مدخل
المقصد الأول: فى المنصوص من عقائد الحنابلة:
وهو مشتمل على: أبوب، وخاتمة، وتتمة.
[ ٢٧ ]
الباب الاول في معرفة الله
مدخل
الباب الأول: في معرفة الله تعالى
فتجب معرفة الله تعالى شرعًا، ومما ورد في الشرع: النظر في الوجود والموجود١ على كل مكلف قادر٢، وهو أول واجب [لله] ٣ تعالى،
وأول نعم الله تعالى الدينية، وأعظمها: أن أقدره على معرفته ٤، وأول نعمه الدنيوية الحياة العرية عن ضرر.
_________________
(١) ١ من ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [يونس، والآية:١٠١] . ٢ قادر على النظر والبحث في الكون ومخلوقات الله، من حيث دلائل الألوهية، وإثبات القدرة والعلم والمشيئة والإرادة، وسائر صفات مولانا ﷿، انظر مقدمة في عقيدة الإمام أحمد: ٢٨١/٢، طبقات الحنابلة. ٣ ليست في الأصل، والسياق يقتضيها. ٤ بأن أقدر عبده على معرفته، فأعطه عقلًا يفهم به، ويدرك ما حوله من مخلوقات يبحث عن موجدها، ويستطيع به أن يتيقن وجود خالقه ومالكه وإلهه، وأنه واحد، ثم أرسل إليهم رسلًا من أنفسهم، يعلمونهم أسماءه وصفاته، ويقيمون شرعه من أمر ونهي. ٥ في الأصل: وال، بأسقاط الواو، وهو سبق قلم من الناسخ.
[ ٢٩ ]
الوحدانية، العلم
وشكر المنعم واجب شرعًا ١، وهو اعتراف بنعمه على جهه الخضوع والإذعان٢، وصرف كل نعمه في طاعته٣.
الوحدانية:
ويجب الجزم بأنه٤ تعالى واحد لا يتجزأ، ولا ينقسم٥، أحد لا من "٢/ب" عدد ٦، فرد، صمد٧، لمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ٨.
العلم:
وبأنه تعالى عالم بعلم، واحد، قديم، باقٍ، ذاتي، محيط بكل معلوم، كلي أو جزئي، على ما هو عليه، فلا يتجدد علمه بتجدد المعلومات، ولا يتعدد بتعددها٩.
_________________
(١) ١ لقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة، الأية:١٥٢] . ٢ هذا تعريف شكر النعمة، وهو شكر عامة الناس، أما شكر الخاصة فقد ثنى به على الأول، وهو: صرف كل نعم الله في طاعته، وهذا كمال الشكر. ٣ مختصر لوامع الأنوار: "صـ ٢٣ - ٢٤". ٤ في الأصل: بأن. ٥ فالتجزؤ والأنقسام صفة االعرض والجسم، والله ﷿ ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. ٦ فما يجوز عليه العدد جاز تثنيته، والله فرد لا مثيل له ولا نظير ولا شبيه، فالعدد دال على تعدد أفراد الجنس، فنحن نقول: هذا واحد، وهذا ثانٍ، وهكذا، كي نعد الأفراد ذوات الجنس الواحد، أما في حق الله ﷿، فنقول: أنه واحد لكن العدد ليس من صفاته، ولا تمييزًا عن غير، فهو متفرد بالألوهية، والربوبية، والملك، وليس الرقم١ من أسمائه أو صفاته. ٧ الصمد: السيد المصمود إليه في الحوائج، تفسير أسماء الله الحسنى: صـ ٥٨. ٨ الغنية: ٤٨/١، لمعة الاعتقاد: صـ ٣، مختصر لوامع الأنوار: صـ ٢٤، مقدمة في عقيدة الإمام أحمد: ٢٧٠/٢، طبقات الحنابلة، اعتقاد الإمام أحمد: ٢٩٣/٢، طبقات الحنابلة، شرح الطحاوية: صـ ٢٣٨. ٩ الغنية: ٤٩/١، مختصر لوامع الأنوار: صـ ٣١، مقدمة في عقيدة الإمام أحمد: ٢٧٠/٢، طبقات الحنابلة، اعتقاد الإمام أحمد: ٢٩٤/٢، طبقات الحنابلة، لمعة الاعتقاد: صـ ٤.
[ ٣٠ ]
ليس بضروري، ولا كسبي، ولا استدلالي١.
_________________
(١) ١ الضروري: ما وقع تحت الحواس الخمس. الكسبي: ما اكتسبه العقل عن غيره دون فكر أو نظر أو استدلال. والاستدلالى: ما وقع وكشف بطلب واستنباط ونظر، وهو علم المحدثين، انظر: مقدمة في عقيدة الإمام أحمد: "٢٨١/٢"، طبقات الحنابلة، الإنصاف: صـ ١٤، شرح الطحاوية: صـ ١٤٧-١٤٨.
[ ٣١ ]
القدرة، الإرادة، الحياة، السمع، البصر
القدرة:
وبأنه قادر بقدرة واحدة وجودية باقية قديمة ذاتية، متعلقة بكل ممكن، فلم يوجد شيء في الماضي، ولا يوجد في المستقبل إلا بها٢.
الإرادة:
وبأنه: مريد بإرادة واحدة، وجودية قديمة، ذاتية باقية، متعلقة بكل ممكن٣.
الحياة:
وبأنه تعالى: حي بحياة واحدة، وجودية قديمة، ذاتية باقية٤.
السمع والبصر:
وبأنه تعالى: سميع بصير، بسمع وبصر، قديمين ذاتيين، وجوديين، متعلقين بكل مسموع ومُبصَر٥.
_________________
(١) ٢ الغنية: "٤٩/١"، مختصر لوامع الأنوار: صـ ٣٢، اعتقاد الإمام أحمد: "٢٩٥/٢"، طبقات الحنابلة، شرح الطحاوية: صـ ١٠٨. ٣ الغنية: "٤٩/١"، لعمة الاعتقاد: صـ ٢٨، مختصر لوامع الأنوار: صـ ٣١، مقدمة في اعتقاد الإمام أحمد: "٢٦٩/٢" طبقات الحنابلة، اعتقاد الإمام أحمد: "٢٩٥/٢"، طبقات الحنابلة، شرح الطحاوية: "صـ ١١٥-١٩٩". ٤ الغنية: "٤٩/١"، مختصر لوامع الأنوار: صـ ٢٧، اعتقاد الإمام أحمد: "٢٩٣/٢"، طبقات الحنابلة، شرح الطحاوية: "صـ ١٢٣-١٢٥". ٥ الغنية: "٤٩/١"، لمعة الاعتقاد: صـ ٦، مختصر لوامع الأنوار: صـ ٣١، اعتقاد الإمام أحمد: "٢٩٣/٢، ٢٩٤"، طبقات الحنابلة، شرح الطحاوية: "صـ ١٤٣"، وتعلق السمع والبصر بكل مسموع ومبصر، سواء كان مسموعًا ومبصَرًا لنا، أو لم يكن كذلك، فكل ما خلقه الله متكلمًا بحسبه، فهو مسموع لله، وكل ما خلقه فهو مبصر له، وإن لم نره، ولا أهمية لسمعنا أو بصرنا.
[ ٣١ ]
الكلام:
وبأنه تعالى: قائل، ومتكلم بكلام قديم ذاتي وجودي، غير مخلوق ولا محدث ولا حادث، بلا تمثيل، ولا تشبيه، ولا تكييف١.
القول في القرآن:
والقرآن كلام الله ووحيه وتنزيله، معجز بنفسه لجميع الخلق، غير مخلوق، ولا حالٍّ في شيء، ولا مقدور على بعض آية منه، فمن قال: القرآن مخلوق، أو محدث، أو حادث، أو وَقَفَ فيه شاكًّا، أو ادعى قدرة أحد على مثله، كفر٢.
ومن قال: لفظي بالقرآن مخلوق، أو القرآن بلفظي مخلوق، فإن كان يدعو إليه، ويناظر عليه، فهو محكوم بكفره بنص أحمد -"﵁" على ذلك صريحًا، في مواضع٣ وإن كان مقلدًا، فهو فاسق، قاله شيخنا
_________________
(١) ١ الغنية: "٤٩/١"، لعمة الاعتقاد: "صـ ١٨"، مختصر لوامع الأنوار: "صـ ٢٧"، اعتقاد الإمام أحمد: "٢٩٥/٢"، طبقات الحنابلة، شرح الطحاوية: "صـ ١٨١". ٢ إذا ذكر الإمام أحمد، ﵁، كُفْرَ أحد بعينه، أو أطلق الكفر في شيء كمسألة القرآن من حيث الخلق واللفظ والوقف، فإن ذلك الحكم ليس للتغليظ والتنفير، بل حكم بالكفر حقيقة، وقالت الأشعرية: حكم بذلك حسمًا لمادة تلك البدعة، لا أنه يكفرهم حقيقة، وكل ذلك تخرُّص لا برهان عليه، ومن كان يعتقد ذلك منهم، فليثبته من كلام الإمام ﵁، أو عن من أخذ عنه، فإن حقيقة كلامه لا يعلمها إلا هو، أو من أخذ عنه، فإن لم يكن مفسرًا فهو على ظاهره، كما هو أصل الإمام في فهم الكلام، إذا لم يرد معه -أو بنص آخر- تفسير أو إشارة أو قرينة أو نحوها، مما هو مبسوط في علم أصول الفقه. ٣ ذكر أكثرها في: طبقات الحنابلة: "٢٩/١، ٤٦، ٦٢، ٧٦، ١٠٣، ١١٥، ١٢٠" =
[ ٣٢ ]
منصور البهوتي١ فى حاشيته على المنتهى، وبمعناه في شرحه لمؤلفه٢ في كتاب الشهادات.
