زهير بن محمد، عن منصور بن عبد =
[ ٦ / ٧ ]
قول الجمهور من المعتزلة أنه يجب تأويل آيات المشيئة
ولكن السنة سؤال العافية.
ومما قلت في هذا المعنى من جملة أبيات:
أنت الحكيم بكل ما قدَّرْتَهُ وعلى العَبيد بكُلِّه كل الثنا
ونعوذ بالله الرؤوف وفضله من حال أهل النار خلدًا أو فَنا
ضعفًا وعجزًا لا اعتراضًا للقضا مِنَّا ولا سُخطًا لحكمة ربنا
فكيف لا يجب عليهم الشكر لما لا يُحصى من نعمه المتقدمة، وقد مرَّ طرفٌ من هذا في الدعوى الأولى عند الكلام على حديث " لو لم تُذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقومٍ يُذنبون كي يَغْفِرَ لَهُم ".
قالت المعتزلة إلاَّ القليل منهم: يجب تأويل آيات المشيئة على أنه لو شاء أن يُكرِهَ العُصاة على الطاعة لفعل، لأنه لو كان يعلم لهم لُطفًا إذا فعله لهم أطاعوه، لزم (١) عليه فعلُ ذلك، وهو سبحانه لا يُخِلُّ بواجبٍ.
وخالفهم في هذا جميع فرق أهلِ السنة، وجميعُ متقدمي أهل البيت كما تقدم من طريق أهل البيت وغيرهم.
وخالفهم جماعةٌ جِلَّةٌ من متأخري أهل البيت ﵈، مثل السيد الإمام أبي عبد الله مصنف " الجامع الكافي "، والإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة، والإمام الناصر، والإمام المنصور.
_________________
(١) = الرحمن، عن أمه صفية بنت شيبة، عن عائشة قالت: كان النبي - ﷺ - إذا أتاه الأمر يسره قال: " الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات "، وإذا أتاه الأمر يكرهه قال: " الحمد لله على كل حال ". والوليد بن مسلم: موصوف بتدليس التسوية، ولم يصرح هنا بالتحديث في بقية إسناده، ورواية أهل الشام عن زهير بن محمد غيرُ مستقيمة، وهذا منها.
(٢) في (ش): لوجب.
[ ٦ / ٨ ]
كلام فيما يرد على القائلين من المعتزلة بوجوب اللطف
وخالف المعتزلة في ذلك من شيوخهم بِشْرُ بن المعتمر، وجعفر بن حرب على تفصيلٍ له في ذلك، حكاه عنهما الإمام يحيى بن حمزة في كتابه " النهاية " (١).
وحُكي عن أبي الحسين أنه حكى رجوع ابن المعتمر كذا بصيغة الجزم.
قال الإمام: وقال -يعني قاضي القضاة-: ومنهم من فصل -يعني جعفر بن حرب- فقال: إن كان ما يفعله المكلف من أسباب عدم اللطف أشق وأعظم ثوابًا لم يجب اللطف، وإلا وَجَبَ. قال: وحُكِيَ عنه الرجوع عن هذا، كذا قال. " حُكي " بصيغة ما لم يُسَم فاعله، وهي المعروفة بصيغة التمريض.
وفي كتاب " الملل والنحل " (٢) عن بِشر بن المعتمر أن في مقدور الله لُطفًا لو أتى به، لآمن من في الأرض إيمانًا يستحقون عليه الثواب استحقاقهم لو آمنوا من غير وجوده وأكثر منه، وليس على الله أن يفعل ذلك لعباده ولا يجب عليه رعايةُ الأصلح، لأنه لا غاية لما يقدر عليه من الصلاح، فما من أصلح (٣) إلا وفوقه أصلح. انتهى.
وهي حجةٌ حسنةٌ في نفي وجوب الأصلح، وجمهور المعتزلة على إيجاب اللطف، وقد ألزمهم علماء الإسلام تعجيز الرب سبحانه عن هداية عاصٍ واحدٍ على سبيل الاختيار، وهم يلتزمونه في المعنى، فإنه صريح مذهبهم إلاَّ أنهم يقولون: إنه لا يستلزم العجز، لأن اللطف بهم مُحالٌ، والمحالُ ليس بشيء، والقادر لا يُوصف بالقدرة على لا شيء.
قلنا: الإحالة ممنوعةٌ، وعلى تقدير تسليمها، فيلزم المعتزلة قبح التكليف، لأن إزاحة أعذار المكلفين عندهم واجبةٌ، ولذلك أوجبوا اللطف على الله
_________________
(١) اسمه الكامل: " نهاية الوصول إلى علم الأصول ". كما في " البدر الطالع " ٢/ ٣٣١.
(٢) ١/ ٦٥.
(٣) في (أ): صلاح.
[ ٦ / ٩ ]
تعالى، لأن ترك اللطف يُناقِضُ ما أراده الله تعالى على زعمِهم مِنْ دخول الكفار الجنة على أبلغ الوجوه.
فنقول: لو كان واجبًا مُعَلَّلًا بما ذكرتم لَقَبُحَ على أصولكم تكليف من علم الله سبحانه أنه لا لطف له ألبتة، وأنه لا يدخل الجنة قطعًا، بل من علم أن تكليفه يكون سببًا لخلوده في النار، لأن ذلك أعظم مناقضةً لمراد الله سبحانه لو كان مراده هو ما ذكرتم من دخول الكفار الجنة (١) على أبلغ الوجوه.
فإن قيل: إلزامُكم لهم (٢) تعجيزه سبحانه، وتعالى عن ذلك عُلُوًّا كبيرًا، ومنعكم لما اعتذروا به من الإحالة مبنيٌّ على أن الله تعالى يعلم لهم لُطفًا، لكن المعتزلة منعت أن يكون في معلوم الله تعالى للعُصاة لطفٌ، وإذا لم يكن في معلوم الله لطفٌ بهم (٣)، لم يكن في مقدوره، إذ يستحيل أن يقدر على ما لا يعلم، والجواب من وجوه.
الوجه الأول: أنهم أرادوا الاعتذار عن التعجيز بنفي العلم، فزادوا تجهيل الرب تعالى مع تعجيزه تعالى عن ذلك لأنهم فرُّوا من قولهم: إن ذلك عجز، إلى قولهم: ليس بمعلوم، فليس بمقدورٍ فزادوا على نفي القدرة الاستدلال على صحة نفيها بنفي العلم فرارًا من لفظ التعجيز إلى نفي القدرة والعلم.
فلا وجه لعدول من عدل منهم عن أن يقول بالتعجيز إلاَّ التستر (٤)، وإلا فالمعنى واحد، لأن أهل الإسلام يجزمون بتضليل من جحد قدرة الله تعالى على هداية عاصٍ واحد من خلقه، كما يجزمون على تضليل من عجَّزَهُ عن ذلك، ولا يفرقون بين العبارتين قبل هذا العرف المبتدع، فاحتالوا على تحسين
_________________
(١) من قوله: " يكون سببًا " إلى هنا ساقط من (ش).
(٢) ساقطة من (ش).
(٣) " بهم " لم ترد في (ش)، وفي (ف) لهم.
(٤) في (أ): اليسير، وهو خطأ.
[ ٦ / ١٠ ]
هذه الشناعة بذلك التوجيه، فأضافوا إلى تلك الشناعة مثلها، وهي قولهم: إن الرب اللطيف لما يشاء ﷾ لا يعلم لُطفًا لمن شاء هدايته من جميع العصاة، وكلا هاتين الشناعتين مما يأباه من بقي على الفطرة من جميع المسلمين.
ولا يحتاج من يُقرُّ بالنبوات إلى مناظرة في ذلك، فإن المعلوم ضرورة من النبوات يدفَعُه، وقواعدهم تصحح هذا الإلزام (١) الشنيع، وهم لا يبعدون من التزامه في المعنى، ولذلك صرَّح من أجمعوا على تعظيمه بنفي قدرة الله على القبيح كالنظام (٢) والأسْوَاري (٣) وجعلوا هذه المسألة من مسائل الخلاف بين شيوخهم، وهي (٤) صريح التعجيز بإثباتهم (٥) معها حكم العقل بالحسن
_________________
(١) في (ش): الالتزام.
(٢) هو شيخ المعتزلة، صاحب التصانيف، أبو إسحاق إبراهيم بن سيار مولى آل الحارث بن عبَّاد الضبعي البصري المتكلم، تكلم في القدر، وانفرد بمسائل، وهو شيخ الجاحظ. مات في خلافة المعتصم سنة بضع وعشرين ومئتين. انظر " سير أعلام النبلاء " ١٠/ ٥٤١ - ٥٤٢.
(٣) هو علي الأسواري المتوفَّى سنة ٢٤٠ هـ، وإليه تُنسب الأسوارية، وهم طائفة من المعتزلة. قال عبد القاهر البغدادي في " الفرق بين الفرق " ص ١٥١: وهم أتباع علي الأسواري، وكان من أتباع أبي الهذيل، ثم انتقل إلى مذهب النظام، وزاد عليه في الضلالة بأن قال: إن ما علم الله ألا يكون لم يكن مقدورًا لله تعالى. وفي " مقالات الإسلاميين " ص ٥٥٥: وقال النظام وأصحابه وعلي الأسواري والجاحظ وغيرهم: لا يوصف الله سبحانه بالقدرة على الظلم والكذب، وعلى ترك الأصلح من الأفعال إلى ما ليس بأصلح، وقد يقدر على ترك ذلك إلى أمثال لهُ لا نهاية لها مما يقوم مقامه، وأحالوا أن يوصف البارىء بالقدرة على عذاب المؤمنين والأطفال وإلقائهم في جهنم. وانظر " الأنساب " للسمعاني ١/ ٢٥٧ - ٢٥٩.
(٤) تحرفت في (ش) إلى: ونفي.
(٥) في (ش): لإثباتهم.
[ ٦ / ١١ ]
قول بعض العلماء: إن النبوات في جانب وما جاء به المتكلمون من البدل في جانب
والقُبح (١) في الأفعال، ولو قُدرتْ من الله بخلاف من علَّل ذلك بأنه لا يقبح (٢) منه ﷿ قبيحٌ، ويلزمهم عدم اختيار الرب ﷿ في ترك الواجب عليه عندهم، وذلك صريح القول بأن الله ﷿ غير مختار.
فالعجب منهم لا يكفرون من قال ذلك من أكابر شيوخهم ويكفرون من قال: أفعال العباد مخلوقة، وبيَّن أن مراده بذلك ذواتها، لا كونها معاصي كما يأتي إن شاء الله تعالى.
وأكثر هذه البدع باطلٌ بالضرورة، وما أحسن قول بعضهم: إن النبوات في جانب، وما جاء به المتكلمون من (٣) البدع في جانب، وممن أشار إلى هذا الفخر الرازي كما تقدم في الصفات، ولذلك ترى علماء الكلام أعداء لحملة العلم النبوي إلاَّ من عصم الله، وإنما نتكلم في الرد عليهم نافلةً وتبرُّعًا وتعرُّضًا لثواب الله تعالى في نصر (٤) السنة وذلك على القول المختار عندنا من حسن المناظرة لمنكري الضرورات متى كانت من الدعاء إلى الله بالتي هي أحسن، ولم تكن من (٥) المراء المقصور على إثارة الشرور، وإيحاش الصدور (٦)، ولذلك لم يشتمل هذا الوجه على حجة زائدة على بيان مقصدهم (٧) بيانًا لا يستتر معه قبح مذهبهم، فإنه متى وَضَحَ وبان لم تقبله قلوب أهل الإيمان، ولم يُحْتَجْ في رده إلى برهانٍ.
الوجه الثاني: أن كل مُبطلٍ أراد تعجيز الله تعالى عن أمرٍ، فإنه لا يعجز عن مثل هذه الحيلة، وقد ألزمهم أهل السنة تجويز أن لا يقدر الله تعالى على هداية العُصاة كُرْهًا، كما لا يقدر على هدايتهم اختيارًا، ثم لا يكون ذلك عجزًا
_________________
(١) في (ش): والقبيح.
(٢) في (ش): لا يصح.
(٣) في (أ): في.
(٤) في (ش): نصرة.
(٥) في (أ): في.
(٦) في (أ): الصدر.
(٧) في (ش): مقاصدهم.
[ ٦ / ١٢ ]
قول جماعة من الفلاسفة: إنه ليس في مقدور الله تعالى أحسن من هذا العالم، يشبه القول بتعجيز الله تعالى
أيضًا ما لم (١) يعلم الله سبحانه ما يُلجىء المكلف إلى الطاعة، وهذا يبطل تأويلهم آيات المشيئة على الإكراه، ولا يبعد أنهم يلتزمون هذا عقلًا، ولكنهم يُقرون بأن السمع دلَّ على قدرة الله تعالى على هداية العصاة كرهًا.
والجواب عليهم منعُ ما ذكروه من قصر دلالة السمع على ذلك، فإن دِلالة السمع وردت بكمال قدرته على ما يشاء عمومًا، ثم على هداية الخلق أجمعين خصوصًا.
وعلى الجملة، فإن أحسن ما يُدفعون به تذكيرهم أن هذا معلوم بالضرورة من الدين، ومعارضة قولهم بما يُشبهه من أقوال المبطلين بإجماع المسلمين، فما أجابوا به فهو جوابنا.
مثالُ ذلك: أن يقال لهم: ما الفرق بين قولكم وبين قول جماعة من الفلاسفةٍ: إنه ليس في مقدور الله تعالى أحسن من هذا العالم، لأن الكريم يبادرُ بأحسن ما في مقدوره من الخير، وليس في هذا تعجيزٌ لله تعالى، لأنه ليس في (٢) معلومه تعالى أحسن منه، وما ليس في معلومه، لم تصح القدرة عليه.
فهذه الحيلة على تعجيز الربِّ عن خلق أحسن من هذا العالم مثل حيلة المعتزلة على تعجيزه سبحانه عن اللُّطف بالعصاة، بل هي هي، وقد قاربت المعتزلة مقالة الفلاسفة هذه.
وأما البغدادية من المعتزلة، فإذا تأمَّلْت مذهبهم لم تجدْهُ يخالف قول هذه الطائفة من الفلاسفة إلاَّ في العبارة، أو فيما يلزمهم الموافقه فيه مع اشتغالهم بتأويل السمع على وَفْقِ قولهم، وذلك أن مذهبهم أن الأصلح للخلق في دينهم ودنياهم وآخرتهم واجبٌ على الله تعالى، وكل ما لم يفعله الله تعالى من مصالح الخلق في الدنيا والآخرة، فليس في معلومه سبحانه ما هو أصلح منه لهم، حتى
_________________
(١) في (ش): متى لم.
(٢) في (أ): ما في.
[ ٦ / ١٣ ]
بيان الفرق بين الضرورة العادية وما يشبهها بذكر وجوه وشبه للمعتزلة
قطعوا أن خلود أهل النار فيها إلى غير غايةٍ أصلح ما في معلوم الله تعالى لهم ومقدوره، وهذا خروجٌ عن المعقول والمنقول، فنسأل الله العافية عن مثل هذه البدع التي تبلغ بأهلها في الجهالات إلى هذه الغاية، هذا مع اعتقادهم أنهم أئمة المعارف والدِّراية.
وأما البصرية من المعتزلة، وهم الجُبَّائية والبَهْشمية (١) نسبةً إلى أبي علي الجُبَّائي وابنه أبي هاشم (٢)، فإنهم يقولون: ذوات كل الأشياء ثابتة فيما لم يزل مع قِدَم (٣) الرب ﷻ، وما كان من هذه الثوابت في الأزل من أفعال العباد فليس بمقدورٍ لله تعالى (٤) إلى أمور كثيرة يخرجونها من القدرة بهذه الحيلة.
فيقال (٥) لهم: من (٦) قال: الفلسفي والباطني إنه لم يخالف في قدرة الله تعالى على الممكنات، ولكنه يعتقد أن حياة الموتى محال لشبهه بالمحالات العادية، كما هو اعتقاد المعتزلة في إحالة إحياء الجماد من غير بيِّنةٍ مخصوصة، ولا مستند لهم إلاَّ شبه ذلك بالمحالات العادية، وقطعهم أنه منه، فإن كَفَّروا الباطنيَّ بمصادمة النصوص المعلومة بالضرورة من الدين لما جاء به من التأويلات، كان له أن يُعارِضَهم بمثل ما عارضوا به أهل السنة، ولأهل السنة أن يجيبوا عليهم بمثل ما أجابوا به على الباطني، وإن كَفَّروا الفلسفي بذلك، كان لأهل السنة أن يعارضوهم بمثله.
فإن قيل: وأي فرق بين الضرورة العادية وما يشبهها.
قلنا: وجهان:
أحدهما: فقد العلم عند الإصغاء إلى جانب الشك، وهذا هو المعتمد.
_________________
(١) في (ش): والبهاشمة.
(٢) تقدمت ترجمتهما في ٢/ ٣١٨.
(٣) تحرفت في (ش) إلى: قدر.
(٤) انظر " الفرق بين الفرق " ص ١٩٧.
(٥) في (أ): فقال.
(٦) في (ش): متى.
[ ٦ / ١٤ ]
وثانيهما: أن العلوم العاديَّات مسلمةٌ بالنظر إلى عادتنا وقدرتنا، فإحياء الجماد، وإحياء الموتى في المعاد محال في العقل كما قالوا، ولكن بالنظر إلى قدرتتا وعادتنا، وكذلك عامة (١) ما يفارق الرب به تعالى عبيده من إيجاد المعدوم من غير شيءٍ، ولذلك أنكرته المعتزلة، وقالت: إن تذويت الذوات مُحال، وكذلك الفعل من غير آلة أنكرته الفلاسفة وبعض القدرية (٢).
وإنما غَلِطُوا في ذلك، لأنهم نقلوا العلم الضروري الحق المتعلق بعجزنا عن هذه الأشياء إلى الربِّ تعالى، ووجه غَلَطهم أنهم حَسِبُوا أن ذلك محالٌ لنفسه لا لعجزنا خصوصًا عنه. فافهم هذا واعتبره، فإنه نافع جدًا، وقد كفر لأجله خلائق من المشركين، وضل لأجله خلائق من المسلمين.
الوجه الثالث: أن البرهان القاطع دل على نقيض مذهبهم، وهو أنا نعلم يقينًا لُطفًا معلومًا مقدورًا لله تعالى لو فعله، لآمن الناس أجمعون اختيارًا من غير إكراهٍ، ولنذكر على ذلك أدلةً.
الأول: أن الله سبحانه قادر على أن يخلق العصاة على بِنيةٍ قابلة للألطاف مثل بنية الملائكة والأنبياء، سواء قلنا: إن بنيتهم التي خُلِقُوا عليها قابلة للألطاف، كقول أهل السنة، أو غير قابلة كقول المعتزلة.
ذكر هذا الوجه ابن الملاحمي (٣) في كتابه " الفائق " وهو أحد أئمة المعتزلة، على رأي أبي الحسين، وهو وجهٌ صحيح معلومٌ من الدين، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف: ٦٠]، ولا
_________________
(١) ساقطة من (أ).
(٢) في (ش): ولذلك أنكرته المشبهة وكذا علم الغيب من غير سبب، وكذلك أنكرته بعض القدرية.
(٣) وقال: ذكره أحمد بن يحيى المرتضى في " المنية والأمل " ص ٧١ في تلامذة أبي الحسين البصري، فقال: الشيخ النحرير محمود بن الملاحمي.
[ ٦ / ١٥ ]
شك أن بنية الملائكة تخالِفُ بنية الإنس (١)، فإنهم لا يأكلون ولا يشربون، ولا يفتُرُون من العبادة، فمن قدر على تحويل بنية البشر إلى بنية الملائكة، فهو على تحويل بنية بشر إلى بنية بشرٍ مثله أقدرُ، بل في كتاب الله تعالى ما يدُلُّ على قدرة الله سبحانه على ذلك دِلالةً خاصة مع بقاء بنيتهم، وإلا فهو معلومٌ ضرورة من الدين، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيم﴾ [الممتحنة: ٧]، وإليه إلإشارة بقوله: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيم﴾ وقد اعترف الخصم بهذا المعنى في تفسيره، فقال: ومعنى ﴿والله قديرٌ﴾ على تقليب القلوب، وذلك هو المراد.
وقد قال الله تعالى في خطاب من شك في قدرته على أبعدَ من ذلك في العقل وأصعب: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء: ٥٠ - ٥١]، وما أدلَّ (٢) قوله: ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ على تعميم قدرته تعالى على تغيير كل بنية إلى ما يخالفها. وقد صح في الحديث " أن الله يقلب القلوب كيف شاء "، وكان رسول الله - ﷺ - يقول: " يا مقلِّبَ القلوب ثَبِّتْ قلبي على دينك " (٣) وقد تقدم الكلام عليه وقد حكى الله عن الراسخين قالوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨].
وجاء هذا في كلام الله تعالى بعباراتٍ مختلفة:
منها قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحجرات: ٧ - ٨].
_________________
(١) في (ش): البشر.
(٢) في (ش): " دل "، وهو خطأ.
(٣) تقدم تخريجه في ٢/ ٢٧١ - ٢٧٢.
[ ٦ / ١٦ ]
منها: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠].
ومنها: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥].
ومنها: ﴿وَجَعَلْنا قُلوبَهُم قاسيةً﴾ [المائده: ١٣]، وأمثال ذلك كثير لا يكاد يحصى.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِين﴾ [المعارج: ٤٠ - ٤١]، ووجهُ الحجة من الآية أنها تدل على أن لله تعالى حكمة وإرادة في وجود العصاة مع كراهة المعاصي، لأنه تمدَّح بالقدرة على إيجاد خلق غير عصاة في هذه الآية، وفي غيرها كقوله: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨].
فتأمل ذلك مع مثل قوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّم﴾ [هود: ١١٩]، وفي آية: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ [السجدة: ١٣]، كما تقدم في أن عذاب الله في الدار الآخرة راجحٌ مشتمل على الحكم الخفية والمصالح، وأنه ليس بمُباحٍ خالٍ من الحكمة والصلاح.
وقد صَحَّ وثبت من غير وجهٍ أنه شُقَّ قلبُ النبي - ﷺ - وغُسِلَ ومُلِىءَ حكمةً وإيمانًا (١)، وذلك ظاهر في أنه سبب العصمة، ومثله مقدورٌ لله تعالي في كل بشر، وليس هذا من القياس في شيءٍ، وإنما هو من قبيل احتجاج الرب سبحانه على قدرته على الإعادة: بقدرته على النشأة الأولى، وكما احتج المسلمون على قدرة الرب سبحانه على كل شيءٍ بذلك وبالمعجزات، ووجهُه
_________________
(١) تقدم تخريجه في ٣/ ٣٧٢.
[ ٦ / ١٧ ]
أنه يحصل بعد النظر في ذلك علمان ضروريَّانِ عقلي وسمعي.
أما العقليُّ: فمثاله: عِلْمُنا أن الزجاج ينكسر بالحديد، ولعل الواحد منا ما كسر زجاجة واحدة، وكذلك جميع العاديات، لأنا نعلم أنه لا تأثير في ذلك لاختلاف الأزمان والبلدان والقادرين منا، ومن ثم قال الذي أماته الله مئة عام ثم بعثه: ﴿أعلمُ أنَّ الله على كُلِّ شيءٍ قديرٌ﴾ [البقرة: ٢٥٩].
وأما السمعي: فقد اتفق العقلاء على أنه يُفهم من مقصود المتكلم ما لم ينطق، كما يفهم تحريم ضرب الوالدين من تحريم أذاهما وانتهارهما، والذي يَحْسِمُ مادة النزاع في هذا بين المسلمين أن إجماعهم منعقد، والعلم الضروري من دينهم أنه يجب الجزم بقدرة الرب تعالى على كل شيء على العموم، ولا يقال: يخرج من ذلك المحال، لأنه ليس بشيء، فلم يدخل في العموم حتى يخرُجَ منه، وأن الاحتجاج بهذا العموم على الجزئيات التي لا نصَّ فيها على قدرة الله تعالى عليها بأعيانها احتجاجٌ صحيح، والدليل القاطع على هذا من العقل أن البنية التي تقبل اللطف، والبنية التي لا تقبل عارضتان غير ذاتيتين (١) عقلا وسمعًا وإجماعًا، ولا نزاع في قدرة الله تعالى على تغيير ما هو خلقه من الأمور العارضة الممكنة.
والعجب من المعتزلة أنهم بالغوا في الاعتذار للرب ﷿ حتى أقاموا العذر للعبد، فإن الله تعالى متى خلق العبد على بنية يعجز الرب عن هدايته معها، فإن العبد يكون أعجز عن هداية نفسه مع ذلك بالنظر إلى الدواعي، وهذا يناقض أصل مذهبهم في إزاحة الأعذار، وتقبيح خلق المفاسد، فلا أعظم مفسدةً من إيجاد بنية لا تدخل في مقدور الربِّ، ولا في معلوم اللطف لها على زعمهم (٢)، وإن كان (٣) الحق بطلان زعمهم لقوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠].
_________________
(١) في الأصلين: ذاتيين.
(٢) في (ش): لها فإنها.
(٣) ساقطة من (ش).
[ ٦ / ١٨ ]
وثبت في "الصحيح" " أن كل مولودٍ يُولَدُ على الفطرة، وأنما أبواه يُهَوِّدانه ويُنَصِّرانه ويُمجِّسانه " (١)، فكيف يقال فيما خلق على الفطرة: إنه قد يُبنى بِنيةً لا تقبل اللطف ألبتة؟ ولك (٢) أن تقول في تحرير الدليل العقلي أيضًا: فالأجسام عندهم متماثلة في ذواتها، وإنما اختلفت بما أكسبها الله تعالى من الأمور الزائدة على الذوات من أعراضٍ وصفات وأحكام وأحوال، وتغيير كل شيء منها مقدور لله تعالى، ولا فرق عندهم بين المَلَكِ والبشر، والمؤمن والكافر إلاَّ فيها، فثبت أن تغييرها عندهم مقدورٌ لله تعالى.
إذا تقرر هذا، فقد قال ابن الملاحمي بعد ذكر موافقة المعتزلة لأهل السنة على هذا ما معناه: فإن قيل: فما الوجه عندكم في خلق العصاة على البنية التي لا تقبل اللطف مع قدرة الرب تعالى على خلقهم على البنية التي تقبلُ اللطف، بل تقبل العصمة؟
قال ما معناه: إنا نعلم أن لله تعالى في ذلك حكمة على سبيل الإجمال، وإن لم نعلم تعيينها، فرجعت المعتزلة بعد القطع بقبح ظواهر القرآن والسنن وآثار السلف، وركوب كلِّ صعبٍ وذلول في تأويل ذلك إلى مثل ما بدأ به أهل السنة.
وليت شعري ما الفرق بين تجويز المعتزلي في هذا لحكمة لا يعلمها، وبين تجويز إراده الله تعالى لأسباب وقوع معاصي العصاة وترك هدايتهم مع القدرة عليها لوجه حكمةٍ لا نعلمه، لا لأجل الوجه القبيح التي قبحت وكرهت لأجله، وإن خالف بعض المعتزلة في ذلك رضينا منه أن ينزل أهل السنة منزلة من جوَّز ذلك من المعتزلة (٣)، وهو أبو الحسين وأصحابه.
_________________
(١) تقدم تخريجه في ٣/ ٣٨٧.
(٢) في (ش): وذلك.
(٣) من قوله: " في ذلك " إلى هنا ساقط من (ش).
[ ٦ / ١٩ ]
الدليل الثاني: أنَّ أبا هاشم وأصحابه وجمهور المعتزلة جوزوا أن يَخْلُقَ الله تعالى أسبابًا يعلم أن المعاصي تقع بسببها زائدة على أصل التكليف، مثل خلق الشياطين والشهوات الزائدة (١)، ويكون ذلك تعريضًا للثواب العظيم، كما جاز منه ذلك في أصل التكليف، ولم يخالف في ذلك إلاَّ أبو علي (٢)، حكى ذلك السيد صاحب الابتداء المجاب عليه " بالعواصم " في آخر تفسيره " تجريد الكَشَّاف المزيد فيه النكت اللطاف " وقوَّى ذلك وصححه، واحتج عليه بآيات من القرآن كقوله تعالى في الشيطان: ﴿فدَلاَّهُما بِغُرورٍ﴾ [الأعراف: ٢٢]، وقوله: ﴿كما أَخْرَجَ أبَوَيكُم مِنَ الجَنّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧] وغير ذلك.
وعلى هذا يجبُ تجويز أن في العصاة من عصى بسببٍ من هذه الأسباب، الزائدة، ويجب القطع بقُدرة الله تعالى على هداية من عصى بتلك الأسباب، لأن الله تعالى قادر على هدايته بترك تلك الأسباب، وهذا يناقض القطع بنفي قدرته على هداية العصاة.
الدليل الثالث: أن المعتزلة اعترفت أنه لا يقع القبيح من فاعله إلا لداعٍ إليه، ولذلل أمكنهم القطع بأن الله تعالى لا يفعل القبيح مع قدرته عليه، لأنه لا داعي إليه.
إذا تقرر هذا، فلا خلاف بين الجميع أنَّ الرب سبحانه قادرٌ على أن يُعلِّم العاصي قُبح القبيح، وعلى أن لا يجعل له إليه داعيًا ألبتة، وعلى أنه متى فعل ذلك، لم يقع القبيح، سواء قلنا: إن وقوعه ممكنٌ أو ممتنع، ولكن المعتزلة اعتذرت عن هذا بشُبَهٍ:
الشبهة الأولى: قالوا: لو لم يجعل الله تعالى للعاصي داعيًا إلى
_________________
(١) ساقطة من (ش).
(٢) هو شيخ المعتزلة أبو علي محمد بن عبد الوهاب البصري الجبائي المتوفى سنة (٣٠٣ هـ). انظر " السير " ١٤/ ١٨٣ - ١٨٥.
[ ٦ / ٢٠ ]
كلام في منع استحقاق الثواب إلا مع المشقة كما هو قول المعتزلة
المعصية، لم يصح وقوعها منه، فيكون كالمُلْجَأ بالصوارف إلى الترك، والمُلجأ لا يستحق الثناء والثواب، وأجيب عليهم بوجوه:
أحدها: أنه يناقض قولهم في أنه لا أثر للداعي، ثم إن قولهم: إنه كالمُلجأ، والملجأ لا يستحق الثناء والثواب مغالطةٌ ظاهرة، لأن كاف التشبيه والتجوُّز في العبارات لا يصح في البراهين، لأنه لا يصير مُلجأ محققًا بكونه كالملجأ، بل (١) ولا يصح كونه كالملجأ، لمجرد عدم الداعي إلى القبح، لأنه لا داعي لله تعالى إلى القبيح، فلا يصح وصفه بأنه كالملجأ (٢)، وإذا لم يكن العبد ملجأً، لم يكن له حكمُ الملجأ الذي هو عدم استحقاق الثناء والثواب، ونحن لم نقل: بأن الله تعالى قادر على أن يُلجئه إلى الطاعة، بل قلنا: هو قادر على أن يجعله مختارًا، يوضِّحُهُ.
الوجه الثاني: وهو أن الله تعالى مستحقٌّ لأعظم الثناء على ترك القبائح مع أنه لا يصحُّ وقوعها منه عند الجميع، ولا ولا داعي له إليها، ولا مشقة عليه في تركها، وكذلك يستحق أعظم المحامد على ما يفعله من الجود والإحسان وإن لم يكن عليه في ذلك مشقة ألبتة.
الوجه الثالث: أنه يلزم بطلان الثناء والثواب عقلًا مطلقًا على جميع أفعال المختارين لما سيأتي في مسألة إيجاب الداعي، فإنه قد تقرَّر هناك أنه لا يصح من كل مختار حين اختياره أن يقع منه ضد اختياره بدلًا من اختياره من غير مُرَجِّح، ولا يمكن دخول هذه الصورة في الوجود، وكل مختار عند اختياره كالملجأ على زعمهم، ولو رام المعتزلي أن ينازع في ذلك بَطَلَ عليه أساس العدل، ولَزِمَهُ تجويز ذلك في حق الرب تعالى.
_________________
(١) ساقطة من (ش).
(٢) من قوله: " لمجرد " إلى هنا ساقط من (أ).
[ ٦ / ٢١ ]
فإن قالوا: إنما لم يفعله الله تعالى طلبًا منه لمصلحة المكلَّفِ في الفعلِ مع المشقة، لأنه حينئذ يستحق الثناء والثواب.
قلنا: إن أردتم المشقة مع زوال، الاختيار فباطل، لموافقتكم على بطلانه، ولما تقرَّر عندكم في أن المستحق على الآلام هو العوض دون الثناء والثواب مع ما فيها من المشقة، وإن أردتم المشقة مع الاختيار، فلا برهان بأيديكم على أنها هي المؤثرة في استحقاق الثناء والثواب (١)، لأنهما ثبتا بثبوته، وانتفيا بانتفائه، ولأن التعليل في ذلك وافق المعلوم من أن الله على كل شيءٍ قدير عمومًا، وعلى هداية العصاة خصوصًا، فهو الأصل، ومن ادعى خلافه، فعليه الدليل القاطع.
الوجه الرابع: أنه يلزمهم أن يكون الله ﷿، كالملجأ إلى الخيرات كلها، فلا يستحقُّ الثناء، وهم لا يقولون بذلك.
الشبهة الثانية: قالوا: سلمنا أنه يستحق الثناء بمجرد الاختيار من غير مشقةٍ بدليل استحقاق الربِّ جل وعلا لذلك بمجرد اختياره، لكن لا نُسَلِّمُ استحقاق الثواب إلاَّ مع المشقة، وما ذكرتموه من عدم اعتبار المشقة معارضٌ بدليل أنه يبطُلُ اسم التكليف ببطلان المشقة، لأنه مشتق من الكُلْفَة في اللغة، ولا يسمى ترك الشائع الراوي للمستقذرات تكليفًا، والجواب من وجوهٍ:
الأول: مطالبتهم بالدليل القاطع على ذلك، وقد وصَّى بعض العلماء أن يطالب المبتدع بالدليل ولا يُحْتَجَّ عليه، فإن القدح في شبهته ولو بمجرد المنع من صحته حتى يستبين أسهل وأوضح من رد تشكيكه في دليل أهل الحق، وذلك لأن الخراب أسهل من العمارة، ولأن من وصايا المبطلين التمسك بالجحد الصِّرْف في خصومات الدين، كما ذلك دأبُهم في خصومات الدنيا،
_________________
(١) في (ش): وإن أردتم استحقاق [الثناء] والثواب، لأنها قد وجدت غير مؤثرة فيهما، وذلك في الآلام، ومثل ذلك يقدح في قياس الفروع الظنية، فكيف الأدلة القطعية والظاهرة مع أهل السنة في أن المختار هو عليه الثناء والثواب.
[ ٦ / ٢٢ ]
والجحد للحق ينتهي إلى جَحْد الضرورة، وحينئذٍ ينقطع المُحِقُّ من الكلام، وينتقل إلى مرتبة الجهاد بالسيف أو الصبر إلى يوم الفصل، وإذا كان مفزَعُهم إلى جحد الحق كان المُحِقُّ أولى أن يفزَعَ إلى جحد الباطل، ويرد عليهم مكرَهُم، ويُوقِعَهم في كيدهم.
فإن قالوا: ليس على النافي دليل.
قلنا: من ادعى نفي العلم وكان حاصل دعواه أنه جاهل، فلا دليل عليه، ولكن أن نفى الضرورة، قطعنا بتكذيبه وإلاَّ وقفنا في ذلك (١). وأما من ادَّعى العلم بالنفي، فعليه الدليل، ولذلك احتجنا إلى الاستدلال على نفي الثاني.
الوجه الثاني: أنه لا مانع من بُطلان هذا الاسم أو بطلان معناه مع بقاء اسم (٢) الطاعة والعبادة، وكذلك اسم المعصية والمخالفة، ولم تَرِدِ الأوامرُ الشرعية على الخلق بأن يتكلَّفُوا ما شَقَّ بل وردت بأن يطيعوا ولا يعصوا، ويعبدوا ولا يكفروا، فحيث شق ذلك، أمرنا بالصبر، وحيثُ لم يشُقَّ، لم نُحْرَمِ الأجر، بل قد جاء نفي الحرج والعسر في نصوص كتاب الله تعالى وقال: ﴿ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى﴾ [طه: ٢]، وقال في صفته - ﷺ -: ﴿وما أنا من المُتَكَلِّفين﴾ [ص: ٨٦]، وسمى دينه الذي ارتضاه لعباده اليُسرى، وسمَّى خلاف ذلك العسرى. وقد بينت (٣) في مقدمات هذا الكتاب أن العُسرى أمرٌ نِسبيٌّ إضافي، وأكثر ما يكون على حَسَبِ الدواعي والصوارف، ولذلك كانت الصلاةُ كبيرة إلا على الخاشعين مع مساواة غيرهم لهم في القوة والصحة أو زيادة غيرهم عليهم في ذلك، ولا معنى لاشتراط (٤) بقاء اسم التكليف (٥)، ولولا ذلك كذلك (٦) لم
_________________
(١) من قوله: " ولكن " إلى هنا ساقط من (ش).
(٢) ساقطة من (ش).
(٣) في (ش): ثبت، وهو تصحيف.
(٤) في (أ): " لاشتراك "، والمثبت كتب فوقها في إحدى النسخ.
(٥) من قولهم: " غيرهم لهم " إلى هنا ساقط من (ش).
(٦) ساقط من (أ).
[ ٦ / ٢٣ ]
تصح الصلاة من غير مشقَّةٍ، ولكانت المشقة أحد شروط صحتها في كتب الفقه، بل كان يلزم بطلان صلاة الخاشعين، بل بطلان إسلام كثير من المسلمين.
فهذه الأسماء التي هي العبادة والطاعة والمعصية (١) والمخالفة باقية مع مجرد الاختيار، سواء بقي اسم التكليف ومعناه أو لا، وذلك مثلما بقي في حق الرب (٢) ﷿ اسم الجواد الكريم الوهاب الحميد، الفعَّال لما يريد مع انتفاء المشاق.
وقد ورد ما يدل على عدم اعتبار المشقة، بل على مضاعفة الثواب مع عدمها، وذلك كقوله تعالي: ﴿وإنَّها لكبيرةٌ إلاَّ على الخاشعين﴾ [البقرة: ٤٥]، ولا شك أن ثواب الخاشعين أعظم من ثواب غيرهم، ولا شك أن الصلاة أسهل وأخفُّ عليهم من غيرهم، بل قد جاء " جُعلت قُرَّةُ عيني في الصلاة " (٣)، و" أرحنا بالصلاة يا بلال " (٤).
_________________
(١) ساقط من (أ).
(٢) في (أ): في حق اسم الرب.
(٣) حديث صحيح، أخرجه أحمد ٣/ ١٢٨ و١٩٩ و٢٨٥، وأبو يعلى (٣٤٨٢) و(٣٥٣٠)، والنسائي في " السنن " ٧/ ٦١ و٦١ - ٦٢ وفي " عشرة النساء " (١) و(٢)، وأبو الشيخ في " أخلاق النبي " ص ٢٢٩ و٢٣٠، والحاكم ٢/ ١٦٠، والبيهقي ٧/ ٧٨ من طريق ثابت البناني، والطبراني في " المعجم الصغير " ١/ ٢٦٢ من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، كلاهما عن أنس بن مالك، وصححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
(٤) أخرجه أحمد ٥/ ٣٧١، وأبو داود (٤٩٨٦) من طريق إسرائيل عن عثمان بن المغيرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن عبد الله بن محمد بن الحنفية قال: انطلقتُ أنا وأبي إلى صهرٍ لنا من الأنصار نعودُه فحضرت الصلاة، فقال لبعض أهله: يا جارية ائتوني بوضوء لعلي أصلي فأستريح، قال: فأنكرنا ذلك عليه، فقال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: " قم يا بلال فأرحنا بالصلاة " وإسناده صحيح. =
[ ٦ / ٢٤ ]
وسواء حصل وصف الخاشعين برياضة فيها مشقة، أو برياضةٍ لا مشقة فيها أو موهبة من الله تعالى من غير رياضةٍ، لأن الثواب الحاصل على صلاة الخاشع غير الثواب الحاصل على الرياضة. وقد أثنى الله على يحيى بن زكريا بكونه سيدًا وحصورًا، وذلك منصوصٌ في كتاب الله تعالى من أن عفة الحَصُور عن النساء موهبة من الله تعالى.
وعن أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: " كُلُّ بني آدم يلقى الله يوم القيامة بذنب، يعذبه عليه إن شاء أو يرحمه إلاَّ يحيى بن زكريا، فإنه كان سيدًا وحصورًا "، وأهوى رسول الله - ﷺ - إلى قذاةٍ من الأرض فأخذها، وقال: " ذكره مثل هذه القذاة " (١). رواه الطبراني في " الأوسط " من معاجمه من حديث حجاج بن سليمان الرُّعيني، وهو مختلفٌ فيه، ووثَّقه ابن حبان وغيره، ومَشَّاه ابن عدِيٌّ، ولكن شواهده في الثناء على يحيى بن زكريا ﵉ قرآنية ضرورية (٢)، ونبوية شهيرة.
_________________
(١) = وأخرجه أحمد ٥/ ٣٦٤، وأبو داود (٤٧٨٥) من طريق مسعر بن كدام، عن عمرو بن مُرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن رجل -قال مسعر: أراه من خزاعة- وفي رواية أحمد: رجل من أسلم- قال: ليتني صليتُ فاسترحت، فكأنهم عابوا عليه ذلك، فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - قال: " يا بلال أقم الصلاه أرحنا بها ".
(٢) أخرجه ابن عدي في " الكامل " ٢/ ٦٥١، وابن أبي حاتم في تفسيره فيما نقله عنه ابن كثير في " تفسيره " ١/ ٣٦٩ من طريق أبي الأزهر حجاج بن سليمان الرعيني عن الليث بن سعد، عن محمد بن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا. وذكره الهيثمي في " المجمع " ٨/ ٢٠٩ وقال: رواه الطبراني في " الأوسط " وفيه حجاج بن سليمان الرعيني وثقه ابن حبان وغيره، وضعفه أبو زرعة وغيره، وبقية رجاله ثقات. قلت: وقال ابن عدي: وإذا روى حجاج هذا عن غير ابن لهيعة، فهو مستقيم إن شاء الله.
(٣) في (ش): ضرورة.
[ ٦ / ٢٥ ]
ففي الباب عن ابن عباس (١) بإسناد رجاله ثقات.
وعنه أيضًا بإسناد آخر رجاله رجال الصحيح، وخرجه الحاكمُ عنه، وقال: على شرط مسلم (٢).
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص (٣) بإسناد رجاله ثقات كلها مرفوعة. ذكرها
_________________
(١) أخرجه أحمد ١/ ٢٥٤ و٢٩٢ و٢٩٥ و٣٠١ و٣٢٠، وأبو يعلى (٢٥٤٤)، والبزار (٢٣٥٨)، والطبراني (١٢٩٣٣)، والحاكم ٢/ ٥٩١ من طريق حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس. وذكره الهيثمي في " المجمع " ٨/ ٢٠٩ وقال: وفيه علي بن زيد، ضعفه الجمهور، وقد وثق، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح. وقال ابن حجر في " تلخيص الحبير ": وهو من رواية علي بن زيد بن جدعان، عن يوسف بن مهران وهما ضعيفان. وأخرجه البزار (٢٣٥٩) عن سهل، حدثنا محمد بن سليمان، حدثنا إسماعيل بن زكريا مولى بني أسد، عن محمد بن عون الخراساني، عن عكرمة، عن ابن عباس. وقال ابن حجر في " التلخيص " تعليقًا على هذه الطريق: ومحمد بن عون الخراساني ضعيف.
(٢) أخرجه الحكم ٢/ ٥٩١ وليس فيه ما نقله عنه المؤلف.
(٣) أخرجه البزار (٢٣٦٠) من طريق سفيان، وابن المنذر فيما ذكره ابن كثير في " تفسيره " ١/ ٣٦٩ من طريق علي بن مُسْهِرٍ، كلاهما عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو وقال الهيثمي في " المجمع " ٨/ ٢٠٩: رواه البزار ورجاله ثقات. وأخرجه الطبراني (٦٩٨١)، والحاكم ٢/ ٣٧٣ من طريق محمد بن إسحاق قال: حدثني يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، حدثني عمرو بن العاص مرفوعًا، وصححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. وأخرجه ابن أبي حاتم فيما ذكر ابن كثير ١/ ٣٦٩ من طريق عباد بن العوام، والطبري (٦٩٨٣) من طريق شعبة، كلاهما عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال: قال ابن العاص - إما عبد الله وإما أبوه فرفعه ابن أبي حاتم، ووقفه الطبري. =
[ ٦ / ٢٦ ]
الهيثمي في " مجمع الزوائد ".
وقال الحافظ ابن حجر في كتاب الشهادات من " تلخيصه " (١) رواه أحمد والحاكم وأبو يعلى من حديث ابن عباس.
وأخرجه البيهقي بإسناد صحيح إلى الحسن، عن النبي - ﷺ - مرسلًا (٢).
وأخرجه عبد الرزاق من طريق سعيد بن المسيب مرسلًا أيضًا (٣)، وذكر له طرقًا أُخر.
ويشهد له حديث " لن يدخل أحدكم الجنة بعمله، لكن برحمة الله " (٤) وفيه
_________________
(١) = وأخرجه ابن أبي حاتم فيما ذكر ابن كثير من طريق يحيى بن سعيد القطان، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، أنه سمع سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو بن العاص موقوفًا. وقال ابن كثير: فهذا موقوفٌ أصحُّ إسنادًا من المرفوع.
(٢) ٤/ ١٩٩.
(٣) وأخرجه الحاكم ٢/ ٥٩١، والبيهقي ١٠/ ١٨٦ من طرق عن الحسن مرسلًا.
(٤) وأخرجه الطبري (٦٩٨٢) عن يونس، عن أنس بن عياض، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قوله. ورجاله ثقات.
(٥) أخرجه البخاري (٥٦٧٣) و(٦٤٦٣)، ومسلم (٢٨١٦) من حديث أبي هريرة، وانظر تمام تخريجه في " صحيح ابن حبان " (٣٤٨) و(٣٥٠). وأخرجه البخاري (٦٤٦٤) و(٦٤٦٧)، ومسلم (٢٨١٨) من حديث عائشة. وأخرجه مسلم (٢٨١٧) من حديث جابر. وانظر تمام تخريجه في " صحيح ابن حبان " (٣٥٠). وأخرجه أحمد ٣/ ٥٢ من طريق عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري. وحسن إسناده الهيثمي في " المجمع " ١٠/ ٣٥٦! وأخرجه البزار (٣٤٤٧) من حديث أبي موسى الأشعري. وذكره الهيثمي في " المجمع " ١٠/ ٣٥٦ - ٣٥٧ وقال: رواه البزار والطبراني في " الأوسط " و" الكبير "، وفي أسانيدهم أشعث بن سوار، وقد وثق على ضعفه، وبقية رجالهم ثقات. =
[ ٦ / ٢٧ ]
اختيار المؤلف بأن الباء في قوله تعالى: ﴿ادخلو الجنة بما كنتم تعملون﴾ باء السبب لا باء الثمن والقيمة
ثلاثة عشر حديثًا مما اتَّفق عليه البخاري ومسلم منها على اثنين، وانفرد مسلم بحديث، وبقيتها في " مجمع الزوائد "، وُثِّقَ منها رجال أربعةٍ، وبقيتها على شرط التواتر.
ويشهد له مثل قول آدم: ﴿وإنْ لم تَغفِرْ لنا وترحَمْنا لنكونَنَّ من الخاسرين﴾ [الأعراف: ٢٣]، وقوله تعالى: ﴿وإلاَّ تَغفِرْ لي وترحمني أكُنْ من الخاسرين﴾ [هود: ٤٧]، إلى أمثالٍ لذلك كثيرة ذكرتها في آخر هذا المجلد، وأوضحت أن الباء في قوله تعالى: ﴿ادخُلُوا الجَنَّةَ بما كُنْتُم تعملون﴾ [النحل: ٣٢] باء السبب لا باء الثمن والقيمة، وإنما هي كقولك أغناني الأمير بأبياتٍ قلتها أو بتقبيلي قدمه.
ويشهد لطرف الحديث الآخر، وهو عموم البلوى بالذنوب قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [النحل: ٦١]، وفى آية: ﴿على ظهرها﴾ [فاطر: ٤٥]، وقوله تعالى: ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ [عبس: ٢٣].
_________________
(١) = وأخرجه " البزار " (٣٤٤٦) والطبراني (٧٣١٨) و(٧٢١٩) و(٧٢٢٠) و(٧٢٢١) من حديث شريك بن طارق. وذكره الهيثمي في " المجمع " من حديث شريك بن طريف -وهو خطأ، والصواب ما أثبت- وقال: رواه الطبراني بأسانيد ورجال أحدها رجال الصحيح. وأخرجه الطبراني ١/ (٤٩٣) من حديث أسامة بن شريك. وقال الهيثمي في " المجمع ": وفيه المفضل بن صالح الأسدى. وهو ضعيف. وأخرجه الطبراني ١/ (١٠٠١) من حديث أسد بن كرز: وحسَّن الحافظ ابن حجر إسناده في " الإصابة " ١/ ٤٩. وفي " مجمع " الزوائد " في هذا المعنى حديثان لأبي هريرة بزيادة ليست في الصحيح، وحديث أنس بن مالك وابن عمر وواثلة بن الأسقع، وبذلك يتم العدد ثلاثة عشر حديثًا كما ذكر المؤلف.
[ ٦ / ٢٨ ]
وذكر في " الجامع الكافي " على مذهب الزيدية أن زين العابدين علي بن الحسين ﵇ بكى عند موته، فقال له ولده الباقر: لِمَ تبكي؟ فوالله ما علمتُ أحدًا طلب الله ما طلبته، فقال له أبوه: اسكت يا ولدي، فإنه ليس أحد يأتي يوم القيامة إلاَّ وله زلَّة، إن شاء الله عاقبه عليها، وإن شاء عفا عنه.
ويعضده حديث عائشة وأبي هريرة " لن يدخل أحدًا منكم عمله الجنة ولا أنا ".
وفي " مسلم " عن جابر مثله.
ومنه قول الخليل: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢]. وفي " مجمع الزوائد " عشرة أحاديث مثل ذلك. وفي قول آدم ونوحٍ في كتاب الله.
والعجب من المعتزلة أنهم يُفضلون الملائكة على الأنبياء والصالحين مع قوله في الملائكة: ﴿لا يفتُرُون﴾ [الأنبياء: ٢٠]، وفي آية: ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩] أي: يَعْيَوْنَ، ومع ما عُلِمَ من عصمة الملائكة من شهوة النساء والطعام والشراب، ثم يُعَوِّلُون بعد هذا على أن الثواب علي قَدَرِ المشقة.
ومن أعظم ما يُحتج به على ذلك ما قطع به الجماهير وجوَّزه الجميع من تفضيل رسول الله - ﷺ - على نوحٍ ﵇، وأمثاله ممن كانت شِرعته أشق وعمره أطول، ومشقته أكثر، فإن رسول الله - ﷺ - إنما بقي عاملًا بشريعته قدر عشرين عامًا مع ما عُلِمَ من سهولتها بالنسبة إلى ما قبلها من الشرائع، وإلى ذلك الإشارة بنحو قوله تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
ولذلك ورد في الصحيح أنهم تقالُّوا عبادته، وقال بعضهم: إنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فبلغ ذلك رسول الله - ﷺ -، فغضب، وقال: "إني
[ ٦ / ٢٩ ]
لأعلمُكم بالله وأخشاكم له، ولكنَّها سُنَّتي" (١) الحديث أو كما ورد.
ووصف شريعته - ﷺ - بأنها الحنيفية السمحة (٢)، ونهى عن الرهبانية (٣)
_________________
(١) أخرجه أحمد ٣/ ٢٤١ و٢٥٩ و٢٨٥، والبخاري (٥٠٦٣)، ومسلم (١٤٠١)، والنسائي ٦/ ٦٠، وابن حبان (١٤) و(٣١٧)، والبيهقي ٧/ ٧٧، والبغوي في " شرح السنة " (٩٦) من حديث أنس. وتمام لفظه من البخاري: " جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي - ﷺ - يسألون عن عبادة النبي - ﷺ - فلما أخبروا كأنهم تقالُّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي - ﷺ - قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فأنا أصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء، فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله - ﷺ - فقال: " أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني ".
(٢) تقدم تخريجه في ١/ ١٧٥.
(٣) أخرج أحمد ٦/ ٢٢٦، والبزار (١٤٥٨) من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة قال: دخلت امرأة عثمان بن مظعون أحسب اسمها خولة بنت حكيم على عائشة وهي باذّة الهيئة، فسألتها ما شأنك؟ فقالت: زوجي يقوم الليل، ويصوم النهار، فدخل النبي - ﷺ -، فذكرت عائشة ذلك له، فلقي رسول الله - ﷺ - عثمان، فقال: " يا عثمان إن الرهبانية لم تكتب علينا، أفما لك فيَّ أسوة، فوالله إني أخشاكم لله، وأحفظكم لحدوده ". لفظ أحمد، ورجال إسناده ثقات. وذكره الهيثمي في " المجمع " ٤/ ٣٠٢ من حديث أبي أمامة، ونسبه إلى الطبراني وقال: وفيه عُفير بن معدان وهو ضعيف، ولفظه: " إني إنما بعثث بالحنيفية السمحة، ولم أبعث بالرهبانية البدعة، وإن أقوامًا ابتدعوا الرهبانية فكُتِبَتْ عليهم، فما رَعَوْها حق رعايتها، ألا فكلوا اللحم، وائتوا النساء، وصوموا وأفطروا، وصلوا وناموا، فإني بذلك أُمرت ". وأخرج الدارمي ٢/ ١٣٣ عن محمد بن يزيد الحزامي، حدثنا يونس بن بكير، حدثني ابن إسحاق، حدثني الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن سعد بن أبي وقاص قال: لما كان من أمر عثمان بن مظعون الذي كان ممن ترك النساء، بعث إليه رسول الله - ﷺ - فقال: " يا عثمان إني لم أومر بالرهبانية، أرغبت عن سنتي؟ " قال: لا يا رسول الله، قال: " إن من سنتي أن أصلي وأنام، وأصوم وأطعم، وأنكح وأطلق، فمن رغب عن سنتي فليس مني ".
[ ٦ / ٣٠ ]
والتشديد (١)، وقد أفردت هذا المعنى في جزءٍ مفرد ولله الحمد، وأوضحت فيه أنه لا رابطة عقلية ولا شرعية بين الحقِّ والعسر، ولا بين الباطل والسهولة لما صح من ضلال كثير من أهل الأعمال الشاقة من رهبان النصارى وخوارج هذه الأمة ومبتدعتها، وعكس ذلك والحمد لله رب العالمين.
ولذلك صح بلوغ صلاة الجماعة والصلاة في الحرم، وفي ليلة القدر، وعلى هذه الأحوال كلها تلك المبالغ العظيمة (٢)، ومن ثم (٣) صح تفضيل سورةٍ على سورة، وآيةٍ على آية، وكانت ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] تعدل ثلث القرآن (٤)، ومن ثم كان الحليم أفضل من المتحلِّم ونحو ذلك، ومجموع
_________________
(١) يشير إلى قوله - ﷺ -: " إن هذا الدين يُسرٌ، ولن يُشاد الدينَ أحدٌ إلاَّ غلبه، فسدِّدوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والرواح وشيء من الدُّلْجة ". أخرجه البخاري (٣٩)، والنسائي ٨/ ١٢١ - ١٢٢، وابن حبان (٣٥١)، والبيهقي في " السنن " ٣/ ١٨ من حديث أبي هريرة.
(٢) ساقطة من (ش).
(٣) في (ش): العطفة.
(٤) أخرج مالك ١/ ٢٠٨، ومن طريقه البخاري (٥٠١٣) و(٦٦٤٣) و(٧٣٧٤)، وأبو داود (١٤٦١)، والنسائي في " السنن " ١/ ١٧١ وفي " عمل اليوم والليلة " (٦٩٨) عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري أنه سمع رجلًا يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ يرددها، فلما أصبح غدا إلى رسول الله - ﷺ - فذكر ذلك له، وكأن الرجل يتقالُّها، فقال رسول الله - ﷺ -: " والذي نفسي بيده إنها لتَعْدِلُ ثلث القرآن ". وأخرجه من طريق أخرى عنه: البخاري (٥٠١٥) بلفظ: " أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟ " فشق ذلك عليهم وقالوا: أيُّنا يطيق ذلك يا رسول الله؟ فقال: " الله الواحد الصمد ثلث القرآن ". وأخرجه من حديث أبي الدرداء: مسلم (٨١١)، والدارمي ٢/ ٤٦٠، وأحمد ٦/ ٤٤٢ و٤٤٧، والنسائي في " عمل اليوم والليلة " (٧٠١). وأخرجه من حديث أبي هريرة: مسلم (٨١٢)، والترمذي (٢٩٠٠).
[ ٦ / ٣١ ]
تلخيص الجواب عن المعتزلة القائلين بأنه لا يستحق الثواب إلا مع المشقة
ذلك يوجب التواتر، ومنع التأويل بما ذكرنا غير مرة من أن العادة تقضي بالظاهر فيما شاع من عصر النبوة والصحابة، ولم يذكر تأويله ويحذر من ظاهره.
وقد ردَّ الإمام المتوكل أحمد بن سليمان (١) ﵇ على نشوان بن سعيد قوله بنفي التفضيل، لأنه أراد نفي (٢) تفضيل أهل البيت بنسبهم من رسول الله - ﷺ -، وبالغ في أن الله لا يفضل أحدًا إلاَّ بالعمل، فبالغ الإمام في رد ذلك، واحتج بالنصوص مثل قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، وقوله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٧]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ١٥]، وذكر ما تقدم من تفضيل محمد - ﷺ - مع قصر عمره وسهولة شريعته، وذكر أن الله فاضل (٣) بين المواضع، وفضل بعضها على بعض كالكعبة، وبين الأزمان كرمضان، وبين الليالي كليلة القدر، فجعلها خيرًا من ألف شهر، وبين الأيام كيوم الجمعة، وطوَّل ﵇ في ذلك، وجوّد في الرد على شُبَهِ (٤) نشوان في نفي ذلك.
وتلخيصُ هذا الجواب أن المشقة في التكليف صارفٌ عن الخير، وداعٍ
_________________
(١) = وأخرجه من حديث أبي أيوب الأنصاري: الترمذي (٢٨٩٦)، والنسائي في " المجتبى " ٢/ ١٧٢، وفي " عمل اليوم والليلة " (٦٧٩) و(٦٨٠) و(٦٨١) و(٦٨٢) و(٦٨٣). وأخرجه من حديث أبي مسعود الأنصاري: النسائي في " عمل اليوم والليلة " (٦٩٣)، وابن ماجه (٣٧٨٩). وأخرجه من حديث ابن مسعود: النسائي في " عمل اليوم والليلة " (٦٧٥)، وابن حبان (٢٥٧٦)، والبزار (٢٢٩٨)، والطبراني (١٠٤٨٥).
(٢) تقدمت ترجمته ٢/ ٣٣٢.
(٣) ساقطة من (ش).
(٤) في (أ): فضل.
(٥) في (ش): شبهة.
[ ٦ / ٣٢ ]
إلى الشرِّ، لا معنى لها غير ذلك، فإمَّا أن يشترطوا في التكليف أن تكون تلك المشقة اللازمة (١) له راجحةً على الدواعي إلى الخير والصوارف عن الشر أو لا، والأول ممنوع لوجوه:
أولها: الاتفاق على ذلك، فإن المعتزلة لا توجب ذلك (٢) التكليف.
وثانيها: لزوم أن لا تقع الطاعة من مكلَّفٍ أبدًا، لأن المرجوح لا يقع قطعًا، وإلاَّ لزم تجويز وقوعه من الله تعالى.
وثالثها: وقوع جميع أنواع المعاصي من كل أحدٍ (٣) من المكلفين.
ورابعها: أن ذلك يناقض إيجاب المعتزلة اللطف على الله تعالى.
وخامسها: أنه يوجب جواز أن يفعل الله المفسدة في التكليف، وهو عندهم ممنوعٌ، فإنهم منعوا أن يفعل الله الدواعي الزائدة التي يعلم الله تعالى أن العبد (٤) يعصي عندها، ويصح تكليفه بدونها، وهذا يلزمهم قبح جميع الدواعي إلى القبيح (٥) الأصلية التي وقع القبيح عندها، لأن العلة وقوعه (٦) عندها، سواء كانت أصليةً أو زائدة، وفرقهم بينها بأن الأصلية شرطٌ في صحة التكليف ممنوع بما ذكرنا في هذا البحث، ولأنه يؤدي إلى أن يكون الشرط في صحة التكليف فعل ما هو مفسدةٌ فيه، وهذا متناقض.
وسادسها: أن الله تعالى أخبر أنه لا يفعل مثل ذلك، فقال تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٢٧]، وقال: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣].
_________________
(١) في (ش): الملازمة.
(٢) في (ش): ذلك في التكليف.
(٣) في (ش): واحد.
(٤) في (ش): المكلف.
(٥) في (ش): القبيحة.
(٦) في (ش): الوقوع.
[ ٦ / ٣٣ ]
وسابعها: أنه لا يلزم عدم التكليف بترك ما لا يشق، أو عدم الثواب بترك كثيرٍ من المحرمات من نكاح الأمهات والبنات وسائر المحارم، وكثير من أنواع الكفر، والسُّخْف، والخِسَّة، والكذب الضار، وهذه الأمور هي أعظم المحرمات وأغلظها.
وكذلك قضاء الجواد المُمَدَّح واسع الغنى لدانقٍ من الدين لا يسمى تكليفًا مشتقًا من الكُلفة مع كونه واجبًا مأمورًا به مُثابًا عليه، وكذلك قول الملائكة والصالحين: سبحان الله، مما لا يصح بقاء الكلفة فيه على الإطلاق في الحقيقة العرفية خصوصًا.
وكذلك اعتقاد بطلان ربوبية الحجارة ونحوها، وكذلك ترك الشيعة للنصب والسنية للرفض.
والثاني: -وهو أن تكون المشقة اللازمة للتكليف مرجوحة- مسلَّمٌ، ولا يضر تسليمه، لأن اللطف حينئذ حاصل بتكثير الدواعي إلى الخير وتقويتها، وذلك مقدورٌ لله تعالى بالإجماع كالمعصوم من الملائكة والأنبياء مع بقاء اسم الاختيار، واسم الطاعة والمعصية، وإن بطل المعنى المناسب لاسم التكليف في اشتقاقه. وقد صحح هذا الإمام يحيى بن حمزة في بعض مصنفاته، وابن عبد السلام في " قواعده "، وجوَّد ذلك فثبت أن اسم الطاعة والعبادة، واسم الحرام والمعصية لا يلازم اسم التكليف ومعناه ملازمة الصفات الذاتيات، ولا الشروط الواجبات، وإنما تكون المشقة في التكليف من العوارض الزائلات.
فإن قيل: إنا مُكَلَّفون فيما لا مشقة فيه بالأسباب الشاقة أجبنا بوجوه:
الأول: أن هذا السؤال لا يرد إلاَّ على السؤال السابع.
الثاني: أن فيه ما لا مشقة في سببه، مثل ترك عبادة الأصنام، وأن بطلان ربوبيتها معلومٌ بالضرورة، وكذا قبح عبادتها الصارف عنها، ولا داعي لنا إلى عبادتها ألبتة.
[ ٦ / ٣٤ ]
وكذلك نكاح الأمهات، النُّفرة فيها طبيعية لا كُلفة في تركه، ولا تتوقف النفرة عنه على معرفة صحة الشرائع.
الثالث: أنا نعلم ضرورة أن التكليف تعلق بترك ما لا مشقة فيه بنفسه من غير نظرٍ إلى مقدمات الترك، على أن تلك المقدمات الشافة إنما وجب لأجله، فلو كان شرط التكليف المشقة (١)، ولا مشقة في المقصود، لزم أن لا يصح التكليف به، فلا يجب التوصل إليه بما فيه مشقة على أن (٢) تسمية ما لا يتم الواجب إلاَّ به واجبًا متنازعٌ فيه، والصحيح أنه ليس بواجب، ولكن لا بد منه، ويظهر ذلك بعدم وجوب نيته، ولا تجب نية (٣) صوم جزء من الليل، ولا غسل جزء من الرأس، ولا تتعلق به العقوبة.
الوجه الثالث من أصل الجواب: أن قولهم: إن اختيار (٤) الحسن مع المشقة يوجب الثناء والثواب، ومع غير المشقة يوجب الثناء دون الثواب، يقتضي أن اختيار العبد الذي تصحبه المشقة أرفع مرتبة في استحقاق الحمد والثناء (٥) من اختيار الرب ﷿، لأن نزول اختيار الرب عن استحقاق درجة الثواب على هذا الوجه إنما كان بسبب قصوره عن مرتبة داعي العبد الذي قوي على دفع الصوارف، والصبر على المكالف، ولم يشعر المعتزلي أن هذه صفة نقصٍ للعبد تدل على عجزه لا سوى، إذ لا أثر لصارف المشقة مع رجحان داعي الرغبة، حيث إن الفعل يقع عند رجحانه سواءٌ شق أو لم يشق، ولا يقع مع عدم رجحانه شق أو لم يشق، فإنما المشقة من لوازم ضعف العبد، وقلة قدرته لا من لوازم زيادة الثناء والثواب.
_________________
(١) في (ش): فلو كان الشرط التكليف به المشقة.
(٢) في (ش): لأن.
(٣) ساقطة من (ش).
(٤) تحرفت في (ش) إلى: حساب.
(٥) في (ش): والثواب.
[ ٦ / ٣٥ ]
ولذلك ورد في الحديث " أن المؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف " (١)، وما ورد في الشريعة المطهرة في بعض الصور من زيادة الأجر (٢) عند المشقة فسببه رحمة الرب الكريم سبحانه للعبد، وليست المشقة تقتضي بنفسها وجوب ذلك بدليل ما قدمنا من تواتر المضاعفة من غير مشقة.
وكذلك ما ورد من تضعيف العقاب عند ضعف الداعي إلى المعصية، وعدم المشقة في تركها، سببه أنه ضعَّف داعي الرحمة المقتضي لتخفيف كثير من العقاب المستحق فبقي موجب العقاب بلا معارض، لا أن عدم المشقة أو ضعفها انتهض سببًا لتضعيف العقوبة، ويقوِّيه مثل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ﴾ الآية [النور: ٦١]، فإنه لم ينف الحرج عنهم، لأنهم أفضل من الأصحَّاء (٣)، بل لأنهم أضعف، وقد كان أفاضل الصحابة أصح وأقوى وأقل مشقة واتقى.
ويحتمل جوابًا آخر في الوجهين، وهو أن يكون الأجر على المشقة من قبيل الأجر على الآلام، وهي ضرورية لا اختيار للعبد فيها، ويوضحه أن المشقة تزيد وتنقص بغير اختيار، بل توجد وتُعْدَمُ بغير اختيار، فيكون ذلك الأجر زيادة في بعض الصور ومُقَلِّلًا للعقاب في بعضها، وذلك من العوارض التي لا يجب استمرارها، فقد تكون المصلحة والحكمة في تضعيف ثواب ما لم تصحبه تلك
_________________
(١) أخرجه أحمد ٢/ ٣٦٦ و٣٧٠، ومسلم (٢٦٦٤)، والنسائي في " عمل اليوم والليلة " (٦٢٣)، و(٦٢٤)، وابن ماجه (٧٩) و(٤١٦٨)، وابن أبي عاصم في " السنة " (٣٥٦)، والطحاوي في " مشكل الآثار " (٢٥٩) و(٢٦٠) و(٢٦١) و(٢٦٢)، وابن حبان (٥٧٢١) و(٥٧٢٢)، وأبو نعيم في " الحلية " ١٠/ ٢٩٦، والخطيب في " تاريخه " ١٢/ ٢٢٣، والبيهقي في " السنن " ١٠/ ٨٩، وفي " الأسماء والصفات " ١/ ٢٦٣، والمزي في " تهذيب الكمال " ٩/ ١٣٥ من حديث أبي هريرة.
(٢) في (ش): من زيادات الأحسن.
(٣) في (أ) و(ش): الأصحاب، وهو خطأ.
[ ٦ / ٣٦ ]
المشقة أعظم من ثواب ما صحبته.
فهذا الجواب قوي جدًا وبتحقيقه يتضح ما تقدم أن ما يلحق العبد من المشقة عند أفعاله الاختيارية من جملة صفات النقص التي تنزه عنها الرب ﷿، وأن أكمل الاختيار، وأكمل القدرة، وأتَمَّ التمكن ما لم تعلق به المشقة والعجز والكسل والتردد في العزم.
الوجه الرابع: أنه لو كان مجرد الاختيار من غير مشقة لا يكفي في استحقاق الثواب، لما كان اختياره تعالى للإحسان إلى العباد يكفي في استحقاق الشكر عقلًا على أصول المعتزلة، لأن الشكر جزاء النعمة، والجزاء في معنى الثواب، لكنه يختص في العُرف بما كان من المرتبة العليا إلى السفلى، فصار الشكر والثواب كالأمر والدعاء صورتهما واحدة، واسمهما ومعناهما يختلف باختلاف عُلُوِّ المرتبة وانحطاطها.
فصورة " افعل " منا إلى الله تعالى دعاء، ومن الله إلينا أمرٌ، ولا ينعكس، والجزاء منا لله تعالى شكرٌ، ولا يكون ثوابًا، والجزاء من الله تعالى لنا ثواب، وقد يسمى شكرًا إما مجازًا أو عرفًا، ولا يجوز تسمية شكر الله تعالى ثوابًا لا حقيقة ولا مجازًا.
فإذا كان الله سبحانه قد أوجب شكره على ما لا يُشَقُّ عليه، والشكر له ﷿ عندهم كالجزاء على إحسانه مع أنه سبحانه هو الغني الحميد، فكيف لا يكون كذلك في حكمته في ثواب العبد؟.
الوجه الخامس: أنه إنما يلزم ما ذكروه بناء على أن الثواب واجب على الله تعالى في العقل، وإن لم يَعِدْ به، ولم يجمعوا على هذا، فإن البغدادية منهم لا يوجبون الثواب، وكذلك طوائف أهل السنة، ولكن الله ﷾ يفعله قطعًا لوعده الصادق بذلك، وهم مطالبون بدليل قاطع على إيجاب الثواب عقلًا، وأدلتهم هنا ضعيفة، والطعن ممكن فيها، وبذلك يبطل قولهم: إنه ليس
[ ٦ / ٣٧ ]
كلام بعض المعتزلة أن الصلاة وسائر الواجبات إنما وجبت لأنها ألطاف
في مقدور الله تعالى ولا في معلومه لُطْفٌ للعصاة، وإيجاب الثواب ينبني على قولهم: إن الواجبات كلها وَجَبَتْ لوجوهٍ ثابتة في نفس الأمر، لا بإيجاب الله تعالى، والله عندهم غير مختارٍ في الأحكام الشرعية.
وقد اكتفى بعض أهل السنة في رد مذهبهم باعتقاده أنه باطلٌ بالضرورة الشرعية وظنه (١) أنهم لا يتجاسرون على دفع (٢) ذلك، ولم يشعر أنه صريح مذهبهم (٢)، وهو يكفي السني (٣) في معرفة بطلان قولهم، فإنه يستلزم أنه لا فرق بين الرب ﷿ وبين المفتي بالصواب في الأمور المعلومات، ويلزمهم مثل (٤) ذلك في المظنونات، لأنهم يقطعون بتصويب كُلِّ مجتهد فيها، فيكون الصواب معلومًا للمفتي.
ومن تعاليلهم الركيكة في ذلك أن الصلاة وسائر الواجبات الشرعية إنما وجبت، لأنها لطفٌ في الواجبات العقلية على معنى أن الله تعالى علم أن من فعل واجبًا شرعيًا فَعَلَ واجبًا عقليًا، والمحرمات الشرعية مفاسد في العقلية على معنى أن من فعل محرمًا شرعيًا فعل محرمًا عقليًا.
وقد ألزموا أن من سَكِرَ من الخمر، قبح موته حتى يصحو، فمن واصل السكر كان في أمانٍ من الموت حتى يصحو، وحتى يرتكب قبيحًا عقليًا (٥) بعد صحوه. وكذلك من فعل واجبًا شرعيًا، كان في أمان من الموت حتى يفعل واجبًا عقليًا.
_________________
(١) في (ش): " وظنهم " وهو خطأ.
(٢) ساقطة من (أ).
(٣) في (ش): السنة.
(٤) من قوله: " أنه لا فرق " إلى هنا ساقط من (ش).
(٥) ساقطة من (أ).
[ ٦ / ٣٨ ]
وقد ألزموا مع توسعة الوقت في الواجب (١) أن تكون المصلحة المفعولة بعده واقعةً بعد خروج وقته الموسَّع، إذ لو جاز وقوعها قبله قبُحت التوسعة، ومنع (٢) ذلك، فيلزم الأمان من الموت في أول وقت الصلاة إلى آخره في حقِّ من صلَّى أو عزم على الصلاة، والمعلوم بالحسِّ خلاف ذلك كله.
وأيضًا فقد أمر الله تعالى بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم بنصِّ كتاب الله، ولا موجب لتأويله بقثل بعضهم بعضًا، وعلى تسليمه، فصبر المقتول للقتل واجبٌ عليه شرعي، كصبر المقتول في حدِّ الزنى وفي القصاص.
ولا بُدَّ على أصولهم من كونه لطفًا في واجب عقلي يقوم به المقتول، ومتى يكون ذلك، ولا يصح التكليف عندهم في البرزخ ألبتة، ولا يكفي المقتول كون ذلك لطفًا للقاتل كما اعتذروا بذلك، لأنهما واجبان شرعيان على مكلفين مختلفين، فوجب أن يكون كل منهما لطفًا فيما يخصُّهُ.
بل الصبر في الجهاد الواجب المفضي إلى الشهادة واجبٌ شرعي، وقد يتصل به القتل فورًا قبل أداء واجب عقلي، مثل المقتول فورًا بسهم، أو المضروب عنقه (٣) بغتةً أو نحو ذلك.
وعلى تسليم ما ذكروه فلا دلالة في العقل على وجوب الجزاء على السيد للعبد إذا فعل ما يجب عليه، خصوصًا على قول المعتزلة هذا المقدم، وهو أن الواجب يجب لنفسه، وأن الله لم يوجب شيئًا من الواجبات، ويتأوَّلون إيجابه تعالى بإخباره بالوجوب، والمختار أنه لا يجب البحث عن وجه وجوب الشرعيات لو لم يرد بيانه، لكنه قد ورد بيانه في أمرين في كتاب الله تعالى وسنة رسوله - ﷺ -.
_________________
(١) " في الواجب " ساقطة من (أ).
(٢) في (ش): مع.
(٣) في (ش): بعنقه.
[ ٦ / ٣٩ ]
حكاية مذهب أهل البيت أن الوجه في وجوب الشرعيات كونها شكرا
ما ورد في كتاب الله وسنة رسوله في وجه وجوب الواجبات
الأول: كونها شكرًا لله ﷿، وذكر في " شمس الشريعة " عن أبي مُضَرَ أنه مذهب أهل البيت ﵈، وهو مذهب يحيى بن الحسين الهادي سمعته من العلامة علي بن عبد الله بن أبي الخير، ثم وجدته منصوصًا في كتاب " البالغ المدرك " وشرحه السيد أبو طالب ولم يتأوله، ونصَّ عليه عبد الله بن زيد في كتابه " المحجة البيضاء "، وهو قول البغدادية من المعتزلة (١)، وهو الذي تقتضيه قواعد أهل السنة أجمعين، قال الله سبحانه: ﴿اعمَلُوا آلَ داودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣]. قال الزمخشري (٢) على اعتزاله: اعملوا لله واعبدوه على وجه الشكر لنعمائه، وفيه دليل على أن العبادة يجب أن تؤدَّى على طريق الشكر.
وقال في تفسير ﴿وقليلٌ من عباديَ الشَكورُ﴾ [سبأ: ١٣]: إنه المتوفر على أداء الشكر، الباذل وسعه فيه، قد شغل به قلبه ولسانه وجوارحه اعتقادًا واعترافًا وكَدْحًا. انتهى.
وفي الحديث الصحيح أن رسول الله - ﷺ - كان يقوم حتى تورَّمت قدماه، فقيل له: أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخَّر؟ فقال: " أفلا أكون عبدًا شكورًا " (٣).
_________________
(١) " من المعتزلة " ساقطة من (ش).
(٢) ٣/ ٢٨٣.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٤٧٤٦)، والحميدي (٧٥٩)، وأحمد ٤/ ٢٥١ و٢٥٥، والبخاري (١١٣٠) و(٤٨٣٦) و(٦٤٧١)، ومسلم (٢٨١٩)، والترمذي (٤١٢)، وفي " الشمائل " (٢٥٨)، والنسائي ٣/ ٢١٩، وابن ماجه (١٤١٩)، وابن خزيمة (١١٨٢) و(١١٨٣)، وابن حبان (٣١١)، والبيهقي ٣/ ١٦ و٧/ ٣٩، والبغوي (٩٣١) من حديث المغيرة بن شعبة. وأخرجه أحمد ٦/ ١١٥، والبخاري (٤٨٣٧)، ومسلم (٢٨٢٠)، والبيهقي ٧/ ٣٩، وأبو نعيم في " الحلية " ٨/ ٢٨٩ من حديث عائشة. وأخرجه ابن خزيمة (١١٨٤)، وأبو نعيم في " الحلية " ٧/ ٢٠٥ من حديث أبي هريرة.
[ ٦ / ٤٠ ]
ولا شك أن امتثال أوامر المحسن لأجل إحسانه يُسمى شكرًا، إما في الحقيقة الوضعية، أو في الحقيقة العرفية، أو فيهما معًا، وأما الكلام في كل فرد من أفراد التكليف وما الوجه في تسميته شكرًا، فلا داعي إلى التطويل بذكره هنا، لأن هذا عارض، ولا حاجة إلى تكلُّفه هنا مع الاعتراف بحكمة الله تعالى، وأنه يعلم ما لا نعلم، ومن أدقِّه الكلام في أفعال الحج (١)، وقد تكلم فيه الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد في شرح " العمدة "، وقد أفردت الكلام على هذه المسألة، وفيها مباحث سهلة.
الثاني: إنها من أسباب معرفة الله والإيمان به، لقوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٧]، وقوله تعالى بعد ذكر حكم الظهار في المجادلة: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [المجادلة: ٤].
ويُؤيِّدُ هذا من العمومات مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٦٤] ونحوها ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩] ففي ظاهرها (٢) ما يدل على أن العلم بالحق هو المقصود الأكبر بجميع ما اشتمل عليه الكتاب من الأوامر والنواهي وغيرهما كما دلَّ على ذلك ما تقدم بالنصوصية الخاصة.
ويؤيد هذا أن الله تعالى قد علَّل وجود العالم في الابتداء والبعث في الانتهاء بكونه وسيلةً إلى العلم به سبحانه، أما في الابتداء فقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ
_________________
(١) في (ش): أنواع.
(٢) في (ش): ظاهرها.
[ ٦ / ٤١ ]
عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] وقال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٨) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ [النحل: ٣٨ - ٣٩]، وقال تعالى بعد ذكر الشيطان: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: ٥٤] فدل على أن المقصود الأعظم بجميع المخلوقات، وشرع الشرائع هو هذان الأمران.
وقد نبَّه الله تعالى على ذلك بقوله: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ [النساء: ١٤٧] وهذه معارفٌ شرعية، وليس للعقول فيها حكم قاطع كما ذكرته المعتزلة، وربَّما تعلقت بهذا مباحث ليس هذا موضع شرحها، فثبت أن الثواب غير ثابت عقلًا للمطيعين، وبطل مع هذا قول المعتزلة: إن المشقة إنما كانت شرطًا في حسن التكليف ليجب الثواب عقلًا، وثبت أن الله تعالى لو هدى العصاة بإزالة المشقة في فعل الخير وترك الشر كان ذلك على الله يسيرًا، وكان حسنًا جميلًا، ولم يكن مُحالًا ولا قبيحًا.
الوجه السادس: أن السمع قد دل على قدرة الله تعالى على هداية الخلق أجمعين دلالة ضرورية أو قطعية يتعذر تأويلها (١) لوجهين:
أحدهما: ما تقدم من المنع من تأويل آيات المشيئة وأمثالها مما شاع مع الخاصة والعامة في عصر النبوة والصحابة وانقضاء ذلك العصر الذي هو عصر الهدى المجمع عليه والبيان لِمُهمات الدين، ولم يذكر لذلك الظاهر تأويل ألبتة، ولا حذر من اعتقاد ظاهره، فإن العادة تقضي بذلك وإن لم يكن واجبًا كما مرَّ تقريره.
وثانيهما: أنه يُعْلَمُ من سياقها أن المراد بها التمدُّحُ بالقدرة على الهداية
_________________
(١) ساقطة من (أ).
[ ٦ / ٤٢ ]
التي يستحق بها الثناء والثواب، ويلزم من لم يقبلها حصول الذم والعقاب، وهي الهداية التي تكرَّر وصف رسول الله - ﷺ - بالحرص عليها، والعجز عنها، والرغبة إلى الله تعالى فيها، والمبالغة في طلبها بعبارات متنوعة وصيغ مختلفة كقوله ﷿: ﴿إنَّك لا تهدي من أحببتَ ولكنَّ الله يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ [القصص: ٥٦]، وقوله تعالى: ﴿لعلَّكَ باخِعٌ نفسَك أن لا يكونُوا مؤمنين﴾ [الشعراء: ٣]، وقوله: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر: ٨]، وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ٩٩ - ١٠٠].
وأمثال هذه السياقات مما يدلُّ على أن الله ﷿ لو شاء لحصل منهم المطلوب، ولكنه لم يشأ ذلك لبالغ حكمته التي عجز عن دركها أذكياء النُّظار، وعَشِيَتْ عن أنوارها المضيئة منهم الأبصار، وفيها قال الله ﷿: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، وفي جواب: ﴿أتَجْعَلُ فيها مَنْ يُفْسِدُ فيها﴾، قال: ﴿إنِّي أعلَمُ ما لا تَعْلَمون﴾ [البقرة: ٣٠].
ومن ذلك ما حكاه الله عن المشركين من قولهم: ﴿لو شاءَ الله ما أشْرَكْنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] مع قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ (١) [الأنعام: ١٠٧]، وقوله: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩] المعلوم (٢) أن هذه الهداية هي التي ينتفعون بها لا الإكراه الذي يمنع نسبة الفعل إلى المكره، ولا يُغني عنه شيئًا.
وكذلك قوله ﷿: ﴿ولو شاء الله ما أشركوا﴾ [الأنعام: ١٠٧] أي:
_________________
(١) من قوله: " مع قوله " إلى هنا ساقط من (ش).
(٢) في (ش): فمعلوم.
[ ٦ / ٤٣ ]
كلام على قوله تعالى: ﴿ولو شئنا لرفعناه بها﴾ الآية
لكانوا مؤمنين ينفعُهم إيمانُهم، ويُنجيهم من عذاب الله، كقولهم: ﴿لو شاء الله ما أشركنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] أي: لصرفنا عن الشرك بمشيئته، فهدانا بالإيمان الذي به سَعِدَ (١) المؤمنون.
وإذا تتبعت آيات المشيئة، اضطرَّك مجموعها إلى القطع بما ذكرناه، وأفادك رِكَّةَ تأويلات المعتزلة، بل بطلانها، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿ولو شِئْنا لرَفَعْناه بها﴾ بعد قوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٥]، فإن الآية الأولى دلَّت على أنه لما انسلخ من آيات الله باطراحها، والعمل بخلافها وقع في مَهْواةٍ من الهلكة، استولى عليه فيها الشيطان، ثم جاءت الآية الثانية مبينة أن الله ﷿ لو شاء، لعصمه عصمة أوليائه الصالحين، فقال ﷿: ﴿ولو شئنا﴾ أي: أن نرفعه ونُنجيَه من الهلكة، ونَعْصِمَهُ من الوقوع في المعصية، لرفعناه بها، أي: بالآيات التي أوتيها، وهذه المشيئة التي دلَّت " لو " على انتفائها ليست هي مشيئة الإكراه، لأن تلك لا ترفعه ولا تنفعه، وعلَّلَ سبحانه عدم المشيئة بقوله: ﴿ولكنَّه أخْلَدَ إلى الأرضِ واتَّبَعَ هَواهُ﴾ [الأعراف: ١٧٦] أي: بسبب ركونه إلى الأرض، ونسيانه الآخرة، واتباع هواه، استحقَّ انتفاء مشيئة نجاته وعصمته، فجعل الامتناع من رفعه عقوبته على اتباع هواه وإخلاده، لا عدم انتفاعه بإكراهه، ولا عدم القدرة على إرشاده، وفيه تنبيهٌ على أنه عُوقِبَ على اتباع هواه بترك هدايته النافعة، وأما ترك إكراهه، فليس بعقوبةٍ كما أن إكراهه ليس بنعمةٍ ولا مثوبةٍ.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١١١] فلو كانت هذه المشيئة المذكورة (٢) هي مشيئة الإكراه، لكان المعنى على زعمهم أنه لا
_________________
(١) في (ش): يسعد.
(٢) في (ش) زيادة: في الآية.
[ ٦ / ٤٤ ]
يصح منهم الإيمان اختيارًا، وإنما يصحُّ منهم مكرهين، وهذا غيرُ مُرادٍ بالاتفاق بينهم وبين أهل السنة.
والمعلوم أن الآية مسوقةٌ لنفي تأثير كل من يعتقد أنه يُؤَثِّر في الإيمان من دون مشيئة الله، وسواءٌ ذُكِرَ (١) ذلك المؤثِّر في هذه الآية أو لم يذكر، فليس لقائلٍ أن يقول: إنهم لو سمعوا النفخ في الصُّور، ورأَوُا السماوات تمور، وشاهدوا بعثرة القبور، آمنوا، وإن شاء الله أن لا يؤمنوا، وذلك لأن هذه الأمور المسكوت عنها في الآية هي في حكم الأمور المذكورة في الآية. وإنما نظير هذه الآية في استواء المنطوق والمفهوم ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣] في إفادة تحريم جميع أنواع الأذى، وإن لم يكن تأفيفًا ولا نهرًا.
وقد ألطف الزمخشري (٢) العبارة، وأغرب (٣) الحيلة في تأويلها، فحاول أن يجعل هذه الآيات في (٤) الآيات التي اقترحها المشركون، فتأوَّل قوله فيها: ﴿وحَشَرْنا عليهم كُلَّ شَيءٍ قُبُلًا﴾ بقولهم: ﴿أوْ تَأْتيَ بالله والملائكةِ قَبيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢].
وكيف يصح له هذا وتنزيل الملائكة هو الذي صدر الله ﷿ به الآية، وخصَّصهم بذكر الإنزال، لكونهم في السماء، ثم عطف عليهم غيرهم بلفظ الحشر الذي هو بهم أليقُ من الإنزال، ثم جاء فيما عطفه عليهم بأدلِّ (٥) الأشياء على المغايرة، وهو كل شيء الذي لا يصلح (٦) أسماء للملائكة على جهة الحقيقة مطلقًا، ولا على جهة المجاز في هذا الموضع، والمجاز يحتاج إلى مساعدة القرينة، ولا نصَّ مع عدمها، فكيف مع دِلالة (٧) القرينة على بُطلانه؟
_________________
(١) في (ش): ذكروا، وليس بشيء.
(٢) ٢/ ٤٥.
(٣) في (ش): فأغرب.
(٤) في (ش): هي.
(٥) تحرفت في (ش) إلى: بأول.
(٦) في (ش): يصح.
(٧) من قوله: " الموضع " إلى هنا ساقط من (ش).
[ ٦ / ٤٥ ]
وبالجملة: فلو سُلِّمَ للزمخشري ما حاوله من تنزيل الآية على ما اقترحوه من الآيات، لم يسلم لهم أن ما اقترحوه من الآيات غير مسقطٍ للاختيار في العادة لولا مشيئة الله تعالى، ولا له على ذلك دليلٌ، ولا يمنع من (١) ذلك مع بقاء مفهوم الآية في تعظيم تأثير إرادة الله تعالى، فإنها أعظم أثرًا من قيام الساعة، فإن قيام الساعة لو أراد الله ما أثَّرَ في إيمان أحد.
بل قد ورد النصُّ الذي لا يمكن تأويله بذلك حيث قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا﴾ [الأنعام: ٢٨] وحيث قالوا لأعضائهم حين أنطقها الله بالشهادة عليهم فيما جحدوا من الحق يومئذٍ: ﴿لِمَ شَهِدْتُم علينا﴾ [فصلت: ٢١] وتأويل هذه النصوص ممن تأوَّلها من أعظم الجنايات على الكتاب العزيز.
وقد صح الامتحان بنوع من التكليف يوم القيامة كما يأتي في مسألة الأطفال، ووقعت المخالفة من بعض المكلفين (٢) يومئذ، وأجمع أهل السنة على صحة ذلك كما يأتي مقرَّرًا إن شاء الله تعالى.
وليت شعري ما المانع أن يقترح الكفار ما يسقط معه الاختيار في العادة، بل لم يزل دأبُهم اقتراح مثل ذلك، وقد نص الله سبحانه على ذلك في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٢١ - ٢٢].
فهذه آية واحدة مما ذكر الله سبحانه من تلك الآيات صارت ملجئة لهم إلى الإيمان بحيث لا ينفعهم عندها الإيمان، ولكنها لا تلجئهم إليه إلاَّ بإرادة الله سبحانه.
_________________
(١) في (ش): مع.
(٢) تحرف في (ش) إلى: المتكلفين.
[ ٦ / ٤٦ ]
وأوضح منها قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] أي: لم تكن كسبته من قبل كقوله:
لَلْبْسُ عَباءَةٍ وتَقَرَّ عَيْني (١)
أي: وقرارها، وهذا ليس من مقصودنا، ولكنه قيدتُه هنا خوف ضياعه.
وبالجملة إما أن يُسَلِّمَ الزمخشري أن الآيات لا تؤثِّر في الاضطرار إلاَّ مع إرادة الله ﷿ للاضطرار أو لا، إن سلَّم ذلك، لزمه مذهب أهل السنة: أن التأثير لإرادة الله تعالى، فلو شاء ما آمن أحد ولو يوم القيامة، ولو شاء لآمن كل أحد اختيارًا ولو بأدنى الآيات أو بغير آية، وإن لم يسلم ذلك، قام عليه الدليل من العقل والسمع.
_________________
(١) صدر بيت، عجزه: أحَبُّ إليَّ من لُبْسِ الشفوف. وهو لميسون بنت بحدل زوج معاوية بن أبي سفيان. قال اللخمي: هي أم ابنه يزيد، وكانت بدوية فضاقت لما تسرَّى عليها، فعذلها على ذلك وقال لها: أنتِ في مُلكٍ عظيم وما تدرين قدره، وكنت قبل اليوم في العباءة، فقالت هذه الأبيات، فلما سمعها قال لها: ما رضيتِ يا ابنة بحْدل حتى جعلتِني علجًا عنيفًا، فالحقي بأهلك؟ فطلَّقها وألحقها بأهلها، وقال لها: كنتِ فبنتِ، فقالت: لا والله ما سُرِرنا إذ كُنَّا، ولا أسفنا إذْ بِنا، ويقال إنها كانت حاملًا بيزيد، فوضعته في البرية، فمن ثم كان فصيحًا. والبيت في " الكتاب " لسيبويه ١/ ٤٢٦، و" المقتضب " ٢/ ٢٧، و" الجُمل " للزجاجي ص ١٩٩، و" المحتسب " ١/ ٣٢٦، و" سر صناعة الإعراب " ١/ ٢٧٥، و" درة الغواص " ص ٢٤، و" أمالي ابن الشجري " ١/ ٢٥١، و" حماسة ابن الشجري " ص ١٦٦، و" الجنى الداني " ص ١٥٧، و" شرح الأشموني " ٣/ ٣١٣، " ابن عقيل " ٢/ ٢٨٠، و" أوضح المسالك " ٣/ ١٨١، و" شذور الذهب " ص ٣١٤، و" التصريح " ٢/ ٢٤٤، و" شرح ابن يعيش " ٧/ ٢٥، و" شرح شواهد شروح الألفية " ٤/ ٣٩٧، و" همع الهوامع " ٢/ ١٧، و" الأشباه والنظائر " ٤/ ٢٧٧، و" مغني اللبيب " ١/ ٢٦٧، و" شرح المغني " للبغدادي ٥/ ٦٤، و" خزانة الأدب " ٨/ ٥٠٣.
[ ٦ / ٤٧ ]
أما العقل، فلأن وقوع الاضطرار إنما هو فعل الله تعالى في العبد، ولذلك كان اضطرارًا، ولو كان فعل العبد، كان اختياريًا، فإذا كان فعل الله، توقف على مشيئته.
بيانه: أنه راجع إلى قوة الرعب، وهو من مقدورات الله وحده، قال الله تعالى: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ [الأحزاب: ٢٦]، وقال رسول الله - ﷺ -: " نُصِرْتُ بالرُّعب " (١).
يُوَضِّحه: أن قوة القلب وشجاعته ورقته وجبنه من فعل الله تعالى إجماعًا، وكل ذلك ما لا يقف على حد، فلو شاء الله، لزاد في قوة بعض القلوب حتى لا تخضع لآية، ولو شاء لأضعفه حتى ينفلق لأدنى خيالٍ لا حقيقة له.
ومن الدليل على أن مذهب أهل السنة هو الفطرةُ التي فطر الناس عليها، أن (٢) المخالفين يرجعون عند تحقق الحقائق إليها، وقد ختم الزمخشري كتابه " الكشاف " (٣) بدعاء طويل جعل خلاصته أن يهب الله سبحانه له خاتمة الخير، بهذا اللفظ، فلو أنه حافظ على مذهبه في وجوب اللطف على الله، لكان ذلك التضرُّع الطويل لَعِبًا وعبثًا لا فائدة فيه، لأن الله تعالى على زعمهم إن كان في علمه وقدرته لطفٌ لأحدٍ من جميع خلقه وجب عليه أن يفعله وجوبًا يقبح منه تركه، ولا يُسَمَّى واهبًا من قضى واجبًا، وإن لم يكن ذلك في علم الله، فليس من مقدوراته حقٌّ يَهَبُه.
ولهذه النكتة احتج الإمام المؤيَّد بالله يحيى بن حمزة ﵇ على قدرة الله تعالى على هداية جميع المكلفين بإجماع المسلمين على سؤال الهداية واللطف، وهم لا يسألون الله تعالى ما لا يقدر عليه، وهذا واضح ولله الحمد والمنة.
_________________
(١) في الأصول: " لأن "، والجادة ما أثبت.
(٢) ٤/ ٣٠٣.
(٣) تقدم تخريجه في ١/ ١٧٤.
[ ٦ / ٤٨ ]
وأما الدليل على ذلك سمعًا، فقوله تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤] مع قوله: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر: ١٤ - ١٥].
فانظر كيف نصَّ سبحانه على خضوعهم لآية واحدة، وذلك لا يكون إلا مع مشيئته سبحانه أن يخضعوا، ونص على عدم خضوعهم بفتح باب من السماء وعروجهم فيه، وهي من أعظم الآيات لما لم يُرِدِ الله خضوعهم لذلك، ولو أراد الله سبحانه أن يخضعوا لذلك أو لدونه، لطارت أفئدتهم، ولانت شدتهم لأقل من ذلك، ولكن حكمة الله جارية بوقوع الأشياء بأسبابها مع قدرة الله تعالى على وقوعها من غير أسبابها (١)، ولذلك قال في إنزال الملائكة يوم بدر: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦].
وما أعظم اغترار الجُهَّال بالأسباب، ونسبة التأثير إليها دون ربِّ الأرباب، فهي على الحقيقة للغافلين أعظم حجاب، ومن أبياتٍ كنت قلتها في ذلك:
حَجَبْتَ مَنْ شئت بالأسباب عنك فما يراكَ إلاَّ بصيرُ القلب ذو حَالِ
وأوضح من ذلك كله قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧] فسبحان من هو بكل شيء بصيرٌ، وعلى كل شيءٍ قدير، وما كفرت الفلاسفة إلا لظنهم أن الأسباب مؤثرة لما رأوا من ملازمتها المسببات، كقولهم: إن إحياء الموتى من المحالات، وأمثال ذلك.
_________________
(١) من قوله: مع قدرة الله إلى هنا لم يرد في (أ) و(ف).
[ ٦ / ٤٩ ]
ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]. والدليلُ على أن الهداية في هذه الآية مما لا يصح تأويله بالإكراه أنها هداية مانعة من دخولهم النار، بدليل قوله: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ فلو كانت هداية إكراه، لصحَّ أن يهديهم بها، ثم ملأ بهم جهنم، ولما كان لهذا (١) الاستدراك (٢) معنى، وسياق الكلام من أول الآية يؤيد هذا ويدل عليه.
وذلك أن الكفار حين تحققوا صحة المعاد قالوا: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢] وهذا الكلام إنما يليق لو كان الله -تعالى عن ذلك- لم يقدر على هدايتهم فيما تقدم من حياتهم الأولى، ولم يدعها عمدًا لحكمة راجحة استأثر بعلمها، فلذلك رد الله عليهم بما يدل على سَبْقِ قدرته على ذلك، وإنه لو أراد ذلك لم يعجز عنه في حياتهم الأولى حتى يستدركه بعد البعث، والله سبحانه أعلم.
ويوضحه قوله: ﴿ولو رُدُّوا لَعَادُوا﴾ [الأنعام: ٢٨] ومن هنا قالت المعتزلة: إن الله بناهم على بنيةٍ لا تقبل اللطف، وقد بيَّنَّا أول مسألة الإرادة أن تغيير تلك البنية مقدور لله ﷿ عقلًا وسمعًا، وكفى دليلًا على ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ الآية [الإسراء: ٥٠ - ٥١]، وقد تقدم الكلام عليها. بل هو سبحانه قادر على هدايتهم من غير تغيير بنيتهم، وكفى في بيان ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١١١] وقد تقدم الكلام عليها قريبًا.
فإن قيل: إنما أتى (٣) الاستدراك مع الإكراه للتنبيه على أن الإكراه مانعٌ أن
_________________
(١) في (أ): هذا، والمثبت من (ش) وهامش (أ).
(٢) في (أ): الاستدلال.
(٣) في (ش) زيادة: في.
[ ٦ / ٥٠ ]
يملأ بهم جهنم، لأنهم لا يتمكنون معه من الكفر الموقع في ذلك.
فالجواب من وجهين:
أحدهما: أن الإكراه وإن منعهم فعل القبيح، وما يترتب عليه من العذاب، فإنه لا يمنعهم استحقاق العذاب على ترك الواجب الذي منه التوحيد وشكر المنعم، لأن الإكراه على فعل الواجب لا يسقط وجوبه ممن لم يكن فاعلًا له لولا أُكْرِهَ عليه.
وإنما قلنا هذا، لأن الآيات نزلت في حق المكلفين الذين ثبت وجوب الواجبات عليهم، وأما إكراه من ليس بمكلَّفٍ، فلا يُسمى إكراهًا، وإنما يقال: إنهم لم يكلَّفُوا ألبتة.
ثانيهما: أن هذا إنما يتمشى لو سلم على مذهب أهل السنة، لا على طريقة المعتزلة، وذلك أنهم يقولون كلهم بوجوب الأصلح في الدين، فهذا التأويل يُبْطِلُ قولَهم، فإنَّ الأصلح في هذه الصورة أن يُكْرَهوا على الهدى ليَنْجُوا من العذاب، فإن (١) لم يُثابُوا، وقد دلت الآية على أنه ممكنٌ مقدور عليه، فتخلُّفه يرُدُّ عليهم قاعدتهم ردًّا صريحًا، وإن أحالوا حسن هذه الصورة على حكمةٍ لا نعلمها (٢) فهذا بعينه عمدة أهل السنة في تقرير السمع على ما هو عليه.
وأي فرقٍ بين الصورتين مع السلامة من ارتكاب وجوهٍ من التأويل يغلب على الظن أو يتحقق بطلانها.
فإذا ثبت سقوط هذا التأويل، فإنه يقتضي نفي المشيئة في شمول الهدى لجميع الناس هدىً ينتفعون به، ويسمون به مهتدين، ويستحقون به النعيم
_________________
(١) في (ش): وإن.
(٢) في (ش): لا يعلمها إلاَّ الله تعالى.
[ ٦ / ٥١ ]
الكلام على قوله تعالى: ﴿لمن شاء منكم أن يستقيم﴾ الآية
الأبدي، ويقتضي أن هذا الهدى أُوتيه بعضٌ ومُنِعَهُ بعضٌ بمفهوم هذه الآية وبمنطوق كثير من الآيات كقوله: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف: ٣٠] وأمثال ذلك مما يكثر تعداده كقوله: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٣٩]، ومنه ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨ - ٢٩] فإنها لو كانت بمعنى الإكراه، لكان المعنى: وما تشاؤون الاستقامة إلاَّ أن يُكْرِهَكُم الله عليها، وهذا نقيض مذهب المعتزلة، بل مذهب الجميع أن الاستقامة لا تصح مع الإكراه.
وإن قالوا: هذه المشيئة المنسوبة إلى الله ﷿ هي مشيئة الطاعة التي تلازم الأمر عندهم، وقد شاءها الله تعالى فيما مضى، فالجواب من وجهين:
الأول: أن تلك عندهم غير مؤثرة في وقوع الاستقامة، وهذه مرتبٌ (١) حصول الاستقامة عليها، فافترقا.
الثاني: أن تلك حاصلة من قبل الأمر المقتضي للتكليف في الاستقامة أو معه، فلا يصح ترتيب حصول الاستقامة عليها، كما لا يصح ترتيبه على الأمر لأنهما عند المعتزلة في اللزوم سواءٌ، ولا يصح عندهم أن يقول الله تعالى: وما تشاؤون إلاَّ أن يأمركم الله، ولا جاء مثل هذا في آيةٍ ولا حديثٍ.
فكذلك لا يصح مثله في إرادة الطلب اللازمة للأمر، لأن التكليف بالاستقامة مشروطٌ بحصول المشيئة المقارنة للأمر عندهم، فأيُّ فائدة في أن يقال: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨ - ٢٩] وقد شاء أن (٢) تستقيموا كلُّكم، فاستقام الأقل منكم، ولم يستقم الأكثر، فلم تُغْنِ مشيئته عن الأكثرين شيئًا، ولا أثَّرت في استقامة الأقلين، وهذا يناقض مقتضى الشرط في حق الكافرين، وهو باطل، أو عدم تأثيره فيه في حق
_________________
(١) في (ش): مترتب.
(٢) ساقطة من (أ).
[ ٦ / ٥٢ ]
المستقيمين (١)، وهو لغوٌ لا يصدر من الحكيم سبحانه، والمحتملات العقلية في الآية لا يتأتى على كل منها مصححٌ للتأويل في مذهب المعتزلة، لأن قوله ﷿: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ إما أن يكون مُطلقًا أو مقيدًا بالاستقامة. وعلى كلا (٢) التقديرين، فإما أن يكون الاستثناء مُتَّصلًا أو منقطعًا.
الوجه الأول: وهو أن يكون مطلقًا غير مقيد بالاستقامة، فهو يقتضي نفي المشيئة إلاَّ لحصول مشيئة الله ﷿، وهذا بعينه هو قول أهل السنة هذا إن كان الاستثناء متصلًا، وهو الأمر الذي لا شك فيه، وإن قدَّرناه مُنقطعًا، لم يصح لا على مذهب المعتزلة ولا على مذهب أهل السنة، لاقتضائه نفي المشيئة عنهم مطلقًا غير مُخْرَجٍ منه شيءٌ ولا قائلٌ بذلك، ثم يكون الاستثناء على تقدير انقطاعه جاريًا مجرى الاستدراك، فيكون المعنى: لكن مشيئة الله هي الثابتة الحاصلة، وهي أشد بعدًا من مذهب المعتزلة، ولا يوافق مذاهب أهل السنة، لأنهم لا ينفون المشيئة المضافة إلى العباد، بل يثبتونها.
وإن ادعى مُدَّع أن مفعول المشيئة المذكورة بعد إلاَّ على تقديرها (٣) منقطعة هو الإكراهُ لم يصح ما ادَّعاه، إذ لا مُشْعِرَ بهذا المفعول، ولا مُرَجِّحَ له على تقدير الاختيار، ثم هو باطل، لأنه يكون تقديره: ولكن مشيئة الله إكراهكم (٤).
وحينئذٍ فإما أن يقدر الثبوت تمامًا للكلام أو لا، فإن قُدِّرَ، فهو باطلٌ باتفاق الجميع، لأنه يقتضي أن مشيئة الإكراه واقعة، وإن لم يُقَدَّر، فهو باطلٌ لعدم (٥) تمام الكلام بعد " إلا " المنقطعة لا لفظًا ولا تقديرًا، فإن الصحيح أن " إلا "
_________________
(١) في (أ) المستحقين، والمثبت من (ش) و(ف).
(٢) ساقطة من (أ).
(٣) " على تقديرها " ساقطة من (أ).
(٤) في (ش): إكراههم.
(٥) في (أ): بعدم.
[ ٦ / ٥٣ ]
المنقطعة بمعنى " لكن "، ولا بُدَّ لها من خبرٍ ظاهر أو مقدر، فالظاهر كقوله ﷿: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا﴾ [يونس: ٩٨]، والمقدر كقولك: ما في الدار أحد إلاَّ حمارًا، أي لكنَّ حمارًا في الدار. ذكره نجم الدين (١).
وقول سيبويه (٢): إلاَّ المنقطعة بمثابة " لكن " العاطفة، والمذكور بعدها مفرد، لا ينافي ما قلناه من لزوم تقدير الثبوت، لأنه الذي به حسن إيرادُها، لأنها تقتضي المخالفة اقتضاء " لكن " العاطفة.
وأما الوجه الثاني: وهو أن يكون مقيدًا بالاستقامة، فإما أن يكون عامًَّا لكل أحد أو خاصًا بالمؤمنين، أو خاصًا بالكافرين، فأما الاحتمال الأول، فهو الأظهر، لأنه خطابٌ للمكلفين عمومًا، وهو الذي تمسك به أهل السنة، فالمعنى: وما تشاؤون الاستقامة إلاَّ أن يشاء الله (٣) التي تنجيكم من العذاب يقتضي الاختيار من المستقيم.
فدعوى المعتزلي أن التقدير: وما تشاؤون الاستقامة إلاَّ أن يشاء الله أن تستقيموا كرهًا، باطلٌ عند الجميع، لأن المؤمنين قد شاؤوا الاستقامة غير مُكْرَهين.
ومن أجل ذلك جاء الزمخشري بحيلةٍ لطيفةٍ في تنزيل هذه الآية على
_________________
(١) هو نجم الدين سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم الطوفي الحنبلي، المتوفى سنة (٧١٠) كان فقيهًا شاعرًا أديبًا فاضلًا قيمًا بالنحو واللغة والتاريخ، مشاركًا في الأصول وغيره. له من التصانيف " شرح مختصر الروضة " وعنه نقل المصنف هذا النص، وهو من منشورات " مؤسسة الرسالة " بتحقيق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي. انظر ترجمته في " ذيل طبقات الحنابلة " لابن رجب ٢/ ٣٦٦ - ٣٧٠ و" بغية الوعاة " ١/ ٥٩٩ - ٥٦٠.
(٢) انظر " حاشية الصبان على الأشموني " ٢/ ١٤٦.
(٣) قوله: " إلاَّ أن يشاء الله " ليس في (ش).
[ ٦ / ٥٤ ]
مذهب المعتزلة، فقسَّم المخاطبين طائفتين، ووصف كُلَّ طائفةٍ بوصفٍ ينافي أختها، ثم قسم الاستثناء بينهم، فجعله (١) في حق قومٍ متصلًا وفي حق آخرين منفصلًا، ثم قيَّد المشيئة بعد " إلا " بقيدين مختلفين في حق الطائفتين، فقال: وما تشاؤون الاستقامة يا من يشاؤها إلاَّ أن يشاء الله أن تستقيموا بلطفه بكم، وما تشاؤون الاستقامة يا من لا يشاؤها إلاَّ أن يشاء الله أن يُكرهَكم عليها (٢).
والدليل على فساد ما ذكره من وجوه:
أحدها: أن هذا التقدير الذي قدَّره، والتفريق الذي أبداه لا قرينة تُشْعِرُ به، وما كان كذلك، فهو باطل، ولو صَحَّ مثل ذلك، لكان لكل أحدٍ أن يقدر في مطلقات كتاب الله تعالى ما يطابق هواه مما لم يقم عليه دليلٌ، ولا أشْعَرَتْ به قرينة.
والعجبُ كل العجب من إنكاره تقدير مفعول أمرنا مُتْرَفيها بالطاعة، لعدم القرينة الدالة عليه عنده، وارتكابه أن التقدير فيها: أمرنا مترفيها بالفِسق، ففسقوا على معنى إسباغ النعم عليهم التي تقتضي غفلتهم (٣) عن ذكر ربهم، وتماديهم في طُغيانهم، فأطلق على هذا الأمر بالفسق مجازًا، هذا على أنه لم يُجَوِّدِ (٤) الاختيار في هذا الموضع، بل اختار خلاف المختار، وركب التعاسيف المؤدية إلى العثار، فإن السيد المرتضى الإمامي الحسيني (٥) ذكر في كتابه " الغُرر " (٦) أن
_________________
(١) في (أ) و(ش): فجعل، والمثبت من (ف).
