مدخل
المقصد الثالث: في مسألة الكلام: وذكر ما نقل عن الإمام أحمد،
فنقول: القرآن كلام الله١، نزله على محمد ﷺ، معجز بنفسه، متعبد بتلاوته٢.
والكلام حقيقة ٣: الأصوات والحروف، وإن سمي به المعنى النفسي، وهو نسبة بين مفردين قائمة بالمتكلم، فمجاز٤.
والكتابة: كلام حقيقة٥، فلم يزل الله متكلمًا كيف شاء، إذا شاء، بلا كيف، يأمر بما يشاء ويحكم.
_________________
(١) ١ كان ينبغي أن يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق، كما هو المنصوص عن الإمام أحمد ردًا على الواقفة. ٢ شرح الكوكب المنير: "٧/٢-٨". ٣ في الأصل: "حقيت". ٤ أي: المتبادر إلى الأذهان عند إطلاق الكلام حقيقة الأصوات والحروف، وإذا أطلق الكلام على المعنى النفسي كان الإكلاق مجازًا، والمعنى النفسي: نسبة بين مفردين، تقوم تلك النسبة بالمتكلم، هذا عند الإمام أحمد ﵁ وغيره من أهل السنة، انظر: شرح الكوكب المنير: "١٤/٢". ٥ لتعلق الأحكام بالكتابة، كالطلاق والنكاح والخلع والبيع والحوالة والوقف والإقرار وغيرها، وقد أجمعت الأمة على وقوع طلاق من كتب صيغته يريد بذلك إخبار زوجته، أنه يطلقها، وإن لم يتلفظ بذلك، وقبلوا زواج من أرسل لآخر كتابًا يقول: زوجتك ابنتي فلانة. أن قال مجرد وصوله إليه ومعرفة نصه: قبلت. =
[ ٦٥ ]
وهذا مذهب الإمام أحمد وأصحابه١، ومذهب المحدثين بلا شك، محمد بن إسماعيل البخاري٢ وجمهور العلماء، قاله ابن مفلح٣ في أصوله، وابن قاضي الجبل٤.
قال الشيخ تقي الدين٥: المعروف عند جماهير أهل السنة أن الله يتكلم بصوت، وهو قول جماهير فرق الأمة٦.
_________________
(١) =وكذلك الأخرس الذي يعرف الكتابة لا تقبل منه الإشارة ولو كانت غاية في الوضوح والظهور، لأن الكتابة كلام، وإن كان مجردًا عن الصوت، انظر: القواعد والفوائد الأصلية: "صـ ١٥٥". ١ الغنية: "٥١/١-٥٤"، لمعة الاعتقاد: "صـ ٢١/ ٢٧"، اعتقاد الإمام أحمد: "٢٩٦/٢"، طبقات الحنابلة، معتقد الإمام أحمد: "٢٤٢/١"، طبقات الحنابلة، كتاب مسدد: "٣٤٢/١"، طبقات الحنابلة، القواعد والفوائد الأصولية: "صـ ١٥٤"، مختصر لوامع الأنوار: "صـ ٣٤-٣٨"، "صـ ٢٧-٣١"، شرح الطحاوية: "صـ ١٨٠". ٢ محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، أبو عبد الله، حبر الإسلام، وحافظ حديث رسول الله ﷺ، صاحب "الجامع الصحيح"، و"التاريخ" و"الضعفاء"، و"خلق أفعال العباد"، و"الأدب المفرد"، ولد في بخارى سنة ١٩٤هـ، ورحل في طلب الحديث، زار خراسان، والعراق، ومصر، وشيوخه نحو ألف شيخ، أقام ببخارى، فتعصب عليه جماعة، ورموه بتهم في مسألة اللفظ، فأخرج إلى خرنتك من قرى سمرقند، فمات بها سنة ٢٥٦هـ، الأعلام: "٣٤/٦". ٣ إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن مفلح، أبو إسحاق، برهان الدين: مؤرخ، من قضاة الحنابلة، ولي قضاء دمشق سنة ٨٥١هـ، وباشره أكثر من أربعين سنة، له: "المبدع بشرح المقنع"، و"مرقاة الوصول إلى علم الأصول"، و"المقصد الأرشد في ذكر أصحاب الإمام أحمد"، ولد سنة ٨١٦ هـ، وتوفي سنة ٨٨٤ هـ، الأعلام: "٦٥/١". ٤ أحمد بن الحسن بن عبد الله بن قدامة، جمال الإسلام، شرف الدين، ابن قاضي الجبل، شيخ الحنابلة في عصره، أصله من القدس، ولد سنة ٦٩٣ هـ، وولي قضاء دمشق سنة ٧٦٧هـ وتوفي وهو قاضٍ سنة ٧٧١ هـ، وله: "الفائق" في فروع الفقه، و"أصول الفقه" لم يكمله، الأعلام: "١١١/١". ٥ الإمام المجدد أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الخضر النميري الحراني الحنبلي، أبو العباس ﵁، وهو أعرف من أن يعرف، ومآثره أكثر من أن تدون، ولا يفي حقه أضعاف هذا الكتاب، فما بالك بأسطر، انظر للتوسع في ترجمته: حياة شيخ الإسلام، للشيخ بهجة البيطار، البداية والنهاية: "٢٥،٢٢،١٩،١٦،١٥،١٤،١٢،١١،١٠،٨،٧،٤- ٣٦،٣٥،٣٤،٣٣،٢٨-٤٥،٤٣،٤٢،٤٠،٣٩- ٤٩،٤٦،- ٥٣،٥١،٥٠-٨٧،٨١،٨٠،٧٥،٧٠،٦٧،٦٦،٦٢،٥٥-٨٩، ١٣٥،١٣٤،١٢٥،١٢٤،١٢٣،١٢٢،١١٩،١١٨،٩٨،٩٧،٩٣،٩٠- ١٤٠" مجلد ١٤، وهي متفرقات إلا قليلًا، تجمع أكثر ملامح الشخصية. ٦ فتاوى ابن تيمية: "٢٤٣/١٢"، شرح الكوكب المنير: "١٣/٢"، القواعد والفوائد الأصولية: "صـ ١٥٤"، شرح الطحاوية: "صـ ١٨٠".
[ ٦٦ ]
تفسير قولنا "معجز بنفسه"، ودلائله
فقولنا: معجز بنفسه أي: مراد به الإعجاز، كما أن المقصود به بيان "٦/أ" الأحكام، والمواعظ، وقص أخبار من قص في القرآن من الأمم، دليل التحدي: قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ ٢، أي: فأتوا بمثله إن ادَّعيتم القدرة، فلما عجزوا، تحداهم بعشر سور، ثم بسورة، ثم بحديث مثله٣.
_________________
(١) ٢ الإسراء: الآية: ٨٨. ٣ شرح الكوكب المنير: "٨/٢"، مختصر لوامع الأنوار: "صـ ٣٧-٣٨"، مناهل العرفان: "٩/١".
[ ٦٧ ]
تفسير قولنا "متعبد بتلاوته"، ودلائله
وقولنا: متعبد بتلاوته؛ ودلائله
لتخرج الآيات المنسوخة اللفظ، سواء بقي حكمها أما لا، وصارت بعد النسخ غير قرآن؛ لسقوط التعبد بتلاوتها٤.
_________________
(١) شرح الكوب المنير: "٨/٢"، وقال: "لذلك لا تعطى حكم القرآن". وانظر: التعريفات: "صـ ١٥٢"، الإحكام للآمدي: "١٥٩/١"، نهاية السول: "٢٠٤/١"، مناهل العرفان: "٩/١"، فواتح الرحموت: "٧/٢"، جمع الجوامع: "٢٢٣/١"، المستصفى: "١٠١/١"، المدخل: "صـ ٨٧"، مختصر الطوفي: "صـ ٤٥".
[ ٦٧ ]
تفسير قولنا "الكتابه كلام حقيقي"، ودلائله
وقولنا: والكتابة كلام حقيقة؛ ودلائله
لقول عائشة: "ما بين دفتي المصحف كلام الله"١، وأن من كتب صريح الطلاق يقع عليه الطلاق بذلك، ولو لم ينوه على الصحيح٢.
_________________
(١) ١ انظر: فتاوى شيخ الإسلام: "٢٤٠/١٢". ٢ تقدم قريبًا توضيح المسألة، وانظر: المغني: "٤١٤/٨"، المسودة: "صـ ١٤"، الفروع: "٣٨٣/٥"، القواعد والفوائد الأصولية: "صـ ١٦٢"، المحرر: "٥٤/٢"، وفيها: في من لم ينوِ شيئًا وجهان. أحدهما: وقوعه، وأنه صريح، فلا يحتاج إلى نية، وهو الصحيح. الثاني: لا يقع، وهو مجروح، انظر: شرح الكوكب المنير: "٢٠/٢"، المغني: "٤١٤/٨"، المحرر: "٥٤/٢"، الإقناع: "١٠/٤"، المقنع: "١٤٦/٣"، الفروع: "٣٨٣/٥"، وما بعدها.
[ ٦٧ ]
تفسير قولنا "ولم يزل الله متكلمًا"، ودلائله
وقولنا: ولم يزل ٣ الله متكلمًا
كيف شاء، إذا شاء، بلا كيف، يأمر بما يشاء، ويحكم٤.
فقد قال الأئمة: إن الله ﷾ يتكلم بمشيئته وقدرته، بمعنى أنه لم يزل متكلمًا إذا شاء، فإن الكلام صفة كمال، ومن يتكلم أكمل ممن لم يتكلم، ومن يتكلم بمشيئته وقدرته، أكمل ممن يكون الكلام ممكنًا٥ له.
وقال قوم٦: لا يتكلم بمشيئته وقدرته، بل كلامه لازم٧ لذاته كحياته،
_________________
(١) ٣ في الأصل: "لم يز". ٤ شرح الكوكب المنير: "٢٢/٢"، شرح الطحاوية: "صـ ١٢٦"، مختصر لوامع الأنوار: "صـ ٢٨"، شرح الطحاوية: "صـ ١٨٠". ٥ مختصر لوامع الأنوار: "صـ ٢٨"، شرح الطحاوية: "صـ ١٨١". ٦ هم: ابن كلاب والقلانسي، انظر: فتاوى شيخ الإسلام: "٤٩/١٢"، مجموعة الرسائل والمسائل: "١٤٨/٣". ٧ في الأصل: "لازمًا".
[ ٦٨ ]
مسألة الحرف والصوت
ثم من هؤلاء من عرف أن الحروف والأصوات لا تكون إلا متعاقبة، والصوت لا يبقي زمانين، فضلًا عن أن يكون قديمًا، فقال: القديم معنى واحد لامتناع معانٍ لا نهاية لها، وامتناع التخصيص بعدد دون عدد، فقالوا: هو معنى واحد، وقالوا: معنى التوراة والإنجيل والقرآن معنى١ واحد، ومعنى آية الكرسي، والدَّين واحد٢، ومنهم من قال: إنه حروف وأصوات قديمة الأعيان، لم تزل ولا تزال، وأن الباء لم تسبق السين، والسين لم تسبق الميم، وأن الحروف مقرونة ببعضها اقترانًا قديمًا أزليًا، لم يزل ولا يزال، وهي متراتبة في حقيقتها وماهيتها، غير متراتبة في وجودها٣.