ومن قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق، فهو مبتدع٣.
ويسندنا لأحمد "﵁" أنه سئل عن من قال: لفظي القرآن غير مخلوق٤، قال: "من قاله فهو جهمي".
وقال جوابًا لسائل أخر عن هذا السؤال: "لا يصلى خلف قائله، ولا
_________________
(١) = ١٢١، ١٣٢، ١٤٢، ١٥٦، ١٧٠، ١٧٣، ٢٥٧، ٢٧٩" إقرار لكلام البخاري،: "٢٨٦، ٢٩٠، ٣٢٦، ٣٢٨، ٣٤٠" إقرار لقول يحيى بن يحيى: "٣٤٢، ٣٩٦، ٣٩٧، ٤٠١، ٤١٤" وها نحن عددنا مواضعها، وراها عنه من أصحابه عددهم عدد تلك المواضع، وربما فات شيء يسير لم نذكره. ١ منصور بن يونس بن صلاح الدين بن حسن بن إدريس البهوتي الحنبلي: شيخ الحنابلة في وقته بمصر، نسبته إلى بهوت في غربية مصر، ولد سنة ١٠٠٠هـ، وتوفي سة ١٠٥١هـ، بالقاهرة، له كتب: "الروض المربع، شرح زاد المستقنع "، و"كشاف القناع، عن متن الإقناع"، "إرشاد أولي النهى، لدقائق المنتهى"، و"شرح المنتهى"، و"شرح نظم المفردات"، و"عمدة الطالب" متن بالفقه. ٢ مؤلفه هذا هو "عمدة الطالب"، وهو متن بالفقه، ولا نعلم أن له شرحًا لمؤلفه، إنما شرحه العلامة الشيخ عثمان بن أحمد النجدي، ذكره الشيخ عبد القادر بدران في: المدخل: "صـ ٢٢٨،٢٢٦"، أما المتن فقد سماه: "عمدة الراغب". ٣ الغنية: "٥١/١-٥٢"، لمعة الاعتقاد: "صـ ٢١-٢٧"، مختصر لوامع الأنوار: "صـ ٣٤-٣٨"، مقدمة في اعتقاد الإمام أحمد: "٢٦٧/٢-٢٧٠"، طبقات الحنابلة، اعتقاد الإمام أحمد: "٢٩٦/٢-٣٠٢"، طبقات الحنابلة، عقيدة الإمام أحمد: "٢٩/١"، طبقات الحنابلة، معتقد الإمام أحمد: "١/ ٢٤٢"،طبقات الحنابلة، كتاب مسدد: "٣٤٢/١، ٣٤٣" طبقات الحنابلة، وهذا العزو يشمل ما قبل موضع الإشارة، من بداية القول في القرآن. ٤ في عبارة الأصل اضطراب، وهي فيه: "القرآن لفظي باغير مخلوق"، ووضع علامة التقديم والتأخير فوقها.
[ ٣٣ ]
يجالَس ولا يكلَّم ولا يصلى عليه١.
فالواجب٢ الكف عن هذه العبارات وشبهها، لكف السلف عنها، لما فيها من الإيهام، وسيأتي الكلام على هذه المسألة مستوفًى في آخر هذا التأليف، إن شاء الله تعالى، ونقل كلام٣ الحافظ ابن حجر ٤ في الذي استقر عليه قول الأشعرية، وهو: موافقتهم الحنابلة في الاعتقاد، إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) ١ انظر: طبقات الحنابلة: "٢٩/١، ٧٥، ٩٤، ١٠٣، ١١١، ١٢٠، ١٤٢"، موضعان، "٢٠٢" نحوه"، ٢٥٧، ٢٧٩" إقرار لكلام البخاري، "٢٨٦، ٢٨٨، ٢٩٩، ٣٤٣" وليس هذا تتبعًا تامًا بل فضل شيء بالمعنى. ٢ في الأصل: فالجواب، والصواب ما أثبتناه، فليس ثمة سؤال، والنص كما أثبتناه أصح معنًى وسياقًا. ٣ وسيأتي في موضعه العزو إلى موضع كلام الحافظ ابن حجر. ٤ أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني، أبو الفضل، شهاب الدين ابن حجر: من أئمة العلم والتاريخ، أصله من عسقلان بفلسطين، ومولده بالقاهرة سنة ٧٧٣هـ، ووفاته بها سنة ٨٥٢هـ، علت شهرته، وصار حافظ الإسلام، أشهر كتبه "شرح البخاري المسمى: فتح الباري"، و"الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة"، و"لسان الميزان"، و"تعجيل المنفعة برجال الأربعة"، وغيرها كثير.
[ ٣٤ ]
فصل في الجوهر والجسم والعرض والمكان، ونفيها عن الله
فصل: ويجب الجزم بأن الله تعالى ليس بجوهر،
ولا جسم، ولا عرض٥، ولا تحلُّهُ الحوادث، ولا يحلُّ فى حادث٦، ولا ينحصر فيه٧، فمن اعتقد،
_________________
(١) ٥ الغنية: "٤٨/١"، باب: فى معرفة الصانع ﷿، اعتقاد الإمام أحمد: "٢٩٣/٢"، طبقات الحنابلة، وهو قوله: "لا يجوز عليه التجزؤ، ولا القسمة"، مختصر لوامع الأنوار: "صـ ٣٩"، الإنصاف: "صـ ١٦"، عقيدة القاضي أبي يعلى: "٢١٠/٢-٢١٢"، طبقات الحنابلة. ٦ انظر: الحموية الكبرى: "٤٥١/١، ٤٥٢"، مجموعة الرسائل الكبرى، مختصر لوامع الأنوار: "صـ ٣٩ -٤٠"، اعتقاد الإمام أحمد: "٢٩٧/٢"، طبقات الحنابلة، الغنية: "٥٠/١"، عقيدة الإمام أحمد "٢٤/١" طبقات الحنابلة. ٧ الحصر: الحد والتحديد، انظر: الغنية: "٤٨/١-٥٠"، اعتقاد الإمام أحمد "٢٩٧/٢"، طبقات الحنابلة، مختصر لوامع الأنوار: "صـ ١٠-٤١"
[ ٣٤ ]
أو قال: "إن الله بذاته فى مكان"، فكافر١.
بل يجب الجزم بأنه ﷾: بائن من خلقه٢، فكان ولا "٣/أ" مكان، ثم خلق المكان، وهو كما كان قبل خلق المكان٣، ولا يعرف بالحواس، ولا يقاس بالناس٤، فهو الغني عن كل شيء، ولا يستغني عنه شيء، ولا يشبه شيئًا، ولا يشبهه شيء٥.
_________________
(١) . ١ لأنه خالف الكتاب والسنة، ونفى عن الله تعالى صفة الاستواء، وأثبت له الحد، والحلول في خلقه، وأنه فى الأماكن القذرة والمستخبثة، وصرف عقده عن التنزيه. ٢ تقدم قريبًا ذكر مواضع ذلك، وانظر: عقيدة السلف وأصحاب الحديث: "١١١/١"، مجموعة الرسائل المنيرية، عند ذكر ابن المبارك بسنده، ثم كلام ابن خزيمة، وعقيدة الإمام أحمد: "٢٩/١"، طبقات الحنابلة. ٣ الإنصاف: "صـ ٤١"، اعتقاد الإمام أحمد: "٢٩٧/٢" طبقات الحنابلة. ٤ معتقد الإمام أحمد: "٢٤١/١"، طبقات الحنابلة، الغنية: "٤٩/١"، اعتقاد الإمام أحمد: "٣٠١/٢"، طبقات الحنابلة، شرح الطحاوية: "صـ ١٢٠". ٥ مختصر لوامع الأنوار: "صـ ٢٤"، لمعة الاعتقاد: "صـ ١٤"، وهو قول عامة أهل الحق، لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى، الآية:١١] .
[ ٣٥ ]
تحريم التاويل، ومذهب السلف في أخبار الصفات وآياته
[وعلى] ٦ كل حال: مهما خطر بالبال، أو توهمه الخيال، فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال٧.
فيحرم تأويل ما يتعلق به تعالى، وتفسيره٨، كآية الاستواء٩،
_________________
(١) . ٦ ما بين معقوفين زدناه؛ لتمام المعنى. ٧ اعتقاد الإمام أحمدك "٣٠١/٢"، طبقات الحنابلة، لمعة الاعتقاد: "صـ ١٥"، شرح الطحاوية: "صـ ١٢٠/١١٩". ٨ لقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾، [آل عمران، الآية:] . ٩ وهي قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، [طه، الآية:٥] . وقد وردت هذه الصفة في سبعة مواضع من القرآن الكريم، في طه، والسجدة، والحديد، والفرقان، والرعد، ويونس، والأعراف.
[ ٣٥ ]
وحديث النزول١، وغير ذلك من آيات الصفات، إلا بصادر عن النبي ﷺ، أو بعض الصحابة، وهذا مذهب السلف قاطبة، فلا نقول في التنزيه كقول المعطلة٣، بل نثبت ولا نحرف، ونصف ولا نكيف، والكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، فمذهبنا حق بين باطلين، وهدًى بين ضلالتين، وهو: إثبات الأسماء والصفات، مع نفي التشبيه والأدوات٤.