(٢) " الكشاف ٤/ ٢٢٦.
(٣) في (ش) غفولهم.
(٤) في (ش): لم يجوز، وليس بشيء.
(٥) في (ش) الحسني، وهو خطأ، وهو العلامة الشريف المرتضى نقيب العلوية أبو طالب علي بن حسين بن موسى القرشي العلوي الحسيني الموسوي البغدادي، من ولد موسى الكاظم، المتوفى سنة ٤٣٠ هـ ترجم له الذهبي في " السير " ١٧/ ٥٧٩.
(٦) ١/ ١ - ٥، واسمه بتمامه " غرر الفوائد ودرر القلائد " طبع في مصر في مجلدين، بتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم.
[ ٦ / ٥٥ ]
التقدير في هذه الآية: أمرنا مترفيها بالطاعة، ففسقوا، وحذف المفعول اتِّكالًا على ما يقتضيه الأمر من الطاعة، وعلى مناقضة الفسوق للأمر، كما تقول: أمرتُه فعصاني، فإنه يعلم أن المراد: أمرته أن يطيعني فعصاني، وكلام المرتضى في هذا الموضع قويٌّ جدًا، كما أن كلام الزمخشري فيه ساقطٌ جدًّا، فيقضي العجب من نسيان الزمخشري في آية المشيئة لفساد تقدير لم يقم عليه من الكلام قرينةٌ ولا دلَّ عليه دليل.
وثانيها: أن الآية تقتضي ترتُّبَ مشيئة المكلفين على مشيئة الله تعالى ترتُّبَ المشروط على الشرط، والمسبَّب على السبب ولا يستقيم ذلك على تقدير الزمخشري.
أما في حق من يشاء الاستقامة، فلأن اللطف لا يلزم من تخلفه عنده تخلُّف مشيئة الاستقامة ممن يشاؤوها، ولا يلزم أيضًا من وجوب وجوده وجودها منهم، ومثل هذا لا يصلح أن يرتَّب على حصوله (١) مشيئتهم.
وأما في حق من لا يشاء الاستقامة، فلأنَّ الإكراه نسبة مشيئة الاستقامة إليهم، لأنه يسلُبُهم صفة المدح بها والوصف بالاستقامة التي أمر بها في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كما أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢] والتي مدح الله بها ورتب الجزاء عليها في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] فلا يصح نسبتها إلى المكره لا حقيقة ولا مجازًا.
أما الحقيقة: فظاهر.
وأما المجاز: فلعدم العلاقة الظاهرة ها هنا المقتضية لتشابه المجبور على الاستقامة والمختار لذلك، فإن هذه الأسماء التي في الاستقامة في هذا الموضع، والهدى والرِّفعة في غير هذا الموضع معدومةٌ عند القهر والعدم منقطعة التشبيه، ولو جاز وصف المجبورين بذلك لجاز وصف الممسوخين قردةً وخنازير
_________________
(١) في ش: حصول.
[ ٦ / ٥٦ ]
بطاعة الله، والاستقامة على امتثال أوامره، لأنهم كانوا قردة حين قال لهم: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خاسئينَ﴾ [البقرة: ٦٥] وهذا لا يجوز حقيقة (١) ولا مجازًا، فكيف يصح أن يُحمل عليه كلام الله تعالى الذي هو أبلغ الكلام وأفصحه وأفضله.
وثالثها: أن تقدير " إلا " في هذه الآية دليلًا على الاستثناء وعلى انقطاعه معًا يقتضي إطلاق المشترك على معنييه معًا، أو إطلاق اللفظ على حقيقته ومجازه، وهو باطلٌ، فهذا باطل (٢).
بيان ذلك أن المشترك هو اللفظ المتناول لمعنيين فأكثر بوضعين مختلفين، فإطلاقه على معنييه معًا خلاف وضعه، حتى قال أبو هاشم: إنه محالٌ أن يُراد به معنياه معًا، والمسألة مبسوطة في أصول الفقه مشهورة، وإنما أردنا الإشارة إليها.
وأما الاحتمال الثاني، وهو اختصاصه لمن شاء الاستقامة، وهم المؤمنون، فلا يصح أيضًا، لأنهم إما أن يفسروا المشيئة باللطف أو يحملوها على ظاهرها.
وعلى الثاني فإما أن تكون المشيئة هي المقارنة للأمر المقتضي للطاعة، أو تكون مشيئةً خاصة بالمؤمنين، والثاني هو مذهب أهل السنة، -وهو أن يراد بها المقارنة للأمر- باطلٌ لما تقدم من ترتب الاستقامة عليها، وجعلها مؤثرة فيها، والمشيئة المقارنة للأمر غير مُؤثِّرةٍ في حصول الاستقامة.
وأما تفسيرُ المشيئة باللطف، فممنوع بعدم النقل الصحيح من اللغة في ذلك، ولا مُلجىء إلى التأويل كما تقدم. وعلى تقدير صحة المُلجىء للقاطع إلى ذلك، وصحة المطابقة لغةً ولو مجازًا، فذلك ركيكٌ جدًا نازلٌ منزلة تحصيل الحاصل، وذلك لوجهين:
الوجه الأول: أن اللطف بالكافر والمسلم معًا واجب عندهم على الله عز
_________________
(١) في (ش): لا حقيقة.
(٢) " فهذا باطل " ساقط من (ش).
[ ٦ / ٥٧ ]
وجل، وهو لا يُخِلُّ بالواجب، فهو عندهم بمنزلة خلق القدرة، وما لا بد منه في التكليف لا يصلح إيراده على هذه الصفة، كما لا يصلُحُ أن يقال: لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاؤون إلاَّ أن يخلقكم الله أو يقدركم عليها (١)، فهذا ما لا ثمرة في ذكره، لأنه معلوم، ومعلومٌ أنه معلوم، ولا يصح الإخبار بمثل هذا عند أهل العربية، ولا دخوله في كلام سائر العقلاء، فكيف بكلام أحكم الحاكمين؟! فإنه يُنَزَّلُ منزلة قول القائل: إن المعدوم أو الجماد: لا يستقيم حتى تخلق فيه القدرة.
الوجه الثاني: أن لطف الله تعالى عندهم غير موجبٍ للطاعة، ولا مانع للمعصية، لأنه من قبيل الدواعي، ولا تأثير لها عندكم في الأفعال، وكذلك مشيئته، فدلَّ على أنها عندهم لم تُؤَثِّر أثرًا في طاعة المطيع، وإنما هما إزاحة (٢) عذر لا غير. فعلى هذا كيف يصح اشتراط حصولهما في حصول أفعال المختارين الذين لا تقف أفعالهم عليها، بل الذي نفع (٣) السعداء اختيارهم ومشيئتهم، وليس لله تعالى في عملهم إلاَّ مثل ماله في عمل الكفار من خلق القدرة والتمكين مع الامتحان بشدة الرغبة في القبيح.
فدلَّ على أنه لا بد من تأثير مشيئة الله تعالى، وإلا لكان الاستثناء لغوًا، ولا تأثير لها عندهم في أفعال العباد الاختيارية، فتعين على هذا الاحتمال مذهب أهل السنة.
الاحتمال الثالث: وهو اختصاصه بمن (٤) لا يشاء الاستقامة -وهم الكافرون- فإما أن يُجرى على ظاهره، فيكون المعنى: وما تشاؤون الاستقامة إلا أن يشاء الله أن تستقيموا، فتستقيمون، فهذا هو اختيار أهل السنة، وهو
_________________
(١) ساقطة من (أ).
(٢) في (ش): وإنما إزاحة.
(٣) في (ش): ينفع.
(٤) في (ش): لمن.
[ ٦ / ٥٨ ]
كلام المؤلف في قوله تعالى: ﴿سيصلى نارا﴾ يمكن أنه خرج مخرج الوعيد لا مخرج الخبر المحض عن الكائن في الاستقبال
الحق، وأما أن تُحمل المشيئة المستثناة على مشيئة القَسْرِ والإلجاء، فهو باطلٌ بما تقدم.
ونزيد هنا وجهًا آخر وهو أنه يقتضي أن الله ﷿ أخبر المخاطبين من الكافرين أنهم لا يؤمنون خبرًا مقطوعًا عن الاستثناء، وخبره سبحانه واجب الصدق، فلو آمنوا بعد ذلك، كان إيمانهم تكذيبًا لخبره سبحانه، فيستحيل -والحال هذه- منهم الإيمان بصدق الله ورسوله، ويكون في تصديقه تكذيبه -تعالى عن ذلك- وهذا باطل، وما أدَّى إليه، فهو باطلٌ، فيلزم من ذلك بطلان التكليف أو تكليف ما لا يطاق، وليس هذا مثل قوله تعالى لنوح ﵇: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] لأنه خطابٌ لنوح، لا للمشركين، فكأنه بمنزلة علم السابق المحجوب عن المكلَّفين، والفرق بينهما واضح، فإنه يبقى الابتلاء مع جَهْلِهم بذلك، ولا يبقى مع علمهم به، وقد أشار إليه ابن الحاجب في " مختصر المنتهى ".
وأما قوله في أبي لهبٍ: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد: ٣] فجعله ابن الحاجب مثل خبر نوح، كأنه التزم عدم بلوغه أبا لهب، وهو ممكنٌ، وفيه بعد، ويمكن عندي في ذلك أنه خرج مخرج الوعيد لا مخرج الخبر المحض عن الكائن في الاستقبال، وكل ما خرج مخرج الوعيد، فإنه مشروط بعدم التوبة كوعيد جميع العصاة، فيبقى معه الابتلاء صحيحًا، ولو لم يكن ذلك ظاهرًا، فلا أقل من الاحتمال، ومعه يزول الإشكال.
على أنه وإن قال قائل من أهل السنة بجواز انقطاع الابتلاء من بعض العُصاة قبل الموت والاضطرار إلى الإيمان، فإنه يَصِحُّ على قواعد أهل السنة من [أن] الله تعالى ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] وله الحجة البالغة، والحكمة التامة فيما علمنا وجهلنا.
وأقوى ما ورد في ذلك قوله تعالى للشيطان: ﴿لأمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ ومِمَّنْ
[ ٦ / ٥٩ ]
تَبِعَكَ﴾ [ص: ٨٥] فقوله: " منك " نص فيه، والخبر فيه خاصة أظهر من الوعيد بقرينة إجماع المسلمين على أنه لا تُرجى له توبة.
فأمَّا مذهب المعتزلة، فلا يصحُّ شيءٌ من ذلك فيه، ولا يلزم منه تكليف ما لا يُطاق، لأنه إنما يلزم على تقدير أن يؤمن من أخبر الله أنه لا يؤمن، وذلك غيرُ واقعٍ قطعًا، ولا فرق بين التزام ذلك للمُحال، والتزام مخالفه علم الله تعالى لذلك، فكما أن علم الله لم يستلزم انقلاب الممكن لذاته مُحالًا، فكذلك خبره.
وهذه المسألة هي المعروفة بالممتنع لغيره، ولا خلاف بين الأشعرية والمعتزلة في جواز ورود التكليف، وإنما اختلفوا في جواز التكليف بالممتنع لذاته، كما سيأتي بيانه ولا حجة بالممتنع لغيره على الممتنع لذاته (١)، لأنه لو خرج بذلك عن كونه مقدورًا أوجب خروج الرب سبحانه عن صفة القدرة لِسَبْقِ علمه تعالى بما هو خالقٌ وبما ليس هو خالقًا (٢)، وقد قال تعالى: ﴿كَانَ عَلَى ربِّك حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٧١] ولم يخرُج عن القدرة على خلاف ذلك. وهذا عارض، ولنرجع إلى المسألة المقصودة.
فعلى هذا يمتنع في مذهبهم إخبار الله للمكلفين بذلك لعدم الابتلاء، ولأنه عندهم مفسدة، والمفسدة قبيحةٌ، ولأنه يؤدي إلى إفحام الرسل بالإيمان لاستلزامه (٣) حينئذٍ تكذيبهم، ويستلزم بطلان الترهيب والترغيب ومحو آثار الحكمة فيهما.
فإن قالوا: إنه عمومٌ يجوزُ تخصيصه فيبقى الابتلاء.
_________________
(١) قوله: " على الممتنع لذاته " ساقط من (أ).
(٢) في (أ) و(ش): " خالق "، وهو خطأ.
(٣) تحرفت في (ش) إلى: لا يستلزمه.
[ ٦ / ٦٠ ]
فالجواب: أن المعتزلة لا تجيز تخصيص العموم فيما يفيد الاعتقاد فقط بمخصصٍ غير مقارن للعموم، لأن ذلك عندهم يؤدي إلى اعتقاد الجهل في صحة العموم أول ما يسمع، أو التوقف في المراد إن لم يقطع بصحة العموم، ولا يجوز الخطاب عندهم بما لا يفهم المكلف المراد منه على التفصيل ولو قبل وقت الحاجة.
فإن قيل: هذا الذي قدمتم من تأدية ذلك إلى ما لا يجوز دليل عقلي إجمالي يدلُّ على أن العموم غير مراد، لأن إرادته تستلزم تلك المفاسد.
فالجواب: أن الدليل الإجمالي لا يصح عندهم إلاَّ عند أبي الحسين، وذلك لأنه عندهم (١) يؤدي إلى خطاب المكلفين بما لا يفهمون، وهو عندهم قبيحٌ، وليس الفهم الجملي عندهم كافيًا، وإلا جاز خطاب العجمي بالعربية، لأنه يفهم أن له معنى في الجملة، والرد عليهم في هذه المذاهب مُبَيَّنٌ في كتب أصولِ الفقه، وإنما الغرض بيان بطلان تأويلهم في هذه الآية على قواعدهم.
فإن قيل: قوله تعالى: ﴿وما تشاؤون إلاَّ أن يشاءَ الله﴾ [التكوير: ٢٩] على ظاهره يناقض قوله في الآية: ﴿لِمَنْ شاءَ مِنْكُم أن يَستَقِيمَ﴾ [التكوير: ٢٨] لأن أولها يدل على التمكين، وآخرها يناقضه.
قلت: أما أنَّ أولها يدل على التمكين، فصحيحٌ، وأما أن آخرها يناقضه، فممنوع، بل هو يدُلُّ على أن عبد السوء إذا لم يُعْطَ من الهدى (٢) إلاَّ ما تقوم به الحجة، ويصح معه الفعل والأمر والنهي والثواب والعقاب، لم يفعل إلاَّ ما وافق هواه حتى يتفضَّل الله عليه بالهدى الزائد على القدر الذي يصح معه الفعل، وتقوم به الحجة، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ [النور: ٢١] وفي مثله يقول سبحانه: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِه مَنْ يَشاءُ﴾ [البقرة: ١٠٥].
_________________
(١) ساقطة من (أ) و(ش).
(٢) " من الهدى " ساقط من (أ).
[ ٦ / ٦١ ]
الهدى في كتاب الله ثلاثة أقسام
وسيأتي تعليل التخصيص بالعلم والحكمة، لقوله: ﴿وأضَلَّهُ الله على عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣]، وقوله في إبراهيم ﵇: ﴿وكُنَّا به عالمين﴾ [الأنبياء: ٥١].
ومنه قوله ﷿: ﴿ولو شاءَ الله لَجَمَعَهُمْ على الهُدَى﴾ [الأنعام: ٣٥] لا يَصِحُّ تأويله بالإكراه، لأنه يؤدِّي إلى محو اسم الهدى عندهم، لأنه صفة مدح، وهو الاهتداء الذي من فِعْلِ العبد يمدُح عليه (١) ويُثاب، وهو الذي لا يذكر مفعولُهُ في آيات كثيرة، أعني مفعوله الثاني المذكور في قوله تعالى: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقيم﴾.
ومثال الآيات التي لا يذكر فيها المفعول الثاني قوله ﷿: ﴿إنك لا تَهْدِي من أحببتَ ولكنَّ الله يَهْدي من يشاءُ﴾ [القصص: ٥٦]. وكقوله: ﴿يهدي به من يشاءُ من عباده﴾ [الأنعام: ٨٨]، وقوله: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ ويَهْدِي من يشاءُ﴾ [النمل: ٩٣]، وقوله: ﴿من يَهْدِ الله فهو المُهْتَدي﴾ [الأعراف: ١٧٨]، وقوله: ﴿مَنْ يَهْدِ الله فما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ [الزمر: ٣٧]، وقوله: ﴿فلو شاءَ لَهَدَاكُم أجْمعينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩].
وحاصلُ الأمر: أن الهدى في كتاب الله على ثلاثة أقسامٍ، ثالثُها مجاز.
القسم الأول: هدىً هو فعل الله ﷿ لجميعِ المكلَّفين وهو نوعان:
النوع الأول: وهو نصبُه الدلالة والتعريف لا اختيار للعبد فيه، وهو من قبيل العلوم الضرورية كالعقل، والعلم الضروري يُسميان هدى، بل هما أساس الهدى، ومن ذلك قوله ﷿: ﴿وأمَّا ثمودُ فَهَدَينَاهُم﴾ [فصلت: ١٧]، وقوله تعالى: ﴿الذي قدَّر فَهَدَى﴾ [الأعلى: ٣]، وإنما حُذِفَ مفعول " قدَّر "، ومفعول " هدى " للتعميم بدليل سائر الآيات، وقوله ﷿: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾
_________________
(١) في (ش): به.
[ ٦ / ٦٢ ]
[البلد: ١٠] أي: طريق الخير والشر، فسمى مطلق التعريف الذي لا يستحق عليه ثوابٌ هداية. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣]، وقوله: ﴿إنَّ علينا لَلْهُدَى﴾ [الليل: ١٢]، وقوله: ﴿فألهَمَهَا فُجورها وتقواها﴾ [الشمس: ٨] وقوله تعالى: ﴿بلى قد جاءتك آياتي فكذَّبْتَ بها﴾ [الزمر: ٥٩]، جوابًا على من قال: لو أن الله هداني، ولذلك ذكر الجواب عليهم بالهدى العام الذي هو بعثة الرسل، وإقامة الحجة، وهو قوله تعالى: ﴿وإذ أخذ ربُّك من بني آدم﴾ إلى قوله: ﴿أنْ تقولوا يومَ القيامة إنَّا كُنَّا عن هذا غافلين﴾ [الأعراف: ١٧٢]، وقوله: ﴿لِئَلاَّ يكون للناسِ على الله حجةٌ بعد الرُّسُل﴾ [النساء: ١٦٥].
النوع الثاني من القسم الأول الهدى الخاص، وهو اللطف والتثبيت (١)، والعصمة والتأييد وما في معناها، وهو يختص بمن اقتضت حكمة الله تخصيصه به.
القسم الثاني: هدىً هو فعل العبد، وهو المتوقف على اختياره، وهو العمل بمقتضى الهدى، وهو المعبر عنه بالاهتداء في قوله ﷿: ﴿مَنْ يَهْدِ الله فهو المهتدي﴾ [الأعراف: ١٧٨]، وقوله: ﴿فعسى أولئك أن يكونوا من المُهْتَدينَ﴾ [التوبة: ١٨]، وقوله: ﴿وأولئك هم المهتدون﴾ [البقرة: ١٥٧]، وقوله: ﴿فتاب عليه وهدى﴾ [طه: ١٢٢]، وقوله ﷿: ﴿والذين اهتدوا زادهم هُدىً﴾ [محمد: ١٧].
ففعل العبد هو (٢) قبول الهدى كما ذكرنا، ثم إني وقفت على نحو هذا مما حكاه النواوي عن العلماء كافة، فقال في كتاب الجمعة من " شرح مسلم " (٣) ما لفظه: قال العلماء: لفظ الهُدى له معنيان:
أحدهما: الدلالة والإرشاد، وهو الذي يضاف إلى الرسل والقرآن والعباد،
_________________
(١) في (ف): والتسييب.
(٢) ساقطة من (أ).
(٣) ٦/ ١٥٤.
[ ٦ / ٦٣ ]
قال الله تعالى: ﴿وإنك لتهدي إلى صراطٍ مستقيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، و﴿إنَّ هذا القرآن يهدي للتي هي أقومُ﴾ [الإسراء: ٩]، و﴿هُدىً للمتقين﴾ [البقرة: ٢]، ومنه قوله تعالى: ﴿وأما ثمودُ فهديناهم﴾ [فصلت: ١٧] أي: بينا لهم الطريق، ومنه قوله تعالى: ﴿إنا هديناه السبيل﴾ [الإنسان: ٣]، ﴿وهديناه النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠].
والثاني بمعنى اللطف والتوفيق والعصمة والتأييد، وهو الذي تفرد الله تعالى به، ومنه قوله تعالى: ﴿إنك لا تهدي من أحببتَ ولكن الله يهدي من يشاء﴾ [القصص: ٥٦].
الثالث: الهدى المجازي، ولا بد فيه من ظهور القرينة كقوله ﷿: ﴿فاهدوهم إلى صراط الجحيم﴾ [الصافات: ٢٣]، وقوله: ﴿فأنه يُضِلُّهُ ويَهْديه إلى عذابِ السعير﴾ [الحج: ٤] ولا بُدَّ فيه من ذكر المفعول الثاني، لأنه قرينته الدالة على المراد منه.
إذا ثبت ذلك، فآيات الهدى المعلق على ثبوت المشيئة هنا لا يصلح جعلها من القسم الثالث لفقد القرينة، ولا من القسم الأول، وهو نصب الدلالة مطلقًا لثبوته للجميع في غير آيةٍ كما قدمناه، وهذه الآيات التي فيها المشيئة تقتضي أنه لم يكن، وكذلك الآيات المطلقة في قوله: ﴿يهدي به الله من اتبع رضوانه سُبُلَ السلام﴾ [المائدة: ١٦]، وقوله: ﴿سَيَهْديهم ويُصْلحُ بالَهُم﴾ [محمد: ٥] يدلُّ على أنه هدىً خاص يستحق به العبد الثواب والثناء لا الهدى الذي لا اختيار معه.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [الشورى: ٨].
وقوله: ﴿ولو شاءَ الله لجمعهم على الهُدَى﴾ [الأنعام: ٣٥].
[ ٦ / ٦٤ ]
وقوله: ﴿ولَوْ شاءَ ربُّك لجَعَلَ الناس أُمَّةً واحدةً﴾ [هود: ١١٨].
وقوله: ﴿فلو شاء لهداكم أجمعين﴾ [النحل: ٩].
وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل: ٩٣].
فهذه الآيات لا يصح تأويلها بمشيئة الإكراه في الكافرين ومشيئة الاختيار في المؤمنين، لأنهم حينئذٍ يكونون (١) أمتين مختلفتين لا أمةً واحدة كما تقدم في تقريره في قوله تعالى: ﴿لمن شاء منكم أن يستقيم﴾ [التكوير: ٢٨].
وهو قد تمدح ﷾ بأنه لو شاء، لجعلهم أمة واحدة، ولا بد لتأكيد الأمة بواحدةٍ من فائدة، وما هي إلاَّ عدم افتراقها وتشعبها، ولا يمكن تأويل ذلك بجمعهم على الكفر فقط، لقوله: ﴿ولو شاء الله لجمعهم على الهدى﴾ [الأنعام: ٣٥] ونحوها.
وأصرح من هذه الآيات، وأبعد من التأويل قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ١٧٦]، فهذه مصادمة لمذهب المعتزلة مُصادمة النصوص.
وكذلك قوله: ﴿ولا تقولَنَّ لِشَيءٍ إنِّي فاعلٌ ذلك غدًا إلاَّ أن يشاء الله﴾ [الكهف: ٢٤] لا (٢) يصح حمله على مشيئة الإكراه، لأنها تناقض معنى الفاعلية، كما لا يصح الاحتجاج على الخبر، ونفي الاختيار بها لمثل ذلك، ومنه قوله: ﴿إنَّ رَبِّي لطيفٌ لِما يشاءُ﴾ [يوسف: ١٠٠]، فلا يصح تأويله بمشيئة الإكراه، لأنها تناقض معنى (٣) اللطفِ.
_________________
(١) في (أ): " يكونوا "، وهو خطأ.
(٢) في (ش): ليس.
(٣) من قوله " الفاعلية " إلى هنا ساقط من (أ).
[ ٦ / ٦٥ ]
وكذلك قوله: ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ من يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٦٩] لأن المقهور غير حكيم.
و﴿مَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ﴾ [المائدة: ٤١] لأن المقهور غير مفتون إلاَّ إذا كانت بمعنى العذاب.
وكذا قوله: ﴿إنك لا تهدي من أحببتَ ولكن الله يهدي من يشاء﴾ [القصص: ٥٦] لأنه لا يصح أن يكون المعنى: لا تُكْرِهُ على الهدى من أحببت، ويلزم أن تكون الثانية مثلها، وإلا لم يحسن الاستدراك، وكان بمنزلة أن تقول: ولكن الله يرزق من يشاء.
ومن أوضح الأدلة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧) ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ٨٧ - ٨٨]، وبيانه: أن ذلك في قوله تعالى: ﴿ذلك هدى﴾ إشارة إلى ما تقدم من هداية أنبيائه وأوليائه والضمير في قوله: ﴿يهدي﴾، راجعٌ إلى ذلك الهدى الذي هدى به أنبياءه وأولياءه (١)، هو الهدى الذي يهدي به من يشاء من عباده، والمعلوم أن هدى من تقدم ذكره ما كان إلاَّ اختيارًا لا قسرًا.
وإذا ثبت أن هدى من تقدم ما كان إلاَّ اختيارًا وجب أن يكون هدى من شاء من عباده مثله، لأنه هو.
وأما الدليل على أن الضمير في " يشاء " راجع إلى الله تعالى لا إلى " من " فوجوه (٢):
أحدها: أنه جاء كذلك في آيات كثيرة مصرحًا به، ولم يأتِ على العكس، والقرآن يُفَسِّرُ بعضه بعضًا، ولو سلمنا إجمال هذا كان في ذلك التصريح كفاية.
_________________
(١) من قوله: " والضمير في قوله يهدي " إلى هنا ساقط من (أ).
(٢) في (ش): بوجوه.
[ ٦ / ٦٦ ]
وثانيها: أن الهدى في أول الآية مضافٌ إلى الله تعالى كذلك آخرها.
وثالثها: أن هذا مجرد دعوى من غير دليلٍ، وتجويز هذا حرامٌ وِفاقًا خصوصًا في تفسير كتاب الله.
ورابعها: أنه يفسد مرادُهم على تسليم صحة تأويلهم، فإنه حينئذ يدُلُّ على قدرة الله على هداية الجميع، إذ لو كان لا يَقْدِرُ إلاَّ على هداية البعض لم يحسن منه التمدح بهداية من يشاء الهداية من جميع العباد، وتكرير التمدح بذلك من غير إشعار بتخصيص، وما يدعونه من المخصصات العقلية ممنوعٌ، بل معكوسٌ كما أوضحناه في هذا الكتاب.
وذكر الرازي أنه لا يحبُّ الجهل أحد، فإن الله قادر على تعريف جُهَّال الكفرة بما جَهِلُوه من علوم الإسلام، ونفيه لمحبة الجهل صحيحٌ على جميع القواعد كما سيأتي بيانه في مسألة الدواعي.
وخامسها: -وهو المعتمد- ما تقدم من أن نفوذ مشيئة الله معلوم من ضرورة الدين لمن لم يعتقد أنه من جملة المحالات، وقد تقدم بيانه.
وسادسها: أنه يلزم الاحتمال في قولنا: زيدٌ يكرم من يشاء، أو رجحان رجوع الضمير إلى " من " أو إلى " زيد "، وكلاهما عنادٌ واضح.
فإن سلموا رجحان رجوع الضمير إلى زيدٍ في هذه الصورة لزمهم رجوع الضمير إلى مثله وإلى مثله في أمثالها، وإن (١) خصُّوا بقلب المعنى كلام الله لأجل الدلالة العقلية، فقد سلَّموا أن ما قلناه هو ظاهرُ كتاب الله، وقد تقدم أن تأويل هذا المعنى بدعةٌ حادثة، وأن العقل موافقٌ للسمع في ذلك.
ومن ذلك تمدُّحه تعالى بأنه فعَّالٌ لما يريد، وأنه يفعل ما يريد، لأنه لا يجوز
_________________
(١) في (أ) و(ش): " وإنما "، والمثبث من هامش (أ).
[ ٦ / ٦٧ ]
أن يكون معناه بعض ما يريد، لأن جميع عباده الضعفاء كذلك يفعلون بعض ما يريدون ويفوتهم بعضه، فوجب أن يكون الربُّ هو المختص بفعل جميع ما يُريد لا يتعذَّر عليه شيءٌ، فوجب متى أراد أن يلطف بعبد أن يقدر على ذلك وإن كان العبد أكفر الكافرين، وأفجر الفاجرين.
وهذا كله زيادة بيان على جهة التفصيل، والعمدة ما قدمته من الوجه القطعي الجُملي من أن آيات المشيئة لو كان ظاهرها قبيحًا باطلًا، لقضت العادة بالتعريف بذلك في عصر النبوة والصحابة والتابعين، فثبت بمجموع هذه الآيات وأمثالها وما عضدها من الأحاديث الصِّحاح وآثار الصحابة والتابعين (١) مع الأدلة العقلية القاطعة أن إرادة الله سبحانه نافذةٌ، ومراداته كلها واقعة.
والعجب من مخالفي أهل السنة في تأويل جميع ذلك، واعتقاد أنه من المتشابه كما صنعوا مثل ذلك في آيات الصفات، وليس يصح أن يكون في القرآن متشابه إلاَّ وفيه محكمٌ يُرَدُّ إليه ذلك المتشابه كما قال تعالى، ولم يرد في آيةٍ واحدة، ولا في حديثٍ واحد من حديث رسول الله - ﷺ -، ولا في أثرٍ واحد من آثار الصحابة ﵃ أن الله تعالى يريد ما لا يكون، بل ما يعلم أنه لا يكون أبدًا، كما لم يَرِدْ في شيء من ذلك أن الله تعالى لا يهدي من يشاء، ولا يقدر على اللطف بمن يشاء كما هو الحق الواضح، والمحكم البين عند المعتزلة.
وما أفحشَ ما ادَّعوا أنه الحق، وأخبثه في الأسماع وأوحشه في الإسلام، وجميع آيات المشيئة تقتضي تنزُّه (٢) الرب ﷻ، وترفعه عن هذه النقيصة التي لا تليق بكمال ربوبيته وجبروته وقدرته وقوته وعِزَّتِه، وما قنعت المعتزلة بإنكار هذه الصفة الشريفة حتى كفَّرت من آمن بما ورد في كتاب الله تعالى من
_________________
(١) من قوله: " فثبت " إلى هنا ساقط من (أ).
(٢) في (ش): تنزيه.
[ ٦ / ٦٨ ]
ذلك، فزادت على الخوارج فإنهم كفَّروا المسلمين بأصغر الذنوب، وهؤلاء كفروهم بأعظم الحسنات، وهو الإيمان بكتاب الله تعالى.
ولنذكر الآن شبهة المعتزلة في إيجاب اللطف على الله تعالى حتى يظهر ضعف ما عارضوا به هذه الأدلة الباهرة المتظاهرة، فنورد كلام الإمام يحيى بن حمزة في كتاب " التمهيد " لأنه من المُبالغين في النظر في علومهم، والناصرين لكثيرٍ من مذاهبهم، وإنما يخالفهم فيما اتَّضحت ركَّتهُ، وظهر ضعفه مثل هذه المسألة.
فنقول (١): قال في " التمهيد " في أوائل الباب الأول في النبوات ما لفظه:
فلِمَ قلتم: إن اللطف واجبٌ؟
قالوا: لأمرين: أمَّا أولًا، فلأنَّ اللطف جارٍ مجرى التمكين.
قلنا: لا نُسَلِّمُ.
قالوا: إن من قدم الطعام إلى إنسان (٢)، وأراد من ذلك الإنسان أن يتناول (٢) من ذلك الطعام، فإنه لا يتناول منه (٢) إلاَّ إذا تواضع له، فإنَّ تركه للتواضع يقدح في كونه مريدًا من ذلك الإنسان أن يتناول طعامه.
قلنا: لا نُسَلِّمُ أن تركه للتواضع، والحال هذه مقدرة (٣) يقدح في كونه مُريدًا على الإطلاق.
وبيانه: أن الإرادات مختلفة بحسب العادة والأخلاق، فقد يكون الإنسان مُريدًا من غيره أن يتناول طعامه إرادة بالغة في العادة مبلغًا عظيمًا، حتى إنه يقدر
_________________
(١) ساقطة من (أ) و(ش).
(٢) قوله: " إلى إنسان " و" أن يتناول " و" فإنه لا يتناول منه " ساقط من (أ).
(٣) ساقطة من (أ).
[ ٦ / ٦٩ ]
في نفسه أن يفعل كل ما يعلم أن ذلك الضيف يتناول طعامه عند فعله، وقد يكون مُريدًا من غيره أن يتناول طعامه، ولكن لا إلى هذا الحد.
فإذا عرفت هذا التفصيل، فنقول: الإرادة إذا كانت واقعة على الوجه الأول كان ترك التواضع قادحًا فيها، فأمَّا إذا كانت واقعة على الوجه الثاني، فلا نُسَلِّمُ أن ترك التواضع يقدح فيها، والعلم بذلك بعد الاختيار ضروري.
إذا ثبت ذلك قلنا: لِمَ قلتم: إن الله تعالى أراد من المكلفين فعل الطاعات والاجتناب عن المعاصي على الوجه الأول حتى يلزمه فعل اللطف.
بيانه: أن التكليف إنما هو تفضُّلُ وإحسانٌ، والمتفضِّلُ لا يجب عليه أن يأتي بأقصى مراتب الفضل.
فإذا كان الأمر كما ذكرنا حَسُنَ من الله تعالى أن يريد من المكلف فعل الطاعة، وترك المعصية على الوجه الثاني، وعلى هذا التقدير لا يلزم من ترك اللطف القدح في الإرادة.
وأما قولهم ثانيًا: إن ترك اللطف كفعل المفسدة.
فنقول: ما عنيتم بقولكم: كفعل المفسدة، بمعنى أن حقيقة أحدهما كحقيقة الآخر، فهو باطلٌ قطعًا، لأن عَدَمَ فعلٍ لا يكون مثلًا لفعل آخر.
وإن عنيتم أن ترك اللطف يماثل فعل المفسدة في القبح، فهذا خطأ أيضًا، لأن (١) ترك اللطف إنما يماثل فعل المفسدة في القبح لو كان فعل اللطف واجبًا، وهذا هو أول المسألة.
لا يقال: إنا نعني بهما تماثلهما في كونهما ضررًا بالغير، وذلك علة القبح، ويلزم من الاشتراك في العلة الاشتراك في الحكم، لأنا نقول: الفرق بينهما
_________________
(١) في (أ): إن.
[ ٦ / ٧٠ ]
ظاهر، لأنه لا معنى (١) لكون ترك اللطف لم يكن (٢) ضررًا إلاَّ أنه ترك الانتفاع، ولا يلزم من قبح فعل الإضرار قبح ترك الانتفاع، ألا ترى أنه يقبح منا أن نَضُرَّ بالفقير، ولا يقبح منا أن لا ننفعه، فحصل الفرق. انتهى بحروفه.
وهو يقتضي بطلان قول المعتزلة: إنه ليس في معلوم الله ولا مقدوره لطفٌ لأحد من العصاة، والحمد لله على موافقة هذا الإمام في هذه المسألة الجليلة، فإنه من عيون أهل البيت ﵈، وإن كان المختار في الاستدلال هو ما أشرت إليه من الوجوه العقلية والنقلية.
والذي ذكره الإمام زيادةٌ وإفادة، وقد أحال الإمام في " النهاية " و" الشامل " إلى كلامه في " التمهيد "، فدلَّ على بقائه عليه، وذكر الإمام يحيى بن حمزة في كتابه " النهاية " لمن لم يوجب اللطف من المعتزلة ثلاث حُجَجٍ.
الحجة الأولى: أنه لو وجب ذلك، لفعله الله، ولو فعله لم يوجد في العالم كافرٌ.
الحجة الثانية: حسن سؤال العافية من الألم، وعلى كلام المعتزلة لا يحسن ذلك لتجويز أنه لُطْفٌ واجب.
الحجة الثالثة: يلزم لو كان مكلَّفٌ يختار الإيمان عند فعل، ومكلَّفٌ آخر يختار الكفر عنده أن يكون واجبًا قبيحًا بالنظر إلى الجهتين (٣).
وأشار في الفصل الثاني من الأصل الخامس إلى حجةٍ أخرى، وهي الاجتماع (٤) على حُسْنِ الرغبة من كل مكلَّفٍ إلى الله تعالى أن يلطف به، وذلك يدلُّ على قُدرته على ذلك وأنه غيرُ مُحال.
_________________
(١) قوله: " لأنه لا معنى " ساقط من (أ).
(٢) " لم يكن " ساقط من (ش).
(٣) في (ش): الوجهين.
(٤) في (ش): الإجماع.
[ ٦ / ٧١ ]
وحكى في الفصل الثاني هذا عن قاضي القُضاة أنه حكى عن قومٍ أنهم منعوا من تكليف من لا لطف له، وأما من علم الله أن اللطف له في فعلٍ قبيحٍ من الله، فأربعة أقوال:
الأول: لأبي هاشمٍ، أنه يحسن تكليفه، ويكون بمنزلة من لا لطف له.
الثاني: لأبي عبد الله البصري، أنه لا يحسن.
الثالث: أنه لا يسمى لُطفًا لقبحه، فيجوز التكليف بدونه، وهو قول الشيوخ.
الرابع: لقاضي القضاة، أنه لا يحسن، لأنه غير مُزاحِ العلة.
وإنما ذكرت أقوالهم هذه ليعتبر السُّني من فضول الكلام إلى ما لا (١) ينتهي بأهله من الحكم (٢) على الله تعالى، وتنزيل حكمته على قدر أفهامهم القاصرة في المواضع الخفية التي تختلف فيها أفهام العقلاء، وخوضهم (٣) في ذلك مع عدم الضرورة إليه، وتكفيرهم لأهل السنة مع عفو بعضهم عن بعض.
ألا ترى أنه يلزم قاضي القضاة تكفير سائر الشيوخ لأنهم نسبوا إلى الله تعالى جواز تكليف من لا يجوز تكليفُه، وذلك قبيح، ومن جوَّز القبيح على الله، فهو كافرٌ لكن بشرط (٤) أن يكون من أهل السنة.
وكذلك اختلافهم في الأعراض يوجب التكفير عندهم ولا يكفر بعضهم بعضًا، وسيأتي ذلك.
وقد تمَّ الكلام في نفوذ مشيئة الله تعالى وإرادته (٥)، وهذه المسألة هي رأس
_________________
(١) " لا " ساقطة من (ش).
(٢) في (ش): التحكم.
(٣) في (ش): وخرصهم.
(٤) في (ش): يشترط.
(٥) ساقطة من (أ).
[ ٦ / ٧٢ ]
تحقيق مواضع في الاختلاف بين المعتزلة وبين أهل السنة، واستدلال المعتزلة في مسئلة المشيئة وهو أنواع، وذكر الخلافات في الإرادة
الخلاف بين أهل السنة والمعتزلة، ولم يتحقق من اختلافهم في سائر المراتب الثلاث الماضية ولا فيما يأتي الآن في المرتبة الخامسة ما يوجب التنافي الكثير، فإن المعتزلة تُقِرُّ بأن الله خيَّرَ (١) الخلق على التكليف الاختياري، وهي المرتبة الأولى.
وتُقِرُّ بالقضاء والقدر بمعنى العلم والكتابة، وأن ما علمه الله لم يقع سواه قطعًا، وهذه المرتبة الرابعة.
وتقر بأن ما دعا إليه الداعي الراجح، وقع قطعًا، وهذه المرتبة الثالثة.
ويأتي في المرتبة الخامسة إقرار أهل السنة أجمعين أن العبد مختارٌ في فعله حتى في قول غُلاتِهم في الجَبْرِ.
فوضح لك أن حقيقة اختلافهم إنما هو في مسألة الإرادة، وإنما بَيَّنْتُ لك هذا لِتَخُصَّها بفضل التأمل التام، والنظر الصحيح، وتضرع إلى الله أن يَهْدِيَك إلى المنهج القويم والصراط المستقيم، فإنه سبحانه كما قال في كتابه: ﴿لَطيفٌ لِما يَشاءُ﴾ [يوسف: ١٠٠]، و﴿يُؤْتي الحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ﴾ [المدثر: ٣١]، و﴿يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ﴾ [فاطر: ٨]، و﴿بيدِهِ الملكُ وهو على كُلِّ شَيْءٍ قديرٌ﴾ [الملك: ١]، و﴿بِكُلِّ شَيْءٍ بَصيرٌ﴾ [الملك: ١٩].
وأما شُبَهُ المعتزلة السمعية في هذه المسألة، فهي ضعيفة جدًا، وجوابُها يظهر بأدنى تأمُّلٍ بحمد الله تعالى، وهي أنواعٌ.
النوع الأول منها وهو أهمُّها: ما حكاه الله تعالى عن المشركين من تعرُّضِهم لإفحام الرسل كما تعرَّضت المعتزلة لإلزام أهل السنة ذلك بقولهم: إن مشيئة الله نافذةٌ، وقد سبقهم المشركون إلى الاحتجاج بذلك على الله
_________________
(١) تحرفت في (ش) إلى: أجبر.
[ ٦ / ٧٣ ]
تعالى، ثم على رُسُلِه الكرام ﵈، وجاء سؤالهم وجوابه في كتاب الله تعالى، وأفحم الله تعالى المشركين وأسكتهم، فما فَهِمَتِ المعتزلة.
فالعجب منهم مع دعواهم للنظر الدقيق كيف حسبوا أن الله كرَّر شُبَهَ المشركين وقرَّرها وأجابها عليهم بجوابٍ غير مقنع، ولنذكر الآيات الواردة في ذلك، وهي ثلاثٌ.
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٣٥) وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦) إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [النحل: ٣٥ - ٣٧].
وهذه أبين الآيات وأبعدها من الاشتباه، وقد بيَّن الله سبحانه أن شُبَهَهُم (١) هذه من قبيل قول الخوارج: لا حكم إلاَّ لله، وجوابهم من قبيل قول علي ﵇: إن هذه كلمة حقٍّ يُراد بها باطل (٢).
_________________
(١) في (ش): شبهتهم.
(٢) أخرج مسلم (١٠٦٦) (١٥٧)، والنسائي في " الخصائص " (١٧٧)، والفسوي ٣/ ٣٩١ - ٣٩٢، وابن حبان (٦٩٣٩)، والبيهقي ٨/ ١٧١ من طرق عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، عن بُسر بن سعيد، عن عبيد الله بن أبي رافع مولى رسول الله - ﷺ - أن الحرورية لما خرجت وهو مع علي، فقالوا: لا حكم إلاَّ لله، فقال علي ﵁: كلمة حق أُريد بها باطل، إن رسول الله - ﷺ - وصف أناسًا إني لأعرف وصفهم في هؤلاء، " يقولون الحق بألسنتهم لا يجوز هذا منهم -وأشار إلى حَلْقه- من أبغض خلق الله إليه، فيهم أسود إحدى يديه حلمة ثدي " فلما قتلهم علي ﵁ قال: انظروا فنظروا فلم يجدوا، فقال: ارجعوا، فوالله ما كَذَبْتُ ولا كُذِبْتُ، مرتين أو ثلاثًا، ثم وجدوه في خَرِبة، فأتوا به حتى وضعوه بين يديه، قال عبيد الله: وأنا حاضر ذلك من أمرهم وقول علي فيهم.
[ ٦ / ٧٤ ]
وذلك أنه سبحانه أجاب عليهم بقوله: ﴿فَهَلْ على الرُّسُلِ إلاَّ البَلاغُ المُبينُ﴾، وصدَّر الجواب بالمبالغة في الاستنكار حيث استعار للاستنكار حرف الاستفهام، فإن الاستنكار لا يورد على صيغة الاستفهام إلاَّ في المعلومات التي لا يتجاسَرُ الخصم على العناد في إنكارها كما يعرف ذلك أدنى من له ذوقٌ.
ولذلك نظائرُ، منها: قوله تعالى: ﴿هَلْ جزاءُ الإحسانِ إلاَّ الإحسانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]، وقوله: ﴿وَهَلْ يُجازَى (١) إلاَّ الكَفورُ﴾ [سبأ: ١٧].
وتقول لمن أساء إليك وأحسنت إليه: هل قدمت إليك ما يوجب الإساءة؟
وبيان ذلك من العقل: أن الله تعالى لمَّا نصَّ في كتبه الكرام، وعلى ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام أنه أراد ابتلاء الخلق وتمحيص المؤمنين، وتمييز الخبيث من الطيب بأنه حفَّ الجنة بالمكاره، وحفَّ النار بالشهوات (٢)، حتى ابتلى خليله ﵇ بالأمر (٣) بذبح ولده، وقال: ﴿إنَّ هذا لَهُوَ البَلاَءُ المُبينُ﴾ [الصافات: ١٠٦]، وحتى أنكر ورود التكليف بغير هذه الصفة بعبارات كثيرة (٤) مختلفة متنوعة، يطولُ ذكرُها، وسيأتي منها طرفٌ صالح عند ذكر الكلام في المرتبة الثالثة في الدواعي قريبًا.
_________________
(١) بضم الياء وفتح الزاي، ورفع الكفور على أنه نائب فاعل، وهي قراءة عامة القراء غير حمزة والكسائي، وحفص، فإنهم قرؤوا: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ بالنون، والكفور بالنصب على أنه مفعول به. انظر " حجة القراءات " ص ٥٨٧.
(٢) أخرجه من حديث أبي هريرة: أحمد ٢/ ٢٦٠ و٣٨٠، والبخاري (٦٤٨٧)، ومسلم (٢٨٢٣)، وأبو داود (٤٧٤٤)، والترمذي (٢٥٦٠)، والنسائي ٧/ ٣، وابن حبان (٧١٩)، والقضاعي (٥٦٧)، والبغوي في " شرح السنة " (٤١١٥). وأخرجه من حديث أنس: أحمد ٣/ ١٥٣ و٢٥٤ و٢٨٤، والدارمي ٢/ ٣٣٩، ومسلم (٢٨٢٢)، والترمذي (٢٥٥٩)، وا بن حبان (٧١٦) و(٧١٨)، والقضاعي (٥٦٨)، والبغوي (٤١١٤).
(٣) ساقطة من (أ).
(٤) ساقطة من (أ).
[ ٦ / ٧٥ ]
ثم عند ذكر حكمة الله تعالى في التكليف، وفي المتشابه، وفي تقدير الشرور في مسألة الأقدار من ذلك قولُه تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١ - ٣]، كان من رعونة المشركين، وقلة تمييزهم المجادلة بما علموا أن الأنبياء جاؤوا به، وجَهِلَتْه (١) المعتزلة من نفوذ مشيئة الله من غير مَثْنَوِيَّةٍ (٢)، ولولا علموا ذلك ضرورة من دين الأنبياء ما احتجوا به، ولو جوَّز المشركون أنه يوجد من يقول: إن الله لا يقدر على هداية عاصٍ، لعدلوا عن هذه الشبهة إلى قولهم: لو شاء الله ما خلقنا أو ما كَلَّفنا، فإنهم قوم خَصِمُون كما وصفهم الله تعالى، وهم أحذق من أن يحتجوا على الأنبياء بما لا يلتزمونه، وهم أهل اللسان العربي والفهم لدقائقه، والقرآن الكريم نزل على لُغتهم، و" لو" في لغتهم موضوعة لامتناع الشيء لامتناع غيره، فمعنى كلامهم أن إيمانهم امتنع لامتناع مشيئة الله، فلو كانت مشيئة (٣) حاصلة من الله عند الأنبياء ما نَطَقَ بها (٤) فرسان البلاغة، كما لا يحسن أن يقولوا: لو أمرنا الله ما أشركنا، ولا: لو أرسل الله إلينا ما أشركنا، وإنما يوردون ما هو ممتنع، مثل ما أوردوا مثل ذلك في إنزال الملائكة، قال الله تعالى: ﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [فصلت: ١٤].
وأما قول من قال منهم: إن الله أمرهم بالفحشاء، فإنهم لم يريدوا أمر بها على يدي محمد - ﷺ -، لأنهم غير مصدقين له فيما جاء به، وإنما ادَّعَوْا ذلك فيما
_________________
(١) في (ش): وجهلة.
(٢) أي: من غير استثناء، يقال: حلف فلان يمينًا ليس فيها ثُنْيا ولا ثَنْوَى، ولا ثَنِيَّة ولا مثنوِيَّة ولا استثناء، كُلُّه واحد، وأصل هذا كله من الثني والكفِّ والرد، لأن الحالف إذا قال: والله لا أفعل كذا وكذا إلاَّ أن يشاء الله غيره، فقد ردَّ ما قاله بمشيئة الله غيره.
(٣) مشيئته.
(٤) في (أ) بهذا.
[ ٦ / ٧٦ ]
توارثوه عن آبائهم عن الشرائعِ المتقدمة التي يمكن الكاذبُ الكذب عليها.
والعجبُ أنهم مع طول مخالطتهم للأنبياء ومجادلتهم، لم يعرفوا ما عرفته المعتزلة من أن عقيدة الأنبياء أن الله أراد ما علم أنه لا يكون، ولا فهموا ما فهمته المعتزلة من لغتهم أن الأمر لازمٌ للإرادة، فلو كان لغتهم تقتضي (١) ذلك، لم يُطيلوا اللجاج بمثل هذا الإلزام الذي يعلمون ظهور فساده.
وأعجب من هذا أن هذا السؤال تكرَّر منهم، وذكره الله في كتابه الكريم مكررًا، فما أجاب عليهم في آيةٍ واحدة بالجواب الحقِّ على قول المعتزلة، فيقول مثلًا: وقد شاء الله أن يؤمنوا، وأراد ذلك كما أجاب على من افترى، وقد زعم أن الله أمر بالفحشاء، فقال تعالى: ﴿إنَّ الله لا يأمُرُ بالفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف: ٢٨]، بل عَدَلَ عن هذا بالمرة، وأعاد شبهتهم بنفسها مقرِّرًا لكونهم نطقوا (٢) بالحق متوصِّلين به إلى الباطل على نحو قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]، وذلك ظاهر في الآية الثانية، وهي قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الذين أشركُوا لو شاءَ اللهُ ما أَشْركنا ولا آباؤُنا﴾ إلى قوله: ﴿كَذلك كَذَّبَ الَّذين مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٨ - ١٤٩] بمنزلة قوله ﴿والله يعلمُ إنك لرسولُه﴾، إذ كل منهما تقريرٌ لصحة ما نطق به الخصم، وقوله: ﴿قُلْ فَلله الحُجَّةُ البالغة﴾ [الأنعام: ١٤٩] كقوله: ﴿والله يَشْهَدُ إنَّ المُنافقينَ لكاذِبونَ﴾ [المنافقون: ١]، إذ كل منهما مُناقضةٌ لمقصود الخصم، ودلالة على أن ما نطق به من الحق غير مستلزم ما قصد من الباطل والتمويه، بل ظاهر آية المنافقين بين الحاجة (٣) إلى التأويل
_________________
(١) ساقطة من (أ).
(٢) تحرفت في الأصل إلى: يطلقوا.
(٣) في (ش): الحجة.
[ ٦ / ٧٧ ]
لتكذيبه لهم فيما قالوه من الحق، ولذلك تمَسَّك به الجاحظ في أن المطابقة لا تكفي في الصدق إلاَّ مع اعتقاد المتكلم لصحتها، وأما آيات المشركين فإنها مُصَرِّحةٌ بتقرير مذهب أهل السنة لنصوصه (١) عليه دون غيره.
والعجب أن المعتزلة احتجوا بها وهي بريئة من ذكر مذهبهم، وأرادوا إبطال مذهب أهل السنة إلى غيرها، ولو لم يرد في كتاب الله سواها، لما احتاج أهل السنة إلى (٢) غيرها في تثبيت مذهبهم، ألا تراهُ يقولُ في هذه الآية: ﴿فلو شاء لهداكم أجمعين﴾ [الأنعام: ١٤٩]، وقال في الآية الأولى: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ [النحل: ٣٧] وقال فيها: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ [النحل: ٣٦] ولم يقل كما قالت المعتزلة: فمنهم من اهتدى ومنهم من لم يقدر الله على هدايته، وهذا موضع الحاجة إلى بيان الحقِّ ومحو (٣) تمويه المشركين، فكيف يُقَرّرُ في نفس الجواب ما يقتضي عند المعتزلة إفحام الرسل؟ وهل يصح مثل هذا من حكيم؟
ولو قدرنا حسن ورود المتشابه، فليس في مثل هذا المقام، فهذا مقام الحجاج والبيان، وإيراد المتشابه هنا يوهم صحة الإشكال، والعجز عن الجواب، ويُغري بالقبيح ويحطُّ رتبة المجيب، فإلى متى يُؤَخَّرُ المحكم، ويأتي بيان الحق، ولا مخبأ بعد بؤسٍ، ولا عطر بعد عروسٍ (٤).
_________________
(١) في (ش) لنصوصها.
(٢) من قوله: " إلى غيرها " إلى هنا ساقط من (أ).
(٣) في (ش): ومحق.
(٤) كذا جاء المثل في (ش)، وهو ساقط من (أ)، ونصه في كتب الأمثال " لا مخبأ لِعِطْرٍ بعد عروس "، ويروى: " لا عِطْر بعد عروس ". وأصله أن رجلًا أهديت إليه امرأة، فوجدها تَفِلَة، فقال لها: أين الطيبُ؟ فقالت: خَبَأته، فقال: " لا مخبأ لعطر بعد عروس " يضرب لمن لا يؤخَّر عنه نفيس. وقال الزمخشري: يُضرب في ذم ادِّخار الشيء وقت الحاجة إليه. وقيل: عروس اسم رجل مات، فحملت امرأتُه أواني =
[ ٦ / ٧٨ ]
وهذه نكتةٌ نفيسةٌ فتأملها.
ويزيدها وضوحًا أن الحاكم على تَشَيُّعه روى في " المستدرك " (١) أن ابن عباس احتج بهذه الأولى على ثبوت القدر وصحته كما وفقنا الله لفهمه، وفهمه حجة، لأنه من أهل اللسان والفطرة الصحيحة.
_________________
(١) = العطر، فكسرتها على قبره، وصبَّت العطر على قبره، فوبخها بعضُ معارفها، فقالت ذلك. ويضرب في الاستغناء عن ادِّخار الشيء لعدم من يدَّخر له. وقيل: أول من قال ذلك امرأة من عُذرة يقال لها: أسماء بنت عبد الله، وكان لها زوج من بني عمها يقال له: عروس، فمات عنها، فتزوجها رجل من غير قومها يقال له: نوفل، وكان أعسر أبخر بخيلًا دميمًا، فلما أراد أن يَظْعَنَ بها، قالت له: لو أذنت لي، فرثيتُ ابن عمي وبكيتُ عند رَمْسه، فقال: افعلي، فقالت: أبكيك يا عروس الأعراس، يا ثعلبًا في أهله وأسدًا عند البأس، مع أشياء ليس يعلمها الناس. قال: وما تلك الأشياء؟ قالت: كان عن الهمة غير نعَّاس، ويعمل السيف صبيحات البأس. ثم قالت: يا عروس الأغرّ الأزهر، الطيب الخِيم، الكريم المخْبَر، مع أشياء لا تذكر. فقال: وما تلك الأشياء؟ قالت: كان عيوفًا للخنى والمنكر، طيب النكهة غير أبخر، أيسر غير أعسر، فعرف الزوج أنها تُعَرِّضُ به، فلما رحل بها قال: ضُمِّي إليك عِطْرَكِ، وقد نظر إلى قَشْوَة عطرها مطروحة، فقالت: " لا عِطرَ بعد عروس " فذهبت مثلًا. انظر " فصل المقال " ص ٤٢٦ - ٤٢٧، و" المستقصى " ٢/ ٢٦٣ - ٢٦٤، و" مجمع الأمثال " ٢/ ٢١١ - ٢١٢، و" لسان العرب " و" القاموس المحيط " (عرس).
(٢) ٢/ ٣١٧ من طريق عبد الرزاق (٢٠٠٧٣) عن معمر، عن عبد الله بن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄ أنه سمع رجلًا يقول: الشَّرُّ ليس بقدر، فقال ابن عباس ﵄: بيننا وبين أهل القدر ﴿سَيَقولُ الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا﴾ حنى بلغ ﴿فلو شاء لَهَداكُم أجمعين﴾ قال ابن عباس: والعجز والكيس من القدر. وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا. وأخرجه البيهقي في " الأسماء والصفات " ص ١٧٤ - ١٧٥ من طريق الحاكم. وذكره السيوطي في " الدر المنثور " ٣/ ٣٨٠ وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.
[ ٦ / ٧٩ ]
ومن العجب قول المعتزلة: إن هذا متشابهٌ، فأين المحكم؟ وأيُّ آيةٍ في كتاب الله جاءت على وفق مذهب المعتزلة في أن الله يشاء ما لا يكون، ويريد ما يعلم أنه لا يكون حتى يُرَدَّ المتشابه إليها، فإن الله لم يصف القرآن بأنه متشابه كله، وقد تقدم تقرير هذا، وهو نفيسٌ جدًا لمن تأمله، وليس في هاتين الآيتين ما يحتاج أهل السنة إلى تأويله ألبتة.
أما قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كذَّب﴾ [الأنعام: ١٤٨] فإن القراء السبعة اتفقوا على أن القراءة (كذَّبَ) (١) بتشديد الذال، يعني: كذبوا الأنبياء والحق الذي جاءهم، وهي كقوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿كَذلِكَ فَعَلَ الَّذينَ مِنْ قَبْلِهم﴾ [النحل: ٣٣] والقرآن يُفَسِّرُ بعضه بعضًا، وليس يحتاج إلى التأويل.
وأما من قرأ: ﴿كَذَلِكَ كَذَبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ على تقدير صحة القراءة بتخفيف الذال (٢) من (كذب) فهو كقوله تعالى في هذه الآية ﴿وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٨] وذلك كله راجع إلى ما سبقت الآيات لإبطاله من قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ إلى آخر قوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١]، وهي قدر سِتَّ عشرة آية مشتملة على تكذيبهم، وتجهيلهم في تحريم بعض الأنعام، واستحلال قتل أولادهم، يعني: وَأْدَ البنات.
وقد كرر الله هذا المعنى في كتابه، لأنه يدلُّ على تجزئهم على الله، وعدمِ تأويلهم، وعدم نظرهم في الجليَّات، لأن كل عاقل يعلم مع أدنى تأمل أنه لا يدلُّ على ما افتروه في هذه الأشياء شبهةٌ عقلية، ولا أثارةُ علمٍ شرعية، ولذلك قال: ﴿هَلْ عِنْدَكُم مِنْ عِلْمٍ فتُخرجوه لَنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] ثم بيَّنه بقوله: ﴿قُلْ
_________________
(١) من قوله: " فإن القراء " إلى هنا ساقط من (أ).
(٢) هي قراءة شاذة لا تَثْبُتُ، ولا يُعْرَفُ من قرأ بها، فقد ذكرها أبو حيان في " البحر المحيط " ٤/ ٢٤٧ دون نسبة إلى معين، وإنما قال: بعض الشواذ.
[ ٦ / ٨٠ ]
هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا﴾ [الأنعام: ١٥٠].
وليس هذا الجواب من التأويل المخالف للظاهر، بل فيه بيان ما رجع إليه اسم الإشارة بالحجة كفعل الخصم بغير حجة.
وغاية الأمر أن هذه الآية الكريمة كآية المنافقين سواء، حيث احتجوا بالحق على الباطل، وسيأتي تمام الكلام على هذا مستوفى في جواب الآية الثالثة، فتأمَّلْهُ هنالك، فإنه مفيدٌ جدًا، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
وليس مع المعتزلة شُبهةٌ إلاَّ كون المشركين احتجوا بذلك، وليس يلزم في كل ما نطق به المشركون أنه باطل، وإن ظنوا أنه حجةٌ لهم، فما زالوا يحتجون بالحق على الباطل، وذلك كثيرٌ في كتاب الله ولا فرق بين قولهم: ﴿لو شاءَ الله ما أَشْركْنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] وبين قولهم: ﴿لو شَاءَ رَبُّنا لأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ [فصلت: ١٤]، وقولهم: ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ الله أطْعَمَه﴾ [يس: ٤٧] من قبيل قول الخوارج (١): لا حكم إلاَّ لله، والجواب عليهم من قبيل قول علي ﵁: كلمة حق يراد بها باطل.
وقد جمع الله سبحانه تمسُّكهم بهذه الشبهة وتمسكهم بنظيرها من مقدورات الله الممتنعة بالحكمة في آيةٍ واحدة يساوي فيها بين الشبهتين، ولله الحمد، وذلك قوله تعالى في الزمر: ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر: ٥٧ - ٥٨].
ألا تراه قد أجاب عن كل واحدة من هاتين الشبهتين في كتابه الكريم، فقال في جواب الأولى: ﴿قُلْ فلِلهِ الحُجَّةُ البالغةُ فلَوْ شاءَ لَهَدَاكُم أجْمَعينَ﴾
_________________
(١) في (ش): في أن الجميع قول الخوارج.
[ ٦ / ٨١ ]
[الأنعام: ١٤٩]، وقال في جواب الثانية: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا﴾ [الأنعام: ٢٨]، وساوى في آية (الزمر) في الجواب بينهما، فجاء بأمرٍ يَعُمُّهُما لما كان معناهما الأخص مفترقًا، فقال تعالى: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٩].
وهذا مثل قوله: ﴿فَهَلْ على الرُّسُلِ إلاَّ البَلاغُ المُبينُ﴾ [النحل: ٣٥]، وبلاغ الرسل ومجيءُ الكتب مع خلق العقول والقدرة هو المُعَبَّرُ عنه بالهدى في قوله: ﴿وأمَّا ثَمودُ فهَدَيناهُم﴾ [فصلت: ١٧] وهو الهدى العام، وفيه إبلاغ العذر كما صح عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: " لا أحد أحبُّ إليه العُذْرُ مِنَ الله، من أجل ذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب " (١)، وما زاد على ذلك من الهدى، فإنه فضلُ الله يؤتيه من يشاء بمنةٍ وفضلٍ، ويصرِفُه عمن يشاء بحكمةٍ وعدلٍ (٢).
ألا ترى إلى قوله تعالى في آخر هذه السورة: ﴿وقال لَهُمْ خَزَنَتُها﴾ [الزمر: ٧١] الآية. وأما كذبهم على الله، فسوف يأتي بيانه قريبًا في الآية الثالثة.
فبان بهذا أن الله ﷿ ما ذمَّهم على الإقرار بما لم يزل يتمدح به من نفوذ (٣) مشيئته، وكمال قدرته، وعظيم عِزَّتِه، وإنما ذمهم على ظنهم ما ظنت المعتزلة من لزوم بطلان حجة الله على عباده بذلك، ومن استنتاجِ الباطل من الحق، والكذب من الصدق.
وقد تقدم في مسألة الإرادة أن نفوذ مشيئة الله من ضرورة الدين، فكيف يكذب به لاحتجاج المشركين به؟ ولو كان أهل الباطل كلما احتجو بحقٍّ كذَّبناه لتَيَسَّرَ لأعداء الإسلام تَعفية رسومِه بأيسرِ شُبهةٍ، وبلغوا أقصى مرامهم فيه من غير كُلفةٍ.
_________________
(١) تقدم تخريجه في ٥/ ٥٨ من حديث المغيرة بن شعبة وبعض روايات عبد الله بن مسعود.
(٢) ساقطة من (أ).
(٣) في (ش): تفرد.
[ ٦ / ٨٢ ]
وقد جمع الله تعالى مذهب أهل السنة في بعض الآيات الكريمة، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإنسان: ٢٩ - ٣١].
فقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ يقتضي تمكينهم بالنظر إلى القدرة والبيان وكمال الحجة.
وقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ إثباتٌ لتوقف مشيئة العباد على سبق مشيئة الله تعالى، وهذا لا تناقض فيه، كما أن المعتزلة توقف أفعال العباد على ما سبق في (١) علم الله، ولا يلزم الجبر من شيءٍ من ذلك.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ إثباتٌ لتعليل أفعال الله تعالى بالحكم والغايات الحميدة وإن لم تدرك العقول شيئًا من ذلك ألبتة، كيف، وقد بيَّن الله تعالى منه الكثير الطيب كما نذكره في مسألة الأقدار.
وقوله: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ إشارة إلى تعيين بعض ما منَّ علينا بتعريفه من حكمته في ذلك، فله الحمد حمدًا كثيرًا، وذلك أنه إنما عامل عباده في الهداية والإضلال على حسب علمه بما يستحقونه من ذلك من غير عجز منه ﷿ عن هداية ضال ولا إضلال (٢) مهتدٍ، وهي كقوله ﷾ في إبراهيم ﵇: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٥١]، وفي ضدِّه من أعدائه: ﴿وأضَلَّه الله على عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣]، ويجمع معناهما مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: ١٢٥]، وقوله في
_________________
(١) من قوله: " مشيئة الله تعالى " إلى هنا ساقط من (أ)، و(ف).
(٢) قوله: " ولا إضلال " ساقط من (ش).
[ ٦ / ٨٣ ]
الحكاية عن موسى ﵇: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢].
وقد ظهر بهذا أن المعتزلة أرادت أن تحتجَّ بهاتين الآيتين على أهل السنة، فانقلبت الحجة عليهم، وظهر أنه ليس فيهما ما يُتأول عند أهل السنة، وإنما (١) يجب على أصول المعتزلة تأويل كل واحدة منهما، لأن في إحداهما ﴿فلَوْ شَاءَ لَهَداكُم أجْمَعينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩] وفي الأخرى: ﴿فإنَّ الله لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ [النحل: ٣٧].
وأما الآية الثالثة، وهي قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧) أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨) وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩) وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الزخرف: ١٥ - ٢٠].
فهذه الآية الكريمة مثل الآيتين المتقدمتين. والجواب فيهما واحد وإنما سُقْتُ الآيات من أولها ليتدبرها المحب للحق الطالب للبصيرة، فإن المعتزلة تورد آخرها مقطوعًا من أولها لما في ذلك من تعمية الجواب عليهم، فإنهم احتجوا بقوله تعالى في هذه الآية. ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾، وأوهموا أنه يرجع إلى قولهم: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ وحَسِبوا أن هذا يمضي على أهل السنة، وكيف يمضي عليهم وهم أحفط الناس لكتاب الله وأعرفهم به؟ وهل يلزم رجوع التكذيب إلى ما ذكروه من نفوذ مشيئة الله الذي لم يزل سبحانه يتمدح به، والذي عُلِمَ صحته ضرورةً (٢) من الدين؟
_________________
(١) في (ش): فإنه.
(٢) في (ش): ضرورة صحته.
[ ٦ / ٨٤ ]
فهل يجب صرف التكذيب إلى ذلك، ويحرم صرفه إلى ما سيقت الآيات من أولها في رده على المشركين من جعلهم الملائكة بنات الله، تعالى الله عما يقولون عُلُوًّا كبيرًا.
وأيُّ منصفٍ يمنع رد التكذيب إلى ذلك، ويقطع على أن الله ما أراده، وهو الأولى برد التكذيب إليه لوجوه:
منها: أن كونه كذبًا وكفرًا وجهلًا فاحشًا معلومٌ بالضرورة من الدين، وبالضرورة من العقل، وبالضرورة من إجماع المسلمين.
ومنها: أن سياق الآيات من أولها يقتضي شدة العناية في تضليلهم في ذلك، وتبكيتهم والتنويه (١) بتجهيلهم وتقريعهم حيث جعلوا لله ولدًا، وهو يَعِزُّ ويَجِلُّ عن ذلك، وقد عظَّم ذلك في غير آية كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٣].
ثم ما قنعوا أن يجعلوه ولدًا حتى جعلوهم أولادًا كثيرين غير مُنْحَصرين، ثم ما قنعوا حتى جعلوهُنَّ إناثًا، وهُنَّ أبغض الأولاد وأجهلهم وأضعفهم، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ١٨]، وقوله: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات: ١٥٣ - ١٥٤].
ثم ما قنعوا بذلك حتى آثروا عبادتهن على عبادةِ الله تعالى، فكيف يمنع ويحرم رجوع تكذيبهم إلى هذا الكفر، والكذب الفاحش، ويوجب رجوع تكذيبهم إلى القول بنفوذ مشيئة الله وإرادته الذي هو ترجمة عن كمال قدرته
_________________
(١) في (ش): وثبوته، وهو خطأ.
[ ٦ / ٨٥ ]
وعزته وربوبيته، وهل بَقِيَ في من فعل مثل ذلك حياءٌ، فالحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به أهل الزَّيْغ والبدع، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
ومنها: أنه قد أتى تكذيبهم في مثل ذلك صريحًا في نحو هذه الآية الكريمة، والقرآن يفسر بعضه بعضًا، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى (٢٧) وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٧ - ٢٨].
وقال الله ﷿: ﴿أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠) أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (١٥٦) فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الصافات: ١٤٩ - ١٥٧].
فمن كابر عقله بعد هذا أو اعتقد أنه يجبُ صرفُ تكذيبهم إلى ما قالوه من نفوذ (١) مشيئة الله، لزمه أن يحتج على بطلان نبوة رسول الله - ﷺ - بقوله ﷿: ﴿واللهُ يَشْهَدُ إنَّ المنافقين لكاذبون﴾ بعد قولهم: ﴿نَشْهَدُ إنَّك لَرسولُ الله﴾ [المنافقون: ١] وكما أن المراد هناك معلومٌ بالضرورة فكذلك ها هنا، والحمد لله رب العالمين.
وقد بيَّن الله الكاذبين في غير هذه الآية من كتابه، فما أمكن أهل الزيغ أن يردُّوا مجمل كتاب الله إلى شيء من بَيِّنِهِ ونظائره.
فمن ذلك قوله في سورة هود: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [هود: ١٨ - ١٩].
_________________
(١) في (ش): تفرد.
[ ٦ / ٨٦ ]
فبيَّن في هذه الآية الشريفة أنهم الجاحدون للمعاد الذين كذبوا الله ورسله في هذا الوعد الحق الذي تطابقت به الكتب والرسل، فنزَّلَت المبتدعة تفسيرهم بذلك كأنه مُحالٌ، وجعلوهم الذين آمنوا بالله ورسله واليوم الآخر بسبب إيمانهم بكمال قدرته، ونفوذ مشيئته تعظيمًا لربوبيته وعزته، وتصديقًا لنصوص آياته، وحرَّموا تفسير كتاب الله ومراده بذلك زَارِين على من خالفهم، فنعوذ بالله من الخِذلان، وهو حسبنا وكفى، ونعم المستعان.
النوع الثاني من شُبَهِهم السمعية: قوله تعالى: ﴿وَمَا الله يُريدُ ظُلْمًا للعِبادِ﴾ [غافر: ٣١] وفي آية: ﴿للعالمين﴾ [آل عمران: ١٠٨] والجواب عليهم من وجهين:
الوجه الأول: أن أهل السنة أحق منهم بظاهرها وتصديقها، وكذلك في كل ما جاء عن الله تعالى، فإنهم يقولون: إن الله تعالى لا يريد الظلم إرادة فعلٍ، ولا إرادة محبةٍ، ورضًا، بل يقولون: إن إرادته سبحانه لا تعلق بأفعال العباد مطلقًا، فكيف بالقبيح منها؟
ويقولون: إنه سبحانه على أكمل ما يمكن أن يتمدح الرب ﷿ به، فقالوا: إنه يكرهه كراهة حكمةٍ بالنظر إلى الوجه الذي قَبُحَ لأجله، لا كراهة عجزٍ بالنظر إلى الوجه الذي لو شاء لمَنَعَه أو أصلحه منه، ولذلك يقع من ذلك ما لم يُرِدِ الله المنع منه، ولا (١) صلاح فاعله بالتوفيق والهداية عقوبةً له على عظيم ذنوبه كما سيأتي.
وأرادتِ المعتزلة أن تحمل الآيات على أن الله تعالى كَرِهَ ذلك من جميع الوجوه التي تستلزم عدم قدرته ﷿ على إصلاحه باللطف والهداية والتوفيق.
وأهل السنة آمنوا بالآية على وجهٍ يستلزم الإيمان بسائر الآيات، ويستلزم
_________________
(١) " لا " لم ترد في (ش).
[ ٦ / ٨٧ ]
غاية التعظيم لجلال الربوبية، والمعتزلة آمنوا به على وجه يستلزم ما ذم الله به أهل الكتاب من الإيمان ببعض الكتاب، والكفر ببعض، وأروا أهل السنة أن الآية حجة لهم، فأمَّا منطوق الآية ومفهومها السابق إلى الأفهام، فقد آمن به أهل السنة، وأما استنباط عدم قدرة الرب منها، فأبَوْا ذلك إباء المؤمنين، والحمد لله رب العالمين.
وقد قدَّمنا في مسألة الإرادة أن الإرادة تنقسم إلى أقسام، وأنها (١) لا تعلق حين تكون حقيقةً (٢) إلاَّ بفعل الله تعالى، وأنها حين تعدَّى إلى مفعولٍ ثانٍ تُعَدَّى بحروف الجر، وتختلف حينئذ معانيها، وأنها حين تُعلق بفعل الغير تكون بمعنى المحبة والرضا، وتُعَدَّى حينئذ كثيرًا باللام مثل هذه الآية، كما تقول: أُحبُّ لزيد كذا، ولا أرضاه له، وذكرنا أن المحبة تلازم الأمر والطلب والثناء والثواب وأنها لا تعلق بقبيح، وأن الإرادة قد ترد بمعناها، فيكون حكمها واحدًا.
فينبغي للسُّني معرفة هذا ومراعاته، ولا يمكن أهل البدع من التشويش والتشنيع بما لا يحتاجه، ولا ورد به سمعٌ من العبارات المبتدعة التي لَهِجَ بها كثير من المتكلمين والمتكلفين، فإن الآية نصٌّ على مذهب أهل السنة في أن إرادة الله لا تعلق بأفعال المكلفين، لا خيرها ولا شرها، بل تعلق بأفعاله سبحانه، ولكنه سبحانه -لبالغ حكمته- قد يريد عقوبة الظالمين بتسليط بعضهم على بعض، أو عقوبة بعض العصاة من المسلمين بتسليط بعض الكافرين، ولو شاء لأصلح بينهم وكانوا بنعمته إخوانًا.
والمعتزلة ظنت أن الإيمان بالآية يستلزم عدم قدرة الرب تعالى عن هذا، والنصوص كافيةٌ في الرد عليهم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ [آل عمران: ١٦٦ - ١٦٧].
_________________
(١) في (أ): فإنها.
(٢) في (ش): حين حقيقة.
[ ٦ / ٨٨ ]
فبيَّن الإذن وذكر الحكمة فيه بعلم تأويل الإذن بالعلم، لأن العلم لا يُعَلَّل، ولأن الإذن حين يكون بمعنى العلم يكون مفتوح الذال، ذكره في " الضياء " (١)، وهي عادتهم في التفريق بين المصادر دلالة على اختلاف المعاني.
وقال تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ٤ - ٥] فالآية ظاهرة في إرادة الله تعالى لتسليط الكفار على بني إسرائيل في تفاسير المسلمين، ويؤيد ذلك قوله ﷿: ﴿ولو شاء الله لَسَلَّطَهُم عليكم﴾ [النساء: ٩٠] فكيف تُمَوِّهُ المعتزلة بأن من آمن بهذا فقد نسب إلى الله محبة الظلم والرضا به. وقد يكون لله تعالى في ذلك حكمٌ كثيرة غير ذلك.
من ذلك ما صح وتواتر أن رسول الله - ﷺ - سأل الله تعالى أن يرفع الاختلاف والسيف عن أُمته فمنعه ذلك (٢).
_________________
(١) ذكره نشوان بن سعيد الحميري في " شمس العلوم " ١/ ٧٤، و" الضياء المذكور " هو " ضياء الحلوم المختصر من شمس العلوم " لولده محمد.
(٢) أخرج ابن أبي شيبة ١٠/ ٣٢٠، وأحمد ١/ ١٧٥، و١٨١ - ١٨٢، ومسلم (٢٨٩٠)، والدورقي في " مسند سعد بن أبي وقاص " (٣٩)، وعمر بن شبة في " تاريخ المدينة " ١/ ٦٨، وأبو يعلى (٧٣٤)، وابن حبان (٧٢٣٧)، والبيهقي في " دلائل النبوة " ٦/ ٥٢٦، والبغوي (٤٠١٤) من طرق عن عثمان بن حكيم، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه. وفيه: " سألت ربي ثلاثا فأعطاني ثنتين ومنعني واحدة، سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها، وسألته ألا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها ". وأخرجه من حديث خباب بن الأرت: أحمد ٥/ ١٠٨ - ١٠٩ و١٠٩، والترمذي (٢١٧٥)، والنسائي ٣/ ٢١٦ - ٢١٧، وفي " الكبرى " كما في " التحفة " ٣/ ١١٥ - ١١٦، وابن حبان (٧٢٣٦)، والطبراني (٣٦٢١) و(٣٦٢٣) و(٣٦٢٤) و(٣٦٢٥) و(٣٦٢٦)، والمزي في =
[ ٦ / ٨٩ ]
وجاءت أحاديث قوية في بيان وجه الحكمة في ذلك، وهو أنها أمة مرحومة (١)، عذابها
_________________
(١) = ترجمة عبد الله بن خباب من " تهذيب الكمال " ١٤/ ٤٤٧ - ٤٤٨، وفيه: " وسألته أن لا يلبسنا شيعًا فمنعنيها ". وأخرجه باللفظ السابق من حديث أنس: الحاكم ١/ ٣١٤ وأبو نعيم في " الحلية " ٨/ ٣٢٦. وأخرجه من حديث ثوبان: أحمد ٥/ ٢٧٨ و٣٨٤، ومسلم (٢٨٨٩)، وأبو داود (٤٢٥٢)، والترمذي (٢١٧٦)، وابن ماجه (٣٩٥٢)، وابن حبان (٦٧١٤) و(٧٢٣٨)، والبيهقي في " الدلائل " ٦/ ٥٢٦ - ٥٢٧ وفي " السنن " ٩/ ١٨١، والبغوي (٤٠١٥). وفيه: " فإن ربي قال: يا محمد إني إذا قضيت قضاءً فإنه لا يُرد، وإني أعطيك لأمتك أن لا أهلكلهم بسنة عامة، ولا أسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من أقطارها حتى يكون بعضُهم يهلك بعضًا، ويَسبي بعضُهم بعضًا " قال: وقال رسول الله - ﷺ -: " إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، وإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنها إلى يوم القيامة ". وأخرجه من حديث شداد بن أوس: أحمد ٤/ ١٢٣، والبزار (٣٢٩١) مثل حديث ثوبان. وأخرجه من حديث معاذ بن جبل: ابن ماجه (٣٩٥١)، وأحمد ٥/ ٢٤٠، وابن خزيمة (١٢١٨)، وفيه: " وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فردّها علي ". وأخرجه من حديث جابر بن عتيك: أحمد ٥/ ٤٤٥.
(٢) أخرجه أحمد ٤/ ٤١٠ و٤١٨، وأبو داود (٤٢٧٨)، والحاكم ٤/ ٤٤٤ من طريق المسعودي عن سعيد بن أبي بردة، وأحمد ٤/ ٤٠٨ من طريق معاوية بن إسحاق، والطبراني في " المعجم الصغير " ص ١٠ من طريق سالم بن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي وعبد الله بن عثمان بن خثيم، وفي " المعجم الأوسط " (١) من طريق عبد الملك بن عمير وأبو حنيفة في " مسنده " ص ٢٨٠ ستتهم عن أبي بردة، عن أبيه أبي موسى الأشعرى، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. ولفظ سعيد بن أبي بردة: "أمتي هذه أمة مرحومة ليس عليها عذابٌ في الآخرة عذابُها =
[ ٦ / ٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = في الدنيا الفتن والزلازل والقتل". ولفظ أبي حنيفة: " إن أمتي أمة مرحومة وإنما عذابها بأيديها في الدنيا ". ولفظ الآخرين: " إن هذه الأمة مرحومة جعل الله ﷿ عذابها بينها، فإذا كان يوم القيامة، دفع إلى كل امرىء منهم رجلٌ من أهل الأديان، فقال: هذا يكونُ فدِاءَك من النار ". وأخرجه مسلم (٢٧٦٧) (٥١) دون قوله: " إن هذه الأمة مرحومة جعل الله ﷿ عذابها بينها " من طريق غيلان بن جرير، عن أبي بردة، عن أبيه. ولفظه: " يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال، فيغفرها الله لهم، ويضعها على اليهود والنصارى ". وأخرجه البخاري في " التاريخ الكبير " ١/ ٣٧ - ٣٩ من طريق محمد، ويحيى بن زياد، وقتادة، وعمارة القرشي، وعمرو بن قيس السكوني، وعبد الملك بن عمير، وطلحة بن يحيى، والوليد بن عيسى، وليث، ومعاوية بن إسحاق، جميعهم عن أبي بردة، عن أبيه. وأخرجه البخاري في " التاريخ الكبير " ١/ ٣٨ - ٣٩، والطحاوي (٢٦٨)، والحاكم ١/ ٤٩ - ٥٠ و٤/ ٢٥٤، والقضاعي (١٠٠٠)، والخطيب في " تاريخه " ٤/ ٢٠٥، من طريق أبي بكر بن عياش عن أبي حصين، عن أبي بردة قال: كنت جالسًا عند أمير قد سماه (هو عبيد الله بن زياد)، فجعل يتردَّد عليه برؤوس الخوارج، قال: فجعلت كلما رأيت رأسًا منها، قلت: إلى النار، فقال عبد الله بن يزيد: يا بن أخي سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: " يكون عذاب هذه الأمة في دنياها ". لفظ الطحاوي. وفي " التهذيب " ٦/ ٧٩: قال الأثرم قيل: لأبي عبد الله: لعبد الله بن يزيد صحبة صحيحة، فقال: أما صحيحة فلا، ثم قال: شيء يرويه أبو بكر بن عياش عن أبي حصين، عن أبي بردة، عن عبد الله بن يزيد قال: سمعت النبي - ﷺ - قال: وما أرى ذاك بشيء. وصححه الحاكم وقال: ولا علة له، وله شاهد صحيح!! أخرجه ١/ ٥٠ من طريق عثمان بن أبي شيبة، حدثنا يحيى بن زكريا، عن إبراهيم بن سويد النخعي -وكان ثقة- عن الحسن بن الحكم النخعي، عن أبي بردة قال: سمعت عبد الله بن يزيد فذكره. وأخرجه البخاري في " التاريخ الكبير " ١/ ٣٩، والحاكم ٤/ ٢٥٣ - ٢٥٤ من طريق محمد بن فضيل بن غزوان، حدثنا صدقة بن المثنى، حدثنا رياح بن الحارث النخعي، عن أبي بردة قال: بينا أنا واقف في السوق في إمارة زياد إذ ضربت بإحدى يدي على الأخرى =
[ ٦ / ٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = تعجبًا، فقال رجل من الأنصار قد كانت لوالده صحبة مع رسول الله - ﷺ -، مم تتعجب يا أبا بردة؟ قلت: أعجب من قومٍ دينهم واحد، ونبيهم واحد، ودعوتهم واحدة، وحجهم واحد، وغزوهم واحد، يستحل بعضهم قتل بعض، قال: فلا تعجب، فإني سمعت والدي أخبرني أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: " إن أمتي أمة مرحومة ليس عليها في الآخرة حسابٌ ولا عذاب، إنما عذابها في القتل والزلازل والفتن ". وصححه الحاكم ووافقه الذهبي!! مع أن فيه الرجل الأنصاري الذي لم يُسمَّ. وأخرجه البخاري في " تاريخه " ١/ ٣٩ عن سعيد بن يحيى، حدثنا أبي، حدثنا بريد، عن أبي بردة، عن رجل من الأنصار، عن أبيه مرفوعًا. وأخرجه ١/ ٣٩ - ٤٠ عن علي، حدثنا محمد بن بشر، حدثنا مسعر، حدثني علي بن مدرك، عن أبي بردة، حدثني رجل من الأنصار، عن بعض أهله يرفعه: " هذه أمة مرحومة ". قال البخاري بعد أن ذكر طرق الحديث السالفة: ألفاظهم مختلفة إلاَّ أن المعنى قريب، والخبر عن النبي - ﷺ - في الشفاعة وأن قومًا يعذبون ثم يخرجون أكثر وأبين وأشهر. قلت: وهذا التعليل من الإمام البخاري ﵀ دال على نكارة متنه لمخالفته للأحاديث الصحيحة الكثيرة التي مفادها أن عددًا غيرُ قليل من هذه الأمة يدخل النار يوم القيامة، ويعذب فيها، ثم يخرجون منها بالشفاعة. فمن التهور البالغ أن تجد بعض من ينتحل صناعة الحديث في عصرنا يُصحح مثل هذا المتن الظاهر النكارة بالاعتماد على طرقٍ مضطربة في " صحيحته " (٩٥٩) غير مبال بما يستلزم ذلك من رد أحاديث كثيرة في " الصحيحين " وغيرهما شبه متواترة وكان الأولى به -وهو الذي يُصِرُّ على أن يُؤْخَذَ كل علم عن أهله- أن يأخذ بقول الإمام البخاري المُسَلَّم له في هذه الصنعة، ولا أريد أن أصفه بما يصف به غيره ، فإن البواعث والنيات لا يطلع عليها إلا رب العالمين العالم بالخفيات، ولكن أحب أن أنصح طلبة العلم بأن يتوقفوا في الأخذ بما ينفرد بتصحيحه أو تضعيفه من الأحاديث، وأن يدرسوها دراسة وافية متأنية، ويستعينوا بمقالات أهل العلم قديمًا وحديثًا، فإنهم سينتهون حتمًا إلى مخالفته في كثير مما قاله، وعند ذلك سيعلمون حق العلم موقعَهُ من هذا الفن، وأن تلك الألقاب التي خلعها عليه بعضُ =
[ ٦ / ٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = المنقادين له انقيادًا أعمى ممن لا معرفة لهم بهذا العلم الشريف لا تنطبق عليه. وأخرج الطبراني في " الأوسط " (٢٢٧٨) عن أحمد بن يزيد السجستاني، حدثنا يحيى بن يحيى النيسابوري، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن جعفر بن الحارث، عن عروة بن عبد الله بن قُشير عن أبي موسى مرفوعًا: " أمتي أمة مرحومة لا عذاب عليها في الآخرة، إذا كان يوم القيامة دفع إلى كل رجل ". وهذا إسناد ضعيف، فجعفر بن الحارث -وهو الواسطي- كثير الخطأ، وإسماعيل بن عياش -وهو الحمصي- روايته عن غير أهل بلده فيها ضعف. وفي الباب عند ابن ماجه (٤٢٩٢) عن جُبارة بن المُغَلِّس، حدثنا كثير بن سُليم، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: " إن هذه الأمة مرحومة، عذابها بأيديها، فإذا كان يوم القيامة دفع إلى كل رجلٍ من المسلمين رجلٌ من المشركين فيقال: هذا فداؤك من النار ". وقال البوصيري في " مصباح الزجاجة " ٣/ ٣١٨: هذا إسناد ضعيف لضعف كثير وجبارة، وقد أعله البخاري. وعند الطبراني في " الأوسط " (١٩٠٠) عن أحمد بن طاهر بن حرملة، حدثنا جدي حرملة بن يحيى، حدثنا حماد بن زياد، حدثنا حميد الطويل وكان جارًا لنا قال: سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: " أمتي أمة مرحومة، متابٌ عليها تدخل قبورها بذنوبها، وتخرج من قبورها لا ذنوب عليها، تُمحَّص عنها ذنوبها باستغفار المؤمنين لها ". وذكره الهيثمي في " المجمع " ١٠/ ٦٩ وقال: رواه الطبراني في " الأوسط " عن شيخه أحمد بن طاهر بن حرملة، وهو كذاب. وقال المناوي في " فيض القدير " ٢/ ١٨٥: قال ابن الجوزي: قال النسائي: هذا حديث منكر. وفي الباب أيضًا عن ابن عباس عند الخطيب في " المتفق والمفترق " وابن النجار -كما في " الجامع الكبير " للسيوطي ص ١٥١ - بلفظ: " أمتي أمة مرحومة لا عذاب عليها في الآخرة، إذا كان يوم القيامة أعطى الله كل رجلٍ من أمتي رجلًا من أهل الأديان فكان فداءة من النار ". وقال السيوطي: وفيه عبد الله بن ضرار عن أبيه ". قال ابن معين: لا يكتب حديثه. وعن أبي هريرة عند الطبراني في " الأوسط " -كما في " مجمع الزوائد ٧/ ٢٢٤ - بلفظ: " أمتي أمة مرحومة قد رفع عنهم العذاب إلاَّ عذابهم أنفسهم بأيديهم، قال الهيثمي: وفيه =
[ ٦ / ٩٣ ]
بالسيف (١)، وعند المعتزلي أن القادر على ما يشاء، اللطيف لما يشاء ما قَدَرَ أن يُصلِحَ بين اثنين، ويُؤَلِّف بين قلوبهما من جميع المختلفين، وأن هذا هو القول العدل، وأن أهل السنة كفروا لعدم مشاركتهم في هذه الضلالة، فالله المستعان.
الوجه الثاني: أن معنى الآيتين: أن الله تعالى لا يريد لهم ظلمًا منه -﷿ عن ذلك- لوجهين.
أحدهما: أنه عدى الظلم باللام إلى جميع العباد، ونفي إرادة إيقاعه على هذه الصفة لا يصح إلاَّ من الله ليميز الفاعل من المفعول، ولو أراد ما فهمت المعتزلة لقال: إن الله لا يريد الظلم فقط، سلمنا أنه يصح تعدية الإرادة إلى مفعول ثانٍ، لكن بغير اللام، فكان يقول: لا يريد ظلمًا بين العباد أو منهم.
الثاني: أن هذه الجملة معطوفة بالواو، وذلك يوجب التناسب، والمتقدمُ في الآيتين معًا ذكر عقاب الله لعباده، وذلك ما يناسبه التنزُّه عن ظلمه لهم، ولم يتقدم ما يناسب ما ذكروه، وقد اعترف الخصم في تفسيره بأن هذا المعنى محتمل في الآية، فثبت أنه ليس في الآية ما ظاهره مذهب المعتزلة ولا ما يجب
_________________
(١) = سعيد بن مسلمة الأموي وهو ضعيف، ووثقه ابن حبان وقال: يخطىء، وبقية رجاله ثقات.
(٢) أخرج الخطيب في " تاريخه " ١/ ٣١٧ من طريق محمد بن أحمد بن عيسى بن عبدك، أنبانا محمد بن أيوب -وهو ابن الضريس الرازي- عن محمود بن غيلان، حدثنا المؤمل، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا يونس بن عبيد، عن حميد بن هلال، عن نصر بن عاصم، عن عقبة بن مالك، قال رسول الله - ﷺ -: " عقوبة هذه الأمة بالسيف ". والمؤمل -وهو ابن إسماعيل البصري- سيىء الحفظ. وباقي رجاله ثقات. وأخرج الطبراني في " الكبير " -كما في " مجمع الزوائد "- من طريق أبي بردة قال: خرجت من عند عُبيد الله بن زياد، فرأيته يُعاقب عقوبة شديدة، فجلست إلى رجل من أصحاب النبي - ﷺ -، فقال: قال رسول الله - ﷺ -: " عقوبة هذه الأمة بالسيف ". وقال الهيثمي ٧/ ٢٢٤ - ٢٢٥: ورجاله رجال الصحيح!
[ ٦ / ٩٤ ]
تأويله عند أهل السنة.
النوع الثالث من شُبَهِهم: دخولُ " لعل " على كل ما طلبه الله تعالى بالأمر مما يحبه ويرضاه كقوله: ﴿لَعَلَّهُم يَذَّكَّرونَ﴾ [الأعراف: ١٣٠] والجواب من وجهين:
الأول: أنه لا بد من تأويل الظاهر منها على مذهب المعتزلة، فلم يكن لهم فيها إلاَّ مثل ما لأهل السنة على الجهد.
بيانه: أن " لعلَّ " في أصل وضعها (١) للترجي، وهو معنىً يُنافي علم الغيب، فالمعتزلة تقدِّر معها إرادة ما لا يقع، وهي أيضًا تُنافي علم الغيب كما مر تقريره، وأهل السنة يقدِّرون معها الطلب بالأمر، ولهم أن يُقَدِّروا المحبة والرضا، بل لهم أن يُقَدِّروا الإرادة التي بمعنى أحد هذه الأمور، أعني: الطلب، أو المحبة، أو الرضا، أو مجموعها، ويكون إطلاق الإرادة على ذلك حقيقة عرفية أو مجازًا قريبًا، وتأويلهم أولى، لأنه لا ينافي علم الغيب.
وقد تَرِدُ " لَعَلَّ " لغير الترجِّي كما في قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هود: ١٢] فيجوز حمل ذلك على مثل هذا.
ومن هذا النوع دخول لام " كي " كذلك.
والجواب أن أهل السنة يقدرون معه ما لا ينافي علم الغيب من الطلب والمحبة والرضا والإرادة التي تَعَلَّقُ (٢) بمعنى هذه المعاني كما تقدم دون إرادة الوقوع التي تختصُّ بفعل المريد، ولا تتعلق إلاَّ بالمتجدد الواقع من الممكنات، فتخصِّصه بوجهٍ دون وجهٍ، ووقتٍ دون وقت، وقدرٍ دون قدر كما قدمناه.
_________________
(١) من قوله: " فلم يكن " إلى هنا ساقط من (ش).
(٢) ساقطة من (أ).
[ ٦ / ٩٥ ]
ومذهب المعتزلة غير منصوص، ولا هو الظاهر في جميع ما يتعلقون به في هذه المسألة من الشُّبَه السمعية، ومتى قدرنا أنه يُقَدَّرعلى أهل السنة تأويل شيء من ذلك بما ذكرناه، فلهم أن يَعْدِلُوا إلى تأويل الآيات بأنها وإن وردت عامة، فإنها في المعنى خاصة بأهل الإيمان، وتخصيص العموم كثيرٌ قريب غير متعسّف، ويجور بالدليل الظني من الحديث إجماعًا، وأجازته الأئمة الأربعة، والجماهير بالقياس الظني في العمليات، والتخصيص لكتاب الله بخبرٍ واحد كلمة إجماع بين المسلمين، فكيف بالأمور العقلية الجلية، والنصوص الصحاح، والأخبار المتواترة " أن كُلًاّ مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له " (١)، وأن إرادة الله تعالى
_________________
(١) أخرجه من حديث عمران بن حصين: الطيالسي (٧٤٢)، وأحمد ٤/ ٤٣١، والبخاري في " صحيحه " (٦٥٩٦) و(٧٥٥١) وفي " خلق أفعال العباد " ص ٥٣، ومسلم (٢٦٤٩) وأبو داود (٤٧٠٩)، وعبد الله بن أحمد في " السنة " (٦٩١)، وابن حبان (٣٣٣)، والآجري في " الشريعة " ص ١٧٤، والطبراني ١٨/ (٢٦٦) و(٢٦٧) و(٢٦٩) و(٢٧٠) و(٢٧٢) و(٢٧٣) و(٢٧٤)، وأبو نعيم في " الحلية " ٦/ ٢٩٤، والبيهقي في " الاعتقاد " ص ٩٤ و٩٥. ولفظه: قيل: يا رسول الله، أَعُلِمَ أهل الجنة من أهل النار؟ قال: " نعم ". قيل: ففيم يعمل العاملون؟ قال: " كُلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له ". وأخرجه من حديث علي: البخاري (١٣٦٢) و(٤٩٤٥) و(٤٩٤٦) و(٤٩٤٧) و(٤٩٤٨) و(٤٩٤٩) و(٦٢١٧) و(٦٦٠٥) و(٧٥٥٢)، ومسلم (٢٦٤٧) (٧)، وأبو داود (٤٦٩٤)، والترمذي (٢١٣٦) و(٣٣٤٤)، وابن ماجه (٧٨)، والنسائي في " التفسير " من " الكبري " كما في " التحفة " ٧/ ٣٩٩، وأحمد ١/ ٨٢ و١٢٩ و١٣٢ و١٤٠ وعبد الرزاق في " المصنف " (٢٠٠٧٤)، والآجري في " الشريعة " ص ١٧١ - ١٧٢، وابن حبان (٣٤) و(٣٥)، وأبو يعلى (٣٧٥) و(٥٨٢)، والطبري ٣٠/ ٢٢٣ والبغوي في " شرح السنة " (٧٢). ولفظه عند مسلم: كان رسول الله - ﷺ - ذات يوم جالسًا وفي يده عودٌ يَنْكُتُ به، فرفع رأسه، فقال: ما منكم من نفسٍ إلاَّ وقد عُلِمَ منزلها من الجنة والنار، قالوا: يا رسول الله فَلِمَ نعمل؟ أفلا نتَّكِلُ؟ قال: " لا، اعملوا، فكلٌّ ميسَّر لما خلق له "، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾ إلى قوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾. =
[ ٦ / ٩٦ ]
نافذةٌ ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ﴿وما تَشاؤُون إلاَّ أنْ يَشاءَ الله﴾ [الإنسان: ٣٠].
النوع الرابع: من شُبههم ما يوردونه على جهة التشنيع من أنه يلزم أن توافق (١) إرادة الله وإرادة الشيطان، وتختلف إرادته تعالى وإرادةُ الأنبياء والأولياء، فيكون الشيطان مختصًا دونهم بموافقة الله تعالى في مراده.
والجواب: أن هذا تمويهٌ لا يمضي لوجوه:
_________________
(١) = وأخرجه من حديث جابر: الطيالسيُّ (١٧٣٧)، وأحمد ٣/ ٢٩٢ و٢٩٣ و٣٠٤، ومسلم (٢٦٤٨)، وابنُ حبان (٣٣٦) و(٣٣٧)، والآجري في " الشريعة " ١٧٤، وعبد الله بن أحمد في " السنة " (٦٩٠)، والطبراني (٦٥٦٢) و(٦٥٦٥) و(٦٥٦٦) و(٦٥٦٧) و(٦٥٦٨)، والبغوي (٧٤). وأخرجه من حديث عبد الرحمن بن قتادة السلمي: أحمد ٤/ ١٨٦، والحاكم ١/ ٣١، وابن حبان (٣٣٨): وفيه: " قال قائل: يا رسول الله فعلى ماذا نعمل؟ قال: على مواقع القدر ". وأخرجه من حديث عمر: مالك ٢/ ٨٩٨، وأحمد ١/ ٤٤ - ٤٥، وأبو داود (٤٧٠٣)، والترمذي (٣٠٧٧)، والآجري ص ١٧٠، وفيه: " إن الله إذا خلق العبد للجنة، استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عملٍ من أعمال أهل الجنة فيُدخِلَه به الجنة، وإذا خلق العبد للنار، استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله به النار ". وأخرجه البزار ص ١٧١ ولفظه: " فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة ". وأخرجه من حديث هشام بن حكيم بن حزام: البزار (٢١٤٠)، والآجري ص ١٧٢ وفيه: " فأهل الجنة ميسرون لعمل أهل الجنة، وأهل النار ميسرون لعمل أهل النار ". وأخرجه من حديث أبي هريرة: البزار (٢١٣٧)، والآجري ص ١٧٠. وأخرجه من حديث أبي بكر: البزار (٢١٣٦)، ومن حديث أبي الدرداء (٢١٣٨)، ومن حديث ابن عباس: البزار (٢١٣٩)، والطبراني (١٠٨٩٩).
(٢) في (ش): توافقت.
[ ٦ / ٩٧ ]
الأول: أن الموافقة اليسيرة في بعض الألفاظ مع المخالفة والمباينة الكثيرة في المعاني مما لا يلتفت إليها إلاَّ أهل التعطيل، وبمثل هذه الحيلة عَطَّلوا الربَّ ﷿، فنُفاة الإرادة بالجملة من المعتزلة -وهم البغدادية- لهم أن يقولوا لسائر المعتزلة: لا يجوز وصف الله بالإرادة، لأنه يوصف بها أهل الحاجة من المخلوقين، فإنها في الشاهد لا تعلق إلاَّ بما يحتاج إليه المريد، بل نفاةُ الصفات كلها قد عطَّلُوا بمثل هذه الشبهة، فقالت الإسماعيليةُ: لا يقال: إن الله حيٌّ، وهذه الصفة تطلق على الكلاب والخنازير، بل لا يقال: إنه موجود ولا شيء، لأنها صفة تطلق على كثير من المستقذرات، وأمثال ذلك مما يصح ذكره، وقد مرَّ تحقيقه في الصفات، وأنَّ مَنْ فرَّ من ذلك وصفه تعالى بصفاتِ المعدومات والمُحالات.
ونحو هذه الموافقة موافقة اليهود بعد بعثة محمد - ﷺ - لموسى ﵇ في ظاهر شريعته، فإنها موافقةٌ من بعض الوجوه لكنها مُخالفةٌ في المعنى، لأن موسى بشَّر بمحمدٍ - ﷺ -، وأمر باتِّباعه، وكذلك نكاح التسع، مع موافقة النبي - ﷺ - (١)، وكذا موافقة النساء له في أحكام الرجال، وأمثال هذا لا يحوج إلى ذكره مميز.
الوجه الثاني: -وهو التحقيق- أنا قد بيَّنا أن الله تعالى يكرهُ القبائح لقُبْحِها، ولا يُريدها إرادة محبَّةٍ، ولا رضا، ولا إرادة طلب وأمر، وإنما يريد عقوبة بعض أعدائه بتيسيره للعسرى كما يُريد عقوبته بالنار الكبرى كما صَدَعَتْ بذلك النصوص، وجاء به العموم والخصوص، فأين هذا من موافقة الشيطان اللعين الذي يريد وقوع (٢) القبائح، لأن قُبْحَ وجوهها من معصية الله ﷿، ومحبة الفساد والرضا بالفواحش والخبائث بحيث إن الله تعالى يكره القبائح من
_________________
(١) من قوله: " وأمر باتباعه " إلى هنا ساقط من (أ).
(٢) سقط من (أ).
[ ٦ / ٩٨ ]
الوجه الذي أحبَّها منه الشيطان، ونهى عنها من حيث أمر بها الشيطان، وأحبَّ العقوبة بها على الوجه الذي يكرهه الشيطان من الانتقام للمؤمنين، والنصر للمظلومين، والاعتبار للمتقين، والتمحيص للصالحين، والرضا لربِّ العالمين. فأين الاتفاق؟ وهل بعد هذا تضادٌّ أكبرُ منه.
وأما أنبياء الله تعالى وأولياؤه وأحبَّاؤُه، فلا يخفى على من له أدنى مُسْكةٍ من عقل رضاهم بما رضي الله، وتسليمهم لأمر الله، والرضا بالقضاء في غير المعاصي من كل وجه، وفيها من الوجه الذي قُدِّرَتْ لأجله، لا من الوجه الذي قبحت لأجله.
مثال ذلك: اليمين الواجبة شرعًا مع فجور الحالف فيها، فإنها إحدى الكبائر إجماعًا، وقد حَسُنَت، بل وجبت ورضيت شرعًا، لكن وجه القُبح فيها مكروهٌ حرام منفصل من وجه الحسن المرضي.
وكذلك سائر القبائح المقدرة، وعلى قدر تفاوتهم في الرضا بالقضاء تفاوت مراتِبُهُم في القرب منه، ولذلك اتخذ الله إبراهيم خليلًا حين عزم على ذبح ولده وقُرَّة عينه إيثارًا لرضا ربه، وألقي في النار راضيًا بحيث إن جبريل قال له وهو في الهواء يَخْوِي إليها: ألك حاجةٌ؟ قال: أما إليك فلا (١).
أفمثل هؤلاء يقال لهم: إنهم يخالفون الله في مراده، ولا يدخل في ذلك ما خرج عن القدرة مما يُبتلى به الصالحون من محبة العافية لعظم ألمٍ مع منعهم لأنفسهم مما يقدرون عليه من ذلك وإن عظُمَت المشقة كالصبر في الحرب،
_________________
(١) أخرجه ابن جرير الطبري في " تفسيره " ١٧/ ٤٥ من طريق معتمر بن سليمان التيمي، عن بعض أصحابه من قوله. والثابت في هذا ما أخرجه البخاري (٤٥٦٣) و(٤٥٦٤) عن ابن عباس: (حسبنا الله ونعم الوكيل) قالها إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار، وقالها محمد - ﷺ - حين قالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾.
[ ٦ / ٩٩ ]
وعدم الفرار، وما لا يحصى، مع أنه يلزم المعتزلة مثل ذلك فيما لا يخالفون فيه، فإن إرادة الشيطان قد توافق إرادة الله في اللفظ دون المعاني في مواضع كثيرةٍ.
فإن الشيطان يريد كثيرًا من أفعال الله تعالى من موتِ الأنبياء صلوات الله عليهم، أو إنزالَ المتشابه، وابتلاء المؤمنين بالمصائب والفقر، وعقابِ عُصاة بني آدم، وعدم العفو عنهم، ولكن الله تعالى أراد ذلك على أحسن الوجوه، وأبلغها حكمةً، وأحمدها عاقبة، وأبعدها من المذمَّة، والشيطان على العكس في جميع ذلك.
ولو كان الشيطانُ وافق الرب ﷿ الموافقة المرضية لوافقه في إرادة الخيرات والطاعات، وكراهة المعاصي.
وقد بيَّنَّا في غير هذا الكتاب، وسيأتي مبسوطًا في مرتبة الدواعي أن الخيراتِ والطاعات هي الغالبة في جميع المخلوقات غير الجن والإنس لما ثبت من كثرة الملائكة، ومن طاعة جميع الحيوانات وغيرها، فكيف سُمي الشيطان موافقًا لله وقد خالفه في أكثر الأشياء من كل وجه، ولم يُوافقه في المعاصي النادرة التي قَذِرَها منه، بل كرهها من ذلك الوجه الحسن (١)، وأحبها من الوجه المسخوط الذي كرهها الله تعالى منه؟
والعجبُ من المعتزلة في التشنيع على أهل السنة في هذا الموضع، ونسيان ما يلزمهم فيه من الشناعة، وفي المثل: " رَمَتْني بدائِها وانْسَلَّتْ "، فإن المعتزلة هم الذين ردُّوا ملك الملك العزيز الجبار الذي هو على كل شيءٍ قدير إلى أدنى من مرتبة شيخ قرية عاجز ضعيف، فإن أدنى مشايخ القرى لا يرضون أن يُوصفوا بالعجز عن إصلاح قُراهم، وأن ما يُنفذ في قُراهم من مراد أعدائهم أكثرُ من مراداتهم.
_________________
(١) ساقطة من (أ).
[ ٦ / ١٠٠ ]
وعند المعتزلة أنَّ النافذ في مملكة الله في الثقلين في الدنيا والآخرة هو مراد الشيطان دون مُراد الله إلاَّ ما لا خطر له.
بيانه: أن مراد الله بالجنة والناس في الدنيا أن يُطيعوه، وفي الآخرة أن يدخلوا الجنة، لكن الذي وافق مراد الله هم أهل الطاعة، وفي الآخرة هم أهل الجنة، وقد جاء في الحديث الصحيح " أنهم واحدٌ من الألف " (١) وهذا كلا شيء إلى الألف.
وقد تقدم تحقيق التشنيع على المعتزلة في هذا في أوائل مسألة الإرادة حيث ظنوا أنه انعكس على الله مراده في خلقه، وبيَّنَّا هناك العلم الضروري عقلًا وسمعًا أن علم الغيب يمنع من مثل ذلك مع عدم القدرة، كيف مع أتم القُدرة! وذكرنا هناك الاحتجاج بقول الله سبحانه: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: ١٨٨]، وأنها تستلزم أيضًا أن من أراد به عالم الغيب الخير لم يقع في (٢) السوء قطعًا، ومن تشنيعاتهم هنا
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٣٤٨) و(٤٧٤١) و(٦٥٣٠) و(٧٤٨٣)، ومسلم (٢٢٢)، وأحمد ٣/ ٣٢ - ٣٣، وابن جرير الطبري ١٧/ ١١٢، والبيهقي " الأسماء والصفات " ص ٢١٩ من طرق عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري ولفظه: " يقول الله ﷿: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك والخيرُ في يديك، قال: أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألفٍ تسع مئة وتسعة وتسعين ". وأخرجه أحمد ٤/ ٤٣٢، والترمذي (٣١٦٨) و(٣١٦٩)، والطبري ١٧/ ١١١، والحاكم ٤/ ٥٦٧ من حديث عِمران بن حصين، وفيه: " تسع مئة وتسعة وتسعون إلى النار، وواحد إلى الجنة ". وأخرجه أبو يعلى (٣١٢٢)، وابن حبان (٧٣٥٤)، والطبري ١٧/ ١١٢، وابن أبي حاتم في " تفسيره " فيما ذكر الحافظ ابن كثير في " تفسيره " ٣/ ٢١٤، والحاكم ١/ ٢٩ و٤/ ٥٦٦ - ٥٦٧ من حديث أنس.
(٢) ساقطة من (أ).
[ ٦ / ١٠١ ]
على أهلِ السنة أنه يلزمهم أن يتركوا الاستعاذة من الشيطان، ويتعوذوا من الله حيث كان يجوز عليه الإضلال.