وقال كثير منهم: إنها مع ذلك شيء واحد، إلى غير ذلك من اللوزام التي يقول جمهور العقلاء٥: إنها معلومة الفساد بضرورة العقل.
_________________
(١) ١ في الأصل: "معنى والقرآن"، ومع الإشارة للتقديم والتأخير. ٢ شرح الكوكب المنير: "٢٢/٢-٢٣"، مجموعة الرسائل والمسائل: "٢٠/٣، ١٤٨"، فتاوى شيخ الإسلام: "٤٩/١٢"، شرح الفقه الأكبر: "صـ ٢٨"، أصول الدين: "صـ ١٠٨"، الغنية: "٨٣/١"، شرح الطحاوية: "صـ ١٨٠". ٣شرح الكوكب المنير: "٢٣/٢"، مجموعة الرسائل المنيرية: "٢٠/٣، ٢٠، ٢١، ٢٨، ٤٤، ١٤٨، ١٥٦"، الإنصاف: "صـ ١١١"، شرح الطحاوية: "صـ ١٨٠". ٤شرح الكوكب المنير: "٢٣/٢": وزاد: "ومن هؤلاء من يقول: هو قديم، ولا يفهم معنى القديم"، شرح الكوكب المنير: "٢٤/٢".
[ ٦٩ ]
نعم هي مؤثرة للفائدة بالقوة، والعبارة مؤثرة بالفعل، فكانت أولى "بأن تكون"١ حقيقة، وما يكون مؤثرًا بالقوة مجاز، انتهى كلامه٢.
_________________
(١) ١ ما بين قوسين ليس في شرح الكوكب المنير. ٢ شرح الكوكب المنير: "١٤/٢".
[ ٧٠ ]
كلام الطوفي في الحقيقة والمجاز في كلام الله ﷿
قال الإمام الطوفي٥ من الحنابلة: إنما كان حقيقة في العبارة، مجازًا في مدلولها، لوجهين:
أحدهما: أن المتبادر إلى فهم أهل اللغة من إطلاق الكلام، إنما هو العبارة، والمتبادر دليل الحقيقة.
الثاني: أن الكلام مشتق من الكلم، لتأثيره في نفس السامع، والمؤثر في نفس السامع إنما هو العبارة لا المعاني النفسية بالفعل."٦/ب"
_________________
(١) ٥ هو سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم، نجم الدين الطوفي الحنبلي البغدادي، الفقيه الأصولي المتفنن، صاحب مختصر الروضة الأصولية، وشرحها، وشرح الخرقي، توفي سنة ٧١٠ هـ، المدخل لابن بدران: "صـ٢٠٧".
[ ٦٩ ]
أدلة السلف على كون كلام حقيقة الأصوات والحروف
أدلة السلف على كون الكلام حقيقة الأصوات والحروف:
منه ما روى عبد الله بن مسعود٣ ﵁، عن النبي صلى الله عليه وسلمأنه قال: "إذا تكلم الله بالوحي، سمع صوته أهل السماء" ٤.
وعن أبي هريرة٥ ﵁، عن النبي ﷺ: "إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله تعالى، كأنها - أو قال: كأنه- سلسلة على صفوان" ٦، وفي حديث آخر قال ﷺ: "إذا أراد الله
_________________
(١) ٣ هو عبد الله بن مسعود الهذلي، حليف بني زهرة، واشتهر بابن ام عبد، من السابقين الأولين حدَّث عن النبي ﷺ بالكثير، سكن الكوفة، وبث علمه بها بإشارة من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضوان الله عليهما، ومات على قول البخاري قبل مقتل عمر بن الخطاب، وقال أبو نعيم وغيره: مات بالمدينة سنة اثنين وثلاثين، وقيل سنة ثلاث وثلاثين، وقيل: مات بالكوفة، والأول أثبت، وكان قد ولاه عمر بن الخطاب الكوفة، ثم عزله، وأمره بالرجوع إلى المدينة، أ. هـ، عن الإصابة: "٣٦٨/٢". ٤ رواه البخاري في: كتاب التوحيد، موقوفًا على ابن مسعود برواية: "إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السموات شيئًا، فإذا فزع عن قلوبهم، وسكن الصوت عرفوا أنه الحق، ونادوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا الحق"، فتح الباري: "٤٥٣/١٣"، وأبو داود في: السنة: برقم ٤٧٣٨. ٥ اختلف في اسمه على أقوال كثيرة تصل إلى عشرين قولًا، أصحها عبد الرحمن بن صخر الدوسي، قال النووي: إنه أصح، وهو أوسع الصحابة رواية، وكان ممن وقف نفسه على ملازمة رسول الله ﷺ، توفي بالعقيق، وحمل إلى المدينة، وقد اختلف في وفاته فقيل: ٥٧هـ، وقيل ٥٩هـ، وقال البخاري مترددًا: مات سنة سبع وخمسين، ورجح ابن حجر الأول، والإصابة: "٤٠٣/٢"، "٢٠٢/٤- ٢١١". ٦ رواه البخاري في: كتاب التفسير: برقم ٤٧٠١ و٤٨٠٠، وفي: كتاب التوحيد: برقم ٧٤٨١، وابن ماجه في: المقدمة: "٧٠/١": برقم ١٩٤، والترمذي في: تفسير سورة سبأ: رقم ٣٢٢١.
[ ٧٠ ]
أن يوحي الأمر، تكلم بالوحي، أخذت السموات منه رجفة، -أو قال: رعدة- شديدة، خوفًا من الله تعالى، فإذا سمع ذلك أهل السموات، صعقوا، وخروا سجدًا لله، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، ﵊، فيكلمه ﷿ من وحيه بما أراد، ثم يمر جبريل على الملائكة، كلما مر بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول جبريل: قال الحق، وهو العلى الكبير".
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ أحدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ ٣، المسموع دائمًا الحروف والأصوات، لا المعاني، والإشارة بالمثل إلى شيء حاضر، فلو كان كلام الله معنى قائمًا في النفس، كما قالت الأشعرية، لم تصح الإشارة إليه، وما روي عنه، ﷺ، أنه قال: "من قرأ القرآن، فأعربه، فله بكل حرف منه عشر٤ حسنات" ٥. الحديث، إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث التي يطول ذكرها، وسيأتي بعضها.
_________________
(١) ١ رواه ابن جرير الطبري في: تفسير: "٩١/٢٢"، وابن خريمة في: التوحيد: "صـ ١٤٤"، والبيهقي في: الأسماء والصفات: "٢٠٣/١"، وابن كثير في: تفسيره: "٥٥١/٥"، عن ابن أبي حاتم، كلهم عن النواس بن سمعان متصلًا. وقد سبق طرفه موقوفًا عن ابن مسعود عند البخاري. ٢ التوبة: الآية ٦. ٣ وتمامها: ﴿وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيْرًا﴾ [الإسراء: الآية ٨٨] ٤ في الأصل: "خمسوان حسنة"، أي خمسون، وهو خطأ إذا ليس فيما ورد من أحاديث ثواب قراءة القرآن ذلك اللفظ. ٥ رواه الطبراني في: الأوسط، وفيه نهشل، وهو متروك، انظر: مجمع الزوائد: "١٦٣/٧"، غير أن له شواهد، كحديث ابن مسعود ﵁ مرفوعًا: "من قرأ حرفًا من كتاب الله، فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها.." رواه الترمذي: "١٧٥/٥"، ورجاله رجال الصحيحين عدا الضحاك بن عثمان، فإنه من رجال مسلم. ورواه البخاري في: التاريخ، انظر: الفتح الكبير: "٢٢٦/٣"، وروى الدارمي نحوه موقوفًا، ومثله لا مدخل للناس فيه، فحكمه حكم المرفوع، انظر: سنن الدارمي: "٤٢٩/٢".
[ ٧١ ]
مذهب ابن كلاب ولأشعري، وأصحابه في الكلام وأدلتهم
وقال ابن كُلَّاب١ وأتباعه، منهم الإمام أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، وأتباعه: إن الكلام مشترك بين الألفاظ المسموعة، وبين الكلام النفسي، وذلك أنه قد استعمل لغة وعرفًا فيهما، والأصل في الإطلاق الحقيقة، فيكون مشتركًا٢.
أما استعماله في العبارة: فنحو قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ٣، وسمعت كلام فلان وفصاحته.
وفي مدلولها٤، فنحو: ﴿يَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ ٥، ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوْ اجْهَرُوا بِهِ﴾ ٦.
_________________
(١) ١ عبد الله بن سعيد بن كلاب، أبو محمد القطان: متكلم، يقال له: "ابن كلاب"، قال السبكي: وكُلَّاب بضم الكاف وتشديد اللام، قيل: لقب بها؛ لأنه كان يجتذب الناس إلى معتقده إذا ناظر عليه، كما يجتذب الكلاب الشيء، توفي سنة ٢٤٥هـ، له كتب منها: "الصفات"، و"خلق الأفعال"، و"الرد على المعتزلة"، الأعلام: "٩٠/٤". ٢ في الأصل: "مشتر"، انظر: المستصفى: "١٠٠/١"، حاشية البناني على جمع الجوامع: "٢٤٤/١"، مختصر الطوفي: "صـ ٤٥"، القواعد والفوائد الأصولية: "صـ ١٥٤"، فتاوى شيخ الإسلام: "١٧٠/٧"، "٦٧/٢"، المحصول للرازي: "٢٣٥/١"، المحلى على جمع الجوامع: "١٠٤/٢"، شرح الكوكب المنير: "١٠/٢". ٣ التوبة: الآية ٦. ٤ أي: وأما استعماله في مدلول العبارة. ٥ المجادلة: آية ٨. ٦ الملك: آية ١٣.
[ ٧٢ ]
وقوله عمر١ ﵁: "زوَّرت في نفسي كلامًا"٢.
وقول الأخطل٣:
أن الكلام لفي الفؤاد٤.. البيت.
ولأنه لما كان سمعه بلا انخراق، وجب أن يكون كلامه بلا حرف ولا صوت٥.
وذكر الغزالي٦: أن قومًا، جعلوا الكلام حقيقة في المعنى، مجازًا في "٧/أ" العبارة.