_________________
(١) ١ وهو قوله ﷺ: "ينزل الله ﷿ كل ليلة إلى سماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له"، رواه البخاري في: التوحيد: باب قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾: "١٧٥/٩"، ومسلم في: صلاة المسافرين: باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل: "١٧٥/٢، ١٧٦". ومالك في: الموطأ: في القرآن: باب ما جاء في الدعاء: "صـ ١٧٠"، وأبو داود في: الصلاة: باب أي الليل أفضل: "٢٠٧/١". ٢ في الأصل: "قاطبة السلف"، ولم يذكر تقديمًا ولا تأخيرًا، وقاطبة معناها جميعًا، ولا تستعمل إلا حالًا، "اللسان: قطب". ٣ وهم نفاة الصفات، كالجهمية والمعتزلة. ٤، طبقات الحنابلة: "٢٠٩/٢، ٢١١"، العقيدة الواسطية: "٤٠٠/١"، مجموعة الرسائل الكبرى، شرح الطحاوية: "صـ ٢١٤-٢١٩".
[ ٣٦ ]
الباب الثاني في الافعال
مدخل
الباب الثاني: في الأفعال:
كل شيء سوى الله وصفاته١، حادث، وهو ﷾ خلقه، وأوجده، وابتدأه من العدم، لا لعلة٣، ولا لغرض٤، ولا لموجب٥، ولا يفعل شيئًا عبثًا٦، وجميع أفعال العباد كسب لهم، وهي مخلوقة لله، خيرها وشرها٧، والعبد مختار يسير في كسب الطاعة، واكتساب المعصية، غير
_________________
(١) ١ أي: وأسماء الله، فهي كذاته قديمة. ٢ مختصر لوامع الأنوار: "صـ ٥٤، ٥٥"، اعتقاد الإمام أحمد: "٢/ ٢٩٩"، طبقات الحنابلة، مقدمة في عقيدت الإمام أحمد: "٢/ ٢٦٥، ٢٧٠"، طبقات الحنابلة. ٣ العلة: سبب يقتضي فعلًا، مختصر لوامع الأنوار: "صـ ٦٢،٥٥". ٤ الغرض: الحاجة، فالله خلق الخلق، لا لحاجة إليهم في شيء مطلقًا، بل هم محتاجون إليه، لا غناء لهم عنه. ٥ كذلك، فالله لم يوجب شيءٌ عليه إيجاد خلقه، ولا يترتب على إيجاده لهم مصلحة له أو نفع، انظر: مختصر لوامع الأنوار: "صـ ٦٢،٥٦". ٦ اعتقاد الإمام أحمد: "٢٩٩/٢"، طبقات الحنابلة، الغنية: "٥٦/١"، مختصر لوامع الأنوار: صـ ٥٧". ٧ مقدمة في عقيدة الإمام أحمد: "٢٦٩/٢"، طبقات الحنابلة، اعتقاد الإمام أحمد "٢/ ٢٩٩"، طبقات الحنابلة، مختصر لوامع الأنوار: "صـ ٥٨"، شرح الطحاوية: "صـ ٤٩٣-٥٠٢".
[ ٣٧ ]
فعل الله بخلقه مايشاء من رحمة وعذاب وعفو
مكره، ولا مجبر١، وله تعالى إيلام الخلق وتعذيبهم من غير جرم، فله أن يفعل بخلقه ما يشاء٢، وكل ذلك منه حسن، وله تعجيل الثواب والعقاب وتأخيرهما، والعفو عن المسلم المذنب، وإن لم يتب، وعن الكافر إذا أسلم٣، والمعدوم مخاطب إذا وجب٤، ولا يجب عليه لخلقه شيء، ولا فعل الأصلح لهم٥، والعقل المرعي تبع للنقل الشرعي.
والله هو الرزاق من حلال وحرام، هدى من شاء، وأضل من أراد.
_________________
(١) ١ مختصر لوامع الأنوار: "صـ ٦١". ٢ اعتقاد الإمام أحمد: "٣٠٣/٢"، طبقات الحنابلة، معتقد الإمام أحمد: "٢٤٥/١"، طبقات الحنابلة، مختصر لوامع الأنوار: "صـ ٧٩،٧٨". ٣ معتقد الإمام أحمد: "٢٤٥/١" طبقات الحنابلة، مختصر لوامع الأنوار: "صـ ٧٦". ٤ المعدوم غير الموجود، وقد أسلفنا أن المعدوم ليس شيئًا، والمعدوم ليس مكلفًا ما دام معدومًا؛ فلا معنى لتكليفه ما دام غير موجود، ليقوم بالتكاليف، ومدار المسألة على الأهلية، وما من عاقل يقول: إن المعدوم له شيء من الأهلية ليكلف، وما من عاقل يقول: إن غير البالغ له كامل أهلية البالغ. أما شروط الأهلية: فالبلوغ؛ لإدراك الخطاب والعمل. والعقل؛ ليصح فعله وتصرفه. وما من عاقل يقول بتكليف الصبي والمجنون ونحوهما، أما إذا وجد وبلغ، عاقلًا مدركًا فقد بلغ مكلفًا، وهذا معنى قوله: "مخاطب إذا وجب". ٥ مختصر لوامع الأنوار: "صـ ٦٢"، مقدمة في عقيدة الإمام أحمد: "٢٦٦/٢"، طبقات الحنابلة. ٦ مقدمة في عقيدة الإمام أحمد: "٢٦٩/٢"، طبقات الحنابلة، اعتقاد الإمام أحمد: "٣٠٦/٢"، طبقات الحنابلة، مختصر لوامع الأنوار: "صـ ٦٤". اعتقاد الإمام أحمد: "٣٠٠/٢"، طبقات الحنابلة، مختصر لوامع الأنوار: "صـ ٦٣".
[ ٣٨ ]
الباب الثالث في الأحكام
مدخل
الباب الثالث: في الأحكام:
فيجب امتثال أمره ونهيه الجازمين، ويسن في غيرهما، ولا يستحق المطيع على الله ثوابًا، ولا العاصي عقابًا، بل يثيب الطائع بفضله، ويعذب العاصي بعدله١، فلا نقطع لطائع بجنة، ولا لعاصٍ٢ بنار، بل نرجو ونخاف٣.
_________________
(١) ١ مختصر لوامع الأنوار: "صـ ٦١". ٢ في الأصل: "لعاصي". ٣ معتقد الإمام أحمد: "٢٤٥/١"، طبقات الحنابلة، مقدمة في عقيدة الإمام أحمد: "٢٦٧/٢"، طبقات الحنابلة.
[ ٣٩ ]
فصل في الإسلام
فصل: الإسلام:
الإتيان بالشهادتين مع اعتقادهما، والتزام بقية الأركان الخمسة إذا تعيَّنت، وتصديق الرسول ﷺ فيما جاء به٤.
_________________
(١) ٤ الغنية: "٥٥/١"، مختصر لوامع الأنوار: "صـ ٩٣"، المغني: "١٠١/١٠"، الإقناع: "٣٠٣/٤"، الكافي: "١٦٠/٤"، شرح منتهى الإرادات: "٣٩٠/٣".
[ ٣٩ ]
تعريف الكفر، وأحكام سبي أبناء الكفار وتحريم وصف الكافربأوصاف المسلمين وتعريف الايمان وأنه يزيد وينقص والاستثناء فيه
تعريف الكفر، واحكام سبي أبناء الكفار
تحريم وصف كافر بأوصاف المسلمين
تعريف الإيمان، وأنه يزيد وينقص، والاستثناء فيه
والكفر: جحد ما لا يتم الإسلام بدونه، والمسلم تبعًا لأبويه، أو لِسَابِيْهِ، أو للدار١، ويلزم الإتيان بالشهادتين إذا بلغ، إن لم يكن نطق "٣/ب" بهما٢، ولا يقال للفاسق: "دَيِّنٌ ومُتَّقٍ، ومُخلِص، ووَلِيُّ الله"٣.
والإيمان: عقد بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالأركان، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، ويزيد بالعلم، ويضعف بالجهل والغفلة والنسيان٤.
وقول: "إن شاء الله"٥ فيه، كما قال ابن عقيل٦: سنَّة، لا على الشك في الحال، بل في المآل، أو في قبول٧ بعض الأعمال، أو لخوف التقصير، أو كراهية تزكية النفس.