وقد تقدم الفرقُ في ذلك وأزيد هنا ذكر أبيات أجبت بها في هذا المعنى، وهي:
إن تستعذْ منه به وبفضله . . . إذْ ما له مِن ثاني
فهو المجيرُ ولا يُجارُ عليه في الـ ـأخُبار والقرآن والبرهان
فإن استعاذ المُستعيذُ بغيره منه فذلك أكفرُ الكفران
والإستعاذة منه تعظيم وخو فُ العدل إن جازى على العصيان
ومن اللعين مخافةً من خُبْثِه في أمره بالكفر والطغيان
شتَّان ما بين الإله الحقِّ في خِذْلانِه الفُسَّاق والشيطان
أوَ لَمْ يَقُلْ فيهم وليس يُضِلُّ إلـ ـا الفاسقين بمُحْكَم القرآن
ومن اللعين تمرُّدٌ مستقبحٌ لذوي التُّقى والخير والإيمان
يا جامعًا للنور والظلمات في الـ ـأحكام لم تُلبِسْ على الأعيان
لم نلقَ فيما جاء منك إفادةً إلاَّ بأنك أبلهُ العُميان (١)
لم تَدْرِ ما معنى التعوُّذ أوَّلًا فيما فَرِحَتْ به من الهَذَيَانِ
وحَسِبْتَه لما جَهِلْتَ لذاته مُستقبحًا (٢) من غيرِ أمرٍ ثاني
يا قاطعين بعجزه سبحانه عن لطفه طوعًا بذي العصيان
خلُّوا تعوُّذَكُم به وتعوَّذُوا بنفوسِكْم من فتنة الشيطان
هذا هو الفاروق فيما بيننا والجَبْرُ والتعجيز مُنتفيانِ
فدع التخبُّطَ في الضلالِ ورميَ أهْـ ـلِ الحَقِّ في الأخبار بالبُهْتانِ
وتمام الكلام في هذا المعنى مستوفىً أول هذا الوهم فخذه من موضعه،
_________________
(١) في (ش): العصيان.
(٢) في (ش): " مستقبح " وهو خطأ.
[ ٦ / ١٠٢ ]
ورُدَّ الشناعة على المعتزلة، وما يجب التشنيع، ولكن المبتدع يُغَيِّرُ الخُلُقَ المعتدل، وقد قال الخليل لقومه: ﴿أفٍّ لَكُمْ ولِما تَعْبُدونَ﴾ [الأنبياء: ٦٧] وهو الذي وصفه الله بأنه حليمٌ أوَّاهٌ مُنيبٌ، وقال موسى ﵇ لصاحبه: ﴿إنَّك لَغَويٌّ مُبينٌ﴾ [القصص: ١٨]، وقال يوسف لإخوته: ﴿أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ [يوسف: ٧٧] وهو الكريمُ ابنُ الكريمِ ابنِ الكريمِ ابنِ الكريم (١) كما صح في الحديث (٢).
وقد قدمت في أول هذا الكتاب ما يجري من نحو هذا من الأنبياء وأهل المراتب العَلِيَّة، وقد يُحمد حيث يحتاج إليه ويكون فيه إيقاظٌ للعاقل وتنبيهٌ للغافل.
وقد تم الكلام بعون الله في الإرادة وطال، ومضمونه أن الخلاف فيها في مواضع، فتأملها، فإن الخلاف في بعضها أفحش من بعض.
الأول: القول بأن الله غير قادر على هداية العصاة مطلقًا، ولا بأن يُغيِّر بِنْيَتَهم وخِلْقَتَهم، وهذا خلاف في قدرة الله تعالى على هداية العصاة بأن
_________________
(١) " ابن الكريم " ساقط من (ش).
(٢) أخرجه أحمد ٢/ ٣٣٢ و٤١٦، والبخاري في " الأدب المفرد " (٦٠٥)، والترمذي (٣١١٦)، وابن حبان (٥٧٧٦)، والحاكم ٢/ ٣٤٦ - ٣٤٧ و٥٧٠ - ٥٧١ من طرق عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. وأخرجه أحمد ٢/ ٤٣١، والبخاري (٣٣٥٣) و(٣٣٧٤) و(٣٣٨٣) و(٣٤٩٠) و(٤٦٨٩)، ومسلم (٢٣٧٨) من طريق سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه (وبعضها ليس فيه " عن أبيه ")، عن أبي هريرة قال: سُئِل رسول الله - ﷺ -: أي الناس أكرم؟ قال: " أكرمهم عند الله أتقاهم " قالوا: ليس عن هذا نسألُك، قال: " فأكرم الناس يوسُف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله ". وأخرجه أحمد ٢/ ٩٦، والبخاري (٣٣٩٠) و(٤٦٨٨)، والخطيب في " تاريخه " ٣/ ٤٢٦، والبغوي (٣٥٤٧).
[ ٦ / ١٠٣ ]
يخلُقَهم على غير البنية التي بناهم عليها، مثل أن يخلقهم على بنية الملائكة، والمعصومين والمؤمنين، وقد صرَّح أبو الحسين (١) وأصحابه من المعتزلة على قدرة الله تعالى على هداية العصاة بهذا المعنى، وقد قاربوا أهل السنة في هذا المعنى.
فالعجب منهم ما ألجاهم إلى تأويل آيات المشيئة بالإكراه، وأعجب من هذا أن الظاهر إجماع المعتزلة عليه، فإن إمكانه بَيِّنٌ، وقدرة الله متعلقة بجميع الممكنات عند المعتزلة.
وإنما ذكرت الخلاف فيه، لأن بعض أهل العصر من (٢) المشتغلين بمذاهبهم زعم أن قواعدهم تقتضي خلاف ذلك، وهو بعيد جدًا، ومن منعه منهم قهره الدليل البين، ومن جوَّزه منهم حرُم عليه تأويل آيات المشيئة بالإكراه، ووافق أهل السنة في المعنى بغير شك، وهذا كله بناء على قول المعتزلة: إن الله بنى من لا يلتطف على بِنيةٍ لا تقبل اللطف زيادة في الابتلاء، وكان قياس مذهبهم منع هذا، لأنه يكون مفسدةً، ومن أوجب اللطف كيف يحسن فعل المفسدة، ومن منعه منهم، فقد وافق أهل السنة بذلك أيضًا على قدرة الله على اللطف بالعُصاة، فتأمل ذلك.
الخلاف الثاني: نفي كثير منهم لقدرة الله على هداية العصاة باللطف مع بقائهم على البِنية التي خلقهم عليها من القساوة والعتاوة والشهوة ونحو ذلك.
وهو قول أبي الحسين وأصحابه كما بيناه في الخلاف الأول وهذا دون الذي قبله، وهو أفحش مما بعده، ولذلك خالفهم فيه أبو الحسين كما تقدم، وخالفهم فيه جميع قدماء أهل البيت كما مرَّ. ونص الإمام يحيى بن حمزة من متأخري
_________________
(١) هو أبو الحسين محمد بن علي بن الطيب البصري صاحب " المعتمد " في أصول الفقه.
(٢) " العصر من " ساقط من (أ).
[ ٦ / ١٠٤ ]
أهل البيت على خلافهم كما تقدم، ولم أعلم لأكابر العترة المتأخرين موافقةً في ذلك بالنصوص.
الخلاف الثالث: خلاف من يمنعُ عقوبة العاصي بالخِذلان، وخلاصته: هل يحسن إرادة وقوع الذنب عقوبةً مع كراهة الذنب في نفسه فرقًا بين الوقوع والواقع، وكما يحسن إرادة اليمين الفاجرة من القاضي وصاحب الحق لاستيفاء الحق من الجاحد مع كراهة اليمين الفاجرة وقبحها.
وتلخيصه: حسن الشيء وقبحه باعتبار الجهتين، والحجة على من خالف فيه فِطَرُ العقول، ونصوص المنقول، كقول موسى ﵇: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨] وكذلك ورد ذلك كثيرًا في كلام الإمام المنصور بالله ﵇ وغيره، وقد تقدم مستوفى في الإرادة.
الخلاف الرابع: خلاف من يخالف في تجويز وقوع (١) إرادة الذنب من جهة محبة غُفرانه مع كراهة الواقع الذي هو الذنب لقبحه، وهو كالأول في اعتبار الجهتين بالفرق بين الواقع والوقوع على ما تقدم تمثيله باليمين الغموس، والحجة على ذلك ما تقدم بيانه من الآيات القرآنية، والنصوص النبوية الصحيحة الشهيرة، والمعقول وقد مرَّ تقريره في الإرادة والذي يرُدُّه لا يتمسَّك بقاطعٍ، فالحجة مُنتهضةٌ لمعارضيه ولو بتلك الأحاديث وحدها.
الخلاف الخامس: خلاف من يخالف في تجويز إرادة وقوع الذنب على جهة الابتلاء بالتكليف من غير تقدُّم ذنب، ومعنى ذلك: هل يحسن إرادة الله بتقدير وقوع الذنب من العبد ليبلوه كيف عمله (٢) في حسن رجوعه إليه وإنابته وذلته وخُضوعه أو عكس ذلك من إصراره وعتوه.
_________________
(١) ساقطة من (أ).
(٢) تحرفت في (ش) إلى: علمه.
[ ٦ / ١٠٥ ]
والمعنى: ليظهر من العبد ما علمه الله، فيحسن مجازاته عليه، وهو تفسير قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢].
فهل يمكن مجرد إمكان -ولو في غاية البعد- تجويز ذلك حتى يمكن تصديق السمع إن ورد بذلك؟ فالمعتزلة تمنع إرادة ذلك ووقوعه تعريضًا للثواب، ولهم هنا مُتَمسَّكٌ من السمع خاص، وهو (١) قوله تعالى: ﴿وما يُضِلُّ به إلا الفاسقين﴾ [البقرة: ٢٦] وقوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أزاغَ الله قلوبَهُم﴾ [الصف: ٥]، وقوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]، وقوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ الله﴾ [آل عمران: ٥٤] ونحو ذلك.
وبنحو الحديث الصحيح المتفق على صحته من حديث أبي هريرة " وإنما أبواه يُهوِّدانه ويُنصِّرانه ويُمجِّسانها " (٢) وأمثالها، بخلاف ما تقدم فإنه ليس لهم فيه مُتَمسَّكٌ من السمع خاصٌّ، وإنما يتمسكون فيه بالعمومات، وبدعوى قطع العقول بالقبح.
ألا ترى أن الإزاغة من الله لو تقدمت الزيغ، كان يجب أن يقال فيها: فلما أزاغ الله قلوبهم، زاغوا، وذلك نقيض القرآن، ونقيضه باطلٌ وفاقًا، لكن يلزمهم خصومهم المناقضة في قولهم بخلق الخلق على الفطرة مع قولهم: بأن الله تعالى بنى العصاة على بِنيةٍ لا تقبل اللطف حتى لم يبق في علم الله وقدرته لهم لطفٌ البتة، هذه بِنيةٌ غير بِنية الأنبياء والأولياء، فكيف يقولون: قد استووا في خلقهم على الفطرة؟
وأما أهل السنة، فلا يلزمهم هذا، لأنهم لا يقولون: بُني العصاة على هذه البنية أصلًا، بل يُقِرُّون بالآية والحديث، ولا تمنع أصولهم منهما، فإن قواعدهم إنما تقتضي نفوذ مراد الله، والمنع من تعجيزه عن هداية العصاة، فيمنعون أن
_________________
(١) في (ش): وهم. وهو خطأ.
(٢) تقدم تخريجه في ٣/ ٣٨٧.
[ ٦ / ١٠٦ ]
يكون خلقُ الله للأشقياء على الفطرة خلقًا مانعًا من وقوع ما سبق في علمه الحق من شقاوتهم، بل يكون على قواعدهم خلقهم على الفطرة خلقًا مؤكدًا للحجة عليهم حيث جحدوا ما فُطِرُوا عليه من معرفة معبودهم وسيدهم بعد أن خلقوا حنفاء (١) لم يَبْنَوْا على بِنيةٍ تمنع قدرة الله على اللطف بهم كما زعمت المعتزلة، فما زالوا على الفطرة التي فطرهم الله عليها حتى غيَّروها حين كَمُلَت الحجة عليهم، وخلى الله بحكمته بين من سَبَقَ في علمه شقاوته، وبين اختبارهم (٢) حتى غيَّروا الفطرة كما قال الله تعالى: ﴿فلَمَّا زاغُوا أزَاغَ الله قلوبَهُم﴾ [الصف: ٥]، وكما قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]، قال الله تعالى: ﴿وأمَّا ثَمودُ فهديناهُم﴾ [فصلت: ١٧] الآية فهي كقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].
وقال رسول الله - ﷺ -: " وإنما أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه " وحينئذٍ استحقَّا العقوبة بالإضلال والإزاغة.
وأما الذين سبقت لهم من الله الحسنى، فلم يُخَلِّ بينهم وبين أنفسهم، بل أمدَّهم بألطافِه فَضْلًا منه ورحمةً ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ١٠٥].
ولهذا انتهت المعتزلة في اختصاص الله تعالى من يشاءُ بالبنية المخصوصة، وبالمُعافاة من الزيادة في الشَّهوات التي يعلمُ وقوع المعاصي عندها، وقد نصَّ أصحاب أبي الحسين على الأول، وأبو هاشم وجمهور المعتزلة على الثاني، ثم ينازِعُهم أهل السنة في دعوى قطع العقول هناك، وقد وافقوا في المعنى حيث جوَّزوا أن الله يبتلي المكلَّف بزيادة في الشهوة يعلم الله أنه يعصي بسببها، وإنما خالفوا في تسميته إضلالًا -وهو الصواب كما يأتي بيانه- وفي إرادة وقوع الذنب لحكمةٍ مع كراهته لقُبحه، بل زعموا أن الله تعالى إنما زاد في شهوةٍ المكَلَّفِ تلك الزيادة المُضِلَّة له في علم الله تعريضًا للثواب
_________________
(١) في (ش): خلقًا.
(٢) في (ش): اختيارهم.
[ ٦ / ١٠٧ ]
العظيم، وهذا بناءً منهم على جواز تعارض العلم والإرادة، وقد تقدم منعه وضعف كلامهم فيه عقلًا وسمعًا، ولكنا لا نختار إطلاق إرادة الله لذلك، لعدم ورود النص المعلوم به (١)، بل نجوِّزه عقلًا ولا نجوِّزُهُ عقلًا (٢)، ولا نرُدُّ ما ورد به من نصوص الآحاد، ونقتصر على أن الله لو شاء لهدى الناس جميعًا.
على أنه قد تقدم أن الأشعريَّة تمنع من تعلق إرادة الله بأفعال العباد كلها إلا بنوع تأويلٍ كما يأتي الآن، ثم تُعارِضُ عمومات المعتزلة هنا بمثلها، وبما هو أخصُّ منها.
وجواب أهل السنة في هذا عن الآيات أنها وردت في الإضلال لا في الابتلاء والامتحان، وبينهما فرقٌ واضح، لأنه قال: ﴿وما يُضِلُّ به إلاَّ الفاسقين﴾ [البقرة: ٢٦] ولم يقل: إنه لا يبتلي إلاَّ الفاسقين، فإن الإضلال والإزاغة والمكر لا يُسمى بذلك حتى يكون عقوبةً مستحقَّةً، والابتلاء والامتحان يحسُنان من غير تقدُّم ذنب.
وأما قوله تعالى: ﴿فِطْرَةَ الله التي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها﴾ [الروم: ٣٠] وحديث أبي هريرة " كل مولودٍ يولد على الفطرة " فالحق أنهما على ظاهرهما، وأن ذلك صحيح على قواعد أهل السنة كما صرَّح به ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية في الكلام على دوام النار في " حادي الأرواح " (٣).
وتقرير ذلك: أن قواعد أهل السنة -كما صرح به ابن تيمية (٤) - إنما تقتضي وقوع مراد الله كما أراد، وعدم تعجيزه عن شيءٍ من الأشياء كما أوضحته، وإنما أوهم المخالفة قول بعض أهل السنة: إن حديث أبي هريرة ظاهر في أحكام
_________________
(١) ساقطة من (أ).
(٢) " ولا يجوز عقلًا " لم ترد في (ش).
(٣) ص ٢٥٨ - ٢٥٩.
(٤) قوله: " كما صرح به ابن تيمية " ساقط من (أ).
[ ٦ / ١٠٨ ]
الدنيا (١) لأن الأبوين لا يؤثِّران في أحكام أولادهما إلاَّ فيها. وقد دل الدليل القاطع عندهم على تجويز الابتلاء واللطف الذي أوجبته المعتزلة مع كثرة الظواهر المتناولة لذلك، وتحريم تأويلها لإمكان بقائها (٢) من غير تأويل، بل لقيام القاطع على عدم تأويلها، أما القاطع الأول، فهو عقلي، وأما امتناع أن يكون الله تعالى خلق من عَلِمَ أنه يعصي عبثًا وليس فيه إرادةٌ لله تعالى، وهذا إجماع.
وإذا ثبت أن له فيه إرادةً، استحال عندهم عقلًا أن تكون تلك الإرادة متعلقةً بتحصيل ما ثبت في العلم أنه لا يحصل، فثبت أنها متعلقةٌ بما يوافق العلم من أفعال الله تعالى، وبعدم المنع باللطف (٣) من المعاصي التي تعلق العلم بوقوعها، وهو التخلية في عبارة المعتزلة، وهذه أصح العبارات كما سيظهر بحمد الله تعالى، ومع ذلك فلا يثبُتُ تعلُّقُها بالذنب نفسه لما تقرَّر أن مذهب أهل السنة أنه يستحيل تعلُّقُ الإرادة بفعل الغير، وإنما تُعلَّق بأفعال تكون سببًا
لفعل، وأما ما يتعلق بفعل الغير (٤)، فلا يكون إلاَّ المحبة للطاعات والكراهة للمعاصي، لكن المحبة تُسمى إرادةً مجازًا كما تقدم تقريره.
وأما الظواهر الواردة في ذلك، فمثل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الأعراف: ١٧٩]، وقوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣] وأمثال ذلك مما يطول ذكره، وقد تقدم أو أكثره.
وبعض أهل السنة يورد فيه قوله تعالى: ﴿وما تشاؤُون إلاَّ أنْ يَشاءَ الله﴾
_________________
(١) في (ش): الدين.
(٢) في (ش): بقائهما، وهو خطأ.
(٣) ساقطة من (أ).
(٤) من قوله: " وإنما تعلق " إلى هنا ساقط من (أ) و(ف).
[ ٦ / ١٠٩ ]
[التكوير: ٢٩] وليست منه، لأنَّ أوَّلها ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أنْ يَستقيم﴾ [التكوير: ٢٨] فهي في الإرادة المتعلقة بالطاعات، وهذه وأمثالها لا حجة فيها لما ذكرته، ولأن النصوص فيها وفي أمثالها أنه تعالى لم يُرِدْ هدايتهم، لا أنه أراد ضلالهم، ولا أراد ابتلاءهم بالمعاصي، وبينهما فرق بيِّنٌ، وهذا لطيفٌ قَلَّ من يَتنبَّهُ له، ولكن سيأتي الآن أن هذه حال التخلية بين العبد وبين نفسه، وأنها تَؤُول بالعبد إلى الضلال، والحجة لهم فيها ما تقدم من دليل العقل القاطع عندهم ومن الظواهر.
وأما القطع بتحريم تأويلها، بل بأنها على ظاهرها، فذلك لتواتر اشتهارها في زمن رسول الله - ﷺ - وأصحابه، والعلم بتقريرهم لها على ظاهرها، والعادة الضرورية تمنع من عدم ذكر التأويل الحق من جميعهم في جميع تلك الأعصار لو كان هناك تأويلٌ كما مرَّ بيانه.
ثم يتقوَّى أهل السنة بعد ذلك كله بالأحاديث الواردة في ذلك لأهل البحث، وذلك في مرتبة الكلام في القدر، لكنها عامةٌ لا نصوص، لكن عمومها يَعتضِدُ بعدم تأويله كما قلنا في الظواهر سواء.
ويمكنُ توجيهُ ذلك على نظر أهل المعقول بأنه كخلق الخلق على الفطرة أولًا نعمةً (١) ورحمةً لأوليائه، ونعمةً وحُجة على من غيَّرها من أعدائه كما خلقهم لذلك في الخلق الأول في عالم الذَّرِّ كما يأتي في الوهم الثلاثين في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣] ثم قدَّر الذنب في الابتداء ليغفر، ولو بتأخير العقوبة فيما لا يغفرُ، وللمِنَّة في إمهال راكبه، ثم لإقامة الحجة عليه، وعلى حلم الله وصفحه عنه حتى يستحق العقوبة بالإصرار، ثم يُقَدِّر الذنب بعد ذلك عقوبةً، ثم يُسَمَّى (٢) إضلالًا ومكرًا وإزاغةً لأقلِّ ذلك.
_________________
(١) في (ش): بأنه خلق الخلق على الفطرة ونعمة.
(٢) " ثم يسمى " ساقط من (ش).
[ ٦ / ١١٠ ]
وقد دلَّ القرآن على أن الله تعالى يبدأ باللطف، ثم بالخِذْلان، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٤ - ٩٥] وربما عبَّر عن عدم اللطف بالعبد حيث لا يعاقب بالإضلال، وحيث لا يستحق ثوابًا على شيءٍ من طاعاته بالتخلية بين العبد وبين نفسه، كما رواه الحاكم في سبب ذنب داود ﵇ وصحَّحه من حديث كُرَيْبٍ، عن ابن عباس -في تفسير سورة ص- (١) [قال: ما أصاب داود ما أصابه بعد القدر إلاَّ من عُجْب عجب به من نفسه، وذلك] (٢) أنه قال: يا رب ما من ساعةٍ من ليلٍ ولا نهارٍ إلاَّ وعابدٌ من آل داود يعبدك، ويُصلِّي لك، أو يُسَبِّحُ أو يُكبِّرُ، فكره الله ذلك، فقال له: يا داودُ إن ذلك لم يكن إلاَّ بي، ولولا عَوْني لك ما قَوِيتَ عليه، وعِزَّتي وجلالي، لأكِلنَّك إلى نفسك يومًا، قال: فأخبرني [به] يا رب، فأصابته السيئة ذلك اليوم (٣).
وكذا رُوِيَ نحو ذلك في سبب ذنب آدم ﵇ (٤).
_________________
(١) في (أ) و(ش) زيادة: " عن ابن عباس "، وليس لها موضع.
(٢) زيادة من " المستدرك " لا بد منها.
(٣) أخرجه الحاكم ٢/ ٤٣٣ عن إسماعيل بن محمد الفقيه بالريّ، حدثنا أبو حاتم محمد بن إدريس، أنبأنا سليمان بن داود الهاشمي البغدادي، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن كُريب، عن ابن عباس موقوفًا، وصححه ووافقه الذهبي مع أن رواية البغداديين عن عبد الرحمن بن أبي الزناد فيها ضعف. وذكره السيوطي في " الدر المنثور " ٧/ ١٥٦ وزاد نسبته إلى البيهقي في " الشعب ".
(٤) أخرج الترمذي (٣٣٦٨)، وابن حبان (٦١٦٧)، وابن سعد في " الطبقات " ١/ ٢٧ - ٢٨، والحاكم ١/ ٦٤ و٢/ ٥٨٥ - ٥٨٦ من حديث أبي هريرة، ولفظه: " لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح، عطس، فقال: الحمد لله، فحَمِدَ الله بإذن الله، فقال له ربُّه: يرحمك
[ ٦ / ١١١ ]
وروى أحمدُ والحاكم أيضًا عن النبي - ﷺ - من حديث زيد بن ثابت (١) أنه قال: " وإن تَكِلْني إلى نفسي تَكِلْني إلى ضَيْعَةٍ وضعفٍ وذنبٍ وخَطيئةٍ " وصححه الحاكم (٢).
_________________
(١) = ربُّك يا آدم، اذهب إلى أولئك الملائكة -إلى ملإ منهم جلوس- فسلم عليهم، ققال: السلام عليكم، فقالوا: وعليكم السلام ورحمة الله، ثم رجع إلى ربه، فقال: هذه تحيتك وتحية بنيك بينهم، وقال الله جل وعلا -ويداه مقبوضتان- اختر أيهما شئت، فقال: اخترت يمين ربي، وكلتا يدي ربي يمين مباركة، ثم بسطهما، فإذا فيهما آدم وذريته، فقال: أي ربِّي، ما هؤلاء؟ فقال: هؤلاء ذريتك، فإذا كل انسان منهم، مكتوب عمره بين عينيه فإذا فيهم رجل أضْوَؤُهم -أو من أضوئهم- لم يكتب له إلاَّ أربعين سنة، قال: يا رب ما هذا؟ قال: هذا ابنك داود، وقد كتب الله عمره أربعين سنة، قال: أي ربِّ، زِدْه في عمره، قال: ذاك الذي كتبت له. قال: فإني قد جعلتُ له من عمري ستين سنة. قال: أنت وذاك. اسكن الجنة فسكن الجنة ما شاء الله، ثم أَهْبِطَ منها، وكان آدم يعُدَّ لنفسه، فأتاه ملك الموت، فقال له آدم: قد عَجِلْت، قد كُتب لي ألف سنة. قال: بلى، ولكنك جعلت لابنك داود منها ستين سنة فجحد، فجحدت ذريته، ونسي فنسيت ذريته، فيومئذ أمر بالكتاب والشهود ".
(٢) تحرف في (أ) و(ش) إلى: ابن أرقم.
(٣) أخرجه أحمد ٥/ ١٩١، والطبراني (٤٨٠٣)، والحاكم ١/ ٥١٦ - ٥١٧ من طريقين عن أبي بكر بن أبي مريم، عن ضمرة بن حبيب، عن أبي الدرداء، عن زيد بن ثابت أن رسول الله - ﷺ - علمه هذا الدعاء، وأمره أن يتعلمه ويتعاهد به أهله في كل يوم يقول حين يصبح: لبيك اللهم لبيك وسعديك والخير في يديك فذكروه مطولًا وفي آخره هذه القطعة. وتصحيح الحاكم له مردود، لأن فيه أبا بكر بن أبي مريم، وهو ضعيف. وأخرجه الطبراني (٤٩٣٢) عن بكر بن سهل الدمياطي، حدثنا عبد الله بن صالح -وهو كاتب الليث- حدثني معاوية بن صالح، عن ضمرة بن حبيب، عن زيد بن ثابت. وذكره الهيثمي في " المجمع " ١٠/ ١١٣ وقال: رواه أحمد والطبراني، وأحد إسنادي الطبراني رجاله وثقوا وفي بقية الأسانيد أبو بكر بن أبي مريم، وهو ضعيف. وفي الباب عند أحمد ١/ ٤١٢ عن عفان، عن حماد بن سلمة، عن سهيل بن أبي صالح =
[ ٦ / ١١٢ ]
ويعضُدُ هذه الأحاديث قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٢١]، وقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٤]، وقوله: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١٧]، وقال يوسف ﵇مع عصمة النبوة- ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣] وأمثالها.
فثبت أن ابتداء التكليف في الأشقياء هو حال الفطرة، ثُمَّ التخلية بينه وبين نفسه بعد التمكين وإقامة الحجة ببلوغ الدعوة النبوية، وظهور المعجز مع الفطرة التي خُلِقَ عليها، وهذا القَدْرُ وحده هو الذي سمَّاه الله هُدىً في قوله: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧] وهو الذي سماه الله حجة في قوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥].
ولكن دلَّ ما قدمنا الآن على أن الله إذا وَكَلَ العبد إلى نفسه حينئذٍ لم يكن منه إلاَّ اختيار الضلال ما لم يتفضل الرب بما لا يجب في حكمة الله المساواة فيه بين جميع خلقه من الألطاف الزائدة على التمكين، وعلى الفطرة، وإقامة الحجة، وسبق الإرادة عند أهل السنة غير مانع من الاختيار، مثل سبق العلم عند الجميع، بل مثل سبق العلم والإرادة معًا عند الجميع في أفعال الله تعالى.
_________________
(١) = وعبد الله بن عثمان بن خثيم، عن عون بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود، عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله - ﷺ - قال: من قال: اللهم فاطر السماوات والأرض فإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير " قال سهيل: فأخبرت القاسم بن عبد الرحمن أن عونًا أخبر بكذا وكذا، قال: ما في أهلنا جارية إلاَّ وهي تقول هذا في خدرها. وذكره الهيثمي في " المجمع ١٠/ ١٧٤ وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح إلاَّ أن عون بن عبد الله لم يسمع من ابن مسعود.
[ ٦ / ١١٣ ]
فإن قيل: فلِمَ خصَّ الله تعالى بعض عباده في أول أحوال التكليف بالتخلية مع التمكين مع علمه أن ذلك وسيلة إلى الهلاك دون من لطف به؟
قلنا: لا يجب العلم بتفصيل (١) حكمة الله في ذلك على جميع المذاهب.
وقد جوَّز أبو هاشم وجمهور المعتزلة الزيادة في الامتحان للمُكَلَّفين، مثل الزيادة في شهوات المكلف بحيث يُوقِعُهُ في المحظور، ومثلُ خلق الشيطان مع العلم بأنه يُغْوي به من ثم يكن يَغْوِي لو لم يُخْلقْ، واحتجوا بنحو قوله: ﴿فأخْرَجَهُما مِمَّا كانا فيه﴾ [البقرة: ٣٦] وظواهر كثيرة نحوها، ولم يخالف منهم في ذلك إلاَّ أبو علي، وألزموه أن لا يُكلِّف الله من عَلِمَ أنه يعصي لأنهما سواء.
فقول أبي هاشم والجمهور منهم، كقولِ أهل السنة في تجويز الإضلال لحكمةٍ سواء، لم يختلفوا إلاَّ في العبارة عند التحقيق.
ومن العجب أن السيد المجاب عليه اختار ذلك وصحَّحه، ونسبه إلى الجمهور، وختم بذلك تفسيره " تجريد الكشاف المزيد فيه النكت اللطاف " فهي آخرُ مسألةٍ فيه.
وأما قول المعتزلة بخلق العُصاة على بِنيةٍ لا تقبل اللطف في قدرة الله وعلمه لحكمة لا نعلمها فغُلُوٌّ في الإضلال، وتجويزه على حدٍّ لا يُجَوِّزُ عليه أحد من أهل السنة مع تشنيعهم على من جوَّز عقوبة العصاة بالإضلال الواردِ سمعًا الجائز عقلًا، فالله المستعان.
ثم يطلبون في تفسير الإضلال التأويلاتِ البعيدة كالإضلال عن طريق الجنة في الآخرة، وتأويله بهذا الذي ذهبوا إليه أوضحُ فافْهَمْ ذلك، ولكن عند المعتزلة خلق الشياطين، وزيادة الشهوات، والدواعي الموقعة في العذاب الدائم من قبيل الإحسان بالتعريض للأجر من الله تعالى لمن عَلِمَ أنَّ ذلك
_________________
(١) في (ش): بتفضيل، وهو تصحيف.
[ ٦ / ١١٤ ]
يكونُ سبب هلاكه من قبيل إرادة هلاكهم عقوبةً لهم على عُتُوهِّم وإصرارهم. وقد تلخص أن هذا موضع الخلاف فانظر بإنصاف، ولو كان ذلك من الزيادة في الإحسان بالتعريض للأجر، لوجب أن يرغب كل عاقل إلى الله أن يجعله من أهله، فلمَّا علمنا ضرورةً من جميع العقلاء أنهم يستعيذون بالله من ذلك، علمنا أنه من قبيل العقوبة المستحقة بعظيم الذنوب، نعوذ بالله منها.
وقد تقدم هذا المعنى مبسوطًا غير أنه يختص ها هنا أنه سبب الخلاف، ولا شكَّ أن صيانة المكلَّف منه لينجو من العذاب إحسانٌ يوجب الشكر، وأن قصد الإحسان به مع العلم كالعمل بغير العلم، بل هو على خلاف المعقول بغير شكٍّ.
وقد انتهت المعتزلة هنا إلى أن الله خصَّ بعض المكلفين بأن خلقه على بِنيةٍ تقبل اللطف، ولم يزِدْ في شهوتِه زيادةً توقعه في المحظور، وهذا هو التيسيرُ لليُسرى، أو هو منه، وبعضهم بأن خلقه على بِنيةٍ لا تقبله، وبعضهم بأن خلق له شهوةً زائدة تُوقعه في المحظور زيادةً في الابتلاء، وهو التيسير للعسرى في كتاب الله، أو هو منه، وكل ذلك لحكمةٍ جلية أو خفيةٍ استأثر الله بعلمها. ذكر بعض ذلك السيد في آخر تفسيره المذكور، وبعضه ابن الملاحمي في " الفائق " كما تقدم.
فرجعوا بعد السفر الطويل، والتعسُّف الكثير في التأويل إلى ما بدأ به أهلُ السنة من تقرير النصوص على أن الله يضل من يشاء، ويهدي من يشاء، وهو الحكيم العليم، بل إلى أبعد (١) من قول أهل السنة عن مقاصد أهل السنة، فإنهم قصدوا في الابتداء المبالغة في تمكين العبد، وإزاحة أعذاره، ثم رجعوا إلى أن الله تعالى قد بنى العصاة على بِنيةٍ قاسية يمتنع قبولهم منها لجميع ألطاف الله تعالى مع أنه اللطيف لما يشاء.
_________________
(١) في (ش): بل بدا، وهو خطأ.
[ ٦ / ١١٥ ]
المرتبة الثالثة: الكلام في الداعي
ولا شك أن هذا عذرٌ للعبد، وأن بِنيته عليه تنافي قولهم بوجوب إزاحة الأعذار، وتُنافي قولهم: إنهم خُلِقُوا على الفطرة.
وأما أهل السنة، فإن الله بناهم على بِنيةٍ تقبل اللطف، بل بناهم على الفِطرة، ولكنه ترك هداية من أراد لما له في الابتلاء بذلك من الحكمة. وقد بَسَطْتُ القول (١) في هذا الوجه في مرتبة الدواعي، وهي المرتبة الثالثة في الوجه الثالث من الجواب، فانظره هناك.
فهذا ما حضرني في هذا الوجه الخامس من أدلة الجميع على الإنصاف، فمن وضح له فيه بُرهان صحيح، فذاك، ومن لم يتَّضِحْ له فيه البرهان، وكل العلم فيه إلى الله سبحانه مع القطع، وعدم الشك في القواعد الثلاث:
أحدها: القطع بعموم قدرة الله تعالى.
وثانيها: القطعُ بنفوذ مشيئة الله سبحانه.
وثالثها: القطع بتمام حجة الله على عباده بالتمكين، ونفي الجَبْرِ، والله سبحانه أعلم.
المرتبة الثالثة: إطلاقهم الوجوب مع بقاء الاختيار بالنظر إلى شرط تأثير القدرة، وهو الداعي، وهو المُسمَّى بالتيسير في كتاب الله، وفي أحاديث رسول الله - ﷺ - كما يأتي عند أحاديث القدر في المرتبة الرابعة في قوله تعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُه لِلعُسْرَى﴾ [الليل ٧]، وقوله: " كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لهُ " (٢)، وهو المعبر عنه بالهُدى والإضلال في قوله تعالى: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ ويَهدي مَنْ يشاء﴾ في أكثر آيات كتاب الله تعالى، وليس الإضلال يقتضي نفي أفعال العباد، ولا نفي اختيارهم فيها، كما أنَّ الهُدى لا يقتضي ذلك عند المعتزلة.
_________________
(١) في (ش): الكلام.
(٢) تقدم تخريجه ص ٢٨١.
[ ٦ / ١١٦ ]
ومن أدلةِ أهل السنة في هذا بعد تواتر نصوص السمع فيه أن من المعلوم لكل عاقل أن مجرد القدرة لا تُؤَثِّر في الفعل من غير أمرٍ ينضم إليها، فإنا قادرون على كثير من المضارِّ (١) العظيمة لأنفسنا وأولادنا من القتل وغيره، وأنواع القبائح التي لا داعي إليها مثل المشي عُراة في المجامع، وسائر أفعال المجانين وما شاكَلَها، ولا نفعل شيئًا من ذلك بمجرد قدرتنا عليه، وما ذلك إلاَّ لعدم الداعي.
ومن المعلوم ضرورة أن أهل الجنة لا يطرحون أنفسهم في النار، ولا يضرون أنفسهم بشيءٍ من المضار، وإن لم يُسلبوا التمكن والاقتدار.
وسيأتي في المرتبة الخامسة في الفرقة الرابعة الكلام على أنه في جُملته دون تفاصيله قرآني بُرهاني، وأن المعتزلة توافِق عليه، وننقلُ هناك إجماع المعتزلة على ذلك في أربع مسائل، وبإحكام النظر في هذه المسألة يتبينُ في العقل ما ورد في السمع من قدرة الله تعالى على هداية من يشاء من جميع عباده اختيارًا بالدواعي والصوارف.
وبيان ذلك: أن المرجع في الترجيح الذي هو ضميمة القدرة، وشرط تأثيرها إلى الدواعي والصوارف، ولا شكَّ أن موادَّها من فعلِ الله سبحانه إجماعًا، بل الدواعي والصوارف أنفسها كلها من فعل الله سبحانه على الصحيح كما يظهر لك إن شاء الله تعالى.
والدليلُ على ذلك أن المرجع بها إلى الشهوة والنُّفرة والمحبة والكراهة، والعلم بالمنافع والمضارِّ والظن بها، والخوف والرجاء المتعلقين بها، وإنما ذكرتُ المحبة والكراهة مع الشهوة والنفرة للاختلاف في أنها مُترادفة أو لا كما مرَّ في الكلام على الصفات.
_________________
(١) في (ش): المصائب.
[ ٦ / ١١٧ ]
ولا خفاء في أن كل هذه الأمور ضرورية لا اختيار للعبد فيها إلاَّ ما يخالف فيه بعض المعتزلة في العلوم النظرية، وفي الظنون، فأمَّا العلوم (١) النظرية، فإنها متولِّدة عن العلوم الضرورية بالإجماع، لكن من النُّظار من يقول: إن النظريات عند استحضار مقدماتها ضروريات، وهو الصحيح، لأنه لا يمكن الناظر اختيار الجهل حينئذٍ، فدلَّ على أن اختياره إنما هو في النظر.
والتحقيق أن المخالف إنما يُسمِّيها اختيارية لتوقفها على الاختيار في النظر، ولا مُشاحَّة في العبارة، فالظاهر أن الخلاف لفظي، وأما الظن، فالصحيح أنه ضروريٌّ من فعل الله تعالى، أما الظن القبيح عقلًا وشرعًا الذي ليس براجح، ولا يُسمى ظنًّا إلاَّ مجازًا باشتراك، فإنه من فعل العبد، وفيه يقول الله تعالى (٢): ﴿إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثمٌ﴾ وذلك في صورتين.
أحدهما: ما خالف الأدلة القاطعة كظن المشركين ربوبية غير الله.
وثانيهما: ما خالف القرائن الصحيحة، أو كان عن قرينة باطلة، كظنِّ الفُجَّار في الأبرار أنهم مثلهم في الاجتراء في (٣) الفواحش والخبائث.
وأما سائر الظنون الراجحة الصادرة عن القرائن الصحيحة الضرورية، فإنها فعل الله كما هو اختيار شيخ الاعتزال أبي الحسين البصري وأصحابه.
والدليل على ذلك، عدم القدرة على دفعه، وهي الحجة في كل ما تنسِبُه إلى الله تعالى، وخصوصًا حين تكون القرينة ضروريةً كمشاهدة الغَيْمِ الرَّطْبِ الثقيل والبرق فجأةً، وسماع دَوِيِّ الرَّعْدِ والرياح التي يُرْسِلُها الله بُشرى بين يدي رحمته في أوقات المطر.
_________________
(١) قوله: " الضرورية وفي الظنون فأما العلوم " ساقط من (أ).
(٢) من قوله: " فإنه " إلى هنا ساقط من (أ) و(ف).
(٣) في (أ): عن.
[ ٦ / ١١٨ ]
وإنما خالف بعض المعتزلة في ذلك، لكونه قد يكون غير مُطابِقٍ، ويلزمهم في المطابقة تجويز أنه من الله، وسيأتي في مسألة الأقدار إنه قد يجوز أن يريد الله تعالى وقوع مثل ذلك لمصلحةٍ غير مستلزمةٍ لقبيح، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٤].
ومثلُ ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [الأنفال: ٤٣].
ومثلُ تخويفه لأوليائه من سخطه وعذابه، وأيضًا فالبلادة والغَباوة والنِّسيان بعد العلم، والجهل والجنون المبتدأ، وضعف الحواس المتولِّد عنها الغلط في الإدراك خصوصًا ضعف البصر والحول، وظنُّ النائم واعتقادُه، كلها فعل الله بالإجماع، والظن الذي لم يطابق أهون من ذلك، بل هو بعض ما يتولد عنها مع ما لا يخُصُّه من الاعتقادات الباطلة المتولدة، وعندهم فاعل السبب والمُسَبِّب واحدٌ غالبًا، ولا قُبحَ فيه عقلًا لوجهين:
أحدهما: أنه لو كان قبيحًا، لقَبُحَ من المكلف، وهو خلاف الإجماع، وكيف يقال: إنه قبيح؟! وهو مراد الله تعالى من كل مكلَّفٍ (١)، والثواب مترتب عليه عند الخصوم.
وثانيهما: أن القبح إن كان في العمل، فليس (٢) بقبيح إجماعًا، وإن كان في عدم مطابقته، فلم يدل على المظنون على جهة القطع، فيقبح بانكشاف المخالفة، بل عدم المطابقة مطابقٌ لِجَنَبَةِ (٣) التجوبز التي هي من لوازم الظن،
_________________
(١) في (ش): مجتهد.
(٢) من قوله: " عند الخصوم " إلى هنا ساقط من (أ).
(٣) في " اللسان ": الجانب: الناحية، وكذلك الجنبة.
[ ٦ / ١١٩ ]
وإنما دلَّت القرينة على أن أحد الجائزين (١) أقرب بالنظر إلى القرينة وحدها ما لم يعارضها ما هو أرجحُ منها، وبالنظر إلى الشخص والوقت، وما لم ينكشف خلاف ما دلَّت عليه، فمتعلّقُه الرجحان المقيَّد بهذه القيود كقول الخصم في ظن المجتهد إذا تغير، ولا بُدَّ من مراعاتها.
بل لقائلٍ أن يقول: وإن سلَّمنا أنه خطأ، فإنه من الخطأ الذي هو نقيض الإصابة، كخطأ المجاهد في الرمي، والمريض في ظنه أن الماء مُرٌّ لنفسه، لا من الخطأ الذي هو نقيض الصواب، ولا يُنسبٌ الخطأ إلى الله اسمًا كسائر النقائص المخلوقة، لأنه لم يُنْسَبْ إلى العبد إلاَّ بالنسبة إلى انكشاف خلاف ما ظنه.
فثبت أن القدرة والداعي فعل الله ﷿، ولكن حصول الفعل بهما اختياريٌّ بالضرورة، كما قال أبو الحسين وكثيرٌ من الأشعرية: إنا نُفَرِّقُ بالضرورة بين حركة المختار، وحركة المَسْحُوبِ والمَفْلُوج، ونعلم بالضرورتين العقلية والسمعية حسن الأمر والنهي، والمدح والذم فيما يتعلَّق بأفعالنا دون صُوَرِنا وألواننا، وذلك يأتي متكررًا بزيادات لا تخلو من فائدة إن شاء الله تعالى، وخلاف المعتزلة في ذلك لفظيٌّ لما يأتي في المرتبة الخامسة في الفرقة (٢) الرابعة.
فإن قيل: أليس قد نصَّ الله في كتابه على أن له الحجة البالغة، وصح عن النبي - ﷺ - أنه قال: " لا أحد أحبُّ إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل الرسل، وأنزل الكتب " (٣)، وتصديق ذلك في كتاب الله في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] وقوله تعالى: ﴿أنْ تَقُولوا يومَ القيامة إنَّا
_________________
(١) في (ش): أحد المجوزين الجائزين.
(٢) في (أ): المرتبة.
(٣) تقدم تخريجه في ١/ ١٧٠.
[ ٦ / ١٢٠ ]
كُنَّا عَنْ هذا غافلينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ [الأنعام: ١٥٦]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه: ١٣٤]، وقوله: ﴿بَلَى قَدْ جاءَتْكَ آياتي فكَذَّبْتَ بها﴾ [الزمر: ٥٩] جوابًا على من قال: ﴿لَوْ أنَّ الله هداني﴾ [الزمر: ٥٧] وأمثال ذلك كثير جدًا.
ولا شكَّ أن المعلوم من السمع قرآنًا وسُنةً أن مراد الله تعالى بهذا وأمثاله قَطْعُ أعذار المُكلَّفين، فإذا كانت الدواعي إلى المعاصي من فعله، والمعاصي عند حصول الدواعي واجبة الوقوع بالنظر إلى الواقع، وإن كانت ممكنة بالنظر إلى القدرة والمقدور، كان ذلك عُذرًا للعبد غير مقطوع بشيءٍ، مع أنَّ الشرع ورد بقطع الأعذار التي هي دُون هذا، والجواب من وجوه:
الأول: أن من يقول بإيجاب الداعي، وتوقُّف الفعل عليه يقول: إن الشرع إنما ورد بقطع ما يُمْكِنُ في عقول العباد وعوائدهم قطعه من الأعذار دون ما يستحيل في عقولهم وعوائدهم، وهذا مما يستحيل عندهم لما سيأتي عند الكلام على تحقيق مذاهبهم من استحالة نفس الاختيار بغير ذلك فإنهم قالوا: القادر: هو الذي يتمكن من الفعل أو الترك (١) مع المرجِّح، ويستحيل وجودُ قادر يتمكن من الإتيان بكل واحد منهما بدلًا عن الآخر من غير مرجِّح، ولا يمكن دخول هذه الحقيقة في الوجود عندهم، وهو قول حُذَّاق أهل الكلام من جميع الطوائف كما يأتي تقريره.
وحاصلُ الأمر أن نذكر أمرين: جُملي وتفصيلي.
أما الجملي: فهو أن العقل إنما يوجب قطع أعذار الخلق في إنكار
_________________
(١) في (ش): والترك.
[ ٦ / ١٢١ ]
الربوبية، وتقديسها عن كل عيبٍ ونقص وظُلم، فمن أنكر أحدها، قامت عليه البراهينُ، ومن اعترف بهما، فقد اعترف بأن الله حكيم نافذ المشيئة، غنيٌّ كريم لا يجوز عليه الظلم ولا العبث، فلا يصح منه أن يُنازع ربه ﷾ في حكمةٍ خفية لوجهين:
أحدهما: أن علمه الجُملي بحكمته كافٍ.
وثانيهما: أن علمه بكمالِ ربه سبحانه في أسمائه الحسنى ها هنا ونقص العبد في كل معنى، وكثرة جهالاته، وخُبثِ كثيرٍ من طبائعه، وغَلَبَتِها عليه يكفيه وازعًا عن سنة الشيطان -لعنَه الله- حين نازع ربه سبحانه في سجوده لآدم، وهي سنة السفهاء الذين قالوا: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢].
ولو كان العقل والشرع يوجبان إزاحة كُلِّ عذرٍ باطلٍ، لوجب إزاحة كل عذر لهم من قولهم: ﴿أبْصَرْنا وسَمِعْنَا فارجِعْنا نعملْ صالحًا﴾ [السجدة: ١٢]، واقتراحهم على الرسول أن يكون ملكًا، وأن يفجر الأنهار (١) لهم تفجيرًا، وأن يأتيهم بآبائهم بعد موتهم، واعتذارهم بعدم رؤيتهم لربِّهم ﷿ وغير ذلك.
وإذ قد قامت الحجة على ثبوت الرب وعدله، وحكمته فلا يجب إزاحة شيءٍ بعد ذلك من لَجاجِهم بالأعذار الباطلة، وما أزاحه الله من سائر الأمور فعلى سبيل التفضل كشهادة الجوارح يوم القيامة، ولا تدل على وجوب إزاحة سائرِ الأعذار الباطلة، والله سبحانه أعلم.
وأما التفصيلي: فنقول: إما أن يُريد السائل أن يَسْلُبَ الله المكلفين الدواعي والصوارف كلها، سواءٌ كانت إلى الخير أو إلى الشر، ولا يزيد على تمكينهم بالقدرة، أو يريد أن يخلق دواعي الخير وحدها لجميع الخلق من غير
_________________
(١) في (ش): الأرض.
[ ٦ / ١٢٢ ]
معارضةٍ لها بشيءٍ من دواعي الشر.
أما الأول: فظاهر السقوط، لأنه يؤدي إلى ألاَّ يقع منهم فعلٌ ألبتة، لا خير ولا شر، ولأنهم يعتذرون في عدم وقوع الخير بعدم الداعي إليه مع أن القصد بهذا قطع عذرهم هذا خُلْفٌ، ولأن سلب الدواعي يستلزم سلبَ العلوم والظنون، وذلك يستلزم سلب العقول، وحصول الجنون، وذلك أعظم الأعذار، والقصد قطعها، هذا خُلف أيضًا.
وأما الثاني: وهو خلق دواعي الخير محضةً من غير معارضة، فالكلام فيه في وجوه:
أحدها: أنه مقدورٌ لله تعالى، وهذا إجماع المسلمين.
وثانيها: أن المكلفين معه يبقون مختارين مستحقين للثناء، وهذا كذلك.
وثالثها: أنه يحسُنُ إثابتُهم مع ذلك لبقاء الاختيار، كما يحسن الثناء عليهم لذلك، وهذا مذهب أهل السنة خلافًا للمعتزلة، وقد مرَّ تقريره في الإرادة.
ورابعها: -وهو المقصود هنا- أن الله تعالى إنما ترك ذلك لِحِكَمٍ لا يعلم جميعها وتفاصيلها إلاَّ هو، وهو تأويل المتشابه، وسرُّ القدر.
وقد تقدم كلام الزمخشري في ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿هُوَ الذي خَلَقَكُم فمِنْكُم كافرٌ ومنكم مؤمنٌ﴾ [التغابن: ٢]، وفي قوله تعالى للملائكة: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمونَ﴾ [البقرة: ٣٠]، وسيأتي أن جهل موسى ﵇ بتأويل فعل الخَضِر يدل على جهل الراسخين بتأويل فعل الله تعالى. وتقدم قول أبي الحسين وأصحابه من المعتزلة: إن الله قادرٌ على خلق الكفار على بِنْيِة المعصومين، وإنما لم يخلقهم كذلك لحكمة استأثر بعلمها، فرجع أهل البدعة إلى ما بدأ به أهل السنة بعد السفر البعيد كما قال شيخُ الاعتزال ابن أبي الحديد:
[ ٦ / ١٢٣ ]
فيك يا أُغلوطة الفِكَرِ تاه عَقْلي وانْقَضَى عُمُري
سافَرَتْ فيك العُقُولُ فما رَبِحْتَ إلاَّ عَنَا السَّفَرِ (١)
وقد أشار الله سبحانه إلى الجمع بين صحة الأوامر والحكمة فيها مع العلم بنفوذ القدر فيما حكاه من قول يعقوب ﵇ لبنيه: ﴿لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحدٍ﴾ [يوسف: ٦٧] إلى آخر الآية، وسيأتي شرح ذلك في الفائدة الرابعة في وجوب العمل مع القدر، والفائدة فيه في الحكمة.
وأما التفصيل، فلا سبيل إليه، ولا مُوجب لمعرفته، ولكن في كتاب الله إشارة إلى بعض حكم الله تعالى في ذلك، وهو فيما ذكر الله من محبته الابتلاء، وتمحيص المؤمنين، وتمييز الخبيث من الطيب حيث ورد على أعظم صيغ المبالغة، والإقناط من الطمع في خلافه، حيث قال سبحانه: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢].
وخرج الحاكم في كتاب الإيمان من " المستدرك " (٢) حديث كُرْز بن علقمة أن رسول الله - ﷺ - سُئِل: هل للإسلام من منتهى؟ فقال: " نعم، أيُّما أهل بيت من العرب والعجم أراد الله بهم خيرًا أدخل عليهم الإسلام، ثم تقع بهم الفتن كأنها الظُّلَلُ ". وقال: حديث صحيح على شرط البخاري ومسلم، وهو كما
_________________
(١) ذكرهما في " شرح النهج " ١٣/ ٥١ في أبيات خمسة صدَّرها بقوله: ولي في هذا المعنى، ثم أنشدها، وهي: فيك يا أُغلُوطة الفِكَرِ تاه عقلي وانقضى عمري سافرتْ فيك العقول فما ربحت إلاَّ أذى السفرِ رَجَعَتْ حَسرَى وما وَقَفَتْ لا على عينٍ ولا أثرِ فلحى الله الألى زعموا أنك المعلوم بالنظرِ كَذَبُوا إن الذي طلبوا خارج عن قُوَّة البشرِ
(٢) ١/ ٣٤ وقد تقدم تخريجه في ٥/ ٣٠٦.
[ ٦ / ١٢٤ ]
قال، فإنه رواه جماعة قالوا -واللفظ للحميدي-: حدثنا سفيان، حدثنا الزهري، حدثني عروة بن الزبير، قال: سمعت: كرز بن علقمة. وتابع سفيان معمر بن راشد (١)، ويونس بن يزيد عن الزهري، وساق حديث معمر بمتنه وحروفه سواء، ثم قال: صحيح، وليس له علةٌ، ولم يخرجاه لتفرُّد عروة بالرواية عن كُرْز، وهو صحابي خُرِّجَ حديثه في مسانيد الأئمة.
قال الحاكم: سمعتُ الحافظ علي بن عمر -يعني الدارقطني- يقول: ما يُلْزِمُ البخاريَّ ومسلمًا إخراج حديث كرز " هل للاسلام من منتهى " فقد رواه عروة بن الزبير، ورواه الزهري وعبد الواحد بن قيس كلاهما عنه (٢). قال الحاكم: والدليل الواضح على ما ذكره أبو الحسن أنهما جميعًا اتفقا على حديث عتْبان بن مالك، وليس له راوٍ غيرُ محمود بن الربيع.
قلت: ومن أحسن الشواهد لمعناه قوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦] فالفتنة في هذه الآية خاصة بأهل الاستقامة، وهي لهم خيرٌ، لقوله تعالى: ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا﴾ [الأنفال: ١٧].
ومن أحسن الأدلة على إرادة الابتلاء قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ [طه: ١٥]، والحجة بيِّنةٌ في قوله: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾.
وقال ابن الأثير في " نهايته " (٣): " ذكر فتنًا كأنها الظُّلَلُ ": هي السحابُ أو الجبال. قلت: السحاب أنسبُ لتطبيقها.
_________________
(١) في (أ) " سفيان بن معمر "، وفي (ش): " سفيان يعمر "، وفي " المستدرك ": " تابعه محمد بن راشد "، وكله خطأ، والصواب ما أثبت.
(٢) " الإلزامات والتتبع " ص ١٢٣ للدارقطني.
(٣) ٣/ ١٦٠.
[ ٦ / ١٢٥ ]
وفي " الصحيح في ذكر مواقع الفتن كأنها مواقع القَطْرِ " (١).
وفي حرف الفاء من " النهاية " (٢): المؤمن خُلق مُفَتَّنًا (٣)، أي: مُمْتَحنًا بالذنب. وفي " المسانيد " لهذا المعنى شواهدُ كثيرة.
ولا شك أن الله تعالى لو لم يخلق دواعي الشر، بَطَلَ الابتلاء المعلوم أنه مقصود.
وفي " نوابغ الزمخشري " (٤): العزيز يبتلى من الخطوب بالأعز حتى كأن العُزَّى أخت الأعزِّ، ألا ترى كيف يبتلي الله أحبَّ خلقه إليه بأعظم البلاء، كما ابتلى خليله بالأمر بذبح ولده ﵉، وقال سبحانه: ﴿إنَّ هذا لهو البلاءُ المُبينُ﴾ [الصافات: ١٠٦].
وقد قيل في وجه ذلك: إنه أراد ظهور ما عَلِمَ في الغيب من صحة محبة إبراهيم لربه واستحقاقه مرتبة الخُلَّة حيثُ آثر رضاه في هذا المقام العزيز.
ولذلك ثبت في " صحيح مسلم " و" الترمذي " عن ابن مسعود عنه - ﷺ - أنه قال: " لو كنتُ مُتَّخذًا خليلًا لاتخذتُ أبا بكرٍ خليلًا، لكنَّ صاحبكم خليل الله ". وزاد
_________________
(١) أخرجه أحمد ٥/ ٢٠٠، والبخاري (١٨٧٨) و(٢٤٦٧) و(٣٥٩٧) و(٧٠٦٠)، ومسلم (٢٨٨٥) من حديث أسامة بن زيد أن النبي - ﷺ - أشرف على أطُمٍ من آطامِ المدينة، ثم قال: " هل ترون ما أرى؟ إني لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر ".
(٢) ٤/ ٤١٠.
(٣) أخرج أبو يعلى (٤٨٣)، وعبد الله بن أحمد في زوائد " المسند " ١/ ٨٠ و١٠٣ من طريق أبي عبد الله مسلمة الرازي، عن أبي عمرو البجلي، عن عبد الملك بن سفيان الثقفي، عن أبي جعفر محمد بن علي، عن محمد بن الحنفية، عن أبيه قال: قال رسول الله - ﷺ -: " إن الله يحب العبد المؤمن المُفَتَّنَ التوَّاب ". وإسناده ضعيف جدًا، وذكره الهيثمي في " المجمع " ١/ ٢٠٠ وقال: رواه عبد الله وأبو يعلى وفيه من لم أعرفه، ونقل الدولابي في " الأسماء والكنى " ٢/ ٦٢ عن أحمد أنه قال: هذا حديث منكر.
(٤) ص ١١٢.
[ ٦ / ١٢٦ ]
بعضُهم في أوله: " ألا إنِّي أبرأ إلى كُلِّ خليلٍ من خُلَّتِه " (١).
وروي عن جندب بن عبد الله أنه سمع النبي - ﷺ - قبل أن يموت بخمس: " ألا إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليلٌ " الحديث (٢).
وهو دليل عزة مقام القرب والحب عن الشرك فيه بخلاف مقام العفو كما يأتي في شرح العزيز الغفور.
والصوفية في هذا المقام أربابُ الذوق والأحوال الرفيعة، لهم فيه كل معنى مليح، من ذلك ما أنشده الشيخ أبو بكر بن محمد (٣) الشهير بداية في كتاب " المنارات ":
ولما ادَّعيتُ الحبَّ قالت كَذَبْتَني فما لي أرى الأعضاء منك كواسِيا
فما الحُبُّ حتى يَلْصَقَ البطنُ بالحَشَا وتذبُلَ حتى لا تُجيب المناديا
وتنحُلَ حتى ليس (٤) يُبقي لك الهوى سِوى مُقْلَةٍ تبكي بها وتُناجيا
ومنه دُوبَيْت (٥)
_________________
(١) تقدم تخريجه في ١/ ١٧٦.
(٢) أخرجه مسلم (٥٣٢)، والنسائي في " الكبرى " كما في " تحفة الأشراف " ٢/ ٤٤٢ - ٤٤٣، وأبو عوانة ١/ ٤٠١، والطبراني (١٦٨٦).
(٣) هو نجم الدين أبو بكر عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي المتوفى سنة ٦٥٤ هـ كان حافظًا فاضلًا، غزير العلم، صاحب مقامات وكرامات وآثار. وكتابه اسمه " منارات السائرين ومقامات الطائرين ". وقد صنف قبله بنيف وثلاثين سنة مثله بالعجمية سماه " مرصاد العباد ". انظر: " الوافي بالوفيات " ١٧/ ٥٧٩، و" شذرات الذهب " ٥/ ٢٦٥، و" كشف الظنون " ١/ ١٨٢٣.
(٤) في الأصلين: " لا "، والمثبت من هامش (أ).
(٥) دو بيت: كلمة مركبة من كلمتين، معنى الأولى منهما: اثنان، والثانية هي بمعناها العربي، وهو فن من فنون الشعر المعربة الخارجة عن وزن البحور الستة عشر المعروفة، =
[ ٦ / ١٢٧ ]
قدْ مِلْتُ إليهم (١) ومِنِّي مالُوا قلبي نهبوا ومِنْ حياتي نالوا
إذ قلت بما أعيشُ قولوا قالوا بالحبِّ فعِشْ وحُبُّهُم قتالُ
ومن أحسن ما قيل في هذا قصيدة المرتضى الشهرزوري ذكرها ابن خَلِّكان بطولها في ترجمته من " تاريخه " (٢) لحسنها، ومن أولها:
لَمَعَتْ نارُهم وقد عَسْعَسَ اللَّيـ ـلُ وملَّ الحادي وحار الدليلُ
فتأملتُها وقلبي (٣) من البَيْـ ـن عليلٌ ولَحْظُ عيني كليلُ
وفؤادي ذاك الفؤاد المُعَنَّى وغرامي ذاك الغرامُ الدخيلُ
ومن آخرها:
نارُنا هذه تُضيء لِمَن يَسْرِ ي بليلٍ لكنها لا تُنيلُ
مُنتهى الحظِّ ما تزوَّدَ مِنها اللحـ ـظُ والمدركونَ ذاك قليلُ
جاءها من عرفت يبغي اقتباسًا وله البَسْطُ والمُنى والسُّولُ
فتعالت عن المنال وعزَّتْ عن دُنُوٍّ إليه وهو رسولُ
فبقينا كما عَهِدْتَ حَيارَى كُلُّ حدٍّ من دونها مغلولُ (٤)
نقطع (٥) الوقت بالرَّجاء وناهيـ ـك بقلبٍ غِذاؤُه التعليلُ
كلما ذَاقَ كَأسَ يأسٍ مَريرٍ جاء كأسٌ من الرجا مَعسُولُ
هذه حالُنا وما بلغ (٦) العِلْـ ـمُ إليه وكلُّ حالٍ يحولُ
_________________
(١) = ويُشترط في الدوبيت أن لا يقال منه إلاَّ بيتان بيتان في أي معنى يريده الناظم، ولا يجوز فيه اللحن.
(٢) في (أ) و(ف): منهم.
(٣) ٣/ ٤٩
(٤) في " وفيات الأعيان " وفكري.
(٥) في " الوفيات ": كل عزم من دونها مخذول.
(٦) في " الوفيات ": ندفع.
(٧) في " الوفيات ": وصل.
[ ٦ / ١٢٨ ]
وإلى هذا المعنى أشار الله ﷿ حيث قال: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يوسف: ١١٠]، وقال ﷿: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤].
ومما يُلوِّحون به إلى هذا المعنى:
وبَدا له من بَعْدِ ما اندمل الهوى برقٌ تألَّق مَوْهِنًا لَمَعَانُهُ
يبدو كحاشية الرداء ودونه صعب الذَّرَى مُتمنِّعٌ أركانهُ
فمضى لينظر كيف لاح فلم يُطِقْ نظرًا إليه وصده سجَّانهُ
فالنارُ ما اشتملت عليه ضُلُوعُه والماءُ ما سَمَحَتْ به أجفانُهُ (١)
وأنشد في " العوارف " (٢) كانيًا عن النفس والشيطان:
أيا جَبلي نَعْمَان بالله خلِّيا رياح الصَّبا يَسْرِي إلي نسيمها
أجد بردها أو تشفِ مني حرارةً على كَبِدٍ لم يبق إلاَّ صميمها
فإن الصبا ريحٌ إذا ما تنسَّمَتْ على نفس محزونٍ تجلَّت همومُها
ورقائق ابن الفارض في هذا المعنى في السماء علوًّا، ولو أوردتها لطالت، ولا حاجة إلى التكثير بذكرها، لأنها معروفةٌ في ديوانه.
فإن قيل: هذا صحيح، ولكن الابتلاء في نفسه من المتشابه، فهل أشارَ
_________________
(١) أورد هذه الأبيات الأربعة صاحب الأغاني ١٦/ ٢٨٣ للشريف أبي عبد الله محمد بن صالح الحسني، ولها حكاية مستطرفة ذكرها الحميدي في " جذوة المقتبس " ص ٧١ - ٧٣، فانظرها فيه.
(٢) ص ١١٢ وهي منسوبة مع بيتين آخرين لمجنون ليلى قيس بن الملوح العامري عند ابن الشجري في " حماسته " ٢/ ٥٧٩، وكذا في " الأغاني " ٢/ ٢٤ وأنشدها القالي في أواخر أماليه ٢/ ١٧٧ لامرأة من أهل نجد.
[ ٦ / ١٢٩ ]
الله ﷿ في كتابه إلى شيء من الحكم المطوية في ذلك؟
قلنا: نعم، أشار إلى ذلك بإشاراتٍ متنوعة، وأعطى كل أحدٍ من الفهم في ذلك ما شاء، ولا يحيطون بشيء من علمه إلاَّ بما شاء، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] ونحوها في هود [٧] وفي الكهف [٧] فإن البلاء مضمَّنٌ معنى العلم، وهو يتعدى إلى مفعولين كما ذكره الزمخشري (١) في تفسيرها، والله لم يذكر مفعول الابتلاء الثاني في كثير من آيات الابتلاء، وذكره في هذه الآية الكريمة، فكان زيادة بيانٍ يقضي على الآيات التي لم يبين ذلك فيها. وفي معنى هذه الآيات ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥] وأمثالها كثير.
وذلك يدل على أن المقصود بالابتلاء وجودُ أحسنِ العمل وأفضله، وأحسن الجزاء وأكمله، وإن وُجِد القبيح بسبب الابتلاء وتوابعه، فهو غيرُ مقصود لنفسه قصد الغايات، وإنما هو مقصودٌ لغيره قصد الوسائل والمقدمات، وذلك لما ثبت من القطع على أن الحكيم لا يريد الشر لنفسه، وهو من القواعد الفطرية القطعية. ألا ترى أن أحب الأعمال إلى الله تعالى بعد الإيمان بالله تعالى هو الجهاد، كما ثبت في " الصحيح " (٢) ولذلك خلق الله الأضداد، والملائكة،
_________________
(١) ٤/ ١٣٤.
(٢) أخرج أحمد ٥/ ١٥٠ و١٦٣، والبخاري (٢٥١٨)، ومسلم (٨٤)، والنسائي ٦/ ١٩، وابن حبان (٤٥٩٦)، والبيهقي ٦/ ٨١ و٢٨٣ و٩/ ٢٧٢ و١٠/ ٢٧٣، والبغوي (٢٤١٨) من حديث أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله أيُّ العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله وجهادٌ في سبيله وأخرجه من حديث أبي هريرة: الطيالسي (٢٥١٨)، وأحمد ٢/ ٢٥٨ و٢٦٤ و٢٦٨ و٢٨٧ و٤٤٢ و٥٢١، والبخاري (٢٦) و(١٥١٩)، ومسلم (٨٣)، والترمذي (١٦٥٨)، والنسائي ٥/ ١١٣ و٦/ ١٩، و٨/ ٩٣، والبيهقي ٥/ ٢٦٢ و٩/ ١٥٧، والبغوي (١٨٤٠)، وابن حبان (٤٥٩٧) و(٤٥٩٨). =
[ ٦ / ١٣٠ ]
والشياطين، والمسلمين، والكافرين، والعقول، والأهواء، والقلوب، والنفوس ليقوم سوق الجهاد، وإليه الإشارة بقوله: ﴿والذين جَاهَدُوا فينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وروي في الحديث " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر " (١) وهو معنى صحيح، والمراد من الجهاد ما يحصل به من تمحيص المؤمنين وخلوصهم، واتخاذ الشهداء منهم، ونصرهم، وشفاء صدورهم، وتمييزهم ممن يدعي مرتبتهم الشريفة ممن ليس منهم، وكل هذا منصوص، فلا نُطَوِّلُ بذكر الآيات فيه. وإنما الذي وهب الله سبحانه لي من الفهم هنا أمران:
أحدهما: أن مقام القرب والحبِّ والخُلَّة محفوفٌ بأعظم ما حُفَّت به الجنة
_________________
(١) = وأخرجه من حديث عبد الله بن سلام: سعيد بن منصور في " سننه " (٢٣٣٨)، وأحمد ٥/ ٤٥١، وابن حبان (٤٥٩٥). وأخرجه من حديث عبد الله بن حُبشي: أحمد ٣/ ٤١١ - ٤١٢، والنسائي ٥/ ٥٨، ٨/ ٩٤، والدارمي ٢/ ٣٣١. وأخرجه من حديث ماعز التميمي: أحمد ٤/ ٣٢٢، والطبراني في " الكبير " ٢٠/ (٨٠٩) و(٨١٠) و(٨١١). وأخرجه من حديث الشفاء بنت عبد الله: الطبراني ٢٤/ (٧٩١).
(٢) أخرجه البيهقي - ﷺ - في " الزهد "، والخطيب في " تاريخه " ١٣/ ٤٩٣ من حديث جابر قال: قدم على رسول الله - ﷺ - قوم غزاة، فقال - ﷺ -: " قدمتم خير مقدم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر "، قالوا: وما الجهاد الأكبر؟ قال: " مجاهده العبد هواه ". وضعَّف البيهقي إسناده. قال النسائي فيما ذكره الحافظ المزِّي في " تهذيب الكمال " ٢/ ١٤٤. أخبرني صفوان بن عمرو قال: حدثنا محمد بن زياد أبو مسعود من أهل بيت المقدس، قال: سمعت إبراهيم بن أبي عبلة وهو يقول لمن جاء من الغزو: قدمتم من الجهاد الأصغر فما فعلتم في الجهاد الأكبر؟ قالوا: يا أبا إسماعيل، وما الجهاد الأكبر؟ قال: جهاد القلب.
[ ٦ / ١٣١ ]
من المكاره، لأن وصف العزة يستحيلُ أن تتخلفَ عنه آثاره، وفيه أن مقام الحب غير مبتذلٍ ولا رخيص، وقد تقدم ما وقع لأهله، مثل عزم الخليل على ذبح ولده، وبراءة محمد - ﷺ - إلى كل خليل من خُلَّتِه. وفي البخاري من حديث أبي هريرة: " ولا يزال عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنوافل حتى أُحبه، فإذا أحببتُهُ، كنت سمعه الذي يسمع به، ويصره الذي يبصر به " الحديث (١).
وقد آنس الله وحشة القاصرين حيثُ قَرَنَ العزيز بالغفور، والغفار بالرحيم، والوهاب في آيات كثيرة، وهذه نكتة نفيسة جدًا.
وثانيهما: أن المقصود الأول من تمييز الخبيث من الطيب في تمحيص المؤمنين هو الخيرُ الحاصل للطيب لا الشر الحاصل للخبيث لقوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُم أيُّكُمْ أحسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] ولم يقل: أيكم أقبح (٢) عملًا.
ومن أحسن ما يحتج به على هذا بعد ما ذكرناه من كتاب الله تعالى قولُه في سورة النحل: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا﴾ [النحل: ٣٠] إلى آخر الآيات في الوعد والوعيد والمشيئة.
وأصرح من ذلك كلِّه قصة الخَضِر وموسى لتأويل الشرِّ فيها بأنه المقصود به الخير نصًا صريحًا، وبيان أن ذلك هو تأويل المتشابه الذي لا يعلمه إلاَّ الله.
ومن أحسن ما يُستدلُّ (٣) به على ذلك قوله تعالى: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢) وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٢ - ٣٣].
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٥٠٢)، وأبو نعيم ١/ ٤، والبيهقي في " الزهد الكبير " (٦٩٠)، والبغوي (١٢٤٨).
(٢) في (أ): " أحسن "، وكتب فوقها: " أخبث ".
(٣) في (ش): احتج.
[ ٦ / ١٣٢ ]
قال الزمخشري (١): ولا يأتونك بمثالٍ (٢) عجيبٍ من سؤالاتهم الباطلة كأنه مثلٌ في البطلان إلاَّ أتيناك نحن (٣) بالجواب الحق الذي لا محيد عنه، وبما هو أحسن معنىً ومُؤَدَّى من سؤالاتهم (٤).
ويُوضِّح ذلك ما اتفقوا على صحته من حديث " سبقت رحمتي غضبي "، وأن الله تعالى كتب هذا في كتابٍ ووضعه على العرش (٥).
ويعضده ما انفرد به مسلم، وهو على شرط الجماعة كلهم من حديثِ علي ﵇، عن رسول الله - ﷺ - في حديث التوجُّه في الصلاه المعروف، وفيه " الخيرُ في يديك، والشر ليس إليك " (٦).
ذكر النواوي في شرح " مسلم " (٧) أن معناه ليس بشر بالنظر إلى حكمتك فيه، وهذا هو الذي أُريده، ولله الحمدُ والمنة.
وإنما قلت: إنه على شرط الجماعة لأنه من حديث عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع كاتب علي، عن علي ﵇، ولم يتخلف أحدٌ من أهل دواوين الإسلام عن تخريج حديثهما، ولا ذكر أحدٌ فيهما شيئًا مما يقع فيه كثيرٌ من الثقات من غلطٍ ولا تدليس، فلعلهم ما تركوا تخريجه إلا لظنِّهم أن هذه اللفظة تخالف القواعد، وليس كذلك، فلله الحمد.
وقد خرَّج الحاكم في تفسير سورة بني إسرائيل من " المستدرك " من حديث
_________________
(١) ٣/ ٩١.
(٢) في (ش): " بمثل "، وفي " تفسير الزمخشري ": بسؤال.
(٣) في (أ) و(ش): بحق وهو تحريف.
(٤) في (أ): سؤالهم.
(٥) تقدم تخريجه في ٥/ ٢٧٥.
(٦) تقدم تخريجه في ٥/ ٢٩٦.
(٧) ٦/ ٥٩.
[ ٦ / ١٣٣ ]
صِلَةَ بن زُفَرَ، عن حذيفة بن اليمان أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: " يُجمع الناس في صعيدٍ واحد يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، حُفاةً عُراةً كما خُلقوا سكوتًا، لا تكلم نفس إلاَّ بإذنه، فيُنادى: محمد، فيقول: لبَّيك وسعديك والخير في يديك، والشر ليس إليك " (١) وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين (٢).
قلت: وفيه شهادةٌ على صحة ما خرجه مسلم في " الصحيح "، وفي اختيار رسول الله - ﷺ - لذلك في خطاب الرب في الصلاة في المقام المحمود ما يدل على أنه من أنفس المحامد الربانية، والحمد لله الذي هدانا لمعناه وما كنا لِنَهْتدي لولا أن هدانا الله.
ولا شك أن اسمه العزيز أحد الأسماء الحسنى يقتضي في أحد معنييه عن مرتبة القرب من الله تعالى والحبِّ له والأنس به يختص بذلك من يشاء، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: ٢٥٣].
وفي الإجادة في هذا المعنى:
وبعض معاني العِزِّ تقضي بذاك إنْ تُساعِدْ عليه واسِعَاتُ المراحم
ففي عزة الخيرات رفعٌ لِقَدْرِها فعَزَّ مقامُ العِزِّ عن كُلِّ لائمِ
_________________
(١) في (أ): بيديك.
(٢) أخرجه النسائي في " الكبرى " كما في " التحفة " ٣/ ٤٣، وابن جرير الطبري ١٥/ ١٤٤، والبزار (٣٤٦٢) من طريق شعبة، والطبري ١٥/ ١٤٤ و١٤٥ من طريق معمر والثوري، والحاكم ٢/ ٣٦٣ من طريق إسرائيل، أربعتهم عن أبي إسحاق السبيعي، عن صلة بن زفر، عن حذيفة، وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا.
[ ٦ / ١٣٤ ]
لذلك ما نال الوسيلة والثَّنا بخير مقامٍ غير سَبْطِ (١) البراجمِ
كذلك عزَّ القُطْبُ فينا ودون عِز زه عِزَّة الأبدال ثم الأكارمِ
وفي الشُّعرا (٢) تكريرُ خير إشارة بذلك في وَصفَيْ عزيزٍ وراحمِ
كذلك في صادٍ (٣) تمدَّح ربُّنا بِعِزَّةِ وهَّابٍ وسيع المَراحمِ
عزيزٌ على الأعدا رحيمٌ بغيرهم كما جاء وصفُ المؤمنين الأكارمِ (٤)
وعلى معنى قوله تعالى في تبارك [٢]: ﴿لِيَبْلُوَكُم أيُّكُم أحسَنُ عَمَلًا﴾ وفي الكهف [٧]: ﴿لِنَبْلُوهُم أيُّهم أحسَنُ عَمَلًا﴾ وفي الأنفال [١٧]: ﴿ولِيُبْلِيَ المؤمنين منه بلاءً حسنًا﴾.
يدل ظاهر لفظه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] على ما قدمته على أحد الوجوه الذي تحتملها الآية على قول أهل السنة، وذلك أنه يحتمل أن المعنى أنه سبحانه خلق الجميع من الكُفار والمسلمين لحصول عبادة العابدين، ووقوعها على أكمل الوجوه وأتمِّها وأفضلها وأحبها إلى الله تعالى وأجملها، وأن الكفار لو لم يخلقوا وعلم العابدون أن الله تعالى لم (٥) يخلُقْ من يبغضه (٦) ويعذبه، بطل الخوف والرجاء اللذان هما جناحا عملِ العاملين، وخير ما شَرُفَتْ به قلوبُ المخلصين.
وقد سبق في حكمة الله تعالى أن وقوع الأعمال على هذه الصفة وهذه
_________________
(١) في (أ): بسط.
(٢) سورة الشعراء: آية (٩) و(٦٨) و(١٠٤) و(١٢٢) و(١٥٩) و(١٧٥) و(١٩١): ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهُو العَزيرُ الرَّحيمُ﴾ و(٢١٧): ﴿وتَوكَّلْ على العزيز الرَّحيمِ﴾.
(٣) سورة ص: آية (٩).
(٤) سورة المائدة: آية (٥٤)، وسورة الفتح: آية (٢٩).
(٥) في (ش): لا.
(٦) في (ش): يعصيه.
[ ٦ / ١٣٥ ]
بحث في تقدير الشرور وخلقها
الأسباب أولى، وإن كان قادرًا على هداية الخلق بغير سبب من هذه الأسباب، ومن غير خلق هذه الشرور.
ويوضِّح ذلك أن الشرور مقتضياتٌ لخيرات، مثل حديث الحسن بن علي ﵉ المشهور في القُنوت، وفيه: " وقِني شر ما قضيت " (١)، فإنه يدل على أن القضاء ليس هو الشر بنفسه، وأنَّ الشر هو المقضي، وأنه يصح القضاء بالشر مع وقاية الشر.
ويعضده حديث " إنَّ الدُّعاء يرُدُّ القضاء، وإنهما يتعالجان إلى يوم القيامة " (٢)، أي: يرد المقضي كما يُرَدُّ السهم بالترس، وأما القضاء نفسه، فإنه
_________________
(١) تقدم تخريجه في ٥/ ٧٨.
(٢) حديث حسن. أخرجه ابن عدي ٣/ ١٠٦٨، والحاكم ١/ ٤٩٢، والخطيب في " تاريخه " ٨/ ٤٥٣، والبزار (٢١٦٥)، والطبراني في " الأوسط " (٢٥١٩) من طريق زكريا بن منظور شيخ من الأنصار، عن عطاف بن خالد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: " لا يغني حذر من قدرٍ، والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وإن البلاء لينزل فيتلقاه الدعاء، فيعتلجانِ إلى يوم القيامة ". ولفظ البزار: " والدعاء ينفع ما لم ينزل القدر وإن الدعاء ليلقى البلاء " وصححه الحاكم، وتعقبه الذهبي بقوله: زكريا مجمع على ضعفه. وذكره الهيثمي في " المجمع " ٧/ ٢٠٩ و١٠/ ١٤٦ وقال: رواه الطبراني في " الأوسط "، والبزار، وفيه زكريا بن منظور وثقه أحمد بن صالح المصري، وضعَّفه الجمهور، وبقية رجاله ثقات. وأخرج البزار (٢١٦٤) من طريق إبراهيم بن خثيم بن عراك بن مالك عن أبيه، عن جده، عن أبي هريرة مرفوعًا، وإبراهيم بن خثيم هذا قال الجوزجاني: اختُلِطَ بِأخَرَة، وقال النسائي: متروك. وأخرج ابن ماجه (٩٠) و(٤٠٢٢) والنسائي في " الكبرى " كما في " التحفة " ٢/ ١٣٣، وابن أبي شيبة ١٠/ ٤٤١ - ٤٤٢ وأحمد ٥/ ٢٧٧ و٢٨٠ و٢٨٢ والطحاوي في " المشكل " ٤/ ١٦٩، والطبراني في " الكبير " (١٤٤٢)، وأبو نعيم في " أخبار أصبهان " ٢/ ٦٠، =
[ ٦ / ١٣٦ ]
قديم سابق للدعاء.
وقد ذكرت في " الإجادة " وفي هذا الكتاب طرفًا صالحًا في الحكمة في خلق الشرور وتقديرها على قَدْرِ ما تحتمله عقول البشر من ذلك (١)، بل على قدر ما يحتمله عقلي وحدي، وأنا من أجهل البشر.
من ذلك: أن المحاسن لا تُعرف إلاَّ بأضدادها، فلا يعرف قدر العافية إلا بالألم، ولا قدر الراحة إلاَّ بالنصب، ولا قدر الغنى إلاَّ بالفقر، ولا قدرُ الآخرة إلاَّ بما تقدمها من الدنيا والبرزخ والموقف، ولا قدر نعمة الهداية إلاَّ بوجود أهل الضلالة، حتى قال بعض المعتزلة: إن حقيقة اللذة هي الخروج من مؤلمٍ،
_________________
(١) = والقضاعي في " مسند الشهاب " (٨٣١)، والبغوي (٣٤١٨)، وابن حبان (٨٧٢)، والحاكم ١/ ٤٩٣ من طرق عن سفيان الثوري، عن عبد الله بن عيسى، عن عبد الله بن أبي الجعد، عن ثوبان قال: قال رسول الله - ﷺ -: " لا يرد القدر إلاَّ الدعاء، ولا يزيد في العمر إلاَّ البِرُّ، وإن الرجل ليُحْرَمُ الرزق بالذنب يصيبه ". وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وقال البوصيري في " مصباح الزجاجة " ١/ ٦١: سألت شيخنا أبا الفضل العراقي ﵀ عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث حسن. وأخرجه الترمذي (٣٥٤٨) والحاكم ١/ ٤٩٣ من طريق يزيد بن هارون عن عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي مليكة، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء. وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلاَّ من حديث عبد الرحمن وهو ضعيف في الحديث ضعفه بعض أهل العلم من قبل حفظه. وقال الذهبي: وعبد الرحمن واهٍ، وهو كما قال. وأخرجه أحمد ٥/ ٢٣٤، والطبراني ٢٠/ (٢٠١) من طريق إسماعيل بن عياش عن عبيد الله بن عبيد الرحمن بن أبي حسين، عن شهر بن حوشب، عن معاذ. قال الهيثمي في " المجمع " ١٠/ ١٤٦: رواه أحمد والطبراني وشهر بن حوشب لم يسمع من معاذ، ورواية إسماعيل عن أهل الحجاز ضعيفة. وسيأتي من حديث علي وسلمان الفارسي ص ٤٠٢.
(٢) " من ذلك " ساقط من (أ).
[ ٦ / ١٣٧ ]
ولذلك استحالت اللذة على الرب سبحانه، وإلى ذلك الإشارة بنحو قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧].
ومن هنا كان الرب ﷾ غياث المستغيثين، وقد ورد نحو هذا المعنى في الحديث حيث ورد أن الله تعالى لما أخرج ذريه آدم على صورة الذر وأراهم آدم رأى فيهم المُعافى والمبتلى، فقال: يا ربِّ لو سَوَّيْتَ (١) بين ذريتي، فقال تعالى: إني أردت أن تُشكَرَ (٢) نعمتي (٣).
_________________
(١) في (ش): لم لا سويت.
(٢) في (ش): أردت شكر نعمتي.
(٣) أخرج ابن أبي حاتم في " تفسيره " فيما نقل عنه ابن كثير في " تفسيره " ٢/ ٢٧٤ وفي " البداية والنهاية " ١/ ٨١ من طريق عبد الرحمن بن زيد أسلم، عن أبيه أنه حدث عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله - ﷺ - قال: " إن الله لما خلق آدم مسح ظهره، فخرَّت منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، ونزع ضلعًا من أضلاعه فخلق منه حواء، ثم أخذ عليهم العهد: (ألست بربكم، قالوا: بلى) ثم اختلس كل نسمة من بني آدم بنوره في وجهه، وجعل فيه البلوى الذي كتب أنه يبتليه بها في الدنيا من الأسقام، ثم عرضهم على آدم فقال: يا آدم هؤلاء ذريتك، وإذا فيهم الأجذم والأبرص والأعمى وأنواع الأسقام فقال آدم: يا رب لم فعلت هذا بذريتى؟ قال: كي تشكر نعمتي ". وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف. وذكره السيوطي في " الدر المنثور " ٣/ ٦٠١ وزاد نسبته إلى ابن منده وأبي الشيخ في العظمة، وابن عساكر. وأخرجه الطبري (١٥٣٦٣)، وعبد الله بن أحمد في زوائد " المسند " ٥/ ١٣٥ واللالكائي في " أصول الاعتقاد " (٩٩١)، والحاكم ٢/ ٣٢٣ - ٣٢٤ وصححه! من طريق الربيع بن أنس عن أبي العالية، عن أبي بن كعب من قوله. وفيه: " ورفع عليهم آدم ينظر إليهم فرأى الغني والفقير، وحسن الصورة ودون ذلك، فقال: ربِّ لولا سوَّيت بينهم؟ قال: فإني أحب أن أُشكَر ". =
[ ٦ / ١٣٨ ]
وقالوا في هذا المعنى:
ولولا البُعْدُ ما حُمِدَ التَّلاقي ولولا الهَجْرُ ما طَابَ الوِصَالُ
وقد رأينا جميع العُقلاء في الدنيا يسعون في تكميل الملاذِّ في الدنيا وتمامها بشرورٍ عظيمة على غيرهم بغير ذنبٍ من ذبح الحيوانات في الأفراح وركوبها، واستعمالها (١) في حرثِ الأرض، وحرب العدو، ونزع الماء من الآبار، وحمل الأثقال، ومنعها من شهواتها المُخِلَّة بمنافعهم مثل منع ذكور الخيل من غشيان الإناث مع الشَّبق الشديد، بل منعِ الإماء من ذلك والعبيد، وشغلهم عِوَضًا عن ذلك بالاستخدام والكدِّ.
وقد ذكر ابن عبد السلام في " قواعده " (٢) الردَّ على من استقبح ذلك عقلًا من البراهمة، بأنهم غَفَلُوا عن أن بعض الحيوانات أشرف من بعض، وأن العقل يقضي بحسن انتفاع الأشرف بهلاك الأدنى أو كما قال.
ويشهد لما ذكره أن أهل الفِطَر السليمة من العرب حكموا بأن أنصف بيتٍ
_________________
(١) = وذكره السيوطي في " الدر " ٣/ ٦٠ وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبي الشيخ وابن منده في " الرد على الجهمية " واللالكائي، وابن مردويه وابن عساكر في " تاريخه ". وأخرجه ابن أبي الدنيا في " الشكر " (١٦٥) عن خلف بن هشام، حدثنا الحكم بن سنان، عن حوشب، عن الحسن من قوله. والحكم بن سنان ضعيف. وذكره السيوطي وزاد نسبته إلى أبي الشيخ، والبيهقي في " الشعب ". وأخرجه أحمد في " الزهد " ص ٤٧ من قول بكر بن عبد الله المزني. وذكره السيوطي عن قتادة والحسن، ونسبة إلى عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، والبيهقي في " الشعب ".
(٢) في (أ): وركوبه واستعماله.
(٣) انظر: " قواعد الأحكام " له ص ٥ (فصل فيما تعرف به المصالح والمفاسد وفي تفاوتها).
[ ٦ / ١٣٩ ]
قالته العرب قول حسان (١):
أتَهْجُوهُ ولَسْتَ لهُ بكُفْءٍ فشَرُّكُما لٍخَيْرِكُما الفِداءُ
ومن ذلك فداء الذبيح ﵇ بالكبش، وفداء عبد الله بن عبد المطلب بمئةٍ من الإبل، واستحسانُ أهل الفطر السليمة لذلك غير مستند إلى ورود الشرائع وإجماع العقلاء على استحسان ذلك قبل نُبوغ البراهمة وبعض المعتزلة.
ويلزمهم قبح التداوي لإخراجِ دود البطن لما فيه من دفع ضررٍ خفيف بقتل أُلوفٍ من الحيوانات التي لم يصدر من أحد منها قبيح ألبتة، فموتُ المتداوي المذنب على قولهم أهون من قتل واحدٍ من الدود.
ويلزمهم أن يقبُحُ سقي الزرع والحرث ونحو ذلك إذا أدى إلى موت ذرةٍ بسبب الماء والحرث.
ويلزمهم قبح شرب الماء من المناهل إذا كان يؤدي إلى فراغه، وفراغه يؤدي إلى موت كثيرٍ من حيواناته.
_________________
(١) ديوانه ص ٦٤ من قصيدة يهجو بها أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم النبي - ﷺ - قبل إسلامه، والاستفهام في قوله: أتهجوه: استفهام إنكاري: يقول: ما كان ينبغي أن تهجوه ولست من أكفائه ونظرائه، وقوله: فشركما لخيركما الفداء جار كذلك على أسلوب الكلام المنصف، قال الزمخشري في " الكشاف " ٣/ ٢٨٩ في تفسير قوله تعالى: ﴿وإنَّا أَوْ إيَّاكُم لَعَلى هُدىً﴾ الآية: وهذا من الكلام المنصف الذي كُلُّ من سمعه من موالٍ أو مناف قال لمن خُوطِبَ به: قد أنصفك صاحبك. وفي درجة بعد تقدمه ما قدم من التقرير البليغ دلالة غيرُ خفية على من هو من الفريقين على الهدى ومن هو في الضلال المبين. ولكن التعريض والتورية أفضل بالمجادل إلى الغرض، وأهجم به على الغلبة مع قِلَّةِ شَغَبِ الخصم، وفلَّ شوكته بالهوينى، ونحوه قول الرجل لصاحبه: علم الله الصادق مني ومنك وإن أحدنا لكاذب، ثم استشهد ببيتِ حسان هذا.
[ ٦ / ١٤٠ ]
وكذلك يلزمهم قبح إخراج الذِّبَّانِ من المنازل ونحو ذلك مما لو فعله أحد عُدَّ من المجانين بإجماع العقلاء.
وشبهة المُقبِّحين لذلك النظرُ إلى مَضَرَّة الحيوان فقط، من غير موازنةٍ بينها وبين ما يحصل بترك ذلك من مضارِّ أشرف الحيوان وتضررهم بفوات لذاتهم، بل قد اشتهر بين أهل المكارم ذمُّ من أشفق على ما يملكه من الأنعام ولم يُهِنْها في نيل محامد الكرام، كقول القائل في الحث على السفر لطلب الفضائل:
أثِرْها تطلُبِ القُصْوى ودَعْها سُدىً يَرْمي الغروبُ بها الشُّروقا
فلم يُشفِقْ على حَسَبٍ غلامٌ يكونُ على ركائبه شفيقا
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرٌ لكم﴾ [البقرة: ٢١٦]، وقول بعض الصحابة: جاء الشرع بالكُره والرضا، فوجدنا خير الخير في الكُره أو كما قال، وسيأتي من ذلك طرفٌ صالح في مرتبة القضاء والقدر.
قال أبو حيَّان (١):
عُداتي لهم فضلٌ عليّ ومِنَّةٌ فلا أذهَبَ الرحمنُ عَنِّي الأعاديا
هُمُ بحثوا عن زَلَّتي فاجتَنَبتُها وهُمْ نافَسوني فاجتَنيتُ (٢) المعاليا
وفي هذا ظهور اشتمال الشر على الخيرات، وشُهِرَ ذلك بين العقلاء، وأجمع العقلاء من المسلمين والفلاسفة أن الموجود في الدنيا، إما خيرٌ مَحْضٌ كالملائكة والأفلاك، أو الخير فيه غالبٌ كالنار فيها خير كثير، والمقتضى بالذات خير، والشر واقع بالتَّبَع، فإن ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شرٌّ كثير،
_________________
(١) هو محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان الغرناطي الإمام الحافظ، شيخُ النحاة وإمامهم صاحب " البحر المحيط " في التفسير المتوفى سنة ٧٤٥ هـ بالقاهرة، والبيتان في " الوافي " ٥/ ٢٧٤، و" نفح الطيب " ٢/ ٥٣٦، و" فوات الوفيات " ٤/ ٧٤.
(٢) في (ش): فاجتلبت، وفي " الوافي "، و" النفخ " و" الفوات ": فاكتسبت.
[ ٦ / ١٤١ ]
وجاءت النصوص بأن الآخرة هي دار الحمد والخلود، فكيف يُظنُّ في أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين أنه يريد الشرور فيها لأنفسها بمجرد صدورها عنه، وتقديره لها؟ أو كيف يُظن أن هذه عقيدة سوء في الكريمِ الرحيم، وفي فضله العظيم العميم؟!
ألا ترى أن الله تعالى إنما ذم من كذَّب بيوم القيامة، وما يكونُ فيه من الفضل، والعدل، والانتصاف، والانتقام، وذلك ما لا يحصى.
وكذلك ذمَّ مُنْكِرَ مطلق عذاب الكفار الواقع قطعًا، لأنه يستلزم إنكار يوم الدين، كقوله حكايةً عن الكفار: ﴿وما نَحْنُ بمعذَّبين﴾ [الشعراء: ١٣٨] وإن لم يكن نصًا صريحًا في ذلك، لجواز تعلق قبحه بالتكذيب وعدم التقييد لذلك بمشيئة الله تعالى، أو كذَّب بالحسنى لقوله تعالى: ﴿وأمَّا مَنْ بَخِلَ واسْتَغْنى وكَذَّبَ بالحُسنى﴾ [الليل: ٨ - ١٠] وأظهر تأويلاتها أنها المثوبة بالحسنى من الله تعالى، وهي الجنة والرحمة الدائمة في الدار الآخرة كقوله: ﴿لِلَّذين أحْسَنُوا الحُسْنى وزيادةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، وقوله: ﴿وكُلًاّ وَعَدَ اللهُ الحُسْنَى﴾ [النساء: ٩٥] مع القرينة الدالة على ذلك، وهي ما ظَهَرَ نزاعهم فيه من الحياة بعد الموت، وتكرَّر الردُّ عليهم فيه.
ولذلك كان وصف الرب تعالى بنقيض أسمائه الحسنى كفرًا بالإجماع، وإليه الإشارة بقول بعضهم في أنها المحكمة التي لا تأويل لها.
لِمَ لا يكونُ الجودُ والعَفْوُ مُحكمًا ونعتُ الكَمال مستحيلٌ بَدِيلُه
وقد قطع الغزالي وابنُ تيمية وأصحابهما من أهل السنة بهذا، وهو قول البغدادية من المعتزلة، وإنما يُنسب إليهم البدعة بنفي قدرة الله تعالى على غير هذا، ويُخالفون ابن تيمية (١) وأصحابه في القطع بدوام النار والعذاب الذي لم
_________________
(١) انظر لزامًا في الرد على من يقول بفناء النار: " الاعتبار ببقاء الجنة والنار " لتقي الدين =
[ ٦ / ١٤٢ ]
يَرِدْ نَصٌّ يكفر مُنكِرَ دوامِه كما وردت النصوص بكفر منكر القيامة والجنة.
وأما مسألة دوام العذاب -نعوذ بالله ورحمته السابقة الواسعة الغالبة منه- فليس مما أجمع عليه أهلُ الإسلام، ولا عُلِمَ بالضرورة من الدين لما يأتي من اختلاف المسلمين فيه لورود الاستثناء من الخلود في غير آيةٍ من كتاب الله تعالى، ولما في ذلك من الآثار عن جماعه جِلَّةٍ من الصحابة ومُفَسِّري كتاب الله تعالى من أئمة الأثر وحُفَّاظ السنن.
ومما يدلُّ على أن المراد الأول هو الخير، وأن جميع ما يوجد من الشرور غير مقصودة لكونها شُرورًا، وجوهٌ غير ما تقدم.
منها: الأحاديثُ الصحيحة الشهيرة التي فيها " لو لم تُذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقومٍ يُذنبون فيستغفرون الله فيُغفرُ لهم " لفظ حديث أبي هريرة.
ولفظ حديث أبي أيوب الأنصاري " لو أنكم لم يكن لكم ذنوبٌ يغفرُها الله، لجاء بقومٍ لهم ذنوب يَغْفِرُها لهم " خرَّجهما مسلمٌ وغيره. ولهما طرقٌ وشواهد تقدم ذكرها مجوّدًا في الإرادة (١).
ومنها: ما ورد في كتاب الله تعالى من ترك أمور نافعة لكونها مفاسدَ مثل بسط الرزق، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ الله الرِّزْقَ لعبادِه لَبَغَوْا في الأرض﴾ [الشورى: ٢٧]، وقال سبحانه: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ الآية [الزخرف: ٣٣].
وعكس ذلك نص القرآن الكريم على الأمرِ بأمور ضارة لكونها منافع، مثل
_________________
(١) = السبكي المتوفى سنة (٧٥٦) هـ، و" رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار " لمحمد بن إسماعيل الصنعاني المتوفى سنة (١١٨٢) هـ وكلاهما مطبوع.
(٢) تقدم تخريجه في ٤/ ١٦١.
[ ٦ / ١٤٣ ]
أمر الخَضِرِ بقتل الغلام لمصلحة أبويه، كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [الكهف: ٨٠].
ومن الأول -وهو منع بعض الخيرات لكونها مفاسد- قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩].
قال الزمخشري (١): المراد بالآيات التي اقترحتها قريش [من قلب الصفا ذهبًا، ومن إحياء الموتى وغير ذلك] (٢) وعادةُ الله في الأمم (٣) أنَّ من اقترح منهم آية، فأُجيب ثم لم يؤمن أن يُعَاجَلَ بعذاب الاستئصال. والمعنى أنها لو أُرسلت لكذبوا بها تكذيب أولئك. واستوجبوا العذاب المستأصل، وقد عزمنا أن نؤخر أمر من بعثت إليهم إلى يوم القيامة. انتهى بحروفه.
وهو تفسيرٌ صحيح مأثور، خرج الهيثمي في معناه ثلاثة أحاديث:
أحدها: عن جابر في تفسير سورة هود (٤).
_________________
(١) ٢/ ٤٥٤.
(٢) ما بين حاصرتين زيادة من " الكشاف ".
(٣) في (أ) و(ش): " أمم "، والمثبت من " الكشاف ".
(٤) أخرجه أحمد ٣/ ٢٩٦، والبزار (١٨٤٤)، والحاكم ٢/ ٣٢٠ و٣٤٠ - ٣٤١، والطبري في " جامع البيان " (١٤٨١٧)، وابن حبان (٦١٩٧) من طريقين عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن أبي الزبير، عن جابر قال: لما جاء رسول الله - ﷺ - الحجر قال: " لا تسألوا نبيكم الآيات، هؤلاء قوم صالح سألوا نبيهم آية، فكانت الناقة تَرِدُ عليهم من هذا الفجِّ، وتصدر من هذا الفجِّ، فيشربون من لبنها يوم ورودها مثل ما غبَّهم من مائهم فعقروها، فوُعدوا ثلاثة أيام، وكان وعد الله غير مكذوب، فأخذتهم الصيحة، فلم يبق تحت أديم السماء رجلٌ إلاَّ أهلكته، إلاَّ رجلٌ في الحرم منعه الحرم من عذاب الله " قالوا: يا رسول الله من هو؟ قال: " أبو رغال " أبو ثقيف. لفظ ابن حبان. وأبو الزبير لم يصرح بالتحديث.
[ ٦ / ١٤٤ ]
والثاني: عن ابن عباس، ذكره في تفسير سورة الإسراء (١)
الثالث: عن الزبير (٢)، ذكره في تفسير سورة الشعراء (٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد ١/ ٢٥٨ وابنه عبد الله في زوائده ١/ ٢٥٨، والطبري ١٥/ ١٠٨، والنسائي في " الكبرى " كما في " التحفة " ٤/ ٤٠٢، والبزار (٢٢٢٥)، والحكم ٢/ ٣٦٢، والبيهقي في " الدلائل " ٢/ ٢٧١ - ٢٧٢ من طرق عن جرير، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس. وقال البزار: لا نعلمه يُروى عن النبي - ﷺ - من وجه صحيح إلاَّ من هذا الوجه. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وهو كما قالا. وأخرجه البزار (٢٢٢٦)، والبيهقي في " الدلائل " ٢/ ٢٧٢ من طريقين عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وأخرجه أحمد ١/ ٢٤٢، والبزار (٢٢٢٤)، والحاكم ٢/ ٣١٤، والبيهقي ٢/ ٢٧٢ - ٢٧٣ من طريق سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن عمران -وفي بعضها: ابن الحكم- عن ابن عباس. وذكره الهيثمي في " المجمع " ٧/ ٥٠ وقال بعد أن أورد روايتي ابن عباس: ورجال الروايتين رجال الصحيح إلاَّ أنه وقع في أحد طرقه عمران بن الحكم وهو وهم، وفي بعضها عمران أبو الحكم وهو ابن الحارث، وهو الصحيح. ورواه البزار بنحوه. وذكره السيوطي في " الدر المنثور " ٥/ ٣٠٧ وزاد نسبته إلى ابن المنذر والطبراني وابن مردويه والضياء في " المختارة ".
(٢) في (أ) و(ش): " ابن الزبير " وهو خطأ.
(٣) أخرجه أبو يعلى (٦٧٩) عن محمد بن إسماعيل بن علي الأنصاري، حدثنا خلف بن تميم المصيصي، عن عبد الجبار بن عمر الأيلي، عن عبد الله بن عطاء بن إبراهيم، عن جدته أم عطاء مولاة الزبير بن العوام قالت: سمعت الزبير بن العوام يقول: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ صاح رسول الله - ﷺ - على أبي قُبيس: " يا آل عبد مناف، إني نذير ". فجاءته قريش فحذَّرهم وأنذرهم. فقالوا: تزعُمُ أنَّك نبيٌّ يوحى إليك، وأن سُليمان سُخِّر له الريح والجبال، وأن موسى سُخِّر له البحر، وأن عيسى كان يُحيي الموتى؟ فادعُ الله =
[ ٦ / ١٤٥ ]
وينبغي أن نذكر أحدها، وهو حديثُ ابن عباس، قال: سأل أهل مكة النبي - ﷺ - أن يجعل لهم الصفا ذهبًا، ويُنَحِّيَ الجبال عنهم، فيزدرعوا، فقيل له: إن شئت أن نستأني بهم، وإن شئت أن نؤتيهم الذي سألوا، فإن كفروا، أُهلِكُوا كما أهلكتُ مَنْ قبلهم، قال: " بل أستاني بهم "، فأنزل الله ﷿ هذه الآية.
وفي رواية: فدعا فأتاه جبريل، فقال: إن شئت أصبح لهم الصفا ذهبًا، فمن كفر بعد ذلك عذَّبته عذابًا لا أُعذِّبه أحدًا من العالمين، وإن شئت، فتحتُ لهم باب التوبة والرحمة، قال: " بل (١) باب (٢) التوبة والرحمة ". قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح.
قلت: ويشهدُ لصحة معناه أنه تعالى قال للحواريين لما اقترحوا نزولَ
_________________
(١) = أن يُسَيِّرَ عنا هذه الجبال، ويفجِّر لنا الأرض أنهارًا فنتخذها محارثَ فنزرعَ ونأكلَ، وإلاَّ فادعُ الله أن يُحيي لنا موتانا فنكلمهم ويكلمونا، وإلا فادع الله أن يُصَيِّر هذه الصخرة التي تحتك ذهبًا فننحت منها ويغنينا عن رحلة الشتاء والصيف، فإنك تزعم أنك كهيئتهم! فبينما نحن حوله إذ نزل عليه الوحي، فلما سُرِّي عنه قال: " والذي نفسي بيده لقد أعطاني ما سألتم، ولو شئت لكان، ولكنه خيرني بين أن تدخلوا من باب الرحمة، فيؤمن مؤمنكم، وبين أن يكِلَكُم إلى ما اخترتم لأنفسكم فتضلوا عن باب الرحمة، ولا يؤمن مؤمنكم، فاخترت باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم، وأخبرني إن أعطاكم ذلك، ثم كفرتم أنه معذبُكم عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين " فنزلت: ﴿وما مَنَعَنا أن نُرسِلَ بالآياتِ إلاَّ أنْ كَذَّب بها الأوَّلون﴾ [الإسراء: ٥٩] حتى قرأ ثلاث آيات، ونزلت: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ الآية [الرعد: ٣١]. وذكره الهيثمي في " المجمع " ٧/ ٨٥ وقال: رواه أبو يعلى من طريق عبد الجبار بن عمر الأيلي عن عبد الله بن عطاء بن إبراهيم وكلاهما وثق وقد ضعفهما الجمهور. وأورده السيوطي في " الدر المنثور " ٤/ ٦٥٢ وزاد نسبته إلى أبي نعيم في " دلائل النبوة " وابن مردويه.
(٢) ساقطة من (أ).
(٣) ساقطة من (ش).
[ ٦ / ١٤٦ ]
المائدة: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥].
وقد ذكرت في الأقدار في الحكمة في الشرور أنَّ هذه الآية من أبين الدِّلالات على أن كثيرًا مما نحسبه خيرًا شر عظيم، ألا ترى أن كل أحد يجتهد في وضوح معرفة الآيات الدالة على الله، ويَوَدُّ أن يكاشف بالخوارق ليطمئن قلبه كما سأل ذلك الخليل الذي علم الله سبحانه أنه يستحقه وينتفع به ولا يتضرر كما قال فيه ﴿وكُنَّا به عالمينَ﴾ [الأنبياء: ٥١]، وأحدنا لو أُعطيَ ذلك مع ما علم الله من ركوبه الذنوب بعد ذلك كان وسيلةً إلى التنكيل به لما علم الله في عقوبات عبيد السوء من المصالح والغايات الحميدة.
ومنه: حديثُ عُبادة بن الصامت: خرج علينا رسول الله - ﷺ -، وهو يريد أن يُخبرنا بليلة القدر، فتلاحى رَجُلان، فقال: " خرجت وأنا أريد أن أخبركم بليلةِ القدر فتلاحى رجلان، فرُفِعَتْ، وعسى أن يكون خيرًا لكم " رواه البخاري في " الصحيح "، ورواه أحمد من طريق محمد بن أبي عدي، عن حُميد، عن أنس، عن عُبادة، وهو سندٌ صحيح على شرط الجماعة (١).
ومما يعضد ذلك مع ما تقدم حديث جابر عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: "لما عُرِجَ بإبراهيم - ﷺ - رأى رجلًا يفجُرُ بامرأة، فدعا عليه، فأُهِلك، ثم رأى رجلًا على معصيةٍ، فدعا عليه، فأوحى الله تعالى إليه: إنه عبدي، وإنَّ قَصْرَهُ مني
_________________
(١) أخرجه الطيالسي (٥٧٦)، وأحمد ٥/ ٣١٣ و٣١٩ و٣٢٤، وأبن أبي شيبة ٣/ ٧٣، والدارمي ٢/ ٢٧ - ٢٨، والبخاري (٤٩) و(٢٠٢٣) و(٦٠٤٩)، وابن خزيمة (٢١٩٨)، وابن حبان (٣٦٧٩)، والبيهقي ٤/ ٣١١، والبغوي (١٨٢١). وأخرجه مالك ١/ ٣٢٠ عن حميد، عن أنس. لم يذكر فيه عبادة. قال الحافظ في " الفتح " ٤/ ٢٦٨: وقال ابن عبد البر: والصواب: إثبات عبادة وأن الحديث من مسنده.
[ ٦ / ١٤٧ ]
ثلاث: إما أن يتوب فأتوب عليه، وإما أن يستغفرني فأغفر له، وإما أن أُخْرِجَ من صلبه من يعبدني، يا إبراهيم أما علمتَ أن من أسمائي أنِّي أنا الصبور" رواه الطبراني (١)، وسيأتي.
وقد أذكرني هذا قول يحيى بن معاذ ﵁ في قوله تعالى: ﴿فقُولا له قَوْلًا لينًا﴾ [طه: ٤٤]: هذا لطفك بمن قال: أنا الله، فكيف لطفك بمن قال: أنت الله؟ (٢).
وفي " الصحيح " أن الله كتب الإحسان على كلِّ شيءٍ، فإذا قتلتم فأحْسِنُوا القِتْلَة " (٣)، وهذا في قتل الكافر المعاقب بالقتل.
وخرج أحمد (٤) من حديث عُبادة بن الصامت أن رجلًا أتى النبي - ﷺ -، فقال:
_________________
(١) ذكره الهيثمي في " المجمع " ٨/ ٢٠١ وقال: رواه الطبراني في " الأوسط " وفيه علي بن أبي علي اللهبي، وهو متروك.
(٢) ذكره ابن الجوزي في " زاد المسير " ٥/ ٢٨٨. وأخرج ابن أبي حاتم فيما ذكر السيوطي في " الدر المنثور " ٥/ ٥٨٠ عن الفضل بن عيسى الرقاشي أنه تلا هذه الآية: ﴿فقُولا له قَولًا لَيِّنًا﴾ فقال: يا من يتحبب إلى من يُعاديه، فكيف بمن يتولاه ويناديه.
(٣) أخرجه من حديث شداد بن أوس: أحمد ٤/ ١٢٣ و١٢٤ و١٢٥، وعبد الرزاق (٨٦٠٣) و(٨٦٠٤)، والطيالسي (١١١٩)، والدارمي ٢/ ٨٢، ومسلم (١٩٥٥)، وأبو داود (٢٨١٥)، والترمذي (١٤٠٩)، والنسائي ٧/ ٢٢٧، وابن ماجه (٣١٧٠)، وابن الجارود (٨٩٩)، وابن حبان (٥٨٨٣) و(٥٨٨٤)، والطبراني (٧١١٤) - (٧١٢٣)، والبيهقي ٨/ ٦٠ و٩/ ٦٨ و٢٨٠، والبغوي في " شرح السنة " (٢٧٨٣).