_________________
(١) ١ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، أبو حفص العدوي الفاروق، وزير رسول الله ﷺ، ومن أيد الله به الإسلام، وفتح به الأمصار، وهو الصادق المحدث الملهم، الذي جاء عن المصطفى ﷺ أنه قال: "لو كان بعدي نبي، لكان عمر" الذي فر منه الشيطان، أعلى به الإيمان، وأعلن الأذان، استشهد أمير المؤمنين عمر في أواخر ذي الحجة من سنة ثلاث وعشرين للهجرة، تذكرة الحفاظ: "٨/١". ٢ قطعة من حديث طويل، رواه أحمد: "٥٦/١"، والبخاري في: كتاب الحدود: "٦٨٣٠"، وروايته فيهما: "وكنت قد زورت مقالة أعجبتني"، وانظر: "١٣/ ٤٥٨" من الفتح. غياث بن غوث بن الصلت، أبو مالك من بني تغلب، الشاعر الأموي، ومادحهم، كان هجاء بذيئًا، وسماه بالأخطل، كعب بن جعيل، بقوله له: إنك لأخطل يا غلام، والخطل: السفه، وفحش القول، هلك سنة ٩٠هـ، انظر الشعر والشعراء: "صـ ٤٥٥"، الأغاني: "٢٨٠/٨"، الأعلام: "٣١٨/٥". ٣ البيت بتمامه: إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جُعِل اللسان على الفؤاد دليلًا وفي كتب أصحابنا كالإمام موفق الدين، وشيخه الخشاب، وأبي نصر السجزي، تضعيف نسبته إليه، وأنه غير موجود في ديوانه، وأنه لو كان صحيحًا عنه، فإنه قال: إن البيان، انظر شرح الكوكب المنير: "٤٢/٢"، وقد أضيف إلى الديوان عند طبعه "صـ ٥٠٨" في قسم الزيادات؛ لأن جملة من اللغويين نسبه إليه، ونسبته إليه لا تصح، ولم يرد في ديوانه، صنعة السكري بتحقيق الدكتور قباوة البتة. ٥ انظر: شرح الكوكب المنير: "١١/٢". محمد بن محمد بن محمد الغزالي، أبو حامد: فلسوف متصوف، له نحو مائتي =
[ ٧٣ ]
وقومًا عكسوا، وقومًا قالوا بالاشتراك، ونقل الثلاثة عن الأشعري١،
فعلى القول الثاني، لا خلاف بيننا وبينهم، ولكن المشهور أن الأشعري وأصحابه قالوا: القرآن الموجود عندنا حكاية٢ كلام الله تعالى.
وابن كلاب وأتباعه قالوا: عبارة عن كلام الله لا عينه٣.
ويروى عن الأشعري: كلام الله القائم بذاته، يسمع عند تلاوة كل تالٍ، وقراءة كل قارئ٤.
وقال الباقلاني٥: إنما نسمع التلاوة دون المَتْلُوِّ، والقراءة دون المقروء٦.
_________________
(١) مصنف، مولده سنة ٤٥٠ هـ، بطوس، ووفاته سنة ٥٠٥هـ، في الطابران، قصبة طوس بخراسان، الأعلام: "٢٢/٧". ١ شرح الكوكب المنير: "١١/٢"، المستصفى: "١٠٠/١"، فواتح الرحموت: "٦/٢"، فتاوى شيخ الإسلام: "٦٧/١٢"، المحلى على جمع الجوامع: "١٠٤/٢"، القواعد والفوائد الأصولية: "صـ ١٥٤". ٢ في الأصل: لا حكاية كلام الله تعالى، والتصويب من شرح الكوكب المنير: "٢/ ١٢"، انظر: الإحكام للآمدي: "١٥٩/١"، الفصل في الملل والنحل: "٦/٣"، أصول الدين: "صـ ١٠٨"، الإنصاف: "صـ ٨٢". ٣ شرح الكوكب المنير: "١٢/٢"، الإحكام للآمدي: "١٥٩/١"، الفصل في الملل والنحل: "٦/٣". ٤ شرح الكوكب المنير: "١٢/٢"، ونكرر التنبيه أن الأشعري له ثلاثة أقوال في مسألة الكلام، ارجع إلى كلام الغزالي المتقدم. ٥ محمد بن الطيب، أبو بكر الباقلاني، رأس المتكلمين على مذهب الشافعي، هو من أكثر الناس كلامًا وتصنيفًا في الكلام، وكان غاية في الفطنة والذكاء، وله: "الإنصاف"، و"شرح الإبانة"، و"التبصرة"، وغيرها، توفي سنة ٤٠٣ هـ، البداية والنهاية: "٣٥٠/١١". ٦ الإنصاف: "صـ ٨٠"، ثم انظر: "صـ ٨٢".
[ ٧٤ ]
كلام أبي حامد الاسفرائينئ في مذهب الشافعي في الكلام ومخالفة الأشعري له
وكان أبو حامد الإسفرائيني١ يقول: مذهب الشافعي وسائر الأئمة خلاف قول الأشعري، وقولهم هو قول الإمام أحمد٢.
وكذلك أبو محمد الجويني٣، ذكر أن الأشعري خالف في مسألة الكلام قول الشافعي وغيره من السلف، وأنه أخطأ في ذلك٤.
وكذلك سائر أئمة أصحاب٥ مالك، والشافعي وغيرهما، ويذكرون قولهم في حد الكلام وأنواعه، من الأمر والنهي، والخبر العام والخاص وغير ذلك، يجعلون الخلاف في ذلك مع الأشعري كما هو مبين في أصول الفقه التي صنفها أئمة أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وغيرهم٦.
_________________
(١) ١ هو أحمد بن محمد بن أحمد الإسفرائيني الفقيه انتهت إليه رياسة الشافعية ببغداد، وهو زعيم طريقتهم في الفقه الشافعي في القرن الرابع الهجري، له شرح مختصر المزني، وكتاب أصول الفقه، توفي سنة ٤٠٦هـ ببغداد، انظر البداية والنهاية: "٢/١٢"، طبقات الشافعية الكبرى: "٦١/٤"، شذرات الذهب: "١٧٨/٣"، وفيات الأعيان: "٥٥/١"، طبقات الفقهاء: "صـ ١٢٣". ٢ انظر: شرح الكوكب المنير: "٣٨/٢"، مجموعة الرسائل والمسائل: "٢٣/٣"، فتاوى شيخ الإسلام: "١٢/ ١٦٠". ٣ هو الإمام عبد الله بن يوسف بن عبد الله، أبو محمد الجويني، والد إمام الحرمين، ويلقب بركن الدين، كان إمامًا في الفقه والتفسير والأدب، عالمًا بالأصول، والنحو، أفتى بنيسابور ودرس وصنف، له: الفروق والسلسلة والتذكرة والتبصرة ومختصر المختصر وشرح الرسالة والتفسير والمحيط ورسالة إثبات الحرف والصوت ومسألة العلو والاستواء المنشورة ضمن مجموعة الرسائل المنيرية: "١٧٤/١" توفي بنيسابور سنة ٤٣٨ هـ. انظر: طبقات الشافعية الكبرى: "٧٣/٥"، البداية والنهاية: "٥٥/١٢"، تبيين كذب المفتري: "٢٥٧"، شذرات الذهب: "٢٦١/٣"، وفيات الأعيان: "٢٥٠/٢"، طبقات المفسرين: "٢٥٣/١". ٤ شرح الكوكب المنير: "٣٨/٢"، رسالة الإمام أبي محمد الجويني: "١٧٤/١"، من مجموعة الرسائل المنيرية. ٥ في الأصل: "أصحا". ٦ شرح الكوكب المنير: "٣٩/٢"، وهذا كله من كلام شيخ الإسلام، في فتيا له تسمى: الأزهرية، وبدايته عند ذكر أبي حامد الإسفراييني، ولم يبين المصنف ذلك، لكن في شرح الكوكب نقل ما جاء هنا عن الأزهرية، وزيادة عليه، انظره: "٣٤/٢-٤٠".
[ ٧٥ ]
مهذب الإمام أحمد في القرآن، وكلام الله ﷿، أنه على الحقيقة
قال الإمام أحمد ﵀: القرآن كيف تصرف فهو غير مخلوق، ولا نرى القول بالحكاية والعبارة، وغلَّط من قال بهما وجهَّله، فقال: من قال: إن القرآن عبارة عن كلامه تعالى، فقد غلط وجهل.
وقال: الناسخ والمنسوخ في كتاب الله دون العبارة والحكاية.
وقال: هذه بدعة لم تقلها السلف، وقوله: "تكليمًا"١ يبطل الحكاية، منه بدأ وإليه يعود٢، انتهى٣.
قال الطوفي: قال المخالفون: استعمل لغة وعرفًا في النفس٤ والعبارة، قلنا: نعم، لكن بالاشتراك أو بالحقيقة فيما ذكرناه، وبالمجاز فيما ذكرتموه، والأول ممنوع.
قالوا: الأصل في الإطلاق الحقيقة.
قلنا: والأصل عدم الاشترك، ثم قد٥ يعارض المجاز الاشتراك٦ المجرد، والمجاز٧ أولى، ثم إن لفظ الكلام أكثر ما يستعمل في العبارات،
_________________
(١) ١ ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء الآية: ١٦٤] . ٢ شرح الكوكب المنير: "٤٠/٢"، فتاوى شيخ الإسلام: "٥١٧/١٢"، مجموعة الرسائل والمسائل: "١٢٨/٣"، الكافية بشرح القصيدة النونية: "٢٠٥/١". ٣ زاد في: شرح الكوكب المنير: نقل ذلك ابن حمدان في نهاية المبتدئين، وهو كتاب له، انظر: صيد الخاطر: "صـ ١٠٢"، مجموعة الرسائل والمسائل: "٢١/٣"، الكافية بشرح القصيدة النونية: "٢٩/١". ٤ في: شرح الكوكب المنير عن الطوفي: استعمل لغة وعرفًا فيهما،: "١٤/٢". ٥ في شرح الكوكب المنير: "إذا"، وذكر أنه: "قد"، في نسخة. ٦ في شرح الكوكب المنير: المجاز والاشتراك، وذكر أن الواو ساقطة من نسخة أخرى، قلت: وإسقاطها هو الصواب، وهو الموافق لما في نسختنا هذه. ٧ شرح الكوكب المنير: "فالمجاز"، وذكر أنه: "والمجاز"، في نسخة.
[ ٧٦ ]
وكثرة موارد الاستعمال تدل على الحقيقة.
وأما قوله تعالى: ﴿وَيَقُوْلُوْنَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ ١، فمجاز؛ لأنه إنما دل على المعنى النفسي بالقرنية، وهو قوله: "في أنفسهم"، ولو أطلق، لما فهم إلا العبارة٢.
وكذلك كل ما جاء من هذا الباب، إنما يفيد مع القرينة، ومنه قول عمر ﵁: "زورت في نفسي كلامًا"٣.
وأما قوله تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ ٤، فلا حجة فيه؛ لأن "٧/ب" الإسرار به خلاف الجهر٥، وكلاهما عبارة عن أن يكون أحدهما أرفع صوتًا من الآخر، أما بيت الأخطل، فيقال: إن المشهور فيه "إن البيان لفي الفؤاد"، وبتقدير أن يكون كما ذكرتم، فهو٦ مجاز عن مادة الكلام، وهو التصورات الصحيحة٧ له، إذ من لم يتصور٨ ما يقول، لا يُوجِدُ كلامًا، ثم هو مبالغة من هذا الشاعر، في ترجيح الفؤاد على اللسان، انتهى.
ولابن قاضي الجبل في الجواب عن الآيات وبيت الأخطل، كلام يقاربه في المعنى، ونقل ابن القيم٩ أن الشيخ تقي الدين رد الكلام.
_________________
(١) ١المجادلة: الاية: ٨، وفي الأصل: "يقولون بأنفسهم". ٢ في الأصل: "إلا لعبارة". ٣ وقد سبق تخريج الأثر قريبًا. ٤ الملك: الآية ١٣، وتمامها: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ . ٥ في شرح الكوكب: لأن الإسرار نقيض الجهر. ٦ في الأصل: "ذكرتهم هو"، وهو خطأ بين لا تستقيم به العبارة، والتصحيح من: شرح الكوكب المنير: "١٦/٢". ٧ في شرح الكوكب المنير: المُصَحَّحَة: "١٦/٢". ٨ في شرح الكوكب المنير: إذ من لم يُتَصور منه معنى ما يقول: "١٦/٢". ٩ محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي، ثم الدمشقي، الفقيه الأصولي، المفسر النحوي، العارف، شمس الدين أبو عبد الله بن القيم الجوزية، ولد سنة ٦٩١ هـ، له "تهذيب =
[ ٧٧ ]
النفسي من سبعين وجهًا١.