_________________
(١) ١ أي: كل كسلم لم يدخل الإسلام بالشهادتين، ولم يسبق إسلامه كفر، فقد دخله "تبعًا لأبويه" هذا حال أكثر أبناء الصحابة، والتابعين، وجميع من بعدهم إلا قليلا، "أو لسابِيْه" بأن يسبي مسلم طفلًا لم يميز، فهذا محكوم بإسلامه، فإذا بلغ الحلم، وجب عليه الإتيان بالشهادتين، فإنْ أَبَاه حُكِم بكفره، وإن كان محكومًا بإسلامه قبل إبائه الإسلام، فقد كان تبعًا للسابي، "أو للدار" فيحكم بإسلام طفل وجد في بلد تحت حكم الإسلام، وإن لم يكن ساكنوها مسلمين؛ لأنه وجد في دار إسلام، خلافًا لأبي حنيفة، ولا يلزم الأول الإتيان بالشهادتين إذا بلغ، ويجب في حق الآخرين إجماعًا، انظر المصادر السابقة. ٢ المغني: "٣٧٥/٦"، الشرح الكبير: "٣٧٦/٦"، المقنع: "٣٠٣/٢"، الكافي: "٣٦٣/٢"، الفروع: "٥٧٤/٤"، المحرر: "٣٧٣/١"، الإقناع: "٤٠٥/٢". ٣ ويؤدب؛ لأنه افترى على أهل الديانة والتقوى وأولياء الله، وهذا مقيس أو مخرج على تعزيز من قال لذمي: ياحاجُّ، وعلى منصوص المذهب بأن المفتري يؤدب إذا قال: ياظالم، يا مرابي، يا كذاب، لمن ليس كذلك، انظر: الأحكام السلطانية: "صـ ٢٨١"، المغني: "٣٤٧/١٠"، الكافي: "٢٤٢/٤"، الفروع: "١١٧/٦"، الشرح منتهى الإرادات: "٣٦٢/٣". ٤ الغنية: "٥٥/١"، مختصر لوامع الأنوار: "صـ ٨٥"، اعتقاد الإمام أحمد: "٣٠١/٢"، طبقات الحنابلة، معتقد الإمام أحمد: "١/ ٢٤٣"، طبقات الحنابلة، لمعة الاعتقاد: "صـ ٣٣"، شرح الطحاوية: "صـ ٣٧٣-٣٩٥". ٥ في الأصل: "لله"، وانظر: مختصر لوامع الأنوار: "صـ ٨٩"، والغنية: "٥٦/١"، عقيدة الإمام أحمد: "٢٥/١"، طبقات الحنابلة، شرح الطحاوية: "صـ ٣٩٥-٣٩٨". ٦ علي بن عقيل بن محمد، أبو الوفاء، شيخ الحنابلة ببغداد، ولد سنة ٤٣١هـ، برز على أقرانه، وساد أهل زمانه في فنون كثيرة، مع صيانة وديانة وحسن صورة، ومتعه الله بحواسه إلى حين موته، توفي بكرة الجمعة ثاني جمادى الأولى من سنة ٥١٣ هـ، ودفن قرب قبر الإمام أحمد ﵁، له: "الفنون"، وغيره من التصانيف المفيدة، البداية والنهاية: "١٨٤/١". ٧ في الأصل: "قبو".
[ ٤٠ ]
فصل الله مقدر الخير والشر
فصل: والله مقدر الخير والشر٢
وكل ما علمه وقضاه، أو حكم به، أو أخبر به، لا تتصور مخالفته، ولا الخلف٣ فيه، فلا يتعدى شيء أَجلَه، والمحروق، والقتيل، والغريق، وأكيل الوحش، والميت بهدم، ونحوهم، أموات بآجالهم، كمن يموت حتف أنفه٤.
فيجب بوعيد الله تخليد الكافر في النار٥، وبوعده إخراج غير [هـ] منها، بشفاعة أو غيرها٦، وتحبط المعاصي بالتوبة، للخبر، والكفر
_________________
(١) ٢ الغنية: "٥٨/١" مختصر لوامع الأنوار: "صـ ٦٩"، معتقد الإمام أحمد: "٢٤١/١"، طبقات الحنابلة، مقدمة في عقيدة الإمام أحمد: "٢٦٩/٢"، طبقات الحنابلة، العقيدة الواسطية: "٤٠٤/١"، مجموعة الرسائل الكبرى. ٣ الخلف: الخلاف والاختلاف، انظر: الغنية: "٥٨/١"، وفي الأصل: "ولا لخلف فيه". ٤ الغنية: "٥٧/١"، مقدمة في عقيدة الإمام أحمد: "٢٦٨/٢"، طبقات الحنابلة. ٥ هذا ليس إيجابًا على الله، بل كقولنا: وجبت الجنة للعشرة، وقولنا: وجبت لزيد المكافأة، فقد قضى الله ﷿ من الأزل، أن الكافر مخلد في النار، وهذا ثابت في القرآن، في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، [البقرة، الآية: ٣٩]، وفي آية ١٦٩ من سورة النساء، وآية ٢٣ من سوة الجن، وغير ذلك كثير. ٦ الغنية: "٥٧/١، ٥٨"، مختصر لوامع الأنوار: "صـ ٧٣، ٧٤، ٨٠، ٨٩"، معتقد الإمام أحمد: "٢٤٥/١"، طبقات الحنابلة. ٧ في الباب أخبار عدة، منها ما رواه الشيخان عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا، وهو قصة =
[ ٤١ ]
بالإسلام١، والطاعة بالردة المتصلة بالموت٢.
_________________
(١) = من قتل مائة نفس، ثم قصد قومًا يعبدون الله تائبًا، فمات في الطريق، وهومعروف، انظر: جامع الأصول: "٦٩/٣"، وفي الباب عن أبي هريرة قال: إن رسول الله ﷺ قال: "من تاب قبل طلوع الشمس من مغربها: تاب الله عليه"، جامع الأصول: "٦٨/٣"، وعن عبد الله بن عمر ﵄ مرفوعًا: "إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر"، جامع الأصول: "٦٨/٣". ١ مختصر لوامع الأنوار: "صـ ٥٧"، مقدمة في عقيدة الإمام أحمد: "٢٥٦/٢"، طبقات الحنابلة. ٢ الإقناع: "٣٠٥/٤"، شرح منتهى الإرادات: "٣٩٣/٣".
[ ٤٢ ]
فصل التوبة واجبة على المكلف فورًا من كل ذنب عد من لا تقبل توبته
فصل: التوبة من كل ذنب واجب على المكلف فورًا،
ولا تقبل ظاهرًا من داعية إلى بدعته، ولا ساحر وزنديق، ولا ممن تكررت ردته، أو سب الله تعالى، أو رسوله، أو مَلَكًا له، وتقبل توبة من سب الصحابة أو بعضهم، وإن كفر بذلك، كمن قذف عائشة٣، أو غيرها من زوجاته ﷺ، [و] كمن ادعى ألوهية علي٤ ﵁، أو نبوته، أو غلَّط جبريل، وقبولها تفضلًا منه تعالى٥، والحدود ليست٦بتوبة ولا كفارة، في حق
_________________
(١) ٣ عائشة بنت أبي بكر الصديق، عبد الله بن عثمان، أفقه نساء المسلمين، تزوجها النبي ﷺ، في السنة الثانية بعد الهجرة، فكانت أحب نسائه إليه، وأكثرهن رواية للحديث عنه، وكان أكابر الصحابة يسألونها عن الفرائض، فتجيبهم، روي عنها "٢٢١٠" أحاديث، ولدت سنة ٩ق. هـ، توفيت في المدينة سنة ٥٨هـ، الأعلام: "٢٤٠/٣". ٤ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، أبو الحسن الهاشمي، قاضي الأمة، وفارس الإسلام، وختن رسول الله ﷺ، كان ممن سبق إلى الإسلام، ولم يتلعثم، وجاهد في الله حق جهاده، ونهض بأعباء العلم والعمل، واستشهد أمير المؤمنين في سابع عشر رمضان من عام أربعين، وسنه ستون سنة أو أقل أو أكثر بسنة أو سنتين، ﵁، تذكرة الحفاظ: "١٠/١". ٥ الغنية: "١١٨/١"، مختصر لوامع الأنوار: "صـ ٧٤، ٨١، ٨٤"، مقدمة في عقيدة الإمام أحمد: "٢٦٦/٢، ٢٨٥"، طبقات الحنابلة، معتقد الإمام أحمد: "٢٤٥/١"، طبقات الحنابلة، اعتقاد الإمام أحمد: "٣٠٥/٢"، طبقات الحنابلة. ٦ في الأصل: "ليس".
[ ٤٢ ]
المُصِرِّ١، وتقبل ما لم يعاين الموت٢.
فائدة: الأرواح مخلوقة لله، ويكفر القائل بقدمها٣.
_________________
(١) ١ معتقد الإمام أحمد: "٢٤٥/٢"، طبقات الحنابلة، مقدمة في عقيدة الإمام أحمد: "٢٦٦/٢"، طبقات الحنابلة. ٢ مختصر لوامع الأنوار: "صـ ١٠٣". ٣ مختصر لوامع الأنوار: "صـ ١٠٦".
[ ٤٣ ]
فصل الإيمان بالقضاء والقدر
فصل: ويجب الإيمان بالقضاء والقدر،
وأن الله قضى المعاصي والمكروه، وقدر ذلك٤، وكتب على خلقه، ولم يأمرهم به، بل نهاهم عن الرضا بذلك، ويجب الإيمان بالرقيب والعتيد٥.
_________________
(١) ٤ الغنية: "٥٨/١"، مقدمة في عقيدة الإمام أحمد: "٢٦٩/٢"، طبقات الحنابلة، معتقد الإمام أحمد: "٢٤١/١"، طبقات الحنابلة، مختصر لوامع الأنوار: "صـ ٦٩"، شرح الطحاوية: "صـ ٢٧٥-٢٧٧". ٥ مختصر لوامع الأنوار: "صـ ٩٤"، شرح الطحاوية: "صـ ٤٣٨-٤٤٠".