(٤) أخرجه أحمد ٥/ ٣١٨ - ٣١٩ عن حسن، عن ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن علي بن رباح، عن جنادة بن أبي أمية، عن عبادة بن الصامت. وابن لهيعة ضعيف. وفي الباب عن عمرو بن العاص عند أحمد ٤/ ٢٠٤، وذكره الهيثمي في " المجمع " ١/ ٥٩ - ٦٠ وقال: وفي إسناده رشدين وهو ضعيف. =
[ ٦ / ١٤٨ ]
يا رسول الله، أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: " الإيمان بالله، وتصديقٌ به، وجهادٌ في سبيله "، قال: أريد أهون من ذلك، قال: " السماحة والصبر " قال: أريدُ أهون من ذلك، قال: " أن لا تَتَّهِم الله ﵎ في شيءٍ قَضَى لك ". وله شاهدٌ وطُرُقٌ في " مجمع الزوائد ".
ويأتي في أحاديث الأقدار والرِّضا بها ما يُقوي هذا خصوصًا فيما قضاه الله تعالى للمؤمن، وأنه خيرٌ له، كما شهد لذلك قوله تعالى: ﴿وَعَسى أنْ تَكرَهُوا شَيْئًا وهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] الآية.
فبمجموع هذه الأمور مع صحة قبح إرادة الشر لكونه شَرًا يقتضي قيام الحجة على حكمة الله تعالى في كل ما قدَّره، وأنه تعالى مُنَزَّهٌ عن الظلم، بل عن العَبَثِ واللعب الذي لا يضُرُّ أحدًا.
فيجب القطع بأنَّ جميع ما تكرَهُ العقول من أفعاله وأقداره غيرُ خالٍ عن الحِكَمِ، والمصالح، والغايات والحميدة، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى للملائكة: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تعلَمُون﴾ [البقرة: ٣٠] فلو لم تكن المصالحُ مراعاة في أفعاله ما سألت عن ذلك الملائكة، ولا كان الجواب عليهم بسعة العلم.
_________________
(١) = وعن عمرو بن عَبَسَةَ عند أحمد ٤/ ٣٨٥ ولفظه: قلت: يا رسول الله من تبعك على هذا الأمر؟ قال: " حر وعبد "، قلت: ما الإسلام؟ قال: " طيب الكلام، وإطعامُ الطعام " قلت: ما الإيمان؟ قال: " الصبر والسماحة " قال: قلت: أيُّ الإسلام أفضل؟ قال: " من سلم المسلمون من لسانه ويده "، قال: قلت: أي الإيمان أفضل؟ قال: " خلق حسن " وفي إسناده شهر بن حوشب، وهو ضعيف، وبعضهم يحسن حديثه. وقد تقدم تخريج قوله - ﷺ -: " أُرسلت بالحنيفية السمحة " في ١/ ١٧٥، وقوله في بداية الحديث: " أي الأعمال أفضل؟ قال: الإيمان بالله، وتصديق به، وجهاد في سبيله " له شواهد كثيرة صحيحة منها حديث أبي ذر وأبي هريرة، وهما عند ابن حبان (١٥٢) و(١٥٣).
[ ٦ / ١٤٩ ]
وقصةُ موسى والخضر صريحةً في ذلك كافية لمن كان له أدنى حظ من عقل أو إيمان، ولا يقال: هلاَّ ترك الله خلق الغلام الذي أمر الخَضِر بقتله، لأنه سبحانه لو ترك ذلك وأمثاله لم يكن شيءٌ من الشرور والابتلاء، وإنما كلامنا في أن الحكمة الخفية اقتضت ذلك لما يُعلَمُ ولما لا يُعْلَمُ.
ألا ترى أن الله تعالى لو لم يخلُقِ الغلام، ويأمر الخضر بقتله، لم تكن قصة الخضر وموسى، ولا علمنا هذا الدليل القاطع على أن أفعال الله المتشابهة لها تأويلاتٌ حسنة في العقول، فإنا لم نَجِدْ في السمع دليلًا على ذلك أوضح من قصتهما، فقد حصل بوقوع هذا الشر، وظهوره حجةٌ قاطعة على أن الله لا يريد الشر لنفسه، وإلا لما احتاج الخَضِر إلى تأويل ذلك لموسى، ونحو ذلك من الحكم.
وأما قولهم: إن طلب الإيمان من المؤمن مع رُجحانه نظيرُ طلب تحصيل الحاصل، وطلبه من الكافر مع مرجوحيته مثل طلب تحصيل الممتنع، فمردود.
أما الأول: فلأنَّ الطلب من المؤمن هو الداعي الحامل على الإيمان، فلم يكن طلبًا لتحصيل الحاصل، وكيف يقال ذلك ولولا توجُّهُ الطلب إليه لم يُفْعَلْ، ولا كان المطلوب طاعةً، ولا كان مؤمنًا أصلًا؟!
وأما الثاني: فقد تقدم في الإرادة أنه يستحيل تعلقها بما عَلِمَ المريد أنه لا يكون، فكيف يتوجه حقيقة الطلب الذي تصحبه الإرادة إلى ما عَلِمَ أنه ليس بحاصل؟ وإنما يتوجه إلى الكفار لفظُ الأمر لقيام الحجة، وغير ذلك مما استأثر الله تعالى بعلمه، لا ما توهمه السائل من إرادته سبحانه أن يبطلوا أقداره الماضية ويعارضوا مشيئته النافذة، وعلمه الحق، والمعتزلي يَفِرُّ من سبق الإرادة، ولا فرق بين سبقها وسبق العلم في وجوب الكائنات مع بقاء الاختيار باعتبار الجهتين.
ولنختم ذلك بنكتة نفيسة، هي سر هذا الكلام كله ولبابه، وذلك أن التعذيب بمجرد الاستحقاق بمنزلة المباح، وهو حقيقة العبث في حقه تعالى،
[ ٦ / ١٥٠ ]
لأنه لا يترجَّح إلاَّ بالشهوات والأهواء، ويستحيل وقوعه من الله من غير مرجِّحٍ بالنظر إلى الحكمة، فوجب القول بأن عذاب الكفار المقطوع بوقوعه راجحٌ لحكمةٍ غير الذنوب، وهو قول البغدادية كالمرجِّح لآلام الأطفال والبهائم سواء، لكن الرب ﷾ أحبَّ أن يضُمَّ إلى تلك الحكمة وقوع العذاب الراجح في نفسه قبل الذنوب بسبب الذنوب على جهة العقوبة عليها، لما في ذلك من صلاح المؤمنين، ومن الغايات الحميدة المجهولة مع ما ذكرته أو علم أن ذلك لا يحسن أو لا يكون أحسن إلاَّ بذلك.
ونظير ذلك إخراجُ آدم من الجنة، فإنه راجحٌ من غير ذنب، لأنه خلق في علم الله خليفةً في الأرض كما نصَّ عليه القرآن، ثم جعل الله ذلك الخروج من الجنة مقدَّرًا بسبب الذنب، وعقوبةً عليه لمصالح استأثر الله بعلمها، منها (١): المنُّ على آدم بالتوية وجعله أُسوةً لأولاده، وغير ذلك من امتحان الملائكة وسؤالهم وجوابهم وحكايته في الكتاب، وانتفاع أهل الإيمان بذلك.
ولهذا جاء الحديث الصحيح بأن الرسل والكتب قطعُ عُذْرٍ لا قطع حجة (٢)، والله سبحانه أعلم.
وقد تقدم في الإرادة مجوّدًا مبسوطًا فليراجع، وفي الكلام على الأطفال، وإقامة الحجة عليهم ما يُقوِّي ذلك كما سيأتي.
فإن قيل: لو كان الخير هو مقصود الرب الأول مع أنه تعالى على كل شيءٍ قدير، وبكل شيءٍ عليم، وجب أن يكون هو الغالب، ويكون الشرُّ هو النادر، وقد قال الله تعالى: ﴿وقليلٌ مِنْ عِباديَ الشكورُ﴾ [سبأ: ١٣]، وجاء في الحديث: " أن السَّالِمَ يوم القيامة واحدٌ من ألفٍ " (٣).
_________________
(١) في (ش): مثل.
(٢) تقدم تخريجه من حديث المغيرة بن شعبة وعبد الله بن مسعود في ٥/ ٥٨.
(٣) تقدم تخريجه.
[ ٦ / ١٥١ ]
فالجواب: أن السائل غفل عن النظر إلى جميع المخلوقات، ولم يذكر الا الجن والإنس، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨]، بل قال تعالى في الحجارة: ﴿وإنَّ مِنْها لما يَهْبِطُ من خَشيةِ الله﴾ [البقرة: ٧٤]، ودخول حرف التأكيد، وتخصيص بعضها ينافي التأويل مع بطلان موجبه كما هو مقرَّرٌ في موضعه.
وإنما تأوَّلوا ذلك بأنه مجاز بمعناه (١) الحقيقي أن الله تعالى يُهْبِطُها بقدرته، ويُصَرِّفُها بمشيئته، وذلك يستلزم أنها تهبِطُ من خشية الحَجَّارين، بل من خشية المعاول والفُؤوس مجازًا، وهذا يُبطل ما سِيقَتْ له الآية من كون هذه الحجارة المخصوصة أرقَّ من قلوب أولئك، لأن قلوبهم مثل هذه الحجارة في هذا المعنى المجازي، فإخبار أحكم الحاكمين بما يرجع حاصله إلى مثل هذا المعنى المعلوم قبل الخبر بذلك بعيدٌ.
وقد صحَّ حنين الجذع لفقد الذكر، وضمُّ رسول الله - ﷺ - له حتى سكن، وتعليل رسول الله - ﷺ - له بالضَّمِّ دليل وَجْده حقيقةً (٢).
_________________
(١) في (ش): فمعناه.
(٢) أخرجه الشافعي ١/ ١٤٢ - ١٤٣، وعبد الرزاق (٥٢٥٤)، وابن أبي شيبة ١١/ ٤٨٥ - ٤٨٦، وأحمد ٣/ ٢٩٣ و٢٩٥ و٣٠٠ و٣٠٦ و٣٢٤، والدارمي ١/ ١٦ - ١٧ و١٧ و٣٦٦، والبخاري (٩١٨) و(٣٥٨٤) و(٣٥٨٥)، والنسائي ٣/ ١٢٠، وابن ماجه (١٤١٧)، وابن حبان (٦٥٠٨)، وأبو نعيم في " دلائل النبوة " (٣٠٣)، والبيهقي في " السنن " ٣/ ١٩٥، وفي " الدلائل " ٢/ ٥٥٦ و٥٦٠ و٥٦١ و٥٦٢ و٥٦٣، والبغوي (٣٧٢٤) من طرق عن جابر. وأخرجه الدارمي ١/ ١٥، والبخاري (٣٥٨٣)، والترمذي (٥٠٥)، وابن حبان (٦٥٠٦)، والبيهقي في " السنن " ٣/ ١٩٦، وفي " الدلائل " ٢/ ٥٥٦ و٥٥٧ و٥٥٧ - ٥٥٨ من حديث ابن عمر. وأخرجه أحمد ٣/ ٢٢٦، والدارمي ١/ ١٩ و٣٦٧، وابن ماجه (١٤١٥)، والترمذي =
[ ٦ / ١٥٢ ]
وكذا صح أن رسول الله - ﷺ - قال في أحد: " إنه جَبَلٌ يُحبُّنا ونُحِبُّه " (١).
وقال موسى ﵇: " ثوبي حَجَرُ، ثوبي حجر، ثوبي حجر "، وضرب الحجر حين فرَّ ثوبه (٢).
_________________
(١) = (٣٦٣١)، وأبو يعلى (٢٧٥٦) و(٣٣٨٤)، وابن خزيمة (١٧٧٦)، وابن حبان (٦٥٠٧)، وأبو القاسم البغوي في " الجعديات " (٣٣٤١)، والبيهقي في " دلائل النبوة " ٢/ ٥٥٩ من حديث أنس. وأخرجه الدارمي ١/ ١٧، وابن ماجه (١٤١٤) من حديث أُبي بن كعب. وأخرجه الدارمي ١/ ١٨، والبيهقي في " الدلائل " ٢/ ٥٥٨ من حديث ابن عباس. وأخرجه ابن سعد ٢/ ١٠، والبيهقي ٢/ ٥٥٩ - ٥٦٠ من حديث سهل بن سعد.
(٢) أخرجه مالك ٢/ ٨٨٩، وعبد الرزاق (١٧١٧٠)، وأحمد ٣/ ١٤٠ و١٤٩ و٢٤٠ و٢٤٢ - ٢٤٣، وابن شبة في " تاريخ المدينة " ١/ ٨١، والبخاري (٢٨٨٩) و(٢٨٩٣) و(٣٣٦٧) و(٤٠٨٣) و(٤٠٨٤) و(٥٤٢٥) و(٦٣٦٣) و(٧٣٣٣)، ومسلم (١٣٩٣)، والترمذي (٣٩٢٢)، وابن ماجه (٣١١٥)، وأبو يعلى (٣١٣٩)، وابن حبان (٣٧٢٥) من حديث أنس. وأخرجه البخاري (١٤٨١)، ومسلم (١٣٩٢)، وابن شبة ١/ ٨٢ من حديث أبي حميد الساعدي. وأخرجه أحمد ٢/ ٣٣٧، وابن شبة ١/ ٨٢ من حديث أبي هريرة. وأخرجه أحمد ٣/ ٤٤٣ من حديث عقبة بن سويد الأنصاري.
(٣) أخرجه همام بن منبه في " صحيفته " (٦١)، وأحمد ٢/ ٣١٥ و٥١٥، والبخاري (٢٧٨) و(٣٤٠٤)، ومسلم (٣٣٩) و(١٨٤١)، والترمذي (٣٢٢١)، وأبو عوانة ١/ ٢٨١، والطبري في " جامع البيان " ٢٢/ ٥٢، وابن حبان (٦٢١١)، والبغوي في " معالم التنزيل " ٣/ ٥٤٥ من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: " كانت بنو إسرائيل يغتسلون عُراةً، ينظر بعضهم إلى سَوأةِ بعضٍ وكان موسى ﵇ يغتسل وحده، فقالوا: والله ما يمنَعُ موسى أن يغتسل معنا إلاَّ أنه آدَرُ، قال: فذهب مرةً يغتسل، فوضع ثوبه على حجر، ففَرَّ الحجر بثوبه، قال: فجَمَحَ موسى بإثره يقول: ثوبي حجرُ، ثوبي حجرُ، حتى نظرت بنو إسرائيل إلى =
[ ٦ / ١٥٣ ]
وسبَّحت الجبال مع داود بالنص (١).
وقال الله تعالى في الأرض: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٤ - ٥] وجوَّد الرازي تفسيرها في " مفاتح الغيب " (٢)، ورد على المبتدعة تأويلها. وقد بسطت هذا في " الإجادة " (٣).
ومنه: ﴿قالَتا أَتَيْنا طائِعينَ﴾ [فصلت: ١١]، وأبعد من ذلك كله عن التأويل ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢] وفي " النهج " (٤) تقريرها عن علي ﵇.
ففي هذه الآية تفضيل هذه المخلوقات في اختيارها على الإنسانِ، وتأويلُها
_________________
(١) = سوأةِ موسى، قالوا: والله ما بموسى من بأسٍ، فقام الحجرُ حتى نظر إليه، قال: فأخذ ثوبه، فطَفِقَ بالحجر ضربًا ". قال أبو هريرة: والله إنه بالحجر نَدَبٌ ستة أو سبعة، ضَرْبُ موسى بالحجر.
(٢) في قوله تعالى: ﴿وسَخَّرنا مع داودَ الجبالَ يُسَبِّحْنَ والطيرَ﴾ [الأنبياء: ٧٩]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ [سبأ: ١٠]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ١٨ - ١٩].
(٣) ٣٢/ ٥٩ - ٦٠.
(٤) قلت: ولشيخ الإسلام ابن تيمية رسالة في هذا الباب، وهي مدرجة في مجموعة الرسائل التي صدرت بتحقيق الدكتور رشاد سالم ﵀.
(٥) ص ٤٥٨، ونصه: ثم أداء الأمانة فقد خاب من ليس من أهلها، إنها عُرِضت على السماوات المبْنِيَّة، والأرَضين المدحوة، والجبال ذاتِ الطُّول المنصوبة، فلا أطول، ولا أعرض، ولا أعلى، ولا أعظم منها، ولو امتنع شيءٌ بطولٍ أو عَرْضٍ أو قوَّةٍ أو عِزٍّ لامتنعن، ولكن أشفقن من العقوبة، وعَقَلْنَ ما جَهِلَ من هو أضعفُ منهن، وهو الإنسان ﴿إنَّه كانَ ظلومًا جهولًا﴾.
[ ٦ / ١٥٤ ]
بمجرد التخيل، والجزم بذلك ينافي بلاغة الكتاب العزيز، وجزالته، وبُعده عن الهزل، ورفعته، والذي جرَّأ من تأوَّل هذه الأشياء ظَنُّ العلم ودعواه ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِنَ العِلْمِ إلاَّ قليلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] وقد بسطتُ الكلام في هذه المسألة في غير هذا الموضع، ولله الحمد.
وقال تعالى: ﴿ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨]، والأحاديثُ طافحة في ذلك، وقصة (١) النملة وكلامها مع سليمان ﵇، وقصةُ الهُدهُد تُغني عن التطويل بذكر الأخبار في ذلك.
وقد جاء في كثرة الملائكة من الآثار ما لا يتَّسِعُ له هذا الموضع، ممن ذكره ابن كثير في أول " البداية والنهاية " (٢).
قال ابنُ قيم الجوزية في " الجواب الكافي " (٣): ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما من حركات (٤) الأفلاك، والشمس والقمر والنجوم والرياح والسحاب والمطر والنباتِ، وحركات الأجنَّة في بُطون أمهاتها، فإنها بواسطة الملائكة المدبِّرات أمرًا، والمُقَسِّمات أمرًا، كما دلَّ على ذلك نصوص القرآن والسنة في غير موضعٍ، والإيمان بذلك من تمام الإيمان بالملائكة (٥)، فإن الله وَكَّلَ بالرحم ملائكةً، وبالقَطْر ملائكةً، وبالنَّبات ملائكة، وبالروح والأفلاك والشمس والقمر والنجوم، ووكَّل بكل عبدٍ أربعةً: كاتِبَيْنِ عن يمينه وشماله، وحافِظَيْنِ من بين يديه ومن خلفه، وملائكةً تَوَلَّى قبض روحه وتجهيزها إلى مُستقرِّها من جنةٍ أو نار، وملائكةً موكَّلةً بمساءلته وامتحانه في قبره وعذابه أو
_________________
(١) في (أ) و(ش): وفي قصة.
(٢) ١/ ٣٥ - ٤٩.
(٣) ص ٢٣٩.
(٤) في (أ): حركة.
(٥) من قوله: " والمدبرات أمرًا " إلى هنا ساقط من (ش).
[ ٦ / ١٥٥ ]
نعيمه، ووكَّل بالجبال ملائكة، وبالسحاب ملائكة، ووكَّل بغرس الجنة ملائكة إلى آخر ما ذكره في ذلك، وأحال به إلى كتابه الذي صنفه في أقسامِ القرآن العظيم (١).
وخرَّج الهيثمي (٢) من حديث أبي أُمامة قال رسول الله - ﷺ -: " وُكِّلَ بالمؤمن تسعون ومئة مَلَكٍ يَذُبُّون عنه ما لم يُقَدَّرْ عليه، [من ذلك: البصر تسعة أملاك] يذُبُّون عنه كما تذُبُّون عن قصعة العسل الذباب في اليوم الصائف، وما لو بدا لكم لرأيتموه على كل جبلٍ وسهلٍ، كلُّهم باسط يديه فاغِرٌ فاه، وما لو وُكِلَ العبد إلى نفسه طَرْفَةَ عينٍ خَطِفَتْهُ الشياطين " انتهى من حديث عُفير بن معدان.
وفي الحديث: " أنه يدخل البيت المعمور في السماء من الملائكة كل يوم سبعون ألف ملكٍ لا يعودون إليه أبدًا " (٣).
_________________
(١) المسمى " التبيان في أقسام القرآن " ص ١٧٤ - ١٧٦.
(٢) ٧/ ٢٠٩، ونسبه إلى الطبراني، وهو في " معجمه الكبير " (٧٧٠٤) من طريق عفير بن معدان، عن سليم بن عامر، عن أبي أمامة وهذا سند ضعيف جدًا عفير بن معدان -وهو الحمصي المؤذن- قال أبو داود: شيخ صالح ضعيف الحديث، وقال أبو حاتم: يكثر عن سليم، عن أبي أمامة بما لا أصل له، وقال يحيى: ليس بشيء، وقال مرة: ليس بثقة، وقال أحمد: منكر الحديث ضعيف. وأورده السيوطي في " الدر المنثور " ٤/ ٦١٥، و" الجامع الكبير " ١/ ٨٧١ بلفظ: " وكل بالمؤمن ستون وثلاث مئة ملك يدفعون عنه ما لم يقدر عليه من ذلك، للبصر سبعة أملاك يذبون عنه كما يذب قصعة العسل " وزاد نسبته إلى ابن أبي الدنيا في " مكايد الشيطان "، والصابوني في " المئتين "، وابن قانع.
(٣) أخرجه البخاري (٣٢٠٧)، وأبو عوانة ١/ ١٢٢، وابن حبان (٤٨)، وابن منده (٧١٧) من طريق همام، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة. وأخرجه أحمد ٤/ ٢٠٧، والبخاري (٣٢٠٧)، ومسلم (١٦٤)، والطبري ٢٧/ ١٦، =
[ ٦ / ١٥٦ ]
وفيه: " أنه ليس في السماء موضع أربع أصابع إلاَّ عليه ملكٌ ساجدٌ " رواه الترمذي وأحمد (١).
فالسائل غَفل عنهم، وعن سائر المخلوقات الكثيرة المعلومة كالجراد والحِيتان والذَّرِّ وما لا يُحصى والمجهولة المشار إليها بقوله: ﴿وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨].
وقد نسب الله تعالى السجود إلى الشمس والقمر والنجوم والشجر والدوابِّ، وهو السجود الحقيقي كما يذهب إليه أهل السنة بدليل عطفه عليه كثيرًا من الناس، ولو أراد المجازي لعطف الناس جميعًا.
_________________
(١) = وابن منده (٧١٦) من طريق قتادة عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة. وأخرجه مسلم (١٦٢)، والطبري ٢٧/ ١٧ و١٨، والحاكم (٣٧٥٣)، والبغوي (٣٧٥٣) من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس.
(٢) أخرجه أحمد ٥/ ١٧٣، والترمذي (٢٣١٢)، وابن ماجه (٤١٩٠)، والطحاوي في " مشكل الآثار " (١١٣٥)، والمروزي في " تعظيم قدر الصلاة " (٢٥١)، والحاكم ٢/ ٥١٠ - ٥١١ و٤/ ٥٤٤ و٥٧٩، والبغوي (٤١٧٢) من طريق إسرائيل بن يونس، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن مُورِّق العجلي، عن أبي ذر. وإبراهيم بن مهاجر فيه ضعف. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وصححه الحاكم على شرط الشيخين ووافقه الذهبي! ويشهد له حديث حكيم بن حزام عند الطحاوي في " شرح مشكل الآثار " (١١٣٤)، والطبراني (٣١٢٢)، والمروزي في " تعظيم قدر الصلاة " (٢٥٠) من طريق عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن صفوان بن محرز، عن حكيم. وإسناده قوي على شرط مسلم. ولفظه: " وما فيها قدمٌ إلاَّ وعليه مَلَكٌ إما ساجد وإمَّا قائم ". وحديث أنس بن مالك عند أبي نعيم في " الحلية " ٦/ ٢٦٩. بإسناد ضعيف. وحديث عائشة عند الطبري ٢٣/ ١١١ و١١٢، والمروزي في " تعظيم قدر الصلاة " (٢٥٣) وفيه الفضل بن خالد النحوي، ترجمه ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.
[ ٦ / ١٥٧ ]
فإذا نظرتَ إلى ذلك عرفت أنَّ الشر الذي هو معصية الله بالنظر إلى طاعته كالقَطْرةِ من البحر، وأن الخير في مملكة الرب تعالى هو المقصودُ بأنه قد وقع كما أراد العزيز القدير الذي إذا أراد شيئًا، فإنما يقول له: كُنْ فيكونُ، هذا مع ما في نجاة الواحدِ من ألفٍ من عظيم المَسَرَّة عنده، والنعمة عليه في ذلك والسرور به معلومة، وكَمْ بين ذلك وبين فرحته بالسلامة، ولا هالك ألبتة، بل لعله لا يجد للسلامة موقعًا خصوصًا.
وقد جاء في الحديث المُتَّفق على صحته " أن الهلاك من يأجوجَ ومأجوج، ومن لا حَظَّ له في الإسلام " (١) فلا يُنكر تمام نعيم الأولياء وتكميله بعذابٍ عدد التراب من أعدائهم المستحقِّين للانتقام منهم بما ظلموا المؤمنين، وكفروا بربِّ العالمين.
ولا فرق بين نفع ألف ولي بعذاب عدوٍّ لهم ظالم متعدٍّ عليهم مستحقٍّ
_________________
(١) أخرجه أبو يعلى (٣١٢٢)، والطبري في " جامع البيان " ١٧/ ١١٢، وابن حبان (٧٣٥٤)، والحاكم ١/ ٢٩ و٥٦٦ - ٥٦٧، وابن أبي حاتم فيما ذكر ابن كثير في " تفسيره " ٣/ ٢١٤ من طرق عن معمر، عن قتادة، عن أنس بن مالك. وإسناده صحيح. ولفظه: " يقول الله جل وعلا لآدم: يا آدم قُم فابعث بعث النار من كل ألف تسع مئة وتسعة وتسعون، فكَبُرَ ذلك على المسلمين، فقال النبي - ﷺ -: سدِّدوا وقاربوا وأبشروا، فوالذي نفسي بيده ما أنتم في الناس إلاَّ كالشامة في جنب البعير، أو كالرِّقمة في ذراع الدابة، وإن معكم لخليقتين ما كانتا مع شيء قط إلاَّ كثَّرتاه يأجوح ومأجوج، ومن هلك من كفرة الجن ". وأخرجه من حديث عمران بن حصين: الترمذي (٣١٦٩)، والطبري في " جامع البيان " ١٧/ ١١١، والحاكم ٤/ ٥٦٧. ولفظه: " فوالذي نفس محمد بيده، إنكم لمع خليقتين ما كانتا مع شيء إلاَّ كثرتاه يأجوج ومأجوج، ومن مات من بني إبليس ". وأخرجه البخاري (٣٣٤٨) و(٤٧٤١) و(٦٥٣٠) و(٧٤٨٣)، ومسلم (٢٢٢)، وأحمد ٣/ ٣٢ - ٣٣، والطبري ١٧/ ١١٢، والبيهقي في " الأسماء والصفات " ص ٢١٩ من حديث أبي سعيد الخدري، ولفظه: " أبشروا، فإن من يأجوج ومأجوج ألفًا ومنكم رجل ".
[ ٦ / ١٥٨ ]
كلام البصريين من المعتزلة: إن إرادة الإضرار بالمبطلين لمصلحة المحقين
للعذاب، وبين نفع وليٍّ واحد بعذاب ألف ظالم من أعدائه المستحقين عظيمَ الانتقام منهم، بل تظاهُرُ الكثير من المُبطلين على الأقلين من المُحقين أدْعَى إلى التنكيل بهم، وأشفى لقلب المؤمن المتألم منهم، حيث لم يشكروا نعمة القوة والكثرة والتمكين، وبدَّلوا ما يجب من شكرها بنصر المظلوم بِشَرٍّ بَدَلٍ من انتهاك (١) حُرمةِ المستضعفين من أولياء رب العالمين.
وقد نصَّ الله تعالى على أنه يُريد بعذابهم في الدنيا بالعذاب الأدنى، وهو الحربُ والقتل نصر المؤمنين وإذهاب غيظهم، وشفاء صدورهم، وربُّ الدارين واحد، وحكمته فيهما واحدة بل قد نصَّ على ذلك حيث قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١].
وسيأتي ما ورد في كتاب الله تعالى من ذلك حيث ذكرنا الوجه في ترجيح عذاب الكفار على العفو عنهم مع أن العفو أحبُّ إلى الله تعالى في كتبه وشرائعه، وأنه ﷿ لا يتركُ العفو حيث يكون راجحًا، إلاَّ أن يكون في الانتقام مصلحةٌ راجحة من إنصاف مظلوم، أو سرور محبوب، أو نحو ذلك.
قالت البصريةُ من المعتزلة: إرادةُ الإضرار بهم لمصلحة غيرهم ظلمٌ قبيح.
قلنا: ممنوعٌ لصدوره من المالك العدل الحكيم، فيجبُ الجزمُ بالحسن، وإن خَفِيَ وجهُه على أنه غيرُ خافٍ.
فقد قدمنا إطباق العقلاء على فعله واستحسانه في التلذُّذ بما ليس له ذنب من الحيوان لخساسته بالنظر إلى المنتفع به، فكيف تلذُّذ المؤمن أو كمال لذته بعذابٍ مُستحَقٍّ على عدوِّه مع مصالح في ذلك، وغاياتٍ حميدة لا يعلمها إلا الله تعالى.
والمعترض قد أجاز الإضرار بالعذاب الدائم بمجرد إباحته من غير نظرٍ إلى
_________________
(١) تحرفت في (ش) إلى: انتهاء.
[ ٦ / ١٥٩ ]
الكلام فيما ورد أنه يعطي الله كل مسلم يهوديا أو نصرانيا فداء من النار
مصلحة، فأجاز العبث واللَّعِب، ومَنَعَ الراجح الواجب، وقد قال الله تعالى: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٦].
ففي هذه الآية إشارةٌ إلى أنه لا يجوزُ العفوُ عن جميعهم مع جواز العفو عن بعضهم مع أن ذنبَهُم واحدٌ، وذلك مشعِرٌ بأنه سبحانه علم أن [في] تعذيب بعضهم بذنبه صلاحًا، وفي العفو عن جميعهم فسادًا، وهو العليمُ الحكيمُ ﷾.
ومع معرفة السر في عذاب الكافرين يعُظُم الرجاء للمسلمين حيث لم يكن في عذابهم نصرٌ للأنبياء والمرسلين والصالحين، بل هم شفعاؤهم وأحبَّاؤهم، ولذلك يقول الله تعالى: " شَفَعَتِ الملائكةُ، وشفع النبيُّون، وشفع المؤمنون ولم يبق إلاَّ أرحم الراحمين، فيخرجُ من النار مَنْ ليس في قلبه خيرٌ قَطٌّ ممن قال: لا إله إلاَّ الله " (١) كما ثبت في " الصحيح ".
وكذلك ورد في "صحيح مسلم" " أن الله يُعطي كُلَّ مسلمٍ يهوديًا أو نصرانيًا، فيقول هذا فداؤُك من النار " (٢)، وهو ينظر إلى قوله تعالى: ﴿وَفَدَيْناهُ
_________________
(١) تقدم تخريجه بطوله من حديث أبي سعيد الخدري. وانظره في " صحيح ابن حبان " (٧٣٧٧).
(٢) أخرجه مسلم (٢٧٦٧)، وأحمد ٤/ ٣٩٨ و٤٠٢ و٤٠٧ و٤٠٨ و٤٠٩ - ٤١٠ من حديث أبي موسى الأشعري. ولفظ مسلم: " إذا كان يوم القيامة، دفع الله ﷿ إلى كل مسلم يهوديًا أو نصرانيًا، فيقول: هذا فِكاكُكَ من النار ". وفي رواية: " لا يموتُ رجل مسلم إلاَّ أدخل الله مكانه النارَ يهوديًا أو نصرانيًا ". وفي رواية: " يجيء يوم القيامة ناسٌ من المسلمين بذنوبٍ أمثال الجبال، فيغفرها الله لهم، ويضعها على اليهود والنصارى ".
[ ٦ / ١٦٠ ]
بِذِبْحٍ عَظيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] في الخروج بذلك من الخُلْفِ في الوعيد مع أن الخلف في الوعيد يسمى عفوًا لا خُلْفًا، ويحسُنُ عقلًا وسمعًا كما ورد الأمرُ به في اليمين على ما غيره خيرٌ منه، وأجمعت الأمة على استحباب الحِنْثِ فيه، وإنما ينقُصُ صاحبه متى عجز عن تنفيذ الوعيد. ومع حُسنِه عقلًا لا سمعًا (١)، فإنَّ الله تعالى لا يفعله إلاَّ بتأويلٍ، كما ورد في الفِداء بالكافر، لأنه تعالى يفعلُ من كُلِّ حَسَنٍ أحسنه.
وهذا وجهٌ منصوص في الحكمة في خلق الكفار ليكونوا فِداءً لعُصاة المسلمين من النار، وهو حديثٌ صحيح على شرط الجماعة، فإنه خرجه مسلم من طرقٍ عن قتادة أنه قال: إن عونًا -يعني: ابن أبي جحيفة- وسعيد بن أبي بُردَةَ كلاهما حدَّثاه: أنهما شَهِدَا أبا بُردةَ يُحَدِّثُ عمر بن عبد العزيز، عن أبيه أبي موسى، عن النبي - ﷺ - بذلك.
وكل رجاله مُجمعٌ عليهم في كتب الجماعة، وقتادة صرَّح بالسماع، فلا يُخاف من تدليسه.
على أن أحمد بن حنبل رواه (٢) في " المسند " من غير هذه (٣) الطريق. قال أحمد: حدثنا أبو المُغيرة النضر بن إسماعيل القاصُّ، حدثنا بُرَيدُ بن عبد الله بن أبي بُردة، عن جدِّه أبي بردة به.
وخرجه أحمدُ أيضًا من طريقٍ ثالثةٍ عن محمد بن سابق، عن الربيع النصري، عن مُعاوية بن إسحاق، عن أبي بردة، عن أبيه.
وخرجه أيضًا من طريق مسلم لكن: عن المَسْعودي، عن سعيد بن أبي بردة.
وخرجه الحاكم في كتاب الإيمان من " المستدرك " بلفظ مُفَسَّرٍ أحسن من
_________________
(١) في (ش): وسمعًا.
(٢) ساقطة من (أ).
(٣) في (أ): هذا.
[ ٦ / ١٦١ ]
لفظ مسلم -وفي بعض إسنادٍ آخر يُقوي إسناد (١) مسلم (ح) -: وأخبرني أبو بكرٍ الفقية، هو ابن إسحاق، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا عُبيد (٢) الله بن عمر القواريري، حدثنا حَرَمي (٣) بن عمارة، حدثنا شدَّاد بنُ سعيد أبو طلحة.
فقال: أخبرنا أبو الحسن أحمد بن عثمان (٤) الآدمي، حدثنا أبو قلابة، حدثنا حَجَّاج بن نصير، حدثنا شدَّاد (٥) بن سعيد أبو طلحة الراسبي (٦) عن غَيْلان بن جَريرٍ، عن أبي بُردة، عن أبي موسى، قال: قال (٧) رسول الله - ﷺ -: " تُحْشَرُ هذه الأمة على ثلاثة أصناف: صنفٍ يدخُلُون الجنة بغير حسابٍ، وصنفٍ يُحاسبون حسابًا يسيرًا ثم يدخلون الجنة، وصنف يجيئون على ظهورهم أمثال الجبال الراسيات (٨) ذُنوبًا، [فيسأل الله عنهم -وهو أعلم بهم- فيقول: ما هؤلاء؟ فيقولون: هؤلاء عبيد من عبادك] فيقول الله: [حطوها عنهم و] (٩) اجعلوها على اليهود والنصارى، وأدخلوهم برحمتي ".
_________________
(١) في (أ): إسناده.
(٢) تحرفت في " المستدرك " إلى: عبد الله.
(٣) تحرفت في (أ) إلى " جد "، وفي (ش): حدير.
(٤) تحرف في الأصلين إلى: " عمر "، والتصويب من " المستدرك "، وهو مترجم في " تاريخ بغداد " ٤/ ٢٩٩.
(٥) في الأصلين: " حدثنا حجاج بن نصير، حدثنا حرمي بن عمارة، حدثنا حجاج "، والتصويب من " المستدرك ".
(٦) تحرفت في (أ) إلى: " الرائسي "، وسقطت من (ش).
(٧) سقطت من (أ).
(٨) ساقطة من (أ).
(٩) ما بين حاصرتين سقط من الأصول، واستدرك من " المستدرك ".
[ ٦ / ١٦٢ ]
قال الحاكم: صحيحٌ من حديث حرمي (١) على شرطهما (٢)، فأمَّا حجَّاج، فإني قَرَنْتُه إلى حرمي (٣) لأني عَلَوْتُ فيه (٤). انتهى.
وشواهده في تقسيم أهل الجنة إلى ثلاثة أقسام كثيرةٌ في القرآن والتفسير والحديث، وهذا موضع ذكرها، فصحَّ الحديث صِحَّةً لا ريب فيها.
ويدل على صحة هذا الاعتبار ما ذكره الزمخشري في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة: ٤٨] قال: أي لا يُؤْخَذُ منها فِديةٌ، لأنها معادلة للمفدى، ومنه الحديث: " لا يُقْبَلُ منه صَرْفٌ ولا عَدْلٌ " (٥) أي: توبة ولا فِدية. انتهى كلامه.
والمقصود منه الحجة على أن الفدية في اللغة تقومُ مقام المَفْدي، وقد قدمنا إطباق العقلاء عليه بالفطرة، وهذه الآية عند أهل السنة في الكفار بالأدلة الواضحة، والنصوص البيِّنة، ولله الحمد والمنة.
ومن ذلك ما ورد من أن الله تعالى لا يُبالي بالكافرين في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧]، وكذا جاء في الحديث " ذكر حُثالة لا يَعْبَأُ الله بهم " (٦)، وكذا قوله: " إلى النارِ ولا أُبالي " كما سيأتي بطرقه
_________________
(١) تحرفت في الأصول إلى: " جرء ".
(٢) كذا قال مع أن شداد بن سعيد خرج له مسلم متابعة فقط، وهو صدوق حسن الحديث.
(٣) ساقطة من (أ).
(٤) " المستدرك " ١/ ٥٨. وأورده الهيثمي في " المجمع " ١٠/ ٣٤٣ وقال: رواه الطبراني، وفيه عثمان بن مطر، وهو مجمع على ضعفه.
(٥) تقدم تخريجه في ٣/ ٣٨٠.
(٦) أخرجه أحمد ٤/ ١٩٣، والبخاري (٦٤٣٤)، وابن حبان (٦٨٥٢)، والطبراني ٢٠/ (٧٠٩) و(٧١٠)، والبيهقي ١٠/ ١٢٢، والبغوي (٤١٩٧) من حديث مرداس الأسلمي =
[ ٦ / ١٦٣ ]
ومعناه في أحاديث الأقدار.
وقد ذكر ابن تيمية وأصحابه أن الانتصار للمؤمنين بعذاب الكافرين لا ينافي قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧] وستأتي الإشارة إلى كلامهم في ذكر الحكمة في تقدير الشرور.
والذي نراه التسليم لقوله ﷿: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] مع الطمأنينة والجزم بحكمته ﷿ في جميع أفعاله، ورجحان جميع ما فعله، ووجوب الحمد والثناء على كل ما فعله، والجزم بأنه لا يصح منه تعالى وقوع العبث، ولا اللعب، ولا المباح، لأنه منه ﷿ بمنزلة العبث منا، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
الوجه الثاني: من الجواب على أصل السؤال: أن الداعي إما أن يكون غيرَ موجب، كما يقوله بعض المعتزلة فلم (١) يرد السؤال، وإن كان موجبًا على معنى وجوب الاستمرار مع بقاء الاختيار، فإمَّا أن يدلُّ الدليل على أن ذلك مسقط للتحسين والتقبيح كان أولى من كان حجة له هو سبحانه الذي لا يُسألُ عما يفعل وهم يُسألون، والذي لا تطرَّق إليه التُّهم بفعل القبيح لغناه عنه، وعلمه الذاتي بكلِّ شيءٍ، فإنه سبحانه هو الذي لا تهتدي العقول إلى التحسين في حقه لعلمه ما لا نعلم من وجوه (٢) الحكمة.
فإذا دلَّ العقل على سقوط التقبيح والتحسين في حقِّنا لأجل أمرٍ هو بعينه قائمٌ في حقه تعالى، كان على سقوط ذلك في حقه ﷿ أدل، وذلك لأنه
_________________
(١) = مرفوعًا: " يُقبضُ الصالحون أسلافًا، ويَفنى الصالحون الأولُ فالأولُ حتى لا يَبْقى إلاَّ مِثْلُ حُثالةِ التمر والشعير لا يبالي الله بهم ". لفظ ابن حبان. وأخرجه عن مرداس موقوفًا: أحمد ٤/ ١٩٣، والبخاري (٤١٥٦).
(٢) في (أ): لم.
(٣) في (أ): وجود.
[ ٦ / ١٦٤ ]
سبحانه لا يفعل إلاَّ بالداعي الراجح قطعًا كما يأتي في مسألة الأطفال.
وإن كان الداعي الموجب غير مُسقطٍ للتحسين والتقبيح واللوم، لم يَرِدِ السؤال، وهذه قسمةٌ دائرة معلومة الصحة، وهو جوابٌ صحيح.
الثاني: وعوَّل الفخر الرازي في وجوب أفعال الله سبحانه مع بقاء الاختيار، ذكره في مسألة الإرادة، وجعل وجوبها بالإرادة لا بالدواعي، لأنه لا يقول بها في حق الله تعالى، ولا محيص له عنها.
الوجه الثالث: أن السمع قد دلَّ دلالةً قاطعة، بل ضرورية على أن الله تعالى أقام الحجة على خلقه، ورجَّح لهم الطاعة على العصيان، وأيُّ ترجيحٍ أبلغ مما وعد به على طاعته من عظيم ثوابه، وتوعَّد به على عصيانه من أليم عقابه، والعلم بصحة السمع لا يتوقَّف على كون الداعي مُسقطًا للذَّمِّ والعقاب، مُبطلًا للتحسين والتقبيح، فيصح الاحتجاج بالسمع على أنه غير مبطلٍ لذلك، والعلم الضروري بورود السمع بذلك حاصلٌ جُملةً وتفصيلًا.
أما الجملة: فوروده بالذم والمدح، والأمر بالنهي، وكفى في هذا المقام بقوله ﷿: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة: ١٤ - ١٥].
وأما التفصيلُ، فدلالتُه على أنه كُلِّف باليسير، وأُمِرَ بالتيسير، والعلم الضروري حاصلٌ بذلك أيضًا، ولكن نتبركُ بذكر شيءٍ من النصوص على ذلك.
قال الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠].
وقال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وفي آية ﴿إلاَّ ما آتاها﴾ [الطلاق: ٧].
[ ٦ / ١٦٥ ]
وقال: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [القلم: ٤٦] وكرَّرها في غير سورةٍ بالتأكيد لهذا المعنى.
بل صرَّح القرآن الكريم بأنه سبحانه سمح من الممكنات ما يشُقُّ كقوله: ﴿ما جَعَلَ عليكُم في الدِّين مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وقوله: ﴿يُريدُ الله بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُريدُ بكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقوله: ﴿الله لَطيفٌ بعبادِه﴾ [الشورى: ١٩].
وقد ذكرت جملةً شافيةً مما ورد في هذا المعنى من السنة النبوية والآثارِ الصحابية في تأليفٍ مفردٍ، ولله الحمد.
وسمع تلك الأخبار والآثار جميعُ العقلاء والنُّظَّار من المسلمين والكفار في خير الأعصار، فلم يعترضوها، ولا اعترضوا ما وافقها من السنن المستفيضة، مثل حديث أبي هريرة الصحيح المرفوع في خلق الخلق على الفطرة حُنفاء، " وأنَّ كل مولودٍ يُولَدُ على الفِطْرةِ، وإنما أبواه يُهوِّدانه ويُنَصِّرانه ويُمَجِّسانه " (١).
بل القرآن الكريم ناطقٌ بذلك، قال تعالى: ﴿فِطْرَةَ الله الَّتي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله﴾ [الروم: ٣٠].
وسمع العقلاء هذه الآية الكريمة فما أنكرتها عقولهم، ولا ادَّعوا فيها أنها من المتشابه. ثمَّ ما جاء من وصف هذه الشريعة بأنها الحنيفية السهلة السمحة (٢)، ومطابقة هذه النصوص لِفِطَر العقول كلها غير من مَرِضَ قلبه بداء الكلام، وخاض فيما يستحيل دَرْكُه بالأفهام، وعارض الفِطَرَ العقلية والنصوص الشرعية الجليَّة الضرورية بمجرد الافتراء على المعقول أنه يجزم (٣) حيث تساوي
_________________
(١) تقدم تخريجه في ٣/ ٣٨٧.
(٢) تقدم تخريجه في ١/ ١٧٥.
(٣) في (ش): أنها تجزم.
[ ٦ / ١٦٦ ]
الدواعي على استحالة ترجيح القادر لأحد مقدوريه بالاختيار، وهذه الدقيقة هي التي أعيت أذكياء النُّظار، كما يأتي في كلام الفرقة الرابعة من أهل المرتبة الخامسة.
وما أحسن قول الرازي في وصيته (١) في مثل ذلك: وأما ما انتهى الأمر فيه (٢) إلى الدقة والغموض، فعلى ما ورد في القرآن والأخبار الصحيحة المتفق عليها، إلى آخر ما ذكره.
وذكر ابن عبد السلام في " قواعده ": إن البصيرة مثل البصر وإن ما خَفِيَ فيها لم يَزِدِ النظرُ فيه إلاَّ حيرةً، كما أن ما خَفِيَ على البصر لم يزد التحديقُ إليه إلا كلالًا، على أن أدنى تأمُّل يَهْجُمُ باليقين في ذلك على المنصف، فإن الداعي إلى طاعة الله أرجح في العقل الذي إليه الترجيح عند التعارض من الدواعي إلى العصيان، وكذلك الصوارف.
فلا أعظم داعيًا إلى الطاعة من طيب العَيْشِ في الدَّارَيْن، وقرة العين بالرضا بالقضاء، والخلود في الجنة، وحلول رضوان الله، والإيمانِ من سخط الله ومن جميع المكاره، وقد رأينا حرص الحيوان على هذه الحياة العاجلة المكدرة كما قيل:
فما رَضِيَتْ بالموتِ كُدُرٌ مَسِيرُها إلى الماء خمسٌ ثم يَشْرَبْنَ مِنْ أجْنِ (٣)
_________________
(١) تقدمت في ٤/ ١٣١.
(٢) في (ش): إليه.
(٣) البيت لأبي العلاء المعري من قصيدة في " سقط الزند " ص ١٣ - ١٨ يرثي بها أباه، مطلعها: نقمت الرضا حتى على ضاحِكِ المُزْنِ فلا جادني إلاَّ عبوسٌ من الدجنِ وقبل البيت المستشهد به: وجدنا أذى الدُّنيا لذيذًا كأنَّما جَنى النَّحل أصنافُ الشقاء الذي نجني =
[ ٦ / ١٦٧ ]
فكيفَ بالنعيمِ المُقيم في جوار الرحمن الرحيم، العليِّ العظيم، الجواد الكريم، مع النبيين والشهداء والصالحين وحسُنَ أولئك رفيقًا.
ولا أعظم صارفًا من المعصية من غضب الله وعذابه، وخوف حلول جميع أنواع البلاء عاجلًا وآجلًا إلى ما لا يمكن تقصِّي القول فيه.
فمن أراد التنبيه على شيءٍ من ذلك فعليه بتأمُّل كتاب الله، وصحيح سنة رسول الله - ﷺ -. ومن أحسن مَنْ جَمَعَ في ذلك ابن قيم الجوزية تلميذُ شيخ الإسلام ابن تيمية، ومنه استمدَّ، وذلك في كتاب له سماه " الجواب الكافي " فرحمه الله، لقد جوّد في الزجر عن المعاصي، وأجاد وأبدع، وأفاد وأمتع، وجاء بما لم يُسبق إلى مثله.
وبالجملة، فلا خلاف بين العُقلاء من المسلمين وغيرهم في هوان قدر الدنيا وشهواتها، وعظم مقدار الآخرة عند المسلمين، وهذا مما لا نِزاع فيه بالنسبة إلى الحقيقة والأمر الخارج.
وأما خطورُ هذه الأشياء بالبال، واستحضارها في الخاطر، وما يترتب على ذلك من آثارها على اختيار العبد خصوصًا في أول أحوال التكليف، ولا يلزم من هذا أن لا يسبق ذلك المشيئة والقَدَرُ عند أهل السنة كما لا يلزم أن يسبق ذلك العلم عند الجميع.
وكذلك لا يلزم من سبق هذه الأمور نفي الاختيار في أفعال العباد عند أهل السنة، كما لا يلزم من سبقها نفي اختيار الرب تعالى مع تعلق العلم والإرادة والقدر بأفعال الله تعالى إجماعًا، والاختيار وسبق القدر مثل البناء والأساس،
_________________
(١) = وبعده: يُصادِفْنَ صقرًا كلَّ يومٍ وليلةٍ ويَلقَيْنَ شَرًّا من مخالبه الحُجْنِ والكُدر: القطا، والأجن: الماء المتغير.
[ ٦ / ١٦٨ ]
لا بد من إثباتهما معًا كما قال الخطابي، وكما يأتي واضحًا في مسألة الأقدار قريبًا إن شاء تعالى.
فإن فكر العبد، وتذكر، واستعان بربه سبحانه، واختار طاعته، اهتدى وزاده هدى، كما قال تعالى: ﴿والذين اهتَدَوْا زَادَهُم هُدىً وآتاهُمْ تَقْوَاهُم﴾ [محمد: ١٧]، وقال: ﴿والذين جاهَدُوا فِينا لَنَهدِينَّهمْ سُبُلَنا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، وهذه الآيات الكريمة تفرق بين الهُدى الاختياري وهو الأول، وبين الهدى الاضطراري وهو الثاني الذي وقع جزاءً على الأول.
وإن ترك العبد الفكر والنظر في ترجيح دواعي الطاعة واستحضارها، وترك الاستعانة بربه سبحانه لم يُعَجِّل عليه ﷾ في أول ذنب بالعُقوبة إن شاء الله تعالى حتى يظهر فيه آثار أسمائه الحسنى، لما ورد في القرآن والسنن الصحاح المستفيضة من إرادته السابقة سُبحانه في المذنبين أن يغفر لهم، ويُقيم حجته عليهم كما مر تقريره في مسألة الإرادة.
فإن شكر العبدُ نعمة ربه في عفوه عنه بإمهاله بعد ذنبه حتى مكَّنه من التوبة، وذكَّره ذلك، قَبِلَه ربه ﷿، وإن تمادى في عصيانه ولم يشكر نعمة ربه في إمهاله وغفرانه، فإن (١) وَكَلَه إلى نفسه وعامله بعدله، وعاقبه على سوء اختياره، خَذَلَه، وسَلَبَه ألطافه كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠]، وقال: ﴿وما يُضِلُّ به إلاَّ الفاسقين﴾ [البقرة: ٢٦] وأمثالها.
وإن أراد أن يمُنَّ عليه ويرحمه، عطف عليه باللطف والهدى من بعد كما بدأه بذلك من قبل، وكما في حديث " لو لم تُذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقومٍ يذنبون، فيغفرُ لهم " (٢)، واختص من شاء بعطفه كما اختص بالخلق من يشاء،
_________________
(١) ساقطة من (ش).
(٢) تقدم تخريجه في ٤/ ١٦١.
[ ٦ / ١٦٩ ]
وبالتكليف من يشاء، وبالملك من يشاء، وبالعلم من يشاء، وذلك فضلُ الله يؤتيه من يشاء، قال الله تعالى في عطفه بعد أعظم العصيان، وأفحش الكفران: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥١ - ٥٢]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٤]، وقال تعالى: ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:٢٦ - ٢٧]، وقال: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٤]، وقال: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٦]، وقال: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]، وقال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٨].
ثم إن الله تعالى بعد ترجيح العاصي للعصيان باختياره الموافق لعلم الله وقدره ومشيئته لا يزال سبحانه يفعل من مُرَجِّحات الطاعة والموقظات عن الغفلة ما يُؤكِّد الحجة البالغة، ويُجَدِّدها تفضُّلًا منه سبحانه تارةً بما يفعله من الأمراض كما قال تعالى: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٦]، وتارة بما يُريهم من مصارع آبائهم وأبنائهم وإخوانهم وجيرانهم، قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: ٢].
وتارة بما يقرع أسماعهم من مواعظ الله وحججه على ألسنة أنبيائه وأوليائه، فلا يزال ﷾ يقابل الدواعي إلى معصيته بالدواعي إلى طاعته، والعاصي لا يزداد إلاَّ تماديًا على سوء اختياره، وطول غفلته كما شكاه نوحٌ ﵇ من قوله، ولذلك عظَّم الله شأن التذكر والموجب (١) للترجيح، وقال في
_________________
(١) في (ش): الذكر الموجب.
[ ٦ / ١٧٠ ]
المرتبة الرابعة: وجوب الأفعال مع بقاء الاختيار، وتتم هذه المرتبة بذكر خمس فوائد
الفائدة الأولى: فيما ورد من النهي عن الخوض في القدر
غير آية: ﴿لَعَلَّهُم يذَّكَّرون﴾ أي: لمحبته ذلك لهم، وطلبه منهم عند أهل السنة كما مضى.
وقال في الغافلين: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩]، وتأمَّل قوله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ أضَلُّ﴾ فإنه يدلُّ على أن الله تعالى مكَّنهم من اختيار الصواب بخلاف الأنعام.
وسيأتي ذكر إجماع أهل السنة على أن الله سبحانه (١) إلى العبد رحمةً من الله وعدلًا، وحكمةً بالغة لا عجزًا عن هداية من ضل كما يُلْزِمُ أكثر المبتدعة، ومع ذلك، فإن اختيار العبد لا يقع إلاَّ مُوافقًا لعلم الله وقدره ومشيئته، كما أن اختيار الرب لا يقع إلاَّ كذلك ولم يقتضِ ذلك نفي اختياره ﷿.
وكما أن سبق العلم عند المعتزلة وسائر العُقلاء لا يستلزم نفي الاختيار، فكذلك سبق المشيئة والقضاء والقدر عند أهل السنة، وقد مضى في مسألة الإرادة بيان ما تحتمله العقول من معرفة وجوه الحكمة في ذلك، وما الصحيح فيه أنه من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلاَّ الله تعالى.
ويأتي في الكلام على الحكم في تقدير الشر، وطرفٍ صالح من ذلك في مسألة الأقدار إن شاء الله تعالى.
المرتبة الرابعة: وجوب الأفعال مع بقاء الاختيار بالنظر إلى تقدُّم القضاء والقدر والعلم والكتابة والقول ونحو ذلك، والمقصود بهذه المرتبة يَتِمُّ إن شاء الله تعالى بذكر خمس فوائد.
الفائدة الأولى: فيما وَرَدَ من النهي عن الخوض في القَدَرِ وبيان مرتبة ذلك من الصحة في بيان معناه. والوارد في ذلك عموم وخصوص، أمَّا العموم، فكل
_________________
(١) بياض في الأصول قدر كلمة.
[ ٦ / ١٧١ ]
ما يمنع من الخوض فيما لا يُعلم من نحو قوله تعالى: ﴿ولا تَقْفُ ما ليس لك به عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، ويأتي الكلام على حكمة الله تعالى في تقدير الشرور، وفيه ذكر حكمته في ذلك، وأما الخوض فجملة ما عرفته في ذلك عشرة أحاديث.
الحديث الأول: ما خرجه الترمذي (١) من حديث أبي هريرة أنه قال: خرج علينا رسول الله - ﷺ -، ونحن نتنازع في القدر، فقال: " أبهذا أُمِرْتُم أم بهذا أُرسلت إليكم؟! إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر، عزمت عليكم أن لا تنازعوا فيه ".
قال الترمذي: هذا حديثٌ غريب لا نعرفه إلاَّ من هذا الوجه من حديث صالح المُرِّيِّ، وله غرائب ينفرد بها، ولا يُتابَعُ عليها، وفي الباب عن عمر (٢) وعائشة (٣) وأنسٍ (٤).
_________________
(١) رقم (٢١٣٣).
(٢) بلفظ: " لا تجالسوا أهل القدر، ولا تفاتحوهم " أخرجه أحمد ١/ ٣٠، وأبو داود (٤٧١٠) و(٤٧٢٠)، واللالكائي (١١٢٤)، والحاكم ١/ ٨٥. وفي سنده حكيم بن شريك الهذلي، وهو مجهول.
(٣) أخرجه ابن ماجه (٨٤) وأبو الحسن القطان في زياداته على ابن ماجه، والآجري في " الشريعة " ص ٢٣٥ من طريق يحيى بن عثمان مولى أبي بكر، عن يحيى بن عبد الله بن أبي مليكة، عن أبيه أنه دخل على عائشة، فذكر لها شيئًا من القدر، فقالت: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: " من تكلَّم في شيء من القَدَر، سُئِلَ عنه يوم القيامة، ومن لم يتكلم فيه، لم يُسأل عنه ". وقال البوصيري في " مصباح الزجاجة " ١/ ٥٨: هذا إسناد ضعيف لاتفاقهم على ضعف يحيى بن عثمان، قال ابن معين، والبخاري، وابن حبان: منكر الحديث. زاد ابنُ حبان: لا يجوز الاحتجاج به، ويحيى بن عبد الله بن أبي مليكة. قال ابنُ حبان: يعتبر حديثه إذا روى عنه غير يحيى بن عثمان.
(٤) هو الحديث السابع.
[ ٦ / ١٧٢ ]
الحديث الثاني: عن عبد الله بن عمرو بن العاص، خرج علينا رسول الله - ﷺ - ذات يومٍ والناس يتكلمون في القدر، فكأنما تَفَقَّأ في وجهه حبُّ الرمان من الغضب، فقال لهم: " ما لكم تضربون كتاب الله بعضه ببعض، بهذا هلك من كان قبلكم ".
خرَّجه أحمد بن حنبل في " المسند " من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده (١).
وفي هذا الطريق خلافٌ بين الحُفَّاظ كثيرٌ شهيرٌ.
الحديث الثالث: عن ثوبان مرفوعًا (٢). رواه الطبراني، وفيه يزيد بن ربيعة الرحبي، قال ابن عَدِي: لا بأس به، ولكن قال الهيثمي والنسائي: إنه متروكٌ (٣).
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق (٢٠٣٦٧)، وأحمد ٢/ ١٨١ و١٨٥ و١٩٥ و١٩٦، والبخاري في " خلق أفعال العباد " (٢١٨)، وابن ماجه (٨٥)، والآجري في " الشريعة " ص ٦٨، واللالكائي (١١١٨) و(١١١٩)، والبغوي في " شرح السنة " (١٢١) من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. وهذا إسناد حسن. وأخرجه مسلم (٢٦٦٦) مختصرًا من طريق أبي عمران الجوني، عن عبد الله بن رباح الأنصاري، عن ابن عمرو.
(٢) ولفظه: اجتمع أربعون رجلًا من الصحابة ينظرون في القدر والجبر فيهم أبو بكر وعمر ﵄، فنزل الروح الأمين جبريل - ﷺ -، فقال: يا محمد، اخرج على أمتك، فقد أحدثوا، فخرج عليهم في ساعة لم يكن يخرج عليهم فيها، فأنكروا ذلك منه، وخرج عليهم ملتمعًا لونه، متورِّدة وجنتاه، كأنما تفقأ بحبِّ الرُّمان الحامض، فنهضوا إلى رسول الله - ﷺ - حاسرين أذرعهم، ترعُدُ أكفُّهم وأذرعهم، فقالوا: تُبْنا إلى الله ورسوله، فقال: " أولى لكم إن كِدْتُم لتوجبون، أتاني الروح الأمين فقال: اخرج على أمتك يا محمدُ فقد أحدثت ". أخرجه الطبراني في " الكبير " (١٤٢٣).
(٣) " مجمع الزوائد " ٧/ ٢٠١، وقال البخاري: أحاديثه مناكير، وقال أبو حاتم وغيره: ضعيف.
[ ٦ / ١٧٣ ]
الحديث الرابع: عن أبي الدرداء مرفوعًا (١)، رواه الطبراني، وفيه عبد الله بن يزيد بن آدم، قال أحمد: أحاديثُه موضوعة (٢).
الحديث الخامس: عن ثوبان أيضًا (٣). خرَّجه الطبراني بإسنادِ حديثِ ثوبان السابق، وجعلهما حديثين، وفي هذا زيادة الأمر بالإمساك عند ذكر الصحابة.
الحديث السادس: عن ابن مسعود مرفوعًا " إذا ذُكِرَ أصحابي فأمْسِكُوا، وإذا ذُكِرَ القَدَرُ فأمْسِكُوا ". رواه الطبراني (٤)، وفيه مُسْهِرُ بن عبد الملك، وثَّقه ابن حبان وغيره وفيه خلاف، وبقيتهم رجال الصحيح! قاله الهيثمي (٥).
الحديث السابع: عن أنس مرفوعًا (٦)، رواه أبو يعلى، وفيه يوسفُ بن
_________________
(١) أخرجه الطبراني ٨/ (٧٦٦٠) و٢٢/ (١٩٨) من طريق عبد الله بن يزيد بن آدم الدمشقي، عن أبي الدرداء، وواثلة بن الأسقع، وأبي أُمامة، وأنس بن مالك قالوا: كنا في مجلس أناسٍ من اليهود ونحن نتذاكر القدر، فخرج إلينا رسول الله - ﷺ - مغضبًا، فعبس، وانتهر، وقطب، ثم قال: " مه اتقوا الله يا أمة محمد، واديان عميقان قعران مظلمانِ، لا تهيجوا عليكم وهج النار " ثم أمر اليهود أن يقوموا، ثم قام وبسط يمينه، وبسط أصبعه الشمال، ثم قال: " بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من الله الرحمن الرحيم بأسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وأمهاتهم وعشائرهم، فرغ ربكم، فرغ ربكم، فرغ ربكم، أعذرت أنذرت، اللهم إني قد أبلغت ".
(٢) " المجمع " ٧/ ٢٠١ - ٢٠٢.
(٣) أخرجه الطبراني (١٤٢٧) بلفظ: إذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذُكِرَت النجوم فأمسكوا، وإذا ذكر القدر فأمسكوا ". وفيه يزيد بن ربيعة: قال الهيثمي ٧/ ٢٠٢: وهو ضعيف.
(٤) أخرجه الطبراني (١٠٤٤٨)، وأبو نعيم في " الحلية " ٤/ ١٠٨.
(٥) ٧/ ٢٠٢.
(٦) ولفظه قريب من لفظ حديث عبد الله بن عمرو. انظر " المجمع " ٧/ ٢٠٢.
[ ٦ / ١٧٤ ]
عطيَّة، وهو متروك.
الحديث الثامن: عن أبي هريرة مرفوعًا، " أُخِّرَ الكلامُ في القدر لشرار هذه الأمة ". رواه البزار (١)، والطبراني في " الأوسط " وقال: " أشرارُ أمتي في آخر الزمان ". قال الهيثمي: ورجالُ البزار في أحد الإسنادين رجال الصحيح غير عمر بن أبي خليفة، وهو ثقة.
الحديث التاسع: عن ابن عباس مرفوعًا، " اتقوا القدر فإنه شُعبة من النصرانية " (٢)، رواه الطبراني، وفيه نزار بن حيَّان، وهو ضعيف، وهو يفيد النهي عن القدر نفسه لا عن الكلام فيه.
الحديث العاشر: عن أبي رجاء العُطاردي قال: سمعت ابن عباس يقول وهو على المنبر: قال رسول الله - ﷺ -: " لا يزال أمر هذه الأمة قِوَامًا أو مقاربًا ما لم يتكلموا في الوِلْدانِ والقدر " (٣).
رواه البزار والطبراني في " الأوسط " و" الكبير "، وقال الهيثمي: رجال البزار رجال الصحيح، أخرجه الذهبي في " تذكرته " (٤) في ترجمة محمد بن حبان صاحب " الصحيح " عنه، قال: أخبرنا الحسن بن سفيان، أخبرنا يزيدُ بن صالح اليشكري ومحمد بن أبان الواسطي قالا: أخبرنا جريرُ بن حازم، قال: سمعت أبا رجاء العطاردي، وساق الحديث.
_________________
(١) (٢١٧٨) و(٢١٧٩).
(٢) أخرجه ابن أبي عاصم في " السنة " (٣٣٢)، والطبراني (١١٦٨٠)، وابن عدي في " الكامل " ٥/ ١٨٣٩ من طريق نزار بن حيَّان، عن عكرمة، عن ابن عباس.
(٣) أخرجه البزار (٢١٨٠)، والطبراني (١٢٧٦٤)، وابن حبان (٦٧٢٤)، والحاكم ١/ ٣٣ من طرق عن جرير بن حازم، عن أبي رجاء العطاردي، عن ابن عباس مرفوعًا. وهذا إسناد صحيح.
(٤) ٣/ ٩٢٣.
[ ٦ / ١٧٥ ]
النهي عن الخوض في القدر ينصرف إلى الجدل بغير علم وبغير حق
قال الذَّهبي: هذا حديث صالح الإسناد غريب لم أجده في الكتب الستة.
قلتُ: رواه الحاكم في " المُستدرك " من طريق سليمان بن حرب، وشيبان بن أبي شيبة، ويزيد بن صالح، ومحمد بن أبان أربعتهم عن جرير بن حازم، عن أبي رجاء، عن ابن عباس، وقال: على شرطهما، ولا نَعْلَمُ له علةً.
وقد رواه السبكي موقوفًا على ابن عباس (١)، ولم يذكر رفعه، فإذا سَلِمَ من الإعلال برُجحان الوقف كان أصلحها إسنادًا.
ومعنى هذه الأحاديث إن شاء الله تعالى: التحذيرُ من مجاراة المبتدعة في القَدَرِ، والجدل بغير علم، وبغير حقٍّ المؤدي إلى الباطل، وإثارة الشر كما هو الظاهرُ من حديث أبي هريرة، وهو قوله - ﷺ -: " أُخِّرَ الكلام في القدر لشرارِ أُمتي في آخر الزمان " فهذا الذي أُخر هو الخوض فيه على أحد هذه الوجوه (٢) الفاسدة.
فأمَّا الخوض فيه على جهة التعرف والتعلم لما جاءت به الشريعة، ثم الإيمان به على الوجه المشروع، فإنه لم يؤخر هذا لشرار الأمة، بل قد تواتر أن أصحاب رسول الله - ﷺ - سألوا عنه النبي - ﷺ -، وخاضوا في معرفته، وفي وجوب الإيمان به كما يأتي ذلك في الفائدة الثالثة، فلم يزجُرْهم رسول الله - ﷺ - عن ذلك القَدْرِ من الخوض فيه لما كان وسيلةً إلى الإيمان به، ولم يكن فيه شيءٌ من شعار المبتدعة، وكذلك لم يترك الجواب (٣) عليهم بالقدر الواجب بيانُه في ذلك.
وقد احتجَّ الإمام العلامة أبو عمر بن عبد البر على ذلك في كتابه " التمهيد " بحديث محاجَّة موسى وآدم في القدر، وهو من أصح الأحاديث كما يأتي بيانه.
_________________
(١) أخرجه عبد الله بن أحمد في " السنة " (٧٠٣)، واللالكائي في " السنة " (١١٢٧) من طريق أبي عاصم، عن جرير، عن أبي رجاء، عن ابن عباس موقوفًا.
(٢) في (ش): الأمور.
(٣) في (ش): وكذلك تم الجواب.
[ ٦ / ١٧٦ ]
تواتر عن أبي هُريرة رفعه إلى رسول الله - ﷺ - (١)، ورواه مع أبي هُريرة غيرُ واحد (٢)، فلله الحمدُ والمنة.
وكذلك ورد في " الصحيحين " من حديث ابنِ عباس مراجعةُ عمر بن الخطاب، وأبي عُبيدة بن الجراح ﵄ في أمر القَدَرِ في أمر الطاعون حين عَزَمَ عمر على الرجوع بالمسلمين خوفًا عليهم منه، فقال أبو عبيدة: أفِرارًا من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، وكان يكره خلافه، نعم نَفِرُّ من قَدَرِ الله إلى قَدَرِ الله، أرأيت لو كانت لك إبلٌ، فهبطتَ بها واديًا له عُدْوَتَانِ إحداهما مُجدِبَةٌ، والأخرى: مُخْصِبَة، لكنت إن رعيتها في المُخصِبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيتها في المُجْدِبة رعيتها بقدر الله (٣)، ثم جاء عبد الرحمن بنُ عوف، فروى لهم الحديث في ذلك، فلم يَعِبْ هذه المراجعة عليهما أحدٌ من المسلمين، وكانوا في أعظمِ جمعٍ من جموعهم.
_________________
(١) تقدم تخريجه في ١/ ٢١٨.
(٢) أخرجه أبو داود (٤٧٠٢)، وابن منده في " الرد على الجهمية " (٣٨)، من طريق ابن وهب عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب. وإسناده حسن. وأخرجه الهروي في " الأربعين في دلائل التوحيد " (٢٢) من طريق مطر الوراق، عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر وحميد بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمر، عن أبيه عمر. وأخرجه الهروي (٢٢) من طريق شريك، عن عمارة بن جُوين العبدي البصري، عن أبي سعيد الخدري. وإسناده ضعيف جدًا.
(٣) أخرجه مالك ٢/ ٨٩٤ - ٨٩٦، وأحمد ١/ ١٩٢ و١٩٤، والبخاري (٥٧٢٩)، ومسلم (٢٢١٩)، وأبو داود (٣١٠٣)، وابن حبان (٢٩٥٣)، والبيهقي ٧/ ٢١٧ - ٢١٨، وأبو يعلى (٨٣٧)، والنسائي في " الكبرى " كما في " التحفة " ٧/ ٢١١. وفي رواية مختصرة عن عبد الله بن عامر بن ربيعة أن عمر بن الخطاب ﵁ =
[ ٦ / ١٧٧ ]
فدل على أن المحرَّم بالنصوص ما يدلُّ العقل على المنع منه، وهو الخوضُ فيما لا يعلم من سِرِّ الله تعالى فيه، وعلى وجه المِراء وطرائق المبتدعة في تحكيم الرأي، وتقديمه على الآثار، وعلى كل وجهٍ يُؤدي إلى المفسدة.
وذلك مثل ما (١) خرَّجه أحمد في " المسند " عن عُقبة بن عامر أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: " هلاك أُمَّتي في الكتاب " قالوا: يا رسولَ الله، ما الكتابُ؟ قال: " يتعلمون القرآن فيتأوَّلُونه على غير ما أنزله الله ﷿ " (٢).
وفي إسناد أحمد عبدُ الله بن لهيعة، عن أبي قبيل عن عُقبة، وهو ضعيف عند الأكثر، وقد أثنى عليه أحمد وغيره (٣)، ولكن الحاكم قد خرَّج الحديث من
_________________
(١) = خرج يريد الشام، فلما دنا بلغه أن بها الطاعون فحدثه عبد الرحمن بن عوف فذكر الحديث. أخرجها مالك ٢/ ٨٩٦ - ٨٩٧، وأحمد ١/ ١٩٣ و١٩٤، والبخاري (٥٧٣٠). و(٦٩٧٣)، ومسلم (٢٢١٩)، والبيهقي ٣/ ٣٧٦. وأخرجه مختصرًا أحمد ١/ ١٩٤، وأبو يعلى (٨٤٨) من طريقين عن عبد الرحمن بن عوف.
(٢) " مثل ما " ساقطة من (ش).
(٣) أخرجه أحمد ٤/ ١٥٥ ومن طريقه أبو يعلى (١٧٤٦)، عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرىء، عن ابن لهيعة، عن أبي قبيل حُيي بن هانىء، عن عقبة بن عامر وزاد أحمد. قال ابن لهيعة: وحدثنيه يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر الجهني. وهذا إسناد حسن، فعبد الله بن يزيد روى عن ابن لهيعة قبل احتراق كتبه. وأخرجه الطبراني ١٧/ (٨١٦) من طريق سعيد بن أبي مريم، عن ابن لهيعة بالإسناد السابق.
(٤) عبد الله بن لهيعة بن عقبة بن فرعان القاضي الإمام محدث الديار المصرية مع الليث، وُلِدَ سنة خمس أو ست وتسعين، وطلب العلم في صباه، لقي اثنين وسبعين تابعيًا. صدوق في نفسه، احترقت كتبه سنة تسع وستين فساء حفظه. قال الذهبي في " السير ": الظاهر أنه لم يحترق إلاَّ بعض أصوله. =
[ ٦ / ١٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أعرض أصحاب الصحاح عن رواياته، وأخرج له مسلم مقرونًا وأبو داود والترمذي وابن ماجه. وما رواه القدماء عنه فهو أجود. وقد اختلف الأئمة في أمره: فمنهم من قال: حديثه كله واحد، وهو ضعيف، وهو المشهور عن يحيى بن معين، وقال به الجوزجاني، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والدارقطني، وقال: ويعتبر بما يروي عنه العبادلة، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال ابن خراش: لا يُكتب حديثه. قال أبو زرعة: سماع الأوائل والأواخر منه سواء إلاَّ أن ابن وهب وابن المبارك كانا يتبعان أصوله، وليس ممن يحتج به. وقال ابن مهدي: ما أعتدُّ بشيء سمعته من حديث ابن لهيعة إلاَّ سماع ابن المبارك ونحوه. وقال الترمذي في " الجامع " ١/ ١٦: ابن لهيعة ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه يحيى بن سعيد القطان وغيره من قبل حفظه. ومنهم من وثقه في نفسه وصحح رواية من روى عنه قبل احتراق كتبه وعليه العمل: قال أحمد: من كان مثل ابن لهيعة بمصر في كثرة حديثه وضبطه وإتقانه؟ وقال أحمد بن صالح: كان ابن لهيعة صحيح الكتاب طَلاَّبًا للعلم. وقال سفيان الثوري: عند ابن لهيعة الأصول وعندنا الفروع. وقال أبو الطاهر بن السرح: سمعت ابن وهب يقول: حدثني -والله- الصادق البار عبد الله بن لهيعة، قال أبو الطاهر: فما سمعته يحلف بهذا قط. وقال ابن عدي: أحاديته أحاديث حسان مع ما قد ضعفوه فيكتب حديثه وقد حدث عنه مالك، وشعبة، والليث. وقال الفسوي: سمعت أحمد بن صالح يقول: ابن لهيعة صحيح الكتاب كان أخرج كتبه، فأملى على الناس حتى كتبوا حديثه إملاءً، فمن ضبط كان حديثه حسنًا صحيحًا، إلا أنه كان يحضر من يضبط، ويُحسن قوم يكتبون ولا يضبطون ولا يصححون، وآخرون نظارة، وآخرون سمعوا مع آخرين، ثم لم يخرج ابن لهيعة بعد ذلك كتابًا ولم يُرَ له كتاب، وكان من أراد السماع منه ذهب فاستنسخ ممن كتب عنه وجاءه فقرأه عليه، فمن وقع على نسخة صحيحة فحديثه صحيح، ومن كتب من نسخة لم تُضبط جاء فيه خَلَلٌ كثير. =
[ ٦ / ١٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وقال ابن حبان. قد سبرتُ أخبار ابن لهيعة من رواية المتقدمين والمتأخرين عنه، فرأيتُ التخليط في رواية المتأخرين عنه موجودًا وما لا أصل له في رواية المتقدمين كثيرًا، فرجعتُ إلى الاعتبار، فرأيته كان يدلِّسُ عن أقوام ضَعْفى، عن أقوام رآهم هو ثقات، فألزق تلك الموضوعات به. وذكره ابن شاهين في " الثقات " وقال: قال أحمد بن صالح: ابن لهيعة ثقة، وفيما رُوي عنه من الأحاديث ووقع فيها تخليط يُطرح ذلك التخليط. وقال الذهبي في " السير ": لا ريب أن ابن لهيعة كان عالم الديار المصرية هو والليث معًا، ولكن ابن لهيعة تهاون بالإتقان، وروى مناكير، فانحط عن رتبة الاحتجاج به عندهم. وبعض الحُفَّاظ يروي حديثه، ويذكره في الشواهد، والاعتبارات والزهد والملاحم، لا في الأصول. وبعضهم يبالغ في وهنه، ولا ينبغي إهداره وتتجنب تلك المناكير، فإنه عدل في نفسه. قلت: وقد صحح رواية العبادلة عنه (عبد الله بن وهب، وعبد الله بن المبارك، وعبد الله بن يزيد المقرىء) أحمد، وأبو حفص الفلاس، وعبد الغني بن سعيد الأزدي وغيرهم، لأن روايتهم قبل احتراق كتب ابن لهيعة. وزاد ابن حبان في العبادلة: عبد الله بن مسلمة القعبني. ونص الطبراني في " المعجم الصغير " ١/ ٢٣١ أن الوليد بن مزيد ممن سمع ابن لهيعة قبل احتراق كتبه. وسمع منه أيضًا سفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج، وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، وعمرو بن الحارث المصري، وكلهم ماتوا قبل احتراق كتبه. ورواية قتيبة بن سعيد بمنزلة هؤلاء، فقد روى الآجري عن أبي داود قوله: سمعت قتيبة يقول: كنا لا نكتب حديث ابن لهيعة إلا من كتب ابن أخيه أو كتب ابن وهب إلا ما كان من حديث الأعرج. وقال جعفر الفريابي: سمعتُ بعض أصحابنا يذكر أنه سمع قتيبة يقول: قال لي أحمد بن حنبل: أحاديثك عن ابن لهيعة صحاح؟ قال: قلت: لأنا كنا نكتب من كتاب عبد الله بن وهب، ثم نسمعه من ابن لهيعة. وانظر " السير " ٨/ ١٠ - ٢٨، و" تهذيب الكمال " =
[ ٦ / ١٨٠ ]
طريقٍ صحيحة غير طريق ابن لهيعة، وهو يشهدُ لصدق ابنِ لهيعة وحفظه في هذا، خرَّجها الحاكم (١) في تفسير سورة مريم من حديث ابن وهب عن (٢) مالك بن خير (٣) الزَّبَادي، عن أبي قَبيل، عن عُقبة الحديث. وقال: صحيحٌ على شرط مسلم. وما ينزِلُ عن مرتبة هذه الأحاديث المقدمة في القدر، ومتنُ حديثه يصلُحُ مثالًا.
فالهلاكُ بالقدر كالهلاك بالكتاب يجبُ تأويله في كل منهما على الهلاك بسببِ التكذيب بهما، إذ التأويلُ الباطلُ لهما أو تكلُّف علم ما لا طريق إليه فيهما كما ذلك كلُّه شعار المبتدعة، وقرينة التجوز واضحة، وهي أن الإيمان بهما واجبٌ، والهلاك المعلق بالواجب لا يكون إلاَّ من بعض الوجوه قطعًا.
وقد تواترت الأحاديث في وجوب الإيمان بالقدر، ونص كتاب الله على صحته كما يأتي ذلك كله.
ثم إن الله تعالى قد ذكر القدر في غير آيةٍ، وقد أمر الله تعالى بتدبُّر كتابه بقوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]، وقوله: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آياتِه﴾ [ص: ٢٩]، فوجب بذل الجهد في تدبر كل ما في كتاب الله من الألفاط المفردة، والمعاني المتركبة منها إلاَّ ما لم نستطع معرفته مما لم يُرِدِ الله سبحانه خطابنا به من المتشابه، وإنما أنزله علينا لنؤمن بمعناه جملة، ونتبرك بتلاوته (٤)، وربما خصَّ بمعناه بعض أنبيائه وملائكته.
_________________
(١) = ١٥/ ٤٨٧ - ٥٠٣، و" تهذيب التهذيب " ٥/ ٣٢٧ - ٣٣١، و" الميزان " ٢/ ٤٧٥ - ٤٨٣، و" شرح علل الترمذي " ١/ ١٣٦ - ١٣٩.
(٢) ٢/ ٣٧٤.
(٣) تحرفت في الأصلين إلى: " بن "، والتصويب من الحاكم.
(٤) تحرفت في الأصلين إلى: " بحير "، والتصويب من الحاكم ومصادر الترجمة.
(٥) في (أ): بتأويله.
[ ٦ / ١٨١ ]
فهذا ما حضرني في هذه الفائدة، ولا خفاء على العاقل أن الخوض في هذه اللُّجَّة التي هابها فضلاءُ العقلاء لا يكون إلاَّ مصحوبًا بحُسْنِ النية وشدة الرغبة إلى الله في الهداية، والتوقُّف على القول بغير درايةٍ، والفكرِ الطويل، وتحرِّي الإنصاف، والجمع بين أطراف الكلام التي يظهر تنافيها، وتطلُّبِ المحامل الحسنة، وعدم المؤاخذة بظاهر العبارة متى دلَّت القرينة على صحة المراد فيها، فإنها مسألة صعبة تقصُرُ فيها العبارات الطويلة، فكيف بالإشارات الخفيَّة.
وقد روى ابن الأثير في " جامع الأصول " (١) عن مالكٍ الإمام أنه قيل لإياس: ما رأيك في القدر؟ قال: رأيُ ابنتي، يريد لا يعلم سِرَّهُ إلاَّ الله تعالى، وبه كان يُضْرَبُ المثل في الفهم.
وقد حُكي أن يحيى بن آدم ذكر أثر عبد الله بن عباس المقدم الموقوف لعبد الله بن المبارك، فقال ابن المبارك: فيسكت الإنسان على الجهل وهو إشارةٌ من ابن المبارك إلى ما ورد من الحثِّ على العلم، وما فيه من الخير، والتحذير من الجهل، وما فيه من الشرِّ، وأن هذه القاعدة المعلومة لا تُترك إلا بتحريمٍ متَّفَقٍ على صحته.
وأقول: إن الإنسان بالضرورة يسكت على الجهل حيث لا طريقَ إلى العلم، وأقصى مَرامِ الخائضين في القدر أمور:
أحدها: العلمُ بالعجز عن درك السرِّ فيه، وفائدة العلم بذلك سكون النفس عن المطالبة بالمعرفة والذوق لا بمجرد التقليد.
وثانيها: معرفة ما يمكنُ معرفته من الوارد في كتاب الله تعالى، وسنة رسول الله - ﷺ -، والجُمَلِ العقلية، وحكم أئمة الإسلام والأولياء.
_________________
(١) ١٠/ ١٣٤.
[ ٦ / ١٨٢ ]
الفائدة الثانية: في ذكر ما قاله العلماء وأهل اللغة في تفسير القدر والقضاء
وثالثها: التحذيرُ من طرائق المبتدعة، وتقديمهم الرأي على الآثار في هذه القاعدة العظمى.
الفائدة الثانية: في ذكر ما قاله العلماء وأهل اللغة في تفسير القدر والقضاء على اختلاف مذاهبهم وأدلتهم وأفهامهم.
قال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي في " عارضة الأحوذي في شرح الترمذي " (١) ما لفظه: لم يَتَّفِقْ لي وجدان البيان للقدر (٢) على التحقيق، فتكلفتُه حتى دفع الله تعالى بفضله عني كُلفتَه، وحقيقته وجودٌ في وقتٍ واحد، وعلى حالٍ يُوافق العلم والإرادة والقول عن القدرة، فصارت القاف والدال والراء تدل بوضعها على القُدرة والمقدور الكائن بالعلم، ويتضمَّن الإرادة عقلًا والقول نقلًا.
قلت: وكلامه هذا لا يخلو من تساهُلٍ في العبارة، فإنه جعل القدر مشروطًا بموافقة مجموع العلم والإرادة والقول، ولم يدل على ذلك دليلٌ، وموافقةُ أحدها يكفي في تسمية الموجود المتأخر مقدَّرًا مقدورًا، وتسمية السابق لها قدرًا أيضًا، فإنه لا معنى لكون الحادث مقدَّرًا بقَدَرٍ سابقٍ إلاَّ مطابقته في الوجود، وصفاته سابقةٌ له متعلقة (٣) به تعلُّقًا صحيحًا يستلزم فرض بطلانه المحال.
وسواءٌ كان ذلك السابق علم الله وحده، أو قوله أو كتابته، أو إرادته أو غير ذلك، لأنه ترك ذكره للكتابة والتيسير، وقد ورد ما يقتضي تسميتها قَدَرًا، كالقولِ -كما يأتي- في أحاديث الأقدار، بل في القرآن الكريم.
وأيضًا فإنه جعل الوجود هو القدر، وهو المُقَدَّر، وإنما القدر السابق هو
_________________
(١) ٨/ ٢٩٤ - ٢٩٥.
(٢) في الأصلين: " وجدان القدر " والمثبت من شرح ابن العربي.
(٣) في الأصلين: " سابق له متعلق به " والجادة ما أثبت.
[ ٦ / ١٨٣ ]
التعليقُ، ثم جعل دِلالة القدر على الإرادة، والقول دلالة تضمُّنٍ دون العلم والقدرة والمقدور، وجعل دلالته على هذه الثلاثة مطابقةً، وفيه نَظَرٌ، لأن دلالة المطابقة هي الوضعية اللغوية كدلالة الإنسان على الحيوان الناطق دلالة التضمُّن، كدلالة الإنسان على النطق وحده، ودلالة الالتزام (١) على ما يستلزمه، مثل حاجته إلى الأكل والشرب.
وأقول والله الموفق: إن القدر تعلُّق أمر متقدم من صفات الله تعالى كعلمه، أو من فعلِه ككتابته بأمرٍ متأخِّرٍ صادر عن فاعله بسبب اختياره وتمكينه، وصدور اختيار أسبابه عن الحكيم القادر المُقَدِّر.
وسواءٌ كانت تلك الأسباب أسباب القدر المؤثرة فيه كالقدرة أو غير المؤثرة كالدواعي تعلُّقًا يَرْبِطُ الممكن بالواجب ربطًا يستلزم فرض بُطلانه المحال مع بقاء إمكانه باعتبار الجهتين.
وهذا على جهة التقريب الرسمي دون التحديد الحقيقي كما يعرف ذلك أهل هذا الشأن، ولذلك لم ألتزم فيه شروطهم.
وقولنا: " من صفات الله كعلمه أو من فعله كالكتابة والتيسير "، وإنما قيل: " من فاعله " ليدخل الرب تعالى، وإنما قيل: " بسبب صدور أسبابه عن القادر الحكيم المقدِّر سبحانه " ليخرج على المخلوقين، فإنه واجب المطابقة، ولا يسمى قدرًا في اللغة لعدم خلقهم لأسباب المقدر، وإلا لزم أن يكون علمهم بالفقه قدرًا.
وإنما قيل: " الحكيمُ " احترازًا من قول من يقول: بنفي الحكمة في سبق الأقدار، فإنها لم تكن سدىً، بل لا بُدَّ أن تكون مشتملةً على الغايات الحميدة.
_________________
(١) في (أ) زيادة: " دلالته ".
[ ٦ / ١٨٤ ]
وإنما قيل: " يستلزم فرض بطلانه المحال " لأنه الدليل على وجوب وقوع المقدَّر بالعلم، أو القول، أو الكتابة، أو الإرادة ووقوع المُيَسَّر بالدواعي كما يأتي بيانه.
ألا ترى أن فرض وقوع المرجوح من الله عند المعتزلة يؤدي إلى المحال، وليس فيه إلاَّ مخالفة الدواعي الراجحة مع صفة الله تعالى بالقدرة والاختيار.
وقوله: " باعتبار الجهتين " إشارة إلى أن القدر لا يُحيل الذوات عن صفاتها، ولذلك كان الله تعالى مختارًا عند الجميع مع تعلُّق القدر بأفعاله سبحانه ﴿كانَ على رَبِّك حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٧١].
وقيل: تعلُّق أمرٍ بأمرٍ ليَعُمَّ الشيء الحقيقي والإضافي.
وقال الخَطَّابي: قد يَحسِبُ كثير من الناس أن معنى القَدَر من الله، والقضاء معنى الإجبار والقهر للعبد على ما قضاه وقدَّره وليس كذلك، وإنما معناه الإخبار عن تقدم علم الله بما يكون من أفعال العباد وصدورها عن قدرٍ منه خيرها وشرها.
والقدر: اسمٌ لما صدر مقدَّرًا على فعل القادر، كالهدم، والنشر، والقبض، اسم لما يصدر عن فعل الهادم، والناشر، والقابض، يقال: قَدَرتُ الشيء، وقدَّرت، خفيفةً وثقيلة، والقضاء في هذا معناه: الخلق كقوله تعالى: ﴿فقضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢].
فإذا كان كذلك، فقد بقي عليهم من وراء علم الله فيهم أفعالهم وأكسابهم ومباشرتهم تلك الأمور وملابستهم إياها عن قصدٍ وتعمُّدٍ وتقدير إرادة اختيار، والحجة إنما تلزمهم بها، واللائمة تلزمهم عليها.
وجماعُ القول في هذا أنهما (١) أمران لا ينفكُّ أحدهما عن الآخر، لأن
_________________
(١) كتب فوقها في (أ): أي الاختيار وسبق القدر.
[ ٦ / ١٨٥ ]
أحدهما بمنزلة الأساس، والآخر بمنزلة البناء، فمن رام الفصل بينهما، فقد رام هَدْمَ البناء ونقضه. انتهى كلامه.
وتلخيصه: أن العلم سبق باختيار العباد لأفعالهم، وقدَّر الله وقضى أن يكونوا مختارين، وأراد بذلك ويَسَّرَه لهم، فلو أبطلنا اختيارهم، أبطلنا العلم والقدر والقضاء، وجعلناها غير مطابقة، وهي الأساس، ولو أبطلناها أبطلنا صفات الربوبية الواجبة، فيلزم إثبات الأمرين. والله أعلم.
وفي " الصحيحين "، و" موطأ مالك "، و" سنن أبي داود "، و" سنن النسائي " من حديث ابن عباس، وذكر الطاعون أن عمر بن الخطاب خرج إلى الشام حتي إذا كان بسَرْغَ (١) لقيَهُ أُمراء الأجناد أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه، فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام ..، وساق الحديث إلى قوله: فنادى عمرُ في الناس: إني مُصبحٌ (٢) على ظَهْرٍ (٣)، فأصْبِحُوا عليه، فقال أبو عبيدة بن الجراح: أفِرارًا من قَدَرِ الله؟ فقال عمر: لو غيرُك قالها يا أبا عبيدة -وكان يكرهُ خلافه- نعم نَفِرُّ من قَدَرِ الله إلى قَدَرِ الله، أرأيت لو كانت لك إبلٌ فهبطت بها واديًا له عُدوتان، إحداهما خَصِبَةٌ (٤)، والأخرى جَدِبَةٌ، أليس إن رعيت الخَصِبَة (٥) رعيتها بقدر الله، وإن رعيتَ الجدبة رعيتها بقدر الله. انتهى (٦).
وفيه إجماعهم على صحة القدر، وعلى أنه لا يستلزم الجبر، لأنه لم ينكر ذلك مُنكرٌ، وهم في أكثر ما كانوا جمعًا.
وقال ابن الأثير في " النهاية " (٧): هو عبارة عما قضاه الله وحكم به من
_________________
(١) هي قرية في طرف الشام مما يلي الحجاز.
(٢) تحرفت في الأصلين إلى: " أن يصبح "، والتصويب من مصادر التخريج.
(٣) أي: إني مسافر في الصباح راكبًا على ظهر الراحلة راجعًا إلى المدينة.
(٤) في (ش): مُخصبة.
(٥) في (ش): المخصبة.
(٦) تقدم تخريجه ص ٣٥٦.
(٧) ٤/ ٢٢.
[ ٦ / ١٨٦ ]
الأمور، وهو مصدر: قَدَرَ يَقْدِرُ [قَدَرًا]، وقد تُسَكَّن دالهُ، ومنه حديث الاستخارة " فاقدُرْهُ لي ويَسِّرْه " (١) أي: اقضِ لي به وهيِّئْهُ.
وقال الزمخشري (٢) في تفسير قوله تعالى: ﴿إنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]: القَدَرُ والقَدْرُ: التقدير، وقُرىء بهما (٣) [أي:] إنا خلقنا كل شيءٍ مقدرًا محكمًا مرتبًا على حسب ما اقتضته الحكمة، أو مقدرًا مكتوبًا في اللوح معلومًا قبل كونه، وقد علمنا حاله وزمانه.
وقال الزمخشري (٤) أيضًا في تفسير قوله تعالى: ﴿وإنَّه لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْنَاهُ﴾ [يوسف: ٦٨]: يعني: علمه أن الحذر لا يُغني عن القدر (٥).
وقال أبو نصر إسماعيل بن حمَّاد الجوهري في " صحاحه " (٦): القدر والقدر ما يُقَدِّره الله من القضاء.
_________________
(١) أخرجه أحمد ٣/ ٣٤٤، والبخاري (١١٦٢) و(٦٣٨٢) و(٧٣٩٠)، وفي " الأدب المفرد " (٢٩٣)، والترمذي (٤٨٠)، وأبو داود (١٥٣٨)، والنسائي ٦/ ٨٠، وفي " عمل اليوم والليلة " (٤٩٨)، وابن ماجه (١٣٨٣)، وابن حبان (٨٨٧)، والبيهقي في " السنن " ٣/ ٥٢، وفي " الأسماء والصفات " ص ١٢٤ - ١٢٥ من حديث جابر. وأخرجه ابن حبان (٨٨٥)، وأبو يعلى (١٣٤٢)، والبزار (٣١٨٥) من حديث أبي سعيد الخدري. وأخرجه ابن حبان (٨٨٦) من حديث أبي هريرة، والحاكم ١/ ٣١٤ من حديث أبي أيوب. وأخرجه الطبراني في " الكبير " (١٠٠١٢) و(١٠٠٥٢)، وفي " الأوسط " ص ٩٧، و" الصغير " ١/ ١٩٠، والبزار (٣١٨١) و(٣١٨٢) و(٣١٨٣) و(٣١٨٤) من حديث ابن مسعود.
(٢) ٤/ ٤١.
(٣) وانظر " البحر المحيط " ٨/ ١٨٣.
(٤) ٢/ ٣٣٣.
(٥) قوله: " أن الحذر لا يغني عن القدر " حديث تقدم تخريجه ص ٣٢١ من حديث عائشة وأبي هريرة ومعاذ بن جبل.
(٦) ٢/ ٧٨٦.
[ ٦ / ١٨٧ ]
وأنشدَ الأخفش:
ألا يا لَقَوْمي لِلنَّوائِب والقَدر وللأمْرِ يأتي المَرْءَ من حيث لا يدري (١)
والمَقْدِرَةُ: من القدرة، بالحركات الثلاث، وهي القضاء والقدر بالفتح لا غير.
قال الهُذلي:
وما يَبْقَى على الأيَّام شيءٌ فيا عَجَبًا لمَقْدرة الكتاب (٢)
وقَدَرْتُ الشيء: أقْدُرُهُ وأقْدِرُه قدرًا من التقدير.
_________________
(١) البيت من قصيدة لهُدبة بن خشرم قالها عند معاوية، وذلك أن هدبة قتل ابنَ عمه زيادة بن زيد، فرفعه أخوه عبد الرحمن بن زيد إلى سعيد بن العاص وكان أمير المدينة، فكره سعيدٌ الحكم بينهما، فأرسلهما إلى معاوية بالشام، فلما صارا بين يديه، قال عبد الرحمن: يا أمير المؤمنين أشكو إليك مظلمتي وقتل أخي، فقال معاوية لهدبة: ما تقول؟ قال هدبة: أتحب أن يكون الجواب شعرًا أم نثرًا؟ قال: بل شعرًا، فإنه أنفع، فقال هدبة: ألا يا لقومي للنوائب والدهر وللمرء يُردي نفسه وهو لا يدري وللأرض كم من صالحٍ قد تأكَّمت عليه فوارَتْه بلمَّاعةٍ قَفْرِ فلا تتَّقي ذا هَيبةٍ لِجلاله ولا ذا ضياعٍ هُنَّ يتركن للفَقْرِ إلى أن قال: رُمينا فرامَيْنا فصادف رَمْيُنا منايا رجالٍ في كتابٍ وفي قَدْرِ وأنت أمير المؤمنين فما لنا وراءك من مَعدىً ولا عنك من قصرِ فإن تَكُ في أموالنا لم نَضِقْ بها ذراعًا وإن صَبْرٌ فنصبرُ للصَّبْرِ وانظر تمام الخبر في " الأغاني " ٢١/ ٢٦٤، و" خزانة الأدب " ٩/ ٢٣٧.
(٢) من قوله: " والمقدرة " إلى هنا ليس في المطبوع من " الصحاح "، والبيت في " اللسان " ٥/ ٧٦.
[ ٦ / ١٨٨ ]
قال الشاعر (١):
كِلا ثَقَلَيْنا طامع (٢) بِغَنيمةٍ وَقَدْ قَدَرَ الرحمن ما هو قادر
انتهى كلام الجوهري.
وفي كتب الكلام أن القدر يكون بمعنى الكتابة، وأنشدوا فيه:
واعلم بأنَّ ذا الجلال قد قَدَرْ في الصُّحفِ الأولى التي كان سَطَرْ
أمرَكَ هذا فاجْتَنِبْ منه النَّتَرْ (٣)
وهذا معنىً صحيحٌ تشهد له الأحاديث الصحاح كما يأتي.
وأما القضاء فقال الجوهري (٤): هو الحكم، وقضى: حكم، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَقَضَى ربُّك ألاَّ تَعْبُدوا إلاَّ إيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣].
وقد يكونُ بمعنى الفراغ، تقول: قضيتُ حاجتي، وقد يكونُ بمعنى الأداء والإنهاء، تقول: قضيتُ دَيْني، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنا إلى بَني إسرائيل في الكِتاب﴾ [الإسراء: ٤]، وقوله: ﴿وَقَضَيْنا إليه ذلك الأمرَ﴾ [الحجر: ٦٦] أي: أدَّيناه إليه وأبلغناه ذلك.
وقد يكون بمعنى الصنع والتقدير، وقال أبو ذُؤَيب:
_________________
(١) هو إياس بن مالك بن عبد الله المُعَنَّى كما في " اللسان ".
(٢) في الأصلين: " طالع "، والمثبت من الصحاح.
(٣) الرجز غير منسوب في " الصحاح " ٢/ ٨٢٢، وهو للعجاج في " اللسان " و" تاج العروس " (نتر). و" النَّتْر ": هو الضعف في الأمر والوَهْن.
(٤) ٦/ ٢٤٦٣.
[ ٦ / ١٨٩ ]
وعَلَيْهما مَسْرُودَتانِ قَضَاهُما داود أو صنع السَّوابِغ تُبَّعُ (١)
ويقال: قضاه أي: صنعه وقدره، ومنه قوله يعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سماواتٍ﴾ [فصلت: ١٢].
ومنه القضاء والقدر إلى قوله: وقَضَّوا بينهم منايا بالتشديد، أي: أنفذوها (٢).
وقال القاضي عياض في " المشارق " (٣): قضى صلاته، أي: فرغ منها، ومنه: فلما قضينا مناسكنا، وقضى الله حَجَّنا ، إلى قوله: قال الأزهريُّ (٤) قضى في اللغة يرجِعُ إلى انقطاع الشيء وتمامه والانفصال منه، يقال: قضى بمعنى حتم، ومنه: قضى أجلًا، أي: أتَمَّه وحَتَمه، ومنه: " فإن الله قضى على نفسه سمع الله لمن حمده "، أي: حتم ذلك وحكم بسابق قضائه بإجابة قائله.
ويأتي بمعنى الأمر: ﴿وقَضَيْنا إليهِ ذلك الأمْرَ﴾ [الحجر: ٦٦].
وبمعنى الفصل في الحكم، ومنه: ﴿يَقْضِي بينهم﴾ [في آيات منها: يونس: ٩٣] ومنه: قضى الحاكم، وقضى دينه، وكلُّ ما أُحْكِمَ عمله، فقد
_________________
(١) هو من قصيدة لأبي ذؤيب الهذلي، مطلعها: أمِنَ المنون ورَيبها تتوجَّعُ والدهرُ ليسَ بمُعتبٍ من يجزعُ والبيت في " جمهرة أشعار العرب " ص ٢٦، و" ديوان الهذليين " ١/ ١٩، والمفصل " ص ١١٧، و" المخصص " ١٣/ ٣٤، و" إصلاح المنطق " ص ٥٠٨، و" المفضليات " ص ٤٢٨، و" معاني الشعر " ص ١١٤، و" نظام الغريب " ص ٩٨، و" اللسان " (قضى)، و" معجم مقاييس اللغة " ٥/ ٩٩، و" تهذيب اللغة " ٢/ ٣٨ و٨/ ٢٥١ و٩/ ٢١٢ - ٢١٣.
(٢) في الأصلين: " أبعدوها "، والتصوبب من " الصحاح " و" اللسان ".
(٣) ص ١٨٩ - ١٩٠.
(٤) في " تهذيب اللغة " ٩/ ٢١١.
[ ٦ / ١٩٠ ]
قُضِي، ومنه: إذا قضى أمرًا، أي: أحكمه، ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سماواتٍ﴾ [فصلت: ١٢]، ومنه: فلمَّا قضى قراءته أي: فرغ، وقُضِيَ الشيء: تمَّ.
وبمعنى أنفَذَ وأمضى، ومنه: ﴿فَاقْضِ ما أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه: ٧٢].
وبمعنى الانفصال والخروج عن الشيء، ومنه: قضى دينه.
وقال الزمخشري (١): في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ [الإسراء: ٤]: أوحينا إليهم وحيًا مَقْضِيًّا، أي: مقطوعًا مبتوتًا بأنهم مفسدون لا محالة (٢).
وقال الزمخشري (٣) في تفسير قوله تعالى: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف: ٤١]: قُطِعَ وتمَّ ما تستفتيان فيه من أمركما وشأنكما.
فقد حصل مِنْ مجموع كلام العلماء ونَقَلَةِ اللغة، وأدلة المعقول والمنقول على ما مَضَى منه اليسير، ويأتي منه الكثير ما يدلُّ على أن القدر واجبٌ، والمُقَدَّر ممكن، وهذا هو الوجه في دقة الكلام فيه، فإن اجتماع الوجوب والإمكان مُحالٌ، فمن ثمَّ تباينت فيه أقوال أهل الكلام والجدل في الظاهر مع اتفاقها في المعنى.
فمن نظر إلى وجوب القدر، قال: لا حيلة في مخالفته، ومن نظر إلى إمكان المقدر في ذاته، قال: لا يخرُجُ الممكن عن صفته الذاتية بسبب تعلُّقِ ما ليس من الموثِّرات.
وكلُّ واحدٍ من الخصمين يُورِدُ على الآخر ما يُفحمُه ويُلْقِمُه الحجر.
_________________
(١) ٢/ ٤٣٨.
(٢) من قوله: " وقال الزمخشري " إلى هنا ساقط من (ش).
(٣) ٢/ ٣٢١.
[ ٦ / ١٩١ ]
وسببه أن اجتماع الوجوب والإمكان في القدر لا يمكن جَحْدُه، ومن جحده، عطَّل (١) العقل والنقل، وبقي أن يُقال: فكيف ثبت اجتماع الوجوب والإمكان بالضرورة، وهل هذا إلاَّ بمنزلة ثبوت المحال بالضرورة.
والجواب: أن ذلك لا يكون (٢) مُحالًا باعتبار الجهتين، ولو كان مُحالًا، ما جمعه الله تعالى، وقد جمعه سبحانه كثيرًا، فما استنكر ذلك أحدٌ لا من المؤمنين ولا من غيرهم، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٢٩ - ٣٠]، ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨ - ٢٩].
وقد تقدَّم بطلان تأويلها بالإكراه في آخر مسألة الإرادة وهو كقولِ المعتزلة: إن صدور القبيح مُمتنعٌ من الله تعالى، مؤدٍ إلى المُحال، مقطوعٌ بامتناعه وجوبًا مع بقاء الاختيار والإمكان بالنظر إلى القدرة والمقدور.
والتحقيقُ في ذلك كله: أن الإحالة إنما تكون في صدق النقيضين معًا، وذلك لا يلزم إلاَّ حيث يتَّحِدُ المَنْفي والمُثبت من جميع الوجوه، فتكون الذات المسند إليها ثبوت الوجوب اللازم لنفي الإمكان، وثبوتُ الإمكان اللازم لنفي الوجوب واحدةً، والجهة التي أُسند (٣) إليها الوجوب والإمكان واحدة.
وكذلك الزمان والمكان، والحقيقة والإضافة، والبعض والكل، والقوة، والفعل، والشرط، والعموم والخصوص، فإذا قلت: زيدٌ كاتب، زيدٌ ليس بكاتب، لم يصح القطع بكذب أحدهما متى جاز أن يختلفا بالذات، فيكون زيدٌ الموصوف بأنه كاتب غير زيدٍ الموصوف بأنه غير كاتب، أو يختلفا في جهة الوصف بالكُلية (٤)، وإن كان زيد واحدًا فيكون كاتبًا بالقوة، كما يقال: الخمر
_________________
(١) في (ش): لزمه تعطيل.
(٢) في (ش): لم يكن.
(٣) في (ش): استند.
(٤) في (ش): بالكناية.
[ ٦ / ١٩٢ ]
مسكر قبل شُربه بالقوة، غير كاتبٍ بالفعل، كما يقال: الخمر غير مُسكرٍ قبل شربه بالفعل.
وكذلك قولنا: زيدٌ أبٌ غير أب قد يصدُقُ كله، أي: أبٌ بالإضافة إلى أولاده، غير أبٍ بالإضافة إلى غير أولاده.
وكذلك الزِّنجي أسود بالإضافة إلى أكثره، غير أسود بالإضافة إلى جميعه، ففيه أسنانه بيض.
وكذلك زيدٌ عالم بالنظر إلى علوم العقل الضرورية، ومن هنا خُوطب الكفار بنحو قوله: ﴿لعلَّكم تعقِلون﴾، ﴿وأنتم تعلمون﴾ ليس بعالم بالنظر إلى خصوص كثيرٍ من العلوم، ولذلك خُوطِبَ الخلق كلهم بنحو قوله تعالى: ﴿والله يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]. وتبين تخصيص هذا العموم بنحو قوله ﷿: ﴿وَمَا أُوتيتم من العِلْمِ إلاَّ قليلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]، وقوله تعالى: ﴿لا عِلْمَ لَنا إلاَّ ما عَلَّمْتَنا﴾ [البقرة: ٣٢].
وبالجملة فالجمع بين النقائض شهيرٌ بين العامة والخاصة على هذا الاعتبار، ولذلك لم يلتبس عليهم ما جاء من ذلك في القرآن الكريم من نحو قوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد: ٣].
وقد جاء ذلك مُستفيضًا في كتاب الله تعالى، وسنة رسوله - ﷺ -، ولو لم يكن فيه إلاَّ ما في الأسماء الحسنى من نحو: المُعِزِّ المُذِلِّ، الضارِّ النافع، المقدِّم المؤخِّر، المُحْيي المُميت، المبدي المُعيد، الباسط القابض.
فإذا عرفت هذا، فاعلم أن الإمكان والوجوب في أفعال العباد مختلفان في الذات والجهة معًا.
أمَّا الوجوب، فإنه من صفات القدر السابق، والإمكان من صفات المقدور الحادث المتأخِّر الممكن في ذاته.
[ ٦ / ١٩٣ ]
وأما الجهة، فإن الحادث بنفسه إن وصفناه بالوجوب والإمكان لم نجعل جهتهما واحدة في ذلك، بل نصفه بالإمكان بالنظر إلى ذاته واختيار فاعله، وبالوجوب بالنظر إلى تعلق الواجب به تعلُّقًا غير مؤثِّر في وجوده.
وقد أجمعت المعتزلة مع الأمة على جواز التكليف بالممتنع لغيره كطلب الإيمان ممن عَلِمَ الله أنه لا يُؤْمِنُ.
وكذلك صحَّ الأمر والنهي، والمدح والذم على ذلك، وهو بينَ العقلاء شائعٌ مستحسنٌ ضروري، من أنكره لم يُراجع إلاَّ بالفعل، فيضرب ضربًا شديدًا، فإن أحسَّ في نفسه وِجْدان اللوم للضارب، فقد اعترف، وهذا كما قال تعالى: ﴿أفَسِحْرٌ هذا﴾ [الطور: ١٥]، وقال تعالى: ﴿هذه النارُ الَّتي كُنتُم بها تُكَذِّبونَ﴾ [الطور: ١٤].
فإن قيل: إن الوجوب المختصَّ بجهة، وجوبٌ خاص، والخاص يستلزم العام، فإن وجود الإنسان يستلزم وجود الحيوان بخلاف العكس، فالجواب من وجهين.
الأول: أن هذا خيالٌ باطل، ضلَّ بسبب الغلط فيه خلقٌ كثير، وبَنَوْا عليه من البِدَعِ ما لا يُحصى.
وبيانه: أن الجنس العام مجرَّد لفظٍ لا وجود له في حال عمومه ألبتة، ووجوده عامًا مع عدم جميع أنواعه مُحالٌ، وأهل المنطق يُسمُّونه العرض العام، والوصف العرضي، والاشتراك فيه اشتراكٌ في مجرد عبارة لا سوى، ولذلك قال المحققون: إن ذوات المخلوقات لم تُشارك ذات الرب في شيءٍ حقيقي، ثم تميزت ذات الرب بعد المشاركة.