وقال الغزالي: من أحال سماع موسى كلامًا ليس بحرف ولا صوت، فليُحِل يوم القيامة رؤية ذات، ليست بجسم ولا عرض٢. انتهى.
_________________
(١) سنن أبي داود"، و"مدارج السالكين" و"وشرح منازل السائرين"، و"إعلام الموقعين عن رب العالمين"، "بدائع الفوائد"، "والشافية الكافية في الانتصار للفرقة الناحية"، و"حادي الأوراح"، و"الطرق الحكمية"،و"مفتاح دار السعادة"، وغيرها كثيرًا جدًّا، الذيل على طبقات الحنابلة: "٤٤٧/٢-٤٥٢". ١ في شرح الكوكب المنير: "تسعين"، وهو الصحيح، لأن الشيخ تقي الدين استوعبها في كتابه القيم، الفائق التحرير، والضبط "الإيمان": "صـ ١١٠"، انظر: الكافية بشرح القصيدة النونية: "٢٠٦/١، ٢٢٤، ٢٦٤". ٢ الأربعين في أصول الدين: "صـ ٢٠".
[ ٧٨ ]
رد الطوفي لشبهة استعمال اسم الكلام في النفس والعبارة لغة
وقال الطوفي: كل هذا تكلف وخروج٣ عن الظاهر، بل عن القاطع من غير ضرورة، إلا خيالات لاغية، وأوهام متلاشية، وما ذكروه معارض بأن المعاني لا تقوم شاهدًا إلا بالأجسام، فإن أجازوا معنًى قام بالذات القديمة وليست جسمًا، فليجيزوا خروج صوت من الذات القديمة وليست جسمًا، إذ كلا الأمرين خلاف الشاهد، ومن أحال كلامًا لفظيًا من غير جسم، فليحل ذاتًا مرئية من غير جسم، ولا فرق٤، والعجب من هؤلاء٥ القوم، مع أنهم عقلاء فضلاء، يجيزون أن الله تعالى يخلق لمن يشاء من عباده علمًا ضروريًا، وسمعًا لكلامه٦ النفسي، من غير توسط صوت ولا حرف، وذلك٧ من خاصة موسى ﵊، مع أن ذلك قلب لحقيقة السمع في الشاهد، إذا حقيقة السمع في الشاهد، إيصال الأصوات٨ بحاسة٩.
_________________
(١) ٣ في الأصل: "خروجًا"، وهو خطأ. ٤ في شرح الكوكب المنير: "١٧/٢"، بعد ولا فرق: ثم قال الطوفي: إلخ. ٥ في الأصل: "هذ"، والتصحيح من شرح الكوكب المنير. ٦ في الأصل: "لكلام". ٧ في الأصل: "ولذلك". ٨ في الأصل: "أيضًا للأصوات"، والتصحيح من شرح الكوكب المنير: "١٧/٢". ٩ أسقط المؤلف هنا أسطرًا، وهي كما في شرح الكوكب المنير: "١٧/٢": "ثم ينكرون علينا بأن الله يتكلم بحرف وصوت قديمين من فوق السماء؛ لكون ذلك مخالفًا للشاهد، فإن جاز قلب حقيقة السمع شاهدًا بالنسبة إلى كلامه، فلم لا يجوز مخالفته للشاهد بالنسبة إلى استوائه وكلامه على ما قلناه؟.
[ ٧٨ ]
رد الحافظ أبو نصر على قول الأشعري
رد الحافظ أبو نصر على قول الأشعري: لما كان سمعه بلا انخراق وجب أن يكون كلامه بلا حرف ولا صوت.
فإن قالوا: لأنه يستحيل١ وجود حرف، ولا صوت إلا من جسم٢.
قلنا: إن عنيتم استحالته بالإضافة إلى الشاهد، فسماع كلام بدون توسط صوت وحرف كذلك أيضًا، وإن عنيتم استحالته مطلقًا، فلا نسلم، إذ الباري ﷻ على خلاف المشاهدة والمعقول في ذاته وصفاته، وقد وردت النصوص بما قلناه، فوجب القول به٢. انتهى.
وسيأتي في التتمة الثانية ذكر كلام صاحب المواقف٤، وجوابه الموافق لكلام الطوفي.
وقال أبو النصر السجستاني٥ عن قول الأشعري: "لما كان سمعه بلا انخراق، وجب أن يكون كلامه بلا حرف ولا صوت".
_________________
(١) ١ في الأصل: فإن قالوا: استحيل وجود.. إلخ، والتصحيح من شرح الكوكب المنير: "١٧/٢". ٢ في شرح الكوكب المنير: "إلا من جسد"، وزاد فيه ما أسقطه المؤلف هنا: ووجود في جهة ليس بجسم: "١٧/٢" منه. ٣ كل ما تقدم سابقًا من كلام الطوفي من شرح الكوكب المنير: "١٦/٢-١٧". ٤ القاضي عضد الدين، عبد الرحمن بن أحمد الإيجي: عالم بالأصول والمعاني والعربية من أهل إيج بفارس، جرت له محنة مع صاحب كرمان، فحسبه بالقلعة، فمات مسجونًا سنة ٧٥٦ هـ، له: "المواقف"، "والعقائد العضدية"، وغيرها، الأعلام: "٢٩٥/٣". ٥ هو الإمام أبو نصر عبيد الله بن سعيد بن حاتم السجستاني، أو السجزي، الإمام الحافظ الناقد، كان متقنًا للحديث بصيرا بالسنة، له كتاب "الإبانة الكبري"، في القرآن، توفي بمكة المكرمة سنة ٤٤٤هـ، انظر تذكرة الحفاظ: "١١١٨/٣"، شذرات الذهب: "٢٧١/٣"، طبقات الحفاظ: "صـ ٤٢٩".
[ ٧٩ ]
هذا غير مسلَّم، ولا يقتضي ما قال، وإنما يقتضي أن سمعه لما كان "٨/أ" بلا انخراق، وجب أن يكون كلامه بلا لسان وشفتين١، وحنك، وأيضًا لو كان الكلام غير حرف، كانت الحروف عبارة عنه، لم يكن بد من أن يحكم لتلك العبارة بحكم، إما أن يكون أحدثها في صدر، أو لوح، أو نطق بها بعض عبيده، فتكون منسوبة إليه، فيلزم من يقول بذلك أن يفحص بما عنده في السور والآي والحروف، أهي عبارة لجبريل؟، أو محمد عليهما الصلاة والسلام؟.
وأيضًا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٢ وكن حرفان، ولا يخلو الأمر من أحد وجهين:
إما أن يراد بقوله: "كن" من التكوين كقول المعتزلة، أو يكون المراد٣ به ظاهره، فإنه ﷾ إذا أراد إنجاز شيء قال له: "كن" على الحقيقة، فيكون.
فإن قال الأشعري: إنه على ظاهره، لا بمعنى التكوين، فيكون حرفان، وهو مخالف لمذهبه، وإن قال: ليس بحرف، صار بمعنى التكوين كالمعتزلة. انتهى٤.
_________________
(١) ١ في الأصل: "وفتين". ٢ النحل، الآية: ٤٠. ٣ في الأصل: "يكو المرا". ٤ شرح الكوكب المنير: "١٨/٢، ١٩"، وفيما نقله، وما في شرح الكوكب اختلاف لفظي بسيط.
[ ٨٠ ]
كلام ابن حجر العسقلاني في مسألة الكلام
وقال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري٥ في باب قوله تعالى: ﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ ٦ الآية: والمنقول عن السلف اتفاقهم على أن القرآن كلام الله غير مخلوق تلقاه جبريل عن الله ﷿، وبلغ جبريل إلى محمد ﷺ، وبلغه هو إلى أمته. انتهى.
_________________
(١) ٥ انظر فتح الباري: "٣٥٧/١٣". النساء، الآية: ١٦٦.
[ ٨٠ ]
كلام ابن القاضي الجبل في مسألة الكلام
قال ابن القاضي الجبل: احتج الجمهور بالكتاب والسنة واللغة والعرف، أما الكتاب، فقوله سبحانه: ﴿آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا، فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ ١، فلم يسم الإشارة كلامًا، وقال لمريم ﵍: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ ٢، وفي الصحيح أن النبي ﷺ قال: "إن الله عفى لأمتي عن الخطأ والنسيان، وما حدثت به أنفسها، وما لم تتكلم أو تعمل" ٣.
وقسم أهل اللسان الكلام إلى اسم وفعل وحرف، واتفق الفقهاء٤ كافة على أن من حلف لا يتكلم، لا يحنث بدون النطق، وإن حدثته [نفسه] ٥.
فإن قيل: الأيمان مبناها على العرف.
قيل: الأصل عدم التغيير.
أهل العرف يسمون الناطق متكلمًا، ومن عداه ساكتًا أو أخرس.
_________________
(١) ١ مريم: الايتان: ١٠، ١١. ٢ مريم: الاية: ٢٦. ٣ وهو حديث مدرج أدرجه ابن قاضي الجبل ﵀، فإن قوله ﷺ: "إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به"، وراه البخاري: "١٥٣/٤"، ومسلم: "١١٦/١" اللفظ له، أما قوله ﷺ: "إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"، فقد أخرجه ابن ماجة في: السنن: "٦٥٩/١"، وفيه أبو بكر الهذلي المتفق على تضعيفه، انظر: ميزان الاعتدال: "١٩٤/٢"، الضعفاء والمتروكين: ٢٣٣، المغني في الضعفاء: ٢٥٥٢، لسان الميزان: "٧١/٤"، وهذا الإدراج ليس تامًّا، فقد أدخل ألفاظًا من الأول على الثاني. ٤ في الأصل: "والتفقها"، والتصحيح من شرح الكوكب المنير: "٣١/٢". ٥ تتمة من شرح الكوكب المنير، ليست في الأصل.
[ ٨١ ]
رد الحافظ أبي نصر على مسألة عدم تبعض كلام الله ودليله
[فإن] ١ قالوا: قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ ٢.
أكذبهم الله تعالى في شهادتهم، ومعلوم صدقهم اللساني، فلا بد من إثبات الكلام النفسي؛ ليكون الكلام٣ عائدًا إليه٤.
فالجواب: إن الشهادة الإخبار عن الشيء مع اعتقاده، فلما لم يكونوا معتقدين ذلك، كذبهم٥ الله تعالى.
وقال أبو النصر السجزي: قولهم" لا يتبعض".
يرد عليه [أن موسى] ٦ ﵊، سمع بعض كلام الله، ولا يمكن أن يقال سمع الكل٧.
_________________
(١) ١ زيادة من شرح الكوكب المنير، ليست في الأصل. ٢ المنافقون: الآية: ١. ٣ في الأصل: "الكذب"، والتصحيح من شرح الكوكب المنير: "٣٢/٢". ٤ أسقط المؤلف اخنصارًا بعد هذا الموضوع كلامًا، ثم تابع النقل، انظر شرح الكوكب المنير: "٣٢/٢". ٥ في شرح الكوكب المنير: "أكذبهم": "٣٢/٢"، وانظره: "٣٠/٢-٣٣"، ففيه كلام نفيس. ٦ ساقطة من الأصل استدركناها من شرح الكوكب المنير: "٤٢/٢". ٧ شرح الكوكب المنير: "٣٤/٢".