[ ٤٣ ]
الباب الرابع: في بقية السمعيات:
ويجب الإيمان بالساعة وأشرطها، من الدجال، ويأجوج، ومأجوج، ونزول عيسى، ونحو ذلك١، وبالصعقة، والحشر، والنشر، لكل ذي روح٢، وبإحياء الميت في قبره، وضغطته فيه، ورد روحه إليه، وسؤال منكر ونكير٣، وثواب الميت، وعقابه للروح والجسد٤، وبأن كل واحد يعلم مصيره قبل موته، وأن الميزان والمعاد الجسماني حق بعد الإعدام ممن
_________________
(١) ١ مختصر لوامع الأنوار: "صـ ١٠٩-١٢٥"، لمعة الاعتقاد: "صـ ٣٨"، معتقد الإمام أحمد: "٢٤٣/١"، طبقات الحنابلة. ٢ مختصر لوامع الأنوار: "صـ ١٢٦"، وما بعدها، الغنية: "٦١/١"، لمعة الاعتقاد: "صـ ٤٠"، أما الصعقة: فهي النفخة الثانية، انظر: مختصر لوامع الأنوار: "صـ ١٢٨". ٣ مختصر لوامع الأنوار: "صـ ٩٦"، وما بعدها، الغنية: "٥٩/١"، لمعة الاعتقاد: "صـ ٣٩، ٤٠"، اعتقاد الإمام أحمد: "٣٠٣/٢، ٣٠٤"، طبقات الحنابلة، معتقد الإمام أحمد: "٢٤٢/١"، طبقات الحنابلة. ٤ مختصر لوامع الأنوار: "صـ ١٠٢".
[ ٤٥ ]
"٤/أ" يعدم١، ويحاسب المسلمون المكفلون إلا من شاء الله أن يدخل الجنة بغير حساب، والكفار لا يحاسبون، فلا توزن صحائفهم٢، وإن فعل كافر قربة من نحو صدقة، أو أعتق، أو ظلم، رجونا أن يخفف عنه من العذاب٣.
وأن الصراط حق، وهو جسر مدود على جهنم، دحض مزلة٤، عليه خطاطيف، وأن المرور عليه بحسب الأعمال٥، وأن الجنة والنار حق، وهما مخلوقتان الآن، خلقتنا للبقاء٦، وبأن المقام المحمود، والحوض المورود حق.
_________________
(١) ١ الغنية: "٦٤/١"، لمعة الاعتقاد: "صـ ٤١"، مختصر لوامع الأنوار: "صـ ١٣٣"، معتقد الإمام أحمد: "٢٤٢/١"، طبقات الحنابلة، اعتقاد الإمام أحمد: "٣٠٣/٢"، طبقات الحنابلة، والإعدام هنا: كم أكله السبع، أو مات حرقًا، ونجوهما من أشكال زوال الجسد. ٢ الغنية: "٦٥/١"، مختصر لوامع الأنوار: "صـ ١٣١"، لمعة الاعتقاد: "صـ ٤٠". ٣ مختصر لوامع الأنوار: "صـ ١٣٢". ٤ دحض: زلق، وفى حديث أبي ذر: إن خليلي ﷺ قال: "إن دون جسر جهنم طريقًا ذا دحض"، السان: "دحض"، وقال في مختصر لوامع الأنوار: "صـ ١٣٥": "وهو في الشرع، جسر ممدود على متن جهنم، يرده الأولون والآخرون، فهو قنطرة جهنم بين الجنة والنار، وخلق من حين خلقت جهنم"، وقال العلماء: "الصراط أدق من الشعرة، وأحد من السيف، وأحمى من الجمرة"، فقد أخرج الطبراني بإسناد حسن عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "يوضع الصراط على سواء جهنم، مثل حد السيف المرهف"، مدحضة- أي: مزلقة، مزلة: أي لا تثبت عليه قدم، بل تزل عنه إلا من يثبته الله تعالى، عليه كلاليب من نار، تخطف أهلهاإلخ. ٥ الغنية: "٦٢/١"، لمعة الاعتقاد: "صـ ٤٢"، مختصر لوامع الأنوار: "صـ ١٣٥"، مقدمة في عقيدة الإمام أحمد: "٢٧٠/٢"، طبقات الحنابلة، اعتقاد الإمام أحمد: "٣٠٣/٢"، طبقات الحنابلة. ٦ الغنية: "٦٥/١"، لمعة الاعتقاد: "صـ ٤٣"، مقدمة في عقيدة الإمام أحمد: "٢٧٠/٢، ٢٧١"، طبقات الحنابلة، معتقد الإمام أحمد: "٢٤٥/١"، طبقات الحنابلة، كتاب مسدد: "٣٤٤،٣٤٣/١"، طبقات الحنابلة، مختصر لوامع الأنوار: "صـ ١٤٠- ١٤٤". ٧ الغنية: "٦٣/١"، ملعة الاعتقاد: "صـ ٤١"، كتال مسدد: "٣٤٤/١"، طبقات الحنابلة، مختصر لوامع الأنوار: "صـ ١٣٥"، معتقد الإمام أحمد: "٢٤٢/١"، طبقات الحنابلة.
[ ٤٦ ]
الباب الخامس في النبوة
مدخل
الباب الخامس: في النبوة:
والأنبياء متفاوتون في الفضيلة، ورسول الله ﷺ حق إلى الإنس والجن، وهو خاتم الأنبياء وأفضلهم١، ولم يكن قبل البعثة على دين قومه، بل ولد مسلمًا مؤمنًا٢، وأن المعجزات القاطعة المعتبرة٣ لصدقه وجدت دالة على نبوته، مقترنة بدعوته، وهي: ما خرق العادة من قول أو فعل، إذا وافق دعوى الرسالة وقارنها وطابقها على وجه التحدي، لا يقدر أحد عليه، ولا يجوز ظهورها على يدي كاذب بدعوى النبوة٤.
وأنه ﷺ، كان يخشى الله تعالى، وأنه معصوم في ما يؤدي عن الله سبحانه، وهكذا من كل ذنب، وكذا سائر الأنبياء٥.
_________________
(١) ١ الغنية: "٦٦/١"، لمعة الاعتقاد: "صـ ٤٤"، مختصر لوامع الأنوار: "صـ ١٦٢،١٥٤"، مقدمة في عقيدة الإمام أحمد: "٢٧٨/٢"، طبقات الحنابلة، اعتقاد الإمام أحمد: "٣٠٦/٢"، طبقات الحنابلة. ٣ مختصر لوامع الأنوار: "صـ ١٦٤". ٣ في الأصل: "المقترة". ٤ مختصر لوامع الأنوار: "صـ ١٦٠". ٥ مختصر لوامع الأنوار: "صـ ١٦٤". أما قوله: "وهكذا من كل ذنب": أي أنه ﷺ، معصوم من كل ذنب.
[ ٤٧ ]
فصل كرامات الأولياء حق
فصل: وكرامات الأولياء حق،
وهي خرق العادات، لا على وجه الاستدعاء٢ والتحدي بها، والأنبياء أفضل منهم، ومن الملائك٣.
_________________
(١) ٢ لأن الاستدعاء يكون مسبوقًا بتحدٍّ ودعوى للنبوة، نعم: من كرامات الأولياء ما يكون تأييدًا، لكن دون دعوة من صاحبها، إنما محض انتصار من الله تعالى؛ لأن الولي لا يكون إلا متوكلًا، والتحدي ينافي التوكل، والله أعلم. ٣ مختصر لوامع الأنوار: "صـ ١٨٥"، اعتقاد الإمام أحمد: "٣٠٦/٢"، طبقات الحنابلة.
[ ٤٨ ]
فصل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأحكام ذلك
فصل: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر
فرض كفاية على الجماعة، وعين على الواحد، ويجب على من علمه وتحققه، وهو عارف بما ينكره، ولم يخف أذًى في نفسه، أو ماله، أو أهله، ولا فتنة تزيد على المنكر، ولم يقم به غيره، وعلى الناس إعانة المُنْكِر، ونصره مع القدرة، ولا ينكر بسيف، ولا عصًا، إلا مع سلطان٤.
والمعروف: كل فعل وقول حسن شرعًا٥.
والمنكر: كل فعل وقول قبيح،قصد، شرعًا٦.
والإنكار في ترك الواجب، وفعل الحرام واجب، وفى ترك المسنون وعدم تعلمه، وتعليمه٧ مندوب٨.
_________________
(١) ٤ الغنية: "١/ ٤٤-٤٧"، مختصر لوامع الأنوار: "صـ ١٩٣- ١٩٦"، مقدمة في عقيدة الإمام أحمد: "٢٨٠،٢٧٩/٢"، طبقات الحنابلة. ٥ الغنية: "٤٧/١"، فالبحث فيه مبسوط. ٦ المصدر السابق، وقوله" قصد" بمعني مقصود، فيخرج القول والفعل القبيح غير المقصود. ٧ في الأصل: "تعليه". ٨ أي: يجب الإنكار على ترك فعل الواجب، وفعل المحرم، ويندب الإنكار على ترك المسنون، وعدم تعلمه وتعليمه.
[ ٤٨ ]
فائدة في أنواع مايأمر، وينهى عنه
فائدة: وكل ما يؤمر به، وينهى عنه،
إما حق الله تعالى، كالصلاة والصيام، والحث على الطاعة وترك المعصية، أو لآدمي كوفاء الدين والعدل، أو: لهما، كالزكاة والكفارات، ونحو ذلك، والأب وغيره في الإنكار عليه سواء.