وقالت المعتزلة: إن العباد قد شاركوا الربَّ ﷿ في الذاتية، أي: في كونهم أشياء، وهو سبحانه شيءٌ، ومن ها هنا عَطَّل المُعَطِّلَةُ.
[ ٦ / ١٩٤ ]
الفائدة الثالثة: ما يدل على القدر من كتاب الله وسنة رسوله بذكر أحاديث
وقالت الباطنية والإسماعيلية: لا يوصف سبحانه بصفةٍ قط، فيكون مثل من وُصِفَ بها مِنَّا، فلا يوصف بأنه شيءٌ، ولا موجود ولا عالم ولا قادر.
وقد رد الجويني (١) بهذا على من زعم من الكُلاَّبية أن القرآن الكريم كان كلامًا في القِدَمِ غير أمرٍ ولا نهي ولا خبر ولا خطاب.
الوجه الثاني: أنه لو استلزم الوجوب الخاصُّ الإمكان العام المطلق، كان ذلك (٢) يستلزِمُ نفي الاختيار، وليس للمعتزلي أن يحتج بهذا الإمكان الخاص على نفي ذلك الوجوب الخاص.
ولا للجَبْري أن يحتجَّ بذلك الوجوب الخاص على نفي ذلك الإمكان الخاص، لأنا إن جعلنا لكلِّ واحدٍ منهما أن يحتج بذلك على الآخر أدى إلى صحة النقيضين وهو محالٌ.
وإن جعلنا الحجة لأحدهما دون الآخر، أدَّى إلى تناقض المثلين، وهو مُحالٌ.
ومن جَهِلَ هذا التحقيق، نسب إلى أهل السنة ما لا يليق، وتوهَّم من بعض عباراتهم نفي الاختيار، وإثبات الإجبار والاضطرار، ومن عدم النظر إليه حارَتِ الأفكار، وعَثَرَ فرسانُ النُّظَّار في مسائل الأقدار.
الفائدة الثالثة: التنبيه على الجمل، وبعض التفاصيل مما حَضَرني مما يدلُّ على القَدَر من كتاب الله تعالى، وسنة رسوله - ﷺ -.
أمَّا كتاب الله تعالى، فهو محفوظٌ معلومٌ، لكن نتبرَّك بإحضارِ بعض آياته المباركة للواقف على هذا الكتاب (٣).
_________________
(١) في " الإرشاد " ص ١١٩ وما بعدها.
(٢) في (أ): وذلك.
(٣) في (ش): على مثل هذا الكتاب.
[ ٦ / ١٩٥ ]
واعلم أن الوارد فيه أنواع كثيرة، وبالجملة فكُلُّ آيةٍ فيها دِلالةٌ على أن للرب (١) سبحانه أثرًا ما في فعلٍ من الأفعال، فهو مما يصلُحُ إيراده هنا من سؤاله ﷿ الهداية والإعانة كما في فاتحة الكتاب التي يقرأُ بها كلُّ مُصَلٍّ من المسلمين.
وكذلك المِنَّةُ بنعمة الإيمان كما في الفاتحة أيضًا في قوله: ﴿صِراطَ الَّذينَ أَنْعَمْتَ عليهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] فإن نعمة الإيمان مرادةٌ هنا بالإجماع، فهذه ثلاث حُجَجٍ من فاتحة الكتاب وحدها.
وكذلك الاستعاذة من الشيطان التي يبدأ بها كل قارىء.
وكذلك الاستعاذة بالله من الضلالة، يدلُّ على ذلك مثل ما حكى الله تعالى عن الراسخين في قولهم: ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتنا﴾ [آل عمران: ٨].
وكذلك كل آية فيها نسبة الهدى والضلال إلى الله ﷾.
وكذلك ما هو في معنى ذلك من التيسير لليُسرى والعُسرى وجميع ما تقدم من آيات المشيئة. وما لو أفردناه لطال، وفي الإشارة إليه كفايةٌ، فهذه جملة نبَّهتُ طالب الحق عليها.
وأما التفاصيل: فمنها قوله تعالى: ﴿إلاَّ امرأَتَه قَدَّرْناها مِنَ الغَابرينَ﴾ [النمل: ٥٧]، وفي آية: ﴿قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغَابرينَ﴾ [الحجر: ٦٠]، وقوله تعالى: ﴿وأهلَكَ إلاَّ مَنِ سَبَقَ عليه القولُ﴾ [هود: ٤٠]، وقال: ﴿إنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، وقال تعالى: ﴿الَّذي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ٣]، فحذف مفعول قدَّر وهدى لعمومها: قدَّر كل شيءٍ، ﴿إنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، وهدى كُلَّ أحد ﴿إنَّا هَدَيْناهُ السبيلَ إمَّا شاكرًا وإمَّا كَفورًا﴾ [الإنسان: ٣]، وقال: ﴿وكُلُّ شَيْءٍ عندَهُ بمِقْدارٍ﴾ [الرعد: ٨]، وقال: ﴿ما
_________________
(١) في (أ): " الرب " وهو خطأ.
[ ٦ / ١٩٦ ]
أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٢ - ٢٣].
وأكثرُ المصائب من أفعال العباد في تعادي بعضهم بعضًا وتظالمهم وتحاسُدِهم وجناياتهم، وقد تكونُ معصيةً، فتكون مكروهة من حيث قَبُحَتْ لا من حيث قُدِّرَتْ، كيمين الزور الغموس التي يحكم بسببها بحقِّ الغير، وقد لا تكون معصيةً ألبتة كفعل الخَضِر ﵇ في قتل الغُلام، وقال: ﴿قُلْ لَنْ يُصيبنا إلاَّ ما كَتَبَ الله لنا﴾ [التوبة: ٥١].
وقال في تقدير أفعال العباد خُصوصًا: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، وقال: ﴿هُوَ الَّذي يُسَيِّرُكم في البَرِّ والبَحْرِ﴾ [يونس: ٢٢]، وقال: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤] كما تقدم مع آيات المشيئة المتقدمة جميعها.
وقال: ﴿كذلك كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: ٧٦]، وقال: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى﴾ [الإسراء: ٦٩]، وقال: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ [الأحقاف: ٢٩]، وقوله: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ [الفتح: ٢٦] وليس هو (١) إلزام الأمر لعمومه، وخصوص هذا بالمؤمنين.
ومنه قراءة أُبي: ﴿وأتبعناهُم ذُرِّيَّاتِهم بإيمانٍ﴾ (٢).
ومنه التيسير لليُسرى والعسرى وما فيهما من آياتِ الهدى والضلال مثوبةً وعقوبةً كما مضى.
_________________
(١) في (ش): هذا.
(٢) وهي قراءة أبي عمرو. انظر " زاد المسير " ٨/ ٥٠.
[ ٦ / ١٩٧ ]
ومثل قوله: ﴿وفي ذلكم بلاءٌ مِنْ رَبِّكُم عَظيمٌ﴾ [البقرة: ٤٩] بعد قوله: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩].
وقال: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الفتح: ١٥].
وقال في تقدير المعاصي خُصوصًا: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٤].
وقال في هود وفي السجدة: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩]، [السجدة: ١٣].
وقال على جهة التعيين لواحد مخصوص: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥]، وقال: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ إلى ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ٧ - ١٢].
وقال في تقدير أفعال العباد: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف: ٤١].
وقال حكاية عن نبيه يعقوب ﵇. ﴿يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ (١) [يوسف: ٦٧ - ٦٨].
وقال في يحيى بن زكريا: ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾ [مريم: ١٥] وعيسى
_________________
(١) قوله: " إن الحكم إلاَّ لله من شيء " ليس في الأصول.
[ ٦ / ١٩٨ ]
كذلك، وهو في يحيى أوضح، لأنه لم يقل أحد: إنه كان كامل العقل يومئذ، وذلك دليل على سبق القدر للعمل.
وقال: ﴿كَتَبَ الله لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلي﴾ [المجادلة: ٢١]، وقال: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٨] فعلَّلَ نجاتهم من العذاب بسبق الكتاب، وهو عين ما يمنع منه الخصوم.
وعن سعد بن أبي وقَّاص: أرجو أن تكون رحمةٌ من الله سبقت لنا. رواه الحاكم (١) وقال: على شرط الشيخين.
وقال: ﴿إنَّ الذينَ سَبَقَتْ لَهُم مِنَّا الحُسْنَى﴾ [الأنبياء: ١٠١].
وجاء بتعليل أفعال الله، وهي اختياريةٌ بكلماته الواجبة كقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [يونس: ١٩].
وكذلك تعليلُ أفعال العباد الاختيارية، كقوله: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٣٣] هذا مع قوله تعالى: ﴿لا تبديلَ لِكلماتِ الله﴾ [يونس: ٦٤] وليس المراد به إلاَّ هذه.
أما كلمات كتبه الشرعية، فقد نصَّ على تبديلها، قال تعالى: ﴿وإذا بَدَّلْنا آيةً مَكانَ آيةٍ﴾ [النحل: ١٠١]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧]، وفي معناها قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يونس: ١٣]، وقال: ﴿والله
_________________
(١) ٢/ ٣٢٩ من طريق زكريا بن عدي، عن عبيد الله بن عمرو الرقي، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عمرو بن مرة، عن خيثمة بن عبد الرحمن بن أبي سبرة، عن سعد. وأورده السيوطي في " الدر المنثور " ٤/ ١١٠، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، وابن مردويه، وابن عساكر.
[ ٦ / ١٩٩ ]
يحكمُ لا مُعَقِّبَ لحُكْمِهِ﴾ [الرعد: ٤١].
وقال في تأثير أفعال العباد الاختيارية: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾، [الفتح: ٢٤]، وقال: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣]، وقال: ﴿إنَّا فَتَحْنَا لك فَتْحًَا مُبينًا﴾ إلى ﴿ويُعَذِّبَ المنافقين﴾ [الفتح: ١ - ٦] الآية.
وفي معناها: ﴿إنَّا عَرَضْنا الأمانة﴾ إلى آخر السورة: [الأحزاب: ٧٢ - ٧٣]، وقال: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ [المعارج: ١ - ٢] وقال: ﴿إنَّ الإنسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج: ١٩] الآية، وقال: ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) كَلَّا﴾ [المعارج: ٣٨ - ٣٩]، وقال: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة: ٤٩]، وقال: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ [هود: ٣٦ - ٣٧]، وقال: ﴿يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٦] وفيه جواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة.
وقال: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٩٤ - ٩٥]، وقال: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الإسراء: ٥٨].
وقال في يحيى بن زكريا: ﴿وسلامٌ عليهِ يومَ وُلِدَ﴾ [مريم: ١٥]، وفي عيسى بن مريم مثل ذلك.
[ ٦ / ٢٠٠ ]
وذلك مثلُ حديث " السعيد من سَعِدَ في بطن أمِّه " (١) على أنه مُفسَّرٌ بحديث ابن مسعود المتفق على صحته كما يأتي في الأخبار، وليس كما تظُنُّه الجبرية.
وقال: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٨ - ٧٩].
وقوله في آخر هذه: ﴿فمِنْ نَفْسِكَ﴾ محمولٌ على السبب الذي سبق من الربِّ تقديره بدليل قوله: ﴿ما أصابَكَ﴾ ولو كان معصية لقال: ما أصَبْتَ كما ذلك معروف، فهو كقوله تعالى: ﴿ما أصابَ من مُصيبةٍ إلاَّ بإذنِ اللهِ﴾ [الحديد: ٢٢].
وقوله تعالى: ﴿وفي ذلِكُمْ بَلاءٌ من ربِّكم عظيمٌ﴾ بعد قوله: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩].
وقوله: ﴿وليس بِضارِّهم شيئًا إلاَّ بإذنِ الله﴾ [المجادلة: ١٠] وإنما نسبه إلى العبد، لأنه حدث من العبد فعل سببه واختياره.
ونظيره قوله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥) وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ [آل عمران: ١٦٥ - ١٦٧].
فجمعت هذه الآية مذاهب أهل السنة في تقدير أفعال العباد الاختيارية بقوله: ﴿مِنْ عندِ أنفُسِكم﴾ وسبق تقديرها من الله تعالى بقوله: ﴿فبإذن الله﴾.
_________________
(١) سيأتي تخريجه ص ٤١٧. وحديث ابن مسعود سيأتي ص ٣٩٤.
[ ٦ / ٢٠١ ]
وبيانُ تعليل القدر بالحكمة في قوله: ﴿ولِيَعْلَمَ﴾ يدل على أن الإذن هنا الإرادة بدليل هذا التعليل، فإن الإذن لا يُعَلَّلُ، فدلَّ على أن الإذن ليس بمعنى العلم.
وقد بيَّنه الله ﷿ في قوله: ﴿ثُمَّ صَرَفَكم عنهم لِيبتلِيَكُم﴾ [آل عمران: ١٥٢]، ومثلها: ﴿هُوَ الَّذي كَفَّ أيْدِيَهُمْ عنكُم وأيديَكُم عنهم﴾ [الفتح: ٢٤].
وفي " الضياء " ما يدلُّ على أن الإذن إذا كان من العلم كان بفتح الهمزة، وفتح الذال المعجمة (١)، ويُقَوِّيه: أن عادتهم التفريق بين المصادر التي أفعالها متماثلة مشتبهة.
وقوله: ﴿وجعلناهُم أئمةً يَدْعُونَ إلى النَّار﴾ [القصص: ٤١] وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾ [الأنعام: ١٢٣]، وقوله: ﴿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٦]، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢٢١]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤]، وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [الأنعام: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾ [النمل: ٨٥]، وقال: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [الشعراء: ٢٠٠ - ٢٠١]، وقال: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦١ - ١٦٣]، وقال: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ١ - ٣] إلى آخر
_________________
(١) ذكره نشوان بن سعيد الحميري في " شمس العلوم " ١/ ٧٤، و" الضياء " المذكور هو " ضياء الحلوم المختصر من شمس العلوم " لولده محمد.
[ ٦ / ٢٠٢ ]
السُّورة، وقال: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ١ - ٦]، وقال: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢) وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [الروم: ٥٢ - ٥٣]، وقال: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾ [الحشر: ٣]، وقال: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: ٨]، ونوره هنا يتعلق بأفعال المؤمنين من الهدى، وذلك يتوقف على اختيارهم مع أن تمامه منسوب إلى الله تعالى على جهة القطع.
ومثله قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف: ٩]، وقال: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [الأنفال: ٤٤]، وقال: ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٢]، وقال: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج: ٤]، وقال: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٧١]، وهي من أوضح الأدلة على مذهب أهل السنة في صحة الجمع بين نفوذ القضاء ونفي الجبر، لأنه لا يصح الجبر في حق الرب سبحانه إجماعًا.
وقال: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ (١) رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر: ٦]، وقال: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [طه: ١٢٩]، وقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ
_________________
(١) بالألف على الجمع، وهي قراءة نافع وابن عامر، وقرأ الباقون (كلمة). " حجة القراءات " ص ٦٢٧.
[ ٦ / ٢٠٣ ]
مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩].
ومثل آخرها: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ الآية [السجدة: ١٣] والإشارة بذلك إلى الاختلاف بدليل أول الآية وآخرها وسائر نصوص كتاب (١) الله البينة.
وقال الله تعالى: ﴿ولَوْ شَاءَ الله لَجَمَعَهُم على الهُدى﴾ [الأنعام: ٣٥]، وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩]، وقوله: ﴿ولا يزالُونَ مُختلفين﴾ [هود: ١١٨]، ولأن وقوعه هو المعلوم ضرورةً.
وقد ثبت أن ما أراده الله وقع، وقد جوَّزه الإمام المنصور بالله ﵇ في " المجموع المنصوري "، وذكر فيه وجهًا لطيفًا، وهو أن يكون المراد: خلق أولياءه لمخالفة أعدائه، وشرط في صحة هذا أن تكون " إلاَّ " بمعنى (٢) الواو.
ويُقوِّي الوجه اللطيف الذي ذكره ما ذكرتُه في هذا الكتاب في مرتبة الدواعي في تفسير قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُم أيُّكم أحسنُ عملًا﴾ [الملك: ٢]، وكذا ذكر الزمخشري في " كشَّافه " (٣): إشارة إلى ما دل ﵇ الأول وتضمنه، يعني: ولذلك التمكين والاختيار الذي كان فيه الاختلاف خلقهم ليُثيب مختار الحق بحُسْنِ اختياره، ويعاقب مختار الباطل بسوء اختياره. انتهى.
وقد ألمَّ هذا الموضع بمذهب الأشعرية في صرف إرادة الله المتعلقة بأفعال العباد إلى (٤) تعليقها بأفعال الله تعالى على ما مر تقريره في مسألة الإرادة.
وفي قوله تعالى: ﴿وتمَّتْ كلمةُ ربِّكَ لأَمْلأنَّ﴾ [هود: ١١٩] لقوله في غيرها: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ [السجدة: ١٣] دليلٌ واضح
_________________
(١) ساقطة من (أ).
(٢) في (أ): معنى.
(٣) ٢/ ٢٩٨ - ٢٩٩.
(٤) في (أ): التي.
[ ٦ / ٢٠٤ ]
على أن هذا مراد لله (١) تعالى أصيلٌ اقتضته حكمةٌ بالغة حتى حقَّ به قوله الحق، وتمت (٢) به كلمته الصدق، ولا تبديل لقوله، ولا مُعَقِّب لحكمه.
ولو كان أمرًا مضادًّا لمراده تعالى، ما حَسُنَ في لغة العرب وروده بهذه الصيغ، ولكن نعلم قطعًا أنه لا يريد الشر لكونه شرًا، بل يُريده لخيرٍ وحكمةٍ، وذلك هو تأويله الذي لا يعلمه إلاَّ هو سبحانه، أو من شاء أن يخُصَّه من خلقه ﷾.
ويدل على القول الأول ما ذكره الله من جعله لكل نبي عدوًّا شياطين الإنس والجن، وسائر ما تقدم من أنه لو شاء، لهدى الناس جميعًا، ومِنْ جعلِهم أمة واحدة ونحو ذلك.
ويدل عليه قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢١٣].
فقوله: ﴿بإذنه﴾ يتعلق بـ " اختلفوا "، والضمير فيه يرجع إلى غير المؤمنين، والقرائن واضحةٌ في ذلك، وهذا الحق هو الإسلام لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩]، ولقوله: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤].
فدلَّ ذلك، على أن الحق التوحيد وعبادة الله وحده، والإشاره بالاختلاف إلى من خالف في شيءٍ من ذلك.
_________________
(١) في (أ): مراد الله.
(٢) في (ش): ومضت.
[ ٦ / ٢٠٥ ]
ونحو (١) ما تقدم قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي﴾ [آل عمران: ٧٩] الآيات.
وعن ابن عباس: كانوا على الإيمان (٢). قال الهيثمي في " مجمع الزوائد ": رواه أبو يَعْلى والطبراني ورجال أبي يعلى رجال الصحيح. انتهى.
وجعله الزمخشري (٣) المختار من الوجهين.
والوجه الثاني: أن المراد كانوا على الكُفْرِ (٤).
_________________
(١) في (أ): ونحو ذلك.
(٢) أخرج أبو يعلى (٢٦٠٦)، والطبراني (١١٨٣٠) من طريق شيبان بن فروخ، حدثنا همام، حدثنا قتاده، عن عكرمة، عن ابن عباس في قول الله ﷿: ﴿كان الناسُ أمةً واحدةً﴾ قال: على الإسلام كُلّهُم. وذكره الهيثمي في " المجمع " ٦/ ٣١٨ وقال: ورجال أبي يعلى رجال الصحيح. وأورده السيوطي في " الدر المنثور " ١/ ٥٨٢ وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم. وأخرج الطبري في " تفسيره " (٤٠٤٨)، والحاكم ٢/ ٥٤٦ من طريق محمد بن بشار، عن أبي داود، عن همام، عن قتادة (وفي الطبري: " عن همام بن منبه " وهو خطأ)، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان بين نوح وآدم عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله: " كان الناس أمة واحدة فاختلفوا ". وصححه الحاكم على شرط البخاري ووافقه الذهبي، وليس كما قالا، فأبو داود -وهو سليمان بن داود الطيالسي- من رجال مسلم ولم يرو له البخاري إلا تعليقًا. وزاد السيوطي نسبته إلى البزار -وذكره الهيثمي ٦/ ٣١٨ - ٣١٩ - وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
(٣) ١/ ٣٥٥.
(٤) رُوي عن ابن عباس من طريق عطية العوفي، وهو ضعيف. انظر " زاد المسير " ١/ ٢٢٩، و" الدر المنثور " ١/ ٥٨٣.
[ ٦ / ٢٠٦ ]
قلت: والذي يوضح الأول قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ١٤] بعد قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] وفي اختلاف بني إسرائيل آيةٌ أصرح منها.
وأيضًا فلن يجتمع الناس مع بقاء كثرتهم واختلاف فِطَنِهم وطبائعهم وإسلامهم على كُفرٍ ولا إسلام.
وقد حكى الله اختلاف الملائكة في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [ص: ٦٩].
وجاء في الحديث الصحيح: اختلافهم في الذي قتل مئة نفسٍ ثم تاب (١).
واختلف الخَضِرُ وموسى (٢)، وسليمان وداود (٣)، وآدم وموسى (٤)، بل قال الله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] وأمثالها.
فدلَّ على أن الاختلاف من لوازم الاختيار فيما يوجب الاجتماع عادةً، ولا يقع غير ذلك عادةً، كما لا يجتمعون على مأكولٍ واحد دون سائر الأطعمة، ولا على اختيار بلد ولا صناعة إلاَّ أن يشاء الله، لكن قد أخبر الله أنه لا يُريدُ جمعهم على الكُفْر، وذلك بَيِّنٌ في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣]. الآية.
_________________
(١) تقدم تخريجه في ١/ ٢١٩.
(٢) تقدم تخريجه في ١/ ٢١٨.
(٣) يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾.
(٤) تقدم تخريجه في ١/ ٢١٨.
[ ٦ / ٢٠٧ ]
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٢٧].
وكيف يُخلي الله الخلق من عباده الصالحين، وهم ثمرة خلق العالمين، ولذلك تقوم القيامة عند فقدهم كلهم كما ورد مرفوعًا، ولولاهم ما خلق الخلق بدليل قوله للملائكة بعد ظهور صلاح آدم لهم: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٣٣] فإنه نقض عليهم بذلك ما ظنُّوا من فساد جميع الآدميين الذي هو شرٌّ محض لا خير فيه، وهو القبيح عقلًا، أما وجود شر لخير فيه ذلك (١) الخير هو المقصود من ذلك الشر، فلا قُبْحَ فيه على ما أوضحته في تفسير قوله تعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدون﴾ [الذاريات: ٥٦]، كما تقدم بيان مذهب الأشعرية في المشيئة.
وأيضًا فلم يجتمع الخلق على الكفر قطُّ لوجود الأنبياء في المتقدمين وكثرتهم، فقد جاء في الحديث " أنهم مئة وعشرون ألف نبيٍّ " صلوات الله عليهم وسلامه (٢).
_________________
(١) في (أ): لا لخير خير فيه ذلك.
(٢) أخرجه ابن حبان في صحيحه (٣٦١) وفي " المجروحين " ٣/ ١٣٠، وأبو نعيم في " الحلية " ١/ ١٦٦ - ١٦٨ من طريق إبراهيم بن هشام بن يحيى بن يحيى الغساني، عن أبيه، عن جده، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر مطولًا. وإسناده ضعيف جدًا، فإبراهيم بن هشام كذّبه أبو حاتم وأبو زرعة، وقال الذهبي: متروك. وأخرجه ابن عدي في " الكامل " ٧/ ٢٦٩٩، وابن حبان في " المجروحين " ٣/ ١٢٩، والحاكم ٢/ ٥٩٧، والبيهقي ٩/ ٤، وأبو نعيم في " الحلية " ١/ ١٦٨ - ١٦٩ من طرق عن يحيى بن سعيد السعدي، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن أبي ذر بلفظ: " مئة ألف نبي وأربعة وعشرون ألف نبي "، ويحيى بن سعيد هذا قال ابن حبان في " المجروحين " ٣/ ١٢٩: شيخ يروي عن ابن جريج المقلوبات، وعن غيره من الثقات الملزقات، لا يحل الاحتجاج به إذا انفرد. وقال ابن عدي: ويحيى بن سعيد يعرف بهذا =
[ ٦ / ٢٠٨ ]
ويشهد بذلك قوله في الآية: ﴿وما اختلَفَ فيه إلاَّ الذينَ أُوتوه﴾ [البقرة: ٢١٣] والضمير في قوله: ﴿فيه﴾ راجعٌ إلى الحق.
_________________
(١) = الحديث، وهذا حديث منكر من هذا الطريق عن ابن جريج. وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه، وليس بمشهور بالنقل. وأخرج أحمد ٥/ ٢٦٥ - ٢٦٦، والطبراني (٧٨٧١) من طريق معان بن رفاعة عن علي بن يزيد، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة قال: كان رسول الله - ﷺ - جالسًا وكانوا يظنون الوحي ينزل عليه فأقصروا عنه حتى جاء أبو ذر، فاقتحم، فأتاه فجلس إليه فأقبل عليه فقال: يا أبا ذر وذكر حديث أبي ذر الطويل، وفيه عدة الأنبياء: " مئة ألف وأربعة وعشرون ألفًا ". قال ابن كثير في " تفسيره " ١/ ٦٠٠ بعد أن نقله بإسناده عن ابن أبي حاتم: معان بن رفاعة السلامي ضعيف، وعلي بن يزيد ضعيف، والقاسم أبو عبد الرحمن ضعيف أيضًا. وقال الهيثمي في " المجمع " ١/ ١٥٩: ومداره على علي بن يزيد وهو ضعيف. وأخرج أبو يعلى (٤٠٩٢) و(٤١٣٢)، والحاكم ٢/ ٥٩٧ و٥٩٨، وأبو نعيم ٣/ ٥٣ من طرق عن يزيد الرقاشي، عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: " بعث الله ثمانية آلاف نبي: أربعة آلاف إلى بني إسرائيل، وأربعة آلاف إلى سائر الناس "، وإسناده ضعيف لضعف يزيد الرقاشي وغيره. وانظر " مجمع الزوائد " ٨/ ٢١٠ و٢١١. وأخرجه ابن كثير في " تفسيره " ١/ ٥٩٩ - ٦٠٠ من طريق محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا أحمد بن طارق، حدثنا مسلم بن خالد، حدثنا زياد بن سعد، عن محمد بن المنكدر، عن صفوان بن سليم، عن أنس. وقال: وهذا كرب من هذا الوجه وإسناده لا بأس به رجاله كلهم معروفون إلاَّ أحمد بن طارق هذا، فإني لا أعرفه بعدالة ولا جرح. قلت: قد تابعه زكريا بن عدي عند أبي نعيم ٣/ ١٦٢. وأخرج الحاكم ٢/ ٥٩٧ من طريق مجالد، عن أبي الوداك، عن أبي سعيد الخدري قال: قال النبي - ﷺ -: " إني خاتم ألف نبي أو أكثر ". قال الذهبي في " ملخصه ": مجالد ضعيف. وأخرج البزار (٣٣٨٠) من طريق مجالد، عن الشعبي، عن جابر نحوه. قال الهيثمي في " المجمع " ٧/ ٣٤٧: فيه مجالد بن سعيد وقد ضعفه الجمهور وفيه توثيق.
[ ٦ / ٢٠٩ ]
وقد قُصِرَ الاختلاف فيه على الذين أوتوا الكتاب فدلَّ بمفهومه على نفي الاختلاف في الحق عمَّن قبلهم، وكذا مفهومُ قوله: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ [يونس: ١٩].
ولعل ذلك الاجتماع إنما كان بسبب الابتلاء، فلما نزل الكتاب بالابتلاء، وقع الاختلاف بسبب الابتلاء (١)، لا بسبب نزول الكتاب، ألا ترى أن الملائكة غيرُ مختلفين بسبب عدم الابتلاء بدليل قصة هاروت وماروت.
ولو سلمنا أن الإشارة في قوله: ﴿ولذلك خَلَقَهم﴾ [هود: ١١٩] إلى الرحمة لَزِمَ منه أن الضمير في خلقهم راجع إلى من رَحِمَ لا إلى المختلفين ولا إلى الجميع.
كما أنه إذا صح أن الإشارة فيه إلى الاختلاف كان الضمير راجعًا إلى المختلفين، لا إلى المرحومين الذين استثناهم الله تعالى.
وبالجملة فالضمير لا يرجع إلى جميع المذكورين قبل الاستثناء وبعده، لأن حكمهم مختلف، فالضمير ليس من ألفاظ العموم، والأمور المقدرة يجب الاقتصار فيها على الضرورة، ولا يُضْمَرُ أكثر من الحاجة، فتأمل ذلك، فإنه مفيدٌ ولله الحمد.
وعلى هذا التقدير يزولُ الإشكالُ على كل تقديرٍ، ولا يلزم أن الله تعالى أراد خلاف ما علم، لأنه إذا عاد الضمير إلى المرحومين، ووقعت الإشارةُ إليهم، فقد علم الله أنهم من أهل الرحمة وخلقهم لذلك، ولا بُدَّ (٢) من حكمة الله تعالى في الجميع، في خلق السعداء للرحمة جليةً، وفي خلق الكفار للاختلاف خفيَّةً، وما أحسن كلام المنصور بالله ﵇ المقدم في ذلك، ويمكن أن
_________________
(١) من قوله: " فلما " إلى هنا ساقط من (أ).
(٢) تحرفت في (ش): إلى: ولأنه.
[ ٦ / ٢١٠ ]
تكون الإشارةُ إلى الجميع، أعني: الرحمة والاختلاف، والضمير للجميع أي: خلق المرحومين للرحمة وغيرهم للاختلاف.
ومما يُصادِمُ مذهب المعتزلة مصادمة النصوص الصريحة قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨].
والمعتزلة تأوَّلوا جميع هذا تارة بأن الإضلال بمعنى العقاب وتارة بمعنى الحكم، وتارةً بما فيه تعسُّفٌ.
والجواب من وجوه:
الأول: النزاع في المُوجِبِ للتأويل من الأصل.
والثاني: دعوى العلم الضروري لمن بحث عن أحوال السلف أنهم كانوا لا يتأولون شيئًا من ذلك، وبيان هذا يحصُلُ بتأويل ما يأتي من الأخبار المتواترة الآن.
الثالث: أن تأويلاتهم وإن تَمَشَّتْ في بعض المواضع فإنها لا تمشي في كثيرٍ منها إلاَّ بتعسُّفٍ معلوم البطلان، كما تقدم بيانه في مرتبة الإرادة، وكذلك تقدم إيضاح الوجه الأول والثاني فيها ولله الحمد.
أما الأحاديث وآثار الصحابة والسلف في الإيمان بالقدر، فلا سبيل إلى استقصائها، وهي على كثرتها تنحصِرُ في قسمين:
أحدهما: ما يدلُّ على ثبوت القدر وصحته.
وثانيها: ما يدلُّ على وجوب الإيمان به، وذمِّ من كذَّب به، وأنا أُورد في كل قسمٍ ما تيسَّر لي وقت تعليق هذا الجواب من غير إسهاب ولا استيعاب، وأتركُ الكلام على أسانيد ما نقلته من الكتب الستة لشهرتها، وأُنَبِّهُ على ما في
[ ٦ / ٢١١ ]
إسناد الحديث الذي من غيرها ليتمكَّن من البحث عنه في كتب الرجال من كان أهلًا لذلك.
وجملة ما تيسَّر لي تعليقه في هذا مئتا حديثٍ، بل أكثر من مئتين كما تراه، فمنها في القسم الأول مئة ونَيِّفٌ وخمسون وفي القسم الثاني سبعون، وهذا زائدٌ على التواتر، فللهِ الحمد والمنة.
القسم الأول: ما يدلُّ على صحته على جهة الاستظهار وإلا فقد تقدم من قواطع القرآن والبرهان ما يُغني عن الزيادة في البيان.
الحديث الأول: عن عليِّ بن أبي طالب رضوان الله عليه قال: كنا في جنارةٍ في بقيع الغَرْقَد، فأتانا رسول الله - ﷺ -، فقعد وقعدنا حوله، ومعه مِخْصَرَةٌ فنكَّس وجعل يَنْكُتُ بمِخصرتِه، ثم قال: " ما منكم من أحدٍ إلاَّ وقد كُتِب مقعدُه من النار، ومقعده من الجنة " فقالوا: يا رسول الله، أفلا نَتَّكِلُ على كتابنا؟ فقال: " اعملوا فكُلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له، أمَّا من كان من أهل السعادة فسيصير لعمل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاء، فسيصير لعمل الشقاء، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠] (١).
رواه البخاري ومسلم في " صحيحيهما "، والأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة الحديث، والمعنى متقاربٌ، ورواه النسائي.
ذكرها المزي في " أطرافه " (٢)، ولم يذكرها أبو القاسم بن عساكر.
_________________
(١) تقدم تخريجه في ص ٢٨١. وقوله: " مخصرة ": هو ما أخذه الإنسان بيده واختصره من عصا لطيفة، وعكاز لطيف، و" نكس " -بتخفيف الكاف وتشديدها- أي: خفض رأسه وطأطأه إلى الأرض على هيئة المهموم، و" ينكت " أى: يخط بها خطًا يسيرًا مرة بعد مرة وهذا فعل المفكر المهموم.
(٢) ٧/ ٣٩٨ - ٣٩٩.
[ ٦ / ٢١٢ ]
ولعليٍّ ﵇ ستة أحاديث في إثبات القدر على مذهب السلف وأهل السنة تأتي متفرقة، وإنما نَبَّهْتُ على ذلك لدعوى المعتزلة أنهم على مذهبه ﵇، وسيأتي تطابق الروايات عند تبيين ذلك من طريق أهل البيت وطريق أهل الحديث كما مر مثل ذلك في المشيئة، فقد تواتر عنهم براءته من رأيهم ولله الحمد والمنة.
الحديث الثاني: عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁، قال: جاء سراقة بن مالك، فقال: يا رسول الله بيِّنْ لنا ديننا كأنَّا خلقنا الآن، فِيمَ العمل اليوم؟ قال: " بما جَفَّتْ به الأقلام وجرت به المقادير " قال: ففيم العمل؟ قال: " اعملوا فكل ميسر لما خلق له، وكل عاملٍ بعمله " أخرجه مسلم في " الصحيح " (١).
الثالث: عن عمران بن الحصين ﵁ قال: قال رجلٌ: يا رسول الله، أعُلِمَ أهل الجنة من أهل النار؟ قال: " نعم "، قال: ففيم يعمل العاملون؟ قال: " كل ميسر لما خلق له ". أخرجه مسلم وأبو داود.
وفي رواية البخاري نحوه، وزاد أن النبي - ﷺ - تلا: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٧ - ٨] (٢).
الرابع: عن ابن عمر ﵄، قال عمر يا رسول الله، أرأيت ما نعمل، فيه أمرٌ مُبتدأ، أو فيما قد فُرِغَ منه؟ فقال: "فيما قد فُرِغ يا ابن الخطاب، وكل مُيَسَّرٌ، أما من كان من أهل السعادة فإنه يعمل للسعادة، وأما من كان من
_________________
(١) أخرجه أحمد ٣/ ٢٩٢ و٢٩٣ و٣٠٤ وابنه عبد الله في " السنة " (٨٥٧)، والطيالسي (١٧٣٧)، ومسلم (٢٦٤٨)، وابن حبان (٣٣٧)، والآجري في " الشريعة " ص ١٧٤، والبغوى (٧٤)، وسيأتي برقم (٨٩) بزيادة.
(٢) تقدم تخريجه ص ٢٨١.
[ ٦ / ٢١٣ ]
أهل الشقاوة فإنه يعمل للشقاوة" (١).
وفي رواية قال: لما نزلت ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥] سألتُ رسول الله - ﷺ - فقلت: فعلام نعمل؟ وساق نحو الأولى (٢). خرجه الترمذي، وقال: حسن صحيح. قال: وفي الباب عن علي، وحذيفة بن أسيد، وعمران بن حصين، وأنس ﵃.
وخرج أبو داود معنى الأول من حديث ابن عمر، عن أبيه عمر ﵄ في حديث جبريل ﵇ في الإيمان بالقدر خيره وشره (٣).
الخامس: عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: حدثنا رسول الله - ﷺ -، وهو الصادق المصدوق: "إن خلق أحدكم يُجمع في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقةً مثل ذلك، ثم يكون مضغةً مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه مَلَكًا بأربع كلمات، بِكَتْبِ رزقه وأجله وعمله، وشقي أو سعيد، ثم يُنفخ فيه الروح، فوالذي لا إله غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينها وبينه إلاَّ ذراعٌ، فيَسْبِق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى لا يكون بينه وبينها إلاَّ ذراعٌ، فيسبق
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢١٣٥) وسيأتي تخريجه برقم (٨٤).
(٢) أخرجه الترمذي (٣١١١)، والطبري (١٨٥٧١)، وابن أبي عاصم في " السنة " (١٧٠) و(١٨١). وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. قلت: فيه سليمان بن سفيان وهو ضعيف. وذكره السيوطي في " الدر المنثور " ٤/ ٤٧٥ وزاد نسبته إلى أبي يعلى، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه.
(٣) أخرجه أحمد ١/ ٢٧، وأبو داود (٤٦٩٦)، ومسلم (٨) (٣). ولم يذكر نصه مسلم، وإنما عزاه إلى الحديث الطويل وقال: وفيه شيء من زيادة.
[ ٦ / ٢١٤ ]
عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها"، أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود (١).
ويقارب معناه من كتاب الله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ﴾ [النبأ: ٢٩] كما في التفسير في قوله تعالى في لقمان: ﴿وما تَدْري نَفْسٌ ماذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤] وأما آيات الأقدار فقد مضت والله سبحانه أعلم.
السادس: عن عامر بن واثلة، عن النبي - ﷺ - نحوه. خرجه مسلم (٢).
السابع: عن عمر ﵁ بحديث نحو هذا في تفسير قوله تعالى: ﴿وإذْ أخَذَ ربُّك مِنْ بَني آدمَ﴾ الآية [الأعراف: ١٧٢] رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم. وابن حبان في " صحيحه " عن مالك، عن زيد بن أبي أُنيسة، أن [عبد الحميد بن] الرحمن بن زيد بن الخطاب أخبره عن مسلم بن يسارٍ الجهني، أن عمر سأل عن هذه الآية ﴿وإذْ أخَذَ ربُّك﴾ [الأعراف: ١٧٢] الحديث بطوله كما يأتي في مسألة الأطفال.
وفيه مرفوعًا: " إذا خلق الله العبد للجنة، استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عملٍ من أعمال أهل الجنة يُدخله به، وإذا خلقه للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عملٍ من أعمال أهل النار، فيدخله به النار " (٣).
_________________
(١) تقدم تخريجه في ٢/ ٣٨٨، وانظر تخريجه أيضًا في " صحيح ابن حبان " (٦١٧٤).
(٢) الحديث حديث حذيفة بن أسيد الغفاري، رواه عنه عامر بن واثلة. وسيأتي تخريجه ص ٣٩٤.
(٣) أخرجه مالك في " الموطأ " ٢/ ٨٩٨ - ٨٩٩ ومن طريقه أحمد ١/ ٤٤ - ٤٥، وأبو داود (٤٧٠٣)، والترمذي (٣٠٧٥)، والنسائي في " الكبرى " كما في " التحفة " ١١٤٨، والطبري في " جامع البيان " (١٥٣٥٧)، وفي " التاريخ " ١/ ١٣٥، واللالكائي (٩٩٠)، والآجري =
[ ٦ / ٢١٥ ]
هكذا هو في " الموطأ "، وقال الترمذي: حديثٌ حسن، ومسلم بن يسار لم يسمع من عمر، وكذا قال أبو حاتم وأبو زرعة، زاد أبو حاتم: وبينهما نُعيم بن ربيعة (١). وكذلك رواه أبو داود من طريق عمر بن خَثْعم، فأدخل بينهما نعيم بن ربيعة (٢).
قال الدارقطني وتابع عمر بن خثعم على ذلك أبو فروة يزيد بن سنان الرهاوي، وقولهما أولى بالصواب من قول مالك (٣).
_________________
(١) = ص ١٧٠، وابن أبي حاتم كما في " تفسير ابن كثير " ٢/ ٢٧٣، وابن حبان (٦١٦٦)، والحاكم ١/ ٢٧ و٢/ ٣٢٤ - ٣٢٥ و٥٤٤ - ٥٤٥، والبيهقي في " الأسماء والصفات " ص ٣٢٥، والبغوي في " شرح السنة " (٧٧)، وفي " معالم التنزيل " ٢/ ٢١١ و٥٤٤. وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي في الموضع الأول منه بقوله: فيه إرسال، ووافقه في الموضعين الآخرين مع أن فيه مسلم بن يسار الجهني راويه عن عمر لم يرو عنه غير واحد، ولم يوثقه غير ابن حبان والعجلي، وهو من رجال أبي داود والترمذي والنسائي، وأخطأ الألباني في تحقيق " المشكاة " (٩٥). فعدَّه من رجال الشيخين، ثم هو لم يسمع من عمر فيما قاله غير واحد من الأئمة. وقال الترمذي: هذا حديث حسن، ومسلم بن يسار لم يسمع من عمر، وقد ذكر بعضهم في هذا الإسناد بين مسلم بن يسار وبين عمر رجلًاَ.
(٢) انظر " تفسير ابن كثير " ٣/ ٥٠٣.
(٣) أخرجه أبو داود (٤٧٠٤)، والطبري (١٥٣٥٨) من طريق عمر بن جُعْثُم، وابن عبد البر في " التمهيد " ٦/ ٤ و٤ - ٥ من طريق أبي عبد الرحيم الحراني، كلاهما عن زيد بن أبي أنيسة، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن مسلم بن يسار، عن نعيم بن ربيعة، قال: كنت عند عمر بن الخطاب وقد سئل عن هذه الآية
(٤) نص كلام الدارقطني في " العلل " ٢/ ٢٢٢ لما سئل عن الحديث: يرويه زيد بن أبي أنيسة، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، عن مسلم بن يسار، عن نعيم بن ربيعة، عن عمر. حدث عنه كذلك يزيد بن سنان أبو فروة الرهاوي. وجود إسناده ووصله. قلت: ورواية يزيد هذه أخرجها محمد بن نصر في كتاب " الرد على محمد بن الحنفية " كما في " النكت الظراف " ٨/ ١١٣. وذكرها البخاري في " التاريخ الكبير " ٨/ ٩٧. =
[ ٦ / ٢١٦ ]
الثامن: عن أنس أن رسول الله - ﷺ - قال: " وكَّل الله بالرَّحم مَلَكًا يقول: أي ربِّ نُطفةٌ، أي ربِّ عَلَقةٌ، أي ربِّ مُضْغَةٌ، فإذا أراد الله أن يقضي خلقها، قال: يا ربِّ أذكرٌ أم أُنثى؟ أشقي أم سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ وكتب ذلك في بطن أمه ". أخرجه البخاري ومسلم (١).
التاسع: عن طاووسٍ قال: أدركت ناسًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - يقولون: كل شيءٍ بقَدَرٍ، وسمعتُ ابن عمر يقول: قال رسول الله - ﷺ -: " كل شيء بقدر حتى العجز والكَيْسُ " (٢). خرجه مالك ومسلم في " الصحيح " (٣).
_________________
(١) = قال الدارقطني: وخالفه مالك بن أنس، فرواه عن زيد بن أبي أنيسة، ولم يذكر في الإسناد نعيم بن ربيعة، وأرسله عن مسلم بن يسار، عن عمر. وحديث يزيد بن سنان متصل، وهو أولى بالصواب والله أعلم. قلت: يزيد بن سنان ضعيف. وقال الحافظ ابن كثير: الظاهر أن الإمام مالكًا إنما أسقط ذكر نعيم بن ربيعة عمدًا لما جهل حال نعيم ولم يعرفه، فإنه غير معروف إلاَّ في هذا، ولذلك يسقط ذكر جماعة ممن لا يرتضيهم، ولهذا يرسل كثيرًا من المرفوعات، ويقطع كثيرًا من الموصولات، والله أعلم. وقال ابن عبد البر في " التمهيد " ٦/ ٣ تعليقًا على حديث مالك: هذا الحديث منقطع بهذا الإسناد، لأن مسلم بن يسار هذا لم يلق عمر بن الخطاب، وزيادة من زاد فيه نعيم بن ربيعة ليست حجة، لأن الذي لم يذكره أحفظ، وإنما تقبل الزيادة من الحافظ المتقن، وجملة القول في هذا الحديث أنه حديث ليس إسناده بالقائم، لأن مسلم بن يسار ونعيم بن ربيعة جميعًا غير معروفين بحمل العلم، ولكن معنى هذا الحديث قد صح عن النبي - ﷺ - من وجوه كثيرة ثابتة يطول ذكرها. قلت: قد تقدم بعض شواهده.
(٢) أخرجه أحمد ٣/ ١٤٨، والبخاري (٣١٨) و(٣٣٣٣) و(٦٥٩٥)، ومسلم (٢٦٤٦)، والآجري ص ١٨٤.
(٣) في (ش): " والكبر "، وهو خطأ.
(٤) أخرجه مالك في " الموطأ " ٢/ ٨٩٩، ومن طريقه أحمد ٢/ ١١٠، وابنه عبد الله في =
[ ٦ / ٢١٧ ]
العاشر: عن عامر بن واثلة أنه سمع ابن مسعودٍ يقول: الشقيُّ من شقي في بَطْنِ أُمِّه، والسعيد من وُعِظَ بغيره، وسمع من حُذيفة بن أسيدٍ الغِفاري نحو ذلك (١). أخرجه مسلم في أول الحديث (٢)، وقد أشرت إليه بعد حديث ابن مسعود.
الحادي عشر: عن أنسٍ قال: قال رسول الله - ﷺ -: " إذا أراد الله بعبدٍ خيرًا استعمله " فقال: كيف يستعمله؟ قال: " يُوَفِّقُه لعملٍ صالحٍ قبل الموت ".
أخرجه الترمذي، وقال: حديث صحيح (٣).
الثاني عشر: عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: "إن الرجل ليعمل الزمن
_________________
(١) = " السنة " (٧٤٨) و(٧٤٩)، والبخاري في " خلق أفعال العباد " (١٢١)، ومسلم (٢٦٥٥)، وابن حبان (٦١٤٩)، والآجري ص ٢١٣، والبيهقي في " السنن " ١٠/ ٢٠٥، وفي " الاعتقاد " ص ١٣٥ - ١٣٦، والبغوى في " شرح السنة " (٧٣). وقوله: " العجز " يحتمل أن يكون على ظاهره وهو عدم القدرة، وقيل: هو ترك ما يجب فعله والتسويف به، وتأخيره عن وقته، ويحتمل العجز عن الطاعات، ويحتمل العموم في أمور الدنيا والآخرة. و" الكيس " ضد العجز، وهو النشاط والحذق بالأمور ومعناه: أن العاجز قد قُدِّر عجزه، والكيس قد قُدِّر كيسه.
(٢) أخرجه الحميدي (٨٢٦)، وأحمد ٤/ ٦ - ٧، ومسلم (٢٦٤٤) و(٢٦٤٥)، وابن حبان (٦١٧٧)، واللالكائي في " أصول الاعتقاد " (١٠٤٥) و(١٠٤٦) و(١٠٤٧)، والآجري ص ١٨٢ - ١٨٤، والطبراني (٣٠٣٦) (٣٠٤٥)، وابن أبي عاصم في " السنة " (١٧٧) و(١٧٩) و(١٨٠).
(٣) في الأصلين " حديث ". ومراد المصنف أن مسلمًا أخرج قول ابن مسعود في أول حديث عامر بن واثلة.
(٤) أخرجه أحمد ٣/ ١٠٦ و١٢٠ و٢٣٠، والترمذي (٢١٤٢)، وابن حبان (٣٤١)، والآجري ص ١٨٥، والحاكم ٤/ ٣٣٩ - ٣٤٠، والبغوي (٤٠٩٨) من طرق عن حميد، عن أنس. وصححه الحكم على شرط الشيخين ووافقه الذهبي وهو كما قالا.
[ ٦ / ٢١٨ ]
الطويلَ بعمل أهل الجنة، ثم يُخْتَمُ له عمله بعمل أهل النار، وإن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل النار، ثم يُختم له عمله بعمل أهل الجنة ". أخرجه مسلم (١).
الثالث عشر: عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله - ﷺ -: " إن الله خلق خلقه في ظُلمةٍ، فألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضَلَّ، فلذلك أقول: جَفَّ القلم على علم الله ". أخرجه الترمذي، وأحمد، والبيهقي، والبزار، والطبراني (٢).
وقال الهيثمي (٣): أحد إسنادي أحمد رجاله ثقات.
الرابع عشر: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: " المؤمن القوي خيرٌ من المؤمن الضعيف وأحب إلى الله، وفي كُلٍّ خير، احرص على ما ينفعك، واستعن (٤) بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيءٌ فلا تقل: لو أني فعلتُ لكان كذا، ولكن قل: قَدَرُ الله وما شاء (٥) فعل، فإن " لو" تفتح عمل الشيطان ". أخرجه مسلم (٦).
_________________
(١) أخرجه أحمد ٢/ ٤٨٤ - ٤٨٥، ومسلم (٢٦٥١)، وابن أبي عاصم (٢١٨)، وابن حبان (٦١٧٦).
(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد ٢/ ١٧٦ و١٩٧، والترمذي (٢٦٤٢)، وابن أبي عاصم (٢٤١) و(٢٤٢)، وابن حبان (٦١٦٩) و(٦١٧٠)، والبزار (٢١٤٥)، والآجري ص ١٧٥، واللالكائي (١٠٧٧) و(١٠٧٨) و(١٠٧٩)، والحاكم ١/ ٣٠. وحسنه الترمذي، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(٣) في " مجمع الزوائد " ٧/ ١٩٣ - ١٩٤.
(٤) في (أ): واستغن.
(٥) في (أ): وما شاء الله.
(٦) أخرجه أحمد ٢/ ٣٦٦ و٣٧٠، ومسلم (٢٦٦٤)، وابن ماجه (٧٩) و(٤١٦٨)، والنسائي في " عمل اليوم والليلة " (٦٢٣) و(٦٢٤)، وابن أبي عاصم في " السنة " (٣٥٦)، =
[ ٦ / ٢١٩ ]
الخامس عشر: عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله - ﷺ -: " من سعادة المرء رضاه بما قضى الله، ومن شقاوته سَخَطُه بما قضى ". أخرجه الترمذي، وقال: غريب (١).
السادس عشر: عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: " حاجَّ آدمُ موسى، قال: أنت الذي أخرجت الناس من الجنة بذنبك، فقال آدم لموسى: أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، أتلومني على أمرٍ كتبه الله علي قبل أن يخلقني، أو قدَّره علي قبل أن يخلقني "، قال رسول الله - ﷺ -: " فحجَّ آدمُ موسى " (٢).
أخرجه البخاري، ومسلم، ومالك في " الموطأ "، والترمذي، وقال: حسن غريب من حديث سليمان التيمي، عن الأعمش، وفي الباب عن عمر وجندب،
_________________
(١) = والطحاوي في " مشكل الآثار " (٢٥٩) و(٢٦٠) و(٢٦١) و(٢٦٢)، وابن حبان (٥٧٢١) و(٥٧٢٢)، وأبو نعيم في " الحلية " ١٠/ ٢٩٦، والخطيب في " تاريخه " ١٢/ ٢٢٣، والبيهقي في " السنن " ١٠/ ٨٩، وفي " الأسماء والصفات " ١/ ٢٦٣، والمزي في " تهذيب الكمال " ٩/ ١٣٥.
(٢) أخرجه الترمذي (٢١٥١)، وأحمد ١/ ١٦٨، والحاكم ١/ ٥١٨ من طريقين عن محمد بن أبي حميد، عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، عن جده. وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلاَّ من حديث محمد بن أبي حميد، ويقال له أيضًا: حماد بن أبي حميد، وهو أبو إبراهيم المدني، وليس بالقوي عند أهل الحديث! قلت: ومع ذلك فقد أورده الحافظ في " الفتح " ١١/ ١٨٧، ونسبه إلى أحمد وحسن إسناده، وقد وجدتُ له طريقًا آخر ربما ينتهض به، فقد أخرجه أبو يعلى (٧٠١) من طريق عبد الرحمن بن أبي بكر بن عبيد الله، عن إسماعيل بن محمد، عن أبيه، عن جده سعد رفعه " إن من سعادة المرء استخارته لربه ورضاه بما قضى، وإن شقاوة العبد تركه الاستخارة، وسخطه بما قضى "، وعبد الرحمن بن أبي بكر وإن كان ضعيفًا، قال ابن عدي: هو في جملة من يكتب حديثه.
(٣) تقدم تخريجه في ١/ ٢١٨.
[ ٦ / ٢٢٠ ]
وقد روى بعضُ أصحاب الأعمش هذا عنه، عن أبي صالحٍ عن أبي سعيد، عن النبي - ﷺ - (١).
وقد روي هذا الحديث من غير وجهٍ عن أبي هريرة عنه - ﷺ - (٢). وبوَّب (٣) عليه باب حجاج آدم وموسى.
فقوله: وفي الباب عن عمر وجُندب يدل على عدم تفرُّد أبي هريرة بهذا الحديث.
وذكر ابن كثير في الأول من " البداية والنهاية " (٤): أنه متواتر عن أبي هريرة، وذكر من طرقه الجمة ما يُصدِّقُ ذلك، ثم ذكر له شواهد عن غير أبي هريرة.
ولا حجة لنفاة القدر في مَلام موسى لآدم، لأنه كان في ذلك كالناسي الغافل عن تذكُّر القدر، لا أنه جاحدٌ له، ولذلك لما ذكَّرَه آدم لم ينكره.
وقد تقدم أن وجهه أنه لامه على خروجه من الجنة وإخراج ذريته، وكل ذلك من فعل الله تعالى لا ذنب فيه له، لأنه عقوبة ذنبه، ولو شاء الله ما عاقبه لا سيما وذنوب الأنبياء صغائر، ولا حجة للعصاة في القدر إجماعًا والله أعلم.
السابع عشر: ذكر الهيثمي من شواهد حديث أبي هريرة حديث جندب مرفوعًا بنحوه. قال: رواه أبو يعلى وأحمد بنحوه، والطبراني ورجاله رجال الصحيح (٥).
_________________
(١) وسيأتي تخريجه في الصفحة الآتية.
(٢) انظر " صحيح " ابن حبان (٦١٧٩) و(٦١٨٠) و(٦٢١٠) بتحقيقنا.
(٣) أي: الترمذي.
(٤) ١/ ٧٥ - ٧٩.
(٥) أخرجه أحمد ٢/ ٤٦٤، وأبو يعلى (١٥٢١) و(١٥٢٨)، والطبراني في " الكبير " (١٦٦٣)، وابن أبي عاصم في " السنة " (١٤٣) من طريق حماد بن سلمة، عن حميد، عن =
[ ٦ / ٢٢١ ]
الثامن عشر: عن أبي سعيدٍ مرفوعًا نحوه، رواه أبو يعلى والبزار، ورجاله رجال الصحيح (١).
التاسع عشر: عن عمر بن الخطاب نحوه، كما أشار إليه الترمذي (٢).
العشرون: عن أبي هريرة: شهدنا مع رسول الله - ﷺ - خيبر، فقال لرجل ممن معه يدَّعي الإسلام: " هذا من أهل النار " فلما حضر القتال، قاتل الرجل من أشد القتال، فأُخبر النبي - ﷺ - بذلك، فقال: " أما إنه من أهل النار " فكاد بعض المسلمين أن يرتاب، فبينما هو كذلك وجد الرجل ألم الجِراح، فأهوى بيده إلى كِنانته، فانتزع منها سهمًا فانتحر به، فأُخبر النبي - ﷺ -، فقال لبلال: " قم فأذِّن لا يدخل الجنة إلاَّ مؤمنٌ، وإن الله ليُؤَيِّدُ هذا الدين بالرجل الفاجر ".
وفي رواية قال النبي - ﷺ -: "إن العبد ليعمل عمل أهل النار وهو من أهل
_________________
(١) = الحسن البصري، عن جندب وغيره، ورجاله ثقات، إلاَّ أن فيه عنعنة الحسن. وقد انفرد عبد الله بن سوار بزيادة في الإسناد عند الخطيب ٤/ ٣٤٩، فرواه عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن، عن أنس، عن جندب أو غيره.
(٢) أخرجه البزار (٢١٤٧) من طريق الفضل بن موسى، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد مرفوعًا. وأخرجه (٢١٤٨) من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أو أبي سعيد الخدري. وأخرجه أبو يعلى (١٢٠٤) من طريق وكيع، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد موقوفًا. قلت: وأسانيد هذه الطرق صحاح.
(٣) وأخرجه أبو داود (٤٧٠٢)، وأبو يعلى (٢٤٣) من طريقين عن ابن وهب، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب. وهذا إسناد حسن. وأخرجه أبو يعلى (٢٤٤)، والبزار (٢١٤٦)، والهروي في " الأربعين " (٢٢) من طريقين عن يحيى بن يعمر، عن ابن عمر، عن عمر.
[ ٦ / ٢٢٢ ]
الجنة، ويعملُ عمل أهل الجنة وهو من أهل النار، فإنما الأعمال بالخواتيم".
خرجه البخاري في باب القدر (١).
الحادي والعشرون: عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: " لا يأتي ابن آدم النَّذْرُ بشيء لم يكن قد قدَّرته، ولكن يلقيه القدر وقد قدرته له، أستخرج به من البخيل "، أخرجه البخاري في القدر (٢).
الثاني والعشرون: عن أبي سعيد عنه - ﷺ -: " المعصوم من عصم الله ".
خرجه البخاري فيه (٣).
الثالث والعشرون: عن أبي هريرة عنه - ﷺ -: " إن الله كتب على ابن آدم حظَّه من الزِّنى أدرك ذلك لا محالة، فزنى العين النظر، وزنى اللسان النُّطق، والنفس تَمَنَّى وتشتهي، والفرج يُصَدِّق ذلك ويُكَذِّبُه "، خرجه البخاري (٤).
_________________
(١) تقدم تخريجه في ٥/ ٣١١ من حديث أبي هريرة وسهل بن سعد الساعدي.
(٢) أخرجه الحميدي (١١١٢)، وأحمد ٢/ ٢٤٢، و٣٧٣ و٤١٢ و٤٦٣، والبخاري (٦٦٠٩) و(٦٦٩٤)، ومسلم (١٦٤٠)، والترمذي (١٥٣٨)، وأبو داود (٣٢٨٨)، والنسائي ٧/ ١٦ و١٦ - ١٧، وابن ماجه (٢١٢٣)، وابن أبي عاصم في " السنة " (٣١٢) و(٣١٣)، والطحاوى في " مشكل الآثار " ١/ ٣٦٤، وابن الجارود (٩٣٢)، وابن حبان (٤٣٧٦)، والحاكم ٤/ ٣٠٤، والبيهقي ١٠/ ٧٧.
(٣) وهو بتمامه: " ما استُخلف خليفةٌ إلاَّ له بطانتان: بطانة تأمره بالخير وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشرِّ وتحضُّه عليه، والمعصوم من عصم الله ". أخرجه أحمد ٣/ ٣٩، والبخاري (٦٦١١) و(٧١٩٨)، والنسائي ٧/ ١٥٨ وفي " الكبرى " كما في " تحفة الأشراف " ٣/ ٤٩٤، وأبو يعلى (١٢٢٨)، والطحاوي في " شرح مشكل الآثار " ٣/ ٢٢، وابن حبان (٦١٩٢)، والبيهقي ١٠/ ١١١.
(٤) أخرجه أحمد ٢/ ٢٧٦ و٣١٧ و٣٤٤ و٣٧٢ و٣٧٩ و٤٣١ و٥٢٨ و٥٣٥ و٥٣٦، والبخاري (٦٢٤٣) و(٦٦١٢)، ومسلم (٢٦٥٧)، وأبو داود (٢١٥٣) و(٢١٥٤)، والطحاوي في " شرح مشكل الآثار " ٣/ ٢٩٨، وابن حبان (٤٤٢٠) و(٤٤٢١) و(٤٤٢٣)، والبيهقي =
[ ٦ / ٢٢٣ ]
الرابع والعشرون: حديث المغيرة عنه - ﷺ -: " اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا مَعطِيَ لما منعتَ ". خرجه البخاري (١).
الخامس والعشرون: حديث ابن عمر عنه - ﷺ - أنه كان يَحْلِفُ: لا ومُقَلِّبَ القلوب ". خرَّجه البخاري (٢)، وترجم الباب بقوله تعالى: ﴿يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤].
السادس والعشرون: حديث ابن عمر، أن عمر قال: ائذنْ لي، فأضْرِبَ عُنُقَه، يعني: ابن صَيَّاد، فقال النبي - ﷺ -: " إن يكن هو -يعني: الدجَّال- فلا تُطيقُه ". خرجه البخاري (٣).
_________________
(١) = ٧/ ٨٩ و١٠/ ١٨٥ - ١٨٦.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٤٢٢٤)، والحميدي (٧٦٢)، وابن أبي شيبة ١٠/ ٢٣١، وأحمد ٤/ ٢٥٠ و٢٥١ و٢٥٤، والدارمي ١/ ٣١١، والبخاري (٨٤٤) و(١٤٧٧) و(٢٤٠٨) و(٥٩٧٥) و(٦٣٣٠) و(٦٤٧٣) و(٦٦١٥) و(٧٢٩٢)، ومسلم (٥٩٣)، والنسائي ٣/ ٧٠ و٧١، وفي " عمل اليوم والليلة " (١٢٩) و(١٣٠)، وأبو داود (١٥٠٥)، وابن خزيمة (٧٤٢)، وأبو عوانة ٢/ ٢٤٣ و٢٤٤، والطبراني ٢٠/ (٨٩٦) و(٨٩٧) و(٨٩٨) و(٨٩٩) و(٩٠٦) و(٩٠٧) و(٩٠٨) و(٩٠٩) و(٩١٠) و(٩١١) و(٩١٢) و(٩١٤) و(٩١٥) و(٩١٦) و(٩١٧) و(٩١٨) و(٩١٩) و(٩٢٠) و(٩٢٤) و(٩٢٥) و(٩٢٦) و(٩٢٧) و(٩٢٨) و(٩٢٩) و(٩٣١) و(٩٣٢) و(٩٣٣) و(٩٣٤) و(٩٣٥) و(٩٣٦) و(٩٣٧) و(٩٣٨)، وفي " الدعاء " (٦٨٣) - (٧٠٤)، وعبد بن حميد (٣٩٠) و(٣٩١)، وابن حبان (٢٠٠٥) و(٢٠٠٦) و(٢٠٠٧)، والبيهقي ٢/ ١٨٥، والبغوى في " شرح السنة " (٧١٥).
(٣) أخرجه أحمد ٢/ ٢٥ - ٢٦ و٦٧ و٦٨ و١٢٧، والدارمي ٢/ ١٨٧، والبخاري (٦٦١٧) و(٦٦٢٨) و(٧٣٩١)، والترمذي (١٥٤٠)، والنسائي ٧/ ٢ و٢ - ٣، وابن ماجه (٢٠٩٣)، وابن حبان (٤٣٣٢)، والطبراني (١٣١٦٣) و(١٣١٦٤) و(١٣١٦٥) و(١٣١٦٦)، والبيهقي ١٠/ ٢٧.
(٤) أخرجه أحمد ٢/ ١٤٨ و١٤٩، والبخاري (١٣٥٤) و(٣٠٥٥) و(٦١٧٣) و(٦٦١٨)، ومسلم (٢٩٣٠)، وأبو داود (٤٣٢٩)، والترمذي (٢٢٥٠)، وابن منده في =
[ ٦ / ٢٢٤ ]
السابع والعشرون: حديث عائشة أنها سألت رسول - ﷺ - عن الطاعون؟ فقال: " كان عذابًا يَبْعَثُه الله على من يشاء من عباده، فجعله الله رحمةً للمؤمنين، ما مِنْ مُؤمنٍ يكون في بلدٍ يكون فيه، فيمكُثُ فيه صابرًا مُحْتَسٍبًا، يعلم أنه لا يُصيبه إلاَّ ما كتب الله له إلاَّ كان له مثل أجر شهيدٍ ". خرجه البخاري (١).
الثامن والعشرون: حديث البراء بن عازب، قال: رأيت النبي - ﷺ - ينقُلُ التراب معنا، وهو يقول:
والله لولا الله ما اهتدينا ولا تَصَدَّقْنا ولا صَلَّيْنَا
فأَنْزِلَنْ سكينةً علينا وثَبِّت الأقدام إنْ لاقَيْنا
والمشركون قدْ بَغَوْا علينا إذا أرادُوا فِتنةً أبَيْنا
أخرجه البخاري (٢).
التاسع والعشرون: حديث أنسٍ أنه كان - ﷺ - يُكثِرُ أن يقول: " يا مُقَلِّبَ القلوب ثبتْ قلبي على دينك " (٣). خرجه الترمذي من رواية أبي سفيان، اختلف عليه، قيل: عن أنس، وقيل: عن جابر. قال الترمذي: وحديثه عن أنس أصحُّ (٤).
الثلاثون: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: خرج علينا رسولُ الله
_________________
(١) = " الإيمان " (١٠٤٠)، وابن حبان (٦٧٨٥).
(٢) أخرجه أحمد ٦/ ٦٤ و١٥٤ و٢٥٢، والبخاري (٣٤٧٤) و(٥٧٣٤) و(٦٦١٩).
(٣) أخرجه الطيالسي (٧١٢)، وأحمد ٤/ ٢٨٥، والدارمي ٢/ ٢٢١، والبخاري (٢٨٣٦) و(٢٨٣٧) و(٣٠٣٤) و(٤١٠٤) و(٤١٠٦) و(٦٦٢٠) و(٧٢٣٦)، ومسلم (١٨٠٣)، والنسائي في " الكبرى " كما في " التحفة " ٢/ ٥٤، وأبو يعلى (١٧١٦)، وابن حبان (٤٥٣٥)، والبيهقي ٧/ ٤٣، والبغوي (٣٧٩٢).
(٤) تقدم تخريجه في ٢/ ٢٧٢.
(٥) تحرفت في (أ) و(ف) إلى: واضح.
[ ٦ / ٢٢٥ ]
- ﷺ -، وفي يده كتابان فقال: " أتدرون ما هذان الكتابان؟ " فقلنا: لا يا رسول الله، إلا أن تخبرنا، فقال للذي في يده اليمنى: " هذا كتابٌ من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة، وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أُجْمِل على آخرهم لا يُزاد فيهم، ولا ينقُصُ منهم أبدًا " ثم قال للذي في شِماله: " هذا كتابٌ من رب العالمين فيه أسماءُ أهل النار، وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أُجمل على آخرهم لا يزيد فيهم ولا ينقص منهم أبدًا " فقال أصحابه: ففيم العمل يا رسول الله إن كان قد فُرِغَ منه؟ فقال: " سدِّدوا وقاربوا، فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة، وإن عَمِلَ أيَّ عملٍ، وإن صاحب النار يُختم له بعمل أهل النار، وإن عمل أيَّ عملٍ " ثم قال رسول الله - ﷺ - بيديه فنبذهما، ثم قال: " قد فرغ ربكم من العباد فريقٌ في الجنة وفريقٌ في السعير ".
خرجه الترمذي (١)، قال: وفي الباب عن [ابن] عمر، وهذا حديث حسن
_________________
(١) أخرجه أحمد ٢/ ١٦٧، والترمذي (٢١٤١)، والنسائي في " الكبرى " كما في " التحفة "، والآجري في " الشريعة " ص ١٧٣ - ١٧٤، وعثمان بن سعيد الدارمي في " الرد على الجهمية " ص ٧٩ - ٨٠، وابن أبي عاصم (٣٤٨)، وأبو نعيم في " الحلية " ٥/ ١٦٨ - ١٦٩ من طرق عن أبي قبيل حُيي بن هانىء، عن شُفي بن ماتع عن عبد الله بن عمرو. قلت: وأبو قبيل: وثقه غير واحد، وقال ابن معين في رواية عثمان بن سعيد الدارمي: ثقة، وضعفه في رواية الساجي، وذكره ابن حبان في " الثقات " وقال: كان يخطىء، وقال الحافظ في " التقريب ": صدوق يهم، وقال في " تعجيل المنفعة " ص ٢٧٧: ضعيف لأنه كان يكثر النقل عن الكتب القديمة. قلت: هو حسن الحديث، إلاَّ أن في حديثه هذا نكارة، فقد قال الذهبي في " الميزان " ٢/ ٦٨٤ فيه وقد رواه من حديث عبد الله بن عمر بنحوه .. وسيرد عند المؤلف ص ٤٢٩ - ٤٣٠: هو حديث منكر جدًا، ويقضي أن يكون له زنة الكتابين عدة قناطير. وقال العلامة علي القاري في " شرح المشكاة " ١/ ١٤٢ تعليقًا على قوله: " ما هذان الكتابان ": الظاهر من الإشارة أنهما حسيان، وقيل: تمثيل واستحضار للمعنى الدقيق الخفي في مشاهدة السامع حتى كأنه ينظر إليه رأي العين، فالنبي - ﷺ - لما كُوشف له بحقيقة هذا =
[ ٦ / ٢٢٦ ]
صحيح (١).
الحادي والثلاثون: حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب. ذكره الهيثمي (٢) مرفوعًا بنحو الأول، وقال: رواه الطبراني من حديث ابن مجاهد عن أبيه (٣).
الثاني والثلاثون: ذكره الهيثمي عن البراء بن عازب مرفوعًا، رواه الطبراني في " الأوسط " من طريق الهُذيل بن بلال " (٤).
الثالث والثلاثون: عن عبد الله بن بُسر (٥): خطبنا رسول الله - ﷺ - فبسط يمينه، ثم قبضها، ثم قال: " أهل الجنة بأسمائهم " إلى آخره، لم يصرح بذكر الكتاب. رواه الطبراني من طريق عبد الرحمن بن أيوب السَّكوني وبَقِيَّة (٦).
_________________
(١) = الأمر، وأطلعه الله عليه إطلاعًا لم يبق معه خفاء، صوَّر الشيء الحاصل في يده، وأشار إليه إشارة إلى المحسوس. وقوله: " ثم أجمل على آخرهم " قال ابن الأثير: بالجيم والميم واللام، وبالبناء لما لم يسم فاعله، وهو من قولهم: أجملت الحساب، إذا جمعت آحاده، وكملت أفراده، أي: أُحصوا وجمعوا، فلا يزاد فيهم ولا ينقص. وانظر حديث عبد الله بن عمر الآتي ص ٤٢٩ - ٤٣٠.
(٢) في النسخ المطبوعة من " سنن الترمذي " وفي " تحفة الأشراف " ٦/ ٣٤٣: وهذا حديث حسن صحيح غريب.
(٣) في " المجمع " ٧/ ١٨٧ وقال: ولم أعرف ابن مجاهد، وبقية رجاله رجال الصحيح. قلت: وهو في " معجم الطبراني الكبير " برقم (١٣٥٦٨).
(٤) تحرفت في (ش) إلى: أمه.
(٥) أخرجه الطبراني في " الأوسط " (١٤٧٠) من طريق محمد بن جهضم، عن الهذيل بن بلال، عن أبي الأصبغ، عن زاذان، عن البراء. والهذيل بن بلال: ضعيف كما ذكر الهيثمي في " المجمع " ٧/ ١٨٨.
(٦) في (أ) و(ش): عبد الله بن قيس، والمثبت من " مجمع الزوائد ".
(٧) ذكره الهيثمي في " المجمع " ٧/ ١٨٧ وقال: رواه الطبراني، وفيه عبد الرحمن بن أيوب السكوني روى حديثًا غير هذا، فقال العقيلي فيه: لا يتابع عليه، فضعفه الذهبي من =
[ ٦ / ٢٢٧ ]
الرابع والثلاثون: حديث أبي عزَّة يسار بن عبدٍ قال: قال رسولُ الله - ﷺ -: " إذا قضى الله لعبدٍ أن يموت بأرضٍ جعل له إليها -أو قال: بها- حاجةً ".
خرجه الترمذي، وقال: حديث صحيح (١).
الخامس والثلاثون: مثل الأول، أخرجه الترمذي من طريق مَطَر بن عُكَامِسٍ الصحابي، وقال: حسن غريب (٢).
السادس والثلاثون: حديث الزهري، عن أبي خِزامة، عن النبي - ﷺ -، أن رجلًا قال له: يا رسول الله، أرأيت رُقىً نَسْتَرْقي بها (٣)، ودواءً نتداوى به، وتُقاةً نتقيها يرد ذلك من قدر الله شيئًا؟ قال: " هي من قدر الله " (٤).
_________________
(١) = عند نفسه، لكن في إسناده بقية، وهو متكلم فيه بغير هذا الحديث أيضًا.
(٢) أخرجه أحمد ٣/ ٤٢٩، والترمذي (٢١٤٧)، والبخاري في " الأدب المفرد " (١٢٨٢)، وأبو يعلى (٩٢٧)، والبزار (٢١٥٤)، وابن حبان (٦١٥١)، والقضاعي في " مسند الشهاب " (١٣٩٢) و(١٣٩٣) و(١٣٩٤)، والطبراني في " الكبير " ٢٢/ (٧٠٦) و(٧٠٧) و(٧٠٨)، وابن عدي في " الكامل "، وأبو نعيم في " الحلية " ٨/ ٣٧٤، والحاكم ١/ ٤٢، وابن الأثير في " أسد الغابة " ٦/ ٢١٣ من طريق أبي المليح بن أسامة، عن أبي عزة، وقال بعضهم: عن رجل من قومه وكانت له صحبة. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح، ورواته عن آخرهم ثقات.
(٣) أخرجه أحمد ٥/ ٢٢٧، والترمذي (٢١٤٦)، والطبراني في " الأوسط " (٢٦١٧)، والحاكم ١/ ٤٢ من طرق عن سفيان الثوري، والحكم ١/ ٤٢ من طريق أبي حمزة، كلاهما عن أبي إسحاق، عن مطر بن عكامس. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، فقد اتفقا جميعًا على إخراج جماعة من الصحابة ليس لكل واحد منهم إلاَّ راوٍ واحد.
(٤) في (أ): " يسترقيها " وكتب فوقها: يسترقي بها.
(٥) ضعيف. أخرجه الترمذي (٢٠٦٥)، وابن ماجه (٣٤٣٧) من طريق سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن ابن أبي خزامة، عن أبيه مرفوعًا. =
[ ٦ / ٢٢٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أخرجه الترمذي أيضًا (٢٠٦٥) عن ابن أبي عمر، عن سفيان، عن الزهري، عن أبي خزامة، عن أبيه مرفوعًا. قال الترمذي: هذا حديث حسن! وقد رُوي عن ابن عيينة كلتا الروايتين، فقال بعضهم: عن أبي خزامة، عن أبيه، وقال بعضهم: عن ابن أبي خزامة، عن أبيه، وقد روى غير ابن عيينة هذا الحديث عن الزهري، عن أبي خزامة، عن أبيه، وهذا أصح، ولا نعرف لأبي خزامة غير هذا الحديث. قلت: في " التقريب ": ابن أبي خزامة عن أبيه، وقيل: عن أبي خزامة عن أبيه -وهو الصحيح- مجهول. وفي " التهذيب ": أبو خزامة السعدي أحد بني سعد بن الحارث بن هذيم، روى حديثه الزهري عن ابن أبي خزامة، عن أبيه وقيل: عن الزهري، عن أبي خزامة، عن أبيه. قلت (القائل ابن حجر): صوابه أحد بني الحارث بن سعد بن هذيم، كذا جاء مصرحًا به في رواية الحاكم في " المستدرك " ٤/ ١٩٩ لهذا الحديث من طريق الزهري، عن أبي خزامة، عن أبيه، وهو الصواب. (قلت: وقد تحرف في المطبوع من " المستدرك ": " أحد بني " إلى: حدثني). وقال مسلم في الطبقة الأولى من أهل المدينة في التابعين: أبو خزامة بن يعمر، وقال ابن عبد البر: أبو خزامة ذكره بعضهم في الصحابة لحديث أخطأ فيه راويه عن الزهري، وهو تابعي، وحديثه مضطرب. ورواه الطبراني (٥٤٦٨) من طريق الزهري في " المجمع " ٥/ ٨٥: والحارث لم أعرفه! وبقية رجاله رجال الصحيح غير أبي خزامة. قلت: في رواية الطبراني تحريف في قوله: " عن الحارث " والصواب عن أبي خزامة أحد بني الحارث. قال ابن الأثير في " أسد الغابة " ٢/ ٣٧٩، والحافظ في " الإصابة " ٢/ ١٢٢: وقد رواه على الصواب: الليث بن سعد، وابن المبارك، وسليمان بن بلال، عن يونس، عن الزهري، عن أبي خزامة أحد بني الحارث بن سعد، عن أبيه. قال الحافظ: والمراد بقوله: " أحد بني الحارث بن سعد " أنه من ذريته، لا أنه ولده لصلبه. وقد تنبه لهذا التحريف ابن عبد البر في " التمهيد "، فأخرجه من طريق ابن عيينة، عن الزهري، عن أبي خزامة، عن أبيه، ثم نقل عن إسماعيل القاضي أنه اختلف فيه على يونس، فقال سليمان بن بلال: عنه، عن الزهري، عن أبي خزامة أحد بني الحارث بن سعد، عن =
[ ٦ / ٢٢٩ ]
السابع والثلاثون: عن عليٍّ ﵁، عن النبي - ﷺ - أنه قال: " الدعاء يرُدُّ القضاء " (١). خرجه السيد أبو طالب في " الأمالي " وقال: تأويله أن يكون القضاء مشروطًا بترك الدعاء، وهذا الذي ذكره هو الذي أراده أهل السنة.
الثامن والثلاثون: نحو الأول عن سلمان الفارسي ﵁ قال: قال - ﷺ -: " لا يرد القضاء إلاَّ الدعاء ". خرجه الترمذي (٢)، وقال: وفي الباب عن أسيد، وقال: حديث حسن غريب.
التاسع والثلاثون: عن أبي هريرة، قال: جاء مشركو قريش إلى رسول الله - ﷺ - يتخاصمون في القدر، فنزلت هذه الآية: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٨ - ٤٩]. رواه
_________________
(١) = أبيه أنه سأل، وقال عثمان بن عمر، عن أبي خزامة أن الحارث بن سعد أخبره به قال إسماعيل: والصواب قول سليمان. وأخرجه الحاكم ١/ ٣٢ و٤/ ١٩٩، والطبراني (٣٠٩٠) من طريق صالح بن أبي الأخضر -وهو ضعيف- عن الزهري، عن عروة، عن حكيم بن حزام. وأخرجه الحاكم ١/ ٣٢ من طريق مسدَّد، عن يزيد بن زريع، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن حكيم بن حزام، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ثم لم يخرجاه، وقال مسلم في تصنيفه فيما أخطأ معمر بالبصرة: إن معمرًا حدَّث به مرتين، فقال مرة: عن الزهري، عن ابن أبي خزامة، عن أبيه. قلت: وأخرجه عبد الرزاق (١٩٧٧٦) عن معمر، عن الزهري قال: قال أصحاب رسول الله - ﷺ -.
(٢) تقدم تخريجه من حديث عائشة، وأبي هريرة، وثوبان، وابن عمر، ومعاذ ص ٣٢١.
(٣) رقم (٢١٣٩). وأخرجه الطحاوي في " المشكل " ٤/ ١٦٩، والقضاعي في " مسند الشهاب " (٨٣٢) و(٨٣٣) وفي سنده أبو مودود -واسمه فِضَّة- ضعيف، لكن الحديث يتقوى بشواهده التي تقدم تخريجها ص ٣٢١.
[ ٦ / ٢٣٠ ]
الترمذي (١)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
قال ابن العربي في " شرح الترمذي ": صحيح صحيح (٢).
الأربعون: حديثُ الاستخارة، وفيه " فاقدُرْهُ لي ويَسِّرْهُ لي ". خرجه البخاري (٣).
الحادي والأربعون: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: " كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ". خرجه مسلم، والترمذي، وفي الترمذي: " قدَّر الله المقادير " (٤).
الثاني والأربعون: عن أبي عثمان (٥) مولى أبي هاشم، قال: سألت أبا هريرة عن القدر، فقال: اكتفِ منه بآخِرِ سورة الفتح: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ
_________________
(١) رقم (٣٢٩٠). وأخرجه أحمد ٢/ ٤٤٤ و٤٧٦، ومسلم (٢٦٥٦)، وابن ماجه (٨٣)، والطبري في " تفسيره " ٢٧/ ١١٠، والبغوي (٨١). وأورده السيوطي في " الدر المنثور " ٧/ ٦٨٢ - ٦٨٣ وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه.
(٢) ٨/ ٢٩٦.
(٣) تقدم تخريجه. وانظر " صحيح ابن حبان " (٨٨٧).
(٤) أخرجه مسلم (٢٦٥٣)، والترمذي (٢١٥٦). وانظر تمام تخريجه في " صحيح ابن حبان " (٦١٣٨).
(٥) كذا في (أ) و(ش): " أبو عثمان "، وهو كذلك في " جامع الأصول " ١٠/ ١٣٣ والصواب أبو عمرو أو أبو عمر، واسمه عمار بن أبي عمار مولى بني هاشم المكي، احتج به مسلم، ووثقه أحمد وأبو داود وأبو زرعة وأبو حاتم، وذكره ابن حبان في " الثقات " وقال: مات في ولاية خالد بن عبد الله القسري.
[ ٦ / ٢٣١ ]
مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ [الفتح: ٢٩] فنعتهم قبل أن يخلقهم بما عَلِمَ أنهم يكونون عليه إذا خلقهم، وقال تعالى فيهم: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ﴾ [الفتح: ٢٩]. رواه النسائي (١).
الثالث والأربعون: عن عائشة، عن النبي - ﷺ - أنه قال: " إن الله خلق للجنة أهلًا، خلقهم لها في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلًا، خلقهم لها في أصلاب آبائهم ". أخرجه أبو داود، ومسلم، والنسائي (٢).
الرابع والأربعون: عن ابن عباس، أن النبي - ﷺ - سُئِلَ عن أولاد المشركين، فقال: " الله إذ خلقهم، أعلم بما كانوا عاملين ". خرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي (٣).
الخامس والأربعون: عن أبي هريرة مرفوعًا مثله.
خرجه البخاري، ومسلم، والنسائي (٤).
_________________
(١) كذا في الأصلين رواه النسائي، وهو خطأ، فليس هو في النسائي، لا في " الصغرى " ولا في " الكبرى "، ولم يرد له ذكر في " تحفة الأشراف "، وقد أورده ابن الأثير في " جامع الأصول " ١٠/ ١٣٣ - والمصنف ينقل عنه- فقال بإثره: " أخرجه "، ولما يزد على ذلك، ويغلب على ظني أنه من زيادات رزين العبدري. وأورده السيوطي في " الدر المنثور " ٧/ ٥٤٣ ونسبه إلى أبي عبيد، وأبي نعيم في " الحلية "، وابن المنذر.
(٢) أخرجه مسلم (٢٦٦٢)، وأبو داود (٤٧١٣)، والنسائي ٤/ ٥٧، وابن ماجه (٨٢)، والطيالسي (١٥٧٤)، وأحمد ٦/ ٤١ و٢٠٨، وابن حبان (١٣٨) و(٦١٧٣)، والآجري ص ١٩٥ - ١٩٦.
(٣) أخرجه البخاري (١٣٨٣) و(٦٥١٧)، ومسلم (٢٦٦٠)، وأبو داود (٤٧١١)، والنسائي ٤/ ٥٩.
(٤) أخرجه عبد الرزاق (٢٠٠٧٧)، وأحمد ٢/ ٢٥٩ و٢٦٨ و٤٧١، والبخاري (١٣٨٤) و(٦٦٠٠)، ومسلم (٢٦٥٩)، والنسائي ٤/ ٥٨، وابن حبان (١٣١)، والآجري ص ١٩٤.
[ ٦ / ٢٣٢ ]
ووجه إدخال هذه الأحاديث في القدر ما فيها من ذكر علم الله بأعمال الأطفال، والاحتجاج بذلك على أنهم كما علم الله سبحانه، وأما معانيها، فسيأتي الكلام عليها (١) في الوهم التاسع والعشرين.
السادس والأربعون: عن الحسن بن علي ﵄ أن رسول الله - ﷺ - علمه هذا الدعاء: " اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولَّني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شرَّ ما قضيت فإنك تقضي ولا يُقضى عليك، إنه لا يذِلُّ من واليت، ولا يَعِزُّ من عاديت، تباركت وتعاليت ".
رواه أهل السنن الأربعة، والحاكم في " المستدرك " (٢)، ورواه الإمام الهادي في " الأحكام "، والسيد أبو طالب في " الأمالي ".
السابع والأربعون: عن ابن عباس أن رسول الله - ﷺ - قال له: " واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيءٍ، لم ينفعوك إلاَّ بشيءٍ قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضُرُّوك، لم يضروك إلاَّ بشيءٍ قد كتبه الله عليك، رُفِعَت الأقلام، وجفَّت الصُّحُف ".
رواه النواوي في " الأربعين " (٣).
_________________
(١) في (أ): " عليهم "، وهو خطأ.
(٢) أخرجه أبو داود (١٤٢٥)، والترمذي (٤٦٤)، والنسائي ٣/ ٢٤٨، وابن ماجه (١١٧٨)، والحاكم ٣/ ١٧٢. وانظر تمام تخريجه في " صحيح ابن حبان " (٩٤٥).
(٣) وهو الحديث التاسع عشر منه. وأخرجه أحمد ١/ ٢٩٣ و٣٠٣ و٣٠٧، والترمذي (٢٥١٦) من طرق عن قيس بن الحجاج، عن حنش الصنعاني، عن ابن عباس. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. قال الحافظ ابن رجب في " جامع العلوم والحكم " ١/ ٤٦٠ - ٤٦١ بتحقيقنا: وقد روي هذا الحديث عن ابن عباس من طرق كثيرة وأصح الطرق كلها حنش الصنعاني التي خرجها الترمذي، كذا قاله ابن منده وغيره.
[ ٦ / ٢٣٣ ]
الثامن والأربعون: عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: من زعم أن الله يشاء لعباده الطاعة، فلم تنفذ مشيئة الله، وشاء لهم إبليس المعصية، فنفذت مشيئة إبليس، فقد وَهَّن الله في ملكه، وجوَّرَه في حُكمه.
رواه الإمام أحمد (١) بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵈.
وكان أحمد بن عيسى من قدماء أئمة أهل البيت، وذكر محمد بن منصور: أنه ممن أُجْمِعَ على فضله، وكان يُسمَّى فقيه آل محمد - ﷺ -.
التاسع والأربعون: عن علي بن أبي طالب ﵇ أن رجلًا سأله عن القدر؟ فقال: طريقٌ وَعْرٌ فلا تسلُكْهُ، فقال: يا أمير المؤمنين، ما تقول في القدر؟ فقال: بحرٌ عميقٌ فلا تَلِجْهُ، قال: فسكت الرجل ساعة، ثم قال: يا أمير المؤمنين، ما تقول في القدر؟ قال: سِرُّ الله فلا تُفْشِهِ (٢).
رواه الإمام الحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵈، وكان ممن أجمع على فضله وعلمه، ذكره محمد بن منصور.
ورواه مُحِبُّ أهل البيت محمد بن منصور الكوفي في كتابه " كتاب الجُملة والأُلفة ".
الخمسون: ما رواه محمد بن منصور ﵀ أيضًا، فقال: حدثنا الحسن بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، حدثنا أبو حفص عمر القزاز، عن جعفرٍ، يعني: الصادق، عن أبيه، يعني: الباقر عن آبائه ﵈ قال: قال رسول: "سبق العلم، وجفَّ القلم، ومضى القضاء وتم القدرُ بتحقيق
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ٣/ ٤٥٨.
(٢) أخرجه الآجري في " الشريعة " ص ٢٠٢، واللالكائي ٤/ ٦٢٩.
[ ٦ / ٢٣٤ ]
الكتاب، وتصديق الرسل، وما العباد عاملون، وبالسعادة من الله، لمن آمن واتقى، وبالشقاء من الله لمن كذَّب وكَفَرَ، وبالولاية من الله للمؤمنين، وبالبراءة من المشركين إلى آخر الحديث.
وقد تقدم بيانه في مسألة المشيئة.
الحادي والخمسون: ما رواه محمد بن منصور أيضًا بإسناده عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: " أعمال العباد كلها على مشيئة الله وإرادته ".
الثاني والخمسون: عن محمد بن منصور ﵀ أنه قال: بلغنا عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: " يقول الله ﵎: يا ابن آدم بمشيئتي كنت أنت الذي تشاء لنفسِك ما تشاء، ويإرادتي كنت أنت الذي تريد لنفسك ما تريد " إلى آخر الحديث بطوله.
وروى الإمام الحسن بن يحيى ﵇ بعضه بلا إسناد، وقال: قال أمير المؤمنين ﵇: ألا إن أبغض خلق الله إلى الله تعالى عبدٌ وَكَلَهُ الله إلى نفسه.
خرَّج هذه الأحاديث الخمسة السيد الشريف الإمام العلامة أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الرحمن الحسني العلوي في كتابه " كتاب الجامع الكافي " في مذهب أحمد بن عيسى، والحسن بن يحيى، والقاسم بن إبراهيم من أهل بيت رسول الله - ﷺ -، ومذهب محبهم محمد بن منصور ﵀، وهو في الغالب من أنفس كتب أهل البيت ﵈.
وروى ابن أبي الحديد في " شرح نهج البلاغة " بسنده أن رجلًا قال: يا أمير المؤمنين أتيتك من بلدةٍ ما رأيت لك بها مُحبًّا، يعنى: البصرة، فقال ﵇: لو يستطيعون أن يُحبوني لأحَبُّوني، إني وشيعتي في ميثاق الله لا يُزاد فينا ولا يُنْقَصُ إلى يوم القيامة.
[ ٦ / ٢٣٥ ]
رواه في شرح قوله ﵇: أما إنه سيظهر عليكم رجلٌ رحب البلعوم إلى آخره، وفي ذكر المنحرفين عنه ﵇.
الثالث والخمسون: عن عِمران بن حُصين قال رسول الله - ﷺ -: " كان الله ولا شيء غيره، وكان عرشه على الماء، ثم كتب جل ثناؤه في الذكر كل شيءٍ، ثم خلق السماوات والأرض ". رواه البخاري (١).
الرابع والخمسون: عن ابن عباس: " أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتُبْ، فقال: يا ربِّ وما أكتب؟ قال: اكتب القدر ما هو كائنٌ من ذلك إلى قيامِ الساعة ". رواه البيهقي في " الأسماء والصفات "، وله طرق تأتي، فهو حديث قوي (٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣١٩١) و(٧٤١٨). وانظر تمام تخريجه في " صحيح ابن حبان " (٦١٤٠) و(٦١٤٢) وقد أخطأ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في فهم هذا الحديث، وفسره تفسيرًا يوافق ما انفرد به من القول بالقدم النوعي، وعدَّ ذلك العلماء من مستشنع المسائل المنسوبة إليه. انظر " فتح الباري " ١٣/ ٤١٠.
(٢) أخرجه الآجري ص ٨٥، والبيهقي في " الأسماء والصفات " ص ٣٧٨، والطبري في " جامع البيان " ٢٩/ ١٤ من طرق عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس. وأخرجه الطبري ٢٩/ ١٥، والطبراني (١٢٢٢٧)، وعبد الله بن أحمد في " السنة " (٨٧١) و(٨٩٤)، والآجري ص ٨٤ من طريق جرير ومحمد بن فضيل وحماد بن زيد، عن عطاء، عن أبي الضحى مسلم بن صبيح، عن ابن عباس. وأخرجه الآجري ص ٨٥، والحاكم ١/ ٤٥٣ - ٤٥٤ من طريق عطاء بن السائب عن مقسم، عن ابن عباس بنحوه. وأخرجه الطبري ٢٩/ ١٥ من طريق ثابت البناني، عن ابن عباس. كلهم رووه عنه موقوفًا إلا في رواية حماد بن زيد، فقال الطبراني: لم يرفعه عن حماد بن زيد إلاَّ مؤمل بن إسماعيل. قلت: وهو سيىء الحفظ. وأخرجه أبو يعلى (٢٣٢٩)، والطبري ٢٩/ ١٦، وعبد الله بن أحمد في " السنة " =
[ ٦ / ٢٣٦ ]
الخامس والخمسون: من " مجمع الزوائد " للهيثمي عن أبي الدرداء، عن النبي - ﷺ -، قال: " خلق الله آدم حين خلقه، فضرب كَتِفَه اليُمنى، فأخرج ذُرِّيَّة بيضاء كأنهم الدُّرُّ، وضرب كتفه اليسرى، فأخرج ذرية سوداء، كأنهم الحُمَم، فقال للذي في يمينه: إلى الجنة ولا أُبالي، وقال للذي في اليسرى: إلى النار ولا أبالي ". رواه أحمد، والبزار، والطبراني ورجاله ثقات (١).
والسادس والخمسون: عن أبي نضرة، عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ - نحوه. رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح (٢).
والسابع والخمسون: عن عبد الرحمن بن قتادة السُّلمي عنه - ﷺ -، زاد: فقال رجل: فعلى ماذا نعمل يا رسول الله؟ قال: " على مواقع القدر " (٣) رواه
_________________
(١) = (٨٥٤)، والطبراني (١٢٥٠٠)، والبيهقي في " السنن " ٩/ ٣، وفي " الأسماء والصفات " ص ٣٧٨ من طرق عن عبد الله بن المبارك، عن رباح بن زيد، عن عمر بن حبيب، عن القاسم بن أبي بَزَّة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مرفوعًا. وقال ابن كثير في " تفسيره " ٤/ ٤٢٩: غريب من هذا الوجه ولم يخرجوه. وذكره الهيثمي في " المجمع " ٧/ ١٩٠، وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات، وهو كما قال.
(٢) أخرجه أحمد ٦/ ٤٤١، وابنه في " زوائده "، والبزار (٢١٤٤) من طريق الهيثم بن خارجة، عن سليمان بن عُتبة، عن يونس بن ميسرة، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي الدرداء. وقال البزار: وإسناده حسن. وذكره الهيثمي في " مجمع الزوائد " ٧/ ١٨٥ وقال: ورجاله رجال الصحيح. قلت: كذا قال مع أن سليمان بن عتبة لم يخرجا له ولا أحدهما، وإنما هو من رجال ابن ماجه، وهو صدوق له غرائب، ويونس بن ميسرة روى له أبو داود والترمذي وابن ماجه، وهو ثقة.
(٣) أخرجه أحمد ٤/ ١٧٦ - ١٧٧ و٥/ ٦٨ من طريقين عن حماد بن سلمة، عن سعيد الجريري، عن أبي نضرة. وإسناده صحيح، حماد بن سلمة سمع من الجريري قبل الاختلاط.
(٤) أخرجه أحمد ٤/ ١٨٦، وابن سعد ١/ ٣٠ و٧/ ٤١٧، والحاكم ١/ ٣١، وابن الأثير في " أسد الغابة " ٣/ ٤٨٩ من طريق معاوية بن صالح، عن راشد بن سعد، عن عبد =
[ ٦ / ٢٣٧ ]
أحمد، ورجاله ثقات، وخرجه الحاكم في " المستدرك " وقال فيه: على موافقة القدر، وقال: صحيح اتفقا على رواته إلاَّ الصحابي.
والثامن والخمسون: عن أنسٍ عنه - ﷺ - نحوه. رواه أبو يعلى من طريق الحكم بن سنان الباهلي (١).
_________________
(١) = الرحمن بن قتادة. وقول الحكم: صحيح قد اتفقا على الاحتجاج برواته عن آخرهم إلا الصحابي فيه نظر، فإن معاوية بن صالح لم يرو له البخاري، وإنما هو من رجال مسلم، وشيخه راشد بن سعد لم يخرجا له ولا أحدهما، وهو من رجال أصحاب السنن، وهو ثقة. وذكره الهيثمي في " المجمع " ٧/ ١٨٦ ونسبه إلى أحمد وقال: ورجاله ثقات. وقال الحافظ في " الإصابة " ٢/ ٤١١: عبد الرحمن بن قتادة السلمي: قال ابن منده: يعد في الحمصيين، ذكره البغوي، وابن قانع، وابن شاهين، وابن حبان، وغيرهم من الصحابة، وأخرج حديثه أحمد، وابن منيع، والطبراني في مسانيدهم، كلهم من طريق الليث عن معاوية بن صالح، عن راشد بن سعد، عن عبد الرحمن بن قتادة السلمي سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: " إن الله خلق آدم ثم أخذ ذريته من ظهره فقال: هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي " فقال قائل: يا رسول الله فعلى ماذا نعمل؟ قال: " على مواقع القدر " أخرجه ابن شاهين من رواية معن بن عيسى، عن معاوية بن صالح، عن راشد، عن عبد الرحمن بن قتادة وكان من أصحاب النبي - ﷺ - فذكره، وكذا قال ابن سعد عن حماد بن خالد عن معاوية، عن راشد، حدثني عبد الرحمن وكان من أصحاب رسول الله - ﷺ -، سمعت رسول الله - ﷺ -. وأعل البخاري الحديث بأن عبد الرحمن إنما رواه عن هشام بن حكيم، هكذا رواه معاوية بن صالح وغيره عن راشد، وقال معاوية مرة: إن عبد الرحمن قال. سمعت وهو خطأ. ورواه الزبيدي عن راشد، عن عبد الرحمن بن قتادة، عن أبيه وهشام بن حكيم. وقيل: عن الزبيدي وعبد الرحمن، عن أبيه، عن هشام. وقال ابن السكن: الحديث مضطرب. قلت (القائل ابن حجر): ويكفي في إثبات صحبته الرواية التي شهد له فيها التابعي بأنه من الصحابة، فلا يضر بعد ذلك إن كان سمع الحديث من النبي - ﷺ - أو بينهما فيه واسطة!
(٢) ضعيف. أخرجه أبو يعلى (٣٤٢٢) و(٣٤٥٣) من طريق الحكم بن سنان العبدي، عن ثابت، عن أنس. =
[ ٦ / ٢٣٨ ]
والتاسع والخمسون: عن أبي موسى عنه - ﷺ - نحوه. رواه البزار، والطبراني في " الكبير " و" الأوسط " من طريق روح بن المسيب (١).
والستون: عن أبي سعيد الخدري عنه - ﷺ - نحوه. رواه البزار (٢)، ورجاله رجال الصحيح غير (٣) نمر بن هلال، وقد وثَّقه أبو حاتم (٤).
والحادي والستون: عن ابن عمر عنه - ﷺ - نحوه، وزاد فيه: " فتفرق الناس وهم لا يختلفون في القدر ". رواه البزار، والطبراني في " الصغير "، ورجال البزار
_________________
(١) = وذكره الهيثمي في " المجمع " ٧/ ١٨٦ وقال: رواه أبو يعلى، وفيه الحكم بن سنان الباهلي، قال أبو حاتم: عنده وهم كثير، وليس بالقوي، ومحله الصدق، يكتب حديثه وضعفه الجمهور، وبقية رجاله رجال الصحيح.
(٢) ضعيف. أخرجه البزار (٢١٤٣)، والآجري ص ١٧٣ من طريقين عن روح بن المسيب، عن يزيد بن أبان الرقاشي، عن غنيم بن قيس، عن أبي موسى، ولفظه: " إن الله ﵎ لما خلق آدم قبض طينته قبضتين: قبضة بيمينه، وقبضة بيده الأخرى، فقال للذي بيمينه: هؤلاء للجنة ولا أبالي، وقال للذي في يده الأخرى: هؤلاء للنار ولا أبالي، ثم ردَّهم في صلب آدم، فهم يتناسلون على ذلك إلى الآن " وقال البزار: لا نعلم أحدًا رواه بهذا اللفظ إلاَّ أبو موسى. وقال الهيثمي في " المجمع " ٧/ ١٨٦: رواه البزار والطبراني في " الكبير " و" الأوسط "، وفيه روح بن المسيب، قال ابن معين: صويلح وضعفه غيره. قلت: ويزيد الرقاشي ضعيف.
(٣) رقم (٢١٤٢) عن محمد بن المثنى، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا النمر بن هلال، عن الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري. وقال: لا نعلمه يروى عن أبي سعيد إلا من هذا الوجه، والنمر بصري ليس به بأس، ومسلم لم يتابع على هذا. قلت: والجريري اختلط بأخرة.
(٤) تحرف في (أ) و(ش) إلى: " عن " والتصويب من " المجمع " ٧/ ١٨٦.
(٥) كذا نقل الهيثمي عنه، وقال ابنه في " الجرح والتعديل " ٨/ ٥١١، وسألته عنه، فقال: شيخ.
[ ٦ / ٢٣٩ ]
رجال الصحيح (١).
والثاني والستون: عن هشام بن حكيم بن حزام عنه - ﷺ - نحوه، وزاد ذكر تيسير كل للعمل الذي سبق. رواه البزار والطبراني من طريق بقية بن الوليد (٢).
والثالث والستون: عن مُعاذٍ عنه - ﷺ - نحوه. رواه الطبراني من طريق البراء بن عبد الله الغَنَوي (٣).
_________________
(١) أخرجه البزار (٢١٤١)، والطبراني في " المعجم الصغير " (٣٦٢) من طريق إبراهيم بن سعيد الجوهري، عن أبي أحمد الزبيري، عن الثوري، عن أيوب وإسماعيل بن أمية، عن نافع، عن ابن عمر. وهذا سند رجاله ثقات رجال الشيخين غير إبراهيم بن سعيد الجوهري، فمن رجال مسلم، إلاَّ أنهم قالوا في أبي أحمد الزبيري -واسمه محمد بن عبد الله بن الزبير- قد يخطىء في حديث الثوري.
(٢) أخرجه البزار (٢١٤٠)، والطبري في " تفسيره " (١٥٣٧٧) و(١٥٣٧٨)، والبخاري في " التاريخ الكبير " ٨/ ١٩١ - ١٩٢ من طريق بقية بن الوليد، والطبري (١٥٣٧٩) من طريق عبد الله بن سالم، كلاهما عن الزبيدي، عن راشد بن سعد، عن عبد الرحمن بن قتادة النصري، عن أبيه، عن هشام بن حكيم. وأخرجه الآجري ص ١٧٢ من طريق بقية، حدثنا الزبيدي، والطبري (١٥٣٨٠) من طريق أبي صالح عبد الله بن صالح كاتب الليث، عن معاوية بن صالح، كلاهما عن راشد بن سعد، عن عبد الرحمن بن قتادة، عن هشام بن حكيم. وذكره الهيثمي في " المجمع " ٧/ ١٨٦ - ١٨٧ وقال: رواه البزار والطبراني وفيه بقية بن الوليد، وهو ضعيف، ويحسن حديثه بكثره الشواهد، وإسناد الطبراني حسن. قلت: وفي هذا الحديث اضطراب من جهة إسناده، وفي نسبة بعض رجاله وفي لفظه، وقد فصل القول فيه الشيخ محمود شاكر في تعليقه على " تفسير الطبري "، فارجع إليه.
(٣) أخرجه الطبراني ٢٠/ (٣٦٥) من طريق البراء بن عبد الله الغنوي قال: سمعت الحسن يحدث عن معاذ بن جبل قال: لما أن حضره الموت بكى، فقالوا: ما يبكيك؟ فقال: والله ما أبكي جزعًا من الموت، ولا على دنيا أخلفها بعدي، ولكني سمعت رسول الله - ﷺ - =
[ ٦ / ٢٤٠ ]
والرابع والستون: عن الحسن أن الله أخرج أهل الجنة من صفحة (١) آدم اليمنى، وأهل النار من اليُسرى. خرَّجه ابن أبي الدنيا (٢) عن خلف بن هشام بلفظ: " حدثنا "، قال: حدثنا الحكم، عن حوشب، عن (٣) الحسن.
وروى عبد الرزاق عن مَعْمرٍ، عن قتادة، عن الحسن نحوه (٤).
قلت: فهذه عشرة أحاديث تواردت على معنى واحدٍ فلا شكٍّ في صحته، وقوله فيها: " ولا أُبالي " ليس فيه التعذيب بغير ذنبٍ ولا حجة، ولهذا ذكر العمل في موافقته للقدر، وإنما هو مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ ربِّي لَوْلا دُعَاؤُكُم﴾ [الفرقان: ٧٧] فأثبت عدم المبالاة على حال. ومثل قوله: ﴿فَرِيقٌ في الجنة وفريقٌ في السعير﴾ [الشورى: ٧] ولم يستلزم إهمال الأعمال، وإنما خرجت هذه الأشياء مخرج التمدح بالقدرة التامة، كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفتح: ١٤].
_________________
(١) = يقول: " إنما هما قبضتان، فقبضة في النار، وقبضة في الجنة "، فلا أدري من أي القبضتين أكون. وذكره الهيثمي في " المجمع " ٧/ ١٨٧: رواه الطبراني وفيه البراء بن عبد الله الغنوي وهو ضعيف، والحسن لم يدرك معاذًا.
(٢) في (أ): " صحفة "، وكتب فوقها: صفحة.
(٣) في كتاب " الشكر لله ﷿ " (١٦٥)، وقد تقدم ٣٢٢. والحكم هو ابن سنان ضعيف، ورواه أحمد في " الزهد " ص ٤٧ من قول بكر بن عبد الله المزني.
(٤) تحرفت في الأصول إلى: " ابن "، والتصويب من " الشكر ".
(٥) أخرجه عبد الرزاق في " المصنف " (٢٠٠٨٦) عن معمر، عن غير واحد، عن الحسن أنه كان يقول: الآجال، والأرزاق، والبلاءُ، والمصائب، والحسنات بقدر من الله، والسيئات من أنفسنا ومن الشيطان.
[ ٦ / ٢٤١ ]
وقوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٢٩].
وقوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ٤٠].
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ١٧].
وقوله: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٤].
وليس في شيء من ذلك أنه يفعل شيئًا من ذلك بالمشيئة من غير حكمة باطنةٍ، ولا حجة ظاهرة.
ألا تراه مع ذلك يقول ﷿: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، ويقول: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ [النساء: ١٤٧]، ونحوه: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦].
وكذلك: ﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التغابن: ١].
وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨].
وعلى هذا يتخرج معنى قوله - ﷺ -: " الخير بيديك والشر ليس إليك " (١).
والجمع بين هذه الآيات وآيات الحكمة توجب القطع بنفي العبث واللعب بالخلق عن أرحم الراحمين، وأحكم الحاكمين كما يأتي مطولًا مقررًا في آخر هذه المسألة إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) تقدم تخريجه في الجزء الخامس.
[ ٦ / ٢٤٢ ]
وأما حديث أبي هريرة المرفوع في إخراج ذرية آدم، فلم يذكر فيه قَسْمَ الذُّرِّيَّة قسمين: قسمًا إلى الجنة، وقسمًا إلى النار، وإنما ذكر " خَطِىءَ آدم، فخَطِئَتْ ذُرِّيَّتُه، ونَسِيَ فنسيَتْ ذُرِّيَّتُهُ ".
فكذلك رواه عنه المَقْبُري، وأبو صالح، وعطاء بن يسار، خرج حديث المَقْبُري البزار، وأبو يعلى، والترمذي، وقال: حديث غريب (١)، والنسائي من طريق أخرى، وخرج حديث أبي صالحٍ الترمذي، وقال: حسن صحيح (٢)، ورُوي من غير وجهٍ من أبي هريرة، ولم يُذكر " خَطِىء فخَطِئَت ذُرِّيته، ونسي فَنَسِيَتْ ذريته ".
خرَّج حديث ابن عمر، عن أبي هريرة البزار بإسنادٍ لا بأس به.
الخامس والستون: عن ابن مسعودٍ عنه - ﷺ - نحو الحديث الخامس المتفق عليه، وقد تقدم (٣)، وفي هذا زيادة: فقال رجل: ففيم العمل؟ فقال: " اعملوا فكُلٌّ سيُوجَّه لِما خُلِقَ له ". قال الهيثمي: رواه أحمد (٤) من طريق علي بن زيد، عن أبي عُبيدة، عن أبيه، وهو ابن مسعود.
السادس والستون: عن ابن مسعودٍ عنه - ﷺ -: "فُرِغَ إلى آدم من أربعٍ: من
_________________
(١) حديث صحيح أخرجه الترمذي (٣٣٦٨)، وابن أبي عاصم في " السنة " (٢٠٦)، والطبري في " تاريخه " ١/ ٩٦، وابن حبان (٦١٦٧)، وابن خزيمة في " التوحيد " ص ٦٧، والحاكم ١/ ٦٤ و٤/ ٢٦٣، والبيهقي في " الأسماء والصفات " ص ٣٢٤ - ٣٢٥.
(٢) أخرجه الترمذي (٣٠٧٦)، وابن سعد في " الطبقات " ١/ ٢٧ - ٢٨، والطبري ١/ ٩٦، والحاكم ٢/ ٥٨٥ - ٥٨٦ وصححه.
(٣) ص ٣٩١.
(٤) ١/ ٣٧٤ - ٣٧٥ وإسناده ضعيف. قال الهيثمي في " المجمع " ٧/ ١٩٣: هو في الصحيح باختصار عن هذا، رواه أحمد، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه، وعلي بن زيد سيىء الحفظ.
[ ٦ / ٢٤٣ ]
الخَلْق، والخُلُق، والرِّزق، والأجل". رواه الطبراني في " الأوسط "، وذكره الهيثمي في باب ما فُرِغ منه من " مجمع الزوائد " (١).