[ ٨٢ ]
قول الشيخ الإسلام: من قال إن القرآن عبارة عن كلام الله وقع في محذورات
وقال الشيخ تقي الدين في فتيا له تسمى بالأزهرية١: ومن قال: إن القرآن عبارة عن كلام الله تعالى، وقع في محذورات:
أحدها: قولهم: إن القرآن ليس بكلام الله تعالى، فإن نفي هذا الإطلاق خلاف ما علم بالاضطرار من دين الإسلام، وخلاف ما دل عليه الشرع والعقل.
والثاني: قولهم: "عبارة" إن أرادوا، أن هذا التالى٢ هو الذي عبر عن كلام الله تعالى القائم بنفسه، لزم أن يكون كل تالٍ معبرًا عما في نفس الله، والمعبر عن غيره هو المنشئ للعبارة، فيكون كل قاريء هو المنشئ لعبارة القرآن، وهذا معلوم الفساد بالضرورة.
وإن أرادوا أن القران العربي عبارة عن معانيه، فهذا حق إذ كل كلام لفظه عبارة عن معناه، لكن هذا لا يمنع أن يكون الكلام متناولًا اللفظ [والمعنى] ٣. انتهى٤.
_________________
(١) ١ الفتيا الأزهرية: ليست مطبوعة، وقيل: مفقودة. ٢ في شرح الكوكب المنير: "٣٥/٢": "الثاني"، وهو خطأ مطبعي. ٣ساقطة من الأصل، استدركناها من شرح الكوكب المنير: "٣٥/٢". ٤ هذا كله كلام الشيخ تقي الدين ﵁، وله تتمة عظيمة الفائدة، انظر: شرح الكوكب المنير: "٣٢/٢-٤٠"، مجموعة الرسائل والمسائل: "٥٥/٣-٥٦، ٢٠، ١٢٨،٢١"، فتاوى شيخ الإسلام "٥١٧/١٢".
[ ٨٢ ]
رد الإمام موفق الدين ابن قدامة على أدلة الأشعرية في المعنى النفسي والحرف والصوت والحقيقة والمجاز والتعاقب والتعدد
قال الشيخ الإسلام موفق الدين بن قدامة المقدسي٤ في مصنف له٥: واعترض القائل بكلام النفس بوجوه:
أحدها قول الاخطل: إن الكلام لفي الفؤاد البيت.
_________________
(١) ٤ عبد الله بن أحمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الحنبلي، أبو محمد موفق الدين: فقيه من أكابر الحنابلة، له تصانيف منها "المغني شرح الخرقي"، و"روضة الناظر" في أصول الفقه، و"المقنع"، و"الكافي"، و"العمدة"، و"لمعة الاعتقاد"، وغيرها مما هو غير مطبوع، ولد سنة ٥٤١هـ، وتوفي سنة ٦٢٠هـ، الأعلام: "٦٧/٤"، واسمه فيه عبد الله بن محمد، وهو خطأ مطبعي قطعًا؛ لأنه في موضع عبد الله بن أحمد. ٥ لشيخ الإسلام موفق الدين ابن قدامة المقدسي عدة كتب في السنة منها: لمعة الاعتقاد، مسألة في تحريم النظر في كتب أهل الكلام، ومسألة العلو، وكتاب القدر، والبرهان في مسألة القرآن، والأرجح أنه مقصود المؤلف وعنه ينقل، وغيرها، انظر: ذيل طبقات الحنابلة: "١٣٣/١"، المدخل إلى مذهب الإمام أحمد: "صـ ٢٠٧"، والأعلام: "٦٧/٤".
[ ٨٣ ]
الثاني: سلمنا أن كلام الآدمي صوت وحرف، لكن كلام الله تعالى يخالفه؛ لأنه صفته، فلا تشبه صفات الآدميين، وكلامه كلامهم.
الثالث: أن مذهبكم في الصفات أن لا تفسر، فيكيف فسرتم كلام الله بما ذكرتم.
الرابع: أن الحروف لا تخرج إلا من خارج وأدوات، والصوت لا يكون إلا من جسم، والله متعالٍ عن ذلك.
الخامس: أن الحروف يدخلها التعاقب١، وكل مسبوق مخلوق.
السادس: أن هذا يدخله التجزؤ٢ والتعدد والقديم لا يتجزأ ولا يتعدد.
قال شيخ الإسلام الموفق: الجواب عن الأول من وجوه.
الأول: أن هذا [كلام] ٣ شاعر نصراني عدو لله ورسوله ودينه، أفيجب٤ اطراح كلامه تعالى ورسوله وسائر الخلق تصحيحًا لكلامه؟، وحمل كلامهم على المجاز صيانة لكلامه؟، هذا عن المجاز.
وأيضًا فتحتاجون إلى إثبات هذا الشعر ببيان إسناده، ونقل الثقات له، ولا نقنع بشهرته، فقد يشتهر الفاسد.
_________________
(١) ١ اختصر المؤلف هنا عبارة، ذكرها في: شرح الكوكب المنير: "٤١/٢"، وهي: فالباء تسبق السين، والسين تسبق الميم. ٢ في الأصل: "التجري". ٣ ما بين معقوفين تتمة من شرح الكوكب المنير: "٤١/٢". ٤ في الأصل: "فيحب"، بالحاء، وهذا ممكن، والعبارة كما في: شرح الكوكب المنير: أظهر وأقوى تعبيرًا، وأصح سياقًا ومعنى، وهي: فهل يجب، وفي نسخة: أفيجب، فأثبتناها: أفيجب، فإنها أقرب لما في نسختنا رسمًا بإسقاط الألف، والمعنى واحد.
[ ٨٤ ]
وقد سمعت شيخنا أبا محمد الخشاب١، إمام أهل العربية في زمانه، يقول: قد فتشت دواوين الأخطل العتيقة، فلم أجد هذا البيت فيها٢.
الثاني: لا نسلم أن لفظه هكذا، إنما قال: "إن البيان من الفؤاد"، فحرفوه وقالوا: الكلام٢.
الثالث: أن هذا مجاز، يراد به أن الكلام من عقلاء الناس إنما يكون بعد التروي فيه، واستحضار معانيه في القلب٢، كما قيل: لسان الحكيم من وراء قلبه، فإن كان له محل قاله، وإن لم يكن سكت، وكلام الجاهل على طرف لسانه.
والدليل على أن هذا مجاز من وجوه كثيرة.
أحدها: ما ذكرناه مما يدل على أن الكلام هو النطق، وحمله على الحقيقة، يحمل٣ كلام الأخطل على مجازها أولى من العكس. "٩/أ"
ثانيها: أن الحقيقة يستدل ٤ عليها بسبقها إلى الذهن، وتبادر الأفهام إليها، وإنما يفهم من إطلاق الكلام ما ذكرناه.
ثالثها: ترتيب الأحكام على ما ذكرناه، دون ما ذكروه.
_________________
(١) ١ هو عبد الله بن أحمد بن أحمد، أبو محمد، المعروف بابن الخشاب، البغدادي الحنبلي، العالم المشهور بالأدب واللغة والنحو والحديث والفقه والتفسير والمنطق والفلسفة والهندسة والقراءات، له مصنفات كثيرة منها: "المرتجل في شرح الجمل" لعبد القاهر الجرحاني، و"شرح اللمع" لابن جني، و"الرد على التبريزي في تهذيب الإصلاح"، و"شرح مقدمة الوزير ابن هبيرة" في النحو، وتوفي سنة ٥٦٧ هـ ببغداد. انظر الذيل على طبقات الحنابلة: "٣١٦/١"، وفيات الأعيان: "٢٨٨/٢"، شذرات الذهب: "٢٢٠/٤"، الأعلام: "٦٧/٤". ٢ انظر فيها: الإيمان لابن تيمية: "صـ ١١٦". ٣ في شرح الكوكب المنير: "٤٣/٢": وحمله على حقيقته، وحمل كلام الأخطل.. إلخ. ٤ في الأصل: "يستد".
[ ٨٥ ]
رابعها: [قول] ١ أهل العربية الذين هم أهل اللسان، وهم أعرف بهذا الشأن.
خامسها٢: لا تصح إضافة ما ذكروه إلى الله تعالى، فإنه جعل اللسان دليلًا عليه، "والله ﷾ منزه عن ذلك"٣، ولأن الذي عبر عنه الأخطل بالكلام، هو التروي والفكر واستحضار المعاني، وحديث النفس، ووسوستها، ولا يجوز إضافة شيء من ذلك إلى الله تعالى بلا خلاف بين المسلمين.
قال٤: من أعجب الأمور أن خصومنا ردوا على الله وعلى رسوله، وخالفوا جميع الخلق٥ من المسلمين، وغيرهم، فرارًا من التشبيه على زعمهم، ثم صاروا إلى تشبيه أقبح وأفحش من كل تشبيه، وهذا نوع التغفل٦، ومن أدل الأشياء على فساد قولهم، تركهم قوله تعالى، وقول رسوله ﷺ، وما لا يحصى من الأدلة، وتمسكهم بكلمة قالها هذا الشاعر النصراني، وجعلوها أساس مذهبهم، وقاعدة عقدهم، ولو أنها انفردت عن مبطل، وخلت عن معارض، لما جاز أن يبنى عليها هذا الأصل العظيم، فكيف، وقد عارضها ما لا يمكن رده؟ فمثلهم كمثل من بنى قصرًا على أعواد الكبريت، في مجرى النيل.
وأما قولهم: إن كلام الله يجب أن لا يكون حرفًا يشبه كلام الآدميين.
قلنا: جوابه من وجوه:
_________________
(١) ١ زيادة من شرح الكوكب المنير: "٤٣/٢"، ليست في الأصل. ٢ زاد في شرح الكوكب فقرة، لم يذكرها المؤلف هنا. ٣ "زيادة من الأصل"، ليس في شرح الكوكب المنير: انظره: "٤٣/٢". ٤ أيْ: ابن قدامة المقدسي ﵀. ٥ في الأصل: "الفلق"، والتصحيح من: شرح الكوكب المنير: "٤٤/٢". ٦ في: شرح الكوكب المنير: "٤٤/٢": التغفيل.
[ ٨٦ ]
أحدها: أن الاتفاق في أصل الحقيقة ليس بتشبيه، كما أن إدراك١ البصر بأنه إدراك المبصرات، والسمع في أنه إدراك المسموعات، والعلم في أنه إدراك المعلومات، ليس بتشبه، كذلك هذا.
الثاني: أنه لو كان تشبيهًا، لكان تشبيههم أقبح وأفحش، على [ما] ٢ ذكرناه.
الثالث: أنهم نفوا هذه الصفة بكون٣ هذا تشبيهًا، ينبغي أن ينفوا سائر الصفات، من الوجود والحياة والسمع والبصر وغيرها.
أم قولهم: "أنتم فسرتم هذه الصفة".
قلنا: لا٤ يجوز تفسير المتشابه الذي سكت السلف عن تفسيره، وليس كذلك الكلام، فإنه من المعلوم بين الخلق أنه لا تشابه فيه، وأنه فسره الكتاب والسنة.