تنبيهات: ينبغي أن يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، متواضعًا رفيقًا فيما يدعو إليه، ذا رأي ومراقبة٤، وشدة في الدين٥، "٤/ب" قاصدًا بذلك وجه الله، وإقامة دينه، ونصر شرعه، وامتثال أمره، وإحياء سنة نبيه ﷺ، بلا رياء، ولا منافقة، ولا مداهنة، غير منافس، ولا مفاخر، ولا ممن يخالف قوله فعله٦، يبدأ في إنكاره بالأسهل، فإن زال، وإلا زاد، فإن لم، رفعه إلى سلطان عادل٧ لا يأخذ مالًا، ولا يفعل غير ما يجب، وينكر على السلطان، بوعظ وتخويف من عذاب الله تعالى٨.
_________________
(١) ٣ لأن الإنكار يكون على البالغ، فإن كان غير بالغ كان الإنكار في حقه تأديبًا، فالبالغ إذا فعل منكرًا وعلم أبوه، كان حكم الأب حكم غيره من المسلمين، وليس للأبوة في ذلك زيادة تكليف، فلا يلزمه الإنكار مطلقًا، وقد تقدم ذكر أحكام تغيير المنكر. ٤ أي: مراقبة معرفة وتتبع، فيحيط خبرًا بأهل بلده، وأحوال وقته، وأسباب التغيّرات الآنية والدائمة في بلاده، وهذا خاص بالمحتسب، لا شرط في الآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر عمومًا. ٥ أي: محافظًا عليه، حازمًا في الدفع عنه، لا أنه متشدد في الأحكام في غير مواضع التشديد، مغلق رحابته على الناس، مضيق يُسرُهُ، فيقنطون وينفرون، فيسيء إلى الإسلام، وإلى نفسه. ثم ليس له الإنكار فيما فيه خلاف، تتبعًا للعزائم ملزمًا الناس بها، أو ناهيًا آمرًا حسب نصوص مذهبه، وطارحًا سواه، نعم ينكر من الأمور المختلف فيها، ما كان دليله واهيًا أو مردودًا، كشرب الحنفي النبيذ المشتد، وإن لم يسكر، ولعب الشطرنج، وإنكار الإمام أحمد على لعب الشطرنج مشهور، ونحو ذلك، انظر: الأحكام السلطانية: "صـ ٢٨٧، ٢٩٧". ٦ الغنية: "٤٦/١"، مختصر منهاج القاصدين: "صـ ١٢٩"، وما يليها. ٧ الغنية: "٤٧،٤٦/١"، مختصر منهاج القاصدين: "صـ ١٢٦-١٢٩". ٨ مختصر منهاج القاصدين: "صـ ١٣٣".
[ ٤٩ ]
مايسن في حق العاصي المتجاهر
وسن هجران العصاة المتجاهرين، ويجب الإغضاء عن المستترين٣، ويجب هجران المبتدعين الداعين إلى الضلالة، على من عجز عن إصلاحهم والإنكار عليهم.
_________________
(١) ٣ مختصر لوامع الأنوار: "صـ ١٩٥".
[ ٥٠ ]
فائدة: مايجب على القادر أن ينصر به أخاه المسلم
يجب على القادر الدفع عن نفسه، وحرمته إن أمكنه، ويسقط إنْ علم أنه لا يفيد٤، وعليه إنجاؤه من غرق، حريق ونحوهما، كما يجب أن ينجيه من المجاعة، والظمأ، مع القدرة٥.
الخاتمة: من كفَّر من ليس بكافر، معتقدًا كفره، كفر، ومن فسق من ليس بفاسق، معتقدًا فسقه، فسق، ويحرم لعن كافر معين.
_________________
(١) ٤ الإقناع: "٢٩٠/٤"، شرح منتهى الإرادات: "٣٧٨/٣"، آخرها، الفروع: "١٤٦/٦ -١٤٩"، وفيه تفصيل عظيم، فانظره. ٥ المصادر السابقة.
[ ٥٠ ]
فصل: فصل في معنى القديم والعالم والمستحيل لذاته
والقديم: ما لا أول لوجوده، ولم يسبقه عدم، ويراد به: المتقدم، وإن سبقه العدم٦.
والعالَم: كل موجود سوى الله تعالى وصفاته.
والمستحيل لذاته: غير ممكن، ولا مقدور، وإلا صار ممكنًا٧.
_________________
(١) ٦ فلكلمة القديم معنيان: ما لم يسبقه عدم، وهو الله تعالى، وما تقدم على غيره، وسبقه العدم. ٧ في الأصل: "وإلا صار ممكنًا ولا مقدور"، مع وضع علامتي التقديم والتأخير فوقها.
[ ٥٠ ]
الجائر والدور والتسلسل
الجائز: ما جاز اجتماعه واقترافه، وهو شرعًا: ما أذن فيه الشرع.
والدَّور: توقف كل شيئين على الآخر١.
والتسلسل: ترتيب أمور غير متناهية٢.
_________________
(١) ١ كالدجاجة من البيضة، والبيضة من الدجاجة. ٢ كقوله لزوجته: أنت طالق، وكلما طلقت فأنت طالق بعدها، فتطلق بالأولى، ثم تقع عليها الثانية بوقوع الأولى فهي شرط لها، ثم تقع الثالثة بوقوع الثانية، والرابعة بالثالثة، وهكذا، فهذا تسلسل.
[ ٥١ ]
التتمة: نصيحة لطالب هذا العلم
أسلم الطرق التسليم، فما سلم دين من لم يُسَلِّم لله ورسوله ﷺ، ورد علم ما اشتبه إلى عالمه، ومن أراد علم ما يمتنع٣علمه، حجبه مرامه عن خالص التوحيد، وصافي المعرفة، وصحيح الإيمان، فيتردد بين الإقرار والإنكار، شاكًّا زائغًا متحيرًا، ولا مؤمنًا صادقًا، ولا جاحدًا مكذبًا، ولا مؤمنًا محققًا.
ومن لم يتوقَّ النفي٥والتشبيه٦ضل، والتعمق في الفكر ذريعة
_________________
(١) ٣ في الأصل: يمتع. ٤ وهو من تيقن ما هو بصدده عمومًا، وفي العقيدة لا بد من أن يكون المرء محققًا لها، أي: متيقنًا عقيدته؛ كي تصح منه ويثاب عليها، فلا مدخل للظن في الاعتقاد. ٥ النفي: إبطال الصفات وردها، والنفاة: هم الجهمية من معتزلة ومؤوِّلة. ٦ التشبيه: وصف الله ﷿ بصفات عباده، وبلوازم المخلوقين، لا إثبات الصفات وإمرارها كما جاءت على حقيقتها دون الخوض في تفسيرها، فالمشبهة أخطأوا إذ فسروا آيات الصفات وأخبار الصفات، مع أنها لا تفسر، لقوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾، [آل عمران، الآية: ٧]، والصحيح أن التأويل تفسير، لا صرف عن الظاهر. الثاني: جعل ما يليق بالله ﷿، ما يليق بالمخلوقين، وما لهم من صفات تشترك في الاسم مع صفات الله مصدر فهمها شيء واحد، وهو لوازم المخلوق، وهذا ممتنع بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، [الشورى: الآية:١١] .
[ ٥١ ]
الخذلان، وسُلَّم الحرمان، ودرجة الطغيان، ومادة التوهان والولهان، فإنه يفتح باب الحيرة غالبًا، وقلَّ أن يكون ملازمه إلا خائبًا.
والأمن واليأس ينقلان عن الملة، وسبيل الحق بينهما لأهل القبلة، فإنه بين الغو والتقصير، والتشبيه والتعطيل١، وبين الجبر والقدر، فعليك يا أخي اتباع السنة والآثار، دون٢ الافتكار والابتكار، فإن قليل ذلك مع "٥/أ" الفطنة كثير، والممعن في التعمق مذموم، والحريص على التوغل في اللهو محروم، والإسراف في الجدال يوجب عداوة الرجال، وينشر الفتن، ويولد المحن، ويقلل الهيبة، ويكثر الخيبة، فإن الله سبحانه لا تفهمه الأفهام، ولا تتوهمه الأوهام، فعليك بطلب الحق،والصدق، والتوقف معهما، وترك التغير عنهما، واجتهد في عدم الدخول فيما لا يلزمك، فإنه يلزم منه همُّك وندمك، فاستنصح يا أخي فيما قربت إليك وبذلك جهدي في نصحك؛ شفقة عليك؛ فإنه أصوب وأثوب، وأسلم وأقوم، والله أعلم.
هذا آخر المقصد الأول.
_________________
(١) ١ التعطيل: صرف الصفات عن ظاهرها وحقائقها إلى المجاز، وبين النفي والتعطيل عموم وخصوص من وجه، فالتعطيل نوع نفي، قد سبق قريبًا بيان النفي. ٢ في الأصل: "دوان".
[ ٥٢ ]
تقدمة على المقصد الثاني في أقسام أهل السنة والتفرقة بين الأشعرية والحنابلة
وللكلام على المقصد الثاني: تقدمة:
وهي أن طوائف أهل السنة ثلاثة: أشاعرة، وحنابلة، وماتريدية١.