السابع والستون: عن أبي هريرة أنه - ﷺ - قال: " إن الله خلق الجنة، وخلق لها أهلًا بعشائرهم وقبائلهم لا يُزاد فيهم ولا يُنقص منهم " ثم ذكر مثل ذلك (٢) في أهل النار، إلى قوله في جواب السائل: " كل ميسر لما خلق له ". رواه الطبراني في " الكبير " و" الأوسط " من طريق بكار بن محمد السِّيريني (٣).
والثامن والستون: عن ابن عمر سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: لا يزال هذا الحيُّ من قريش آمنين حتى يرُدُّوهم عن دينهم كُفَّارًا حما (٤)، فقام إليه رجلٌ، فقال يا رسول الله: أفي الجنة أنا أم في النار؟ قال: " في الجنة " ثم قام إليه آخر فقال: أفي الجنة أنا أم في النار؟ فقال: " في النار " ثم قال: " اسكُتوا عنِّي ما سَكَتُّ عنكم، فلولا أن لا تَدَافَنُوا لأخبرتُكُم بملَئِكم في النار حتَّى تعرفوهم عند
_________________
(١) ٧/ ١٩٥ وقال: رواه الطبراني في " الأوسط " وفيه عيسى بن المسيب البجلي، وهو ضعيف عند الجمهور، ووثقه الحاكم والدارقطني في " سننه "، وضعفه في غيرها. وسيأتي الحديث موقوفًا في الحديث الثاني والتسعين.
(٢) في (ف): هذا.
(٣) أخرجه الطبراني في " المعجم الصغير " (٧١٩) عن عباد بن علي السيريني من ولد محمد بن سيرين ببغداد، حدثنا بكار بن محمد بن عبد الله بن محمد بن سيرين، حدثنا ابن عون، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة. وذكره الهيثمي في " المجمع " ٧/ ١٨٨ وقال: رواه الطبراني في " الصغير " و" الأوسط "، وفيه بكار بن محمد السيريني وثقه ابن معين وضعفه الجمهور، وعباد بن علي السيريني ضعفه الأزدي.
(٤) في (أ) و(ف): " حا " والمثبت من هامش مسند أبي يعلى ورقة: ٢٦٦/ ٢، و" مجمع الزوائد " و" المطالب العالية " ولم ترد في (ش) وهي في أصل مسند أبي يعلى " كفاء رحمنا ".
[ ٦ / ٢٤٤ ]
الموت، ولو أُمِرْتُ أن أفعل، لفعلتُ. رواه أبو يعلى من طريق ليث بن أبي سليم (١).
والتاسع والستون: عن أنسٍ قال: خرج علينا رسول الله - ﷺ - غضبان، فخطب الناس، فقال: " لا تسألوني عن شيءٍ إلاَّ أخبرتكم به " ونحن نرى أن جبريل معه. قال الهيثمي: فذكر الحديث إلى أن قال: فقال عمر: يا رسول الله، إنا كنا حديثي (٢) عهدٍ بجاهلية، فلا تُبْدِ علينا سوأتنا اعف، عفا الله عنك.
رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح (٣).
وذكر الهيثمي أخذ الميثاق في النشأة الأولى، وذكر فيه حديث ابن عباس، وأبي أُمامة. وسيأتي (٤) ذكر ذلك في الكلام في الأطفال.
والسبعون: حديث أبي أُمامة أنه - ﷺ - قال: " فأهل الجنة أهلها، وأهل النار أهلها " فقال رجل: ففيم العمل؟ فقال: " يعمل كل قومٍ لما خُلِقُوا له "، فقال عمر: أرأيت يا رسول الله أعمالنا هذه أشيءٌ نبتدِعُهُ أو شيءٌ قد فُرِغَ منه؟ قال: " على شيءٍ قد فُرِغَ منه "، قال: الآن نجتهد في العبادة. رواه الطبراني في
_________________
(١) أخرجه أبو يعلى (٥٧٠٢)، وليث بن أبي سليم ضعيف. وضعفه ابن حجر في " المطالب العالية " (٢٩٢٩)، وقال الهيثمي في " المجمع " ٧/ ١٨٨: وفيه ليث بن أبي سليم وهو مدلس، وبقية رجاله ثقات. قلت: وصف الهيثمي ليث بن أبي سُليم بالتدليس قد انفرد به، وإنما ضعفوه لسوء حفظه واختلاطه بأخرة.
(٢) في الأصول: " حديث " والمثبت من " مسند أبي يعلى ".
(٣) هو في " مسند أبي يعلى " (٣٦٨٩) و(٣٦٩٠) و(٣١٣٤) و(٣١٣٥) و(٣٦٠١). وذكره الهيثمي ٧/ ١٨٨. وأخرجه عبد الرزاق (٢٠٧٩٦)، وأحمد ٣/ ١٦٢، والبخاري (٩٣) و(٥٤٠) و(٧٤٩) و(٦٣٦٢) و(٦٤٦٨) و(٧٠٨٩) و(٧٢٩٤)، ومسلم (٢٣٥٩)، وابن حبان (١٠٦)، والبغوي (٣٧٢٠).
(٤) في الجزء السابع.
[ ٦ / ٢٤٥ ]
" الأوسط " و" الكبير " باختصارٍ من طريق سلم بن سالم، وإسنادُ " الكبير " من طريق جعفر بن الزبير (١).
والحادي والسبعون: عن ابن عباس: " إن أول شيءٍ خلقه الله القلم، وأمره أن يكتُبَ كُلَّ شيءٍ ". رواه أبو يعلى ورجاله ثِقاتٌ (٢).
والثاني والسبعون: عنه [عن النبي]- ﷺ - قال: " لما خلق الله القلم، قال له: اكتُبْ، فجرى بما هو كائِنٌ إلى قيام الساعة ". رواه الطبراني (٣) ورجاله ثقات، قال (٤): وقد تقدم حديثٌ في تفسير سورة (ن) (٥).
قلت: هو ابن عباس (٦)، قال: إن أول شيء خلقه الله القلمُ والحوتُ، قال: ما أكتب؟ قال: " كلُّ شيء كان إلى يوم القيامة " الحديث. رواه الطبراني، وقال: لم يرفعه عن حماد بن زيد إلاَّ مؤمَّل بن إسماعيل (٧). قال: ويأتي حديث في البر والصلة (٨)، يعني: نحو هذا.
_________________
(١) أخرجه الطبراني في " الكبير " (٧٩٤٠) و(٧٩٤٣) وقال الهيثمي في " المجمع " ٧/ ١٨٩: رواه الطبراني في " الأوسط " و" الكبير " باختصار وفيه سالم بن سالم وهو ضعيف، وفي إسناد الكبير جعفر بن الزبير وهو ضعيف.
(٢) أخرجه أبو يعلى (٢٣٢٩) مرفوعًا لا موقوفًا وقد تقدم تخريجه من الوجهين ص ٤٠٨. وذكره الهيثمي في " المجمع " ٧/ ١٩٠، ووقع في المطبوع منه: رواه البزار ورجاله ثقات، وهو خطأ.
(٣) رقم (١٢٥٠٠) وهو الحديث السالف بإسناده، وقد تقدم تخريجه ص ٤٠٨.
(٤) أي: الهيثمي في " مجمع الزوائد " ٧/ ١٩٠.
(٥) من " مجمع الزوائد " ٧/ ١٢٨.
(٦) مرفوعًا كما في الطبراني و" المجمع ".
(٧) وقال الهيثمي بإثره: ومؤمّلٌ ثقةٌ كثير الخطأ، وقد وثقه ابن معين وغيره، وضعفه البخاري وغيره، وبقية رجاله ثقات.
(٨) لعله يعني حديث ابن عباس مرفوعًا: "إن الله ﷿ قال: أنا خلقت الخير والشر، =
[ ٦ / ٢٤٦ ]
والثالث والسبعون: عن حيَّان بن عبيد الله بن زهير البصري عن الضحاك بن مزاحم، عن ابن عباس نحوه بزياداتٍ كثيرة تَعَلَّقُ بتفسير قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ الآية [الحديد: ٢٢]، وقوله (١) تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩]، وبقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]. رواه الطبراني من طريق الضحاك بن مزاحم (٢).
وقد تقدم حديث ابن عباس، وأهل الحديث يعدُّونها أحاديث لتعدد الطرق.
والرابع والسبعون: عن مِرثدٍ -وكان من أصحاب النبي ﷺ- قال: خطَّ الله خَطَّيْن في كتابه، ثم رفع القلم، فكتب في أحدهما الخلق، وكتب في الآخر ما الخلق عاملون. رواه الطبراني (٣) من طريق الحسن بن يحيى الخُشَني.
_________________
(١) = فطوبى لمن قدرت على يده الخير، وويل لمن قدرت على يده الشر". فقد ذكره الهيثمي في " المجمع " ٨/ ١٩٢ في البر والصلة، باب فضل قضاء الحوائج، وقال: رواه الطبراني (١٢٧٩٧) وفيه مالك بن يحيى النكري، وهو ضعيف. قلت: وكذا أبوه يحيى بن عمرو النكري.
(٢) في الأصول: " فيقول الله "، والجادة ما أثبت.
(٣) هو في " المعجم الكبير " (١٠٥٩٥) بطوله موقوفًا، وذكره الهيثمي في " المجمع " ٧/ ١٩٠ وقال: رواه الطبراني، وفيه الضحاك ضعفه جماعة، ووثقه ابن حبان، وقال: لم يسمع من ابن عباس، وبقية رجاله وثقوا. قلت: وحيان بن عبيد الله ذكره ابن عدي في " الضعفاء " وقال: عامة حديثه أفراد انفرد بها، وقال البيهقي: تكلموا فيه. وأخرج نحوه مقطعًا ابن جرير الطبري ٢٥/ ١٥٦ و٢٧/ ١١١ و٢٣٣ و٢٣٤، وابن مردويه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، كما في " الدر المنثور " ٧/ ٤٢٩ - ٤٣١ و٦٨٣ و٨/ ٦٢.
(٤) ٢٠/ (٧٧٨) وذكره الهيثمي في " المجمع " ٧/ ١٩١ وقال: رواه الطبراني وفيه الحسن بن يحيى الخشني، وثقه دحيم وغيره، وضعفه الجمهور. قلت: وفيه أيضًا هشام بن =
[ ٦ / ٢٤٧ ]
والخامس والسبعون: عن الحسنِ بن علي ﵁ قال: رُفِعَ الكِتاب، وجَفَّ القلم، وأمورٌ تُقضى في كتابٍ قد خلا. رواه الطبراني من طريق ليث بن أبي سُليم (١).
والسادس والسبعون: عن عبد الله بن عمرو بن العاص في تنازُع أبي بكر وعمر ﵄ في القدر، وأنه - ﷺ - حكم بينهما بما حكم به إسرافيل بين جبريل وميكائيل وذكر في المرفوع: " لو أراد الله أن لا يُعصى، ما خلق إبليس ".
رواه الطبراني في " الأوسط "، واللفظ له من طريق عُمر بن الصُّبح، والبزار بنحوه (٢). قال: وتأتي أحاديث في موضعها من هذا النحو.
_________________
(١) = عمار، قال الحافظ في " التقريب ": كبر فصار يتلقن، فحديثه القديم أصح.
(٢) كذا قال الهيثمي في " المجمع، ٧/ ١٩١ مع أنه ليس في الطبراني الذي نسبه إليه ليث بن أبي سُليم، فقد أخرجد (٢٦٨٤) عن علي بن عبد العزيز، حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن محمد بن جحادة، عن قتادة، عن أبي السوار العدوي، عن الحسن. وأخرجه عبد الله بن أحمد في " السنة " (٨٧٥) من طريق سفيان، واللالكائي في " أصول الاعتقاد " (١٢٣٤) من طريق محمد بن طلحة، كلاهما عن محمد بن جحادة، بهذا الإسناد. وأخرجه عبد الله (٨٨١) من طريق حماد، والآجري ص ٢٤٨ من طريق المعتمر بن سليمان، كلاهما عن حميد، عن ثابت، عن الحسن.
(٣) أخرجه البزار (٢١٥٣) من طريق إسماعيل بن حماد، والطبراني في " الأوسط " (٢٦٦٩) من طريق عمر بن الصُّبح، كلاهما عن مقاتل بن حيَّان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو. وذكره الهيثمي في " المجمع " ٧/ ١٩٢ وقال: وفي إسناد الطبراني عمر بن الصبح، وهو ضعيف جدًا، وشيخ البزار السكن بن سعيد ولم أعرفه، وبقية رجال البزار ثقات، وفي بعضهم كلام لا يضر. وأخرجه مختصرًا البيهقي في " الأسماء والصفات " ص ١٥٧ من طريق مقاتل بن حيان، واللالكائي (١١٠١) من طريق إسماعيل بن عبد السلام، كلاهما عن عمرو بن شعيب، به.
[ ٦ / ٢٤٨ ]
والسابع والسبعون: عن جابرٍ عنه - ﷺ -: " إذا استقرَّت النطفة في الرحم أربعين يومًا أو ليلةً، بعث الله إليها مَلَكًا فيقول: يا رب، ما أجلُهُ؟ ذكرٌ أم أنثى؟ شقيٌّ أم سعيد؟. رواه أحمد (١) من طريق خُصَيف.
والثامن والسبعون: عن ابن عمر قال رسول الله - ﷺ -: " إذا أراد الله أن يخلق نَسَمَةً، قال ملك الأرحامِ: أيْ ربِّ أذكرٌ أم أنثى؟ شقي (٢) أم سعيد؟ فيقضي الله أمره، ثم يكتب بين عينيه ما هو لاقٍ حتى النكبة يُنكَبُها ". رواه أبو يعلى والبزار، ورجال أبي يعلى رجال الصحيح (٣).
والتاسع والسبعون: عن أبي هريرة عنه - ﷺ - قال: " الشقي من شَقِيَ في بطن أمه، والسعيد من سَعِدَ في بطنها ". رواه البزار والطبراني، ورجال البزار رجال الصحيح (٤).
_________________
(١) في " المسند " ٣/ ٣٩٧ من طريق خُصيف، عن أبي الزبير، عن جابر. وهذا إسناد ضعيف، خُصيف: سيىء الحفظ، وأبو الزبير: لم يصرح بالتحديث.
(٢) في (ف): أشقي.
(٣) أخرجه أبو يعلى (٥٧٧٥)، واللالكائي (١٠٥٠) و(١٠٥١)، والدارمي في " الرد على الجهمية " ص ٨٠ من طريق يونس، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن هنيدة، عن ابن عمر. وهذا إسناد صحيح. وقول الهيثمي ٧/ ١٩٣ الذي نقله عنه المؤلف: ورجاله رجال الصحيح سبق قلم، فإن عبد الرحمن بن هنيدة لم يخرج له صاحبا الصحيح ولا أحدهما، وحديثه عند أبي داود في " القدر "، وهو ثقة. وأخرجه البزار (٢١٤٩) عن محمد بن معمر، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه ابن عمر. وصالح وإن كان ضعيفًا يصلح حديثه للمتابعة.
(٤) أخرجه البزار (٢١٥٠)، والطبراني في " الصغير " (٧٧٣)، والبيهقي في " الاعتقاد " ص ١٣٩ من طريق عبد الرحمن بن المبارك، عن حماد بن زيد، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة. وهذا إسناد صحيح رجاله رجال الشيخين غير عبد =
[ ٦ / ٢٤٩ ]
والموفي ثمانين: عن عائشة مرفوعًا نحو حديث ابن عمر المتقدم، وفيه زيادات. فيه مرفوعًا: " فما من شيء إلاَّ وهو يُخلق معه في الرَّحم ". رواه البزار ورجاله ثقات (١).
والحادي والثمانون: عن ابن مسعودٍ: قال رسول الله - ﷺ -: " إن الله جل ذكره خلق يحيى بن زكريا في بطن أُمِّه مؤمنًا، وخلق فرعون في بطن أمه كافرًا ". رواه الطبراني، وإسناده جيد (٢).
روى هذه الأحاديث الخمسة الهيثمي في باب ما يكتب على العبد في بطن أمه (٣).
الثاني والثمانون: عن ابن مسعودٍ حديث زيد الخيل، وتسمية رسول الله - ﷺ - زيد الخير، وقوله: أسألُك عن علامة الله فيمن يريد، وعلامته فيمن لا يريد، إني أُحبُّ الخير وأهله، ومن يعمل به، وإن عَمِلْتُ به ابتغيت (٤) ثوابه، فإن فاتني منه شيءٌ، حَنَنْتُ إليه، فقال النبي - ﷺ -: " هي علامة الله فيمن يريد، وعلامته فيمن لا يريد، لو أرادك في الأخرى (٥) هيَّأك لها، ثم لا يُبالي في أيِّ وادٍ
_________________
(١) = الرحمن بن المبارك فمن رجال البخاري. وأخرجه اللالكائي (١٠٥٤) و(١٠٥٥) و(١٠٥٦) من طرق، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة.
(٢) أخرجه البزار (٢١٥١)، واللالكائي (١٠٥٢) و(١٠٥٣) من طريق أبي عامر عن الزبير بن عبد الله، عن جعفر بن مصعب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة. والزبير بن عبد الله قال ابن عدى: أحاديثه منكرة المتن والإسناد، وجعفر بن مصعب لم يوثقه غير ابن حبان.
(٣) هو في " المعجم الكبير " (١٠٥٤٣) وفيه أبو هلال الراسبي وفيه ضعف، لا سيما في روايته عن قتادة كما في هذا الحديث.
(٤) " مجمع الزوائد " ٧/ ١٩٢ - ١٩٣.
(٥) عند الطبراني: أيقنت.
(٦) عند الطبراني: الآخرة.
[ ٦ / ٢٥٠ ]
سلكتَ". رواه الطبرانى من طريق عون بن عُمارة (١).
الثالث والثمانون: عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: قلتُ لرسول الله - ﷺ -: يا رسول الله، نعمل على ما فُرِغَ منه أو على أمرٍ مُؤْتَنَف؟ قال: " على أمرٍ قد فُرِغَ منه "، قال: ففيم العمل يا رسول الله؟ قال: " كل ميسر لما خلق له ". رواه أحمد والبزار والطبراني من طريق عطاف بن خالد (٢).
الرابع والثمانون: عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال لرسول الله - ﷺ -: أرأيت ما نعمل فيه أقد فُرِغَ منه، أو في شيء مبتدأ، أو أمرٍ مُبتدع؟ قال: " فيما قد فرغ منه "، فقال عمر: ألا نتكل؟ فقال: "اعمل يا ابنَ الخطاب، فكل مُيَسَّر، أما من كان من أهل السعادة، فيعمل للسعادة، وأما أهلُ الشقاء (٣)، فيعملُ للشقاء" (٣). رواه أحمد من طريق عاصم بن عُبيد الله (٤).
_________________
(١) هو في " المعجم الكبير " (١٠٤٦٤)، وعون بن عمارة: ضعيف.
(٢) أخرجه البزار (٢١٣٦)، والطبراني (٤٧) من طريق أبي اليمان، وأحمد ١/ ٥ - ٦ من طريق علي بن عياش، كلاهما عن العطاف بن خالد -وزاد في طريق علي بن عياش: حدثني رجل من أهل البصرة- عن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، عن أبيه. قال الهيثمي في " المجمع " ٧/ ١٩٤: وعطاف وثقه ابن معين وجماعة وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات إلاَّ أن في رجال أحمد رجلًا مبهمًا لم يُسَمَّ.
(٣) في (ش): الشقاوة.
(٤) أخرجه أحمد ١/ ٢٩ و٢/ ٥٢ و٧٧، وابنه عبد الله في " السنة " (٨٥٥)، والطيالسي ص ٤، وابن أبي عاصم في " السنة " (١٦٣) و(١٦٤)، والترمذي (٢١٣٥)، وأبو يعلى (٥٥٧١)، والدارمي في " الرد على الجهمية " ص٨١ - ٨٢، والآجري ص ١٧١ من طريق شعبة، عن عاصم بن عبيد الله، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن عمر -وفي بعضها: أن عمر-. وعاصم بن عبيد الله ضعيف. وذكره الهيثمي في " المجمع " ٧/ ١٩٤ وقد سقط من المطبوع منه التعليق على هذا الحديث، والحديث الآتي، فيستدرك من هنا.
[ ٦ / ٢٥١ ]
الخامس والثمانون: عن أبي الدرداء، قال: قالوا: يا رسول الله نعمل في أمرٍ مُستأنفٍ، أو في أمرٍ قد فُرِغ منه بالعمل أو شيءٍ نستأنفه؟ قال: " بل في أمر قد فُرِغ منه "، قال: فكيف بالعمل يا رسول الله؟ قال: كل امرىءٍ مُهَيَّأ لما خُلِقَ له ". رواه أحمد، والبزار وحسن إسناده، والطبراني من طريق سُليمان بن عُتبة (١).
السادس والثمانون: عن ذِي اللحية الكلابيِّ أنه قال: يا رسول الله، نعمل في أمرٍ مُستأنفٍ أو في أمر قد فُرِغ منه؟ فقال: " لا بل في أمرٍ قد فُرِغ منه " قال: ففيم العمل إذًا؟ قال: " فكل ميسر لما خلق له ". رواه أحمد والطبراني ورجاله ثقات (٢).
السابع والثمانون: عن أبي هريرة أن عمر بن الخطاب قال: يا رسول الله: أرأيت ما نعمل، أشيءٌ قد فُرِغ منه، أو شيءٌ يُستأنف؟ قال: " بل شيء قد فُرِغ منه "، قال: ففيم العمل؟ قال: " كل ميسر لما خلق له ". رواه البزار ورجاله رجال الصحيح (٣).
الثامن والثمانون: عن ابن عباس قال: قال رجل: يا رسول الله أنعملُ فيما جرت به المقادير، وجفَّ به القلم، أو شيءٌ نأتَنِفُهُ؟ قال: " لِما جرت به المقادير، وجفَّ به القلم " قال: ففيم العمل؟ قال: " اعمل فكل ميسر لما خلق له ". رواه
_________________
(١) أخرجه أحمد ٦/ ٤٤١، والبزار (٢١٣٨). وقال الهيثمي في " المجمع " ٤/ ١٩٤: وفيه سليمان بن عتبة، وثقه أبو حاتم وجماعة، وضعفه ابن معين وغيره، وبقية رجاله ثقات.
(٢) أخرجه أحمد ٤/ ٦٧، والطبراني (٤٢٣٥) و(٤٢٣٦) من طريقين عن يزيد بن أبي منصور، عن ذي اللحية الكلابي.
(٣) أخرجه ابن أبي عاصم (١٦٥)، والبزار (٢١٣٧)، وابن حبان (١٠٨)، والآجري ص ١٧٠ من طريق أنس بن عياض، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة. وهذا إسناد على شرط الشيخين.
[ ٦ / ٢٥٢ ]
الطبراني والبزارُ بنحوه إلاَّ أنه قال في آخره: فقال القوم بعضهم لبعض: فالجد إذًا. ورجال الطبراني ثقات (١).
التاسعُ والثمانون: عن جابر بن عبد الله قال: قام سراقة بن مالك إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله، أرأيت أعمالنا التي نعمل أمأخوذون (٢) بها عند الخالق خيرٌ فخير، وشرٌّ فشر، أو شيء قد سبقت به المقادير، وجفت به الأقلام؟ قال: " يا سراقة قد سبقت به المقادير وجفت به الأقلام " قال: فعلام نعمل يا رسول الله؟ قال: " اعمل يا سراقة، فكل ميسر لما خلق له " قال سراقة: الآن نجتهد. رواه الطبراني في " الأوسط " من طريق عبد الكريم بن أمية (٣).
الموفي تسعين: عن سراقة بن مالك بن جُعْشُم المُدْلِجي أنه قال مثل الأول، فقال النبي - ﷺ -: " كل ميسر له عمله "، فقال: يا رسول الله، الآن الجِدُّ، الآن الجِدُّ، قال الهيثمي روى ابن ماجه بعضه (٤). رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح (٥).
ذكر الهيثمي هذه الأحاديث الثمانية في باب كل ميسر لما خلق له (٦).
الحادي والتسعون: عن أبي الدرداء قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: " فرغ الله إلى كل عبدٍ من خمس: من أجله ورزقه، ومضجعه، وشقي أو سعيدٍ ".
_________________
(١) أخرجه البزار (٢١٣٩)، والطبراني (١٠٨٩٩) من طريقين عن ابن عباس.
(٢) في " المجمع ": أمؤاخذون.
(٣) ذكره الهيثمي في " المجمع " ٧/ ١٩٥ وقال: عبد الكريم أبو أمية ضعيف. وقد تقدم تخريجه برقم (٢).
(٤) رقم (٩١) عن هشام بن عمار، عن عطاء بن مسلم الخفاف، عن الأعمش، عن مجاهد، عن سراقة. هشام بن عمار كبر فصار يتلقن، وعطاء بن مسلم كثير الخطأ، ومجاهد لم يسمع من سراقة.
(٥) في " المعجم الكبير " (٦٥٩٣).
(٦) في " المجمع " ٧/ ١٩٤ - ١٩٥.
[ ٦ / ٢٥٣ ]
وفي رواية: " وعمله ". رواه أحمد والبزار والطبراني في " الأوسط " و" الكبير " وأحد إسنادي أحمد ثقات (١).
الثاني والتسعون: عن ابن مسعودٍ قال: أرْبَعٌ قد فُرِغَ منهن: الخَلْقُ، والخُلُقُ، والرزق، والأجل، ليس أحدٌ بأكسب من أحدٍ وقال (٢): الصدقة جائزة قُبِضَتْ أو لم تُقْبَضْ. رواه الطبراني من طريق عيسى بن المسيب (٣).
الثالث والتسعون: عن أبي الدرداء قال: ذكرنا زيادة العمر عند رسول الله - ﷺ -، فقال: " لا يُؤَخِّرُ الله نفسًا إذا جاء أجلها " فذكر الحديث. رواه الطبراني في " الأوسط " من طريق سليمان بن عطاء (٤).
ذكر هذه الثلاثة الأحاديث الهيثميُّ في باب ما فُرغ منه (٥)، وحديثًا رابعًا قد
_________________
(١) حديث صحيح أخرجه أحمد ٥/ ١٩٧، وابن أبي عاصم في " السنة " (٣٠٣) و(٣٠٤) و(٣٠٥) و(٣٠٦) و(٣٠٧) و(٣٠٨)، وعبد الله بن أحمد في " السنة " (٨٥٩)، والبزار (٢١٥٢)، واللالكائي (١٠٥٩)، والقضاعي في " مسند الشهاب " (٦٠٢)، وابن حبان (٦١٥٠).
(٢) تحرف في الأصول إلى: " وقد "، والتصويب من الطبراني.
(٣) أخرجه الطبراني (٨٩٥٣)، وعيسى بن المسيب ضعيف. وأخرجه (٨٩٥٢) من طريق أبي نعيم الفضل بن دكين عن المسعودي، عن القاسم عن جده عبد الله بن مسعود. والمسعودي قد اختلط، والقاسم لم يسمع من جده.
(٤) أخرجه الطبراني في " الأوسط " (٣٤) بلفظ: ذكروا عند رسول الله - ﷺ - الأرحام، فقلنا: من وصل رَحِمَه أُنسىء في أجله، فقال: " إنه ليس يُزاد في عمره، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾، ولكنه الرجل تكون له الذرية الصالحة، فيدعون له من بعده، فيبلُغُه ذلك، فذاك الذي يُنسأُ في أجله ". وفي سنده سليمان بن عطاء، وهو منكر الحديث، وذكره الهيثمي ٨/ ١٥٣ وقال: رواه الطبراني في " الصغير " و" الأوسط " وليس في إسناده متروك، ولكنهم ضُعفوا.
(٥) " المجمع " ٧/ ١٩٥ - ١٩٦.
[ ٦ / ٢٥٤ ]
تقدم في " مجمع الزوائد " في باب فرغ إلى كل عبد من خلقه (١).
الرابع والتسعون: عن أبي الدرداء قال: بينما نحن عند رسول الله - ﷺ - قال: " إذا سمعتم بجبلٍ زال عن مكانه، فصدِّقوا، وإذا سمعتم برجلٍ زال عن مكانه، فلا تُصدِّقوا، فإنه يصير إلى ما جُبِلَ عليه ". رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح إلاَّ أن الزُّهري لم يُدرك (٢) أبا (٣) الدرداء (٤).
الخامس والتسعون: عن عبد الله بن ربيعة قال: كنا عند عبد الله، يعني: ابن مسعود، فذكر القوم رجلًا فذكروا من خُلُقه، فقال عبد الله: أرأيتم لو قصصتم رأسه أكنتم تستطيعون أن تُعيدوه؟ قالوا: لا، قال: فَيَدَهُ؟ قالوا: لا، قال: فرِجْلَه؟ قالوا: لا، قال: فلن تستطيعوا أن تُغَيِّرُوا خُلُقَه حتى تُغيِّروا خَلْقَهُ.
فذكر الحديث. رواه الطبراني ورجاله ثقات (٥).
السادس والتسعون: عن ابن مسعودٍ قال: إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يُعطي الدنيا من يُحِبُّ ومن لا يحب، ولا يعطي الآخرة (٦) إلاَّ من يحب (٧). رواه الحاكم، وقال: صحيح تفرَّد به أحمد بن جناب
_________________
(١) " المجمع " ٧/ ١٩٦.
(٢) تحرف في الأصول إلى: " يذكر "، والمثبت من " المجمع ".
(٣) في الأصول: " أبي "، والتصويب من " المجمع ".
(٤) أخرجه أحمد ٦/ ٤٤٣ وفيه انقطاع كما قال الهيثمي.
(٥) أخرجه الطبراني (٨٨٨٤) و(٨٨٨٥) من طريقين عن عبد الله بن ربيعة.
(٦) في مصادر التخريج: الإيمان.
(٧) أخرجه الحاكم ١/ ٣٣ من طرق عن أحمد بن جناب المصيصي، حدثنا عيسى بن يونس -وهو ابن أبي إسحاق السبيعي- عن سفيان الثوري، عن زبيد، عن مرة، عن عبد الله بن مسعود. وهذا إسناد صحيح. وأخرجه ١/ ٣٤ من طريق سفيان بن عقبة أخي قبيصة، عن حمزة الزيات، وسفيان الثوري، به. =
[ ٦ / ٢٥٥ ]
المصيصي وهو ثقة، عن عيسى بن يونس، قال: ومن شرطنا في هذا الكتاب أنا نخرج أفراد الثقات إذا لم نجد لها علَّة، وقد وجدنا لعيسى بن يونس فيه شاهدين (١)، أحدهما: على شرط هذا الكتاب.
وفي " مجمع الزوائد " (٢) للهيثمي في باب: لا يموت عبدٌ حتى يبلغ أقصى أثره.
السابع والتسعون: عن أسامة بن زيدٍ، عنه - ﷺ - قال: " ما جُعِلَتْ مِيتَةُ عبدٍ بأرضٍ إلاَّ جُعلت له فيها حاجةٌ ". رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح (٣).
وعن أبي عزة نحوه، وفيه زيادة. رواه البزار. ورواه الترمذي باختصار وصححه، وقد تقدم من طريق محمد بن موسى الحرشي (٤).
_________________
(١) = وأخرجه أحمد ١/ ٣٨٧، والحاكم ٢/ ٤٤٧ و٤/ ١٦٥، وأبو نعيم ٤/ ١٦٦ من طريق الصباح بن محمد البجلي، عن مرة الهمداني، عن ابن مسعود مرفوعًا. والصباح بن محمد ضعيفه. وأخرجه أبو نعيم ٤/ ١٦٦ من طريق عبد الرحمن بن زبيد، عن أبيه، عن مرة، عن ابن مسعود مرفوعًا، ومرة وقفه. وأخرجه الطبراني (٨٩٩٠) من طريق حجاج بن المنهال، عن محمد بن طلحة، عن زبيد، به موقوفًا. وذكره الهيثمي في " المجمع " ١٠/ ٩٠ وقال: ورجاله رجال الصحيح.
(٢) في " المستدرك ": متابعين.
(٣) ٧/ ١٩٦.
(٤) أخرجه الطبراني (٤٦١) من طريق عبد الرزاق -وهو في " مصنفه " (٢٠٩٩٦) - عن معمر، عن أيوب، عن أبي المليح، عن أسامة بن زيد. وهذا إسناد صحيح. ولفظ الطبراني: " ما جعل الله منية عبد ".
(٥) أخرجه البزار (٢١٥٤) وقال الهيثمي: وفيه محمد بن موسى الحرشي، وهو ثقة وفيه خلاف. وقد تقدم تخريجه برقم (٣٤).
[ ٦ / ٢٥٦ ]
وفي باب خلق الله كل صانع وصنعته (١).
الثامن والتسعون: عن حُذيفة، عنه - ﷺ -: " خلق الله كُلَّ صانع وصنعته ".
رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح غير أحمد بن عبد الله بن (٢) الحسين بن الكردي (٣)، وهو ثقة. ورواه الحاكم في " المستدرك " والبيهقي (٤) ويأتي الكلام عليه في آخر مسألة الأفعال، وفي باب الإيمان بالقدر.
التاسع والتسعون: عن أبي الدرداء، عنه - ﷺ - قال: " لكل شيءٍ حقيقةٌ وما بلغ عبدٌ حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه ". رواه أحمد، والطبراني، ورجاله ثقات (٥).
والموفي مئة: عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله - ﷺ - قال: " لا يؤمن المرء حتى يؤمن بالقدر خيره وشره ". رواه أحمد ورجاله ثقات، ورواه الطبراني في " الأوسط " (٦).
_________________
(١) " المجمع " ٧/ ١٩٧.
(٢) تحرفت في (أ) إلى: أبي.
(٣) تحرفت في (ش) إلى: الكروجي.
(٤) أخرجه البخاري في " خلق أفعال العباد " (١١٧)، وابن أبي عاصم (٣٥٧)، والبزار (٢١٦٠)، والحاكم ١/ ٣١ - ٣٢، والبيهقي في " الأسماء والصفات " ص ٢٦٠ و٣٨٨، وفي " الاعتقاد " ص ١٤٤، والخطيب في " تاريخه " ٢/ ٣١ من طريقين عن أبي مالك الأشجعي، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة. وهذا إسناد صحيح.
(٥) أخرجه أحمد ٦/ ٤٤١. وانظر " المجمع " ٧/ ١٩٧.
(٦) أخرجه أحمد ٢/ ١٨١ و٢١٢، وابنه عبد الله في " السنة " (٩١٦)، وابن أبي عاصم (١٣٤)، والطبراني في " الأوسط " (١٩٧٦)، واللالكائي (١١٠٨) و(١٣٨٧) والآجري ص ١٨٨ من طرق عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. وهذا إسناد حسن. وسقط هذا الحديث من المطبوع من " مجمع الزوائد " ٧/ ١٩٧ مع شيء من التعليق عليه، فيستدرك من هنا.
[ ٦ / ٢٥٧ ]
والواحد والمئة: عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: " الأُمورُ كُلُّها خيرها وشرها من الله " وقال: " القَدَرُ نظام التوحيد، فمن (١) وحَّد الله، وآمن بالقدر فقد استمسك بالعُروة الوُثقى ". رواه الطبراني في " الأوسط " من طريق هانىء بن المتوكل (٢).
والثاني والمئة: عن معاوية: قال رسول الله - ﷺ -: " لا تَعْجَلْ على شيءٍ تَظُنُّ أنك إذا استعجلت إليه أنك تُدرِكُهُ، وإن كان الله لم يُقدرْ ذلك، ولا تستأخر عن شيءٍ تظن أنك إن استأخرت عنه أنه مدفوعٌ (٣) عنك، وإن كان الله قدَّره عليك ". رواه الطبراني في " الكبير " و" الأوسط " من طريق عبد الوهاب بن مجاهد (٤).
ثم ذكر الهيثمي أحاديث متفرقة المعاني في أبوابٍ شتى، منها.
الثالث والمئة: عن ابن مسعود موقوفًا: لأن يَقْبِضَ أحَدُكُم على جمرةٍ حتى تبرُد خيرٌ له من أن يقول لأمر قضاه الله: لَيْتَهُ لم يكن. رواه الطبراني من طريق المسعودي (٥).
والرابع والمئة: عن أنسٍ مرفوعًا: " كل شيءٍ بقضاءٍ وقَدَرٍ، ولو هذه "، وضرب بأصبعه السبابة على ذراعه. رواه الطبراني في " الأوسط " (٦).
والخامس والمئة: عن الضَّحَّاك بن مُزاحِمٍ، قال: اجتمعت أنا وطاووسٌ
_________________
(١) في (أ) و(ف): ومن.
(٢) ذكره الهيثمي ٧/ ١٩٧ وقال: وفيه هانىء بن المتوكل، وهو ضعيف.
(٣) في (ش): مرفوع.
(٤) ذكره الهيثمي ٧/ ١٩٩ وقال: وفيه عبد الوهاب بن مجاهد، وهو ضعيف.
(٥) أخرجه الطبراني في " المعجم الكبير " (٩١٧١) وقال الهيثمي في " مجمع الزوائد " ٧/ ٢٠٧: فيه المسعوي وقد اختلط.
(٦) قال الهيثمي ٧/ ٢٠٨: رواه الطبراني في " الأوسط " وفي جماعة لم أعرفهم.
[ ٦ / ٢٥٨ ]
اليماني، وعمرو بن دينار، ومكحولٌ الشامي، والحسن البصري في مسجد الجَنَدِ، فتذاكرنا القدر حتى ارتفعت أصواتنا، فقام طاووسٌ، فقال: أنْصِتُوا أُخبِرْكُم بما سمعت أبا الدرداء يُخبر عن رسول الله - ﷺ -: " إن الله افترض (١) عليكم فرائض، فلا تضيعوها، وحدَّ حُدُودًا، فلا تَعْتَدوها، ونهاكم عن أشياء، فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء من غير نسيان، فلا تكلَّفُوها، رحمة من ربكم فاقبلوها، الأُمور كُلُّها بيد الله، من عند الله مصدرها، وإليه مرجعها، ليس للعباد فيها تفويضٌ ولا مشيئةٌ ". فقام القوم جميعًا وهم راضون بما قال طاووس.
رواه الطبراني في " الأوسط " من طريق نهشل (٢) بن سعيد (٣) الترمذي (٤)، ورواه مصنف " أخبار صنعاء " وِجَادَةً، قال: وجدت بخط سليمان بن محمد عن الضحاك بن مزاحم وساق (٥) مثله سواء.
ويأتي في آخر مسألة الأفعال تحقيق معنى قوله: " مصدرها من عند الله " إن صح على التفصيل والتحقيق (٦).
وفي الجملة: إن المراد بذلك أوائلها ومُقدِّماتُها وأسبابُها، وتقدير اختيار العباد لأفعالهم ليبلوهم أيُّهُمْ أحسن عملًا، ولما شاء الله تعالى من الحِكَمِ البالِغة، وتقدير صدور المعاصي من أهلها باختيارهم على وجهٍ تقوم به الحُجَّة عليهم، ويستحق الرب بجزائهم اسم الغفار، أو العدل الحكيم.
ولا يصح أن يكون غفارًا لنفسه (٧)، ولا عدلًا عليها، وإنما يصح ذلك متى
_________________
(١) في (ش): فرض.
(٢) في الأصول الثلاثة: " سهل "، وهو تحريف.
(٣) تحرف في (أ) إلى: سعد.
(٤) أخرجه الطبراني في " الأوسط "، والدارقطنى ٤/ ٢٩٧ - ٢٩٨. ونهشل بن سعيد: متروك.
(٥) في (ف): وساقه.
(٦) في (ش): وفي التحقيق.
(٧) في (ش): بنفسه.
[ ٦ / ٢٥٩ ]
كان للعباد أفعالٌ اختياريةٌ قطعًا عقلًا وسمعًا، لقوله تعالى في نحو ذلك: ﴿قُلْ هو مِنْ عِنْدِ أنفَسِكُم﴾ [آل عمران: ١٦٥]، وقوله: ﴿وَيَقُولونَ هُوَ مِنْ عِندِ الله﴾ [آل عمران: ٧٨].
وسيأتي من ذلك الكثير الطَّيِّب، وإنما المراد على نحو قول الخليل: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٧٨ - ٨٢]، ونحو قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، وقوله: ﴿وما يُضِلُّ به إلاَّ الفاسِقينَ﴾ [البقرة: ٢٦]، وقول رسول الله - ﷺ -[فيما يرويه عن ربه]: " إنما هي أعمالُكُم أُحْصِيهَا لكم، ثم أُوفِّيكُم إياها، فمن وجد خيرًا، فليحمد الله، ومن وجد شرًا فلا يَلُومَنَّ إلاَّ نفسه ". خرجه مسلم في " صحيحه " (١) من حديث أبي ذرٍّ ﵁، وسيأتي ذلك مبسوطًا في خاتمة مسألة الأفعال، وبيان نصوص الأئمة فيه.
والسادس والمئة: عن عائشة مرفوعًا: " الطَّيْرُ تَجْري بقَدَرٍ ". رواه البزار، وقال: لا يُرى إلاَّ بهذا الإسناد، ورجاله رجال الصحيح غير يوسف بن أبي بردة وثقه ابن حبان (٢).
السابع والمئة: عن أبي أُمامة قال رسول الله - ﷺ -: "وُكِّلَ بالمؤمن تسعون ومئة مَلَكٍ، يَذُبُّون عنه ما لم يُقَدَّرْ عليه، [من ذلك البصر: تسعة أملاك] يذبُّون [عنه] كما تَذُبُّون عن قصعة العَسَل الذُّبَاب في اليوم الصَّائِف، وما لو بدا لكم
_________________
(١) رقم (٢٥٧٧) وقد تقدم.
(٢) وأخرج حديثه هذا في " صحيحه " (٥٨٢٤) ووثقه العجلي، وقال الذهبي في " الكاشف ": ثقة. وأخرجه أحمد ٦/ ١٢٩، والبزار (٢١٦١)، وابن أبي عاصم في " السنة " (٢٥٤) وصححه الحاكم ١/ ٣٢.
[ ٦ / ٢٦٠ ]
لرأيتموه على كُلِّ جَبَلٍ وسَهْلٍ، كلُّهم باسطٌ يديه، فاغِرٌ فاه، وما لو وُكِلَ العبد إلى نفسه طرفة عين خَطِفَتْهُ الشياطين". [رواه الطبراني] من طريق عُفير بن معدان (١).
والثامن والمئة: عن أبي هريرة مرفوعًا: " لا ينفعُ حَذَرٌ من قَدَرٍ ". رواه البزار (٢) من طريق إبراهيم بن خثيم.
والتاسع والمئة: عن عائشة مرفوعًا بمثله. رواه البزار (٣) أيضًا من طريق زكريا بن منظور.
وخرَّج الحاكم في " المستدرك " (٤) حديث: " إذا نزل القدر، عَمِيَ البصر " ذكره في قصة الهُدهد. ويشهد له من كتاب الله تعالى: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٤].
_________________
(١) الحديث في الطبراني (٧٧٠٤)، و" مجمع الزوائد " ٧/ ٢٠٩ وما بين حاصرتين منهما. وقد تقدم تخريجه ص ٢٣٦ من هذا الجزء.
(٢) رقم (٢١٦٤) قال الهيثمي ٧/ ٢٠٩: فيه إبراهيم بن خثيم، وهو متروك. قلت: له شاهد من حديث عائشة، وهو الحديث الآتي، وآخر من حديث ابن عباس رواه الحاكم ٢/ ٣٤٩ - ٣٥٠ وصححه ووافقه الذهبي.
(٣) رقم (٢١٦٥) قال الهيثمي ٧/ ٢٠٩: فيه زكريا بن منظور، وثقه أحمد بن صالح المصري وضعفه الجمهور.
(٤) ٢/ ٤٠٥ و٤٠٥ - ٤٠٦ من قول ابن عباس. وأخرجه ابن أبي عاصم في " السنة " (٢٣٩) عن ابن مصفى، حدثنا بقية، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - أنه قال: " قد ينفع الحذر ما لم يبلغ القدر، فإذا جاء القدر حال دود النظر ". وهذا سند ضعيف جدًا، بقية مدلس، وأبو بكر بن أبي مريم ضعيف، وعلي بن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس.
[ ٦ / ٢٦١ ]
والعاشر والمئة: عن أنس مرفوعًا: " عَجِبْتُ للمؤمن إن الله لا يقضي له قضاءً إلاَّ كان خيرًا له ". رواه أحمد وأبو يعلى بمثله، ورجال أحمد ثقات، وأحد أسانيد أبي يعلى رجاله رجال الصحيح غير أبي بحر (١) ثعلبة وهو ثقة (٢).
والحادي عشر والمئة: حديث: " إن القلب بين أُصبعين من أصابع الرحمن يقلِّبُه ". عن عثمان. رواه الطبراني في " الأوسط " من حديث محمد بن عيسى (٣) الطرسوسي (٤).
والثاني عشر والمئة: عن عائشة نحو حديث عثمان.
رواه أحمد من طريق مسلم بن محمد بن زائدة، قال بعضهم: صوابه صالح بن محمد بن زائدة (٥).
والثالث عشر والمئة: عن عائشة أيضًا نحوه أيضًا رواه الطبراني في " الأوسط " من طريق المُعَلَّى بن الفضل (٦).
_________________
(١) تحرف في الأصول إلى: بحير.
(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد ٣/ ١١٧ و١٨٤ و٥/ ٢٤، وأبو يعلى (٤٢١٧) و(٤٢١٨). وصححه ابن حبان (٧٢٨) بتحقيقنا. وانظر تمام تخريجه فيه.
(٣) في الأصول: " يحيى "، والمثبت من " مجمع الزوائد ".
(٤) ذكره الهيثمي في " المجمع " ٧/ ٢١٠ بلفظ: " إذا أراد الله أن يزيغ قلب عبد أعمى عليه الحيل ". واللفظ الذي أورده المصنف رواه الطبراني في " الأوسط " أيضًا، لكن في سنده -كما قال الهيثمي- عبد الله بن صالح، وثقه عبد الملك بن شعيب وضعفه غيره.
(٥) وتمام كلام الهيثمي في " المجمع " ٧/ ٢١٠: وقد وثقه أحمد، وضعفه أكثر الناس، وبقية رجاله رجال الصحيح. قلت: أخرجه أحمد ٢/ ٤١٨ في مسند أبي هريرة.
(٦) وتمام كلام الهيثمي ٧/ ٢١٠: قال ابن عدي: في بعض ما يرويه نكرة، وبقية رجاله وثقوا، وفيهم خلاف. =
[ ٦ / ٢٦٢ ]
والرابع عشر والمئة: عن أم سلمة نحوه. رواه الترمذي، ورواه أحمد من طريق شهر بن حوشب (١).
والخامس عشر والمئة: عن أبي هريرة نحوه أيضًا، رواه الطبراني في " الأوسط " من طريق عبد الله بن صالح (٢).
والسادس عشر والمئة: عن نعيم بن همار نحوه، وزاد: " وكل يوم الميزان بيد الله يرفع أقوامًا ويضع آخرين إلى يوم القيامة ". رواه الطبراني ورجاله ثقات (٣).
_________________
(١) = قلت: وأخرجه أحمد ٦/ ٢٥٠ - ٢٥١، وابن أبي عاصم في " السنة " (٢٢٤) و(٢٣٣)، والآجري في " الشريعة " ص ٣١٧، وفيه علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف. وأخرجه أحمد ٦/ ٩١ من طريق الحسن البصري أن عائشة قالت وذكر نحوه.
(٢) أخرجه أحمد ٦/ ٢٩٤ و٣٠١ - ٣٠٢ و٣١٥، وابنه عبد الله في " السنة " (٨٦٦)، والترمذي (٣٥٢٢). وابن أبي عاصم في " السنة " (٢٢٣) و(٢٣٢)، والآجري في " الشريعة " ص ٣١٦ كلهم من طريق شهر بن حوشب، عن ابن سلمة. وشهر: فيه كلام.
(٣) قال الهيثمي ٧/ ٢١١: وثقه عبد الملك بن شعيب، وضعفه غيره. وأخرجه أيضًا ابن أبي عاصم في " السنة " (٢٢٩) من طريقه.
(٤) " مجمع الزوائد " ٧/ ٢١١. وأخرجه ابن أبي عاصم في " السنة " (٢٢١) و(٥٥٣)، والبزار (٤٠)، وابن الأثير في " أسد الغابة " ٥/ ٣٥١ من طريق الوليد بن سليمان، عن بسر بن عبيد الله، عن أبي إدريس الخولاني، عن نعيم بن همار. وأخرجه بنحوه أحمد ٤/ ١٨٢، وابنه عبد الله في " السنة " (١٢٢٤)، والآجري ص ٣١٧ و٣٨٦، والنسائي في " الكبرى " كما في " التحفة " ٩/ ٦١، وابن ماجه (١٩٩)، والبغوي (١٩٩)، والبيهقي في " الأسماء والصفات " ص ٣٤١، وصححه ابن حبان (٩٤٣)، والحاكم ١/ ٥٢٥ من طرق عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن بسر بن عبيد الله، عن أبي إدريس الخولاني، عن النواس بن سمعان. قال ابن الأثير: وهو الصواب. أي: عن النواس بن سمعان.
[ ٦ / ٢٦٣ ]
والسابع عشر والمئة: عن سبرة بن فاتكٍ في ذكر الأصابع والميزان. رواه الطبراني ورجاله ثقات (١).
والثامن عشر والمئة: عن المقداد، ولفظه: " لَقَلْبُ ابن آدم أسرع تقلُّبًا من القِدْرِ إذا استجمعت غَلْيًَا ". رواه الطبراني بأسانيد، ورجال أحدها ثقات (٢).
قلت: أحاديث الباب مرفوعة، وأورد في باب الأعمال بالخواتيم اثني عشر حديثًا، وفي باب علامة خاتمة الخير سبعة أحاديث، صارت تسعة عشر حديثًا.
والتاسع عشر والمئة: عن أنسٍ مرفوعًا، وفي متنه: " وإذا أراد الله بعبدٍ خيرًا استعمله قبل موته " قالوا: يا رسول الله وكيف يستعمله؟ قال: " يُوَفِّقُهُ لعملٍ صالحٍ ثم يقْبِضُه عليه ". رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني في " الأوسط " ورجال أحمد رجال الصحيح (٣).
والعشرون والمئة: عن عائشة أن رسول الله - ﷺ - قال: " إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة وإنه لمكتوبٌ في الكتاب من أهل النار، فإذا كان قبل موته تحوَّل فعمل بعمل أهل النار، فمات ". الحديث. رواه أحمد وأبو يعلى
_________________
(١) أخرجه الطبراني في " الكبير " (٦٥٥٧)، وأخرجه أيضًا الآجري في " الشريعة " ص ٣٨٦، وابن أبي عاصم في " السنة " (٢٢٠) و(٥٥٠) و(٥٥١) وعنده تحرف " فاتك " إلى " فاكه ". وفي سنده هشام بن عمار وقد ضعفوه بأنه كبر فصار يتلقن.
(٢) أخرجه الطبراني في " الكبير " ٢٠/ (٥٩٨) و(٥٩٩) و(٦٠٣). وأخرجه أيضًا أحمد ٦/ ٤، وابن أبي عاصم في " السنة " (٢٢٦)، والقضاعي في " مسند الشهاب " (١٣٣١) و(١٢٣٢)، وأبو نعيم في " الحلية " ١/ ١٧٥ وصححه الحاكم ٢/ ٢٨٩.
(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد ٣/ ١٢٠ و٢٢٣، وأبو يعلى (٣٧٥٦) و(٣٨٢١) و(٣٨٢٩) و(٣٨٤٠)، والبزار (٢١٥٧). وأخرجه أيضًا ابن أبي عاصم في " السنة " (٣٩٣) (٣٩٩)، والآجري في " الشريعة " ص ١٨٥، واللالكائي في " أصول الاعتقاد " (١٠٨٧)، والبيهقي في " الاعتقاد " ص ١٥٧. وقد تقدم بنحوه عن أنس أيضًا ص ٣٩٤.
[ ٦ / ٢٦٤ ]
بأسانيد، وبعض (١) أسانيدهما رجالُ الصحيح (٢).
والحادي والعشرون والمئة: عن ابن عمر، قال: خرج علينا رسول الله - ﷺ - قابضًا على شيءٍ في يده، ففتح يده اليمنى فقال: " بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتابٌ من الرحمن الرحيم فيه أهل (٣) الجنة بأعدادهم وأسمائهم وأحسابهم مُجْمَلَ عليهم إلى يوم القيامة، لا يُنْقَصُ منهم أحدٌ، ولا يُزادُ فيهم أحد، وقد يُسْلَكُ بالسعيد طريق الشقاء حتَّى يقال: ما أشبهه بهم، ثم يُزال إلى سعادته قبل موته، ولو بِفَواق ناقة "، وفتح يده اليسرى فقال: " بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتابٌ من الرحمن الرحيم فيه أهل النار بأعدادهم وأسمائهم وأحسابهم مُجْمَل عليهم إلى يوم القيامة لا يُنقصُ منهم، ولا يُزاد فيهم أحدٌ، وقد يُسلك بالأشقياء طريق أهل السعادة حتى يقال: هو منهم وما أشبهه بهم، ثم يُدركُ أحدُهم شقاوةً قبل موته، ولو بفواق ناقةٍ "، ثم قال - ﷺ -: " العمل بخواتيمه ". ثلاثًا. رواه البزار من طريق عبد الله بن ميمون القداح (٤).
_________________
(١) في (أ) و(ش): وفي بعض.
(٢) أخرجه أحمد ٦/ ١٠٧ و١٠٨، وأبو يعلى (٤٦٦٨)، وهو حديث صحيح.
(٣) في (أ) و(ف): فيه أعداد أهل الجنة.
(٤) أخرجه البزار (٢١٥٦)، واللالكائي في " أصول الاعتقاد " (١٠٨٨) من طريق عبد الله بن ميمون القداح، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر. وعبد الله بن ميمون قال البخاري. ذاهب الحديث، وقال الترمذي وأبو حاتم: منكر الحديث، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه، وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد، وقال الحاكم: روى عن عبيد الله بن عمر أحاديث موضوعة. وأخرجه ابن عدي ٥/ ١٩٣٢ - ١٩٣٣ من طريق عبد الوهاب بن همام الصنعاني (وقد وصفه ابن معين بالغفلة) عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر. وأورده الذهبي في " الميزان " ٢/ ٦٨٤ في ترجمة عبد الوهاب بن همام، وقال: هو حديث منكر جدًا ويقضي أن يكون زنة الكتابين عدة قناطير. وانظر التعليق على حديث عبد الله بن عمرو في ص ٤٠٠. وقوله: " مجمل عليهم " من أجملت الحساب إذا جمعت آحاده وكملت أفراده أي: أحصوا وجمعوا فلا يزاد فيهم ولا ينقص. " النهاية ".
[ ٦ / ٢٦٥ ]
والثاني والعشرون والمئة: عن أبي هريرة عنه - ﷺ -: " إن الرجل ليعمل بعمل أهل النار سبعين سنة ثم يُختم له بعمل أهل الجنة ويعمل العامل سبعين سنة بعمل أهل الجنة ثم يُختم له بعمل أهل النار ". رواه البزار والطبراني في " الأوسط " ورجال الطبراني رجال الصحيح (١).
والثالث والعشرون والمئة: عن العُرس بن عميرة سمعه - ﷺ - يقول: " إن العبد يعمل البُرهة بعمل أهل النار، ثم تَعْرِضُ له الجادة من جَوَادِّ الجنة، فيعمل بها حتى يموت عليها، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة بُرهةً من دهره، ثم تَعْرِضُ له الجادة من جوادِّ النار، فيعمل بها حتى يموت عليها، وذلك لما كتب له ". رواه البرازُ والطبراني في " الصغير " و" الكبير " ورجالهم ثقات (٢).
والرابع والعشرون والمئة: عن ابن مسعود، قال - ﷺ -: " إن العبد يُولد مؤمنًا ويموت مؤمنًا، وإن العبد يولد كافرًا ويموت كافرًا، والعبد يعمل بُرهةً من دهره بالسعادة، فيُدرِكُهُ ما كُتِبَ له، فيموت كافرًا، والعبد يعمل بُرهةً من دهره بالشقاء، ثم يُدرِكُه ما كُتِبَ له فيموت سعيدًا ". رواه الطبراني في " الأوسط "
و" الكبير " باختصار من طريق عمر بن إبراهيم العبدي (٣).
والخامس والعشرون والمئة: عن عبد الله بن عمرو عنه - ﷺ -: " إن العبد ليكتب مؤمنًا أحقابًا، ثم يموت والله عليه ساخِطٌ، وإن العبد ليكتب كافرًا
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه البزار (٢١٥٨)، والطبراني في " الأوسط " (٢٤٦٩). وأخرجه ابن أبي عاصم في " السنة " (٢١٧)، وأخرجه ابن حبان (٦١٧٦) من وجه آخر عن أبي هريرة. وانظر تمام تخريجه عنده.
(٢) أخرجه البزار (٢١٥٩)، والطبراني في " الكبير " ١٧/ (٣٤٠)، وفي " الصغير " (٥١٢). وأخرجه أيضًا ابن أبي عاصم في " السنة " (١١٩) وهو حديث صحيح.
(٣) أخرجه الطبراني في " الكبير " (١٠٥٤٢). وأخرجه ابن أبي عاصم في " السنة " (٢٤٩). وقال الهيثمي ٧/ ٢١٣: فيه عمر بن إبراهيم العبدي، وقد وثقه غير واحد، وقال ابن عدي: حديثه عن قتادة مضطرب. قلت (القائل الهيثمي): وهذا منها.
[ ٦ / ٢٦٦ ]
أحقابًا، ثم يموتُ والله عنه راضٍ، ومن مات همَّازًا لمَّازًا مُلقّبًا للناس، كان علامته يوم القيامة أن يَسِمَه على الخُرطوم من كلا الشفتين ". رواه الطبراني في " الكبير " و" الأوسط " من طريق عبد الله بن صالح (١).
والسادس والعشرون والمئة: عن عليٍّ رضوان الله عليه، قال: صعد رسول الله - ﷺ - المنبر، فحَمِدَ الله وأثنى عليه وقال: " كتابٌ كتبه [الله] فيه أهل الجنة بأسمائهم وأنسابهم مجمل عليهم، لا يُزاد فيهم ولا يُنْقَصُ منهم إلى يوم القيامة، صاحب الجنة مختوم بعمل أهل الجنة، وصاحب النار مختوم بعمل أهل النار وإن عَمِلَ أيَّ عملٍ، وقد يُسلك بأهل السعادة طريق أهل الشقاء حتى يقال: ما أشبهه بهم، بل هو منهم، فتدركهم السعادة فتستنقذهم منهم (٢)، وقد يُسلك بأهل الشقاء طريق أهل السعادة حتى يقال: ما أشْبَهَهَهُ بهم، بل هو منهم، فيدركهم الشقاء، من كتبه الله سعيدًا في أمِّ الكتاب، لم يُخرجه من الدنيا حتى يستعمِلَه بعملٍ يُسعِدُه قبل موته، ولو بِفَواق ناقةٍ "، ثم قال: " الأعمال بخواتيمها ثلاثًا ". قال الهيثمي: لعلي ﵇ حديثٌ في " الصحيح " في القدر غير هذا. رواه في " الأوسط " من حديث حماد بن واقد الصفار (٣).
قلت: وله حديث في وجوب الإيمان بالقدر يأتي في الباب الثاني إن شاء الله تعالى.
قلت: وله حديث في وجوب الإيمان بالقدر يأتي في الباب الثاني إن شاء الله تعالى.
والسابع والعشرون والمئة: عن أبي أُمامة مرفوعًا: "لا تَعْجَبوا بعملِ عاملٍ
_________________
(١) وأخرجه أيضًا ابن أبي عاصم (١٣٦) من طريق عبد الله بن صالح (تحرف عنده إلى: عبيد بن صالح) وهو ضعيف. وانظر " المجمع " ٧/ ٢١٣.
(٢) " منهم " لم ترد في " المجمع ".
(٣) وتمام كلامه ٧/ ٢١٣: وهو ضعيف.
[ ٦ / ٢٦٧ ]
حتى تنظروا بِمَ يُختم له". رواه الطبراني (١) من طريق فضَّال بن جُبيرٍ (١).
والثامن والعشرون والمئة: عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أخبره بعض من شهد - ﷺ - فقال لرجل ممن معه: إن هذا لَمِنْ أهل النار، فلما حضر القتال، قاتل الرجل أشد القتال، حتَّى كثرت به الجراح، فأتاه رجال من أصحاب النبي - ﷺ - فقالوا: يا رسول الله أرأيت الرجل الذي ذكرت أنه من أهل النار، فقد قاتل والله أشد القتال في سبيل الله، وكثرت به الجراح، فقال النبي - ﷺ -: " أما إنه من أهل النار "، فكاد بعض الناس أن يرتاب، فبينا هم على ذلك وجد الرجل ألم الجراح، فأهوى بيده إلى كِنانته، فانتزع منها سهمًا، فانتحر به، فاشتد رجل من المسلمين إلى النبي - ﷺ -، فقال: قد صدَّق الله قولك. رواه أحمد (٢) ورجاله رجال الصحيح.
والتاسع والعشرون والمئة: عن كعب بن مالك نحوه.
رواه الطبراني (٣) من طريق محمد بن خالد الواسطي وجماعة لم أعرفهم.
والثلاثون والمئة: عن أكثم بن أبي الجَوْن القصة نحوه وزيادة في المرفوع: "إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة وإنه من أهل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار وإنه من أهل الجنة، تُدرِكُهُ الشقوة أو السعادة عند خروج
_________________
(١) في " الكبير " (٨٠٢٥) وقال الهيثمي في " المجمع " ٧/ ٢١٤: فيه فضال بن جبير، وهو ضعيف. قلت: وقال ابن عدي في " الكامل " ٦/ ٢٠٤٧: لفضال بن جبير عن أبي أمامة قدر عشرة أحاديث كلها غير محفوظة.
(٢) ٤/ ١٣٥، وعلقه البخاري في " التاريخ الكبير " ٥/ ٣٠٧. وقد تقدم بنحوه ٥/ ٣١١ من حديث أبي هريرة وسهل بن سعد. وانظر الرواية الآتية.
(٣) في " الكبير " ١٩/ (١٧٠) و(١٧١). وقال الهيثمي ٧/ ٢١٣: وفيه محمد بن خالد الواسطي، ذكره ابن حبان في " الثقات " وقال: يخطىء ويخالف، وقال ابن معين: رجل سوء كذاب، ورواه بإسناد آخر، وفيه جماعة لم أعرفهم.
[ ٦ / ٢٦٨ ]
نفسه يُختم له ثلاثًا". رواه الطبراني (١) وإسناده حسن.
والحادي والثلاثون والمئة: عن عمرو بن الحَمِقِ الخزاعي أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: " إذا أراد الله بعبدٍ خيرًا استعمله قبل موته "، قيل: وما استعمله؟ قال: " يفتح له باب عملٍ صالح بين يدي موته حتى يرضى عنه من حوله ".
رواه أحمد والبزار والطبراني في " الأوسط " و" الكبير "، ورجال أحمد والبزار رجال الصحيح (٢).
والثاني والثلاثون والمئة: عن جُبير بن نُفير أن عمر الجُمَعي حدثه أن رسول الله - ﷺ - قال: " إذا أراد الله بعبدٍ خيرًا، استعمله قبل موته " فسأله رجل من القوم: ما استعمله؟ قال: " يهديه الله ﵎ إلى العمل الصالح قبل موته ثم يقبضه عليه ". رواه أحمد (٣) من طريق بقية، وقد صرح بالسماع.
قلت: هكذا رواه الهيثمي عن الجُمَعيِّ، بضم الجيم وفتح الميم. قال الذهبي في كتابه " المشتبه " (٤): كذا صحفه بعضهم، وإنما ذا عمرو بن الحَمِق.
فهو الحديث الأول على الصحيح.
_________________
(١) في " الكبير (٨٧٢)، وعنه أبو نعيم في " الصحابة " (١٠٤٢). وذكره ابن الأثير في " أسد الغابة " ١/ ١٣٣ - ١٣٤، وابن حجر في " الإصابة " ١/ ٧٥، وعزاه لابن منده، وحسن إسناده.
(٢) أخرجه أحمد ٥/ ٢٢٤، والبزار (٢١٥٥)، وأخرجه أيضًا ابن قتيبة في " غريب الحديث " ١/ ٣٠١ - ٣٠٢، والطحاوي في " مشكل الآثار " ٣/ ٢٦١، والبيهقي في " الزهد " (٨١٤)، وفي " الأسماء والصفات " ص ١٥٣، والقضاعي في " مسند الشهاب " (١٣٩٠)، وصححه ابن حبان (٣٤٢) و(٣٤٣)، والحاكم ١/ ٣٤٠.
(٣) ٤/ ١٣٥.
(٤) ١/ ١٧٤ وقال الحافظ في " الإصابة " ٢/ ٥١٤: عمر الجمعي ذكره أحمد في " المسند " وتبعه جماعة، وذكره ابن ماكولا في " الإكمال "، وجزم بأن له صحبة، ومدار حديثه =
[ ٦ / ٢٦٩ ]
والثالث والثلاثون والمئة: عن أبي عِنَبَة - قال سريج بن النعمان (١): -وله صحبة-: قال رسول الله - ﷺ -: " إذا أراد الله بعبد خيرًا عسَّله " قيل: وما عسَّلهُ؟ قال: " يفتح له عملًا صالحًا قبل موته، ثم يقبضه عليه ". رواه أحمد والطبراني وفيه بقية، وقد صرح بالسماع في " المسند "، وبقية رجاله ثقات (٢).
والرابع والثلاثون والمئة: عن أبي أُمامة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول:
" إذا أراد الله بعبدٍ خيرًا، طهَّره قبل موته " قالوا: يا رسول الله، وما طهور العبد؟ قال: " عَمَلٌ صالحٌ يُلهِمُه إياه حتى يقبضه عليه ". رواه الطبراني (٣) من طرق، وفي بعضها " عسَّله " بدل " طهره " وفي إحدى طرقه بقية بن الوليد، وقد صرح بالسماع، وبقية رجاله ثقات.
والخامس والثلاثون والمئة: عن عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا أراد
_________________
(١) = عند أحمد، ومطين، وابن أبي عاصم، والبغوي، وابن السكن، والطبراني على بقية عن بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير أن عمر الجمعي حدثهم أن رسول الله - ﷺ - قال: " إذا أراد الله بعبد خيرًا استعمله قبل موته " الحديث قال ابن السكن: يقال: اسمه عمرو بن الحمق، وقال البغوي: يقال: إنه وهم من بقية، وبذلك جزم أبو زرعة الدمشقي، وقد رواه ابن حبان في " صحيحه " من طريق عبد الرحمن بن بجير بن بقية، عن أبيه، فقال: عن عمرو الحمق، وكذلك رواه الطبراني من طريق زيد بن واقد عن جبير بن نفير، وإنما لم أجزم بأنه غلط لمقام الاحتمال.
(٢) قلت: سريج بن النعمان: هو أحد رواة السند، وهو سريج بن النعمان بن مروان الجوهرى أبو الحسن البغدادي، روى هذا الحديث عن بقية.
(٣) هو في " المسند " ٤/ ٢٠٠، ومن طريقه أخرجه ابن الأثير في " أسد الغابة " ٦/ ٣٣٤. وأخرجه أيضًا الدولابي في " الكنى " ٢/ ١٠، والقضاعي في " مسند الشهاب " (١٣٨٩)، وابن أبي عاصم في " السنة " (٤٠٠).
(٤) في " الكبير " (٧٥٢٢) و(٧٧٢٥) و(٧٩٠٠). وأخرجه القضاعي في " مسند الشهاب " (١٣٨٨).
[ ٦ / ٢٧٠ ]
الله بعبدٍ خيرًا عسَّله". قلت: يا رسول الله، وكيف يُعسِّلُه؟ قال: " يُوفِّقُه لعمل صالح قبل موته فيقبضه عليه ". رواه الطبراني في " الأوسط "، ورجاله رجال الصحيح غير يونس بن عثمان وهو ثقة (١).
والسادس والثلاثون والمئة: عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: " إذا أراد الله بعبدٍ خيرًا استعمله " ثم صَمَتَ، فقالوا: يا رسول الله، في ماذا يستعمله؟ قال: " يستعمله عملًا صالحًا قبل أن يموت ". رواه الطبراني في " الأوسط " عن شيخه أحمد بن محمد بن نافع (٢).
والسابع والثلاثون والمئة: عن حُذيفة قال: أسندتُ النبي - ﷺ - إلى صدري، فقال: " من قال لا إله إلاَّ الله ابتغاء وجه الله، ختم الله له بها دخل الجنة، ومن صام يومًا ابتغاء وجه الله، ختم الله له به دخل الجنة، ومن تصدَّق بصدقةٍ ابتغاء وجه الله، ختم الله له بها دخل الجنة ". رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير عثمان بن مسلم البتي، وهو ثقة (٣).
والثامن والثلاثون والمئة: عن ابن عباس، عنه - ﷺ - قال: " إن الله ﷿ قال: أنا خلقتُ الخير والشر، فطُوبى لمن قدَّرْتُ على يده الخير، وويْلٌ لمن قدَّرت على يده الشر ". رواه الطبراني (٤)، وخرجه الهيثمي في باب فضل قضاء الحوائج، وقال: فيه مالك بن يحيى النكري (٥).
وذكر في باب حُسْنِ الخُلُق عن أبي هريرة، قال - ﷺ -: "إن هذه الأخلاق
_________________
(١) انظر " مجمع الزوائد " ٧/ ٢١٥.
(٢) رقم (١٩٦٢)، وأحمد بن محمد بن نافع: قال الهيثمي في " المجمع " ٧/ ٢١٥: لم أعرفه. قلت: تقدم الحديث من وجه آخر عن أنس ص ٣٩٤ و٤٢٩ من هذا الجزء.
(٣) ٥/ ٣٩١، وأخرجه أيضًا البيهقي في " الأسماء والصفات " ص ٣٠٣.
(٤) في " الكبير " (١٢٧٩٧).
(٥) وتمام كلامه ٨/ ١٩٢: وهو ضعيف.
[ ٦ / ٢٧١ ]
مِن الله، فمن أراد الله به خيرًا منحهُ خُلُقًا حسنًا، ومن أراد الله به سوءًا، منحه خُلُقًا سيئًا". رواه الطبراني في " الأوسط " (١) من طريق مسلمة بن علي (٢).
وعنه مرفوعًا: " أوحى الله إلى إبراهيم: إن كلمتي سبقت لمن حَسُنَ خُلُقه أن أُظِلَّه تحت عرشي " الحديث. رواه الطبراني في " الأوسط " من طريق مؤمَّل بن عبد الرحمن الثقفي (٣).
قلت: وفي " صحيح مسلم " (٤) من حديث علي مرفوعًا: " اللهم اهدني لأحسن الأخلاق، فإنه لا يهدي لأحسنها إلاَّ أنت، واصرف عني سيئها، فإنه لا يصرف عني سيئها إلاَّ أنت " الحديث.
التاسع والثلاثون والمئة: عن ابن مسعود، قال رسول الله - ﷺ -: " ما قال عبدٌ قطُّ إذا أصابه همٌّ أو حُزْنٌ: اللهم إني عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حُكمك، عَدْلٌ فيَّ قضاوك " الحديث. خرجه الحاكم وابن حبان في " صحيحيهما " والسيد أبو طالب في " أماليه " (٥).
_________________
(١) في الأصول: " في الأوسط والكبير "، وهو سبق قلم من المصنف ﵀.
(٢) تقدم تخريجه ٥/ ٣٠١. ومسلمة بن علي ضعيف كما قال الهيثمي ٨/ ٢٠، لكن يشهد له ما رواه ابن أبي الدنيا في " مكارم الأخلاق " (٣١) عن الحسن بن الصباح، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي المنهال (هو عبد الرحمن بن مطعم) بنحو حديث أبي هريرة. وهذا مرسل صحيح. وروى مثل حديث أبي هريرة (٣٢) عن ابن طاووس، عن أبيه قوله.
(٣) ذكره الهيثمي في " المجمع " وقال: مؤمل بن عبد الرحمن ضعيف، وأشار إليه الحافظ في " الفتح " ٢/ ١٤٤ وضعف إسناده.
(٤) برقم (٧٧١) وقد تقدم تخريجه ٥/ ٢٩٦.
(٥) حديث صحيح. أخرجه ابن حبان (٩٧٢) بتحقيقنا، والحاكم ١/ ٥٠٩. وأخرجه أحمد ١/ ٣٩١ و٤٥٢، والطبراني في " الكبير " (١٠٣٥٢)، وأبو يعلى ٢٤٩/ ٢. =
[ ٦ / ٢٧٢ ]
وفي قوله: " ماض في حكمك، عدل في قضاوك " ترجمة عن مذهب أهل السنة بأن لله تعالى كمال القدرة والقدر والمشيئة في العباد مع كمال العدل في ذلك القدر والقضاء.
وروى الحاكم في " مستدركه " (١) من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧] قال: قال آدم: يا رب ألم تخلُقْني بيدك؟ قيل له: بلى، ونفختَ فيَّ من روحك؟ قيل له: بلى، وعطستُ فقلت: يرحمك الله، وسبقت رحمتُك غضبك؟ قيل: بلى، وكتبت عليَّ أن أعمل هذا؟ قيل له: بلى، قال: أفرأيت إن تبتُ، هل راجعي إلى الجنة؟ قال: نعم. ثم قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وذكر ابن كثير في آخر ما ورد في خلق آدم من المجلد الأول من " البداية والنهاية " (٢)، وذكر في الأحاديث الواردة في خلق آدم ﵇: إن الله خلقه من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنوه على قدر الأرض، فجاء فيهم الأبيض والأحمر والأسود وبين ذلك، والخبيث والطيب، والسهل والحزن، وبين ذلك ". رواه أحمد عن يحيى، ومحمد بن جعفر، وهوذة، ثلاثتهم عن عوف، عن قَسَامَة بن زهير، عن أبي موسى الأشعري مرفوعًا. وكذا رواه أبو داود، والترمذي، وابن حبان في " صحيحه " من حديث عوف بن أبي جميلة الأعرابي بنحوه. وقال الترمذي: حسن صحيح (٣).
_________________
(١) = ووصف المصنف لمستدرك الحاكم بالصحيح فيه تسامح، فإن فيه أحاديث كثيرة ضعيفة، وأحاديث غير قليلة موضوعة.
(٢) ٢/ ٥٤٥. وأخرجه أيضًا الطبري في " جامع البيان " (٧٧٥) موقوفًا على ابن عباس، وإسناده حسن. وأورده السيوطي في " الدر المنثور ١/ ١٤٢ - ١٤٣، وزاد نسبته إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه.
(٣) ١/ ٨٩.
(٤) حديث صحيح. وأخرجه أحمد ٤/ ٤٠٠ و٤٠٦، وأبو داود (٤٦٩٣)، والترمذي =
[ ٦ / ٢٧٣ ]
وقد ذكر السُّدي عن أبي مالك وأبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناسٍ من أصحاب رسول الله - ﷺ - حديث خلق آدم وفيه: " وأخذ من وجه الأرض ولم يُؤخذ من مكانٍ واحدٍ، فلذلك خرج بنو آدم مختلفين " (١).
الأربعون والمئة: عن أبي هريرة قال: قلت يا رسول الله، إني رجلٌ شابٌّ أخافُ على نفسي العَنَتَ، ولا أجِدُّ ما أتزوج به أفلا أختصي؟ فسكت عني فقلتُ له مثل ذلك، فقال: " يا أبا هريرة، جف القلم بما أنت لاقٍ فاخْتَصِ على ذلك أو ذَرْ ". أخرجه البخاري والنسائي (٢).
الحادي والأربعون والمئة: عن ابن عباس أنه قال في الغلام الذي قتله الخَضِرُ: إنه طبع كافرًا. رواه البخاري ومسلم موقوفًا (٣)، ورواه مسلم وحده عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - مرفوعًا (٤).
_________________
(١) = (٢٩٥٥) وصححه ابن حبان (٦١٦٠) و(٦١٨١). وانظر تمام تخريجه فيه.
(٢) أخرجه الطبري في " جامع البيان " (٦٠٧) و(٦٤٤)، وفي " التاريخ " ١/ ٩٠، والبيهقي في " الأسماء والصفات " ص ٣٦٢ من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط بن نصر، عن السدي. وذكره ابن كثير في " تفسيره " ١/ ٧٩ - ٨٠ ثم قال: فهذا الإسناد إلى هؤلاء الصحابة مشهور في تفسير السدي ويقع فيه إسرائيليات كثيرة، فلعل بعضها مدرج ليس من كلام الصحابة، أو أنهم أخذوه من بعض الكتب المتقدمة، والله أعلم.
(٣) أخرجه البخاري (٥٠٧٦) معلقًا، ووصله الجوزقي في " الجمع بين الصحيحين " والفريابي في كتاب " القدر "، والإسماعيلي كما في " الفتح " ٩/ ١١٩، و" تغليق التعليق " ٤/ ٣٩٦. وأخرجه النسائي ٦/ ٥٩ - ٦٠، وابن أبي عاصم في " السنة " (١٠٩) (١١٠)، والقضاعي في " مسند الشهاب " (٦٠٣) و(٦٠٤).
(٤) البخاري (٣٤٠١) و(٤٧٢٥) و(٤٧٢٧)، ومسلم (٢٣٨٠). وانظر " صحيح ابن حبان " (٦٢٢٢) بتحقيقنا.
(٥) هو من حديث ابن عباس عن أُبي بن كعب، وهو في " صحيح مسلم " (٢٣٨٠) =
[ ٦ / ٢٧٤ ]
وخرج الحاكمُ عن ابن عباس موقوفًا: أنه سُئِل عن الولدان في الجنة؟ فقال: " حَسْبُكَ ما اختصم فيه موسى والخضر ". وقال: صحيح الإسناد (١).
وفي حديث الحسن بن علي ﵄: " والله لقد لعنك (٢) الله وأنت في صَلبِ أبيك ". رواه الطبراني من حديث عطاء بن السائب (٣). وخرجه الهيثمي في باب من ذم من القبائل وأهل البدع (٤)، وله شواهد ذكرت في هذا الكتاب.
ومن المناقب.
الثاني والأربعون والمئة: عن عبد الله بن سَبُعٍ قال: سمعتُ عليًا ﵁ يقول: لتُخْضَبَنَّ هذه من هذه، فما ينتظِرُ بي الأشقى، قالوا: يا أمير المؤمنين، أخبرنا به فنُبِيرُ عِترته! فقال: إذًا والله تقتلون بي غير قاتلي، قالوا: فاستخلِفْ علينا قال: لا، ولكن أترككم إلى ما ترككم إليه رسول الله - ﷺ -، قالوا: فماذا تقول لربك؟ قال: أقول: اللهم تركتني فيهم ما بدا لك، ثم قبضتني إليك وأنت فيهم، فإن شئت أصلحتهم، وإن شئت أفسدتَهُم.
رواه أحمد وأبو يعلى ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن سَبُعٍ، وهو ثقة (٥).
_________________
(١) = (١٧٢) و(٢٦٦١). وقد تقدم ٥/ ٢٢٤. وانظر " ابن حبان " (٦٢٢١).
(٢) " المستدرك " ٢/ ٣٦٩ - ٣٧٠. وأورده السيوطي في " الدر المنثور " ٥/ ٤٢٦ وزاد نسبته لابن أبي حاتم.
(٣) تحرفت في الأصول إلى: " بعثك "، والتصويب من مصادر التخريج.
(٤) أخرجه الطبراني في " الكبير " (٢٧٤٠)، وأبو يعلى ٣١١/ ١ من طريق حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن أبي يحيى الأعرج، عن الحسن.
(٥) أي: مما ذكره الهيثمي في كتاب المناقب من " مجمع الزوائد ".
(٦) أخرجه أحمد ١/ ١٣٠، وأبو يعلى (٥٩٠)، والنسائي في " مسند علي "، والمزي =
[ ٦ / ٢٧٥ ]
ومن التفسير:
الثالث والأربعون والمئة: عن أبي ذرٍّ، عن رسول الله - ﷺ - قال: " الكنزُ الذي ذكره في كتابه لَوْحٌ من ذهب مُضَمَّنٌ: عَجِبْتُ لمن أيْقَنَ بالقدر ثم نَصِبَ، وعَجِبتُ لمن ذكر النار ثم ضَحِكَ، وعجبتُ لمن ذكر الموت ثم غفل " رواه البزار (١) من طريق بشر بن المنذر، عن الحارث بن عبد الله اليحصبي.
والرابع والأربعون والمئة: عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَمِنهُم شَقِي وسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥] ونحو هذا من القرآن أن رسول الله - ﷺ - كان يحرص أن يؤمن جميع الناس فأخبره الله تعالى أنه لا يؤمن إلاَّ من سبق له من الله السعادة، ولا يَضِلُّ إلاَّ من سبق له من الله الشقاء، ثم قال لنبيه: ﴿لَعَلَّك باخِعٌ نفسَكَ أن لا يَكُونوا مُؤْمِنينَ﴾ [الشعراء: ٣] رواه الطبراني (٢) ورجاله وُثِّقوا.
والخامس والأربعون والمئة: عن ابن عُمَرَ في قوله: ﴿يَمْحُو الله ما يَشاءُ ويُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] أنه سمع النبي - ﷺ -: " يمحو الله ما يشاء إلاَّ الشقاوة والسعادة، والحياة والموت ". رواه الطبراني في " الأوسط " من طريق محمد بن جابر اليمامي (٣).
_________________
(١) = في " تهذيب الكمال " ١٥/ ٥ - ٦ من طريق عبد الله بن سبع، عن علي. وعبد الله بن سبع: لم يرو عنه غير سالم بن أبي الجعد، ولم يوثقه غير ابن حبان. وأخرجه البزار (٢٥٧٢) من وجه آخر عن علي، وحسَّن الهيثمي إسناده في " المجمع " ٩/ ١٣٧.
(٢) رقم (٢٢٢٩). قال الهيثمي ٧/ ٥٣: رواه البزار من طريق بشر بن المنذر، عن الحارث بن عبد الله اليحصبي ولم أعرفهما. وذكره السيوطي في " الدر المنثور ٥/ ٤٢١ وزاد نسبته لابن أبي حاتم، وابن مردويه.
(٣) أخرجه في " المعجم الكبير (١٣٠٢٥) من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، ولم يسمع علي بن أبي طلحة منه.
(٤) وأورده السيوطي في " الدر المنثور " ٤/ ٦٦٠ وزاد نسبته لابن مردويه وضعف إسناده، =
[ ٦ / ٢٧٦ ]
وأما حديث أمِّ حبيبة الذي خرجه مسلم (١) في الأمر بسؤال الجنة، والاستعاذة من النار دون الدعاء بالعُمُر والرزق وتعليل ذلك بسبق القدر في العمر والرزق فوجهه -والله أعلم- أن الدعاء فيما كلفنا باكتساب أسبابه عبادةٌ مطلوبة منه كالعمل، لأنه من جملة الأسباب المطلوبة، وأما فيما لم نُكلَّف، كالدعاء بالرزق والعمر، فإنه مباحٌ لنا، غير مطلوبٍ منا، وثمرة طلب المقدورات يذكر في المرتبة الرابعة.
والسادس والأربعون والمئة: عن جابرٍ في قوله تعالى: ﴿وكُلَّ إنْسَانٍ ألزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِه﴾ [الإسراء: ١٣]، وسمعت رسول الله - ﷺ - يقول: " طير كل عبد في عنقه "، رواه أحمد (٢) من طريق ابن لهيعة. وفائدة ذكره مع الآية معرفة عدم
_________________
(١) = وهو كما قال، فإن محمد بن جابر اليمامي ضعيف الحديث. وله شاهد من حديث ابن عباس موقوفًا أخرجه الطبري في " جامع البيان " (٢٠٤٦١) - (٢٠٤٦٦) وذكره السيوطي ٤/ ٦٥٩ وزاد نسبته إلى عبد الرزاق، والفريابي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في " الشعب ".
(٢) برقم (٢٦٦٣) من حديث ابن مسعود. وأخرجه أيضًا أحمد ١/ ٣٩٠ و٤١٣ و٤٣٣ و٤٦٦، والبغوي (١٣٦٢)، وصححه ابن حبان (٢٩٦٩)، ولفظه: أن أم حبيبة قالت: اللهم أمتعني بزوجي رسول الله - ﷺ -، وبأبي سفيان، وبأخي معاوية، فقال لها رسول الله - ﷺ -: " قد سألت الله لآجال مضروبة، وأيام معدودة، وأرزاق مقسومة، لن يعجِّل شيئًا قبل حلِّه، أو يؤخر شيئًا عن حله، ولو كنت سألت الله أن يعيذك من عذاب النار، أو من عذاب القبر، كان خيرًا وأفضل ".
(٣) ٣/ ٣٤٢. وأخرجه عبد بن حميد في " مسنده " كما في " تفسير ابن كثير " ٣/ ٣٠ قالا: حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر فذكره. وهذا سند ضعيف لضعف ابن لهيعة، ثم إن أبا الزبير مدلس وقد عنعن. وأخرجه الطبري في " جامع البيان " ١٥/ ٥٠ - ٥١ من طريق هشام الدستوائي عن قتادة، عن جابر مرفوعًا. وزاد في أوله: " لا عدوى ولا طيرة ". وهذا سند منقطع، فإن قتادة لم يسمع من جابر شيئًا.
[ ٦ / ٢٧٧ ]
تأويلها (١).
ومن كتاب الفتن في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥] أن رسول الله - ﷺ - قال: " إني سألت ربي ﷿ أن لا يُهْلِك أمتي بسنة عامة، ولا يُسَلِّطَ عليهم عدوًا فيَهْلِكَهم عامة، وأن لا يلبِسَهُم شيعًا ويذيق بعضهم بأس بعضٍ، فقال: يا محمد، إني قضيت قضاءً لا يُرَدُّ، وإني قدرت أني لا أُهلِكُهم بسنة عامةٍ، وأن لا أُسلِّط عليهم عدوًّا بعامة، فيهلكوهم بعامة، حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا ".
رواه أحمد والبزار، ورجال أحمد رجال الصحيح (٢).
والسابع والأربعون والمئة: عن جابر بن عَتيكٍ أن نبي الله - ﷺ - دعا بأن لا يُظهِر عليهم عدوًا من غيرهم، وأن لا يهلكهم بالسنين، فأُعطِيَها، ودعا بأن لا يجعل بأسهم بينهم، فمُنِعها، فلا يزال الهرج إلى يوم القيامة. رواه أحمد (٣) لرجاله ثقات.
_________________
(١) = وذكره الهيثمي في " المجمع " ٧/ ٤٩ وقال: رواه أحمد وفيه ابن لهيعة، وحديثه حسن وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح. وأورده السيوطي في " الدر المنثور " ٥/ ٢٤٩ من رواية أحمد، وعبد بن حميد، وابن جرير، وحسَّن إسناده!
(٢) في (أ): " وفائدة ذكره مع عدم تأويلها "، وفي (ف): " وفائدة ذكره مع معرفة عدم تأويلها " وكلاهما خطأ، والمثبت من (ش).
(٣) أخرجه أحمد ٤/ ١٢٣، والبزار (٣٢٩١) من حديث شداد بن أوس وقال البزار: رواه حماد بن زيد، وعباد عن أيوب، عن أبي أسماء، عن ثوبان، وهو الصواب، وكذلك رواه قتادة. قلت: حديث ثوبان مخرج في " صحيح ابن حبان " (٧٢٣٨).
(٤) ٥/ ٤٤٥، وصححه الحاكم ٤/ ٥١٧ على شرط الشيخين. وأورده السيوطي في " الدر المنثور " ٣/ ٢٨٦، ونسبه لأحمد والحاكم. وأورده أيضًا ابن كثير في " تفسيره " ٢/ ١٤٥ من رواية أحمد، وقال: إسناده جيد قوي.
[ ٦ / ٢٧٨ ]
والثامن والأربعون والمئة: عن أبي هريرة نحوه، وفيه: " سألت ربي فمنعنيها " رواه الطبراني في " الأوسط " (١)، ورجاله ثقات.
ورواه البزار عن أبي بصرة الغفاري، وابن عمر، وعلي بن أبي طالب، وأنس، وابن عباس، ونافع بن خالد الخزاعي عن أبيه، وجابر (٢) بن عتيك أيضًا غير حديثه الأول. وكلها عند الطبراني (٣) والحديث في الكتب الستة بطرق معروفة.
_________________
(١) رقم (١٨٨٣)، وفيه: " سألت ربي لأمتي أربع خلال، فأعطاني ثلاثًا، ومنعني واحدة، سألته أن لا تكفر أمتي صفقة واحدة فأعطانيها " وفيه أسباط بن نصر، وهو كثير الخطأ. وأخرجه البزار (٣٢٩٠)، والحاكم ٤/ ٥١٦ - ٥١٧ من وجهين آخرين عن أبي هريرة، ولفظه: " سألت ربي ثلاثًا، فأعطاني ثنتين، ومنعني واحدة " وصححه الحكم.
(٢) كذا قال المصنف، والصواب: " جبر بن عتيك "، وهو أخو جابر بن عتيك.
(٣) أما حديث أبي بصرة الغفاري، فأخرجه أحمد ٦/ ٣٩٦، والطبراني في " الكبير " (٢١٧١)، وفيه رجل لم يسم. وحديث ابن عمر لم أجده ولم يذكره الهيثمي في " المجمع ". وحديث علي بن أبي طالب أخرجه الطبراني في " الكبير " (١٧٩)، وقال الهيثمي ٧/ ٢٢٢: فيه أبو حذيفة الثعلبي، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. وأما حديث أنس، فأخرجه الطبراني في " الصغير (١)، وقال الهيثمي ٧/ ٢٢٢: فيه جنادة بن مروان الأزدي، وهو ضعيف. قلت: وفيه أيضًا المبارك بن فضالة والحسن البصري، وهما مدلسان وقد عنعنا، لكن أخرجه أحمد ٣/ ١٤٦ و١٥٦، وأبو نعيم في " الحلية " ٨/ ٣٢٦، والحاكم ١/ ٣١٤، والنسائي في " الكبرى " كما في " التحفة " ١/ ٢٤٢ من طريق عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، عن الضحاك بن عبد الله القرشي، عن أنس. وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. وأورده الهيثمي في " المجمع " ٢/ ٢٣٦ وقال: رجاله ثقات. قلت: الضحاك بن عبد الله القرشي لم يوثقه غير ابن حبان. وحديث ابن عباس أخرجه الطبراني في " الكبير " (١٢٢٧٤). قال الهيثمي ٧/ ٢٢٢: فيه =
[ ٦ / ٢٧٩ ]
وخرج الحاكم في " المستدرك " عائشة مرفوعًا: " الطير تجري بقدر " (١).
وخرَّج حديث حكيم بن حزام مرفوعًا في الرقى هل ترُدُّ من قدر الله؟ قال: " هي من قدر الله ". وقال فيه: صحيح على شرطهما (٢).
وخرج الحاكم من ذلك شيئًا كثيرًا، ومنه عن كريب، عن ابن عباس (٣).
التاسع والأربعون والمئة، والخمسون والمئة، والحادي والخمسون
_________________
(١) = محمد بن أبي ليلى، وهو سيىء الحفظ. وحديث خالد الخزاعي أخرجه الطبراني في " الكبير (٤١١٢) و(٤١١٤)، والبزار (٣٢٨٩). وقال الهيثمي ٧/ ٢٢٣: رواه الطبراني بأسانيد ورجال بعضها رجال الصحيح غير نافع بن خالد، وقد ذكره ابن أبي حاتم، ولم يجرحه أحد، ورواه البزار أيضًا. وحديث جبر بن عتيك أخرجه الطبراني في " الكبير " (١٧٨١) وقال الهيثمي ٧/ ٢٢٢: فيه جابر الجعفي، وهو ضعيف.
(٢) حديث حسن. وقد تقدم تخريجه ص ٢٢٦ من هذا الجزء، وهو الحديث السادس بعد المئة.
(٣) أخرجه الحكم ١/ ٣٢ و٤/ ٤٠٢ من طريق إبراهيم بن حميد الطويل، حدثنا صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري، عن عروة، عن حكيم بن حزام. ومن هذه الطريق أخرجه الطبراني في " الكبير " (٣٠٩٠). وأورده الهيثمي في " المجمع " ٤/ ٨٥ وقال: فيه صالح بن أبي الأخضر، وهو ضعيف يعتبر بحديثه. وأخرجه الحاكم أيضًا ١/ ٣٢ من طريق معمر، عن الزهري، عن عروة، عن حكيم بن حزام. وقال: قال مسلم في تصنيفه فيما أخطأ معمر بالبصرة: إن معمرًا حدث به مرتين، فقال مرة: عن الزهري، عن أبي خزامة، عن أبيه. قال الحاكم: وعندي أن هذا لا يُعلِّلُه، فقد تابع صالح بن أبي الأخضر معمر بن راشد في حديثه عن الزهري، عن عروة. وصالح -وإن كان في الطبقة الثالثة من أصحاب الزهري- فقد يستشهد بمثله. قلت: وحديث أبي خزامة تقدم تخريجه ص ٤٠١.
(٤) أخرجه الحكم ٢/ ٤٣٣ وتقدم تخريجه في ص ٢٩٧ (١).
[ ٦ / ٢٨٠ ]
والمئة، والثاني والخمسون والمئة: ذكر الهيثمي في مناقب أشج عبد القيس مرفوعًا: " إن فيك خُلُقَين يحبهما الله ورسوله " قال: الله جَبَلَني عليهما أمْ أنا أتَخَلَّق بهما؟ قال: " بل جبلك الله عليهما " قال: الحمد لله الذي جبلني (١) سلى خُلُقين يُحبُّهما الله ورسوله. رواه أحمد (٢) والطبراني وأبو يعلى، أما أحمد، فعن عبد الرحمن بن أبي بكرة برجال الصحيح، وأما الطبراني وأبو يعلى، فعن مزيدة جد هود (٣) العبدي ورجالهما ثقات، وفي بعضهم خلاف (٤)، وله طرق وشواهد.
منها: عن الزارع، رواه البزار من طريق أم أبان بنت الزارع (٥).
ومنها: عن نافع العبدي، رواه الطبراني في " الكبير " و" الأوسط " من طريق سليمان بن نافع العبدي (٦).
الحديث الثالث والخمسون والمئة: ما رواه أبو داود في كتاب
_________________
(١) في (ش): خلقني.
(٢) ٤/ ٢٠٥ - ٢٠٦.
(٣) تحرف في (ش): إلى جهوذ.
(٤) أخرجه الطبراني ٢٠/ (٨١٢)، وأبو يعلى ٣١٦/ ٢، والبيهقي في " الدلائل " ٥/ ٣٢٧، وابن الأثير في " أسد الغابة " ٥/ ١٥١، وسنده حسن في الشواهد.
(٥) أخرجه البزار (٢٧٤٦)، والطبراني (٣١٢)، والبيهقي في " السنن " ٧/ ١٠٢، وفي " الدلائل " ٥/ ٣٢٧ - ٣٢٨. وأورده الهيثمي في " المجمع " ٩/ ٣٨٨ - ٣٩٠ وقال: رواه البزار، وفيه أم أبان بنت الزارع، روى لها أبو داود، وسكت على حديثها!، فهو حسن، وبقية رجاله ثقات.
(٦) وأخرجه إسحاق بن راهويه في " مسنده " كما في " أسد الغابة " ٥/ ٣٠٢ - ٣٠٣، و" الإصابة " ٣/ ٥١٥ عن سليمان بن نافع، وفي حديثه أن النبي - ﷺ - قال ذلك للمنذر بن ساوى لا لأشج عبد القيس، واسمه المنذر بن عائذ. ولهذه الأحاديث شواهد انظرها في " صحيح ابن حبان " (٧٢٠٣) و(٧٢٠٤).
[ ٦ / ٢٨١ ]
" المراسيل " (١) من حديث محمد بن مسلمة، عن ابن وهب، [عن يونس]، عن ابن شهابٍ، قال: بُلِّغْتُ عن رسول الله - ﷺ - أنه كان يقول إذا خطب: " كل ما هو آتٍ قريبٌ، [لا بُعْدَ لما هو آتٍ]، لا يُعَجِّل الله لِعجلةِ أحدٍ، ولا يَخِفُّ لأمر الناس، ما شاء الله لا ما شاء الناس، يريد الناس أمرًا، ويريد الله أمرًا، وما شاء الله كان، ولو كره الناس، ولا مُبَعِّدَ لما قرَّب الله، ولا مُقَرِّب لما بَعَّدَ الله، ولا يكون شيءٌ إلاَّ بإذن الله ".
الحديث الرابع والخمسون والمئة: عن أبي هريرة ﵁ (٢) أن رسول الله - ﷺ - قال: " لا تسألُ المرأة طلاق أُخْتِها لِتكفأَ ما في إنائها، فإنه ليس لها إلا ما قُدِّر لها ". رواه البخاري ومسلم (٣).
وقال ابن عبد البر في " التمهيد " (٤): إنه أصح حديث روي في الباب، يعني: باب القدر.
الحديث الخامس والخمسون والمئة: عن علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، أن رسول الله - ﷺ - طرقه وفاطمة، فقال: " ألا تُصلِّيان؟ " فقال علي: إنما أنفُسنا بيد الله، إن شاء يبعثنا بعثنا، فانصرف رسول الله - ﷺ - ولم يرجع إليَّ شيئًا،
_________________
(١) رقم (٥٨) بتحقيقنا، وهو على إرساله رجاله ثقات رجال الصحيح. ورواه البيهقي ٣/ ٢١٥ من طريق بحر بن نصر، عن ابن وهب، بهذا الإسناد.
(٢) في الأصول الثلاثة: عن عائشة ﵂، وهو سبق قلم من المؤلف ﵀، فالحديث حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) البخاري (٥١٥٢) و(٦٦٠١)، وانظر أيضًا (٢١٤٠) و(٢٧٢٣)، وأخرجه مسلم (١٤٠٨) (٣٨) و(٣٩) و(٥١) و(٥٢)، ومالك في " الموطأ " ٢/ ٩٠٠، وأحمد ٢/ ٢٣٨ و٣٩٤ و٤١٠ و٤٨٧ و٤٨٩ و٥٠٨ و٥١٦، وأبو داود (٢١٧٦)، والترمذي (١١٩٠)، والنسائي ٦/ ٧١ - ٧٢ و٧/ ٢٥٨، وابن حبان (٤٠٦٩) كلهم من حديث أبي هريرة.
(٤) ١٨/ ١٦٥، ونص كلامه فيه: وهذا الحديث من أحسن أحاديث القدر عند أهل العلم والسنة، وفيه أن المرء لا يناله إلاَّ ما قُدر له.
[ ٦ / ٢٨٢ ]
ثم سمعته وهو منصرفٌ يضرب فخذه ويقول: ﴿وكانَ الإنسان أكثَرَ شيءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤] أخرجه البخاري ومسلم والنسائي (١).
وفي رواية النسائي: دخل عليَّ رسول الله - ﷺ - وعلى فاطمة، فأيقظنا للصلاة، ثم رجع إلى بيته فصلى هَوِيًّا من الليل، فلم يسمع لنا حسًّا، فرجع إلينا، فأيقظنا فقال: " قوما فصَلِّيَا " قال: فجلست أعْرُكُ عينى وأقول: أما والله ما نُصَلِّي إلاَّ ما كتب الله لنا، إنما أنفسنا بيد الله إذا شاء أن يبعثنا بعثنا. الحديث (٢).
وقد ختمت هذا القسم بحديث علي كما افتتحه بحديثه ﵇، ثم وسطتُ بينها من حسان آثاره روايات أهل بيته ما يشهد بغلط المعتزلة عليهم، وسيأتي في القسم الثاني شيء من ذلك، ولله الحمد والمنة.
وتقدمت أحاديث لم يذكر عددها سهوًا، وهي اثنان وعشرون حديثًا، منها: ثلاثة بعد الثانية والثلاثين.
ومنها: خمسة بعد التسعة والثلاثين.
ومنها: ثلاثة بعد الحادي والأربعين والمئة.
ومنها: حديث بعد الستة والأربعين والمئة.
ومنها: عشرة (٣) بعد الثمانية والأربعين والمئة، صارت مئة وخمسة وسبعين حديثًا.
_________________
(١) البخاري (١١٢٧) و(٤٧٢٤) و(٧٣٤٧) و(٧٤٦٥)، ومسلم (٧٧٥)، والنسائي ٣/ ٢٠٥، وصححه ابن حبان (٢٥٦٦)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٢) النسائي ٣/ ٢٠٦.
(٣) في (أ): عشر.
[ ٦ / ٢٨٣ ]
ويلحق بهذا ما خرَّج أبو داود في باب لزوم السنة (١) أن رجلًا كتب إلى عُمَرَ بن عبد العزيز يسأله عن القدر؟ فكتب إليه أما بعد: فإني أُوصيك بتقوى الله، والاقتصاد في أمره، واتباع سُنَّة رسوله، وترك ما أحدث المُحْدِثون بعد ما جرت به سُنَّتُه، وكُفُوا مُؤْنَتَه، ثم اعلم أنه لم تُبتدع بِدعة إلاَّ قد مضى قبلها ما هو دليلٌ عليها وعِبْرةٌ فيها، فإن السنة إنما سنَّها من قد علم ما في خلافها من الخطأ والزلل والحُمْقِ والتعمق، فارض لنفسك ما رضي به القوم لأنفسهم، فإنهم على (٢) علم وقفوا، وبِبَصرٍ كَفُّوا، ولهم على كشف الأمور كانوا أقوى، وبفضل ما كانوا فيه أحرى، فإن كان الهدى ما أنتم عليه لقد سبقتموهم إليه، ولئن قلتم: إنما حدث بعدهم ما أحدثه إلاَّ من اتبع غير سبيلهم، ورَغِبَ عنهم، فإنهم هم السابقون، فقد تكلَّموا فيه بما يكفي، ووصفوا منه (٣) ما يشفي (٤)، وقد قصَّر قومٌ دونهم فَجَفَوا، وطمح عنهم أقوام فغَلَوا، وإنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم، كتبت تسأل عن الإقرار بالقدر، فعلى الخبير بإذن الله وقعت، ما أعلم أحدث الناس من مُحدَثَةٍ هي أبين أثرًا من الإقرار بالقدر، لقد كان ذِكره في الجاهلية الجهلاء في كلامهم وشعرهم يُعَزُّون به أنفسهم على ما فاتهم، ولم يزده الإسلام إلاَّ شدة، ولقد ذكره رسول الله - ﷺ - في غير حديث، قد سمعه منه المسلمون، فتكلموا به في حياته وبعد وفاته يقينًا وتسليمًا لربهم وتضعيفًا لأنفسهم أن يكون شيءٌ لم يُحِطْ به علمه، ولم يُحصه كتابه، ولم يمض فيه قدره، وإنه مع ذلك لفي محكم كتابه، منه اقتبسوه، ومنه تعلموه، ولئن قلتم: لم أنزل الله آية كذا. لقد قرؤوا منه ما قرأتم وعلموا من تأويله ما جهلتم، وقالوا بعد ذلك: كله بكتابٍ وقَدَرٍ وكتبت الشقاوة، وما يُقَدَّرْ يَكُنْ، وما شاء الله كان،
_________________
(١) رقم (٤٦١٢).
(٢) في (أ) و(ف): عن.
(٣) في (أ) و(ف): ووضعوا فيه.
(٤) في أبي داود هنا زيادة هي " فما دونهم من مقصر، وما فوقهم من محسر ".
[ ٦ / ٢٨٤ ]
وما لم يشأ لم يكن، ولا نملك لأنفسنا نفعًا ولا ضرًا، ثم رَغِبُوا بعد ذلك ورَهِبُوا.
القسم الثاني: ما يدل على وجوب الإيمان بالقدر وذمِّ منكره.
الحديث الأول: عن يحيى بن يَعْمَرَ، قال: كان أول من قال بالقدر بالبصرة: معبدٌ الجُهَني، فانطلقت أنا وعُبيد بن عبد الرحمن الحِميري حاجَّيْن أو ومُعتَمِرَيْن، فقلنا: لو لقينا أحدًا من أصحاب رسول الله - ﷺ -، فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فوُفِّق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب، فاكتنفتُه أنا وصاحبي، فقلت: أبا عبد الرحمن، إنه قد ظهر قبلنا ناسٌ يقرؤون القرآن ويتقفَّرون العلم، وذكر من شأنهم، وأنهم يزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أُنُفٌ، فقال: إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني منهم بريءٌ، وأنهم بُرَآءُ مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبًا، فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر، قال: حدثني أبي عمر بن الخطاب قال: بينما نحنُ عند رسول الله - ﷺ - ذات يومٍ، إذ طلع علينا رجلٌ شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرَى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحدٌ حتى جلس إلى النبي - ﷺ -، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام؟ قال: " أن تشهد أن لا إله إلاَّ الله، وأن محمدًا رسول الله - ﷺ -، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحُجَّ البيت إن استطعت إليه سبيلًا " قال: صدقت، فعجبنا له يسأله ويُصدِّقُه، قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: " أن تؤمن بالله وملائكته وكُتُبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره " الحديث.
أخرجه مسلم في " الصحيح " وهذا لفظه، والترمذي، وأبو داود، والنسائي (١).
_________________
(١) مسلم (٨)، والترمذي (٢٦١٠)، وأبو داود (٤٦٩٥)، والنسائي ٨/ ٩٧، وصححه ابن حبان (١٦٨) وانظر تمام تخريجه فيه.
[ ٦ / ٢٨٥ ]
الثاني: عن أبي هريرة مرفوعًا بنحوه. خرجه مسلم ولفظه: " وتؤمن بالقدر كله " (١).
وذكر الحافظُ محمد بن موسى المراكشي أن البخاري إنما لم يخرج حديثَ ابن عمر لاضطرابٍ وقع في إسناده، فإن من الرواة من جعله عن عمر، ومنهم من جعله عن ابنه عبد الله بن عمر (٢).
قلت: وهذا لا يضر لأنهما ثقتان.
الثالث: عن علي بن أبي طالب ﵇ قال: قال رسول الله - ﷺ -: " لا يؤمن عبدٌ حتى يؤمن بأربعٍ "، وذكر فيها: " ويؤمن بالقدر ". رواه الترمذي، وابن ماجه، والحاكم في " المستدرك " وقال: صحيح على شرط الشيخين (٣)، قال: وقد قصّر بروايته بعض أصحاب الثوري، وهو عندنا مما لا يُعبأ به، يعني أنه اختلف فيه على سفيان، فرواه عنه أبو عاصم ومحمدُ بن كثير، فقالا: عن سفيان، عن منصور، عن ربعي، عن علي به، ورواه أبو حذيفة، عن سفيان، عن منصور، عن ربعي، عن رجل، عن علي (٤).
_________________
(١) مسلم (١٠)، وانظر " صحيح ابن حبان " (١٥٩).
(٢) وانظر " فتح البارى " ١/ ١١٥ - ١١٦.
(٣) الترمذي (٢١٤٥)، وابن ماجه (٨١)، والحاكم ١/ ٣٢ - ٣٣ و٣٣، وصححه ابن حبان (١٧٨) وانظر تمام تخريجه فيه.
(٤) أخرجه من طريق أبي حذيفة -وهو موسى بن مسعود النهدي- بهذا الإسناد الحاكم ١/ ٣٣، وقد تابعه عليه عن سفيان أبو نعيم الفضل بن دكين عند البغوي في " شرح السنة " (٦٦). وأخرجه أيضًا الطيالسي (١٠٦) عن ورقاء، والترمذي (٢١٤٥) من طريق شعبة، كلاهما عن منصور، عن ربعي، عن رجل، عن علي. قلت: وقد صحح الترمذي الرواية الأولى وهي " منصور، عن ربعي بن حراش، عن علي ".
[ ٦ / ٢٨٦ ]
قال: وأبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي كثير الوهم، وإن كان البخاري يحتج به لا يُحكم له على أبي عاصم النبيل ومحمد بن كثير وأقرانهم، بل يلزم الخطأ إذا خالفهم، ويدلُّ على ما ذكرته متابعة جرير بن عبد الحميد للثوري في روايته عن منصور، عن ربعي، عن علي، ثم ساقها وقال فيها: " ويؤمن بالقدر كله ".
قلت: وكذلك اختلف على شعبة، فرواه عنه أبو داود عن منصورٍ، عن ربعي، عن علي.
ورواه النضر بن شميل، عن شعبة، عن منصور، عن ربعي، عن رجل، عن علي.
ورواه ابن ماجه من طريق شريك، عن منصور، عن ربعي، عن علي.
ذكره المزي في " أطرافه " (١).
قلت: ويمكن أن ربعيًا سمع الحديث عن رجل، عن علي، ثم سأل عليًا عنه، فرواه بالوجهين معًا. والله أعلم.
الرابع: عن جابر، عن النبي - ﷺ -: " لا يؤمن عبدٌ حتى يؤمن بالقدر خيره وشره ". خرجه الترمذي (٢) من طريق عبد الله بن ميمون، قال: وفي الباب عن عُبَادة وجابر، وعبد الله بن عمرو.
_________________
(١) ٧/ ٣٧١ - ٣٧٢.
(٢) رقم (٢١٤٤) عن أبي الخطاب زياد بن يحيى البصري، عن عبد الله بن ميمون، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر فذكره. ثم قال: وهذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن ميمون، وعبد الله بن ميمون منكر الحديث. قلت: لكن الحديث صحيح بشواهده، وحديث عبد الله بن عمرو الذي أشار إليه الترمذي تقدم تخريجه ص ٤٢٣، وحديث عبادة هو الآتي عند المؤلف.