وأيضًا: نحن فسرناه بحمله على حقيقته، تفسيرًا جاء به القرآن والسنة، وهم فسروه بما لم يرد به كتاب، ولا سنة، ولا يوافق الحقيقة، ولا يجوز نسبته إلى الله تعالى.
وأما قولهم: "إن الحروف تحتاج إلى مخارج وأدوات".
قلنا: احتياجها إلى ذلك في حقنا، لا يوجب ذلك في كلام الله تعالى، تعالى الله عن ذلك.
فإن قالوا: بل احتياج الله كاحتياجنا قياسًا له علينا.
أخطأوا من وجوه:
_________________
(١) ١ في شرح الكوكب المنير: "اتفاق": "٤٤/٥". ٣ تتمة من شرح الكوكب المنير: "٤٥/٢"، سقطت من الأصل. ٣ في شرح الكوكب المنير: "٤٥/٢": "لكون". ٤ في شرح الكوكب المنير: "٤٥/٢": "إنما لا يجوز " إلخ.
[ ٨٧ ]
أحدها: أنه يلزمهم في سائر الصفات التي سلموها، كالسمع والعلم والحياة، ولا يكون في حقنا إلا في جسم، ولا يكون البصر إلا من "٩/ب" حدقة، ولا السمع إلا من انخراق، والله تعالى بخلاف ذلك١.
ثانيها: أن هذا تشبيه لله بنا، وقياس له علينا، وهذا كفر.
ثالثها: أن بعض المخلوقات لم تحتج إلى مخارج في كلامها، كالأيدي والأرجل والجلود التي تتكلم يوم القيامة٣، والحجر٤ الذي سلم على النبي ﷺ، والحصى الذي سبح في كفه ٥، والذراع المسمومة التي
_________________
(١) ١ قال ابن حجر في: فتح الباري: "٤٥٤/١٣" ما نصه: وكلام الله صفة من صفات ذاته، لا تشبه صفة غيره، إذا ليس يوجد شيء من صفاته في صفات المخلوقين، هكذا قرره المصنف في كتاب: "خلق أفعال العباد". ٢ في الأصل: "قياسًا". ٣ قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور، الآية ٢٤]، وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: الآية ٦٥] . ٤ وهو ما رواه مسلم في: صحيحه: "١٧٨٢/٤"، والترمذي في: السنن: "٥٩٢/٥"، والإمام أحمد في: المسند: "٨٩/٥"، والدارمي في: مسنده: "١٢/١"، عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ: "أني لاعرف حجرًا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث، وإني لأعرفه الآن". انظر: مجمع الزوائد: "٢٥٩/٨". ٥ أخرج البزار والطبراني في: الأوسط، وأبو نعيم، والبيهقي، عن أبي ذر قال: "كان النبي ﷺ جالسًا وحده، فجئت حتى جلست إليه، فجاء أبو بكر، فسلم ثم جلس، ثم جاء عمر، ثم عثمان، وبين يدي رسول الله ﷺ سبع حصيات، فأخذهن، فوضعهن في كفه، فسبحن حتى سمعت لهن حنينًا كحنين النحل، ثم وضعهن فخرسن، ثم أخذهن، فوضعهن في يد أبي بكر، فسبحن حتى سمعت لهن حنينًا كحنين النحل، ثم وضعهن فخرسن، ثم تناولهن، فوضعهن في يد عمر، فسبحن حتى سمعت لهن حنينا كحنين النحل، ثم وضعهن فخرسن، ثم تناولهن، فوضعهن في يد عثمان، فسبحن حتى سمعت لهن حنينًا كحنين النحل، ثم وضعهن، فخرسن، فقال رسول الله ﷺ: "هذه خلافة نبوة"، وأخرج ابن عساكر نحوه، وزاد فيه: ثم صيرهن في أيدينا رجلًا رجلًا، فما =
[ ٨٨ ]
كلمته١، وقال بن مسعود: "كنا نسمع تسبيح الطعام، وهو يؤكل"٢، ولا خلاف في أن الله ﷾ قادر على إنطاق الحجر الأصم بلا أدوات.
قلت٣: إن الذي يقطع به عنهم، أنهم لا يقولون: إن الله سبحانه يحتاج كحاجتنا، قياسًا له علينا، فإنه عين التشبيه، وهم لا يقولون كذلك٤، ويفرون منه، والظاهر أن الشيخ الموفق قال ذلك على تقدير قولهم له٥.
ثم قال: وقولهم: "إن التعاقب يدخل في الحروف".
قلنا: إنما ذلك في حق من ينطق بالمخارج والأدوات، ولا يوصف ﷾ بذلك.
_________________
(١) سبحت حصاة منهن، انظر الخصائص الكبرى: "٧٤/٢"، وفي مجمع الزوائد: "٢٩٩/٨"، قال الهيثمي: رواه البزار بإسنادين رجال أحدهما ثقات، وفي بعضهم ضعف. ١ روي البخاري: "٥٦/٣"، ومسلم: "١٧٢١/٤"، في صحيحيهما عن أنس: "أن امرأه يهودية أتت النبي ﷺ بشاة مسمومة فأكل منها، فجيء بها إلى رسول الله ﷺ، فسألها عن ذلك، فقالت: أردت لأقتلك، فقال: "ما كان الله ليسلطك على ذلك". وفي رواية "عليَّ ". وروى الدارمي في: سننه: "٣٢/١"، الحديث، وفيه: "قال: إن هذه تخبرني أنها مسمومة"، ونحوه عند أبي دواد في: السنن: "٤٨٢/٢"، والبزار والطبراني عن أنس. وقال: رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح، غير مبارك بن فضالة، وهو ثقة، وهو ضعيف، مجمع الزوائد: "٢٩٥/٨". قلت: الضعف من طريق البزار والطبراني، لكنه يرتفع إلى رتبة الحسن لغيره من هذا الوجه؛ لورود شاهد له في الصحيحين. ٢ رواه البخاري في: صحيحه: "٢٣٥/٤"، والترمذي في: السنن: "٥٩٧/٥"، والدارمي في: السنن: "١٤/١"، عن ابن مسعود. ٣ هذا كلام الإمام العلامة، محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن علي الفتوحي الحنبلي، المعروف بابن النجار، صاحب شرح الكوكب المنير، وستأتي ترجمته إن شاء الله تعالى. ٤ في شرح الكوكب المنير: "ذلك": "٤٨/٢". ٥ شرح الكوكب المنير: "٤٨/٢".
[ ٨٩ ]
رد الإمام موفق الدين ابن قدامة على أدلة الأشعرية في المعنى النفسي والحرف والصوت والحقيقة والمجاز والتعاقب والتعدد
كلمته١، وقال بن مسعود: "كنا نسمع تسبيح الطعام، وهو يؤكل"٢، ولا خلاف في أن الله ﷾ قادر على إنطاق الحجر الأصم بلا أدوات.
قلت٣: إن الذي يقطع به عنهم، أنهم لا يقولون: إن الله سبحانه يحتاج كحاجتنا، قياسًا له علينا، فإنه عين التشبيه، وهم لا يقولون كذلك٤، ويفرون منه، والظاهر أن الشيخ الموفق قال ذلك على تقدير قولهم له٥.
_________________
(١) سبحت حصاة منهن، انظر الخصائص الكبرى: "٧٤/٢"، وفي مجمع الزوائد: "٢٩٩/٨"، قال الهيثمي: رواه البزار بإسنادين رجال أحدهما ثقات، وفي بعضهم ضعف. ١ روي البخاري: "٥٦/٣"، ومسلم: "١٧٢١/٤"، في صحيحيهما عن أنس: "أن امرأه يهودية أتت النبي ﷺ بشاة مسمومة فأكل منها، فجيء بها إلى رسول الله ﷺ، فسألها عن ذلك، فقالت: أردت لأقتلك، فقال: ما كان الله ليسلطك على ذلك". وفي رواية "عليَّ ". وروى الدارمي في: سننه: "٣٢/١"، الحديث، وفيه: "قال: إن هذه تخبرني أنها مسمومة"، ونحوه عند أبي دواد في: السنن: "٤٨٢/٢"، والبزار والطبراني عن أنس. وقال: رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح، غير مبارك بن فضالة، وهو ثقة، وهو ضعيف، مجمع الزوائد: "٢٩٥/٨". قلت: الضعف من طريق البزار والطبراني، لكنه يرتفع إلى رتبة الحسن لغيره من هذا الوجه؛ لورود شاهد له في الصحيحين. ٢ رواه البخاري في: صحيحه: "٢٣٥/٤"، والترمذي في: السنن: "٥٩٧/٥"، والدارمي في: السنن: "١٤/١"، عن ابن مسعود. ٣ هذا كلام الإمام العلامة، محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن علي الفتوحي الحنبلي، المعروف بابن النجار، صاحب شرح الكوكب المنير، وستأتي ترجمته إن شاء الله تعالى. ٤ في شرح الكوكب المنير: "ذلك": "٤٨/٢". ٥ شرح الكوكب المنير: "٤٨/٢".
[ ٧٩ ]
كلام الحافظ أبي نصر في مسألة التعاقب
وقال الحافظ أبو نصر: إنما يتعين التعاقب فيمن يتكلم بأداة يعجز عن أداء شيء إلا بعد الفراغ من غيره، وأما المتكلم بلا جارحة، فلا يتعين في
[ ٨٩ ]
كلامه تعاقب، وقد اتفقت العلماء على أنه يتولى١ الحساب بين خلقه يوم القيامة في حالة واحدة، وعند كل واحد منهم أن المخاطب في الحال هو وحده٢، وهذا خلاف التعاقب، انتهى كلام أبي نصر.
_________________
(١) ١ في الأصل: "يتوالى". ٢ في الأصل: "حده".
[ ٩٠ ]
كلام ابن قدامة في مسألة التجزؤ والتعدد
قال الموفق: قولهم: "إن القديم لا يتجزأ ولا يتعدد" غير صحيح، فإن أسماءه ﷾ معدودة، قال تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى﴾ ٣، وقال ﷺ: "إن لله تسعة وتسعين اسمًا، من أحصاها دخل الجنة" ٤، وهي قديمة،
_________________
(١) ٣ الأعراف: الآية: ١٨٠. ٤ رواه البخاري: "٢٥٩/٣"، "١٠٩/٨"، ومسلم: "٢٠٦٣/٤"، الترمذي: "٥٣٠/
[ ٩٠ ]
نص الشافعي وأحمد على قدم أسماء الله تعالى.
وقد نص الشافعي على أن أسماء الله تعالى غير مخلوقة.
وقال أحمد: "من قال إن أسماء الله مخلوقة فقد كفر".
[ ٩٠ ]
أقوال السلف في علم الكلام والبدع والأهواء
وكذا كتب الله تعالى، فإن التوراة والإنجيل والزبور والفرقان متعددة، وهي كلامه٥ تعالى غير مخلوق، وإنما هذا أخذوه علم الكلام، وهو مُطَّرَحٌ٦ عند جميع الأئمة.
قال أبو يوسف٧: من طلب العلم بالكلام تزندق٨.