بدليل عطف العلماء الحنابلة على الأشاعرة في كثير من الكتب الكلامية٢، وجميع كتب الحنابلة، والعطف يقتضي المغايرة، وكيف يصح إدخال الحنابلة في الأشاعرة؟ مع أنه قد ذكر [ابن] السبكي٣ في طبقات الشافعية٤، أن الشيخ أبا الحسن الأشعري٥ ولد سنة ستين ومائتين، بعد
_________________
(١) ١ مختصر لوامع الأنوار: "صـ ١٩"، والماتريدية: أتباع أبي منصور الماتريدي. ٢ ففي كتبهم يقولون: الحنابلة وأهل الحديث، انظر مقالات الإسلاميين: "٦٠٢،٨٥٦،٤٣٤،١١٢،٢١٧،١٧٢"، أصول الدين: "٣١٢،١٦٦،١١٠"، الفرق بين الفرق: "٣٠١،٣٠٠"، المواقف: "صـ ٤٢٩"، وغيرها كثير من كتبهم، فانظرها. ٣ عبد الوهاب بن علي بن الكافي السبكي، أبو نصر، قاضي القضاة، المؤرخ، الباحث، ولد بالقاهرة سنة٧٢٧هـ، وانتقل إلى دمشق مع والده، وتوفي بها سنة ٧٧١هـ، له: "جمع الجوامع"، و"الطبقات: الكبرى"و" الصغرى" والوسطى"، الأعلام: "١٨٤/٤". ٤ طبقات الشافعية الكبرى: "٢٤٥/٢". ٥ علي بن إسماعيل بن إسحاق، أبو الحسن، من نسل الصحابي أبي موسى الأشعري: مؤسس مذهب الأشاعرة، كان من الأئمة المتكلمين المجتهدين، ولد في البصرة سة ٢٦٠هـ، وتلقى مذهب المعتزلة، وتقدم فيهم، ثم رجع، وجاهر بخلافهم، وتوفي ببغداد سنة ٣٢٤هـ، قيل: بلغت مصنفاته ثلاثمائة كتاب، منها: "مقالاات الإسلاميين"، و"الإبانة"، "خلق الأعمال"، "والرد على ابن الرواندي".
[ ٥٣ ]
وفاة الأمام أحمد١ بعشرين سنة،١ فكيف يصح نسبة الحنابلة٢ إلى
_________________
(١) ١ توفي الإمام أحمد ﵁ سنة ٢٤١هـ. ٢ حين يزعمون أن فضلاء الحنابلة أشاعرة، إلا من لحق بأهل التجسيم، وأن المجسمة في الحنابلة أكثر منهم في غيرهم، طبقات الشافعية الكبرى: "٢٦١/٢". نقول: مَن مِن الحنابلة كان أشعريًّا؟ ليس من الحنابلة أشعري إلا ابن الجوزي، مال إليهم، ووافقهم ببضع مسائل، ولم يكن أشعريًا خالصًا، أما ابن عقيل، فهو حنبلي الأصول والفروع، وإن مال في وقت من أوقاته إلى بعض مسائل للمعتزلة، ثم تاب عنها وآب، ومات على مذهب إمامه أحمد بن حنبل رضوان الله عليه. ونقول: مَن مِن أصحابنا لحق بأهل التجسيم؟ وجوابهم على هذا: القاضي أبو يعلى، وابن الزاغوني، وابن بطة. أقول: هؤلاء ما خالفوا نصوص إمامهم في شيء، هذا كتاب ابن بطة قد طبع، وعقيدة القاضي تكلم عن نصوصها ابنه في: الطبقات: "٢٠٧/٢-٢١٤"، أما ابن الزغواني، فلم يثبت عندنا أنه مجسم، بل دارج سالك مسلك إمامه، متتبع نصوصه، فيمكنكم العود لها، ومقارنتها بما رواه القاضي ابن أبي يعلى بإسناده إلى الإمام أحمد، وهي: ثلاث رسائل عن أصحابه. الأولى: عن الأصطخري: "٢٤/١-٣٦" من طبقات الحنابلة. الثانية: عن العطار: "٢٤١/١-٢٤٦" من طبقات الحنابلة. الثالثة: وهي كتاب مسدد أرسله الإمام له بطلب منه: "٣٤٢/١-٣٤٥" من طبقات الحنابلة. ثم ألحق المحقق رسالتين، نقلهما عن الكواكب الدراري لابن عروة، والعلامة حامد بن أديب التقي الأثري الحسيني، من قطعة من الكواكب محفوظة في المكتبة الظاهرية بدمشق تحت رقم ٤٦، أما الثانية فعن كتاب الأمر بالمعروف للخلال، رقم "٢٤٥" حديث. وبعد المقارنة سيتبين الأمر جليًا أن أحدًا منا لم يخالف الإمام في معتقده، نعم هناك خلاف بسيط، لا يعد خروجًا عن المذهب، ومثاله ننقله عن: مقدمة في عقيدة الإمام أحمد: "٢٦٥/٢" من طبقات الحنابلة، حيث قال صاحب الرسالة، الإمام رزق الله بن عبد الوهاب التميمي: "فأما ورود التسمية بالشخص، كقوله:"لا شخص أغير من الله"، وبالصورة كقوله: " فيتجلى لهم في صورة لا يعرفونها"، فاختلف أصحابنا في هذه التسمية، فمنهم من أطلق للنقل، ومنهم من تأولها، لعدم الإجماع على إطلاق =
[ ٥٤ ]
اعتقادهم؟ مع أنهم منذ زمن الإمام أحمد "﵁" إلى زماننا هذا، لم يزالوا
_________________
(١) = القول، ثم قال: وبهذا أقول، فنطلق الرؤية للخبر، ولا نطلق تسمية لم يجمع عليها أهل الآثر".أ. هـ، وانظرها في الغنية::٧٢/١". فمن أطلقها سار على ظاهر قواعد إمامه، من إثبات أخبار الصفات، وإمرارها كما جاءت، ومن لم يفعل، وقف على نصوص إمامه، ولم يتجاوزها، وفي كل خير، ولا يعد اختلافهم في هذا وأمثاله، خروجًا عن المذهب، بل لا يعد اختلافًا حقيقيًا أصلًا. ومن نبذ من الأشعرية كتب السنوسي الثلاثة، وشروحها، وما عليها من حواشٍ، والتي أشغلت من جاء بعدها، عن قراءة نصوص الأشعري، وعاد إلى الإبانة، وقارنها مع مقالات الإسلاميين، ثم قارنها بكتب من جاء بعده، كابن الباقلاني، وابن فورك، وعبد القاهر البغدادي، وابن الجويني إمام الحرمين، والغزالي، عرف وتعرف على الخلاف الحقيقي، فإن أصحاب الأشعري خالفوه في كل شيء من علم الكلام، إلا قواعد يسيرة ثبتوا عليها، كانوا فيها موافقين لإمامهم، لكن هذه القواعد لم تفد في إبقائهم على نصوص الأشعري، فمع أتفاقهم عليها، خالفوه في كثير من الأصول، وغالب الفروع، ولم ينج من ذلك إلا ما قال به أبو محمد الجويني، والد إمام الحرمين، في رسالته: "إثبات الحرف والصوت والاستواء والفوقية" المنشورة ضمن الرسائل المنيرية: "٧٤/١-٨٧"، أما ما ينسبه الغزالى أن في هذا عن الأشعري ثلاثة أقوال، وما يقوله ابن السبكي: أن عن الأشعري نقلين وروايتين، التأويل وعدم التأويل، فتلك أحوال الأشعري الثلاثة، فكان ينبغي أن يقولوا بنسخ المتأخر للمتقدم من أقوال الأشعري، ويعملوا بما توفي عليه، وهوالإبانة. ومن الناس من يقول: إن الحنابلة أدخلوا على إمامهم أقوالًا في التجسيم وغيرها لم يقلها الإمام، أقول: التجسيم، وصف الله ﷿ بالجسمية، لا إثبات ما وصف به نفسه، وأخبر به نبيه ﷺ، ومع إمرار أخبار الصفات وآياته كما جاءت، دون تأويل، أو تكييف، أو تشبيه، أو تعطيل، وإعمال الفكر، والعقل، والخيال. مع ذلك فإن أصحابنا نقلوا اعتقاد إمامهم بالأسانيد الصحيحة، سماعًا لا إجازة، أو وجادة، ويمكن العود لطبقات الحنابلة عند المواضع المذكورة سابقًا، ودراسة الأسانيد والتعرف على رجالها من كتب التراجم الأخرى، سوى طبقات الحنابلة، وفوق هذا وذاك، فإن ابن بطة وابن الزاغواني والقاضي أبا يعلى، وكافة الحنابلة، اعتقادهم واحد هو اعتقاد إمامهم، ومن الحنابلة هؤلاء، القدوة العارف الحجة الإمام الشيخ عبد القادر الجيلاني قدس الله روحه، وهذا كتابه الغنية: جعل فيه بابًا لمعرفة الصانع: "٤٨/١"، فعارض أيها المعارض كلام الشيخ عبد القادر بكلام القاضي الذي نقل عنه في =
[ ٥٥ ]
على اعتقاد إمامهم١، الذي هو معتقد السلف، كبقية الأئمة الأربعة من حيث
_________________
(١) = الطبقات، وكلام ابن بطة، وما نقل عن الإمام لفظًا وحكاية، فإن وجدت اختلافًا فعد علينا بالإفادة. ثم يجب التنبه إلى أنه لا يؤخذ كلام القوم إلا من كتبهم، ودعك من الكتب الردود والخلاف، ففيها مغالطات وطامَّات، وكل منهم ينقل عمن سبقه دون تحرٍّ أو تحقيق، وهنا نذكر بقول الإمام أحمد ﵁: "ما أحسن الإنصاف في كل شيء"، ودونكم مثلًا على رد التهمة بالتجسيم: ففي كلام أصحابنا ما يثبت خلاف ذلك، تحديدًا، ويكفرهم، وسنبسط ذلك في غير هذا الموضوع، بل في مصنف مفرد، مسائل هذا الاختلاف، وحسم مادته إن شاء الله تعالى، ونحن نتمنى ونترقب اليوم الذي نضرب به صفحًا عن تلك الخلافات، ونرى الناس أمة واحدة على الكتاب والسنة، كما أوصانا رسول الله ﷺ: "تركت فيكم ما إن تمسكتم به، فلن تضلوا بعدي أبدًا، كتاب الله وسنة نبيه". ١ قد تقدم إيجاز عن هذا الكلام، ومن المستحسن الآن بسطه؛ لتتضح الفكرة، نقل هذا المعتقد أصحاب الإمام أحمد، إلى أصحابهم، وجمع عن جمع، حتى كان منهم من جمع تلك الأقوال والروايات، وصنفها، أهمها رسالتان: الأولى: مقدمة الإمام أبي محمد بن تميم الحنبلي، وذكر آخرها أنها: "مقدمة"، وذكر أيضًا: أنه كتبها دون رجوع إلى كتاب، لعجلة الرسول، ولهذا تراها جاءت غير مستوعبة كافة ما نقل عن الإمام، وهي مذكورة في المجلد السادس الأربعين من الكواكب الدراري، وقد تقدم ذكر موضعها قريبًا، ورقم مخطوطها، والناسخ، وهو من أكابر العلماء من أهل القرن الرابع عشر الهجري، وقد كانت مما اعتمدنا عليه في تحقيق كتابنا هذا، وقد سميتها: "مقدمة في عقيدة الإمام أحمد" مستفيدًا من عنوان وضعه محقق الكتاب، فإن ابن تميم لم يسمها، وذكر أنها مقدمة فقط، انظرها في: "٢٩٣/٢-٣٠٧" طبقات الحنابلة. الثانية: للإمام أبي الفضل عبد الواحد بن العزيز بن الحارث التميمي ﵀، قد أملاها على جمع، وهي رواية أربعة من أصحابه، ذكرهم الناشر على صفحة عنوان الرسالة، وقد ذكر المحقق اسم الرسالة: "كتاب في اعتقاد الإمام المنبل أحمد بن حنبل"، وهذا تسمية منه للكتاب، ولهذا سميته: "اعتقاد الإمام أحمد" تسهيلًا للأول، لحاجة العزو له، فإنه مما عدنا له في تحقيق كتابنا هذا، انظر الرسالة في: "٢٦٥/٢-٢٩٠" طبقات الحنابلة.