[ ٦ / ٢٨٧ ]
الخامس: عن عُبادة بن الصامت قال لابنه عند الموت: يا بني إنك لن تَطْعَمَ طَعْمَ حقيقة الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليُصيبك، فإني سمعت رسول الله ﵌ يقول: " إن أول ما خلق الله القلمُ، فقال له: اكتب، قال: يا رب وما أكتب؟ فقال: اكتبْ مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة ". يا بني: إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: " من مات على غير هذا فليس مني ". خرجه أبو داود واللفظ له، وللترمذي نحوه، وقال: حسن غريب من هذا الوجه (١).
وأخرج الحافظ علي بن أبي بكر الهيثمي في كتابه " مجمع الزوائد " (٢) على الكتب الستة شواهد كثيرة لحديث عمر بن الخطاب في الإيمان بالقدر خيره وشره.
فمنها:
السادس: عن ابن عباس، عن رسول الله - ﷺ - بمثل حديث عمر وأتم منه، وفيه: " وتؤمن بالقدر كله خيره وشره ". وقال: رواه أحمد والبزارُ بنحوه، وفي إسناد أحمد شهر بن حوشب (٣).
قلت: هذا يدل على أن إسناد البزار غير (٤) إسناد أحمد.
ومنها السابعُ والثامن: عن علي بن أبي طالب، وجابر بن عبد الله، عن النبي - ﷺ - قال: "بُنِيَ الإسلامُ على ثلاثة: أهلُ لا إله إلاَّ الله، فلا تُكَفِّروهُمْ
_________________
(١) أبو داود (٤٧٠٠)، والترمذي (٢١٥٥) و(٣٣١٩).
(٢) ١/ ٣٨ - ٤١.
(٣) أحمد ١/ ٣١٩، والبزار (٢٤). وأورده الحافظ ابن كثير في " تفسيره " ٦/ ٣٥٦ - ٣٥٧ سورة لقمان من طريق " المسند " وقال: حديث غريب ولم يخرجوه. قلت: وحسن الحافظ ابن حجر إسناده في " الفتح " ١/ ١١٦.
(٤) في الأصول: عن، وهو خطأ، فإن سند البزار ليس فيه شهر بن حوشب.
[ ٦ / ٢٨٨ ]
بذنبٍ، ولا تشهدوا عليهم بِشِركٍ، ومعرفةُ المقادير خيرها وشرها من الله، والجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة لا ينقُضُ ذلك جَوْرُ جَائِرٍ". رواه الطبراني في " الأوسط " وفيه إسماعيل بن يحيى التيمي من ذرية أبي بكر ﵁ (١).
ومنها التاسع: عن ابن عامرٍ، أو أبي عامر، أو أبي مالكٍ عنه ﵌ بالحديث بطوله، وفيه: " وأن تؤمن بالقدر كله خيره وشره ". رواه أحمد من طريق شهر أيضًا (٢).
العاشر: وهو الشاهدُ الرابع عن أنس عنه - ﷺ - بالحديث ولفظه: " ويؤمن بالقدر كله " رواه البزار (٣) من طريق الضحاك بن نبراس (٤).
_________________
(١) إسماعيل بن يحيى التيمي: هو إسماعيل بن يحيى بن عبيد الله بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، قال صالح جزرة: كان يضع الحديث، وقال الأزدي: ركن من أركان الكذب لا تَحِلُّ الرواية عنه، وقال ابن عدي: عامَّة ما يرويه بواطيل، وقال أبو علي النيسابوري الحافظ والدارقطني والحاكم: كذاب، وقال الذهبي في " الميزان " ١/ ٢٥٣: مُجمعٌ على تركه.
(٢) " المسند " ٤/ ١٢٩ و١٦٤. وفيه: عن عامر أو أبي عامر أو أبي مالك. وإسناده إلى شهر بن حوشب صحيح على شرط الشيخين، وفي شهر بن حوشب خلاف. وحسن إسناده ابن حجر في " الفتح " ١/ ١١٦.
(٣) في الأصول: الحكم، وما أثبته من " مجمع الزوائد " فالمؤلف ينقل هذه الأحاديث من هناك.
(٤) البزار (٢٢)، وقال الهيثمي في " المجمع " ١/ ٤٠ بعد أن نسبه إلى البزار: وفيه الضحاك بن نبراس قال البزار: ليس به بأس، وضعفه الجمهور. قلت: وأخرجه البخاري في " خلق أفعال العباد " (١٩١) من طريق الضحاك بن نبراس، عن ثابت، عن أنس. وقال الحافظ ابن حجر في " الفتح " ١/ ١١٦ بعد أن نسبه إلى البخاري والبزار: إسناده حسن! كذا قال مع أنه قال في " التقريب " في ترجمة الضحاك بن نبراس: لين الحديث.
[ ٦ / ٢٨٩ ]
ومنها الحادي عشر: عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - من غير ذكر عمر بالحديث، وفيه: " ويؤمن بالقدر خيره وشره وحُلوه ومُرِّه من الله ". خرجه الطبراني في " الكبير " (١) ورجاله موثقون.
ومنها الثاني عشر: عن جرير، عن النبي - ﷺ - أتيته لأبايعه، فدعاني إلى شهادة أن لا إله إلاَّ الله، وأنه رسول الله، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: ثم ألقى عليَّ كساءه، ثم أقبل على أصحابه، فقال: " إذا جاءكم كريمُ قومٍ فأكرموه ". رواه الطبراني في " الكبير " (٢) من طريق حُصين بن عمر.
ومنها الثالث عشر: عن أبي الدرداء، عن النبي - ﷺ -، قال: " لا يبلغ عبدٌ حقيقة الإيمان حتَّى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه ". رواه البزار وقال: إسناده حسن (٣).
انتهى ما ذكره الهيثمي في باب الإيمان دون ما ذكره في باب القدر.
الرابع عشر: وخرج حديث عدي بن حاتم في باب القدر. رواه الطبراني من طريق عبد الأعلى (٤) بن أبي المساور (٥).
_________________
(١) رقم (١٣٥٨١)، والهيثمي في " المجمع " ١/ ٤٠ - ٤١. وأخرجه كذلك من حديث ابن عمر ولم يرفعه إلى أبيه: أحمد ١/ ٥٢ - ٥٣ و٥٣ و٢/ ١٠٧.
(٢) رقم (٢٢٦٦)، وقال الهيثمي في " المجمع " ١/ ٤٢: وفي إسناده حصين بن عمر مجمع على ضعفه وكذبه.
(٣) البزار (٣٣). وأخرجه كذلك أحمد ٦/ ٤٤١ - ٤٤٢.
(٤) في الأصول: أبي الأعلى، وهو تحريف، وكنية عبد الأعلى: أبو مسعود.
(٥) الطبراني ١٧/ (١٣٨) وموضع الشاهد منه أن عدي بن حاتم قال: يا رسول الله، ما الإسلام؟ قال: " تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وتؤمن بالقدر خيره وشره وحلوه ومره ". قال الهيثمي في " المجمع " ٩/ ٤٠٣: وفيه عبد الأعلى بن أبي المساور، وهو متروك. وسيرد عند المؤلف بلفظ آخر، انظر ص ٤٧١ من هذا الجزء.
[ ٦ / ٢٩٠ ]
الخامس عشر، والسادس عشر، والسابع عشر، والثامن عشر: قال أبو داود في باب القدر من " السنن " (١): حدثنا محمد بن كثير، حدثنا سفيان، عن أبي سِنان، عن وهب بن خالد الحمصي، عن ابن (٢) الديلمي قال: أتيتُ أُبي بن كعبٍ، فقلت له: قد وقع في نفسي شيءٌ من القدر، فحدثني لعلَّ الله أن يُذهبه من قلبي، فقال له: لو أنفقت مثل أُحُدٍ ذهبًا في سبيل الله ما قَبِلَهُ الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليُخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا، لدخلت النار.
قال: ثم أتيت عبد الله بن مسعود، فقال مثل ذلك.
قال: ثم أتيت حذيفة بن اليمان فقال مثل ذلك.
ثم أتيت زيد بن ثابت، فحدثني عن النبي - ﷺ - مثل ذلك. وإسناده صالح.
التاسع عشر: خرَّج أيضًا (٣) حديث حذيفة قال: قال رسول الله - ﷺ -: " لكل أُمَّةٍ مجوسٌ، ومجوس هذه الأمة الذين يقولون: لا قدر، فمن مات منهم، فلا تشهدوا جنازته، ومن مَرِضَ منهم، فلا تعودوهم، وهم شِيعة الدجال، وحقٌّ على الله أن يُلحِقَهُم بالدَّجَّال ".
_________________
(١) رقم (٤٦٩٩)، وإسناده صحيح. وأخرجه أيضًا ابن ماجه (٧٧) عن علي بن محمد، عن إسحاق بن سليمان، عن أبي سنان، بهذا الإسناد. أبو سنان: هو سعيد بن سنان البرجمي الشيباني، وابن الديلمي: هو عبد الله بن فيروز.
(٢) في الأصل: أبي، وهو خطأ.
(٣) برقم (٤٦٩٢) من طريق عمر بن عبد الله مولى غفرة، عن رجل من الأنصار، عن حذيفة رفعه. وهذا إسناد ضعيف، عمر مولى غفرة ضعيف ولا يحتج بحديثه، والرجل من الأنصار مجهول. قلت: وأخرجه أيضًا أحمد ٥/ ٤٠٦ - ٤٠٧ من طريق عمر مولى غفرة، به. وأخرجه أحمد ٢/ ٨٦ بنحوه من حديث عبد الله بن عمر، وفيه أيضًا عمر مولى غفرة وهو ضعيف كما سبق.
[ ٦ / ٢٩١ ]
من طريق عمر بن عبد الله مولى عفرة، عن رجل من الأنصار.
العشرون: قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا عبد العزيز بنُ أبي حازمٍ (١) عن أبيه، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - أنه قال: " القَدَريَّة مَجوس هذه الأمة، إن مَرِضوا، فلا تعودوهم، وإن ماتوا، فلا تشهدوهم " (٢).
رجاله ثقات، إلاَّ أنه منقطع أبو حازم سلمة بن دينار الأعرج أحدُ الثقات بلا مدافعة، لكنه لم يدرك عبد الله بن عمر، ولا عبد الله بن عمرو بن العاص، وقد روى عنهما. قاله الذهبي (٣).
الحادي والعشرون: عن أبي هريرة، عن عمر بن الخطاب، عن النبي - ﷺ - قال: " لا تُجالِسُوا أهل القدر ولا تُفاتِحُوهم ". رواه أبو داود أيضًا (٤).
الثاني والعشرون: عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: " صِنفان من أُمتي ليس لهما في الإسلام نصيبٌ: المُرجئة والقدرية ". رواه الترمذي (٥) قال:
_________________
(١) في (ش): حاتم، وهو تحريف.
(٢) أبو داود (٤٦٩١)، وأخرجه الحكم ١/ ٨٥ من طريقه، وإسناده ضعيف لانقطاعه، أبو حازم -وهو سلمة بن دينار- لم يدرك ابن عمر كما سيشير إليه المصنف، ولم يسمع من الصحابة غير سهل بن سعد وهو راويته.
(٣) في " سير أعلام النبلاء " ٦/ ٩٧.
(٤) رقم (٤٧١٠) و(٤٧٢٠)، وإسناده ضعيف فيه حكيم بن شريك الهذلي، وهو مجهول لم يرو عنه غير عطاء بن دينار، وذكره ابن حبان في " ثقاته " ٦/ ٢١٥، وأخرج حديثه هذا في " صحيحه " (٧٩)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٥) رقم (٢١٤٩). وأخرجه أيضًا ابن ماجه (٧٣)، وفي إسناده عندهما نزار بن حيان، وهو ضعيف. وأخرجه بنحوه الطبراني (١١٦٨٢)، وفي إسناده وأحد إسنادى الترمذي سلاّم بن أبي عمرة وهو ضعيف أيضًا.
[ ٦ / ٢٩٢ ]
هذا حديث غريب، وفي نسخة: حسن غريب، وروى أيضًا نحوه عن ابن عباس بطريق أخرى.
الثالث والعشرون: عن نافع أن ابن عمر جاءه رجل فقال: إنَّ فلانًا يقرأ عليك السلام، فقال: إنه بلغني أنه أحدث، فإن كان قد أَحْدَثَ، فلا تُقْرِهِ مني السلام فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: " يكون في هذه الأمة أو في أمتي خسفٌ ومسخٌ أو قذفٌ في أهل القدر ". رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح (١).
الرابع والعشرون: عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - أنه قال: " يكون في أمتي خسفٌ ومسخٌ، وذلك في المكذبين بالقدر ". رواه الترمذي (٢).
وروى الهيثمي في " مجمع الزوائد " (٣) في المجلد الخامس في باب ما جاء فيمن يكذب بالقدر أحاديث كثيرة.
منها الخامسُ والعشرون: عن أبي الدرداء، عن النبي - ﷺ -: " لا يدخل الجنة عاقٌّ، ولا مُكَذِّبٌ بالقدر ". رواه أحمد والبزار والطبراني من طريق
_________________
(١) الترمذي (٢١٥٢). وأخرجه أيضًا ابن ماجه (٤٠٦١). قلت: وفي إسناده عندهما أبو صخر حميد بن زياد -وهو وإن كان من رجال مسلم- مختلف فيه، ضعفه ابن معين في روايتين عنه، وكذا النسائي، وهذا الحديث أحد الأحاديث التي أنكرت عليه فيما قاله ابن عدي في " الكامل "، ومما يؤيد ذلك أنه قد رُوِي هذا الحديث عن غير واحد من الصحابة دون قوله " في أهل القدر " أو" في المكذبين بالقدر ".
(٢) في الأصل: أبو داود، وهو سبق قلم من المؤلف ﵀، فالنص الذي أورده عن ابن عمر في " سنن الترمذي " (٢١٥٣)، وحديث ابن عمر عند أبي داود (٤٦١٣) بلفظ: " إنه سيكون في أمتي أقوام يكذبون بالقدر ". وفي إسنادهما أبو صخر حميد بن زياد، وقد تقدم الكلام عليه في التعليق السالف.
(٣) ٧/ ٢٠٢ - ٢٠٧.
[ ٦ / ٢٩٣ ]
سليمان بن عُتبة الدمشقي (١).
والسادس والعشرون: عن ابن عمر سمعت رسول الله - ﷺ - قال: " سيكون في هذه الأمة مسخٌ ألا وذلك في المكذبين بالقدر ". رواه أحمد من طريق رشدين بن سعد (٢).
والسابع والعشرون: عن ابن عمر، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول مثله.
ورجاله رجال الصحيح (٣).
والثامن والعشرون: عن سهل بن سعدٍ (٤) قال: ما كان زندقة إلاَّ بين يديها التكذيب بالقدر. رواه الطبراني من طريق إبراهيم بن أعين، وذكره ابن العربي في " عارضة الأحوذي " (٥) وعزاه إلى " مسند " أبي أسامة وهو الحارث بن
_________________
(١) أحمد ٦/ ٤٤١، والبزار (٢١٨٢) وحسَّن إسناده. وقال الهيثمي في " المجمع " ٧/ ٢٠٢ بعد أن نسبه إلى أحمد والبزار والطبراني: فيه سليمان بن عتبة الدمشقي وثّقه أبو حاتم وغيره، وضعفه ابن معين وغيره.
(٢) أحمد ٢/ ١٠٨، وإسناده ضعيف لضعف رشدين بن سعد، وفيه أيضًا أبو صخر حميد بن زياد وقد سبق الكلام فيه قبل قليل. وقال الهيثمي في " المجمع " ٧/ ٢٠٣ بعد أن نسبه إلى أحمد: فيه رشدين بن سعد، والغالب عليه الضعف.
(٣) هو في " المسند " ٢/ ١٣٦ - ١٣٧. وفي إسناده أبو صخر حميد بن زياد تقدم الكلام عليه.
(٤) كذا هو هنا موقوف نقلًا عن " مجمع الزوائد " ٧/ ٢٠٣، وهو في المطبوع من الطبراني (٥٩٤٤) مرفوع إلى النبي - ﷺ - وقال الهيثمي في " المجمع " بعد أن نسبه إلى الطبراني: فيه إبراهيم بن أعين وهو ضعيف.
(٥) ٨/ ٢٩٦. وهو في " مسند " الحارث بن أبي أسامة من حديث أبي هريرة مرفوعًا، ذكره ابن حجر في " المطالب العالية " (٢٩٣٠)، وضعف البوصيري إسناده في " إتحاف المهرة ". وأخرجه بنحوه الآجري في " الشريعة " ص ١٩٣ من طريق بقية بن الوليد، عن يحيى بن مسلم، عن بحر السقَّاء، عن أبي حازم، عن أبي هريرة رفعه بلفظ: "ما كانت زندقه
[ ٦ / ٢٩٤ ]
محمد بن أبي أسامة أحد الأئمة.
والتاسع والعشرون: عن جابر بن سمرة أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: " ثلاثٌ أخاف على أمتي: الاستسقاء بالأنواء، وحَيْفُ السلطان (١)، والتكذيب بالقدر ".
رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني، والثلاثة من طريق محمد بن القاسم الأسدي (٢).
والثلاثون: عن أنس، قال رسول الله - ﷺ -: " أخاف على أمتي خمسًا: تكذيبٌ بالقدر، وتصديقٌ بالنجوم ". رواه أبو يعلى مقتصرًا على اثنتين من الخمس من طريق يزيد الرقاشي (٣).
والحادي والثلاثون: عن أبي أُمامة قال - ﷺ -: " إن أخوف ما أخاف على أمتي في آخر زمانها النجوم، وتكذيبٌ بالقدر، وحَيْفُ السلطان ". رواه الطبراني من طريق ليث بن أبي سُليم (٤).
والثاني والثلاثون: عن ابن عباس، قال - ﷺ -: "هلاك أمتي في ثلاث:
_________________
(١) = إلا إذا كان أصلها التكذيب بالقدر". وهذا إسناد مسلسل بالضعفاء، بقية بن الوليد مدلس وقد عنعن، وشيخه يحيى بن مسلم مجهول، وبحر السقاء ضعيف.
(٢) تحرف في " المجمع " إلى: الشيطان.
(٣) أحمد ٥/ ٨٩ - ٩٠، وأبو يعلى ورقة ٣٤٩/ ١، والبزار (٢١٨١)، والطبراني في " الكبير " (١٨٥٣) و" الأوسط " (١٨٧٣) و" الصغير " (١٢ ١)، وأخرجه أيضًا ابن أبي عاصم (٣٢٤)، وفي سنده عندهم كلهم محمد بن القاسم الأسدي، قال الهيثمي في " المجمع " ٧/ ٢٠٣: وثقه ابن معين وكذبه أحمد، وضعفه بقية الأئمة. وقال البزار: لين الحديث.
(٤) " مسند أبي يعلى " (٤١٣٥)، وإسناده ضعيف لضعف يزيد الرقاشي، وقال الهيثمي ٧/ ٢٠٣ بعد أن نسبه إلى أبي يعلى: فيه يزيد الرقاشي وهو ضعيف، ووثقه ابن عدي!
(٥) قال الهيثمي في " المجمع " ٧/ ٢٠٣: رواه الطبراني، وفيه ليث بن أبي سليم وهو لين، وبقية رجاله وثقوا.
[ ٦ / ٢٩٥ ]
العصبية والقدرية والرواية من غير ثبت". رواه الطبراني من طريق هارون بن هارون (١).
والثالث والثلاثون: عن أبي الدرداء، قال - ﷺ -: " أخاف على أمتي ثلاثًا: زَلَّة عالمٍ، وجدال منافقٍ بالقرآن، والتكذيب بالقدر ". رواه الطبراني من طريق معاوية بن يحيى الصدفي (٢).
والرابع والثلاثون: عن أبي موسى عنه - ﷺ -: " إن أمتي لا تزال مستمسِكةً بدينها ما لم يُكذِّبُوا بالقدر، فإذا كذبوا بالقدر، فعند ذلك هلاكهم ". رواه الطبراني، وأبو البركات تابعي لم أعرفه، وبقيتهم ثقات (٣).
الخامس والثلاثون: عن أبي أُمامة، قال - ﷺ -: " لم يكن شركٌ منذ أهبط الله آدم إلاَّ بَدْؤُه بالتكذيب بالقدر، وما أشركت أمة إلاَّ بتكذيب القدر، وإنكم ستُكذِّبون به أيتها الأمة، فإذا لقيتموهم، فكونوا أنتم سائلين، ولا تُمكِّنوهم من المسألة، فيدخلوا الشبهات ". رواه الطبراني في " الأوسط " من طريق سلم بن سالم (٤).
والسادس والثلاثون: عن عبد الله بن عمرو، قال - ﷺ -: "ما هلكتْ أمةٌ إلا
_________________
(١) الطبراني (١١١٤٢)، وأخرجه أيضًا البزار (١٩١). وفي سنده عندهما هارون بن هارون، قال الهيثمي في " المجمع " ١/ ١٤١ و٧/ ٢٠٣ بعد أن عزاه إليهما: وفيه هارون بن هارون وهو ضعيف. وقال البزار بعد إخراجه للحديث: لا نعلمه يروى بهذا اللفظ من وجه صحيح، وإنما ذكرناه إذ لا يحفظ من وجه أحسن من هذا، وهارون ليس بالمعروف بالنقل.
(٢) قال الهيثمي ٧/ ٢٠٣ بعد أن نسبه إلى الطبراني: وفيه معاوية بن يحيى الصدفي وهو ضعيف.
(٣) قاله الهيثمي في " المجمع " ٧/ ٢٠٣ - ٢٠٤.
(٤) قال الهيثمي ٧/ ٢٠٤ بعد أن نسبه إلى الطبراني في " الأوسط ": وفيه سلم بن سالم ضعفه جمهور الأئمة: أحمد وابن المبارك ومن بعدهم، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به!
[ ٦ / ٢٩٦ ]
بالأنواء، وما كان بدءُ إشراكها إلاَّ التكذيب بالقدر". رواه الطبراني في " الكبير " و" الصغير " إلاَّ أنه قال: " ما هلكت أمةٌ قطُّ حتى تُشْرِكَ بالله، ولا أشركت أمة بالله حتى يكون أول إشراكها التكذيب بالقدر " من طريق عمر بن يزيد النصري من بني نصر (١).
والسابع والثلاثون: عن معاذ، قال - ﷺ -: " ما بعث الله نبيًا قط إلاَّ وفي أمته قَدَرِيَّة ومرجئة (٢) يُشوِّشُون عليه أمر أمته، ألا وإن الله قد لعن القدرية والمرجئة على لِسان سبعين نبيًا ". رواه الطبراني وفيه بقية، ويزيد بن حصين ولم أعرفه (٣).
_________________
(١) هو في " الصغير " للطبراني (١٠٥٩)، و" السنة " للالكائي (١١١٤) من طريق العباس بن الوليد بن مريد البيروتي، وأخرجه ابن أبي عاصم في " السنة " (٣٢٢) عن دُحيم عبد الرحمن بن إبراهيم، كلاهما عن محمد بن شعيب بن شابور، عن عمر بن يزيد النصري، عن عمرو بن مهاجر، عن عمر بن عبد العزيز، عن يحيى بن القاسم بن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو رفعه. وأورده البخاري في " التاريخ الكبير " ٨/ ٣٠٠ عن دحيم، به. قلت: وهذا إسناد ضعيف، عمر بن يزيد النصري روى عنه اثنان وأورده البخاري في " تاريخه " ٦/ ٢٠٥، وابن أبي حاتم ٦/ ١٤٢ ولم يأثرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وقال ابن حبان في " المجروحين " ٢/ ٨٩: كان ممن يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل، لا يجوز الاحتجاج به على الإطلاق، وإن اعتُبر بما يوافق الثقات فلا ضير، ثم أعاد ذكره في " الثقات " ٧/ ١٧٩ إلا أنه قال: في روايته أشياء، وأورد الذهبي هذا الحديث في ترجمته من " الميزان " ٣/ ٢٣٢. ويحيى بن القاسم وأبوه مجهولان: يحيى بن القاسم لم يرو عنه غير عمر بن عبد العزيز، وأورده البخاري ٨/ ٣٠٠، وابن أبي حاتم ٩/ ١٨٢ ولم يأثرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان في " الثقات " ٧/ ٦٠٧، وأبوه القاسم بن عبد الله لم يرو عنه غير ابنه يحيى ذكره ابن أبي حاتم ٧/ ١١١ ولم يأثر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان في " الثقات " ٥/ ٣٠٣.
(٢) في (أ) و(ف): جبرية، وهو خطأ.
(٣) الطبراني في " الكبير " ٢٠/ (٢٣٢)، وأخرجه أيضًا ابن أبي عاصم (٣٢٥)، =
[ ٦ / ٢٩٧ ]
والثامن والثلاثون: عن محمد بن عبيد، عن ابن عباس، أنه قيل له: إن رجلًا قد قَدِمَ علينا يُكَذِّبُ بالقدر، قال: والذي نفسي بيده لئن استمكنت منه، لأعضَّنَّ أنفه حتى أقطعه، ولئن وقعت عُنُقُه في يدي لأدُقَّنَّها، فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: " كأنني بنساء بني فِهْرٍ يَطُفْنَ بالخزرج تصطفِقُ ألياتُهُنَّ مشركاتٍ، هذا أول شرك هذه الأمة، والذى نفسي بيده لينتَهِينَّ بهم سْوء رأيهم حتى يخرجوا الله من أن يكون قد قدَّر خيرًا كما أخرجوه من أن يكون قد قدَّر شرًّا ".
رواه أحمد (١) من طريقين، وفيهما محمد بن عبيد المكي وفي إحداهما رجل لم يسم، وسماه في الأخرى العلاء بن الحجاج، وقال في " المسند ": إن محمد بن عبيد سمع ابن عباس (٢).
والتاسع والثلاثون: عن ابن عباس قال: ما بعث الله نبيًا إلاَّ كان بعدهُ وقفة تملأ بهم جهنم. رواه الطبراني (٣) من طريق أبي داود الأعمى.
والأربعون: عن سعيد بن جبير قال: كنت في حلقة فيها ابن عباس، فذكرنا القَدَرَ، فغضب ابن عباس غضبًا شديدًا، وقال: لو أعلم أن في القوم أحدًا
_________________
(١) = والخطيب البغدادي في " موضح أوهام الجمع والتفريق " ٢/ ٨، من طريق بقية بن الوليد، عن أبي العلاء الدمشقي -وهو برد بن سنان- عن محمد بن جحادة، عن يزيد بن حصين، عن معاذ بن جبل. وقال الهيثمي في " المجمع " ٧/ ٢٠٤ بعد أن نسبه إلى الطبراني: فيه بقية بن الوليد وهو لين، ويزيد بن حصين لم أعرفه.
(٢) ١/ ٣٣٠، وأخرجه اللالكائي (١١١٦) من طريق بقية بن الوليد، عن الأوزاعي، عن العلاء بن الحجاج، عن محمد بن عبيد المكي، عن ابن عباس. والعلاء بن الحجاج مجهول، ومحمد بن عبيد المكي ضعفه أبو حاتم.
(٣) " مجمع الزوائد " ٧/ ٢٠٤.
(٤) رقم (١٢٧٤٢)، وأبو داود الأعمى -اسمه نفيع بن الحارث- ضعيف جدًا. قاله الهيثمي في " المجمع " ٧/ ٢٠٥.
[ ٦ / ٢٩٨ ]
منهم، لأخذته، إني سمعت رسول الله - ﷺ - (١).
قلت: وساق حديثًا أظنه في معنى الأول لم يتحرر لي لسقوط شيء فيه.
رواه الطبراني بإسنادين رجال أحدهما رجال الصحيح غير صدقة بن سابق وهو ثقة. ورواه البزار وزاد: وهم القدرية (٢).
والحادي والأربعون: عن ابن عباس قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: " لعلك أن تبقى حتَّى تُدرِكَ قومًا يُكذِّبون بقَدْرِ الله الذنوب على عباده استَقَوْا كلامهم ذلك من النصرانية، فإذا كان كذلك فابرأ إلى الله منهم ". رواه الطبراني (٣) من طريق عبد الله بن سمعان.
_________________
(١) تمام نصه في " المجمع " ٧/ ٢٠٤: يقول: " ما بعث الله نبيًا قط ثم قبضه إلا جعل بعده فترة، وملأ من تلك الفترة جهنم ". وهو في الطبراني (١٢٥١٤)، والبزار (٢١٨٤) عن محمد بن عبد الرحيم أبو يحيى، حدثنا صدقة بن سابق، حدثنا سليمان بن قَرْم، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وهذا إسناد ضعيف، سليمان بن قَرْم ضعيف سيء الحفظ، وصدقة بن سابق روى عنه غير واحد وأورده ابن أبي حاتم ٤/ ٤٣٤ ولم يأثر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان في " ثقاته " ٨/ ٣٢٠. وأخرجه الطبراني أيضًا (١٢٥١٥) عن الحسين بن إسحاق، حدثنا داود بن رُشيد، حدثنا بقية بن الوليد، عن الجراح بن المنهال، عن أبي الزبير، به. وهذا إسناد ضعيف كذلك، الجراح بن المنهال ضعفه يحيى بن معين، وقال ابن أبي حاتم ٢/ ٥٢٣: سمعت أبي يقول: هو متروك الحديث، ذاهب الحديث، لا يكتب حديثه.
(٢) البزار (٢١٨٣) من طريق عمرو بن صالح قاضي رامهُرمز، عن يحيى بن أبي أنيسة، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وهذا إسناد ضعيف جدًا، يحيى بن أبي أنيسة ضعيف متروك الحديث، واتهمه أخوه الثقة زيد بن أبي أنيسة بالكذب.
(٣) في " الكبير " رقم (١١١٧٩)، قال الهيثمي ٧/ ٢٠٥ بعد أن نسبه إلى الطبراني: وفيه عبد الله بن زياد بن سمعان وهو متروك.
[ ٦ / ٢٩٩ ]
والثاني والأربعون: عن أنس، قال رسول الله - ﷺ -: " القدرية والمرجئة مجوس هذه الأمة، فإن مرضوا، فلا تعودوهم، وإن ماتوا، فلا تشهدوهم ". رواه الطبراني في " الأوسط " ورجاله رجال الصحيح غير هارون بن موسى الفروي وهو ثقة (١)!
والثالث والأربعون: عن ابن عمر، قال رسول الله - ﷺ -: " القَدَريَّة مجوس هذه الأمة، إن مرضوا، فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم ". رواه الطبراني في " الأوسط " (٢) من طريق زكريا بن منظور.
والرابع والأربعون: عن أبي هريرة، قال رسول الله - ﷺ -: " لعن الله أهل القدر: الذين يُكذِّبون بقدر، ويُصدِّقون بقدر " (٣). رواه الطبراني في " الأوسط " من طريق ابن لهيعة.
الخامس والأربعون: عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: "من كذَّب
_________________
(١) قاله الهيثمي في " المجمع " ٧/ ٢٠٥.
(٢) رقم (٢٥١٥)، وأخرجه أيضًا اللالكائي في " شرح السنة " (١١٥٠)، والآجري في " الشريعة " ص ١٩٠ من طريق زكريا بن منظور، عن أبي حازم -وهو سلمة بن دينار- عن نافع، عن ابن عمر. وهذا إسناد ضعيف لضعف زكريا بن منظور، وقال الدارقطني: متروك. وأخرجه أيضًا أبو داود (٤٦٩١)، والحاكم ١/ ٨٥ من طريق عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن ابن عمر. وهذا إسناد ضعيف أيضًا لانقطاعه، أبو حازم لم يدرك ابن عمر. وقد تقدم من حديث أبي داود في هذا الجزء ص ٤٥٤.
(٣) وأخرجه أيضًا الآجرى في " الشريعة " ص ١٩٣ من طريق بشر بن عمر الزهراني، حدثنا ابن لهيعة، عن موسى بن وردان، عن أبي هريرة. وهذا إسناد ضعيف، ابن لهيعة سيء الحفظ، وموسى بن وردان اشتهر بالقصص وهو مختلف فيه، وقال ابن حبان: كثر خطؤه حتى كان يروي المناكير عن المشاهير، وقال الهيثمي في " المجمع " ٧/ ٢٠٥ بعد أن نسبه إلى الطبراني في " الأوسط ": فيه ابن لهيعة وهو لين الحديث.
[ ٦ / ٣٠٠ ]
بالقدر، كذَّب بما أُنزل على محمد - ﷺ -". رواه الطبراني في " الأوسط " وفيه محمد بن الحسين القصاص ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات (١).
السادس والأربعون: عن محمد بن كعب القرظي، عن ابن عمر: لُعِنَتِ القدرية على لسان سبعين نبيًا، آخرهم نبيُّنا محمد - ﷺ -، فإذا كان يوم القيامة، وجمع الناس في صعيدٍ واحد، نادى منادٍ يُسمع الأولين والآخرين: أين خصماءُ الله؟ فتقوم القدرية. رواه الطبراني في " الأوسط " وفيه محمد بن الفضل بن عطية، ورواه أبو يعلى في " الكبير " باختصار من رواية بقية بن الوليد، عن حبيب بن عمر (٢).
والسابع والأربعون: عن عمر بن الخطاب [قال: قال رسول الله - ﷺ -]: " إذا كان يوم القيامة، نادى منادٍ: ألا لِيَقُمْ خصماء الله وهم القدرية ". رواه الطبراني في " الأوسط " من طريق بقية وحبيب بن عمر أيضًا (٣).
_________________
(١) وأخرجه أيضًا بنحوه اللالكائي في " شرح السنة " (١١١١) من طريق محمد بن حمير السليحي، عن بشر بن جبلة، عن كليب بن وائل، عن ابن عمر. وإسناده ضعيف، بشر بن جبلة مجهول ضعيف الحديث. ونسبه ابن حجر في " المطالب العالية " (٢٩٢٢) إلى أبي يعلى، وسكت عليه البوصيري في " إتحاف المهرة ".
(٢) وأخرجه اللالكائي (١١٣٢) و(١١٥٨) و(١١٥٩) من طريق حسان بن إبراهيم، عن محمد بن الفضل بن عطية، عن كرز بن وبرة الحارثي، عن محمد بن كعب القرظي، به. قال الهيثمي ٧/ ٢٠٦ بعد أن نسبه إلى الطبراني في " الأوسط ": وفيه محمد بن الفضل بن عطية، وهو متروك، قلت: وكرز بن وبرة لا يعرف بجرح ولا تعديل، وقال الهيثمي في رواية أبي يعلى: بقية مدلس، وحبيب مجهول. قلت: وقول الهيثمي: ورواه أبو يعلى في " الكبير " يعني به مسنده الكبير رواية الأصبهانيين، والمطبوع مختصر منه وهو برواية ابن حمدان، وهذه الرواية المختصرة اعتمدها الهيثمي في " المجمع " وجرد زيادتها، وربما أدرج فيه بعض الأحاديث من المسند الكبير، ولكنه ينبه على ذلك كما فعل هنا.
(٣) وأخرجه ابن أبي عاصم (٣٣٦) من طريق بقية بن الوليد، حدثنا حبيب بن عمر =
[ ٦ / ٣٠١ ]
والثامن والأربعون: عن أبي سعيد، قال رسول الله - ﷺ -: " في آخر الزمان تأتي المرأة، فتجد زوجها قد مُسِخَ قردًا، لأنه لا يؤمن بالقدر ". رواه الطبراني في " الأوسط " من طريق بشار بن قيراط (١).
والتاسع والأربعون: عن أبي هريرة، قال رسول الله - ﷺ -: " من لم يؤمن بالقدر خيره وشره فأنا منه بريءٌ ". رواه أبو يعلى من طريق صالح بن سرج (٢).
والخمسون: عن سهل بن سعدٍ، قال رسول الله - ﷺ -: " لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر ". رواه الطبراني (٣) من طريق إسماعيل بن أبي الحكم.
والحادي والخمسون: عن أبي أمامة، عن رسول الله - ﷺ -: " أربعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: عاقٌّ، ومَنَّانٌ، ومدمن خمر، ومُكَذِّبٌ بقدر الله ".
وفي رواية: " ثلاثة لا يقبل الله منهم صرفًا ولا عدلًا " فذكر نحوه رواه الطبراني بإسنادين أحدهما من طريق بشر بن نُمير، والآخر من طريق عمر بن يزيد (٤).
_________________
(١) = عن أبيه، عن ابن عمر، عن أبيه قال: قال رسول الله - ﷺ - فذكره. إسناده ضعيف، حبيب وأبوه مجهولان. ونسبه ابن حجر في " المطالب العالية " (٢٩٦٠) إلى أبي يعلى.
(٢) قلت: بشار بن قيراط كذبه أبو زرعة، وقال أبو حاتم: لا يحتج به، وقال ابن عدي: روى أحاديث غير محفوظة وهو إلى الضعف أقرب. انظر " الميزان " ١/ ٣١٠.
(٣) صالح بن سرج لم يرو عنه غير عمرو بن العلاء اليشكري، ولم يوثقه غير ابن حبان ٦/ ٤٦٠، وكان من الخوارج.
(٤) في " الكبير " (٥٩٠٠) عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن إسماعيل بن أبي الحكم الثقفي، عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد. وهذا إسناد حسن، محمد بن عثمان لا بأس به له ترجمة في " الميزان " ٣/ ٦٤٢ - ٦٤٣، و" التذكرة " ص ٦٦١، و" اللسان " ٥/ ٢٨٠، وشيخه إسماعيل بن أبي الحكم قال ابن أبي حاتم ٢/ ١٦٥. روى عنه أبو زرعة، سئل أبي عنه فقال: شيخ، وباقي السند ثقات.
(٥) اللفظ الأول في الطبراني (٧٩٣٨)، وأخرجه أيضًا ابن عدي في " الكامل " ٢/ ٤٤٠ =
[ ٦ / ٣٠٢ ]
والثاني والخمسون: عن واثلة بن الأسقع، قال رسول الله: " صِنفان من [هذه] الأمة لا تنالُهُما شفاعتي: المُرجئة والقدرية ". رواه الطبراني في " الأوسط " (١) من طريق محمد بن مِحْصَن.
والثالث والخمسون: عن جابر، عنه - ﷺ -: " صِنفان من أمتي لا تنالهما شفاعتي: المرجئة والقدرية ".
رواه الطبراني في " الأوسط " من طريق بحر بن كَنِيزٍ السَّقَّاء (٢).
والرابع والخمسون: عن جابر، عنه - ﷺ -: " صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة والقدرية ". رواه الطبراني في " الأوسط " من طريق قرين بن سهلٍ (٣).
_________________
(١) = كلاهما من طريق يزيد بن زريع، عن بشر بن نمير، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي أمامة. قال الهيثمي ٧/ ٢٠٦: وفيه بشر بن نمير وهو متروك. واللفظ الثاني عنده (٧٥٤٧) من طريق محمد بن شعيب بن شابور، عن عمر بن يزيد -وهو النصري- عن أبي سلام الأسود، عن أبي أمامة. قال الهيثمي: فيه عمر بن يزيد وهو ضعيف.
(٢) رقم (١٦٤٨)، وهو موضوع، في سنده محمد بن محصن -وهو محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن محمد بن عكاشة بن محصن- قال البخاري: منكر الحديث، وقال ابن معين: كذاب، وقال الدارقطني: يضع الحديث، انظر " الميزان " ٣/ ٤٧٦، وقال ابن حبان في " المجروحين " ٢/ ٢٧٧: شيخ يضع الحديث على الثقات، لا يحل ذكره في الكتب إلا على سبيل القدح فيه، وقال الهيثمي ٧/ ٢٠٦: متروك.
(٣) قال الهيثمي ٧/ ٢٠٦: وهو متروك.
(٤) وأخرجه ابن عدي في " الكامل " ٣/ ١٢٨٠ من طريق قرين بن سهل بن قرين، عن أبيه، عن ابن أبي ذئب، عن محمد بن المنكدر، عن جابر. وهذا إسناد موضوع، قرين بن سهل وأبوه كذابان. وأخرجه بنحوه ابن ماجه (٧٣)، وابن أبي عاصم (٩٤٨) من طريق نزار بن حيان، عن =
[ ٦ / ٣٠٣ ]
الخامس والخمسون: عن أبي سعيد، قال - ﷺ - مثله. رواه الطبراني في " الأوسط " وفيه عمرو بن القاسم بن حبيب التمار وعطية العَوْفي (١).
والسادس والخمسون: عن أنس، قال - ﷺ -: " صِنفان من أمتي لا يَرِدان عليَّ الحوض ولا يدخلان الجنة: القدرية والمُرجئة ". رواه الطبراني في " الأوسط " ورجاله رجال الصحيح غير هارون بن موسى الفَرْوِي، وهو ثقة (٢).
قلت: تقدم بزيادة.
والسابع والخمسون: عن سهل بن سعد الساعدي قال - ﷺ -: " لكل أمةٍ مجوسٌ، ولكل أمةٍ نصارى، ولكل أمةٍ يهود، وإن مجوس أمتي القدرية ونصاراهم الخَشَبيّة (٣)، ويهودهم المرجئة ". رواه الطبراني في " الأوسط " من طريق يحيى بن سابق (٤).
_________________
(١) = عكرمة، عن ابن عباس وعن جابر مرفوعًا، إلاَّ أن في آخره " أهل الإرجاء وأهل القدر ". وهذا إسناد واه منكر نزار بن حيان: قال ابن حبان في " الضعفاء ": يأتي عن عكرمة بما ليس من حديثه، حتى يسبق إلى القلب أنه المتعمد لذلك، لا يجوز الاحتجاج به، وقال ابن عدي: هذا الحديث أحد ما أُنكر على نزار بن حيان.
(٢) قال الهيثمي ٧/ ٢٠٧: وفيه عمرو بن القاسم بن حبيب التمار وهو ضعيف، وكذلك عطية العوفي.
(٣) كذا قال الهيثمي في " المجمع " ٧/ ٢٠٧، وليس الآن إسناده بين يدي، وإن كان يغلب على ظني أن في سنده ما يمنع من القول بصحته وهو مع ذلك منكر المتن.
(٤) في (ش): " الحسينية " وهو تحريف، والخشبية كما في " مشتبه النسبة " ١/ ٢١٧: صنف من الرافضة قاتلوا مرة بالخشب فعرفوا بذلك. وذكر ابن حزم في " الفصل " ٥/ ٤٥: إن بعض الشيعة كانوا لا يستحلون حمل السلاح حتى يخرج الذى ينتظرونه، فهم يقتلون الناس بالخنق والحجارة، والخشبية بالخشب فقط.
(٥) يحيى بن سابق ذكره ابن أبي حاتم ٩/ ١٥٣ ونقل عن أبيه قوله قيه: ليس بقوي في الحديث، وعن أبي زرعة: لين، وقال ابن حبان في " المجروحين " ٣/ ١١٤ - ١١٥: كان ممن =
[ ٦ / ٣٠٤ ]
والثامن والخمسون: عن أنس، قال - ﷺ -: " من لم يرض بقضاء الله، ويؤمن بقدره، فليلتمس إلهًا غير الله ". رواه الطبراني في " الصغير " و" الأوسط " من طريق سُهيل بن أبي حَزْم (١).
والتاسع والخمسون: عن أبي هند الدَّارِي قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: " قال الله تعالى: من لم يرض بقضائي، ويصبر على بلائي، فليلتمس ربًَّا سِواي ". رواه الطبراني من طريق سعيد بن زَيَّاد، وهو ابن فائد بن زَيَّاد بن أبي هند (٢).
_________________
(١) = يروي الموضوعات عن الثقات، لا يجوز الاحتجاج به في الديانة ولا الرواية عنه بحيلة. قلت: وحديثه هذا معدود في منكراته عند الإمام الذهبي في " الميزان " ٤/ ٣٧٧.
(٢) هو في " الصغير " للطبراني (٩٠٢)، ومن طريقه أخرجه أبو نعيم في " أخبار أصبهان " ٢/ ٢٢٨، والخطيب في " تاريخه " ٢/ ٢٢٧ عن محمد بن حسين الأبهري الأصبهاني، عن محمد بن موسى الحَرَشي، عن سهيل بن عبد الله -وهو سهيل بن أبي حزم القُطَعي- عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك. وهذا إسناد ضعيف لضعف سهيل بن أبي حزم.
(٣) هو في " الكبير " للطبراني ٢٢/ (٨٠٧) عن يحيى بن عبد الباقي المصيصي، عن سعيد بن زَيَّاد، عن أبي زَيَّاد بن فائد، عن أبيه فائد بن زياد، عن جده زياد بن أبي هند، عن أبي هند الداري. وهذا إسناد ضعيف جدًا، قال الهيثمي ٧/ ٢٠٧: فيه سعيد بن زياد بن أبي هند وهو متروك، وقال ابن حجر في " الإصابة " ٤/ ٢٠٩: وفائد هو وولده ضعيفان. وأخرجه ابن حبان في " المجروحين " ١/ ٣٢٧، والخطيب في " تلخيص المتشابه " ١/ ٨١ من طريق سعيد بن زياد -زاد الخطيب: وإبراهيم بن زياد- عن زياد بن فائد، بهذا الإسناد. قال ابن حبان بعد أن أورد الحديث: في نسخة كتبناها عنه بهذا الإسناد تفرد بها سعيد هذا، فلا أدري البلية فيها منه أو من أبيه أو من جده؟ لأن أباه وجده لا يعرف لهما رواية إلا من حديث سعيد، والشيخ إذا لم يرو عنه ثقة فهو مجهول لا يجوز الاحتجاج به، لأن رواية الضعيف لا تُخرِج مَن ليس بعدل عن حد المجهولين إلى جملة أهل العدالة، كأن ما روى الضعيف وما لم يَرْوِ في الحكم سيّان.
[ ٦ / ٣٠٥ ]
والستون: ذكر الهيثمي في تفسير سورة " اقتربت " عن عبد الله بن عمرو: ما أُنزلت هذه الآية ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٨ - ٤٩] إلاَّ في [أهل] القدر. رواه البزار (١) من طريق يونس بن الحارث.
الحادي والستون: وعن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في القدرية ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٨ - ٤٩]. رواه الطبراني (٢) من طريق عبد الوهاب بن مجاهد.
الثاني والستون: وعن زُرارة، عن النبي - ﷺ -: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ قال: " نزلت في أُناسٍ من أمتي في آخِر الزمان يُكَذِّبون بقدر الله ﷿ " (٣).
_________________
(١) رقم (٢٢٦٥) من طريق الضحاك بن مخلد، وأخرجه البخاري في " خلق أفعال العباد " (١٣٦) عن محمد بن يوسف -وهو الفريابي- كلاهما عن يونس بن الحارث، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو. وهذا إسناد ضعيف، فيه يونس بن الحارث والجمهور على تضعيفه.
(٢) في " الكبير " (١١١٦٣) من طريق عثمان بن الهيثم المؤذن، عن عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه، عن ابن عباس. قال الهيثمي ٧/ ١١٧: وفيه عبد الوهاب بن مجاهد، وهو ضعيف. وأخرجه بنحوه ابن أبي حاتم في " تفسيره " -كما في تفسير ابن كثير ٧/ ٤٥٨ - واللالكائي في " شرح أصول الاعتقاد " (٩٤٨) و(١١٦٢) و(١٣٨٨)، والبيهقي ١٠/ ٢٠٥ من طريق الحسن بن عرفة، عن مروان بن شجاع الجزري، عن عبد الملك بن جريج، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس. مروان بن شجاع الجزري وثقه غير واحد، لكن قال أبو حاتم: صالح ليس بذاك القوي، في بعض ما يرويه مناكير يكتب حديثه، وذكره ابن حبان في " الثقات "، ثم ذكره أيضًا في " الضعفاء " فقال: يروي المقلوبات عن الثقات لا يعجبني الاحتجاج بخبره إذا انفرد.
(٣) أخرجه الطبراني في " الكبير " (٥٣١٦) عن عبدان بن أحمد، عن إبراهيم بن =
[ ٦ / ٣٠٦ ]
قلت: كذا في كتاب الهيثمي في نسخة منه، ولم يُبين من أخرجه، ولا حال رواته، وأظنُّ ذلك سقط من النسخة.
ومن غير كتابه:
الثالث والستون: عن أبي أُمامة أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول في هذه الآية ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾: " إنما أُنزلت في القدرية ". وفي إسناده عُفير بن معدان (١)، وقد تقدم ما يشهد لصحته.
وقد خرجه مسلم والترمذي من حديث أبي هريرة، قال الترمذي: حديث حسن صحيح (٢).
_________________
(١) = المستمر العروقي، عن قرة بن حبيب، عن جرير بن حازم، عن سعيد بن عمرو بن جعدة المخزومي، عن ابن زرارة، عن أبيه. قال الهيثمي في " المجمع " ٧/ ١١٧ بعد أن نسبه إلى الطبراني: وفيه من لم أعرفه. وأخرجه ابن أبي حاتم -كما في " تفسير ابن كثير " ٧/ ٤٥٨ - عن أبيه، عن سهل بن صالح الأنطاكي، عن قرة بن حبيب، عن كنانة (!)، عن جرير بن حازم، به. وأخرجه أيضًا الواحدي في " أسباب النزول " ص ٢٦٩ من طريق خالد بن سلمة القرشي، عن سعيد بن عمرو بن جعدة المخزومي، به.
(٢) أخرجه ابن عدي في " الكامل " ٥/ ٢٠١٧، والواحدي في " أسباب النزول " ص ٢٦٩ من طريق عفير بن معدان، عن سليم بن عامر، عن أبي أمامة الباهلي. وهذا إسناد ضعيف لضعف عُفير بن معدان، وكذا ضعفه السيوطي في " الدر المنثور " ٧/ ٦٨٣.
(٣) مسلم (٢٦٥٦)، والترمذي (٢١٥٧) و(٣٢٩٠) ولفظه عن أبي هريرة قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله - ﷺ - في القدر، ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٨ - ٤٩]. وأخرجه كذلك أحمد ٢/ ٤٤٤ و٤٧٦، والبخاري في " أفعال العباد " (١٣٤) و(١٣٥)، وابن ماجه (٨٣)، وابن أبي عاصم (٣٤٩)، وابن جرير الطبرى ٢٧/ ١١٠، والفسوي في =
[ ٦ / ٣٠٧ ]
وقال ابن العربي في " شرح الترمذي " (١): صحيح صحيح.
وتقدم في مسألة الإرادة أثر وهب بن مُنبِّهٍ: كنت أقول بالقدر حتى قرأتُ بضعًا وسبعين كتابًا من كتب الأنبياء في كلها: من جعل شيئًا من المشيئة إلى نفسه، فقد كفر، فتركت قولي، وتقدم الكلام على إسناده.
الرابع والستون: عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: " ستة لَعَنتُهم ولَعَنهُمُ الله -وكُلُّ نبي مُجابٌ-: الزائد في كتاب الله، والمكذِّب بقدر الله، والمُتسلِّط بالجبروت ليُعِزَّ من أذل الله، ويذل من أعز الله، والمُستَحِلُّ لِحُرَمِ الله، والمُستَحِلُّ من عِترتي ما حرَّم الله، والتارك لسنتي ". رواه الحاكم في " المستدرك " (٢) في تفسير سورة الليل، فقال: حدثنا عبد الله بن جعفر بن دُرستويه (٣) الفارسي، حدثنا يعقوب بن سفيان، حدثنا إسحاق بن محمد الفَرْوي، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الرجال (٤)، عن عُبيد الله بن مَوْهب، عن عمرة، عن عائشة بالحديث.
ثم قال: قد احتج الإمام البخاري بإسحاق بن محمد الفروي (٥)، وعبد
_________________
(١) = " المعرفة والتاريخ " ٣/ ٢٣٦، والبيهقي في " الاعتقاد " ص ١٣٥، والبغوي في " شرح السنة " (٨١)، وفي " تفسيره " ٤/ ٢٦٥.
(٢) ٨/ ٢٩٦.
(٣) ٢/ ٥٢٥، وإسناده ضعيف، عبيد الله بن موهب مختلف فيه، ورواه عنه غير واحد مرسلًا، وإسحاق بن محمد الفروي يأتي بطامَّات فيما قاله الذهبي، وانظر تخريج الحديث والكلام عليه في " صحيح ابن حبان " (٥٧٤٩) بتحقيقنا.
(٤) في (أ) و(ف): دارستويه.
(٥) هذا خطأ صوابه: عبد الرحمن بن أبي الموالي، فإنه هو الذي أخرجه له البخاري في " الجامع الصحيح "، وجاء على الصواب عند الحاكم في موضعين آخرين ١/ ٣٦ و٤/ ٩٠.
(٦) قال الحافظ في " مقدمة الفتح " ص ٣٨٩: إسحاق بن محمد بن إسماعيل بن عبد الله بن أبي فروة الفروي، قال أبو حاتم: كان صدوقًا، ولكن ذهب بصره، فربما لُقِّنَ، =
[ ٦ / ٣٠٨ ]
الرحمن بن أبي الرجال (١) في " الجامع الصحيح " وهو أولى بالصواب من الإسناد الأول.
قلت: وهذا الإسناد الأول: قال الحاكم (٢): حدثنا أبو علي الحسين بن علي الحافظ، أخبرنا عبد الله بن محمد بن وهب الحافظ، حدثنا عبد الله بن محمد بن يوسف الفريابي، حدثني أبي، حدثنا سفيان، عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن موهب، قال: سمعت عليَّ بن الحسين يُحدِّث عن أبيه، عن جده ﵃ قال: قال رسول الله - ﷺ -: " ستةٌ لعنتهم ولعنهم الله -وكل نبي مُجابٌ-: الزائد في كتاب الله، والمُكَذِّبُ بقدر الله، والمُتسلِّطُ بالجبروت لِيُذِلَّ من أعز الله، ويعز من أذلَّ الله، والتارك لِسُنتي، والمُستَحِلُّ من عِترتي ما حرَّم الله، والمُستحِلُّ لِحُرَمِ الله ".
قال الترمذي (٣): هكذا روى عبد الرحمن بن أبي الموالي، عن عُبيد الله بن عبد الرحمن، عن عمرة، عن عائشة به.
وروى سفيان الثوري وحفص بن غياث وغير واحد عن عبيد الله بن عبد الرحمن، عن علي بن الحسين، عن النبي - ﷺ - مرسلًا (٤).
_________________
(١) = وكتبه صحيحة، ووهَّاه أبو داود والنسائي، والمعتمد فيه ما قاله أبو حاتم، وقال الدارقطني والحاكم: عيب على البخاري إخراج حديثه. قلت: روى عنه البخاري في كتاب الجهاد حديثًا وفي فرض الخمس آخر، كلاهما عن مالك، وأخرج له في الصلح حديثًا آخر مقرونًا بالأويسي وكأنها مما أخذه عنه من كتابه قبل ذهاب بصره.
(٢) الصواب: بن أبي الموالي كما تقدم.
(٣) ٢/ ٥٢٥، وإسناده ضعيف كسابقه.
(٤) عقب الحديث (٢١٥٤) في كتاب القدر الذي رواه عن قتيبة، عن عبد الرحمن بن أبي الموالي.
(٥) في " السنن " زيادة: وهذا أصح. قلت: ونقل ابن أبي حاتم في " العلل " ٢/ ٩١ عن أبي زرعة في هذا الحديث قوله: حديث ابن أبي الموالي خطأ، والصحيح حديث عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، عن علي بن الحسين، عن النبي - ﷺ - مرسل.
[ ٦ / ٣٠٩ ]
قلت: عبد الرحمن بن أبي الموالي ثقة حجة، وهو أحد شيوخ البخاري، خرج عنه البخاري في " الصحيح " حديث الاستخارة في أحاديث القدر، وهو من مشاهير الشيعة أصحاب محمد بن عبد الله بن الحسن.
قال الذهبي في " الميزان " (١): وهو ثقة مشهور.
وقد روى هذا الحديث السيد أبو طالب في " الأمالي " والهيثمي في " مجمعه " (٢)، كما خرجه الترمذي (٣)، والحاكم في كتاب الإيمان من " المستدرك " أيضًا (٤)، وقال بعد روايته: وهذا صحيح، ولا أعلم له عِلة، وقد احتج البخاري بعبد الرحمن بن أبي الموالي.
قلت: خرجه الحاكم عنه، عن عبيد الله بن مَوْهَبٍ، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة، عن عائشة.
وهذه طريقٌ فيها زيادة أبي بكر، عن عمرة وهي خالته، وأما عُبيد الله بن موهب: فهو ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن موهب، وقع منسوبًا إلى جده. والله أعلم.
ومن " مجمع الزوائد " للهيثمي:
الخامس والستون: عن عمرو بن شعيب، قال: كنت عند سعيد بن المسيب، فسمع قومًا يقولون: قدَّر الله كل شيءٍ إلاَّ الأعمال، فوالله ما رأيتُ سعيد بن المسيب غَضِبَ غضبًا شديدًا أشدَّ منه. ثم ساق الحديث.
وفيه: عن رافع بن خديج، عن رسول الله - ﷺ - قال: "يكون قومٌ من أمتي يكفرون بالله وبالقرآن وهم لا يشعرون كما كفرت اليهود والنصارى، يُقِرُّون
_________________
(١) ٢/ ٥٩٢.
(٢) ١/ ١٧٦ و٧/ ٢٠٥.
(٣) رقم (٢١٥٤).
(٤) ١/ ٣٦.
[ ٦ / ٣١٠ ]
ببعض القدر، يكفرون ببعضه، يقولون: الخير من الله والشر من الشيطان، فما تلقى أمتي منهم من البغضاء والجدال أولئك زنادقة هذه الأمة، يمسخ الله عامَّتهم قردة وخنازير، ثم يخرج الدجال على أثر ذلك".
وفيه: " أن عامة من هلك من بني إسرائيل بالتكذيب بالقدر ".
وفيه: فقلت: جُعِلْتُ فداك يا رسول الله، فكيف الإيمان بالقدر؟ قال: " تؤمن بالله وحده، وأنه لا يملك معه ضرًا ولا نفعًا -إلى قوله:- ثم خلق خلقه، فجعل من شاء منهم للجنة، ومن شاء منهم للنار عدلًا ذلك منه، وكل يعمل لما فُرِغَ له منه، وصائرٌ إلى ما فُرِغَ له منه ". رواه الطبراني من طرق أحسنها طريق ابن لهيعة (١).
_________________
(١) خبر باطل موضوع، أخرجه العقيلي في " الضعفاء " ٣/ ٣٥٧ و٣٥٨، والطبراني في " الكبير " (٤٢٧٠)، واللالكائي في " أصول الاعتقاد " (١٠٩٩)، والآجري في " الشريعة " ص ١٩٣ من طريق عطية بن عطية، عن عطاء بن أبي رباح، عن عمرو بن شعيب، به. وهذا إسناد واه، عطية بن عطية قال العقيلي: مجهول بالنقل وفي حديثه اضطراب ولا يتابع عليه، وقال الذهبي في " الميزان " ٣/ ٨٠: لا يعرف، وأتى بخبر موضوع طويل -قلت: وهذا هو، فليس له غير هذا الخبر- وقد ساقه ابن حجر في ترجمته من " لسان الميزان " ٤/ ١٧٥ - ١٧٦. وأخرجه العقيلي ٣/ ٣٥٨ من طريق أحمد بن محمد بن عمر بن يونس اليمامي، عن أبي داود سليمان بن فروخ اليمامي، عن إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، عن عمرو بن شعيب، به. وهذا إسناد واه بمرة، أحمد بن محمد بن عمر اليمامي كذاب، وقال ابن عدي: حدَّث بنسخ وعجائب. " تاريخ بغداد " ٥/ ٦٥، وأبو داود سليمان اليمامي لم أتبينه، وإبراهيم بن إسماعيل ضعيف. وأخرجه العقيلي ٣/ ٣٥٨، والطبراني (٤٢٧١) و(٤٢٧٢)، واللالكائي (١١٠٠)، والآجري ص ١٩٢ و١٩٣ من طريق أبي عبد الرحمن المقرىء، عن ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب، به. قال ابن أبي حاتم في " العلل " ٢/ ٤٣٣: سألت أبي عن حديث رواه عبد الله بن يريد المقرىء -وهو أبو عبد الرحمن- عن ابن لهيعة فساق الخبر من هذا الطريق، =
[ ٦ / ٣١١ ]
والمرادُ بالشر هنا -إن صح الحديث- الأمراض وسائر البلاوي، فإنها من الله، وإن كانت أسبابها من العباد على ما سيأتي بيان النصوص على ذلك في آخر الكلام على أفعال العباد.
ألا تراه يقول في آخره: " وكُلٌّ يعمل " ففرَّق بين العمل والقدر، فأضاف كلًاّ إلى من هو منه، ولو قدرنا فيه شبهة، وجب تقديمُ القواطع عقلًا وسمعًا، كقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أنفُسِكُم﴾ [آل عمران: ١٦٥]، ﴿ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله﴾ [آل عمران: ٧٨]، وقول الكليم ﵇: إنه من عمل الشيطان (١). وما لا يحصى من ذلك كما سيأتي مبسوطًا شافيًا في خاتمة مسألة الأفعال.
السادس والستون: عن الوليد بن عبادة، أن عبادة لما حُضِرَ (٢) قال له ابنه عبد الرحمن: أوصني، قال له: يا بني اتق الله، ولن تتقي الله حتى تؤمن بالله، ولن تؤمن بالله حتى تؤمن بالقدر خيره وشره، وأن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليُصيبك، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: " القدر على هذا، من مات على غيره، دخل النار ".
وفي رواية: لم يطعم طَعْمَ الإيمان، وإنك لم تبلغ حقيقة العلم بالله حتى تؤمن بالقدر.
رواه الترمذي (٣) موقوفًا باختصار، ورواه الطبراني في " الكبير " بأسانيد، وفي
_________________
(١) = فقال: هذا حديث عندي موضوع. وقال العقيلي: لم يأت به عن ابن لهيعة غير المقرىء، ولعل ابن لهيعة أخذه عن بعض هؤلاء عن عمرو بن شعيب.
(٢) أشار بهذا إلى قوله تعالى في سورة القصص آية رقم ١٥ في قصة الفرعوني الذي وكزه موسى فقضى عليه ﴿قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾.
(٣) يقال: حُضِرَ المريض واحتُضِرَ: إذا نزل به الموت.
(٤) رقم (٢١٥٥) وليس فيه قوله " القدر على هذا "، وفي إسناده عبد الواحد بن =
[ ٦ / ٣١٢ ]
" الأوسط " أحدها من طريق عثمان بن أبي العاتكة، وبقيتهم ثقات، وفي بعضهم كلام (١).
والسابع والستون: عن الحارث، قال: رأيتُ ابن مسعودٍ يَبُلُّ أصبعه في فيه، ثم يقول: والله لا يجد طعم الإيمان حتى يؤمن بالقدر، ويعلم أنه ميت ثم مبعوثٌ بعد الموت. رواه الطبراني (٢).
والثامن والستون: عن أبي الحجاج الأزدي، قال: سمعتُ سلمان بأصبهان يقول: لا يؤمن عبدٌ حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليُخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. رواه الطبراني (٣).
_________________
(١) = سليم وقد ضعفه الجمهور، وقال الإمام أحمد: حديثه منكر، أحاديثه موضوعة. ومثل حديث الترمذي أخرجه أبو داود الطيالسي (٥٧٧)، واللالكلائي في " أصول الاعتقاد " (٣٥٧) و(١٠٩٧)، وفيه كذلك عبد الواحد بن سليم.
(٢) " مجمع الزوائد " ٧/ ١٩٨، وقد حذف المؤلف من كلامه قوله في عثمان بن أبي العاتكة: وهو ضعيف. وانظر " المسند " ٥/ ٣١٧، والشريعة " للآجري ص ٨٣ و١٧٧ - ١٧٨ و١٨٦، وسنن أبي داود (٤٧٠٠) واللالكائي (١٢٣٣).
(٣) رقم (٨٧٨٨) و(٨٧٨٩)، وهو في " مصنف عبد الرزاق (٢٠٠٨١) من طريق الحارث -وهو ابن عبد الله الهمداني الأعور صاحب علي- أيضًا. قال الهيثمي في " المجمع " ٧/ ١٩٩: والحارث ضعيف، وقد وثقه ابن معين وغيره، وبقية رجاله رجال الصحيح.
(٤) رقم (٦٠٦٠)، وأخرجه كذلك الطحاوي في " شرح مشكل الآثار " ١/ ٢٤١ بتحقيقنا، وأبو نعيم في " أخبار أصبهان " ١/ ١٥٥ و٢/ ٣٦٥ من طريق أبي إسحاق، عن أبي الحجاج الأزدي، به. قال الهيثمي في " المجمع " ٧/ ١٩٩ بعد أن نسبه إلى الطبراني: أبو الحجاج لم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح. قلت: أبو الحجاج أورده ابن سعد في " الطبقات " ٦/ ٢١٦ في تابعي الكوفيين، ولقي سلمان بأصبهان فيما ذكره أبو الشيخ في " طبقات المحدثين " ١/ ٢٢٨ و٢٢٩، وقال أبو نعيم: كوفي قدم أصبهان، قلت: وذكر ابن حبان في " ثقات التابعين " ٥/ ٥٨٠ أبا الحجاج غير منسوب وقال: يروي عن أبي موسى الأشعري، روى عنه قتادة، فلعله هو هذا.
[ ٦ / ٣١٣ ]
والتاسع والستون: عن عمرو بن العاص مرفوعًا: " لن يؤمن أحدٌ حتَّى يؤمن بالقدر خيره وشره ". رواه الطبراني وأبو يعلى ورجاله ثقات (١).
والسبعون: عن الشعبي، عن عدي بن حاتم أنه سأل النبي - ﷺ - عن الإسلام؟ فقال: " تشهد أن لا إله إلاَّ الله وأني رسول الله، وتؤمن بالأقدار خيرها وشرها، حلوها ومرها ". رواه الطبراني من طريق عبد الأعلى بن أبي المساور (٢).
والحادي والسبعون: عن أنس بن مالك (٣) قال: قال رسول الله - ﷺ -: " ثلاثٌ من أصل الإيمان: الكفُّ عمن قال: لا إله إلاَّ الله، لا نُكفِّرُه بذنبٍ ولا نخرجه من الإسلام بعملٍ، والجهاد ماضٍ منذ بعثني الله إلى أن تقاتل آخرُ أمتي الدجال، لا يُبطِلُه جَوْرُ جائِرٍ، [ولا عدل عادلٍ] والإيمان بالأقدار ". رواه أبو داود (٤)، وحكاه أحمد بن حنبل في رواية ابنه عبد الله.
الحديث الثاني والسبعون: عن أبي الأسود الدؤلي أنه سأل عمران بن
_________________
(١) هو في " مسند أبي يعلى ورقة ٣٤٣ من طريق هشام بن سعد، عن عمرو بن شعيب، عن أليه، عن عمرو بن العاص. وهذا سند فيه انقطاع بين شعيب -وهو ابن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص- وبين عمرو بن العاص. وأخرجه الطبراني في " الأوسط " (١٩٧٦) من طريق عبد الله بن جعفر المدني، عن منصور بن زياد مولى عثمان بن عفان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. وعبد الله بن جعفر المدني متروك الحديث، ومنصور بن زياد لم أعرفه.
(٢) الطبراني في " الكبير " ١٧/ (١٨٢). وقال الهيثمي في " المجمع " ٧/ ١٩٩ بعد أن نسبه إليه: وفيه عبد الأعلى بن أبي المساور، وهو متروك. وأخرجه كذلك ابن ماجه (٨٧) من طريق عبد الأعلى بن أبي المساور. قلت: وقد روي بلفظ آخر من طريق عبد الأعلى أيضًا، انظر ص ٤٥٢ من هذا الجزء.
(٣) في الأصول: عن أبي هريرة، وهو سبق قلم من المؤلف رحمه الله تعالى.
(٤) (٢٥٣٢)، ومن طريقه أخرجه البيهقي ٩/ ١٥٦ من طريق جعفر بن برقان، عن يزيد بن أبي نبيشة، عن أنس. وهذا إسناد ضعيف لجهالة يزيد بن أبي نبيشة.
[ ٦ / ٣١٤ ]
قول المؤلف: وقد انتهى ما تيسر لي تعليقه من أحاديث القدر من غير استقصاء
حُصين، وابن مسعود، وأُبيَّ بن كعبٍ، عن القدر، فقالوا: لو أن الله ﷿ عذَّب أهل السماء والأرض، عذَّبهم وهو غيرُ ظالم، ولو أدخلهم في رحمته، لكانت رحمته أوسع من ذنوبهم، ولكنه كلما قضى يعذب من يشاء، ويرحم من يشاء، فمن عذَّبه، فهو الحق، ومن رحمه، فهو الحق، ولو كان لك مثلُ أحد ذهبًا تُنفِقُهُ في سبيل الله ما قُبِلَ منك حتى تؤمن بالقدر خيره وشره. رواه الطبراني (١) بإسنادين، ورجال هذه الطريق ثقات.
وقد انتهى ما تيسَّر لي تعليقه من أحاديث القدر من غير استقصاء، فلقد وقفتُ بعد الفراغ منها على كلام ابن عبد البر في أحاديث القدر في " التمهيد " (٢) فذكر فيها حديثًا مرفوعًا من حديث أبي هريرة (٣) ﵁ لم أكتبه فيما جمعته، وذكر أنه أصح حديث في الباب، فعَجِبْتُ من تتبع أحاديث هذا الباب فاتني أصحُّها وأشهرها بعد هذا الجمع الكثير، وهو الحديث الذي أوله: لا تسأل المرأة طلاق أُختها، فإنه ليس لها إلاَّ ما قُدِّر لها ".
ورواه (٤) في القدر من حديث أبي هريرة، وأبو داود في الطلاق، والنسائي في عشرة النساء كلهم عنه.
_________________
(١) في " الكبير " ١٨/ (٥٥٦)، وإسناده حسن، وقال الهيثمي ٧/ ١٩٨ - ١٩٩: رجاله ثقات. وهو بنحوه عنده أيضًا (١٠٥٦٤)، وفيه عمر بن عبد الله مولى غُفْرة وهو ضعيف.
(٢) ١٨/ ١٦٥، ولفظه: قال أبو عمر: وهذا الحديث من أحسن أحاديث القدر عند أهل العلم والسنة، وفيه أن المرء لا يناله إلاَّ ما قُدِّر له. وقد تقدم تخريج حديث أبي هريرة هذا في الصفحة ٤٤٤ من هذا الجزء.
(٣) في الأصل: من حديث عائشة، وهو سبق قلم من المؤلف ﵀.
(٤) أي الإمام مالك، وهو في " موطئه " ٢/ ٩٠٠ في كتاب القدر: باب جامع ما جاء في أهل القدر، وكذلك رواه البخاري في " صحيحه " (٦٦٠١) في القدر: باب وكان أمر الله قدرًا مقدورًا.
[ ٦ / ٣١٥ ]
وقد تجنَّبتُ سياقة كثيرٍ من المتون بألفاظها، وذكر الأسانيد، وتقصِّي الكلام على الرجال والعلل لوجهين:
أحدهما: خوف الإملال.
وثانيهما: الاستغناء بالتواتر، فإن الكلام على الأسانيد تصحيحًا وتضعيفًا وتعليلًا لا يحتاج إليه مع التواتر ولذلك جمعت فيما نقلت أحاديث الثقات والمجاريح كما هو عادة الحفَّاظ إذا نقلوا المتواترات، وإنما نبهت على الثقة من غيره بذكر من في كل سند ممن فيه كلام أو خلاف أو جهالة أو جرح مبهم أو مبين أو غير ذلك، وإن كان لا يُحتاج إلى ذلك في المتواترات اقتداءً بأئمة السنة في الإنصاف، وترك العصبية، والمبالغة في تعليم التحري في حديث رسول الله - ﷺ -، وتنبيهًا على هذه الفضيلة التي اختصَّ بها أئمة السنة، وهي بيان ضعف الضعيف وإن وافق ما هو الصحيح عندهم، وهذه الأحاديث تدل على أحكام:
الحكم الأول: أن القدر حقٌّ في نفسه، ودلالتها على هذا القدر ضرورية مع ما تقدمها من الآيات القرآنية والبراهين العقلية.
وقد تقدم في الفائدة الثانية أن القول بالقدر لا يوجب نفي الاختيار في أفعالنا، كما لا يوجب ذلك في أفعال الله تعالى.
الحكم الثاني: أن الإيمان بالقدر واجب، ولا شك أن الوجوب مَدْرَكٌ سمعي، وأن الحديث الواحد الصحيح، أو الحسن ينتهض دليلًا على الوجوب، فكيف بما تقدم؟ فإنه يفيد العلم بوجوبه، فقد مر في القسم الثاني سبعون حديثًا كلها تدل على وجوب الإيمان به مع ما انضم إليها من إجماع السلف الصالح على تلقيها بالقبول، وتقدم الإنكارُ على أحدٍ من رواتها ثقاتهم وضعفائهم، ومثل هذا لو حصل في خبرٍ واحد لوجب أن يكون حجةً بالإجماع، وإنما اختلفوا
[ ٦ / ٣١٦ ]
هل يخرج بذلك عن كونه مظنونًا أولا؟ مع اتفاقهم على وجوب العمل به وصحة الاحتجاج به.
الحكم الثالث: ما أفادته من ذمِّ القدرية، ولا شك أن ما وجب الإيمانُ به، فتاركه مذمومٌ، وقد انعقد الإجماع على أن القدرية فرقة مذمومةٌ، وأما تكفيرهم، فقد مر في كلام القاضي أبي بكر بن العربي المالكي، أنهم عشرون فرقة: فرقتان منهم لا يُعَدَّانِ في فِرَق الإسلام.
قلت: والضابط في التكفير أن من ردَّ ما يُعلَمُ ضرورةً من الدين، فهو كافر، وفي هذا بعض إجمال.
والتحقيق أن من علمنا ضرورة أنه رد ما يعلم من ضرورة الدين، وعلمنا بالضرورة أنه يعلمه هو ضرورةً مثل ما نعلمه ضرورةً، فلا شكَّ في كفره.
وأما من جوَّزنا أن يجهل من الدين ما نعلمه نحن ضرورة، فهذا موضع يكثر فيه الاختلاف، والأولى عدم التكفير لعدم الدليل عليه.
وقد مر تحقيقُ ذلك في آخر مسألة الصفات.
والقدر الذي يدل على كفر القدرية كلهم من النصوص غير متواتر كما يعرف ذلك ممن ميز ما يدل على الكفر من سواه، وإنما المتواتر والمجمع عليه ذمهم.
أمَّا حديث " القدرية مجوس هذه الأمة " فقد ذكر الحافظ زين الدين أبو حفص عمر بن بدرٍ الموصلي في كتابه " المغني عن الحفظ من الكتاب بقولهم: لم يصح شيء في هذا الباب " (١): إن ما جاء في المرجئة، والجهمية،
_________________
(١) ص ٢٩، وقد حاول المعلق عليه أن يقوي ما ورد في هذا الباب بكثرة الشواهد مقلدًا بذلك بعض من ينتحل صناعة الحديث في عصرنا ممن ليس له خبرة بنقد المتون، وعامةُ الشواهد التي ساقها من طرقٍ شديدة الضعف، تنطوي على متون ظاهرة النكارة، واضحة =
[ ٦ / ٣١٧ ]
والقدرية، والأشعرية لا يصح في هذا الباب شيء. نقل ذلك ابن النحوي في تلخيصه لهذا الكتاب المذكور وكذلك الموصلي المذكور مختصرًا من كتاب ابنِ الجوزي (١)، فقد تطابق هؤلاء الأئمة الثلاثة على نقل هذا عن المحدثين.
واعلم أنهم يُطلقون مثل هذه العبارة على ما يقوى بكثرة طرقه وشواهده، وربما صح كما ذلك مقرر في علوم الحديث، ولكن هذا مقام صعب، وما زال أهل التحري من علماء الإسلام يتورَّعون في مقام التكفير، فإن إخراج رجلٍ مسلم من مِلَّةِ الإسلام عظيم، وقد صحَّت الأحاديث في تعظيم ذلك، وفي الحديث الصحيح " إذا قال الرجل لأخيه يا كافر، فقد باء بها أحدهما " (٢).
الحكم الرابع: اختلف الناس في القدرية، وهي لفظةٌ ليست لغوية، فيرجع فيها إلى أئمة اللغة، ولذلك أعرض الجوهري عن تفسيرها، وكذلك نشوان بن سعيد في " شمس العلوم "، وولده محمد في " ضياء الحلوم "، وأما مجد الدين، فقال في " القاموس " (٣): القدرية: جاحدوا القدر، وقال في تفسيره: القدر محرك هو القضاء، والحكم، ومبلغ الشيء، والجمع أقدار. ولم يوجد في أشعار العرب وديوانها، ولم يتحقق صحة الحديث الوارد في تفسيرها، فالمتحقق الآن أنها مُولَّدة اصطلاحية، ولم يبق إلاَّ النزاع في من تُطلق عليه.
وقد قدمنا ثبوت الأحاديث (٤) وبالإجماع على أنها تطلق على فرقةٍ مذمومةٍ،
_________________
(١) = التوليد، وقد قال أئمة هذا الفن: ليس كل ما صح سنده صح متنه، وقال العلامة الخطيب البغدادي في " الكفاية " ص ٤٣٢: ولا يُقبل خبر الواحد في منافاة حكم العقل، وحكم القرآن الثابث المحكم، والسنة المعلومة، والفعل الجاري مجرى السنة، وكل دليل مقطوع به.
(٢) انظر " الموضوعات " ١/ ٢٧٢ - ٢٧٨، و" العلل المتناهية " ١/ ١٤٧ - ١٦٣.
(٣) تقدم تخريجه في الجزء الأول من هذا الكتاب ص ٤٣٨ - ٤٣٩.
(٤) ص ٥٩١ " قدر ". طبع مؤسسة الرسالة.
(٥) الأحاديث التي فيها ذم القدرية والمرجئة والجهمية، ليس شيء منها بثابت كما تقدم بيانه.
[ ٦ / ٣١٨ ]
وهذا يدل على أنهم نُفاة القدر عن الله تعالى، وسيأتي قول القاضي عياض عن النواوي أنهم نفاة علم الغيب، لأن الأدلة: عقلًا ونقلًا، قرآنًا وسنة دلَّت على ثبوت القدر، ودلت النصوص الصحاح على وجوب الإيمان به، فامتنع أن يكون الإجماع قد انعقد على ذمِّ من آمن بما يجب الإيمان به، وأثبت ما دلت الأدلة على ثبوته، وليس في هذا من الإشكال إلاَّ أمران:
أحدهما: أن يتوهم أن القدر هو الجبر ونفي الاختيار وهذا باطل قطعًا باتفاق المعتزلة، وأهل السنة، والأشعرية بل بالأدلة القاطعة الواضحة لمن قال به من المعقول والمنقول من القرآن أو السنة وتواترًا ضروريًا كما مرَّ بعض ذلك، ويأتي تمامه إن شاء الله تعالى.
وثانيهما: أن يقال: كيف يصح ذلك باشتقاقِ النسب وأسماء الفاعلين أنها تكونُ من الإثبات ومن النفي كالموحد والمشبه ونحو ذلك.
والجواب من وجوه:
الوجه الأول: أن هذا بحثٌ لغوي، والمرجع فيه إلى أئمة العربية، ولم ينُصُّوا على أن النسبة لا تصح إلى النفي لو قدرنا ما لم يعلم من نصِّ بعضهم على ذلك فلا تقوم حجةٌ إلاَّ بإجماعهم، أو نص من يُوثَقُ به منهم من غير معارضة ممن هو مثله أو أرجح منه، وكِلا الأمرين غير واقع، وإنما المشهور بينهم في شرط النسبة وقوع الملابسة بين المنسوب والمنسوب إليه كما هو شرط الإضافة.
قال الزمخشري في تفسير قوله تعالى: ﴿فَأَنساهُ الشَّيطَانُ ذِكرَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٤٢]: إن الإضافة تكون بأدنى ملابسة (١). انتهى.
_________________
(١) " تفسير الزمخشري " ٢/ ٢٥٨.
[ ٦ / ٣١٩ ]
وذكر الطبراني أن حبيب الروم الصحابي ﵁ أنه إنما سُمِّيَ حبيب الروم لكثرة غزوه لهم وحبِّه (١) لجهادهم (٢). ذكره الهيثمي في المناقب في كتاب " مجمع الزوائد " (٣).
وقد أجمعوا على أن في باب النسبة ما هو وارد على خلاف القياس، فالرازي نسبة إلى الري ولا زاي فيه، والصنعاني نسبة إلى صنعاء ولا نون فيه، والمروزي نسبة إلى مرو ولا زاي فيه، بل السِّجزي بكسر المهملة وسكون الجيم والزاي نسبة إلى سجستان، والقَرَوي نسبة إلى قيروان، والبساسيري نسبة إلى بَسا بزيادة سِيري، ويُنسب إليها فسوي أيضًا، ذكره ابن خلكان (٤). وقيل في وجهه: إن العَجَمَ تُبْدِلُ الفاء من الباء كقولهم: أصفهان وأصبهان، ولذا ذكر أن البندهي نسبة إلى بنج ديه، ويقال فيه أيضًا: الفنجديهي بالفاء، والبوصيري إلى بوصير قوريدس، ويقال فيه أيضًا: كوصير كوريدس بنقصان ستة أحرف، وهي أربعة مواضع كلها في صعيد مصر، والحصني والحَصْكفي، كلاهما نسبة إلى حِصن كيفا (٥) وأمثال ذلك كثيرة.
_________________
(١) " وحبه " سقطت من (أ) و(ف).
(٢) " المعجم الكبير " للطبراني ٤/ ٢١. ويقال له أيضًا: حبيب الدروب، واسمه: حبيب بن مسلمة بن مالك القرشي الفهري، ويكنى أبا عبد الرحمن، توفي سنة ٤٢ هـ، ولم يبلغ خمسين سنة.
(٣) ١٠/ ٣.
(٤) قال ابن خلكان في " وفيات الأعيان " ١/ ١٩٢: البساسيري -بفتح الباء الموحدة والسين المهملة وبعد الألف سين مهملة مكسورة، ثم ياء ساكنة مثناة من تحتها وبعدها راء- هذه النسبة إلى بلدةٍ بفارس يقال لها: بَسا، وبالعربية فسا، والنسبة إليها بالعربي: فَسَويٌّ، وأهل فارس يقولون في النسبة إليها: البساسيري، وهي نسبة شاذة على خلاف الأصل.
(٥) حصن كيفا: بلدة وقلعة عظيمة تقع على ضفة الفرات الجنوبية بين آمد وجزيرة ابن عمر شمال الشام، وهي اليوم تابعة لولاية ماردين من المدن التركية.
[ ٦ / ٣٢٠ ]
الوجه الثاني: المنازعةُ في كون هذه اللفظة مخالفةً لقياس النسبة، وذلك أن أئمة العربية على أن النسبة إذا كانت إلى كلمتين على جهة الإضافة، وكان المضاف إليه متناولًا لمسمى بحياله باقيًا على دلالته حُذِفَ المضاف، ونسب إلى المضاف إليه مثل الإضافة إلى ذي يَزَن، وذي جَدَن، وذي رُعَيْنٍ، وعبد مناف، وأبي بكرٍ، وابن عباس، وابن القاسم، وقوم لوط.
ممن ذكر ذلك الزمخشري في " المفصل " (١)، وذكر نحو ذلك الجوهري في " صحاحه " في مادة: شَمَسَ (٢) الأولى معجمة.
فعلى هذا إذا (٣) أردنا النسبة إلى نفي القدر حذفنا " نفي " لخفاء النسبة إليه، وجعلناها إلى " القدر " لشهرته كما ذكروه في الأزلي نسبة إلى نفي الزوال بلم يزل كما سيأتي، ولا مانع من هذا إلاَّ كونه يُوهِمُ الخطأ، والقرينة تمنع ذلك كما تمنعه في سائر النسب المخالفة للقياس، وهي ذم القدرية ووجوب إثبات القدر.
ولو امتنع مثل هذا، لامتنع ورود المجاز، لأنهما كلاهما لا يُفهمان إلا بالقرينة، فما خصَّ باب النسبة بالامتناع من ذلك؟ وهو الباب الذي شهد أئمة النقل بأن فيه ما هو وارد على خلاف القياس.
الوجه الثالث: أن الأحاديث المتقدمة في تفسير القدرية لمن قال: لا قدر، وإن لم يصح عن رسول الله - ﷺ -، فقد اشتهرت بين أهل اللسان وأهل المعرفة به من الصحابة والتابعين وتابعيهم وأئمة العلم، ولم يُنْقَلْ إن أحدًا منهم قدح فيها بأنها لا تصح في اللغة. وقد تقدم قول وهب بن مُنبِّه في ذلك.
وحكى السيد المرتضى في " الغرر " (٤) أن أبا القاسم البلخي حكى عن
_________________
(١) ص ٢١٠ - ٢١١.
(٢) ٣/ ٩٤٠ - ٩٤١.
(٣) في (ش): متى.
(٤) ١/ ١٦٩، وهو بتمامه: وحكى أبو القاسم البلخي أن عبد الله قال لابنه محمد: كل =
[ ٦ / ٣٢١ ]
عبد الله بن الحسن بن الحسن أنه قال لولده محمد: إني لا أعِيبُ عليك شيئًا إلا قولك بالقدر، فقال: هل تلومني على ما لا أقدر عليه أو على ما أقدر عليه؟ فقال: والله ما أعاتبك (١) عليه أبدًا.
ففي هذا معا أنهما فَهِمَا من القدر نفيه، ولم يختلفا في ذلك، وأمثال ذلك كثيرة.
وتقدم مثل ذلك في الكلام على المشيئة عن أحمد بن عيسى بن زيد وغيره من قدماء أئمة أهل البيت ﵈، وعن المعرِّي وأبي نُواس مثل ذلك في شعرهما، وهما من أهل اللغة والبلاغة.
ففي شعر المعري:
لا تكن مُجبرًا ولا قَدَرِيًا واتَّخِذْ مَذْهَبًا يكن بَينَ بَينا (٢)
وفي شعر أبي نُواس:
ما صحَّ لا قَدَرٌ ولا جَبْرُ ما صَحَّ إلاَّ الموتُ والقَبْرُ (٣)
_________________
(١) = خصالك محمودة يا بني إلاَّ قولك بالقدر، قال: يا أبَهْ، أفَشَيءٌ أقدِرُ على تركه أو لا أقدر على تركه؟ فورد الكلام على رجل عاقل، فقال: لا عاتبتك عليه أبدًا. قال أبو القاسم: يقول: إن كنت أقدر على تركه فهو قولي، وإن كنت لا أقدر، فلِمَ تعاتبني على شيء لا أقدر عليه.
(٢) في (ف): لا أعيبك.
(٣) هو في " اللزوميات " ٢/ ٥٣٥ وروايته فيها: لا تعش مجبرًا ولا قدريًا واجتهد في توسُّط بين بينا
(٤) إن صح عنه هذا فقد قاله في سكره ومجونه وهذيانه، فقد ذكر الخطيب في " تاريخه " ٧/ ٤٤١ بإسناده عن الحسن بن أبي المنذر قال: كان أبو نواس يشرب عند ابن أبي المنذر، فبات ليلة، ثم قال: قوموا، فقمنا ودخلنا حانة خمار قد كان يعرفه، ومعه غلام قد كان أفسده على أبويه وغيبه عنهما زمانًا، ونحن في أطيب موضع، فذكرنا الجنة وطيبها، والمعاصي وما =
[ ٦ / ٣٢٢ ]
فجعلا القدر مقابلًا للجبر وضده، وذلك في كلام السلف كثير إذا تُتُبِّعَ، واللغة تَثْبُتُ بأقلَّ من ذلك.
وأما الجوابُ عما أورده المرتضى في حكايته، فهو ما تقدم في الفائدة الثانية من أن إثبات القدر لا يستلزم نفي القدرة، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩] وقد مرَّ تقريره في ردِّ شبه المعتزلة في آخر مسألة الإرادة.
ومن أخصر ما يعارضون به أنهم يَصِفون الرب سبحانه بالقدرة على الكذب وجميع القبائح، ويمنعون من تجويز وقوع ذلك منه، ويوجبون استحقاقه المدح على تركها، فدل على صحة القدرة على الممتنع وصحة الثناء والذم عليها.
وإنما معنى القدر القطع بوقوع أحد المقدورين بدليل أنه جارٍ في أفعاله تعالى لقوله: ﴿كانَ على رَبِّكَ حَتْمًا مَقضيًا﴾ [مريم: ٧١]، بل شرط القدر أن يكون في المقدورات دون المحالات، فلا يقال: إن الله قد قدر على الجماد المعدوم ترك المعاصي.
_________________
(١) = يحول عنه منهما، وهو ساكت، فقال: يا ناظرًا في الدين ما الأمر لا قَدَرٌ صحَّ ولا جَبرُ ما صحَّ عندي من جميع الذي تذكره إلاَّ الموت والقبرُ فامتعضنا من قوله، وأطلنا توبيخه، وأعلمناه أنا نتخوف صحبته، فقال: ويلكم والله إني لأعلم بما تقولون، ولكن المجون يفرط علي، وأرجو أن أتوب ويرحمني الله، ثم قال: أية نارٍ قَدَحَ القادحُ وأيَّ جِدٍّ بَلَغ المازحُ لله درُّ الشيب من واعظٍ وناصحٍ لو حَذِرَ الناصحُ يأبى الفتى إلاَّ اتباع الهوى ومنهجُ الحق له واضحُ فاعمد بعينيك إلى نسوةٍ مهورُهن العملُ الصالح لا يجتلي العذراء من خِدرها إلاَّ امرؤٌ ميزانُه راجحُ مَنِ اتَّقى الله فذاك الذي سِيقَ إليه المتجر الرابحُ فاغد فما في الدين أغلوطة ورح بما أنت له رائحُ
[ ٦ / ٣٢٣ ]
الوجه الرابع: أنها قد جاءت ألفاظٌ صحيحة شهيرةٌ على خلاف هذه القاعدة التي في اشتراط الإثبات في المشتقات، وقد حضرني منها اثنتان وعشرون لفظةً منها: التَّحنُّث والتحنُّف والتحرُّج والتَّأثُّم والتَّحوُّب والتهجد والتنجُّس، وهو فعل ما يُخرِجُ عن الحِنث، والحَنَف والحرج والإثم والحَوْب والهُجُود. ذكر ذلك كله الثعالبي في " فقه اللغة " (١) وغيره من أئمة اللغة.
وفي " الصحيحين " من حديث عائشة " وحُبِّب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء، فيتحنَّث فيه الليالي ذوات العدد " (٢).
قال الجوهرى في " الصحاح " (٣): تحنَّث: تعبَّد واعتزل الأصنام، مثل تحنَّف، وفلان يتحنَّث من كذا: أي يتأثم منه.
قال (٤): والحنيف: المسلم، والحَنَف: الاعوجاج، وقد يُسمى المستقيم بذلك كما سُمِّي (٥) الغراب أعور، وأنشد الجوهري قول جِرَان العَوْد (٦):
ولما رأينَ الصُّبْحَ بادَرْنَ ضوءَهُ رَسِيمَ قَطَا البَطْحاء أو هُنَّ أقطَفُ
وأَدرَكْنَ أعجازًا من الليل بعدما أقام الصلاةَ العابِدُ المُتَحنِّفُ
وقوله: سُمِّي (٥) الغراب أعور، إشارة إلى ما ثبت أنهم يقولون له ذلك لحدة
_________________
(١) انظر ص ٣٣١ منه وفيه: فلان يتنجس: إذا فعل فعلًا يخرجه من النجاسة.
(٢) البخاري (٣)، ومسلم (١٦٠). وانظر تمام تخريجه في " صحيح ابن حبان " (٣٣).
(٣) ١/ ٢٨٠ (حنث).
(٤) ٤/ ١٣٤٧ (حنف).
(٥) في (ف): يسمى.
(٦) قال صاحب " خزانة الأدب " ١٠/ ١٨: وجران العود لقب شاعر من بني ضِنَّة بن نمير بن عامر بن صعصعة. والجِران -بكسر الجيم- والعَود -بفتح العين المهملة وسكون الواو وآخره دال مهملة-: هو المسنُّ من الإبل. =
[ ٦ / ٣٢٤ ]
بصره على الشؤم. نص عليه الجوهري (١).
ومن ذلك القَذُور من النساء التي تتجنَّب الأقذار، وقال أبو عبيدة: ناقة قَذُورٌ تبرُكُ ناحيةً من الإبل وتستبعِدُ. قال الكِلابي: رجُلٌ قُذَرةٌ مثل هُمَزَةٌ: يتنزه عن المَلائِم، ورجل قاذورة، وذو قاذورة: لا يخالط الناس لسوء خلقه ولا يُنازِلُهم (٢).
_________________
(١) = وكتب ياقوت بن عبد الله الحموي في " حاشية مختصر جمهرة ابن الكلبي ": ومن بني ضِنَّة بن نمير: جران العَوْد الشاعر، واسمه عامر بن الحارث بن كُلْفة، وقيل: كَلَدة، وإنما سُمِّي جران العود لقوله يخاطب امرأتيه: عَمَدتُ لعودٍ فالتحيتُ جرانه ولَلْكَيْسُ أمضى في الأمور وأنجحُ خُذا حذرًا يا ضرَّتيَّ فإنني رأيتُ جِران العَودِ قد كان يصلحُ والجِران: باطن العنق الذي يضعه البعير على الأرض إذا مدَّ عنقه لينام، وكان يُعمل منه الأسواط، فهو يهدِّدهما. انتهى. وكتب أيضًا في الهامش الداخل: ومن بني ضِنَّة بن نمير جران العَوْد، صاحب الضَّرَّتين اللتين ضربتاه، وخنقتاه، فعمد إلى جَمَلٍ فنحره وسلخ جرانه، وهو جلد ما بين اللبة إلى اللحيين، ثم مرَنه وجعل منه سوطًا وهو يقول: عَمَدتُ لعود فالتحيتُ جرانه البيتين. فسمِّي جران العود، وذهب اسمه فلا يُعرف. قلت: وله ترجمة في " الشعر والشعراء " ٢/ ٧١٨ - ٧٢٢، وذكر له مما يتمثل من شعر قوله: فلا تأمنوا مكر النساء وأمسكوا عُرى المال عن أبنائهن الأصاغر فإنك لم يُنذِرْك أمرًا تخافه إذا كنتَ منه جاهلًا مثلُ خابر والبيتان من قصيدة في " الديوان " ١٣/ ٢٤. والرسيم: من سير الإبل، وأقطف، أي: أبطأ.
(٢) " الصحاح " ٢/ ٧٦١، ونص كلامه: ويقال للغراب: أعور، سمي بذلك لحدة بصره، على التشاؤم.
(٣) تحرفت في الأصول الثلاثة إلى: ولا لهم.
[ ٦ / ٣٢٥ ]
قال مُتمم بن نويرة يرثي أخاه:
فإنْ تَلقَه في الشرب لا تَلْقَ فاحِشًا على الكَأْسِ ذا قاذُورةٍ متربِّعا (١)
ذكر ذلك كله الجوهري (٢)
وقال النعمان بن بشيرٍ الأنصاري:
ولكنَّها نَفْسٌ عليَّ كَريمةٌ عَيوفٌ لأصهارِ اللِّئامِ قَذورُ
رواه الطبراني من طريق أبان بن بشير بن النعمان في مكاتبة جرت بين (٣) النعمان ومروان (٤).
ومن ذلك الرَّيِّض، قال الجوهري (٥): هي الناقة أول ما رِيضَتْ، وهي صعبةٌ بَعْدُ.
وقال الثعالبي (٦): هي الدابة لم تُرَضْ.
ومن ذلك تشميت العاطس بالمعجمة، فإنه إنما يسمى بذلك، لأنه يُزيل الشماتة بالعاطس، وينفيها عنه.
_________________
(١) البيت في " المفضليات " ١/ ٢٦٥ - ٢٧٠ من قصيدة طويلة مطلعها: لعَمْري وما دهري بتأبين هالكٍ ولا جَزَع ممَّا أصاب فأوجعا والشرب: هم القوم يشربون، والمتزبِّع: هو المعربد، سيء الخلق.
(٢) انظر " الصحاح " ٢/ ٧٨٨.
(٣) في الأصول: في مكاتبة حرب بن النعمان، وهو تحريف.
(٤) قال الهيثمي في " المجمع " ١٠/ ٣٥: وفيه أبان بن بشير بن النعمان ولم أعرفه، رجاله ثقات.
(٥) في " الصحاح " ٣/ ١٠٨١ " روض ".
(٦) في " فقه اللغة " ص ٣٣٢.
[ ٦ / ٣٢٦ ]
ومن ذلك ما خرَّجه مسلم في " الصحيح " والنسائي وابن ماجه من حديث خبَّاب بن الأرت شكونا إلى رسول الله - ﷺ - حرَّ الرَّمْضاء فلم يُشْكِنا (١).
زاد البيهقي (٢): في وجوهنا وأكُفِّنا.
ذكر الزمخشري في " الفائق " (٣) أنه يحتمِلُ أن المراد أنه رخَّص لهم ولم يُزِلْ لهم الشكاية بالنهي.
قلت: ويعضُدُه صحة الأمر بالإبراد بالصلاة عن أول وقتها في الحرِّ، كما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة (٤).
وحديث ابن عباس (٥): أُمِرَ - ﷺ - أن يَسجُدَ على سبعة أعظُمٍ لا يكفُّ شعرًا ولا ثوبًا. خرجاه (٦).
ولمسلم (٧): " أُمرتُ أن أسجُدَ " فذكره.
_________________
(١) مسلم (٦١٩)، والنسائي ١/ ٢٤٧، وابن ماجه (٦٧٥)، وصححه ابن حبان (١٤٨٠) وانظر تمام تخريجه فيه. تنبيه: لقد فاتنا في " صحيح ابن حبان " أن نعزو الحديث إلى ابن ماجه من طريق أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن خباب، فيستدرك من هنا.
(٢) في " سننه " ٢/ ١٠٥.
(٣) ٢/ ٨٦ ونص كلامه فيه: " فلم يشكنا " يحتمل أن يكون من الإشكاء الذي هو إزالة الشِّكاية، فيُحمل على أنهم أرادوا أن يرخِّص لهم في الصلاة في الرحال، فلم يجبهم إلى ذلك، ويحتمل أن يكون من الإشكاء الذي هو الحمل على الشكاية، فيُحمل على أنهم سألوه الإبراد بها، فأجابهم ولم يتركهم دون شكاية.
(٤) البخاري (٥٣٦)، ومسلم (٦١٥)، وأخرجه ابن حبان (١٥٠٦) وانظر تمام تخريجه فيه.
(٥) في الأصول: وحديث أبي هريرة، وهو سبق قلم من المؤلف، فالحديث حديث ابن عباس لا حديث أبي هريرة.
(٦) البخاري (٨٠٩)، ومسلم (٤٩٠) (٢٢٧).
(٧) (٤٩٠)، وهي للبخاري أيضًا (٨١٢)، والحديث في " صحيح ابن حبان " (١٩٢٣) =
[ ٦ / ٣٢٧ ]
وقال ابن الأثير في " النهاية " (١): إنه لم يُجبهم إلى ذلك ولم يُزِلْ شكواهم، يقال: أشكيت الرجل: إذا أزلت شكواه، وإذا حملته على الشكوى.
والمقصود من إيراد هذا الحديث بيان نقل ابن الأثير عن أهل اللغة، وعمل كثير من الفقهاء بمقتضى ما نقله.
ومن ذلك: " المُقسِط "، قال ابن الأثير في " النهاية " (٢): في أسماء الله المُقسِطُ وهو العادل، يقال: أقسط يُقسِطُ، فهو مُقسِطٌ، وقَسَطَ يقسط، فهو قاسِط: إذا جار، فكأنَّ الهمزة في " أقسط " للسَّلْبِ، كما يقال في أشكى.
ومن ذلك التجزيع: بمعنى نفي الجزع، وذلك في قول ابن عباس لعمر عند موته يُجَزِّعُه، أي: يُزيل جزعَهُ (٣).
ومن ذلك التفزيع: إزالة الفزع، ذكره ابن الأثير في " جامع الأصول " (٤) في تفسير قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ [سبأ: ٢٣].
ومن ذلك المحكِّمة، قال الجوهري (٥): الخوارج يُسَمَّوْنَ المُحَكِّمة لإنكارهم أمر الحَكَمين وقولهم (٦): لا حُكْمَ إلاَّ لله.
ومن ذلك: الأزلي نسبة إلى لم يزل، ثم حذف حرف النفي، ثم أبدلت الياء ألفًا، لأنها أخفُّ، كما قالوا في الرمح المنسوب إلى ذي يزن: أزَني (٧).
_________________
(١) = و(١٩٢٤) و(١٩٢٥) وانظر تمام تخريجه فيه.
(٢) ٢/ ٤٩٧.
(٣) ٤/ ٦٠، لكن فيه آخره: كما يقال: شكا إليه فأشكاه.
(٤) هو في " صحيح البخاري " (٣٦٩٢)، وانظر " النهاية " ١/ ٢٦٩.
(٥) ٥/ ٦١، وانظر " النهاية " له ٣/ ٤٤٤.
(٦) في " الصحاح " ٥/ ١٩٠٢ " حكم ".
(٧) في (أ) و(ف): في قولهم.
(٨) انظر " الصحاح " ٤/ ١٦٢٢ " أزل ".
[ ٦ / ٣٢٨ ]
ومن ذلك: تسمية الأعمى بصيرًا، وقد روي في ذلك حديث مرفوعٌ رواه الطبراني والبزار من حديث جُبير بن مُطعِم (١). أورده الهيثمي (١) في باب الزيارة وإكرام الزائر في كتاب البر والصلة، وقال: رجال البزار رجال الصحيح غير إبراهيم بن المستمر وهو ثقة.
ومن ذلك: الخيار في البيع، قد جاء في " الصحيح " بمعنى نفي الخيار، وذلك في قول رسول الله - ﷺ -: " البَيِّعان بالخيار ما لم يتفرَّقا، إلاَّ بَيْعَ الخِيار " (٢).
قال النواوي في شرح " مسلم " (٣): إلاَّ بيعًا نُفِي فيه الخيار، فإنه لا يثبت فيه خيار المجلس.
وحكى ابن كثير هذا عن الإمام الشافعي ﵁، وأمثال ذلك كثير لمن تتبَّعَه في كتب اللغة.
وقد ذكر الثعالبي في أواخر " فقه اللغة وسِرِّ العربية " (٤) بابًا فيما يخالف لفظه معناه من هذه الأمور، وكان من أئمة اللغة.
وكذلك الزمخشري ذكر في " المفصل " (٥) في قسم الأفعال أن همزة أفعل قد تكون للسلب نحو: أشكيته، وأعجمت الكتاب إذا أزلت الشكاية والعجمة، ثم ذكر أن فعَّل مضاعف العين يؤاخيه في ذلك نحو: فزَّعته، وقذَّيتُ عينه، وجَلَّدت البعيرَ وقرَّدته، أي: أزلت الفَزَع والقذى والجلد والقُراد. انتهى.
_________________
(١) في " المجمع " ٢/ ١٧٤ ولفظه: وعن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله - ﷺ -: انطلقوا بنا إلى بني واقف نزور البصير رجل كان مكفوف البصر. قلت: هو في " مسند البزار " (١٩٢٠)، و" معجم الطبراني " (١٥٣٣) و(١٥٣٤).
(٢) البخاري (٢١١١)، ومسلم (١٥٣١) من حديث ابن عمر. وانظر تمام تخريجه في " صحيح ابن حبان " (٤٩١٢) و(٤٩١٣) و(٤٩١٤) و(٤٩١٥) و(٤٩١٦).
(٣) ١٠/ ١٧٤.
(٤) ص ٣٣١.
(٥) ص ٢٨٠ - ٢٨١.
[ ٦ / ٣٢٩ ]
فدلَّ هذا على شُهرة هذا المعنى.
الوجه الخامس: أنه قد ثَبَتَ بناء اسم الفاعل لما هو في الحقيقة مفعولٌ، كقوله تعالى: ﴿والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ [يونس: ٦٧]، وقوله تعالى: ﴿في عِيشةٍ رَاضيةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] ومنه قولهم: سَيْلٌ مُفْعَمٌ على اسم المفعول، وشعرٌ شاعرٌ، ونهاره صائمٌ أي: مصومٌ فيه، ونهرٌ جارٍ [أي] مجري فيه، لأن النهر اسمٌ لساقيه الماء (١). وسيأتي ذلك.
ونصَّ علماء المعاني على أن المجوِّز لذلك هو الملابسة، فإن النسبة أولى بمخالفة بعضه القياس، ومما يُشبه هذا قولهم: القَمران والعُمران.
وقد ذكر ابن قتيبة في " مُشكل القرآن " (٢) بابًا في المقلوب ومنه قولهم: للدَّيِغ: سليم، وللعطشان: ناهِلٌ، وللفَلاة: مفازَةٌ، وللشمس: جَوْنة، وللغراب: أعور، وللحبشي: أبو البيضاء، وللأبيض: أبو الجَوْن.
قال: ومنه قول قوم شعيب: ﴿إنَّكَ لأنْتَ الحَليمُ الرَّشيدُ﴾ [هود: ٨٧]، [كما] تقول للرجل تستجهلُه: يا عاقل، وتستخفُّه: يا حليم، وأنشدوا قول الشاعر:
فقلتُ لِسيِّدِنا يا حليـ ـمُ إنَّك لم تأسُ أسْوًَا رفيقًا (٣)
_________________
(١) انظر " الصاحبي " لأحمد بن فارس ص ٣٦٦ - ٣٦٨.
(٢) ص ١٨٥ فما بعدها. وانظر " الأضداد " لابن الأنباري ص ٢٥٨.
(٣) هو لشُتيم بن خويلد أحد بني غراب بن فزارة وهو شاعر جاهلي. أنشده الجاحظ في " الحيوان " ٣/ ٨٢ وفي " البيان والتبيين " ١/ ١٨١ - ١٨٢، وابن الأنباري في " الأضداد " ص ٢٥٨، وأورده صاحب " اللسان " (خفق)، وفيه " حكيم " بدل " حليم ". وبعده أعَنْتَ عدِيًّا على شَأْوِها تُعادي فريقًا وتنفي فريقا أطعتَ اليمينَ عِنادَ الشَّمالِ تُنحّي بحَدِّ المواسي الحُلُوقا زَحَرْتَ بها ليلةً كُلَّها فجئتَ بها مُؤيدًا خَنْفَقِيقا =
[ ٦ / ٣٣٠ ]
إلى قوله: ومن ذلك أن يُسمَّى المتضادَّان باسمٍ واحد، كما يقال للصُّبْحِ: صَرِيمٌ ولليل صريم، إلى آخر ما ذكره.
وذكر ابن خلكان من هذا قولهم للأسود: كافورٌ، وللشاعر المشهور: الأبله، قال: وإنما سُمِّي بذلك، لكثرة ذكائه على قول، ووجَّهه أنه من أسماء الأضداد.
ذكره ابن خلكان في ترجمة الأبله من حرف الميم (١)، وابن خلكان من الأدباء، فدل على شهرة هذا عندهم، فكيف يُقطع ببطلان أحاديث وردت في تفسير القدرية بمن يقول: لا قدر.
الوجه السادس: أنها نسبةٌ إلى الإثبات لا إلى النفي.
بيانه: أن المتبدعة أثبتوا القدر لأنفسهم، ونَفَوْه عن ربهم ﷿، فنسبوا إليه لإثباته عن أنفسهم لا لنفيه عن الله تعالى، ومدعي الشيء لنفسه أولى أن يُنسبَ إليه مِمَّن يدَّعيه لغيره. ذكر هذا الوجه ابن قتيبة وإمام الحرمين كما سيأتي.
الوجه السابع: أنه قد ثبت أنها لفظةٌ مستعملةٌ في الاصطلاح الأخير، ولم يثبت أنها (٢) لُغويةٌ ولا شرعية، وإن كانت تحتمل ذلك، فلا يمتنع أن تكون مخالفةً لوضع اللغة وقانون العرب إذا (٣) لم تكن من لغتهم، ولأهل الاصطلاحات أن يصطلحوا على ذلك.
_________________
(١) = وذكر هذه الأبيات الثلاثة المرزباني في " معجم الشعراء " ص ٣٩٢. قال في " اللسان ": وقوله: " يا حكيم " هُزْءٌ منه، أي: أنت الذي تزعم أنك حكيم وتخطىء هذا الخطأ، وقوله: " أطعت اليمين عناد الشمال " مثل ضربه، يريد: فعلت فِعْلًا أمكلنت به أعداءنا منا كما أعلمتك أن العرب تأتي أعداءها من ميامنهم، يقول: فجئتنا بداهيةٍ من الأمر وجئت به مُؤيَدًا خَنفقيقًا، أي: ناقصًا مقصِّرًا.
(٢) " وفيات الأعيان " ٤/ ٤٦٥.
(٣) في الأصول: " أنه "، والجادة ما أثبتت.
(٤) في (أ): إذ.
[ ٦ / ٣٣١ ]
وبعد، فقد وقع ذلك، والوقوع فرع الصحة، فإن طائفة أهل السنة بغير شكٍّ على تسمية نافي القدر قدريًّا، والإجماع غير مُشتَرَطٍ في صحة الاصطلاح.