_________________
(١) ٥، ٥٣٢"، ابن ماجة: "١٢٦٩/٢"، والإمام أحمد في: المسند: "٢٥٨/٢"، وفي فيض القدير: "٤٧٨/٢"، نسب روايته إلى ابن عساكر أيضًا، كلهم عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا، وهو عند البخاري بلفظ: "إن لله مئه اسم إلا واحدًا من أحصاها دخل الجنة". ٥ إلا ما غُيِّرَ وحرف، فلا يصح أن يوصف بذلك قطعًا. ٦ انظر: مناقب الشافعي: "صـ ١٨٢"، فتح الباري: "٢٧٣/١٣"، تبيين كذب المفتري: "٣٣٩". ٧ يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن سعد بن حسنة، أبو يوسف القاضي، كان أكبر أصحاب أبي حنيفة، وأعلمهم، قال المزني: كان أبو يوسف أتبعهم للحديث، وهو أول من لقب بقاضي القضاة، ويقال له: قاضي قضاة الدنيا، توفي سنة ١٨٢هـ، البداية والنهاية: "١٨٠/١٠-١٨٢". ٨ البداية والنهاية: "١٨٠/١٠".
[ ٩٠ ]
وقال الشافعي: "ما ارتدى بالكلام أحد فأفلح"١.
وقال أحمد: "ما أحب أحد الكلام، فكان عاقبته إلى خير".
وقال ابن خويز منداد المالكي٢: البدع عند مالك وأصحابه، هي:
كتب الكلام، والتنجيم، وشبه ذلك، لا يصح إجارتها، ولا تقبل شهادة أهله.
_________________
(١) ١ مناقب الشافعي: "صـ ١٨٢"، تبيين كذب المفتري: "صـ ٣٣٦". ٢ محمد بن أحمد بن عبد الله، وقيل: محمد بن أحمد بن علي بن اسحاق بن خويز، منداد البصري المالكي، كان يجانب الكلام، ويحكم على أهله أنهم من أهل الأهواء، له كتاب في الخلاف، والأصول، وأحكام القرآن، توفي سنة٣٩٠هـ. الديباج المذهب: "٢٩٩/٢"، لسانالميزان: "٢٩١/٥"، طبقات المفسرين: "٦٨/٢".
[ ٩١ ]
رد الحافظ أبي نصر على شبهة: أن الصوت والحرف إذا ثبتا في الكلام اقتضيا عددًا، والله واحد من كل جهة، وأدلته في ذلك.
قال الحافظ أبو نصر: فإن قيل: الصوت والحرف إذا ثبتا في الكلام اقتضيا عددًا٣، والله واحد من كل جهة.
قيل لهم: اعتماد أهل الحق في هذه الأبواب على السمع، وقد ورد السمع بأن القرآن ذو عدد، وأقر المسلمون بأنه كلام الله تعالى حقيقة لا مجازًا٤، وهو صفته، وقد عد الأشعري صفات الله تعالى سبعة عشر صفة، وبيَّن أن منها ما لا يعلم إلا بالسمع، وإذا جاز أن يوصف بصفات معدودة، لم يلزمنا بدخول العدد في الحروف شيء، انتهى كلام أبي نصر.
_________________
(١) ٣ في الأصل: "عدد". ٤ في الأصل: "مجاز".
[ ٩١ ]
كلام الإمام موفق الدين ابن قدامة في إثبات الحرف والصوت في كلام الله وأدلته في ذلك.
قال الشيخ الموفق فى الاستدلال٥: إن الله تعالى كلم موسى ﷺ، ويكلِّم المؤمنين يوم القيامة، قال تعالى: ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ ٦، وقال تعالى: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ ٧، وقال تعالى:
_________________
(١) ٥ هذا كلام المؤلف، والذي في شرح الكوكب المنير: "٥١/٢": الوجه الثاني، بدل ما تقدم. ٦ الأعراف، الآية: ١٤٣. ٧ الأعراف، الآية: ١٤٤.
[ ٩١ ]
﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ﴾ ١، وأجمعنا على أن موسى ﷺ، سمع كلام الله تعالى من الله، لا من ذات الشجرة، ولا من حجر، ولا من غيره؛ لأنه لو سمع من غير الله تعالى، كان بنو إسرائيل أفضل في ذلك [منه] ٢؛ لأنهم سمعوا من أفضل ممن سمع منه موسي، لكونهم سمعوا من موسى، فلم سمي إذن٣ كليم الرحمن؟.
وإذا ثبت هذا، لم يكن الكلام الذي سمعه موسى إلا صوتًا وحرفًا، فإنه ٤ لو كان معنى في النفس، لم يكن ذلك تكليمًا لموسى، ولا هو شيء يسمع، ولا يسمى مناداة٥.
فإن قالوا: نحن لا نسميه صوتًا مع كونه مسموعًا.
فالجواب من وجهين:
أحدهما: أن هذا مخالفة في اللفظ مع الموافقة في المعنى، فإنا لا نعني بالصوت إلا ما كان مسموعًا.
ثانيهما: أن لفظ الصوت قد جاءت به الأخبار والآثار٦، والنزاع إنما هو في أن الله تعالى تكلم بحرف وصوت٧، أم لا؟
فمذهب أهل السنة اتباع ما ورد في الكتاب والسنة، انتهى كلام الشيخ الموفق٨.
_________________
(١) ١ مريم، الآية: ٥٢. ٢ ما بين معقوفين زيادة من شرح الكوكب المنير: "٥١/٢". ٣ في الأصل: إذا. ٤ في الأصل: وحرفانه. ٥ مجموعة الرسائل والمسائل: "٣٦/٣، ١٣١"، فتح الباري: "٣٦٧/١٣". ٦ حشد جلها في: توضيح المقاصد بشرح النونية: "٢٢٦/١". ٧ في الأصل: بصوت وحرف، وأشار فوقها إلى التقديم والتأخير. ٨ شرح الكوكب المنير: "٤٠/٢-٥٢".
[ ٩٢ ]
رد الحافظ ابن حجر على قول البيهقي في كلام الله ﷿
وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: قال البيهقي١: "الكلام ما ينطق به المتكلم، وهو مستقر في نفسه، كما في كلام عمر في قصة السقيفة٢، فإن كان المتكلم ذا مخارج سمع كلامه ذا حروف وأصوات، وإن كان غير ذي مخارج، فهو خلاف ذلك، والباري بخلاف ذلكو فلا يكون كلامه كذلك".
وأول ما ورد في حديث: "أن الملائكة يسمعون صوتًا"، باحتمال أن يكون الصوت للسماء، أو للملك الآتي بالوحي، أو لأجنحة الملائكة، وإذا احتمل ذلك لم يكن نصًّا في المسألة.
قال ابن حجر في رده: "وهذا حاصل الكلام في نفي الصوت من الأئمة، ويلزم منه أنه تعالى لم يسمع أحدًا من الملائكة، ولا من رسله كلامه، بل ألهمهم إياه".
وحاصل الاحتجاج للنفي الرجوع إلى القياس على أصوات المخلوقين؛ لأنها الذي٣ عهدنا، وهي ذات مخارج، ولا يخفى ما فيه، إذ الصوت قد يكون من غير مخارج، كما أن الرؤية قد تكون من غير اتصال أشعة، سلمنا٤، لكن يمنع القياس المذكور، وصفة الخالق لا تقاس على صفة المخلوق، وإذا ثبت ذكر الصوت بهذه الأحاديث٥ الصحيحة، وجب الإيمان به٦.
_________________
(١) ١ أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، أبو بكر من أئمة الحديث، قال إمام الحرمين: "ما من شافعي إلا وللشافعي فضل عليه، غير البيهقي، فإن له المنة والفضل على الشافعي؛ لكثرة تصانيفه في نصرة مذهبه، وبسط موجزه، وتأييد آرائه"، ولد سنة ٣٨٤، وتوفي سنة ٤٥٨هـ، بنيسابور، ونقل إلى بلده بيهق، له: "السنن الكبرى"، و"الصغري"، و"الأسماء والصفات"، وغيرها، الأعلام: "١١٦/١". ٢ انظر: فتح الباري: "٣٥٣/١٣"، وهو: "لقد زورت في نفسي مقالة"، وقد سبق. ٣ في فتح الباري: التي. ٤ في فتح الباري: "من غير اتصال أشعة"، كما سبق: "سلمنا لكن نمنع..إلخ". ٥ تقدم بعضها قريبًا، انظر: شرح الكوكب المنير: "٦٢/٢-٧٧". ٦ انظر فتح الباري: "٤٥٨/١٣" "ط. السلفية".
[ ٩٣ ]
وقال في الفتح أيضًا: قوله ﷺ: "ثم يناديهم بصوت يسمعه من بَعُدَ كما يسمعه من قرب" ١ حمله بعض الأئمة على مجاز الحذف، أي "يأمر من ينادي"، فاستبعده من أثبت الصوت، بأن في قوله: "يسمعه من بعد" إشارة إلى أنه ليس من المخلوقات؛ لأنه لم يعهد مثل هذا فيهم، وبأن الملائكة إذا سمعوه صعقوا، وإذا سمع بعضهم بعضًا لم يصعقوا، قال: فعلى هذا، فصوته ﷾ صفة من صفات ذاته، لا يشبه صوت غيره، إذ ليس يوجد شيء من صفاته في صفات المخلوقين، قال: وهكذا قرره المصنف -يعني البخاري- في كتابه خلق الافعال٢. انتهى.
_________________
(١) ١ رواه البخاري في: صحيحه: باب قوله الله تعالى: "ولا تنفع الشفاعة عنده..الآية"، "الفتح: "٤٥٣/١٣"، وفي: خلق أفعال العباد: "صـ ١٣، ٥٩". ٢ خلق أفعال العباد::صـ ٥٩".
[ ٩٤ ]
حد الصوت ٣
وحد الصوت ما تحقق سماعه، فكل متحقق سماعه صوت، وكل ما لا يتأتى سماعه ليس بصوت، وصحة الحد كونه مطردًا منعكسًا٤، وقول من قال: إن الصوت هو الخارج من هواء بين جرمين، فغير صحيح، لما يوجد سماع الصوت من غير ذلك، كتسبيح٥ الأحجار، وتسبيح الطعام، وتسبيح الجبال٦، وشهادة الأيدي، والأرجل٧، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ ٨ وقال تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلْ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ
_________________
(١) ٣ فتح الباري: "٤٥٧/١٣". ٤ شرح الكوكب المنير: "١٠٣/١"، مختصر الطوفي: "صـ ٤١"، التعريفات: "صـ ١١٨". ٥ في شرح الكوكب المنير: "٥٦/٢": كتسليم الأحجار، وقد تقدم ذكر مخرجه. ٦ قال تعالى: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ﴾ [الأنبياء، الآية: ٧٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ﴾، [ص: الآية ٨] . ٧ تقدم ذكر مخرجه. ٨ الإسراء: الآية: ٤٤.
[ ٩٤ ]
مَزِيْدٍ﴾ ١ وما لشيء من ذلك من انخراق بين جرمين.
وقد أقر الأشعري أن السموات والأرض قالتا: ﴿أتينا طائعين﴾ ٢ حقيقة لا مجازًا٣.
_________________
(١) ١ ق، الآية: ٣٠. ٢ فصلت، الآية: ١١. ٣ في الأصل: مجاز.
[ ٩٥ ]
فصل ثانٍ: في المسألة المشهورة بمسألة اللفظ.
فصل ثانٍ: في المسألة المشهورة المسماة بمسالة اللفظ:
قال الشيخ شهاب الدين ابن حجر في فتح الباري في كتاب التوحيد في باب قوله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا﴾ ٤، [البقرة: ٢٢]
_________________
(١) ٤ فتح الباري: "٤٩٢/١٣".