[ ٥٦ ]
_________________
(١) = ثم هناك رسائل للإمام أحمد، نقلها عنه أصحابه بأسانيد صحاح، أهمها ثلاث رسائل رواها ابن أبي يعلى في طبقاته بإسناده، ولها خارج الطبقات أسانيد أخرى لأهل المذهب، فما كان عند أبي يعلى وابنه كان عند غيرهم من الحنابلة، وإن لم يعتنِ بتدوينها جميعًا في مصنف متداول غير ابن أبي يعلى، وهي: ١ رسالة رواها صاحبه أحمد بن جعفر بن يعقوب بن عبد الله، أبو العباس الفارسي الأصطخري، والذي يظهر منها أنها ليست تصنيف الإمام أحمد ﵁، وإنما هي من تدوين الإصطخري عن الإمام، فهي للإمام إملاء على الارجح، فقد قال أولها: قال أبو عبد الله وساق كلام الإمام إلى آخره، وعند انتهاء الرسالة نلاحظ قول الإمام: وبالله التوفيق، وهذا يرجع أنها إملاء، أما ما جاء بعد هذا، فهو كلام ابن أبي يعلى. وانظر الرسالة في: "٢٤/١-٣٦"، طبقات الحنابلة. ومما يجدر ذكره هنا أن هذه الرسالة وقع فيها خطأ في الأصل من جهة النساخ، وقد أشار المحقق إلى شكه في ذلك الموضوع، فقد جاء فيها: "٢٩/١": "وكلم الله موسى تكليمًا من فيه". والخطأ في: "من" إنما ينبغي أن تكون: "وكلم الله موسى تكليمًا بما فيه"، أي: بما في التوراة، لا يؤثر عن الإمام أنه يعتقد أن لله فمًا، وليس هذا من معتقده، ولا أصحابه، ولم يرد إلا في هذا الموضع، بل في الرسائل التي ذكرناها، والتي سنذكرها ورد فيها بحث في هذا الموضوع، ولم يرد فيها هذا الخطأ، فهو خطأ نساخ لا أكثر. وقد سميتها: " عقيدة الإمام أحمد". ٢ رسالة رواها العطار أبو محمد، عبدوس بن مالك، وهي ليست من تصنيف الإمام قطعًا، فليس فيها سيما المصنفات، ولا تحمل ما يشير إلى ذلك، فيطرأ الاحتمال، وهي على هذا سماع جامعها من الإمام، فقد قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل ﵁ يقول: "أصول السنة عندنا، وساق الكلام، انظرها في: "٢٤١/١" طبقات الحنابلة، وقد أسميتها: "معتقد الإمام أحمد". ٣ رسالة الإمام إلى مسدد بن مسرهد بن مسربل البصري، وهو من رجال الصحيحين، وهذه رسالة كتبها الإمام إلى مسدد جوابًا لما سأله عنه، وهي في السنة والمعتقد وقد سميتها: "كتاب مسدد"، انظرها في: "٣٤٢/١-٢٤٦" طبقات الحنابلة، وقد اعتمدنا على هذه الرسائل الخمسة في تحقيق هذا الكتاب أصلًا، وما ذكرناه معها إنما هو تبع لها، استقى منها من جاء بعدهم، من غيرها مما صنفه أصحاب الإمام في الاعتقاد، ثم جاء بعد أصحاب الإمام جَمْعٌ صنف في هذا الباب، كالقاضي أبي يعلى الفراء =
[ ٥٧ ]
تسليم آيات الصفات، وعدم تأويلها، ألا ترى إلى جواب مالك، لما سئل عن الاستواء
_________________
(١) = وطبقته، ثم الشيخ عبد القادر الجيلاني، ومن بعده المقادسة من آل قدامة، كالحافظ عبد الغني المقدسي، وابن خالته الحافظ الإمام عبد الله بن قدامة المقدسي صاحب المغني، وابن حمدان، وابن بلبان، ثم ابن تيمية، ومن قبله جده، وبعده ابن القيم، وابن عبد الهادي، وآله، ثم المواهبي صاحب كتابنا هذا، حتى نهاية القرن الثاني عشر. واستمر العمل في القرن الثالث عشر على يد الشيخ العلامة محمد بن عبد الوهاب صاحب كتاب التوحيد، والذي بعث مذاهب السلف في تلك الديار التي ضاع منها رسوم هذا المذهب إذ ذاك، فأزاح الله به وبأبنائه وأصحابه من بعده الضلال والبدع وطهر الديار، فقد كانوا في محاربة البدع وما خالف نهج الصحابة في وقتهم غاية، لكن من شدة اقتضاها الحال نسبة كثرة البدع وشناعتها. ويسميهم مخالفهم بالوهابية نسبة للشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، وهم على مذهب الإمام أحمد في الاعتقاد على الصحيح، فقد أشاع بعض الناس أنهم يقولون: إن الله جالس على العرش، تفسيرًا للاستواء، وأن الله ينزل كنزول البشر، وهذا خلاف الثابت عنهم في كتبهم وكلامهم على المنابر ووسائل الإعلام، فهو محض افتراء أو سوء فهم. نعم هم يخالفون الإمام في مسألة واحدة، وهي إنكارهم التصوف جملة وتفصيلًا، وقد جاء في: مقدمة في عقيدة الإمام أحمد: "٢٧٩/٢"، طبقات الحنابلة، أن الإمام كان يعظم الصوفية ويكرمهم، وقد كان من أصحابه متصوفة: كبشر بن الحارث الحافي، وهو من أكابر الصوفية، نعم يرد ويبدع منهم من كان منحرفًا مبتدعًا مدخلًا في الدين ما ليس منه، وهذا حال غالب المتاخرين منهم، وسبب ذلك جهلهم بالشريعة، فلبس عليهم الشيطان أمورًا قواها بوسوسته، فظنوها فيوضات وكشوفات، فأصلوها من الدين، وهذا ضلال وباطل يرد وينكر على صاحبه، أما سادات الصوفية، فلا غبار على أقوالهم: كالشيخ عبد القادر الجيلاني، والجنيد، والفضيل، وبشر الحافي، وقد أثنى على هؤلاء السادة الشيخ العلامة شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ﵁، وكان يسميهم متصوفة على طريقة أهل السنة، وذكرهم في كثير من المواضع منها: مجموع فتاوى شيخ الإسلام: "٣٧٧/٣"، "٦٩١،٦٨٦،٣٦٨/١٠"، "٦٠٤،٦٠٠،٤٩٤/١١". ١ وهو قول مستقيض عن الإمام مالك، رواه البيهقي عنه مسندًا انظر: الهداية والاعتقاد: "صـ ٧١".
[ ٥٨ ]