وأما ذمُّ نافي القدر المسمى بالقدري، فلم يأخذه أهل السنة من الاصطلاح، بل من أدلة العقول والقرآن والأحاديث الصِّحاح، وقد ظهر بهذه الوجوه السبعة أن المعتمد في هذه النسبة هو الاستنباط من مجموع أمرين:
أحدهما: الإجماع على أنها كلمةُ ذمٍّ.
وثانيهما: الدليلُ القاطع على ثُبوت القدر وصحته، ووجوب الإيمان به، وهما يستلزمان أن المذموم به من نفى القدر، أو نفى وجوب الإيمان به.
وأما ما يتعلق (١) به الفريقان من الاحتجاج في هذه المسألة بما استنبطوه من حديث " القدرية مجوسُ هذه الأمة " (٢) فبناءٌ على صحته -ولستُ أرى صحته- فأُعَوِّلُ على ذلك، وإن كان المنصور بالله ذكر في أول " الشافي " (٣) أنه مجمعٌ على صحته، فليس كذلك، وقد خالفه المؤيد بالله وسبقه بعدم تصحيحه، ذكره في " الزيادات ". وكذلك أئمةُ الحديث نصُّوا على عدم صحته كما تقدم، وإنما قال الحاكم: إنه صحيحٌ على شرطهما، إن صح سماعُ أبي حازم عن ابن عمر (٤)، وهذا سوءةٌ في التصحيح، لأنه لم يصح سماع أبي حازم عن ابن عمر، وما لم يصح بمثل هذه الطريق ممكن.
_________________
(١) في (ش): تعلق.
(٢) تقدم تخريجه ص ٤٦٠.
(٣) وهو كتاب في الرد على " الرسالة الخارقة " لمؤلفها عبد الرحمن بن منصور بن أبي القبائل، ويقع في أربعة أجزاء مخطوطة في المكتبة الغربية بالجامع الكبير بصنعاء رقم ٧٧ - ٨٧. انظر " فهرس مخطوطات المكتبة الغربية " ص ١٧٣ - ١٧٦.
(٤) " المستدرك " ١/ ٨٥. وأبو حازم هو سلمة بن دينار.
[ ٦ / ٣٣٢ ]
وإنما مُستندُ المنصور ما رآه من اشتغال الطائفتين من المتكلمين بتأويله دونَ تضعيفه، فجعله من قبيل المُتَلقَّى بالقبولِ، وهذا لا يدل على الصِّحة لأمرين:
أحدهما: أن المتكلمين من الطائفتين وإن كانوا أئمة الجدال، فلكلِّ علمٍ رجالٌ.
وثانيهما: أن الصحيح عند المحققين أن التلقي بالقبول لا يدل على القطع بالصحة، كما ذلك مُقَرَّرٌ في الأصول، وعلوم الحديث، وهذا هو مذهبُ الأكثرين والمحققين كما ذكره النواوي. وإنما قال به من أئمة الحديث ابنُ الصلاح (١)، وابن طاهر، وأبو نصر (٢)، وتضعيف المُحَدِّثين أخصُّ من وهم التلقي بالقبول، والقدح البَيِّنُ مُقَدَّمٌ على التصحيح عند أهل الحديث، وأهل الأصول.
وأما قول الخطابي وغيره من أهل السنة: إنه مُشتقٌّ من إثبات القدري قدرةً لنفسه حتى قال ابن العربي في " عارضة الأحوذي " (٣): إن القاف والدال والراء تدل على القدرة والمقدور، فمخالفٌ للحديث الوارد في تفسير القدرية بأنهم الذين يقولون: لا قَدَرَ (٤).
وكذا قوله - ﷺ -: " الإيمان أن تؤمن بالقدر خيره وشره " (٥) يدل على ذلك، ولأن ذلك مخالف لقياس النسبة إلى القدرة، فإن قياسه بضم القاف وسكون
_________________
(١) ساقط من (أ) و(ف).
(٢) انظر " تدريب الراوي " ١/ ١٣١ - ١٣٣.
(٣) ٨/ ٢٩٥.
(٤) تقدم تخريجه ص ٤٤٧ - ٤٤٨.
(٥) تقدم تخريجه ص ٤٤٧ و٤٤٨.
[ ٦ / ٣٣٣ ]
الدال، ولا يُقال: إن النسبة مخالفةٌ للقياس، لأنا نقول: إن مخالفة القياس فيها لا يُقضى بها إلاَّ لِتعذُّر القياس، ولذلك لم يُفَسَّر القدرية بنفاة القدر إلاَّ لمنع الأدلة من ذمِّ من أثبته.
ومع هذا فالذي ذكر ابن العربي مُشْكِلٌ جدًا، فإن معاني هذه المادة تباينُ تبايُنًا كثيرًا عند اختلاف تركيبها كسائر تراكيب الكلام ومواده، إلاَّ ترى أن القاف من هذه المادة متى كُسِرَت وسُكَّنَت الدال دلَّت على الوعاء الذي يُطبخ نيه، وذلك غير معنى القضاء والتقدير، وكذلك القدرة بضم القاف غير القضاء والقدر.
وأما قولهم: إن القدريَّ هو الذي يُثْبِتُ (١) لنفسه قُدرةً، فإن عَنَوْا أنه الذي يُثبتُ لنفسه قدرةً خلقها الله تعالى، فهذا إجماع المسلمين، وإن عَنَوا قُدرةً لم يخلُقها الله تعالى له، فلم يَقُل بذلك أحدٌ من مبتدعة المسلمين، وإنما حملهم على ذلك الفِرارُ من النسبة إلى النفي.
وقد تقدم من الأدلة ما يَقْضي بصحته وشُهرته، وأنه على تقدير عدم الصحة اصطلاحٌ مُوَلَّدٌ لم يُبْنَ عليه تكفيرٌ ولا تفسيقٌ ولا حُكْمٌ شرعي، وإنما تثبتُ الأحكام على الأدلة الصحيحة عقلًا وسمعًا سواءٌ صَحَّت هذه التسمية أو لم تصح، فلا حاجة إلى تَكلُّفِ أمرٍ غير واضح.
فإذا تقرَّر أن القدرية هم نُفاة القدر، وقد ثبت أن عِلْمَ الله تعالى السابق وكتابته مقادير الخلائق هما أساس القدر وعموده على ما نطقَتْ به النصوصُ السابقة فلا تكون القدرية على التحقيق إلاَّ نفاة علم الله السابق وكتابته، وبهذا فسَّرهم النواوي في أول " شرح مسلم " (٢)، وعزاه إلى القاضي عياض ونَقَلَةِ المقالات من المتكلمين المتقدمين، وذكر أنهم قد انقرضوا، وحكى عياضٌ بعد قليلٍ أنه قول الفلاسفة.
_________________
(١) في (ش): " لم يثبت " وهو خطأ.
(٢) ١/ ١٥٤.
[ ٦ / ٣٣٤ ]
قال النواوي ما لفظه: قال أصحاب المقالات من المتكلمين المتقدمين:
وانقرضت القَدَريَّة القائلون بهذا القول الشنيع الباطل، ولم يبقَ أحدٌ من أهلِ القبلة عليه. وحكى بعد هذا بقليل عن القاضي عياض في براءة ابن عمر من القدرية أنه قال: هذا في القدرية الأول الذين نَفَوا علم الله تعالى بالكائنات، والقائل بهذا الأمر [كافر] بلا خلافٍ، وهؤلاء الذين يُنكرون القَدَرَ، وهم الفلاسفة في الحقيقة.
وقال غيره: يجوز أنه لم يُرِدْ بهذا الكلام التكفير المُخرج من الملة، فيكون من قبيل كُفران النِّعَمِ، إلاَّ أن قوله ما قَبِلَ الله منه ظاهر في التكفير، فإن إحباط الأعمال إنما يكون بالكفر إلاَّ أنه يجوز أن يقال في المسلم: لا يقبل الله عمله لِمعصيتِه وإن كان صحيحًا.
وفسَّر النواوي الصحة بعدم وجوب القَضاء، وعدم القَبول بعدم الثواب.
قال: وقد حكى ابن قتيبة في كتابه " غريب الحديث " (١) وإمام الحرمين في كتابه " الإرشاد " (٢): أن بعض القدرية قالوا (٣): لسنا بقدرية، بل أنتم القدرية -إلى قوله- وهذا تمويهٌ من هؤلاء الجهلة ومباهتة ونزاعٌ (٤)، فإن أهل الحق يفوِّضون أمورهم إلى الله تعالى، ويضيفون القدر إلى الله تعالى، وهؤلاء الجهلة يضيفونه إلى أنفسهم، ومدَّعي الشيء لنفسه، ومضيفه إليها أولى أن يُنسَبَ (٥) إليه ممن يعتقده لغيره وينفيه عن نفسه. انتهى.
وكذلك ذكر ابن بطال أن مذهب أهل السنة أن القدر هو علم الله وغيبه
_________________
(١) ١/ ٢٥٥.
(٢) ص ٢٥٦.
(٣) في (ف): قال.
(٤) في " شرح مسلم " و" الإرشاد ": وتواقح.
(٥) في (ش): يثبت.
[ ٦ / ٣٣٥ ]
الذي استأثر به. ذكره في شرح الباب الثالث من أبواب القدر من " صحيح البخاري ".
وقد كثر إطلاق بعض أهل الحديث والأشعرية القدري على المعتزلي مع أن المعتزلة تُثبت علم الله السابق وكتابته حتى توهم ابن السيد البَطَلْيَوْسي في " شرح سقط الزّند " من شعر المعري ينكر كون الله تعالى يعلم الغيب. وسببُ وهمه في ذلك ما رآه من تسميتهم قدرية مع اعتقاده أن القدرية تنكر علم الغيب.
وسبب تجاسرهم على تسميه المعتزلي بذلك خلاف المعتزلة في مسألتين:
إحداهما: مسألة الإرادة، فإنهم يقولون: إن الله تعالى يريد وقوع الطاعات من جميع العُصاة، ويجب عليهم اللطف بهم، ولكن ليس في معلومه تعالى ولا في مقدوره لهم، ولو كان في معلومه، لكان في مقدوره، ولو كان في مقدوره ولم يفعله، كان مُخِلًاّ بما يجب عليه، وقد تقدم الرد عليهم في ذلك في الكلام على الإرادة.
المسألة الثانية: الإضلال، وهو إضلالٌ وسلبُ اختيار، فإنهم يمنعون جوازه من الله تعالى ويقبحونه، والسمع ورد بجوازه عقوبةً على العاصي، كقوله تعالى: ﴿وما يُضِلُّ به إلاَّ الفاسقين﴾ [البقرة: ٢٦]، وقوله: ﴿فَسَنُيسِّرُه للعُسْرَى﴾ [الليل: ١٠]، وقوله: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨] إلى ما لا يُحصى كثرة.
وبيان عدم الموجب لتاويله والقاطع لِلَّجَاج أنا إن فسرنا القدر بالعلم ولوازمه فالقدرية المذمومة من نفاه وإن فسر القدر بالجبر (١)، فالقدري المذموم من أثبته، لكن التفسير الأول هو المعروف بدليل قوله تعالى: ﴿كان على ربِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًا﴾ [مريم: ٧١] وقد تقدم بيانه.
_________________
(١) من قوله: " فالقدرية المذمومة " إلى هنا ساقط من (أ) و(ف).
[ ٦ / ٣٣٦ ]
الفائدة الرابعة: فيما بينه الله تعالى من حكمه التي لا تحصى في تقدير الشرور
الفائدة الرابعة: فيما بَيَّنَهُ الله تعالى من حِكَمِهِ التي لا تُحصى في تقدير الشرور، والاقتصار على ما جاء من ذلك عن الله تعالى، وعن رسوله - ﷺ - دون التعدي إلى ما وراءه لقوله تعالى: ﴿وما كان الله لِيُطلِعَكُم على الغَيْبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩]، وقوله تعالى: ﴿فلا تَضرِبُوا لله الأمثالَ إنَّ الله يعلمُ وأنتم لا تعلمون﴾ [النحل: ٧٤] وما أنفعها لمن عقلها ﴿وما يَعْقِلُها إلاَّ العَالِمون﴾ [العنكبوت: ٤٣] ولقوله تعالى: ﴿ولا يُحِيطون بشيءٍ من عِلمِهِ إلا بما شاء﴾ [البقرة: ٢٥٥] مع قوله: ﴿وما يَعْلَمُ تأويلَهُ إلاَّ الله﴾ [آل عمران: ٧].
وقد ذمَّ مبتغي تأويله في أُمِّ الآيات المحكمات حيث قال سبحانه: ﴿ابتِغَاء الفِتنةِ وابْتِغاءَ تأويلِه﴾ [آل عمران: ٧] قالوا: المتشابه خطابٌ لنا من حكيم فيجب أن نفهمه.
قلت: المقدمة الأولى -وهي الصغرى- ممنوعة (١)، لأن كونه خطابًا لنا لا يُدْرَكُ بالعقل، ولا يثبُتُ بالنص، وأولى من ذلك أن نقول: المتشابه لا طريق لنا إلى فهمه كالفواتح، فوجب أن لا يكون خطابًا لنا من الحكيم، والصغرى ضروريةٌ وجدانية مع اعتبار الأدلة الصحيحة على دعوى التفسير، والكبرى اتفاقيةٌ بيننا وبين الخصوم، فوضح الحق ولله الحمد على أن ذم الله تعالى لمبتغي (٢) التأويل يكفي حجةً.
وكذلك قوله: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ٣٩] فرأسُ العلم والرسوخ فيه معرفة العجز عن تعدِّي ما بيَّنه الله تعالى في مثل هذه المتشابهات، كما قال أمير المؤمنين ﵇ في صفة الراسخين: هم الذين أغناهم عن الاقتحام على السُّدَد المضروبة دون الغيوب الإقرار بجملة ما جهلوا
_________________
(١) تحرفت في (أ) و(ف) إلى: مصنوعة.
(٢) في (أ): لمتبعي، وفي (ف): لمتتبعي.
[ ٦ / ٣٣٧ ]
تفسيره من الغيب المحجوب، فقالوا: ﴿آمَنَّا به كُلٌّ مِنْ عِندِ رَبِّنا﴾ [آل عمران: ٧].
فمدح الله اعترافهم بالعجز عن تأويل (١) ما لم يحيطوا به علمًا، وسمى تركهم التعمُّق فيما لم يُكلِّفهم منه رسوخًا، وتقدم إسناده.
اعلم: أنه قد اشتد حِرص الخلق على ذلك وخوضهم فيه، وذلك لدقته وغموضه كما قيل:
أحَبُّ شيءٍ إلى الإنسان ما مُنِعَا (٢).
واعلم أن الله سبحانه لو أراد إطلاعهم عليه، لنصَّ على ذلك، أو ساق أفهامهم إليه من غير نصَّ إليه على أسهل أمرٍ كما قيل:
إذا الله سَنَّى حَلَّ عَقْدٍ تَيَسَّرا (٣)
_________________
(١) في (أ) و(ف): تناول.
(٢) هو للأحوص، وصدره: وزادَهُ كَلَفًا في الحُبِّ أنْ مَنَعَتْ ويُروى في عجزه: " وحبَّ شيئًا "، و" حبُّ شيءٍ ". فالأولى أصلها: " حَبُبَ " بضم الباء فأسكنت وأدغمت في الثانية، وقوله: " ما مُنع " في موضع رفع، ارتفع بحب، يقال: حبَّ زيدٌ إلينا، وحبَّ بزيدٍ إلينا. والأخرى أوردها النحويون شاهدًا على أن " حب " أفعل تفضيل، حذفت همزته مثل خير وشر، إلاَّ أن الحذف فيهما هو الكثير، والحذف في " أحب " قليل. انظر " ديوان الأحوص " ص ١٥٣، و" نوادر أبي زيد " ص ١٩٨، و" الأغاني " ٤/ ٢٩٩ و١٢/ ١٢٥، و" الزهرة " ١/ ٢٣٦، و" التمثيل والمحاضرة " ص ٢٠٩، و" عيون الأخبار " ٢/ ٣، و" العقد الفريد " ٣/ ٢٢٨، و" جمهرة الأمثال " ١/ ٢٥٧، و" نهاية الأرب " ٢/ ١٤٧، و" الأمثال والحكم " ص ١٢٩، و، اللسان " (حبب)، و" همع الهوامع " ٢/ ١٦٦، و" الدرر اللوامع " ٢/ ٢٢٤، و" زهر الآداب " ٢/ ٥٧.
(٣) عجز بيت صدره: =
[ ٦ / ٣٣٨ ]
وإذا أراد الله تعالى منع أسهل الأمور، تعذَّر على جميع القادرين كما صرف اليهود عن معارضة رسول الله - ﷺ - بتمنّي الموت بعد قوله تعالى: ﴿ولَنْ يَتَمَّنَوهُ أبدًا﴾ [البقرة: ٩٥] وكما صرف الله المنافقين عن معارضته ﵊ بالمتابعة بعد قوله: ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعونَا كَذلِكُم قال الله مِنْ قَبلُ﴾ [الفتح: ١٥].
ولله تعالى حكمةٌ بالغةٌ في منع كثيرٍ من المعارف كما نصَّ على ذلك في منع معرفة الخلق لوقت يوم القيامة حتى قال سبحانه: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ [طه: ١٥].
وكما حجب الغيوب عن الخلق، قال سبحانه: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩].
وفي قوله تعالى للحواريِّين: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥] إشارةٌ إلى أن زيادة البيان قد تكون سببًا في زيادة العذاب، فيكون مصلحة في طيِّ كثير من العلوم وإليه الإشارة بقوله ﷿: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩].
وفي سبب نزولها في ذلك حديثان عن جابر وابن عباس، وإسناد كل منهما رجاله رجال الصحيح. ذكرهما الهيثمي في تفسير هود والإسراء (١).
_________________
(١) = واعلم علمًا ليس بالظن أنه وهو غير منسوب في " عيون الأخبار " ١/ ١٠٢، و" التمثيل والمحاضرة " ص ٩، و" أساس البلاغة " ص ٣١١، و" الأمثال والحكم " ص ١١٣، و" اللسان " (سنا). وقوله: " سَنَّى " أي: فتح وسَهَّلَ.
(٢) تقدم تخريجهما ص ٣٢٧.
[ ٦ / ٣٣٩ ]
ويُشْبِهُ هذا الباب من بعض الوجوه قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ [المائدة: ١٠١ - ١٠٢].
وقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥].
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٨ - ٩].
وأوضح من هذا المعنى قوله تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٤].
وقد بيَّن الله تعالى حُكْمَ من منعه من الإيمان بالحكمة جهلُه الذي توهمه علمًا بعدم الحكمة، فقال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣) حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾ [النمل: ٨٣ - ٨٥].
بل أخبر الله تعالى بامتناع موافقة الحق لأهوائهم حيث قال: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٧١].
وفي " الصحيحين " من طريق ابن عباس: "أن الخَضِرَ قال لموسى ﵉: يا موسى إن لي علمًا لا ينبغي لك أن تعلَمَهُ، وإن (١) لك علمًا لا ينبغي
_________________
(١) ساقطة من (أ) و(ف).
[ ٦ / ٣٤٠ ]
أن أعْلَمَه" (١). وهي دليلٌ أن جهل بعض العلوم أنفعُ.
وقد خرج البخاري حديث عُبادة في ليلة القدر، وفيه أن رسول الله - ﷺ - قال: " إنِّي أردتُ أن أخبركم بها، فتلاحى رجلان، فرُفِعَتْ، وعسى أن يكون خيرًا لكم " (٢).
وأصرحُ من هذا قوله تعالى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٢].
وبيانُ ما ذكره سبحانه في الآية الأولى ضروري، وذلك أن خلقه مختلفون أشدَّ الاختلاف في الاستحسان والاستقباح كما قال بعضهم:
والذي أنت له مُستَحْسِنٌ ما على استقباحه عندي مَزيدُ
حتى قَضَتْ معتزلة بغداد بوجوب الأصلح على الله لأهل النار، وقضوا بوجوب تخليد العصاة في النار، وهم من المعجبين برأيهم، فكيف يمكن هذا مع موافقة الحق للخلق.
فثبت أن الحِكمة كما تقتضي بيان بعض العلوم، فقد تقتضي لَبْسَ بعضها، فكيف يطمع الذي لا يَمْلِكُ من العلم إلاَّ ما وهبه الله تعالى له في معرفة ما أراد الله تعالى لَبْسَه عليه، ولا سيما في معرفة تأويل المتشابه الذي ذمَّ الله تعالى من ابتغاه، وجعل طلبه من علامات الذين في قلوبهم زَيغٌ، وقرنه بابتغاء الفتنة، وقَصَرَ معرفته على الله تعالى، ولو كان الراسخون يعلمون، ما ذُمَّ من ابتغاهُ منهم، ولكان ذلك من جُملة طلب العلم، ووردت (٣) النصوص بالحث عليه.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٧٢٦) و(٤٧٢٧)، ومسلم (٢٣٨٠)، وابن حبان (١٠٢) و(٦٢٢٠). وانظر تمام تخريجه فيه.
(٢) أخرجه البخاري (٢٠٢٣)، وابن حبان (٣٦٧١). وانظر تمام تخريجه فيه.
(٣) في (ش): الذي وردت.
[ ٦ / ٣٤١ ]
وإنما ذمَّ من ابتغى تأويل المتشابه لِتعاطيه علم ما لم يُعْلَم، وما أنصف من تأوَّل هذه الآية، وجعلها من المتشابهات وهي أُمُّ المحكمات، وخالف قول أمير المؤمنين، وإمام الراسخين فهذه سنة الله ﷿ في لَبْسِ بعض العلوم على خلقه لحكمةٍ بالغة، فاصبر لها ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: ٤٣] كما قال ﷿.
ومما قلتُ في ذلك:
وسارَ كليمُ الله والخضر والرِّضا يُبَيِّنُ أن المُحْكَمات السرائرُ
وأن جميع الراسخين مُقَصِّرٌ عن السِّرِّ حَدُّ الراسخين الظواهِرُ
ومن قولي في ذلك أيضًا:
وسار ابن عمرانٍ مع الخَضْر إذْ جَنى له مَنْعُهُ عِلمَ الغرائب جُوعُ
دليلٌ لِصَون السِّرِّ عن مِثلِهِ فما عليه لعلم الراسخين وقوعُ
ومَنْ مِثلُه فَليَخْسَأِ الحكماء عن حِمَىً هو عن مثل الكليم مَنيعُ
ومن قولي فيه أيضًا في آخر الإجادة (١) في الإرادة:
وذا كُلُّه عِلم الظواهر غير ما طَوَى سِرَّ غيب الحكمة المتكاتِم
فذلك مِنْ سِرِّ الإله وسِرُّهُ تَرَفَّعَ قَدْرًا عن وِصالِ المكالِمِ
فَعَزَّ جميع الراسخين عن الشّفا عزاء جميلًا للنفوس الهوائم
فهذا مرامٌ شطَّ مَرْمَى العقول في مَداهُ فما في سُبْلِه غيرُ نادِمِ
ومن قولي في ذلك أيضًا:
رجائي له أضعافُ خَوْفي لأنَّهُ يُبَيِّنُ لي والحق حقٌّ دليله
يبين (٢) لي أحكامه وخصوصهُ ولم يشتبه معقوله ومقوله
_________________
(١) في (ش): الوجادة.
(٢) في (أ) و(ف): فبين.
[ ٦ / ٣٤٢ ]
ولولا يكون العفو والجود محكمًا ونعتُ الكمال مستحيلٌ بديله
ودلَّ عليه نعتُه (١) وصفاتُه وأسماؤه الحسنى ودلَّتْ عدوله
ودلَّ (٢) عليه حكمة وتواترت شرائعه فينا به ونُقُولُه
وهذا إلى ما ليس يُحصى إشارةً يُبَيِّنُها تفصيله وفصوله
ولكنَّ منه ما أُسِرَّ حديثهُ فَدَقَّ على من لم يسر جليله
وألطف منهم ما طوى الغيب علمهُ فعزَّ على أهل الخُصوص حُصُولُه
وفي كَتْمِهِ تأويله من كليمه دواءٌ لمن أعْيَى الأُساة سبيله
فبُشراي بعد اليأس وهو حظيةٌ بوجدان ما كان العَذُول يُحيله
وهذه مقدمةٌ تخضع لها النفوس المدعية للذكاء إن بقي فيها (٣) التفاتٌ إلى شيء من الأدب والحياء، وبعدها نسرد ما بيَّنه الله تعالى من ذلك، وأنزله سبحانه على قدر علمنا لا على قدر علمه الذي لا يمكن تصوُّر البشر له إلاَّ بالإيمان بمثل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧].
وقد أجاد البوني حيث قال: إن نسبة علم الخلق إلى علم الحق مثل نسبة لا شيء إلى ما لا نهاية له.
واعلم أن القدر السابق أقسام:
فمنه: ما لا يصح أن يُعَلَّل، وهو علم الله السابق، لأنه من صفات الله الواجبة، وعَدَمُهُ محالٌ على الله تعالى، فلا يقال: لِمَ سبق في علمه.
ومنه: ما هو تَبَعٌ للعلم، ولا أثر لمجرده في العمل كالكتابة والإعلام
_________________
(١) في (ش): فعله.
(٢) في (ش): ودلَّت.
(٣) في الأصول: " فيه "، والجادة ما أثبت.
[ ٦ / ٣٤٣ ]
بذلك، وإيجاب الإيمان به، والحثِّ على استحضاره في القلب، وقد نص الله على الحكمة في ذلك في أمورٍ نذكرها ولا نحتم حكمة الله فيها ونقصرها، لجواز تعدُّد الحكم، وورود السمع بتعدده في غير آيةٍ، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الروم: ٤٦].
وكقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥، ٤٦].
فأولها التَّسَلِّي بذلك في المصائب، قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٢ - ٢٣].
وردَّ الله على المنافقين في قولهم في إخوانهم: ﴿لَوْ كانُوا عندنا ما ماتوا وما قُتِلوا﴾ [آل عمران: ١٥٦] بقوله: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٥٦].
وقال تعالى في ذم من لم يؤمن بذلك: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٨].
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤].
فدلت الآيات على تعليل هذا التقدير بتسلي المؤمنين بتسليم الأمر لله.
[ ٦ / ٣٤٤ ]
وخرَّج أحمد حديث عبادة " أن رجلًا أتى النبي - ﷺ -، فقال: أيُّ الأعمالِ أفضل؟ قال: " الإيمان بالله، وتصديقٌ به، وجهادٌ في سبيله " قال: أريد أهون من ذلك، قال: " السماحة والصبر " قال: أريد أهون من ذلك، قال: " لا تَتَّهِم الله ﵎ في شيءٍ قضى لك " (١).
وتقدم له شواهد في مرتبة الدواعي، ومرتبة الأقدار وأحاديث الرضا بالقضاء، خصوصًا بما قضاه الله تعالى للمؤمن.
وثانيها: التوكل على الله تعالى، والاستعانة به كما علمنا سبحانه أن يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، وقال: ﴿وإليهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود: ١٢٣] وقال: ﴿إنَّ الأمْرَ كُلَّه لله﴾ [آل عمران: ١٥٤].
ولا شك أن التوكل على الله مع اعتقاد نفوذ الأقدار وجُفوف الأقلام إنما (٢) يكون أقوى، ولذلك نهى رسول الله - ﷺ - عن قول: " لو" وقال: " إنها تفتح عمل الشيطان " وأمر أن يقال: " قدر الله وما شاء الله فعل " (٣).
ولذلك جعل النبي - ﷺ - تقدير ثبوته وصحته واعتقاده مُصاحبًا للوصية بالتوكُّل كقوله - ﷺ - في حديث ابن عباس: " إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلاَّ بشيءٍ قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضُرُّوك بشيء لم يضُرُّوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليك، رُفِعَت الأقلام وجَفَّتِ الصحف " (٤).
وثالثها: عدم العجب بالعمل لجهل الخواتم، وذلك هو السِّرُّ في حديث
_________________
(١) تقدم تخريجه ص ٣٣٠.
(٢) في (أ) و(ف): بما.
(٣) تقدم تخريجه ص ٢١١.
(٤) تقدم تخريجه ص ٤٠٤.
[ ٦ / ٣٤٥ ]
ابن مسعود: حدثني الصادق المصدوق وقد تقدم (١). وليس السر فيه التزهيد في العمل كما يظنه المُخَذلون (٢) أمر الله بالعمل مع القدر كما تقدم في الفائدة في العدل.
وأما سر التزهيد في الثقة بالعمل، والعجب به، والتيه على الخلق ونحو ذلك من المفاسد، وما طواه الله عنا أكثر، ولذلك أطلق التجهيل لنا في كثير من الآيات من غير استثناء، كقوله تعالى: ﴿والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ [البقرة: ٢١٦].
واستثنى القليل في بعضها، فقال: ﴿وما أُوتيتُم من العِلمِ إلاَّ قليلًا﴾ [الإسراء: ٨٥].
وقد تقدم في المرتبة الثالثة في ذكر الدواعي كلامٌ نفيسٌ جدًا في بعض ما أشار الله تعالى إليه من الحِكَم والمصالح في خلق العُصاة، وأسباب المعاصي، وكذلك في مسألة الإرادة، فخُذْهُ من هنالك.
ومن ذلك تقديرُ الأمراض والهموم وسائر الشرور المنقطعة، والأحاديث طافحةٌ بتعليل ذلك وذكر ما فيه من الأعواض والخيرات والاعتبار والتذكير، وقد نبَّه الله سبحانه على ذلك بقوله: ﴿وعَسَى أن تَكرَهوا شيئًا وهو خَيرٌ لكم﴾ [البقرة: ٢١٦].
وفي الآية إشارةٌ إلى قول أهل العقليات: إنه ليس في مخلوقات الله تعالى ما هو شر من كل وجه، وبالنسبة إلى كل أمر، وما من شر من وجه أو وجوه الا وهو خيرٌ من وجهٍ أو وجوه وإن جَهِلَها الخلق، وهو معنى قوله: إن الحكيم لا يريد الشر للشر، وإنما يريده لخيرٍ هو تأويله كما دلَّ ذلك تأويل الخَضِر لما فعله.
_________________
(١) ص ٣٩١.
(٢) في (ف): المخذولون.
[ ٦ / ٣٤٦ ]
ولذلك سوَّى الله تعالى بين الشرِّ والخير في قوله سبحانه: ﴿ونَبلُوكُم بالشَّرِّ والخَيْرِ فِتنةً وإلينا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥] وقوله تعالى: ﴿وبَلَونَاهُم بالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ لَعلَّهُم يَرجِعُون﴾ [الأعراف: ١٦٨].
واعتقادُ هذا يكفي المسلم، وقد تعرَّض أهل الكلام لتبيين وجه الحكمة في كل ذلك، وتلخيص وجه التحسين على حسب اختلاف فِطَنِهِمْ وعقولهم، وضربوا فيه أمثالًا مختلفةً، ونقض بعضهم على بعض، ولا حاجة إلى ذكر ذلك لما فيه من مخالفة (١) ما كان عليه رسول الله - ﷺ - وأصحابه والسلف الصالح، وقال الله تعالى: ﴿فلا تَضْربوا لله الأمثال إن الله يَعْلَمُ وأنتُم لا تعلمون﴾ [النحل: ٧٤] وإنما نتكلَّم بجليات المعقول، وصحيحات المنقول دون المواقف والمحارات.
ومما ورد التعليل به في الأمراض ونحوها الابتلاء مثل ما تقدم من قوله تعالى: ﴿ونَبْلُوكُم بالشَّرِّ والخَيرِ فِتنةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]، وقوله تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١ - ٣].
والأحاديث متواترةٌ وثبوت الأجر بالآلام، وفي تكفير الذنوب بها أيضًا، والقرآن مصرِّحٌ بتعليلها للاعتبار، وقد جاء في ذلك الحديث المشهور في خلق ذُرِّيَّةِ آدم إخراجهم من ظهره، وفيه أن آدم لما رأى فيهم الغني والفقير، والصحيح والأليم، قال: يا ربّ هلاَّ (٢) سوَّيْتَ بين ذُريتي، قال تعالى: " فعلتُ ذلك لتشكر نعمتي " أو كما قال (٣).
ذكره ابن كثير من طُرُقٍ في خلق آدم، أول الجزء الأول من " البداية والنهاية " (٤).
_________________
(١) في (أ) و(ف): ذلك إلى مخالفة.
(٢) في (أ): ما.
(٣) تقدم تخريجه ص ٣٢٢.
(٤) ١/ ٨١.
[ ٦ / ٣٤٧ ]
وذكر صاحب " شرح جمع الجوامع " للسبكي، عن الجنيد أنه قال: كلمت يومًا رجلًا من القدرية، فلما كان الليل رأيت في النوم كأن قائلًا يقول: ما ينكر هؤلاء القوم أن يكون الله قبل خلقه للخلق، علم أنه لو خلق الخلق، ثم مَكَّنَهم من أمورهم، ثم رد الاختيار إليهم، للَزِمَ كل امرىءٍ منهم بعد أن خلقهم ما عَلِمَ أنهم له مُختارون (١).
وأما قول بعض المتكلمين: إن الجزاء لا يُسمَّى ثوابًا، ولا يُكَفِّر ذنبًا، فخلافٌ للسمع من غير قاطع عقلي، وليس هذا موضع التطويل ببَسْطِ ذلك.
قالوا: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨].
قلنا: عمومٌ مخصوصٌ بالنصوص وبنحو ﴿وأثقالًا مَعَ أثقالِهم﴾ [العنكبوت: ١٣]، والوجه أن سياق العموم لنفي الظلم، وسياق الخصوص لذلك بعينه، فكان له عاضدًا لا ناقضًا، وكان كالحكم في الدنيا بحقن الدماء وتحريم الأموال إلاَّ بحقها.
قالوا: ﴿وأنْ لَيْس لِلإنسانِ إلاَّ ما سَعى﴾ [النجم: ٣٩].
قلنا: عمومٌ مخصوص بالأجر على الألم المتفق عليه عند الخصوم، ووجهه أنه المراد ليس له ما تمنى وتحكم إلاَّ ما استحق إلاَّ ما شاء الله أن يتفضل عليه به لقوله تعالى: ﴿ويَزيدُهُم مِنْ فَضلِهِ﴾ [النساء: ١٧٣].
قالوا: لا يصح استحقاق تعظيم الغير.
قلنا: هو كالصفة للمنافع ولا يستحق منفردًا، سلمنا ولا مانع من استحقاق المنافع دون هذه الصفة، وتسميتها ثوابًا، لأنها جزاء، والتعظيم جزاءٌ، وكُلُّ واحد منهما ثواب.
_________________
(١) في (ش): أنهم لا يختارون غيره.
[ ٦ / ٣٤٨ ]
قالوا: الثواب دائم.
قلنا: الدوام صفةٌ كالتعظيم، فإذا استحقَّت المنافع، بطل دوامها كالثواب المحبط، ويستحيل بقاء الصفة مع بطلان الموصوف، ويجوز أن يتفضل الرب بدوام العوض، ألا ترى أن المجاهد إذا استحق شيئًا من الغنائم على جهة التعظيم مجازاة، ووجب أن يقضي منه ديونه.
وأيضًا: فكل أمرهم مبنيٌّ على وجوب الثواب عقلًا، وقد مر إبطاله، ولكنه يجب في حكمة الله لوجوب (١) صدقه، وما يتعلق بغير المكلفين يكون القِصاص فيه بالأعواض أو بما يُهيئه لشكره (٢) وجب الحق عليه.
ويلزم المعتزلة الأمان من العذاب بسبب ظلم العباد، وقتلهم، لأنهم أوجبوا على الله أن لا يُميت الظالم إلاَّ بعد أن يكون له من الأجر ما يوفي جميع المظلومين، وهذا خلاف المعلوم.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١].
وقوله: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة: ٢١].
وقوله تعالى: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٦].
وقوله سبحانه: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩].
_________________
(١) في (ش): بوجوب.
(٢) في " (أ) و(ف): سكن!.
[ ٦ / ٣٤٩ ]
فهذا تعليلٌ انتظم حكمتين: العقوبة والتذكير، كما صح في الحدود أنها تنتظم حكمتين: العقوبة والتكفير (١)، فقد سمَّاها الله عذابًا ونَكالًا، وصح أنها مكفراتٌ، وذلك من فضل الله تعالى.
ومن ذلك ما يكون عقوبة نص على انتظام التذكير والتكفير إليه بالنظر إلى فاعله إن كان في عقوبته تذكيرٌ لغيره، كقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٦٦].
وكقوله تعالى: ﴿وَوَقَع القولُ عليهم بما ظلموا﴾ [النمل: ٨٥].
وقوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٨ - ١٠].
وقوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠].
وقال: ﴿وَلَوْلَا دِفاعُ (٢) اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥١].
وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٦٥].
وقال: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ
_________________
(١) قوله: " العقوبة والتكفير " ساقط من (ش).
(٢) هي قراءة نافع ويعقوب وأبان، وقرأ عامة القُراء ﴿ولولا دفعُ﴾ قال أبو علي: المعنيان متقاربان، قال أبو ذؤيب الهذلي: ولقد حرصت بأن أدافع عنهم فإذا المنية أقبلت لا تُدفع انظر " زاد المسير " ١/ ٣٠٠، و" حجة القراءات " ص ١٤٠.
[ ٦ / ٣٥٠ ]
النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٠ - ١٤٢].
ومن ذلك: الحكمة في المتشابه، وقال الله سبحانه في جواب من سأل عنها: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦].
ونحوها قوله تعالى: ﴿وما جَعَلْنا أصحابَ النَّارِ إلاَّ ملائكَةً﴾ الآية [المدثر: ٣١].
وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣].
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٢ - ٥٤].
وقال في بعض حكمته في التكليف: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٢ - ٧٣].
وقد دل السمع على أن إرادة الله وقوع بعض الاعتقادات غير المطابقة لحكمة ومصلحة، كقوله تعالى: ﴿إِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٤].
[ ٦ / ٣٥١ ]
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ [الأنفال: ٤٣].
فيجوزُ في بعض المتشابه مثله، وقد يرد بما ظاهره في أفهام الجاهلين باطلٌ، والدليل على تأويله عند العلماء قائمٌ، ومتى ورد عليهم لم يشُكُّوا فيه، وذلك، كقوله لعيسى ﵇: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦]، فإنه لما ورد على عالم أن الله يعلم الغيب ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١١٦] وهذا شرط حسن للمجاز عند علماء البيان أن يرد على عالمٍ بامتناعِ ظاهره كما مرَّ في موضعه.
ومن ذلك خلقٌ من المعلوم إنه يعصي، فيُعفى عنه بتوبةٍ أو شفاعةٍ أو رحمةٍ، وإن ناله بعض ما يستحقه من العقوبة، ففي " صحيح مسلم " أن رسول الله - ﷺ - قال: " لو لم تُذْنِبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيَغْفِرُ لهُم ".
وفي حديثٍ فيه أيضًا: "يُذنِبُون كَيْ يَغفِرَ لَهُمْ".
وفي " مسند أحمد ": "يذنبون فيَغفرُ لهم".
رواه مسلم في " الصحيح " من حديث أبي هُريرة، وأبي أيوب.
وفي الباب عن أنسٍ، وابن عباس، وأبي سعيد، وعبد الله بن عمرو بن العاص (١)، ولذلك طُرقٌ كثيرة، وشواهد قويةٌ، تقدم ما عرفت منها في مسألة المشيئة.
_________________
(١) تقدم تخريجه ٤/ ١٦١.
[ ٦ / ٣٥٢ ]
وعن جابرٍ، عن النبي - ﷺ - قال: " لَمَّا عُرِجَ بإبراهيمَ - ﷺ -، رأى رَجُلًا يَفْجُرُ بامرأةٍ فدعا عليه، فأُهْلِكَ، ثم رأى رَجُلًا على معصيةٍ، فدعا عليه، فأوحى الله إليه: إنه عبدي وإنَّ قَصْرَه مني، إما أن يتوب فأتوب عليه، وإما أن يستغفرني فأغفر له، وإما أن يخرُجَ من صُلبِهِ من يعبُدُني، يا إبراهيم أما علمت أن من أسمائي أني أنا الصبور ". رواه الطبراني في " الأوسط "، وفيه عليٌّ بن أبي علي اللَّهَبي، قال أحمد: له مناكير (١)، قلت: لكنه صحيح المعنى بشواهده.
وقال شيخ الإسلام في كتابه " منازل السائرين " (٢): إنما يُخَلِّي الله تعالى بين العبد وبين الذنب لأمرين:
أحدهما: أن يعرف عزَّته في قضائه، وبرَّه في ستره عليه، وحلمه في إمهال راكبه وفضله في مغفرته له، وكرمه في قبول العذر عنه.
وثانيهما: ليِعلَمَ طالبُ البصيرة الصادقة أن سيئته لم تُبْقِ له حسنةً بحالٍ، فيصير بين مشاهدة الحكم والمِنَّة، فيُقيم عليه حجة عدله، ويعاقبه بذنبه.
وإنما ذكرت كلام شيخ الإسلام هنا، وليس من شرط ما أنا فيه أن أُورد إلا ما هو حُجةٌ من كلام الله تعالى ورسوله - ﷺ -، لأنه ﵀ أحسن العبارة والترجمة عن كتاب الله تعالى وأحاديث رسول الله - ﷺ - ولم يبعد ما فيها.
ومن ذلك خلقٌ من المعلوم أنه يصير إلى النار من الكفار، وقد تباينت (٣) مذاهب المتكلمين في ذلك، وفي ذكر مقالاتهم وحججهم ومناقضاتهم شناعاتٌ يفرح بذكرها أعداء الإسلام، فلنتقصر على ذكر ما يناسب السمع قرآنًا وسنة.
ولا شك أن هذه المسألة أمُّ (٤) المتشابهات، وأنه لا يعلم تأويل المتشابه
_________________
(١) تقدم ص ٣٢٩.
(٢) في " مدارج السالكين " ١/ ٢٠٤.
(٣) في (أ): تقابلت.
(٤) في (ش): من.
[ ٦ / ٣٥٣ ]
إلا الله تعالى، وهذا يستلزمُ بالقطع امتناع الخوض في ذلك حتى يعلم التأويل، وهذا أصح ما يجاب به في هذه المسألة العظمى ولله الحمدُ.
وقد نص الله سبحانه على أنه يعلم من ذلك ما لا يعلمه سواه، فقال سبحانه للملائكة حين قالوا: ﴿أتَجْعَلُ فيها مَنْ يُفسِدُ فيها ويَسفِكُ الدِّماءَ﴾ [البقرة: ٣٠]: ﴿إنِّي أعلم ما لا تعلمون﴾ [البقرة: ٣٠].
وهذا كافٍ لمن كان له قلب أو القى السمع وهو شهيدٌ، فلا أعلم من الملائكة ولا أقرب إلى الله سبحانه.
على أنه سبحانه قد ذكر في كتابه الكريم بعض حكمته في ذلك.
فمن ذلك: التعليل بالابتلاء، لقوله تعالى: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧) وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ إلى قوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [المائدة:٤٧ - ٤٨].
وقال تعالى: ﴿لِيَبلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَملًا﴾ [الملك: ٢].
ومعنى الابتلاء: هو فعل سببٍ لظهور المعلوم عند الله لتعلق الأحكام بظهوره، لا فعل سببٍ ليحصل معه العلم به.
فإن قيل: هذا واضح، ولكن الابتلاء من المتشابه المحتاج إلى التعليل أيضًا.
فالجوابُ من وجهين:
أحدهما: أن الله تعالى -وإن حذف المفعول الثاني من مفعولي الابتلاء المضمَّن معنى العلم- فإنه لم يبينه في قوله تعالى: ﴿لِيَبلُوكُم أيُّكُم أحْسَنُ
[ ٦ / ٣٥٤ ]
عملًا﴾ [الملك: ٢] وذلك يقتضي أن المقصود الأول من خلق جميع المكلفين العصاة والمطيعين لو علموا أنه لا يخلق من يستحق العقاب كانت مفسدةً عظيمةً لبطلان الخوف والرجاء كما أن الله لو بسط الرزق لكانت مفسدة، ولو جعل الأنبياء ملائكة، لكانت مفسدةً. وقد مر تحقيق ذلك في الدواعي، وبعضه في الإرادة في أحد الوجوه في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] وهو مذهب البغدادية.
ويعضده الوجه الآخر الذي مر في تفسيره أيضًا، وهو إنه يوجد من مكلَّفٍ حتى الكفار نوعٌ من العبادة ولو كَرْهًا في النشأة الأولى والمعرفة لله ولو في الآخرة على ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣] وفي قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢].
ولذلك فسَّر ابن عباسٍ ﴿إلاَّ لِيَعْبُدونِ﴾: ليعرفوني (١).
وروي عن داود أنه قال: يا رب لِمَ خلقت الخلق؟ " قال: " كنتُ كنزًا مخفيًّا فخَلَقْتُ الخلقَ لأُعرَفَ " (٢).
_________________
(١) في (أ) و(ف): " يعرفون ". وقد تقدم ص
(٢) ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في " أحاديث القصاص " ص ٦٩ - ٧٠، وقال: ليس هذا من كلام النبي - ﷺ -، ولا يعرف له إسناد صحيح ولا ضعيف، وقال السخاوي في " المقاصد " ص ٣٢٧: وتبعه الزركشي وشيخُنا، يعني ابن حجر، وقال السيوطي في " الدرر المنتثرة " ص ١٤٧: لا أصل له. وقال الآلوسي في " روح المعاني " ٢٧/ ٢١ - ٢٢: ذكره سعد الدين سعيد الفرغاني في " منتهى المدارك "، وذكره غيره كالشيخ الأكبر في الباب المئة والثمانية والتسعين من " الفتوحات ". بلفظ آخر، وتعقبه الحفاظ فقال ابن تيمية ومن يرويه من الصوفية معترف =
[ ٦ / ٣٥٥ ]
فصل: ومن ذلك تقدير الشر الدائم الذي لا ينقطع مثل عذاب النار
وثانيهما: أن ذلك لم يصح، فقد بينا أن المختار أن تأويل المتشابه لا يعلمه إلاَّ الله، وإنما شرطنا أن نذكر العلل المنصوصة سمعًا، والجلية عقلًا.
فصل:
ومن ذلك تقديرُ الشر الدائم الذي لا ينقطع مثل عذاب النار والخلود فيها -نعوذ بالله ورحمته التي وَسِعَتْ كل شيء من ذلك- وها هنا اشتد الاضطراب، وتفاقم الخَطْبُ على النُّظَّار، وتَبَلَّدَ الأذكياء منهم، وتفرقوا أيادي سَبَا (١)، ونقضوا قواعدهم، وخالفوا معارفهم، وكاد كثيرٌ منهم يلحق بأهل التجاهل إلاَّ من عصمه الله تعالى بحسن الإسلام، وقوة اليقين، وعدم التهمة لأرحم الراحمين، وأحكم الحاكمين، وأكرم الأكرمين.
فأما كلام الفلاسفة والزنادقة في ذلك، فهم فيه ممن قال الله فيه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٨) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ
_________________
(١) = بعدم ثبوته نقلًا، لكن يقول: إنه ثابت كشفًا، وقد نص على ذلك الشيخ الأكبر في الباب المذكور، والتصحيح الكشفي شنشنة لهم.
(٢) هو مثلٌ يقال للقوم إذا تفرقوا في جهات مختلفة، أى: فرقتهم طرقهم التي سلكوها كما تفرق أهل سبأ في مذاهب شتى. وسبأ: هو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وقيل: اسم بلدة كانت تسكنها بلقيس. قال في " تاج العروس " يكتب بالألف، لأن أصله الهمز، قاله أبو علي القالي في " الممدود والمقصور "، وقال الأزهري: العرب لا تهمز " سبأ " في هذا الموضع، لأنه كثر في كلامهم فاستثقلوا فيه الهمز، وإن كان أصله مهموزًا. ضرب المثل بهم، لأنه لما أشرف مكانهم على الغرق، وقرب ذهاب جناتهم قبل أن يدهمهم السيل، تبددوا في البلاد فلحق الأزد بعمان، وخزاعة ببطن مرّ، وهو مر الظهران المسمى الآن بوادي فاطمة قرب مكة، والأوس والخزرج بيثرب، وآل جفنة بأرض الشام، وآل جذيمة الأبرش بالعراق، وقوله: أيدي سبأ، أي: متفرقين، واليد: الطريق. وانظر " المستقصى " ١/ ٨٨ - ٩٠ و" مجمع الأمثال " ١/ ٢٧٥ - ٢٧٧، و" زهر الأكم " ٣/ ١٦ - ١٨.
[ ٦ / ٣٥٦ ]
عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (٩) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الحج: ٨ - ١٠].
وإنما نورد هنا كلام من أقر بالتوحيد، وسعى في التصديق بكلام الحميد المجيد.
واعلم أن اضطرابهم في ذلك مبني على الغفلة عن قاعدتين عظيمتين.
إحداهما: أن الله تعالى يعلم من كل نوع من أنواع المعلومات ما لا نعلمه، ومن أعظم تلك الأنواع وأجلِّها قدرًا، وأدقِّها سرًا، وألطفها نوع المعلومات من الحكم والمصالح والغايات الحميدة، بل متى فتح الله على بعض عباده من ذلك مثل سمِّ الخياط، أو وهب له منه قطرةً من بحار لم يستطع أحدٌ من الخلق الاطلاع على مكنون حكمته، ولا وسعت الطباع البشرية الصبر على التسليم لفضل معرفته، وكفى في ذلك عبرةً بقصة الخَضِر والكليم عليهما أفضل الصلاة والتسليم، فإنها تكُفُّ كفَّ الاعتراض على الأعلم في باب المصالح والحكم. ومن لم يُسَلِّمْ هذه القاعدة، يلزمه مساواة الخالق والمخلوق في معرفة المصالح وجميع دقائق الحكمة، وكيف يستوي ربُّ الأرباب والمخلوق من التراب.
وما أحسن ما قاله الفخر الرازي:
العلمُ للرحمن ﷻ وسِواه في جَهَلاتهِ يَتَغمْغَمُ
ما للتراب وللعلوم وإنما يَسْعَى لِيَعْلَمَ أنَّه لا يعلمُ
وقال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد:
تجاوزتُ حدَّ الأكثرين إلى العُلى وسافَرْتُ واستبقيتُهم في المفاوزِ
وخُضْتُ بِحارًا ليس يُدْرَكُ قَعْرُها وسيَّرْتُ نفسي في فَسيح المَفاوِزِ
[ ٦ / ٣٥٧ ]
ولَجَّجْتُ في الأفكار ثم تراجع اخـ ـتياري إلى استحسان دين العجائزِ (١)
وقال ابن أبي الحديد المعتزلي (٢):
طلبتك جاهدًا خمسين عامًا فلم أحصل على برد اليقينِ
نوى قَذَفٍ وكمْ قد مات قَبْلِي بِحَسْرَتِهِ عليك من القرونِ
فهل بعد المماتِ بك اتِّصالٌ فأعلَمَ غامِضَ السِّرِّ المَصونِ
وأنشد الشهرستاني:
وقد طُفْتُ في تِلك المعاهد كُلِّها وسَيَّرْتُ طَرْفي بين تلك المعالمِ
فلم أر إلاَّ واضِعًا كفَّ حائِرٍ على ذَقَنٍ أو قارِعًا سِنَّ نادِمِ (٣)
وكل هؤلاء من أمراء المعقول وفرسان المشكلات (٤)، وقبلهم سألت عن ذلك ملائكة السماوات، كما جاء ذلك في محكم الآيات، وذلك من أعظم الحجج البينات.
ومما قلت في ذلك:
أقِلُّوا (٥) الجدال فما عندكم جميعًا من العلم إلاَّ القليلْ
وفي قصة الخَضِر المُرتَضى وموسى اعتبارٌ عَرِيضٌ طويلْ
وفيها لأهل النُّهى والرُّسوخ من العارفين عَزاءٌ جَميلْ
_________________
(١) الأبيات في " الوافي بالوفيات " ٤/ ٢٠٨.
(٢) في " شرح نهح البلاغة " ١٣/ ٥١ - ٥٢.
(٣) وقد رد عليه ببيتين محمد بن إسماعيل الأمير: لعَلَّك أهملت الطواف بمعهد الـ ـرسول ومن لاقاه من كل عالم فما حارَ مَنْ يُهدى بهدي محمد ولستَ تراه قارعًا سن نادمِ
(٤) في (ش): المعقولات.
(٥) في (ش): فكفوا.
[ ٦ / ٣٥٨ ]
وإنَّ سؤال الخليل العِيانْ لِكَيْ يَطمَئِنَّ على ذا دَليلْ
فمن يعلم السِّرَّ بعد الكَليم ومَنْ لا يُوسوِسُ بعد الخليلْ
وقد أورد بعضُ المتأخرين من أتباع المعتزلة هنا إشكالًا وتقدم في الدليل الأول في المرتبة الثانية في مسألة المشيئة، وتقدم جوابه من ثمانية أوجه، فليُطالَعْ مِنْ هُنالك.
القاعدة الثانية: وهي المعتمدة أن هذه المسألة من المتشابه الذي أخبر الله ﷻ أنه لا يعلم تأويله إلاَّ هو، وذم المبتغين لتأويله وقرنهم بمبتغي (١) الفتنة كما تقدم تقريره، وأنه قول علي بن أبي طالبٍ رضوان الله عليه.
وقد أوردت الكلام على تفسير هذه الآية بالأدلة في مؤلَّفٍ لطيف مُجَوَّدٍ، فليطالَع، والحمد لله.
وهذه المسألة هي أمُّ المتشابهات، وأغمض الخفيات، ومحارة علماء المعقولات والمنقولات، فكيف يتعرض جميع المكلفين والمتكلفين لمعرفة سِرِّه المكنون في تأويلها، وغيبه المحجوب في تفاصيلها، فلا يتعرض لمعرفتها حكيمٌ بعد قوله تعالى: ﴿ولا تُسأَلُ عَنْ أصحابِ الجَحيمِ﴾ [البقرة: ١١٩].
وما هو إلاَّ كما قال ابن الجوزي (٢) ﵀: بحر لا يتمكن منه غائص، ليل لا يَبِصُّ للعين فيه كوكبٌ.
مَرَامٌ شَطَّ مَرْمَى العقل فيه فدُونَ مَداهُ بِيدٌ لا تَبِيدُ
خَرِسَتْ في حظيرة القدس مَقولة لِم، وعَشِيَتْ لجلال العِزِّ عين الفكر، فأقدام الطلب واقفةٌ على جمر التسليم.
_________________
(١) في (ش): وقرينة يبتغي.
(٢) في " المدهش " و" اللطف ". وقد تقدم هذا النص بتمامه في ٣/ ٣٢٢ - ٣٢٤.
[ ٦ / ٣٥٩ ]
وقد تقدم القولُ في أن كل ما أراد الله طيَّه من الحكم والأسرار لم يتم لأحد الاطلاع عليه، وكان الجهل به من جملة قيد الله السابق، وأمره النافذ على رغم الخلائق، وكان أمر الله قَدَرًا مقدورًا ولكن أكثر الناس لا يعلمون، ومن الناس من يسعى فيما لا ينفعه، بل فيما يضره من العلوم والأعمال كما قال تعالى: ﴿ويتعلمون ما يَضُرُّهم ولا يَنفَعُهُم﴾ [البقرة: ١٠٢].
وهذه المسألة هي التي ألجأت غلاة الأشعرية إلى القول بنفي الحكمة، وسيأتي في الكلام على مسألة الأطفال إيضاح بطلان قولهم بالضرورتين العقلية والشرعية، والمبالغة في إبطال قوله، وهي التي ألجأت ابن تيمية وأسلافه وأتباعه إلى القول بفناء النار (١) والتأليف في ذلك. وأشار الغزالي إلى نُصرة قولهم في " المقصد الأسنى في شرح الأسماء الحسنى " في شرح الرحمن الرحيم، وجوّد الاحتجاج لهم في ذلك، وفي بعض مباحثه في ذلك نظر ليس هذا موضع ذكره.
والأولى بالسني الوقوف على ما وقف الله عليه ملائكته الكرام حيث أجاب علبهم أنه يعلم ما لا يعلمون، وترك التكلف فيما لم يؤمر به، والتأدب بمثل قوله تعالى: ﴿ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لكَ بِهِ عِلمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، والحذر من الشذوذ عن الجماعة، والنفرة من كل بدعة وشناعة، فإن نازعته النفس، فليتنبه على
_________________
(١) وهذا مما عُدَّ في جملة اجتهاداته التي أخطأ فيها خطأ مبينًا، وتابعه عليها تلميذه ابن القيم -رحمهما الله- وقد تولَّى الرد عليهما غير واحد من الأئمة، منهم العلامة تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي المتوفى سنة (٧٥٦ هـ) في رسالته " الاعتبار ببقاء الجنة والنار "، وعلامة اليمن محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني المتوفى سنة (١١٨٢) هـ في كتابه " رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار " وكلاهما مطبوع، فارجع إليهما، فإنهما غاية في النفاسة، وسيرد عند المؤلف التنبيه بأن الإمام الذهبي له رد على شيخ الإسلام في هذه المسألة، ولكنني لم أقف عليه إلى الآن، وهو -﵀ وإن كان يُحب ابن تيمية ويظهر محاسنه، وينشر فضائله، ويُشنع على خصومه، ويدافع عنه- مخالف له في مسائل أصلية وفرعية كما صرح بذلك في ترجمته في " السير ".
[ ٦ / ٣٦٠ ]
فائدة عظمى تُشَدُّ إلى معرفتها الرِّحَال ولا يعرف قدرها إلاَّ أذكياء الرجال من فُرسان هذا المجال، وهي أن من طبع النفس إنكار ما لا تعرفه، والنُّبوَّ عما لا تألفه، ولا يَفطِمُها عن هذه الضرورية الطبيعية إلاَّ معارضتها بمثلها في الضرورة، لأن القوي لا يُعارَضُ بما هو دونه في القوة فلذلك لا يُعارَضُ الضروري بالاستدلالي القطعي، والقطعي بالظني، فمن أراد كسر قوة هذه الطبيعة، فذلك بالإكثار من أمرين:
أحدهما: أن يستحضر على الإنصاف الفكر إنه قد وقع ما لا تَعْرِفُه نفسه، ولا تألَفُهُ بالضرورة العقلية، والوقوع فرع الصحة، فكيف تشُكُّ لأجل ذلك فيما جاء به الشرع مما لا تعرفه ولا تألفه، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿أم خُلِقُوا مِنْ غَيرِ شَيءٍ أمْ هُمُ الخالقونَ﴾ [الطور: ٣٥] وأمثالها في كتاب الله تعالى.
ومن ذلك: إثبات القِدَم، ولا بُدَّ منه، فمن لم يثبت القِدَمَ للرب سبحانه من الفلاسفة أثبت القِدَم للعالم، ولو قدرنا وجود من ينفي القدم، ويساعد النفس إلى استنكاره أمران:
أحدهما: القول بثبوت معنى القدم وما لا نهاية له للأمور المعقولة مما لا وجود له مثل الجهات الست، فإنه لا نهاية له ضرورة، لأن تصور طرف لا جهة بعده ولا فراغ محال.
وكذلك يلزم ثبوت صفة (١) القدم للعدم لا يقال: يصح ذلك، لأنها أمورٌ غيرُ حقيقية، لأن العقل إنما امتنع من تصور قِدَمِ الأمر الحقيقي، لكون القدمِ لا نهاية له، لا لكونه صفة أمر حقيقي.
وثانيهما: القول بحدوث هذا العالم، وخروجه من العدم لغير موجب، وهذا محالٌ في ضرورة العقل، فثبت أنه يلزم ما هو محالٌ أو محارة، فالمحال
_________________
(١) في (أ): " وصفه "، وفي (ش): " وصفية ".
[ ٦ / ٣٦١ ]
لازم من تقدير الكفر، والمحارة لازمةٌ لبعض من قصَّر علمه من أهل الإسلام، فمن لم يقل بالإسلام لوقوعه منه في محارةٍ، قال بالمحال لا محالة، ومن قال بالإسلام، صَحَتْ نفسُهُ من الوقوع في المحارة، فإن المحارة: عبارةٌ عما لا يمكن العقل تصوُّرَه مع تجويزه بالنظر إليه في نفس الأمر، وإنما هو ممتنعٌ بالنظر إلى تصوُّر العقل له، والمُحال ممتنع بالنظر إلى تصور العقل وإلى نفس الأمر، فإنما مع الإصغاء إلى التشكيك غاية الإصغاء يَجِدُ العقل يجزم حينئذٍ بإمكان المحارة، وامتناع المحال.
ومن لم يميز بينهما، كابن عربيٍّ الصُّوفي، جوَّز المُحالاتِ كلها، وإلى ذلك أشار بقوله (١):
صورة الكونِ مُحالٌ وهي حَقٌّ في الحقيقةِ
وهي سَفسَطَةٌ محضةٌ ومعها لا يصح له قوله: وهي حق في الحقيقة، فتأمل.
ولا يندفع مثل هذا إلاَّ بوجدان بطلانه بالضرورة التي لا اختيار في كسبها، فالمريب في الإسلام وما جاء به بسبب ذلك كالمستجير من الرَّمضاء بالنار، لا بل كالمستبدل الظُّلَمَات بالنور، وبالظِّلِّ الحرور.
وإذا كان لا بد من وقوع الكفار في المُحالات، وبعض المسلمين في المحارات في باب مدارك العقول التي لا خلاف أن العقول تعرفها، فكيف باب التحسين والتقبيح الذي يَقِفُ على الوجوه والاعتبارات والأمور الإضافيات، ويتقدم الجزم فيه بالنفي والإثبات على الإحاطة بمعرفة جميع الحِكَمِ والغايات والتأويلات، وخوض العقل في هذا الباب قد أنكره جماعة جِلَّةٌ من أهل
_________________
(١) في " فصوص الحكم " ص ١٥٩ وبعده: والذي يفهم هذا حاز أسرار الطريقة
[ ٦ / ٣٦٢ ]
المعارف والعقليات، والخوض في اللطائف الخفيات، فهو أولى بتجويز المحارات العقلية، والتسليم للنصوص الشرعيات.
وثانيهما: تخويف النفس بالوقوع في المَخُوفات الهائلة، بل عذاب الآخرة، نعوذ بالله منه، ولو أمكن إيقاعها في المخوف، كان أنفع لها، قال الله ﷿: ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٦] ولكن تخويفها يكفي عند عدم التمكن من أكثر منه، فإنها لا تؤمن بالغيب والمحارات والمستبعدات، فإنها لا تأمَنُ منها، لأنها كفارةٌ مطبوعةٌ على عدم الإيمان بشيءٍ من ذلك نفيًا وإثباتًا.
وهذا أوضح دليلٍ على أنها لم تستند في نفي ما لا تعرفه من المحارات إلى علم يقين، لأنه لو كان كذلك لما وجدت الخوف والتخويف، فإن المتيقن لانتفاء العذاب لا يَجِدُ عند التخويف خوفًا ولا يتشكك بالتشكيك (١)، فإنه لو قال لنا قائلٌ: إن العشرة أقل من الخمسة، والبعض أكثر من الكل، وشَكَّك علينا في ذلك، لم نَشُكَّ أبدًا. فوجدان الشك والخوف عند التخويف مستلزمٌ للجهل ضرورةً، وإلى هذا الوجه الإشارة بقوله تعالى: ﴿قُلْ أرأيتُم إنْ كان مِنْ عِندِ الله وكَفَرتُم بِه﴾ إلى قوله: ﴿إنَّ الله لا يَهدي القوم الظالمين﴾ [الأحقاف: ١٠].
وقوله: ﴿أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٤٧].
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨٣) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ [غافر: ٨٣ - ٨٤].
وأمرٌ ثالث يلحق بهذين الأمرين مما يُعلَمُ به ظلم ابن آدم وكَذِبُه في دعاويه
_________________
(١) " بالتشكيك " سقطت من (أ) و(ش).
[ ٦ / ٣٦٣ ]
أنه يُؤثِرُ هواه على ما يعلم أنه حق، كما يُؤثِرُ الإقبال على دار الفناء مع العلم الضروري الذي لا ينجي منه عملٌ، ولا تُرجى فيه شفاعةٌ، ولا تشكك فيه شبهةٌ، وما أحسن قول بعضهم:
حسبي من الجهل علمي أن آخرتي هي المعاد (١) وأنِّي لا أُراعيها
وأن دُنياي دارٌ لا قَرارَ بها ولا أزَالُ مُعَنَّى في مساعيها
وهكذا النفس ما زالتْ مُعَلَّلةً بباطلِ العَيْشِ حتى قام ناعيها
وكم من أمرٍ راجحٍ بالضرورة لا تساعد إلى المسارعة (٢) إليه، فقِسْ على ذلك اعتذارها بالشكِّ في الاستدلاليات، فما هو إلاَّ من الخُبثِ والخداع والمَكْرِ والفساد، فنسأل الله العظيم الإعانة على هذه النفس الأمَّارة بالسُّوء إلا ما رحم الله.
فهذه مذاهب السنة، وهي سبيل السلامة، وقد كنت دوَّنْتُ هنا أقاويل المتكلمين من المبتدعة وأهل السُّنَّة، وكلام ابن تيمية وأصحابه في المنع من دوام العذاب وادعاءهم أن السمع ما ورد بذلك قطعًا وأن العقل يمنع منه، وما رووا في ذلك من اختلاف السلف، وسيأتي تلويح الغزالي إلى هذا في " المقصد الأسنى " (٣) في شرح " الرحمن الرحيم " من الأسماء الحسنى، وإنشاده ذلك:
لَقَدْ أسْمَعْتَ لو (٤) نَاديتَ حَيًَّا ولكن لا حَياةَ لِمن تُنادي
ولكنه سمَّاه سرًا، وادَّعى منع الشرع من إفشائه، وأنه يَفسُدُ بسببه كثيرٌ من الناس، وذكر ذلك في مقدمات كتابه " إحياء علوم الدين "، وفي بعض كلامه استدراكٌ عليه قد ذكرته فيما تقدم.
_________________
(١) في الأصول: " الممات " وكتب فوقها في (أ) و(ف): " المعاد "، وهو الصواب.
(٢) في (ش): المساعدة.
(٣) ص ٦٣.
(٤) في (ش): إذ.
[ ٦ / ٣٦٤ ]
ومنتهى إقدام الخائضين في هذه الغمرة، وأقوى ما تمسَّكوا به هو نقل كلام بعض الصحابة والتابعين وأئمة السنة في تفسير قوله ﷿: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٢٨]، وفي آيةٍ أخرى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] ونحوهما. بل خصَّ بهذا الحديث جميع عموم القرآن كما يخصُّ بآيات التوبة جميع عمومات الوعيد، وكما هو القاعدة في تخصيص العُمومات، وإن كَثُرَتْ بالخصوص على جهة القطع دون التوقف، أو يجعل هذا من المتشابه، ويجب الوقف، ويرد تأويله إلى الله تعالى.
فهذه ثلاثة أقوالٍ، والتقصي لتفاصيل أدلتهم ومعارضتهم تخرج عن المقصود، وتحتاج إلى تأليفٍ مستقلِّ، وذِكرُ طرفٍ منه يُثير الشكَّ، ويُمْرِضُ القلب.
والحق أنه إن حصل في هذه المشكلة علمٌ ضروريٌّ من الدِّين أو إجماع المسلمين، انقطع الاضطراب، وحمل عليه مختلف السنة والكتاب، وإلا وُكلَ تفسير المتشابه إلى رب الأرباب من غير شك ولا ارتياب، والله أعلم بالصواب.
وقد صنَّف ابن تيمية في نصرة مذهبه، وصنف الذهبي في الرد عليه، ولي في ذلك مباحثٌ وزياداتٌ، وانتقاد على كل منهما، ولي في ذلك قصيدةٌ مُطوَّلةٌ سميتها " الإجادة في الإرادة " وهي أكثر من ألف بيتٍ " من أولها:
تَحَيَّرَ أربابُ النُّهى مالمُرادُ بالـ ـعُصاة من الجن وأولاد آدمِ
أخيرًا أراد الله بالخلق أوَّلًا أم الشَّرُّ مقصودٌ لأحكم حاكِمِ؟
فإن كان خيرًا هل يجوز فواته (١) على قادِرٍ للذات بالغيب عالمِ
وإن كان شرًا هل أُريد لنفسه أم الخير مقصودٌ به في اللوازمِ
_________________
(١) في (أ) و(ف): فوته.
[ ٦ / ٣٦٥ ]
وهل سبقُ قصد الخير بالشر يقتضي الـ ـتطابق بين الابتدا والخواتمِ
وهل جائِزٌ كِتمانُ بعض المُراد إذْ تساوى الورى والربُّ ليس بلازمِ
أو الرب مُبدٍ للبَواطِن كُلِّها مُبينٌ لإخفا سِرّه غير كاتِمِ
وأكثر أصحاب الكلام تكلَّفُوا وجَاؤوا بآراءٍ ضِعاف الدَّعائمِ
فلا وقفوا في المشكلات ولا أتَوا لديها بآراءٍ صِلاب المعاجمِ
فَمِنْ قاصِدٍ تنزيهه لو رَعَى له مِن الجَبَروت الحَقِّ غير التَّعاظُمِ
ومن قاصدٍ تعظيمه لو رعى له مَحامِد ممدوحٍ بأحكم حاكمِ
وحافظَ كُل العارفين عليهما وهذا الصراط المستقيم لقائم
ولعلها من أحسن ما قيل في هذا المعنى لا سيما إن يسَّر الله لها شرحًا شافيًا.
وقد تكلَّم ابن قيم الجوزية في ذلك في كتابه " حادي الأرواح إلى دار الأفراح " (١) وجوَّد، ولكنه مائلٌ إلى نُصرة شيخه ابن تيمية بالكُلِّيَّة، غيرُ (٢) متعرض لنصرة غيره، والله سبحانه عند لسان كل قائلٍ وقلبه ونيته.
ولما كانت أحوال الخاصة تخالف أحوال العامة في التَّطلُّع إلى معرفة الأدلة والانتقاد، خصوصًا في مسائل الاعتقاد، وأحوال العامة لا تصلح بالخوض في الدقائق والتولج في المضايق، جعلت بسط الكلام في هذه المسألة الكبرى فُسحةً (٣) في هذا الموضع من " العواصم "، من شاء من الخاصة أثبتها لانتفاعه بذلك، ومن شاء من العامة تركها لعدم صلاحيته لسلوك (٤) هذه المسالك، والحمد لله الذي وفق لذلك. ومن أثبتها، فليجعلها مُؤَخَّرَةً من هذا الموضع إلى
_________________
(١) ص ٢٤٩ - ٢٥٤.
(٢) " غير " ساقطة من ش.
(٣) في (ف): فسيحة.
(٤) في (ش): لشكوك.
[ ٦ / ٣٦٦ ]
الفائدة الرابعة (!): بيان أن خلاف العلم والقدر ممكن مقدور غير محال
عقيب الفائدة الرابعة في العمل مع القدرة (١)، وذلك لطول الكلام فيها، فتوسُّطُه مع طوله يقطع تمام الكلام في القدر، ويفرِّق اجتماع فوائده، والله أعلم.
الفائدة الرابعة: بيان أن خلاف العلم والقدر ممكنٌ مقدورٌ غيرُ محالٍ في النظر إلى ذاته، وإن كان غير واقع قطعًا لعارضٍ آخر، وهو المسمى في الأصول: الممتنع لغيره، والذي يدل على ذلك وجوهٌ، ذكر الرازي كثيرًا منها، وذكر أكثرها مختارٌ في " المجتبى " في الرد على الرازي بالمعنى.
الأول: لو كان ذلك محالًا، لانتقض بجميع أفعال الله تعالى، أو لزم تعجيزه سبحانه، لأن ما فعله، عَلِمَ فِعْلَه، وكان قادرًا على تركه، وما تركه، علم عدمه، وكان قادرًا على إيجاده، بل هو أولى في حقه، لأنه قد سبق علمه بأفعاله، وهو يعلم ما سبق في علمه مع قدرته على خلافه، بخلاف العبد، فإنه لا يعلم ما عَلِمَ الله في المستقبل، لكن المسلِمَ بعد الشيء (٢) بعلم أن الله قد علمه، وأما الكافر، فلا يعلم ذلك أصلًا (٣).
ولذلك كانت الحجة على العبد باقيةً، والابتلاء له صحيحًا، حيث لم يكن له أن يقول: إنما عصى الله، لأن الله علم ذلك، فإنَّ علم ذلك محجوبٌ عن العبد، فدلَّ على كذبه باعتذاره (٤) بذلك إن اعتذر به.
على أنه لو صح أن يحتج العبد بذلك، لكان الله تعالى أولى من العبد بذلك في الاحتجاج على حسن تعذيبه بمجرد سبق العلم بذلك كما مضى تقريره.
_________________
(١) في (ف): القدر.
(٢) في (ف): بعد فعله الشيء.
(٣) في (أ) و(ف): " أهلًا " وكتب فوقها: " أصلًا ".
(٤) في (ش): باعتقاده.
[ ٦ / ٣٦٧ ]
الثاني: أن العلم بعدم الإيمان لا يمنع القدرة على الإيمان بالإجماع، أما عند المعتزلة، فظاهرٌ، وأمَّا عند أهل السنة، فلأنَّ الله تعالى يَقْدِرُ على فعل الإيمان فيمن عَلِمَ أنه لا يؤمنُ. وقد ذكر السهرستاني في " نهايته " إجماع الفريقين على أن العلم لا يُؤثِّر في المعلوم، وهو يعني بأمر الإيجاد، لا بأمر الدواعي في الترجيح، فثبوته إجماعٌ أيضًا.
الثالث: لو كان العلم يُؤثِّرُ في المعلوم، لما تعلَّق علم الحادث المخلوق بالخالق القديم، وبالإجماع أن علمنا بالله تعالى ربنا (١)، وبالإجماع أنا غيرُ مؤثِّرين فيه، وهذا الوجه ذكره إمام الحرمين الجوينيُّ في مقدمات " برهانه " (٢).
الرابع: أجمع العقلاء على أن الأشياء ثلاثة أقسامٍ: واجبٌ، وممتنعٌ، وممكنٌ، ولو كان بين العلم والقدرة على خلافه تنافٍ، لامتنع قسمُ الممكنات بأسرها، لأن الممكن هو ما يصح وجوده وعدمُهُ على البدل.
وهذه الممكنات إما موجودةٌ، أو معدومةٌ، وما هو موجودٌ منها علم الله وجوده، فيلزم أن لا يكون عدمه ممكنًا في ذاته، وما هو معدومٌ منها، علم الله عدمه، فيستحيل وجوده، وحينئذٍ لا يبقى في الخارج ممكنٌ.
الخامس: لو كان بينهما تنافٍ، لما حَسُنَ المدح والذم، والترغيبُ
_________________
(١) جاء في (ش) فوق كلمة " ربنا ": " حادث " على أنها خبر " أن "، أي: أن علمنا حادث.
(٢) ١/ ١٠٥ ونصه: فإن قيل: ما علم الله تعالى أنه لا يكون وأخبر على وفق علمه بأنه لا يكون، فلا يكون، والتكليف بخلاف المعلوم جائز. قلنا: إنما يسوغ ذلك، لأن خلاف المعلوم مقدور في نفسه، وليس امتناعه للعلم بأنه لا يقع، ولكن إذا كان لا يقع مع إمكانه في نفسه، فالعلم يتعلق به على ما هو عليه، وتعلُّق العلم بالمعلوم لا يُغيره ولا يوجبه، بل يتبعُه في النفي والإثبات، ولو كان العلم يؤثر في المعلوم لما تعلق العلم بالقديم ﷾.
[ ٦ / ٣٦٨ ]
والترهيب، والثواب والعقاب، فوجوب الفعل وامتناعه حينئذٍ، ولا مدح ولا ذم في الواجب، ولا في الممتنع.
السادس: وهو أدقها وألطفها، الطعن في قولهم: إن إيمان الكافر على خلاف المعلوم محالٌ فنقول (١): خلاف المعلوم مع ذلك المعلوم محالٌ أم بدلٌ عن (٢) ذلك المعلوم؟ الأول مسلّم، والثاني ممتنعٌ (٣) ولا يمكن دعواه، لأن الترك في الممكنات بدل عن وجودها، والإيجاد بدل عن الترك، صحيح، وإلاَّ فلا، لا نقلب الممكن ممتنعًا وإنه محالٌ، وإذا كان خلاف المعلوم بدلًا عن ذلك المعلوم ممكنًا (٤)، دخل في مقدور القادرين عليه.
فإن قيل: لو قدر عليه، لزم من فرض وقوع الإيمان محال، وهو تغير علم الله تعالى.
قلنا: لا نُسَلِّمُ ذلك، لا سمعًا ولا عقلًا.
أما السمع: فلقوله ﷿: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلاَّ الله لَفَسَدتا﴾
[الأنبياء: ٢٢]، وعلى كلام الخصم، لاستحال أن يَفْسُدَ، لأن الله قد عَلِمَ عدم فسادهما.
وأما العقل: فلأنَّا إذا فرضنا وقوعه، يلزم أن يكون الله علم وقوعه، كما يلزم أنه لو كان فيهما آلهةٌ إلاَّ الله عَلِمَ فسادهما، وليس هذا بتغيير العلم، بل هذا وقوع علمٍ مكان علمٍ بسبب اختلاف التقدير، والسمع الحق قد دل على تجويز تقدير الممتنعات لبيان امتناعها، وأنه يُبنى على التقدير ما يُبنى على التحقيق
_________________
(١) في (أ) و(ف): فقول.
(٢) في (أ) و(ف): على.
(٣) في (أ) و(ف): ممنوع.
(٤) في (أ) و(ف): ممكن.
[ ٦ / ٣٦٩ ]
الفائدة الخامسة من الكلام على القضاء والقدر، وفيه كمال الجواب من جهة البرهان العقلي ومن جهة الأسلوب الجدلي بذكر وجوه
كما في هذه الآية، وأنه (١) معلومٌ أن معناها: لو كان فيهما آلهةٌ إلاَّ الله، لفسدتا، ولو كان ذلك كله لعلمه الله تعالى، لكنه لم يكن شيءٌ من ذلك، فلم يعلم الله وقوعه، ولذلك يقول الجميع في العلم: إن الله تعالى يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، ولا يلزم من ذلك التقدير تجهيل الله ولا محذور.
وأما التكليف بخلاف المعلوم (٢)، وهو الممكن في ذاته الممتنع لغيره، فهو جائزٌ بإجماع المسلمين إذا لم يعلم الكافر بعلم الله في عاقبته.
وأما الفائدة فيه، فهي مذكورةٌ في الفائدة الخامسة المذكورة بعد هذه، وهذه الأجوبة مبنيَّةٌ على أن الله تعالى عالمٌ بأفعاله سبحانه كأفعال عباده، ومُقدِّرٌ لها كتقديره لأفعال عباده، فأمَّا علمه بأفعاله سبحانه، فواضحٌ، وأما تقديره لها، فلقوله تعالى: ﴿كان على ربِّك حتمًا مَقضيًّا﴾ [مريم: ٧١] إلى سائر ما سبق في باب الأقدار وأحاديثها من عموم الأقدار لجميع الكائنات، والله أعلم.
الفائدة الخامسة من الكلام على القضاء والقدر: بيان وجوب العمل مع القدر، وفائدته، وذلك أن يُقال: لا فائدة في العمل، فإن المطلوب به إن كان قد قُدِّرَ، حصل، عمل العبد أو لم يعمل، فإن (٣) لم يكن قد قدر، لم يحصل، عمل العبد أو لم يعمل.
والجواب من وجوه:
الأول: ذكره الله تعالى في كتابه الكريم في غير آية مثل قوله سبحانه: ﴿لِيَبلُوَكُم أيُّكُم أحسَنُ عَملًا﴾ [الملك: ٢] وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩]،
_________________
(١) في (ش): " فإنه ".
(٢) في (ش): " وأما التكليف إذا لم يعلم بخلاف المعلوم ".
(٣) في (ف): " وإن ".
[ ٦ / ٣٧٠ ]
وقوله تعالى: ﴿أنْ تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين﴾ [الأعراف: ١٧٢]، وقوله تعالى: ﴿لِئلاَّ يكون لِلناسِ على الله حُجَّةٌ بعدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه: ١٣٤]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦] أي: أمرناهم بالطاعة كما تقول: أمرته فعصاني، أي: أمرتُه أن يُطيعني.
فهذا وأمثاله مما ورد تعليل التكليف، وبعث الرسل به كثيرًا في كتاب الله تعالى بأساليب متنوعةٍ، ومعناها ما علم بالضرورة من الدِّين من إقامة الحُجَّة، وقطع الأعذار، كما صرح به أعلم الخلق بالله ﷿ أنه قال: " لا أحد أحبُّ إليه العذر من الله ﷿، من أجل ذلك أرسل الرسل، وأنزل الكتب "، وهذا الوجه قرآني ضروريٌّ سمعًا وعقلًا، وقد تقدم بيانه بيانًا شافيًا في أوائل مسألة المشيئة حيث أوضحتُ الفرق بين حِكمة الله الراجعة إلى علمه الحق، وهي تأويل المتشابه، وبين حجة الله الظاهرة المطابقة لِعُرف الخلق وعقولهم، وهو ما قدَّرَه من الأعمال أو الكسب (١)، والموازين، والشهود، وشهادات الأعضاء ونحو ذلك. وقد تقدم واضحًا مبسوطًا، ولا حاجة إلى التطويل بذكره هنا، فراجعه من موضعه.
ومن ذلك قوله تعالى حكاية عن يعقوب ﵇: ﴿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٦٧ - ٦٨].
فهذه الآية الشريفة صريحة في أنه لا يلزم من الأوامر بطلان الأقدار، ولا
_________________
(١) في (ف): " والكتب ".
[ ٦ / ٣٧١ ]
يلزم من تمام الأقدار بطلان الأوامر (١) كما ظنت المعتزلة، ولا بطلان الفوائد (٢) كما ظن بعض الأشعرية.
وقد اعترف الزمخشري (٣) -على اعتزاله- أن علم يعقوب في هذه الآية هو عِلمُهُ أن الحذر لا يُغني من القدر. وهذا (٤) يُصادِمُ قول القدرية، ومن ينفي الحكمة والتعليل والأعراض والأسباب والبواعث والدواعي كلها عن جميع (٥) أفعال الله ﷿ مع ما يلزمهم مِن تسميتها كُلِّهَا عبثًا كما يأتي إن شاء الله تعالى.
وقد أحب جماعةٌ من الصحابة ﵃ أن يعرفوا غير هذا الوجه القرآنيِّ من وجوه الحكمة التي لا سبيل إلى القطع بحصرها كما مضى، فأجابهم رسول الله - ﷺ - بما يأتي في الوجه الثاني، وهو زيادةٌ، ولا معارضة بينهما، ويجوز أن ينفي من وجوه الحكمة ما لم يظهره الله تعالى لنا كما مضى تقريره.
الوجه الثاني: الجواب النبوي على صاحبه أفضل الصلاة والسلام، فإن هذا السؤال قد وقع في زمانه ﵇، وتولَّى جوابه كما ثبت (٦) في أحاديث القدر، وطرقها كثيرةٌ صحيحةٌ، وألفاظُها متنوعة، ومعناها متقارب.
وفي بعضها: أن الأعمال من قدر الله تعالى (٧).
وفي بعضها: " أنه قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ
_________________
(١) من قوله: " ولا يلزم " إلى هنا، سقط من (ش).
(٢) في (ف): " العوائد ".
(٣) في " الكشاف " ٢/ ٣٣٣.
(٤) في (ف): " وهو أحد ما يصادم ".
(٥) " جميع " ساقطة من (ف).
(٦) في (ش): " سبق "، وفي (ف): " وقع ".
(٧) انظر ص ٤١٨ و٤١٩ من هذا الجزء.
[ ٦ / ٣٧٢ ]
لليُسرَى﴾ [الليل: ٥ - ٧] الآية (١).
وفي بعضها: أنه قرأ: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (٢) [الشمس: ٨].
وفي حديث أبي خُزَامة، عن أبيه أنه قال: قلت يا رسول الله، أرأيت رُقى نسترقي بها ودواءً نتداوى به، وتُقى نتَّقِيَها، هل ترد من قدر الله شيئًا؟ قال: " هي من قدر الله ". رواه الترمذي وابن ماجه من طرق عن سفيان بن عيينة، عن الزهري عنه به (٣).
وقال المِزيُّ (٤): وكذلك رواه مالكٌ ويونس بن يزيد، وعمرو بن الحارث، والأوزاعي عن الزهري.
ومعنى هذه الأحاديث وإن تنوعت ألفاظها واحدٌ، متواترٌ نقلًا، معلومٌ عقلًا.
ومنه: لباسهم الدروع في الحرب، وركوبهم الخيول، وحملُهم السلاح كما أُمِرُوا بحمله في صلاة الخوف، وجميع أعمال الدنيا والآخرة، وفيه كمال الجواب من جهة البرهان العقلي، ومن جهة الأسلوب الجدلي.
أما البرهان العقلي: فقوله حين سألوا عن (٥) ذلك: " اعملوا " فأمرهم بالعمل حين أظهروا الجهل بفائدته، وهو تنبيهٌ لهم على ما غفلوا عنه مما يقضي به العقل السليم من وجوب امتثال العبد الجاهل من ربه العليم الحكيم مع جهل (٦) العبد الفوائد في ما أُمِر به شاهدًا وغائبًا، فإن أمر الرب العليم الحكيم (٧)
_________________
(١) انظر ص ٣٨٩ ت (١)، وهو صحيح.
(٢) حديث صحيح، تقدم تخريجه ص ٣٩٠.
(٣) تقدم تخريجه ص/٤٠١.
(٤) في " تحفة الأشراف " ٩/ ١٥٢ - ١٥٣.
(٥) " عن " ساقطة من (ف).
(٦) في (ف): " الجهل ".
(٧) من قوله: " العبد الفوائد " إلى هنا ساقط من (ف).
[ ٦ / ٣٧٣ ]
الغني الحميد يكفي داعيًا إلى الفعل، وباعثًا عليه، ومصحِّحًا لوقوعه بالنظر إلى القدرة كما مضى في اعتبار الجهتين في تفسير القدر، فخذه من هنالك.
ولم تَجْرِ عاداتُ الساداتِ في الدنيا بإعلام عبيدهم بفوائد أوامرهم ومشاركتهم لهم في تفاصيل أسرارهم، وغايات مقاصدهم، ولا نُسِبَ من طوى ذلك عن عبيده إلى العبث واللعب في أوامره، فكيف يطرق ذلك عبيد السوء إلى ملك الملوك وأحكم الحاكمين، وعلام الغيوب، بسبب عدم مشاركته لهم (١) في سِرِّه المكنون في إبرازه، وغاياته الحميدة في أفعاله وأحكامه، وإلى هذا الإشارة بقوله (٢) تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، وقوله: ﴿ولا يُحِيطونَ بشيءٍ من عِلمِه إلاَّ بما شاء﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقوله: ﴿إنِّي أعلم ما لا تعلمون﴾ [البقرة: ٣٠]، وقوله: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٤] وأمثالها.
وفي قوله ﵊: " اعملوا " مع هذا الوجه فائدةٌ لطيفة، وهو أنه لم يأمر بالعمل، وصدر جوابه عليهم (٣) بأن " كلًاّ مُيسَّرٌ لِمَا خُلِقَ له " لم يبعد أن يتوهَّم بعضهم سقوط الوجوب الشرعي، وبطلان الأوامر التى هي حجة الله على خلقه وثمرة إرساله رسله صلوات الله عليهم، كما تقدم في الآيات المذكورة في الوجه الأول.
وأمَّا الأسلوب الجدلي: فهو أن العمل مطلوبٌ مقدَّرٌ، كما أن المطلوب به -وهو الجزاء- مرادٌ مقدَّرٌ، والمقدَّرات كلها مقطوعٌ بوقوعها على وجوهها التي يقع عليها على التفصيل، سواء أكانت المقدرات مطلوبةً في البداية من العبيد بالأمر، كأفعالهم الاختيارية في الدنيا، أو مرادةً في النهاية للرب سبحانه جزاء
_________________
(١) في (ف): " مشاركتهم له ".
(٢) في (ف): " بنحو قوله ".
(٣) " عليهم " ساقطة من (ف).
[ ٦ / ٣٧٤ ]
لهم متوقفة على أفعال الرب الاختيارية في الآخرة، فكما قدر فعل الله في جزائهم، وفعله سبحانه اختياري لا ضرورة فيه ولا جبر، ولم يستلزم وقوع القضاء والقدر فيه نفي (١) الاختيار والفوائد، وأنه ينبغي أنه سبحانه لا يفعله لعدم الفائدة فيه (٢)، أو لعدم القدرة عليه، فكذلك ما قدر من أفعال العباد الاختيارية المطلوبة بالأمر لا يلزم من سبق تقديرها عدم القدرة عليها، ولا عدم الفوائد بها.
ولذلك (٣) ثبت في " صحيح مسلم " من حديث أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ - في هذه الآية ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٨ - ٤٩] إنما أنزلت في القدرية. ورواه الترمذي أيضًا، وقال: حديث حسن صحيح (٤).
وروي نحوه من طريق ابن عباس، وعبد الله بن عمرو، وزرارة، وأبي أُمامة، كلهم عن النبي - ﷺ - كما تقدم (٥).
والظاهر أن معناه أنهم احتجوا على حُسْنِ معاصيهم بسبق القدر، فاحتج الله على حسن عذابهم بذلك بعينه (٦) وهذا في غاية العدل والإفحام، كما ثبت في " الصحيح " أنه سبحانه يقول: " أليس عدلًا مني أن أُوَلِّي كُلًاّ ما تَولَّى " الحديث (٧).
_________________
(١) " نفي " ساقطة من (ف).
(٢) " فيه " سقطت من (ف).
(٣) في (ف): والذي.
(٤) تقدم تخريجه ص ٤٠٢.
(٥) انظر ص ٤٦٥.
(٦) " بعينه " ساقطة من (ف).
(٧) هذا وهم من المؤلف -﵀- فالحديث ليس في أحد الصحيحين، وربما قصد بهذا اللفظ أنه في " المستدرك " للحاكم، فإنه فيه ٤/ ٥٨٩ - ٥٩٢ مطولًا من حديث ابن مسعود، وهو يطلق الصحة عليه في غير موضع من كتابه هذا، وهو تساهل غير مرضي عند =
[ ٦ / ٣٧٥ ]
فمن احتج بسبق علم الله بذنبه، احتج الله عليه بسبق علمه بعذابه، ونحو ذلك.
وسِرُّ المسألة أن الكُلَّ مقدورٌ، والمقدور واجب الوقوع عقلًا وسمعًا، ولا يُسأل عن واجب الوقوع: لم وقع، ولا ما الفائدة في فعله، وإنما محارات العقول، بل المحال فيها عدم وقوعه لو صح فرض ذلك وتقديره.
يُوضِّحُه أنا لو فرضنا وقوع الأمور على خلاف علم الرب ﷿، وخلاف قدره السابق، وقضائه الماضي، لكان هذا محالًا فيه باعتبار إبطال المعلوم، فيجب أن لا يكون نقيضه محارةً ولا مُحالًا، ولا موضع دِقَّة وغموض، وإشكال وحَيرة، إذ يمتنع أن يتصف النقيضان معًا بذلك.
وتحقيق الجواب النبوي على صاحبه أفضل الصلاة والسلام، أن الأفعال إن كانت فيها فائدة، بطل السؤال، وإن لم يكن فيها فائدةٌ، تعيَّن وقوعها بالقدر (١)، فإن جميع المسلمين يعلمون أن عِلْمَ الله تعالى قد سبق، وتعلَّق بجميع الكائنات مما كلفهم ومما لم يُكلِّفْهُم، وعلموا أنه يستحيل تغيُّر علم الله تعالى، ثم هم لا ينفكُّون عن العمل في أمور دنياهم ودينهم، فكما أنهم يأكلون ويشربون ويزرعون ويَسعَوْنَ في طلب المنافع ودفع المضارِّ مع علمهم بسبق العلم بذلك وأنه لا يتغيَّر، فكذلك مع علمهم بذلك (٢) يسعون في أعمال الآخرة على حسب المقادير، فلذلك ترى كثيرًا ممن يؤمن بالقدر أحسن عملًا من كثيرٍ ممن ينفي القدر وعكس ذلك.
وخلاصة الجواب أن العمل مُقَدَّرٌ، فكيف يستأذنون في تركه، ولا سبيل
_________________
(١) = أهل العلم بالحديث، ففيه عدد غير قليل من الأحاديث الضعيفة والموضوعة. والحديث بطوله تقدم عند المؤلف ٥/ ٩١ - ٩٤ من رواية الطبراني، وهو مخرج هناك.
(٢) في (ش): " بالقدرة ".
(٣) من قوله: " وأنه لا يتغير " إلى هنا سقط من (ف).
[ ٦ / ٣٧٦ ]
إلى ترك ما قُدِّر فعله منه، ولا إلى فعل ما قدر تركه منه، ولعل الإشارة إلى ذلك بقوله (١): ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ [يوسف: ٦٨].
قال الزمخشري على اعتزاله: هو علمه أن الحذر لا يُغني عن القدر (٢).
فإن قيل: إنه يلزم من تفسير الجواب النبوي بهذا بطلان الاختيار، وبطلان الجزاء.
قلنا: هو ممنوعٌ بالضرورة شرعًا، فإن الله تعالى مختارٌ في أفعاله مع سبق القدر بها، وممنوعٌ بضرورة العقل بما (٣) علم ضرورة من استحسان العقلاء (٤) للأمر والنهي، والمدح والذم، والعمل مع القدر، والفرق الضروري بين حركة المختار وحركة المسحوب والمفلوج.
وتلخيص الكلام في ذلك قد مر في تفسير القدر، وأن وجوب الأقدار، وإمكان الأفعال غير متَّحِد المتعلق، بل هو مفترق باعتبار الجهتين، والله أعلم.
الوجه الثالث: أن وقوع الفعل تبعٌ للقدرة والداعي، سواء حَكَمَ العقل بأنه مُفيدٌ أو ضارٌّ، كوقوع المعصية من المسلم المعترف بأنها ضارة، فإذًا لا معنى للسؤال عن الفوائد، وإنما يسأل عنها من لا يعمل إلاَّ بما (٥) هو مفيدٌ في معقوله، وأما من يرتكب ما يعلم أنه يضُرُّ، ويستيقن أنه يُوبِقُه في الدنيا والآخرة، تارةً
_________________
(١) في (ف): " في قوله تعالى ".
(٢) " الكشاف " ٢/ ٣٣٣، والعبارة فيه: هو علمه بأن القدر لا يغني عنه الحذر.
(٣) في (ف): " لما ".
(٤) في (ف): " العقل ".
(٥) " بما " ساقطة من (ف).
[ ٦ / ٣٧٧ ]
لشهوته، وتارة لغضبه (١)، ولا يتوقف على حكمة حكيمٍ (٢)، فما اعتذاره عن العمل بعدم معرفة فائدته إلاَّ من جملة جدله وعناده ومكره وفساده ﴿وكَانَ الإنسانُ أكثَرَ شيءٍ جَدلًا﴾ [الكهف: ٥٤]، ﴿ويَمكُرُون ويَمكُرُ الله والله خَيرُ الماكرين﴾ [الأنفال: ٣٠]، ﴿ولا يَحِيقُ المَكرُ السَّيِّء إلاَّ بأهلِه﴾ [فاطر: ٤٣].
الوجه الرابع: ذكره ابن العربي الفقيه المالكي في " عارضة الأحوذي في شرح الترمذي " (٣)، فقال ما لفظه: قلنا: لا تطلب الفوائد في أمر الله وحكمه على مقتضى أغراض البشر، وإنما فوائد أمر الله وجودها على مقتضى المشيئة، ولم يطلعنا على ما يناسب (٤) مفهومنا في أنفسنا، لأنه ليس كمثله شيءٌ في ذاتٍ ولا صفاتٍ ولا فعلٍ.
الوجه الخامس: أشار إليه الفخر الرازي وغيره، فقال: إن الفائدة فيها تعجيل بشرى المؤمن وإنذار الكافر. قلت: لقوله ﷿: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [الكهف: ٥٦] ونحو ذلك.
وكذلك ظهور الأمارات على المقدَّر من الخير والشر، وما يتبع تلك الأمارات (٥) من معرفة أولياء الله تعالى وموالاتهم وإكرامهم ونصرهم في الدنيا، ومعرفة أعداء الله تعالى وعداوتهم ونصر المؤمنين عليهم (٦)، وسائر الأحكام الشرعية المرتبة على الأعمال. قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩].
_________________
(١) في (ش): " لمعصيته ".
(٢) " حكيم " ساقطة من (ش).
(٣) ٨/ ٣٠٠.
(٤) في (ف): " يناسبه ".
(٥) من قوله: " على المقدر " إلى هنا سقط من (ف).
(٦) قوله: " ونصر المؤمنين عليهم " سقط من (ف).
[ ٦ / ٣٧٨ ]
وذِكْرُ الرازي لهذا الوجه غفلةٌ منه عن مذهبه في نفي تعليل أفعال الرب ﷿، وفي ذلك دليلٌ على الفطرة على خلاف مذهبه، فإذا غفل عنه، تكلم بالفطرة، فلله الحمد.
الوجه السادس: ما ذكره ابن قيم الجوزية في " الجواب الشافي " (١) وهو ما لفظه: والصواب (٢) أن ها هنا قسمًا ثالثًا غير ما ذكره السائل، وهو أن هذا المقدر قُدّرَ بأسبابٍ، ولم يُقَدَّرْ مجردًا عن سببه، ولكن قُدِّرَ سببه، فمتى أتى العبد بالسبب، وقع المُقدَّر، ومتى لم يأت بالسبب، انتفى المقدَّر، وهذا كما قُدِّرَ الشِّبَعُ والرِّيُّ بالأكل والشرب، وقُدِّر الولد بالوطء، وقُدِّرَ حصول الزرع بالبذر، وقُدِّرَ خروج نفس الحيوان بذبحه، وكذلك قُدِّرَ دخول الجنة بالأعمال، ودخول النار بالأعمال.
وهذا القسم هو الحق، وهو الذي حُرِمَه السائل ولم يُوفَّقْ له.
إلى أن قال (٣): وقد دل العقل والنقل والفطرة وتجارب الأمم على اختلاف أجناسها ومللها ونِحَلِها أن التقرب إلى رب العالمين وطلب مرضاته (٤) والبر والإحسان إلى خلقه من أعظم الأسباب الجالبة لكل خير، وأضدادها من أعظم الأسباب الجالبة لكل شرٍّ، فما استُجلِبَتْ نِعَمُ الله واستُدفِعَتْ نِقَمُهُ بمثل طاعته، والتقرب إليه، والإحسان إلى خلقه.
وقد رتَّب الله حصول الخيرات في الدنيا والآخرة في كتابه على الأعمال ترتيب الجزاء على الشرط، والمعلول على العِلَّة، والمسبب على السبب، وهذا
_________________
(١) ص ١٥.
(٢) قوله: " والصواب " ساقط من (ف).
(٣) ص ١٦ - ١٧.
(٤) في (أ) و(ش): " رضاه ".
[ ٦ / ٣٧٩ ]
في القرآن يزيد على ألفِ موضع، فتارةً ترتب الحكم (١) الخبري الكوني، والأمر (٢) الشرعي على الوصف المناسب له، كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف: ١٦٦]، وقوله تعالى: ﴿فَلمَّا آسَفُونَا انْتَقَمنا مِنهُم﴾ [الزخرف: ٥٥]، وقوله تعالى: ﴿والسَّارِقُ والسَّارقَةُ فاقطَعُوا أيديَهما﴾ [المائدة: ٣٨]، وقوله: ﴿إنَّ المُسلمين والمُسلِماتِ﴾ إلى قوله: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥] وهذا كثير جدًا.
قلت: وفيه أوضح دليلٍ على بطلان قول من قال: إن أفعال الله تعالى كلها لا يجوز أن يكون شيءٌ منها معلَّلًا بالحكم والمصالح. وكذلك أكثر ما يورده الشيخ في هذا الجواب، وسيأتي ذكر ذلك مع أضعافه في موضعه إن شاء الله تعالى.
قال الشيخ (٣) وتارةً يُرتِّبه عليه بصيغة الشرط والجزاء، كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]، وقوله: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦] ونظائره ..
وتارةً يأتي بآلة التعليل (٤)، كقوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧] (٥).
وتارةً يأتي بباء السببية، كقوله: ﴿ذلِكَ بما قَدَّمت أيدِيكم﴾ [آل عمران:
_________________
(١) في (ف): " الأمر ".
(٢) في (أ) و(ش): والأمري.
(٣) ص ١٧ - ١٩.
(٤) في " الجواب الكافي ": " وتارة يأتي بأداة "كي" التي للتعليل ".
(٥) من قوله: " وتارة يأتي بألة " إلى هنا ساقط من (ف).
[ ٦ / ٣٨٠ ]
١٨٢]، وقوله: ﴿بما كنتم تعملون﴾ [المائدة: ١٠٥]، و﴿بما كُنتُم تَكسِبونَ﴾ [الأعراف: ٣٩]، وقوله: ﴿أَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأعراف: ١٣٦].
وتارةً يأتي بالمفعول لأجله ظاهرًا أو محذوفًا (١)، كقوله تعالى: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقوله تعالى: ﴿أنْ تقولُوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين﴾ [الأعراف: ١٧٢]، وقوله: ﴿أنْ تقولوا إنما أُنزِلَ الكتابُ على طائفتَينِ مِنْ قَبْلِنا﴾ [الأنعام: ١٥٦] أي: كراهة أن تقولوا.
وتارة يأتي بفاء السببية، كقوله: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾ [الشمس: ١٤]، وقوله تعالى: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾ [الحاقة: ١٠]، وقوله: ﴿فكذَّبُوهُما فكانوا مِنَ المُهلَكِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٨] ونظائره.
وتارةً يأتي بأداة " لما " الدالة على الجزاء، كقوله تعالى: ﴿فلمَّا آسفونا انتقمنا منهم﴾ [الزخرف: ٥٥] ونظائره.
وتارة يأتي بإنَّ وما عملت (٢) فيه، كقوله: ﴿إنَّهُم كانوا يُسارِعُون في الخيرات﴾ [الأنبياء: ٩٠]، وقوله في ضد هؤلاء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٧].
وتارة يأتي بأداة " لولا " الدالة على ارتباط ما قبلها بما بعدها كقوله: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٣ - ١٤٤].
_________________
(١) في (أ) و(ش): " ومحذوفًا ".
(٢) في (أ): " علمت "، وهو تحريف.
[ ٦ / ٣٨١ ]
كلام الغزالي في فائدة الدعاء مع القدر
وتارة يأتي "بلو" الدالة على الشرط، كقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [النساء: ٦٦].
وبالجملة: فالقرآن من أوله إلى آخره صريحٌ (١) في ترتب (٢) الجزاء بالخير والشر والأحكام الكونية والأمرية على الأسباب، بل ترتب أحكام الدنيا والآخرة ومصالحهما ومفاسدهما على الأسباب والأعمال.
ومن فَقِهَ (٣) هذه (٤) المسألة وتأملها حق التأمل، انتفع بها غاية النفع، ولم يتَّكِل على القدر جهلًا منه وعجزًا وتفريطًا وإضاعةً، فيكون توكُّله عجزًا، وعجزه توكلًا، بل الفقيه، كل الفقيه الذي يَرُدُّ القدر بالقدر، ويدفع القدر بالقدر، ويُعارضُ القدر بالقدر، بل لا يمكن لإنسان أن يعيش إلاَّ بذلك، فإن الجوع والعطش والبرد وأنواع المخاوف والمحاذير هي من القدر، والخلق كلهم ساعون في دفع هذا القدر بالقدر.
وهكذا من وفقه الله وألهمه رشده، يدفع قدر العقوبة الأخروية بقدر التوبة والإيمان والأعمال الصالحة.
فهذا وِزان (٥) القدر المخوف في الدنيا وما يُضاده سواء، فَرَبُّ الدارين واحدٌ، وحكمته واحدةٌ، لا يناقض بعضها بعضًا، ولا يُبطِلُ بعضها بعضًا.
فهذه المسألة من أشرف المسائل لمن عرف قدرها، ورعاها حق رعايتها، والله المستعان. انتهى بحروفه.
وللغزالي في " الإحياء " (٦) معنى هذا بأخصر منه، وهو كلام مشهورٌ ذكره في فائدة الدعاء مع القدر، فقال ما لفظه: فإن قلت: فما فائدة الدعاء والقضاء لا
_________________
(١) في (أ) و(ش). " مصرح ".
(٢) في (أ) و(ش): " ترتيب ".
(٣) في " الجواب الكافي ": " تفقه ".
(٤) في (ف): " في هذه ".
(٥) في (ش): دون، وهو خطأ.
(٦) ١/ ٣٢٨ - ٣٢٩.
[ ٦ / ٣٨٢ ]
مردَّ له؟ فاعلم أن من القضاء ردَّ البلاء بالدعاء، والدعاء سببٌ لردِّ البلاء واستجلاب الرحمة، كما أن الترس سببٌ لرد السهم، والماء سبب لخروج النبات من الأرض، فكما أن الترس يدفع السهم، فيتدافعان، وكذلك الدعاء والبلاء يتعالجان، وليس من شرط الاعتراف بقضاء الله ﷿ أن لا يُحمل السلاح، وقد قال الله ﷿: ﴿خُذُوا حِذْرَكُم﴾ [النساء: ٧١]، وأن لا تُسقى الأرض بعد بثِّ البذر، فيقال: إن سَبَقَ القضاء بالنبات، نبت، بل ربط الأسباب بالمسببات هو القضاء الأول الذي هو كلمح البصر، وترتيب تفصيل المسبِّبات على تفصيل (١) الأسباب على التدريج، والتقدير هو القدر، والذي قدَّر الخير قدَّره بسببٍ، وكذلك الشر (٢) قدر لدفعه (٣) سببًا، فلا تناقض بين هذه الأمور عند من انفتحت بصيرته انتهى.
وقد ألم بهذا المعنى الإمام العلامة شرف الدين إسماعيل بن المقرىء الشافعي الزبيدي (٤)، فقال وأجاد:
_________________
(١) في (ف): " بتفاصيل "، وفي " الإحياء ": " على تفاصيل ".
(٢) في " الإحياء ": " والذي قدر الشر ".
(٣) في (أ) و(ش): " لرفعه ".
(٤) هو إسماعيل بن أبي بكر بن عبد الله شرف الدين المقرىء الزبيدي، عالم البلاد اليمنية، وكان غاية في الذكاء، مهر في الفقه والعربية والأدب، وولي إمرة بعض البلاد في دولة الأشرف، له كتاب مختصر " الروضة " للنووي سماه " الروض "، و" مختصر الحاوي الصغير " سماه " الإرشاد "، وكتاب " عنوان الشرف " في الفقه، ويشتمل على أربعة فنون غيره هي: النحو والتاريخ والعروض والقوافي. توفي سنة ٨٣٧ هـ. مترجم في " طبقات الشافعية " لابن قاضي شهبة ٤/ ١٠٩ - ١١٠، و" إنباء الغمر " ٨/ ٣٠٩، و" الضوء اللامع " ٢/ ٢٩٢ - ٢٩٥، و" بغية الوعاة " ١/ ٤٤٤، و" شذرات الذهب " ٧/ ٢٢٠ - ٢٢١، و" البدر الطالع " ١/ ١٤٢.
[ ٦ / ٣٨٣ ]
تقول مع العِصيانِ: ربِّي غَافِرٌ صَدَقْتَ ولكِنْ غَافِرٌ بالمشيئةِ
وربُّك رزَّاقٌ كما هو غافرٌ فَلِمْ لَمْ (١) تُصدِّقْ فيهما بالسَّويَّةِ
فإنك ترجو العفو من غير توبةٍ ولستَ بِراجي الرِّزقِ إلاَّ بِحيلةِ
على أنه بالرزق كَفَّل نفسُهُ لِكُلٍّ ولم يَكْفَلْ لكل بِجَنَّةِ
فأما ما يُجيب (٢) به بعض غلاة متكلمي الأشعرية من نفي رعاية الحِكَمِ والمصالح والأسباب والأغراض والدواعي والبواعث والغايات الحميدة عن جميع أفعال الله ﷾ قاصدين بذلك الفرار من بدعة الاعتزال، فمن أبطل المُحال، وأشنع الضلال، وهو يستلزم نسبة العبث إلى الله تعالى، ويعارض ما عُلِمَ من ضرورة الدين من تعليل عذاب أعداء الله تعالى بذنوبهم، كقوله تعالى: ﴿ذلكَ بما قدَّمَتْ أيدِيكُم﴾ [آل عمران: ١٨٢]، وقوله: ﴿بِما كُنتُم تَعْمَلون﴾ [المائدة: ١٠٥]، وقوله: ﴿بِما كُنتُم تَكسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٣٩] كما تقدم مختصرًا في كلام الشيخ ابن قيم الجوزية، وكما يأتي مستوفى إن شاء الله تعالى في الكلام على مسألة الأطفال.
وبتمام هذا يتم الكلام على المرتبة الرابعة، وهي إطلاق أهل السنة للوجوب، بمعنى القضاء والقدر، دون نفي الاختيار في أفعال العباد.
تم بعونه تعالى الجزء السادس
من العواصم والقواصم ويليه
الجزء السابع وأوله المرتبة الخامسة الكلام في أفعال العباد
_________________
(١) في (ف): " لا ".
(٢) في (ف): " يجسر".
[ ٦ / ٣٨٤ ]
العواصم والقواصم
في الذب عن سنة أبي القاسم
تصنيف الإمام العلامة النظار المجتهد محمد بن إبراهيم الوزير اليماني
المتوفى سنة ٨٤٠ هـ
حققه وضبط نصه، وخرج أحاديثه، وعلّق عليه
شعيب الأرنؤوط