[ ٩٥ ]
شدة إنكار الإمام أحمد على القائل بأن لفظه بالقرآن مخلوق
ما ملخصه: "واشتد إنكار الإمام أحمد، ومن تبعه على من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، ويقال: أول من قاله الحسين بن علي الكرابيسي٥، أحد أصحاب الشافعي، فلما بلغه٦ ذلك بدعه وهجره، ثم قال بذلك داود بن علي الأصبهاني٧، رأس الظاهرية، وهو يومئذ بنيسابور، فأنكر عليه إسحاق٨،
_________________
(١) ٥ الحسين بن علي الكرابيسي، أبو علي، فقيه من أصحاب الإمام الشافعي، وأحد رواة القديم، واستمر عليه بعد رجوع الشافعي عنه مع علمه بذلك، له اختلاف مع الإمام أحمد في العقائد، والصواب أنه جهمي، وقيل: إنه رجع عن ذلك، له تصانيف كثيرة في الأصول والفروع، والكرابيس الثياب الغليظة كان يبيعها، توفي سنة ٢٤٨هـ، انظر: وفيات الأعيان: "١٤٥/١"، تاريخ بغداد: "٦٤/٨". ٦ في فتح الباري: "بلغ ذلك أحمد". ٧ داود بن علي بن خلف الأصبهاني الملقب بالظاهري، أبو سليمان أحد الأئمة المجتهدين، تنسب له الطائفة الظاهرية، وكان أول من جهر بالقول بالظاهر، ورد القياس، له تصانيف، أورد ابن النديم أسماءها في زهاء صفحتين، ولد بأصبهان سنة ٢٠١ هـ، وتوفي ببغداد سنة٢٧٠هـ، الأعلام: "٣٣٣/٢"، بتصرف. ٨ إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي التميمي المروذي، أبو يعقوب بن راهويه: عالم خراسان في عصره من سكان مرو، أحد كبار الحفاظ، قيل: سبب تلقيبه "ابن راهويه" أن أباه ولد في طريق مكة، فقال أهل مرو: راهويه، أي ولد في الطريق، له تصانيف منها "المسند"، ولد سنة ١٦١هـ، وتوفي سنة٢٣٨هـ، الأعلام: "٢٩٢/١".
[ ٩٥ ]
تبديع الإمام أحمد للكرابيسي؛ لأجل مسألة اللفظ.
وبلغ ذلك أحمد، فلما قدم بغداد لم يأذن له في الدخول عليه، وجمع ابن أبي حاتم١ أسماء من أطلق على اللفظ٢، أنهم جهمية، فبلغوا عددًا كثيرًا، وأفرد لذلك بابًا في كتابه: الرد على الجهمية.
والذي يتحصل من كلام المحققين، أنهم أرادوا حسم المادة [صونًا] ٣ للقرآن أن يوصف بكونه مخلوقًا، وإذا حُقِّقَ الأمر عليهم؛ لم يفصح أحد منهم بأن حركة لسانه٤ قديمة.
_________________
(١) ١ عبد الرحمن بن محمد، أبي حاتم ابن ادريس بن المنذر التميمي الحنظلي الرازي، أبو محمد الحافظ، من كبارهم له: "الجرح والتعديل"، و"العلل"، و"المسند"، و"المراسيل"، و"، والكنى"، و"الرد على الجهمية"، وغيرها، ولد سنة ٢٤٠هـ، وتوفي سنة ٣٢٧هـ، الأعلام: "٣٢٤/٣". ٢ في فتح الباري: اللفظية. ٣ ما بين معقوفين تتمة من فتح الباري.
[ ٩٦ ]
عدم قبول الإمام أحمد الاجتماع بداود الظاهري؛ لأجل قوله باللفظ.
إنكار الإمام أحمد على من نقل عنه: لفظي بالقرآن غير مخلوق
وأنكر أحمد على من نقل عنه أنه قال: "لفظي بالقرآن غير مخلوق"٥. كما أنكر على من قال: "لفظي بالقرآن مخلوق"٦، وقال: "القرآن كيف تصرف غير مخلوق".
ولما ابتلي بمن يقول: القرآن مخلوق٧، كان أكثر كلامه في الرد.
_________________
(١) ٤ زاد في الفتح::إذا قرأ"، بعد لسانه. ٥ الإمام لم يقل هذا، ولكن أنكر على من قال: "القرآن بلفظي مخلوق"، فظن أحد أصحابه أن القرآن بألفاظنا غير مخلوق، فنقله، فلما علم الإمام ذلك، طلبه وأنكر عليه أشد النكير. ٦ وهم الجهمية وعامة المعتزلة، ومنهم الكرابيسي، انظر: طبقات الحنابلة: "٦٢/١، ٧٥، ٢٨٨". ٧ قالها الكرابيسي، فلما علم إنكار الإمام أحمد ذلك وتكفيره لقائله، قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فلما أنكر عليه الإمام، ثبت على قوله ذاك، وقال: لأقولن مقالة حتى =
[ ٩٦ ]
عليهم، حتى بالغ١، فأنكر على من يتوقف، في يقول: مخلوق، ولا يقول: غير مخلوق، وعلى من قال: لفظي بالقرآن مخلوق؛ لئلا يتذرع بذلك من يقول: القرآن بلفظي [مخلوق] ٢.
_________________
(١) = يقول بخلافها، فيكفر"، فقال -أي الكرابيسي-: لفظي بالقرآن مخلوق، ا. هـ، والقصة كاملة في طبقات الشافعية الكبرى: "٢٥٢/١"، وقد ذكرناها بالمعنى، وجعل ابن السبكي معها كلامًا يصرف به كلام الإمام أحمد عن حقيقته؛ ليزين حال الكرابيسي. وقال الإمام أحمد: "أخزى الله الكرابيسي، لا يجالس، ولا يكلم، ولا تكتب كتبه، ولا يجالس من يجالسه". طبقات الحنابلة: "١٠٩١"، وهي عن الكلام معه، انظره: "٢٨٨/١"، في الطبقات. ١ في الحقيقة لم يبالغ إمامنا، ولم يقل ذلك حسمًا للمادة، بل أنكر أقوال المبتدعة، ورد بدعهم، وأكفرهم، وأحل دماءهم، وحكم بقتلهم، وهذه أمور لا تكون لحسم مادة النزاع، وإليك مواضعها من طبقات الحنابلة: أفي تكفيرهم، وتكفير من شك بكفرهم: "١٧٣/١، ٢٨٦، ٣٤٢". ب في إفتائه بحل دمائهم: "١٥٦/١". جـ في حكمه بقتلهم إن لم يتوبوا بعد استتابتهم: "٣٢٨/١، ٣٤٣". د في نهي الإمام عن مجالستهم، والصلاة خلفهم، والكلام معهم، ومناكحتهم، ورد قضائه إن كان قاضيًا، ونهى عن أكل ذبائحهم: "٢٩٩/١، ٣٢٦، ٣٤٠" مؤيدًا كلام يحيى بن يحيى، ٣٤٣". وانظر لكل ما ذكر نصوص أحمد في: إنكاره كلام المبتدعة في القرآن: فتاوى شيخ الإسلام: "٥١٧/١٢"، السنة للإمام أحمد: "صـ ١٥"، مجموعة الرسائل والمسائل: "١٢٨/٣"، الكافية: "٢٠٥/١"، اعتقاد الإمام أحمد: "٢٩٦/٢"، طبقات الحنابلة، كتاب مسدد: "٣٤٢/١ -٣٤٣"، طبقات الحنابلة، عقيدة الإمام أحمد: "٢٤٢/١"، طبقات الحنابلة، الغنية: "٥٢/١". ٢ ما بين معقوفين زيادة من فتح الباري.
[ ٩٧ ]
ابتلاء البخاري بمن يقول: أصوات العباد غير مخلوقة، ومبالغته في الرد عليهم
وأما البخاري: فابتلي بمن يقول: أصوات العباد غير مخلوقة٣، حتى بالغ بعضهم، فقال: والمداد والورق بعد الكتابة٤، فكان أكثر كلامه في
_________________
(١) ٣ انظر قصة البخاري في: طبقات الحنابلة: "٢٧٧/١-٢٧٩". ٤ وقد افترى قوم ادعوا أنه قول الحنابلة، وسيأتي رده قريبًا إن شاء الله تعالى.
[ ٩٧ ]
"١١/أ" عليهم، وبالغ في الاستدلال بأن أفعال العباد كلها مخلوقة بالآيات والأحاديث في ذلك، مع أن قول من قال: "إن الذي يُسمع من القارئ هو الصوت القديم"، لا يعرف عن السلف، ولا قاله أحمد، ولا أصحابه، وإنما سبب نسبة ذلك لأحمد قوله: "من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فهو جهمي"، فظنوا أنه سوى بين اللفظ والصوت، بل صرح في مواضع بأن الصوت المسموع من القارئ، هو صوت القارئ١، والفرق بينهما أن اللفظ يضاف إلى المتكلم به ابتداء، فيقال عمن روى الحديث بلفظه: هذا لفظه، ولمن رواه بغير لفظه: هذا معناه، ولا يقال في شيء من ذلك: هذا صوته، فإن القرآن كلام الله، ومعناه: ليس هو كلام غيره، أما قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ٢، فاختلف فيه، هل المراد جبريل، أو الرسول عليهما الصلاة والسلام؟، والمراد به التبليغ؛ لأن جبريل مبلغ عن الله تعالى إلى رسوله، والرسول ﷺ إلى الناس، ولم يُنقَل عن أحمد أنه قال: فعل العبد قديم، ولا صوته٣، إنما ينكر إطلاق اللفظ.
وصرح البخاري بأن أصوات العباد مخلوقة، وأن أحمد لا يخالفه في ذلك، ولكن أهل العلم كرهوا التنقيب عن الأشياء الغامضة، وتجتنبوا الخوض فيها والتنازع، إلا بما بينه الرسول ﵊.
ومن شدة اللبس في هذه المسألة، كثر نهي السلف عن الخوض فيها، واستغنوا بالاعتقاد أن القرآن كلام الله غير مخلوق، ولم يزيدوا على ذلك
_________________
(١) ١ انظر: مجموعة الرسائل والمسائل: "٣٥٤/٣". ٢ الحاقة: الآية ٤٠، والتكوير: الآية: ١٩. والأرجح هنا أنها آية الحاقة، ففي التكوير أعقبها بذكر النبي ﷺ أنه ليس بمجنون، بقوله ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾، ولو كان المراد واحدًا لما استأنف ذكره بإشارة ثانية، وانظر: تفسير الطبري: "٥٢/٣٠"، "٤١/٢٩، ٤٢"، الجامع لاحكام القرآن للقرطبي: "٢٤٠/١٩"، "٢٧٤/١٨-٢٧٥". ٣ أي: لم يقل أن فعل العبد قديم، ولم يقل أن صوت العبد قديم.
[ ٩٨ ]
شيئًا، وهو أسلم الأقوال١، وبالله المستعان٢.
_________________
(١) ١ شرح الكوكب المنير: "١٠٦٢"، وصنف البخاري كتابه: "خلق أفعال العباد"، كاملًا في هذا الباب، فانظره. ٢ انتهى نقله عن ابن حجر في: الفتح: "٤٩٤/١٣"، باختصار يسير.
[ ٩٩ ]